{"ً":{"ٌ":8955,"ٍ":"المنهج الصحيح وأثره في الدعوة إلى الله تعالى","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/035_119","files":["035_119_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المنهج الصحيح وأثره في الدعوة إلى الله تعالى\nالمؤلف: د. حمود بن أحمد بن فرج الرحيلي\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: العدد ١١٩ - السنة ٣٥ - ١٤٢٣ هـ/٢٠٠٣م\nعدد الصفحات: ٢٠٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":962,"ٕ":39,"ٖ":1770155368,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول: أهمية العقيدة الصحيحة ووجوب التمسك بها","level":1,"page":7},{"title":"المبحث الأول: وجوب التمسك بالعقيدة الصحيحة","level":2,"page":7},{"title":"المبحث الثاني: أهمية التوحيد وفضله","level":2,"page":12},{"title":"المبحث الثالث: البدء بالدعوة إلى التوحيد أولا","level":2,"page":16},{"title":"الفصل الثاني: الدعائم التي يقوم عليها المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله","level":1,"page":23},{"title":"تتلخص الدعائم التي يقوم عليها المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى","level":2,"page":23},{"title":"الفصل الثالث: أسباب انحراف الأمة عن المنهج الصحيح","level":1,"page":45},{"title":"المبحث الأول: الغلو في الدين","level":2,"page":45},{"title":"المبحث الثاني: الجهل","level":2,"page":49},{"title":"المبحث الثالث: الإبتداع في الدين","level":2,"page":51},{"title":"المبحث الرابع: اتباع الهوى","level":2,"page":54},{"title":"المبحث الخامس: تقديم العقل على النقل","level":2,"page":56},{"title":"المبحث السادس: التفرق والتحزب","level":2,"page":58},{"title":"الفصل الرابع: أثر المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى","level":1,"page":63},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":67},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":70}],"ٛ":{"1,127":1,"1,128":2,"1,129":3,"1,130":4,"1,131":5,"1,132":6,"1,133":7,"1,134":8,"1,135":9,"1,136":10,"1,137":11,"1,138":12,"1,139":13,"1,140":14,"1,141":15,"1,142":16,"1,143":17,"1,144":18,"1,145":19,"1,146":20,"1,147":21,"1,148":22,"1,149":23,"1,150":24,"1,151":25,"1,152":26,"1,153":27,"1,154":28,"1,155":29,"1,156":30,"1,157":31,"1,158":32,"1,159":33,"1,160":34,"1,161":35,"1,162":36,"1,163":37,"1,164":38,"1,165":39,"1,166":40,"1,167":41,"1,168":42,"1,169":43,"1,170":44,"1,171":45,"1,172":46,"1,173":47,"1,174":48,"1,175":49,"1,176":50,"1,177":51,"1,178":52,"1,179":53,"1,180":54,"1,181":55,"1,182":56,"1,183":57,"1,184":58,"1,185":59,"1,186":60,"1,187":61,"1,188":62,"1,189":63,"1,190":64,"1,191":65,"1,192":66,"1,193":67,"1,194":68,"1,195":69,"1,196":70,"1,197":71,"1,198":72,"1,199":73,"1,200":74,"1,201":75,"1,202":76},"ٜ":{"1":[127,202]},"ٝ":["1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202"],"ٞ":{"1":[1],"7":[2,3],"12":[4],"16":[5],"23":[6,7],"45":[8,9],"49":[10],"51":[11],"54":[12],"56":[13],"58":[14],"63":[15],"67":[16],"70":[17]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدَّمة</span>\nإنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.\nوبعد؛ فإنّ الدعوة إلى الله تعالى هي سبيل الأنبياء والمرسلين، وطريق صفوة الخلق أجمعين، نبينا محمد ﷺ وطريق أتباعه إلى يوم الدين.\nقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.\nوقال ﷿: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ ٢.فدعوة النبي ﷺ وصحابته وأتباعه تقوم على العلم والبصيرة في الدين، ودعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. وذلك لا خراجهم من ظلمات الشرك والكفر إلى نور التوحيد والإيمان، ومن ظلمات البدع إلى نور السنة، ومن المعاصي إلى الطاعة، ومن النار إلى الجنة.\nوالدعاة إلى الله تعالى المقتفون لسنة رسوله ﷺ لهم المكانة العالية والمنزلة السامية في كل عصر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣.\nولأهمية الدعوة إلى الله تعالى على المنهج الصحيح قد جعلت هذا البحث بعنوان \"المنهج الصحيح وأثره في الدعوة إلى الله تعالى\" وذلك لا سباب، من أهمها:\n_________\n١ سورة يوسف، الآية (١٠٨) .\n٢ سورة النحل، الآية (١٢٥) .\n٣ سورة فصلت، الآية (٣٣) .","vol":"1","page":127},{"text":"أولًا: ما يلاحظ على أكثر الجماعات العاملة في الساحة الإسلامية من إغفال أو إهمال للجانب الأساسي والأهم، وهو دعوة الناس إلى \"التوحيد \" وتصحيح عقائدهم، فكثير من هؤلاء الدعاة يسلكون مسالك شتى، لا تتوافق مع منهج الرسول ﷺ وهو المنهج الذي يجب على كل داعية إلى الله تعالى أن يسلكه ويسير عليه، عملًا بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ً﴾ ١.\nوالدعوة إلى التوحيد هى أول دعوة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إلى أقوامهم، وكل الكتب المنزلة إنما نزلت لبيان عقيدة التوحيد، وبيان مايبطلها ويناقضها أو ينقصها، فعقيدة التوحيد هي التي يقوم عليها كيان المجتمع الإسلامي، ومنها يستلهمون طريق وحدتهم وعزتهم، إلا أن أكثر الأساليب والوسائل المتعددة التي تنادي بوحدة المسلمين، وجمع كلمتهم، ولمّ شملهم لم تحقق الأهداف المنشودة، مع مابذل فيها من الجهد والوقت والمال، بل الذي نتج عن هذه الدعوات وتلك المناهج إنما هو التعصب، والاختلاف، والتطرف، والغلوّ، والابتداع والتكفير ... وماذلك إلا لا نَّ هذه المناهج وتلك الدعوات لم تقم على المنهج الصحيح الذي سار عليه النبي ﷺ وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان، حيث نجد أنَّ جماعة من هؤلاء تهتم بالسياسة والجهاد، وجماعة تدعو إلى الترغيب والترهيب والزهد والورع، وأخرى تهتم بالأخلاق، وهكذا قلَّ أن تجد من بين هذه الجماعات من يهتم بالركن الأساسي والأهم وهو الدعوة إلى التوحيد، الذي هو المنطلق المتين لوحدة المسلمين ولمَّ شملهم.٢\n_________\n١ سورة الأحزاب، الآية (٢١) .\n٢ انظر مقدمة فضيلة الدكتور صالح الفوزان على كتاب منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل للدكتور ربيع المدخلي ٦-٧، منهج السلف في العقيدة وأثره في وحدة المسلمين للشيخ صالح بن سعد السحيمي، ٤-٥.","vol":"1","page":128},{"text":"ثانيًا: إني لم أقف على من أفرد هذا البحث بهذا الاسم - على حد علمي القاصر.\nومن هنا فإن الحاجة ماسة إلى بيان المنهج الصحيح القائم على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ومنهج السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - لذا فقد رغبتُ في الكتابة في هذا الموضوع للمشاركة في توضيح الحق، وبيانه للناس، لا ن هذا هو المنهج الذي يجب اتباعه دون ماسواه من المناهج المخالفة.\nقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.\nوقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢.\nوقال رسول الهدىصلى الله عليه وسلم: \"تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ماتمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي\"٣.\nويقول الإمام مالك بن أنس - ﵀ -! \"لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها\"٤.\n_________\n١ سورة الأنعام، الآية ١٥٣.\n٢ سورة آل عمران، الآية ١٠٣.\n٣ حديث حسن. أخرجه مالك في الموطأ، ٢/٨٩٩، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر، رقم٣، والحاكم في المستدرك، (١/٩٣)، والبيهقي في السنن (١٠/١١)، وانظر تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني على مشكاة المصابيح للإمام التبريزي، ١/٦٦، رقم ١٨٦، وانظر الأربعين حديثًا في الدعوة والدعاة، لعلي بن حسن الحلبي الأثري، الحديث رقم ٧، عن ابن عباس ﵄.\n٤ انظر الشفاء للقاضي عياض، (٢/٦٧٦)، دار الكتاب العربي تحقيق البجاوي، وموارد الأمان، ٢٦٥.","vol":"1","page":129},{"text":"وعندما أقول بوجوب الاهتمام بالدعوة إلى التوحيد، والبدء به أولًا، لا يعني إهمال الجوانب الأخرى التي يحتاج إليها المسلم، وتتفق مع عقيدته، وإنما المقصود أن نبدأ بالدعوة إلى التوحيد، ثم الأهم فالأهم مع جعل أعمالنا كلها تقوم على أساس العقيدة الصحيحة.","vol":"1","page":130},{"text":"خطة البحث\nوقد جعلت البحث في مقدمة، وأربعة فصول، وخاتمة.\nاشتملت المقدمة على أهمية الموضوع، وسبب الاختيار، والخطة ومنهجي في البحث.\nوالفصل الأول: أهمية العقيدة الصحيحة ووجوب التمسك بها، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: وجوب التمسك بالعقيدة الصحيحة.\nالمبحث الأول: وجوب التمسك بالعقيدة الصحيحة.\nالمبحث الثاني: أهمية التوحيد وفضله.\nالمبحث الثالث: البدء بالدعوة إلى التوحيد أولًا.\nوالفصل الثاني: الدعائم التي يقوم عليها المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى، ويشتمل على مايلي:\nأولًا: العلم.\nثانيًا: الإخلاص.\nثالثًا: المتابعة.\nرابعًا: الحكمة.\nخامسًا: الرفق والحلم.\nسادسًا: الصبر.\nسابعًا: التحلي بالأخلاق الفاضلة.\nوالفصل الثالث: أسباب انحراف الأمة عن المنهج الصحيح، وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الغلو في الدين.","vol":"1","page":131},{"text":"المبحث الثاني: الجهل.\nالمبحث الثالث: الابتداع في الدين.\nالمبحث الرابع: اتباع الهوى.\nالمبحث الخامس: تقديم العقل على النقل.\nالمبحث السادس: التفرق والتحزب.\nوالفصل الرابع: أثر المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى.\nوأما الخاتمة: فقد أوجزتُ فيها أهم نتائج البحث.\nوقد عزوت الآيات الكريمة إلى مواضعها من السور، وخرجتُ الأحاديث النبوية الواردة في البحث، كما وثقت النصوص التي نقلتها عن بعض العلماء من مصادرها الأصلية، ثم ألحقت به قائمة بأهم المصادر والمراجع مرتبة حسب حروف الهجاء، وقائمة أخرى للموضوعات.\nولا يفوتني أن أقول: إن هذا جهد المقلَّ، فما كان فيه من صواب فهو من فضل الله تعالى وتوفيقه لي، وأشكره سبحانه على ذلك، وماكان فيه من خطأ ونقص فأستغفر الله منه وأتوب إليه، وأرجو ممن قرأه ووجد فيه خللًا أن ينبهني إليه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ١.\nوسأكون شاكرًا لنصحه وتوجيهه، وله من الله الأجر والمثوبة.\nوأسأل الله - جلّت قدرته - أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به من يراه من الدعاة المخلصين، وأن يجعله في موازين حسناتي يوم الدين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوكتب:\nد. حمود بن أحمدالرحيلي\n_________\n١ سورة المائدة، من الآية (٢) .","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول: أهمية العقيدة الصحيحة ووجوب التمسك بها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: وجوب التمسك بالعقيدة الصحيحة</span>\n...\nالفصل الأول\nأهمية العقيدة الصحيحة ووجوب التمسك بها، ويشتمل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول\nوجوب التمسك بالعقيدة الصحيحة\nإنَّ العقيدة الصحيحة هي الأساس المتين، والركن العظيم لدين الإسلام، ولذا فإنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أول ماقاموا به في دعوة أقوامهم هو دعوتهم إلى تصحيح الاعتقاد، وإلى توحيد الله جلَّ وعلا، فصلاح الأمم مرهون بسلامة عقيدتها، وصحة أفكارها، وكل بناءٍ لا تكون العقيدة أساسه، إنما هو بناء متهدم الأركان، وليس له بقاء ولا قرار، وبدون تصحيح العقيدة لا فائدة من الأعمال أيًا كان نوعها.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢.\nوقد مكث النبي ﷺ في مكة - بعد بعثته - ثلاث عشرة سنة، يدعو إلى تصحيح العقيدة، وإلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، ولم تنزل عليه الفرائض إلا في المدينة ماعدا الصلاة، أما بقية الشرائع ففرضت في المدينة، مما يدُّل دلالة واضحة على أنه لا يُطالب أحد بالأعمال إلا بعد تصحيح العقيدة، وتصفيتها من كل\n_________\n١ سورة المائدة، الآية (٧٢) .\n٢ سورة الزمر، الآية (٦٥) .","vol":"1","page":133},{"text":"شائبة، وإذا صلحت العقيدة صلحت أعمال المسلم، وذلك لا ن العقيدة الصحيحة تحمل المسلم على الأعمال الصالحة، وتوجهه إلى الأفعال الحميدة.\nفالواجب على الداعية إلى الله تعالى أن يهتم بعقيدة السلف الصالح - رضوان الله عليهم - علمًا وعملًا بها، ودعوة إليها، لا نها العقيدة التي أُمرنا بالتمسك بها، والمحافظة عليها، والتي لا يجوز لا ي داعية أن يعدل عنها أو أن يتخذ أي عقيدة سواها.\nقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٢ وقال تعالى في فضل المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٣.\nيقول الحافظ أبو القاسم اللالكائي في كتابه القيّم \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\": \"فإنَّ أوجب ماعلى المرء معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله به عباده من فهم توحيده، وصفاته، وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طرقها، والاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم منقول،\n_________\n١ سورة الأنعام، من الآية (١٥٣) .\n٢ سورة الشورى، الآية (١٣) .\n٣ سورة التوبة، الآية (١٠٠) .","vol":"1","page":134},{"text":"وأوضح حجة ومعقول: كتاب الله الحق المبين، ثم قول رسول الله ﷺ وصحابته الأخيار المتقين، ثم ماأجمع عليه السلف الصالحون، ثم التمسك بمجموعها، والمقام عليها إلى يوم الدين، ثم الاجتناب عن البدع والاستماع إليها مما أحدثها المضلون، فهذه الوصايا الموروثة المتبوعة، والآثار المحفوظة المنقولة، وطرائق الحق المسلوكة، والدلائل اللائحة المشهورة، والحجج الباهرة المنصورة، التي عمل عليها الصحابة والتابعون ومن بعدهم خاصة الناس وعامتهم من المسلمين، واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين\"١.\nويقول أبو نصر الوايلي السجزي في وصف أهل السنة والجماعة: \"أهل السنة هم الثابتون على اعتقاد مانقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول ﷺ، أو عن أصحابه ﵃ فيمالم يثبت فيه نص في الكتاب، ولا عن الرسول ﷺ، لا نهم ﵃ أئمة ـ، وقد أمرنا باقتفاء آثارهم، واتباع سنتهم، وهذا أظهر من أن يحتاج إلى إقامة برهان\"٢.\nوجماعة المسلمين: الصحابة، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وهم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، المنتسبون لسنة النبي ﷺ وطريقته، الراغبون فيها دون ماسواها من الأهواء والبدع، وهم السلف الصالح، ومن هنا لما ظهرت البدع والأهواء المضلة، قيل لمعتقدهم السلفي، أو العقيدة السلفية، وهم الذين يمثلون الصراط المستقيم، سيرًا على منهاج النبوة وسلفهم الصالح، ولم يحصل تمام البروز والظهور لهذه الألقاب الشريفة لجماعة المسلمين، إلا حين\n_________\n١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة،٢/٩.\n٢ الرد على من أنكر الحرف والصوت، ٩٩.","vol":"1","page":135},{"text":"دبت في المسلمين الفرقة، وتعددت على جنبتي الصراط الفرق، وتكاثرت الأهواء، وخلفت الخلوف، فبرزت هذه الألقاب الشريفة للتميز عن معالم الفرق الضالة، وهي مع ذلك ألقاب لا تختص برسم يخالف الكتاب والسنة، زيادة أو نقصًا، وإنما يمثلون في الحقيقة والحال الامتداد الطبعي لما كان عليه النبي ﷺ، وأصحابه ﵃ في الشكل والمضمون والمادة والصورة١.\nوتتلخص عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمدًا ﵊، ويتفرع عن هذه الأصول كل مايجب الإيمان به من أمور الغيب٢.\nقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٣.\n_________\n١ حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية، للشيخ بكر أبو زيد، ٩٠، بتصرف.\n٢ انظر العقيدة الصحيحة ونواقض الإسلام، لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز،٣-٤، وللاستزادة في معرفة أصول أهل السنة والجماعة، انظر: عقيدة السلف أصحاب الحديث، لأبي عثمان إسماعيل الصابوني، ومجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية ٣/١٢٩، وما بعدها، وشرح الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، وعقيدة أهل السنة والجماعة، للشيخ محمد بن عثيمين، ومحاضرات في العقيدة والدعوة، للشيخ صالح الفوزان، ٢/١٤٣-١٦٠.\n٣ سورة البقرة، الآية (١٧٧) .","vol":"1","page":136},{"text":"وقال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١.\nفعلى الدعاة إلى الله تعالى أن يتمسكوا بعقيدة أهل السنة والجماعة وأصولهم، في الاعتقاد والعمل والسلوك، وأن يتركوا كل ماخالف هذا المنهج القويم والصراط المستقيم، من البدع المضلة، والمناهج الفاسدة، والأفكار السيئة، التي ضللت المسلمين، وجعلتهم فرقًا وأحزابًا، كلٌ يدعي العصمة لمنهجه وطريقته، زاعمًا أنَّ الحق معه، على حد قول القائل:\nوكلٌ يدعي وصلًا لليلى ... وليلى لا تُقرُّ لهم بذاكا\nوإن المنهج الحق الذي يجب اتباعه هو منهج أهل السنة والجماعة الذين جاءت الأدلة بفضلهم، والثناء عليهم، فإنه طريق الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.\n_________\n١ سورة القمر، الآية (٤٩) .","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الثاني\nأهمية التوحيد وفضله</span>\nإن التوحيد هو الأمر الذي بعث الله من أجله الرسل، وأنزل من أجله الكتب، وخلق من أجله الثقلين - الإنس والجن - وبقية الأحكام تابعة لذلك.\nقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١والمعنى لتخصوه - سبحانه - بالعبادة وتفردوه جلَّ وعلا بها، ولم تُخْلَقُوا عبثًا ولاسُدىً.\nوقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٢.\nوالتوحيد هو: أول دعوة جميع الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - وما من أمة إلا بعث الله فيهم رسولًا يدعوهم إلى التوحيد ويحذرهم من الشرك.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ٣.\nوالتوحيد هو: إفراد الله تعالى بالعبادة، وترك عبادة ما سواه.\nوقد تكرر موضوع التوحيد في كتاب الله، ولا تكاد تخلو سورة من سور القرآن العظيم إلا وفيها ذكر للتوحيد، وأمر به، وحث عليه.\nفالقرآن كله في التوحيد، لا نه إما خبر عن الله ﷾ وأسمائه وصفاته وأمر بعبادته وحده لا شريك له ونهى عن الشرك به، وإما بيان لجزاء الموحدين\n_________\n١ سورة الذاريات، الآية (٥٦) .\n٢ سورة الفاتحة، الآية (٥) .\n٣ سورة النحل، من الآية (٣٦) .","vol":"1","page":138},{"text":"الذين أخلصوا العبادة لله ﷿ في الدنيا والآخرة، وبيان لجزاء المشركين الذين أعرضوا عن التوحيد وما حلَّ بهم من العقوبات في الدنيا وما ينتظرهم في الآخرة. وإما إخبارهم عن الموحدين من الرسل وأتباعهم. أو إخبار عن المكذبين من المشركين وأتباعهم من الأمم السابقة: كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم إبراهيم، وأصحاب مدين، والمؤتفكات، وغيرهم من الأمم لما أعرضوا عن التوحيد وعصوا الرسل ماذا حل بهم؟ وإما بيان للحلال والحرام وهذا من حقوق التوحيد، فكون الإنسان يحل الحلال ويكتسب الحلال، ويستعمل الحلال، ويحرم الحرام ويبتعد عن الحرام وعن كسب الحرام هذا من حقوق التوحيد أيضًا.\nفالقرآن كله توحيد، لا نه إما لبيان التوحيد وبيان مناقضاته ومنقصاته. وإما إخبار عن أهل التوحيد، وماأكرمهم الله به، أو أخبار عن المشركين وما انتقم الله تعالى منهم في الدنيا وما أعدَّ لهم في الآخرة، وإما أحكام وبيان للحلال والحرام وهذا من حقوق التوحيد١.\nومما يدل على أهمية التوحيد، وأنه أساس العمل، تكفيره للذنوب والكبائر، يدل على ذلك ماجاء عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى\n_________\n١ انظر مدارج السالكين، ٣/٤٦٨-٤٦٩، ومحاضرات في العقيدة والدعوة، للدكتور صالح الفوزان، ٢/٩-١٠.","vol":"1","page":139},{"text":"عبد الله، ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ماكان من العمل\" ١.\nوعن عتبان بن مالك الأنصاري ﵁: \"فإن الله حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله\"٢.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ من حديث صاحب البطاقة حيث ينشر له تسعة وتسعون سجلًا كل سجل مد البصر، ثم يؤتى ببطاقة فيها: \"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتوضع السجلات في كفه، والبطاقة في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة\" ٣.\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح ٦/٤٧٤، كتب الأنبياء، باب قوله تعالى:. ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾، رقم ٣٤٣٥، وصحيح مسلم ١/٥٧، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، رقم ٤٦.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، ١/٥١٩، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، رقم ٤٢٥، وصحيح مسلم ١/٤٥٦، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، رقم٢٦٣.\n٣ الترمذي ٥/٢٤-٢٥، كتاب الإيمان باب ما جاء في من يموت وهو شهيد أن لا إله إلا الله، رقم ٢٦٣٩، وابن ماجه، ٢/١٤٣٧، كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، رقم ٤٣٠٠، وأحمد ٢/٢١٣، والحاكم ١/٦/٥٢٩، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/٢٦٢.","vol":"1","page":140},{"text":"وللترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى: \"يابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لا تيتك بقرابها مغفرة\"١.\n_________\n١ أخرجه الترمذي، ٥/٥٤٨، كتاب الدعوات، باب فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده، رقم ٣٥٤٠، وقال هذا حديث حسن غريب، وأحمد في المسند، ٥/١٥٤،١٧٢، والحاكم في المستدرك ٤/٢٤١، ووافقه الذهبي مختصرًا، من حديثه، وله شاهد عند مسلم، ٤/٢٠٦٨، كتاب الذكر والدعاء..، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى، رقم ٢٦٨٧.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثالث\nالبدء بالدعوة إلى التوحيد أولًا</span>\nإن البدء في الدعوة إلى الله تعالى بالأهم قبل المهم والتدرج في الدعوة حسب الأوليات لهو من أهم الضروريات التي يجب على الداعية إلى الله تعالى معرفتها والعمل على تحقيقها.\nوقد دلَّ على ثبوت هذا المبدأ الكتاب والسنة وعمل سلف هذه الأمة الصالح رضوان الله عليهم.\nإذ قص الله تعالى علينا في كتابه الكريم قصص الأنبياء وأخبارهم مع أقوامهم، فكان كل واحد منهم يبدأ بدعوة قومه إلى توحيد الله تعالى واخلاص العبادة له وحده ونبذ الشرك وأهله.\nقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١.\nوقال سبحانه عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢.\nوقال جلَّ ذكره عن صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣.\n_________\n١ سورة الأعراف، من الآية (٥٩) .\n٢ سورة الأعراف، من الآية (٦٥)، وسورة هود، الآية (٥٠) .\n٣ سورة الأعراف، من الآية (٧٣)، وسورة هود، من الآية (٦١) .","vol":"1","page":142},{"text":"وقال عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١\nوقال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.\nوقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.\nوقال تعالى عن شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٤.\nوقال عن موسى ﵇: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٥.\nوقال عن عيسىعليه السلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٦.\nوهذا المنهج هو الذي سار عليه خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد ﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين، بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا، فقد\n_________\n١سورة العنكبوت، الآية (١٦) .\n٢ سورة البقرة، الآية (١٣٣) .\n٣ سورة يوسف، الآيات (٣٨-٤٠) .\n٤ سورة الأعراف، من الآية (٨٥)، وسورة هود، من الآية (٨٤) .\n٥ سورة الأعراف، الآية (١٤) .\n٦ سورة آل عمران، الآية (٥١) .","vol":"1","page":143},{"text":"بدأ ﷺ بما بدأ به كل الأنبياء، وانطلق من حيث انطلقوا بدعوتهم من عقيدة التوحيد والدعوة إلى إخلاص العبادة لله وحده.\nوقد أمره ربه ﵎ أن يدعو الناس جميعًا إلى التوحيد، فقال تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.\nوقد استمر النبي ﷺ طيلة ثلاث عشرة سنة في مكة لا يكلُّ ولا يَمَلُّ صابرًا على كل ألوان الأذى، وهو يدعو الناس إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك قبل أن يا مرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم والحج، وقبل أن ينهاهم عن الربا، والزنا، والسرقة، وقتل النفوس بغير حق٣.\nاللهم إلاّ ماكان يا مر به قومه من معالي الأخلاق كصلة الرحم، والصدق، والعفاف، وأداء الأمانة، وحسن الجوار ونحو ذلك، ولكن الموضوع الأساسي، ومحور الدعوة إنما هو عن التوحيد وتحقيقه.\n_________\n١ سورة الأعراف، الآية (١٥٨) .\n٢ سورة الأنعام، الآية (١٦١-١٦٢) .\n٣ انظر مقدمة فضيلة الدكتور صالح الفوزان على كتاب منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل، للدكتور ربيع المدخلي، ص٥.","vol":"1","page":144},{"text":"وبعد أن هاجر رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام إلى المدينة، وقامت دولة الإسلام على أساس التوحيد ظل الاهتمام بهذا الأمر على أشده والآيات القرآنية تنزل به، والتوجيهات النبوية تدور حوله.\nولم يكتف رسول الله ﷺ بهذا بل كان يبايع على عقيدة التوحيد عظماء الصحابة فضلًا عن غيرهم بين الفينة والفينة، كلما تسنح له فرصة للبيعة عليها.\nقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يا تِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.\nوهذه الآية وإن كانت في بيعة النساء فإن رسول الله ﷺ كان يبايع على مضمونها الرجال٢.\nفعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: \"كان رسول الله ﷺ في مجلس، فقال: \"تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم\" والآية التي أخذت على النساء ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه\"٣.\n_________\n١ سورة الممتحنة، الآية (١٢) .\n٢ انظر منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل، للدكتور ربيع المدخلي، ٥٧-٥٨.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، ١/٦٤، كتاب الإيمان، باب ١١، حديث ١٨، وصحيح مسلم ٣/١٣٣٣، كتاب الحدود، باب الحدود والكفارات لأهلها، حديث ١٧٠٩، والنسائي، ٧/١٤٢، كتاب البيعة على الجهاد.","vol":"1","page":145},{"text":"أما السنة ففيها الشيء الكثير الدال على أن رسول الله ﷺ كان يفتتح دعوته بالتوحيد ويختتمها بذلك، واستمراره على ذلك طيلة حياته ﷺ بلا كلل أو ملل.\n١-عن عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال: \"كنت وأنا في الجاهلية، أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا جُرءَاءُ عليه قومه فتلطفت، حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ فقال: \"أنا نبي\" فقلت: وما نبي؟ قال: \"أرسلني الله\" فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: \"أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحدوا الله لا يُشْرَكُ به شيء\" فقلت: ومن معك على هذا؟ قال: \"حر وعبد\"، قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به ...\" الحديث١.\n٢-قول جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي ملك الحبشة: \"أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يا كل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ماكنّا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة، والأوثان ... \" الحديث٢.\n_________\n١ صحيح مسلم، ١/٥٦٩، كتاب صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة، رقم ٢٩٤، وأحمد في المسند، ٤/١١٢.\n٢ انظر الإمام أحمد في المسند، ١/٢٠٢، والسير والمغازي، لابن إسحاق، ٢١٣-٢١٧، وسيرة ابن هشام، ١/٢٨٩-٢٩٣، بإسناد حسن إلى أم سلمة ﵂، وانظر السيرة النبوية، لابن كثير ٢/١١، وفتح الباري، لابن حجر، ٧/١٨٩، وانظر السيرة النبوية الصحيحة، د. أكرم العمري، ١/١٧٣-١٧٤.","vol":"1","page":146},{"text":"٣-وفي أسئلة هرقل لا بي سفيان في مدة صلح الحديبية عن حال رسول الله ﷺ قال لا بي سفيان: ماذا يا مركم؟ قال أبو سفيان قلت: يقول: \"اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا واتركوا مايقول آباؤكم، ويأمر بالصلاة، والصدق والعفاف، والصلة\"١.\nفهذه الأحاديث الشريفة تبين لنا أن الدعوة إلى التوحيد هي أول ما يدعو إليه النبي ﷺ.\nوهذا المنهج الذي سار عليه رسول الله ﷺ كان يا مر به رسله إذا بعثهم للقيام بالدعوة.\n٤-وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: \"قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: \"إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم...\" الحديث٢.\nوإذا أراد الداعية إلى الله تعالى دعوة الناس، فليبدأ بالدعوة إلى التوحيد، الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، إذ لا تصح الأعمال إلا به، فهو أصلها الذي تبنى عليه، ومتى لم يوجد لم ينفع العمل، بل هو حابط، إذ لا تصح العبادة\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، ١/٣٢، كتاب بدء الوحي، حديث ٦.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، ٣/٣٥٧، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، حديث ١٤٩٦، ومسلم ١/٥٠، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث ١٩.","vol":"1","page":147},{"text":"مع الشرك، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ١، ولأن معرفة معنى هذه الشهادة هو أول واجب على العباد، فكان أول ما يُبدأ به في الدعوة٢.\nقال شيخ الإسلام ﵀: \"وقد عُلم بالاضطرار من دين الرسول، واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا، والعدو وليًا ... وفيه البداءة في الدعوة والتعليم بالأهم فالأهم\"٣.\nتلك هي دعوة الأنبياء جميعًا وعلى رأسهم أولو العزم من الرسل ﵈ يبدأون دعوتهم بالتوحيد في كل زمان ومكان مما يدل على أن هذا هو الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلك في دعوة الناس إلى الله تعالى وسنة من سننه التي رسمها لا نبيائه وأتباعهم الصادقين، لا يجوز تبديلها ولا العدول عنها ٤.\n_________\n١ سورة التوبة، الآية (١٩) .\n٢ تيسير العزيز الحميد، ١٢٣.\n٣ تيسير العزيز الحميد، ١٢٧.\n٤ انظر منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل، للدكتور ربيع بن هادي المدخلي، ٢٦-٢٧.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الثاني\nالدعائم التي يقوم عليها المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>تتلخص الدعائم التي يقوم عليها المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى </span>- كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة فيما يلي١:\nأولًا: العلم:\nفلابدّ للداعي إلى الله تعالى أن يكون عالمًا بحكم الشرع فيما يدعو إليه، فالجاهل لا يصلح أن يكون داعية.\nقال تعالى مخاطبًا نبيه محمدا ًصلى الله عليه وسلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ٢.\nوبوّب الإمام البخاري - ﵀ - لهذه الآية بقوله: \"باب العلم قبل القول والعمل\"٣.\nقال الإمام ابن حجر -﵀- في الفتح: قال ابن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو مقدم عليهما؛ لا نه مصحح للنية المصححة للعمل، فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: (إن العلم لا ينفع إلا بالعمل) تهوين أمرالعلم والتساهل في طلبه٤.\n_________\n١ انظر مقدمة الدكتور صالح الفوزان على منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل للدكتور ربيع بن هادي المدخلي، ص٣.\n٢ سورة محمد، الآية (١٩) .\n٣ انظر صحيح البخاري مع الفتح، ١/١٥٩، كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل.\n٤ انظر فتح الباري لابن حجر، ١/١٦٠، كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل.","vol":"1","page":149},{"text":"والعلم الحقيقي هو معرفة كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١.\nولا يكون الداعية إلى الله ناجحًا في دعوته، حكيمًا في أمره ونهيه إلا بالعلم الشرعي، وإن لم يصحب الداعية من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه فسلوكه على غير الطريق، وهو مقطوع عليه طريق الوصول، ومسدود عليه سبيل الهدى والفلاح، وهذا إجماع من العارفين، ولا شك أنه لا ينهى عن العلم إلا قطاع الطريق، ونواب إبليس وشُرَطُه ٢.\nومن الأدلة الواردة في فضل العلم والحث عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٣.\nوقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٤.\nوقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٥.\nومن الأحاديث: ماجاء عن معاوية ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" ٦.\n_________\n١ سورة النحل، الآية (٤٤) .\n٢ انظر مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/٤٨٣.\n٣ سورة الزمر، الآية (٩) .\n٤ سورة المجادلة، من الآية (١١) .\n٥ سورة فاطر، الآية (٢٨) .\n٦ صحيح البخاري مع الفتح، ١/١٦٤، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، رقم ٧١، وصحيح مسلم، ٢/٧١٨، كتب الزكاة، باب النهي عن المسألة، رقم ١٠٣٧، والترمذي، ٤/١٣٧، أبواب العلم، باب إذا أراد الله بعبده خيرًا فقهه في الدين، رقم ٢٧٨٣.","vol":"1","page":150},{"text":"وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها\" ١.\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"مثل مابعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسَقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً فذلك مثلُ من فقه دين الله، ونفعه مابعثني الله به فعلم وعلّمَ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\" ٢.\nإلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تدل على فضل العلم والحث عليه والعمل به.\nوليس القصد هنا سرد الأدلة في هذا الأمر، فهذا شيء معروف، ولكن أحب أن أُوكد على أنه يجب على من أراد أن ينصب نفسه للدعوة إلى الخير، والأمر\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، ١/١٦٥، كتاب العلم، باب الإغتباط في العلم والحكمة، رقم ٧٣، وصحيح مسلم، ١/٥٥٩، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، رقم ٨١٦.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، ١/١٧٥، كتاب العلم، باب فضل من علم وعلم، رقم ٧٩، وصحيح مسلم، ٤/١٧٨٧، كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدي والعلم، رقم ٢٢٨٢.","vol":"1","page":151},{"text":"بالمعروف، والنهي عن المنكر، قيامًا بما أوجب الله عليه، والنصح لعباده، وطمعًا فيما وعد الله به أهل تلك الأعمال من الأجر العظيم والنعيم المقيم، فليتفقه في دينه وليأخذ العلم عن أهله الراسخين فيه، السائرين في طريقه القويم، طريق السلف الصالح المتمثل في منهج أهل السنة والجماعة. فالذي يريد أن يدعو الناس لا بدَّ له أن يتعلم على أيدي العلماء الربانيين قبل أن يتصدى للدعوة إلى الله تعالى، حتى يقوم بذلك بحجة ودليل ويعرف كيف يسير في ذلك الطريق، على هدى ونور.\nيوضح شيخنا فضيلة الدكتور محمد أمان بن علي الجامي ﵀ أهمية البصيرة للدعاة إلى الله، ووجوب الرجوع لسيرة السلف الصالح، وطريقة دعوتهم، وأنَّ أي طريقة أو جماعة لا تنتهج نهج النبي ﷺ وصحابته، فمصيرها الفشل لا محالة، فيقول:\n\"تُوجد في العصر الحديث جماعات تدعو إلى الله، ولكنها في الغالب تتخبط على غير بصيرة، فالواجب على دعاة الحق أن يكونوا على بصيرة فاهمين ما يدعون إليه ومتصورين له ومؤمنين به ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ١.\nهاتان صفتان لا تباع محمد ﵊:\n١-القيام بواجب الدعوة.\n٢-أن يكسبوا البصيرة قبل أن يشرعوا في الدعوة.\nالبصيرة هي: العلم الذي مصدره الوحي، والفقه الدقيق، الذي يستفيد منه الداعية الحكمة، وحسن الأسلوب، وكسب القلوب، والتحبب إلى الناس.\n_________\n١ سورة يوسف، من الآية (١٠٨) .","vol":"1","page":152},{"text":"وهذه الجماعات أشبهها بالأحزاب السياسية المتنافسة لمصالحها الشخصية وأغراضها الذاتية، وهي ذاتها محنة من المحن ومشكلة من المشكلات للدعوة والدعاة معًا، إذا بقيت على وضعها ولم تعد النظر في سلوكها ومنهج عملها وبرامجها، وأساليب دعوتها وسياستها، فخطرها على الدعوة يفوق كل خطر يهدد الدعوة من خارجها.\nفعلى هذه الجماعات أن تدرس تاريخ الدعاة الأولين من الصحابة والتابعين الذين نطق بهم القرآن، وبه نطقوا، والذين انتشر الإسلام بدعوتهم، بل عليهم أن يفهموا الدين كما فهم أولئك السادة، ويسيروا سيرتهم، وينسجوا على منوالهم، مع ملاحظة الأساليب المناسبة في العصرالحديث، والملابسات والظروف وأحوال الناس، وإن لم يسلكوا هذا المسلك فسوف لا يكتب للدعوة أي نجاح أو أي تقدم لا نه عمل لم يستوف الشروط، وهو عمل غير صالح١.\nثانيًا: الإخلاص:\nإن من أهم مايجب على الداعية إلى الله تعالى أن يكون مخلصًا لله في دعوته، وأمره ونهيه، بحيث لا يرجو إلا الجزاء من الله تعالى وحده، فلا يكون هدفه طمعًا ماديًا أو غرضًا دنيويًا، ولا يكون هدفه من ذلك الرياء أو السمعة وطلب الشهرة أو شيء من حطام الدنيا، أو أن يظهر فضله في دينه أو علمه أو عمله أو عقله على من يدعوه أو يا مره وينهاه، مما يزينه الشيطان، ويكيد به الإنسان ليبطل عمله ويفسد سعيه.\nوقد أمر الله سبحانه المؤمنين بإخلاص نياتهم وأعمالهم وعباداتهم لله تعالى وحده، قال تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا ﷺ وآمرًا له أن يخاطب أمته بذلك: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٢.\n_________\n١ أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام، ٢١٨-٢١٩.\n٢ سورة الزمر، الآية (١١) .","vol":"1","page":153},{"text":"وقال ﷿: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ١.\nوقال جل شأنه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.\nوعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\" ٣.\nقال الإمام ابن حجر ﵀: \"ومعناه كل عمل بنية، فلا يقبل عمل بدون نية\"٤.\nوعن جابر ﵁ قال: \"كنا مع النبي ﷺ في غزاة فقال: \"إنَّ بالمدينة لرجالًا ماسرتم مسيرًا ولا قطعتم واديا إلاكانوا معكم حبسهم المرض\" ٥ فهؤلاء كتب الله لهم من الأجر ماكتب لا خوانهم المجاهدين في سبيل الله وذلك بسبب صلاح نياتهم واخلاصهم لله وحده.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: \"قال رسول الله ﷺ: قال الله ﵎: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" ٦.\n_________\n١ سورة الزمر، الآية (١٤) .\n٢ سورة هود، الآيتان (١٥-١٦) .\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، ١/٩، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى الرسول ﷺ، وصحيح مسلم، ٣/١٥١٥، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ \"إنما الأعمال بالنية\"، وأحمد في المسند، ١/٢٥.\n٤ فتح الباري، ١/١١.\n٥ صحيح مسلم، ٣/١٥١٨، كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر.\n٦ صحيح مسلم،٤/٢٢٨٩، كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم ٢٩٨٥.","vol":"1","page":154},{"text":"وقد وردت بعض الآثار عن بعض السلف تبين أهمية النية ودورها في قبول العمل منها ماورد عن مطرف بن عبد الله قال: \"صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية\"١.\nوعن ابن المبارك قال: \"رُبَّ عمل صغير تُعظمه النية، ورُب عمل كبير تصغره النية\"٢.\nوعن أبي سليمان: \"طوبى لمن صحت له خطوة لا يريد بها إلا الله تعالى\" ٣.\nفعلى الداعية إلى الله تعالى أن يخلص نيته لله تعالى، وأن يتجرد من حظوظ النفس ومن نزغات الشيطان، وأن يكون قصده وهدفه ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، وفي أنبياء الله ورسله - ﵈ - القدوة الحسنة، فإن القصد من دعوتهم إصلاحهم، وابتغاء الأجر والمثوبة من الله وحده.\nقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤وهكذا بقية الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يريدون من دعوتهم إلا مرضاة الله تعالى.\nلذا فإن على الداعية إلى الله تعالى على بصيرة أن يهتم بالإخلاص، ويحذر على نفسه من الرياء والسمعة، فإن الشيطان حريص على أن يفسد عليه عمله، وقد تدعوه النفس الأمارة بالسوء إلى حب الظهور أو الشهرة أو ماشابههما من أغراض الدنيا الفانية، ومن ثم يقع في المحذور والعياذ بالله.\n_________\n١ انظر جامع العلوم والحكم، ١٠/٧١.\n٢ المرجع السابق، نفس الصفحة.\n٣ انظر مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة، ٣٧٠-٣٧١.\n٤ سورة الشعراء، الآية (١٠٩) .","vol":"1","page":155},{"text":"نسأل الله تعالى لنا ولجميع الدعاة إلى الله تعالى الإخلاص في القول والعمل.\nثالثًا: المتابعة:\nلما كانت الدعوة إلى الله تعالى من أجل العبادات فإنه لا بد فيها من توفر الشرطين الأساسيين لصحتها وهما: الإخلاص، والمتابعة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حديثه عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: \"وإذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين: أن يُراد بها وجه الله، وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال، في الكلم الطيب والعمل الصالح، في الأمور العلمية، والأمور العملية العبادية\"١.\nفالمتابعة شرط في قبول الأعمال، ومنها الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ ٢.\nوالعمل الصالح هو العمل الموافق لهديه ﷺ، ولهذا كان أئمة السلف ﵏ يجمعون هذين الأصلين - أي الإخلاص والمتابعة - كقول الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٣، قال: أخلصه وأصوبه، فقيل له: يا أبا عليّ ما أخلَصُه وأصوبه؟ فقال: إنَّ العمل إذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، وإذا كان خالصًاولم يكن صوابًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله والصواب: أن يكون على السُّنة٤.\n_________\n١ انظر الاستقامة، ١/٢٩٧، ٢/٢٩٧.\n٢ سورة الكهف، الآية (١١٠) .\n٣ سورة الملك، الآية (٢) .\n٤ الاستقامة، لابن تيمية، ٢/٣٠٨-٣٠٩.","vol":"1","page":156},{"text":"وقد روى ابن شاهين واللالكائي، عن سعيد بن جبير قال: \"لا يُقبل قول إلا بعمل، ولا يُقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يُقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة\"١.\nفعلى الداعية إلى الله تعالى على بصيرة أن يكون مقتديًا بالنبي ﷺ، وأن يسلك مسلكه في الدعوة، فإن الله تعالى أمرنا بالاقتداء به ﷺ في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٢.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.\nولقد بدأ - صلوات الله وسلامه عليه - كغيره من الأنبياء قبله بإصلاح عقائد الناس وجمعهم على عقيدة التوحيد، وأمرهم بالتأسي به في جميع الأقوال والأفعال.\nفإذا بدأ الداعية إلى الله تعالى أو المحتسب بعكس ما بدأ به رسول الله ﷺ، كما لو بدأ بالجهاد أو إقامة الدولة مثلًا فإنه لا يفلح في دعوته، لمخالفته متابعة النبي ﷺ، فكل دعوة إلى الإصلاح لا تنتهج نهج الرسول ﷺ على فهم السلف الصالح فإن مصيرها الفشل الذريع لا محالة.\nيقول شيخنا فضيلة الدكتور ربيع بن هادي المدخلي: \"هل يجوز للدعاة إلى الله في أي عصر من العصور العدول عن منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله؟.\n_________\n١ المرجع السابق، ٢/٣٠٩.\n٢ سورة الأحزاب، الآية (٢١) .\n٣ سورة آل عمران، الآية (٣١) .","vol":"1","page":157},{"text":"الجواب: في ضوء ماسبق وما سيأتي، لا يجوز شرعًا ولا عقلًا العدول عن هذا المنهج واختيار سواه.\nأولًا: أن هذا هو الطريق الأقوم الذي رسمه الله لجميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم.\nوالله واضع هذا المنهج هو خالق الإنسان والعالم بطبائع البشر ومايصلح أرواحهم وقلوبهم ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.\nوهو الحكيم العليم في خلقه وشرعه، وقد شرع لا فضل خلقه هذا المنهج.\nثانيًا: إن الأنبياء قد التزموه وطبقوه مما يدل دلالة واضحة أنه ليس من ميادين الاجتهاد، فلم نجد:\n١-نبيًا افتتح دعوته بالتصوف.\n٢-وآخر بالفلسفة والكلام.\n٣-وآخرين بالسياسة.\nبل وجدناهم يسلكون منهجًا واحدًا، واهتمامهم واحد بتوحيد الله أولًا، وفي الدرجة الأولى.\nثالثًا: إن الله قد أوجب على رسولنا الكريم الذي فرض الله علينا اتباعه أن يقتدي بهم، ويسلك منهجهم، فقال بعد أن ذكر ثمانية عشر نبيًا منهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٢وقد اقتدى بهداهم في البدء بالتوحيد، والاهتمام الشديد به.\n_________\n١ سورة الملك، الآية (١٤) .\n٢ سورة الأنعام، من الآية (٩٠) .","vol":"1","page":158},{"text":"رابعًا: ولما كانت دعوتهم في أكمل صورها تتمثل في دعوة إبراهيم ﵊، زاد الله الأمر تأكيدًا، فأمر نبينا محمدًا ﷺ باتباع منهجه فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.\nوالأمر باتباعه يشمل الأخذ بملته التي هي التوحيد ومحاربة الشرك ويشمل سلوك منهجه في البدء بالدعوة إلى التوحيد، وزاد الله تعالى الأمر تأكيدًا – أيضًا - فأمر أمة محمد ﷺ، باتباع ملة هذا النبي الحنيف، فقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.\nإذن، فالأمة الإسلامية مأمورة باتباع ملته، فكما لا يجوز مخالفة ملته، لا يجوز العدول عن منهجه في الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك ومظاهره ووسائله.\nخامسًا: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٣.\nفإذا رجعنا إلى القرآن أخبرنا أن كل الرسل كانت عقيدتهم عقيدة التوحيد وأن دعوتهم كانت تبدأ بالتوحيد وأن التوحيد أهم وأعظم ماجاءوا به.\nووجدنا أن الله قد أمر نبينا باتباعهم وسلوك مناهجهم، وإذا رجعنا إلى الرسول نجد أن دعوته من بدايتها إلى نهايتهاكانت اهتمامًا بالتوحيد ومحاربة للشرك ومظاهره وأسبابه ... \"٤.\n_________\n١ سورة النحل، الآية (١٢٣) .\n٢ سورة آل عمران، الآية (٩٥) .\n٣ سورة النساء، الآية (٥٩) .\n٤ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل، ٩١-٩٢.","vol":"1","page":159},{"text":"رابعًا: الحكمة:\nإن الحكمة من أهم الدعائم التي يقوم عليها المنهج الصحيح في الدعوة\nإلى الله تعالى، ومن أهم مقومات الداعية الناجح، ومن نظر في سيرة المصطفى ﷺ وجد أنه كان ملازمًا للحكمة في أموره كلها، وخاصة في دعوته إلى الله جلَّ وعلا، وقد أمره ربه ﵎ بالدعوة إلى الله بالحكمة في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ٢.\nإن الحكمة إتقان الأمور وإحكامها، بأن تُنزل الأمور منازلها، وتوضع في مواضعها. وليس من الحكمة التعجل في الدعوة إلى الله تعالى، وأن ينقلب الناس عن حالهم التي هم عليها إلى الحال التي كان عليها الصحابة بين عشية وضحاها، ومن أراد ذلك فهو سفيه في عقله، بعيد عن الحكمة، لا ن حكمة الله ﷿ تأبى أن يكون هذا الأمر. ويدلل لهذا أن الرسول ﷺ - وهو الذي ينزل عليه الكتاب - نزل عليه الشرع متدرجًا حتى استقر في النفوس وكمل.\nفالدعوة إلى الله تعالى تكون على أربع مراتب:\n١- بالحكمة.\n٢-ثم بالموعظة الحسنة.\n٣- ثم بالجدال بالتي هى أحسن لغير الظالم.\n٤- ثم بالفعل الرادع للظلم٣.\n_________\n١ سورة النحل، الآية (١٢٥) .\n٢ سورة العنكبوت، من الآية (٤٦) .\n٣ انظر الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات، للشيخ محمد بن عثيمين، ٣٥.","vol":"1","page":160},{"text":"ومن الأمثلة التي ضربها لنا رسول الله ﷺ في دعوة الناس بالحكمة موقفه مع الأعرابي الذي بال في المسجد.\nعن أنس بن مالك ﵁ قال: \"بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مه مه١، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزرموه٢ دعوه\" فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ، دعاه فقال له: \"إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن\" أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه عليه\"٣.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: \"قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: \"لقد حجرت واسعا\" يريد: رحمة الله٤.\nوفي رواية أخرى قال: \"يقول الأعرابي بعد أن فقه، فقام النبي ﷺ إليَّ بأبي وأمي فلم يسب ولم يؤنب ولم يضرب\"٥.\n_________\n١ مه: كلمة زجر، لسان العرب، لابن منظور، ١٣ /٥٤٢.\n٢ لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه بوله، والازرام: القطع. انظر شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/١٩٠.\n٣ صحيح مسلم، ١/٢٣٧، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، رقم ٢٨٦، ومعنى شنه عليه: أي صبه عليه.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، ١٠/٤٣٨، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم ٦٠١٠.\n٥ هذه الرواية عند أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر، برقم ١٠٥٤٠، ٢٠/١٣٤.","vol":"1","page":161},{"text":"ومن الأدلة كذلك ماجاء عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: \"بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكْلَ أمَّياه١ ! ماشأنكم تنظرون إلىَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمّتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي، مارأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ماكهرني٢ولا ضربني ولا شتمني، قال: \"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ ... \"الحديث٣.\nإلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تبين لنا أن النبي ﷺ كان يعامل الناس في دعوته بالحكمة واللين، لذلك فإنه لا بد للداعية إلى الله تعالى أن يتأسى بالنبي ﷺ في دعوته وفي أمره ونهيه، وفي تعامله مع الناس، ولابد له من الصبر وطول النفس، والتدرج مع المدعو شيئًا فشيئًا حتى يمكن إعادته للحق والصواب.\nخامسا: الرفق والحلم:\nإنَّ من الواجب على الداعية إلى الله تعالى أن يكون رفيقًا رحيمًا، حليمًا لينًا، مشفقًا على الناس، فإنَّ ذلك مدعاة لقبول الناس منه، وانتفاعهم بدعوته، وهذا هو خلق النبي ﷺ في دعوته للناس، ولهذا امتن الله تعالى على نبيه ﷺ بقوله:\n_________\n١ واثكْلَ أُمياه: معناه فقدان المرأة لولدها، ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء، كقولهم: تربت يداك. انظر النهاية، لابن الأثير، ١/٢١٦.\n٢ ماكهرني: يعني ما نهرني.\n٣ صحيح مسلم، ١/٣٨١، كتب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، رقم ٥٣٧.","vol":"1","page":162},{"text":"﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لا نْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ١.\nوامتن الله ﵎ على عباده المؤمنين ببعثة رسوله الكريم إليهم، وبما هو عليه من الخلق العظيم، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.\nولقد أمضى النبي ﷺ حياته بمكة والمدينة وغيرهما، يدعو ويذكر وينذر في غاية من اللطف واللين، ويقصد نواديهم، يدعوهم إلى الهدى، ويتحمل منهم ألوان الأذى، ويزيد على ذلك فيقول: \"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون\" ٣.\nفهذا دَيْدنُهُ ﷺ في دعوته، وأمره ونهيه، يا خذ بالرفق واللين، ولم يستعمل الغلظة والشدة، إلا حين لم يجد ذلك مع المخاطبين - مع تحقيق القدرة وانتفاء المفسدة - كما هو واضح من سيرته، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٤.\nفمن قرأ سيرته ﷺ ولزم طريقته في دعوة أمته، كان أكمل الناس في متابعته، وأولاهم بوراثته، وأسعدهم بشفاعته، وأنصحهم لا مته، ولهذا لما كان صاحبه\n_________\n١ سورة آل عمران، من الآية (١٥٩) .\n٢ سورة التوبة، الآية (١٢٨) .\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، ١٢/٢٨٢، كتاب استتابة المرتدين، باب إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي ﷺ ولم يصرح، رقم ٦٩٢٩، وصحيح مسلم، ٣/١٤١٧، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، رقم ١٧٩٢، عن عبد الله بن مسعود ﵁.\n٤ سورة الأحزاب، الآية (٢١) .","vol":"1","page":163},{"text":"أبو بكر الصديق في ذلك كذلك أسلم على يديه من لا يحصون، وانتفع به من الخلق كثيرون١.\nولما أرسل الله ﷾ موسى وهارون - ﵉ - إلى فرعون - طاغية مصر وجبارها - أمرهما أن يخاطباه باللين واللطف.\nقال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٢.\nقال الإمام ابن كثير ﵀ !: \"هذه الآية فيها عبرة عظيمة وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه، إذ ذاك ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين\"٣.\nوقد ورد في هذا المعنى استدلال المأمون عندما وعظه رجل وعنّف له في القول، فقال: يا رجل ارفُقْ فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق، قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ٤ ٥.\nومن الأحاديث النبوية التي تبين فضل الرفق واللين وتحثُّ عليه مايلي:\n١- عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: \"إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه\" ٦.\n_________\n١ انظر تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للشيخ عبد الله القصّير، ٣١-٣٤.\n٢ سورة طه، الآيتان (٤٣-٤٤) .\n٣ تفسير ابن كثير، ٣/١٦٣.\n٤ سورة طه، الآية (٤٣) .\n٥ انظر إحياء علوم الدين، للغزالي، ٢/٣٣٤.\n٦ صحيح مسلم، ٤/٢٠٠٤، كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق، رقم ٢٥٩٤.","vol":"1","page":164},{"text":"٢- وعن جرير بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"من يحرم الرفق، يحرم الخير\" ١.\n٣- وقال ﷺ لا شج عبد القيس: \"إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناه\" ٢.\nلذا فإنه ينبغي للداعية إلى الله تعالى، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتقي الله في عباد الله، وأن يلزم الرفق بهم واللين معهم والحلم والعفو عنهم، فيما يدعوهم إليه، ويأمرهم به، وينهاهم عنه، حتى لا يصدهم عن الهدى أو يوردهم الردى.\nولا ينبغي للداعية إلى الله تعالى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتسم بالشدة، ويأخذ بالغلظة، ما وجد مندوحة عن ذلك، فإذا اشتبه عليه الأمر، فعليه بمراجعة نصوص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة، وكلام أهل العلم المعتبرين، إن كانت لديه الأهلية لذلك، لمعرفة الراجح بالدليل، وإلا فعليه بما وجه الله تعالى إليه أمثاله بقوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣ ٤.\nسادسًا: الصبر:\nإن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الواردة في الصبر لا تكاد تُحصى لكثرتها.\n_________\n١ صحيح مسلم، ٤/٢٠٠٣، كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق، رقم ٢٥٩٢.\n٢ صحيح مسلم، ١/٤٨، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله، وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه ...، رقم ١٨.\n٣ سورة النحل، الآية (٤٣) .\n٤ انظر تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للشيخ عبد الله القصير، ٣٦.","vol":"1","page":165},{"text":"وقد أخبر الله تعالى عن لقمان الحكيم بأنه أوصى ابنه بقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ١.\nفأتبع حثه له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر، وما ذلك إلا لأن القيام بهذا يتطلب الكثير من المجاهدة، ولحوق الأذى بالمحتسب، وهذا لا يثبت معه إلا من كان متحليًا بالصبر.\nولهذا نجد أن الله تعالى أمر رسله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وهم أئمة الدعوة إلى الله تعالى بالصبر، كما قال تعالى لخاتمهم ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ ٢.\nوقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ ٣.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤.\nومن الأدلة من السنة التي ترغب في الصبر وتحث عليه مايلي:\n١-ماورد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاءً؟ قال: \"الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيدَ في بلائه، وإن كان في دينه رقة خُفِّفَ عنه، وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة\" ٥.\n_________\n١ سورة لقمان، الآية (١٧) .\n٢ سورة الأحقاف، من الآية (٣٥) .\n٣ سورة البقرة، من الآية (٤٥) .\n٤ سورة آل عمران، من الآية (٢٠٠) .\n٥ أخرجه الترمذي، ٤/٦٠١، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، رقم ٢٣٩٨، وقال هذا حديث حسن صحيح، وسن ابن ماجه، ٢/١٣٣٤، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم ٤٠٢٣، والإمام أحمد في المسند، ١ /١٧٢،١٧٤،١٨٠،١٨٥، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم ١٤٣.","vol":"1","page":166},{"text":"٢-وعن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: \"إنَّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط\"١.\n٣-وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نَفِدَ ما عنده قال: \"مايكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى الله أحدًا عطاءً هو خير وأوسع من الصبر\" ٢\nومما تقدم من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية وغيرها التي تدل على فضل الصبر وتحث عليه، يتبين أن المؤمن معرض للابتلاء، ولكن على حسب قوة إيمانه أو ضعفه، وإذا صبر المؤمن واحتسب أجره عند الله كفر الله من ذنوبه وسيئاته، وعظم له الأجر، وإذا كان عامة الناس معرضين لهذا الابتلاء والامتحان، فإنَّ\n_________\n١ أخرجه الترمذي، ٤/٦٠١، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، رقم ٢٣٩٦، وقال حسن غريب، وسنن ابن ماجه، ٢/١٣٣٤، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم ٤٠٢٣، وحسنه الشيخ الألباني، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم ١٤٦.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، ٣/٣٣٥، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، رقم ١٤٦٩، وصحيح مسلم، ٢/٧٢٩، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، رقم ١٠٥٣.","vol":"1","page":167},{"text":"أشدهم بلاء الدعاة إلى الله، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وهم أَوْلَى بالصبر والاحتساب، وخاصة ما يصيبهم بسبب دعوتهم من الأذى.\nوفي صبر النبي ﷺ على أذى المشركين أمثلة رائعة يجدر بالدعاة إلى الله تعالى أن يقفوا عندها ويتأملوها، ليتأسَّوا بالنبي ﷺ، ومن هذه الأمثلة:\n١- ماكان مشركو مكة يلقون على عتبته ﷺ من الأنتان والأقذار، ومع ذلك كان يصبر ويحتسب، ويقول: \"أي جوار هذا\"١؟ .\n٢-بعد أن اشتد أذى قريش للنبي ﷺ عقب وفاة عمه أبي طالب، خرج النبي ﷺ إلى الطائف، للدعوة وطلب النصرة من ثقيف، ولكنها لم تستجب له، وأمروا صبيانهم وسفهاءهم أن يصطفوا على الطريق صفين، وأن يرجموه بالحجارة، فرجموه ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه٢.\nفهذه الأمثلة وغيرها كثير تبين لنا شدة صبر النبي ﷺ واحتسابه على مالاقاه أثناء دعوته من أذى المشركين، فعلى الداعية إلى الله أن يتحلى بالصبر، ويتحمل المشاق في سبيل الدعوة إلى الله.\nسابعًا: التحلي بالأخلاق الفاضلة:\nإن من الأمور المهمة في حياة الداعية إلى الله تعالى أو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون متمسكًا بأخلاق الداعية، بحيث يظهر عليه أثر العلم في\n_________\n١ انظر سيرة ابن هشام، ١/٤١٦ وتاريخ الطبري، ٢/٣٤٣.\n٢ انظر سيرة ابن هشام، ١/٤١٩-٤٢٠، والطبقات الكبرى، لابن سعد، ١/٢١٢، والدلائل للبيهقي، ٢/٤١٤، ومختصر سيرة الرسول ﷺ، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ٨٣، والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، د. مهدي رزق الله، ٢٢٧.","vol":"1","page":168},{"text":"معتقده وفي عباداته من صلاة وصيام وتلاوة قرآن وفي هيئته وجميع مسلكه مبتعدًا عن الأخلاق الذميمة حتى يُمثّل دور الداعية إلى الله تعالى.\nوقد شنّع الله تعالى على الذين يدعون الناس إلى الصلاح وينسون أنفسهم بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١.\nوقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ٢\nوإن كان القول الراجح من أقوال العلماء ﵏ أن للإنسان أن يأمر بالمعروف ولو لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن كان يفعله.\nإلاَّ أنَّ هناك أمرًا مهمًا يجب التنبه إليه. ألا وهو قبول دعوة الداعي أو أمر الآمر بالمعروف ونهي الناهي عن المنكر. وتأثير ذلك في الناس.\nلذلك فإن الداعي إلى الله تعالى أو الآمر الناهي إذا كان قدوة صالحة في عقيدته وفي عباداته ومنهج حياته فحريٌ أن يُقبَلَ قوله، وتسمع كلمته، ويكون له تأثير طيب على المجتمع.٣\nوقد مثلت حياة الرسول ﷺ أعمالًا كثيرة متنوعة، بحيث تكون فيها الأسوة الصالحة، والمنهج الأعلى للحياة الإنسانية في جميع أطوارها، لأنها جمعت بين الأخلاق العالية والعادات الحسنة، والعواطف النبيلة المعتدلة ...\n_________\n١ سورة البقرة، الآية (٤٤) .\n٢ سورة الصف، الآيتان، (٢-٣) .\n٣ انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، د. عبد العزيز المسعود، ١/٢٢٣، وحاجة البشر إلى الأمر بالمعروف ووالنهي عن المنكر، للشيخ عبد الله الجبرين، ٦٧-٦٨.","vol":"1","page":169},{"text":"وقد كان ﷺ، معلمًا مخلصًا، وواعظًا ناصحًا، ومرشدًا أمينًا، وكان مبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.\nوكان ﷺ عابدًا شاكرًا لربه، وقد غفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر.\nفعن عائشة ﵂ قالت: \"كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لكماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: \"أفلا أكون عبدًا شكورا\" ١.\nلذا فإنه ينبغي للداعية إلى الله تعالى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يلتزم بأوامر الإسلام ويتخذها زادًا يستعين به في دعوته وأمره ونهيه، وأن يتخذ من الرسول ﷺ، وسيرته القدوة الحسنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٢.\nإلى غير ذلك من الدعائم والمقومات التي يقوم عليها المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى كالصدق، والعدل، والتواضع، والجود، والكرم، والتثبت وعدم العجلة وغيرها مما هي من لوازم الداعية الناجح.\n_________\n١ صحيح البخاري، ٣/١٤، كتاب التهجد، باب قيام النبي ﷺ الليل، رقم ١١٣٠، وصحيح مسلم، ٤/٢١٧٢، كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، رقم ٢٨٢٠.\n٢ سورة الأحزاب، الآية (٢١) .","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفصل الثالث: أسباب انحراف الأمة عن المنهج الصحيح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الأول: الغلو في الدين</span>\nلقد بدأت البشرية على التوحيد لله تعالى منذ أن أهبط آدم ﵇ إلى الأرض، قال ابن عباس ﵄: \"كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام\" ١.\nإلا أن الناس بعد ذلك تعلقوا بالصالحين، وغَلَواْ فيهم، وبدأ الانحراف في العقيدة، في أولئك القوم الذين بعث الله فيهم نوحًا ﵇، بعد أن زين لهم الشيطان عبادة الأصنام، بسبب الغلو في الصالحين.\nفقد روى البخاري - ﵀ - في صحيحه عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٢. قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم فعبدت ٣.\n_________\n١ أخرجه الحاكم في المستدرك، ٢/٥٤٦، كتاب التاريخ، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ١/١٠١، وعزاه إلى البخاري، وانظر تفسير ابن كثير، ١/٢٥٩، وفتح الباري، ٦/٣٧٢، وتفسير ابن جرير الطبري، ٣/٣٣٤.\n٢ سورة نوح، الآية (٢٣) .\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، ٨/٦٦٧، كتاب التفسير، سورة نوح، رقم ٤٩٢٠.","vol":"1","page":171},{"text":"إن الغلو داء عضال وسرطان فتاك، يفسد العقيدة، ويهلك الشعوب، وما ذاك إلا لأنه تعدٍّ لما أمر الله به، وتجاوز للمشروع الذي شرعه الله، ولهذا حذر الله عباده من الغلو في الدين، والإفراط بالتعظيم، سواء بالاعتقاد أو القول أو الفعل، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١.\nأي لاَ تَتَعَدَّوْا ما حد الله لكم، وأهل الكتاب هنا: اليهود والنصارى، فنهاهم عن الغلو في الدين، وهذه الأمة كذلك، كما قال تعالى مخاطبًا رسوله محمدًا ﷺ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.\nوعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين\" ٣.\nوحذر النبي ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور، لأن عبادة الله عند قبور الصالحين وسيلة إلى عبادتهم، ولهذا لما ذكرت أم حبيبة وأم سلمة ﵄ لرسول الله ﷺ كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: \"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصّور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\"٤.\n_________\n١ سورة النساء، من الآية (١٧١) .\n٢ سورة هود، الآية (١١٢) .\n٣ أخرجه النسائي، ٥/٢٨٦، كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، وابن ما جه، ٢/١٠٠٨، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، والحاكم ١/٤٦٦، والبيهقي ٥/١٢٧، وأحمد ١/٢١٥،٣٤٧، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/٢٧٨، رقم ١٢٨٣.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، ١/٥٢٣، كتاب الصلاة، باب هل نبش قبور مشركي الجاهلية..، ومسلم ١/٣٧٥، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور.","vol":"1","page":172},{"text":"كما حذر النبي ﷺ عن الإطراء فقال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله\" ١.\nوالإطراء مجاوزة الحد بالباطل في المدح، والكذب فيه، ومعنى لا تطروني أي: لا تمدحوني بالباطل، أو لا تجاوزوا الحد في مدحي٢.\nوالغلو كثير في النصارى فإنهم غَلَواْ في عيسى ﵇ فنقلوه من حيّز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله، يعبدونه كما يعبدون الله، بل غلوا فيمن زعم أنه على دينه من أتباعه، فادعوا لهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقًا أو باطلًا، وناقضتهم اليهود في أمر عيسى ﵇ فحطوا من منزلته، حتى جعلوه وَلَدَ بغيَّ٣.\nوقد وقعت الأمة فيما حذرها منه النبي ﷺ من الغلو، حيث غلا كثير من الناس في دين الله، وتجاوزا الحد المشروع لهم، وتشبهوا بمن قبلهم من اليهود والنصارى وغيرهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: \"ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى، وغلا في الدين بإفراط أو تفريط، وضاهاهم في ذلك فقد شابههم، كالخوارج المارقين من الإسلام الذين خرجوا في خلافة علي بن أبي طالب ﵁ فقاتلهم حين خرجوا على المسلمين، وكان قتالهم بأمر النبي ﷺ كما ثبت ذلك من عشرة أوجه في الصحاح والمسانيد وغير ذلك، وكذلك من غلا\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، ٦/٤٧٨، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ . رقم الحدث ٣٤٤٥، عن عمر ﵁.\n٢ تيسير العزيز الحميد، ٣١٤.\n٣ تيسير العزيز الحميد، ٣٠٦-٣٠٧.","vol":"1","page":173},{"text":"في دينه من الرافضة والقدرية والجهمية والمعتزلة\" وقال أيضًا: \"فإذا كان على عهد النبي ﷺ من انتسب إلى الإسلام وقد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان، قد يمرق أيضًا من الإسلام، وذلك بأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١٢.\nومن هذا يتبين لنا أن أعظم فتنة ابتُليت بها البشرية إنما هي فتنة الغلو، وأن من أسباب انحراف الأمة عن المنهج الصحيح، والفطرة السليمة، إنما هو مجاوزة الحد الذي أدى ببعض الناس إلى صرف العبادة إلى غير الله تعالى، وذلك بالتقرب والتوسل إلى ما يسمونه بالأولياء والصالحين، والعكوف عند قبورهم بالصلاة أو الدعاء أو الذبح أو النذر أو الطواف أو التبرك بها ونحو ذلك مما هو من الشرك الذي حذرنا الله ورسوله منه، أشد التحذير.\n_________\n١ سورة النساء، من الآية (١٧١) .\n٢ انظر تيسير العزيز الحميد، ٣٠٧.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الثاني: الجهل</span>\nإن الجهل داء عظيم، يوصل للضلالة، ويورد المهالك، وهو من أعظم أسباب انحراف الأمة عن المنهج الصحيح، وفي الحديث عن عبد الله ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا يقبض العلم اننزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤسًا جُهالًا فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا\" ١.\nقال النووي - ﵀ -:\"هذا الحديث يبيّن أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه، ولكن معناه: أن يموت حملته، ويتخذ الناس جهالًا يحكمون بجهالاتهم فيضلون ويُضلون\"٢.\nوالمراد بالعلم هنا: علم الكتاب والسنة، وهو العلم الموروث عن الأنبياء ﵈، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وبذهابهم يذهب العلم، وتموت السنن، وتظهر البدع، ويعم الجهل، وأما علم الدنيا، فإنه في زيادة، وليس هو المراد في الأحاديث، بدليل قوله ﷺ: \"فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا\" والضلال إنما يكون عند الجهل بالدين، والعلماء الحقيقون هم الذين يعملون بعلمهم، ويوجهون الأمة، ويدلونها على طريق الحق والهدى\"٣.\nومن أعظم الجهل القول على الله بغير علم، وتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، ١/١٩٤، كتاب العلم، باب كيف يُقبض العلم، رقم ١٠٠، وصحيح مسلم ٤/٢٠٥٨، كتاب العلم باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان / رقم ٢٦٧١.\n٢ شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/٢٢٣-٢٢٤.\n٣ أشراط الساعة، للشيخ يوسف الوابل، ١٣٣.","vol":"1","page":175},{"text":"بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ على الله كذبًا ليضلّ الناس بغير علم﴾ ٢.\nومن أفتى أحدًا بدون علم، فإنه يبوء بإثمه، وإثم من استفتاه، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ٣.\nوخطورة الجهل تكمن في أن الجاهل يستكبر عن سماع الحق، ويستثقله، ويصور العلم والتعلم بأنه شبح رهيب وأنه بعيد المنال بحيث لا يمكن الوصول إليه، ومن ثم يبقى على جهله إلى أن يموت.\nفانظر إلى حال كثير من المسلمين اليوم وخصوصًا ممن ينتمي إلى كثير من الجماعات الحزبية في هذا العصر، والتي اختطت لنفسها طابعًا حزبيًا وصبت جل اهتمامها في مسائل محدودة من مسائل الشرع، أو ما توهموها من مسائل الشرع، وخُيّل إليهم عبثًا أنها وحدها توصلهم إلى بر النجاة، وإيجاد المجتمع الإسلامي المنشود في الوقت الذي لو سئلوا عن فرع سهل من فروع مسائل العلم لأجابوا بملء أفواههم، بأننا لا نعرف هذه المسائل، وإنما عليكم بسؤال العلماء، لأننا مشغولون عن ذلك بالدعوة إلى الله! فيا عجبًا!! كيف يدعو إلى الله بغير علم، وكيف يكون أهلًا للدعوة من لا يحسن أداء الصلاة على الوجه الذي صلاه رسول الله ﷺ؟ ٤.\nوالدواء الناجع للجهل، وطريق السلامة إنما هو بالعلم الشرعي، وقد وردت النصوص من الكتاب والسنة في الحث عليه، والثناء على أهله، وقد سبق بيانه.\n_________\n١ سورة الأعراف، الآية (٣٣) .\n٢ سورة الأنعام، من الآية (١٤٤) .\n٣ سورة النحل، الآية (٢٥) .\n٤ تنبيه أولي الأبصار، للشيخ صالح بن سعد السحيمي، ١٢٣.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثالث: الابتداع في الدين</span>\nالبدعة في اللغة: مأخوذة من البدع وهو: الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١.\nويُقال لمن أتى بأمر لم يسبقه إليه أحد، أبدع، وابتدع، وتبدّع. أي أتى ببدعة٢.\nأما البدعة في الاصطلاح: فقد عرفها الشاطبي - ﵀ - بقوله: \"طريق في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه\"٣.\nوقد نهى النبي ﷺ عن الابتداع في الدين، وحذر منه، وبيّن لأمته، أنّ كل بدعة في دين الله فهي محرمة وضلالة، فعن العرباض بن سارية ﵁ قال: \"وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال:\"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضَّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحْدَثَاثِ الأمور، فإن كل بدعة ضلالة\"٤.\n_________\n١ سورة البقرة، من الآية (١١٣) .\n٢ انظر لسان العرب ٨/٧، القاموس المحيط ٣/٣-٤ فصل الباء، باب العين.\n٣ الاعتصام، ١/٣٦.\n٤ سن أبي داود، ٥/١٣، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، رقم ٤٦٠٧، والترمذي، ٥/٤٤، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، رقم ٢٦٧٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه، ١/١٦، المقدمة باب إتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، رقم ٤٣٤٢، وأحمد في المسند، ٤/١٢٦-١٢٧، وابن حبان في صحيحه ١/٤، وقد صححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل، ٨/١٠٧، وصحيح سنن الترمذي، ٢/٣٤١، وصحيح سنن ابن ماجه ١/١٣٨، وفي ظلال الجنة ١/١٧-٢٠.","vol":"1","page":177},{"text":"وعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله ﷺ:\"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\"١.\nوفي رواية: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" ٢.\nولا شك أن الايتداع في الدين كان - ولا يزال - من أعظم الأسباب التي حادت بالأمة الإسلامية عن المنهج الصحيح، وكان من أهم العوامل التي قضت على وحدة المسلمين، وشتتت شملهم، حتى تفرق الناس شيعًا وأحزابًا.\nيقول الشاطبي -﵀: \"ثم استمر تزايد الإسلام، واستقام طريقه على مدة حياة النبي ﷺ ومن بعد موته، وأكثر قَرْن الصحابة ﵃، إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة، وأصغوا إلى البدع المضلة\"٣.\nوعن ظهور البدع ونشأتها يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀: \"واعلم أن عامة البدع المتعلق بالعلوم والعبادات إنما وقع في الأمة في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين، كما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: \"من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\"٤.\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، ٥/٣٠١، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، رقم ٢٦٩٧، وصحيح مسلم، ٣/١٣٤٣، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، رقم ١٧١٨.\n٢ صحيح مسلم، ٣/١٣٤٣-١٣٤٤، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، رقم ١٧١٨.\n٣ الاعتصام، ١/٢٢.\n٤ سبق تخريجه، ٦٠.","vol":"1","page":178},{"text":"وأول بدعة ظهرت بدعة القدر، وبدعة الإرجاء، وبدعة التشيع والخوارج، هذه البدع ظهرت في القرن الثاني والصحابة موجودون، وقد أنكروا على أهلها، ثم ظهرت بدعة الاعتزال، وحدثت الفتن بين المسلمين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وظهرت بدعة التصوف، وبدعة البناء على القبور بعد القرون المفضلة، وهكذا كلما تأخر الوقت زادت البدع وتنوعت١.\nومن البدع المعاصرة الاحتفال بالمولد النبوي، والتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياءً وأمواتًا.\nومنها البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله، وهي كثير ومنها الجهر بالنية للصلاة، والذكر الجماعي بعد الصلاة، وطلب قراءة الفاتحة في المناسبات بعد الدعاء، وللأموات، وإقامة المآتم على الأموات، وصناعة الأطعمة، واستئجار المقرئين..، وكالاحتفال بالمناسبات الدينية كمناسبة الإسراء والمعراج، ومناسبة الهجرة النبوية، ومن ذلك الأذكار الصوفية، كلها بدع ومحدثات لأنها مخالفة للأذكار المشروعة في صيغها وهيئاتها وأوقاتها، ومن ذلك البناء على القبور واتخاذها مساجد، وزيارتها لأجل التبرك بها، والتوسل بالموتى وغير ذلك من الأغراض الشركية..٢.\nوأختتم قولي هنا بقول ابن الماجشون: \"سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة، لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٣ فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا\" ٤.\n_________\n١ مجموع الفتاوى، ١٠/٣٥٤.\n٢ انظر محاضرات في العقيدة والدعوة للدكتور صالح الفوزان، ١/١١٣-١٢٣ باختصار.\n٣ سورة المائدة، الآية (٣) .\n٤ الاعتصام للشاطبي، ١/٤٩.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الرابع: اتباع الهوى</span>\nإنَّ اتباع الهوى من أعظم الأسباب التي أدت إلى انحراف هذه الأمة عن منهجها الصحيح، فنشأت بسببه الأحزاب الضالة، والفرق المنحرفة، وهو من أعظم دواعي الضلال، وأسباب الهلاك، فإنه يهوي بصاحبه إلى الردى والمهالك، حتى يورده إلى النار والعياذ بالله.\nوكل مخالف لما بعث الله به رسوله ﷺ من العبادات والطاعات والأوامر والنواهي، إنما يكون متبعًا لهواه، ولا يكون متبعًا لدين شرعه الله تبارك وتعالى١.\nوقد ذم الله ﷾ اتباع الهوى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ ٢.\nقال ابن كثير - ﵀: \"أي مهما استحسن من شيء ورآه حسنًا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه\" ٣.\nوقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.\nونهى المؤمنين عن اتباع الهوى فقال تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات.\n_________\n١ انظر مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١٠/١٧٠-١٧١.\n٢ سورة الفرقان، الآية (٤٣) .\n٣ تفسير ابن كثير، ٣/٣٣٥.\n٤ سورة الجاثية، الآية (٢٣) .\n٥ سورة النساء، من الآية (١٣٥) .\n٦ سورة الجاثية، الآية (١٨) .","vol":"1","page":180},{"text":"واتباع الهوى هو أصل كل شر، وأساس كل بلوى، ومعتمد كل بدعة، ولذلك فهو أشد وطأة من الجهل، لأن الجهل ميسور علاجه، وفي استطاعة من يتلبس به، وذلك بطلب العلم والتفقه في الدين، أما الهوى في أثناء طلب العلم أو بعد تحصيله فهو الآفة الخطيرة التي تحتاج إلى مجاهدة النفس وعلاج الداء.\nولخطورة الهوى وما يسببه من وقوع المرء في الشهوات والشبهات، حذر السلف الصالح رضوان الله عليهم من أهل الأهواء، ومن ذلك:\nقول ابن عباس ﵁:\" لاتجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب\"١.\nوقال أبو قلابة: \"لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن من أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون\"٢.\nوقال إبراهيم النخعي: \"لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث الغلظة في قلوب المؤمنين\"٣، إلى غير ذلك من أقوال السلف الصالح ﵃.\nوباتباع الهوى خرجت الخوارج، ورفضت الروافض، ونبتت الجهمية، وظهرت المعتزلة، وألحدت المرجئة، ونفت القدرية، وضلت الجبرية، وتفرقت الأمة حتى صارت شيعًا وأحزابًا كل حزب بما لديهم يفرحون، فكم حرّف الهوى من شرائع، وبدّل من ديانات، وأوقع الإنسان في ضلال مبين ٤.\n_________\n١ الإبانة لابن بطة، ٢/٤٣٨، رقم ٣٧١.\n٢ سنن الدارمي، ١/١٢٠، رقم ٣٩١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي، ١/١٣٤.\n٣ الإبانة لابن بطة، ٢/٤٣٩، رقم ٣٧٥\n٤ انظر تنبيه أولي الأبصار، للشيخ صالح السحيمي، ١٣٤-١٣٥.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الخامس: تقديم العقل على النقل</span>\nومن أسباب الانحراف في هذه الأمة تقديم العقل واعتماده مصدرًا تشريعيًا أعلى من كلام الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، وهذا كحال بعض المنتسبين إلى الإسلام من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من الفرق الضالة الذين تأثروا بكتب اليونان وعلومهم، وتبنوا أكثر أفكارهم، فما وافق العقل عندهم قبلوه، وما خالفه ردوه وطعنوا فيه، فابتعدوا بذلك عن العقيدة الصحيحة، وحادوا عن الصراط المستقيم، ولو أنهم تمسكوا بكتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، وجعلوهما المصدر الوحيد للتلقي، وردوا التنازع إليهما، وسلكوا منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وابتعدوا عن كل ما يخالف المنهج الصحيح، لما حصل لهم ماحصل من التخبط والضلال، ولما وقعت الأمة في الزيغ والانحراف.\nولا يخفى أن العقل نعمة عظيمة أودعها الله في الإنسان ليميز الخير من الشر، والحق من الباطل، ولكنّ للعقول حدًا تنتهي في الإدراك إليه، ولم يجعل الله لها سبيلًا إلى إدراك كل شيء، فمن الأشياء مالا يصل العقل إليه بحال، ومنها مايصل إلى ظاهر منه دون اكتناه١ وهي مع هذا القصور الذاتي لا تكاد تتفق في فهم الحقائق التي أمكن لها إدراكها، فإن قوى الإدراك ووسائله تختلف عند النظار اختلافًا كثيرًا، ولهذا كان لابد فيما لاسبيل للعقول إلى إدراكه، وفيما تختلف فيه الأنظار من الرجوع إلى مخبر صادق، يضطرُّ العقل أمام معجزته إلى تصديقه، وليس ذلك سوى الرسول المؤيد من عند الله العليم بكل شيء، الخبير بما خلق\"٢.\n_________\n١ اكتنَّ الشيء: استتر، ويقال: اكتنت المرأة: غطت وجهها وسترته حياءً من الناس، انظر المعجم الوسيط، ٢/٨٠١.\n٢ انظر البدعة أسبابها ومضارها لشلتوت، ٢٨.","vol":"1","page":182},{"text":"فمن الضلال المبين أن نوجه عقولنا لأمور قد كفانا الله شأنها، وندع المنهج الصحيح الذي أمرنا الله به من التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح، فإنَّ المسلمين لو تمسكوا بالمنهج الصحيح، وأعرضوا عن كل ما يُخالفه، لما وقعوا في تحكيم العقل في مجالات لم يخلق لها، ولما وقعوا في التخبط والحيرة، كما ذكر ذلك بعض أهل الكلام ١.\nوإذا صح الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ فليس للعقل مجال للأخذ أو الرد، بل يجب الإذعان والتسليم، حتى وإن لم تدرك العقول كنه تلك الأمور، لأن العقول أعجز من أن تحيط بكل شيء، فرحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.٢\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٤. فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحدٍ مخالفته، ولا اختيار لأحدٍ ههنا ولا رأي ولا قول ٥.\nلذا فإنَّ الواجب على المسلم أن يُذعن ويسلم لما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن يجعل عقله تابعًا لهما، لا مُعارضًا لهما، أو مقدّما عليهما، حتى لا يزيغ عن الحق، ولا يحيد عن الصراط المستقيم.\n_________\n١ ومنهم الجويني والغزالي والرازي وغيرهم، انظر الصفات الإلهية، للشيخ محمد أمان - ﵀، ١٥٧-١٧١.\n٢ تنبيه أولي الأبصار، ١٤١.\n٣ سورة النور، الآية (٥١) .\n٤ سورة الأحزاب، الآية (٣٦) .\n٥ انظر تفسير ابن كثير، ٣/٥١١.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث السادس: التفرق والتحزب</span>\nلقد أصاب الأمة الإسلامية ما أصاب الأمم قبلها من التحزب والاختلاف، فأضحت الأمة شيعًا وأحزابًا، يُخَطِّئ بعضُها بعضًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، وماذاك إلا لبعدها عن المنهج الصحيح، وهو التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والاعتصام بهما، والعمل بهما، ورد التنازع إليهما، فإنَّ السبيل الوحيد لجمع الشمل، وتوحيد الكلمة، هو الرجوع التام للمنهج الصحيح: كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، على فهم السلف الصالح، ففيه العصمة من التفرق والاختلاف، وفيه النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة.\nقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١.\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ - مبينًا معنى الاعتصام بكتاب الله: \"وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم، وكشوفاتهم، ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك فهو مُنسَّلٌ من هذا الاعتصام، فالدين كله في الاعتصام به وبحبله، علمًا وعملًا، وإخلاصًا، واستعانة، ومتابعة، واستمرارًا على ذلك إلى يوم القيامة\"٢.\nقال قتادة - ﵀ - عند قوله تعالى: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾:\"إن الله ﷿ قد كره لكم الفرقة وقدّم إليكم فيها، وحذركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة، والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله\"٣.\n_________\n١ سورة آل عمرآن، من الآية (١٠٣) .\n٢ مدارج السالكين، ٣/٣٢٣.\n٣ انظر تفسير الطبري، ٤/٣٢.","vol":"1","page":184},{"text":"وقال الإمام ابن كثير - ﵀:\"وقوله ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة.. وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف.. إلى أن قال: وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، فقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومُسَلَّمَة من عذاب الله، وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه\"١.\nوقال تعالى في النهي عن التفرق والاختلاف ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٢.\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ - في تفسير هذه الآية: \"يتوعد الله تعالى الذين فرقوا دينهم، أي شتتوه وتفرقوا فيه، وكل أخذ لنفسه نصيبًا من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئًا، كاليهودية، والنصرانية، والمجوسية، أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئًا، ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة، من أهل البدع والضلال، والمفرقين للأمة، ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أصل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية\"٣.\nوفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: \"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصاري على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة\n_________\n١ تفسير ابن كثير، ١/٤٠٥.\n٢ سورة الأنعام، الآية (١٥٩) .\n٣ تيسير الكريم الرحمن، ٢/٩١.","vol":"1","page":185},{"text":"على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل من هي يا رسول الله؟ قال:\"من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي\"١.\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ -: \"فأهل الأديان - قبلنا - اختلفوا فيما بينهم على آراء ومُثُل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحلٍ كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله وبما كان عليه الصدر من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه\"٢.\nوقال ابن أبي العز الحنفي في تعليقه على الحديث السابق: \"فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة\"٣.\nوزادت الفرقة بالمسلمين - مع مرور الزمن - وكثر الاختلاف، واتسع الشقاق، وماجت الفتن بأصحاب الأهواء موج البحر، وصارت قلوبهم متنافرة، مظلمة سوداء مرباده لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا إلا ما أُشربت من الأهواء٤.\n_________\n١ أخرجه أبو دواد، ٥/٤، أول كتاب السنة، رقم ٤٥٩٦، والترمذي، ٥/٢٥، كتاب الإيمان باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، رقم ٢٦٤٠، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه، ٢/١٣٢١، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، رقم ٣٩٩١، وأحمد، ٢/٣٣٢، والحاكم في المستدرك ١/١٢٨، وقال صحيح على شرط مسلم، وانظر السلسلة الصحيحة، للشيخ الألباني، ٣/٤٨٠رقم ١٤٩٢.عن أبي هريرة ﵁.\n٢ تفسير ابن كثير، ٣/٤٥٢.\n٣ شرح الطحاوية، ٤٣٢\n٤ انظر حديث حذيفة في صحيح مسلم ١/١٢٨، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا ...، رقم ١٤٤.","vol":"1","page":186},{"text":"وصار الاختلاف في أصل الدين، في إفراد الله في العبادة، وفي العبادة ذاتها، كما اختلف الذين من قبل اتباعًا للسنن كما أخبر النبي ﷺ بقوله: \"لتتبعنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لسلكتموه\" قالوا: يارسول الله من اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن إذن\" ١.\nولكن بفضل الله ورحمته لا تزال طائفة أهل السنة والجماعة: \"الفرقةُ الناجيةُ\" باقيةً إلى قيام الساعة كما روى البخاري من حديث معاوية ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"لايزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لايضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك\" ٢.\nومن هؤلاء الذين أقام الله بهم السنة في الإخلاص والمتابعة في هذه الجزيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد ما اندرس من معالم الإسلام في القرن الثاني عشر، فلقد تجرّد للدعوة إلى الله على بصيرة، وجاهد في رد الناس إلى ما كان عليه أهل السنة والجماعة من إفراد الله بالعبادة وترك التعلق بغير الله، والاعتقاد فيما دونه، متبعًا في ذلك سنة رسول الله ﷺ، وقيض الله من آل سعود أنصارًا لدين الله ورسوله عرفوا صدق موافقته للحق فنفّذوا نصرته بالسلطان والعزيمة، وعقدوا الاتفاق بين نص الوحي وحد السيف إذا لم ينفع\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، ٦/٤٩٥، كتاب أحاديث الأنبياء باب ما ذكره عن بني إسرائيل، رقم ٣٤٥٦، وصحيح مسلم، ٣/١٢٩١، كتاب القسامة، باب القسامة، رقم ١٦٦٩، وأحمد في المسند، ٣/٨٤،٨٩،٩٤، وابن أبي عاصم في السنة، ١/٣٦-٣٧، عن أبي سعيد ﵁.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، ٦/٦٣٢، رقم ٣٦٤١، والفظ له، وصحيح مسلم، ٣/١٥٢٤، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ ٠\" لا تزال طائفة من أمتي على الحق ...\"، رقم ١٠٣٧.","vol":"1","page":187},{"text":"اللين واستمر الظالم في ظلمه ولم يبال بالواعظ من الكتاب والسنة فأخذوا على يديه وأجروا عليه مايستحقه شرعًا من جهاد وقتال، وإقامة حدّ أو تعزير حتى ينزجِرَ عن باطله، وهذا هو سنة المصطفى ﷺ وسيرته.\nونحن في هذه البلاد - ولله الحمد والمنة - ننعم بالإسلام، وبجماعة المسلمين، تحت ولاية إسلامية تحكّم فينا شرع الله، وسنة رسوله ﷺ، فلا يجوز لأحد من المسلمين في هذه البلاد السعودية المسلمة أن يوجد حزبًا إسلاميًا أو ينتمي إليه ... لأن ذلك شق لعصا الطاعة، وتفريق للجماعة وهو بمثابة خرق في سفينة نجاتهم يسبب غرقها أو يهددها بالخطر والغرق ١.\n_________\n١ انظر مقدمة الدكتور صالح العبود على حقيقة الدعوة إلى الله تعالى وما اختصت به جزيرة العرب، للشيخ سعد الحصين، ٨-١٦، باختصار وتصرف. وانظر نص فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بعدم شرعية وجود هذه الجماعات مالم يستند وجودها إلى قرار من ولي الأمر، رقم ١٦٧٤.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفصل الرابع: أثر المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى</span>\nللمنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى آثار طيبة، ونتائج حميدة: على الداعي إلى الله تعالى وعلى المدعوين، وأهم هذه الآثار مايلي:\nأولًا: إن في الدعوة إلى الله تعالى على هدي النبي ﷺ، امتثالًا لأمر الله تعالى الذي أمر بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هى أحسن، كما في قوله ﷿: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١.\nوقوله سبحانه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ٢ والأمر للرسول ﷺ، أمر لأمته، مالم يدل دليل على اختصاصه به. فكما أن الرسول ﷺ مأمور بالدعوة إلى الله تعالى فأمته مأمورة بذلك. بل قد أمرها الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣.\nثانيًا: إن تحقيق المنهج الصحيح في الدعوة إلى لله فيه الاقتداء بالنبي ﷺ، كما أمره ربه ﵎ بذلك في قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ فأتباع الرسول ﷺ يدعون إلى الله على بصيرة كما دعا الرسول ﷺ على بصيرة، ومن لم يدع على منهج\n_________\n١ سورة النحل، من الآية (١٢٥) .\n٢ سورة الشورى، من الآية (١٥) .\n٣ سورة آل عمران، الآية (١٠٤) .\n٤ سورة يوسف، الآية (١٠٨) .","vol":"1","page":189},{"text":"الرسول ﷺ كان اتباعه ناقصًا١.\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.\nقال ابن كثير ﵀ -: \"هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله\"٣.\nثالثًا: إنَّ من آثار المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى العمل بالكتاب والسنة والاعتصام بهما، كما ينتج عنه تآلف المسلمين واجتماعهم وترابطهم وتماسك مجتمعهم، وعدم التفرق والتحزب، والاختلاف والتطرف.\nقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٤.\nوقال ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٥ إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة.\nرابعًا: وإن في الدعوة إلى الله تعالى على المنهج الصحيح تبليغ دين الله تعالى إلى الناس كما أراد الله تعالى.\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ .٦\n_________\n١ انظر محاضرات في العقيدة والدعوة للدكتور صالح الفوزان (١/١٤١) .\n٢ سورة آل عمران، من الآية (٣١) .\n٣ تفسير ابن كثير (١/٣٧٢) .\n٤ سورة آل عمران، من الآية (١٠٣) .\n٥ سورة الأنعام، الآية (١٥٩) .\n٦ سورة آل عمران، من الآية (١٨٧) .","vol":"1","page":190},{"text":"وعن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: \"بلغوا عني ولو آية\"١.\nخامسًا: وإن من آثار اتباع المنهج الصحيح تصحيح عقائد الناس من الشرك والبدع والشعوذة، وجميع ما يخالف العقيدة الإسلامية.\nوكما يحصل الأمن والاستقرار والطمأنينة في الدنيا يكون الأمن من عذاب الله يوم القيامة.\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢.\nسادسًا: إن في الدعوة إلى الله تعالى على المنهج الصحيح تكون هداية من أراد الله هدايته من الناس، ويكون الأجر العظيم والثواب الجزيل، فعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\"٣.\nوقول النبي ﷺ يوم خيبر - لعلي بن أبي طالب - ﵁:\"انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم\"٤.\n_________\n١ صحيح البخاري بشرح الفتح (٦/٤٩٦) كتاب أحاديث الأنبياء باب ماذكر عن بني إسرائيل رقم (٣٤٦١) .\n٢ سورة الأنعام، الآية (٨٢) .\n٣ صحيح مسلم (٤/٢٠٦٠) كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة رقم (٢٦٧٤) .\n٤ صحيح البخاري بشرح الفتح (٧/٤٧٦) كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، حديث رقم (٤٢١٠)، وصحيح مسلم (٤/١٨٧٢) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ رقم (٢٤٠٦) .","vol":"1","page":191},{"text":"فهذه الأدلة تبين لنا فضل الدعوة إلى الله تعالى، وذلك لما يترتب\nعليها من تبليغ شرع الله وحفظه، وحصول المصالح العظيمة للخلق في معاشهم ومعادهم، ودينهم ودنياهم، واندفاع الشرور عنهم إذا هم قبلوها وعملوا بها على الوجه المطلوب.\nسابعًا: وإنَّ من آثار الدعوة القائمة على الكتاب والسنة والعمل بهما على فهم السلف الصالح - رضوان الله عليهم - حصول التمكين في الأرض، ورغد العيش، وحياة الأمن والاستقرار. وخير شاهد على ذلك ما قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - من الدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك والبدع وغيرها من المنكرات، التي كانت متفشية في الجزيرة العربية.\nومنذ أن قام الإمام محمد بن سعود - ﵀ - مؤسس الدولة السعودية المباركة بتبني هذه الدعوة الطيبة، قامت دولة التوحيد، وكتب الله لها النصر والبقاء، واتفقت كلمة أهلها، وتوحدت صفوفهم، ونبذوا الفرقة والاختلاف، وعاشوا في أمن ورخاء، وزالت مظاهر الشرك في مدة وجيزة، وهي لم تكن لتزول لولا فضل الله وتوفيقه ثم انطلاق هذه الدعوة من روح العقيدة الإسلامية الخالصة.\nقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١\n_________\n١ سورة النور، الآية (٥٥) .","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الخاتمة</span>\nبعد حمد الله تعالى على عونه وتوفيقه لي بانجاز هذا البحث أحبُّ أن أثبت أهم النتائج التالية:\n١-إن اتباع منهج أهل السنة والجماعة، الذين جاءت الأدلة بفضلهم والثناء عليهم، هو طريق الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة. وهو المنهج الحق الذي يجب اتباعه.\n٢-إن أهل السنة والجماعة يسيرون على أصول ثابتة وواضحة، في الاعتقاد والقول والعمل والسلوك، وهذه الأصول مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان ﵃ أجمعين.\n٣-إن التوحيد وعبادة الله تعالى وحده دون سواه هو الأمر الذي بعث الله من أجله الرسل وأنزل من أجله الكتب، وخلق من أجله الإنس والجن، وهو أول مادعت الرسل أممهم إليه، وبقية الأحكام إنما هي تابعة له. وأنه لم يدع أحد من الأنبياء إلى السياسة أو يبدأ بالزهد والورع أو بالأخلاق. وأن النبي محمد ﷺ قد استمر طيلة ثلاث عشرة سنة في مكة في سبيل تحقيق هذا المبدأ العظيم.. لذا فإن هذا المنهج هو الذي يجب على الدعاة أن يسلكوه، ولا يحيدوا عنه.\n٤-إن من أهم الدعائم والمقومات التي يقوم عليها المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى: العلم النافع، والإخلاص لله وحده، والمتابعة للنبي ﷺ، وترتيب الأولويات، والحكمة، والرفق والحلم، والصبر والاحتساب، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، والصدق في القول والعمل، والعدل، والتواضع، والجود والكرم، والتأني والتثبت وعدم الطيش والعجلة","vol":"1","page":193},{"text":"٥- بيان أن البشرية كانت على التوحيد، وكانت على الحق، وأن الانحراف عن الحق وعن الطريق المستقيم، إنما كان بسبب الغلو في الدين، والابتداع فيه، والجهل، واتباع الهوى، وتقديم العقل على النقل، والتفرق والتحزب والاختلاف.\n٦-بيان أن في الدعوة إلى الله تعالى على المنهج الصحيح القائم على الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح فيه امتثال لأمر الله تعالى الذي أمر بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.. وفيه اقتداء بالرسول ﷺ على علم وبصيرة.\n٧-إن من آثار المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى العمل بالكتاب والسنة والاعتصام بهما، كما ينتج عن ذلك التآلف والترابط، وعدم التفرق والتحزب والتنابذ.\n٨-إن الدعوة إلى الله على المنهج الصحيح فيه تصحيح لعقائد الناس من الشرك والبدع والشعوذة، وجميع ما يخالف العقيدة الصحيحة، ويكون فيه الأمن والاستقرار والطمأنينة في الدنيا، كما يحصل الأمن من عذاب الله في الآخرة لمن أطاعه واتبع هديه.\n٩-إن في الدعوة إلى الله تعالى على المنهج الصحيح ما يحصل به تبليغ دين الله تعالى إلى الناس كما أراد الله، وتكون هداية من أراد الله هدايته، ويكون الأجر العظيم والثواب الجزيل.\n١٠-إننا في هذه البلاد السعودية ننعم - ولله الحمد والمنة - بالإسلام والدعوة إليه والعمل به على هدي الكتاب والسنة، ومنهج السلف الصالح، وننعم بجماعة المسلمين، تحت ولاية إسلامية راشدة تحكم فينا شرع الله وسنة رسوله ﷺ. فلا يجوز لأحدٍ من المسلمين في هذه البلاد أو من خارجها أن يوجد حزبًا، أو ينشئ جماعة، فيشق بذلك الطاعة، ويخالف الجماعة.","vol":"1","page":194},{"text":"فهذه أهم المعالم الرئيسة في هذا البحث، وإني في الختام لأستغفر الله من كل ذنب زلت به القدم، أو زلل طغى به القلم.\nوأسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به من يطلع عليه من المسلمين، إنه جواد كريم.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>مصادر ومراجع</span>\n...\nقائمة بأهم المصادر والمراجع\n١ – القرآن الكريم.\n٢ – الإبانة عن شريعة الفرق الناجية ومجانبة الفرق المذمومة: لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي \"ت٣٨٧هـ\"، دار الراية للنشر والتوزيع، ط١، ١٤٠٩هـ.\n٣ – الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة من إجابات فضيلة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان: ط٢، ١٤١٨هـ، دار السلف، الرياض.\n٤ – الاستقامة لابن تيمية: أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، \"ت٧٢٨هـ\"، ط٢، ١٤٠٩هـ، مكتبة السنة، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.\n٥ – الأصول الثلاثة وأدلتها: للشيخ محمد بن سليمان التميمي، مكتبة الخضيري، ١٤١٦هـ، المدينة المنورة.\n٦- أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام: للدكتور محمد أمان بن علي الجامي، طبع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ١٤٠٤هـ.\n٧- الاعتصام: للعلامة أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، \"ت٧٩٠هـ\"، دار المعرفة، بيروت.\n٨- البدع أسبابها ومضارها: للشيخ محمود شلتوت \"ت١٣٨٣هـ\" تحقيق علي حسن عبد الحميد، مكتبة ابن الجوزي.","vol":"1","page":196},{"text":"٩ – البدع والنهي عنها: لمحمد بن وضاح القرطبي، تحقيق محمد أحمد دهمان، دار البصائر، دمشق.\n١٠- تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: للشيخ عبد الله بن صالح القصير، ط١، ١٤١١هـ، دار العاصمة، الرياض.\n١١ – تفسير القرآن العظيم: للحافظ ابن كثير \"ت٧٧٤هـ\" مطبعة الفجالة، القاهرة، ط١، ١٣٨٤هـ، نشر مكتبة النهضة الحديثة.\n١٢ – تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار: للدكتور صالح بن سعد السحيمي، ط١، ١٤١٠هـ، دار بن حزم للنشر والتوزيع، الرياض.\n١٣ – تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، \"ت١٢٣٣هـ\"، الطبعة ٣، ١٤١٠ هـ، نشر مكتبة العلوم والحكم.\n١٤ – تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، \"ت١٣٧٦هـ\" مطبعة المدني، ١٤٠٨هـ، القاهرة.\n١٥ – جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ: للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري \"ت٦٠٦هـ\" نشر مكتبة الحلواني، دار البيان، توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية.","vol":"1","page":197},{"text":"١٦ – جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف بتفسير الطبري: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري \"ت٣١٠هـ\" شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط٣، ١٣٨٨هـ.\n١٧ – الجامع الصحيح للترمذي: للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي \"ت٢٧٩هـ\" دار إحياء التراث العربي.\n١٨ – جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم: للإمام الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي الدمشقي الشهير بابن رجب \"ت٧٩٥؟\" ط٥، ١٤١٤؟، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٩ – حقيقة الدعوة إلى الله تعالى وما اختصت به جزيرة العرب: بقلم سعد بن عبد الرحمن الحصين، ط١، ١٤١١هـ، الفرقان، الرياض.\n٢٠ – حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية: للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، ط الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٢١ – الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى: لسعيد بن علي القحطاني، ط١، ١٤١٢هـ.\n٢٢ – درء تعارض العقل والنقل: لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية \"ت٧٢٨هـ\" تحقيق د. رشاد سالم، ط١، ١٤٠٠؟، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n٢٣ – الرد على من أنكر الحرف والصوت: لأبي نصر عبيد الله بن سعيد الوائلي السجزي، تحقيق ودراسة د. محمد با كريم، طبع المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط١، ١٤١٣هـ.","vol":"1","page":198},{"text":"٢٤ – سلسلة الأحاديث الصحيحة: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.\n٢٥ – سنن ابن ماجه: للحافظ أبي عبد الله القزويني،\"ت٢٧٥هـ\"، دار الفكر، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\n٢٦ – السنن الكبرى: للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي \"ت٤٥٨هـ\" دار الفكر.\n٢٧ – سنن أبي دواد: للإمام الحافظ أبي دواد سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي \"ت٢٧٥هـ\" دار الحديث للطباعة، بيروت، ط١، ١٣٨٨هـ.\n٢٨ – سنن الدارمي: للإمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي \"ت٢٥٥هـ\" دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٩ – سنن النسائي: للحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي \"ت٣٠٣هـ\" المكتبة العلمية، بيروت.\n٣٠ – السيرة النبوية: لأبي محمد عبد الملك بن هشام \"٢١٨هـ\" دار الكنوز الأدبية، تحقيق مصطفى السقا، إبراهيم الإبياري، وعبد الحفيظ شلبي.\n٣١ – شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم: للإمام الحافظ أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي \"ت٤١٨هـ\" تحقيق د. حمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض.\n٣٢ – شرح العقيدة الطحاوية: للإمام علي بن محمد بن أبي العز الحنفي \"ت٣٢١هـ\" المكتب الإسلامي، ط٤، ١٣٩١هـ.","vol":"1","page":199},{"text":"٣٣ – شرح النووي على صحيح مسلم: للإمام الحافظ محيي الدين أبي زكريا يحى بن شرف الشافعي النووي، \"ت٦٧٦هـ\" دار الفكر، بيروت.\n٣٤ – الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات: للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ط١، ١٤١٤هـ، دار المجد، الرياض.\n٣٥ – صحيح البخاري مع فتح الباري: للإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري \"ت٢٥٦هـ\" طبع المكتبة السلفية.\n٣٦ – صحيح مسلم: للإمام الحافظ أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري \"ت٢٦١هـ\" دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\n٣٧ – الطبقات الكبرى: لابن سعد محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري المكنى بأبي عبد الله \"ت٢٣٠هـ\" دار صادر، بيروت.\n٣٨ – عقيدة أهل السنة والجماعة: لفضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين، من مطبوعات الجتمعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤٠٧هـ.\n٣٩ – العقيدة الصحيحة ونواقض الإسلام: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار العصيمي، الرياض.\n٤٠ – فتح الباري شرح صحيح البخاري: للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني \"ت٨٥٢هـ\" طبع المكتبة السلفية.\n٤١ – القاموس المحيط: لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي \"ت٨١٧هـ\" مؤسسة الحلبي وشركاه، القاهرة.","vol":"1","page":200},{"text":"٤٢ – لسان العرب: لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور \"٧١١هـ\" دار صادر، بيروت.\n٤٣ – مجمل اعتقاد أئمة السلف: للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط٢، ١٤١٧هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٤٤ – مجموع الفتاوى: لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم، وابنه محمد، الطبعة السعودية، ١٣٩٨هـ.\n٤٥ – محاضرات في العقيدة والدعوة: للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، دار العاصمة، النشرة الأولى، ١٤١٥هـ.\n٤٦ – مختصر منهاج القاصدين: للإمام أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي، \"ت٧٤٢؟\" تقديم د. وهبة الزحيلي، ط١، ١٤١٤؟، دار الخير، بيروت، توزيع مكتبة الوراق، الرياض.\n٤٧ – مدارج السالكين: للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر القيم الجوزية \"٧٥١هـ\" دار صادر الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٣هـ.\n٤٨ – المستدرك على الصحيحين:\nللإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري \"ت٤٠٥هـ\" دار الكتاب العربي، بيروت.\n٤٩ – المسند: للإمام أحمد بن حنبل الشيباني \"ت٢٤١هـ\" دار صادر، بيروت.\n٥٠ – المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقرىء الفيومي \"ت٧٧٠هـ\" مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، تصحيح مصطفى السقا.","vol":"1","page":201},{"text":"٥١ – المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي: ترتيب وتنظيم أ. ى ونسناه، مطبعة بريل، ليدن.\n٥٢ – المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة.\n٥٣ – معجم مقاييس اللغة: لأبي الحسن أحمد بن فارس \"ت٣٩٥هـ\" على القول الراجح، دار الكتب العلمية، إيران.\n٥٤ – المعجم الوسيط: للدكتور إبراهيم أنيس وآخرين.\n٥٥ – المفردات في غريب القرآن: لأبي القاسم الحسين بن الفضل الراغب الأصفهاني \"ت٥٠٢هـ\" دار المعرفة، بيروت.\n٥٦ – مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة: سعيد بن علي القحطاني، ط١، ١٤١٥هـ، مطبعة سفير، الرياض.\n٥٧ – منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل: للدكتور ربيع بن هادي المدخلي، الدار السلفية، ط١، ١٤٠٦هـ، الكويت.\n٥٨ – منهج السلف في العقيدة وأثره في وحدة المسلمين: د. صالح بن سعد السحيمي.\n٥٩ – الموطأ: للإمام مالك بن أنس، \"ت١٧٩هـ\" دار إحياء الكتب العربية.\n٦٠ – النهاية في غريب الحديث والأثر: للإمام مجد الدين أبي السعادات المعروف بابن الأثير \"ت٦٠٦هـ\" المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ.","vol":"1","page":202}]}