{"ً":{"ٌ":902,"ٍ":"المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/akadea/akadea.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمعا ودراسة\nالمؤلف: هيثم قاسم موسى الحمري\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير بقسم العقيدة، كلية الدعوة وأصول الدين، الجامعة الإسلامية، بإشراف الدكتور عبد العزيز بن صالح الطويان، ١٤٣٨ هـ\nتقديم: أ. د. محمد بن عبد الرحمن الخميس، أستاذ العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nالناشر: الناشر المتميز، دار النصيحة - الرياض\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م\nعدد الصفحات: ٧٧٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":840,"ٕ":1,"ٖ":1780758829,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"التمهيد","level":1,"page":22},{"title":"المبحث الأول: تعريف المناظرة وأحكامها","level":2,"page":23},{"title":"المطلب الأول: تعريف المناظرة لغة واصطلاحا","level":3,"page":24},{"title":"تعريف المناظرة لغة","level":4,"page":24},{"title":"تعريف المناظرة اصطلاحا","level":4,"page":27},{"title":"المطلب الثاني: أركان المناظرة","level":3,"page":30},{"title":"المطلب الثالث: حكم المناظرات","level":3,"page":31},{"title":"القسم الأول: جدل وتناظر محمود","level":4,"page":31},{"title":"القسم الثاني: جدل وتناظر مذموم","level":4,"page":35},{"title":"الحالة الأولى: إذا لم يكن المناظر أهلا للمناظرة؛ وذلك لأحد أسباب أربعة","level":5,"page":35},{"title":"الحالة الثانية: إذا كانت المناظرة مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة.","level":5,"page":37},{"title":"الحالة الثالثة: أن تكون في المناظرة مفسدة راجحة","level":5,"page":38},{"title":"المبحث الثاني: التعريف بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ومنهجه في المناظرات: ويشتمل على مطلبين","level":2,"page":41},{"title":"المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام ﵀: ويشتمل على","level":3,"page":42},{"title":"تمهيد","level":4,"page":43},{"title":"اسمه ونسبه ومولده","level":4,"page":44},{"title":"صفاته","level":4,"page":45},{"title":"أولا: سعة علمه","level":5,"page":45},{"title":"ثانيا: قوة حفظه وسرعته","level":5,"page":48},{"title":"ثالثا: جلده في العلم والتعليم","level":5,"page":49},{"title":"رابعا: قوة حجته","level":5,"page":51},{"title":"خامسا: زهده وكرم نفسه","level":5,"page":52},{"title":"سادسا: حلمه وعفوه وصفحه","level":5,"page":53},{"title":"سابعا: صبره وانشراح صدره","level":5,"page":60},{"title":"ثامنا: شجاعته","level":5,"page":62},{"title":"تاسعا: تواضعه","level":5,"page":66},{"title":"عاشرا: كثرة تآليفه وتصنيفاته","level":5,"page":81},{"title":"وفاته","level":4,"page":82},{"title":"حزن الناس عليه","level":4,"page":85},{"title":"ملحق الترجمة","level":3,"page":87},{"title":"المطلب الثاني: منهج شيخ الإسلام في المناظرات","level":3,"page":92},{"title":"١) إخلاص النية وحسن القصد والتخلص من حظوظ النفس","level":4,"page":92},{"title":"٢) وحدة منهجه وطريقته ومسلكه","level":4,"page":93},{"title":"٣) الالتزام بالأدلة الشرعية من نصوص الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة","level":4,"page":94},{"title":"٤) الثقة بالله تعالى، وبما رزقه من علم وبصيرة وحق","level":4,"page":95},{"title":"٥) قوة حجته وحضورها","level":4,"page":96},{"title":"٦) تمام العلم والدراية بمذهب الخصم ومقالات المخالفين","level":4,"page":96},{"title":"٧) الدقة في النقل والتحري في نسبة الأقوال للمخالفين","level":4,"page":97},{"title":"٩) حرصه في مناظراته على جمع الكلمة واتفاقها","level":4,"page":99},{"title":"١٠) شجاعته في النطق بالحق، وعدم مهابته لأحد غير الله","level":4,"page":100},{"title":"١١) فطنته بمكايد الخصم وسرعة بديهته في معرفة مراده","level":4,"page":101},{"title":"١٢) العدل مع المخالف","level":4,"page":102},{"title":"١٣) إنصاف الخصم وإنزاله منزلته التي يستحقها","level":4,"page":103},{"title":"١٤) الاعتناء بالأصول والقواعد دون الفروع والجزئيات في الرد والتقرير","level":4,"page":104},{"title":"١٥) ضرب الأمثلة والتطبيقات، لما يذكره من قواعد وتقريرات","level":4,"page":105},{"title":"١٦) التدرج مع المخالف في بيان الباطل وتقرير الحق","level":4,"page":106},{"title":"١٧) البدء بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد، قبل تقرير الحق والمعتقد الصحيح","level":4,"page":107},{"title":"١٨) التنزل مع الخصم أدعى لقبوله الحق","level":4,"page":107},{"title":"١٩) الحرص على إفهام الخصم والإتيان بالعبارات الواضحة","level":4,"page":109},{"title":"٢٠) الاحتجاج بكتب المخالف وأقوال شيوخه الذين يعظمهم","level":4,"page":110},{"title":"٢١) تنوع أساليبه وطرقه في إبطال مقالة الخصم","level":4,"page":111},{"title":"٢٢) قلب دليل الخصم دليلا عليه","level":4,"page":114},{"title":"٢٣) عدم الجدال والمناظرة في البديهيات والضروريات","level":4,"page":115},{"title":"٢٤) الرحمة بالمخالف والإشفاق عليه، والحرص على هدايته","level":4,"page":116},{"title":"٢٥) مراعاته لقاعدة الجدل والمناظرة: (إن كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيا فالدليل)","level":4,"page":117},{"title":"٢٦) عدم رد الباطل بباطل","level":4,"page":118},{"title":"٢٧) مراعاة عوارض الأهلية - كالجهل والتأويل ونحوهما -","level":4,"page":119},{"title":"٢٨) استخدام أسلوب الترغيب والترهيب عند الحاجة إليه","level":4,"page":120},{"title":"٢٩) استخدام أسلوب الردع والزجر عند الحاجة لذلك","level":4,"page":121},{"title":"٣٠) جواز استعمال المصطلحات الحادثة للحاجة","level":4,"page":122},{"title":"الباب الأول مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع غير المسلمين","level":1,"page":127},{"title":"الفصل الأول مناظرته مع النصارى","level":2,"page":128},{"title":"المبحث الأول: مناظرته مع بعض علماء النصارى في تأليه المسيح دون غيره من الأنبياء: وفيه مطلبان","level":3,"page":129},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":129},{"title":"تمهيد","level":5,"page":129},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":130},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":132},{"title":"المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين","level":5,"page":132},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":132},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":133},{"title":"المسألة الثانية: في ذكر قاعدة مهمة تبطل ما ادعاه النصارى من ألوهية المسيح","level":5,"page":135},{"title":"أولا: استدلالهم بإحيائه الموتى","level":6,"page":136},{"title":"ثانيا: استدلالهم بإنزال المائدة من السماء","level":6,"page":137},{"title":"ثالثا: استدلالهم بخلقه من امرأة بلا رجل","level":6,"page":137},{"title":"رابعا: استدلاهم بجعله الطين على هيئة الطير ونفخه فيه فيكون طيرا بإذن الله","level":6,"page":137},{"title":"المبحث الثاني: مناظرته مع بعض النصارى في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن","level":3,"page":138},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة.","level":4,"page":138},{"title":"تمهيد","level":5,"page":138},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":140},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة","level":4,"page":141},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل هذه الشبهة وسبب إيراد النصارى لها","level":5,"page":141},{"title":"الوجه الثاني: بيان بطلان هذه الشبهة والجواب عليها","level":5,"page":141},{"title":"المبحث الثالث: مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد في شركهم ومخالفتهم لدين إبراهيم والمسيح -﵉-: ويشتمل على مطلبين","level":3,"page":144},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":144},{"title":"تمهيد","level":5,"page":144},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":145},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة.","level":4,"page":146},{"title":"المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة","level":5,"page":146},{"title":"الوجه الأول: أصل شبهتهم التي قامت عليه","level":6,"page":146},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":147},{"title":"المسألة الثانية: الأثر السلبي المترتب على انحراف كثير من المنتسبين للإسلام في باب التوحيد","level":5,"page":148},{"title":"المسألة الثالثة: مخالفة النصارى لدين المسيح -﵇-","level":5,"page":150},{"title":"المسألة الرابعة: دين المسيح -﵇- ودين جميع الأنبياء واحد","level":5,"page":152},{"title":"المبحث الرابع: مناظرته مع بعض معظمي رهبان النصارى في دينهم وشركهم وعكوفهم على التماثيل والقبور وعبادتها، وفيه مطلبان","level":3,"page":154},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":154},{"title":"تمهيد","level":5,"page":154},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":155},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":156},{"title":"مناقشة الشبهة التي احتج بها هؤلاء الرهبان","level":5,"page":156},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل هذه الشبهة عند القائلين بها","level":6,"page":157},{"title":"الوجه الثاني: بيان بطلان هذه الشبهة والجواب عليها","level":6,"page":163},{"title":"أولا: بيان أن جعلهم الاستغاثة والتوسل بمعنى واحد لم يقل به أحد من الأمم","level":7,"page":164},{"title":"ثانيا: أن هذا القول مخالف لجميع اللغات","level":7,"page":165},{"title":"ثالثا: أن هذا القول مخالف لإجماع علماء المسلمين","level":7,"page":165},{"title":"رابعا: أن هذا القول مخالف لما علم من دين الإسلام بالضرورة","level":7,"page":165},{"title":"خامسا: بين ﵀ الفرق بين الاستغاثة والتوسل من ناحية المعنى واللغة","level":7,"page":165},{"title":"سادسا: بيان المعنى الشرعي الذي جاءت به النصوص للتوسل","level":7,"page":166},{"title":"الفصل الثاني: مناظرته مع بعض التتار في زعمه أفضليتهم بفضل ملكهم","level":2,"page":169},{"title":"المبحث الأول: عرض المناظرة","level":3,"page":170},{"title":"تمهيد","level":4,"page":170},{"title":"نص المناظرة","level":4,"page":173},{"title":"المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":3,"page":176},{"title":"مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها","level":4,"page":176},{"title":"الفصل الثالث: مناظرته مع بعض المنجمين في فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بها","level":2,"page":182},{"title":"المبحث الأول: عرض المناظرة","level":3,"page":183},{"title":"تمهيد","level":4,"page":183},{"title":"نص المناظرة","level":4,"page":184},{"title":"المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":3,"page":185},{"title":"المسألة الأولى: مناقشة أصل الشبهة عند المنجمين، وذلك من وجهين اثنين","level":4,"page":185},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":5,"page":185},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":5,"page":185},{"title":"المسألة الثانية: بيان كذب المنجمين","level":4,"page":190},{"title":"الفصل الرابع: مناظرته مع بعض الفلاسفة","level":2,"page":198},{"title":"المبحث الأول: عرض المناظرة","level":3,"page":199},{"title":"تمهيد","level":4,"page":199},{"title":"نص المناظرة","level":4,"page":200},{"title":"المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة","level":3,"page":204},{"title":"مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة","level":4,"page":204},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":5,"page":204},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على الشبهة","level":5,"page":207},{"title":"أولا: بيان المفهوم الصحيح للتوحيد","level":6,"page":207},{"title":"ثانيا: بيان فساد تفسيرهم وتعريفهم للتوحيد","level":6,"page":210},{"title":"الوجه الأول: بيان فساده لغة","level":7,"page":210},{"title":"الوجه الثاني: بيان فساده عقلا","level":7,"page":212},{"title":"الوجه الثالث: بيان فساده شرعا","level":7,"page":214},{"title":"ثالثا: بيان فساد شبهة التركيب","level":6,"page":216},{"title":"رابعا: بيان شرك الفلاسفة وأنهم من أعظم الناس شركا","level":6,"page":219},{"title":"الباب الثاني: مناظرته مع الطوائف المنتسبة للإسلام","level":1,"page":222},{"title":"الفصل الأول: مناظرته مع الاتحادية","level":2,"page":223},{"title":"المبحث الأول: مناظرته مع بعض حذاق الاتحادية في قولهم بأن الإحاطة هي الوجود المطلق، وفي أن أصل قولهم يرجع إلى القول بالوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الأعيان.","level":3,"page":226},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":226},{"title":"تمهيد","level":5,"page":226},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":228},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":229},{"title":"مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة","level":5,"page":230},{"title":"الوجه الأول: أصل الشبهة","level":6,"page":230},{"title":"الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة","level":6,"page":235},{"title":"المبحث الثاني: مناظرته مع شيخ من شيوخ الاتحادية في اعتقاده فناء الحلاج واتحاد الحق سبحانه به. وتحته مطلبان","level":3,"page":243},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":243},{"title":"تمهيد","level":5,"page":243},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":244},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":245},{"title":"مناقشة شبهة فناء الحلاج واتحاد الحق -سبحانه- به","level":5,"page":245},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":245},{"title":"الوجه الثاني: الجواب عن هذه الشبهة","level":6,"page":248},{"title":"أولا: بيان فساد اعتقادهم فناء الحلاج واتحاد الحق -تعالى الله سبحانه- به","level":7,"page":248},{"title":"ثانيا: من جهة فساد اعتقادهم في الحلاج","level":7,"page":253},{"title":"ثالثا: فساد ما ذكروه من مثال لتقرير هذا الأمر","level":7,"page":254},{"title":"المبحث الثالث: مناظرته مع جماعة من الاتحادية العارفين بالفلسفة وغيرها والداخلين في التصوف والزهد في اعتقادهم أن ابن هود هو الله، وهو المسيح ابن مريم","level":3,"page":257},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":257},{"title":"تمهيد","level":5,"page":257},{"title":"عرض المناظرة","level":5,"page":259},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":261},{"title":"المسألة الأولى: بطلان شبهتهم في اعتقاد ألوهية ابن هود","level":5,"page":261},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":261},{"title":"الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة","level":6,"page":261},{"title":"المسألة الثانية: بطلان اعتقادهم أن ابن هود هو عيسى بن مريم","level":5,"page":264},{"title":"المبحث الرابع: مناظرته مع بعض أكابر الاتحادية في الفرق بين التوحيد والإلحاد: ويشتمل على مطلبين","level":3,"page":266},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":266},{"title":"تمهيد","level":5,"page":266},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":267},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":269},{"title":"المسألة الأولى: مناقشة قول ابن حمويه: (ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف)","level":5,"page":269},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":269},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":271},{"title":"المسألة الثانية: بيان حال ابن عربي وابن حمويه وغيرهم من أئمة الاتحادية","level":5,"page":274},{"title":"المبحث الخامس: مناظرته مع بعض شيوخ الاتحادية في رفضه قتال التتار لاعتقاده أن هذا قتال لله: ويشتمل على مطلبين","level":3,"page":278},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":278},{"title":"تمهيد","level":5,"page":278},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":278},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":279},{"title":"مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها","level":5,"page":279},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":279},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":280},{"title":"ملحق","level":3,"page":286},{"title":"مناظرته مع بعض الاتحادية في اعتقادهم إن الله هو الناطق في كل شيء","level":3,"page":286},{"title":"نص المناظرة","level":4,"page":286},{"title":"مناظرته مع بعض الاتحادية في اعتقادهم أن الله ظهر في صورة الموجودات","level":3,"page":287},{"title":"نص المناظرة","level":4,"page":287},{"title":"الفصل الثاني: مناظرته مع الصوفية وعباد القبور","level":2,"page":288},{"title":"المبحث الأول: مناظرته مع بعض الرفاعية فيما يدعونه من المخاريق: ويشتمل على مطلبين","level":3,"page":290},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":290},{"title":"تمهيد","level":5,"page":290},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":291},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة","level":4,"page":295},{"title":"المسألة الأولى: كشف تلبيس الرفاعية في دعواهم: دخول النار وعدم الاحتراق بها","level":5,"page":295},{"title":"المسألة الثانية: في عدم ظهور الأحوال الشيطانية عند أهل الإيمان","level":5,"page":295},{"title":"المبحث الثاني: مناظرته مع جماعة من الرفاعية فيما يزعمونه من إشارات وأحوال","level":3,"page":299},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":299},{"title":"تمهيد","level":5,"page":299},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":299},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين","level":4,"page":300},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":5,"page":300},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":5,"page":300},{"title":"المبحث الثالث: مناظرته مع شيخ من شيوخ الرفاعية في تعبدهم بلبس الأغلال: ويشتمل على مطلبين","level":3,"page":302},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":302},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":302},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة","level":4,"page":305},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم في لبس الأغلال","level":5,"page":305},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":5,"page":306},{"title":"المبحث الرابع: المناظرة الكبرى مع الرفاعية في قصر الإمارة: ويشتمل على مطلبين","level":3,"page":309},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة.","level":4,"page":309},{"title":"تمهيد","level":5,"page":309},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":309},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرات","level":4,"page":329},{"title":"المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة","level":5,"page":329},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":329},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":330},{"title":"المسألة الثانية: الأحوال والإشارات والمخاريق التي يدعيها الرفاعية","level":5,"page":333},{"title":"المسألة الثالثة: التعبد ولبس الأغلال","level":5,"page":337},{"title":"المسألة الرابعة: إصدار الأصوات المزعجة وصياحهم وصراخهم أثناء الصلوات وفي الميادين والطرقات","level":5,"page":339},{"title":"المبحث الخامس: مناظرته مع بعض الرفاعية في دعواه دخول التنور وعدم الاحتراق بذلك","level":3,"page":342},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة.","level":4,"page":342},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":342},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة","level":4,"page":343},{"title":"المبحث السادس: مناظرته مع بعض من يحسن الظن بالأحجار ويجوزون التبرك بها","level":3,"page":348},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":348},{"title":"تمهيد","level":5,"page":348},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":349},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":351},{"title":"مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة","level":5,"page":352},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":352},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":353},{"title":"المبحث السابع: مناظرته مع جماعة يستشفون بقبور العبيديين ويعتقدون ولايتهم","level":3,"page":359},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":359},{"title":"تمهيد","level":5,"page":359},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":360},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":363},{"title":"المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين","level":5,"page":363},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":363},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":364},{"title":"المسألة الثانية: بيان حال العبيديين الفاطميين وكفرهم وزندقتهم","level":5,"page":366},{"title":"المبحث الثامن: مناظرته مع بعض شيوخ المشرق في جواز دعاء القبور والحديث الموضوع في هذا","level":3,"page":375},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة.","level":4,"page":375},{"title":"تمهيد","level":5,"page":375},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":375},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":376},{"title":"المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين","level":5,"page":376},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":376},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":377},{"title":"المسألة الثانية: الاستدلال بالأحاديث الضعيفة والموضوعة","level":5,"page":380},{"title":"المبحث التاسع: مناظرته مع بعض المشايخ الذين يستغيثون بغير الله ويدعون ظهور صورته لهم","level":3,"page":383},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":383},{"title":"تمهيد","level":5,"page":383},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":387},{"title":"مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة وذلك من وجهين","level":5,"page":387},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":387},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":390},{"title":"الفصل الثالث: مناظراته مع الرافضة","level":2,"page":410},{"title":"المبحث الأول: مناظرته مع أحد شيوخ الرافضة في عصمة علي -﵁-: واشتمل على مطلبين","level":3,"page":411},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة.","level":4,"page":411},{"title":"تمهيد","level":5,"page":411},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":414},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة","level":4,"page":414},{"title":"المبحث الثاني: مناظرته مع أحد أكابر شيوخ الرافضة في عصمة الإمام علي -﵁- والإمامة والمهدي المنتظر","level":3,"page":424},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":424},{"title":"تمهيد","level":5,"page":424},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":425},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة","level":4,"page":427},{"title":"مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة","level":5,"page":428},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":428},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على الشبهة","level":6,"page":430},{"title":"ملحق","level":3,"page":436},{"title":"مناظرته مع مقدم المغل بولاي في يزيد بن معاوية، ومحبة أهل البيت","level":4,"page":436},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":436},{"title":"الفصل الرابع: مناظراته مع المتكلمين","level":2,"page":440},{"title":"المبحث الأول: مناظرته مع مجموعة من القضاة والعلماء حول العقيدة الواسطية بحضرة نائب السلطان","level":3,"page":441},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":441},{"title":"تمهيد","level":5,"page":441},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":498},{"title":"المسألة الأولى: تسمية المتكلمين التحريف تأويلا","level":5,"page":498},{"title":"تمهيد","level":6,"page":498},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":498},{"title":"الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة","level":6,"page":500},{"title":"المسألة الثانية: نسبة مقالة التشبيه والتجسيم لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-","level":5,"page":509},{"title":"تمهيد","level":6,"page":509},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":510},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على الشبهة المذكورة","level":6,"page":510},{"title":"المسألة الثالثة: دعواهم أن إثبات الصفات إنما هو اعتقاد أحمد فحسب","level":5,"page":516},{"title":"تمهيد","level":6,"page":516},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":517},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":518},{"title":"المسألة الرابعة: مناقشة شيخ الإسلام فيما قرره من اعتقاد في القرآن وصفة الكلام","level":5,"page":521},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم في القرآن وكلام الله","level":6,"page":522},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":524},{"title":"الوجه الأول: الرد على قولهم: إن القرآن كلام الله معانيه دون حروفه","level":7,"page":524},{"title":"الوجه الثاني: الرد على نفيهم تعلق كلام الله بمشيئته وإرادته","level":7,"page":526},{"title":"الوجه الثالث: الرد على إضافتهم ابتداء القرآن إلى جبريل أو محمد عليهما الصلاة والسلام","level":7,"page":528},{"title":"الوجه الرابع: الرد على إنكارهم كلام الله بصوت","level":7,"page":529},{"title":"المسألة الخامسة: محاولة الخصوم إثبات التأويل عن السلف","level":5,"page":530},{"title":"تمهيد","level":6,"page":530},{"title":"المسألة الثامنة: رد دعواهم في أنه ليس لنصوص الأسماء والصفات معنى","level":5,"page":541},{"title":"تمهيد","level":6,"page":541},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":541},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":542},{"title":"المبحث الثاني: مناظرته مع بعض المؤولة للأسماء والصفات في بطلان التأويل في صفة اليد وغيرها من المسائل","level":3,"page":550},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":550},{"title":"تمهيد","level":5,"page":550},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":551},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":571},{"title":"المسألة الأولى: مقالة المتكلمين: (الظاهر من نصوص الصفات غير مراد)","level":5,"page":571},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":571},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":6,"page":571},{"title":"المسألة الثانية: شروط التأويل الجائز","level":5,"page":574},{"title":"المبحث الثالث: مناظرته مع ابن المرحل في تعلق الصفات وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية","level":3,"page":581},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":581},{"title":"تمهيد","level":5,"page":581},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":583},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية","level":4,"page":587},{"title":"تمهيد","level":5,"page":587},{"title":"مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين","level":5,"page":588},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":6,"page":588},{"title":"الوجه الثاني: الجواب عن هذه الشبهة","level":6,"page":589},{"title":"المبحث الرابع: مناظرته مع غير واحد من نفاة الصفات في مسألة الرؤية.","level":3,"page":593},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":593},{"title":"تمهيد","level":5,"page":593},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":594},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.","level":4,"page":596},{"title":"تمهيد","level":4,"page":596},{"title":"مناقشة شبهة نفاة الرؤية","level":4,"page":597},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم","level":5,"page":597},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":5,"page":597},{"title":"المبحث الخامس: مناظرته مع بعض من يدعي أن الله يتكلم بكلام لا معنى له.","level":3,"page":605},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":605},{"title":"تمهيد","level":5,"page":605},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":605},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":4,"page":608},{"title":"أصل الشبهة","level":5,"page":608},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة وهذه الدعوى","level":5,"page":609},{"title":"أولا: بيان خطأ هذه الدعوى","level":6,"page":609},{"title":"ثانيا: بيان الخلط الذي وقع فيه الرازي ومن تبعه على هذه المقالة","level":6,"page":611},{"title":"ثالثا: بيان خطأ نسبة هذا القول إلى الكرامية","level":6,"page":613},{"title":"رابعا: بيان ضعف مذهب الرازي وتناقضه في تقرير المسألة وردها","level":6,"page":614},{"title":"المبحث السادس: مناظرته مع بعض المشغوفين بأهل الكلام في بطلان طريقتهم إما في الدلائل أو المسائل. وفيه مطلبان","level":3,"page":616},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة.","level":4,"page":616},{"title":"تمهيد","level":5,"page":616},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":616},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":3,"page":617},{"title":"تمهيد","level":4,"page":617},{"title":"الوجه الأول: بيان أصل الشبهة","level":4,"page":617},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على شبهتهم","level":4,"page":618},{"title":"أولا: أن مسائلهم التي قرروها مسائل محدثة لم ترد في الشرع، بل هي مخالفة له","level":5,"page":619},{"title":"ثانيا: أن أدلتهم التي يقررون بها أصولهم ومسائلهم أدلة محدثة مبتدعة","level":5,"page":620},{"title":"ثالثا: أن إحداث مسائل جديدة في أصول الدين يعتبر طعنا في الشرع وقدحا في النبوة","level":5,"page":622},{"title":"رابعا: إحداثهم لهذه المسائل إنما جاء بناء على جهلهم بما جاءت به الشريعة من الأدلة والبراهين","level":5,"page":623},{"title":"المبحث السابع: مناظرته مع بعض منكري العلو: واشتمل على مطلبين","level":3,"page":629},{"title":"المطلب الأول: عرض المناظرة","level":4,"page":629},{"title":"تمهيد","level":5,"page":629},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":630},{"title":"المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة","level":4,"page":630},{"title":"تمهيد","level":5,"page":630},{"title":"الوجه الأول: بيان شبهتهم في إنكار دلالة الفطرة على مسألة العلو","level":5,"page":631},{"title":"الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة","level":5,"page":632},{"title":"المسلك الأول: تقرير دلالة الفطرة على علو الله ﷾","level":6,"page":633},{"title":"المسلك الثاني: الأجوبة الإجمالية على حجج القوم واعتراضاتهم على دليل الفطرة","level":6,"page":636},{"title":"المسلك الثالث: الأجوبة التفصيلية عن أهم شبههم","level":6,"page":639},{"title":"الجواب على الشبهة الثانية: وهي استدلالهم بالقضايا الذهنية والكليات المطلقة","level":6,"page":641},{"title":"الفصل الخامس: مناظرته مع بعض الجبرية الإباحية المحتجين بالقدر","level":2,"page":644},{"title":"المبحث الأول: عرض المناظرة","level":3,"page":645},{"title":"تمهيد","level":4,"page":645},{"title":"نص المناظرة","level":4,"page":645},{"title":"المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة","level":3,"page":647},{"title":"الوجه الأولى: بيان أصل الشبهة","level":4,"page":647},{"title":"الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة","level":4,"page":648},{"title":"الفصل السادس: مناظرته مع ابن الوكيل الشافعي في نسبته قول المرجئة لأهل السنة والجماعة، ودفاعه عن ذلك","level":2,"page":656},{"title":"المبحث الأول: عرض المناظرة","level":3,"page":657},{"title":"تمهيد","level":4,"page":657},{"title":"نص المناظرة","level":4,"page":657},{"title":"المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية","level":3,"page":668},{"title":"المسألة الأولى: مناقشة مقالة المرجئة التي نسبها ابن المرحل لأهل السنة","level":4,"page":668},{"title":"الوجه الأول: أصل الشبهة","level":5,"page":668},{"title":"الوجه الثاني: بطلان هذه الشبهة","level":5,"page":669},{"title":"المسألة الثانية: الكفر والظلم والنفاق والفسوق نوعان أكبر وأصغر","level":4,"page":673},{"title":"الوجه الأول: أصل الشبهة","level":5,"page":673},{"title":"الوجه الثاني: الجواب عنها","level":5,"page":674},{"title":"ملحق","level":3,"page":678},{"title":"مناظرته مع بعض المرجئة في اعتقادهم أن الإيمان شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقص","level":4,"page":678},{"title":"نص المناظرة","level":5,"page":678},{"title":"خاتمة البحث","level":1,"page":680},{"title":"أولا: أهم النتائج","level":2,"page":680},{"title":"ثانيا: أهم التوصيات","level":2,"page":686},{"title":"ثبت المصادر والمراجع","level":1,"page":688}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,25":22,"1,27":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,47":41,"1,49":42,"1,51":43,"1,52":44,"1,53":45,"1,54":46,"1,55":47,"1,56":48,"1,57":49,"1,58":50,"1,59":51,"1,60":52,"1,61":53,"1,62":54,"1,63":55,"1,64":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,68":60,"1,69":61,"1,70":62,"1,71":63,"1,72":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,137":128,"1,139":129,"1,140":130,"1,141":131,"1,142":132,"1,143":133,"1,144":134,"1,145":135,"1,146":136,"1,147":137,"1,148":138,"1,149":139,"1,150":140,"1,151":141,"1,152":142,"1,153":143,"1,154":144,"1,155":145,"1,156":146,"1,157":147,"1,158":148,"1,159":149,"1,160":150,"1,161":151,"1,162":152,"1,163":153,"1,164":154,"1,165":155,"1,166":156,"1,167":157,"1,168":158,"1,169":159,"1,170":160,"1,171":161,"1,172":162,"1,173":163,"1,174":164,"1,175":165,"1,176":166,"1,177":167,"1,178":168,"1,179":169,"1,181":170,"1,182":171,"1,183":172,"1,184":173,"1,185":174,"1,186":175,"1,187":176,"1,188":177,"1,189":178,"1,190":179,"1,191":180,"1,192":181,"1,193":182,"1,195":183,"1,196":184,"1,197":185,"1,198":186,"1,199":187,"1,200":188,"1,201":189,"1,202":190,"1,203":191,"1,204":192,"1,205":193,"1,206":194,"1,207":195,"1,208":196,"1,209":197,"1,211":198,"1,213":199,"1,214":200,"1,215":201,"1,216":202,"1,217":203,"1,218":204,"1,219":205,"1,220":206,"1,221":207,"1,222":208,"1,223":209,"1,224":210,"1,225":211,"1,226":212,"1,227":213,"1,228":214,"1,229":215,"1,230":216,"1,231":217,"1,232":218,"1,233":219,"1,234":220,"1,235":221,"1,237":222,"1,239":223,"1,241":224,"1,242":225,"1,243":226,"1,244":227,"1,245":228,"1,246":229,"1,247":230,"1,248":231,"1,249":232,"1,250":233,"1,251":234,"1,252":235,"1,253":236,"1,254":237,"1,255":238,"1,256":239,"1,257":240,"1,258":241,"1,259":242,"1,260":243,"1,261":244,"1,262":245,"1,263":246,"1,264":247,"1,265":248,"1,266":249,"1,267":250,"1,268":251,"1,269":252,"1,270":253,"1,271":254,"1,272":255,"1,273":256,"1,274":257,"1,275":258,"1,276":259,"1,277":260,"1,278":261,"1,279":262,"1,280":263,"1,281":264,"1,282":265,"1,283":266,"1,284":267,"1,285":268,"1,286":269,"1,287":270,"1,288":271,"1,289":272,"1,290":273,"1,291":274,"1,292":275,"1,293":276,"1,294":277,"1,295":278,"1,296":279,"1,297":280,"1,298":281,"1,299":282,"1,300":283,"1,301":284,"1,302":285,"1,303":286,"1,304":287,"1,305":288,"1,306":289,"1,307":290,"1,308":291,"1,309":292,"1,310":293,"1,311":294,"1,312":295,"1,313":296,"1,314":297,"1,315":298,"1,316":299,"1,317":300,"1,318":301,"1,319":302,"1,320":303,"1,321":304,"1,322":305,"1,323":306,"1,324":307,"1,325":308,"1,326":309,"1,327":310,"1,328":311,"1,329":312,"1,330":313,"1,331":314,"1,332":315,"1,333":316,"1,334":317,"1,335":318,"1,336":319,"1,337":320,"1,338":321,"1,339":322,"1,340":323,"1,341":324,"1,342":325,"1,343":326,"1,344":327,"1,345":328,"1,346":329,"1,347":330,"1,348":331,"1,349":332,"1,350":333,"1,351":334,"1,352":335,"1,353":336,"1,354":337,"1,355":338,"1,356":339,"1,357":340,"1,358":341,"1,359":342,"1,360":343,"1,361":344,"1,362":345,"1,363":346,"1,364":347,"1,365":348,"1,366":349,"1,367":350,"1,368":351,"1,369":352,"1,370":353,"1,371":354,"1,372":355,"1,373":356,"1,374":357,"1,375":358,"1,376":359,"1,377":360,"1,378":361,"1,379":362,"1,380":363,"1,381":364,"1,382":365,"1,383":366,"1,384":367,"1,385":368,"1,386":369,"1,387":370,"1,388":371,"1,389":372,"1,390":373,"1,391":374,"1,392":375,"1,393":376,"1,394":377,"1,395":378,"1,396":379,"1,397":380,"1,398":381,"1,399":382,"1,400":383,"1,401":384,"1,402":385,"1,403":386,"1,404":387,"1,405":388,"1,406":389,"1,407":390,"1,408":391,"1,409":392,"1,410":393,"1,411":394,"1,412":395,"1,413":396,"1,414":397,"1,415":398,"1,416":399,"1,417":400,"1,418":401,"1,419":402,"1,420":403,"1,421":404,"1,422":405,"1,423":406,"1,424":407,"1,425":408,"1,426":409,"1,427":410,"1,429":411,"1,430":412,"1,431":413,"1,432":414,"1,433":415,"1,434":416,"1,435":417,"1,436":418,"1,437":419,"1,438":420,"1,439":421,"1,440":422,"1,441":423,"1,442":424,"1,443":425,"1,444":426,"1,445":427,"1,446":428,"1,447":429,"1,448":430,"1,449":431,"1,450":432,"1,451":433,"1,452":434,"1,453":435,"1,454":436,"1,455":437,"1,456":438,"1,457":439,"1,459":440,"1,461":441,"1,462":442,"1,463":443,"1,464":444,"1,465":445,"1,466":446,"1,467":447,"1,468":448,"1,469":449,"1,470":450,"1,471":451,"1,472":452,"1,473":453,"1,474":454,"1,475":455,"1,476":456,"1,477":457,"1,478":458,"1,479":459,"1,480":460,"1,481":461,"1,482":462,"1,483":463,"1,484":464,"1,485":465,"1,486":466,"1,487":467,"1,488":468,"1,489":469,"1,490":470,"1,491":471,"1,492":472,"1,493":473,"1,494":474,"1,495":475,"1,496":476,"1,497":477,"1,498":478,"1,499":479,"1,500":480,"1,501":481,"1,502":482,"1,503":483,"1,504":484,"1,505":485,"1,506":486,"1,507":487,"1,508":488,"1,509":489,"1,510":490,"1,511":491,"1,512":492,"1,513":493,"1,514":494,"1,515":495,"1,516":496,"1,517":497,"1,518":498,"1,519":499,"1,520":500,"1,521":501,"1,522":502,"1,523":503,"1,524":504,"1,525":505,"1,526":506,"1,527":507,"1,528":508,"1,529":509,"1,530":510,"1,531":511,"1,532":512,"1,533":513,"1,534":514,"1,535":515,"1,536":516,"1,537":517,"1,538":518,"1,539":519,"1,540":520,"1,541":521,"1,542":522,"1,543":523,"1,544":524,"1,545":525,"1,546":526,"1,547":527,"1,548":528,"1,549":529,"1,550":530,"1,551":531,"1,552":532,"1,553":533,"1,554":534,"1,555":535,"1,556":536,"1,557":537,"1,558":538,"1,559":539,"1,560":540,"1,561":541,"1,562":542,"1,563":543,"1,564":544,"1,565":545,"1,566":546,"1,567":547,"1,568":548,"1,569":549,"1,570":550,"1,571":551,"1,572":552,"1,573":553,"1,574":554,"1,575":555,"1,576":556,"1,577":557,"1,578":558,"1,579":559,"1,580":560,"1,581":561,"1,582":562,"1,583":563,"1,584":564,"1,585":565,"1,586":566,"1,587":567,"1,588":568,"1,589":569,"1,590":570,"1,591":571,"1,592":572,"1,593":573,"1,594":574,"1,595":575,"1,596":576,"1,597":577,"1,598":578,"1,599":579,"1,600":580,"1,601":581,"1,602":582,"1,603":583,"1,604":584,"1,605":585,"1,606":586,"1,607":587,"1,608":588,"1,609":589,"1,610":590,"1,611":591,"1,612":592,"1,613":593,"1,614":594,"1,615":595,"1,616":596,"1,617":597,"1,618":598,"1,619":599,"1,620":600,"1,621":601,"1,622":602,"1,623":603,"1,624":604,"1,625":605,"1,626":606,"1,627":607,"1,628":608,"1,629":609,"1,630":610,"1,631":611,"1,632":612,"1,633":613,"1,634":614,"1,635":615,"1,636":616,"1,637":617,"1,638":618,"1,639":619,"1,640":620,"1,641":621,"1,642":622,"1,643":623,"1,644":624,"1,645":625,"1,646":626,"1,647":627,"1,648":628,"1,649":629,"1,650":630,"1,651":631,"1,652":632,"1,653":633,"1,654":634,"1,655":635,"1,656":636,"1,657":637,"1,658":638,"1,659":639,"1,660":640,"1,661":641,"1,662":642,"1,663":643,"1,665":644,"1,667":645,"1,668":646,"1,669":647,"1,670":648,"1,671":649,"1,672":650,"1,673":651,"1,674":652,"1,675":653,"1,676":654,"1,677":655,"1,679":656,"1,681":657,"1,682":658,"1,683":659,"1,684":660,"1,685":661,"1,686":662,"1,687":663,"1,688":664,"1,689":665,"1,690":666,"1,691":667,"1,692":668,"1,693":669,"1,694":670,"1,695":671,"1,696":672,"1,697":673,"1,698":674,"1,699":675,"1,700":676,"1,701":677,"1,702":678,"1,703":679,"1,704":680,"1,705":681,"1,706":682,"1,707":683,"1,708":684,"1,709":685,"1,710":686,"1,711":687,"1,736":688,"1,737":689,"1,738":690,"1,739":691,"1,740":692,"1,741":693,"1,742":694,"1,743":695,"1,744":696,"1,745":697,"1,746":698,"1,747":699,"1,748":700,"1,749":701,"1,750":702,"1,751":703,"1,752":704,"1,753":705,"1,754":706,"1,755":707,"1,756":708,"1,757":709,"1,758":710,"1,759":711,"1,760":712,"1,761":713,"1,762":714,"1,763":715,"1,764":716,"1,765":717,"1,766":718,"1,767":719,"1,768":720,"1,769":721,"1,770":722,"1,771":723,"1,772":724,"1,773":725,"1,774":726,"1,775":727,"1,776":728,"1,777":729,"1,778":730,"1,779":731},"ٜ":{"1":[3,779]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,27","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,47","1,49","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,137","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,211","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,237","1,239","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,459","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,665","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,679","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779"],"ٞ":{"22":[1],"23":[2],"24":[3,4],"27":[5],"30":[6],"31":[7,8],"35":[9,10],"37":[11],"38":[12],"41":[13],"42":[14],"43":[15],"44":[16],"45":[17,18],"48":[19],"49":[20],"51":[21],"52":[22],"53":[23],"60":[24],"62":[25],"66":[26],"81":[27],"82":[28],"85":[29],"87":[30],"92":[31,32],"93":[33],"94":[34],"95":[35],"96":[36,37],"97":[38],"99":[39],"100":[40],"101":[41],"102":[42],"103":[43],"104":[44],"105":[45],"106":[46],"107":[47,48],"109":[49],"110":[50],"111":[51],"114":[52],"115":[53],"116":[54],"117":[55],"118":[56],"119":[57],"120":[58],"121":[59],"122":[60],"127":[61],"128":[62],"129":[63,64,65],"130":[66],"132":[67,68,69],"133":[70],"135":[71],"136":[72],"137":[73,74,75],"138":[76,77,78],"140":[79],"141":[80,81,82],"144":[83,84,85],"145":[86],"146":[87,88,89],"147":[90],"148":[91],"150":[92],"152":[93],"154":[94,95,96],"155":[97],"156":[98,99],"157":[100],"163":[101],"164":[102],"165":[103,104,105,106],"166":[107],"169":[108],"170":[109,110],"173":[111],"176":[112,113],"182":[114],"183":[115,116],"184":[117],"185":[118,119,120,121],"190":[122],"198":[123],"199":[124,125],"200":[126],"204":[127,128,129],"207":[130,131],"210":[132,133],"212":[134],"214":[135],"216":[136],"219":[137],"222":[138],"223":[139],"226":[140,141,142],"228":[143],"229":[144],"230":[145,146],"235":[147],"243":[148,149,150],"244":[151],"245":[152,153,154],"248":[155,156],"253":[157],"254":[158],"257":[159,160,161],"259":[162],"261":[163,164,165,166],"264":[167],"266":[168,169,170],"267":[171],"269":[172,173,174],"271":[175],"274":[176],"278":[177,178,179,180],"279":[181,182,183],"280":[184],"286":[185,186,187],"287":[188,189],"288":[190],"290":[191,192,193],"291":[194],"295":[195,196,197],"299":[198,199,200,201],"300":[202,203,204],"302":[205,206,207],"305":[208,209],"306":[210],"309":[211,212,213,214],"329":[215,216,217],"330":[218],"333":[219],"337":[220],"339":[221],"342":[222,223,224],"343":[225],"348":[226,227,228],"349":[229],"351":[230],"352":[231,232],"353":[233],"359":[234,235,236],"360":[237],"363":[238,239,240],"364":[241],"366":[242],"375":[243,244,245,246],"376":[247,248,249],"377":[250],"380":[251],"383":[252,253,254],"387":[255,256,257],"390":[258],"410":[259],"411":[260,261,262],"414":[263,264],"424":[265,266,267],"425":[268],"427":[269],"428":[270,271],"430":[272],"436":[273,274,275],"440":[276],"441":[277,278,279],"498":[280,281,282,283],"500":[284],"509":[285,286],"510":[287,288],"516":[289,290],"517":[291],"518":[292],"521":[293],"522":[294],"524":[295,296],"526":[297],"528":[298],"529":[299],"530":[300,301],"541":[302,303,304],"542":[305],"550":[306,307,308],"551":[309],"571":[310,311,312,313],"574":[314],"581":[315,316,317],"583":[318],"587":[319,320],"588":[321,322],"589":[323],"593":[324,325,326],"594":[327],"596":[328,329],"597":[330,331,332],"605":[333,334,335,336],"608":[337,338],"609":[339,340],"611":[341],"613":[342],"614":[343],"616":[344,345,346,347],"617":[348,349,350],"618":[351],"619":[352],"620":[353],"622":[354],"623":[355],"629":[356,357,358],"630":[359,360,361],"631":[362],"632":[363],"633":[364],"636":[365],"639":[366],"641":[367],"644":[368],"645":[369,370,371],"647":[372,373],"648":[374],"656":[375],"657":[376,377,378],"668":[379,380,381],"669":[382],"673":[383,384],"674":[385],"678":[386,387,388],"680":[389,390],"686":[391],"688":[392]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة إصدارات الناشر المتميز (١٠٠)\nالرسائل الجامعية (١٩)\n\nالمناظرات العقدية\nلشيخ الإسلام ابن تيمية\nجمع ودراسة\nتأليف\nهيثم قاسم موسى الحمري\n\nتقديم فضيلة الشيخ\nأ. د. محمد بن عبد الرحمن الخميس\nأستاذ العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\n\nالناشر المتميز للطباعة والنشر والتوزيع الرياض","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nأصل هذا الكتاب: رسالة علمية تقدم بها الباحث لنيل الدرجة العالمية \"الماجستير\" من قسم العقيدة في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وقد أجيزت بتقدير:\nممتاز مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بالطبع\nبتاريخ ٢١ شعبان ١٤٣٨ هـ، وتكونت لجنة المناقشة من:\n١ - د. عبد العزيز بن صالح الطويان … مشرفًا.\n٢ - أ. د. عبد الله بن سليمان الغفيلي … مناقشًا.\n٣ - أ. د. صالح بن عبد العزيز سندي … مناقشًا.","vol":"1","page":4},{"text":"إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،\nأما بعد،،،\nفإن لعلماء الدعوة السلفية جهود عظيمة ومشكورة في نشر عقيدة السلف والدعوة إلى التوحيد الخالص والتحذير مما يناقض العقيدة الصحيحة من الشرك والبدع، ومن جملة هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀-، وقد تصدى للرد على المخالفين من أهل البدع وأهل الضلال تأليفا ومناظرة وإفتاءا وتدريسا.\nوقد اشتملت مناظرات شيخ الإسلام على المخالفين على مسائل عقدية وقواعد مهمة تستوجب مزيدا من الدراسة.\nوفي بيان جهوده ﵀ في المناظرة ما كتبه الباحث/ هيثم بن قاسم الحمري في رسالته للحصول على العالمية الماجستير والموسومة بـ «المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية - جمعا ودراسة-»، وقد حازت على درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من الجامعة الإسلامية، حيث أنه وفق للتصدي لجمع شتات المادة العلمية في هذه الرسالة، إذ أن مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية للمخالفين جاءت مبعثرة في كتب العقيدة وكتب التراجم وغيرهما.\nوقد قسم الباحث تلك المناظرات على قسمين رئيسيين:\nالقسم الأول: في المناظرات مع الطوائف غير المسلمة\nالقسم الثاني: في المناظرات مع الفرق المنتسبة إلى الإسلام\nوذكر تحت كل قسم عددا من الطوائف والفرق، ولذا عرض ما وقف عليه من المناظرات ودرسها مستدلا على ذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح.\nفأسأل الله التوفيق للباحث والمزيد من العناية بالعقيدة الإسلامية الصحيحة والذب عنها.\nوبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.\n\nكتبه: أ. د. محمد بن عبد الرحمن الخميس\nأستاذ العقيدة في كلية أصول الدين\nبجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية","vol":"1","page":5},{"text":"المقدمة\nوتشتمل على:\n-أهمية الموضوع\n-وسبب اختياره\n-وخطة البحث\n-وحدود الموضوع\n-والمنهج المتبع فيه.","vol":"1","page":6},{"text":"المقدمة\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله المتصف بصفات الكمال، المنعوت بنعوت الجلال والجمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثل ولا مثال، شهادة أدخرها ليوم لا بيع فيه ولا خلال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى أصح الأقوال، وأسد الأفعال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب وخير آل، صلاة دائمة بالغدو والآصال (^١).\nأما بعد:\nفإن من السنن الكونية التي قضاها رب البرية، الصراع بين أهل الحق والباطل، وأهل الضلال والهدى، هذا الصراع الذي لا يقتصر على مكان، ولا يحده ظرف ولا زمان، بل هو قضاء مستمر إلى قيام الساعة، فمنه ما يكون بالسيف والسنان، ومنه ما يكون بالحجة واللسان، وقد قضى ربنا سبحانه فيما قضى به، أن تكون الحرب بالسيوف سجالًا، فيومٌ للحق وأهله ويوم عليهم، وأما صراع الحجج والبراهين، فما زالت الغلبة فيه لأهل الحق من قبل ومن بعد، وإلى يوم يبعث الله الخلق، قال ابن حزم (^٢) -﵀-: «وقد تُهزم العساكر الكبار، والحجة\n_________\n(^١) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (١/ ٣).\n(^٢) هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره، كان له رياسة فزهد بها، وانصرف للعلم والدراسة، وسيرته معلومة مشهورة، ومن أشهر مصنفاته: \"الفصل في الملل والأهواء والنحل، والمحلى، وغيرها، (ت:٤٥٦). انظر: جذوة المقتبس (ص: ٣٠٨)، وفيات الأعيان (٣/ ٣٢٥)، السير (١٨/ ١٨٤).","vol":"1","page":7},{"text":"الصحيحة لا تُغلب أبدًا … وقد قُتِلَ أنبياء كثير وما غُلِبت حجتهم قط» (^١).\nوهذا الصراع تنوعت ميادينه، وتعددت طرقه وأساليبه، ومن أعظمها نفعًا، وأبلغها أثرًا، أسلوب (المحاورات والمناظرات) التي تعتبر-إذا توفرت شروطها ومقتضياتها- من أنفع الوسائل في بيان الحق وأفضلها، ويزداد نفعها ويعظم أثرها عندما يكون المتصدي لها هو أحد أئمة الإسلام ورجاله العظام، كشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، صاحب العلم الجم والفهم الثاقب والحجج القوية والبراهين الساطعة، الذي كان علمه بمذاهب الخصوم أكثر من علم أصحابها بها، والذي لا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله.\nويعظم أثرها أكثر، إذا كان أهل الباطل هم أهل التمكن والمنعة، وأهل الحق في ضعف وقلة، فحينئذ يظهر الحق بظهور أهله، وكشفهم للباطل، وردهم للجاهل، وقمعهم لكل مجادل.\nوهذه هي الحال التي كانت في عصر شيخ الإسلام، فقد كانت الصولة والجولة في ذلك الزمان لأهل البدع والأهواء، وكان سوق البدعة هو الرائج، وأهلها هم أصحاب السلطة والكلمة، فكان لوجود تلك المناظرات، في مثل ذلك العصر، الأثر الكبير البارز، في إظهار الحق وأهله، وفضح الباطل وجنده، ورحم الله ابن القيم حين قال في وصف شيخه:\nوله المقامات الشهيرة في الورى … قد قامها لله غير جبان\nنصر الإله ودينه وكتابه … ورسوله بالسيف والبرهان\nأبدى فضائحهم وبيّن جهلهم … وأرى تناقضهم بكل زمان\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٤).","vol":"1","page":8},{"text":"وأصارهم واللهِ تحت نعال أهـ … ل الحق بعد ملابس التيجان\nوأصارهم تحت الحضيض وطالما … كانوا هم الأعلام للبلدان\nومن العجائب أنه بسلاحهم … أرداهم تحت الحضيض الداني\nكانت نواصينا بأيديهم فما … منا لهم إلا أسير عان\nفغدت نواصيهم بأيدينا فما … يلقوننا إلا بحبل أمان\nوغدت ملوكهم مماليكا لأنصـ … ار الرسول بمنة الرحمن\nوأتت جنودهمُ التي صالوا بها … منقادة لعساكر الإيمان (^١)\nومثل هذه المناظرات العلمية الجليلة، التي حوت التقريرات السديدة، والمباحث المفيدة، كان من الأهمية بمكان جمعها في رسالة علمية، لعلها تكون نصرة للحق والدين، وإعانة لأهل العلم المجاهدين، ليستفيدوا من كلام هذا العلم العلامة في مواجهة الباطل وأهله، وأسأل الله العون والتيسير في ذلك، وما توفيقي إلا بالله وهو المستعان وعليه التكلان.\n• أهمية الموضوع وسبب اختياره:\n١) ما حوته هذه المناظرات من مسائل عقدية وأصول مهمة؛ تستوجب مزيدًا من العناية، وتستحق الجمع والدراسة.\n٢) عدم الوقوف على دراسة كاملة لهذا الموضوع، جامعة لكل ما يتعلق به.\n٣) أن هذه المناظرات جاءت مبعثرة في الكتب والدواوين كالدرر المنتشرة الشاردة الآبدة، ولم أجد أحدًا جمع هذه الجواهر من تلك الخزائن المدفونة، وقد كانت الحاجة ماسة إلى نظم تلك اليواقيت في بحث واحد؛ لتكون عدة وسلاحًا لأهل الحق في إبطال العقائد المنحرفة.\n٤) في جمع هذه المناظرات دفاع عن ذلك العَلَم الهمام والشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية -﵀-، وبيان لفساد ما اتهمه به خصومه ورموه به من الجهل،\n_________\n(^١) النونية (ص:٢٣١ - ٢٣٢).","vol":"1","page":9},{"text":"وسوء الفهم، والحقد الدفين في قلبه (^١)، وضعف وقلة عقله، وغيرها من التهم الزائفة التي رماه بها أصحاب القلوب المريضة (^٢)، وكما هو معلوم أن الدفاع عن أحد أبرز أئمة أهل السنة، والرد على ما يرمى به من دعاوى، إنما هو دفاع عن المعتقد والمنهج الذي يحمله ذلك الإمام.\n٥) بيان ضعف شُبه المبتدعة التي يثيرونها ضد معتقد أهل السنة والجماعة، وذلك من خلال عرضها، ثم عرض أجوبة شيخ الإسلام عنها ومناقشته لها وإفحامه للقائلين بها.\n٦) أن هذ الأقوال والشبه التي رد عليها شيخ الإسلام وناظر أصحابها لا يزال أهل الأهواء يرددونها ويحتجون بها في زماننا.\n٧) أهمية جمع جهود أعلام الإسلام وأئمة السنة في نصرة الحق ودحض الباطل، في مختلف الجوانب، وما هذا العمل إلا إبراز وإظهار لجانب مهم من جهود شيخ الإسلام ألا وهو مناظراته مع الخصوم.\n٨) المكانة العلمية الجليلة التي يحظى بها شيخ الإسلام ابن تيمية، وظهور حجته، وقوة تأثيره تجعل لجمع مناظراته أهمية بالغة وفائدة كبيرة خصوصًا في الرد على الطوائف المنحرفة والأديان المحرفة.\n٩) حرص الباحث على قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، لما في ذلك من عظيم النفع وكبير الفائدة.\n_________\n(^١) انظر بعض هذه التهم في: دفع شبه من شبَّه للحصني (ص:٤٥ - ٦٣، ٩٤، ١٠٧، ١٢١)، ومقدمة تحقيق أحمد محمد مرسي للبرهان الجلي لأحمد الغماري (ص:٢٥)، والبرهان الجلي (ص:٥٦، ٥٧، ٥٨، ٧٦).\n(^٢) انظر بعض هذه التهم في: تحفة النظار في غرائب الأمصار (ص:١١٢). والسيف الصقيل للسبكي (ص:٢١)، والجوهر المنظم للهيتمي (ص:٢٨)، وفيض الوهاب للقليوبي (٤/ ١٢٠)، والرد المحكم المبين لعبد الله الغماري (ص:٥٠).","vol":"1","page":10},{"text":"• حدود الموضوع:\nحدود الموضوع تظهر من عنوان الرسالة، فالموضوع يختص بأمور ثلاثة:\nالأمر الأول: المناظرات بمعناها الاصطلاحي وهو: المحاورة في الكلام بين جانبين مختلفين، في قضية ما، إظهارا للحق والصواب (^١).\nوهذا يُخرج ما قد يطلق عليه مناظرة على سبيل التجوز كالردود الكتابية وغيرها.\nالأمر الثاني: يختص الموضوع بالمناظرات العقدية دون غيرها من المناظرات.\nالأمر الثالث: يختص الموضوع بمناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- دون غيره من العلماء.\nالدراسات السابقة:\n١) «مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل الملل والنحل»\nللدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف.\nوهو عبارة عن كتيب صغير، جمع فيه مؤلفه ما وقف عليه من مناظرات لشيخ الإسلام وقد كان جمعه جمعًا طيبًا إلا أنه لم يكن وافيًا بالمقصود وذلك لأمور:\nأ -أنه كان يذكر المناظرات على سبيل الاختصار فقط، فقد يترك ذكر شيءٍ من الأحداث والوقائع والنقاشات والحجج التي تطرح في كثير من المناظرات؛ لأن مقصده هو التنبيه على أصل المناظرة وموضوعها الرئيس فقط، وذلك بشكل ميسر ومختصر، وأقرب مثال على هذا أنه عندما ذكر مناظرة شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية إنما ذكرها في ورقتين ونصف باختصار شديد جدًا، بينما نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد ذكرها وحكى ما حصل فيها في نحو سبعين ورقة.\n_________\n(^١) انظر: دراسة تعريف المناظرة في المبحث الأول من التمهيد (ص ٢٨ - ٣٠).","vol":"1","page":11},{"text":"ب -أنه لم يقم بدراسة المسائل العقدية الواردة في المناظرات.\nت -أنه يكتفي فقط بعد ذكر المناظرة بذكر بعض الفوائد المستفادة من المناظرة لا غير.\nث -أنه قد نبه في مقدمة بحثه على أن هذا الموضوع يحتاج لمزيد بحثٍ ودراسة وذلك لأهميته، ويظهر من صنيعه -وفقه الله- أنه إنما أراد أن يفتح المجال لمن أراد بعد ذلك أن يشرع بالبحث في الموضوع ودراسته. حيث قال في مقدمته (ص:٥): «فلا تزال جوانب مهمة في هذا الشأن - مجالًا رحبًا للباحثين، ومن ذلك: مناظرات ابن تيمية لأهل الملل والنحل، فهو موضوع لم يسبق بحثه، حسب اطلاعي، وأحسب أنه من الموضوعات المهمة، والجديرة بالبحث والدراسة».\nج -أنه لم يتبع الطريقة الأكاديمية في البحوث العلمية والتي تسهل على الباحث بحثه وترتبه، من تقسيم البحث لأبواب وفصول ومباحث وغيرها.\nح -أنه قد فاته ذكر بعض مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية التي جرت بينه وبين بعض المخالفين.\n٢) «مناظرات ابن تيمية لفقهاء عصره» للسيد الجميلي.\nالناظر في عنوان هذ الكتاب يتبادر إلى ذهنه أمران اثنان:\nالأمر الأول: أن هذ الكتاب مخصص في المناظرات الفقهية فقط دون غيرها.\nالأمر الثاني: أنه قد حوى جميع مناظرات شيخ الإسلام لفقهاء عصره أو على الأقل جلها ومعظمها.\nولكن للأسف فإن الكتاب لم يكن فيه شيء من هذا ولا ذاك وعليه ملاحظات كثيرة واكتفي هنا بذكر أهمها؛ لأنها تغني عما دونها:\nأ -أنه لم يذكر من مناظرات شيخ الإسلام إلا ثلاث مناظرات فقط. وهذا بخلاف ما يتوهمه المرء عند قراءة العنوان لأول وهلة. بل العجيب أنه لم يذكر في","vol":"1","page":12},{"text":"الحقيقة إلا مناظرة واحدة فقط وهي المناظرة في العقيدة الواسطية، أما المناظرتان الأخريان فإنهما في الحقيقة ليستا من مناظرات شيخ الإسلام في شيء، كما سيتبين في النقاط القادمة.\nب -أنه أورد في كتابه مناظرة مكذوبة على شيخ الإسلام وهي مناظرته مع ابن عطاء الله الإسكندري (^١) والتي من قرأها يُخيل إليه أن ابن تيمية هو ذلك الرجل المسكين الضعيف الذي لا علم له ولا حجة، بل ويظهر فيها ابن عطاء الله الإسكندري هو العالم صاحب الحجة وشيخ الإسلام عنده كالتلميذ يعلمه ويفهمه ويزيل عنه الشبه، ويظهر فيها شيخ الإسلام كأنه مقر لهذ الرجل على ما يقرره من مشروعية التوسل والاستغاثة بغير الله، والدفاع عن ابن عربي وغيرها من الأمور التي يستحيل أن يقرها شيخ الإسلام أو أن يسكت عنها (^٢).\nت -أما المناظرة الثالثة التي ذكرها فهي مناظرة لم تقع ولم تكن، وإنما هي من صنع قلمه؛ حيث قام بصنع مناظرة بين شيخ الإسلام وابن المطهر الحلي (^٣) ويبدو أنه قد اعتمد في ذلك على منهاج السنة فكان يأخذ شبهة ابن المطهر ويتبعها برد ابن تيمية كأنها على شكل مناظرة وبهذا يتبين أنه لم يذكر في كتابه إلا المناظرة المشهورة وهي مناظرة العقيدة الواسطية لا غير.\n_________\n(^١) هو أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الشيخ العارف تاج الدين أبو الفضل الإسكندري، فقيه مالكي وصوفي شاذلي الطريقة، كان من كبار القائمين على شيخ الإسلام ابن تيمية وبالغ في ذلك، من مصنفاته: لطائف المنن، والقصد المجرد في معرفة الاسم المفرد. (ت:٧٠٩ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (٨/ ٣٨) الدرر الكامنة (١/ ٣٢٤).\n(^٢) وهذه القصة المكذوبة والمناظرة المزعومة إنما نقلها السيد الجميلي من كتاب \"ابن تيمية الفقيه المعذب\" (ص:٢٠٢ - ٢١٠) للكاتب المسرحي الروائي اليساري عبد الرحمن الشرقاوي، وهي من وضع قلمه، واختلاق يده، لم تُذكر في شيء من كتب التاريخ ولا السير ولا التراجم، وليس لها وجود في شيء من كتب التراث= =الإسلامي إلا في هذا الكتاب ومن نقل عنه من بعده، وما أكثر ما اختلقه الأدباء والروائيون من قصص خيالية وأحداث وهمية لمشاهير الأمة وأعلامها!\n(^٣) ستأتي ترجمته (ص:٤٢٩) من هذه الرسالة.","vol":"1","page":13},{"text":"ث -وما تبقى من الكتاب وهو أكثر من النصف فإنما هو في أمور وتحليلات خارجة عن جوهر البحث.\nوهناك ملاحظات أخرى كثيرة وفيما ذكر كفاية.\n٣) \"مناظرة ابن تيمية للطائفة الرفاعية\" أفردها عبد الرحمن الدمشقية في كتيب صغير مع بعض التعليقات عليها. ويظهر من عنوان الكتاب كما هو واضح أنه إنما يتكلم عن مناظرة واحدة فقط من مناظرات شيخ الإسلام.\n٤) هناك كتب عامة لم تختص بذكر مناظرات شيخ الإسلام فقط وإنما كان أصحابها يوردون المناظرات المختلفة وقد يوردون مناظرة أو مناظرتين لشيخ الإسلام ابن تيمية عرضًا لا قصدًا كما فعل سليم الهلالي في كتابه: \" مناظرات أئمة السلف مع حزب إبليس وأفراخ الخلف\".\n• خطة البحث:-\nتشتمل خطة البحث على: مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة وفهارس:\n-أما المقدمة فتشتمل على أهمية الموضوع وسبب اختياره وخطة البحث والمنهج المتبع فيه.\n-وأما التمهيد فيشتمل على مبحثين:\n• المبحث الأول: تعريف المناظرة وأحكامها، ويشتمل على ثلاثة مطالب:\no  المطلب الأول: تعريف المناظرة لغةً واصطلاحًا. ويشتمل على مسألتين:\nالمسألة الأولى: تعريف المناظرة لغة.\nالمسألة الثانية: تعريف المناظرة اصطلاحا.\no  المطلب الثاني: أركان المناظرة.\no  المطلب الثالث: حكم المناظرة.\n• المبحث الثاني: التعريف بشيخ الإسلام ابن تيمية ومنهجه في المناظرات: ويشتمل على مطلبين:","vol":"1","page":14},{"text":"o  المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام ابن تيمية.\no  المطلب الثاني: منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في المناظرات.\n• الباب الأول: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع غير المسلمين:\n… ويشتمل على أربعة فصول:\n• الفصل الأول: مناظراته مع النصارى ويشتمل على أربعة مباحث:\n• المبحث الأول: مناظرته مع بعض علماء النصارى في تأليه المسيح وشبهتهم في ذلك: ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الثاني: مناظرته مع بعض النصارى في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن: ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الثالث: مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد في احتجاجهم على شركهم بفعل بعض الجهلة من المنتسبين للإسلام: ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الرابع: مناظرته مع بعض معظمي رهبان النصارى في جعلهم الشرك من باب التوسل. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• الفصل الثاني: مناظرته مع بعض التتار في زعمه أفضليتهم بفضل ملكهم. ويشتمل على مبحثين:","vol":"1","page":15},{"text":"o  المبحث الأول: عرض المناظرة.\no  المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• الفصل الثالث: مناظرته مع بعض المنجمين في فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بها. ويشتمل على مبحثين:\no  المبحث الأول: عرض المناظرة.\no  المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• الفصل الرابع: مناظرته مع بعض الفلاسفة. ويشتمل على مبحثين:\no  المبحث الأول: عرض المناظرة.\no  المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• الباب الثاني: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الطوائف المنتسبة للإسلام، ويشتمل على ستة فصول:\n• الفصل الأول: مناظراته مع الاتحادية، ويشتمل على خمسة مباحث:\n• المبحث الأول: مناظرته مع بعض حذاق الاتحادية في قولهم بأن الإحاطة هي الوجود المطلق، وفي أن أصل قولهم يرجع إلى القول بالوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الأعيان. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الثاني: مناظرته مع شيخ من شيوخ الاتحادية في اعتقاده فناء الحلاج واتحاد الحق سبحانه به. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الثالث: مناظرته مع جماعة من الاتحادية العارفين بالفلسفة وغيرها والداخلين في التصوف والزهد في اعتقادهم أن ابن هود هو الله وهو","vol":"1","page":16},{"text":"المسيح ابن مريم. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الرابع: مناظرته مع حسام الدين الكرماني في معتقد ابن حمويه في التوحيد والإلحاد. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الخامس: مناظرته مع بعض شيوخ الاتحادية في رفضه قتال التتار لاعتقاده أن هذا قتال لله. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. …\n• الفصل الثاني: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الصوفية وعباد القبور: ويشتمل على تسعة مباحث:\n• المبحث الأول: المبحث الأول: مناظرته مع بعض الرفاعية حول ما يدعونه من المخاريق. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الثاني: مناظرته مع جماعة من الرفاعية فيما يزعمونه من إشارات وأحوال. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الثالث: مناظرته مع شيخ من شيوخ الرفاعية في تعبدهم بلبس الأغلال. ويشتمل على مطلبين:","vol":"1","page":17},{"text":"o  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الرابع: المناظرة الكبرى مع الرفاعية في قصر الإمارة. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الخامس: مناظرته مع بعض الرفاعية في دعواه دخول التنور وعدم الاحتراق بذلك. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث السادس: مناظرته مع بعض من يحسن الظن بالأحجار ويجوزون التبرك بها. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث السابع: مناظرته مع جماعة يستشفون بقبور العبيدين ويعتقدون ولايتهم. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الثامن: مناظرته مع بعض شيوخ المشرق في جواز دعاء القبور والحديث الموضوع في هذا. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث التاسع: مناظرته مع بعض المشايخ الذين يستغيثون بغير الله","vol":"1","page":18},{"text":"ويدَّعون ظهور صورته لهم. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• الفصل الثالث: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الرافضة، ويشتمل على مبحثين:\n• المبحث الأول: مناظرته مع أحد شيوخ الرافضة في عقيدة العصمة. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الثاني: مناظرته مع أحد أكابر شيوخ الرافضة في عقيدة الإمامة. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• الفصل الرابع: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع المتكلمين: ويشتمل على سبعة مباحث:\n• المبحث الأول: مناظرته مع مجموعة من القضاة والعلماء حول العقيدة الواسطية بحضرة نائب السلطان. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الثاني: مناظرته مع بعض المؤولة للأسماء والصفات في بطلان التأويل وفي صفة اليد وغيرها من المسائل. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.","vol":"1","page":19},{"text":"• المبحث الثالث: مناظرته مع ابن المرحل في تعلق الصفات وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية؟ ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الرابع: مناظرته مع غير واحد من نفاة الصفات في مسألة الرؤية. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث الخامس: مناظرته مع بعض من يدعي أن الله يتكلم بكلام لا معنى له. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث السادس: مناظرته مع بعض المشغوفين بأهل الكلام في بطلان طريقتهم إما في الدلائل أو المسائل. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• المبحث السابع: مناظرته مع بعض منكري العلو من شيوخ المتكلمين. ويشتمل على مطلبين:\no  المطلب الأول: عرض المناظرة.\no  المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة\n• الفصل الخامس: مناظرته مع بعض الجبرية الإباحية المحتجين بالقدر:\nويشتمل على مبحثين:\no  المبحث الأول: عرض المناظرة.","vol":"1","page":20},{"text":"o  المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n• الفصل السادس: مناظرته مع ابن الوكيل الشافعي في نسبته قول المرجئة لأهل السنة والجماعة، ودفاعه عن ذلك: ويشتمل على مبحثين:\no  المبحث الأول: عرض المناظرة.\no  المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n-الخاتمة\n-الفهارس:\no  فهرس الآيات القرآنية.\no  فهرس الأحاديث والآثار.\no  فهرس الأعلام المترجم لهم.\no  فهرس الفرق والطوائف.\no  قائمة بمصادر البحث.\no  فهرس تفصيلي للموضوعات.\nتنبيه: أثناء تقييد البحث وكتابته -أي بعد تقديم الخطة واعتمادها- عثرت على بعض المناظرات الأخرى، ولم تسنح الفرصة لإضافتها ضمن البحث بسبب عدم سماح النظام الأكاديمي بذلك، وقد أثبتها الآن في مواضعها المناسبة كـ (ملحق للأصل)، وحيث أن أغلب مواضيعها مما قد تمت دراستها سابقًا ضمن فصول الرسالة، فقد اكتفيت بإيراد نص المناظرة، مع تخريج لأحاديثها وفق المقرر في الخطة، وتبيين للغوامض فيها، وشيء من التعليقات اليسيرة عليها.\n• منهجي في كتابة البحث:-\n١) جمعت المناظرات من جميع مؤلفات شيخ الإسلام المطبوعة، وكتب التراجم وغيرها قدر المستطاع.\n٢) قسمت المناظرات على حسب الطوائف والمعتقدات، وجعلت هناك قسمين رئيسين: الأول: في المناظرات مع الطوائف غير المسلمة. والثاني: في","vol":"1","page":21},{"text":"المناظرات مع الطوائف المنتسبة للإسلام. وتحت كل قسم عدد من الطوائف والفرق، وذكرت تحت كل طائفة المناظرات التي جرت معها مقسمة على شكل مباحث، وتحت كل مبحث مطلبان: أحدهما في عرض المناظرة، والآخر في دراستها.\n٣) قمت في كل مبحث بعرض نص المناظرة كاملًا، ثم دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة وذلك من خلال الاعتناء بتقريرات شيخ الإسلام في المسألة المراد دراستها وذلك من مختلف كتبه ورسائله، واعتني في دراستي بذكر أصل الشبهة عند المخالف -إن وجدت- والجواب عليها، وعند تكرر بعض المسائل فإني أشير إلى أنه قد تم دراستها في ما سبق.\n٤) عزوت الآيات إلى سورها بذكر السورة ورقم الآية.\n٥) عزوت الأحاديث إلى مظانها من كتب السنة، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه إليهما وإن كان في غيرهما عزوته إلى مصادره مع نقل حكم العلماء فيه.\n٦) وثقت النقول من مصادرها الأصلية.\n٧) قمت بالتعريف بالأعلام والفرق والملل والطوائف والأمكنة غير المشتهر منها.\n٨) قمت بخدمة البحث بفهارس علمية تيسر للباحث الوصول إلى الفائدة المرادة.\nكلمة الشكرأحمد ربي -جل وعلا- وأشكره، فله الحمد كله وله الشكر كله، ومنه الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، لولاه ما كتبنا ولا قرأنا، ولا علمنا ولا تعلمنا، فكل فضل فهو منه، وكل منة فهي راجعة إليه، ولا حول ولا قوة لنا إلا به.\nفله الحمد والشكر أولًا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا، له الحمد حتى يرضى وله الحمد إذا رضي وله الحمد بعد الرضا، له الحمد عدد كل شيء، وملء كل شيء، ووزن كل","vol":"1","page":22},{"text":"شيء، وعدل كل شيء، لا نحصي ثناء عليه، ولا نبلغ حمده، ولا ندرك فضله.\nسُبْحَانَ مَنْ لَوْ سَجَدْنَا بِالْعُيُونِ لَهُ … عَلَى حمى الشَّوْكِ وَالْمَحْمِيِ مِنَ الْإِبَرِ\nلَمْ نَبْلُغِ الْعُشُرَ مِنْ مِعْشَارِ نعمته … وَلا الْعُشَيْرَ وَلا عُشُرًا مِنَ الْعُشُرِ\nثم إني أتقدم بالشكر لوالديّ وقرة عينيّ اللذين كانا سببًا في وجودي، وعونًا في هدايتي واستقامتي، وسندًا لي في جميع أمور حياتي.\nولا أنسى أن أشكر الجامعة التي احتضنتنا، ومن معينها الصافي نهلنا، وفيها تعلمنا ومنها تخرجنا ألا وهي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية حرسها الله.\nوالشكر موصول للشيخ الدكتور/ عبد العزيز الطويان على تفضله بالإشراف على رسالتي، وما قدمه لي من توجيه وإرشاد.\nوللشيخين الفاضلين / الشيخ الدكتور صالح السندي، والشيخ الدكتور عبد الله الغفيلي على تفضلهما بمناقشة رسالتي، وإرشادي وإفادتي.\nوالشكر كذلك لكل من ساعدني وساندني بكلمة أو مشورة أو نصيحة أو معلومة.\nفجزى الله الجميع خيرًا، وأجزل لهم الأجر والمثوبة.\n\nكتبه\nأبو عبد العزيز هيثم بن قاسم الحمري\nمملكة البحرين -حرسها الله-","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>التمهيد:</span>\nويشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول:\nتعريف المناظرة وأحكامها\nالمبحث الثاني:\nالتعريف بشيخ الإسلام ومنهجه في المناظرات\n* * *","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>المبحث الأول: تعريف المناظرة وأحكامها:</span>\nويشتمل على:\nالمطلب الأول: تعريف المناظرة لغة واصطلاحًا.\nالمطلب الثاني: أركان المناظرة.\nالمطلب الثالث: حكم المناظرات\n* * *","vol":"1","page":27},{"text":"المبحث الأول: تعريف المناظرة وأحكامها، ويشتمل على ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-3>المطلب الأول: تعريف المناظرة لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type='title' id=toc-4>تعريف المناظرة لغة:</span>\nالمناظرة مشتقة في اللغة من (النظر)، و(النظر) يدور في اللغة على معنين اثنين:\n١ - المعنى الأول: النظر الذي هو حس البصر ورؤيته، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣ - ٢٤].\n٢ - المعنى الثاني: النظر بمعنى التفكر والتأمل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥].\nقال ابن فارس (^١) -﵀-: «النون والظاء والراء أصل صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد وهو تأمل الشيء ومعاينته، ثم يستعار ويتسع فيه. فيقال: نظرت إلى الشيء أنظر إليه، إذا عاينته. وحَيٌّ حِلَالٌ نَظَرٌ: متجاورون ينظر بعضهم إلى بعض» (^٢).\n_________\n(^١) أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب أبو الحسين القزويني، من أئمة اللغة والأدب، من مصنفاته: مقاييس اللغة، والمجمل، (ت:٣٩٥ هـ). انظر: البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (١/ ٧)، السير (١٧/ ١٠٣)، والبداية والنهاية (١١/ ٣٣٥).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٤٤٤).","vol":"1","page":29},{"text":"فبين -﵀- أن مادة نظر ترجع إما إلى تأمل الشيء وهو النظر الذي بمعنى التفكر والتأمل، وإما إلى معاينة الشيء وهو النظر الذي بمعنى حس البصر ورؤيته.\nوقد جعل بعض الباحثين أصلًا ثالثًا ترجع إليه مادة (نظر): وهو النظر بمعنى الانتظار، والصواب أن هذا المعنى يرجع أيضًا إلى معنى النظر بعين البصر أو البصيرة، فما هو إلا فرع مقيس على الأصلين المذكورين كما بين ذلك ابن فارس -﵀- فقال: «ويقولون: نظرته، أي: انتظرته. وهو ذلك القياس، كأنه ينظر إلى الوقت الذي يأتي فيه» (^١)، وقال: «ومن باب المجاز والاتساع قولهم: نَظَرَتِ الأرضُ: أَرَتْ نَبَاتَهَا. وهذا هو القياس. ويقولون: نَظَرَتْ بِعَيْنٍ. ومنه نَظَرَ الدهر إلى بني فلان فأهلكهم. وهذا نظير هذا، من هذا القياس; أي أنه إذا نظر إليه وإلى نظيره كانا سواء. وبه نَظْرَةٌ، أي شحوب، كأنه شَيْءٌ نُظِرَ إِلَيْهِ فشحب لونهُ، والله أعلم بالصواب» (^٢)، وعليه فكل استعمال غير هذين الاستعمالين -كالانتظار وغيره- إنما هو مستعار منهما ومقيس عليهما.\nوقال الراغب الأصفهاني (^٣) -﵀-: «النظر: تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته» (^٤).\nوقال أبو هلال العسكري -﵀- (^٥): «وحد النظر طلب إدراك الشيء من جهة\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٥/ ٤٤٤).\n(^٢) المصدر السابق (٥/ ٤٤٤).\n(^٣) هو أبو القاسم، الحسين بن محمد بن المفضل الاصبهاني، الملقب بالراغب، من كتبه المفردات في غريب القرآن، والذريعة في مكارم الشريعة، اختلف في سنة وفاته وأكثر المترجمين على أنه توفي في أوائل المئة الخامسة، وذهب بعضهم إلى أنه توفي في نصف المئة الرابعة. انظر: السير (١٨/ ١٢٠)، الأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٥).\n(^٤) المفردات (ص: ٥١٨).\n(^٥) هو الحسن بن عبد الله بن سهل أبو هلال العسكري، لغوي أديب شاعر، من مصنفاته: \"الفروق في اللغة\" و\"التلخيص في اللغة\" توفي بعد: (٣٩٥ هـ). انظر: البلغة (١/ص ١٦). الوافي بالوفيات (١٢/ ٥١).","vol":"1","page":30},{"text":"البصر أو الفكر ويحتاج في إدراك المعنى إلى الأمرين جميعًا …، وأصل النظر المقابلة فالنظر بالبصر الإقبال نحو .. (^١)، والنظر بالقلب الإقبال بالفكر نحو المفكر فيه» (^٢).\nويؤخذ من كلام ابن فارس والراغب الأصفهاني وأبي هلال العسكري أن النظر يقع على المحسوسات وعلى المعاني، فما كان من المحسوسات فالنظر إليه بالبصر وما كان من المعاني فالنظر فيه بالبصيرة والعقل.\nفمن النظر بالبصر قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣ - ٢٤]، ومن النظر بالبصيرة وهو التفكر والتدبر قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١]\nوالمناظرة التي نحن بصدد تعريفها ترجع إلى هذين الأصلين فهي مأخوذة من نظر الحس وبصره، حيث ينظر كل منهما إلى صاحبه بعين البصر، ومأخوذة من نظر التفكر والتأمل فينظر كل منها في إلى الأدلة والحجج والأقوال بعين البصيرة، والملاحظ أن المعنى الأخير هو الجانب الأكبر في المناظرة، حيث لا تخلو منه المناظرة ولا تصح دونه بحال؛ ولذلك نجد أن أهل اللغة قد ركزوا في تعريفهم للمناظرة على هذا الجانب، فقال الخليل بن أحمد الفراهيدي (^٣) -﵀- في تعريفه للمناظرة: «أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه كيف تأتيانه» (^٤). وتبعه على هذا الأزهري (^٥) في\n_________\n(^١) هكذا في المطبوع، ويبدو أن هناك سقطًا في الكلام، ولعله \"الإقبال بالنظر نحو المُبَّصر\".\n(^٢) الفروق اللغوية للعسكري (ص: ٧٤).\n(^٣) هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمر بن تميم الفَرَاهِيدِي، صاحب العربية ومنشئ علم العروض، صنف كتاب الجمل وكتاب الشواهد وكتاب العروض وكتاب العين وكتاب الإيقاع وكتاب النقط والشكل وغير ذلك، (ت: ١٦٠ هـ). انظر: معجم الأدباء (١١/ ٧٢)، السير (٧/ ٤٢٩)، وفيات الأعيان (٢/ ٢٤٤).\n(^٤) العين (٨/ ١٥٦).\n(^٥) هو أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري الهروي اللغوي الشافعي، اعتنى بالفقه أولًا ثم غلب عليه التفقه في اللغة، له تهذيب اللغة، وغريب الألفاظ، (ت:٣٧٠ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (٢/ ٣٤)، البلغة (١/ ٥٩).","vol":"1","page":31},{"text":"تهذيب اللغة (^١)، والزبيدي (^٢) في تاج العروس (^٣)، وغيرهم من أهل اللغة.\nونجد الراغب الأصفهاني -﵀- يركز أيضًا على هذا الجانب في تعريفه للمناظرة فيقول: «والمناظرة المباحثة والمباراة في النظر واسْتِحْضَارُ كُلِّ ما يَرَاهُ ببصيرته» (^٤).\nوجمع الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^٥)، في تعريفه للمناظرة بين المعنيين المذكورين فقال: «فالمناظرة في اللغة: المقابلة بين اثنين كل منهما ينظر إلى الآخر، أو كل منهما ينظر بمعنى يفكر» (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-5>تعريف المناظرة اصطلاحًا:</span>\nعرف الجرجاني (^٧) -﵀- المناظرة في الاصطلاح بأنها: «النظر بالبصيرة من\n_________\n(^١) /٤٠).\n(^٢) هو محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي، أبو الفيض، الملقب بمرتضى: له اطلاع واسع في اللغة والحديث والرجال والأنساب، أصله من العراق ومولده بالهند ونشأته في اليمن ووفاته بمصر، من مصنفاته \"تاج العروس\" و\"إتحاف السادة المتقين\" (ت:١٢٠٥ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٧/ ٧٠) ومعجم المؤلفين (١١/ ٢٨٢).\n(^٣) /٢٥٤).\n(^٤) المفردات (ص: ٥١٨).\n(^٥) هو محمد الأمين بن محمد بن المختار الجنكي الشنقيطي، المدرس بالمسجد النبوي وأصله من بلاد موريتانيا، وله عدة مصنفات، من أشهرها: \" أضواء البيان في تفسر القرآن\" و\"آداب البحث والمناظرة\" (ت:١٣٩٣ هـ)، ودفن في مكة المكرمة. انظر جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١/ ٢٩ - ٨٤). ومجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص:١٠ - ١٥).\n(^٦) آداب البحث والمناظرة (ص:١٣٩).\n(^٧) هو علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني: متكلم، من كبار علماء العربية، له مصنفات، منها: التعريفات، وشرح المواقف، (ت:٨١٦ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (٢٢/ ٥٦)، بغية الوعاة (٢/ ١٩٦).","vol":"1","page":32},{"text":"الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب» (^١).\nوتابعه على هذا التعريف المناوي (^٢) في \"التوقيف على مهمات التعريف\" (^٣)، وأبو البقاء الحنفي (^٤) في \"الكليات\" (^٥)، ومن الفقهاء صاحب (^٦) \"حاشية الجمل على شرح المنهج\" (^٧)، والبيجرمي (^٨) في \"حاشيته على المنهج\" (^٩).\nوعرفها عبد الوهاب الآمدي (^١٠) -﵀- بأنها: «تردد الكلام بين شخصين يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه مع رغبة كل منهما في ظهور الحق» (^١١).\n_________\n(^١) التعريفات (ص ٢٩٨).\n(^٢) هو محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، زين الدين، له مصنفات وتآليف كثيرة، منها: التوقيف على مهمات التعريف، كنوز الحقائق وغيرها، (ت:١٠٣١ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٦/ ٢٠٤)، معجم المؤلفين (١٠/ ١٦٦).\n(^٣) ص:٣١٦).\n(^٤) هو أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي، كان من قضاة الأحناف، توفي في تركيا. من مصنفاته \"الكليات\" (١٠٩٤ هـ). انظر الأعلام للزركلي (٢/ ٣٩) معجم المؤلفين (٣/ ٣١).\n(^٥) الكليات (١/ ١٣٦٩).\n(^٦) هو سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل، مفسر فقيه، له مؤلفات منها: الفتوحات الإلهية، والمواهب المحمدية بشرح الشمائل الترمذية وغيرها، (ت: ١٢٠٤ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٣/ ١٣١)، معجم المؤلفين (٤/ ٢٧١).\n(^٧) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٤).\n(^٨) هو سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي، فقيه مصري، ولد في بجيرم (من قرى الغربية بمصر)، من مصنفاته: التجريد، وتحفة الحبيب وغيرها، (ت:١٢٢١ هـ). انظر الأعلام للزركلي (٣/ ١٣٣)، معجم المؤلفين (٤/ ٢٧٥).\n(^٩) حاشية البجيرمي على شرح المنهج (١/ ٤).\n(^١٠) هو السيد عبد الوهاب بن حسين بن ولي الدين الآمدي الجرمكي، نحوي منطقي بياني، أصله من تركيا، وله شرح الرسالة الولدية في آداب البحث والمناظرة، (ت: ١١٩٠ هـ). انظر: هدية العارفين (١/ ٦٤٣)، معجم المطبوعات العربية (٢/ ٩٩٥).\n(^١١) شرح الولدية في آداب البحث والمناظرة (ص: ٥٧).","vol":"1","page":33},{"text":"وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -﵀في تعريفه للمناظرة اصطلاحًا: «وهي في الاصطلاح: المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر مع رغبة كل منهما في ظهور الحق، فكأنها بالمعنى الاصطلاحي مشاركتهما في النظر الذي هو النظر المؤدي إلى علم أو غلبة ظن ليظهر الصواب» (^١).\nوقال طاش كُبري زاده (^٢):\nهي النظر من جانبي خصمين … معلل وسائل اثنين\nفي نسبة بينهما حكميه … ليظهر الصواب والخفية (^٣)\nوبالجمع بين هذه التعاريف جميعها يتلخص لنا أن المناظرة لا تسمى مناظرة حتى تجمع الأمور التالية:\nأولًا: أن تكون المناظرة بين شخصين أو جانبين مختلفين، وتعبير الجرجاني -﵀- بـ\"الجانبين\" أدق من تعبير غيره بـ\"شخصين\"؛ لأن المناظرة قد تكون بين شخصين وقد تكون بين أكثر من ذلك، فلا بد أن يكون فيها جانبان متناظران بغض النظر عن عدد كل جانب، والآمدي في تعريفه للمناظرة إنما نظر إلى أقل ما يتحقق به اسم المناظرة وهو وجود شخصين.\nثانيًا: أن تكون بحضور الجانبين ومحاورتهما لبعضهما عن طريق الكلام، فيخرج بذلك ما قد يطلق عليه مناظرةً على سبيل التجوز كالردود الكتابية ونحوها.\nثالثًا: أن يكون الهدف منها إظهار الحق والصواب، وتعبير الجرجاني بقوله: «إظهارًا للصواب» أدق من تعبير الآمدي وغيره بقولهم: «مع رغبة كل منهما في\n_________\n(^١) آداب البحث والمناظرة (ص:١٣٩).\n(^٢) هو أبو الخير، أحمد بن مصطفى بن خليل: عصام الدين طاش كبري زاده: مؤرخ تركي الأصل، مستعرب، ومن مؤلفاته: الشقائق النعمانية، ومفتاح السعادة، (ت:٩٦٨ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (١/ ٢٥٧)، معجم المؤلفين (٢/ ١٧٧).\n(^٣) منظومة طاش كبري زاده ضمن مجموع المتون الكبير (ص:٥٤٨).","vol":"1","page":34},{"text":"ظهور الحق»؛ وذلك لأن المراد بالمناظرة إظهار الحق مطلقًا سواء لهما أو لأحدهما أو لغيرهما ممن حضر مناظرتهما أو سمعها، فالمقصود إظهار الصواب والحق، وهذا الشرط إنما جعل احترازًا من الجدال الذي لا يراد منه التوصل إلى الحق، وإنما يراد إفحام الخصم وإسكاته، سواء كان حقًا أو باطلًا.\nوبتعداد هذه الأمور التي نص عليها أهل الفن مما يجب توافره في المناظرة، يتضح لك أن التعريفات السابقة وإن كانت وافية بغالب المقصود إلا أنه لم يخل شيء منها من قصور في ناحية من النواحي؛ ولذلك فإن التعريف المختار للمناظرة اصطلاحًا هو: المحاورة في الكلام بين جانبين مختلفين، في قضية ما، إظهارًا للحق والصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>المطلب الثاني: أركان المناظرة:</span>\nيظهر بوضوح مما ذكره أهل العلم في تعريف المناظرة وحدِّها، أن للمناظرة ثلاثة أركان رئيسة لا تقوم إلا بها، وهذه الأركان هي:\nالركن الأول: موضوع مختلف فيه، تجري فيه المناظرة.\nالركن الثاني والثالث: طرفان متناظران.\nأحدهما: مُدع، أو ناقل خبر: ويسمى في علم المناظرة (مانعًا) أو (معللًا).\nوالآخر: معترض عليه: ويسمى في علم المناظرة (مستدلًا) أو (سائلًا) (^١).\n_________\n(^١) فإن كان الموضوع (تعريفًا أو تقسيمًا) سُمي المعترِض عليه (مُستدلًا)، وسمي صاحب التعريف أو التقسيم (مانعًا). وإن كان الموضوع (تصْديقًا) - أي قضية منطقية سواء أكانت مصرَّحا بها أو مفهومة من ضمن الكلام- فالمعترِض عليه يسمى (سائلًا)، وصاحب التصديق ومقدِّمه يسمى (مُعلِّلا).\nوإنما سمي من يعترض على التعريف (مستدلًا) والآخر (مانعًا)؛ لأن الاعتراض على التعريف لا يتم بالدعوى مجردة، بل لابد لمدعى فساد التعريف من إقامة الدليل على دعواه اختلال شرط من شروط صحته مثلا وبذلك يتجه كونه مستدلا، ويقصدون بتسمية الآخر مانعًا أن جوابه عن الاعتراض على تعريفه يكفي أن يكون بمنع مقدمة من مقدمات دليل البطلان سواء ذكر سندًا لمنعه أو لم يذكره، وبذلك يتجه كونه مانعًا. انظر: ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة (ص:٣٧٦)، وآداب البحث والمناظرة (ص:١٣٩).","vol":"1","page":35},{"text":"والأصل أن الأول (المعلل أو المانع) هو الذي يبدأ بالكلام وطرح الموضوع أو المسألة، ثم يوجه (السائل أو المستدل) عليه اعتراضه ويناقشه ويحاوره فيما طرح، وقد ينعكس الحال أثناء المناظرة، فينقلب السائل معللا والمعلل سائلًا، وذلك بحسب ما يتجدد من قضايا ومسائل أثناء الحوار والتناظر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>المطلب الثالث: حكم المناظرات:</span>\nالجدال والمناظرة من حيث الحكم على قسمين (^٢):\n\n<span data-type='title' id=toc-8>القسم الأول: جدل وتناظر محمود:</span>\nوهذا النوع من الجدل والمناظرات مشروع بالكتاب والسنة وفعل الصحابة وسلف الأمة:\nفأما أدلة الكتاب فقد تنوعت دلالات القرآن الكريم على مشروعية المناظرات المحمودة -وما في معناها-وجوازها:\nمنها الأدلة المصرحة بالأمر بها والحث عليها كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥].\nومنها الأدلة الحاكية لشيء مما جرى من المناظرات بين أهل الحق\n_________\n(^١) انظر: ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة (ص:٣٧٦)، وآداب البحث والمناظرة (ص:١٣٩) والتعريفات للجرجاني (ص ٢٩٨)، والتعاريف للمناوي (ص ٦٧٨).\n(^٢) هذا التقسيم سار عليه عدد كبير من العلماء المحققين وممن نص عليه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (١/ ٢٣٠ - ٢٣٥)، وابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢١ - ٢٦)، وأبو المعالي الجويني في الكافية في الجدل (ص:٢٢ - ٢٤)، وشيخ الإسلام -﵀- تعالى في درء التعارض (٧/ ١٥٦، ١٦٧)، وانظر: منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل الاعتقاد (١/ ٢٧٩ - ٣١٤).","vol":"1","page":36},{"text":"وأهل الباطل على سبيل التقرير والاستشهاد، كمناظرات الأنبياء مع أقوامهم، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود:٣٢]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٥٨] وغيرها من الأدلة.\nومنها الأدلة المثنية على من قام بمحاجة ومناظرة أهل الباطل كما قال سبحانه بعد حكاية مناظرة إبراهيم -﵇- مع قومه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣].\nومنها تقريره لقواعد فن المناظرة وأنواع الحجج والأدلة والأقيسة، قال ابن القيم -﵀-: «وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكرًا وافيًا اطلعت فيه من أسرار المناظرات وتقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشبه الفاسدة، وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه» (^١). وقال -﵀-: «والمقصود ان القرآن مملوء بالاحتجاج وفيه جميع أنواع الادلة والأقيسة الصحيحة» (^٢)، وقال شيخ الإسلام -﵀-: «وفيه من مناظرة المخالفين وإقامة البراهين على أصول الدين ما لم يذكر مثله في التوراة، مع أنه لم ينزل كتاب من السماء أهدى من القرآن والتوراة» (^٣).\nومنها الأوامر العامة بالدعوة إلى سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والأمر بإحقاق الحق ورد الباطل، وغيرها من الأوامر التي تتضمن مناظرة أهل الباطل ومحاججتهم.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وأما ما في القرآن من ذكر أقوال الكفار وحججهم وجوابها، فهذا كثير جدًا، فإنه يجادلهم تارة في التوحيد، وتارة في النبوات، وتارة في المعاد، وتارة في الشرائع بأحسن الحجج وأكملها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٤/ ١٣٠)\n(^٢) مفتاح دار السعادة (١/ ١٤٦)\n(^٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٥/ ٧٢).","vol":"1","page":37},{"text":"وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٢ - ٣٣].\nوقد أخبر الله ﵎ عن أولي العزم من الرسل بمجادلة الكفار فقال تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود:٣٢]، وقال عن الخليل: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام:٨٠]، إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام:٨٣].\nوأمر الله تعالى محمدًا -ﷺ- بالمجادلة بالتي هي أحسن، وذم سبحانه من جادل بغير علم، أو في الحق بعدما تبين، ومن جادل بالباطل: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٦٦]. وقال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال:٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥] وهذا هو الجدال المذكور في قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]» (^١).\nوأما السنة: فقد دلت السنة بأنواعها القولية والفعلية والتقريرية على مشروعيتها، فمن السنة القولية قوله -ﷺ-: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) (^٢)، قال ابن حزم -﵀-: «وهذا حديث في غاية الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله» (^٣).\nومن السنة الفعلية مناظراته ومحاوراته الكثيرة مع المشركين، ومناظرته مع\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٢) رواه أحمد (١٢٢٤٦)، والنسائي (٣٠٩٦)، وأبو داود (٢٥٠٤)، والحاكم (٢٤٢٧)، وابن حبان (٤٧٠٨) وغيرهم، كلهم من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن أنس بن مالك -﵁-. قال ابن عبد الهادي في المحرر (٢/ ٤٣٩): إسناده على شرط مسلم. وقال النووي في رياض الصالحين (ص:٢٨): إسناده صحيح. وصححه الألباني في المشكاة برقم: ٣٨٢١.\n(^٣) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ٢٦)","vol":"1","page":38},{"text":"اليهود (^١) ومناظرته مع ابن صياد (^٢) وغير ذلك.\nوأما فعل الصحابة والسلف فهو أكثر من أن يحصر، ومن أشهرها مناظرة ابن عباس للخوارج (^٣)، ومناظرات الإمام أحمد للجهمية (^٤)، قال ابن حزم -﵀-: «وقد تحاج المهاجرون والأنصار وسائر الصحابة -رضوان الله عليهم- وحاجَّ ابن عباس الخوارج بأمر علي -﵁- وما أنكر قط أحد من الصحابة الجدال في طلب الحق» (^٥). وقال صاحب كتاب \"تنبيه الرجل العاقل إلى تمويه الجدل الباطل\" (^٦)،، مبينًا ما جاء من حض الشرع للمؤمنين على الجدل المحمود: «وحضهم على المناظرة والمشاورة لاستخراج الصواب في الدنيا والآخرة حيث يقول لمن رضي دينهم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، كما أمرهم بالمجادلة والمقاتلة لمن عدل عن السبيل العادلة حيث يقول آمرا وناهيا لنبيه والمؤمنين لبيان ما يرضاه منه ومنهم ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فكان أئمة الإسلام ممتثلين لأمر المليك العلام يجادلون أهل الأهواء المضلة حتى يردوهم إلى سواء الملة كمجادلة ابن عباس﵄- للخوارج المارقين حتى رجع كثير منهم إلى ما خرج عنه من الدين وكمناظرة كثير من السلف الأولين لصنوف المبتدعة الماضين ومن في قلبه ريب يخالف اليقين حتى هدى الله من شاء من البشر وعلن\n_________\n(^١) رواها أحمد في مسنده (٢٤٨٣) وعبد الرزاق في تفسيره (٤٣١) وابن أبي حاتم في تفسيره (١٨٥) وسعيد بن منصور في سننه (١٦٨٣) والطبراني في الكبير (١٢٤٢٩) من حديث ابن عباس -﵁- وحسنها الألباني في الصحيحة (١٨٧٢).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الجهاد كيف يُعرض الإسلام على الصبي (٣٠٥٥) ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة (٢٩٣٠).\n(^٣) رواها أحمد في مسنده (٣١٨٧) وأبو داود (٤٠٧٣) والنسائي في الكبرى (٨٥٢٢) وحسنها الألباني في صحيح وضعيف أبي داود (٤٠٣٧).\n(^٤) انظر: المحنة على الإمام أحمد (٥١، ٥٣، ٥٥ - ٦٠، ٩٩).\n(^٥) الإحكام في أصول الإحكام (١/ ٣٠).\n(^٦) ينسب هذا الكتاب إلى شيخ الإسلام ﵀ في ثبوته له نظر كبير.","vol":"1","page":39},{"text":"الحق وظهر، ودرس ما أحدثه المبتدعون واندثر» (^١).\nوقد حكى إجماع العلماء على مشروعيتها الخطيب البغدادي (^٢) في كتاب الفقيه والمتفقه (^٣) وأبو الوليد الباجي (^٤) في إحكام الفصول (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-9>القسم الثاني: جدل وتناظر مذموم:</span>\nوهذا النوع من الجدل والمناظرات هو الذي جاءت النصوص من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة في ذمه والتحذير منه، وإنما تكون المناظرة مذمومة منهيا عنها في حالات ثلاث:\n\n<span data-type='title' id=toc-10>الحالة الأولى: إذا لم يكن المناظِر أهلًا للمناظرة؛ وذلك لأحد أسباب أربعة:</span>\n١) إذا كان المناظِر جاهلًا بالحق، أو ضعيف العلم والحجة، فيخشى عليه أن يفسده ذلك المضل، فمثل هذا يُنهى عن المناظرة، وتكون المناظرة في حقه مذمومة (^٦).\n٢) إن كان المناظِر عالمًا بالحق، ولكنه لا يحسن إيصاله للغير وبيانه لهم؛ فليس كل من يعلم الحق يمكنه إيصاله للغير، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ولكن ليس كل من عرف الحق -إما بضرورة أو بنظر- أمكنه أن يحتج على من ينازعه\n_________\n(^١) تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (١/ ٤).\n(^٢) هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي، المعروف بأبي بكر الخطيب، صاحب التاريخ، والتصانيف الكثيرة، إمام أوحد، ثقة، علامة، حافظ متقن، له \"تاريخ بغداد\" و\"الكفاية في علم الرواية\" وغيرها، توفي سنة (٤٦٣ هـ). انظر: السير (١٨/ ٢٨٤)، وفيات الأعيان (١/ ٩٢).\n(^٣) انظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ٦٢)\n(^٤) هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي الباجي، فقيه مالكي كبير، من رجال الحديث، له مصنفات: السراج في علم الحجاج، إحكام الفصول وغيرها، (ت:٤٧٤ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٢١/ ٩٢)، تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٢٤)، السير (١٤/ ٥٥).\n(^٥) انظر: إحكام الفصول (ص: ٧١٤).\n(^٦) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٧٤).","vol":"1","page":40},{"text":"بحجة تهديه أو تقطعه، فإن ما به يعرف الإنسان الحق نوع، وما به يعرفه به غيره نوع، وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به» (^١).\n٣) إذا كان المناظِر عالمًا بالحق ولكنه يحتج بالباطل لتقرير الحق قال شيخ الإسلام: «فلا يصلح ولا يحل أن نقول باطلًا أو نلتزمه لدفع مبطل؛ فإن ذلك رد باطل بباطل، ورد بدعة ببدعة، وهذا كما أنه حرام في الدين منكر في العقل، فمضرته أكثر من منفعته؛ فإن ذلك مما يوجب نفور المناظر، وظنه: أنا لا نعلم الحق، أو نعلمه ولا نتبعه؛ فيوجب ذلك إصراره على ما هو عليه من الباطل. فلا نكون قد نصرنا حقًا، ولا دفعنا باطلًا، بل أثرنا فتنة بلا فائدة، وإيقاع شبهات بلا بيّنات» (^٢).\n٤) إذا كان للمناظر قصد سيء من ظلم للخصم أو إرادة علو في الأرض، أو مجرد إرادة إظهار العلم والتفاخر به، أو مجرد المراء والجدال والخصومات دون إرادة إيصال الحق وإظهاره، فهذا -أيضًا- تكون مناظرته مذمومة منهيًا عنها (^٣).\nوبالجملة فـ\"كل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حَصَلَ بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة النفوس\" (^٤).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٧١).\n(^٢) مسألة حدوث العالم (ص: ١٥٧)، وقال -﵀- في درء التعارض (٧/ ١٦٥): «هذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من الكلام والعقليات والجدل باطلًا، وإن قصد به نصر الكتاب والسنة، فيذمون من قابل بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد، فكيف من قابل السنة بالبدعة، وعارض الحق بالباطل، وجادل في آيات الله بالباطل ليدحض به الحق».\n(^٣) انظر: أخلاق العلماء للآجري (ص:٥٦ - ٦٣)، ودرء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٦٨)، مسألة حدوث العالم (ص: ١٥٧ - ١٥٨)، والفوائد في اختصار المقاصد للعز بن عبد السلام (ص:١٤٤)\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٥٧)، وانظر: التسعينية (١/ ٢٣٢).","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>الحالة الثانية: إذا كانت المناظرة مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة</span>.\nفأحوال المناظَرين لا تخرج عن أربع أحوال:\n١) أن يكون ممن يفهم الحق ويقبله: فهذا تشرع مناظرته؛ لأنه ممن إذا بُين له الحق فهمه وقبله.\n٢) أن يكون ممن لا يقبل الحق: وهذا أحد نوعين:\nأ -إذا كان في مناظرته انقطاع له وكفٌ لشره عن الناس ودفع له: فمثل هذا تشرع مناظرته (^١).\nب -إذا كان سوفسطائيًا (^٢) يجحد الضروريات، ويجادل في البديهيات: فمثل هذا لا يناظر باتفاق العقلاء، وهم بعد ذلك إما:\n١ - أن يداووه إن كان فاسد العقل.\n٢ - أو يتركوه إن كان عاجزًا عن معرفة الحق ولا مضرة تخشى منه.\n٣ - أو يعاقبوه بالتعزير أو القتل إن كان مستحقًا للعقاب (^٣).\nت -أن يكون ممن التبس عليه الحق، إما لضعف علمه بأدلته، أو لضعف عقله وفهمه، أو لما سمع من حجج أهل الباطل وشبههم: فمثل هذا يشرع مناظرته؛ لأن ذلك يفيده: إما معرفة الحق، وإما شكًا في اعتقاده الباطل وتوقفًا فيه وبعثًا لهمته على النظر في الحق وطلبه إن كان له رغبة بذلك (^٤).\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (٧/ ١٦٨).\n(^٢) السوفسطائي: من السفسطة، وهي كما بين شيخ الإسلام: جحد الحقائق والضروريات، والمجادلة في البديهيات، ومبناها على التمويه والخداع، وهو لفظ مركب من\" سوفيا\"، وهي الحكمة، ومن\" اسطس\" وهو المموّه، فمعناها حكمة مموّهة. انظر: درء التعارض (٧/ ١٧٤) الرد على المنطقيين (ص: ٣٢٩) الرد على البكري (١/ ١٧٨ - ١٧٩) والتعريفات (ص:١٢٤) والتوقيف على مهمات التعريف (ص:١٩٤).\n(^٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٧٤).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٧/ ١٦٨).","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>الحالة الثالثة: أن تكون في المناظرة مفسدة راجحة:</span>\nومثال ذلك:\n١. أن يكون الحق ظاهرًا معروفًا عند المسلمين ويكون أهل الحق هم الظاهرون الأقوياء، والبدع وأهلها في حال ضعف وعجز، فتكون في مناظرتهم مفسدة حاصلة، وهي إظهار بدعهم ونشر باطلهم وشبههم بين عوام الناس مما قد يؤثر على ضعاف النفوس ومرضى القلوب، ففي مثل هذه الحالة يُنهى عن المناظرة لما يترتب عليها من مفسدة راجحة، وإنما المشروع هنا هجر أهل البدع وزجرهم ومنع الناس ونهيهم عن الجلوس لهم وعن مناظرتهم ومجادلتهم (^١).\n٢. أن تكون المناظرة سببًا للتفرق والاختلاف، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد كره النبي -ﷺ- من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق. فخرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان وقال: (أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض)، قال عبد الله بن عمرو -﵄-: فما أغبط نفسي كما غبطتها ألا أكون في ذلك المجلس. روى هذا الحديث أبو داود في سننه وغيره وأصله في الصحيحين (^٢)، والحديث المشهور عنه -ﷺ- في السنن وغيرها أنه قال -ﷺ-: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قيل: يا رسول الله ومن هي؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) (^٣)،\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٧٣).\n(^٢) رواه أحمد (٦٦٦٨) ابن ماجه (٨٥) وابن أبي عاصم (٤٠٦) والطبراني في الأوسط (٥١٥) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-، وحسنه الألباني في المشكاة (٩٩) وظلال الجنة (٤٠٦) وأصله في مسلم، كتاب العلم (٢٦٦٦) ولم أقف عليه عند أبي داود.\n(^٣) رواه أحمد (٨٣٧٧)، وأبو داود (٤٥٩٦)، والترمذي (٢٦٤٠)، وابن ماجه (٣٩٩٢) وغيرهم، عن غير واحد من الصحابة كأبي هريرة ومعاوية وعوف بن مالك -﵃-، قال شيخ الإسلام: «حديث صحيح مشهور» مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٥). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠٣، ٢٠٤، ١٤٩٣).","vol":"1","page":43},{"text":"وفي رواية: (هي الجماعة) (^١)، وفي رواية: (يد الله على الجماعة) (^٢)، فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته وأنهم هم الجماعة. وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين. نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع» (^٣).\nفهذه الأنواع المذكورة من المناظرات هي التي جاء في النصوص والآثار ذمها والنهي عنها والتحذير منها لأن مفسدتها أكبر من مصلحتها، وضررها أكبر من نفعها، وجماع الأسباب التي ينهى عن المناظرة فيها هذه الأسباب الثلاثة المذكورة وقد نص على ذلك شيخ الإسلام -﵀- فقال: «والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة: من لا يقوم بواجبها، أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة» (^٤)، ثم قال -﵀-: «وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة تارة أخرى» (^٥)، وهذه هي الطريق الوحيدة التي يمكن الجمع فيها بين الآيات والأحاديث والآثار التي قد يفهم منها التعارض، فقد جاء في\n_________\n(^١) رواها أبو داود (٤٥٩٧)، وابن ماجه (٣٩٩٣).\n(^٢) رواه الترمذي (٢١٦٦)، وابن حبان في صحيحه (٤٥٧٧) من حديث ابن عباس ﵁. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٦٢١). وهو فيما يظهر حديث منفرد وليس رواية من روايات حديث الافتراق، كما يوهم كلام شيخ الإسلام ﵀.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٧١ - ١٧٢)\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٧٤).\n(^٥) المصدر السابق (٧/ ١٧٤)، انظر: مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٠٧).","vol":"1","page":44},{"text":"القرآن ذم الجدل وجاء الأمر به، وجاء في السنة ما يدل على مشروعيته، وجاء ما يرغب ويحذر عنه، وجاء عن السلف فعله والقيام به، وجاء عنهم التحذير والنهي عنه، وكل ذلك محمول على أن الجدل والتناظر نوعان فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وما جاء في النصوص والآثار من مدح أو حث أو فعل فإنما هو من النوع الأول، وما جاء في النصوص من ذم أو نهي أو تحذير فهو من النوع الثاني.\nوقد كانت مناظرات شيخ الإسلام -﵀- تعالى مع خصومه من النوع الأول، فقد تحققت بها مصالح شرعية كثيرة، واندفعت بها مفاسد كبيرة، وظهر فيها الحق أيما ظهور، واندثر فيها الباطل أيما دثور، وارتفعت فيها أعلام السنن، واندحر فيها خلق من أهل الزيغ والفتن، وهدى الله بها أمة من الناس إلى صراط مستقيم، كما سيظهر للقارئ خلال عرضها، في المباحث القادمة.\n* * *","vol":"1","page":45},{"text":"المبحث الثاني:\nالتعريف بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ومنهجه في المناظرات:\nويشتمل على مطلبين:\nالمطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام ﵀.\nالمطلب الثاني: منهج شيخ الإسلام ﵀ في المناظرات.\n* * *","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام ﵀: ويشتمل على:</span>\nاسمه ونسبه ومولده.\nصفاته: سعة علمه، قوة حفظه، جلده في العلم والتعليم، قوة حجته، زهده وكرم نفسه، حلمه وعفوه وصفحه، صبره وانشراح صدره، شجاعته، تواضعه.\nثناء أهل العلم عليه.\nكثرة تصانيفه.\nوفاته.\nحزن الناس عليه.\n* * *","vol":"1","page":49},{"text":"المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام ﵀:\n\n<span data-type='title' id=toc-15>تمهيد:</span>\nإن من الصعوبة بمكان الكلام على شخصية مثل شخصية شيخ الإسلام، في بضع ورقات أو عدة صفحات، وهو الذي بلغت شهرته الآفاق، وصنفت في ذكر مآثره، وتعداد مناقبه، المصنفات الكثيرة، ورحم الله الحافظ الذهبي حين قال: «وهو أعظم من أن يصفه كلمي أو ينبه على شأنه قلمي» (^١) فإذا كان الذهبي مع عظم مكانه وعلو شأنه، يستصغر نفسه في الكتابة عن مثل هذا الإمام، فالكاتب باستشعار مثل هذا أولى وأحرى، كيف لا، والقلم يبقى حائرًا، والعقل منذهلًا، والخاطر مشتتًا، لا يدري ماذا يكتب في وصف هذا الإمام ونعته، وعلمه وفضله، ومكانته وقدره، وقوله وفعله، وحلمه وحزمه، وعفوه وصفحه، وسمته وهديه، وفطنته وعقله، وإنصافه وعدله، وهمته وهمه، وجهاده وصدقه.\nولكن لما لم يكن من الكتابة بُد، فقد استعنت بالله في اختيار ما تيسر من المناقب والفضائل والمآثر والشمائل التي تبرز شخصيه هذا الإمام وعلو كعبه وعظيم مكانته وقدره، وقديمًا قيل: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق (^٢).\n_________\n(^١) العقود الدرية (ص: ٤٠).\n(^٢) انظر مجمع الأمثال للميداني (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>اسمه ونسبه ومولده:</span>\nهو أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن إبراهيم بن علي بن عبد الله النميري الحراني (^١) الدمشقي\nالمعروف بابن تيمية (^٢)، الملقب بشيخ الإسلام (^٣).\nأما مولده: فكان كما قال تلميذه أبو حفص البزار (^٤): «أخبرني غير واحد من\n_________\n(^١) الحراني: نسبة إلى حران مدينة مشهورة بين الموصل والشام والروم، قيل: سميت بهاران أخي إبراهيم الخليل ﵊، وهو والد لوط -﵇-؛ لأنه أول من بناها، ثم عربت فقيل: حران، وذُكر أنها أول مدينة بنيت في الأرض بعد الطوفان، فتحت في أيام عمر -﵁ - على يدي عياض بن غنم بن زهير الفهري -﵁- صلحًا في سنة تسع عشرة، وهي الآن جنوب شرق تركيا. انظر: معجم البلدان (٢/ ٢٣٥)، التبيان لبديعة البيان ضمن الجامع لسيرته (ص: ٤٩١).\n(^٢) تيمية: نُسِب شيخ الإسلام إلى شهرة أم جده محمد بن الخضر، كانت واعظة تسمى تيمية، وقيل: حج جده المذكور فمر على درب تيماء المشهور، فخرج عليه من خباء جارية طفلة سنية، فلما رجع رأى زوجته، وكانت حاملًا قد وضعت بنتًا، فقال لها: يا تيمية يا تيمية! فلزمه هذا الاسم لقبًا مذكورا، وصار لذريته من بعده علمًا مشهورًا. انظر: التبيان لبديعة البيان ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص ٤٩٢).\n(^٣) يعتبر ابن تيمية من أشهر من عُرِف بهذا اللقب، ولا يعرف في علماء الإسلام من فاقت شهرته بهذا اللقب بحيث ينصرف إليه، ولو لم يقرن باسمه، سوى: شيخ الإسلام ابن تيمية، ومع ذلك فغيظ الخصوم حملهم على تكفير مَن لقبه بشيخ الإسلام، حتى ألف الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي كتابه النافع العظيم (الرد الوافر على من زعم أن من لقب ابن تيمية بشيخ الإسلام فهو كافر) فساق فيه من أقوال أهل المذاهب، والفرق، من لقبه بذلك، وقد أبطل الله مناوآتهم، وكشف سريرتهم، ورفع شأن شيخ الإسلام. انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ومعجم المناهي اللفظية (ص: ٣١٤).\n(^٤) هو الحافظ سراج الدين أبي حفص عمر بن علي البزار، أحد الحفاظ رحل إلى دمشق، وجالس ابن تيمية وأخذ عنه، وله ترجمة بديعة لشيخ الإسلام لا يمل قارئها أسماها: (الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية) وله (الكفاية في الجرح والتعديل)، (ت: ٧٤٩ هـ) - انظر: ذيل طبقات الحنابلة (٥/ ١٤٧)، الدرر الكامنة (٣/ ١٨٠).","vol":"1","page":52},{"text":"الحفاظ أنه ولد في حران في عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وست مئة، وبقي بها إلى أن بلغ سبع سنين، ثم انتقل به والده ﵀ إلى دمشق المحروسة، فنشأ بها أتم إنشاء وأزكاه، وأنبته الله أحسن النبات وأوفاه، وكانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة، ودلائل العناية فيه واضحة … ولم يزل منذ إبان صغره مستغرق الأوقات في الجهد والاجتهاد، وختم القرآن صغيرا ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك مع ملازمة مجالس الذكر وسماع الأحاديث والآثار» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>صفاته:</span>\nلقد جمع الله لشيخ الإسلام ابن تيمية من الخلال والأوصاف ما لا يكاد يعرف عن أحد ممن عاصره أو جاء بعده، ومثل هذا المقام لا يسع لذكر شيء منها إلا النزر اليسير والشيء القليل، وهي أضعاف أضعاف ما ذُكر بكثير، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وبعد قراءة مطولة في تراجم الشيخ ﵀، حاولت أن أكون في تعدادي لصفاته وذكر مناقبه وخلاله (معتنيًا مقتنيا): فاعتنيت بذكر أبرز ما يظهر علو كعبه وعظم مكانته، واقتنيت أجود ما عبر به المترجمون عن صفاته وعظيم خصاله، وهي كالآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-18>أولًا: سعة علمه:</span>\nإن مما اتفق عليه محبو شيخ الإسلام ومبغضوه، وشهد له به موافقوه ومخالفوه، أنه كان واسع العلم كبير المعرفة على دراية واطلاع بمختلف الفنون وأنواع العلوم قال ابن دقيق العيد (^٢) -﵀-: «لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا\n_________\n(^١) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (ص: ١٦).\n(^٢) هو أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع ابن أبي الطّاعة القشيري المنفلوطي الشّافعي المصري، المعروف بابن دقيق العيد، له مصنفات منها: \"الإلمام\" وشرحه \"عمدة الأحكام\" وغيرها، (ت:٧٠٢ هـ). انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٤٨١)، الدرر الكامنة (٤/ ٢١٠)، طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٠٧).","vol":"1","page":53},{"text":"كل العلوم بين عينيه؛ يأخذ ما يريد ويدع ما يريد» (^١).\nوقال ابن سيد الناس (^٢): «ألفيته ممن أدرك من العلم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إِنْ تكلَّم في التفسير؛ فهو حامل رايته، أَو أفتى في الفقه؛ فهو مُدْرك غايته، أو ذاكر بالحديث؛ فهو صاحب علم وذو روايته، أَو حاضر بالنِّحل والملل؛ لم يُر أَوسع من نِحْلَتِه في ذلك ولا أَرفع من درايته، برز في كل فنِّ على أَبناء جِنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأَت عينه مثل نفسه» (^٣).\nوقال عَلم الشافعية العلامة كمال الدين ابن الزملكاني (^٤): «كان -يعني: شيخ الإسلام- إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم: سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه … واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها» (^٥).\nوقد قال شيخ الإسلام -﵀- حاكيًا عن نفسه: «أنا أعلم كل بدعة حدثت في\n_________\n(^١) تتمة المختصر في أخبار البشر ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٢٩).\n(^٢) أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن سيّد النّاس الشافعي الإشبيليّ المصري، المعروف بابن سيّد الناس، كان حافظًا بارعًا متفننًا وله أشعار حسنة، من مصنفاته \"عيون الأثر\" و\"بشرى اللبيب\" (ت:٧٣٤ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٦٨ - ٢٧٢) شذرات الذهب (٨/ ١٨٩) فوات الوفيات (٣/ ٢٨٧).\n(^٣) أجوبة ابن سيد الناس اليعمري ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٨٨).\n(^٤) هو كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد الأنصاري، المعروف بابن الزملكاني، انتهت إليه رياسة الشافعية في عصره، له مصنفات منها: رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألتي (الطلاق والزيارة) وتعليقات على (المنهاج) للنووي، (ت: ٧٢٧ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٢٥١)، الدرر الكامنة (٤/ ٧٤).\n(^٥) العقود الدرية (ص: ٢٣ - ٢٤).","vol":"1","page":54},{"text":"الإسلام، وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها» (^١).\nوقال ابن القيم: «ومن الجود بالعلم: أن السائل إذا سألك عن مسألة: استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا: نعم، أو: لا. مقتصرا عليها.\nولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في ذلك أمرًا عجيبًا: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة، إذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح. وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته. فيكون فرحه بتلك المتعلقات، واللوازم: أعظم من فرحه بمسألته وهذه فتاويه -﵀- بين الناس، فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك» (^٢).\nولم يكن علمه مقتصرًا على العلوم الشرعية فحسب؛ بل لقد كان آية من آيات الله في مختلف العلوم وشتى الفنون قال العلامة أحمد بن يحيى العمري (^٣): «وكان إمامًا في التفسير وعلوم القرآن، عارفًا بالفقه واختلاف الفقهاء والأصلينِ والنحو وما يتعلق به، واللغة والمنطق وعلم الهيئة واجَبْر (^٤) والمقابلة، وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابين وأهل البدع، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية. وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه» (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٤).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٧٩)\n(^٣) أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلى القرشي العمري، من علماء الشافعية، من كبار المؤرخين في عصره، له مصنفات منها: \"مسالك الأبصار\"، \"نفحة الروض\" وغيرها، مولده ومنشأه ووفاته في دمشق (ت: ٧٤٩ هـ). انظر: فوات الوفيات (١٩/ ٢١١) الدرر الكامنة (١/ ٣٩٣).\n(^٤) هكذا في المطبوع ولعل الصواب (الجبر).\n(^٥) مسالك الأبصار ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣١٧).","vol":"1","page":55},{"text":"وقد حكى الصفدي (^١) عن المولى علاء الدين علي بن الآمدي (^٢)، وهو من كبار كتاب الحساب، قال: «دخلت يومًا إليه، أنا والشمس النفيس عامل بيت المال، ولم يكن في وقته أكتب منه، فأخذ الشيخ تقي الدين يسأله عن الارتفاع، وعما بين الفذلكة واستقرار الجملة من الأبواب، وعن الفذلكة الثانية وخصمها، وعن أعمال الاستحقاق، وعن الختم والتوالي، وما يطلب من العامل، وهو يجيبه عن البعض ويسكت عن البعض، ويسأله عن تعليل ذلك، إلى أن أوضح له ذلك وعلله؛ قال: فلما خرجنا من عنده قال لي النفيس: والله تعلمت اليوم منه ما لا كنت أعلمه» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>ثانيًا: قوة حفظه وسرعته:</span>\nلقد كان شيخ الإسلام أُعجوبة أهل زمانه في سرعة حفظه وفرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وسرعة إدراكه، وشدة استحضاره، وقد عد الحافظ أبو المظفر السُّرّمَرِّي (^٤) قوة حفظ شيخ الإسلام من عجائب ذلك الزمان، حيث قال ﵀ في المجلس السابع والستين من أماليه في الذكر والحفظ: «ومن عجائب ما وقع في الحفظ في أهل زماننا: شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية؛ فإنه كان يمر بالكتاب فيطالعه مرة فينتقش في ذهنه، فيذاكر به وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه» (^٥).\n_________\n(^١) هو أبو الصفاء خليل بن أيبك بن عبد الله الأديب صلاح الدين الصفدي، برع في الأدب والبلاغة وله كتب في التأريخ منها \"الوافي بالوفيات\" و\"أعيان العصر\" ولقي شيخ الإسلام وأخذ عنه (ت:٧٦٤ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٢/ ٢٠٧)، البدر الطالع (١/ ٢٢٠).\n(^٢) لم أقف على شيء من ترجمته إلا ما ذكره الصفدي هنا من أنه كان من كبار كتاب الحساب.\n(^٣) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٧٢).\n(^٤) هو أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد العبادي ثم العقيلي السرمري نزيل دمشق الحنبلي، له مصنفات كثيرة منها: \"الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية\"، \"عقود اللآلي في الأمالي\"= =وغيرها، (ت: ٧٧٦ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧) شذرات الذهب (٦/ ٢٤٩).\n(^٥) الرد الوافر (ص: ١٣٣).","vol":"1","page":56},{"text":"ولا أدل على عظمة حفظه، وقوة ذاكرته من مصنفاته العظيمة ومؤلفاته الجليلة، التي لم يعتمد في تصنيف معظمها -إن لم تكن كلها- إلا على حفظه وذاكرته، وهذه حقيقة تبهر العقول وتدهش الأذهان، قال ابن عبدالهادي (^١) -﵀-: «وله من المؤلفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل والتعاليق ما لا ينحصر ولا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبا من ذلك؛ مع أن تصانيفه كان يكتبها من حفظه، وكتب كثيرًا منها في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه، ويراجعه من الكتب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>ثالثًا: جلده في العلم والتعليم:</span>\nأما جلده في العلم فقد كان شيخ الإسلام -﵀- محبًا للقراءة والحفظ والمذاكرة، شغوفًا بالعلم، لا تكاد نفسه تشبع منه، ولا تروى من مطالعته، قال الصفدي: «وكان من صغره حريصا على الطلب، مجدًا على التحصيل والدأب، ولا يؤثر على الاشتغال لذة، ولا يرى أن تضيع لحظة منه في البطالة فذة، يذهل عن نفسه ويغيب في لذة العلم على حسه، لا يطلب أكلًا إلا إذا حضر لديه، ولا يرتاح إلى طعام ولا شراب في أبرديه (^٣)» (^٤).\nومن جميل ما يذكر في بيان شغفه ﵀ بالعلم وتحصيله، وجلده عليه وصبره وتشميره، تلك القصة التي حكاها ابن ناصر الدين الدمشقي (^٥) -﵀- فقال: «ومن\n_________\n(^١) محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي، إمام حافظ تتلمذ على يد شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان ماهرًا في الحديث والعلل والعربية، له مصنفات منها: \"الصارم المنكي\"، \"العقود الدرية\" وغيرها، (ت:٧٤٤). انظر: الدرر الكامنة (١/ ص ٤٥٦) وشذرات الذهب (٦/ ١٤١).\n(^٢) مختصر طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي ضمن الجامع لسيرته (ص: ٢٥٧).\n(^٣) الأبردين: الفيء والظل أو الغداة والعشي. انظر: النهاية (١/ ١١٤) لسان العرب (٣/ ٨٤).\n(^٤) أعيان العصر ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٥٠).\n(^٥) هو محمد بن عبد الله بن محمد القيسي الدمشقي، شمس الدين، الشهير بابن ناصر الدين من فقهاء الشافعية كان حافظ الشام في عصره بغير منازع، قيل: لم يخلف في الشام بعده مثله، توفي مقتولًا في إحدى قرى دمشق (ت: ٨٤٢ هـ). انظر: البدر الطالع (٢/ ١٩٨)، شذرات الذهب (٧/ ٢٤٣).","vol":"1","page":57},{"text":"أعجب ما سمعته عنه ما حدثني به بعض أصحابه: أنه لما كان صبيًا في بداية أمره أراد والده أن يخرج بأولاده يومًا إلى البستان على سبيل التنزه، فقال له: يا أحمد تخرج مع إخوتك تستريح!\nفاعتلَّ عليه، فألحَّ عليه والده، فامتنع أشد الامتناع.\nفقال: أشتهي أن تعفيني من الخروج. فتركه وخرج بإخوته، فظلوا يومهم في البستان، ورجعوا آخر النهار.\nفقال: يا أحمد، أوحشت إخوتك اليوم، وتكدر عليهم بسبب غيبتك عنهم، فما هذا؟!\nفقال يا سيدي إنني اليوم حفظت هذا الكتاب، لكتاب معه (^١).\nفقال: حفظته؟! كالمنكر المتعجب من قوله.\nفقال له: استعرضه عليَّ، فاستعرضه فإذا به قد حفظه جميعه!!\nفأخذه وقبّله بين عينيه، وقال: يا بني، لا تخبر أحدًا بما قد فعلت، خوفًا عليه من العين، أو كما قال» (^٢).\nوقال الصفدي -﵀- حاكيًا همة شيخ الإسلام في جرد الكتب وقراءتها: «قلت: حكى لي من سمعه يقول: إني وقفت على مائة وعشرين تفسيرًا، أستحضر من الجميع الصحيح الذي فيها، أو كما قال» (^٣). وقال تلميذ شيخ الإسلام أبو عبد الله ابن رشيق -﵀- (^٤): «وقال لي مرة: ربما طالعت على الآية الواحدة\n_________\n(^١) الكتاب هو: (جنة الناظر وجنّة المناظر) كما ذكر ذلك الصفدي ﵀ انظر: أعيان العصر للصفدي (١/ ٢٣٦).\n(^٢) الرد الوافر (ص: ١٣٣)، وانظر: أعيان العصر للصفدي (١/ ٢٣٦).\n(^٣) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٦٨)\n(^٤) هو محمد بن عبد الله بن سبط ابن رشيق المغربي المالكي، أبو عبد الله، الفقيه صاحب شيخ الإسلام ابن تيمية وكاتب مصنفاته، وأعرف الناس بخط الشيخ حتى من الشيخ نفسه (ت: ٧٤٩ هـ). انظر: البداية والنهاية (١٤/ ٢٦٤) العقود الدرية (ص:٤٣).","vol":"1","page":58},{"text":"نحو مئة تفسير» (^١). قال الذهبي -﵀: «كان آية من آيات الله تعالى في التفسير والتوسع فيه، لعله يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين» (^٢). وقال أبو حفص البزار: «ولقد كان إذا قُرئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم يشرع في تفسيرها فينقضي المجلس بجملته، والدرس برمته، وهو في تفسير بعض آية منها … يفعل ذلك بديهة» (^٣).\nولربما أملى الكتاب في قعدة واحدة قال ابن عبد الهادي: «أملى شيخنا المسألة المعروفة بالحموية سنة ثمان وتسعين في قعدة بين الظهر والعصر» (^٤)، وهكذا ألف الواسطية في قعدة بين العصر والمغرب (^٥)، وألف قاعدة في كلام الله (^٦)، كتبها في قعدة واحدة كما نص على ذلك في آخرها، وغيرها كثير من فتاواه ومصنفاته رحمه الله تعالى وغفر له.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>رابعًا: قوة حجته:</span>\n«وهو في وقت الحرب مجنة، قَلَّ أن قطعه خصمه الذي تصدى له وانتصب، أو خلص منه مناظره إلا وهو يشكو من الأين والنصب» (^٧)، بهذه العبارة اختار الصفدي -﵀- أن يبين مدى قوة حجة شيخ الإسلام في مواجهته لخصومه، ومدى ضعف خصومه في منازعتهم له، وهذا الأمر ليس بغريب على شيخ الإسلام -﵀-، فقد كان -﵀- لقوة ما أتاه الله من علم وحجة وبيان يستخدم شتى أنواع الأسلحة العقلية والنقلية في مواجهة الخصوم وبيان باطلهم، ونصر الحق وإظهاره، وقد\n_________\n(^١) الجامع لسيرته (ص: ٢٨٢).\n(^٢) ذيل تاريخ الإسلام ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٦٨).\n(^٣) الأعلام العلية (ص:٢٠).\n(^٤) مختصر طبقات علماء الحنابلة ضمن الجامع لسيرته (ص: ٢٥٩).\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٤).\n(^٦) قاعدة مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (١٢/ ٦ - ١١٦).\n(^٧) أعيان العصر ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٤٨).","vol":"1","page":59},{"text":"كان من عجيب أمره -﵀- أنه يكتفي في الرد على خصمه بالدليل الذي يحتج به الخصم عليه، فيقلب حجة الخصم حجة عليه، والدليل الذي يحتج به على صحة قوله دليلًا على بطلان قوله، قال ابن القيم -﵀-: «فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان، وكشف للناس باطلهم، وبين تلبيسهم وتدليسهم، وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول، وشفى واشتفى، وبين مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون، وإليه يدعون، وإنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه، فلا وحي ولا عقل، فأرداهم في حفرهم ورشقهم بسهامهم، وبين أن صحيح معقولاتهم خدم لنصوص الأنبياء شاهدة لها بالصحة، وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه» (^١).\nوقال -﵀-:\nأبدى فضائحهم وبيّن جهلهم … وأرى تناقضهم بكل زمان\nومن العجائب أنه بسلاحهم … أرداهم تحت الحضيض الداني (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-22>خامسًا: زهده وكرم نفسه:</span>\nوكما تربى شيخ الإسلام على حب العلم والعمل، نشأ كذلك على صفات كريمة وأخلاق نبيله، كالزهد في الدنيا، والجود والكرم والسخاء، والتواضع ولين الجانب وغير ذلك من خلال الخير والبر، قال سراج الدين أبو حفص البزار: «ولقد اتفق كل من رآه -خصوصًا من أطال ملازمته- أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهورًا؛ بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية -رحمة الله عليه-\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٧٩ - ١٠٨٠).\n(^٢) نونية ابن القيم الكافية الشافية (ص: ٢٣٢).","vol":"1","page":60},{"text":"لم يُسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا سرية حوراء، ولا دار قوراء (^١)، ولا مماليك جوار، ولا بساتين ولا عقار ولا شد على دينار ولا درهم، ولا رغب في دواب، ولا نعم ولا ثياب ناعمة فاخرة، ولا حشم ولا زاحم في طلب الرئاسات، ولا رئي ساعيًا في تحصيل المباحات، مع أن الملوك والأمراء والتجار والكبراء كانوا طوع أمره، خاضعين لقوله وفعله، وادين أن يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم، مظهرين لإجلاله أو أن يؤهل كلا منهم في بذل ماله» (^٢).\nوكذلك كرمه وجوده يفوق الوصف، قال العلامة أحمد بن يحيى العمري: «وكان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى، فينفقه جميعه آلافًا ومئين، لا يلمس منه درهما بيده، ولا ينفقه في حاجة له» (^٣)، «هذا مع ما جمع من الورع، وإلى ما فيه من العلى، وما حازه بحذافير الوجود في الجود، كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، فيهبه بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه، لا يأخذ منه شيئا إلا ليهبه، ولا يحفظه إلا ليذهبه كله في سبيل البر، وطريق أهل التواضع لا أهل الكبر. لم يمل به حب الشهوات» (^٤).\nوأختم بقول الذهبي -﵀-: «وما رأيت في العالم أكرم منه ولا أفرغ منه عن الدينار لا يذكره ولا أظنه يدور في ذهنه» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>سادسًا: حلمه وعفوه وصفحه:</span>\nإن من أبرز الصفات التي تحلى بها الشيخ الهمام شيخ الإسلام: حلمه وعفوه\n_________\n(^١) القوراء: الواسعة. انظر: القاموس المحيط (ص: ٤٦٧).\n(^٢) الأعلام العلية (ص: ٤٦).\n(^٣) مسالك الأبصار ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٢٣).\n(^٤) المصدر السابق (ص: ٣١٧).\n(^٥) نقله عنه ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٧٣).","vol":"1","page":61},{"text":"وصفحه وصبره على مخالفيه؛ ومن كان له أدنى اطلاع على حياة الشيخ أدرك مدى اتصاف شيخ الإسلام بهذا الخلق النبيل وتحليه به، فقد كان كريم النفس عظيم الصفح؛ يُقرِب مَن يقصيه، ويُكرِم من يؤذيه، ويعتذر لمن جنى عليه، وللشيخ -﵀- حكايات عديدة ومواقف كثيرة يظهر فيها جليًا عفوه وصفحه وسماحته وكرم نفسه وصفاء سريرته، واكتفي هنا بذكر أهم وأبرز ما وقفت عليه منها:\nالموقف الأول: بعد أن ارتفع نجم شيخ الإسلام في البلاد الشامية، وأظهر الله على يديه الحق والدين، وقمع به كثير من أهل الضلال والمنحرفين، ولم يستطع أهل الباطل مناظرته ومجاراته، وامتحن سنة خمس وسبعمائة بأمر السلطان في عقيدته الواسطية، وناظره فيها القضاة والعلماء بالقصر، وقرأوها في ثلاثة مجالس، وحاقَقُوه وبحثوا معه، ولم يستطيعوا أن يثبتوا على الشيخ مأخذًا أو مطعنًا وانتصر له السلطان، وحُكم بسلامة وصحة معتقده، قال ابن رجب -﵀-: «ثم إن المصريين دبروا الحيلة في أمر الشيخ، ورأوا أنه لا يمكن البحث معه، ولكن يعقد له مجلس، ويدعى عليه، وتقام عليه الشهادات. وكان القائمون في ذلك منهم: بيبرس الجاشنكير (^١)، الذي تسلطن بعد ذلك، ونصر المنبجي (^٢)، وابن مخلوف قاضي المالكية (^٣)، فطلب الشيخ على البريد إلى القاهرة، وعقد له\n_________\n(^١) هو ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري، الملك المظفر: من سلاطين المماليك بمصر والشام، صار من كبار الأمراء في دولة الأشرف خليل بن قلاوون، وتقلبت به الأحوال (ت: ٧٠٩ هـ). انظر: النجوم الزاهرة (٨/ ٢٣٢)، الدرر الكامنة (٢/ ٣٦).\n(^٢) هو أبو الفتح نصر بن سليمان المنبجي، أحد الصوفية المعظمين لابن عربي، أنشأ له زاوية خارج باب النصر وصار يتعبد فيها ويتردد عليه فيها الأكابر، ولشيخ الإسلام رسالة في الرد عليه في مسألة الاتحاد، (ت: ٧١٩ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٦/ ١٥٨)، الخطط المقريزية (٢/ ٤٣٢).\n(^٣) هو زين الدين علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النويري المالكي قاضي القضاة، ولي قضاء الديار المصرية ثلاثا وثلاثين سنة، وذكر مترجموه أنه كان محمود السيرة، ولكن قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣٥): «ذاك رجل كذاب فاجر قليل العلم والدين» (ت: ٧١٨ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (٢٢/ ١١٨) الدرر الكامنة (٣/ ٢٠٢).","vol":"1","page":62},{"text":"ثاني يوم وصوله - وهو ثاني عشرين رمضان سنة خمس وسبعمائة - مجلس بالقلعة، وادعي عليه عند ابن مخلوف قاضي المالكية، أنه يقول: إن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية.\nوقال المدعي: أطلب تعزيزه على ذلك، التعزيز البليغ - يشير إلى القتل على مذهب مالك- فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال: أأمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضي: أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت الشيخ، فقال: أجب. فقال الشيخ له: من هو الحاكم في؟ فأشاروا: القاضي هو الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت خصمي، كيف تحكم فيَّ؟ وغضب، ومراده: أني وإياك متنازعان في هذه المسائل، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر فيها، فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رد الشيخ، وقال: رضيت أن تحكم في، فلم يمكن من الجلوس» وأُمر به أن يحبس ويسجن، قال ابن رجب: «ويقال إن أخاه الشيخ شرف الدين ابتهل، ودعا الله عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيخ، وقال له: بل قل: اللهم هب لهم نورًا يهتدون به إلى الحق» (^١). وهذا مصداق ما ذكره ابن القيم ﵀ عنه حيث قال: «وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم» (^٢).\nالموقف الثاني: عاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون (^٣) واسترد الملك الذي انتزع منه، والشيخ منفي بالإسكندرية بأمر الدولة وإنما أرادوا أَنْ يسيّروه إِلى الإِسكندرية كهيئة المنفيّ، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيلة فيستريحوا\n_________\n(^١) الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٤٧٥).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\n(^٣) هو أبو الفتح محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي من كبار ملوك الدولة القلاوونية، ولي سلطنة مصر والشام سنة ٦٩٣ هـ وهو صبي، وخلع منها لحداثته سنه، فأرسل إلى الكرك، وأعيد للسلطنة بمصر وبقي كالمحجور عليه، ثم استتب له الأمر مؤخرًا، وكان وقورا مهيبا، (ت: ٧٤١ هـ). انظر: فوات الوفيات (٢/ ٢٦٣)، الدرر الكامنة (٤/ ١٤٤).","vol":"1","page":63},{"text":"منه، قال الشيخ علم الدين البرزالي (^١): «ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر، لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الإسكندرية معززا مكرمًا مبجلًا، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر، وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقاه ومشى إليه في مجلس حافل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وجماعة كثيرة من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال أنا قد حاللت كل من آذاني» (^٢).\nالموقف الثالث: من أعظم ما يبين هذا الخلق العظيم الذي كان يتحلى به الشيخ ﵀ موقفه العظيم مع القضاة الذين آذوه وحاربوه بشتى الوسائل ومختلف السبل، وانتهزوا فرصة غياب الناصر بن قلاوون فألّبوا وحرضوا عليه الأمراء، ونشروا حوله الأكاذيب والافتراءات، وسجن بسببهم المرات العديدة، وأبعد عن أهله ووطنه، وبيته ومسكنه، ثم لما تمكن الناصر بن قلاوون وعاد لكرسيه ومنصبه، وأصبحت الكفة لشيخ الإسلام وتمكن من الإيقاع بهم لو أراد، وخيره السلطان في ذلك، وحرضه على الفتيا بقتلهم أو تعزيرهم، أبى ﵀ إلا العفو عنهم والصفح قال الشيخ علم الدين البرازلي: «وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت\n_________\n(^١) هو أبو محمد القاسم بن محمد بن يوسف ابن العدل بهاء الدين ابن الحافظ زكي الدين البرزالي الإشبيلي ثم الدمشقي الشافعي، الْحَافِظ الكبير المؤرخ، له كتاب \"تاريخ البرزالي\" و\"الوفيات\" و\"المعجم الكبير\" (ت: ٧٣٩ هـ). انظر: الرد الوافر (ص:١١٩) وفوات الوفيات (٣/ ١٩٦).\n(^٢) البداية والنهاية (١٤/ ٥٤) وانظر: الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٢٩).","vol":"1","page":64},{"text":"أيضًا، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحدًا منهم سوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارًا. فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم وصفح. قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا» (^١). وقال ابن عبد الهادي: «فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: (ما رأينا أتقى من ابن تيمية لم نبق ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا» (^٢).\nوانظر إلى شهامته ومروءة نفسه وصفاء سريرته في قوله بعد الفتنة التي كانت بينه وبين القاضي ابن مخلوف المالكي، وبعد كل ما صنعه فيه: «وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه، ولا أعين عليه عدوه قط. ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه نيتي وعزمي، مع علمي بجميع الأمور. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين» (^٣).\nالموقف الرابع: موقفه عندما قام جماعة من مقلدة أهل البدع بضربه وإيذائه في الجامع، قال ابن عبد الهادي -﵀-: «فلما كان في رابع شهر رجب من سنة إحدى عشرة وسبعمائة جاء رجل فيما بلغني إلى أخيه الشيخ شرف الدين وهو في مسكنه بالقاهرة فقال له: إن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٤٣١).\n(^٢) العقود الدرية (ص: ٢٢٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٧١).","vol":"1","page":65},{"text":"فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكان بعض أصحاب الشيخ جالسًا عند شرف الدين قال: فقمت من عنده وجئت إلى مصر فوجدت خلقا كثيرا من الحسينية وغيرها رجالًا وفرسانًا يسألون عن الشيخ؟ فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك على البحر واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس. وقال له بعضهم: يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا!\nفقال لهم الشيخ: لأي شيء؟\nقال: لأجلك.\nفقال لهم: هذا ما يحق.\nفقالوا: نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس.\nفقال لهم: هذا ما يحل.\nقالوا: فهذا الذي قد فعلوه معك يحل؟! هذا شيء لا نصبر عليه ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا.\nوالشيخ ينهاهم ويزجرهم. فلما أكثروا في القول قال لهم: إما أن يكون الحق لي أو لكم أو لله فإن كان الحق لي فهم في حل منه وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولا تستفتوني فافعلوا ما شئتم وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه إن شاء كما يشاء.\nقالوا: فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم؟!\nقال: هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه!!\nقالوا: فتكون أنت على الباطل وهم على الحق؟! فإذا كنت تقول إنهم مأجورين فاسمع منهم ووافقهم على قولهم!\nفقال لهم: ما الأمر كما تزعمون فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين ففعلوا ذلك باجتهادهم والمجتهد المخطئ له أجر» (^١).\n_________\n(^١) العقود الدرية (ص: ٣٠١ - ٣٠٣).","vol":"1","page":66},{"text":"الموقف الخامس: قال ابن القيم -﵀- في الدرجة الثانية من درجات الفتوة (^١): «الدرجة الثانية أن تقرب من يقصيك. وتكرم من يؤذيك. وتعتذر إلى من يجني عليك، سماحة لا كظمًا، ومودة لا مصابرة … وما رأيت أحدًا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: (وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه)، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.\nوجئت يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسروا به ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه» (^٢).\nالموقف الخامس: واستمرت هذه السجية ملازمة لشيخ الإسلام حتى حَضرهُ الموت وهو مسجون مظلوم في سجن القلعة قد مُنع عنه كل شيء حتى الدواة والقلم، وفي تلك اللحظات جاءه شمس الدين الوزير بدمشق إذ ذاك، فاستأذن في الدخول عليه لعيادته، فأذن الشيخ له في ذلك، فلما جلس عنده أخذ يعتذر له عن نفسه، ويلتمس منه أن يحله مما عساه أن يكون قد وقع منه في حقه من تقصير أو غيره، فأجابه الشيخ ﵁: «بأني قد أحللتك وجميع من عاداني، وهو لا يعلم أني على الحق، وقال -ما معناه-: إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي؛ لكونه فعل ذلك مقلدًا غيره، معذورًا، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لما\n_________\n(^١) الفتوة: مصطلح أطلقته الصوفية على مقام يتصف فيه صاحبه بالعدالة التي هي جماع الفضائل الخلقية ويتنزه عن الرذائل النفسية، والألواث الطبيعية، ويرجع إلى صفاء الفطرة. انظر: معجم اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق كشاني (ص:٢٦١)، والمعجم الصوفي للدكتورة سعاد الحكيم (ص:٨٧١).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩).","vol":"1","page":67},{"text":"بَلغهُ مما ظنهُ حقًا من مبلغه، والله يعلم أنه بخلافه، وقد أحللت كل واحد مما كان بيني وبينه، إلا من كان عدوًا لله ورسوله» (^١).\nوأختم بما ذكره ﵀ في رسالة عظيمة أرسلها لبعضهم من مصر إلى دمشق وقد أوذي في الله أيما إيذاء، كان مما قال فيها: «فلا أحب أن يُنتصر من أحدٍ بسببِ كذِبهِ علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد بكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي، وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم وإلا فحكم الله نافذ فيهم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>سابعًا: صبره وانشراح صدره:</span>\nذكر أهل العلم أن للصبر على المحن والمصائب والابتلاءات درجات ومقامات، وأعظمها مقام الحمد والشكر على البلاء، وعندما نتحدث عن صبر شيخ الإسلام فإننا لا نتحدث عن حبسه لنفسه عن السخط وحسب، فقد فاق شيخ الإسلام هذا المقام بمراحل، فكان مع صبره على البلاء راضيًا بالقضاء وحامدًا شاكرًا في الشدة والرخاء ممتنًا لله عارفًا بفضله ونعمته ذاكرًا له على كل حال، قال ابن القيم -﵀-: «سمعت شيخنا شيخ الإِسلام ابن تَيْمِيَّة قدس الله روحه، ونور ضريحه، يقول: إِنَّ في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.\nقال: وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أَنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي، لا تفارقني، أَنا حبسي خَلْوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.\nوكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة - أَو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير - ونحو هذا …\n_________\n(^١) الأعلام العلية (ص: ٨٢).\n(^٢) العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص: ٢٨١).","vol":"1","page":68},{"text":"وقال مرة: المحبوس من حُبِس قلبُه عن ربِّه، والمأسور من أسره هواه، ولما دخل إِلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إِليه، وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ [الحديد:١٣].\nقال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كَانَ فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب النَّاس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرُّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه.\nوكنا إِذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إِلاَّ أَن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه! وفتح لهم أبوابها في دار العمل! فأتاهم من رَوحها ونسميها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إِليها اهـ» (^١).\nوهذه الأمور كلها هي التي جعلت أعداءه يحارون فيه، ولا يزدادون منه إلا غيضا وعليه إلا حسدًا، ومن ذلك أنه لما كان محبوسا في سجن القاهرة وقد أيس الواشون به من إرجاعه عن معتقده أو إسكاته عن كشف ضلالهم، وأصابهم من ذلك هم وضيق وحيرة، قاموا بإرسال بعض المشايخ التدامرة إليه، وقالوا له: «قد اجتمعنا بهؤلاء القائمين عليك، وقالوا قد بُلشنا به، والناس تلعننا بسببه، وقد قلنا: إنا قد أخذناه بحكم الشرع في الظاهر، فليبصر شيئًا لا يكون علينا ولا عليه فيه رد فيكتبه لنا ونتفق نحن وهو عليه»، فلما قالوا له ذلك قال لهم: «أنا منشرح الصدر، وما عندي قَلَق، وهم برّا الحبس فَلِمَ يقلقون؟» (^٢).\nوقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك، أو نفيك، أو حبسك، فقال لهم: «أنا إن قتلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي\n_________\n(^١) الوابل الصيب (ص:٤٨).\n(^٢) فصل في تكسير الأحجار لإبراهيم الغياني ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٤٦).","vol":"1","page":69},{"text":"معبدًا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت تقلبت على صوف، فيئسوا منه وانصرفوا» (^١).\nولما يئسوا منه وقرروا إخراجه من سجن القاهرة ليُنفى ويسجن في الاسكندرية، قال خادم الشيخ إبراهيم بن أحمد الغياني (^٢) -﵀-: «فوقفت أبكي، فقال الشيخ: «لا تبك، ما بقيت هذه المحنة تُبطئ»، ثم صار يقرأ القرآن، فلما صلوا المغرب بقي يدعو بدعاء الكرب، وأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا، كأن وجهه شمع يجلوه مثل العروس، وفي ظلمة الليل جاء نائب الوالي فقال: «باسم الله، فبقي المحبوسون يودّعونه ويبكون ويدعون عليهم بدعاء مختلف، أقله أن يسلبهم الله نعمته، وركب على باب الحبس، فقال له إنسان: «يا سيدي هذا مقام الصبر»، فقال له: «بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قُسِّم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم، ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقته ما أديت عشر هذه النعمة التي أنا فيها» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-25>ثامنًا: شجاعته:</span>\nكان -﵀- شجاعًا ثابت الجأش قوالًا بالحق، آمرًا بالمعروف ناهيا عن المنكر. لا يخشى في الله لومة لائم ولا عذل عاذل، وسر ذلك كله ما اجتمع في قلبه من تعظيم الله وتبجيله وإجلاله، وما مُلئ به فؤاده من اليقين بالله والثقة به، وتجد أثر ذلك واضحًا في أقواله وتقريراته ومن ذلك قوله -﵀-: «ولن يخاف الرجل من غير الله إلا لمرض في قلبه» (^٤).\nوقد كان تعلقه بالله ﷿ كبيرا، وتوكله عليه توكلًا عظيما، فليس لأحد من الخلق عليه منه، ولا فضل ولا نعمة فيخاف من ذهابها، ويخشى من زوالها، وقد\n_________\n(^١) فصل في تكسير الأحجار الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٤٨).\n(^٢) هو إبراهيمُ بنُ أحمدَ الغيانيُّ، انظر ترجمته حاشية (ص:٣٥٠) من هذه الرسالة.\n(^٣) فصل في تكسير الأحجار لإبراهيم الغياني ضمن الجامع لسيرته (ص: ١٥٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٥٩).","vol":"1","page":70},{"text":"صرح -﵀- بذلك فقال: «وليس لي ما أخاف الناسَ عليه: لا مدرسة، ولا إقطاع، ولا مال، ولا رئاسة، ولا شيء من الأشياء» (^١).\nيغار على الْإِسْلَام من كل بِدعَة … وَمَا زَالَ مِنْهَا هادما كل بُنيان\nوَفِي الله لم تَأْخُذهُ لومة لائم … وَلم يخْش مخلوقا من الْإِنْس والجان (^٢)\nوقد وصف غير واحد ممن عاصره وترجم له شجاعته وإقدامه ومن ذلك قول الذهبي -﵀-: «وأما شجاعته وجهاده وإقدامه فأمر يتجاوز الوصف ويفوق النعت» (^٣)، وقال ﵀: «وإليه كان المنتهى في فرط الشجاعة» (^٤)، وقال ابن الوردي (^٥) -﵀-: «بشجاعته تضرب الأمثال وببعضها يتشبه أكابر الأبطال» (^٦)، وقال عنه أيضًا: «أطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه بدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أدى إليه اجتهاده، وحدة ذهنه وسعة دائرته في السنن والأقوال، وجرى بينه وبينهم حملات حربية ووقعات شامية ومصرية» (^٧).\nومن المواقف المشهودة في ذلك موقفه في صد هجمة التتار عندما انزعج الناس وطاشت عقولهم وفر منهم من فر وجزع منهم من جزع، وشيخ الإسلام\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢٨/ ٤٤٩).\n(^٢) بيتان من قصيدة لشهاب الدين إبراهيم بن شهاب الدين ابن كوشب الحنفي (ت: ٧٣٥ هـ)، نقلها ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص:٤٩١).\n(^٣) العقود الدرية (ص: ٣٩).\n(^٤) ذيل تاريخ الإسلام ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٢٧١).\n(^٥) عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس المعري زين الدين ابن الوردي، الفقيه الشافعي، الأديب الشاعر، من مصنفاته: \"تتمة المختصر في أخبار البشر\" و\"خريدة العجائب\" (ت:٧٤٩ هـ). انظر: الدرر الكامنة (١/ ٤٠٩)، البدر الطالع (١/ ٤٩١).\n(^٦) تتمة المختصر في أخبار البشر ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٣٤).\n(^٧) المصدر السابق (ص: ٣٣٤).","vol":"1","page":71},{"text":"على ثبات عظيم يحث الناس على القتال ويحضهم عليه، ويثبت العسكر والأمراء على القتال ويقوي جأشهم ويرفع من عزيمتهم، وذهب إلى السلطان في بلاد مصر فاجتمع به وبالوزير وأعيان الدولة وحرضهم على القتال وحثهم عليه، بل وجزم لهم بالنصر حتى جرَّدت العساكر إلى الشام لحمايته من بطش التتار، وشهد القتال بنفسه وأظهر فيه من الشجاعة أمرًا عجبًا، ومن البسالة شيئا مذهلا (^١)، قال ابن عبد الهادي -﵀-: «ولقد أخبرني حاجب من الحجاب الشاميين أمير من أمرائهم ذو دين متين وصدق لهجة معروف في الدولة قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمَرْجُ الصُّفَّر (^٢) وقد تراءى الجمعان: يا فلان أوقفني موقف الموت قال فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم.\nثم قلت له: يا سيدي هذا موقف الموت وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة فدونك وما تريد.\nقال فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره وحرك شفتيه طويلا ثم انبعث وأقدم على القتال وأما أنا فخُيل إلي أنه دعا عليهم وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة\nقال: ثم حال القتال بيننا والالتحام وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر وانحاز التتار إلى جبل صغير عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين تلك الساعة وكان آخر النهار\nقال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما تحريضا على القتال وتخويفا للناس من الفرار.\nفقلت يا سيدي: لك البشارة بالنصر فإنه قد فتح الله ونصر وهاهم التتار\n_________\n(^١) انظر: البداية والنهاية ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤١١ - ٤١٦).\n(^٢) مرج الصفر: سهل واسع من سهول دمشق جرت فيه معارك حاسمة. انظر: معجم البلدان (٥/ ١٠١). المعالم الأثيرة (ص:٢٤٨).","vol":"1","page":72},{"text":"محصورون بهذا السفح، وفي غد إن شاء الله تعالى يؤخذون عن آخرهم.\nقال فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ودعا لي في ذلك الموطن دعاء وجدت بركته في ذلك الوقت وبعده» (^١).\nومن مواقفه في ذلك موقفه العظيم مع سلطان التتر السلطان محمود غازان (^٢)، قال العلامة أحمد بن يحيى العمري: «ولما قدم غازان دمشق خرج إليه ابن تيمية في جماعة من صلحاء الدماشقة، منهم القدوة الشيخ محمد بن قوام، فلما دخلوا على غازان كان مما قال ابن تيمية للترجمان: قل للقان: أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ مؤذنون على ما بلغنا، فغزوتنا، وأبوك وجدّك هولاكو كانا كافرين وما عملًا الذي عملت، عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت، وجرت له مع غازان وقطلوشاه وبولاي أمور ونوب، قام فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله» (^٣).\nوقال القاضي شهاب الدين أحمد بن يحيى العمري: «جلس الشيخ إلى السلطان محمود غازان حيث تجم الأسد في آجامها، وتسقط القلوب دواخل أجسامها، وتجد النار فتورًا في ضرمها، والسيوف فرقًا في قرمها، خوفًا من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، وطلب منه الدعاء، فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على دعائه» (^٤).\n_________\n(^١) العقود الدرية (ص:١٩٣ - ١٩٤).\n(^٢) هو محمود غازان بن أرغون، من سلالة ملكية تنتهي إلى جنكيز خان، كان من أبرز الملوك في دولته وأقواهم، كان له خبرة بسياسة الأمور وتدبير الملك، وكان قد التحق في أفعاله بجده الأكبر هولاكو، ويعتبر عهده فترة تحول المغول من حياة البدو إلى الاستقرار (ت: ٧٠٣ هـ). انظر: فوات الوفيات (٤/ ٩٧)، الدرر الكامنة (٣/ ٢٩٢).\n(^٣) مسالك الأبصار ضمن الجامع لسيرته (٣٢٠).\n(^٤) تتمة المختصر ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٣٤).","vol":"1","page":73},{"text":"ومن شجاعته في قول الحق ولو في وجه السلاطين والأمراء ما حكاه البزار ﵀ من موقفه مع الملك الناصر بن قلاوون، حيث قال: «أخبرني من لا اتهمه أن الشيخ -﵁- حين وُشي به إلى السلطان المعظم الملك الناصر محمد، أحضره بين يديه، قال: فكان من جملة كلامه: إنني أُخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك؟\nفلم يكترث به، بل قال له بنفس مطمئنة، وقلب ثابت، وصوت عالٍ سمعه كثير ممن حضر: (أنا أفعل ذلك، والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلسين)، فتبسم السلطان لذلك، وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة، إنك والله لصادق، وإن الذي وشيء بك إليَّ كاذب، واستقر له في قلبه من المحبة الدينية ما لولاه لكان قد فتك به منذ دهر طويل من كثرة ما يلقى إليه في حقه من الأقاويل الزور والبهتان؛ ممن ظاهر حاله للطغام العدالة وباطنه مشحون بالفسق والجهالة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>تاسعًا: تواضعه:</span>\nومع تلك المكانة الرفيعة التي نالها شيخ الإسلام، والتي دان له بها العلماء والأمراء إلا أنه ﵀ كان غاية في التواضع ولين الجانب، والبعد عن الفخر والاعتداد بالنفس، قال الحافظ أبو حفص البزار -﵀-: «وأما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك» (^٢)، ويقول العلامة ابن القيم -﵀-: «ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: (ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء)، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:\nأنا المكدّي وابن المكدّي (^٣) … وهكذا كان أبي وجدّي\n_________\n(^١) الأعلام العلية (ص: ٧٣).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٤٩).\n(^٣) قال في لسان العرب (١٥/ ٢١٦): «كدت الأرض … إذا أبطأ نباتها … والكادي: البطيء الخير من الماء … وأكدى الرجل: قل خيره، وقيل: المكدي من الرجال الذي لا يثوب له مال ولا ينمي».","vol":"1","page":74},{"text":"وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: (والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلامًا جيدًا)، وبعث إليَّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:\nأنا الفقير إلى رب البريات … أنا المسيكين في مجموع حالاتي\nأنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي … والخير إن يأتنا من عنده يأتي\nلا أستطيع لنفسي جلب منفعة … ولا عن النفس لي دفع المضراتِ» (^١)\nالثناء عليه:\nكان من البساطة بمكان نقل ثناء أهل العلم على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وذلك أنه لا تخلو ترجمة من تراجمه على ما لا يحصى من أنواع التعظيم والمدح والثناء العاطر والذكر الحسن والجميل، وقد تفنن المترجمون له في ذكر صفاته الحميدة وأخلاقه العظيمة وعلمه الجم، حتى أن الناقل للثناء عليه ليتحير فيما ينقل وعمن ينقل؟! ولكن مع هذا كله كان مما لفت نظري وشد انتباهي عبارة عظيمة وُصِفَ بها شيخ الإسلام ولطالما تكررت أثناء ترجمته بنحو لم يعهد في ترجمة أحد غيره، وهي قول كثير ممن عاصره أو ترجم له: إنه لم يُرَّ مِثلُهُ، أو لم نرَّ مثلهُ، أو نحوها من العبارات التي تتضمن المدلول نفسه، وهذه العبارة على قلة كلماتها إلا أنها تُعتبر الغاية في الثناء، والمنتهى في المدح والإطراء، وهي الكلمة التي يقف عندها العاجز عن وصف ما شاهده، فإن الواقف على مكان جميل أو منظر خلاب إذا عجز عن وصف ذلك ورأى أنه مهما عبر للناس عن جماله وحسنه لم يؤد حقه، فإنه يلجأ إلى هذه الكلمة فيقول لم أر مثله قط، وكأنه يختصر المسافة أمام السامع فيقول له: تذكر أجمل مكان رأيته في حياتك فهذا أفضل منه وأجمل، فليس له نظير ولا مثيل ولا شبيه، وكذلك كان شيخ الإسلام ﵀ فريد وقته وأوحد عصره\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٥٢٠).","vol":"1","page":75},{"text":"ولذلك رأى كثير من مترجميه أنهم مهما وصفوه به من العلم والكرم والجود والزهد والتواضع والشجاعة وغيرها من الصفات، فإن هذا لن يوفيه حقه، فوصفوه بأنه لم يُرَّ مثله قط، وذلك لكي لا يتوهم السامع أن ما وصفوه به من الصفات هي كصفات غيره، فإن المتصفون بهذه الصفات كُثر، ولكن كان شيخ الإسلام أكثرهم علمًا وأعظمهم خُلقًا وأجلهم قدرًا، فليس في أحد منهم مساو له ولا نظير، ولهذه كله فإنني سأقتصر في ذكر ثناء الناس عليه، بذكر من وصفه بهذه العبارة أو بمعنى يقاربها، وهم أكثر من ثلاثين رجلًا منهم الموافق والمخالف، والملك والوزير، والمؤرخ والعالم، وقد رأيت أن أرتبهم حسب الوفاة وهم كالتالي:\n١) سلطان التتر السلطان محمود غازان (٧٠٣ هـ): حيث قال واصفًا شيخ الإسلام ﵀: «إني لم أر مثله ولا أثبت قلبًا منه، ولا أوقع من حديثه في قلبي، ولا رأيتني أَعظمُ انقيادًا مني لأحدٍ منهُ» (^١).\n٢) الشيخ عماد الدين الواسطي المعروف بابن شيخ الحزامين (^٢) (٧١١ هـ)، قال ﵀: «واللهِ ثمَّ واللهِ ثمَّ واللهِ لم أَرَ تحت أديم السَّماء مِثْلَه؛ عِلْمًا وعملًا وحالًا وخُلُقًا وكرمًا وحِلْمًا في حقِّ نَفْسه، وقيامًا في حَقِّ الله عند انتهاك حرماته» (^٣)، وقال أيضًا: «ما رأينا في عصرنا هذا من تُستجلى النبوةُ المحمديةُ وسنتُها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل» (^٤).\n٣) نائب السلطنة جمال الدين بن الأفرم (^٥) -﵀- (٧١٦ هـ):\n_________\n(^١) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (ص: ٧٠).\n(^٢) أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن عماد الدين ابن الشيخ أبي إسحاق شيخ الحزامية الواسطي ثم الدمشقي، ولد بواسط، ورحل إلى بغداد، ثم القاهرة، ثم دمشق، اشتهر بالزهد وكثرة العبادة وحب السنة، كان من المعظمين لشيخ الإسلام المتصدين لفضح أهل الحلول والاتحاد (ت:٧١١ هـ). انظر: الدرر الكامنة (١/ص ١٠٣) شذرات الذهب (٦/ ٢٤).\n(^٣) التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٢٣).\n(^٤) المصدر نفسه ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٢٣ - ١٢٤).\n(^٥) آقوش بن عبد الله الدواداري المنصوري، الأمير جمال الدين، المعروف بالأفرم -وهو غير الأفرم صاحب الرباط والأموال-كان من مماليك الملك المنصور قلاوون القُدم وكان ذا قوة ونجدة، يقاوم في الحروب بعدة، وما تمتع أحد بالقصر الأبلق كما تمتع،، وكان مغرى بحب الصيد لا يكاد يمله، ولي نيابة دمشق قرابة (١٤) عامًا، وأحبه أهل دمشق، (ت ٧٢٠ هـ وقيل:٧١٦ هـ). انظر: أعيان العصر (١/ ٥٦٠ - ٥٧٢) السلوك لمعرفة دول الملوك (٢/ ٥١٩).","vol":"1","page":76},{"text":"قال ابن كثير (^١) -﵀: «وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة أُخْبر نائب السلطنة بوصول كتاب من الشَّيخ تقي الدين من الحبس الَّذي يُقال له: الجبّ. فأرسل في طلبه، فجيء به، فقرئ على الناس. فجعل يشكر الشَّيخ ويُثني عليه وعلى علمه وديانته وشجاعته وزُهده. وقال: ما رأيتُ مثله» (^٢). وقال ابن رجب -﵀-: «ثمَّ في آخر هذه السنة وصل كتاب إِلى نائب السلطنة بدمشق من الشَّيخ، فأخبر بذلك جماعة ممن حضر مجلسه، وأثنى عليه، وقال: ما رأيت مثله، ولا أشجع منه» (^٣).\n٤) قاضي المالكية ابن مخلوف (٧١٨ هـ): قال: «ما رأينا مثل ابن تَيْمِيَّة حرَّضْنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا» (^٤).\n٥) نجم الدين إسحاق بن أبي بكر ابن ألمي التركي (^٥) (بعد ٧٢٠ هـ): قال ﵀:\n_________\n(^١) هو الشيخ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصري ثم الدمشقي، الحافظ المعروف، كان عالمًا محققًا ثقة متقنًا، وكان غزير العلم واسع الاطلاع إمامًا في التفسير والحديث والتاريخ، وترك مؤلفات كثيرة قيمة أبرزها: \"البداية والنهاية\" و\"تفسير القرآن العظيم\" (ت:٧٧٤ هـ). انظر: الدرر الكامنة (١/ ٤٤٥) والمنهل الصافي (٢/ ٤١٤).\n(^٢) البداية والنهاية ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٢٤).\n(^٣) ذيل طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٧٦).\n(^٤) المصدر نفسه ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٣١).\n(^٥) إسحاق بن أبي بكر بن ألمى بن التركي المصري الحنبلي، الفقيه الحنبلي المحدّث الأديب الشاعر له شعر فائق، طلب الحديث وقتا وتوفي بعد (٧٢٠ هـ) ولم تتحقق سنة وفاته. انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (١/ ١٧٠)، شذرات الذهب (٨/ ١٥٧).","vol":"1","page":77},{"text":"وَلَيْسَ لَهُ فِي الْعلم والزهد مُشبِهٌ … سوى الْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن الْمسيب\nوَمن رام حبرًا غَيره الْيَوْم فِي الورى … فَذَاك الَّذِي قد رام عنقاء مغرب (^١)\n٦) شيخ الشافعية كمال الدين ابن الزَّمْلَكاني (٧٢٧ هـ): قال ابن رجب -﵀: «وبلغني من طريق صحيح عن ابن الزَّمْلَكاني: أَنَّه سئل عن الشَّيخ فقال: لم ير من خمسمائة سنة، أَو أربعمائة سنة -الشك من الناقل، وغالب ظنه: أَنَّه قال: من خمسمائة سنة- أحفظ منه» (^٢).\n٧) قاضي القضاة شمس الدين محمد ابن الحريري الحنفي (^٣) -﵀- (٧٢٨ هـ): قال العلامة شهاب الدين أحمد بن عبدالوهَّاب النُّوَيري (^٤): «كان ممن تعصب لتقي الدين ابن تيمية في هذه الواقعة بالشام قاضي القضاة شمس الدين محمد ابن الحريري الحنفي، وأثبتَ محضرًا له مما هو عليه من الخير، وكتبَ في أعلاه بخطه ثلاثة عشر سطرًا يقول في جملتها: (إنه منذ ثلاث مئة سنة ما رأى الناس مثله)، وأراني قاضي القضاة زين الدين المالكي هذا المحضر» (^٥).\n٨) الشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن عبد الكريم التبريزي (^٦) (٧٣٠ هـ): قال ﵀:\n_________\n(^١) العقود الدرية (٤٥٦).\n(^٢) ذيل طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٧٠).\n(^٣) هو شمس الدين محمد بن عثمان بن أبي الحسن الدمشقي الحريري، قاضي الديار المصرية، كان رأسًا في المذهب الحنفي، عادلًا مهيبًا (ت: ٧٢٨ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (٤/ ٦٧)، الدرر الكامنة (٤/ ٣٩).\n(^٤) هو شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم النويري، له مصنفات منها: نهاية الأرب في فنون الأدب، (ت:٧٣٣ هـ). انظر: الدرر الكامنة (١/ ٢٣١)، البداية والنهاية (١٤/ ١٦٤).\n(^٥) نهاية الأرب في فنون الأدب ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٨٠).\n(^٦) هو أحمد بن عبد الكريم بن عبد الصمد بن أنو شروان التبريزي، المعروف بابن المكوشت اشتغل في مذهب أبي حنيفة ومهر وتقدم وقال الشعر الحسن، (ت: ٧٣٠ هـ). انظر: الدرر الكامنة (١/ ٢٠٧)، الطبقات السنية في تراجم الحنفية (ص:١١٥).","vol":"1","page":78},{"text":"يا ثُلمةً ثُلِمَت في الدين واتسعت … ولستِ حتى اللقا والحشرِ تلتئمي\nهيهات هل تسمح الدنيا بمثلِ فتى … تيميةٍ أو يُرى في عالمِ الحُلمِ (^١)\n٩) الشيخ محمود بن علي الدقوقي البغدادي المحدث (^٢) (٧٣٣ هـ): قال ﵀:\nيَا وَاحِد الدُّنْيَا الَّذِي بِعُلُومِهِ … يمتاز فِي الْإِسْلَام كل موحد\nيَا من يروم لَهُ عديلًا فِي الورى … قد رمت كالعنقاء مَا لم يُوجدِ (^٣)\n١٠) ابن سيد الناس اليعمري (٧٣٤ هـ): قال ﵀: «ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأَت عينه مثل نفسه» (^٤).\n١١) الشيخ مجير الدين الخياط الدمشقي (^٥) (٧٣٥ هـ): قال ﵀ في قصيدة له في رثاء شيخ الإسلام:\nمَا كَانَ إِلَّا خير أمة أَحْمد … فِي الْعَصْر لم تسمح بِهِ الْأَعْصَار (^٦)\nوقال واصفًا الشيخ في قصيدة أخرى:\nكَانَ وِترًا فِي الْفضلِ فَذًَّا وكلُّ النَّـ … اس جَاءُوا بشَفْعِهم والتُّؤامِ\nكَانَ سَمحًا بِمثلِهِ الدَّهْرِ ضنًّا … فِي ليَالِي الزَّمَان وَالْأَيَّامِ\nيَا فقيد الْمِثَال علمًا وحلمًا … وَقَرِيب المرمى بعيد المرامِ (^٧)\n_________\n(^١) العقود الدرية (ص:٤٨٣ - ٤٨٤).\n(^٢) هو أبو الثناء محمود بن علي بن محمود بن مقبل الدقوقي البغدادي الحنبلي، محدث بغداد وحافظها، توفي (٧٣٣ هـ). انظر: الرد الوافر (ص:١٢٧) الدرر الكامنة (٦/ ٨٨ - ٨٩).\n(^٣) العقود الدرية (٥١٦ - ٥١٧).\n(^٤) أجوبة ابن سيد الناس اليعمري عن سؤالات ابن أيبك الدمياطي ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٨٨).\n(^٥) هو أحمد بن الحسن بن محمد مجير الدين الخياط الدمشقي، (ت:٧٣٥ هـ) وقد قارب السبعين وله ديوان كبير. انظر: أعيان العصر (١/ ٢١٢) والوافي بالوفيات (٦/ ٢٠٦) والدرر الكامنة (١/ ١٤١).\n(^٦) العقود الدرية (ص:٤٦٩)\n(^٧) العقود الدرية (ص:٤٧٣، ٤٧٤)","vol":"1","page":79},{"text":"وله أيضًا في قصيدة أخرى:\nمُطيعًا لرب الْعَرْش لم يعْص أمره … وَمِنْه لَهُ فِي الْعَصْر لم نر أطوعا\nفَللَّه مَفْقُود فقدناه نَافِع … لنا مِنْهُ غير الله لم نر أنفعا (^١)\n١٢) الشيخ علاء الدين بن غانم المقدسي (^٢) (٧٣٧ هـ): قال ﵀:\nحَاز علمًا مَا لَهُ من مسَاوٍ … فِيهِ من عَالم وَلَا من مسام\nولم يكن فِي الدُّنْيَا لَهُ من نَظِيرٍ … فِي البرايا فِي الْفضل وَالْأَحْكَام\nكَانَ فِي علمه وحيدا فريدًا … لم ينالوا مَا نَالَ فِي الأحلام\nعَالمٌ فِي زَمَانه فاق بالعلـ … م جَمِيع الْأَئِمَّة والأعلام\nأوحدٌ فيه قد أُصيبَ البرايا … فيعزى فيه جميع الأنامِ\nحسدوه إِذْ مَاله من نَظِير … من بني دهره الْكِبَار الْكِرَام (^٣)\n١٣) العلامة ركن الدين محمَّد بن القوبع (^٤) -﵀- (٧٣٨ هـ): قال أحمد بن محمد الفيومي (^٥) -﵀-: «سمعت من لفظ الشَّيخ الإِمامة العلامة ركن الدين محمَّد بن القوبع قال: (مات ابن تَيْميَّة ولم يترك على ظهر الأَرض مثله)، وحسبك بهذا القول من هذا الإمام» (^٦).\n_________\n(^١) العقود الدرية (ص:٤٧٧).\n(^٢) هو علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن سليمان بن حمائل بن غانم المقدسي، كان وجيهًا فاضلًا كثير القضاء لحوائج الناس، وله يد طولى في النظر. (ت:٧٣٧). انظر: أعيان العصر (٣/ ٤٩٦ - ٥٠٢) الدرر الكامنة (٣/ ١٠٣).\n(^٣) العقود الدرية (٤٦٣ - ٤٦٥).\n(^٤) هو أبو عبد الله ركن الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن التونسي، المعروف بابن القوبع، شيخ المالكية بالديار المصرية والشامية، له مصنفات منها: تفسير سورة ق، تعليق على ديوان المتنبي، (ت: ٧٣٨ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٤/ ١٨١)، الوافي بالوفيات (١/ ١٨٧).\n(^٥) أحمد بن محمد الفيومي ثم الحموي، كان عارفًا ماهرًا في العربية والفقه، له مصنفات منها: المصباح المنير، ونثر الجمان (ت نحو: ٧٧٠ هـ). انظر: الدرر الكامنة (١/ ٣٧٢)، وبغية الوعاة (١/ ٣٨٩).\n(^٦) نثر الجمان في تراجم الأعيان ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٠٣).","vol":"1","page":80},{"text":"١٤) الشيخ صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق (^١) (٧٣٩ هـ): قال ﵀:\nأَي حبر قد غيضته المنايا … فِي رجا حُفْرَة من الأرجاء\nأعلم النَّاس كلهم بكتا … ب الله جلّ اسْمه بِغَيْر مراء\nبمعانيه والعلوم الَّتِي فِيـ … هِ وأدرى بِالسنةِ الغراء (^٢)\n١٥) الحافظ المحدث أَبو الحَجَّاج المزي (^٣) -﵀- (٧٤٢ هـ) كان يقول: «لم يُر مثله منذ أربعمائة سنة» (^٤). ويقول أيضًا: «ما رأيتُ مِثْلَه، ولا أرىَّ هو مِثْلَ نَفْسِه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسُنَّة رسوله، ولا أتبع لهما منه» (^٥).\n١٦) عبد الباقي بن عبدالمجيد اليماني (^٦) (٧٤٣ هـ): قال ﵀: «أَجْمَعَ من شاهد معارفه، وتحقّق عوارفه: أَنّه نسيج وحده، وفريد وقته في علمه ومجده» (^٧). وقال: «وعلى الجملة؛ لم يسمح الزمن له بمثيل» (^٨).\n١٧) العلامة الحافظ ابن عبد الهادي (٧٤٤ هـ): قال ﵀: «لم يُر أوسع من\n_________\n(^١) هو صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله البغدادي الحنبلي، مدرس البشيرية ببغداد، من مصنفاته \"شرح المحرر\" و\"مراصد الإطلاع\"، (ت:٧٣٩ هـ). انظر: المعجم المختص (ص:١٥٢)، شذرات الذهب (٨/ ٢١٣) أعيان العصر (٣/ ١٨١).\n(^٢) العقود الدرية (ص:٤٨٠).\n(^٣) هو جمال الدين المزي أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف القضاعي ثم الكلبي الدمشقي الشافعي، الحافظ المحدث المشهور، من مصنفاته: \"تهذيب الكمال\" \"تحفة الأشراف\" (ت:٧٤٢ هـ). انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٩٣)، وطبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ٣٩٥).\n(^٤) ذيل طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٧٠).\n(^٥) مختصر طبقات علماء الحديث ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٢٥١).\n(^٦) هو تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد بن عبد الله اليماني، ولد بمكة ودخل اليمن وقدم مصر والشام وتوفي بالقاهرة له مصنفات منها: \"بهجة الزمن في تاريخ اليمن\" (ت: ٧٤٣ هـ). انظر: معجم المؤلفين (١٢/ ٧٤).\n(^٧) لقطة العجلان في مختصر وفيات الأعيان ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٢٤٦).\n(^٨) المصدر نفسه ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٢٤٦).","vol":"1","page":81},{"text":"نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مِثْلَ نفسه» (^١).\n١٨) شيخ النحاة أَبو حيَّان (^٢) -﵀- (٧٤٥ هـ): قال العلامة القنوجي (^٣) -﵀-: «وحضر عنده -أي عند شيخ الإسلام- شيخ النحاة أَبو حيَّان وقال: ما رأيت عيناي مثله» (^٤)، وقال فيه أبياتًا منها:\nلمَّا رأينا تقيَّ الدين لاحَ لنا … داعِ إلى اللهِ فردٌ ماله وَزرُ (^٥)\n١٩) تقي الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان الجعبري (^٦) (٧٤٥ هـ): قال ﵀:\nيَا ابْن تَيْمِية وَيَا أوحد العصـ … ر وَيَا سيدًا غَرِيب الدَّار\nالتقي النقي ذِي الْمجد والسـ … ود والمكرمات والإيثار\n٢٠) الإمام الحافظ الذهبي ﵀ (٧٤٨ هـ): وقد تنوعت عباراته المؤكدة على أن شيخ الإسلام لم يُرَ مثله، فقد قال ﵀: «وهو أَكبر من أَن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: أَني ما رأَيت بعيني مثله ولا رأَى هو مثل\n_________\n(^١) مختصر طبقات علماء الحديث ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٢٥٨).\n(^٢) هو أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن على بن حيان بن يويسف الأندلسي، إمام أهل عصره في النحو، له مصنفات منها: البحر المحيط في التفسير، وشرح التسهيل (ت: ٧٤٥ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٥/ ٧٠)، فوات الوفيات (٢/ ٢٨٢).\n(^٣) هو أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي، له مصنفات في العربية والفارسية والهندية منها \"أبجد العلوم\" و\"قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر\"، وكان ممن نصروا السنة في بلاده (ت:١٣٠٧ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٦/ص ١٦٧)، معجم المؤلفين (١٠/ ٩٠).\n(^٤) أبجد العلوم ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٧٠٨).\n(^٥) الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٦٩).\n(^٦) هو محمد بن سليمان بن عبد الله بن سليمان، الفقيه المحدث الفاضل تقي الدين الجعبري الشافعي، ولد سنة (٧٠٦ هـ) وتوفي (٧٤٥ هـ). انظر: المعجم المختص بالمحدثين (ص: ٢٣٢) أعيان العصر (٤/ ٤٦٣).","vol":"1","page":82},{"text":"نفسه في العلم» (^١). وقال: «فوالله ما مَقَلتْ عيني مِثْلَه ولا رأى هو مِثْل نَفْسه» (^٢)، وقال أيضًا: «ولم يخلف بعده مثله في العلم، ولا من يُقاربه» (^٣)، وقال أيضًا: «ولم أرَ مثله في ابتهاله واستغاثته بالله تعالى، وكثرة توجهه» (^٤)، وقال: «وما رأيت في العالم أكرم منه ولا أفرغ منه عن الدينار لا يذكره ولا أظنه يدور في ذهنه» (^٥)، وقال: «هو في زمانه فريد عصره علمًا وزهدًا وشجاعةً وسخاءً، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، وكثرة تصانيف» (^٦). وقال ﵀: «فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ولا يقاربه» (^٧). وله عبارات كثيرة أخرى تدل على ذلك (^٨).\n٢١) سراج الدين أبو حفص البزار -﵀- (٧٤٩ هـ): قال -﵀-: «ولقد اتفق كل من رآه خصوصًا من أطال ملازمته أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا حتى لقد صار ذلك مشهورًا، بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ من كان أزهد أهل هذا العصر وأكملهم في رفض فضول الدنيا واحرصهم على طلب الاخرة لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية رحمة الله عليه» (^٩)، وقال أيضًا: «ما رأيت أحدًا أثبت جأشا منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه؛ كان يجاهد في سبيل الله\n_________\n(^١) تتمة المختصر في أخبار البشر ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٣٦).\n(^٢) المعجم المختص ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٢٧٩).\n(^٣) معجم الشيوخ ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٢٧٣).\n(^٤) ذيل تاريخ الإسلام ضمن الجامع لسيرته (ص: ٢٧١).\n(^٥) نقله عنه ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٧٣).\n(^٦) مختصر طبقات علماء الحنابلة ضمن الجامع لسيرته (ص: ٢٥٥).\n(^٧) مختصر طبقات علماء الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٨) انظر: ذيل تاريخ الإسلام ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٢٦٨، ٤٦٨) وتذكره الحفاظ ضمن الجامع نفسه (ص:٢٧٥).\n(^٩) الأعلام العلية (ص: ٤٦).","vol":"1","page":83},{"text":"بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لؤمة لائم» (^١)، وقال: «ولا والله ما رأيت أحدا أشد تعظيما لرسول الله -ﷺ- ولا أحرص على أتباعه ونصر ما جاء به منه» (^٢). وقال ﵀: «وأما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك» (^٣).\n٢٢) العلامة ابن الوردي -﵀- (٧٤٩ هـ): قال ﵀ في رثائه للشيخ ﵀:\nتقي الدِّين أَحمد خيرُ حبرٍ … خُروق المعضلات به تُخاطُ (^٤)\nوقال:\nقضى نحبًا وليس له قرينٌ … ولا لنظيره لُفَّ القِماط\nفتًى في علمه أَضحى فريدًا … وحلُّ المشكلات به يُناط (^٥)\n٢٣) العلامة أحمد بن يحيى ابن فضل الله العمري (٧٤٩) هـ قال ﵀: «كان أمةً وحده، وفردا حتى نزل لحده» (^٦). وقال في رثائه لشيخ الإسلام:\nولم يكن مثله بعد الصحابة في … علم عظيمٍ وزهدٍ ما له خطرُ (^٧)\nوقال:\nيا ليت شعريَ هل في الحاسدين له … نظيره في جميع القوم إن ذُكِروا (^٨)\nوقال:\nلِفقدِ مثلِك يا مَن ما له مثل … تأسى المحاريب والآياتُ والسورُ (^٩)\n_________\n(^١) الأعلام العلية (ص: ٦٧).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٢٨).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٤٩).\n(^٤) تتمة المختصر في أخبار البشر ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٣٠).\n(^٥) العقود الدرية (٤٦٦) وتتمة المختصر ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٣٠).\n(^٦) مسالك الأبصار ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٣١٢).\n(^٧) المصدر السابق (ص: ٣٢٤).\n(^٨) المصدر السابق (ص: ٣٢٦)\n(^٩) المصدر السابق (ص: ٣٢٧).","vol":"1","page":84},{"text":"٢٤) الشيخ زين الدين عمر بن الحُسام الشبلي (^١) (٧٤٩ هـ): قال في رثاء الشيخ:\nلَو كَانَ يقنعني عَلَيْك بُكَائِي … لجرت سوابق عبرتي بدماء\nأَتَرَى علمت وَأَنت أفضل عَالم … مَا عندنَا من لوعة وبلاء\nبِأبي وحيدًا مَاتَ مُنْفَردًا عَن ال … أحباب كَانَ بَقِيَّة الصلحاء\nبَحر الْعُلُوم حوى الْفَضَائِل كلهَا … وسما سمو كواكب الجوزاء\nمتفردًا فِي كل علم دونه … لعلو رتبته ذرى العلياء (^٢)\n٢٥) الإمام سعد الدين أبو محمد سعد الله بن بُخيخ (^٣) (٧٤٩ هـ): قال ﵀:\nيَا عَالما جلّ عَن ضد يضاهيه … وفَاق أقرانه فِيمَا يعانيه\nيَا ذَا الْفَضَائِل يَا زين الأماثل يَا … مُردي المُماثل يَا مُوهي مُناويه (^٤)\n٢٦) الإمام شمس الدين ابن القيم ﵀ (٧٥١ هـ): قال ابن رجب: «قال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كَانَ فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب النَّاس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرُّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه» (^٥).\n٢٧) العلامة الصفدي -﵀- (٧٦٤ هـ): قال -﵀- «وكان إذا تكلم أغمض عينيه وازدحمت العبارة على لسانه فرأيت العجب العجيب، والحبر الذي ما له\n_________\n(^١) هو عمر بن الحسام آقوش الشاعر زين الدين أبو حفص الشبلي الدمشقي الذهبي الشافعي، فيه تودد كثير وحسن صحبة وطهارة لسان، توفي في رمضان (٧٤٩ هـ). انظر: أعيان العصر (٣/ ٥٩٨) فوات الوفيات (٣/ ١٣١).\n(^٢) العقود الدرية (ص:٤٩٣).\n(^٣) عمر بن سعد الله بن بخيخ، بباء موحدة وخاء معجمة مفتوحة الإمام المفتي المتفنن زين الدين الحراني الحنبلي عالم زكي خير وقور متواضع بصير بالفقه والعربية (ت:٧٤٩). انظر: أعيان العصر (٣/ ٦٣٠)، المعجم المختص بالمحدثين (ص: ١٨١).\n(^٤) العقود الدرية (ص:٥٦١)\n(^٥) الوابل الصيب (ص:٤٨).","vol":"1","page":85},{"text":"مشاكل في فنونه ولا ضريب» (^١)، وقال أيضًا: «وعلى الجملة؛ فما رأيت ولا أرى مثله في اطّلاعه وحافظته» (^٢)، وقال: «وعلى الجملة فكان الشيخ تقيُّ الدين ابن تيميَّة أحد الثلاثة الذين عاصرتُهم ولم يكن في الزمان مثلُهم، بل ولا قبلَهم من مئةِ سنة، وهم: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، وقلت في ذلك:\nثلاثةٌ ليس لهمْ رابعٌ … فلا تكنْ مِن ذاكَ فِي شَكِّ\nوكلُّهمْ مُنتسبٌ للتُّقَى … يَقْصُرُ عَنْهُم وَصْفُ مَنْ يَحْكِيْ\nفإنْ تَشَأْ قُلت: ابن تيميَّةٍ … وابن دقيقِ العيدِ والسُّبْكيْ (^٣)\n٢٨) الملك الأفضل عباس بن علي بن داود بن رسول (^٤) (٧٧٨ هـ): قال ﵀: «لم يُر في حياته إلا كاتبًا أو ذاكرًا أو متوجهًا أو ناشرًا للعلم أو مُتكلِّمًا بفائدة، قليل النوم، مُكِبًّا على العلم مُذْ نَشَأ، قليل الأكل، لم يتزوج قط ولا تسرَّى، ولم يكمل أحدٌ من العالم كما كَمُل:\nهيهاتَ لا يأْتي الزَّمانُ بمثلِه … إنَّ الزَّمانَ بِمِثْلِه لَعَدِيْمُ» (^٥)\n٢٩) الشيخ الفقيه أمين الدين عبد الوهاب بن سلار الشافعي (^٦) (٧٨٢ هـ): قال ﵀:\n_________\n(^١) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٧٢).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٣٧٤).\n(^٣) أعيان العصر وأعوان النصر ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٦٦).\n(^٤) عباس بن علي بن داود بن يوسف بن عمر ابن علي بن رسول الغساني، اليماني (الملك الافضل)، من ملوك بني رسول باليمن، كان سلطانًا مهابًا، كريمًا جوادًا، وله إلمام بالعلم والفضل، ومشاركة جيدة في عدة علوم ومصنفات منها: \"العطايا السنية في ذكر أعيان اليمنية\" و\" نزهة العيون في تاريخ طوائف القرون\" (ت:٧٧٨ هـ). انظر: المنهل الصافي (٧/ ٥٦ - ٥٨) معجم المؤلفين (٥/ ٦١).\n(^٥) نزهة العيون في تاريخ طوائف القرون ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٥٠)، وفي هذا الكلام مبالغة واضحة، فالله على كل شيء قدير فإن شاء أن يأتي بمثله أو أعظم فعل.\n(^٦) أبو محمد عبد الوهاب بن يوسف ابن ابراهيم بن السلار الْفَقِيه الْفَاضِل عز الدَّين أَبُو عبد الله الأقفهسي الْمصْرِيّ أمين الدولة شيخ القراء، من مصنفاته \"طبقات القراء السبعة وذكر مناقبهم\" (ت:٧٨٢ هـ). انظر: الرد الوافر (ص: ١١٠) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٣/ ٢٤٠).","vol":"1","page":86},{"text":"قد رزئنا إِمَام علم وَدين … عَدِمَ الْمثل فِي الزَّمَان فريد (^١)\n٣٠) الشيخ قاسم بن عبد الرحمن بن نصير المقرئ (^٢): قال ﵀ في قصيدة له يرثي بها الشيخ:\nعظُمَ الْمُصَاب وزادت الأفكار … وَجَرت بِحكم فراقك الأقدار\nيَا واحدًا فِي حلمه وعلومه … خلت الْبِقَاع وَقلت النصار\nحبر لَبِيب أوحد فِي عصرنا … سل مَا تشا لَهُ بِهِ أَخْبَار\nمَا كَانَ إِلَّا خير أمة أَحْمد … شخصت لعظم مصابه الْأَبْصَار (^٣)\n٣١) جمال الدين محمود بن الأثير الحلبي (^٤): قال ﵀:\nابْن تَيْمِية يتيمة دهرٍ … مَا لَهُ من مساوم ومسامي\nأوحد فِي الْعُلُوم وَالْفضل والزهد … لَا يرأي فِي مِلَّة الْإِسْلَام\nفاق بِالْعلمِ والفضائل بالخلق … فأضحى إِمَام كل إِمَام\nأوحد الْخلق فِي التفاسير طرا … وَالْأَحَادِيث والعلوم التَّمام (^٥)\n٣٢) بدر الدين محمد بن عز الدين المغيثي (^٦): قال في رثاء شيخ الإسلام:\nلِتقيِّ دينِ الله وصفٌ باهرٌ … وخصائصٌ خَضَعت لَهَا الأفهامُ\n_________\n(^١) العقود الدرية (ص:٥٤٧).\n(^٢) لم أقف له على ترجمته.\n(^٣) العقود الدرية (ص:٤٥٧، ٤٥٨).\n(^٤) لم أقف له على ترجمة.\n(^٥) العقود الدرية (ص:٤٩٨).\n(^٦) هو بدر الدين محمد بن عز الدين المغيثي، كان والده عز الدين من خواص أصحاب الشيخ تقي الدين، قال ابن عبد الهادي: «رجل فَاضل لَهُ محفوظات متنوعة، وَفِيه ديانَة وصلابة فِي دينه»، له منظومات منها هذه المنظومة. انظر: العقود الدرية (ص:٤٩٧)، الرد الوافر (ص:٦٦)، الدرر الكامنة (٤/ ١٧).","vol":"1","page":87},{"text":"بَحرُ الْعُلُوم وكنز كلِّ فَضِيلَةٍ … فِي الدَّهْر فَردٌ فِي الزَّمَان إِمَامُ\nوأناله رب السَّمَوَات الْعلَا … فِي الْعلم سبقا مَا إِلَيْهِ مرام\nفاق الْقُرُون سوى الثَّلَاث فإنها … خير الْقُرُون يزينهن تَمام\nوَسوى ابْن حَنْبَل إِنَّه علم الْهدى … حبر إِمَام صابر قوام\nلَكِن أَحْمد مثل أَحْمد قد حوى … علما وزُهدًا فِي الْعُلُوم تُؤامُ (^١)\n٣٣) الشيخ عبد الله بن خصر الرومي الدمشقي الحريري (^٢): قال ﵀:\nأَلا يَا تَقِيّ الدّين يَا فَرد عصره … بروقك قد لاحت كشمس مضيئة (^٣)\nوله أيضًا في قصيدة أخرى:\nفِي علمه مَا علمنَا من يُنَاسِبه … إِلَّا أئمتنا أهل العنايات\nفِي زهده مَا سمعنَا من يشاكله … إِلَّا رجال مضوا أهل الكرامات\nفِي جوده مَا وجدنَا من يماثله … غير البرامك كَانُوا فِي سعادات\nيجود وَهُوَ فَقير إِن ذَا عجب … هُوَ الَّذِي مَا سمعنَا فِي الحكايات\nأعجوبة الدَّهْر فَرد فِي فضائله … عَلامَة الْوَقْت فِي الْمَاضِي وَفِي الْآتِي (^٤)\n٣٤) بدر الدين حسن بن محمد النحوي المارداني (^٥): قال ﵀:\nتفردت فِي علم وزهد وفطنة … فضلت بهَا فِي الْفضل بَين الورى ذكرا\nفأقسم بِالْقُرْآنِ فِي الْعَصْر صَادِقا … بأنك قد شرفت من دهرك العصرا (^٦)\n٣٥) الشَّيْخ شمس الدّين الْحَنْبَلِيّ (^٧)، قال ﵀:\n_________\n(^١) العقود الدرية (ص:٥٠١، ٥٠٢، ٥٠٣).\n(^٢) لم أعثر له على ترجمته.\n(^٣) العقود الدرية (ص:٥٣١).\n(^٤) المصدر السابق (ص:٥٣٦ - ٥٣٧).\n(^٥) لم أجد له ترجمة.\n(^٦) العقود الدرية (ص:٥٧٨).\n(^٧) هذا اللقب أُطلق على غير واحد من علماء الحنابلة، ولم أقف على المراد منهم هنا.","vol":"1","page":88},{"text":"قد كَانَ كَالشَّمْسِ للدنيا إِذا طلعت … وَالْيَوْم لَا عوض عَنهُ وَلَا بدلُ\nلله در أبي الْعَبَّاس من رجل … مَا إِن يرى فِي البرايا مثله رجلُ\nقد كنت أعجوبة فِي الدَّهْر مدهشة … وَكَانَ درسك فِيهِ الْعقل ينذهلُ (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-27>عاشرًا: كثرة تآليفه وتصنيفاته:</span>\nلقد كان شيخ الإسلام أُعجوبة في الكتابة والتصنيف، والإفتاء والتأليف، فرسائله لا تحصى، والقواعد والأجوبة لا تكاد تستقصى، كما نصَّ على ذلك كبار تلامذته ﵀، مع براعة في التدوين، وجمعٍ للدلائل والبراهين منقطع النظير، قال العلامة ابن عبد الهادي: «وله من المؤلفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل والتعاليق ما لا ينحصر ولا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبا من ذلك» (^٢).\nوقال الذهبي: «وله المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر» (^٣).\nوقال البزار: «وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها أو يحضرني جملة أسمائها بل هذا لا يقدر عليه غالبًا أحد؛ لأنها كثيرة جدًا كبارًا وصغارًا وهي منشورة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه» (^٤).\nوقد سرد جملة منها تلميذه أبو عبدالله ابن رشيق في رسالة سماها: (أسماء مؤلفات شيخ الإسلام)، قال في مطلعها: «أما بعد فإن جماعة من محبي السنة والعلم سألني أن أذكر له ما ألَّفه الشيخ الإمام العلامة الحافظ، أوحد زمانه، فريد العصر: تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية -﵁-؛ فذكرت لهم إني أعجز عن\n_________\n(^١) العقود الدرية (ص:٥٨٢).\n(^٢) مختصر طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرته (ص: ٢٥٧).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٢٥٤).\n(^٤) الأعلام العلية (ص: ٢٣).","vol":"1","page":89},{"text":"حصرها وتَعْدادها» (^١).\nوممن استطرد في تعداد مصنفات هذا الإمام -ولم يحصها- العلامة ابن عبد الهادي -﵀- في العقود الدرية، وكذا ابن رشيق -﵀- في رسالة لطيفة له (^٢) وغيرهم كثير.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>وفاته:</span>\nلكل شيء إذا ما تم نقصانُ … فلا يطيب بطول العيش إنسان (^٣)\nهكذا بعد حياة عامرة بالخير والدعوة والعلم والتعليم، جاء الأجل المحتوم، لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، فتوفي مسجونًا مظلومًا في قلعة دمشق في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، وقد كانت جنازته مشهودة؛ ضاقت بها الطريق، وانتابها الناس من كل فج عميق، وقد صور لنا شمس الدين الجزري (^٤) -﵀- شيئًا من وصف تلك الجنازة المهيبة فقال ﵀: «وصلى عليه جميع من في قلعة دمشق، ثم حمل وأخرج منها إلى جامع دمشق، ووضعت الجنازة أول الخامسة، وقد امتلأ الجامع بالناس، وغلقت جميع أسواق دمشق ولم يبق حانوت مفتوح، إلا أن يكون نصرانيا، لأن اليهود كانوا في عيد المظلة، وأما دكاكين المراوزة والحريريين والقزازين وجميع أرباب الأنوال والحاكة والصناع، وجميع أرباب الصنائع، وسكان الأحكار ظاهر دمشق، وأهل الصالحية بأجمعهم حضروا إلى الجامع المعمور لأجل الصلاة عليه، وامتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، لأن أهل الصالحية من أهل الأحكار يصلون\n_________\n(^١) أسماء مؤلفات شيخ الإسلام لابن رشيق ضمن الجامع لسيرته (ص: ٢٨٢).\n(^٢) وهي مطبوعة بعنوان: \"أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية\" لابن رشيق.\n(^٣) من قصيدة لأبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس. انظر: جواهر الأدب (٢/ ١).\n(^٤) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد العزيز الجزري الدمشقيّ، مؤرخ، له مصنفات منها: التاريخ المسمى بحوادث الزمان وأنبائه، ووفيات الاكابر والأعيان (ت: ٧٣٩ هـ). انظر: أعيان العصر (٤/ ٢٢٠) الدرر الكامنة (٥/ ٢٧).","vol":"1","page":90},{"text":"يوم الجمعة في جوامعهم، وفي هذا اليوم حضروا إلى الجامع بأجمعهم، ولعل من لا له عادة بالصلاة حضر لأجل الصلاة عليه، وصلى عليه قاضي القضاة الشيخ علاء الدين القونوي الشافعي (^١) عقيب صلاة الظهر بالجامع، ثم حضروا الأمراء والحجاب والنقباء بالعصي والدبابيس حول نعشه، وحملوه الترك من الأمراء والمقدمين على رؤوسهم تبركا به (^٢)، والأجناد يضربون الناس، ولولا ذلك لما قدروا يصلوا به إلى قبره من كثرة الزحام والتبرك به. وكانت سويقة باب البريد قد أخربوها، فشق على الناس ذلك، وحملوه وخرجوا به من باب الفرج، وبعض الناس من باب الفراديس وباب النصر وباب الجابية (^٣) من كثرة الناس. وامتد العالم إلى سوق الخيل (^٤) وامتلأ، فصلى عليه أخوه زين الدين عبد الرحمن (^٥)، ثم حمل من سوق الخيل فمر به تحت القلعة المحروسة.\n_________\n(^١) هو علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي علاء الدين الشافعي، له معرفة بالفقه والأصول، وكان معظمًا وذابًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:٧٢٩ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٤/ ٢٩)، البدر الطالع (١/ ٤١٩).\n(^٢) من المعلوم المتقرر أن التبرك لا يجوز شرعًا إلا بما ثبت فيه البركة من قبل الشارع، وعلى الهيئة التي جاءت في الشرع، على جهة السببية، وما فعله هؤلاء إنما هو من الأمور المبتدعة التي كانت منتشرة في عصره ﵀ والتي بذل ﵀ في إنكارها والتحذير منها الشيء الكثير، وهذا شأن كثير ممن غلا فيهم الناس وعظموهم وصرفوا لهم أنواع العبادات، وصنعوا عند قبورهم وأضرحتهم مختلف البدع والمحدثات، وهم كانوا أشد الناس أمرا بالتوحيد ونهيا عن الشرك والبدع والخرافات، وأمثلة ذلك كثيرة من الصحابة والأنبياء والأئمة والعلماء.\n(^٣) أسماء تاريخية لأبواب مدينة دمشق القديمة. انظر معجم دمشق التاريخي (١/ ١٩، ٢٠، ٢٦، ٢٧، ٢٩).\n(^٤) سوق الخيل: تسمية كانت تطلق على ساحة سوق الخيل التي تقع تحت القلعة وتخصصت بتجارة الخيول. انظر: معجم دمشق التاريخي (٢/ ٩).\n(^٥) هو عبد الرحمن بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني أخو شيخ الإسلام، حبس مع أخيه في الإسكندرية، وكان مؤثرا لأخيه على نفسه، يتفقده ويخدمه، ويذب عنه، وكان حسن السيرة ذا فضيلة معروفة (ت:٧٤٧ هـ). انظر: معجم الشيوخ (١/ ٣٦١)، الدرر الكامنة (٣/ ١١٨).","vol":"1","page":91},{"text":"والله العظيم لقد رأيت الناس قاعدين على الطريق يمينا وشمالا، الرجال والنساء مختلطين كأنهم ينتظرون عبور السلطان، ومنهم من يبكي، ومنهم من يضج ويصيح، ومن يتأسف، ومنهم من يتفرج، فلما وصلت إلى مقبرة الصوفية (^١) رأيتها وقد امتلأت بالعالم، وقد حفروا قبره إلى جانب أخيه الشيخ شرف الدين (^٢)، وحضر أخوه زين الدين وحوله نقباء يحموه من الناس حتى شاهد القبر قبل وضع أخيه، وتأخرت الجنازة إلى قريب العصر حتى وضع في قبره وألحدوه وطم عليه ولقنوه (^٣)، وبعد ذلك انصرف الناس أولا بأول متأسفين عليه» (^٤).\nوقال البزار -﵀-: «فما هو إلا أن سمع الناس بموته فلم يبق في دمشق من يستطيع المجيء للصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك وتفرغ له حتى غلقت الأسواق بدمشق وعطلت معايشها حينئذ وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام، قالوا ولم يتخلف أحد من غالب الناس فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس؛ خوفًا على أنفسهم بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا\n_________\n(^١) مقبرة الصوفية أو مقابر الصوفية كانت في المنيبع قبالة باب النصر، ثم أزيلت المقبرة وبني مكانها جامعة ومشفى للمرضى، ولم يبق منها إلا قبر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير رحمهما الله، تقديرًا لمكانتهما عند الناس، إلا أن السلطات النصيرية قاتلها الله قامت مؤخرا بإزالة قبره من مكانه. انظر: معجم دمشق التاريخي (٢/ ٣١١).\n(^٢) هو عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الشيخ الإمام الفقيه أخو شيخ الإسلام كان صاحب علم وفضل ولم يشتغل بالتصنيف (ت:٧٢٧ هـ). انظر: أعيان العصر (٢/ ٦٩٢) الدرر الكامنة (٣/ ٤٢).\n(^٣) السنة الثابتة أن يدعو الحاضرون للميت ويسألوا الله له التثبيت ويستغفروا له، وأما تلقينه الشهادتين فلم يثبت فيه حديث صحيح، وإن أجازه جمع من العلماء، وانظر: أحكام الجنائز (ص:١٥٥ - ١٥٦).\n(^٤) تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه ضمن الجامع لسيرته (ص:١٩٨).","vol":"1","page":92},{"text":"رجمهم الناس فأهلكوهم» (^١).\nهكذا كان حرص أهل بلده ومن جاورهم من البلاد القريبة على حضور جنازة الشيخ والصلاة عليه، وأما من كان خارج البلاد، فقد قال ابن رجب -﵀-: «وصلى عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتى في اليمن والصين، وأخبر المسافرون: أنه نودى بأقصى الصين للصلاة عليه يوم الجمعة (الصلاة على ترجمان القرآن)» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-29>حزن الناس عليه:</span>\nأي حبر مضى وأي إمام … فجعت فيه ملة الإسلام\nكل من في دمشق ناح عليه … ببكاء من شدة الآلام\nفجع الناس فيه في الشرق والغر … ب وأضحوا بالحزن كالأيتام\nلو يفيد الفداء بالروح كنا … قد فديناه من هجوم الحمام (^٣)\nهذه الأبيات عبر بها الشيخ علاء الدين علي بن غانم -﵀- عما خيم من الحزن على جميع محبي الشيخ ﵀، فقد فقدوا إمامًا عظيما، وشيخًا كبيرًا، يندر في الزمان مثله، فحُق لعيونهم أن تدمع، ولقلوبهم أن تألم وتتوجع.\nلِفقدِ مثلِك يا مَن ما له مثل … تأسى المحاريب والآياتُ والسورُ (^٤)\nومن المواقف المؤثرة المحزنة التي تحكي مكانة شيخ الإسلام في القلوب ومدى تأثر الناس بحزنه موقف الشيخ عبدالله بن حامد ﵀، الذي بذل ماله ووقته ونفسه من أجل السفر لرؤية الشيخ ولقاءه، ثم فوجئ في أثناء الطريق بخبر وفاة الشيخ ﵀، فبعث برسالة مؤثرة لتلاميذه يحكي في ضمنها مدى الحزن الذي غمره بوفاة الشيخ ﵀، وكان مما قال فيها: «ولما حججت سنة ثمان\n_________\n(^١) الأعلام العلية (ص: ٨٣).\n(^٢) الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرته (ص: ٤٨٧).\n(^٣) أعيان العصر وأَعْوَان النَّصْر ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٦٢).\n(^٤) مسَالِكُ الأَبْصَار في مَمَالِكِ الأَمْصَار ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٢٧).","vol":"1","page":93},{"text":"وعشرين وسبعمائة صممت العزم على السفر إلى دمشق لأتوصل إلى ملاقاته، ببذل مهما أمكن من النفس والمال للتفريج عنه، فوافاني خبر وفاته -رحمه الله تعالى- مع الرجوع إلى العراق، قبيل وصولي الكوفة، فوجدت عليه مالا يجده الأخ على شقيقه -استغفر الله- بل ولا الوالد الثاكل على ولده، وما دخل في قلبي من الحزن لموت أحد من الولد والأقارب والإخوان كما وجدته عليه -رحمه الله تعالى- ولا تخيلته قط في نفسي ولا تمثلته في قلبي؛ إلا ويتجدد لي حزنٌ قديمهُ كأنه مُحدث، ووالله ما كتبتها إلا وأدمعي تتساقط عند ذكره أسفًا على فراقه وعدم ملاقاته، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (^١).\nوبهذا تم المقصود من ترجمته أسال الله أن يجمعنا وإياه في مستقر رحمته.\n* * *\n_________\n(^١) رسالة ابن حامد إلى ابن رشيق ضمن الجامع لسيرته (٢٤٣ - ٢٤٤).","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>ملحق الترجمة</span>\nجدول شامل لأبرز الأحداث في حياة شيخ الإسلام بتواريخها وسنة وقوعها وسن الشيخ عند وقوعها، منذ ولادته وإلى حين وفاته -﵀-\nالعام … العمر … أبرز الأحداث\n٦٦١ هـ … - … ولادته بحران\n٦٦٧ هـ … ٦ … هجرته مع عائلته من حران إلى دمشق\n٦٨٢ هـ … ٢١ … وفاة والده عبد الحليم\n٦٨٣ هـ … ٢٢ … ٢/ محرم: التدريس بدار الحديث السكرية.\n١٠/صفر: بدء درس التفسير في الجامع الأموي بعد الجمعة.\n٦٩٢ هـ … ٣١ … الحج إلى مكة.\n٦٩٣ … ٣٢ … حادثة عساف النصراني وتأليف كتاب الصارم المسلول.\n٦٩٥ … ٣٤ … ١٧/شعبان: بدء التدريس في المدرسة الحنبلية.\n٦٩٨ هـ … ٣٧ … -تأليف الواسطية.\n-تأليف الحموية الكبرى.\n-محنة الحموية في شهر ربيع الأول، وانتصار الأمير للشيخ.\n٦٩٩ هـ … ٣٨ … -فتنة قدوم التتار وزعيمهم غازان إلى الشام.\n-٣/ ربيع الثاني: الذهاب لغازان وقصته معه.\n-٢/ رجب: الذهاب لمخيم بولاي وفك أسرى المسلمين.\n-١٧/رجب: خروج التتار من دمشق، وتكسير الشيخ وأصحابه للخمور وحاناتها وتعزير أصحابها.","vol":"1","page":95},{"text":"٧٠٠ هـ … ٣٩ … -ابتداء من ٢/صفر: موقفه العظيم في تثبيت الناس وتحريضهم للقتال بعد إشاعة خبر عودة التتار.\n-١١/جمادى الأول: الذهاب للسلطان بمصر وتحريضه على القتال، واستجابة السلطان.\n-رجوع التتار لبلادهم بعد مجيئهم لأطراف الشام، أثناء ذهاب الشيخ لمصر.\n٧٠١ هـ … ٤٠ … -١/ رمضان: عودة التتار ووقوع معركة شقحب والجهاد العظيم الذي قام به الشيخ.\n٧٠٥ هـ … ٤٤ … -٢/محرم: وقعة كسروان وقتاله لهم مع النائب وإجلائهم من الجبل.\n-٩/ جمادى الأولى: مناظرته مع الرفاعية في القصر.\n-٨/ رجب: المجلس الأول في المناظرة الواسطية.\n-١٢/ رجب: المجلس الثاني في المناظرة الواسطية.\n-٧/شعبان: المجلس الثالث.\n-١٥/ رمضان: ورود أمر السلطان بإحضار الشيخ إلى مصر، للتحقيق في قضية الحموية.\n-٢٢/ رمضان: وصوله مصر.\n-٢٣/ رمضان: عقد مجلس للشيخ مع ابن مخلوف وجماعة، وعدم السماح له بالكلام، والأمر بحبسه في البرج.\n-٢٩/ رمضان: نقله إلى الحبس المعروف بالجب.\n٧٠٧ هـ … ٤٦ … -٢٣/ربيع الأول: إخراجه من السجن، بعد ذهاب الأمير ابن مهنا ملك العرب إلى مصر لإخراجه.\n-وعقدت له ٣ مجالس متفرقة في ربيع الأول وربيع الثاني انتهت بخير.","vol":"1","page":96},{"text":"-١٠/شوال: شكاية خلق من المتصوفة والمبتدعة على الشيخ، وعقد مجلس له بدار العدل.\n-١٨/شوال: خروجه للسفر إلى الشام بعد ورود الأمر بذلك، ثم إرجاعه من الطريق في اليوم نفسه.\n-١٩/ شوال: حبسه بسجن الحكام بحارة الديلم.\n٧٠٩ هـ … ٤٨ … -٢٩/ صفر: الأمر بنقله ونفيه إلى الإسكندرية، واقامته ببرج مليح هناك.\n-٨/شوال: أمر السلطان الناصر بإحضار الشيخ من الإسكندرية بعد رجوعه من الكرك.\n-١٨/ شوال: وصول الشيخ لمصر.\n-٢٤/شوال: اجتماع الشيخ مع السلطان بالقصر، وتعظيم السلطان له أمام الناس، وعفوه عن القضاة الذين ظلموه وكادوه.\n-ثم نزول الشيخ للقاهرة وسكنه قرب مشهد الحسين.\n٧١١ هـ … ٥٠ … -قيام جماعة من المتعصبين بضرب الشيخ في الجامع.\n٧١٢ هـ … ٥١ … -١/ذو القعدة: عودة الشيخ إلى دمشق بعد غياب سبع سنين وسبع جمع.\n٧١٦ هـ … ٥٥ … -٢٠/ شوال: وفاة والدته رحمها الله.\n٧١٨ هـ … ٥٧ … -١/جمادى الأول: ورود أمر السلطان بمنع فتوى الشيخ في مسألة الحلف بالطلاق.\n-١٣/جمادى الأولى: عقد مجلس للشيخ بذلك، والاتفاق على ذلك.\n-عودة الشيخ للإفتاء بها.\n٧١٩ هـ … ٥٨ … -٢٩/ رمضان: ورود كتاب آخر من السلطان حول فتوى الطلاق، وعقد مجلس آخر للشيخ عُوتب فيه وأُكِّدَ عليهِ بالمنع.","vol":"1","page":97},{"text":"٧٢٠ هـ … ٥٩ … -٢٢/رجب: عقد مجلس للشيخ بسبب مسألة الطلاق وأمر النائب بحبسه بالقلعة.\n٧٢١ هـ … ٦٠ … -١٠/ محرم: إخراج الشيخ من السجن بعد ورود أمر السلطان بذلك.\n٧٢٦ هـ … ٦٥ … -عثور خصوم الشيخ على فتوى للشيخ بمنع شد الرحال، وإحداثهم فتنة عظيمة بسبب ذلك، وقيامهم على الشيخ في الشام ومصر.\n-٦/شعبان: ورود أمر السلطان بحبس الشيخ في القلعة، والقيام بحبسه.\n-١٥/شعبان: حبس وتعزير جماعة من أصحاب الشيخ بأمر القاضي.\n٧٢٨ هـ … ٦٧ … -١٩/جمادى الآخرة: أمر السلطان بإخراج كل ما عند الشيخ من ورق ودواة وأقلام، ومنعه من التصنيف والكتابة، بعد انتشار رسائله.\n-الحمى والمرض بضع وعشرين يومًا، وقيل ١٧ يومًا.\n-الاثنين ٢٠/ ذو القعدة: وفاته ﵀.\n• تنبيهان:\nالتنبيه الأول: ميزت الأحداث التي وقعت للشيخ بمصر باللون الرمادي، وما كان بالأبيض فهو مما وقع له بالشام (دمشق).\nالتنبيه الثاني: قد يشكل على البعض وقوع تلك الأحداث الجسمية لشيخ الإسلام عند قدومه مصر عام ٧٠٥ هـ فما بعدها، مع ما عرف من علاقته الجيدة بالسلطان، ومحبة السلطان للشيخ وتعظيمه إياه، والواقع أنه منذ عام ٦٩٨ إلى عام ٧٠٨ هـ والحاكم الفعلي لمصر هم أمراء المماليك ولم يكن للسلطان قلاوون إلا الاسم فقط، وفي عام ٧٠٨ هـ استلم الجاشنكير الحكم وغادر السلطان للكرك، ثم عاد الملك الناصر للحكم الفعلي للبلاد منذ عام ٧٠٩ هـ، وقضى على","vol":"1","page":98},{"text":"خصومه وقام بإكرام الشيخ وتخييره في شأن خصومه، واستمر له الحكم حتى وفاته ٧٤١ هـ.\nوختامًا أقول لكل من أراد أن يتعرف على شيخ الإسلام:\nمهما قرأ القارئ في سيرة ابن تيمية وتراجم العلماء له، فلن يعرف حقيقة ابن تيمية حق المعرفة حتى يطلع على مؤلفاته، ويقرأ كتبه ورسائله ومصنفاته، ويبحر في أبحاثه ومسائله وكتابته\nوعند ذلك سيجد شيئًا عجيبًا، يعجز عن وصفه الواصف!\nإن القارئ لكتبه ليقف حائرًا مندهشًا، متعجبًا منذهلًا من هذه الشخصية الفذة، أي عقل كانت تحمل؟! وبأي علم كانت تنطق وتكتب وتصنف؟!\nقرأت في سيرته الكتب الكثيرة، فما تعجبت لشيء مما كُتِبَ عنه، تعجبي واستغرابي عند قراءة ما كَتَبَ وصنف!\nإنه أعجوبة بحق .. إنه آية عظيمة من آيات الله!\nوما أصدق ما قال فيه خصمه ابن الزملكاني -﵀-:\nماذا يقولُ الواصفونَ له … وصِفاته جلَّتْ عن الحَصْرِ\nهو حُجّةٌ لله قاهِرَةٌ … هُو بيننا أُعجوبةُ الدَّهْرِ\nهو آيةٌ في الخَلْقِ ظاهِرَةٌ … أَنْوارها أرْبَتْ على الفَجْرِ (^١)\n* * *\n_________\n(^١) الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون (ص: ٢٥٢).","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>المطلب الثاني: منهج شيخ الإسلام في المناظرات:</span>\nلقد كان شيخ الإسلام -﵀- مدرسة حية في جميع العلوم والفنون، والأخلاق والآداب، والمعاملات والعبادات. ولقد رسم شيخ الإسلام ﵀ في مناظراته منهجًا علميًا رصينًا، ومنهجًا عمليًا متينًا، يسير عليه ويحتذي حذوه فيه كل داعية للهدى والحق، ويستفيد منه في طريقة مناظرة الخصوم ومجادلتهم، ومقارعة أعداء الشريعة ومنازلتهم.\nهذا .. وإن الكتابة عن منهج الشيخ في مناظراته ومناقشاته لخصومه، هو في حد ذاته مشروع مستقل، يستحق أن يفرد بالبحث والدراسة، ومن الصعوبة بمكان إعطاء هذا الجانب حقه من البحث والدراسة في مبحث ضمن عدة مباحث وفصول؛ لأن الموضوع أطول من هذا، ويستحق من العناية والتحقيق أكبر من هذا، ولكنني سأحاول في هذا المبحث الاقتصار على أهم الجوانب التي توضح منهجه، وتبرز طريقته ومسلكه، في مناظرة خصومه ومخالفيه، وتتمثل أبرز هذه المعالم في الأمور التالية:\n\n١)<span data-type='title' id=toc-32> إخلاص النية وحسن القصد والتخلص من حظوظ النفس:</span>\nإن ما تمتع به شيخ الإسلام -فيما أحسب- من إخلاص لله في نفسه، وحسن قصد في نيته، أمر يظهر لكل مطلع على محاورات الشيخ ﵀ ومناظراته، وذلك أن التوفيق العجيب الملازم لشيخ الإسلام في جميع مناظراته ومحاوراته، لا يناله أي شخص وأي أحد، وإنما هو من حظ عباد الله المخلصين، الذين علم الله","vol":"1","page":100},{"text":"صدق نياتهم في الدفاع عن شريعته، والذود عن حياض ملته، فأحاطهم بحفظه وعنايته، وأيدهم بنصره وإعانته في الأقوال والأفعال ومختلف المقامات والأحوال، قال أبو حفص البزار: «ولما علم الله نياته ونياتهم أبى أن يُظفِرهم فيه بما راموا حتى أنه لم يحضر معه منهم أحد في عقد مجلس، إلا وصنع الله له ونصره عليهم بما يظهره على لسانه من دحض حججهم الواهية وكشف مكيدتهم الداهية للخاصة والعامة» (^١) وقال: «وما كان ذلك كذلك إلا لما عَلِمَ الله سبحانه من حسن طوية هذا الإمام، وإخلاص قصده، وبذل وسعه في طلب مرضاة ربه، ومتابعة سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه» (^٢)، ولم يكن له ﵀ في مناظراته مصلحة دنيوية، ولا فائدة شخصية، بل كانت مناظراته سببًا فيما حصل له من حبس وعناء، وكرب وبلاء، وقد بين ﵀ المقصد الصحيح الذي يجب على أهل العلم أن يسلكوه في مناظراتهم، ويكون هو غايتهم ومرادهم، قال شيخ الإسلام -﵀-: «فمن كان عالمًا بالحق فمناظرته المحمودة: أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدًا طالبًا للحق، أو يقطعه ويكف عداوته إن كان معاندًا غير متبع للحق، ويوقفه ويسلكه ويبعثه على النظر في أدلة الحق إن كان يظن أن قصده الحق» (^٣).\n\n٢)<span data-type='title' id=toc-33> وحدة منهجه وطريقته ومسلكه:</span>\nامتاز شيخ الإسلام بوحدة منهجه وطريقته في التعامل مع الخصوم في مختلف مناظراته ومحاوراته، حتى أن الناظر في مناظراته لا يكاد يميز بين المتقدم منها والمتأخر؛ وذلك لأن مستنده الذي ينطلق منه في جميع ذلك مستند واحد، ألا وهو كتاب الله وسنة نبيه -ﷺ- بفهم سلف هذه الأمة ولذلك لم تتغير طريقته ولم تتناقض مواقفه، كما سيتضح في النقطة القادمة.\n_________\n(^١) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (ص: ٧٤)\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٨٠).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل باختصار (٧/ ١٦٧).","vol":"1","page":101},{"text":"٣)<span data-type='title' id=toc-34> الالتزام بالأدلة الشرعية من نصوص الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة:</span>\nلقد سار شيخ الإسلام طيلة حياته على منهج ثابت متزن دعا إليه الناس، ونافح من أجله وقرره في مختلف رسائله وكتبه، وهو اتباع ما جاء في الكتاب والسنة على فهم سلف هذه الأمة، وبهذا الميزان تعامل مع كل خصومه، وعليه بنى منهجه وطريقته في كتابته ومناظراته وشتى سبل دعوته، قال ﵀: «فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ويوالي عليها ويعادي، غير النبي -ﷺ-، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غير كلام الله تعالى وكلام رسوله -ﷺ- وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون بين الأمة، يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون» (^١).\nولما نازعه خصومه في مناظرة الواسطية، وأوهموا الناس أن له اعتقادًا خاصًا به يسير عليه ويدعو الناس إليه، أجابهم شيخ الإسلام بكل حزم وصرامة: «أما الاعتقاد: فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني؛ بل يؤخذ عن الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم» (^٢). وقال لهم: «وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به: آية أو حديثًا أو إجماعًا سلفيًا» (^٣).\nوبين ﵀ في كثير من مناظراته ورسائله وكتابته أن المرجع عند التنازع والاختلاف إنما هو كتاب الله وسنة نبيه، قال ﵀: «فإذا تنازع المسلمون في مسألة وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فأي القولين دل عليه الكتاب\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٢).\n(^٢) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٦١).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٨٩).","vol":"1","page":102},{"text":"والسنة وجب اتباعه» (^١)، قال ﵀: «وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاعَ إلا كتاب من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل» (^٢).\n\n٤)<span data-type='title' id=toc-35> الثقة بالله تعالى، وبما رزقه من علم وبصيرة وحق:</span>\nوهذه الثقة بارزة في جميع مناظرات الشيخ ومحاوراته مع خصومه، بل وحتى في كتابته ومؤلفاته، ولعظيم ثقته هذه لم يُعرف عنهُ قط التردد في صحة ما دل عليه الكتاب والسنة، أو أجمع عليه سلف الأمة، ولذلك تحدى المخالفين في أحد مناظرته أن يأتوا بدليل واحد يخالف ما قرره من الحق وبينه من الهدى، وأمهلهم على ذلك ثلاث سنين قال ﵀: «وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي -ﷺ- حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (^٣)، يخالف ما ذكرته، فأنا أرجع عن ذلك» (^٤)، ولم يزل قلبه معلقًا بالله ومحسنًا للظن به، فلما اجتمع عليه الرفاعية تجمع الأحزاب، وتكالبوا تكالب الأعداء، وأرادوا تأليب السلاطين والأمراء، وطالبوا بحضور ابن تيمية، قال حينئذ: «فلما علمت ذلك، أُلقى في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين، وكشف حال أهل النفاق المبتدعين» (^٥)، وقال: «فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى أُلقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون بردا وسلاما» (^٦)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظيم ثقته بالله وتوكله عليه.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٢).\n(^٢) درء التعارض (١/ ٢٢٩).\n(^٣) رواه البخاري، كتاب أصحاب النبي -ﷺ-، باب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- (٣٦٥٠)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة (٢٥٣٣) من حديث عمران بن حصين -﵁-.\n(^٤) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٩).\n(^٥) المناظرة الرفاعية ضمن مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٤).\n(^٦) المصدر السابق (١١/ ٤٥٥).","vol":"1","page":103},{"text":"٥)<span data-type='title' id=toc-36> قوة حجته وحضورها:</span>\nعلى كثرة مناظرات شيخ الإسلام ﵀ وتنوع خصومه ومخالفيه: من علماء وقضاة ومتكلمين وأذكياء، إلا ان أحدًا منهم لم يستطع الوقوف في وجه شيخ الإسلام، وما ذلك إلا لما كان يمتلكه من قوة حجة تُبهت الخصم وتسكته، وكثرة أدلة تُبهر الخصم وتقطعه، وهذه الميزة تظهر بوضوح في كل مناظرات شيخ الإسلام ومحاوراته، ولا أدل على ذلك من رجوع كثير من مناظريه عن أقوالهم، واعترافهم بما كانوا عليه من ضلال وباطل، وتصريحهم بالتوبة والرجوع إلى الحق الذي قرره شيخ الإسلام وبينه ووضحه، وهذا الأمر منطلق مما يعتقده شيخ الإسلام من أن تقرير الحق وجواب شبه أهل الباطل يجب أن يكون بحجة قوية وأدلة ظاهرة بينة، تقطع ضلال الخصم وتكشفه، وتبرز الحق وتظهره، قال شيخ الإسلام: «وكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور والطمأنينة في النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين» (^١)، وقال ﵀: «وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجًا قويًا من علوج الكفار، فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة» (^٢).\n\n٦)<span data-type='title' id=toc-37> تمام العلم والدراية بمذهب الخصم ومقالات المخالفين:</span>\nلقد كان شيخ الإسلام بمكان عظيم من العلم والدراية بمذاهب ومقالات الفرق والطوائف، يشهد له بذلك كل من عرف حاله وقرأ كتبه ومصنفاته، وقد ظهر أثر هذه المعرفة الواسعة في مناظرته مع خصومه، حيث كان ﵀ يبين أقوال\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٥٧).\n(^٢) المصدر السابق (٧/ ١٧٣).","vol":"1","page":104},{"text":"المخالفين ويفصل القول فيها، ما يصح نسبته إليها مما لا يصح ولا يثبت، وقد بين لمناظريه في العقيدة الواسطية ما رزقه الله من علم ودراية في هذا الباب فقال: «أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام، وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها» (^١)، وكان مما قاله لهم أيضًا: «كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه!» (^٢).\nومن أوضح ما يبين ذلك ويوضحه تبحره ﵀ وتوسعه في معرف مذهب الاتحادية على ما في مذهبهم من المباحث الفلسفية والمسالك الوعرة التي لربما لم يفهمها رؤساؤهم وحذاقهم، قال ﵀: «ولهذا لما بينت لطوائف من اتباعهم ورؤسائهم قولهم، وسر مذهبهم، صاروا يعظمون ذلك، ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد لجعلوني من أئمتهم، وبذلوا لي من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف، كما تبذله النصارى لرؤسائهم والإسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل آل فرعون لفرعون …» (^٣).\nوقد ظهر هذا أيضًا في تحريه دقة النقل عن المخالفين، والتحري في نسبة الأقوال لهم، كما سيظهر في النقطة القادمة.\n\n٧)<span data-type='title' id=toc-38> الدقة في النقل والتحري في نسبة الأقوال للمخالفين:</span>\nكثير من المناظرين قد يخطئ في نسبة الأقوال لأصحابها، وإرجاع المقالات لأربابها، وذلك ناشئُ غالبًا عن قلة علم بالفرق والمقالات، وأحيانًا عن بغي وظلم للآخرين، ولما كان شيخ الإسلام ذا اطلاع واسع على أقوال الفرق والمذاهب، وذا صدق وإخلاص وعدل وإنصاف مع الموافق والمخالف، فقد كان دقيق النقل للأقوال متحريًا في نسبتها للطوائف والرجال.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٨٤).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٦٣).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ١٣٨).","vol":"1","page":105},{"text":"ففي مناظرته لأحد مُعظِّمي الرازي ومبجليه، بَيَّنَ خطأ ما نسبه الرازي لبعض الفرق: من القول بجواز أن يتكلم الله بكلام لا يعني به شيئًا، ولما حاول هذا المتعصب الدفاع عن الرازي ونسب هذا القول للكرامية، بين شيخ الإسلام خطأه أيضًا، وقال: «هذا لم يقله لا كرامي ولا غير كرامي، ولا أحد من أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم» (^١)، وهذا الجزم إنما نشأ عن تمام العلم بمقالات الفرق وآراءها.\nوبين في مناظرته لابن المرحل بطلان ما حكاه ونسبه لمذهب أهل السنة من أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد دون القول والعمل (^٢).\nولما نسب ابن المرحل إلى الحنابلة مخالفة الحسن البصري في كافر النعمة، بين له شيخ الإسلام بطلان هذا، وقال: «أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا فعمن تنقل من أصحابي هذا؟» (^٣)، ثم عاد ابن المرحل فنسب هذا إلى أصحابه من الشافعية، فبين له شيخ الإسلام أن أصحابه أيضًا لم يخالفوا في هذا، فكان أعلم بمذهبه منه.\nولما أحضر مخالفوه في المجلس الثاني للواسطية عالمهم الكبير صفي الدين الهندي ليناظر الشيخ، كان مما قرره أن أول مسألة اختلف فيها المسلمون هي مسألة الكلام، ونسب ذلك إلى الشهرستاني في كتابه الملل والنحل، فغضب شيخ الإسلام وبين له أن قوله خطأٌ وكذِبٌ مخالفٌ للإجماع، وأن الشهرستاني لم يذكر هذا على النحو الذي يريده، بل على خلاف ما يريد تقريره، فظهر عجز هذا الشيخ وإفلاسه أمام علم الشيخ ودرايته (^٤).\nوحين نسب بعضهم في المناظرة الواسطية إلى الإمام أحمد القول بأن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي، بين شيخ الإسلام أن هذا كذب مفترى، لم\n_________\n(^١) الصفدية (١/ ٢٨٨).\n(^٢) العقود الدرية (ص: ١١٥)، مجموع الفتاوى (١١/ ١٣٨).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٣).","vol":"1","page":106},{"text":"يقله أحمد ولا أحد من علماء المسلمين، لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم، ولا يقوله عاقل (^١).\nومواقفه التي تبرز هذا الجانب من مناظراته كثيرة مشهودة لا يسع المقام لاستيعابها.\n٨) الأمانة العلمية في الطرح:\nوهذه النقطة هي في الحقيقة تبع لما قبلها، وما تحريه في النقل ودقته في حكاية الأقوال إلا نموذج من نماذج الأمانة العلمية التي كان يتصف ويتحلى بها -﵀- ومما يوضح ذلك أكثر ما نص عليه ﵀ في رده على النصارى، حيث قال: «وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها، فصلًا فصلًا، وأُتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعًا وأصلًا وعقدًا وحلًا» (^٢) ويرى ﵀ أنه يجب على الناقل لأقوال مخالفيه أن ينقلها بنصها وعينها دون تصرف أو رواية بالمعنى أو اختصار أو تلخيص؛ لما يقع في ذلك من الخلل والخطأ والزلل، قال شيخ الإسلام ﵀: «ونحن في جميع ما نورده نحكي ألفاظ المحتجين بعينها، فإن التصرف في ذلك قد يدخله خروج عن الصدق والعدل، إما عمدًا وإما خطأ» (^٣).\n\n٩)<span data-type='title' id=toc-39> حرصه في مناظراته على جمع الكلمة واتفاقها:</span>\nمع ما عرض لشيخ الإسلام من قبل مخالفيه من كذب وكيد ووشاية ومكر وترصد وأذى، وحرص على الوقيعة بشيخ الإسلام في مناظراتهم ومخاصمتهم له، وإظهار شذوذه ومخالفته للجماعة، إلا أن ابن تيمية -وعلى خلاف ذلك -كان أحرص ما يكون على جمع الكلمة واتفاقها، وترك أسباب الفرقة واجتنابها، ولا أدل على ذلك من موقفه في العقيدة الواسطية بعد أن عرض له ما عرض من\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٩٧).\n(^٢) الجواب الصحيح (١/ ٩٩).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٣٠٧).","vol":"1","page":107},{"text":"مخالفيه ومناوئيه، إلا أنه عاملهم بالرحمة، والعفو، والإحسان (^١)، والسعي إلى الاجتماع والنهي عن الفرقة كما جاء مبسوطًا في ثنايا المناظرة.\nومن ذلك ما افتتح به ﵀ المجلس الثاني من مناظرته حيث قال: «إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف. وقال لنا في القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، وربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله» (^٢).\nوفي مناظرته مع الرفاعية كان أحرص ما يكون قبل حدوث الموقعة الكبرى عند الأمير، على تأليفهم وإرجاعهم للحق، والاتفاق معهم على اتباع كتاب الله وسنة نبيه، وترك ما أحدثوه من بدع ومحدثات، والدخول في صالح ما عليه المسلمين، وقد أرسل إلى شيخهم غير ما مرة ليخاطبه بذلك (^٣).\nومن تتبع سيرته ﵀ علم حقيقة ما حكاه عن نفسه قائلًا: «أنا كنت من أعظم الناس تأليفًا لقلوب المسلمين، وطلبًا لاتفاق كلمتهم، واتباعًا لما أُمرِنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة» (^٤).\n\n١٠)<span data-type='title' id=toc-40> شجاعته في النطق بالحق، وعدم مهابته لأحد غير الله:</span>\nهذا الأمر شهد به لشيخ الإسلام أصدقاؤه وأعداؤه، واعترف به خصومه قبل محبيه، فقالوا عنه: «هذا رجل محجاج خصِم، وماله قلب يفزع من الملوك، وقد\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٦١، ١٦٢، ١٦٤، ١٦٩، ٢١٠).\n(^٢) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٢).\n(^٣) انظر: المناظر الرفاعية ضمن مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٧).","vol":"1","page":108},{"text":"اجتمع بقازان ملك التتر وكبار دولته، وما خافهم» (^١)، ومظاهر شجاعته ﵀ وخصوصًا في مواجهة خصومه ومناظرتهم أشهر من أن تُذكر، ومن أمثلتها الواضحة موقفه العظيم مع الرفاعية، فعلى الرغم مما كان للأحمدية من مهابة ومكانة في نفوس الناس، ونفوذ عند السلاطين والحكام، فإن شيخ الإسلام أظهر الحق وبين أنهم ضلال مبتدعة ودجاجلة مفترون، وصاح بهم أمام الناس بذلك، وتحداهم وعارضهم بكل ما يستطيع.\nوعارض علماء دمشق أولًا ثم علماء مصر بعد ذلك، مع أنهم قضاة البلاد، وأصحاب النفوذ ومرجع الأمراء والسلاطين، ووقف في بيان دين الله وإظهار الحق، أعظم المواقف وأجلها، وكان شجاعًا في الصدع بالحق في كل محفل وعند كل أحد، يصدع به أمام السلاطين والأمراء، والقضاة والعلماء والوجهاء، كما يصدع به أمام التلاميذ والأصدقاء، ويرى أن الرجل لا يخاف من النطق بالحق إلا لمرض في قلبه، وقلة توكل وإيمان بربه (^٢).\nغلب الْمُلُوك مهابةً وشجاعةً … لَيْثٌ يهابُ- لِقَاءه الْكُفَّارُ (^٣)\n\n١١)<span data-type='title' id=toc-41> فطنته بمكايد الخصم وسرعة بديهته في معرفة مراده:</span>\nكان شيخ الإسلام ﵀ ذا فطنة كبيرة وخبرة عالية، بأغراض الخصوم ومقاصدهم، بحيث يفهم مراد الخصم قبل أن يصرح به، ويستعد للإجابة على استشكال الخصم قبل أن يورده عليه، ومن ذلك أن بعض مناظريه في العقيدة الواسطية طلب إعادة قراءة الأحاديث المذكورة في العقيدة مرة أخرى؛ فتفطن شيخ الإسلام لمراده من ذلك قبل أن يتفوه به فقال: «كأنك قد استعددت للطعن\n_________\n(^١) الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:١٤٦).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٤٩).\n(^٣) بيت من ضمن قصيدة في رثاء شيخ الإسلام للشيخ قاسم بن عبد الرحمن المقرئ. العقود الدرية (ص: ٤٥٨).","vol":"1","page":109},{"text":"في حديث الأوعال» (^١)، ثم أجاب عن حديث الأوعال وبين صحته.\nولما تحداهم أن يأتوا بشيء عن السلف يخالف ما ذكره في العقيدة، أحضر بعض أكابرهم في المجلس الثاني (كتاب الأسماء والصفات) للبيهقي -رحمه الله تعالى- فقال: «هذا فيه تأويل الوجه عن السلف، قال شيخ الإسلام: «فوقع في قلبي ما أَعَد، فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقال: نعم» (^٢)، ثم بين الشيخ له وللحاضرين أنه لا حجة في ذلك، وأن ما ورد في تفسير الآية عن مجاهد والشافعي ليس فيه شيء من تأويل الآية، ولا صرفها عن ظاهرها الذي تقتضيه.\nولما سأل بعضهم عما ينسب للإمام أحمد من القول بقدم مداد المصاحف وأصوات القارئين، وظنوا أن هذا هو مذهب الشيخ، فأرادوا أن يجعلوه بين أمرين: إما الإقرار بهذا فيظهر للناس شناعة قوله، وإما الرجوع لقولهم فيحصل مقصودهم، تفطن شيخ الإسلام لهذا فأجابهم بنقيض ما أرادوه، قال ﵀: «وكانت هذه المسألة: قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ممن كان بعضهم حاضرًا في المجلس، فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم، وكانوا قد ظنوا أني إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله، حصل مقصودهم من الشناعة، وإن أجبت بما يقولونه هم، حصل مقصودهم من الموافقة، فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة، وليس هو ما يقولونه هم، ولا ما ينقلونه عن أهل السنة -إذ قد يقوله بعض الجهال- بُهتوا لذلك» (^٣).\n\n١٢)<span data-type='title' id=toc-42> العدل مع المخالف:</span>\nلما كان شيخ الإسلام -﵀- يعتقد أن من أعظم أسباب النصر والتأييد والمعونة من رب العالمين ضد الأعداء والخصوم، هو العدل معهم في الأقوال\n_________\n(^١) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٩٢).\n(^٢) المصدر السابق (٦/ ١٥ - ١٦).\n(^٣) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٧٢).","vol":"1","page":110},{"text":"والأفعال حيث يقول ﵀: «إن الإنسان إذا اتبع العدل نُصر على خصمه، وإذا خرج عنه طمع فيه خصمه» (^١)، لهذا السبب ولما أوجبه الله قبل هذا من ترك الظلم ولزوم العدل في جميع الأحوال كان شيخ الإسلام -﵀- عادلًا في معاملته لخصومه منصفًا لهم، عادلًا في الحكم عليهم وعلى مقالتهم، وهو القائل تلك المقولة الجليلة: «أوجب الله العدل، لكل أحد، على كل أحد، في كل حال» (^٢)، وهذه السمة تجدها بارزة في جميع مناظرات الشيخ -﵀-، ومن أبرز ملامحها تفاوت حكمه على المقالات بحسب قربها وبعدها من الكتاب والسنة، وتفريقه في الحكم بين القول وقائله، وإنصافه لخصومه في مخاطبتهم وإنزالهم منزلتهم التي يستحقونها، كما سيتضح في النقطة القادمة، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وليس مما أمر الله به ورسوله، ولا مما يرتضيه عاقل، أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد، بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء،\nوأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم، إذ هم -ولله الحمد- أكمل الناس عقلًا وأتمهم إدراكًا وأصحهم دينًا، وأشرفهم كتابًا، وأفضلهم نبيًا، وأحسنهم شريعة» (^٣).\n\n١٣)<span data-type='title' id=toc-43> إنصاف الخصم وإنزاله منزلته التي يستحقها:</span>\nوترى هذا الأمر جليًا واضحا في حديث الشيخ عمن ناظرهم وفي مخاطبته لهم، فمع شدة العداوة بين شيخ الإسلام والفلاسفة والرافضة والأشاعرة وجميع الفرق المخالفة، وبعد الفجوة بينه وبينهم، وبغضه لآرائهم ومعتقداتهم، لم يمنعه هذا من نسبة الفضل لذي الفضل منهم فقد قال في مناظرته مع الفلاسفة: «ولهذا خاطبني بعض الأعيان من الفضلاء المتفلسفين» (^٤)، وقال في وصفه للشيخ\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٠٩).\n(^٢) الرد على المنطقيين (ص:٤٢٥).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٩/ ٢٠٧).\n(^٤) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ١٤٢).","vol":"1","page":111},{"text":"الرافضي الذي ناظره: «ولقد طلب مني أكابر شيوخهم الفضلاء أن يخلو بي، وأتكلم معه في ذلك …» (^١).\nولما أتى مخالفوه في المجلس الثاني للمناظرة الواسطية بالشيخ صفي الدين الهندي لينتصروا به، وقع بينه وبين شيخ الإسلام ما وقع، ومع هذا قال الشيخ: «فذكر هو بحثًا حسنًا يتعلق بدلالة اللفظ فحسنته ومدحته عليه» (^٢)، وقال: «وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ من أنه كبير الجماعة وشيخهم، وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه، وأمرت بقراءة العقيدة جميعها عليه» (^٣).\nوصدق الناظم إذ قال فيه:\nيا ابن تيمية يا أنصح العلما … يا من لأسرار دين الله قد فهما\nيا آية ظهرت في الكون باهرة … لا زلت في سلك دين الله منتظما\nإلى أن قال:\nتعفو عن الجاهل الجاني وترحمه … وتكثر العدل والإنصاف للخُصَما (^٤)\n\n١٤)<span data-type='title' id=toc-44> الاعتناء بالأصول والقواعد دون الفروع والجزئيات في الرد والتقرير:</span>\nلما كثرت الطوائف والفرق في عصر شيخ الإسلام وصار لكل طائفة شيوخ وأتباع، وقواعد وأصول بنوا عليها باطلهم وكثيرًا من ضلالتهم وانحرافاتهم مع نسبتها إلى الاعتقاد الحق، قام شيخ الإسلام بتمييز الحق الصافي عما خلطوه به من باطل وضلال، وركز في ذلك على نقد تلك القواعد والأسس ونقض تلك الأصول التي قامت عليها آرائهم المنحرفة ومعتقداتهم الباطلة، فنلحظ مثلًا في مناظرته المدنية كيف اعتنى شيخ الإسلام بمسألة تأويل الصفات، وقدمها في\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (١/ ١٠١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٨).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٨٦).\n(^٤) العقود الدرية (ص: ٥٣١).","vol":"1","page":112},{"text":"النقاش على كل المسائل التي خالف فيها الأشاعرةُ أهلَ السنة، وعلل ذلك بأنها: «الأم وسائر المسائل فرع عنها» (^١)، وهذا من اهتمام شيخ الإسلام بالقواعد والأصول، في باب التقرير وفي باب الردّ والمناقشة.\nويرى شيخ الإسلام -﵀- أن معرفة القواعد والأسس أمر ضروري يجب أن يتصف به المرء قبل حكمه على المقالات والأشخاص، ولذلك قال ﵀: «لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات، ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم» (^٢).\n\n١٥)<span data-type='title' id=toc-45> ضرب الأمثلة والتطبيقات، لما يذكره من قواعد وتقريرات:</span>\nمما امتازت به طريقة شيخ الإسلام في تقرير الحق والرد على مخالفيه سواء في المناظرات أو غيرها، أنه كان يُتبِع ما قرره من قواعد وتأصيلات بالأمثلة والتطبيقات، فقد قرر لمناظِره في الرسالة المدنية، أن تأويل نصوص الصفات وصرفها عن ظاهرها لا يصح إلا بأربعة شروط، ثم جعل شيخ الإسلام صفة اليد أنموذجا تطبيقيا لما ذكره من شروط (^٣). وفي مناظرته مع بعض النصارى قرر لهم قاعدة عامة وهي أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها؛ ثم ضرب شيخ الإسلام على هذا عدة أمثلة كأحياء الموتى، وجعل العصا حية وغير ذلك، فأتْبَعَ التقعيد بالتمثيل والتطبيق (^٤). وفي مناظرته مع الرفاعية بين للسلطان أنهم أهل كذب وخداع وتلبيس على الأمراء والمسلمين، ثم حكى في ذلك عدة أمثلة من القصص والوقائع التي فعلوها ولبسوا فيها على الأمراء (^٥). ولما كان من\n_________\n(^١) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٠٣).\n(^٣) انظر: الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥١ - ٣٧٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٨).\n(^٥) المصدر السابق (١١/ ٤٥٧ - ٤٥٨).","vol":"1","page":113},{"text":"أعظم تقريراته أن أهل السنة يعلمون الحق، ويرحمون الخلق (^١)، فقد حقق ذلك والتزمه في جميع مناظراته ومناقشاته لخصومه ومخالفيه. وغيرها من النماذج الكبيرة التي تدل على هذا وتبرهن عليه.\n\n١٦)<span data-type='title' id=toc-46> التدرج مع المخالف في بيان الباطل وتقرير الحق:</span>\nمن حسن صنيع العالم في مناظرته للمخالف، أن يتدرج معه في النقاش والحوار حتى يوصله للمطلوب المراد دعوته إليه وبيانه له، وهذه الطريقة أقرب لقبول المدعوين وأجلب لقلوبهم، وقد كان شيخ الإسلام حريصًا على مثل هذا الأمر وعلى كل أمر ييسر قبول الخصم للحق ورجوعه عن الباطل، ومن تطبيقات شيخ الإسلام لهذا المسلك، ما فعله مع مناظره الرافضي حيث ابتدأ شيخ الإسلام ببيان مذهب الرافضة في الإمامة وتقرير معتقدهم في ذلك حتى أقر له الرافضي بما ذكر من اعتقادهم وشهد بأنه قرر مذهبهم على أكمل وجه، ثم بدأ معه شيخ الإسلام بنقض مذهبهم وبيان ما في قولهم من فساد وضلال (^٢). وفي مناظرة الرسالة المدنية تدرج شيخ الإسلام مع مناظره في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الصفات وذكر أقوال المخالفين، ثم ذكر له أمهات المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة، قال «فقلت له: نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات، فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها» (^٣) وكان يورد المسألة تلو المسألة، وقرر شروط التأويل المقبول، ثم طبق ما قرره بمثال واضح، وهكذا بأسلوب بديع في التدرج مع المدعو، حتى سلم له مناظره وعرف الحق وأظهر التوبة والإنابة (^٤).\n_________\n(^١) انظر: النبوات (١/ ٤١٥)، مجموع الفتاوى (٣/ ٢٧٩)، الرد على البكري (٢/ ٤٩٠)، شرح الأصبهانية (ص:٤٣).\n(^٢) انظر: منهاج السنة النبوية (١/ ١٠١).\n(^٣) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٥).\n(^٤) انظر: الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥١ - ٣٧٣).","vol":"1","page":114},{"text":"١٧)<span data-type='title' id=toc-47> البدء بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد، قبل تقرير الحق والمعتقد الصحيح:</span>\nمن كمال التدرج المطلوب مع الخصم: أن يبدأ المناظر بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد، ثم يقرر له الحق والمعتقد الصحيح الذي يجب اعتقاده، وهذه الطريقة يطلق عليها بعض العلماء: (التخلية قبل التحلية)، أو (التصفية قبل التربية)، وكانت هذه من أهم المسالك التي يعتني شيخ الإسلام بسلوكها وتطبيقها، ويعلل ذلك فيقول: «إن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه، لِما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدعيًا أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه وإلا فما دام معتقدًا نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه، كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل، امحه أولًا، ثم اكتب فيه الحق» (^١). وهذا من كمال فقه شيخ الإسلام وتمام علمه بمسالك المناظرات وطرقها المفضية إلى إقناع الخصم. ومن تطبيقات شيخ الإسلام لهذا الأمر ما تجده في مناظرته مع نفاة الرؤية حيث قام ﵀ بتلخيص شبهة نفاة الرؤية في مقدمتين ونتيجة، ثم قام بنقض هذه الشبهة وبيان بطلانها، وبعد ذلك قام بتقرير الحق في ذلك بالنصوص الشرعية والآثار الصحيحة التي تدل على ثبوت الرؤية، فابتدأ بنقض الأصل الفاسد، ثم أتبعه بتقرير الحق (^٢)، وذلك لأن «الدليل إن لم تقرر مقدماته ويجاب عما يعارضها لم يتم» (^٣).\n\n١٨)<span data-type='title' id=toc-48> التنزل مع الخصم أدعى لقبوله الحق:</span>\nكان شيخ الإسلام حريصًا أشد الحرص على بيان الحق للناس، وكشف ما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٥٩).\n(^٢) انظر: بغية المرتاد (ص:٤٧٦).\n(^٣) شرح الأصبهانية (ص:٤٧).","vol":"1","page":115},{"text":"علق بأذهانهم من آراء فاسدة، بُنيت على شُبهٍ باطلة وأدلة واهية مخالفة للثوابت الشرعية والنصوص القطعية من الكتاب والسنة، ولذلك فقد يتنزل شيخ الإسلام مع مناظره شيئا ما ليكون أدعى لقبوله الحق وإن كان شيخ الإسلام على يقين تام ببطلان قوله وفساد معتقده قال ﵀: «فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم، كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعًا لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]. وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول، ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل، وإن جعلوه من المعقول بالبرهان، أعظم من أن يبسط في هذا المكان» (^١).\nوفي مناظرته مع بعض النصارى قال: «ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية» (^٢).\nومن هذا الباب ما فعله شيخ الإسلام في مناظرته الرفاعية، فبعد أن بين حيلتهم في دخول النار، تنزل معهم وجاراهم في مخاريقهم فتحداهم في دخول النار بعد الاغتسال بالخل والماء الحار، وقال: «أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب» (^٣) أو قال: «فعليه لعنة الله» (^٤).\nولما استعظم الأمير ذلك وقال: أتفعل ذلك؟ فقال له شيخ الإسلام مبينًا سبب إقدامه على مثل هذا الفعل: «نعم قد استخرت الله في ذلك، وأُلقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد -ﷺ- المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله،\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٨٨)\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٢٨)، وانظر: الرد على البكري (ص:٣٢٧).\n(^٣) المصدر السابق (١١/ ٤٦٥).\n(^٤) المصدر السابق (١١/ ٤٦٥).","vol":"1","page":116},{"text":"والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات» (^١)، وقال: «وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم» (^٢).\nوالتنزل للخصوم في المناظرات من تمام الإنصاف، وفيه دعوة لطيفة لأهل الانحراف.\nفكم مُبْطل وافاه يَبْغِي جداله … فأنصفه فِي الْبَحْث من غير عدوانِ\nويكشف عَنهُ شُبْهَة بعد شُبْهَة … إِلَى أَن يبين الْحق أحسن تبيانِ\nفَيُصْبِح عَن تِلْكَ الْمقَالة معرضًا … وَلَو كَانَ من أَحْبَار سوء وَرُهْبَانِ (^٣)\n\n١٩)<span data-type='title' id=toc-49> الحرص على إفهام الخصم والإتيان بالعبارات الواضحة:</span>\nلم يكن شيخ الإسلام يبخل على خصمه بالبيان والتوضيح والشرح والتفصيل، ليتضح له الحق، وينكشف أمامه الباطل، ويتبين له الهدى من الضلال، ولم يكن هذا الحرص على المخالفين المنتسبين للإسلام والملة فحسب، بل وحتى مع غير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم من الكافرين، وقد يردد الكلام ويعيده على الخصم حتى يستوعبه ويفهمه حق الفهم، ومن ذلك ما فعله في مناظرته لبعض النصارى حيث قال: «وجعلت أردد عليه هذا الكلام؛ وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهمًا جيدًا، وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له» (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٦٠).\n(^٢) المصدر السابق (١١/ ٤٦٠).\n(^٣) العقود الدرية (ص:٤٩٠) وهي أبيات من قصيدة لشهاب الدين إبراهيم بن شهاب الدين ابن كوشب الحنفي (ت: ٧٣٥ هـ).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٦).","vol":"1","page":117},{"text":"وإذا رأى أن تفسير العبارات المجملة لا يحقق المقصود من هداية المخالف وبيان الحق له، فإنه يترك ذلك ويأتي بالعبارات البينة الواضحة، قال ﵀: «قد لا يتأتى في المناظرات تفسير المجملات، خوفًا من لدد الخصم، فيؤتى بالواضحات» (^١).\n\n٢٠)<span data-type='title' id=toc-50> الاحتجاج بكتب المخالف وأقوال شيوخه الذين يعظمهم:</span>\nلقد جبل كثير من أهل البدع على تعظيم مشايخهم وكتبهم ومؤلفاتهم، حتى أن كثيرًا منهم ونظرًا للتعصب المقيت الذي انتشر بينهم قد يرد الآية أو الحديث، ولكنه يهاب من رد قول شيخه أو مخالفته ولو في أوضح المسائل، وقد كان من حسن صنيع شيخ الإسلام مع مخالفيه، احتجاجه عليهم بكتبهم التي يعظمونها، ونصوص علماءهم ومشايخهم الذين ينتسبون إليهم ويرجعون إليهم في فهم النصوص والعمل بها، وقد استخدم شيخ الإسلام هذا الأسلوب في عدة مناظرات ومن أجلى ذلك وأظهره ما قام به في مناظرة العقيدة الواسطية قال ﵀: «وقد أحضرت في الشام أكثر من خمسين كتابًا: من كتب الحنفية والمالكية والشافعية وأهل الحديث، والمتكلمين والصوفية كلها توافق ما قلته بألفاظه؛ وفي ذلك نصوص سلف الأمة وأئمتها، ولم يستطع المنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه» (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٨/ ١٤٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٧)، وانظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٦٥) وفي رواية عبد الله بن تيمية -﵀- للمناظرة: «وقد أحضرت كتب الأشعري، وكتب أكابر أصحابه: مثل كتب أبي بكر بن الباقلاني، وأحضرت أيضا من نقل مذاهب السلف: من المالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث وشيوخ الصوفية، وأنهم كلهم متفقون على اعتقاد واحد. وكذلك أحضر نقل شيوخ أصحاب أبي حنيفة: مثل محمد بن الحسن والطحاوي وما ذكروه من الصفات وغيرها في أصول الدين وقرأ فصلا مما ذكره الحافظ ابن عساكر في كتابه: (الإبانة) وأنه يقول بقول الإمام أحمد. وأحضر كتاب: (التمهيد) للقاضي أبي بكر بن الباقلاني. وأحضر (النقول) عن مالك وأكابر أصحابه: مثل ابن أبي زيد والقاضي عبدالوهاب، وغيرهما من كبار أصحاب مالك بتصريحهم أن الله مستو بذاته على العرش. وقال: أما الذي أذكره فهو مذهب السلف، وأحضر ألفاظهم وألفاظ من نقل مذاهبهم من الطوائف الأربعة وأهل الحديث والمتكلمين والصوفية، وأذكر موافقة ذلك من الكتاب والسنة وأنه ليس في ذلك ما ينفيه العقل وإن كان الله تعالى يجمع قلوب الجماعة على ذلك فالحمد لله رب العالمين» [رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦)].","vol":"1","page":118},{"text":"وبين شيخ الإسلام أن نفع مثل هذه الطريقة ليس مقتصرًا على الخصم فقط بل يعود نفعه على كثير من أهل الحق الذين يخشون من الصدع به، قال شيخ الإسلام: «وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته؛ فإنه قبل المجلس الثاني: اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية، وغيرهم ممن عَظُمَ خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته، أو لم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها، لصارت فرقة، ولصعب عليهم أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم. فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجة، وبان أنه مذهب السلف: أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق» (^١).\n\n٢١)<span data-type='title' id=toc-51> تنوع أساليبه وطرقه في إبطال مقالة الخصم:</span>\nتنوعت أساليب شيخ الإسلام في إفساد مقالة الخصم خلال مناظراته ومنها على سبيل المثال لا الحصر:\nأ -بيان فساد المقالة بفساد دليلها: ومنه بيان شيخ الإسلام في مناظرته مع الصوفية فساد اعتقادهم نفع الأحجار، بفساد دليلهم الذي اعتمدوا عليه وهو\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٨).","vol":"1","page":119},{"text":"حديث: (لو أحسن أحدكم ظنَّه بِحَجَرٍ لنفعه الله به) (^١)، حيث بين أنه كذب موضوع.\nوبيانه في مناظرة أخرى كذب الحديث الذي استندوا عليه في تجويزهم دعاء القبور (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور) (^٢).\nوبيانه في مناظرته للنصارى عدم صحة احتجاجهم على ألوهية المسيح بتشبيهه بالشعاع الذي للشمس أو النور للنار، وغيرها من الأمثلة كثير (^٣).\nب -بيان فساد المقالة بفساد لازمها: ومن ذلك إلزامه للنصارى -في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن- أن يكون الإله قد تألم وتوجع بصلب المسيح ووجعه، كما تتألم الروح بألم البدن ووجعه (^٤).\nوبيانه في مناظرته لبعض الاتحادية فساد قول من اعتقد حلول الله ﷾ بقلب الحلاج بذكر اللوازم الفاسدة المترتبة على هذا القول (^٥).\nت -بيان فساد المقالة بإظهار تناقضها واضطرابها: ومن ذلك بيانه في مناظرة الفلاسفة لفساد مقالتهم ببيان تناقضها واضطرابها، وبيانه في المناظرة الواسطية تناقض ابن الوكيل وعدم استقراره على مقالة واحدة (^٦)، وبيانه في مناظرته مع بعض منكري العلو مناقضة عقيدته لفطرته وفعله (^٧)، وقد قرر ﵀ قاعدة عامة في ذلك فقال: «وكل من نصر قولًا ضعيفًا فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يتناقض، وإما أن يلتزم لوازم ظاهرة الفساد» (^٨).\n_________\n(^١) سيأتي بيان حال الحديث وكذبه أثناء الدراسة (ص:٣٦١).\n(^٢) ستأتي دراسته (ص: ٣٨٥).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٦).\n(^٤) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٢٨).\n(^٥) انظر: مجموعة الرسائل (١/ ٣٠) منهاج السنة النبوية (٥/ ٣٧٨).\n(^٦) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٧٢)\n(^٧) انظر: درء التعارض (٦/ ٣٤٣).\n(^٨) نظرية العقد \"العقود\" (١/ ٨٥).","vol":"1","page":120},{"text":"ث -بيان فساد المقالة بفساد ما بنيت عليه: ومن ذلك بيانه في مناظرة المنجمين فساد صناعتهم بنقض مبناها الذي بنيت عليه، وهو أن الحركات العلوية هي السبب المؤثر في الحوادث الأرضية (^١).\nوبيانه في مناظرته لبعض الاتحادية فساد مقالته: أنه لا فرق بين التوحيد والالحاد، وذلك ببيان فساد ما بنيت عليه هذه المقالة، وتفرعت عنه (^٢).\nوفي مناظرة نفاة الرؤية: ذكر شيخ الإسلام أن جميع شبههم مبنية على مقدمتين، ثم شرع في بيان فساد هاتين المقدمتين التي بُني عليهما هذا القول (^٣).\nج -بيان فساد المقالة بكذب أصحابها وتحايلهم: ومن ذلك كشفه لحال الأحمدية وما انطوت عليه أقوالهم وأحوالهم من الكذب والحيل والتلبيس والخداع، قال شيخ الإسلام: «وهم كذابون مبتدعون، قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم» (^٤)\nح -بيان فساد المقالة ببيان كذبها وعدم ثبوتها: ومن ذلك ما افتراه الرفاعية على شيخ الإسلام من أنه أمرهم بلبس الأطواق ودخول النار. قال الشيخ: «فقلت: هذا من البهتان، وها أنا ذا أصف ما كان.\nقلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحدًا بأن يدخل نارًا ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار، وفي ذلك الحديث الصحيح. وهؤلاء يكذبون في ذلك» (^٥).\nخ -بيان فساد المقالة بإظهار عجز صاحبها: ومن ذلك ما جاء في مناظرته مع بعض الأحمدية ممن يزعم القدرة على دخول النار وعدم الاحتراق بها، فقال له: «أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة في ذقنك. فجزع ذلك\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى الكبرى (١/ ٦٢).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٦).\n(^٣) انظر: بغية المرتاد (ص:٤٧٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٧).\n(^٥) المصدر السابق (١١/ ٤٥٧).","vol":"1","page":121},{"text":"الفقير وأبلس» (^١).\nد -بيان فساد المقالة بفقدها الدليل الشرعي الذي تستند إليه: ومن ذلك ما فعله شيخ الإسلام ﵀ في المناظرة الواسطية من تشديد على عدم وجود مستند شرعي لدى المخالفين على بطلان شيء من اعتقاده، وقال لهم متحديًا: «وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي -ﷺ- حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) يخالف ما ذكرته، فأنا أرجع عن ذلك» (^٢) وأعاد هذا الكلام وكرره وأكد عليه ليبين ضعف اعتراضهم وأن مبناه على الأهواء والظنون وليس الأدلة والنصوص.\n\n٢٢)<span data-type='title' id=toc-52> قلب دليل الخصم دليلًا عليه:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «ما احتج أحد بدليل سمعي أو عقلي على باطل إلا وذلك الدليل إذا أعطي حقه وميز ما يدل عليه مما لا يدل تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به؛ وأنه دليل لأهل الحق وأن الأدلة الصحيحة لا يكون مدلولها إلا حقا والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضا» (^٣)، وقال ﵀: «وقد كنت قديمًا ذكرت في بعض كلامي أني تدبرت عامة ما يحتج به النفاة من النصوص، فوجدتها على نقيض قولهم أدل منها على قولهم» (^٤)، وقال أيضًا: «جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل على الحق، لا تدل على قول المبطل وهذا ظاهر يعرفه كل أحد، فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، لا على باطل .... والمقصود هنا أن نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطي حقه وتميز ما فيه من حق وباطل، وبين ما يدل\n_________\n(^١) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:٣٧١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٩).\n(^٣) المصدر السابق (٨/ ٢٩).\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٧٤).","vol":"1","page":122},{"text":"عليه، تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه. وهذا عجيب قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك» (^١).\nومن ذلك مناظرته لبعض القبورية حين استدلوا على ولاية العبيديين بأن الخيل تُشفى عند قبورهم، فقام شيخ الإسلام بقلب دليلهم دليلًا عليهم، وبين أن شفاء الخيل بسبب ما تسمعه من عذابهم في القبور، لا بسبب ولايتهم وصلاحهم (^٢).\n\n٢٣)<span data-type='title' id=toc-53> عدم الجدال والمناظرة في البديهيات والضروريات:</span>\nلم يكن شيخ الإسلام يتوقف في نقاش خصومه ومجادلتهم مادام أن موضوع البحث يمكن أن يكون محلا للبحث والنقاش والمجادلة، أما إذا وصل الأمر إلى المناقشة في البديهيات، والجدال في الضروريات التي لا يمكن أن يختلف فيها اثنان، فإن هذه إمارة واضحة على انقطاع الخصم وإفلاسه من الدليل والحجة، وهذه الطريقة يلجأ لها كثير من المعاندين للحق بعد تبينه لهم، والمستكبرين عن قبوله بعد ظهوره لهم، ولذلك لم يكن شيخ الإسلام يجاريهم، ومن ذلك ما وصل له شيخ الإسلام في مناظرته مع ابن المرحل، حيث قال له بعد إصراره على الجدال في مثل هذه الأمور: «الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتم، وكون الحب والبغض أمرًا وجوديًا معلوم بالاضطرار؛ فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خاليًا عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محبًا فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب، وهو يحس ذلك من نفسه، يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه» (^٣)، وقرر -﵀- أن المناظرة في البديهيات، والمجادلة في المسلمات ما هو إلا ضرب من السفسطة، قال ﵀ في مناظرته لابن المرحل: «وفي الجملة: فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٨٨).\n(^٢) انظر: الرد على البكري (٢/ ٥٨٧).\n(^٣) مناظرة ابن المرحل ضمن العقود الدرية (ص:١٢٦)، مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٩).","vol":"1","page":123},{"text":"ولا يناظر صاحبه إلا مناظرة السوفسطائية» (^١)\n\n٢٤)<span data-type='title' id=toc-54> الرحمة بالمخالف والإشفاق عليه، والحرص على هدايته:</span>\nلم تكن غاية شيخ الإسلام من مناظراته إقامة الحجة على المخالف وقطعه وإسكاته فحسب، بل كان شيخ الإسلام حريصًا أشد الحرص على هداية المخالفين وإرجاعهم للحق، وإنقاذهم من الضلال.\nوالناظر في مناظرات الشيخ يجد كثيرًا منها قد تحقق فيها مراد الشيخ من إقناع الخصم وهدايته للحق، وتوبته من الباطل.\nفمع ما قام به الرفاعية من أذى للشيخ وكذب عليه ووشاية به عند السلاطين والأمراء، فإن شيخ الإسلام كان في المقابل حريصًا على هدايتهم مشفقًا عليهم، لم يسع لأذاهم أو إيقاع الضرر بهم، مع كونه أقدر على ذلك منهم، وأرسل لهم المرة تلو المرة لعلهم يراجعوا أنفسهم ويتركوا بدعهم وضلالتهم قال الشيخ ﵀: «فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونتفق على اتباع سبيله، فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة … فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة وطلبا للبيان والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة» (^٢)، وقال: «وما أحببت البغي عليهم والعدوان ولا أن أسلك معهم إلا أبلغ ما يمكن من الإحسان، فأرسلت إليهم من عرَّفهم بصورة الحال وإني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال وكثر فيكم القيل والقال، وأن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان فهو الذي أوقع نفسه في الهوان» (^٣).\nولما ناظره أحد شيوخ الرافضة أحسن إليه وترّفق به، فوصفه بأنه من فضلاء\n_________\n(^١) العقود الدرية (ص:١٢٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٣).\n(^٣) المصدر السابق (١١/ ٤٥٤).","vol":"1","page":124},{"text":"شيوخهم، وأجاب طلبه في الخلوة والكلام معه في مسألة الإمامة، كما بيّن شيخ الإسلام مذهب الرافضة بكل إنصاف، حتى أقرّ الرافضي بأن هذا البيان على غاية الكمال، وكان ابن تيمية في غاية التجرد للحق، والنصح لمخالفه، حيث قال: «فأنا وأنت طالبان للعلم والحق» (^١). فالباعث من تلك المناظرة المناصحة والرحمة، لا المغالبة والظهور (^٢) ونماذج ذلك من حياة الشيخ ومناظراته أشهر من أن تذكر.\n\n٢٥)<span data-type='title' id=toc-55> مراعاته لقاعدة الجدل والمناظرة: (إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل):</span>\nهذه القاعدة من القواعد التي اعتنى بتقريرها شيخ الإسلام وكان كثيرًا ما يعبر عنها بقوله: «العلم إما نقل مصدق وإما استدلال محقق» (^٣). أو قوله: «والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم» (^٤).\nوقد طبقها شيخ الإسلام عمليا في مناظراته، فلا تكاد تخلو مناظرة من مناظراته ﵀ إلا وهو يستدل فيها بالأدلة النقلية والعقلية الصحيحة، ولا يدعي ﵀ أمرا إلا ويقيم عليه الدليل والبرهان، وكثيرا ما يطالب خصومه بإقامة الأدلة على ما ادعوه من مذاهب وآراء فيظهر عند ذلك عجزهم وضعفهم، ومن أوضح ذلك ما فعله في المناظرة الواسطية فقد تحداهم أن يأتوا بدليل أو أثر -بل وحتى حرف- عن القرون المفضلة يدل على صحة اعتراضهم ودعواهم (^٥).\nويبين شيخ الإسلام -﵀- أنه لا عبرة بالدعاوى وإنما العبرة بالأدلة والبراهين، قال ﵀: «ولا عبرةَ بكثرةِ الدعاوي وتعدُّدِها وإنما العبرةُ بقوة\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (١/ ٦١).\n(^٢) مناظرات ابن تيمية لأهل الملل والنحل (ص:٦٥ - ٦٦)\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٤٤).\n(^٤) المصدر السابق (١٣/ ٣٢٩).\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٩).","vol":"1","page":125},{"text":"الأدلة وتعدُّدِها» (^١)، وفي مناظرته مع الرافضي ادعى الرافضي عصمة الأئمة فطالبه شيخ الإسلام بالدليل على دعواه هذه (^٢)، وفي الواسطية طالب من نسب لأصحاب الإمام أحمد بعض الآراء الباطلة أن يسمي له من كان يتبنى هذا القول منهم (^٣). ولما رمى ابن المطهر الحلي المسلمين بأنهم حشوية ومجسمة، قال شيخ الاسلام في معرض الرد عليه: «ومن أراد أن ينقل مقالة عن طائفة فليسم القائل والناقل، وإلا فكل أحد يقدر على الكذب، فقد تبين كذبه فيما نقله عن أهل السنة» (^٤).\n\n٢٦)<span data-type='title' id=toc-56> عدم رد الباطل بباطل:</span>\nلطالما نبه شيخ الإسلام إلى خطأ كثير من المتصدين للرد على أهل البدع ومناظرتهم، وذلك من جهة ما يقوم به بعضهم من رد الباطل بباطل مثله، ورد البدعة ببدعة، ويرى شيخ الإسلام ﵀ أن هذا الفعل هو من أعظم أسباب استطالة أهل الباطل على أهل الحق والهدى، وضرب على ذلك مثالًا بما فعله المتكلمون حين حاولوا الرد على الفلاسفة فردوا على باطلهم بباطل، قال ﵀: «والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وبين باطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم، في مسألة حدوث العالم ونحوها، استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها …» (^٥)، ونبه على أن هذا الأمر كثيرا ما يقع فيه المتصدون لمناظرة أهل البدع، مع نهي السلف عنه وذمهم لأصحابه، قال ﵀: «والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربَّما زادوا في المناظرة نوعًا\n_________\n(^١) تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (١/ ٦٣).\n(^٢) انظر: منهاج السنة النبوية (١/ ٦١).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٦).\n(^٤) منهاج السنة النبوية (١/ ٣٢٢).\n(^٥) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٢٧٩)","vol":"1","page":126},{"text":"من الباطل، وإن كانوا في الأكثر على الحق، فكثيرًا ما يردُّ مُناظِرُ المبتدعِ باطلًا عظيمًا بباطلٍ دونَه، ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك، ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة، وأن لا يُردَّ باطلٌ بباطلٍ دونَه» (^١)، وقال ﵀ مبينًا عدم ثمرة مثل هذا النوع من المناظرة والجدال: «الجدل الباطل لا يُفلِحُ فيه مَن سَلكَه استدلالًا وسؤالًا وانفصالًا؛ فإن من استدلَّ بالباطل فهو مُبطِلٌ، ومن ردَّ الباطلَ بالباطل ولم يُبيِّن أن الدليل باطل فهو مُبطِلٌ، ومن أجابَ عن الباطل بباطلٍ ولم يُبيِّن أن السؤالَ باطل فهو مُبطِل، وكلُّ مبطلٍ فإنه يكون منقطعًا إذا بُيِّن بطلانُه والله أعلم» (^٢).\n\n٢٧)<span data-type='title' id=toc-57> مراعاة عوارض الأهلية - كالجهل والتأوّيل ونحوهما </span>-:\nمن تمام عدل شيخ الإسلام مع مخالفيه مراعاته لأحوالهم من علم وجهل وتأويل، فكان لا يحكم على شخص بعينه بحكم إلا بعد قيام الحجة وتوافر الشروط وانتفاء الموانع قال ﵀: «كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة، والذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم، أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال …» (^٣).\nوفي المناظرة الواسطية لما اعترض الخصوم بأن من خالف شيئًا من عقيدة الفرقة الناجية يلزم هلاكه. أجاب عنهم قائلًا: «وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا؛ فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد\n_________\n(^١) جامع المسائل (٨/ ٢٣٧).\n(^٢) تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (١/ ٢١٠).\n(^٣) الرد على البكري (٢/ ٤٩٤).","vol":"1","page":127},{"text":"ضده فقد يكون ناجيا، وقد لا يكون ناجيا، كما يقال: (من صمت نجا)» (^١).\nوقال ﵀: «وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت. قال خشيتك: فغفر له) (^٢)، فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا» (^٣).\nولما علم ما عليه كثير من معظمي مذهب الاتحادية ومشايخهم من جهل وقلة فهم وبصيرة، حرص على بيان الحق لهم بالعلم والحجة وبكل رفق وعناية، معتذرا لهم بجهلهم بحقيقة هؤلاء ومذهبهم (^٤).\n\n٢٨)<span data-type='title' id=toc-58> استخدام أسلوب الترغيب والترهيب عند الحاجة إليه:</span>\nكما يحتاج المناظر لاستخدام أسلوب الوعظ والتذكير، فإنه يحتاج في بعض الأحيان لاستخدام أسلوب الزجر والوعيد، ومن مظاهر ذلك ما قام به شيخ الإسلام مع مخالفيه في المناظرة الرفاعية، فإنه مع استخدامه لأسلوب الوعظ والتوجيه والنصح والبيان والإرشاد، إلا أنه لم يغفل الجانب الآخر عند الحاجة إليه، ومن ذلك ما حكاه من فعله مع كبير مشايخ الرفاعية حيث قال: «وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة، وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله» (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٧٩).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الرقائق، باب الخوف من الله (٦٤٨١)، ومسلم، كتاب التوبة (٢٧٥٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣٠ - ٢٣١).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٩٤).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٠).","vol":"1","page":128},{"text":"٢٩)<span data-type='title' id=toc-59> استخدام أسلوب الردع والزجر عند الحاجة لذلك:</span>\nكان شيخ الإسلام ﵀ بشرًا يعتريه ما يعتري البشر من غضب وحدة أحيانًا، وخصوصًا عند معاندة المخالف للشرع، ورفضه الانصياع للدين والحق، ولذلك لما استطال خصومه من الرفاعية على شرع الله وتلاعبوا في دين الله، غضب عليهم أشد الغضب، ولما أخذ شيخهم يقول: «يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز يعني أتباع أحمد بن الرفاعي!» (^١)، قال شيخ الإسلام: «فقلت منكرًا بكلام غليظ: ويحك، أي شيء هو الجناب العزيز، وجناب من خالفه أولى بالعز يا ذو (^٢) الزَّرْجَنة (^٣)، تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله!» (^٤)، ولما تمادوا في الكذب والاحتيال شدد عليهم شيخ الإسلام في الخطاب، وكان مما دعاهم به: «يا شبه الرافضة، يا بيت الكذب!» (^٥)، ولما أغضبه صفي الدين الهندي بكلامه فيما لا يعلم، وتخطئته للشيخ بغير وجه حق، ومخالفته للإجماع، قال الشيخ: «فغضبت عليه وقلت: أخطأت، وهذا كذب مخالف للإجماع. وقلت له: لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب» (^٦).\nولما أغضبه مرة أخرى بنقله كذب الرازي على أئمة الحنابلة بأنهم يقولون بالجسمية والحشو صاح عليه شيخ الإسلام ورفع صوته مغضبًا: «سمهم قل لي منهم؟ من هم؟! أبكذب ابن الخطيب (^٧) وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟!! وانزعج الشيخ انزعاجًا عظيمًا على نائب\n_________\n(^١) المصدر السابق (١١/ ٤٧٤).\n(^٢) الصواب: يا ذا. والمثبت من الأصل.\n(^٣) قال في القاموس (ص: ١٥٥٣): «الزرجنة: التخارج، والخب، والخديعة».\n(^٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٤).\n(^٥) المصدر السابق (١١/ ٤٧٤).\n(^٦) المصدر السابق (٣/ ١٨٣).\n(^٧) المراد الرازي.","vol":"1","page":129},{"text":"المالكي والصفي الهندي وأسكتهما سكوتًا لم يتكلما بعده بما يذكر» (^١).\nويعلل شيخ الإسلام لجوءه إلى مثل هذا المسلك في جوابه لمن أرسل إليه ناصحًا بلين الكلام ولطف الخطاب: «ما ذكرتم من لين الكلام والمخاطبة بالتي هي أحسن: فأنتم تعلمون أني من أكثر الناس استعمالا لهذا، لكن كل شيء في موضعه حسن، وحيث أمر الله ورسوله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة: فنحن مأمورون بمقابلته، لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن» (^٢).\nويقول ﵀ في موضع آخر: «ولما كانت المحاجة لا تنفع إلا مع العدل قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فالظالم ليس علينا أن نجادله بالتي هي أحسن» (^٣) وذلك أن «الظالم باغ مستحق للعقوبة، فيجوز أن يقابل بما يستحقه من العقوبة» (^٤).\nوصدق من وصفه قائلًا (^٥):\nحليمٌ كريمٌ مُشفِقٌ بَيْدَ أنَّهُ … إذا لم يُطَعْ في الله، للهِ يَغْضَبِ (^٦)\n\n٣٠)<span data-type='title' id=toc-60> جواز استعمال المصطلحات الحادثة للحاجة:</span>\nبين شيخ الإسلام أنه يجوز للمناظر أن يخاطب أهل الاصطلاح باصطلاحهم إذا كانت هناك حاجة تدعو لذلك وكانت المعاني التي تدل عليها تلك\n_________\n(^١) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٩)، وانظر: حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٩٠ - ١٩٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣٢)\n(^٣) المصدر السابق (٤/ ١٠٩).\n(^٤) الجواب الصحيح (٣/ ٧٢).\n(^٥) نجم الدين بن إسحاق بن أبي بكر بن ألمي التركي المتوفى (٧٢٠ هـ) وله قصيدة في الثناء على شيخ الإسلام ﵀ ومنها هذا البيت. انظر: العقود الدرية (٤٥٢ - ٤٥٧)\n(^٦) العقود الدرية (٤٥٢).","vol":"1","page":130},{"text":"المصطلحات معان صحيحة. قال شيخ الإسلام -﵀-: «وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعُرفهم فإنَّ هذا جائزٌ حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتاجوا إليه» (^١)، وقد استخدم شيخ الإسلام هذه الطريقة في مخاطبته مع الفلاسفة وغيرهم من أصحاب المصطلحات الحادثة، كما تجد ذلك مبثوثًا في مناظراته، وبين شيخ الإسلام أهمية ذلك عند الحاجة فقال: «ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات. فإذا كان عدو المسلمين -في تحصنهم وتسلحهم-على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم: كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع وهو الأصلح في الدنيا والآخرة. وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك لا لفضل قوته وشجاعته ولكن لمجانسته لهم كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب - وهم خيار العجم - أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي وكما كون العربي المتشبه بالعجم - وهم أدنى العرب - أعلم بمخاطبة العرب من العجمي» (^٢).\nأثر منهج شيخ الإسلام في نتائج المناظرات:\nلقد كان لمنهج شيخ الإسلام الذي اتبعه في محاورة ومناظرة مخالفيه وخصومه، عظيم الأثر في نتائج مناظراته، فالمتأمل في مناظرات شيخ الإسلام يجد لمناظراته كبير النفع والفائدة لمن ناظرهم، ولغيرهم ممن حضر هذه المناظرة أو قرأها أو نُقلت إليه وسمعها، فلم تكن مناظراته كحال كثير من المناظرات السقيمة التي تنتهي للسفسطة والجدل العقيم، ويخرج منها أطرافها بدون أي ثمرة\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (١/ ١٣٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٠٧).","vol":"1","page":131},{"text":"أو نفع أو فائدة، بل كانت أكثر محاورات شيخ الإسلام لخصومه تنتهي بظهور الحق بأنصع صوره للموافق والمخالف والرائي والسامع، ولذلك فقد انتهت كثير من مناظراته برجوع خصومه عن مقالتهم وتوبتهم من باطلهم واعترافهم بالحق الذي بينه شيخ الإسلام وقرره، فإن لم يرجع الخصم عن مقالته ويعلن انصياعه للحق وقبوله، فإنه لا يجد محيصًا من الانقطاع أمام شيخ الإسلام، بحيث يظهر للناس المحق من المبطل وداعية الهدى من داعية الضلال، ويظهر ضعف الشبه الشيطانية، أما الحجج والأدلة الربانية.\nوسأستعرض شيئًا مما يبرهن على ما ذكرته، ويؤيد ما قلته وسطرته، من وقائع أبرز المناظرات ونتائجها، وخاتمتها ونهايتها:\n-ففي مناظرته مع بعض النصارى بين له شيخ الإسلام ولمن كان معه اللوازم الفاسدة التي تلزم من مقالتهم واعتقادهم «فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك» (^١).\n-وفي مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد انتهت المناظرة باعترافهم وقولهم: «الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه» (^٢).\n-وفي مناظرته الأخرى مع أحد معظمي الرهبان، اعترف بعد سماعه حجة شيخ الإسلام، أن ما يقومون به شرك \"حتى إن قسيسًا كان حاضرًا في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم على هذا التقدير نحن مشركون\" (^٣).\n-وفي مناظرته مع المنجمين، انتهت باعتراف رئيسهم بما قرره شيخ الإسلام من كذبهم وتخرصهم \"فقال رئيسهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة\" (^٤).\n-وفي مناظرته مع أحد حذاق الاتحادية، أفحمه شيخ الإسلام بقوة حجته\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٣/ ٣٢٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٧٠ - ١٧١)، انظر: الجامع لسيرته (ص:٨٩ - ٩٠)، (ص: ١٤٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ص ٤٦١).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢)، الفتاوى الكبرى (١/ ٦٢).","vol":"1","page":132},{"text":"حتى بُهِتَ ولم يجد جوابا فنازع في المسلمات، حتى ضحك منه الشيخ وظهر للناس فساد كلامه (^١).\n-وفي مناظرته مع بعض معظمي الاتحادية والغالين في مشايخهم، بين له شيخ الإسلام حقيقة أقوالهم ومذهبهم \"حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله! \" (^٢).\n-وفي مناظرته مع جمع من الرفاعية انتهت المناظرة بتوبة جماعة منهم (^٣).\n-وفي المناظرة الكبرى للرفاعية عند قصر الإمارة، انتهت المناظرة بظهور شيخ الإسلام عليهم، وطلبهم الصلح والتوبة مما مضى، وإلزام السلطان لهم باتباع الكتاب والسنة وعدم الخروج عنهما (^٤).\n-وفي مناظرته مع أحد مشايخ الرفاعية عندما أراد إظهار قدرته على دخول النار، قال له الشيخ: «أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة في ذقنك. فجزع ذلك الفقير وأبلس» (^٥).\n-وانتهى المجلس الأول من المناظرة الواسطية وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة: ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة (^٦).\n-وانتهت مجالس المناظرة الواسطية باعتراف الحاضرين جميعا بصحة ما جاء في العقيدة (^٧).\n_________\n(^١) الصفدية (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^٢) جامع المسائل (٤/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٧).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٧٤، ٤٧٥).\n(^٥) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٣٧١).\n(^٦) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٠).\n(^٧) انظر: العقود الدرية (ص:٢١٢).","vol":"1","page":133},{"text":"-وفي المناظرة المدنية، تبين للرجل ما كان عليه من باطل واقتنع بما قرره شيخ الإسلام من الحق فـ «أظهر الرجل التوبة وتبين له الحق» (^١).\n-وفي مناظرته مع بعض منكري العلو، تاب الرجل واستغفر الله، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم (^٢).\nفهذه أبرز المناظرات وأشهرها، وهذه نتائجها وثمرتها، وهي تبرز بوضوح عظيم أثر منهج شيخ الإسلام الذي اتبعه في نتائج هذه المناظرات، وضرورة التزام كل داعية يواجه أهل الباطل ويناظرهم ويخاصمهم ويجادلهم بمثل هذا المنهج العظيم، والمسلك القويم، الذي يثمر أفضل النتائج وأنفعها، وخير الثمار وأينعها.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٢).\n(^٢) درء التعارض (٦/ ٣٤٤).","vol":"1","page":134},{"text":"الباب الأول\nمناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع غير المسلمين\nويشتمل على أربعة فصول:\nالفصل الأول: مناظراته مع النصارى.\nالفصل الثاني: مناظرته مع التتار.\nالفصل الثالث: مناظرته مع المنجمين.\nالفصل الرابع: مناظرته مع الفلاسفة.\n* * *","vol":"1","page":135},{"text":"الفصل الأول\nمناظرته مع النصارى.\nويشتمل على أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: مناظرته مع بعض علماء النصارى في تأليه المسيح دون غيره من الأنبياء.\nالمبحث الثاني: مناظرته مع بعض النصارى في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن.\nالمبحث الثالث: مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد في شركهم ومخالفتهم لدين إبراهيم والمسيح ﵉.\nالمبحث الرابع: مناظرته مع بعض معظمي رهبان النصارى في دينهم وشركهم وعكوفهم على التماثيل والقبور وعبادتها.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>المبحث الأول: مناظرته مع بعض علماء النصارى في تأليه المسيح دون غيره من الأنبياء: وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-64>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-65> تمهيد:</span>\nذكر شيخ الإسلام -﵀- هذه المناظرة في معرض رده على القائلين بوحدة الوجود، حيث إن بعضهم قد شبه ما يدعيه من اتحاد الله به، بالظل وصاحبه، فبين شيخ الإسلام أن هذا مناقض للوحدة، وأن الظل مغاير لصاحب الظل، فيلزم منه إثبات شيئين لا شيء واحد.\nثم بين شيخ الإسلام أن ما ذكره هذا الرجل من التشبيه هو مثل تشبيه من شبه اتحاد المخلوق بالخالق بالشمس وشعاعها أو السراج وضوئه.\nوذكر ﵀ (^١) أن هذه هي طريقة النصارى وأنهم يشبهون الاتحاد (^٢)\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦).\n(^٢) الاتحاد: صيرورة الشيئين واحدًا، وهو نوعان: عام، وخاص.\nفالاتحاد العام هو: اتحاد الذات الإلهية مع جميع الكائنات فتصبح عين وجودها، وهو قول الملاحدة الذين يزعمون أن ذات الله هي عين وجود الكائنات.\nوالاتحاد الخاص: هو اتحاد الذات الإلهية ببعض الناس المخصوصين وامتزاج الذات مع الإنسان في شخص واحد، كما تقول بذلك فرق النصارى حيث يقولون: باتحاد اللاهوت والناسوت معًا، وامتزاجهما في شخص المسيح -﵇-. وكلا النوعين باطل في حق الله ﷿ تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. انظر: التعريفات للجرجاني (ص: ٦)، مجموع الفتاوى (٢/ ١٧١).","vol":"1","page":139},{"text":"والحلول (^١) بهذا، ثم أورد ﵀ هذه المناظرة التي حصلت بينه وبين جماعة منهم ممن احتج بهذه الحجة وأتى بهذه الشبهة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-66> نص المناظرة:</span>\nقال -﵀-: «وقلت لمن حضرني منهم وتكلم بشيء من هذا: فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار، والخالق بالنار والشمس، فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره، فإن كل ما سوى الله -على هذا- هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟\n_________\n(^١) الحلول: عبارة عن اتحاد جسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، وهو نوعان عام وخاص.\nفالحلول العام هو: حلول الله في الكون فيصبح الكون كله بكل جزيئاته محلًا له ﷾، وهو قول غالب متعبدة الجهمية=\nوالحلول الخاص: يُقصد به حلول ذات الله أو صفة من صفاته في جسد إنسان معين من خلقه أو روحه أو في أي كائن آخر حيًا كان أو جمادًا، بحيث يصبح هذا الشخص المعين أو الكائن المعين محلًا للإله ومظهرًا له، وهذا الذي تقول به النصارى.\nفالحلول يقارب معنى الاتحاد من صيرورة الشيئين، شيئًا واحدًا، لذا يطلق على الاتحادية أهل الوحدة، بأنهم حلولية، كما يطلق على النصارى بأنهم حلولية؛ لأن بعضهم يفسر الاتحاد بالحلول، ولقرب معناهما من بعض. وبعض أهل العلم يفرق بين الحلول والاتحاد من جهتين:\n١_ أن الحلول إثبات لوجودين، بخلاف الاتحاد فهو إثبات لوجود واحد.\n٢_ أن الحلول يقبل الانفصال، أما الاتحاد فلا يقبل الانفصال.\nانظر: التعريفات للجرجاني (ص ٨٢، ٨٣)، الكليات (ص ٣٩٠)، الفرق بين الفرق (ص ٢٤١)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٩).","vol":"1","page":140},{"text":"وجعلت أردد عليه هذا الكلام؛ وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهما جيدًا، وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له، وأن ما أثبتوه للمسيح إما ممتنع في حق كل أحد، وإما مشترك بين المسيح وغيره؛ وعلى التقديرين فتخصيص المسيح بذلك باطل.\nوذكرت له أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها؛ فإن المسيح -ﷺ- وإن كان جاء بإحياء الموتى، فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة:٥٥] ثم بعثهم الله بعد موتهم كما قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة:٥٦] وكالذي ضرب ببعض البقرة وغير ذلك.\nوقد جاء بإحياء الموتى غير واحد من الأنبياء، والنصارى يصدقون بذلك.\nوأما جعل العصا حية: فهذا أعظم من إحياء الميت فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة، وأما جعل خشبة يابسة حيوانًا تبتلع العصي والحبال: فهذا أبلغ في القدرة وأندر، فإن الله يحيي الموتى ولا يجعل الخشب حيات.\nوأما إنزال المائدة من السماء: فقد كان ينزل على قوم موسى كل يوم من المن (^١) والسلوى (^٢) وينبع لهم من الحجر من الماء: ما هو أعظم من ذلك، فإن الحلوى أو اللحم دائمًا هو أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة؛ من الزيتون والسمك وغيرهما.\nوذكرت له نحوا من ذلك؛ مما يبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى الإلهية ليس له وجه وأن سائر ما يذكر فيه إما أن يكون مشتركًا بينه وبين غيره من\n_________\n(^١) قال الربيع بن أنس: المن: شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه. وقيل هو العسل نفسه. انظر: تفسير الطبري (٢/ ٩٢).\n(^٢) قال الطبري: السلوى: طائر يشبه السُّماني. ونقل ذلك عن ابن مسعود، والسدي وقتادة ومجاهد. انظر: تفسير الطبري (٢/ ٩٦).","vol":"1","page":141},{"text":"المخلوقات، وإما أن يكون مشتركا بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل، مع أن بعض الرسل كإبراهيم وموسى: قد يكون أكمل في ذلك منه.\nوأما خلقه من امرأة بلا رجل: فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك؛ فإنه خلق من بطن امرأة، وهذا معتاد بخلاف الخلق من ضلع رجل، فإن هذا ليس بمعتاد. فما من أمر يذكر في المسيح -ﷺ- إلا وقد شركه فيه أو فيما هو أعظم منه غيره من بني آدم، فعلم قطعا أن تخصيص المسيح باطل، وأن ما يدعونه له إن كان ممكنًا فلا اختصاص له به، وإن كان ممتنعًا فلا وجود له فيه ولا في غيره» (^١).\nوقال: «ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية فلا يجدون فرقًا، بل أبين لهم أن ما جاء به موسى من الآيات أعظم فإن كان حجة في دعوى الإلهية؛ فموسى أحق، وأما ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق؛ لا على أن المخلوق أفضل من غيره» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-67>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-68>المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-69>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nتشبيههم لاتحاد المسيح بالله باتحاد الشمس وشعاعها؛ إنما جاء لأنهم يعتقدون أن المسيح هو (الكلمة) وروح القدس هو (الحياة) فهي في الحقيقة كالصفات عند المسلمين، ولكن عندهم أن الصفات يجوز أن تكون مباينة للموصوف ومتصلة به في آن واحد.\nويمثلون على ذلك ببعض صفات الشمس، كالشعاع والحرارة والضياء، فهي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٦).\n(^٢) المصدر السابق (١٥/ ٢٢٨)، وانظر: الرد على البكري (ص ٣٢٧).","vol":"1","page":142},{"text":"صفات مباينة ومنفصلة عن الموصوف (الشمس) وهي مع ذلك متصلة به (^١).\nوبهذا يتبين أصل شبهتهم، ومن أين دخلت عليهم، ووجه هذا التشبيه والتمثيل الذي ذكروه.\n\n<span data-type='title' id=toc-70>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nإن الناظر في كتب شيخ الإسلام -﵀- يجد أنه قد اعتنى في بيان بطلان هذه الشبهة وأجاب عنها من عدة أوجه، أهمها ما يلي:\nأولًا: أن القول بأن الصفات يجوز أن تكون مباينة للموصوف ومتصلة به في آن واحد قول باطل؛ لأنه جمع بين النقيضين (^٢).\nثانيًا: أن الشعاع والضوء والحرارة منه:\nأ - ما هو قائم بذات الشمس؛ فيكون صفة لها قائم بها لم يحل بغيرها ولم يتحد بغيرها.\nب -ما هو بائن عن الشمس قائم بغيرها كالشعاع القائم بالهواء والأرض، فهذه ليست هي الشمس ولا من صفاته، وإنما هي أعراض منفصلة عنها قائمة بغيرها، فهي آثار حاصلة في غير الشمس بسبب الشمس.\nوعلى هذا فليس هناك اتحاد بين اللاهوت والناسوت (^٣) كما لم تتحد الشمس ولا صفاتها القائمة بها بالهواء والأرض التي حصل بها الشعاع والحرارة.\nويكون غاية قولهم إنه لا يوجد في الناسوت شيء من اللاهوت وإنما فيه آثار حكمته وقدرته.\n_________\n(^١) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧) (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥) و(٤/ ٤٤٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٣/ ٢٩٦).\n(^٣) للاهوت والناسوت عدة إطلاقات، فيراد باللاهوت: الخالق، والناسوت: المخلوق. وربما يطلق الأول على الروح، والثاني على البدن، وربما يطلق الأول على العالم العلوي والثاني على العالم السفلي. وعلى السبب والمسبب. وعلى الجن والإنس، والمراد هنا الإطلاق الأول. انظر: الكليات للكفوي (٤/ ١٧٣)، المعجم الفلسفي لجميل صليبا (٢/ ٢٧٧).","vol":"1","page":143},{"text":"فيكون الذي حل في المسيح إنما هو آثار حكمة الإله وعلمه وقدرته وعلى هذا فلا يكون للمسيح اختصاص بذلك، بل هذا مشترك بينه وبين غيره من الأنبياء، بل وعموم الخلق كلهم (^١).\nوهذا هو معنى قول شيخ الإسلام: «فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار، والخالق بالنار والشمس، فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره، فإن كل ما سوى الله -على هذا- هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟» (^٢).\nثالثًا: أنكم تقولون الإله (لا يتبعض ولا يتجزأ) وهذا مناقض لما ذكرتم من التشبيه بشعاع الشمس؛ لأن شعاع الشمس متجزئ متبعض فالشعاع قائم بالأرض والهواء وكل منهما متجزئ متبعض وما قام بالمتبعض فهو متبعض فإن الحال يتبع المحل وذلك يستلزم التبعض والتجزؤ فيما قام به، وهذا يناقض قولكم السابق (^٣) ..\nرابعًا: قال شيخ الإسلام -﵀-: «إن الشمس نفسها لم تحل في الأرض ولا النور الذي قام بها فارقها وانتقل إلى الأرض ولكن إذا قابلتها الأجسام انعكس عليها شعاعها فالشعاع الحاصل على الأرض ليس هو عين ما قام بالشمس، بل حدث بسبب المقابلة، كما أن السراج إذا كان في البيت حصل على الارض والحيطان والسقف نور ينعكس من شعاع السراج ونفس النار الخارجة من السراج لم ينفصل منها شيء ولا قامت صفتها بغيرها، وتلك النار عين قائمة بنفسها والضوء الذي على الحيطان صفة وعرض وكذلك الشعاع الذي على الأرض صفة من الصفات وعرض من الأعراض» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الجواب الصحيح (٢/ ١٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٦).\n(^٣) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٠٠).\n(^٤) تحقيق القول في مسألة عيسى كلمة الله والقرآن كلام الله (ص ٤٢).","vol":"1","page":144},{"text":"خامسًا: أن الشعاع والحرارة والضياء القائمة بالأرض أو الهواء أعراض وأنتم تقولون إن الكلمة وروح القدس جوهران وليسا عرضان فتبين تناقض قولكم وبطلان استدلالكم (^١).\nسادسًا: أن قولكم هذا يقتضي كون الخالق -جل وعلا- محتاجًا مفتقرًا للمخلوق، قال شيخ الإسلام -﵀-: «والمثل الذي ضربوه له، يقتضي أن يكون مفتقرًا إلى غيره، وغيرهُ مستغنٍ عنه، كالمثل الذي ضربه النصارى له، لما مثلوه بشعاع الشمس مع محله، فإن محل الشعاع مستغن عن الشعاع، والشعاع مفتقر إلى محله.\nفمقتضى هذا التمثيل، أن الإله محتاج إلى الإنسان، والإنسان مستغن عن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا» (^٢).\nوبهذه الأوجه يتبين بطلان شبهتهم، وضعف قولهم، وبطلان حجتهم، وتناقض مذهبهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-71>المسألة الثانية: في ذكر قاعدة مهمة تبطل ما ادعاه النصارى من ألوهية المسيح:</span>\nإن من أهم ما قرره شيخ الإسلام في هذه المناظرة تقريره لقاعدة مهمة تبطل جميع ما ادعاه النصارى في المسيح من الاتحاد والألوهية.\nوالقاعدة هي: أن سائر ما يذكر في الاستدلال على ألوهية المسيح إما أن يكون مشتركًا بينه وبين غيره من المخلوقات أو الأنبياء وإما أن يكون ممتنعا في حق كل أحد.\nوقد مثل شيخ الإسلام -﵀- على ما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح، وهو في الحقيقة مشترك بينه وبين غيره من المخلوقات بعدة أمثلة منها ما يلي:-\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٣/ ٢٣٥).\n(^٢) انظر: الجواب الصحيح (٤/ ٣٧٧ - ٣٧٨).","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>أولًا: استدلالهم بإحيائه الموتى:</span>\nبين ﵀ أنه لا يمكن الاستدلال بمثل هذا على ألوهية المسيح؛ لأن هذا الأمر لم يكن مختصا بالمسيح وحده، بل قد حدث لغيره وذكر على سبيل المثال لا الحصر:\nما جاء عن نبي الله موسى -﵇- من إحياء للموتى قال -﵀-: «فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة:٥٥] ثم بعثهم الله بعد موتهم كما قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة:٥٦] وكالذي ضرب ببعض البقرة وغير ذلك» (^١).\nوأيضًا جعله للعصا حية، قال شيخ الإسلام: «فهذا أعظم من أحياء الميت؛ فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة، وأما جعل خشبة يابسة حيوانا تبتلع العصي والحبال فهذا أبلغ في القدرة وأندر» (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٣٤٧)، وانظر: الجواب الصحيح (٤/ ١٧ - ١٨).\nوممن اشترك مع المسيح أيضًا في مثل هذا الأمر إبراهيم -﵇- كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].\nبل قد ورد في كتابهم المقدس إحياء الموتى عن غير واحد من الأنبياء فمن دونهم، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:\nإيليا أحيا طفلا (سفر الملوك الأول ص ١٧ عدد ١٧ إلى عدد ٢٤)\nحزقيال أحيا جيشا (سفر حزقيال ص ٣٧ عدد ١ إلى عدد ١٠)\nاليشع أحيا جيشا (سفر الملوك الثاني ص ٤ عدد ٣٢ إلى عدد ٣٥)\nوأحيا ميتا أخر كما في (سفر الملوك الثاني ص ١٣ عدد ٢٠ إلى ٢١)\nبطرس الرسول أحيا ميتا) أعمال الرسل ص ٧٥ عدد ١٩ إلى عدد ١٦)","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>ثانيًا: استدلالهم بإنزال المائدة من السماء:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- أن هذا الأمر أيضا قد حدث لموسى -﵇- مع قومه حيث كان ينزل عليهم كل يوم المن والسلوى، وينبع لهم من الحجر من الماء ما هو أعظم من المائدة، فإن الحلوى واللحم أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة من الزيتون والسمك وغيرهما (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-74>ثالثًا: استدلالهم بخلقه من امرأة بلا رجل:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- أن هذا الأمر أيضا لم يختص به المسيح دون غيره فقال -﵀-: «فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك؛ فإن عيسى خلق الله من بطن امرأة وهنا معتاد بخلاف الخلق من ضلع الرجل فإن هذا ليس بمعتاد» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>رابعًا: استدلاهم بجعله الطين على هيئة الطير ونفخه فيه فيكون طيرًا بإذن الله:</span>\nوهذه أيضًا لم تكن خصيصة لعيسى -﵇- قال شيخ الإسلام -﵀-: «وكذلك الملك يخلق النطفة في الرحم بإذن الله» (^٣).\nوهكذا كل دليل يحتج به النصارى على ألوهية المسيح -﵇- فهو لا يخرج عن هذه القاعدة، فإما أن يكون مشتركًا بينه وبين سائر الخلق وإما أن يكون ممتنعًا في حق كل أحد، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام -﵀- أوضح بيان (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٣٤٦).\n(^٣) الجواب الصحيح (٣/ ٢٥١).\nوشبيه ذلك أيضا قلب موسى للعصا إلى ثعبان عظيم بإذن الله، وتكليم الجمادات للنبي محمد -ﷺ- كما كان يسلم عليه الحجر، ويحن الجذع لفقده.\n(^٤) ومما استدل به النصارى على ألوهية المسيح، وهو مشترك بينه وبين غيره: شفاؤه للمرضى بإذن الله فقد حدث هذا لآخرين كُثر منهم نبينا محمد -ﷺ-.\nبل قد جاء شفاء المرضى في كتابهم المقدس عن غير واحد: منهم اليشع كما جاء في (سفر الملوك الثاني ص ٥ عدد ١٠) ومنهم بولس كا جاء في (أعمال الرسل ص ١٤ عدد ٨) ومنهم بطرس الرسول كما جاء في (أعمال الرسل ص ٥ عدد ١٤) وغيرهم. وانظر كتاب: رد السهام عن الأنبياء الأعلام -﵈- في دفع شبهات المنصرين عن أنبياء رب العالمين.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>المبحث الثاني: مناظرته مع بعض النصارى في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-77>المطلب الأول: عرض المناظرة</span>.\n•<span data-type='title' id=toc-78> تمهيد:</span>\nأورد شيخ الإسلام -﵀- هذه المناظرة في أثناء إبطاله لدعوى النصارى: اتحاد اللاهوت بالناسوت، وبالتحديد في الوجه الثاني عشر من ذلك، ولعل مما يحسن بنا هنا قبل عرض المناظرة أن نذكر ملخصًا لأهم هذه الأوجه التي ذكرها شيخ الإسلام الدالة في إبطال عقيدة الاتحاد، وهي كالآتي:\nأولًا: أن هذا الأمر ممتنع عقلًا.\nثانيًا: أن الأخبار الإلهية صريحة بأن المسيح عبد لله وليس ربًا.\nثالثًا: أن يقال: إن المتحد بالمسيح إما أن يكون هو الكلام مع الذات، وإما أن يكون الكلام بمفرده، والأول ممتنع وباطل باتفاق النصارى وسائر أهل الملل؛ لأنه يلزم منه أن يكون المسيح هو نفسه الأب وهذا خلاف ما يقولونه.","vol":"1","page":148},{"text":"وإن كان المتحد هو الكلام أو الكلمة وحدها، فهذا باطل أيضًا؛ لأن الكلام صفة والصفة لا تقوم بنفسها، ولا تملك ولا تخلق ولا تستقل بالفعل.\nرابعًا: أنه بعد اتحاد اللاهوت بالمسيح، إما أن يتحدا ويبقيا بعد الاتحاد ذاتين أو يصبحا ذاتا وجوهرًا واحدًا.\nفإذا كان الأول فهذا لا يسمى اتحادًا، وإن كان الثاني فيلزم منه استحاله اللاهوت وتبدل حقيقته وصفته، وهذا ممتنع مرفوض.\nخامسًا: أن قول النصارى باطل على جميع الأقوال التي قالها الناس في الكلام؛ فإن مرجع أقوال الناس في الكلام إلى ثلاثة أقوال:\nأ -القول بنفي الكلام، وأنه مجاز أو هو ما تفيض به النفوس، ونحوه من العبارات التي مرجعها إلى القول بنفي الكلام، وهذا مخالف لقولهم.\nب -أن الكلام مخلوق لله بائن عنه، وعلى هذا القول يكون المسيح مخلوقًا وليس بإله.\nت -أن الكلام صفة من صفات الله، والصفة من المعلوم أنها قائمة بالموصوف ليست مباينة له ولا تستقل بفعل، ولا تنفرد بخلق ولا تدبير، كما يقول النصارى في المسيح -﵇-.\nسادسًا: أن المسيح خُلق بالكلمة وليس هو الكلمة، وعلى هذا دلت النصوص.\nسابعًا: أنهم يقرون بأن من الممتنع أن يكلم الله بشرًا إلا وحيًا أو من وراء حجاب، فإذا كان هذا ممتنعًا، فامتناع أن يتحد به أو يحل فيه من باب أولى.\nثامنًا: أنهم يقرون بأن رؤية البشر لله في الدنيا ممتنعة، وبذلك جاءت التوراة عندهم، فإذا كانت الرؤية ممتنعة فالاتحاد من باب أولى.\nتاسعًا: أنه لو كان اتحاد الله وحلوله في البشر ممكنًا -تعالى الله عما يقولون- لما اختص عيسى -﵇- بذلك دون سائر الأنبياء والناس، بل كما جاز أن يتحد به","vol":"1","page":149},{"text":"فيجوز أن يتحد بغيره (^١).\nهذه هي أهم الأوجه التي ذكرها -﵀-، ثم إنه في الوجه الثاني عشر رد على شبهة يطرحها بعض النصارى للاحتجاج بها على إمكانية اتحاد اللاهوت بالناسوت، وهي تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>نص المناظرة:</span>\nقال -﵀-: «الوجه الثاني عشر: أنهم يشبهون اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن، كما شبهوا هنا ظهوره فيه بظهور الروح في البدن، وحينئذ فمن المعلوم أن ما يصيب البدن من الآلام تتألم به الروح، وما تتألم به الروح يتألم به البدن، فيلزمهم أن يكون الناسوت لما صلب وتألم وتوجع الوجع الشديد، كان اللاهوت أيضا متألمًا متوجعا» (^٢).\nوبعد تقريره لهذا الأمر وجوابه على هذه الشبهة، أورد -﵀- هذه المناظرة فقال:\n«وقد خاطبت بهذا بعض النصارى\nفقال لي: الروح بسيطة، أي لا يلحقها ألم.\nفقلت له: فما تقول في أرواح الكفار بعد الموت، أمنعمة أو معذبة؟\nفقال: هي في العذاب.\nفقلت: فعلم أن الروح المفارقة تنعم وتعذب، فإذا شبهتم اللاهوت في الناسوت بالروح في البدن لزم أن تتألم إذا تألم الناسوت كما تتألم الروح إذا تألم البدن.\nفاعترف هو وغيره بلزوم ذلك» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٠٨ - ٣٢٨).\n(^٢) الجواب الصحيح (٣/ ٣٢٨).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٣٢٩).","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة:</span>\nمناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها:\nدار النقاش في هذه المناظرة حول شبهة أخرى من شبه النصارى، وهي تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن، وستكون مناقشة هذه الشبهة من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-81>الوجه الأول: بيان أصل هذه الشبهة وسبب إيراد النصارى لها:</span>\nمن المعلوم عند جميع العقلاء أن اتحاد شيئين مختلفين، وصيرورتهما شيئًا واحدًا يلزم منه ولا محالة، تغير كل منهما عن ماهيته وتحوله عن حقيقته التي كان عليها، وهذا إيراد يرد على النصارى في عقيدتهم بالاتحاد؛ وذلك لأن من لازم قولهم بالاتحاد استحالة اللاهوت وتغيره عن حقيقته بعد اتحاده بالناسوت، وهم ينكرون هذا؛ لأنه يلزم منه بطلان قولهم، ويقولون بأنهما اتحدا من غير استحالة أو تغير أو تحول.\nثم أتوا بهذه الشبهة ليحتجوا بها على إمكانية حدوث ذلك عقلا فقالوا: إن الروح تختلط بالبدن ويكونا معًا إنسانًا واحدًا، أحدهما ملتحم بالآخر من غير أن تكون النفس تغيرت أو تحولت عن جوهرها أن تكون نفسًا، ولا الجسد تغير، واستحال عن طبيعته. وبهذا يتضح سبب إيراد النصارى لهذه الشبهة، وتقريرهم لها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-82>الوجه الثاني: بيان بطلان هذه الشبهة والجواب عليها:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- بطلان هذه الشبهة، والرد على القائلين بها، من عدة أوجه، منها ما يلي:\nأولًا: أن هذا القول معلوم الفساد بالضرورة فإن لا يوجد عاقل يقول: إن الجسد قبل وجود النفس فيه وبعد خروجها منه يبقى على صفة واحدة لا يتغير،\n_________\n(^١) انظر: الجواب الصحيح (٤/ ٣٥٨).","vol":"1","page":151},{"text":"ولا تتحول صفاته؟ (^١).\nثانيًا: أن الجسد بعد حلول الروح فيه ينتقل من حال الموت إلى حال الحياة وبعد خروجها منه ينتقل من حال الحياة إلى حال الموت، وأي تغير وتحول أعظم من انتقال الجسد من الموت إلى الحياة؟! (^٢)\nثالثًا: أن من المتقرر المعلوم عند كل أحد: أن النفس عند اتصالها بالبدن تلتذ بلذته، وتتنعم بنعيمه، كما تتألم بألمه وتتوجع بوجعه، فيلزم من تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن، أن يكون اللاهوت قد تألم وتوجع وتضرر عندما صُلب الناسوت، وهذا لازم لهم لا محالة (^٣).\nرابعًا: أن الروح عند اتصالها بالبدن تتغير وتتبدل صفاتها وأحوالها ويصير لها من الصفات والأفعال ما لم يكن بدون البدن، فيلزم على قولهم هذا: أن يكون الرب قد تغيرت أوصافه وأفعاله لما اختلط بالمسيح كما تتغير صفات النفس وأفعالها عند اتحادها بالبدن (^٤).\nخامسًا: أن الروح والبدن شريكان في الأعمال الصالحة والسيئة، ويشتركان في الأوامر والنواهي والثواب والعقاب، فما يفعله البدن هو في ذات الوقت فعل الروح، فالإنسان يصلي بروحه وبدنه ويصوم بروحه وبدنه، وأيضا ما تؤمر به الروح فهو أمر لها وللبدن وما تنهى عنه هو نهيٌ لها وللبدن.\nفإن كان الرب مع الناسوت كالروح مع البدن فيلزم أن يكون الرب هو المأمور والمنهي بما يأمر به المسيح، ويكون الرب هو المصلي الصائم وبذلك تبطل مقولتهم التي يقرروها، وهي قولهم: «يخلق ويرزق بلاهوته ويأكل ويعبد بناسوته» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الجواب الصحيح (٤/ ٣٥٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٥٨).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٥٩).\n(^٤) انظر: الجواب الصحيح (٤/ ٣٥٩).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٦٢).","vol":"1","page":152},{"text":"سادسًا: قال شيخ الإسلام -﵀-: «بل أبلغ من ذلك، أن الجني إذا دخل في الإنسي وصرعه وتكلم على لسانه، فإن الإنسي يتغير، حتى يبقى الصوت والكلام الذي يسمع منه، ليس هو صوته وكلامه المعروف.\nوإذا ضرب بدن الإنسي، فإن الجني يتألم بالضرب ويصيح ويصرخ، ويخرج من ألم الضرب، كما قد جرب الناس من ذلك ما لا يحصى، ونحن قد فعلنا من ذلك ما يطول وصفه.\nفإذا كان الجني تتغير صفاته وأحواله لحلوله في الإنسي، فكيف بنفس الإنسان؟\nوعندهم اتحاد اللاهوت بالناسوت أتم وأكمل من اتحاد النفس بالجسد.\nفهل يقول عاقل -مع هذا الاتحاد-: إنهما جوهران، لكل منهما أفعال اختيارية، لا يشركه الآخر فيها.\nويقولون -مع قولهم بالاتحاد-: إن الذي كان يصلي ويصوم، ويدعو ويتضرع، ويتكلم ويتألم، ويضرب ويصلب، هو نظير البدن! والذي كان يأمر وينهى، ويخلق ويرزق، هو نظير النفس!» (^١).\nوبهذا يتبين فساد هذه الشبهة التي ذكروها لتمرير باطلهم، وتبرير ضلالهم، والاحتجاج على مذهبهم الفاسد.\n* * *\n_________\n(^١) المصدر السابق (٤/ ٣٦٣).","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>المبحث الثالث: مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد في شركهم ومخالفتهم لدين إبراهيم والمسيح -﵉-: ويشتمل على مطلبين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-84>المطلب الأول: عرض المناظرة</span>\n<span data-type='title' id=toc-85>تمهيد:</span>\nوقعت هذه المناظرة لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وهو في حبس قاعة الترسيم (^١)، وذلك في السجن الرابع الذي سجنه الشيخ -﵀-، وكانت هذه المناظرة في آخر شهر شوال سنة سبع وسبعمائة إلى أول سنة ثمان وسبعمائة للهجرة النبوية. وذلك أنه لما اختار بعد السجنة الثالثة السفر إلى دمشق بشروط، ردوه من مثاني الطريق يوم ليلة سفره الثامن عشر من شهر شوال سنة سبع وسبعمائة للهجرة بمشورة نصر المنبجي الحلولي (^٢)، الذي له مكانة عند الوالي، فعُرض الشيخ على قضاة المالكية فاختلفوا، فلما رأى الشيخ ذلك قال: (أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة) (^٣) فعكف عليه الناس زيارة وتعلمًا واستفادة، وكان ممن دخل عليه ثلاثة من رهبان النصارى فحصلت بينه وبينهم هذه المناظرة (^٤).\n_________\n(^١) الترسيم نوع من الحبس. انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٩٩)، (١٥/ ١٣٦).\n(^٢) سبق ترجمته.\n(^٣) العقود الدرية (ص:٢٨٧).\n(^٤) انظر: المداخل إلى آثار شيخ الإسلام وما لحقها من أعمال (ص ٣٥).","vol":"1","page":154},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-86> نص المناظرة:</span>\nقال تلميذ الشيخ إبراهيم بن أحمد الغياني (^١) -﵀-:\n«ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار وما هم على الذي كان عليه إبراهيم والمسيح.\nفقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة (^٢) ونحن نقول بالسيدة مريم وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك.\nفقال لهم: وأي من فعل ذلك ففيه شبه منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدين الذي كان عليه إبراهيم -﵇- أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا نشرك معه ملكًا ولا شمسًا ولا قمرًا ولا كوكبًا ولا نشرك معه نبيًا من الأنبياء ولا صالحًا ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].\nوأن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره مثل إنزال المطر، وإنبات النبات، وتفريج الكربات، والهدى من الضلالات، وغفران الذنوب؛ فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك ولا يقدر عليه إلا الله.\nوالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ونصدقهم في جميع ما جاءوا به ونطيعهم. كما قال نوح وصالح وهود وشعيب:\n_________\n(^١) سبق ترجمته (ص:٦٥).\n(^٢) هي نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. تقية صالحة، عالمة بالتفسير والحديث. ولدت بمكة، ونشأت في المدينة، وتزوجت إسحاق المؤتمن بن جعفر الصادق. وانتقلت إلى القاهرة فتوفيت فيها، حجت ثلاثين حجة. وكانت تحفظ القرآن. وسمع منها العلماء. انظر: وفيات الأعيان (٥/ ٤٢٣) والسير (١٠/ ١٠٦) البداية والنهاية (١٠/ ٢٨٦).","vol":"1","page":155},{"text":"﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣] فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده، والطاعة لهم؛ فإن طاعتهم من طاعة الله، فلو كفر أحد بنبي من الأنبياء وآمن بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي، وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر بكتاب كان كافرًا حتى يؤمن بذلك الكتاب، وكذلك الملائكة واليوم الآخر، فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه، ثم انصرفوا من عنده» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-87>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة</span>.\nحوت مناظرة شيخ الإسلام مع هؤلاء الرهبان مسائل عدة، وأهمها ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-88>المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة:</span>\nبعد أن أوضح شيخ الإسلام لهؤلاء الرهبان خطأ ما يقومون به ويفعلونه من الشرك بالله وأقام لهم الحجج والبراهين على أن فعلهم هذا منافٍ للدين وأنه كفر برب العالمين، بقيت لديهم شبهة رأوها بأعينهم وجعلوها حجة عليه يحتجون بها على شركهم وباطلهم، فقالوا: «نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك» (^٢).\nوهذه الشبهة مناقشتها من وجهين اثنين:\n\n<span data-type='title' id=toc-89>الوجه الأول: أصل شبهتهم التي قامت عليه:</span>\nعند التمعن في شبهة القوم المذكورة يتضح للقارئ أنهم قد بنوا شبهتهم على مقدمتين ونتيجة:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ١٧٠ - ١٧١) وانظر: الجامع لسيرته (ص ٨٩ - ٩٠، ١٤٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٧٠).","vol":"1","page":156},{"text":"المقدمة الأولى: أن كثيرًا من المسلمين يعظمون الصالحين ويغلون فيهم ويستغيثون بهم من دون الله.\nالمقدمة الثانية: أن ما يفعلونه ويقومون به من دين الإسلام.\nالنتيجة: لا يجوز الإنكار عليهم؛ لأنه لا فرق بين دين المسلمين ودين النصارى، فكلاهما يوجد فيهما تعظيم القبور والغلو في الصالحين والاستغاثة بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- بطلان هذه الشبهة من وجهين:\nأولًا: بين ﵀ أن هذه الأعمال ليست من دين الإسلام، ولا من فعل المسلمين، وإنما يفعلها بعض الجهلة ممن ينتسب للإسلام اسمًا، ويخالفه فعلًا، وهم في الحقيقة بفعلهم هذا إنما يتشبهون بكم أيها النصارى وبما تقومون به من شرك، وفي هذا التقرير إبطال للمقدمتين، وإذا بطلت المقدمات بطلت نتائجها.\nثانيًا: بين -﵀- في جوابه أن دين الأنبياء جميعًا، سواء نبينا محمد -ﷺ-، أو المسيح عيسى -﵇- أو غيره من الأنبياء وعلى رأسهم إبراهيم -﵇- هو عبادة الله وحده وعدم الإشراك به، وكلهم كانوا يدعون إلى هذا، وينهون عما تصنعونه من شرك وعبادة لغير الله.\nفمع ما في هذه النقطة من إبطال لدعواهم أن هذه الأفعال من دين الإسلام، ففيها تنبيه لهم أيضًا أنهم مخالفون لما جاء به دينهم وما جاء به المسيح عيسى بن مريم -﵇-، وكذلك ما يفعله هؤلاء المنتسبون للإسلام، ليس هو الدين الذي جاء به محمد -ﷺ-، بل دين جميع الأنبياء عبادة الله وحده لا غير.\nوبعد توضيح شيخ الإسلام لهذه الحقيقة أقر بها المخالفون، وعرفوا أن ما هم عليه مخالف في الحقيقة لدين الأنبياء جميعًا، ولذلك قالوا في آخر المناظرة: «الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه» (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٧١).","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>المسألة الثانية: الأثر السلبي المترتب على انحراف كثير من المنتسبين للإسلام في باب التوحيد:</span>\nلا شك أن لانحراف كثير من المنتسبين للإسلام في باب التوحيد أثرًا سلبيًا كبيرًا، وأوضح مثال على ذلك، هو ما احتج به هؤلاء الرهبان في مناظرتهم لتصحيح ما هم عليه من شرك فإنهم احتجوا بما يفعله هؤلاء الجهلة المنتسبون للإسلام عند قبر السيدة نفيسة وما يعتقدونه فيها.\nوذلك أن كثيرًا ممن ينتسبون للإسلام قد غلوا فيها غلوًا عظيمًا تجاوز الحد، ورفعوها إلى مقام الربوبية والألوهية، وقاموا بصرف أنواع العبادات لها؛ حتى إنهم يسجدون لها، ويدعونها من دون الله ويقدمون النذر والقرابين لها ويطوفون حول قبرها، ويتبركون به، ويصرفون أنواع العبادات العملية المختلفة لها، مع صرفهم قبل هذا للعبادات القلبية: من خوف، ورجاء، ومحبة، وخشية، ورغبة، ورهبة لها، ويعتقدون أن الدعاء متقبل عند قبرها، وأنه موضع إجابة للدعاء، ومن صور الغلو فيها أنهم بنوا ضريحًا وقبة على قبرها، وخصصوا زيارات موسمية لهذا الضريح تبركًا واستشفاء به، وأقاموا الحفلات والموالد والأعياد البدعية عند مقامها الشهير هناك.\nوقد قال ابن كثير -﵀- في وصف ما حدث من كثير من المنتسبين للإسلام من غلو في قبر هذه المرأة: «وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرًا جدًا، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز» (^١).\nوقال الذهبي -﵀-: «ولجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف، ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العبيدية» (^٢).\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١٠/ ١٨٦).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٠٦).","vol":"1","page":158},{"text":"وقال الصفدي -﵀-: «وللمصريين فيها اعتقاد عظيم» (^١).\nوالآثار السلبية المترتبة على مثل هذه الأفعال كثيرة جدًا، وقد ذكر شيخ الإسلام -﵀- جملة منها:\nأولًا: أن هذه الأفعال ونحوها تكون حجة للنصارى وغيرهم من المشركين للبقاء على وثنياتهم والاستمرار في شركهم الذي هم عليه، ومحاجة المسلمين بذلك، كما وقع في هذه المناظرة وغيرها، مثل ما حكاه شيخ الإسلام عن بعض النصارى فقال: «وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين: لنا سيد وسيدة، ولكم سيد وسيدة، لنا السيد المسيح والسيدة المريم، ولكم السيد حسين والسيدة نفيسة» (^٢).\nثانيًا: أن هذه الأفعال تُفرح المشركين والنصارى؛ لأنها توافق ما عندهم قال شيخ الإسلام -﵀-: «فالنصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم ويشابهونهم فيه، ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر، ويحبون أن يجعلوا رهبانهم مثل عباد المسلمين وقسيسيهم مثل قضاة المسلمين» (^٣).\nثالثًا: أن في هذه الأفعال تقوية لدين المشركين. قال شيخ الإسلام﵀-: «والمقصود هنا: أن النصارى يحبون أن يكون في المسلمين ما يشابهونهم به ليقوي بذلك دينهم، ولئلا ينفر المسلمون من دينهم» (^٤).\nرابعًا: أن في هذه الأفعال تحقيقًا لمطلب هؤلاء النصارى وغيرهم من أهل الشرك، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد حصل للنصارى من الجهال كثير من\n_________\n(^١) الوافي بالوفيات (٢٧/ ١٠١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦٢).\n(^٣) المصدر السابق (٢٧/ ٤٦٢).\n(^٤) المصدر السابق (٢٧/ ٤٦٤).","vol":"1","page":159},{"text":"مطلوبهم، لا سيما من الغلاة من الشيعة، وجهال النساك والغلاة في المشايخ، فإن فيهم شبهًا قويًا بالنصارى في الغلو، والبدع في العبادات ونحو ذلك» (^١).\nخامسًا: أن في أفعالهم هذه صدًا للناس عن دخول الإسلام واعتناقه، قال ابن القيم -﵀-: «ولقد دعونا نحن وغيرنا كثيرًا من أهل الكتاب إلى الإسلام، فأخبروا أن المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام، ممن يعظّمهم الجهال من البدع والظلم والفجور والمكر والاحتيال، ونسبة ذلك إلى الشرع، ولمن جاء به، فساء ظنهم بالشرع وبمن جاء به، فالله طليب قطّاع طريق الله وحسيبهم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>المسألة الثالثة: مخالفة النصارى لدين المسيح -﵇</span>-:\nإن ما عليه دين النصارى اليوم من غلو وبدع وشرك هو بلا شك ليس دين المسيح -﵇- الذي بعثه الله به، بل هو مناقض له مخالف له ولدينه، وذلك ناتج عن انحراف النصارى وتبديلهم للدين، قال شيخ الإسلام -﵀- في بيان انحرافهم عن دين عيسى -﵇-: «وكان المسيح -﵇- بعث بدين الله الذي بعث به الأنبياء قبله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة كل ما سواه، وأحل لهم بعض ما حرم الله في التوراة، فنسخ بعض شرع التوراة، وكان الروم واليونان وغيرهم مشركين يعبدون الهياكل العلوية والأصنام الأرضية، فبعث المسيح -﵇- رسله يدعونهم إلى دين الله تعالى، فذهب بعضهم في حياته في الأرض، وبعضهم بعد رفعه إلى السماء، فدعوهم إلى دين الله تعالى، فدخل من دخل في دين الله، وأقاموا على ذلك مدة ثم زين الشيطان لمن زين له أن يغير دين المسيح فابتدعوا دينا مركبًا من دين الله ورسله: دين المسيح -﵇-، ومن دين المشركين.\nوكان المشركون يعبدون الأصنام المجسدة التي لها ظل، وهذا كان دين الروم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦٤).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٤١٦).","vol":"1","page":160},{"text":"واليونان، وهو دين الفلاسفة أهل مقدونية (^١) وأثينة (^٢) كأرسطو (^٣) وأمثاله من الفلاسفة المشائين (^٤) وغيرهم … فلما ظهر دين المسيح -﵇- بعد أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة في بلاد الروم واليونان، كانوا على التوحيد إلى أن ظهرت فيهم البدع، فصوروا الصور المرقومة في الحيطان، جعلوا هذه الصور عوضًا عن تلك الصور.\nوكان أولئك يسجدون للشمس والقمر والكواكب، فصار هؤلاء يسجدون إليها إلى جهة الشرق التي تظهر منها الشمس والقمر والكواكب، وجعلوا السجود إليها بدلا عن السجود لها … وكان من أعظم أسباب عبادة الأصنام تصوير الصور وتعظيم القبور» (^٥).\n_________\n(^١) مقدونية من بلاد الروم القديمة تسمى مَدِينَة حكماء اليونان، تقع ما بين البحر الرّوميّ وخليج القسطنطينيّة، ومنها ابتداء ملك اليونان، وهي متصلة ببحر الروم بناها أحد ملوكهم يدعى \"فيلبوس\" بعد أن هدم مدينة أغريقيّة، وكان محبّا للحكمة فأكثر من الحكماء في دولته، قال شيخ الإسلام: «وهي جزيرة هؤلاء الفلاسفة اليونانيين الذين يسمون المشائين وهي اليوم خراب أو غمرها الماء». انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٣٢) تاريخ ابن الوردي (١/ ٥٠) تاريخ ابن خلدون (١/ ٩٣) صبح الأعشى (٣/ ٤٧٦).\n(^٢) عاصمة اليونان وهي من أقدم مدن العالم؛ إذ أُسست فى أثناء حكم \"ميكروبس\" منذ عام (١٥٨٢ ق. م)، واشتهرت بعلومها وفنونها وآدابها، وارتبطت بها أسماء كثير من الفلاسفة والأدباء، أمثال: سقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس، وغيرهم. انظر: قصة الحضارة (٦/ ١٨٣) والموسوعة الحرة (ويكبيديا)  http://cutt.us/WgUS.\n(^٣)  أرسطو: فيلسوف إغريقي، الملقب بـ (المعلم الأول)، ويُسمى (أرسطوطاليس)، ومعناه: محب الحكمة، وقيل: محبة الفضيلة، أستاذ الإسكندر المقدوني وتلميذ أفلاطون، كان بارعًا في الطب لكن غلب عليه علم الفلسفة، أول من قال بقدم العالم، وكان مشركًا يعبد الأوثان، من مؤلفاته: (ما بعد الطبيعة) - يُعرف بـ (الإلهيات) و(الحروف) (ت: ٣٢٢ ق. م). انظر: قصة الحضارة (٧/ ٤٩٢) عيون الأنباء (ص ٨٦).\n(^٤) نسبة إلى مدرسة أرسطو المشائية؛ حيث ذكروا أن أرسطو كان يعلم تلاميذه ماشيًا. انظر: المعجم الفلسفي لجميل صليبا (٢/ ٣٧٣)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ١٥٧).\n(^٥) الجواب الصحيح (١/ ٣٤٤).","vol":"1","page":161},{"text":"وبين شيخ الإسلام -﵀- أن الذي تقوم به النصارى الآن هو أصل عبادة الأوثان التي كان عليها الوثنيون وهذا باعتراف علمائهم، قال -﵀-: «فالذي تفعله النصارى أصل عبادة الأوثان، وهكذا قال عالمهم الكبير -الذي يسمونه فم الذهب (^١) وهو من أكبر علمائهم- لما ذكر تولد الذنوب الكبار عن الصغار. قال: وهكذا هجمت عبادة الأصنام فيما سلف، لما أكرم الناس أشخاصًا يعظم بعضهم بعضًا فوق المقدار الذي ينبغي، الأحياء منهم والأموات» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>المسألة الرابعة: دين المسيح -﵇- ودين جميع الأنبياء واحد:</span>\nوضح شيخ الإسلام في هذه المناظرة أن دين المسيح -﵇- هو دين جميع الأنبياء -﵈- وعلى رأسهم إبراهيم -﵇- فكلهم جاءوا بالتوحيد والنهي عن الشرك والتحذير من طرقه ووسائله المفضية إليه، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ولم يأمر أحد من الأنبياء باتخاذ الصور والاستشفاع بأصحابها، ولا بالسجود إلى الشمس والقمر والكواكب، وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة، فإن هذا من الأمور التي قد تتنوع فيها الشرائع بخلاف السجود لها والاستشفاع بأصحابها، فإن هذا لم يشرعه نبي من الأنبياء، ولا أمر قط أحد من الأنبياء أن يدعى غير الله -﷿- لا عند قبره، ولا في مغيبه، ولا يشفع به في مغيبه بعد موته، بخلاف الاستشفاع بالنبي -ﷺ- في حياته ويوم القيامة، وبالتوسل به بدعائه، والإيمان به، فهذا من شرع الأنبياء -﵈-، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخرُف:٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا\n_________\n(^١) هو القديس يوحنا بطريق القسطنطنية، قام بإصلاحات في الكنيسة، فعُزل من الإمبراطورية وأوذي، ولقب بفم الذهب لبلاغته. (ت:٤٠٧ هـ). انظر: الفصل في الملل (٢/ ٦١) تاريخ مختصر الدول (١/ ٨٤).\n(^٢) الجواب الصحيح (١/ ٣٥٨).","vol":"1","page":162},{"text":"الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس:١٨]، وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزُّمَر:١ - ٣]» (^١).\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (١/ ٣٥٠ - ٣٥١، ٣٧٦). وانظر: التدمرية (١٦٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٢٦)، مجموع الفتاوى (١/ ١٨)، (١٠/ ٣٦).","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>المبحث الرابع: مناظرته مع بعض معظمي رهبان النصارى في دينهم وشركهم وعكوفهم على التماثيل والقبور وعبادتها، وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-95>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-96> تمهيد:</span>\nأورد شيخ الإسلام -﵀- هذه المناظرة في أثناء جوابه لسؤال ورد إليه عن المشهد المنسوب إلى الحسين -﵁- بمدينة القاهرة هل تصح نسبته إليه أم لا؟\nفأطال شيخ الإسلام -﵀- في الجواب وذكر -ما محصله- أن هذا المشهد كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء، وأن هذا المشهد لم يُبْنَ إلا في عام بضع وأربعين وخمسمائة، وإنما نقل من مشهد بعسقلان (^١)، وأن ذلك المشهد الذي بعسقلان هو نفسه إنما أحدث بعد التسعين والأربعمائة، فهو إنما أحدث بعد قتل الحسين -﵁- بأكثر من أربعمائة وثلاثين سنة.\n_________\n(^١) عَسْقَلانُ: مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر ويقال لها عروس الشام، وقد نزلها جماعة من الصحابة والتابعين وحدّث بها خلق كثير، وهي اليوم تحت الاحتلال الصهيوني ويشكل اليهود السواد الأعظم من سكان المدينة، بعد تهجير أهلها العرب. انظر: معجم البلدان (٤/ ١٢٢) المعالمم الأثيرة (١٩٢).","vol":"1","page":164},{"text":"ثم بين ﵀ أن هذا المشهد العسقلاني قد ذكر طائفة أنه قبر بعض الحواريين أو غيرهم من أتباع عيسى بن مريم -﵇- وذكر بعض المشهورين بالعلم أن قبر الحسين الموجود في القاهرة إنما هو قبر نصراني.\nثم أوضح ﵀ أن ما ذكر من هذه الأمور غير مستبعد؛ وذلك لأن اليهود والنصارى معروفون بتعظيم القبور وتشييدها والغلو فيها، فلا يستبعد أنهم لبَّسوا على بعض جهال المسلمين أن هذا القبر قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه، وأكد شيخ الإسلام هذا الأمر بعدة شواهد ضربها على ذلك.\nثم ذكر ﵀ أن الذين يعظمون القبور والمشاهد ممن ينتسبون إلى الإسلام فيهم شبه شديد بالنصارى، ثم ضرب مثالًا على هذا في هذه المناظرة التي وقعت مع بعض رهبان النصارى (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-97> نص المناظرة:</span>\nقال ﵀: «والذين يعظمون القبور والمشاهد: لهم شبهٌ شديد بالنصارى حتى إني لما قدمت القاهرة اجتمع بي بعض معظميهم من الرهبان، وناظرني في المسيح ودين النصارى، حتى بينت له فساد ذلك وأجبته عما يدعيه من الحجة.\nوبلغني بعد ذلك أنه صنف كتابًا في الرد على المسلمين، وإبطال نبوة محمد -ﷺ-، وأحضره إلي بعض المسلمين، وجعل يقرأه علي لأجيب عن حجج النصارى وأبين فسادها.\nوكان من أواخر ما خاطبت به النصراني: أن قلت له: أنتم مشركون، وبينت من شركهم ما هم عليه من العكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والاستغاثة بها.\nقال لي: نحن ما نشرك بهم ولا نعبدهم وإنما نتوسل بهم كما يفعل المسلمون إذا جاءوا إلى قبر الرجل الصالح فيتعلقون بالشباك الذي عليه ونحو ذلك.\nفقلت له: وهذا أيضًا من الشرك ليس هذا من دين المسلمين وإن فَعلَهُ الجهال.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٥٥ - ٤٦١).","vol":"1","page":165},{"text":"فأقر أنه شرك.\nحتى إن قسيسًا كان حاضرًا في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم على هذا التقدير نحن مشركون» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-98>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\nمن سياق المناظرة يظهر أنها كانت مناظرة طويلة بين شيخ الإسلام وهذا الراهب النصراني، حيث ذكر ﵀ أنه ناظره في المسيح -﵇- ودين النصارى عمومًا، ولم يخصص ﵀ موضوعًا معينًا؛ فدل على طولها وكثرة المباحث التي عرضت فيها.\nوكان من آخر ما خاطبه به أن النصارى في حقيقة أمرهم مشركون، وبين له شيئًا من مظاهر الشرك التي وقع فيها القوم وذلك: كالعكوف على التماثيل والقبور، وعبادتها، والاستغاثة بها من دون الله.\n\n•<span data-type='title' id=toc-99> مناقشة الشبهة التي احتج بها هؤلاء الرهبان:</span>\nكانت حجة الراهب على تسويغ ما يفعلونه من شرك أمرين اثنين:\nأولهما: أن ما يفعلونه ليس شركًا ولا عبادة لغير الله، وإنما هو من باب التوسل.\nوثانيهما: أن ما يفعلونه هو في الحقيقة كفعل المسلمين عند قبور الصالحين.\nقال شيخ الإسلام -﵀- في رده عليهم: «فقلت لهم: وهذا أيضا من الشرك ليس هذا من دين المسلمين وإن فعله الجهال» (^٢).\nفبين -﵀- أن فعل الجهال ممن ينتسب للإسلام لهذه الأمور لا يعني كونها من دين الإسلام، بل هي شرك مخالف للدين، ونبه بقوله: (جهال) إلى أنهم: جاهلون بحقيقة الإسلام؛ لأن من عرف الإسلام حق المعرفة عرف أن مثل هذه الأفعال\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦٢).","vol":"1","page":166},{"text":"مضادة للدين من كل وجه ومناقضة لأصله الذي قام عليه.\nوقد تم في المناظرة السابقة تفصيل القول حول هذه الشبهة وذكر ما يتعلق بها (^١)، وأما هنا فيحسن بنا أن نقف مع الشبهة الأخرى ونفصل القول فيها وذلك من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-100>الوجه الأول: بيان أصل هذه الشبهة عند القائلين بها:</span>\nحقيقة هذه الشبهة التي احتج بها هؤلاء الرهبان هي: أن ما يقومون به من شرك واستغاثة بغير الله وصرف شتى أنواع العبادات لغيره إنما هو من باب التوسل ليس إلا.\nوهذه الشبهة هي شبهة مشتركة بين هؤلاء النصارى وبين عباد القبور من الرافضة والمتصوفة وغيرهم ممن ينتسب إلى الإسلام والملة.\nوقد احتج البكري (^٢) في رده على شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بهذه الحجة أيضًا وقرر مثل هذا التقرير كما بين ذلك شيخ الإسلام في رده عليه (^٣).\nوقد بين شيخ الإسلام -﵀- أصل هذه الشبهة في هذا الباب فقال في أثناء رده على البكري الذي احتج بهذه الحجة: «وهو-أي البكري- ظن أن الباب في التوسل كالباب في الاستغاثة وليس كذلك» (^٤). وقال أيضًا: «فدخل عليه الخطأ من وجوه، منها أنه جعل المُتوسِل به بعد موته\n_________\n(^١) راجع (ص:١٥٧) فما بعدها.\n(^٢) هو أبو الحسن علي بن يعقوب بن جبريل البكري المصري الشافعي، له كتاب في \" البيان \" وآخر في \" تفسير الفاتحة \"وله تصانيف في النيل من شيخ الإسلام ابن تيمية، وصدق فيه ابن كثير عندما قال: «كان البكري في جملة من ينكر على شيخ الإسلام ابن تيمية، وما مثاله إلا مثال ساقية ضعيفة كدرة لاطمت بحرًا عظيمًا صافيًا!» (ت:٧٤٢ هـ). انظر: البداية والنهاية (١٤/ ١١٤ - ١١٥) الوافي بالوفيات (٢٢/ ٢٠٥).\n(^٣) انظر: الرد على البكري (١/ ١٨٢).\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ٤٩٨).","vol":"1","page":167},{"text":"في الدعاء مستغيثًا به» (^١).\nفبين ﵀ أن أصل هذه الشبهة عندهم هو عدم التفريق بين التوسل وبين الدعاء والاستغاثة، فهما عندهم بمعنى واحد لا فرق بينهما.\nبل نستطيع التعبير عن حقيقة مذهبهم بصورة أوضح وذلك بأن نقول: إنهم يجعلون عبادة غير الله والشرك به بمعنى التوسل.\nوقد اتضح من كلام هذا النصراني هذا الأمر حيث سمى ما يقعون فيه من شرك وعكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والاستغاثة بها، سماه توسلًا ليس إلا.\nولنستعرض أيضًا كلام بعض القبوريين في هذه الشبهة بعينها، ليتضح الأمر ويزول الإشكال، ويظهر بوضوح سبب غلطهم في هذا الباب العظيم ووجه تلبيس الشيطان عليهم.\nقال أحمد زيني دحلان (^٢): «فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى» (^٣).\nوقد قرر هذا قبله جمع منهم تقي الدين السبكي (^٤) فقال: «فلا فرق بين أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التجوه، أو التوجه ..» (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٤٧٨).\n(^٢) هو أحمد زيني دحلان المكي الشافعي، ممن ناصب العداء لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وله مصنفات منها: الدرر السنية في الرد على الوهابية وغيرها، توفي سنة: ١٣٠٤ هـ. انظر: هدية العارفين (١/ ١٩١) والأعلام للزركلي (١/ ١٢٩) ومعجم المؤلفين (١/ ٢٢٩).\n(^٣) الدرر السنية في الرد على الوهابية (ص:٣٨).\n(^٤) هو أبو الحسن تقي الدين على بن عبد الكافي السبكي الشافعي، له مصنفات منها: الفتاوى الكبرى، والابتهاج في شرح المنهاج، شفاء السقام، وكان ممن ناصب العداء لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، توفي سنة: ٧٥٦ هـ. انظر: الدرر الكامنة (١/ ٣٦٥)، والبدر الطالع (١/ ٤٤٦).\n(^٥) شفاء السقام (ص: ٣٦٣).","vol":"1","page":168},{"text":"وتبعه في تقرير هذا القول السمهودي (^١) والقسطلاني شارح البخاري (^٢)، والهيتمي (^٣)،\nوالزرقاني (^٤)، وابن جرجيس (^٥)، والنبهاني (^٦) وغيرهم.\nوقال محمد بن عبد الوهاب بن داود الهمداني (^٧) مقررًا ذلك: «لا فرق أن يعبر\n_________\n(^١) هو أبو الحسن نور الدين علي بن عبد الله السمهودي الشافعي، له مصنفات منها: حاشية على إيضاح النووي، وجواهر العقدين في فضل الشرفين، توفي سنة: ٩١١ هـ. انظر: البدر الطالع (١/ ٤٤٩)، والنور السافر (ص ٥٤ - ٥٧)، الأعلام للزركلي (٨/ ٥٢).\n(^٢) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، له مصنفات منها: إرشاد الساري شرح البخاري، لطائف الاشارات في علم القراءت، قال عنه الألوسي: (كان من غلاة القبورية)، توفي سنة: ٩٢٣ هـ. انظر: البدر الطالع (١/ ٩٥)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٣٢)، غاية الأماني (٢/ ١٤).\n(^٣) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي الشافعي، له مصنفات منها: الصواعق المحرقة على أهل الرفض والزندقة، الزواجر عن اقتراف الكبائر، وغيرها، ناصب العداء لشيخ الإسلام ابن تيمية وصنف في نصرة مذهب القبورية \"الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم\"، توفي سنة: ٩٧٤ هـ. انظر: النور السافر (١/ ٢٥٨)، وخلاصة الأثر (٢/ ١٦٦).\n(^٤) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري المالكي، له عدة مصنفات منها: شرح الموطأ، ومختصر المقاصد، (ت:١١٢٢ هـ). انظر: سلك الدرر (٢/ ٨٣)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٨٤).\n(^٥) هو داود بن سليمان البغدادي النقشبندي الخالدي الحنفي، المعروف بابن جرجيس، من أكبر الدعاة إلى الوثنية وعبادة القبور، وله مصنفات منها: صلح الإخوان (ت:١٢٩٩ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٢/ ٣٣٢)، ومعجم المؤلفين (٤/ ١٣٦ - ١٣٧)، هدية العارفين (١/ ٣٦٣).\n(^٦) هو يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني، كان شاعرًا وأديبًا قاضيًا، عُرف بغلوه بالأموات، من مصنفاته: المواهب المحمدية، والمجموعة النبهانية، شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، وكان شديد التحامل على شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب في كثير من كتاباته وقصائده، (ت:١٣٥٠ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٨)، ومعجم المؤلفين (١٣/ ٢٧٥ - ٢٧٦).\n(^٧) هو محمد بن عبد الوهاب بن داود الهمداني الكاظمي، إمامي قبوري من كاظمة بالعراق، من مصنفاته: إزهاق الباطل في رد شبه الفرقة الوهابية، توفي سنة:١٣٠٥ هـ. انظر: الأعلام للزركلي (٦/ ٢٥٨) ومعجم المؤلفين (١٠/ ٢٩٨).","vol":"1","page":169},{"text":"بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه» (^١).\nويقول بعض علمائهم (^٢): «ولا فرق في هذا المعنى بين أن يعبر عنه بلفظ التوسل، أو الاستعانة، أو التشفع، أو الالتجاء، والداعي بالدعاء المذكور وما في معناه متوسل بالنبي -ﷺ-؛ لأنه جعله وسيلة لإجابة الله دعائه ومستغيث به» (^٣).\nفإذا علمت هذا علمت معنى التوسل عند عُباد القبور والأضرحة وعرفت وجه احتجاج النصراني بهذه الشبهة على شركهم وعبادتهم لغير الله.\nويوضح لنا القضاعي (^٤) ما يحويه معنى التوسل عند القبورية من معان بتقسيم سهل وواضح فيقول: «اعلم أن التوسل بالسادة على أنحاء:\nالأول: أن يدعو الله بهم، كأن يقول: اللهم إني أسألك بأنبيائك، أو بالصالحين، أو بحرمتهم، أو بجاههم، أو بحقهم.\nالثاني: أن يطلب المستغيث من المستغاث به: أن يشفع له إلى ربه في قضاء حاجته.\nبأن يقول: ادع لي أن يرد عليّ بصري.\nالثالث: أن يطلب المستغيث من المستغاث به قضاء حاجته، بأن يقول: يا فلان، ردّ عليّ بصري» (^٥).\n_________\n(^١) إزهاق الباطل لمحمد بن عبد الوهاب بن داود الهمداني ق (٦٢) نقلا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٣١٩).\n(^٢) هو محمد عاشق الرحمن القادري الحبيبي الحنفي، من مؤلفاته: السيوف الآجلة، عذاب الله المجدي، قال الشيخ شمس الدين الأفغاني: «الهندي الخرافي الكذاب» انظر: جهود علماء الحنفية (٣/ ١٨١٢).\n(^٣) عذاب الله المجدي لجوف منكر التوسل النجدي (ص ٤٣) نقلا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٣٢٦).\n(^٤) هو سلامة العزامي القضاعي، كان من دعاة الوثنية والقبورية سليط اللسان على أئمة السنة، من مصنفاته: البراهين الساطعة، توفي سنة: ١٣٧٦ هـ انظر: معجم المؤلفين (١٣/ ٣٩٠).\n(^٥) البراهين الساطعة (ص ٣٩١) نقلا عن جهود علماء الحنفية (٢/ ١٠٧١).","vol":"1","page":170},{"text":"أما النوع الأول فهو التوسل المحرم الممنوع، وأما النوع الثاني فهو مجمل محتمل، وأما النوع الثالث فهو عين الشرك الصريح الذي لا شك فيه، ومع هذا فقد جعلوه من جملة أنواع التوسل وهذا أصل ضلالهم وشبهتهم.\nويبين لنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (^١) -﵀- ما وقع في لفظ التوسل من اشتراك فيقول: «إن لفظ التوسل صار مشتركًا، فعُباد القبور يطلقون التوسل على الاستغاثة بغير الله، ودعائه رغبًا ورهبًا، والذبح والنذر، والتعظيم بما لم يشرع في حق مخلوق.\nوأهل العلم يطلقونه على المتابعة والأخذ بالسنة فيتوسلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله محمد -ﷺ- وهذا هو التوسل في عرف القرآن والسنة .. ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحق عبده الصالح أو بعباده الصالحين وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر-أي الهيتمي-» (^٢).\nويلخص لنا الشيخ شمس الدين الأفغاني (^٣) -﵀- جميع ما تقدم فيقول: «الحاصل: أن القبورية قد أدخلوا في مفهوم التوسل الاستغاثة بالأموات، التي ليست بشرك فحسب، بل أم لعدة أنواع من الإشراك بخالق الأرض والسماوات.\nوحرفوا دين الله أشنع التحريفات بأبشع التبديلات، وغيروا المصطلحات\n_________\n(^١) هو عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب التميمي، كان عالمًا فقيهًا مصلحًا، له مصنفات منها: تأسيس التقديس في الرد على داود بن جرجيس، مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام، توفي سنة: ١٢٩٣ هـ. انظر: مشاهير علماء نجد (١/ ٦٩).\n(^٢) منهاج التأسيس (ص ٢٦٧). وانظر مصباح الظلام (ص ١٧٨).\n(^٣) هو أبو عبد الله شمس الدين بن محمد بن أشرف بن قيصر الأفغاني، من أهل العلم المعاصرين، له مصنفات منها: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات، جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، توفي سنة: ١٤٢٠ هـ. انظر مقدمتي رسالتيه السابقتين.","vol":"1","page":171},{"text":"الشرعية بما هو عين الوثنيات، وفسروا بتوسلاتهم البدعية نصوص الكتاب والسنة، وادعوا إجماع السلف والخلف، فافتروا على أئمة الأمة، بل تقولوا على الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين» (^١).\nولكن قد يتساءل القارئ ما وجه تشبيههم الاستغاثة بالتوسل؟ والجواب يتضح من إيراد بعض تعليلاتهم في ذلك، يقول القباني (^٢) معللًا لهذا الأمر: «فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي -ﷺ- واسطة بينه وبين المستغيث؛ فهو تعالى مستغاث، والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي -ﷺ- مستغاث، والغوث منه تسببًا وكسبًا» (^٣).\nويقول محمد بن عبد الوهاب الهمداني: «فالطلب في الحقيقة منه تعالى لا من سواه، وإن كان في الظاهر متوجها إلى غيره فلا بأس به في المعنى» (^٤)\nويقول حسن الشطي (^٥): «فإن قلت شبهة من منع التوسل رؤيتهم بعض العوام يطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتًا أشياء لا تطلب إلا من الله، ويجدونهم يقولون للولي افعل لي كذا وكذا، فهذه الألفاظ الصادرة منهم توهم التأثير لغير الله.\nأجيب بأن الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي، والقرينة عليه\n_________\n(^١) جهود علماء الحنفية (٣/ ١٤٥٣).\n(^٢) هو أحمد بن علي البصري الشهير بالقباني، من خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، من مصنفاته: فصل الخطاب في رد ضلالات ابن عبد الوهاب، كان حيًا سنة ١١٥٧ هـ ولم تعرف سنة وفاته. انظر: إيضاح المكنون (٢/ ١٩٠)، دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٤٤).\n(^٣) \"فصل الخطاب\" ق ٢٨. نقلًا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٣١٨).\n(^٤) إزهاق الباطل ق ٦٢. نقلًا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٣١٩).\n(^٥) هو حسن الشطي الحنبلي، كان صوفيًا خرافيًا، ناصب العداء للدعوة وألف في نصرة الشرك والقبورية ومن مؤلفاته: النقول الشرعية في الرد على الوهابية، توفي سنة: ١٣٤٨ هـ انظر: معجم المؤلفين (١٢/ ٢٣٧).","vol":"1","page":172},{"text":"صدوره من موحد، ولذا إذا سئل العامي عن صحة معتقده بذلك فيجيبك بأن الله هو الفعال وحده لا شريك له، وإنما الطلب من هؤلاء الأكابر عند الله تعالى المقربين لديه على سبيل التوسط بحصول المقصود … ولا يصح لنا أن نمنعهم من التوسل والاستغاثة مطلقًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-101>الوجه الثاني: بيان بطلان هذه الشبهة والجواب عليها:</span>\nقام شيخ الإسلام -﵀- بتفنيد هذه الشبهة وبيان فسادها من وجوه شتى كما سيتضح ذلك عند نقل كلامه ﵀، ويحسن بنا قبل عرض كلامه ﵀ أن نبين أن هذه الأقوال وتعليلاتها هي عين تعليلات المشركين الأوائل، وأن ما ذكره هؤلاء وغيرهم هو جنس شرك المشركين، وكفى بهذا دليلًا وبرهانًا على بطلانها وفسادها، وذلك أن المشركين لم يكونوا يعتقدوا في آلهتهم خلقًا ولا إيجادًا، وإنما كانوا يتخذونها وسائط يتقربون بها إلى الله ويستشفعون بها كما أخبر الله -﷿- عن قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر:٣]، وقال سبحانه مخبرًا لنا عنهم وعن حقيقة شركهم ودعائهم واستغاثتهم بغير الله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]\nوالعبرة بالحقائق لا بالألفاظ والتسميات، فتسمية الشرك توسلًا لا تُغَيّر من حقيقته، وكذلك تسميته استشفاعًا أو تقربًا أو تزلفًا أو تبركًا لا يغير من حقيقة الأمر شيئًا، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]، فسمى الله دعاءهم لغيره عبادة وإن كانوا هم يعتقدونه زلفى أو شفاعة أو قربة إلى الله أو توسلًا.\nوقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] فسماه الله شركًا.\n_________\n(^١) النقول الشرعية (ص ١٧، ١٠٨) باختصار، نقلا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب (ص ٣٢٥).","vol":"1","page":173},{"text":"قال الشيخ ابن سحمان (^١) -﵀-: «فإنه من المعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلًا وتشفعًا، أو تبركًا وتعظيمًا للصالحين وتوقيرًا، فإن الاعتبار بحقائق الأمور، لا بالأسماء والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة، وجودًا وعدمًا لا مع الأسماء» (^٢).\nوقد بين شيخ الإسلام -﵀- فساد هذه المقالة في مواضع كثيرة من كتبه، ويمكن ترتيب أهم ردوده ﵀ على الوجه الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-102>أولًا: بيان أن جعلهم الاستغاثة والتوسل بمعنى واحد لم يقل به أحد من الأمم:</span>\nقال ﵀ في أثناء رده على البكري: «فهذا القول لم يقله أحد من الأمم، بل هو مما اختلقه هذا المفتري وإلا فلينقل ذلك عن أحد من الناس وما زلت أتعجب من هذا القول وكيف يقوله عاقل والفرق واضح بين السؤال بالشخص والاستغاثة به؟» (^٣).\nوقال ﵀: «ولكن لم يسم أحد من الأمم هذا استغاثة» (^٤). وقال ﵀: «ولم يقل أحد: إن التوسل بنبي؛ هو استغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان أو بحرمته أو أتوسل إليك باللوح والقلم أو بالكعبة أو غير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور» (^٥).\n_________\n(^١) هو العلامة سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان النجدي، أحد أئمة الدعوة، ممن خدم السنة ودافع عنها وعن أهلها، له مصنفات كثيرة منها: منهج أهل الحق والاتباع، وإرشاد الطالب، وتبرئة الشيخين، توفي سنة: ١٣٤٩ هـ. انظر: مشاهير علماء نجد (٢/ ١٩٩)، والأعلام للزركلي (٣/ ١٢٦).\n(^٢) الضياء الشارق (ص ١٨٢).\n(^٣) الرد على البكري (١/ ١٨٢).\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ٤٧٧).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>ثانيًا: أن هذا القول مخالف لجميع اللغات:</span>\nقال ﵀: «فدخل عليه الخطأ من وجوه منها أنه جعل المتوسل به بعد موته في الدعاء مستغيثًا به وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازًا» (^١).\nوقال ﵀: «وقول القائل: إن من توسل إلى الله بنبي، فقال: أتوسل إليك برسولك فقد استغاث برسوله حقيقة، في لغة العرب وجميع الأمم قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بني آدم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-104>ثالثًا: أن هذا القول مخالف لإجماع علماء المسلمين:</span>\nقال -﵀-: «لم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه يستغاث بشيء من المخلوقات؛ في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى لا بنبي ولا بملك ولا بصالح ولا غير ذلك» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>رابعًا: أن هذا القول مخالف لما علم من دين الإسلام بالضرورة:</span>\nقال -﵀- بعد حكايته لإجماع العلماء على عدم جواز الاستغاثة بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله «بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام؛ أنه لا يجوز إطلاقه» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>خامسًا: بين ﵀ الفرق بين الاستغاثة والتوسل من ناحية المعنى واللغة:</span>\nفقال: «فإن المستغيث بالنبي -ﷺ- طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعو ولا يطلب منه ولا يسأل، وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به» (^٥).\n_________\n(^١) الرد على البكري (٢/ ٤٧٨).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ١٠٤).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١/ ١٠٣).\n(^٤) المصدر السابق (١/ ١٠٣).\n(^٥) المصدر السابق (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":175},{"text":"وقال: «فإن الاستغاثة به طلب منه لا طلب به» (^١)، وقال: «المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به» (^٢)، وقال: «فالمستغاث به هو المسؤول، وأما المتوسل به فهو الذي يتسبب به إلى المسؤول» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-107>سادسًا: بيان المعنى الشرعي الذي جاءت به النصوص للتوسل:</span>\nفالتوسل المشروع الذي جاء في الكتاب والسنة هو التوسل إلى الله سبحانه بالأعمال الصالحات، والأسماء والصفات، وكذلك التوسل إلى الله بدعاء النبي - -ﷺ- وشفاعته في حياته، وبدعاء غيره من الأنبياء والصالحين في حياتهم قال شيخ الإسلام -﵀-: «فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].\nفالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات.\nفهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا.\n_________\n(^١) الرد على البكري (٢/ ٤٧٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٤٧٧).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٤٩٨). وقال الشيخ محمد نسيب الرفاعي -﵀-: «وليست الاستغاثة هي الوسيلة أبدًا؛ لأن لكلٍ معنىً مستقلًا دون الآخر فالاستغاثة يتم حصولها بوجود شيئين فقط وهما: المستغيث والمستغاث به، أما الوسيلة فلا تتم إلا في وجود ثلاثة أشياء: المتوسل، والمتوسل به، والمتوسل إليه، فكيف يمكن أن نقول الاستغاثة هي الوسيلة؟!». التوصل إلى حقيقة التوسل (ص ٩٧). وانظر الفروق بينهما في: التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٣٠٧ - ٣١٢).","vol":"1","page":176},{"text":"فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصلُ ذلك الإيمان بما جاء به الرسول.\nفجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى ذلك إلا ذلك.\nوالثاني لفظ (الوسيلة) في الأحاديث الصحيحة كقوله -ﷺ-: (سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة) (^١)» (^٢).\nوالكلام في تقرير هذه المسألة طويل جدًا، وليس هذا مقامه، وإنما المراد التنبيه على بطلانها من كلام شيخ الإسلام نفسه، وإلا فقد تتابع العلماء على رد هذه الشبهة (^٣) وبيان بطلانها في مختلف الكتب والتصانيف (^٤)، وفي الحقيقة أن\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة برقم (٣٨٤).\n(^٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١/ ٨٤).\n(^٣) ومما رد به الشيخ محمد الأمين السويدي الشافعي -﵀- على أصحاب هذه الشبهة قال: «أما قولكم: أن ليس مقصودهم إلا التوسل والتشفيع، وإن تكلموا بما يفيد غيره.\nفإنه يدل على أن الشرك لا يكون إلا اعتقاديًا، وأن اللفظ لا يكون كفرًا إلا إذا طابق الاعتقاد.\nهذا يقتضى سد أبواب الشرائع، ومحو الأبواب التي ذكرها الفقهاء في الردة … كيف وأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤] والكلمة التي قالوها كانت على جهة المزح مع كونهم في زمن رسوله -ﷺ-، وكانوا يجاهدون ويصلون، ويفعلون جميع الأوامر، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]، وقد ذكر المفسرون: أنهم قالوها على جهة المزح … ولو قلنا: إن الألفاظ لا عبرة بها، وإنما العبرة للاعتقاد لأمكن لكل من تكلم بكلام يحكم على قائله بالردة اتفاقًا أن يقول: لم تحكمون بردتي؟! فيذكر احتمالًا، ولو بعيدًا، يخرج به عما كفر فيه، ولما احتاج إلى توبة ولا توجه عليه لوم أبدًا.\nوهذا ظاهر البطلان، ولساغ لكل أحد ان يتكلم بكل ما أراد، فتنسد الأبواب المتعلقة بأحكام الألفاظ» جلاء العينين (ص ٥١٥).\n(^٤) انظر للاستزادة: كتاب الرد على البكري لشيخ الإسلام -﵀-، وجلاء العينين في محاكمة الأحمدين للألوسي﵀-، والتوضيح عن توحيد الخلاق للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ -﵀-، وتأسيس التقديس للعلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -﵀- و\"التوصل إلى حقيقة التوسل\" للشيخ محمد نسيب الرفاعي -﵀-. وجهود علماء الحنفية في بيان عقائد القبورية للشيخ شمس الدين الأفغاني -﵀-.","vol":"1","page":177},{"text":"جميع كتب علماء أهل السنة في باب توحيد الألوهية وخصوصًا كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب -﵀-، وكتب علماء الدعوة النجدية وشروحاتها جميعها لا تخلو من تقرير هذا الأمر وتبيينه وتوضيحه.\n* * *","vol":"1","page":178},{"text":"الفصل الثاني:\nمناظرته مع بعض التتار في زعمه أفضليتهم بفضل ملكهم.\nواشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول:\nعرض المناظرة.\nالمبحث الثاني:\nدراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n* * *","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>المبحث الأول: عرض المناظرة:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-110> تمهيد:</span>\nهذه المناظرة ذكرها شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في أثناء جوابه على سؤال ورد إليه عن حكم التتار وحكم قتالهم، وحكم من قاتل معهم من المسلمين؟\nوقد أطال ﵀ في جواب هذا السؤال، وبين ﵀ أنه يجب قتالهم وقتال كل طائفة امتنعت عن شرائع الدين الظاهرة، ودلل على هذا بالنصوص وفعل الصحابة -﵃وإجماع علماء الملة على ذلك، وبين ﵀ كذلك خطأ من جعل قتال هؤلاء من جنس قتال البغاة (^١)، ووضح الفروق الظاهرة بينهما، وكشف حال التتار وما هم عليه من مخالفةٍ لشريعة الإسلام من أوجه كثيرة (^٢).\n_________\n(^١) هم طائفة من المسلمين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ ولهم منعة وشوكة. انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧٦)، (٢٨/ ٤٨٦)، (٣٥/ ٥٣) والمغني (١٢/ ٢٤٢) التعريفات الفقهية (ص: ٤٢) القاموس الفقهي (ص: ٤٠) معجم لغة الفقهاء (ص: ١٠٩).\n(^٢) وأهم هذه الأوجه ما يلي:\nإفسادهم في الأرض وقتلهم للمسلمين وسبي ذراريهم وهتكهم للحرمات، قال ﵀: «وفعلوا ببيت المقدس وبجبل الصالحية ونابلس وحمص وداريا وغير ذلك من القتل والسبي ما لا يعلمه إلا الله، حتى يقال: إنهم سبوا من المسلمين قريبًا من مائة ألف، وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين في المساجد وغيرها كالمسجد الأقصى والأموي وغيره، وجعلوا الجامع الذي بالعقيبة دكا» مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٠).\nتركهم للصلاة، قال ﵀: «وقد شاهدنا عسكر القوم فرأينا جمهورهم لا يصلون ولم نر في عسكرهم مؤذنًا ولا إمامًا» مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٠). =","vol":"1","page":181},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ترك الحج، قال ﵀: «وهم في بلادهم مع تمكنهم لا يحجون البيت العتيق» مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٠).\nالولاء والبراء والقتال عندهم إنما هو على الملك الكافر لا على الدين. قال ﵀: «وهم يقاتلون على ملك جنكسخان، فمن دخل في طاعتهم جعلوه وليًا لهم وإن كان كافرًا، ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوًا لهم وإن كان من خيار المسلمين. ولا يقاتلون على الإسلام» مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٠ - ٥٢١).\nتسويتهم بين دين الإسلام وسائر الأديان الكفرية، قال ﵀: «كذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى وإن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، ثم منهم من يرجح دين اليهود أو دين النصارى ومنهم من يرجح دين المسلمين وهذا القول فاش غالب فيهم حتى في فقهائهم وعبادهم .. بل لو قال القائل: إن غالب خواص العلماء منهم والعباد على هذا المذهب لما أبعد وقد رأيت من ذلك وسمعت ما لا يتسع له هذا الموضع» مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٠ - ٥٢١).\nاعتقاداتهم الكفرية في جنكسخان، قال ﵀: «وهم مع هذا يجعلونه أعظم رسول عند الله في تعظيم ما سنه لهم وشرعه بظنه وهواه، حتى قالوا لما عندهم من المال: هذا رزق جنكسخان ويشكرونه على أكلهم وشربهم. وهم يستحلون قتل من عادى ما سنه لهم هذا الكافر الملعون المعادي لله ولأنبيائه ورسوله وعباده المؤمنين» مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٠ - ٥٢١).\nوضرب ﵀ مثالًا على هذا بقصة حدثت مع أكبر مقدميهم الذين قدموا إلى الشام ولعله غازان، حيث ساوى فيها هذا الرجل بين النبي -ﷺ- وجنكسخان، وقال ﵀: «فهذا وأمثاله من مقدميهم كان غايته بعد الإسلام أن يجعل محمدا -ﷺ- بمنزلة هذا الملعون» مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٢).\nتعظيمهم دين الكفار أعظم من تعظيمهم للإسلام. قال ﵀: «فهم يدعون دين الإسلام ويعظمون دين أولئك الكفار على دين المسلمين ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله وموالاة المؤمنين» مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٣).\nتوليتهم الوزارات والقضاء والقيادات للباطنية والفسقة والزنادقة، قال ﵀: «وهؤلاء أكثر وزرائهم الذين يصدرون عن رأيه غايته أن يكون من هذا الضرب] أي من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض [؛ فإنه كان يهوديًا متفلسفًا ثم انتسب إلى الإسلام مع ما فيه من اليهودية والتفلسف وضم إلى ذلك الرفض، فهذا هو أعظم من عندهم من ذوي الأقلام وذاك أعظم من كان عندهم من ذوي السيف». وقال ﵀: «بل يجعلون القرامطة الملاحدة الباطنية الزنادقة المنافقين كالطوسي وأمثاله هم الحكام على جميع من انتسب إلى علم أو دين من المسلمين =","vol":"1","page":182},{"text":"ثم بين ﵀ أن قتال هؤلاء القوم آكد من قتال الخوارج، وقتال مانعي الزكاة الذين قاتلهم أبوبكر الصديق -﵁-، وبين حرمة معاونتهم والقتال معهم، وأن من قاتل معهم فحكمه القتل وقرر ذلك بالأدلة الشرعية وأقوال الأئمة الفقهاء.\nثم بين ﵀ خطأ من زعم أن قتالهم من جنس قتال البغاة فقال ﵀: «لكن من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون فقد أخطأ خطأ قبيحًا وضل ضلالًا بعيدًا؛ فإن أقل ما في البغاة المتأولين أن يكون لهم تأويل سائغ خرجوا به؛ ولهذا قالوا: إن الإمام يراسلهم، فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا مظلمة أزالها. فأي شبهة لهؤلاء المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادًا الخارجين عن شرائع الدين، ولا ريب أنهم لا يقولون: إنهم أقوم بدين الإسلام علمًا وعملًا من هذه الطائفة؛ بل هم مع دعواهم الإسلام يعلمون أن هذه الطائفة أعلم بالإسلام منهم وأتبع له منهم. وكل من تحت أديم السماء من مسلم وكافر يعلم ذلك، وهم مع ذلك ينذرون المسلمين بالقتال فامتنع أن يكون لهم شبهة بينة يستحلون بها قتال المسلمين كيف وهم قد سبوا غالب حريم الرعية الذين لم يقاتلوهم، حتى إن الناس قد رأوهم يعظمون البقعة ويأخذون ما فيها من الأموال، ويعظمون الرجل ويتبركون به ويسلبونه ما عليه من الثياب ويسبون حريمه ويعاقبونه بأنواع العقوبات التي لا يعاقب بها إلا أظلم الناس وأفجرهم، والمتأول تأويلًا دينيًا لا يعاقب إلا من يراه عاصيًا للدين، وهم يعظمون من يعاقبونه في الدين ويقولون: إنه أطوع لله منهم.\n_________\n= واليهود والنصارى. وكذلك وزيرهم السفيه الملقب بالرشيد يحكم على هذه الأصناف ويقدم شرار المسلمين كالرافضة والملاحدة على خيار المسلمين أهل العلم والإيمان حتى تولى قضاء القضاة من كان أقرب إلى الزندقة والإلحاد والكفر بالله ورسوله» مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٥).\nإظهارهم الرفض، قال ﵀: «وقد أظهروا الرفض ومنعوا أن نذكر على المنابر الخلفاء الراشدين وذكروا عليًا وأظهروا الدعوة للاثني عشر» مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٧). وأمور أخرى كثيرة غير هذه ذكرها ﵀ في ذلك الموضع.","vol":"1","page":183},{"text":"فأي تأويل بقي لهم؟ ثم لو قدر أنهم متأولون لم يكن تأويلهم سائغًا؛ بل تأويل الخوارج ومانعي الزكاة أوجه من تأويلهم: أما الخوارج فإنهم ادعوا اتباع القرآن وإن ما خالفه من السنة لا يجوز العمل به، وأما مانعوا الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا: إن الله قال لنبيه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣]، وهذا خطاب لنبيه فقط فليس علينا أن ندفعها لغيره. فلم يكونوا يدفعونها لأبي بكر ولا يخرجونها له» (^١).\nفبين ﵀ أن البغاة في أقل أحوالهم يكون لهم تأويل سائغ وشبهة يقاتلون من أجلها وبسببها، وأما هؤلاء فليس لهم شبهة في قتالهم للمسلمين ومع ذلك فهم مصرون على قتالهم للمسلمين ومحاربتهم لهم، وحتى لو قدر أنهم متأولون لم يكن تأويلهم سائغًا، بل تأويل الخوارج ومانعي الزكاة على فساده أَوْجَه من تأويلهم.\nثم بين ﵀ أنه إذا كانت حالهم هي هذه، فإن مثلهم لا ينبغي أن يناظر أو يجادل على قتاله للمسلمين؛ لأنه ليس لديهم حجة ولا شبهة ولا تأويل.\nثم ضرب مثالًا على ما هم عليه من إفلاس في الحجة وخواء في الأدلة بهذه المناظرة التي وقعت بينه وبين أحد هؤلاء القوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>نص المناظرة:</span>\nقال ﵀: «وأما هؤلاء فلا يناظرون على قتال المسلمين، فلو كانوا متأولين لم يكن لهم تأويل يقوله ذو عقل، وقد خاطبني بعضهم بأن قال: ملكنا ملك ابن ملك ابن ملك إلى سبعة أجداد، وملككم ابن مولى. فقلت له: آباء ذلك الملك كلهم كفار، ولا فخر بالكافر، بل المملوك المسلم خير من الملك الكافر، قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، فهذه وأمثالها حججهم! ومعلوم أن من كان مسلمًا وجب عليه أن يطيع المسلم، ولو كان عبدًا ولا يطيع الكافر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال:\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢٨/ ٥٤٢).","vol":"1","page":184},{"text":"(اسمعوا وأطيعوا وإن أُمّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله) (^١).\nودين الإسلام إنما يفضل الإنسان بإيمانه وتقواه لا بآبائه، ولو كانوا من بني هاشم أهل بيت النبي -ﷺ-؛ فإنه خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبدًا حبشيًا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان شريفًا قرشيًا.\nوقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات:١٣]، وفي السنن عنه -ﷺ- أنه قال: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب) (^٢). وفي الصحيحين: عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه: (إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين) (^٣).\nفأخبر النبي -ﷺ- أن موالاته ليست بالقرابة والنسب، بل بالإيمان والتقوى، فإذا كان هذا في قرابة الرسول، فكيف بقرابة جنكيز خان (^٤) الكافر المشرك، وقد\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٦٦٤٩) قال الأرناؤوط: صحيح على شرط مسلم.\n(^٢) هذا النص عبارة من قطعتين: القطعة الأولى رواها أحمد في مسنده برقم: (٢٣٤٨٩) والبيهقي في الشعب من حديث جابر ﵁ برقم: (٤٧٧٤) وصححه الألباني في الصحيحة: (٢٧٠٠) صحيح الترغيب والترهيب: (٢٩٦٣). والقطعة الأخرى وهي قوله: (الناس من آدم وآدم من تراب) رواها أبو داود: (٥١١٦) والترمذي برقم: (٣٢٧٠) وأحمد: (٨٧٢١) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٤٨٢) والصحيحة (٢٨٠٣).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب: الأدب. باب: تبل الرحم ببلاها. برقم (٥٩٩٠)، ومسلم كتاب الإيمان. برقم (٢١٥).\n(^٤) هو طاغية التتار وملكهم الأول الذي خرب البلاد، وأباد العباد. وليس للتتار ذكر قبله، إنما كانوا ببادية الصين، فملكوه عليهم، وأطاعوه طاعة أصحاب نبي لنبي، بل طاعة العباد المخلصين لرب العالمين. وكان مبدأ ملكه في سنة تسع وتسعين وخمسمائة واستمر خمسًا وعشرين سنة (ت:٦٢٤ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٣/ ٧٦٢) فوات الوفيات (١/ ٣٠١ - ٣٠٣).","vol":"1","page":185},{"text":"أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيمانا وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى، وإن كان الأول أسود حبشيًا، والثاني علويًا أو عباسيًا» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٤١)، الفتاوى الكبرى (٣/ ٥٥٥).","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-113>مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها:</span>\nتعد هذه المناظرة مثالًا واضحًا على ما ذكره شيخ الإسلام -﵀- من ضعف الحجة عند القوم وخوائها، فهذا المسكين أراد أن يرفع من شأن قومه التتر ويبين أنهم أعظم وأكرم من المسلمين، فاحتج بهذه الحجة الباطلة، التي حقيقتها الاغترار بالملك والدنيا والعصبية والقبلية.\nومن بديع جواب شيخ الإسلام عليه أنه لم يشتغل بنقض الشبهة نفسها، وإنما نقض أصل الشبهة التي بنيت عليه، وإذا انتقض أصلها انتقضت هي من باب أولى، فما بُني على باطل فهو باطل، ومن الخطأ في المحاورات والمناظرات أن يُشتغل بنقض الفروع إذا كان الأصل فاسدًا، بل يُتوجه مباشرة إلى الأصل بالنقض، وعند ذلك ينتقض كل ما بُني عليه، أما إذا اشتغل المناظر بنقض أحد فروع الأصل، فستبقى فروع أخرى لم تنقض، أو ستبنى فروع جديدة لهذا الأصل، مما يطيل النقاش ولا يزول معه أصل الشبهة من رأس الخصم.\nففي هذه المناظرة لم يناقش ابن تيمية خصمه في صحة ما ادعاه من كلام، وهو أن ملكهم ملك ابن ملك إلى سبعة ملوك، ولا ناقشه في صحة ما ادعاه من أن ملك المسلمين إنما هو ابن مولى، بل ذهب مباشرة ليجتث أصل هذه الشبهة من جذورها، فبين له أن المعيار الحقيقي للمفاضلة بين الناس ليست الأموال","vol":"1","page":187},{"text":"ولا الأنساب ولا الأحساب ولا الملك ولا الجاه، وإنما المعيار الحقيقي هو الدين والإيمان والتقوى، فالملك والثروة لا تغني عن صاحبها شيئًا إذا كان كافرًا.\nواستدل شيخ الإسلام على هذا بآيتين وحديثين مع الإجماع.\n• فأما الآيتان:\nفالأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١].\nوالثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحُجُرات:١٣].\n• وأما الحديثان:\nفالأول: قوله -ﷺ-: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. الناس من آدم وآدم من تراب) (^١).\nوالثاني: قوله -ﷺ-: (إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي؛ إنما وليي الله وصالح المؤمنين) (^٢).\n• وأما الإجماع فقد بينه بقوله: «وقد أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيمانًا وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى، وإن كان الأول أسود حبشيًا والثاني علويًا أو عباسيًا» (^٣).\nفإذا تقرر أن التفاضل لا يكون إلا بالإيمان، وأن التفاضل بغيره لا يصح، تبين بطلان هذه الشبهة التي احتج بها هذا التتري وفساد احتجاج من يحتج بالأنساب في التفضيل بين الأشخاص والأفراد، وقد بين شيخ الإسلام هذا الأمر في مواضع كثيرة من كتبه وزاده توضيحًا وتفصيلًا، ومن بيانه في ذلك:\n_________\n(^١) سبق عزوه (ص:١٨٥).\n(^٢) سبق عزوه (ص:١٨٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٤١).","vol":"1","page":188},{"text":"أولًا: أن شرف النسب إنما يكون فضيلةً لصاحبه إذا كان مُعينًا له على البر والصلاح التقوى التي هي معيار التفاضل الحقيقي. قال ﵀: «أما الأمور الخارجية عن نفس الإيمان والتقوى، فلا يحصل بها فضيلة عند الله تعالى، وإنما يحصل بها الفضيلة عند الله إذا كانت معينة على ذلك; فإنها من باب الوسائل لا المقاصد، كالمال والسلطان، والقوة والصحة ونحو ذلك، فإن هذه الأمور لا يفضل بها الرجل عند الله إلا إذا أعانته على طاعة الله بحسب ما يعينه. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات:١٣]» (^١).\nثانيًا: أن أفضلية النسب إنما هي أفضلية مظنة وسبب، لا أفضلية تحقق ويقين، قال شيخ الإسلام ﵀: «وفي الصحيحين عن النبي -ﷺ- أنه سئل: أي الناس أكرم؟ فقال: (أتقاهم لله). قيل: ليس عن هذا نسألك، قال: (يوسف نبي الله بن يعقوب نبي الله بن إسحاق نبي الله بن إبراهيم خليل الله)، قيل: ليس عن هذا نسألك. قال: (أفعن معادن\n_________\n(^١) منهاج السنة (٨/ ٢١٤).","vol":"1","page":189},{"text":"العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) (^١).\nبين لهم أولًا: أن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وإن لم يكن ابن نبي ولا أبا نبي، فإبراهيم النبي -ﷺ- أكرم على الله من يوسف، وإن كان أبوه آزر، وهذا أبوه يعقوب، وكذلك نوح أكرم على الله من إسرائيل، وإن كان هذا أولاده أنبياء، وهذا أولاده ليسوا بأنبياء، فلما ذكروا أنه ليس مقصودهم إلا الأنساب، قال لهم: فأكرم أهل الأنساب من انتسب إلى الأنبياء، وليس في ولد آدم مثل يوسف; فإنه نبي ابن نبي ابن نبي.\nفلما أشاروا إلى أنه ليس مقصودهم إلا ما يتعلق بهم، قال: (أفعن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)، بين أن الأنساب كالمعادن، فإن الرجل يتولد منه كما يتولد من المعدن الذهب والفضة، ولا ريب أن الأرض التي تنبت الذهب أفضل من الأرض التي تنبت الفضة. فهكذا من عرف أنه يلد الأفاضل، كان أولاده أفضل ممن عرف أنه يلد المفضول.\nلكن هذا سبب ومظنة وليس هو لازمًا؛ فربما تعطلت أرض الذهب، وربما قل نبتها; فحينئذ تكون أرض الفضة أحب إلى الإنسان من أرض معطلة، والفضة الكثيرة أحب إليهم من ذهب قليل لا يماثلها في القدر؛ فلهذا كان أهل الأنساب الفاضلة يظن بهم الخير، ويكرمون لأجل ذلك. فإذا تحقق من أحدهم خلاف ذلك، كانت الحقيقة مقدمة على المظنة. وأما ما عند الله فلا يثبت على المظان ولا على الدلائل، إنما يثبت على ما يعلمه هو من الأعمال الصالحة، فلا يحتاج إلى دليل، ولا يجتزئ بالمظنة.\nفلهذا كان أكرم الخلق عنده أتقاهم، فإذا قدر تماثل اثنين عنده في التقوى، تماثلا في الدرجة، وإن كان أبو أحدهما أو ابنه أفضل من أبي الآخر أو ابنه، لكن إن حصل له بسبب نسبه زيادة في التقوى كان أفضل لزيادة تقواه» (^٢).\nثالثًا: أن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب؛ إنما هو حكم من أحكام الجاهلية، قال ﵀ في رده على من علق الفضيلة بالأنساب: «إن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب؛ هو حكم من أحكام الجاهلية، الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل؛ فإن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات:١٣]. وقال النبي -ﷺ-: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب) (^٣)،\n_________\n(^١) رواه البخاري كتاب: أحاديث الأنبياء. باب: قول الله تعالى: [النساء:١٢٥] برقم (٣٣٥٣)، ومسلم كتاب الفضائل. برقم (٢٣٧٨).\n(^٢) منهاج السنة (٨/ ٢١٤).\n(^٣) سبق عزوه.","vol":"1","page":190},{"text":"ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحدًا بنسبه، ولا يذم أحدًا بنسبه، وإنما يمدح الإيمان والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان. وقد ثبت عنه -ﷺ- في الصحيح، أنه قال: (أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم) (^١)» (^٢).\nرابعًا: أن فضيلة النسب إنما هي فضيلة باعتبار الجنس والنوع لا باعتبار الأشخاص والأفراد، فيقال إنَّ جنس العرب أفضل من جنس العجم، وإن جنس الرجال أفضل من جنس النساء، ولكن قد يوجد من النَساء من هي أفضل من ألوف الرجال كمريم وفاطمة وعائشة، وقد يوَجد من العجم ما هوَ أفضلُ من ألوف العرب كصهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي وغيرهم؛ فإنَ كل واحدٍ منهم أفضلُ من آلافٍ من العرب بل أفضلُ من آلافٍ من قريش وبني العباس والأشراف، وهذا باعتبار الأفراد والأشخاص، فشرف النسب إنما هو فضيلة بالنوع، والفضيلة بالنوع لا تستلزم أن يكون صاحبها أفضل مطلقًا (^٣).\nقال شيخ الإسلام ﵀: «الفضيلة بالنسب فضيلة جملة، وفضيلة لأجل المظنة والسبب، والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية، فالأول يفضل به؛ لأنه سبب وعلامة، ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد.\nوالثاني: يفضل به؛ لأنه الحقيقة والغاية، ولأن كل من كان أتقى لله كان أكرم عند الله، والثواب من الله يقع على هذا، لأن الحقيقة قد وجدت، فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يستدل بالأسباب والعلامات» (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم باب: التشديد في النياحة. برقم (٩٣٤).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (١/ ١٧٢)، مجموع الفتاوى (٣٥/ ٢٣٠)، وانظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٢٥).\n(^٣) انظر: مسبوك الذهب في فضل العرب وشرف العلم على شرف النسب (ص: ٣٥).\n(^٤) منهاج السنة (٤/ ٦٠٣ - ٦٠٤).","vol":"1","page":191},{"text":"وقال ﵀: «فالفضيلة بنوع لا تستلزم أن يكون صاحبها أفضل مطلقًا. ولهذا كان في الأغنياء من هو أفضل من جمهور الفقراء، وفي الفقراء من هو أفضل من جمهور الأغنياء; فإبراهيم وداود وسليمان ويوسف وأمثالهم أفضل من أكثر الفقراء، ويحيى وعيسى ونحوهما أفضل من أكثر الأغنياء.\nفالاعتبار العام هو التقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات:١٣]، فكل من كان أتقى كان أفضل مطلقًا، وإذا تساوى اثنان في التقوى استويا في الفضل، سواء كانا -أو أحدهما- غنيين أو فقيرين، أو أحدهما غنيًا، والآخر فقيرًا، وسواء كانا -أو أحدهما- عربيين أو أعجميين، أو قرشيين أو هاشميين، أو كان أحدهما من صنف والآخر من صنف آخر. وإن قدر أن أحدهما له من سبب الفضيلة ومظنتها ما ليس للآخر، فإذا كان ذاك قد أتى بحقيقة الفضيلة كان أفضل ممن لم يأت بحقيقتها، وإن كان أقدر على الإتيان بها، فالعالم خير من الجاهل، وإن كان الجاهل أقدر على تحصيل العلم، والبر أفضل من الفاجر، وإن كان الفاجر أقدر على البر، والمؤمن الضعيف خير من الكافر القوي، وإن كان ذاك يقدر على الإيمان أكثر من المؤمن القوي. وبهذا تزول شبه كثيرة تعرض في مثل هذه الأمور» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المصدر السابق (٤/ ٦٠٧ - ٦٠٨).","vol":"1","page":192},{"text":"الفصل الثالث:\nمناظرته مع بعض المنجمين في فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بها.\nويشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: عرض المناظرة.\nالمبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\n* * *","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>المبحث الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-116>تمهيد:</span>\nهذه المناظرة أوردها شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في معرض جوابه على سؤال ورد إليه عن الكواكب وتأثيرها في الوجود وعلاقتها بسعادة بني آدم وشقاوتهم، وبعض الشبه التي يوردها من يعتقد فيها ذلك.\nفذكر ﵀ في جوابه أن النجوم آية من آيات الله التي سخرها لعباده وجعل فيها أنواعًا من المنافع، وذكر أن حركة الكواكب قد تكون تخويفًا من الله لعباده كما يحصل في الكسوف والخسوف وأن الواجب عند ذلك فعل أسباب الخير من الأعمال الصالحة التي يدفع الله بها البلاء عن الناس، كما أمر النبي -ﷺ- باللجوء إلى الصلاة عند الكسوف والخسوف.\nوبين ﵀ حكم السحر، وأنه محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وأن السحر في الحقيقة لا ينفع صاحبه وإنما يكون سببًا لفساد دنياه وآخرته.\nثم بين ﵀ أن أحكام المنجمين (^١) مبنية على الظن والتخمين والتخرصات،\n_________\n(^١) التنجيم (لغة): مأخوذ من النجم وهو الكوكب، وهو اسم على الثريا. والمنجم والمتنجم: الذي ينظر في النجوم بحسب مواقيتها. انظر: العين (٦/ ١٥١٤) وجمهرة اللغة (٢/ ١١٥)، لسان العرب (١٢/ ٥٧٠).\nوالتنجيم (اصطلاحًا) عرفه شيخ الإسلام بأنه: «الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية، والقوابل الأرضية كما يزعمون» مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩٢).","vol":"1","page":195},{"text":"وأن الكذب في أخبار المنجمين أضعاف أضعاف ما فيها من الصدق.\nثم ذكر ﵀ هذه المناظرة كشاهد على ما ذكره من كذب المنجمين وفساد صنعتهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام: «وأخبر أن الله إذا قضى بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعَانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وأن كل أهل سماء يخبرون أهل السماء التي تليهم حتى ينتهي الخبر إلى سماء الدنيا، وهناك مسترقة السمع بعضهم فوق بعض، فربما سمع الكلمة قبل أن يدركه الشهاب، بعد أن يلقيها، قال -ﷺ-: (فلو أتوا بالأمر على وجهه ولكن يزيدون في الكلمة مائة كذبة) (^٢)، وهكذا المنجمون، حتى إني لما خاطبتهم بدمشق وحضر عندي رؤساؤهم، وبينت فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها، قال لي رئيس منهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة» (^٣).\nوجاء في مختصر الفتاوى المصرية: «ولما ناظرت بدمشق من حضرني من رؤسائهم وبينت له فساد صناعتهم بالأدلة قال: والله إنا لنكذب مائة كذبة حتى نصدق في واحدة.\nوذلك أن مبني علمهم على أن الحركات العلوية هي السبب في الحوادث والعلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب، وهذا إنما يكون إذا علم السبب التام، وهؤلاء أكثر ما يعلمون -إن علموا- جزءًا يسيرًا من جملة الأسباب الكثيرة» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٦٦ - ١٧٢).\n(^٢) رواه البخاري كتاب: تفسير القرآن. باب: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ [الحِجر:١٨] برقم (٤٧٠١)\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢)، الفتاوى الكبرى (١/ ٦٢).\n(^٤) مختصر الفتاوى المصرية (ص: ١٥١).","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-119>المسألة الأولى: مناقشة أصل الشبهة عند المنجمين، وذلك من وجهين اثنين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-120>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في هذه المناظرة كذب المنجمين وفساد صناعتهم، وأقام الحجة عليهم بذلك، وبين أصل انحرافهم واغترارهم بصناعتهم، \"وذلك أن مبنى علمهم على أن الحركات العلوية هي السبب في الحوادث، والعلم بالسبب يوجب العلم بالمُسبَب\" (^١)؛ فلما اعتقدوا أن حركات النجوم والكواكب العلوية هي السبب في ما يقع من حوادث أرضية، وأنها مستقلة بالتأثير، ظنوا أن الاشتغال بتعلم حركات الكواكب وحساب النجوم يعرف من خلاله ما سيحدث ويقع في مستقبل الأيام والشهور من حوادث ووقائع تحدث لبني آدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-121>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nقد دل العقل والنقل على فساد هذه الشبهة وبطلان هذه الصنعة، أما الأدلة النقلية فكل حديث دل على كذب المنجمين ودجلهم، والوعيد لمن ذهب إليهم أو صدقهم، فهو دليل على فساد صنعتهم وسوء مذهبهم وبطلان طريقتهم، وكل نص\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٣).","vol":"1","page":197},{"text":"في القرآن أو في السنة يدل على انفراد الله بالتدبير والخلق ففيه رد على هؤلاء وبرهان على فساد صنعتهم، وكذلك كل آية تدل على انفراده سبحانه بعلم الغيب فهي دليل على هذا أيضًا، وكذلك كل نص دل على أن الكواكب مسخرة بأمر الله وتقديره فهي أيضًا رد عليهم.\nويهمنا هنا أن نلقي الضوء على ما احتج به شيخ الإسلام على هؤلاء المنجمين من الأدلة العقلية على فساد هذه المقولة التي ذكروها، والشبهة التي قرروها، فقد بين ﵀ ذلك من وجوه عدة، وهو وإن لم يذكر في المناظرة إلا وجهًا واحدًا -وذلك لأنه إنما حكى ما حدث على سبيل الاختصار والإجمال لا التفصيل والاسترسال-، إلا أنه قد بين في مواضع كثيرة من كتبه أدلة أخرى على فساد هذه الشبهة خصوصًا، وفساد صناعة المنجمين عمومًا، وسأذكر ما وقفت عليه منها وهي كالآتي:\nأولًا: بين شيخ الإسلام -﵀- أنه حتى ولو كان لهذه الكواكب سبب وتأثير، فإنما هي جزء من السبب المؤثر وليست مؤثرًا تامًا بنفسها \"بل تأثير الأرواح وغيرها من الملائكة أشد من تأثيره، وكذلك تأثير الأجسام الطبيعية التي في الأرض، وكذلك تأثير قلوب الآدميين بالدعاء وغيره من أعظم المؤثرات باتفاق المسلمين\" (^١) قال شيخ الإسلام: «هؤلاء أكثر ما يعلمون -إن علموا- جزءًا يسيرًا من جملة الأسباب الكثيرة ولا يعلمون بقية الأسباب» (^٢).\nثم ضرب مثالًا على هذا فقال: «مثل من يعلم أن الشمس في الصيف تعلو الرأس حتى يشتد الحر فيريد أن يعلم من هذا -مثلًا- أنه حينئذ أن العنب الذي في الأرض الفلانية يصير زبيبًا؛ على أن هناك عنبًا وأنه ينضج وينشره صاحبه في الشمس وقت الحر فيتزبب، فهذا وإن كان يقع كثيرًا؛ لكن أخذ هذا من مجرد حرارة الشمس جهل عظيم إذ قد يكون هناك عنب وقد لا يكون؛ وقد يثمر ذلك\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٢) المصدر السابق (٣٥/ ١٧٣).","vol":"1","page":198},{"text":"الشجر إن خدم وقد لا يثمر، وقد يؤكل عنبًا وقد يعصر، وقد يسرق وقد يزبب وأمثال ذلك» (^١).\nثانيًا: أن يقال حتى لو فرضنا أنه سبب مستقل فالعلم به غير ممكن وذلك لسرعة حركته؛ \"لأن سرعة الفلك عظيمة جدًا، حتى قالوا: إن الفرس شديد العدو إذا رفع رجله ووضعها يكون الفلك قد تحرك ثلاثة آلاف ميل، فإن كان كذلك فمن الوقت الذي ينفصل فيه الجنين عن بطن أمه إلى أن يأخذ المنجم الإسطرلاب (^٢) وينظر في الفلك قد تحرك مسافات بعيدة جدًا \" (^٣).\nولأن العلم به إما أن يكون بالخبر أو بالحس أو بالعقل وهذه كلها منتفية غير موجودة، وإما أن يكون بالتجربة وهي التي يحتجون بها، وفي الواقع لا يمكن وقوعها؛ لأن من شرطها التكرار، وهم يقررون أن الكوكب المعين إذا كان في موضع معين من الفلك، فإن ذلك الوضع المعين بحسب الدرجة والدقيقة لا يعود إلا بعد الآف السنين، وعمر الإنسان كله لا يفي بذلك (^٤).\nثالثًا: أننا \"وإن فرضنا أنه سبب مستقل وسلمنا أيضا بإمكانية العلم به، فمحل تأثيره في الحقيقة لا ينضبط؛ إذ ليس تأتي خسوف الشمس في الإقليم الفلاني بالأولى من الإقليم الآخر\" (^٥). وبهذه الحجة احتج علي بن أبي طالب -﵁- على المنجمين عندما قيل له لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر في العقرب؟! فقال ﵁: فأين قمرهم؟\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣٥/ ١٧٣).\n(^٢) الإسطرلاب: تُقرأ بالسين والصاد كلمة يونانية، معناها مقياس النجوم، ويقصد بها الآلة المستعملة في استخراج حساب النجوم. انظر: مفتاح العلوم للخوارزمي (ص: ٢٥٣)، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (١/ ١٧٦).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٩٩)، مفتاح دار السعادة (٢/ ١٣٣)، التنجيم والمنجمون (ص: ٢٢٦).\n(^٤) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٣٤)، الفصل لابن حزم (٥/ ١٤٩).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٩٩).","vol":"1","page":199},{"text":"وكان ذلك في آخر الشهر (^١). قال القرطبي (^٢) -﵀-: «انظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم» (^٣).\nرابعًا: أننا لو سلمنا بكونها سببًا مستقلًا بالتأثير، أو سلمنا باجتماع الأسباب مع إمكان العلم بها، وتحقق شروط التأثير فيها، فإنه لا بد مع هذا من زوال الموانع، فإن اجتماع الشروط غير كاف حتى تزول الموانع، قال شيخ الإسلام -﵀-: «فلا ريب أن ما يصغر من الأعمال الصالحة من الصلاة والزكاة والصيام والحج وصلة الأرحام ونحو ذلك مما أمرت به الشريعة يعارض مقتضى ذلك السبب؛ ولهذا أمرنا النبي -ﷺ- بالصلاة والدعاء والاستغفار والعتق والصدقة عند الخسوف (^٤)، وأخبر أن الدعاء والبلاء يلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض (^٥). والمنجمون يعترفون بذلك حتى قال كبيرهم بطليموس (^٦): ضجيج الأصوات في\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٩/ ٢٨ - ٢٩)، وانظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٩)، الفتاوى الكبرى (١/ ٦٧).\n(^٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، من كبار المفسرين، كان ورعًا متعبدًا، له \"الجامع لأحكام القرآن\" و\"التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة\" (ت: ٦٧١ هـ). انظر: الديباج المذهب (٢/ ٣٠٨)، تاريخ الإسلام (١٥/ ٢٢٩).\n(^٣) تفسير القرطبي: (١٩/ ٢٩) وانظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٤) رواه البخاري في: أبواب الكسوف. باب: الصدقة في الكسوف. برقم (١٠٤٤) ومسلم كتاب الكسوف. برقم (٩٠١).\n(^٥) رواه البزار في مسنده (٨١٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه الطبراني في الأوسط (٢٤٩٨) والحاكم في مستدركه (١٨١٣) من حديث عائشة ﵂، قال الألباني في الضعيفة (٦٧٦٤): «ضعيف جدا».\n(^٦) هو كلوديوس بطليموس، رياضي وجغرافيّ وعالم فلك يُونانِيّ من أهل القرن الثاني للميلاد. وُلِد نحو سنة ٨٧ م وتوفّي قُرْب الإِسْكَندريّة نحو ١٥٠ م. قيل إنه أعظم علماء الفلك الأقدمين، عاش معظم حياته في الإسكندرية. وأهم ما يذكره به العالم إنه رفض نظرية أرستاركس القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس ويرى أن العكس هو الصحيح. ألف كتاب (المِجِسطي)، وهو أول كتاب دون فيه علم الفلك. انظر: قصة الحضارة (١١/ ١٠٦) إخبار العلماء بأخبار الحكماء (ص: ٧٨).","vol":"1","page":200},{"text":"هياكل العبادات بفنون الدعوات من جميع اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات. فصار ما جاءت به الشريعة إن حدث سبب خير كان ذلك الصلاة والزكاة يقويه ويؤيده وإن حدث سبب شر كان ذلك العمل يدفعه وكذلك استخارة العبد لربه إذا هم بأمر كما أمر النبي -ﷺ- بقوله: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين) (^١) الحديث. فهذه الاستخارة لله العليم القدير خالق الأسباب والمسببات خير من أن يأخذ الطالع فيما يريد فعله؛ فإن الاختيار غايته تحصيل سبب واحد من أسباب النجاح إن صح، والاستخارة أخذ للنجاح من جميع طرقه، فإن الله يعلم الخيرة، فإما أن يشرح صدر الإنسان وييسر الأسباب أو يعسرها ويصرفه عن ذلك» (^٢).\nوقال ﵀: «وهكذا قد اعترف رؤساء المنجمين من الأولين والآخرين أن أهل الإيمان أهل العبادات والدعوات يرفع الله عنهم ببركة عباداتهم ودعائهم وتوكلهم على الله ما يزعم المنجمون أن الأفلاك توجبه ويعترفون أيضًا بأن أهل العبادات والدعوات ذوي التوكل على الله يعطون من ثواب الدنيا والآخرة ما ليس في قوى الأفلاك أن تجلبه» (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري كتاب: التوحيد. باب: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ [الأنعام:٦٥] برقم (٧٣٩٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٩٩ - ٢٠٠)\n(^٣) المصدر السابق (٣٥/ ١٩٦).\nويمكن أن يضاف إلى ما ذكر من الأوجه الموضحة لفساد هذه الصنعة وبطلان هذه الشبهة ما يلي:\nأن القول بصدور الحوادث الأرضية عن حركة الكواكب يقتضي أنها مختارة مريدة بنفسها، وهذا باطل لا يقول به عاقل، إذ لو كانت كذلك لما بقيت على حركة واحدة، ومسار واحد لا تحيد عنه، فهذه صفة الجماد المدبر المسخر الذي لا اختيار له. انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٥/ ١٤٧).\nأن هذه الكواكب تظهر وتأفل وتبدو وتختفي، والرب المتصرف المدبر لأمر الكون يجب أن يكون حيًا قيومًا. وبهذه الحجة احتج إبراهيم ﵇ على قومه المشركين كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦].\nإن إثبات تأثير النجوم والكواكب لا يمكن إلا بمعرفة طبائعها وتأثيراتها، وهم قد عجزوا عن اكتشاف هذه النجوم، فبين كل حين وآخر يكتشف نجم جديد لم يعلموا به في السابق، فإذا عجزوا عن اكتشاف وجودها فعجزهم عن إدراك طبائعها وتأثيراتها أولى وأحرى، كيف وهم يقررون أن الكوكب المعين لا يعود على حالته التي هو عليها إلا بعد آلاف السنين فكيف يمكنهم إدراكه؟!\nاختلاف المنجمين في الأصول التي بنوا عليها علمهم: ومن ذلك اختلافهم في البروج التي ثؤثر في العالم واختلافهم في اسمائها واختلافهم في دلالتها على طباع الناس، واختلافهم في مدة تأثيرها، واختلافهم في المذكرة منها والمؤنثة، ومن ذلك اختلافهم في السعود من الكواكب والنحوس منها، واختلافهم في كيفية معرفة السعادة من هذه الكواكب.\nومنها اختلافهم في درجات الفلك، وصورته وشكله وحركته، وصورة كواكبه، وأشكالها وحركاتها، وغيرها من الأمور الكثيرة. انظر تفصيل هذه الاختلافات: التنجيم والمنجمون (١/ ٢١٦ - ٢٢٣).","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>المسألة الثانية: بيان كذب المنجمين:</span>\nكذِبُ المنجمين وتخرصاتهم الباطلة أمر أثبتته الشريعة، وظهر بالتجربة، ونقل بالتواتر، وأقر به المنجمون أنفسهم كما أقر أحد رؤوساء هؤلاء المنجمين الذين ناظرهم شيخ الإسلام بهذا فقال: «والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة» (^١).\nوهذا الأمر قد بينه النبي -ﷺ- غاية البيان كما في حديث عائشة -﵂قالت: سأل رسول الله -ﷺ- ناس عن الكهان. فقال: (ليسوا بشيء) فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحيانًا بشيء فيكون حقاًّ. فقال رسول الله -ﷺ-: (تلك الكلمة من الحق يحفظها من الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة) (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢).\n(^٢) رواه البخاري كتاب: الأدب. باب: قول الرجل للشيء ليس بشيء، وهو ينوي أنه ليس بحق. برقم (٦٢١٣) ومسلم كتاب السلام برقم (٢٢٢٨).","vol":"1","page":202},{"text":"وقد بين شيخ الإسلام -﵀- أن الأمور الغيبية التي يخبر بها المنجمون، ويسمونها أحكام النجوم، هي من جنس أخبار الكهان التي حكم عليها النبي -ﷺ- بأنها ليست بشيء (^١).\nومن الأدلة التي استدل بها شيخ الإسلام -﵀- على هذا حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض -وصف سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه -فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من- تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء) (^٢).\nوما أجمل كلام قتادة بن دعامة السدوسي (^٣) -﵀- عندما قال: «إن الله تعالى إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها نهتدي بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد أخطأ حظه، وقال برأيه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن ناسًا جهلة بأمر الله تعالى قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا يولد به الطويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسن والذميم، قال: وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب، وقضى الله أنه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى الكبرى (١/ ٦٢).\n(^٢) سبق عزوه (ص:١٩٣).\n(^٣) هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري، حافظ البصرة المشهور، كان عالمًا مفسرًا فقيهًا، ثقة ثبتًا، حجة في الحديث، توفي بواسط بالطاعون سنة (٢١٨ هـ). انظر: الطبقات الكبرى (٧/ ١٧١ - ١٧٣) سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩ - ٢٨٣).","vol":"1","page":203},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥]، ولعمري لو أن أحدًا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله تعالى بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه الجنة فأكل منها رغدًا حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة، فما زال به البلاء حتى وقع بما نهي عنه، ولو كان أحد يعلم الغيب لعلمه الجن حين مات نبي الله سليمان -﵇-، فلبث الجن يعملون له حولًا في أشد العذاب، وأشد الهوان، لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤] قال: قد كانت تقول قبل ذلك: إنا نعلم. فابتلاهم الله تعالى، وجعل موت سليمان للجن والإنس عبرة» (^١).\nومما استدل به شيخ الإسلام -﵀- على كذبهم اعتراف كثير من زعمائهم بأن هذه الصناعة تقوم على الخرص والتوهم ومن ذلك قول أبي نصر الفارابي (^٢): «واعلم أنك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت السعد نحسًا، والنحس سعدًا، والحار باردًا، والبارد حارًا، والذكر أنثى، والأنثى ذكرًا، ثم حكمت لكانت أحكامك من جنس أحكامهم تصيب تارة وتخطئ تارة» (^٣).\n_________\n(^١) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٠٨) وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩١٣) وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٤/ ١٢٢٦).\n(^٢) هو أبو نصر، محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الفارابي، الفيلسوف يعرف بالمعلم الثاني، تركي الأصل، ولد في فاراب، وانتقل إلى بغداد، نشأ فيها، له تصانيف مشهورة، من ابتغى الهدى منها ضل وحار، ومنها \"الفصوص\" و\"إحصاء العلوم\" (ت: ٣٣٩ هـ) ـ. انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٣٩) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤١٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٨٢)، مفتاح دار السعادة (٢/ ١٧٥).\nومما يفضحهم ويكشف سترهم ما ذكره كبيرهم يعقوب بن إسحاق الكندي مما أراد أن يجعله عذرًا لكثرة اغلاطهم وأكاذيبهم، وهو في الحقيقة دليل عليهم فاضح لهم حيث قال: «إن علماء الهند أحذق الناس في علم التنجيم، فأرادوا أن يعلموه أبناءهم، فعجزوا لغموضه، فأجمع علماؤهم جزءًا من ألف جزء من علمهم، فتقبله أبناؤهم، وتعلموه، فلما نشأ أبناؤهم أرادوا تعليمهم هذا العلم كما علمهم آباؤهم ذلك من قبل، فعجزوا عن ذلك، فاختصروه، فصار جزءًا من ألف جزء مما علمهم آباؤهم، ففهمه أبناؤهم وأدركته أذهانهم. ثم قال الكندي: «فما ظنك بعلم اختصر منه جزء من ألف جزء ما يبقى منه الإصابة؟». انظر: حكم علم النجوم (ق ١٤/ب) - (ق ٢٩٨)، نقلًا عن: التنجيم والمنجمون (٢٠٢).","vol":"1","page":204},{"text":"ومن أعظم ما يدل على كذبهم وأن علمهم قائم على التخرصات حكم كل فريق منهم بفساد أصول الفريق الآخر، ونقض كل جماعة منهم لأقوال من سبقهم (^١).\nوبين شيخ الإسلام أن مما يدل على هذا معرفة الخاصة والعامة بكذبهم وتواتر الناس على تكذيبهم على مر العصور (^٢).\n_________\n(^١) \"ومن هذا أن الأوائل في عهد بطليموس عملوا رصدًا، واتفقوا أنه هو الصحيح، وبقي الأمر على ذلك سبعمائة سنة تقريبًا، حتى كان عهد المأمون، فاتفق الرصاد في عصره على أنهم امتحنوا رصد الأوائل فوجدوهم غالطين، وأنشئوا رصدًا جديدًا وسموه الرصد الممتحن، وبهذا أبطلوا رصد الأوائل … ثم حكمت طائفة بعد الرصد الممتحن بستين عامًا تقريبًا، وزعيمهم أبو معشر محمد بن جعفر بفساد هذا الرصد الممتحن … ثم جاءت جماعة أخرى منهم كوشيار بن باشهري الجيلي، حكموا على من سبقهم من المنجمين بالجهل … ثم جاءت جماعة بعد هؤلاء منهم أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي، الذي ذكر أنه قد عثر على أغلاط كثيرة استدركها على المتقدمين، وصنف فيها كتابًا … ثم جاءت جماعة أخرى في عهد الحاكم بالديار المصرية، خالفوا من سبقهم، وحكموا على الأرصاد السابقة بالفساد … ثم جاءت جماعة أخرى منهم أبو الريحان البيروني حكموا بفساد أصول من تقدمهم … ثم جاءت طائفة أخرى بعدهم منهم أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن الزرقالة خالفوا الأوائل والأواخر، وحكموا على رصدهم وأحكامهم بالفساد … ثم جاءت جماعة أخرى منهم أبو الصلت الأندلسي حكم على المنجمين كلهم، الأوائل منهم والأواخر بأنهم أصحاب زور وهذيان … كما حكم إمامهم الفارابي على المنجمين كلهم بأنهم كذابون مخادعون، وأن علم التنجيم باطل في ذاته لا يمكن تحصيله … ولا شك أن حكم بعضهم على بعض بفساد أصولهم وصناعتهم دليل كاف يبين فساد الصناعة نفسها، ويبرهن على أن القوم ليس عندهم إلا الظنون الكاذبة\" التنجيم والمنجمون (٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢)، وتجد ذلك في كثير مما أثر عن السابقين قديمًا وحديثًا من شعر ونثر، بينوا فيه دجل هؤلاء وكذبهم ومن أجمل ما قيل في ذلك قول الخليل بن أحمد -﵀-:\nأبلغوا عني المنجم أني … كافر بالذي قضته الكواكب =","vol":"1","page":205},{"text":"وأما ثبوت كذبهم بالواقع والتجربة فهو أشهر من أن يذكر وأكثر من أن يحصر، ومما يدل على صريح كذبهم القصص الكثيرة التي جزموا فيها بحصول أمر معين فوقع الأمر بخلاف ما جزموا به، قال شيخ الإسلام: «ولهذا قد علم الخاصة والعامة بالتجربة والتواتر أن الأحكام التي يحكم بها المنجمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق» (^١)، وضرب مثالًا لذلك فقال: «ولهذا لا تزال أحكامهم كاذبة متهافتة حتى إن كبير الفلاسفة الذي يسمونه \"فيلسوف الإسلام\" يعقوب بن إسحاق الكندي (^٢) عمل تسييرا لهذه الملة: زعم أنها تنقضي عام ثلاث وتسعين وستمائة، وأخذ ذلك منه من أخرج (مخرج الاستخراج) من حروف كلام ظهر في الكشف لبعض من أعاده ووافقهم على ذلك من زعم أنه استخرج بقاء هذه الملة من حساب الجمل الذي للحروف التي في أوائل السور، وهي مع حذف التكرير أربعة عشر حرفًا. وحسابها في الجملة الكثير ستمائة وثلاثة وتسعون. ومن هذا أيضا ما ذكر في التفسير أن الله لما أنزل ﴿الم﴾، قال بعض اليهود: بقاء هذه الملة إحدى وثلاثون فلما أنزل بعد ذلك ﴿الر﴾، و﴿الم﴾، قالوا. خلط علينا» (^٣).\n_________\n= عالم أن ما يكون وما كا … ن قضاء من المهيمن واجب\nموقن أن من تكهن أو … نجم كل على المقادير كاذب\nوقول الآخر:\nمن كان يخشى زحلًا … أو كان يرجو المشتري\nفإنني منه وإن … كان أبي الأدنى بري\nوقول الآخر:\nخوفني منجم أخو خبل … تراجع المريخ في برج الحمل\nفقلت دعني من أباطيل الحيل … المشتري عندي سواء وزحل\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢).\n(^٢) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي، وهو أحد أبناء ملوك كندة، وهو متبحر في فنون الحكمة اليونانية والفارسية والهندية، متخصص في أحكام النجوم، نشأ في البصرة، ثم انتقل إلى بغداد، (ت: ٢٦٠ هـ). انظر: الفهرست لابن النديم (ص: ٣٥٧)، الأعلام للزركلي (٨/ ١٩٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٨٩ - ١٩٠)، ومن أشهر تلك القصص والحوادث ما يلي: =","vol":"1","page":206},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ما ذكره الطبري وغيره في حوادث سنة سبع وثلاثين أن منجمًا لقي علي بن أبي طالب -﵁- عندما خرج لمقاتلة الخوارج، فأشار عليه بسير وقت من النهار، وقال: إن سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضراًّ شديدًا، فخالفه وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه، فلما فرغ من النهر حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره بها المنجم فظفر». فما غزا ﵁ غزوة بعد رسول الله أتم منها، حيث إنه لم ينجو من الخوارج إلا عدد قليل. انظر: تاريخ الطبري (٦/ ٤٧)، التنجيم والمنجمون (ص: ٢٠٩ - ٢١٠).\nما أجمع عليه المنجمون من خراب العالم في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بدعوى أن الكواكب الستة تجتمع فيه في الميزان، فيكون طوفان الريح في سائر البلدان، فارتعد جهلة الناس، وتأهبوا بحفر مغارات في الجبال، وأسراب في الأرض، خوفًا من ذلك، فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إليها لم ير ليلة مثلها في سكونها وركودها وهدوئها، فظهر كذب المنجمين واستبانت حقيقة حالهم، حتى نظر الشعراء في تكذيب المنجمين، أشعارًا منها قصيدة مطلعها:\nمزق التقويم والزيج فقد بان الخطأ … إنما التقويم والزيج هباء وهوا\nانظر: الكامل لابن الأثير (١١/ ٥٢٨)، التنجيم والمنجمون (ص: ٢١٠).\nما زعمه المنجمون من أن المعتصم لا يفتح عمورية، وراسلته الروم بأنا نجد ذلك في كتبنا، أنه لا تفتح مدينتنا إلا في وقت إدراك التين والعنب، وبيننا وبين ذلك الوقت شهور يمنعك من المقام بها البرد والثلج، فأبى أن ينصرف، وأكب عليها ففتحها، فأبطل ما قالوا، فأنشأ أبو تمام قصيدة يمدح المعتصم فيها، ويذكر حريق عمورية وفتحها، ويبين كذب المنجمين وفساد علمهم المزعوم فقال:\nالسيف أصدق أنباء من الكتب … في حده الحد بين الجد واللعب\nأين الرواية أم أين النجوم وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب\nتخرصًّا وأحاديثًا ملفقة … ليست بنبع إذا عدت ولا غرب\nعجائبًا زعموا الأيام مجفلة … عنهن في صفر الأصفار أو رجب\nوخوفوا الناس من دهياء مظلمة … إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب\nوصيروا الأبرج العليا مرتبة … ما كان منقلبًا أو غير منقلب\nيقضون بالأمر عنها وهي غافلة … ما دار في فلك منها وفي قطب\nلو بينت قط أمرًا قبل موقعه … لم تخف ما حل بالأوثان والصلب\nانظر: التنجيم والمنجمون (ص:٢١١).\nومن ذلك إجماع المنجمين في زمن الواثق بالله أنه يعيش في الخلافة دهرًا طويلًا، =","vol":"1","page":207},{"text":"وبين شيخ الإسلام -﵀- أن مما يدل على ظهور كذبهم تناقض أحكامهم، قال ﵀: «وكذلك دعوى المدعي أن نجم النبي -ﷺ- كان بالعقرب والمريخ وأمته بالزهرة وأمثال ذلك: هو من أوضح الهذيان المباينة لأحوال النبي -ﷺ- لما\n_________\n= وقدروا له خمسين سنة مستقبلة من يوم نظروا ولم يعش بعد ما نظروا إلا عشرة أيام ثم توفي. وانظر: تاريخ الطبري (١١/ ٢٤)، التنجيم والمنجمون (ص:٢١١).\nومن ذلك اتفاقهم سنة اثنتين وتسعين ومائتين في قصة القرامطة على أن المكتفي بالله إن خرج لمقاتلتهم كان هو المغلوب الملزوم، وكان المسلمون قد لقوا منهم على توالي الأيام شراًّ عظيمًا، وخطبًا جسيمًا، من ذلك أنهم قتلوا النساء والأطفال، واستباحوا الحريم والأموال، وهدموا المساجد، وربطوا فيها خيولهم ودوابهم، وقصدوا وفد الله وزوار بيته فأوقعوا فيهم القتل الذريع، والفعل الشنيع، وأباحوا محارم الله، فعزم المكتفي على الخروج إليهم بنفسه، فاجتمع المنجمون، وأشاروا على الخليفة أن لا يخرج؛ فإنه إن خرج لم يرجع، وبخروجه تزول دولته، وبهذا تشهد النجوم التي يقضي بها طالع مولده، فخالفهم المكتفي بالله وخرج وأقام بالرقة حتى أخذ أعداء الله جميعًا، وسيقت جموعهم بالسيف. انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٤٣)، التنجيم والمنجمون (ص: ٢١٢).\nومن ذلك النكبات التي حلت بمن تقيد بهذا العلم في أفعاله وأسفاره ومنها:\nحال أبي علي بن مقلة الوزير، وتعظيمه لأحكام النجوم، ومراعاته لها أشد المراعاة، ودخوله دارًا بناها بطالع زعم الكذابون أنه طالع سعد، ولا يرى به في الدار مكروهًا، فقطعت يده ولسانه، وخربت داره فصارت كومًا، ونكب أقبح نكبة نكبها وزير. انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٤٤)، التنجيم والمنجمون (ص: ٢١٣).\nومن ذلك أيضًا أن المنجمين حكموا للحاكم بأمر الله بركوب الحمار على كل حال، وألزموه أن يتعاهد الجبل المقطم في أكثر الأيام، وينفرد وحده بخطاب زحل بما علموه إياه من الكلام، ويتعاهد فعل ما وضعوه له من البخورات والأعزام، وحكموا بأنه ما دام على ذلك، وهو يركب الحمار فهو سالم النفس عن كل إيذاء، فلزم ما أشاروا به عليه، فجعل الله العزيز العليم، رب الكواكب ومسخرها، ومدبرها أن هلاكه كان في ذلك الجبل، وعلى ذلك الحمار، فإنه خرج بحماره إلى ذلك الجبل على عادته، وانفرد بنفسه، منقطعًا عن موكبه، وقد استعد له قوم بسكاكين، فقطعوه هنالك للوقت والحين، ثم أعدموا جثته فلم يعلم لها خبر. انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير (٩/ ٣١٤)، التنجيم والمنجمون (٢١٣). والقصص في كذب المنجمين كثيرة جدًا، وفيما ذكر كفاية لمن أراد معرفة حقيقتهم وما هم عليه من الكذب والأغاليط.","vol":"1","page":208},{"text":"يدعونه من هذه الأحكام فإن من أوضح الكذب قولهم: إن نجم المسلمين بالزهرة ونجم النصارى بالمشترى، مع قولهم إن المشترى يقتضي العلم والدين والزهرة تقتضي اللهو واللعب. وكل عاقل يعلم أن النصارى أعظم الملل جهلا وضلالة، وأبعدهم عن معرفة المعقول والمنقول، وأكثر اشتغالا بالملاهي وتعبدا بها.\nوالفلاسفة متفقون كلهم على أنه ما قرع العالم ناموس أعظم من الناموس الذي جاء به محمد -ﷺ- وأمته أكمل عقلًا ودينًا وعلمًا باتفاق الفلاسفة حتى فلاسفة اليهود والنصارى فإنهم لا يرتابون في أن المسلمين أفضل عقلًا ودينًا …، فإذا كان المسلمون باتفاق كل ذي عقل أولى أهل الملل بالعلم والعقل والعدل وأمثال ذلك مما يناسب عندهم آثار المشترى والنصارى أبعد عن ذلك وأولى باللهو واللعب وما يناسب عندهم آثار الزهرة كان ما ذكروه ظاهر الفساد» (^١).\nوبهذه الأوجه كلها يتبين بوضوح فساد صناعتهم شرعًا وعقلًا، وحقيقة ما هم عليه من الكذب والدجل والتناقض.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"1","page":209},{"text":"الفصل الرابع:\nمناظرته مع بعض الفلاسفة\nويشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: عرض المناظرة.\nالمبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة.\n* * *","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>المبحث الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-125>تمهيد:</span>\nتعتبر حجة نفي التجسيم عن الله وتنزيهه عن الحيز والجهة والمكان، أبرز الحجج التي يحتج بها نفاة الصفات من الأشاعرة ومن سبقهم من أهل الكلام، وقد حاول الرازي (^١) في كتابه (أساس التقديس)، أن يقرر هذا الأمر بشتى السبل ومختلف الطرق، وكان من عجيب ما استدل به على نفي الجسمية والحيز والجهة عن الله -جل وعلا-؛ استدلاله بسورة الإخلاص، وخصوصًا بما جاء من وصف الله ﷿ فيها أنه (أحد).\nوقد قام شيخ الإسلام بالرد عليه فيما افتراه على آي الكتاب، وما حرفه من معان ولبَّس فيه من جواب، وبين أن ما احتج به إنما هي حجة عليه لا له، ودليل على بطلان قوله لا صحته، وبين شيخ الإسلام -﵀- خطأ ما فسر به الرازي توحيد الله سبحانه وبطلان ما فسر به اسم (الأحد)، وأن هذا الانحراف في تفسير\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين البكري الطبري الرازي، الملقب بابن خطيب الري، كثير الرحلة، اشتهر بالذكاء، اشتغل بالكلام والفلسفة، وبدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، ولكنه ندم وتراجع في آخر حياته، وكان يبكي ويقول: ليتني لم أشتغل بالكلام، من مصنفاته: التفسير الكبير، أساس التقديس، (ت: ٦٠٦ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٣٨١) السير (٢١/ ٥٠١) وتاريخ الإسلام (١٢/ ١٣٧) طبقات الشافعية (٨/ ٨١).","vol":"1","page":213},{"text":"التوحيد ليس مقتصرًا على الرازي فقط، بل هو مشترك بين طوائف المعطلة، مستمد من أقوال الفلاسفة، وحكى هذه المناظرة التي تبين فساد تصورهم لتوحيد الله -﷿-، وقلبهم لمفهومه بما يخالف العقول المستقيمة والفطر السليمة واللغة العربية والنصوص الجلية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «ولهذا خاطبني بعض الأعيان من الفضلاء المتفلسفين وأخذ يقول: إن الفلاسفة يوحدون وأنهم من أعظم الناس توحيدًا ويفضلهم على النصارى في التوحيد.\nفبينت له أن الأمر ليس كذلك بل النصارى في التوحيد خير منهم، وأنهم مشركون لا موحدون.\nفقلت: الفلاسفة الذين تذكرهم: إما مشركون يوجبون الشرك ويوالون عليه ويعادون، وإما صابئون (^٢) يسوغون الشرك ويجوزون عبادة ما سوى الله وكتبهم مشحونة بهذا؛ ولهذا كان أحسن أحوالهم أن يكونوا صابئة أو هم علماء الصابئة، وهل كان نمرود وقومه وفرعون وقومه وغير هؤلاء إلا منهم؟ وهل عبدت الكواكب وبنيت لها الهياكل وأصنامها إلا برأي هؤلاء المتفلسفة؟ بل وهل عبد الصالحون وعكف على قبورهم ومثلت صورهم إلا بآرائهم؟ حتى الذين كانوا متظاهرين\n_________\n(^١) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٩٤ - ١٤٢).\n(^٢) قسَّم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه \"الرد على المنطقيين\" (ص:٢٨٨) الصائبة إلى نوعين: النوع الأول: صائبة حنفاء موحدون أثنى الله عليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة:٦٢] النوع الثاني: صائبة مشركون: صوروا الأصنام على صور الكواكب ثم عبدوها من دون الله، ولحقتهم هذه التسمية أخذًا من الصبوة وهي الميل، وهؤلاء هم المقصدون هنا. وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (١/ ٣٦)، والملل والنحل (٢/ ٦٣).","vol":"1","page":214},{"text":"بالإسلام منهم قد صنفوا في الإشراك بالله وعبادة الكواكب والأصنام، وذكروا ما في هذا الشرك من الفوائد وتحصيل المقاصد، وبالاضطرار يعلم من عرف دين الرسل محمد وغيره أنهم إنما بعثوا بالنهي عن هذا الإشراك، وجميع الرسل بعثوا بذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخرُف:٤٥]، وقال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقد اتفق المسلمون على أن دين أهل الكتاب من اليهود والنصارى خير من دين من لا كتاب له من المشركين والصابئين وغيرهم، والعلماء على تنوع أصنافهم من الفقهاء والمفسرين والمتكلمين وأرباب المقالات، وإن اختلفوا في الصابئين فلتنوعهم؛ ولهذا كان للفقهاء فيهم طريقان: أحدهما أن في كونهم من أهل الكتاب قولين للشافعي وأحمد، والطريق الثاني: أنهم صنفان فمن تدين منهم بدين أهل الكتاب كان منهم وإلا فلا. هذا هو المختار عندهم، وأما الشرك الذي في النصارى فإنما ابتدعوه تشبهًا بأولئك فكان فيهم قليل من شرك أولئك، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠] كالذين قالوا الملائكة أولاد الله كما يقوله هؤلاء المتفلسفة الصابئون فإنهم كانوا قبل النصارى.\nقلت: وأما التوحيد الذي يذكر عن الفلاسفة من نفي الصفات فهو مثل تسمية المعتزلة لما يقولونه توحيدًا وهذا في التحقيق تعطيل مستلزم للتمثيل والإشراك، وأما النصارى فهم لا يقولون إن ثم إلهين متباينين بل يقولون قولًا متناقضًا حيث يجعلون الثلاثة واحدًا ويجعلون الواحد هو المتحد بالمسيح دون غيره مع عدم إمكان تميز واحد عن غيره وهذا الكفر دون كفر الفلاسفة بكثير وتكلمت في ذلك بكلام بعد عهدي به.\nوفساد هذا وتناقضه أعظم حتى لقد قال عبد الله بن المبارك: «إنا لنحكي قول","vol":"1","page":215},{"text":"اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية» (^١)، وهذا يتبين بما نقوله: وهو أن ما فسر به هؤلاء اسم الواحد من هذه التفاسير التي لا أصل لها في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة باطل بلا ريب شرعًا وعقلًا ولغة.\nأما في اللغة:\nفإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب ولا يرى منه شيء دون شيء إذ القرآن وغيره من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار من لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسمًا؛ إذ المخلوقات: إما أجسام، وإما أعراض عند من يجعلها غيرها، وزائدة عليها، وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدًا امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم، وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء، وسيأتي بيان هذا ونذكر ما في اللغة من ذكر الواحد مع كونه موصوفًا ذا مقدار، بل لا يوجد في اللغة اسم واحد إلا على ذي صفة ومقدار كقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزُّمَر:٦]، وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدَّثر:١١]، وقال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١] وسئل النبي -ﷺ- يصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: (أوَ لكلكم ثوبان؟) (^٢) وقال: (لا يصلِّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء) (^٣).\nوسيأتي بسط هذا -إن شاء الله-.\n_________\n(^١) رواه أبو داود في المسائل (ص:٣٦١)، والدارمي في الردّ على الجهمية (ص:٢٦، ٣٩٤) وعبد الله بن أحمد في السنَّة (١/ ١١١) والخلال في السنة (٥/ ٩٨) وابن بطة في الإبانة (٦/ ٩٧) والآجري في الشريعة (٢/ ٩٨٧).\n(^٢) رواه البخاري كتاب: الصلاة. باب: الصلاة في الثوب ملتحفًا به. (٣٥٨)، ومسلم كتاب الصلاة. برقم (٥١٥).\n(^٣) رواه البخاري كتاب: الصلاة. باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه. (٣٥٩) ومسلم كتاب الصلاة. برقم (٥١٦)","vol":"1","page":216},{"text":"وأما العقل فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن سماه المسمي جسمًا.\nوأيضًا فإن التوحيد إثبات لشيء هو واحد فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها ويتميز بها عما سواه حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية ولا مجرد عدم المثل، إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة للعدم فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدًا ولهذا فسر ابن كلاب (^١) وغيره الواحد بأنه المنفرد عن غيره المباين له وهذا المعنى داخل في معنى الواحد في الشرع، وإن لم يكن إياه.\nولذلك أهل الإثبات من أهل السنة والحديث يصنفون كتب التوحيد يضمنونها ثبوت الصفات التي أخبر بها الكتاب والسنة؛ لأن تلك الصفات في كتابه تقتضي التوحيد ومعناه.\nوأما الشرع فنقول مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم يُعرّف مسميات تلك الأسماء حتى يعطوها حقها ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة ولا عن صاحب ولا أئمة المسلمين» (^٢).\n_________\n(^١) هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان البصري، رأس المتكلمين في البصرة في عصره، صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة، وربما وافقهم، كان يلقب: كلابا؛ لأنه كان يجر الخصم إلى نفسه ببيانه وبلاغته. وهو أول من أحدث القول بالكلام النفسي. من مصنفاته \"الصفات\" و\"خلق الأفعال\" (ت:٢٤١ هـ). انظر: السير (١١/ ١٧٤) تاريخ الإسلام (٥/ ٩٨١) الوافي بالوفيات (١٧/ ١٠٤).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ١٤٢ - ١٤٩).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-128>مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة:</span>\nوذلك من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-129>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nإن ما قرره المخالف من تعظيم قول الفلاسفة في التوحيد، وجعلهم أعظم الناس توحيدًا، إنما هو نتيجة محتمة للشبهة المتقررة في ذهن معطلة الصفات ونفاتها ممن خاض غمار الكلام والفلسفة، وغاص في لججها، ونهل من مشربها، من أن توحيد الله إنما يكون بنفي صفاته واسمائه وخصائصه الواجبة له سبحانه في ذاته وعظيم صفاته وتعطيله عن نعوته وكماله، وكلما زاد المرء في درجات التعطيل كلما ارتقى عندهم في سلم التوحيد، حتى صار عندهم أكثر الناس جحدًا وتعطيلًا، هو أعظم الناس فقهًا وتوحيدًا، ولما كانت الفلاسفة من أكثر الطوائف تعطيلًا لذات الله، ووصفًا له بالسلبيات، ونفيًا لما يستحقه من النعوت والصفات، فقد تقرر عند هذا الرجل أنهم أعظم الناس وأفضلهم توحيدًا.\nوإنما أُتي هذا الرجل وأضرابه من تسميتهم للأشياء بغير مسمياتها الشرعية، وجعلهم المسميات الشرعية علمًا على معتقداتهم الباطلة وآرائهم المنحرفة، وإدخالهم في مسمى التوحيد ما ليس منه حيث جعلوا نفي الصفات داخلًا في التوحيد، وإثبات الصفات منافيًا للتوحيد ومناقضًا له، وجعلوا إثباتها تشبيهًا وتجسيمًا، بل جعلوه شركًا وتنديدًا، فألحدوا في أسماء الله وآياته وحرفوا الكَلِم","vol":"1","page":218},{"text":"عن مواضعه، ولبسوا الحق بالباطل.\nوعرفوا الواحد بأنه: ما لا صفة له ولا قدر ولا يعلم منه شيء دون شيء ولا يرى ولا يشار إليه (^١).\nوهذا القول هو محصل تعريفات الفلاسفة للتوحيد والواحد وإن اختلفت عباراتهم في ذلك، فأرسطو، وهو المعلم الأول للفلاسفة يرى أن الإله والذي يعبر عنه بـ (المحرك الأول) واحد من جميع الوجوه، ووحدته تعني بساطة ماهيته في التصور الذهني، بمعنى أنه غير مركب أصلًا؛ وذلك لأنه ليس بجسم (^٢).\nوالفارابي يرى أن الواحد: ما لا ينقسم بالعدد، ولا ينقسم بالأجزاء (^٣)، وابن سينا (^٤) يعبر عن الواحد بأنه: ما لا ينقسم في المعنى ولا في الكم، وهو الذي لا فصل له ولا ند ولا عرض له، ولا يشار إليه، ولا يكون خارج العالم ولا داخله ولا أين له ولا متى (^٥).\nومن تعبيرات المتكلمين في تعريف الواحد: هو ما ليس بمنقسم ولا مركب وما لا حد له ولا غاية (^٦). ومنها أيضًا: ما ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة ولا يشار إليه\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٤)، بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٤٥).\n(^٢) انظر: الملل والنحل (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٣) فصوص الحكم (ص: ١٣٢).\n(^٤) هو أبو علي، الحسين بن عبد الله بن سينا، الفيلسوف المشهور، كان يقول بضلالات وكفريات كقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وقررها في مؤلفاته، وكان ابن سينا - كما أخبر عن نفسه - هو وأبوه، من أهل دعوة الحاكم، من القرامطة الباطنيين العبيديين، من مصنفاته \"القانون في الطب\" و\"المعاد\" (ت: ٤٢٨ هـ). انظر: وفيات الأعيان (١/ ٤١٩)، لسان الميزان (٢/ ٢٩١).\n(^٥) انظر: الإشارات والتنبيهات (٣/ ٤٤)، رسالة أضحوية في أمر المعاد (ص: ٤٤) آراء الفلاسفة (ص: ٣٧٩).\n(^٦) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٤٥).","vol":"1","page":219},{"text":"بحس ولا يتميز منه شيء من شيء ونحوها من العبارات التي مؤداها واحد وهو تعطيل ذات الله وإرجاع وجوده إلى الوجود الذهني المجرد من كل صفة، وعن كل ما يؤدي -في نظرهم- للتقسيم والكثرة (^١).\nومبنى شبهتهم أن الصفات أعراض يستلزم إثباتها لله التكثر والتعدد في ذاته، والتعدد يستلزم التركيب، والتركيب ممتنع في حق واجب الوجود، وسبب ذلك -كما بينه شيخ الإسلام- أن الفلاسفة يجعلون أخص وصف لله هو وجوب وجوده بنفسه، وإمكان ما سواه، والتركيب المذكور يوجب افتقاره لغيره وهذا يمنع من كونه واجبا بنفسه (^٢).\nقال شيخ الإسلام: -﵀-: «وأصل هذا كله ما ادعوه من أن إثبات الصفات تركيب ممتنع، وهذا أخذوه عن المعتزلة ليس هذا من كلام أرسطو وذويه …، ثم بنوا هذا على أن الواحد لا يكون فاعلًا وقابلًا؛ لأن ذلك يستلزم التركيب وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأن صدور اثنين يقتضي تعدد المصدر فمصدر (ج) غير مصدر (ب) وذلك يستلزم التركيب الممتنع، فمدار كلامهم في التوحيد والصفات كله على لفظ التركيب» (^٣).\nوهذه الشبهة في فهم التوحيد وتفسير معناه، ليست مقتصرة على الفلاسفة وحسب، بل هي شبهة مشتركة بين الفلاسفة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل الكلام، وقد ذكر شيخ الإسلام في الموضع السابق أن شبهة التركيب إنما استفادها متأخرو الفلاسفة كابن سينا وأمثاله من المعتزلة، وليس هذا من كلام أرسطو ومن معه (^٤)، وذلك أن الفلاسفة المنتسبين للإسلام لم يسلكوا في إثبات وجود (واجب الوجود) طريقة أرسطو، وإنما سلكوا طريقًا مركبة من طريقة\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٥).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٤٤).\n(^٣) الرد على المنطقيين (ص: ٣١٤).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص:٣١٤).","vol":"1","page":220},{"text":"المتكلمين وطريق سلفهم من الفلاسفة المشائين (^١).\nوقد كان معنى التوحيد وتفسيره مما ناظر به الإمام أحمد المعتزلة في عصره قال ﵀: «قلنا: لا نقول إن الله لم يزل وقدرته، ولا نقول ولم يزل ونوره. ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر؟ ولا كيف قدر؟\nفقالوا: لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء (^٢).\nفقلنا: نحن نقول قد كان الله ولا شيء، ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟ …» (^٣) إلى آخر ما أجاب به الإمام أحمد عن شبهتهم، مما ليس هذا موضع إيراده، وإنما المراد الإشارة إلى قِدم هذه الشبهة وجذورها الفاسدة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-130>الوجه الثاني: الجواب على الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- فساد قول المنازع وضعف ما احتج به على قوله الفاسد ويمكن إجمال ردوده في طرق أربع:\n\n<span data-type='title' id=toc-131>أولًا: بيان المفهوم الصحيح للتوحيد:</span>\nمن عظيم ما اعتنى به شيخ الإسلام -﵀- في معظم مصنفاته ورسائله بيان حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، ويعتبر هذا المسلك من أهم المسالك في الرد على مثل هذه الشبه والأباطيل وبيان زيفها وانحرافها، وذلك أنه إذا اتضح طريق الصواب وعرفت معالمه وتبينت حدوده وملامحه،\n_________\n(^١) انظر درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٣٥) (٩/ ٢٧٥) ومجموع الفتاوى (١/ ٤٩).\n(^٢) قال شيخ الإسلام -﵀-: «مقصودهم أنه لم يكن موجودًا بشيء يقال إنه من صفاته». بيان التلبيس (٣/ ٩٨).\n(^٣) الرد على الزنادقة الجهمية (ص:١٤٠)\n(^٤) انظر بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (١/ ٤٣٠)، (٣/ ٩٤ - ٩٨) ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٤)، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٨).","vol":"1","page":221},{"text":"عرف بذلك كل طريق يخالفه ويناقضه، فإذا عرف الناس مفهوم التوحيد الصحيح الذي جاءت الشريعة به، عرفوا بذلك بطلان كل مفهوم يخالفه أو يباينه أو يناقضه أو يعارضه، وعلى رأس ذلك هذه الأقاويل الباطلة والشبه المنحرفة التي جعلت التوحيد هو النفي والتعطيل مخالفة للمعاني الدينية والمصطلحات الشرعية، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وهم يفسرون الواحد والتوحيد بما ليس هو معنى الواحد والتوحيد في كتاب الله وسنة رسوله، وليس هو التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، وهذا أصل عظيم تجب معرفته» (^١).\nوبين شيخ الإسلام -﵀- في مواضع كثيرة من كتبه أن التوحيد الذي جاءت به الرسل يتناول أمرين:\n١) التوحيد العلمي القولي (^٢): وهو التوحيد في العلم والخبر، وهو توحيد الله في ربوبيته واسمائه وصفاته.\n٢) توحيد القصد والطلب (^٣): وهو توحيد الألوهية والعبادة فلا يعبد إلا الله وحده لا شريك له.\nوكثيرًا ما يمثل لهما شيخ الإسلام بسورتي الإخلاص والكافرون، فسورة الإخلاص جاءت بالتوحيد العلمي وسورة الكافرون جاءت بالتوحيد العملي. (^٤)\nويبين شيخ الإسلام ترابط هذين النوعين من التوحيد وتلازمهما فيقول: «الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٤٦٤/ ١)، انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٤).\n(^٢) ويسميه شيخ الإسلام تارة بـ (توحيد العلم) أو (التوحيد القولي العملي)، أو (توحيد القول والعلم)، أو (توحيد العلم والقول).\n(^٣) ويسميه شيخ الإسلام (التوحيد العملي الإرادي) أو (التوحيد في القصد والإرادة والعمل) أو (توحيد العمل والإرادة) أو توحيد (الإرادة والقصد) أو (توحيد العمل).\n(^٤) انظر: التدمرية (ص: ٥) وأمراض القلوب وشفاؤها (ص: ٦٢)، الصفدية (٢/ ٣١٥)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٦/ ٥٦٦)، منهاج السنة النبوية (٣/ ٢٩٠).","vol":"1","page":222},{"text":"اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل» (^١).\nوقد اعتنى شيخ الإسلام -﵀- ببيان توحيد الألوهية؛ لأنه التوحيد الذي خالفت فيه أكثر الطوائف، وبعثت الرسل للدعوة إليه ومحاربة ما ناقضه من الشرك والخرافات، قال ﵀ مبينًا حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل ومفهومه في الكتاب والسنة: «وذلك أن توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده، فمن عبد الله وحده لم يشرك به شيئا فقد وحده، ومن عبد من دونه شيئا من الأشياء فهو مشرك به، ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلًا بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد» (^٢)، وقال ﵀: «أما التوحيد الذى ذكره الله في كتابه، وأنزل به كتبه، وبعث به رسله، واتفق عليه المسلمون من كل ملة فهو كما قال الأئمة: شهادة أن لا اله الا الله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما بين ذلك بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]، فأخبر أن الإله إله واحد، لا يجوز أن يتخذ إله غيره فلا يعبد الا إياه، كما قال في السورة الأخرى: وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]، وقال: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]- إلى قوله: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، وكما قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزُّمَر:٣]، وكما قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨]، والشرك الذي ذكره الله في كتابه إنما هو عبادة غيره من المخلوقات، كعبادة الملائكة أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم، أو قبورهم، أو غيرهم من الآدميين ونحو ذلك مما هو كثير في\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٤٩).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ١٣٨).","vol":"1","page":223},{"text":"هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محقق في التوحيد وهو من أعظم الناس إشراكًا» (^١).\nوكلام شيخ الإسلام في هذا الباب كثير مبثوث في جل كتبه ومؤلفاته مع تركيزه على بيان ما يضاد التوحيد من الشرك وأنواعه ووسائله، وقد أفرد ذلك في كتب مستقلة -﵀ وغفر له- (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>ثانيًا: بيان فساد تفسيرهم وتعريفهم للتوحيد</span>، وذلك من ثلاثة أوجه:\n<span data-type='title' id=toc-133>الوجه الأول: بيان فساده لغة:</span>\nبين شيخ الإسلام ﵀ بطلان تفسيرهم للتوحيد والواحد بأنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ وليس بجسم ولا يشار إليه ولا يرى، من عدة وجوه:\nأولأ: أن أهل اللغة مجمعون على بطلان هذا المعنى، قال شيخ الإسلام -﵀-: «فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن وغيره من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار من لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسمًا … وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدًا امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء» (^٣).\nثانيًا: أن من المعروف في لغة العرب واصطلاحهم أنهم يطلقون على كثير من المخلوقات أنه واحد، وهو جسم من الأجسام التي يشار إليه وتثبت له الصفات،\n_________\n(^١) التسعينية (ص: ٢٠٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٦٤ - ٢٦٥).\n(^٢) منها: (الجواب الباهر في زوار المقابر)، (الرد على الأخنائي)، (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)، (الرد على البكري)، وغيرها من تصانيف الشيخ ومؤلفاته.\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ١٤٦ - ١٤٧).","vol":"1","page":224},{"text":"وهذا مما «هو معلوم بالاضطرار من لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسمًا» (^١) بل «لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم من الأمم استعمال الواحد، الأحد، الوحيد إلا فيما يسمونه هم جسما ومنقسما» (^٢)، وكان ذا صفة ومقدار.\nوضرب شيخ الإسلام أمثلة كثيرة على ذلك مما جاء في الكتاب والسنة ومن ذلك:\nأ -قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزُّمَر:٦].\nب -وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدَّثر:١١].\nت -وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١].\nث -وقال النبي -ﷺ-: (لا يصلين أحدكم في ثوب واحد وليس على عاتقه منه شيء) (^٣).\nج -قال -ﷺ-: (لا يَمْشي أحدكم في نعل واحد) (^٤).\nح -والعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وفرس واحد وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد.\nوكل هذه الموصوفات إنما هي أجسام مشار إليها، وهي تدل على استخدام الواحد فيما هو جسم خلافا لما يزعمه هؤلاء، \"فكيف يجوز أن يقال إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟! \" (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٤٧).\n(^٢) درء التعارض (٧/ ١١٤ - ١١٥).\n(^٣) سبق عزوه (ص:٢١٠).\n(^٤) رواه البخاري كتاب: اللباس. باب: لا يمشي في نعل واحدة. برقم (٥٨٥٦) ومسلم كتاب اللباس والزينة. (٢٠٩٧)\n(^٥) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ١٩٣).","vol":"1","page":225},{"text":"ثالثًا: أن تفسير النصوص الشرعية من الصفات وغيرها، إنما يرجع فيه إلى لغة الذين خوطبوا به، وفهمهم لهذه النصوص، أما أن تحمل على المصطلحات الكلامية والفلسفية المحدثة المبتدعة، فهذا باطل، ومخالف لكون القرآن هدى للناس، وبيانًا لكل شيء، وأنه بلسان عربي مبين، ولتنذر به قومك ومن بلغ، قال شيخ الإسلام -﵀-: «إن الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، وقد نزل بلغة قريش كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام واصطلاح خاص، بل ولا يحمله إلا على معانٍ عنوها بها، إما أخص من المعنى اللغوي أو أعم، أو مغايرًا له، لم يكن له أن يضع القرآن على ما وضعه هو، بل يضع القرآن على مواضعه التي بينها الله لمن خاطبه بالقرآن بلغته، ومتى فعل غير ذلك كان ذلك تحريفًا للكلام عن مواضعه، ومن المعلوم أنه ما من طائفة إلا وقد تصطلح على ألفاظ يتخاطبون بها، كما أن من المتكلمين من يقول: الأحد هو الذي لا ينقسم، وكل جسم منقسم، ويقول: الجسم هو مطلق المتحيز القابل للقسمة، حتى يدخل في ذلك الهواء وغيره، لكن ليس له أن يحمل كلام الله وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبي -ﷺ- يخاطب بها أمته، وهى لغة العرب عموما ولغة قريش خصوصا» (^١).\nفلا يجوز أن تكون هذه المصطلحات الحادثة هي المرجع في تفسير نصوص الكتاب والسنة التي نزلت قبل أن تنشأ هذه المصطلحات بدهور، فكيف إذا كانت هذه المصطلحات تصادم المعنى الحق الذي دلت عليه النصوص؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-134>الوجه الثاني: بيان فساده عقلًا:</span>\n١) أن هذا المعنى الذي ذكروه للواحد إنما هو أمر مقدر في الذهن لا وجود له في الخارج، قال شيخ الإسلام: «فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٩٢ - ١٩٣).","vol":"1","page":226},{"text":"العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج وإنما هو أمر مقدر في الذهن ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولايحاط به وإن سماه المسمي جسمًا» (^١).\n٢) أن \"التوحيد إثبات لشيء هو واحد، فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها ويتميز بها عما سواه حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية …، فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدًا\" (^٢).\n٣) أن قولهم بأن الواحد ما لا صفة له، فوق منافاته لما جاء من وصف الله في الكتاب والسنة فهو مستلزم أيضا لعدمه (^٣)، بل ويمتنع على هذا أن يكون في الوجود شيء يطلق عليه بأنه واحد (^٤).\n٤) أن لازم قول هؤلاء جحد وجود الخالق -جل وعلا-، وهذا هو منتهى قولهم وغاية تحقيقهم الإلحاد بالله سبحانه، وإنكار أن يكون في السماء رب يعبد، أو إله يصلى له ويسجد (^٥).\n٥) يلزم من قولهم أن أي موجود فُرض في الوجود فهو أكمل من رب العالمين؛ وذلك لأنهم جعلوا وجوده مشروطًا بنفي وسلب جميع الأمور الثبوتية عنه، فيكون وجود أدنى مخلوق أكمل من وجوده -﷿- (^٦)!\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ١٨٩).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٤٨).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ١١٥).\n(^٤) انظر المصدر السابق (٣/ ١١٥)\n(^٥) انظر: الصفدية (١/ ٢٤٢ - ٢٤٤) ومجموع الفتاوى (٥/ ٥٢).\n(^٦) انظر الرد على المنطقيين (٢٢١).","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>الوجه الثالث: بيان فساده شرعًا:</span>\n١) إن هذا التوحيد المذكور لا يوجد في كتاب ولا سنة، ولا دلت عليه الآيات الكريمة ولا الأحاديث الشريفة ولا فهمه سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة ولا عن صاحب ولا أئمة المسلمين» (^١)، وقال: «وكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه الأمور، ولا كان أصحاب رسول الله -ﷺ- عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله -ﷺ- والصحابة والتابعون، بل يعلم بالاضطرار أن الذى جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدا، ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك» (^٢).\n٢) إن أقوالهم هذه غير كافية في تحقيق التوحيد الشرعي، ولا يعتبر من جاء بها موحدًا \"وذلك أن توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده، فمن عبد الله وحده لم يشرك به شيئا فقد وحده، ومن عبد من دونه شيئًا من الأشياء فهو مشرك به، ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلا بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد\" (^٣).\n٣) أن هذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد يخالفهم فيها أئمة السلف وعلماؤهم، بل حتى أئمة المتكلمين ومتقدموهم يخالفونهم في مسمى الواحد\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ١٤٩).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٩٩).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ١٣٨).","vol":"1","page":228},{"text":"وتعريفه كما جاء ذلك عن ابن كلاب وغيره (^١).\n٤) أن الشرع إنما جاء في توحيد الله واسمائه وصفاته، بالنفي المجمل والإثبات المفصل، وطريقتهم هذه عكس طريقة الشرع الكريم فهي عبارة عن نفي مفصل وإثبات مجمل أو لا يكاد يكون هناك إثبات أصلا. قال شيخ الإسلام: «والله ﷾ بعث رسله بإثبات مفصَّل، ونفي مجمل، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، قال أهل اللغة: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم:٦٥]: أي نظيرًا يستحق مِثْل اسمه، ويقال مُسامِيًا يُسامِيه (^٢). وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس: (هل تعلم له مِثْلًا أو شبيهًا) (^٣) … وأما الإثبات المفصَّل، فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، الآية بكمالها، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص:١ - ٣]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٤ - ١٦]، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] … إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي -ﷺ- في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٣/ ١١١ - ١١٣).\n(^٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٨٣) ولسان العرب (١٤/ ٤٠٣) والتاج (٣٨/ ٣٠٨).\n(^٣) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٢٢٦) والبيهقي في الاعتقاد (ص: ٤٥) والأسماء والصفات برقم (٦١٠).","vol":"1","page":229},{"text":"به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل -صلى الله عليهم أجمعين-.\nوأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية، والقرامطة الباطنية (^١)، ونحوهم فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان، فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>ثالثًا: بيان فساد شبهة التركيب:</span>\nفصل شيخ الإسلام جواب هذه الشبهة من عدة أوجه، وفي عدة مواضع من كتبه واكتفي هنا بأبرز ما ينقض هذه الشبهة ويظهر فسادها، وتناقض القائلين بها:\nأولًا: بين شيخ الإسلام أن المركب في اللغة والمعقول من كلام بني آدم إنما يطلق على: ما ركبه غيره، وعلى ما كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمعت، وعلى ما يقبل مفارقة بعضه بعضًا، فهذا هو التركيب بمعناه اللغوي، وما يفهم من كلام الناس، وهذه الأنواع الثلاثة منتفية عن رب العالمين باتفاق المسلمين.\nوأما المعنى الذي يذكره أهل الفلسفة والمنطق فهو مخالف للغة وما يعقله بنو آدم من معنى التركيب بالفطرة الأولى (^٣).\nثانيًا: أن التركيب بالمعنى الذي يذكره الفلاسفة والمتكلمون إنما هو أمر\n_________\n(^١) القرامطة هم: أتباع حمدان الأشعث المعروف بقرمط، كان في الكوفة فلقيه أحد دعاة الباطنية ودعاه إلى معتقدهم، فقبل الدعوة، ثم صار يدعو الناس إليها، ولذا تعد القرامطة إحدى فرق الباطنية. انظر: فضائح الباطنية للغزالي (ص: ١٢ - ١٤)، التنبيه والرد للملطي (ص: ٣١)، الفرق بين الفرق (ص: ٢٨٢).\n(^٢) التدمرية (ص: ٨ - ١٦)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٩٥).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٤٦)، الرد على المنطقيين (ص: ٣١٤ - ٣١٥).","vol":"1","page":230},{"text":"اعتباري ذهني ليس له وجود في الخارج (^١).\nثالثًا: أن اتصاف الذات بصفاتها اللازمة لها لا يسمى تركيبًا ولا يقتضي تعددًا لغةً ولا شرعًا، \"وإنما هي ذات قائمة بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجودها إلا بها؛ وليست صفة الموصوف أجزاء له ولا أبعاضًا يتميز بعضها عن بعض أو تتميز عنه؛ حتى يصح أن يقال هي مركبة منه \" (^٢). قال شيخ الإسلام -﵀-: «وأما تسمية الواحد الموصوف بصفاته مركبًا كتسمية الحي العالم القادر الموصوف بالحياة والعلم والقدرة مركبًا فهذا اصطلاح لهم لا يعرف شيء من الشرائع ولا اللغات ولا عقول جماهير العقلاء جعلوا هذا تركيبًا» (^٣).\nرابعًا: أننا لو سلمنا بتسمية هذا الأمر تركيبًا، فإن هذا التركيب لا يلزم منه الحدوث والإمكان. قال شيخ الإسلام -﵀-: «لو فرض أن هذا يسمى مركبًا: فليس هذا مستلزمًا للإمكان ولا للحدوث. وذلك أن الذي علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب تعالى فقيرًا إلى خلقه؛ بل هو الغني عن العالمين، وقد علم أنه حي قيوم بنفسه وأن نفسه المقدسة قائمة بنفسه وموجودة بذاته وأنه أحد صمد غني بنفسه ليس ثبوته وغناه مستفادًا من غيره وإنما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقًا صمدًا قيومًا، فهل يقال في ذلك إنه مفتقر إلى نفسه أو محتاج إلى نفسه؛ لأن نفسه لا تقوم إلا بنفسه؟ فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في نفسه. فإذا قيل صفاته ذاتية، وقيل إنه محتاج إليها، كان بمنزلة قول القائل إنه محتاج إلى نفسه، فإن صفاته الذاتية هي ما لا تكون النفس بدونها. وكذلك إذا قلنا: ذاته موجبة لوجوده، أو هو واجب بنفسه، أو هو مقتض لوجوبه. فلو قال قائل: يلزم أن يكون معلولًا، والمعلول مفتقر، قيل له: ليست العلة هنا غير المعلول والمنتفي افتقاره إلى غيره وكونه معلولًا لسواه. وأما قيامه بنفسه فحق.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٤٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٤٦ - ٣٤٧).\n(^٣) الرد على المنطقيين (ص: ٢٢٤).","vol":"1","page":231},{"text":"ثم هذه العبارات التي توهم معنى فاسدًا: إن أطلقت باعتبار المعنى الصحيح أو لم تطلق بحال: لم يضر ذلك إذا كان المعنى الصحيح معلومًا لا يندفع. فهذا المعنى الشريف يجب التفطن له فإنه يزيل شبهًا خيالية أضلت خلقًا كثيرًا ....\nفليس وصف الموصوف وجزء المركب -الذي لا تقوم ذاته إلا به- إلا بمنزلة ذاته، وليس في قولنا هو مفتقر إلى نفسه ما يرفع وجوبه بنفسه فكذلك هذا. فظهر الخلل في كل المقدمتين وهو أن الصفات مستلزمة للتركيب وأن التركيب مستلزم للحاجة إلى الغير وإذا كان كل من المقدمتين باطلة: بطل هذا بالكلية» (^١).\nخامسًا: بين شيخ الإسلام -﵀- تناقضهم فيما يطلقون عليه مسمى التركيب، قال -﵀: «إن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع.\nقيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟، فهذه معان متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا.\nفإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبًا ممتنعًا.\nقيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيبًا ممتنعًا» (^٢).\nويحسن بنا هنا أن نذكر كلام الإمام أحمد -﵀- في مناظرته للجهمية في تفسير التوحيد، وبيانه لهم أن إثبات الصفات لا يناقض التوحيد، ولا يقتضي تعددًا ولا كثرة قال -﵀-: «فقلنا نحن نقول قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٤٦ - ٣٥٠).\n(^٢) التدمرية (ص: ٤٠ - ٤١).","vol":"1","page":232},{"text":"وضربنا لهم مثلًا في ذلك فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكَرَب وليف وسَعَف وخُوص وجُمَّار واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد لا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق قدرته والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم حتى خلق له علمًا فعلم والذي لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول لم يزل الله عالمًا قادرًا مالكًا لا متى ولا كيف، قال: وسمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدَّثر:١١]، وقد كان الذي سماه وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، وقد سماه وحيدًا بجميع صفاته فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>رابعًا: بيان شرك الفلاسفة وأنهم من أعظم الناس شركًا:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- لمن ناظره أن الفلاسفة أبعد الناس عن التوحيد، فهم لا يأمرون بالتوحيد ولا يفعلونه، ولا ينهون عن الشرك ولا يحذرون منه، بل إنهم إما مشركون يوجبون الشرك ويوالون ويعادون عليه، أو صابئة يجوزون الشرك ويسوغونه، فهم في الحقيقة الآمرون بالشرك والفاعلون له، ومن لم يأمر بالشرك منهم، فقد أجازه ولم ينه عنه (^٢).\nبل قد قرر شيخ الإسلام أن كل شرك في العالم فإنما حدث برأيهم، قال ﵀: «بل كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم إذ بنوه على ما في الأرواح والأجسام من القوى والطبائع وإن صناعة الطلاسم والأصنام والتعبد لها يورث منافع ويدفع مضار» (^٣).\nوقد كان أرسطو واتباعه المشائين وهم الذين انتقلت فلسفتهم للعالم\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٤١٥).\n(^٢) المصدر السابق (٦/ ٤١٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٩/ ٣٤).","vol":"1","page":233},{"text":"الإسلامي ولاقت الرواج والشهرة فيه، كانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب ويبنون لها هياكل في الأرض، ويصورون لها أصنامًا، ويجعلون لها طلاسم، ويتقربون لها بأنواع العبادات (^١).\nوقد ظهر هذا حتى على الفلاسفة المنتسبين للإسلام كابن سينا والفارابي وغيرهم، فإنهم كانوا يسوغون الشرك ويجيزونه، بل حتى متصوفة الفلاسفة كابن عربي وابن سبعين وغيرهم يجوزون أن يكون الرجل يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا، ويجوزون له التمسك بأي ناموس كان ولا يوجبون اتباع نبي بعينه كما قد سبق بيانه (^٢).\nبل قد وصل الحال ببعض المتفلسفة المنتسبين إلى الإسلام إلى تصنيف مصنفات في الإشراك بالله وعبادة الكواكب والأصنام، وذكروا ما في ذلك من الفوائد وتحصيل المقاصد على حد زعمهم (^٣).\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الكواكب والملائكة وعبادة الأنفس المفارقة -أنفس الأنبياء وغيرهم- ما هو أصل الشرك. وهم إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول، لا بالعبادة والعمل. والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله. وعبادته وحده لا شريك له، وهذا شيء لا يعرفونه، والتوحيد الذي يدعونه: إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك، فلو كانوا موحدين بالقول والكلام -وهو أن يصفوا الله بما وصفته به رسله- لكان معهم التوحيد دون العمل، وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة بل لا بد من أن يعبد الله وحده ويتخذ إلها؛ دون ما سواه، وهو معنى قول: (لا إله إلا الله) فكيف وهم في القول والكلام معطلون جاحدون؛ لا موحدون\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٩/ ١٧٥)، (١٧/ ٣٣١)، والرد على المنطقيين (ص: ٣٣٧).\n(^٢) انظر الرد على المنطقيين (ص: ٢٨٢).\n(^٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٨١).","vol":"1","page":234},{"text":"ولا مخلصون؟» (^١).\nوبين ﵀ أن الفلاسفة أعظم شركًا من النصارى فقد أجمع المسلمون على أن دين أهل الكتاب خير من دين غيرهم من المشركين والصائبة، وأن النصارى في التوحيد خير منهم، وشرك النصارى الذي وقعوا فيه إنما جاء من تشبههم بهؤلاء الصابئة الفلاسفة قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠]، ومعلوم أن صابئة الفلاسفة هم الذين كانوا قبل النصارى، وهم الذين ادعوا أن الملائكة أولاد الله، وغيرها من الكفريات التي حذا حذوهم فيها النصارى وغيرهم ممن جاء بعدهم (^٢)، بل النصارى بعد أن غيروا دين المسيح وبدلوا هم أقرب إلى الهدى ودين الحق من أولئك الفلاسفة الذين كانوا مشركين، وشرك أولئك الغليظ هو مما أوجب إفساد دين المسيح كما ذكره طائفة من أهل العلم» (^٣).\nوبين كذلك ﵀ في مواضع من كتبه أن شركهم أعظم من شرك مشركي العرب من وجوه عديدة (^٤).\nفتبين بهذا كله بعد القوم عن التوحيد وأنهم أهل كفر وشرك وإلحاد بل هم من أعظم الناس في ذلك، فكيف يسوغ بعد هذا كله أن يقال: إنهم أعظم الناس توحيدا (^٥)؟!.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٩/ ٣٥).\n(^٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٣/ ١٤٦)، الصفدية (٢/ ٢٢٧).\n(^٣) منهاج السنة النبوية (١/ ٣١٨).\n(^٤) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٣٥٣)، الرد على المنطقيين (١/ ١٠١)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٧).\n(^٥) وقد فصل شيخ الإسلام -﵀- مدى شرك الفلاسفة في مواضع كثيرة من كتبه، انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٧) (١٧/ ٢٩٠ - ٢٩٤)، منهاج السنة (١/ ٤٠٩)، (٣/ ٢٨٢)، والرد على الشاذلي (١٣٧)، ومسألة حدوث العالم (٤٥ - ١٧٠).","vol":"1","page":235},{"text":"الباب الثاني:\nمناظرته مع الطوائف المنتسبة للإسلام\nويشتمل على ستة فصول\nالفصل الأول: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الاتحادية.\nالفصل الثاني: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الصوفية وعباد القبور.\nالفصل الثالث: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الرافضة.\nالفصل الرابع: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع المتكلمين.\nالفصل الخامس: مناظرته مع بعض الجبرية الإباحية المحتجين بالقدر.\nالفصل السادس: مناظرته مع ابن الوكيل الشافعي في نسبته قول المرجئة لأهل السنة والجماعة ودفاعه عن ذلك.\n* * *","vol":"1","page":237},{"text":"الفصل الأول:\nمناظرته مع الاتحادية،\nويشتمل على خمس مباحث:\nالمبحث الأول: مناظرته مع بعض حذاق الاتحادية في قولهم بأن الإحاطة هي الوجود المطلق، وفي أن أصل قولهم يرجع إلى القول بالوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الأعيان.\nالمبحث الثاني: مناظرته مع شيخ من شيوخ الاتحادية في اعتقاده فناء الحلاج واتحاد الحق سبحانه به.\nالمبحث الثالث: مناظرته مع جماعة من الاتحادية العارفين بالفلسفة وغيرها والداخلين في التصوف والزهد في اعتقادهم أن ابن هود هو الله وهو المسيح ابن مريم.\nالمبحث الرابع: مناظرته مع بعض أكابر الاتحادية في الفرق بين التوحيد والإلحاد.\nالمبحث الخامس: مناظرته مع بعض شيوخ الاتحادية في رفضه قتال التتار لاعتقاده أن هذا قتال لله.\nملحق:\nمناظرته مع بعض الاتحادية في اعتقادهم إن الله هو الناطق في كل شيء.\nمناظرته مع بعض الاتحادية في اعتقادهم أن الله ظهر في صورة الموجودات.\n* * *","vol":"1","page":239},{"text":"تمهيد: بين يدي هذا الفصل:\nفي هذا الفصل نقف مع خمس مناظرات حدثت لشيخ الإسلام مع طائفة الاتحادية بصنفيها: القائلين بالاتحاد الخاص، والقائلين بالاتحاد العام (^١) -أعني أصحاب وحدة الوجود- وقبل الشروع في المناظرات يجدر التنبيه إلى أن قول هذه الطائفة مع أنه من أشنع وأبشع وأقبح الأقوال الكفرية، إلا أنه أيضًا من أشدها غموضًا، وأعقدها عبارة، وأصعبها فهمًا، وأكثرها اضطرابًا واختلافًا وتناقضًا؛ ولذلك فإن من الصعوبة بمكان معرفة مرادهم، وتصور أقوالهم على حقيقتها، وفهمها فهمًا واضحًا، وهذا الأمر يجده كل قارئ في مذهبهم وعقائدهم وأقوالهم، وقد اعترف بذلك شيخ الإسلام -﵀- وقال كالمعتذر للقارئ عندما لا يجد صورة واضحة لما ينقله شيخ الإسلام عنهم: «واعلم أن المذهب إذا كان باطلًا في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصورًا حقيقيًا؛ فإن هذا لا يكون إلا للحق» (^٢). وإذا كانوا هم أنفسهم -أعني الاتحادية- لا يفهمون حقيقة ما يقولونه ويقصدونه كما بين ذلك شيخ الإسلام -﵀- في غير ما موضع (^٣)، فكيف لغيرهم أن يفهم مذهبهم على حقيقته؟ ويوصله لغيره على أوضح صورة؟! وبسبب عدم فهمهم لأقوالهم افترقوا إلى فرق مختلفة\n_________\n(^١) سبق التعريف بهذه المصطلحات في الفصل الأول من الباب الأول.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ١٤٥).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٣٨).","vol":"1","page":241},{"text":"وهم مع هذا -ولصعوبة مذهبهم- لا يهتدون إلى التمييز بين فرقهم مع استشعارهم بأنهم مفترقون! (^١)؛ ولذلك فإن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم لما فيه من الألفاظ المجملة المشتركة (^٢)، ولأنه كما ذكر شيخ الإسلام مذهب متخيل لا حقيقة له عند التحقيق (^٣)، وليس هو في الوقت نفسه مستمد من وحي ولا كتاب ولا سنة.\nوقد بذلت جهدي في عرض أقوالهم وشبههم وتوضيح عباراتهم قدر المستطاع، ولي فيما ذُكِرَ آنفًا عذر عند القارئ الكريم فيما يجده من عبارات مستعصية أو ألفاظ غامضة، أو صعوبة فهم، أو عسر إدراك، وإذا وجدت فيما أحكيه عنهم تناقضا او اضطرابا فلا تظن أنه من الكاتب، بل هكذا مذهبهم وهذه طريقتهم فهم كما أخبر شيخ الإسلام -﵀: «من أكثر الخلق تناقضًا، وهم مُخلِطون تخليطًا عظيمًا» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٣٨).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٧٣).\n(^٤) التسعينية (٢/ ٧٢٤).\nوقال ﵀: «وهذا التفصيل الذي نذكره نحن لمذاهب هؤلاء أكثرُهم لا يفهمونه، ولعل فاضلَهم يَفهم بعضَ مذهبَ نفسِه فقط، لأنها أقوال هي في نفسِها متناقضة، فاضطربوا فيها كما اضطربت النصارى في الأقانيم وفي الحلول والاتحاد. وهذا شأن الباطل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٩]، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]». جامع المسائل (٤/ ٤٢١).","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>المبحث الأول: مناظرته مع بعض حذاق الاتحادية في قولهم بأن الإحاطة هي الوجود المطلق، وفي أن أصل قولهم يرجع إلى القول بالوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الأعيان</span>.\nويشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-141>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-142>تمهيد:</span>\nلقد اعتنى شيخ الإسلام -﵀- ببيان فساد عقيدة الاتحاد والرد على القائلين به، وبيان عظم ما وقعوا فيه من كفر وانحلال، وشرك وضلال، وما ذلك إلا لانتشاره في وقته بين كثير من الخواص والعوام مع جهلهم بحقيقة أمره وعظيم خطره قال ﵀: «لكن هؤلاء -أي الاتحادية- التبس أمرهم على من لم يعرف حالهم، كما التبس أمر القرامطة الباطنية لما ادعوا أنهم فاطميون وانتسبوا إلى التشيع فصار المتبعون مائلين إليهم غير عالمين بباطن كفرهم؛ ولهذا كان من مال إليهم أحد رجلين: إما زنديقًا منافقًا، وإما جاهلًا ضالًا. وهكذا هؤلاء الاتحادية: فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة؛ فإنه من أعظم الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويبطنون أعظم الكفر، وهم الذين يفهمون قولهم ومخالفتهم لدين المسلمين، ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو","vol":"1","page":243},{"text":"ذب عنهم أو أثنى عليهم أو عظم كتبهم أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم أو كره الكلام فيهم أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدري ما هو أو من قال إنه صنف هذا الكتاب وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق؛ بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم ولم يعاون على القيام عليهم فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء وهم يسعون في الأرض فسادًا ويصدون عن سبيل الله. فضررهم في الدين: أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم ويترك دينهم كقطاع الطريق وكالتتار الذين يأخذون منهم الأموال ويبقون لهم دينهم ولا يستهين بهم من لم يعرفهم فضلالهم وإضلالهم: أعظم من أن يوصف، وهم أشبه الناس بالقرامطة الباطنية ولهذا هم يريدون دولة التتار ويختارون انتصارهم على المسلمين إلا من كان عاميًا من شيعهم وأتباعهم فإنه لا يكون عارفًا بحقيقة أمرهم؛ ولهذا يقرون اليهود والنصارى على ما هم عليه، ويجعلونهم على حق كما يجعلون عباد الأصنام على حق، وكل واحدة من هذه من أعظم الكفر، ومن كان محسنًا للظن بهم - وادعى أنه لم يَعرِف حالهم - عُرِّفَ حالهم، فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلا أُلحِقَ بهم وجعل منهم. وأما من قال: لكلامهم تأويل يوافق الشريعة؛ فإنه من رءوسهم وأئمتهم؛ فإنه إن كان ذكيًا فإنه يعرف كذب نفسه فيما قاله، وإن كان معتقدًا لهذا باطنًا وظاهرًا فهو أكفر من النصارى، فمن لم يكفر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلًا كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتحاد أبعد. والله أعلم» (^١).\nولما كانت هذه الطائفة بهذا الخطر، فقد اعتنى شيخ الإسلام ببيان ضلالهم وكشف زيفهم بشتى الطرق ومختلف السبل من موعظة ومكاتبة ومحاورة ومناظرة وغيرها من السبل التي كشف من خلالها سترهم وفضح أمرهم وحذر الناس منهم.\nوكان مما وقع له معهم، هذه المناظرة التي جرت له مع بعض من يعتقد بعقيدة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٣١ - ١٣٣).","vol":"1","page":244},{"text":"وحدة الوجود، ذكرها -﵀- في معرض بيانه لفساد عقيدة وحدة الوجود، وتأثر أهلها بعقائد الفلاسفة وأقوالهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «ولما اجتمع بي بعض حذاقهم، وعنده أن هذا المذهب هو غاية التحقيق الذي ينتهي إليه الأكملون من الخلق ولا يفهمه إلا خواصهم، وذكر أن الإحاطة هو: الوجود المطلق (^١).\nقلت له: فأنتم تثبتون أمركم على القوانين المنطقية، ومن المعروف في قوانين المنطق أن المطلق لا يوجد في الخارج مطلقًا، بل لا يوجد إلا معينًا، فلا يكون الوجود المطلق موجودًا في الخارج، فَبُهِتَ.\nثم أخذ يفتش لعله يظفر بجواب فقال: نستثني الوجود المطلق من الكليات.\nفقلت له: غُلِبتَ، وضَحِكتُ؛ لظهور فساد كلامه؛\n١. وذلك أن القانون المذكور لو فرق فيه بين مطلق ومطلق لفسد القانون.\n٢. ولأن هذا فرق بمجرد الدعوى والتحكم.\n٣. ولأن ما في القانون صحيح في نفسه، وإن لم يقولوه، وهو يعم كل مطلق، فإنا نعلم بالضرورة أن الخارج لا يكون فيه مطلق كلي أصلًا» (^٢).\nتوضيح المناظرة:\nاجتمع هذا الرجل من القائلين بوحدة الوجود مع شيخ الإسلام -﵀-، وكانت عقيدته التي يعتقدها أن الله هو الوجود المطلق الذي لا يتقيد بقيد، وهو ما يسمونه بمصطلحهم (الإحاطة).\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام -﵀-: «والإحاطة عندهم: هي الوجود المطلق المجرد الذي لا يتقيد بقيد وهو الكلي الذي لا يتقيد بإيجاب ولا إمكان» الصفدية (١/ ٢٨٥).\n(^٢) الصفدية (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).","vol":"1","page":245},{"text":"فبين له شيخ الإسلام -﵀- أن الوجود المطلق إنما هو أمر كلي، ومعلوم أن الكليات إنما هي أمور تتصور في الذهن ولا وجود لها في الخارج إلا مقيدة معينة، فالوجود المطلق الذي لا يتقيد بقيد ولا يتعين، إنما هو في الحقيقة أمر ذهني لا وجود له في الواقع ولا حقيقة، فكل وجود في الخارج فهو معين ومقيد، ولا يوجد في الخارج وجود مطلق، وهذا معروف حتى في قوانين المنطق الذي يحتكمون له ويرجعون إليه، وبهذا الجواب ينبه شيخ الإسلام مُناظِره إلى أن حقيقة قولهم هي نفي وجود الله إلا في الذهن، وهذا هو الإلحاد.\nوبعد هذا الجواب من شيخ الإسلام، بُهت هذا الاتحادي وخرس. ولما لم يجد جوابًا قال: نستثني الوجود المطلق من الكليات، أي أن الكليات جميعها إنما توجد في الذهن إلا الوجود المطلق فيمكن وجوده في الخارج، ولا يخفى أن هذا الجواب إنما هو مجرد تحكم وتخرص ليس إلا؛ فإنه قد أقر أن الوجود المطلق من الكليات ثم لما ألجمه شيخ الإسلام بالحجة والبرهان، عاد فاستثنى الوجود المطلق من الكليات بلا دليل ولا حجة، وإنما سفسطة ومكابرة وعدم إذعان للحق واعتراف به، كحال أهل المراء والجدال، ولذلك ضحك من كلامه شيخ الإسلام -﵀؛ لأنه كلام المغلوب الذي لا حجة له.\n\n<span data-type='title' id=toc-144>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\nلقد اعتنى شيخ الإسلام غاية الاعتناء بفهم مذهب هؤلاء الاتحادية ومحاولة توضيحه وتبيينه مع غموض عباراته وصعوبة مصطلحاته، حتى كان أحذق به من كثير من أهله والمنتسبين إليه، قال ﵀: «ولهذا لما بينت لطوائف من أتباعهم ورؤسائهم حقيقة قولهم وسر مذهبهم صاروا يعظمون ذلك، ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد، لجعلوني من أئمتهم وبذلوا لي من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف كما تبذله النصارى لرؤسائهم، والإسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل آل فرعون لفرعون» (^١)، وترى فَهم شيخ الإسلام لحقيقة مذهبهم جليًا واضحًا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٣٨).","vol":"1","page":246},{"text":"فيما جرى له من مناظرات معهم وفيما طرح له من مسائل عنهم، ومن ذلك هذه المناظرة التي أفحم فيها مخالفه، وحاكمه إلى قوانينه ومنطقه، فأظهر تناقضه واضطرابه، وقد دار موضوع المناظرة عن اعتقادهم أن الله هو الوجود المطلق.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة:</span> وذلك من وجهين:\n<span data-type='title' id=toc-146>الوجه الأول: أصل الشبهة:</span>\nأصل شبهتهم في القول بالوجود المطلق، ووحدة هذا الوجود أمران اثنان:\nالأمر الأول: إنكارهم مباينة الله -﷿- لخلقه.\nالأمر الثاني: عدم تفريقهم بين الوجود الواجب والوجود الممكن، أو قل: جعلهم الوجود جنسًا واحدًا وشيئًا واحدًا غير منقسم ولا متعدد.\nفأما الأمر الأول: فإنهم لما نفوا علو الله على خلقه، واعتقدوا أنه غير مباين لهذا العالم، صاروا بين أمرين اثنين لا ثالث لهما:\nإما أن يقولوا بأنه معدوم لا وجود له: وهذا وإن كان هو حقيقة قولهم ولكنهم لم يجترئوا على التصريح به؛ لأنه يكشف مذهبهم ويفضحهم.\nوإما أن يقولوا إنه هو عين هذا العالم وهذا الوجود: وهذا هو مذهبهم الذي اعتقدوه، وطريقتهم التي سلكوها؛ لأنهم رأوا أنها خير من إنكار وجوده، والحكم عليه بأنه معدوم صراحة، ففروا إلى هذا القول وهذا المذهب (^١).\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وأصل ضلالهم إنكارهم مباينة الصانع للعالم وصارت قلوبهم تطلب موجودًا، وهي تأبى أن يكون مباينًا للعالم فصاروا يطلبونه في العالم أو يجعلون وجوده هو وجود العالم: فيجعلونه إما العالم، وإما جزءا منه، وإما صفة له، وإما أن يقولوا هو العالم وليس هو العالم، فيجمعوا بين\n_________\n(^١) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٠٣ - ١٣٠٤).","vol":"1","page":247},{"text":"المتناقضين» (^١)، وقال -رحمه لله-: «وأصل ضلال هؤلاء: أنهم لم يعرفوا مباينة الله لمخلوقاته وعلوه عليها وعلموا أنه موجود، فظنوا أن وجوده لا يخرج عن وجودها؛ بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أنه الشمس نفسها (^٢)» (^٣).\nوعلى هذا الأصل الفاسد بنوا قولهم: \"أن وجود المخلوقات والمصنوعات، حتى وجود الجن والشياطين والكافرين والفاسقين، والكلاب والخنازير والنجاسات، والكفر والفسوق والعصيان: عين وجود الرب، لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته، وإن كان مخلوقًا له مربوبًا مصنوعًا له قائمًا به\" (^٤).\nوأما الأمر الثاني: وهو قولهم بأن الوجود شيء واحد لا ينقسم ولا يتجزأ؛ فإنهم نظروا للقدر المشترك بين الأعيان وهو مسمى \"الوجود\" فرأوا أنه واحد في الذهن لا يتعدد، وظنوا أنه يلزم من اتفاق الخالق والمخلوق في مسمى (الوجود) أن يكون وجودهما واحدًا فقالوا بـ (وحدة الوجود) أي أن الوجود واحد، فلا وجود إلا (الوجود المطلق) أو (الوجود الواجب) الذي هو وجود الله، فكل موجود فهو الله لا غير، وليس هناك للمخلوقات والممكنات وسائر الموجودات وجود يختص بها وتتميز به، وإنما هي (وجود واجب) ظهر وتجلى على هيئة (وجود الممكن) وإن كان في الحقيقة واجبًا وليس ممكنًا، فالصورة صورة (الممكن) والحقيقة حقيقة (الواجب)، لأنه ما ثم وجود سوى الوجود الواجب وهذا هو معنى عبارتهم المشهورة «الله هو الوجود الواجب تجلى لذاته بأحكام الممكنات» (^٥) فليس\n_________\n(^١) الصفدية (١/ ٢٦٣)\n(^٢) قال شيخ الإسلام -﵀- في بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٣): «وهم يشبهون من بعض الوجوه من رأى شعاع الشمس الذي على الأرض والحيطان والجبال فظنه نفس الشمس التي في السماء، مع أن هذا الشعاع منفصل عن الشمس، ومع أنه قائم بأجسام غيرها والمخلوقات، وإن كان لها وجود وتحقق فهو مخلوق لله بائن منه».\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧).\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ١٤٢).\n(^٥) انظر: الفتوحات المكية (٤/ ١٩) والوجود الحق للنابلسي (ص:٩٨).\nفجميع الكائنات عندهم هي ذات الله ولكنه سبحانه ظهر بصورة الخلق، فالكون كله باعتبار ظاهره هو خلق وباعتبار باطنه هو حق، وسبب ظهوره في صور الكائنات هو أن الله تعالى كان وجودًا مطلقًا لا اسم له ولا صفة ولا قيد، فأراد تفصيل أسمائه وصفاته وأن يتجلى وجوده بتمامه فظهر في صور الكائنات -تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا-. انظر: عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية (ص:٣١ - ٣٣)","vol":"1","page":248},{"text":"عندهم وجود حادث مطلقًا، بل كل الوجود قديم، ولا وجود ممكن، بل كل الوجود واجب وهو هو وجود الله، الذي ظهر لذاته (^١) بأحكام الممكنات -تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا- (^٢).\nقال شيخ الإسلام -﵀- مبينًا أصلهم هذا: «فأما أصل ابن عربي (^٣) فهو أن الوجود واحد، وأن الوجود الواجب هو عين الوجود الممكن … فوجود كل شيء عين وجود الحق عنده» (^٤).\nوقال ﵀: «ثم بعد هذا يجعل هذا الوجود هو وجود كل موجود فليس عنده وجودان: أحدهما واجب والآخر ممكن. ولا أحدهما خالق والآخر مخلوق؛ بل عين الوجود الواجب هو عين الوجود الممكن» (^٥).\nوقال ﵀: «ومنشأ ضلال هؤلاء كلهم أنهم يأخذون القدر المشترك بين الأعيان، وهو الجنس اللغوي، فيجدونه واحدًا في الذهن، فيظنون أن ذلك هو وحدة عينية، ولا يميّزون بين الواحد بالجنس، والواحد بالعين، وأن الجنس\n_________\n(^١) وإنما قالوا تجلى لذاته، أي ظهر لذاته؛ لأنه لا شيء عندهم غير ذاته، فكل شيء في الوجود هو هو، فهو إنما تجلى بذاته لذاته.\n(^٢) انظر: التدمرية (ص: ١٠٧ - ١٠٩)، التسعينية (٢/ ٧٢٤ - ٧٢٥)، درء التعارض (٤/ ١٢٠)، منهاج السنة (٢/ ٥٨٨)، التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية (ص: ٢١٩).\n(^٣) هو أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي، من أئمة فلاسفة الصوفية أهل الزندقة والإلحاد، قدوة القائلين بوحدة الوجود، له مصنفات منها: \"الفتوحات المكية\" و\"الفصوص\" (ت:٦٣٨ هـ). انظر: فوات الوفيات (٢/ ٢٤١)، شذرات الذهب (٥/ ١٩٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢/ ١١٢).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢/ ١١٤، ٢٥).","vol":"1","page":249},{"text":"العام المشترك لا وجود له في الخارج، وإنما يوجد في الأعيان المتميزة» (^١).\nوإذا تقررت هذه الأصول الفاسدة التي بنى عليها الاتحادية مقالتهم في الوجود المطلق، فما منشأ هذه الأصول الفاسدة؟\nوالجواب: إن القول الذي تبناه هؤلاء الاتحادية هو في الحقيقة مأخوذ من ثلاثة طوائف: الجهمية، والصوفية، والفلاسفة، فقولهم مركب من تعطيل الجهمية، وشطحات الصوفية، وضلالات الفلاسفة.\nقال شيخ الإسلام -﵀- مبينًا هذا الأمر ومقررًا له: «مذهب هؤلاء الاتحادية كابن عربي وابن سبعين (^٢)، والقونوي (^٣)، والتلمساني (^٤)، مركب من ثلاثة مواد: سلب الجهمية وتعطيلهم، ومجملات الصوفية وهو ما يوجد في كلام بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة، وأيضًا كلمات المغلوبين على عقلهم الذين تكلموا في حال سكر، ومن الزندقة الفلسفية التي هي أصل التجهم، وكلامهم في الوجود المطلق، والعقول والنفوس والوحي والنبوة والوجوب والإمكان، وما في ذلك من حق وباطل.\nفهذه المادة أغلب على ابن سبعين والقونوي، والثانية أغلب على ابن عربي،\n_________\n(^١) درء التعارض (٤/ ١٢٠)، وانظر: منهاج السنة (٢/ ٥٨٨).\n(^٢) هو أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن سبعين، المرسي الصوفي الاتحادي الضال، كان صوفيًا على قواعد الفلاسفة، وله كلام كثير في العرفان وتصانيف، وله أتباع ومريدون يعرفون بالسبعينية. انظر: فوات الوفيات (٢/ ٢٥٣)، شذرات الذهب (٥٣٢٩).\n(^٣) هو صدر الدين محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف بن علي القونوي الرومي، اتحادي صوفي، من كبار تلاميذ ابن عربي، (ت: ٦٧٣ هـ). انظر: طبقات الشافعية (٨/ ٤٥)، الوافي بالوفيات (٢/ ٢٠٠).\n(^٤) هو سليمان بن علي بن عبد الله بن علي الكُومي التلمساني، عفيف الدين: شاعر اتحادي صوفي يتبع طريقة ابن عربي، قيل إن له ميل إلى مذهب النصيرية، (ت: ٦٩٠ هـ). انظر: شذرات الذهب (٥/ ٤١٢)، فوات الوفيات (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":250},{"text":"ولهذا هو أقربهم إلى الإسلام، والكل مشتركون في التجهم، والتلمساني أعظمهم تحقيقًا لهذه الزندقة والاتحاد التي انفردوا بها، وأكفرهم بالله وكتبه ورسله وشرائعه واليوم الآخر» (^١).\nوالناظر في كلام القوم لا يشك فيما ذكره شيخ الإسلام من تأثرهم بهذه المذاهب وخصوصًا الفلاسفة؛ فإنهم في الواقع هم المصدر الرئيس لشبه القوم وضلالاتهم، وأما تعطيل الجهمية وسلبهم فهو في الحقيقة مستمد كذلك من الفلاسفة وأقوالهم ونظرياتهم، وأما مجملات الصوفية وكلامهم الموهم للوحدة والاتحاد، فما هو إلا تطبيق عملي وأثر من آثار تأثرهم بمذاهب الفلاسفة.\nفكان المصدر الرئيس في هذا كله هي الفلسفة الذي كان التصوف في مراحله الأخيرة مستمدًا منها وراجعًا إليها (^٢)، وشبهتهم هذه ما هي إلا مثال واقعي لمدى تأثرهم بالمذاهب الفلسفية، فإن قولهم بالوجود المطلق (الإحاطة) مأخوذ في الحقيقة من هؤلاء الفلاسفة، كما بين ذلك شيخ الإسلام -﵀- فقال: «فلما كان\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٧٥).\n(^٢) انظر: الصفدية (١/ ٢٦٧).\nوقال شيخ الإسلام -﵀-: «والشيوخ الأكابر الذين ذكرهم أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية وأبو القاسم القشيري في الرسالة كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل الحديث كالفضيل بن عياض والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي وغيرهم، وكلامهم موجود في السنة وصنفوا فيها الكتب، لكن بعض المتأخرين منهم كان على طريقة بعض أهل الكلام في بعض فروع العقائد ولم يكن فيهم أحد على مذهب الفلاسفة؛ وإنما ظهر التفلسف في المتصوفة المتأخرين فصارت المتصوفة تارة على طريقة صوفية أهل الحديث وهم خيارهم وأعلامهم، وتارة على اعتقاد صوفية، وتارة على اعتقاد صوفية أهل الكلام فهؤلاء دونهم، وتارة على اعتقاد صوفية الفلاسفة كهؤلاء الملاحدة» الصفدية (١/ ٢٦٧). وقال ﵀: «ولكن هؤلاء أخذوا مذهب الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وأمثاله الذي دخل كثير منها في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وأمثاله، فأخرجوها في قالب الإسلام بلسان التصوف والتحقيق» الصفدية (١/ ٢٦٥).","vol":"1","page":251},{"text":"منتهى الفلاسفة الصابئة وأعلى علمهم هو الوجود المطلق، وكان أصل التجهم وتعطيل صفات الرب إنما هو مأخوذ عن الصابئة وكان هؤلاء الاتحادية في الأصل جهمية، وأنه بما فيهم من النصرانية -المشاركة للصابئة صار بينهم وبين الصابئة نسب- صار معبودهم وإلههم هو الوجود المطلق، وزعموا أن ذلك هو الله مضاهاة لما عليه خلق من قدماء الفلاسفة من تعطيل الصانع وإثبات الوجود المطلق» (^١).\nوقال ﵀: «ولكن هؤلاء أخذوا مذهب الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وأمثاله الذي دخل كثير منها في كلام صاحب الكتب (المضنون بها على غير أهلها) (^٢) وأمثاله فأخرجوها في قالب الإسلام بلسان التصوف والتحقيق» (^٣).\nوخلاصة الأمر أن من تقررت لديه حقيقة الأصول الفاسدة التي بنى عليها الاتحادية مقالتهم، ومنبعهم الذي استقوا منه ضلالاتهم، تبين له دون أدنى شك ضلال هؤلاء وبعدهم عن الحقائق الشرعية والعقلية والفطرية، بل صارت تلك المعرفة كافية في الرد عليهم ونقض مقالتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-147>الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة:</span>\nالجواب على هذه الشبهة من وجوه متعددة وأهمها ما يلي:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٩١ - ٩٣).\n(^٢) هو زين الدين محمد بن محمد بن محمدالغزالي الطوسي الشافعي الملقب بـ (حجة الإسلام)، برع في المذهب والأصول والخلاف والمنطق والفلسفة، واشتهر بتصوفه إلى جانب أشعريته، أظهر الفلسفة في قالب التصوف، وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث ومطالعة الصحيحين. له مصنفات: إحياء علوم الدين، المستصفى وغيرها (ت:٥٠٥ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٢١/ ٢٧)، تاريخ الإسلام (١١/ ٦٣)، السير (٩/ ٣٢٧)، طبقات الشافعية (٦/ ١٩١). وهذا الكتاب ينسب له، وفي ثبوته عنه خلاف، وقد اشتمل \"المضنون\" على التصريح بقدم العالم، ونفي العلم القديم بالجزئيات، ونفي الصفات، وغير ذلك، وكان شيخ الإسلام يجزم بثبوته عنه. انظر المجموع (٤/ ٦٥).\n(^٣) الصفدية (١/ ٢٦٥).","vol":"1","page":252},{"text":"أولا: أن حقيقة قولهم نفي وجود الله تعالى؛ وذلك لأن الوجود المطلق لا يوجد إلا في الأذهان وليس له وجود في الخارج: فهو أمر يفرضه الذهن ولا وجود له في الحقيقة إلا مقيدًا معينًا، وعلى هذا فتكون حقيقة قولهم نفي وجود الله تعالى إلا في الذهن، وهذا غاية التعطيل والكفر، وقد قرر شيخ الإسلام هذا الأصل في مواطن كثيرة من كتبه وردوده عليهم (^١)، وبهذا الوجه رد على مُناظِره من الاتحادية وبين له فساد قوله بالقوانين المنطقية التي احتكموا إليها؛ فنبهه على أن (المطلق) عندهم هو: الذي لا يوجد في الخارج مطلقًا، بل لا يوجد إلا معينًا، فلا يكون الوجود المطلق موجودًا في الخارج، وهذا يعني نفي وجود الله ﷾، وقال له موضحا هذا: «فأنتم تثبتون أمركم على القوانين المنطقية، ومن المعروف في قوانين المنطق أن المطلق لا يوجد في الخارج مطلقا بل لا يوجد إلا معينا، فلا يكون الوجود المطلق موجودا في الخارج» (^٢). إذا فهم لا يثبتون إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان، وذلك أن من قال: إن وجود الحق هو الوجود المطلق دون المعين: فحقيقة قوله إنه ليس للحق وجود أصلًا (^٣).\nقال شيخ الإسلام: «وتلخيص النكتة: أنه لو عنى به المطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له في الخارج فلا يكون للحق وجود أصلًا، وإن عنى به المطلق بلا شرط، فإن قيل بعدم وجوده في الخارج فلا كلام، وإن قيل بوجوده فلا يوجد إلا معينًا فلا يكون للحق وجود إلا وجود الأعيان. فيلزم محذوران:\nأحدهما: أنه ليس للحق وجود سوى وجود المخلوقات.\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة (٢/ ١١٢)، (٣/ ٣٠١)، الصفدية (١/ ٩٩ - ١٠١)، (٢/ ٥ - ٦)، ودرء التعارض (٤/ ٢٥٣ - ٢٥٨)، (٥/ ٨١، ٨٤، ١٣٦)، (٦/ ١٢٤)، ونقض التأسيس (٢/ ٣٨٠)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٢٠٢، ٢٠٧، ٢١٠).\n(^٢) الصفدية (١/ ٢٩٦).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٦٧).","vol":"1","page":253},{"text":"والثاني: التناقض وهو قوله إنه الوجود المطلق دون المعين» (^١).\nوبين ﵀ أن غاية معتقد أصحاب وحدة الوجود وجماع أمرهم هدم الدين وأصوله وعلى رأس ذلك الإيمان بالله سبحانه فقال ﵀: «وجماع أمر صاحب الفصوص وذويه: هدم أصول الإيمان الثلاثة؛ فإن أصول الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان برسله، والإيمان باليوم الآخر. فأما الإيمان بالله: فزعموا أن وجوده وجود العالم ليس للعالم صانع غير العالم. وأما الرسول فزعموا أنهم أعلم بالله منه ومن جميع الرسل ومنهم من يأخذ العلم بالله -الذي هو التعطيل ووحدة الوجود- من مشكاته وأنهم يساوونه في أخذ العلم بالشريعة عن الله. وأما الإيمان باليوم الآخر فقد قال:\nفلم يبق إلا صادق الوعد وحده … وبالوعيد الحق عين تعاين\nوإن دخلوا دار الشقاء فإنهم … على لذة فيها نعيم يباين\nوهذا يذكر عن بعض أهل الضلال قبله أنه قال: إن النار تصير لأهلها طبيعة نارية يتمتعون بها وحينئذ: فلا خوف ولا محذور ولا عذاب؛ لأنه أمر مستعذب. ثم إنه في الأمر والنهي: عنده الآمر والناهي والمأمور والمنهي: واحد؛ ولهذا كان أول ما قاله في الفتوحات المكية التي هي أكبر كتبه:\nالرب حق والعبد حق … يا ليت شعري من المكلف؟\nإن قلت عبد فذاك رب … أو قلت رب أنى يكلف؟\nوفي موضع آخر (فذاك ميت) رأيته بخطه. وهذا مبني على أصله فإن عنده ما ثم عبد ولا وجود إلا وجود الرب فمن المُكلَّف؟ وعلى أصله هو المُكلِّف والمُكلَّف كما يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولًا» (^٢).\nثانيًا: أن اشتراك الخالق والمخلوق في مسمى الوجود لا يعني أن وجودهما واحد، فالاشتراك في المسمى لا يلزم منه الاشتراك في الحقيقة: قال شيخ\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ١٦٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"1","page":254},{"text":"الإسلام مبينًا هذا: «فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى (الوجود) أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصّه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الاضافة والتقييد والتخصيص ولا في غيره، فلا يقول عاقل -إذا قيل: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود-، إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى (الشيء) و(الوجود)؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركًا كليًا هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود، فوجود كلّ منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما، ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمّى صفاته بأسماء، فكانت تلك الاسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الاطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص لا اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص، فقد سمّى الله نفسه حيًّا، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢]، وسمّى بعض عباده حيًا، فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام:٩٥]، وليس هذا الحيّ مثل هذا الحي؛ لأن قوله: (الْحَيُّ) اسم لله مختص به، وقوله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أُطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمّى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق» (^١)؛ وذلك لأن \"كل موجودين قائمين بأنفسهما، فحينئذ لابد أن يجمعهما اسم عام يدل على معنى عام، لكن المعنى العام لا يوجد عامًا إلا في الذهن لا في الخارج.\n_________\n(^١) التدمرية (ص:٢٠ - ٢٢).","vol":"1","page":255},{"text":"فإذا قيل: هذا الموجود، وهذا الموجود مشتركان في مسمى الوجود، كان ما اشتركا فيه لا يوجد مشتركًا إلا في الذهن لا في الخارج، وكل موجود فهو يختص بنفسه وصفات نفسه، لا يشركه غيره في شيء من ذلك في الخارج، وإنما الاشتراك هو نوع من التشابه والاتفاق، والمشترك فيه الكلي لا يوجد كذلك إلا في الذهن، فإذا وجد في الخارج لم يوجد إلا متميزًا عن نظيره، لا يكون هو إياه، ولا هما في الخارج، مشتركان في شيء في الخارج\" (^١).\nقال شيخ الإسلام: «فمن فهم هذا انحلّت عنه إشكالات كثيرة يعثر فيها كثير من الأذكياء الناظرين في العلوم الكلية والمعارف الإلهية» (^٢).\nفبين شيخ الإسلام -﵀- أن في الوجود وجودين:\nأحدهما: أزلي واجب الوجود نفسه.\nالثاني: محدث ممكن الوجود، موجود بغيره.\nولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يتفقا في خصائصه، فإن وجود الواجب يخصه، ووجود المحدث يخصه:\nوجود الخالق: واجب أزلي ممتنع الحدوث، أبدي ممتنع الزوال.\nووجود المخلوق: ممكن حادث بعد العدم قابل للزوال (^٣).\nثالثًا: أن قولهم بعدم التفريق بين واجب الوجود وممكن الوجود ظاهر البطلان \"وذلك أنه قد عُلم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه، إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد عُلم بالاضطرار أن المحدَث لا بد له من محدِث، والممكن لا بد له من واجب، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة (٢/ ٣٠ - ٣١).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٣١).\n(^٣) انظر: تقريب التدمرية (ص: ٣٥).","vol":"1","page":256},{"text":"لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم\" (^١).\nوقولهم هذا معلوم البطلان بالضرورة؛ لأنه مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس والفطرة، فكلها تشهد بالتفريق بين الخالق والمخلوق وبين واجب الوجود وممكن الوجود، ومما يدل على بطلان قولهم ما يلزم عليه من وصف الله بالعدم ووصفه بكل نقص وعيب فإنه \"إذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب، كان وجود كل مخلوق -يُعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه- هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي، الذي لا يقبل العدم، وإذا قدّر هذا، كان الوجود الواجب موصوفًا بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل عيب\" (^٢)، وهذا القول على بشاعته هو حقيقة مذهبهم، بل ويصرحون به في كتبهم ومقالتهم.\nرابعًا: الإجماع على كفر هذه المقولة ومخالفتها للعقل:\nلاشك أن النصوص متظافرة والإجماع منعقد على كفر القائلين بهذه المقالة وخروجهم من ملة الإسلام، وقد نقل شيخ الإسلام عن جملة من العلماء تكفير وتقبيح هذه المقالة ومن قال بها (^٣)، وقال ﵀: «أما كون وجود الخالق هو وجود المخلوق؛ فهذا كفر صريح باتفاق أهل الإيمان؛ وهو من أبطل الباطل في بديهة عقل كل إنسان، وإن كان منتحلوه يزعمون أنه غاية التحقيق والعرفان وهذا مبسوط في غير هذا الموضع» (^٤)، وبين شيخ الإسلام -﵀- أن قولهم وكفرهم أكبر وأقبح من كفر اليهود والنصارى وذلك من وجهين: «من جهة أن أولئك قالوا: إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين وهؤلاء يقولون: ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره.\nوالثاني: من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح وهؤلاء جعلوا\n_________\n(^١) التدمرية (ص: ٢٠).\n(^٢) التدمرية (ص:٤١ - ٤٢).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٦).","vol":"1","page":257},{"text":"ذلك ساريًا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] الآية. فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء؟! وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، وقال لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] الآية، فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه؟! ولا يتصور أن يعذب الله إلا نفسه، وأن كل ناطق في الكون فهو عين السامع … وأن الناكح عين المنكوح؟! …» (^١).\nخامسًا: تناقضهم الواضح دليل على بطلان مذهبهم وفساده:\nأما تناقضهم واضطرابهم فهو مقام واسع جدا يطول بيانه وذكر أمثلته، ولكننا نكتفي بذكر مثال بديع ضربه شيخ الإسلام على تناقض قولهم وفساده، وذلك أنهم يقولون بأن المحجوبين عن حقيقة التوحيد لا يرون الوجود واحدًا بل يرون التعدد والكثرة في الوجود؛ لأنهم حجبوا عن الحقيقة التي أدركها هؤلاء، قال شيخ الإسلام مفحمًا لهم ومظهرًا لتناقضهم: «فإذا كان ما ثم غير ولا سوى، فمن المحجوب؟ ومن الحاجب؟ ومن الذي ليس بمحجوب وعم حُجب؟\nفقد أثبتوا أربعة أشياء: قوم محجوبون، وقوم ليسوا بمحجوبين، وأمر انكشف لهؤلاء، وحجب عن أولئك. فأين هذا من قولهم: ما ثم اثنان ولا وجودان؟!!\nكما حدثني الثقة أنه قال للتلمساني: فعلى قولكم لا فرق بين امرأة الرجل وأمه وابنته؟ قال: نعم الجميع عندنا سواء؛ لكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم، فقيل لهم: فمن المخاطب للمحجوبين أهو هم أم غيرهم؟ فإن كانوا هم فقد حرم على نفسه لما زعم أنه حرام عليهم دونه، وإن كانوا غيره\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٧٢ - ١٧٣).","vol":"1","page":258},{"text":"فقد أثبت غيرين وعندهم ما ثم غير» (^١).\nفهذه بعض الأوجه في الرد على أصل شبهة هؤلاء وضلالهم وأوجه الرد عليهم كثيرة، وإن كان قولهم مما ترفضه الفطر ابتداء، وترده العقول السليمة، وتنكره جميع الشرائع والملل، فمجرد حكايته وبيانه تغني عن إظهار بطلانه:\nوليس يصح في الأذهان شيءٌ … إذا احتاج النهار إلى دليلِ (^٢)!\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٩٧).\n(^٢) البيت لأبي الطيب المتنبي، من مقطوعة تشتمل على سبعة أبيات، انظر: ديوانه شرح العكبري (٣/ ٩٠ - ٩٢).","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>المبحث الثاني: مناظرته مع شيخ من شيوخ الاتحادية في اعتقاده فناء الحلاج واتحاد الحق سبحانه به. وتحته مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-149>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-150>تمهيد:</span>\nذكر شيخ الإسلام -﵀- هذه المناظرة في رسالة أرسلها إلى الحلولي نصر المنبجي (^١) بين له فيها حقيقة مذهب الاتحادية والحلولية وما كان عليه ابن عربي ومن جاء بعده كالصدر الرومي (^٢) وابن سبعين (^٣)، وأنه وصل الحال ببعضهم لادعاء الألوهية لنفسه أو لشيخه، وإجازة حلول الله واتحاده بخلقه، ومنهم من يقول بالاتحاد العام في كل شيء وهم أصحاب الوحدة، ومنهم من يقول بالاتحاد الخاص وهو اتحاد الله ببعض خلقه، ومن هؤلاء من يصرح بذلك، ومنهم من يشير ويرمز إليه ولا يبوح أو يصرح.\nوقد كانت المناظرة السابقة مع أحد القائلين بالاتحاد المطلق (وحدة الوجود) وفي هذه المناظرة يناقش شيخ الإسلام صنفًا آخر من أصناف الاتحادية ألا وهم\n_________\n(^١) سبق التعريف به.\n(^٢) هو صدر الدين القونوي الرومي، سبق التعريف به.\n(^٣) سبق التعريف به.","vol":"1","page":260},{"text":"الاتحادية القائلون بالاتحاد المقيد المعين لا المطلق، فيناقش شيخًا من شيوخهم يعتقد أن الله قد نطق على لسان الحلاج (^١) بعد فنائه عن نفسه واتحاد الحق سبحانه به.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد خاطبني مرة شيخ من هؤلاء في مثل هذا، وكان ممن يظن أن الحلاج قال: (أنا الحق)؛ لكونه كان في هذا التوحيد.\nفقال: الفرق بين فرعون والحلاج: أن فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وهو يشير إلى نفسه. وأما الحلاج فكان فانيًا عن نفسه، والحق نطق على لسانه.\nفقلت له: أفصار الحق في قلب الحلاج ينطق على لسانه كما ينطق الجني على لسان المصروع؟! وهو سبحانه بائن عن قلب الحلاج وغيره من المخلوقات، فقلب الحلاج أو غيره كيف يسع ذات الحق؟! ثم الجني يدخل في جسد الإنسان ويشغل جميع أعضائه، والإنسان المصروع لا يحس بما يقوله الجني ويفعله بأعضائه، لا يكون الجني في قلبه فقط، فإن القلب كل ما قام به فإنما هو عرض من الأعراض، ليس شيئًا موجودًا قائمًا بنفسه، ولهذا لا يكون الجني بقلبه الذي هو روحه» (^٢).\nوقال -﵀- أيضًا: «وجاء إلينا شخص كان يقول: إنه خاتم الأولياء فزعم أن الحلاج لما قال: (أنا الحق)، كان الله تعالى هو المتكلم على لسانه، كما يتكلم الجني على لسان المصروع، وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله تعالى من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان من هذا الباب؛ فبينت له فساد هذا، وأنه لو كان كذلك كان\n_________\n(^١) هو أبو مغيث الحسين بن منصور البيضاوي الفارسي الحلاج، أحد أئمة الاتحادية، وله كثير من الأقوال الكفرية، نشأ بتستر وخالط الصوفية وزعم أن الله حل فيه، فأمر الخليفة المقتدر بصلبه وقتله سنة (٣٠٩ هـ) - وسيأتي مزيد توضيح لحاله أثناء الدراسة. انظر: تاريخ بغداد (٨/ ١١٢ - ١٤١)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣١٣ - ٣٥٤).\n(^٢) منهاج السنة (٥/ ٣٧٩).","vol":"1","page":261},{"text":"الصحابة بمنزلة موسى بن عمران، وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من موسى؛ لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق.\nوهذا يقوله قوم من الاتحادية لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين الاتحاد العام المطلق الذي يذهب إليه الفاجر التلمساني وذووه، وبين الاتحاد المعين الذي يذهب إليه النصارى والغالية وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة؛ يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك (^١) والبخاري (^٢) وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحًا، وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان.\nوأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية، ولكن السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه؛ فإن كثيرًا من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى، فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-152>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-153>مناقشة شبهة فناء الحلاج واتحاد الحق -سبحانه- به:</span>\nوستكون دراستها من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-154>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- أن بعض المتصوفة قد تغلب عليه الواردات والأحوال، حتى تستولي على قلبه وفكره، فيفنى (^٤) عن كل موجود في نظره،\n_________\n(^١) قال ابن المبارك -﵀-: (إنَّا لنحكي كلام اليهود والنَّصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجَهمية) وقد سبق عزوه.\n(^٢) قال الإمام البخاري -﵀-: (ما أبالي صليت خلف الجهمي الرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم) خلق أفعال العباد للبخاري (ص: ٣١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧). وانظر: درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٧٠).\n(^٤) قال شيخ الإسلام في كتابه الرد على الشاذلي (ص: ١٩١): «مقامَ الفناء والاصطلام: وهو أن يغيب السالك بمعروفه عن معرفته وبمذكوره عن ذكره وبمعبوده عن عبادته وبموجوده عن وجوده». وقال ابن القيم: «والفناء الذي يشير إليه القوم، ويعملون عليه: أن تذهب المحدثات في شهود العبد، وتغيب في أفق العدم، كما كانت قبل أن توجد، ويبقى الحق تعالى كما لم يزل، ثم تغيب صورة المشاهد ورسمه أيضا، فلا يبقى له صورة ولا رسم، ثم يغيب شهوده أيضا، فلا يبقى له شهود، ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه، كما كان الأمر قبل إيجاد المكونات، وحقيقته: أن يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل». مدارج السالكين (١/ ١٦٨ - ١٦٩). وللفناء إطلاقات ثلاث انظرها ص:٢٥٧. من هذه الرسالة.","vol":"1","page":262},{"text":"ولا يشاهد سوى الله، فيفنى بمشاهدته عن مشاهدة الخلق، ويبلغ به الحال إلى أن يفنى حتى عن شهود نفسه، بل وعن مشاهدة شهوده أيضًا، ولا يبقى إلا الحق، فعند ذلك ينطق بقوله: (أنا الحق) و(سبحاني) و(ما في الجبة إلا الله) (^١) وغيرها من العبارات الكفرية التي مدارها على الحلول والاتحاد، وادعاء الربوبية مع الله، ثم يجعلون هذه الأحوال التي يصلون إليها هي غاية التوحيد والتحقيق، قال شيخ الإسلام: «وطائفة من الصوفية المدعين للتحقيق يجعلون هذا تحقيقًا وتوحيدًا كما فعله صاحب منازل السائرين (^٢) وابن العريف (^٣) وغيرهما. كما أن الاتحاد العام جعله طائفة تحقيقًا وتوحيدًا: كابن عربي الطائي، وقد ظن طائفة أن الحلاج كان من هؤلاء» (^٤).\nفبين شيخ الإسلام \"أن أصل شبهة هؤلاء أنهم جعلوا الاتحاد والحلول توحيدًا؛\n_________\n(^١) هذه مقالات تنسب لأبي يزيد البسطامي، انظر: السير (١٣/ ٨٨).\n(^٢) هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي، شيخ خراسان في عصره، كان حافظًا للحديث، مظهرًا للسنّة داعيًا إليها، قال الذهبي: «كان شيخنا ابن تيمية بعد تعظيمه لشيخ الإسلام يحطّ عليه ويرميه بالعظائم بسبب ما في هذا الكتاب، نسأل الله العفو والسلامة» يعني منازل السائرين (ت: ٤٨١ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٠/ ٤٩٠)، طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٧).\n(^٣) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي الأندلسي المريي المعروف بابن العريف، له كتاب المجالس وغيره (ت: ٥٣٦ هـ). انظر: السير (٢٠/ ١١٤)، وفيات الأعيان (١/ ١٦٨).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٣).","vol":"1","page":263},{"text":"بل هو عندهم غاية التحقيق والتوحيد ثم ظنوا أن الحلاج وقع في هذا الفناء الذي يسمونه توحيدا (^١)؛ ولذلك خرجت منه مثل هذه الكلمات والأقوال الكفرية كقوله: (أنا الحق) ونحوها من العبارات، فحال الحلاج من جنس حال أهل الفناء، فإن العبد قد يفنى عن شهود ذاته، ولا يشهد إلا الحق بأسمائه وصفاته، فيتكلم الحق على لسانه، فيوحد نفسه بنفسه، فيكون الحق هو الناطق على لسان العبد والله هو الموحد لنفسه لا العبد، ويفرقون بين قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وبين قول الحلاج: أنا الحق وسبحاني. فإن فرعون قال ذلك: وهو يشهد نفسه فقال عن نفسه، وأما أهل الفناء فغابوا عن نفوسهم وكان الناطق على لسانهم غيرهم\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام -﵀- في بيانه لهذا الأمر: «حتى إن كثيرًا من أكابر شيوخ المعرفة والتصوف يجعلون هذا نهاية التحقيق والتوحيد، وهو أن يكون الموحّد هو الموحَّد، وينشدون (^٣):\nما وحد الواحد من واحد … إذ كل من وحده جاحد\nتوحيد من يخبر عن نعته … عارية أبطلها الواحد\nتوحيده إياه توحيده … ونعت من ينعته لاحد» (^٤)\n_________\n(^١) قال القاشاني في كتابه: اصطلاحات الصوفية (ص:٢٢٠) في بيان تعريف الصوفية للتوحيد: الفناء عن رسوم الصفات في حضرة الواحدية، وشهود الحق بأسمائه وصفاته لا غير. وانظر: معجم كلمات الصوفية للنقشبندي (ص: ١٩٧) والمعجم الصوفي للحفني (ص: ٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٧).\n(^٣) من أبيات أبي إسماعيل الهروي ذكرها في منازل السائرين، وقد أفسد بها كتابه، وعلى أن ابن القيم أورد له اعتذارات إلا أنه قال: «في هذا الكلام من الإجمال والحق والإلحاد ما لا يخفى … الخ» مدارج السالكين (٣/ ٤٧٥). وقال: «فرحمة الله على أبي إسماعيل، فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد، فدخلوا منه وأقسموا بالله جهد أيمانهم: إنه لمنهم، وما هو منهم، وغره سراب الفناء، فظن أنه لجة بحر المعرفة، وغاية العارفين، وبالغ في تحقيقه وإثباته، فقاده قسرا إلى ما ترى» مدارج السالكين (١/ ١٦٨).\n(^٤) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣/ ٣٢٥) وانظر: المصدر السابق (٤/ ٤٩٦).","vol":"1","page":264},{"text":"ولما كان هذا هو اعتقادهم أجازوا حلول الله ببعض خلقه ونطقه على لسانه، وجعلوا ما كان يتلفظ به الحلاج من هذا الباب.\nواحتج هذا الشيخ -أيضًا- لتبرير قوله بحلول الحق في قلب الحلاج ونطقه على لسانه، بحجة أخرى مشاهدة وهي حلول الجني في المصروع ونطقه على لسانه، فجعل هذا من جنس هذا.\nفهذه هي أصل شبهة هذا الشيخ وأمثاله ممن يعتقدون هذا الاعتقاد، وهي الفهم الخاطئ لمعنى التوحيد، مما أدى للخطأ في تفسير الكلمات الكفرية التي صدرت عن بعض الاتحادية ومنهم الحلاج، وبنوا على هذا أمرًا ثالثًا وهو أن كلام النبي -ﷺ- للصحابة كان من هذا الباب.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>الوجه الثاني: الجواب عن هذه الشبهة:</span>\nقد تبين مما سبق أصل الشبهة التي بنى عليها المخالف حجته، وهي الضلال في مفهوم التوحيد، وجعله حقيقة التوحيد هي حلول الله بعبده ونطقه على لسانه، مما يبرر أن ما وقع فيه الحلاج من الأقوال الكفرية هي عين التوحيد؛ وذلك بدعواهم أن الله حل بقلب الحلاج ونطق على لسانه، كما يحل الجان بقلب المصروع وينطق على لسانه، والجواب على هذه الشبهة، يتكون من ثلاثة أمور:\n\n<span data-type='title' id=toc-156>أولًا: بيان فساد اعتقادهم فناء الحلاج واتحاد الحق -تعالى الله سبحانه- به:</span>\nقد بين شيخ الإسلام -﵀- في مختلف مصنفاته فساد هذه الشبهة وفساد ما تفرع عنها من وجوه كثيرة أبرزها ما يلي:\nالوجه الأول: بين شيخ الإسلام -﵀- أن مدعي الربوبية لأنفسهم من الصوفية لهم أحوال كثر، فمنهم من قد يدعيها لوصلوه إلى حال السكر والفناء فيظن أن ما حوله فني، ويغيب حتى عن نفسه وشهوده، فلا يشاهد إلا الحق، وإنما الذي فني في الحقيقة تصوره للأشياء، وشهوده لها وإلا فالموجودات في نفسها باقية (^١)،\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٩٨).","vol":"1","page":265},{"text":"ومنهم من قد يتلبس به الشيطان فينطق على لسانه بمثل هذه العبارات الكفرية (^١)، ومنهم من الباعث له على ذلك الزندقة والإلحاد ولم يحدث له اصطلام ولا تلبس به جان، والحلاج إنما كان من النوع الثالث كما هو ظاهر من أقواله وأفعاله ومصنفاته قال شيخ الإسلام: -﵀-: «وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام فليس كذلك؛ بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان» (^٢) فلا يصح الاعتذار له بأنه كان من أهل هذه الأحوال.\nالوجه الثاني: أننا حتى لو سلمنا أن الباعث لنطق الحلاج بمثل هذه الكفريات هو الفناء الذي وصل إليه، والحال الذي غلب عليه، فمثل هذا الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور ليست علمًا ولا حقًا، بل غايته أنه نقص عقله الذي يفرق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر، لا أن يجعل قوله توحيدا وتحقيقا (^٣)!\nالوجه الثالث: أن هذا التوحيد الذي يزعمون تحققه للعارف الفاني عن نفسه ووجوده بوجود الله سبحانه، إنما غايته ومنتهاه تحقيق ما أقر به المشركون من توحيد الربوبية، وهذا لا يدل على إسلام ولا إيمان فضلا أن يدل على صلاح وتوحيد وولاية، قال شيخ الإسلام ﵀: «فكذلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لاسيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية. فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا، فضلًا عن أن يكون وليًا لله أو من سادات\n_________\n(^١) انظر: الجواب الصحيح (٢/ ٣٤١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٨٦).\n(^٣) المصدر السابق (٨/ ٣١٣).","vol":"1","page":266},{"text":"الأولياء» (^١)، \"وإنما الشأن في توحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل، وأنزلت به الكتب، وتميز به أولياء الله من أعدائه، وهو أن لا يعبد إلا الله، ولا يحب سواه، ولا يتوكل على غيره\" (^٢).\nالوجه الرابع: أن مثل هذه الأحوال لا تدل على الكمال ولا على الغاية في التحقيق والتوحيد، بل هي حال ضعف ونقص؛ لأنها إنما تصيب ضعاف العقول وضعاف النفوس (^٣)، ولذلك لم تكن هذه الأمور تحدث للرسل الكرام ولا السلف الصالحين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (^٤).\nالوجه الخامس: أن غياب العقل والوصول بصاحبه إلى حال كحال المجانين والسكارى ليس فيه مدح لا عقلًا ولا شرعًا ولا عادة، بل يذم من يتعمد ذلك شرعًا وعقلًا وعادة (^٥).\nالوجه السادس: بين شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه أن الفناء ثلاثة أنواع وهي:\n١) الفناء عن إرادة ما سوى الله، وهو إخلاص العبادة لله، فيفنى بعبادته عن عبادة ما سواه.\n٢) الفناء عن شهود ما سوى الله، وهو الفناء في توحيد الربوبية، وهو الفناء الذي يعنيه هؤلاء المتصوفة.\n٣) الفناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، فلا يوجد سوى الله، وهو قول أهل الاتحاد والحلول.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٢).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ١٧٤).\n(^٣) انظر: التدمرية (ص: ٢٢٠).\n(^٤) انظر: التدمرية (ص:٢٢٢)، الرد على الشاذلي (ص:١٠٢).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٨٢)، وانظر: الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية لتقي الدين الهلالي (ص:١٢٠).","vol":"1","page":267},{"text":"فالنوع الأول هو التوحيد الذي جاء به الشرع وهو فناء ديني شرعي، والنوع الثاني فناء صوفي بدعي، وهو طريق موصل للنوع الثالث وهو الفناء الإلحادي الكفري (^١).\nالوجه السابع: إن المعنى الذي ذكروه للتوحيد معنى كفري باتفاق الأمة، فقد أجمعت الأمة على كفر من قال باتحاد الله وحلوله بشيء من خلقه، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر واتحاده به وأن البشر يكون إلها وهذا من الآلهة: فهو كافر مباح الدم وعلى هذا قتل الحلاج. ومن قال: إن الله نطق على لسان الحلاج، وأن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله وكان الله هو القائل على لسانه: أنا الله فهو كافر باتفاق المسلمين؛ فإن الله لا يحل في البشر ولا تكلم على لسان بشر» (^٢).\nالوجه الثامن: أن قولهم من جنس قول النصارى وكفر النصارى معلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ لاعتقادهم حلول الله بالمسيح عيسى -﵇- واتحاده به \"وهؤلاء حقيقة قولهم من جنس قول النصارى في المسيح يدعون أن حقيقة التوحيد أن يكون الموحِّد هو الموحَّد؛ فيكون الحق هو الناطق على لسان العبد والله الموحد لنفسه لا العبد، وهذا في زعمهم هو السر الذي كان الحلاج يعتقده، وهو بزعمهم قول خواص العارفين\" (^٣).\nبل إن قول هؤلاء شر من قول النصارى؛ حيث إن النصارى إنما اعتقدوا حلول الله بالمسيح -﵇-، أما هؤلاء فاعتقدوا حلول الله بمن هو دون المسيح -﵇، بل بمن هو من الزنادقة والمجرمين، قال شيخ الإسلام -﵀-: «فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله واتفق المسلمون على كفرهم بالله ورسوله: كان من أعظم\n_________\n(^١) انظر: التدمرية (ص: ٢٢١ - ٢٢٣)، الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق (ص: ١٠١ - ١٠٣) ومجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٠ - ٢٠٥)، طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص:٢٦٠ - ٢٦٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٨١).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ١٨٥).","vol":"1","page":268},{"text":"دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح ابن مريم فمن قال بالحلول والاتحاد في غير المسيح -كما تقوله الغالية في علي، وكما تقوله الحلاجية (^١) في الحلاج، والحاكمية في الحاكم (^٢)، وأمثال هؤلاء - فقولهم شر من قول النصارى؛ لأن المسيح ابن مريم أفضل من هؤلاء كلهم» (^٣).\nالوجه التاسع: أن السلف كفروا الجهمية لمجرد تلويحهم بأن الله في كل مكان، فكيف بمن صرح بذلك كالاتحادية هؤلاء، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة؛ يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحا وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان، وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية» (^٤).\nالوجه العاشر: أن إنكار بينونة الله لخلقه هو تكذيب في الحقيقة للكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وتكذيبه كفر بالله وخروج عن الملة، وتقرير هذا الأمر أشهر من أن يذكر، وأوضح من أن يسطر، فهو ضرورة لا يمكن جهلها ولا يسع جحدها، إلا من مكابر معاند، أو ملحد زنديق، وقد كان مما رد به شيخ الإسلام على مناظره في اتحاد الحلاج بالحق أن قال له: «وهو سبحانه بائن عن قلب الحلاج وغيره من المخلوقات، فقلب الحلاج أو غيره كيف يسع ذات الحق؟! …» (^٥).\n_________\n(^١) نسبة إلى مَن ألَّه الحلاج، وقد سبقت ترجمته.\n(^٢) هو (الحاكم بأمر الله) أبو علي، منصور ابن نزار (العزيز باللَّه) ابن معد (المعز لدين الله) ابن إسماعيل بن محمد العبيدي، متأله، غريب الأطوار، من خلفاء الدولة الفاطمية، وظهرت الدعوة إلى تأليهه سنة (٤٠٧ هـ) على يد حمد بن إسماعيل الدرزي وحسن بن حيدرة الفرغاني، (ت:٤١١ هـ). انظر: السير (١٥/ ١٧٣)، وفيات الأعيان (٥/ ٢٩٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٨٠ - ٢٨١)، وانظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٤/ ٤٩٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٧٧).\n(^٥) منهاج السنة (٥/ ٣٧٩).","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-157>ثانيًا: من جهة فساد اعتقادهم في الحلاج:</span>\nاعتقد الاتحادية في الحلاج اعتقادًا فاسدًا؛ حيث غلو فيه حتى بلغوا به درجة الألوهية، وأنه كان يفنى عن ذاته، حتى تتحد به ذات الحق سبحانه، وينطق على لسانه -والعياذ بالله من هذه الأقوال وقائليها-.\nوحقيقة الأمر كما بينها شيخ الإسلام أن الحلاج ما كان إلا ساحرًا زنديقًا؛ قُتِل على الزندقة والإلحاد، ومقالاته مقالات كفرية باتفاق المسلمين، قال شيخ الإسلام -﵀-: «الحلاج قتل على الزندقة، التي ثبتت عليه بإقراره وبغير إقراره، والأمر الذي ثبت عليه مما يوجب القتل باتفاق المسلمين، ومن قال: إنه قتل بغير حق فهو إما منافق ملحد، وإما جاهل ضال.\nوالذي قتل به ما استفاض عنه من أنواع الكفر، وبعضه يوجب قتله، فضلا عن جميعه، ولم يكن من أولياء الله المتقين، بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات، بعضها شيطاني، وبعضها نفساني، وبعضها موافق للشريعة من وجه دون وجه، فلبس الحق بالباطل.\nوكان قد ذهب إلى بلاد الهند، وتعلم أنواعًا من السحر، وصنف كتابًا في السحر معروفًا، وهو موجود إلى اليوم، وكانت له أقوال شيطانية، ومخاريق بهتانية» (^١).\nولا يعلم أن أحدًا من علماء المسلمين أثنى عليه أو ذكره بخير، سوى بعض متقدمي الصوفية الذين لم يتبين لهم حاله، قال شيخ الإسلام: «وما نعلم أحدًا من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير، لا من العلماء ولا من المشايخ؛ ولكن بعض الناس يقف فيه؛ لأنه لم يعرف أمره» (^٢)، بل حتى مشايخ المتصوفة لم يعدوه من أهل الطريق وذلك لظهور كفره وزندقته، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وعند جماهير\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٠٨)، وانظر: الفتاوى الكبرى (٣/ ٤٨٠)، جامع الرسائل (١/ ١٨٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٨٣).","vol":"1","page":270},{"text":"المشايخ الصوفية وأهل العلم أن الحلاج لم يكن من المشايخ الصالحين؛ بل كان زنديقًا» (^١)، «وقد ذكر أبوعبد الرحمن السلَمي (^٢) أن جمهور المشايخ أخرجوه عن الطريق، وكان ساحرًا، وله مصنف في السحر» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-158>ثالثًا: فساد ما ذكروه من مثال لتقرير هذا الأمر:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- فساد المثال الذي ذكروه من أن الله حل بقلب الحلاج ونطق على لسانه، كما يحل الجان بقلب المصروع وينطق على لسانه، وقد نقض شيخ الإسلام ذلك من عدة أوجه:\nالوجه الأول: قياسكم غير صحيح فأنتم تقولون إن الله حل بقلب الحلاج، كما يحل الجن ببدن الإنسان، والجن إذا دخل جسد الإنسان يسري في جميع جسده ويشغل جميع أعضائه، ولا يكون في القلب فحسب (^٤).\nالوجه الثاني: أن القلب إنما تحل وتقوم به الأعراض لا الأعيان القائمة بنفسها، والجن مخلوقات وأعيان قائمة بنفسها وليست أعراض، فكيف تحل بالقلب (^٥)؟!.\nالوجه الثالث: يلزم على قولكم هذا أن ذات الله سبحانه إنما هي عرض من الأعراض، وليست ذاتًا قائمة بنفسها؛ وذلك لأن القلب لا تقوم به إلا الأعراض، -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا- (^٦).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٨/ ٣١٨).\n(^٢) هو أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي السلمي النيسابوري، شيخ الصوفية وصاحب تاريخهم وطبقاتهم وتفسيرهم، له مصنفات منها: الأربعين، طبقات الصوفية وغيرها، (ت: ٤١٢ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٨)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤٦).\n(^٣) جامع المسائل (٤/ ٣٨٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٨٤)، وانظر: طبقات الصوفية (ص:٢٣٦).\n(^٤) انظر: منهاج السنة (٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٥/ ٣٧٩).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (٥/ ٣٧٩).","vol":"1","page":271},{"text":"الوجه الرابع: أن هذا مناقض لما قد علم بالضرورة من الدين والعقل أن الله بائن عن خلقه، فكيف يصح أن يقال إنه حل بالحلاج أو غيره (^١)؟!\nالوجه الخامس: أن الله -﷿- أعظم وأكبر من جميع خلقه، فكيف يصح أن يقال: أنه حل بقلب الحلاج؟ وكيف يسع قلب الحلاج ونحوه ذات الحق سبحانه (^٢)؟!.\nالوجه السادس: أن دعواهم مخالفة لما هو \"معلوم بالاضطرار من العقل والدين أن الله لم يتكلم على لسان بشر، كما يتكلم الجني على لسان المصروع\" (^٣)، \"ولكن يرسل الرسل بكلامه فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم بقوله، كما قال النبي -ﷺ-: (أما إن الله قال على لسان نبيه سمع الله لمن حمده) (^٤)، فإن كل واحد من المرسل والرسول: قد يقال إنه يقول على لسان الآخر، كما قال الإمام أحمد بن حنبل للمروذي: (قل على لساني ما شئت) (^٥)، وكما يقال: هذا يقول على لسان السلطان كيت وكيت، فمثل هذا معناه مفهوم، وأما إن الله هو المتكلم على البشر، كما يتكلم الجني على لسان المصروع: فهذا كفر صريح\" (^٦).\nالوجه السابع: أن هذا القول مخالف لكمال غناه ﷿ مستلزم لفقره واحتياجه لما سواه، كقلب يحل فيه، أو لسان ينطق به، كما يقول هؤلاء -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- قال شيخ الإسلام -﵀-: «وكل من وقع بنوع من الحلول لزم افتقار الخالق إلى غيره واستغناء غيره عنه» (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٥/ ٣٧٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٥/ ٣٧٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١/ ١٥٨).\n(^٤) رواه مسلم، باب: التشهد في الصلاة. برقم (٤٠٤).\n(^٥) لم أقف على هذا الأثر.\n(^٦) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢).\n(^٧) درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٢٨٧).","vol":"1","page":272},{"text":"وبهذا القدر يتضح فساد ما احتج به هذا المناظر، لتبرير ما وقع به شيخهم الحلاج من ضلالات وكفريات، تناقض الشرع الكريم، وتخالف العقل المستقيم.\n* * *","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-159>المبحث الثالث: مناظرته مع جماعة من الاتحادية العارفين بالفلسفة وغيرها والداخلين في التصوف والزهد في اعتقادهم أن ابن هود هو الله، وهو المسيح ابن مريم:</span>\nويشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-160>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-161>تمهيد:</span>\nذكر شيخ الإسلام -﵀- هذه المناظرة أثناء بيانه لحال الاتحادية، حيث بين -﵀- أن أصحاب الحلول والاتحاد هم أحق الناس باتباع المسيح الدجال، حيث لا يمتنع على قولهم بجواز الاتحاد بين الخالق والمخلوق، أن يكون الدجال هو نفسه الله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.\nثم عَرَجَ شيخ الإسلام -﵀- على تكذيب الرازي وأمثاله للحديث الوارد في علامة الدجال وهو قوله -ﷺ-: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور) (^١)، بحجة أن أدلة نفي الربوبية عن المسيح أوضح وأكثر من هذا فكيف يحتج على نفي ربوبيته\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٧١٣١)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (٢٩٣٣).","vol":"1","page":274},{"text":"بالعور فقط؟\nوقد أجاب شيخ الإسلام عن هذه الشبهة وبين صحة الحديث وثبوته، من وجوه عدة (^١)، ثم شرع -﵀- في ذكر هذه المناظرة التي حدثت له مع صنف آخر ممن لم ينكر الحديث وإنما فهمه على غير معناه ووجهه الصحيح؛ بل جعله دليلا على جواز اتحاد الله بابن هود -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.\nويلاحظ القارئ تفاوت مسلك الفريقين مع الحديث وتناقضه، فالفريق الأول ينكر الحديث ويجحده، والفريق الآخر جعل الحديث مثبتا للاتحاد والحلول.\nوقد مهد شيخ الإسلام قبل ذكر هذه المناظرة بذكر نبذة عن شخصية هذا الرجل الذي اغتر به الكثير ألا وهو ابن هود (^٢)، فذكر أنه كان شيخًا مشهورًا بدمشق، وكان من أعظم الاتحادية زهدًا ومعرفة ورياضة، وكان معظمًا لابن سبعين ومفضلًا له على ابن عربي، وقد بلغ الحال ببعض مريديه إلى أن ادعوا أنه هو المسيح عيسى ابن مريم، بل وادعو أنه هو الله -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا- (^٣).\n_________\n(^١) انظر: بغية المرتاد (ص:٥١٤ - ٥١٩)، وسيتم ذكر أهم الأوجه أثناء دراسة المناظرة.\n(^٢) ابن هود: هو أبو علي بدر الدين حسن بن علي بن يوسف بن هود المرسي المغربي الأندلسي الصوفي الاتحادي الضال، حصل له زهد مفرط وفراغ عن الدنيا، وكان لا يفرق بين الملل والنحل، ويجيز التدين بأي دين، وربما أقام اليوم واليومين شاخص العينين لا يفوه بحرف، وصحِب ابن سبعين واشتغل بالفلسفة والطبّ وتُرَّهات الاتّحادية، وزُهْديّات الصوفية، وخلط هذا بهذا، وكان غارقًا في الفكر، مواصل الأحزان، يلبس نوعًا من الثياب مما لم يعهد لبس مثله، وحُمِلَ مرة إلى والي البلد وهو سكران أخذوه من حارة اليهود فأحسن الوالي به الظن وسرحه، وقيل: سقاه اليهود خبثًا منهم ليغضوا منه بذلك، ومن شعره:\nعلم قومي بي جهل … إن شأني لأجل\nأنا عبد أنا رب … أن عز أنا ذل\nأنا دنيا أنا أخرى … أنا بعض أنا كل\nتوفي سنة (٦٩٩ هـ). انظر: السير (٢٣/ ٢٢)، وفوات الوفيات (١/ ٣٤٥)، وشذرات الذهب (٥/ ٤٤٧)، وأعيان العصر (٢/ ٢٠٠ - ٢٠٥)، والوافي بالوفيات (١٢/ ١٥٦).\n(^٣) انظر: بغية المرتاد (ص:٥١٤ - ٥٢٠).","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-162>عرض المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام: «وقد كان عندنا بدمشق الشيخ المشهور الذي يقال له: ابن هود، وكان من أعظم من رأيناه من هؤلاء الاتحادية؛ زهدًا ومعرفة ورياضة، وكان من أشد الناس تعظيمًا لابن سبعين ومفضلًا له عنده على ابن عربي وغلامه ابن إسحاق (^١)، وأكثر الناس من الكبار والصغار كانوا يطيعون أمره، وكان أصحابه الخواص به يعتقدون فيه أنه الله، وأنه أعني ابن هود هو المسيح بن مريم، ويقولون إن أمه كان اسمها مريم وكانت نصرانية، ويعتقدون أن قول النبي -ﷺ-: (ينزل فيكم ابن مريم) (^٢) هو هذا، وأن روحانية عيسى تنزل عليه.\nوقد ناظرني في ذلك من كان أفضل الناس إذ ذاك معرفة بالعلوم الفلسفية وغيرها مع دخوله في الزهد والتصوف، وجرى لهم في ذلك مخاطبات ومناظرات يطول ذكرها جرت بيني وبينهم، حتى بينت لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم، وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا، وبينت فساد ما دخلوا فيه من القرمطة حتى أظهرت (^٣) مباهلتهم (^٤)، وحلفت لهم أن ما ينتظرونه من هذا لا يكون ولا يتم، وأن الله لا يتم أمر هذا الشيخ؛ فأبر الله تلك الأقسام والحمد لله رب العالمين.\nهذا مع تعظيمهم لي بمعرفتي عندهم، وإلا فهم يعتقدون أن سائر الناس محجوبون جهال بحقيقتهم وغوامضهم، وإلا فمن كان عند هؤلاء يصلح أن\n_________\n(^١) هو صدر الدين محمد بن إسحاق القونوي الرومي. وقد سبق ترجمته.\n(^٢) رواه البخاري، كتاب أخبار الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم (٣٤٤٨)، ومسلم، كتاب الإيمان (١٥٥).\n(^٣) في المطبوع: (ظهرت) ولعله خطأ.\n(^٤) الباء والهاء واللام) أصول ثلاثة: أحدها التخلية، والثاني جنس من الدعاء، والثالث قلة في الماء. والمباهلة ترجع إلى الثاني؛ فإن المتباهلين يدعو كل واحد منهما على صاحبه. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]. انظر: مقاييس اللغة (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":276},{"text":"يخاطب بأسرارهم؟!\nإنما الناس عندهم كالبهائم، حتى قال لي شيخ مشهور من شيوخهم لما بينت (^١) له حقيقة قولهم، فأخذ يستحسن ويعظم معرفتي بقولهم، وقال: هؤلاء الفقهاء صم بكم عمي فهم لا يعقلون.\nفقلت له: هب أن الفقهاء كذلك، أبالله (^٢) أهذا القول موافق لدين الإسلام؟ فيتحير المجتهدون ويضطربون إذا شبه عليهم؟!\nوقال لي بعض من كان يصدق هؤلاء الاتحادية، ثم رجع عن ذلك، فكان من أفضل الناس ونبلائهم وأكابرهم: ما المانع من أن يظهر الله في صورة بشر؟ والنبي -ﷺ- يقول في\nالدجال: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور)، فلولا جواز ظهوره في هذه الصورة لما احتاج إلى هذا في كلام له. وأخذ يحتج بذلك على إمكان أن يكون ابن هود الله.\nفبينت له امتناع ذلك من وجوه، وتكلمت معه في ذلك بكلام طال عهدي به، لست أضبطه الآن حتى تبين له بطلان ذلك.\nوذكرت له أن هذا الحديث لا حجة فيه، والله سبحانه قد بين عبودية المسيح وكفر من ادعى فيه الإلهية بأنواع غير ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] فأكل الطعام لازم لكل بشر. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة:١٧]، وقال تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وأمثال ذلك» (^٣).\n_________\n(^١) في المطبوع: (بنت) ولعله خطأ.\n(^٢) في المطبوع: (أبا الله) ولعله خطأ.\n(^٣) بغية المرتاد (ص:٥٢٠ - ٥٢٢).","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-164>المسألة الأولى: بطلان شبهتهم في اعتقاد ألوهية ابن هود:</span>\nودراسة هذه المسألة من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-165>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nفي هذه المناظرة كانت شبهة هذا الرجل الاتحادي شبهة نقلية وهي استدلاله بما جاء في وصف الدجال: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور) (^١)، على جواز ظهور الله في صورة بشر، وبالتالي جواز ظهوره في صورة شيخهم ابن هود، وذلك أن النبي -ﷺ- أخبر أن الآية والعلامة التي يعرف بها كذب المسيح الدجال في ادعائه الألوهية هي العور، فزعموا أن هذا يدل على إمكانية ظهور الله في صورة البشر، وإلا لما احتاج في تقرير نفي ألوهية المسيح الدجال لمثل هذا الكلام (^٢).\nوالاستدلال بالنصوص وإن كان ليس من طريقة أهل الاتحاد، إلا أن من عادة أهل الباطل بعد تقرير باطلهم بطرقهم المبتدعة، أن يبحثوا ويفتشوا عما يتعلقون به من نصوص الشرع للاحتجاج به على مذهبهم الذي قرروه، وطريقتهم التي سلكوها، ومن هذا الباب جاء استدلالهم بهذا الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-166>الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة:</span>\nأجاب شيخ الإسلام عن استشهاد هؤلاء الاتحادية بهذا الحديث من عدة أوجه:\nأولًا: أن هذا الفهم السيء للحديث إنما دخل عليهم بسبب ظنهم أن ذكر صفة العور في الحديث إنما جاء؛ لأنها هي العلامة الفارقة الوحيدة التي يمكن التمييز بها بين الخالق جل وعلا والمسيح الدجال، والصواب أن ذكر صفة العور في\n_________\n(^١) سبق عزوه.\n(^٢) انظر: بغية المرتاد (ص: ٥٢١).","vol":"1","page":278},{"text":"الحديث الشريف ليس المراد به أنها هي العلامة الفارقة والمميزة الوحيدة، وليس هناك علامة غيرها، بل الحديث ظاهر في أنها إحدى العلامات، وإن كانت هناك علامات أخرى غيرها، ويؤكد ذلك ما يلي:\n١. أنه قد جاء في إحدى روايات الحديث، قوله -ﷺ-: (لأقولن لكم فيه قولًا لم يقله نبي لأمته؛ إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور)، فبين أن سبب تخصيصه لهذه الصفة بالذكر، أنه أول من يبينه ويوضحه من الأنبياء، حيث لم يذكر هذه العلامة أحد قبله.\n٢. أنه لو كان هذا هو الدليل الوحيد على كذب هؤلاء لوجب على الأنبياء كلهم أن يبينوا ذلك؛ لوجوب بيان كذبه، وتحذير أمتهم منه، ومع ذلك فقد أخبر في الحديث أنه أول من يبين هذا الأمر وهذا الدليل، فدل على أنها ليست العلامة الوحيدة الفارقة.\n٣. أنه قد جاء في الأحاديث نفسها ذكر علامات وأوصاف أخرى للدجال تدل على كذبه في دعواه (^١) ومنها أنه (مكتوب بين عينيه كافر (ك ف ر) يقرؤها كل مؤمن) (^٢) ومنها: أنه يُرى في الدنيا، وقد أخبر في الحديث: (واعلموا أنّ أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت) (^٣)، ومنها: أنه يريد أن يقتل ذلك المؤمن الذي قتله أولا فيعجز عن قتله مرة ثانية (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: بغية المرتاد (ص:٥١٦ - ٥١٧).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٧١٣١)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (٢٩٣٣).\n(^٣) رواه مسلم باب: ذكر ابن صياد (٢٩٣١).\n(^٤) حديث أبي سعيد، قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- يومًا حديثا طويلا عن الدجال، ثم قال: (فيخرج إليه يومئذ رجل، وهو خير الناس - أو من خيار الناس - فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله -ﷺ- حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا، ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه) رواه البخاري، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة (٧١٣٢).\n(^٥) انظر: الجواب الصحيح (١/ ٤١٨) (٦/ ٤١٩).","vol":"1","page":279},{"text":"ثانيًا: أنه إنما خص ذكر هذه العلامة؛ لأنها علامة ظاهرة لكل أحد ويعرفها ويقر بها جميع الناس، فإن قيل: أفلا يكفي في بيان بطلان ألوهية المسيح الدجال إثبات أنه بشر من بني آدم، والرب ليس كذلك؟\nقيل: إن النبي -ﷺ- لم يكتف ببيان بشرية المسيح الدجال؛ لأنه علم أن كثيرًا من الخلق سيضل في هذا الباب، فيجيز حلول الله بخلقه وظهوره في صورة البشر وحلوله واتحاده بهم، كما وقع هذا لكثير من الأمم، فالنصارى ادعت اتحاد الله بالمسيح -﵇-، وادعى اليهود من بني إسرائيل أن العجل هو إله موسى مع وجود نبي الله فيهم وهو هارون -﵇-، وكثير ممن ينتسب إلى الإسلام والقبلة يدعي حلول الله واتحاده ببعض المشايخ والأولياء، بل أصحاب وحدة الوجود يعتقدون أن كل شيء في الوجود هو الله ﷿.\nفلما علم صلوات الله وسلامه عليه، أن هذه العلامة -وهي بيان بشرية المسيح الدجال- لن تكون كافية في بيان المقصود بالنسبة لهؤلاء، ذكر علامة أظهر وأوضح يقر بها الجميع وهي (العور).\nفإنه لو قال: أن الله ليس ببشر. لما أقر بذلك كثير من الناس ولنازعوا في ذلك، فاحتاج لذكر أمور ظاهرة لا يحتاج فيها إلى ذكر موارد النزاع (^١).\nثالثًا: يلزمكم إذا جوزتم دعوى الألوهية في ابن هود وغيره ممن ظهرت على أيديهم بعض الخوارق، أن تجوزوا دعوى المسيح الدجال بذلك، بل إن الدجال أولى بدعوى الألوهية ممن ذكرتم وذلك لوجهين:\n١. أن جميع خوارق هؤلاء لا تعد شيئا بالنسبة لخوارق الدجال.\n٢. أن كثيرًا ممن يعتقد فيهم الحلول والاتحاد لم يدَّعو ذلك لأنفسهم بل قد ينكرونه، ومع ذلك جوزتم الحلول لهم، بينما الدجال قد صرح بادعائها لنفسه،\n_________\n(^١) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٢٥)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٤٧٦) (٣/ ٣٩٢)، ومجموعة الرسائل والمسائل (١/ ١٨٠)، والوصية الكبرى (ص:٨٠).","vol":"1","page":280},{"text":"ويأتي بخوارق عظيمة يستدل بها على ذلك، أفلا يكون أحق بجواز اتحاد الله وحلوله به؟! -سبحانه وتعالى عما يشركون-.\nوالخلاصة: أنكم إما أن تعتقدوا صحة دعوى المسيح الدجال للألوهية وهذا هو الكفر بعينه، وإما أن تمنعوها فيه فيكون امتناعها في حق غيره كابن هود وغيره أولى وأحرى (^١).\nرابعًا: أن في الحديث الذي احتجوا به دليل على بطلان قولهم، ونقض عقيدتهم في الاتحاد، وذلك أن النبي -ﷺ- قال: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت)، فأخبر - -ﷺ- أن الله لا يراه أحد في الدنيا بعينيه، ومن المعلوم أن كل البشر يمكن رؤيتهم بالعين المجردة، فلو جاز اتحاد الله بالبشر وحلوله بهم، لأمكن رؤيته بالعين، وهذا باطل (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-167>المسألة الثانية: بطلان اعتقادهم أن ابن هود هو عيسى بن مريم:</span>\nمن عجيب أمر هؤلاء الاتحادية وتناقضهم، أنهم مع اعتقادهم أن ابن هود هو الله، فإنهم يعتقدون أيضا أنه هو المسيح بن مريم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، ولعل هذا اعتقاد طائفة أخرى من معظمي هذا الشيخ، وقد يكون هو اعتقاد الطائفة نفسها وهذا لا يستبعد لما هو معروف من تناقض القوم وتخليطهم واضطراب أقوالهم ومعتقداتهم، وقد أشار شيخ الإسلام إلى أن مما ساعدهم على مثل هذا الاعتقاد الفاسد هو أن أم ابن هود كان اسمها مريم وكانت نصرانية فزعموا أن قول النبي -ﷺ-: (ينزل فيكم ابن مريم) (^٣)، هو هذا وأن روحانية عيسى تنزل عليه.\nوهذه الدعوى وإن كانت ظاهرة البطلان ومجرد ذكرها يغني عن بيان بطلانها،\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٤٨١)، الجواب الصحيح (٣/ ٣٢٥)، بغية المرتاد (ص: ٤٨٣)\n(^٢) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٢٤).\n(^٣) سبق عزوه.","vol":"1","page":281},{"text":"إلا أن شيخ الإسلام -﵀- قد بين في مناظرته لهم بطلان هذه الدعوى واستحالتها وقد اشتمل جوابه لهم على ثلاثة أمور:\nالأول: احتجاجه بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى -﵇- على فساد دعواهم أن ابن هود هو المسيح، فإن الأوصاف التي جاءت فيها لا تنطبق على ابن هود، قال -﵀-: «حتى بينت لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم، وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا» (^١)، ومن تلك الأوصاف التي جاءت في الاحاديث الصحيحة، (كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل) (^٢)، وأنه (رجل مربوع إلى الحمرة والبياض) (^٣)، وأما ابن هود فقال الذهبي: «وكان أشقر، أزرق» (^٤)،\nوالمسيح -﵇-، إنما ينزل فجأة عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في صلاة الصبح، ويقتل المسيح الدجال (^٥)، وتحدث قبل نزوله أحداث كثيرة، لا تصدق على حال ابن هود وزمنه.\nالثاني: حلف لهم شيخ الإسلام أن ما ينتظرونه على يد ابن هود -ظنا منهم أنه هو المسيح- لا يتم بحال ولا يكون.\nالثالث: طلب منهم المباهلة على هذا إن لم يصدقوه.\nوقد أبر الله يمين شيخ الإسلام فكشف لهم بطلان دعواهم في هذا الرجل، ولم يحدث لهم شيء مما كانوا يتوقعون، ولا وقع لهم شيء مما كانوا يرجون ويؤملون، فظهر الحق وبطل ما كانوا يعتقدون.\n* * *\n_________\n(^١) بغية المرتاد (ص:٢٦).\n(^٢) رواه أحمد (٩٢٧٠) وأبو داود (٤٣٢٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٣٨٦).\n(^٣) رواه البخاري باب إذا قال أحدك آمين (٣٢٣٩) ومسلم كتاب الإيمان (١٦٥).\n(^٤) تاريخ الإسلام (٥٢/ ٤٠٠).\n(^٥) الحديث رواه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (٢٩٣٧).","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>المبحث الرابع: مناظرته مع بعض أكابر الاتحادية في الفرق بين التوحيد والإلحاد: ويشتمل على مطلبين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-169>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-170>تمهيد:</span>\nحكى شيخ الإسلام -﵀- في غير موضع من كتبه مناظرة وقعت بينه وبين شيخ من أكابر شيوخ الاتحادية يدعى حسام الدين الكرماني (^١)، ويلقبه أصحابه بـ (سلطان الأقطاب)، وهو من المعظمين جدًا لابن عربي وابن حمويه (^٢)، وقد دار الحوار بينه وبين شيخ الإسلام -﵀- في أمور كثيرة مما يتعلق بالاتحادية وحقيقة مذهبهم ومعتقدهم، وقد استطاع شيخ الإسلام بقوة حجته وحسن منطقه، وغزارة علمه، بعد توفيق الله، أن يقنع الخصم وينقذه من ضلالات الاتحادية وخرافاتهم، حتى رجع عن تعظيم من كان يعظم من الاتحادية، وكفر بما يقوله ابن عربي\n_________\n(^١) لم أقف على ترجمته، إلا ما ذكر شيخ الإسلام في هذه المناظرة عن حاله ومناظراته معه ورجوعه عن مذهب الاتحادية. والله أعلم.\n(^٢) هو أبو إبراهيم سعد الدين محمد بن المؤيد بن عبد الله بن علي بن محمد بن حمويه الجويني الصوفي، كان صاحب رياضات وأحوال، وله كلام في التصوف على طريقة أهل الوحدة والاتحاد (ت:٦٥٠ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٤/ ٦٤٤)، الوافي بالوفيات (٥/ ٦٩)، الأعلام للزركلي (٧/ ١٢٠).","vol":"1","page":283},{"text":"من الكفريات، وتبين له ضلال كثير من الفقهاء المنتسبين لمذهب الاتحادية حتى قال: «هؤلاء الفقهاء لا يفهمون هذا، صُمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون» (^١)، وقال شيخ الإسلام: «وجَرَتْ لنا معه فصول أظهرَ اللهُ بها الحقَّ وبيَّنَ حالَ التوحيد وتلبيسَ هؤلاء المنافقين» (^٢).<span data-type='title' id=toc-171> نص المناظرة:</span>\nحكى شيخ الإسلام ﵀ هذا المناظرة في عدة مواضع من كتبه نوردها بنصها كما أتت:\nالموضع الأول: «ولهذا حدثني بعض أكابر هؤلاء الاتحادية (^٣) عن صاحب هذه المقالة (^٤)؛ أنه كان يقول: ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف.\nفقلت له: هذا من أبطل الباطل، بل ليس بين مذهبين من الفرق أعظم مما بين التوحيد والإلحاد، وهذا قاله بناء على هذا الخلط واللبس الذي خلطه؛ مثل قوله إن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله؛ بحيث لا يظهر فيه شيء» (^٥).\nالموضع الثاني: «وهكذا حدثني بعض أكابر مشايخ هؤلاء الاتحادية، وكنتُ لما بينتُ له حقائقَ أمرِهم يتعجبُ من ذلك ويستعظمه ويقول: هؤلاء الفقهاء لا يفهمون هذا، صُمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون، حدثني أن سعد الدين ابن حمويه كان يقول: ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرقٌ لطيف.\nوهذا حقيقة هذا القول المحكيّ عنه، فإن الإلحاد المحض نفي الصانعِ بالكلية، وأن هذا العالم الموجود ليس له صانع!\n_________\n(^١) جامع المسائل (٤/ ٤٢٤).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ٣٩٤).\n(^٣) هو حسام الدين الكرماني، كما سبق توضيحه.\n(^٤) هو سعد بن حمويه كما نص عليه في المواضع الأخرى.\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٦)، مجموعة الرسائل (٤/ ٤١).","vol":"1","page":284},{"text":"فإذا قال القائل: إن هذا العالم الموجود هو الصانع، وهو الصانع المصنوع، فقوله مثل قول الملحدة المحضة في جحود ربّ العالمين؛ لكن ذاك لا يحتاج أن يقول: ظهرَ فيه صانعُه، وهذا يقول: هو صانعُه وما هو غير صانعه، لكن الصانع له ذات، وهو الوجود المطلق المرئي الذي له اسم ولا صفة، وله أسماءٌ وصفات، وهي نسبةُ ذلك الوجود إلى مظاهرِه ومجاليه أو نحو هذه العبارات التي ليس لها حقيقة في الخارج، وإنما كلّ منهم يتخيَّلُ نوعًا من الكفر ويقوله، ويقول: إنه غاية التحقيق ونهاية التوحيد وحقيقة النبوة» (^١).\nالموضع الثالث: «حدثني الشيخ الملقب بحسام الدين القادم السالك طريق ابن حمويه الذي يلقبه أصحابه (سلطان الأقطاب)؛ وكان عنده من التعظيم لابن عربي وابن حمويه؛ والغلو فيهما أمر عظيم، فبينت له كثيرًا مما يشتمل عليه كلامهما من الفساد والإلحاد والأحاديث المكذوبة على النبي -ﷺ-، وجرى في ذلك فصول؛ لما كان عنده من التعظيم مع عدم فهم حقيقة أقوالهما وما تضمنته من الضلالات» (^٢).\nالموضع الرابع: «وما يروى في هذا الباب من الأحاديث: هو من هذا الجنس مثل كونه [أي النبي -ﷺ-] كان نورًا يسبح حول العرش أو كوكبًا يطلع في السماء ونحو ذلك … فإن هذا المعنى رووا فيه أحاديث كلها كذب حتى أنه اجتمع بي قديمًا شيخ معظم من أصحاب ابن حمويه يسميه أصحابه \"سلطان الأقطاب\"، وتفاوضنا في كتاب \"الفصوص\" وكان معظما له ولصاحبه؛ حتى أبديت له بعض ما فيه فهاله ذلك وأخذ يذكر مثل هذه الأحاديث فبينت له أن هذا كله كذب» (^٣).\nالموضع الخامس: «وقد قَدِم علينا أكبر مشايخ تلك البلاد من السعدية حسام الدين الكرماني حاجًًّا، وخاطبتُه في حالِ هؤلاء، وبيّنتُ له من كلام ابن العربي\n_________\n(^١) جامع المسائل (٤/ ٤٢٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٩٤).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٣٩) ومجموعة الرسائل (٤/ ٧٢).","vol":"1","page":285},{"text":"وغيرِه ما كان طالبًا له، حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله! مع أنه كان من أكثر المشايخ تعظيمًا لابن العربي، وهو من الغلاة في سعد الدين. وجَرَتْ لنا معه فصول أظهرَ اللهُ بها الحقَّ وبيَّنَ حالَ التوحيد وتلبيسَ هؤلاء المنافقين» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-172>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-173>المسألة الأولى: مناقشة قول ابن حمويه: (ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف):</span>\n<span data-type='title' id=toc-174>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nيرى ابن حمويه أن وجود الله بالنسبة لوجود العالم كنور العين بالنسبة للعين، فالله هو نور العين، والعالم العلوي هو الأجفان العلوية للعين، والعالم السفلي هو الأجفان السفلية للعين، والله هو النور الذي يظهر بوجود هذه الأجفان، فإن الأجفان هي التي تحافظ على ظهور النور وهي شرط في ظهوره، وكذلك العالم هو الذي يظهر به الإله، ولولا هذه الأجفان لتفرق نور العين وانتشر بحيث لا يرى شيئًا أصلًا، وكذلك العالم لو عدم لما أمكن ظهور الله لأن وجوده إنما هو وجود مطلق لا يتقيد برسم ولا صفة ولا قيد (^٢).\nوهذا الاعتقاد هو أصل شبهة هذا الرجل والتي بنى عليها قوله بأنه لا يوجد فرق بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف، وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا فقال مبينًا سبب هذه المقولة: «وهذا قاله بناء على هذا الخلط واللبس الذي خلطه؛ مثل قوله إن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله؛ بحيث\n_________\n(^١) جامع المسائل (٤/ ٣٩٤).\n(^٢) انظر: (الرد على مذهب الاتحاديين) ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ١٨٦ - ١٩٩)، رسالة في (الرد على بعض أتباع سعد الدين ابن حمويه) ضمن جامع المسائل (٤/ ٣٨٩ - ٣٩٠).","vol":"1","page":286},{"text":"لا يظهر فيه شيء» (^١).\nوتوضيح هذه الشبهة أن يقال: إن ابن حموية وأتباعه اعتقدوا أن الله بالنسبة للعالم كنور العين بالنسبة للعين، وعندهم أن هذا هو غاية التوحيد، وبناءً على هذه المقالة لا يكون بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف، بل لا يكون هناك فرق بينهما أصلًا، وذلك أن أهل الإلحاد إنما يثبتون وجود العالم وينفون وجود الخالق له، وأهل الاتحاد يثبتون الخالق ولكن يجعلون الخالق هو العالم نفسه، أو جزء منه كما أن نور العين جزء من العين، فيكون غاية قولهم هو إثبات العالم فحسب، هذا من وجه.\nومن وجه آخر: أن توحيد أهل الاتحاد هو الاعتقاد أن الله هو الوجود المطلق تجلى وظهر بأحكام الممكنات، ولذلك شبهوه هنا بنور العين، وشبهوا العالم بالأجفان العلوية والسفلية للعين، لأنهما يحافظان على ظهور النور فهما شرط في وجود النور وبذهابهما يذهب النور، فإذا ارتفع العالم ارتفعت حقيقة الله، وهذا ما نص عليه التلمساني والقونوي وابن عربي في كثير من كلامه، أن وجود الله هو عين وجود المخلوقات ليس غيرها، وعلى هذا فلا يتصور وجوده مع عدم المخلوقات، كما لا يتصور بقاء النور مع عدم الأجفان، وهذا القول إذا تأملته وجدت أنه لا فرق بينه وبين الإلحاد الذي هو حقيقة هذا المذهب وغايته (^٢).\nوخلاصة قولهم أنهم أقروا بوجود العالم، وأنكروا أن فوقه رب، كما أن أهل الإلحاد أقروا بوجود العالم، وأنكروا أن يكون فوقه ربا، والفرق بينهما أن الملاحدة لم يجعلوا العالم إلها، وهم جعلوه إلها (^٣).\nوبهذا نخلص إلى أن الخطأ الذي وقع فيه ابن حموية كان من جهتين:\nأولًا: تقريره لمذهب الاتحادية، وأن الله بالنسبة للعالم كنور العين\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٦).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٧ - ١٩٨).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٩١ - ١٩٢).","vol":"1","page":287},{"text":"بالنسبة للعين.\nثانيًا: ظنه أن حقيقة التوحيد هي القول بالاتحاد المذكور الذي قرره بالشبهة السابقة.\nوبعد تأمله في حقيقة التوحيد المزعوم وما ضربه عليه من مثال، تبين له أنه شبيهٌ بقول أهل الإلحاد، إلا أن هناك فرقًا يسيرًا بينهما، فقال هذه المقولة الفاسدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nاستطرد شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في بيان فساد مذهب ابن حمويه ومن سلك طريقه وذلك من وجوه كثيرة، ويهمنا هنا أن نلقي الضوء على الشبهة التي حملت ابن حمويه على القول بمثل هذه المقولة، فأما خطأه في فهم التوحيد فقد تبين في فصول سابقة حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل وبطلان ما تسميه كثير من الطوائف توحيدًا (^١)، وأما شبهة ابن حمويه التي بنى عليها مقالته: وهي اعتقاده أن الله بالنسبة للعالم كالنور بالنسبة للعين، والعالم أجفان هذه العين، فقد أجاد شيخ الإسلام وأفاد في رد هذا التصور والاعتقاد، وذلك من وجوه كثيرة أبرزها ما يلي:\nالوجه الأول: أن هذا الكلام ما هو إلا \"دعوى مجردة بلا حجة ولا دليلٍ، وإذا كان من تكلَّم في مسألة من مسائل الاستنجاء أو الإجارة لم يُقبَل منه إلاّ بالحجة والدليل، فمن تكلم في خالقِ الخلق وربّ العالمين بكلامٍ لا يوجَد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله -ﷺ- ولا قاله أحدٌ من السلف ولا شيخ من المشايخ الذين لهم لسان صدقٍ في عمومه، بل جميعُ أهل العلم والإيمان والمشايخ المقبولون يُكفرون من يقوله، ولم يأتِ عليه لا بحجةٍ ولا دليلٍ، كيف يُقبَل منه؟ \" (^٢).\n_________\n(^١) راجع ص: ٢١٥.\n(^٢) جامع المسائل (٤/ ٣٩٦).","vol":"1","page":288},{"text":"الوجه الثاني: أن هذا القول مخالف لمذهب جميع المسلمين، بل وسائر أهل الملل من اليهود والنصارى والمقرِّين بالصانع من أنه سبحانه حق موجود بنفسه، متميز عما سواه، وهو ربّ العالمين وخالق الخلق، وأنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاتِه شيء من ذاته، وأن جميع الكائنات عبادٌ لله فقراءُ إليه، وهو مالكهم وربهم وخالقُهم (^١).\nالوجه الثالث: أن لهذا القول لوازم فاسدة كثيرة، منها:\n١) يلزم منه أن يكون الله محتاجًا للعالم مفتقرًا له وذلك أن \"نور العين مفتقر إلى العين محتاج إليها لقيامه بها فإذا كان الله في العالم كالنور في العين؛ وجب أن يكون محتاجا إلى العالم\" (^٢).\n٢) يلزم منه أن يكون الله مفتقرًا في وجوده إلى وجود مخلوقاته وذلك أنه جعل وجود الباري ﵎ مشروطًا بوجود العالم بحيث لولا مخلوقاته لانتشرت ذاته وتفرقت وعدمت، كما أن نور العين مشروط بوجود الأجفان بحيث لولا الأجفان لانتشر نور العين وتفرق وعدم (^٣).\nالوجه الرابع: قال شيخ الإسلام: «فمن يكون في قبضته السموات والأرض، وكرسيه قد وسع السموات والأرض، ولا يئوده حفظهما، وبأمره تقوم السماء والأرض، وهو الذي يمسكهما أن تزولا، أيكون محتاجًا إليهما مفتقرا إليهما؟! إذا زالا تفرق وانتشر؟!» (^٤).\nالوجه الخامس: أن كفر هذا القول من الوضوح بمكان لا يخفى، \"وإذا كان المسلمون يكفرون من يقول: إن السماوات تقله أو تظله؛ أو أنه محتاج للعرش لحمله … فكيف بمن يقول إنه مفتقر إلى السموات والأرض وأنه إذا ارتفعت\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤١٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٥).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٨٦ - ١٨٧).\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ١٨٧).","vol":"1","page":289},{"text":"السموات والأرض: تفرق وانتشر وعدم؟! \" (^١).\nالوجه السادس: أن يقال لهؤلاء أنتم بين أمرين:\n١. إما أن تقولوا بقدم السماوات والأرض وقدم العالم: وهذا كفر بين.\n٢. وإما أن تقولوا بحدوثهما، وعليه فيكون الله قبل خلقهما منتشرًا متفرقًا معدومًا ثم لما خلقهما صار موجودًا مجتمعًا؟ وهذا من أقبح الكفر أيضًا!\nفيكون قولهم دائرا بين نوعين من أنواع الكفر، مع غاية الجهل والضلال (^٢).\nالوجه السابع: قد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي -ﷺ- قال عن ربه: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه) (^٣)، فأخبر الصادق المصدوق أن الله لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من السموات والأرض وغيرهما، فمن تكون سبحات وجهه تحرق السموات والأرض لولا الحجاب، أيكون نوره إنما يحفظ بالسموات والأرض (^٤)؟!.\nالوجه الثامن: من المعلوم أن صور العالم ومخلوقاته، تزيد وتنقص وتموت وتحيا، وفيهم الكافر والمؤمن، والبر والفاجر، وقد جعلها ابن حمويه هي أهداب جفن حقيقة الله، ويلزم على هذا ثلاث لوازم فاسدة:\nالأول: أن تكون أهداب جفن حقيقة الله لا تزال مفرقة كاشرة فاسدة، تزيد وتنقص (^٥).\nالثاني: أن يكون المشركون واليهود والنصارى والفجار من أجفان حقيقة الله! وقد لعن الله من جعلهم أبناءه على سبيل الاصطفاء فكيف بمن\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ١٨٨) باختصار.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٨٨).\n(^٣) رواه مسلم، كتاب الإيمان. (١٧٩).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٨٩).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":290},{"text":"جعلهم من نفسه (^١)؟!.\nالثالث: أنه كلما عدم شيء من مخلوقات الله ينتقص من نور الحق ويتفرق بقدر ما عدم من ذلك، وكلما زاد شيء من ذلك زاده نوره واجتمع (^٢).\nالوجه التاسع: أن كلام ابن حمويه وأضرابه من أئمة الاتحادية في غاية الاضطراب والتناقض، وهذا من أعظم الأدلة على بطلان قولهم، فإن علامة الباطل تناقضه واختلافه، وابن حمويه كان كما أخبر شيخ الإسلام: «أكثرهم تناقضًا وهذيانًا» (^٣)، قال شيخ الإسلام: «فسعد الدين-مع ما فيه من الإسلام والمتابعة- فيه تخليط كثير، فإنه أحيانًا يتكلم بكلام الاتحادية؟ وأحيانًا يُجرد الاتحادَ تجريدَهم، بل يَسلُك لنفسِه مسلكًا أبلقَ لا أبيضَ ولا أسودَ؛ وأحيانًا يتكلم بكلام أهل الإسلام الموافق للكتاب والسنة؛ وأحيانًا يحتج بأحاديث موضوعة لا أصل لها عن النبي -ﷺ-» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-176>المسألة الثانية: بيان حال ابن عربي وابن حمويه وغيرهم من أئمة الاتحادية:</span>\nكان من أعظم ما بينه شيخ الإسلام -﵀- لمناظره الشيخ حسام الدين الكرماني، حال أئمة الاتحادية كابن عربي والتلمساني والقونوي وصدر الدين ابن الرومي وابن حمويه وغيرهم من أصحاب مذهب الاتحاد ووحدة الوجود، حيث كان الشيخ حسام الدين الكرماني ممن يعظمهم ويحسن الظن بهم بل من الغالين في تعظيمهم وتبجيلهم، لعدم فهمه حقيقة أقوالهم وما تضمنته من كفر وضلالات.\nوالناظر في كتب شيخ الإسلام -﵀- يجد أنها قد امتلأت ببيان حال هؤلاء،\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٩٠).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ١٨٦)\n(^٤) جامع المسائل (٤/ ٣٩٥).","vol":"1","page":291},{"text":"وكشف ضلالهم وكفرهم وتلبيساتهم، ولو جمع كلام شيخ الإسلام -﵀- في ابن عربي وطائفته، لبلغ عدة مجلدات، وذلك لكثرة انتشار هذا المذهب في عصره واغترار الناس بهؤلاء وأمثالهم وإحسان الظن بهم، وعدم فهم حقيقة مذهبهم وأقوالهم، وسأكتفي في هذا الموضع ببيان شيء يسير مما ذكره شيخ الإسلام في بيان حقيقة مذهبهم واعتقادهم، وما حواه من كفر عظيم، وإلحاد برب العالمين، وتحريف للشرعة والدين.\nبين شيخ الإسلام -﵀- أن غاية مذهب الاتحادية هو إنكار وجود الله والإلحاد به وبأسمائه وصفاته، كما سبق توضيح ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل، وكل اعتقاداتهم التي يقررونها في الباري ﷿ إنما هي أوهام وخيالات لا وجود لها في الحقيقة، ولا تمت للواقع بأي صلة (^١)، وحقيقة مذهبهم ترجع للإلحاد برب العالمين، حيث إنه لا فرق في الحقيقة بين ما يذكرونه من توحيد وبين مذهب الملاحدة الذين ينكرون وجود الصانع كما تم توضيح ذلك في المطلب الأول من هذا المبحث، وبين شيخ الإسلام أنهم يجعلون وجود الله نفس وجود الحيوانات والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار! ويجعلون رب العزة سبحانه هو عين المخلوقات ويصفونه بجميع النقائص والآفات التي يوصف بها كل كافر وكل فاجر وكل شيطان وكل سبع وكل حية من الحيات، فتعالى الله عن إفكهم وضلالهم وسبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (^٢)، وصرح بعض أئمتهم أن القرآن الذي بين أيدينا كله شرك وأن التوحيد إنما هو في كلامهم وحسب؛ وذلك لأن القرآن يفرق بين الرب والعبد وحقيقة التوحيد عندهم أن الرب هو العبد (^٣)، وأنكروا الخلق والملك والربوبية والرزق والرحمة والهداية (^٤)، وأشركوا بالله كل\n_________\n(^١) انظر: جامع المسائل (٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥)\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٦).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٧) (٢/ ٢٠١).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٤٨).","vol":"1","page":292},{"text":"شيء حتى الكلاب والقردة والخنازير جعلوها ألهة معبودة مع الله -والعياذ بالله- (^١)، ويفضلون أنفسهم على الأنبياء بل حتى على نبينا محمد - -ﷺ- (^٢)، ويعتقدون أن فرعون كان مؤمنًا بل كان موحدا غاية التوحيد وكان قوله: أنا ربكم الأعلى. حق لا مرية فيه، وأن عباد الأصنام ما عبدوا شيئًا إلا الله، وعباد العجل ما عبدوا إلا الله (^٣)، ويصححون دين الكفار وكل المذاهب والملل والأديان، ويجوزون للمرء أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، لا فرق في ذلك كله؛ لأن كل معبود هو في الحقيقة الله، وينكرون ما جاء في اليوم الآخر والوعيد بالنار وعذابها (^٤)، وينكرون القدر، ويحرفون نصوص القرآن على معان باطنية قبيحة، ولا يحرمون فرجًا حتى المحارم، ولذلك لما سئل زعيمهم القبيح التلمساني، فقيل له: فإذا كان الوجود واحدًا فلمَ كانت الزوجة حلالًا والأم حرامًا؟ فقال: الكل عندنا واحد، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام. فقلنا: حرام عليكم (^٥).\nوغيرها من الأمور الكثيرة التي يستبشعها من كان في قلبه ذرة إيمان، ويستشنعها من كان لديه أدنى مسكة عقل، والتي حكايتها تغني عن ردها وإبطالها فلا يعلم مذهب جمع من الكفريات ولا حوى من الضلالات وشنيع المقالات مثل ما جمعه مذهب هؤلاء الاتحادية، ولذلك قال شيخ الإسلام -﵀-: «وهؤلاء إذا قيل في مقالتهم إنها كفر: لم يُفهِم هذا اللفظ حالها؛ فإن الكفر جنس تحته أنواع متفاوتة بل كفر كل كافر جزء من كفرهم» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٠١).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٠١).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٦٥).\n(^٤) نظر: المصدر السابق (٢/ ٢٤٢).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٦٥).\n(^٦) المصدر السابق (٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":293},{"text":"قال شيخ الإسلام: «وبيّنتُ له من كلام ابن العربي وغيرِه ما كان طالبًا له، حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله!» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) جامع المسائل (٤/ ٣٩٤).","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>المبحث الخامس: مناظرته مع بعض شيوخ الاتحادية في رفضه قتال التتار لاعتقاده أن هذا قتال لله: ويشتمل على مطلبين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-178>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-179>تمهيد:</span>\nيضرب لنا شيخ الإسلام -﵀- في هذه المناظرة مثالًا آخر يظهر من خلاله عظم ما وصل له هؤلاء الاتحادية من الانحراف والضلال، حيث كانت مناظرته هذه مع رجل من هؤلاء الاتحادية، يناقشه فيها عن التتار هل هم الله -سبحانه- أم ليسوا الله؟!\nوإن تعجب فحق لك أن تعجب من عقول وصل بها الحال إلا أن تعتقد مثل هذا المعتقد المخالف لكل عقل ودين وفطرة سليمة، وبمثل هذا تعلم سبب إكثار شيخ الإسلام -﵀- في نقد هذا المذهب وبيان بطلانه في مختلف رسائله وفتاواه ومصنفاته، وذلك لشدة بشاعته، وعظم شناعته، مع انتشاره عند كثير من الناس في زمانه، وإلى نص المناظرة كما يحيكها شيخ الإسلام -﵀-.\n\n<span data-type='title' id=toc-180>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد خاطبني مرة شيخ من شيوخ هؤلاء الضلال لما قدم التتار آخر قدماتهم وكنت أحرض الناس على جهادهم.","vol":"1","page":295},{"text":"فقال لي هذا الشيخ: أقاتل الله؟!\nفقلت له: وهم من شر الخلق، هؤلاء إنما هم عباد الله خارجون عن دين الله،\nوإن قدر أنهم كما يقولون: فالذي يقاتلهم هو الله ويكون الله يقاتل الله.\nوقول هذا الشيخ لازم لهذا وأمثاله» (^١).\nوقال ﵀: «وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية حتى إن أحدهم إذا أُمر بقتال العدو يقول: أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله! ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-181>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-182>مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها:</span>\nوذلك من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-183>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nرفض هذا الاتحادي وغيره ممن ينتحل مذهبه قتال التتار بحجة أن هؤلاء التتار هم الله، حتى إنهم أنكروا على شيخ الإسلام دعوته لجهادهم ودفعهم عن بلاد المسلمين، فقال هذا الشيخ متعجبًا منكرًا لتحريض شيخ الإسلام على قتالهم: أقاتل الله؟!\nوأصل شبهة هؤلاء القوم التي دفعتهم للامتناع عن قتال التتار، ونهي الناس عن ذلك، بل ودفعت ببعضهم لمعاونة التتار والقتال معهم: هي اعتقادهم أن جميع أفعال الخلق إنما هي أفعال الله في الحقيقة، وليست أفعالا للعباد حقيقة وإنما تضاف للعباد على سبيل المجاز لا غير، وأن العارف بالله يغلب عليه شهود القدر والقيومية فلا يرى فرقا بين الأشياء، وينطق برد جميع الأشياء إلى خالقها كما\n_________\n(^١) الرد على البكري (١/ ٣٦٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤)","vol":"1","page":296},{"text":"يزعمون، وعلى هذا فقتال التتار للمسلمين هو في الحقيقة قتال الله نفسه للمسلمين، وليس قتالًا للتتار -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-. قال شيخ الإسلام: «فإن أصل هذا القول أن الله لما كان خالقا لأفعال العباد كان الفعل لهم في الصورة وله في المعنى» (^١). وقال ﵀: «وقد كثر في كثير من المنتسبين إلى المشيخة والتصوف شهود القدر فقط من غير شهود الأمر والنهي والاستناد إليه في ترك المأمور وفعل المحظور وهذا أعظم الضلال» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-184>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nأجاب شيخ الإسلام -﵀- عن هذه الشبهة من وجوه متعددة، وأهمها ما يلي:\nأولًا: أن هؤلاء التتار هم في الحقيقة من شر خلق الله، وأنهم عباد الله خرجوا عن دينه -سبحانه-، فكيف يكونون هم الله؟\nومضمون هذ الجواب رد القول من أصله وإبطاله، وإذا كان باطلًا فكيف يصح أن يحتج به على الامتناع عن قتال هؤلاء.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «ومن قال إن الرب ﷿ يُنزل المخلوق منزلة نفسه في الأفعال أو ينزل هو منزلة المخلوق في الأفعال والأوصاف فقد زعم أن الله سبحانه يجعل له ندًا وأنه يقيم المخلوق مقامه في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإجابة الدعاء وكونه معبودًا، وأنه يقوم مقام العبد في الصلاة والصيام والطواف وغير ذلك من أفعال العباد تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧]» (^٣).\nثانيًا: على فرض التسليم لهذا الشيخ بأن قتال التتار هو في الحقيقة قتال لله؛ لأن الذي يفعل في الحقيقة هو الله، والخلق إنما تضاف لهم الأفعال مجازًا،\n_________\n(^١) الرد على البكري (١/ ٣٦٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٢٨).\n(^٣) الرد على البكري (١/ ٣١٤).","vol":"1","page":297},{"text":"فالجواب على دعواه يكون من عدة أوجه:\nالوجه الأول: أن يقال لهم كذلك في قتال المسلمين للتتار يكون الله هو الذي يقاتل التتار، ويكون الواقع أن الله يقاتل الله -تعالى الله عن ذلك-.\nوهذا في غاية التناقض والبطلان والعياذ بالله وهو الذي رد به شيخ الإسلام على هذا الاتحادي المحتج بمثل هذا فقال له: «وإن قدر أنهم كما يقولون فالذي يقاتلهم هو الله ويكون الله يقاتل الله، وقول هذا الشيخ لازم لهذا وأمثاله» (^١).\nوهكذا يلزمهم في كل فعل من أفعال العباد أن ينسبوه للخالق ﷿، ولما احتج بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، على نفي الفعل عن العبد، وأن فعل العبد هو فعل الله في الحقيقة، رد عليه شيخ الإسلام قائلا: «قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، لم يرد به أن فعل العبد هو فعل الله تعالى -كما تظنه طائفة من الغالطين- فإن ذلك لو كان صحيحًا لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلم: ما تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك. وطرد ذلك: يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر، ويقال للكاذب: ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب. ومن قال مثل هذا فهو كافر ملحد خارج عن العقل والدين» (^٢).\nوقال كذلك في رده على من احتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]، على تصحيح هذا القول: «ويلزمك على هذا التقدير أن تقول إن الذين بايعتهم إنما بايعت الله، وطرده أن من قاتل شخصًا فإنما قاتل الله ومن بايعه فإنما بايع الله، بل يلزمهم أقبح من هذا وهو أن من لامسه أو جامعه أو ضاجعه فإنما يفعل ذلك مع الله، فإن أصل هذا القول أن الله لما كان خالقا لأفعال\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٣٦٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٣١).","vol":"1","page":298},{"text":"العباد كان الفعل لهم في الصورة وله في المعنى وهذا عام في كل الأفعال الخير والشر» (^١).\nوقال ﵀: «وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضًا فيكون الله قد بايع الله؛ إذ الله خالق لهذا ولهذا وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في هذا وهذا فيكون الله قد بايع الله. وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية حتى إن أحدهم إذا أمر بقتال العدو يقول: أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة» (^٢).\nالوجه الثاني: يلزم من هذا القول أن لا يكون هناك فرق بين فعل نبي من الأنبياء وفعل كافر من الأشقياء ولا ملك من الملائكة ولا ولي ولا صالح ولا فاسق ولا طالح، بل ولا حتى الحيوانات والجمادات، فإن الكل باعتبار القيومية والتقدير أفعالهم مخلوقة.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «واعلم أن من قال من النظار: إن أفعال العباد كلها فعل الله فلا فرق عندهم بين أفعال المؤمنين والكفار والبهائم وحركات الجمادات فإن مرادهم أن كل ما سوى الله فهو فعله أي مفعوله، وعلى قول هؤلاء فلا فرق بين فعل الرسول وغيره، وليس في كون الله خالقًا لشيء تفضيل لذلك المخلوق على غيره فإن الله خالق كل شيء» (^٣).\nويلزم منه سلب خاصية الأنبياء والملائكة والأولياء وتسويتهم بأفجر الفجار وأكفر الكفار والعياذ بالله، قال شيخ الإسلام: «ومن ظن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]، أن المراد به أن فعلك هو فعل الله أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو -مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده- قد سلب\n_________\n(^١) الرد على البكري (١/ ٣٦٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٤).\n(^٣) الرد على البكري (١/ ٣١٨).","vol":"1","page":299},{"text":"الرسول خاصيته وجعله مثل غيره وذلك أنه لو كان المراد به كون الله فاعلا لفعلك: لكان هذا قدرًا مشتركًا بينه وبين سائر الخلق وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله ومن بايع مسيلمة الكذاب فقد بايع الله ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله» (^١).\nثالثًا: أن في قولهم هذا تعطيلًا للأمر والنهي وإبطالًا للشرع، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وهذا يقع فيه كثير ممن يلحظ القيومية الشاملة العامة المتناولة لكل مخلوق وهؤلاء من أكفر الخلق ويجعلون هذا منافيًا للأمر والنهي وهم من جنس الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام:١٤٨]» (^٢).\nرابعًا: نفي الفعل عن العبد لا يجوز بإجماع الأمة، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ومما يبين ذلك أن أفعال العباد لا يجوز أن تنفى عنهم باتفاق المسلمين من قال: إن الله تعالى خالقها، ومن قال إنه لم يخلقها لا يجوز أن يقال: هذا ما أكل ولا شرب ولا قعد ولا ركب ولا طاف ولا ركع ولا سجد ولا صام ولا سعى ولكن الله هو الذي أكل وشرب وقعد وركب وطاف وركع وسجد وصام وسعى، وسواء كانت الأفعال محمودة أو مذمومة، وسواء كانت سببًا لخرق العادة أم لا، فلا يقال: إن موسى ما ضرب بعصاه البحر ولا الحجر ولكن الله ضرب، ولا يقال: إن نوحًا ما ركب في السفينة ولكن الله ركب، ولا يقال: إن المسيح ما ارتفع إلى السماء بل الله ارتفع، ولا يقال: إن محمدًا -ﷺ- ما ركب البراق بل الله ركب وأمثال هذا» (^٣).\nخامسًا: أن \"الفعل المختص بالمخلوق لا يضاف إلى الله تعالى إلا على بيان أن الله تعالى خلقه وجعل صاحبه فاعلا كقول الخليل -﵇-: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وكما قال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٣).\n(^٢) الرد على البكري (١/ ٣١٩).\n(^٣) الرد على البكري (١/ ٣٣٧).","vol":"1","page":300},{"text":"مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة:٢٤] وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١] ولا يقال: إن الله يقيم الصلاة ويدعو إلى النار ولا إنه قد أسلم وقال تعالى ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج:١٩ - ٢١]، ولا يوصف الله تعالى بالهلع والجزع، وجماع الأمر أن الله عز وجل لا يوصف بمخلوقاته\" (^١).\nسادسًا: أن كون الله هو خالق أفعال العباد لا يقتضي أن العبد هو الله قال ﵀: «أنه لو فرض أن المراد بهذه الآية أن الله خالق أفعال العباد فهذا المعنى حق وقد قال الخليل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] فالله هو الذي جعل المسلم مسلمًا، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:١٩ - ٢١]، فالله هو الذي خلقه هلوعًا لكن ليس في هذا أن الله هو العبد؛ ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق، ولا أن الله حال في العبد.\nفالقول بأن الله خالق أفعال العباد حق والقول بأن الخلق حال في المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل. وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد وهذا عين الضلال والإلحاد» (^٢).\nسابعًا: يلزم من هذا القول تجويز دعاء غير الله وعبادة غير الله وتصحيح جميع الأديان الكفرية والمعبودات الوثنية، وأن العابد لها ما عبد ولا سجد ولا تقرب إلا لله، قال شيخ الإسلام: «وهذا كثيرا ما يقع فيه هؤلاء الإسماعيلية الاتحادية وأعرف منهم شخصا كان معظمًا وكان له حاجة إلى نصراني فذهب إليه وخضع له وقبل يده ورجله وربما قبل نعله حتى قضى حاجته ثم جعل يقول: ما رأيت إلا الله وما كان ذلك الخضوع والتقبيل إلا لله ﷿، وهؤلاء يصرحون في\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٣٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٢).","vol":"1","page":301},{"text":"كتبهم بأن عباد العجل ما عبدوا إلا الله، وعباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، وعباد المسيح ما عبدوا إلا الله تعالى، وعندهم من عبد كل معبود كان محققًا موحدًا وإنما المقصر عندهم من عبد بعض المظاهر دون بعض كالنصارى، وعباد العجل واللات والعزى، وفي كلام ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله من هذا ألوان» (^١).\nوبهذا يتبين بطلان هذا القول، وشناعة ما يلزمه من لوازم، ويترتب عليه من مفاسد، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الرد على البكري (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-185>ملحق</span>\n•<span data-type='title' id=toc-186> مناظرته مع بعض الاتحادية في اعتقادهم إن الله هو الناطق في كل شيء:</span>\nهذه المناظرة مثال آخر على ما وصل إليه الاتحادية من الإلحاد والكفر، وما يؤول إليه حال كثير منهم من الاضطراب والحيرة، بسبب مناقضة عقيدتهم للشرع والعقل والفطرة، وهي راجعة لعقيدتهم في (وحدة الوجود) وقد سبق عرض أصول شبههم في ذلك والرد عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-187>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-:\n«وهكذا تصرح به (^١) هؤلاء الجهمية الاتحادية، كما وجدته في كتبهم وكما شافهني بذلك حذاقهم ومحققوهم وشيوخهم.\nويقولون: إنه هو المتكلم على لسان كل قائل، لا يكتفون بأن يكون هو الذي أنطق كل شيء كما يقول المسلمون.\nبل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب والدجال وفرعون يصرحون بأن أقوالهم هي قوله، وخاطبت بذلك بعضهم فذكرت له الدجال. فقال: يكون الدجال مستثنى من ذلك الشرع.\nفقلت له: هذا لا يمكن على أصلكم في الوحدة فتحير وبقي في حيرة» (^٢).\n_________\n(^١) القول بوحدة الوجود.\n(^٢) بغية المرتاد (ص:٣٤٩).","vol":"1","page":303},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-188> مناظرته مع بعض الاتحادية في اعتقادهم أن الله ظهر في صورة الموجودات:</span>\nفي هذه المناظرة بين شيخ الإسلام فساد اعتقاد أهل الاتحاد والوحدة: أن الله جل وعلا ظهر في صورة الموجودات. وذلك من جهة تناقضهم في المقالة، حيث يقررون وحدة الوجود وأنه ما ثم موجود إلا الله ثم يقررون أنه ظهر بصورة خلقه، وهذا يقتضي إثبات موجودين، واضطراب المقالة وتناقضها أوضح دليل على فسادها\n\n<span data-type='title' id=toc-189>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-:\n«وقول هؤلاء (^١) هو في الحقيقة قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة، لكن أولئك ظهر عنهم أنهم قالوا: إن الله بذاته في كل مكان. وكل من القائلين للقولين قد يقول مقالة الآخر كما بينته في غير هذا الموضع، فإن هؤلاء يقولون: بالمظاهر وإنه ظهر في الأشياء.\nفقلت لبعضهم: فالمظاهر وجود أو عدم؟\nقال: وجود.\nقلت: فهي غيره أم لا؟ فإن قلتم غيره فقد قلتم بموجودين، وإن قلتم لا، بطل ما قررتموه، فتحير.\nولهذا لما فهم السلف حقيقة قول هؤلاء كفروهم كما قال عبد الله بن المبارك ما ذكره البخاري في كتاب خلق الأفعال قال: \"وقال ابن مقاتل سمعت ابن المبارك يقول: من قال ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك» (^٢).\n_________\n(^١) أي: الاتحادية.\n(^٢) بغية المرتاد (ص:٣٥٠).","vol":"1","page":304},{"text":"الفصل الثاني:\nمناظرته مع الصوفية وعباد القبور\nويشتمل على خمس مباحث:\nالمبحث الأول: مناظرته مع بعض الرفاعية حول ما يدعونه من المخاريق.\nالمبحث الثاني: مناظرته مع جماعة من الرفاعية فيما يزعمونه من إشارات وأحوال.\nالمبحث الثالث: مناظرته مع شيخ من شيوخ الرفاعية في تعبدهم بلبس الأغلال.\nالمبحث الرابع: المناظرة الكبرى مع الرفاعية في قصر الإمارة.\nالمبحث الخامس: مناظرته مع بعض الرفاعية في دعواه من دخول التنور وعدم الاحتراق بذلك.\nالمبحث السادس: مناظرته مع بعض من يحسن الظن بالأحجار ويجوزون التبرك بها.\nالمبحث السابع: مناظرته مع جماعة يستشفون بقبور العبيديين ويعتقدون ولايتهم.\nالمبحث الثامن: مناظرته مع بعض شيوخ المشرق في جواز دعاء القبور والحديث الموضوع في هذا.","vol":"1","page":305},{"text":"المبحث التاسع: مناظرته مع بعض المشايخ الذين يستغيثون بغير الله ويدَّعون ظهور صورته لهم.\nملحق:\n- مناظرته مع بعض المتصوفة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.\n- مناظرته مع بعض اليونسية.\n- مناظرته مع بعض الصوفية في بعض اعتقادتهم الباطلة.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>المبحث الأول: مناظرته مع بعض الرفاعية فيما يدعونه من المخاريق: ويشتمل على مطلبين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-192>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-193>تمهيد:</span>\nلقد جرت لشيخ الإسلام -﵀- وقائع عدة وحوادث كبيرة مع الطائفة الرفاعية والمنتسبين إليها، وذلك لمعايشته لهم، ووجوده بين ظهرانيهم، وانتشار تلك الطريقة في عهده وموطنه انتشارا كبيرًا جدًا، وتلبيسهم على العوام والأمراء والصغار والكبار والرجال والنساء. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام: «وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد، واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد لخفاء نور الإسلام، واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام، وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار، ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار، لهم في القلوب موقع هائل ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل» (^١)، ولكن هذه الأمور كلها لم تثن شيخ الإسلام عن النطق بالحق، وإنكار ما عند القوم من بدع وخرافات، وكذب وضلالات، فقام بهذا الأمر أفضل قيام، ووقعت له معهم وقائع كثيرة ومناظرات عديدة وجدل ونقاش وحوار، وكان أكبرها ما وقع له من مناظرة معهم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٧).","vol":"1","page":307},{"text":"بقصر الإمارة، أمام الأمراء والعلماء والناس والأجناد، أظهر الله فيها الحق وأزهق فيها الباطل.\nولعظم هذه الموقعة، وجلالة قدرها، وكبير أثرها، فقد أفردها ﵀ في رسالة ذكر فيها مجريات هذه المناظرة وما وقع فيها، وقبل ذكره لهذه المناظرة مهد بذكر بعض المجريات التي سبقت هذا المشهد العظيم وكانت سببا لوقوعه، ومن ضمنها ثلاث مناظرات جرت له مع بعض هؤلاء الرفاعية سبقت المناظرة الكبرى أمام السلطان وكانت كالتمهيد لها، ومن الملاحظ في جميع هذه المناظرات: تشابه موضوعاتها، وترابط أحداثها، وتكرر مسائلها. وهاك نص المناظرة الأولى كما حكاها الشيخ -﵀-.\n\n<span data-type='title' id=toc-194>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله رب السموات والأرضين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليمًا دائما إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفقد كتبتُ ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر البطائحيَّة (^١)، يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس (^٢)؛ لتشوُّف الهمم إلى معرفة ذلك، وحرص الناس على الاطلاع عليه، فإن من كان غائبًا عن ذلك قد يسمع بعض\n_________\n(^١) البطائحية: هم الرفاعية، لقبوا بالبطائحية نسبة إلى قرى عديدة بين البصرة وواسط، وقد كان أحمد الرفاعي يسكن أحد هذه القرى، وهم تارة يلقبون بالرفاعية وبالأحمدية أيضًا نسبة إلى أحمد الرفاعي -﵀-، وقد اقتصر مؤخرًا على تعريفهم بالرفاعية، تمييزا لهم عن جماعة الطريقة الأحمدية المنتسبة إلى أحمد البدوي. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٥٥٩).\n(^٢) يعني سنة خمس وسبعمائة من الهجرة.","vol":"1","page":308},{"text":"أطراف الواقعة، ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع.\nومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غيره ويره؛ لانتشار هذه الواقعة العظيمة، ولما حصل بها من عز الدين وظهور كلمته العليا، وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة، وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين.\nوقد كتبت في غير هذا الموضع (^١) صفة حال هؤلاء البطائحية وطريقهم، وطريق\nالشيخ أحمد بن الرفاعي (^٢) وحاله وما وافقوا فيه المسلمين وما خالفوهم؛\n_________\n(^١) يشعر كلام شيخ الإسلام هنا أن له رسالة مفردة، فصَّل فيها القول عن الرفاعية واعتقاداتهم وبدعهم وأحوالهم وما يتعلق بهم، ولم أجد فيما وقفت عليه من مطبوعات شيخ الإسلام -﵀- أي كتاب له أو رسالة مفردة فيما ذكر، وإن كانت له بعض الفتاوى في المجموع تطرق فيها لشيء من أحوالهم إجمالًا لا تفصيلًا وعرضًا لا قصدًا، وقد ذكر ابن عبد الهادي -﵀- في مصنفات شيخ الإسلام مصنفا بعنوان: (قاعدة في أحوال الشيخ يونس الغيبي والشيخ أحمد بن الرفاعي) انظر: العقود الدرية (ص:٥٦)، ومصنفًا بعنوان: (قاعدة في الشيوخ الأحمدية وما يظهرونه من الإشارات) انظر: العقود الدرية (ص:٥٦)، وذكر الذهبي في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية (ص:٢٢) (قَاعِدَة فِي الشُّيُوخ الأحمدية نَحْو خمسين ورقة)، وذكر الصفدي في كتابيه: أعيان العصر، والوافي بالوفيات، في مصنفات الشيخ: (كشف حال المشايخ الأحمدية وأحوالهم الشيطانية)، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٥٩). ولعل جميع هذه العناوين هي لرسالة واحدة أو مصنف واحد وهو المقصود فيما ذكره شيخ الإسلام وهو غير موجود فيما طبع من كتبه والله اعلم.\n(^٢) هو أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بابن رفاعي، كان رجلًا صالحًا فقيهًا شافعي المذهب، أصله من العرب، وسكن في البطائح بقرية يقال لها أم عبيدة، ويُوصل أتباعه نسبه إلى علي بن أبي طالب -﵁- (ت: ٥٧٨ هـ). انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٢/ ٣١٢)، السير (٢١/ ٧٦)، طبقات الشافعية للسبكي (٤/ ١٩). وقد انتسب الرفاعية إليه كذبًا وزورًا، وخالفوا طريقته ومسلكه، وابتدعوا في الدين أمورًا منكرة ما أقرها ﵀ ولا رضي بها. انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٩٤)، والعبر في خبر من غبر (٣/ ٧٥) وغاية الأماني في الرد على النبهاني (٢/ ٣٤١). وهو غير الرفاعي الذي جعل قبره وثنًا يعبد في القاهرة فهو ابن حفيده علي بن أحمد، انظر: جهود علماء الحنفية (٢/ ٧٣٤).","vol":"1","page":309},{"text":"ليتبين ما دخلوا فيه من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام؛ فإن ذلك يطول وصفه في هذا الموضع، وإنما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة المشهورة في مناظرتهم ومقابلتهم.\nوذلك أني كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته في غير هذا الموضع، وهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر والسلوك، ويوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع، ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف (^١) والتصرف (^٢)، ونحو ذلك ما يوجد -فيوجد أيضًا في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر ومن الغلو والبدع في الإسلام والإعراض عن كثير مما جاء به الرسول والاستخفاف بشريعة الإسلام والكذب والتلبيس وإظهار المخارق الباطلة وأكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله ما يوجد.\nوقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم بعض ما فيهم من حق وباطل وأحوالهم التي يسمونها الإشارات (^٣)، وتاب منهم جماعة، وأدب منهم جماعة من شيوخهم، وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق: مثل ملابسة النار والحيات وإظهار الدم واللاذن (^٤) والزعفران وماء\n_________\n(^١) الكشف عند الصوفية: هو الاطلاع على ما وراء الحجاب، من المعاني الغيبية والأمور الخفية الحقيقية وجودًا أو شهودًا. انظر: التعريفات للجرجاني (ص:٢٣٥)، التوقيف (ص:٦٠٤)، المعجم الصوفي د. الحفني (ص: ٢٠٨، ٢٣٨).\n(^٢) التصرف عند الصوفية: هو تمكن الشيخ من فعل أمر يعجز الخلق عن فعله عادة؛ ولهذا يرد في كثير من تراجم الصوفية عبارة (المتصرف في الأكوان). انظر: المناظرة الرفاعية تعليق: عبد الرحمن دمشقية (ص:١١).\n(^٣) الأحوال عند الصوفية: هي ما يرد على قلب السالك وبدنه من تغير وتحول من غير تصنع ولا اكتساب. انظر الرسالة للقشيري (ص: ٥٤)، واللمع لأبي نصر السراج (ص: ٦٦)، وموقف الإمام ابن تيمية من التصوف والصوفية د. أحمد البناني (ص: ١٠٨).\n(^٤) اللاذن واللاذنة: ضربٌ من العلوك. وقيل: هو دواء بالفارسية. وقيل: هو ندى يسقط في الليل على الغنم في بعض جزائر البحر وقيل تتعلق بشعر المعزى ولحاها، إذا رعت نباتًا يعرف بقلسوس أو قستوس، وما علق بشعرها جيد وهو مسخن ملين مفتح للسدد وأفواه العروق، مدر نافع للنزلات، والسعال، ووجع الأذن، وأما ما علق بأظلافها فهو رديء. لسان العرب (١٣/ ٣٨٥) تاج العروس (٣٦/ ١١١) القانون في الطب (١/ ٥٣٦ - ٥٣٧).","vol":"1","page":310},{"text":"الورد والعسل والسكر وغير ذلك، وإن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة وأراد -غير مرة- منهم قوم إظهار ذلك فلما رأوا معارضتي لهم رجعوا ودخلوا على أن أسترهم فأجبتهم إلى ذلك بشرط التوبة، حتى قال لي شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم بأني أدخل معكم النار بعد أن نغتسل بما يذهب الحيلة، ومن احترق كان مغلوبًا، فلما رأوا الصدق أمسكوا عن ذلك.\nوحكى ذلك الشيخ: أنه كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق وكان له صنم يعبده.\nقال: فقال لي: هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل في الطعام بينا يرى فيه. فأنكرت ذلك.\nفقال لي: إن كان يأكل أنت تموت؟ فقلت: نعم.\nقال: فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر.\nفاستعظم ذلك التتري وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل، لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك.\nفقلت لهذا الشيخ: أنا أبين لك سبب ذلك؛ ذلك التتري كافر مشرك ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام وأنت كان معك من نور الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك، وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة إلى أمثالك، فالتتري وأمثاله سود وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بلق (^١) فيكم سواد وبياض، فأعجب هذا المثل من كان حاضرًا!» (^٢).\n_________\n(^١) الأبلق: هو ما اختلط فيه لون السواد بالبياض. انظر: لسان العرب (١٠/ ٢٥)، تاج العروس (١٣/ ٤٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٥ - ٤٤٨).","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-195>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة:</span>\nاجتمع شيخ الإسلام -﵀- في هذه المناظرة مع جماعة من الرفاعية، وذلك في بعض البساتين، وناقشهم شيخ الإسلام -﵀- في مسألتين اثنتين:\n\n<span data-type='title' id=toc-196>المسألة الأولى: كشف تلبيس الرفاعية في دعواهم: دخول النار وعدم الاحتراق بها:</span>\nفي هذه المناظرة تحدى شيخ الإسلام جماعة من الرفاعية أن يدخل معهم النار ومن احترق كان مغلوبًا؛ وذلك لأن أكبر حججهم وطرقهم التي كانوا يحتجون بها على صحة مسلكهم وطريقتهم، وأنهم من أهل الأحوال الباطنة والكرامات الخارقة، هي قدرتهم على دخول النار دون أن يحترقوا، وقد لبسوا بذلك على خلق من الناس، فسلموا لهم بما قالوه، وصدقوهم فيما ادعوه.\nولما رأى القوم صدق شيخ الإسلام في طلبه، خافوا أن يُكشف حالهم، ويُفضح أمرهم، فأمسكوا عن ذلك، وسكتوا عنه، كعادة كل مبطل عندما تَلزمُهُ الحجة، وتَقطَعُه المحجة.\nوقد احتج الرفاعية بهذا الأمر نفسه في المناظرة الكبرى التي وقعت بقصر الإمارة، وحدثت خلالها وقائع أكبر وحوادث أكثر، وبين شيخ الإسلام في ذلك الموضع ما هي الحيل والخدع التي يقومون بها لفعل هذا الأمر، ولذلك كان من الأحرى تأجيل دراسة هذه المسألة إلى ذلك الموضع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-197>المسألة الثانية: في عدم ظهور الأحوال الشيطانية عند أهل الإيمان:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀لأحد شيوخ الرفاعية أن ما يحدث لبعض التتر من رؤية آثار الطعام الذي يقدمونه لأصنامهم التي يعبدونها ويتقربون لها، ونحوها من الأحوال التي قد تحدث عندهم، إنما هي من أفعال الشيطان لتضليلهم وإغوائهم\n_________\n(^١) انظر (ص:٣٣٨ - ٣٤٢) من هذه الرسالة.","vol":"1","page":312},{"text":"والتلبيس عليهم، وأن هذه الأحوال لا تظهر عند أهل الإيمان؛ لأن معهم من نور الإسلام والإيمان ما يوجب انصراف الشياطين، عن فعل ذلك بحضورهم.\nوبين له شيخ الإسلام أنه كلما كان المرء أبعد عن الشرع، كلما كان تسلط الشيطان عليه أعظم، وتلبيسه عليه أكبر. وأشار شيخ الإسلام بذلك إلى أن الشياطين قد تلبس على هؤلاء الرفاعية وأمثالهم، ممن ابتعد عن هدي الكتاب والسنة، وإن كان تلبيسها على الكفار من التتر وغيرهم أعظم وأكبر، ولكن الشياطين تعجز عن إظهار هذه الأمور أمام أهل الإيمان الخلص، المتبعين للكتاب والسنة؛ لما معهم من نور الإيمان والسنة؛ ولذلك فقد عجز هؤلاء الرفاعية عن معارضة شيخ الإسلام وإظهار خوارقهم أمامه، قال شيخ الإسلام ﵀: «ولهذا من تكون أخباره عن شياطين تخبره، لا يكاشف أهل الإيمان والتوحيد، وأهل القلوب المنورة بنور الله، بل يهرب منهم، ويعترف أنه لا يكاشف هؤلاء وأمثالهم، وتعترف الجن والإنس الذين خوارقهم بمعاونة الجن لهم، أنهم لا يمكنهم أن يظهروا هذه الخوارق بحضرة أهل الإيمان والقرآن، ويقولون: أحوالنا لا تظهر قدام الشرع والكتاب والسنة، وإنما تظهر عند الكفار والفجار؛ وهذا لأن أولئك أولياء الشياطين، ولهم شياطين يعاونون شياطين المخدومين، ويتفقون على ما يفعلونه من الخوارق الشيطانية؛ كدخول النار» (^١).\nوقال ﵀: «الشياطين يخافون الرجل الصالح أعظم مما يخافه فجار الإنس، فهؤلاء الشياطين إذا كانوا مع جنسهم، الذين لا يهابونهم، فعلوا هذه الأمور. وأما إذا كانوا عند أهل إيمان وتوحيد، وفي بيوت الله التي يذكر فيها اسمه، لم يجترئوا على ذلك، بل يخافون الرجل الصالح أعظم مما يخافه فجار الإنس. ولهذا لا يمكنهم عمل سماع المكاء والتصدية في المساجد المعمورة بذكر الله، ولا بين أهل الإيمان والشريعة المتبعين للرسول. إنما يمكنهم ذلك في الأماكن التي يأتيها الشياطين؛ كالمساجد المهجورة، والمشاهد، والمقابر،\n_________\n(^١) النبوات (١/ ١٠٢٣ - ١٠٢٤).","vol":"1","page":313},{"text":"والحمامات، والمواخير (^١)» (^٢).\nوبين -﵀- أن هذه الأحوال تنتشر في الأماكن التي يقل فيها ذكر الله، وتكثر فيها الشياطين، قال -﵀-: «فالمواضع التي نهى النبي -ﷺ- عن الصلاة فيها؛ كالمقبرة، وأعطان الإبل، والحمام، وغيرها، فتكون حال هؤلاء فيها أقوى؛ لأنها مواضع الشياطين: كالمجزرة، والمزبلة، والحمام، ونحو ذلك، بخلاف الأمكنة التي ظهر فيها الإيمان والقرآن والتوحيد، التي أثنى الله على أهلها، وقال فيهم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور:٣٥ - ٣٨]، فهذه أمكنة النور والصالحين والملائكة، لا تتسلط عليها الشياطين بكل ما تريد، بل كيدهم فيها ضعيف، كما أن كيدهم في شهر رمضان ضعيف» (^٣).\nوبين ﵀ \"أن الأحوال نتائج الأعمال. فالأكل من الطيبات والعمل الصالح يورث الأحوال الرحمانية: من المكاشفات والتأثيرات التي يحبها الله ورسوله. وأكل الخبائث وعمل المنكرات يورث الأحوال الشيطانية التي يبغضها الله ورسوله وخفراء التتر هم من هؤلاء وإذا اجتمعوا مع من له حال رحماني بطلت أحوالهم وهربت شياطينهم. وإنما يظهرون عند الكفار والجهال كما يظهر أهل الإشارات عند التتر والأعراب والفلاحين ونحوهم من الجهال الذين\n_________\n(^١) المواخير: مجالس الريبة ومجتمعاتها. انظر: العين (٤/ ٢٦٢) تهذيب اللغة (٧/ ١٦٦).\n(^٢) النبوات (٢/ ١٠٢٥ - ١٠٢٦).\n(^٣) النبوات (٢/ ١٠٢٥ - ١٠٢٧).","vol":"1","page":314},{"text":"لا يعرفون الكتاب والسنة. وأما إذا ظهر المحمديون أهل الكتاب والسنة فإن حال هؤلاء يبطل والله أعلم\" (^١). وستأتي دراسة هذه المسألة مستوفاة في المبحث التاسع من هذا الفصل، ونبين هناك أصل شبهة القوم، ومناقشة هذه الشبهة، والجواب عليها، حيث أن شيخ الإسلام قد فصل القول هناك ووضحه وبينه، وضرب عليه عدة أمثلة، وذكر هناك عدة مناظرات جرت له في المسألة ذاتها (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(^٢) انظر: المبحث التاسع من هذا الفصل (ص:٣٩٢).","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-198>المبحث الثاني: مناظرته مع جماعة من الرفاعية فيما يزعمونه من إشارات وأحوال</span>\nوتشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-199>المطلب الأول: عرض المناظرة</span>.\n<span data-type='title' id=toc-200>تمهيد:</span>\nثم عقب شيخ الإسلام بعد ذكر المناظرة الأولى بمناظرة أخرى حدثت له في مجلس آخر، مع جماعة من الرفاعية، وهي قريبة من سابقتها في موضوعها ومحتواها.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام ﵀: «وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا: تريد أن نظهر هذه الإشارات؟\nقلت: إن عملتموها بحضور من ليس من أهل الشأن: من الأعراب والفلاحين أو الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفقرة والمتصوفة لم يحسب لكم ذلك.\nفمن معه ذهبٌ، فليأت به إلى سوق الصرف، إلى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص من المغشوش ومن الصفر، لا يذهب إلا عند أهل الجهل بذلك.\nفقالوا لي: لا نعمل هذا إلا أن تكون همتك معنا.","vol":"1","page":316},{"text":"فقلت: همتي ليست معكم؛ بل أنا معارض لكم، مانع لكم؛ لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا.\nفانقلبوا صاغرين» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-202>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-203>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nأصل شبهة القوم التي بنوا عليها صحة مذهبهم واستقامة مسلكهم وطريقتهم: هي اغترارهم بتصديق عامة الناس لهم فيما يظهرونه من إشارات وأحوال، فجعلهم هذا يظنوا أنهم على الحق والصواب (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-204>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين لهم شيخ الإسلام، أن العامة وجهلة الناس ليسوا معيارًا في معرفة الحق من الباطل، إذ أن طريقتهم وأحوالهم لا يسلم لهم بها إلا أحد شخصين:\n١. جاهل لا يعلم حقيقة ما يقومون به من خُدعٍ وحيل، وذلك كالأعراب والفلاحين والعامة.\n٢. عارف عالم، ولكنه منقاد لهم وهمته وهواه معهم.\nوأما إن كان الرجل عالمًا بدين الله، وهمته فيما وافق الكتاب والسنة، فإنهم لا يستطيعون خداعه بمثل هذه الأمور.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وأما الذين يفعلون ما أمر الله به ورسوله من الصلوات الخمس وغيرها ويخلصون دينهم لله فلا يدعون إلا الله ولا يعبدون غيره ولا ينذرون إلا لله ويحرمون ما حرم الله ورسوله؛ فهؤلاء جند الله الغالبون\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٨).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٨).","vol":"1","page":317},{"text":"وحزب الله المفلحون، فإنه يؤيدهم وينصرهم. وهؤلاء يهزمون شياطين أولئك الضالين فلا يستطيعون مع شهود هؤلاء واستغاثتهم بالله أن يفعلوا شيئا من تلك الأحوال الشيطانية بل تهرب منهم تلك الشياطين.\nوهؤلاء معترفون بذلك. يقولون: أحوالنا ما تنفذ قدام أهل الكتاب والسنة وإنما تنفذ قدام من لا يكون كذلك من الأعراب والترك والعامة وغيرهم» (^١).\nوهذا هو ما كان عليه شيخ الإسلام -﵀-، فإنهم لما عرفوا أنه ليس من الصنف الأول، طلبوا منه أن يكون من الصنف الثاني، لكي يتقبل ما يظهرونه من إشارات، وما يدعونه من كرامات.\nولكنه بين لهم ﵀ أنه ليس من أحد الصنفين، فانقلبوا بعد ذلك صاغرين، ولم يستطيعوا إظهار شيء من ذلك.\nولتعلق هذه المسألة وارتباطها بسابقتها فسيكون لها -أيضًا- مزيد بحث وتحقيق في المبحث التاسع -إن شاء الله-.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٦٨).","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>المبحث الثالث: مناظرته مع شيخ من شيوخ الرفاعية في تعبدهم بلبس الأغلال: ويشتمل على مطلبين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-206>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-207>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ البر مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم (^١)، وهو وأتباعه معروفون بأمور، وكان يحضر عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن، فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذي يتميزون به عن المسلمين ويتخذونه عبادة ودينا يوهمون به الناس أن هذا لله سر من أسرارهم وإنه سيماء أهل الموهبة الإلهية، السالكين طريقهم -أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه- خاطبته في ذلك بالمسجد الجامع وقلت هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة ولا من المشايخ الذين يقتدى بهم، ولا يجوز التعبد بذلك ولا التقرب به إلى الله تعالى؛ لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة ولباس الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء\n_________\n(^١) قال الشيخ محمد رشيد رضا في تحقيقه لمجموعة الرسائل والمسائل (١/ ١٢٤): رأيت مثل هؤلاء في الهند من متصوفة الشرك.","vol":"1","page":319},{"text":"للحديث المروي في ذلك وهو أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- رأى على رجل خاتمًا من حديد فقال: (ما لي أرى عليك حلية أهل النار) (^١).\nوقد وصف الله تعالى أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال (^٢)، فالتشبه بأهل النار من المنكرات. وقال بعض الناس قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- في حديث الرؤيا قال في آخره: (أحب القيد وأكره الغل، القيد ثبات في الدين) (^٣)، فإذا كان مكروهًا في المنام فكيف في اليقظة؟! فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من الكلام أو نحو منه مع زيادة. وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به، وذلك أن الأمور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها طريقًا إلى الله وسببًا لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيرًا عند الله وقربة إليه، ولا أن يجعل شعارًا للتائبين المريدين وجه الله الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم. فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينًا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها فلا حرام\n_________\n(^١) رواه أبو داود برقم (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٦)، وصححه الألباني انظر: صحيح الجامع (٥٥٤٠).\n(^٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد:٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٣٣] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٠ - ٧٢].\n(^٣) رواه البخاري، كتاب التعبير. باب القيد في المنام. (٧٠١٧) من قول أبي هريرة ﵁، ومسلم كتاب الرؤيا، برقم (٢٢٦٣) ولم يجزم بوقفه ولا برفعه.","vol":"1","page":320},{"text":"إلا ما حرمه الله؛ ولا دين إلا ما شرعه الله؛ ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع دينًا لم يأذن الله به ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه؛ بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره، وعند آخرين لا شيء عليه فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة [طاعة وعبادة]، ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين كعهود أهل الفتوة (^١)، ورماة البندق (^٢)، ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله، إلا ما كان دينًا وطاعة لله ورسوله في شرع الله؛ لكن قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك؛ ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتملة على أنواع من البدع إلى ما هو خير منها من طاعة الله ورسوله واتباع الكتاب والسنة، إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: إنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله؛ وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة وطاعة.\nفكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به\n_________\n(^١) الفتوة: المراد بها عند الصوفية مقام يتصف فيه صاحبه بالعدالة التي هي جماع الفضائل الخلقية ويتنزه عن الرذائل النفسية، والألواث الطبيعية، ويرجع إلى صفاء الفطرة. انظر: معجم اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق كشاني (ص: ٢٦١)، المعجم الصوفي للدكتورة سعاد الحكيم (ص: ٨٧١).\n(^٢) رماة البندق طائفة كبيرة يخرجون إلى ضواحي المدن يتسابقون في رميه على الطير ونحوه، ويعدون ذلك من قبيل الفتوة، ولهم زي خاص، ولهم أيمان وعهود مبتدعة يسمونها أيمان البندق، والبندق آلة صيد كانت تستخدم في عهد المماليك. انظر: نهاية الأرب (١٠/ ٣٢٤) جامع المسائل (١/ ٣٠٣)","vol":"1","page":321},{"text":"ولا اتخاذه دينا ولا عمله من الحسنات فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل.\nوبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرمًا لا ينهى عنه؛ بل يقال إنه جائز ولا يفرقون بين اتخاذه دينًا وطاعةً وبرًا وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه دينا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها معاصي وسيئات فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-208>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:</span>\nكان من شعائر القوم البدعية الظاهرة، لبسهم وتقلدهم للأطواق والأغلال والسلاسل حول أعناقهم، وتعبدهم الله بلبس هذه الأغلال وجعلها شعار لهم يميزهم عن بقية الناس، وكان هذا من أعظم ما قام شيخ الإسلام يإنكاره عليهم، وقد ناقش شيخ الإسلام هذه المسألة معهم في مجلسين مختلفين: أولهما في هذه المناظرة، والآخر في المناظرة الكبرى بقصر الإمارة، وستكون مناقشة هذه المسألة من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-209>الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم في لبس الأغلال:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- أن أصل شبهتهم التي حملتهم على هذا الفعل، هي ما ادعوه من أن لبس هذه الأغلال وتقلد هذه الأطواق سر من أسرارهم التي لا يطلع عليها إلا هم، وهو شعار وسيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريق شيخهم، وأن الأمور التي لم يأت في الشرع بيان حرمتها فالأصل إباحتها وجواز التعبد لله بها، فلا مانع من التعبد لله بلبس الأغلال، واتخاذها شعارًا لهم يميزهم عن غيرهم (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٩ - ٤٥٢).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٩).","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام ﵀ في هذه المناظرة بطلان وفساد هذه العادة التي اتخذها هؤلاء القوم قربة وعبادة، وبطلان شبهتهم في ذلك من ستة أوجه:\nالأول: أن هذه بدعة لم يشرعها الله ولا رسوله -ﷺ-، ومن عبد الله بغير ما شرع فقد وقع في البدعة والضلالة (^١).\nالثاني: أن هذا الأمر لم يفعله أحد من السلف الصالحين، ولا من مشايخ الدين المقتدى بهم، وإنما هو من إحداث هؤلاء القوم (^٢).\nالثالث: أن لبس الحديد قد كرهه من كرهه من العلماء لما روي أن النبي -ﷺ- رأى على رجل خاتما من حديد فقال: (مالي أرى عليك حلية أهل النار) (^٣) فقالوا بكراهة لبسه ولو كان لبسه على غير تعبد، فكيف إذا كان تعبدا وديانة (^٤)؟!\nالرابع: أن هذا الفعل تشبه بأهل النار؛ لأن الله وصفهم بأن في أعناقهم الأغلال، والتشبه بأهل النار من المنكرات (^٥).\nالخامس: أنه قد جاء في السنة كراهة الأغلال ولو في المنام وذلك في ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث الرؤيا قال في آخره: (أحب القيد وأكره الغل، القيد ثبات في الدين) (^٦)، فإذا كان مكروها في المنام فكيف في اليقظة (^٧)؟! (^٨).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٤٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٤٩).\n(^٣) سبق عزوه.\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٩).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٤٩).\n(^٦) سبق عزوه.\n(^٧) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٩).\n(^٨) ويبدو أن المحتج بهذه الحجة هو أحد الحاضرين مع شيخ الإسلام وليس الشيخ نفسه، ولذلك قال الشيخ قبل أن يسوقها: قال بعض الناس. وقد استحسن شيخ الإسلام استنباطه ولذلك ساقه ضمن ما استدل به على إبطال بدعة هؤلاء القوم.","vol":"1","page":323},{"text":"السادس: أن ما ليس مستحبًا في الشرع لا يجوز التعبد به باتفاق المسلمين، ولا اتخاذه طريقًا إلى الله ولا شعارًا لأهل الصلاح (^١).\nالسابع: أنه لا يجوز التدين إلى الله بالأمور المباحة وجعلها مستحبة أو واجبة، فإن المباح إنما يكون مباحا إذا بقي على أصله، أما إذا اتخذ واجبًا أو مستحبًا، كان ذلك دينًا لم يشرعه الله وقد جاء في الوعيد لمن يتخذ دينا لم يشرعه الله الشيء العظيم، فإذا كان هذا في اتخاذ المباحات دينًا فكيف التعبد بالمكروهات والمحرمات؟!\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «ولو سئل العالم عمن يعدو بين جبلين: هل يباح له ذلك؟ قال: نعم. فإذا قيل: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة. قال: إن فعله على هذا الوجه حرام منكر، يستتاب فاعله، فإن تاب وإلا؛ قُتل.\nولو سئل عن كشف الرأس، ولبس الإزار، والرداء: أفتى بأن هذا جائز، فإذا قيل: إنه يفعله على وجه الإحرام كما يحرم الحاج. قال: إن هذا حرام منكر.\nولو سئل: عمن يقوم في الشمس. قال: هذا جائز. فإذا قيل: إنه يفعله على وجه العبادة. قال: هذا منكر. كما روى البخاري عن ابن عباس -﵄-: أن رسول الله -ﷺ- رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فقال: (من هذا؟). قالوا: هذا أبو إسرائيل (^٢) يريد أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم. فقال النبي -ﷺ-: (مروه؛ فليتكلم، وليجلس، وليستظل، وليتم صومه) (^٣)؛ فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه، لكن لما فعله على وجه العبادة نهى عنه.\nوكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت لم يحرم عليه ذلك، ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة كما كانوا يفعلون في الجاهلية: كان أحدهم إذا أحرم لم\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٥٠).\n(^٢) اسمه قشير وهو رجل من الأنصار، من أصحاب النبي ﷺ، وهو صاحب القصة المشهورة في النذر. انظر: معرفة الصحابة (٤/ ٢٣٦٣) والاستيعاب (٤/ ١٥٩٦) والإصابة (٥/ ٤٢٣).\n(^٣) رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور (٦٧٠٤).","vol":"1","page":324},{"text":"يدخل تحت سقف؛ فنهوا عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]، فبين سبحانه أن هذا ليس ببر وإن لم يكن حرامًا، فمن فعله على وجه البر والتقرب إلى الله كان عاصيًا مذمومًا مبتدعًا، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن العاصي يعلم أنه عاص فيتوب، والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب … فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو المستحب؛ فهو ضال مبتدع، وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب» (^١).\nالثامن: أنه ليس لأولياء الله لباس أو شعار يختصون به من دون الناس، قال شيخ الإسلام: \"وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره، إذا كان مباحا، كما قيل: كم من صدِّيقٍ في قباء، وكم من زنديق في عباء\" (^٢).\nوبهذه الأوجه كلها نقض شيخ الإسلام ما جاء به هؤلاء القوم من بدعة، وما فعلوه من ضلالة، وفند ما ذكره هذا الشيخ من شبهة.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٣١ - ٦٣٤).\n(^٢) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص: ٥١).","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>المبحث الرابع: المناظرة الكبرى مع الرفاعية في قصر الإمارة: ويشتمل على مطلبين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-212>المطلب الأول: عرض المناظرة</span>.\n<span data-type='title' id=toc-213>تمهيد:</span>\nلقد كان ما أظهره الرفاعية من الطاعة والامتثال بعد المناظرة السابقة إنما هو كذب وتدليس، فهم لا زالوا على عقائدهم الفاسدة، وإنما أظهروا هذا عندما أعيتهم الحجة، وانقطعت أمامهم المحجة، وعجزوا عن الجواب على الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة التي أوردها شيخ الإسلام -﵀-، ولم يجدوا أمام تلك السهام الصائبة إلا التخفي وراء جدار السكوت، وإظهار الطاعة والموافقة، مع مضيهم على ما هم عليه من غي وضلال، وشطحات وبدع وأحوال؛ مما أدى إلى وقوع حوادث أخرى لهم مع شيخ الإسلام، ومع عامة الناس، وكان أعظمها ما جرى في المناظرة الكبرى التي وقعت بينهم وبين شيخ الإسلام في قصر الإمارة أمام السلطان وبمرأى الناس وبحضور العامة والعلماء والأمراء في محفل عظيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة والناس يذكرون عنهم الإصرار على الابتداع في الدين وإظهار ما يخالف شرعة المسلمين ويطلبون الإيقاع بهم، وأنا أسلك مسلك","vol":"1","page":326},{"text":"الرفق والأناة وأنتظر الرجوع والفيئة وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر ذلك الشيخ لمسجد الجامع.\nوكان قد كتب إلي كتابًا بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار، وعتب وآثار وهو كلام باطل لا تقوم به حجة بل إما أحاديث موضوعة أو إسرائيليات غير مشروعة، وحقيقة الأمر الصد عن سبيل الله وأكل أموال الناس بالباطل.\nفقلت لهم: الجواب يكون بالخطاب.\nفإن جواب مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك، وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه، وهؤلاء هم من أهل الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ورسوله ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]؛ ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون، وفيهم شَبه قوي من النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]، ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء، فحملهم هواهم على أن تجمعوا تجمع الأحزاب، ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب بالأحوال التي يعدونها للغلاب. فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، ونتفق على اتباع سبيله، فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة -وكأنهم اتفقوا مع بعض الأكابر على مطلوبهم- ثم رجعوا إلى مسجد الشاغو (^١) -على ما ذكر لي- وهم من الصياح والاضطراب على أمر من أعجب العجاب.\nفأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة، وطلبًا للبيان والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة، فعمدوا إلى القصر مرة ثانية وذُكر لي أنهم قدموا من\n_________\n(^١) لعله مسجد (الشاغور) وهي محلة مشهورة بالباب الصغير من دمشق. انظر: معجم البلدان (٣/ ٣١٠) مراصد الاطلاع (٢/ ٧٧٤) معجم دمشق التاريخي (١/ ٢١٩).","vol":"1","page":327},{"text":"الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج والإزباد والإرعاد واضطراب الرؤوس والأعضاء والتقلب في نهر بردى (^١)، وإظهار التوله الذي يخيلوا به على الردى، وإبراز ما يدعونه من الحال والمحال الذي يسلمه إليهم من أضلوا من الجهال.\nفلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر! وسأل عنهم؟ فقيل له: هم مشتكون، فقال: ليدخل بعضهم. فدخل شيخهم وأظهر من الشكوى علي، ودعوى الاعتداء مني عليهم كلامًا كثيرًا لم يبلغني جميعه؛ لكن حدثني من كان حاضرًا أن الأمير قال لهم: فهذا الذي يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله -ﷺ-؟ فقالوا: بل يقوله عن الله ورسوله -ﷺ-. قال: فأي شيء يقال له؟ قالوا: نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا. قال: فنسمع كلامه فمن كان الحق معه نصرناه. قالوا: نريد أن تشد منا.\nقال: لا ولكن أشد في الحق سواء كان معكم أو معه. قالوا: ولا بد من حضوره؟ قال: نعم. فكرروا ذلك فأمر بإخراجهم فأرسل إلي بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يَعرف ضلالهم، وعرفني بصورة الحال، وأنه يريد كشف أمر هؤلاء.\nفلما علمت ذلك أُلقي في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين وكشف حال أهل النفاق المبتدعين؛ لانتشارهم في أقطار الأرضين، وما أحببت البغي عليهم والعدوان ولا أن أسلك معهم إلا أبلغ ما يمكن من الإحسان، فأرسلت إليهم من عرفهم بصورة الحال وإني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال وكثر فيكم القيل والقال، وأن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان فهو الذي أوقع نفسه في الهوان.\nفجاء الرسول وأخبر أنهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار الذين يعرفون حقيقة الأسرار، وأشاروا عليهم بموافقة ما أمروا به من اتباع الشريعة والخروج عما ينكر عليهم من البدع الشنيعة.\n_________\n(^١) نهر بردى: نهر دمشق الرئيسي ينبع من بحيرة نبع بردى. انظر: معجم دمشق (٢/ ٣٢٦).","vol":"1","page":328},{"text":"وقال شيخهم (^١) الذي يسيح بأقطار الأرض كبلاد الترك ومصر وغيرها: أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله.\nوأنهم نزعوا الأغلال من الأعناق وأجابوا إلى الوفاق.\nثم ذُكر لي أنه جاءهم بعض أكابر غلمان المطاع وذكر أنه لا بد من حضورهم لموعد الاجتماع.\nفاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته، وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى ألقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون بردًا وسلامًا على من اتبع ملة الخليل، وأنها تحرق أشباه الصابئة أهل الخروج عن هذه السبيل. وقد كان بقايا الصابئة أعداء إبراهيم إمام الحنفاء بنواحي البطائح منضمين إلى من يضاهيهم من نصارى الدهماء. وبين الصابئة ومن ضل من العباد المنتسبين إلى هذا الدين نسب يعرفه من عرف الحق المبين، فالغالية من القرامطة (^٢) والباطنية كالنُصَيرية (^٣) والإسماعيلية (^٤) يخرجون\n_________\n(^١) قال ابن كثير -﵀-: «الشيخ صالح الأحمدي الرفاعي شيخ المنيبع، كان التتر يكرمونه لما قدموا دمشق، ولما جاء قطلوشاه نائب التتر نزل عنده، وهو الذي قال للشيخ تقي الدين بن تيمية بالقصر: نحن ما ينفق حالنا إلا عند التتر، وأما عند الشرع فلا» البداية والنهاية (١٤/ ٥٣)، وذكر هذا ابن عبد الهادي أيضًا في العقود الدرية (ص:٢١١).\n(^٢) سبق التعريف بهم في مناظرته مع التتار من هذا البحث (ص:٢٢٣).\n(^٣) هي إحدى فرق الشيعة الباطنية، تنسب إلى محمد بن نصير النميري، خالفوا الإمامية بإنكار إمامة محمد بن الحسن العسكري، ولهم عقائد غالية مشهورة أهمها تأليه علي بن أبي طالب -﵁ـ، وفي عهد المماليك كانوا موالين أتم الموالاة للنصارى وللتتار، وقد حرص الظاهر بيبرس على القضاء عليهم، ولابن تيمية﵀- فتوى مشهورة في النصيرية وحقيقة مذهبهم وخطرهم وتعاونهم مع النصارى والتتار. انظر: الملل والنحل (١/ ١٨٨)، مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٤٥ - ١٦٠).\n(^٤) هي إحدى فرق الشيعة الباطنية، تنتسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ولهم عقائد فاسدة في الله وصفاته وفي الصحابة وفي الثواب والعقاب والمعاد وغير ذلك، مبنية على الالحاد في النصوص وتحريف معانيها. انظر: الفرق بين الفرق (ص: ٦٢)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٦٧).","vol":"1","page":329},{"text":"إلى مشابهة الصابئة الفلاسفة ثم إلى الإشراك ثم إلى جحود الحق تعالى.\nومن شركهم الغلو في البشر والابتداع في العبادات والخروج عن الشريعة له نصيب من ذلك بحسب ما هو به لائق كالملحدين من أهل الاتحاد والغالية من أصناف العباد.\nفلما أصبحنا ذهبت للميعاد وما أحببت أن أستصحب أحدًا للإسعاد، لكن ذهب أيضًا بعض من كان حاضرًا من الأصحاب، والله هو المسبب لجميع الأسباب.\nوبلغني بعد ذلك أنهم طافوا على عدد من أكابر الأمراء، وقالوا أنواعًا مما جرت به عادتهم من التلبيس والافتراء الذي استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من الأكابر والرؤساء، مثل زعمهم: أن لهم أحوالًا لا يقاومهم فيها أحد من الأولياء وأن لهم طريقًا لا يعرفها أحد من العلماء.\nوأن شيخهم هو في المشايخ كالخليفة، وأنهم يتقدمون على الخلق بهذه الأخبار المنيفة، وأن المنكر عليهم هو آخذ بالشرع الظاهر غير واصل إلى الحقائق والسرائر.\nوأن لهم طريقًا وله طريق، وهم الواصلون إلى كنه التحقيق، وأشباه هذه الدعاوى ذات الزخرف والتزويق.\nوكانوا لفرط انتشارهم في البلاد واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد؛ لخفاء نور الإسلام، واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام، وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار، لهم في القلوب موقع هائل، ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل.\nقال المخبر: فغدا أولئك الأمراء الأكابر وخاطبوا فيهم نائب السلطان بتعظيم أمرهم الباهر، وذكر لي أنواعًا من الخطاب والله تعالى أعلم بحقيقة الصواب، والأمير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق، فأعاد الرسول إلي مرة ثانية، فبلغه أنَّا في الطريق، وكان كثير من أهل البدع الأضداد كطوائف من المتفقهة والمتفقرة وأتباع أهل الاتحاد، مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم، مجهزين لمن يعينهم","vol":"1","page":330},{"text":"في حضورهم.\nفلما حضرت وجدت النفوس في غاية الشوق إلى هذا الاجتماع، متطلعين إلى ما سيكون، طالبين للاطلاع.\nفذكر لي نائب السلطان وغيره من الأمراء بعض ما ذكروه من الأقوال المشتملة على الافتراء، وقال: إنهم قالوا: إنك طلبت منهم الامتحان، وأن يحموا الأطواق نارا ويلبسوها.\nفقلت: هذا من البهتان، وها أنا ذا أصف ما كان.\nقلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحدًا بأن يدخل نارًا ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار، وفي ذلك الحديث الصحيح (^١).\nوهؤلاء يكذبون في ذلك وهم كذابون مبتدعون، قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم.\nوذكرت تلبيسهم على طوائف من الأمراء وأنهم لبَّسوا على الأمير المعروف بالأيدمري (^٢)، ..................................\n_________\n(^١) إشارة إلى حديث علي -﵁-: «أن النبي -ﷺ- بعث سرية وأمر عليهم رجل من الأمصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس أمر النبي -ﷺ- أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارًا، ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطبًا فأوقدوا، فلما هموا بالدخول فقام بعضهم ينظر إلى بعض فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي -ﷺ- فرارًا من النار أفندخلها؟! فبينما هم كذلك إذ خمدت النار، وسكن غضبه فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف) رواه البخاري برقم (٤٠٨٥) ومسلم برقم (١٨٤٠).\n(^٢) لعل المراد به الأمير الكبير بدر الدّين بيليك بن عبد الله الصّالحيّ، المعروف بالأيْدمُري أحد مماليك الملك المنصور قلاوون وخواصه، وكان من أعيان الأمراء بالديار المصرية، (ت: ٦٨٦ هـ). ووجد الملك المنصور عليه وجدًا عظيمًا عندما مات. انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٥٩٠، ٥٦٨)، المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (٣/ ٥١٥)، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان (٢/ ٣٦٨).\nأو الأمير الكبير حسام الدين لاجين الأيْدمريّ، الداوادار، الملقَّب بالدّرفيل. (ت: ٦٧٢ هـ) قال الذهبي: «سمع من سِبْط السِّلَفيّ، وكان مُحِبًّا للعلماء، مُقَرِّبًا لهم، مؤْثِرًا للفُقراء، خاضعًا لهم. له معرفة وفضيلة ومشاركة وذكاء مُفْرِط وهِمّة عالية وَنَفْس شريفة، وكان السّلطان يحبّه ويعتمد عليه فِي المهمّات والمكاتبات وأمر القُصّاد» تاريخ الإسلام (١٥/ ٢٥٥) وانظر: ذيل مرآة الزمان (٣/ ٦٧).","vol":"1","page":331},{"text":"وعلى قفجق (^١) نائب السلطنة وعلى غيرهما، وقد لبَّسوا أيضا على الملك العادل كتبغا (^٢) في ملكه وفي حالة ولاية حماة (^٣)، وعلى أمير السلاح أجل أمير بديار مصر، وضاق المجلس عن حكاية جميع تلبيسهم.\nفذكرت تلبيسهم على الأيدمري وأنهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة، ثم يخبرونه بها على طريق المكاشفة ووعدوه بالملك، وأنهم وعدوه أن يروه رجال الغيب فصنعوا خشبًا طوالًا وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب بأكر الزجاج، فجعلوا يمشون على جبل المِزَّة (^٤)، وذاك يرى من بعيد قوما يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن الأرض وأخذوا منه مالا كثيرًا ثم انكشف له أمرهم.\n_________\n(^١) هو سيف الدين قبجق ويقال قفجق المنصوري نائب دمش وحماة وحلب، كان تركيًا صاحب فروسية ودهاء، تام الشكل، محببًا إلى الرعية (ت: ٧١٠ هـ). انظر: أعيان العصر (٤/ ٦١)، والبداية والنهاية (١٣/ ٣٥١) (١٤/ ٨، ٥٥)، والرد الوافر (ص: ٤١ - ٤٢).\n(^٢) هو الأمير كتبغا المغلي المنصوري، الملك العادل زين الدين، كان شجاعًا ينطوي على دين وسلامة وباطن وتواضع، تسلطن بمصر عامين، وخلع في صفر سنة ٦٩٦ هـ ثم أعطي حماة فتولاها وعدل، (ت: ٧٠٢ هـ). انظر: البداية والنهاية (٩/ ٢٦٤)، تاريخ الخلفاء (١/ ٤١٢)، شذرات الذهب (٦/ ٥).\n(^٣) حماة: مدينة مشهورة من مدن الشام، وهي حاليا في بلاد سوريا. انظر: معجم البلدان (٢/ ٣٠٠).\n(^٤) إحدى مناطق مدينة دمشق تقع في الجهة الغربية الجنوبية للمدينة، سكن فيها الصحابي الجليل أسامة بن زيد ودحية الكلبي، ولها ينتسب الحافظ المزي، وقد ألف شمس الدين ابن طولون كتابًا في تاريخها، سماه \"المعزة فيما قيل في المزة\". انظر: معجم البلدان (٥/ ١٢٢) معجم دمشق التاريخي (٢/ ٢١٧)","vol":"1","page":332},{"text":"قلت للأمير: وولده هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك وهو ممن حدثني بهذه القصة.\nوأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلًا في القبر يتكلم، وأوهموه أن الموتى تتكلم، وأتوا به في مقابر باب الصغير (^١) إلى رجل زعموا أنه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته، وقالوا: إنه طلب منه جملة من المال؛ فقال قفجق: الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزائني ليس فيها هذا كله! وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد الذي ألصقوه على جلده من جلد الماعز فذكرت للأمير هذا؛ ولهذا قيل لي: إنه لما انقضى المجلس وانكشف حالهم للناس كتب أصحاب قفجق إليه كتابًا وهو نائب السلطنة بحماة يخبره بصورة ما جرى.\nوذكرت للأمير أنهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الأغلال ونحوها، وأنا نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة فذكر الأمير حديث البدعة وسألني عنه فذكرت حديث العرباض بن سارية وحديث جابر بن عبد الله وقد ذكرتهما بعد ذلك بالمجلس العام كما سأذكره.\nقلت للأمير: أنا ما امتحنت هؤلاء، لكن هم يزعمون أن لهم أحوالًا يدخلون بها النار وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك، ويقولون لنا هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشرع، ليس لهم أن يعترضوا علينا بل يسلم إلينا ما نحن عليه -سواء وافق الشرع أو خالفه- وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم، ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوبًا، وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار (^٢).\n_________\n(^١) أحد أشهر مقابر دمشق وأكبرها، تقع خارج باب الصغير، وفيها قبر بلال بن رباح ﵁، وابن القيم والذهبي رحمهما الله. انظر: معجم دمشق التاريخي (٢/ ٣١٣).\n(^٢) قال ابن كثير -﵀- حاكيًا كلام الشيخ: «ومن أراد منهم أن يدخل النار فليدخل أولا إلى الحمام وليغسل جسده غسلا جيدًا ويدلكه بالخل والأشنان» البداية والنهاية (١٤/ ٤١).","vol":"1","page":333},{"text":"فقال الأمير ولمَ ذاك؟ قلت: لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج (^١) وحجر الطلق (^٢) وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، وأنا لا أطلي جلدي بشيء فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق، فاستعظم الأمير هجومي على النار وقال: أتفعل ذلك؟ فقلت له: نعم قد استخرت الله في ذلك، وأُلقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد -ﷺ- المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله، والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله -ﷺ-، ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات. وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم.\nفجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء على السماط بذلك، وفرح بذلك وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال لا يقدر أحد على رده، وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر (^٣) وأنا جالس بينهما على\n_________\n(^١) النارنج: ويسمى الرانِج: ثمر جوز الهند، وهو لفظ فارسي معرب. انظر لسان العرب (٢/ ٢٨٤)، والقاموس (ص ٢٦٥)، وتاج العروس (٣/ ٤٩٧).\n(^٢) حجر الطِّلْق: هو حجر براق يشتظى ويظهر أنوارًا إذا دُقَّ صفائح وشظايا، قال الزبيدي: «قال الأصمعي: يقال لضرب من الدواء، أو نبت طلق. محرك اللام نقله الأزهري، وقال غيره: هو نبت تستخرج عصارته، فيتطلى بها الذين يدخلون النار … وهو معرب) انظر: القاموس المحيط (ص: ١١٦٨)، تاج العروس (١٣/ ٣٠٥).\n(^٣) هو سيف الدين الحاج بهادر آص المنصوري، الأمير الكبير، أكبر أمراء دمشق، طال عمره في الحشمة والثروات، وكان محببا إلى العامة، وله بر وصدقة وإحسان، (ت: ٧٣٠ هـ). انظر: البداية والنهاية (٩/ ٤٠٠)، شذرات الذهب (٦/ ٩٣).","vol":"1","page":334},{"text":"رأس السماط بالتركي ما فهمته منه إلا أنه قال: اليوم ترى حربًا عظيمًا. ولعل ذاك كان جوابًا لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل.\nوحضر شيوخهم الأكابر فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية ويترفقون فقال الأمير إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق، وقمنا إلى مقعد الأمير بزاوية القصر أنا وهو وبهادر فسمعته يذكر له أيوب الحمال (^١) بمصر والمولهين ونحو ذلك، فدل ذلك على أنه كان عند هذا الأمير لهم صورة معظمة وأن لهم فيهم ظنًّا حسنًا والله أعلم بحقيقة الحال؛ فإنه ذُكر لي ذلك.\nوكان الأمير أحب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق؛ فإنه من أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه وإكرامه فأمر ببساط يبسط في الميدان.\nوقد قدم البطائحية وهم جماعة كثيرون وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء (^٢) وحركة الرؤوس والأعضاء والطفر (^٣) والحبو والتقلب ونحو ذلك من الأصوات المنكرات والحركات الخارجة عن العادات، المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٩].\nفلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم، وحضر شيخهم الأول المشتكي وشيخ آخر يسمي نفسه خليفة سيده أحمد، ويركب بعلمين وهم يسمونه: عبد الله الكذاب ولم أكن أعرف ذلك.\nوكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة، وأظهر ما جرت به عادتهم من المسألة فأعطيته طلبته ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني، فبقي في نفسي أن هذا\n_________\n(^١) أيوب أبو سليمان الحمال من كبار الزهاد في عصره ببغداد، كان صاحب أحوال وكرامات (ت: قبل ٢٦٠ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٧/ ٤٥٧) تاريخ الإسلام (٦/ ٥٦).\n(^٢) المراد الغضب والصياح والاضطراب مع إخراج الرغوة من الفم. انظر: لسان العرب (١٤/ ٣٣٠).\n(^٣) الطفر: القفز والوثب مع ارتفاع. انظر: لسان العرب (٤/ ٥٠١)، والقاموس (ص ٥٥٣).","vol":"1","page":335},{"text":"خفي علي تلبيسه إلى أن غاب وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد؛ بل أدركه في أول الأمر فبقي ذلك في نفسي ولم أره قط إلى حين ناظرته، ذكر لي أنه ذاك الذي كان اجتمع بي قديمًا فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه في أعظم مشهد يكون، حيث كتم تلبيسه بيني وبينه.\nفلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمونه طلب الصلح والعفو عن الماضي والتوبة وإنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الأغلال وغيرها من البدع ومتبعون للشريعة.\nفقلت أما التوبة فمقبولة قال الله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣]، هذه إلى جنب هذه، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحِجر:٤٩ - ٥٠].\nفأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق، وذكر أن وهب بن منبه روى: (أنه كان في بني إسرائيل عابد وأنه جعل في عنقه طوقًا) في حكاية من حكايات بني إسرائيل لا تثبت (^١).\nفقلت لهم: ليس لنا أن نتعبد في ديننا بشيء من الإسرائيليات المخالفة لشرعنا، قد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله: أن النبي -ﷺ- رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: (أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) (^٢)، وفي مراسيل أبي داود أن النبي -ﷺ- رأى مع بعض أصحابه شيئًا من كتب أهل الكتاب، فقال: (كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أُنزل إلى نبي غير نبيهم) (^٣) وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى\n_________\n(^١) لم أقف على هذه الحكاية.\n(^٢) رواه أحمد في المسند (٣/ ٣٨٧)، (١٥١٩٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣١٢)، وحسنه الألباني بشواهده في كتاب السنة (٥٠) والإرواء (٦/ ٣٤).\n(^٣) رواه أبو داود في المراسيل (٤١٦) والدارمي في سننه (٤٩٥)، عن يحيى بن جعده أن النبي ﷺ أُتي بكتاب في كتف … الحديث. وهو مرسل فإن يحيى من التابعين انظر: تهذيب الكمال (٣١/ ٢٥٣ - ٢٥٤) وتقريب التهذيب (ص:٥٨٨). وقد حكم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم بالإرسال على الحديث. انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٢٣)، الصواعق المرسلة (٣/ ٨٢٧).","vol":"1","page":336},{"text":"عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١]، فنحن لا يجوز لنا اتباع موسى ولا عيسى فيما علمنا أنه أنزل عليهما من عند الله إذا خالف شرعنا، وإنما علينا أن نتبع ما أنزل علينا من ربنا ونتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به إلينا رسولنا كما قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].\nفكيف يجوز لنا أن نتبع عباد بني إسرائيل في حكاية لا تعلم صحتها، وما علينا من عباد بني إسرائيل: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]، هات ما في القرآن وما في الأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم، وذكرت هذا وشبهه بكيفية قوية.\nفقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير: نحن نريد أن تجمع لنا القضاة الأربعة والفقهاء، ونحن قوم شافعية.\nفقلت له: هذا غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين؛ بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مفتي الشافعية ودعوته، وقلت: يا كمال الدين ما تقول في هذا؟ فقال: هذا بدعة غير مستحبة بل مكروهة أو كما قال. وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من العلماء بذلك.\nوقلت: ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد -ﷺ-، ولا الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، وأشك هل تكلمت هنا في قصة موسى والخضر؛ فإني تكلمت بكلام بَعُد عهدي به؟\nفانتدب ذلك الشيخ عبدالله ورفع صوته، وقال: نحن لنا أحوال وأمور باطنة","vol":"1","page":337},{"text":"لا يوقف عليها. وذكر كلامًا لم أضبط لفظه: مثل المجالس والمدارس والباطن والظاهر؛ ومضمونه أن لنا الباطن ولغيرنا الظاهر، وأن لنا أمرًا لا يقف عليه أهل الظاهر فلا ينكرونه علينا. فقلت له - ورفعت صوتي وغضبت: الباطن والظاهر والمجالس والمدارس والشريعة والحقائق، كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، لا من المشايخ والفقراء، ولا من الملوك والأمراء ولا من العلماء والقضاة وغيرهم؛ بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله -ﷺ-. وذكرت هذا ونحوه.\nفقال -ورفع صوته -: نحن لنا الأحوال وكذا وكذا.\nوادعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها (^١) واختصاصهم بها، وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها.\nفقلت -ورفعت صوتي وغضبت-: أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب؛ وربما قلت: فعليه لعنة الله؛ ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار؛ فسألني الأمراء والناس عن ذلك؟ فقلت: لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء: من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطلق.\nفضج الناس بذلك فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال: أنا وأنت نلف في بارية (^٢) بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت.\n_________\n(^١) ومن ذلك ما ذكره تقي الدين المقريزي في حكايته للحادثة: «وفيها: أظهر ابن تيمية الإنكار على الفقراء الأحمدية فيما يفعلونه: من دخولهم في النيران المشتعلة وأكلهم الحيات ولبسهم الأطواق الحديد في أعناقهم وتقلدهم بالسلاسل على مناكبهم وعمل الأساور الحديد في أيديهم ولفهم شعورهم وتلبيدها» السلوك لمعرفة دول الملوك (٢/ ٣٩٠). ومما ذكره ابن عبد الهادي وشهاب الدين النويري من الأحوال التي ادعوها في المناظرة: إخراج الزبد من الحلق. انظر: العقود الدرية (ص:٢١٠)، ونهاية الأرب في فنون الأدب (٣٢/ ١٠٠).\n(^٢) البارية هي الحصير المنسوج. انظر: لسان العرب (٤/ ٨٧)، وتاج العروس (٦/ ١١٦).","vol":"1","page":338},{"text":"فقلت: فقم؛ وأخذت أكرر عليه في القيام إلى ذلك فمد يده يظهر خلع القميص فقلت: لا حتى تغتسل في الماء الحار والخل فأظهر الوهم على عادتهم، فقال: من كان يحب الأمير فليحضر خشبًا، أو قال حزمة حطب.\nفقلت: هذا تطويل وتفريق للجمع؛ ولا يحصل به مقصود؛ بل قنديل يوقد وأدخل إصبعي وإصبعك فيه بعد الغسل؛ ومن احترقت إصبعه فعليه لعنة الله؛ أو قلت: فهو مغلوب. فلما قلت ذلك تغير وذل، وذُكِرَ لي أن وجهه اصفرَّ.\nثم قلت لهم: ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة ولو طرتم في الهواء؛ ومشيتم على الماء؛ ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن في ذلك ما يدل على صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع، ولا على إبطال الشرع، فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها تتبعه، ويقتل رجلًا ثم يمشي بين شقيه، ثم يقول له: قم، فيقوم (^١). ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون لعنه الله، ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقع عظيم في القلوب.\nوذكرت قول أبي يزيد البسطامي (^٢): «لو رأيتم الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر والنواهي» (^٣)، وذكرت\n_________\n(^١) يشير إلى حديث النواس بن سمعان الذي عند مسلم (٢٩٣٧) وغيره.\n(^٢) هو طيفور بن عيسى البسطامي، أبو يزيد: زاهد متصوف مشهور قال ابن كثير: «وقد حُكى عنه شحطات ناقصات، وقد تأولها كثير من الفقهاء والصوفية وحملوها على محامل بعيدة، وقد قال بعضهم: أنه قال ذلك في حال الاصطلام والغيبة. ومن العلماء من بدعه وخطأه وجعل ذلك من أكبر البدع وأنها تدل على اعتقاد فاسد كامن في القلب ظهر في أوقاته والله أعلم» انظر: البداية والنهاية (١١/ ٤٢) تاريخ الإسلام (٦/ ٣٤٥).\n(^٣) رواه البيهقي في الشعب (٣/ ٣٠٤)، والقشيري في الرسالة (١/ ٥٨). وقريب من هذا أيضًا ما رواه\nالقشيري بسنده أنه قيل لأبي يزيد: فلان يمشي في ليلة إلى مكة! فقال: الشيطان يمشي في ساعة من المشرق إلى المغرب في لعنة الله. وقيل له: فلان يمشي على الماء ويطير في الهواء! فقال الطير: يطير في الهواء، والسمك يمر على الماء. ا. هـ الرسالة القشيرية (٢/ ٥٣٣).","vol":"1","page":339},{"text":"عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال للشافعي: أتدري ما قال صاحبنا يعني الليث بن سعد؟ قال: «لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به». فقال الشافعي: لقد قصر الليث: «لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء فلا تغتر به» (^١). وتكلمت في هذا ونحوه بكلام بعد عهدي به.\nومشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير في طلب الصلح، وجعلت ألح عليه في إظهار ما ادعوه من النار مرة بعد مرة، وهم لا يجيبون، وقد اجتمع عامة مشايخهم الذين في البلد والفقراء المولهون منهم وهم عدد كثير، والناس يضجون في الميدان ويتكلمون بأشياء لا أضبطها.\nفذكر بعض الحاضرين أن الناس قالوا ما مضمونه: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٩] وذكروا أيضًا أن هذا الشيخ يسمى عبد الله الكذاب، وأنه الذي قصدك مرة فأعطيته ثلاثين درهما فقلت: ظهر لي حين أخذ الدراهم، وذهب أنه مُلبِّس، وكان قد حكى حكاية عن نفسه مضمونها، أنه أُدخِل النار في لحيته قدام صاحب حماة، ولما فارقني وقع في قلبي أن لحيته مدهونة.\nوأنه دخل إلى الروم واستحوذ عليهم، فلما ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم وتلبيسهم وتبين للأمراء الذين كانوا يشدون منهم أنهم مبطلون، رجعوا وتخاطب الحاج بهادر، ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال وعرفوا حقيقة المحال، وقمنا إلى داخل ودخلنا.\nوقد طلبوا التوبة عما مضى وسألني الأمير عما تطلب منهم فقلت: متابعة الكتاب والسنة مثل: أن لا يعتقد أنه لا يجب عليه اتباعهما، أو أنه يسوغ لأحد الخروج من حكمهما، ونحو ذلك أو أنه يجوز اتباع طريقة تخالف بعض حكمهما، ونحو ذلك من وجوه الخروج عن الكتاب والسنة التي توجب الكفر.\n_________\n(^١) رواه اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٤)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٥٣٤)، وابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه (ص ١٤١).","vol":"1","page":340},{"text":"وقد توجب القتل دون الكفر، وقد توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد المقدور عليه.\nفقالوا: نحن ملتزمون الكتاب والسنة أتنكر علينا غير الأطواق؟ نحن نخلعها.\nفقلت: الأطواق وغير الأطواق ليس المقصود شيئًا معينًا، وإنما المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-.\nفقال الأمير فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة؟ فقلت: حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس، لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزامًا عامًّا، ومن خرج عنه ضربت عنقه -وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية الميدان- وكان المقصود أن يكون هذا حكمًا عامًّا في حق جميع الناس، فإن هذا مشهد عام مشهور قد توفرت الهمم عليه فيتقرر عند المقاتلة وأهل الديوان والعلماء والعباد وهؤلاء وولاة الأمور: أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه.\nقلت: ومن ذلك الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله، فإن من هؤلاء من لا يصلي، ومنهم من يتكلم في صلاته حتى إنهم بالأمس بعد أن اشتكوا علي في عصر الجمعة جعل أحدهم يقول في صلب الصلاة: يا سيدي أحمد شيء لله.\nوهذا مع أنه مبطل للصلاة، فهو شرك بالله ودعاء لغيره في حال مناجاته التي أمرنا أن نقول فيها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وهذا قد فعل بالأمس بحضرة شيخهم، فأمر قائل ذلك لما أنكر عليه المسلمون بالاستغفار على عادتهم في صغير الذنوب، ولم يأمره بإعادة الصلاة! وكذلك يصيحون في الصلاة صياحًا عظيمًا وهذا منكر يبطل الصلاة.\nفقال: هذا يغلب على أحدهم كما يغلب العطاس.\nفقلت: العطاس من الله، والله يحب العطاس ويكره التثاؤب (^١)، ولا يملك\n_________\n(^١) كما في حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب …» الحديث. رواه البخاري كتاب الأدب برقم: (٦٢٢٣).","vol":"1","page":341},{"text":"أحدهم دفعه، وأما هذا الصياح فهو من الشيطان وهو باختيارهم وتكلفهم، ويقدرون على دفعه، ولقد حدثني بعض الخبيرين بهم بعد المجلس: أنهم يفعلون في الصلاة ما لا تفعله اليهود والنصارى مثلًا قول أحدهم: أنا على بطن امرأة الإمام، وقول الآخر: كذا وكذا من الإمام، ونحو ذلك من الأقوال الخبيثة، وأنهم إذا أنكر عليهم المنكر ترك الصلاة يصلون بالنوبة، وأنا أعلم أنهم متولون للشياطين، ليسوا مغلوبين على ذلك، كما يغلب الرجل في بعض الأوقات على صيحة أو بكاء في الصلاة أو غيرها.\nفلما أظهروا التزام الكتاب والسنة، وجموعهم بالميدان بأصواتهم وحركاتهم الشيطانية يظهرون أحوالهم، قلت له: أهذا موافق للكتاب والسنة؟ فقال: هذا من الله حال يرد عليهم.\nفقلت: هذا من الشيطان الرجيم، لم يأمر الله به ولا رسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، ولا أحبه الله ولا رسوله. فقال: ما في السموات والأرض حركة ولا كذا ولا كذا إلا بمشيئته وإرادته. فقلت له: هذا من باب القضاء والقدر، وهكذا كل ما في العالم من كفر وفسوق وعصيان هو بمشيئته وإرادته، وليس ذلك بحجة لأحد في فعله، بل ذلك مما زينه الشيطان وسخطه الرحمن.\nفقال: فبأي شيء تبطل هذه الأحوال، فقلت: بهذه السياط الشرعية.\nفأعجب الأمير وضحك! وقال: أي والله بالسياط الشرعية تبطل هذه الأحوال الشيطانية، كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد، ومن لم يجب إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية. وأمسكت سيف الأمير، وقلت: هذا نائب رسول الله -ﷺ- وغلامه، وهذا السيف سيف رسول الله -ﷺ-، فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله، وأعاد الأمير هذا الكلام، وأخذ بعضهم يقول: فاليهود والنصارى يقرون ولا نقر نحن؟!\nفقلت: اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم، والمبتدع لا يقر على بدعته، فأفحموا لذلك. وحقيقة الأمر أن من أظهر منكرًا","vol":"1","page":342},{"text":"في دار الإسلام لم يقر على ذلك، فمن دعا إلى بدعة وأظهرها لم يقر، ولا يقر من أظهر الفجور، وكذلك أهل الذمة لا يقرون على إظهار منكرات دينهم، ومن سواهم: فإن كان مسلمًا أخذ بواجبات الإسلام وترك محرماته، وإن لم يكن مسلمًا ولا ذميًّا فهو: إما مرتد، وإما مشرك، وإما زنديق ظاهر الزندقة. وذكرت ذم المبتدعة فقلت روى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -ﷺ- كان يقول في خطبته: (إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) (^١). وفي السنن عن العرباض بن سارية قال: خطبنا رسول الله -ﷺ- خطبة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: (أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) (^٢)، وفي رواية: (وكل ضلالة في النار) (^٣). فقال لي: البدعة مثل الزنا. وروى حديثًا في ذم الزنا، فقلت: هذا حديث موضوع على رسول الله -ﷺ-، والزنا معصية والبدعة شر من المعصية، كما قال سفيان الثوري: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها» (^٤).\nوكان قد قال بعضهم: نحن نُتَوِّب الناس. فقلت: مماذا تتوبونهم؟ قال: من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك. فقلت: حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الجمعة (٨٦٧).\n(^٢) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٨)، وأحمد (٤/ ١٢٦)، وصححه الألباني في المشكاة (١/ ٨٥).\n(^٣) قال الألباني -﵀- في صحيح الجامع الصغير (١/ ٢٨٧): «هذه الزيادة (وكل ضلالة في النار) تفرد بها النسائي دون الآخرين، وسندها صحيح».\n(^٤) رواه الهروي في ذم الكلام (ص: ٢١٧)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١/ ١٤٩) (٢٣٨)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢١٦).","vol":"1","page":343},{"text":"تتويبكم؛ فإنهم كانوا فساقًا يعتقدون تحريم ما هم عليه ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه، أو ينوون التوبة فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام، يحبون ما يبغضه الله، ويبغضون ما يحبه الله، وبينت أن هذه البدع التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي.\nقلت مخاطبًا للأمير والحاضرين: أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب: أن رجلا كان يدعى حمارًا وكان يشرب الخمر وكان يُضحك النبي -ﷺ-، وكان كلما أتي به النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- جلده الحد، فلعنه رجل مرة، وقال: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-!، فقال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) (^١).\nقلت: فهذا رجل كثير الشرب للخمر ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله، شهد له النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بذلك ونهى عن لعنه.\nوأما المبتدع فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب، وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما -دخل حديث بعضهم في بعض-: أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- كان يقسم فجاءه رجل ناتئ الجبين كث اللحية محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود، وقال ما قال، فقال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-: (يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) (^٢)، وفي رواية: (لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل) (^٣)، وفي رواية: (شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه) (^٤).\nقلت: فهؤلاء -مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة\n_________\n(^١) رواه البخاري كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر (٦٧٨٠).\n(^٢) رواه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء (٣٣٤٤)، ومسلم كتاب الزكاة (١٠٦٤).\n(^٣) رواها مسلم كتاب الزكاة (١٠٦٦).\n(^٤) رواه أحمد في مسنده (٢٢١٥١)، والترمذي (٣٠٠٠)، وابن ماجه (١٧٦)، وحسنه الألباني كما في المشكاة (٣٥٥٤).","vol":"1","page":344},{"text":"والزهادة- أمر النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بقتلهم، وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته، وأظن أني ذكرت قول الشافعي: «لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى بشيء من هذه الأهواء» (^١).\nفلما ظهر قبح البدع في الإسلام، وأنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنهم مبتدعون بدعًا منكرة، فيكون حالهم أسوأ من حال الزاني والسارق وشارب الخمر.\nأخذ شيخهم عبد الله يقول: يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز -يعني أتباع أحمد بن الرفاعي-!\nفقلت منكرًا بكلام غليظ: ويحك، أي شيء هو الجناب العزيز، وجناب من خالفه أولى بالعز يا ذو الزَّرْجَنة (^٢)، تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله!\nفقال: يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم.\nفقلت: مثل ما أحرقني الرافضة لما قصدت الصعود إليهم، وصار جميع الناس يخوفوني منهم ومن شرهم، ويقول أصحابهم: إن لهم سرًّا مع الله! فنصر الله وأعان عليهم (^٣).\nوكان الأمراء الحاضرون قد عرفوا بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجبل.\nوقلت لهم: يا شبه الرافضة، يا بيت الكذب! -فإن فيهم من الغلو والشرك والمروق عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم، وفيهم من الكذب ما قد يقاربون به الرافضة في ذلك، أو يساوونهم أو يزيدون عليهم؛ فإنهم من\n_________\n(^١) رواه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه (ص: ١٣٧).\n(^٢) قال في القاموس (ص ١٥٥٣): «الزرجنة: التخارج، والخب، والخديعة».\n(^٣) يعني: في وقعة جبل الكسروان، انظر تفاصيلها في مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٩٨ - ٤١٠).","vol":"1","page":345},{"text":"أكذب الطوائف حتى قيل فيهم: (لا تقولوا: أكذب من اليهود على الله، ولكن قولوا: أكذب من الأحمدية على شيخهم) (^١). وقلت لهم: -أنا كافر بكم وبأحوالكم: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٥].\nولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة، أخذوا يطلبون مني كتبًا صحيحة ليهتدوا بها، فبذلت لهم ذلك.\nوأُعيد الكلام: أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضُربت عنقه، وأعاد الأمير هذا الكلام واستقر الكلام على ذلك.\nوالحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-215>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرات:</span>\n<span data-type='title' id=toc-216>المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة:</span>\nوذلك من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-217>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة</span>.\nإن أعظم ما كان الرفاعية يحتجون به على تسويغ أحوالهم المنكرة، وهيئاتهم المحرمة، من شرك بالله، ودخول للنيران، وأكل للحيات، وإخراج للزبد من الحلوق، ولبس للسلاسل والأغلال، واضطراب في الحركات، وعويل وصراخ في الصلوات وغيرها من الأمور المنكرات، هي اعتقادهم أنه لا يجب عليهم الالتزام بالكتاب والسنة، بل يجوز لهم الخروج عن حكم الشريعة، وذلك بحجة أن لهم أحوالًا تخصهم لا يطلع عليها غيرهم، وطريقًا خاصًا يُسلم لهم بها، وأن\n_________\n(^١) لم أقف على قائل لهذا المثل، ولم أجده في غير هذا الموضع، والله أعلم.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٢ - ٤٧٥). وقد حكى هذه المناظرة مختصرة عدة من العلماء منهم ابن كثير في البداية والنهاية (١٤/ ٤١)، وابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص:٢١٠)، وشهاب الدين النويري في نهاية الأرب (٣٢/ ١٠٠)، وتقي الدين المقريزي في السلوك لمعرفة دول الملوك (٢/ ٣٩٠).","vol":"1","page":346},{"text":"لهم حقائقَ وأسرارًا وبواطن لا يطلع عليه أهل الشرع الظاهر.\nومن كان عنده علم الحقيقة فلا يجوز الإنكار عليه، بل الواجب الإقرار له بحاله، والتسليم له بطرقه ومكاشفاته؛ لأن ما يكون معصية ومنكرًا في علم الشريعة قد يكون طاعة وقربة في علم الحقيقة، وبهذا التقرير يتم سد الطريق أمام كل من حاول الاعتراض عليهم بالنصوص الشرعية، والآيات الجلية والأوامر النبوية.\nفهذا باختصار هو أصل شبهتهم التي احتجوا بها لتسويغ أفعالهم المنكرة، وأحوالهم الباطلة، وإقرار بدعهم وخرافاتهم (^١)، وهذا قد ظهر واضحًا جليًا في هذه المناظرة، فإنهم ما جاءوا للأمير إلا ليطالبوه بإلزام شيخ الإسلام بالتسليم بطريقتهم وعدم الإنكار عليهم، ولطالما ردد مشايخهم هذه الشبهة خلال هذه المناظرة غير ما مرة، وفي غير ما موضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-218>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في هذه المناظرة أنه لا يسع أحدًا كائنًا من كان الخروج عن الشرع وأحكامه، وصاح في وجه مخالفيه مصرحًا بذلك: «الباطن والظاهر والمجالس والمدارس والشريعة والحقائق، كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، لا من المشايخ والفقراء، ولا من الملوك والأمراء ولا من العلماء والقضاة وغيرهم؛ بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله -ﷺ-» (^٢).\nوقد بين ﵀ في غير موضع من كتبه أن محمدًا -ﷺ- بعث برسالة كاملة شاملة عامة لجميع الخلق، ويجب على جميع الخلق الإيمان بما جاء به والالتزام بشرعته وملته، ولا يجوز لأحد الخروج عنها كائنا من كان، فإن الله لا يرضى دينًا سوى دين الإسلام، ولم يرتض طريقًا إلا طريق محمد -عليه أفضل صلاة وسلام-،\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤١٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٦٥).","vol":"1","page":347},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀-: «فمحمد -ﷺ- أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن، كتابيهم وغير كتابيهم، في كل ما يتعلق بدينه، من الأمور الباطنة والظاهرة، في عقائده وحقائقه وطرائقه وشرائعه، فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا طريقة إلا طريقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته وولايته، إلا بمتابعته باطنًا وظاهرًا؛ في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة في أقوال القلب وعقائده، وأحوال القلب وحقائقه، وأقوال اللسان وأعمال الجوارح، وليس لله ولي إلا من اتبعه باطنًا وظاهرًا، فصدقه فيما أخبر به من الغيوب، والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات.\nفمن لم يكن له مصدقًا فيما أخبر، ملتزمًا لطاعته فيما أوجب وأمر في الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان، لم يكن مؤمنًا، فضلًا عن أن يكون وليًا لله، ولو حصل له من خوارق العادات ماذا عسى أن يحصل، فإنه لا يكون مع تركه لفعل المأمور وترك المحظور، من أداء الواجبات من الصلاة وغيرها بطهارتها وواجباتها، إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله، المقربة إلى سخطه وعذابه» (^١).\nوبين ﵀ أنه لا طريق للولاية ولا سبيل لتحصيلها إلا باتباع الرسول -ﷺ- والالتزام بهديه فـ \"كل من بلغه رسالة محمد -ﷺ-، لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد -ﷺ- \" (^٢).\nومن قال إنه لا يأخذ من الشريعة إلا علم الظاهر، وأما علم الباطن فإنما يأخذه عن مشايخ طريقته، فهو ممن قد آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، قال شيخ الإسلام ﵀: «وكذلك هذا الذي يقول: إن محمدا بعث بعلم الظاهر، دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به، وكفر ببعض، فهو كافر، وهو أكفر من أولئك، لأن\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ١٧٨ - ١٧٩) وانظر: جامع المسائل (ص: ٤٩٨).\n(^٢) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص:٩٤).","vol":"1","page":348},{"text":"علم الباطن، الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها، هو علم بحقائق الايمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الاسلام الظاهرة. فإذا ادعى المدعي أن محمدا -ﷺ- إنما علم هذه الأمور الظاهرة، دون حقائق الايمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة؛ فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول، دون البعض الآخر، وهذا شر ممن يقول: أومن ببعض، وأكفر ببعض، ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به، أدنى القسمين» (^١).\nوبين رحمه الله تعالى أن مثل هذا الأمر من موجبات الردة، ونواقض الملة التي تستوجب قتل صاحبها، قال ﵀: «ومن فضل أحدًا من المشايخ على النبي -ﷺ- أو اعتقد أن أحدًا يستغني عن طاعة رسول الله -ﷺ- استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وكذلك من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد -ﷺ- كما كان الخضر مع موسى -﵇-، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه؛ لأن الخضر لم يكن من أمة موسى -﵇-، ولا كان يجب عليه طاعته، بل قال له: إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه؛ وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. وكان مبعوثًا إلى بني إسرائيل. كما قال نبينا -ﷺ-: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) (^٢)، ومحمد -ﷺ- مبعوث إلى جميع الثقلين: إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله» (^٣).\nوبهذا يتبين بوضوح فساد شبهتهم، وانحراف طريقتهم، ومخالفتهم للكتاب والسنة والإجماع، بما يوجب الردة عن الإسلام، والمروق عن الشرعة والدين، والله المستعان.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص:٩٥).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب (قول النبي -ﷺ-: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) (٤٣٨)، ومسلم، كتاب المساجد (٥٢٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٢٢). وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٨).","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-219>المسألة الثانية: الأحوال والإشارات والمخاريق التي يدعيها الرفاعية:</span>\nكانت أكثر محاورات شيخ الإسلام مع أتباع هذه الطريقة هي حول ما يدعونه من هذه المخاريق والأحوال والإشارات؛ وذلك لأن القوم ليسوا أهل علم وأدلة ولا نصوص وبراهين حتى يحتجوا بها على صحة طريقتهم ومعتقدهم، بل إن غاية ما عندهم وأكبر ما لديهم مما يثبتون به ولايتهم وصحة مسلكهم ومذهبهم، هي هذه الأحوال التي يدعونها، والخوارق التي يزعمونها، فيروجونها على ضعاف العقول، وجهلة الناس وعامتهم، بزعم أنها لم تظهر على أيديهم إلا ولهم من الولاية النصيب الأكبر، ومن صحة الطريقة والمسلك الحظ الأوفر، ويوجبون على الناس التسليم لهم، وعدم الاعتراض على طريقتهم، أو إنكار بدعتهم وضلالتهم؛ لأن لهم أحوالًا وأمورًا وإشارات وكرامات لا يرتقي لها آحاد الناس، ولما كان أكثر الناس لا يفرقون بين كرامات الأولياء والصالحين، وأحوال الكذبة والمفترين، من السحرة وأهل البدع والمارقين، فقد التبس عليهم الأمر، فحسبوا السراب ماء والورم شحمًا والخيال حقيقة، ولكن مثل هذه الأغلوطات لا تنطلي على العلماء العارفين والدعاة الصادقين الذين عرفوا حقيقة الدين، وما جاء به الشرع الكريم، وعلموا ما يناقضه من البدع والمنكرات والأهواء والضلالات، فانبرى شيخ الإسلام -﵀- ليبين حقيقة القوم وما يجري على أيديهم من مخاريق وما يدعونه من أحوال وإشارات، فأزال الغبش وأظهر الحق وأزهق الباطل وبين السنة من البدعة والهدى من الضلالة بالأدلة الدامغة والحجج الساطعة، ففند ما زعموه وأبطل ما أظهروه في هذه المسألة المهمة والقضية الجليلة العظيمة التي هي: \"من أعظم المسائل التي يحتاج إليها جميع الناس، فإنه من لم يفرق بين الخوارق التي تكون آيات وبراهين ومعجزات للأنبياء، وتكون مما يكرم الله به الأولياء؛ وبين الخوارق التي تكون للسحرة والكهان وغيرهم من حزب الشيطان، وإلا اشتبه عليه الأنبياء وأتباعهم أولياء الله المتقون بالمنتسبين الكذابين وشبههم الكذابين الضالين، ولهذا اضطرب في هذا","vol":"1","page":350},{"text":"الأصل كثير من أهل النظر والكلام في أصول الدين والعلوم الإلهية، ومن أهل العبادة والزهد والفقراء والصوفية. وأما اشتباه ذلك على عموم الناس، ومن شدا طرفًا من العلم (^١)، أو كان له حظ من العبادة، فأعظم من أن يوصف، والله سبحانه بعث رسوله وأنزل كتابه لبيان الفرق بين هذا وهذا، وختمهم بمحمد -ﷺ- أفضل رسول بعثه بأفضل كتاب إلى أفضل أمة بأفضل شريعة، فرق الله به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، وأولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجند الله المفلحين وحزب إبليس اللعين\" (^٢).\nوذكر شيخ الإسلام -﵀- أن هؤلاء الذين تظهر على أيديهم مثل هذه الخوارق هم أحد صنفين، إما أهل حال شيطاني أو مُحال بهتاني، فإما أنهم ممن يستعينون بالجن والشياطين لعمل مثل هذه الخوارق وهم أهل الحال الشيطاني وهم خواص هؤلاء القوم، وإما أنهم يعتمدون في مخاريقهم على الحيل والخداع والكذب والتلبيس، وهم أهل الحال البهتاني، وهم جمهور أهل هذه الطائفة وأكثرهم، قال ﵀: «وكل من أظهر هذه الإشارات البدعية التي هي فشارات، مثل إشارة الدم واللاذن والسكر وماء الورد والحية والنار، فهم أهل باطل وضلال وكذب ومحال، مستحقون التعزير البليغ والنكال، وهم إما صاحب حال شيطاني، وإما صاحب حال بهتاني، فهؤلاء جمهورهم، وأولئك خواصهم» (^٣). وقال ﵀: «وهؤلاء إذا أظهر أحدهم شيئا خارقًا للعادة لم يخرج عن أن يكون حالًا شيطانيًا أو حالًا بهتانيًا فخواصهم تقترن بهم الشياطين كما يقع لبعض العقلاء منهم وقد يحصل ذلك لغير هؤلاء، لكن لا تقترن بهم الشياطين إلا مع نوع من البدعة: إما كفر، وإما فسق، وإما جهل بالشرع؛ فإن الشيطان قصده إغواء (^٤) بحسب قدرته\n_________\n(^١) قال في تهذيب اللغة (١١/ ٢٧١): «والشادي: الذي تعلم شيئا من العلم».\n(^٢) جامع المسائل (١/ ٩٥ - ٩٦).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٥٣).\n(^٤) كذا ولعل الصواب (إغواؤهم).","vol":"1","page":351},{"text":"فإن قدر على أن يجعلهم كفارًا جعلهم كفارًا، وإن لم يقدر إلا على جعلهم فساقًا، أو عصاة، وإن لم يقدر إلا على نقص عملهم ودينهم ببدعة يرتكبونها يخالفون بها الشريعة التي بعث الله بها رسوله -ﷺ- فينتفع منهم بذلك» (^١). وقال ﵀: «وأصحاب هذه الإشارات ليس فيهم ولي لله بل هم بين حال شيطاني ومُحال بهتاني من حال إبليس ومحال تلبيس» (^٢).\nوهؤلاء الذين وقعت لشيخ الإسلام المناظرة معهم يظهر من حالهم أنهم من جنس أهل التلبيس والأحوال البهتانية؛ ولذلك كان غاية ما عندهم هو الكذب والتلبيس والخداع واستخدام الطرق والأساليب الماكرة من أجل إظهار هذه الأحوال المزيفة والمخاريق الباطلة. فبين شيخ الإسلام -﵀- في مناظراته لهم كثيرًا من خداعهم ومكرهم وأحوالهم الكاذبة التي هي في الحقيقة من هذا الباب ومن هذا القبيل، وناقشهم وخاصمهم في أنواع من هذه الحيل وبين أن كل ما يدعونه من مخاريق وأحوال إنما بُني على الكذب والتدليس والخداع والتموية، وذكر أن من أمثلته أنواعًا كثيرة، وهي كالآتي:\nأولًا: تلبيسهم فيما يدعونه من مكاشفات: فمن حيلهم التي بينها شيخ الإسلام في ذلك أنهم كانوا يرسلون إلى بيت الأمير الأيدمري من النساء من يستخبر عن الأحوال الباطنة لبيت هذا الأمير، ثم يأتون إليه فيخبرونه بهذه الأحوال بزعم أنهم عرفوا وعلموا عن طريق المكاشفة (^٣).\nثانيًا: تلبيسهم فيما يدعونه من القدرة على إظهار رجال الغيب ورؤيتهم: ومن ذلك أنهم وعدوا الأمير الأيدمري أن يروه رجال الغيب، فصنعوا خشبًا طوالًا وجعلوا عليها من يمشي، فجعلوا يمشون على جبل المزة والأمير يرى من بعيد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٨٢).\n(^٢) المصدر السابق (١١/ ٥٣٧) وانظر: الجواب الصحيح (٢/ ٣٣٨، ٣٤٣)، مجموع الفتاوى (١١/ ٦٦٧) و(٢٧/ ٤٩٨).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٨).","vol":"1","page":352},{"text":"قوما يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن الأرض، وأخذوا على هذه الحيلة أموالًا كثيرة (^١).\nثالثًا: تلبيسهم فيما يدعونه من تكلم الموتى: ومن ذلك أنهم ذهبوا بنائب السلطنة قفجق إلى المقابر، وكانوا قد ادخلوا رجلا في القبر يتكلم، ليوهموا نائب السلطنة بقدرتهم على التحدث مع الموتى (^٢).\nرابعًا: تلبيسهم على الناس بقضية دخول النار دون تأثر بها: وهذه الحيلة تعد من أكبر حيلهم، وأكثرها رواجًا، ولبسوا بها على خلق كثير من الناس، حتى ظنها الكثير خارقة من خوارقهم وكرامة من كرامتهم، وقد رد شيخ الإسلام عليهم وكشف ما يصنعونه من حيلة بدخولهم للنار من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: بيان طريقتهم التي تمكنوا بها من دخول النار دون أذى: فبين ﵀ أن عدم احتراقهم بالنار ليس لكرامة لهم أو ولاية؛ وإنما لأنهم يطلون أجسادهم بأنواع من النباتات والأدوية التي تمنع احتراق الأجساد، من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر الطلق وغيرها من الأعشاب، وبهذا يخدعون الناس (^٣).\nالوجه الثاني: تحدي شيخ الإسلام لهم بدخول النار: فتحداهم ﵀ أن يدخل هو وهم النار بعد أن يغتسلوا جميعًا بالخل والماء الحار؛ وذلك لأنهم إن اغتسلوا سيذهب مفعول الأدوية والاعشاب التي طلوا بها أجسادهم خديعة للناس، ولذلك لما رأوا أن شيخ الإسلام قد كشف أمرهم واكتشف حيلتهم وخافوا من عاقبة السوء، أظهروا للأمير طلب الصلح وإطفاء الأمر وإنهائه (^٤)،\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٥٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٥٨).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٧، ٤٥٩، ٤٥٦، ٤٦٧) والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص:١٩٩) وجامع المسائل (٥/ ٢٢٤).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٧، ٤٥٩، ٤٥٦، ٤٦٧).","vol":"1","page":353},{"text":"وتحدى الشيخ مرة أخرى شيخهم عبد الله الكذاب لما أظهر قدرته على دخول النار، أن يدخل أصبعه وأصبع شيخ الإسلام في قنديل بعد غسلها بما ذكر، فتغير وجه هذا الشيخ الضال واصفر وذل وبهت ولم يحر جوابا (^١).\nالوجه الثالث: بيان أن ظهور مثل هذه الأمور على أيديهم لا تدل على كرامتهم وصحة طريقتهم: بين ذلك شيخ الإسلام بعد توضيحه لطريقتهم، وتحديه لهم، أنهم حتى لو اغتسلوا ودخلوا النار دون تأثر وفعلوا ما فعلوا من الخوارق، فإن هذا كله لا يدل على صحة ما يدعون إليه الناس من مخالفة الشرع، فإن هذه الخوارق وأعظم منها قد تظهر على أيدي أهل السحر والكفر والنفاق، بل إن الدجال يأتي بخوارق أعظم من هذه الخوارق التي يصنعونها بكثير، ومع ذلك فإنه دجال كذاب ملعون، فالخوارق منها ما هو كرامات رحمانية ومنها ما هو خوارق شيطانية، والكرامات لا تكون إلا لأولياء الله المتبعين للكتاب والسنة الملتزمين بالشرع غير المخالفين له، أما ما يحدث للمنابذين للشريعة والحائدين عنها والمخالفين لها من خوارق فإنما هي في الحقيقة أحوال شيطانية فلا يغتر بها ولا بأصحابها، وذكر ﵀ شيئا من نصوص السلف في ذكر هذا الأمر وبيانه (^٢).\nفهذه بعض الحيل التي أظهر شيخ الإسلام طريقة القوم في القيام بها، وكيفية خداعهم للناس وتلبيسهم عليهم من خلالها.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>المسألة الثالثة: التعبد ولبس الأغلال:</span>\nقد سبق في المبحث الثالث دراسة هذه المسألة وبيان الشبهة فيها والجواب عليها، وفي هذه المناظرة قام أحد مشايخ الرفاعية -ويدعى بشيخهم المشتكي- بالإنكار على شيخ الإسلام، والاحتجاج بحجج متهافتة على مشروعية ما يفعلونه من لبس الأغلال وتقلد الأطواق، فاحتج بأن وهب بن منبه -﵀- روى: أنه كان\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق: (١١/ ٤٦٦).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٦٦ - ٤٦٧).","vol":"1","page":354},{"text":"في بني إسرائيل عابد، وأنه جعل في عنقه طوقا (^١).\nفأجاب شيخ الإسلام على هذه الشبهة من عدة أوجه:\nالأول: أنها حكاية من حكايات بني إسرائيل لا تثبت ولا تصح.\nالثاني: أنه لا يجوز لنا أن نتعبد الله في ديننا بشيء من الاسرائيليات المخالفة لشرعنا.\nالثالث: أنه لا يجوز لنا اتباع موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء ﵈ فيما علمنا وتيقنا أنه قد أنزل عليهم من الله حتى يكون موافقًا لشرعنا، أما إذا كان مخالفًا لشرعنا، فلا يجوز لنا اتباعهم في ذلك، فإذا كان هذا مع الأنبياء، فكيف يجوز لنا أن نتبع عُباد بني إسرائيل في أمر مخالف للشرع، وحكاية لا تعلم صحتها (^٢)؟!\nثم احتج هذا الشيخ: بأنهم قوم شافعية، وأن هذا الأمر قد أجازه بعض علماء المذهب (^٣).\nوأجاب شيخ الإسلام عن هذا الأمر من ثلاثة وجوه:\nالأول: أنه ليس لأحد الخروج عن الشريعة ولا عن الكتاب والسنة مهما كان قدره وعلمه، إذ العصمة في الرد لكتاب الله وسنة نبيه -ﷺ- وإجماع الأمة.\nالثاني: أن هذا الأمر غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين، بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة من البدع المحدثة.\nالثالث: أن الشافعية براء من هذا الفعل، وطلب شيخ الإسلام شهادة مفتي الشافعية وقاضيها ابن الزملكاني، فشهد الزملكاني أن هذا الأمر منكر، وأنه بدعة غير مستحبة أمام الملأ، وأخرج بعض الحاضرين فتوى فيها خطوط طائفة من\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٦٢)\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٦٣).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٦٤).","vol":"1","page":355},{"text":"العلماء بتحريم ذلك، فظهر كذب قولهم، وزيف دعواهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-221>المسألة الرابعة: إصدار الأصوات المزعجة وصياحهم وصراخهم أثناء الصلوات وفي الميادين والطرقات:</span>\nمن الأحوال التي طالب الرفاعية شيخ الإسلام بالتسليم لهم بها، وقام شيخ الإسلام بإنكارها وطالبهم بالتوبة منها، ما يحدث منهم أثناء الصلوات وخارجها من صراخ وصياح واستغاثات شركية، وألفاظ بدعية.\nوقد بين شيخ الإسلام -﵀في بعض فتاويه (^٢) أن مثل هذه الأحوال إنما يعذر أصحابها في حالين اثنين:\n١) إذا لم يتمكن من العلم بحرمتها ومخالفتها للشرع، كأن يكون مجنونًا لا يميز، أو عالمًا مجتهدًا اجتهد فرأى جواز مثل هذا الفعل.\n٢) إذا لم يقدر على دفع هذه الحال؛ بأن غلب عليه الحال، ولم يتعمده ولا قصده، فهذا يعذر إذا لم يكن وقوعها بسبب مباشرته لأسباب محرمة، وكان مغلوبًا عليها فلم يقدر على دفعها.\nوهذان الصنفان وإن كانوا معذورين في أنفسهم إلا أنه لا يجوز لأحد اتباعهم ولا تقليدهم في هذا، ولا يكون فعلهم حجة في الإباحة ولا الاستحباب لأمر ظهر مخالفته للشرع الكريم.\nوأما من لم يكن من أحد الصنفين، وهم أهل التصنع والمكر والكذب والدجل كهؤلاء الرفاعية، ونحوهم ممن عرف عنهم الكذب وتصنع هذه الأمور لكي لا ينكر عليهم أحد، فهؤلاء يجب أن لا يقروا على مثل هذا بل يجب أن ينكر عليهم ويبين كذبهم، ويعاقبوا على فعلهم، قال شيخ الإسلام: «وأما الذي لا يسلم إليه حاله: فمثل أن يعرف منه أنه عاقل يتوله ليسقط عنه اللوم، ككثير من المنتسبة\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٦٤).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧٨ - ٣٨٤).","vol":"1","page":356},{"text":"إلى الشيخ أحمد بن الرفاعي، واليونسية (^١) فيما يأتونه من المحرمات ويتركونه من الواجبات، أو يعرف منه أنه يتواجد ويتساكر في وجده ليظن به خيرًا، ويرفع عنه الملام فيما يقع من الأمور المنكرة، أو يعرف منه أن الحق قد تبين له وأنه متبع لهواه، أو يعرف منه تجويز الانحراف عن موجب الشريعة المحمدية وأنه قد يتفوه بما يخالفها وأن من الرجال من قد يستغني عن الرسول أو له أن يخالفه أو أن يجري مع القدر المحض المخالف للدين .. أو يسوغ لأحد بعد محمد الخروج عن شريعته كما ساغ للخضر الخروج عن أمر موسى، فإنه لم يكن مبعوثًا إليه كما بعث محمد إلى الناس كافة، فهؤلاء ونحوهم ممن يخالف الشريعة ويبين له الحق فيعرض عنه يجب الإنكار عليهم بحسب ما جاءت به الشريعة من اليد واللسان والقلب. وكذلك أيضًا ينكر على من اتبع الأولين المعذورين في أقوالهم وأفعالهم المخالفة للشرع، فإن العذر الذي قام بهم منتف في حقه فلا وجه لمتابعته فيه» (^٢).\nوقد ظهر مصداق ما ذكره شيخ الإسلام في هذه المناظرة حيث احتج شيخهم على تبرير فعلهم هذا بأنهم مغلوبون عليه كما يغلب العطاس على صاحبه فلا يستطيع دفعه عن نفسه فهم إذا معذورون فيما يصدر عنهم أو منهم (^٣).\nوقد رد عليهم شيخ الإسلام وبين أنهم كاذبون فيما يدعون، فهم يتعمدون هذه الأفعال ويتقصدون القيام بها، وقياسهم هذا فاسد غير صحيح، فالمقاس عليه من غير جنس المقيس وذلك من وجهين:\nالأول: أن العطاس من الله والله يحب العطاس كما جاء في الحديث\n_________\n(^١) اليونسية: طائفة من طوائف الصوفية المنحرفة نشأت بعد الستمائة بقليل في دمشق، يسمون الملامية أو الملامتية، واليونسية والحيدرية، والملامتي لا يظهر خيرًا ولا يضمر شرًا، ولذلك فهم يسترون صلاحهم بأمور تتداولها العوام ليست بمخالفات ولا معاص مبالغة في الخفاء. انظر: الخطط المقريزية (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٦٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n(^٣) المصدر السابق (١١/ ٤٦٩).","vol":"1","page":357},{"text":"الصحيح، وأما هذا الصراخ والصياح ونحوه، فإنما هو من الشيطان، \"وآثار الشيطان تظهر في أهل السماع الجاهلي: مثل الإزباد والإرغاء والصراخات المنكرة، ونحو ذلك مما يضارع أهل الصرع الذين يصرعهم الشيطان، ولذلك يجدون في نفوسهم من ثوران مراد الشيطان بحسب الصوت: إما وجد في الهوى المذموم، وإما غضب وعدوان على من هو مظلوم، وإما لطم وشق ثياب وصياح كصياح المحزون المحروم إلى غير ذلك من الآثار الشيطانية التي تعتري أهل الاجتماع على شرب الخمر إذا سكروا بها؛ فإن السكر بالأصوات المطربة قد يصير من جنس السكر بالأشربة المطربة فيصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ويمنع قلوبهم حلاوة القرآن وفهم معانيه واتباعه فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله\" (^١).\nثانيًا: أن العطاس لا يملك المرء دفعه عن نفسه، بخلاف هذا الصراخ والعويل فهو إنما يكون باختيارهم وتكلفهم، وهم قادرون على دفعه (^٢).\nفظهر بهذا كذبهم واحتيالهم، وتلبيسهم وخداعهم، في تبريراتهم لأحوالهم الكاذبة، وصيحاتهم وصرخاتهم المنكرة.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٤٣).\n(^٢) المصدر السابق (١١/ ٦٤٣).","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type='title' id=toc-222>المبحث الخامس: مناظرته مع بعض الرفاعية في دعواه دخول التنور وعدم الاحتراق بذلك</span>.\nويشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-223>المطلب الأول: عرض المناظرة</span>.\n<span data-type='title' id=toc-224>نص المناظرة:</span>\nقال الصفدي -﵀- في ترجمته لسيرة شيخ الإسلام -﵀-: «وكان مسلطًا على هؤلاء الفقراء الأحمدية واليونسية (^١) والقرندلية (^٢) وغيرهم من هؤلاء المبتدعة.\nحُكي لي أنه جاء إليه بعض الأحمدية وقال ما يقولونه على العادة في دخول\n_________\n(^١) سبق التعريف بها (ص:٣٤٦) من هذه الرسالة.\n(^٢) القرندلية أو القَلَنْدرية: هي طريقة صوفية يقوم مبدأها على تنفير الناس من أهلها وذلك بحلق اللحى وأحيانًا الحواجب وإطالة الشعر، ولبس الثياب المرقعة، وكل ما فيه نفرة الناس من فاعله وعدم اعتقادهم فيه، وقد ظهرت هذه الطريقة لأول مرة في دمشق سنة (٦١٠ هـ)، وانتشرت بعد ذلك في الهند، قال شيخ الإسلام في هذه الطائفة: «من أهل الضلالة والجهالة وأكثرهم كافرون بالله ورسوله لا يرون وجوب الصلاة والصيام ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق؛ بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى وهم ليسوا من أهل الملة؛ ولا من أهل الذمة. وقد يكون فيهم من هو مسلم؛ لكن مبتدع ضال أو فاسق فاجر». مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٦٣) وانظر: تاريخ الإسلام (١٣/ ٩٤٨) ومسالك الأبصار (٨/ ٢٢١).","vol":"1","page":359},{"text":"التنور من بعد ثلاثة أيام من وقود النار فيه.\nفقال له: أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة (^١) في ذقنك.\nفجزع ذلك الفقير وأبلس.\nقلت: وقد نقل الشيخ -رحمه الله تعالى- هذا من قول بعض الشعراء في النار التي يزعم النصارى أنها تنزل يوم سبت النور من السماء إلى القمامة بالقدس (^٢):\nلقد زعم القِسِّيسُ أنَّ إلههُ … ينزّل نورًا بكرة اليوم أو غدِ\nفإن كان نورًا فهو نورٌ ورحمةٌ … وإن كان نارًا أحرقت كلَّ معتدِ\nيُقَرِّبُها القسيسُ من شعر ذقْنهِ … فإن لم تحرقها وإلا اقطعوا يدي» (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-225>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:</span>\nفي هذه المناظرة أراد هذا الرفاعي أن يظهر شيئًا مما يدعونه من مخاريق وكرامات، وأحوال وإشارات، يحتالون فيها بأنواع الحيل ليخدعوا بها العوام والفلاحين، والضعاف والمساكين، والجهلة من الأمراء والمتفقهين، ولكنه فوجئ بجواب شيخ الإسلام الذي أبهته وأسكته، وما ذلك إلا لخبرة شيخ الإسلام بأقوالهم وأحوالهم، كيف لا، وهو القائل: «كل من خالفني في شيء مما كتبته، فأنا أعلم بمذهبه منه» (^٤)؟!\nفلما عرض عليه هذا الأحمدي قدرته على دخول التنور وعدم الاحتراق به، وذلك بعد ثلاثة أيام من تسجيره واتقاده، رد عليه شيخ الإسلام ردًا مفحمًا، بأن طلب منه السماح له بما هو أسهل من ذلك وأسرع، وأقل أثرًا وضررًا، فإن قدر عليه كانت هذه قرينة على صدقه فيما فوقه، وإن عجز عن هذا الفعل البسيط فهو\n_________\n(^١) طَوَّافَة: مشعل يطاف على ضوئه في الطرقات ليلًا، وفي محيط المحيط: الفتيلة الموقدة يطاف على نورها ليلًا. انظر: تكملة المعاجم العربية (٧/ ٩٣).\n(^٢) أعظم كنيسةٍ للنصارى وهي في بيت المقدس، انظر \"معجم البلدان\": (٤/ ٣٩٦).\n(^٣) الوافي بالوفيات (٧/ ١٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣/ ١٣٦).","vol":"1","page":360},{"text":"عما هو أكبر منه أضعف وأعجز، فاستأذن منه أن يضع الطوافة في ذقنه، فإنه إن كان صادقًا في ما ادعاه من قدرته على دخول النار فلن يتردد في قبول ذلك، وإن خاف وأحجم فهذا دليل واضح على كذبه واحتياله، وهذا ما حدث بالفعل، فإنه لم يستطع الإقدام على ذلك، فظهر كذبه واحتياله، وانكشف أمره وانفضح حاله.\nوقد سبق في المناظرة السابقة بيان حقيقة ما يدعيه الرفاعية من دخول النيران وعدم التأثر بها، ودراسة المسألة هناك، وكيف كشف شيخ الإسلام حيلهم وألاعيبهم التي يلبسون بها على الناس، ليصدقوا مثل هذه الأمور، وفي هذه المناظرة يحسن الإشارة إلى ما تطرق له الصفدي من مشابهة هؤلاء الرفاعية في دجلهم وكذبهم، لرهبان النصارى في حيلهم وطرقهم التي يستخدمونها لخداع النصارى وعامة أهل ديانتهم، وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام -﵀- في عده مواطن من كتبه وبين كثيرًا من حيل الرهبان وطرقهم التي يخدعون بها الناس.\nقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: «وقد صنَّف بعض الناس مصنفًا في حيل الرهبان، مثل الحيلة المحكية عن أحدهم في جعل الماء زيتًا بأن يكون الزيت في جوف منارة، فإذا نقص صب فيها ماء، فيطوف الزيت على الماء، فيظن الحاضرون أن نفس الماء انقلب زيتًا.\nومثل الحيلة المحكية عنهم في ارتفاع النخلة، وهو أن بعضهم مر بدير راهب وأسفل منه نخلة، فأراه النخلة صعدت شيئًا شيئًا حتى حاذت الدير، فأخذ من رُطَبها ثم نزلت حتى عادت كما كانت، فكشف الرجل الحيلة، فوجد النخلة في سفينة في مكان منخفض إذا أرسل عليه الماء امتلأ حتى تصعد السفينة، وإذا صرف الماء إلى موضع آخر هبطت السفينة، ومثل الحيلة المحكية عنهم في التكحل بدموع السيدة، يضعون كحلًا في ماء متحرك حركة لطيفة، فيسيل حتى ينزل من تلك الصورة فيخرج من عينها فيظن أنه دموع. ومثل الحيلة التي صنعوها بالصورة التي يسمونها القونة (^١)\n_________\n(^١) لعل المراد بها (الأيقونة)، وهي كلمة يونانية أو قبطية الأصل، يُعبر بها عن صور المسيح ومريم ﵉، والحواريين والرسل والقديسين، ونحوهم، وهم يعظمون الأيقونات، ويوجبون وضعها في الكنيسة والبيوت والطرقات بزعم أن تأمل الأيقونة يحثهم على تكريم من ترمز إليه، وهو في الحقيقة عبادة للصور، وإن زعموا أنهم لا يقصدون عبادتها. انظر: معجم متن اللغة (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":361},{"text":"بصيدنايا (^١)، وهي أعظم مزاراتهم بعد القمامة وبيت لحم، فإن هذه صورة السيدة مريم، وأصلها خشبة نخلة سُقِيت بالأدهان حتى تنعمت وصار الدهن يخرج منها دهنًا مصنوعًا يُظن أنه من بركة الصورة.\nومن حيلهم الكثيرة: النار التي يظن عوامهم أنها تنزل من السماء في عيدهم في قمامة، وهي حيلة قد شهدها غير واحد من المسلمين والنصارى، ورأوها بعيونهم أنها نار مصنوعة يضلون بها عوامهم، يظنون أنها نزلت من السماء، ويتبركون بها، وإنما هي صنعة صاحب مُحَالٍ وتلبيس. ومثل ذلك كثير من حيل النصارى، فجميع ما عند النصارى المبدلين لدين المسيح من الخوارق: إما حال شيطاني، وإما محال بهتاني ليس فيه شيء من كرامات الصالحين، وكذلك أهل الإلحاد المبدلين لدين محمد -ﷺ- الذين يتخذون دينا لم يشرعه الله ورسوله ويجعلونه طريقا إلى الله وقد يختارونه على الطريق التي شرعها الله ورسوله» (^٢).\nوقال تلميذه ابن القيم -﵀-: «ثم إنك إذا كشفت عن حالهم وجدت أئمة دينهم قد نصبوا حبائل الحيل، ليقتنصوا بها عقول العوالم، ويتوصلوا بالتمويه والتلبيس إلى استمالتهم وانقيادهم لهم واستدرار أموالهم، وذلك أشهر وأكثر من أن يذكر.\nفمن ذلك ما يعتمدونه في العيد الذي يسمونه عيد النور -ومحله ببيت المقدس- فيجتمعون من سائر النواحي في ذلك اليوم، ويأتون إلى بيت فيه قنديل معلق، لا نار فيه، فيتلو أحبارهم الإنجيل، ويرفعون أصواتهم، ويبتهلون في الدعاء. فبينما هم كذلك، وإذا نار قد نزلت من سقف البيت، فتقع على ذبالة\n_________\n(^١) بلد من أعمال دمشق مشهور بكثرة الكروم. انظر: معجم البلدان (٣/ ٤٣٨) مراصد الاطلاع (٢/ ٨٥٩).\n(^٢) الجواب الصحيح (٢/ ٣٣٩ - ٣٤١).","vol":"1","page":362},{"text":"القنديل، فيشرق، ويضيء ويشعل، فيصيحون صيحة واحدة، ويصلبون على وجوههم، ويأخذون في البكاء والشهيق.\nقال أبو بكر الطرطوشي (^١): كنت ببيت المقدس، وكان واليها إذ ذاك رجلًا يقال له: سقمان (^٢)، فلما انتهى إليه خبر هذا العيد أنفذ إلى بتاركهم، وقال: أنا نازل إليكم في هذا اليوم، لأكشف عن حقيقة ما تقولون فإن كان حقًا ولم يتضح لي وجه الحيلة أقررتكم عليه، وعظمته معكم، وإن كان مخرفة على عوامكم أوقعت بكم ما تكرهون.\nفصعب ذلك عليهم جدًا وسألوه ألا يفعل، فأبى وألح في ذلك، فحملوا له مالًا عظيمًا فأعرض عنهم.\nقال الطرطوشي: ثم اجتمعت بأبي محمد بن الأقدم بالإسكندرية، فحدثني أنهم يأخذون خيطًا دقيقا من نحاس -وهو الشريط- ويجعلونه في وسط قبة البيت إلى رأس الفتيلة التي في القنديل، ويدهنونه بدهن البلسان (^٣)، والبيت مظلم، بحيث لا يدرك الناظرون الخيط النحاس.\nوقد عظموا ذلك البيت، فلا يمكنون أحدا من دخوله. وفي رأس القبة رجل، فإذا قسسوا ودعوا ألقى على ذلك الخيط النحاس شيئا من نار النفط، فتجري النار\n_________\n(^١) هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي، أبو بكر الطرطوشي، ويقال له ابن أبي رندقة فقيه حافظ إمام محدث ثقة، من فقهاء المالكية من كتبه: سراج الملوك والحوادث والبدع (ت:٥٢٠ هـ). انظر: جذوة الملتمس (ص:١٣٥) وفيات الأعيان (٤/ ٢٦٢).\n(^٢) الملك سقمان بن أرتق بن أكسب التركماني له في حرب الفرنج الآثار الحسنة والحملات المستحسنة، كان أبوه واليًا للسلاجقة على القدس، فلما توفي ورثه ولداه في حكم المدينة إلى أن أخذها منهم العبيديون (الفاطميون) عام ٤٩١ للهجرة (ت:٤٩٧ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٢٣٤) مجمع الآداب (٢/ ٣٨٤).\n(^٣) البلسان: شجر كثير الورق وله دهن معروف يجعل في الدواء. انظر: العين (٧/ ٢٦٢) لسان العرب (٦/ ٣٠)","vol":"1","page":363},{"text":"مع دهن البلسان إلى آخر الخيط النحاس، فيلقى الفتيلة فيتعلق بها.\nفلو نصح أحد منهم نفسه، وفتش على نجاته لتتبع ذلك، وطلب الخيط النحاس، وفتش رأس القبة، ليرى الرجل والنفط، ويرى أن منبع ذلك النور من ذلك الممخرق الملبس.\nوأنه لو نزل من السماء لظهر من فوق، ولم يكن ظهوره من الفتيلة!\nومن حيلهم أيضًا: أنه قد كان بأرض الروم في زمن المتوكل كنيسة، إذا كان يوم عيدها يحج الناس إليها، ويجتمعون عند صنم فيها، فيشاهدون ثدي ذلك الصنم في ذلك اليوم يخرج منه اللبن. وكان يجتمع للسادن في ذلك اليوم مال عظيم. فبحث الملك عنها، فانكشف له أمرها فوجد القيم قد ثقب من وراء الحائط ثقبًا إلى ثدي الصنم، وجعل فيها أنبوبة من رصاص، وأصلحها بالجبس ليخفى أمرها، فإذا كان يوم العيد فتحها وصب فيها اللبن، فيجرى إلى الثدي فيقطر منه، فيعتقد الجهال أن هذا سر في الصنم، وأنه علامة من الله تعالى لقبول قربانهم، وتعظيمهم له، فلما انكشف له ذلك أمر بضرب عنق السادن، ومحو الصور من الكنائس، وقال: إن هذه الصور مقام الأصنام. فمن سجد للصورة فهو كمن سجد للأصنام» (^١).\nوما هذه الأمثلة إلا غيض من فيض وبها يتضح لك أن هذه الخدع الكاذبة والحيل الماكرة ليست مقتصرة على الرفاعية فحسب، بل هي طريقة قديمة استخدمها رهبان النصارى لترويج معتقداتهم الفاسدة، والمكر والخداع لاتباعهم، وأخذ الأموال ظلما وزورا، فبئس السلف لبئس الخلف.\n* * *\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩).","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>المبحث السادس: مناظرته مع بعض من يحسن الظن بالأحجار ويجوزون التبرك بها</span>\nويشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-227>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-228>تمهيد:</span>\nلم يكن شيخ الإسلام مجاهدًا باللسان والقلم فحسب؛ بل قد توج جهاده هذا بالجهاد باليد، فجمع أنواع الجهاد كلها، وقام بمراتب إنكار المنكر كلها، فهو المعلم المرشد، وهو الكاتب المؤلف، وهو المقاتل المبارز، وهو الخطيب الواعظ، ومن أعظم جهاده بيده، تكسيره للصخور والأصنام، والأعمدة والأحجار، التي كانت منتشرة في دمشق ونواحيها، وكان الناس يحسنون الظن بها، ويتقربون لها بشتى القربات، ويصرفون لها أنواع العبادات، ويعتقدون فيها الأباطيل والمنكرات، فقام شيخ الإسلام بتكسيرها وتحطيمها، وتطهير البلاد منها، وأثبت للناس أنها لا تغني عنهم شيئًا، ولا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا، وقد ذكر كثيرًا من هذه الوقائع والأحداث تلميذه ومرافقه الذي خدمه ولازمه إبراهيم بن أحمد الغياني (^١) في رسالة لطيفة\n_________\n(^١) هو إبراهيمُ بنُ أحمدَ الغيانيُّ الملقب بخادم شيخ الإسلام، كان يخدمه ويصحبه، وله فصل في حكاية تكسير شيخ الإسلام للحجارة التي كان يزورها الناس ويتبركون بها، يظهر من خلالها طول ملازمته لشيخ الإسلام، وكثرة الأحداث التي شهدها معه، ومع ذلك لم أجد له ترجمة فيما وقفت عليه من كتب التاريخ والتراجم، إلا ما ذكره محب الدين الخطيب في تحقيقه لرسالة أحمد بن إبراهيم الغياني \"نبذه عن آخر حياة شيخ الاسلام\" (ص:٦) حيث قال: «كان معه طول مدة حبسه في قاعة الترسيم، ثم كان رسوله إلى دمشق عندما نقلوه إلى البرج الأخضر في الاسكندرية» ا. هـ.","vol":"1","page":365},{"text":"له (^١) ذكر فيها ما قام به شيخ الإسلام من تكسير للأحجار والأوثان، وضمنها كثيرًا من الحوادث التي وقعت لشيخ الإسلام أثناء قيامه بهذه الأمور، ومن ذلك هذه المناظرة التي بين أيدينا، والتي حدثت له مع بعض المدافعين عن هذه الأحجار والمحسنين ظنهم بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>نص المناظرة:</span>\nقال إبراهيم بن أحمد الغياني -﵀-:\n«﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان:٣]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزُّخرُف:٢٢].\nوصلى الله على محمد عبده ورسوله، خير الخلق وأكرمهم على الله المصطفى المأمون، صلاة دائمة مادامت الأيام والدهور والسنون.\nأما بعد؛ فهذا فصل فيما قام به الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية -﵁- وتفرّد به دون غيره من العلماء -﵃- الذين كانوا قبله وفي زمانه، وذلك بتكسير الأحجار التي كان الناس يزورونها، ويتبركون بها،\n_________\n(^١) هذه الرسالة عثر عليها محب الدين الخطيب -﵀- في كتاب الكوكب الدراري لابن عروة الحنبلي -﵀- فأخرجها وعنون لها بـ (ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-) وطبعت مجددا بعنوان: (نبذة عن آخر حياة شيخ الإسلام ابن تيمية)، وهي موجودة في الجامع لسيرة شيخ الإسلام ﵀ بعنوان: (فصل فيما قام به ابن تيمية وتفرد به وذلك في تكسير الاحجار).","vol":"1","page":366},{"text":"ويقبلونها، وينذرون لها النذور، ويلطخونها الخَلُوق (^١)، ويطلبون عندها قضاء حاجاتهم، ويعتقدون أنَّ فيها -أوْ لها- سرًّا، وأن من تعرَّض لها بسوء -بقالٍ أو فعال- أصابته في نفسه آفة من الآفات!\nفشرع الشيخ يعيب تلك الأحجار، وينهى الناس عن إتيانها، أو أن يُفعل عندها شيء مما ذُكر، أو أن يُحسَنَ بها الظن.\nفقال له بعض الناس: إنه قد جاء في حديث أن أم سلمة سمعت النبيَّ -ﷺ- يقرأ بالتين والزيتون، فأخذت تينة وزيتونة وربطت عليهما وعلقتهما حِرْزًا. وبقيت كلما جاء إليها أحد به مرض تحطه عليه فيبرأ من ذلك المرض. فبلغ ذلك رسول الله -ﷺ- فسألها عن ذلك، فقالت: سمعتك تقرأ بالتين والزيتون، فقلتُ: ما قرأ رسول الله -ﷺ- بذلك إلا وفيه سرّ أو منفعة، فعملت تينة وزيتونة لي حرزًا، وأحسنت ظني به، ونفعت بذلك الناسَ. فقال لها النبي -ﷺ-: (لو أحسن أحدكم ظنَّه بِحَجَرٍ لنفعه الله به) (^٢).\nفقال الشيخ: هذا الحديث كله -من أوله إلى آخره- كذب مختلق، وإفك مفترى على رسول الله -ﷺ- وعلى أم سلمة -﵂-. والذي صحَّ وثبتَ عن النبي -ﷺ- فيما يروي عن ربه ﷿ أنه قال: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني …) (^٣) الحديث، و(أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي خيرًا) (^٤)، وقال: (لا يموتنَّ أحدُكم إلا ويحسن ظنَّه بالله) (^٥) الذي تفرَّد بخلقه، وأوجده من العدم\n_________\n(^١) الخلوق: طيب معروف من الزعفران وغيره، يخلق به الرجل. انظر: غريب الحديث لإبراهيم الحربي (١/ ٢٥) وتهذيب اللغة (٧/ ١٨).\n(^٢) سيأتي بيان حال الحديث وكذبه أثناء الدراسة (ص: ٣٥٦).\n(^٣) رواه البخاري كتاب التوحيد، (٧٤٠٥)، ومسلم كتاب الذكر والدعاء (٢٦٧٥) واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٤) رواه أحمد في مسنده (١٦٩٨٠) والدارمي في سننه (٢٧٧٣) من حديث واثلة بن الأسقع -﵁- بلفظ: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٣١١).\n(^٥) رواه مسلم كتاب الجنة، (٢٨٧٧).","vol":"1","page":367},{"text":"ولم يكن شيئًا، وبيده ضرُّه ونفعه، كما قال إمامنا وقدوتنا إبراهيم خليل الرحمن: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٢]، فهذا الرب العظيم الكبير المتعال، الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، يُحسن العبد به ظنه، ما يحسن ظنه بالأحجار، فإن الكفار أحسنوا ظنهم بالأحجار فأدخلتهم النار، وقد قال الله تعالى في الأحجار وفي من أحسنوا بها الظنَّ حتى عبدوها من دونه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، وقد أمر النبي -ﷺ- أن يُسْتجمر من البول بثلاثة أحجار (^١)، ما قال أحسنوا ظنكم بها، بل قال: استجمروا بها من البول. وقد كسر النبي -ﷺ- الأحجار التي أحسن بها الظن حتى عُبدتْ حول البيت وحرَّقها بالنار (^٢)» (^٣) ا. هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-230>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\nكما هو ملاحظ من هذه المناظرة فإن بعض الناس قد احتجوا لتبرير ما يقعون فيه من شرك وصرف لأنواع العبادات المختلفة للأعمدة والأحجار وغيرها من الأوثان، بحديث مختلق مكذوب، اخترعه عباد الأوثان من تلقاء أنفسهم ألا وهو حديث (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه ذلك)، وفي الواقع أن اختراعهم لهذا الحديث لم يأت من فراغ؛ وإنما نشأ عن عقيدة وشبهة مستقرة عندهم، جعلتهم يختلقون مثل هذه الأحاديث لتكون حجة لهم على عقيدتهم الفاسدة.\n_________\n(^١) كما في حديث سلمان الفارسي عند مسلم كتاب الطهارة (٢٦٢) وحديث أبي هريرة عند البخاري باب الاستنثار في الوضوء (١٦١).\n(^٢) ومنه ما رواه البخاري (٤٢٨٧) ومسلم (١٧٨١) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٣) نبذة عن آخر حياة شيخ الإسلام (ص:٩)، ورسالة (فصل فيما قام به ابن تيمية وتفرد به وذلك في تكسير الأحجار) ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٣٤).","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة</span>، وذلك من وجهين:\n<span data-type='title' id=toc-232>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nإن هذه العقيدة الفاسدة التي اعتقدها هؤلاء القوم في إحسان الظن بالأعمدة والأحجار والقبور، إنما دخلت عليهم من عقائد مشركي الفلاسفة، فإن شركهم كان على نوعين:\nالنوع الأول: من يعبد الكواكب، ويدعوها ويطلب منها، فتتنزل عليه الشياطين، ويظن أنها روحانية الكواكب نزلت عليه.\nالنوع الثاني: من يعبدون الكواكب وغيرها من الأوثان، ويقولون: إنه بنفس توجههم وجمع همتهم إلى ما يدعونه ويحبونه، يحصل لهم المقصود، حتى لو لم يعلم الداعي والمتوجه له، أن هذا دعاه أو توجه إليه. وهذا النوع هو الذي وقع فيه هؤلاء القوم.\nوحقيقة هذا القول أنهم يقولون: إن الله ﷾ لا يحدث في العالم شيئًا، وأن الداعي إذا توجه للمدعو وجمع همته عليه تقوى نفسه حتى يحصل لها المطلوب، من غير أن يكون المدعو علم بذلك، أو كان له تأثير في حصول ذلك، بل المؤثر عندهم هي النفس، لكن بتوجهها إلى ذلك حصل لها قوة، ولذلك يقولون إن الإنسان لو جمع همته على أي شيء كان إلهًا أو حجرًا أو صنمًا أو كوكبًا؛ ودعاه وتوجه إليه حصل له المقصود بمجرد دعائه وتوجهه له وجمع همته عليه، حتى إنهم يقولون: لا فرق بين قولك: يا حجر يا حجر، وبين قولك: يا حي يا قيوم يعني لأن المقصود بكليهما جمع الهمّة، فمتى اجتمعت الهمة أجيبت الدعوة لأي شيء كانت! (^١) ومن هذا الباب قالوا: إن من أحسن ظنه ولو بحجر فإن ذلك سينفعه، ثم اختلقوا هذا الحديث المكذوب ليكون حجة لهم على ما يقررون،\n_________\n(^١) انظر: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: ١٣٨).","vol":"1","page":369},{"text":"وهذا هو ما بينه شيخ الإسلام ووضحه في قاعدته العظيمة (قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-233>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- في هذه المناظرة، وفي غيرها من المواضع، بطلان هذا القول وما بني عليه من أوجه كثيرة، أهمها ما يلي:\nأولا: أن هذا الحديث مختلق مكذوب لا يثبت عن النبي -ﷺ- (^٢):\nقال شيخ الإسلام ﵀: «هذا الحديث كله -من أوله إلى آخره- كذب مختلق، وإفك مفترى على رسول الله -ﷺ- وعلى أم سلمة -﵂-» (^٣)، وهو من رواية الكذابين. وقال ﵀: «والحديث الذي يرويه بعض الكذابين: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به)، كذب مفترى باتفاق أهل العلم، وإنما هذا من\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص:١٣٦ - ١٣٨).\n(^٢) هذا الحديث كذب موضوع باتفاق العلماء، وقد تتابع العلماء على تكذيبه والحكم بوضعه، قال العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ١٧٨): «قال ابن تيمية: كذب، ونحوه قول الحافظ ابن حجر: لا أصل له … وقال ابن القيم: هو من كلام عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالأحجار. والمشهور على الألسنة: \"لو اعتقد أحدكم على حجر لنفعه\". وعبارة النجم: \"لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به\" أو \"لو اعتقد أحدكم حجرًا نفعه الله به\" أو \"لنفعه\": كذب لا أصل له، كما قال ابن تيمية وابن حجر وغيرهما. انتهى». وذكره السخاوي في المقاصد الحسنة برقم: (٨٨٣). والملا علي قاري في الموضوعات الكبرى (الأسرار المرفوعة) برقم: (٣٧٦) (ص:٢٨٨) وفي الموضوعات الصغرى (المصنوع في معرفة الحديث الموضوع) (٢٤٨) (ص:١٤٧)، ومرعي الكرمي في الفوائد الموضوعة (١٨٨) (ص: ١٣٧)، وأحمد بن عبد الكريم الغزي في الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث برقم: (٣٩١)، وقال: «كذب لا أصل له»، ومحمد الأمير المالكي في الأحاديث المكذوبة على خير البرية (٢٦٨)، وقال: «لا أصل له، وقد اشتهر على ألسنة العامة»، وقال ابن القيم في المنار المنيف (ص: ١٣٩): «هو من وضع المشركين عباد الأوثان». وانظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٣٥)، والفتاوى الكبرى (٣/ ٤٤).\n(^٣) نبذة عن آخر حياة شيخ الإسلام (ص: ٩).","vol":"1","page":370},{"text":"قول عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالحجارة» (^١)\nوبين ﵀ أن هذا الكلام ليس من كلام أهل الشرك والبهتان، وليس من كلام أهل الإيمان، فضلًا أن يكون من كلام النبي -عليه أفضل صلاة وسلام-، فقال: «وقول القائل: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) هو من كلام أهل الشرك والبهتان» (^٢).\nثانيًا: أن المتعين هو إحسان الظن بالله تعالى، لا بالأحجار والأصنام، وبهذا وردت النصوص ومن ذلك قول النبي -ﷺ-: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) (^٣) وقوله -ﷺ- فيما يرويه عن ربه ﷿: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي خيرًا) (^٤)، وفي صحيح مسلم عن جابر﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: (لا يموتنَّ أحدُكم إلا ويحسن ظنَّه بالله) (^٥)؛ وذلك لأن الله هو \"الذي تفرَّد بخلقه، وأوجده من العدم ولم يكن شيئًا، وبيده ضرُّه ونفعه، كما قال إمامنا وقدوتنا إبراهيم خليل الرحمن: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٢]، فهذا الرب العظيم الكبير المتعال، الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، يُحسن العبد به ظنه، ما يحسن ظنه بالأحجار! \" (^٦).\nثالثًا: أن إحسان الظن بالأحجار، ليس من طبع المؤمنين بالله العلي العظيم،\n_________\n(^١) جامع المسائل (٥/ ١٠٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٥١٣).\n(^٣) سبق عزوه.\n(^٤) سبق عزوه.\n(^٥) سبق عزوه.\n(^٦) نبذة عن آخر حياة شيخ الإسلام (ص ٩) وجامع المسائل (٥/ ١٠٥ - ١٠٦)","vol":"1","page":371},{"text":"وإنما هو من طبع الكفار والمشركين، كما عُرِف ذلك من حالهم (^١).\nرابعًا: أن الكفار أحسنوا ظنهم بالأحجار فلم تنفعهم ولم تغن عنهم شيئا؛ بل كانت سببا لهلاكهم في الآخرة ودخولهم نار جهنم، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤].\nخامسًا: أن النبي -ﷺ- إنما أمر بالاستجمار بهذه الأحجار ولم يأمر بإحسان الظن بها وعبادتها من دون الله، فحقها أن يستجمر بها، لا أن يستغاث بها، كما يفعله هؤلاء الجهلة (^٢).\nسادسًا: أن النبي -ﷺ- قام بتكسير الأحجار والأصنام التي كان المشركون يحسنون بها الظن وقام بتحريقها بالنار كذلك، وهذا دليل واضح بين على فساد هذا الظن، ومخالفته لدين الإسلام، وشرع رب الأنام، وأن الواجب في حق مثل هذه الأحجار التي يقدسها الناس ويصرفون لها أنواع العبادات، ويعتقدون فيها أنواع المعتقدات، هو التكسير والتحطيم والإزالة، لا إحسان الظن بها والاعتقاد فيها، كما كان يصنع هؤلاء القوم (^٣).\nسابعًا: قد دلت النصوص القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن العبادات لا تقبل إلا بإخلاص العمل لله، ويجب فيها اتباع ما شرعه النبي -ﷺ- لأمته، وكل عمل فقد أحد الشرطين فلا يقبل، وليس لأحد أن يشرع برأيه عبادة لم يأذن بها الله، فكيف بشيء حرمه الشارع ونهى عنه وبين أنه شرك أكبر مخرج\n_________\n(^١) انظر: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: ١٤٢).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص: ١٠).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص: ١٠).","vol":"1","page":372},{"text":"من الملة فكيف تجوز عبادة الله به (^١).\nثامنًا: أن هذا الفعل لم يفعله أحد من صحابة رسول الله -ﷺ- ولا فعله أحد من التابعين، بل ولا حتى عامة المؤمنين الصادقين، وإنما هو من فعل الكفرة والمشركين (^٢)؛ بل إن عمر بن الخطاب -﵁- لما قبل الحجر الأسود خير الأحجار وأفضلها، وهو الحجر الأسود قال: (والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك لما قبلتك) (^٣).\nتاسعًا: دعواهم أن النفس هي المؤثرة في حصول المطلوب دعوى باطلة، فإن النفس ضعيفة عاجزة عن التأثير، وكل من علق نفسه بغير الله وظن أن له تأثيرًا دون الله، فقد علق نفسه بضعيف عاجز قال ﷾: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١ - ٤٣]، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨٢] (^٤).\nعاشرًا: ظَنُ بعضهم أن النفس لها تأثير لبعض ما يشاهده أو يجده من حصول بعض مطلوبه عند جمع همته، وتفريغ قلبه، ظَنٌ فاسد باطل، فإن الشياطين هي التي\n_________\n(^١) انظر: جامع المسائل (٤/ ٢٢٩) و(٥/ ١٠١ - ١٠٢)، وقاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: ١٦، ١٤١).\n(^٢) انظر: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: ١٤١).\n(^٣) رواه البخاري، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود (١٥٩٧)، ومسلم كتاب الحج (١٢٧٠).\n(^٤) انظر: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: ١٤٠).","vol":"1","page":373},{"text":"تفعل هذا \"فإذا اجتمعت الهمّة على ذلك الشيء، وتفرغ القلب لما يلقى فيه، تمكن منه الشيطان، فألقى في قلوبهم ما يلقيه، وتمثل لهم، وقضى بعض حوائجهم، والمتفلسفة الذين لا يعرفون الجنّ، يقولون: هذا كله من قوى النفس، ولكن جمهور الناس الذين قد عرفوا حقيقة الأمر، يعرفون أن الشياطين تفعل من ذلك ما لا تفعل النفس\" (^١). وقد قال شيخ الإسلام -﵀- مبينًا هذا الأمر: «وهذا موجود في كثير من أهل زماننا، كما كان بعض الناس يقول لمريديه: توجه إلى قلبك وقل: لا إله إلا الله، وليس المقصود الذكر، إنما المقصود أن يجتمع قلبك، فإذا اجتمع قلبه تنزلت عليه الشياطين، فيخيل إليه أنه صعد إلى السماء، وألوان أخر، ويقول أحدهم: حصل لك ما لم يحصل لموسى بن عمران، ولا لمحمد ليلة المعراج، وشخص آخر من كبارهم كان يقول: لا فرق بين قولك: يا حجر يا حجر، وبين قولك: يا حي يا قيوم، يعني أن المقصود بكليهما جمع الهمّة، فهذا وأمثاله من أسرار هؤلاء المشركين.\nومن هؤلاء من يدعو بعض الكواكب، أو بعض الموتى من الأنبياء، والصالحين، أو بعض الملائكة، أو بعض الأوثان، فيرى صورًا: إما صورة بشر، وإما غير صورة بشر، فإنهم يرون أنواعًا من الصور تخاطبهم، وتقضي بعض حوائجهم، فيقولون: هذه روحانية الكوكب، أو سر الشيخ، أو رفيقته، أو نحو ذلك، وإنما ذلك شيطان يضلهم كما كانت الشياطين تضل عبّاد الأوثان، وإلى اليوم، وكانت الشياطين تكلمهم أحيانًا من الأصنام، وأحيانًا يرونها، قال ابن عباس -﵄-: (في كل صنم شيطان يتراءى للسدنة فيتكلمون) (^٢). وقال أبي بن\n_________\n(^١) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: ١٣٧).\n(^٢) رواه عبد بن حميد في تفسيره (ص:١١٨) برقم (٣٩٥) من رواية الكلبي محمد بن السائب عن ابن عباس، والكلبي كذاب متروك، ولم يسمع من ابن عباس ﵁ فالأثر ضعيف جدًا. انظر: تهذيب التهذيب (٩/ ١٨٠).","vol":"1","page":374},{"text":"كعب -﵁-: (مع كل صنم جنيّة) (^١)» (^٢).\nالحادي عشر: اختلافهم وتناقضهم دليلٌ واضح على فساد قولهم، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون، عند قبر أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثنا أحسن به الظن، وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده، ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعا، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم، وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد» (^٣).\nوبهذه الأوجه كلها، يظهر فساد مذهب القوم، وسوء معتقدهم، وبطلان كلامهم، وضعف حجتهم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه عبد الله بن أحمد في المسند (٢١٢٣١) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥٩٦٩) وحسنه الأرناؤوط.\n(^٢) قاعدة عظيمة (ص: ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٠٨).","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-234>المبحث السابع: مناظرته مع جماعة يستشفون بقبور العبيديين ويعتقدون ولايتهم</span>\nويشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-235>المطلب الأول: عرض المناظرة</span>.\n<span data-type='title' id=toc-236>تمهيد:</span>\nكان شيخ الإسلام ﵀ غاية في الذكاء والفطنة، وسرعة البديهة وقوة الحجة، ولا غرو في ذلك ولا عجب؛ فهو ذلك البحر الزخار، والموج الهدار، الذي نال من العلوم النصيب الأوفر، ومن العقل والدهاء الحظ الأكبر، وكان من عجيب شأنه أنه لا يدع حجة لمحتج تخالف الشريعة إلا فندها، وأزال ما تحويه من شبهة وأبطلها، بل بلغ به الشأن أن يقلب حجة الخصم حجة عليه، ويجعل برهانه الذي استدل به برهانا عليه، وأمثلة ذلك كثيرة وعديدة، ومن أبرزها هذه المناظرة التي يحكيها لنا تلميذه وصاحبه، ورفيقه وخادمه، إبراهيم بن أحمد الغياني، فقد أورد في رسالته (^١) التي حوت كثيرا من قصص شيخ الإسلام وأحواله وجهده في الدعوة وجهاده، ومناظرته لخصومه وأعدائه، الشيء النفيس الجليل، ومن تلك الحوادث التي ذكرها هذه الحادثة التي وقعت لشيخ الإسلام أثناء وجوده في بلاد\n_________\n(^١) وهي الرسالة الموسمة بـ (نبذة عن آخر حياة شيخ الإسلام)، أو (فصل فيما قام به ابن تيمية وتفرد به وذلك في تكسير الاحجار).","vol":"1","page":376},{"text":"مصر، وقبل هذا قد ذكرها الشيخ نفسه أثناء رده على ما زعمه البكري (^١): من أن منع الاستغاثة بغير الله من الأنبياء والملائكة والصالحين يعتبر انتقاصًا لهم وتقليلًا من شأنهم وحطًا من قدرهم ومكانتهم، فبين شيخ الإسلام -﵀- أن الأمر على نقيض هذا، فإن ترك الشرك بالله وعدم الغلو في الصالحين هو من تعظيمهم وتبجيلهم وطاعتهم فيما جاءوا به وأمروا به، وبين أن المستغيثين بهم والغالين فيهم هم المنتقصون لهم في الحقيقة، وأن دعاءهم لهم واستغاثتهم بهم ليس نابعًا في الحقيقة من تعظيمهم ومعرفة قدرهم، ويدل على ذلك أنهم لو ظفروا بمقصودهم، وما يرجونه ويطلبونه من أمور دنياهم عند غيرهم لفعلوه عندهم، حتى لو كان هذا المرجو ممن لا يعرف باستقامة وصلاح بل قد يكون من أهل الكفر والفسوق، كما ثبت عنهم استغاثتهم بأمثال هؤلاء إن وجدوا منفعة في ذلك، بل إنهم قد يذهبون عند قبور الكافرين والمنافقين إذا حصل لهم المقصود بذلك، ووجدوا ما أرادوا هنالك، وضرب شيخ الإسلام على أفعالهم هذه عدة أمثلة ووقائع منها هذه الواقعة التي جرت له مع جماعة منهم كانوا يذهبون إلى قبور الكفرة من العبيدين (^٢) ونحوهم طلبًا للسلامة والشفاء (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-237>نص المناظرة:</span>\nقال إبراهيم الغياني - ﵀-: «سمعت الشيخ يحكي غير مرة في مجالسه يقول: زرت يوما المارستان المنصوري (^٤)، فجاء إلي أناس فقالوا لي: تصدق وزر\n_________\n(^١) الرد على البكري (٢/ ٥٨٨ - ٥٨٩ - ٥٩٠).\n(^٢) وهم قوم باطنية زنادقة، وسيأتي بيان حالهم واعتقادهم في مطلب مستقل.\n(^٣) وقد أوردت هذه المناظرة كما ذكرها تلميذه أحمد بن إبراهيم الغياني -﵀- وأضفت لها بعض الزيادات المهمة التي لم توجد فيها مما ذكره شيخ الإسلام في (الرد على البكري) وميزتها بمعكوفتين.\n(^٤) المارستان: كلمة فارسية معربة تعني: دار المرضى، وأصلها: (بيمارسان) بالفارسية مركبة من (بيمار) أي مريض، (وستان) أي: موضع، فالمراد موضع المرضى. وأول من بناه بالشام السلطان، نور الدين الشهيد، وبمصر الملك الناصر محمد بن قلاوون، تغمدهما الله تعالى بالرحمة والرضوان. انظر الصحاح للجوهري (٣/ ٩٧٨)، وتاج العروس (٣٦/ ١٦٨)، والكليات (ص: ٨٧٤) والقاموس المحيط (ص: ٥٧٤). والمارستان المنصوري: بناء عظيم بناه الناصر محمد بن قلاوون لعلاج المرضى، وأضاف له أمورا كثيرة عجيبة، من أهمها مدارس لحفظ القرآن الكريم وتدريس الفقة والحديث وغيرها، وقد وصف هذا البناء العظيم تقي الدين المقريزي في كتابه: (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) وصف دقيقًا مفصلًا انظر: المواعظ والاعتبار (٤/ ٢٦٨).","vol":"1","page":377},{"text":"المارستان العتيق فرحت معهم أزوره.\nفقالوا لي: ألا تزور قبور الخلفاء -يعنون بني عبيد-؟\nفرحت معهم إلى قبورهم، فوجدت قبورهم إلى القطب الشمالي.\nفتكلم عليهم وعلى مذاهبهم.\n[وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون بالعبيديين أنهم أولياء الله تعالى صالحون]\n[فلما ذكرت لهم أن هؤلاء كانوا منافقين زنادقة، وخيار من فيهم الرافضة جعلوا يتعجبون ويقولون]: نحن نعتقد أن هؤلاء قوم صالحون، لأنّا إذا مغلت (^١) عندنا الخيل نجيء بها إلى قبور هؤلاء فتبرأ، فلولا أنهم صالحون ما برأت الدواب من المغل عند قبورهم.\n[فقلت لهم: هذا من أعظم الأدلة على كفرهم] وهو حجة أيضا على صحة ما أقوله فيهم.\n[وطلبت من طائفة من سياس الخيل (^٢)، فقلت: أنتم بالشام ومصر إذا أصاب الخيل المغل أين تذهبون بهم؟\nفقالوا: في الشام يذهب بها إلى قبور اليهود والنصارى، وإذا كنا في أرض\n_________\n(^١) المغل: وجع أو داء في البطن، ومغلت الدابة إذا أكلت التراب مع البقل فأخذها وجع في بطنها. انظر: القاموس المحيط (ص: ١٠٥٨)، المعجم الوسيط (٢/ ٨٨٦).\n(^٢) سياس الخيل: هم مؤدبوها ومروضوها والقائمون عليها. قال الفراهيدي في العين (٧/ ٣٣٦): «يسوس الدّوابَّ سياسهً، يقوم عليها ويروضها». وقال الأزهري في تهذيب اللغة (١٣/ ٩١) «يقال: هو يسوس الدواب: إذا قام عليها وراضها».","vol":"1","page":378},{"text":"الشمال يذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية كالعليقة والمنقية (^١) ونحوهما، وأما في مصر فيذهب بها إلى دير هناك للنصارى، ونذهب بها إلى قبور هؤلاء الأشراف، وهم يظنون أن العبيديين شرفاء لما أظهروا أنهم من أهل البيت. فقلت: هل يذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين، مثل قبر الليث بن سعد، والشافعي، وابن القاسم (^٢) وغير هؤلاء؟\nفقالوا: لا.\nفقلت لأولئك: اسمعوا؛ إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين؛\nوبينت لهم سبب ذلك قلت: لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم، والبهائم تسمع أصواتهم كما ثبت في الحديث الصحيح؛] وكان النبي -ﷺ- يومًا راكبًا على بغلته فحادت حتى كادت تلقيه عن ظهرها، فقالوا: ما شأنها يا رسول الله؟ فقال: (إنها سمعت أصوات يهود تعذب في قبورها) (^٣).\n_________\n(^١) العليقة والمنيقة: من حصون الباطنية الإسماعيلية في شمال البلاد الشامية من أعمال طرابلس، انتزعها منهم بيبرس المملوكي سنة ٦٦٨ هـ، والعليقة سنة (٦٦٩ هـ). انظر: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (٤/ ١٧٩ - ١٨١)، وغلاة الشيعة الباطنية في الشام (ص: ٣٣).\n(^٢) هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقيّ المصري، صاحب الإمام مالك، فقيه، جمع بين الزهد والعلم، كان ذا مال ودنيا، فأنفقها في العلم، صحب مالكًا عشرين سنة، وهو صاحب \" المدونة \" في مذهبهم، وهي من أجل كتبهم (ت: ١٩١ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٢٩) تاريخ الإسلام (٤/ ١١٤٩).\n(^٣) هذا النص الذي ساقه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مجموع من حديثين مختلفين وليسا حديثًا واحدًا: أما الحديث الأول فرواه مسلم برقم: (٢٨٦٧) من حديث زيد بن ثابت -﵁- قال: بينما النبي -ﷺ- في حائط لبني النجار، على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة -قال: كذا كان يقول الجريري- فقال: (من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟) فقال رجل: أنا، قال: (فمتى مات هؤلاء؟) قال: ماتوا في الإشراك، فقال: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه) ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: (تعوذوا بالله من عذاب النار» قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار)، فقال: (تعوذوا بالله من عذاب القبر) قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: (تعوذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن) قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: (تعوذوا بالله من فتنة الدجال) قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال، وأما النص الآخر فرواه البخاري (١٣٧٥)، ومسلم (٢٨٦٩) من حديث أبي أيوب ﵃، قال: خرج النبي -ﷺ- وقد وجبت الشمس، فسمع صوتا فقال: (يهود تعذب في قبورها).","vol":"1","page":379},{"text":"فإذا جيء بها إلى قبور اليهود والنصارى في الشام، وإلى قبور المنافقين كالقرامطة والإسماعيلية والنصيرية، فإن الدواب إذا سمعت أصوات المعذبين في قبورهم تفزع، فيحصل لها حرارة تذهب بالمغل الذي حصل لها؛ فإن المغل من برد يحصل للدواب، [فإذا سمعت ذلك فزعت؛ فبسبب الرعب الذي يحصل لها؛ تنحل بطونها فتروث؛ فإن الفزع يقتضي الإسهال] وقال الشيخ: إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم، فما يروح أصحاب الدواب بها إلى قبر الشافعي ولا إلى قبر أشهب (^١) فإن عند قبورهم تنزل الرحمة (^٢) [فيعجبون من ذلك!\nوهذا المعنى كثيرًا ما كنت أذكره للناس، ولم أعلم أحدًا قاله، ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-238>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-239>المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-240>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nمن المعلوم المستقر عند علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين أن\n_________\n(^١) هو أبو عمر أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي العامري الجعدي، كان فقيه الديار المصرية في القرن الثاني للهجرة، وكان صاحب الإمام مالك ﵀، قال الإمام الشافعي: «ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لولا طيش فيه» (ت: ٢٠٤ هـ). انظر: تهذيب الكمال (٣/ ٢٩٦)، السير (٩/ ٥٠٠).\n(^٢) هذا أمر غيبي لا يجوز إثباته إلا بدليل، ويبعد أن يكون من كلام الشيخ، وإنما هو من تصرف تلميذه الغياني كما يظهر، والله أعلم.\n(^٣) انظر: نبذة عن آخر حياة شيخ الإسلام (ص: ٢٢)، الرد على البكري (٢/ ٥٨٨).","vol":"1","page":380},{"text":"الخلفاء العبيديين كانوا زنادقة ملحدين، خارجين عن الشرائع والدين، وأنهم قد جمعوا من أصناف الكفر والضلال والزندقة، ما لم يجتمع لدى اليهود والنصارى وغيرهم من الفرق المارقة، ومع وضوح أمرهم، واتضاح حالهم، فإن هؤلاء القوم الذين ناظرهم شيخ الإسلام كانوا على نقيض هذا المقال، حيث كانوا يعتقدون أن العبيديين من أولياء الله، وأنهم من أهل الصلاح والولاية، والفضل والديانة، حتى إنهم تعجبوا من شيخ الإسلام عندما بين لهم حقيقة هؤلاء القوم، وما هم عليه من كفر ونفاق وزندقة.\nوكان أصل شبهة هؤلاء القوم التي دخل عليهم منها هذا الاعتقاد الفاسد، والظن الخائب -غير الصائب-؛ هو أنهم وجدوا أن الخيل إذا أصابها المغل في بطونها، وذهبوا بها إلى قبور هؤلاء العبيديين، شفيت مما كان فيها من مرض وبلاء، وتعافت وزال عنها ما كان فيها من أذى، فظنوا أن حدوث هذا الأمر عند قبور هؤلاء؛ دليل على صلاحهم وولايتهم، وفضلهم وديانتهم، وأنه كرامة لهم، وجعلوا ما حدث دليلًا على هذا وحجة عليه (^١).\nفقلب عليهم شيخ الإسلام الحجة، وأزال الشبهة، وبين المحجة، كما سيتضح في الجواب على هذه الشبهة.\n\n<span data-type='title' id=toc-241>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطى حقه، وتميز ما فيه من حق وباطل، وبين ما يدل عليه؛ تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه» (^٢)، وقال ابن القيم -﵀-: «وقال لي -شيخ الإسلام-: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله» (^٣)، وهذا كان من عجائب صنيع\n_________\n(^١) انظر: الرد على البكري (٢/ ٥٨٧ - ٥٩٠) والفتاوى الكبرى (٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٨٨).\n(^٣) حادي الأرواح (ص:٢٩٣).","vol":"1","page":381},{"text":"شيخ الإِسلام -﵀- فإنه كان لا يترك للمخاصم حجة إلا فندها، بل بلغت فيه القوة في الحجة، أن يقلب دليل الخصم دليلا عليه، كما كان صنيعه في هذه المناظرة، فقد بين لهم شيخ الإسلام -﵀- أن هذا الدليل الذي استدللتم به على ولاية القوم وصلاحهم، هو في الحقيقة دليل على كفرهم وزندقتهم، وعذاب الله لهم في قبورهم.\nوذلك أنه قد ثبت بالسنة الصحيحة أن الكفار يعذبون ويعاقبون في قبورهم، وأن البهائم تسمع أصواتهم وهم يعذبون، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة -﵂-، قالت: دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة، فقالتا لي: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فكذبتهما، ولم أُنْعِمْ (^١) أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل علي النبي -ﷺ-، فقلت له: يا رسول الله، إن عجوزين، وذكرت له، فقال: (صدقتا، إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم كلها) (^٢)، وعن أم مبشر -﵂- (^٣) قالت: دخل علي رسول الله -ﷺ-، وأنا في حائط من حوائط بني النجار، فيه قبور منهم، قد ماتوا في الجاهلية، فسمعهم وهم يعذبون، فخرج وهو يقول: (استعيذوا بالله من عذاب القبر)، قالت: قلت: يا رسول الله، وإنهم ليعذبون في قبورهم؟ قال: (نعم، عذابًا تسمعه البهائم) (^٤).\nفإذا ثبت هذا، فإن البهائم إذا سمعت أصوات المعذبين فزعت، وبسبب الرعب الذي يحصل لها تحدث لها حرارة؛ تذهب بالمغل الذي يحصل لها بسبب البرد، وتنحل بطونها فتروث فيذهب المغل الذي حصل لها، فإن الفزع يقتضي\n_________\n(^١) ولم أنعم: أي لم تطب نفسي بذلك لظهور كذب اليهود وافترائهم. حاشية السندي على سنن النسائي (٤/ ١٠٥)\n(^٢) رواه البخاري كتاب: الدعوات. باب: التعوذ من عذاب القبر. (٦٣٦٦)، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥٨٦).\n(^٣) هي أم أنس بنت البراء بن معرور وقيل: أم مبشر، أو بشر، قيل: اسمها خليدة ولم يصح، وقيل السّلاف. انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٩٢٦) الإصابة في تمييز الصحابة (٨/ ٣٦٤).\n(^٤) رواه أحمد (٢٧٠٤٤). وابن حبان (٣١٢٥)، وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٤٥).","vol":"1","page":382},{"text":"الإسهال، فتشفى بطونها بسبب ذلك.\nويدل على هذا وأن ما يحصل لها إنما هو بسبب سماع أصوات المعذبين أن أصحاب هذه الخيول لا يذهبون بها إلى قبور الأنبياء والصالحين؛ ولا إلى قبور عموم المسلمين، ولا يذهبون بها إلى قبر الشافعي وأشهب وغيرها من قبور الصالحين بالديار المصرية، وإنما يذهبون بها إلى قبور هؤلاء المعذبين في قبورهم (^١).\nوقد بين شيخ الإسلام -﵀- أن هذه عادة معروفة لهؤلاء القوم وأمثالهم \"إذا أصاب الخيل مغل ذهبوا بها إلى قبور النصارى بدمشق، وإن كانوا بمساكن الإسماعيلية والنصيرية ونحوهما، ذهبوا بها إلى قبورهم، وإن كانوا بمصر ذهبوا بها إلى قبور اليهود والنصارى، أو لهؤلاء العبيديين\" (^٢) ونحوهم. ومما يؤكد كفر هؤلاء القوم، وأن ما يحدث للخيل هو بسبب سماع صوت عذابهم في القبور، أن قبورهم ليست إلى قبلة المسلمين وإنما هي موجهة إلى غير القبلة، بخلاف قبور سائر المسلمين والمؤمنين (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-242>المسألة الثانية: بيان حال العبيديين الفاطميين وكفرهم وزندقتهم:</span>\nلقد أحسن هؤلاء القوم الظن بالعبيدين بناء على الشبهة المذكورة التي سبق بيانها، وبناء على ما أشاعه العبيديون حول أنفسهم من انتسابهم إلى بيت النبوة، فلهذا اعتقد فيهم جماعة كبيرة من الناس أنهم كان من الأولياء الصالحين ومن السادة المنتجبين، بل لقد غلا البعض في الاعتقاد بهم حتى جعلوهم أئمة معصومين (^٤)، وهذا القول شر بكثير من قول الرافضة بعصمة أئمتهم \"فإن الرافضة ادعت ذلك فيمن لا شك في إيمانه وتقواه بل فيمن لا يشك أنه من أهل الجنة:\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى الكبرى (٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٦)، (٣٥/ ١٣٩)، الفتاوى الكبرى (٣/ ٤٩٩)، ونبذة عن آخر حياة شيخ الإسلام (ص: ٢٢)، الرد على البكري (٢/ ٥٨٨).\n(^٤) جامع المسائل (٤/ ٣٢).","vol":"1","page":383},{"text":"كعلي والحسن والحسين -﵃- ومع هذا فقد اتفق أهل العلم والإيمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال\" (^١)، وأن من ادعى عصمة هؤلاء السادة المشهود لهم بالإيمان والتقوى والجنة فهو في غاية الضلال والجهالة، فكيف بمن ادعى العصمة لقوم مشهورين بالكفر والالحاد والزندقة؟! (^٢)، بل قد بلغ الحال بطائفة من اتباعهم إلى ادعاء الألوهية فيهم -والعياذ بالله- (^٣).\nوقد بين شيخ الإسلام في هذه المناظرة لمن حاوره منهم أن العبيديين ما كانوا إلا زنادقة منافقين، خارجين عن الشرعة والدين، والناظر في مصنفات شيخ الإسلام -﵀- يجد أنه أبان الكثير من حالهم ومعتقداتهم وضلالهم وانحرافاتهم، ويمكن إجمال أهم ما ذكره شيخ الإسلام عن الفاطمية العبيدين مما يتعلق بانحرافهم في العقيدة بالأمور التالية:\n-تظاهرهم بالرفض وإبطانهم الكفر والزندقة والالحاد: \"فهم يظهرون التشيع لمن يدعونه، وإذا استجاب لهم نقلوه إلى الرفض والقدح في الصحابة، فإن رأوه قابلا نقلوه إلى الطعن في علي وغيره ثم نقلوه إلى القدح في نبينا وسائر الأنبياء وقالوا: إن الأنبياء لهم بواطن وأسرار تخالف ما عليه أمتهم\" (^٤)، فيصبح بعد ذلك ملحدًا زنديقًا، ولقد كان شيخ الإسلام كثيرًا ما ينقل -عند ذكرهم -كلمة أبي حامد الغزالي: «ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض» (^٥).\n-اعتقادهم الباطني: فقد ادعوا أن للشريعة باطنا وظاهرًا وأنهم أصحاب العلم الباطن، وهذا العلم كفر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى؛ بل أكثر المشركين على أنه كفر أيضًا؛ فإن مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٢٠).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٣٥/ ١٢٦).\n(^٣) انظر الرد على الشاذلي (ص:١٧٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٣٦)، وانظر: مسألة في الكنائس (١٠٤، ١٠٦).\n(^٥) هذه العبارة ذكرها الغزالي -﵀- في كتابه فضائح الباطنية (ص: ٣٧).","vol":"1","page":384},{"text":"واليوم الآخر؛ وأن للكتب الإلهية بواطن تخالف المعلوم عند المؤمنين (^١)، بل هو كما قال شيخ الإسلام: «جامع لكل كفر» (^٢)، وبهذه الطريقة هدموا كل أصول الشرعية وتعاليمها، وقالوا إن لنصوص الشريعة بواطن تخالف الظاهر الذي يعلمه المسلمون منها \"في الأوامر والنواهي والأخبار:\nأما الأوامر: فإن الناس يعلمون بالاضطرار من دين الإسلام أن محمدا -ﷺ- أمرهم بالصلوات المكتوبة والزكاة المفروضة وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق.\nوأما النواهي: فإن الله تعالى حرم عليهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون كما حرم الخمر ونكاح ذوات المحارم والربا والميسر وغير ذلك. فزعم هؤلاء أنه ليس المراد بهذا ما يعرفه المسلمون ولكن لهذا باطن يعلمه هؤلاء الأئمة الإسماعيلية الذين انتسبوا إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الذين يقولون إنهم معصومون وإنهم أصحاب العلم الباطن\" (^٣)، وضرب شيخ الإسلام بعض النماذج على هذا منها:\n- تحريفهم للمراد بأعظم شعائر الدين العملية من صلاة وزكاة وصيام وحج، فقالوا أما الصلاة فالمراد بها: معرفة أسرارنا \"والصيام: كتمان أسرارنا. ليس هو الإمساك عن الأكل والشرب والنكاح. والحج: زيارة شيوخنا المقدسين\" (^٤).\nوأما النواهي والمحرمات الشرعية فهم لا يحرمونها \"بل يستحلون الفواحش ما ظهر منها وما بطن ونكاح الأمهات والبنات وغير ذلك من المنكرات\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٣٢، ١٣٥) وانظر: درء التعارض (١٠/ ٦١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٣٥).\n(^٣) المصدر السابق (٣٥/ ١٣٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٣٣).\n(^٥) المصدر السابق (٣٥/ ١٣٣).","vol":"1","page":385},{"text":"\"وأما الأخبار: فإنهم لا يقرون بقيام الناس من قبورهم لرب العالمين؛ ولا بما وعد الله به عباده من الثواب والعقاب؛ بل ولا بما أخبرت به الرسل من الملائكة؛ بل ولا بما ذكرته من أسماء الله وصفاته\" (^١).\nفهذه هي عقيدتهم الباطنية الخبيثة التي هدموا بها الدين أصوله وفروعه -والعياذ بالله رب العالمين-.\n-اعتقادهم سقوط الشرائع عنهم: قال شيخ الإسلام: \"ويقولون إن الله أحل كل ما نشتهيه من الفواحش والمنكرات وأخذ أموال الناس بكل طريق؛ ولم يجب علينا شيء مما يجب على العامة: من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك؛ إذ البالغ عندهم قد عرف أنه لا جنة ولا نار؛ ولا ثواب ولا عقاب\" (^٢).\n-الاستهزاء بالله ﷿ وشرعه: قال شيخ الإسلام: «ويستهينون بذكر الله واسمه حتى يكتب أحدهم اسم الله واسم رسوله في أسفله؛ وأمثال ذلك من كفرهم كثير» (^٣).\n-عبادتهم للكواكب، وتعظيمهم للمشاهد والقبور فقد \"بنوا أرصادًا على الجبال وغير الجبال يرصدون فيها الكواكب يعبدونها ويسبحونها ويستنزلون روحانياتها التي هي شياطين تتنزل على المشركين الكفار كشياطين الأصنام ونحو ذلك\" (^٤) \"وهم من أشد الناس تعظيما للمشاهد ودعوة الكواكب ونحو ذلك من دين المشركين وأبعد الناس عن تعظيم المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وآثارهم في القاهرة تدل على ذلك\" (^٥).\n-اعتقادهم أن إمامهم محمد بن إسماعيل جاء بشرع ناسخ لشرع\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣٥/ ١٣٣).\n(^٢) المصدر السابق (٣٥/ ١٣٧).\n(^٣) المصدر السابق (٣٥/ ١٣٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٥) الرد على البكري (٢/ ٥٨٣).","vol":"1","page":386},{"text":"نبينا محمد -ﷺ- (^١).\n-تكذيبهم وجحدهم باليوم الآخر والبعث والنشور والحشر (^٢).\n-اتهام الرسل بالكذب والقول بأنهم \"فيما أخبروا به وأمروا به لم يأتوا بحقائق الأمور؛ ولكن أتوا بأمر فيه صلاح العامة وإن كان هو كذبا في الحقيقة\" (^٣).\n-جحدهم بأسماء الله وصفاته وتعطيلهم لها وقولهم في ذلك \"أخبث من قول الجهمية وشر منه\" (^٤).\n-مجاهرتهم بسب الصحابة ولعنهم حيث \"كانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار وإردب (^٥). وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة؛ بل يتكلم فيها بالكفر الصريح\" (^٦).\n-منعهم التحديث بأحاديث رسول الله -ﷺ- وقتلهم العلماء والمحدثين على ذلك، قال شيخ الإسلام: «وكان في أثناء دولتهم يخاف الساكن بمصر أن يروي حديثًا عن رسول الله -ﷺ- فيُقتلْ، كما حكى ذلك إبراهيم بن سعد الحبال (^٧)\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٢).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٦١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٤٢).\n(^٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٦١).\n(^٥) الإردب: مكيال ضخم قيل كان لأهل مصر. انظر: العين (٨/ ١٠٤) والصحاح (١/ ١٣٥). وهو مكيال لتقدير الحبوب يسع أربعة وعشرين صاعًا، ويزن مِائة وخمسين كيلو جرامًا. انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة (١/ ٨٣).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٣٨ - ١٣٩)، وانظر: مسألة في الكنائس (ص:١١٦).\n(^٧) هكذا في المطبوع إبراهيم بن سعد، والصواب بن سعيد، وهو إبراهيم بن سعيد بن عبد الله، الحافظ أبو إسحاق النعماني، مولاهم المصري، المعروف بالحبال، كان متقنا، ثقة، حافظا متحريًا، صادقًا، وكانت الدولة الباطنية قد منعوه من التحديث، وأخافوه، وهددوه، فامتنع من الرواية، ولم ينتشر له كبير شيء. (ت:٤٨٢ هـ) انظر: تاريخ الإسلام (١٠/ ٥٠٣) الوافي بالوفيات (٥/ ٢٣٣).","vol":"1","page":387},{"text":"صاحب عبد الغني بن سعيد (^١) وامتنع من رواية الحديث خوفًا أن يقتلوه» (^٢).\n-نبذهم لعلوم الشريعة وتدريسها، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وكانوا لا يدرسون في مدرستهم علوم المسلمين؛ بل المنطق والطبيعة [والهيئة] (^٣) ونحو ذلك من مقالات الفلاسفة» (^٤).\n-معاداتهم للإسلام وأهل الإسلام، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ومن علم حوادث الإسلام وما جرى فيه بين أوليائه وأعدائه الكفار والمنافقين: علم أن عداوة هؤلاء المعتدين للإسلام الذي بعث الله به رسوله أعظم من عداوة التتار وأن علم الباطن الذي كانوا يدعون حقيقته هو إبطال الرسالة التي بعث الله بها محمدًا؛ بل إبطال جميع المرسلين؛ وأنهم لا يقرون، بما جاء به الرسول عن الله ولا من خبره ولا من أمره؛ وأن لهم قصدًا مؤكدًا في إبطال دعوته وإفساد ملته وقتل خاصته وأتباع عترته. وأنهم في معاداة الإسلام؛ بل وسائر الملل أعظم من اليهود والنصارى» (^٥).\n-تقريبهم لليهود والنصارى وبناء معابدهم، قال شيخ الإسلام: «وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين. ولما كانوا ملوك القاهرة،\n_________\n(^١) هو أبو محمد عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان الأزدي. إمام حافظ نسابة، محدث الديار المصرية، نشأ على الاتباع والسنة ومات على ذلك، ذكروا من مصنفاته: \"الأوهام التي في المدخل\" و\"المؤتلف والمختلف\" (ت:٤٠٩ هـ) انظر: تاريخ دمشق (٣٦/ ٣٩٥) سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٦٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٣٨ - ١٣٩). قال الذهبي معلقًا على هذا: «قلت: قبح الله دولة أماتت السنة ورواية الأثارة النبوية، وأحيت الرفض والضلال، وبثت دعاتها في النواحي تغوي الناس، ويدعونهم إلى نحلة الإسماعيلية، فبهم ضلت جبلية الشام، وتعثروا، فنحمد الله على السلامة في الدين» السير (١٨/ ٤٩٧).\n(^٣) في المطبوع (الإلهي) ولعل المثبت هو الصواب، انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢١٠).\n(^٤) المصدر السابق (٣٥/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٥) المصدر السابق (٣٥/ ١٤٠ - ١٤١).","vol":"1","page":388},{"text":"كان وزيرهم مرة يهوديًا، ومرة نصرانيًا أرمنيًا (^١)، وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرمني، وبنوا كنائس كثيرةً بأرض مصر (^٢)، في دولة أولئك الرافضة والمنافقين … وفي أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين» (^٣).\n-بين شيخ الإسلام أن مذهبهم لا يستند على عقل ولا نقل ولا أثر ولا قياس: «ومعلوم عند كل من عرف دين الإسلام أن المصريين -بني عبيد الباطنية- … من أعظم الناس نفاقًا وإلحادًا في الإسلام، وأبعد الناس عن الرسول -ﷺ- نسبًا ودينًا، بل وأبعد الناس عن صريح المعقول وصحيح المنقول، فليس لهم سمع ولا عقل» (^٤).\n-ودينهم مركب من مذهب الفلاسفة والمجوس والرافضة، قال شيخ الإسلام: «وهم ملاحدة في الباطن أخذوا من مذاهب الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة فصار خيار ما يظهرونه من الإسلام دين الرافضة، وأما في الباطن فملاحدة شر من اليهود والنصارى» (^٥).\n-كذبهم في انتسابهم لبيت النبوة ودعواهم أنهم من الأشراف، وقد بين شيخ\n_________\n(^١) وممن ولي النيابة والوزارة في عهدهم عيسى بن نسطورس النصراني، ومنشأ إبراهيم بن القزاز اليهودي، فاعتز بهما النصارى واليهود وآذوا المسلمين، ومنهم أيضًا أبا سعيد ابراهيم اليهودي التستري، ومما قيل فيما حدث في عصر الفاطمية من رفعةٍ لليهود:\nيهود هذا الزّمان قد بلغوا ...... … غاية آمالهم وقد ملكوا\nالعزّ فيهم والمال عندهم ...... … ومنهم المستشار والملكُ\nيا+أهل مصر إنّي قد نصحت لكم ...... … تهوّدوا قد تهوّد الفلكُ\nانظر: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء (١/ ٢٩٧، ١٩٧)\n(^٢) ومن ذلك أنه قدم مصر نحو الثلاثين ألف إنسان من النصارى الأرمن، وأكثروا من بناء الكنائس والديارات، حتى صار كل رئيس منهم يبني له كنيسةً بجوار داره. انظر: اتعاظ الحنفاء (٣/ ١٥٩).\n(^٣) مسألة في الكنائس (ص:١١٥ - ١١٦).\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٦٠)، وانظر: (٣٥/ ١٢٩).\n(^٥) الرد على البكري (٢/ ٥٨٢)، وانظر: (٣٥/ ١٣١).","vol":"1","page":389},{"text":"الإسلام -﵀- كذبهم فيما ادعوه من انتساب لبيت النبوة، وقد زعموا أنهم \"من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر (^١)؛ ولم يكونوا من أولاده؛ بل كان جدهم يهوديًا ربيبيًا لمجوسي\" (^٢). وتسموا بالفاطميين نسبة إلى فاطمة -﵂- \"مع اتفاق أهل العلم بالأنساب أنهم بريئون من نسب رسول الله -ﷺ- وأن نسبهم متصل بالمجوس واليهود\" (^٣) و\"هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف: من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث وأهل الكلام وعلماء النسب والعامة وغيرهم\" (^٤)، وذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم، و\"ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق ومعاداة ما جاء به الرسول -ﷺ- دليل على بطلان نسبهم الفاطمي؛ فإن من يكون من أقارب النبي -ﷺ- القائمين بالخلافة في أمته لا تكون معاداته لدينه كمعاداة هؤلاء؛ فلم يعرف في بني هاشم ولا ولد أبي طالب ولا بني أمية: من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام؛ فضلا عن أن يكون معاديًا كمعاداة هؤلاء؛ بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم فيكون فيهم نوع حمية لدين آبائهم وأسلافهم فمن كان من ولد سيد ولد آدم الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق كيف يعادي دينه هذه المعاداة؟! \" (^٥).\n-سوء سيرتهم في الملك، فقد كانت سيرتهم في الملك من أقبح السير، \"وأكثرها ظلمًا وانتهاكًا للمحرمات، وأبعدها عن إقامة الأمور والواجبات،\n_________\n(^١) محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق الحسيني الطالبي الهاشمي: إمام عند القرامطة. ترى الطائفة الإسماعيلية أنه قام بالإمامة بعد وفاة أبيه سنة ١٣٨ هـ وأنه كان يكنى عنه بالمكتوم حذرا عليه من بطش العباسيين. وهو عندهم أول الأئمة (المكتومين) ويليه ابنه جعفر (المصدّق) ثم محمد (الحبيب) الذي يدعي االعبيديون -كذبًا وزورًا- أنه والد إمامهم عبيد الله بن ميمون القداح (ت:١٩٨). انظر: اتعاظ الحنفاء (١/ ١٥ - ١٦) والأعلام (٦/ ٣٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٢).\n(^٣) المصدر السابق (٢٨/ ٤٨٣) وانظر: منهاج السنة (٦/ ٣٤٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٢٨).\n(^٥) المصدر السابق (٣٥/ ١٣١).","vol":"1","page":390},{"text":"وأعظم إظهارًا للبدع المخالفة للكتاب والسنة وإعانة لأهل النفاق والبدعة\" وظهرت فيهم \"الفواحش والمنكرات والظلم والبغي والعدوان والعداوة لأهل البر والتقوى من الأمة، والاطمئنان لأهل الكفر والنفاق\" (^١).\nوبهذا كله يتضح مدى ما وصل إليه حال هؤلاء القوم من كفر وإلحاد وزندقة، وقد حكى شيخ الإسلام إجماع العلماء واتفاقهم على كفر هؤلاء القوم وإلحادهم وزندقتهم (^٢)، ولظهور هذا الأمر ووضوحه لم يكن بيانه مقتصرًا على أئمة السنة فحسب، بل \"حتى الشيعة والمعتزلة ونحوهم فإنهم متفقون على تكفيرهم، كما اتفق على تكفيرهم أئمة السنة» (^٣)، وقد صنف العلماء من مختلف المذاهب مصنفات عديدة في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وبيان انحرافهم وقبح معتقداتهم (^٤).\n\"ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان حتى قالت فيها العلماء: إنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب\" (^٥).\nفهذه هي حقيقة حال هؤلاء العبيدين، وما ذكر إنما هو بعض من مظاهر كفرهم بالله، وعدائهم لشرعه ومحاربتهم لأهل الإيمان والقبلة، وفسقهم وفجورهم، وسوأتهم أكبر من هذا وأكثر، ولكن المراد بيان فساد اعتقاد هؤلاء القوم فيهم، فمن كانت هذه حاله، فكيف يكون مؤمنًا؟! فضلًا عن أن يكون وليًا أو صالحًا تقيًا (^٦)؟!\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣٥/ ١٢٧).\n(^٢) انظر: منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٤٢) ومسألة في الكنائس (ص: ١٠٨).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٨ - ٩) وانظر: منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٤٣)\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٢٩)، درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٨ - ٩)، منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٤٣).\n(^٥) الفتاوى الكبرى (٣/ ٤٩٩).\n(^٦) انظر لمعرفة المزيد من حالهم: اتعاظ الحنفاء للمقريزي، والدولة الفاطمية للصلابي.","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type='title' id=toc-243>المبحث الثامن: مناظرته مع بعض شيوخ المشرق في جواز دعاء القبور والحديث الموضوع في هذا</span>\nويشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-244>المطلب الأول: عرض المناظرة</span>.\n<span data-type='title' id=toc-245>تمهيد:</span>\nقل أن تجد طائفة من طوائف أهل الضلال إلا وهي تستند في تقوية باطلها إلى أحاديث ضعيفة، وروايات مكذوبة، وحكايات باطلة.\nوتعد طائفة القبورية من أشد الطوائف تعويلًا على هذا واستنادًا إليه، وذلك من أجل تبرير عقائدهم الشركية ومعتقداتهم الوثنية، من تشييد القبور والبناء عليها وعبادتها واللجوء إليها، وقد وقعت لهم مع شيخ الإسلام وقائع عدة، أبطل فيها ما احتجوا به من شبهات نقلية كانت أو عقلية، وكانت هذه المناظرة التي وقعت له مع شيخ من شيوخ المشرق نموذجًا لما يحتج به هؤلاء القوم من روايات مكذوبة جعلوها حجة نقلية يستندون عليها لتجويز الشرك بالله ودعاء الأضرحة والقبور.\n\n<span data-type='title' id=toc-246>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام أثناء حديثه عن دعاء الأموات: «وقد قدم بعض الشيوخ المشرق، وتكلم معي في هذا [أي في دعاء الأموات].\nفبينت له فساد هذا.","vol":"1","page":392},{"text":"فقال: أليس قد قال النبي -ﷺ-: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور).\nفقلت: هذا مكذوب باتفاق أهل العلم، لم يروه عن النبي -ﷺ- أحد من علماء الحديث» (^١).\nوقال ﵀ في موضع آخر: «وإن كان بعض الناس من المشايخ المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور أو فاستعينوا بأهل القبور)» (^٢).\nوقال في موضع آخر: «وإن كان بعض المشايخ المبتدعين يحتج بما يرويه عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور) أو قال: (فاستغيثوا بأهل القبور) فهذا الحديث كذب مفترى على رسول الله -ﷺ- بإجماع العارفين بحديثه؛ لم يروه أحد من العلماء ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة (^٣)» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-247>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-248>المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-249>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nلما كانت عقيدة القبورية في دعاء الأموات، والاستغاثة بالقبور ومن تحت\n_________\n(^١) الرد على البكري (٢/ ٥٧٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٥٦).\n(^٣) هذا الحديث كذب موضوع ولا يوجد في شيء من كتب الحديث كما ذكر شيخ الإسلام ﵀، وقد ذكره العجلوني في \"كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس\" (١/ ٨٥) بلفظ: (إذا تحيرتم في الأمور، فاستعينوا بأصحاب القبور) وعزاه لكتاب الأربعين لابن كمال باشا المتوفي (٩٤٠ هـ) وهو رجل صوفي ماتريدي، وكتابه المذكور طبع ضمن \"رسائل ابن كمال باشا\"، باستانبول ١٣١٦ هـ، ص ٤١ - ٦٠. جمع فيه ثلاث أربعينات، وشرحها، وذكروا له كتابًا مستقلًا في شرح هذا الحديث بعنوان \"تفسير حديث إذا تحيرتم في الأمور\" وكثيرًا ما يستدل الصوفية والقبورية بهذا الحديث المزعوم في مصنفاتهم فلا غرابة.\n(^٤) جامع الرسائل والمسائل (١/ ٢٣ - ٢٤).","vol":"1","page":393},{"text":"الرفات، عقيدة باطلة فاسدة مناقضة لدين الإسلام، وجميع الشرائع والأديان، لا يدل عليها نقل صحيح ولا عقل سليم، قام عباد القبور وسدنتها، باختلاق أحاديث مكذوبة، نسبوها للنبي -ﷺ- كذبا وزورا، لتمرير عقائدهم الباطلة وأفعالهم الفاسدة، من شرك ودعاء واستغاثة بغير الله، وأكثروا من ذكرها في مواعظهم وخطبهم، وكتبهم ومصنفاتهم، حتى اشتهرت عند العامة، فظنوها أحاديثَ صحيحة وحججًا مقبولة، كما هو ظاهر من مناظرة شيخ الإسلام لهذا الشيخ، حيث إن أصل شبهة هذا الشيخ وتجويزه للاستغاثة بالقبور ودعائها والالتجاء إليها، هذا الحديث المختلق المكذوب: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)؛ وبناء عليه أنكر هذا الرجل على شيخ الإسلام إنكاره دعاء القبور والاستغاثة بها ظانًا أن ما احتج به حجة صحيحة قطعية مقبولة! فقال سائلًا مستنكرًا: «أليس قد قال النبي -ﷺ-: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)؟!\n\nفتبين بهذا أن أصل شبهة هذا الشيخ وأمثاله هي هذا الحديث، وقد بين شيخ الإسلام أن هذا الحديث هو عمدة هؤلاء القوم في استدلالهم، قال ﵀: «ولهم حديث مشهور بينهم سألني عنه غير واحدٍ من أعيان الشيوخ وكبراء الناس، فكانوا يعتمدون عليه، وهو قوله: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)» (^١).<span data-type='title' id=toc-250> الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- بطلان الاحتجاج بهذا الحديث من وجوه كثيرة أهمها ما يلي:\nأولًا: أن هذا الحديث مختلق مكذوب لا يصح عن النبي -ﷺ- (^٢):\n_________\n(^١) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: ١٤٤)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٦٩)، جامع الرسائل والمسائل (١/ ٢٣ - ٢٤)، مجموع الفتاوى (١/ ٣٥٦)، الرد على البكري (٢/ ٥٧٨).\n(^٢) سبق أنه لم يذكره إلا العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٨٥)، وعزاه لابن كمال باشا في الأربعين.","vol":"1","page":394},{"text":"بين شيخ أن هذا الحديث من الأساطير المفتعلة الموضوعة، والروايات المختلقة المصنوعة، في مواضع كثيرة من كتبه، وبعبارات منوعة مختلفة، فقال عنه: «هذا كذب منكر» (^١).\nوبين أن سبب وضعه فتح باب الشرك، وإقامة دين المشركين فقال ﵀: «وإنما هذا الحديث من الأكاذيب التي وضعت ليقام بها دين أهل الشرك» (^٢)، وقال: «وإنما هذا وضع من فتح باب الشرك» (^٣). وبين اتفاق أهل العلم على كذبه وافترائه فقال ﵀: «فهذا الحديث كذب مفترى على النبي -ﷺ-، بإجماع العارفين بحديثه» (^٤).\nثانيًا: أن هذا الحديث لا يوجد في شيء من مصادر المسلمين، ولا ذكره أحد من علماء الإسلام، فكيف يكون مثل هذا حجة مستساغة، أو دليلًا مقبولًا؟!\nقال شيخ الإسلام: «ليس هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة في الحديث، ولا ذكره أحدٌ من علماء الإسلام، ولا إمام من أئمة المسلمين» (^٥).\nثالثًا: لم يقتصر شيخ الإسلام -﵀- في بيانه لوضع هذا الحديث وكذبه على نقد السند فحسب، بل بين ضعف الحديث ووضعه من خلال المتن أيضًا، فمتن الحديث ونصه ظاهر في بيان كذبه ووضعه، وقد بين ذلك شيخ الإسلام من وجوه:\n١) أن ما جاء في هذا الحديث من الأمر بدعاء القبور والاستغاثة بها من دون\n_________\n(^١) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق\" (ص:١٤٤).\n(^٢) المصدر السابق (ص:١٤٤).\n(^٣) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص:١٨٠) وانظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٢٩٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١/ ٣٥٦). وانظر: جامع الرسائل والمسائل (١/ ٢٣ - ٢٤) والرد على البكري (٢/ ٥٧٨).\n(^٥) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: ١٤٤)، انظر: الرد على البكري (٢/ ٥٧٨)، جامع الرسائل والمسائل (١/ ٢٣ - ٢٤)، مجموع الفتاوى (١/ ٣٥٦).","vol":"1","page":395},{"text":"الله هو\"مما يعلم بالاضطرار في دين الإسلام أنه غير مشروع\" (^١)، فالإسلام قائم على إخلاص الدين لله تعالى، وقد قرر هذا المعنى شيخ الإسلام في غير موضع، وقال في ثنايا مناظرته لمن اعتمد على هذا الحديث: «وقد قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا غيره من الأولين والآخرين» (^٢).\n٢) أن الإسلام قد جاء بالنهي عما هو دون الدعاء من الأعمال التي تفعل عند القبور فتكون ذريعة لدعائها والشرك بالله، وذلك كاتخاذها مساجد والصلاة عندها ونحو ذلك من الأمور المفضية للشرك، فإذا كان التحذير والنهي بل واللعن قد جاء في مثل هذه الأمور لكونها مفضية لدعاء القبور والشرك بالله، فكيف بالدعاء نفسه؟! (^٣).\n٣) أن ما جاء به هذا الحديث المكذوب \"هو أصل عبادة الأصنام أيضًا فإن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين في قوم نوح -﵊-، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم كما ذكر ذلك ابن عباس وغيره من العلماء\" (^٤).\n٤) أن ما جاء في هذا الحديث كما أنه مخالف لشريعة الإسلام فهو كذلك مخالف لجميع الشرائع والأديان كما جاء في التوراة \"أن موسى -﵇- نهى\n_________\n(^١) جامع الرسائل والمسائل (١/ ٢٣ - ٢٤)، وانظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١/ ٣٢٣).\n(^٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١/ ٣٢٥).\n(^٣) انظر: جامع الرسائل والمسائل ١/ ٢٣ - ٢٤\n(^٤) جامع الرسائل والمسائل ١/ ٢٣ - ٢٤ وانظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١/ ٣٢٤)","vol":"1","page":396},{"text":"بني إسرائيل عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك، وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله\" (^١)، وبهذا جاء جميع الأنبياء قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-251>المسألة الثانية: الاستدلال بالأحاديث الضعيفة والموضوعة:</span>\nلاشك أن الله ﷾ تعبدنا بما شرعه لنا في كتابه، وما صح من سنة رسوله -ﷺ-، وأما الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة، فلا يستدل بها، ولا تؤخذ العقائد منها، ولا تجوز نسبتها إلى النبي -ﷺ- إلا على وجه يُبَيَّن فيه أنها ضعيفة، وإذا كان هذا هو حال الأحاديث الضعيفة، فكيف بالأحاديث الموضوعة المكذوبة عليه -ﷺ-؟\nوقد أجمع علماء الإسلام على عدم جواز روايتها ونسبتها للنبي -ﷺ- فضلًا عن الاحتجاج بها والاستناد عليها- إلا على سبيل التنبيه على كذبها وبيان وضعها والتحذير منها (^٢)؛ لقوله -ﷺ-: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) (^٣).\nولا ريب أن فيما ثبت عنه -ﷺ- من السنة الغُنْية والكفاية والخير كله، فلا حاجة لغيره من الضعيف والموضوع، ولا تتوقف معرفة الدين على الوقوف عليه، وأما أهل الأهواء فاستدلوا بالغثّ والضعيف والواهي والموضوع الذي فيه النصّ على ما يريدونه من الباطل والضلال، فامتلأت أقوالهم ومصنَّفاتهم من الاستدلال بهذا النوع المردود من الحديث، حتى صارت مصنَّفاتهم من مظانّ الحديث المردود.\nوليس هذا المسلك بمستغرب على أهل الأهواء من القبورية ومن سار على منوالهم؛ فقد دلّت النصوص الشرعية على أن هذه طريقة متبعة عند أهل الهوى\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١/ ٣٢٤)\n(^٢) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٢/ ٨٣٩).\n(^٣) رواه مسلم في المقدمة (ص: ٩).","vol":"1","page":397},{"text":"والضلال قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣]، وواقعهم ومنهجهم في الاستدلال يصدق هذا ويؤكد عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وكل من خالف الرسول لا يخرج عن الظن وما تهوى الأنفس؛ فإن كان ممن يعتقد ما قاله وله فيه حجة يستدل بها كان غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا، كاحتجاجهم بقياس فاسد، أو نقل كاذب، أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من اللّه وكان من إلقاء الشيطان، وهذه الثلاثة هي عمدة من يخالف السنة بما يراه حجة ودليلا …، وإن تمسك المبطل بحجج سمعية، فإما أن تكون كذبًا على الرسول، أو تكون غير دالة على ما احتج بها أهل البُطُول، فالمنع إما في الإسناد وإما في المتن ودلالته على ما ذكر» (^١)، وقال أيضًا: «وأما أهل الأهواء ونحوهم فيعتمدون على نقل لا يعرف له قائل أصلا لا ثقة ولا معتمد وأهون شيء عندهم الكذب المختلق وأعلم من فيهم لا يرجع فيما ينقله إلى عمدة بل إلى سماعات عن الجاهلين والكذابين وروايات عن أهل الإفك المبين» (^٢).\nفاعتماد أهل الأهواء والبدع على الروايات الضعيفة أو الموضوعة أمر ظاهر، ويبالغ بعضهم فيجعل من الأثر الضعيف دليلًا لا يصل إليه أدنى شك، بل قد يحارب دليلًا صحيحًا بآخر لا أصل له، ويجعلون من الروايات التي لا أصل لها ولا سند مصدرًا للأحكام الشرعية والأمور الفقهية، ومعرفة الراجح من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين الأئمة، فكان لذلك المصدر أخطر الآثار على العقيدة الإسلامية لاشتهار الروايات الضعيفة والموضوعة عند العامة الذين لا يميزون واعتقادهم بصحتها وسلامتها من الأخطاء.\nوالمقصود أنه لا يجوز سلوك مسلك القبورية في الاستدلال، والتحديث بالأحاديث الكاذبة، فضلًا عن الاعتقاد بما تقتضيه وتدل عليه تلك الأحاديث من اعتقادات فاسدة زائغة، فقد روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (سيكون في آخر أمتي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٦٧ - ٧٨).\n(^٢) المصدر السابق (٢٧/ ٤٧٩).","vol":"1","page":398},{"text":"أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) (^١)، وفي رواية: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم) (^٢)، وفي لفظ: (يأتونكم ببدع من الحديث) (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ١٢) برقم (٦) من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) رواها مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ١٢) برقم (٧).\n(^٣) هذا اللفظ جاء عند أحمد (٨٥٩٦) وابن وضاح في البدع (٦٥، ٧١) وفي إسناده ضعف كما أشار له محققو المسند (حاشية المسند: ١٤/ ٢٥٣).","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-252>المبحث التاسع: مناظرته مع بعض المشايخ الذين يستغيثون بغير الله ويدَّعون ظهور صورته لهم:</span>\nواشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-253>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-254>تمهيد:</span>\nلم تزل العداوة قائمة بين الشيطان وبني آدم مذ أخرج إبليس من الجنة؛ بسبب إبائه واستكباره عن امتثال أمر ربه بالسجود لآدم -﵇-، ومنذ ذلك الحين والشيطان مترصد لبني آدم لاغوائهم وإضلالهم بشتى السبل ومختلف الطرق، وقد أقسم على هذا: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧]، ومن أعظم الطرق الشيطانية التي لبَّس بها الشيطان على كثير ممن ينتسب للإسلام والملة، تصوره وتشكله لعامة الناس بصور الصالحين والأولياء، والمشايخ والعلماء الذين يبجلونهم ويعظمونهم، فتظهر لهم الشياطين بصور أولئك الصالحين، فتنة لهم وصدًا عن سبيل الله، ولربما أغاثوا من استغاث بهم، ونصروا من استنصرهم، وأجابوا من دعاهم، وهو -في ذلك كله- يحسب أن الشيخ أو الولي الصالح هو الذي أغاثه أو نصره وأعانه، وما ذاك إلا شيطان تمثل بصورة الشيخ الصالح وتشكل على هيئته.","vol":"1","page":400},{"text":"وبهذه الطريقة أضل الشيطان خلقًا من عباد الله، وشجعهم على صرف العبادة لغير الله، فعكفوا عند قبور الأنبياء والأولياء داعين لها مستغيثين بها، متعلقين بأستارها رجاء أن تحقق لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا.\nوغالبًا ما يكون ذلك بعد موت هؤلاء الصالحين وأحيانًا في حياتهم، وقد يغتر بذلك الرجل الصالح نفسه، فيظن أن ما يتصور للناس إنما هو ملك من الملائكة ظهر على صورته كرامة له، فيقوم بحث الناس على أفعالهم الشركية، وصرفهم الدعاء له أو لغيره.\nوقد افتتن بهذا خلق كثير ممن حاد عن الطريق المستقيم وخالف الشرع القويم، فزادهم الشيطان ضلالا إلى ضلالتهم، وغواية إلى غوايتهم.\nوقد ذكر شيخ الإسلام -﵀- من هذا نماذج كثيرة جدًا، ومنها ما جرى له في هذه المناظرة مع بعض من استغاث بغير الله فحدث له مثل هذا، فاغتر بما حصل له، حتى بين له شيخ الإسلام حقيقة الأمر، وتوضيح الحال.\n• نص المناظرة:\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وكثير ممن يستغيث بالمشايخ فيقول: يا سيدي فلان! أو: يا شيخ فلان! اقض حاجتي، فيرى صورة ذلك الشيخ يخاطبه ويقول: أنا أقضي حاجتك، أو أطيب قلبك، فيقضي حاجته أو يدفع عنه عدوه، ويكون ذلك شيطانًا قد تمثل في صورته لما أشرك بالله فدعا غيره.\nوأنا أعرف من هذا وقائع متعددة، حتى إن طائفة من أصحابي ذكروا أنهم استغاثوا بي في شدائد أصابتهم، أحدهم كان خائفًا من الأرمن، والآخر كان خائفًا من التتر، فذكر كل منهم أنه لما استغاث بي رآني في الهواء وقد دفعت عنه عدوه، فأخبرتهم أني لم أشعر بهذا، ولا دفعت عنكم شيئًا، وإنما هذا شيطان تمثل لأحدهم فأغواه لما أشرك بالله تعالى.\nوهكذا جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ مع أصحابهم، يستغيث أحدهم بالشيخ، فيرى الشيخ قد جاء وقضى حاجته، ويقول ذلك الشيخ: إني لم أعلم","vol":"1","page":401},{"text":"بهذا، فيتبين أن ذلك كان شيطانًا.\nوقد قلت لبعض أصحابنا؛ لما ذكر لي: أنه استغاث باثنين كان يعتقدهما، وأنهما أتياه في الهواء وقالا له: طيب قلبك نحن ندفع عنك هؤلاء ونفعل ونصنع.\nقلت له: فهل كان من ذلك شيء؟\nفقال: لا. فكان هذا مما دله على أنهما شيطانان، فإن الشياطين وإن كانوا يخبرون الإنسان بقضية أو قصة فيها صدق فإنهم يكذبون أضعاف ذلك، كما كانت الجن يخبرون الكهان.\nولهذا من اعتمد على مكاشفته التي هي من أخبار الجن كان كذبه أكثر من صدقه؛ كشيخ كان يقال له الشياح (^١) توبناه وجددنا إسلامه، كان له قرين من الجن يقال له: (عنتر) يخبره بأشياء فيصدق تارة ويكذب تارة، فلما ذكرت له: إنك تعبد شيطانًا من دون الله، اعترف بأنه يقول له: يا عنتر لا سبحانك إنك إله قذر، وتاب من ذلك في قصة مشهورة.\nوقد قتل سيف الشرع من قتل من هؤلاء، مثل الشخص الذي قتلناه سنة خمس عشرة، وكان له قرين يأتيه ويكاشفه فيصدق تارة ويكذب تارة، وكان قد انقاد له طائفة من المنسوبين إلى أهل العلم والرئاسة فيكاشفهم حتى كشف الله أمره، وذلك أن القرين كان تارة يقول: أنا رسول الله، ويذكر أشياء تنافي حال الرسول، فشهد عليه أنه قال: إن الرسول يأتيني ويقول لي كذا وكذا، من الأمور التي يكفر من أضافها إلى الرسول. فذكرت لولاة الأمور أن هذا من جنس الكهان، وأن الذي يراه شيطان، ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبي -ﷺ- بل يأتيه في صورة منكرة، ويذكر عنه أنه يخضع له ويبيح له أن يتناول المنكر وأمورا\n_________\n(^١) لم يذكر شيخ الإسلام اسمه، وقد ذكر ابن حجر في إنباء الغمر بأبناء العمر (١/ ٢٢٣) رجلًا اسمه: حسن بن الشياح -بمعجمه ثم تحتانية ثقيلة وآخره مهملة- الصالحي، أحد من يُعتقد بدمشق، وكان له مكاشفات كثيرة، ومات في ربيع الآخر سنة (٧٨٢ هـ) ولكن بينه وبين وفاة شيخ الإسلام ٥٤ عامًا، فلعل المراد أباه الشياح، والله أعلم.","vol":"1","page":402},{"text":"أخرى، وكان كثيرا من الناس يظنون أنه كاذب فيما يخبر به من الرؤية، ولم يكن كاذبا في أنه رأى تلك الصورة، لكن كان كافرا في اعتقاده أن ذلك رسول الله، ومثل هذا كثير.\nولهذا تحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مراد الشيطان، فكلما بعدوا عن الله ورسوله -ﷺ- وطريق المؤمنين قربوا من الشيطان، فيطيرون في الهواء والشيطان طار بهم، ومنهم من يصرع الحاضرين، وشياطينه صرعتهم، ومنهم من يحضر طعامًا وإدامًا ويملأ الإبريق ماء من الهواء، والشياطين فعلت ذلك، فيحسب الجاهلون أن هذه كرامات أولياء الله المتقين، وإنما هي من جنس أحوال السحرة والكهنة وأمثالهم» (^١).\nوقال ﵀: «فكثير من المنتسبين إلى الإسلام يستغيث بشيخه، ويرى من جاء راكبًا، أو طائرًا في الهواء، أو غير ذلك؛ فيظنه شيخه. وقد يأتي في صورته إن كان يعرف صورة شيخه فيظن هذا شيخه. وهذا قد وقع لخلق كثير، ووقع لغير واحدٍ من أصحابنا معي، لكن لما حكوا لي أنهم رأوني بينت لهم أني لم أكن إياه، وإنما كان شيطانًا تصور في صورتي ليضلهم، فسألوني: لم لا يكون ملكًا؟ قلت: لأن الملائكة لا تجيب المشركين، وأنت استغثت بي فأشركت» (^٢).\nوقال ﵀: «وقد جرى مثل هذا لي ولغيري ممن أعرفه ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة وأنه رآني قد جئته ومنهم من قال: رأيتك راكبا بلباسك وصورتك ومنهم من قال: رأيتك على جبل ومنهم من قال: غير ذلك فأخبرتهم أني لم أغثهم وإنما ذلك شيطان تصور بصورتي ليضلهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله» (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٣/ ٤٨٤ - ٤٨٦)، ومجموع الفتاوى (٣٥/ ١١٥ - ١١٧)، وجامع الرسائل (١/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(^٢) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص:١٥٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ٤٧).\n(^٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"1","page":403},{"text":"وقال ﵀: «كما جرى مثل هذا لي كنت في مصر في قلعتها وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك من ناحية المشرق وقال له ذلك الشخص: أنا ابن تيمية. فلم يشك ذلك الأمير أني أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين (^١)، وأرسل بذلك ملك ماردين إلى مصر رسولًا وكنت في الحبس فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنيًا يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاؤوا إلى دمشق كنت أدعوهم إلى الإسلام فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ما تيسر فعمل معهم مثل ما كنت أعمل وأراد بذلك إكرامي ليظن ذاك أني أنا الذي فعلت ذلك. قال لي طائفة من الناس: فلم لا يجوز أن يكون مَلَكًا؟ قلت: لا؛ إن الملك لا يكذب، وهذا قد قال: أنا ابن تيمية، وهو يعلم أنه كاذب في ذلك» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-255>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-256>مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة وذلك من وجهين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-257>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nكما ترى في هذه النصوص المذكورة، فإن هؤلاء القوم اغتروا بما حصل لهم من مشاهدة من استغاثوا بهم عيانًا أمامهم، وربما رأوهم يطيرون في السماء أمام أعينهم، ويجيبون دعوتهم.\nوقد بين شيخ الإسلام -﵀- أن أصل شبهة هؤلاء وسبب اشتباه الأمر عليهم عدة أمور بني بعضها على بعض، وهي كالآتي:\nأولًا: ظنهم أن هذه الخوارق التي جرت أمام أعينهم، وحدثت تحت مرآهم،\n_________\n(^١) مارِدِين: قلعة مشهورة على قلة جبل بالجزيرة، ليس على وجه الأرض قلعة أحسن منها ولا أحكم ولا أعظم، ودورهم فيها كالدرج كل دار فوق الأخرى وكل درب منها يشرف على ما تحته من الدور ليس دون سطوحهم مانع. انظر: معجم البلدان (٥/ ٣٩). وهي اليوم من مدن الجمهورية التركية جنوب شرق الأناضول.\n(^٢) دقائق التفسير (٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":404},{"text":"أنها آيات وكرامات لهؤلاء الأولياء والصالحين.\nثانيًا: ظنهم أن كل من وقعت له مثل هذه الخوارق يكون وليًا لله؛ لأن الكرامات إنما تكون للأولياء.\nثالثًا: أن من كان وليًا لله وظهرت له مثل هذه الخوارق فكل ما يخبر به حق وما يأمر به عدل فهو ولي لله معصوم لا يجوز عليه ان يخطئ.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «ومما ينبغي أن يعلم أن سبب ضلال النصارى وأمثالهم من الغالية كغالية العباد والشيعة وغيرهم ثلاثة أشياء:\nأحدها: ألفاظ متشابهة مجملة مشكلة منقولة عن الأنبياء وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة وتمسكوا بها وهم كلما سمعوا لفظا لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم وإن لم يكن دليلا على ذلك، والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك إما أن يفوضوها، وإما أن يتأولوها كما يصنع أهل الضلال، يتبعون المتشابه من الأدلة العقلية والسمعية ويعدلون عن المحكم الصريح من القسمين.\nوالثاني: خوارق ظنوها آيات وهي من أحوال الشياطين وهذا مما ضل به كثير من الضلال المشركين وغيرهم، مثل دخول الشياطين في الأصنام وتكليمها للناس، ومثل إخبار الشياطين للكهان بأمور غائبة ولا بد لهم مع ذلك من كذب ومثل تصرفات تقع من الشياطين.\nوالثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقا وهي كذب وإلا فليس مع النصارى ولا غيرهم من أهل الضلال على باطلهم لا معقول صريح ولا منقول صحيح» (^١).\nوقال ﵀: «والخوارق التي تضل بها الشياطين بني آدم مثل تصور الشيطان بصورة شخص غائب أو ميت ونحو ذلك، ضل بها خلق كثير من الناس من المنتسبين إلى المسلمين أو إلى أهل الكتاب وغيرهم وهم بنوا ذلك على مقدمتين:\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٣١٥ - ٣١٦).","vol":"1","page":405},{"text":"إحداهما: أن من ظهرت هذه على يديه فهو ولي لله وبلغة النصارى هو قديس عظيم.\nالثانية: أن من يكون كذلك فهو معصوم فكل ما يخبر به فهو حق وكل ما يأمر به فهو عدل وقد لا يكون ظهرت على يديه خوارق لا رحمانية ولا شيطانية، ولكن صنع حيلة من حيل أهل الكذب والفجور، وحيل أهل الكذب والفجور كثيرة جدًا فيظن أن ذلك من العجائب الخارقة للعادة ولا يكون كذلك» (^١).\nوقال ﵀: «فضلال الضلال من هؤلاء مبني على مقدمتين:\nإحداهما: أن هذا له كرامة فيكون وليًا لله.\nوالثانية: أن ولي الله لا يجوز أن يخطئ بل يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليس لأحد من البشر أن يصدق في كل ما أخبر به ويطاع في كل أمر إلا أن يكون نبيًا» (^٢).\nوساعد على هذا تعلق قلوبهم بهؤلاء الصالحين والغلو في حبهم فقد ثبت أن كل من أحب شيئًا وتعلق به لا بد أن يتصوره، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وبالجملة فكل ما يريده الإنسان ويحبه لا بد أن يتصوره في نفسه، فتلك الصورة العلمية محركة له إلى محبوبه ولوازم الحب فمن عبده عبد غير الله وتمثلت له الشياطين في صورة من يعبده، وهذا كثير ما زال ولم يزل؛ ولهذا كان كل من عبد شيئا غير الله فإنما يعبد الشيطان؛ ولهذا يقارن الشيطان الشمس عند طلوعها وغروبها واستوائها ليكون سجود من يعبدها له. وقد كانت \"الشياطين\" تتمثل في صورة من يعبد كما كانت تكلمهم من الأصنام التي يعبدونها، وكذلك في وقتنا خلق كثير من المنتسبين إلى الإسلام والنصارى والمشركين ممن أشرك ببعض من يُعظمه من الأحياء والأموات من المشايخ» (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٣٣٨).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٣٤٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٩٣)، الزهد والورع والعبادة (ص: ٣٢).","vol":"1","page":406},{"text":"فهذا أصل شبهتهم ومبدأ ضلالهم وغوايتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-258>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام لجميع من وقعت له مثل هذه الأمور أن ما شاهدوه: إنما هي شياطين تمثلت لهم بهذه الصور، وهدفها من هذا إضلالهم وغوايتهم، وكان سبب تمكن الشياطين من هذا وتسلطها عليهم هو ما وقعوا فيه من شرك بالله واستغاثة واستعانة بمن سواه.\nوبين شيخ الإسلام -﵀- فساد شبهتهم التي بنوا عليها اعتقادهم وهي ظنهم أن ما رأوه من خوارق أنها من جنس الكرامات والآيات التي تكون للأنبياء والأولياء والصالحين.\nفأوضح ﵀ أن ما حدث لهم ليس من ذلك في شيء، وإنما هو من فعل الشياطين وتسلطهم عليهم، ويدل على هذا عدة أمور:\nأولها: أن هذه الأمور إنما حدثت لهم بسبب ما وقعوا فيه مما نهى الله عنه ورسوله من الشرك والاستغاثة بغير الله، والكرامات إنما تكون بسبب الطاعات والقربات لا المعاصي والمنكرات، قال ﵀: «وبين كرامات الأولياء، وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها: أن كرامات الأولياء سببها الايمان والتقوى، والأحوال الشيطانية، سببها ما نهى الله عنه ورسوله، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، فالقول على الله بغير علم، والشرك، والظلم، والفواحش، قد حرمها الله تعالى ورسوله، فلا تكون سببًا لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان، وبالأمور التي فيها شرك، كالاستغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية، لا من الكرامات الرحمانية» (^١)،\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص:١٧١ - ١٧٢).","vol":"1","page":407},{"text":"وقال ﵀: «فإن ما يكون شبيه الشرك أو الفجور إنما يكون من الشيطان، مثل أن يشرك الرجل بالله فيدعو الكواكب أو يدعو مخلوقا من البشر ميتا أو غائبا أو يعزم ويقسم بأسماء مجهولة لا يعرف معناها أو يعرف أنها أسماء الشياطين أو يستعين بالفواحش والظلم، فإن ما كان هذا سببه من الخوارق فهو من الشيطان» (^١).\nثانيًا: أن الكرامات إنما تحدث لأولياء الله المتقين المطيعين لله ورسوله ظاهرًا وباطنًا، لا للخارجين عن الكتاب والسنة المخالفين لها، كما هي حال هؤلاء عند حدوث هذا لهم، قال شيخ الإسلام -﵀-: «فكثير من هؤلاء الذين يعظمون القبور والمشايخ ويستغيثون بهم ويطلبون حوائجهم منهم؛ يطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور، وذلك من جنس السحر والشرك، فمنهم من تطير به الشياطين في الهواء حملًا له من مكان إلى مكان: فتارة تذهب به إلى مكة، وتارة إلى بيت المقدس وغيره من البلاد، ويكون زنديقًا فاجرًا إباحيًا تاركًا للصلاة وغيرها مما أوجبه الله ورسوله -ﷺ- وفرضه، ويستحل المحارم التي حرمها الله ورسوله -ﷺ- ويحلها لغيره، وإنما تقترن به الشياطين، وتخدمه لما فيه من الكفر والزندقة ومن الفسوق والعصيان، فإذا آمن بالله ورسوله -ﷺ- وتاب، والتزم الطاعة لله ولرسوله فارقته تلك الشياطين، وتلك الأحوال الشيطانية من الإخبارات والتأثيرات» (^٢).\nوقال ﵀: «وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة، وهم درجات، والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وعلى مذهبهم، والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطئ، فإن كان الإنسي كافرًا أو فاسقًا أو جاهلًا، دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال، وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر، مثل الإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم، ومثل أن يكتب أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة، أو يقلب فاتحة\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٣٤٣).\n(^٢) الرد على البكري (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":408},{"text":"الكتاب، أو سورة الإخلاص، أو آية الكرسي، أو غيرهن، ويكتبهن بنجاسة فيغورون له الماء، وينقلونه بسبب ما يرضيهم به من الكفر، وقد يأتونه بمن يهواه من امرأة أو صبي، إما في الهواء، وإما مدفوعًا ملجأ إليه، إلى أمثال هذه الأمور التي يطول وصفها. والإيمان بها، إيمان بالجبت والطاغوت والجبت: السحر. والطاغوت: الشياطين والأصنام وإن كان الرجل مطيعًا لله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لم يمكنهم الدخول معه في ذلك، أو مسالمته» (^١).\nثالثًا: أن هذه الأفعال والخوارق تحدث حتى للكفرة والفساق والسحرة والكهان، فلو كان وقوعها دليلًا على الصلاح والولاية، للزم القول بولاية هؤلاء، وقد علم بالاضطرار أن ما يحدث لهؤلاء إنما هي خوارق شيطانية تعينهم عليها الشياطين لما هم عليه من الشرك والضلال، قال شيخ الإسلام: «فإن هؤلاء يستلزم أقوالهم أن يجعلوا كثيرا من المشركين وأهل الكتاب -اليهود والنصارى- من أولياء الله المتقين، فإن لهؤلاء خوارق كثيرة، فمن أنكر وجودها كان كمن أنكر خوارق الأولياء وأنكر السحر والكهانة، ومن أقر بوجودها وجعلها دليلًا على أن صاحبها ولي لله فهو جعل خوارق السحرة والكهان دليلًا على أنهم أنبياء وأولياء الرحمن، وكلا القولين يوجب الخروج عن دين الإسلام، والخروج من النور إلى الظلام، بل يجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء بما بينه الله من الآيات والبراهين، وبما بعث به سيد المرسلين» (^٢).\nرابعًا: من الحقائق المهمة التي قررها شيخ الإسلام -﵀-، أن كل من عبد غير الله ملكًا كان أو نبيًا أو صالحًا أو صنمًا، فهو عابد للشيطان، ولذلك يعينهم الشيطان على مثل هذه الخوارق؛ لأنهم في الحقيقة عابدون له، فيسهل عليه التسلط عليهم، قال شيخ الإسلام مبينا هذه الحقيقة: «ولهذا كان كل من لم\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص:١٧٤ - ١٧٥) وانظر الجواب الصحيح (٢/ ٣٤٣).\n(^٢) جامع المسائل لابن تيمية (١/ ٩٧).","vol":"1","page":409},{"text":"يعبد الله وحده، فلابد أن يكون عابدًا لغيره، يعبد غيره فيكون مشركا. وليس في بني آدم قسم ثالث، بل إما موحد، أو مشرك، أو من خلط هذا بهذا كالمبدلين من أهل الملل؛ النصارى ومن أشبههم من الضلال، المنتسبين إلى الإسلام، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠]، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحِجر:٤٢]، لما قال إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحِجر:٤٠]، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحِجر:٤٢]، فإبليس لا يغوى المخلصين، ولا سلطان له عليهم، إنما سلطانه على الغاوين، وهم الذين يتولونه، وهم الذين به مشركون.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠]، صفتان لموصوف واحد. فكل من تولاه فهو به مشرك، وكل من أشرك به فقد تولاه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١]. وكل من عبد غير الله فإنما يعبد الشيطان، وإن كان يظن أنه يعبد الملائكة والأنبياء، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١].\nولهذا تتمثل الشياطين لمن يعبد الملائكة والأنبياء والصالحين ويخاطبونهم، فيظنون أن الذي خاطبهم مَلَك أو نبي، أو وَلِيّ، وإنما هو شيطان، جعل نفسه ملكًا من الملائكة، كما يصيب عُبَّاد الكواكب وأصحاب العزائم والطلسمات، يسمون أسماء، يقولون: هي أسماء الملائكة، مثل منططرون وغيره، وإنما هي أسماء الجن.\nوكذلك الذين يدعون المخلوقين من الأنبياء والأولياء والملائكة، قد يتمثل","vol":"1","page":410},{"text":"لأحدهم من يخاطبه، فيظنه النبي، أو الصالح الذي دعاه، وإنما هو شيطان تصور في صورته، أو قال: أنا هو، لمن لم يعرف صورة ذلك المدعو.\nوهذا كثير يجري لمن يدعو المخلوقين، من النصارى ومن المنتسبين إلى الإسلام، يدعونهم عند قبورهم، أو مغيبهم، ويستغيثون بهم، فيأتيهم من يقول: إنه ذلك المستغاث به، في صورة آدمي، إما راكبًا، وإما غير راكب. فيعتقد المستغيث أنه ذلك النبي، والصالح، أو أنه سِرّه، أو روحانيته، أو رقيقته أو المعنى تَشَكَّل، أو يقول: إنه ملك جاء على صورته، وإنما هو شيطان يغويه؛ لكونه أشرك بالله ودعا غيره، الميت فمن دونه. فصار للشيطان عليه سلطان بذلك الشرك، فظن أنه يدعو النبي، أو الصالح، أو الملك، وأنه هو الذي شفع له، أو هو الذي أجاب دعوته، وإنما هو الشيطان؛ ليزيده غلوًا في كفره وضلاله. فكل من لم يعبد الله مخلصًا له الدين، فلابد أن يكون مشركًا عابدًا لغير الله، وهو في الحقيقة عابد للشيطان. فكل واحد من بنى آدم إما عابد للرحمن، وإما عابد للشيطان، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزُّخرُف:٣٦ - ٣٩]» (^١).\nوقال ﵀: «والذين يعبدون الشيطان، وأكثرهم لا يعرفون أنهم يعبدون الشيطان، بل قد يظنون أنهم يعبدون الملائكة أو الصالحين. كالذين يستغيثون بهم ويسجدون لهم فهم في الحقيقة إنما عبدوا الشيطان، وإن ظنوا أنهم يتوسلون ويستشفعون بعباد الله الصالحين، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١].\nولهذا نهى النبي -ﷺ- عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، فإن الشيطان يقارنها حينئذ حتى يكون سجود عباد الشمس له وهم يظنون أنهم\n_________\n(^١) الحسنة والسيئة (ص: ٥٦ - ٥٨).","vol":"1","page":411},{"text":"يسجدون للشمس، وسجودهم للشيطان» (^١).\nخامسًا: مما يدل على أن هذه الأفعال من أفعال الشياطين، أنها تكثر في البلاد التي يقل فيها ظهور الإسلام والسنة، ويكثر فيها الكفر والفسوق والعصيان، وتتلاشى عند ذكر الله وتلاوة آياته، قال شيخ الإسلام: «وأما الجزيرة (^٢) والعراق وخراسان (^٣) والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها؛ وذلك لأن ظهور هذه الأشياء، من الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق والعصيان، في تلك البلاد أقوى وأظهر، وظهور الإسلام والسنة وإخلاص الدين لله في أرض الشام أقوى من سائر البلاد؛ فلهذا ضعفت هذه الأحوال الشيطانية وأنكرت إذا ظهرت فيها، وإذا ظهرت ولم تنكر ولم تغير؛ قويت واشتدت شوكتها، فحيث قويت الأحوال الرحمانية الإيمانية المحمدية والتوحيد ونور القرآن وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية؛ فإن سلطانها إنما يقوى وتعظم جنوده في بلاد أهل الكفر والفسوق والعصيان، كبلاد جنكز خان (^٤) والهند والروم وغيرها من أهل الكفر والفسوق والعصيان، فبلادهم فيها مادتان: مادة كفر ونفاق وفسوق وعصيان، ومادة علم\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ١٩٢).\n(^٢) الجزيرة: بلاد تشتمل على ديار بكر ومضر وربيعة، وإنما سميت جزيرة لأنها بين دجلة والفرات، وهي الجزء الشمالي من الأرض التي يكتنفها نهرا دجلة والفرات، وهي من أخصب أرض العرب، ومن أهم أعلامها «جبل سنجار» وأهم القبائل التي تسكنها الآن قبيلة طيئ ثم قبيلة عنزة. انظر: آثار البلاد وأخبار العباد (ص: ٣٥١) معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية (ص: ٨٢).\n(^٣) خُراسَانُ: كلمة فارسية معناها بلاد الشمس المشرقة (أي الشرق) وهي بلاد واسعة، أول حدودها مما يلي العراق، وآخر حدودها مما يلي الهند، وتشتمل على أمّهات من البلاد منها نيسابور وهراة ومرو وبلخ ونسا، وتتقاسمها اليوم إيران الشرقية «نيسابور»، وأفغانستان الشمالية (هراة وبلخ)، ومقاطعة تركمانستان السوفيتية (مرو). انظر: معجم البلدان (٢/ ٣٥٠) المعالم الأثيرة في السنة والسيرة (ص: ١٠٨).\n(^٤) في المطبوع \"جنكر خان\"، ولعله خطأ. وقد سبق ذكر ترجمته.","vol":"1","page":412},{"text":"وإحسان وإيمان فإذا غلبت إحدى المادتين على الأخرى أهلكتها.\nوالمشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام مثل: الحبشة، والنجشية، والطوينية، والتوى ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم (^١)، تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر ويصعد أحدهم في الهواء ويخبرهم بأمور غائبة، ويبقى الدف الذي يغني لهم به يمشي في الهواء ويضرب رأس أحدهم إذا خرج عن طريقهم ولا يرون أحدًا يضرب به ويطوف الإناء عليهم ولا يرون من يحمله، وإذا نزل بأحدهم مئة ضيف أتاهم بطعام يكفيهم ويأتيهم بألوان مختلفة مع كفرهم؛ وذلك كله من الشياطين تأتيه به من تلك المدينة، [أو من غيرها تسرقه وتأتي به] (^٢)، وهذه الأمور تكون كثيرة عند من يكون مشركًا أو ناقص الإيمان، وعند التتار من هذا أنواع كثيرة ولا سيما دولة تمرخان (^٣) وأتباعه، فإنهم سحروا الناس سحرًا لم يُر مثله، وأظهروا أحوالًا لا حقيقة لها فوافقت قدر الله فعملت أعمالها؛ وذلك لما ضعف الإيمان بالشام وقل نور النبوة فظهر تأثير ذلك الأحوال في الناس لضعف الدين وامتلاء القلوب من حب الدنيا وظهور مناكير معروفة وكثرة الخبث\n_________\n(^١) هي أسماء لعلماء مشركي الترك ومشايخهم وهم من السحرة والكهان، ويسمى شيخهم (البوا) ومن شرطه عندهم أن يكون مخنثا مأبونا يُنكح، ومن أحوالهم ما ذكره شيخ الإسلام هنا، ومنها أنهم يجتمعون في ظلمة فيذبحون ذبيحة للشيطان ويغنون له فتأتي الشياطين وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة كأحوال غائبيهم وسرقاتهم وغير ذلك ويُحمل البوا فيُوقف به في الهواء وهم يرونه، وهم أقرب ما يكونوا بعبدة الشيطان. انظر: درء التعارض (٥/ ٦٧) الصفدية (١/ ١٩١) والرد على البكري (١/ ١٣٨).\n(^٢) في المطبوع (أو من غير تسوقه) والتصويب من مجموع الفتاوى (١/ ٣٦٤).\n(^٣) لم أجد بعد بحث طويل أحدًا من السلاطين بهذا الاسم، ثم إني وقفت في كتاب\"معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي\" للمستشرق زامباور (ص:٤٢٦) على أحد الملوك باسم (قمر الدين تمرخان قِمران) أحد حكام (بِنغالة) تولى حكمها سنة (٦٤٢ هـ)، فلعله هو المراد هنا والله أعلم، وبنغالة المذكورة: هي بلاد بنغلاديش المعروفة الآن، وهذا يظهر من خلال ما ذكره ابن بطوطة في رحلته إليها ووصفه إياها، وهو يسميها \"بَنْجالة\". انظر رحلة ابن بطوطة (٤/ ١٠٠) فما بعدها.","vol":"1","page":413},{"text":"وقلة الطيب ولما كان الطيب غالبًا قويًا، والإسلام فاشيًا ظاهرًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمًا به أهله، منصورون معانون، وأهل الفساد والفسوق مقهورون ذليلون؛ كان أولئك المذكورين بينهم وبين بلاد الشام خنادق وأسوار من قدر العزيز الجبار، فلا يصلون إليها، وكم قد حاولوا دخولها من سنين وشهور وأيام، وقد ضرب الله بينهم وبينها بسد فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، فالأحوال الشيطانية عندهم كثيرة جدًا؛ ولهذا الدجال إنما يخرج من قبلهم وبلادهم، وهم أتباعه، ويظهر على يديه من الأحوال الشيطانية والأمور الزنديقية ما يحار له الناظرون، وهو كافر بالله العظيم» (^١).\nسادسًا: مما يدل على أن ما حدث لهم هو من صنيع الشياطين أن مثل هذه الأمور لم تحدث لخير القرون من الصحابة -رضوان الله عليهم-؛ وذلك لأن الشيطان لا سبيل له عليهم لما هم عليه من إيمان وإسلام وطاعة لله ورسوله، وإنما تحدث هذه الأمور لمن تسلطت عليهم الشياطين بسبب شركهم وفجورهم. قال شيخ الإسلام: «والمقصود أن الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل غيرهم من أهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، أو جهلوا السنة أو رأوا وسمعوا أمورًا من الخوارق فظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين، وكانت من أفعال الشياطين، كما أضل النصارى وأهل البدع بمثل ذلك؛ فهم يتبعون المتشابه ويدعون المحكم، وكذلك يتمسكون بالمتشابه من الحجج العقلية والحسية فيسمع ويرى أمورًا فيظن أنه رحماني، وإنما هو شيطاني، ويدعون البين الحق الذي لا إجمال فيه، وكذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل في صورته ويغيث من استغاث به، أو أن يحمل إليهم صوتا يشبه صوته؛ لأن الذين رأوه علموا أن هذا شرك لا يحل، ولهذا أيضا لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم لأصحابه: إذا كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبري واستغيثوا بي لا في محياه ولا في مماته كما جرى مثل هذا لكثير من المتأخرين. ولا طمع الشيطان\n_________\n(^١) الرد على البكري (١/ ١٣٧ - ١٣٩). وانظر: قاعدة جليلة (ص: ٥).","vol":"1","page":414},{"text":"أن يأتي أحدهم ويقول: أنا من رجال الغيب أو من الأوتاد الأربعة أو السبعة أو الأربعين. أو يقول له: أنت منهم. إذ كان هذا عندهم من الباطل الذي لا حقيقة له. ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم فيقول: أنا رسول الله أو يخاطبه عند القبر كما وقع لكثير ممن بعدهم عند قبره وقبر غيره وعند غير القبور، كما يقع كثير من ذلك للمشركين وأهل الكتاب» (^١).\nوقال ﵀: «ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل بهم مثل هذا؛ فإنهم أجل قدرًا من ذلك» (^٢).\nسابعًا: أن هذه الأفعال الشيطانية قد وقعت مرارًا وتكرارًا في مختلف العصور والأزمنة، بحيث لا يخفى على من له أدنى إطلاع عليها، أنها من فعل الشياطين، وقد ضرب شيخ الإسلام في كتابه (الجواب الصحيح) أمثلة كثيرة على هذا، نسوقها لأهميتها ومعرفة مدى تسلط الشيطان على طوائف كثيرة من بني آدم وطرقه ووسائله في ذلك.\nقال ﵀: «ومثل هذا قد جرى لخلق عظيم في زماننا وقبل زماننا كناس كانوا بـ (تدمر) (^٣) فرأوا شخصًا عظيمًا طائرًا في الهواء، وظهر لهم مرات بأنواع من اللباس، وقال لهم: أنا المسيح ابن مريم، وأمرهم بأمور يمتنع أن يأمر بها المسيح -﵇- وحضروا إلى عند الناس، وبينوا لهم أن ذلك هو شيطان أراد أن يضلهم.\nوآخرون يأتي أحدهم إلى قبر من يعظمه ويحسن به الظن من الصالحين\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٩٠ - ٣٩١).\n(^٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: ٥)، انظر: الرد على البكري (١/ ١٤٠).\n(^٣) مدينة معروفة بأرض (سوريا) الشام قديمة، أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام. زعموا أنها مما بنته الجن لسليمان، ﵇. انظر: آثار البلاد وأخبار العباد (ص: ١٦٩) الروض المعطار في خبر الأقطار (ص: ١٣١).","vol":"1","page":415},{"text":"وغيرهم فتارة يرى القبر قد انشق وخرج منه إنسان على صورة ذلك الرجل، وتارة يرى ذلك الإنسان قد دخل في القبر، وتارة يراه إما راكبًا، وإما ماشيًا داخلًا إلى مكان ذلك الميت كالقبة المبنية على القبر، وتارة يراه خارجًا من ذلك المكان ويظن أن ذلك هو ذلك الرجل الصالح وقد يظن أن قومًا استغاثوا به فذهب إليهم ويكون ذلك شيطانًا تصور بصورته، وهذا جرى لغير واحد ممن أعرفهم وتارة يستغيث أقوام بشخص يحسنون به الظن: إما ميت، وإما غائب فيرونه بعيونهم قد جاء وقد يكلمهم وقد يقضي بعض حاجاتهم فيظنونه ذلك الشخص الميت وإنما هو شيطان زعم أنه هو وليس هو إياه، وكثيرًا ما يأتي الشخص بعد الموت في صورة الميت فيحدثهم ويقضي ديونًا ويرد ودائع ويخبرهم عن الموتى ويظنون أنه هو الميت نفسه قد جاء إليهم وإنما هو شيطان تصور بصورته.\nوهذا كثير جدًا لا سيما في بلاد الشرك، كبلاد الهند ونحوها، ومن هؤلاء من تراه أنت تحت سريره آخذ بيد ابنه في الجنازة، ومنهم من يقول إذا مت فلا تدعوا أحدًا يغسلني، فأنا آتي من هذه الناحية أغسل نفسي، فيأتي بعد الموت شخص في الهواء على صورته يغسله هو والذي أوصاه، ويظن ذلك أنه جاء، وإنما هو شيطان تصور بصورته، وتارة يرى أحدهم شخصًا إما طائرًا في الهواء، وإما عظيم الخلقة، وإما أن يخبره بأشياء غائبة، ونحو ذلك، ويقول له أنا الخضر، ويكون ذلك شيطانًا كذب على ذلك الشخص، وقد يكون الرائي من أهل الدين والزهد والعبادة، وقد جرى هذا لغير واحد وتارة يرى عند قبر نبي أو غيره؛ أن الميت قد خرج إما من حجرته، وإما من قبره، وعانق ذلك الزائر وسلم عليه، ويكون شيطانًا تصور بصورته، وتارة يجيء من يجيء إلى عند قبر ذلك الشخص، فيستأذنه في أشياء ويسأله عن أمور فيخاطبه شخص يراه أو يسمع صوتًا ولا يرى شخصًا، ويكون ذلك شيطانًا أضله.\nوقد يرى أشخاصًا في اليقظة إما ركبانًا، وإما غير ركبان، ويقولون هذا فلان النبي، إما إبراهيم وإما المسيح وإما محمد، وهذا فلان الصديق، إما أبو بكر وإما","vol":"1","page":416},{"text":"عمر وإما بعض الحواريين، وهذا فلان لبعض من يعتقد فيه الصلاح إما جرجس (^١) أو غيره ممن تعظمه النصارى، وإما بعض شيوخ المسلمين، ويكون ذلك شيطانًا ادعى أنه ذلك النبي، أو ذلك الشيخ، أو الصديق أو القديس.\nومثل هذا يجري كثيرًا لكثير من المشركين والنصارى وكثير من المسلمين، ويرى أحدهم شيخا يحسن به الظن، ويقول: أنا الشيخ فلان ويكون شيطانًا، وأعرف من هذا شيئًا كثيرًا، وأعرف غير واحد ممن يستغيث ببعض الشيوخ الغائبين والموتى، يراه قد أتاه في اليقظة وأعانه.\nوقد جرى مثل هذا لي ولغيري ممن أعرفه، ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة، وأنه رآني قد جئته، ومنهم من قال: رأيتك راكبًا بلباسك وصورتك، ومنهم من قال: رأيتك على جبل، ومنهم من قال: غير ذلك. فأخبرتهم أني لم أغثهم، وإنما ذلك شيطان تصور بصورتي ليضلهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله.\nوكذلك غير واحد ممن أعرفه من أصحابنا استغاث به بعض من يحسن به الظن فرآه قد جاءه وقضى حاجته، قال صاحبي: وأنا لا أعلم بذلك، ومن هؤلاء الشيوخ من يقول: إنه يسمع صوت ذلك الشخص المستغيث به ويجيبه، وتكون الشياطين أسمعته صوتًا يشبه صوت الشيخ المستغيث له فأجابه الشيخ بصوته، فأسمَعتِ المستغيث صوتًا يشبه صوت الشيخ، فيظن أنه صوت الشيخ.\nوهذا جرى لمن أعرفه وأخبر بذلك عن نفسه، وقال: بقي الجني الذي يحدثني يبلغني، مثل صوت المستغيثين بي، ويبلغهم مثل صوتي، ويريني في شيء أبيض\n_________\n(^١) هو القديس جرجس أو مار جرجس ومعنى اسمه الزارع أو الفلاّح أحد المعظمين عند النصارى اشتهر عندهم بأنه تغلب على التنين وقتله، وهو من أعظم الشهداء عند النصارى أذاقه القياصرة أشد أصناف العذاب وقتلوه بفلسطين على عهد ديوقلسيانوس المغتصب في أوائل القرن الرابع. وله ذكرى سنوية عند النصارى، ويكثرون من التسمية باسمه ويسمون به كنائسهم وديرهم ومعابدهم أيضًا، (ت:٣٠٣ م). انظر: الجواب الصحيح (٤/ ٢٠٧) هداية الحيارى (٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩).","vol":"1","page":417},{"text":"نظير ما أسأل عنه، فأخبر به الناس أني رأيته، وأنه سيأتي ولا أكون قد رأيته وإنما رأيت شبيهه.\nوهكذا تفعل الجن بمن يعزم عليهم ويقسم عليهم، وكذلك ما رآه قسطنطين (^١) من الصليب الذي رآه من نجوم، والصليب الذي رآه مرة أخرى هو مما مثله الشياطين وأراهم ذلك ليضلهم به؛ كما فعلت الشياطين ما هو أعظم من ذلك بعباد الأوثان، وكذلك من ذكر أن المسيح جاءه في اليقظة وخاطبه بأمور؛ كما يذكر عن بولس (^٢)، فإنه إذا كان صادقا كان ذلك الذي رآه في اليقظة وقال: أنه المسيح، شيطانا من الشياطين؛ كما جرى مثل ذلك لغير واحد.\nوالشيطان إنما يضل الناس ويغويهم بما يظن أنهم يطيعونه فيه فيخاطب النصارى بما يوافق دينهم ويخاطب من يخاطب من ضلال المسلمين بما يوافق اعتقاده وينقله إلى ما يستجيب لهم فيه بحسب اعتقادهم.\nولهذا يتمثل لمن يستغيث من النصارى بجرجس في صورة جرجس أو بصورة من\nيستغيث به النصارى من أكابر دينهم، إما بعض البطاركة (^٣)، وإما بعض\n_________\n(^١) قسطنطين الكبير (الأول) الإمبراطور الروماني الشهير الذي سمح بالدين النصراني وأفسده وخلطه بالدين الروماني الوثني، كان وثنيًا وقيل أنه تعمد على النصرانية وقد كان (مجمع نيقية الأول) الذي تم فيه تقرير (التثليث) وأن عيسى ابن الله تحت إشرافه (ت:٣٣٧ م). انظر: مروج الذهب (١/ ٣٥٠) قصة الحضارة (١١/ ٣٨٢).\n(^٢) هو شاول الطرسوسي اليهودي الفريسي، وكان من ألد أعداء دعوة المسيح ﵇، وكان يذيق أتباعه أشد العذاب، ثم زعم أنه رأى المسيح عند عودته من دمشق وأنه وبخه على اضطهاده لأتباعه، وأمره بالتبشير، ثم ادعى اعتناقه دين المسيح، وأصبحت له مكانة عظيمة عند النصارى، وهو أحد أعظم أسباب انحراف الديانة النصرانية وتحريفها وإدخال الوثنية عليها (ت:٩٦ م). انظر: هداية الحيارى (٢/ ٥٤٨) ودراسات في اليهودية والنصرانية (ص:٣٥٢ - ٣٦٠).\n(^٣) بطرك وبطريك: لقب يطلق في المسيحية على مقدم النصارى ورئيس رؤساء الأساقفة انظر: مفاتيح العلوم (ص: ١٤٨) المعجم الوسيط (١/ ٦١).","vol":"1","page":418},{"text":"المطارنة (^١)، وإما بعض الرهبان، ويتمثل لمن يستغيث به من ضلال المسلمين بشيخ من الشيوخ في صورة ذلك الشيخ; كما تمثل لجماعة ممن أعرفهم في صورتي وفي صورة جماعة من الشيوخ الذين ذكروا في ذلك، ويتمثل كثيرا في صورة بعض الموتى: تارة يقول أنا الشيخ عبد القادر (^٢)، وتارة يقول أنا الشيخ أبو الحجاج الأقصري (^٣)، وتارة يقول أنا الشيخ عدي (^٤)، وتارة يقول\n_________\n(^١) رئيس ديني عند النصارى وهو دون البطريرك وفوق الأسقف. انظر: مفاتيح العلوم (ص: ١٤٨) المعجم الوسيط (٢/ ٨٧٥).\n(^٢) هو عبد القادر بن أبي صالح أبو محمد، الجيلاني، أو الكيلاني، أو الجيلي: عالم حنبلي اشتهر بالزهد والعبادة والورع، وذاع صيته حتى نسبت إليه الطائفة القادرية، وهو بريء منهم، فقد كان مع زهده وعبادته متمسكًا بالسنة، ويذكرون عنه مكاشفات وكرامات أكثرها من باب الغلو، وعليه بعض المآخذ في أقواله وأفعاله، إلا أنه لا يستجيز هذه الطريقة البدعية التي نسبت إليه وفعلت ما لا يرتضيه، من مصنفاته \"الغنية \" و\"الفتح الرباني\" (ت:٥٦١ هـ). انظر: السير (٢/ ٤٣٩) البداية والنهاية (١٢/ ٢٥٢) ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٢٩٠) درء التعارض (٥/ ٥).\n(^٣) هو يوسف بن عبد الرحيم بن يوسف بن عيسى الزاهد، المعروف بأبي الحجاج الأقصري ولد ببغداد ثم نزل بالأقصر (بصعيد مصر) وقبره فيها معروف إلى الآن، الأعلام للزركلي (٨/ ٢٣٨)\nقيل أنه على سنن السلف لكن جهال أتباعه أطنبوا في أمره، وظنوا أن ذلك من بره، وادعوا أنه في ليلة النصف من شعبان، عرج به إلى السماء، واتخذوه في كل سنة كالعيد، تأتي إليه الخلائق من العوالي، وتحضر الدفوف والشبابات ويختلط الرجال بالنسوان والشيخ بعيد عن ذلك كله، سنة (ت:٦٤٤ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٤/ ٥٠٩) والوافي بالوفيات (٢٩/ ١٠٩) والأعلام (٨/ ٢٣٨)\n(^٤) هو عدي بن مسافر بن إسماعيل الهكاري الأموي: إليه تنتسب الطائفة العدوية (اليزيدية)، وغالى أتباعه \" العدوية \" فيه فهم يحجون لقبره، ويستقبلونه في صلواتهم ويعتقدون فيه النبوة بل والألوهية أيضًا، وهو بريء منهم ومن طريقتهم، قال شيخ الإسلام: «وغلوا في الشيخ عدي وفي يزيد بأشياء مخالفة لما كان عليه الشيخ عدي الكبير -قدس الله روحه - فإن طريقته كانت سليمة لم يكن فيها من هذه البدع» ووذكر أنه كان من العباد الصالحين والمشايخ المتبعين وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن الأصول الكبار لأهل السنة والجماعة وكان حريصًا على السنة ناشرًا لها منابذًا لمن خالفها، مع أنه لا بد أن يوجد في كلامه وكلام نظرائه من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة -كأحاديث لا تثبت ومقاييس لا تطرد- ما يعرفه أهل البصيرة (ت:٥٥٧ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢٥٤) رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أتباع عدي بن مسافر الأموي\" المشهورة بـ\" الوصية الكبرى\" (ص:٥٨، ١٠٦) والسير (١٥/ ١٢٤).","vol":"1","page":419},{"text":"أنا أحمد بن الرفاعي، وتارة يقول أنا أبو مدين المغربي (^١)، وإذا كان يقول أنا المسيح أو إبراهيم أو محمد فغيرهم بطريق الأولى … وكثير من هؤلاء. ومن هؤلاء من يقول: يرى في مكانين ويرى واقفًا بعرفات وهو في بلده لم يذهب فيبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين، فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في الوقت الواحد في مكانين، والصادقون قد رأوا ذلك عيانًا لا يشكون فيه ولهذا يقع النزاع كثيرًا بين هؤلاء وهؤلاء؛ كما قد جرى ذلك غير مرة، وهذا صادق فيما رأى وشاهد وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح.\nلكن ذلك المرئي كان جنيًّا تمثل بصورة الإنسان، والحسيات إن لم يكن معها عقليات تكشف حقائقها وإلا وقع فيها غلط كبير … وكذلك كما ظهر إبليس للمشركين في صورة الشيخ النجدي (^٢) وظهر لهم يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فلما رأى الملائكة هرب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ\n_________\n(^١) هو شعيب بن الحسن الأندلسي التلمساني، أبو مدين، كان كبير الصوفية والعارفين في عصره، أصله من الأندلس. أقام بفاس، وسكن (بجاية) وكثر أتباعه حتى خافه السلطان يعقوب المنصور، وقد ذكره شيخ الإسلام مع المشايخ الذين يكفرون القائلين بالحلول والاتحاد ولا يرتضون طريقتهم، وذكره فيمن لا يرتضون السماع البدعي ولا يحضرونه، من مصنفاته \"مفاتيح الغيب\" (ت:٥٩٤ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٢/ ٩٢٢) الوافي بالوفيات (١٦/ ٩٥) مجموع الفتاوى (١١/ ٥٣٤) مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٢٢٧).\n(^٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٤٣) وأبو نعيم في دلائل النبوة (ص:٢٠٠) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٨٧). قال صاحب الصحيح من أحاديث السيرة النبوية (ص: ١٤١): «حديثٌ حسنٌ عدا ذكر إبليس»، وحكم المعلق على الرحيق المختوم على قصة إبليس بأنها واهية وأسانيدها لاتصح. انظر: التعليق على الرحيق المختوم (ص:٩٧).","vol":"1","page":420},{"text":"نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]، وروي عن ابن عباس وغيره قال: تبدى إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾، وأقبل جبريل -﵇- على إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده وولى مدبرًا هو وشيعته، فقال: الرجل يا سراقة! أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، قال ابن عباس: وذلك لما رأى الملائكة. (^١) قال الضحاك: (سار الشيطان معهم برايته وجنوده، وألقى في قلوب المشركين أن أحدًا لن يغلبكم وأنتم تقاتلون على دينكم ودين آبائكم) (^٢).\nوكثير من الناس تحمله الجن إلى مكان بعيد، فتحمل كثيرًا من الناس إلى عرفات وغير عرفات، وإذا رئي واحد من هؤلاء في غير بلده، يكون تارة محمولًا قد حملته الجن، وتارة تصورت على صورته، ولا يكون هذا من أولياء الله المتقين الذين لهم كرامات، بل قد يكون من الكافرين أو الفاسقين، وأعرف من ذلك قضايا كثيرة ليس هذا موضع تفصيلها. وعند المشركين والنصارى من ذلك شيء كثير يظنونه من جنس الآيات التي للأنبياء.\nإنما هي من جنس ما للسحرة والكهان، ومن لم يفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ويفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الصالحين، وبين خوارق السحرة والكهان ومن تقترن بهم الشياطين، وإلا التبس عليه الحق بالباطل، فإما أن يكذب بالحق الذي جاء به الأنبياء الصادقون، وإما أن يصدق بالباطل الذي يقوله الكاذبون والغالطون. وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر، والمقصود هنا\n_________\n(^١) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٧) وابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٦١٢).\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في التفسير (٥/ ١٧١٥)، وروى نحوه الطبري في تفسيره (١٣/ ٧) عن الحسن.","vol":"1","page":421},{"text":"التنبيه على هذا الأصل، وعلماء النصارى يسلمون هذا وعندهم من ذلك أخبار كثيرة من حكايات أولياء الشيطان الذين عارضهم أولياء الرحمن، وأبطلوا أحوالهم كما أبطل موسى -صلوات الله عليه- ما عارضته به السحرة من الخوارق، كما ذكر ذلك في التوراة وكما يذكرونه عن فلان وفلان، مثل حكاية سيمون الساحر (^١) مع الحواريين وغير ذلك وإذا كان هذا معلومًا كان ما يذكرونه من هذا الجنس، إذا كان مخالفًا لما ثبت عن الأنبياء من الشيطان فلا يجوز أن يحتج به على ما يخالف شرائع الأنبياء الثابتة عنهم بل هؤلاء من جنس الدجال الكبير الذي أنذرت به الأنبياء كلهم» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) سيمون الساحر (عاش في القرن الأول الميلادي) كان من السامريين، وصاحب سحر عظيم، وكان أهل سامرة يعتقدون فيه، ثم ادعى الإيمان بالمسيح، وفي صحة إيمانه به خلاف. انظر: أعمال الرسل الإصحاح الثامن (١٣).\n(^٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٣١٨ - ٣٣٣).","vol":"1","page":422},{"text":"ملحق\n• مناظرته مع بعض المتصوفة في تفسير قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]:\nقال شيخ الإسلام -﵀-:\n«وأغرب من هذا ما قاله لي مرة شخص من هؤلاء الغالطين في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] قال: المعنى وما يعلم تأويل (هو) أي اسم \"هو\" الذي يقال فيه: \"هو هو\"، وصنف ابن عربي كتابا في \"الهو\".\nفقلت له -وأنا إذ ذاك صغير جدًا-: لو كان كما تقول؛ لكتبت في المصحف مفصولة، ﴿تأويل هو﴾ ولم تكتب موصولة (^١). وهذا الكلام الذي قاله هذا معلوم الفساد بالاضطرار. وإنما كثير من غالطي المتصوفة لهم مثل هذه التأويلات الباطلة في الكتاب والسنة. وقد يكون المعنى الذي يعنونه صحيحًا؛ لكن لا يدل عليه الكلام وليس هو مراد المتكلم وقد لا يكون صحيحًا. فيقع الغلط تارة في\n_________\n(^١) أي \"تأويله\" لأن الضمير وهو الهاء قد وصل بالكلمة، ولم يكتب منفصلًا \"هو\".","vol":"1","page":423},{"text":"الحكم وتارة في الدليل» (^١).\nوقال ﵀: «وقد صنف صاحب \" الفصوص\" كتابا سماه كتاب \" الهو\" وزعم بعضهم أن قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو الهو، وإن كان هذا مما اتفق المسلمون بل العقلاء على انه من أبين الباطل، فقد يظن ذلك من يظنه من هؤلاء، حتى قلت مرة لبعض من قال شيئًا من ذلك: لو كان هذا ما قلته لكتبت الآية: وما يعلم تأويل (هو) منفصلة» (^٢).\n\n• مناظرته مع بعض اليونسية في احتجاجهم على الردة وقتالهم مع التتر، بأن الرسول ﷺ أمرهم بذلك لكون المسلمين قد عصوا!:\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «ولما جاء قازان وقد أسلم دمشق، انكشفت أمور أخرى فظهر أن اليونسية (^٣) كانوا قد ارتدوا وصاروا كفارا مع الكفار.\nوحضر عندي بعض شيوخهم، واعترف بالردة عن الإسلام، وحدثني بفصول كثيرة.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦٠).\n(^٢) العبودية (١٣٩) الفتاوى الكبرى (٥/ ٢١١)\n* في هذه المناظرة يوضح شيخ الإسلام شيئًا من تأويلات الصوفية الباطلة لنصوص الكتاب والسنة وتحريفهم لمعانيها، دون مستند في الشرع ولا حجة في اللغة.\n(^٣) سبق التعريف بهم.","vol":"1","page":424},{"text":"فقلت له -لما ذكر لي احتجاجهم بما جاءهم من أمر الرسول-: فهب أن المسلمين كأهل بغداد كانوا قد عصوا -وكان في بغداد بضعة عشر بغيًا- فالجيش الكفار المشركون الذين جاءوا كانوا شرًا من هؤلاء؛ فإن هؤلاء كن يزنين اختيارًا، فأخذ أولئك المشركون عشرات الألوف من حرائر المسلمين وسراريهم بغير اختيارهم، وردوهم عن الإسلام إلى الكفر وأظهروا الشرك وعبادة الأصنام ودين النصارى وتعظيم الصليب حتى بقي المسلمون مقهورين مع المشركين وأهل الكتاب، مع تضاعيف ما كان يفعل من المعاصي، فهل يأمر محمد ﷺ بهذا ويرضى بهذا؟!\nفتبين له وقال: لا والله. وأخبرني عن ردة من ارتد من الشيوخ عن الإسلام لما كانت شياطين المشركين تكرههم على الردة في الباطن، وتعذبهم إن لم يرتدوا!\nفقلت: كان هذا لضعف إيمانهم وتوحيدهم، والمادة التي يشهدونها من جهة الرسول، وإلا فالشياطين لا سلطان لهم على قلوب الموحدين، وهذا وأمثاله ما كانوا يعتقدون أنهم شياطين بل أنهم رجال من رجال الغيب الإنس وكلهم الله بتصريف الأمر، فبينت لهم أن رجال الغيب هم الجن كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن:٦] ومن ظن أنهم إنس فمن جهله وغلطه؛ فإن الإنس يؤنسون أي يشهدون ويرون (^١)؛ إنما يحتجب الإنسي أحيانًا لا يكون دائمًا محتجبا عن أبصار الإنس؛ بخلاف الجن فإنهم كما قال الله ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ (٢٧)﴾ [الأعراف:٢٧]» (^٢).\n\n• مناظرته مع بعض الصوفية في بعض اعتقاداتهم الباطلة:\nفي هذه المناظرة يحتج بعض أهل السلوك والتصوف بقصة أخرى من قصصهم المكذوبة المفتراة، ليحتجوا بها على ما يزعمونه من كشوفات وكرامات، ويوضح\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (١٣/ ٦١) ومجمل اللغة لابن فارس (ص:١٠٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢١٦ - ٢١٨).\n*لما كفر جماعة من اليونسية وارتدوا، واحتجوا أن كفرهم إنما هو بسبب ما وقع به المسلمون من الذنوب والمعاصي، ولذلك أمرهم الرسول -على حد زعمهم- بالكفر والردة، وأن يلحقوا الكفار من التتار.\nبين لهم شيخ الإسلام أن ما وقع ويقع به الكفار من المعاصي والقبائح أشد بكثير مما ينقمونه على بعض أهل الإسلام فهم أحق بالانصراف عنهم وتركهم، ووضح لهم أن ما يشاهدونه من كشوفات مزعومة وما يظنونه رجالًا للغيب أو رسولًا يحدثهم، إنما هو شيطان يضلهم عن السبيل، ويدعوهم إلى الكفر والشرك.","vol":"1","page":425},{"text":"لهم شيخ الإسلام بطلان هذه القصة وكذبها من جهة نقلها وصحتها، ومن جهة نكارة متنها وسياقها، وقد سبق بيان طريقتهم في الاحتجاج بالأحاديث المكذوبة، والقصص الواهية الموضوعة، والرد عليها في فصول سابقة فلتراجع.\nنص المناظرة:\nقال شيخ الإسلام ﵀:\n«ويذكرون ما هو أعظم كفرًا من هذه الحكاية: وهو أن الله تعالى أطلع رسوله على سر الأسرار ليلة المعراج، وأمره أن لا يخبر به أحد.\nوأنه رأى أهل الصفة (^١) يتكلمون به!\nفقال لهم: من أين لكم هذا؟\nفقالوا: أخبرنا الله به.\nفقال: يا رب ألم تأمرني أن أكتم هذا السر.\nفقال: أنا أمرتك أن تكتمه وأنا أخبرتهم به.\nوقد ذكر لي هذه الأمور غير واحد من كبار شيوخ هؤلاء، عن غير واحد من شيوخهم الكبار، فبينت لهم كذب هذا، حتى قلت لبعضهم: الصفة إنما كانت بالمدينة، والمعراج كان بمكة فلم يكن ليلة المعراج أحد يذكر أنه من أهل الصفة!» (^٢).\n_________\n(^١) قال ابن حجر: «الصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي، مظلل أعدّ لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل، وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر». فتح الباري (٦/ ٥٩٥) وانظر: معالم أثيرة (ص: ١٦٠).\n(^٢) الرد على البكري (٢/ ٤٨٤).","vol":"1","page":426},{"text":"الفصل الثالث:\nمناظراته مع الرافضة\nواشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول:\nمناظرته مع أحد شيوخ الرافضة في عصمة علي -﵁-.\nالمبحث الثاني:\nمناظرته مع أحد أكابر شيوخ الرافضة في عصمة علي -﵁- والإمامة والمهدي المنتظر.\nملحق:\nمناظرته مع مقدم المغل بولاي في يزيد بن معاوية، ومحبة أهل البيت.\n* * *","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-260>المبحث الأول: مناظرته مع أحد شيوخ الرافضة في عصمة علي -﵁-: واشتمل على مطلبين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-261>المطلب الأول: عرض المناظرة</span>.\n<span data-type='title' id=toc-262>تمهيد:</span>\nتعد جبال الكسروان (^١) معقلًا من أهم معاقل غلاة الشيعة في عصر شيخ الإسلام -﵀-، فقد كان يعيش بها الرافضة الاثنا عشرية والنصيرية والإسماعيلية وغيرهم من الدروز (^٢) والباطنية الخارجين عن الشرعة المحمدية.\nومع ما يحمله هؤلاء القوم في قلوبهم من عقائد خبيثة وأفكار فاسدة، فإنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل ترجموا تلك العقائد بأفعالهم السيئة، فخرجوا على\n_________\n(^١) تقع جبال كسروان غرب وسط لبنان في قضاء كسروان، وهو أحد أقضية محافظة جبل لبنان يمتد من مجرى نهر إبراهيم في الشمال، وحتى مجرى نهر الكلب في الجنوب، ومن شاطئ البحر الأبيض المتوسط في الغرب حتى قمم جبل صنين. من الموسوعة الحرة \"ويكبيديا\" على الشبكة العنكبوتية:  http://cutt.us/DJIJC\n(^٢)  الدروز فرقة من فرق الباطنية الإسماعيلية لهم بدع كثيرة منها: القول بتأليه الحاكم، وأن للشريعة باطنا وظاهرا، والأخذ بدين المجوس، وهم ملاحدة كفار، ينتسبون إلى الرجل الثاني في هذه الفرقة وهو محمد بن إسماعيل الدرزي المشهور بنشتكين المقتول سنة ٤١١ هـ وهو أول من أله الحاكم العبيدي. انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٦١ - ١٦٢) الشيعة والتشيع (ص:٢٣٦).","vol":"1","page":429},{"text":"الإمام، وقطعوا السبل، وأرهبوا الناس، واستولوا على جبل الصالحية (^١)، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وحرقوا المساكن؛\nانتقامًا من أهله؛ لأنهم من أهل السنة، الذين يسمونهم نواصب (^٢).\nوكان هؤلاء القوم من أشد الناس غلوًا في الرفض فمن عقائدهم \"اعتقادهم أن أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر وبيعة الرضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الإسلام وعلماءهم، أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعبادهم، وملوك المسلمين وأجنادهم، وعوام المسلمين وأفرادهم، كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون أكفر من اليهود والنصارى\" (^٣)، ومن \"مسح على الخفين فهو عندهم كافر، ومن حرم المتعة فهو عندهم كافر، ومن أحب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو ترضي عنهم أو عن جماهير الصحابة فهو عندهم كافر، ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر …، وعندهم: من قال: إن الله يرى في الآخرة فهو كافر، ومن قال: إن الله تكلم بالقرآن حقيقة فهو كافر، ومن قال: إن الله فوق السماوات فهو كافر، ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وأن الله يقلب قلوب عباده وأن الله خالق كل شيء فهو عندهم كافر، وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله فهو عندهم كافر\" (^٤)، وكانوا\n_________\n(^١) قال ياقوت الحموي -﵀-: «الصالحية: قرية قرب الرّها من أرض الجزيرة اختطّها عبد الملك بن صالح الهاشمي، وقال الخالدي: قرب الرّقّة، وقال: عندها بطياس ودير زكّى وهو من أنزه المواضع» معجم البلدان (٣/ ٣٨٩).\n(^٢) النواصب أو الناصبة: هم طائفة من الخوارج تتدين ببغض علي بن أبي طالب -﵁ وتنصب له العداوة وتظهر له الخلاف، وتؤذي أهل البيت وتعاديهم، ومن بدعهم إظهار الفرح والاحتفال بيوم عاشوراء، كان منهم جماعة في الكوفة، وعد شيخ الإسلام منهم بعض بني أمية كالحجاج. انظر: جامع المسائل (٥/ ١٥٠، ١٥٢) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٣٠٠) (٣/ ١٥٤) الكليات (ص: ٩٠٦) تاج العروس (٤/ ٢٧٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٠٠)، والعقود الدرية (ص: ٢٠٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٠١ - ٤٠٢)، والعقود الدرية (ص: ٢٠٢).","vol":"1","page":430},{"text":"من المعاونين للكفار والتتار وأعداء المسلمين على الإسلام وأهله، وفيهم \"خلق كثير لا يقرون بصلاة ولا صيام، ولا حج ولا عمرة، ولا يحرمون الميتة والدم ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنة والنار، من جنس الإسماعيلية والنصيرية والحاكمية والباطنية\" (^١)، والعياذ بالله العظيم.\nولما كان حالهم كهذا الحال، فقد ذهب شيخ الإسلام مع وفد من الأعيان والأمراء لاستتابتهم وإقناعهم بالالتزام بالشريعة والطاعة والولاء، ولكنهم أبوا وأصروا على ما هم عليه ولم يستجيبوا لتلك المساعي، فعند ذلك قام شيخ الإسلام -﵀- بحثِّ الولاة والناس على قتالهم، وكتب إلى أطراف الشام في تشجيع الناس على جهادهم والقيام بواجب الله تجاههم، وقام في ذلك خير قيام، حتى اجتمع له خلق كثير من المقاتلين، وخرجت معه العساكر الإسلامية والجيوش الشامية وجهز نائب السلطنة حملة كبيرة توجه بها من دمشق إلى أهل كسروان لقتالهم، كما شارك فيها نائبا طرابلس وصفد (^٢)، وقد كان جبل كسروان من أصعب الجبال وأشقها، وكانت الملوك لا تُقدم على حصار أهله لصعوبة الوصول إليهم ومشقة ذلك، وقد وصف شيخ الإسلام ذلك المكان بقوله: «والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة حتى ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله» (^٣).\nولكن هذا الأمر لم يكن مانعًا لشيخ الإسلام عن قتالهم ولا مثنيًا له عن ذلك، بل قام هو ومن معه من الجيوش الإسلامية بمحاصرة الجبل وأهله، وقتالهم حتى فتح الله عليهم هذا الجبل العصيب، وذلك في عام (٧٠٥ هـ)، وقاموا بإجلاء أهله منه وإخراجهم من ديارهم، وفي أثناء حصارهم لهذا الجبل حدثت لشيخ الإسلام مناظرة مع شيخ من شيوخ هؤلاء القوم في عصمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁-، كما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٠٨)، والعقود الدرية (ص: ٢٠٨).\n(^٢) هي مدينة في جبال عاملة المطلة على حمص بالشام، وهي من جبال لبنان. انظر: معجم البلدان (٣/ ٤١٢) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار (٣/ ٥٤١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٠٨)، والعقود الدرية (ص: ٢٠٣).","vol":"1","page":431},{"text":"ذكر هذه المناظرة ابن عبدالهادي -﵀- في كتابه النفيس (العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية).\n\n<span data-type='title' id=toc-263>نص المناظرة:</span>\nقال ابن عبد الهادي -﵀- تحت عنوان: بحث للشيخ مع أحد الرافضة في عصمة غير الأنبياء: «وحكى أيضًا [أي: شيخ الإسلام -﵀-] أنه تجادل مع كبير من كبراء أهل جبل كسروان، له اطلاع على مذهب الرافضة.\nقال: وكان الجدل والبحث في عصمة الإمام وعدم عصمته، وفي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- معصوم من الكبائر والصغائر، في كل قول وفعل -وهذه دعوى الجَبَلي- وأن الشيخ حاجَّه في أن العصمة لم تثبت إلا للأنبياء -﵈-.\nقال: وإنني قلتُ له: إن عليًا وعبد الله بن مسعود -﵄-، اختلفا في مسائل وقعت، وفتاوى أفتى بها كل منهما، وأن تلك الفتاوى والمسائل عرضت على النبي -ﷺ- فصوب فيها قول ابن مسعود -﵁-.\nهذا معنى كلام الشيخ في حديثه عن المجادلة مع الرافضي الجبليِّ (^١)، وإن اختلفت العبارة انتهى ما ذكره» (^٢) ا. هـ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-264> المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:</span>\nيرى الشيعة الإمامية أن الأئمة الاثني عشر معصومون من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، بل حتى من الخطأ والنسيان والغفلة، وفي ذلك يقول علامتهم المجلسي (^٣): «إنّ أصحابنا الإماميّة أجمعوا على عصمة الأئمّة -صلوات الله\n_________\n(^١) لم يذكر ابن عبد الهادي اسم هذا الشيخ الرافضي، وإنما نسبه للجبل: أي جبل كسروان.\n(^٢) العقود الدرية (ص: ١٩٧).\n(^٣) هو الملا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي، رافضي من ألد أعداء السنة وخصومها، سليط اللسان، فاحش القول، يسمونه خاتمة المجتهدين، له مصنفات بالعربية والفارسية منها: بحار الأنوار، وحياة القلوب وغيرها، (ت: ١١١١ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٦/ ٤٨) معجم المؤلفين (٩/ ٩١) الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير (ص: ٧٣).","vol":"1","page":432},{"text":"عليهم- من الذّنوب الصّغيرة والكبيرة عمدًا وخطأ ونسيانًا من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله ﷿» (^١).\nوتعتبر عقيدة العصمة من أهم الأسس التي بنى عليها الإمامية معتقدهم، وبنوا عليها القول بإمامة الاثني عشر إمامًا، وتلقيهم الشرع عن الله، ووجوب طاعة الخلق لهم كطاعة الله ورسوله، وجعل ما يقولونه ويعملونه من أعمال تشريعًا للخلق كآيات الله ﷿ وأحاديث النبي -ﷺ-، وغيرها من الأمور الكثيرة المبنية على هذه العقيدة الباطلة، ولذلك فقد اعتنى شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في ردوده على الرافضة ببيان بطلان هذه العقيدة وتناقض أهلها؛ لأن نقض هذه العقيدة يعتبر نقضًا لأسس الرافضة التي يقوم عليها مذهبهم، ومن هذا الاعتناء هذه المناظرة والمحاورة مع هذا الشيخ الرافضي لبيان فساد هذه العقيدة وبطلانها. مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أصل شبهتهم في قولهم بالعصمة:\nالعقيدة الباطلة التي ينشئها الناس من تلقاء أنفسهم، لا بد أن تجر معها عقائد أفسد منها أو مثلها فسادًا، فالباطل لا يولِّدُ إلا باطلا، ولما كانت فرية الاثني عشر إمامًا التي اختلقها الرافضة من تلقاء أنفسهم وجعلوها أُس عقيدتهم وأصل ديانتهم عقيدة باطلة، ليس لها ولا عليها مستند شرعي ولا نص قطعي من كتاب ولا سنة، فقد احتاجوا لتقريرها وتمريرها إلى اختلاق عقائد أخرى ومن أعظمها عقيدة العصمة، فقالوا: إن الإمام لا بد أن يكون معصومًا لأمور أربعة:\nأولها: أن الإمام قائم مقام النبي، بل هو كالنبي في قيامه على الأمة ومراعاة شؤونها ومصالحها الدينية والدنيوية، ولما كان قائمًا مقام النبي لزم أن يكون معصومًا مثله.\n_________\n(^١) بحار الأنوار (٢٥/ ٣٥٠ - ٣٥١)، وانظر أيضا البحار (٢٥/ ٢١١)، ومرآة العقول (٤/ ٣٥٢)، وميزان الحكمة الباب (٧٤).","vol":"1","page":433},{"text":"ثانيها: أن طاعة الإمام واجبة كطاعة النبي، فلزم أن يكون معصومًا، فلو أمكن أن يخطئ لكنا مأمورين بمتابعته وطاعته على الخطأ وهذا محال.\nثالثها: أن مفهوم الإمام يتضمن معنى العصمة؛ لأن الإمام لغة هو المؤتم به المقتدى به، فإذا جوزنا الذنب عليه فإما أن يلزمنا الاقتداء به في الخطأ وهذا مُنْتَف، وإما أن يلزمنا عدم الاقتداء به فلا يكون إماما بهذا الاعتبار.\nرابعها: أن الأمة كلها معرضة للخطأ والضلال، فلا بد لها من عاصم يعصمها من ذلك ويسدد خطأها وذلك هو الإمام، إذ لو لم يكن معصومًا لافتقر إلى إمام آخر معصوم فيلزم التسلسل (^١).\nوبهذا كله يتبين لك أصل شبهة هؤلاء القوم، وأصل عقيدتهم الفاسدة في العصمة، التي بنوها على هذه الأمور المذكورة، والإلزامات المطروحة، التي هي في الحقيقة حججٌ متهافتة، وأطروحات باطلة، اخترعها القوم ليبرروا باطلهم لا غير.\nحججٌ تهافتُ كالزجُاج تخالها … شيئًا وكل كاسر مكسور\nالوجه الثاني: الرد على الشبهة:\nإن رد مثل هذه العقيدة الفاسدة يطول؛ وذلك لكثرة الأجوبة التي توضح فسادها وتظهر ضعفها وبطلانها، فهي في الحقيقية عقيدة منافية مضادة لأسس الدين ومبادئه، ومبنية على عقائد باطلة مثلها، وما بُني على باطل فهو باطل، وقد بين شيخ الإسلام فساد هذه العقيدة في مختلف كتبه ورسائله من وجوه عديدة أهمها ما يلي:\n١) أن كل ما ذكروه من أدلة تؤكد حاجة الأمة إلى معصوم قد تحققت برسول الله -ﷺ-، فالرسول -ﷺ- هو المعصوم الذي تجب طاعته في كل زمان وكل\n_________\n(^١) انظر: عقائد الإمامية للزنجاني (ص: ٧٧)، أصول التشيع (ص: ١٣١)، منهاج السنة (٦/ ٣٨٤).","vol":"1","page":434},{"text":"مكان وعلى كل أحد، وعلم الأمة بأوامره ونواهيه أتم من علم آحاد الرعية بالأئمة المذكورين وأوامرهم ونواهيهم، فعند الأمة من معرفة شرعه وهديه ما يغنيها عن كل إمام سواه (^١)، وقد أمر الله بالرجوع للكتاب والسنة عند التنازع والاختلاف، ولم يأمر بردها إلى إمام أو نحوه، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] (^٢).\n٢) أن الله ﷿ قد بين أن الحجة قد قامت على الخلق بالرسل، كما قال الله سبحانه مبينًا ذلك: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥]، ولو كانت الأمة محتاجة للأئمة كحاجتها للرسل وكان وجود الرسل غير مغنٍ للناس عن الأئمة وغيرهم، لما كانت الحجة قائمة بهم كما أخبر الله في هذه الآية (^٣).\n٣) أن الأمة معصومة بكتاب ربها وسنة نبيها ولا تجتمع على ضلالة، وعصمة الأمة جميعًا مغنية عما ادعيتموه وأوجبتموه من عصمة الأئمة، فلا يمكن لأحد أن يبدل شيئًا من الدين إلا أقام الله من يبين خطأه فيما بدله، فيبقى الدين محفوظًا مصونًا من الخلل والتحريف ومن الزيادة والخطأ والنقصان (^٤).\n٤) أن الأمور والأدلة والمقاصد التي أوجبوا من أجلها عصمة الإمام لا تتحقق فيمن جعلوهم أئمة، فأدلتهم التي استدلوا بها، هي نفسها دليل عليهم، فهي تبطل إمامة من جعلوهم أئمة؛ لعدم تحقق مقاصد الإمامة بهم، وأوضح مثال يبرهن على ذلك: إمامهم الغائب المفقود، الذي لم يصحح عملًا ولا سدد خطأ، ولا عُرِف له خبر، ولا رؤي له أثر، فأيُّ معنًى في عصمته، وأي فائدةٍ من ذلك؟! (^٥).\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٨٤).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٠٥).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ٦٦).\n(^٤) انظر منهاج السنة النبوية (٦/ ٤٠٩)، المنتقى مختصر منهاج السنة (٤١٠).\n(^٥) انظر: منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٨٦)، (٥/ ٤٦٧).","vol":"1","page":435},{"text":"٥) أن هذه العصمة المزعومة للأئمة الاثني عشر، لا دليل عليها من كتاب الله أو من سنة رسوله -ﷺ- أو من إجماع السلف الصالح -رضوان الله عليهم-، بل هي عقيدة مختلقة مفتراة من الرافضة أنفسهم، لا يدل عليها نقل صريح ولا عقل صحيح! (^١).\n٦) اختلاف الشيعة أنفسهم في أصول الدين وفروعه، بل حتى في الأئمة أنفسهم وتحديد أعيانهم، دليل واضح على بطلان هذه العقيدة، إذ أن من أهم واجبات المعصوم عصمة أتباعه من الخلاف والاختلاف، فإذا لم يعصمهم من ذلك فكيف يعصم غيرهم وما المصلحة من الإيمان بعصمته؟! (^٢).\n٧) إذا كان المقصود من العصمة هو ما ذُكر من إزالة الظلم والشر، فيجب أن يكون في كل بلد إمام معصوم؛ لأن حاجة جميع المدائن للمعصوم واحدة، فجعلُها في مكان دون مكان تحكم لا دليل عليه (^٣).\n٨) أن \"حاجة الإنسان إلى تدبير بدنه بنفسه، أعظم من حاجة المدينة إلى رئيسها، وإذا كان الله تعالى لم يخلق نفس الإنسان معصومة، فكيف يجب عليه أن يخلق رئيسًا معصومًا؟ مع أن الإنسان يمكنه أن يكفر بباطنه، ويعصي بباطنه، وينفرد بأمور كثيرة من الظلم والفساد، والمعصوم لا يعلمها، وإن علمها لا يقدر على إزالتها، فإذا لم يجب هذا فكيف يجب ذاك؟ \" (^٤).\n٩) ومما يدل على بطلان ما ادعوه من عصمة للأئمة الاثني عشر، أن الأئمة أنفسهم كان يخالف بعضهم بعضًا ولو كانوا معصومين لامتنع اختلافهم، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد كان علي وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضًا في العلم والفتيا كما يخالف سائر أهل العلم بعضهم بعضًا، ولو كانوا معصومين\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٣/ ٣٧٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ٣٩٠).\n(^٣) انظر: منهاج السنة (٦/ ٤٠٠).\n(^٤) منهاج السنة النبوية (٦/ ٤٠٧).","vol":"1","page":436},{"text":"لكان مخالفة المعصوم للمعصوم ممتنعة، وقد كان الحسن في أمر القتال يخالف أباه ويكره كثيرًا مما يفعله ويرجع علي -﵁- في آخر الأمر إلى رأيه وتبين له في آخر عمره أن لو فعل غير الذي كان فعله لكان هو الأصوب …، وقد وصى الحسن أخاه الحسين بأن لا يطيع أهل العراق ولا يطلب هذا الأمر وأشار عليه بذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يتولاه ويحبه، ورأوا أن مصلحته ومصلحة المسلمين ألا يذهب إليهم، ولا يجيبهم إلى ما قالوه من المجيء إليهم والقتال معهم؛ وإن كان هذا هو المصلحة له وللمسلمين، ولكنه ﵁ فعل ما رآه مصلحة والرأي يصيب ويخطئ، والمعصوم ليس لأحد أن يخالفه؛ وليس له أن يخالف معصومًا آخر؛ إلا أن يكونا على شريعتين كالرسولين ومعلوم أن شريعتهما واحدة» (^١).\n١٠) تراجع الإمام عن قوله دليل واضح على عدم عصمته، وقد ثبت عن علي -﵁- التراجع عن مسائل كثيرة، منها: رجوعه عن خطبة بنت أبي جهل (^٢) و\"قوله في أمهات الأولاد فإن له فيها قولين: أحدهما المنع من بيعهن، والثاني إباحة ذلك. والمعصوم لا يكون له قولان متناقضان\" (^٣).\n١١) وأما قولهم: بأنه لو لم يكن الإمام معصومًا لافتقر إلى إمام آخر؛ لأن العلة المحوجة إلى الإمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلو جاز الخطأ عليه لاحتاج إلى إمام آخر فيلزم التسلسل.\nفقد أجاب عنه شيخ الإسلام بما لا مزيد عليه فقال: «لِمَ لا يجوز أن يكون إذا أخطأ الإمام كان في الأمة من ينبهه على الخطأ، بحيث لا يحصل اتفاق المجموع على الخطأ، لكن إذا أخطأ بعض الأمة، نبهه الإمام أو نائبه أو غيره، وإن أخطأ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٢) انظر: منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٩)، وقد روى الحديث ابن ماجه في سننه (١٩٩٩)، وأحمد في فضائل الصحابة (١٣٢٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٢٦).","vol":"1","page":437},{"text":"الإمام أو نائبه نبهه آخر كذلك، وتكون العصمة ثابتة للمجموع، لا لكل واحد من الأفراد، كما يقوله أهل الجماعة؟\nوهذا كما أن كل واحد من أهل خبر التواتر يجوز عليه الخطأ، وربما جاز عليه تعمد الكذب، لكن المجموع لا يجوز عليهم ذلك في العادة. وكذلك الناظرون إلى الهلال أو غيره من الأشياء الدقيقة، قد يجوز الغلط على الواحد منهم، ولا يجوز على العدد الكثير وكذلك الناظرون في الحساب والهندسة، ويجوز على الواحد منهم الغلط في مسألة أو مسألتين، فأما إذا كثر أهل المعرفة بذلك امتنع في العادة غلطهم.\nومن المعلوم أن ثبوت العصمة لقوم اتفقت كلمتهم، أقرب إلى العقل والوجود من ثبوتها لواحد. فإن كانت العصمة لا تمكن للعدد الكثير، في حال اجتماعهم على الشيء المعين، فأن لا تمكن للواحد أولى وإن أمكنت للواحد مفردًا; فلأن تمكن له ولأمثاله مجتمعين بطريق الأولى والأحرى.\nفعلم أن إثبات العصمة للمجموع أولى من إثباتها للواحد، وبهذه العصمة يحصل المقصود المطلوب من عصمة الإمام، فلا تتعين عصمة الإمام.\nومن جهل الرافضة أنهم يوجبون عصمة واحد من المسلمين، ويجوزون على مجموع المسلمين الخطأ إذا لم يكن فيهم واحد معصوم. والمعقول الصريح يشهد أن العلماء الكثيرين، مع اختلاف اجتهاداتهم، إذا اتفقوا على قول كان أولى بالصواب من واحد، وأنه إذا أمكن حصول العلم بخبر واحد، فحصوله بالأخبار المتواترة أولى.\nومما يبين ذلك أن الإمام شريك الناس في المصالح العامة، إذ كان هو وحده لا يقدر أن يفعلها، إلا أن يشترك هو وهم فيها، فلا يمكنه أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولا يوفيها، ولا يجاهد عدوًا إلا أن يعينوه، بل لا يمكنه أن يصلي بهم جمعة ولا جماعة إن لم يصلوا معه، ولا يمكن أن يفعلوا ما يأمرهم به إلا بقواهم وإرادتهم. فإذا كانوا مشاركين له في الفعل والقدرة، لا ينفرد عنهم بذلك، فكذلك","vol":"1","page":438},{"text":"العلم والرأي لا يجب أن ينفرد به بل يشاركهم فيه، فيعاونهم ويعاونونه، وكما أن قدرته تعجز إلا بمعاونتهم، فكذلك علمه يعجز إلا بمعاونتهم» (^١).\n١٢) مما استدل به شيخ الإسلام على نفي العصمة عن علي بن أبي طالب -﵁- ما ثبت من وقوع الخلاف بينه وبين ابن مسعود -﵁- في مسائل عدة، عرضت على النبي -ﷺ-، فصوب فيها قول ابن مسعود -﵁-، مما يدل على وقوع علي -﵁- في الخطأ وعدم عصمته من ذلك (^٢). وقد \"كان الشافعي -﵁- يناظر بعض فقهاء الكوفة في مسائل الفقه فيحتجون عليه بقول علي فصنف كتاب (اختلاف علي وعبد الله بن مسعود) (^٣)، وبين فيه مسائل كثيرة تُركت من قولهما؛ لمجيء السنة بخلافه، وصنف بعده محمد بن نصر المروزي (^٤) كتابًا أكبرَ من ذلك\" (^٥)، وضرب شيخ الإسلام بعض الأمثلة التي تُرِكَ فيها قول علي -﵁- لمخالفته للمنصوص عن النبي - -ﷺ-:\nأ. منها \"أن المعتدة المتوفى عنها إذا كانت حاملًا فإنها تعتدُّ أبعدَ الأجلين، ويروى ذلك عن ابن عباس أيضًا واتفقت أئمة الفتيا على قول عثمان وابن مسعود وغيرهما في ذلك وهو أنها إذا وضعت حملها حلت لما ثبت عن النبي -ﷺ-: أن سبيعة الأسلمية (^٦) كانت قد وضعت بعد زوجها بليال فدخل عليها أبو السنابل\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٦/ ٤٨٠ - ٤٠٩ - ٤١٠) وطبعتي (٤/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٢) انظر: العقود الدرية (١٩٧).\n(^٣) وهذا الكتاب مطبوع ضمن كتاب الأم (٩/ ١ - ٧٠).\n(^٤) هو أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، إمام في الفقه والحديث والسنة، كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة فمن بعدهم في الأحكام، له مصنفات منها: تعظيم قدر الصلاة، قيام رمضان وغيرها، (ت: ٢٩٤ هـ). انظر: السير (١٤/ ٣٣)، تهذيب التهذيب (٩/ ٤٨٩).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٢٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣١٤)، منهاج السنة (٦/ ٢٩ - ٣٠) وبغية المرتاد (ص:٥٠٠).\n(^٦) هي امرأة سعد بن خولة، توفي عنها بمكة، فقال لها أبو السنابل بن بعكك: إن أجلك أربعة أشهر وعشر، وقد كانت وضعت بعد وفاة زوجها بليال وتهيأت للخطّاب، فأنكر عليها أبو السنابل، وقال: حتى تعتدّي أربعة أشهر وعشرا، فسألت النبيّ ﷺ، فأعلمها أن قد حللت. روى عنها فقهاء أهل المدينة وفقهاء أهل الكوفة من التابعين حديثها هذا. انظر: الاستيعاب (٤/ ١٨٥٩) والإصابة (٨/ ١٧١).","vol":"1","page":439},{"text":"بن بعكك (^١) فقال: ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرًا، فسألت النبي -ﷺ- عن ذلك؟ فقال: (كذب أبو السنابل، حللت فانكحي) (^٢) فكذَّب النبي -ﷺ- من قال بهذه الفتيا» (^٣).\nب. ومنها حكمه في \"المفوضة التي تزوجها زوجها ومات عنها ولم يفرض لها مهرًا قال فيها علي وابن عباس: إنها لا مهر لها. وأفتى فيها ابن مسعود وغيره: أن لها مهر المثل. فقام رجل من أشجع فقال: (نشهد أن رسول الله -ﷺ- قضى في بروع بنت واشق (^٤) بمثل ما قضيت به في هذه) (^٥) \" (^٦).\nت. ومنها \"قوله: إن المخيرة إذا اختارت زوجها فهي واحدة، مع أن رسول الله -ﷺ- خير نساءه (^٧)، ولم يكن ذلك طلاقًا\" (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) هو أبو السنابل بن بعكك -بوزن جعفر- بن الحارث ابن عبد الدار القرشي العبدري، واسمه صبّة بموحدة، وقيل بنون، وقيل عمرو، وقيل عامر، وقيل أصرم، وقيل \"لبيد ربه\" بالإضافة، وهو من مسلمة الفتح، وأمه عمرة بنت أوس، وذكروا أنه كان ممن خطب سبيعة وأنه تزوّجها بعد ذلك. انظر: الاستيعاب (٤/ ١٦٨٤) والإصابة (٧/ ١٦٢).\n(^٢) رواه البخاري كتاب الطلاق (٥٣١٨)، ومسلم كتاب الطلاق (١٤٨٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٢٥).\n(^٤) هي بروع بنت واشق الرؤاسية الكلابية، أو الأشجعية، زوج هلال بن مرة. مات عنها زوجها هلال بن مرة الأشجعي، ولم يفرض لها صداقا. فقضى لها رسول الله ﷺ بمثل صداق نسائها. انظر: الاستيعاب (٤/ ١٧٩٥) الإصابة (٨/ ٤٩)\n(^٥) رواه أبو داود (٢١١٥)، والترمذي (١١٤٥)، وابن ماجه (١٨٩١) وصححه الألباني في الإرواء (٦/ ٣٥٨).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٢٥).\n(^٧) رواه البخاري، كتاب الطلاق، باب من خير نساءه (٥٢٦٢)، مسلم، كتاب الطلاق (١٤٧٧).\n(^٨) منهاج السنة (٦/ ٢٩).\n(^٩) ومن أوجه الرد على عقيدة العصمة المزعومة أنَّ كتب الرافضة ومصادرهم وأصولهم قد دلت بنفسها على بطلان هذه العقيدة، وذلك من وجوه كثيرة منها:\nالآثار الواردة في نفي الأئمة لهذا الشيء عن أنفسهم، وتصريحهم بأنهم يخطئون، ومن =","vol":"1","page":440},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ذلك ما جاء في نهج البلاغة أن عليًا ﵁ قال: «إني لست آمن أن أخطئ»، وقوله: «فإني لست في نفسي فوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي»، وقول جعفر الصادق -﵀-: «إنا لنذنب ونسيء ثم نتوب إلى الله متابًا» بحار الأنوار للمجلسي (٢٥/ ٢٠٧)، وقول موسى الكاظم: «ربي عصيتك بلساني ولو شئت وعزتك لأخرستني …» البحار (٢٥/ ٣). وغير هذا الكثير.\nالآثار الواردة في عدم اشتراط الأئمة للعصمة في الإمامة، ومن ذلك ما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ من عدم اشتراطها بل وبيانه أنه لا بد للناس من أمير برًا كان أو فاجرًا حيث قال كما في نهج البلاغة: «لا بد للناس من أميرٍ برٍ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي» نهج البلاغة (ص: ٨٢).\nالآثار الواردة في استغفارهم من الذنوب وهي كثيرة جدًا، ولو كانوا معصومين -كما تقول الرافضة- لما كانت لهم ذنوب يستغفرون منها، ولكان استغفارهم من الذنوب عبثًا.\nاختلاف الأئمة أنفسهم في الفتاوى والأحكام والآراء والمواقف يدل على عدم العصمة؛ لأن العصمة تقتضي اتحاد القول وعدم اختلافه، وأبرز مثال واضح على ذلك ما جرى من اختلاف بين الحسن والحسين في الصلح مع معاوية وتسليم الحكم له، وما جرى من خلاف بينهم في طريقة التعامل مع حكام بني أمية فأحدهما بايع وصالح مع القدرة على القتال، والآخر لم يبايع وقاتل مع القدرة على الصلح وحقن الدماء. انظر: أصول الدين لعبد القاهر البغدادي (ص: ٧٢).\nأن هذه العقيدة لم تكن عند متقدمي الشيعة، وإنما ظهرت في المتأخرين، بل إن الروايات الواردة عن المتقدمين تخالف هذه العقيدة وتدل على بطلانها، فهي إنما ظهرت متأخرة عن عصر الأئمة كما جاء في بحار الأنوار (٢٥/ ٣٥٠) عندما قيل للرّضا -وهو الإمام الثّامن الذي تّدعي الشيعة عصمته-: \"إنّ في الكوفة قومًا يزعمون أنّ النّبيّ -ﷺ- لم يقع عليه السّهو في صلاته، فقال: كذبوا -لعنهم الله-؛ إنّ الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو\" وانظر: من لا يحضره الفقيه (١/ ٢٣٤).","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type='title' id=toc-265>المبحث الثاني: مناظرته مع أحد أكابر شيوخ الرافضة في عصمة الإمام علي -﵁- والإمامة والمهدي المنتظر</span>\nواشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-266>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-267>تمهيد:</span>\nذكر شيخ الإسلام -﵀- هذه المناظرة أثناء رده على ما قرره ابن المطهر الحِلّي (^١) من أن الإمامة هي أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين، وقد رد عليه شيخ الإسلام من تسعة أوجه فنَّد فيها قوله وأبطله، وبين فساده بأحسن تفصيل وأفضل بيان، وأجاب خلال رده على كثير مما قد يورده الرافضة من إيرادات وشبه، وكشف عن فسادها وضعفها وتناقض أصحابها بما لا مزيد عليه.\nوكان من أقوى الأوجه التي رد بها شيخ الإسلام -﵀- على هذا الكلام الوجه الثالث؛ الذي بين فيه سبب اعتقاد الرافضة لمثل هذا الاعتقاد، وأساس هذا القول\n_________\n(^١) هو الحسن -ويقال: الحسين- بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، جمال الدين، ويعرف بالعلامة: من أئمة الرافضة، وأحد كبار علمائهم، له مصنفات عدة، منها: (منهاج الهداية)، و(كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين) وغيرها، رد عليه شيخ الإسلام في منهاج السنة، (ت: ٧٢٦ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٢/ ٧١)، لسان الميزان (٢/ ٣١٧).","vol":"1","page":442},{"text":"عندهم، وأصل شبهتهم في هذا الباب.\nفذكر ﵀ أن الإمامة إنما كانت أشرف مسائل الدين عندهم؛ لما تحققه من اللطف والمصلحة في الدين والدنيا، ثم بين ﵀ أن هذا الأمر غير متحقق فيما يعتقدونه من إمامة، فهم في الحقيقة لا يستفيدون منها شيئًا لا في دين ولا دنيا؛ وذلك لأنهم يعلقون إمامتهم بإمام غائبٍ مفقود لم يروا له أثرًا، ولم يسمعوا منه خبرًا (^١).\nثم ذكر -﵀- أنه قد جرت له مناظرة تتعلق بهذا الأمر مع أحد شيوخهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-268>نص المناظرة:</span>\nقال ﵀: «ولقد طلب مني أكابر شيوخهم الفضلاء أن يخلو بي، وأتكلم معه في ذلك، فخلوت به، وقررت له ما يقولونه في هذا الباب، كقولهم: إن الله أمر العباد ونهاهم لينالوا به بعض مقاصدهم، فيجب أن يفعل بهم اللطف الذي يكونون عنده أقرب إلى فعل الواجب، وترك القبيح؛ لأن من دعا شخصًا ليأكل طعامه، فإذا كان مُراده الأكل فَعَلَ ما يُعين على ذلك من الأسباب كتلقيه بالبشرِ، وإجلاسه في مجلس يناسبه، وأمثال ذلك، وإن لم يكن مراده أن يأكل، عبس في وجهه، وأغلق الباب، ونحو ذلك، وهذا أخذوه من المعتزلة (^٢) ليس هو من أصول شيوخهم القدماء.\nثم قالوا: والإمام لطف؛ لأن الناس إذا كان لهم إمام يأمرهم بالواجب، وينهاهم عن القبيح كانوا أقرب إلى فعل المأمور، وترك المحظور، فيجب أن\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة (١/ ٧٣ - ١٠١).\n(^٢) المعتزلة: فرقة من أشهر الفرق الكلامية، ويسمون القدرية والعدلية، سموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري في صاحب الكبيرة، وهم فرق متعددة يجمعها القول بالأصول الخمسة: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انظر: مقالات الإِسلاميين (١/ ٢٣٥)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٣)، التبصير في الدين للإسفراييني (ص: ٦٣).","vol":"1","page":443},{"text":"يكون لهم إمام، ولا بد أن يكون معصوما؛ لأنه إذا لم يكن معصومًا لم يحصل به المقصود، ولم تُدَّعّ العصمة لأحد بعد النبي -ﷺ- إلا لعلي، فتعين أن يكون هو إياه للإجماع على انتفاء ما سواه، وبسطت له العبارة في هذه المعاني.\nثم قالوا: وعلي نص على الحسن، والحسن على الحسين إلى أن انتهت النوبة إلى المنتظر محمد بن الحسن صاحب السرداب الغائب (^١)؛ فاعترف بأن هذا تقرير مذهبهم على غاية الكمال.\nقلت له: فأنا وأنت طالبان للعلم، والحق، والهدى، وهم يقولون: من لم يؤمن بالمنتظر فهو كافر، فهذا المنتظر هل رأيته؟ أو رأيت من رآه؟ أو سمعت له بخبر؟ أو تعرف شيئًا من كلامه الذي قاله هو؟ أو ما أمر به، أو ما نهى عنه مأخوذا عنه، كما يؤخذ عن الأئمة؟ قال: لا.\nقلت: فأي فائدة في إيماننا هذا؟ وأي لطف يحصل لنا بهذا، ثم كيف يجوز أن يكلفنا الله بطاعة شخص، ونحن لا نعلم ما يأمر به، ولا ما ينهانا عنه، ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك بوجه من الوجوه؟\nوهم من أشد الناس إنكارًا لتكليف ما لا يطاق، فهل يكون في تكليف ما لا يطاق أبلغ من هذا؟!\nفقال: إثبات هذا مبني على تلك المقدمات.\nقلت: لكن المقصود لنا من تلك المقدمات هو ما يتعلق بنا نحن، وإلا فما علينا مما مضى إذا لم يتعلق بنا منه أمر ولا نهي، وإذا كان كلامنا في تلك المقدمات لا يُحصل لنا فائدة ولا لطفا، ولا يُفيدنا إلا تكليف ما لا يقدر عليه عُلِمَ أن الإيمان بهذا المنتظر من باب الجهل، والضلال لا من باب المصلحة واللطف.\n_________\n(^١) هو محمد الحسن بن علي العسكري، يزعم الرافضة أنه ولد سنة ٢٥٥ هـ، أو ٢٥٦ هـ،  ويقولون بحياته إلى اليوم، وهو الإمام الثاني عشر من أئمة الاثني عشرية. انظر: أصول الكافي للكليني (١/ ٤٥٢)، مقالات الإسلاميين (٩٠/ ٩١)، الملل والنحل (١/ ١٦٩)، أصول مذهب الشيعة لناصر قفاري (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":444},{"text":"والذي عند الإمامية من النقل عن الأئمة الموتى: إن كان حقا يحصل به سعادتهم، فلا حاجة بهم إلى المنتظر، وإن كان باطلا، فهم أيضا لم ينتفعوا بالمنتظر في رد هذا الباطل، فلم ينتفعوا بالمنتظر لا في إثبات حق، ولا في نفي باطل، ولا أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر، ولم يحصل لواحد منهم به شيء من المصلحة، واللطف المطلوب من الإمامة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-269>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة:</span>\nتعتبر عقيدة الإمامة هي أكبر عقائد الرافضة وأجلها وأهمها عندهم على الإطلاق، بل إن كل عقيدةٍ أحدثها الرافضة؛ فإنما وضعوها لتمرير هذه العقيدة، أو للتأكيد على صحتها، أو للرد على الشبهات المثارة حولها.\nوهي عندهم من الأهمية بمكان، حتى جعلوها منصبًا إلهيًا، ونص كثير من علمائهم على أنها تفوق مرتبة النبوة والرسالة (^٢)، وروى الكليني (^٣) ما يدل على أنها أعظم أركان الإسلام وأجلها (^٤)، وقد اختصر ذلك ابن مطهر الحلي بقوله: «إن الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين» (^٥).\nوهدم هذه العقيدة وبيان زيفها يعني بالطبع هدم دين الرافضة من أساسه، وإبطال معتقدهم كله؛ ولذلك فقد اعتنى شيخ الإسلام بذلك غاية الاعتناء، وتجد ذلك واضحًا وملموسًا في كتابه العظيم منهاج السنة النبوية، فقد أولى شيخ الإسلام\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (١/ ١٠١ - ١٠٣).\n(^٢) انظر: زهر الربيع لنعمة الله الجزائري (ص: ١٢)، ودايع النبوة لهادي الطهراني (ص: ١١٤)، نقلًا عن أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد - (٢/ ٦٥٦).\n(^٣) هو أبو جعفر، محمد بن يعقوب بن إسحاق، أبو جعفر الكليني، رافضي إمامي، له مصنفات منها: (الكافي في علم الدين)، (رسائل الأئمة) وغيرها، (ت: ٣٢٩ هـ). انظر: السير (١٥/ ٢٨٠) الوافي بالوفيات (٥/ ٢٢٦).\n(^٤) انظر: أصول الكافي (٢/ ١٨).\n(^٥) منهاج السنة النبوية (١/ ٧٣).","vol":"1","page":445},{"text":"هذه المسألة غاية الاهتمام، وبين بمختلف الأدلة العقلية والنقلية بطلانها وعدم صحتها، وكما يُلاحظُ في مناظرته هذه للشيخ الرافضي، فقد بين له طريقة الرافضة في تقرير هذه العقيدة ومسلكهم في ذلك، ثم بين فساد ما توصلوا إليه في تقرير هذه العقيدة.\nوسأقوم في دراستي لهذه المناظرة ببيان وتوضيح ما ذكره ﵀ في أصل الشبهة عندهم، ثم ذكر الرد عليها وتفنيد ما جاء فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-270>مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة</span>، وذلك من وجهين:\n<span data-type='title' id=toc-271>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nهذه الشبهة التي بنى عليها الرافضة عقيدتهم في الإمامة والتي ناقش فيها شيخ الإسلام هذا الشيخ الرافضي، مبنية على عدة أمور:\nأولها: إيجاب اللطف من الله على عباده:\nحيث يقرر الرافضة \"أن الله أمر العباد، ونهاهم لينالوا به بعض مقاصدهم\" فلذلك \"يجب عليه أن يفعل أصلح ما يقدر عليه للعباد في دينهم ودنياهم\" (^١)، ويجب أن يفعل بهم اللطف الذي يكونون عنده أقرب إلى فعل الصلاح والإتيان بالمأمور وأبعد عن الفساد والوقوع في المحظور (^٢).\nوقد وضح شيخ الإسلام أثناء تقريره هذه المقدمة لهذا الشيخ الرافضي هذا الأمر بمثال يضربونه حول هذا الموضوع وهو \"أن من دعا شخصًا ليأكل طعامه، فإذا كان مراده الأكل فعلَ ما يُعين على ذلك من الأسباب: كتلقيه بالبشر، وإجلاسه في مجلس يناسبه، وأمثال ذلك. وإن لم يكن مُراده أن يأكل عبس في وجهه، وأغلق الباب، ونحو ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) منهاج السنة (٧/ ٤٠٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ٣٨٩).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ١٠١).","vol":"1","page":446},{"text":"وقد بين شيخ الإسلام -﵀أن هذه المسألة قد أخذوها من قول المعتزلة بوجوب الأصلح على الله (^١).\nثانيها: أن الإمام المعصوم من اللطف الواجب على الله:\nيعتقد الرافضة أن من اللطف الواجب على الله لعباده وجود إمام معصوم يطيعه الناس في كل زمن ويتبعونه، وذلك أن الله إنما أمر الناس ونهاهم ليكونوا أقرب لرحمته وينالوا بهذا بعض مقاصدهم، ومن المعلوم أن الناس إذا كان لهم إمام يأمرهم بالواجب، وينهاهم عن القبيح كانوا أقرب إلى فعل المأمور، وترك المحظور، و\"أن الجماعة متى كان لهم رئيسٌ مَهيبٌ مطاعٌ مُتصرفٌ مُنبسطُ اليد كانوا بوجوده أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإذا لم يكن لهم رئيس وقع الهرج والمرج بينهم، وكانوا عن الصلاح أبعد، ومن الفساد أقرب\" (^٢)، فتحصل أن وجوده من اللطف بالمكلفين واللطف بالعباد واجب على الله، فتكون الإمامة واجبة (^٣).\nواشترطوا في الإمام العصمة؛ لأن مقصود اللطف لا يحصل إلا بها، إذ لو لم يكن معصومًا لجازَ أن يأمر العباد بما يبعدهم من الله ولا يقربهم، وهذا خلاف اللطف والمصلحة المقصودة (^٤).\nثالثها: هذا الإمام المعصوم الذي يجب الإيمان به هو علي بن أبي طالب والأئمة الاثني عشر بعده وآخرهم الإمام المنتظر محمد بن الحسن العسكري.\nوهذه هي النتيجة التي يتوصل لها الرافضة من خلال المقدمتين السابقتين، ويبنون عليها دينهم، فبعد أن قرروا وجوب الإمامة ووجوب كون الإمام معصومًا، قرروا أن هذا الأمر لا يتحقق إلا في علي ومن بعده؛ وذلك لأن\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ١٠١)، (٦/ ٣٨٩).\n(^٢) منهاج السنة (٦/ ٣٨٨).\n(^٣) انظر: المصد السابق (١/ ١٠١ - ١٠٢)، (٦/ ٣٨٨).\n(^٤) انظر المصدر السابق (١/ ١٠٢) (٦/ ٣٩٠).","vol":"1","page":447},{"text":"المعصوم يجب أن يكون معلومًا بالنص، إذ لا طريق إلى العلم بالعصمة إلا النص.\nثم قالوا: ولا منصوص عليه بعد النبي -ﷺ- إلا علي؛ لأنه ليس في الأمة من ادعى النص لغيره؛ فلو لم يكن هو منصوصًا عليه لزم إجماع الأمة على الباطل.\nثم قالوا: وعلي نص على الحسن، والحسن نص على الحسين إلى أن انتهت النوبة إلى المنتظر محمد بن الحسن صاحب السرداب الغائب (^١).\nهذا باختصار هو أصل شبهة الرافضة في هذا الباب كما بينه وقرره شيخ الإسلام -﵀- وملخص هذه الشبهة هو:\nأن اللطف واجب على الله، والإمامة لطف، ولا تكون لطفًا إلا إذا كان صاحبها معصومًا، ولم تدع العصمة لأحد بعد النبي -ﷺ- إلا لعلي؛ فتعين أن يكون هو الإمام ثم من نص عليه من بعده وهكذا إلى الإمام المنتظر صاحب السرداب.\nوقد عرض شيخ الإسلام هذا التقرير على هذا الشيخ الرافضي فأقر به، واعترف أنه هو المسلك الذي يسلكه الرافضة في تقرير الإمامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-272>الوجه الثاني: الجواب على الشبهة:</span>\nلم يشتغل شيخ الإسلام -﵀- بمناقشة المقدمات والمسالك التي أوردها الرافضة لتقرير إمامة الاثني عشر، بل ذهب مباشرة للنتيجة التي يريدون الوصول إليها فاشتغل بنقضها وبيان بطلانها ومناقضتها لما قرروه من مقدمات، وإذا كانت المقدمة التي بنوا عليها قولهم ورأيهم تخالف وتناقض النتيجة التي توصلوا لها، فهذا دليل واضح على فساد هذا القول برمته، وبطلان هذا الاعتقاد من أصله.\nوقد بين شيخ الإسلام -﵀- تناقضهم في هذه المسألة؛ حيث أوجبوا الإمامة\n_________\n(^١) انظر المصدر السابق (١/ ١٠٢)، الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٠٠)، وانظر في ادعاءهم النص على استخلاف علي -﵁-: مقالات الإسلاميين (ص:١٦)، الفرق بين الفرق (ص:٣٤٠)، والفصل (٤/ ٧٦). ونص ابن كثير -﵀- على أن أول من ابتدع هذه البدعة وهي النص على علي عبد الله بن سبأ، انظر: البداية والنهاية (٧/ ١٦٧ - ١٦٨).","vol":"1","page":448},{"text":"لما فيها من مصلحة ولطف، ثم نصوا على إمامة اثني عشر رجلًا لم يتحقق بإمامة بعضهم مصلحة ولا لطف، وتحقق بإمامة بعضهم مصلحة هي متحققة بإمامة غيره على وجه أكبر وأتم وأكمل.\nويكفي في بيان ذلك وتوضيحه حال إمامهم الغائب المزعوم، الذي هو إمام الزمان منذ مئات السنين؛ فإنه لم تتحقق بإمامته أي مصلحة وأي لطف بالعباد، وذلك يتبين من وجوه:\nالوجه الأول: أن هذا الإمام الذي يوجبون على الخلق تصديقه والإيمان به، غائب بل مفقود منذ مئات السنين، لم يُرَ لهُ أثر ولم يُسمع لهُ خبر، ولا عُرِفَ لهُ أمرٌ ولا نهي، فأي فائدة في الإيمان بمثل هذا، وأي مصلحة وأي لطف يحصل لنا مع غيبته عنا؟! (^١).\nفإن قالوا: أن اللطف حاصل في حال غيابه كما هو حاصل في حال ظهوره.\nفيقال: إذًا فلا حاجة لظهوره، ولا فائدة من ذلك؛ لأن اللطف الذي هو المقصود من الإمامة متحققٌ حتى مع غيابه، وهذا ما لا يرتضونه أبدا (^٢).\nالوجه الثاني: أن وجود مثل هذا الإمام المعصوم، على مثل هذه الصورة، هو في الحقيقة شر وضررٌ على أهل الأرض، ولا نفعَ فيه ولا لُطف، وذلك لأمرين اثنين:\nالأول: أن المؤمنين به وبإمامته لم ينتفعوا به، ولم يحصل لهم بإثبات إمامته أخذ حق ولا ردع باطل، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، ولا حصل لهم شيء من المصلحة واللطف، ولم يظهر لطائفته إلا الانتظار، ودوام الحسرة والألم، ومعاداة العالم بلا جدوى.\nالثاني: أن المكذبين به يعذبون على تكذيبهم به كما يعتقد الإمامية.\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة (١/ ١٠٣)، (٣/ ٣٧٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ٣٨٩).","vol":"1","page":449},{"text":"فظهر بهذا وذاك أن مثل هذا الإمام شر محض، لا خير فيه ولا لطف ولا مصلحة لموافق ولا لمخالف، فمن خالفه صار مرتدًا كافرًا مستحقًا للعذاب، ومن وافقه صار ذليلًا مقهورًا لا يد له ولا سلطان؛ فأي لطف يحصل بمثل هذا الإمام؟! (^١)\nالوجه الثالث: أن الأمر بطاعة إمام حاله كهذه الحال هو في الحقيقة من التكليف بما لا يطاق، وليس من اللطف بشيء، والرافضة من أشد الناس إنكارًا للتكليف بما لا يطاق، وهذا يدل على عظيم تناقضهم وضلالهم فيما يقررون، فكيف يجوز أن يكلفنا الله بطاعة شخص لم نره، ولم نسمعه، ولم نعرف له أمرًا ولا نهيًا، ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك بوجه من الوجوه؟! (^٢)\nالوجه الرابع: أن المقصود بالإمام إنما هو طاعة أمره، وكيف يكون ذلك ونحن لانعرف أمره ولا نهيه، فإذا كان العلم بأمره ممتنعًا؛ كانت طاعته وهي المقصودة منه ممتنعة، وإذا كان المقصود منه ممتنعًا لم يكن في إثبات الوسيلة وهي الإمامة فائدة أصلًا؛ بل إن إثبات الوسيلة التي لا يحصل بها مقصودها سفه وعبث (^٣).\nالوجه الخامس: أن الذين كذبوا بهذا الإمام المنتظر لم تَفُتْهُم مصلحة في الدين ولا في الدنيا، بل كانوا أقوم بمصالح الدين والدنيا من أتباعه الذين آمنوا به ولم يحصل لهم به مصلحة في الدين ولا في الدنيا (^٤).\nوأما قولهم: «أن الجماعة إذا كان لهم رئيس مهيب مطاع متصرف منبسط اليد كانوا بوجوده أقرب للصلاح وأبعد عن الفساد» ولذلك أوجبوا الإمامة، فهذا أيضا كتناقضهم الأول ويلزم منه بطلان إمامة الاثني عشر عمومًا، وإمامة\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٤/ ٩٠) و(٧/ ٤٠٨).\n(^٢) انظر: منهاج السنة (١/ ١٠٢)، والفتاوى الكبرى (٦/ ٥٠٠)\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٩٠).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٩١).","vol":"1","page":450},{"text":"الغائب المنتظر منهم خصوصًا.\nأما بالنسبة للأئمة الاثني عشر عمومًا: فلأنه من المعلوم أنه لم يكن أحد منهم بهذه الصفة من انبساط اليد والتصرف إلا علي بن أبي طالب -﵁-؛ فقد كان بيده شيء من هذا التصرف، ومع ذلك فعلي -﵁- لم يكن تصرفه وانبساط يده في خلافته كتصرف من قبله من الأئمة، فلو كانت العبرة بهذا للزم أن يكونوا هم أولى بالإمامة منه، وهذا ما لا تقوله الرافضة (^١).\n\"ومن المعلوم أيضا بالضرورة أن حال اللطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة، أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في زمن خلافة علي زمن القتال والفتنة والافتراق\" (^٢)؛ فإما أن يكون اللطف والمصلحة التي يدعونها في الأئمة المعصومين باطلة قطعا، وإما أن يكون هؤلاء الأئمة ليسوا بمعصومين ولا بمنصوصٍ عليهم (^٣).\nوأما بالنسبة للإمام الغائب المنتظر: فيقال: كيف يتحقق مثل هذا الوصف فيه مع غيبته عنهم؟ وأي طاعة، وأي هيبة له وأي تصرف له وهو غائب غير موجود؟!\nوعندما يعلم الشخص بغياب هذا الإمام منذ مئات السنين وعدم ظهوره يكون هذا داعيًا له للفساد والإفساد لا للصلاح والإصلاح.\nفإن الناس إذا عرفوا أنه غائب منذ مئات السنين، وأنه لم يعاقب أحدا ولم يُثب أحدًا؛ بل هو خائفٌ على نفسه، لا يُمكنه الظهور، فضلًا عن التصرف وإقامة الحدود، فكيف يهابه الناس ويمتثلوا أمره؟! بل إن مثل هذا مما يجعل الناس يقدمون على فعل القبائح وارتكاب المنكرات لاسيما مع طول الزمان، وهو لم يعاقب أحدا على منكر فعله، ولم يُثب أحدًا على خير فعله (^٤).\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٩٠).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٣/ ٣٧٩)\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ٣٧٩).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٦/ ٣٩٣).","vol":"1","page":451},{"text":"فإن قالوا: إن المؤمن به يخاف من ظهوره ومعاقبته له على ذنوبه.\nقيل: فإن خوف الناس من عقوبة ولاة أمرهم الحاضرين، أعظم من خوف هؤلاء من هذا الغائب، فاللطف الحاصل بهم أعظم من اللطف المُدَّعى في إمامهم الغائب! (^١) بل هؤلاء مع ذنوبهم وظلمهم فإن الشرع يُقام بهم \"أضعافَ ما يقام بمن يظهر بعد كل مدة، فضلا عمن هو مفقود يعلم جمهور العقلاء أنه لا وجود له، والمُقِرون به يعلمون أنه عاجز خائف، لم يفعل قط ما يفعله آحاد الناس، فضلا عن ولاة أمورهم\" (^٢).\nوأما قولهم: إن عليًا -﵁- هو الإمام المنصوص عليه؛ لأنه لا منصوص عليه بعد النبي -ﷺ- إلا علي؛ حيث إنه ليس في الأمة من ادعى النص لغيره؛ فلو لم يكن هو منصوصًا عليه لزم إجماع الأمة على الباطل.\nفالجواب عليه من وجوه:\nأولًا: أن هذه مجرد دعوى لا برهان عليها، وإجماعهم الذي يسمونه إجماع الطائفة المحقة لا يصح حتى يثبت أنهم الطائفة المحقة، ولا يثبت هذا حتى يثبت الإمام المعصوم الذي يدعونه، وقد تبين تناقضهم فيه وبطلان تقريرهم له (^٣).\nثانيًا: لا نُسلم أن أحدًا من الأمة لم يدّع النص لغير علي؛ بل طوائف من أهل السنة يقولون: إن خلافة أبي بكر ثبتت بالنص. ثم منهم من يقول: بنص جلي. ومنهم من يقول: بنص خفي. وأيضًا فالرواندية (^٤) تدعي النص على العباس، وغيرهم يدعون ذلك أيضًا، فبطل بهذا ما قرروه من عدم ادعاء أحد\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٦/ ٣٩٣).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٩٣).\n(^٣) انظر: الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٠٠).\n(^٤) الرواندية أو الراوندية: فرقة تنسب إلى أبي الحسين أحمد بن يَحْيَى بن إسحاق الراوندي، فيلسوف مجاهر بالإلحاد، طعن في القرآن الكريم، وادعوا إمامة العباس بن عبد المطلب. انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٩٤)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص: ٦٣)، الفصل لابن حزم (٤/ ١٥٤).","vol":"1","page":452},{"text":"العصمة إلا لعلي -﵁- (^١).\nثالثًا: أن الشيعة أنفسهم ممن يدعون النص لعلي -﵁- مختلفون في النص على من بعده من ولده اختلافًا كثيرًا.\nفلا يمكن للإمامية أن يقولوا: إنه لم يَدّعِ أحدٌ النص على واحد بعد واحد، إلا ما ادعوه في المنتظر وفيمن قبله، بل إخوانهم الشيعة يدَّعون دعاوى مثل دعاويهم (^٢).\nرابعًا: لو فُرِضَ أنه لم يدع النص غيرهم، فلا نسلم بما ذكروه من نص على إمامة علي -﵁-، وإنما هو كذب افتروه، وقياس وضعوه، ثم زعموا أن ما ابتدعوه وافتروه إجماع يقتضي ثبوت ذلك وهذا في غاية الضلال (^٣).\nوبهذا كله يتبين ضعف حجة القوم، وخواء جعبتهم، وتناقضهم في عقيدتهم، فإذا كان هذا حال أصلهم الأصيل الذي بنوا عليه معتقدهم، فما بالك بما دون ذلك من أصولهم وعقائدهم؟!\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٠٠).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ٥٠٠).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ٥٠٠ - ٥٠١).","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type='title' id=toc-273>ملحق</span>\n•<span data-type='title' id=toc-274> مناظرته مع مقدم المغل بولاي في يزيد بن معاوية، ومحبة أهل البيت:</span>\nفي هذه المناظرة التقى شيخ الإسلام بمقدم التتر بولاي والذي يبدو بوضوح تأثره بمذهب الشيعة الرافضة الذين كان لهم دور بارز في دعم ومساندة المغول والتتار في حربهم ضد الإسلام والمسلمين، حتى أن أحد ملوكهم وهو محمد بن أرغون (خدابنده) اعتنق دين الرافضة بتأثير من ابن مطهر الحلي ونشر التشيع وأسقط اسماء الخلفاء الراشدين من الخطب والجوامع غير اسم علي بن أبي طالب ﵁، وقد بين له شيخ الإسلام كذب ما يشاع عن أهل دمشق من أنهم نواصب، وأنهم يبغضون أهل البيت، وبين له الموقف الصحيح تجاه يزيد بن معاوية وأمثاله.\n\n<span data-type='title' id=toc-275>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وأما جواز الدعاء للرجل وعليه فبسط هذه المسألة في الجنائز، فإن موتى المسلمين يصلي عليهم برهم وفاجرهم، وإن لعن الفاجر مع ذلك بعينه أو بنوعه، لكن الحال الأولى أوسط وأعدل (^١)، وبذلك أجبت مقدم المغل بولاي (^٢)، لما قدموا دمشق في الفتنة\n_________\n(^١) انظر: التفصيل في حكم اللعن في جامع المسائل: (٧/ ٢٩٨) المنهاج (٤/ ٥٦٩) مجموع الفتاوى (٦/ ٥١١).\n(^٢) بولاي أحد مقدمي التتار الذين حضروا مع غازان، اسمه على الصحيح مولاي وإنما الناس يحرفونه تهكمًا به، وهو ممن عاثوا في الأرض فسادًا ونهب البلاد وخربها، وخلفه غازان على المقاتلين بعد مغادراته البلاد، قتله الملك خدابنده بعد أن بلغه عنه كلام كثير (ت:٧٠٧ هـ). انظر: كنز الدرر (٩/ ١٥٠) أعيان العصر (٢/ ٧١) والبداية والنهاية (١٤/ ١٢).","vol":"1","page":454},{"text":"الكبيرة (^١)، وجرت بيني وبينه وبين غيره مخاطبات (^٢)، فسألني فيما سألني: ما تقول في يزيد (^٣)؟ فقلت: لا نسبه ولا نحبه، فإنه لم يكن رجلًا صالحًا فنحبه، ونحن لا نسب أحدًا من المسلمين بعينه.\nفقال: أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالمًا؟ أما قتل الحسين؟\nفقلت له: نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف (^٤) وأمثاله: نقول كما قال الله في القرآن: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود:١٨] ولا نحب أن نلعن أحدًا بعينه، وقد لعنه قوم من العلماء وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد، لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن.\nوأما من قتل الحسين أو أعان على قتله، أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا (^٥).\nقال: فما تحبون أهل البيت؟\nقلت: محبتهم عندنا فرض واجب، يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في صحيح\n_________\n(^١) وذلك سنة ٦٩٩ هـ.\n(^٢) وذلك في الثاني من رجب سنة ٦٩٩ هـ، قال ابن كثر: \"وفي هذا اليوم خرج الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مخيم بولاي فاجتمع به في فكاك من كان معه من أسارى المسلمين، فاستنقذ كثيرا منهم من أيديهم، وأقام عنده ثلاثة أيام ثم عاد\". البداية والنهاية (١٤/ ١٢ - ١٣).\n(^٣) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي: ثاني ملوك الدولة الأموية في الشام ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة ٦٠ هـ، وحدثت في عهد عدة وقعة الحرة ووقعة كربلاء وقُتل فيهما خلق من الفضلاء، (ت:٦٤). انظر: تاريخ دمشق (٦٥/ ٣٩٤) تاريخ الإسلام (٢/ ٧٣١).\n(^٤) الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد: قائد، داهية، سفاك، خطيب. ولد ونشأ في الطائف، ولاه عبد الملك مكة والمدينة والطائف والعراق عشرين سنة. وبنى مدينة واسط (بين الكوفة والبصرة) وكان سفاكا سفاحا باتفاق معظم المؤرخين ومات بواسط (٩٥ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٢٩) تاريخ الإسلام (٢/ ١٠٧١).\n(^٥) صرفًا ولا عدلًا: قيل فريضة ولا نافلة، وقيل: توبة ولا فدية، وقيل غير ذلك انظر: شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤١).","vol":"1","page":455},{"text":"مسلم (^١) عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله ﷺ بغدير يدعي خمًا (^٢)، بين مكة والمدينة فقال \" أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله \" فذكر كتاب الله وحض عليه، ثم قال: \"وعترتي (^٣) أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي\" قلت لمقدم: ونحن نقول في صلاتنا كل يوم: \"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد\" (^٤)\nقال مقدم: فمن يبغض أهل البيت؟\nقلت: من أبغضهم فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا.\nثم قلت للوزير المغولي: لأي شيء قال عن يزيد وهذا تتري؟\nقال: قد قالوا له إن أهل دمشق نواصب.\nقلت بصوت عال: يكذب الذي قال هذا، ومن قال هذا فعليه لعنة الله، والله ما في أهل دمشق نواصب، وما علمت فيهم ناصبيًا ولو تنقص أحد عليًا بدمشق لقام المسلمون عليه، لكن كان قديمًا -لما كان بنو أمية ولاة البلاد- بعض بني أمية ينصب العداوة لعلي ويسبه، وأما اليوم فما بقي من أولئك أحد» (^٥).\nوقال أبو بكر بن أيبك: «وفي يوم الخميس توجه الشيخ تقي الدين ابن التيمية\n_________\n(^١) رواه مسلم كتاب: فضائل الصحابة (٢٤٠٨).\n(^٢) موضع بين مكة والمدينة، يوجد مكانه شرق الجحفة، ويعرف اليوم «الغربة» ويقع شرق الجحفة على ثمانية أكيال. انظر: معجم البلدان (٢/ ٣٨٩) المعالم الأثيرة (٢٠٨).\n(^٣) قال شيخ الإسلام: \"العترة هم بنو هاشم كلهم: ولد العباس، وولد علي، وولد الحارث بن عبد المطلب، وسائر بني أبي طالب، وغيرهم، وعلي وحده ليس هو العترة، وسيد العترة هو رسول الله ﷺ\". منهاج السنة النبوية (٧/ ٣٩٥).\n(^٤) هذا اللفظ رواه أحمد في المسند (١٣٩٦) وأبو داوود (٩٧٨) والترمذي (٩٠٤) وابن ماجه (٩٠٤).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٨٧ - ٤٨٨).","vol":"1","page":456},{"text":"إلى مخيم بولاي مقدم التتار يسأل المأسورين، وكانوا خلقًا كثيرًا. وتحدث بولاي في أمر يزيد بن معاوية مع الشيخ، وسأله: هل يجوز لعنته أم لا؟ ففهم الشيخ أن فيه موالاة، فكلمه بما لاق بخاطره بغير شيء يكره. فقال: هؤلاء أهل دمشق هم قتلة الحسين بن علي صلوات الله عليه. فقال له الشيخ: إنه لم يكن من أهل دمشق من حضر قتلة الحسين ﵇، وقتل ﵇ بأرض كربلاء من العراق. فقال: صحيح، وكانوا بنو أمية خلفاء الدنيا، وكانوا يحبون سكنى الشام. فقال الشيخ: وماذا يلم من ذلك في قتلة الحسين، وهذه الشام ما برحت أرضًا مباركة ومحل الأولياء والصلحاء بعد الأنبياء صلوات الله عليهم. ولم يزل به حتى سكن غضبه على أهل الشأم. ثم ذكر للشيخ أن أصله مسلم من أهل خراسان. وجرى بينه وبين الشيخ كلام كثير» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) كنز الدرر: (٩/ ٣٥ - ٣٦).","vol":"1","page":457},{"text":"الفصل الرابع:\nمناظراته مع المتكلمين\nواشتمل على سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: مناظرته مع مجموعة من القضاة والعلماء حول العقيدة الواسطية بحضرة نائب السلطان.\nالمبحث الثاني: مناظرته مع بعض المؤولة للأسماء والصفات في بطلان التأويل وفي صفة اليد وغيرها من المسائل.\nالمبحث الثالث: مناظرته مع ابن المرحل في تعلق الصفات وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية.\nالمبحث الرابع: مناظرته مع غير واحد من نفاة الصفات في مسألة الرؤية.\nالمبحث الخامس: مناظرته مع بعض من يدعي أن الله يتكلم بكلام لا معنى له.\nالمبحث السادس: مناظرته مع بعض المشغوفين بأهل الكلام في بطلان طريقتهم إما في الدلائل أو المسائل.\nالمبحث السابع: مناظرته مع بعض منكري العلو.\n* * *","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type='title' id=toc-277>المبحث الأول: مناظرته مع مجموعة من القضاة والعلماء حول العقيدة الواسطية بحضرة نائب السلطان</span>\nواشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-278>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-279> تمهيد:</span>\nلقد حظيت العقيدة الواسطية -التي صنفها شيخ الإسلام ابن تيمية -بمكانة رفيعة ومنزلة شريفة بين الكتب والمؤلفات التي صنفت في العقيدة الإسلامية، كيف لا؛ وهو المتن الذي تحدى صاحبهُ علماء عَصرهِ أن يأتوا بحرفٍ واحدٍ منهُ خالفهُ فردٌ واحدٌ من الصحابة، أو السلف الصالح أهل القرون المفضلة، فعجزوا عن أن يأتوا بحرف مُخالِف، أو بإمام يُخالف!\nوقد امتاز هذا المتن بأن مصنفه هو أعلم أهل زمنه، وأخبر الناس في عصره بعقيدة أهل السنة وأصولهم وتقريراتهم، وقد جمع بين دفتي كتابه من أصول الاعتقاد الشيء الكبير الكثير، بأبسط عبارة، وأوجز إشارة، والتزم بأن يُبرهن على كل لفظ من ألفاظه بآية أو حديث أو إجماع سلفي، ولم يمضِ وقت قليل على تصنيفه حتى انتشرت نسخه وشاعت في الشام ومصر والعراق وغيرها من الأقطار، وأجمع علماء وقضاة وفقهاء بلاد الشام -الموافق منهم والمخالف- على قبول هذا الاعتقاد وصحته، وأنه معتقد سلفيٌ سنيٌ جيد.","vol":"1","page":461},{"text":"هذا كله مع ما كان عليه شيخ الإسلام من جهاد عظيم، ونشر للمعتقد السليم، ورد على المنحرفين، مما استدعى غيظ الأعداء، وحسد الأقران، وعداوة أهل الأهواء، فما زالوا في مكرهم وسعايتهم به، حتى استطاعوا أن يصلوا إلى الأبواب السلطانية، فجاء أمر السلطان (^١) من مصر إلى نائبه جمال الدين الأفرم في دمشق، بأن يعقد مجلسًا لشيخ الإسلام يحضر فيه الفقهاء والقضاة والعلماء، يحاققه فيه عن معتقده، ويسأله عن عقيدته ومذهبه.\nفعقد له نائب السلطنة، مجالس ثلاثة (^٢)، ناظره فيها علماء عصره، وفقهاء وقته، حول هذا المتن العظيم متن العقيدة الواسطية، وجرت في هذه المجالس مباحث كثيرة وحوارات عديدة، أظهر الله فيها من قيام الحجة، ورفع راية السنة، وقمع أهل البدعة والفتنة، وبروز علم شيخ الإسلام وحسن فقههِ وفهمهِ، الشيء العظيم الجليل.\n_________\n(^١) هو السلطان محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي، سبقت ترجمته (ص:٥٩).\n(^٢) المجلس الأول: يوم الاثنين الثامن من شهر رجب سنة ٧٠٥ هـ، واستمر من الضحى إلى قريب العصر، وذكر ابن حجر في الدرر الكامنة وتبعه الشوكاني أنه في السابع من رجب، والصواب أنه في الثامن منه كما ذكر ذلك شيخ الإسلام نفسه، ونص عليه بقية من حكى هذه الواقعة من العلماء.\nالمجلس الثاني: يوم الجمعة الثاني عشر من شهر رجب في السنة نفسها، بعد صلاة الجمعة، كما نص على ذلك شيخ الإسلام وجميع المترجمين، إلا أن صاحب (كنز الدرر) وهم في ذلك فجعله في الثامن عشر من رجب.\nالمجلس الثالث: وقد اختلفت الروايات في يوم وقوعه، فذكر ابن كثير وابن عبد الهادي أنه في السابع من شهر شعبان في السنة المذكورة، وذكر قطب الدين اليونيني صاحب (ذيل مرآة الزمان) وابن أيبك وشهاب الدين النويري وابن حجر أنها كانت في سلخ رجب أي في آخره، وذكر المقريزي أنها في التاسع من شعبان وما ذكره بعيد؛ لأنه انفرد به وهو متأخر لم يعاصر شيخ الإسلام، فيبقى الخلاف بين القولين السابقين، ويصعب الترجيح بينهما، خصوصًا أن شيخ الإسلام لم يذكر في موعد هذا المجلس شيئًا، بخلاف ما ذكره في المجلسين السابقين، والرواية الأولى رواتها أوثق، والرواية الثانية رواتها أقدم، وهي أيضًا أقرب زمنًا إلى المجلسين السابقين؛ إذ هي في شهر رجب نفسه، والله أعلم.","vol":"1","page":462},{"text":"ولِعِظَمِ هذه الحادثة وكبير شأنها، لا تكاد تجد مصنفًا في ترجمة شيخ الإسلام أو في حوادث ذلك الزمان يخلو من ذكرها أو الإشارة إلى ما وقع فيها، ويمكن إجمال الروايات التي كتبت في هذه الواقعة في سبع روايات:\nالرواية الأولى: وهي أجمعُ الروايات وأشملها وأطولها، جاءت ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٠ - ١٩٣)، من حكاية شيخ الإسلام نفسه.\nالرواية الثانية: رواية أخرى يحكيها الشيخ نفسه، نقلها ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص: ٢٢٢ - ٢٦٤) وهي قريبة من الرواية الأولى، ويبدو أنها منقولة منها بنصها إلا أن الناقل قام باختصارها، وحذْفِ بعض العبارات، والاستغناء عن بعض الفقرات، وقد استفدت منها في تصويب كثير من الكلمات التي كانت محل إشكال في الرواية الأولى.\nالرواية الثالثة: رواية ثالثة من حكاية الشيخ نفسه، جاءت ضمن جامع المسائل (٨/ ١٨١ - ١٩٨)، وهي أصغر من الروايتين السابقتين، إلا أن فيها زيادات ومباحث لا توجد فيهما.\nالرواية الرابعة: رواية الشيخ علم الدين البرزالي، جاءت ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٩٤ - ٢٠١)، وهي كالملخص لرواية الشيخ المذكورة ضمن مجموع الفتاوى.\nالرواية الخامسة: رواية الشيخ شرف الدين عبد الله بن تيمية أخي شيخ الإسلام -رحمهما الله-، وهي ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٢ - ٢١٠)، وهي رواية مختصرة وفيها زيادات قليلة، ولكنها مهمة.\nالرواية السادسة: ما جاء متفرقًا في بعض رسائل الشيخ وفتاويه، من ذكر بعض الأحداث التي وقعت في المناظرة، كما في مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٨، ٢٢٤ - ٢٣١، ٢٤٤) (٦/ ١٥ - ١٧).\nالرواية السابعة: الروايات الموجودة ضمن كتب التاريخ والتراجم، وهي كثيرة جدًا، وغالبها يذكر مجمل الأحداث، ولا يذكر شيئًا من تفاصيلها، كرواية","vol":"1","page":463},{"text":"ابن كثير، والذهبي، وابن عبد الهادي، وابن رجب، والمقريزي (^١)، وشهاب الدين النويري (^٢)، وقطب الدين اليونيني (^٣)، وابن أيبك (^٤)، وابن حجر والشوكاني، وغيرهم.\nوقد اعتمدت في ذكر نص المناظرة على الرواية الأولى التي جاءت ضمن مجموع الفتاوى؛ لأنها أوسع الروايات وأشهرها، وأكثرها شمولًا للأحداث التي جرت، ثم قمت بإضافة الزيادات المذكورة في غيرها من الروايات، وجعلتها بين معكوفتين، واجتهدت بوضعها في المكان المناسب ضمن المناظرة (^٥)، مع الإحالة في الحاشية إلى مصدر كل زيادة، محاولًا بذلك أن يكون النص المذكور جامعًا لكل ما ورد في هذه المناظرة برواياتها المتفاوتة ومصادرها المختلفة، بحيث يستغني القارئ بالرواية المذكورة عن الرجوع إلى الروايات والمصادر الأخرى، والله ولي التوفيق.\n_________\n(^١) هو أحمد بن علي بن عبد القادر أبو العباس الحسيني، تقي الدين المقريزي، مؤرخ الديار المصرية، ولد ونشأ ومات في القاهرة، له \"المواعظ والاعتبار\" و\"السلوك في معرفة دول الملوك\" (ت: ٨٤٥ هـ) انظر: البدر الطالع (١/ ٧٩) والأعلام (١/ ١٧٨).\n(^٢) هو أحمد بن عبد الوهاب بن محمد شهاب الدين النويري عالم غزير الاطلاع أوكله لبعض أموره، وتقلب في الخدم الديوانية، له \"نهاية الأرب في فنون الأدب\" (ت: ٧٣٣ هـ). انظر: أعيان العصر (١/ ٢٨١) الدرر الكامنة (١/ ٢٣١).\n(^٣) هو موسى بن محمد بن أبي الحسين أحمد اليونيني قطب الدين، أبو الفتح، صار شيخ بعلبكّ بعد وفاة أخيه، وكان مؤرخًا فاضلًا مليح المحاضرة، له \"مختصر مرآة الزمان\" و\"ذيل مرآة الزمان\" (ت: ٧٢٦ هـ). انظر: أعيان العصر (٥/ ٦٨٦) والدرر الكامنة (٦/ ١٤٧).\n(^٤) هو أبو بكر بن عبد الله بن أيبك، صاحب صرخد، المعروف بابن الدواداريّ، مؤرخ، من كبارهم.\nمولده ومنشأه في القاهرة، وانتقل إلى دمشق سنة ٧١٠ هـ فعكف على الأدب والتصنيف، له \"كنز الدرر وجامع الغرر\" و\"درر التيجان وغرر تواريخ الزمان\" (ت: بعد ٧٣٦ هـ). انظر: كنز الدرر (٢/ ٥٣٩) الأعلام للزركلي (٢/ ٦٦).\n(^٥) وقد أجعلها في الحاشية ولا أذكرها ضمن الأصل حسب ما يقتضيه الحال.","vol":"1","page":464},{"text":"• نص المناظرة:\nقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:\n«بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير له ولا معين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي أرسله إلى الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وعلى سائر عباد الله الصالحين.\nأما بعد: فقد سُئلت غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد [بالقصر الأبلق] (^١)؛ بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد [جمال الدين الأفرم] (^٢)؛ لما سعى إليه قوم من الجهمية والاتحادية والرافضة وغيرهم من ذوي الأحقاد (^٣)؛\n_________\n(^١) زيادة من ذيل مرآة الزمان، لقطب الدين اليونيني الحنبلي (٧٢٦ هـ) ضمن تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:١٨) وانظر: كنز الدرر ضمن الجامع نفسه (ص:٢٢٨).\nوالقصر الأبلق: أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في شعبان سنة ٧١٣ هـ، وهذا القصر يشرف على إصطبل الملك. انظر: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٣/ ٣٦٦).\n(^٢) زيادة من كنز الدرر وجامع الغرر لأبي بكر بن أيبك (٧٣٦ هـ) ضمن الجامع لسيرة الشيخ (ص:٢٢٨). وانظر: نبذة من سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية للحافظ الذهبي ضمن: تكملة الجامع (ص:٤٥). وانظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٨٠٩).\n(^٣) قال ابن كثير -﵀-: «وكان الحامل على هذه الاجتماعات كتاب ورد من السلطان في ذلك، كان الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوف، والشيخ نصر المنبجي شيخ الجاشنكير وغيرهما من أعدائه، وذلك أن الشيخ تقي الدين ابن تيمية كان يتكلم في المنبجبي، وينسبه إلى اعتقاد ابن عربي، وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له ومحبتهم له وكثرة أتباعه وقيامه في الحق، وعلمه وعمله» البداية والنهاية (١٤/ ٤٢). وقال تقي الدين المقريزي: «وكان قد ظهر الشَّيخ نصر الدين المنبجيّ بمصر، واستولى على أرباب الدولة حتَّى شاع أمره. قيل لابن تَيْمِيَّة: إِنَّه اتّحاديّ وإنَّه ينصر مذهب ابن العربيّ وابن سبعين. فكتب إِليه نحو ثلاثمائة سطر ينكر عليه، فتكلّم نصر المنبجيّ مع قضاة مصر في أمره، وقال: هذا مبتدعٌ، وأخاف على الناس من شَرّه! فحسّن القضاة للأمراء طلبه إِلى القاهرة، وأن يعقد له مجلس بدمشق، فلمّا كَانَ في يوم الاثنين ثامن شهر رجب، طُلب ابن تَيْمِيَّة والفقهاء إِلى القصر الأبلق عند الأفرم». انظر: المقفى الكبير ضمن الجامع لسيرة الشيخ (ص:٥٠٣).","vol":"1","page":465},{"text":"فأمر الأمير بجمع القضاة الأربعة: قضاة المذاهب الأربعة، وغيرهم من نوابهم، والمفتين والمشايخ، ممن له حرمة وبه اعتداد، وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد (^١).\nوذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة، فقال لي: هذا المجلس عقد لك؛ فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك، وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد. وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك.\nفقلت: أما الاعتقاد: فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني؛ بل يؤخذ عن الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم، وأما الكتب: فما كتبت إلى أحد كتابًا ابتداءً أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني: من أهل الديار المصرية وغيرهم، وكان قد بلغني أنه زُوِّرَ عليَّ كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير أستاذ دار السلطان يتضمن ذكر عقيدة\n_________\n(^١) وقد سماهم الشيخ عبد الله بن تيمية -أخو الشيخ- رحمهما الله، في حكايته للمناظرة فقال: «لما كان يوم الاثنين الثامن من رجب، جمع نائب السلطان القضاة الأربعة ونوابهم والمفتين والمشايخ: نجم الدين، وشمس الدين وتقي الدين، وجمال الدين، وجلال الدين: نائب نجم الدين، وشمس الدين بن العز: نائب شمس الدين، وعز الدين: نائب تقي الدين، ونجم الدين: نائب جمال الدين، والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، والشيخ كمال الدين بن الشرشي، وابن الوكيل من الشافعية، والشيخ برهان الدين بن عبد الحق من الحنفية، والشيخ شمس الدين الحريري من المالكية، والشيخ شهاب الدين المجد من الشافعية، والشيخ محمد بن قوام، والشيخ محمد بن إبراهيم الأرموي» رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٣).","vol":"1","page":466},{"text":"محرفة ولم أعلم بحقيقته؛ لكن علمت أنه مكذوب، وكان يرد علي من مصر وغيرها من يسألني عن مسائل في الاعتقاد وغيره فأجيبه بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.\nفقال: نريد أن تكتب لنا عقيدتك. فقلت: اكتبوا. فأمر الشيخ كمال الدين: أن يكتب؛ وكتبت (^١) له جمل الاعتقاد في أبواب الصفات والقدر ومسائل الإيمان والوعيد والإمامة والتفضيل. وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة: الإيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، والإيمان بأن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه أمر بالطاعة وأحبها ورضيها، ونهى عن المعصية وكرهها، والعبد فاعل حقيقة والله خالق فعله، وأن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص، وأن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بالذنوب، ولا نخلد في النار من أهل الإيمان أحدًا، وأن الخلفاء بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، (ومن قدم عليًا على عثمان: فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) (^٢)، وذكرت هذا أو نحوه؛ فإني الآن قد بعد عهدي ولم أحفظ لفظ ما أمليته؛ لكنه كتب إذ ذاك.\nثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليَّ؛ كما قد كذبوا عليَّ غير مرة، وإن أمليتُ الاعتقاد من حفظي: ربما يقولون كتم بعضه، أو داهن ودارى؛ فأنا أُحضر عقيدة مكتوبة، من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى\n_________\n(^١) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٢٤) وفي المجموع (فكتب).\n(^٢) رويت هذه العبارة عن جمع من السلف كإبراهيم النخعي، وأيوب السختياني، والدارقطني، قال ابن كثير -﵀-: «وهذا الكلام حق وصدق وصحيح ومليح». انظر: فضائل الصحابة لأحمد (١/ ٢٤٩)، منهاج السنة (١/ ١٦٦)، (٤/ ٢٠٢)، مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٨)، البداية والنهاية (٨/ ١٣)، الباعث الحثيث (ص: ١٨٣).","vol":"1","page":467},{"text":"الشام (^١). وقلت قبل حضورها كلامًا قد بعد عهدي به وغضبت غضبًا شديدًا؛ لكني أذكر أني قلت: أنا أعلم أن أقوامًا كذبوا علي، وقالوا للسلطان أشياء (^٢)، وتكلمت بكلام احتجت إليه؛ مثل أن قلت: من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيري؟! ومن الذي أوضح دلائله وبينه؟! وجاهد أعداءه وأقامه لما مال؟! حين تخلى عنه كل أحد؛ ولا أحد ينطق بحجته ولا أحد يجاهد عنه وقمت مظهرًا لحجته مجاهدًا عنه مرغبًا فيه، فإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام فيَّ، فكيف يصنعون بغيري؟! ولو أن يهوديًا طلب من السلطان الإنصاف: لوجب عليه أن ينصفه، وأنا قد أعفو عن حقي وقد لا أعفو، بل قد أطلب الإنصاف منه، وأن يُحضر هؤلاء الذين يكذبون؛ ليُحاققوا (^٣) على افترائهم، وقلت كلامًا أطول من هذا الجنس، لكن بَعُدَ عهدي به.\nفأشار الأمير إلى كاتب الدرج (^٤) محيي الدين (^٥): بأن يكتب ذلك. وقلت\n_________\n(^١) وكان أول مجيء التتر إلى دمشق عام ٦٩٩ هـ، وهذا المجلس كان عام ٧٠٥ هـ، مما يفيد أن الواسطية ألفت في عام ٦٩٨ هـ تقريبًا، وهو العام الذي ألفت فيه الحموية أيضًا.\n(^٢) ومن ذلك ما قاله نصر المنبجي لابن مخلوف: «قل للأمراء بأن ابن تيمية يُخشى على الدولة منه، كما جرى لابن تومرت في بلاد المغرب» انظر: الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:٣٢٢، ٥٠٥، ٥٤٤). ومنه أيضًا: الكتاب الذي زوره عليه بعض الصوفية سنة (٧٠٢ هـ) وفيه: أنه يريد قلب الملك مع بعض العلماء والأمراء. انظر: الجامع لسيرته (ص:٤١٤) وتكملة الجامع (ص:٩ - ١٠). ومنه ما ذكره أبو حفص البزار من قصته مع الملك عندما دعاه بسبب ما بلغه عنه من أن في نفسه أخذُ الملك، وتأليب الناس عليه. فقال له الشيخ: أنا أفعل ذلك؟! والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلسين! انظر: الأعلام العلية (ص:٧٨٣).\n(^٣) هكذا في بعض نسخ العقود الدرية (ص:٢٦٧) وهو الأقرب للصواب، وفي بعض النسخ (ليحاقوا). وفي مجموع الفتاوى (ليوافقوا).\n(^٤) كاتب الدَّرْج: هو من يكتب الأحكام والفتاوى في الورق المسمى درجًا. انظر: تكملة المعاجم العربية (٤/ ٣١٥ - ٣١٦).\n(^٥) هو أبو المعالي يحيى بن فضل الله العمري، وَلِي كتابة السر في دمشق إلى سنة (٧٠٩ هـ) وكثر الثناء عليه، وتوفي (٧٣٨ هـ). انظر: أعيان العصر (٥/ ٥٧٥) البداية والنهاية (١٨/ ٤٠٦).","vol":"1","page":468},{"text":"أيضًا: كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه! وما أدري هل قلت هذا قبل حضورها أو بعده؟ لكنني قلت أيضًا بعد حضورها وقراءتها: ما ذكرت فيها فصلًا، إلا وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة، وكل جملة فيها خلاف لطائفة من الطوائف.\nثم أرسلت من أحضرها ومعها كراريس بخطي من المنزل فحضرت العقيدة الواسطية، وقلت لهم: هذه كان سبب كتابتها أنه قدم علي من أرض واسط (^١) بعض قضاة نواحيها شيخ يقال له: رضي الدين الواسطي (^٢) من أصحاب الشافعي، قدم علينا حاجًا [من نحو عشر سنين] (^٣)، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفي دولة التتر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، فاستعفيت من ذلك وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة؛ فخذ بعض عقائد أئمة السنة. فألح في السؤال وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت. فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر وقد انتشرت بها نسخ كثيرة؛ في مصر؛ والعراق؛ وغيرهما، [لئلا يستطيع أحد أن يغير بعض النسخ] (^٤).\nفأشار الأمير بأن لا أقرأها أنا؛ [لدفع] (^٥) الريبة وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، والجماعة الحاضرون يسمعونها،\n_________\n(^١) واسط بلدة في العراق، أنشأها الحجاج بن يوسف قُرب نهر دجلة لتكون عاصمة له، وسميت بذلك لأنها وسط بين الكوفة والبصرة والأحواز. انظر: معجم البلدان (٥/ ٣٤٨)، مراصد الاطلاع للبغدادي (٣/ ١٤١٩).\n(^٢) رضي الدين الواسطي الشافعي، أحد قضاة واسط، كان من أهل الخير والدين، لم أقف له على ترجمة، إلا ما ذكره عنه شيخ الإسلام في هذا الموضع.\n(^٣) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٣).\n(^٤) حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٨٣).\n(^٥) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٦٨) وهو الأقرب للصواب. وفي مجموع الفتاوى (لرفع).","vol":"1","page":469},{"text":"ويورد المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء، والأمير أيضا يسأل عن مواضع فيها، وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى، ما قد علم الناس بعضه، وبعضه بسبب الاعتقاد، وبعضه بغير ذلك (^١).\nولا يمكن ذكر ما جرى من الكلام والمناظرات: في هذه المجالس فإنه كثير لا ينضبط؛ لكن أكتب ملخص ما حضرني من ذلك مع بعد العهد بذلك، ومع أنه كان يجري رفع أصوات ولغط (^٢) لا ينضبط.\nفكان مما اعترض [عليه] (^٣) بعضهم لما ذُكِرَ في أولها: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل».\nفقال: ما المراد بالتحريف والتعطيل؟ ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي أثبته أهل التأويل الذي هو: صرف اللفظ عن ظاهره، إما وجوبًا وإما جوازًا.\nفقلت: تحريف الكلم عن مواضعه كما ذمه الله تعالى في كتابه: وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى، مثل: تأويل بعض الجهمية (^٤) لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، أي: جرحه بأظافير الحكمة تجريحًا (^٥)! ومثل:\n_________\n(^١) قال الشيخ عبد الله بن تيمية -﵀-: «وفيهم من في قلبه على الشيخ ما لا يعلمه إلا الله، وكان ظنهم أنهم إذا تكلموا معه في هذا الكتاب أظهروا أنه يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة» رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٤).\n(^٢) في العقود الدرية (ص:٢٦٩) (ولفظٌ).\n(^٣) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٦٩) وهو الأقرب للصواب. وفي مجموع الفتاوى (عليَّ).\n(^٤) لم أقف على قائل معين ينسب له هذا القول، إلا أن صاحب كتاب (التفسير الحديث)، نسب هذا القول إلى الزمخشري (٨/ ٢٨٦)، وهذا خطأ منه على الزمخشري، فإنه كما في تفسير الكشاف أنكر هذه المقالة وجعلها من بدع التفاسير. انظر: تفسير الزمخشري (١/ ٥٩١).\n(^٥) في حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٨٤)، قال: «ينابيع الحكمة»، والعبارة المشتهرة في كتب التفاسير وغيرها: «جرّح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن» انظر: تفسير الزمخشري (١/ ٥٩١)، تفسير الرازي (١١/ ٢٦٧)، البحر المحيط (٤/ ١٣٩)، تفسير اللباب (٧/ ١٣٦)، البرهان في علوم القرآن (٢/ ٣٩٣).","vol":"1","page":470},{"text":"تأويلات القرامطة والباطنية\nوغيرهم من: الجهمية والرافضة والقدرية وغيرهم، فسكت -وفي [نفسه] (^١) ما فيها.\nوذكرت في غير هذا المجلس: أني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف؛ لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة، فنفيت ما ذمه الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ولا إثبات؛ لأنه لفظ له عدة معان كما بينته في موضعه من القواعد؛ فإن معنى لفظ: (التأويل) في كتاب الله غير معنى لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرين، من أهل الأصول والفقه وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير والسلف؛ [ولأن] (^٢) من المعاني التي قد تسمى تأويلا ما هو صحيح منقول عن بعض السلف؛ فلم أنف ما تقوم الحجة على صحته فإذا ما قامت الحجة على صحته وهو منقول عن السلف: فليس من التحريف.\nوقلت له أيضًا: ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه؛ لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وكان أحب إلي من لفظٍ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وإن كان قد يعنى بنفيه معنى صحيح كما قد يعنى به معنى فاسد.\nولما ذكرت: أنهم «لا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته»، جعل بعض الحاضرين يتمعض من ذلك؛ لاستشعاره ما في ذلك من الرد الظاهر عليه؛ ولكن لم يتوجه له ما يقوله، وأراد أن يدور بالأسئلة التي أعلمها، فلم يتمكن لعلمه بالجواب.\nولما ذكرت: آية الكرسي، أظنه سأل الأمير عن قولنا: «لا يقربه شيطان حتى\n_________\n(^١) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٧٠) وهو الأقرب للصواب. وفي مجموع الفتاوى (نفسي).\n(^٢) هكذا في العقود لدرية (ص:٢٧٠) وهو الأقرب للصواب، وفي مجموع الفتاوى (لأن).","vol":"1","page":471},{"text":"يصبح» (^١)، فذكرت: حديث أبي هريرة في الذي كان يسرق صدقة الفطر، وذكرت أن البخاري رواه في صحيحه (^٢).\nوأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم، ويطنبون في هذا ويعرضون لما (^٣) ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك. فقلت: قولي «من غير تكييف ولا تمثيل»: ينفي كل باطل وإنما اخترت هذين الاسمين؛ لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة (^٤)، ومالك، وابن عيينة (^٥) وغيرهم المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (^٦)، فاتفق هؤلاء السلف: على أن التكييف (^٧) غير معلوم لنا فنفيت ذلك اتباعًا لسلف الأمة. وهو أيضا منفي بالنص فإن تأويل آيات الصفات، يدخل فيها حقيقة الموصوف وحقيقة صفاته، وهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، كما قد\n_________\n(^١) المراد قوله في الواسطية بعد ذكر آية الكرسي: «ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح».\n(^٢) رواه البخاري كتاب: الوكالة، باب: إذا وكل رجلًا فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل فهو جائز، وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز. (٢٣١١).\n(^٣) في العقود الدرية (بما) (ص:٢٧٢).\n(^٤) هو أبو عبد الرحمن ربيعة بن أبى عبد الرحمن فروخ القرشي التيمي، المدني المعروف بربيعة الرأي، من صغار التابعين، ثقة فقيه المدينة، (ت: ١٣٦ هـ). انظر: تاريخ البخاري (٢/ ٢٨٦)، تاريخ بغداد (٨/ ٤٢٠)، السير (٦/ ٨٩).\n(^٥) هو أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبى عمران: ميمون الهلالي الكوفي المكي، من الوسطى من أتباع التابعين، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، كان أثبت الناس في عمرو بن دينار، (ت: ١٩٨ هـ). انظر: التاريخ الكبير (٤/ ٩٤)، السير (٨/ ٤٥٤).\n(^٦) أخرجه الدارمي في الردّ على الجهميّة (ص:٥٥، ٥٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٥، ٣٢٦)، والصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص:٣٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٥١)، وغيرهم من طرق مختلفة. وانظر تخريجه موسعًا في: (الأثر المشهور عن الإمام مالك -﵀- في صفة الاستواء) أ. د عبدالرزاق البدر.\n(^٧) في العقود الدرية (الكيف) (ص:٢٧٢).","vol":"1","page":472},{"text":"قررت ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في \"التأويل والمعنى، والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله\"، وكذلك التمثيل: منفي بالنص والإجماع القديم مع دلالة العقل على نفيه ونفي التكييف، إذ كنه الباري غير معلوم للبشر، وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي (^١) [وأبو بكر الخطيب (^٢)، وغيرهما أن\n_________\n(^١) هو حَمْدُ بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي -نسبة إلى عمر، أو زيد بن الخطاب -﵄-، الشافعي، صاحب التصانيف، إمام علامة، لغوي، (ت: ٣٨٨ هـ). السير (١٧/ ٢٣)، طبقات الشافعية (٣/ ٢٨٢).\nوالمقصود كلامه في كتابه: (الغنية عن الكلام وأهله) حيث قال: «فأما ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها … والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه وأمثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: يد وسمع وبصر وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول: إن معنى اليد القوة أو النعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول إنما وجب إثبات الصفات لأن التوقف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنه؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات». انظر: الحموية (ص: ٣٦٢ - ٣٦٥) والعرش للذهبي (٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩).\n(^٢) سبقت ترجمته، والمقصود من كلامه ما رواه الذهبي بسنده عن الخطيب البغدادي -﵀- قال: «أما الكلام في الصفات، فأما ما روي منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيف والتشبيه عنها، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ونحتذي في ذلك حذوه ومثاله، وإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته، فإنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ولا نقول: إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح وأدوات الفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]». العرش للذهبي (٢/ ٤٥٧).","vol":"1","page":473},{"text":"مذهب السلف] (^١) هو إجراء آيات الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات، إثبات وجود لا إثبات تكييف فكذلك إثبات الصفات، إثبات وجود لا إثبات تكييف، [فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا أنَّ معنى السمع العلم، ولا نُشبِّهها بأيدي المخلوقين وأسماعهم ونجعلُها جوارحَ وأدواتٍ للفعل] (^٢).\nفقال أحد كبار المخالفين (^٣): فحينئذ يجوز أن يقال: هو جسم لا كالأجسام. فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين: إنما قيل إنه يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم حتى يلزم هذا السؤال، [وأول من قال إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي (^٤) (^٥).\nوأخذ بعض القضاة الحاضرين والمعروفين بالديانة: يريد إظهار أن ينفي عنا ما يقول وينسبه البعض إلينا، فجعل يزيد في المبالغة في نفي التشبيه والتجسيم.\nفقلت: ذكرت فيها في غير موضع «من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل»، وقلت في صدرها: «ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل» ثم قلت: «وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك» إلى أن قلت: «إلى\n_________\n(^١) زيادة من (حكاية المناظرة في الواسطية) ضمن جامع المسائل (٨/ ١٨٧).\n(^٢) زيادة من (حكاية المناظرة في الواسطية) ضمن جامع المسائل (٨/ ١٨٧).\n(^٣) في نسخة للعقود الدرية (كبار المجلس).\n(^٤) هو هشام بن الحكم الكُوفيُّ، الرافضي الخزاز الضال المشبّه، أحد رؤوس الرفض والجدل، ومن متكلمي الشيعة الحذاق، وكان شيخ الإمامية في وقته، وصنف كتبا منها \" الإمامة \" و\" القدر \" (ت:٢٣٠ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (٥/ ٧١٧)، الفهرست لابن النديم (ص: ٢٢٣) الأعلام للزركلي (٨/ ٨٥).\n(^٥) رواية الشيخ علم الدين البرازلي للمناظرة الواسطية مجموع الفتاوى (٣/ ١٩٦).","vol":"1","page":474},{"text":"أمثال هذه الأحاديث الصحاح التي يخبر فيها رسول الله بما يخبر به؛ فإن الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم وسط (^١) في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم، فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وبين أهل التمثيل المشبهة».\nولما رأى هذا الحاكم العدل ممالأتهم وتعصبهم، ورأى قلة العارف الناصر وخافهم، قال: أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد، فتقول (^٢) هذا اعتقاد أحمد: يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه، فإن هذا مذهب متبوع، وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم.\nفقلت: ما جمعت (^٣) إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي -ﷺ-، ولو قال أحمد (^٤) من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله، وهذه عقيدة محمد -﵊-.\nوقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي -ﷺ- حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) يخالف ما ذكرته، فأنا أرجع عن ذلك وعلي أن آتي بنقول جميع الطوائف عن (^٥) القرون الثلاثة توافق ما ذكرته: من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والأشعرية، وأهل الحديث، والصوفية، وغيرهم، [وقلتُ: من أنكر من ذلك\n_________\n(^١) في العقود الدرية (الوسط) (ص:٢٧٤).\n(^٢) في العقود الدرية (فنقول) (ص:٢٧٥).\n(^٣) في العقود الدرية (ما خرجت) (ص:٢٧٥).\n(^٤) في العقود الدرية (أحد) (ص:٢٧٥).\n(^٥) في العقود الدرية (من) (ص:٢٧٦).","vol":"1","page":475},{"text":"شيئًا فليكتُب خطَّه بما ينكره، ولينقلْ ذلك عن سلف الأمة، ويذكر مستنده، أو ليكتبْ عقيدةً تُناقض هذه، وتُعرَضُ الثنتانِ على سلطان المسلمين] (^١).\nوقلت أيضًا: في غير هذا المجلس: الإمام أحمد -﵀- لما انتهى إليه من السنة ونصوص رسول الله -ﷺ- أكثر مما انتهى إلى غيره، وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره، كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره، فصار إماما في السنة أظهر من غيره، وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة -العلماء الصلحاء- قال: (المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد بن حنبل) (^٢)، يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان وإظهار الحق ودفع الباطل، ما ليس لبعض.\nولما جاء فيها: «وما وصف به النبي ربه في الأحاديث الصحاح: التي تلقاها أهل العلم بالقبول …» ولما جاء حديث أبى سعيد المتفق عليه في الصحيحين (^٣) عن النبي - -ﷺ- يقول الله يوم القيامة: (يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تبعث بعثا إلى النار) الحديث. سألهم الأمير هل هذا الحديث صحيح؟ فقلت: نعم. هو في الصحيحين، ولم يخالف في ذلك أحد. واحتاج المنازع إلى الإقرار به، ووافق الجماعة على ذلك.\n[فأخذ نائب المالكي يقول: أنت تقول: إن الله ينادي بصوت!\n_________\n(^١) حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٩٢) وانظر أيضا: رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٦).\nوقال في مجموع الفتاوى (٣/ ٢٤٤): «وقد قلت قبل ذلك بدمشق: هذه الإنكارات المجملة لا تفيد شيئًا، بل من أنكر شيئًا فليكتب خطه بما أنكره وبحجته، وأنا أكتب خطي بجواب ذلك ويرى أهل العلم والإيمان الكلامين، فهذا هو الطريق في الأمور العامة».\n(^٢) ذكر الشيخ هذه العبارة في غير ما موضع من كتبه، ولم ينص على اسم قائلها، ولم أقف بعد البحث على صاحبها، انظر: منهاج السنة (٢/ ٣٦٥) درء التعارض (٥/ ٥).\n(^٣) رواه البخاري كتاب تفسير القرآن باب: ﴿وترى الناس سكارى﴾ (٤٧٤١) ومسلم كتاب الإيمان (٢٢٢).","vol":"1","page":476},{"text":"فقال له الشيخ: هكذا قال نبيك إن كنت مؤمنًا به، وهكذا قال محمد بن عبدالله إن كان رسولا عندك!] (^١).\n[فقال آخر: الحديث (يُنادَى)؟ فقلتُ: أما غالبُ الرواة، فإنهم قالوا: «يُنادِي»، وقد رواه بعضهم «يُنادَى» كما حكاه القاضي عياض (^٢)، ولا منافاة، فإن الروايتين الصحيحتين في الحديث كالقراءتين الصحيحتين في القراءات، فذلك مثل قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف:٤٧]، (وتُسَيَّرُ الجبالُ) (^٣) (^٤).\nوطلب الأمير الكلام في مسألة الحرف والصوت؛ لأن ذلك طُلب منه. فقلت: هذا الذي يحكيه كثير من الناس عن الإمام أحمد وأصحابه أن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي، كما نقله مجد الدين ابن الخطيب (^٥) وغيره، كذب مفترى، لم يقل ذلك أحمد ولا أحد من علماء المسلمين، لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم، [وفساد هذا معلوم بالحس] (^٦) [ولا يقوله عاقل] (^٧)، وأخرجت كراسًا قد أحضرته مع العقيدة، فيه ألفاظ أحمد مما ذكره الشيخ أبوبكر الخلال (^٨) في كتاب السنة عن الإمام أحمد، وما جمعه صاحبه أبو بكر\n_________\n(^١) رسالة عبد الله ابن تيمية في حكاية المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٩).\n(^٢) هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض البستي كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم وصنف التصانيف المفيدة منها \" الإكمال في شرح كتاب مسلم \" و\" مشارق الأنوار \" (ت:٥٤٤ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٨٣) والسير (٢٠/ ٢١٢).\n(^٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (تُسَيَّرُ الجبالُ) بالتاء وقرأ الباقون ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ بالنون. انظر: الحجة للقراء السبعة (٥/ ١٥١) حجة القراءات (ص:٤١٩).\n(^٤) حكاية المناظرة في الواسطية ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٨/ ١٩٨).\n(^٥) المقصود هنا الرازي، وهو فخر الدين بن الخطيب، وليس مجد الدين بن الخطيب فلعله وقع تصحيف هنا، وانظر: صيانة مجموع الفتاوى (ص: ٢٥٥).\n(^٦) حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٨٤).\n(^٧) المصدر السابق (٨/ ١٨٤).\n(^٨) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي، المعروف بالخلال، الإمام العلامة الحافظ الفقيه شيخ الحنابلة وعالمهم، جامع علم الإمام أحمد، له مصنفات منها: الجامع في الفقه وكتاب العلل، وكتاب السنة والطبقات، وغيرها، (ت: ٣١١ هـ). انظر: طبقات الحنابلة (٢/ ١٢)، تذكرة الحفاظ (٣/ ٧٨٥).","vol":"1","page":477},{"text":"المروذي (^١)، من كلام الإمام أحمد وكلام أئمة زمانه وسائر أصحابه [في] (^٢) أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع (^٣). قلت: وهذا هو الذي نقله الأشعري (^٤) في كتاب المقالات عن أهل السنة وأصحاب الحديث وقال: إنه يقول به (^٥). قلت: فكيف بمن يقول: لفظي قديم؟! فكيف بمن يقول: صوتي غير مخلوق؟! فكيف بمن يقول: صوتي قديم؟! ونصوص الإمام أحمد في الفرق بين تكلم الله بصوت وبين صوت العبد كما نقله البخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد وغيره من أئمة السنة (^٦). وأحضرت جواب مسألة كنت سُئلت عنها قديمًا [من نحو اثني عشر سنة] (^٧)، فيمن \"حلف بالطلاق في مسألة الحرف والصوت ومسألة الظاهر في العرش\" (^٨)، فذكرت من الجواب\n_________\n(^١) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز المروذي، شيخ بغداد، وأجل أصحاب الإمام أحمد، وممن يأنس به، روى عنه مسائل كثيرة، (ت: ٢٧٥ هـ). انظر: طبقات الحنابلة (١/ ٥٦)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣١).\n(^٢) زيادة من العقود الدرية (٢٨٣).\n(^٣) انظر: السنة لأبي بكر الخلال (٣ - ٦٣ - ١١٧)، السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٦٣ - ١٦٤، ١٧٣)، مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص:٣٦٣)، مناقب الإمام أحمد (٢٠٧ - ٢١٤).\n(^٤) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سالم بن إسماعيل الأشعري، إليه ينتسب الأشاعرة، وقد مر بأطوار: حتى انتهى بطورٍ نَهجَ فيه منهج السلف مع بقاء بقايا من لوثة المتكلمين، له مؤلفات منها: مقالات الإسلاميين، الإبانة، وغيرها، (ت: ٢٣٤ هـ). انظر: السير (١٥/ ٨٥)، شذرات الذهب (٢/ ٣٠٣).\n(^٥) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (ص:٢٩٢).\n(^٦) انظر: خلق أفعال العباد (ص:٦٢).\n(^٧) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٦).\n(^٨) انظر الرسالة المشار إليها في مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٦٩ - ١٨٧). وانظر فتوى أخرى له في ذلك: (١٢/ ٥٧٩ - ٥٩٨).","vol":"1","page":478},{"text":"القديم في هذه المسألة وتفصيل القول فيها، وأن إطلاق القول أن القرآن هو الحرف والصوت أو ليس بحرف ولا صوت، كلاهما بدعة حدثت بعد المائة الثالثة، [لم يتكلم الإمام أحمد ولا غيره من الأئمة بهذا التركيب نفيًا ولا إثباتًا] (^١). وقلت: هذا جوابي.\nوكانت هذه المسألة: قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ممن كان بعضهم حاضرًا في المجلس فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم، وكانوا قد ظنوا أني إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله، حصل مقصودهم من الشناعة، وإن أجبت بما يقولونه هم، حصل مقصودهم من الموافقة، فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة، وليس هو ما يقولونه هم، ولا ما ينقلونه عن أهل السنة، [أو قد] (^٢) يقوله بعض الجهال، بهتوا لذلك.\nوفيه: أن القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه ليس القرآن اسمًا لمجرد الحروف ولا لمجرد المعاني (^٣).\nوقلت في ضمن الكلام لصدر الدين بن الوكيل -لبيان كثرة تناقضه، وأنه لا يستقر على مقالة واحدة، وإنما يسعى في الفتن والتفريق بين المسلمين-: عندي عقيدة للشيخ أبي البيان (^٤) فيها: «أن من قال: إن حرفًا من القرآن مخلوق\n_________\n(^١) حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٨٥).\n(^٢) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٧٩) وفي مجموع الفتاوى (إذ قد).\n(^٣) قال الشيخ في الواسطية: «وهو كلام الله؛ حروفه ومعانيه؛ ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف». الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٤)\n(^٤) هو أبو محمد المعافى بن إسماعيل بن الحسين بن أبي السنان الشيباني الموصلي الشافعي، الملقب بجمال الدين، كان مفسرًا عارفًا بالحديث والأدب وله «نهاية البيان في تفسير القرآن» «والكامل، والموجز» وكلاهما في الفقه، توفى بالموصل (ت: ٦٣٠ هـ). انظر: تاريخ إربل (٢/ ٦٢)، معجم المؤلفين (١٢/ ٣٠١)، الأعلام للزركلي (٢/ ٨٩٦). والعقيدة التي أشار إليها شيخ الإسلام لم أقف عليها.","vol":"1","page":479},{"text":"فقد كفر». وقد كتبت عليها بخطك: أن هذا مذهب الشافعي وأئمة أصحابه، وأنك تدين الله بها.\nفاعترف بذلك، فأنكر عليه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني ذلك. فقال ابن الوكيل: هذا نص الشافعي. وراجعه في ذلك مرارًا.\nفلما اجتمعنا في المجلس الثاني: ذُكِرَ لابن الوكيل أن ابن درباس (^١) نقل في كتاب (الانتصار) (^٢) عن الشافعي مثل ما نقلت.\nفلما كان في المجلس الثالث: أعاد ابن الوكيل الكلام في ذلك. فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين بن الوكيل: قد قلت في ذلك المجلس للشيخ تقي الدين: إنَّه من قال: إن حرفًا من القرآن مخلوق فهو كافر، فأعاده مرارًا فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضبًا شديدًا ورفع صوته، وقال: هذا يكفر أصحابنا المتكلمين الأشعرية الذين يقولون: إن حروف القرآن مخلوقة، مثل إمام الحرمين (^٣) وغيره، وما نصبر على تكفير أصحابنا، فأنكر ابن الوكيل أنه قال ذلك. وقال: ما قلت\n_________\n(^١) هو أبو عمرو عثمان بن عيسى بن درباس الماراني، ضياء الدين، من أعلم الشافعيين بالفقه في عصره، ولي القضاء بالديار المصرية سنة ٥٦٦ هـ، له مصنفات منها: الاستقصاء لمذاهب الفقهاء، شرح للمهذب، شرح اللمع في أصول الفقه. (ت: ٦٠٢ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٣/ ٦٩٩) والوافي بالوفيات (١٩/ ٣٣١) وطبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٣٣٧)، وابنه إبراهيم أحد العلماء المحدثين، وأخوه عبد الملك قاضي الديار المصرية، وكلهم يلتقون بجدهم ابن درباس، ويلقبون به، والمراد هنا عثمان الأب كما سيتضح في الحاشية التالية.\n(^٢) لم أقف على من ذكر هذا الكتاب إلا شيخ الإسلام في هذا الموضع والقرطبي في تفسيره (٢/ ٢١٢) ونسبه إلى عثمان بن عيسى بن درباس؛ ولذلك بينت أن المراد بابن درباس فيما ذكره شيخ الإسلام عثمان بن عيسى وليس ابنه إبراهيم ولا أخاه عبد الملك والله أعلم.\n(^٣) هو أبو المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجُوَيْني، الملقب بإمام الحرمين: من أئمة الأشاعرة، ومن كبار فقهاء الشافعية، له مصنفات منها: \"غياث الأمم\"، \"العقيدة النظامية\" وغيرها، (ت:٤٧٨ هـ). انظر: وفيات الأعيان (١/ ٢٨٧)، طبقات الشافعية (٣/ ٢٤٩).","vol":"1","page":480},{"text":"ذلك، وإنما قلت أن من أنكر حرفًا من القرآن فقد كفر، فرد ذلك عليه الحاضرون وقالوا: ما قلت إلا كذا وكذا، وقالوا: ما ينبغي لك أن تقول قولًا وترجع عنه. وقال بعضهم: ما قال هذا. فلما حرفوا: قال: ما سمعناه قال هذا، حتى قال نائب السلطان: واحد يُكْذِّبْ وآخر يشهد! والشيخ كمال الدين مغضب فالتفت إلى قاضي القضاة نجم الدين الشافعي (^١) يستصرخه للانتصار على ابن الوكيل حيث كفر أصحابه. فقال القاضي نجم الدين: ما سمعت هذا؟! (^٢)، فغضب الشيخ كمال الدين وقال كلامًا لم أضبط لفظه إلا أن معناه: أن هذا غضاضة على الشافعي، وعار عليهم أن أئمتهم يكفرون ولا ينتصر لهم. ولم أسمع من الشيخ كمال الدين ما قال في حق القاضي نجم الدين، واستثبت غيري ممن حضر هل سمع منه في حقه شيئًا؟ فقالوا: لا. لكن القاضي اعتقد أن التعيير لأجله (^٣)، ولكونه قاضي المذهب ولم ينتصر لأصحابه، وأن الشيخ كمال الدين قصده ذلك. فغضب قاضي القضاة نجم الدين. وقال: اشهدوا علي أني عزلت نفسي، وأخذ يذكر ما يستحق به التقديم والاستحقاق، وعفته عن التكلم في أعراض الجماعة، ويستشهد بنائب السلطان في ذلك. وقلت له كلامًا مضمونه تعظيمه واستحقاقه، لدوام المباشرة في هذه الحال.\n_________\n(^١) قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن محمد بن سالم بن الحسن ابن صصري التغلبي الدمشقي الشافعي رئيس دمشق، وكان بصيرا بالأحكام فصيحا دينا، وله أموال ضخمة ومماليك وخدم وحشم وحشمة، (ت:٧٢٣ هـ). انظر: معجم الشيوخ (١/ ٩١) أعيان العصر (١/ ٣٢٧).\n(^٢) قال في ذيل مرآة الزمان: «فكأنه تغافل حتى تنكسر الفتنة» ضمن تكملة الجامع لسيرة الشيخ (ص:٢٠) وانظر: نهاية الأرب ضمن الجامع لسيرة الشيخ (ص:١٧٥)، وقال ابن أيبك في كنز الدرر ضمن المصدر السابق (ص: ٢٢٩): «فكأن نجم الدين تغافل عن ذلك طلبًا لإخماد الشر».\n(^٣) وقد بين قطب الدين اليونيني ما قاله كمال الدين فقال: «فقال كمال الدين: ما جرى على الشّافعيّة قليل كونك تكون رئيسهم إشارة إلى ما ادعاه على صدر الدين، فاعتقد قاضي القضاة نجم الدين أن الكلام له». ذيل مرآة الزمان ضمن تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام (١/ ٢٠) وانظر: الدرر الكامنة، ضمن الجامع لسيرة الشيخ (ص:٥٣٤).","vol":"1","page":481},{"text":"ولما جاءت مسألة القرآن: «ومن الإيمان به الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود» نازع بعضهم في كونه (منه بدأ وإليه يعود)، وطلبوا تفسير ذلك.\nفقلت: أما هذا القول: فهو المأثور الثابت عن السلف مثل ما نقله عمرو بن دينار قال: (أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود) (^١)، وقد جمع غير واحد ما في ذلك من الآثار عن النبي -ﷺ- والصحابة والتابعين كالحافظ أبي الفضل بن ناصر (^٢)، والحافظ أبي عبد الله المقدسي (^٣)، وأما معناه: فإن قولهم: (منه بدأ) أي: هو المتكلم به، وهو الذي أنزله من لدنه، ليس هو كما تقول الجهمية: أنه خلق في [الهواء] (^٤) أو غيره، أو بدأ من عند غيره.\nوأما (إليه يعود): فإنه يسري به في آخر الزمان من المصاحف والصدور، فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف، ووافق على ذلك غالب الحاضرين، وسكت المنازعون. وخاطبت بعضهم في غير هذا المجلس\n_________\n(^١) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٢٦٠) برقم (٣٨١)، وذكره الذهبي عن الخلال في العلو للعلي الغفار (ص: ١٥٥) برقم (٤٢١).\n(^٢) هو أبو الفضل محمد بن ناصر بن علي بن عمر السلامي، الإمام المحدث الحافظ، قال ابن النجار: كان ثقة ثبتًا حسن الطريقة متدينًا فقيرًا متعففًا نظيفًا نزهًا، وقف كتبه. ورجع عن الأشعرية، (ت: ٥٥٠ هـ). انظر: السير (٢٠/ ٢٦٥)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٩٣).\n(^٣) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدي المقدسي الصالحي الحنبلي، الشيخ الإمام الحافظ القدوة المحقق المجود الحجة، له مصنفات في الرد على المبتدعة منها: الأمر باتباع السنن واجتناب البدع، جزء في أحاديث الحرف والصوت وغيرها، (ت: ٦٤٣ هـ). انظر: السير (٢٣/ ١٢٦)، الوافي بالوفيات (٤/ ٦٥).\nويشير شيخ الإسلام إلى كتابه (اختصاص القرآن بعودِهِ إلى الرحيم الرحمن) طبع بتحقيق: عبدالله الجديع، مكتبة الرشد- الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٠٩ هـ ١٩٨٩ م.\n(^٤) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٨٠)، وفي مجموع الفتاوى (الهوى)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":482},{"text":"بأن أريته العقيدة التي جمعها الإمام القادري (^١)، التي فيها أن القرآن كلام الله خرج منه فتوقف في هذا اللفظ. فقلت: هكذا قال النبي - -ﷺ-: (ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه) (^٢)، يعني: القرآن. وقال خباب بن الأرت: (يا هنَتَاه تقرب إلى الله بما استطعت فلن يتقرب (^٣) إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه) (^٤). وقال أبو بكر الصديق -لما قرأ قرآن مسيلمة الكذاب-: \"إن هذا الكلام لم يخرج من إل - يعني رب -\" (^٥).\nوجاء فيها: «ومن الإيمان به (^٦): الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن -الذي أنزله الله على محمد -ﷺ- هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف: لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا»، فتمعض (^٧) بعضهم من إثبات كونه كلام الله حقيقة، بعد تسليمه أن الله تعالى تكلم به حقيقة، ثم إنه سلم ذلك لما بُين له: أن المجاز\n_________\n(^١) هو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر الخليفة، الملقب بـ (القادر بالله)، له اشتغال بالعلم وصنف عدة تصانيف، وعقيدته هذه ساقها ابن الجوزي. انظر: السير (١٥/ ١٢٧ - ١٣٧) المنتظم لابن الجوزي (٩/ ٣٠٣).\n(^٢) رواه أحمد (٥/ ٢٦٨)، والترمذي (٥/ ٢٩١)، وقال: «حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه». والحاكم (١/ ٥٥٥)، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في المشكاة (١٣٣٢) والضعيفة (١٩٥٧).\n(^٣) في العقود الدرية (تتقرب) (ص:٢٨١).\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٧٢٢)، وأحمد في الزهد (ص:٣٥)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٤٤١)، والخلال في السنة (٦/ ١٠٤)، والبخاري في خلق أفعال العباد (ص: ١٣)، ومن طريقه رواه الآجري في الشريعة (ص: ٧٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص: ٣١١).\n(^٥) ذكره أبو عبيدة في غريب الحديث (١/ ١٠٠) وابن قتيبة في غريب الحديث (١/ ٥٣٢) وغيرهما.\n(^٦) في الواسطية: «ومن الإيمان بالله وكتبه». والمعنى واحد.\n(^٧) في العقود الدرية (فامتعض) (ص:٢٨٢) والمعنى واحد.","vol":"1","page":483},{"text":"يصح نفيه وهذا لا يصح نفيه، ولما بُين له أن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم، وشعر الشعراء المضاف إليهم: هو كلامهم حقيقة، فلا يكون نسبة القرآن إلى الله بأقل من ذلك. فوافق الجماعة كلهم على ما ذكر في مسألة القرآن وأن الله تكلم حقيقة، وأن القرآن كلام الله حقيقة لا كلام غيره.\nولما ذُكر فيها: «أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغا مؤديًا»، استحسنوا هذا الكلام وعظموه، وأخذ أكبر (^١) الخصوم يظهر تعظيم هذا الكلام -كابن الوكيل وغيره- وأظهر الفرح بهذا التلخيص، وقال: إنك قد أزلت عنا هذه الشبهة وشفيت الصدور. ويذكر أشياء من هذا النمط.\nولما جاء ما ذكر من الإيمان باليوم الآخر وتفصيله ونظمه: استحسنوا ذلك وعظموه. وكذلك لما جاء ذكر الإيمان بالقدر، وأنه على درجتين إلى غير ذلك مما [فيه] (^٢) من القواعد الجليلة.\nوكذا لما جاء ذكر الكلام في الفاسق الملي وفي الإيمان، لكن اعُترِض على ذلك بما سأذكره.\nوكان مجموع ما اعترض به المنازعون المعاندون بعد انقضاء قراءة جميعها، والبحث فيها عن أربعة أسئلة:\nالأول: قولنا: «ومن أصول الفرقة الناجية: أن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح».\nقالوا: فإذا قيل: إن هذا من أصول الفرقة الناجية خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك، مثل أصحابنا المتكلمين الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق. ومن يقول الإيمان: هو التصديق والإقرار. وإذا لم يكونوا من الناجين لزم أن يكونوا هالكين.\n_________\n(^١) في العقود الدرية (أحد) (ص: ٢٨٣).\n(^٢) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٨٣) وهو الأقرب للصواب وفي مجموع الفتاوى (فيها).","vol":"1","page":484},{"text":"وأما الأسئلة الثلاثة (^١): وهي التي كانت عمدتهم، فأوردوها على قولنا: «وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله في كتابه وتواتر عن رسول الله وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليٌّ على خلقه، وهو [سبحانه] (^٢) معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]. وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق؛ فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان وغير المسافر (^٣). وهو (^٤) سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع إليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله تعالى (^٥) من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان [عن] (^٦) الظنون الكاذبة».\nالسؤال الثاني (^٧): قال بعضهم: نقر باللفظ الوارد مثل حديث العباس حديث الأوعال: (والله فوق العرش) (^٨)، ولا نقول فوق السموات ولا نقول على العرش.\n_________\n(^١) أي السؤال الثاني والثالث والرابع، وقد لخصها عبد الله بن تيمية في حكايته للمناظرة فقال: «وأوردوا ثلاثة أسئلة، في ثلاث مواضع وهي: (تسميتها باعتقاد أهل الفرقة الناجية)، وقول: (استوى حقيقة) وقول: (فوق السموات)» رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ٢٠٤).\n(^٢) زيادة من العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٢).\n(^٣) في الواسطية: «وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان».\n(^٤) في الواسطية: «هو» من غير واو.\n(^٥) في الواسطية: «سبحانه».\n(^٦) هكذا في الواسطية، وفي الأصل (على).\n(^٧) في العقود الدرية (والسؤال الأول) وجعل ما بعده الثاني والثالث، والسبب في اختلاف العد هو اعتبار الأسئلة مستأنفة من العد، أو تابعة للسؤال الأول.\n(^٨) سيأتي تخريج هذا الحديث.","vol":"1","page":485},{"text":"[فقلت: المعنى واحدٌ، مع أن في الحديث أيضًا «فوق السماوات» (^١) (^٢)، وقالوا أيضًا: نقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ولا نقول الله على العرش استوى، ولا نقول مستو. وأعادوا هذا المعنى مرارًا، أي أن اللفظ الذي ورد يقال اللفظ بعينه، ولا يبدل بلفظ يرادفه ولا يفهم له معنى أصلا، ولا يقال: إنه يدل على صفة لله أصلًا. ونبسط الكلام في هذا في المجلس الثاني كما سنذكره -إن شاء الله تعالى-.\nالسؤال الثالث (^٣): قالوا: التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون الله في السماء بكون القمر في السماء؟\nالسؤال الرابع (^٤): قالوا: قولك \"حق على حقيقته\" الحقيقة هي المعنى اللغوي، ولا يفهم من الحقيقة اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها، ولم تضع العرب ذلك إلا لها، فإثبات الحقيقة\nهو محض التجسيم، ونفي التجسيم مع هذا تناقض أو مصانعة؟ (^٥)\n_________\n(^١) رواه الحاكم (٢٥٧٠) وصححه الذهبي والألباني السلسلة الصحيحة (٢٧٤٥).\n(^٢) حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٨٧).\n(^٣) في العقود الدرية (السؤال الثاني) (ص: ٢٨٦).\n(^٤) في العقود الدرية (السؤال الرابع) (ص: ٢٨٦).\n(^٥) قال في حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٩٠ - ١٩٢): «وقيل: لفظ العلو والفوقية لا يُفهم منه إلّا الفوقية المختصة بالمخلوق، كفوقية السلطان على السرير؟\nفقلتُ: بل لفظ العلو والفوقية كلفظ الحياة والعلم والسمع والبصر ونحو ذلك من الصفات؛ فإنه وإن وُصِفَ الله بها ووُصِف بها العبد وهي على ظاهرها وحقيقتها في الموضعين، فالمفهوم منها في حق الله تعالى ليس هو ما يختصُّ به المخلوق.\nفقيل: العلو من الأمور الإضافية بخلاف السمع والبصر ونحوهما.\nفقلت: إذا كان الاشتراك في الصفة الثبوتية كالحياة أو في الصفة الثبوتية الإضافية كالسمع والبصر لا يقتضي تشبيهًا ونقصًا، فالاشتراك في الإضافة المحضة أولى أن لا يقتضي تشبيهًا ونقصًا، فإن الاشتراك في الصفات الثبوتية أولى بالمشابهة من الصفات الإضافية.\nوقيل: إن ........ تعالى ذلك هل هو معلوم أو غير معلوم؟ =","vol":"1","page":486},{"text":"فأجبتهم عن الأسئلة بأن: قولي: «اعتقاد الفرقة الناجية»: هي الفرقة التي وصفها النبي -ﷺ- بالنجاة، حيث قال: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم\n_________\n= فقلت: هو معلوم من حيث الجملة غير معلومٍ من حيث التفصيل، معلوم من وجهٍ دون وجه، كما قال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهكذا سائر ما يُعلم من معاني أسماء الله وصفاته إنما يعلمه الناس من بعض الوجوه، وأما الإحاطة بحقيقته فليست إلّا لله وحده.\nقلت: وكذلك ما أخبرتْ به الرسلُ مما في الجنة والنار، بل ونفس الإنسان إنما يعلم ذلك من بعض الوجوه دون الإحاطة بحقيقته.\nوقيل: إن صفة العلو هل هي صفة كمال؟\nفذكرتُ أن فيها قولين:\nمن الناس من يقول: ليست بصفة نقص ولا كمال، كما يقوله كثير من المتكلمين من الأشعرية وغيرهم في صفات الفعل مثل الخلق والرزق، إذ لو كانت صفة كمالٍ لوجب اتصافه بها في الأزل، وهو منزه عن النقائص ﷾.\nومنهم من يقول: بل هي صفة كمال. ثم منهم من يقول: هي قديمة وإن تأخر أثرُها، كما يقولونه في الصفات الفعلية من الربوبية وغيرها، وصفة العلو استحقاقه للعلو عند وجود المخلوق.\nومنهم من يقول: هذه من الأمور النسبية الإضافية، وتجدُّد النِّسَب والإضافات جائز باتفاق العقلاء، وهي صفة كمال لا يستحق لذلك إلّا حينَ وجود المخلوق، وقبلَ وجود المخلوق يمتنع ثبوتها، فلا يقال صفة نقصٍ ولا كمال».\nوقد بين شيخ الإسلام حقيقة اعتقادهم في علو الله تعالى أثناء حواره مع علاء الدين الطيبرسي في سجن مصر: «قلت: فإن هؤلاء يقولون: ما فوق العرش رب يدعى ولا فوق السماء إله يعبد؛ وما هناك إلا العدم المحض والنفي الصرف وأن الرسول -ﷺ- لم يعرج به إلى الله تعالى؛ ولكن صعد إلى السماء ونزل. وأن الداعي لا يرفع يديه إلى الله.\nومنهم من يقول: إن الله هو هذا الوجود؛ وأنا الله؛ وأنت الله؛ والكلب والخنزير والعذرة ويقول: إن الله حال في ذلك. فاستعظم ذلك وهاله أن أحدا يقول هذا. فقال \"هؤلاء\" يعني ابن مخلوف وذويه فقلت: هؤلاء ما سمعت كلامهم ولا خاطبوني بشيء؛ فما يحل لي أن أقول عنهم ما لم أعلمه؛ ولكن هذا قول الذين نازعوني بالشام وناظروني وصرحوا لي بذلك وصرح أحدهم بأنه لا يقبل من الرسول -ﷺ- ما يقوله في هذا الباب مما يخالفهم». مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٨).","vol":"1","page":487},{"text":"وأصحابي) (^١)، [مع أن هذا السؤال لا يرد؛ لأني إنما قلت: إن الدين والإيمان قول وعمل، وهذا متفق عليه لا خلاف أن مجموع الدين قول وعمل، لكني قلت: أنا ذكرت اعتقاد السلف المنقول عن الصحابة والتابعين، ومذهبهم الثابت عنهم أن الإيمان قول وعمل] (^٢) فهذا الاعتقاد هو المأثور عن النبي وأصحابه -﵃-، وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية؛ فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: «الإيمان يزيد وينقص» (^٣). وكل ما ذكرته في ذلك، فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم [لم] (^٤) يضر في ذلك.\nثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا؛ فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله [له] (^٥) خطأه [كسائر من يخالف بعض الأحاديث الصحيحة لاجتهادٍ سائغٍ؛ فإن المجتهد المصيب له أجرانِ، والمجتهد المخطئ له أجرٌ] (^٦)، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول [والتائب] (^٧)، وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى (^٨)، بل موجب هذا الكلام أن\n_________\n(^١) سبق عزوه (ص:٤٢).\n(^٢) حكاية المناظرة في الواسطية، ضمن جامع الرسائل (٨/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٣) كما جاء عن أبي الدرداء وأبي هريرة وروي عن ابن عباس وعمير بن حبيب الخطمي ﵃ جميعًا. وانظر هذه الآثار مع تخريجها مطولًا في \"زيادة الإيمان ونقصانه\" (ص:١١٣ - ١١٦).\n(^٤) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٨٧) وهو الأقرب للصواب. وفي مجموع الفتاوى (لما).\n(^٥) زيادة من العقود الدرية (ص:٢٨٧).\n(^٦) حكاية المناظرة في الواسطية، ضمن جامع الرسائل (٨/ ١٨٦).\n(^٧) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٨٨) وهو الأقرب للصواب. وفي مجموع الفتاوى (القانت).\n(^٨) قال في حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع الرسائل (٨/ ١٨٦): «وقد ذكرتُ في الاعتقاد أن أهل السنة لا يكفِّرون أهلَ الذنوب الكبائر مع شمول نصوص الوعيد لهم، لجواز أن يغفر الله لهم ويتوبوا، أو يكون لهم حسنات ماحيةٌ، أو لشفاعة فيهم، أو رحمة الله لهم، وإن كنا نُطلق بأن أهل النجاة هم أهل طاعة الله».","vol":"1","page":488},{"text":"من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا، وقد لا يكون ناجيًا، كما يقال: (من صمت نجا) (^١)، [وكنت أبين لهم أن ما نقُل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة: (الوعيد)؛ فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] الآية، وكذلك سائر ما ورد من فعل كذا فله كذا، فإن هذه مطلقة عامة، وهي بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا: فهو كذا، ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه: بتوبة أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة. والتكفير هو من الوعيد؛ فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة. ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة. وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا، وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت. قال خشيتك: فغفر له) (^٢)، فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه\n_________\n(^١) هذا حديث رواه الترمذي (٢٥٠١)، وأحمد (٢/ ١٥٩)، والدارمي (٢/ ٢٩٩)، وابن المبارك في الزهد من حديث عبدالله بن عمرو -﵄- (٣٨٥)، وقال الترمذي: حديث غريب. وأورده الألباني في الصحيحة (٥٣٦). وقد جرى مجرى المثل فرواه أبو الشيخ الأصبهاني في أمثال الحديث (ص: ٢٤٧)، وذكره الميداني في مجمع الأمثال (٢/ ٤٥٠).\n(^٢) رواه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار (٣٤٧٨)، ومسلم كتاب التوبة (٢٧٥٦)، (٢٧٥٧) من حديث أبي سعيد -﵁-، ورواه أيضًا من حديث أنس -﵁- (٢٧٤٧).","vol":"1","page":489},{"text":"لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا] (^١).\nوأما السؤال الثاني: فأجبتهم أولا: بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن النبي -ﷺ-، مثل: لفظ فوق السموات، ولفظ على العرش، وفوق العرش.\nوقلت: اكتبوا الجواب فأخذ الكاتب في كتابته، ثم قال بعض الجماعة: قد طال المجلس اليوم [وكان المجلس قد طال من الضحى إلى قريب العصر] (^٢)، فيؤخر هذا إلى مجلس آخر وتكتبون أنتم الجواب وتحضرونه في ذلك المجلس، فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب، لئلا تنتشر أسئلتهم واعتراضهم، وكان الخصوم لهم غرض (^٣) في تأخير كتابة الجواب ليستعدوا لأنفسهم ويطالعوا، ويحضروا من غاب من أصحابهم، ويتأملوا العقيدة فيما بينهم، ليتمكنوا من الطعن والاعتراض، فحصل الاتفاق على أن يكون تمام الكلام يوم الجمعة وقمنا على ذلك.\nوقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة: ما أعز الله به [أهل] (^٤) السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة، وفي نفوس كثير من الناس أمور لما يحدث في المجلس الثاني.\nوأخذوا في تلك الأيام يتأملونها، ويتأملون ما أجبت به في مسائل تتعلق بالاعتقاد، مثل (المسألة الحموية في الاستواء والصفات الخبرية) وغيرها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣٠ - ٢٣١).\n(^٢) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٤).\n(^٣) وفي العقود الدرية (وكأن الخصوم كان لهم) (ص:٢٨٩).\n(^٤) زيادة من العقود الدرية (ص:٢٨٩).","vol":"1","page":490},{"text":"فصل\nفلما كان المجلس الثاني: يوم الجمعة [بعد صلاة الجمعة] (^١) في اثني عشر رجب، [وكان يومًا عظيمًا مشهودًا، بين فيه للحاضرين من البحث والنقل أمر عظيم] (^٢)، وقد أحضروا أكثر (^٣) شيوخهم ممن لم يكن حاضرًا ذلك المجلس، وأحضروا معهم زيادة صفي الدين الهندي (^٤)، وقالوا: هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام، [وعليه اشتغل الناس في هذا الفن، واتفقوا على أنه يتكلم مع الشيخ وحده فإذا فرغ تكلم واحد بعد واحد] (^٥). وبحثوا فيما بينهم (^٦)، واتفقوا وتواطئوا، وحضروا بقوة واستعداد غير ما كانوا عليه؛ لأن المجلس\n_________\n(^١) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٤). والعقود الدرية (ص:٢٩٠).\n(^٢) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٤).\n(^٣) في العقود الدرية (أكبر) (ص:٢٩٠).\n(^٤) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي، صفي الدين الهندي: فقيه أصولي، كان من أعلم الناس بمذهب الأشعري، له مصنفات منها: زبد الكلام في علم الكلام، ونهاية الأصول في أصول الفقه وغيرها، (ت: ٧١٥ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ١٦٢)، الدرر الكامنة (٤/ ١٤)، الوافي بالوفيات (٣/ ٢٣٩).\n(^٥) رسالة عبد الله بن تيمية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٤). قال ابن كثير -﵀- في حكايته للمناظرة: «وحضر الشَّيخ صفي الدين الهندي، وتكلم مع الشَّيخ تقي الدين كلامًا كثيرًا، ولكن ساقيته لاطمت بحرًا!! ثمَّ اصطلحوا على أَن يكون الشَّيخ كمال الدين ابن الزَّمْلَكاني هو الَّذي يحاققه من غير مسامحة، فتناظرا في ذلك، وشكر الناسُ من فضائل الشَّيخ كمال الدين ابن الزَّمْلَكاني وجودة ذهنه وحسن بحثه حيث قاوم ابن تَيْمِيَّة في البحث، وتكلم معه». البداية والنهاية (٤/ ٤٢). وانظر: ذيل مرآة الزمان ضمن تكملة الجامع لسيرة الشيخ (ص:١٩).\n(^٦) قال عبد الله بن تيمية: «وقد كانوا بحثوا في تلك الأيام بالفصوص وطالعوه، واتفقوا على أنهم لا يبقوا ممكنا» [رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٤)].","vol":"1","page":491},{"text":"الأول أتاهم بغتة، وإن كان أيضا بغتة للمخاطب الذي هو المسئول والمجيب والمناظر.\nفلما اجتمعنا: وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن (^١) أسئلتهم المتقدمة الذي طلبوا تأخيره إلى اليوم: حمدت الله بخطبة الحاجة خطبة ابن مسعود -﵁-، ثم قلت: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف. وقال لنا في القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، وربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين، وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك: كشفت له الأسرار، وهتكت الأستار، وبينت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس، فإن للسلم كلامًا وللحرب كلامًا. وقلت: لا شك أن الناس يتنازعون، يقول هذا: أنا حنبلي، ويقول هذا: أنا أشعري، ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها. وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته (^٢)، وأحضرت كتاب: (تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري -﵀-) تأليف: الحافظ أبي القاسم بن عساكر (^٣) -﵀- وقلت: لم يصنف في أخبار الأشعري المحمودة\n_________\n(^١) في العقود الدرية (على) (ص:٢٩٠).\n(^٢) قال شيخ الإسلام في موضع آخر: «وقد أحضرت في الشام أكثر من خمسين كتابًا: من كتب الحنفية والمالكية والشافعية وأهل الحديث، والمتكلمين والصوفية كلها توافق ما قلته بألفاظه؛ وفي ذلك نصوص سلف الأمة وأئمتها، ولم يستطع المنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه» مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٧). انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٦٥).\n(^٣) هو أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الْحُسَيْن، المعروف بابن عَسَاكِر، كان محدث الديار الشامية، ورفيق السَّمْعَاني (صاحب الأنساب) في رحلاته، مولده ووفاته في دمشق وله تأريخ دمشق الكبير، وتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري وغيرها، (ت: ٥٧١ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٧/ ٢١٥)، السير (٢٠/ ٥٥٤).","vol":"1","page":492},{"text":"كتاب مثل هذا. وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في كتابه (الإبانة) (^١).\nفلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة: سأل الأمير عن معنى المعتزلة فقلت: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملي، وهو أول اختلاف حدث في الملة، هل هو كافر أو مؤمن؟ فقالت الخوارج: إنه كافر. وقالت الجماعة: إنه مؤمن. وقالت طائفة: نقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر ننزله منزلة بين المنزلتين، وخلدوه في النار واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه -رحمه الله تعالى- فسموا معتزلة.\nوقال الشيخ الكبير (^٢) [بِجَبَهٍ وردٍّ] (^٣): ليس كما قلت، ولكن أول مسألة اختلف\n_________\n(^١) في رواية عبد الله بن تيمية -﵀- للمناظرة: «وقد أحضرت كتب الأشعري، وكتب أكابر أصحابه: مثل كتب أبي بكر بن الباقلاني، وأحضرت أيضا من نقل مذاهب السلف: من المالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث، وشيوخ الصوفية، وأنهم كلهم متفقون على اعتقاد واحد. وكذلك أحضر نقل شيوخ أصحاب أبي حنيفة: مثل محمد بن الحسن والطحاوي وما ذكروه من الصفات وغيرها في أصول الدين وقرأ فصلا مما ذكره الحافظ ابن عساكر في كتابه: (الإبانة)، وأنه يقول بقول الإمام أحمد. وأحضر (كتاب التمهيد) للقاضي أبي بكر بن الباقلاني. وأحضر (النقول) عن مالك وأكابر أصحابه: مثل ابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب، وغيرهما من كبار أصحاب مالك بتصريحهم أن الله مستو بذاته على العرش. وقال: أما الذي أذكره فهو مذهب السلف، وأحضر ألفاظهم وألفاظ من نقل مذاهبهم من الطوائف الأربعة وأهل الحديث والمتكلمين والصوفية، وأذكر موافقة ذلك من الكتاب والسنة وأنه ليس في ذلك ما ينفيه العقل وإن كان الله تعالى يجمع قلوب الجماعة على ذلك فالحمد لله رب العالمين» [رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦)].\n(^٢) هو صفي الدين الهندي، كما يتضح مما سبق.\n(^٣) هكذا في العقود الدرية (ض:٢٩٢)، وفي مجموع الفتاوى \"بجبته وردائه\". والمثبت أقرب للصواب، كما ذكر محقق العقود الدرية قال في تاج العروس (١٩/ ٢٨): «جبهه كمنعه، ومن المجاز: جبه الرجل يجبهه جبهًا: إذا رده عن حاجته .. وفي المحكم: \"جبهته\" إذا استقبلته بكلام فيه غلظة، وجبهته بالمكروه إذا استقبلته به» والله أعلم.","vol":"1","page":493},{"text":"فيها المسلمون مسألة الكلام، وسمي المتكلمون متكلمين؛ لأجل تكلمهم في ذلك. وكان أول من قالها عمرو بن عبيد (^١)، ثم خلفه بعد موته عطاء بن واصل. هكذا قال! وذكر نحوًا من هذا. فغضبت عليه وقلت: أخطأت، وهذا كذب مخالف للإجماع. وقلت له: لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب. ثم قلت: الناس اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون (^٢)، وبعدها في أواخر المائة الثانية، وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير في زمن عمرو بن عبيد، بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية، ولم يكن أولئك قد تكلموا في مسألة الكلام ولا تنازعوا فيها، وإنما أول بدعتهم تكلمهم في مسائل الأسماء والأحكام والوعيد.\nفقال: هذا ذكره الشهرستاني (^٣) في كتاب: (الملل والنحل).\n_________\n(^١) هو أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب، ويقال: ابن كيسان، التميمي مولاهم، شيخ القدرية والمعتزلة، كان داعية إلى بدعته، اتهمه جماعة بالكذب، روي عنه العبادة والزهد، تزوج أخت واصل بن عطاء وتابعه على الاعتزال حتى صار خليفة له على ذلك، (ت: ١٤٣ هـ). انظر: كتاب المجروحين (٢/ ٦٩)، تاريخ الإسلام (٣/ ٩٤٣).\n(^٢) هو أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد بن المهدي بن أبي جعفر المنصور، سابع خلفاء بني العباس، قامت في عهده دولة الفلسفة والكلام المذموم، ترجم كتب الفلاسفة واليونان، وابتلي بمقالة المعتزلة في القرآن، فامتحن الناس عليها، حتى مات سنة (٢١٨ هـ). انظر: تاريخ الخلفاء: (ص: ٣٠٦)، تاريخ بغداد (١٠/ ١٨٣)، السير (١٠/ ٢٧٢).\n(^٣) هو أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، شيخ أهل الكلام والحكمة ومن أخبرهم بالمقالات والاختلاف، اتهم بالميل إلى الإسماعيلية والدعوة إليهم ولضلالاتهم، حكى بعض أهل العلم توبته وحيرته، ولهذا تجده في المسائل يذكر أقوال الفرق وحججهم ولا يكاد يرجح شيئًا للحيرة، له مصنفات منها: الملل والنحل، ونهاية الإقدام في علم الكلام وغيرها، (ت: ٥٤٨ هـ). انظر: وفيات الأعيان (١/ ٤٨٢)، السير (٢٠/ ٢٨٦ - ٢٨٨)، شذرات الذهب (٤/ ١٤٩).","vol":"1","page":494},{"text":"فقلت: الشهرستاني ذكر ذلك في اسم المتكلمين لِمَ سُموا متكلمين؟ لم يذكره في اسم المعتزلة، والأمير إنما سأل عن اسم المعتزلة (^١).\nوأنكر الحاضرون عليه وقالوا: غلطت (^٢). وقلت في ضمن كلامي: أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام، وأول من ابتدعها وما كان سبب ابتداعها. وأيضًا فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين؛ فإن المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل منازعتهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء (^٣): إنه متكلم. ويصفونه بالكلام ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام. وقلت أنا وغيري: إنما هو واصل بن عطاء، أي: لا عطاء بن واصل كما ذكره المعترض. قلت: وواصل لم يكن بعد موت عمرو بن عبيد، وإنما كان قرينه. وقد روي أن واصلًا تكلم مرة بكلام فقال عمرو بن عبيد: لو بُعث نبي ما كان (^٤) يتكلم بأحسن من هذا. وفصاحته مشهورة حتى قيل: إنه كان ألثغ وكان يحترز عن الراء، حتى قيل له: أمر الأمير أن يحفر بئر. فقال: أوعز القائد أن يقلب\n_________\n(^١) المقصود قول الشهرستاني: «ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حيث نشرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام. وأفردتها فنا من فنون العلم، وسمتها باسم الكلام، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها، هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنًا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان». الملل والنحل (١/ ٢٩)، فهو هنا ذكر سبب تسمية علم الكلام، ولم يذكر سبب تسمية المعتزلة، بل إنه قد نص في الكتاب نفسه على سبب تسميتهم بالمعتزلة فقال: «والقدرية ابتدأوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين، فسمي هو وأصحابه معتزلة» الملل والنحل (١/ ٢٨ - ٢٩).\n(^٢) في العقود الدرية (وقالَ: غلطتُ) (ص:٢٩٣).\n(^٣) هو أبو حذيفة واصل بن عطاء المعتزلي، المعروف بالغزال، شيخ المعتزلة وإمامهم، وقصته مع الحسن معلومة مشهورة، كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يُخلص كلامه من الراء، وهو أول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين. (ت: ١٣١ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٦/ ٧)، تاريخ الإسلام (٥/ ٣١٠).\n(^٤) في العقود الدرية (أكان؟) (ص:٢٩٤).","vol":"1","page":495},{"text":"قليب في الجادة (^١).\nولما انتهى الكلام إلى ما قاله الأشعري (^٢): قال الشيخ المقدم فيهم: لا ريب\n_________\n(^١) يقول المبرد في الكامل في اللغة (٢/ ١٤٤): «وكان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب؛ وذلك أنه كان ألثغ، قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء». ويقول الجاحظ في البيان والتبيين (١/ ١٥) عن هذه اللثغة: «ولما علم واصل أنه ألثغ، فاحش اللثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذا كان داعية مقالة، ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل، وزعماء الملل … رام أبو حذيفة [أي واصل بن عطاء] إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه». وقد بلغ به الحال في محاولة الابتعاد عن الراء إلى التصرف حتى في آيات القرآن الكريم. قال الذهبي في تاريخ الإسلام (٨/ ٥٥٩): «كان يُمتحن بأشياء في الراء، ويتحيل لها، حتى قيل له: اقرأ أول سورة براءة. فقال على البديهة: (عهد من الله ونبيه إلى الذين عاهدتهم من الفاسقين فسيحوا في البسيطة هلالين وهلالين) وكان يجيز القراءة بالمعنى، وهذه جرأة على كتاب الله العزيز». وانظر فيما قيل وروي عن لثغته واجتنابه الراء في حديثه: كنز الدرر (٥/ ٦٨) وفيات الأعيان (٦/ ٧ - ١١) طبقات المعتزلة (ص:٢٨).\n(^٢) قال ﵀ في موضع آخر من مجموع الفتاوى، وهو يحكي بعض ما حدث في المناظرة: «وبينت لهم أن الأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد -﵀- ونحوه المنتصرين لطريقه كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه. وكما قال أبو إسحاق الشيرازي: إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة وكان أئمة الحنابلة المتقدمين كأبي بكر عبد العزيز وأبي الحسن التميمي ونحوهما يذكرون كلامه في كتبهم بل كان عند متقدميهم كابن عقيل عند المتأخرين، لكن ابن عقيل له اختصاص بمعرفة الفقه وأصوله وأما الأشعري فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل وأتبع لها، فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول. وكنت أقرر هذا للحنبلية، وأبين أن الأشعري، وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي ومال إلى طريقة ابن كلاب وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم، وكذلك ابن عقيل كان تلميذ ابن الوليد وابن التبان المعتزليين، ثم تاب من ذلك، وتوبته مشهورة بحضرة الشريف أبي جعفر. وكما أن في أصحاب أحمد من يبغض ابن عقيل ويذمه: فالذين يذمون الأشعري ليسوا مختصين بأصحاب أحمد بل في جميع الطوائف من هو كذلك. ولما أظهرت كلام الأشعري -ورآه الحنبلية- قالوا: هذا خير من كلام الشيخ الموفق وفرح المسلمون باتفاق الكلمة. وأظهرت ما ذكره ابن عساكر في مناقبه أنه لم تزل الحنابلة والأشاعرة متفقين إلى زمن القشيري فإنه لما جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة ومعلوم أن في جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم. مع أني في عمري إلى ساعتي هذه، لم أدع أحدًا قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرت لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها» مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٩).","vol":"1","page":496},{"text":"أن الإمام أحمد إمام عظيم القدر ومن أكبر أئمة الإسلام، لكن قد انتسب إليه أناس ابتدعوا أشياء.\nفقلت: أما هذا فحق وليس هذا من خصائص أحمد، بل ما من إمام إلا وقد انتسب إليه أقوام هو منهم بريء، قد انتسب إلى مالك أناس مالك بريء منهم، وانتسب إلى الشافعي أناس هو بريء منهم، وانتسب إلى أبي حنيفة أناس هو بريء منهم، وقد انتسب إلى موسى -﵇- أناس هو منهم بريء، وانتسب إلى عيسى -﵇- أناس هو منهم بريء، وقد انتسب إلى علي بن أبي طالب أناس هو بريء منهم، ونبينا -ﷺ- قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملاحدة والمنافقين من هو بريء منهم.\nوذكر في كلامه: أنه انتسب إلى أحمد ناس من الحشوية والمشبهة ونحو هذا الكلام. فقلت: المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، هؤلاء أصناف الأكراد كلهم شافعية، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر، وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية. قلت: وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم. وكان من تمام الجواب أن الكرامية المجسمة كلهم حنفية.\nوتكلمت على لفظ الحشوية (^١) -ما أدري جوابًا عن سؤال الأمير أو غيره أو عن غير جواب- فقلت: هذا اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة، فإنهم يسمون الجماعة والسواد الأعظم الحشو، كما تسميهم الرافضة الجمهور، وحشو الناس: هم عموم الناس وجمهورهم، وهم غير الأعيان المتميزين يقولون هذا من حشو\n_________\n(^١) انظر تفصيل معنى الحشو والمراد بالحشوية حاشية (ص: ٦١٠ - ٦١١) من هذه الرسالة.","vol":"1","page":497},{"text":"الناس، كما يقال: هذا من جمهورهم. وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد، وقال: كان عبد الله بن عمر -﵁- حشويًا. فالمعتزلة سموا الجماعة حشوًا كما تسميهم الرافضة الجمهور.\nوقلت -لا أدري في المجلس الأول أو الثاني-: أول من قال إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي. وقلت لهذا الشيخ: من في أصحاب الإمام أحمد -﵀- حشوي بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم (^١)، أبو داود، المروذي، الخلال، أبو بكر عبد العزيز (^٢)، أبو الحسن التميمي (^٣)، ابن حامد (^٤)، القاضي أبو يعلى (^٥)،\n_________\n(^١) هو أبوبكر أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الكلبي الأثرم البغدادي الإسكافي الفقيه الحافظ، صاحب أحمد بن حنبل، روى له النسائي، ثقة حافظ له تصانيف، قيل: إنَّه أحفظ من أبى زرعة الرازي وأتقن، (ت: ٢٧٣ هـ). انظر: الجرح والتعديل (٢/ ٧٢)، طبقات الحنابلة (١/ ٦٦)، السير (١٢/ ٦٢٣).\n(^٢) هو أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر المعروف بغلام الخلال، كان أحد أهل الفهم، موثوقًا به في العلم، متسع الرواية، مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة مذكورًا بالعبادة، وله مصنفات في العلوم المختلفات. وذكر أبو يعلى أنه كان معظمًا في النفوس، متقدمًا عند الدولة، بارعًا في مذهب الإمام أحمد، (ت: ٣٦٣ هـ). انظر: السير (١٦/ ١٤٣)، تاريخ بغداد (١٠/ ٣٠٩)، طبقات الحنابلة (٢/ ١١٩).\n(^٣) هو أبو الحسن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث التميمي، فقيه حنبلي، له اطلاع على مسائل الخلاف، صنف كتبًا في الأصول والفرائض، ذُكر عنه ميل إلى الأشعري، (ت: ٣٧١ هـ). انظر: المنتظم (٧/ ١١٠)، تاريخ بغداد (١٠/ ٤٦١).\n(^٤) هو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي، الوراق، شيخ الحنابلة ومفتيهم، وهو أكبر تلامذة أبي بكر غلام الخلال، (ت: ٤٠٣ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٧/ ٣٠٣)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٧١)، السير (١٧/ ٢٠٣).\n(^٥) هو القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد، المعروف بابن الفراء البغدادي من كبار شيوخ الحنابلة كان عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون، ولكنه في باب الصفات لم يثبت على قدم فتارة يُثْبِت على طريقة أهل السنة وتارة يفوض وتارة يؤول، كما وضح ذلك شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه، ومن مصنفات أبي يعلى (أحكام القرآن) و(مسائل الإيمان) وغيرها (ت:٤٥٨ هـ). انظر ترجمته: طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣) وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٩٢).","vol":"1","page":498},{"text":"أبو الخطاب (^١)، ابن عقيل (^٢)؟! ورفعت صوتي وقلت: سمهم قل لي منهم؟ من هم؟! أبكذب ابن الخطيب (^٣) وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟! كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون: إن القرآن القديم هو أصوات القارئين ومداد الكاتبين، وأن الصوت والمداد قديم أزلي. من قال هذا؟ وفي أي كتاب وجد هذا عنهم؟! قل لي! وكما نقلَ عنهم أن الله لا يرى في الآخرة باللزوم الذي ادعاه والمقدمة التي نقلها عنهم. وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ من أنه كبير الجماعة وشيخهم، وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه، وأمرت بقراءة العقيدة جميعها عليه؛ فإنه لم يكن حاضرًا في المجلس الأول إنما أحضروه في الثاني انتصارًا به.\nوحدثني الثقة عنه بعد خروجه من المجلس، أنه اجتمع به وقال له: أخبرني عن هذا المجلس؟ فقال: ما لفلان ذنبٌ ولا لي، فإن الأمير سأل عن شيء؟ فأجابه عنه فظننته سأل عن شيء آخر. وقال: قلت لهم أنتم ما لكم على الرجل اعتراض، فإنه نصر ترك التأويل، وأنتم تنصرون قول التأويل وهما قولان للأشعري. وقال: أنا أختار قول ترك التأويل، وأخرج وصيته التي أوصى بها وفيها قول ترك التأويل. قال الحاكي لي: فقلت له: بلغني عنك أنك قلت في آخر المجلس -لما أشهد الجماعة على أنفسهم بالموافقة-: لا تكتبوا عني نفيًا\n_________\n(^١) هو أبو الخطاب أحمد بن علي بن عبد الله المقرئ الصوفي البغدادي، له قصيدة في السنة، وقصيدة في عدد الآي، وكان من شيوخ الإقراء ببغداد المشهورين بتجويد القراءة وتحسينها، (ت: ٤٧٦ هـ). انظر: ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٤٥)، معرفة القراء الكبار (١/ ٤٤٦)، تاريخ الإسلام (٣٢/ ١٨٣).\n(^٢) هو أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي، من متكلمي الحنابلة قال الذهبي: «أخذ علم العقليات عن شيخي الاعتزال: أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التبان صاحبي أبي الحسين البصري، فانحرف عن السنة». وقال: «لم يكن له في زمانه نظير على بدعته» وله كتاب \"الفنون\" وتوفي سنة ٥١٣ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٤٢ - ١٦٣).\n(^٣) المراد الرازي، كما سبق.","vol":"1","page":499},{"text":"ولا إثباتًا فلم ذاك؟ فقال: لوجهين: أحدهما: أني لم أحضر قراءة جميع العقيدة في المجلس الأول، والثاني: لأن أصحابي طلبوني لينتصروا بي فما كان يليق، أن أُظهر مخالفتهم فسكَتُّ عن الطائفتين.\nوأمرت غير مرة، أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ، فرأى بعض الجماعة أن ذلك تطويل، وأنه لا يُقرأ عليه إلا الموضع الذي لهم عليه سؤال، وأعظمه لفظ \"الحقيقة\" فقرؤوه عليه، فذكر هو بحثًا حسنًا يتعلق بدلالة اللفظ.\nفحسَّنته ومدحته عليه، وقلت: لا ريب أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة، وهذا متفق عليه بين أهل السنة والصفاتية من جميع الطوائف [قلتُ: كلُّ من نقلَ مذهبَ السلف من أهل الحديث والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم، مثل أبي سليمان الخطابي، وأبي بكر الخطيب، وأبي بكر الإسماعيلي (^١)، وأبي عثمان الصابوني (^٢)، والقاضي أبي يعلى، وأبي عمر ابن عبد البر (^٣) وأبي محمد البغوي صاحب شرح السنة (^٤)، وأبي القاسم\n_________\n(^١) هو أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي، الإمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام، جمع بين الفقه والحديث ورياسة الدين والدنيا، (ت: ٣٧١ هـ). انظر: السير (١٦/ ٢٩٢)، الوافي بالوفيات (٦/ ٢١٣)، طبقات السبكي (٣/ ٧).\n(^٢) هو أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني النيسابوري الواعظ، المفسر، المصنف، أحد الأعلام، كان يحفظ من كل فن، له مصنفات: عقيدة السلف وأصحاب الحديث، الفصول في الأصول، وغيرها، (ت: ٤٤٩ هـ). انظر: طبقات الشافعية (٣/ ١١٧)، تاريخ دمشق لابن عساكر (٣/ ٢٧).\n(^٣) هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، الإمام، شيخ الإسلام، حافظ المغرب، صاحب سنة واتباع، لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه ﵏، له مصنفات منها: كتاب التمهيد، والاستذكار، وجامع بيان العلم وغيرها، (ت: ٤٦٣ هـ). انظر: جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس (ص: ٣٦٧) سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣).\n(^٤) هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي، العلامة القدوة الحافظ شيخ الإسلام محيي السنة المفسر صاحب التصانيف الجليلة، له مصنفات منها: شرح السنة، التفسير وغيرها، (ت: ٥١٦ هـ). انظر: السير (١٩/ ٤٣٩)، وفيات الأعيان (٢/ ١٣٦).","vol":"1","page":500},{"text":"التيمي (^١) صاحب \"الترغيب والترهيب\" وخلق كثير، نقلوا نحو ذلك. فلفظُ بعضهم: أن مذهب السلف إجراؤها على ظاهرِها، ولفظ بعضهم: حملُها على ظاهرِها، ولفظُ بعضهم: إمرارُها على ظاهرها. وبعضهم يقول: حملُها على الحقيقة دون المجاز. وبعضهم يصرِّح عنهم بإثبات ما دلَّت عليه من الصفات، كما نقله الأشعري وابن خزيمة (^٢) والبيهقي (^٣) وسيف الدين الآمدي (^٤).\nوقد نقل لفظ الحقيقة عن السلف وأهلِ السنة أبو عمر ابن عبد البر، وأبو القاسم التيمي الأصفهاني، وأبو عبد الله القرطبي في تفسيره، وقال: لم يُنكر أحدٌ من السلف الصالح أن الله استوى على عرشِه حقيقةً. وكلهم يقول: (مع نفي الكيفية والتشبيه عنها)، ويقولون: إذا كانت ذات الله ثابتةً حقيقةً، وأسماؤه على ظاهرها مع أنا لا نعلم كيفية ذاتِه وصفاتِه، فكذلك صفاته؛ إذ العلم بكيفية\n_________\n(^١) هو أبو القاسم، إسماعيل بن محمد ابن الفضل التيمي الأصبهاني الملقب بقوام السنة، إمام أئمة وقته وأستاذ علماء عصره، وقدوة أهل السنة في زمانه، له مصنفات منها: الحجة في بيان المحجة، والترغيب والترهيب وغيرها، (ت: ٥٣٥ هـ). انظر: السير (٢٠/ ٨٠)، المنتظم (١٨/ ١٠)، الوافي بالوفيات (٩/ ٢١١).\n(^٢) هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن إسحاق السلمي النيسابوري، المشهور بابن خزيمة، إمام علامة محدث مشهور من كبار أئمة السلف، له مؤلفات منها: التوحيد، الصحيح، وغيرها، (ت:٣١١ هـ). انظر: السير (١٤/ ٣٦٥)، شذرات الذهب (١/ ٣٢١).\n(^٣) هو أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، الحافظ المحدث المشهور، من أكابر الشافعية ومقدميهم، من مصنفاته: الأسماء والصفات، شعب الإيمان، وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ. انظر: السير ١٨/ ١٦٣، شذرات الذهب (٣/ ٣٠٤).\n(^٤) أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الفقيه الأصولي المتكلم، الملقب سيف الدين الآمدي الحنبلي ثم الشافعي، قال الذهبي في السير (٢٢/ ٣٦٦): «قال لي شيخنا ابن تيمية: يغلب على الآمدي الحيرة والوقف حتى إنه أورد على نفسه سؤالًا في تسلسل العلل، وزعم أنه لا يعرف عنه جوابا، وبنى إثبات الصانع على ذلك، فلا يقرر في كتبه إثبات الصانع، ولا حدوث العالم، ولا وحدانية الله، ولا النبوات، ولا شيئا من الأصول الكبار» له: \"غاية المرام في علم الكلام\" و\"أبكار الأفكار\" وغيرها (ت:٦٣١ هـ) انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢٩٣) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٦٤ - ٣٦٦).","vol":"1","page":501},{"text":"الصفة فرعٌ على العلم بكيفية الموصوف، فإذا قال السائل: كيف صفاتُه؟ فقُلْ: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال: لا أعلَمُ كيفيةَ ذاتِه، فقُلْ: لا أعلَمُ كيفيةَ صفاتِه. ونقلَ طائفةٌ منهم القاضي عياض وغيره أن مذهب السلف إمرارُها كما جاءت مع العلم أن الظاهر غير مراد.\nقلتُ: يُجمَع بين النقلين بأن «الظاهر» لفظ مشترك، فالذي نقلَ نفيَه نفَى ما يظهر لبعض الناس من التشبيه بصفات المخلوقين، وما يقتضي نقصَ الخالق تعالى، مثل أن يقال: ظاهر قوله «في السماء» أن السماء تَحْوِيه أو تَحْمِلُه. ولا ريبَ أن هذا الظاهر لهذا غير مراد، فإن الله ﷾ لا يحتاج إلى مخلوقاته ولا يَحصُره شيء، ﷾. بل قد ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر:٤١]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، فمن قال: إنه محتاج إلى ما يَحمِلُه ويُقِلُّه، أو أنه في شيء يُحيط به ويُظِلُّه، فهو ضالٌّ مضلّ.\nوالذين نقلوا إثباتَه أرادوا به ما هو الظاهر اللائق بجلالِ الله تعالى الذي لا يقتضي نقصًا ولا حدوثًا. كما أنهم اتفقوا على أن هذا هو الظاهر في حياته وعلمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته، واتفقوا على أنه موجودٌ حقيقةً حيٌّ حقيقةً عليمٌ حقيقةً قديرٌ حقيقةً متكلمٌ حقيقةً، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته وجرتْ بحوثٌ فيها] (^١)، ولو نازع بعض أهل البدع في بعض ذلك، فلا ريب أن الله موجود والمخلوق موجود، ولفظ الوجود سواءً كان مقولًا عليهما: بطريق الاشتراك اللفظي فقط، أو بطريق التواطؤ المتضمن للاشتراك لفظًا ومعنى، أو بالتشكيك الذي هو نوع من التواطؤ. فعلى كل قول: فالله موجود حقيقة، والمخلوق موجودٌ حقيقة، ولا يلزم من إطلاق الاسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذور.\nولم أُرجح في ذلك المقام قولا من هذه الثلاثة على الآخر؛ لأن غرضي\n_________\n(^١) حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٨٨ - ١٩٠).","vol":"1","page":502},{"text":"[يحصلُ على كل مقصود] (^١)، وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته؛ فإنه قبل المجلس الثاني: اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية، وغيرهم ممن عظم خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته، [ولم يكن] (^٢) من أئمة أصحابهم من يوافقها، لصارت فرقة، ولصعب عليهم أن يُظهِروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم [لما] (^٣) في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم؛ فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجة، وبان أنه مذهب السلف: أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق، حتى قال لي بعض الأكابر من الحنفية -وقد اجتمع بي-: لو قلت هذا مذهب أحمد وثبت على ذلك لانقطع النزاع، ومقصوده: أنه يحصل دفع الخصوم عنك؛ بأنه مذهب متبوع، ويستريح المنتصر والمنازع من إظهار الموافقة. فقلت: لا والله؛ ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث، وقلت أيضًا: هذا اعتقاد رسول الله -ﷺ-، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به: آية أو حديثًا أو إجماعًا سلفيًا وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين والفقهاء الأربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية.\n[وجعل نائب السلطان كلما ذكر حديثا وعزاه إلى الصحيحين يقول لهم: هكذا قاله النبي -ﷺ-؟ يقولون: نعم. فيقول: فمن قال بقول النبي -ﷺ- أي شيء\n_________\n(^١) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٩٩)، وفي مجموع الفتاوى (تحصل على كل مقصودي).\n(^٢) هكذا في العقود الدرية (ص:٢٩٩) وهو الأقرب للصواب، وفي مجموع الفتاوى (أو لم يكن).\n(^٣) هكذا في العقود الدرية (ص:٣٠٠) وهو الأقرب للصوب. وفي مجموع الفتاوى (بما).","vol":"1","page":503},{"text":"يقال له؟ وقال له: كل شيء قلته من عندك قلته؟ فقال-أي شيخ الإسلام ﵀-: بل أنقله جميعًا عن نبي الأمة -ﷺ-، وأبين أن طوائف الإسلام تنقله عن السلف كما نقلته، وأن أئمة الإسلام عليه، وأنا أناظر عليه، وأعلم كل من يخالفني بمذهبه. وانزعج الشيخ انزعاجًا عظيمًا على نائب المالكي والصفي الهندي وأسكتهما سكوتا لم يتكلما بعده بما يذكر] (^١).\nوقلت لمن خاطبني من أكابر الشافعية: [لأُبيننَّ] (^٢) أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي، وأذكر قول الأشعري وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم، ولينتصرن كل شافعي، وكل من قال بقول الأشعري الموافق لمذهب السلف، وأبين أن القول المحكي عنه في تأويل الصفات الخبرية، قول لا أصل له في كلامه؛ وإنما هو قول طائفة من أصحابه فللأشعرية قولان، ليس للأشعري قولان.\nفلما ذكرت في المجلس أن جميع أسماء الله التي [يُسمى] (^٣) بها المخلوق كلفظ (الوجود) الذي هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن -على الأقوال الثلاثة-: تنازع كبيران هل هو مقول بالاشتراك أو بالتواطؤ؟ فقال أحدهما: هو متواطئ. وقال الآخر: هو مشترك؛ لئلا يلزم التركيب. وقال هذا: قد ذكر فخر الدين أن هذا النزاع مبني على أن وجوده هل هو عين ماهيته أم لا؟ فمن قال: إن وجود كل شيء عين ماهيته. قال: إنه مقولٌ بالاشتراك. ومن قال: إن وجوده قدرٌ زائد على ماهيته. قال: إنه مقولٌ بالتواطؤ. فأخذ الأول يرجح قول من\n_________\n(^١) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٩)، وانظر: حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٩٠ - ١٩٢).\n(^٢) هكذا في العقود الدرية (ص:٣٠١) وهو الأقرب للصواب. وفي مجموع الفتاوى (لأبين).\n(^٣) هكذا في العقود الدرية (ص:٣٠١)، وهو الأقرب للصوب. وفي مجموع الفتاوى (سمي).","vol":"1","page":504},{"text":"يقول: إن الوجود زائد على الماهية؛ لينصر أنه مقول بالتواطؤ. فقال الثاني: ليس مذهب الأشعري وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته، فأنكر الأول ذلك. فقلت: أما متكلمو أهل السنة فعندهم أن وجود كل شيء عين ماهيته، وأما القول الآخر فهو قول المعتزلة: إن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته، وكل منهما أصاب من وجه؛ فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطؤ، كما قد قررته في غير هذا الموضع، وأجبت عن شبهة التركيب بالجوابين المعروفين (^١). وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عينه، فهو من الغلط المضاف إلى ابن الخطيب، فإنا وإن قلنا إن وجود الشيء عين ماهيته، لا يجب أن يكون الاسم مقولًا عليه وعلى نظيره بالاشتراك اللفظي فقط، كما في جميع أسماء الأجناس. فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطؤ، وليس عين هذا السواد هو عين هذا السواد، إذ الاسم دال على القدر المشترك بينهما وهو المطلق الكلي؛ لكنه لا يوجد مطلقًا بشرط الإطلاق إلا في الذهن، ولا يلزم من ذلك نفي القدر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج؛ فإنه على ذلك تنتفي الأسماء المتواطئة، وهي جمهور الأسماء الموجودة في الغالب: وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق (^٢) على الشيء، وعلى كل ما أشبهه: سواء كان اسم عين، أو اسم صفة جامدًا أو مشتقًا، وسواء كان جنسًا منطقيًا أو فقهيًا أو لم يكن. بل اسم الجنس في اللغة يدخل فيه الأجناس والأصناف والأنواع ونحو ذلك. وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة.\nوطلب بعضهم إعادة قراءة الأحاديث المذكورة في العقيدة؛ ليطعن في بعضها فعرفت مقصوده. فقلت: كأنك قد استعددت للطعن في حديث الأوعال، حديث العباس بن عبد المطلب، وكانوا قد تعنتوا حتى ظفروا بما تكلم به زكي الدين\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٤٤ - ٣٥٠) ودرء التعارض (٤/ ٢١٩) فما بعدها.\n(^٢) في رواية الشيخ علم الدين (المعلق) ولعله تصحيف.","vol":"1","page":505},{"text":"عبد العظيم (^١)، من قول البخاري في تأريخه (^٢): «عبد الله بن عميرة (^٣): لا يعرف له سماع من الأحنف» (^٤). فقلت: هذا الحديث مع أنه رواه أهل السنن كأبي داود (^٥) وابن ماجه (^٦) والترمذي (^٧) وغيرهم (^٨): فهو مروي من طريقين مشهورين فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، فقال: أليس مداره على ابن عميرة، وقد قال البخاري: «لا يعرف له سماع من الأحنف»؟ فقلت: قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في: كتاب التوحيد (^٩) الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولا إلى النبي -ﷺ-، قلت: والإثبات مقدم على النفي،\n_________\n(^١) هو أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، زكي الدين المنذري، عالم بالحديث والعربية، من الحفاظ المؤرخين، له مصنفات منها: الترغيب والترهيب، التكملة لوفيات النقلة وغيرها، (ت: ٦٥٦ هـ). انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٢١٢)، وفوات الوفيات (١/ ٢٩٦)، طبقات الشافعية (٥/ ١٠٨).\n(^٢) التاريخ الكبير (٥/ ١٥٩).\n(^٣) هو عبد الله بن عميرة الكوفي، من كبار التابعين، روى له: أبو داود والترمذي وابن ماجه قال ابن حجر في التقريب: \"مقبول\". وانظر: تهذيب الكمال (١٥/ ٣٨٥)، ميزان الاعتدال (٢/ ٤٦٩).\n(^٤) هو أبو بحر الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين التميمي السعدي البصري، من كبار التابعين،\nثقة روى له أصحاب الكتب الستة، (ت: ٦٧ هـ). انظر: تاريخ البخاري (٢/ ٥٠)، تهذيب الكمال (٢/ ٢٨٢)، وفيات الأعيان (٢/ ٤٩٩).\n(^٥) رواه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية (٤/ ٢٣١)، (٤٧٢٣).\n(^٦) رواه ابن ماجه في سننه المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ٦٩) (١٩٣).\n(^٧) رواه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة الحاقة (٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، (٣٣٢٠).\n(^٨) رواه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٢٩٢)، والدارمي في الرد على الجهمية (٧٢)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٣)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٣٤)، والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٨٩) (٦٦٥)، وابن منده في التوحيد (١/ ١١٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٣١) ومداره على سماك بن حرب عن الأحنف بن قيس عن ابن عميرة عن العباس مرفوعًا، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٢٤٧).\n(^٩) كتاب التوحيد (١/ ٢٣٤).","vol":"1","page":506},{"text":"والبخاري إنما نفى [معرفته بسماعه] (^١) من الأحنف، لم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره -كإمام الأئمة ابن خزيمة- ما ثبت به الإسناد، كانت معرفته وإثباته مقدمًا على نفي غيره وعدم معرفته، ووافق الجماعة على ذلك، وأخذ بعض الجماعة يذكر من المدح ما لا يليق أن أحكيه، وأخذوا يناظرون في أشياء لم تكن في العقيدة، ولكن لها تعلق بما أجبت به في مسائل، ولها تعلق بما قد يفهمونه من العقيدة.\nفأحضر بعض أكابرهم [في المجلس الثاني] (^٢): كتاب الأسماء والصفات للبيهقي -رحمه الله تعالى- فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السلف.\n[فوقع في قلبي ما أعد] (^٣)، فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥].\nفقال: نعم، قد قال مجاهد (^٤) والشافعي (^٥): (يعني: قبلة الله).\n[ولم يكن هذا السؤال يرد علي؛ فإنه لم يكن شيء مما ناظروني فيه صفة الوجه ولا أثبتها لكن طلبوها من حيث الجملة وكلامي كان مقيدًا كما في الأجوبة فلم أر\n_________\n(^١) هكذا في العقود الدرية (ص: ٣٠٥) وهو الأقرب للصواب. وفي مجموع الفتاوى (معرفة سماعه).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ١٥).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ١٥).\n(^٤) هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي، الإمام شيخ القراء والمفسرين، روى عن ابن عباس فأكثر وأخذ عنه القرآن والتفسير والفقه وعن جماعة من الصحابة، (ت: ١٠١ هـ). انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٤٦٦)، حلية الأولياء (٣/ ٢٧٩)، تهذيب الكمال (٢٧/ ٢٢٨).\nوالمراد من قوله ما رواه البيهقي بسنده عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قال: (قبلة الله، فأينما كنت في شرق أو غرب فلا توجهن إلا إليها» الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ١٠٧).\n(^٥) المراد ما رواه البيهقي مما حكاه المزني عن الشافعي -﵁- أنه قال في هذه الآية: (يعني والله أعلم: فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه) الأسماء والصفات (٢/ ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"1","page":507},{"text":"إحقاقهم في هذا المقام] (^١)، فقلت: نعم هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما، وهذا حق [المراد بها قبلة الله] (^٢)، وليست هذه الآية من آيات الصفات، ومن عدها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة؛ فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، والمشرق والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة؛ [أي فثمَّ جهةُ الله، فإن الوجه والجهة والوِجهة في مثل هذا بمعنى واحد] (^٣)، يقال: (أي: وجه تريده؟) أي: أي جهة؟ (وأنا أريد هذا الوجه): أي هذه الجهة. كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨]، [أي: يستقبلها] (^٤)؛ ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، أي: تستقبلوا وتتوجهوا، [فثمَّ جهةُ الله: أي قبلةُ الله]، فقوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، كلتا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربتان، وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين: أنا نوليه: نستقبله (^٥) (^٦)، [وقد يَغلَط بعضُ الناس فيُدخِل في الصفات\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ١٦).\n(^٢) المصدر السابق (٦/ ١٦).\n(^٣) حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٤) المصدر السابق (٨/ ١٩٤).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٦/ ١٥).\n(^٦) قال شيخ الإسلام في موضع آخر حاكيًا بعض ما قرره في المناظرة: «قلت: والسياق يدل عليه؛ لأنه قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وأين من الظروف وتولوا أي تستقبلوا. فالمعنى: أي موضع استقبلتموه فهنالك وجه الله فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وهي الجهات كلها كما في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢]. فأخبر أن الجهات له فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف؛ كأنه قال جهة الله وقبلة الله. ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله أي قبلة الله ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء في الحديث: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه)، وكما في قوله: (لا يزال الله مقبلا على عبده بوجهه ما دام مقبلا عليه فإذا انصرف صرف وجهه عنه)، ويقول: إن الآية دلت على المعنيين. فهذا شيء آخر ليس هذا موضعه. والغرض أنه إذا قيل: (فثم قبلة الله)، لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه؛ الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات؛ ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة فإن هذا المعنى صحيح في نفسه والآية دالة عليه، وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر» مجموع الفتاوى (٦/ ١٦ - ١٧).","vol":"1","page":508},{"text":"ما ليس منها، كما يَغلَط بعضُ الناس فيجعلُ من التأويل المخالف للظاهر ما هو ظاهر اللفظ، كما في هذه الآية ونحوها، ومثل ذلك قوله: (الحجر الأسود يمينُ الله في الأرض، فمن صافحه واستلمه فكأنما صافحَ الله وقبَّل يمينَه) (^١).\nفقال لي بعض الحاضرين: فقد روي عن مالك أنه قال في حديث النزول: ينزل أمره. فقلت: هذا رواه حبيب كاتبه (^٢)، وهو كذاب فقال: قد رُوي من غير طريق حبيب، من طريق مطرف (^٣).\nوجواب هذه الرواية المنقولة عن مالك كجواب الرواية المنقولة عن الإمام أحمد في مثل ذلك، فإنه نُقِل عنه يومَ مناظرته للجهمية أمامَ الخليفة أنه قال في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠] أنه أمره. فقيل: الراوي غلط عليه، وقيل: إنه قاله على سبيل الإلزام لهم لما احتجُّوا بمجيء القرآن على أنه مخلوق، فقال لهم: إنما مجيء ثوابه كما قلتم في قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]: إنه أمره. وقيل: بل هذه رواية عنه أنه يتأول صفات المجيء والإتيان والنزول ونحو\n_________\n(^١) رواه ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٢١) والطبراني في الأوسط (١/ ١٧٨)، وقد روي مرفوعًا وموقوفًا عن ابن عباس -﵄-، ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية مرفوعًا ورجح وقفه كما في مجموع فتاوى (٦/ ٣٩٧)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٢٤) وأشار إلى ضعفٍ في الموقوف أيضًا.\n(^٢) هو أبو محمد حبيب بن أبى حبيب: إبراهيم ويقال: رزيق، ويقال: مرزوق، المصري كاتب مالك بن أنس، من صغار أتباع التابعين، روى له ابن ماجه، متروك، كذبه أبو داود وجماعة، (ت: ٢١٨ هـ). انظر: إكمال تهذيب الكمال (٣/ ٣٦٣)، لسان الميزان (٩/ ٢٧٨).\n(^٣) هو أبو مصعب مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار اليساري الهلالي المدني، مولى ميمونة، ابن أخت مالك بن أنس، روى له البخاري، والترمذي، وابن ماجه، ثقة لم يُصِب ابن عدى فى تضعيفه، كانوا يقدمونه على أصحاب مالك، (ت: ٢٢٠ هـ). انظر: إكمال تهذيب الكمال (١١/ ٢٣٠)، موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله (٣/ ٣٦٢).","vol":"1","page":509},{"text":"ذلك بمعنى القصد، ولا يتأوَّل غيرها. وبعضهم جعلها رواية مخرجة عنه في بعض أحاديث الصفات التي يجب تأويلها عند هذا القائل، وهو ابن .... (^١)، فالكلام في المنقول عن مالك وأحمد سواء.\nوهذا إذا كان قولًا صحيحًا ثابتًا عن السلف لم يضرَّني؛ لأني لم أذكر في العقيدة لفظ التأويل نفيًا ولا إثباتًا، وإنما قلت: (من غير تحريف)، والتفسير الصحيح المأثور عن السلف الذي تقوم عليه الحجة الموجبة لقبوله ليس بتحريف، بل هو مثل ما يُنقل عنهم من تفسير القرآن والحديث. فهذا إذا ثبت ليس مخالفًا لما ذكرتُه.\nوقلتُ للسادة الحاضرين: هل في شيء من هذه الأقوال والكلام كفرٌ أو فسقٌ؟ فصرَّح أكثرهم بأنه ليس فيه كفرٌ ولا فسقٌ، حتى من كان يُكثِر النزاعَ قبلَ ذلك المجلس ويدَّعي الكفر اعترفَ بأنه ليس فيه كفرٌ ولا فسقٌ.\nوقال بعضهم: هذا بدعة. فأنكر جمهور الحاضرين عليه هذا القول، وطلب … (^٢) الجمع بدعة أو أنه من البدع المستحسنة، وغلَّظ بعضهم الإنكار لهذا القول.\nفقلت: الكتاب والسنة لا يكون بدعة، إنما البدعة مثل اعتقاد ابن التومرت (^٣) ونحوه، والسلف إنما كرهوا الكلام المخالف للكتاب والسنة، كما قال الشافعي -﵁-: «حكمي في أهل الكلام أن يُضرَبوا بالجريد ويُطافَ بهم في القبائل\n_________\n(^١) بياض في الأصل.\n(^٢) بياض في الأصل.\n(^٣) هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن تومرت، الملقب بالمهدي، صاحب دعوة السلطان عبد المؤمن بن علي ملك المغرب، وواضع أسس الدولة المؤمنية الكومية، كان يدعي أنه حسني علوي، وكان على مذهب المعتزلة في نفي الصفات، من مصنفاته: \"كنز العلوم\" و\"أعز ما يطلب\" (ت:٥٢٤ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٥/ ٤٥) تاريخ الإسلام (١١/ ٤٠٨) شرح الأصبهانية (ص:١٠١).","vol":"1","page":510},{"text":"والعشائر، ويقالَ هذا جزاءُ من تركَ الكتابَ والسنةَ وأقبلَ على الكلام» (^١) فإنما عابوا على من ترك الكتاب والسنة.\nفقال بعضهم: قد كره مالكٌ رواية مثل هذا.\nقلت: المنقول عن مالك أنه كره لمحمد بن عجلان (^٢) رواية حديث الصورة (^٣)، وقد تكون كراهته مخصوصةً خشيةَ ضلالِ بعض الناس به، كما قال\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٩٤) وروى نحوه الهروي في ذم الكلام (٤/ ٢٤٦).\n(^٢) هو محمد بن عجلان مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. ويكنى أبا عبد الله. وكان عابدا ناسكا فقيها. كان ثقة كثير الحديث، وأحد من جمع بين العلم والعمل (ت: ١٤٩ هـ). انظر: الطبقات الكبرى (٥/ ٤٣١) تاريخ الإسلام (٣/ ٩٧١).\n(^٣) المقصود ما رواه أبو جعفر العقيلي في الضعفاء الكبير قال: حدثنا مقدام بن داود، قال: حدثنا أبوزيد أحمد [هكذا في المطبوع، والصحيح أنه عبد الرحمن] بن أبي الغمر والحارث بن مسكين قالا: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال سألت مالكًا عمن يحدث بالحديث الذي قالوا: (إن الله خلق آدم على صورته). فأنكر ذلك مالك إنكارًا شديدًا، ونهى أن يتحدث به أحد، فقيل له إن ناسًا من أهل العلم يتحدثون به، فقال من هم، فقيل محمد بن عجلان عن أبي الزناد. فقال لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء ولم يكن عالمًا. وذكر أبا الزناد فقال: «إنه لم يزل عاملًا لهؤلاء حتى مات، وكان صاحب عمال يتبعهم». قال العقيلي: «وكان مالك بن أنس لا يرضى أبا الزناد» الضعفاء (٢/ ٢٥١). وفي إسناده مقدام بن داود قال النسائي: «ليس بالثقة»، وقال الدارقطني: «ضعيف»، وَقَالَ ابن يونس وابن أبي حاتم: «تكلَّموا فيه». انظر: تاريخ الإسلام (٦/ ٨٣٨)، لسان الميزان (٨/ ١٤٤)، وبهذه العلة ضعف هذه الرواية الشيخ الألباني -﵀- في السلسلة الضعيفة (٣/ ٣٢٠)، وضعفها الشيخ حمود التويجري -﵀- في عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن (١/ ٩).\nوذكر تقي الدين السبكي في الكتاب المنسوب إليه «السيف الصقيل»، أن الحسن بن إسماعيل الضراب في كتابه فضائل مالك روى هذه المقولة بسنده إلى ابن القاسم، وبسنده لابن وهب عن مالك -﵀-، ولم يذكر السبكي إسناده، والكتاب المذكور لم أقف عليه، والضراب هذا ضعيف، ضعفه الإمام الدارقطني -﵀- في \"غرائب مالك\" كما في لسان الميزان (٣/ ٣٠، ١٠٩). وأخرج ابن أبي زمنين في أصول السنة (ص:٧٥) بسنده عن ابن القاسم قال: «وكان مالك يعظم أن يحدث أحد بهذه الأحاديث التي فيها: أن الله خلق آدم على صورته وضعفها» وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم بن ميسرة التجيبي، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩٥): «قال ابن الفرضي: … ولم يكن له علم بالحديث بل ينقل بالمعنى». وقال ابن فرحون في الديباج المذهب (ص: ٩٦): «لم يكن له بالحديث كبير علم»، وفيه إسناده أيضًا محمد بن أحمدَ العُتْبِيِّ، قال الذهبي: «قَالَ أسلم بن عبد العزيز: أخبرني ابن عبد الحكم، قَالَ: أتيت بكتب حسنة الخط، تُدْعى: (المستخرجَةُ) من وضعِ صاحبكم محمد بن أحمدَ العُتْبِيِّ فرأيت جلها مكذوبًا ومسائل لا أصول لها، ولما قد أسقط وطرح، وشواذ من مسائل المجالس لم يوقف عليها أصحابها». وَقَالَ ابن الفرضي: «جمع المستخرجة، وأكثر فيها من الروايات المَطروحة، والمَسائل الشَّاذة» سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٣٦).","vol":"1","page":511},{"text":"عبد الله بن مسعود: (ما من رجلٍ يُحدِّثُ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولهم إلَّا كان فتنةً لبعضهم) (^١)، وإلّا فقد حدَّثَ به سائر الأئمة، وهو في الصحاح، وهذا الحديث ليس في هذا الاعتقاد، وقد روى مالك في الموطأ حديث النزول والضحك.\nقلت: وأنا لم أخاطبْ عامةً ولا دعوتُ أحدًا إلى اعتقاد، وإنما كتبت لبعض القضاة] (^٢)، والله أعلم. وصلى الله على محمد». ا. هـ.\n_________\n(^١) رواه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ١١).\n(^٢) حكاية المناظرة في الواسطية، ضمن جامع المسائل (٨/ ١٩٤ - ١٩٧).","vol":"1","page":512},{"text":"«تتمة في نتيجة المناظرة وخاتمتها»\nلم يستطع علماء الأشاعرة وقضاتهم، الصمود أمام قوة شيخ الإسلام العلمية، وبراهينه الساطعة وأدلته الباهرة، التي تدع خصمه مبهوتًا حائرًا، لا يجد جوابًا يجيب به، ولا ملاذًا فيفر إليه، وانتهى بهم المطاف إلى وجوب الاستسلام لما ذكره شيخ الإسلام وبينه، والإقرار بصحة ما كتبه ودونه، فأجمعوا بعد ذلك على التسليم بصحة العقيدة الواسطية، واعترفوا بأنها معتقد سلفي سني جيد.\nقال الذهبي -﵀-: «ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد» (^١)، قال ابن رجب -﵀-: «فمنهم من قال ذلك طوعًا، ومنهم من قاله كرها» (^٢)، قال ابن كثير: «وعاد الشيخ إلى منزله معظمًا مكرمًا، وبلغني أن العامة حملوا له الشمع من باب النصر (^٣) إلى القصّاعين (^٤) على جاري عادتهم في أمثال هذه الأشياء» (^٥)، قال ابن عبد الهادي: «وقد أظهر الله من قيام الحجة ما أعز به أهل السنة» (^٦)، قال المقريزي: «وقد كتب الأفرم … كتابًا إِلى السلطان، وكتب معه محضر فيه خطوط عدّةٍ من القضاة وكبار الصلحاء والعلماء يصفون ما جرى في المجلسَين بدمشق، وأَنَّه لم يثبت عليه فيهما شيءٌ، ولا مُنِعَ من الإِفتاء» (^٧)، قال ابن عبد الهادي: «وفي اليوم السادس والعشرين من شعبان ورد كتاب\n_________\n(^١) نبذة من سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:٤٥).\n(^٢) ذيل طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:٤٧٥).\n(^٣) أحد أبواب دمشق القديمة، كان في الجهة الغربية للسور قريبًا من دار الحكم عند مدخل سوق الحميدية الآن، وقد تمت إزالته في العهد العثماني. انظر: معجم دمشق التاريخي (١/ ٢٩).\n(^٤) هي إحدى حارات دمشق قبالة جامع القلعي تعرف حديثًا بـ\"محلة الخيضرية\". انظر: معجم دمشق التاريخي (٢/ ١٦٣).\n(^٥) البداية والنهاية (١٤/ ٤٢).\n(^٦) العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص: ٢٢٠)، البداية والنهاية (١٤/ ٤٣).\n(^٧) مسالك الأبصار ضمن الجامع لسيرة الشيخ (ص:٣٢٢).","vol":"1","page":513},{"text":"السلطان … وفيه إنا كنا رسمنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين وقد بلغنا ما عقد له من المجالس وأنه على مذهب السلف وما قصدنا بذلك إلا براءة ساحته» (^١) ووصف الشيخ عبد الله ابن تيمية أخي الشيخ ﵀ ما وقع: «بالنصر الأكبر، والفتح المبين» (^٢)، وأن «العقول تعجز عن دركه على التفضيل، والألسن عن وصفه عن التكميل» (^٣).\nومع هذا فقد وقع من خصوم شيخ الإسلام ﵀ كذب وتحريف لما حدث، قال عبد الله بن تيمية -﵀-: «وبعد المجلس حصل من ابن الوكيل وغيره: من الكذب والاختلاق والتناقض بما عليه الحال ما لا يوصف» (^٤)، وقال ابن عبد الهادي: «واختلفت نقول المخالفين للمجلس وحرفوه ووضعوا مقالة الشيخ على غير موضعها وشنع ابن الوكيل وأصحابه بأن الشيخ قد رجع عن عقيدته فالله المستعان» (^٥).\nوقد حاول بعض من أرخ لهذه الحادثة تغطية هذه الهزيمة التي حصلت لعلماء الأشاعرة وأئمتهم، بتصوير أن ما جرى في ختام المناظرة من اتفاق وإجماع، لم يكن على صحة العقيدة الواسطية والتسليم بما فيها، والإقرار بما ذكره شيخ الإسلام خلالها، بل إن إقرارهم إنما كان بعد أن أشهد ابن تيمية الحاضرين على نفسه أنه شافعي المذهب، يعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي -﵀-، هذا ما ذكره قطب الدين اليونيني صاحب \"ذيل مرآة الزمان\" حيث قال: «وانفصل الأمر فيما بينهم أنه أشْهَد تقيُّ الدين على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب، يعتقد ما\n_________\n(^١) العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص: ٢٢٢).\n(^٢) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٢).\n(^٣) المصدر السابق: (٣/ ٢٠٢).\n(^٤) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٠).\n(^٥) العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص: ٢٢٠)، البداية والنهاية (١٤/ ٤٣).","vol":"1","page":514},{"text":"يعتقده الإمام الشّافعيّ -﵁-، فرُضِيَ منه بهذا القول، وانصرف كلٌّ منهم إلى منزله، وبعد ذلك حصل من أصحاب الشّيخ تقي الدين ابن تيمية كلام هذياني وقالوا: ظهر الحق مع شيخنا تقيّ الدين» (^١) وتبعه على هذا التقرير أبو بكر بن أيبك الداوردي في \"كنز الدرر\" (^٢)، وشهاب الدين النويري فيما نقله عن شمس الدين الجزري في \"نهاية الأرب\" (^٣)، وتبعهم من المتأخرين ابن حجر في \"الدرر الكامنة\" (^٤) وغيرهم (^٥)، وما ذكروه هنا محل نظر وتأمل، ولا يمكن التسليم به، وذلك؛ لأنه:\n-مخالف للحقيقة التي بينها شيخ الإسلام بنفسه في روايته للمناظرة.\n-ومخالف لما ذكره من شهد المناظرة كأخيه عبد الله، والشيخ علم الدين البرزالي.\n-ومخالف لما نص عليه عدد من المؤرخين الثقات العدول، كابن كثير والذهبي وابن عبد الهادي والمقريزي، وغيرهم ممن ذكر هذه المناظرة وبيَّن ما جرى فيها.\n-ومما يدل على عدم صواب مثل هذا القول؛ أن ما زعموا الاتفاق عليه لم يكن هو محور البحث والكلام، وإنما كانت العقيدة الواسطية وما ذكر فيها من اعتقاد هي موضوع البحث ومحل النقاش.\n-ثم إن ما ذكروه من إشهاد شيخ الإسلام على نفسه بأنه يعتقد ما يعتقد الشافعي، إنما هو تحصيل حاصل؛ وذلك لأن عقيدة الشافعي هي عقيدة أهل السنة، وعقيدة جميع العلماء والأئمة، فقوله بأنه على اعتقاد الشافعي أو اعتقاد أحمد أو اعتقاد مالك، لا يؤثر في القضية شيئًا؛ لأن اعتقاد الجميع واحد\n_________\n(^١) ذيل مرآة الزمان، ضمن تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:١٩).\n(^٢) كنز الدرر، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:٢٢٨).\n(^٣) نهاية الأرب، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:١٧٤).\n(^٤) الدرر الكامنة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٥٣٤).\n(^٥) انظر: عقد الجمان لبدر الدين العيني (٤/ ٤١١) والبدر الطالع للشوكاني (١/ ٦٦).","vol":"1","page":515},{"text":"وهو اعتقاد أهل السنة قاطبة.\n-ومما يكشف ما في هذه المقالة من مغالطة للواقع، ما جاء فيها: «أنه أشْهَد تقيُّ الدين على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب»، فقوله \"شافعي المذهب\" أول ما يتبادر إلى ذهن قارئ هذا الكلام أن شيخ الإسلام أصبح على مذهب الشافعي في الفروع والفقه؛ وذلك لأنه ليس للشافعي مذهب يختص به إلا في الفقه والفروع؛ ولأن \"ال\" هنا: ال العهدية: أي المذهب المعهود، ولا مذهب معهود للإمام الشافعي -﵀- إلا مذهبه الفقهي، وبطلان مثل هذا القول أظهر من أن يذكر، فمن المعلوم بالضرورة من سيرة شيخ الإسلام أنه كان أحد الأئمة المجتهدين وكان على مذهب أحمد بن حنبل وعاش ومات عليه، فكيف يقال بأنه أقر على نفسه أنه شافعي المذهب؟!\n-ثم إن تحوله من مذهب فقهي إلى مذهب آخر ليس له أي أثر في الاعتقاد الذي ذكره وصنفه؛ لأن النقاش والمناظرة إنما كانت في الاعتقاد والأصول، ولم تكن في الفقه والفروع. فلم يوفق صاحب هذه الرواية لاختيار عبارة مناسبة للمقام، وهذا من عناية الله بحملة شرعه ودينه.\n-وأخيرًا، قد يقال -إحسانًا للظن بمن نقل هذا الخبر-: إن نقلهم إنما كان عن سوء فهم لما قاله شيخ الإسلام أثناء المناظرة، كقوله: «وقلت لمن خاطبني من أكابر الشافعية: لأبيَّنن أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي، وأذكر قول الأشعري وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم، \"ولينتصرن كل شافعي\"، وكل من قال بقول الأشعري الموافق لمذهب السلف، وأبين أن القول المحكي عنه في تأويل الصفات الخبرية، قول لا أصل له في كلامه؛ وإنما هو قول طائفة من أصحابه فللأشعرية قولان، ليس للأشعري قولان» (^١) فقالوا بهذه المقالة بناءً على سوء فهمهم لمراد شيخ الإسلام بهذا الكلام، والواقع أن شيخ الإسلام أراد باستشهاده بأقوال الشافعي وأئمة مذهبه،\n_________\n(^١) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٩٠).","vol":"1","page":516},{"text":"بيان موافقة معتقده لما ذكره ونص عليه، والرد على ما انتشر من أن للشافعي اعتقادًا يخالف معتقد الإمام أحمد وما عليه أهل السنة في باب الأسماء والصفات وغيرها من أبواب العقائد، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-281>المسألة الأولى: تسمية المتكلمين التحريف تأويلًا:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-282> تمهيد:</span>\nكان مما أغضب بعض شيوخ الأشعرية في عقيدة شيخ الإسلام قوله أثناء تقريره لعقيدة أهل السنة في إثبات الأسماء والصفات: «من غير تحريف ولا تعطيل»، فاعترض معترضهم على لفظ التحريف -في قالب سؤال واستفسار-؛ لعلمه أن شيخ الإسلام يعني بهذه العبارة نفي تأويلهم الباطل المزعوم المحدث، الذي لجأوا إليه لصرف نصوص الصفات عن حقائقها وتحريفها عن معانيها، وستتم مناقشة هذه المسألة من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-283>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nيظهر من قول المعترض على تعبير شيخ الإسلام أن أصل شبهته: هي عدم تفريقه بين التأويل والتحريف، وظنه أن نفي التحريف يستلزم منه نفي التأويل، فلذلك سأل شيخ الإسلام سؤال مستنكر، ما مرادك بنفي التحريف؟!\nفتكونت شبهته من مقدمتين:\nالأولى: ظنه أن التحريف الذي سلكوه هو التأويل.\nالثانية: ظنه أن التأويل كله حق وصدق.\nوتفصيل ذلك: أن الجهمية الأوائل قد عطلوا الصفات ونفوها وما دلت عليه صراحة، والسلف وأهل السنة قد أثبتوا الصفات وما دلت عليه، فجاء ابن كلاب، ومن نحى نحوه فأرادوا أن يجمعوا بين طريقة أهل السنة وطريقة الجهمية، فأثبتوا ألفاظ النصوص ونفوا ما دلت عليه من معاني بطريقة سموها تأويلًا وما هي في الحقيقة إلا تحريف.\nولما شاعت هذه الطريقة وأصبحت مذهبًا متبعًا ومسلكًا معروفًا عند","vol":"1","page":518},{"text":"المتكلمين من الكلابية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم، بحثوا لها عن مسمى شرعي جاء في النصوص ليسموها به فيجعلوا لها صبغة شرعية تروج من خلالها بضاعتهم الكاسدة وطريقتهم الفاسدة، فاختاروا لفظ التأويل وجعلوا له معنى حادث غير المعنى الذي جاءت به النصوص وتتابع عليه السلف الصالحون، فقالوا التأويل: هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى غير ظاهره؛ لقرينة دلت على ذلك، أو هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لقرينة دلت عليه (^١).\nثم إنهم لم يلتزموا هذا التعريف الذي ذكروه ولا الدليل الذي اشترطوه، وإنما جعلوا هذه ذريعة لهم لتقرير معتقداتهم الباطلة، وترويج آرائهم الفاسدة.\nفجعلوا هذه القرينة التي تجيز صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته ليست قرينة لغوية ولا دليلًا وحجة شرعية، وإنما أهواؤهم وعقولهم، فمخالفة عقولهم الضعيفة وأهوائهم الفاسدة هي الدليل والقرينة التي توجب صرف اللفظ عن ظاهره، وتحريف الكلم عن معناه.\nوليس المقصود حصر ظهور هذا الأمر بظهور الكلابية والأشاعرة، بل إن هذا المسلك قديم، ولكنهم أذاعوه وأشهروه والتزموه، قد وصف الدارمي -﵀- حال بعض أسلافهم بقوله: «وبلغنا أن بعض أصحاب المريسي (^٢) قال له: كيف تصنع بهذه الأسانيد الجياد التي يحتجون بها علينا في رد مذاهبنا، مما لا يمكن التكذيب بها؟ .. قال: فقال المريسي: لا تردوه فتفتضحوا، ولكن غالطوهم بالتأويل فتكونوا قد رددتموها بلطف؛ إذ لم يمكنكم ردها بعنف» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: البرهان للجويني (١/ ٥١١)، المستصفى للغزالي (١/ ٣٨٧)، الأحكام للآمدي (٣/ ٥٩٩)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٩٩)، شرح ابن أبي العز (ص:١٨٢).\n(^٢) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي، العَدَوى بالولاء، أبو عبد الرحمن من روؤس الجهمية الفقه عن القاضي أبي يوسف، وقيل: كان أبوه يهوديا، ورماه غير واحد بالزندقة، رد عليه الإمام الدارمي في كتاب النقض (ت: ٢١٨ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٧/ ٥٣١) وفيات الأعيان (١/ ٢٧٧).\n(^٣) نقض عثمان بن سعيد (ص ٥٥٨).","vol":"1","page":519},{"text":"وبذلك فتح المتكلمون بابًا خطيرًا وشرًا مستطيرًا على الأمة الإسلامية تُروُّج من خلاله البدع والضلالات، وتشيع من خلاله الأهواء والانحرافات بين أبناء المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-284>الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة:</span>\nأجاب شيخ الإسلام في هذه المناظرة وفي مواضع أخرى من كتبه ورسائله على هذه الشبهة بعدة أجوبه ويمكن إجمالها فما يلي:\nأولًا: بين شيخ الإسلام أنه إنما يعني بتعبيره بنفي (التحريف): تحريف معنى الكلام عن ظاهره المعروف المتبادر إلى معنى آخر غير ظاهر ولا متبادر؛ وذلك إما لهوى أو بدعة أو رأي مخالف للشرع احتاج معه صاحبه لتحريف معاني الشرع إلى مراده من غير دليل بيّن، ولا حجة صحيحة، وذلك مثل ما صنع بعض الجهمية في تحريفه لمعنى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] قال: جرحه بأظافر الحكمة تجريحًا،. قال شيخ الإسلام: «فالمراد بالتحريف: التأويل المذموم الباطل الذي هو صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه، صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، كتأويل من تأول: استوى بمعنى استولى، ونحوه» (^١).\nثانيًا: بين شيخ الإسلام لهذا السائل أنه نفى التحريف ولم ينف التأويل؛ لأن التحريف قد جاءت النصوص بذمه فوجب نفيه ومنعه عن نصوص الكتاب والسنة، وأما التأويل فلم يذكره شيخ الإسلام لسببين اثنين:\n• السبب الأول: أن النصوص لم تأت بنفيه.\n• السبب الثاني: أن لفظ التأويل أصبح لفظا مجملًا مشتركًا، يستخدم في عدة معاني، منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، فهو يطلق ويراد به عدة معانٍ وهي كالتالي:\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٣٨٢).","vol":"1","page":520},{"text":"المعنى الأول: حقيقة ما يؤول إليه الكلام، فتأويل الأوامر فعلها، وتأويل النواهي اجتنابها، وتأويل الخبر نفس المخبر عنه، قال شيخ الإسلام: «وأما لفظ (التأويل) في التنزيل فمعناه: الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب، وهي نفس الحقائق التي أخبر الله عنها، فتأويل ما أخبر به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر، وتأويل ما أخبر به عن نفسه هو نفسه المقدسة الموصوفة بصفاته العلية» (^١). وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣]، ومنه قول عائشة: (كان رسول الله -ﷺ- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد اللهم اغفر لي، يتأول القرآن) (^٢).\nالمعنى الثاني: تفسير الكلام، وهو بيان المعنى المراد، أي معنى الكلام ومراد المتكلم به، قال شيخ الإسلام: «ويراد بلفظ التأويل: التفسير، وهو اصطلاح كثير من المفسرين، ولهذا قال مجاهد -إمام أهل التفسير-: إن (الراسخين في العلم)، يعلمون تأويل المتشابه، فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه وهذا مما يعلمه الراسخون» (^٣).\nوهذان المعنيان للتأويل حق، ويكونان في سائر الكلام، وبهما يتحصل على معنى كلام المتكلم ومراده، إلا أن الأول يكون تحصيله خارج الذهن، والثاني يكون تحصيله في الذهن.\nالمعنى الثالث: وهو المعنى الذي اصطلح عليه بعض المتأخرين، ولا يوجد في اصطلاح أحد من السابقين، وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر إلى غير\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٣٨٢) وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٦٨)، الصفدية (١/ ٢٨٨).\n(^٢) رواه البخاري كتاب الأذان، باب: التسبيح والدعاء في السجود (٨١٧)، ومسلم كتاب الصلاة (٤٨٤).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٦٩).","vol":"1","page":521},{"text":"ظاهره، وهذا الصرف إما أن يكون:\n١) بدليل وقرينة صحيحة أرادها المتكلم ودل عليها السياق: فهذا المعنى للتأويل معنى صحيح وهو راجع للمعنيين الأوليين، ولا يصح أن يكون معنى ثالثًا بل غايته أن يرجع لأحد المعنيين السابقين، قال شيخ الإسلام: «وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف، اللهم إلا أنه إذا علم أن المتكلم أراد المعنى الذي يقال: إنه خلاف الظاهر جعلوه من التأويل الذي هو التفسير، لكونه تفسيرًا للكلام وبيانًا لمراد المتكلم به، أو جعلوه من النوع الآخر الذي هو الحقيقة الثابتة في نفس الأمر التي استأثر الله بعلمها؛ لكونه مندرجًا في ذلك، لا لكونه مخالفا للظاهر» (^١).\n٢) بدون دليل صارف ولا قرينة، أو بدليل وقرينة غير صحيحين: وهذا هو التحريف الذي نفاه شيخ الإسلام عن النصوص، وهو المسلك الذي اتَّبعه المتكلمون لتعطيل دلالة النصوص، وسموه (تأويلًا)، وهو في الحقيقة تحريف واضح؛ فإن \"التحريف نوعان: تحريف اللفظ، وتحريف المعنى: فتحريف اللفظ: العدول به عن جهته إلى غيرها، إما بزيادة، وإما بنقصان، وإما بتغيير حركة إعرابية، وإما غير إعرابية، فهذه أربعة أنواع … وأما تحريف المعنى: فهذا الذي جالوا وصالوا وتوسعوا وسموه تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة: وهو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما \" (^٢).\nقال شيخ الإسلام: «والتأويل الذي ذمه السلف والأئمة هو تحريف الكلام عن مواضعه، وإخراج كلام الله ورسوله عما دل عليه وبينه الله به، وقد حده طائفة بأنه صرف الكلام عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بغير\n_________\n(^١) الصفدية (١/ ٢٩١).\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٣٨٧).","vol":"1","page":522},{"text":"دليل» (^١)، وقال ﵀: «ويراد بالتأويل تحريف الكلم عن مواضعه، وتفسير الكلام بغير مراد المتكلم، كتحريف أهل الكتاب لما حرفوه من الكتاب، وتحريف الملاحدة وأهل الأهواء لما حرفوه من معاني هذا الكتاب» (^٢).\nوهذا النوع من التأويل قد قام شيخ الإسلام بنقضه وبيان فساده من وجوه عدة، أهمها ما يلي:\nأولًا: أنه اصطلاح حادث لم يكن في عرف السلف، ووُضِع من جهة غير مؤتمنة وهم المتكلمون، قال شيخ الإسلام: «وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفًا لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلًا لم يكن في عرف السلف، وإنما سمى هذا وحده تأويلًا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام» (^٣)، وعلى ذلك فهو بدعة شرعية ولغوية، إذ لم تدل عليه اللغة فلا وجه لفهمه، ولم يقصده الشرع فلا وجه للتدين به، ويعود على اللغة وعلى الشرع وعلى العلوم بالإبطال.\nثانيًا: أن \"التأويل المقبول: هو ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يُعلم أن الرسول أرادها، بل يُعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، كما يُعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص. وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب، هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد\" (^٤).\n_________\n(^١) جامع المسائل (٣/ ١٦٠ - ١٦١)، وانظر: الصفدية (١/ ٢٨٩)، بيان تلبيس الجهمية (٨/ ٥٤٨).\n(^٢) جامع المسائل (٥/ ٢٩١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٦٩)، وانظر: الصفدية (١/ ٢٨٨)، بيان تلبيس الجهمية (٨/ ٥٤٨)، جامع المسائل (٣/ ١٦٠ - ١٦١).\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٠١)، وانظر: الصفدية (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":523},{"text":"ثالثًا: أن التأويل مبني على قواعد فاسدة كالاعتقاد بأن النصوص الشرعية ظنية لا تفيد العلم القطعي، وتقديم العقل على النقل، والقول بتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، وقد قرر شيخ الإسلام أنه تقسيم حادث بعد القرون الثلاثة المفضلة، وأن مراد المتقدمين بالمجاز ما يعبر به ويجوز في اللغة (^١)، وما يقترن باللفظ من القرائن اللفظية لا يعدّ مجازًا بالمعنى الذي قرره المتأخرون (^٢).\nرابعًا: أن التأويلات التي نافح عنها المناظر لشيخ الإسلام ومن سار على شاكلته هي من باب تحريف الكلام عن مواضعه، وصرف النصوص عن مدلولها ومقتضاها، وإخراج كلام الله ورسوله عما دل عليه وبينه (^٣)، قال شيخ الإسلام: «هذه التأويلات من باب تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آياته» (^٤)، وقال أيضًا: «فإن هذا التأويل في كثير من المواضع -أو أكثرها وعامتها- من باب تحريف الكلم عن مواضعه من جنس تأويلات القرامطة والباطنية. وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورموا في آثارهم بالشهب» (^٥).\nخامسًا: أن المتكلمين ليس لهم ضابط دقيق يُرجع إليه فيما يصح تأويله وما لا يصح تأويله، وحجتهم الدائمة في تأويل النصوص هي عدم موافقتها للعقل، ويلزم كل منهم الآخر بتأويل ما لا يعتقد تأويله بحجة مخالفة العقل، فكل يدعي أن هذا الظاهر مخالف للعقل، فإلى أي عقل نحتكم؟ وبأي عقل نرجح؟ (^٦).\nسادسًا: تناقض واضطراب طوائف المتكلمين والمؤولة؛ فإنه ما من تأويل\n_________\n(^١) انظر: كتاب الإيمان (ص: ٨٣ - ٨٦)، والحقيقة والمجاز ضمن مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٠٣، ٤٥٢).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٧٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٥/ ٢٣٥)، (٥/ ٣٤٩)، الصفدية (١/ ٢٩١).\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٣٨٣).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٤/ ٦٩).\n(^٦) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٢٩٤ - ٢٩٥).","vol":"1","page":524},{"text":"تذكره طائفة إلا وترده طائفة أخرى وتبطله، قال شيخ الإسلام: «لا خلاف بين جميع الطوائف أن كثيرًا من هذه التأويلات أو أكثرها باطل، بل كثير من التأويلات يعلم فسادها بضرورة العقل؛ وذلك أنه ما من طائفة من الطوائف الذين يحرفون الكلام عن مواضعه ويلحدون في أسماء الله وآياته ويسمون ذلك تأويلًا من أصناف المتجهمة ونحوهم إلا وهي ترد كثيرًا من تأويلات الطائفة الأخرى، وتقول إنها باطلة كما أن المؤسس (^١) وأمثاله يردون تأويلات المعتزلة للآيات والأخبار التي فيها وصف الله تعالى بأن له علمًا وقدرة وحياة وسمعًا وبصرًا، وأن له كلامًا قائمًا بنفسه وأنه يُرى ونحو ذلك، ويردون تأويل الجهمية من المعتزلة وغيرهم لعذاب القبر والصراط والميزان وغير ذلك، وهم والمعتزلة يردون تأويلات الفلاسفة الصابئين للجنة والنار، وما فيهما من نعيم وعذاب، والفلاسفة العقلاء مع سائر المتكلمين يردون تأويل القرامطة والباطنية للصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، والباطنية ترد كل طائفة منهم تأويل الآخرين؛ فإن بينهم نزاعًا طويلًا، والمعتزلة أيضًا ترد تأويل الأشعرية ونحوهم للآيات التي فيها تنزيه الله نفسه عن الظلم وفيها إثبات فعل العباد لأفعالهم فيها وإخراج الأعمال الصالحة من الإيمان ونحو ذلك» (^٢).\nسابعًا: أن التأويل الفاسد آل ببعض المتكلمين إلى مخالفة المسلمات ومعارضة البديهيات، قال شيخ الإسلام: «ما زال أهل العقل والعلم إذا سمعوا كثيرًا من هذه التأويلات ورأوها في المصنفات يعلمون أنها من أظهر الأمور فسادًا في البديهي من المعقولات، ولا ينقضي تعجبهم من قوم يذهبون إلى تلك التأويلات ممن له في العلم صيت مشهور، وقد رأيت وسمعت من ذلك بعجائب، ولكن ننبه ببعض ما ذكره هذا المؤسس وذلك بأمثلة أحدها قوله في تأويل قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] … إن الرب هو المربي فلعل\n_________\n(^١) أي الرازي ..\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٢٩١ - ٢٩٢).","vol":"1","page":525},{"text":"ملكًا عظيمًا هو أعظم الملائكة كان مربيًا لمحمد -ﷺ- وكان هو المراد من قوله ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]. فهل يشك من له أدنى مسكة من عقل وإيمان أنه من المعلوم بالاضطرار في دين الإسلام أن هذا من أعظم الافتراء على الله وعلى رسوله وعلى كلامه، وأن الله لم يجعل لمحمد قط ربًّا غير الله ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]» (^١).\nثامنًا: أن تأويل المتكلمين وتحريفاتهم كانت سببًا لتسلط الدهرية والفلاسفة والملاحدة على المسلمين وتقرير إلحادهم وزندقتهم؛ قال شيخ الإسلام: «وينبغي أن يعلم أن الذي سلط هؤلاء الدهرية على الجهمية شيئان:\nأحدهما: ابتداعهم لدلائل ومسائل في أصول الدين تخالف الكتاب والسنة، ويخالفون بها المعقولات الصحيحة التي يفسر بها خصومهم أو غيرهم.\nوالثاني: مشاركتهم لهم في العقليات الفاسدة من المذاهب والأقيسة، ومشاركتهم لهم في تحريف الكلم عن مواضعه، فإنهم لما شاركوهم فيما شاركوهم فيه بعد تأويل نصوص الصفات بالتأويلات المخالفة لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها كان هذا حجة لهم في تأويل نصوص المعاد وغيرها، كما احتج به هذا الفيلسوف، وكما يذكره أبو عبد الله الرازي ومن قبله حتى إن الدهرية قالوا لهم: القول في آيات المعاد كالقول في آيات الصفات. فكان من حجتهم عليهم، وضموا ذلك إلى ما قد يطلقونه من الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، فقالوا له أنت تقول الظواهر لا تفيد القطع أيضًا، والآيات المتشابهة في القرآن الدالة على المشيئة والقدر ليست أقل ولا أضعف دلالة من الآيات الدالة على المعاد الجسماني، ثم إنكم تجوزون تأويل تلك الآيات، فلم لاتجوزون أيضًا تأويل الآيات الواردة ها هنا؟!» (^٢).\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٣٠٦).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٧١ - ٧٢).","vol":"1","page":526},{"text":"والملاحظ في طرق الفرق المنحرفة يجد أن العمل بمجموع تأويلاتهم يعني هدم الدين كله، وإبطال كل نصوص الكتاب والسنة، فطائفة أولت نصوص الصفات، وطائفة أولت نصوص الأسماء، وطائفة أولت أمور المعاد والبعث واليوم الآخر، ثم جاءت الباطنية فأولوا كل نصوص العبادات والواجبات والمحرمات، وبهذا أصبح الدين كله مؤولا، والشرع كله فاسدا، والله المستعان (^١).\nتاسعًا: خفاء الحق في هذه التأويلات وعدم التمييز بين الحق فيها من الباطل يوجب عدم قبول شيء منها؛ لعدم الأمن من كونه باطلا؛ إذ \"كُلٌ من هؤلاء المختلفين يقول إن العقل يوجب عليه التأويل الذي يزعم الآخر أنه تأويل باطل، وعند هذا فيقول نفاة هذه التحريفات: إذا ثبت أن هذه التأويلات منها باطل كثير باتفاق الطوائف، وثبت أن الحق الذي يدعيه مدع فيها لم يتفق على أنه حق، بل النزاع واقع فيه هل هو حق أو باطل؟ وهم يقولون لا يفصل بينهم إلا العقل، وكل منهم يدعي أن العقل معه، وليس العقل متكلمًا ظاهرًا يفصل بينهم؛ كان الفصل بينهم متعذرًا، وكذلك النزاع بينهم واقعًا لازمًا ضرورة عدم الفصل بينهم، وكان معهم باطل قطعًا، ولم يُعلم أن معهم حقًّا، أو الحق الذي معه لا يمكن تمييزه، كانت مذاهبهم من جنس مذاهب اليهود والنصارى بعد التبديل، بل أولئك أجود مما يقوله هؤلاء من التأويلات وإن لم يكونوا أجود في الجملة مما هو عليه كل طائفة من طوائف المسلمين، إذ مع كل طائفة من المسلمين الذين هم مسلمون حقيقة من الحق الذي لا ريب فيه أعظم مما مع اليهود والنصارى، لكن الكلام هنا في تأويلاتهم التي ينازعهم فيها أهل الإثبات، فإن أهل الكتابين معهم حق مأثور عن الأنبياء بلا ريب ومعهم باطل ابتدعوه وباطل حرفوه، -كما مع هؤلاء الجهمية ونحوهم من المتكلمين- ومع هذا فلا نزاع بين المسلمين أنه لا يجوز اتباعهم في علومهم وأنهم ضُلال، وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) انظر الرسالة التدمرية (ص:٢١)، درء التعارض (٥/ ٣٤٧).","vol":"1","page":527},{"text":"قال: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه) (^١)، كان هؤلاء المتكلمون بهذه التأويلات أولى أن ترد عليهم كلها ولا يقبل منها شيء؛ إذ لم يعلم أن فيها ما هو حق، فإذا كان الكلام الذي علم أن فيه حقًّا وباطلًا قد أمرنا أن لا نقبله، فمثل هذا الكلام أولى أن لا نقبله، وهذا بينٌ ظاهر لمن قصدهُ إسكاتُ هؤلاء عن التأويلات ومنعهم من التكلم بها ومنع قبولها» (^٢).\nعاشرًا: أن تحريفات المؤول تعود على ما يلي بالإبطال:\n١. تعود على الدين بالإبطال، لانعدام الثقة بالنصوص.\n٢. تعود على اللغات بالإبطال؛ لأن اللغات وضعت لقصد بيان مراد المتكلم.\n٣. تعود على العلوم كلها بالإبطال؛ لأنها تكون بالكلام وتوضح به.\n٤. بل إنها تبطل المعنى المؤول ذاته.\nقال شيخ الإسلام: «ومآلهم في تلك التأويلات إلى القرمطة؛ التي هي: تحريف الكلم عن مواضعه، وإفساد الشرع واللغة والعقل، بالتمويه والتلبيس … ولما كان مآل هؤلاء إلى السفسطة؛ التي هي جحود الحقائق وجحود الخالق، وكان لا بد لهم من النفاق، كان تنبيه من نبَّه من الأئمة، كمالك وأحمد وأبي يوسف (^٣) وغيرهم، على أن كلام هؤلاء جهل، وأن مآله\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٧٢٢٥) وأبو داود (٣٦٤٤) وغيرهما من حديث أبي نملة الأنصاري ﵁، وقواه الألباني بشواهده في الصحيحة (٢٨٠٠). والحديث عند البخاري من حديث أبي هريرة، (٧٥٤٢) دون زيادة (فإما أن يحدثوكم …).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(^٣) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف: صاحب الإمام أبي حنيفة، وتلميذه، وأول من نشر مذهبه، كان فقيها علامة، من حفاظ الحديث، ولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافته (ت: ١٨٢ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٣٠٣)، شذرات الذهب (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":528},{"text":"إلى الزندقة: كقول أحمد: (علماء الكلام زنادقة) (^١)، وقول أبي يوسف ويُروى عن مالك: (من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب) (^٢)، وقول الشافعي: (ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح) (^٣)» (^٤).\nوقد تنوعت طرق شيخ الإسلام في إبطال قانون التأويل الفاسد عند المتكلمين، وفيما ذُكر كفاية والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>المسألة الثانية: نسبة مقالة التشبيه والتجسيم لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀</span>-:\n•<span data-type='title' id=toc-286> تمهيد:</span>\nلما بين شيخ الإسلام بطلان طريقة التحريف والتأويل التي يقوم عليها علم الكلام، ولم يجد القوم مأخذًا على ما قرره وبينه، اشتغلوا بالتلويح والتعريض بشيخ الإسلام مشيرين بذلك إلى أن مذهبه هو التشبيه والتجسيم، وأخذوا يطنبون في تنزيه الله عن التشبيه والتجسيم، ويفصلون القول في ذلك، وهم إنما يريدوا\n_________\n(^١) ذكره أبو حامد الغزالي في الإحياء (١/ ٩٥) وقواعد العقائد (ص:٨٧) والعمراني في الانتصار (١/ ١٣٠) وابن الجوزي في التلبيس (ص:٧٥).\n(^٢) رواه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (ص: ٦١)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٦)، (٣٠٥)، والهروي في ذم الكلام (٢٣١)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥)، وابن عبدالبر في جامع بيان العلم (٢/ ١٠٣٣).\n(^٣) رواه بن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٥٣٠) (٦٦٦)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٦٥) (٣٠٣)، والبيهقي في مناقب الشافعي (ص: ١٨٦)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١١١)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٢٨٥)، وقال الحافظ الذهبي في العلو (ص: ١٦٦): «تواتر عن الشافعي ذم الكلام وأهله، وكان شديد الاتباع للآثار في الأصول والفروع».\n(^٤) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٥٧).","vol":"1","page":529},{"text":"التوصل بذلك إلى نفي صفات الله -﷿- وتعطيلها عن ذاته، كما سيتضح خلال دراسة هذه المسألة، وستكون دراستها من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-287>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nأصل شبهة المتكلمين التي جعلتهم يشتغلون في تقريرهم للاعتقاد وفي جدالهم مع أهل السنة وردهم عليهم بنفي التشبيه والتجسيم، وتكرار هذا الأمر والإكثار منه والتفصيل في جزئياته، هي اعتقادهم أن إثبات صفات الباري ﷿، يقتضي تجسيمه وتشبيهه بخلقه.\nقال شيخ الإسلام وهو يذكر ما يستلزمه إثبات الصفات في اعتقادهم: «ويستلزم أيضًا [أي إثبات الصفات] التشبيه. والتوحيد عندهم: نفي التشبيه والتجسيم» (^١)؛ ولذلك فقد رأوا أن تعبير شيخ الإسلام في عقيدته الواسطية بنفي التمثيل والتكييف، غير واف بالمقصود ولا مُحققٍ للمطلوب من تنزيه الله عن مشابهة خلقه، بل لا بد مع ذلك من نفي التشبيه والتجسيم أيضًا (^٢).\nومن أسباب تركيزهم على هذا الأمر غير ما سبق ذكره هو أن \"كثيرًا من هؤلاء قرأوا كتبًا من كتب الكلام فيها شبهات أضلتهم، ولم يهتدوا لجوابها، فإنهم يجدون في تلك الكتب أنه لو كان الله فوق الخلق للزم التجسيم والتحيز والجهة، وهم لا يعرفون حقائق هذه الألفاظ وما أراد بها أصحابها\" (^٣)، فاعتقدوا ما فيها، فجعلوا إثبات الصفات تجسيمًا وتشبيهًا، فضلوا عن الصراط المستقيم وحادوا عن الطريق القويم.\n\n<span data-type='title' id=toc-288>الوجه الثاني: الجواب على الشبهة المذكورة:</span>\nلم يكن شيخ الإسلام يترك كلمة مما يطرحه مناظروه دون بيان الحق فيها،\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٩٩).\n(^٢) انظر شرح الأصبهانية (ص:٦٩٧)، منهاج السنة (٢/ ٥٢٦).\n(^٣) جامع المسائل (٣/ ٢٠٦).","vol":"1","page":530},{"text":"وتفصيل المجمل منها، وتوضيح المبهم خلالها، فمخالفو الشيخ وإن لم يصرحوا هنا بالرد عليه ومواجهته بما اعتقدوه، وإنما عرَّضوا دون تصريح، ولمحوا دون توضيح؛ خشيةَ ردهِ عليهمْ، وكشفهِ لزيفهم، إلا أن الشيخ -مع هذا-لم يدعْهم وشأنهم، بل بين حقيقة ما إليه لمحوا، وفساد ما به عرضوا، وذلك في المناظرة نفسها، وقبل المناظرة وبعدها من خلال ما صنف وألف من كتب ورسائل.\nوبين شيخ الإسلام سبب تعبيره بنفي التكييف والتمثيل دون التشبيه والتجسيم، وذلك من أوجهٍ كثيرة أهمها ما يلي:\nأولًا: أن الشرع إنما جاء بنفي التكييف والتمثيل، وهو الذي وردت به النصوص، وجاء نفيه على لسان السلف، وقد التزم شيخ الإسلام بأن لا يعبر في عقيدته الواسطية إلا بما ورد في الكتاب والسنة، أو كان بإجماع سلف هذه الأمة، حيث قال ﵀: «وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة» (^١)، وقال: «ليس في هذا لفظٌ واحدٌ من عندي، وإنما هو من كتاب الله وسنةِ رسوله وألفاظِ سلفِ الأمة، أو ألفاظِ مَن نقلَ مذاهب سلف الأمة وأهل السنة من الأئمة الموثوق بهم» (^٢)، وقال أيضًا: «وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثًا أو إجماعًا سلفيًا، وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين والفقهاء الأربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية» (^٣). وقال: «أنا أُمهِل من خالفني ثلاثَ سنين، فإن جاء بحرفٍ واحدٍ ثابتٍ عن القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم يُناقِضُ حرفًا مما قلتُه وذكرتُه عنهم رجعتُ عن ذلك» (^٤).\nثانيًا: ما في لفظا التشبيه والتجسيم من إجمال وإيهام، فإن نفي التشبيه وإن كان حقًا واردًا عن سلف الأمة، إلا أن أهل البدع قد ادخلوا في التشبيه الواجب\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٥).\n(^٢) جامع المسائل (٨/ ١٩٢).\n(^٣) مناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٩).\n(^٤) جامع المسائل (٨/ ١٩٢).","vol":"1","page":531},{"text":"نفيه عن الله ما ليس منه، فجعلوا من نفي التشبيه نفي الاشتراك في المعنى العام أو ما يسمى القدر المشترك، ليتوصلوا بذلك إلى نفي الصفات وتحريفها عن معانيها، وقد بين شيخ الإسلام أن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود لرب العالمين وإثباته مطلقًا هو جعل الأنداد لرب العالمين (^١)، ولما كان كذلك \"لم يرد الكتاب والسنة به مطلقًا لا في نفي ولا إثبات، ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ: المثل والكفو والند والسمي\" (^٢). وإثبات القدر المشترك حق لا يستلزم تمثيل الله بخلقه، ولا ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله تعالى (^٣) \"وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه، فالله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك، والعبد أيضًا مختص بوجوده وعلمه وقدرته، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه، وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة، فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه\" (^٤).\nقال شيخ الإسلام: «وأصل ضلال هؤلاء أن لفظ: (التشبيه) لفظ فيه إجمال، فما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك يتفق فيه الشيئان، ولكن ذلك المشترك المتفق عليه لا يكون في الخارج بل في الذهن، ولا يجب تماثلهما فيه، بل الغالب تفاضل الأشياء في ذلك القدر المشترك، فأنت إذا قلت عن المخلوقين: حي وحي، وعليم وعليم، وقدير وقدير، لم يلزم تماثل الشيئين في الحياة والعلم والقدرة، ولا يلزم أن تكون حياة أحدهما وعلمه وقدرته نفس حياة الآخر وعلمه وقدرته، ولا أن يكونا مشتركين في موجود في الخارج عن الذهن؛ ومن هنا ضل هؤلاء الجهال بمسمى التشبيه الذي يجب نفيه عن الله، وجعلوا ذلك ذريعة إلى التعطيل\n_________\n(^١) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٤٨٤ - ٤٩١).\n(^٢) المصدر السابق (٦/ ٤٨٥).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٦٩)، التدمرية (ص:١٢٥).\n(^٤) منهاج السنة النبوية (٢/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"1","page":532},{"text":"المحض، والتعطيل شر من التجسيم، والمشبه يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا، والممثل أعشى، والمعطل أعمى» (^١).\nوأما لفظ الجسم فلا يطلق على الله نفيًا ولا إثباتًا؛ لأنه لم يرد في النصوص نفيه ولا إثباته، ولأنه من الألفاظ المجملة التي يحتمل نفيها حقًا وباطلًا، ولذلك يستفصل ممن نفاه: أتريدُ به أن الله جسمٌ من جنس الأجسام المخلوقة، بحيث يكون من جنس البشر لحمًا ودمًا وعصبًا وعظمًا، فنفي هذا المعنى حق ويجب تنزيه الله عنه، وهو داخل في (التمثيل) الذي جاءت النصوص بنفيه.\nوإن أردت بالجسم: الشيء القائم بنفسه المتصف بما يليق به، فنفي هذا المعنى عن الله باطل؛ لأننا نؤمن بأن لله ذاتًا موصوفة بصفات الكمال اللائقة به ﷾، وهذا ما جاءت به النصوص ودلت عليه الأدلة السمعية والعقلية.\nوهذا المعنى الصحيح الثابت هو الذي يعنيه هؤلاء المعطلة بنفيهم للتجسيم، فهم إنما أرادوا التوصل بهذا إلى نفي ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله -ﷺ- من الصفات اللائقة بجلاله وعظيم سلطانه (^٢).\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «والمقصود هنا أنه لما ظهرت الجهمية نفاة الصفات تكلم الناس في (الجسم)، وفي إدخال لفظ (الجسم) في أصول الدين وفي التوحيد، وكان هذا من الكلام المذموم عند السلف والأئمة، فصار الناس في لفظ (الجسم)، على ثلاثة أقوال: طائفة تقول: إنه جسم، وطائفة تقول: ليس بجسم، وطائفة تمتنع عن إطلاق القول بهذا؛ وهذا لكونه بدعة في الشرع، أو لكونه في العقل يتناول حقًا وباطلًا، فمنهم من يكف عن التكلم في ذلك، ومنهم من يستفصل المتكلم: فإن ذكر في النفي أو الإثبات معنى صحيحًا قبله، وعبر عنه بعبارة شرعية، لا يعبر عنها بعبارة مكروهة في الشرع، وإن ذكر معنى باطلًا رده؛ وذلك أن لفظ (الجسم) فيه اشتراك بين معناه في اللغة، ومعانيه المصطلح عليها،\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٢٦).\n(^٢) انظر: منهاج السنة (٢/ ٢٢١)، مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ٦١).","vol":"1","page":533},{"text":"وفي المعنى منازعات عقلية، فيطلقه كل قوم بحسب اصطلاحهم وحسب اعتقادهم» (^١).\nثالثًا: بين ﵀ أن قوله في الواسطية: (من غير تكييف ولا تمثيل)، يقتضي نفي كل معنى باطل ينزه الله عنه، وإنما جاءت النصوص والآثار بنفيهما؛ لأن في نفيهما نفي كل ما يتصور منه مشاركة المخلوق للخالق في أي شيء من خصائصه، وتنزيهه عن مماثلة مخلوقاته من أي وجه من الوجوه، قال شيخ الإسلام موضحا هذا: «ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ المثل والكفو والند والسمي … وبينا أن الله ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، فيجب أن ينفى عنه المثل مطلقًا ومقيدًا، وكذلك الند والكفو والشريك ونحو ذلك من الأسماء التي جاء القرآن بنفيها، وذكرنا من أدلة ذلك أن الله تعالى لما نفى المثل عن نفسه … فلا يخلو:\nإما أن يكون النفي من ذلك مختصًّا بالمماثل له من كل وجه: وهو المكافئ له من كل وجه فقط، والمساوي والمعادل له والمكافئ له من كل وجه.\nأو يكون النفي عامًا في المماثل ولو من بعض الوجوه، والمكافئ ولو من بعض الوجوه.\nولا يجوز أن يكون النفي مختصًّا بالقسم الأول؛ لأن هذا لم يعتقده أحد من البشر، وهو سبحانه ذم ونهى عما هو موجود في البشر؛ ولأن النبي -ﷺ- قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: (أجعلتني لله ندًّا، بل ما شاء الله وحده) (^٢)، فثبت أن هذه الأسماء المنفية تعم المثل والكفو والند والشريك والعديل ولو من بعض الوجوه، وهذا هو الحق؛ وذلك لأن المخلوقات وإن كان فيها شبه من بعض الوجوه: في مثل معنى الموجود والحي والعليم والقدير، فليست مماثلة بوجه من الوجوه ولا مكافأة له، بل هو سبحانه له المثل الأعلى في كل ما يثبت له\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٢/ ١٩٨).\n(^٢) رواه البخاري في الأدب المفرد (ص: ٢٦٥) (٧٨٤)، وابن ماجه (١/ ٦٨٤) (٢١١٧)، وأحمد في المسند (١/ ٢١٤)، والحديث حسن إسناده الألباني كما في الصحيحة (١٣٩).","vol":"1","page":534},{"text":"ولغيره، ولما ينفى عنه وعن غيره، لا يماثله غيره في إثبات شيء ولا في نفيه، بل المثبت له من الصفات الوجودية المختصة بالله التي تعجز عقول البشر عن معرفتها، وألسنتهم عن صفتها، ما لا يعلمه إلا الله، مما لا نسبة إلى ما علموه من الأمر المشتبه المشترك إليه.\nوالمنفي عنه لابد أن يستلزم وصفًا ثبوتيًّا -كما قررنا هذا في غير هذا الموضع- ومنافاته لذلك المنفي وبعده عنه، ومنافاة صفاته الوجودية له، فيه من الاختصاص الذي لا يشركه فيه أحد ما لا يعلمه أيضًا إلا هو.\nبخلاف لفظ التشبيه فإنه يقال على ما يشبه غيره ولو من بعض الوجوه البعيدة، وهذا مما يجب القول به شرعًا وعقلًا بالاتفاق، ولهذا لما عرف الأئمة ذلك، وعرفوا حقيقة قول الجهمية، وأن نفيهم لذلك من كل وجه مستلزم لتعطيل الصانع ووجوده؛ كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق والتعطيل، ويمنعون عن إطلاق لفظهم العليل؛ لما فهموه من مقصودهم، وإن لم يفهمه أهل الجهل والتضليل» (^١).\nرابعًا: أن لفظ التشبيه الذي ينفونه عن الله ﷿، ويحرصون على نفيه، هم أنفسهم مختلفون فيه، وليس لهم ضابط محدد فيه؛ فلذلك تجدهم يرد بعضهم على بعض، وينقض بعضهم ما يثبته البعض، بحجة أن هذا تشبيه ينزه الله عنه، قال شيخ الإسلام: «فطرق العلم بنفي ما ينزه الرب عنه متسعة، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك وفرّقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه» (^٢).\nخامسًا: أن إثبات الصفات لا يقتضي مشابهة المخلوقات، بل نفيها عنه يقتضي تشبيهه بالمعدومات؛ ولذلك فقد وقعوا فيما فروا منه، فلا زالوا ينفون عن الله ما يستحقه من الأسماء والأوصاف، حتى شبهوه بالمعدومات بل غلوا في ذلك\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٤٨٤ - ٤٩١).\n(^٢) التدمرية: (ص: ١٤٠).","vol":"1","page":535},{"text":"حتى شبهوه بالممتنعات، فهربوا من أمر ووقعوا في ما هو أعظم منه، قال شيخ الإسلام: «فآل بهم إغراقهم في نفي التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل، ثم إنهم لم يخلصوا مما فروا منه، بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد شبهوه بالممتنع الذي هو أخس من الموجود والمعدوم الممكن، ففروا في زعمهم من تشبيهه بالموجودات والمعدومات، ووصفوه بصفات الممتنعات التي لا تقبل الوجود، بخلاف المعدومات الممكنات، وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات والمعدومات الممكنات» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-289>المسألة الثالثة: دعواهم أن إثبات الصفات إنما هو اعتقاد أحمد فحسب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-290>تمهيد:</span>\nبعد أن أعيت مناظري شيخ الإسلام الحجة، وانقطعت أمامهم المحجة، بدأوا باستخدام طريقة العجزة المفلسين، وذلك برمي الدعاوى والاتهامات دون حجج وأدلة، فرموه بتهمة التشبيه والتجسيم، ثم حاولوا بعد ذلك أن يبحثوا عن منشأ القول بإثبات الصفات -الذي يسمونه تشبيهًا وتجسيمًا-؛ وذلك ليقرروا تأثره بتلك الجذور، وأن هذا القول إنما اختص به شيخ الإسلام ومن تأثر به، ولذلك فقد نسبوا اعتقاده الذي كتبه في إثبات الصفات إلى أنه مذهب الإمام أحمد، وأشاروا إلى أنه قد اعترى أصحاب أحمد ومتبعيه من التشبيه والتجسيم الشيء الكثير.\nومن الحاضرين من تعاطف مع شيخ الإسلام فأشار عليه بأن ينسب هذا القول لأحمد، لينقطع الخصوم، ويتخلص شيخ الإسلام -بهذه الطريقة- من نقاشهم وجداله؛، وما ذلك إلا لأن القوم أهل تقليد أعمى، فالاحتجاج عليهم بمذهب إمام متبع، أوقعُ في نفوسهم وأجدرُ بالقبول، من الاحتجاج بآية بينة أو حديث صحيح.\n_________\n(^١) شرح حديث النزول (ص: ٨ - ٩).","vol":"1","page":536},{"text":"ودراسة هذه المسألة ومناقشة هذه الشبهة من وجهين اثنين:\n\n<span data-type='title' id=toc-291>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nيبدو أن أصل الشبهة عند من طرح هذه المسألة: هي ظنه أن المعتقد الذي نص عليه شيخ الإسلام في الواسطية: من إثبات صفات الباري ﷿. إنما هو مذهب اختص به الإمام أحمد دون غيره من علماء الأمة كافة، وأئمة المذاهب الأربعة خاصة، حتى آل الأمر بكثير من الحنابلة إلى القول بالتشبيه والتجسيم، وذلك لكثرة النصوص الواردة عن الإمام أحمد في إثبات الصفات والرد على منكريها ومحرفيها، واشتهار الحنابلة بذلك، بخلاف أتباع المذاهب الثلاثة الذين انتشرت فيهم مذاهب المتكلمين أكثر، من تعطيل الصفات وتحريفها، وأصبح أكثر المنتسبين لها على مذهب المعطلة: من جهمية وكلابية وأشاعرة وماتريدية.\nوقد بين شيخ الإسلام -﵀- أن هذه التهمة -أي التشبيه والتجسيم- لم تقتصر على الحنابلة فقط، بل إن أهل البدع يطلقونها على جميع مثبتة الصفات من أهل السنة والحديث، وإنما اشتهرت النسبة لأحمد دون غيره؛ لما كان عليه ﵀ من إمامةٍ لأهل السنة، ووقوف في وجه أهل الكلام والبدعة، ورفعهِ لراية الإثبات ورده على معطلة الصفات.\nقال شيخ الإسلام: «لكن لما جرت محنة الجهمية نفاة الصفات، وسموا من أثبتها مجسمًا في عهد الإمام أحمد، وقالوا: إن القرآن مخلوق، وحقيقة ذلك أن الله لم يتكلم بشيء. وقالوا: إنه لا يُرى، ونحو ذلك -قام أحمد بن حنبل من إظهار السنة والصفات، وإثبات ما جاء في الكتاب والسنة من هذا الباب بما لم يحتج إليه غيره من الأئمة، وظهر ذلك في جميع أهل السنة والحديث من جميع الطوائف، وصاروا متفقين على تعظيم أحمد وجعله إمامًا للسنة، فصار يظهر في أصحابه من الإثبات ما لا يظهر في غيرهم، بسبب كثرة نصوصهم في هذا الباب، والنفاة يسمون المثبتة مجسمة ومشبهة» (^١).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٢٥٠ - ٢٥١).","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام فساد هذا القول من أوجه عدة أهمها ما يلي:\nأولًا: أن نسبة هذه العقيدة لأحمد فحسب خطأ؛ وذلك أن هذا الاعتقاد هو اعتقاد أئمة السلف جميعهم وليست عقيدة أحمد فحسب، فكلهم مجمعون على إثبات الصفات له ﷿ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهذا ما احتج به شيخ الإسلام عليهم في هذه المناظرة، فقال: «ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا» (^١) وقال مرة: «لا والله؛ ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث، وقلت أيضًا: هذا اعتقاد رسول الله -ﷺ-، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به: آيةً أو حديثًا أو إجماعًا سلفيًا» (^٢).\nثانيًا: أن هذه العقيدة إنما هي مأخوذة من الكتاب والسنة، فهي العقيدة التي جاء بها محمد بن عبد الله -ﷺ-، ويجب على كل مسلم اعتقادها، وما الإمام أحمد إلا مبلغ للعلم الذي جاء به الرسول -ﷺ-، ولو جاء بشيء من تلقاء نفسه لم يقبل منه (^٣) \"فإن أحمد لم يأخذ عنه المسلمون كلمة واحدة من صفات الله تعالى قالها هو، بل الأحاديث التي يرويها أهل العلم في صفات الله تعالى: كانت موجودة عند الأمة قبل أن يولد الإمام أحمد، وقد رواها أهل العلم غير الإمام أحمد؛ فلا يحتاج الناس فيها إلى رواية أحمد بل هي معروفة ثابتة عن النبي -ﷺ- ولو لم يخلق أحمد\" (^٤)، قال شيخ الإسلام: «وما تكلم به من السنة؛ فإنما أضيف له لكونه أظهره وأبداه، لا لكونه أنشأه وابتدأه، وإلا فالسنة سنة النبي -ﷺ-، فأصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وما قاله الإمام أحمد هو قول\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٩).\n(^٢) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٩).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٦٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٢١٤).","vol":"1","page":538},{"text":"الأئمة قبله؛ كمالك، والثوري (^١)، والأوزاعي (^٢)، وحماد بن زيد (^٣)، وحماد بن سلمة (^٤)، وقول التابعين قبل هؤلاء وقول الصحابة الذين أخذوه عن النبي -ﷺ-، وأحاديث السنة معروفة في الصحيحين وغيرهما من كتب الإسلام. والنقل عن أحمد وغيره من أئمة السنة: متواتر بإثبات صفات الله تعالى وهؤلاء متبعون في ذلك ما تواتر عن النبي -ﷺ-» (^٥).\nثالثًا: أن سبب اشتهار هذا المعتقد عن الحنابلة هو \"أن الإمام أحمد له من الكلام في أصول الدين وتقرير ما جاءت به السنة والشريعة في ذلك، ما هو عليه جماعة المؤمنين وإظهار دلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، والرد على أهل الأهواء والبدع المخالفين للكتاب والسنة في ذلك، أعظم مما لغيره؛ لأنه ابتلي بذلك أكثر مما ابتلي به غيره؛ ولأنه اتصل إليه من سنن رسول الله -ﷺ- وأصحابه وتابعيهم والأئمة بعدهم أعظم مما اتصل إلى غيره، فصار له من الصبر واليقين الذي جعلهما الله تعالى سببًا للإمامة في الدين بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أمير المؤمنين في الحديث، أحد الأئمة المجتهدين، إمام أهل العراق في زمانه، مشهور بالورع والزهد والعلم، (ت: ١٦١ هـ). انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ١١١)، شذرات الذهب (١/ ٢٥٠).\n(^٢) هو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الدمشقي الأوزاعي، الإمام الفقيه المشهور، صاحب سنة واتباع، وزهد وورع، وهو من أفضل أهل زمانه، ت سنة ١٥٧ هـ. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/ ١٨٤)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٨).\n(^٣) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، مولاهم البصري، أبو إسماعيل، شيخ العراق في عصره، من الحفاظ، كان ضريرًا طرأ عليه العمى، وخرج حديثه الأئمة الستة، ت سنة ١٧٩ هـ. انظر: حلية الأولياء (٦/ ٢٥٧)، تهذيب التهذيب (٣/ ٩).\n(^٤) حماد بن سلمة بن دينار البصري الربعي بالولاء، أبو سلمة، الإمام المشهور، مفتي البصرة، محدث نحوي، حافظ ثقة، ساء حفظه لما كبر، ت سنة ١٦٧ هـ. انظر: حلية الأولياء (٦/ ٢٤٩)، تهذيب التهذيب (٣/ ١١).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٢١٥).","vol":"1","page":539},{"text":"عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣]، ما جعله الله له من الإمامة في أصول الدين السّنية الشرعية ما أنعم الله به عليه وفضله به، فأتباعه لا يمكنهم مع إظهار موافقتهم له من الانحراف ما يمكن غيرهم ممن لم يجد لمتبوعه من النصوص في هذا الباب ما يصده عن مخالفته، ولهذا يوجد في غيرهم من الانحراف في طرفي النفي والإثبات في مسائل الصفات والقدر والوعيد والإمامة وغير ذلك، أكثر مما يوجد فيهم وهذا معلوم بالاستقراء؛ ولهذا مازال كثير من أئمة الطوائف الفقهاء وأهل الحديث والصوفية، وإن كانوا في فروع الشريعة مُتَّبعين بعض أئمة المسلمين -﵃ أجمعين-، فإنهم يقولون: نحن في الأصول أو في السنة على مذهب أحمد بن حنبل، لا يقولون ذلك لاختصاص أحمد بقول لم يقله الأئمة، ولا طعنًا في غيره من الأئمة بمخالفة السنة؛ بل لأنه أظهر من السنة التي اتفقت عليها الأئمة قبله أكثر مما أظهره غيره، فظهر تأثير ذلك لوقوعه وقت الحاجة إليه، وظهور المخالفين للسنة، وقلة أنصار الحق وأعوانه\" (^١).\nرابعًا: أن مرادهم بالتشبيه والتجسيم الذي رموا به الحنابلة هو إثباتهم للأسماء والصفات فجعلوا إثبات الأسماء والصفات تشبيهًا وتجسيمًا \"فلزم -على قولهم- أن يكون ما جاء به الكتاب والسنة، وما فطر الله عليه عباده، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها تجسيمًا! \" (^٢) والعياذ بالله!\nخامسًا: أن وقوع بعض المنتسبين للإمام أحمد بأمور منكرة في الاعتقاد أو غيره، لا يكون حجة في رد ما جاء به وقرره من الاعتقاد الصحيح، أو حُجةً في نسبة هذه الأمور المنكرة إليه، وذلك من وجوه:\nالوجه الأول: أن هذا الأمر ليس مختصًا بأحمد فحسب، فما من إمام إلا وقد انتسب إليه أناس هو منهم براء، كما انتسب إلى مالك والشافعي وأبي حنيفة أناس هم بريؤون منهم، وأوضح من ذلك: انتساب من انتسب إلى علي بن\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٥٤٨ - ٥٥١).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٢٥٠).","vol":"1","page":540},{"text":"أبي طالب -﵁-، أو إلى رسول الله -ﷺ- من: الرافضة والقرامطة والباطنية، وغيرهم من أهل الإلحاد والنفاق (^١).\nالوجه الثاني: أن المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، ولا يوجد نوع غلو في بعض الحنابلة إلا ويوجد في غيرهم من الطوائف ما هو أكثر منه، قال ﵀: «ثم ذلك ليس مختصًّا بالحنابلة، ولا هو فيهم أكثر منه في غيرهم، بل يوجد في الشافعية والمالكية والحنفية والصوفية وأهل الحديث وأهل الكلام من الإمامية وغيرهم من يطلق من هذه الألفاظ أمورًا لا يصل إليها أحد من الحنابلة» (^٢)، وقال: «ولهذا يوجد في غيرهم من الانحراف في طرفي النفي والإثبات في مسائل الصفات والقدر والوعيد والإمامة وغير ذلك أكثر مما يوجد فيهم وهذا معلوم بالاستقراء» (^٣).\nوضرب شيخ الإسلام -لتقرير ما ذكر- بعض الأمثلة الواقعية التي يشاهدونها، فمن ذلك أن أصناف الأكراد كلهم شافعية، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر، وأهل جيلان (^٤) فيهم تشبيه وتجسيم وهم شافعية وحنبلية؛ والكرامية المجسمة كلهم حنفية وهم أهل تشبيه وتجسيم كما هو معلوم (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-293>المسألة الرابعة: مناقشة شيخ الإسلام فيما قرره من اعتقاد في القرآن وصفة الكلام:</span>\nيعتبر مذهب الكلابية والأشاعرة في كلام الله تعالى، من أهم خصائص\n_________\n(^١) انظر: مناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٥).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٥٤٧ - ٥٤٨).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٥٤٩).\n(^٤) جيلان: بالكسر، اسم لبلاد كثيرة من وراء بلاد طبرستان، وهى قرى كلها فى مروج، بين جبال، وعلى ساحل بحر طبرستان. انظر: معجم البلدان (٢/ ٢٠١) مراصد الاطلاع (١/ ٣٦٨).\n(^٥) انظر: مناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٥).","vol":"1","page":541},{"text":"مذهبهم التي تميزه عن غيره؛ وذلك لأن قولهم في صفة الكلام قول غريب محدث لم يسبقوا إليه من قبل، بل هم أول من أحدثه وأول من ابتدعه، فقد كان الناس قبل ظهور الأشعري وابن كلاب على قولين لا ثالث لهما: ففريق يقول بأن كلام الله مخلوق منفصل بائن عنه وهم الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم، وفريق يقولون هو صفة قائمة بذات الله متعلقة بمشيئته وقدرته وهم أهل السنة والجماعة. ثم ظهر ابن كلاب فابتدع القول بأن كلام الله معنى واحد قديم لا تعلق له بمشيئة الله وإرادته، وتبعه على ذلك الأشعري وغيره، ولم يسبقهما لهذا القول أحد (^١).\nولأهمية هذه المسألة عندهم، ولأنها من أخص الأصول التي يقوم عليها مذهبهم واعتقادهم؛ فقد أطالوا النقاش مع شيخ الإسلام حولها، وناقشوه في مواضع مختلفة منها، وذلك من خلال ما قرره ﵀ في عقيدته الواسطية، وستكون دراسة هذه المسألة من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-294>الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم في القرآن وكلام الله:</span>\nاعترض الحاضرون في المناظرة على شيخ الإسلام بعدة أمور مما قرره في مسألة القرآن وكلام الله سبحانه، فاعترضوا عليه في قوله: «هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول: بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه» (^٢)، وفي قوله: «هو كلام الله؛ حروفه ومعانيه» (^٣)، وفي قوله: «منه بدأ، وإليه يعود» (^٤)، وفي إثباته كلام الله سبحانه بصوت (^٥)، وناقشوه فيما افتراه الرازي، وغيره من دعوى أن الإمام أحمد يقول: بأزلية الصوت والمداد (^٦).\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (٢/ ٩٩)، وانظر: التسعينية (ص ١٤٩ - ٢٨٨).\n(^٢) العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٤).\n(^٣) العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٤).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ١٤٤).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٣/ ١٣٩).\n(^٦) انظر: المناظرة في العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٧٠).","vol":"1","page":542},{"text":"وأصل شبهة القوم التي بنوا عليها اعتقادهم في القرآن الكريم وكلام الله سبحانه، ومن ثمَّ اعترضوا على جميع ما يخالفها من تقريرات أهل السنة: هي اعتقادهم أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته؛ وذلك لأن هذا يستلزم -عندهم-حلول الحوادث بالله سبحانه، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nفلما خالفوا المعتزلة وأثبتوا الكلام صفة لله ﷿ وعندهم كما سبق أن الصفات لا تعلق لها بالمشيئة؛ لأنها لو كانت كذلك لكانت حوادث، قالوا بأن كلام الله: إنما هو معنى واحد قديم، ليس قائمًا بالذات، وليس بحروف ولا أصوات، لأن الحروف والأصوات مقدورة مرادة تتعلق بها المشيئة.\nثم إنهم نظروا للقرآن الكريم فوجدوه يتألف من معان وحروف، وهم قد نفوا أن يكون كلام الله بحروف وأصوات؛ فقالوا -لكي لا ينقضوا أصلهم-: القرآن ليس هو كلام الله حقيقة، وإنما هو حكاية أو عبارة عن كلام الله، واعترضوا على شيخ الإسلام فيما ذكر في عقيدته من بطلان هذا.\nوقالوا -إضافة إلى ذلك-: إن القرآن إنما كان ابتداء لفظه ومبناه من جبريل -﵇- أو من محمد -ﷺ-، ولذلك استشكلوا عبارة أهل السنة التي نقلها شيخ الإسلام في اعتقاده ألا وهي: (منه بدأ وإليه يعود) (^١).\nوهكذا لما بنوا عقيدتهم على باطل، لزمتهم هذه اللوازم كلها، فانحرفوا هذا الانحراف كله، وما مثلهم إلا مثل من بنى بيتًا على أساس معوج، ثم أراد أن يبني فوقه طابقًا آخر فجعله -لكي يستقيم مع الأساس- معوجًا مثله، ثم بنى ثالثًا ورابعًا كل منها أعوج من سابقه، فصار المبنى على أقبح صورة وأبشع منظر، يهتز مع كل ريح تعصف به، ولا يستطيع الرسوخ أمام سيول الحق الجارفة ورياحه العاصفة، ولو أن أصحابه اشتغلوا بتسوية الأساس وتقويمه، خير لهم من البناء على أساس ذي اعوجاج، يكون عاقبته الانهيار والدمار. ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٧٨) والاستقامة (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":543},{"text":"وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-295>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nإن مفهوم كلام الأشاعرة -بل هو صريح قولهم- أن القرآن ليس كلام الله سبحانه؛ لأن القرآن مكون من حروف ومعان، وكلام الله إنما هو معنى قائم في ذاته لا غير، فيكون القرآن كلام غير الله، حاكيًا أو معبرًا به عن كلام الله القائم في نفسه، فهو كلام جبريل أو كلام محمد -ﷺ- عبر به عن كلام الله القائم بنفسه، وتسميته كلامًا لله إنما هو من باب المجاز لا الحقيقة (^١).\nوقد رد عليهم شيخ الإسلام بردود عديدة بين فيها فساد شبهة القوم ومقالتهم من وجوه عدة أهمها ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-296>الوجه الأول: الرد على قولهم: إن القرآن كلام الله معانيه دون حروفه</span>، وذلك من وجوه:\n١) أن \"الله تعالى قد سمى نفس مجموع اللفظ والمعنى: قرآنًا، وكتابًا، وكلامًا، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحِجر:١]، وقال: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء:١ - ٢]، وقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ [الأحقاف:٣٠]، فبين أن الذي سمعوه هو القرآن\" (^٢)، والمعنى المجرد من الحروف لا يمكن سماعه بديهةً.\n٢) أن الله -﷿- قد أخبر عن تكليمه موسى في آيات عديدة، وقد \"وكد تكليمه لموسى بالمصدر\" (^٣)، وفي ذلك \"دليل على تكليمٍ سَمِعهُ موسى، والمعنى المجرد\n_________\n(^١) انظر: المواقف (ص: ٢٩٣ - ٢٩٤)، مشكل الحديث لابن فورك (٢١٢، ١٦٩) الإرشاد (ص: ١١٦ - ١١٧) شرح جوهرة التوحيد (ص:٩٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ١٢٥).\n(^٣) المصدر السابق (١٢/ ٣٩).","vol":"1","page":544},{"text":"لا يُسمع بالضرورة، ومن قال: إنه يُسمع فهو مكابر\" (^١).\n٣) ومن الأدلة التي تدل على هذا أيضًا قوله تعالى: «﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، كان بعض المشركين يقولون: إن محمدًا إنما يتعلم القرآن من عبد لبني الحضرمي، فقال الله - تعالى -: لسان الذي يضيفون إليه القرآن لسان أعجمي، وهذا لسان عربي مبين، وهذا يبين أن محمدًا بلغ القرآن لفظه ومعناه، لم ينزل عليه معاني مجردة، إذ لو كان كذلك لأمكن أن يقال: تلقى من هذا الأعجمي معاني صاغها بلسانه، فلما ذكر قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، بعد قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، دل ذلك على أن روح القدس نزل بهذا اللسان العربي المبين» (^٢).\n٤) أن قولهم مخالف للغة والعرف واصطلاح الناس؛ فإنهم لا يجعلون الكلام حروفًا مجردة فقط ولا معاني مجردة فقط، بل الكلام مجموع الأمرين؛ وذلك كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد بل مجموعهما (^٣).\n٥) أن قولهم مخالف لإجماع السلف؛ فإن \"الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد، والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد (^٤)، وغيره، وسائر الأمة قبلهم، وبعدهم اتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه، ومعانيه ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعاني، ولا لمجرد الحروف\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٢/ ١٣٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣٦).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٤٤).\n(^٤) انظر: خلق أفعال العباد (ص: ٤٥).","vol":"1","page":545},{"text":"بل لمجموعهما\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-297>الوجه الثاني: الرد على نفيهم تعلق كلام الله بمشيئته وإرادته:</span>\nأما نفيهم كون القرآن كلام الله؛ لأن كلام الله لا يتعلق بمشيئته وإرادته، فهذا باطل؛ لأن النصوص الدالة على أن كلام الله متعلق بمشيئته لا تحصى كثرة كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨]، قال شيخ الإسلام معلقًا على هذا النص: «وفي هذا دليل على أنه حينئذ نودي، ولم يناد قبل ذلك، ولما فيها من معنى الظرف» (^٢).\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، فإنه وقت النداء بظرف محدود، \"فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه\" (^٣).\n\"ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] …، وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أقوال الرب بوقت معين؛ فإن الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته\" (^٤)، وهذه النصوص واضحة الدلالة في الرد عليهم؛ لأنها إذا كانت دالة على أن الله تكلم بالكلام المذكور، في ذلك الوقت، فكيف يقال إن هذا الكلام كان أزليًا أبديًا.\nوهل يمكن أن يقال: إنه لم يزل ولا يزال قائلًا: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠]، و﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤]، و﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٨]؟! (^٥).\nوأما الأحاديث الدالة على ذلك فكثيرة أيضًا: ومنها: قول النبي -ﷺ- لما صلى\n_________\n(^١) التسعينية (٢/ ٥٤١)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٥٦، وما بعدها).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ١٣١).\n(^٣) المصدر السابق (١٢/ ١٣١).\n(^٤) المصدر السابق (١٢/ ١٣١).\n(^٥) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٠٤ - ١٠٥).","vol":"1","page":546},{"text":"بهم صلاة الصبح بالحديبية (أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر …) (^١)، الحديث.\nوحديث: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كالسلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: قال الحق وهو العلي الكبير …) الحديث (^٢).\nوغيرها من الأحاديث الكثيرة التي علقت بعض ما يتكلم به الباري سبحانه بوقت معين، مما يدل دلالة واضحة على أن كلامه ﷿ متعلق بمشيئته وقدرته.\nومما يدل على ذلك ما جاء في الأحاديث من وصف الله بالسكوت كحديث: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو …) (^٣)، الحديث.\nوحديث: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) (^٤). فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن كلام الله متعلق بمشيئته وإرادته ﷿ فإن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم (٨٤٦)، ومسلم، كتاب الإيمان (٧١).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب إلا من استرق السمع، (٤٧٠١)، وباب حتى إذا فزع عن قلوبهم، (٤٨٠٠).\n(^٣) رواه الحاكم في المستدرك (٣٤١٩) والدارقطني في سننه (٢٠٦٦) والبيهقي في السنن الكبرى (١٩٧٢٤) من حديث أبي الدرداء ﵁، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٢٥٥).\n(^٤) رواه الدارقطني في السنن (٤٣٩٦) والطبراني في الأوسط (٨٩٣٨) من حديث أبي الدرداء ﵁، ورواه غيرهما من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٥٩٧).","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type='title' id=toc-298>الوجه الثالث: الرد على إضافتهم ابتداء القرآن إلى جبريل أو محمد عليهما الصلاة والسلام </span>(^١):\nأنكر بعض المخالفين على شيخ الإسلام عبارته في القرآن \"منه بدأ وإليه يعود\"؛ وذلك لأنهم يرون عدم ابتدائه من الله جل وجلاله؛ بل يضيفونه لمن بلغه عنه أو أداه، وهذا القول باطل من وجوه:\nأولًا: أن قولهم هذا مخالف لصريح ما دلت عليه النصوص كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وغيرها من النصوص الكثيرة التي تدل على هذا وتبرهن عليه (^٢).\nثانيًا: أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا ومؤديًا، \"فالرجل إذا بلغ قول النبي -ﷺ-: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (^٣)، كان قد بلغ كلام النبي -ﷺ- بحركاته، وأصواته، وكذا إذا أنشد شعر شاعر كامرئ القيس (^٤) أو غيره، فإذا قال:\nقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل (^٥)\n_________\n(^١) انظر: المواقف (ص:٢٩٢ - ٢٩٤).\n(^٢) انظر: جامع الرسائل والمسائل (١/ ١٦٢).\n(^٣) رواه البخاري كتاب بدء الوحي (١)، ومسلم كتاب الإمارة (١٩٠٧).\n(^٤) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، من بني آكل المرار، من فحول شعراء العرب وأشهرهم على الإطلاق، وأمه أخت المهلهل الشاعر، فلقنه المهلهل الشعر، فقال الشعر وهو غلام، يُعرف بالملك الضّليل؛ لاضطراب أمره طول حياته، وذي القروح؛ لما أصابه في مرض موته، وكتب الأدب مشحونة بأخباره، توفي نحو ١٣٠ - ٨٠ ق هـ. انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (ص: ٣١)، خزانة الأدب للبغدادي (١/ ١٦٠)، الأعلام للزركلي (٢/ ١٢).\n(^٥) شطر من البيت الأول لمعلقة امرئ القيس المشهورة التي مطلعها:\nقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل … بسقط اللوى بين الدخول فحومل\nانظر: شرح المعلقات التسع (ص: ١٢٠)، شرح المعلقات السبع للزوزني (ص: ٣٥).","vol":"1","page":548},{"text":"كان هذا الشعر شعر امرئ القيس، وإن كان هذا قاله بحركاته، وأصواته. وهذا أمر مستقر في فطر الناس كلهم يعلمون أن الكلام كلام من تكلم به مبتدئًا، آمرًا بأمره، ومخبرًا بخبره، ومؤلفًا حروفه، ومعانيه، وغيره إذا بلغه عنه علم الناس أن هذا كلام للمُبلَغ عنه لا للمُبلِغ، وهم يفرقون بين أن يقوله المتكلم به، والمبلغ عنه، وبين سماعه من الأول، وسماعه من الثاني؛ ولهذا كان من المستقر عند المسلمين أن القرآن الذي يسمعونه هو كلام الله كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، مع علمهم بأن القارئ يقرؤه بصوته كما قال النبي -ﷺ-: (زينوا القرآن بأصواتكم) (^١)، فالكلام كلام البارئ، والصوت هو صوت القارئ\" (^٢).\nثالثًا: أن قولهم هذا مخالف لما تواتر عن السلف من قولهم عند ذكر عقيدة أهل السنة في القرآن «منه بدأ وإليه يعود»، ومرادهم بذلك أنه \"هو المتكلم به، لم يبتدئ من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق، قالوا: خلقه في غيره\" (^٣)، \"فيكون قد ابتدأ، وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله، كما يقولون: كلامه لموسى خرج من الشجرة. فبين السلف، والأئمة أن القرآن من الله بدأ، وخرج\" (^٤)، لم يبتدئ من غيره من الموجودات.\n\n<span data-type='title' id=toc-299>الوجه الرابع: الرد على إنكارهم كلام الله بصوت:</span>\nوأما ما أنكروه من ثبوت نداء الله بصوت، فقد بين شيخ الإسلام أن هذا مما تكاثرت فيه النصوص من القرآن كقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٨٦٨٨)، (٤/ ٢٨٣) وأبو داود (١٤٦٨) وصححه الألباني في المشكاة (٢١٩٩).\n(^٢) التسعينية (٣/ ٩٦٣ - ٩٦٥)، وانظر بسط هذا في الجواب الصحيح (٤/ ٣٣٥ - ٣٤٩)، مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٦١ - ٢٦٥)، (١٢/ ٤٥٦ - ٤٦٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٨٣).\n(^٤) المصدر السابق (١٢/ ٥١٨).","vol":"1","page":549},{"text":"نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، ففي هذه الآيات \"إثبات النداء لله تعالى، وقد أخبر الله تعالى في القرآن بندائه لعباده في أكثر من عشرة مواضع، والنداء لا يكون إلا صوتًا باتفاق أهل اللغة، وسائر الناس\" (^١).\nوقد \"استفاضت الآثار عن النبي -ﷺ-، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة السنة أنه -سبحانه- ينادي بصوت: نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بصوت\" (^٢)، \"والنداء في لغة العرب هو صوت رفيع؛ لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة، ولا مجازًا\" (^٣) \"باتفاق أهل اللغة\" (^٤). و\"هذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-300>المسألة الخامسة: محاولة الخصوم إثبات التأويل عن السلف:</span>\n<span data-type='title' id=toc-301>تمهيد:</span>\nقرر شيخ الإسلام -﵀- أثناء مناظرته في العقيدة الواسطية، وجوب إثبات الصفات لله -﷿- من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، وأكد أن هذه العقيدة عليها إجماع السلف، وأنهم كانوا يثبتون ما ورد في النصوص من صفات الله -﷿- من غير تمثيل لها بصفات المخلوقين، ومن غير تحريف لها عن معناها الحق وصرفها عن ظاهرها التي دلت عليه، بل يقرون بها كما هي حق على حقيقتها، ويفوضون علم كيفيتها إلى الله سبحانه، وبين -﵀- أن هذا الأمر\n_________\n(^١) منهاج السنة (٥/ ٤٢٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٥٣١، ١٢/ ١٣٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٠).\n(^٥) المصدر السابق (١٢/ ٤٠).","vol":"1","page":550},{"text":"لا خلاف فيه بين السلف -﵏-، وعلى رأسهم الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم-، وتحدى مخالفيه بأن يأتوا بحرف واحد عن القرون المفضلة يخالف ما ذكره وقرره فقال: «قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي -ﷺ- حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك» (^١). وجزم ﵀ في مواضع أخرى بعدم وجود أي اختلاف بين الصحابة، في تأويل أي صفة عن مقتضاها الظاهر منها، حيث قال ﵀: «وأما الذي أقوله الآن وأكتبه -وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس-: أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات، أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف» (^٢).\nوبالفعل فقد وقف القوم أمام هذا التحدي من شيخ الإسلام موقف العجز والضعف، فلم يستطيعوا الإتيان بشيء من ذلك في المجلس الأول الذي تحداهم فيه شيخ الإسلام، وطلبوا عقد مجلس آخر لعلهم أن يظفروا بشيء من ذلك ليواجهوا به الشيخ، فلما كان المجلس الثاني، جاءوا له ببعض ما ظنوه حججًا تبطل ما ادعاه شيخ الإسلام، فأظهر شيخ الإسلام -كما سيتضح- بطلان ما استدلوا به، وسوء فهمهم لنصوص الصفات، وما جاء عن السلف في تفسيرها، وغاية ما استدلوا به في هذه المناظرة -كما بين شيخ الإسلام- أمران اثنان:\n_________\n(^١) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٤).","vol":"1","page":551},{"text":"الأمر الأول: ما جاء من تفسير مجاهد والشافعي لقوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] بقبلة الله.\nاحتج المخالف على صحة طريقة المتكلمين التي يسمونها تأويلًا، بما جاء من تفسير مجاهد والشافعي للوجه بالجهة والقبلة. وأصل شبهة المخالف: ظنه أن هذه الآية هي من آيات الصفات التي لا يحتمل ظاهرها غير إثبات الصفة، ومع ذلك فقد قام الإمامان مجاهد والشافعي بتأويلها وصرفها عن ظاهرها، كما يفعل مؤولة الصفات بآيات الصفات وأحاديثها.\nوقد أجاب عنهم شيخ الإسلام بعدة أجوبة، تبطل شبهتهم هذه وتفسد عليهم احتجاجهم، فبين ﵀ أن هذا التفسير الذي ذكر عن مجاهد والشافعي تفسير صحيح ومقبول، وليس من التأويل المذموم التي تصرف فيه النصوص عن ظاهرها المراد، وتحرف عن معناها بغير حجة ولا دليل، وبيان ذلك من وجوه:\nأولًا: أن الوجه يطلق في اللغة على الجهة والوجهة، يقال: (قصدت هذا الوجه)، و(سافرت إلى هذا الوجه) أي: إلى هذه الجهة. ويقال: (أي وجه تريده؟) أي: أي جهة؟ و(أنا أريد هذا الوجه) أي: هذه الجهة. وهذا كثير مشهور، ومنه قول أنس في حديث الاستسقاء \"فلم يقدم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبر بالجود\" وإذا كان الوجه يطلق في اللغة على الصفة التي هي الوجه وعلى الجهة، فالذي يحكم أيهما المراد هو سياق الكلام والقرائن المتصلة به (^١).\nثانيًا: أن سياق الآية التي وردت به، يوضح هذا الأمر ويزيل اللبس فيه؛ \"فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية\" (^٢)، وقد كان السياق هنا في ذكر الجهات حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، والمشرق والمغرب جهات. وأيضًا قد قال قبلها ﴿فَأَيْنَمَا\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٦)، بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٧٤ - ٧٥)، جامع المسائل (٨/ ١٩٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤).","vol":"1","page":552},{"text":"تُوَلُّوا﴾ وأين من الظروف. وتولوا: أي تستقبلوا. فالمعنى: أي موضع استقبلتموه، فهنالك وجه الله، فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا، فدل على أن المراد الجهة والقبلة\" (^١).\nثالثًا: أنه \"قد أخبر أن وجهه (ثمَّ): أي في ذلك المكان، وهذا يناسب أن يكون قبلته في ذلك المكان؛ لأن صفته ليست في مكان\" (^٢)، \"وتوجيه ذلك أن يقال: قوله (فثمَّ) إشارة إلى مكان وجود، والله تعالى فوق العالم، ليس هو في جوف الأمكنة\" (^٣).\nرابعًا: أن \"قوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨] كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كلتا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربتان، وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين: أنا نوليه: نستقبله\" (^٤).\nخامسًا: ومما يؤيد حملها على القبلة ما ذكره أهل العلم \"أن هذه الآية: فيما لا يتعين فيه استقبال الكعبة، كالمتطوع الراكب في السفر، فإنه يصلي حيث توجهت به راحلته، والعاجز الذي لا يعلم جهة الكعبة، أو لا يقدر على استقبال الكعبة، فإنه يصلي بحسب إمكانه إلى أي جهة أمكن، وذكروا أيضًا أنه نسخ ما تضمنته من تسويغ الاستقبال بيت المقدس كما كان ذلك قبل النسخ\" (^٥).\nسادسًا: أن ما جاء عن السلف من تفسير الآية بالجهة والقبلة، فليس مرادهم فيه: صرفها عن ظاهرها ولا نفي صفة الوجه عن الله، كما هو فعل أهل الأهواء من المتكلمين وغيرهم الذين اعتقدوا عدم اتصاف الله بالصفات، ثم قاموا بتأويل النصوص الواردة فيها لتوافق ما قرروه من معتقد باطل. أما من ذكر عنهم تأويل\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ١٦).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٧٤).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٧٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٦/ ١٦).\n(^٥) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٥٤٨).","vol":"1","page":553},{"text":"الآية من السلف فإنهم يثبتون صفات الله، ومنها صفة الوجه كما تليق بالله سبحانه، ويمرون الآيات الواردة في ذلك كما جاءت على ظاهرها، ويرون فساد طريقة أهل التأويل والتحريف، وإنما قالوا في هذه الآية ما قالوا؛ لأن ظاهر هذه الآية عندهم هو ما ذكروه من تفسير، فشتان بين صنيعهم وصنيع هؤلاء المتأخرين المنحرفين من أهل الكلام وأضرابهم، قال شيخ الإسلام -﵀-: «والمقصود بهذا الكلام أن من قال من السلف والأئمة لم يقولوه؛ لأنهم ينفون وجه الله الذي يراه المؤمنون في الآخرة، بل قالوه؛ لأن ذلك ظاهر الخطاب عندهم؛ لأن لفظ الوجه مشهور أنه يقصد به الجهة والقبلة هي الجهة» (^١)، وقال ﵀: «والغرض أنه إذا قيل: (فثم قبلة الله) لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه؛ الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات؛ ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه والآية دالة عليه، وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر» (^٢). والخلاصة أن إثبات الصفة مقام، والخلاف في دليل معين مقام آخر، فالخلاف في دليل معين هل هو دال على الصفة أم لا، لا يستلزم الخلاف في الصفة نفسها، وعد الدليل المعين ليس عدمًا للمدلول.\nهذه الأدلة كلها ذكرها شيخ الإسلام ليبين أن تفسير الوجه في الآية بالجهة والقبلة تفسير صحيح في اللغة ودل عليه السياق في الآية، وليس هذا من تحريف القوم وتأويلهم في شيء، والذي خاصمهم فيه شيخ الإسلام وتحداهم أن يأتوا عن السلف بشيء منه: هو تأويل النصوص وصرفها عن ظاهرها المتبادر إلى معنى آخر غير ظاهر، بلا دليل صارف ولا حجة واضحة ولا قرينة صحيحة، كما يفعلون مع الآيات والأحاديث الصريحة في صفات الباري ﷻ.\nهذا، ومن الأدلة التي تقوي حمل الآية على القبلة، ما ورد في سبب نزول هذه الآية: وهو أن رسول الله -ﷺ- بعث سرية في غزاة، فأصابتهم ظلمة فلم يهتدوا\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ٧٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ١٧).","vol":"1","page":554},{"text":"للقبلة فصلى كل منهم في جهة، فلما رجعوا سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك؟ فسكت، فأنزل الله -﷿- هذه الآية (^١). ونحوها من الروايات التي تحمل نفس المعنى وتدل على الأمر ذاته، وهي وإن كانت لا يسلم شيء من طرقها وشواهدها من ضعف ليس باليسير، كما قال البيهقي -﵀-: «لم نعلم لهذا الحديث إسنادًا صحيحًا قويًا» (^٢)، وقال العقيلي -﵀-: «وأما حديث عامر بن ربيعة، فليس يروى من وجه يثبت متنه» (^٣)، إلا أن عددًا من أهل العلم ذهبوا إلى تقوية بعضها ببعض، خصوصًا مع تعدد الصحابة الذين رووا هذه الآثار، قال شيخ الإسلام: «وبعض هذه الطرق مما يغلب على القلب أن الحديث له أصل، وهو محفوظ، فإن المحدث إذا كان إنما يخاف عليه من سوء حفظه، لا من جهة التهمة بالكذب، فإذا عضده محدث اخر أو محدثان من جنسه، قويت روايته، حتى يكاد أحيانًا يعلم أنه قد حفظ ذلك الحديث، لا سيما إذا جاء به محدث آخر عن صحابي آخر؛ فإن تطرق سوء الحفظ في مثل ذلك إلى جماعة بعيد لا يلتفت إليه، إلا أن يعارض حديثهم ما هو أصح منه. وقد روى أصحاب التفسير عن ابن عباس -﵄- قال: خرج نفر من أصحاب رسول الله -ﷺ- في سفر، وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة فتحروا القبلة وصلوا، فمنهم من صلى قبل المشرق، ومنهم من صلى قبل المغرب، فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا. فلما قدموا سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك؟ فنزلت هذه الآية. فهذا وإن لم يكن مما يحتج به منفردًا، فإنه يشد تلك الروايات ويقويها» (^٤). وقال\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٤٥)، وابن ماجه (١٠٢٠)، والدارقطني في سننه (١/ ٢٧٢) (٥)، وابن جرير في تفسيره (١/ ٤٠١) من حديث عامر بن ربيعة، وفي الباب عن جابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، وابن عباس -﵃ أجمعين-، ولا يخلو كل من الحديث وشواهده من ضعف ليس باليسير. انظر: سنن الدراقطني (١/ ٢٧١)، السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١١)، تفسير ابن كثير (١/ ٣٣٧).\n(^٢) السنن الكبرى (٢/ ١١).\n(^٣) الضعفاء الكبير (١/ ٣١).\n(^٤) شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٥٤٦).","vol":"1","page":555},{"text":"ابن كثير -﵀-: «وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشدّ بعضها بعضًا» (^١).\nويؤيد هذا أيضًا ما جاء من تفسير بعض الصحابة لهذه الآية بما ظاهره أن المراد منها القبلة والجهة، ومن أصرح ما جاء في ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عمر -﵁- قال: (كان النبي يصلي على راحلته تطوعًا، أينما توجهت به وهو جاي من مكة إلى المدينة ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقال ابن عمر -﵁-: في هذا أنزلت الآية) (^٢).\nومع هذا كله، فإنه لا مانع أيضًا من جعل الآية مع دلالتها على القبلة، دالة أيضًا على صفة الوجه لله -﷿-؛ لأن الله إنما ذكر هذا الموضع بلفظ الوجه لا بلفظ الجهة، وقد ثبت أيضًا بالنصوص الصحيحة المتواترة أن العبد عند استقباله للقبلة فإنه يستقبل ربه ﷿، والله يقبل عليه بوجهه ما لم يصرف وجهه عنه، ومعلوم علو الله ﷿ على الخلق وإحاطته بهم، وكل الجهات مخلوقة فمن استقبل شيئًا منها فهو متوجه إلى ربه ﷻ (^٣).\nوخلاصة الأمر أن الآية محتملة للمعنيين فمن فسرها بأحدهما أو كليهما معًا، فإنه لم يصرفها عن ظاهرها المتبادر، ولم يتأول شيئًا منها على خلاف ما هو عليه، فلا مدخل لهم في ذلك، ولا حجة لهم فيما ورد من تفسير ذلك.\nالأمر الثاني: ما روي عن مالك في تأويل صفة النزول:\nواحتج المخالف أيضًا بما ورد عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس -﵀- من تأويل صفة نزول الله بنزول أمره.\nوأصل الشبهة عنده: اعتقاده ثبوت هذا التأويل عن إمام دار الهجرة مالك بن\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٣٧).\n(^٢) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٧٠٠).\n(^٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٧٦ - ٨٠)، مختصر الصواعق المرسلة (ص: ٤١٣ - ٤١٩).","vol":"1","page":556},{"text":"أنس -﵀-، وبنى على ذلك أن تأويل الصفات مذهب معتبر عند السلف -رضوان الله عليهم-.\nوقد أجاب شيخ الإسلام على كلام المعترض ببيان عدم صحة الاستدلال بهذا الأثر وتوضيح وذلك لعدة بوجوه:\nأولًا: أن هذا الأثر لا يثبت عن الإمام مالك -﵀-؛ وذلك لأنه من رواية كاتبه حبيب ابن أبي حبيب وهو كذاب لا تقبل روايته باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولما احتج المخالف بأن لهذا الأثر طريقًا آخر ذكرها ابن عبد البر عن مطرف، بين شيخ الإسلام عدم حجية هذا الإسناد أيضًا؛ للجهالة التي فيه، فقال: «لكن الإسناد مجهول» (^١)، وقال مرة: «وفي إسنادها من لا نعرفه» (^٢).\nويزيد ذلك توضيحًا بيان إسناد هاتين الروايتين، وما في إسنادهما من ضعف:\nأما الرواية الأولى: فهي ما جاء في موطأ مالك من رواية الجوهري قال: أخبرنا أحمد بن محمد المدني، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس.\nوأخبرنا أحمد بن محمد المكي، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ-، قال: (ينزل الله ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) لفظ المكي (^٣).\nقال الجوهري: «قال: حبيب: قال مالك: يتنزل أمره في كل سحر، فأما ﵎ فهو دائم لا يزول وهو بكل مكان» (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٠٥)\n(^٢) شرح حديث النزول ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠٢).\n(^٣) مسند الموطأ برواية الجوهري (ص: ١٥١، ١٥٢).\n(^٤) مسند الموطأ برواية الجوهري (ص: ١٥٢).","vol":"1","page":557},{"text":"وقال الحافظ الذهبي في السير: «قال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب، حدثنا حبيب بن أبي حبيب، حدثني مالك، قال: «يتنزل ربنا ﵎: أمره، فأما هو فدائم لا يزول» (^١)، وفي الإسناد حبيب بن أبي حبيب الذي بين شيخ الإسلام أنه كذاب باتفاق أهل العلم، قال أبو داود: «كان من أكذب الناس» وقال: «أحاديثه كلها موضوعة» وقال ابن حبان: «يروي الموضوعات عن الثقات» (^٢). وقال ابن عدي: «وعامة حديث حبيب موضوع المتن مقلوب الإسناد، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بيّن في الكذابين» (^٣) ـ\nوأما الرواية الثانية: فقد ذكرها ابن عبد البر في التمهيد فقال: «وقد روى محمد بن علي الجبلي -وكان من ثقات المسلمين بالقيروان- قال: حدثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدثنا مطرف، عن مالك بن أنس، أنه سئل عن الحديث: (إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا) فقال مالك: يتنزل أمره» (^٤).\nوإسناد هذا الأثر باطل من وجوه ثلاثة:\nأولًا: الانقطاع بين ابن عبد البر والجبلي؛ فإن ابن عبد البر لم يذكر إسناده للجبلي.\nثانيًا: محمد بن علي الجبلي أبو الخطاب الشاعر، ترجم له الخطيب في تاريخه وقال: «وقيل كان رافضيًا شديد الترفض» (^٥)، وترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام فقال: «وكان أبو الخطاب مفرط القصر، وهو رافضي جلد» (^٦)، وجاء\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (٨/ ١٠٥).\n(^٢) انظر هذه الأقوال في ميزان الاعتدال (١/ ٤٥٢)، تهذيب التهذيب (٢/ ١٨١).\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال (٢/ ٤١٤).\n(^٤) التمهيد (٧/ ١٤٣).\n(^٥) تاريخ بغداد (٣/ ٣١).\n(^٦) تاريخ الإسلام (٧/ ٣٧٨).","vol":"1","page":558},{"text":"في ترجمته أنه كان شاعرًا، وله قصيدة في مدح أبي العلاء المعري (^١) مع ما هو معروف من انحرافه وزندقته (^٢).\nثالثًا: جامع بن سوادة، روى له الدارقطني في غرائب مالك حديثًا، وقال: «هذا الحديث باطل وجامع ضعيف» (^٣)، وأخرج له ابن الجوزي حديثًا في الموضوعات، ثم قال: «هذا موضوع، وجامع مجهول» (^٤)، وقال الذهبي في الميزان: «جامع بن سوادة عن آدم بن أبي إياس (^٥) بخبر باطل في الجمع بين الزوجين» ثم قال: «كأنه آفته» (^٦).\nومما يدل على ضعف هاتين الروايتين وعدم ثبوتهما عن إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس -﵀-، مخالفتهما للمشهور المعلوم الثابت عن الإمام من إثباته للصفات الاختيارية على حقيقتها دون تأويل باطل ولا تمثيل.\nومن ذلك ما رواه ابن أبي زمنين (^٧) في (أصول السنة) عن زهير بن\n_________\n(^١) هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان، التنوخيّ المعري: شاعر فيلسوف. ولد ومات في معرة النعمان. قال الذهبي: «الشاعر المشهور، صاحب التصانيف المشهورة والزندقة المأثورة … وكان عجبا في الذكاء المفرط والاطلاع الباهر على اللغة وشواهدها». وله شعر يدل على الزندقة، قال أبو طاهر السلفي: «إن قال هذا الشعر معتقدا معناه، فالنار مأواه، وليس له في الإسلام نصيب». انظر: وفيات الأعيان (١/ ١١٣) تاريخ الإسلام (٩/ ٧٢١).\n(^٢) انظر الميزان (٣/ ٦٥٧)، لسان الميزان (٧/ ٣٧٨).\n(^٣) لسان الميزان (٢/ ٤١٥).\n(^٤) الكشف الحثيث لابن سبط ابن العجمي (ص ٨٣).\n(^٥) هو أبو الحسن آدم بن أبى إياس الخراساني المروذي العسقلاني، مولى بنى تيم أو تميم، من صغار أتباع التابعين، ثقة، قال أبو حاتم: ثقة مأمون متعبد من خيار عباد الله، (ت: ٢٢١ هـ). انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٤٩٠)، التاريخ الكبير (٢/ ٣٩)، السير (١٠/ ٣٣٥).\n(^٦) ميزان الاعتدال (١/ ٣٨٧).\n(^٧) هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد، المري الأندلسي، الألبيري، شيخ قرطبة، كان راسخًا في العلم مفننًا في الآداب، مقتفيًا لآثار السلف، له مصنفات منها: تفسير القرآن، أصول السنة وغيرها، (ت: ٣٩٩ هـ). انظر: ترتيب المدارك (٢/ ٢٥٩)، الوافي بالوفيات (٣/ ٣٢١)، السير (١٧/ ١٨٨).","vol":"1","page":559},{"text":"عباد (^١) قال: «من أدركت من المشايخ مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق» (^٢).\nوكما في الأثر المشهور المستفيض عندما جاءه رجل وقال له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟، فتأثّر مالك -﵀- من هذه المسألة الشنيعة وعلاه الرحضاء، وقال في إجابته لهذا السائل: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) وأمر بالسائل أن يُخرج من مجلسه (^٣).\n\"وحسبك بهذا الأثر نكارةً أنه لم يُذكر في شيء من كتب السنة التي تنقل معتقد السلف وأقوالهم قط، ولا في شيء من كتب أصحاب الإمام مالك التي تنقل أقواله واختياراته كالمدونة وغيرها، ولم يُسطر في كتاب يحكي عقيدة الإمام مالك، كالرسالة لابن أبي زيد القيرواني (^٤) \" (^٥).\nثانيًا: بين شيخ الإسلام -﵀- أن هذه الرواية لو ثبتت بإسناد صحيح فإن الجواب عنها يكون كالجواب عن الرواية المنقولة عن الإمام أحمد في تأويل المجيء: بمجيء الأمر. وقد أجاب عنها شيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه (^٦)\n_________\n(^١) هو أبو محمد زهير بن عباد الرؤاسي ابن عم وكيع، سمع من: مالك بن أنس، وحفص بن ميسرة، وفضيل بن عياض. وسمع منه: محمد بن أحمد العريبي، والحسن بن الفرج الغزي، وجماعة منهم: أبو حاتم الرازي. وقال: ثقة، (٢٣٨ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (٥/ ٨٢٤)، لسان الميزان (٣/ ٥٢٨).\n(^٢) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص:١١٣).\n(^٣) سبق عزوه (ص:٤٥٣).\n(^٤) هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، إمام مالكي، من مؤلفاته: الرسالة، الجامع وغيرهما، توفي سنة: (٣٨٦ هـ). انظر: السير (١٧/ ١٠)، شذرات الذهب (٣/ ١٣١).\n(^٥) الأشاعرة في ميزان أهل السنة (ص: ٥٨٣).\n(^٦) انظر شرح حديث النزول (ص ٥٦ - ٧٥)، مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، (١٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، جامع المسائل (٨/ ١٩٥).","vol":"1","page":560},{"text":"بأجوبة ثلاثة حاصلها ما يلي:\n١) أن هذا غلط من الراوي على الإمام أحمد -﵀-.\n٢) أنه ﵀ قاله على سبيل إلزام الخصوم (^١).\n٣) أن هذه رواية أخرى عنه، مخالفة للروايات المشهورة عنه في عدم تأويل آيات الصفات وإمرارها على ظاهرها.\nوإذا تبين بطلان هذه الرواية وعدم صحة نسبتها إلى الإمام مالك، فإننا في غنى عن مثل هذه التبريرات، ولسنا بحاجة لمثل هذه التخريجات، وهذا هو الحال؛ فإنها لم تثبت بنقل صحيح ثابت، ولا بسند سليم معتبر، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>المسألة الثامنة [¬*]: رد دعواهم في أنه ليس لنصوص الأسماء والصفات معنى:</span>\n<span data-type='title' id=toc-303>تمهيد:</span>\nكان مما اعترض به بعض المخالفين على شيخ الإسلام في عقيدته الواسطية، ما نص عليه من أن الله فوق سماواته، وأنه فوق العرش، مستو عليه رقيب على خلقه مطلع عليهم، وكل هذه المعاني حق على حقيقته، فاعترضوا باعتراضات، مفادها عدم صحة وجواز التعبير بهذه الألفاظ، بل يجب الاقتصار على الألفاظ التي جاءت في النصوص، وعدم التعبير عنها بأي معنى مرادف، أو قريب، أو مشتق منها. ودراسة هذه الشبهة من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-304>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nوأصل شبهتهم في هذه المسألة اعتقادهم أن ألفاظ الصفات التي وردت بها النصوص ليس لها معنى فيعبر عنه، أو يؤتى بمرادفه، بل هي نصوص لا يفهم لها معنى ولا تظهر منها دلالة؛ فلذلك لا يجوز التعبير عنها بأي معنى مرادف أو قريب\n_________\n(^١) وهذا الوجه قد يستقيم فيما ورد عن الإمام أحمد -﵀-، ولا يستقيم هنا فيما روي عن مالك -﵀-.\n\n[¬*] (تعليق الشاملة): كذا في المطبوع، وقبلها الخامسة","vol":"1","page":561},{"text":"أو مشتق منها، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا دلالة ولا معنى، ولذلك قالوا في اعتراضهم: نقول كما جاء في الحديث (والله فوق العرش)، ولا نقول: (فوق السموات)، ولا نقول: (على العرش)، وقالوا أيضًا: نقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ولا نقول: (الله على العرش استوى)، ولا نقول (مستو) (^١).\nواعترضوا بناء على هذا الأصل على تعبير شيخ الإسلام بعد ذكره عقيدة أهل السنة في علو الله واستوائه على عرشه (حق على حقيقته)؛ لأن هذه العبارة تثبت معنى حقيقيًا لهذه النصوص، والذي ألجأهم لهذا كله هو اعتقادهم أن العلو والاستواء صفات لا يفهم منها في اللغة إلا استواء الأجسام وعلوها وفوقيتها، فإثبات حقيقتها هو محض التجسيم، ونفي مدلولات النصوص ومعانيها هو عندهم غاية التعظيم والتنزيه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-305>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- في مواضع كثيره من كتبه ومصنفاته، بطلان عقيدة التفويض التي مبناها على التجهيل ونفي دلالات النصوص ومعانيها، وجعل النصوص ألفاظًا مجردة، لا معنى لها ولا فائدة، من وجوه كثيرة يطول ذكرها ويصعب حصرها، ويكفي في بيان بطلان هذا القول، ما ذكره شيخ الإسلام من لوازم فاسدة تلزم القائلين بهذه المقالة ومنها ما يلي ومنها ما يلي:\n١) جعل كلام الله من العبث والباطل الذي لا معنى له ولا فائدة، قال شيخ الإسلام -﵀-: «فالكلام إنما المقصود به الإفهام، فإذا لم يقصد به ذلك كان عبثًا وباطلًا، والله تعالى قد نزّه نفسه عن فعل الباطل والعبث، فكيف يقول الباطل والعبث ويتكلم بكلام ينزله على خلقه لا يريد به إفهامهم» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٧٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٣/ ١٧٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٩٧).","vol":"1","page":562},{"text":"٢) تجهيل الأنبياء، وأنهم يتكلمون بما لا يعقلون معناه، ولا يعلمون المراد منه، قال شيخ الإسلام: «فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه» (^١).\n٣) القدح في القرآن، وأنه ليس فيه هدى للناس ولا بيان لهم، قال شيخ الإسلام -﵀: «ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقًا لكل شيء وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهى، ووعد وتوعّد، أو عمّا أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه فلا يعقل، ولا يتدبّر، ولا يكون الرسول بيّن للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين» (^٢).\n٤) فتح الباب أمام أهل البدع والضلال والإلحاد للتقول في دين الله بآرائهم وعقولهم وأهوائهم، وادعاء الهدى في طريقتهم، قال شيخ الإسلام: «وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدلّ به، فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا، لا في طريق الأنبياء؛ لأنّا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلًا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنّة والسلف\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٠٤).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٠٤).","vol":"1","page":563},{"text":"من شر أقوال أهل البدع والإلحاد» (^١).\n٥) تجهيل السلف والقدح في علمهم وفضلهم، وتفضيل الخلف المتأخرين على السابقين الأولين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها، من أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، فإنّ هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنّوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨]، وإن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالات التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف» (^٢).\nوقد جمع ابن القيم -﵀- إلزامات شيخه للقائلين بهذه المقالة في سبعة وجوه فقال ﵀:\n«قال شيخ الإسلام: إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين لا يوجد ما يقولونه في الكتاب والسنة وكلام القرون الثلاثة المعظمة على سائر القرون ولا في كلام أحد من أئمة الإسلام المقتدى بهم، بل ما في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة يوجد دالًا على خلاف الحق عندهم: إما نصًا، وإما ظاهرًا، بل دالا عندهم على الكفر والضلال لزم من ذلك لوازم باطلة منها:\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٢) الفتوى الحموية (١٨٥ - ١٨٩).","vol":"1","page":564},{"text":"الأول: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره، ويوقعهم في التشبيه والتمثيل.\nالثاني: ومنها أن يكون قد نَزَّلَ بيان الحق والصواب لهم، ولم يُفصح به، بل رمز إليه رمزًا وألغزه إلغازًا لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد.\nالثالث: ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك.\nالرابع: ومنها أن يكون دائمًا متكلمًا في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب، تارة بأنه استوى على عرشه، وتارة بأنه فوق عباده، وتارة بأنه العلي الأعلى، وتارة بأن الملائكة تعرج إليه، وتارة بأن الأعمال الصالحة ترفع إليه، وتارة بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفل تنزل من عنده، وتارة بأنه رفيع الدرجات، وتارة بأنه في السماء، وتارة بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وتارة بأنه فوق سماواته على عرشه، وتارة بأن الكتاب نزل من عنده، وتارة بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وتارة بأنه يرى بالأبصار عيانًا يراه المؤمنون فوق رؤوسهم، إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك، ولا يتكلم فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة، ولا يقول في مقام واحد فقط ما هو الصواب فيه، لا نصًا ولا ظاهرًا ولا يبينه.\nالخامس: ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان، وذلك إما جهل ينافي العلم، وإما كتمان ينافي البيان، ولقد أساء الظن بخيار الأمة من نسبهم إلى ذلك، ومعلوم أنه إذا ازدوج التكلم بالباطل والسكوت عن بيان الحق، تولد من بينهما جهل الحق وإضلال الخلق، ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل صاروا يأتون من العبارات بما يدل على التعطيل والنفي نصًا وظاهرًا، ولا يتكلمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصًا ولا ظاهرًا، وإذا ورد عليهم من","vol":"1","page":565},{"text":"النصوص ما هو صريح أو ظاهر في الإثبات حرفوه أنواع التحريفات وطلبوا له مستكره التأويلات.\nالسادس: ومنها أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنهم كانوا أميين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل ولم تكن الحقائق من شأنهم.\nالسابع: ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب؛ فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال، ولم يستفيدوا منها يقينًا ولا علمًا بما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك، وإنما يستفاد من عقول الرجال وآرائها.\nفإن قيل: استفدنا منها الثواب على تلاوتها، وانعقاد الصلاة بها، قيل هذا تابع للمقصود بها بالقصد الأول، وهو الهدى والإرشاد والدلالة على إثبات حقائقها ومعانيها والإيمان بها، فإن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة وانعقاد الصلاة عليه، بل أنزل ليتدبر ويعقل ويهدى به علمًا وعملًا، ويبصر من العمى، ويرشد من الغي، ويعلم من الجهل، ويشفي من الغي، ويهدي إلى صراط مستقيم، وهذا القصد ينافي قصد تحريفه وتأويله بالتأويلات الباطلة المستكرهة التي هي من جنس الألغاز والأحاجي، فلا يجتمع قصد الهدى والبيان وقصد ما يضاده أبدًا. وبالله التوفيق» (^١).\nوركز شيخ الإسلام في جوابه على الخصوم أثناء المناظرة على بيان صحة ما قرره من اعتقاد وما ذكره من ألفاظ الأسماء والصفات وقوله: (حق على حقيقته) دون أن يتطرق لبيان شبه الخصم والجواب عليها، والاستطراد في تقرير ذلك؛ لأن مراده إفحام الخصوم وبيان فساد ما أوردوه على العقيدة، وهذا شأنه في سائر مناقشاته في الواسطية؛ التي غايته فيها: تقرير صحة ما ذكره فيها وإبطال ما يورده الخصوم عليها.\nفبين هنا أن ما جاء من أسماء الله وصفاته، إما أن تكون من باب المشترك أو\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٣١٥).","vol":"1","page":566},{"text":"المتواطئ أو المشكك، وليس هناك مذهب رابع في ذلك، وعلى أي مذهب كان فلا محظور في إطلاق لفظ: الحقيقة، أو حق على حقيقته.\nوتفصيل ذلك: أن الاشتراك في الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق، كالوجود والسمع والبصر والاستواء والكلام، إما أن يكون:\n١) من باب المشترك اللفظي: وهو ما اتفق لفظا فقط، مع اختلافه في المعنى. وذلك كاتفاق العين الباصرة، والعين النابعة، بلفظ: العين، مع اختلافهما في المعنى والحقيقة؛ ومع ذلك فإطلاق لفظ العين حقيقة في كل منهما وليس مجازًا.\nوإذا كانت الأسماء والصفات من هذا القبيل، فيكون إطلاقها حق على حقيقته، لا إشكال في ذلك.\n٢) من باب المتواطئ: وهو ما اتفق لفظًا، واشترك في معنىً كلي، تساوت فيه أفراده. وذلك كاتفاق زيد وعمرو وخالد في مسمى \"الإنسان\"، واتفاق الأسد والفهد والفيل في مسمى الحيوان، فيطلق على زيد وعمرو وخالد أنه \"إنسان\"، فقد اشتركوا في هذا المعنى الكلي على حد التساوي، وأطلق على كل منهم على سبيل الحقيقة. وإذا كانت الأسماء والصفات من هذا القبيل، فهي أيضًا من باب الحقيقة.\n٣) من باب \"المشكِّك\": وهو ما اتفق لفظًا، واشترك في معنى كلي، تفاوتت فيه أفراده.\nوذلك كـ\"العلم\"، فإنه يشترك فيه زيد وعمرو وخالد، ولكنهم يتفاوتون في مقداره، ومع تفاوتهم في مقداره، فهو يطلق على كل منهم على سبيل الحقيقة.\nومن هذا الباب الاشتراك الحاصل في أسماء الله وصفاته (^١).\nوقد بين شيخ الإسلام -﵀- في مواضع أخرى من كتبه ورسائله أن الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق ليست مشتركة اشتراكًا لفظيًا، وإنما هي من\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٢٧ - ٢٣٤)، (٣/ ١٢٣ - ١٢٩)، (١١/ ٨٣)، والتدمرية (ص:١٣٠)، والتعريفات للجرجاني (ص: ٢١٥، ٢١٦، ٢١٩)، والمزهر (١/ ٣٧٠ - ٣٨٦).","vol":"1","page":567},{"text":"باب المشكك، وبين ﵀ أن بعض أهل الاصطلاح لا يجعل المشكك قسما ثالثًا، بل يجعله من قسم المتواطئ، ورجح شيخ الإسلام هذا القول، وعلى هذا يكون المتواطئ نوعان:\n١) ما استوت فيه أفراده.\n٢) ما تفاوتت وتفاضلت فيه أفراده (وهو المتواطئ الخاص الذي يسمى مشككًا).\nولذلك تجد شيخ الإسلام كثيرًا ما ينص على أنها متواطئة، ويعني بالتواطئ: التواطئ الخاص، وأما من جعل المشككة قسمًا ثالثًا، فإنه يجعلها من قبيل المشككة لا المتواطئة، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عُلم المقصود وفُهم المراد، قال شيخ الإسلام: «ثم من جعل المشككة نوعا من المتواطئة لم يمتنع -عنده- إذا قيل: مشككة، أن تكون متواطئة، ومن جعل ذلك نوعًا آخر جعلها مشككة لا متواطئة، وهذا نزاع لفظي، فإن المتواطئة التواطؤ العام، يدخل فيها المشككة؛ إذ المراد بالمشككة: ما يتفاضل معانيها في مواردها، كلفظ الأبيض الذي يقال على البياض الشديد، كبياض الثلج، والخفيف كبياض العاج، والشديد أولى به.\nومعلوم أن مسمى البياض في اللغة لا يختص بالشديد دون الخفيف، فكان اللفظ دالا على ما به الاشتراك، وهو المعنى العام الكلي، وهو متواطئ بهذا الاعتبار، وهو باعتبار التفاضل يسمى مشككا. وأما إذا أريد بالتواطؤ: ما تستوي معانيه، كانت المشككة نوعًا آخر، لكن تخصيص لفظ المتواطئة بهذا عرف حادث، وهو خطأ أيضًا؛ فإن عامة المعاني العامة تتفاضل، والتماثل فيها في جميع مواردها بحيث لا تتفاضل في شيء من مواردها إما قليل، وإما معدوم. فلو لم تكن هذه الأسماء متواطئة بل مشككة، كان عامة الأسماء الكلية غير متواطئة» (^١).\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦).","vol":"1","page":568},{"text":"وبين شيخ الإسلام لخصمه أن عدم الإقرار بأن ما جاء من صفات الله في القرآن حق على حقيقته، يعني جواز تكذيب ما جاء في القرآن والقول بضده؛ وذلك لأن ما كان مجازا وليس حقيقة فإنه يصح نفيه، بل علامة المجاز صحة نفيه، فلو قلت: فلان أسد، جاز أن تقول فلان ليس بأسد ولكنه إنسان، وهكذا في كل لفظ استخدم في غير الحقيقة، فيلزم على القول بأن نصوص الأسماء والصفات ليست على حقيقتها، جواز نفيها، فيقال: في قوله: (سميع بصير)، ليس بسميع ولا بصير، ويقال في ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لم يستو الرحمن على العرش، ونحو هذا، مما يعلم فساده وبطلانه بالضرورة من دين الإسلام \"فكل من أنكر أن يكون اللفظ حقيقة لزمه جواز إطلاق نفيه، فمن أنكر أن يكون استوى على العرش حقيقة؛ فإنه يقول: ليس الرحمن على العرش استوى. كما أن من قال: إن لفظ الأسد للرجل الشجاع والحمار للبليد ليس بحقيقة؛ فإنه يلزمه صحة نفيه، فيقول: هذا ليس بأسد ولا بحمار ولكنه آدمي. وهؤلاء يقولون لهم: لا يستوي الله على العرش. كقول إخوانهم: ليس هو بسميع ولا بصير ولا متكلم؛ لأن هذه الألفاظ عندهم مجاز. فيأتون إلى محض ما أخبرت به الرسل عن الله سبحانه، يقابلونه بالنفي والرد؛ كما يقابله المشركون بالتكذيب\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٩).","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type='title' id=toc-306>المبحث الثاني: مناظرته مع بعض المؤولة للأسماء والصفات في بطلان التأويل في صفة اليد وغيرها من المسائل:</span>\nواشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-307>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-308> تمهيد:</span>\nتعتبر الرسالة المدنية من أهم الرسائل التي اعتنت بتقرير منهج أهل السنة في التعامل مع نصوص الصفات، وفي بيان التأويل الصحيح من التأويل الفاسد، وقد امتازت عن غيرها من تقريرات شيخ الإسلام بأنها جمعت بين التقرير والتطبيق، فقد قرر فيها شروط جواز تأويل الصفات، ثم طبق تلك الشروط على صفة اليد، وامتازت أيضًا بصيغتها التي وردت فيها، وهي صيغة الحوار والمناقشة والمناظرة، وذلك أن شيخ الإسلام إنما حكى فيها ما جرى بينه وبين بعض المتكلمين ممن يرى أن منهج تأويل الصفات هو المنهج المستقيم في التعامل مع النصوص.\nوإلى الشروع في ذكر المناظرة التي عناها شيخ الإسلام -﵀-:","vol":"1","page":570},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-309> نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀- في نص الرسالة المدنية (^١):\n«السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جيرانه سكان المدينة طيبة من الأحياء والأموات، من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة الله وبركاته.\nإلى الشيخ الإمام العارف الناسك، المقتدي الزاهد العابد: شمس الدين (^٢)، كتب الله في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علمًا، وجعله من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وخاصته المصطفين، ورزقه اتباع نبيه باطنًا وظاهرًا، واللحاق به في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nمن أحمد بن تيمية: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد» (^٣)\nثم ذكر ﵀ مقدمة لطيفة في الوعظ (^٤)، ثم قال بعدها:\n_________\n(^١) ذكر هذه الرسالة ابن القيم في ثبت مؤلفات شيخ الإسلام (ص: ٣٠)، وكذا ابن عبد الهادي في العقود الدرية، وطبعت ضمن مجموع الفتاوى جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (٦/ ٣٥١ - ٣٧٣)، وطبعت ضمن تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة للفتوى الحموية، مطبعة المدني، القاهرة. وطبعت مستقلة بتحقيق: الوليد بن عبد الرحمن الفريان، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n(^٢) هو محمد بن أحمد بن أبي نصر أبو عبد الله شمس الدين الدباهي البغدادي، ولد في ست أو سبع وثلاثين وستمائة ببغداد، ودخل الروم والجزيرة ومصر والشام والحرمين وجاور فيهما، فلما لمعت له أنوار شيخ الإسلام -﵀- ارتحل إلى دمشق بأهله، وصحب شيخ الإسلام، واستوطن دمشق إلى أن توفي، قال الذهبي: «وكان ذا تأله، وصدق، وعلم» وقال: «وكَانَ حسن المجالسة، متبعًا للسنة، محذرا من البدعة» وقال البرازلي: «وهو حسن الجملة، عديم التكلف، وافر الإخلاص، متبع للسنة، حسن المشاركة فِي العلم، سيد من السادات»، (ت: ٧١١ هـ). انظر: العبر في خبر من غبر (٤/ ٢٩)، شذرات الذهب (٨/ ٥١)، أعيان العصر (٤/ ٢٣٩)، ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٦).\n(^٣) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥١).\n(^٤) انظر: الرسالة المدنية ضمن المجموع (٦/ ٣٥١ - ٣٥٢).","vol":"1","page":571},{"text":"«وأما ما ذكرت من طلب الأسباب الأربعة، التي لابد منها في صرف الكلام من حقيقته إلى مجازه. فأنا أذكر لك ملخص الكلام الذي جرى بيني وبين بعض الناس في ذلك (^١)، وهو ما حكيته لك وطلبته، وكان -إن شاء الله- له ولغيره به منفعة، على ما في الحكاية من زيادة ونقص وتغيير:\nقال لي بعض الناس: إذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت، وهي الطريقة التي تصلح عليها السلامة، قلنا كما قال الشافعي -﵁-: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله -ﷺ-» (^٢)، وإذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق، فإن الحق مذهب من\n_________\n(^١) الذي يظهر أن هذه المناظرة قد وقعت لشيخ الإسلام قبل مناظرة الواسطية بزمن؛ وذلك لأن هذه الرسالة التي بعثها شيخ الإسلام لشمس الدين الدباهي إنما كانت وشمس الدين في المدينة المنورة، ثم إنه بعدها بفترة قدم إلى دمشق وصحب شيخ الإسلام فيها فترة من الزمن، وبقي فيها إلى أن توفي سنة ٧١١ هـ، وكانت المناظرة الواسطية قد وقعت لشيخ الإسلام سنة ٧٠٥ هـ، ثم أُبعدَ بعدها إلى مصر واستمر هناك سبع سنين أي إلى سنة ٧١٢ هـ، وذلك بعد وفاة شمس الدين بعام، فتكون صحبة الدباهي له إنما كانت قبل ٧٠٥ هـ بلا شك، ويكون بعث شيخ الإسلام للرسالة المدنية لشمس الدين قبل ذلك بمدة، وذلك عندما كان الدباهي يقطن المدينة المنورة.\n(^٢) ذكره ابن قدامة في لمعة الاعتقاد (ص:٧)، وقال الحافظ ابن كثير -﵀- في كتابه (البداية والنهاية) (١٣٨/ ١٤): (وقد روي عن الربيع وغير واحد من رؤوس أصحابه (أي الشافعي) ما يدل على أنه كان يمر آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف؛ على طريق السلف). وقال الحافظ الذهبي -﵀- في كتابه \"العلو للعلي الغفار\" (ص:١٦٦): (وعن يونس بن عبد الأعلى؛ سمعت الشافعي يقول: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحدًا -قامت عليه الحجة- ردها). وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه (فتح الباري) (٤٠٧/ ١٣): (وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى، سمعت الشافعي يقول: لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].","vol":"1","page":572},{"text":"يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتكلمين.\nفقلت له: أما ما قاله الشافعي؛ فإنه حقٌ يجب على كل مسلم أن يعتقده، ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه، فإنه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة، وأما إذا بحث الإنسان وفحص، وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلًا، وتيقن أن الحق مع أهل الحديث ظاهرًا وباطنًا.\nفاستعظم ذلك وقال: أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا في هذا؟\nفتواعدنا يومًا، فكان فيما تفاوضنا: أن أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين ممن ينتحل مذهب الأشعري لأهل الحديث ثلاث مسائل:\n١. وصف الله بالعلو على العرش.\n٢. ومسألة القرآن.\n٣. ومسألة تأويل الصفات.\nفقلت له: نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات؛ فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها، وقلت له: مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة المفضلة ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت. ويؤمن بها وتصدق، وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل.\nوقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف منهم الخطابي (^١) مذهب السلف: أنها تجرى على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فنقول: إن له يدًا وسمعًا، ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ومعنى السمع: العلم.\n_________\n(^١) وقد مر معنا كلام الخطابي، انظر: حاشية المناظرة في العقيدة الواسطية (ص:٤٥٤).","vol":"1","page":573},{"text":"فقلت له: وبعض الناس يقول: مذهب السلف: أن الظاهر غير مراد، ويقول: أجمعنا على أن الظاهر غير مراد (^١)، وهذه العبارة خطأ، إما لفظًا ومعنى، أو لفظًا لا معنى؛ لأن الظاهر قد صار مشتركًا بين شيئين:\nأحدهما: أن يقال: إن اليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف، فلا شك أن من قال: إن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير مراد من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن؛ إذ لا يختلف أهل السنة أن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة.\nلكن هذا القائل أخطأ، حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات والأحاديث، وحيث حكى عن السلف ما لم يقولوه، فإن ظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره: بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام، وليست هذه المعاني المحدثة المستحيلة على الله تعالى هي السابقة إلى عقل المؤمنين، بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات، فكما كان علمنا وقدرتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات أعراضًا تدل على حدوثنا يمتنع أن يُوصف الله سبحانه بمثلها، فكذلك أيدينا ووجوهنا ونحوها أجسامًا كذلك محدثة، يمتنع أن يوصف الله تعالى بمثلها.\nثم لم يقل أحد من أهل السنة: إذا قلنا: إن لله علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، أن ظاهره غير مراد، ثم يفسره بصفاتنا، فكذلك لا يجوز أن يقال: إن ظاهر اليد والوجه غير مراد، إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عرض للجسم.\nومن قال: إن ظاهر شيء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ؛ لأنه ما من اسم يسمى الله تعالى به إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد به، فكان\n_________\n(^١) انظر: تحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص: ٥٧).","vol":"1","page":574},{"text":"قول هذا القائل يقتضي أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ظاهرها، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الفساد.\nوالمعنى الثاني: أن هذه الصفات إنما هي صفات الله ﷾ كما يليق بجلاله، نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته، فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص، وكذلك الوجه. ولا يقال: إنه مستغن عن هذه الصفات؛ لأن هذه الصفات واجبة لذاته، والإله المعبود سبحانه هو المستحق لجميع هذه الصفات.\nوليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقًا، وإنما الكلام مع من يثبت بعض الصفات.\nوكذلك فعله، نعلم أن الخلق هو إبداع الكائنات من العدم، وإن كنا لا نكيف ذلك الفعل ولا يشبه أفعالنا، إذ نحن لا نفعل إلا لحاجة إلى الفعل، والله غني حميد.\nوكذلك الذات، تعلم من حيث الجملة، وإن كانت لا تماثل الذوات المخلوقة ولا يعلم ما هو إلا هو، ولا يدرك لها كيفية، فهذا هو الذي يظهر من إطلاق هذه الصفات، وهو الذي يجب أن تحمل عليه.\nفالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه، فيعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في الجنة، ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات، ونحو ذلك.\nكما يعلم أن له ربًا وخالقًا ومعبودًا، ولا يعلم كنه شيء من ذلك، بل غاية علم الخلق هكذا، يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه، وعلمهم بنفوسهم من هذا الضرب.\nقلت له: أفيجوز أن يقال: إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير؟\nفقال: هذا لا يمكن.","vol":"1","page":575},{"text":"فقلت له: من قال: إن الظاهر غير مراد، بمعنى: أن صفات المخلوقين غير مرادة، قلنا له: أصبت في المعنى، لكن أخطأت في اللفظ، وأوهمت البدعة، وجعلت للجهمية طريقًا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه.\nومن قال: إن الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والأشعرية وغيرهم فقد أخطأ.\nثم أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون: إن له صفات سبعًا: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر. وينفون ما عداها، وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط، ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها (^١).\nوأما المعتزلة: فإنهم ينفون الصفات مطلقًا ويثبتون أحكامها، وهي ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير، وأما كونه مريدًا متكلمًا فعندهم أنها صفات حادثة، أو\n_________\n(^١) وقد لخص شيخ الإسلام مجمل خلافاتهم بقوله في مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٢): «وهؤلاء أهل الكلام القياسي من الصفاتية فارقوا أولئك المبتدعة المعطلة الصابئة في كثير من أمورهم، وأثبتوا الصفات التي قد يستدل بالقياس العقلي عليها كالصفات السبع وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام.\nولهم نزاع في السمع والبصر والكلام هل هو من الصفات العقلية، أو الصفات النبوية الخبرية السمعية،\nولهم اختلاف في البقاء والقدم وفي الإدراك الذي هو إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات.\nولهم أيضًا اختلاف في الصفات السمعية القرآنية الخبرية كالوجه واليد فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبتها، وكثير من متأخريهم لا يثبتها، وأما ما لا يرد إلا في الحديث فأكثرهم لا يثبتها.\nثم منهم من يصرف النصوص عن دلالتها لأجل ما عارضها من القياس العقلي عنده، ومنهم من يفوض معناها». وانظر تفصيل ذلك: شرح الأصبهانية (ص: ٢٩ - ٣٣).","vol":"1","page":576},{"text":"إضافية أو عدمية. وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم، ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس، حيث زعموا أن الصفات كلَّها ترجع إلى سلب أو إضافة، أو مركب من سلب وإضافة، فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل (^١).\nومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرًا نافذًا، وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء، علم قطعًا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته، وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله؛ ولهذا كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه (^٢). ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشعرية مخانيث المعتزلة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠).\n(^٢) كثيرًا ما ينص شيخ الإسلام على أن البدع بريد الكفر، وأحيانًا يقول: مشتقة من الكفر. وينسبها إلى بعض السلف، ومعناها صحيح بلا شك، ولكني لم أقف خلال البحث على قائلها، وإنما وقفت على قول أبي حفص النيسابوري (ت: بعد ٢٦١ هـ) الذي رواه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص:١٠٤) والبيهقي في الشعب (٩/ ٣٨٤): «المعاصي بريد الكفر، كما أن الحمى بريد الموت».\n(^٣) ذكر شيخ الإسلام نحو هذه العبارة في غير موضع من كتبه، انظر: مجموع الفتاوي (٨/ ٢٢٧ - ١٤/ ٣٤٨)، الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٣٠) النبوات (١/ ٣٠٧) وغيرها من المواضع، وقد شنع بها بعض المخالفين على شيخ الإسلام، وسبب ذلك أمران اثنان: الأول: ظنهم أن شيخ الإسلام هو أول من استخدم مثل هذه العبارة. الأمر الثاني: الجهل من بعضهم بمعنى كلمة (مخنث) في لغة العرب.\nفأما الأمر الأول: فإن شيخ الإسلام ليس هو أول من استخدم مثل هذا التعبير عن الفرق المخالفة، فقد استخدم هذا التعبير عبد القاهر البغدادي (ت: ٤٢٩ هـ) في الفرق بين الفرق (ص:٩) قال: «ولهذا قيل للمعتزلة: إنهم مخانيث الخوارج»، وذكر العبارة نفسها أبو المظفر الإسفراييني (ت: ٤٧١ هـ) في التبصير في الدين (ص:٦٨)، ونقل شيخ الإسلام عن أبي إسماعيل الهروي (ت: ٤٨١ هـ) قوله: «الأشعرية الإناث هم مخانيث المعتزلة». كما أن الشهرستاني (ت: ٥٤٨ هـ) في نهاية الإقدام (ص: ١٥٩) قال عن المعتزلة: «الخناثى من المعتزلة لا رجال ولا نساء»، ووردت عبارة (المعتزلة مخنثة الفلاسفة)، في نفخ الطيب (٥/ ٣٠٧).\nوأما الأمر الثاني: فإن معنى المخنث والخنثى عند العرب كما بين الفراهيدي وغيره: هو ما اجتمع فيه شيء من الذكورة وشيء من الأنوثة فليس معدودًا من الذكور ولا من الإناث، ومنه مسألة الخنثى عند الفقهاء، وهو الذي له آلة الرجال وآلة النساء جميعًا. وانظر في ذلك: العين (٤/ ٢٤٨)، غريب الحديث للقاسم بن سلام (٢/ ٢٨٣)، الزاهر (٢/ ١٥٢)، الصحاح (١/ ٢٨١). وعليه فمعنى كلام شيخ الإسلام: (الأشاعرة مخانيث المعتزلة) أن الأشاعرة ليسوا فحولًا في الاعتزال، بل خلطوا بين مذهب المعتزلة وغيره، وأما ما فهمه الجهلة بالعلم واللغة من المعنى الشائن القبيح؛ فإنه معنى لم تعرفه العرب من كلامها إلا في العصور المتأخرة، وربما بعد عصر شيخ الإسلام، حتى أن الفيروز آبادي لم يُشر إليه في القاموس، وهو من طبقة تلاميذ تلاميذ شيخ الإسلام. وقال ابن الطيب الفاسي -﵀- كما في تاج العروس (٥/ ٢٤١): «التَّخْنِيثُ الذي هو فِعْل الفاحشة لا تعرفه العرب، وليس في شْيءٍ من كلامهم، ولا هو المقصود من الحديث» والله أعلم.","vol":"1","page":577},{"text":"وكان يحيى بن عمار (^١) يقول: (المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث) (^٢)، ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب (الإبانة) الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنًا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر، والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير.\nقلت له: إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها المؤمنون الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة، لابد فيه من أربعة أشياء:\nأحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة\n_________\n(^١) هو يحيى بن عمار بن العنبس، الإمام المحدث الواعظ، شيخ سجستان، أبو زكريا الشيباني السجستاني، نزيل هراة، قال الذهبي: «كان شيخ تلك الديار دينًا وعلمًا وصيانة وتسننًا … وكان متصلبًا على المبتدعة والجهمية، وله قبول زائد عند الكافة لفصاحته وحسن موعظته»، (ت: ٤٢٢ هـ). انظر: السير (١٧/ ٤٨١)، تاريخ الإسلام (٩/ ٣٨٤).\n(^٢) لم أقف على هذا الأثر، إلا من نقل شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.","vol":"1","page":578},{"text":"وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي مما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنحَ له، وإن لم يكن له أصل في اللغة.\nالثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة، فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.\nالثالث: أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصًا قاطعًا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلا بد من الترجيح.\nالرابع: أن الرسول -ﷺ- إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته، فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم، دون عمل الجوارح، فإنه ﷾ جعل القرآن نورًا وهدى، وبيانًا للناس، وشفاءً لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.\nثم هذا الرسول الأمي العربي بُعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علمًا، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلًا يمنع من حمله على ظاهره، إما أن يكون عقليًا ظاهرًا، مثل قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد: أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٠٢] يعلم المستمع:","vol":"1","page":579},{"text":"أن الخالق لا يدخل في هذا العموم، أو سمعيًا ظاهرًا، مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر.\nولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي، لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعيًا أو عقليًا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب ألا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره؛ لأن هناك دليلًا خفيًا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان.\nفكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره، أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟! أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة؟!\nفسلم لي ذلك الرجل هذه المقامات.\nقلت له: ونحن نتكلم على صفة من الصفات، ونجعل الكلام فيها أنموذجًا يحتذى عليه، ونعبر بصفة اليد، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك:١]، وقال: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] وقد تواتر في السنة مجيء اليد في حديث النبي -ﷺ-.\nفالمفهوم من هذا الكلام: أن لله تعالى يدين مختصتان به، ذاتيتان له، كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوى السموات بيده اليمنى، وأن ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]،","vol":"1","page":580},{"text":"ومعنى بسطهما: بذل الجود وسعة العطاء؛ لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها، وتركه يكون ضمًا لليد إلى العنق، صار من الحقائق العرفية إذا قيل: هو مبسوط اليد فهم منه يد حقيقة، وكان ظاهره الجود والبخل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩]، ويقولون: فلان جَعْد البنان وسَبْط البنان (^١).\nقلت له: فالقائل إن زَعَمَ أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين، وأن يده ليست جارحة، فهذا حق، وإن زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع، فهو مبطل، فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة.\nأما الأول: فيقول: إن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية، تسمية للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، ومنه قولهم: لفلان عندي أياد، وقول [عبد المطلب] (^٢) لما فقد النبي -ﷺ-:\nيا رب رد راكبي محمدًا … رده علي واصطنع عندي يدا (^٣)\nوقول عروة بن مسعود (^٤) لأبي بكر يوم الحديبية: (لولا يد لك عندي لم أجزك\n_________\n(^١) فلان جعد البنان: كناية عن البخل. وسبط البنان: كنابة عن الكرم. انظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ٣١)، الفائق في غريب الحديث للزمخشري (١/ ٤٤٤)، معجم اللغة العربية (١/ ٢٥٠).\n(^٢) في الأصل (أبي طالب) وهو خطأ والمثبت هو الصواب.\n(^٣) رواه أبو زرعة في تاريخه (ص:١٤٣ - ١٤٤)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٩١)، والبغوي في معجم الصحابة (٢/ ٥٨٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٥١)، والثعلبي في تفسير القرآن (١٠/ ٢٢٦)، بسندهم إلى كندير بن سعيد، عن أبيه قال: (رأيت رجلًا يطوف بالبيت في الجاهلية، وهو يقول:\nيا رب رد راكبي محمدا … رده إلي واصطنع عندي يدا\nقال: فقلت: من هذا؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم، بعث بابن ابن له في طلب إبل له، ولم يبعث به في حاجة إلا جاء بها -أو قال: نجح- فلم يلبث أن جاء فضمه إليه، وقال: لا أبعث بك في حاجة -أو قال: في شيء-.\n(^٤) هو عروة بن مسعود بن معتب الثقفي -﵁- صحابي مشهور، كان كبيرًا في قومه بالطائف قيل: إنه المراد بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخرُف:٣١]، ولما أسلم استأذن النبي -ﷺ- أن يرجع إلى قومه يدعوهم للإسلام، فقال: أخاف أن يقتلوك، قال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني! فأذن له، فرجع، فدعاهم إلى الإسلام، فخالفوه، ورماه أحدهم بسهم فقتله، (ت:٩ هـ). انظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ ٢١٨٨ - ٢١٨٩)، الاستيعاب (٣/ ١٠٦٦)، أسد الغابة (٤/ ٣٠)، الإصابة (٤/ ٤٠٦ - ٤٠٧).","vol":"1","page":581},{"text":"بها لأجبتك) (^١).\nوقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشيء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي تحرك اليد، يقولون: فلان له يد في كذا وكذا، ومنه قول زياد (^٢) لمعاوية: «إني قد أمسكت العراق بإحدى يدي، ويدي الأخرى فارغة» (^٣)، يريد نصف قدرتي ضبط أمر العراق. ومنه قوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]، والنكاح كلام يقال، وإنما معناه أنه مقتدر عليه.\nوقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢] أي: بما قدمتم، فإن بعض ما قدموه كلام تكلموا به. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥١] والعرب تقول: (يَدَاك أوْكَتَا، وفُوكَ نَفَخ) (^٤)؛\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد (٢٧٣١)، وأحمد في مسنده (١٨٩١٠)، وابن هشام في مختصر السيرة (٢/ ٣١٣).\n(^٢) هو زياد بن أبيه: أمير، من الدهاة، القادة الفاتحين، الولاة من أهل الطائف، اختلفوا في اسم أبيه، فقيل عُبَيد الثقفي وقيل أبو سفيان، ولي لعلي بلاد فارس ثم ولي لمعاوية بلاد العراق، وذكروا في مناقبه وسياسته ودهائه الشيء الكثير. (ت:٣٥ هـ) انظر: السير (٦٩٤ - ٤٩٧)، الوافي بالوفيات (١٥/ ٦ - ٨).\n(^٣) رواه الطبري في تاريخه (٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٤٧٧).\n(^٤) ذكره المفضل الضبي في أمثال العرب (ص: ١١٧)، وابن سلام في الأمثال (ص:٣٣١)، وأبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال (٢/ ٢٤٣)، والهاشمي في الأمثال (١/ ٢٨٩) وقصته كما ذكرها من تقدم: أن قومًا كانوا في جزيرة من جزائر البحر في الدهر الأول، ودونها خليج من البحر، فأتاها قوم يريدون أن يعبروها فلم يجدوا معبرًا، فجعلوا ينفخون أسقيتهم ثم يعبرون عليها، فعمد رجل منهم فأقلّ النفخ وأضعف الربط، فلما توسط الماء جعلت الريح تخرج حتى لم يبق في السقاء شيء، وغشيه الموت فنادى رجلا من أصحابه أن يا فلان إني قد هلكت. فقال: ما ذنبي (يداك أوكتا وفوك نفخ).","vol":"1","page":582},{"text":"توبيخًا لكل من جر على نفسه جريرة؛ لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه.\nقلت له: ونحن لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن في هذا كله، والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وألحدوا في أسمائه وصفاته وآياته تأولوا قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] على هذا كله، فقالوا: إن المراد نعمته، أي: نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقالوا: بقدرته، وقالوا: اللفظ كناية عن نفس الجود من غير أن يكون هناك يد حقيقة، بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: خلقته أنا، وإن لم يكن هناك يد حقيقية. قلت له: فهذه تأويلاتهم؟ قال: نعم. قلت له: فننظر فيما قدمنا:\nالمقام الأول: أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] ولفظ الجمع في الواحد كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران:١٧٣] ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها، ولا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس، والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد.\nفقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة","vol":"1","page":583},{"text":"واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد.\nولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.\nولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا؛ لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:١٠] و﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢]، ومنه قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١].\nأما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]؛ فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت، كاف في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم -إن شاء الله تعالى- أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.\nوبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة.\nقال لي: فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق:٢٤]، وإنما هو خطاب للواحد.\nقلت له: هذا ممنوع، بل قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ [ق:٢٤] قد قيل: تثنية الفاعل لتثنية الفعل، والمعنى: ألق ألق. وقد قيل: إنه خطاب للسائق والشهيد. ومن قال: إنه خطاب للواحد، قال: إن الإنسان يكون معه اثنان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول: خليليَّ! خليليَّ! ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين، كأنه يخاطب موجودين، فقوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ [ق:٢٤] عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما، فلا حجة فيه البتة (^١).\n_________\n(^١) انظر: معاني القرآن للفراء (٣/ ٧٨ - ٧٩)، معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٥/ ٤٥)، تفسير القرطبي (١٧/ ١٦) وتفسير ابن كثير (٧/ ٣٧٦)، الفوائد لابن القيم (ص: ١٠).","vol":"1","page":584},{"text":"قلت له: المقام الثاني: أن يقال: هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد، وأن يعني بها القدرة أو النعمة، أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل، لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة؟\nفإن قلت: لأن اليد هي الجارحة وذلك ممتنع على الله سبحانه.\nقلت لك: هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدًا من جنس أيدي المخلوقين، وهذا لا ريب فيه، لكن لم لا يجوز أن يكون له يد تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات؟\nقال: ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا.\nقلت: فإذا كان هذا ممكنًا وهو حقيقة اللفظ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه؟ وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به، وصحت الدلالة سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف عنه، وإنما حقيقة اللفظ وظاهره يد يستحقها الخالق كالعلم والقدرة، بل كالذات والوجود.\nالمقام الثالث: قلت له: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله -ﷺ- أو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد، أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه باليد دلالة ظاهرة، بل أو دلالة خفية؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه. أما انتفاء يد تليق بجلاله، فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه.\nوكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا يد له البتة؟ لا يدًا تليق بجلاله، ولا يدًا تناسب المحدثات، وهل فيه ما يدل على ذلك أصلا، ولو بوجه خفي؟ فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد البتة، وإن","vol":"1","page":585},{"text":"فرض ما ينافيها فإنما هو من الوجوه الخفية عند من يدعيه وإلا ففي الحقيقة إنما هو شبهة فاسدة.\nفهل يجوز أن يُملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله تعالى خلق بيده، وأن يديه مبسوطتان، وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله -ﷺ- وأولي الأمر لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ جَهْم ابنُ صفوان بعد انقراض عصر الصحابة، فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق (^١).\nوكيف يجوز أن يعلمنا نبينا -ﷺ- كل شيء حتى الخراءة، ويقول: (ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به) (^٢)، (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (^٣)، ثم يترك الكتاب المنزل عليه، وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه؟!\nوكيف يجوز للسلف أن يقولوا: (أمروها كما جاءت) (^٤)، مع أن معناها\n_________\n(^١) قال الخليل بن أحمد: «ويقال للرجل إذا كان مَطعُونًا عليه في دِينهِ: إنه لمغُمُوصٌ عليه أي مَطعُونٌ في دينه» العين (٤/ ٣٧٥)، وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٨٦).\n(^٢) رواه الحاكم في مستدركه (٢/ ٥) (٢١٣٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٣/ ١٩) (٩٨٩١)، وابن مردويه في أماليه (ص:١٧١) (٢٤)، وهناد بن السري في الزهد (١/ ٢٨١) (٤٩٤)، من حديث ابن مسعود -﵁- بلفظ: (إنه ليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا وقد نهيتكم عنه، وإنه ليس من شيء يدنيكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به …) الحديث، وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٨٨٦).\n(^٣) رواه أحمد (٢٨/ ٣٦٧)، (١٧١٤٢)، وابن ماجه (١/ ١٦) (٤٣)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٤٠٣) (٨٨)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٢٤٧) (٦١٩)، من حديث العرباض بن سارية -﵁- وصححه الألباني في الصحيحة (٩٣٧).\n(^٤) قال الوليد بن مسلم: «سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن الأحاديث التي فيها الصفات، فكلهم قال: أمروها كما جاءت بلا تفسير» رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه (٢/ ٣٤٥) (٣٢٨٣)، والآجري في الشريعة (٣/ ١١٤٦) (٧٢٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٧٧) (٩٥٥) وأخرج أيضًا عن بقية قال: حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، ومكحول، قالا: «امضوا الأحاديث على ما جاءت» الأسماء والصفات (٢/ ٣٧٧).","vol":"1","page":586},{"text":"المجازي هو المراد وهو شيء لا يفهمه العرب، حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار!\nالمقام الرابع: قلت له: أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة، ما يبين لك أن لله يدين حقيقة.\nفمن ذلك تفضيله لآدم يستوجب سجود الملائكة، وامتناعهم عن التكبر عليه، فلو كان المراد أنه خلقه بقدرته أو بنعمته، أو مجرد إضافة خلقه إليه؛ لشاركه في ذلك إبليس وجميع المخلوقات.\nقال لي: فقد يضاف الشيء إلى الله على سبيل التشريف، كقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس:١٣] وبيت الله.\nقلت له: لا تكون الإضافة تشريفًا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن غيره، فلو لم يكن في الناقة والبيت من الآيات البينات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة، والأمر هنا كذلك، فإضافة خلق آدم إليه أنه خلقه بيديه، يوجب أن يكون خلقه بيديه أنه قد فعله بيديه، وخلق هؤلاء بقوله: كن فيكون، كما جاءت به الآثار.\nومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك، فهما شيئان:\nأحدهما: إثبات اليد.\nوالثاني: إضافة الملك والعمل إليها، والثاني يقع فيه التجوز كثيرًا.\nأما الأول: فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون: يد الهواء ولا يد الماء، فهب أن قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك:١] قد علم منه أن المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة.","vol":"1","page":587},{"text":"والفرق بين قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] من وجهين:\nأحدهما: أنه هنا أضاف الفعل إليه، وبين أنه خلقه بيديه، وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي.\nالثاني: أن من لغة العرب أنهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] أي: يديهما، وقوله: ﴿﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] أي: قلباكما، فكذلك قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١].\nوأما السنة فكثيرة جدًا، مثل قوله -ﷺ-: (المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا) رواه مسلم (^١)، وقوله -ﷺ-: (يمين الله ملأى لا يَغِيضُهَا نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يَغِض ما في يمينه، والقِسْط بيده الأخرى، يرفع ويخفض إلى يوم القيامة) رواه مسلم في صحيحه (^٢)؛ والبخاري (^٣) فيما أظن.\nوفي الصحيح أيضًا عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: (تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم بيده خُبْزَتَه في السفر) (^٤).\nوفي الصحيح أيضًا عن ابن عمر، يحكي رسول الله -ﷺ- قال: (يأخذ\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل (١٨٢٧)، من حديث عبد الله بن عمرو -﵁-.\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: الحث على النفقة (٩٩٣)، من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، (٧٤١١)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عه-.\n(^٤) رواه البخاري كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة (٦٥٢٠)","vol":"1","page":588},{"text":"الرب ﷿ سمواته وأرضه بيديه، وجعل يقبض يديه ويبسطهما ويقول: أنا الرحمن)، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله؟ وفي رواية: أنه قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، قال: (يقول: أنا الله، أنا الجبار) وذكره (^١). وفي الصحيح أيضًا عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟) (^٢) وما يوافق هذا من حديث الحبر (^٣).\nوفي حديث صحيح: (إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت. قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته) (^٤)، وفي الصحيح: (إن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق: إن رحمتي تغلب غضبي) (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ومسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٨)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ١٧٢) واللفظ المثبت في النص هو لفظ ابن خزيمة.\n(^٢) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، وباب قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، ومسلم، كتاب تفسير القرآن (٢٧٨٧).\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن باب قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، (٤٨١١)، ومسلم، كتاب صفة القيامة (٢٧٨٦).\n(^٤) رواه الترمذي في سننه (٥/ ٣١٢) (٣٣٦٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٩١) (٢٠٦)، والبزار في مسنده (١٥/ ١٥٠) (٨٤٧٨)، وأبو يعلى في مسنده (١١/ ٤٥٣) (٦٥٨٠)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ١٦٠)، كلهم من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة -﵁- وصححه الألباني كما في صحيح الجامع (٥٢٠٩).\n(^٥) رواه البخاري كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:٢٧] (٣١٩٤)، ومسلم كتاب التوبة (٢٧٥١)، ولفظ (بيده) ثابتة عند أحمد (٩١٥٩) والترمذي (٣٥٤٣)، وابن ماجه (١٨٩)، وغيرهم وليست في الصحيح. انظر: الصحيحة (١٦٢٩).","vol":"1","page":589},{"text":"وفي الصحيح: أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: (يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده) وقد قال له موسى: (أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه) (^١). وفي حديث آخر: أنه قال سبحانه: (وعزتي وجلالي، لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان) (^٢) وفي حديث آخر في السنن: (لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون) (^٣).\nفذكرت له هذه الأحاديث وغيرها، ثم قلت له: هل تقبل هذه الأحاديث تأويلًا، أم هي نصوص قاطعة؟ وهذه أحاديث تلقتها الأمة بالقبول والتصديق ونقلتها من بحر غزير. فأظهر الرجل التوبة وتبين له الحق.\nفهذا الذي أشرت إليه أحسن الله إليك أن أكتبه.\nوهذا باب واسع، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] و﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧] والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى المحمدين، وأبي زكريا، وأبي البقاء عبد المجيد (^٤)، وأهل البيت ومن تعرفونه من أهل المدينة وسائر أهل البلدة الطيبة».\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى عند الله (٦٦١٤) ومسلم في صحيحه، باب حجاج آدم وموسى (١٩٣).\n(^٢) رواه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٩٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٨٨) وفي الشعب (١٤٧) وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٩٨٠).\n(^٣) رواه أبو داود في سننه (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في السنن الكبرى (١١٢) وغيرهم، وصححه الألباني في تعليقه على الطحاوية (ص:٤٧) (٤٢)، وذلك بعد تضعيفه له قبل ذلك. انظر: تراجعات الألباني (١٦٦، ١٧٠).\n(^٤) لم أقف على تراجمهم.","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type='title' id=toc-310>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-311>المسألة الأولى: مقالة المتكلمين: (الظاهر من نصوص الصفات غير مراد):</span>\nكثيرًا ما يقف القارئ في كتب المتكلمين ومصنفاتهم على قولهم عند التعرض لنصوص الصفات: (وظاهرها غير مراد) أو (الظاهر غير مراد)؛ وذلك لأن ظاهرها يقتضي عندهم التشبيه.\nوالعجب ليس في ذلك، وإنما العجب من إضافتهم هذا الاعتقاد وهذه المقالة إلى السلف الصالح -رضوان الله عليهم-، وادعاء الإجماع على ذلك!\nوفي هذه المناظرة ناقش شيخ الإسلام هذه المقالة وبين ما لها وما عليها، وفصَّل القول فيها، وستكون دراسة هذه المسألة من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-312>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nيظهر بوضوح لكل من عرف مذهب القوم أن الأصل الحامل لهم على إطلاق مثل هذه المقالة، واعتقاد أن ظاهر نصوص الصفات غير مراد، هو ظنهم أن ظاهر هذه النصوص هو التشبيه، وإذا كان هذا هو ظاهرها، فلا بد من الجزم حينئذ بأن هذا الظاهر غير مراد فبنوا شبهتهم على أمرين:\nالأول: ظنهم أن الظاهر من النصوص التشبيه.\nالثاني: إذا كان ظاهرها التشبيه فنجزم أن الظاهر غير مراد.\nوذلك -بزعمهم- تنزيهًا لله عن مشابهة المخلوقات، وتبريرًا لطرقهم المبتدعة في التعامل مع النصوص من تأويل وتفويض وتعطيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-313>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- في غير ما موضع من كتبه ورسائله فساد هذه العبارة، وعدم صحة التعبير بها على كل حال؛ فإنها لا تخلو من حالين: إما أن تكون باطلة","vol":"1","page":591},{"text":"اللفظ، أو باطلة اللفظ والمعنى، كما فصل ذلك شيخ الإسلام أثناء مناظرته، والذي يهمنا هنا بيان فساد الشبهة التي حملتهم على إطلاق هذه المقالة، وهي اعتقاد أن ظواهر النصوص تفيد التشبيه، ويمكن إجمال أهم الأوجه التي تدل على بطلانها بما يأتي:\nأولًا: أن ظاهر الكلام: هو ما يتبادر إلى العقل السليم من المعاني، لمن يفهم بتلك اللغة. ولا يمكن بحال أن يتبادر إلى ذهن المؤمن سليم العقل والفطرة، أن ظاهر ما وصف الله به نفسه كصفات المخلوقين المحدثة، فكيف يقال بعد ذلك إن هذا هو ظاهر النصوص (^١).\nثانيًا: أن القول بأن ظواهر النصوص يقتضي التشبيه، يلزم منه أن ظواهر نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، ظواهر كفرية، إذ هي تقتضي تمثيل الله بعباده، وتشبيهه بخلقه، وهذا من أشنع الأقوال وأقبحها في حق كلام الله رب العالمين، وحديث سيد المرسلين -ﷺ- (^٢).\nثالثًا: أن القول في الصفات كالقول في بعضها البعض، فكما يقر المخالف بأن الله يوصف بالعلم والحياة والقدرة، ولا يقول: إن ظاهرها غير مراد، وإن ظاهرها التشبيه والتجسيم، فكذلك جميع صفات الباري -جل وعلا- يقال فيها الكلام ذاته، أما أن نجعل ظاهر بعض الصفات غير مراد، وظاهر بعضها مراد، فهذا تناقض لا دليل عليه (^٣).\nرابعًا: أن هذه المقالة لم يقل بها أحد من سلف هذه الأمة وأئمتها، ولم يكونوا يسمون هذا المعنى ظاهرا (^٤).\nخامسًا: أن في مثل هذا التقرير فتح الباب أمام الجهمية والباطنية والفلاسفة وأضرابهم\n_________\n(^١) انظر: الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٦).\n(^٢) انظر: التدمرية (ص:٦٩).\n(^٣) انظر: الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٦).\n(^٤) انظر: التدمرية (ص:٦٩).","vol":"1","page":592},{"text":"من الملاحدة، ليحرف كل منهم كلام الله ويفسره بالمعاني الباطلة، والتأويلات الفاسدة التي يريدها، بدعوى أن ظاهرها غير مراد (^١).\nسادسًا: أن ادعاء كون هذا النص غير مراد تحكم لا دليل عليه وجناية على المتكلم؛ إذ مراد المتكلم يُعرف من لفظه، ودعوى أن ظاهر كلامه غير مراد، قدح فيه فإن الأصل في المتكلم أن يبين مراده، إلا لعجز أو ضعف في البيان والفصاحة، أو لإرادة التلبيس على المخاطبين (^٢).\nسابعًا: أن معظم نصوص القرآن ليست من قبيل \"الظاهر\"، وإنما من قبيل \" النص\"؛ وذلك أن الكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n«أحدها: ما هو (نص) في مراده لا يحتمل غيره.\nالثاني: ما هو (ظاهر) في مراده وإن احتمل أن يريد غيره.\nالثالث: ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد، بل هو (مجمل) يحتاج إلى بيان.\nفالأول يستحيل دخول التأويل فيه، وتحميله التأويل كذب ظاهر على المتكلم، وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها كنصوص آيات الصفات والتوحيد، وأن الله سبحانه مكلم متكلم، آمر ناه، قائل مخبر موحي، حاكم واعد موعد، منبئ هاد داع إلى دار السلام، فوق عباده عليٌ على كل شيء، مستو على عرشه، ينزل الأمر من عنده ويعرج إليه، وأنه فعال حقيقة، وأنه كل يوم في شأن فعال لما يريد، وأنه ليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع ولا ظهير، وأنه المنفرد بالربوبية والإلهية والتدبير والقيومية، وأنه يعلم السر وأخفى وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، وأنه يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر، ويرى ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه منها ذرة واحدة، وأنه على كل شيء قدير فلا يخرج مقدور واحد عن قدرته البتة كما لا يخرج عن علمه وتكوينه، وأن له\n_________\n(^١) انظر: الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٨).\n(^٢) انظر: الحموية (٢٨٠ - ٢٨٢).","vol":"1","page":593},{"text":"ملائكة مدبرات بأمره للعالم تصعد وتنزل وتتحرك وتنتقل من مكان إلى مكان، وأنه يذهب بالدنيا ويخرب هذا العالم ويأتي بالآخرة ويبعث من في القبور ﷻ، إلى أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها: كدلالة لفظ العشرة والثلاثة على مدلوله، وكدلالة لفظ الشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والخيل والبغال، والإبل والبقر والغنم، والذكر والأنثى على مدلولها لا فرق بين ذلك البتة» (^١).\nثامنًا: اللوازم الفاسدة التي تلزم من هذه المقالة وتدل على بطلانها، وقد سبق معنا في الرد على شبهة التفويض ذكر جملة من اللوازم الباطلة التي تلزم من تلك المقالة وتدل على شناعتها وفسادها وبطلانها، وفي الحقيقة أن كل لازم يلزم من تلك المقالة فهو لازم أيضًا لهذه المقالة، فنكتفي بما تم إيراده هناك، فمن أراد مزيد بيان وتوضيح فليراجع ذلك الموضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-314>المسألة الثانية: شروط التأويل الجائز:</span>\nتبين لنا مما سبق في المناظرة الواسطية، ما أدخله المتكلمون في لفظ التأويل من معان فاسدة، توصلوا من خلالها لتحريف معاني النصوص، وصرفها عن مدلولاتها.\nوقدمنا هناك شيئًا من الدراسة لأصل شبهة التأويل والجواب عليها وبيان فسادها، والأوجه التي نقض بها شيخ الإسلام تأويلهم الفاسد من جهة وضعه، ومن جهة آثاره ونتائجه الوخيمة، وما يترتب عليه من لوازم فاسدة تدل على بطلانه (^٢).\nوقد تميزت الرسالة المدنية هنا، بمحاكمة شيخ الإسلام أهل الكلام إلى قوانينهم التي وضعوها، ونقضه للتأويل الفاسد من جهة المنهج المتبع فيه؛ وذلك ببيان الأمور التي يشترط وجودها في التأويل ليكون التأويل صحيحًا مقبولا،\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣).\n(^٢) انظر: (ص:٤٩٥ فما بعدها) من هذه الرسالة.","vol":"1","page":594},{"text":"وإلا فهو فاسد مردود.\nوقد ذكر شيخ الإسلام أربع مقامات يتميز من خلالها التأويل الصحيح من التأويل الفاسد، سأوردها هنا مع مزيد من التفصيل والتوضيح، وهي كالآتي:\nالمقام الأول: أن يكون اللفظ محتملًا في اللغة للمعنى الذي أُوِّل إليه، ومستعملًا فيه؛ وذلك لأن الكلام في الكتاب والسنة والآثار جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، فلا بد أن تكون العرب قد استخدمت هذا اللفظ بالمعنى المصروف إليه، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له، وإن لم يكن له أصل في اللغة.\nوالتأويل الذي لا يحتمله لفظ النص وسياقه لغةً أنواع (^١):\n١. ما لم يحتمله اللفظ في أصل وضعه: كتأويل القدم في قوله -ﷺ-: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) (^٢)، بالجماعة من الناس و\"كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية، كتأويل من تأول الصلوات الخمس: بمعرفة أسرارهم، والصيام، بكتمان أسرارهم، والحج: بزيارة شيوخهم، والإمام المبين: بعلي بن أبي طالب، وأئمة الكفر: بطلحة والزبير، والشجرة الملعونة في القرآن: ببني أمية، واللؤلؤ والمرجان: بالحسن والحسين، والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين: بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والبقرة: بعائشة، وفرعون: بالقلب، والنجم والقمر والشمس: بالنفس والعقل، ونحو ذلك. فهذه التأويلات من باب التحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آيات الله، وهي من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه\" (^٣).\n_________\n(^١) هذه الأنواع ذكرها ابن القيم -﵀-، انظر: مختصر الصواعق (ص:٢٣ - ٢٧)، وقد نقلتها عنه بشيء من الاختصار والتصرف، وأضفت لها شيئًا من كلام شيخ الإسلام الموضح ذلك.\n(^٢) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] (٤٨٤٨)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٤٦).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٣٨٣).","vol":"1","page":595},{"text":"٢. ما لم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع وإن احتمله مفردًا: ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام في هذه المناظرة من أن: «لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]، ولفظ الجمع في الواحد كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها» (^١).\n٣. ما لم يُؤلف استعماله بذلك المعنى في لغة المخاطب، وإن كان هذا المعنى مألوفًا كاصطلاح خاص حادث: كتأويل الفلاسفة الأفول في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام:٧٦] بالتحرك والانتقال، وبنوا على ذلك أن المتحرك لا يكون إلهًا، قال شيخ الإسلام: «والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير: هو الغيب والاحتجاب؛ بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن وهو المراد باتفاق العلماء» (^٢).\n٤. ما لم يعرف تأويله إلا بطريق خفي لا يعرفه إلا أفراد من أهل النظر: كتأويل (الأحد) بالذات المجردة عن الصفات، فلو أمكن ثبوت هذا التأويل لم يدرك إلا بمقدمات صعبة وطويلة لا يدركها إلا مبتدعوها، قال شيخ الإسلام: «ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي، لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعيًا أو عقليًا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب ألا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره؛ لأن هناك دليلًا خفيًا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض\n_________\n(^١) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٥٤) وانظر: العين (٨/ ٣٣٧) تهذيب اللغة (١٥/ ٢٧١).","vol":"1","page":596},{"text":"البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان» (^١).\n٥. ما أُلِف استعماله في غير ذلك المعنى، لكن في غير التركيب الذي ورد به النص: كتأويل النظر في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] بانتظار الثواب؛ فإنه مضاف إلى الوجوه.\n٦. ما لم يعهد استعماله في المعنى المؤول إلا نادرًا: فحمله على خلاف المعهود باطل، ما لم يتضمن قرائن قوية تدل على خروجه عن المعنى المعهود.\n٧. ما عطل معناه الأكمل إلى دونه بمراتب: كتأويل الفوقية المطلقة للرب تعالى في قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] إلى كون قدره فوق بني آدم.\n٨. ما لم يحتمله السياق المعين وإن جاز في غيره: كتأويل إتيان الرب في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] بإتيان أمره، فسياق التنويع والتقسيم يأباه.\nومن ذلك إضافة الفعل إلى الفاعل، وتعدية الفعل إلى اليد بحرف الباء، كما في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك.\n٩. ما لم يحتمله اللفظ للمعنى الذي تأول في ذلك التركيب من حيث اللغة، ومن ذلك تفسير الاستواء بالاستيلاء: فهو مع كونه معنى لا تعرفه العرب في لغتها، ولم يقله أحد من أئمة اللغة. فالتركيب هنا أيضًا لا يحتمله؛ فإن استيلاءه سبحانه وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السموات والأرض، والعرش مخلوق قبلهما.\nالمقام الثاني: إقامة الدليل الصحيح الصارف للفظ عن معناه، فلو اُدعي وجوب صرف المعنى عن ظاهره المتبادر لأول وهلة، فلا بد من دليل قطعي الدلالة عقلي أو سمعي يوجب الصرف.\nوالدليل الصارف لابد فيه من أمرين:\n_________\n(^١) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٢).","vol":"1","page":597},{"text":"١ - أن يتعين هذا الدليل (بأن يكون اللفظ يحتمله باللفظ والسياق).\n٢ - أن يكون موافقًا لمراد المتكلم.\nقال شيخ الإسلام: «التأويل المقبول: هو ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، كما يعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص.\nوحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم، كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب، هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد» (^١).\nولا يمكن أن يجد أهل التأويل دليلًا موجبًا لصرف نصوص الصفات عن حقيقتها سوى دعواهم تنزيه الله عن صفات المحدثين، وهذا الأمر لا نزاع فيه؛ إذ أن حقيقة ألفاظ الصفات وظواهرها هي على ما يستحق الله ﷿ ويليق بجلاله من غير مماثلة لمخلوقاته، فالنصوص الشرعية دلت على انتفاء التمثيل بين صفات الخالق والمخلوق، أما نفي ثبوت صفات تليق بالله ﷻ فليس في النصوص ما يدل عليه بوجه من الوجوه.\nويتضح من ردود شيخ الإسلام على المؤولة أنه لا يوجد لهم دليل صحيح على تأويل الصفات، بل دليل مدعي الحقيقة قائم سمعًا وعقلًا: أما السمع فلا يمكن المكابرة فيه؛ لكثرة النصوص الصريحة في إثبات الصفات وإضافتها لله تعالى.\nوأما العقل: فإن العلم بكمال علم المتكلم، وكمال بيانه وكمال نصحه، يمنع من إرادته بكلامه خلاف الظاهر. وكل صفة وصف الرب بها نفسه أو وصفه بها رسوله -ﷺ- فهي كمال قطعًا؛ ولا يجوز تعطيل الرب عن كماله وإبطال حقائق صفاته.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٠١).","vol":"1","page":598},{"text":"المقام الثالث: أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض، فأي تأويل عارض أصل النص وجب رده؛ لكونه يعود على أصل النص بالإبطال، ومن ذلك تأويل المرأة بالأمة، في قوله -ﷺ-: (أيما امرأة نكحت من غير إذن وليها …)؛ فإن تتمة الحديث (فإن دخل بها فلها المهر ..) (^١)، يبطل التأويل؛ فمهر الأمة لسيدها وليس لها.\nوعليه فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن إثبات صفات الله على الحقيقة، وأنها مرادة امتنع ترك هذه الدلالة؛ لتأويلات تفرضها بعض الأذهان من وجوه خفية، وهي في الحقيقة شبهة فاسدة، تعارض النصوص المتواترة والمتكاثرة على إثبات الصفات على الوجه اللائق به سبحانه.\nالمقام الرابع: إذا كان الكلام من الشارع وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين بيانًا واضحًا للأمة بدليل عقلي أو سمعي أنه لم يُرد حقيقته، وإنما أراد به معنى آخر، وذلك لما يلي:\nأ-أن الله سبحانه جعل القرآن نورًا وهدى وبيانًا للناس وشفاءً لما في الصدور من الوساوس، والشكوك، وحبائل الهوى.\nب-وأرسل سبحانه الرسل لتبين للناس ما نزل إليهم، ولتحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، حتى تنقطع بهم الحجة، وتتضح أمامهم السبل.\nج-والنبي -ﷺ- بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات.\nد - والأمة التي تلقت عنه، والتزموا نهجه كانوا أعمق الناس علمًا، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة.\nوإذا كان الأمر كذلك، فإنه يلزم أن يوضح النبي -ﷺ-، وأصحابه، ومن تبعهم كل ما يتعلق بقضايا الدين، وبمسائل العقيدة وضوحًا لا خفاء فيه، ولا لبس معه،\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٤٢٠٥)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وغيرهم من حديث عائشة -﵂- وصححه الألباني إرواء الغليل (١٨٤٠).","vol":"1","page":599},{"text":"ولا يحتاج معه إلى تأويلات خفية، وخصوصًا أشرف النصوص وأجلها: وهي النصوص اامُعرفة بأشرف المعارف سبحانه، والمخبرة بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله وكماله. ومن ثم فلا يجوز أن يتكلم النبي -ﷺ- وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره، إلا وقد نصبوا دليلًا يمنع من حمله على ظاهره.\nهذه هي خطوات المنهج الذي سلكه شيخ الإسلام في إثبات صفات الخالق جل وعلا، وهو المنهج الذي عالج فيه قضية التأويل وبين من خلاله بطلان تأويلات المتكلمين، ومعارضتها للحقيقة السمعية والعقلية، وما اشتملت عليه من ضلال وتحريف وبهتان يؤدي لرد الدين وهدم الرسالات؛ فكل باطل دخل الشريعة كان عن طريق التأويل، وظهر جليًا أن نصوص الصفات من النصوص التي لا يدخلها التأويل المحدث، وإنما يدخلها التأويل الشرعي الذي هو بمعنى التفسير، أو بمعنى الوجود في الخارج، والله أعلم.","vol":"1","page":600},{"text":"<span data-type='title' id=toc-315>المبحث الثالث: مناظرته مع ابن المرحل في تعلق الصفات وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية:</span>\nواشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-316>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-317> تمهيد:</span>\nلقد ناظر شيخ الإسلام كبار علماء دمشق، وكانت له مساجلات مع عدة من قضاتها وعلمائها، ويعتبر الشيخ زين الدين ابن المرحل والمشهور بـ (ابن الوكيل) (^١) من أكثرهم معارضةً لشيخ الإسلام ومناظرة له، قال ابن كثير -﵀-: «وكان [أي ابن المرحل] ينصب العداوة للشيخ ابن تيمية (^٢)، ويناظره في كثير\n_________\n(^١) محمد بن عمر بن مكي، أبو عبد الله صدر الدين (ابن المرحل) المعروف بابن الوكيل، من كبار فقهاء الشافعية في عصره، وكان من الشعراء الأذكياء المشهود لهم بقوة الذاكرة وسعة الحفظ، ومع ذلك فقد ذكر العلماء في ترجمته من القبائح والشنائع والأمور السيئة ما يستبعده القارئ لأول وهله، إلا أن كثرة القائل تُريب العاقل، كما قاله السبكي، (ت: ٧١٦ هـ). انظر: البداية والنهاية (١٤/ ٨٠)، فوات الوفيات (٤/ ١٣ - ٢٦)، طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٤٢ - ٢٦٧)، الدرر الكامنة (٥/ ٣٧٤ - ٣٨٢).\n(^٢) ومن ذلك أنه نظم قصيدة في هجاء شيخ الإسلام -﵀- عندما خرج من دمشق في محنته الأولى، وذكر فيها أن سماء دمشق أمطرت فرحًا لخروج شيخ الإسلام منها، وقد رد عليه الإمام نجم الدين إسحق بن ألمى التركي بأبيات قال في مطلعها:\nمن مبلغ عني الخبيث مقالة … كالسيف أقصم ظهره بفرنده\nأزعمت إذ غاب الإمام همى الغما … م كذبت بل بكت السماء لفقده\nانظر: العقود الدرية (ص:٤٤٠).","vol":"1","page":601},{"text":"من المحافل والمجالس، وكان يعترف للشيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويثني عليه، ولكنه كان يجاحف عن مذهبه وناحيته وهواه، وينافح عن طائفته» (^١). وقال ابن حجر﵀- في ترجمته له: «وكان لا يقوم بمناظرة ابن تيمية أحد سواه» (^٢).\nوقد دون بعض طلاب شيخ الإسلام -﵀- ثلاث مناظرات جرت بينهما، وقام بتلخيص مباحثها، ونقل لنا الإمام ابن عبد الهادي -﵀- في العقود الدرية هذه المباحث الثلاثة التي جرت لشيخ الإسلام ابن تيمية مع ابن المرحل الشافعي، فقال: «وَقد رَأَيْت بِخَط بعض أَصْحَابه مَا صورته» (^٣)، ثم ساق المباحث الثلاثة، الأول والثاني لهما تعلق بالاعتقاد، وهذا المبحث الذي بين أيدينا هو المبحث الثاني منها، وسيأتي ذكر المبحث الأول منهما \"في فصل: مناظرته مع المرجئة\" (^٤)؛ لكونه هو الموضع المناسب له.\nويظهر أن هذه المناظرة التي بين أيدينا قد وقعت قبل مناظرة الواسطية والرفاعية بسنوات كثيرة؛ وذلك لأن الإمام زين الدين بن المنجى الحنبلي (^٥) كان\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١٤/ ٨٠).\n(^٢) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٥/ ٣٧٤)، وانظر: فوات الوفيات (٤/ ١٤) وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٩/ ٢٥٣).\n(^٣) العقود الدرية (ص: ١١١). ولم أقف على الشخص المذكور.\n(^٤) ص:٦٦٥) من هذه الرسالة.\n(^٥) هو زين الدين المنجّى بن عثمان بن أسعد بن المنجّى التنوخي الدمشقيّ الحنبلي، الإمام العلامة مفتي المسلمين، انتهت إليه رئاسة المذهب في دمشق، وهو أحد شيوخ شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر مترجموه من علمه وفضائله الشيء الكثير، ولد عام (٦٣١ هـ) وتوفي عام (٦٩٥ هـ) ومن تصانيفه (الممتع شرح المقنع) و(تفسير القرآن الكريم). انظر: تاريخ الإسلام (٥٢/ ٢٧٨ - ٢٨٠) والبداية والنهاية (١٣/ ٤٠٧) الوافي بالوفيات (٢٦/ ١٠ - ١٢) ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٢٧١ - ٢٧٤).","vol":"1","page":602},{"text":"من الحاضرين فيها، وهو قد توفي ﵀ سنة (٦٩٥ هـ) ـ، ومناظرتا الواسطية والرفاعية إنما كانتا في سنة (٧٠٥ هـ) - أي بعد وفاة ابن المنجى بعشر سنين، مما يفيدنا أن هذه المناظرة قد وقعت بلا شك قبل سنة خمسٍ وتسعين وستمائة من الهجرة، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-318> نص المناظرة:</span>\nقال ابن عبد الهادي -﵀-:\n«بحثٌ ثانٍ جرى: أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص؛ فالحمد أعم من جهة أسبابه التي يقع عليها؛ فإنه يكون على جميع الصفات، والشكر لا يكون إلا على الإحسان (^١)، والشكر أعم من جهة ما به يقع؛ فإنه يكون بالاعتقاد والقول والفعل، والحمد يكون بالفعل (^٢) أو بالقول أو بالاعتقاد.\nأورد الشيخ الإمام زين الدين بن المنجى الحنبلي: أن هذا الفرق إنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر؛ لأن كونه يقع على كذا، ويقع بكذا خارج عن ذاته،\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام: «الحمد يتضمن: المدح، والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان الإحسان إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه: الحمد أعم من الشكر؛ لأنه يكون على المحاسن والإحسان» مسألة (حقيقة الحمد والشكر) ضمن الفتاوى الكبرى (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(^٢) إضافة \"بالفعل\" هنا مُشكل؛ فلا يكون حينئذٍ هناك فرق بين الحمد والشكر من جهة ما يقع به، وهذا خلاف ما تم تقريره في أول الكلام، ومخالف -أيضًا- لما نص عليه شيخ الإسلام من أن الحمد إنما يكون بالقول والاعتقاد، والشكر يكون بهما ومع الفعل أيضًا، قال شيخ الإسلام: «الشكر … يكون بالقلب واليد واللسان، كما قيل:\nأفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا\nولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]. والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه». مسألة \"حقيقة الحمد والشكر\" ضمن الفتاوى الكبرى (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠). ولعل هذه الكلمة أعني \"بالفعل\" سبقُ قلم من كاتب المناظرة أو خطأ من قبل النساخ، وقد أثبتها محقق كتاب العقود الدرية، وأشار بالهامش إلى عدم وجودها في نسخة (ف). انظر: العقود الدرية (ص:١٥٧) وهو الأقرب للصواب والله أعلم.","vol":"1","page":603},{"text":"فلا يكون فرقًا في الحقيقة، والحدود إنما يتعرض فيها لصفات الذات لا لما خرج عنها.\nفقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: المعاني على قسمين: مفردة ومضافة.\nفالمعاني المفردة: حدودها لا تؤخذ عنها متعلقاتها.\nوأما المعاني الإضافية: فلا بد أن يوجد في حدودها تلك الإضافات؛ فإنها داخلة في حقيقتها، ولا يمكن تصورها إلا بتصور تلك المتعلَّقات، فتكون المتعلَّقات جزءًا من حقيقتها، فتعين ذكرها في الحدود.\nوالحمد والشكر معنيان متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، فلا يتم ذكر حقيقتهما إلا بذكر متعلَّقِهما، فيكون متعلَّقُهما داخلًا في حقيقتهما.\nفاعترض الصدر ابن المرحل: بأنه ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، فلا يكون للحمد والشكر من متعلَّقِهما صفة ثبوتية؛ فإن التعلق (^١) صفة نسبية (^٢)، والنسب أمور عدمية، وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة؛ لأن العدم لا يكون جزءًا من الوجود.\nفقال الشيخ تقي الدين: قولك: (ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية)، ليس على العموم؛ بل قد يكون للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، وقد لا يكون، وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين: (ليس لمتعلَّق القول من القول صفة ثبوتية) (^٣). ثم\n_________\n(^١) التعلق عند المتكلمين: هو طلب الصفة أمرًا زائدًا على قيامها بالذات، كاقتضاء العلم معلومًا ينكشف به، واقتضاء الإرادة مرادًا يتخصص بها. انظر: حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين (ص:٣٠٧)، والتحف الربانية (ص:٩٨).\n(^٢) أمر نسبي: أي أمرٌ مقيد بغيره مرتبط به غير مطلق. انظر: معجم اللغة العربية (٣/ ٢٢٠٠).\n(^٣) انظر: هذه العبارة في المحصول للفخر الرازي (١/ ٩١)، وانظر: تعقيب القرافي عليها في نفائس الأصول في شرح المحصول (١/ ٢١٩)، وقال شيخ الإسلام -﵀-: «والتحقيق أن متعلق القول قد يكون له منه صفة وجودية، كمتعلق التكوين والتحريم والإيجاب، وقد لا يكون، كمتعلق الإخبار» درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":604},{"text":"الصفات المتعلقة نوعان:\nأحدهما: إضافة محضة، مثل: الأبوة والبنوة والفوقية والتحتية ونحوها، فهذه الصفة التي يقال فيها: هي مجرد نسبة وإضافة، والنسب أمور عدمية.\nوالثاني: صفة ثبوتية مضافة إلى غيرها: كالحب والبغض والإرادة والكراهة والقدرة وغير ذلك من الصفات؛ فإن الحب صفة ثبوتية متعلِّقة بالمحبوب، فالحب معروض للإضافة بمعنى أن الإضافة صفة عرضت له؛ لا أن نفس الحب هو الإضافة، ففرق بين ما هو إضافة، وبين ما هو صفة مضافة. فالإضافة يقال فيها: إنها عدمية، وأما الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب.\nقال ابن المرحل: الحب أمر عدمي؛ لأن الحب نسبة والنسب عدمية.\nقال الشيخ تقي الدين: كون الحب والبغض والإرادة والكراهة أمرًا عدميًا باطلٌ بالضرورة، وهو خلاف إجماع العقلاء، ثم هو مذهب بعض المعتزلة في إرادة الله؛ فإنه زعم أنها صفة سلبية؛ بمعنى أنه غير مغلوب ولا مستكره، وأطبق الناس على بطلان هذا القول.\nوأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحدًا من العقلاء قال: إنهُ أمرٌ عدمي.\nفأصر ابن المرحل: على أن الحب -الذي هو ميل القلب إلى المحبوب- أمرٌ عدمي، وقال: المحبة: أمر وجودي.\nقال الشيخ تقي الدين: المحبة هي الحب، فإنه يقال: أحبه وحبه حبًا ومحبةً، ولا فرق، وكلاهما مصدر.\nقال ابن المرحل: وأنا أقول: إنهما إذا كانا مصدرين فهما أمر عدمي.\nقال له الشيخ تقي الدين: الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتم، وكون الحب والبغض أمرًا وجوديًا معلوم بالاضطرار؛ فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خاليًا عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محبًا فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب، وهو","vol":"1","page":605},{"text":"يحس ذلك من نفسه، يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه؛ ودليل ذلك: أنك تقول: أحب يحب محبة، ونقيض أحب: لم يحب، ولم يحب صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات.\nقال ابن المرحل: هذا ينتقض بقولهم: امتنع يمتنع؛ فإن نقيض الامتناع: لا امتناع، والامتناع صفة عدمية.\nقال الشيخ تقي الدين: الامتناع أمر اعتباري عقلي؛ فإن الممتنع ليس له وجود خارجي، حتى تقوم به صفة، وإنما هو معلوم بالعقل باعتبار كونه معلومًا له ثبوت علمي. وسلب هذا الثبوت العلمي: عدم هذا الثبوت؛ فلم ينقض هذا قولنا: نقيض العدم ثبوت.\nوأما الحب فإنه صفة قائمة بالمحب؛ فإنك تشير إلى عين خارجة وتقول: هذا الحي صار محبًا بعد أن لم يكن محبًا، فتخبر عن الوجود الخارجي بصفة، فإذا كان نقيضها عدمًا خارجيًا كانت وجودًا خارجيًا.\nوفي الجملة: فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع ولا يُناظرُ صاحبهُ إلا مناظرة السوفسطائية.\nقلت: وإذا كان الحب والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلِّقة بالغير: صفات وجودية، ظهر الفرق بين الصفات التي هي إضافة ونسبة، وبين الصفات التي هي مضافة منسوبة، فالحمد والشكر من القسم الثاني؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلِّق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلِّق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم الصفة الثبوتية لهما التي هي متعلِّقة بالغير، وتلك الصفة داخلة في حقيقتهما، فإذا كان متعلق أحدهما أكبر من متعلق الآخر، وذلك التعلق إنما هو عارض لصفة ثبوتية لهما، وجب ذكر تلك الصفة الثبوتية في ذكر حقيقتهما، والدليل على هذا: أن من لم يفهم الإحسان امتنع أن يفهم الشكر فَعُلِم أن تصور متعلَّق الشكر داخل في تصور الشكر.\nقلت: ولو قيل: إنه ليس هذا إلا أمرًا عدميًا، فالحقيقة إن كانت مركبة من","vol":"1","page":606},{"text":"وجود وعدم وجب ذكرهما في تعريف الحقيقة، كما أن من عرف الأب من حيث هو أب، فإن تصوره موقوف على تصور الأبوة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأب أمرًا وجوديًا، فالحمد والشكر متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وإن لم يكن هذا التعلق عارضًا لصفة ثبوتية، فلا يُفهم الحمد والشكر إلا بفهم هذا التعلق، كما لا يفهم معنى الأب إلا بفهم معنى الأبوة الذي هو التعلق، وكذلك الحمد والشكر أمران متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وهذا التعلق جزء من هذا المسمى؛ بدليل أن من لم يفهم الصفات الجميلة لم يفهم الحمد، ومن لم يفهم الإحسان لم يفهم الشكر، فإذا كان فهمها موقوفًا على فهم متعلَّقِهما، فوقوفه على فهم التعلق أولى؛ فإن التعلق فرع على المتعلَّقِ وتبع له، فإذا توقف فهمهما على فهم المتعلَّقِ الذي هو أبعد عنهما من التعلق، فتوقفه على فهم التعلق أولى، وإن كان التعلق أمرًا عدميًا. والله أعلم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-319>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-320> تمهيد:</span>\nبين شيخ الإسلام ابن تيمية لابن المرحل أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص، فالحمد أعم من جهة أسبابه؛ فإنه يكون على الصفات الذاتية وعلى المتعدية، بينما الشكر لا يكون إلا على المتعدية منها، والشكر أعم من جهة أنواعه؛ فإنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، بينما الحمد لا يكون إلا بالقلب واللسان، فاعتُرض عليه أن ما ذكره ليس فرقًا على الحقيقة؛ وإنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر، لا من جهة معنى الحمد والشكر مجردًا عن متعلقاته.\nوعليه فلا حقيقة للمعاني التي تساق من هذا الباب، كالمحبة والبغض والإرادة والكراهة؛ إذ هي معانٍ عدمية، ومن هذا المنطلق عطلوا صفات الله تعالى عما تدل عليه من معانٍ وجعلوها معانٍ عدمية لا حقيقة لها.\n_________\n(^١) العقود الدرية (ص ١٢٣ - ١٢٨). مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٦ - ١٥٥).","vol":"1","page":607},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-322>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nيرى ابن المرحل أن الحب والبغض والإرادة ونحوها من الصفات ليست صفات ثبوتية، وإنما هي صفات عدمية، وإضافتها للموصوف إنما هي من باب النسب والإضافات، وكل ذلك لا يتضمن قيام أي معنى بالموصوف: فالمحبة مثلًا ليست صفة لله تعالى، وإنما تنسب إلى الله وتضاف إضافة محضة، لا يترتب عليها وصف يقوم بالله، ولا فعل يقوم به، وهكذا بقية الصفات من باب النسب والإضافات المحضة (^١).\nقال شيخ الإسلام: «ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات» (^٢).\nوالإضافة كما عرفها ابن سينا: هي المعنى الذي وجوده بالقياس إلى شيء آخر، وليس له وجود غيره، مثل الأبوة بالقياس إلى البنوة (^٣).\nومما يُمثل به لتوضيح معنى النسب والإضافات: لو أن شخصًا جلس يمين زيد، ثم جلس عن يساره، فقد كان في الأول يمينًا، ثم صار يسارًا له من غير أن يقع تغير لذات زيد ولا صفة حقيقية له، بل تلك إضافة محضة (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٢).\n(^٣) انظر: الملل والنحل (٣/ ١٥). ومثله تعريف يعقوب بن إسحاق الكندي حيث قال: «المضاف: ما ثبت بثبوته آخر» وفخر الدين الرازي حيث قال: «المضاف: هو الذي تكون ماهيّته مقولة بالقياس إلى غيره» وقال: «أمّا المضاف: فهو طبيعة غير مستقلّة بنفسها بل هي تابعة لغيرها». انظر: موسوعة مصطلحات الفلسفة (ص:٨٠١، ٨٠٣). وانظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (١/ ٤٦٨).\n(^٤) انظر: الجديد في الحكمة لابن كمونه (ص:٥٥٨).","vol":"1","page":608},{"text":"وهذه الشبهة هي أحد الشبه التي يحتج بها أهل الفلسفة والكلام على تعطيل الصفات وتحريفها عن معانيها.\nوكلام ابن المرحل هنا وإن كان في صفة الحب والبغض والإرادة ونحوها عمومًا دون النظر للمتصف بها، إلا أن أول ما يدخل فيها هو ما جاء من وصف الباري سبحانه بهذه الصفات، بل إن الداعي لهم لجعل هذه الصفات من باب النسب والإضافات إنما هو نصرة مذهبهم في نفي صفات الباري ﷿ بحجة تنزيهه سبحانه عن مشابهة مخلوقاته.\nفما يرد على الذهن من معان عند إطلاق أسماء الله وصفاته فإنما هي معان موجودة في العقل، وأما في الخارج فلا وجود لتلك المعاني (الصفات) في ذات الله إطلاقًا، فإنما هي نسب وإضافات يمتنع وجودها في الخارج على سبيل المعاني الثبوتية القائمة بالذات.\n\n<span data-type='title' id=toc-323>الوجه الثاني: الجواب عن هذه الشبهة:</span>\nوقد أجاب شيخ الإسلام عن هذه الشبهة بما يلي:\nأولًا: أن معاني الأشياء على قسمين (^١):\nالقسم الأول: معانٍ مفردة: وهي التي تُعرف حدودها دون ما نظرٍ أو حاجة لمتعلقاتها.\nالقسم الثاني: معانٍ مضافة: وهي التي لا يمكن تصورها إلا بتصور متعلقاتها؛ فتكون المتعلقات جزءًا من حقيقتها، فتعين ذكرها في الحدود.\nوهذا النوع من المعاني والصفات المتعلقة على نوعين:\n١. صفات (نسبية) إضافتها إضافة محضة؛ مثل الأبوة والبنوة والفوقية والتحتية ونحوها، فهي مجرد نسبة وإضافة، والنسب أمور عدمية، وهذه تعلقها تعلق عدمي.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٦ - ١٤٧)، العقود الدرية (ص:١٢٣ - ١٢٤).","vol":"1","page":609},{"text":"٢. صفات (ثبوتية) مضافة إلى غيرها فإضافتها إضافة عرضية، وليست إضافة محضة، فالإضافة عرضت للصفة الثبوتية، لا أن نفس الصفة هي الإضافة، كالحب عرض للمحبوب، والشكر والحمد أضيف وتعلق بالمشكور والمحمود، وهذه تعلقها تعلق ثبوتي وليس عدمي.\nفلا يتم فهمُ حقيقة مثل هذه المعاني إلا بفهم متعلقاتها، وتلك المتعلفات جزء من حقيقتها، ومن هذا النوع صفات الله كالحب والبغض والرضا ونحوها.\nفتبين أن هنا فرقًا بين الصفات التي هي بنفسها (إضافة ونسبة) وهي النوع الأول، وبين الصفات التي هي: (مضافة منسوبة) ومنها النوع الثاني.\nوتبين أن الحقائق والصفات المضافة على نوعين:\nالصفات التي هي إضافة ونسبة: كالأبوة التي هي حقيقة مركبة من وجود وعدم، فتصور الأب موقوف على تصور الأبوة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأب أمرًا وجوديًا.\nالصفات التي هي مضافة منسوبة: كالحمد والشكر؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم متعلقهما، وذلك المتعلق داخل في حقيقتهما (^١).\nثانيًا: أن دعوى عدمية معنى المحبة والبغض والإرادة والكراهة والشكر دعوى باطلة بالضرورة، أطبق الناس على بطلانها، بل هي مخالفة لإجماع\n_________\n(^١) قال ابن رشد: «إن المضاف صنفان:\nأحدهما: المضاف بذاته: وهو الذي يكون وجود كل واحد منهما في الإضافة،\nوالصنف الثاني: المضاف من قبل غيره: أعني من قبل أن غيره أضيف إليه مثل المحسوس والمعقول، فإن المعقول والمحسوس إنما صارا من المضاف؛ لأن العقل والحسّ اللذين هما مضافان بذاتهما أضيفا إليهما لا أنهما من المضاف بذاته» تفسير ما بعد الطبيعة (ص:١٣٤٥) نقلًا عن موسوعة مصطلحات الفلسفة (ص:٨١٥). وانظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":610},{"text":"العقلاء، وكون هذه الصفات ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع ولا يناظر صاحبه إلا مناظرة السوفسطائية (^١).\nثالثًا: مما يوضح كونها صفات وجودية ثبوتية: أن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خاليًا عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محبًا فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب (^٢).\nرابعًا: أن الشيء يعرف بضده، وكما قيل: وبضدها تتميز الأشياء. ومن المعلوم \"أنك تقول: أحب يحب محبة، ونقيض أحب: لم يحب، ولم يحب صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات\" (^٣) فإذا كان عدم المحبة وصف عدمي، فإن المحبة وصف وجودي ثبوتي بغير شك.\nخامسًا: أن ابن المرحل أطلق القول بعدمية هذه الصفات والمعاني في الخالق والمخلوق، وهذا التعميم والإطلاق لا يُعلم له قائل، ولم يسبقه إليه أحد وإنما وقع الخلاف فيما اتصف به الخالق سبحانه من هذه الصفات، قال شيخ الإسلام: «وأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحدًا من العقلاء قال: إنه أمر عدمي» (^٤).\nسادسًا: قال شيخ الإسلام: «التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة، اقتضى مجرد التشريف.\nفأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة، أوجب ذلك إثبات الصفة، التي لولاها ما تمت النسبة، فإن قولنا: خلق الله الخلق بقدرته. لما نُسب الفعل إلى تعلقه بصفة الله، اقتضى ذلك إثبات إحاطة بصفة هي القدرة، ولا يكون مجرد النسبة واجب منها الصفة، فكذلك هاهنا لما كان ذكر التخصيص، مضافًا إلى صفة وجب إثبات\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٨) العقود الدرية (ص:١٢٥).\n(^٢) العقود الدرية (ص:١٢٦) مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٩) العقود الدرية (ص:١٢٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٨) العقود الدرية (ص:١٢٥).","vol":"1","page":611},{"text":"تلك الصفة (^١). وهذا لا شك فيه ولا مرية، وبهذا يبعد عما ذكروه» (^٢).\nويتلخص لنا من هذه الأوجه بطلان ما ذكره ابن المرحل من عدمية صفات الباري سبحانه، وجعلها صفات سلب وإضافة، وأن الحق الذي لا شك فيه أنها صفات ثبوتية وجودية لها معانٍ حقيقية قائمة بذات الله سبحانه، وإن أضيفت لما تتعلق به فهي من باب الصفة المضافة، لا من باب الإضافة. والله أعلم.\n_________\n(^١) يعني في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. انظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٦٦).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":612},{"text":"<span data-type='title' id=toc-324>المبحث الرابع: مناظرته مع غير واحد من نفاة الصفات في مسألة الرؤية</span>.\nواشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-325>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-326>تمهيد:</span>\nإن من أعظم المسائل والعقائد التي وردت في الكتاب والسنة وأجمع عليها علماء أهل السنة خلفًا عن سلف، كابرًا عن كابر، وأنكرها أهل الزيغ والافتراء وذوو البدع والأهواء: عقيدة رؤية المؤمنين لله -﷿- في الآخرة، تلك الرؤية التي \"هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم؛ اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول الله -ﷺ- عاكفون، وللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون\" (^١).\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٨٥).","vol":"1","page":613},{"text":"وقد تصدى شيخ الإسلام لكل من شكك في هذه العقيدة بالرد والبيان والحجة والبرهان، بشتى الطرق ومختلف السبل، خطبةً وتصنيفًا، ومناظرةً وتأليفًا، وردًا وتقريرًا، دفاعًا عن هذه العقيدة العظيمة الشريفة الجليلة؛ وقد ذكر ﵀ أنه ناظر في هذه المسألة غير واحد من نفاة الرؤية ومحرفي معناها من مختلف الفرق الزائغة من معتزلة ومتكلمة ورافضة، وبين أن كل شبههم إنما تعود إلى لوازم التزموها، ومقدمات قرروها، خلطوا فيها حقًا بباطل؛ ليصلوا إلى بغيتهم من نفي رؤية المؤمنين لربهم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-327> نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد ناظرت غير واحد من هؤلاء من نفاة الرؤية ومحرفيها: من شيعي، ومعتزلي، وغيرهما. وذكرت لهم الشبهة التي تذكرها نفاة الرؤية. فقلت: هي كلها مبنية على مقدمتين:\nإحداهما: أن الرؤية تستلزم كذا وكذا كالمقابلة والتحيز وغيرهما.\nوالثاني: أن هذه اللوازم منتفية عن الله تعالى.\nفكل ما يذكره هؤلاء فأحد الأمرين فيه لازم:\n١. إما أن لا يكون لازمًا بل يمكن الرؤية مع عدمه: وهذا المسلك سلكه الأشعري وطوائف كالقاضي (^١)، أحيانًا وابن عقيل (^٢) وغيرهم، لكن أكثر العقلاء يقولون: إن من ذلك ما هو معلوم الفساد بالضرورة.\n٢. وإما أن يكون لازمًا فلا يكون مُحالًا: فليس في العقل ولا في السمع ما يحيله، بل إذا قُدِّر أنه لازم للرؤية فهو حق؛ لأن الرؤية حق، قد عَلِمَ ذلك بالاضطرار عن خير البرية أهل العلم بالأخبار النبوية» (^٣).\n_________\n(^١) يعني القاضي أبا يعلى الفَرَّاء وقد سبقت ترجمته.\n(^٢) يعني أبو الوفاء علي بن عقيل من متكلمي الحنابلة، وقد سبقت ترجمته.\n(^٣) بغية المرتاد (ص: ٤٧٦).","vol":"1","page":614},{"text":"وقال شيخ الإسلام -﵀-: «فيقال: لهذا المنكر للرؤية المستدل على نفيها بانتفاء لازمها وهو الجهة: قولك ليس في جهة، وكل ما ليس في جهة لا يرى، فهو لا يرى، وهكذا جميع نفاة الحق ينفونه لانتفاء لازمه في ظنهم، فيقولون لو رُئي للزم كذا، واللازم منتف فينتفي الملزوم.\nوالجواب العام لمثل هذه الحجج الفاسدة بمنع إحدى المقدمتين إما معينة وإما غير معينة؛ فإنه لا بد أن تكون إحداهما باطلة، أو كلتاهما باطلة، وكثيرًا ما يكون اللفظ فيهما مجملًا يصح باعتبار ويفسد باعتبار، وقد جعلوا الدليل هو ذلك اللفظ المجمل، ويسميه المنطقيون الحد الأوسط (^١)، فيصح في مقدمة بمعنى، ويصح في الأخرى بمعنى آخر، ولكن اللفظ مجمل، فيظن الظان لما في اللفظ من الإجمال وفي المعنى من الاشتباه أن المعنى المذكور في هذه المقدمة هو المعنى المذكور في المقدمة الأخرى، ولا يكون الأمر كذلك.\nمثال ذلك في مسألة الرؤية أن يقال: له: أتريد بالجهة أمرًا وجوديًا أو أمرًا عدميًا؟\nفإذا أردت به أمرًا وجوديًا كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى. وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة؛ فإن سطح العالم\n_________\n(^١) الحد الأوسط عند المنطقيين: هو الرابط بين الحدين الأصغر والأكبر، ومَثَّلَ له شيخ الإسلام بقولك: «كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فكل نبيذ حرام»، فهذه الجملة مكونة من مقدمتين ونتيجة. وكل مقدمة مكونه من محمول وموضوع فالمقدمة الأولى: \"كل نبيذ مسكر\" موضوعها: النبيذ. ومحمولها: مسكر. ويسمى الموضوع (حدًا أصغر) والمحمول (حدًا أكبر) وهكذا في المقدمة الثانية موضوعها (الحد الأصغر) هو المسكر، ومحمولها (الحد الأكبر) هو حرام، ثم في النتيجة يظهر (الحد الأوسط)، والنتيجة هنا هي أن\"كل نبيذ حرام\" فالنبيذ هو موضوعها وهو (الحد الأصغر) والحرام محمولها وهو (الحد الأكبر)، والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو (الحد الأوسط)، الذي يمثل العلاقة بين الطرفين وعلة ارتباطهما، وهو الذي يكون محمولًا في المقدمة الأولى وموضوعًا في المقدمة الثانية. انظر: الرد على المنطقيين (ص:٢١١)، والمعجم الفلسفي (١/ ٤٤٩).","vol":"1","page":615},{"text":"يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر.\nوإن أردت بالجهة أمرًا عدميًا؛ كانت المقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس بجهة بهذا التفسير.\nوهذا مما خاطبت به غير واحد من الشيعة والمعتزلة فنفعه الله به، وانكشف بسبب هذا التفصيل ما وقع في هذا المقام من الاشتباه والتعطيل. وكانوا يعتقدون أن ما معهم من العقليات النافية للرؤية قطعية لا يقبل في نقيضها نص الرسل، فلما تبين لهم أنها شبهات مبنية على ألفاظ مجملة ومعان مشتبهة، تبين أن الذي ثبت عن الرسول -ﷺ- هو الحق المقبول، ولكن ليس هذا المكان موضع بسط هذا، فإن هذا النافي إنما أشار إلى قولهم إشارة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-328>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة</span>.\n•<span data-type='title' id=toc-329> تمهيد:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- لمن ناقشه وناظره من نفاة الصفات مبنى الشبه التي استندوا عليها وابتدأ بإبطالها ونقض الأصول الفاسدة التي قامت عليها، ثم بعد ذلك قرر لهم الحق الذي يجب الصيرورة إليه في هذه المسألة، وهذا من بديع صنع شيخ الإسلام -﵀-، كما علل ﵀ سلوكه هذا المسلك بقوله: «فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه، لما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدعيًا أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه» (^٢).\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٥٩).","vol":"1","page":616},{"text":"<span data-type='title' id=toc-330>مناقشة شبهة نفاة الرؤية:</span> وذلك من وجهين:\n<span data-type='title' id=toc-331>الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- تعالى أن أصل شبهة جميع نفاة الرؤية -على اختلاف طوائفهم- مبناها على مقدمتين:\nالمقدمة الأولى: أن إثبات الرؤية يستلزم منه كذا وكذا من الأمور: كالجهة، والمعاينة، والجسمية، والتحيز، والتركيب، وغيرها من الأمور التي ذكروها.\nالمقدمة الثانية: أن هذه اللوازم منتفية في حق الله سبحانه (^١).\nوقرر هذا الأمر في غير موضع من كتبه (^٢).\nوكل من نفى رؤية الله -﷿- فقد بنى نفيه على هذه المقدمات، ومثال ذلك -وهي أكبر شبهة يحتج بها النفاة على منع الرؤية- قولهم: إن رؤية الشيء يلزم منها أن يكون المرئي في جهة تقابل الرائي، وهذه هي المقدمة الأولى التي أشار إليها شيخ الإسلام -﵀-. قالوا وهذا الأمر منتف في حق الله ولا يصح وصف الله به؛ لأن هذه هي صفة الأجسام، والله منزه عن ذلك، وهذه هي المقدمة الثانية؛ ثم ينتج عن المقدمتين إثبات عقيدتهم التي اعتقدوها وهي نفي رؤية الله رب العالمين للهروب من الالتزام بمثل هذا اللازم.\nفهذا هو أصل جميع شبه القوم وأساسها.\n\n<span data-type='title' id=toc-332>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- أن بطلان مثل هذه الشبهة يكون: إما بإبطال المقدمة الأولى أو إبطال الأخرى؛ فإما أن يكون اللازم الذي ذكروه للرؤية باطلًا وليس بلازم\n_________\n(^١) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص:٢٣٨) غاية المرام (ص:١٦٦) المواقف (ص:٢٩٩ - ٣٠٠).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٠)، منهاج السنة (٢/ ٣٤٩).","vol":"1","page":617},{"text":"في الحقيقة، وإما أن يكون اللازم صحيحًا، ولكنه غير منتف في حق الله سبحانه.\nفمن الطريقة الأولى وهي إبطال اللازم:\nإبطال قولهم: إن كل مرئي يلزم أن يكون مركبًا من أجزاء، أو مجتمعًا بعد تفرق، فهذا في الحقيقة ليس لازمًا من لوازم الرؤية، ولا يصح أن يكون كذلك، وذلك من وجهين:\nالأول: أن يقال ما مرادك بالتركيب والاجتماع اللازم للرؤية؟\nإن كان المراد: أن من لازم ما تصح رؤيته أن يكون مركبًا من أجزاء يجوز تفرقها، فهذا باطل وليس بلازم؛ وذلك لأن ليس كل ما نشاهده يكون كذلك.\nوأبسط مثال على ذلك هذه السماوات مرئية مشهودة ولا نعلم أنها كانت متفرقة فاجتمعت، وكذلك الشمس والقمر هي شيء واحد لا نعلم -لا بحس ولا ضرورة- أنها مركبة من الأجزاء المفردة، ومع ذلك فهي مرئية مشاهده!\nوإن كان المراد بالمركب: أن منه شيئًا ليس هو الشيء الآخر، فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لابد وأن يكون كذلك (^١).\nالثاني: أن يقال: إذا جاز أن نرى ما هو مجتمع ويقبل التفريق والتقسيم، فرؤية ما لا يقبله أولى وأجدر؛ فكلما كان وجود الشيء أكمل كلما كانت رؤيته أجوز وأمكن (^٢).\nفتبين بهذا بطلان أن يكون التركيب من لوازم الرؤية، وهذه هي المقدمة الأولى؛ وإذا بطلت أولى المقدمتين بطلت الأخرى، وبطلت النتيجة المترتبة عليهما.\nومن إبطال المقدمة الثانية:\nإبطال قولهم: بأن من لازم الرؤية المعاينة، وكون المرئي في جهة.\n_________\n(^١) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٤٧٩ - ٤٨٠).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥١)، بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٤٨٠).","vol":"1","page":618},{"text":"قالوا: وهذا منفي عن الله -﷿-؛ فلا يجوز أن نثبت الرؤية له سبحانه.\nوبهذه الحجة احتجت المعتزلة على نفي رؤية الله -﷿-، وإبطال هذا الشبهة إنما يكون بإبطال المقدمة الثانية من المقدمتين؛ إذ إن المقدمة الأولى مقدمة صحيحة، واللوازم التي ذكروها للرؤية لوازم صحيحة لا يصح إنكارها.\nوقد وقع متأخرو الأشاعرة -بسبب إثباتهم للرؤية مع نفيهم لعلو الله ﷿ على خلقه- في قول هو في غاية التناقض، خرجوا به عن ضرورات العقل، وخالفوا فيه ما اتفق عليه عقلاء بني آدم من جميع الطوائف؛ حيث قاموا بإنكار هذه اللوازم الصحيحة للرؤية وقالوا: إن الله يُرى ولكن بلا جهة ولا مقابلة ولا معاينة؛ فإنه يمكن أن يرى لا فوق الرائي ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا في شيء من جهاته. فأنكروا المقدمة الأولى وجحدوا الضروريات، وكابروا في المعقولات (^١).\nورحم الله ابن القيم حيث قال (^٢):\nفسل المعطل هل يُرى من تحتنا … أم عن شمائلنا وعن أيمان\nأم خلفنا وأمامنا سبحانه … أم هل يُرى من فوقنا ببيان\nيا قوم ما في الأمر شيء غير ذا … أو أن رؤيته بلا إمكان\nإذ رؤيةٌ لا في مقابلةٍ من الر … ائي مُحالٌ ليس في الإمكان\nومن ادعى شيئًا سوى ذا كان دعـ … واه مكابرة على الأذهان\nوأما أهل السنة فهم يثبتون الرؤية وكل ما كان لازما لها، فإذا كانت المقابلة والجهة والمعاينة لازمة للرؤية فهي حق، وما كان حقًا وصوابًا فلازمه كذلك، فـ\"من ادّعى ثبوت الشيء؛ فقد ادّعى ثبوت لوازمه، ولوازم لوازمه، وهلم جرًّا ضرورة عدم الانفكاك عنه\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٥).\n(^٢) نونية ابن القيم (ص: ٨٢).\n(^٣) تنبيه الرجل العاقل (١/ ٦٣).","vol":"1","page":619},{"text":"لكننا وإن سلمنا لهم بهذا لأنه حق، فلا نسلم لهم بما ذكروه في المقدمة الأخرى من أن تلك اللوازم -كالجهة والمعاينة ونحوها- ممتنعة في حق الله -﷿-؛ ولذلك نفوا الرؤية عنه سبحانه، بل نقول: بما أن الرؤية قد ثبتت بالتواتر القطعي وصريح نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فإننا نثبتها لله -﷿- على حقيقتها وبلوازمها اللازمة منها، ولا يجوز إنكار مثل هذه اللوازم الصحيحة وجحدها.\nوما ادعوه في المقدمة الثانية من امتناع هذه اللوازم في حق الله تعالى، فهي دعوى باطلة، وقد بين شيخ الإسلام بطلانها من وجوه عديدة وأهمها ما يلي:\nالأول: أن النصوص الواردة في الرؤية -وهي كثيرة بل ومتواترة- دالة على أن رؤية المؤمنين لربهم إنما تكون في جهة وعن معاينة، ولا يتأتى إثبات الرؤية إلا كذلك، ومن ذلك قول النبي -ﷺ-: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) (^١)، والتشبيه هنا تشبيه الرؤية بالرؤية، فشبهها برؤية الشمس ليس دونها سحاب، أو رؤية القمر ليلة البدر صحوًا. قال شيخ الإسلام: «فأخبر أن رؤيته كرؤية الشمس والقمر وهما أعظم المرئيات ظهورًا في الدنيا، وإنما يراهم الناس فوقهم بجهة منهم» (^٢)، ومنها قول النبي -ﷺ-: (إنكم ترون ربكم عيانًا) (^٣) فهذا صريح بأن الرؤية إنما تكون عن معاينة، فكيف يجوز بعد أن ظهر من دلالات النصوص وعباراتها أن الله يُرى في جهة ويرى عن معاينة ومقابلة، أن ننفي عن الله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله -ﷺ-، وهو أعلم الخلق بربه، وننفي ما جاءت به اللغة العربية -التي خاطب الله عباده بها- من الدلالات والمعاني.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر (٥٥٤)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٦٣٣)، من حديث جرير بن عبد الله -﵁-.\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٣٣).\n(^٣) رواه البخاري كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] (٧٤٣٥)، من حديث جرير بن عبد الله -﵁-.","vol":"1","page":620},{"text":"الثاني: أنهم إنما أردوا بنفي الجهة نفي علو الله الثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، فكل دليل يثبت علو الله سبحانه -وهي أكثر من أن تحصر- فهو حجة على هؤلاء، ولولا ظهور هذه القضية وشدة وضوحها، وخشية الإطالة في غير موضعها، لسقت النصوص الكثيرة التي تدل على علو الله على خلقه ﷾، وتثبت الجهة بالمعنى الذي أراد هؤلاء نفيه، ويكفينا القول بأن كل رد على نفاة العلو وكل نص في إثباته، وكل دليل عقلي أو سمعي أو فطري عليه، فهو يمثل ردًا مفحمًا على نفاة الرؤية بحجة تنزيه الله عن الجهة والتحيز (^١).\nالثالث: أن يقال لقائل هذا الكلام: لفظ الجهة مجمل فما تعني بقولك: أنه يلزم من إثبات الرؤية أن تكون في جهة؟\nفإما أن تريد بها أمرًا وجوديًا، أي أن كل ما يرى لا بد أن يكون في جهة موجودة أي حالًّا في موجود آخر، فهذا باطل وليس بلازم، فإن سطح العالم يُمكن أن يُرى وليس العالم في عالمٍ آخر.\nوإما أن تريد بالجهة أمرًا عدميًا: أي أن كل ما يُرى لا بد أن يكون فيما يسمى جهة ولو معدومًا؛ فإنه إذا كان مباينًا للعالم سمي ما وراء العالم جهة، وعلى هذا التفسير لا تكون الجهة ممتنعة بل هي الحق الذي يجب إثباته (^٢)، فإن \"قال: لأنَّ ما باين العالم ورُئي لا يكون إلا جسمًا أو متحيزًا؛ عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة. فيقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره.\nويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزًا عنه، فإن أردت بالمتحيز الأول؛ لم يكن سبحانه متحيزًا؛ لأنه بائن عن المخلوقات، لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني؛\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (١/ ١٤٠)، التسعينية (٢/ ٥٤٥)، الفتوى الحموية (ص:٢٠١ - ٢٢٥)، مسألة في العلو ضمن جامع المسائل (٣/ ١٩٣ - ٢٠٢)، مجموع الفتاوى (٥/ ١٣ - ٢٤) ومجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٢٤٧ - ٢٦٢).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩ - ٤٠)، ومنهاج السنة النبوية (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، درء التعارض (٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"1","page":621},{"text":"فهو سبحانه بائن عن المخلوقات، منفصل عنها، ليس هو حالًا فيها، ولا متحدًا بها؛ فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل\" (^١).\nويحسن بنا هنا أن نذكر ما قاله ابن أبي العز (^٢) وابن القيم -رحمهما الله -حول هذه الشبهة، حيث قال ابن أبي العز الحنفي -﵀-: «وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهًا لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي -وهو الله- بالمرئي -وهو الشمس والقمر-، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه؛ وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة! ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله! فإما أن يكون مكابرًا لعقله، أو في عقله شيء، وإلا فإذا قال: يرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة.\nولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة» (^٣).\nوقال ابن القيم -﵀-: «إخباره تعالى عن نفسه، وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عيانًا جهرة كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر، والذي تفهمه الأمم على اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة غير مفرطة في البعد فتمتنع الرؤية ولا في القرب فلا تمكن الرؤية، لا تعقل الأمم غير هذا، فإما أن يروه سبحانه من تحتهم - تعالى الله - أو من خلفهم أو من أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم، ولا بد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩ - ٤٠)، وانظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٣٥٠ - ٣٥٨).\n(^٢) علي بن علي بن محمد بن أبي العز، الحنفي الدمشقيّ: فقيه. كان قاضي القضاة بدمشق له كتب، منها: التنبيه على مشكلات الهداية، شرح الطحاوية، (ت:٥١٣ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٤/ ١٠٣)، الأعلام للزركلي (٤/ ٣١٣)، معجم المؤلفين (٧/ ١٥٦).\n(^٣) شرح الطحاوية (ص:١٦٠).","vol":"1","page":622},{"text":"حقًا، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم كما في حديث جابر الذي في المسند وغيره (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الجبار قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم) (^١)، ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية أصلهم وصرحوا بذلك، وركبوا النفيين معًا، وصدق أهل السنة بالأمرين معًا، وأقروا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبًا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء» (^٢).\nرابعًا: أن إثبات رؤية المؤمنين لربهم بلوازمها اللازمة لها، لا يقتضي تمثيلًا ولا تشبيهًا لله بخلقه، إذ إن رؤية الخالق ليست كرؤية المخلوق، فكما أنه لا يجب استواء ذات الله في حقيقتها وماهيتها وذوات المخلوقات المحدثات، فكذلك لا يجب استواءهما في اللوازم؛ فإنه لا يصح عقلًا ولا شرعًا قياس الخالق بالمخلوق، ولا قياس صفاته بصفات خلقه، وإنما وقع القوم فيما وقعوا فيه من جهة هذا القياس الفاسد.\nوهذا الموضوع مبسوط في مظانه بكثرة، وإنما المراد الإشارة إلى بطلان هذه الشبهة، ويكفي في الدلالة على ذلك قوله تعالى مع ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى ورؤية المؤمنين له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] (^٣).\nوبهذا يتبين بطلان المقدمة الثانية، التي زعموا فيها استحالة هذه اللوازم في\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (١٨٤)، الدينوري في المجالسة (٢٢٢٣)، الآجري في الشريعة (٦١٥)، الدارقطني في رؤية الله (٥١)، من حديث جابر بن عبد الله -﵁- وضعفه الألباني في المشكاة (٥٦٦٤) وضعيف الجامع (٢٣٦٣).\n(^٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٢/ ٢١٧).\n(^٣) انظر: التدمرية (ص:٣٩ - ٤٠)، درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥٩، ٩٥).","vol":"1","page":623},{"text":"حق الله ﷾، وبالتالي نفوا رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وأنكروا النصوص الواضحة والأدلة المتواترة.\nويتبين صدق ما ذكره شيخ الإسلام من أن جميع الأدلة التي يحتج بها منكرو الرؤية راجعة لهاتين المقدمتين، فهم: إما أن يجعلوا للرؤية لوازم باطلة، ثم ينكروا الرؤية بسبب هذه اللوازم، وإما أن يثبتوا للرؤية لوازم حقه، ثم ينفوا هذه اللوازم في حق الله سبحانه بزعم تنزيه الله عنها، واستحالة اتصاف الله بها.","vol":"1","page":624},{"text":"<span data-type='title' id=toc-333>المبحث الخامس: مناظرته مع بعض من يدعي أن الله يتكلم بكلام لا معنى له</span>.\nواشتمل على مطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-334>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-335> تمهيد:</span>\nلقد كان شيخ الإسلام على دراية تامة بمقالات الفرق، وكان ﵀ دقيقًا فيما ينسبه لشتى الفرق والطوائف والأشخاص من أقوال ومعتقدات مهما كان قدر الخلاف بينه وبينها، ومهما كانت قدر مخالفتها للكتاب والسنة والعقيدة السليمة؛ فإن الخلاف لا يبيح التقول على الخصوم والتجني عليهم، وهذا الأمر يفتقده كثير من أهل البدع حين ينسبون الأكاذيب والافتراءات إلى عقيدة أهل السنة وأعلامهم وعلمائهم، ونلحظ في هذه المناظرة شيئًا من إنصاف شيخ الإسلام، ودقته في نسبة الأقوال لقائليها، وخبرته بذلك، وعدله مع خصومه ﵀.\n\n•<span data-type='title' id=toc-336> نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وكثير من المنتسبين إلى السنة وغيرهم ظنوا أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله: هو معنى الكلام الذي أُنزل القرآن لبيانه؛ فصاروا يجعلون كثيرًا من القرآن كلامًا خوطب به الناس، وأنزل إليهم، وأمروا بتلاوته وتدبره، وهو كلام لا يفهم معناه، ولا سبيل إلى معرفة مراد المتكلم به.","vol":"1","page":625},{"text":"وقد يحكى عن بعضهم: أنه سمع كلامًا لا معنى له في نفس الأمر، كما حكى الرازي في محصوله عمن سماهم بـ (حشوية) (^١) أنهم قالوا: يجوز أن يتكلم الله بكلام، ولا يعني به شيئًا.\nلكن هذا القول لا أعرف به قائلًا، بل لم يقل هذا أحد من طوائف المسلمين!\n_________\n(^١) الحشو من الكلام: الفضل الذي لا يعتمد عليه. وكذلك هو من الناس؛ فحشوة الناس: رذالتهم. انظر: تهذيب اللغة (٥/ ٩٠)، وتاج العروس (٣٧/ ٤٣٠ - ٤٣٣).\nوقال شيخ الإسلام -﵀-: «مسمى الحشو في لغة الناطقين به ليس هو اسما لطائفة معينة لها رئيس قال مقالة فاتبعته: كالجهمية، والكلابية، والأشعرية. ولا اسما لقول معين، من قاله كان كذلك.\nوالطائفة إنما تتميز بذكر قولها، أو بذكر رئيسها» إلى أن قال: «وإذا كان كذلك، فأول من عرف أنه تكلم في الإسلام بهذا اللفظ: عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة؛ فقيههم وعابدهم، فإنه ذكر له عن ابن عمر شيء يخالف قوله، فقال: كان ابن عمر حشويًا؛ نسبه إلى الحشو، وهم العامة والجمهور. وكذلك تسميهم الفلاسفة كما سماهم صاحب هذا الكتاب -يعني الرازي-.\nوالمعتزلة ونحوهم يسمونهم الحشوية. والمعتزلة تعني بذلك كل من قال بالصفات وأثبت القدر. وأخذ ذلك عنها متأخرو الرافضة، فسموا هم الجمهور بهذا الاسم.\nوأخذ ذلك عنهم القرامطة الباطنية، فسموا بذلك كل من اعتقد صحة ظاهر الشريعة؛ فمن قال عندهم بموجب الصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم رمضان، وحج البيت، وتحريم الفواحش والمظالم والشرك ونحو ذلك، سموه حشويًا؛ كما رأينا ذلك مذكورًا في مصنفاتهم. والفلاسفة تسمي من أقر بالمعاد الجسمي والنعيم الحسي حشويًا. وأخذ ذلك عن المعتزلة تلامذتهم من الأشعرية فسموا من أقر بما ينكرونه من الصفات، ومن يذم ما دخلوا فيه من بدع أهل الكلام والجهمية والإرجاء حشويًا. ومنهم أخذ ذلك هذا المصنف» يعني الرازي. بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٢٩ - ١٣١).\nوبين القرافي مراد الرازي بالحشوية في هذا الموضع فقال: «مراده بقوله: (خلافا للحشوية): الطائفة الذين لا يرون البحث في القرآن إذا تعذر إرادة ظاهره، نحو آيات الصفات؛ فإنهم لا يعتقدون ظاهرها، بخلاف المجسمة منهم، فإنهم يجرونها على ظواهرها، وهؤلاء يقولون: ما يعرف معنى هذه الآيات أصلًا، بل يفوضها إلى الله تعالى في تعين مجازها بعد أن يعتقد أن خفاءها غير مراده» نفائس الأصول في شرح المحصول (٣/ ١٠٦٠).","vol":"1","page":626},{"text":"ولهذا كنا مرة في مجلس فجرت هذه المسألة، فقلت: هذا لم يقله أحد من طوائف المسلمين، وإن كان أحد ذكره، فليس فيما ذكره (^١) حجةٌ على إبطاله.\nفقال بعض الذابين عنه: هذا قالته الكرامية (^٢).\nفقلت: هذا لم يقله لا كرامي ولا غير كرامي، ولا أحد من أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم، وبتقدير أن يكون قولًا، فإنما احتَّجَ (^٣) على فساده بأن هذا عبث، والعبث على الله محال.\nوهذه الحجة فاسدة على أصله؛ لأن النزاع إنما هو في الحروف المؤلفة، هل يجوز أن يُنزل حروفًا لا معنى لها، والحروف عنده من المخلوقات، وعنده يجوز أن يخلق الله كل شيء؛ لأن فعله لا يتوقف على الحكمة والمصلحة، فليس فيما ذكره حجة على بطلان هذا.\nوإنما النزاع المشهور هل يجوز أن ينزل الله تعالى ما لا يفهم معناه؟ والرازي ممن يجوز هذا في أحد قوليه، ووافق من قال إن التأويل لا يعلمه إلا الله، مع قولهم إن التأويل هو المعنى.\nوأصل الخطأ في هذا أن لفظ التأويل مجمل يراد به:\n١. ما يؤول إليه الكلام: فتأويل الخبر نفس المخبر عنه، وتأويل أسماء الله وصفاته نفسه المقدسة بما لها من صفات الكمال.\n٢. ويراد بالتفسير التأويل: وهو بيان المعنى المراد، وإن لم نعلم كيفيته وكنهه» (^٤).\n_________\n(^١) أي الرازي.\n(^٢) الكرامية: هم أتباع محمد بن كرام؛ يعتقدون أن الله تعالى جسم، وأنه تعالى محل للحوادث، وأن له ثقلًا، وأنه خالق رازق بلا خلق ولا رزق. ولهم في الإيمان قول منكر؛ حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنًا. انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٣)، الملل والنحل (١/ ١٠٨)، الفرق بين الفرق (ص: ٢٠٢ - ٢١٤).\n(^٣) أي الرازي.\n(^٤) الصفدية (١/ ٢٨٧).","vol":"1","page":627},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\nفي هذه المناظرة حدث حوار ونقاش بين شيخ الإسلام وأحد المتعصبين لفخر الدين الرازي المنافحين عنه، وكان موضوع النقاش ومحوره حول صحة ما ادعاه الرازي من أن هناك من يقول إن الله يتكلم بكلام لا معنى له، وهل يصح نسبة هذا القول لأي طائفة من طوائف المسلمين، أم لا؟ وقد حمل هذا الرجل تعظيمه وتعصبه للرازي، أن يثبت ما قرره الرازي وينسب هذا القول إلى الكرامية، فبين له شيخ الإسلام خطأ ما قرره الرازي وخطأ ما دافع به عن إمامه الرازي كما سيتم إيضاحه أثناء دراسة المسألة.\n\n<span data-type='title' id=toc-338>أصل الشبهة:</span>\nمن المعلوم أن من المسائل التي حصل فيها النزاع بين أهل القبلة مسألة: هل يجوز أن يكون في القرآن ألفاظٌ لا يَفهمُ أحد معناها، ولا يمكن إدراك المراد بها؟\nوهذه المسألة أطال العلماء في دراستها سواء في كتب الاعتقاد، أو في كتب ومباحث أصول الفقه، وقلَّ أن تجد مصنفًا مطولًا من مصنفات الأصول إلا وقد تعرض لها، إلا أن الرازي، وسبقه إلى ذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي (^١)، وتبعهما على ذلك بعض المتأخرين: أظهروا هذه المسألة بقالب شنيع، وغلطوا في تصويرها، وجعلوا ما لم يرد فيه اختلاف، محلًا للنزاع والخلاف.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «ومن المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال: (لا يجوز أن يتكلم الله بكلام ولا يعني به شيئًا، خلافًا للحشوية). وهذا لم يقله مسلم إن الله يتكلم بما لا معنى له. وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه؟، وبَيَنَ نفي المعنى عند المتكلم ونفي الفهم عند المخاطب بونٌ عظيم» (^٢).\n_________\n(^١) هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن خليل الهمذاني شيخ المعتزلة ولي قضاء القضاة بالري، وتصانيفه كثيرة منها: المغني، وشرح الأصول الخمسة، (ت:٤١٥ هـ). انظر: السير (١٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥) والوافي بالوفيات (١٨/ ٢٠ - ٢٢).\n(^٢) المحصول (١/ ٣٨٦).","vol":"1","page":628},{"text":"وبهذا يتبين أصل شبهة من أطلق الخلاف في هذه المسألة، ونسب القول فيها لبعض طوائف الإسلام، وهو الخلط بينها وبين مسألة: إمكان إنزال الله كلامًا قد لا يفهم العباد معناه؟ مما هو محل نزاع بين أهل القبلة، بخلاف هذه المسألة التي لم تخالف فيها أي طائفة من طوائف هذه الأمة كما سيأتي توضيح ذلك من كلام شيخ الإسلام -﵀- في الجواب على هذه الدعوى.\n\n<span data-type='title' id=toc-339>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة وهذه الدعوى:</span>\nلقد تنوعت طرق شيخ الإسلام في نقض هذه الدعوى وبيان فسادها، وعدم صحتها وبطلانها، ويمكن حصر أهم طرق شيخ الإسلام في رد هذه المقالة بما يأتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-340>أولًا: بيان خطأ هذه الدعوى:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- أن القول بأن الله يتكلم بكلام لا معنى له، قول لا يعرف عن أحد من علماء المسلمين، ولم يرد عن شيءٍ من طوائف المسلمين. وقد وقع الرازي في خطأ واضح حيث أضاف هذا القول إلى من أسماهم حشوية فقال كما في محصوله:\n«المسألة الأولى: في أنه لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشيء ولا يعني به شيئًا، والخلاف فيه مع الحشويَّةِ، لنا وجهان:\nأحدهما: أن التكلم بما لا يفيد شيئًا هذيان، وهو نقص، والنقص على الله تعالى محال.\nوثانيهما: أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى، وشفاء، وبيانات؛ وذلك لا يحصل بما لا يفهم معناه» (^١).\nفأخطأ الرازي هنا بحكاية الخلاف في المسألة وهي محل اتفاق وإجماع، ثم\n_________\n(^١) المحصول في أصول الفقه (١/ ٣٨٥).","vol":"1","page":629},{"text":"أخطأ في نسبة هذا القول إلى الحشوية، كما أخطأ هذا الشخص المتعصب له بنسبته هذا القول إلى الكرامية، والواقع أن هذا القول لم يقل به أحد، لا كرامي ولا حشوي ولا غير ذلك.\nوقد بين الآمدي أن اشتمال القرآن الكريم على ما لا معنى له، أمرٌ لا يتصور أصلًا، فكيف يقول به عاقل؟! قال -﵀-: «القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه؛ لكونه هذيانًا ونقصًا يتعالى كلام الرب عنه، خلافًا لمن لا يؤبه له» (^١).\nوقال الزركشي -﵀- (^٢): «لا يجوز أن يرد في القرآن ما ليس له معنى أصلًا» (^٣)، وقال علاء الدين المرداوي (^٤) -﵀-: «قوله: (وليس فيه ما لا معنى له): وهذا مما يقطع به كل عاقل، ممن شم رائحة العلم، ولا يخالف في ذلك إلا جاهل أو معاند؛ لأن ما لا معنى له هذيان، ولا يليق النطق به من عاقل، فكيف بالباري ﷾» (^٥).\nوبين العلامة حسن بن محمد العطار (^٦) في حاشيته على \"شرح المحلي على\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٦٧).\n(^٢) هو أبو الحسن بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي، فقيه أصولي محدث، مشارك في بعض العلوم. من تصانيفه الكثيرة: الديباج في توضيح المنهاج للنووي، شرح جمع الجوامع للسبكي، (ت:٧٩٤ هـ). انظر: طبقات المفسرين (٢/ ١٦٢)، معجم المؤلفين (١٠/ ٢٠٥).\n(^٣) البحر المحيط في أصول الفقه (٢/ ١٩٧).\n(^٤) علي بن سليمان بن أحمد المرداوي ثم الدمشقي الصالحي فقيه حنبلي، من العلماء. من مصنفاته: الإنصاف، والتحبير شرح التحرير، (ت:٨٨٥ هـ). انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (٥/ ٢٢٥) البدر الطالع (١/ ٤٤٦)، الأعلام للزركلي (٤/ ٢٩٢).\n(^٥) التحبير شرح التحرير (٣/ ١٣٩٩).\n(^٦) هو حسن بن محمد بن محمود العطار: من علماء مصر، أصله من المغرب، ومولده ووفاته في القاهرة، له مصنفات منها: كيفية العمل بالاسطرلاب، والإنشاء والمراسلات، وغيرها، (ت:١٢٥٠ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٢/ ٢٢٠)، معجم المؤلفين (٣/ ٢٨٥).","vol":"1","page":630},{"text":"جمع الجوامع\" أن \"أحدًا ممن يوثق به لم يقل بذلك فلا يصلح أن يكون محل النزاع، كيف والقرآن العزيز في أعلى طبقات البلاغة المشترط فيها فصاحة الكلام، ووقوع ما يخل بالفصاحة فيه يخرجه عنها، فكيف بالمهمل؟! وأيضًا لو تلفظ واحد منا في خطابه بمُهمل نُسب إلى هذيان وعبث، فكيف بالحضرة العلية (^١)؟! وأيضًا لو فرض وقوعه في القرآن للزم إفحام الرسول -ﷺ-؛ فإنه يخاطب به مصاقع البلغاء وأعاظم الفصحاء الذين هم نقدة الكلام وحاكة برده وقد تطأطأت رءوسهم عند سماعه، ولم يجدوا فيه مغمزًا من جهة البلاغة والفصاحة، فلو وقع فيه لفظ مهمل لسارعوا إلى المبادرة بالطعن فيه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-341>ثانيًا: بيان الخلط الذي وقع فيه الرازي ومن تبعه على هذه المقالة:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- أن الرازي ومن تبعه قد خلطوا بين مسألتين مختلفتين.\nالمسألة الأولى: كلام الله بما بكلام قد لا يفهمه المخاطبون.\nالمسألة الثانية: كلام الله بما لا معنى له.\nفأما المسألة الأولى ففيها إثبات المعنى للكلام، وإن كان العباد قد يجهلون هذا المعنى.\nوأما المسألة الثانية فليس فيها إثبات معنى للكلام أصلًا.\nوالمسألة الأولى قد قالت بها بعض الفرق، وأما المسألة الثانية فلم تقل بها طائفة قط، ولا يكاد يقول بها مؤمن عاقل وذلك لظهور فسادها، وضرورة بطلانها.\nوقد وقع الخلط لدى الرازي وبعض المعظمين له والمتعصبين معه، بين\n_________\n(^١) هذه العبارة من العبارات التي خرجت من عباءة الصوفية ولم تأت في كتاب ولا سنة، ولم تعرف عن أحد من سلف هذه الأمة، وفيما أخبر الله تعالى وأخبر به رسوله ﷺ من أسمائه غنية عن هذه الألفاظ التي ينطوي تحتها من الاعتقادات الباطلة ما الله به عليم.\n(^٢) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":631},{"text":"المسألتين، فصوروا الخلاف الواقع في جواز أن يتكلم الله بكلام له معنى ولكن لا تدركه عقول العباد وأفهامهم، بأن الله يتكلم بكلام لا معنى له أصلًا، قال شيخ الإسلام: «وهذا لم يقله مسلم (إن الله يتكلم بما لا معنى له)، وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه؟ وبين نفي المعنى عند المتكلم ونفي الفهم عند المخاطب بون عظيم» (^١). فغلطوا في تصوير المسألة وأخطأوا في تحرير محل النزاع.\nوقد بين جماعة من شراح الأصول هذا الخلط الذي وقع للرازي ومنهم العلامة الزركشي حيث قال: «واعلم أن الرازي ترجم المسألة في المحصول: بأنه يجوز أن يتكلم الله ورسوله بشيء، ولا يعني به شيئا.\nثم استدل بما يقتضي أن الخلاف في التكلم بما لا يفيد، وبينهما فرق، فإنه يمكن أن يعني به شيئًا، وهو يفيد في نفسه، ويمكن أن يفيد ولا يعني به شيئًا، فمحل النزاع غير منقح» (^٢).\nوبين القرافي (^٣) أن الصواب أن يقال في المسألة: «لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بما لا يفهم» ولا يقال: بما لا معنى له؛ لأن هذا متفق على امتناعه (^٤). قال ابن النجار الحنبلي (^٥) معلقًا على كلام القرافي: «وما قاله ظاهر؛ لأنه لا يخالف فيه إلا جاهل أو معاند؛ لأن ما لا معنى له هذيان لا يليق أن يتكلم به عاقل. فكيف بالباري ﷾؟» (^٦).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٦).\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٢/ ١٩٩).\n(^٣) هو أحمد بن إدريس المشهور بالقرافي، الفقيه الأصولي شهاب الدين الصنهاجي، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك، ونسب إلى القرافة ولم يسكنها، من مصنفاته: التنقيح، وأنواء الفروق، (ت:٦٨٤ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (٦/ ١٤٦) والديباج المذهب (١/ ٢٣٦).\n(^٤) نفائس الأصول في شرح المحصول (٣/ ١٠٦٠).\n(^٥) محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، تقي الدين أبو البقاء، الشهير بابن النجار: فقيه حنبلي مصري. له مصنفات أهمها: منتهى الإرادات في الفقه الحنبلي (ت: ٩٧٢ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٦/ ٦) ومعجم المؤلفين (٨/ ٢٧٦).\n(^٦) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٢/ ١٤٤).","vol":"1","page":632},{"text":"فتبين من هذا كله أن الرازي ومن تبعه قد خلطوا بين مسألتين مختلفتين، ولم يفرقوا بين أن يتكلم المتكلم بما لا معنى له، وبين أن يتكلم بما لا يفهم معناه ظاهرًا، وذلك أنه لا قائل بأن الله يجوز عليه أن يتكلم بكلام لا معنى له، وإنما النزاع المشهور هل يجوز أن ينزل الله تعالى ما لا يفهم معناه؟ فالأول يتعلق بالمتكلم، والثاني يتعلق بالسامع، والفرق بينهما ظاهر.\n\n<span data-type='title' id=toc-342>ثالثًا: بيان خطأ نسبة هذا القول إلى الكرامية:</span>\nأبطل شيخ الإسلام دعوى مناظره أن هذا القول هو قول الكرامية في كلام الله سبحانه، وبين أن الكرامية لا تقول بمثل هذا القول لا هي ولا غيرها.\nوقد بين شيخ الإسلام في غير موضع من كتبه مذهب الكرامية في كلام الله تعالى، وذكر أنهم يعتقدون أن كلام الله حروف وأصوات حادثة قائمة بذات الله سبحانه، ويسمونها صفة (القول). وأما صفة الكلام عندهم فهي صفة قديمة، ومعناها: القدرة على إحداث القول. ففرقوا بين الكلام والقول، وأتوا بقول لم يسبقهم إليه أحد حيث فسروا صفة الكلام بالقدرة، وجعلوا هناك صفة أخرى مختلفة عن الكلام وهي (القول).\nوقالوا: قول الله حادث، والقرآن عندهم من هذا الباب فهو قول الله وليس كلام الله، ومع كونه حادثًا فهو قائم بذات الله، بناءً على أصلهم في عدم امتناع قيام الحوادث بذات الله.\nومعنى حادث أي أنه ليس بأزلي؛ بل تكلم الله به بعد أن لم يكن يتكلم، وإن كان قادرًا على الكلام.\nويقولون بأن مسمى الكلام حقيقة في اللفظ مجاز في المعاني، بعكس قول الكلابية والأشاعرة الذين يقولون هو حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ (^١).\n_________\n(^١) انظر لبيان مذهب الكرامية في كلام الله: التسعينية (٣/ ٧٥٤)، النبوات (١/ ٥٨٩)، مجموع الفتاوى (١٢/ ٣١٥)، الفرق بين الفرق (ص:٢١٧ - ٢١٨)، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين (ص: ١١٤).","vol":"1","page":633},{"text":"ولكن الكرامية مع عدم إدخالهم المعاني في مسمى الكلام، إلا أنهم -كما أخبر شيخ الإسلام- لا ينفون أن يكون لكلام الله معنى، قال شيخ الإسلام: «لكن هؤلاء الذين يقولون: إن الكلام ليس هو إلّا الحروف والأصوات، لا يمنعون أن يكون للكلام معنى، بل النَّاس كلهم متفقون على أن الحروف والأصوات التي يتكلم بها المتكلمون تدل على معان» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-343>رابعًا: بيان ضعف مذهب الرازي وتناقضه في تقرير المسألة وردها:</span>\nتناقض الرازي في تعليله لعدم الجواز بأن يتكلم الله بكلام لا معنى له بقوله: «أن التكلم بما لا يفيد شيئًا هذيان، وهو نقص، والنقص على الله تعالى محال» (^٢)، وهذا التعليل لا يصح على مذهبه، وذلك لأنه مبني على أمرين:\nالأمر الأول: إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الرب.\nالأمر الثاني: إثبات التحسين والتقبيح العقليين.\nوالرازي من نفاة الحكمة والتعليل في أفعال الرب، كما صرح بذلك في محصوله ودلل عليه (^٣)، وهو أيضًا من نفاة التحسين والتقبيح العقليين وقد جعل لهذا فصلًا في محصوله فقال: «الفصل السابع: في أن حسن الأشياء وقبحها لا يثبت إلا بالشرع» (^٤).\nقال شيخ الإسلام «احتج بما لا يجري على أصله فقال: هذا عبث والعبث على الله محال. وعنده أن الله لا يقبح منه شيء أصلًا، بل يجوز أن يفعل كل شيء!\nوليس له أن يقول: العبث صفة نقص فهو منتف عنه؛ لأن النزاع في الحروف وهي عنده مخلوقة من جملة الأفعال، ويجوز أن يشتمل الفعل عنده على كل صفة.\n_________\n(^١) التسعينية (٢/ ٤٣٥).\n(^٢) المحصول في أصول الفقه للرازي (١/ ٣٨٥).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٥/ ١٨٢ - ١٩٦).\n(^٤) المصدر السابق (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":634},{"text":"فلا نقل صحيح ولا عقل صريح» (^١).\nولذلك تعقبه القرافي -شارح المحصول-، وبين مناقضة قول الرازي لمذهبهم فقال: «قلنا: مذهب أهل الحق أن الله تعالى لا يجب تعليل أفعاله ولا أحكامه بالأغراض، ولا يجب على الله تعالى رعاية مصلحة ولا درء مفسدة، وإنما تصح هذه الدعوى على قاعدة المعتزلة في الحسن والقبح» (^٢).\nوقال الأصفهاني (^٣) -أيضًا-: «والحق أرجو أن الكلام بما لا يعني به مُفَّرعٌ على التحسين والتقبيح العقليين، ووجههُ ظاهر، ثم قال: وحينئذ فيسهل المنع على مذهب المعتزلة، أما على رأي الأشاعرة: فكيف يستقيم لهم المنع مع أنهم لا يقولون التحسين والتقبيح العقليين؟» (^٤)\nويتلخص لنا من هذا كله بطلان هذه الدعوى التي ذكرها الرازي، وعدم صحة نسبة هذا القول لأحد لا من الكرامية ولا من غيرهم، ويظهر من هذا كذلك مدى وسعة ما بلغ شيخ الإسلام من علم بأقوال الفرق، وأمانته في تحرير المسائل ودقته في نقل الأقوال، والله أعلم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٦).\n(^٢) نفائس الأصول في شرح المحصول (٣/ ١٠٤٤ - ١٠٤٥).\n(^٣) هو أبو عبد الله شمس الدين، محمد بن محمود بن محمد العلامة، الأصفهاني، الأصولي وانتهت إليه الرياسة في معرفة أصول الفقه قدم دمشق وناظر الفقهاء واشتهرت فضائله. له مصنفات منها: شرح المحصول، والفوائد في الأصلين، (ت: ٦٧٨ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٦١٩)، بغية الوعاة (١/ ٢٤٠).\n(^٤) البحر المحيط للزركشي (٢/ ١٩٩).","vol":"1","page":635},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>المبحث السادس: مناظرته مع بعض المشغوفين بأهل الكلام في بطلان طريقتهم إما في الدلائل أو المسائل. وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-345>المطلب الأول: عرض المناظرة</span>.\n•<span data-type='title' id=toc-346> تمهيد:</span>\nلقد كان شأن شيخ الإسلام شأنًا عظيمًا؛ فقد رزقه الله منذ صغره وحداثة سنه من العلم الغزير والبصيرة النافذة الشيء الجليل الكبير، حتى إنه كان يجابه أهل الكلام والفلسفة ويبين تهافت مذهبهم وضعف طريقتهم بالأدلة القوية والبراهين الجلية؛ وما هذه المناظرة -التي بين يدينا- والتي حصلت له وهو قريب عهد بالاحتلام، إلا نموذج على ما حباه الله به من العلم الواسع، والخبرة العظيمة بالحق وما يخالفه من المذاهب الفاسدة والأقوال الباطلة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-347> نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «المعلوم من حيث الجملة: أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوًا وقولًا للباطل وتكذيبًا للحق في مسائلهم ودلائلهم؛ لا يكاد -والله أعلم- تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك.\nوأذكر أني قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم من المشغوفين بهم، وأنا إذ ذاك صغير قريب العهد من الاحتلام، كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل:","vol":"1","page":636},{"text":"-إما في الدلائل،\n-وإما في المسائل.\nإما أن يقولوا مسألة تكون حقًا، لكن يقيمون عليها أدلة ضعيفة، وإما أن تكون المسألة باطلًا، فأخذ ذلك المشغوف بهم يعظم هذا، وذكر مسألة التوحيد.\nفقلت: التوحيد حق، لكن اذكر ما شئت من أدلتهم التي تعرفها حتى أذكر لك ما فيه. فذكر بعضها بحروفه حتى فهم الغلط وذهب إلى ابنه -وكان أيضًا من المتعصبين لهم- فذكر ذلك له، قال: فأخذ يعظم ذلك علي.\nفقلت: أنا لا أشك في التوحيد ولكن أشك في هذا الدليل المعين» (^١)، ثم استطرد -﵀- في ذكر الأدلة الدالة على بطلان طريقتهم في الدلائل والمسائل.\n\n<span data-type='title' id=toc-348>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-349> تمهيد:</span>\nنبه شيخ الإسلام في غير موضع من كتبه أن أكثر كلام الفلاسفة والمتكلمين، حشو لا فائدة فيه، فهم من أكثر الطوائف تقريرًا للباطل وتكذيبًا للحق، وهذه سمة لازمة لهم: إما في مسائلهم، أو دلائلهم.\nوجميع ردود شيخ الإسلام على المتكلمين: إما في بيان مسألة باطلة أحدثوها، أو دليل فاسد قرروه، وهذا هو ما قرره شيخ الإسلام لمناظره ووضحه له، وستكون دراسة المناظرة التي بين أيدينا من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-350>الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:</span>\nأشار شيخ الإسلام في رده على مناظره إلى أن هذا المناظر إنما أوتي من تعظيمه لطريقة المتكلمين وولعه بهم وشغفه بمسائلهم ودلائلهم، ولذلك استشنع كلام شيخ الإسلام واستعظم ما قرره من بطلان مذهب القوم، سواء في المسائل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧).","vol":"1","page":637},{"text":"أو في الدلائل، وكثير من أهل البدع إنما تشربوا بدعهم من جهة تعظيم مشايخهم وعلمائهم والغلو فيهم، حتى استثقلوا قول الحق خشية مخالفة أشياخهم ورد تنظيراتهم وأقوالهم، وما ظهرت كثير من العقائد الفاسدة والآراء الشاذة المنحرفة والأهواء المضلة إلا من هذا الباب حتى بلغ الأمر بكثير من الناس إلى درجة ادعاء العصمة في الأساتذة والأشياخ، بل بلغ الأمر بطوائف -غير قليلة من الناس- إلى تأليه الأشخاص واتخاذهم أربابًا من دون الله، وهذا أمر يطول شرحه، ويصعب بسطه (^١)، وإنما أردت الإشارة إليه في مثل هذا المقام، لبيان سبب محاجة هذا الرجل عن أهل الكلام، واستعظامه لما قرره شيخ الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-351>الوجه الثاني: الجواب على شبهتهم:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- في هذه المناظرة بطلان ما عليه المتكلمون والفلاسفة بقاعدة عامة إجمالية يدخل فيها كل قضية اعتقدوها وكل مقالة تبنوها، وهي أن جميع ما يأتي به أهل الكلام والفلسفة إما أن تكون مسألة مخترعة حادثة لم يدل عليها دليل شرعي جعلوها أصلًا من أصول الدين وعقيدة تلزم جميع المسلمين، وإما أن يأتوا بأصل شرعي صحيح ومسألة عقدية مقررة، ولكن يستدلون عليها بأدلة باطلة ضعيفة أو مضطربة متهاوية،\nوكثير من باطلهم هو من النوع الأول: وهي المسائل المحدثة التي جعلوها دينًا وقرروها في كتب الأصول والعقائد، كمسألة نفي الصفات ونفي القدر، ونحوها من المسائل.\nوقد فصل شيخ الإسلام القول في بيان فساد كل مسألة من هذه المسائل، بل إن كثيرًا من مصنفاته إنما صنفها لبيان فساد بعض هذه المسائل، وإنما اكتفي في هذا المقام بذكر بعض الأجوبة الإجمالية التي بين فيها شيخ الإسلام فساد مسائل القوم ودلائلهم على وجه العموم لا التخصيص، وأهم هذه الأجوبة ما يلي:\n_________\n(^١) انظر: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: ١٤٥ - ١٥٠).","vol":"1","page":638},{"text":"<span data-type='title' id=toc-352>أولًا: أن مسائلهم التي قرروها مسائل محدثة لم ترد في الشرع، بل هي مخالفة له:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- أن مسائل الدين التي يجب اعتقادها قد بينها الله ورسوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ ولا يوجد أصل من أصول الدين إلا وقد بُيِّنَ في القرآن والسنة على أكمل وجه وأوضح بيان، ولذلك فإن كل مسألة أحدثها المتكلمون والفلاسفة وألزموا الناس باعتقادها مما لم يأت في كتاب ولا سنة ولا نص عليها أحد من سلف هذه الأمة فهي مسألة باطلة، وقد أنكر شيخ الإسلام على من سأله عن الخوض في مسائل من أصول الدين لم ترد في النصوص، فقال ضمن جوابه للسائل: «فقول السائل: هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد -ﷺ- فيها كلام أم لا؟ سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة، فإن المسائل التي هي من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين، أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله، وأنزل به كتابه، لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي -ﷺ- - فيها كلام، بل هذا كلام متناقض في نفسه، إذ كونها من أصول الدين، يوجب أن تكون من أهم الدين، وأنها مما يحتاج إليه» (^١).\nبل إن هذه المسائل المذكورة وغيرها من المسائل التي يقررها المتكلمون مع كونها غير واردة في النصوص فإنها كذلك مخالفة لما دلت عليه الآيات والنصوص قال ﵀: «ومن تدبر هذا كله وتأمله وتبين له أن ما جاء به القرآن من بيان آيات الرب ودلائل توحيده وصفاته هو الحق المعلوم بصريح المعقول وأن هؤلاء خالفوا القرآن في أصول الدين في دلائل المسائل وفي نفس المسائل خلافًا خالفوا به القرآن والإيمان وخالفوا به صريح عقل الإنسان وكانوا في قضاياهم التي يذكرونها في خلاف ذلك أهل كذب وبهتان، وإن لم يكونوا متعمدين\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٦).","vol":"1","page":639},{"text":"الكذب، بل التبس عليهم ما ابتدعوه من الهذيان» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-353>ثانيًا: أن أدلتهم التي يقررون بها أصولهم ومسائلهم أدلة محدثة مبتدعة:</span>\nفمثل ما قيل في ابتداعهم لكثير من المسائل المحدثة، فكذلك القول فيما اخترعوه من أدلة وسلكوه من طرق لتقرير المسائل الشرعية والأصول العقدية قال شيخ الإسلام -﵀-: «والمقصود هنا أن هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.\nفيقال لهم: أنتم وكل مسلم عالم تعلمون بالاضطرار أن إيمان السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكن مبنيًا على هذه الحجج المبنية على الجسم، ولا أمر النبي -ﷺ- أحدًا أن يستدل بذلك على إثبات الصانع، ولا ذكر الله تعالى في كتابه وفي آياته الدالة عليه وعلى وحدانيته شيئًا من هذه الحجج المبنية على الجسم والعرض، وتركيب الجسم وحدوثه وما يتبع ذلك.\nفمن قال: إن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بهذه الطريق كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام.\nومن قال: إن سلوك هذه الطريق واجب في معرفة الصانع تعالى كان قوله من البدع الباطلة المخالفة لما علم بالاضطرار من دين الإسلام.\nولهذا كان عامة أهل العلم يعترفون بهذا: وبأن سلوك هذه الطريق ليس بواجب، بل قد ذكر أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر أن سلوك هذه الطريق بدعة محرمة في دين الرسل، لم يدع إليها أحد من الأنبياء ولا من أتباعهم (^٢).\nثم القائلون بأن هذه الطريق ليست واجبة قد يقولون: إنها في نفسها صحيحة،\n_________\n(^١) المصدر السابق (٥/ ٢٠٣).\n(^٢) انظر: رسالة إل أهل الثغر (١٠٥ - ١١٦).","vol":"1","page":640},{"text":"بل ينهى عن سلوكها لما فيها من الأخطار، كما يذكر ذلك طائفة منهم: الأشعري، والخطابي، وغيرهما.\nوأما السلف والأئمة فينكرون صحتها في نفسها، ويعيبونها لاشتمالها على كلام باطل، ولهذا تكلموا في ذم هذا الكلام؛ لأنه باطل في نفسه، لا يوصل إلى الحق، بل إلى باطل، كقول من قال: (الكلام الباطل لا يدل إلا على باطل) (^١)، وقول من قال: (لو أوصى بكتب العلم لم يدخل فيها كتب علم الكلام) (^٢)، وقول من قال: (من طلب الدين بالكلام تزندق) (^٣) ونحو ذلك.\nونحن الآن في هذا المقام نذكر ما لا يمكن مسلمًا أن ينازع فيه، وهو أنا نعلم بالضرورة أن هذه الطريق لم يذكرها الله تعالى في كتابه، ولا أمر بها رسوله -ﷺ-، ولا جعل إيمان المتبعين له موقوفًا عليها، فلو كان الإيمان بالله لا يحصل إلا بها لكان بيان ذلك من أهم مهمات الدين، بل كان ذلك أصل أصول الدين، لا سيما وكان يكون فيها أصلان عظيمان: إثبات الصانع، وتنزيهه عن صفات الأجسام، كما يجعلون هم ذلك أصل دينهم، فلما لم يكن الأمر كذلك عُلم أن الإيمان يحصل بدونها، بل إيمان أفضل هذه الأمة وأعلمهم بالله كان حاصلًا بدونها.\n_________\n(^١) روى أبو إسماعيل الهروي بسنده إلى الإمام مالك ﵀ قال: لعن الله عمرًا فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام ولوكان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع ولكنه باطل يدل على باطل. ذم الكلام (٧٢ - ٧٣/ ٥).\n(^٢) رواه أبو الفضل المقرئ في أحاديث في ذم الكلام وأهله (ص:٩٠) من قول الإمام الشافعي -﵀-، وانظر: شرح السنة للبغوي (١/ ٢١٨)، والسير (١٠/ ٣٠). وانظر شيئًا من أقوال الشافعي ومواقفه في الكلام وأهل الكلام في \"آداب الشافعي ومناقبه\" لأبن أبي حاتم (ص:١٣٧ - ١٤٥)\n(^٣) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٥/ ٧١:٨٥) من قول مالك بن أنس -﵀-، ورواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٥/ ٢٠٢:٩٩٨). والخطيب في الكفاية (ص:١٤٢) وشرف أصحاب الحديث (ص:٥) والسمعاني في أدب الإملاء والاستملاء (ص:٨٥) وابن عدي في الكامل (١/ ١١١) كلهم من قول القاضي أبي يوسف -﵀-.","vol":"1","page":641},{"text":"فمن قال بعد هذا: إن العلم بصحة الشرع لا يحصل إلا بهذا الطريق ونحوها من الطرق المحدثة؛ كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، وعلم أن القدح في مدلول هذه الطرق ومقتضاها، وأن تقديم الشرع المعارض لها، لا يكون قدحًا في العقليات، التي هي أصل الشرع، بل يكون قدحًا في أمور لا يفتقر الشرع إليها، ولا يتوقف عليها، وهو المطلوب» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-354>ثالثًا: أن إحداث مسائل جديدة في أصول الدين يعتبر طعنًا في الشرع وقدحًا في النبوة:</span>\nبين شيخ الإسلام -﵀- أن إحداث مسائل جديدة في أصول الدين هو في الحقيقة طعن في الشرع ومن جاء به، واتهام للنبي -ﷺ- إما بالكتم والخيانة، وإما بالتفريط والتقصير، وهو أيضًا اتهام لخير القرون -الصحابة فمن بعدهم- بذلك؛ فإن عدم بيان أصول الدين -وهي أهم ما يحتاج له المسلمون- لا يخلو سببه من أحد هذين الأمرين، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين:\nإما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة، وكلا هذين باطل قطعًا. وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين؛ وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعًا.\nفإن جهله بالأول: يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه.\nوجهله بالثاني: يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات؛ وإنما هي جهليات.\nوجهله بالأمرين: يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٠٨ - ٣١١).","vol":"1","page":642},{"text":"والوسائل الباطلة، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك، كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلا عن عامتهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-355>رابعًا: إحداثهم لهذه المسائل إنما جاء بناء على جهلهم بما جاءت به الشريعة من الأدلة والبراهين:</span>\nوذلك أنهم ظنوا أن الشرع لم يأت بالأدلة العقلية، وإنما جاء بالأدلة الشرعية الخبرية ولذلك قاموا بمحاولة نصب الأدلة العقلية والفلسفية والمنطقية للدلالة على هذه المسائل، فأتوا من المحالات والتناقضات والاضطرابات شيئًا كثيرًا عجيبًا؟!\nوالحق أن الله ﷾ بين من أنواع الأدلة العقلية في تقرير العقائد الشرعية ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ولا يقدرون على الإتيان بمثله، وما فيه الكفاية والغنية وما من دليل صحيح نصبوه إلا وقد جاء القرآن بخلاصته على أحسن الوجوه، قال سبحانه: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣]، ومن أوضح ما يبين ذلك أنواع الأمثلة التي ضربها الله في كتابه ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم:٥٨]، وما هذه الأمثلة المضروبة على كثرتها إلا نوع من الأقيسة الذهنية والبراهين العقلية التي جاءت بها الشريعة المحمدية، وأنواع أدلتها العقلية أكثر من هذا بكثير (^٢).\nخامسًا: واقع المتكلمين يدل على ضعف وبطلان ما أحدثوه من مسائل ودلائل، وذلك من وجوه:\nالوجه الأول: أنك تجد أهل الكلام أعظم الناس شكًا واضطرابًا، وأضعف الناس علمًا ويقينًا، وهذا أمر يجدونه في أنفسهم، ويشهده الناس منهم، وشواهد ذلك أعظم من أن تذكر، وإنما نتج هذا الشك والاضطراب بسبب مسائلهم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(^٢) انظر: درء التعارض (١/ ٢٩).","vol":"1","page":643},{"text":"ودلائلهم التي لا تقوم على حجة صحيحة ولا نقل مستقيم (^١).\nالوجه الثاني: أنك تجد غالب حججهم تتكافأ وكل منهم يقدح في أدلة الآخر، قال شيخ الإسلام: «ومما يوضح الأمر في ذلك أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على مقدماته؛ بل كل طائفة تقدح في دليل الأخرى؛ فالفلاسفة تقدح في دليل المعتزلة على نفي الصفات؛ بل على نفي الجسم والتحيز ونحو ذلك؛ لأن دليل المعتزلة مبني على أن القديم لا يكون محلًا للصفات والحركات، فلا يكون جسمًا ولا متحيزًا؛ لأن الصفات أعراض، وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. بل الأشعري نفسه ذكر في رسالته إلى أهل الثغر (^٢): أن هذا الدليل الذي استدلوا به على حدوث العالم -وهو الاستدلال على حدوث الأجسام بحدوث أعراضها- هو دليل محرم في شرائع الأنبياء لم يستدل به أحد من الرسل وأتباعهم، وذكر -في مصنف له آخر- بيان عجز المعتزلة عن إقامة الدليل على نفي أنه جسم، وأبو حامد الغزالي، وغيره من أئمة النظر بينوا فساد طريق الفلاسفة التي نفوا بها الصفات، وبينوا عجزهم عن إقامة دليل على نفي أنه جسم، بل وعجزهم عن إقامة دليل على التوحيد وأنه لا يمكن نفي الجسم إلا بالطريق الأول الذي هو طريق المعتزلة الذي ذكر فيه الأشعري ما ذكر.\nفإذا كان كل من أذكياء النظار وفضلائهم يقدح في مقدمات دليل الفريق الآخر الذي يزعم أنه بني عليه النفي، كان في هذا دليل على أن تلك المقدمات ليست ضرورية؛ إذ الضروريات لا يمكن القدح فيها» (^٣)\nالوجه الثالث: أن المطلع على حال أهل الكلام يجدهم أكثر الناس انتقالًا من قول إلى قول، وجزمًا بالقول في موضع وجزمًا بنقيضه وتكفير قائله في موضع\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧).\n(^٢) انظر: رسالة إلى أهل الثغر (ص: ١٠٥ - ١١٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٨).","vol":"1","page":644},{"text":"آخر، وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم كما أخبر شيخ الإسلام «ما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن» (^١).\nالوجه الرابع: ومما يدل على هذا أيضًا: ما هو معلوم من رجوع أكثر أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم، بينما تجد أئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد؛ لأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وقد ضرب شيخ الإسلام في مختلف كتبه ومصنفاته أمثله كثيرة جدًا على تراجع صناديد علم الكلام وأئمته عن مذاهبهم ومعتقداتهم، ومن أجمع هذه المواضع ما ذكره -﵀- في مجموع الفتاوى، حيث قال: «وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك: إما عند الموت، وإما قبل الموت والحكايات في هذا كثيرة معروفة:\n-هذا أبو الحسن الأشعري: نشأ في الاعتزال أربعين عامًا يناظر عليه ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم (^٢).\n-وهذا أبو حامد الغزالي: مع فرط ذكائه، وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة، ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٥٠).\n(^٢) روى قصة رجوعه وتوبته من الاعتزال ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) (ص:٣٨ - ٣٩) وجاء في آخرها: «قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إمامًا، ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يومًا، فبعد ذلك خرج إلى الجامع فصعد المنبر وقال: معاشر الناس إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة؛ لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل على حق فاستهديت الله ﵎ فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناس: فمنها كتاب (اللمع)، وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب (كشف الأسرار وهتك الأستار)، وغيرهما»","vol":"1","page":645},{"text":"إلى طريقة أهل الحديث وصنف (إلجام العوام عن علم الكلام) (^١).\n-وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي: قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات (^٢): «لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وأقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي» وكان يتمثل كثيرًا:\nنهاية إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذىً ووبالُ\n_________\n(^١) \"إلجام العوام عن علم الكلام\" المسمى بـ \"رسالة في مذهب أهل السلف\" هو آخر ما كتب أبو حامد الغزالي، كتبه في أوائل جمادي الآخرة سنة ٥٠٥ هـ أي: قبيل وفاته بزمن قصير جدًا، أقلّ من أسبوعين، حيث توفي ﵀ يوم الاثنين ١٤ جمادي الآخرة عام ٥٠٥ هـ. وكان مما قال فيه الغزالي: «اعلم: أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف -أعني مذهب الصحابة والتابعين-، وها أنا أورد بيانه وبيان برهانه. فأقول: حقيقة مذهب السلف، وهو الحق عندنا؛ أن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث من عوام الخلق يجب عليه فيه سبعة امور: التقديس، ثم التصديق، ثم الاعتراف بالعجز، ثم السكوت، ثم الإمساك، ثم الكف، ثم التسليم لأهل المعرفة». ثم يجعل من قول الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- مقدمة مهمة جدًا في هذا الموضوع، يأخذ به ويكرره في عدة مواضع، حيث يقول الإمام مالك -﵁- عندما سُئل عن الإستواء: (الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). ويعقد الإمام الغزالي فصلًا في أن الجواب الحق عن هذه المسائل هو جواب الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه-، وهذا الكتاب من أصحِّ الكتب نسبة إليه. وطبع الكتاب في بيروت، دار الكتب العلمية ضمن (مجموعة رسائل الإمام الغزالي) ١٤١٤ هـ/١٩٩٤ م. نقلًا عن \"كتب الإمام الغزالي الثابت منها والمتحول\" للدكتور مشهد العلاف.\n(^٢) رسالة (أقسام اللذات) أو (ذم لذات الدنيا) للفخر الرازي (ص:٢٦٢). وانظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٥٠) وطبقات الشافعية (٥/ ٤٠).","vol":"1","page":646},{"text":"ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا (^١)\n-وهذا إمام الحرمين: ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف. وكان يقول: «يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام؛ فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به» (^٢) وقال عند موته: «قد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه. والآن: إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي -أو قال-: عقيدة عجائز نيسابور» (^٣).\n-وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:\nلعمري لقد طفت المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالمِ\nفلم أر إلا واضعًا كف حائرٍ … على ذقن أو قارعا سن نادمِ (^٤)\n-وابن الفارض (^٥): من متأخري الاتحادية … لما حضرته الوفاة أنشد:\nإن كان منزلتي في الحب عندكمُ … ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي\n_________\n(^١) رواها لسان الدين ابن الخطيب بإسناده للرازي في \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" (٢/ ٢٢٢). وانظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٥٠) وطبقات الشافعية (٥/ ٤٠).\n(^٢) رواه أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده إلى الجويني في \"المنثور من الحكايات والسؤالات\" (١/ ٥١) (٦٣) وعنه ابن الجوزي في المنتظم (٩/ ١٩).\n(^٣) نقل شيخ الإسلام هذا الكلام في غير موضع، وذكره السبكي في طبقات الشافعية (٣/ ٢٦٠)، والذهبي في السير (١٨/ ٤٧١).\n(^٤) هذين البيتين ذكرهما في مقدمة، (نهاية الإقدام في علم الكلام) (ص:٧)\n(^٥) هو أبو حفص وأبو القاسم، عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، شرف الدين ابن الفارض، أشعر المتصوفين، لقب بسلطان العاشقين، اتحادي ضال. له ديوان مطبوع، (ت:٦٣٢ هـ). انظر: ميزان الاعتدال (٣/ ٢١٤)، (تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦)، الأعلام للزركلي (٥/ ٥٥).","vol":"1","page":647},{"text":"أمنية ظفرت نفسي بها زمنًا … واليوم أحسبها أضغاث أحلامِ (^١)» (^٢)\nويتلخص لنا من هذه الوجوه كلها، ضعف مذهب القوم وبطلان ما أحدثوه من مسائل ودلائل، لم تأت في كتاب ولا سنة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة، وأن مآل من اعتقد هذه المسائل والدلائل وانتصر لها هو الحيرة والتناقض، وأن العباد إنما كلفوا بما جاءت به الشريعة من مسائل في أصول الدين الاعتقاد، وأن فيما جاءت به الشريعة من أدلة على أصول الدين الغُنية والكفاية عن أي دليل يُنصب أو حجة تُجتلب، والله أعلم.\n_________\n(^١) ديوان ابن الفارض (ص:٢٠٧) وذكر الذهبي -أيضًا- أن ابن الفارض أنشد هذين البيتين عند موته. انظر: تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٧٢ - ٧٥).","vol":"1","page":648},{"text":"<span data-type='title' id=toc-356>المبحث السابع: مناظرته مع بعض منكري العلو: واشتمل على مطلبين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-357>المطلب الأول: عرض المناظرة:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-358> تمهيد:</span>\nذكر شيخ الإسلام -﵀- هذه المناظرة في معرض بيانه لزيف ما ادعاه الرازي في كتابه الأربعين من بطلان كون علو الله -﷿- أمرًا ضروريًا فطريًا لا يمكن إنكاره ولا جحده، فبين ﵀ زيف وبطلان الشبه التي احتج بها الرازي، وأن ما ادعاه من إنكار لعلو الله على خلقه واعتقادٍ بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايث له ولا مباين عنه (^١)، مما يتصادم مع الفطر السليمة والعقول المستقيمة التي توجب كون الله عاليًا على مخلوقاته فوق أرضه وسماواته، وهذا مما يجده كل أحد من نفسه، حتى المنكر المخالف، فلا بد وأن يجد هذا الشعور في داخله خصوصًا عند نزول الملمات وحلول الكربات، التي لا يجد منها مفزعًا إلا اللجوء إلى رب الأرض والسماوات، متجهًا له بقلبه، رافعًا إليه يده، شاخصًا إلى السماء ببصره منتظرًا لفرجه ولطيف أمره.\n_________\n(^١) انظر: الأربعين في أصول الدين (١٥٢).","vol":"1","page":649},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-359> نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام في معرض كلامه عن دلالة الفطرة على علو الله ﷾: «ولهذا كان جميع العقلاء السالمي الفطرة يحكمون بموجب هذه القضية الضرورية قبل أن يعلموا أن في الوجود من ينكرها ويخالفها، وأكثر الفطر السليمة إذا ذكر لهم قول النفاة بادروا إلى تجهيلهم وتكفيرهم، ومنهم من لا يصدق أن عاقلًا يقول ذلك، لظهور هذه القضية عندهم، واستقرارها في أنفسهم، فينسبون من خالفها إلى الجنون، حتى يروا ذلك في كتبهم أو يسمعوه من أحدهم.\nولهذا تجد المنكر لهذه القضية يقر بها عند الضرورة، ولا يلتفت إلى ما اعتقده من المعارض لها؛ فالنفاة لعلو الله إذا حزبَ أحدهم شدة وَجَّهَ قلبه إلى العلو يدعو الله.\nولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم، وهو يطلب مني حاجة، وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني غير منكر له، وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره، فرفع طرفه ورأسه إلى السماء وقال: يا الله.\nفقلت له: أنت محقق! لمن ترفع طرفك ورأسك؟! وهل فوق عندك أحد؟!\nفقال: استغفر الله. ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول، فتاب من ذلك ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-360>المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-361> تمهيد:</span>\nاستطاع شيخ الإسلام -﵀- أن يستدرج خصمه ويرجعه إلى أصل فطرته التي تناقض اعتقاده ومذهبه، ويثبت له من نفسه صحة دلالة الفطرة على علو ربه ﷾،\n_________\n(^١) درء التعارض (٦/ ٣٤٣).","vol":"1","page":650},{"text":"هذا الأمر الذي أنكر الجهمية ومتأخرو الأشاعرة وعلى رأسهم الفخر الرازي أن تكون الفطرة دالة عليه، منتصرين لقولهم بظنون وأوهام زعموا أنها براهين وحقائق، ومناقشة الشبهة التي ذكروها في إنكار دلالة الفطرة على علو الباري -جل شأنه- على مخلوقاته، ستكون من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-362>الوجه الأول: بيان شبهتهم في إنكار دلالة الفطرة على مسألة العلو:</span>\nساق شيخ الإسلام هذه المناظرة في كتابه العظيم درء التعارض في معرض رده على الرازي في إنكاره كون علو الخالق -جل شأنه- أمرًا مستقرًا في الفطر ومعلومًا بالاضطرار، وقد اعترض الرازي على ما يستدل به جمهور الناس على علو الله تعالى من الضرورة الفطرية، التي تقضي بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما ساريًا في الآخر، أو مباينًا له، والله منزه عن الأول، فيثبت له العلو على خلقه مع مباينته لهم -جل وعلا-.\nوتتلخص الوجوه التي انتقد بها الرازي دلالة الفطرة في وجهين اثنين:\nالأول: أن هذا الأمر لو كان بديهيًا لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، وهم من سوى الحنابلة والكرامية، إذ العلوم البديهية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها للجمع العظيم.\nالثاني: عدم التسليم بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما ساريًا في الآخر، أو مباينًا له؛ وذلك أن العقل لا يمنع وجود قسم ثالث: وهو أن يكون هناك موجودان، لا يكون أحدهما ساريًا في الآخر، ولا يكون مباينًا له.\nوضرب الرازي على ذلك بعض الأمثلة من القضايا الذهنية والكليات المطلقة: كمسمى الإنسان، وكالأعداد، والنفي والإثبات، وغيرها من الأمور التي يمكن أن يتصورها العقل بغير جهة ولا حيز ولا مكان ولا سريان ولا مباينة ولا صورة ولا شكل (^١).\n_________\n(^١) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ١٥٢ - ١٥٦) ودرء التعارض (٦/ ٣٤٠ - ٣٤٤).","vol":"1","page":651},{"text":"<span data-type='title' id=toc-363>الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:</span>\nإن الأمور المستقرة في الفطر، والمغروسة في النفوس، لهي أوضح وأظهر من أن تحتاج إلى دليل أو برهان أو حجة أو بيان، وما هي إلا كما قال الشاعر:\nوليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل (^١)\nولكن البدعة إذا استحكمت في قلب امرئ ما، وتوغلت في أحشائه، جعلتهُ عبدًا لها، وأسرتهُ في هواها، وطمست على بصيرته؛ حتى لا يرى حقًا سواها، فتراه يرد الآيات الواضحات والسنن الثابتات، وما حكى الأئمة من نقول وإجماعات، نصرة لبدعته وهواه، بل إن الحال يصل به إلى إنكار الضروريات ومصارعة الفطرة التي خُلق بها، وجبل عليها، ومكابرتها وجحدها، لا لشيء إلا انتصارًا لهواه وبدعته، أو تقليدًا لشيخه، أو تعصبًا لمذهبه ونحلته.\nوما منكرو علو الباري -جلا وعلا- إلا صنف من هذه الأصناف، التي حاربت فطرتها نصرة لمذهبها، ولولا وجود من ينكر علو الباري -﷾-، وتلبيسهم على الناس بأنواع الشبه لتقرير باطلهم ونصرة مذهبهم، وجحدهم لدليل الفطرة وقدحهم في دلالتها على علو ربهم وخالقهم، لما نازع في ذلك أحد، ولما احتيج مع ذلك لكتاب أو رد، ولكن لما قام سوقهم وانتشرت بدعتهم قام الأئمة الأعلام بالرد عليهم وفضحهم، وبيان مخالفتهم للنصوص والعقول والفطر، وقد كان شيخ الإسلام من أعظم من قام بهذا الأمر حق قيام، فسطر الرسائل والمجلدات، في إبطال هذه السفسطات، التي عارض بها القوم الفطر والضروريات.\nوقد أطال شيخ الإسلام وأسهب في بيان ضعف هذا المذهب، ولا يمكن حصر جميع ما ذكره الشيخ ﵀ في مثل هذا الموضع، ولكن يكفي من ذلك بيان أهم الأدلة التي أوردها والطرق التي سلكها في الرد عليهم وإبطال شبهتهم، ويمكن إجمال طرق رده عليهم في ثلاث مسالك:\n_________\n(^١) البيت لأبي الطيب المتنبي. ديوان المتنبي (ص:٣٤٣).","vol":"1","page":652},{"text":"<span data-type='title' id=toc-364>المسلك الأول: تقرير دلالة الفطرة على علو الله ﷾:</span>\nقرر شيخ الإسلام -﵀- دلالة الفطرة على علو الله -﷿- من وجوه كثيرة كلها تدل على أن العلم بعلوه جل وعلا أمر بديهي فطري مستقر في النفوس والأفئدة، ويمكن إجمال الوجوه الدالة على ذلك بما يلي:\n١) أن الخلق كلهم إذا حزبهم أمر، ووقعت بهم شدة، توجهت قلوبهم لانتظار نزول الفرج من السماء، وذلك لما استقر في أفئدتهم من أن خالقهم -جلا وعلا- فوق خلقه عال على عرشه، منه تتنزل الرحمات، ومن عنده تكشف الكربات، وهذا أمر محسوس معلوم لا ينكره أحد حتى النفاة، فإنهم يجدون ذلك من ضرورة أنفسهم. قال شيخ الإسلام: «وعامة هؤلاء إذا أصابت أحدًا منهم ضرورة تلجئه إلى دعاء الله وجد في قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ففطرته وضرورته تقر بالعلو، وينكر وجود موجود لا محايث ولا مباين، وعقيدته التي اعتقدها تقليدًا أو عادةً أو شبهةً تناقض فطرته وضرورته» (^١).\nقال ابن عبد البر﵀-: «ومن الحجة أيضًا في أنه -﷿- على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم» (^٢).\nومما يوضح ذلك ويبينه تلك القصة التي حكاها شيخ الإسلام في كتبه غير ما مرة (^٣) عن أبي جعفر بن أبي علي الحافظ (^٤) قال:\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٧٢)\n(^٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٣٤)\n(^٣) انظر: الاستقامة (١/ ١٦٧) وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٢) ومجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٠) (٤/ ٤٤) ومنهاج السنة (٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣).\n(^٤) أبو جعفر الهمذاني محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الحافظ الصدوق، شيخ، صالح، ثقة مأمون، معمر قال ابن السمعاني: ما أعرف أن في عصره أحدًا سمع أكثر منه، (ت:٥٣١ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١١/ ٥٥٤) وشذرات الذهب (٤/ ٩٧).","vol":"1","page":653},{"text":"سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه:٥]؟\nفقال: كان الله ولا عرش -وجعل يتخبط في الكلام-.\nفقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟!\nفقال: ما تريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟\nفقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟! وبكيت وبكى الخلق.\nفضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة! وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد، ونزل، ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة!\nفسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمداني (^١).\n٢) أن ما تجده النفوس من علو ربها -ﷻ- أمر متفق عليه بين أمم الأرض باختلاف أجناسها وأعمارها وأديانها، من مسلمين ويهود ونصارى ومشركين، وعجائز وصبيان، وعربٍ وعجم (^٢).\n٣) أن العلم بعلو الله مما جبل وفطر عليه الناس، واشترك في العلم به الجاهل والعالم، وهو مستقر عند العامي الذي لا يقرأ ولا يكتب كما هو مستقر عند العالم القارئ الكاتب (^٣).\n_________\n(^١) العلو للعلي الغفار (ص:٢٥٩) قال الشيخ الألباني -﵀-: وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ. مختصر العلو (ص:٢٧٧).\n(^٢) انظر درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٢)\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٢)","vol":"1","page":654},{"text":"٤) أن دعوى الضرورة لا يمكن إبطالها إلا بتكذيب المدعي أو بيان خطئه، والمدعون لذلك أمم كثيرة منتشرة يُعلم بالضرورة استحالة تواطئهم على الكذب، فالقدح في ذلك كالقدح في سائر الأخبار المتواترة، فلا يجوز أن يقال: إنهم كذبوا فيما أخبروا به عن أنفسهم من العلم الضروري (^١).\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وكما يمتنع اتفاق الطوائف الكثيرة التي لم تتواطأ على دعوى الكذب في مثل ذلك، يمتنع اتفاقهم على الخطأ في مثل ذلك، ولو جاز الخطأ في مثل ذلك، لم يكن الجزم بما يخبر به الناس عما عرفوه بالحس، أو الضرورة لإمكان غلطهم في ذلك، فإن غلط الحس الظاهر أو الباطن أو العقل يقع لآحاد الناس، ولطائفة حصل بينها مواطأة، وتلقي بعضها عن بعض، كالمذاهب الموروثة، وكقول التابعين، لكون هذا معلومًا بالضرورة؛ فإنهم أهل مذهب تلقاه بعضهم عن بعض.\nوأما الجازمون بالضرورة في أن الله فوق العالم، أو أنه لا يعقل موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، ولا يعقل موجودان ليس أحدهما محايثًا للآخر ولا مباينًا له، وأن مثل هذا ممتنع بالضرورة التي يجدونها في أنفسهم، كسائر العلوم الضرورية، فهؤلاء أمم كثيرة لم يتواطأوا ولم يتفقوا على مذهب معين» (^٢).\n٥) أن الداعي إذا أراد أن يدعو ربه، فإنما يرفع يديه إلى السماء، وهذا أمر يفعله جميع أرباب النحل، فدل على أن من المتقرر في فطر وعقول جميع الخلق أن إلههم فوق و\"هذا الرفع يُستدل به من وجوه:\nأحدها: أن العبد الباقي على فطرته يجد في قلبه أمرًا ضروريًا إذا دعا الله دعاء المضطر أنه يقصد بقلبه الله الذي هو عالٍ وهو فوق.\nالثاني: أنه يجد حركة عينيه، ويديه بالإشارة إلى فوق، تتبع إشارة قلبه إلى\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٦/ ٣٤١)\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٣٤١ - ٣٤٢).","vol":"1","page":655},{"text":"فوق، وهو يجد ذلك أيضًا ضرورة.\nالثالث: أن الأمم المختلفة متفقة على ذلك من غير مواطأة.\nالرابع: أنهم يقولون بألسنتهم إنا نرفع أيدينا إلى الله ويخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون في قلوبهم اضطرارً إلى قصد العلو، فالحجة تارة بما يجده الإنسان من العلم الضروري في نفسه، وتارة بما يخبر به الناس عن أنفسهم من العلم الضروري، وتارة بما يدل على العلم الضروري في حق الناس، وتارة بأن الناس لا يتفقون على ضلالة؛ فإنه إذا كان إجماع المسلمين وحدهم لا يكون إلا حقًا، فإجماع جميع الخلق الذين منهم المسلمون أولى أن لا يكون إلا حقًا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-365>المسلك الثاني: الأجوبة الإجمالية على حجج القوم واعتراضاتهم على دليل الفطرة:</span>\n١) بين شيخ الإسلام أن النفاة لا يستطيعون إنكار علو الله -﷿-، وإثبات ما ادعوه مما يناقض صريح الفطرة: من كون الله ﷿ لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا ساريًا فيه ولا مباينًا له، لا يمكنهم تقرير قولهم هذا حتى يثبتوا مقدمات ثلاث:\nأولها: أن يثبتوا أن قولهم هذا غير معارض للفطرة والعلوم البديهية وغير ممتنع فيها.\nثانيها: أن يبينوا ثبوت قولهم هذا -الذي قرروا إمكانه- في الخارج؛ فإن العلم بإمكانه لا يقتضي ثبوته ووجوده.\nثالثها: إذا ثبت وجوده فيجب عليهم أن يثبتوا معارضته لما جاءت به النصوص من علو الله سبحانه وترجيحه عليها.\nوبغير إثبات هذه المقدمات الثلاث لا يمكنهم أن يثبتوا قولهم ويُسلم لهم به،\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٥٢١).","vol":"1","page":656},{"text":"بل لا بد أن يثبتوا عدم امتناعه فطرة، ثم إذا ثبت عدم امتناعه فلا بد أن يثبتوا وجوده أيضًا، ثم إن ثبت الأمران فبقي لهم أن يثبتوا معارضته لما جاءت به النصوص من علو الله سبحانه.\nفإن ثبت امتناعه بالفطرة فهذا كاف في بيان فساده، ثم إن ثبت عدم إمكان وجوده وثبوته فلا فائدة منه حينئذ، ثم لو فرض عدم امتناعه ووجوده في الخارج، فإنه مع ذلك لا يتعارض مع كون الله -﷿- في العلو، فحينئذ لا يكون هناك تعارض بين النصوص الشرعية وما ذكروه من أمور عقلية.\nوإذا ثبت فساد مقدمة من هذه المقدمات فقد فسد قولهم، فكيف إذا ثبت فسادها جميعها وهو الواقع؟!\nفتبين أن قولهم في غاية البعد وغاية الفساد، وأن بينهم وبين تقريره خرط القتاد! (^١)\n٢) أن الحجج التي اعترض بها الرازي وأشباهه من نفاة العلو، ما هي إلا حجج نظرية عقلية والإقرار بعلو الخالق -جل وعلا- ضروري بديهي فطري، والضروريات لا يمكن القدح فيها بالنظريات، وكل نظرية تعارض أمرًا بديهيًا، فإنما هي سفسطة لا غير (^٢)، وأيضًا فإن القدح في البديهيات قدح في النظريات؛ لأن النظريات لا تصح إلا بصحة البديهيات، فيلزم من فساد البديهيات فساد النظريات من باب أولى (^٣).\n٣) أن ما عارضوا به دليل الفطرة ما هو في الحقيقية إلا من باب الوهم والخيال الباطل؛ فإن من اعتقد أن الكليات الذهنية الثابتة في العقل موجودة في الخارج، فقد توهم وتخيل ما لا حقيقة له في الواقع، ثم عارض الحقائق البديهية الفطرية بهذا الخيال المتوهم، فكيف تكون القضايا التخيلية الوهمية قادحةً في القضايا\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (٦/ ١١ - ١٢).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٤، ١٨).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٢٢).","vol":"1","page":657},{"text":"البديهية والعلوم الفطرية الضرورية؟! (^١).\n٤) أنه قد عُلم بالضرورة أن ما يخلو من وصفين متقابلين -يمتنع خلو الموجود عن أحدهما-، فإنما هو في الحقيقة ممتنع معدوم، فوصف الله سبحانه بأنه غير مباين للعالم ولا محايث له ولا داخله ولا خارجه، إنما هو من صفة المعدوم والممتنع الذي لا وجود له ولا حقيقة (^٢).\n٥) أن الفطر قد جبلت على تعظيم الله ووصفه بصفات الكمال والجلال، وقولهم هذا ليس فيه أي إثبات أو تعظيم أو كمال، وهذا -ولا شك- منافٍ لما جبلت عليه الفطر من تعظيم الخالق -جل وعلا-، بل إنه في الحقيقة من تشبيهه -﷿- بالمعدومات والممتنعات، وفي ذلك من عظيم التنقص ما فيه (^٣).\n٦) أن من لازم قولهم في تجويز إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ولا محايث له، تجويز قول الحلولية والاتحادية الذين يقولون بأن الله في كل مكان بلا حلول ولا مماسة ولا مباينة، وليس مع ذلك كالجسم مع الجسم ولا كالعرض مع العرض، فليس تناقض هؤلاء ببعيد عن تناقض أولئك، ولذلك قال شيخ الإسلام: «لا تكاد تجد أحدًا من نفاة المباينة والمداخلة جميعًا، أو من الواقفة في المباينة يمكنه مناقضه الحلولية والاتحادية مناقضة يبطل بها قولهم، بل أي حجة احتج بها عليهم عارضوه بمثلها، وكانت حجتهم أقوى من حجته» (^٤).\nبل إن قول النفاة أشد بطلانًا وأبعد عن العقل السليم والفطرة المستقيمة من قول الحلولية؛ لأن الوصف بما هو أقرب للموجودات أولى من الوصف بالممتنعات والمعدومات (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٣٣، ١٣٤).\n(^٣) انظر المصدر السابق (٦/ ١٧٨)\n(^٤) درء التعارض (٦/ ١٥٩) وانظر: المصدر نفسه (٦/ ١٤٤، ١٤٥، ١٥٦، ١٧٦)\n(^٥) انظر المصدر السابق (٦/ ١٧٦).","vol":"1","page":658},{"text":"<span data-type='title' id=toc-366>المسلك الثالث: الأجوبة التفصيلية عن أهم شبههم:</span>\nكان أهم ما اعترض به الرازي على دلالة الفطرة على العلو: شبهتان اثنتان سبق ذكرهما، وقد تبين فيما سبق الرد الإجمالي عليهما، ونذكر هنا أهم الردود التفصيلية التي رد بها شيخ الإسلام على هاتين الشبهتين الفاسدتين:\nالجواب على الشبهة الأولى: وهي احتجاجهم بأن الجمع العظيم قد اتفقوا على إنكار العلو فكيف يكون مع هذا أمرا بديهيًا، وإنما هو قول الكرامية والحنابلة فحسب:\n١) أن هذا الكلام باطل وعكسه هو الصحيح، فجماهير الخلائق يخالفون هؤلاء، ولم يعرف هذا القول إلا عن الجهمية كالمعتزلة ومتأخري الأشاعرة ونحوهم، ومن وافقهم من بعض الفلاسفة، وأما المنقول عن أكثر الفلاسفة فهو قول أهل الإثبات كما نقله ابن رشد الحفيد (^١) عنهم، وهو من أعظم الناس معرفة بأقوالهم وانتصارا لهم (^٢).\n٢) إن من أعظم ما يبطل هذا الكلام أن متقدمي أهل الكلام وأئمتهم الذين تلقى نفاة العلو مذهبهم عنهم، هم أنفسهم على نقيض أقوال النفاة، فيصرحون بعلو الله على خلقه، بل ويحكون الإجماع على ذلك، ويردون مقالة نفاة العلو كما فعل ذلك أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبو الحسن الأشعري وأئمة أصحابه، وقد نقل أقوالهم كلها شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي في كتابه العظيم \"درء تعارض العقل والنقل\" بل حتى الفلاسفة الذين بنى أهل الكلام\n_________\n(^١) هو محمد بن أحمد بن محمد القرطبي، ابن رشد الحفيد، فيلسوف الوقت، كان متقدِّمًا في علوم الفلسفة والطبِّ، وله باع في الفقه، وأغرق في الفلسفة فضاع، مما قيل عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، له مصنفات منها: كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وكتاب الكليات في الطب، (ت:٥٩٥ هـ). انظر: السير (٢١/ ٣٠٧)، الديباج المذهب (٢/ ٢٥٩).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٦، ١١٣).","vol":"1","page":659},{"text":"مذهبهم على أقوالهم، قد صرح غير واحد منهم بنقض قول النفاة، ومن ذلك ما نقله شيخ الإسلام عن ابن رشد الحفيد حين قال وهو يتحدث عن إثبات العلو: «وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله. وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ومثل قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، ومثل قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، ومثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، ومثل قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [المُلك:١٦]، إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سُلِّط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابهًا؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من في السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي -ﷺ-، حتى قرب من سدرة المنتهى» (^١).\nفكيف يقال بعد ذلك أن المخالف في ذلك إنما هم الكرامية والحنابلة وحسب، وهذا كلام بعض رؤوس أهل الكلام والفلسفة في هذا الباب.\nوأما كلام أئمة السلف الذين كانوا قبل أن يوجد الحنابلة والكرامية فأكثر من أن يحصر وأكبر من أن يسطر، وقد ذكر شيخ الإسلام نقولًا كثيرة عنهم في تقرير العلو والرد على نفاته يطول سردها، وذكرها في هذا الموضع فليراجعها من يشاء، \"فإذا كان سلف الأئمة وأئمتها وأفضل قرونها متفقين على قول أهل الإثبات، فكيف يقال: ليس هذا إلا قول الكرامية والحنبلية؟ \" (^٢).\n٣) أنه لم يطبق على نفي العلو عن الله -﷿- إلا طوائف أخذ بعضهم عن بعض\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢١٤)، وانظر: مناهج الأدلة (ص: ١٤٥).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٦).","vol":"1","page":660},{"text":"كما أخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم، وجميع أهل المذاهب الموروثة لا يمتنع إطباقهم على جحد العلوم البديهية؛ فإنه ما من طائفة من طوائف الضلال إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية، \"ولولا النشأ على هذه الأقاويل، وعلى التعظيم للقائلين بها، لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-367>الجواب على الشبهة الثانية: وهي استدلالهم بالقضايا الذهنية والكليات المطلقة:</span>\n١) أن هذه القضايا لا توجد في الخارج وإنما هي في الذهن، فليس كل ما في الأذهان موجود في الأعيان، وهذه الكليات المطلقة توجد مطلقة في الأذهان فقط، أما في الأعيان فلا توجد إلا مقيدة، فإمكان الشيء في الذهن لا يدل على إمكانه في الخارج، وكثير من شبه القوم إنما بنيت على هذا الأساس، وما ذكروه هو من هذه الكليات الذي لا يوجد أي دليل يثبت وجودها في الخارج (^٢).\n٢) أنه لم يقل أحد بثبوت مثل هذه الكليات في الخارج إلا ما ذكر عن بعض أهل المنطق اليوناني، وهم أيضًا متناقضون في ذلك تناقضًا كثيرًا، \"وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجعل مثل هذه القضية مقدمة في إبطال قضية اعترف بها جماهير الأمم، واعترفوا بأنها مركوزة في فطرهم، مغروزة في أنفسهم، وأنهم مضطرون إليها، لا يمكنهم دفعها عن أنفسهم\" (^٣).\n٣) أن مجرد تقدير الذهن للأقسام لا يدل على إمكانها في الخارج، فالذهن يقدر كون الشيء: \"إما موجود وإما معدوم، وإما لا موجود ولا ومعدوم، وأن الموجود: إما أن يكون واجبًا، وإما أن يكون ممكنًا، وإما أن يكون لا واجبًا\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ٢٣٤)، وانظر: مناهج الأدلة (ص: ٧٩).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٣٧).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٢٧٦).","vol":"1","page":661},{"text":"ولا ممكنًا، وأنه: إما قديم وإما محدث، وإما قائم بنفسه أو بغيره، أو لا قائم بنفسه ولا بغيره، وأمثال ذلك من التقديرات، ثم لم يكن هذا دليلًا على إمكان كل هذه الأقسام في الخارج\" (^١).\n٤) مجرد الإمكان الذهني -وهو عدم العلم بالامتناع - لا يدل على الإمكان الخارجي ولا العلم به، وإنما غايته أن يقول: إني لا أعرف إمكانه ولا امتناعه.\nوالمدعي يقول: أنا أعلم امتناعه بالضرورة، وقد ذكرنا أنهم طوائف متفرقون اتفقوا على ذلك من غير مواطأة، وذلك يقتضي أنهم صادقون فيما يخبرون به عن فطرهم. ومعلوم أن العلوم الضرورية لا يقدح فيها نفي النافي لها، فكيف يقدح فيها شك الشاك فيه (^٢).\n٥) أن ظن ثبوت مثل هذه الكليات في الخارج إنما هو في الحقيقة من باب الوهم والخيال، كما قد سبق بيانه.\n٦) أن المتكلمين أنفسهم يرد بعضهم على بعض في هذا الموضع، ويقدح بعضهم في مقدمة الآخر، ولا شك أن المقدمات المتنازع فيها لا ترتقي لمعارضة الضروريات فضلًا أن تكون منها (^٣).\n٧) أن القضايا العقلية الكلية يختلف تصورها عن تصور المعينات الداخلة فيها، فلا يكفي تصور القضية الكلية الذهنية في تصور المعين الداخل فيها الموجود في خارج الذهن، فتصورنا للقضية الكلية وهي أن كل موجود: فإما أن يكون قديمًا أو حادثًا، يختلف عن حكمنا على معين بأنه قديم أو محدث، فإنه لا بد حينئذ أن نعينه بما يخصه عن غيره من الأمور التي تشاركه وتدخل معه في القضية الكلية، فتصور المعين شيء، وتصور القضية الكلية شيء آخر، فمن أثبت موجودين أحدهما غير مباين للآخر ولا ساريًا فيه؛ فإنه إنما أثبت قضية كلية مطلقة\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ٢٨٣).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٨٤).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ٣٧، ١٩١).","vol":"1","page":662},{"text":"في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج، وهذا هو مذهب الجهمية الذين يثبتون موجودًا مطلقًا يمتنع وجوده في الخارج (^١).\nويتلخص لنا من هذا كله، وضوح وظهور دلالة الفطرة على علو الله -﷿- على خلقه، وفساد ما احتج به الرازي ونازع فيه في إبطال دليل الفطرة، وأن إنكار دلالة الفطرة على العلو ما هو إلا مكابرة ظاهرة معلومة الفساد بالضرورة، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٦/ ٩٥).","vol":"1","page":663},{"text":"الفصل الخامس:\nمناظرته مع بعض الجبرية الإباحية المحتجين بالقدر.\nواشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: عرض المناظرة.\nالمبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.","vol":"1","page":665},{"text":"<span data-type='title' id=toc-369>المبحث الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-370>تمهيد:</span>\nإن من أهم المسائل والأسباب التي أَوْدَتْ بأصحابها إلى القول بالجبر، خطأهم في مفهوم المحبة والإرادة، وعدم التفريق بين ما قدره الله وقضاه وبين ما شرعه وأحبه، وقد حكى الإمام ابن القيم -﵀- في غير موضع من كتبه مناظرةً وقعت لشيخ الإسلام -﵀- مع رجل ممن حصل لهم اللبس في مفهوم المحبة وقال بقول الجبرية (^١) في قضاء الله وقدره، ومحبة عباده له، وقد جعلت رواية ابن القيم لهذه المناظرة في كتابه (مدارج السالكين)، هي الأصل، وأضفت لها الزيادات التي رواها في مواضع أخرى من كتبه، وجعلتها بين معكوفتين، وأحلتها إلى مواضعها من كتبه.\n\n<span data-type='title' id=toc-371>نص المناظرة:</span>\nقال ابن القيم -﵀-: «[وأخبرني شيخ الإسلام -قدس الله روحه- أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغضه الله ورسوله.\n_________\n(^١) الجبرية: هي طائفة نفت فعل العبد وقدرته واختياره، وزعمت أن حركته كحركة الأشجار عند هبوب الرياح وكحركة الأمواج، وأنه مجبور على الطاعة والمعصية وغير ميسر لما خلق له، بل هو عليه مقسور مجبور، وسموا بذلك؛ لأنهم يقولون: إن العبد مجبور على أفعاله. انظر: الملل والنحل (١/ ٨٧)، مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، شفاء العليل (ص:٣).","vol":"1","page":667},{"text":"فقال له الملوم] (^١): المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب (^٢). وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أبغض منه؟\nقال الشيخ: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغض أفعالًا وأقوالًا وأقوامًا [ومقتهم] (^٣) [وذمهم] (^٤)، وعاداهم فطردهم ولعنهم، فأحببتهم [وواليتهم] (^٥)، [وأحببت أفعالهم ورضيتها] (^٦): تكون مواليًا للمحبوب [موافقًا له، أو مخالفًا له] (^٧) معاديًا له؟\nقال: فكأنما ألقم حجرًا. وافتضح بين أصحابه. وكان مقدمًا فيهم مشارًا إليه» (^٨).\n_________\n(^١) شفاء العليل (ص:٤).\n(^٢) هذا التعريف ذكره القشيري في الرسالة (٢/ ٤٩٠)، انظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (٢/ ١١٨١).\n(^٣) طريق الهجرتين (ص:٣٠٣).\n(^٤) شفاء العليل (ص:٤).\n(^٥) طريق الهجرتين (ص:٣٠٣).\n(^٦) شفاء العليل (ص:٤).\n(^٧) طريق الهجرتين (ص:٣٠٣).\n(^٨) مدارج السالكين (٣/ ١٦)، وانظر: طريق الهجرتين (ص ٣٠٣)، شفاء العليل (ص: ٤).","vol":"1","page":668},{"text":"<span data-type='title' id=toc-372>المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:</span>\nأفحم شيخ الإسلام -﵀- هذا الشيخ المقدم في جماعته، فلم يكن بإمكانه أن يقول في إجابته على سؤال شيخ الإسلام: إن من كانت هذه حاله يكون مواليًا للمحبوب موافقًا له؛ لأن هذا ظاهر الفساد والكذب والبطلان، فكيف يكون مواليًا له موافقًا له، وهو يحب ما يبغضه ويوالي من يعاديه؟! بل إن من كانت هذه حاله مع محبوبه فهو في الحقيقة عدو له مخالف له، ولذلك فقد لزم هذا الشيخ الصمت وبهت ولم يحر جوابًا، وكأنما ألقم حجرا كما ذكر ابن القيم -﵀-.\nودراسة شبهة هذا الشيخ ستكون من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-373>الوجه الأولى: بيان أصل الشبهة:</span>\nأصل شبهة هؤلاء الجبرية الإباحية: هي ظنهم أن كل ما قضاه الله وقدره وأراده فقد أحبه ورضيه، وكل ما في الكون فقد أراده الله؛ إذ لولا ذلك لم يكن، وبالتالي فيجب حب كل ما في الكون؛ لأن كل ما في الكون قد أراده الله وأحبه.\nفشبهة هذا الرجل بنيت على أمرين:\nالأمر الأول: أن كل ما أراده الله فقد أحبه.\nالأمر الثاني: أن المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب.\nفمن أحب الله فيجب عليه أن يحب كل ما أراده الله وأحبه، والله قد أراد كل","vol":"1","page":669},{"text":"شيء وأحبه.\nقال شيخ الإسلام: «وفي كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب. وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده، فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء، حتى الكفر والفسوق والعصيان» (^١) وقال ﵀: «وأصل ضلالهم: أن هذا القائل الذي قال: إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، قصد بمراد الله تعالى: الإرادة الكونية في كل الموجودات» (^٢)، وقال أيضًا: «فشهدوا أن الله رب الكائنات جميعها، وعلموا أنه قدر كل شيء وشاءه، وظنوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره الله ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان، حتى قال بعضهم: (المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب) قالوا: والكون كله مراد المحبوب، وضل هؤلاء ضلالا عظيمًا؛ حيث لم يفرقوا بين الإرادة الدينية والكونية، والإذن الديني والكوني، والأمر الديني والكوني، والبعث الكوني والديني، والإرسال الكوني والديني» (^٣).\nوقال ابن القيم -﵀-: «وقرر محققوهم من المتكلمين هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحد؛ فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبه» (^٤).\nفهذا هو أصل ضلالهم ومبنى شبهتهم ومقالهم (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-374>الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة:</span>\nنقض شيخ الإسلام هذه الشبهة وبين بطلانها من وجوه عدة، منها ما يلي:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢١٠).\n(^٢) العبودية (ص: ١١٦).\n(^٣) الاستقامة (٢/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٤) شفاء العليل (ص:٤).\n(^٥) انظر للاستزادة: الاستقامة (١/ ٤٢٤) (٢/ ٧٨)، العبودية (ص: ١١٦)، الفتاوى الكبرى (٢/ ٣٩٥)، (٥/ ٢٠٠)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٢١٠، ٢١١، ٦٨٤)، (٢٢/ ١٢٥).","vol":"1","page":670},{"text":"الأول: أن القول بأن كل ما أراده الله فقد أحبه قول باطل؛ وذلك لأن الإرادة جاءت في النصوص الشرعية على معنيين:\nالنوع الأول: إرادة كونية قدرية: وهي بمعنى المشيئة لا يخرج عنها شيء فكل ما يقع من خير أو شر من طاعة أو معصية فهو داخل فيها، وهذا النوع من الإرادة لا يستلزم محبة الله ورضاه، فقد تكون لما يحب ويرضى كالطاعات الواقعة من عباد الله الصالحين، وقد تكون لما لا يحب ولا يرضى، بل يسخط ويكره كالمعاصي والكفر، ومن هذا النوع قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧].\nالنوع الثاني: إرادة دينية شرعية: وهي المتعلقة بألوهيته وشرعه، وهي مستلزمة لأمره، ومتعلقة بما يحبه ويرضاه. ومنها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧].\nفما أراده الله إرادة كونية، فإنه لا بد من وقوعه وقد يكون مما يحبه الله ويرضاه، وقد لا يكون كذلك كالكفر والفسوق والعصيان، وما أراده إرادة شرعية فهو مستلزم لمحبته ورضاه وقد يقع وقد لا يقع، والأمر مستلزم للإرادة الدينية الشرعية، دون الإرادة الكونية، فالله لا يأمر إلا بما يحب ويرضى (^١).\nقال شيخ الإسلام: «ينبغي أن يعرف أن الإرادة في كتاب الله على نوعين:\nأحدهما: الإرادة الكونية وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذه الإرادة في مثل قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥٨ - ٦١)، درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٧٦، ٧٤١)، منهاج السنة (٣/ ١٨٠).","vol":"1","page":671},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩] وأمثال ذلك …\nوأما النوع الثاني: فهو الإرادة الدينية الشرعية، وهي محبة المراد ورضاه، ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاهم بالحسنى، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٧ - ٢٨]، فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد، إلا أن يتعلق به النوع الأول من الإرادة، ولهذا كانت الأقسام أربعة:\nأحدها: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع؛ فأمر به وأحبه ورضيه وأراده إرادة كون فوقع؛ ولولا ذلك لما كان.\nوالثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط. وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها، لو وقعت ولو لم تقع.\nوالثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط وهو ما قدره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي؛ فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\nوالرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يكن من أنواع","vol":"1","page":672},{"text":"المباحات والمعاصي» (^١).\nوبهذا يتضح الخطأ الذي وقع فيه الجبرية كهذا الشيخ وأمثاله، حيث ظنوا أن كل ما أراده الله فقد أحبه ورضيه، ولم يفرقوا بين الإرادة الكونية التي لا تستلزم المحبة والرضا، وبين الإرادة الشرعية المستلزمة لذلك.\nثانيًا: أنه ينبغي التفريق بين قضاء الله تعالى الذي هو فعله، وبين المقضي وهو أثر فعله سبحانه، فالقضاء غير المقضي؛ إذ القضاء فعل الله تعالى ومشيئته، وما قام به، واتصف به، فعلى هذا قضاؤه كله حق.\nأما المقضي: فهو أثر القضاء، وهو مفعول منفصل مباين له، مشتمل على الخير والشر، فالمقضي فيه حق، وفيه باطل، فما كان حقًا: رضينا به، وما كان باطلًا: لا نرضى به، فنحن مأمورون بكره المقضي، إذا كان باطلًا وكفرًا وفسادًا، فرضا العبد يدور مع الشرع، أي مع الأمر والنهي، لا مع المشيئة والقدر الكوني (^٢).\nثالثًا: أن ذلك يفتح باب الاستهانة بالذنوب، والإباحية المطلقة؛ وهذا ما آل إليه كثير من الجبرية؛ فمنهم من \"يتدين بحب الصور الجميلة من النساء الأجانب والمردان وغير ذلك ويرى هذا من الجمال الذي يحبه الله فيحبه هو ويلبس المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨] \" (^٣).\nوبهذه الشبهة أيضًا أسقطوا الأمر والنهي، وأبطلوا الوعد والوعيد قال شيخ الإسلام: «وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين المحظور والمأمور،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٨٧ - ١٨٩).\n(^٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ٢٠٥)، مدارج السالكين (١/ ٢٥٦)، شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٥٨).\n(^٣) الاستقامة (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":673},{"text":"وأولياء الله وأعداء الله والأنبياء والمتقين، ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ويجعلون المتقين كالفجار، ويجعلون المسلمين كالمجرمين، ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع» (^١).\nومنهم من يتخذ من هذه المقالة ذريعة للوصول إلى مآربه وشهواته، قال شيخ الإسلام: «لكن استفادوا بهذا الضلال اتباع أهوائهم، ثم زادهم انغماسًا في أهوائهم وشهواتهم، فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة، زاعمين أن هذا من محبة الله، ومن محبة الله بغض ما يبغضه الله ورسوله، وجهاد أهله بالنفس والمال» (^٢).\nوأخبر شيخ الإسلام أن أقل ما يصيب هؤلاء \"أنهم يتركون الغيرة لله، والنهي عن المنكر، والبغض في الله، والجهاد في سبيله، وإقامة حدوده\" (^٣).\nوقد حكى جمع من العلماء ما وصل له حال هؤلاء القوم، ومن ذلك ما ذكره مرعي الكرمي (^٤) -﵀- حيث قال: «فقد وقعت مذاكرة في بعض مسائل القدر في بعض المجالس فذكر لي أن بعض دراويش (^٥) متصوفة الفقراء الذين وقعوا في الإباحة والآثام، وطووا بساط الشرع، ورفعوا قواعد الأحكام، وسووا بعقولهم بين الحلال والحرام: كان لا يصوم ولا يصلي منهمكًا على المحرمات كالخمور\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٧٨).\n(^٢) العبودية (ص: ١١٦).\n(^٣) الاستقامة (١/ ٤٢٤).\n(^٤) هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمي المقدسي الحنبلي، مؤرخ أديب، من كبار الفقهاء، وله مصنفات منها: غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، وقلائد المرجان في الناسخ والمنسوخ من القرآن وغيرها، (ت:١٠٣٣ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٧/ ٢٠٣)، معجم المؤلفين (١٢/ ٢١٨).\n(^٥) الدرويش: مصطلح صوفي يطلق على الفقير الزاهد المتجول المظهر للمسكنة والذل والمشتغل بالموالد ونحوها. انظر: تاج العروس (١٧/ ٢٠٢)، المعجم الوسيط (١/ ٢٨٠)، معجم اللغة العربية المعاصرة (١/ ٧٤٢).","vol":"1","page":674},{"text":"ونحوها من اللذات، فاعترض عليه في ذلك؟!\nفأجاب بما مضمونه: أنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف، وأن هذا مقدر عليَّ، وأنا لا أقدر على رفع ما قدره الله عليَّ … الخ» (^١).\nومن هنا يُدرك كل عاقل خطورة الفساد الذي ينتشر بسبب عقيدة الجبر الفاسدة.\nرابعًا: أن من لوازم محبة الله حب ما يحبه -﷿- وبغض ما يبغضه؛ \"لأن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض محبوبه، ويوالي من يوالي محبوبه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما نهى عنه\" (^٢)، وهذه هي المحبة الحقيقة.\nأما من ادعى أنه يحب الله مع محبته لما يبغضه سبحانه، ومحبته لأعدائه ﷿، فهذه دعوى كاذبه، بل هو للعداوة أقرب منه للمحبة، قال شيخ الإسلام -﵀-: «والطريق إلى الله إنما هي بأن ترضيه أن تفعل ما يحبه ويرضاه، ليس أن ترضى بكل ما يحدث ويكون؛ فإنه هو لم يأمرك بذلك، ولا رضيه لك ولا أحبه، بل سبحانه يكره ويسخط ويبغض على أعيان أفعال موجودة لا يحصيها إلا هو. وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب، وتبغض ما يبغض، وتكره ما يكره، وتسخط ما يسخط، وتوالي من يوالي، وتعادي من يعادي؛ فإذا كنت تحب وترضى ما يكرهه ويسخطه كنت عدوه لا وليه، وكان كل ذم نال من رضي (^٣) ما أسخط الله قد نالك، فتدبر هذا، فإنه ينبه على أصل عظيم ضل فيه من طوائف النساك والصوفية والعباد والعامة من لا يحصيهم إلا الله» (^٤)، وبهذه الحجة أفحم شيخ الإسلام خصمه في هذه المناظرة كما سبق بيانه.\n_________\n(^١) رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر (ص: ١٥).\n(^٢) أمراض القلوب وشفاؤها (ص: ٦٤).\n(^٣) في المطبوع من الاستقامة (رضا) وهو خطأ والصواب ما أثبت من مجموع الفتاوى (١٠/ ٧١٢).\n(^٤) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢/ ٤١٣ - ٤١٤).","vol":"1","page":675},{"text":"خامسًا: أن دعواهم حب كل موجود والرضا به دعوى باطلة لا يمكن تحققها؛ فإن النفس البشرية قد جبلت وفطرت على محبة ما ينفعها وكره ما يضرها، قال شيخ الإسلام: «ولا يمكن لأحد أن يحب كل موجود، بل يحب ما يلائمه وينفعه ويبغض ما ينافيه ويضره» (^١).\nوقال ﵀: «وهم في ذلك متناقضون؛ إذ لا يتمكنون من الرضا بكل موجود، فإن المنكرات هي أمور مضرة لهم ولغيرهم، ويبقى أحدهم مع طبعة وذوقه وهواه ينكر ما يكره ذوقه دون ما لا يكره ذوقه» (^٢).\nخامسًا: أما ما استندوا عليه من تعريف بعض المشايخ للمحبة بأنها (نار في القلب تحرق كل ما سوى مراد المحبوب)، فهذا معنى مجمل يحتمل حقًا وباطلًا، وهم قد فهموه على المعنى الباطل، فحملوا الإرادة هنا على الإرادة الكونية التي تشمل الخير والشر، وقد ذكر ابن القيم -﵀- أن قائل هذه العبارة إنما أراد المعنى الصحيح منها، وهو أنها: \"تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب الديني الأمري، الذي يحبه ويرضاه، لا المراد الذي قدره وقضاه، لكن لقلة حظ المتأخرين منهم وغيرهم من العلم: وقعوا فيما وقعوا فيه من الإباحة والحلول والاتحاد، والمعصوم من عصمه الله\" (^٣)، وقال شيخ الإسلام -﵀-: «أما لو قال مؤمن بالله وكتبه ورسله، هذه المقالة، فإنه يقصد الإرادة الدينية الشرعية التي هي بمعنى محبته ورضاه، فكأنه قال: تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله. وهذا معنى صحيح؛ فإنّ من تمام الحب لله ألا يحب إلا ما يحبه الله، فإذا أحببت ما لا يحب كانت المحبة ناقصة. وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محبًا له، بل محبًا لما يبغضه» (^٤).\n_________\n(^١) العبودية (ص: ١١٦).\n(^٢) الاستقامة (١/ ٤٢٥).\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ١٦)، وانظر: طريق الهجرتين (ص: ٣٠٣)، شفاء العليل (ص: ٤).\n(^٤) العبودية (ص: ١١٦ - ١١٧).","vol":"1","page":676},{"text":"سادسًا: أن قولهم هذا مخالفٌ للنصوص القطعية التي تفرق بين أهل الإيمان وأهل الكفر والطغيان، وتفرق بين الطاعات وبين المعاصي والمنكرات، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ورأوا أن الله خالق المخلوقات كلها، فهو خالق أفعال العباد، ومريد جميع الكائنات، ولم يميزوا بعد ذلك بين إيمان وكفر، ولا عرفان ولا نكر، ولا حق ولا باطل، ولا مهتد ولا ضال، ولا راشد ولا غوي، ولا نبي ولا متنبئ، ولا ولي لله ولا عدو، ولا مرضي لله ولا مسخوط، ولا محبوب لله ولا ممقوت، ولا بين العدل والظلم، ولا بين البر والعقوق، ولا بين أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار، ولا بين الأبرار والفجار، حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق، والمشيئة النافذة، والقدرة الشاملة، والخلق العام؛ فشهدوا المشترك بين المخلوقات، وعموا عن الفارق بينهما، وصاروا ممن يخاطب بقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٢١]» (^١).\nوبهذه الأوجه كلها اتضح فساد وبطلان وتناقض مذهب هؤلاء الجبرية الإباحية الذين ناظرهم شيخ الإسلام، وتبين مخالفة قولهم للنقل والعقل والفطرة التي جبل الله عليها الخلق.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"1","page":677},{"text":"الفصل السادس:\nمناظرته مع ابن الوكيل الشافعي في نسبته قول المرجئة لأهل السنة والجماعة، ودفاعه عن ذلك.\nواشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: عرض المناظرة.\nالمبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.\nملحق:\nمناظرته مع بعض المرجئة في اعتقادهم أن الإيمان شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقص.","vol":"1","page":679},{"text":"<span data-type='title' id=toc-376>المبحث الأول: عرض المناظرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-377>تمهيد:</span>\nسبق معنا في المبحث الثالث من الفصل الرابع ذكر مناظرة جرت لشيخ الإسلام مع ابن الوكيل الشافعي في تعلق الصفات، وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية، وكانت تلك المناظرة هي المبحث الثاني من المباحث الثلاثة التي نقلها أحد أصحاب شيخ الإسلام مما جرى بينه وبين ابن المرحل (ابن الوكيل)، وهذه المناظرة التي بين أيدينا هي أول المباحث الثلاثة وأطولها، وعلى أن هذه المناظرة أصلها في الحمد والشكر إلا أن شيخ الإسلام بين فيها جملة من المسائل، وكشف جملة من الحقائق المتعلقة بالأصول والاعتقاد، وهذه المناظرة قد وقعت -كما سبق- في دمشق قبل سنة خمسٍ وتسعين وستمائة من الهجرة.\nوهاك نص المناظرة كما نقلها لنا ابن عبد الهادي -﵀-:\n\n<span data-type='title' id=toc-378>نص المناظرة:</span>\nقال ابن عبد الهادي -﵀-: «وقد رأيت بخط بعض أصحابه ما صورته:\nتلخيص مبحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -﵀-، وبين ابن المرحل: كان الكلام في الحمد والشكر، وأن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد لا يكون إلا باللسان.","vol":"1","page":681},{"text":"فقال ابن المُرحِّل: قد نقل بعض المصنفين -وسماه- (^١): أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد. ومذهب الخوارج: أنه يكون بالاعتقاد والقول والعمل. وبنوا على هذا: أن من ترك الأعمال يكون كافرًا؛ لأن الكفر نقيض الشكر، فإذا لم يكن شاكرًا كان كافرًا.\nقال الشيخ تقي الدين: هذا المذهب المحكي عن أهل السنة خطأ والنقل فيه عن أهل السنة خطأ؛ فإن مذهب أهل السنة: أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل. قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، وقام النبي -ﷺ- حتى تورمت قدماه فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدا شكورا) (^٢).\nقال ابن المرحل: أنا لا أتكلم في الدليل، وأسلم ضعف هذا القول؛ لكن أنا أنقل أنه مذهب أهل السنة.\nقال الشيخ تقي الدين: نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ؛ فإن القول إذا ثبت ضعفه كيف ينسب إلى أهل الحق؟ ثم قد صرح من شاء الله من العلماء المعروفين بالسنة أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.\nقلت: وباب سجود الشكر في الفقه أشهر من أن يذكر وقد قال النبي -ﷺ- عن سجدة سورة ص: (سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا) (^٣).\nثم من الذي قال من أئمة السنة: إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد؟!\n_________\n(^١) لم أقف عليه، كما لم يصرح الكاتب باسمه.\n(^٢) رواه البخاري كتاب: (التهجد) باب: (قيام النبي -ﷺ- حتى ترم قدماه) (١١٣٠)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار (٢٨١٩)، من حديث المغيرة بن شعبة -﵁-.\n(^٣) رواه النسائي في سننه (٩٥٧)، ومحمد بن الحسن في الآثار (١/ ٥٦٥) (٢١٠)، وعبدالرزاق في مصنفه (٥٨٧٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢٣٨٦)، والأوسط (١٠٠٨)، والدارقطني في سننه (١٥١٦)، كلهم من طريق عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، وصححه الألباني في المشكاة (١٠٣٨)، وفي صحيح أبي داود (٥/ ١٥٤) وصحيح الجامع (٣٦٨٢).","vol":"1","page":682},{"text":"قال ابن المرحل: هذا قد نقل، والنقل لا يمنع لكن يستشكل. ويقال: هذا مذهب مشكل.\nقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: النقل نوعان:\nأحدهما: أن ينقل ما سمع أو رأى.\nوالثاني: ما ينقل باجتهاد واستنباط. وقول القائل: مذهب فلان كذا، أو مذهب أهل السنة كذا، قد يكون نسبه إليه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله، وإن لم يكن فلان قال ذلك. ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرًا. ألا ترى أن كثيرًا من المصنفين يقول: مذهب الشافعي أو غيره كذا، ويكون منصوصه بخلافه؟ وعذرهم في ذلك: أنهم رأوا أن أصوله تقتضي ذلك القول فنسبوه إلى مذهبه من جهة الاستنباط، لا من جهة النص؟ وكذلك هذا لما كان أهل السنة لا يكفرون بالمعاصي، والخوارج يكفرون بالمعاصي.\nثم رأى المصنف أن الكفر ضد الشكر، اعتقد أنَّا إذا جعلنا الأعمال شكرًا لزم انتفاء الشكر بانتفائها، ومتى انتفى الشكر خلفه الكفر، ولهذا قال: إنهم بنوا على ذلك: التكفير بالذنوب؛ فلهذا عزى إلى أهل السنة إخراج الأعمال عن الشكر.\nقلت: كما أن كثيرًا من المتكلمين أخرج الأعمال عن الإيمان لهذه العلة.\nقال: وهذا خطأ؛ لأن الكفر نوعان: أحدهما: كفر النعمة. والثاني: الكفر بالله، والكفر الذي هو ضد الشكر: إنما هو كفر النعمة لا الكفر بالله. فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة لا الكفر بالله.\nقلت: على أنه لو كان ضد الكفر بالله، فمن ترك الأعمال شاكرًا بقلبه ولسانه فقد أتى ببعض الشكر وأصله، والكفر إنما يثبت إذا عدم الشكر بالكلية، كما قال أهل السنة: إن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافرًا حتى يترك أصل الإيمان وهو الاعتقاد (^١). ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة -التي هي ذات شعب وأجزاء-\n_________\n(^١) هذه العبارة مشكلة، وقد استدل بها البعض على أن شيخ الإسلام لا يرى كفر تارك العمل =","vol":"1","page":683},{"text":"زوال اسمها كالإنسان إذا قطعت يده أو الشجرة إذا قطع بعض فروعها.\n_________\n= بالكلية، والواقع أن هذا الكلام ليس هو من كلام شيخ الإسلام -﵀-، بل هو من كلام حاكي هذه المناظرة الذي كتبها، وذلك أن كاتب هذه المناظرة وناقلها ليس هو الشيخ نفسه، وإنما قام بعض أصحابه بنقلها وتلخيص ما جرى فيها حيث قال: «وقد رأيت بخط بعض أصحابه ما صورته»، وقد نقل فيها الكاتب ما جرى بين شيخ الإسلام، وبين ابن المرحل فكان ينقل فيها ما قاله الشيخ وما قاله ابن المرحل، وقد يعلق أحيانًا بتعليقات من عنده، فيقول \"قلت\" ثم يذكر تعليقه، وهذه العبارة المذكورة هي من تعليقاته على المناظرة، وليست من نص المناظرة ولا من كلام شيخ الإسلام -﵀-، حيث قال في مقدمتها \"قلت\" فليتأمل هذا.\nوقد وقفت على موضع آخر في مجموعة الرسائل (٣/ ١٥) استدل به بعضهم على نسبة هذا القول لشيخ الإسلام جاء فيه: «الإيمان ثلاث درجات:\nإيمان السابقين المقربين: وهو ما أتي فيه بالواجبات والمستحبات من فعل وترك.\nوإيمان المقتصدين أصحاب اليمين: وهو ما ترك صاحبه فيه بعض الواجبات، أو فعل فيه بعض المحظورات. ولهذا قال علماء السنة: لا يكفر أحد بذنب، إشارة إلى بدعة الخوارج الذين يكفرون بالذنب.\nوإيمان الظالمين لأنفسهم: وهو من أقر بأصل الإيمان وهو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، ولم يفعل المأمورات ويجتنب المحظورات».\nوهذا الكلام المنقول من مجموعة الرسائل والمسائل، هو كذلك ليس من كلام شيخ الإسلام -﵀وإنما هو تلخيص لكلام شيخ الإسلام؛ فقد قام أبو الحسن بن عروة -﵀- كما في مجموعة الرسائل (٣/ ٢ - ١٦) باختصار وتلخيص فتوى طويلة لشيخ الإسلام، وهي الموجودة في مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٢٣ - ٥٠٢) وقد وقع له في تلخيصه -عفا الله عنه- خطأ ووهم في هذا الموضع، فأخل بالمعنى إخلالًا واضحًا، يخالف نص كلام شيخ الإسلام في فتواه الكاملة في المجموع (١٢/ ٤٧٤) وهي ما نصه:\n«الإيمان ثلاث درجات:\nإيمان السابقين المقربين: وهو ما أتى فيه بالواجبات والمستحبات من فعل وترك.\nوإيمان المقتصدين أصحاب اليمين: وهو ما أتى فيه بالواجبات من فعل وترك.\nوإيمان الظالمين: وهو ما يترك فيه بعض الواجبات أو يفعل فيه بعض المحظورات.\nولهذا قال علماء السنة في وصفهم اعتقاد أهل السنة والجماعة: إنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب». =","vol":"1","page":684},{"text":"قال الصدر ابن المرحل: فإن أصحابك (^١) قد خالفوا الحسن البصري في تسمية الفاسق كافر النعمة (^٢) كما خالفوا الخوارج في جعله كافرا بالله.\nقال الشيخ تقي الدين: أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا، فعمن تنقل من أصحابي هذا؟ بل يجوز عندهم أن يسمى الفاسق كافر النعمة حيث أطلقته الشريعة.\nقال ابن المرحل: إني أنا ظننت أن أصحابك قد قالوا هذا، لكن أصحابي (^٣) قد خالفوا الحسن في هذا.\nقال الشيخ تقي الدين: - ولا أصحابك خالفوه؛ فإن أصحابك قد تأولوا أحاديث النبي -ﷺ- التي أطلق فيها الكفر على بعض الفسوق -مثل ترك الصلاة وقتال المسلمين (^٤) - على أن المراد به كفر النعمة، فعلم أنهم يطلقون على المعاصي في الجملة أنها كفر النعمة، فعلم أنهم موافقو الحسن لا مخالفوه.\nثم عاد ابن المرحل فقال: أنا أنقل هذا عن المصنف، والنقل ما يمنع لكن يستشكل.\nقال الشيخ تقي الدين: إذا دار الأمر بين أن ينسب إلى أهل السنة مذهب باطل، أو يُنسب الناقل عنهم إلى تصرُفهِ في النقل، كان نسبة الناقل إلى التصرف\n_________\n= فظهر بوضوح تصرف ابن عروة في كلام شيخ الإسلام، وإن كان إنما ذكر في مقدمة نقله أنه إنما اختار مواضع منها، ولم يذكر أنه لخص أو اختصر أو تصرف في الألفاظ، ولكن المتأمل في الموضعين يظهر له بوضوح أن ابن عروة مع اختياره لمواضع من الفتوى فإنه تصرف أيضًا في الألفاظ لتلخيصها واختصارها حسب فهمه، فوقع له الخلل في ذلك، والله اعلم.\n(^١) يعني: الحنابلة.\n(^٢) لم أقف على نص مسند عن الحسن البصري ﵀ في إطلاقه كفر النعمة على مرتكب الكبيرة.\n(^٣) يعني: الشافعية.\n(^٤) يعني حديث بريدة الأسلمي عند أحمد (٢٢٩٣٧) والنسائي (٣٤٦) وغيرهما: (إِنَّ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمِ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) وحديث ابن مسعود عند البخاري (٤٨) ومسلم (١١٦) وغيرهما: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر).","vol":"1","page":685},{"text":"أولى من نسبة الباطل إلى طائفة أهل الحق، مع أنهم صرحوا في غير موضع: أن الشكر يكون بالقول والعمل والاعتقاد، وهذا أظهر من أن ينقل عن واحد بعينه. ثم إنا نعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق: إخراج الأعمال أن تكون شكرًا لله، بل قد نص الفقهاء على أن الزكاة شكر نعمة المال، وشواهد هذا أكثر من أن تحتاج إلى نقل، وتفسير الشكر بأنه يكون بالقول والعمل في الكتب التي يتكلم فيها على لفظ (الحمد) و(الشكر) مثل: كتب التفسير، واللغة، وشروح الحديث، يعرفه آحاد الناس، والكتاب والسنة قد دلا على ذلك.\nفخرج ابن المرحل إلى شيء غير هذا فقال: الحسن البصري يسمى الفاسق منافقًا، وأصحابك لا يسمونه منافقًا.\nقال الشيخ تقي الدين له: بل يسمى منافقًا النفاق الأصغر، لا النفاق الأكبر، والنفاق يطلق على النفاق الأكبر الذي هو إضمار الكفر، وعلى النفاق الأصغر الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات (^١).\n_________\n(^١) لا شك أن أولى ما يُحمل عليه قول الحسن البصري بأن مرتكب الكبيرة منافق، هو النفاق الأصغر دون الأكبر. ولكن قبل أن نفسر مراد الحسن البصري من ذلك، فإن الواجب التثبت فيما نُقل عنه في ذلك، وقد نسب هذا الحكم إليه عدة من المصنفين قديمًا وحديثًا، بل وعده بعضهم قولًا مستقلًا في المسألة، وحاول بعضهم تعليله والتدليل عليه، وعده ابن الوزير قولًا مستقلًا قد انقطع وانقرض، بل قد احتج به قوم من الإباضية على تصحيح ما ذهبوا إليه من أن مرتكب الكبيرة منافق، وزعموا بسبب هذه المقالة أنه ليس بينهم وبين أهل السنة خلاف في هذه المسألة، وأنهم تبع في هذا القول للحسن البصري -﵀-، وليسوا على رأي الخوارج كما يتهمهم خصومهم. انظر: الإباضية بين الفرق الإسلامية (ص:٢٤٧) والإباضية في موكب التاريخ (١/ ٩١). وقد حاولت جاهدًا أن أقف على أثر مسند إلى الإمام الحسن البصري في ذلك، فلم أجد بعد بحث طويل أثرًا مسندًا، ولا نقلًا ثابتًا، فيه النص على أن صاحب الكبيرة منافق، ووجدت أن أول من عزا هذه المقولة إلى الحسن البصري -﵀- هو القاضي عبد الجبار (٤١٥ هـ) في كتابه \"المنية والأمل\" حيث نقل هذه المقولة من كلام واصل بن عطاء المعتزلي في مناظرة حدثت بينه وبين عمرو بن عبيد، نقلها القاضي عبد الجبار -بغير سند ولا خطام-. ولم أجد أحدًا ممن كتب في الفرق والمقالات نسب =","vol":"1","page":686},{"text":"قال له ابن المرحل: ومن أين قلت: إن الاسم يطلق على هذا وعلى هذا؟\nقال الشيخ تقي الدين: هذا مشهور عند العلماء، وبذلك فسروا قول النبي -ﷺ-: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) (^١)، وقد ذكر ذلك الترمذي وغيره، وحكوه عن العلماء (^٢)، وقال غير واحد من السلف: (كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك) (^٣)، وإذا كان النفاق جنسًا تحته نوعان، فالفاسق داخل في أحد نوعيه.\nقال ابن المرحل: كيف تجعل النفاق اسم جنس (^٤)، وقد جعلته لفظًا مشتركًا،\n_________\n= هذا القول إلى الحسن البصري باستثناء ابن حزم الأندلسي (٤٥٦ هـ) في كتابه الفصل (٧/ ١٢٨) حيث قال: «وروي عن الحسن البصري وقتادة -﵄- أن صاحب الكبيرة: منافق» فرواه بصيغة التمريض ولم يبين من الذي روى هذا القول عنهما، وأما عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق (ص:٢٠٠) فلم ينسب هذا القول إلى الحسن، وإنما نسبه إلى البكرية أتباع بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد، وجعل هذه المقولة من أقواله، والخلاصة: أنني لم أقف على رواية مسندة صحيحة كانت أو ضعيفة تثبت ما اشتهر عن الحسن البصري من الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه منافق، إلا نصوص عامة في ذم النفاق والمنافقين، ووصف شيء من حالهم، وبيان أنواع النفاق، مما لم يختص به الحسن البصري حتى يُنسب له دون غيره، والله أعلم.\n(^١) رواه البخاري (باب علامة المنافق) (٣٣) ومسلم كتاب الإيمان (٥٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) يريد قول الترمذي -﵀في السنن (٤/ ٣١٦): «وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله -ﷺ- هكذا روي عن الحسن البصري، شيء من هذا أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب».\n(^٣) ومن ذلك قول عطاء الذي رواه عبد الرزاق (٧١٧) وأبو داود في مسائل أحمد (١٣٥٧) وغيرهما، قال: «كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق»، والنصوص عن السلف في معناه كثيرة كما أشار شيخ الإسلام.\n(^٤) اسم الجنس: قال شيخ الإسلام: «هو الاسم المطلق على الشيء وعلى كل ما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة -جامدًا أو مشتقًا- وسواء كان جنسًا منطقيًا أو فقهيًا أو لم يكن» مجموع الفتاوى (٣/ ١٩١).","vol":"1","page":687},{"text":"وإذا كان اسم جنس كان متواطئًا، والأسماء المتواطئة غير المشتركة، فكيف تجعله مشتركا متواطئا؟\nقال الشيخ تقي الدين: أنا لم أذكر أنه مشترك، وإنما قلت: يطلق على هذا وعلى هذا، والإطلاق أعم، ثم لو قلت: إنه مشترك لكان الكلام صحيحًا؛ فإن اللفظ الواحد قد يطلق على شيئين بطريق التواطؤ وبطريق الاشتراك؛ فأطلقت لفظ النفاق على إبطان الكفر، وإبطان المعصية تارة بطريق الاشتراك، وتارة بطريق التواطؤ؛ كما أن لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن عند قوم باعتبار الاشتراك، وعند قوم باعتبار التواطؤ، ولهذا سمي مشككًا (^١).\nقال ابن المرحل: كيف يكون هذا؟ وأخذ في كلام لا يحسن ذكره.\nقال له الشيخ تقي الدين: المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر؛ وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما، فقد يطلق عليهما باعتبار ما به تمتاز كل ماهية عن الأخرى؛ فيكون مشتركًا كالاشتراك اللفظي، وقد يكون مطلقًا باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين، فيكون لفظًا متواطئًا.\nقلت (^٢): ثم إنه في اللغة يكون موضوعًا للقدر المشترك ثم يغلب عرف الاستعمال على استعماله، في هذا تارة وفي هذا تارة، فيبقى دالًا بعرف الاستعمال على ما به الاشتراك والامتياز، وقد يكون قرينة مثل لام التعريف أو\n_________\n(^١) سبب تسميته مشككًا؛ أن الناظر فيه يشك فيه هل هو من قبيل المتواطئ، أم من قبيل المشترك. مثال ذلك: اسم الحي فمن نظر إلى أصل الحياة، قال: إنه نوع من المتواطئ؛ إذ الحياة ضد الممات في الأصل. ومن نظر إلى الاختلاف والتباين في حياة المخلوق والخالق، قال: إنه من المشترك، ومن هنا سمي مشككًا. ولهذا يحسن أن يقال عن المشكك: إنه ما اتفق في أصله، واختلف في وصفه. انظر: الفتوى الحموية (ص:٥٢٤) ومصطلحات في كتب العقائد (ص:٢٢٢).\n(^٢) هذا الكلام وما بعده من كلام الناقل للمناظرة وليس من كلام شيخ الإسلام.","vol":"1","page":688},{"text":"الإضافة تكون هي الدالة على ما به الامتياز مثال ذلك: \"اسم الجنس\" إذا غلب في العرف على بعض أنواعه كلفظ (الدابة) إذا غلب على الفرس قد نطلقه على الفرس باعتبار القدر المشترك بينها وبين سائر الدواب، فيكون متواطئًا، وقد نطلقه باعتبار خصوصية الفرس فيكون مشتركًا بين خصوص الفرس وعموم سائر الدواب، ويصير استعماله في الفرس: تارة بطريق التواطؤ، وتارة بطريق الاشتراك. وهكذا اسم الجنس إذا غلب على بعض الأشخاص وصار علمًا بالغلبة: مثل ابن عمرو والنجم؛ فقد نطلقه عليه باعتبار القدر المشترك بينه وبين سائر النجوم وسائر بني عمرو، فيكون إطلاقه عليه بطريق التواطؤ، وقد نطلقه عليه باعتبار ما به يمتاز عن غيره من النجوم ومن بني عمرو، فيكون بطريق الاشتراك بين هذا المعنى الشخصي وبين المعنى النوعي، وهكذا كل اسم عام غلب على بعض أفراده يصح استعماله في ذلك الفرد بالوضع الأول العام فيكون بطريق التواطؤ وبالوضع الثاني فيصير بطريق الاشتراك. ولفظ (النفاق) من هذا الباب؛ فإنه في الشرع إظهار الدين وإبطان خلافه. وهذا المعنى الشرعي أخص من مسمى النفاق في اللغة فإنه في اللغة أعم من إظهار الدين، ثم إبطان ما يخالف الدين إما أن يكون كفرًا أو فسقًا، فإذا أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب فهذا هو النفاق الأكبر الذي أوعد صاحبه بأنه في الدرك الأسفل من النار، وإن أظهر أنه صادق أو موف أو أمين وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك، فهذا هو النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقًا، فإطلاق النفاق عليهما في الأصل بطريق التواطؤ.\nوعلى هذا؛ فالنفاق اسم جنس تحته نوعان ثم إنه:\n١. قد يراد به النفاق في أصل الدين مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]، والمنافق هنا: الكافر.\n٢. وقد يراد به النفاق في فروعه، مثل قوله -ﷺ-: (آية المنافق ثلاث) وقوله:","vol":"1","page":689},{"text":"(أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا) (^١)، وقول ابن عمر: فيمن يتحدث عند الأمراء بحديث ثم يخرج فيقول بخلافه: (كنا نعد هذا على عهد النبي -ﷺ- نفاقًا) (^٢).\nفإذا أردت به أحد النوعين:\nفإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد والإضافة، فهذا لا يخرجه عن أن يكون متواطئًا، كما إذا قال الرجل: جاء القاضي، وعنى به قاضي بلده لكون اللام للعهد، كما قال سبحانه: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزَّمل:١٦] أن اللام هي أوجبت قصر الرسول على موسى لا نفس لفظ (رسول).\nوإما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه، فيصير مشتركًا بين اللفظ العام والمعنى الخاص، فكذلك قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١]، فإن تخصيص هذا اللفظ بالكافر إما أن يكون لدخول اللام التي تفيد العهد، والمنافق المعهود: هو الكافر.\nأو تكون لغلبة هذا الاسم في الشرع على نفاق الكفر، وقوله -ﷺ-: (ثلاث من كن فيه كان منافقًا) يعني به منافقًا بالمعنى العام، وهو إظهاره من الدين خلاف ما يبطن.\nفإطلاق لفظ (النفاق) على الكافر وعلى الفاسق إن أطلقته باعتبار ما يمتاز به عن الفاسق، كان إطلاقه عليه وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك، وكذلك يجوز أن يراد به الكافر خاصة، ويكون متواطئًا إذا كان الدال على الخصوصية غير لفظ (منافق) بل لام التعريف.\nوهذا البحث الشريف جار في كل لفظ عام استعمل في بعض أنواعه؛ إما لغلبة الاستعمال، أو لدلالة لفظية خصته بذلك النوع، مثل تعريف الإضافة أو تعريف\n_________\n(^١) رواه البخاري كتاب الإيمان، باب علامة النفاق (٣٤)، ومسلم، كتاب الإيمان (١٠٦).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب ما يكره من ثناء السلطان (٧١٧٨)، وأحمد في مسنده (٥٣٧٣).","vol":"1","page":690},{"text":"اللام؛ فإن كان لغلبة الاستعمال صح أن يقال: إن اللفظ مشترك. وإن كان لدلالة لفظية كان اللفظ باقيًا على مواطأته. فلهذا صح أن يقال (النفاق): اسم جنس تحته نوعان. لكون اللفظ في الأصل عامًا متواطئًا، وصح أن يقال: هو مشترك بين النفاق في أصل الدين، وبين مطلق النفاق في الدين؛ لكونه في عرف الاستعمال الشرعي غلب على نفاق الكفر» (^١).\n_________\n(^١) مناظرة شيخ الإسلام مع ابن المرحل في الحمد والشكر ضمن مجموع الفتاوى (١١/ ١٣٥ - ١٤٥)، وضمن العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص ١١١ - ١٢٣).","vol":"1","page":691},{"text":"<span data-type='title' id=toc-379>المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-380>المسألة الأولى: مناقشة مقالة المرجئة التي نسبها ابن المرحل لأهل السنة:</span>\nنقل ابن المرحل في هذه المناظرة عن أحد المصنفين أن معتقد أهل السنة أن الشكر إنما يكون بالاعتقاد، وأن القول بأن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل هو مذهب الخوارج.\nوظهر اقتناع ابن المرحل بما قرره هذا المصنف من خلال مجادلته عن قول هذا المصنف وإصراره على نسبة هذه المقالة لأهل السنة، وهذه في الحقيقة هي مقالة المرجئة وهي متفرعة عن اعتقادهم أن التكفير لا يكون إلا على الاعتقاد دون عمل الجوارح، وستكون دراسة هذه المسألة من وجهين:\n\n<span data-type='title' id=toc-381>الوجه الأول: أصل الشبهة:</span>\nتبين من المناظرة أن أصل شبهة ابن المرحل من جهة الاستنباط لا من جهة النص؛ وقد بنى شبهته هنا على مقدمتين ونتيجة (^١):\nالمقدمة الأولى: أن نقيض الشكر الكفر المخرج من الملة.\nالمقدمة الثانية: أنَّا إذا جعلنا الأعمال من الشكر للزم التكفير بتركها وهذا مذهب الخوارج.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٣٧)، العقود الدرية (ص: ١١٤).","vol":"1","page":692},{"text":"النتيجة: أن أهل السنة يعتقدون أن الشكر إنما يكون بالاعتقاد، ولا يكون بالأعمال.\nوهذا ما عزاه بعض المصنفين لأهل السنة وجادل عنه ابن المرحل في هذه المناظرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-382>الوجه الثاني: بطلان هذه الشبهة:</span>\nوبطلان هذه الشبهة ومقدماتها من وجوه، أهمها ما يلي:\nأولًا: أن الشكر ضد كفر النعمة، لا الكفر المخرج عن الملة:\nبنى ابن المرحل شبهته على أن الشكر نقيضه الكفر المخرج من الملة، فلو جعلنا الأعمال شكرًا؛ لكان تركها كفرا مخرجًا من الملة.\nوقد بين شيخ الإسلام خطأه في ذلك؛ فليس كل ما يطلق عليه كفر يكون مخرجًا من الملة؛ فالكفر يتفاوت ويتبعض، وليس هو على درجة واحدة، وهذا أمر تشهد له النصوص الشرعية، وآثار سلف الأمة، فلا يمكن فهم النصوص إلا وفق هذا التقسيم (^١).\nوقد ثبت في النصوص إطلاق الكفر على أنواع أخرى دون الكفر المخرج من الملة وذلك ككفر النعمة، قال الإمام يحيى بن سلام (^٢) -﵀-: «وذلك قوله في البقرة: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] ولا تكفروا نعمتي. وقال في النَّمل: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠] يعني أم أكفر النِّعمة. وفي لقمان: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [لقمان:١٢] يعني كفر النِّعمة. وقال فرعون: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ١٨٨)، مدارج السالكين (١/ ٣٤٤).\n(^٢) هو أبو زكريا يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة البصري. نزيل المغرب بإفريقية، وكان ثقة ثبتًا عالمًا بالكتاب والسنة والتفسير، مما قيل عنه: أنه ما سمع شيئًا قط إلا حفظه، حتى إنه كان إذا مر بمن يتغنى، يسد أذنيه لئلا يسمعه فيحفظه. ورمي بالإرجاء ولم يثبت عنه، (ت: ٢٠٠ هـ). انظر: طبقات علماء إفريقية (ص: ٣٧ - ٣٨)، تاريخ الإسلام (٥/ ٢٢٢)، السير (٩/ ٣٩٦).","vol":"1","page":693},{"text":"مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩] يعني الكافرين بنعمتي، إِذ ربيتك صغيرًا، وأحسنت إِليك. ونحوه كثير» (^١).\nوقال النووي في تبويبه على صحيح مسلم: «باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق» (^٢).\nوالكفر الذي هو ضد الشكر إنما هو كفر النعمة، لا الكفر المخرج من الملة؛ فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة، لا الكفر بالله (^٣)، وهذا ما تشهد له اللغة، قال الخليل الفراهيدي: «الكُفرُ: نقيض الإيمان … والكُفرُ: نقيض الشكر. كَفَر النعمة، أي: لم يشكرها» (^٤)، فبين أن ضد الشكر كفر النعمة، وقال ابن منظور: «والكفر: جحود النعمة، وهو ضد الشكر» (^٥) وقال أبو علي الفارسي (^٦): «الكفر: خلاف الشكر، كما أن الذم خلاف الحمد. فالكفر: ستر النعمة وإخفاؤها، والشكر نشرها وإظهارها. وفي التنزيل: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] وفيه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]» (^٧).\nقال ابن القيم -﵀-: «وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم\n_________\n(^١) التصاريف لتفسير القرآن (ص: ١٠٥).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان (١/ ٨٦).\n(^٣) قال السعدي في تفسيره (ص: ٤٢٢): «والشكر: هو اعتراف القلب بنعم الله والثناء على الله بها وصرفها في مرضاة الله تعالى، وكفر النعمة ضد ذلك».\n(^٤) العين (٥/ ٣٥٦).\n(^٥) لسان العرب (٥/ ١٤٤).\n(^٦) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، فيه اعتزال، علت منزلته فِي النحو، وصنف كتبًا عجيبة حسنة لم يسبق إِلَى مثلها منها: كتاب الحجة في علل القراءات، وكتاب الايضاح (ت: ٣٧٧ هـ). انظر: تاريخ العلماء النحويين للتنوخي (ص: ٢٧)، تاريخ بغداد (٨/ ٢١٧)، السير (١٦/ ٣٨٠).\n(^٧) المخصص (٣/ ٤٢٤).","vol":"1","page":694},{"text":"الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقًا أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقًا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان؛ فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط الذي هو في إذنه كالإسلام في الملل فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم» (^١).\nثانيًا: إذا ثبت أن ضد الشكر كفر النعمة، لا الكفر المخرج من الملة (^٢)؛ فإن ترك الشكر بالأعمال لا يكون كفرًا مخرجًا من الملة، بل غايته أن يكون من كفر النعمة وجحدها، ثم إن عقيدة الخوارج أن من ترك عملًا من الأعمال الواجبة، أو فعل كبيرة؛ فإنه يخرج من الملة، وأهل السنة لا يكفرون بمثل هذا، بل يرون من فعل مثل هذا مؤمنًا ناقص الإيمان، إلا في الصلاة خاصة؛ ففيها من الخلاف ما هو معلوم، وإنما وقع الخوارج في ذلك؛ لاعتقادهم أن الإيمان كلٌ لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كله. وقابل هذا الضلال المرجئة؛ فوافقوا الخوارج في أن الإيمان كلٌ لا يتجزأ، إلا أنهم أخرجوا أعمال الجوارح من الإيمان وجعلوا الإيمان بالاعتقاد والقول فقط؛ فرارًا من قول الخوارج. والحق الذي يعتقده أهل السنة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وأن الإيمان لا ينتفي عن صاحبه بترك بعض الأعمال، كما تقول الخوارج، كما أنه لا يصح الإيمان إلا بعمل، خلافًا لقول المرجئة.\nقال شيخ الإسلام: «وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا إذا زال بعضه زال\n_________\n(^١) وقد يصل كفر النعمة بصاحبه إلى الكفر المخرج من الملة، وذلك إذا جحد نعمة الله سبحانه بالكلية، ولم ير لله عليه نعمة.\n(^٢) الصلاة وأحكام تاركها (ص: ٥٨).","vol":"1","page":695},{"text":"جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال النبي -ﷺ-: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان) (^١). ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان. وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئًا واحدًا لا يتبعض أما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءًا منه، فإذا ذهبت ذهب بعضه فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج» (^٢).\nثالثًا: أن النصوص قد دلت دلالة واضحة على أن الشكر كما يكون بالقلب واللسان فإنه يكون كذلك بالأعمال، ومنها قول الله سبحانه ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، ومنها حديث عائشة -﵂-: أن نبي الله -ﷺ- كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أحب أن أكون عبدا شكورًا) (^٣).\nرابعًا: أن اعتقاد أهل السنة المبثوث في كتبهم والمعروف عن أئمتهم هو أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل، ومن المعلوم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق: إخراج الأعمال عن أن تكون شكرًا لله؛ وقد وضح شيخ الإسلام ذلك ببعض الأمثلة:\nالمثال الأول: ما نص عليه العلماء خلفًا عن سلف من أن الزكاة شكر نعمة المال.\n_________\n(^١) رواه أحمد (٦/ ٣٣٨) (٣٧٨٩)، وأبو داود (٤/ ٥٩) (٤٠٩١)، والترمذي (٣/ ٤٢٨) (١٩٩٨)، وابن ماجه (١/ ٢٢) (٥٩)، من حديث ابن مسعود -﵁-، ولفظه: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان) وصححه الألباني في المشكاة (٥١٠٧).\n(^٢) رواه البخاري كتاب التفسير، باب: ليغفر لك اله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (٤٨٣٧) ومسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار (٢٨٢٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥١٠).","vol":"1","page":696},{"text":"المثال الثاني: باب سجود الشكر الذي لا يخفى على أحد.\nومن تأمل نصوص الكتاب والسنة، وآثار سلف الأمة، وشواهد اللغة، وكتب العلماء؛ لاح له دخول الأعمال في الشكر ضرورة (^١).\nوبهذه الأوجه كلها يتبين أن ما عزاه ذلك المصنف إلى أهل السنة من إخراج الأعمال عن الشكر، ونافح عنه ابن المرحل إنما هي نفس العلة التي أخرج بها المتكلمون الأعمال عن مسمى الإيمان.\nكما يتضح: أن مزاعمه كانت بناءً على اجتهاد واستنباط من غير تحقيق، وهذا مثل من ينسب إلى بعض المذاهب أقوالًا؛ لكونهم رأوا أن أصول المذهب تقتضي ذلك القول، فنسبوه إلى المذهب من جهة الاستنباط لا من جهة النص! وما ينقل وينسب إلى الناس من جهة الاجتهاد والاستنباط يدخله الخطأ الكثير، وما نقله هذا المصنف -إن أحسنا الظن به-فإنما هو من هذا الباب؛ فإنه لما كان أهل السنة لا يكفرون بالمعاصي، والخوارج يكفرون بالمعاصي، ادعى أن مذهب أهل السنة هو قول المرجئة والله المستعان (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-383>المسألة الثانية: الكفر والظلم والنفاق والفسوق نوعان أكبر وأصغر:</span>\nاعترض ابن المرحل على تقسيم شيخ الإسلام النفاق وما يجري مجراه من المعاني إلى قسمين، واستنكر الجمع بين اعتبار هذا الاسم من المعاني المشتركة، مع جعله اسم جنس، وأسماء الجنس لا تكون إلا متواطئة.\n\n<span data-type='title' id=toc-384>الوجه الأول: أصل الشبهة:</span>\nإن أصل الشبهة وسبب النزاع في الألفاظ هو ذكرها مجملة، فمن الخلق من تكلم في مثل هذه الأسماء بالنفي والإثبات من غير تفصيل، فلا بد له أن يقابله آخر بمثل إطلاقه، وبذلك يحصل النزاع في المقصود، قال شيخ الإسلام: «وكثير\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٣٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١١/ ١٣٧).","vol":"1","page":697},{"text":"من نزاع الناس في هذا الباب هو من جهة الألفاظ المجملة التي يفهم منها هذا معنى يثبته، ويفهم منها الآخر معنى ينفيه، ثم النفاة يجمعون بين حق وباطل، والمثبتة يجمعون بين حق وباطل» (^١).\nبينما ورود تلك الألفاظ في الكتاب والسنة مفصلة بأنواعها مفردة ومقيدة، وورودها في كل موضع بحسبه، فالواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب والحكمة أصلًا في جميع هذه الأمور، ثم يُرد ما تكلم فيه الناس إلى ذلك، ويبين ما في الألفاظ من إجمال بما يوافق الكتاب والسنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-385>الوجه الثاني: الجواب عنها:</span>\nونقض شبهة ابن المرحل بما يلي:\nأولًا: أن الواجب في الألفاظ التي تعددت مدلولاتها في الكتاب والسنة، التفصيل فيها، وفق ما دلت عليه النصوص؛ سواءً من جهة اجتماعها وافتراقها، وإطلاقها وتقييدها، ومن جهة تخصيصها بنوعٍ دون آخر؛ لقرينة لفظية، أو غلبة استعمال، ونحو ذلك.\nثانيًا: أن انقسام الكفر والنفاق ونحوها من الألفاظ إلى قسمين مبناه على أمرين:\n١. أن الكفر والنفاق قابل للتفاوت والزيادة والنقصان؛ كالإيمان سواءً، فليس النفاق والكفر على درجة واحدة، قال شيخ الإسلام: «والنفاق يتبعض والكفر يتبعض ويزيد وينقص كما أن الإيمان يتبعض ويزيد وينقص قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٥] وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٥٢).","vol":"1","page":698},{"text":"لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢] وقال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة:٦٤]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء:١٣٧]» (^١).\n٢. أن النصوص الشرعية قد تنوعت في إطلاق اسم الكفر، فكثيرًا ما تطلق على الأعمال التي لا يكفر صاحبها الكفر المخرج من الملة، وعليه فلا يمكن فهم النصوص إلا وفق هذا التقسيم: أكبر وأصغر، واعتبار الجميع قسمًا واحدًا مذهب الوعيدية ومخالف للنصوص الشرعية.\nقال شيخ الإسلام: «وعلى هذا الأصل فبعض الناس يكون معه شعبة من شعب الكفر ومعه إيمان أيضًا، وعلى هذا ورد عن النبي -ﷺ- في تسمية كثير من الذنوب كفرًا مع أن صاحبها قد يكون معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان فلا يخلد في النار. كقوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) (^٢)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) (^٣)، وهذا مستفيض عن النبي -ﷺ- في \" الصحيح \" من غير وجه؛ فإنه أمر في حجة الوداع أن ينادى به في الناس فقد سمى من يضرب بعضهم رقاب بعض بلا حق كفارًا؛ وسمى هذا الفعل كفرًا؛ ومع هذا فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحُجُرات:٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحُجُرات:١٠]، فبين أن هؤلاء لم يخرجوا من الإيمان بالكلية، ولكن فيهم ما هو كفر وهي هذه الخصلة، كما قال بعض الصحابة: (كفر دون كفر) (^٤)، وكذلك قوله: (من قال لأخيه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٨٨).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (٤٨)، ومسلم، كتاب الإيمان (١١٦).\n(^٣) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب الإنصات للعلماء (١٢١)، ومسلم، كتاب الإيمان (١١٨).\n(^٤) رواه الحاكم في مستدركه (٢/ ٣٤٢) (٣٢١٩) والبيهقي في سننه (٨/ ٣٨) (١٥٨٥٤)، من تفسير ابن عباس -﵄- وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٥٢).","vol":"1","page":699},{"text":"يا كافر فقد باء بها أحدهما) (^١)، فقد سماه أخاه حين القول؛ وقد أخبر أن أحدهما باء بها فلو خرج أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه بل فيه كفر» (^٢).\nثالثًا: أما اعتراضه على جعل شيخ الإسلام لفظ النفاق مشتركًا، مع كونه اسم جنس متواطئ، فقد بين له شيخ الإسلام أنه لا مشاحة من اعتبار تلك الألفاظ من باب التواطؤ في الألفاظ، أو من باب الاشتراك، وأن القول بأن لفظ النفاق يطلق من باب الاشتراك، لا يمنع كذلك من كونه متواطئًا؛ وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما، فإن إطلاقه عليهما يكون باعتبارين:\n١) باعتبار القدر المشترك بينهما: فحينئذ يكون إطلاقه عليهما من باب المتواطئ.\n٢) باعتبار القدر المميز بينهما: فحينئذ يكون إطلاقه عليهما من باب الاشتراك.\nولفظ النفاق من هذا الباب؛ فإنه يطلق على المعصية والكفر باعتبار القدر المشترك بينهما، وهو المعنى الكلي العام: إظهار شيء وإبطان خلافه، فيكون إطلاقه حينئذ من باب التواطؤ.\nويطلق عليهما باعتبار القدر المميز بينهما، وهو في النفاق الأكبر: إبطان الكفر وإظهار الإيمان. وفي الأصغر: إبطان المعصية وإظهار الطاعة، كأن يبطن الكذب ويظهر الصدق، أو يبطن الخيانة ويظهر الأمانة، فيكون إطلاقه حينئذ من باب الاشتراك لا التواطؤ.\n١. فإذا أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب: فهذا هو النفاق الأكبر الذي أوعد\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (٦١٠٤)، ومسلم، كتاب الإيمان (٦٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٥).","vol":"1","page":700},{"text":"صاحبه بأنه في الدرك الأسفل من النار.\n٢. وإن أظهر أنه صادق أو موف أو أمين، وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك، فهذا هو النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقًا.\nفإذا أردت به أحد النوعين، فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية: مثل لام العهد والإضافة، وإما لغلبة الاستعمال (^١).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٣).","vol":"1","page":701},{"text":"<span data-type='title' id=toc-386>ملحق</span>\n•<span data-type='title' id=toc-387> مناظرته مع بعض المرجئة في اعتقادهم أن الإيمان شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقص:</span>\nفي هذه المناظرة يرد شيخ الإسلام على شبهة عقلية احتج بها أحد المرجئة على عدم تفاضل الإيمان وزيادته ونقصانه، وهي شبهة الاشتراك في المعنى الكلي المطلق للإيمان وعدم تصور التفاضل فيه، فبين له شيخ الإسلام أن المعنى الكلي لا يتصور وجوده إلا في الأذهان، وأما في الواقع فكل شخص له إيمان يخصه، يتفاوت ويتفاضل بين الناس قوة وضعفًا زيدة ونقصًا، وضربه له بعض الأمثلة التي توضح ذلك وتبينه، وقد سبق بيان كثير مما يتعلق بمسألة القدر المشترك ووجه خطأ كثير من الناس فيها، في فصول سابقة فلتراجع.\n\n<span data-type='title' id=toc-388>نص المناظرة:</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وهم لما توهموا أن الإيمان الواجب على جميع الناس نوع واحد؛ صار بعضهم يظن أن ذلك النوع من حيث هو لا يقبل التفاضل. فقال لي مرة بعضهم: الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان. فقلت له: قولك من حيث هو؛ كما تقول: الإنسان من حيث هو إنسان والحيوان من حيث هو حيوان والوجود من حيث هو وجود والسواد من حيث هو سواد وأمثال ذلك لا يقبل الزيادة والنقصان والصفات؛ فتثبت لهذه المسميات وجودًا مطلقًا مجردًا عن جميع القيود والصفات وهذا لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه كما يقدر موجودًا لا قديمًا ولا حادثًا ولا قائمًا بنفسه ولا بغيره،","vol":"1","page":702},{"text":"ويقدر إنسانًا لا موجوًدا ولا معدومًا ويقول: الماهية من حيث هي هي لا توصف بوجود ولا عدم، والماهية من حيث هي هي شيء يقدره الذهن، وذلك موجود في الذهن لا في الخارج. وأما تقدير شيء لا يكون في الذهن ولا في الخارج فممتنع، وهذا التقدير لا يكون إلا في الذهن كسائر تقدير الأمور الممتنعة، مثل تقدير صدور العالم عن صانعين ونحو ذلك، فإن هذه المقدرات في الذهن.\nفهكذا تقدير إيمان لا يتصف به مؤمن؛ بل هو مجرد عن كل قيد. وتقدير إنسان لا يكون موجودًا ولا معدومًا؛ بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين ولا ثم إنسانية إلا ما اتصف بها الإنسان؛ فكل إنسان له إنسانية تخصه وكل مؤمن له إيمان يخصه؛ فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمر وليست هي هي. وإذا اشتركوا في نوع الإنسانية فمعنى ذلك أنهما يشتبهان فيما يوجد في الخارج ويشتركان في أمر كلي مطلق يكون في الذهن. وكذلك إذا قيل: إيمان زيد مثل إيمان عمرو؛ فإيمان كل واحد يخصه. فلو قدر أن الإيمان يتماثل، لكان لكل مؤمن إيمان يخصه وذلك الإيمان مختص معين ليس هو الإيمان من حيث هو هو؛ بل هو إيمان معين وذلك الإيمان يقبل الزيادة. والذين ينفون التفاضل في هذه الأمور يتصورون في أنفسهم إيمانا مطلقًا أو إنسانًا مطلقًا أو وجودًا مطلقًا مجردًا عن جميع الصفات المعينة له ثم يظنون أن هذا هو الإيمان الموجود في الناس وذلك لا يقبل التفاضل ولا يقبل في نفسه التعدد؛ إذ هو تصور معين قائم في نفس متصوره» (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٠٥ - ٤٠٦).","vol":"1","page":703},{"text":"<span data-type='title' id=toc-389>خاتمة البحث</span>\nبعد هذا التجوال في ربوع مناظرات شيخ الإسلام، وما حوته من المسائل العقدية المهمة، نقف في ختام هذا البحث مع أهم النتائج والتوصيات التي توصل لها الباحث في بحثه، وتتمثل فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-390>أولًا: أهم النتائج:</span>\n١. كثرة الفرق والطوائف المخالفة التي ناظرها شيخ الإسلام ورد عليها، مما يُظْهِر شدة الغربة التي كانت في عصره ﵀، ومدى انتشار الباطل وكثرة أهله.\n٢. أن مناظرات شيخ الإسلام قد حوت كثيرًا من مهمات المسائل في شتى الجوانب، وأهمها الاعتقاد والأصول.\n٣. يتضح للقارئ مدى ما بذله شيخ الإسلام من جهود عظيمة لنصرة الدين وإظهار الحق، ونشره بين الخلق، ومدى ما وهب الله هذا الإمام من علم وشجاعة وذكاء وقوة حجة.\n٤. أن المناظرة في اللغة مشتقة من مادة (نظر) ومادة نظر تدور على معنين اثنين وهما: حس البصر ورؤيته، ونظر البصيرة وهو التفكر والتأمل، والأمران يجتمعان في معنى المناظرة، وأما المناظرة اصطلاحًا فهي: المحاورة في الكلام بين جانبين مختلفين في قضية ما إظهارًا للحق والصواب.\n٥. أن للمناظرة ثلاثة أركان لا تقوم إلا بها وهي: موضوع تجري حوله المناظرة، وطرفان متناظران يسمى أحدهما: (مانعًا أو مستدلًا) ويسمى الآخر (معللًا أو سائلًا).","vol":"1","page":704},{"text":"٦. أن المناظرات قسمان: محمود ومذموم، فما جاء من النصوص في ذم المناظرة فإنه يحمل على القسم المذموم، وما جاء من حث أو أمر بها فيحمل على المناظرات المحمودة، وضابط ما يُذم من المناظرات ما كان فيه مفسدة راجحة، أو لم تكن فيه مصلحة راجحة، أو كان المُناظِر لا يقوم بواجبها وليس أهلًا لها.\n٧. أن شخصية شيخ الإسلام كانت شخصية علمية عظيمة القدر والمنزلة والمكانة، فقد تحلى من الصفات بأعلاها وأرفعها، ومن الأخلاق بأجودها وأكرمها، كإخلاصه وسعة علمه وقوة حفظه وجلده في العلم والتعليم وقوة حجته وزهده وكرمه وحلمه وعفوه وصفحه وصبره ويقينه وشجاعته وتواضعه، وقد شهد له بهذا أئمة عصره وعلماء وقته، وقد نقلت في ثنايا البحث شهادة أكثر من ثلاثين رجلًا ما بين عالم ومصنف ووزير ومؤرخ وموافق ومخالف أنهم لم يروا مثل شيخ الإسلام، فهو فريد عصره وإمام وقته -﵀-.\n٨. امتاز منهج شيخ الإسلام في مناظراته بأمور عديدة منها: وحدة منهجه وطريقته ومسلكه، والتزامه بالأدلة الشرعية من نصوص الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة، وثقته بالله تعالى وبما رزقه من علم وبصيرة وحق، وقوة حجته وحضورها، وتمام العلم والدراية بمذاهب الخصوم، والدقة في النقل، والتحري في نسبة الأقوال للمخالفين، والأمانة العلمية في الطرح، وحرصه في مناظراته على جمع الكلمة واتفاقها، وشجاعته في النطق بالحق، وعدم مهابته لأحد غير الله، وفطنته بمكايد الخصم وسرعة بديهته في معرفة مراده، وعدله مع الخصم المخالف وإنزاله منزلته التي يستحقها، واعتنائه في الرد والتقرير بالأصول والقواعد دون الفروع والجزئيات، وضرب الأمثلة والتطبيقات لما يذكره من قواعد وتقريرات، وتدرجه مع المخالف في بيان الباطل وتقرير الحق، وابتدائه في مناظراته بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد قبل تقرير الحق والمعتقد الصحيح، وتنزله مع الخصم ليكون أدعى لقبول الحق، وحرصه على إفهام الخصم والإتيان بالعبارات الواضحة في الحوار معه، وتنوع أساليبه وطرقه","vol":"1","page":705},{"text":"في إبطال مقالة الخصم، واحتجاجه في إبطال مقالة خصومه بما جاء في كتبهم وبأقوال شيوخهم الذين يعظمونهم، وقلبه لدليل الخصم دليلًا عليه، وعدم الجدال والمناظرة في البديهيات والضروريات، والرحمة بالمخالف والإشفاق عليه، والحرص على هدايته، ومراعاته لقاعدة الجدل والمناظرة: (إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل)، وعدم رده الباطل بباطل، ومراعاته عوارض الأهلية - كالجهل والتأوّيل ونحوهما -، واستخدام أسلوب الترغيب والترهيب عند الحاجة إليه، واستخدام أسلوب الردع والزجر عند الحاجة لذلك، وبيانه لشيء من صفاته ومحامده عند الحاجة لذلك، واستعمال المصطلحات الحادثة للحاجة، هذا كله مع حسن القصد والتخلص من حظوظ النفس.\n٩. تبين في مناظراته مع النصارى بطلان الشبه التي احتجوا بها على عقيدة الاتحاد وتأليه المسيح ﵇، وقرر شيخ الإسلام أن كل ما يذكرونه في الاستدلال على ألوهية المسيح إما أن يكون مشتركًا بينه وبين غيره من الخلق وإما أن يكون ممتنعًا في حق كل أحد، وأظهر كثيرًا مما عندهم من الشرك والغلو وتعظيم القبور والتماثيل والعكوف عندها وعبادتها من دون الله، ومخالفة هذا لدين إبراهيم الخليل وعيسى المسيح وجميع الأنبياء -﵈-.\n١٠. واتضح في مناظرته مع التتار عدم وجود تأويل سائغ لهم فيما يفعلونه من قتل وإفساد في بلاد الإسلام، وأن العبرة في التفاضل بين الناس هي الإيمان والتقوى وليست الأحساب والأنساب.\n١١. وفي مناظرته مع المنجمين كشف شيخ الإسلام فساد صناعتهم بالأدلة العقلية والنقلية والتجارب الحسية، وأنها مبنية على الكذب والأوهام والتناقضات، وما هي في الواقع إلا تخرصات وتكهنات تصيب مرة وتخطئ مرات.\n١٢. وتبين في مناظرته مع الفلاسفة بطلان تعريفهم للتوحيد وفساده لغة وعقلًا وشرعًا، وأن مرجع توحيدهم إلى تعطيل الله ﷿، وجحد أسمائه وصفاته وتعطيله","vol":"1","page":706},{"text":"عن نعوته وكماله، وأنهم من أشد الناس وأعظمهم شركًا.\n١٣. وظهر في مناظراته مع الاتحادية مدى انتشار مذهبهم الباطل في عصر شيخ الإسلام -﵀- وتنوعهم في ذلك فمنهم من يعتقد الاتحاد المطلق (وحدة الوجود) ومنهم من يعتقد الاتحاد الخاص بالحلاج أو ابن هود أو غيرهم، واتضح عظم ما وصل له القوم من كفر وإلحاد وأنهم قد جمعوا في قولهم بين تعطيل الجهمية وشطحات الصوفية وزندقة وإلحاد الفلاسفة، وظهر مدى ما كان عليه شيخ الإسلام من علم وفقه بمذاهبهم ومعرفة بعقائدهم وضلالتهم، مع وعورة مسلكهم وغموض مصطلحاتهم.\n١٤. واتضح في مناظراته مع الصوفية وعباد القبور بطلان ما يدعونه من مخاريق وكرامات، وأنها إما أن تكون أحوالًا شيطانية، وإما أن تكون خدعًا بهتانية يغالطون بها الناس، وأن ما وقعوا فيه من دعاء لغير الله واستغاثة بالمخلوقات وإحسان الظن بالأحجار والتبرك بها والاستشفاء بالقبور إنما هو من باب الشرك بالله، وكل ما استندوا إليه وتعلقوا به من شبه لتجويز مثل هذه الأمور فهي لا تخلو إما أن تكون أدلة باطلة، أو دلالات غير صحيحة، وكثيرٌ منها تلبيسات شيطانية.\n١٥. وتبين في مناظراته مع الرافضة، بطلان عقيدتهم في المهدي الغائب، وفساد أصولهم التي بنوا عليها مذهبهم البدعي، وتناقضهم فيما معتقداتهم، وأعظمها ذلك الإمامة والعصمة.\n١٦. تبين في مناظرة الواسطية صحة ما دونه شيخ الإسلام فيها من اعتقاد، حيث لم يجد مخالفوه أي مأخذ عقدي عليها، وظهرت صحة دعوى شيخ الإسلام أن كل ما أورده في المتن مستند إما إلى آية محكمة أو سنة ثابتة أو إجماع سلفي، حتى أقر الجميع بصحة هذه العقيدة بعد أن عجزوا عن إثبات أي مخالفة فيها، وتبين في بقية مناظراته مع المتكلمين أصولهم الفاسدة التي بنوا عليها مذهبهم، وقدموها على نصوص الكتاب ونصوص السنة المطهرة.","vol":"1","page":707},{"text":"١٧. واتضح في مناظرته مع الجبرية ما وقعوا فيه من خلل في مفهوم المحبة والإرادة مما أدى إلى ضلالهم في باب القضاء والقدر، وقولهم بالجبر وإسقاط الأمر والنهي، وإبطال الوعد والوعيد.\n١٨. وفي مناظرته مع ابن الوكيل ظهر فساد ما نسبه ابن الوكيل لعقيدة أهل السنة من أن الشكر إنما يكون بالاعتقاد فحسب، وأن قوله لم يبن عن علم وتحقيق، فإن هذه المقالة ما هي إلا مقالة المرجئة.\n١٩. ظهر أثر منهج شيخ الإسلام في نتائج مناظراته، فقد كانت أكثر محاورات شيخ الإسلام لخصومه تنتهي بظهور الحق بأنصع صوره للموافق والمخالف والرائي والسامع، ولذلك فقد انتهت كثير من مناظراته برجوع خصومه عن مقالتهم وتوبتهم من باطلهم واعترافهم بالحق الذي بينه شيخ الإسلام وقرره، فإن لم يرجع الخصم عن مقالته ويعلن انصياعه للحق وقبوله، فإنه لا يجد محيصًا من الانقطاع أمام شيخ الإسلام، وهذا ظاهر في نتائج أبرز المناظرات:\nأ. ففي مناظرته مع بعض النصارى بين له شيخ الإسلام ولمن كان معه اللوازم الفاسدة التي تلزم من مقالتهم واعتقادهم «فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك» (^١).\nب. وفي مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد انتهت المناظرة باعترافهم وقولهم: «الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه» (^٢).\nت. وفي مناظرته الأخرى مع أحد معظمي الرهبان، اعترف بعد سماعه حجة شيخ الإسلام، أن ما يقومون به شرك «حتى إن قسيسًا كان حاضرًا في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم على هذا التقدير نحن مشركون» (^٣).\nث. وفي مناظرته مع المنجمين، انتهت باعتراف رئيسهم بما قرره شيخ\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٣/ ٣٢٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٧٠ - ١٧١)، انظر: الجامع لسيرته (ص:٨٩ - ٩٠)، (ص: ١٤٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦١).","vol":"1","page":708},{"text":"الإسلام من كذبهم وتخرصهم «فقال رئيسهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة» (^١).\nج. وفي مناظرته مع أحد حذاق الاتحادية، أفحمه شيخ الإسلام بقوة حجته حتى بُهِتَ ولم يجد جوابا فنازع في المسلمات، حتى ضحك منه الشيخ وظهر للناس فساد كلامه (^٢).\nح. وفي مناظرته مع بعض معظمي الاتحادية والغالين في مشايخهم، بين له شيخ الإسلام حقيقة أقوالهم ومذهبهم «حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله!» (^٣).\nخ. وفي مناظرته مع جمع من الرفاعية انتهت المناظرة بتوبة جماعة منهم (^٤).\nد. وفي المناظرة الكبرى للرفاعية عند قصر الإمارة، انتهت المناظرة بظهور شيخ الإسلام عليهم، وطلبهم الصلح والتوبة مما مضى، وإلزام السلطان لهم باتباع الكتاب والسنة وعدم الخروج عنهما (^٥).\nذ. وفي مناظرته مع أحد مشايخ الرفاعية عندما أراد إظهار قدرته على دخول النار قال له الشيخ: «أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة في ذقنك. فجزع ذلك الفقير وأبلس» (^٦).\nر. وانتهى المجلس الأول من المناظرة الواسطية وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة: ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢)، الفتاوى الكبرى (١/ ٦٢).\n(^٢) الصفدية (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^٣) جامع المسائل (٤/ ٣٩٤).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٧).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٧٤، ٤٧٥).\n(^٦) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٣٧١).","vol":"1","page":709},{"text":"البدعة والضلالة (^١).\nز. وانتهت مجالس المناظرة الواسطية باعتراف الحاضرين جميعا بصحة ما جاء في العقيدة (^٢).\nس. وفي المناظرة المدنية، تبين للرجل ما كان عليه من باطل واقتنع بما قرره شيخ الإسلام من الحق فـ «أظهر الرجل التوبة وتبين له الحق» (^٣).\nش. وفي مناظرته مع بعض منكري العلو، تاب الرجل واستغفر الله، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم (^٤).\nفهذه أبرز المناظرات وأشهرها، وهذه نتائجها وثمرتها، وهي تبرز بوضوح عظيم أثر منهج شيخ الإسلام في نتائج المناظرات، وضرورة التزام كل داعية يواجه أهل الباطل ويناظرهم ويخاصمهم ويجادلهم بمثل هذا المنهج العظيم، والمسلك القويم، الذي ينتج أفضل العواقب وأنفعها، وخير الثمار وأينعها.\n\n<span data-type='title' id=toc-391>ثانيًا: أهم التوصيات:</span>\nمع كثرة ما كتب حول شيخ الإسلام -﵀- إلا أن هناك جوانب في تراثه لا زالت تستحق مزيدًا من العناية وتستحق الإفراد بالدراسة، ومن ذلك ما يلي:\n-إفراد منهج شيخ الإسلام في المناظرات بدراسة مستقلة.\n-جمع تعريفات شيخ الإسلام للمصطلحات العقدية واللغوية والفقهية والحديثية والأصولية في بحث مستقل.\n-إفراد كلام شيخ الإسلام في الملوك والأمراء والوزراء والدول والممالك المتعاقبة في بحث مستقل، فله كلام كثير نفيس في عقائدها وأحوالها وسياستها،\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٠).\n(^٢) انظر: العقود الدرية (ص:٢١٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٢).\n(^٤) درء التعارض (٦/ ٣٤٤).","vol":"1","page":710},{"text":"يستحق أن يفرد بمصنف.\n-لو أفردت القصائد التي قيلت في مدح شيخ الإسلام والثناء عليه لكانت -لكثرتها وعذوبة ألفاظها وجزالة معانيها- ديوانًا مليحًا.\nوبهذا تم المقصود من هذا البحث، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":711},{"text":"<span data-type='title' id=toc-392>ثبت المصادر والمراجع</span>\n١. الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير، الحسين بن إبراهيم الجورقاني، ت:٥٤٣ هـ، تحقيق: د. عبد الرحمن الفريوائي، دار الصميعي-الرياض، مؤسسة دار الدعوة التعليمية الخيرية، الهند، الطبعة الرابعة ١٤٢٢ هـ.\n٢. الإبانة الكبرى لابن بطة، عبيد الله بن محمد ابن حمدان العُكْبَري، ت:٣٨٧ هـ، تحقيق: رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري، دار الراية للنشر والتوزيع- الرياض.\n٣. ابن تيمية الفقيه المعذب، عبد الرحمن الشرقاوي، دار الشروق- القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٤. اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء، أحمد بن علي تقي الدين المقريزي ت:٨٤٥ هـ، تحقيق: جمال الدين الشيال- محمد حلمي محمد، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى.\n٥. آثار البلاد وأخبار العباد، زكريا بن محمد القزويني ت:٦٨٢ هـ، دار صادر - بيروت.\n٦. الآثار، محمد بن الحسن الشيباني، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n٧. الأثر المشهور عن الإمام مالك ﵀ في صفة الاستواء دراسة تحليلية، عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: السنة الطبعة الثالثة والثلاثون، العدد الحادي عشر بعد المائة، ١٤٢١ هـ/٢٠٠٠ م.\n٨. أحاديث في ذم الكلام وأهله انتخبها الإمام أبو الفضل المقرئ من رد أبي عبد الرحمن السلمي على أهل الكلام، عبد الرحمن بن أحمد المقرئ","vol":"1","page":736},{"text":"ت:٤٥٤ هـ، د. ناصر بن عبد الرحمن بن الجديع، دار أطلس للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٩. الإحاطة في أخبار غرناطة، لسان الدين الخطيب، ت:٧٧٦ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٠. الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، محمد بن حبان أبو حاتم البُستي، ت:٣٥٤ هـ، ترتيب: علاء الدين علي بن بلبان الفارسي ت:٧٣٩ هـ، تحقيق وتخريج: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١١. الإحكام في أصول الأحكام، علي بن أحمد بن حزم الأندلسي ت:٤٥٦ هـ، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n١٢. أحكام الجنائز، محمد ناصر الدين الألباني (ت:١٤٢٠ هـ)، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة ١٤٠٦ هـ.\n١٣. الإحكام في أصول الأحكام، علي بن محمد الآمدي، ت ٦٣١ هـ، تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، دار الصميعي - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٤. إحياء علوم الدين، محمد بن محمد الغزالي، ت:٥٠٥ هـ، دار المعرفة - لبنان، بيروت.\n١٥. إخبار العلماء بأخبار الحكماء، أبو الحسن علي بن يوسف القفطي، ت: ٦٤٦ هـ، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n١٦. أخلاق العلماء، أبو بكر محمد بن الحسين الآجُرِّيُّ، ت:٣٦٠ هـ، تحقيق: إسماعيل بن محمد الأنصاري، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - السعودية.\n١٧. آداب البحث والمناظرة، محمد الأمين الشنقيطي، ت:١٣٢٥ هـ، تحقيق: سعود بن عبد العزيز العريفي، دار عالم الفوائد، مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية.\n١٨. آداب الشافعي ومناقبه، عبد الرحمن بن محمد ابن أبي حاتم الرازي ت:٣٢٧ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.","vol":"1","page":737},{"text":"١٩. أدب الاملاء والاستملاء (الأمالي)، عبد الكريم بن محمد السمعاني ت:٥٦٢ هـ، تحقيق: ماكس فايسفايلر، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠١ هـ.\n٢٠. الأدب المفرد، محمد بن إسماعيل البخاري ت:٢٥٦ هـ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩.\n٢١. آراء الفلاسفة عند شيخ الإسلام، صالح بن غرم الله الغامدي، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n٢٢. الأربعين في أصول الدين، محمد بن عمر الرازي، ت:٦٠٦ هـ، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، مطبعة دار التضامن القاهرة، الطبعة الأولى.\n٢٣. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني ت:١٤٢٠ هـ، إشراف: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n٢٤. الاستذكار، يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري ت:٤٦٣ هـ، تحقيق: سالم محمد عطا - محمد علي معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٢٥. الاستقامة، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي، ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n٢٦. الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله القرطبي ت:٤٦٣ هـ، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٢٧. أسد الغابة، علي بن أبي الكرم الجزري ت:٦٣٠ هـ، دار الفكر - بيروت، ١٤٠٩ هـ.\n٢٨. الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة المعروف بالموضوعات الكبرى، ملا علي قاري، ت:١٠١٤ هـ، تحقيق: محمد الصباغ، دار الأمانة، مؤسسة الرسالة - بيروت.","vol":"1","page":738},{"text":"٢٩. أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت: ٧٥١ هـ، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد: دار الكتاب الجديد - بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٣ م.\n٣٠. الأسماء والصفات للبيهقي، أحمد بن الحسين البيهقي ت:٤٥٨ هـ، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م\n٣١. الإشارات والتبيهات، ابن سينا، تحقيق: د. سليمان دنيا، دار المعارف -مصر.\n٣٢. الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت:٨٥٢ هـ، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود -علي محمد معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى - ١٤١٥ هـ.\n٣٣. أصول التشيع (عرض ودراسة)، السيد هاشم معروف الحسني، دار التعارف للمطبوعات.\n٣٤. أصول الجدل والمناظرة، حمد بن إبراهيم العثمان، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الثانية ١٤٢٥ هـ.\n٣٥. أصول الدين، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، ت ٤٢٩ هـ، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٣٦. أصول السنة، ومعه رياض الجنة بتخريج أصول السنة، محمد بن عبد الله ابن أبي زَمَنِين المالكي ت:٣٩٩ هـ، تحقيق: عبد الله بن محمد البخاري، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٣٧. أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ناصر بن عبد الله القفاري، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٣٨. أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، ناصر بن عبد الله القفاري، دار الرضا-مصر، الطبعة الرابعة ١٤٣١ هـ.\n٣٩. الاضحوية في المعاد، ابن سينا، تحقيق: حسن عاصي، مؤسسة شمس تبريزي-طهران، الطبعة الأولى ١٣٨٢ هـ.","vol":"1","page":739},{"text":"٤٠. الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، أحمد بن الحسين البيهقي، ت: ٤٥٨ هـ، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، دار الآفاق الجديدة - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.\n٤١. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، محمد بن عمر الرازي ت:٦٠٦ هـ، تحقيق: علي سامي النشار، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٤٢. الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، سراجُ الدينِ أبو حفصٍ عمرُ بنُ عليِّ البزَّارُ، ت: ٧٤٩ هـ، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الطبعة الثالثة، ١٤٠٠ هـ.\n٤٣. الإعلام بآخر أحكام الألباني الإمام، محمد ناصر الدين الألباني ت: ١٤٢٠ هـ، راجعه: محمد عبد الحكيم القاضي، دار ابن رجب.\n٤٤. الأعلام، خير الدين بن محمود بن فارس الزركلي، ت ١٣٩٦ هـ، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشر، ٢٠٠٢ م.\n٤٥. أعيان العصر وأعوان النصر، خليل بن أيبك الصفدي ت ٧٦٤ هـ، تحقيق: د. علي أبو زيد- د. نبيل أبو عشمة- د. محمد موعد - د. محمود سالم محمد - مازن عبد القادر المبارك، دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان/دمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٤٦. إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت:٧٥١ هـ، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٤٧. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل، دار عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة السابعة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n٤٨. أقسام اللذات، محمد بن عمر فخر الدين الرازي، ضمن كتاب  The Teleogical Ethics Of Fakhr al-Din al-Razi (الأخلاق الانفعالية لفخر الدين الرازي) لـ أيمن شهادة،  BRAILL LEDEN ٢٠٠٦،  يبدأ نص الكتاب من ص:٢٠٦.","vol":"1","page":740},{"text":"٤٩. إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، علاء الدين مغلطاي الحنفي ت:٧٦٢ هـ، تحقيق: عادل بن محمد - أسامة بن إبراهيم، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٥٠. الأم، محمد بن إدريس الشافعي ت:٢٠٤ هـ، دار المعرفة - بيروت، بدون طبعة، ١٤١٠ هـ/١٩٩٠ م.\n٥١. أمثال الحديث المروية عن النبي ﷺ، الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، ت:٣٦٠ هـ، تحقيق: أحمد عبد الفتاح تمام، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n٥٢. أمثال العرب، المفضل بن محمد الضبي، ت: نحو ١٦٨ هـ، تحقيق: إحسان عباس، دار الرائد العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٥٣. الأمثال، القاسم بن سلاّم الهروي ت:٢٢٤ هـ، د. عبد المجيد قطامش، دار المأمون للتراث، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n٥٤. الأمثال، زيد بن عبد الله الهاشمي، ت: بعد ٤٠٠ هـ، دار سعد الدين، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٥٥. أمراض القلب وشفاؤها، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، ت: ٧٢٨ هـ، المطبعة السلفية - القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ\n٥٦. إنباء الغمر بأبناء العمر، أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، ت: ٨٥٢ هـ، المحقق: د حسن حبشي، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية -لجنة إحياء التراث الإسلامي، مصر، ١٣٨٩ هـ، ١٩٦٩ م.\n٥٧. الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار، يحيى بن أبي الخير العمراني ت:٥٥٨ هـ، تحقيق: سعود بن عبد العزيز الخلف، أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ/١٩٩٩ م.\n٥٨. إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، إسماعيل بن محمد أمين الباباني البغدادي، ت:١٣٩٩ هـ، تحقيق: رفعت بيلكه الكليسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.\n٥٩. الإيمان، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، عمان، الأردن، الخامسة، ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":741},{"text":"٦٠. الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ت:٧٧٤ هـ، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية.\n٦١. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، حمد باقر المجلسي، ت:١١١١ هـ، مؤسسة الوفاء-بيروت لبنان.\n٦٢. البحر المحيط في أصول الفقه، محمد بن عبد الله الزركشي ت:٧٩٤ هـ، دار الكتبي، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n٦٣. البحر المحيط في التفسير، أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي، ت: ٧٤٥ هـ، تحقيق: صدقي محمد جميل، دار الفكر - بيروت، الطبعة: ١٤٢٠ هـ.\n٦٤. البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، ت:٧٧٤ هـ، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n٦٥. البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي الشوكاني، ت: ١٢٥٠ هـ، دار المعرفة - بيروت.\n٦٦. البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى علي، أو: علي بن أبي طالب إمام العارفين، أحمد الغماري، مطبعة السعادة، الأولى، الأولى ١٣٨٩ هـ.\n٦٧. البرهان في أصول الفقه، عبد الملك بن عبد الله الجويني ت:٤٧٨ هـ، صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٦٨. البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، ت: ٧٩٤ هـ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه.\n٦٩. بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي، ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: موسى الدويش، مكتبة العلوم والحكم، السعودية، المدينة المنورة، الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ/١٩٩٥ م.\n٧٠. بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، أحمد بن يحيى أبو جعفر الضبي ت:٥٩٩ هـ، دار الكاتب العربي - القاهرة، ١٩٦٧ م.","vol":"1","page":742},{"text":"٧١. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي، ت:٩١١ هـ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية - لبنان / صيدا.\n٧٢. البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى تحقيق: ٨١٧ هـ، دار سعد الدين للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م.\n٧٣. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي، ت:٧٢٨ هـ، مجموعة من المحققين، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٧٤. البيان والتبيين، عمرو بن بحر بن محبوب الكناني ت:٢٥٥ هـ، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ١٤٢٣ هـ.\n٧٥. تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الزَّبيدي ت: ١٢٠٥ هـ، مجموعة من المحققين، دار الهداية.\n٧٦. تاريخ ابن الوردي، عمر بن مظفر ابن الوردي، ت:٧٤٩ هـ، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n٧٧. تاريخ إربل، المبارك بن أحمد الإِربلي ت:٦٣٧ هـ، تحقيق: سامي بن سيد الصقار، وزارة الثقافة والإعلام، دار الرشيد للنشر، العراق، ١٩٨٠ م.\n٧٨. تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، ت:٧٤٨ هـ، تحقيق: بشار عوّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، ٢٠٠٣ م.\n٧٩. تاريخ الخلفاء، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت:٩١١ هـ: تحقيق: حمدي الدمرداش، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الأولى: ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م.\n٨٠. تاريخ الطبري (تاريخ الرسل والملوك)، محمد بن جرير الطبري ت:٣١٠ هـ، دار التراث - بيروت، الطبعة الثانية - ١٣٨٧ هـ.\n٨١. تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم، أبو المحاسن المفضل بن محمد التنوخي، ت:٤٤٢ هـ، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، القاهرة، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.","vol":"1","page":743},{"text":"٨٢. التاريخ الكبير المعروف بتاريخ ابن أبي خيثمة، أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة، ت: ٢٧٩ هـ، تحقيق: صلاح بن فتحي هلال، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر - القاهرة، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٨٣. التاريخ الكبير، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، ت: ٢٥٦ هـ، الطبعة: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن.\n٨٤. تاريخ بغداد، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، ت:٤٦٣ هـ، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n٨٥. تاريخ دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر، ت:٥٧١ هـ، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n٨٦. تاريخ مختصر الدول، غريغوريوس (يوحنا) ابن هارون أبو الفرج ابن العبري، ت:٦٨٥ هـ، المحقق: أنطون صالحاني اليسوعي، دار الشرق، بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٩٩٢ م.\n٨٧. تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، عبد الله بن عبد الرحمن \"أبابطين\"، ت:١٢٨٢ هـ، تحقيق: عبد السلام بن برجس العبد الكريم، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٨٨. تأويل مختلف الحديث، عبد الله بن مسلم الدينوري ت:٢٧٦ هـ، المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق، الطبعة الثانية- مزيده ومنقحة ١٤١٩ هـ.\n٨٩. التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، طاهر بن محمد الأسفراييني ت:٤٧١ هـ، تحقيق: كمال يوسف الحوت، عالم الكتب - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n٩٠. تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر ت:٥٧١ هـ، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٤ هـ.\n٩١. التحبير شرح التحرير في أصول الفقه، علي بن سليمان المرداوي ت:٨٨٥ هـ، تحقيق: د. عبد الرحمن الجبرين - د. عوض القرني - د. أحمد السراح، مكتبة","vol":"1","page":744},{"text":"الرشد - السعودية / الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٩٢. التحف الربانية في جواب الأسئلة اللمدانية، يحيى بن محمد بن محمد الملياني الجزائري المالكي ت: ١٠٩٦ هـ الطبعة: مطبعة السعادة بمصر.\n٩٣. تحفة المريد على جوهرة التوحيد، إبراهيم بن محمد البيجوري، ت:١٢٧٧ هـ، تحقيق: علي جمعة، دار السلام للطباعة، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ ٢٠٠٢ م.\n٩٤. تحفة المريد على جوهرة التوحيد، إبراهيم بن محمد البيجوري، ت:١٢٧٧ هـ، مطبعة الحلبي، الطبعة الأخيرة ١٣٥٨ هـ- ١٣٥٩ هـ.\n٩٥. التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية، فالح بن مهدي آل مهدي ت:١٣٩٢ هـ، مطابع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة الثالثة، ١٤١٣ هـ.\n٩٦. تحقيق القول في مسألة: عيسى كلمة الله والقرآن كلام الله، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، ت:٧٢٨ هـ، قسم التحقيق بدار النشر، دار الصحابة للتراث - طنطا (مصر)، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ / ١٩٩٢ م.\n٩٧. التدمرية، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي، ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: د. محمد بن عودة السعوي، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة السادسة، ١٤٢١ هـ.\n٩٨. تذكرة الحفاظ، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، ت: ٧٤٨ هـ، دار الكتب العلمية بيروت-لبنان، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م.\n٩٩. تذكرة الموضوعات، محمد طاهر بن علي الهندي الفَتَّنِي، ت:٩٨٦ هـ، إدارة الطباعة المنيرية، الطبعة: الأولى، ١٣٤٣ هـ.\n١٠٠. تراجع العلامة الألباني فيما نص عليه تصحيحا وتضعيفا، أبو الحسن الشيخ، دار المعارف بالرياض، اختصره: محمد بو عمر.\n١٠١. ترتيب المدارك وتقريب المسالك، عياض بن موسى اليحصبي، ت:٥٤٤ هـ، تحقيق: ابن تاويت الطنجي- عبد القادر الصحراوي- محمد بن شريفة- سعيد أحمد أعراب، مطبعة فضالة - المحمديةالمغرب، الطبعة الأولى ١٩٦٥ م.\n١٠٢. التسعينية، أحمد بن عبد الحليم الحراني، ت: ٧٢٨ هـ، تحقيق: الدكتور محمد بن إبراهيم العجلان، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة","vol":"1","page":745},{"text":"العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\n١٠٣. التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت أسمائه وتصرفت معانيه، يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة التيمي، ت:٢٠٠ هـ، تحقيق: هند شلبي، الشركة التونسية للتوزيع ١٩٧٩ م.\n١٠٤. التعرف لمذهب أهل التصوف، أبو بكر محمد بن أبي إسحاق الكلاباذي ت:٣٨٠ هـ، دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٠٥. التعريفات الفقهية، محمد عميم الإحسان المجددي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n١٠٦. التعليق على الرحيق المختوم، محمود بن محمد الملاح، الدار العالمية للنشر والتوزيع، الإسكندرية - جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n١٠٧. التفسير الحديث، دروزة محمد عزت، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة، ١٣٨٣ هـ.\n١٠٨. تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، ت:٣١٠ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي- مركز البحوث بدار هجر، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n١٠٩. تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد الرازي، ت:٣٢٧ هـ، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية، الطبعة الثالثة - ١٤١٩ هـ.\n١١٠. تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ت:٧٧٤ هـ، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية ١٤٢٠ هـ.\n١١١. تفسير عبد الرزاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ت:٢١١ هـ، تحقيق: د. محمود محمد عبده، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n١١٢. تقريب التدمرية، محمد بن صالح العثيمين ت:١٤٢١ هـ، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":746},{"text":"١١٣. تقريب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت:٨٥٢ هـ، تحقيق: محمد عوامة: دار الرشيد - سوريا، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ - ١٩٨٦\n١١٤. تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، علي بن العِمران، دار عالم الفوائد - مكة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n١١٥. تكملة المعاجم العربية، رينهارت بيتر آن دُوزِي ت:١٣٠٠ هـ، ترجمة: محمَّد سَليم النعَيمي- جمال الخياط، وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية، الطبعة الأولى، من ١٩٧٩ - ٢٠٠٠ م\n١١٦. تلبيس إبليس، عبد الرحمن بن علي الجوزي ت:٥٩٧ هـ، دار الفكر للطباعة والنشر، بيرزت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١١٧. تلخيص كتاب الاستغاثة، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: محمد علي عجال، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١١٨. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي ت:٤٦٣ هـ، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي - محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، ١٣٨٧ هـ.\n١١٩. تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق: علي بن محمد العمران - محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد - مكة، الطبعة الأولى، شوال ١٤٢٥ هـ.\n١٢٠. التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، محمد بن أحمد العسقلاني ت:٣٧٧ هـ، تحقيق: محمد زاهد بن الحسن الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث - مصر.\n١٢١. التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام، عبد المجيد بن سالم المشعبي، أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٨ م.\n١٢٢. تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت:٨٥٢ هـ، مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة الأولى، ١٣٢٦ هـ\n١٢٣. تهذيب السنن، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، المحقق: إسماعيل بن غازي مرحبا، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.","vol":"1","page":747},{"text":"١٢٤. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، يوسف بن عبد الرحمن المزي ت:٧٤٢ هـ، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n١٢٥. تهذيب اللغة، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي ت:٣٧٠ هـ، محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠١ م.\n١٢٦. التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد، محمد بن إسحاق بن مَنْدَه العبدي ت:٣٩٥ هـ، تحقيق: د. علي بن محمد الفقيهي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، دار العلوم والحكم، سوريا.\n١٢٧. التوصل إلى حقيقة التوسل - المشروع والممنوع، محمد نسيب بن عبد الرزاق الرفاعي، ت:١٤١٣ هـ، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n١٢٨. التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ت:١٢٣٣ هـ، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.\n١٢٩. التوقيف على مهمات التعاريف، عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي المناوي، ت:١٠٣١ هـ، دار عالم الكتب، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ ـ-١٩٩٠ م.\n١٣٠. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت:١٣٧٦ هـ، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ -٢٠٠٠ م.\n١٣١. ثلاثة مجالس من أمالي ابن مردويه، أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه، ت:٤١٠ هـ، تحقيق: الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي، دار علوم الحديث، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n١٣٢. جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، ت:٣١٠ هـ، أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":748},{"text":"١٣٣. جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي ت:٧٩٥ هـ، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة - بيروت، السابعة، ١٤٢٢ هـ.\n١٣٤. جامع المسائل - المجموعة الثامنة، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد - مكة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n١٣٥. جامع المسائل لابن تيمية - عزير شمس، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ت: ٧٢٨ هـ، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ\n١٣٦. الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، ت:٦٧١ هـ، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.\n١٣٧. الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، محمد عزير شمس وعلي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد - مكة، الطبعة: الطبعة الثانية، شوال ١٤٢٢ هـ.\n١٣٨. الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث، أحمد بن عبد الكريم الغزي ت:١١٤٣ هـ، تحقيق: بكر عبد الله أبو زيد، دار الراية - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n١٣٩. الجديد في الحكمة، سعيد بن منصور بن كمونة ت: ٦٨٣ هـ، تحقيق: حميد مرعيد الكبيسي، مطبعة جامعة بغداد، ١٤٠٣ م، بغداد.\n١٤٠. جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، محمد بن فتوح ابن أبي نصر الحميدي، ت:٤٨٨ هـ، الدار المصرية للتأليف والنشر - القاهرة، ١٩٦٦ م.\n١٤١. الجرح والتعديل، عبد الرحمن بن محمد أبي حاتم الرازي ت:٣٢٧ هـ، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - بحيدر آباد الدكن - الهند، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٢٧١ هـ.\n١٤٢. جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، نعمان بن محمود بن عبد الله الآلوسي، ت:١٣١٧ هـ، مطبعة المدني ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n١٤٣. جمهرة الأمثال، الحسن بن عبد الله العسكري ت: نحو ٣٩٥ هـ، دار الفكر - بيروت.","vol":"1","page":749},{"text":"١٤٤. جمهرة اللغة، محمد بن الحسن بن دريد الأزدي ت:٣٢١ هـ، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٧ م.\n١٤٥. جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف، عبد العزيز ين صالح الطويان، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ/١٩٩٩ م.\n١٤٦. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، شمس الدين بن محمد بن أشرف بن قيصر الأفغاني، ت:١٤٢٠ هـ، دار الصميعي، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n١٤٧. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، ت: ٧٢٨ هـ، تحقيق: علي بن حسن - عبد العزيز بن إبراهيم - حمدان بن محمد، دار العاصمة، السعودية، الطبعة: الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ / ١٩٩٩ م.\n١٤٨. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، ت: ٧٢٨ هـ، تحقيق: علي بن حسن - عبد العزيز بن إبراهيم - حمدان بن محمد، دار الفضيلة- السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٣١ هـ.\n١٤٩. جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي، ت:١٣٦٢ هـ، تحقيق: لجنة من الجامعيين، مؤسسة المعارف، بيروت.\n١٥٠. الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم، أحمد بن حجر الهيتمي، دار جوامع الكلم.\n١٥١. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت:٧٥١ هـ، مطبعة المدني، القاهرة\n١٥٢. حاشية البجيرمي على شرح المنهج، سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي، ت:١٢٢١ هـ، مطبعة الحلبي، ١٣٦٩ هـ - ١٩٥٠ م.\n١٥٣. حاشية السندي على سنن ابن ماجه (كفاية الحاجة)، محمد بن عبد الهادي السندي ت:١١٣٨ هـ، دار الجيل - بيروت.\n١٥٤. حاشية السندي على سنن النسائي (مطبوع مع السنن)، محمد بن عبد الهادي السندي ت:١١٣٨ هـ، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة الثانية،","vol":"1","page":750},{"text":"١٤٠٦ - ١٩٨٦ م.\n١٥٥. حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، حسن بن محمد بن محمود العطار ت:١٢٥٠ هـ، دار الكتب العلمية، بدون طبعة وبدون تاريخ.\n١٥٦. الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، محمد أحمد الخطيب، دار الأقصى، عمان، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n١٥٧. الحسنة والسيئة، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ت:٧٢٨ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n١٥٨. حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين، عبد الرحيم بن صمايل السلمي، دار المعلمة للنشر والتوزيع.\n١٥٩. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ت:٤٣٠ هـ، دار السعادة - بجوار محافظة مصر، ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.\n١٦٠. خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد القادر بن عمر البغدادي ت:١٠٩٣ هـ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الرابعة، ١٤١٨ هـ.\n١٦١. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، محمد أمين بن فضل الله المحبي الدمشقي، ت:١١١١ هـ، دار صادر - بيروت.\n١٦٢. خلق أفعال العباد، محمد بن إسماعيل بن المغيرة ت:٢٥٦ هـ، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار المعارف السعودية - الرياض.\n١٦٣. درء تعارض العقل والنقل، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، ت ٧٢٨ هـ، تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الثانية، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n١٦٤. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، سعود بن عبد العزيز الخلف، مكتبة أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الرابعة، ١٤٢٥ هـ/٢٠٠٤ م.\n١٦٥. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢ هـ، تحقيق: محمد عبد المعيد ضان، مجلس دائرة المعارف العثمانية -","vol":"1","page":751},{"text":"حيدر اباد، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ.\n١٦٦. دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية، د. عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ، الطبعة الثانية ١٤٣٣ هـ.\n١٦٧. دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف، دار الوطن، السعودية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n١٦٨. دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد، تقي الدين الحصني، دار إحياء الكتب العربية ١٣٥٠ هـ.\n١٦٩. دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: د. محمد السيد الجليند، مؤسسة علوم القرآن - دمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ.\n١٧٠. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، أحمد بن الحسين البيهقي ت:٤٥٨ هـ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى - ١٤٠٥ هـ.\n١٧١. الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، إبراهيم بن علي ابن فرحون اليعمري، ت:٧٩٩ هـ، تحقيق: د. محمد الأحمدي، دار التراث للطبع والنشر، القاهرة.\n١٧٢. ديوان ابن الفارض، عمر بن علي ابن الفارض الحموي، ت:٦٣٢ هـ، دار صادر-لبنان، بيروت.\n١٧٣. ديوان أبي طالب عم النبي ﷺ، إخراج: محمد ألتونجي، دار الطتاب العربي، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n١٧٤. ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون، ت:٨٠٨ هـ، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n١٧٥. ذم الكلام وأهله، عبد الله بن محمد الهروي ت:٤٨١ هـ، تحقيق: عبد الرحمن عبد العزيز الشبل، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":752},{"text":"١٧٦. ذيل طبقات الحنابلة، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ت: ٧٩٥ هـ، تحقيق: د عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م.\n١٧٧. ذيل مرآة الزمان، موسى بن محمد اليونيني ت:٧٢٦ هـ، بعناية: وزارة التحقيقات الحكمية والأمور الثقافية للحكومة الهندية، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.\n١٧٨. رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، محمد بن عبد الله ابن بطوطة ت:٧٧٩ هـ، أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، ١٤١٧ هـ.\n١٧٩. الرد المحكم المبين على كتاب القول المبين، عبد الله الغماري، مكتبة القاهرة، الثانية ١٣٧٤ هـ.\n١٨٠. الرد الوافر، محمد بن عبد الله الشهير بابن ناصر الدين، ت: ٨٤٢ هـ، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٣٩٣ هـ.\n١٨١. الرد على الجهمية والزنادقة، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ت: ٢٤١ هـ، تحقيق: صبري بن سلامة شاهين، دار الثبات للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى.\n١٨٢. الرد على الجهمية، أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، ت:٢٨٠ هـ، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر، دار ابن الأثير - الكويت، الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ.\n١٨٣. الرد على الشاذلي في حزبيه، وما صنفه في آداب الطريق، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد - مكة، الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ.\n١٨٤. الرد على المنطقيين، أحمد بن عبد الحليم بن ابن تيمية الحراني الحنبلي، ت:٧٢٨ هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٨٥. الرسالة القشيرية، عبد الكريم بن هوازن القشيري ت:٤٦٥ هـ، تحقيق: عبد الحليم محمود -محمود بن الشريف، دار المعارف، القاهرة.\n١٨٦. رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب، علي بن إسماعيل أبي موسى الأشعري ت:٣٢٤ هـ، تحقيق: عبد الله شاكر الجنيدي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":753},{"text":"١٨٧. رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، مرعي بن يوسف الكرمي، ت:١٠٣٣ هـ، تحقيق: أسعد محمد المغربي، دار حراء - مكة المكرمة - السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n١٨٨. الروض المعطار في خبر الأقطار، محمد بن عبد الله الحِميرى ت:٩٠٠ هـ، تحقيق: إحسان عباس، مؤسسة ناصر للثقافة - بيروت - طبع على مطابع دار السراج، الطبعة الثانية، ١٩٨٠ م.\n١٨٩. رؤية الله، علي بن عمر الدارقطني ت:٣٨٥ هـ، تحقيق: إبراهيم محمد العلي- أحمد فخري الرفاعي، مكتبة المنار، الزرقاء - الأردن، سنة ١٤١١ هـ.\n١٩٠. رياض الصالحين، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ت:٦٧٦ هـ، تعليق وتحقيق: الدكتور ماهر ياسين الفحل، دار ابن كثير دمشق - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n١٩١. الزاهر في معاني كلمات الناس، محمد بن القاسم الأنباري ت:٣٢٨ هـ، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة -بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n١٩٢. الزهد والورع والعبادة، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: حماد سلامة - محمد عويضة، مكتبة المنار - الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n١٩٣. الزهد، أبو السَّرِي هَنَّاد بن السَّرِي، ت:٢٤٣ هـ، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n١٩٤. الزهد، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ت:٢٤١ هـ، تحقيق: محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١٩٥. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني، ت:١٤٢٠ هـ، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى.","vol":"1","page":754},{"text":"١٩٦. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، محمد ناصر الدين الألباني، ت:١٤٢٠ هـ، دار المعارف، السعودية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ / ١٩٩٢ م.\n١٩٧. سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، محمد خليل بن علي بن محمد الحسيني، ت:١٢٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، دار ابن حزم، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n١٩٨. السلوك لمعرفة دول الملوك، أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي ت:٨٤٥ هـ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n١٩٩. السنة، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخَلَّال، ت:٣١١ هـ، تحقيق: د. عطية الزهراني، دار الراية - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م.\n٢٠٠. السنة، أبو بكر بن أبي عاصم أحمد بن عمرو الشيباني ت:٢٨٧ هـ، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٠.\n٢٠١. السنة، عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانيّ، ت:٢٩٠ هـ، تحقيق: د. محمد بن سعيد بن سالم القحطاني، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٢٠٢. السنة، محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي، ت:٢٩٤ هـ، تحقيق: سالم أحمد السلفي، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٢٠٣. سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، ت:٢٧٣ هـ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية.\n٢٠٤. سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ت:٢٧٥ هـ، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.\n٢٠٥. سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي أبو عيسى، ت: ٢٧٩ هـ، تحقيق: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي - بيروت، سنة النشر: ١٩٩٨ م.\n٢٠٦. سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني ت:٣٨٥ هـ، تحقيق: شعيب الارنؤوط - حسن عبد المنعم شلبي - عبد اللطيف حرز الله - أحمد برهوم، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.","vol":"1","page":755},{"text":"٢٠٧. السنن الصغرى للنسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، ت: ٣٠٣ هـ، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة: الطبعة الثانية، ١٤٠٦ - ١٩٨٦ م.\n٢٠٨. السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، ت:٣٠٣ هـ، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٢٠٩. سنن سعيد بن منصور، أبو عثمان سعيد بن منصور الجوزجاني، ت:٢٢٧ هـ، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الدار السلفية - الهند، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ -١٩٨٢ م.\n٢١٠. سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد الذهبي، ت:٧٤٨ هـ، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ\n٢١١. سيرة ابن إسحاق (كتاب السير والمغازي)، محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، ت:١٥١ هـ، تحقيق: سهيل زكار، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.\n٢١٢. السيرة النبوية لابن هشام، عبد الملك بن هشام الحميري ت:٢١٣ هـ، تحقيق: مصطفى السقا - إبراهيم الأبياري - عبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية، ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٥ م\n٢١٣. السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل، علي بن عبد الكافي السبكي، ت:٧٥٦ هـ، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث-مصر.\n٢١٤. شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي بن أحمد العكري الحنبلي، ت ١٠٨٩ هـ، تحقيق: محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير - دمشق/ بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٢١٥. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، هبة الله بن الحسن اللالكائي ت:٤١٨ هـ، تحقيق: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، دار طيبة - السعودية، الثامنة، ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٣ م\n٢١٦. شرح الأصبهانية، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق: محمد بن عودة السعوي، مكتبة دار المنهاج - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.","vol":"1","page":756},{"text":"٢١٧. شرح السنة، الحسين بن مسعود الشافعي، ت:٥١٦ هـ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n٢١٨. شرح العقيدة الطحاوية، عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، ت: ٧٩٢ هـ، تحقيق: أحمد شاكر، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية، والأوقاف والدعوة والإرشاد، الطبعة: الأولى ١٤١٨ هـ.\n٢١٩. شرح العمدة، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، ت:٧٢٨ هـ، دار عالم الفوائد، مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية، الطبعة الأولى ١٤٣٦ هـ.\n٢٢٠. شرح الكوكب المنير، محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي ابن النجار الفتوحي ت:٩٧٢ هـ، تحقيق: محمد الزحيلي - نزيه حماد، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n٢٢١. شرح المعلقات التسع، المنسوب لأبي عمرو الشيباني، تحقيق: عبد المجيد همو، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٢٢٢. شرح المعلقات السبع، حسين بن أحمد الزَّوْزَني ت:٤٨٦ هـ، دار احياء التراث العربي، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ.\n٢٢٣. شرح حديث النزول، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ت:٧٢٨ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، الخامسة، ١٣٩٧ هـ/١٩٧٧ م.\n٢٢٤. شرح ديوان المتنبي، أبو البقاء عبد الله بن الحسين محب الدين العكبري، ت:٦١٦ هـ، تحقيق: مصطفى السقا/إبراهيم الأبياري/عبد الحفيظ شلبي، دار المعرفة - بيروت.\n٢٢٥. شرح عبد الوهاب بن الحسين على الرسالة الولدية، عبد الوهاب بن حسين الآمدي، تحقيق: عبد الحميد العيساوي، دار النور المبين -عمَّان ٢٠١٤ م.\n٢٢٦. شرح مختصر الروضة، سليمان بن عبد القوي الصرصري ت:٧١٦ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٢٢٧. شرف أصحاب الحديث، أحمد بن علي الخطيب البغدادي ت:٤٦٣ هـ، تحقيق: د. محمد سعيد خطي اوغلي، دار إحياء السنة النبوية - أنقرة.","vol":"1","page":757},{"text":"٢٢٨. الشريعة، محمد بن الحسين الآجُرِّيُّ، ت:٣٦٠ هـ، تحقيق: د. عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، دار الوطن - الرياض / السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.\n٢٢٩. شعب الإيمان، أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي، ت:٤٥٨ هـ، تحقيق: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد - الرياض، الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٢٣٠. الشعر والشعراء، عبد الله بن مسلم الدينوري ت:٢٧٦ هـ، دار الحديث، القاهرة، ١٤٢٣ هـ.\n٢٣١. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت:٧٥١ هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ١٣٩٨ هـ، ١٩٧٨ م.\n٢٣٢. الشيعة وأهل البيت، إحسان إلهي ظهير الباكستاني ت:١٤٠٧ هـ، إدارة ترجمان السنة، لاهور - باكستان.\n٢٣٣. صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي، ت:٨٢١ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٣٤. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري ت: ٣٩٣ هـ، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين - بيروت، الرابعة ١٤٠٧ هـ.\n٢٣٥. صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٢٣٦. صَحِيحُ التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب، محمد ناصر الدين الألباني، مكتَبة المَعارف لِلنَشْرِ والتوزيْع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٢٣٧. صحيح الجامع الصغير وزياداته، محمد ناصر الدين الألباني، ت:١٤٢٠ هـ، المكتب الإسلامي.\n٢٣٨. صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ت ٢٦١ هـ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n٢٣٩. الصَّحيِحُ من أحاديث السّيرة النبوية، محمد بن حمد الصوياني، مدار الوطن للنشر، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م.","vol":"1","page":758},{"text":"٢٤٠. صحيح وضعيف سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، ت:١٤٢٠ هـ،\n٢٤١. الصفدية، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، ت: ٧٢٨ هـ، المحقق: محمد رشاد سالم، مكتبة ابن تيمية، مصر الطبعة: الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n٢٤٢. الصلاة وأحكام تاركها، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت:٧٥١ هـ، مكتبة الثقافة بالمدينة المنورة.\n٢٤٣. الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت ٧٥١ هـ، تحقيق: علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٢٤٤. الضعفاء الكبير، محمد بن عمرو العقيلي ت:٣٢٢ هـ، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، دار المكتبة العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٢٤٥. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، محمد بن عبد الرحمن السخاوي ت:٩٠٢ هـ، منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت.\n٢٤٦. ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، دار القلم دمشق-بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩٥ هـ.\n٢٤٧. الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق، سليمان بن سحمان النجدي، ت:١٣٤٩ هـ، تحقيق: عبد السلام بن برجس، رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، السعودية، الرياض، الطبعة الخامسة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٢ م.\n٢٤٨. طبقات الحنابلة، محمد بن محمد ابن أبي يعلى الفراء ت:٥٢٦ هـ، محمد حامد الفقي، دار المعرفة - بيروت.\n٢٤٩. الطبقات السنية في تراجم الحنفية، تقي الدين بن عبد القادر الغزّيّ الحنفيّ، ت:١٠٠٥ هـ، المحقق: عبد الفتاح الحلو، دارالرفاعي.\n٢٥٠. طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين بن تقي الدين السبكي، ت ٧٧١ هـ، تحقيق: د. محمود الطناحي ود. عبد الفتاح الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n٢٥١. طبقات الصوفية، محمد بن الحسين النيسابوريت:٤١٢ هـ، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ ١٩٩٨ م","vol":"1","page":759},{"text":"٢٥٢. الطبقات الكبرى، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي، ت: ٢٣٠ هـ، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر - بيروت، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٩٦٨ م.\n٢٥٣. الطبقات الكبرى، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي، ت: ٢٣٠ هـ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٢٥٤. طبقات المعتزلة، أحمد بن يحيى المهدي ت:٨٤٠ هـ، تحقيق: سُوسَنّة دِيفَلْد - فِلْزَر، دار مكتبة الحياة - بيروت، ١٣٨٠ هـ.\n٢٥٥. طبقات المفسرين العشرين، عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي ت:٩١١ هـ، تحقيق: علي محمد عمر، مكتبة وهبة - القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n٢٥٦. طبقات علماء إفريقية، وكتاب طبقات علماء تونس، محمد بن أحمد بن تميم التميمي المغربي الإفريقي، ت:٣٣٣ هـ، دار الكتاب اللبناني، بيروت - لبنان.\n٢٥٧. طريق الهجرتين وباب السعادتين، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت:٧٥١ هـ، دار السلفية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، ١٣٩٤ هـ.\n٢٥٨. ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، ت:١٤٢٠ هـ، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة - ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n٢٥٩. العبر في خبر من غبر، محمد بن أحمد الذهبي ت:٧٤٨ هـ، تحقيق: محمد بسيوني، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٢٦٠. العبودية، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي، ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: حمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة السابعة المجددة ١٤٢٦ هـ.\n٢٦١. العرش، محمد بن أحمد الذهبي ت:٧٤٨ هـ، تحقيق: محمد بن خليفة بن علي التميمي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ.\n٢٦٢. عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، محمود بن أحمد الحنفى ت:٨٥٥ هـ، حققه ووضع حواشيه: محمد محمد أمين، الهيئة المصرية العامة للكتاب - مركز تحقيق","vol":"1","page":760},{"text":"التراث، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n٢٦٣. العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، محمد بن أحمد بن عبد الهادي ت: ٧٤٤ هـ، المحقق: محمد حامد الفقي، دار الكاتب العربي - بيروت.\n٢٦٤. عقيدة السلف أصحاب الحديث، إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، تحقيق: ناصر الجديع، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الثانية ١٤١٩ هـ.\n٢٦٥. عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية، أحمد بن عبد العزيز القصير، مكتبة الرشد-الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n٢٦٦. العقيدة الطحاوية، أبو جعفر أحمد بن الطحاوي ت: ٣٢١ هـ، شرح وتعليق: محمد ناصر الدين الألباني،: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n٢٦٧. عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن، حمود بن عبد الله التويجري ت:١٤١٣ هـ، دار اللواء للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n٢٦٨. العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت:٧٤٨ هـ، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n٢٦٩. عيون الأنباء في طبقات الأطباء، أحمد بن القاسم بن خليفة ابن أبي أصيبعة، ت:٦٦٨ هـ، تحقيق: الدكتور نزار رضا، دار مكتبة الحياة - بيروت.\n٢٧٠. غاية الأماني في الرد على النبهاني، محمود شكري الألوسي، ت:١٣٤٢ هـ، تحقيق: أبو عبد الله الداني بن منير آل زهوي، مكتبة الرشد، السعودية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ- ٢٠٠١ م.\n٢٧١. غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، محمد ناصر الدين الألباني ت:١٤٢٠ هـ، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة - ١٤٠٥ هـ.\n٢٧٢. غريب الحديث، إبراهيم بن إسحاق الحربي أبو إسحاق ت: ٢٨٥، تحقيق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥.","vol":"1","page":761},{"text":"٢٧٣. غريب الحديث، القاسم بن سلاّم الهروي ت:٢٢٤ هـ، تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد- الدكن، الطبعة الأولى ١٣٨٤ هـ.\n٢٧٤. غريب الحديث، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ت:٢٧٦ هـ، تحقيق: د. عبد الله الجبوري، مطبعة العاني - بغداد، الطبعة الأولى، ١٣٩٧ هـ.\n٢٧٥. غلاة الشيعة الباطنية في الشام، د. يوسف درويش غوانمه، جمعية عمال المطابع التعاونية- عمان الاردن، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n٢٧٦. الفائق في غريب الحديث والأثر، محمود بن عمرو بن الزمخشري ت:٥٣٨ هـ، تحقيق: علي محمد البجاوي - محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة - لبنان، الطبعة الثانية.\n٢٧٧. الفتاوى الكبرى، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي، ت:٧٢٨ هـ، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.\n٢٧٨. فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، إخراج: محب الدين الخطيب، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ م.\n٢٧٩. الفتوحات المكية، محمد بن علي بن عربي، تحقيق: عثمان يحيى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ.\n٢٨٠. فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل، سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل، ت:١٢٠٤ هـ، دار الفكر.\n٢٨١. الفتوى الحموية الكبرى، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: د. حمد بن عبد المحسن التويجري، دار الصميعي - الرياض، الطبعة الثانية ١٤٢٥ هـ.\n٢٨٢. الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، عبد القاهر بن طاهر البغدادي ت:٤٢٩ هـ، دار الآفاق الجديدة - بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٧٧ م.\n٢٨٣. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ت:٧٢٨ هـ، حققه وخرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة دار البيان،","vol":"1","page":762},{"text":"دمشق، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n٢٨٤. الفروق اللغوية، أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري، ت: نحو ٣٩٥ هـ، حققه: محمد إبراهيم سليم، دار العلم القاهرة - مصر.\n٢٨٥. الفصل في الملل والأهواء والنحل، علي بن أحمد ابن حزم الأندلسي، ت:٤٥٦ هـ، مكتبة الخانجي - القاهرة.\n٢٨٦. فصوص الحكم، محمد بن علي ابن عربي، ت:٦٣٨ هـ، تعليق: أبو العلاء العفيفي، دار الكتاب العربي - بيروت.\n٢٨٧. فضائح الباطنية، محمد بن محمد الغزالي الطوسي ت:٥٠٥ هـ، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية - الكويت.\n٢٨٨. فضائل الصحابة، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ت:٢٤١ هـ، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n٢٨٩. الفقيه والمتفقه، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، ت:٤٦٣ هـ، تحقيق: عادل بن يوسف الغرازي، دار ابن الجوزي - السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ.\n٢٩٠. الفهرست، محمد بن إسحاق ابن النديم ت:٤٣٨ هـ، تحقيق: إبراهيم رمضان، دار المعرفة بيروت - لبنان، الطبعة الثانية ١٤١٧ هـ.\n٢٩١. فوات الوفيات، صلاح الدين محمد بن شاكر، ت: ٧٦٤ هـ، المحقق: إحسان عباس، دار صادر - بيروت، الطبعة: الأولى ١٩٧٤ م.\n٢٩٢. الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة، مرعي بن يوسف الكرمى الحنبلى ت:١٠٣٣ هـ، تحقيق: د. محمد بن لطفي الصباغ، دار الوراق - الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n٢٩٣. الفوائد في اختصار المقاصد، عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي، ت:٦٦٠ هـ، تحقيق: إياد خالد الطباع، دار الفكر المعاصر، دار الفكر - دمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":763},{"text":"٢٩٤. الفوائد، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت:٧٥١ هـ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٣ هـ.\n٢٩٥. فيض الوهاب في بيان أهل الحق ممن ضل عن الصواب، عبد ربه بن سليمان (القليوبي)، دار القومية ١٣٨٣ هـ.\n٢٩٦. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: ربيع بن هادي المدخلي، مكتبة الفرقان - عجمان، الطبعة الأولى (لمكتبة الفرقان) ١٤٢٢ هـ.\n٢٩٧. قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: سليمان بن صالح الغصن، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الثانية ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م\n٢٩٨. القاموس المحيط، أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ت:٨١٧ هـ، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، مؤسسة الرسالة بيروت - لبنان، الثامنة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n٢٩٩. القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ت:٨١٧ هـ، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة الثامنة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n٣٠٠. القانون في الطب، الحسين بن عبد الله بن سينا ت:٤٢٨ هـ، المحقق: محمد أمين الضناوي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n٣٠١. قصة الحضارة، ويليام جيمس ديورَانت، ت:١٩٨١ م، تقديم: الدكتور محيي الدّين صَابر، ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمُود وآخرين، دار الجيل، بيروت - لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n٣٠٢. القضاء والقدر، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت:٤٥٨ هـ، تحقيق: محمد بن عبد الله آل عامر، مكتبة العبيكان - الرياض، السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٣٠٣. قطعة من تفسير عبد بن حميد، عبد الحميد بن حميد الكَسّي ويقال الكشي، ت ٢٤٩ هـ، تحقيق: مخلف بنيه العرف. دار ابن حزم. الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.\n٣٠٤. قواعد العقائد، محمد بن محمد الغزالي ت:٥٠٥ هـ، تحقيق: موسى محمد علي، عالم الكتب - لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":764},{"text":"٣٠٥. الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، ٣٢٩ هـ، تحقيق: قسم أحياء التراث، مركز دار الحديث.\n٣٠٦. الكافية في الجدل، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ\n٣٠٧. الكامل في اللغة والأدب، محمد بن يزيد المبرد ت:٢٨٥ هـ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي - القاهرة، الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n٣٠٨. كتاب الأمثال في الحديث النبوي، عبد الله بن محمد ابن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني، ت:٣٦٩ هـ، تحقيق: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، الدار السلفية - بومباي - الهند، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.\n٣٠٩. كتاب التعريفات، علي بن محمد الشريف الجرجاني، ت:٨١٦ هـ، ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية بيروت -لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n٣١٠. كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿، محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري ت:٣١١ هـ، تحقيق: عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، مكتبة الرشد - السعودية - الرياض، الخامسة، ١٤١٤ هـ.\n٣١١. كتاب السنة (ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة بقلم: محمد ناصر الدين الألباني)، أبو بكر بن أبي عاصم أحمد بن عمرو الشيباني ت:٢٨٧ هـ، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠ م.\n٣١٢. كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، ت:١٧٠ هـ، تحقيق: د مهدي المخزومي- د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.\n٣١٣. كتب الإمام الغزالي الثابت منها والمتحول للدكتور مشهد العلاف كتاب على الشبكة العنكبوتية، غير مطبوع،  http://cutt.us/7 Bsh ٧.\n٣١٤.  الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، محمود بن عمرو الزمخشري تحقيق: ٥٣٨ هـ، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الطبعة الثالثة - ١٤٠٧ هـ.\n٣١٥. كشف الأستار عن زوائد البزار، علي بن أبي بكر الهيثمي ت:٨٠٧ هـ، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.","vol":"1","page":765},{"text":"٣١٦. الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث، إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي (سبط ابن العجمي) ت:٨٤١ هـ، تحقيق: صبحي السامرائي، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٣١٧. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، إسماعيل بن محمد العجلوني ت:١١٦٢ هـ، مكتبة القدسي-القاهرة، ١٣٥١ هـ.\n٣١٨. كشف الخفاء ومزيل الإلباس، إسماعيل بن محمد العجلوني ت:١١٦٢ هـ، المكتبة العصرية، تحقيق: عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م\n٣١٩. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة - لابن رشد الحفيد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت الطبعة الأولى ١٩٩٨ م.\n٣٢٠. الكشف والبيان عن تفسير القرآن، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ت:٤٢٧ هـ، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢٢، هـ.\n٣٢١. الكفاية في علم الرواية، أحمد بن علي الخطيب البغدادي ت:٤٦٣ هـ، أبو عبدالله السورقي - إبراهيم حمدي المدني، المكتبة العلمية - المدينة المنورة.\n٣٢٢. الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبو البقاء أيوب بن موسى الكفوي الحنفي، ت:١٠٩٤ هـ، تحقيق: عدنان درويش - محمد المصري، مؤسسة الرسالة - بيروت.\n٣٢٣. اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص سراج الدين عمر بن علي الحنبلي، ت:٧٧٥ هـ، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود - علي محمد معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٣٢٤. لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الأنصاري، ت:٧١١ هـ، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة - ١٤١٤ هـ.\n٣٢٥. لسان الميزان، أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، ت:٨٥٢ هـ، دائرة المعرف النظامية - الهند، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ١٣٩٠ هـ /١٩٧١ م.","vol":"1","page":766},{"text":"٣٢٦. اللمع، لأبي نصر السراج الطوسي، تحقيق: عبد الحليم محمود- طه عبد الباقي سرور، مطبعة السعادة ١٣٨٠ هـ ..\n٣٢٧. لمعة الاعتقاد، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، ت:٦٢٠ هـ، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.\n٣٢٨. الماترودية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات، شمس السلفي الأفغاني، مكتبة الصديق، الطائف، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\n٣٢٩. متن القصيدة النونية، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت ٧٥١ هـ، مكتبة ابن تيمية - القاهرة الطبعة الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\n٣٣٠. مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي - ﵀ -، أحمد بن محمد الأمين الشنقيطي، ت:١٤٣٤ هـ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n٣٣١. المجالسة وجواهر العلم، أحمد بن مروان الدينوري ت:٣٣٣ هـ، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، جمعية التربية الإسلامية (البحرين - أم الحصم)، دار ابن حزم (بيروت - لبنان)، ١٤١٩ هـ.\n٣٣٢. المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، محمد بن حبان البُستي ت:٣٥٤ هـ، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي - حلب، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n٣٣٣. مجلسان من الأمالي أحدهما في صفات الله، أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه، ت:٤١٠ هـ، تحقيق: محمد بن زياد التُّكْله، دار البشائر الإسلامية - ضمن المجموعة التاسعة من لقاء العشر الأواخر (١٠٥)، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n٣٣٤. مجمع الآداب في معجم الألقاب، عبد الرزاق بن أحمد ابن الفوطي، ت:٧٢٣ هـ، تحقيق: محمد الكاظم، مؤسسة الطباعة والنشر- وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، إيران، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":767},{"text":"٣٣٥. مجمع الأمثال، أحمد بن محمد النيسابوري، ت:٥١٨ هـ، تحقيق: محمد محيى الدين عبد الحميد، دار المعرفة - بيروت، لبنان.\n٣٣٦. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر الهيثمي ت:٨٠٧ هـ، تحقيق: حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة، ١٤١٤ هـ.\n٣٣٧. مجموع الفتاوى، أحمد بن عبد الحليم بن عبدالسلام ابن تيمية ت ٧٢٨ هـ، جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٦ هـ/١٩٩٥ م.\n٣٣٨. مجموعة الرسائل والمسائل، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: السيد محمد رشيد رضا - محمد الأنور أحمد البلتاجي، مكتبة وهبة - القاهرة، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n٣٣٩. مجموعة رسائل الإمام الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، ت:٥٠٥ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٤ هـ، ١٩٩٤ م.\n٣٤٠. المحرر في الحديث، محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي، ت:٧٤٤ هـ، المحقق: د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي- محمد سليم إبراهيم سمارة- جمال حمدي الذهبي، دار المعرفة - لبنان / بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٣٤١. المحصول، محمد بن عمر بن فخر الدين الرازي، ت: ٦٠٦ هـ، دراسة وتحقيق: طه جابر فياض العلواني، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الطبعة الثالثة، ١٤١٨ هـ.\n٣٤٢. المحنة على إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، عبد الغني المقدسي، ٦٠٠ هـ، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.\n٣٤٣. مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت:٧٥١ هـ، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة - مصر، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n٣٤٤. مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، محمد بن علي البعليّ، ت:٧٧٨ هـ، تحقيق: عبد المجيد سليم - محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية.\n٣٤٥. المخصص، علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، ت:٤٥٨ هـ، تحقيق: خليل إبراهم جفال، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى،","vol":"1","page":768},{"text":"١٤١٧ هـ، - ١٩٩٦ م.\n٣٤٦. المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال، بكر بن عبد الله أبو زيد، دار عالم الفوائد-مكة، الطبعة الثالثة ١٤٣٢ هـ.\n٣٤٧. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n٣٤٨. مرآة العقول في شرح أخبار الرسول، محمد باقر المجلسي، ت:١١١١ هـ، إخراج: السيد هاشم الرسولي، دار الكتب الإسلامية-طهران.\n٣٤٩. المراسيل، سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني ت:٢٧٥ هـ، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٣٥٠. المراسيل، عبد الرحمن بن محمد الرازي ت:٣٢٧ هـ، تحقيق: شكر الله نعمة الله قوجاني، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٧ هـ.\n٣٥١. مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي الحنبلي ت:٧٣٩ هـ، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٣٥٢. مسألة حدوث العالم، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، يوسف بن محمد مروان بن سليمان الأزبكي، دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n٣٥٣. مسألة في الكنائس، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: علي بن عبدالعزيز الشبل، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n٣٥٤. مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري، ت:٧٤٩ هـ، المجمع الثقافي-أبو ظبي، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ.\n٣٥٥. مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني، ت: ٢٧٥ هـ، تحقيق: أبي معاذ طارق بن عوض الله، مكتبة ابن تيمية-مصر، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n٣٥٦. مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ت:٢٧٥ هـ، تحقيق: أبي معاذ طارق بن عوض الله، مكتبة ابن تيمية، مصر، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n٣٥٧. مسبوك الذهب في فضل العرب وشرف العلم على شرف النسب، مرعي بن يوسف الكرمي، ت:١٠٣٣ هـ، تحقيق: الدكتور نجم عبد الرحمن خلف، مكتبة","vol":"1","page":769},{"text":"الرشد للنشر والتوزيع، السعودية - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n٣٥٨. المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري، ت:٤٠٥ هـ، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ - ١٩٩٠ م.\n٣٥٩. المستصفى، محمد بن محمد الغزالي ت:٥٠٥ هـ، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٣٦٠. مسند أبي يعلى، أبو يعلى أحمد بن علي التميمي الموصلي، ت:٣٠٧ هـ، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n٣٦١. مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ت: ٢٤١ هـ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي،: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٣٦٢. مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار، أبو بكر أحمد بن عمرو البزار، ت: ٢٩٢ هـ، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله-عادل بن سعد - صبري عبد الخالق الشافعي، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة: الطبعة الأولى.\n٣٦٣. مسند الدارمي (سنن الدارمي)، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت:٢٥٥ هـ تحقيق: حسين سليم أسد الداراني دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٣٦٤. مسند الموطأ، رواية عبد الرحمن بن عبد الله الجوهري ت:٣٨١ هـ، تحقيق: لطفي بن محمد الصغير - طه بن علي بُو سريح، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٧ م.\n٣٦٥. مشاهير علماء نجد وغيرهم، عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، الطبعة الأولى، ١٣٩٢ هـ.\n٣٦٦. مشكاة المصابيح، محمد بن عبد الله التبريزي ت:٧٤١ هـ، تخريج: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٩٨٥.","vol":"1","page":770},{"text":"٣٦٧. مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ت:١٢٩٣ هـ، تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله الزير آل حمد، وزارة الشؤن الإسلامية والأوقاف والدعوة والأرشاد، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٣٦٨. مصطلحات في كتب العقائد، محمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد، دار بن خزيمة، الطبعة الأولى.\n٣٦٩. المصنف في الأحاديث والآثار، أبو بكر بن أبي شيبة، ت:٢٣٥ هـ، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n٣٧٠. المصنف، عبد الرزاق بن همام الصنعاني ت:٢١١ هـ، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي- الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٣٧١. المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (الموضوعات الصغرى)، ملا علي قاري ت:١٠١٤ هـ، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ.\n٣٧٢. مظاهر الشرك في الديانة النصرانية، محمد بن عبد الله السحيم، جامعة الملك سعود ١٤٣٠ هـ.\n٣٧٣. المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد بن محمد حسن شُرَّاب، دار القلم، الدار الشامية - دمشق- بيروت، الطبعة الأولى - ١٤١١ هـ\n٣٧٤. معاني القرآن وإعرابه، إبراهيم بن السري أبو إسحاق الزجاج ت:٣١١ هـ، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٣٧٥. معاني القرآن، يحيى بن زياد الفراء ت:٢٠٧ هـ، تحقيق: أحمد يوسف النجاتي - محمد علي النجار - عبد الفتاح إسماعيل الشلبي، دار المصرية للتأليف والترجمة - مصر، الطبعة الأولى.\n٣٧٦. معجم اصطلاحات الصوفية، عبد الرزاق الكشاني، ت:٧٣٠ هـ، تحقيق: عبد العال شاهين، دار المنار، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":771},{"text":"٣٧٧. معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب)، ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي، ت:٦٢٦ هـ، تحقيق: إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n٣٧٨. معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي، المستشرق زامباور د. زكي محمد حسن-حسن أحمد محمود، دار الرائد العربي-بيروت، ١٩٤٠ م-١٩٨٠ م.\n٣٧٩. المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد أبو القاسم الطبراني، ت: ٣٦٠ هـ، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد - عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين - القاهرة.\n٣٨٠. معجم البلدان، ياقوت بن عبد الله الحموي ت:٦٢٦ هـ، دار صادر، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٩٥ م.\n٣٨١. معجم الشيوخ الكبير للذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت:٧٤٨ هـ، تحقيق: د. محمد الحبيب الهيلة، مكتبة الصديق، الطائف، السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٣٨٢. معجم الصحابة، عبد الله بن محمد البغوي ت:٣١٧ هـ، محمد الأمين بن محمد الجكني، مكتبة دار البيان - الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٣٨٣. المعجم الصوفي، الدكتورة سعاد الحكيم، دار ندرة-بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n٣٨٤. المعجم الفلسفي (بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية)، الدكتور جميل صليبا ت:١٩٧٦ م، لشركة العالمية للكتاب - بيروت، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n٣٨٥. المعجم الكبير، سليمان بن أحمد أبو القاسم الطبراني، ت:٣٦٠ هـ، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، دار النشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة الثانية.\n٣٨٦. معجم اللغة العربية المعاصرة، د أحمد مختار عبد الحميد ت:١٤٢٤ هـ، بمساعدة فريق عمل، عالم الكتب، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n٣٨٧. المعجم المختص بالمحدثين، محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، ت:٧٤٨ هـ، تحقيق: د. محمد الحبيب الهيلة، مكتبة الصديق، الطائف،","vol":"1","page":772},{"text":"الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n٣٨٨. معجم المطبوعات العربية والمعربة، يوسف بن إليان بن موسى سركيس، ت:١٣٥١ هـ، مطبعة سركيس، مصر، ١٣٤٦ هـ - ١٩٢٨ م.\n٣٨٩. معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق بن غيث بن زوير الحربي ت:١٤٣١ هـ، دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n٣٩٠. معجم المناهي اللفظية وفوائد في الألفاظ، بكر بن عبد الله أبو زيد، ت: ١٤٢٩ هـ، دار العاصمة للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة: الطبعة الثالثة، ١٤١٧ هـ -١٩٩٦ م.\n٣٩١. معجم المؤلفين، عمر بن رضا ابن عبد الغني كحالة ت: ١٤٠٨ هـ، مكتبة المثنى - بيروت، دار إحياء التراث العربي بيروت.\n٣٩٢. المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، تحقيق: (إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار)، دار الدعوة\n٣٩٣. معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي - حامد صادق قنيبي، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م\n٣٩٤. معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، تحقيق: ٣٩٥ هـ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر ١٣٩٩ هـ.\n٣٩٥. معرفة الصحابة، أحمد بن عبد الله الأصبهاني ت:٤٣٠ هـ، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\n٣٩٦. معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، محمد بن أحمد الذهبي ت:٧٤٨ هـ، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٣٩٧. المغني لابن قدامة، موفق الدين عبد الله بن أحمد ابن قدامة المقدسي، ت:٦٢٠ هـ، مكتبة القاهرة، تاريخ النشر: ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.\n٣٩٨. مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، محمد بن عمر فخر الدين الرازي ت:٦٠٦ هـ، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة - ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":773},{"text":"٣٩٩. مفتاح العلوم، يوسف بن أبي بكر الخوارزمي، ت:٦٢٦ هـ، اعتنى به: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م\n٤٠٠. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت:٧٥١ هـ، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٤٠١. المفردات في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، ت:٥٠٢ هـ، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم الدار الشامية - دمشق بيروت، الطبعة الأولى - ١٤١٢ هـ.\n٤٠٢. المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي ت:٩٠٢ هـ، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م\n٤٠٣. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، علي بن إسماعيل أبي موسى الأشعري ت:٣٢٤ هـ، تصحيح: هلموت ريتر، دار فرانز شتايز، بمدينة فيسبادن (ألمانيا)، الطبعة الثالثة، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.\n٤٠٤. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، علي بن إسماعيل أبي موسى الأشعري ت:٣٢٤ هـ، تحقيق: نعيم زرزور، المكتبة العصرية، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٤٠٥. الملل والنحل، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، ت:٥٤٨ هـ، مؤسسة الحلبي.\n٤٠٦. المنار المنيف في الصحيح والضعيف، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت:٧٥١ هـ، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ/١٩٧٠ م.\n٤٠٧. مناظرات ابن تيمية لأهل الملل والنحل، جمع وتعليق: د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، مطابع أضواء المنتدى، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n٤٠٨. مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره، الدكتور السيد الجميلي، دار الكتاب العربي- بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٤٠٩. مناظرة ابن تيمية لطائفة الرفاعية، إخراج: عبد الرحمن دمشقية، دار طيبة- الرياض، الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":774},{"text":"٤١٠. مناقب الإمام أحمد، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، ت: ٥٩٧ هـ، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر الطبعة: الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n٤١١. مناقب الإمام الشافعي، أحمد بن الحسين البيهقي ت:٤٥٨ هـ، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار التراث، مصر، الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ.\n٤١٢. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، ت:٥٩٧ هـ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n٤١٣. المنثور من الحكايات والسؤالات، محمد بن طاهر ابن القيسراني، ت:٥٠٧ هـ، تحقيق: جمال عزون، مكتبة دار المنهاج، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٤١٤. منظومة طاش كبرى زاده ضمن مجموع المتون الكبير، مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٧٨ هـ-١٩٥٨ م.\n٤١٥. منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ت:١٢٩٣ هـ، تحقيق: دار الهداية للطبع والنشر والترجمة.\n٤١٦. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي، ت:٧٢٨ هـ، محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٤١٧. منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل الاعتقاد، عثمان علي حسن، دار إشبيليا-الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n٤١٨. المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، يوسف بن تغري بردي الظاهري الحنفي، ت:٨٧٤ هـ، تحقيق: د. محمد محمد أمين، الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n٤١٩. المنية والأمل، القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني المعتزلي ت:٤١٥ هـ، تحقيق: الدكتور سامي النشار - الدكتور عصام الدين محمد، دار المطبوعات الجامعية - الإسكندرية، ١٩٧٢ م.","vol":"1","page":775},{"text":"٤٢٠. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي، ت:٨٤٥ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٤٢١. موسوعة أقوال أبي الحسن الدارقطني في رجال الحديث وعلله، د. محمد مهدي المسلمي - أشرف منصور عبد الرحمن - عصام عبد الهادي محمود - أحمد عبد الرزاق عيد - أيمن إبراهيم الزاملي - محمود محمد خليل، عالم الكتب للنشر والتوزيع - بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ٢٠٠١ م.\n٤٢٢. موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله، جمع وترتيب: السيد أبو المعاطي النوري - أحمد عبد الرزاق عيد - محمود محمد خليل، عالم الكتب، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٤٢٣. الموسوعة الحرة ويكيبيديا،  https://ar.wikipedia.org\n٤٢٤.  موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، محمد بن علي الفاروقي الحنفي، ت: بعد ١١٥٨ هـ، تحقيق: د. علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية: د. عبد الله الخالدي، الترجمة الأجنبية: د. جورج زيناني، مكتبة لبنان ناشرون - بيروت، الطبعة الأولى - ١٩٩٦ م.\n٤٢٥. موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب، جيرار جهامي، مكتبة لبنان ناشرون - بيروت، الطبعة: الطبعة الأولى/ ١٩٩٨ م.\n٤٢٦. موقف ابن تيمية من الأشاعرة، عبد الرحمن بن صالح بن صالح المحمود، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ / ١٩٩٥ م.\n٤٢٧. موقف ابن تيمية من الصوفية، محمد عبد الرحمن العريفي، مكتبة دار المنهاج- الرياض، الطبعة الأولى ١٤٣٠ هـ.\n٤٢٨. موقف الإمام ابن تيمية من التصوف والصوفية د. أحمد البناني، دار العلم للطباعة والنشر، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ. …\n٤٢٩. ميزان الاعتدال في نقد الرجال، محمد بن أحمد الذهبي ت:٧٤٨ هـ، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م.\n٤٣٠. ميزان الحكمة، محمد الريشهري، درا الحديث، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":776},{"text":"٤٣١. نبذة عن آخر حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، إبراهيم بن أحمد الفياني، تحقيق: محب الدين الخطيب، المكتب الإسلامي لإحياء التراث - القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.\n٤٣٢. النبوات، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي، ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف، السعودية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ/٢٠٠٠ م.\n٤٣٣. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، يوسف بن تغري بردي الظاهري الحنفي، ت:٨٧٤ هـ، تحقيق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب، مصر.\n٤٣٤. النخبة البهية في الأحاديث المكذوبة على خير البرية، محمد الأمير الكبير المالكي، ت:١٢٢٨ هـ، المحقق: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.\n٤٣٥. نظرية العقد \"العقود\"، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي، ت:٧٢٨ هـ، تحقيق: محمد حامد الفقي - محمد ناصر الدين الألباني، مطبعة السنة المحمدية، الطبعة الأولى، ١٣٨٦ هـ، ١٩٤٩ م.\n٤٣٦. نفائس الأصول في شرح المحصول، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، ت ٦٨٤ هـ، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n٤٣٧. نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، أحمد بن محمد المقري ت:١٠٤١ هـ، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر- بيروت - لبنان ص. ب ١٠، طبعة جديدة ١٩٩٧.\n٤٣٨. نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله ﷿ من التوحيد، أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، ت:٢٨٠ هـ، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، تحقيق: رشيد بن حسن الألمعي، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٤٣٩. النكت على كتاب ابن الصلاح، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت:٨٥٢ هـ، ربيع بن هادي المدخلي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة","vol":"1","page":777},{"text":"المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ/١٩٨٤ م.\n٤٤٠. نهاية الأرب في فنون الأدب، أحمد بن عبد الوهاب شهاب الدين النويري ت:٧٣٣ هـ، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ\n٤٤١. نهاية الإقدام في علم الكلام، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ت:٥٤٨ هـ، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى /١٤٢٥ هـ\n٤٤٢. النهاية في غريب الحديث والأثر، المبارك بن محمد الجزري ت:٦٠٦ هـ، تحقيق: طاهر الزاوى - محمود الطناحي، المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ.\n٤٤٣. النور السافر عن أخبار القرن العاشر، محي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العَيْدَرُوس، ت:١٠٣٨ هـ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٤٤٤. هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت:٧٥١ هـ، تحقيق: محمد أحمد الحاج، دار القلم- دار الشامية، جدة - السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n٤٤٥. هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، إسماعيل بن محمد أمين الباباني، ت:١٣٩٩ هـ، دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان.\n٤٤٦. الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية، محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي ت:١٤٠٧ هـ، الطبعة الثانية.\n٤٤٧. هذه هي الصوفية، عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب العلمية، الطبعة الرابعة ١٩٨٤ م.\n٤٤٨. الوابل الصيب من الكلم الطيب، ابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، ت: سيد إبراهيم، دار الحديث - القاهرة، ط:٣، ١٩٩٩ م.\n٤٤٩. الوافي بالوفيات، صلاح الدين الصفدي، تحقيق: أحمد الأرناؤوط، وتركي مصطفى، دار إحياء التراث - بيروت، ١٤٢٠ هـ.\n٤٥٠. الوجود الحق والخطاب الصدق، عبدالغني النابلسي، تحقيق: بكري علاء الدين، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":778},{"text":"٤٥١. الوصية الكبرى، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق: محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية، مكتبة الصديق - الطائف، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.","vol":"1","page":779}]}