{"ً":{"ٌ":9065,"ٍ":"نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام - القصاب 1 -4","files":["01_65575.pdf","02-03_65576.pdf","02-03_65576.pdf|3","04_65577.pdf"]},"ّ":"الكتاب: نُكَت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام\nالمؤلف: [أبو أحمد] محمد بن علي الكَرَجي، المعروف بالقَصّاب [ت قريبا من ٣٦٠ هـ]\nتحقيق: علي بن غازي التويجري (جـ ١) - إبراهيم بن منصور الجنيدل (جـ ٢ - ٣) - شايع بن عبده بن شايع الأسمري (جـ ٤)\nأصل هذا الكتاب: رسائل علمية من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة\nالناشر: دار ابن القيم بالدمام - دار ابن عفان بالقاهرة\nالطبعة: الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الأجزاء: ٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1182,"ٕ":4,"ٖ":1770155525,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"قال الشيخ الإمام العلامة أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الفقيه الكرجي","level":2,"page":2},{"title":"سورة الفاتحة","level":1,"page":8},{"title":"(الحمد لله رب العالمين (٢)","level":2,"page":8},{"title":"(مالك يوم الدين (٤)","level":2,"page":9},{"title":"قوله: (اهدنا الصراط المستقيم (٦)","level":2,"page":11},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":15},{"title":"قوله تعالى (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (٦)","level":2,"page":15},{"title":"وقوله: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (٨)","level":2,"page":16},{"title":"وقوله: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم)","level":2,"page":26},{"title":"وقوله: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (٢٦)","level":2,"page":27},{"title":"وقوله: (ولا تقربا هذه الشجرة)","level":2,"page":32},{"title":"وقوله: (فمن تبع هداي)","level":2,"page":35},{"title":"وقوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (٥٥) ثم بعثناكم من بعد موتكم)","level":2,"page":38},{"title":"قوله: (إنها بقرة لا ذلول)","level":2,"page":42},{"title":"قوله: (فقلنا اضربوه ببعضها)","level":2,"page":42},{"title":"قوله: (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه)","level":2,"page":43},{"title":"قوله: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (٧٨)","level":2,"page":44},{"title":"قوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (٧٩» .","level":2,"page":45},{"title":"وقوله: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (٨٠»","level":2,"page":47},{"title":"قوله: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٨١)","level":2,"page":48},{"title":"قوله: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله)","level":2,"page":49},{"title":"قوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) .","level":2,"page":53},{"title":"قوله: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم)","level":2,"page":54},{"title":"قوله: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله)","level":2,"page":55},{"title":"وقوله: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) .","level":2,"page":56},{"title":"قوله: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (١٣٣) .","level":2,"page":67},{"title":"قوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)","level":2,"page":70},{"title":"وقوله: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (١٥٩) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينو","level":2,"page":78},{"title":"قوله: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) إلى قوله: (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (١٧٧)","level":2,"page":79},{"title":"قوله: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين)","level":2,"page":80},{"title":"قوله: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم)","level":2,"page":82},{"title":"قوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة)","level":2,"page":84},{"title":"قوله: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) إلى قوله (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم","level":2,"page":85},{"title":"قوله: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)","level":2,"page":89},{"title":"وقوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)","level":2,"page":93},{"title":"قوله: (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله)","level":2,"page":93},{"title":"قوله: (وأن تعفوا أقرب للتقوى)","level":2,"page":96},{"title":"قوله: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله)","level":2,"page":99},{"title":"قوله: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يري","level":2,"page":99},{"title":"قوله: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) .","level":2,"page":100},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض)","level":2,"page":111},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":122},{"title":"وقوله: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (٣١»","level":2,"page":125},{"title":"قوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (٣٣»","level":2,"page":126},{"title":"قوله: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (٤٤» .","level":2,"page":133},{"title":"وقوله: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي)","level":2,"page":137},{"title":"وقوله: (ومطهرك من الذين كفروا)","level":2,"page":138},{"title":"وقوله: (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة)","level":2,"page":138},{"title":"قوله: (وجاعل الذين اتبعوك)","level":2,"page":139},{"title":"قوله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (٥٩) الحق من ربك فلا تكن من الممترين (٦٠»","level":2,"page":141},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم)","level":2,"page":155},{"title":"قوله: (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله)","level":2,"page":157},{"title":"وقوله: (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (١٦٨)","level":2,"page":158},{"title":"وقوله: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة)","level":2,"page":158},{"title":"وقوله: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما)","level":2,"page":158},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":162},{"title":"وقوله: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) .","level":2,"page":162},{"title":"وقوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم) .","level":2,"page":162},{"title":"وقوله: (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) .","level":2,"page":163},{"title":"وقوله: (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (٨)","level":2,"page":166},{"title":"قوله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) .","level":2,"page":168},{"title":"قوله: (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث)","level":2,"page":169},{"title":"قوله: (من بعد وصية يوصي بها أو دين)","level":2,"page":170},{"title":"وقوله: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) .","level":2,"page":172},{"title":"وقوله: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم)","level":2,"page":174},{"title":"قوله: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)","level":2,"page":178},{"title":"قوله: (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم)","level":2,"page":179},{"title":"قوله: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (٨٨)","level":2,"page":183},{"title":"وقوله: (إن خفتم)","level":2,"page":185},{"title":"وقوله: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك)","level":2,"page":186},{"title":"قوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) .","level":2,"page":194},{"title":"قوله: (ومن أصدق من الله قيلا (١٢٢)","level":2,"page":197},{"title":"قوله: (واتخذ الله إبراهيم خليلا (١٢٥)","level":2,"page":197},{"title":"وقوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)","level":2,"page":199},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله)","level":2,"page":201},{"title":"وقوله: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم","level":2,"page":201},{"title":"وقوله: (وكلم الله موسى تكليما (١٦٤»","level":2,"page":202},{"title":"قوله: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (١٤٣)","level":2,"page":202},{"title":"قوله (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (١٥٥)","level":2,"page":202},{"title":"وقوله: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد)","level":2,"page":205},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":210},{"title":"قوله: (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)","level":2,"page":225},{"title":"قوله: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم)","level":2,"page":225},{"title":"قوله: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم)","level":2,"page":225},{"title":"وقوله: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا)","level":2,"page":227},{"title":"قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (٤٤)","level":2,"page":228},{"title":"قوله: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه)","level":2,"page":237},{"title":"قوله: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)","level":2,"page":240},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)","level":2,"page":243},{"title":"وقوله: (ومن قتله منكم متعمدا)","level":2,"page":244},{"title":"وقوله: (ومن قتله منكم متعمدا)","level":2,"page":245},{"title":"وقوله: (ليذوق وبال أمره)","level":2,"page":245},{"title":"وقوله: (أحل لكم صيد البحر وطعامه)","level":2,"page":248},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":253},{"title":"قوله: (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم)","level":2,"page":254},{"title":"قوله: (ولا تكونن من المشركين (١٤)","level":2,"page":254},{"title":"قوله: (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به)","level":2,"page":255},{"title":"قوله: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا)","level":2,"page":256},{"title":"قوله: (وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (٣٥) .","level":2,"page":259},{"title":"قوله: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) .","level":2,"page":263},{"title":"قوله: (ثم إلى ربهم يحشرون (٣٨)","level":2,"page":263},{"title":"قوله: (والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (٣٩)","level":2,"page":264},{"title":"قوله: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (٤٣)","level":2,"page":265},{"title":"قوله: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل)","level":2,"page":268},{"title":"قوله: (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (٨٨)","level":2,"page":268},{"title":"قوله: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)","level":2,"page":269},{"title":"قوله: (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (١٠٦) ولو شاء الله ما أشركوا)","level":2,"page":272},{"title":"قوله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (١٠٨)","level":2,"page":274},{"title":"قوله: (أفغير الله أبتغي حكما)","level":2,"page":279},{"title":"قوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)","level":2,"page":286},{"title":"قوله: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)","level":2,"page":290},{"title":"قوله: (كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (١٢٢)","level":2,"page":291},{"title":"وقوله: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها)","level":2,"page":292},{"title":"وقوله: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (١٤٠» .","level":2,"page":294},{"title":"قوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا)","level":2,"page":294},{"title":"قوله: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه)","level":2,"page":294},{"title":"بقوله: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) .","level":2,"page":298},{"title":"قوله: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاد","level":2,"page":300},{"title":"وقوله: (ومن الأنعام حمولة وفرشا)","level":2,"page":302},{"title":"قوله: (وفرشا)","level":2,"page":303},{"title":"وقوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم)","level":2,"page":313},{"title":"قوله: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تت","level":2,"page":313},{"title":"قوله: (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (١٥٤)","level":2,"page":316},{"title":"قوله: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (١٥٨)","level":2,"page":318},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":328},{"title":"قوله: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون (٣)","level":2,"page":328},{"title":"وقوله: (إنه يراكم هو وقبيله)","level":2,"page":329},{"title":"وقوله: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء)","level":2,"page":330},{"title":"وقوله: (كما بدأكم تعودون (٢٩) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة)","level":2,"page":331},{"title":"وقوله: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد)","level":2,"page":333},{"title":"قوله: (حق عليهم الضلالة)","level":2,"page":333},{"title":"قوله: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم)","level":2,"page":334},{"title":"قوله: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)","level":2,"page":337},{"title":"قوله: (ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم)","level":2,"page":338},{"title":"قوله: (كلما دخلت أمة لعنت أختها)","level":2,"page":339},{"title":"قوله: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش)","level":2,"page":344},{"title":"قوله: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم)","level":2,"page":345},{"title":"قوله: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش)","level":2,"page":346},{"title":"وقوله: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية)","level":2,"page":350},{"title":"قوله: (ألا له الخلق والأمر)","level":2,"page":350},{"title":"قوله: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)","level":2,"page":350},{"title":"قوله: (حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه)","level":2,"page":351},{"title":"قوله: (كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (٥٧)","level":2,"page":351},{"title":"قوله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه)","level":2,"page":353},{"title":"قوله: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (٩٦)","level":2,"page":355},{"title":"قوله: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (٩٩)","level":2,"page":355},{"title":"قوله: (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (١٠٠)","level":2,"page":356},{"title":"قوله: (ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات)","level":2,"page":356},{"title":"قوله: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)","level":2,"page":359},{"title":"وقوله: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء)","level":2,"page":363},{"title":"وقوله: (وتفصيلا لكل شيء)","level":2,"page":364},{"title":"قوله: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا)","level":2,"page":364},{"title":"قوله: (وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه)","level":2,"page":365},{"title":"قوله: (فلا تشمت بي الأعداء)","level":2,"page":366},{"title":"قوله: (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل به","level":2,"page":367},{"title":"قوله: (قال عذابي أصيب به من أشاء)","level":2,"page":369},{"title":"قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (١٧٥) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه)","level":2,"page":369},{"title":"قوله: (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (١٧٨)","level":2,"page":370},{"title":"قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس)","level":2,"page":371},{"title":"قوله: (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها)","level":2,"page":373},{"title":"قوله: (والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (١٨٢)","level":2,"page":373},{"title":"قوله: (وأملي لهم إن كيدي متين (١٨٣)","level":2,"page":373},{"title":"قوله: (أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (١٨٤)","level":2,"page":374},{"title":"قوله: (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (١٨٦)","level":2,"page":375},{"title":"قوله: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله)","level":2,"page":375},{"title":"قوله: (ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (١٩٢)","level":2,"page":375},{"title":"قوله: (قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (١٩٥) إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (١٩٦)","level":2,"page":378},{"title":"قوله: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ) .","level":2,"page":378},{"title":"وقوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها)","level":2,"page":379},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":381},{"title":"وقوله: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به)","level":2,"page":384},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (١٥)","level":2,"page":384},{"title":"قوله: (فقد باء بغضب من الله)","level":2,"page":384},{"title":"قوله: (ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت)","level":2,"page":385},{"title":"وقوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)","level":2,"page":387},{"title":"قوله: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)","level":2,"page":388},{"title":"قوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (٢٦) .","level":2,"page":389},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم)","level":2,"page":390},{"title":"وقوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا)","level":2,"page":391},{"title":"قوله: (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا)","level":2,"page":391},{"title":"وقوله: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)","level":2,"page":393},{"title":"قوله: (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)","level":2,"page":394},{"title":"قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة)","level":2,"page":395},{"title":"قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم)","level":2,"page":395},{"title":"قوله: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر)","level":2,"page":395},{"title":"قوله: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا)","level":2,"page":396},{"title":"سورة التوبة","level":1,"page":399},{"title":"قوله: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه)","level":2,"page":399},{"title":"وقوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين)","level":2,"page":400},{"title":"قوله: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (٢٠) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها ن","level":2,"page":419},{"title":"قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد)","level":2,"page":438},{"title":"قوله: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (٣٣)","level":2,"page":441},{"title":"قوله: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)","level":2,"page":454},{"title":"قوله: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم)","level":2,"page":456},{"title":"وقوله: إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (٥٠) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)","level":2,"page":459},{"title":"قوله: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين)","level":2,"page":460},{"title":"وقوله: (ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا)","level":2,"page":461},{"title":"قوله: (قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (٥٣) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إل","level":2,"page":461},{"title":"قوله: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (٥٥)","level":2,"page":461},{"title":"قوله: (ليعذبهم بها في الحياة الدنيا)","level":2,"page":462},{"title":"قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل) .","level":2,"page":463},{"title":"وقوله: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (٥٧)","level":2,"page":465},{"title":"وقوله: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله) .","level":2,"page":467},{"title":"قوله: (أولئك سيرحمهم الله)","level":2,"page":468},{"title":"قوله: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم","level":2,"page":469},{"title":"قوله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم)","level":2,"page":481},{"title":"قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)","level":2,"page":481},{"title":"قوله: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله)","level":2,"page":483},{"title":"وقوله: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره)","level":2,"page":484},{"title":"قوله: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (٨٦) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم","level":2,"page":485},{"title":"قوله: (وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (٨٧)","level":2,"page":487},{"title":"قوله: (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون (٨٨)","level":2,"page":487},{"title":"قوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)","level":2,"page":489},{"title":"قوله: (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم)","level":2,"page":489},{"title":"قوله: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس)","level":2,"page":490},{"title":"قوله: (يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (٩٦)","level":2,"page":490},{"title":"قوله: (وصلوات الرسول)","level":2,"page":492},{"title":"قوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز","level":2,"page":493},{"title":"قوله: (خذ من أموالهم صدقة)","level":2,"page":494},{"title":"وقوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)","level":2,"page":496},{"title":"قوله: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار) إلى قول: (إن الله هو التواب الرحيم (١١٨)","level":2,"page":499},{"title":"قوله: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (١٢٤)","level":2,"page":502},{"title":"قوله: (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (١٢٥)","level":2,"page":503},{"title":"سورة يونس","level":1,"page":504},{"title":"وقوله: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب)","level":2,"page":504},{"title":"وقوله: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه)","level":2,"page":504},{"title":"وقوله: (كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (١٢)","level":2,"page":505},{"title":"قوله: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (١٩)","level":2,"page":506},{"title":"قوله: (قل الله أسرع مكرا)","level":2,"page":506},{"title":"قوله: (هو الذي يسيركم في البر والبحر)","level":2,"page":506},{"title":"قوله: (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٢٥)","level":2,"page":508},{"title":"قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)","level":2,"page":508},{"title":"قوله: (كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (٣٣)","level":2,"page":508},{"title":"وقوله: (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا)","level":2,"page":509},{"title":"قوله: (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار)","level":2,"page":510},{"title":"قوله: (قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (٤٩)","level":2,"page":510},{"title":"قوله: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه)","level":2,"page":512},{"title":"قوله: (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (٨٤)","level":2,"page":513},{"title":"قوله: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة)","level":2,"page":514},{"title":"قوله: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم) .","level":2,"page":515},{"title":"قوله: (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (٩٦) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (٩٧)","level":2,"page":516},{"title":"قوله: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (٩٩) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون","level":2,"page":517},{"title":"قوله: (وأمرت أن أكون من المؤمنين (١٠٤) وأن أقم وجهك للدين حنيفا)","level":2,"page":517},{"title":"سورة هود","level":1,"page":519},{"title":"قوله: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله)","level":2,"page":519},{"title":"قوله: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (١٣)","level":2,"page":519},{"title":"(ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (٣٤)","level":2,"page":520},{"title":"قوله: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن)","level":2,"page":521},{"title":"قوله: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول)","level":2,"page":521},{"title":"وقوله: (واستوت على الجودي)","level":2,"page":521},{"title":"وقوله: (يا قوم لا أسألكم عليه أجرا)","level":2,"page":522},{"title":"وقوله: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات)","level":2,"page":523},{"title":"قوله: (ولا يزالون مختلفين (١١٨) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (١١٩) .","level":2,"page":525},{"title":"سورة يوسف","level":1,"page":527},{"title":"وقوله: (وتكونوا من بعده قوما صالحين (٩)","level":2,"page":528},{"title":"وقوله: \" (وجاءوا أباهم عشاء يبكون (١٦»","level":2,"page":529},{"title":"قوله: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي)","level":2,"page":530},{"title":"قوله: (وألفيا سيدها لدى الباب)","level":2,"page":531},{"title":"قوله: (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (٤١)","level":2,"page":535},{"title":"قوله: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه) .","level":2,"page":535},{"title":"قوله: (قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء)","level":2,"page":536},{"title":"قوله: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (٥٦) .","level":2,"page":536},{"title":"قوله: (فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (٧٠)","level":2,"page":540},{"title":"قوله: (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (٨٥)","level":2,"page":542},{"title":"قوله: (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه)","level":2,"page":543},{"title":"قوله: (ورفع أبويه على العرش)","level":2,"page":543},{"title":"وقوله: (وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا)","level":2,"page":544},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":546},{"title":"قوله: (ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين)","level":2,"page":546},{"title":"قوله تعالى: (وإن تعجب فعجب قولهم)","level":2,"page":546},{"title":"قوله: (وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (١٣)","level":2,"page":547},{"title":"قوله: (كذلك يضرب الله الأمثال (١٧) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب","level":2,"page":547},{"title":"قوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (٢٧) .","level":2,"page":548},{"title":"قوله: (بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (٣٣)","level":2,"page":548},{"title":"قول: (والله يحكم لا معقب لحكمه)","level":2,"page":548},{"title":"سورة إبراهيم","level":1,"page":549},{"title":"قوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (٤)","level":2,"page":549},{"title":"لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (١٠) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا ب","level":2,"page":550},{"title":"وقوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (٢٧)","level":2,"page":555},{"title":"قوله: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة) إلى قوله في الكلمة الخبيثة: (ما لها من قرار (٢٦)","level":2,"page":555},{"title":"قوله: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (٢٨) و(ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة)","level":2,"page":559},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":567},{"title":"قوله: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (٤)","level":2,"page":568},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":573},{"title":"قوله: (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (٤)","level":2,"page":573},{"title":"قوله: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء)","level":2,"page":573},{"title":"قوله: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة)","level":2,"page":574},{"title":"قوله: (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (١٠)","level":2,"page":574},{"title":"وقوله: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (١٤)","level":2,"page":575},{"title":"وقوله: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (٢٥)","level":2,"page":578},{"title":"قوله: (قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم)","level":2,"page":578},{"title":"قوله: (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (٥٠)","level":2,"page":593},{"title":"قوله: (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (٥٧)","level":2,"page":598},{"title":"قوله: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (٥٨) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به)","level":2,"page":600},{"title":"قوله: (ظل وجهه مسودا وهو كظيم (٥٨)","level":2,"page":600},{"title":"وقوله: (أيمسكه على هون أم يدسه في التراب)","level":2,"page":602},{"title":"قوله: (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك)","level":2,"page":603},{"title":"وقوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه)","level":2,"page":604},{"title":"قوله: (من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (٦٦)","level":2,"page":605},{"title":"قوله: (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا)","level":2,"page":608},{"title":"قوله: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (٦٨) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه","level":2,"page":612},{"title":"قوله: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون (٩٣)","level":2,"page":614},{"title":"قوله: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا)","level":2,"page":629},{"title":"قوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)","level":2,"page":630},{"title":"وقوله: (واصبر وما صبرك إلا بالله)","level":2,"page":631},{"title":"سورة بني إسرائيل","level":1,"page":632},{"title":"قوله: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين)","level":2,"page":632},{"title":"قوله: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)","level":2,"page":633},{"title":"قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)","level":2,"page":640},{"title":"قوله: (فلا يسرف في القتل)","level":2,"page":654},{"title":"قوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده)","level":2,"page":661},{"title":"قوله: (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (٤٢) .","level":2,"page":688},{"title":"وقوله: (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)","level":2,"page":689},{"title":"قوله: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (٤٥)","level":2,"page":691},{"title":"قوله: (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا)","level":2,"page":696},{"title":"قوله: (نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى) .","level":2,"page":697},{"title":"قوله: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا (٥٨)","level":2,"page":697},{"title":"وقوله: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا (٦١) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي)","level":2,"page":699},{"title":"قوله: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (٧٣) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (٧٤)","level":2,"page":703},{"title":"وقوله: (ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه)","level":2,"page":707},{"title":"وقوله: (أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (٩٨) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم)","level":2,"page":707},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":709},{"title":"قوله: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (١٧)","level":2,"page":709},{"title":"وقوله: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا)","level":2,"page":728},{"title":"وقوله: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذ","level":2,"page":731},{"title":"سورة مريم","level":1,"page":747},{"title":"قوله: (فهب لي من لدنك وليا (٥)","level":2,"page":747},{"title":"قوله: (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (١١)","level":2,"page":750},{"title":"وقوله: (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (٢٩)","level":2,"page":763},{"title":"وقوله: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (٤٩) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (٥٠)","level":2,"page":766},{"title":"قوله: (وقربناه نجيا (٥٢)","level":2,"page":777},{"title":"وقوله: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما)","level":2,"page":779},{"title":"قوله: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا)","level":2,"page":780},{"title":"وقوله: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته)","level":2,"page":781},{"title":"وقوله: (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (٦٦)","level":2,"page":781},{"title":"وقوله: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (٧١) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (٧٢)","level":2,"page":782},{"title":"قوله: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا)","level":2,"page":799},{"title":"قوله: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (٨٣)","level":2,"page":800},{"title":"قوله: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (٨٥) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (٨٦)","level":2,"page":801},{"title":"قوله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (٨٨) لقد جئتم شيئا إدا (٨٩)","level":2,"page":802},{"title":"قوله: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (٩٦)","level":2,"page":804},{"title":"سورة طه","level":1,"page":805},{"title":"قوله: (فلما أتاها نودي يا موسى (١١) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (١٢)","level":2,"page":805},{"title":"قوله: (قال خذها ولا تخف)","level":2,"page":809},{"title":"قوله: (لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (٤٦)","level":2,"page":811},{"title":"قوله: (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (٦٦)","level":2,"page":812},{"title":"قوله: (فأوجس في نفسه خيفة)","level":2,"page":813},{"title":"قوله: (إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (٧٤)","level":2,"page":814},{"title":"قوله: (يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (١٠٢) يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (١٠٣)","level":2,"page":816},{"title":"وقوله: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (١٠٩)","level":2,"page":818},{"title":"وقوله: (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه)","level":2,"page":825},{"title":"وقوله: (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (١٢٩)","level":2,"page":826},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":828},{"title":"وقوله: (وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته)","level":2,"page":828},{"title":"قوله: (ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (٧٤)","level":2,"page":831},{"title":"وقوله: (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (٨٠)","level":2,"page":832},{"title":"وقوله: (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (٨٧)","level":2,"page":833},{"title":"قوله: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)","level":2,"page":835},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":836},{"title":"قوله: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (٢)","level":2,"page":836},{"title":"وقوله: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (٣) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (٤)","level":2,"page":837},{"title":"وقوله: (ومن يهن الله فما له من مكرم)","level":2,"page":837},{"title":"وقوله: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (٣٢) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (٣٣)","level":2,"page":838},{"title":"وقوله: (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (٢٨)","level":2,"page":839},{"title":"وقوله: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (٤٠) الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأم","level":2,"page":848},{"title":"وقوله: (الذين إن مكناهم في الأرض)","level":2,"page":849},{"title":"وقوله: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (٤٢) وقوم إبراهيم وقوم لوط (٤٣) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (٤٤)","level":2,"page":850},{"title":"وقوله: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية) وكذلك ما بعده: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (٤٨)","level":2,"page":852},{"title":"وقوله: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (٥٣) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا ب","level":2,"page":854},{"title":"وقوله: والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (٥٨) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (٥٩)","level":2,"page":855},{"title":"وقوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا)","level":2,"page":862},{"title":"وقوله: (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار)","level":2,"page":863},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":864},{"title":"وقوله: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (١٢)","level":2,"page":865},{"title":"وقوله: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (١٧) .","level":2,"page":866},{"title":"قوله: (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (٤٣)","level":2,"page":873},{"title":"وقوله: (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (٥٠)","level":2,"page":875},{"title":"وقوله: (فذرهم في غمرتهم حتى حين (٥٤) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (٥٥) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (٥٦)","level":2,"page":876},{"title":"وقوله: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (٦٦) مستكبرين به سامرا تهجرون (٦٧)","level":2,"page":880},{"title":"قوله: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (٦٩) أم يقولون به جنة)","level":2,"page":887},{"title":"وقوله: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (١١٢) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (١١٣) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (١١٤)","level":2,"page":893},{"title":"وقوله: (إن لبثتم إلا قليلا)","level":2,"page":894},{"title":"سورة النور","level":1,"page":899},{"title":"وقوله: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (٢)","level":2,"page":902},{"title":"وقوله: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (٤) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (٥)","level":2,"page":934},{"title":"وقوله: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) إلى قوله: (والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (٩)","level":2,"page":940},{"title":"وقوله: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (١٢)","level":2,"page":952},{"title":"وقوله: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (١٥)","level":2,"page":954},{"title":"وقوله: (وأنكحوا الأيامى منكم)","level":2,"page":961},{"title":"وقوله: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله)","level":2,"page":967},{"title":"وقوله: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)","level":2,"page":980},{"title":"قوله: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا)","level":2,"page":986},{"title":"وقوله: (لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) .","level":2,"page":987},{"title":"وقوله: (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (٣٣)،","level":2,"page":988},{"title":"قوله: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله)","level":2,"page":990},{"title":"قوله: (يوقد من شجرة مباركة)","level":2,"page":993},{"title":"وقوله: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (٣٦)","level":2,"page":994},{"title":"وقوله: (والله خلق كل دابة من ماء)","level":2,"page":996},{"title":"وقوله: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (٤٨)","level":2,"page":996},{"title":"وقوله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم)","level":2,"page":997},{"title":"وقوله: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم)","level":2,"page":1009},{"title":"وقوله: (كما استأذن الذين من قبلهم)","level":2,"page":1010},{"title":"وقوله: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن)","level":2,"page":1010},{"title":"وقوله: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (١٤٨) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (١٤٩) .","level":2,"page":1012},{"title":"وقوله: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله)","level":2,"page":1018},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":1019},{"title":"وقوله: (ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا)","level":2,"page":1019},{"title":"وقوله: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (٢١)","level":2,"page":1020},{"title":"وقوله: (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (٢٥) الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (٢٦)","level":2,"page":1022},{"title":"وقوله: (وكان يوما على الكافرين عسيرا (٢٦)","level":2,"page":1023},{"title":"وقوله: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (٣٠)","level":2,"page":1024},{"title":"قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (٣١)","level":2,"page":1024},{"title":"وقوله: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (٤٤)","level":2,"page":1026},{"title":"وقوله: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (٤٤)","level":2,"page":1027},{"title":"قوله: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (٦٢)","level":2,"page":1028},{"title":"قوله: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (٦٤)","level":2,"page":1028},{"title":"وقوله: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (٦٥)","level":2,"page":1030},{"title":"وقوله: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا)","level":2,"page":1032},{"title":"وقوله: (وكان بين ذلك قواما (٦٧)","level":2,"page":1033},{"title":"وقوله: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين)","level":2,"page":1033},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":1035},{"title":"قوله: (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (١٠)","level":2,"page":1035},{"title":"وقوله: (قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (١٥)","level":2,"page":1037},{"title":"وقوله: (فقولا إنا رسول رب العالمين (١٦)","level":2,"page":1038},{"title":"وقوله: (فأخرجناهم من جنات وعيون (٥٧) وكنوز ومقام كريم (٥٨) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (٥٩)","level":2,"page":1039},{"title":"وقوله: (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (٧٧)","level":2,"page":1042},{"title":"قوله: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (٨٢)","level":2,"page":1044},{"title":"وقوله: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين (٨٤)","level":2,"page":1045},{"title":"وقوله: (إن هذا إلا خلق الأولين (١٣٧) وما نحن بمعذبين (١٣٨)","level":2,"page":1047},{"title":"قوله: (كذبت قوم نوح المرسلين (١٠٥)","level":2,"page":1047},{"title":"وقوله: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (٢٢١) تنزل على كل أفاك أثيم (٢٢٢) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (٢٢٣)","level":2,"page":1050},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":1054},{"title":"وقوله: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (٤)","level":2,"page":1054},{"title":"وقوله: (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (٧)","level":2,"page":1055},{"title":"وقوله: (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (٩)","level":2,"page":1055},{"title":"وقوله: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (١٣)","level":2,"page":1055},{"title":"وقوله: (وورث سليمان داوود)","level":2,"page":1056},{"title":"وقوله: (أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (٣٨)","level":2,"page":1062},{"title":"وقوله: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)","level":2,"page":1064},{"title":"قوله: (من جاء بالحسنة فله خير منها)","level":2,"page":1065},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":1066},{"title":"وقوله تعالى: (واضمم إليك جناحك من الرهب)","level":2,"page":1076},{"title":"قوله: (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (٣٦)","level":2,"page":1077},{"title":"وقوله: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار)","level":2,"page":1080},{"title":"وقوله: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (٥٠) .","level":2,"page":1081},{"title":"وقوله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)","level":2,"page":1082},{"title":"قوله: (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه)","level":2,"page":1085},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":1088},{"title":"قوله: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (١٢)","level":2,"page":1088},{"title":"قوله: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم)","level":2,"page":1088},{"title":"وقوله: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه)","level":2,"page":1090},{"title":"قوله: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (٤٣)","level":2,"page":1095},{"title":"قوله: (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (٤٧)","level":2,"page":1101},{"title":"قوله: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (٤٨)","level":2,"page":1101},{"title":"وقوله: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) .","level":2,"page":1103},{"title":"وقوله: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه)","level":2,"page":1104},{"title":"وقوله: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (٥٣)","level":2,"page":1105},{"title":"وقوله: (ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (٥٥)","level":2,"page":1106},{"title":"وقوله: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (٥٦)","level":2,"page":1106},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":1107},{"title":"وقوله: (الم (١) غلبت الروم (٢) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (٣) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (٤) بنصر الله ينصر من يشاء","level":2,"page":1107},{"title":"قوله: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (١٧) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (١٨) .","level":2,"page":1109},{"title":"وقوله: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (١٩)","level":2,"page":1112},{"title":"قوله: (ومن آياته أن خلقكم من تراب)","level":2,"page":1117},{"title":"وقوله: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) .","level":2,"page":1121},{"title":"وقوله: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله)","level":2,"page":1122},{"title":"وقوله: (فطرت الله التي فطر الناس عليها)","level":2,"page":1123},{"title":"قوله: - (ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (٣٤)","level":2,"page":1125},{"title":"وقوله: (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (٤٩)","level":2,"page":1130},{"title":"قوله: (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا)","level":2,"page":1131},{"title":"قوله: (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (٥٩)","level":2,"page":1132},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":1133},{"title":"وقوله: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم)","level":2,"page":1133},{"title":"قوله: (ويتخذها هزوا)","level":2,"page":1134},{"title":"قوله: (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا)","level":2,"page":1134},{"title":"قوله: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا)","level":2,"page":1135},{"title":"قوله: (واغضض من صوتك)","level":2,"page":1136},{"title":"وقوله: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا)","level":2,"page":1139},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":1142},{"title":"قوله: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (١٣)","level":2,"page":1143},{"title":"وقوله: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (١٨)","level":2,"page":1147},{"title":"قوله: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا)","level":2,"page":1148},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":1150},{"title":"وقوله: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)","level":2,"page":1151},{"title":"وقوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين)","level":2,"page":1153},{"title":"قوله: (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا)","level":2,"page":1154},{"title":"وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها)","level":2,"page":1155},{"title":"قوله: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا)","level":2,"page":1156},{"title":"قوله: ولما رأى المؤمنون الأحزاب) إلى قوله: (وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (٢٢)","level":2,"page":1156},{"title":"قوله: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (٢٥) وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في ق","level":2,"page":1157},{"title":"قوله: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن)","level":2,"page":1161},{"title":"وقوله: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض)","level":2,"page":1162},{"title":"قوله: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)","level":2,"page":1164},{"title":"وقوله تعالى: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها)","level":2,"page":1164},{"title":"قوله: (لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا)","level":2,"page":1166},{"title":"قوله: (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها)","level":2,"page":1173},{"title":"وقوله: (فمتعوهن)","level":2,"page":1174},{"title":"وقوله: (وسرحوهن سراحا جميلا (٤٩)","level":2,"page":1175},{"title":"وقوله: (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج)","level":2,"page":1176},{"title":"قوله: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك)","level":2,"page":1178},{"title":"وقوله: (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك)","level":2,"page":1185},{"title":"سورة سبأ","level":1,"page":1194},{"title":"قوله: (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (٧) أفترى على الله كذبا أم به جنة)","level":2,"page":1194},{"title":"قوله: (ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير)","level":2,"page":1195},{"title":"وقوله: (أن اعمل سابغات وقدر في السرد)","level":2,"page":1196},{"title":"وقوله: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له)","level":2,"page":1197},{"title":"وقوله: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق)","level":2,"page":1198},{"title":"وقوله: (ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (٤٠)","level":2,"page":1199},{"title":"قوله: (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (٤٩)","level":2,"page":1200},{"title":"سورة الملائكة","level":1,"page":1202},{"title":"قوله: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا)","level":2,"page":1202},{"title":"قوله: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء)","level":2,"page":1203},{"title":"قوله: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)","level":2,"page":1203},{"title":"وقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير (١١)","level":2,"page":1205},{"title":"قوله: (وما يستوي الأعمى والبصير (١٩) ولا الظلمات ولا النور (٢٠) ولا الظل ولا الحرور (٢١) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في الق","level":2,"page":1208},{"title":"وقوله: (كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء)","level":2,"page":1209},{"title":"وقوله: (فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها)","level":2,"page":1210},{"title":"سورة يس","level":1,"page":1226},{"title":"وقوله: (وفجرنا فيها من العيون (٣٤) ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (٣٥)","level":2,"page":1231},{"title":"وقوله: (أنعاما فهم لها مالكون (٧١) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (٧٢) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (٧٣)","level":2,"page":1232},{"title":"سورة الصافات","level":1,"page":1233},{"title":"وقوله: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين (٦٩) فهم على آثارهم يهرعون (٧٠)","level":2,"page":1235},{"title":"وقوله: (قال أتعبدون ما تنحتون (٩٥) والله خلقكم وما تعملون (٩٦)","level":2,"page":1236},{"title":"وقوله: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (٩٩)","level":2,"page":1238},{"title":"وقوله: (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (١٠٢)","level":2,"page":1238},{"title":"قوله: (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (١١٢)","level":2,"page":1242},{"title":"قوله: (فإنكم وما تعبدون (١٦١) ما أنتم عليه بفاتنين (١٦٢) إلا من هو صال الجحيم (١٦٣)","level":2,"page":1246},{"title":"وقوله: (وإنا لنحن الصافون (١٦٥) وإنا لنحن المسبحون (١٦٦)","level":2,"page":1247},{"title":"قوله: (وإن كانوا ليقولون (١٦٧) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (١٦٨) لكنا عباد الله المخلصين (١٦٩)","level":2,"page":1249},{"title":"وقوله: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (١٧١) إنهم لهم المنصورون (١٧٢) وإن جندنا لهم الغالبون (١٧٣)","level":2,"page":1250},{"title":"سورة ص","level":1,"page":1251},{"title":"وقوله: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (٢١) إذ دخلوا على داوود ففزع منهم)","level":2,"page":1254},{"title":"وقوله: (وظن داوود أنما فتناه)","level":2,"page":1260},{"title":"قوله: (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)","level":2,"page":1260},{"title":"قوله: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته)","level":2,"page":1261},{"title":"قوله: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث)","level":2,"page":1270},{"title":"وقوله: (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (٤٦)","level":2,"page":1274},{"title":"سورة الزمر","level":1,"page":1275},{"title":"قوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)","level":2,"page":1275},{"title":"قوله: (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (٣)","level":2,"page":1275},{"title":"قوله: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء) .","level":2,"page":1278},{"title":"قوله: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها)","level":2,"page":1278},{"title":"قوله: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج)","level":2,"page":1279},{"title":"قوله: (ولا يرضى لعباده الكفر)","level":2,"page":1281},{"title":"قوله: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله) .","level":2,"page":1283},{"title":"وقوله: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه)","level":2,"page":1284},{"title":"وقوله: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (١١)","level":2,"page":1288},{"title":"وقوله: (وأمرت لأن أكون أول المسلمين (١٢)","level":2,"page":1288},{"title":"وقوله: (فاعبدوا ما شئتم من دونه) .","level":2,"page":1289},{"title":"وقوله: (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم)","level":2,"page":1290},{"title":"وقوله: (فبشر عباد (١٧) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)","level":2,"page":1292},{"title":"وقوله: (أفمن حق عليه كلمة العذاب)","level":2,"page":1294},{"title":"وقوله: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني)","level":2,"page":1295},{"title":"وقوله: (والذي جاء بالصدق وصدق به)","level":2,"page":1295},{"title":"وقوله: (أليس الله بكاف عبده)","level":2,"page":1295},{"title":"وقوله: (ومن يضلل الله فما له من هاد (٣٦) ومن يهد الله فما له من مضل)","level":2,"page":1296},{"title":"قوله: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى)","level":2,"page":1296},{"title":"قوله: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (٤٧)","level":2,"page":1296},{"title":"وقوله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)","level":2,"page":1297},{"title":"وقوله: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (٥٤)","level":2,"page":1298},{"title":"وقوله: (أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (٥٧)","level":2,"page":1298},{"title":"وقوله: (الله خالق كل شيء)","level":2,"page":1299},{"title":"وقوله: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (٦٥)","level":2,"page":1299},{"title":"وقوله: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه) .","level":2,"page":1307},{"title":"سورة المؤمن","level":1,"page":1309},{"title":"قوله: (لا يخفى على الله منهم شيء)","level":2,"page":1310},{"title":"قوله: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين) .","level":2,"page":1313},{"title":"قوله: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم)","level":2,"page":1314},{"title":"وقوله: (ومن يضلل الله فما له من هاد (٣٣)، و(كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (٣٤)، و(كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (٣٥)","level":2,"page":1317},{"title":"وقوله: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (٣٦) أسباب السماوات)","level":2,"page":1318},{"title":"وقوله: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب (٤٥) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا)","level":2,"page":1324},{"title":"وقوله: (هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين)،","level":2,"page":1331},{"title":"قوله: (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة)","level":2,"page":1331},{"title":"وقوله: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق)","level":2,"page":1331},{"title":"وقوله: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)","level":2,"page":1333},{"title":"سورة فصلت","level":1,"page":1335},{"title":"وقوله: (وويل للمشركين (٦) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (٧)","level":2,"page":1336},{"title":"وقوله: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة)","level":2,"page":1338},{"title":"قوله: (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات)","level":2,"page":1344},{"title":"قوله: (وأما ثمود فهديناهم)","level":2,"page":1345},{"title":"قوله: (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول)","level":2,"page":1345},{"title":"وقوله: (فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (٣٨)","level":2,"page":1349},{"title":"قوله: (أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم)","level":2,"page":1351},{"title":"قوله: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى)","level":2,"page":1352},{"title":"وقوله: (ولولا كلمة سبقت من ربك)","level":2,"page":1354},{"title":"وقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه»","level":2,"page":1355},{"title":"وقوله: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط (٤٩)","level":2,"page":1355},{"title":"سورة الشورى","level":1,"page":1356},{"title":"قوله: (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض)","level":2,"page":1358},{"title":"قوله: (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته)","level":2,"page":1358},{"title":"قوله: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)","level":2,"page":1358},{"title":"وقوله: (ذلكم الله ربي عليه توكلت)","level":2,"page":1359},{"title":"وقوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)","level":2,"page":1360},{"title":"قوله: (والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم)","level":2,"page":1360},{"title":"قوله: (الله يجتبي إليه من يشاء)","level":2,"page":1361},{"title":"وقوله: (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب)","level":2,"page":1362},{"title":"وقوله: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها)","level":2,"page":1365},{"title":"وقوله: (إلا المودة في القربى)","level":2,"page":1369},{"title":"وقوله: (ولكن ينزل بقدر ما يشاء)","level":2,"page":1382},{"title":"وقوله: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (٣٠)","level":2,"page":1386},{"title":"وقوله: (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (٣٧)","level":2,"page":1387},{"title":"وقوله: (إن ذلك لمن عزم الأمور)","level":2,"page":1389},{"title":"وقوله: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب)","level":2,"page":1390},{"title":"سورة الزخرف","level":1,"page":1392},{"title":"وقوله: (كذلك تخرجون)","level":2,"page":1392},{"title":"قوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (٩)، وكذلك قوله: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) .","level":2,"page":1392},{"title":"وقوله: (قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم)","level":2,"page":1395},{"title":"وقوله - تعالى -: (ليتخذ بعضهم بعضا سخريا)","level":2,"page":1397},{"title":"قوله: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (٣٣)","level":2,"page":1397},{"title":"قوله: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (٤٠)","level":2,"page":1400},{"title":"وقوله: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها)","level":2,"page":1404},{"title":"وقوله: (فلما آسفونا انتقمنا منهم)","level":2,"page":1404},{"title":"سورة الدخان","level":1,"page":1405},{"title":"قوله: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (١٠)","level":2,"page":1405},{"title":"سورة الجاثية","level":1,"page":1408},{"title":"قوله: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) الآية.","level":2,"page":1409},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":1415},{"title":"قوله: (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي)","level":2,"page":1415},{"title":"سورة محمد","level":1,"page":1418},{"title":"قوله: (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (١٦) .","level":2,"page":1419},{"title":"قوله: (أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (٢٣) .","level":2,"page":1420},{"title":"وقوله: (ولتعرفنهم في لحن القول)","level":2,"page":1421},{"title":"قوله: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم)","level":2,"page":1422},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":1424},{"title":"وقوله: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد)، إلى قوله (يعذبكم عذابا أليما (١٦)","level":2,"page":1428},{"title":"وقوله: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)","level":2,"page":1430},{"title":"وقوله: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم)","level":2,"page":1431},{"title":"وقوله: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين)","level":2,"page":1432},{"title":"وقوله: (محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون)","level":2,"page":1433},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":1441},{"title":"قوله: (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (٣)","level":2,"page":1441},{"title":"قوله: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (٤) ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم)","level":2,"page":1442},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (٦)","level":2,"page":1443},{"title":"قوله: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان)","level":2,"page":1443},{"title":"وقوله: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)","level":2,"page":1445},{"title":"وقوله: (ولا تلمزوا أنفسكم)","level":2,"page":1446},{"title":"قوله: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)","level":2,"page":1452},{"title":"وقوله: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا)","level":2,"page":1453},{"title":"سورة ق","level":1,"page":1458},{"title":"وقوله: (ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (٩)","level":2,"page":1458},{"title":"وقوله: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (١٧)","level":2,"page":1458},{"title":"قوله: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (٦)","level":2,"page":1458},{"title":"قوله: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (١٨)","level":2,"page":1459},{"title":"وقوله: (وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (٢٣) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (٢٤) مناع للخير معتد مريب (٢٥)","level":2,"page":1461},{"title":"وقوله: (مناع للخير)","level":2,"page":1461},{"title":"قوله: (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (٢٨)","level":2,"page":1462},{"title":"قوله: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (٣٠)","level":2,"page":1463},{"title":"قوله: (فنقبوا في البلاد هل من محيص (٣٦)","level":2,"page":1464},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":1466},{"title":"وقوله: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (٣٥) فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (٣٦)","level":2,"page":1466},{"title":"وقوله: (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (٤١)","level":2,"page":1466},{"title":"وقوله: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (٥٥)","level":2,"page":1467},{"title":"قوله: (والسماء بنيناها بأيد)","level":2,"page":1467},{"title":"سورة الطور","level":1,"page":1468},{"title":"قوله: (ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (٢٤)","level":2,"page":1468},{"title":"قوله: (وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك)","level":2,"page":1468},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":1469},{"title":"قوله: (وهو بالأفق الأعلى (٧) ثم دنا فتدلى (٨) فكان قاب قوسين أو أدنى (٩)","level":2,"page":1469},{"title":"قوله: (أو أدنى)","level":2,"page":1469},{"title":"وقوله: (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (٢٨)","level":2,"page":1473},{"title":"وقوله: (وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم)","level":2,"page":1473},{"title":"قوله: (أفمن هذا الحديث تعجبون (٥٩) وتضحكون ولا تبكون (٦٠) وأنتم سامدون (٦١)","level":2,"page":1473},{"title":"سورة القمر","level":1,"page":1475},{"title":"وقوله: (يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (٧)","level":2,"page":1475},{"title":"قوله: (فالتقى الماء على أمر قد قدر (١٢)","level":2,"page":1475},{"title":"وقوله: (جزاء لمن كان كفر (١٤)","level":2,"page":1476},{"title":"قوله: (ولقد تركناها آية فهل من مدكر (١٥)","level":2,"page":1476},{"title":"قوله: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (١٧)","level":2,"page":1476},{"title":"قوله: (تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (٢٠)","level":2,"page":1476},{"title":"قوله: (إنا مرسلو الناقة فتنة لهم)","level":2,"page":1477},{"title":"قوله: (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم)","level":2,"page":1477},{"title":"وقوله: (إنا كل شيء خلقناه بقدر (٤٩)","level":2,"page":1478},{"title":"قوله: (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم)","level":2,"page":1478},{"title":"قوله: (وكل صغير وكبير مستطر (٥٣)","level":2,"page":1478},{"title":"سورة الرحمن","level":1,"page":1479},{"title":"وقوله: (فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (٥٦)","level":2,"page":1479},{"title":"وقوله: (كأنهن الياقوت والمرجان (٥٨)","level":2,"page":1479},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":1480},{"title":"وقوله: (وكنتم أزواجا ثلاثة (٧)","level":2,"page":1480},{"title":"قوله: (وحور عين (٢٢) كأمثال اللؤلؤ المكنون (٢٣)","level":2,"page":1480},{"title":"قوله: (إنا أنشأناهن إنشاء (٣٥) فجعلناهن أبكارا (٣٦)","level":2,"page":1480},{"title":"وقوله: (نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (٦٠)","level":2,"page":1482},{"title":"قوله: (أفرأيتم ما تحرثون (٦٣) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (٦٤)","level":2,"page":1483},{"title":"سورة الحديد","level":1,"page":1488},{"title":"قوله: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى)","level":2,"page":1488},{"title":"قوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (١١)","level":2,"page":1488},{"title":"قوله: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم)","level":2,"page":1490},{"title":"قوله: (ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم)","level":2,"page":1491},{"title":"وقوله: (مأواكم النار هي مولاكم)","level":2,"page":1492},{"title":"وقوله: (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل)","level":2,"page":1492},{"title":"وقوله: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض)","level":2,"page":1495},{"title":"قوله: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته)","level":2,"page":1495},{"title":"قوله: (أعدت للذين آمنوا بالله ورسله)","level":2,"page":1503},{"title":"قوله: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (٢٢)","level":2,"page":1504},{"title":"وقوله: (فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (٢٦)","level":2,"page":1508},{"title":"وقوله: (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (٢٧)","level":2,"page":1508},{"title":"وقوله: (فما رعوها حق رعايتها)","level":2,"page":1509},{"title":"قوله: (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (٢٩)","level":2,"page":1511},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":1512},{"title":"قوله: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا)","level":2,"page":1514},{"title":"قوله: (من قبل أن يتماسا)","level":2,"page":1515},{"title":"قوله: (فتحرير رقبة)","level":2,"page":1518},{"title":"وقوله: (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله)","level":2,"page":1521},{"title":"قوله: (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم)","level":2,"page":1521},{"title":"قوله: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)","level":2,"page":1522},{"title":"قوله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله)","level":2,"page":1522},{"title":"قوله: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان)","level":2,"page":1523},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":1524},{"title":"قوله: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين)","level":2,"page":1524},{"title":"قوله: (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا)","level":2,"page":1524},{"title":"قوله: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها) .","level":2,"page":1524},{"title":"قوله: (فبإذن الله)","level":2,"page":1525},{"title":"قوله: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا)","level":2,"page":1526},{"title":"قوله: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب) إلى (والله يشهد إنهم لكاذبون (١١) .","level":2,"page":1527},{"title":"وقوله: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله)","level":2,"page":1528},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد)","level":2,"page":1528},{"title":"سورة الممتحنة","level":1,"page":1531},{"title":"قوله: (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء)","level":2,"page":1531},{"title":"قوله: (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا)","level":2,"page":1531},{"title":"قوله: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة)","level":2,"page":1531},{"title":"قوله: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن)","level":2,"page":1532},{"title":"وقوله: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)","level":2,"page":1541},{"title":"سورة الصف","level":1,"page":1557},{"title":"قوله: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم) .","level":2,"page":1560},{"title":"قوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) .","level":2,"page":1560},{"title":"قوله: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)","level":2,"page":1560},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (١٠)","level":2,"page":1560},{"title":"قوله: (يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) . إلى (وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب) .","level":2,"page":1561},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله) .","level":2,"page":1561},{"title":"سورة الجمعة","level":1,"page":1563},{"title":"قوله: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) .","level":2,"page":1563},{"title":"وقوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين (٥)","level":2,"page":1564},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع)","level":2,"page":1564},{"title":"وقوله: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)","level":2,"page":1566},{"title":"قوله: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما) .","level":2,"page":1568},{"title":"سورة المنافقين","level":1,"page":1569},{"title":"قوله: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) إلى قوله: (فهم لا يفقهون (٣) .","level":2,"page":1569},{"title":"وقوله: (وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (١٠) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها","level":2,"page":1571},{"title":"سورة التغابن","level":1,"page":1584},{"title":"وقوله: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا)","level":2,"page":1584},{"title":"قوله: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا)","level":2,"page":1584},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم)","level":2,"page":1585},{"title":"وقوله: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (١٦) إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (١٧)","level":2,"page":1586},{"title":"سورة الطلاق","level":1,"page":1588},{"title":"وقوله: (لعدتهن)","level":2,"page":1588},{"title":"قوله: (واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن)","level":2,"page":1588},{"title":"وقوله: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)","level":2,"page":1591},{"title":"قوله: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)","level":2,"page":1592},{"title":"وقوله: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم) .","level":2,"page":1594},{"title":"قوله: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر)","level":2,"page":1600},{"title":"قوله: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) .","level":2,"page":1607},{"title":"قوله: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (٤) .","level":2,"page":1607},{"title":"قوله: (ذلك أمر الله أنزله إليكم) .","level":2,"page":1607},{"title":"قوله: (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (٥) .","level":2,"page":1608},{"title":"وقوله: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (٦) .","level":2,"page":1613},{"title":"قوله: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) .","level":2,"page":1613},{"title":"وقوله: (لينفق ذو سعة من سعته) .","level":2,"page":1614},{"title":"قوله: (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (٧)","level":2,"page":1614},{"title":"قوله: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله)","level":2,"page":1615},{"title":"قوله: (فذاقت وبال أمرها)","level":2,"page":1616},{"title":"قوله: (قد أنزل الله إليكم ذكرا (١٠) رسولا) .","level":2,"page":1617},{"title":"وقوله: (رسولا)","level":2,"page":1617},{"title":"قوله: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) .","level":2,"page":1617},{"title":"قوله: (وأن الله قد أحاط بكل شيء علما)","level":2,"page":1619},{"title":"سورة التحريم","level":1,"page":1620},{"title":"قوله: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) .","level":2,"page":1631},{"title":"قوله: (فإن الله هو مولاه)","level":2,"page":1632},{"title":"قوله: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا)،","level":2,"page":1636},{"title":"قوله: (وقودها الناس والحجارة)","level":2,"page":1638},{"title":"قوله: (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم) .","level":2,"page":1639},{"title":"سورة الملك","level":1,"page":1641},{"title":"قوله: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح)","level":2,"page":1641},{"title":"قوله: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا)","level":2,"page":1642},{"title":"قوله: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (١٥) .","level":2,"page":1642},{"title":"قوله: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) إلى قوله (فستعلمون كيف نذير (١٧) .","level":2,"page":1643},{"title":"قوله: (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا) .","level":2,"page":1643},{"title":"قوله (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن) .","level":2,"page":1643},{"title":"وقوله (ما يمسكهن إلا الرحمن)","level":2,"page":1643},{"title":"قوله: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا) .","level":2,"page":1644},{"title":"سورة ن","level":1,"page":1646},{"title":"قوله: (ولا تطع كل حلاف مهين (١٠)","level":2,"page":1646},{"title":"قوله: (سنسمه على الخرطوم (١٦)","level":2,"page":1646},{"title":"قوله: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة)","level":2,"page":1647},{"title":"قوله: (فأصبحت كالصريم (٢٠)","level":2,"page":1649},{"title":"قوله: (قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (٢٨) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (٢٩) .","level":2,"page":1649},{"title":"قوله: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين (٣٥) ما لكم كيف تحكمون (٣٦) أم لكم كتاب فيه تدرسون (٣٧) .","level":2,"page":1651},{"title":"قوله: (سلهم أيهم بذلك زعيم (٤٠)","level":2,"page":1651},{"title":"قوله: (يوم يكشف عن ساق) .","level":2,"page":1652},{"title":"قوله: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (٤٤) .","level":2,"page":1654},{"title":"قوله: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (٤٦) .","level":2,"page":1655},{"title":"سورة الحاقة","level":1,"page":1657},{"title":"قوله: (كذبت ثمود وعاد بالقارعة (٤)","level":2,"page":1657},{"title":"قوله: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (٦) .","level":2,"page":1657},{"title":"قوله: (فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (٧) .","level":2,"page":1658},{"title":"قوله: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (١١) .","level":2,"page":1659},{"title":"قوله: (لنجعلها لكم تذكرة)","level":2,"page":1659},{"title":"قوله: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (١٧)","level":2,"page":1660},{"title":"قوله: (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (١٨) .","level":2,"page":1660},{"title":"قوله: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه (١٩) إني ظننت أني ملاق حسابيه (٢٠) .","level":2,"page":1661},{"title":"قوله: (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (٢٥) ولم أدر ما حسابيه (٢٦) .","level":2,"page":1662},{"title":"قوله: (يا ليتها كانت القاضية (٢٧)","level":2,"page":1662},{"title":"قوله: (وإنه لحق اليقين (٥١) .","level":2,"page":1663},{"title":"سورة المعارج","level":1,"page":1665},{"title":"قوله: (للسائل والمحروم (٢٥) .","level":2,"page":1671},{"title":"قوله: (والذين هم لفروجهم حافظون (٢٩) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) .","level":2,"page":1672},{"title":"سورة نوح","level":1,"page":1675},{"title":"قوله: (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (٥) .","level":2,"page":1681},{"title":"قوله: (ويمددكم بأموال وبنين) .","level":2,"page":1682},{"title":"قوله: (وجعل القمر فيهن نورا) .","level":2,"page":1682},{"title":"قوله: (والله أنبتكم من الأرض نباتا (١٧) .","level":2,"page":1685},{"title":"قوله: (والله جعل لكم الأرض بساطا (١٩) لتسلكوا منها سبلا فجاجا (٢٠)","level":2,"page":1687},{"title":"قوله: (لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (٢٣) .","level":2,"page":1688},{"title":"قوله: (مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا)","level":2,"page":1689},{"title":"قوله: (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (٢٦) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (٢٧) .","level":2,"page":1690},{"title":"قوله: (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات)","level":2,"page":1692},{"title":"سورة الجن","level":1,"page":1693},{"title":"قوله: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (٣) .","level":2,"page":1693},{"title":"قوله: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (٨)","level":2,"page":1694},{"title":"قوله: (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (١٠)","level":2,"page":1695},{"title":"قوله: (إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (٢٣) .","level":2,"page":1695},{"title":"قوله: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (٢٦) إلا من ارتضى من رسول) .","level":2,"page":1696},{"title":"قوله: (فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (٢٧)،","level":2,"page":1696},{"title":"سورة المزمل","level":1,"page":1698},{"title":"قوله - تعالى -: فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (١٧)","level":2,"page":1698},{"title":"وقوله: (يجعل الولدان شيبا)","level":2,"page":1698},{"title":"قوله: (السماء منفطر به)","level":2,"page":1699},{"title":"قوله: (إن هذه تذكرة)","level":2,"page":1699},{"title":"قوله: فمن شاء اتخذ)","level":2,"page":1700},{"title":"قوله: (إلى ربه سبيلا)","level":2,"page":1700},{"title":"قوله: (هو خيرا وأعظم أجرا)","level":2,"page":1700},{"title":"سورة المدثر","level":1,"page":1702},{"title":"قوله: (فإذا نقر في الناقور (٨) فذلك يومئذ يوم عسير (٩) على الكافرين غير يسير (١٠) .","level":2,"page":1702},{"title":"قوله: (ذرني ومن خلقت وحيدا (١١) .","level":2,"page":1703},{"title":"قوله: (ثم أدبر واستكبر (٢٣) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (٢٤) إن هذا إلا قول البشر (٢٥) .","level":2,"page":1703},{"title":"قوله: (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء)","level":2,"page":1707},{"title":"وقوله: (والصبح إذا أسفر (٣٤) .","level":2,"page":1708},{"title":"قوله: (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (٣٧) .","level":2,"page":1710},{"title":"قوله: (كل نفس بما كسبت رهينة (٣٨) إلا أصحاب اليمين (٣٩) في جنات يتساءلون (٤٠) عن المجرمين (٤١) ما سلككم في سقر (٤٢) .","level":2,"page":1710},{"title":"قوله: (قالوا لم نك من المصلين (٤٣) ولم نك نطعم المسكين (٤٤) .","level":2,"page":1714},{"title":"قوله: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين (٤٨) .","level":2,"page":1715},{"title":"قوله: (فمن شاء ذكره (٥٥) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (٥٦) .","level":2,"page":1715},{"title":"سورة القيامة","level":1,"page":1716},{"title":"قوله: (فإذا برق البصر (٧) وخسف القمر (٨) وجمع الشمس والقمر (٩) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (١٠) كلا لا وزر (١١) .","level":2,"page":1716},{"title":"قوله: (بل الإنسان على نفسه بصيرة (١٤) .","level":2,"page":1716},{"title":"قوله: (ولو ألقى معاذيره (١٥) .","level":2,"page":1717},{"title":"قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به (١٦) .","level":2,"page":1718},{"title":"قوله: (ووجوه يومئذ باسرة (٢٤) تظن أن يفعل بها فاقرة (٢٥) .","level":2,"page":1721},{"title":"قوله: (فلا صدق ولا صلى (٣١) .","level":2,"page":1721},{"title":"قوله: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى (٣٦) ألم يك نطفة من مني يمنى (٣٧) .","level":2,"page":1721},{"title":"سورة هل أتى","level":1,"page":1722},{"title":"قوله: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (٢)","level":2,"page":1723},{"title":"وقوله: (عينا يشرب بها عباد الله) .","level":2,"page":1725},{"title":"قوله: (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (٤) .","level":2,"page":1725},{"title":"قوله: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (٨)","level":2,"page":1727},{"title":"وقوله: (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (١٠) فوقاهم الله)","level":2,"page":1728},{"title":"قوله: (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (١٢)، إلى قوله: (وذللت قطوفها تذليلا (١٤)","level":2,"page":1729},{"title":"قوله: (وذللت قطوفها تذليلا) .","level":2,"page":1731},{"title":"قوله: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (١٥) قوارير من فضة قدروها تقديرا (١٦) .","level":2,"page":1732},{"title":"قوله: (ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (١٧) عينا فيها تسمى سلسبيلا (١٨) .","level":2,"page":1735},{"title":"وقوله: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) .","level":2,"page":1736},{"title":"قوله: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (١٩) .","level":2,"page":1736},{"title":"سورة المرسلات","level":1,"page":1738},{"title":"قوله: (ألم نخلقكم من ماء مهين (٢٠)","level":2,"page":1738},{"title":"قوله: (ويل يومئذ للمكذبين (٢٤)","level":2,"page":1738},{"title":"قوله: (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (٢٩)","level":2,"page":1739},{"title":"قوله: (انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (٣٠) لا ظليل ولا يغني من اللهب (٣١)","level":2,"page":1739},{"title":"قوله: (هذا يوم لا ينطقون (٣٥)","level":2,"page":1740},{"title":"قوله: (فبأي حديث بعده يؤمنون (٥٠) .","level":2,"page":1740},{"title":"سورة النبأ","level":1,"page":1742},{"title":"قوله ﷿: (وكل شيء أحصيناه كتابا (٢٩)","level":2,"page":1742},{"title":"سورة النازعات","level":1,"page":1743},{"title":"قوله: (هل أتاك حديث موسى (١٥) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (١٦)","level":2,"page":1743},{"title":"قوله: (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (٢٥)","level":2,"page":1743},{"title":"قوله: (أخرج منها ماءها ومرعاها (٣١) والجبال أرساها (٣٢) متاعا لكم ولأنعامكم (٣٣)","level":2,"page":1744},{"title":"سورة عبس","level":1,"page":1745},{"title":"قوله ﷿: (وجوه يومئذ مسفرة (٣٨) ضاحكة مستبشرة (٣٩)","level":2,"page":1745},{"title":"سورة التكوير","level":1,"page":1746},{"title":"قوله: (وإذا الموءودة سئلت (٨) بأي ذنب قتلت (٩)","level":2,"page":1746},{"title":"سورة الانفطار","level":1,"page":1748},{"title":"قوله: (كلا بل تكذبون بالدين (٩) .","level":2,"page":1748},{"title":"سورة المطففين","level":1,"page":1749},{"title":"قوله: (ويل للمطففين (١) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (٢)","level":2,"page":1749},{"title":"قوله: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (٧)","level":2,"page":1749},{"title":"قوله: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (١٥) .","level":2,"page":1751},{"title":"قوله: (ثم إنهم لصالو الجحيم (١٦) ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (١٧)","level":2,"page":1752},{"title":"قوله: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (١٨)","level":2,"page":1752},{"title":"قوله: (يشهده المقربون (٢١)","level":2,"page":1753},{"title":"قوله: (إن الأبرار لفي نعيم (٢٢) على الأرائك ينظرون (٢٣) تعرف في وجوههم نضرة النعيم (٢٤) يسقون من رحيق مختوم (٢٥) ختامه مسك) .","level":2,"page":1753},{"title":"وقوله: ومزاجه من تسنيم (٢٧) عينا يشرب بها المقربون (٢٨)","level":2,"page":1756},{"title":"قوله: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (٢٩)","level":2,"page":1756},{"title":"سورة الانشقاق","level":1,"page":1758},{"title":"قوله: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (١٠) فسوف يدعو ثبورا (١١) ويصلى سعيرا (١٢) إنه كان في أهله مسرورا (١٣) .","level":2,"page":1758},{"title":"قوله: (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (٢١)","level":2,"page":1760},{"title":"وقوله: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (١٥) .","level":2,"page":1763},{"title":"قوله: (فبشرهم بعذاب أليم (٢٤)","level":2,"page":1763},{"title":"قوله: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (٢٥) .","level":2,"page":1763},{"title":"سورة البروج","level":1,"page":1764},{"title":"قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا)","level":2,"page":1764},{"title":"قوله: (إن بطش ربك لشديد (١٢)","level":2,"page":1765},{"title":"قوله: (بل هو قرآن مجيد (٢١) في لوح محفوظ (٢٢)","level":2,"page":1769},{"title":"سورة الطارق","level":1,"page":1775},{"title":"(فلينظر الإنسان مم خلق (٥)","level":2,"page":1775},{"title":"قوله: (إنهم يكيدون كيدا (١٥) وأكيد كيدا (١٦) .","level":2,"page":1775},{"title":"سورة الأعلى","level":1,"page":1776},{"title":"قوله - ﷿ -: (سبح اسم ربك الأعلى (١) .","level":2,"page":1776},{"title":"قوله: (الذي خلق فسوى (٢) والذي قدر فهدى (٣)","level":2,"page":1776},{"title":"قوله: (سنقرئك فلا تنسى (٦) إلا ما شاء الله) .","level":2,"page":1777},{"title":"قوله: (فذكر إن نفعت الذكرى (٩)","level":2,"page":1777},{"title":"قوله: (قد أفلح من تزكى (١٤) وذكر اسم ربه فصلى (١٥)","level":2,"page":1778},{"title":"سورة الغاشية","level":1,"page":1779},{"title":"قوله - تعالى -: (هل أتاك حديث الغاشية (١)، إلى قوله: (لا يسمن ولا يغني من جوع (٧) .","level":2,"page":1779},{"title":"وقوله: (ليس لهم طعام إلا من ضريع (٦) لا يسمن ولا يغني من جوع (٧)","level":2,"page":1780},{"title":"سورة الفجر","level":1,"page":1782},{"title":"قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد (٦) إرم ذات العماد (٧) .","level":2,"page":1782},{"title":"قوله: (إن ربك لبالمرصاد (١٤)","level":2,"page":1783},{"title":"وقوله: (وجاء ربك والملك صفا)","level":2,"page":1783},{"title":"سورة البلد","level":1,"page":1785},{"title":"قوله: (فلا اقتحم العقبة (١١)","level":2,"page":1785},{"title":"قوله: (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (١٧) .","level":2,"page":1785},{"title":"سورة الشمس","level":1,"page":1786},{"title":"قوله تعالى: (فألهمها فجورها وتقواها (٨)","level":2,"page":1786},{"title":"سورة الليل","level":1,"page":1788},{"title":"قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى (٥) وصدق بالحسنى (٦) فسنيسره لليسرى (٧) وأما من بخل واستغنى (٨) وكذب بالحسنى (٩) فسنيسره للعسرى (١٠)","level":2,"page":1788},{"title":"وقوله: (وسيجنبها الأتقى (١٧) الذي يؤتي ماله يتزكى (١٨) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (١٩) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (٢٠)","level":2,"page":1789},{"title":"سورة الضحى","level":1,"page":1790},{"title":"قوله: (فأما اليتيم فلا تقهر (٩) وأما السائل فلا تنهر (١٠)","level":2,"page":1790},{"title":"سورة الشرح","level":1,"page":1791},{"title":"قوله: (ألم نشرح لك صدرك (١)","level":2,"page":1791},{"title":"سورة والتين","level":1,"page":1792},{"title":"قوله: (ثم رددناه أسفل سافلين (٥) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (٦) .","level":2,"page":1792},{"title":"سورة اقرأ","level":1,"page":1793},{"title":"قوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق (١)","level":2,"page":1793},{"title":"قوله: (كلا إن الإنسان ليطغى (٦) أن رآه استغنى (٧) .","level":2,"page":1794},{"title":"سورة القدر","level":1,"page":1796},{"title":"قوله: (ليلة القدر خير من ألف شهر (٣)","level":2,"page":1796},{"title":"سورة البينة","level":1,"page":1799},{"title":"قوله: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين)","level":2,"page":1799},{"title":"قوله: (يتلو صحفا مطهرة (٢)","level":2,"page":1799},{"title":"(حتى تأتيهم البينة (١)","level":2,"page":1799},{"title":"قوله: (يتلو صحفا مطهرة (٢)","level":2,"page":1799},{"title":"سورة الزلزلة","level":1,"page":1800},{"title":"قوله: (إذا زلزلت الأرض زلزالها (١)","level":2,"page":1800},{"title":"قوله: (يومئذ تحدث أخبارها (٤)","level":2,"page":1800},{"title":"سورة العاديات","level":1,"page":1801},{"title":"قوله: (إن الإنسان لربه لكنود (٦)","level":2,"page":1801},{"title":"قوله: (وإنه على ذلك لشهيد (٧)","level":2,"page":1801},{"title":"سورة القارعة","level":1,"page":1802},{"title":"قوله: (القارعة (١) ما القارعة (٢)","level":2,"page":1802},{"title":"سورة التكاثر","level":1,"page":1803},{"title":"قوله: (ألهاكم التكاثر (١)","level":2,"page":1803},{"title":"سورة العصر","level":1,"page":1805},{"title":"قوله: (والعصر (١) إن الإنسان لفي خسر (٢) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)","level":2,"page":1805},{"title":"سورة الهمزة","level":1,"page":1806},{"title":"قوله: (ويل لكل همزة لمزة (١) .","level":2,"page":1806},{"title":"وقوله: (الذي جمع مالا وعدده (٢)","level":2,"page":1807},{"title":"سورة الفيل","level":1,"page":1809},{"title":"قوله: (وأرسل عليهم طيرا أبابيل (٣)","level":2,"page":1809},{"title":"سورة قريش","level":1,"page":1813},{"title":"(لإيلاف قريش (١)","level":2,"page":1813},{"title":"سورة الماعون","level":1,"page":1814},{"title":"(أرأيت الذي يكذب بالدين (١) فذلك الذي يدع اليتيم (٢)","level":2,"page":1814},{"title":"قوله: (فويل للمصلين (٤) الذين هم عن صلاتهم ساهون (٥)","level":2,"page":1814},{"title":"قوله: (الذين هم يراءون (٦)","level":2,"page":1815},{"title":"(ويمنعون الماعون (٧) .","level":2,"page":1816},{"title":"سورة الكوثر","level":1,"page":1817},{"title":"قوله: (إنا أعطيناك الكوثر (١)","level":2,"page":1817},{"title":"قوله: (فصل لربك وانحر (٢)","level":2,"page":1818},{"title":"قوله: (إن شانئك هو الأبتر (٣)","level":2,"page":1820},{"title":"سورة الكافرون","level":1,"page":1821},{"title":"(قل يا أيها الكافرون (١)","level":2,"page":1821},{"title":"سورة النصر","level":1,"page":1822},{"title":"(إذا جاء نصر الله)","level":2,"page":1822},{"title":"سورة المسد","level":1,"page":1823},{"title":"قوله: (وامرأته حمالة الحطب (٤)","level":2,"page":1823},{"title":"قوله: (في جيدها حبل من مسد (٥)","level":2,"page":1823},{"title":"(ماله وما كسب (٢)","level":2,"page":1824},{"title":"سورة الإخلاص","level":1,"page":1825},{"title":"(قل هو الله أحد (١) الله الصمد (٢)","level":2,"page":1825},{"title":"المعوذتان","level":1,"page":1828},{"title":"واختلفوا في \" الغاسق إذا وقب \"","level":2,"page":1828},{"title":"(النفاثات)","level":2,"page":1829},{"title":"و(الوسواس الخناس (٤)","level":2,"page":1830}],"ٛ":{"1,76":1,"1,77":2,"1,78":3,"1,79":4,"1,80":5,"1,81":6,"1,82":7,"1,83":8,"1,84":9,"1,85":10,"1,86":11,"1,87":12,"1,88":13,"1,89":14,"1,91":15,"1,92":16,"1,93":17,"1,94":18,"1,95":19,"1,96":20,"1,97":21,"1,98":22,"1,99":23,"1,100":24,"1,101":25,"1,102":26,"1,103":27,"1,104":28,"1,105":29,"1,106":30,"1,107":31,"1,108":32,"1,109":33,"1,110":34,"1,111":35,"1,112":36,"1,113":37,"1,114":38,"1,115":39,"1,116":40,"1,117":41,"1,118":42,"1,119":43,"1,120":44,"1,121":45,"1,122":46,"1,123":47,"1,124":48,"1,125":49,"1,126":50,"1,127":51,"1,128":52,"1,129":53,"1,130":54,"1,131":55,"1,132":56,"1,133":57,"1,134":58,"1,135":59,"1,136":60,"1,137":61,"1,138":62,"1,139":63,"1,140":64,"1,141":65,"1,142":66,"1,143":67,"1,144":68,"1,145":69,"1,146":70,"1,147":71,"1,148":72,"1,149":73,"1,150":74,"1,151":75,"1,152":76,"1,153":77,"1,154":78,"1,155":79,"1,156":80,"1,157":81,"1,158":82,"1,159":83,"1,160":84,"1,161":85,"1,162":86,"1,163":87,"1,164":88,"1,165":89,"1,166":90,"1,167":91,"1,168":92,"1,169":93,"1,170":94,"1,171":95,"1,172":96,"1,173":97,"1,174":98,"1,175":99,"1,176":100,"1,177":101,"1,178":102,"1,179":103,"1,180":104,"1,181":105,"1,182":106,"1,183":107,"1,184":108,"1,186":109,"1,187":110,"1,188":111,"1,189":112,"1,190":113,"1,191":114,"1,192":115,"1,193":116,"1,194":117,"1,195":118,"1,196":119,"1,197":120,"1,198":121,"1,199":122,"1,200":123,"1,201":124,"1,202":125,"1,203":126,"1,204":127,"1,205":128,"1,206":129,"1,207":130,"1,208":131,"1,209":132,"1,210":133,"1,211":134,"1,212":135,"1,213":136,"1,214":137,"1,215":138,"1,216":139,"1,217":140,"1,218":141,"1,219":142,"1,220":143,"1,221":144,"1,222":145,"1,223":146,"1,224":147,"1,225":148,"1,226":149,"1,227":150,"1,228":151,"1,229":152,"1,230":153,"1,231":154,"1,232":155,"1,233":156,"1,234":157,"1,235":158,"1,236":159,"1,237":160,"1,238":161,"1,239":162,"1,240":163,"1,241":164,"1,242":165,"1,243":166,"1,244":167,"1,245":168,"1,246":169,"1,247":170,"1,248":171,"1,249":172,"1,250":173,"1,251":174,"1,252":175,"1,253":176,"1,254":177,"1,255":178,"1,256":179,"1,257":180,"1,258":181,"1,259":182,"1,260":183,"1,261":184,"1,262":185,"1,263":186,"1,264":187,"1,265":188,"1,266":189,"1,267":190,"1,268":191,"1,269":192,"1,270":193,"1,271":194,"1,272":195,"1,273":196,"1,274":197,"1,275":198,"1,276":199,"1,277":200,"1,278":201,"1,279":202,"1,280":203,"1,281":204,"1,282":205,"1,283":206,"1,284":207,"1,285":208,"1,286":209,"1,287":210,"1,288":211,"1,289":212,"1,290":213,"1,291":214,"1,292":215,"1,293":216,"1,294":217,"1,295":218,"1,296":219,"1,297":220,"1,298":221,"1,299":222,"1,300":223,"1,301":224,"1,302":225,"1,303":226,"1,304":227,"1,305":228,"1,306":229,"1,307":230,"1,308":231,"1,309":232,"1,310":233,"1,311":234,"1,312":235,"1,313":236,"1,314":237,"1,315":238,"1,316":239,"1,317":240,"1,318":241,"1,319":242,"1,320":243,"1,321":244,"1,322":245,"1,323":246,"1,324":247,"1,325":248,"1,326":249,"1,327":250,"1,328":251,"1,329":252,"1,331":253,"1,332":254,"1,333":255,"1,334":256,"1,335":257,"1,336":258,"1,337":259,"1,338":260,"1,339":261,"1,340":262,"1,341":263,"1,342":264,"1,343":265,"1,344":266,"1,345":267,"1,346":268,"1,347":269,"1,348":270,"1,349":271,"1,350":272,"1,351":273,"1,352":274,"1,353":275,"1,354":276,"1,355":277,"1,356":278,"1,357":279,"1,358":280,"1,359":281,"1,360":282,"1,361":283,"1,362":284,"1,363":285,"1,364":286,"1,365":287,"1,366":288,"1,367":289,"1,368":290,"1,369":291,"1,370":292,"1,371":293,"1,372":294,"1,373":295,"1,374":296,"1,375":297,"1,376":298,"1,377":299,"1,378":300,"1,379":301,"1,380":302,"1,381":303,"1,382":304,"1,383":305,"1,384":306,"1,385":307,"1,386":308,"1,387":309,"1,388":310,"1,389":311,"1,390":312,"1,391":313,"1,392":314,"1,393":315,"1,394":316,"1,395":317,"1,396":318,"1,397":319,"1,398":320,"1,399":321,"1,400":322,"1,401":323,"1,402":324,"1,403":325,"1,404":326,"1,405":327,"1,407":328,"1,408":329,"1,409":330,"1,410":331,"1,411":332,"1,412":333,"1,413":334,"1,414":335,"1,415":336,"1,416":337,"1,417":338,"1,418":339,"1,419":340,"1,420":341,"1,421":342,"1,422":343,"1,423":344,"1,424":345,"1,425":346,"1,426":347,"1,427":348,"1,428":349,"1,429":350,"1,430":351,"1,431":352,"1,432":353,"1,433":354,"1,434":355,"1,435":356,"1,436":357,"1,437":358,"1,438":359,"1,439":360,"1,440":361,"1,441":362,"1,442":363,"1,443":364,"1,444":365,"1,445":366,"1,446":367,"1,447":368,"1,448":369,"1,449":370,"1,450":371,"1,451":372,"1,452":373,"1,453":374,"1,454":375,"1,455":376,"1,456":377,"1,457":378,"1,458":379,"1,459":380,"1,461":381,"1,462":382,"1,463":383,"1,464":384,"1,465":385,"1,466":386,"1,467":387,"1,468":388,"1,469":389,"1,470":390,"1,471":391,"1,472":392,"1,473":393,"1,474":394,"1,475":395,"1,476":396,"1,477":397,"1,478":398,"1,479":399,"1,480":400,"1,481":401,"1,482":402,"1,483":403,"1,484":404,"1,485":405,"1,486":406,"1,487":407,"1,488":408,"1,489":409,"1,490":410,"1,491":411,"1,492":412,"1,493":413,"1,494":414,"1,495":415,"1,496":416,"1,497":417,"1,498":418,"1,499":419,"1,500":420,"1,501":421,"1,502":422,"1,503":423,"1,504":424,"1,505":425,"1,506":426,"1,507":427,"1,508":428,"1,509":429,"1,510":430,"1,511":431,"1,512":432,"1,513":433,"1,514":434,"1,515":435,"1,516":436,"1,517":437,"1,518":438,"1,519":439,"1,520":440,"1,521":441,"1,522":442,"1,523":443,"1,524":444,"1,525":445,"1,526":446,"1,527":447,"1,528":448,"1,529":449,"1,530":450,"1,531":451,"1,532":452,"1,533":453,"1,534":454,"1,535":455,"1,536":456,"1,537":457,"1,538":458,"1,539":459,"1,540":460,"1,541":461,"1,542":462,"1,543":463,"1,544":464,"1,545":465,"1,546":466,"1,547":467,"1,548":468,"1,549":469,"1,550":470,"1,551":471,"1,552":472,"1,553":473,"1,554":474,"1,555":475,"1,556":476,"1,557":477,"1,558":478,"1,559":479,"1,560":480,"1,561":481,"1,562":482,"1,563":483,"1,564":484,"1,565":485,"1,566":486,"1,567":487,"1,568":488,"1,569":489,"1,570":490,"1,571":491,"1,572":492,"1,573":493,"1,574":494,"1,575":495,"1,576":496,"1,577":497,"1,578":498,"1,579":499,"1,580":500,"1,581":501,"1,582":502,"1,583":503,"1,585":504,"1,586":505,"1,587":506,"1,588":507,"1,589":508,"1,590":509,"1,591":510,"1,592":511,"1,593":512,"1,594":513,"1,595":514,"1,596":515,"1,597":516,"1,598":517,"1,599":518,"1,601":519,"1,602":520,"1,603":521,"1,604":522,"1,605":523,"1,606":524,"1,607":525,"1,608":526,"1,609":527,"1,610":528,"1,611":529,"1,612":530,"1,613":531,"1,614":532,"1,615":533,"1,616":534,"1,617":535,"1,618":536,"1,619":537,"1,620":538,"1,621":539,"1,622":540,"1,623":541,"1,624":542,"1,625":543,"1,626":544,"1,627":545,"1,629":546,"1,630":547,"1,631":548,"2,21":549,"2,22":550,"2,23":551,"2,24":552,"2,25":553,"2,26":554,"2,27":555,"2,28":556,"2,29":557,"2,30":558,"2,31":559,"2,32":560,"2,33":561,"2,34":562,"2,35":563,"2,36":564,"2,37":565,"2,38":566,"2,40":567,"2,41":568,"2,42":569,"2,43":570,"2,44":571,"2,45":572,"2,46":573,"2,47":574,"2,48":575,"2,49":576,"2,50":577,"2,53":578,"2,54":579,"2,55":580,"2,56":581,"2,57":582,"2,58":583,"2,59":584,"2,60":585,"2,61":586,"2,62":587,"2,63":588,"2,64":589,"2,65":590,"2,66":591,"2,67":592,"2,68":593,"2,69":594,"2,70":595,"2,71":596,"2,72":597,"2,73":598,"2,74":599,"2,75":600,"2,76":601,"2,77":602,"2,78":603,"2,79":604,"2,80":605,"2,81":606,"2,82":607,"2,83":608,"2,84":609,"2,85":610,"2,86":611,"2,87":612,"2,88":613,"2,89":614,"2,90":615,"2,91":616,"2,92":617,"2,93":618,"2,94":619,"2,95":620,"2,96":621,"2,97":622,"2,98":623,"2,99":624,"2,100":625,"2,101":626,"2,102":627,"2,103":628,"2,104":629,"2,105":630,"2,106":631,"2,107":632,"2,108":633,"2,109":634,"2,110":635,"2,111":636,"2,112":637,"2,113":638,"2,114":639,"2,115":640,"2,116":641,"2,117":642,"2,118":643,"2,119":644,"2,120":645,"2,121":646,"2,122":647,"2,123":648,"2,124":649,"2,125":650,"2,126":651,"2,127":652,"2,128":653,"2,129":654,"2,130":655,"2,131":656,"2,132":657,"2,133":658,"2,134":659,"2,135":660,"2,136":661,"2,137":662,"2,138":663,"2,139":664,"2,140":665,"2,141":666,"2,142":667,"2,143":668,"2,144":669,"2,145":670,"2,146":671,"2,147":672,"2,148":673,"2,149":674,"2,150":675,"2,151":676,"2,152":677,"2,153":678,"2,154":679,"2,155":680,"2,156":681,"2,157":682,"2,158":683,"2,159":684,"2,160":685,"2,161":686,"2,162":687,"2,163":688,"2,164":689,"2,165":690,"2,167":691,"2,168":692,"2,169":693,"2,170":694,"2,171":695,"2,172":696,"2,173":697,"2,174":698,"2,175":699,"2,176":700,"2,177":701,"2,178":702,"2,179":703,"2,180":704,"2,181":705,"2,182":706,"2,183":707,"2,184":708,"2,185":709,"2,186":710,"2,187":711,"2,188":712,"2,189":713,"2,190":714,"2,191":715,"2,192":716,"2,193":717,"2,194":718,"2,195":719,"2,196":720,"2,197":721,"2,198":722,"2,199":723,"2,200":724,"2,201":725,"2,202":726,"2,203":727,"2,204":728,"2,205":729,"2,206":730,"2,207":731,"2,208":732,"2,209":733,"2,210":734,"2,211":735,"2,212":736,"2,213":737,"2,214":738,"2,215":739,"2,216":740,"2,217":741,"2,218":742,"2,219":743,"2,220":744,"2,221":745,"2,222":746,"2,224":747,"2,225":748,"2,226":749,"2,227":750,"2,228":751,"2,229":752,"2,230":753,"2,231":754,"2,232":755,"2,233":756,"2,234":757,"2,235":758,"2,236":759,"2,237":760,"2,238":761,"2,239":762,"2,240":763,"2,241":764,"2,242":765,"2,243":766,"2,244":767,"2,245":768,"2,246":769,"2,247":770,"2,248":771,"2,249":772,"2,250":773,"2,251":774,"2,252":775,"2,253":776,"2,254":777,"2,255":778,"2,256":779,"2,257":780,"2,258":781,"2,259":782,"2,260":783,"2,261":784,"2,262":785,"2,263":786,"2,264":787,"2,265":788,"2,266":789,"2,267":790,"2,268":791,"2,269":792,"2,270":793,"2,271":794,"2,272":795,"2,273":796,"2,274":797,"2,275":798,"2,276":799,"2,277":800,"2,278":801,"2,279":802,"2,280":803,"2,281":804,"2,282":805,"2,283":806,"2,284":807,"2,285":808,"2,286":809,"2,287":810,"2,288":811,"2,289":812,"2,290":813,"2,291":814,"2,292":815,"2,293":816,"2,294":817,"2,295":818,"2,296":819,"2,297":820,"2,298":821,"2,299":822,"2,300":823,"2,302":824,"2,303":825,"2,304":826,"2,305":827,"2,306":828,"2,307":829,"2,308":830,"2,309":831,"2,310":832,"2,311":833,"2,312":834,"2,313":835,"2,314":836,"2,315":837,"2,316":838,"2,317":839,"2,318":840,"2,319":841,"2,320":842,"2,323":843,"2,324":844,"2,325":845,"2,326":846,"2,327":847,"2,328":848,"2,329":849,"2,330":850,"2,331":851,"2,332":852,"2,333":853,"2,334":854,"2,335":855,"2,336":856,"2,337":857,"2,338":858,"2,339":859,"2,340":860,"2,341":861,"2,342":862,"2,343":863,"2,344":864,"2,345":865,"2,346":866,"2,347":867,"2,348":868,"2,349":869,"2,350":870,"2,351":871,"2,352":872,"2,353":873,"2,354":874,"2,355":875,"2,356":876,"2,357":877,"2,358":878,"2,359":879,"2,360":880,"2,361":881,"2,362":882,"2,363":883,"2,364":884,"2,365":885,"2,366":886,"2,367":887,"2,368":888,"2,369":889,"2,370":890,"2,371":891,"2,372":892,"2,373":893,"2,374":894,"2,375":895,"2,376":896,"2,377":897,"2,378":898,"2,379":899,"2,380":900,"2,381":901,"2,382":902,"2,383":903,"2,384":904,"2,385":905,"2,386":906,"2,387":907,"2,388":908,"2,389":909,"2,390":910,"2,391":911,"2,392":912,"2,393":913,"2,394":914,"2,395":915,"2,396":916,"2,397":917,"2,398":918,"2,399":919,"2,400":920,"2,401":921,"2,402":922,"2,403":923,"2,405":924,"2,406":925,"2,407":926,"2,408":927,"2,409":928,"2,410":929,"2,411":930,"2,412":931,"2,413":932,"2,414":933,"2,415":934,"2,416":935,"2,417":936,"2,420":937,"2,421":938,"2,422":939,"2,423":940,"2,424":941,"2,425":942,"2,426":943,"2,427":944,"2,428":945,"2,429":946,"2,430":947,"2,431":948,"2,432":949,"2,433":950,"2,434":951,"2,435":952,"2,436":953,"2,437":954,"2,438":955,"2,439":956,"2,440":957,"2,441":958,"2,442":959,"2,443":960,"2,444":961,"2,445":962,"2,446":963,"2,447":964,"2,448":965,"2,449":966,"2,450":967,"2,451":968,"2,452":969,"2,453":970,"2,454":971,"2,455":972,"2,456":973,"2,457":974,"2,458":975,"2,459":976,"2,460":977,"2,461":978,"2,462":979,"2,463":980,"2,464":981,"2,465":982,"2,466":983,"2,467":984,"2,468":985,"2,469":986,"2,470":987,"2,471":988,"2,472":989,"2,473":990,"2,474":991,"2,475":992,"2,476":993,"2,477":994,"2,479":995,"2,480":996,"2,481":997,"2,482":998,"2,483":999,"2,484":1000,"2,485":1001,"2,486":1002,"2,487":1003,"2,488":1004,"2,489":1005,"2,490":1006,"2,491":1007,"2,492":1008,"2,493":1009,"2,494":1010,"2,495":1011,"2,496":1012,"2,497":1013,"2,498":1014,"2,499":1015,"2,500":1016,"2,501":1017,"2,502":1018,"3,503":1019,"3,504":1020,"3,505":1021,"3,506":1022,"3,507":1023,"3,508":1024,"3,509":1025,"3,510":1026,"3,511":1027,"3,512":1028,"3,513":1029,"3,514":1030,"3,515":1031,"3,516":1032,"3,517":1033,"3,518":1034,"3,520":1035,"3,521":1036,"3,522":1037,"3,523":1038,"3,524":1039,"3,525":1040,"3,526":1041,"3,527":1042,"3,528":1043,"3,529":1044,"3,530":1045,"3,531":1046,"3,532":1047,"3,533":1048,"3,534":1049,"3,535":1050,"3,536":1051,"3,537":1052,"3,539":1053,"3,540":1054,"3,541":1055,"3,542":1056,"3,543":1057,"3,545":1058,"3,547":1059,"3,548":1060,"3,549":1061,"3,550":1062,"3,551":1063,"3,552":1064,"3,553":1065,"3,554":1066,"3,555":1067,"3,556":1068,"3,557":1069,"3,558":1070,"3,559":1071,"3,560":1072,"3,561":1073,"3,562":1074,"3,563":1075,"3,564":1076,"3,565":1077,"3,567":1078,"3,568":1079,"3,569":1080,"3,570":1081,"3,571":1082,"3,572":1083,"3,573":1084,"3,574":1085,"3,575":1086,"3,576":1087,"3,577":1088,"3,578":1089,"3,579":1090,"3,580":1091,"3,581":1092,"3,582":1093,"3,583":1094,"3,584":1095,"3,585":1096,"3,586":1097,"3,587":1098,"3,589":1099,"3,590":1100,"3,591":1101,"3,592":1102,"3,593":1103,"3,594":1104,"3,595":1105,"3,596":1106,"3,598":1107,"3,599":1108,"3,600":1109,"3,601":1110,"3,602":1111,"3,603":1112,"3,604":1113,"3,605":1114,"3,606":1115,"3,607":1116,"3,608":1117,"3,609":1118,"3,610":1119,"3,611":1120,"3,612":1121,"3,613":1122,"3,614":1123,"3,615":1124,"3,616":1125,"3,617":1126,"3,618":1127,"3,619":1128,"3,620":1129,"3,621":1130,"3,622":1131,"3,623":1132,"3,624":1133,"3,625":1134,"3,626":1135,"3,627":1136,"3,628":1137,"3,629":1138,"3,630":1139,"3,631":1140,"3,632":1141,"3,633":1142,"3,634":1143,"3,635":1144,"3,636":1145,"3,637":1146,"3,638":1147,"3,639":1148,"3,640":1149,"3,641":1150,"3,642":1151,"3,643":1152,"3,644":1153,"3,645":1154,"3,646":1155,"3,647":1156,"3,648":1157,"3,649":1158,"3,650":1159,"3,651":1160,"3,652":1161,"3,653":1162,"3,654":1163,"3,655":1164,"3,656":1165,"3,657":1166,"3,658":1167,"3,659":1168,"3,660":1169,"3,661":1170,"3,662":1171,"3,663":1172,"3,664":1173,"3,665":1174,"3,666":1175,"3,667":1176,"3,668":1177,"3,669":1178,"3,670":1179,"3,671":1180,"3,672":1181,"3,673":1182,"3,674":1183,"3,675":1184,"3,676":1185,"3,677":1186,"3,678":1187,"3,679":1188,"3,680":1189,"3,681":1190,"3,682":1191,"3,683":1192,"3,684":1193,"3,685":1194,"3,686":1195,"3,687":1196,"3,688":1197,"3,689":1198,"3,690":1199,"3,691":1200,"3,692":1201,"3,693":1202,"3,694":1203,"3,695":1204,"3,696":1205,"3,697":1206,"3,698":1207,"3,699":1208,"3,700":1209,"3,701":1210,"3,702":1211,"3,703":1212,"3,704":1213,"3,705":1214,"3,706":1215,"3,707":1216,"3,708":1217,"3,709":1218,"3,711":1219,"3,712":1220,"3,713":1221,"3,714":1222,"3,715":1223,"3,716":1224,"3,717":1225,"3,718":1226,"3,719":1227,"3,720":1228,"3,721":1229,"3,722":1230,"3,723":1231,"3,724":1232,"3,727":1233,"3,728":1234,"3,729":1235,"3,730":1236,"3,731":1237,"3,732":1238,"3,733":1239,"3,734":1240,"3,735":1241,"3,736":1242,"3,737":1243,"3,738":1244,"3,739":1245,"3,740":1246,"3,741":1247,"3,742":1248,"3,743":1249,"3,744":1250,"3,746":1251,"3,747":1252,"3,748":1253,"3,749":1254,"3,750":1255,"3,751":1256,"3,752":1257,"3,753":1258,"3,754":1259,"3,755":1260,"3,756":1261,"3,757":1262,"3,758":1263,"3,759":1264,"3,760":1265,"3,761":1266,"3,762":1267,"3,763":1268,"3,764":1269,"3,765":1270,"3,766":1271,"3,767":1272,"3,768":1273,"3,769":1274,"4,3":1275,"4,4":1276,"4,5":1277,"4,6":1278,"4,7":1279,"4,8":1280,"4,9":1281,"4,10":1282,"4,11":1283,"4,12":1284,"4,13":1285,"4,14":1286,"4,15":1287,"4,16":1288,"4,17":1289,"4,18":1290,"4,19":1291,"4,20":1292,"4,21":1293,"4,22":1294,"4,23":1295,"4,24":1296,"4,25":1297,"4,26":1298,"4,27":1299,"4,28":1300,"4,29":1301,"4,30":1302,"4,31":1303,"4,32":1304,"4,33":1305,"4,34":1306,"4,35":1307,"4,36":1308,"4,37":1309,"4,38":1310,"4,39":1311,"4,40":1312,"4,41":1313,"4,42":1314,"4,44":1315,"4,45":1316,"4,46":1317,"4,47":1318,"4,48":1319,"4,49":1320,"4,50":1321,"4,51":1322,"4,52":1323,"4,53":1324,"4,54":1325,"4,55":1326,"4,56":1327,"4,57":1328,"4,59":1329,"4,60":1330,"4,61":1331,"4,62":1332,"4,63":1333,"4,64":1334,"4,65":1335,"4,66":1336,"4,67":1337,"4,68":1338,"4,69":1339,"4,70":1340,"4,71":1341,"4,72":1342,"4,73":1343,"4,74":1344,"4,75":1345,"4,76":1346,"4,77":1347,"4,78":1348,"4,79":1349,"4,80":1350,"4,81":1351,"4,82":1352,"4,83":1353,"4,84":1354,"4,85":1355,"4,86":1356,"4,87":1357,"4,88":1358,"4,89":1359,"4,90":1360,"4,91":1361,"4,92":1362,"4,93":1363,"4,94":1364,"4,95":1365,"4,96":1366,"4,97":1367,"4,98":1368,"4,99":1369,"4,100":1370,"4,101":1371,"4,102":1372,"4,103":1373,"4,104":1374,"4,105":1375,"4,106":1376,"4,107":1377,"4,108":1378,"4,109":1379,"4,110":1380,"4,111":1381,"4,112":1382,"4,113":1383,"4,114":1384,"4,115":1385,"4,116":1386,"4,117":1387,"4,118":1388,"4,119":1389,"4,120":1390,"4,121":1391,"4,123":1392,"4,124":1393,"4,125":1394,"4,126":1395,"4,127":1396,"4,128":1397,"4,129":1398,"4,130":1399,"4,131":1400,"4,132":1401,"4,133":1402,"4,134":1403,"4,135":1404,"4,136":1405,"4,137":1406,"4,138":1407,"4,139":1408,"4,140":1409,"4,141":1410,"4,142":1411,"4,143":1412,"4,144":1413,"4,145":1414,"4,146":1415,"4,147":1416,"4,148":1417,"4,149":1418,"4,150":1419,"4,151":1420,"4,152":1421,"4,153":1422,"4,154":1423,"4,155":1424,"4,156":1425,"4,157":1426,"4,158":1427,"4,159":1428,"4,160":1429,"4,161":1430,"4,162":1431,"4,163":1432,"4,164":1433,"4,165":1434,"4,166":1435,"4,167":1436,"4,168":1437,"4,169":1438,"4,170":1439,"4,171":1440,"4,172":1441,"4,173":1442,"4,174":1443,"4,175":1444,"4,176":1445,"4,177":1446,"4,178":1447,"4,179":1448,"4,180":1449,"4,181":1450,"4,182":1451,"4,183":1452,"4,184":1453,"4,185":1454,"4,186":1455,"4,187":1456,"4,188":1457,"4,189":1458,"4,190":1459,"4,191":1460,"4,192":1461,"4,193":1462,"4,194":1463,"4,195":1464,"4,196":1465,"4,197":1466,"4,198":1467,"4,199":1468,"4,200":1469,"4,201":1470,"4,202":1471,"4,203":1472,"4,204":1473,"4,205":1474,"4,206":1475,"4,207":1476,"4,208":1477,"4,209":1478,"4,210":1479,"4,211":1480,"4,212":1481,"4,213":1482,"4,214":1483,"4,215":1484,"4,216":1485,"4,217":1486,"4,218":1487,"4,219":1488,"4,220":1489,"4,221":1490,"4,222":1491,"4,223":1492,"4,224":1493,"4,225":1494,"4,226":1495,"4,227":1496,"4,228":1497,"4,229":1498,"4,230":1499,"4,231":1500,"4,232":1501,"4,233":1502,"4,234":1503,"4,235":1504,"4,236":1505,"4,237":1506,"4,238":1507,"4,239":1508,"4,240":1509,"4,241":1510,"4,244":1511,"4,245":1512,"4,246":1513,"4,247":1514,"4,248":1515,"4,249":1516,"4,250":1517,"4,251":1518,"4,252":1519,"4,253":1520,"4,254":1521,"4,255":1522,"4,256":1523,"4,257":1524,"4,258":1525,"4,259":1526,"4,260":1527,"4,261":1528,"4,262":1529,"4,263":1530,"4,264":1531,"4,265":1532,"4,266":1533,"4,267":1534,"4,268":1535,"4,269":1536,"4,270":1537,"4,271":1538,"4,272":1539,"4,273":1540,"4,274":1541,"4,275":1542,"4,276":1543,"4,277":1544,"4,278":1545,"4,279":1546,"4,280":1547,"4,281":1548,"4,282":1549,"4,283":1550,"4,284":1551,"4,285":1552,"4,286":1553,"4,287":1554,"4,288":1555,"4,289":1556,"4,290":1557,"4,291":1558,"4,292":1559,"4,293":1560,"4,294":1561,"4,295":1562,"4,296":1563,"4,297":1564,"4,298":1565,"4,299":1566,"4,300":1567,"4,301":1568,"4,302":1569,"4,303":1570,"4,304":1571,"4,305":1572,"4,306":1573,"4,307":1574,"4,308":1575,"4,309":1576,"4,310":1577,"4,311":1578,"4,312":1579,"4,313":1580,"4,314":1581,"4,315":1582,"4,316":1583,"4,317":1584,"4,318":1585,"4,319":1586,"4,320":1587,"4,321":1588,"4,322":1589,"4,323":1590,"4,324":1591,"4,325":1592,"4,326":1593,"4,327":1594,"4,328":1595,"4,329":1596,"4,330":1597,"4,331":1598,"4,332":1599,"4,333":1600,"4,334":1601,"4,335":1602,"4,336":1603,"4,337":1604,"4,338":1605,"4,339":1606,"4,340":1607,"4,341":1608,"4,342":1609,"4,343":1610,"4,344":1611,"4,345":1612,"4,346":1613,"4,347":1614,"4,348":1615,"4,349":1616,"4,350":1617,"4,351":1618,"4,352":1619,"4,353":1620,"4,354":1621,"4,355":1622,"4,356":1623,"4,357":1624,"4,358":1625,"4,359":1626,"4,360":1627,"4,361":1628,"4,362":1629,"4,363":1630,"4,364":1631,"4,365":1632,"4,366":1633,"4,367":1634,"4,368":1635,"4,369":1636,"4,370":1637,"4,371":1638,"4,372":1639,"4,373":1640,"4,374":1641,"4,375":1642,"4,376":1643,"4,377":1644,"4,379":1645,"4,380":1646,"4,381":1647,"4,382":1648,"4,383":1649,"4,384":1650,"4,385":1651,"4,386":1652,"4,387":1653,"4,388":1654,"4,389":1655,"4,390":1656,"4,391":1657,"4,392":1658,"4,393":1659,"4,394":1660,"4,395":1661,"4,396":1662,"4,397":1663,"4,398":1664,"4,399":1665,"4,400":1666,"4,401":1667,"4,402":1668,"4,403":1669,"4,404":1670,"4,405":1671,"4,406":1672,"4,407":1673,"4,408":1674,"4,409":1675,"4,410":1676,"4,411":1677,"4,412":1678,"4,413":1679,"4,414":1680,"4,415":1681,"4,416":1682,"4,417":1683,"4,418":1684,"4,419":1685,"4,420":1686,"4,421":1687,"4,422":1688,"4,423":1689,"4,424":1690,"4,425":1691,"4,426":1692,"4,427":1693,"4,428":1694,"4,429":1695,"4,430":1696,"4,431":1697,"4,432":1698,"4,433":1699,"4,434":1700,"4,435":1701,"4,436":1702,"4,437":1703,"4,438":1704,"4,439":1705,"4,440":1706,"4,441":1707,"4,442":1708,"4,443":1709,"4,444":1710,"4,445":1711,"4,446":1712,"4,447":1713,"4,448":1714,"4,449":1715,"4,450":1716,"4,451":1717,"4,452":1718,"4,453":1719,"4,454":1720,"4,455":1721,"4,456":1722,"4,457":1723,"4,458":1724,"4,459":1725,"4,460":1726,"4,461":1727,"4,462":1728,"4,463":1729,"4,464":1730,"4,465":1731,"4,466":1732,"4,467":1733,"4,468":1734,"4,469":1735,"4,470":1736,"4,471":1737,"4,472":1738,"4,473":1739,"4,474":1740,"4,475":1741,"4,476":1742,"4,477":1743,"4,478":1744,"4,479":1745,"4,480":1746,"4,481":1747,"4,482":1748,"4,483":1749,"4,484":1750,"4,485":1751,"4,486":1752,"4,487":1753,"4,488":1754,"4,489":1755,"4,490":1756,"4,491":1757,"4,492":1758,"4,493":1759,"4,494":1760,"4,495":1761,"4,496":1762,"4,497":1763,"4,498":1764,"4,499":1765,"4,500":1766,"4,501":1767,"4,502":1768,"4,503":1769,"4,504":1770,"4,505":1771,"4,506":1772,"4,507":1773,"4,508":1774,"4,509":1775,"4,510":1776,"4,511":1777,"4,512":1778,"4,513":1779,"4,514":1780,"4,515":1781,"4,516":1782,"4,517":1783,"4,518":1784,"4,519":1785,"4,520":1786,"4,521":1787,"4,522":1788,"4,523":1789,"4,524":1790,"4,525":1791,"4,526":1792,"4,527":1793,"4,528":1794,"4,529":1795,"4,530":1796,"4,531":1797,"4,532":1798,"4,533":1799,"4,534":1800,"4,535":1801,"4,536":1802,"4,537":1803,"4,538":1804,"4,540":1805,"4,541":1806,"4,542":1807,"4,543":1808,"4,544":1809,"4,545":1810,"4,546":1811,"4,547":1812,"4,548":1813,"4,550":1814,"4,551":1815,"4,552":1816,"4,553":1817,"4,554":1818,"4,555":1819,"4,556":1820,"4,557":1821,"4,559":1822,"4,561":1823,"4,562":1824,"4,563":1825,"4,564":1826,"4,565":1827,"4,566":1828,"4,567":1829,"4,568":1830,"4,569":1831,"4,570":1832},"ٜ":{"1":[76,631],"2":[21,502],"3":[503,769],"4":[3,570]},"ٝ":["1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,629","1,630","1,631","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,545","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,686","3,687","3,688","3,689","3,690","3,691","3,692","3,693","3,694","3,695","3,696","3,697","3,698","3,699","3,700","3,701","3,702","3,703","3,704","3,705","3,706","3,707","3,708","3,709","3,711","3,712","3,713","3,714","3,715","3,716","3,717","3,718","3,719","3,720","3,721","3,722","3,723","3,724","3,727","3,728","3,729","3,730","3,731","3,732","3,733","3,734","3,735","3,736","3,737","3,738","3,739","3,740","3,741","3,742","3,743","3,744","3,746","3,747","3,748","3,749","3,750","3,751","3,752","3,753","3,754","3,755","3,756","3,757","3,758","3,759","3,760","3,761","3,762","3,763","3,764","3,765","3,766","3,767","3,768","3,769","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,559","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570"],"ٞ":{"2":[1,2],"8":[3,4],"9":[5],"11":[6],"15":[7,8],"16":[9],"26":[10],"27":[11],"32":[12],"35":[13],"38":[14],"42":[15,16],"43":[17],"44":[18],"45":[19],"47":[20],"48":[21],"49":[22],"53":[23],"54":[24],"55":[25],"56":[26],"67":[27],"70":[28],"78":[29],"79":[30],"80":[31],"82":[32],"84":[33],"85":[34],"89":[35],"93":[36,37],"96":[38],"99":[39,40],"100":[41],"111":[42],"122":[43],"125":[44],"126":[45],"133":[46],"137":[47],"138":[48,49],"139":[50],"141":[51],"155":[52],"157":[53],"158":[54,55,56],"162":[57,58,59],"163":[60],"166":[61],"168":[62],"169":[63],"170":[64],"172":[65],"174":[66],"178":[67],"179":[68],"183":[69],"185":[70],"186":[71],"194":[72],"197":[73,74],"199":[75],"201":[76,77],"202":[78,79,80],"205":[81],"210":[82],"225":[83,84,85],"227":[86],"228":[87],"237":[88],"240":[89],"243":[90],"244":[91],"245":[92,93],"248":[94],"253":[95],"254":[96,97],"255":[98],"256":[99],"259":[100],"263":[101,102],"264":[103],"265":[104],"268":[105,106],"269":[107],"272":[108],"274":[109],"279":[110],"286":[111],"290":[112],"291":[113],"292":[114],"294":[115,116,117],"298":[118],"300":[119],"302":[120],"303":[121],"313":[122,123],"316":[124],"318":[125],"328":[126,127],"329":[128],"330":[129],"331":[130],"333":[131,132],"334":[133],"337":[134],"338":[135],"339":[136],"344":[137],"345":[138],"346":[139],"350":[140,141,142],"351":[143,144],"353":[145],"355":[146,147],"356":[148,149],"359":[150],"363":[151],"364":[152,153],"365":[154],"366":[155],"367":[156],"369":[157,158],"370":[159],"371":[160],"373":[161,162,163],"374":[164],"375":[165,166,167],"378":[168,169],"379":[170],"381":[171],"384":[172,173,174],"385":[175],"387":[176],"388":[177],"389":[178],"390":[179],"391":[180,181],"393":[182],"394":[183],"395":[184,185,186],"396":[187],"399":[188,189],"400":[190],"419":[191],"438":[192],"441":[193],"454":[194],"456":[195],"459":[196],"460":[197],"461":[198,199,200],"462":[201],"463":[202],"465":[203],"467":[204],"468":[205],"469":[206],"481":[207,208],"483":[209],"484":[210],"485":[211],"487":[212,213],"489":[214,215],"490":[216,217],"492":[218],"493":[219],"494":[220],"496":[221],"499":[222],"502":[223],"503":[224],"504":[225,226,227],"505":[228],"506":[229,230,231],"508":[232,233,234],"509":[235],"510":[236,237],"512":[238],"513":[239],"514":[240],"515":[241],"516":[242],"517":[243,244],"519":[245,246,247],"520":[248],"521":[249,250,251],"522":[252],"523":[253],"525":[254],"527":[255],"528":[256],"529":[257],"530":[258],"531":[259],"535":[260,261],"536":[262,263],"540":[264],"542":[265],"543":[266,267],"544":[268],"546":[269,270,271],"547":[272,273],"548":[274,275,276],"549":[277,278],"550":[279],"555":[280,281],"559":[282],"567":[283],"568":[284],"573":[285,286,287],"574":[288,289],"575":[290],"578":[291,292],"593":[293],"598":[294],"600":[295,296],"602":[297],"603":[298],"604":[299],"605":[300],"608":[301],"612":[302],"614":[303],"629":[304],"630":[305],"631":[306],"632":[307,308],"633":[309],"640":[310],"654":[311],"661":[312],"688":[313],"689":[314],"691":[315],"696":[316],"697":[317,318],"699":[319],"703":[320],"707":[321,322],"709":[323,324],"728":[325],"731":[326],"747":[327,328],"750":[329],"763":[330],"766":[331],"777":[332],"779":[333],"780":[334],"781":[335,336],"782":[337],"799":[338],"800":[339],"801":[340],"802":[341],"804":[342],"805":[343,344],"809":[345],"811":[346],"812":[347],"813":[348],"814":[349],"816":[350],"818":[351],"825":[352],"826":[353],"828":[354,355],"831":[356],"832":[357],"833":[358],"835":[359],"836":[360,361],"837":[362,363],"838":[364],"839":[365],"848":[366],"849":[367],"850":[368],"852":[369],"854":[370],"855":[371],"862":[372],"863":[373],"864":[374],"865":[375],"866":[376],"873":[377],"875":[378],"876":[379],"880":[380],"887":[381],"893":[382],"894":[383],"899":[384],"902":[385],"934":[386],"940":[387],"952":[388],"954":[389],"961":[390],"967":[391],"980":[392],"986":[393],"987":[394],"988":[395],"990":[396],"993":[397],"994":[398],"996":[399,400],"997":[401],"1009":[402],"1010":[403,404],"1012":[405],"1018":[406],"1019":[407,408],"1020":[409],"1022":[410],"1023":[411],"1024":[412,413],"1026":[414],"1027":[415],"1028":[416,417],"1030":[418],"1032":[419],"1033":[420,421],"1035":[422,423],"1037":[424],"1038":[425],"1039":[426],"1042":[427],"1044":[428],"1045":[429],"1047":[430,431],"1050":[432],"1054":[433,434],"1055":[435,436,437],"1056":[438],"1062":[439],"1064":[440],"1065":[441],"1066":[442],"1076":[443],"1077":[444],"1080":[445],"1081":[446],"1082":[447],"1085":[448],"1088":[449,450,451],"1090":[452],"1095":[453],"1101":[454,455],"1103":[456],"1104":[457],"1105":[458],"1106":[459,460],"1107":[461,462],"1109":[463],"1112":[464],"1117":[465],"1121":[466],"1122":[467],"1123":[468],"1125":[469],"1130":[470],"1131":[471],"1132":[472],"1133":[473,474],"1134":[475,476],"1135":[477],"1136":[478],"1139":[479],"1142":[480],"1143":[481],"1147":[482],"1148":[483],"1150":[484],"1151":[485],"1153":[486],"1154":[487],"1155":[488],"1156":[489,490],"1157":[491],"1161":[492],"1162":[493],"1164":[494,495],"1166":[496],"1173":[497],"1174":[498],"1175":[499],"1176":[500],"1178":[501],"1185":[502],"1194":[503,504],"1195":[505],"1196":[506],"1197":[507],"1198":[508],"1199":[509],"1200":[510],"1202":[511,512],"1203":[513,514],"1205":[515],"1208":[516],"1209":[517],"1210":[518],"1226":[519],"1231":[520],"1232":[521],"1233":[522],"1235":[523],"1236":[524],"1238":[525,526],"1242":[527],"1246":[528],"1247":[529],"1249":[530],"1250":[531],"1251":[532],"1254":[533],"1260":[534,535],"1261":[536],"1270":[537],"1274":[538],"1275":[539,540,541],"1278":[542,543],"1279":[544],"1281":[545],"1283":[546],"1284":[547],"1288":[548,549],"1289":[550],"1290":[551],"1292":[552],"1294":[553],"1295":[554,555,556],"1296":[557,558,559],"1297":[560],"1298":[561,562],"1299":[563,564],"1307":[565],"1309":[566],"1310":[567],"1313":[568],"1314":[569],"1317":[570],"1318":[571],"1324":[572],"1331":[573,574,575],"1333":[576],"1335":[577],"1336":[578],"1338":[579],"1344":[580],"1345":[581,582],"1349":[583],"1351":[584],"1352":[585],"1354":[586],"1355":[587,588],"1356":[589],"1358":[590,591,592],"1359":[593],"1360":[594,595],"1361":[596],"1362":[597],"1365":[598],"1369":[599],"1382":[600],"1386":[601],"1387":[602],"1389":[603],"1390":[604],"1392":[605,606,607],"1395":[608],"1397":[609,610],"1400":[611],"1404":[612,613],"1405":[614,615],"1408":[616],"1409":[617],"1415":[618,619],"1418":[620],"1419":[621],"1420":[622],"1421":[623],"1422":[624],"1424":[625],"1428":[626],"1430":[627],"1431":[628],"1432":[629],"1433":[630],"1441":[631,632],"1442":[633],"1443":[634,635],"1445":[636],"1446":[637],"1452":[638],"1453":[639],"1458":[640,641,642,643],"1459":[644],"1461":[645,646],"1462":[647],"1463":[648],"1464":[649],"1466":[650,651,652],"1467":[653,654],"1468":[655,656,657],"1469":[658,659,660],"1473":[661,662,663],"1475":[664,665,666],"1476":[667,668,669,670],"1477":[671,672],"1478":[673,674,675],"1479":[676,677,678],"1480":[679,680,681,682],"1482":[683],"1483":[684],"1488":[685,686,687],"1490":[688],"1491":[689],"1492":[690,691],"1495":[692,693],"1503":[694],"1504":[695],"1508":[696,697],"1509":[698],"1511":[699],"1512":[700],"1514":[701],"1515":[702],"1518":[703],"1521":[704,705],"1522":[706,707],"1523":[708],"1524":[709,710,711,712],"1525":[713],"1526":[714],"1527":[715],"1528":[716,717],"1531":[718,719,720,721],"1532":[722],"1541":[723],"1557":[724],"1560":[725,726,727,728],"1561":[729,730],"1563":[731,732],"1564":[733,734],"1566":[735],"1568":[736],"1569":[737,738],"1571":[739],"1584":[740,741,742],"1585":[743],"1586":[744],"1588":[745,746,747],"1591":[748],"1592":[749],"1594":[750],"1600":[751],"1607":[752,753,754],"1608":[755],"1613":[756,757],"1614":[758,759],"1615":[760],"1616":[761],"1617":[762,763,764],"1619":[765],"1620":[766],"1631":[767],"1632":[768],"1636":[769],"1638":[770],"1639":[771],"1641":[772,773],"1642":[774,775],"1643":[776,777,778,779],"1644":[780],"1646":[781,782,783],"1647":[784],"1649":[785,786],"1651":[787,788],"1652":[789],"1654":[790],"1655":[791],"1657":[792,793,794],"1658":[795],"1659":[796,797],"1660":[798,799],"1661":[800],"1662":[801,802],"1663":[803],"1665":[804],"1671":[805],"1672":[806],"1675":[807],"1681":[808],"1682":[809,810],"1685":[811],"1687":[812],"1688":[813],"1689":[814],"1690":[815],"1692":[816],"1693":[817,818],"1694":[819],"1695":[820,821],"1696":[822,823],"1698":[824,825,826],"1699":[827,828],"1700":[829,830,831],"1702":[832,833],"1703":[834,835],"1707":[836],"1708":[837],"1710":[838,839],"1714":[840],"1715":[841,842],"1716":[843,844,845],"1717":[846],"1718":[847],"1721":[848,849,850],"1722":[851],"1723":[852],"1725":[853,854],"1727":[855],"1728":[856],"1729":[857],"1731":[858],"1732":[859],"1735":[860],"1736":[861,862],"1738":[863,864,865],"1739":[866,867],"1740":[868,869],"1742":[870,871],"1743":[872,873,874],"1744":[875],"1745":[876,877],"1746":[878,879],"1748":[880,881],"1749":[882,883,884],"1751":[885],"1752":[886,887],"1753":[888,889],"1756":[890,891],"1758":[892,893],"1760":[894],"1763":[895,896,897],"1764":[898,899],"1765":[900],"1769":[901],"1775":[902,903,904],"1776":[905,906,907],"1777":[908,909],"1778":[910],"1779":[911,912],"1780":[913],"1782":[914,915],"1783":[916,917],"1785":[918,919,920],"1786":[921,922],"1788":[923,924],"1789":[925],"1790":[926,927],"1791":[928,929],"1792":[930,931],"1793":[932,933],"1794":[934],"1796":[935,936],"1799":[937,938,939,940,941],"1800":[942,943,944],"1801":[945,946,947],"1802":[948,949],"1803":[950,951],"1805":[952,953],"1806":[954,955],"1807":[956],"1809":[957,958],"1813":[959,960],"1814":[961,962,963],"1815":[964],"1816":[965],"1817":[966,967],"1818":[968],"1820":[969],"1821":[970,971],"1822":[972,973],"1823":[974,975,976],"1824":[977],"1825":[978,979],"1828":[980,981],"1829":[982],"1830":[983]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته\nالكتاب: النكت الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام\nالمؤلف: الإمام الحافظ / محمد بن على الكرجي القصَّاب\nتحقيق: د. علي بن غازي التيجري\nدار النشر: دار القيم - دار ابن عفان\nالطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الأجزاء: ٤\nتنبيه:\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nقام الأخ المفضال على ابن جابر - جزاه الله خيرا\nبتحويل الكتاب (كاملا) وقام الفقير إلى عفو الله - العلي القادر - بتصويبه وفهرسته وموافقته للمطبوع\nوقد تم تصويب الأجزاء الثاني والثالث والرابع - على نسخة حولها لي الدكتور / نافع - أكرمه الله وأثابه وجزاه خيرا -\nوالحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>قال الشيخ الإمام العلامة أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الفقيه الكرجي </span>المعروف بالقصاب ﵁: هذا كتاب، نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام والمنبية عن اختلاف الأنام في أصوله الدين وشرائعه، وتفصيله وجوامعه، وكل ما يحسن مقاصده، ويعظم فوائده من معنى لطيف في كل فن","vol":"1","page":77},{"text":"تدل عليه الآية من جليلها وغامضها، وظاهرها وعويصها، أودعتها بعون الله تعالى كتابي هذا عدة على المخالفين، وحجة على المبتدعين، إذ هي بحمد الله شافية ملخصة كافية، فمن أضرب عن اللجاج، وقصد واضح المنهاج عرف بها ما أشكل من خدع أهل التمويه، ومن يقصد اللدد","vol":"1","page":78},{"text":"والتشبيه، فإن أكثر من ضل منهم ضل بتركه تميز كتاب ربه الذي\nلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصاره على مخاريق أهل الكلام، وما وشّوه به من رائق","vol":"1","page":79},{"text":"النظام الذي لا يفيد محصولا، ولا يشيد معقولا أو لا يفكر أن الله قد عبد بهذا الدين قبل أن يخلق أبو الهذيل، وأتباعه والنظام","vol":"1","page":80},{"text":"وأشياعه، وكانت حجته على عباده واضحة بكتابه.\nويعولون عليه، ويدعون من خالفهم إليه متبعين فيه قوله ﵎: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)\n، وهل يحسن بذي حجي أن يعين عقله في اتباع من يجهل عدله، ولا يفحص عن دينه بروية نظره، ويأتي الأمر من أقصد أبوابه، فيعلم أن ما لم يكشف عنه القرآن الذي","vol":"1","page":81},{"text":"جعله الله لكل شيء تبيانا لم يكشف عنه سواه.\nوهل كل من زخرف من المبتدعة كلاما، وعدَّ فيما ألفه من البدعة إماما إلا بشر مثله. فما باله يعول عليه، ويتهم نفسه في خلاف ما سبق إليه.\nقال محمد بن علي: فأول ما نبدأ به في هذا الكتاب أن نحمد الله على حسن الهداية، ونستمده بالكفاية، ونصلي على سيد المرسلين محمد، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>سورة الفاتحة</span>\nأقول - والله أعلم -: إن في قول: <span data-type=\"title\" id=toc-4>(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)</span>\nإضمار قل: كأنه - إن شاء الله - قال: قل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ليكون الكلام منسقا، فيكون رفع الحمد على الحكاية.\nوهذا أقرب - والله أعلم - مما قاله أبو عبيد: من أن العرب","vol":"1","page":83},{"text":"ترجع من الخبر إلى المخاطبة، وما قاله حسن غير مدفوع.\nوالقراءة في قوله: <span data-type=\"title\" id=toc-5>(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) </span>بالألف: أحسن\n- والله أعلم - لأن العرب لا تكاد تقول: فلان ملك كذا إلي للروحانيين من الناس، ويقولون: مالك يومه وساعته يصنع فيهما ما","vol":"1","page":84},{"text":"أحب، ولا يقولون: ملك اليوم، والله تعالى مالك يوم القيامة، وملك من يحضره من الخلق، والملك صفة من صفات الاقتدار، منوط بالاستعلاء والسلطان والقهر، واليوم لا يقهر ولا يستعلي عليه.\nإنما يفعل كل هذا بالخلق من الناس، وسائر الروحانيين من أهل السموات والأرضين.\nوما احتج به أبو عبيد من قوله: (لمن الملك اليوم) وإن كان حسنا، فليس بدافع لما قلناه، لأن من كان له الملك ذلك اليوم جاز أن يكون مالكه، وحسن أن يوصف بملك اليوم، والملك في اليوم، ولو كان قال: لمن ملك اليوم، كان الاحتجاج به أشبه لأنه كان","vol":"1","page":85},{"text":"يكون: الله مضافا إليه، ولا يكون ظرفا له.\nوإذا كان اليوم ظرفا للملك، فالاحتجاج به على تصحيح (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)\nالذي هو مضاف إلى اليوم يبعد وجهه، وإن كان محتملا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) </span>.\nدليل على نفي الاستطاعة، إذ الصراط المستقيم: هو دين الل","vol":"1","page":86},{"text":"الذي ارتضاه، وكتابه الذي أنزله، فمن لا يقدر على الوصول إليه إلا","vol":"1","page":87},{"text":"بهداية منه عديم الاستطاعة،، ويحققه قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) فصار صراطهم بنعمة ربهم، لا باشتياقهم إليه باستطاعة أنفسهم.\nولو كان ذكر الهداية دالا على بيان الصراط والإيضاح لا على العودة\nما كان لاختصاص النعمة بالذكر معنى.","vol":"1","page":88},{"text":"ولما كان فيهم من يمتاز عنهم بالغضب والضلال، إذ لو كانوا مستغنين بالإيضاح والبيان لهم، لاستوى الجميع في سلكه، ولما احتاجوا إلى منعم يسلك بهم بعد نعمته عليهم في البيان لهم.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>سورة البقرة</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)</span>\nإثبات القدر، ونفي الاستطاعة، وختم على نفي الإيمان عنهم. ودليل على أنهم بعد وضوح الطريق لهم بنذارة النبي - ﷺ - محتاجون إلى توفيق به يؤمنون، إذ لو كان ضلالهم عن الإيمان بجهلهم بسبيله لساروا فيه بعد النذارة.\nوقد أزال الريب تعالى عن ذلك، وأغنى عن الإغراق وحققه بقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) .","vol":"1","page":91},{"text":"ردٌّ على المرجئة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)</span>\nرد على المرجئة من جهتين:\nإحداهما نفي الإيمان بالقول الذي لا يكون عندهم إلا به.\nوالأخرى: أنهم يفرقون بين الإيمان واليقين، فيزعمون أن اليقين خلاف للإيمان، حتى إنهم يتأولون قوله في سورة المدثر: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) .","vol":"1","page":92},{"text":"أي: يزدادون يقينا، فرارا من لزوم الحجة لهم في زيادة الإيمان.\nوأرى الله ﵎ قد سمى الإيمان بالآخرة يقينا بقوله قبل هذه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)\nوعليهم فيها حجة ثالثة: من أن الإيمان ذو أجزاء، وهم لا يجعلونه\nإلي جزءا واحدا، ولم يقع النكير عليهم في تسميتهم الإيمان بالآخرة إيمانا إذ هو لا محالة كذلك، إنما نفاه عنهم حيث كانوا غير صادقين في قولهم.","vol":"1","page":93},{"text":"رد علي الجهمية:\nوفي قوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا)\nرد على الجهمية. إذ قد جمع بين الخداع منهم له وللمؤمنن.\nوهذا هو الذي ينكرونه أشد الإنكار من أنه لا يضاف إليه ما يجوز إضافته إلى الخلق.\nوهو المخبر عنهم - جل وتعالى - بهذا الفعل، ومعلوم أنهم لا","vol":"1","page":94},{"text":"يصلون إلى إرادتهم، لا أن نفس القول به منكر - والمنكر إرادة الفعل - وكيف يكون منكرا وقد قاله ﷿، ولم يجعله إخبارا عمن نسب الفعل إليه،!\nرد على القدرية:","vol":"1","page":95},{"text":"وفي قوله (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)\nرد على القدرية والمعتزلة: إذ هم غير منكرين أن المرض المنسوب إليهم ليس مرض","vol":"1","page":96},{"text":"الأوجاع، وأنه كناية عن كفر أو نفاق، وقد قال: (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) كما ترى.\nوسمعت من يحتج عنهم، ويزعم أن المرض الأول كفر، والثاني عقوبة (١)، كأنه قال: فزادهم عقوبة.\nوهذا خروج من كلام العرب، ومحيل جهة الكلام عن جهة الاستقامة، إذ الزيادة في الشيء لا تكون إلا من جنسه.\nومحال أن يقال: زيدت الظلمة بالنور سوادا، وزيد النور بالظلمة ضياء. والعجب ممن يدقق الكلام، ويزعم أنه نسيج العويص، ثم يأتي بمثل هذا الذي لا يشكل على عالم ولا جاهل، مع أنه لو كان غير محال أيضا، ما جاز ترك ما يقتضيه ظاهر اللفظ من كلام الله - ﷿ - بقول البشر إذا لم يتفقوا عليه.","vol":"1","page":97},{"text":"وفيه أيضا دليل على أن الشيء يوضع موضع غيره إذا احتمل معناه، ويسمى به ولا يكون كذبا.\nخصوص في عموم:\n* * *\nقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ)\nإثبات لإجازة الخصوص في ذكر العموم، لإحاطة العلم بأن جميع الناس لم يؤمنوا إذ أكثر من في عصر رسول الله - ﷺ - والمخاطبون بهذه الآية ناس في اللغة غير داخلين تحت الإيمان في الآية.\nوفي قوله: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ): دليل أيضا على أن الشيء الواحد يجوز أن يسمى به أشياء محتلفة إذ تسميته - جل وتعالى - إياهم بالسفه، وهم كفار، وتسمية غيرهم في قوله: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) وهم مسلمون، دليل على إجازة ذلك، وزوال النكير عنه.","vol":"1","page":98},{"text":"وهذا هو الموضع الذي يغلط فيه الجهمية من أن الاسم إذا وقع على\nشيء لم يجز أن يوقع على مالا يشاكله في الصفات، فيزعمون أن الله لا يوصف بوجه ولا يدين ولا حب ولا كراهة لمشاركته المخلوق في ذلك، ولدخوله تحت التأليف والحد والإدراك، ولا يعلمون أن معنى المصنوع من وجه الخلق ويديه، والمخلوق من حبه وكراهته، وأشباه ذلك، قد باين بينه وبين خالقه الذي ذلك فيه كائن في الأول بلا أول ولا صنعة، وفي المخلوق مكون بأول وصنعة، وزائل متغير هنالك، ومنه - جل وتعالى - دائم باق، واتفاقهما بالاسم إذ اختلفا في المعنى كاتفاق الكافر والمسلم في اسم السفه، واختلافهما في المعنى.","vol":"1","page":99},{"text":"في قوله: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)\nرد عليهم واضح لو عقلوه، لأن الاستهزاء عندهم من صفة المخلوقين، وقد أخبر الله - تعالى - عن نفسه كما ترى.\nفي البيع والشراء:\n* * *\nقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)\nمن جهة الفقه: أن البيع والشراء يصحان، وإن لم يوقعا بلفظهما لأنه - جل وتعالى - أفادنا في هذه الآية أن البيع والشراء اسمان موصوفان للدفع والأخذ والمبادلة، واعتياض الشيء من الشيء وأن معنى التجارة طلب الأرباح، ونماء الأموال، وغيرها من الزيادة في الخير، كقوله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ)","vol":"1","page":100},{"text":"فسمى الإيمان والجهاد تجارة.\nوقال: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)، وأشباه ذلك. فإذا دفع الدرهم، وأخذ السلعة، فقد تاجر كل واحد منهم صاحبه، وبايعه وشاراه، وإن لم يقل البائع: قد بعت، ولا المشتري: قد اشتريت.\nفي الأمثال والمبالغة والرد على القدرية والمعتزلة:\nقولي تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)\nإلى قوله (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) .\nحجة أولا في ضرب الأمثال، ورد على القدرية والمعتزلة، وحجة\nفي أن من أراد المبالغة في ذم شيء أو مدحه فجائز له الإفراط فيه، ولا","vol":"1","page":101},{"text":"يكون كاذبا ولا آثما لإحاطة العلم بأن من وصفه - جل وعلا - في هذه الآية بالصمم والبكم والعمى كان له سمع يسمع به، ولسان ينطق به، وعين يبصر بها، لكنه لما لم يصغ إلى مواعظ الله، واستكبر عن النطق بشهادة الحق من التوحيد، وتنكب طرق الهداية، وصفه بكل ذلك إذ زالت عنه حقيقة الانتفاع بما أريد منه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)</span>\nدليل على أن الذي في قوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)\nمن نعت الرب لا نعت الاسم، كما يزعم من يقول بخلق القرآن إذ لو كان كما يزعم لدلت","vol":"1","page":102},{"text":"هذه الآية على أن للناس أربابا مع الله - جل الله - فأمرهم بعبادته دون سائر الأرباب، وإن كانت العبادة لا تصلح إلا له فإعداد غيره ردا معه من أنكر المنكر وأبين الكفر، كزعمه أنه أمره في سورة \" اقرأ \"، بقراءة اسمه المخلوق عنده دون غيره، وهذا هو نهاية الجهل، ومجاوزة الحد فيه لو تدبره.\nرد على القدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>وقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)</span>\nإذ قد أخبر عن نفسه بأنه يضلهم.","vol":"1","page":103},{"text":"فإن قيل: فقد قال على إثره: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) فنسب النقض إليهم.\nقيل: نحن لم نزعم أن الله لما قضى عليهم نقض العهود صار فعل النقض منسوبا إليه، بل هو منسوب إلى الناقض، وزعمنا أن الإيمان بتصديقه في كل ما أنزل في كتابه لازم لنا وفرض علينا، فلما وجدناه مخبرا بإضلالهم عن نفسه، وبالنقض عنهم صدقناه في جميعها، فقلنا كما قال، وآمنا بما أنزل، ولم ننقض إحدى الآيتين بالأخرى. وكذا قولنا في كل ما كان من هذا النمط في القرآن من أن القضاء عليهم بالمعاصي والكفر منه، والفعل بهما من فاعله، والعقوبة عليه والظلم زائل عنه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، وأشباهها من الآيات، ولم يكن لنا في علم كيفية ذلك فائدة إذ ليس","vol":"1","page":104},{"text":"هو مما كلفناه، وهو شيء من فعله وصنعه، ولا ضرنا لحوق الحيرة بنا، إذ حجبنا عن معرفة كيفية علمه، كما هو عنده، إذ نحن عبيد لا يؤثر نقصان العلم في عبوديتنا، ولا يجوز لنا مزاحمة مالكنا في علمه بنا وصنعه فينا.\nوهذا هو موضع إرهاقهم، وأخذ الضيق عليهم، إذ لا يجدون محيصا من الوقوع في الكفر الصريح بتكذيبه في أحدهما، أو الرجوع إلى قولنا إن رغبوا في المحاماة على الإيمان.\nوهي ثلاثة أشياء: نفي الظلم عن نفسه، ونسبته إضلال القوم إليه، وإخباره بالفعل عنهم.\nفإن زعموا أنه صادق في إخبار الفعل عنهم، ونفي الظلم عن نفسه، كاذب في نسبة الإضلال إليه، صرحوا بالكفر، وكفونا مؤنة إثبات القضاء في الشر.\nوإن صدقوه في الثلاثة معا، ولم يستطيعوا غيره، قيل لهم: فماذا نقمتم من قولنا حين عرفنا بالصدق ربنا، وآمنا بالثلاثة كلها، وأقررناها أماكنها، ونسبنا إلى كل ما نسبه ولم نجاوز حده، ورغبنا إليه في المعونة على القيام بالأمر والنهي، كما تستغل العبيد المأمورون، ولم","vol":"1","page":105},{"text":"نزاحم ربنا في معرفة أفعاله كيف يصرفها، إذا كانت عقولنا الناقصة لا تدرك علمه التام، وقضاءه العام.\nأليس هذا تعقب حكمه الذي قالت: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)،.\nأوليس الفكر في ذلك، والإلحاح في معرفته، كالفكر في بدو الخالق ومنتهاه الذي مكايد الشيطان به المؤمنين ليستفزهم به، ويردهم عن دينهم بوساوسه المتلونة عليهم منه،\nرد على المتكلمين:\nفي قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)","vol":"1","page":106},{"text":"رد لقول من زعم أن اسم الميت لا يقع إلا على من فارق الحياة، وأن من لم يكن فيه حياة - قط - فهو موات لا ميت، وقد قال - ﵎ -: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)، ولم يقل: مواتا، وواحد الأموات ميت.\nوفيه أيضا رد على التكلمين فيما يزعمون: أن كل شيء ينمي ويزيد - كالشجر، والنبات، وما لا تعرف له روح ظاهرة - حي، إذ النطفة تنمي وتزيد وتحرك، والمضغة والعلقة يربوان ويكبران، وقد سمى الله - تعالى - كل ذلك ميتا كما ترى.\nفي تثبيت خبر الواحد:\nوفي قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)\nإلى قوله (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)\nتثبيت خبر الواحد، إذ عجزهم عن إخبار","vol":"1","page":107},{"text":"خالقهم بأسامي الأشياء المثبتة له غيب السموات والأرض، وعلم كتمانهم وإبدائهم عندهم كان بإنباء آدم إياهم بها عن ربهم، وهو واحد\nوقوله - تعالى -: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) مخبر عن أن الجنة مخلوقة، وأن قول من قال: تخلق بعد زور وبهتان وتكذيب للقرآن.\nاختصار الكلام:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>وقوله: (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)</span>\nحجة في اختصار الكلام، وإشارة إلى المعنى، لإحاطة العلم بأنهما لم ينهيا عن الدنو، إنما نهيا عن أكلها، فلما لم يوصل إلى الأكل إلا بالاقتراب منها استغنى","vol":"1","page":108},{"text":"والله أعلم - به من ذكر الأول.\nفي قوله تعالى: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)\nدليل على أن معنى الظلم: الخلاف ووضع الشيء في غير موضعه، إذا لم يكن هناك من الظلم بأكل الشجرة، فسمي الحيف عليه ظلما غير أنفسهما، حيثما أوقعا عليه الحيف باستيجاب العقوبة التي تألم به، ووضعها إياها موضع الثواب التي تنعم به لو أطاعه في ترك أكلها.\nولو قال قائل: إن الظلم وقع بالشجرة منهما، إذ قد أمر بتركها في الجنة، فصارا سببا لإخراجها واستحالتها عن حالة الطيب إلى حالة النتن - كانت اللغة محتملة له.","vol":"1","page":109},{"text":"في معنى الحين\nفي قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)\nدليل على أن الحين: يقع، على القليل والكثير من الأوقات لأنه لا محالة هاهنا العمر كله.\nخصوص ورد على القدرية:\n* * *\nقوله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى)\nخصوص لا محالة، لأن الهدى لم يأت إبليس ولا الحية.\nوفيه رد على القدرية، لاستواء الجميع في المعصية، واختصاص آدم وحواء بالهداية إلى التوبة في قوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)، ولم يقل: تاب، وكانت الكلمات والتوبة معا من إنعامه على بعض العصاة دون بعض، وقد استويا في المعصية، واختلفا في","vol":"1","page":110},{"text":"العقوبة، فأين موضع العدل الذي يدعونه بجهلهم من حيث لا يعرفونه، وقد وضع عنهم تفتيشه.\nدليل أن \" مَنْ \" تكون للواحد والجماعة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>وقوله: (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ)</span>\nحجة في أن \"من \" تكون للواحد والجماعة، وهي هاهنا في موضع الجمع لقوله: (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)، ولم يقل: عليه، وتبع، موحد - والله أعلم - لتقدمه على الأسماء المضمرة في \" عليهم \" أو محمول على اللفظ.\nولد الولد:\n* * *\nوقوله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ)\nدليل على أن ولد الولد وإن أسفل، لا يزول عن اسم البنوة، إذ لا نشك أن من خوطب بهذا من بني إسرائيل أسباط أسباط إسرائيل","vol":"1","page":111},{"text":"بدرجات كثيرة، وقد سماهم الله بنيه.\nوضع الشيء موضع غيره:\n* * *\nقوله تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)\nيعني - لا محالة - فرقنا بآبائكم، ومن أنتم نسلهم، وهم ينظرون، إذ كان من خوطب بهذا في زمن رسول الله - ﷺ - لم يشهد ذلك، ولا نظر إليه بعينه، وهذا من سعة لسان العرب، ووضعهم الشيء موضع غيره إذا فهمه السامع بالإشارة، إلى المعنى وفيه حجة للحسن البصري حيث قال:","vol":"1","page":112},{"text":"\" خطبنا عتبة ابن غزوان - وا يكن لحقه ة! انما عنى أنه خطب أهل البصرة، وهو بصري - \" وخطبنا ابن عباس \"، ولم يحضر خطبته، لأنه كان بسجستان أيام ولي ابن عباس البصرة، فعنى أنه خطب أهل بلده، ولم يكن كاذبا في قوله وكذلك","vol":"1","page":113},{"text":"قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) أي: اتخذه آباؤكم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>وقوله: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ)</span>\nهم - لا محالة - آباؤهم ومن هم من نسله، إذ هم المصابون بالصاعقة، والمبعوثون بعد الموت، وما يحقق ذلك - وإن كان لا شك فيه - أنه قال بعد تمام الكلام وذكر المن.","vol":"1","page":114},{"text":"والسلوى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)\nفرجع إلى ذكر آبائهم، ومن كان كل ما ذكره حادثا فيهم.","vol":"1","page":115},{"text":"تكرير في كلام العرب:\n* * *\nقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) .\nرد على من يزعم أن العرب ليس في كلامها تكرير ولا تأكيد، وأن كل لفظة لها تقتضي معنى مفردا، وأراه ﵎ قد ذكر الركوع على الانفراد، وهو - لا محالة - داخل في الصلاة.","vol":"1","page":116},{"text":"معنى الظن:\nفي قوله: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) .\nدليل على أن الظن من الأضداد: يكون بمعنى اليقين والشك، وهو هاهنا يقين لأنه مدح للخاشعين.\nوالقراءة في قوله: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) برفع الهاء على الفعل المستقبل أحسن منها بفتحها على الماضي، إذ لو كان كذلك لكان - والله","vol":"1","page":117},{"text":"أعلم - تشابهت بالتاء لتقدم الاسم عليها.\nوإن كان فتحها على أن تحمل الفعل على لفظ البقر جائزا، فرفعها أحسن لما ذكرنا، ثم لا يضرك ثقلت الشين أو خففتها والتثقيل أحب إلي.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>قوله: (إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ)</span>\nحجة لمن قال: إن ما كان من أوصاف المؤنث على وزن فعول فهو بغير هاء، كقولهم: امرأة صبور وشكور.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>قوله: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا)</span>\nرده - والله أعلم - على الميت ولم يرده على النفس.\n* * *\nقوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)\nليس بشك، لأن الله تعالى لا يشك، وكيف يشك بشيء هو خالقه","vol":"1","page":118},{"text":"وناقله من حال إلى حال ولكنه - والله أعلم - على ما تتكلم به العرب من نحو ذلك، إذ القرآن نازل بلسانهم.\nوكان بعض المتقدمين يزعم أن هذا وقوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)\nوأشباههما \" أو \" فيه بمنزلة الواو، أو بمعنى \"بل\"، كأنه يقول: \" وأشد قسوة \" \" ويزيدون \" وما قلناه أحب إلي وكلاهما حسن، وأحسن منهما معنى أن تكون كالحجارة، تنبيها لهم بما يعرفون من قسوة الحجر، ويكون (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) بما يعرفه الله دونهم والله تعالى أعلم به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>قوله: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ)</span>\nدليل على أن ألفاظ العباد بالقرآن غير مخلوقة، لأنهم","vol":"1","page":119},{"text":"- لا محالة - كانوا يسمعون من غيره، وقد أضافه إلى نفسه،.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>قوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)</span>\nفالظن بمعنى الشك، وقد صح التضاد فيه لشهادة القرآن بكلا المعنين.\nفإن قيل: فما وجه ذمهم بالأمية، والأمية من نعت رسول الله صلى\nالله عليه وسلم،\nقيل: لم يذمهم بها، لأنها مذمومة في نفسها، بل فيها ظهور أمارة النبوة له، أن يكون وعى الوحي كله بما أيد من الحفظ وعصم من النسيان بقوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) وهو أمي.\nوفيه أيضا دليل على ما قلناه: إن الشيئين قد يتفقان في الاسم، ويختلفان في المعنى، ولو كان كل صفة تكون في غير نبي لا يجوز أن تكون في نبي، لما جاز أن يكون في البشرية نبي، إذ هم مساوون لهم في الأكل والشرب والنوم والجماع، وسائر أوصاف البشر، ألا ترى أن الله ﵎ ذم الكفار حيث أنكروا بعثه رسولا فيه بعض","vol":"1","page":120},{"text":"صفاتهم، من أكل الطعام والمشي في الأسواق فقال: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)\nثم قالت في تمام الكلام: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)، فأعد هذا القول منهم ضلالًا\nوقال في موضع آخر: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)\nقدم كل هذا من أقاويلهم، وأنكره من أمثالهم، وأخبر بأن الرسل لا يضرهم مشاركة من شاركهم في بعض صفاتهم، إذ انفردوا بالنبوة التي لا مشاركة فيها.\nشرى المصاحف وبيعها:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>قوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) </span>.\nيؤيد قول من أجاز شرى المصاحف وبيعها: إذ","vol":"1","page":121},{"text":"الوعيد منه جل وعلا واقع على الناسبين إليه ما اختلقوا فيه، والمدعين عليه مالم ينزله، ليسلكوا فيه بالاكتساب مسلكا للإطاحة فيه بكتب الحق التي أنزل الله، لا أن الوعيد وقع على الاكتساب دون الاختلاق،","vol":"1","page":122},{"text":"إذ لو كان الاكتساب ببيع التوراة محرما، ما نفق اختلاقهم في وجوه مكاسبهم به.\nوفيه دليل: على أن الكتب المودعة أباطيل الكفر والسحر، وكل ما يخالفه الحق، لا يجوز الشرى والبيع فيها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>وقوله: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)</span>\nرد على المؤقتين من تلقاء أنفسهم باستحسانهم، إذ كل توقيت لا\nحجة فيه يعمل عليها من كتاب أو سنة أو إجماع، ادعاء مالا علم\nلمؤقته، ومردود عليه كرد الله على هؤلاء، وإبطال قولهم فيما","vol":"1","page":123},{"text":"ادعوه من مس النار لهم أياما معدودة، وأرادوا بالأيام المعدودة: الأيام التي اتخذوا فيها العجل وهي أربعون يوما.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>قوله: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)</span>\nينبئ أن الخطيئة هاهنا: الشرك، لقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فدل على أن الكاسب السيئة والمحاط به لم يؤمن، وإذا كان كذلك لم يكن للمعتزلة متعلق بقوله: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) .\nلأن السيئات هاهنا","vol":"1","page":124},{"text":"- والله أعلم - أنواع الكفر.\nوليس في قوله: (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) ما يدل على\nأن أصحاب السيئات لم يكونوا كفارا، لأن معناه - والله أعلم - أن من قال هذا القول منهم عند الموت، فيوشك، ولم يقل: \" له عذاب أليم \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>قوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ)</span>","vol":"1","page":125},{"text":"دليل واضح على أن القرآن غير مخلوق، وأن التوراة غير مخلوقة، وأنه ليس بحكاية، قد جمع كل هذا الإضافة إياه إلى الله، وهم لم يسمعوه من رسول الله - ﷺ -.\nفلو لم يكن القرآن بجميع جهاته غير مخلوق لقال - والله أعلم -: حتى يسمع مثل كلام الله أو حكاية كلام الله، أو قراءة كلام الله، فلما قال: كلام الله، أبطل كل ذلك، فمن ادعى شيئا منه خالف الله تعالى، وكان قوله مردودا.\nومثله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) .\nوقال إخبارا عن الوليد بن المغيرة: (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)","vol":"1","page":126},{"text":"فرد عليه ما قال: إنه قول البشر، فلا يكون قول بشر على شيء من\nالأحوال.\nوالوليد لم يسمعه إلا من رسوله الله - ﷺ - أو من أصحابه، وكلهم بشر وألسنتهم ألسنة البشر، وهو بين.\nفإن احتج محتج بقوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)، قيل: لا يجوز\nأن ينفى على البشر، ويثبت للملك، لأن الملك تلفظ فيه كما تلفظ البشر به.\nفإذا نفاه عن البشر كان عن الملك أيضا منفيا، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن وجهه - والله أعلم - إلا أنه قول جاء به الرسول الكريم من عند الله، وهو قوله الله لا قوله، فأضيف إليه على معنى أنه الآتي به،","vol":"1","page":127},{"text":"وهذا مثل قوله (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) .\nوأضيف الإهلاك والإنجاء إليهم، وإنما هو المهلك والمنجي، ولكنه لما كانوا هم الجايئين به من عنده بهذا الإهلاك والإنجاء - أضيف إليهم.\nوقال الله لمريم: (أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ) .\nوالله هو الواهب لا محالة.","vol":"1","page":128},{"text":"وكقوله في عيسى ﵇: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ)\nوالله الخالق على الحقيقة، كذلك (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)\nوهو قول الله على الحقيقة، وأضيف إلى الرسول المجيء به.\nتسمية الشيء باسم الغير إذا كان منه بسبيل\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>قوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) </span>.\nحجة: لمن يسمي الشيء باسم غيره إذا كان منه بسبيل، إذ الأنفس\nفي هذا الموضع أهل دينهم لا ذات أنفسهم، لأنهم جنس واحدة يتولد بعضهم من بعض، يبين ذلك قوله (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ)","vol":"1","page":129},{"text":"فلو كان المراد بهذا الخطاب ذات أنفسهم لم يكن في إخراج غيرهم ما ينقض ميثاقهم المأخوذ عليهم في ترك إخراج أنفسهم.\nالرد على المرجئة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)</span>\nرد على المرجئة، إذ المتمسكون بدين موسى - ﷺ - قبل إنزال الفرقان كانوا مستكملي الإيمان عندهم. وقد سماهم الله ﵎ بترك الإيمان بالقرآن، والاقتصار على الإيمان بالتوراة - كفارا.\nوليس يخلو ما دعوا إليه من الإيمان بالقرآن، من أن يكون عند المرجئة مضافا إلى أصل الإيمان، أو معدوما في عداد الشرائع، فإن كان مضافا إلى أصل الإيمان فهو نقض لقولهم فيما أنكروه من تخزية ونفي الزيادة فيه.\nوإن كان سلوكا به سبل الشرائع فهم لا يسمون شيئا من الشرائع","vol":"1","page":130},{"text":"إيمانا وقد سماه الله تعالى في هذه الآية، إيمانا، ولا يسمون تارك شريعة كافرا، وقد سمى الله من لا يؤمن بالقرآن في هذه الآية كافرا.\nحجة على الجهمية:\n* * *\nقوله تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ)\nإلى قوله (فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)\nحجة على الجهمية والمعتزلة: لوصفه نفسه بعداوة من يعاديه، وملائكته ورسله، من الكفار، وهذا هو الذي ينكرونه أشد الإنكار.\nالرد علي القدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>قوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)</span>\nمثبت مقالتنا في الرد على القدرية، لإضافة فعل التفرقة بالسحر إليهم ونفي ضرهم به إلا بإذنه، كقولنا: إن فعل المعصية منسوب إلى العبد وقضاءها إلى الرب،","vol":"1","page":131},{"text":"فمن آمن بالتفرقة وكفر بالإذن كفانا مؤنة الاشتغال به ومن آمن بهما رجع إلى قولنا فيه.\nفي التوفيق\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>وقوله: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) </span>.\nدليل واضح لمن تدبره أن حرمان التوفيق أقعدهم عن الإيمان لما حسدوا عليه غيرهم وتبين لهم حقيقته، إذ محال أن يحسدوا غيرهم على ما هو باطل عندهم وفي أيديهم بزعمهم ما هو خير منه. هذا ما لا يذهب على مميز، إذ لو كانوا قادرين على أنفسهم أن يخرجوا إلى ما عرفوه من الحق في أيدي غيرهم لاستغنوا بالتعجيل إليه عن مقاساة الحسد الذي لا يحصل إلا على التحسر ومضض الغيظ.\nوالذي يجوز لنا أن نتكلم فيه، ولا نرهب أن يكون مزاحمة في علمه، ولا نقضا لكتابه وجحودا بوحيه - أن التوفيق ليس بحق لهم عند الله فيكون ظالما لهم بمنعه عنهم، بل هو تفضل ينعم به على من يشاء ويحجبه عمن يشاء، والقرآن يشهد لنا بذلك في غير موضع في","vol":"1","page":132},{"text":"هذه السورة، وفي سورة آل عمران في قوله: (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ)\nفلا يجوز لنا أن نقول في إضلال من أضل أكثر من التسليم له، والإيمان بما أنزل في كتابه وتصديقه بما لا نعرف حقيقة علمه كما عرفنا حقيقة علم التوفيق كيف حجب عن غير أهله، وهذا الذي يتصور في عقول القدرية من أن إضلالهم والقضاء عليهم بما أمروا خلافه ثم يعاقبون عليه - ظلم توسوس به اللعين إليهم وإلينا.\nلكن نقول: إن علمنا بعداوته إلينا يحول بيننا وبين أن نعمل عليه وتكذيبنا بالقرآن إن قلنا بمقالتهم يورطنا فيما هو أعظم من تصور ما لا يضرنا جهله في عقولنا، إذ ليس هو بأمر ولا نهي نحتاج إلى معرفتهما لندين الله بهما، والذي نحتاج إليه في أصل إيماننا بالخالق هو: علمنا بأنه عادل في جميع جهاته، غير جائز على أحد من خلقه، والمتصور في عقولنا من ذلك ليس بمحيل إمكانه في عدله بل عقولنا لنقصانها إذ هي مخلوقة، ونحن مخلوقون - تعجز عن إدراك علم الخالق المنزه عن النقصان، ولو جاز لنا أن نرد مالا تحمله عقولنا، ولا تتسع له صدورنا، ولا نسلم فيه للقرآن ولما جاء رسول الله،","vol":"1","page":133},{"text":"ﷺ، به من البيان - لسلكنا بأنفسنا طريق السدى ومن لا يؤمر ولا ينهى، ولكان الرسول غير مبعوث إلينا والتنزيل غير نازل فينا، وهذا خروج من الإسلام، بل خروج من العبودية وجحود بالربوبية.\nوهل يجوز لعاقل أن يعد تعظيم ربه في خلاف كتابه والمزاحمة في علمه، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا على أن الله - جل وتعالى - قد أنزل في كتابه ما أخبر به عن إضلال من نسب ضلاله إليه، ووصف نفسه بضد الجور وأنه لا يظلم أحدا مثقال ذرة، فإن كان القوم يعدون تعظيمه في تكذيبه فنحن نعده في تصديقه.\nبل نعد تكذيبه - ﷻ - من الكفر الصريح الذي لا التباس فيه. وإن قالوا: لا نكذبه ولكن هذا مزيد في كتابه ولم ينزله الله على نبيه - هدموا الإسلام، وخرجوا من قول الجماعة، متبعهم ومبتدعهم، إذ إطلاقهم موجود على أن جميع ما حواه الدفتان نازل من عند الرحمن.\nويقال للقدري: إن كنت نفيت هذا عنه - جل وتعالى - وأعددته تنزيها من أجل أنه متصور عندك بضد العدل، وأنك غير واصل إلى","vol":"1","page":134},{"text":"العلة التي تسلك به سبيل الحق الدال على العدل من حيث يقبله عقلك، ولا تشمئز منه نفسك، فما العلة التي أوجبت عندك غسل جميع الجسد من خروج النطفة، ولم توجبه من خروج النجو، والنجو أنجس وأنتن منها. وما الذي أوجب أن يكون الفجر ركعتين، والظهر أربعا، والمغرب ثلاثا، وما الذي أوجب أن تترك المغرب والفجر في السفر على حالهما، وأبيحت الحطيطة في غيرهما وما الذي سوى بين دية الطفل الرضيع والشيخ الكبير، وأشباه هذا مما يطول الكتاب بذكره.\nوما العلة في خلق كافر سوي بصير ومؤمن زمن أعمى، وعبد مخول، وملك مقتدر، وبهائم خلقت لأكل العتاة وركوب العصاة، ومتصور هذا كله عندك بصورة العدل وانتظام الحكم، وقضاء المعاصي وحده بصورة الجور،\nأم جميعه متصور في عقلك بصورة واحدة فتدخله تحت جحودك وإنكارك، وتقول: إن كل ما ظهرت فيه أمارات الجور بتمييز عقلك الناقص وبخبرتك الضعيفة، نزهت عنه ربك وكابرت عليه خصمك،","vol":"1","page":135},{"text":"ولم تضع نفسك موضع العبيد الذين لا يشاقون الله في الأحكام بما يتصور لهم في الأوهام، ويعلمون أن كل ما أمر ونهى وختم وقضى حق وعدل منتظم فصل، عرفوه أم لم يعرفوه، والإيمان به واجب، واستعماله لازم من غير فكر في كيفيته ولا اشمئزاز في تلونه، معولين فيه على قوله (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) .\nدعوى:\nوفي قوله: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)\nدليل على أن كل مدعي دعوى، محتاج إلى تثبيتها وإقامة البرهان عليها، ثم لا يقبل ذلك البرهان، إلا أن يكون مأخوذا عن الله - جل وتعالى - لقوله في الآية التي قبل هذه حيث ادعى القوم أن لا تمسهم النار إلا أياما معدوة: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) .\nفلم يصحح لهم دعواهم إلا بعهد لهم يكون عنده، أو ضمان يسبق\nمنه لهم، ليكون الارتياب زايله عن صحتها ومحققا لها.","vol":"1","page":136},{"text":"وفي قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)\nدليل على أن \" كل \" يخبر بها عن الجميع وعن الواحد، فأما الجميع هاهنا فعلى المعنى، وأما التوحيد فعلى اللفظ والجنس.\nقال الله - جل وعلا - في سورة بني إسرائيل: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) فوحد\"يعمل \".\nتطهير:\nوفي قوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)\nمن جهة الفقه أن ذكر التطهير ليس بدال على النجاسة في كل موضع، إذ نحن على يقين من أن البيت لم يكن نجسا بنجاسة القذر فأمر بتطهيره منه، وكذلك أمره الجنب بالتطهر في قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)\nليس بدال على إزالة قذر، إذ الجنب بخروج النطفة منه لا ينجس نجاسة الأقذار، ولا المحدث بخروج البول والغائط منه ينجس، وإنما يطهر أعضاء وضوئه، والجنب جميع بدنه استعبادا لا تطهير قذر، فليس لاعتلال من اعتل، واستدل على نجاسة الكلاب بقول رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":137},{"text":"\" طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات \"\nمعنى يعول عليه ويوجب أن يكون ذكر الطهور دالا على إزالة قذر حادث في الإناء بولوغ الكلب فيه، ونحن لا ننكر أن حكم التطهير واقع على إزالة الأقذار أيضا، ولكنا نزعم أنا إذا أمرنا بتطهير شيء أصله طاهر قبل الحدث عليه فهو تطهير تعبد، لا تطهير إزالة نجس الأقذار، وإذا أمرنا بتطهير شيء أصله نجس فهو تطهير ذلك النجس.\nفلم نعرف البيت ولا بدن المؤمن ولا الإناء قبل ولوغ الكلب فيه ولا الكلب نجسا، فحكمنا على الأمر بتطهيرها أنه تطهير تعبد لا تطهير إزالة شيء، وحكمنا على تطهير الأرض من البول أنه تطهيرها من إزالة نجاسة البول، لإحاطة علمنا بأن البول لا محالة نجس بنجاسة الأقذار، ونزعم مع ذلك أن النجاسة نجاستان: فإحداهما نجاسة ذات، والأخرى نجاسة","vol":"1","page":138},{"text":"فعل فما كان من نجاسة الذات لم يطهر إلا بالماء لإزالة عينه به.\nوما كان من نجاسة فعل فطهارته تركه. وهذا مشروح في كتابنا المؤلف\nفي الطهارة.\nوما أمر به إبراهيم وإسماعيل - صلى الله عليهما وسلم - من تطهير فهو من نجاسة فعل المشركين وإحضار أصنامهم فيه وحوله، فأمر - والله أعلم - بإبعادها عنه وتطهيره بالصلاة والذكر.\nردٌّ على المرجئة:\nقوله إخبارا عن إبراهيم وإسماعيل - صلى الله عليهما وسلم -: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)\nرد على المرجئة فيما يزعمون أن الاستثناء في الإيمان شك فيه.\nأفتري إبراهيم وإسماعيل عندهم كانا شاكين في إسلامهما حيث دعوا ربهما أن يجعلهما مسلمين وهما مسلمان،\nأم لم يكونا أسلما عندهم قبل الدعاء فدعوا أن يرزقاه،\nأو لا يعتبرون - ويحهم - أنهما كانا لا محالة مسلمين، ومع الإسلام نبيين، فرغبا أن يزاد في إسلامهما الذي لا نهاية لفضايله وزيادة الخشية في إقامة فرائضه.","vol":"1","page":139},{"text":"وقد دللنا على أن العمل يسمى إيمانا كتسمية القول والتصديق.\nوأن الإيمان والإسلام يجمعهما اسم وإن فرق بهما غيره في كتابنا المجرد في وصفه وشرح زيادته ونقصه.\nولو لم يكن من الدليل على أن دعاءهما للازدياد إلا إشراك من لم يكن مخلوقا من ذريتهما فيه عند دعوتهما - لكان قد أزال كل ريب فيه ولبسة تحول بين الوصول إليه.\nفأي المعنيين اعترفوا به من هذين لزمتهم به الحجة:\nإن أثبتوا كمال الإسلام لهما قبل الدعاء انتقل عليهم قولهم في إنكار الاستثناء. وإن زعموا أنهما لم يكونا كاملي نهايته انتقض عليهم في إنكار الزيادة فيه، ولا سبيل إلى ثالث إلا ما ألزمناهم من نفي جميعه عنهما قبل المسألة. وهذا كفر بعينه لم يلتزموه لفظاعة توهمه فكيف تقلده،\nومسألتهما التوبة في مكانهما من الله واستغفار رسول الله، ﷺ، في جلالته إذ يقول: \" إنه ليغان على قلبي، وإني لأتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) .","vol":"1","page":140},{"text":"تحذير لنا شديد كيف يكونوا مع الله - ﷻ - بهذه المنزلة مع\nطهارتهم وتلوثنا.\nمعاني الملة والإسلام والدين والشريعة والصراط:\nوفي قوله: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)\nأبين البيان أن الملة والإيمان والإسلام، والدين والشريعة والصراط والمنهاج أسامي تجمع المرتضى من دين الله الذي اختاره لنفسه ودعا إليه عباده، وينوب بعضها عن بعض، ويقع على أجزائه التي لا يستغني بعضها عن بعض. ألا تراه - جل ثناؤه - كيف بدأ الآية بذكر الملة ثم أخبر أنها الإسلام والإسلام منها بقوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)\nثم قال: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ)\n- أي بالملة والله أعلم لرجوع الهاء عليها - (إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ)\nفسماها نبياه مخبرين عنه شيئا بعدما سماها إسلاما،","vol":"1","page":141},{"text":"ثم سمياه إسلاما بعدما سمياه شيئا بقوله: (فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) وقال ﷿ في سورة الحج: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ)\nفجمع بين الدين والله والإسلام في آية واحدة.\nوقال في سورة المائدة: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)\nوقال في سورة الأنعام: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) .\nوفي سورة عسق: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ) .\nوقال في غير موضع: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا)\nثم أخبر عن هذا كله باسمين وجمعه فيهما، فقال في سورة آل عمران: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) . وقال في سورة المائدة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)","vol":"1","page":142},{"text":"ورسول الله - ﷺ - حين سأله جبريل - ﵇ - قال له: الإيمان كذا، والإسلام كذا وكذا سمى له جزءا جزءا باسمه على التفصيل الذي ينوب عن جميعه واحد بعينه.\nوأكبر غلط القوم في ذلك، وما لبس عليهم جهلهم بأجزاء الإيمان وتصوره عندهم في صورة جزء واحد.\nولولا أن هذا الكتاب مقتصر به على النكت غير مقصود به الإتيان على نهاية التلخيص، لشرحناه بأكثر من هذا الشرح وذكرنا جميع الآيات الدالة على تسمية العمل إيمانا وسنلوح منها على تأليف السور في أماكنها جملا يستغني بها الغائص على النكت عن إطالة شرحنا - في كتابنا المجرد فيه إن شاء الله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>قوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) </span>.\nحجة في تسمية العم والجد أبا كتسمية الأب، لأن إسماعيل عم","vol":"1","page":143},{"text":"يعقوب وإبراهيم جده وإسحاق أباه، فسموا كلهم آباء.\nوفيه حجة لمن يزعم أن العم يزوج صغار بنات أخيه لوقوع اسم الأب عليه. فإن قيل: فلعله إنما سمى إسماعيل في هذه الآية إما لاقترانه مع الأب والجد اللذين اسم الأبوة شامل لهما بكل حال، كما سميت الأم إذا اقترنت مع الأب، فقيل: أبوان، وكما يقال: الأسودان، وعدل العمرين، وأشباه ذلك، ولو انفرد لم يسم بغير العم، كما لا تسمى الأم إذا انفردت أبا، والماء إذا انفرد أسود، وأبو بكر إذا انفرد عمر.\nقيل: لا نعلم هذا واردا في السريانية، كما نعرفه في العربية،","vol":"1","page":144},{"text":"والله - جل وتعالى - وإن كان مخبرا عنهما بالعربية، فإنما يخبر عنهم ما قالوا، ولم يبلغنا أن في لسانهم هذا النمط من الاقتران، وهذا وإن كان هكذا، فليس بحجة شافية في تزويج العم صغار ولد الأخ، لأن أكثر ما في ذلك جواز تسمية العم باسم الأب، وإعداده صدقا غير كذب.\nوالتزويج باب آخر يحتاج معه، إلى شرط آخر مع التسمية، كما يحتاج الأب الأدنى الكافر في المسلمة إلى شرط الإسلام، والأخ الصغير إلى شرط البلوغ، ويحتاج العم المسمى باسم الأب ليجري مجراه إلى شرط الأدنى في التزويج، ولو كان بوقوع اسم الأب عليه يجرى مجراه بكل حال، جاز أن تحجب به الإخوة من قبل الأب والأم، أو الأب في الميراث، كما يحجبان بالأب، ولا خلاف بين المسلمين أنهما يحجبانه ولا يحجبهما.\nوحرم على ابن أخيه ما نكح من النساء، لأنها امرأة أبيه.\nوحرم عليه ما نكحه بنو أخيه لأنهن حلائل بنيه. وهذا لا يقوله بشر نعلمه، فليس للإباحة له تزويج صغار ولد أخيه - بوقوع اسم الأب عليه وحده من بين هذه الأشياء - وجه.","vol":"1","page":145},{"text":"في الشهادات:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)</span>\nدليل على أن: العلم شهادة يجوز إقامتها، وإن لم يكن الشهود قد أدركوا المشهود عليه، ألا ترى الله - ﷻ - كيف جعل هذه الأمة شهودا على قوم نوح.؟ ولم يدركوهم ليسمعوا قولهم، فتقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة إذا جحدوا رسالة نوح بما استيقنوا علمه من كتاب الله، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)\nمع جميع ما قص عليهم من أخباره معهم. وكذا روى أبو أسامة.","vol":"1","page":146},{"text":"عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ -: \" يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت، فيقول: يا رب نعم، فيقال لقومه: هل بلغكم، فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقال له: من يشهد لك، فيقول: محمد - صلي الله عليه وسلم - وأمته، قال رسول الله - ﷺ -: \" فيجاء بكم، فتشهدون \" ثم قرأ رسول الله ﷺ: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .","vol":"1","page":147},{"text":"وفيه أيضا: دليل على أن شهادة المسلم على سائر الملل جائزة، كان معروفا بالعدالة في المسلمين أو غير معروف، لأن الله جل وتعالى عدل هذه الأمة عليهم عدالة عامة، فإذا أقام الشهادة على أهل دينه لم يقبل إلا أن يكون عدلا فيهم، لاشتراط الله ﵎ فيه شرطا آخر في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) فاشترط فيها عدالة ثانية سوى حظه في قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) أي عدلًا\nوفي تسميته ﵎: من كان على غير دين الإسلام ناسا في قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)\nوفي غير موضع في كتابه -","vol":"1","page":148},{"text":"دليل: على أن من كان على دين الإسلام تاركا لكثير من أخلاق أهله بذنوب يقترفها على نفسه - أحرى أن لا يزول عنه اسم الناس، وأن الخبر المروي عن أبي هريرة - حيث يقول: \" ذهب الناس وبقي النسناس \" - تعريضا بالمخلطين، واهي الإسناد، لأن ابن جريج مدلس ولم يذكر سماعه من ابن أبي مليكة، ورواه عن","vol":"1","page":149},{"text":"ابن جريج الثورى وهو مدلس (٢) .\nفإن قيل: كيف يعدل، من لا يعرف بالعدالة على غير دين الإسلام، والحاكم لا يعرف من صدقه ولا أمارة عدله ما يعرفه الله منه يوم يشهد على قوم نوح.\nقيل: قد عدلهم تعديلا عاما في الظاهر، ولم يخبر عن الاقتصار بهم\nعلى ذلك الموضع وحده بشيء يسلم له.\nفإن قيل: فلعلها تقبل من أجل - محمد - ﷺ - معهم وهو عدل لا شك فيه - كسره عليه امتناعه من قبول شهادة غير عدل مع عدل.","vol":"1","page":150},{"text":"رد علي المرجئة:\n* * *\nقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)\nرد على المرجئة: لتسمية الله الصلاة نفسها إيمانا، ألا تراه قال في ابتداء الآية: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) .\nفلما صرف رسول الله - ﷺ - عن القبلة التي كان عليها وهي: قبلة بيت المقدس إلى الكعبة - قالوا: يا رسول الله، أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي إيمان من مات منكم على تلك القبلة والله أعلم. وهذا كما تقدم من قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ)","vol":"1","page":151},{"text":"أي: من أنتم من نسلهم.\n(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)\nحجة لن يرى السعي بينهما غير مفروض، وذلك أن الأنصار كانوا في جاهليتهم يتحرجون الطواف بينهما، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وأعلمهم أن التحرج من شعائره خطأ، والعمل به","vol":"1","page":152},{"text":"تطوع خير، والتطوع لا يكون فريضة، فإن زعم زاعم: أن (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) استئناف شيء غيره لا إخبار عن الطواف بهما جعله مجهولا.\nوأولى المعاني به - والله أعلم - أن يكون إخبارا عن الطواف، كما قال - جل وتعالى -: في كفارة العاجز عن صوم شهر رمضان: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)\n، أي زاد على مسكين، فكان تطوع هذه الزيادة لا محالة غير مفترض، إذا كان إطعام مسكين واحد مجزيا، وكان الطواف بالبيت مجزيا عن، السعي بين الصفا والمروة فصار السعي تطوعا.","vol":"1","page":153},{"text":"غير أنا نقول: من التطوع المؤكد الذي لا نبيح تركه؛ لأن رسول الله\n- ﷺ - سنه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُو</span>ا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) .\nدليل: على أن التوبة من الذنوب على وجهين: فما كان من ذنب يمكن تلافي التفريط فيه في المستقبل لم تصح حتى يصلح في المستقبل ما أفسد في الماضي.","vol":"1","page":154},{"text":"ألا تراه - ﷿ - كيف اشترط إصلاح ما أفسد بكتمان البينات والهدى، وبيانه للناس بعدما كتموا، وقالت (فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ)، ولوندموا على الكتمان، ولم يصلحوه في المستقبل بالبيان ما نفعتهم التوبة، إذ ندمهم على فعل يستطيعونه بعد الندم، ويقدرون أن يوصلوا منفعته إلى المكتومين عنهم لا ينفعهم، وهو كالمداجاة (١) والله - ﷻ - لا مداجاة معه.\nوما كان من شيء لا يمكن رده، فالندم كاف منه كمواقعة الزنا، وشرب الخمر وأشباههما إذا فات لا يمكن تلافيه بالرد، فأكثر ما فيه الإضمار على ترك المعاودة، وهذا ليس برد.\nحجة خانقة علي المرجئة\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>قوله: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)\nإلى قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)</span>\nحجة خانقة\n_________\n(١) المداجاة هي: المداراة في الأمر والمساترة فيه، مأخوذ من داجي الرجل مداجاة إذا ساتره بالعداوة. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٤٩) مادة دجا.","vol":"1","page":155},{"text":"للمرجئة جدا، لأنه - جل وتعالى - لم يثبت لهم الصدق إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرهما من الأعمال التي ذكرها معهما، وهم لا يخالفون أن من لم يكن صادقا كان إيمانه غير ثابت له.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)</span>\nحجة لمن قال: الوصية لمن كان غير وارث من الأقربين باقية، لأن آي المواريث إن كانت نسخت وصية الوارثين فلم تنسخ وصية غيرهم، ومن اعتل بإبطال الوصية لهم بحديث عمران ابن حصين في العبيد فقد أغفل كل الإغفال، وناقض","vol":"1","page":156},{"text":"نفسه كل النقض، إذ من أصله أن السنة لا تنسخ القرآن، فنسخ بتوهم في حديث عمران لا بنص فيها.\nفإن قال قائل: لم يجعله نسخا بل جعله بيانا: قيل: البيان يكون تفسير جملة أو تفصيل مبهم، فأما إزالة الشيء وإبطال حكمه فهو النسخ بعينه.\nومن إغفاله في ذلك أنه أنزل عتق العبيد في المرض منزلة الوصية وهو وغيره يرون الرجوع في الوصية، وتغييرها قبل حلول الموت بالموصي فهل يجيز - ليت شعري - الرجوع في عتق العبيد المعتقل في المرض فيخرج من قول الأمة.\nودعواه في أن عبيد المعتق عجم للقرابة بينهم وبين معتقهم لو صح تأويله في الوصية ما قبلت، إذ هي حكم على شيئين على عجمهم - وقد يجوز أن يكون الأعجمي قرابة للعربي - وعلى نفي القرابة بكل حال، وهذا لا يقبل إلا بخبر لا بتوهم، وهو موضوع بشرحه في كتاب الوصايا","vol":"1","page":157},{"text":"في الجهاد.\nوفي قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)\nدليل: على أن المريض يلحقه من رخصة الجمع بين الصلاتين ما يلحق بالمسافر، لأن الله قد جمع بينهما في رخصة الإفطار.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>قوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)</span>\nدليل على تحريم قتل الصبي من أولادهم، والمرأة إذا لم تقاتل.\nولو جعله محتج حجة في منع قتل الرهبان وأصحاب الصوامع الكافين\nعن قتالنا، وجد إن شاء الله مساغا، وهو موضوع بشرحه في كتاب الجهاد.","vol":"1","page":158},{"text":"وقوله (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ)\nيؤكد قول من أجاز الزيادة في البيان بلا لبسة إذ لا يمكنه في كاملة يمكنه في تسمية الثلاثة والسبعة بالعشرة.\nولقد بلغني عن بعض المعنفين أنه قال في (كاملة): ليست بتأكيد، إنما أراد أن صيام العشرة الأيام للمتمتع كاملة حجة. فهذا","vol":"1","page":159},{"text":"القول لو عري من الخطأ في الدعوى، لم يعر منه في اللغة، إذ لو كان كذلك لكان عشرة مكملة لا كاملة، يقال: أكملت له كذا فأنا مكمل، ولا يقال: كملته فأنا كامل، قال الله جل وتعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ولم يقل: كملت.\nحجة على الجهمية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ)</span>\nحجة على الجهمية واضحة فيما ينكرون من الحركة والنزول إلى","vol":"1","page":160},{"text":"سماء الدنيا وأشباه ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)\nإلى قوله (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ </span>(٢١٣) .\nحجة على القدرية والمعتزلة في خصلتين:\nإحداهما: أنه جعل إنزال كتابه الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه لا معقولهم\nفمن اقتصر منهم على معقوله وجعله حاكما بينه وبين خصمه، علمنا\nأن حكمه غير نافذ، إذ جعل الله له وجها وهو كتابه فأتاه من غيره.","vol":"1","page":161},{"text":"والأخرى: قوله (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) والإذن لا يخلو من أن يكون راجعا على الاختلاف، أو على الهدى، وعلى أيهما رجع فهو حجة عليهم لا محالة، لأنهم ينكرون إذنه في الاختلاف بكل حال، وينكرونه في الهدى خوفا من لزومهم في الضلالة حتى إنهم ليجعلون الإذن هاهنا وفي قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) بمعنى العلم، وهذا لو لم يكن مستحيلا في اللغة أيضا، ثم أزيل به لفظ الإذن إلى لفظ العلم لكان غير مقبول إلا من منزله أو رسوله أو جماعة الأمة وكيف وكسر الألف يبطل تأويلهم في جميع اللغات.","vol":"1","page":162},{"text":"في القياس والتقليد\nوفي إنزاله - جل وتعالى - الكتاب حاكما بيننا في اختلافنا حجة لنا\nفي باب الفقه في إبطاله التقليد والقياس.","vol":"1","page":163},{"text":"والاستحسان إذ ليس شىء من ذلك مسمى بالكتاب والمحتج منه","vol":"1","page":164},{"text":"على تثبيتها متأول لا متبع نص، ولو قبلنا تأويله في تثبيت ما ننكره بمثله لقبلنا منه نفس ما تأول له بجنسه.\nفي إتيان المرأة في دبرها:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>قوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)</span>","vol":"1","page":165},{"text":"دليل على أن المرأة لا توطأ إلي حيث تكون حرثا، والحرث ما ينبت.\nوفي قوله (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)\nكالدليل على أن الآتي في دبرها - والدبر ليس بحرث - عادٍ لا محالة.\nوالاستدلال بهذا أحسن من الاستدلال بأذى الحيض والجمع بينه وبين الغائط لأن ذلك قياس، وما استدللنا به نص.\nأيمان:\n* * *\nوقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) .","vol":"1","page":166},{"text":"دليل على أن اليمين بالله تجتنب على كل حال - بر فيها الحالف أم فجر وكان الربيع بن أنس يقول: في قوله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ)\nكان الرجل يحلف ألا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس كأنه يذهب - والله أعلم - إلى أن في (تَبَرُّوا) ضمير لا كأنه قال: لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تبروا، ولا تتقوا، ولا تصلحوا بين الناس.\nفنهوا أن يجعلوا أيمانهم بالله سببا لترك ذلك - والله أعلم - أي ذلك هو.\nنفقة:\nوقوله تعالى (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)\nحجة في إيجاب نفقة صغار","vol":"1","page":167},{"text":"الأولاد. وليس هو عندي كذلك، إذ الرزق والكسوة واجب لهن بالزوجية قبل ولادتهن، وقبل حاجة الزوج إلى من ترضع أولاده منهن، فلا وجه لاعتبار نفقة الصغار بهذا، ولو كان متخوفا من هذا الموضع، ما كان على الأزواج نفقة الزوجات قبل أن يلدن، وهذا لا يقوله بشر، ولا أعلم أحدا جعل للزوجة أجرة على الرضاع مضافة إلى نفقة الزوجية ولا ذكرها الله إلا للوالدات المطلقات إذا أرضعن بعد الطلاق، قال الله ﵎: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)\nفلم يذكر أجرة، ثم قال في سياق الكلام: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ)","vol":"1","page":168},{"text":"فلم يذكر أجرة الرضاع إلا بعد الفصال وكذا قال في سورة الطلاق في الوالدات المطلقات: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)\nفأخذ نفقة الصغار بإعطاء الوالدة أجرة الرضاع بعد انقطاع نفقة الزوجية بالطلاق - وعلمنا أن الواصل \"إليها من الأجرة لا محالة بسبب الرضاع لا بسبب الزوجية أشبه، والله أعلم.\nويحتمل أن يكون الفصال فصال المولود عن الرضاع قبل سنتين برضا الزوجة فإن كان كذلك، فالاسترضاع في هذا الموضع من الأجنبيات، لأمن الوالدات، والمعول فيما نكتنا على الآية في سورة الطلاق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>وقوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)</span>\nدليل: من جهة الإعراب أن الليالي غلبت على الأيام في العدة لقوله: \" وَعَشْرًا) \" ولم يقل: \" وعشرة \" ولا نعلم المؤنث غالبا على المذكر في شيء من الأمكنة إلي الليالي على الأيام.\nفي الإيلاء\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>قوله: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)</span>","vol":"1","page":169},{"text":"حجة لمن يقف المولي ويجعل عزيمة الطلاق باللسان لا بالإضمار إذ لابد للفظها من أن تفيد شيئا على تخريج كلا المذهبي.\nفنقول إن الطلاق لزمه بعد الأربعة الأشهر لعزمه عليه في الأربعة لولا ذلك لفاء وخرج من حكمه قبل انصرامها في قول من يوقعه.\nوفي قول من يوقفه يجعل العزم بالنطق بعد الأربعة أمدا مضروبا لا سبيل عليه فيه، وحكم الطلاق حادث بعده، وهو بالعزم، فلا عزم حينئذ إلا النطق بالطلاق الذي به يقع في جميع الأماكن ولا يقع بالإضمار الخلو من الإظهار شيء، ويؤكده ما ذكرناه من قوله: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)\nإذ هو لا محالة بالنطق الذي ينعقد به النكاح لإباحته له الإكنان في نفسه - قبل خلو الأجل من عدتها - ما يريد فعله بعد العدة وإزالته الجناح عنه به (٧)، ويالتعريض معا بما نهى عن النطق به حينئذ","vol":"1","page":170},{"text":"مصرحا، فلم يوجب الإكنان عليه عقدا، ولا التعريض به حكما إلى أن جاء العزم بعد العدة على النكاح بالنطق، ولو كان العزم بالإضمار كما يكون بالإظهار لحرم الإكنان كما يحرم العقد. والعزم إن كان مقتضبا معنى الإضمار في بعض الأحوال، فهي كلمة منوطة بإمضاء الشيء وقطعها أي. وذلك غير بين إلا بالكلام الذي يكون فصلًا\nفي الذي بيده عقدة النكاح:\nوقوله (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)\nدليل على أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج، لأن لكل واحد منهم فضلا على صاحبه حثه الله على ترك نسيانه، منهن بالتجافي عن النصف ومنهم بإكماله.\nومن قالت: هو الولي كان الفضل من جانب واحد في العفو من\nقبل المرأة كان أو من عند وليها وكان ابن عيينة يحدث عن ابن","vol":"1","page":171},{"text":"شبرمة قال: كلمت أبا الزناد في ذلك، فقال: هو الولي وقلت أنا: هو الزوج ورأيت إذ كان وليها هو الذي تزوج بها فطلقها قبل أن يدخل بها فأبت أن تعفو أله أن يعفو عن نفسه، فسكت.\nوهذه لطيفة حسنة من قول ابن شبرمة وكان قوله على تأويل ما قلناه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>قوله: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)</span>\nمخاطبة للأزواج في","vol":"1","page":172},{"text":"الإتمام، فيكون العفو في هذا الموضع بمعنى الزيادة والنماء، لا بمعنى النقصان والمحق. والعفو من الأضداد فإذا أتم لها الصداق كان أقرب إلى التقوى إذ الزائد على ما يجب عليه أقرب إليها من الذاهب بكله.\nوقد اتفق القراء على إرسال الواو، وأنه بالتاء وذلك مما يزيل الالتباس\nعنه أنه مخاطبة الأزواج، إذ لو كان إخبارا عنهن لكان يكون بالياء وإثبات النون، أو عن الولي كان بالتاء ونصفا الواو، والذي يزيل كل لبسة أنه الزوج قوله: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) ولو كان الطلب لكان الذي بيده عقدة الإنكار، والله أعلم.","vol":"1","page":173},{"text":"باب: من المواضع الذى يكون الظن فيه بمعنى اليقين:\nقال محمد بن علي: ومن المواضع الذي يكون الظن فيه بمعنى اليقين\nوالعلم قوله:\n(قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nوفي قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) وهو رد على من يجعل الإذن من الله بمعنى العلم، إذ لو كان العلم من الله بغير معنى المعونة والإطلاع ما كان لاتكال الفئة القليلة عليه معنى، ولاستوى في العلم القليلة والكثيرة، ولما كان للقليلة مطمع في غلبها الكبيرة، بل نعقد المعونة بطلب الكثيرة في عرف البشر، وما تدل عليه عقولهم، وقد حقق جل وتعالى طمعهم بقوله: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) .","vol":"1","page":174},{"text":"رد على من يقول بخلق القرآن:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>قوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)</span>\nحجة: على من يقول بخلق القرآن، وينفي الكلام عن الله، وقد أخبر الله عن نفسه - جل وتعالى - بأن في الرسل من كلمه، وهذا هو الموضع الذي يحسن فيه حذف (هو) المفعول به، لا الموضع الذي يغلطون فيه فيدعون حذفها من قوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)\nرد علي القدرية والمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِي</span>دُ (٢٥٣) .\nحجة على القدرية والمعتزلة","vol":"1","page":175},{"text":"شديدة: لابتدائه الآية بنفي الاقتتال عنهم بغير مشيئته وتوكيده ذلك في آخر الآية وذكر الإرادة في الامتثال من الفريقين بلفظها.\nنفي العلم عن الإذن:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) </span>.\nأخمد بأنفاسهم في نفي العلم عن الإذن، ومثبت عليهم معنى الإطلاق، إذ لو كان الإذن علما ما بان سلطانه في إطلاق الشفاعة، ولكان كل من شاء شفع إذ علمه بشفاعتهم لا يحجز على شافع شفاعة إذا أرادها.\nوقد أخبر قبل هذا عن يوم القيامة بأنه لا شفاعة فيه حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ) ثم استثنى منهم - أي من الشافعين في هذه الآية - من يأذن له فيها - أي يطلق له.\nومن جعل الإذن هاهنا بغير معنى الإطلاق، فقد جعل لله","vol":"1","page":176},{"text":"شريكا في سلطانه، إذ جعل إذنه لعباده مرفوعا واستئذانهم له في الشفاعة عنهم موضوعا.\nوالعجب لقوم يحملهم خوف لزومهم إطلاق الإذن في قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) على إنكاره في كل موضع فيقعون في أعظم مما فروا منه.","vol":"1","page":177},{"text":"ردٌّعليه الجهمية،\nقوله (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)\nحجة على الجهمية، ولقد بلغني عن قوم متحذلقين منهم يغلطون بحذاقة أنهم قالوا: كرسيه علمه.\nواحتجوا بمصراع منتحل لشاعر لا يعرف ولا المصراع وهو:","vol":"1","page":178},{"text":"ولا يكرسىء علم الله مخلوق.\nوهذا المصراع لو كان من قول حسان بن ثابت قد أنشده رسول الله - ﷺ - وصوبه له. لكان إعداد الكرسي من أجله علما خطأ من جهتين:\nإحداهما: أن الكرسي في القرآن مثقل غير مهموز والمصراع قد خففه وهمزه.","vol":"1","page":179},{"text":"والثانية: ما دللنا عليه في غير موضع من كتابنا من أن الكلمة إذا كان\nلها ظاهر معروف وباطن محتمل لم يجز أن تزال عن ظاهرها المعروف إلى باطنها المحتمل إلا بإجماع الأمة أو بنص آية أو سنة.\nفإن قيل: فليس قد رواه مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)\nقال: علمه.","vol":"1","page":180},{"text":"قيل: هذا حديث فيه وهن إلا من مطرف، وأما من جعفر بن أبي المغيرة، لأن الصحيح المشهور عن ابن عباس ما حدثناه عبد الرحمن ابن سلم الرازي (٢)، قال سهل بن زنجية الرازي قال: وكيع","vol":"1","page":181},{"text":"عن سفيان عن عمار الدهني، عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: \" الكرسي موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره أحد \" وكيف يكون العلم موضع قدميه،\nوهل يقرون هم بالقدمين، حتى لا تكون الرواية عن ابن عباس","vol":"1","page":182},{"text":"متعارضة.\nوهل حكم ما تعارض من الروايات لو استوت الدعاء مناف إلا لأخذ بأظهرها، وكيف ورواية مطرف عن جعفر لا تكافئ رواية مسلم البطين مع أن الثوري رواه عن مطرف فلم يجاوز به سعيدا كما تجاوزه ابن إدريس وكلاهما وهم، والله أعلم، لأن الروسي في القرآن مثقل وهذه الرواية لم ترد على التخفيف والهمز كما ذهب إليه القوم، ولا نعرف في لغة شاذة ولا معروفة عن عربي أنه سمى العلم بالكرسي المثقل إلا ما جاء في هذه الرواية ويزول به فيها تعارض","vol":"1","page":183},{"text":"عن رجل واحد بعينه.\nفلا نترك اللغة السائرة الشهيرة عند الخاصة والعامة من لباب العرب والدخلاء فيهم في الكرسي المثقل، والمخفف المهموز لا أصل له في شيء من اللغات - واللغة لسان مسلم له لا يدرك بالنظر والمقاييس ولا يمكن فيه التبديل.\nباب:\n* * *\nوقوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)\nإلى قوله: (بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ)\nدليل على أن: الميت بعد المساءلة وما يصيبه معها لا يشعر بطول مكثه في البرزخ حتى يبعثه الله يوم القيامة إذ","vol":"1","page":184},{"text":"لو كان يشعر بمكث مائة عام كان لا يقول ما قال.\nفإن قيل: فإنما لم يشعر بطول مكثه، لأنها لم تكن موتته المتصلة بحشره الناقلة به إلى آخرته، ولو كانت تلك الموتة - لشعر.\nقيل له: فقد قال ﵎: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)\nفأخبر عمن قد أماته تلك الموتة بما ترى، فلو كانوا يشعرون لعلموا أنهم أقاموا طويلا ليس قليلا ومثل هذا كثير في القرآن.\nفإن قيل: قد روي في الأخبار أشياء تدل على أن الموتى يعلمون ويشعرون","vol":"1","page":186},{"text":"قيل: عامتها أخبار واهية الأسانيد والقرآن مكذب لها فيما ذكرنا، ومحقق ذلك بقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) .\nوما كان منها صحيحة فلها معان واضحة مثل وقوف رسول الله صلى\nالله عليه وسلم على قليب بدر، ونداء من فيه من قتلى قريش وقوله: \" ما أنتم لأسمع منهم، غير أنهم لا يطيقون الجواب.\nفهذه الآية لرسول الله ﷺ في وقتها خاصة فيهم ليقر\nالله عين رسوله عاجلا بإسماعهم قوله، وتحقيق ما كانوا يكذبون فيه حتى","vol":"1","page":187},{"text":"يقبروا فإذا قبروا لم يسمعهم.\nومثل ما روي في الشهداء، فإنهم وإن قتلوا فهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله.\n* * *\nقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)\nأخنق آية للمعتزلة، لأنهم إن ذهبوا به إلى البيان كفروا فيحصل عليهم أنها إلى الله وحده.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)</span>\nدليل على أن الزكاة في أموال التجارة وفيما","vol":"1","page":188},{"text":"أخرجت الأرض من الثمار والحبوب إذ النفقة في هذا الموضع وفي عامة القرآن لا تكون إلا الزكاة والدليل عليه قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ)\nإذ لو كانت النفقة على النفس لجاز أن ينفق عليها الرذال","vol":"1","page":189},{"text":"والرفيع، فبان بغير إشكال أنه النفقة على الغير وهو إخراج حقه إليه، والحق عام يدخل فيه المساكين والعيال وصدقة التطوع.\nوالفرض لا يخرج فيها إلا خيار الأموال لقوله في هذا الموضع وفي قوله (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)\nويقول رسول الله - ﷺ - في الضب \" لا تتصدقوا بما لا تأكلون \"\nفي العسر واليسار:\nقوله (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)\nدليل على أن من عليه حق محكوما عليه بدفعه، حكمه حكم الموسر حتى تثبت","vol":"1","page":190},{"text":"عليه العسرة، إذ لو كان حكمه حاكم الإعسار ما اشترطه الله ولا جعله منظرا بما عليه إلى ميسرته، ومن جعل أصل الناس الإعسار حتى يظهر يسارهم، فقد خالف عندي معنى هذه الآية.\nفإن قال: فأصل الإنسان أنه طفل معدم، واليسار حادثة فيه، فلم\nلا يحاكم بأصله حتى يعلم حدوث اليسار فيه.\nقيل، قد يرث الطفل بالميراث ألوفا ويوصى له بها فيقبلها وصاية له، والشيخ الكبير معدم لا شيء له، فليس لاعتبار حيال العسرة بولادة الإنسان على العدم وجه.\nفما كان بالغا صحيح العقل غير محجور عليه، فحكمه فيما لزمه للناس حكم الواجد حتى يثبت عدمه عند الحاكم بالبينة العادلة، تثسهد على ظاهر عدمه، وعليه اليمين فيما غاب عن عيون المشهود من ناض الأموال، ثم يكون منظرا إلى ميسرته.\nورأي مطالبة الحكام البينة بإثبات الشهادة علي يسار","vol":"1","page":191},{"text":"من شهدوا عليه يوم أشهدهم من الحشو الذي لا يحتاج إليه.\nوإبطاله شهادتهم إذا عريت من هذا الإثبات وترك القضاء على الشعوب عليه بشهادتهم حتى يشهد من يثبت الشهادة كذلك من الجهل الذي لا يعذر أحد به، واتلاف حقوق المسلمين بلا طائل من حجة ولا التباس من شبهة.\nوأرى أكثر حكام زماننا يستعملونه ويبطلون حقوق الناس به، والله المسعان.\nالصداق:\nومن طريف ما أحدثوه وقبيح ما استحسنوه، ترك حبس الأزواج المعترفين بصدقات نسائهم المدخول بهن إذا لم يطالبن بها قبل الدخول، واعتلالهم بأن الصداق ثمن بضع، فإذا سلمته قبل أخذ الثمن لم يكن لها أن تطالب بحبسه في الحكم، وعليه أن يعطيها فيما بينه وبين الله.\nفيقال لزعيمهم: لم لا تحبس بحق هو معترف بوجوبه ممتنع من أدائه، إلا أنه غير واجب عليه، وهو بالمطالبة مظلوم، أو واجب عليه ظالم بتأخيره،\nفإن قال: مظلوم. قيل: لم هو مظلوم، ألأنه لم يجب عليه قط، أم كان منسيا به لم يحن أجله ولن يستطيع أن يقوله.","vol":"1","page":192},{"text":"وإن قال: كان واجبا عليه بالعقد فأبطله الدخول، قيل: فلم يجب عليه أداؤه إليها فيما بينه وبين ربه وقد أبطله الدخول،\nوإن قال: هو ظالم لها في الباطن غير ظالم في الظاهر، كابر في الدعوى، وجار في الفتوى.\nوإن قال: هو ظالم في الحالين.\nقيل: فلم لا تحول بينه وبين الظلم وأنت تقدر عليه،\nويقال له: ألها أن تطالبه به قبل الدخول، فإن قال، بلى.\nقيل: فطالبته وامتنع أتحبسه،\nفإن قال: بلى، قيل: كيف تحبسه ولم يتلف شيئا، والذي جعل الصداق ثمنه حاصل في يد غيره ومحول دونه.\nفإن قال: آخذه من يدي من هو في يديه، بأن أسلم المرأة منه.\nقيل: ولم تفعل ذلك، ولأن يزول الظلم عنه بوصوله إلي البضع المشترى بالصداق، وليحق حبسه إذا أخذ شيئا ولم يسلم ثمنه،\nفإن قال: نعم. قيل: أفتحبسه بإرادة التحول ولا تحبسه بالتحول نفسه، ما أراك إلا تكابر عقلك ويقال: له أسلمت المرأة البضع","vol":"1","page":193},{"text":"فإن قال: بغير ثمن. كابر عقله. وإن قال: بثمن. قيل: بثمن يجب أو لا يجب، فإن قال: بثمن لا يجب. كفى خصمه محنته. وإن قال: بثمن يجب. قيل: فقد ماطل بدفعه، فكيف الوصول إلى أخذه وأنت لا تحبسه ولا تبيع عليه عقارا، أرأيت إن ماتت في المطالبة قبل أن تأخذه، أيكون الوارث بمثابتها لا يحبس خصمه، فيصير حقا تاليا لا يصل إلى الورود، ولا إلى الوارث إلى القيامة. أم يحبس للوارث بما لم يحبس للموروث، فيكون زيادة في القبح والإحالة.\nوقد رأينا الله - جل وعلا - جعل الدخول سببا لوجوب جميع الصداق، فلا يبطل نصفه بالطلاق.\nفأرى هذا الزاعم يوهن ما وكده الله، وليت شعرى ما الفائدة إذا\nفي قوله: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)، وفي قوله: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)\nوهذا لا محالة بعد الدخول لكنايته بالإفضاء عنه، ومتى وقته الذي يجب دفعه فيه إذا كان قبل الدخول لا يحبس به مسلم","vol":"1","page":194},{"text":"يعقل من أجل أن لكل واحد منهما أن يقول: لا أدفع حتى أقبض، وبعد الدخول لا يحبس من أجل تسليم المرأة بضعها قبل الأخذ. فأرى الصداق من بين الحقوق قد عاد متلاشيا تالفا وأهملت تلاوة هذه الآيات وغيرها فيه، والله يعظم سماعه فكيف احتباؤه، ولا أعلم حكمين أحدثا في الإسلام أوحش منهما، أحدهما هذا والآخر الذي قابله من طرح بينه لم يشهد - يعني من أشهدهم عليه.\nوجوب كتابة الدين:\nقال محمد بن علي: أرى الناس تركوا استعمال آيات من القرآن محكمات وأغفلوا الإصابة في تخريج إهمالها: فمنها ترك كتابة ما داينوا، والكتاب موجودون ولم يستثن منها إلي التجارة المدارة بينهم، وقالت ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)","vol":"1","page":195},{"text":"إلى قوله: (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ)\nثم إلى قوله (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) .\nومنها: أنهم إذا كتبوها أيضا لم يتول إملاءه من عليه الحق استطاعه أو\nلم يستطعه.\nومنها: أن وليه - إذا عجز عنه بأحد وجوه العجز - لا يتولاه عنه.\nأحسنه أو لم يحسنه.\nومنها: ترك إشهادهم في مبايعاتهم، وكل هذا قد نص عليه أمر من\nالله جل وتعالى فيه، قال الله تعالى (فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ)، وقال: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)\nوفي البيوع قال:","vol":"1","page":196},{"text":"(وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) فهذا ما أهملوا استعماله من هذه السورة سوى ما في غيرها مما سنأتي عليه في موضعه إن شاء الله، ورأيت بعض من تطرق إلى التسهيل فيها - بل رمقها بعين المنسوخ بما لا التباس فيه أنه وضعه غير موضعه - زعم أن قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)\nدله على ترك الكتابة وقوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)\nدله على ترك الإشهاد.","vol":"1","page":197},{"text":"فلولا أن الغفلة شاملة للخلق والنقص لاحق بهم لكان هذا الإفراط فيها يكشف عن عورة قائله، وينبئ عن عتهه. إذا كان الله بجوده اشترط عدم الكتاب في السفر فما بال الكتابة تسقط في الحضر مع وجود الكتاب، أم كيف تسقط في سفر فيه كاتب في الرفقة وإذا أباح ترك الارتهان الذي جعله عن ما من الكتاب عند عدم الكاتب فكيف يسقط الإشهاد في التباين، لأنه أباح ترك الارتهان إذا أمن بعضنا بعضا، ولكن صاحب هذا القول رجل جليل لا يصرف هذا منه إلا إلى السلامة والسهو والغفلة","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>سورة آل عمران</span>\nحجة على القدرية والمعتزلة:\n(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)\nحجة على القدرية والمعتزلة واضحة لو تدبروه، ولاكتفوا به من سائر\nما عليهم في غيره من كتابه، وذلك أنه وصف الزائغة قلوبهم باتباع متشابهه ابتغاء تأويله، ثم آيسهم من بلوغه بما أخبر من انفراده بعلمه دون جميع الخلق، ووصف بالفتنة من ابتغى علمه فصار الطمع في بلوغ علم التشابه به بعد انفراد الجليل به، والخوض في تصرفه تقدما إلى الباطل على بصيرة، وجهلا لا يعذر أحد به.\nووصف الراسخين في العلم بصفة ومدحهم بقول ظن القدرية والمعتزلة أنهم أسعد بهما من خصومهم، وأن خصومهم هم المتبعون متشابهه، ولو تأملوا بعض ما مدح به الراسخون لانعكست ظنونهم وفضلوا بالتزام ما نحلوا خصومهم من حيث لا التباس فيه وهو قوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) فمدحهم","vol":"1","page":199},{"text":"بالدعاء المحال لديه، ونسبتهم زيغ القلوب إليه، وهذا عندهم كالافتراء عليه، ولا يعتبرون أن الله ﷻ ما مدحهم إلا بالحق ولا دعوه إلا بالصدق، فإنه مزيغ القلوب وهاديها فسألوه التثبيت على الإيمان بما أخبر عنهم في صدر المدح حيث يقول: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) خشية أن يلحق قلوبهم زيغ يسلك بهم سبيل الزائغين من المتبعة متشابه القرآن الموصوفين بالفتنة في ابتغائه. فأي حجة تلتمس أوضح من هذه لو أضربوا عن اللجاج، ولم يصروا على البهت والعناد، وهل دون ما شرحناه في هذا الفصل إشكال، أو تناقض أو محال، أوليس ما مدح به الراسخون - في هذه الآية - الراهبون من الزيغ بعد الهداية يوافق ما كان رسول الله - ﷺ -، يدعو به، فيقول: \" يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك \" فقالت له امرأة من نسائه: أو تخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به، فقال: \" إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمها أقامها وإن شاء أن يزيغها أزاغها.","vol":"1","page":200},{"text":"وهذا حديث يؤمنون به ولا يردونه إلا أنهم يتأولون في الأصابع أنها النعم حذرا من نقض قولهم في إنكار الصفات ويحتجون بأن العرب تسمي المنظر الحسن من العشب الخضر الريان الزهر بالأصبع، فيزعمون أن كل نعمة يقع عليها اسم أصبع، وأن معنى قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن: بين نعمتين من نعمه، وليس قصاراهم إلا وضع الشيء في غير موضعه، أولا يفكرون أن العرب وإن سمت النعمة بالأصبع فهذا الموضع منه بعيد؛ إذ القلوب لو كانت محروسة بين نعمتين ما خشي الزيغ عليها، فكيف يدعو رسول الله، ﷺ بثباتها، وهي مثبتة بغاية التثبيت محروسة بنعمتين عندهم ولئن كان زيغها ممكنا عندهم مع النعمتين، فكان","vol":"1","page":201},{"text":"رسول الله - ﷿ - يدعو بتثبيتها إذ لا يجوز عندنا وعندهم عليه أن يدعو بالمحال - إنه لأبلغ - في تثبيت ما أنكروه وتصديق ما جحدوه، ونحن نسامحهم في تثبيت الصفات عليهم من هذا الحديث، إذ لنا في غيره من الأخبار وفيما هو مسطر في القرآن سعة ومندوحة بحمد الله ونعمته.\nرد على الجهمي:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>وقوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)</span>\nحجة على الجهمية، إذ قد بين الله نصًا أنه يحب من تبع رسوله - ﷺ - بأن جعله جزاء لما أحبوه، ومقابلة لهم على ما","vol":"1","page":202},{"text":"أضمروه، ثم قال: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)\nفأخبر عن نفسه - ﷻ - أنه يحب قومًا ولا يحب آخرين.\nخصوص في ذكر العموم:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)</span>\nدليل على الخصوص في ذكر العموم لإحاطة العلم بأنه لم يصطفهم على محمد - ﷺ - كذلك قوله في البقرة: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)\nإذ لم يفضلهم على من كان قبلهم من الأنبياء، من غير ولد إسرائيل، ولا فضلهم على، محمد، ﷺ، وعلى جميع الأنبياء، فكأنه أراد عالم زمانهم. ومثله قول موسى ﵇ -","vol":"1","page":203},{"text":"(وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)\nيعني - والله أعلم - أول مؤمني قومه، إذ تقدمه بالإيمان آدم ومن بينهما من الأنبياء والرسل، ومن آمن بهم من الدهم الكثير. وكان بعضهم يقول في: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)\nأي أول من آمن أنك لا ترى في الدنيا، وهذا ليس بشيء، لأن كل من قبله من الأنبياء كان يؤمن أن الله لا يرى في الدنيا والقول هو الأول، والله أعلم.\nحجة للمتنسكين:\nقوله إخبارا عن امرأة عمران: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) حجة للمتنسكين، فيما يقولون: فلان في رق الدنيا،","vol":"1","page":204},{"text":"وفلان عبد شهوته، وترك الشهوات فصار حرا، ولا يكون شيء من ذلك كذبا، فيقال: كيف يصير حرًا من لم يزل حرًا، وكيف يكون للدنيا رقٌ على الأحرار، ألا ترى أن جنينها كان حرا فنذرت أن تحرره أي لا تشغله عن العبادة بشيء فأخبر الله عنها بما قالت وتقبل منها نذرها.\nحجة في تسمية المخلوقين بالسيد:\nوفي قوله: (وَسَيِّدًا وَحَصُورً)\nدليل على أن تسمية المخلوقة بالسيد من أجل أن الله جل وعلا، يسمى به ليس بمنكر لأن يحيى، ﷺ، وإن كان نبيا فهو مخلوق مع أن السيد من أسامي الله، ﷿، غير نازل في القرآن. وقد يسمى بما نزل في القرآن المخلوق فلا يكون منكرا،، فالمؤمن والعالم والبصير والحكيم من أساميه، وهي تسمى بها الناس، فلا يكون منكرا. والسيد وإن لم يكن من أساميه في القرآن، فقد روي عن رسول الله ﷺ،","vol":"1","page":205},{"text":"وإجماع الناس أنه في أساميه جل وعز، فإن كان نكيره عند من ينكره من أجل أنه مزاحمة حقه في اسمه، فقد دللنا على جوازه بما يغني عن إعادته، وإن كان من أجل أنه يسمى به فاسق، فالله، جل وعلا، سمى به نبيا، والمؤمن والعالم والحكيم يسمى به الصالحون والفاسق.\nوالفاسق وإن كان فاسقا بذنوبه فقد سمي مؤمنا بإيمانه والبصير ضد الأعمى، وقد يكون فاسدا وصالحا. والحاذق بالصنائع يسمى حكيما، وبصيرا، وعالما، وربما كان في دينه فاسقا.\nفما بال السيد من بينها يخص بالنكير، ويباح سائره، ونرى الفاسق المتسلط يسمى جبارا ويسمى متكبرا، وكلاهما من أسامي الله، وهما في الله - ﷻ - مدح، وفي الفاسق ذم، فلا يكون شيء من ذلك منكرا، إذ الأسامي أمارات يعرف بها الأشخاص لا غير.\nولو كان كل اسم سمي به مسمى لا يجوز أن يسمى به غيره إلا أن يشبهه بجميع صفاته، ما جاز أن يسمى أحد بأسامي الأنبياء، والملائكة من أجل أنهم يخالفونهم في بعض صفاتهم وإن وافقوهم في بعضها، وذلك مخالفة القرآن وهدم اللغة والخروج من العرف والعادة، ولا أحسب إعداد تسمية الناس بالسيد نكيرا إلا من","vol":"1","page":206},{"text":"نسك العجم والجهال بلغة العرب. أليس مالكها المماليك يسمون سادة، وقد تكلم به رسول الله - ﷺ - والصحابة، وهم عرب نساك أفضل من أظلته الخضراء بعد النبيين وتكلم به التابعون بعدهم والفقهاء، والأئمة ودونوه في المصنفات ورددوه في المناظرات، لا ينكره منكر ولا يعيبه عائب، وقال رسول الله - ﷺ - لوفد قدم عليه: \" من سيدكم والمطاع فيكم،.\nوقال: \" إن ابني هذا سيد، وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين \"","vol":"1","page":207},{"text":"وقال في سعد بن معاذ: \" قوموا إلى سيدكم، وأشباه ذلك مما يطول الكتاب بذكره.\nوإن كان ينكر أن يسمى به غير رئيس، لأنه واقع على الرؤساء، فإذا سمي به غيرهم كان كذبا عنده - فقد دللنا في سورة البقرة على أن: من أراد المبالغة في مدح الشيء، أو ذمه فتكلم بما يكون ظاهره إفراطا لم يكن كذبا، واحتججنا فيه بقوله ﷿: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) .","vol":"1","page":208},{"text":"فليس فيه معنى النكير بوجه من الوجوه إلا في حالة واحدة أكرهها.\nبل أنهى عنها، وهو أن يعرف إنسان بعينه بنفاق فلا يسمى به، لحديث بريدة الأسلمي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \" لا تقولوا للمنافق سيد فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم \"\nوهذا الحديث أيضا: حجة في جوازه، إذ في نهيه أن يسمى المنافق به دليل على أن تسمية غير المنافق به جائز.\nقال محمد بن علي: وكذلك المولى إذا سمي به إنسان يجري في الجواز مجرى السيد لا يخالفه، والحجة فيه واحده، لأنه يقال: مولى العبد ومولى الأمة، ومولى النعمة، وأشباه ذلك، قال الله - ﵎ - إخبارا عن زكريا: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)","vol":"1","page":209},{"text":"وقال النبي ﷺ: \" من كنت مولاه فعلي مولاه، والمولى في اللغة. هو الناصر قال الله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)\nفالعلم يحيط أنهم خالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم كهو للمؤمنين منفرد بنصر المؤمنين دونهم.\nحجة لمن يقول بالقرعة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>قوله: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) </span>.\nرد على من يقول القرعة قمار،","vol":"1","page":210},{"text":"وقال الله - ﵎ - في سورة الصافات إخبارا عن يونس، ﷺ،: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) .\nوكان رسول الله - ﷺ - إذا سافر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وأقرع في ستة مملوكين لرجل أعتقهم عند موته لا مال له غيرهم، فأعتق بالقرعة اثنين، وأرق أربعة. وعمل بها الصحابة من بعده، والأئمة الصالحون، فكيف يكون قمارا مع هذه الحجج الواضحة، والأعلام النيرة، ولكن من شاء جنَّن نفسه.\nوضع الكلمة موضع غيرها:\nقوله في عيسى، ﷺ: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)","vol":"1","page":211},{"text":"دليل على أن من وضع الكلمة موضع غيرها، لا يكون كاذبا إذ لا يشك أحد من المسلمين أن عيسى ليس بخالق، وإنما أراد - والله أعلم - أنى أصور لكم صورة طير، فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله - أي بإطلاق الله - لا محالة لا بعلمه كما تزعم القدرية: أن الإذن بمعنى العلم، إذ لو كان\n(فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ)\nبمعنى علمه، لا بإطلاقه لكان خالق الطير عيسى لا ربه، إذ كان، جل وتعالى، لا يخلق بعلمه إنما يخلق بقدرته، ويدبر بعلمه، وهذا من قولهم: هي النصرانية بعينها، بل زيادة عليها.\nفي القضاء والقدر:\nقوله تعالى، إخبارا عنه - ﷺ - (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ)\nحجة عليهم في إنكارهم إضافتنا الأفعال إلينا وقضاءها وخلقها إلى الله، ﷻ","vol":"1","page":212},{"text":"إذ لا محالة أن الله هو: مبرئ الأكمه والأبرص، ومحيي الموتى، وقد نسبه إلى عيسى في الإخبار عنه، بما جعله له آية، وكذا نقول: إن الله ﷻ خالق أفعالنا، والقاضي علينا بذنوبنا ونحن فاعلين لها، وهو واضح لمن تميزه واستعان بالله على معرفته ولحوق لطيفة نكتته.\nناسخ ومنسوخ:\n* * *\nقوله تعالى: (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)\nدليل: على أن في الكتب المنزلة قبل الفرقان ناسخا ومنسوخا كهو فيه. وأن الله ينسخ على ألسنة أنبيائه ما أنزله من وحيه كما ينسخه بوحيه.\nقوله قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) دليل: على أن الإيمان والإسلام وإن فرق بينهما اسم فقد يجمعهما اسم، وهو رد على المرجئة.\nقوله (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) .\nرد على الجهمية ولا أراهم إلا متحكمين مع جهلهم فيما يجعلون المكر وأشباهه منه على المجاز","vol":"1","page":213},{"text":"أفتجيزون لمن يقوله إن قوله: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ)\nعلى المجاز لا على الحقيقة، كما المكر وأشباهه على المجاز لا على الحقيقة - فيوافق الدهري في قوله، وينسب السموات والأرض إلى الأزل. وما الذي جوز لهم دعواهم فيما يشتهون من المجاز، ولم يجوز لغيرهم فيما يشتهيه، هل هذا إلي التحكم بعينه بعد الجهل في نفسه،!\nدليل على أن العرب تسمي باسم واحد المعاني الكثيرة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>وقوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)</span>\nدليل على أن العرب تسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة\nإذ وفاة عيسى، ﷺ، ليست بوفاة موت وتسمى وفاة الميت وفاة. ومثل هذا","vol":"1","page":214},{"text":"قوله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)\nفسوى في الاسم بين الوفاتين مع اختلاف المعنين وفيه حجة على الجهمية في امتناعهم من تسمية الشيء باسم غيره إذا خالفه في بعض صفاته\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>وقوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)</span>\nمثله قولنا بكون الطهارة واقعة على الأقذار وغيرها على ما بينت في قوله: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>وقوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) </span>،\nدليل على أن الجعل لا يكون بمعنى الخلق في كل موضع كما تزعم الجهمية أن قوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) هو بمعنى خلقناه. وقد غلطوا، إنما هو بمعنى صيرناه، وكذا","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>قوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ)</span>\nأي: ومصير الذين اتبعوك فوق الذين كفروا. وكان بعض ملطفي نحلتنا يزعم: أن الجعل إذا تعدى إلى مفعولين، كان بمعنى الصيرورة، وإذا تعدى إلى مفعول واحد كان بمعنى المخلوق، ولا أحسب هذا منه إلا هفوة، لأن قوله ﵎: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورً)\nمتعدي إلى مفعولين، والشمس مخلوقة، وقد يجوز أن يقال: \" جعل \" في الشمس والقمر ها هنا بمعنى صير، على تأويل أن الشمس خلقت غير مضيئة، والقمر غير منور، ثم صير لهما ضياء ونورا، وأصل المجعولين من متبعي عيسى فوق الذين كفروا مخلوق، ثم صيروا فوقهم. فهذا توجيه قول اللطف فيما قال في الجعل المتعدي إلي","vol":"1","page":216},{"text":"مفعولين - ولكنه يكسره من جهتين:\nإحداهما: أن ضوء الشمس ونور القمر خلقة فيهما ونعوت من نعوت ذاتهما، وليست رفعة متبعي عيسى على الذين كفروا خلقة فيهم ولا نعتا من نعوت ذاتهم، فالصيرورة تحسن فيما ليس من نعوت الذات، ولا تحسن في النعوت الذاتية.\nوالأخرى: أن هذا الملطف أراد أن يجعل الفرق بين الجعلين بذكر المتعدي إنما المفعولين ذريعة إنما نفي الخلق عن القرآن، إذ الجعل فيه متعدي إلى مفعولين، وقوله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)\nمتعدي إلى مفعول واحد وأصل القرآن ليس بمخلوق، ثم صير عربيا، كما يحتمل أن تكون الشمس خلقت غير مضيئة، ثم صير لها ضوء، ولكنه كلام الله غير مخلوق، أنزله بلسان العرب، ليفهم عنه كما أنزل التوراة بالعبرانية والإنجيل بالسريانية، ليفهم كل عنه، وبأي لسان أنزل كتبه فهي غير مخلوقة.\nوالنكتة التي هي أم الاحتجاج في نفي الخلق عن القرآن وسائر الكتب المنزلة هي تثبيت الكلام على الخالق، والدالة على أنه متكلم، فإذا أخذ اعتراف المنكر بهذا استغني به عن سائر الحجج، إذ الكلام يكون نعتا من نعته ولا يقدر الخصم على أن يقول بخلقه، فنفي الخلق عن القرآن بما خرج من معنى الجعل دعامة تضعف عند الاحتجاج، وللجعل","vol":"1","page":217},{"text":"مواضع يدل عليه سياق الكلام، فإذا اقتضى الخلق فهو خلق، وإذا اقتضى صيرورة فهو صيرورة.\nضرب الأمثال والنهى عن المراء:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)</span>\nحجة: في ضرب الأمثال، ونهي عن المراء، وكان بعض مثبتي القياس يجعله حجة في تثبيت القياس، وهو عندي غلط فاحش، من أجل أن القياس: هو تشبيه الشيء بالشيء، وعيسى لا يشبه خلقه خلق آدم في شيء من الأشياء من أجل أنه مولود، وآدم مصنوع، وهو حادث من أنثى، وآدم غير حادث من أنثى ولا ذكر، وهو ولد، وآدم والد، ففي أي شيء يشبهه، إلا في أنه لحم ودم وصورة مؤلفة يستويان في الأكل والشرب والنوم وأشباهه، وهذا شيء يشاركه فيه جميع الناس، فأي فائدة تكون حينئذ في ضرب الكل به مع آدم ﵉،","vol":"1","page":218},{"text":"إنما الفائدة فيه: أن الناس لم يكن في عرفهم أن تلد أنثى من غير ذكر، فلما أحدث الله خلق عيسى، وأخرجه من بطن مريم من غير مسيس ذكر لها تعاظم عندهم مالم يكن في عرفهم وعادتهم، حتى هلك فيه من هلك، فأعلمهم الله، أنه خلقه بقدرته من غير ذكر في بطن أمه كما خلق آدم، وكانت قدرته محيطة بخلقهما من غير نطفة. فإن كان القائس يزعم: أن الله لما حرم شيئا واحدا كان قادرا على تحريم شيئين، فلعمري إنه قد أصاب الشبه من المثل المضروب في خلق آدم وعيسى صلى الله عليهما وسلم.\nوان كان يزعم أنه يحرم شبه ما حرمه الله، وفرض عليه فعله اعتمادا على أن الله لما خلق آدم جعل نظيره في الخلق عيسى، وكان حتما عليه أن يفعله - افترى على الله وأخطأ الشبه من باب المقايسة في المثل.","vol":"1","page":219},{"text":"رد على الجهمية:\nوقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)\nحجة: على الجهمية في الكلام والنظر؛ إذ لو كان الكلام على المجاز ما ضرهم حجبه عنهم ولا كان للمسلمين فيه تمتع، ولا نشك أنه جعل حجب كلامه عنهم عقوبة، فإن جاز أن يكون ذلك على المجاز جاز أن يكون - (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) - على المجاز، وإن كان العذاب حقيقة، فالكلام والنظر مثلهما\nقوله (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)\nحجة على القدرية والمعتزلة بينة؛ إذ قد أخبر نصًا عن نفسه أنه يحجب الهداية عن ظالم","vol":"1","page":220},{"text":"بكفره بعد ماتبين له طريق الهداية فسلكها بإيمانه، فهو لا يستطيع الرجوع إليه للحائل من منعه دونه.\nالنهى عن مزاحمة الرب:\n* * *\nقوله تعالى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)\nحجة على من يعجب من قولنا فيما نزعم أن الله مضل من يعذبه على ضلاله وقاض على من يعصيه بعصيانه ويدخلهم النار بعدله، فيردونه من أجل أنه متصور في عقولهم بصورة الجور. فيقال لهم: أفيتصور في عقولكم إمكان مكان يمتد فيه طول الجنة إذ كانت السموات والأرض مستفرغة في عرضها، ويكون للنار مكان مع كبرها وكثرة أهلها،.\nفإن قال: هو متصور في العقول من حيث تعرفه الخليقة. قال","vol":"1","page":221},{"text":"محالة، إذ العقول نائية عن ذلك من حيث أطباع بشريتها.\nوإن قال: ذلك غير ممكن في العقول ولكنه ممكن في قدرة الخالق من حيث لا ارتياب فيه ولا رد لقوله، ولا مزالا عن ظاهرة بالتأويلات المنكرة.\nقيل: وكذلك التصور في عقولكم من عذاب من أضل، وقضيت\nعليه المعصية والكفر بصورة الجور في علم الخالق - عدل لا ريب فيه، ومسلم فيه له من أن يزال لفظ عن ظاهره، أو يتأول عليه تأويل تدفعه اللغة والنظر معا، وقد حوى فصل غير هذا صنيعه، جل وعلا، بالبهائم في الفلوات ومرض الصغار وتخويل بعضه بعضا والمخول عاص، والخول مطيع، وأشباه ذلك مما لا يتصور في عقول الخليقة بصورة عدل، وهو عدل لا شك فيه وعلم كل هذا عنا موضوع، والفكر في كيفيته مرفوع.\nرد على القدرية والمعتزلة:\nقوله (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)","vol":"1","page":222},{"text":"حجة على القدرية والمعتزلة، لأنهم يزعمون أن القتل غير مكتوب على أحد، وأن من قتل آخر فقد قتله بغير أجله، فماذا يقال لقوم يعمدون إلى نص القرآن، فيخالفونه،!\nوكان القدماء منهم ينسبون الحسن البصري إلى أنه منهم. فحدثني محمد بن عبد الغفار قال الحسن بن علي الحلواني قال: عبد الصمد بن عبد الوارث عن الأسود بن سنان عن عسل بن","vol":"1","page":223},{"text":"سفيان قال: أتيت الحسن فقلت: إني خارج، وإن الناس يسألوني عن قولك في القدر، فما تقول في رجل عدا على رجل فقتله، قال: قتله بأجله وعصى ربه. فامتحنه عسل بما عرفه من مذهب القوم، فلما أجابه بهذا الجواب برئ من التهمة.\nوحدثني محمد قال: الحسن بن علي بن محمد، قال: سليمان بن حرب ويحيى بن آدم قالا:","vol":"1","page":224},{"text":"حماد بن زيد عن خالد الحذاء قال، قدمت من الشام فبلغني أن الحسن تكلم في شيء من القدر، فأتيته فقلت: يا أبا سعيد، حدثني عن آدم أللأرض خلق أم للسماء،\nقال: للأرض. قلت: فهل كان يستطيع أن يعتصم من الشجرة، قال: لا والله.","vol":"1","page":225},{"text":"قلت: قوله (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)،\nقال: خلق هؤلاء لجنته، وهؤلاء لناره.\nوحدثنا محمد قال: عبد الله بن خالد بن يزيد اللؤلؤي\nقال: داود بن محبر قال: مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله ﵎: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢»\nقال: الشرك.","vol":"1","page":226},{"text":"وقال في قوله: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)\nقال: خلقهم للاختلاف، وفي قوله: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)\nقال: أعماله كتبت لابد أن يواقعوها، وفي قوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ)\nقال: خلقنا.\nوفي قوله (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا)\nقال: كثرنا مترفيها.\nوفي قوله: (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)\nقال: يقول: إنكم يا بني","vol":"1","page":227},{"text":"إبليس لن تضلوا من عبادي إلا من أوجبت له النار.\nوفي قوله: (يحول بين المرء وقلبه)\nقال: يحول بين الكافر وبين الإيمان، وبين المؤمن وبين الكفر.\nوحدثنا: محمد قال: عبد الله بن خالد، داود ابن محبر قال: أبو الأشهب عن الحسن في قول الله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)\nقال: حيل الله بينهم وبين الإيمان.\nوحدثنا: محمد قال الحسن بن على الخلال الحلواني، قال:","vol":"1","page":228},{"text":"الحجاج ابن نصير قال: سهل السراج عن الحسن في قول الله تعالى:\n(أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)\nقال: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا.\nوحدثنا محمد قال: الحسن بن علي، قال: أبو الوليد الطيالسي وسليمان بن حرب، عن مرحوم العطار،","vol":"1","page":229},{"text":"عن أبيه وعمه قالا: سمعنا الحسن يقول: لا تجالسوا معبدا الجهني فإنه ضال مضل.\nوالأخبار عن الحسن فيما يبرئه من القدر كثيرة، لو ذكرناها في هذا الفصل لطال، وفيما ذكرنا كفاية عما تركنا.","vol":"1","page":230},{"text":"فإن قيل: فقد قال بعد هذه الآية التي احتججت بها: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا)\nفنسب الاستزلال إلى الشيطان والكسب إليهم.\nوقال في سورة البقرة: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) .\nقيل: قد تقدم قولنا في أن الفعل منسوب إلى فاعله، والقضاء إلى\nالله جل الله.\nوذكرنا في بعض فصول هذه السورة، ما أخبر عن عيسى ابن مريم\nأنه يبرئ الأكمه والأبرص منسوبا إليه.\nولا شك أن الله مبريها مع أنه قد قال - ﷿ - في سورة الأنفال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)\nفأزال بذلك كل ريب، والملك إذا عاقب عبدا على يدي بعض عبيده، فهو معاقبه وإن لم يتول بيده، ألا تراه يقول في سورة التوبة: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ)","vol":"1","page":231},{"text":"والشيطان أيضا عبد له يملكه، فإذا استزل عبدا، فبإطلاقه، وبما سبق في قضائه لا باقتدار نفسه ألا تراه يقول: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)\nفليس يتبعه إلا من قضي عليه، والمعصوم لا وصول له إليه.\nوفي قوله: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)\nزوال كل ريب أن أحدا لا يملك مع الله شيئا، وأنه المالك وحده، فمن زعم أنه يملك أمر نفسه في ضر أو نفع أو إيمان أو كفر، فقد افترى على الله، وجعل نفسه شريكا لله، تعالى الله.\nفي القدرية والمعتزلة: وقولهم: إن المقتول ميت بغير أجله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ)</span>\nموجب على القدرية والمعتزلة: الكفر فيما يزعمون","vol":"1","page":232},{"text":"أن المقتول ميت بغير أجله، لإخبار الله ذلك عنهم، ثم قال ردا عليهم: (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) .\nفإن قيل: فقد فرق بين الموت والقتل بقوله: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) .\nقيل: خاطبهم على ما يعرفون من ألفاظهم باختلاف الأسباب، والمرجوع فيه إلى مفارقة الحياة، وهذا بأي اسم تقدمه من معاني أسبابه يسمى موتا.\nألا تراه - جل وعلا - حين رد عليهم قولهم: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)، رد بلفظة واحدة فقال: (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ)\nولم يقل يميت ويقتل كما قال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) إذ الموت آت عليهم، والعرب تسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة كقولهم قدم، ووافى، وجاء، وهم به يريدون في كل هذه الألفاظ حلوله بالموضع.\nويقولون: ذهب، وانطلق، وخرج، وشخص، وهم يريدون","vol":"1","page":233},{"text":"مفارقته المكان الذي كان حالا به، وأكثر بلية المبتدعة ضيقهم عن سعة لسان العرب التي نزل القرآن بلسانها، فإذا أرادوا الاقتداء بها في بعض الأمكنة غلطوا عليها، فيأتون بمثل ما قدمنا ذكره من الكرسي والإذن والأصبع، وما سنأتي عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.\nقوله (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)\nحجة عليهم: لأنهم ينكرون أن يكون الله جل وعز يخذل أحدا.\nوهذا شيء خالفوا فيه الإجماع مع مخالفة الكتاب، إذ الناس بأجمعهم عالمهم وجاهلهم يقولون عند الشتيمة: مالك خذلك الله، يريدون الدعاء عليه بالخذلان، كما يقولون: قاتلك الله، ولعنك، متواصين على جوازه على الله، وإن كرهوه في التشاتم.\nرد على الجهمية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>قوله: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ)</span>\nحجة على","vol":"1","page":234},{"text":"الجهمية في السخط وعلى القدرية: في البوءة، إذ ما باءوا به من سخطه ضد الخير ما كان\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>وقوله: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)</span>\nلم يغادر لبسة تشبه عليهم قولهم في القتل لو أنصفوا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>وقوله: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ)</span>\nحجة عليهم، لأن إرادة الله - جل وتعالى - في حرمان حظهم من الآخرة حائلة بينهم وبين المسارعة إلى الإيمان - الذي ينمي لهم حظ الآخرة، وكيف يقدرون أن يكتسبوا بالطاعة حظ الآخرة، والله يريد ألا يجعله لهم، وهذا من العدل الذي لا يحيطون بمعرفته فيتصور عندهم بصورة الجور.\nرد على القدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>وقوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)</span>\nحجة عليهم في الإملاء منه للكفار، ولقد","vol":"1","page":235},{"text":"بلغني أن بعض جهلة القدرية كاشف الأمة بالخلاف فيما أطبقوا عليه من فتح \" أنما \" الأولى وكسر الثانية، فكسر في قراءته الأولى، وفتح الثانية جرأة على الله، واغترارا بحلمه. يريد بذلك أن يحعل الإملاء من الله لهم لخير يريده بهم لا للازدياد في إثمهم. ولا يبالي بما يلحق الكلام من الخلل والقلب، وسوء النظم، وبما لا يليق بالله في حكمته وجليل علمه. وهذا ما زعمنا: أنهم إذا أرادوا متابعة العرب تبعوها بأقبح الوجوه وأفحش الغلط، وماذا عسى يحسن أن يكون إملاؤه لهم في الخير حتى يزيلوا الكلام عن جهته، ويجعلوا بدل الإثم خيرا،\nأيعدوا هذا الخير الذي جعلوه بدل الإثم لهم من أن يكون في طول","vol":"1","page":236},{"text":"عمر أو مال أو ولد، وكل ذلك مما يزيد في إثمهم، ولا ينجيهم من عذاب ربهم، قال الله ﵎: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ)\nوقال: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)\nوقال: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)\nوأشباه ذلك فكيف يملي لهم فيما هو خير لأنفسهم.\nوفي قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)\nرد على الإمامية، فيما يزعمون: أن الإمام لابد","vol":"1","page":237},{"text":"من علمه الغيب.\nلأن الله نفاه عن جميع خلقه نفيا عاما ومنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، فلم يستثن به ولا بأحد من ولده، وأكد ذلك بقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)\nأي يجتبيه فينزل عليه الغيب.\nإنه لا يعلمه إلا بالوحي لا بغيره، والإمام لا يوحى إليه، وكذلك\nفي سورة الجن: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>سورة النساء</span>\nفي الإماء:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) </span>.\nدليل على أن الإماء لا قسم لهن. إذ كان الله جعلهن والحرة الواحدة عوضا من الأربع مع خيفة الجور في ترك الخروج إليهن بحقوقهن والقسم منها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>وقوله: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) </span>.\nيثبت نفقة الزوجات، وصغار الأولاد، لأن السفهاء في هذا الموضع النساء والصبيان، فلما أمر، جل وتعالى، برزقهم وكسوتهم علمنا: أنهم نساؤه وصبيانه، إذ ليس ذلك بفرض عليه في الأجنبيين.","vol":"1","page":239},{"text":"وفي نهيه عن إيتائهم المال توكيد لحظر الشرى والبيع مع الصبيان، من أجل أن من لم يجز إيتاؤه مالا بلا عوض فهو بعوض أشد حظرا لعجزه عن معرفة ما يدخل عليه من الغبن والتضييع.\nوالنساء وإن كن قد دخلن معهم في ذلك، فإجازة الشرى والبيع جائز معهن من موضع آخر، وهو جري القلم عليهن بالبلوغ، وإحاطة معرفتهن بالغبن، واحترازهن من الخلابة، وقد أمر الله بدفع أموال اليتامى إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، واسم اليتم واقع على الذكور والإناث، قال الله، جل وتعالى، على أثر هذه الآية: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)\nفي أكل مال اليتيم:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>وقوله: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) </span>.","vol":"1","page":240},{"text":"يبيح عندي للفقير إذا ولي مالي يتيم أن يأكل منه بلا قرض، ولكن لا يجوز له أن يتجاوز ما لا غني عنه، وذلك ما يتماسك به بدنه عندما يخاف تلفه ويواري عورته، ويقيه من حر أو برد غير متبجح في الشهوات، وفضول الكسوة، ولا يفعل ذلك إلا عند انقطاع جميع حيله، ونزول الضرورة به التي يسمى معها فقيرا، ولا أعرف وجه من قال: \" المعروف \" هو القرض، إذ القرض يباح للغنى أيضا أن يأخذه لنوائبه ثم يرده من مكانه، بل يكون ذلك من صلاح مال اليتيم إذ","vol":"1","page":241},{"text":"ما أخذه وليه قرضا مضمونا عليه حتى يرده، وما لم يأخذه قرضا فهلاكه من مال اليتيم، إذا هلك بغير عدوان، وإذا كان ذلك كذلك، فأين يبين موضع الرخصة للفقير،.\nوكان الحكم بن عتيبة يقول في قوله: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) .\nقال يأكل من مال نفسه بالمعروف حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم.\nفهذا لا أدرى ما وجهه، إذ لو كان له مال يأكل منه بمعروف أو سرف ما سمى فقيرا، ولا خرج من خطاب المتعففين إلى خطاب المتوسعين.","vol":"1","page":242},{"text":"وصايا:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>وقوله: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)</span>\nكان سعيد بن المسيب يعده منسوخا بآي المواريث، وكان ابن عباس يذهب به إلى أنه حث للميت على الوصية لهم.","vol":"1","page":243},{"text":"وكان الحسن ومجاهد يجعلونها محكمة.\nفأما: قول ابن عباس، فلا أدرى ما وجهه،! وقد ذكر الله القسمة، والقسمة تكون بعد الموت. اللهم إلا أن يكون فيهم من كان يقسم ماله عند الموت على فرائض الله، فأمر أن لا يستفرغ ماله في القسمة ويوصى لهم، وكيف تمكن القسمة عند الموت وفي الناس من تكون زوجته حبلى، وهو لا يدري ما في بطنها.\nفأما قول سعيد فإن كانت آي المواريث أينما نسخته، فلم تنسخ إلا رزق من يرث من ذوى القربى، فما بال من ليس منهم وارثا، واليتامى والمساكين يحرمون من أجلهم،\nولا أحسب القول إلا ما قال مجاهد والحسن، لأن ظاهر الآية يوجب إعطاءهم إذا حضروا، فيعطى اليتامى والمساكين، ومن ليس بوارث من الأقربين ما طابت به أنفسهم قل أم كثر، لأنه جل وتعالى يحد فيه حدا، والمخاطب بإعطاء هذا الوارثون وأولياؤهم، فمحال أن","vol":"1","page":244},{"text":"يعطوا أنفسهم شيئا جعله الله في أموالهم لغيرهم.\nمواريث:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) </span>.\nمثبت للاثنتين ثلثي التركة، ومغني عن التطرق إلى التأويلات في\nفوق، ثم يكون فوق، واقفا على ثلاث فصاعدا، لأن تسمية حظ الذكر يمثل حظ الأنثيين نص لا تأويل فيه.\nألا ترى أن نصيب الابن الواحد مع الابنة الواحدة ثلثي المال،","vol":"1","page":245},{"text":"وقد سماه الله جل وتعالى حظ الأنثيين، فهو واضح لا إشكال فيه.\nووجه آخر واضح أيضا، وهو أنه لما قال: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)\nوجب أن يكون للثلاث فصاعدا الثلثان، فلما فصل ميراث الواحدة بالنصف كان لما زاد عليها الثلثان بالنص للأولي وهو بين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>قوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)</span>\nحجة لمن جعل لها مع الزوج والمرأة ثلث ما يبقى بعد نصيبهما، إذ لا وارث بعدهما غير الأبوين، وقد أخبر الله نصا أن ما لا يرثه أبَوَا هالكٍ","vol":"1","page":246},{"text":"لم يكن للأم إلا ثلثه، فإذا أعطيناها ثلثيه، لم نكن في الظاهر سالكين بها مسلك ما سمي لها.\nولا أعرف فيما انتحلناه من هذا بين أهل الفرائض خلافا، إلا ما روي عن ابن عباس: أنه جعل لها ثلث جميع أصل التركة، وهو - ﵀ - وإن كان تأسى بنمط ساير القسم في التركات، فقد فضل الأم على الأب، ولا نعلم أن الله جل وعلا فعله في شيء من الأمكنة.\nمواريث خصوص:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>قوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)</span>\nخصوص وهو - والله أعلم - من بعد وصية تبلغ الثلث فأدنى، وأرى الناس قد ألقوا رواية الحارث عن على - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":247},{"text":"قضى: بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرءون: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)، وهذا - والله أعلم - مما يوهن رواية الحارث، ويحقق عليه ما نحل من الكذب، إذ على - ﵁ - في جلالته ومنزلته من الإسلام لا يخفي عليه أن الله ﵎ لم يقدم الوصية على الدين ليبقى الدين على الميت إذا هلك، ويسعد أهل الوصايا بما أوصي لهم.\nإنما أفادنا أن الدين والوصايا مقدمان على الميراث، فليس في ذكر","vol":"1","page":248},{"text":"الوصية في اللفظ قبل الدين ما يوقع لبسه، والله أعلم.\nنكاح:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>وقوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) </span>.\nنص على تحريم الجمع بينهما بنكاح كان أو بملك اليمين. ولا أعرف للالتباس الواقع في أمرهما إذا كانتا مملوكين - من أجل أن الله قال في موضع: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وجها، إذ لو جاز أن يقع فيها التباس جاز أن يقع، في الأخت من النسب والرضاع والعمة والخالة، ونساء الآباء، وحلائل الأبناء إذا ملكن، إذ لا خلاف بين الناس أن نساء الآباء وحلائل الأبناء قد يملكن\nبعد وقوع هذا الاسم عليهن ونحن وكثير من العلماء نجيز ملك","vol":"1","page":249},{"text":"الأخت - من نسب ورضاع - والعمة والخالة، وقد شملتهن الآية بالتحريم، فما بال الالتباس يقع في الأختين المملوكتين من بينهن، والآية المحرمة للجمع بينهن، والمحرمة من ذكر معهما واحدة، وهل قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) في أول سورة النساء إلا مبيحة لجمع أكثر من أربع إماء للوطء، وفي سورة \"سأل سائل \" إلا مبينة وجه الوطء المحلل الذي لا يخرج من حفظ الفروج، وليس في هذا من الإشكال ما يحتاج إلى هذا الشرح كله، ولا أحسب الرواية عمن قال: \" أحلتهما آية، وحرمتهما آية \" إلا وهما من الراوي، إذ المحكي عنه هذا أجل من أن يشتبه عليه ما ليس بمشتبه.","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)</span>\nواقع - والله أعلم - على المحصنات بالأزواج خصوصا دون المحصنات بالإسلام عموما، إذ لو كان واقعا على المسلمات عموما ذوات الأزواج، وغير ذواتهم ما حلت امرأة أبدا باسم التزويج، ولكان التحليل في الوطء بملك اليمين دون غيره، ولكان قوله ﷻ: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) فارغا من الفائدة أو ناسخا لقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)\nفي أشباه له، لأنهن كن يحرمن باسم الإحصان الشامل للإسلام والتزويج.\nوالمسميات قبلهن من الأمهات ومن معهن بالتسمية فكان يكون","vol":"1","page":251},{"text":"عاما، وفي ذلك هدم الإسلام ومنع أهله من التزويج.\n* * *\nوقوله تعالى: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)\nمقصود به السبيات من المشركات اللواتي يسترققن بالاستيلاء دون الإماء ذوات الأزواج من المؤمنات.\nوذلك لأن سبيهن يفرق بينهن وبين أزواجهن بلا إحداث طلاق منهم، ويحلهن لمن صرن له إماء بعد حيض الحائل ووضع الحامل.\nولا أحسب الرواية عن ابن مسعود - ﵁ - في نزول الآية في المسلمين والمشركين تصح","vol":"1","page":252},{"text":"إذ حكم الإسلام، وإجماع أهل الملة كافة على أن لا يحل فرج واحد لرجلين في حال، فإن كانت الآية نازلة في المسلمة أيضا فهي إذا تبيح للمالك الأول وطي أمة شغلها بزوج قبل أن يكون بيعها طلاقها للمالك الثاني - إذ كلاهما مالك رق، والمرقوق ملك يمينه - فالاقتصار بتحليل الوطء على أحدهما: تحكم في معنى الآية إن كانت نازلة فيه.\nولئن كان بيع الأمة طلاقها من أجل أنها محصنة مستثناة بالملك في تحليل الوطء لتزويج سيدها إياها من غيره ما دام ملكه عليها قائما خطأ، لأن الملك الحادث عليها بالبيع إن كان يحرمها على الزوج لفضل قوته على عقدة النكاح - فالملك الأصلي أحرى أن يمنع من ثبوت عقد النكاح أو يبيح وطئها بعد النكاح.","vol":"1","page":253},{"text":"وقد روي عن ابن عباس أيضا أنه جعل بيعها طلاقها، وما أحسبه ثابتا عنه، إذ هو وابن مسعود - ﵄ - أعظم قدرا، وأفقه نفرا من أن يذهب عليهما هذا مع وضوحه وقلة تشابهه.\nفأما احتجاج من احتج لإبطال طلاق الأمة إذا بيعت بتخيير النبي، ﷺ، بريرة بعد ما اشترتها عائشة وأعتقها، فهو عندي بعيد منه، لأن عائشة - ﵂ - امرأة لا يحل لها ملكها الإماء وطيا، كما يحل للرجال، حتى يلحقها حظ من استثناء قوله: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .\nفليس لاعتباره بأن النبي - ﷺ - لو كان رأى بيعها طلاقا لم يخيرها، وقد أبانها الطلاق الحادث عليها بالشرى - وجه، بل هو وهم منه أغفل فيه مقصده، والله يغفر لنا وله.","vol":"1","page":254},{"text":"فالتحريم في الآية واقع على المحصنات ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين، وإباحة ما وراءهن على سائر النساء، إلا تزويج المرأة على عمتها، أو خالتها بسنة رسوله الله - ﷺ - والاستثناء على السبايا دون سائرهن والمسميات من الأمهات وغيرهن مستغنيات بالتسمية.\nالشريعة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)</span>","vol":"1","page":255},{"text":"دليل على أن لنا أسوة بمن مضى في جميع الشرائع والأحكام، إلا ما دلنا عليه كتاب، أو سنة، أو إجماع من نسخه عنا وتبديله بغيره لنا.\nفي تفسير حلائل أبنائكم:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>قوله: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ)</span>\nيحتج قوم من أهل الكلام به، فيزعمون أن حليلة السبط حلال للجد، لاشتراط الله - جل وتعالى - ولد الصلب، وذلك غلط، إنما نزلت هذه الآية - فيما بلغنا - حيث أنكر المشركون تزويج رسول الله، ﷺ، امرأة زيد بن حارثة، وكان قد تبناه، فكان يدعى زيد بن محمد،","vol":"1","page":256},{"text":"فقالوا: كيف يتزوج بحليلة ابنه، ويزعم أن الله حرم على المسلمين حلائل الأبناء، فنزلت الآية: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) .\nونزلت: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ)\nونزلت: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)\nفإن قيل: فكيف يجوز أن يكون النبي - ﷺ - نهى\nعن حلائل الأبناء قبل أن ينزل الله هذه الآية في تحريمهن مع من حرم معهن، قيل: قد يجوز أن تكون نزلت: «وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ)، (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) فلما قال مشركو مكة ما قالوا في تزويجه امرأة زيد، نزل هذا الحرف، فضم إليه","vol":"1","page":257},{"text":"كما كان نزل: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فلما جاء ابن أم مكتوم وشكي عجزه عن الجهاد نزل: (غَيْرُ أُولِي) فألحق به، والله \" أعلم.\nوقد دللنا على أن اسم الولد لا يسقط عن الأسباط وإن سفلوا\nفي سورة البقرة واحتججنا فيه بقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا)، وقوله في غيرها: «يَا بَنِي آدَمَ) فإذا كان الابن مولودا فأسباطه أبناء الجد لا شك فيه.","vol":"1","page":258},{"text":"رد على القدرية:\n* * *\nوقوله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)\nحجة على القدرية واضحة لو أنصفوا ولم يكابروا لحجتين:\nإحداهما، قوله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ)، (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) وعوده له بعد بدء ما أصابك من حسنة، وما أصابك من سيئة \" فكيف يقدر المرء أن يحترز مما يصيبه، وقد كرره جل وتعالى مرة بعد أخرى، ولم يقل: ما أصبت، فهذه إحدى الحجتين.\nوالأخرى: أنه قد قال جل وعز: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) تكذيبا لقولهم فيما فرقوا بين الإصابتين، فمحال أن ينقضه على إثر النكير والتكذيب، فيقول: الحسنة من عندي، والسيئة من نفسك.\nهذا ما لا يذهب على ذي حجي إذا تدبره، وكثير من أهل نحلتنا يزعمون: أن في قوله: (مَا أَصَابَكَ) ضمير \" يقولون \" وهو كما قالوا، إن شاء الله، كأنه قال: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ)","vol":"1","page":259},{"text":"، كما قال ﷿: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا)\nفيه: والله أعلم ضمير يقولون.\nوهذا وإن كان كذلك، فالاحتجاج به عليهم لا وجه له، لإنكارهم واعتلالهم بأنه ليس بمسطور، وما احتججنا به غير مستطيعين رده.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>قوله: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)</span>\nحجة عليهم: لإخباره في ابتداء الآية عنهم بالكسب، وفي سياقها عن نفسه بالإضلال لهم، وتوكيده ذلك بقوله: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) .\nوهذا أيضا من المواضع التي يحسن فيها حذف هاء المفعول ألا تراه يقول في موضع آخر: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)،\nفأثبت الهاء لجواز الحذف والإثبات. ثم قال: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)","vol":"1","page":260},{"text":"ولقد بلغني عن بعضهم أنه قال في هذا وفي قوله: (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) وأشباهه في القرآن إنه ينسبهم إلى الضلال كأنه يومي إلى أنه يضلل من يشاء بالتثقيل بمعنى أنهم ضلال.\nوهذا قول يستغني سامعه بقبحه عن إيراد الحجة في نقضه، ومن كان\nهذا مبلغ علمه باللغة لم يحسن به التروس بالبدعة.\nشأن الصلاة:\n* * *\nقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)\nحجة لمن يقول: إن المسافر بالخيار في إتمام الصلاة وقصرها،","vol":"1","page":261},{"text":"ورد على من يقول: فرضه ركعتان. إذ لو كان كذلك\nما رد الأمر إليهم وأزال عنهم الجناح في القصر، ولكان فاقصروا على لفظ الأمر، والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>وقوله: (إِنْ خِفْتُمْ) </span>- شرطه، فثبتت رخصة القصر في الخوف بالقرآن وفي الأمن بالسنة.\nوعلى جوازه دهماء الأمة، واختلافهم في أنواع الأسفار لا في الأمن.","vol":"1","page":262},{"text":"صلاة الجماعة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>وقوله: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ)</span>\nحجة لمن يزعم أن صلاة الجماعة فرض، إذ لا تجوز أفعال الضرورة - من التقدم والتأخر والانتظار - في صلاة يستطيع المنفرد أن لا يفعلها ولو فعلها فسدت عليه، إلا وإقامتها في الجماعة فرض، ويؤيد هذا من قوله: \" تواعد رسول الله ﷺ بإحراق بيوت من تخلف عنها\".","vol":"1","page":263},{"text":"وهذه النكتة من الكتاب والسنة، وإن كان فيها متعلق، فليس الأمر عندي كذلك، إذ ابتداء الآية ليس فيه أمر بإقامتها كذلك. إنما هو تعليم له، ﷺ، كيف يصليها بأصحابه، واستدلاله بأفعال الضرورة فيها على إيجابها ليس كذلك، إذ العمل على الجملة في الصلاة مفسد لها، وقد عمل النبي - ﷺ - في الصلاة أعمالا وأمر بأخرى منها: حمله أسامة، وفتحه الباب،","vol":"1","page":264},{"text":"وأمره بقتل الحية، والعقرب. فلم يجز أن يباح سائر الأعمال فيها اعتبارا بأن النبي - ﷺ - عمل بعضها والموجب بصلاة الجماعة المعتبر بصلاة الخوف وما ذكرنا من السنة لا يقول بالقياس. فكيف يجوز له الاعتبار بأعمال الضرورة فيها على إيجابها، بل يلزمه أن يسلم لكل هذه الأشياء في مواضعها ولا يحمل غيرها عليها. والذي يسلط عليه النظر - والله أعلم - أن صلاة الخوف صليت في جماعة ليبادر بالفراغ منها خروج الوقت إذ لا يمكن لجيش أن يصلي واحد بعد آخر قبل ذهاب الوقت، ولعلها صليت مع ذلك في آخر الوقت فكان أضيق عليهم. وما احتج به من وعيد النبي، ﷺ، بتحريق البيوت، فهو - والله أعلم - للمنافقين لا للمسلمين، ألا تراه، ﷺ، يقوله في الحديث: \"","vol":"1","page":265},{"text":"لقد هممت أن يحطب حطب ويؤمر بالصلاة فينادى بها ثم آمر، رجلا يؤم الناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم \".\nوقال في آخر الحديث: \" والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا من شاة سمينة أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء.\nفكيف يدع ﷺ فرضا يتواعد غيره على تركه بحرق البيوت ويشتغل بحرقها، هلا كان يحرقها بعد الفراغ من فرض الجماعة لو أعدها فرضا،!\nوقوله ﷺ: \" لشهد العشاء \" محقق أنه للمنافقين\nلأنه قد قال: في غير هذا الحديث أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والصبح، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا.","vol":"1","page":266},{"text":"وأما احتجاجه بحديث ابن أم مكتوم فإن عاصما رواه عن أبي رزين عن ابن أم مكتوم وفيهم من يرسله، فيقول: إن ابن أم مكتوم سأل رسول الله - ﷺ -، ومع ذلك فقد","vol":"1","page":267},{"text":"عارضه حديث عتبان بن مالك وهو أصبح إسنادًا منه لا محالة،","vol":"1","page":268},{"text":"والذي يزيل الريب كله حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ، قال: \" صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة \".\nوكل حديث روي في ذلك لا يكافي حديث مالك. هذا، ونحن نؤكد صلاة الجماعة ولا نبيح تركها لمن قدر عليها بأي وجه كان، ولا نرخص في تركها إلا من عذر بين من غير أن نعدها فرضا، فمن رأى إتيانها من وكيد السنة ولم ير في تركها رأي الرافضة ثم تخلف عنها من غير عذر وصلى في منزله ضيع حظ نفسه وأجزأته صلاته في","vol":"1","page":269},{"text":"بيته، وفاتته درجات الحاضرين من غير أن يكون لفرضه من التاركين وقد رأى النبي، ﷺ، الرجل الذي أمره بإعادة الصلاة ثلاث مرات وحده وما يحسنها \" فلم يعب عليه انفراده، إنما عاب عليه ما عمله، ولم يقل: لا تصلها إلا في جماعة، فإنها لا تجزيك إلا فيها، وقال لمن صلى في رحله: \" إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه فإنها له نافلة\".\nفجعل فرضها للأولى التي انفرد بها ولم يجعلها التي صلاها في","vol":"1","page":270},{"text":"جماعة، وقوله: (إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)\nدليل على أن الجماعة قد يجوز أن يخبر عنهم بلفظ الواحد، لأنه - جل وتعالى - لم يقل: أعداء مبينين، ومثله في القرآن كثير.\nرد على الشبراة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) </span>.\nرد على المعتزلة في باب الوعيد وعلى الشركة في باب الذنوب:\nفأما الرد على المعتزلة: فإنهم يزعمون أن من مات على ذنوبه غير تائب","vol":"1","page":271},{"text":"منها فهو مخلد في النار، وقد أخبر الله في هذه الآية: أن في المحتقبين ذنوبا ماتوا عليها من غير توبة - من يغفر له، ولم يوئيس من الغفران إلا الكفار الذين يموتون بكفرهم فأما من تاب من الكفر واستغفر من الذنوب من الموحدين فليس بداخل في هذه الآية، إذ يقول ﵎ في الكفار: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)\nوقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)\nفعلمنا أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) واقع على من مات كافرا.\nوقال في المؤمنين المذنبين: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)\nوقال: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)","vol":"1","page":272},{"text":"وقال: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)\nفعلمنا أن قوله: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) لمن مات على غير توبة، إذ التائب من الكفر والذنب قد محصت التوبة عنهما ما احتقباه فحصلت الآية لغيرهما.\nوأما الرد على الشراة في باب الذنوب، فإنهم يعدون صغيرها وكبيرها كفرا فإذا كان الكفر كفرا والذنب كفرا، فما الشيء الذي يغفره الله بعد الشرك لمن يشاء،\nهذا ما لا يذهب على المميزين إذا أبصروه وأعملوا الفكر فيه مع أنه بحمد الله جلي واضح،","vol":"1","page":273},{"text":"رد على من يقول بخلق القرآن:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>قوله: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)</span>\nحجة على من يقول بخلق القرآن، إذ لو كان القيل على المجاز ما كان يقال فيه هذا، وكيف يجوز أن يقال: من أصدق قيلا من حائط فلان إذا مال، فسقط، هذا يستحيل في اللغة والعقول لو تدبروه.\nرد على الجهمية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>قوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)</span>\nحجة على الجهمية\nوبلغني أنهم يجعلون الخليل في هذا الموضع: الفقير، كأنه: اتخذه فقيرا إليه، يذهبون به إلى الخلة بفتح الخاء فرارا مما يلزمهم في الخلة بضمها، ويحتجون ببيت لزهير بن أبي سلمى:","vol":"1","page":274},{"text":"وإن أتاه خليل يوم مسألة\nيقول لا غائب مالي ولا حرم\nوالخليل وإن كانت العرب تسمي به الفقير فهي لا تأبى من تسمية الصديق به بل تسميتها الصديق به أكثر، وعلى ألسنتها أسير، ولو كان تسمية الفقير به أشهر عندها من تسمية الصديق به، لكان إعدادهم إياه هاهنا فقيرا من الإفراط في الجهل، والنقيصة في العقل، إذ هو موضوع موضع الفضيلة لإبراهيم، ﷺ، فكيف يمدح إبراهيم بشيء يشاركه فيه جميع الناس قبله وبعده، كافرهم ومسلمهم، بل يشاركه فيه جميع الروحانيين من البهائم والحشرات وسائر الخلق من الجن والشياطن، إذ لا نعلم أحدا من هؤلاء إلي فقيرا إلى الله، وهل أتى على إبراهيم وقت لم يكن فيه فقيرا إلى الله قبل النبوة وبعدها،! ثم اتخذه فقيرا إليه، وهل خص الله إبراهيم، وحده","vol":"1","page":275},{"text":"بالفقر إليه من بين سائر العالم، حتى يذهب بتأويل الخليل إليه وهل كان قبل اتخاذه إياه - فقيرا إليه - غنيا عنه، أو يجوز أن يكون أحد من الملائكة وحملة العرش والأنبياء والمرسلين غنيا عن الله في شيء من الأحوال، ولا أعلم المساكين يفزعون إلى اللغة في وقت، إلا غلطوا طريقها، وجاءوا بأفظع مما يفرون منه. وبيت زهير يمدح به هرم بن سنان.\nقد يجوز أن يكون لهرم خليل يحبه فيسأله في حمالات وديات ولوائح يتوسلون به إلى هرم - فلا يرده عنها فيكون الخليل في بيت زهير أيضا صديقا، وإن كان غير ضار كينونته فقيرا.\nحجة على مثبتي الاستطاعة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>وقوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)</span>\nحجة على مثبتي الاستطاعة بكل حال، وقد أخبر الله نصا عن المأمورين","vol":"1","page":276},{"text":"بالعدل بين النساء أنهم لا يستطيعونه ولو حرصوا.\nوهذه آية يحتج بها في باب الفقه، ولكن هذه النكتة فيها حجة عليهم بينة مع أن نفي هذه الاستطاعة أبين في العيان والتجارب من أن يضطر فيها إلى الخبر، إذ كل امريء عارف من نفسه بأنه غير مالك لقلبه، والاستطاعة - لا محالة - سلطان مفرق على الجوارح، والقلب ملكها، فسلطانه الإضمار والنبوّ، كما أن سلطان اليد البسط والقبض، وسلطان العين النظر والغض، فإذا رأينا بعض أجزاء الاستطاعة بالعيان غير مملوك علمنا أن وقوعه من حيث لا حيلة في رده مخلوق، وإذا ثبتت خلق بعض شيء بعينه ثبت خلق جميعه، وإن كان اللطيفة في إدراك علم بعضه أخفى منها، في بعض، وكيف يجوز مكابرة العيان والمشاهدة، ونحن نرى قلبا نابئا عما يحب بقاءه، وباقيا فيه ما يحب فناءه، ونرى أشياء يشتهيها العبد ويحرص على فعلها،","vol":"1","page":277},{"text":"وأشياء يحترز منها جهده وطاقته وهي تقع به على كراهيته لها حتى إن الرجل ليحرص على مواقعة معصية ويعمل فيها حيله، ويتمكن منها فيحال بينه وبينها وهو متلهف متعدد على فواتها متحسر على بعدها منه، وآخر يحرص على عمل الطاعات استفرغ مجهوده في الوصول إلى فعلها لا يستطيع إتمامها، فأين تثبت الاستطاعة مع مشاهدة هذه الأشياء عيانا، فهل يمكن الوصول إلى كلا الفعلين من الطاعات والمعاصي إلا بقضاء سابق.\nرد على المرجئة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)</span>\nرد على المرجئة فيما ينكرون من زيادة الإيمان، إذ قد أمر المؤمنين بأن يؤمنوا.\nرد على الجهمية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>وقوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)</span>","vol":"1","page":278},{"text":"رد على الجهمية، إذ قوله: (وَهُوَ خَادِعُهُمْ) لا محالة رد لقولهم، وإبطال لفعلهم وتثبيت لفعله، ولا يخلو العدل المضاف إليهم من مجاز أو حقيقة في الإخبار، فإن كان حقيقة فجوابه أحق بالحقيقة منه، وإن كان مجازا فلا ذنب لهم فيه، ولا يستوجبون عقوبة عليه، وهذا لا يجوز توهمه فكيف تقوله ولا ثالث له،!\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>قوله: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)</span>\nحجة على القدرية والمعتزلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>قوله (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)</span>\nحجة على المعتزلة والمرجئة.\nفأما على المعتزلة فقوله: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا) ولم يقل: تطبعت وأما\nعلى المرجئة: فذكر قلة الإيمان، وما كان له قليل كان له كثير وصار ذا أجزاء.\nحجة علما الجهمية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>وقوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)</span>\nحجة على الجهمية وهي من","vol":"1","page":279},{"text":"كبار الحجج عليهم.\nويحتجون بأن الكلام منه على المجاز، والمجاز لا يؤكد بالمصدر، وقد أكده - جل وعلا - كما ترى، فجاء بالتكليم.\nولقد بلغني عن بعض المتحذلقين من أستاذيهم أنه لما نظر إلى ما يلزمه\nفي هذه الآية من تأكيد المصدر تطرق إلى تأويل أقبح من المجاز، فقال: معنى كلمه، أوجد كلاما سمعه، فقبحا لقوم يدعون الفلسفة في دقيق العويص ثم ينسلخون منه انسلاخ الشعرة من العجين، أليس من أصولهم - ويحهم - أن لا يقبلوا شيئا يدفعه العقل،\nفأي عقل يقبل أن يسمي الكلام كلاما قبل أن يتكلم به، فلو أنهم حيث خالفوا القرآن ثبتوا على المعقول، كان أقل لفضيحتهم عند أنفسهم.","vol":"1","page":280},{"text":"فكانوا يقولون: أنطق جبريل بما أراد به مخاطبة الرسول من غير أن يتكلم تعالى الله به فكان يكون لإيجاده ما سمعه حينئذ معنى في العقل، وإن كان أيضا خلاف الحق، ويكون اسم الكلام لم يقع عليه قبل أن يتكلم به، فإن توهم هذا متوهم قيل له: إنما كنا نثبت عليك نفى الخلق عن القرآن ما دمت تؤمن به، وهو يكذبك، فإذا صرت تكفر بأصله اشتغلنا بغيرك ممن يؤمن به.\nفنحتج منه عليه، وما عسى يقولون في قوله - ﷻ - (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)\nأيجوز أن يكون الكلام الذي أوجده بزعمهم من غير أن يتكلم به يقول: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ)، فهلا قال: - ويحهم - إنه هو الله رب العالمين،.\nوقالت - ﵎ - (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فهلا كان: أنه جاعل في الأرض خليفة، ويكون الجواب منهم قالوا: أيجعل فيها - بالياء - ونحن نسبح بحمده، ونقدسه - بالهاء -، ومثل هذا كثير في القرآن، وهم مع خلافهم القرآن وخروجهم من العقول، قد غلطوا في اللغة أفحش غلط، فيما زعموا: أن (كلم الله) أوجده خلافا خلقه له، لا كلاما تكلم به - إذ لو كان كذلك، لكان: وأكلم الله موسى إكلاما كما قالت: (ثم أماته فأقبره)","vol":"1","page":281},{"text":"أي: جعل له قبرا، فيكون أكلمه: جعل له كلاما، ولو لم يذهبوا بإيجاده إلى معنى المخلوق، لكانوا مصيبين، لأنه - ﷻ -: إذا أسمعه ما تكلم به، فقد أوجده، ولكن لا يصير بإيجاده له مخلوقا إذا لم يكن في الأصل مخلوقا ولقد بلغني عن بعض سفهائهم أنه ذهب بالتكليم إلى الكلم من الجراحة، ولم يحفل بتحويل المدح ذمًا حرضا على تصحيح مقالته في نفي الكلام عن خالقه وتحقيق الجرح منه على نبيه، ﷺ.\nولولا ما أحببت من وقوف أهل السلامة من أهل نحلتنا على فضائحهم ليتعوذوا بالله منها لصنت هذا الكتاب عن إيراد هذه الحماقات فيه.\nميراث:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>وقوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ)</span>\nدليل على أن الإخوة والأخوات لا يرثون مع إناث الأولاد، كما لا يرثون","vol":"1","page":282},{"text":"مع ذكورهم، لشمول اسم الولد لهن كشموله لهم، ولا يجوز ترك نص القرآن وتوريثهم معهن بغير طائل من حجة، ولو جاز أن يوقع اسم الولد على الذكور في هذا الموضع دون الإناث جاز أن لا تحجب الأم عن الثلث بإناث الأولاد ولا الزوج عن النصف والزوجة عن الربع بهن، ولا أعرف حجة في حجب هؤلاء أكثر من أن اسم الولد لازم لهن كما يلزم الذكور، فتخصيص الذكور به في آية الكلالة وتعميمه في آية الأبوين والزوج والزوجة - لا أعرف وجهه وسبيل العموم أن لا يخص","vol":"1","page":283},{"text":"فالاختلاف موجود في ميراث الأخوات مع البنات فإن حصل إجماع في توريث الإخوة معهن وإلا فهم أسوة أخواتهم في الإسقاط في حكم الآية. وليس في حديث.","vol":"1","page":284},{"text":"أبي قيس عن هزيل من القوة ما يخص به عموم الكتاب.\nفمن ذهب إليه وعدل أبا قيس وكان مع الجمهور الأعظم من الفرضيين فهو وجه.\nومن كان مع ابن عباس ومن تبعه عليه لم نعنفه كل","vol":"1","page":285},{"text":"كل التعنيف. وبالله التوفيق.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>سورة المائدة </span>\" أوفوا بالعقود \"\nقوله ﷿ (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) .\nدليل على أن من اكتسب في حجه، والتمس فضل تجارته لم يخل بطلبته، وأن نيته في كلا القصدين موصلة إلى جميع الطلبين، وكذا قال في سورة البقرة: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ)\nوالفضل - والله أعلم - في كلا الموضعين:\nطلب نيل الدنيا، من التجارة والكسب. ألا تراه يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)،","vol":"1","page":287},{"text":"فأطلق ما كان منع منه عند نداء الجمعة، وهي التجارة، وحديث أبى أمامة التيمي في الكرى بين في الآية من سورة البقرة، فليس لأحد من المتعمقين أن يحظر سعة رحمة الله بالتضييق على عباده في الجمع بين طلب الآخرة والدنيا، إذ المباح من طلبها","vol":"1","page":288},{"text":"غير مؤثر في الإرادات ولا بمفسد مقاصد الطلبات، والله - جل وعلا - عارف بضمائر قاصديه وغير مخيب آمال مؤملينه وشاكر لكل نيته على ما أودع طويته.\nفإن قيل: أوليس نهيه عن البيع عند النداء لصلاة الجمعة معارضا للآيتين، قيل: معاذ الله أن يكون معارضا لهما، إذ الاشتغال بالبيع مانع من حضور الجمعة وليس الاكتساب في الحج بمانع من فعل المناسك وشهود المشاهد، مع أنه لو قدر على حضور الجمعة مع البيع بعد النداء لها ما كان منعه من فعل بعينه يعارض فعلا سواه، إذ المعارضة لا تكون إلا في اجتماع منع وإطلاق على فعل واحد، فيلتمس حينئذ لهما مخرج لا على فعلين مختلفين.\nنكتة شنآن قوم:\nوقوله ﷿: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) دليل على أن: العدوان غير المقابلة، وهو ما زاد عليها ألا تراه - ﷻ - يقول: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)،\nوقال: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) فالمقتصر","vol":"1","page":289},{"text":"على مثل ما فعل به مقابل، والزائد عليه متعدي، ويؤيده من السنة حديثه، ﷺ: \" المستعان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتدي المظلوم \" (١) .\nوفيه من جهة الفقه مايؤيد قول الشافعي - ﵁ - في إباحته للمظلوم أن يأخذ من مال ظالمه مثل ظلامته علم به أم لم يعلم، وأن ما خرجه من الحديث المروي:\n\" أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك \" كما خرجه.\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه (٤/ ٠ ٠ ٠ ٢) ح (٥٨٧ ٢) كتاب: البر والصلة والآداب، باب: النهي عن السباب.\nومعنى الحديث كما قال النووي في شرح صحيح مسلم (١٦/ ١٤٠): ما معناه: أن إثم السباب الواقع من اثنين مختص بالبادي منهما كله إلا أن يتجاوز الثاني قدر الانتصار فيقول للبادي أكثر مما قال له ... \".","vol":"1","page":290},{"text":"لا يكون خاطئا ما دام يأخذ حقه فإذا استوفاه، وأراد شيئا سواه استوجب كما كان ظالمه بأول درهم أخذه خائنا.\nقال محمد بن علي: وأرى جماعة يحملهم شنئان داود الأصفهاني على العدوان عليه بإلزامه ما لم يلزمه والتقول عليه ما لم يقله، وداود وإن كان عندنا غير مرضي لتخاليط بلغتنا عنه، وصحت برواية الثقات عليه فليس بأعظم جرما ممن صد عن المسجد الحرام رسول الله، ﷺ، وأصحابه - ﵃ - من كفار قريش، وله بهم أسوة في ترك العدوان عليه، فمما يلزمونه ظلما ولا يلزمه: تحليل شحم الخنزير لتسمية اللحم بالتحريم في قوله:","vol":"1","page":291},{"text":"(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)\nوهذا هو التعدي بعينه، وإضاعة المراقبة من ملزمه إن كان عالما، وإغفال متفاوت منه إن كان مجتهدا لإعواز الوصول إلى زكاة الخنزير بوجه من الوجوه الذي يصير به الحيوان ذكيا، فلما كان إفاتة روح الخنزير بوقذه وفري أوداجه وقطع حلقومه ومريه سيان كان شحمه إن لم يحرم باسمه حرم بأنه جزء من أجزاء الميتة المحرمة بنص القرآن، إذ اسم الميتة غير","vol":"1","page":292},{"text":"مزائل خنزيرا فارقته الحياة، فصار لحمه وشحمه وعروقه وعصبه وكل ما فارقته الروح من بدنه ميتًا كله.\nفكيف يلزم المسكين إباحة الميتة وهو من أشد الناس لزوما للنص، وهل يصل إلى شحم الخنزير معرى من شمول اسم الميتة له، حتى يلزمه إباحته، وإنما أفرد الله تحريم لحمه بالذكر، وهو أعلم واسم الميتة شاملة تأكيدا على ما كان آكلوه يفردونه ويفردون المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، واسم الميتة - لا محالة - شامل لجميع هذه الأشياء، فحرمها - جل وتعالى - عليهم مذكورة بأساميها المعروفة عندهم فيها، فلا وصول إلى لحم الخنزير ولا شحمه إلا بشمول اسم الميتة لهما.","vol":"1","page":293},{"text":"ومن جليل الفائدة في قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)\nبعد معرفة تحريمها - تعليمه إيانا أن ما حرم أكله علينا لم تحلله الشفرة لنا وأن ذبحه بمنزلة عقره، والعقير لا يكون ذكيا بل يكون ميتة، فالخنزير - كيف قتل - عقير لا ذكي، وشحمه ميتة.\nويلزمونه أيضا: إباحة أكل الغائط، وشرب البول والقيح.\nوكيف يلزمه وقد قال الله - ﵎ - في هذه السورة:\n(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)\nأفيرتاب بشر بأنها ليست من الطيبات وهي معدودة في أعداد النجاسات والمرفوضات، والنفوس بأسرها نابية عنها وغير طيبة بأكلها، حتى المجوس تأكل الميتة وتأباها وتجذرها، فهل يقع اسم الطيبات على ما هذه حاله عند جميع","vol":"1","page":294},{"text":"العالم مسلمهم وكافرهم ومنتظفهم وأوساخهم،.\nوهل هي إلا لاحقة بالخبائث التي قال الله - تبارك وتعالي - في سورة الأعراف في رسوله ﷺ: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) .\nفهذه الأشياء وما يضاهيها من الإلزامات لا تليق بأهل العلم ومن أنه مسئول محاسب، وأخاف أن يكون تفكها بالسخافة وتنادوا بالبطالة، ولو جعلوا بعض هذا التشنيع عليه في شيء بلغني عنه - إن كان قاله فإني لا أيقنه ولا نظرت في كتبه - كان أشبه.\nبلغني أنه قاله: لا يجوز الصيد بشيء من الجوارح إلا الكلاب وحدها، لأن الله - ﵎ - قال: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ)، فدلت على أنه قصد بها الكلاب دون سائرها. وهذا قوله يستغني سامعه بقبحه عن استماع نقضه، ودال علي تزييف قوله","vol":"1","page":295},{"text":"هذا الرجل دون سائر ما حكي عنه، فإن من خفي عليه أن قوله: (مكلبين) هو من نعت المعلمين لا من نعت الجوارح جدير أن لا يعد في عدد العلماء والمميزين من الفهماء.\nوالقرآن فيه اختصار شديد فكأنه - والله أعلم -: وما علمتم من الجوارح مكلبين لها، ولو لم يدل عليه إلي كسر اللام، لوجب أن يعلم أنهم متخذوها ضارية بالتعليم لها لتكلب على الصيد لا أنهم جاعلوها كلابا، وقد خلقها الله كذلك، وسميت كلابا قبل تعليمهم مع أن مكلبين لو كانت مفتوحة اللام أيهما ما جاز أن نخص بها الكلاب دون سائر الجوارح، إذ جميعها يستجلب على الصيد استكلابا واحدا، وإن كان بعضها أقوى عليه من بعض.\nوالاستكلاب في لغة العرب: التوثب على الشيء والتسرع إليه، فهو واقع على كل من كان هذا منه.","vol":"1","page":296},{"text":"ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - أباح للمحرم قتل الكلب العقور، فهل يجوز لأحد أن يقول: إن المحرم محظور عليه قتل الأسد، والدب، والذئب، والنمر وأشباه ذلك؛ لأن قول رسول الله، ﷺ، لا يقع إلا على الكلاب المنفردة بهذا الاسم دون من يستحقه من السباع بما فيه من معنى الاستكلاب، ويقولون: استجلب فلان على كذا إذا أكثر فعله ولم ينكر عليه ولم يزل الناس من لدن رسول الله - ﷺ - إلى اليوم في الشرق والغرب يعلمون الفهودة، والصبورة","vol":"1","page":297},{"text":"والبزاة والعقبان والشواهين والبواشق، وغيرها ويصيدون بها، علما منهم بأنها مستكلبة على ما ترسل عليه من أنواع الصيد لا ينكره منكر ولا يعيبه عالمهما ولا ينهى عنه عالم إلا شيء ذكر عن طاووس، ما أحسبه ثبت عنه، والإجماع عند هذا الرجل من أكبر الحجج.","vol":"1","page":298},{"text":"وذكر غير واحد في حديث عدي بن حاتم أنه قال: قلت: يا رسول الله: إنا نصيد بهذه الكلاب والطير،.\nوسألت النبي - ﷺ -، عن قتل البازي فقال: \"كل \" وفي حديث أبي رافع سألت النبي - ﷺ -","vol":"1","page":299},{"text":"عن الصايد جملة من غير تفسير. فمثل هذا إذا خالفه مخالف يجوز أن يستعظم، فأما إذا ألزم مالا يلزمه لم يلحقه عاره وحسن إنكاره.\nطهارة:\n* * *\nوقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)،\nدليل على غير شيء: فأولها: أن المريض مخصوص بإباحة التيمم له، وجد الماء أو لم يجده.\nإذ محال أن يبيح للصحيح التيمم بعد عدم الماء، والمريض في مثل حالة عدمه، إلا وفيه معنى يكون به مخصوصا دون الصحيح لئلا يكون ذكره فارغا بلا فائدة.","vol":"1","page":300},{"text":"والفائدة فيه ما قلنا من إباحة التيمم له واجدا للماء أو عادما له.\nوالثاني: أن في ذكر المرض خصوص - والله أعلم - هو\nأنه المرض، الذي لا يصدر معه على إمساس الماء جوارحه، مثل الجرح المخوف من الجدري والحصبة إذا غطيا بدنه وفتحاه، وأشباه ذلك دون الحمى وأوجاع الجسد التي لا تكلم.\nوالثالث: اختصار في قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) وكناية\nعن الأحداث، إذ هو - لا محالة - أو جاء أحد منكم من الغائط وقد كان منه حدث من بول أو غيره.\nوالرابع: أن في قوله: (منه) دليل على أن التيمم ضربتان، إذ المقتصر على ضربة مفرغ ما عبق","vol":"1","page":301},{"text":"من الصعيد وغباره في الوجه، فيكون ماسحا يديه بغير شىء منه.\nحجة على المعتزلة والقدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>قوله: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)</span>\nحجة على القدرية والمعتزلة.\nحجة على المرجئة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-84><span data-type=\"title\" id=toc-85>قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)</span></span>\nحجة على المرجئة، إذ ليس يخلو قولهم في تجريد الإيمان بالقول من أن يكون محسوبا لهم بلا مشاركة القلوب له، أولا يسمى القول بالشهادة إيمانا حتى يشاركه الضمير وتصدقه القلوب، فإن كان القول خاليا من الضمير هو: الإيمان عندهم فقد كذبكم الله - جل وتعالى - نصا بقوله: (وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)","vol":"1","page":302},{"text":"وسماهم مسارعين في الكفر إذا اقتصروا على القول دون القلوب.\nوإن كان لا يكون الإيمان بالإقرار وحده حتى تساعده القلوب، فقد أقروا بأن العمل من الإيمان، إذ تصديق الضمير فعل من القلب بإجماع الأمة لا ينكره منكر، والقلب أحد أركان الجسد، بل ملكها ورئيسها، والقول شيء، لا يضاف في الجسد إلا إلى اللسان وحده، إذ لا سبيل إلى الإيجاد إلا به، فما بالهم ينكرون تسمية العمل إيمانا، وقد سموه هذه التسمية التي لا تشكل على أحد ينظر فيها، وما بال عمل بعض الجسد يستحق اسم الإيمان ولا يستحقه سائرها من سائره، وهل إطلاق القول في الشهادة وضمير القلب على صدقه إلا من المفترض الذي أمر الله عباده بالخروج إليه منه، فإذا ائتمروا له سمي ذلك الائتمار منهم إيمانا، وتكون الصلاة والزكاة أمرا مثلهما.\nفإذا ائتمر مؤتمر بأدائهما لم يسم ايتماره إيمانا، هل هذا الأمر إلا من التحكم الصراح الذي لا التباس فيه،.\nفإن استحسن مستحسن منهم أن يكابر عقله، ويجحد خصمه ما يشهد العيان له بصحته، ويتصور بصورة المجانين عند جميع العالم، فيزعم أن ضمير القلب على الشيء وقوله له ليس بعمل يضاف إليه، ويضاف بطش اليد إليها، ويكون من عملها، أو يزعم أن ضمير القلب جزء من أجزاء القول الذي لا سلطان لغير اللسان","vol":"1","page":303},{"text":"عليه، حرم كلامه وانقطع نظامه وإلا فليوقن بأن ما جحده في التفصيل قد أثبته في الجملة، وأن العمل إذا سمي إيمانا كان نسبته إلى اختلاف أسماء الجوارح وحركاتها لا يغير حكمه أقر به الجاهل، أم جحده.\nحجة على المعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>وقوله: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية لذكر الفتنة بلفظها ونفي النفع والضر عن نبيه - ﷺ - في دفعها.\nفإن قيل: الفتنة هاهنا الاختبار. قيل: لو كان كذلك كان - والله أعلم - ومن يرد الله فتواه لا فتنته، كما قال لموسى - ﷺ -: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) .\nوكيف يريد اختبار قوم لم يرد تطهير قلوبهم، وهو لو كان كذلك لكان أبلغ في الحجة عليهم حيث يزعمون بألسنتهم أنه جل وتعالى يختبر من لا يطهر قلبه من دنس الكفر، ولا يخلو بالإيمان أبدا، وكيف يطهر وقد منعه التطهير بارتفاع إرادته عنه،.","vol":"1","page":304},{"text":"وهل هذا إلا الذي أنكروه ولم يجيزوا عليه أن يدعو إلى الهداية من قد أضله، ويعذب على فعل هو قضاؤه، فأرى تأويلهم في الفتنة قد أوقعهم فيما هو أشد عليهم مما فروا منه.\nوهذا وإن كان من أكبر الحجة عليهم، فليست الفتنة هاهنا بمعنى الاختبار، إذ الاختبار عام على جميع الناس، قال الله ﵎. (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)\nوقال: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ)\nوقال: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)\nوالفتنة هم المرادون بها خاصة لقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ) .\nفي شأن اليهود الذين تحاكموا إلى النبي، ﷺ:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>قوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)</span>\nنازل من الله في اليهود الذين تحاكموا إلى النبي - ﷺ - في حد الزانية، إذ القصة مبتدئة بذكرهم ومختومة بهم فابتداؤها:","vol":"1","page":305},{"text":"(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)\nوفي سياقها ما يحققه وهو: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ) .\n(وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ) أي: في حد الزانيين\n(وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) أي: حكمه في رجمهما.\nوكان تغييرهم حكم الرجم - إلى تحميم الوجوه، والضرب والطواف وادعاؤهم على الله - كفرا، إذ ألغوا له حكما لم ينسخه، وادعوا عليه تبديل مالم ينزله، ثم ساق ﷻ تمام القصة وقال: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)\nفباء بالكافرين والظالمين والفاسقين أهل التوراة من اليهود، والإنجيل من النصارى، وأهل الفرقان من ثلاثتها بنعمة الله سالمون. د محمد","vol":"1","page":306},{"text":"ابن الحسين بن محمد الهمداني، د. بكر بن سهل بن إسماعيل الدمياطي، د. عبد الله بن يوسف التنيسي د. أبومعاوية محمد بن خازم د. الأعمش، عن عبد الله بن مرة عن البراء بن","vol":"1","page":307},{"text":"عازب عن النبي - ﷺ - في قوله تعالي:وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)،\n(ووَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْظالمونَ (٤٥)،\nوَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)\nقال: \" هي في الكفار وحدها.\nفيقال لمن يحتج بها من الشراة وغيرهم في تكفير أهل القبلة بالذنوب: ما حجتكم في التسوية بين الجميع، وأهل الفرقان عالمون بأن أحكام الله المنزلة في كتابه حق والحكم بها عليهم فرض، وأنهم","vol":"1","page":308},{"text":"بتركها عاصون، وعلى إضاعتها معاقبون، وهم مع ذلك مسلمون، ومن أنزلت فيهم الآيات يهود ونصارى لا يرتاب بكفرهم جميع أهل النحل. أيجوز لمتوهم يتوهم أنهم قبل أن يحكموا رسوله الله - ﷺ -،ويدعوا حكم التوراة يكونوا كافرين، ولا ضرهم رد نبوته وجحود رسالته، فاستوجبوا الكفر بترك حكم التوراة في الزمنين، كما تزعمون أن الموحد من المسلمين يكفر بترك حكم الله إلى ضده.\nفإن قالوا: إن هذا يجوز توهمه وتحققه بان كفرهم وكفيت مؤنتهم.\nفإن قالوا: بل كانوا قبل الحكم برد النبوة كفارا فصار تغييرهم الحكم زيادة في كفرهم، قيل لهم: فما وجه تكفيركم من قبل نبوة محمد - ﷺ - وصار بها مسلما - بتركه استعمال حكم الله. أيكون زيادة في كفر ليس فيه، أم يكون مضموما إلى إسلام ليس من جنسه، أم يحبط إحسان عمر طويل بإساءة لحظة، ويهدم به ما أصلتموه في باب العدل. أم تكون نفس واحدة كافرة بإساءتها مؤمنة بإحسانها، تستوجب بنصيب إيمانها الخلود في الجنة، وبنصيب كفرها الخلود في النار، هذا - والله - أفحش مقال وأقبح انتحال.\nفإن قال الشراة: ليس من النصفة أن تحتج علينا بأن الآية نزلت في الرجم الذي أدته إليك الأخبار، ونحن لا نؤمن بها.","vol":"1","page":309},{"text":"قيل لهم: اجعلوه في أي حكم شئتم، أليس يكون منزلا في غير\nأهل الفرقان، فإن قالوا: أفلا يجوز أن يكون نزوله فيهم، فيدخل من عمل بعملهم معهم،.\nقيل: بلى إذا ساووهم في الكمال كانوا مثلهم في الأفعال، وسموا به كفارا وإن عملوا ببعض أفعالهم، ولم يساووهم في جميع صفاتهم كانوا عصاة بذلك الفعل.\nفنقول من حكم بضد حكم الله مدعيا به على الله أو جاحدا بما أنزله\nمن أحكامه فهو كافر، لأن من جحد القرآن، وقد شهد الله بإنزاله، أو نسب إليه ما لم ينزله، فقد كذب عليه، ومن كذب عليه لم يرتب بكفره، لقوله ﵎: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)\nفسماهم كفارا، فمن كان تاركا لما أنزل الله في أحكامه على هذه الصفة، فقد ساوى من أنزلت فيهم الآيات من اليهود والنصارى واستحق اسم الكفر والظلم والفسق.\nومن حمله حرص الدرهم والدينار، أو بلوغ ثأر، أو شهوة نفس على","vol":"1","page":310},{"text":"ترك حكم الله، وهو عالم بعدوانه عارف بإساءته، حذرٌ من سوء صنيعه، مصدق لربه فيما أنزل من الأحكام، شاهد عليها بالحق المفترض عليه العمل به، ولم يساوهم فيها، وهو باق على إسلامه عاص لربه، فأفعاله تستوجب عقوبته إن لم يجد بالصفح عنه.\nفإن تاب لحق بالتائبين، ومن يستوجب المغفرة من المذنبين، ومن لحقه الموت قبل التوبة كان له طريقان:\nأحدهما: الرجحان في الوزن قال تبارك وتعالي: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)\nوقال: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧) .\nأفيأتي بالخردلة من الشر ولا يأتي بها من الخير، وهو عدل لا يجور\nولا يظلم أو يلحق إساءة يوم بالكفر فيثقل به كفة السيئات لترجح على اكتساب طول عمره جبال الحسنات. إن هذا إلى الافتراء عليه ﷻ وتكذيبه سبحانه أقرب منه، إلى تعظيمه، وتكفير من خالف أمره، بل هو الكفر بعينه، وسنلخصه بشرح حججه في كتابنا \" المجرد \" في الرد على المخالفة إن شاء الله.","vol":"1","page":311},{"text":"والآخر: التفضل بالعفو وترك الماقشة في الوزن، قال الله ﵎: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) .\nوقالت: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)\nفهذا لا محالة في المسلمين كله في الظالم والقاصد والسابق، لقوله ﵎ بعد انقطاع سياق الكلام: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)","vol":"1","page":312},{"text":"فسماهم في آية واحدة كفارا وظالمين، كما سمى اليهود والنصارى في تلك الآيات، وسمى بالظلم والاقتصاد، فعلمنا أن الظلم وإن جمعه اسم فهو يفارق به غيره، وكذلك الكفر قد يكون بالله، ويكون بنعمه. والكفر في اللغة: ستر الحق فيجوز أن يكون الحاكم بغير ما أنزل الله ساترا لأحكامه وهو مسلم، ويكون ساترا لها وهو كافر وتختلف درجات الكفر في صفاقة، الستر ورقته، فيكون الجاحد بالغا أقصى عرضة والعاصي مجامعه في الفعل الظاهر مخالفه في الضمير الباطن فلا يستويان في العقوبة ولا يلتقيان في الدرجة، هذا مالا يذهب على من","vol":"1","page":313},{"text":"قصد الحق بنصح واستقامة، وأضرب عن اللجاج والغلبة بباطل الاحتجاج.\nفيه تثبيت قول الشافعي - ﵁ - الدم أنجس من الذكر:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ)</span>\nحجة للشافعي، ﵁، فيما عيب عليه من قوله: الدم أنجس من الذكر.\nوقالوا: كيف يفضل جنس من النجس على جنس من الطاهر، إنما\nكان يجوز أن يقول: أنجس من الذكر لو كان الذكر نجسا، وكان يفضل الدم في النجاسة عليه لئلا يستحيل كلامه.\nفهذه الآية تصوب قوله. ألا تراه قال ﷻ قبلها: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ)،\nونحن لا نشك أن إيمانهم بالله","vol":"1","page":314},{"text":"وما أنزل من كتبه خير لا شر وقد قال جل وعلا كما ترى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ)\nفأنبأهم بشر من شر عندهم هو خير في الحقيقة، والشافعي، ﵁، عربي اللسان يتكلم على سعة لسان العرب، فكأنه قال: الدم أنجس من الذكر الذي يظن ظان أن الوضوء من مسه لنجاسته لا للتعبد، والذكر طاهر في الحقيقة وقد أكده ﵎ بما قال في سياق الآية، (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠): إذ مكانهم خير ومكان أهل الكتاب شر، ولم يكونوا بالإيمان به وبكتابه ضلالا عن سبيله، وقال في أهل الكتاب: (وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)\nومثل هذا قوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ولا خالق غيره فيكون هو أحسن منه وهو خير الوارثين) وهو الوارث دون غيره.","vol":"1","page":315},{"text":"حجة على المعتزلة والقدرية:\n* * *\nقوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ)\nحجة على المعتزلة والقدرية خانقة لهم، إذ الجعل في هذا الوضع كيف تؤول من خلق أو صيرورة كسر قولهم ولم يجدوا عنه محيصا بحيلة، فقد أعد - جل وعلا - عبادتهم الطاغوت في عداد العقوبة وجمع بينه وبين الغضب واللعنة وتحويل صورهم إنما الخنازير والقردة.\nمبطل تأويل الجهمية:\n* * *\nوقوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)\nمبطل تأويل الجهمية في معنى اليد وإعدادهم إياها مرة نعمة، ومرة قوة، ونحن لا ننكر أن العرب قد تخبر عن النعمة والقوة معا باليد غير أن هذا ليس موضعه، بل هو موضع اليدين المسماتين بهما دون القوة والنعمة، إذ اليد - إذا كانت بمعنى","vol":"1","page":316},{"text":"النعمة جمعت على أيادي، وقد قال كما ترى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) فجمعها على الأيدى التي لا تكون إلا جمع اليد لا جمع النعمة، وقد ثنى يديه فقال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) فأبطل تأويل القوة، إذ كانت القوة لا تثنى، وكذا في سورة \" ص \" قال: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) فثناها، فالعجب لقوم لا يرضون للخالق بما رضيه لنفسه فينزهونه بجهلهم عما ليس بتنزيه، ويمدحونه بما هو ذم بل داع إلا التعطيل، وتكذيب القرآن والله المستعان.\nحجة على المعتزلة والقدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>قوله: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية.\nفإن قيل: فما وجه قوله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا)\nوهو أعلم أنهم لا يقدرون على الإيمان إلا بتيسيره عندك،.\nقيل: قد دللنا في غير موضع من هذا الكتاب وغيره على أن فعل","vol":"1","page":317},{"text":"الفاعل مضاف إليه وإن كان التسيير والمنع من غيره.\nوهذا غير مستحيل في معقولهم أيضا لو تدبروه، لأنهم يجدون عبدا مخلوقا فيه آلة فعل لا يقدر مع منع مالكه عليه، فإذا أطلقه له ففعله كان الفعل منسوبا إلى الفاعل لا إلى المطلق، والأمر غير الإطلاق، فإذا أمر المخلوق - الذي يجوز في صفته العدل والجور ويكونان جميعا منه - عبده بما لا يستطيع فعله، ثم عاقبه على تركه كان جائزا عليه.\nإذ غير محال في صفة المخلوق أن يبتدئ بالجور وبالعدل ويختم بهما، وجائز أن ينظر في عدله وجوره مخلوق مثله، فيعرف جوره من عدله ولا يخفى عليه شيء من طريقهما، لأنه وإن خفي على واحد عرفه الآخر، وإذا كان ذلك من الخالق الذي لا يجوز في صفته الجور لم يجز أن يكون معدوما منه إلا في العدل وإن تصور بغيره، إذ المتصور في العقول من ضد العدل يقمعه إحالة نسبة الجور إليه.\nونفي هذا الفعل عنه يدفعه إنزاله في كتابه وإخباره متفرجا به عن نفسه ولم يكن تنزيهنا له عن نسبة ما لا نعقل من عدله إليه بأحق من تنزيهه","vol":"1","page":318},{"text":"عن نسبة الكذب إليه\nوالصدق والعدل معا من صفاته فسواء نفي عنه الصدق أو نسب إليه الجور تعالى عنهما علوا كبيرا.\nوليس يسلم من أنكر القضاء والقدر من تكذيبه وإن سلم عند نفسه من\nتجويره.\nومن قال:: إن المتصور في العقول من الجور عجز عن معرفته، والإيمان بالقضاء تصديق لربه، سلم من كلا الأمرين ورضي بالعبودية، ولم يزاحم في الربوبية.\n* * *\nقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) دليل على أن من حلف أن لا يطعم شيئا لوقت، فشرب شرابا أنه يحنث، لأن الآية نزلت في الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها، ويؤيده قوله في سورة البقرة إخبارا عن طالوت: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي)","vol":"1","page":319},{"text":"فأوقع اسم الطعم على الشراب.\nولو حلف أن لا يشرب شيئا فطعم طعاما لم يحنث، لأن اسم الشراب\nلا يقع على الطعم كما يقع اسم الطعم على الشرب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)</span>\nدليل على أن لا فدية على المحرم في بيض النعامة وسائر الطير، لأن اسم القتل لا يقع عليه إلا أن يكسره وفيه فرخ حي، فيموت في يده فيكون حينئذ عليه فداؤه.\nفإن قيل: أوليس قد قال في الآية قبلها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ)،\nوالبيض مما تناله الأيدي كما تنال الفرخ.\nقيل: النيل مجمل، والقتل مفسر، والمفسر يقضي على المجمل مع\nأن البيضة لا يقع عليها اسم صيد في اللغة لخلوها من الحركة والروح،","vol":"1","page":320},{"text":"ولا أعرف حجة من جعل فيه قيمة ولو صح حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ، جعل فيه إطعام مسكين أو صيام يوم - قلت به، ولكنه رواه عنه ابن جريج، وهو مدلس ولم يذكر سماعه منه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>وقوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا)</span>\nدليل على أن الخاطيء لا جزاء عليه وسواء قتلته رمية الخطأ أو أخذه ومات في يده، إلا أن يذبحه بعد","vol":"1","page":321},{"text":"ما يأخذه حيا فيكون عليه جزاؤه، لأنه قد عمد ذبحه، وإن لم يعمد\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>وقوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا)</span>\nدليل أيضا على أن من أخذ من المحرمين صيدا ثم أرسله لم يكن عليه جزاءه لأنه وإن كان عاصيا بأخذه فالشرط في الجزاء واقع على المقتول، والجزاء كاسمه - لا مجازى إلا من أفتت نفسه.\nالمحرم:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>وقوله: (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)</span>\nدليل على أن المحرم عليه جزاء ما أصاب من الصيد كلما أصابه كما عليه في أول إصابته، إذ لا يكون ذواق الوبال إلا في الجزاء الذي تكرهه النفوس وتشح على أموالها فيه. ولا أعرف للمسقطين عنه الجزاء في ثاني إصابته وجها واعتلالهم بقوله","vol":"1","page":322},{"text":": (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) في إسقاط الجزاء عنه غير متوجه لمن تدبره، فما الفائدة إذا في قوله: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ)، مع إيجاب الكفارة عليه وذواق وباله بها، والعفو في اللغة لا يقع إلا ما عري من العقوبات، وهذا قد عوقب بالكفارة سترا لخطيئته وتمحيصا لذنبه، ولا يجوز - والله أعلم - في العفو والعود إلا ما قال عطاء من أن العفو هو عما كان في الجاهلية، والعود في الإسلام، وجائز أن يكون الانتقام منه بالكفارة غير مصروف به إلى عذاب الآخرة.\nولا يشك أحد أن كل عائد في ذنب مستحق للانتقام منه في الآخرة إن\nلم يلحقه عفو ربه أو تحطه عنه كفارة مجهولة فيه.\nفهل يجوز لأحد أن يقول: أجعل على قاتل الخطأ مع الدية عتق رقبة كفارة لذنبه؛ إذ الدية من حقوق الآدميين، والرقبة من حقوق الله، فإن عاد ثانية إلى القتل اقتصرت به على الدية دون الرقبة ليلقى الله بذنبه، فيعاقبه عليه، وينتقم منه.","vol":"1","page":323},{"text":"أو يقول: إن الكفارة على الحالف بالله مرة واحدة، فإن عاد لم تكن عليه كفارة، وأشباه ذلك.\nوما بال ذنب المحرم في قتل الصيد المنهي عنه في حال إحرامه يخص بهذا الحكم دون غيره،.\nهذا من أعجب ما قيل وأظرف ما انتحل، فإن قيل، خص هذا الذنب بهذا الحكم لقوله: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ)، وسكوته عن سائر الذنوب.\nقيل: أفنجعل سكوته عن العائد إلى ذنب عمله مرة دالا على سقوطه الانتقام منه،. فإن قال: نعم كفانا مؤنة الاشتغال به، إذ الانتقام لا يستأهله إلا المعتدون المنتهكون محارم الله، فمن يسقط عنه الانتقام بفعل يفعله كان ذلك الفعل مباحا له.\nوإن قال: هو مستوجب للانتقام إن لم يعفوا عنه كلما أذنب.\nقيل: فذكره بالانتقام في باب المحرم وسكوته في غيره من الذنوب في الاستيعاب واحد، وإن أكده بالذكر في موضع دون","vol":"1","page":324},{"text":"موضع.\nفي السمك:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>وقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ)</span>\nدليل - والله أعلم - على أن الطافي وما حسر عنه البحر شيئا من السمك - حلال، لأن اسم الصيد لا يقع إلا على ما يكون ممتنعا بالحياة فيصطاد بالحبل وقد فصل - جل وعلا - بينه وبين الطعام - بالواو - والطافي والمحسور عنه إن شاء الله من طعامه، ومن المفسرين من قال: صيده طري السمك، وطعامه مالحه، وقد يحتمل أن يكون كل ما كان عيشه في الماء ولم يعش في البر داخلا في صيد البحر، ويكون حلا إذا أخذ. ويحتمل: أن يكون قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) على ما كانوا يعرفون من صيده وروي عن النبي، ﷺ، حديثان:","vol":"1","page":325},{"text":"أحدهما مجمل والآخر مفسر، لو صح طريقهما كان فيهما بيان شاف.\nأحدهما: حديث أبي هريرة وجاء في البحر: \" هو الطهور ماؤه الحل ميتته ما، فهذا مجمل يحكم للاحتمال الأول.\nوالثاني: حديث ابن عمر: \" أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والنون فهذا مفسر يحكم للثاني.","vol":"1","page":326},{"text":"فلما اعتل الحديثان وضعف دعائمهما لم يحلل من الميتة شيء، وإن كانت من صيد البحر وطعامه.\nوالميتة محرمة بجملتها في غير آية من القرآن إلا ما اجتمعت عليه الأمة من أنه داخل في طعام البحر وصيده، وهو الجراد والنون دون ما سواهما.","vol":"1","page":327},{"text":"فنبيح جملتها بالاتفاق، والطافي وما انحسر عنه البحر ميتا بالدليل الذي قدمنا ذكره وشمول اسم الميتة المتفق على إباحته لهما.\nونقول: إن كل ما أمكن ذبحه من دواب البحر فأخذه صايد حيا وذبحه بما يقع عليه اسم ذبح من قطع الحلقوم والمريء فهو حل بالقرآن وما لم تكن ذكاته بقتل الحلقوم والمريء،، وإن أخذ حيا وقتل لم يؤكل، لأنه عقير، والعقير لاحق بالميتة بريا كان أو بحريا إلا دابة يتفق الجميع على أنها وإن احتملت الذكية لم تذكي فيسلم لإجماعهم.\nقوله إخبارا عن عيسى، ﷺ: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)\nحجة على الجهمية فكل ما ذكر في القرآن من النفس والسمع والبصر واليدين فهو لا محالة ذات لا عرض - يعرف كيفيته من نفسه - ﷻ - ولا يبلغ أحد من خلقه كنهه ولا بلوغ حده كما يبلغونه من المخلوقين، إذا المخلوق محدث والخالق أزلي، والمخلوق متغير، والخالق باق على حال واحدة","vol":"1","page":328},{"text":"من الكمال الذي يعرفه من نفسه، والمخلوق ميت والله حي دائم. فهو وإن وافقه بالاسم في هذه الأشياء، فقد خالفه بما ذكرناه من المفارقة في المعنى ولو عقلوا المساكين لعلموا أن من ليس بمصنوع ولا محدث - مخلوق أزلي في جميع صفاته.\nفكيف ما كانت تلك الصفات ليست بمشاركة، وأن صفات الخلق الموافقة له في الأسماء بعيدة منه. فكان لا يحملهم بالجهل على نفي صفات ذاته المذكورة في كتابه واحتيال التأويلات التي هي إنما التعطيل أقرب منها إلى التثبيت.","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>سورة الأنعام</span>\nسعة لسان العرب:\nقوله ﷿: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ)\nدليل على سعة لسان العرب، إذ - لا محالة - أن المخلوق من طين هو آدم، ﷺ، أبو البشر، وسائر الناس - سوى عيسى - ﷺ - مخلوقون من نطفة. وهذا نظير ما مر في سور البقرة من قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) بآبائكم، (خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أي خلق أباكم الذي أنتم من نسله.\nويحتمل أن يكون الله - ﷻ بقدرته - أذاب الطين وحوله نطفة فأودعه الأصلاب، فيكون كل من خلق من نطفة مخلوفا من طين","vol":"1","page":331},{"text":"ألا تراه يقول: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)، ثم سمى النطفة ماء، فقال: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)\nوالله أعلم أي ذلك هو.\nوفي كل هذه الآيات - لا محالة - خصوص؛ لأن عيسى، ﷺ، ما كان منيا يمنى، ولا خلق من ماء دافق بل خلقه الله بقدرته في بطن أمه آية للعالمين من غير نطفة.\nإضمار:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>قوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ)</span>\nأي أول من أسلم من أهل زمانه إذ قد كان قبله مسلمون.\nومثله قول موسى، ﷺ - والله أعلم -: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)\nأي أول قومي إيمانا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>قوله: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)</span>\nيحتمل معنية: أحدهما","vol":"1","page":332},{"text":"رجوع من الخبر إلى المخاطبة.\nوالثاني: أن يكون فيه إضمار واختصار كأنه: \" قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم وقيل لي: لا تكونن من المشركين.\nوأيهما هو فهو دال على سعة اللسان والله أعلم بما أراده.\nدليل أن القرآن يخاطب بأحكامه من أدرك رسول الله، ﷺ، ومن لم يدركه:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>قوله: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ)</span>\nموجبه أن القرآن منذر به ومخاطب بأحكامه من أدرك رسول الله ﷺ، ومن لم يدركه إلى يوم القيامة، وهو من المواضع التي يحسن فيه حذف هاء المفعول كأنه - والله أعلم -: ومن بلغه القرآن والهاء محذوفة، إذ لا يجوز لأحد أن يحمله على ومن بلغ من الأطفال فيجعل الخطاب والنذارة به خاصة لمن كان في زمان رسول الله، ﷺ، موجودا دون من ولد بعده فيهدم الإسلام.","vol":"1","page":333},{"text":"حجة على المعتزلة والقدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)</span>\nحجة على القدرية والمعتزلة شديدة، لأن الجعل إن كان عندهم خلقا كما يزعمونه في القرآن، فقد أقروا بألسنتهم أنه - جل وعلا - خالق الشر إذ الأكنة المانعة من التفقه، والوقر الحائل أبينهم وبين الاستماع شر لا خير.\nوإن كان بمعنى صير فقد أقروا بأنه مصير موانع تحول بين الإجابة إلى القرآن، وكيف ما تأولوا الجعل في هذا الموضع كان عليهم لا لهم.\nقال محمد بن علي: زعم قوم من مردة المعتزلة والقدرية المفرطين في التمرد والكفر وإن كانوا كلهم مردة - أن الله - ﷻ - لا يعلم الشيء حتى يكون خشية أن يلزمهم في علمه بمعصية العاصي قبل فعلها ما يكسر قولهم، إذ لا يجوز عليه أن يعلم كون للشيء","vol":"1","page":334},{"text":"مقدر أحد، أحد على إزالته، فكفروا في الجلي الواضح خشية ما يلزمهم في الدقيق الخفي -\nوهذا وإن كان لا يشكل على مسلم، ولا يبعد عنه فهمه ويحيط علمه\nبأن الخالق لا يجوز أن يخلو من علم ما يكون قبل كونه إذ في خلائه من ذلك - تعالى عنه - خلاء من الغيب الذي هو محيط به وغير مشارك فيه - فإذا تلي فيه قرآن كان أشد لطمأنينة قلبه وأقمع لنزعات عدوه قال - ﷻ - في هذه السورة: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)\nوقال: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) إلى آخرالسورة، والقرآن مملوء بذكر هذا النوع قبل هذه السورة وبعدها، ولو لم يكن فيه إلا ما في آخر سورة المائدة من قوله: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ)\nإلى آخر السورة لكفى فقد علمنا جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بما يكون في المعاد من قول الناس قبل يكون، وبما","vol":"1","page":335},{"text":"يكون من أفعال العباد في الدنيا وأقوالهم قبل تكون فقال: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) .\nوقال: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) وقال: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) وأشباه ذلك. فمن نسب إلى ربه ما نسبوا فقد كفر من ثلاثة وجوه:\nأحدها: أنه ينسب ربه - جل وعلا - إلى الجهل، إذ الشيء بعد حدوثه يستوي فيه الخلق والخالق والعالم والجاهل وتعالى الله أن يكون موصوفا بالجهل.\nوالثاني: أنه يزعم: أن الأشياء تكون قبل مكونها ومن زعم أن الأشياء تكون بذاتها من غير مكون فقد قال بقول الدهرية.","vol":"1","page":336},{"text":"والثالث: رده لهذه الآيات مع ما يضاهيها مفرقا في القرآن؛ فإن زعم: أن الله قد أنزلها وأخبر عن نفسه بغير الصدق - تعالى عنه - كفر من جهة تكذيبه له، وإن قال: إن الله لم ينزلها فقد نسب رسوله ﷺ إلى الافتراء عليه، وأهل القبلة كافة إلى قبول باطل عنده، فيكفر من هذه الجهة، نعوذ بالله من مثل هذه الحماقات الهائلة من بين الضلالات، ونسأله التمسك بما هدانا إليه من الحق وزينه في قلوبنا بجوده وكرمه.\nحجة على المعتزلة والقدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>قوله: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) </span>.\nحجة على المعتزلة والقدرية، فيقال لهم: أخبرونا عن من كان رسول الله، ﷺ، يحب إيمانه ويكبر عليه إعراضه والله يعظه فيه هذه الموعظة ويخبر أن خروجه عن مشيئته في الهداية أخرجه إلى","vol":"1","page":337},{"text":"الإعراض ولو شاء هدايته كان مبتدئا فلا تخلوا هذه المشيئة التي لم تصحبه من الله - جل الله - من أن تكون متقدمة لخلقه فيخلقه على ما سبق له منها، أو مقرونة بخلقة فلا يعرف غيرها، أو معونة منتظرة لا سبيل له إلى الهداية إلا بها. أو ليس على الأحوال الثلاثة مضطرا إليها في الهداية، فكيف يهتدي من لم يشأ الله هدايته، أم كيف يقدر أن يضل من سبقت له مشيئة ربه في هدايته، أليس الله ﷻ غالبا غير مغلوب قاهرا غير مقهور، ومريدا نافذ الإرادة، والخلق مريدون ممنوعون، ومجتهدون محجوبون، وممتنعون محمولون على ما لا يريدون، أليس يقول ﷻ: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)\nولو أنصفنا القوم لما كان لهم علينا أكثر من أن نريهم أن الله ﷻ قد دعا إلي الهدى من حجبه عنه، وأوجب العقوبة على من قضى عليه الخطيئة، فإذا أريناهم هذا من حيث لا يشكل على فهم، وتلونا في صحته القرآن مرة بعد أخرى، وأخبرنا عنه بما أخبر عن نفسه وهو صادق. لم يكن علينا أن نريهم زوال الظلم عنه في هذا الفعل بخلقه لاتفاقهم معنا على أنه ﷻ منزه عن الظلم، وقد تطوعنا عليهم في غير موضع من كتابنا بما يزيل وساوس الشيطان في تصور الظلم لهم فأريناهم أن معرفة","vol":"1","page":338},{"text":"كنه عدله بعقول ناقصة غير ممكن وأن القدر حين صار سره لم يجز أن يطلع عليه غيره، وأن العبيد المأمورين ليس لهم أن يقولوا لا نؤمن من فعل ربنا إلا بما تقبله عقولنا، إذا الامتناع من ذلك خروج من العبودية ومزاحمة في الربوبية، فما الفائدة إذا في قوله: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)،.\nأوليس اعتبار أفعال الله بخلقه بأفعال بعضهم ببعض، وأخذ معرفة عدله من عدلهم من ضرب الأمثال له، ومزاحمته في العلم الذي لا يعلمه خلقه، وهل يجوز لهذا الخلق الحقير الذليل المتناهي في الجهل العادي طوره فيما نهي عن تفتيشه أن يقول: ليس من العدل عندي أن يجعل الغائط والبول والتعب والنصب عقوبة لآدم ﷺ على خطيئته، فإذا تاب منها لم ترفع العقوبة عنه، بل يصل بها","vol":"1","page":339},{"text":"حياته وولده بعده قبل مواقعة الذنوب وبعدها، وفيهم أنبياء وصالحون وأطفال ماتوا قبل بلوغهم وعصيانهم. أم نقول: إن آدام لم تقبل توبته، فنخالف القرآن كما هو في سجيته،.\nحيث يقول جل وعلا: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)\nفلذلك بقيت العقوبة - فيه على أنه لا يستطيع أن يقول في ولده شيئا، وإن كان كل ما يقول من هذا النمط كفرا وطغيانا.\nوكيف يستطيع ذلك والله جل وعلا يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)،\nأوليس هذا وما تقدم قولنا فيه من مرض الصغار والعبيد والأحرار والأصحاء والزمني وتشويه الصور وتحسينها وخلق الذكر والأنثى والبهائم والحشرات وأشباه ذلك - إذا جمل على فطرة العقول الناقصة العاثرة المزاحمة فيما ليس لها تصور عندها بصورة الجور، وهو لا شك عدل وإن كنا نجهله ولا نبلغ غوره.","vol":"1","page":340},{"text":"فما بال القدر وحده يستعظم من بين هذه الأشياء، أما له أسوة بها، وعلينا الإيمان بجميعها من غير أن ننسب إلى الله ظلما فيها.\nتأكيد:.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>قوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) </span>.\nرد على من قال: ليس في القرآن تأكيد، وكيف يخلو من التأكيد إذا قال: (يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقد علم أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>قوله: (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)</span>\nدليل على أن كل روحاني يحيا ويحشر وإن صغر خلقه","vol":"1","page":341},{"text":"حتى البق والبعوض والقمل والبرغوث، ويؤيد ذلك قوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)\nفالخلق عام لكل شيء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>قوله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية في خلق الأفعال، إذ الجعل عندهم بمعنى الخلق، فإما أن يرجعوا عن القول بخلق القرآن، وأما أن يقروا بخلق الأفعال، إذ قد تلونا","vol":"1","page":342},{"text":"عليهم في الخير والشر جعلًا ففي الخير هذا وفي الشر ما تقدمه من قوله جل وعلا: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)\nمع أنهم إذا جعلوه بمعنى الصيرورة أيضا لم يسلموا من كسر قولهم فيها، إذ المصَّيرون خلاف الصائرين، ولا سلموا من المشيئة في الضلالة والهدى.\nوعليهم في الظلمات حجة أخرى، إذ ليست تخلو من أن تكون ظلمات بعينها أو كناية عن الأغطية الحاجزة عن النظر إلى ضياء المصدقين بآيات الله، وأيهما كان من هذين فالحجة عليهم واضحة به.\nحجة عليهم:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>قوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)</span>\nحجة عليهم: وهم يظنون أنها لهم فيقال للمتحذلقين في الدقة منهم: أخبرونا عن عملهم المعمول بتزين الشيطان وكانوا قادرين على فعله بأنفسهم دون تزيينه، فإن قالوا: بلى.\nقيل: فقولكم والشر من الشيطان إذًا لغو لا فائدة فيه. مع ما يلزمهم","vol":"1","page":343},{"text":"من نسبة الله إلى أن ينزل في كتابه حشوا جل الله وتعالى عن ذلك وإن قالوا: لم يقدروا على الانفراد به دون تزيينه.\nقيل لهم: أفتكون معاقبة الله من عصى بقوة غيره عدل وتكون عقوبته من عصاه بقضائه جورا،\nفإن قالوا: كان عليه أن لا يقبل تزيينه، قيل: وهو يقدر على أن لا يقبله،\nفإن قالوا: بلى، رجعوا عن قولهم وعادوا في إغراء الشيطان من الشر، وإن قالوا: لم يقدروا على ترك القبول منه. رجعوا فيما يلزمهم من باب العقوبة.\nويقال لهم: أخبرونا عن هذا الشيطان الذي تنسبون إليه الشر أيخلو من أن يكون الله - جل وتعالى - خلقه وجعل الشر سجيته، وسلطه على من قضى عليه الشقاوة، أو خلقه نقيا من الشر فتشرر.\nفإن قالوا: خلقه شريرا مسلطا، أقروا بكل ما أنكروه، وإن قالوا: خلقه نقيا من الشر فأحدث الشر وتشعر به قيل لهم: أفإحداثه للشر بآلة جعلت فيه أم بغير آلة، فإن قالوا: بغير آلة، جعلوه شريكا مع الله - تعالى الله - يخلق كخلقه مبتدئا بما يريد.\nوإن قالوا: بل إحداثه بآلة مجهولة فيه له. قيل لهم: ولولا الآلة ما قدر على إحداثه، فإن قالوا: نعم، ولابد من نعم، قيل لهم: وكيف","vol":"1","page":344},{"text":"تنسبون إليه شيئا فعله بآلة مجهولة فيه لا بقدرة وسلطان،\nولو قالوا: إن الله - ﵎ - قضى الخير والشر معا، وجعل\nأوفر الحظ من الشر للشيطان يغوي به من حقت عليه كلمته بإذن الله: خرج كلامهم صحيحا، وتخلصوا من الدواخيل والتأويلات المستكرهة، لأن السلطان والإرادة والخلق كان يكون مسلما لله والشيطان في البين واسطته يسلطه على من أراد تضليله بعدله، معصوما منه من أراد هدايته بفضله.\nوبعد فلو كان الشيطان متسلطا بغير آلة غير مسلط بقضاء - ومعاذ الله\nأن يكون كذلك - لكان علمه به قبل خلقه أنه سيتسلط ويغوي، فخلقه على ذلك لا ينجيهم من كسر قولهم، فكيف وهو يقوله في كتابه: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)\nوقال (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)\nوما أخذ أخذهما من الآيات.\nآقيستراب بعد هذه البراهين بأن الله مالك الخليقة وخالق آلاتهم وأفعالهم وأنهم ممنوعون من خير لم ييسره، متسارعون إلى ما قدره","vol":"1","page":345},{"text":"وقضاه والشيطان نقمة مخلوقة لأعداء الله، معصوم منه أولياؤه، لا يصل إليهم من شره إلا وساوسه من بعيد حتى يأتي محتوم قضائه فيزلهم بإذنه نعوذ بالله من غضبه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>قوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ)</span>\nإلى قوله: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)\nحجة عليهم أيضا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>قوله: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)</span>\nوقوله في سورة الزمر: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) يحتج بهما، من يزعم","vol":"1","page":346},{"text":"أن المرتد إذا رجع عن ردته إلى الإسلام وجب عليه إعادة كل عمل عمله من فرائضه مثل الصلاة والصوم والحج وأشباهها، من أجل أن الشرك أحبطها، وليس هو عندي كذلك، لأن هاتين الآيتن مجملتان، والتي في سورة البقرة مفسرة، قال الله ﵎: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)\nفأخبر أن الردة تحبط عمل من مات عليها، فأما من تاب وراجع الإسلام، فعمله باق على حاله، إنما يلزمه إعادة ما تركه في أيام كفره، وقد ذكرناه بحججه في كتاب الصلاة.\nفي الاقتداء:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)</span>\nيوجب الاقتداء بأهل الخير ممن يحيط العلم أنهم مقيمون على الحق، ولا يكون ذلك إلا للأنبياء، فأما من دونهم وإن كانوا لا يعرون من الحق ولا يظن بهم سواه، فالاقتداء بهم غير واجب.\nوفيه أيضا: دليل عند قوم على أنا ومن تقدمنا في الأمم في الشرائع سيان، وروي عن ابن عباس: أنه قال: دخلت على، النبي، ﷺ، وهو يقرأ سورة (ص) فسجد فيها.","vol":"1","page":347},{"text":"وقد قص الله عليه الأنبياء وفيهم داوود - ﷺ - قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، فهو يحتمل ما ذهب إليه، ويحتمل\nأن تكون هذه القدوة في شرائع التوحيد لا في شرائع الإسلام، إذ الشرائع - لا محالة مختلفة - ألا تراه يقول: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)\nوجاء النبي - ﷺ - بإطلاق السبت وإحلال الغنائم.","vol":"1","page":348},{"text":"وتفرقة الذبائح والأكل منها، والصلاة في كل موضع ترهق وأشباه ذلك فمن تأول القول الأول جعل هذه الأشياء وما ضاهاها","vol":"1","page":349},{"text":"مخصوصة بالتغيير، وسعى بيننا وبينهم في سائرها، وهذا مكتوب بشرحه في كتاب شرح النصوص.\nحجة على المعتزلة والقدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>قوله: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية، إذ ليس يخلو خلقهم من أحد ثلاثة أشياء:\nإما أن يكونوا خلقوا ليؤمنوا أو يكفروا أو لا يؤمنوا ولا يكفروا.\nفلما وجدنا نفسا واحدة مؤمنة أو كافرة علمنا أن لا قسم لها في\nالثالثة، بلا ارتياب، فإن كانت المخلوقة للإيمان كافرة، أو المخلوقة للكفر مؤمنة - فهي لا محالة لربها قاهرة، بأن تكون أنفذ أمرًا في نفسها من أمر خالقها وهذا كفر غير ملتبس.\nفإن قيل: لم يخلقها لواحدة من الثلاثة، ولكنه خلقها لأن تكون إن شاءت مؤمنة، وإن شاءت كافرة لقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) .\nقيل: أفليست بهذه المشيئة التي تؤمن بها أو تكفر أداة تستعمله في الكفر فتكفر بقوتها، كما تستعمله في الإيمان سواء، ولولاها ما قدرت على واحد منهما،","vol":"1","page":350},{"text":"فإن قال هذا القائل: نعم - ولابد من نعم - قيل له: أراك قد برأت الكافر من كفره، وأزلت عنه الحول والقوة في الوصول إلى الكفر إلا بتلك الإرادة التي لا يقدر على الكفر إلا بها، وتلك الأداة - لا محالة - من صنع الخالق فيه.\nفإن قال: لا أقول خلقت المشيئة فيه مختارة، بل أقول: إنها خلقت\nفيه لأن يؤمن فكفر. واحتج بقول الله ﵎: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)\nفقد أخبر نصا أنه خلقهم لعبادته جميعا فعبد بعضهم غيره\nقيل: هذه آية فيها - لا محالة - خصوص، ألا ترى الأطفال والمجانين قد شملهم اسم الخلق، ولم يشملهم اسم العبادة لعجزهم عنها، وهذا مثل ما ذكرنا في سورة البقرة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ)","vol":"1","page":351},{"text":"فهو واقع على بعضهم دون بعض، ولو كان واقعا على الجميع أيضا لما كان رادًا لقوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ولا لقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)\nوأشباهها من القرآن. ولكان وجهه وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوا بمشيئتي.\nأيجوز أن يؤخذ ببعض القرآن دون بعض إذا لم يكن الوجوب عن العمل به منسوخا، أم أيهما أولى أن يكون حقا في النظر والمعقول - الذي لا يجوز عندهم خلافه - أن تكون مشيئة العباد تبعا لمشيئة الله أم مشيئته تبعا لمشيئتهم،\nهذا ما لا يشكل على منصف يستشعر الحق ويضرب عن العصبية واللجاج.\nججة عليهم:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>قوله: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)</span>","vol":"1","page":352},{"text":"حجة عليهم قاطعة لكل شبهة؛ إذ قد جمع ﵎ بين تزيين العمل لهم، وإنبائهم به في الآخرة في آن واحد. فكيف يرتاب من أنصف من نفسه بعد هذا أنه عدل في الحالتين معا، ثم أكده بعد ذلك بقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا)\nوفي سياق المعنى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)\nثم قوله على إثر ذلك كله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)\nأو ليس بجعله - جل وعلا - من أقسم به أن يؤمن بآية واحدة - وهو\nلا يقدر مع كل هذه الآيات على الإيمان إلا بمشيئته - دليل على من ارتاب بعد ما تبين من هذا البيان الذي لا يشكل على إنسان أكثر جهلا وأشد مكابرة.\nولو لم يكن من الحجة عليهم إلا أنفسهم حيث يلجئون في الإصرار على خطأ يضح هذا الوضوح ولا يتركونه بل يجادلون عليه أشد جدال وينسبون ما خالفه إلى أمثل محال لكفى.","vol":"1","page":353},{"text":"وهل ذلك إلا من خذلان حائل بينهم وبين التبصر، حاجز بينهم وبين التذكر، أفتراهم بإيضاحنا لهم أسعد ممن لا يقدر على الإيمان مع تنزيل الملائكة عليه، وكلام الموتى إياه، إذ لم تصحبه مشيئة ربه،\nلا لعمر الله، ما يقدرون على ذلك، بل هم أسوة المذكورين في الآية نعوذ بالله من الضلالة.\nحجة:\n* * *\nوقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)\nحجة عليهم من جهات أحدها:\nما يلزمهم في الجعل، خلقا كان أو صيرورة، وذلك أنهم ينفون عنه\n- جل وعلا - كل ما تصور في عقولهم بخلاف العدل.\nفيقال لهم: بما استوجب الأنبياء المطيعون لربهم أن يخلق أو يصير\nلهم أعداء يلحقهم أذاهم أوتألم من نزعاته قلوبهم، والعدو","vol":"1","page":354},{"text":"الناشئ خلاف المجهول، إذ الناشئ متسلط والمجهول مسلط.\nوالثانية: ما يلزمهم في إنكار وقوع اسم واحد على شيئين مختلفين إلا\nبعد استواء صفاتهم.\nوقد سمى الله تعالى الإنس بالشياطين كما سمى الجن به، وصفاتهم مختلفة لا شك فيها.\nوالعرب تسمي الحيات شياطين وهي خلاف الجن والإنس.\nوزعم المفسرون: أن قول الله ﵎: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)\nمراد به رءوس الحيات.\nوعليهم في الوحي مثلها، إذ الوحي من الله وحي بالحق، ومنهم","vol":"1","page":355},{"text":"وحي في الباطل، وقالت أيضا: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)\nأفيجوز أن يكون الشيطان بوحيه خالقا، كما يزعمون أن الله ﷻ إن كان له سمع وبصر وصورة ذاتية فهو مخلوق، لمشاركة المخلوق إياه في هذه الأشياء. والعجب لهم حيث يزعمون أنهم نسيج الفلسفة وعروق الدقة، ثم يذهب عليهم هذا الجلي الواضح أفلا يعلمون أن الشيطان لما كان له وحي وإن كان في الباطل، فجاز أن يسمى به موحدا: وإن لم يكن خالقا، جاز أن يكون لله سمع وبصر فيسمى به سميعا بصيرا ولا يكون مخلوقا، كما كان له وحي يوحيه إلى أنبيائه في الحق تشاركه في اسم الوحي شياطين هو خلقهم وهو خالق وإن أوحى.\nوالشياطين مخلوقون وإن أوحوا، ومباينة سمعه وبصره لأسماع الخلق وأبصارهم كمباينة وحيه لوحيهم، بأن وحيه حق ووعيهم باطل، ووحيهم مضمحل ذاهب، ووحيه باق، وكذا سمعه وبصره باقيان غير مأوفين وتغير معيبين، وأسماع الخلق وأبصارهم معيبة","vol":"1","page":356},{"text":"مأفونه بالصمم والعور والفناء، وهي مع ذلك مصنوعة، وسمعه وبصره غير مصنوعة، فلم يكن مستنكرا أن يتفقا بالاسم كما اتفق الوحيان بالاسم، وكما اتفق الجني والإنسي والحية في الشيطنة بالاسم، وكل غير صاحبه، لا يوجب أن يكون الجني باسم الشيطنة إنسيا، ولا الإنسي جنيا ولا الحية واحدا منهما، وغير منكر ولا محال أن يشترك كل فيها، والأشخاص مختلفة غير متفقة في الصورة والتركيب والأفعال.\nوالثالثة: عدم فعل الوحي المزخرف لو شاء بقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) وقد مضى شرحه في قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا)\nفأغنى عن إعادته هاهنا.\nإضمار تقليد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)</span>\nفيه - والله أعلم - ضمير \"قل \"","vol":"1","page":357},{"text":"وهو حجة في ترك التقليد واضحة، إذ قد علمنا أن الحكم لا يكون غيره، ولا يبتغي سواه وكذا قال: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ)، فأضافها إلى نفسه، فكل من احتج بحجة لم يعدها إليه فهي غير مقبولة منه، ولا على رادها حرج في الرد.\nوالحكايات عن أهل العلم وإن اعتبرتها وطابت بها النفوس، فهي غير موجبة حكما إلا أنه لا يجوز الإزراء بهم ونسبة الخطأ إليهم ليوضع بذلك منهم، لأنهم - إن شاء الله - مجتهدون فيما قالوه ومأجورون على ما قصدوه من حجة الله، واتباع حكمه المنزل في كتابه. ولكنهم لما جاز عليهم الإصابة وضدها لم يجز أن يبتغي حكما غير الله، وكان المتبع حكم رسوله، وإجماع أهل دينه متبعا حكمه غير خارج منه لفرضه طاعة رسوله واتباع حكمه وإيعاده على مشاقة الجماعة والشذوذ عنهم.\nوكلاهما مصونان عن الخطأ وجديران بإضافة الحق والتفرد والنفر ليسوا كذلك.","vol":"1","page":358},{"text":"قال محمد بن علي: ويضطرنا إفراط المبتدعة في قبح مقالاتهم إلى ذكر أشياء قد أغنى الله المؤمن بما زينه في قلبه، وحببه إليه من الإيمان وأزال عنه ظلمة الريب بجوده عن أن يتلى عليه فيه قرآن يؤيده.\nوأرجو أن يعذر الله - عز وعلا - فقد عرف مقصدنا بهذا الكتاب وطمعنا في أن يرد الله به ضالا عما استشعرته نفسه وزينه له عدوه ومعه عليه به خائن منسوب إلى الأستاذية في فنه، فمنه ما قدمنا ذكره من التلاوة في تصديق علمه - جل وعلا - بالأشياء قبل كونها، وإبطال قول من زعم أنه لا يعلم، وإيضاح وجوه كفره في مقالته، ومنه ما أنا ذاكره في هذا الفصل إن شاء الله.\nوهو قوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)،\nفذكر تمام كلمته بالعدل والصدق فيهما ويدخل تحتها عذاب من قضي عليه ما استوجبه به ودعاؤه إلى الهداية من حجبه عنها، وإنزاله في كتابه علينا وهو مجمع كلماته التي تمت بالصدق والعدل، فكيف يجوز لأحد أن ينفي العدل عن جامع ذلك","vol":"1","page":359},{"text":"على عبد، وقد أنزلهما معا في كتابه وأخبر أنه صادق في تنزيله، عدل فيما تمت كلماته به أو ليس المحوج إلى إثبات صدق خالقه وعدله عليه مع الإيمان به - لو سلم أيضا من الكفر - يكون متناهيا في الجفوة، وهو مع ذلك يوهم أن ذلك من تنزيهه عن الجور، وإنما كان يجوز أن يطالب بهذا لو لم ينزلهما معا في كتابه ثم رأى ناسيا ينسب إليه ما لا يليق بصفاته.\nفأما من يريد أن يجعل جهله بكنه معرفة عدله ذريعة إلى جحود القرآن وضرب بعضه ببعض، وتأول ما لم يجحده على شهوته فهو إلى الرجوع عن نحلته أحوج منه إلى المطالبة بتثبيت ما هو ثابت بحمد الله ونعمته.\nوقد أريناه من نظير ما أنكره ولا يقدر على جحوده ما لو تبصره ونظر\nفيه لشغله طلب الحجة لنفسه في غيره من نظير ما أنكره - عن مطالبتنا بواحد القرآن مملو حججنا فيه.\nوكان في بعض ما قدر أنه قد انفصل من تلك النظائر أن قال: في فصل احتجاجنا عليه بالبهائم المخلوقة في الفلوات بلا أقوات معدة ولا مساكن مبنية تقي من حر أو برد، وإباحة صيدها للكفار والعصاة من ولد آدم، والتخلية بينهم وبين ركوبها والإعناف عليها بالسير،","vol":"1","page":360},{"text":"وثقل الحمل وذبحها للمأكلة - الفرق بينهم وبين ولد آدم أنهم غير مخاطبين وولد آدم مخاطبون.\nفقلنا له: فمن لم يكن مخاطبا يجوز أن يفعل به ما يتصور في العقول بصورة الظلم أم لا يجوز على الخالق إلا التسوية بين الجميع في العدل، ولئن كان إنكاره علينا إثبات القضاء والقدر وخلق أفعال البشر من غير جهة وتنزيه الله عن الجور ونسبة ما لا يليق به من الظلم إذا زعمنا ذلك - فلعمري - أن احتجاجنا عليه بالبهائم لا يلزمه، لأنهم غير مخاطبين كما قال. فليرنا الوجه الذي أنكره منه، لنجيبه عنه، وما عسى يقول في ترك عقوبة آدم بعد التوبة فيه وفي ولده وفي تذليل العبيد للسادة، وخلق الزمن المطيع، وتسوية خلق الكافر والعاصي وما أشبه ذلك وهم مخاطبون.\nوإن كان إنكاره من جهة تصوره عنده بصورة الجور، فليعلم أن ما\nأعده انفصالا في باب البهائم غير منفصل فليعد لجميعها جوائز يتصور في العقول بصورة العدل، ولن يستطيع ذلك. وإلا فليردعه العجز عما التمس منه عن الإصرار على ما يكذبه القرآن، والرجوع إلى ما يصدقه","vol":"1","page":361},{"text":"والشهادة على جميع أفعال خالقه وصنعه في خلقه بالعدل عرفه أم لم يعرفه، والذي يشبه على من لم يكن منهم مكابرا - يقود رياسته بالجهل، ويأنف أن تخطيء نفسه بعد نشوء الصغير على نحلته، وهرم الكبير على خدعته - مثل قوله في هذه السورة: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)\nفيجدون الإضلال منسوبا إليهم فيقدرون أنه إذا نسب إليهم في حال لم يجز نسبته إلى غيرهم وينسون أن الله ﵎ قد نسبه إلى نفسه ﷻ في حالة، وإلى الشيطان في ثانية، وإليهم في ثالثة فقال: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ)\nوقال: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)\nوما يضاهي هاتين من القرآن.\nوقال: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)، وقال إخبارا عنه أيضا: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ)\nونسبه في هذه الآية التي ذكرناها من سورة الأنعام، وفي غيرها إليهم","vol":"1","page":362},{"text":"فليس يخلو من أن يكون كل قادرا على ما نسب إليه، وفاعلا لما أخبر عنه أو يكون بعضهم لبعض تبعا فيه فاعلا بقوة غيره، فليختر أي الوجهة شاء، إذ لا ثالث لهما.\nفإن كان كل مضلا، كما أخبر عنه ظاهر القول، فقد أقر بأن الله مضل بعد ما أنكره.\nوإن زعم: أن معه من يفعل مثل فعله في الإضلال، فإن اختار أن يكون بعضهم لبعض تبعا، وبقوة صاحبه فاعلا فليس يقدر أن يقول: إن الله - جل وعلا - تبع للشيطان، والآدمي فيه، وفاعل بقوتهما. فيحصل عليه أنهما لله تبع، وبقوته يضلان. وعجزهما عن الإضلال بقوة أنفسهما غير مؤثر في عبوديتهما.\nونسبة الله إلى العجز في الإضلال إلا بقوتهما كفر لا محالة.\nوهكذا قوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)، وقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) هو بمشيئة الله لا محالة لقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)\n، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا)","vol":"1","page":363},{"text":"(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) .\nومشيئتهم تبع لمشيئته، إذ هم عبيد، ومحال أن تكون مشيئته تبعا لمشيئتهم وهو معبود. وكلا المشيئتين في القرآن، فمن رد مشيئته وثبت مشيئتهم كفر به وبما أنزل، ومن ثبتهما آمن بجميع ما أنزل وجعل الضعيف من مشيئة المخلوق تبعًا لمشيئة الخالق القوي فمن أراد الحق وأضرب عن الهوى لم يشكل هذا عليه، ومن تبع هواه وقاد من الرياسة ما أوتيه وأنف من الرجوع إلى الحق، فقد قال - ﵎: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)\nوقال: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) .\nذبائح:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>قوله: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)</span>\nدليل على أن الغراب وإن لم يكن داخلا في ذوي المخالب - محرم بإيقاع رسول الله، ﷺ، اسم الفسق عليه.","vol":"1","page":364},{"text":"وفي إباحته، ﷺ، قتله للمحرم والحلال، وفي الحل والحرم دليل على أنه لا يحل بالشفرة، إذ لو حل بها ما جاز قتله للمحرم ولا غيره، ولا هو مع ذلك في عداد الصيد، إذ لو كان في عداده ما جاز لنا قتله، ولا قرن بينه وبين الفأرة والكلب العقور.\nوهل أحد أحق بوقوع اسم الفسق عليه ممن يأكل فاسدا،.\nوكذا قال في سورة المائدة في وآخر ذكر تحريم المنخنقة وما حرم معها:\n(ذلكم فسقٌ) .\nفإن قيل: فما الدليل على أن الغراب لما أبيح للمحرم قتله لم يحل بالشفرة ذبحه، والقتل يترجم به عن الذبح في اللغة ويوضع موضعه، والشاهد على صحته: أن المحرم نهي عن قتل الصيد، فلم يجز له ذبحه، إذ النهي وقع على إفاتة نفس الصيد في حال الإحرام لا على قتله بمعنى يصير به عقيرًا غير مذبوح.\nقيل: أول الدليل عليه نفس ما اعتللت به من لفظ القتل الشامل للذبح، إذ لو لم يكن كذلك لجاز أن يكون ذبح الغراب محرما على المحرم ومباحا له إفاتة نفسه بالقتل لا بالذبح.\nوالثاني: أن تسميته إياه بالفسق مخرجه من جهة المأكولات وملحقه بالخبائث الممنوعات بقوله: (ويحرم عليهم الخبائث) والخبيث","vol":"1","page":365},{"text":"كيف أفيتت نفسه باسم الذبح أو غيره عقير\nولو قال قائل: إن المحرم لما نهي عن الصيد كان ذبحه في حال إحرامه وعقره ألمفيت نفسه قتلا كله كان مذهبا قويا بل هو أول شيء عليه فبه أقول وأجعله ذريعة إلى تحريم ذبيحة السارق والغاصب من أجل أن الذبحة لا تحلل المذبوح إلا مقرونة بالإباحة.\nألا ترى أن الموقوذة مفعول بها ما أفات نفسها وهي حرام، والشفرة قد أتت من حلقوم المذبوح للأصنام ومريها على ما أتت عليه من نسيكة المسلم.\nفحلت إحداهما دون الأخرى والفعل واحد بعرض الإباحة من المهَلَّة\nلغير الله، لا غير، فكان سبيلها سبيل العقيرة، وإن كان بالشفرة","vol":"1","page":366},{"text":"من مذبحها وقد أمر رسول الله، ﷺ، بإكفاء القدور من غنم النهب، وقد ذكيت بالشفرة فلم تبلغ - والله أعلم - منها مبلغ التحليل للنهي عن النهبة ومحال أن يأمر رسول الله، ﷺ، بإكفاء القدور، وما فيها حلال يصلح للأكل والبيع، فيفسده. وكيف يجوز ذلك وقد نهى رسول الله، ﷺ، عن إضاعة المال\nونقول: إن ما أحل أكله من الحيوان لا يحل أبدا حتى تصحب أعمال","vol":"1","page":367},{"text":"الشفرة في أوداجها أو منحرها الإباحة، فإذا عريت من الإباحة واقترنت بالحظر، فما أذهب حياته بأي وجه ما كان سوى الإباحة فهو عقير، والعقير مقتول لا مذبوح.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>قوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)</span>\nنظير ما مضى في سورة البقرة من قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)\nألا تراه سمى الكافر ميتا وفيه روح، ثم قال: فأحييناه - أي بالإسلام - فأقام الحياة والموت مقام الإسلام والكفر، حيث أراد المبالغة وهذا سائر في لغة العرب.\nقال الشاعر:\nليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء\nوروي في التفسير أن الآية في عمار وأبي جهل فالمحيا بالإسلام","vol":"1","page":368},{"text":"عمار، والمتروك في الظلمات أبو جهل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>قوله: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية:\nوالزينة نظير المشيئة، لأنهم يجدونها في موضع منسوبة إلى الشيطان مثل قوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)\nوفي موضع منسوبة إليه وهو قوله: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ)\nوفي موضع غير مسمى فاعلها مثل الموضع الذي ابتدأنا به الآية، وقوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ)\nوأشباهها، فقطع ﷻ الريب كله وأخبر أن الشيطان نقيض لذلك غير سابق له بقوته بقوله: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)\nفكل مشيئة منسوبة في القرآن إلى غيره، وزينة أو إضلال فهو تبع له، إذ مستحيل أن يكون ﷻ تبعًا لهم ومزينا أو مضلا وشائيا بقوتهم، وكيف يكون","vol":"1","page":369},{"text":"كذلك وهو يملكهم ولا يملكونه، خلقهم كيف أراد بجميع صفاتهم وآلاتهم وهو في جميع صنيعه فيهم وفي غيرهم عدل، عقل الخليقة عدله أم لم يعقلوه. فهذا واضح لا لبسة فيه لمن شرح الله صدره ولم يكابر عقله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا)</span>\nحجة عليهم شديدة إذ الجعل إن كان بمعنى الخلق، فقد أخبر نصا بلا تأويل أنه خلقهم مجرمين للمكر.\nوإن كان بمعنى الصيرورة: فقد أخبر أنه مصيرهم كذلك، ثم نسب الإجرام الذي خلقه فيهم إليهم وأوعدهم عليه في آية واحدة فقال: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤» .\nتم وصل الآية بأخرى ذكر فيها إرادته في الهداية والإضلال فقال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)\nفأزال كل ريب يرتابون به فإن كانوا يريدون تثبيت مقالتهم بالقرآن فالقرآن هذا سبيله يكذبهم كما ترى ومنزله يفعل بهم ما فيه.","vol":"1","page":370},{"text":"وإن نبذوه وراء ظهورهم واقتصروا على عقولهم فليعملوها في غير\nهذا الفن، فإن الله ﷻ أقوم بحجته منهم وغني عما ينزهونه به من خلاف كتابه.\nولقد بلغني أن بعض جهلتهم - وإن كانوا بأسرهم جهالا - زعم أن الإرادة في قوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ)، (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ)\nمردودة إلى العبد لا إليه كأنه يقول: من يرد من الله أن يهديه هداه ومن يرد أن يضله أضله، فخالفه اللغة ولم يحصل لنفسه حجة.\nفأما خلافه اللغة، فإن الله جل وعز مرفوع بفعله بإجماع الآراء، ولو كان كما زعم كان فمن يرد الله نصبًا.\nولو كان القراء أيضا كلهم قرأوا (الله) نصبا ما كان له فيه حجة، إذ\nلا يجوز على الله أن يسأله عبد من عباده محالا فيعطيه.\nأليس من مذهبهم أن الله لا يجوز عليه إضلال أحد، فكيف يريدون\nمنه شيئا هو منزه عن فعله عندهم فيعطيهم، هل بين أن يبتليهم بالإضلال وبين أن يضلهم بإرادتهم منه ومسألتهم إياه فرق، أم هل في العالم أحد يسأل الله أن يضله، بل كل يسأله الهداية ولا يسأله الإضلال ولا يريده منه.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا)</span>\nحجة على الجهمية واضحة فيما يزعمون أن الجعل في القرآن بمعنى الخلق وحده، وهذا لا محالة غير الخلق، إذ لا يجوز لأحد أن يقول: إنهم خلقوا لله نصيبا، ولو أنهم تركوا المزاحمة في اللغة التي لا يعقلونها، وتركوها لأهلها كانوا عن مثل هذه الإلزامات القبيحة في معزل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>قوله: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية: إذ مضى قولنا في التزيين الذي نسبه الله مرة إليهم ومرة إلى الشيطان، ومرة إلى نفسه بما يغني عن الإعادة ومضى شرحها أيضا في: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ)\nقياس:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>وقوله: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) </span>.\nحجة على القائس: يقال لهم: أرأيتم تحريمكم على الآكل من عدس أخذه بعدس متفاضلا من أجل أنه استفاده بفعل محرم عندكم","vol":"1","page":372},{"text":"وهو رزق حسن مفصل من جملة المحرمات، وأنتم قائلون بالعلل ألا جعلتم بعض قياسكم في ترك الاقتداء من أخر الإناث من أهل هذه الآية في أكل ما رزق الله الجميع وقدم الذكور فقال جل وعلا: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا)\nفعابهم الله بذلك ونسبهم إلى الافتراء عليه فكنتم تقولون لا يجوز طرد العلل وإن اتفقت حتى يكون معها تعبد يؤيدها إذ لوجار طردها في كل موضع لجاز لهؤلاء المفترين على الله أن يقولوا: إنما أخرنا الإناث بتحريم هذا الرزق عليهم، لأنا رأيناك أخرت الإناث في أمكنة لم تؤخر فيه الذكور مثل الجهاد، والقضاء، والإمارة، ورأيناك أسقطت إناث ولد الأخ والعم - البنات دون ذكورهم في الميراث - فاقتدينا بك في تحريم ما في بطون أنعامنا على إناثنا.\nأما كان يكون هذا القول منهم زيادة في الافتراء عليه لو قالوه؛ إذ هو","vol":"1","page":373},{"text":"ﷻ محلل الأشياء ومحرمها كيف شاء على عباده، فليس للعباد أن يفعلوا مثل فعله، بل ينزلوا عند أمره ونهيه مقتصرين على ما حرم عليهم غير زائدين فيه من تلقاء أنفسهم بما يتصور عندهم من التشبيهات التي فارقتها العبادات المحرمات، وقد رأيناه جل ثناؤه يقسم في كتابه بكثير مما خلق.\nألنا أن نقتدي به في ذلك، فنقسم بالليل والنهار وأشباهها، أم نلزم\nما نهينا عنه من الحلف بغيره، وتدلنا هذه الآية النازلة في المفترين على الله، إذ حرموا ما رزقهم الله، افتراء على الله على أن نقتصر على تحريم الستة الأصول ولا يضم إليها سابعا وإن أشبهها في العلة عندنا فنتقدم","vol":"1","page":374},{"text":"بين يدي أمره ونهيه ونحرم ما لم يحرمه وهل عاب أولئك بأكثر من اختراعهم تحريم ما لم ينزله، فإن قالوا: لم يعبهم باختراع شيء بل عابهم بتحريم ما حلله بقوله: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)\nوقد ظلمتنا في الإلزام؛ إذ هم بتحريم ما حلل ونحن نحرم ما حرم ونزيد عليه في التحريم أشباهه ولو كنا حللنا التفاضل في الحنطة أو الشعير كان إلزامك مستقيما.\nقيل لهم: لم نحتج عليكم بنفس ما فعل أولئك فقط دون غيره إنما أريناكم أن العلة التي اطردت لهم هي مثل علتكم سواء، فلم تنفعهم، وأنتم وإن لم تسلكوا سبيلهم في نفس الحنطة والشعير المفصلين مع الأربعة بالتحريم فقد فعلتم مثل فعلهم في تحريم جملة ما أباح من التجارات","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>بقوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) </span>.\nوإذا كان لرسول الله، ﷺ، أن يخص من الجملة ولكم مثله فما فضله إذًا عليكم، وقد أخبر الله عنه أن ما قاله فبوحي.\nأفيجوز أن يكون من يوحى إليه ومن لا يوحى إليه يفعلان فعلا واحدا، ويلزم قولهما لزوما واحدا، ومع ذلك ليس يخلو تحريمكم ما عدا الأصول الستة من أن تنسبوه إلى رسول الله، ﷺ، أو إلى أنفسكم، فإن كنتم تنسبونه إلى أنفسكم فقد جعلتم لأنفسكم مالم يجعله الله لكم وجعلتموها مستعبِدة بعد أن كانت مستعبَدة وإن كنتم تنسبونه إلى رسول الله، ﷺ، فليس تخلو نسبتكم ذلك إليه من إفصاح أو ظن فالإفصاح معدوم والظن لا يغني من الحق شيئا، وهذا مشروح بتلخيصه في كتابنا المؤلف في شرح النصوص.\nفإن قالوا: لم ننسبه إليه نصًا ولا إلى أنفسنا اختراعا ولكنا لما أمرنا بالمثل في جزاء الصيد بتشبيهنا","vol":"1","page":376},{"text":"دلنا على أن التشبيه في كل موضع جائز. قيل: أفتسمون المثل المحكوم به بتشبيهكم نصا أو قياسا، فإن قالوا: نسميه نصا لصحبة الإطلاق من الله له - وهو: الحق - بطل قولهم في الاحتجاج بهذه الآية في تثبيت القياس وشهدوا على أنفسهم أن ما حرموه من السابع بغير نص ولا حجة، بل بظن متبع، إذ النص مقرون بعدمه فيه. والحجة في القياس بالآية زائلة فيترك تسميتهم المثل قياسا.\nوإن قالوا: نسميه قياسا.\nقيل: أفتثبتون القياس بالقياس وأنتم مقرون بأن القياس فرع لا أصل، وإذا اختلف الناس في فرع لم يجز تثبيته إلا بأصل عندنا وعندك، والأصل لا يكون إلا نصا. أفمن النصفة عندكم لو كان تثبيت الفروع بالفروع جائزا أيضا أن تثبتوا على خصمكم حقا عندكم باطلا عنده بنفس ذلك الشيء بغير حجة من غيره، وهو لو قبل تثبيت ما أنكر عليه ما أنكره.\nومع ذلك فإنكم غير سالمين من تحريم السابع بالظن على كل حال سميتم المثل في جزاء الصيد نصا أو قياسا.","vol":"1","page":377},{"text":"إذ لو كان إطلاقه للحاكمين العدلين النظر في ذلك المثل مسمى بلفظ القياس لكان استدلالكم به بأنه مطلق لكم مثله في كل موضع ظنا والظن لا يحلل شيئا ولا يحرمه.\nزكاة الثمر:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>قوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِ</span>هِ)\nحجة في إيجاب العشر على الثمر قوتا كان أو غيره لدخول الزيتون والرمان تحت أداء الحق يوم الحصاد بالتسمية وسائر الثمار في الجنات في الجملة والهاء في: (أكله) و(ثمره) و(حقه) راجعة - والله أعلم - على جنس المذكورات كلها والجنس مذكر موحد.\nفإن قيل: كيف يشتمل أداء الحق على جميع ما ذكر في الآية، ولا يكون مقصودا به الزرع وحده لذكر الحصاد والحصاد واقع عليه دون سائره،\nقيل: هو عند العامة كذلك، فأما العرب التي نزل القرآن بلغتها","vol":"1","page":378},{"text":"فإنهم يوقعون اسم الحصاد على الزرع وغيره، إذ الحصاد عندها قطع الشيء واستئصاله قال الله ﵎: مخبرا عن أهل القرية الظالمة: (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)\nأي مستأصلين بالعذاب والموت والله أعلم.\nقال محمد بن علي: فما كان من الحبوب والنخل والأعناب محدودا بمبلغ الأوساق فالعشر ساقطة عنه دون بلوغ الحد فصاعدا.\nوما كان لأحد فيه - فالقرآن يوجب على جملته ولم يسقط عنه\nبترك تسمية الحد، فعلى ما حصد من قليله وكثيره العشر بجملة الكتاب ولقول رسول الله - ﷺ -: \" فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنواضح والسواني","vol":"1","page":379},{"text":"والغرب فنصف العشر.\nركوب البقر:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>وقوله: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا)</span>\nدليل على أن جميع أنواع الأنعام يحمل عليها ويركب بقرة كانت أو غيرها؛ لأن الحمولة","vol":"1","page":380},{"text":"في اللغة غير مقتصر بها على حمل الأمتعة دون الناس ولا البقر خارج من جملة الأنعام فيها\nفي الشعر والصوف:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>قوله: (وفَرْشًا)</span>\nدليل على إباحة المرعزي والصوف والشعر\nذكيا كان ما أخذ منه أو ميتا أو حيا، إذ محال أن يعدد علينا شيئا في عداد نعمه، وينشيئه لنا، وفيه محظور من صوف الميتة أو المرعزي فلا يبينه.\nوكيف يجوز ذلك، وهو يقول: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)\nفلا في تفصيل المحرم ذكر صوف الميتة وشعرها والمرعزي، ولا في المستثنى بالاضطرار.\nأفلا يدل ذلك أنه في جملة المعفو عنه، بل محلل ممنون به بقوله: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا)\nأي وأنشأ لكم - والله أعلم - حمولة وفرشا، وقال أيضا: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)","vol":"1","page":381},{"text":"أوليس ﷻ قد ذكر كلا بلفظه وأنعم به علينا لأثاثنا وأمتعتنا،.\nأفيكون فيه مستثنى بالتحريم فلا يوضحه، بل كل داخل تحت جملة إنعامه.\nفإن قيل: إنما قصد بالإنعام علينا فيها قصد لحومها، واللحوم لا تصل إلي بالذكاة ولا تحل بالموت.\nقيل: أفنجعل ما قطع منها وهي حية من صوفها وشعرها محرما كما تجعل ما قطع من لحومها في حال حياتها،\nفإن قيل: ليس الصوف والشعر مثل اللحم، لأن اللحم البائن منها بالقطع يصير ميتة بمفارقة جزء الروح لها، والصوف والشعر لا يصيران ميتة.\nقيل: ولم لا يصيران ميتة، لأنه لم يكن فيهما علة، فإن قال: لأنه لم يكن فيهما روح.","vol":"1","page":382},{"text":"قيل: فما الذي حرمهما إذا أخذا من الميتة ولم يكن فيهما روح فتحرمه كما حرمت الميتة بمفارقة الروح، فإن قال: أجعل أعلاهما الناتئ من البهيمة طاهرا وباطنهما المنغرز في جلدها نجسًا فلذلك أبيح ما جزء وأحرم ما نتف من حي لخروج أسفله وأعلاه والأسفل نجس.\nقيل: ما العلة في نجاسة أسفله وطهارة أعلاه،\nفإن قال: أعلاه حي فلذلك أبحته، وأسفله ميت فلذلك حظرته - أحال القول من جهتين إحداهما: أنه جعل شيئا واحدا بقطعه واحدة في جسد حي بعضه حيا وبعضه شيئا، وهذا مستحيل لا شك فيه.\nوالثاني: أنه شهد لأعلاه بالحياة وكان ينبغي أن يكون إذا قطع أحق\nبأن يسمى ميتا لمفارقة الحياة له بعد قطعه، كما يفارق بضعة من لحمها إذا قطع منها حية.\nوإن قال: أعلاه ميت وأسفله حي زاده في الإحالة حيث أباح الانتفاع بما يسميه ميتة.\nافتراه بعد جزه صارت فيه روح حللته أو دباغة طهرته،","vol":"1","page":383},{"text":"فإن قال: لا أقول: إنه حي ولا ميتة، ولكنه كالشيء المخلوق بلا\nروح مثل: الخثسب وأشباهه، ولكنه مغروز في جلد حي ندي، فإذا جز لم تصل الندوة إليه فهو طاهر لذلك أصاب القول في الجز، والبهيمة حية، وبقي الانفصال عليه في نتفه حية وميتة وجزه ميته، فيقال له: أفلا اقتصرت فيما نتف علا غسل الندوة المستبطنة وأبحته بعد ذلك، وأبحت ما جز من الميتة بلا غسل لعدم خلوص الندوة إليه إلا أن تعلم بنجاسة أصابته فتغسله لها لا للندوة. فهذا بين لمن تدبره واضح لمن ميزه. وليس اعتلال من اعتل لنجاسة الصوف والشعر بعظم الميتة وقرنها - وجها يلزم قايسا ولا غيره، إذ العظم والقرن عضوان من أعضائها تألم البهيمة بكسرها، وفيهما دسم ومخ، وماكان هذا سبيله ففيه روح لا محالة، فإذا ماتت لم يمت منها شيء دون شيء بل يموت جميعها موتا واحدا وكل مفارق حياة فاسم الميتة واقع عليه. فإن قام الدليل على إباحة شيء منها وأخرجه من جملتها، وإلا فهي محرمة بنص القرآن، والشافعي ﵁، أحد من يقول بنجاسة الصوف والشعر إذا جز من ميتة، ويزعم أنهما يموتان بموت ذوات","vol":"1","page":384},{"text":"الروح.\nوالعجب له - رحمة الله عليه - مع تدقيقه كيف ذهب عليه أن اسم الميتة لا يقع إلا على ما كان حيا، ففارقته الحياة، وهو يجيز أن يجز منها ويسميه طاهرا ولا يميز هو ولا غيره ما قطع منها سواه، لأنه يصير ميتة، ومن تأمل أمر الصوف والشعر لم يجز له أن يسميه، وهو على حي ميتا ولا حيا، لأنه إن كان حرم بعد موت من هو عليه باسم الميتة وسمي قبل أن يموت أيضا ميتا فأبيح كان أحد المعنيين من الإباحة أو الحظر خطأ بغير شك.\nوإن سمي حيا فجز لم تبق حياته بمزايلته الجسد، كما لا تبقى حياة القطعة من لحم الحيوان إذا أخذت منه وهو حي.\nوالصحيح أن يكون كالحجر والخشب وأشباه ذلك، يكون في حالة حياة من هو عليه وبعده واحدا. إلا أنه يغسل ما أخرج من مغرز الجلد للندوة الواصلة إليه منه.\nوقد احتج الشافعي - ﵁ - بالقرن والعظم وزاد شيئا فقال: العظم قبل الدباغ وبعده سواء، فمن الذي واطأه منا على أن الإهاب حل بالتغيير والاستحالة دون التعبد حتى يقول: إن الصوف","vol":"1","page":385},{"text":"والشعر لعدم استحالتهما وارتفاع دباغتهما حرما.\nولو لزمنا أن لا نبيح إلا بالتغير أيضا للزمنا ذلك فيما سميناه ميتة قبل التغيير كما سمينا الإهاب ميتة، فأما الصوف والشعر اللذان لم نسميهما قط ميتة فمراعاة تغييرهما واستحالتهما من حال إلى حال لا وجه له، فإن قال قائل: أراك تعيد القول وتبديه في إحالة إيقاع اسم الميتة على ما لم يكن فيه حياة فارقته، وتنسب الشافعي إلى الإغفال في تسمية الصوف والشعر ميتة من أجل أنه لا حياة فيهما عندك، وقد زعمت في سورة البقرة في فصل قوله جل وعلا: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)\nأنه أوقع اسم الميتة على النطفة ولا حياة فيها ورددت به على المتكلمين في تسميتهم كل نام وزائد حيا من أجل نمائه وزيادته، وهذا نقض لذاك أو ذاك كسر لهذا - أغفل إغفالا شيئا، وذلك أني نفيت أن يقع اسم الميتة ها هنا على الصوف والشعر بمعنى النجاسة المحرمة الذات وهناك استشهدت بقوله: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا) على أن كل ما لم يكن له روح ظاهرة يسمى ميتة، ولكن طاهر الذات غير نجس، ألا ترى أن رسول الله ﷺ دل على طهارة النطفة بفركه من ثوبه بعد","vol":"1","page":386},{"text":"الأيام، وترك غسله منه، وقال ﵎: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا) .\nوقال: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)\nفسمى الأرض ميتة وهي طاهرة.\nفاللغة غير دافعة أن ما لا حياة فيه، ولا روح تتردد في جسمه من الموات كله يسمى ميتة وميتا، ولكن طاهر، ولا يجوز أن يكون شيء من الروحانيين إذا فارقته الحياة، وكانت له نفس سائلة فصارت ميتة يكون طاهرا، وهو وإن جامع ميتة الموات مختلف في المعنى بأن ذلك نجس وهذا طاهر والخلاف بيننا وبين الشافعي - ﵁ - في الصوف والشعر في نفي وقوع اسم الميتة النجسة عليهما لا في نفي إعدادهما في عداد ما يقع عليه اسم ميتة الموات فافهمه ولا تغلط علينا.","vol":"1","page":387},{"text":"ركوب البقر:\nقال محمد بن علي: وفي إباحة ركوب جميع الأنعام والحمل عليها غير هذه الآية أيضا قال الله ﵎: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) .\n(وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وهذه أيضا تؤيد ما قلناه في الصوف والشعر والوبر.\nفإن قيل: فما لك لم تقتصر في إباحة الركوب والحمل على الإبل وحدها دون البقر، لحديث رسول الله، ﷺ: \"بينما رجل يسوق بقرة؛ إذ ركبها، فقالت إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث \" فكنت تخصها بالسنة وإن شملها اسم الأنعام كما","vol":"1","page":388},{"text":"خصصت الشاة بالعجز عن حمل راكب أو متاع.\nقيل: البقر يطيق كما تطيق الإبل، ورسول الله، ﷺ، حين حدث عن البقرة بالنطق لم ينه عن ركوبها، وقد حدث معها بنطق ذيب أخذ منه بعض الرعاة شاة أخذها من غنمه فقال: كيف تصنع بها يوم السبع،\nفهل يجوز لراع أن يترك شاة في فم ذيب وهو يقدر على استخلاصها\nمن أجل نطق ذلك الذيب،\nفإن قيل: الذئب وإن تكلم فلم يخبر عن ربه بشيء يمنع انتزاع الشاة منه، والبقرة قد أخبرت أن الله لم يخلقها للركوب بل خلقها للحرث، ورسول الله، ﷺ، يقول: \" آمنت به أنا وأبو بكر وعمر وفي هذا تصديقها.\nقيل: قد يمكن أن يكون هذا في أمة خلت قبل رسول الله، صلى\nالله عليه وسلم، خلق بقرهم للحرث وحده دون سائر الأعمال","vol":"1","page":389},{"text":"ونسخ الله ذلك في هذه الأمة وأباح لهم استعمالها وركوبها بهذه الآيات كما نسخ كثيرا من شرائعهم مثل أكل النار قربانهم\nونسخ السبت وأشباهه، والقرآن لا يخص بمثل هذا الخبر، وسيما وهو محتمل ما قلنا.\nوقد قيل في الفرش: إنها صغار الإبل كالفصلان والحمولة\nكبارها.","vol":"1","page":390},{"text":"أيمان:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>وقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ)</span>\nدليل على أن اسم الشحم جامع لكل سمين من اللحم وإن تفرق به أسماء، إذ محال أن يستثنى شيء من غير جنسه وقد استثنى ﷻ الألية والمبعر والمختلط بالعظم، ولا يكون - والله أعلم - إلا سمين اللحم ودسمه من الشحم كما ترى، فمعظمه المعروف عند العامة ما في بطونها ثم يخلص اسمه إلى كل ما ذكرناه، ويقول العرب للسمين من الرجال: فلان شحيم، يذهبون به إلى الضخم أو السمن. فالآكل شيئا من ذلك إذا حلف على اجتناب الشحم إذا لم ينو معظمه حانث، والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّ</span>بِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)","vol":"1","page":391},{"text":"حجة للمعتزلة والقدرية علينا فيما يقدرون ولو ميزوا ما الذي أنكر عليهم لعلموا أنه لا متعلق لهم فيه، والذي أنكر ﷻ من قولهم - وهو أعلم - احتجاجهم به لا أنهم قالوا غير حق.\nوكيف لايكون حقا، وقد قاله الله في هذه السورة نفسها حيث\nيقول: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا)","vol":"1","page":392},{"text":"فليس لهم أن يحتجوا على الله - جل وعلا - بما لم يطلعهم عليه من عدله، ونحن لا نقول أن لأحد من خلق الله أن يعول على هذا القول، وإن كان حقا، لأنه مأمور بغيره ومطالب بإقامة ما لا يقيمه سواه مما يؤثر فيه ويؤجر عليه.\n* * *\nقوله تعالى: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) - والله أعلم - في استشعار نفعهم بهذه الحجة وهي غير نافعة لهم، وكيف ينفعهم، وهو يقول على إثرها: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)، فهذا يبين - بلا إشكال - أن وجه إنكار مقالتهم عند احتجاجهم به لا نفس القول.\nقال محمد بن علي: وبلية القوم إضاعة النصح لدين الله، واتخاذ كل\nما احتمله ظاهر الكلام دينا، ولا يحفلون بتناقضه عليهم، ولا يعرفون مع ذلك سعة لسان العرب وتصاريف الكلام وتعارضه، إذ في الكلام ما يحتمل وجوها مستعملة كلها، وفيه ما يحتمل وجهين لا يجوز استعمال أحدهما، وفيه ما لا يجوز استعمال ظاهره بتة.","vol":"1","page":393},{"text":"وفي التعارض ما يتوجه اختلافه، وفيه ما لا يتوجه إلا بنسخ.\nفما يحتمل وجوها مستعملة كلها كثير يطول الكتاب بشرحه، وليس\nعلى القوم فيه حجة، وما يحتمل وجهين لا يجوز إلا استعمال أحدهما: قوله جل وعلا في هذه السورة (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) وفي بني إسرائيل: (خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) فظاهر الكلام دال على أن الولد المنهي عن قتله هو المخشي ببقائه الإملاق، ومن لم يخش ببقائه الإملاق مباح قتله.\nفلم يجز استعمال هذا المعنى بحيلة، وإن احتمله، وكان اتباع ما يدل\nعلى منع قتل الأولاد جميعا، من خشي الإملاق منهم ومن لم يخش، من قوله على إثر الكلام: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)\nأولى لدخول الأولاد جميعا مع الأجنبيين تحته، وإنما كانت الجاهلية تقتل أولادها خشية كثرة العيلة، ودخول الفقر عليهم إذا كثروا، فأنزل الله ﵎: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)\nوما لا يجوز استعماله بتة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>قوله: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)</span>","vol":"1","page":394},{"text":"وفي غير موضع مثله (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أو، (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)\n\"ولعل \" كلمة شك وتمن، فلم يجز أن تحمل على ظاهرها فينسب الشك والتمني إلى الله، ويوصف بما ليس من نعوته، وكيف يتمنى إيمان قوم ب \" لعل \" وهو - ﷻ - عالم بأنهم لا يؤمنون إلا بمشيئته، وقد أنزل في كتابه فقال: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)\nوأخبر عن قوم يتمنون الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا ويصدقوا فقال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)\nفهذه الأشياء وما يضاهيها على سعة اللسان تقول العرب: فعلنا بفلان كذا لعله يفعل كذا.\nوهذا أيضا حجة عليهم فيما ينفون عنه من صفات تكون عندهم للمخلوقين، وقد أخبر عن نفسه - جل وتعالى - ب \" لعل ما كما ترى، فلم تؤثر في ربوبيته ومباينة خلقه. فكيف يجوز مع هذه الأشياء أن يتعلق بظاهر قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)","vol":"1","page":395},{"text":"ويتأول النكير عليهم على خلاف ما قلنا، وأول الكلام وآخره ينقضه،\nأم كيف يعد متعارضا وقد دللنا على أن مشيئته فوق مشيئة خلقه،\nلا يجوز أن يكون تبعًا لمشيئتهم. أفتراه - ويحهم - نسخ ما القرآن مملوء به\nوبذكره من مشيئته وسلطانها على مشيئة عباده، وإضلال من أضل منهم\nبعدله، وإنعامه على من أنعم بفضله بما نسب إليهم من مشيئتهم وضلالهم في بعض المواضع، وبما دل عليه ظاهر (سيقول) فأبطل إلاهيته الأزلية، وسلطانه النافذ قبل خلق الخلق وبعده، وجعل مشيئتهم التي هو خلقها فيهم مستعلية عليهم ومتقدمة بين يديه وقاهرة لإرادته.\nإن الكفر في هذا لأوضح من أن يتوصل إليه بهذا التدقيق والإغراق.\nنعوذ بالله منه.\nحجة عليهم:\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>قوله: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)</span>\nحجة عليهم في","vol":"1","page":396},{"text":"باب العدل الذي يحملونه على عقولهم، إذ قد أخبر - جل وتعالى - عن وقت يأتي فيه بعض آياته لا يقبل إيمان من آمن فيه من الكفار، ولا اكتساب من اكتسب خيرا من الموحدين، وهذه الآية عندنا طلوع الشمس من مغربها فإن آمنوا به فذاك، وإلا فليعدوها أي آية شاءوا ليس هذا وقت موقت قبل الموت لا يقبل ذلك فيه\nأفمن العدل عندهم أن يقبل إيمان كافر في وقت لا يقبل اكتساب مؤمن ولا إيمان كافر في غيره، أم يقروا بأنه عدل وإن لم يعرفوا وجهه،\nفنقول: وكذلك من قضى عليه المعصية، ثم عذبه عليها، عدل عليه، وإن لم نعرف وجهه. ولا أراهم - بحمد الله ونعمته - يريدون الاحتجاج بشيء إلا عاد عليهم في باب العدل، وخرج بهم إلى الكفر.\nفإن قالوا: هذه الآية الموت نفسه لا أجل قبله.\nقيل لهم: أفهم الموت بعد وقوعه أو اقتراب حينه عند آخر أنفاس الحال به،\nفإن قالوا: بعد وقوعه.","vol":"1","page":397},{"text":"قيل لهم: فكيف يؤمن ميت أو يكسب خيرا حتى يقبل منه أولا\nيقبل،\nوإن قالوا: هو اقتراب حينه. أعيد عليهم الكلام في باب العدل، إذ إلغاء الإيمان واكتساب الخير في أي وقت ألغيا، قبل الموت قربت مدته منه، أو بعدت - إلغاء، والعادل إذا ألغى خيرا ولم يقبله من فاعل كان ضد العدل في عقول الخلق ومن ينفي القدر تنزيها لله عن الجور.\nفإن احتجوا بقوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)\nأصابوا في التلاوة ونقضوا أصولهم في المقالة؛ إذ مدارهم كان في نفي القدر وخلق الأعمال على قياد العدل الذي يعقلونه بعقولهم، فإذا خرجت مقاليد الحالة من أيديهم، وانفتحت لنا عليهم، لم يبق لهم علينا إلا إتمام كسر قولهم في الوعيد، وإن كنا قد علمناه في الفصل من","vol":"1","page":398},{"text":"سورة النساء في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)\nونتمه بعون الله على نسق الآيات في السور إذا انتهينا إليها، غير أنا نسألهم عند تلاوة هذه الآية - إذ هي دعامة مقالتهم في باب الوعيد، وإن كانوا قد كسروا بها باب العدل - سؤالًا فنقول لهم: أخبرونا عمن تاب من ذنوبه عند نزول الموت قبل انقطاع آخر أنفاسه، ومن مات على تمرده من غير ندم ولا توبة في الوعيد والخلود في النار سواء،.\nفإن قالوا: نعم. لزمهم في باب العدل ما يلزمهم. وإن كانوا قد علموه جملة واحدة ويقال لهم: أسلمتم لهذه الآية في منع التوبة وإبطالها عمن حضره الموت تسليما، أم تصححونه بعقولكم ولكم عليه شواهد من غيرها من حيث لا ينكسر قولكم في العدل وإن كان قد انكسر باحتجاجكم بهذه الآية.\nفإن قالوا: لم ينكسر. كابروا في الجواب، وجاروا في الخطاب.\nوإن قالوا: بل نصححه بعقولنا.\nقيل، فما وجه تصحيح من عصى الله مائة عام ثم تاب قبل موته بيوم","vol":"1","page":399},{"text":"وهو صحيح نشيط لم ينزل به دليل موت ولا أتاه رائده، فقبلت توبته، وأطاعه آخر مائة عام إلا يوما قبل موته، أخطأ فيه خطية واحدة، فتاب منها آخر نهار يومه، وقد نزل به الموت ولاح رائده، فلم يقبل توبته وخلد في النار بخطيئته، أكانت تلك الخطيئة الواحدة أثقل في ميزانه من ذنوب مائة عام إلا يوما واحدا تاب فيه منها وهو صحيح،.\nأم رجاء الصحيح في البقاء وخوف العليل من الموت، فرق بين حاليهما، وكلاهما منقطع الحياة في علم الله إلا يوما واحدا، تاب فيه واحد في أول نهاره من ذنوب مائة عام إلا يوما واحدا، وآخر في آخره من ذنب واحد فأرى التوبة إذا يبطلها المرض وتصححها الصحة. فإن قالوا: ولا من هذا الصحيح التائب في أول نهاره يقبل، لانقطاع عمره في علم الله - خالفوا الأمة كافة، وانفردوا بقول لم يسبقهم إليه سابق مبتدع ولا متبع، فيقال لهم: على ذلك، فكم المدة التي تكون بين التائب وبين الموت تقبل فيها توبته،\nفأي مدة وقتوها طولبوا بإقامة البرهان عليها من كتاب الله ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا\nقال محمد بن علي: فلما رأينا الله ﵎ يدعو إلى التوبة دعوة","vol":"1","page":400},{"text":"واحدة، ويعد القبول ممن تابه بقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)\nبلا وقت مؤقت ولا أجل مضروب سوى الآية الآتية - التي ابتدأنا الفصل بها، ثم قال في هذا الموضع: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)\nعلمنا أنها لا محالة خاصة نازلة في قوم بأعيانهم، كما قال في فرعون: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ)، إذ لا سبيل إلى تحديد حد في القريب الذي ذكر فيه قبول التوبة حيث يقول (يتوبون من قريب) لأن أمل الحياة قائم في الإنسان ما بقي فيه نفس واحد، وإذا كان لنا أن ننظر في هذا القرآن ونتكلم في وجوهه فرسول الله - ﷺ - المنزل عليه أحق أن يتكلم فيه بما أراه الله، مع ما أيده به من الوحي وأخبر أنه لا ينطق عن الهوى، وقد صح عنه أنه قال: \" إن الله ليقبل توبة عبده ما لم يقع الحجاب \". قيل: وما وقوع الحجاب، قال: \" أن تموت النفس وهي مشركة \" و\" إن الله يقبل توبة العبد ما لم","vol":"1","page":401},{"text":"يغرغر \"\nفيقول: كل تائب مقبول توبته في أي وقت أحدثها من عمره، عليلا كان أو صحيحا، عند الموت أو قبله، إلا من أدركه طلوع الشمس من مغربها، وهو غير تائب، فإن توبته حينئذ لا تقبل منه إذا تاب، وتكون الآية مصروفة إلى قوم بأعيانهم لا تدخل معهم غيرهم، وكذا قال أبو العالية إن الآية لأهل النفاق، وأحسبه أراد منهم من كان على عهد رسول الله، ﷺ، ويكون حجبها عن أولئك من العدل الذي لا نعقله كما لا نعقل عدله في القضاء والقدر وما ذكرنا معه فيما مضى من كلامنا في","vol":"1","page":402},{"text":"فصول الآيات وبسطها لغيرهم من الفضل عليهم، فهذا وجه الآية التي هي دعامة مقالتهم في باب التوبة.\nثم نرجع إلى فصل الاحتجاج عليهم بإتيان الآية التي لا ينفع بعدها الإيمان واكتساب الخير.\nوإن قالوا: الآية هي حضور القيامة، قالوا محالًا إذ الإيمان في القيامة لا وصول إليه ولا إلى اكتساب الخير، ألا ترى أنهم لما تمنوا أن يكونوا مؤمنة تمنوا معه الرد إلى الدنيا، ليؤمنوا بما كفروا ويصدقوا بما كذبوا فيها: (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)،\nوقد أخبر الله عن إيمان من يؤمن في الدنيا ويكتسب الخير فلا ينفعه هذا ولا هذا بعد إتيان الآية، وكذا قال رسول الله، ﷺ: \" لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) .","vol":"1","page":403},{"text":"ولنا عليهم في قبول التوبة عند الموت حجة أخرى واضحة وهي إجماع الناس كافة على أن من أسلم من الكفار عند الموت حرم ميراثه كفار ولده وورثه مسلمون ورثته وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، والتوبة من الكفر أجل توبة، والكفر أعظم خطرا من الذنب، فمحال أن يقبل من أحدهما دون الآخر.\nفإن شبه على أحد بأن التوبة لا تقع إلا من الذنوب، وأن تارك الكفر لا يسمى تائبا كذبه القرآن. قال الله ﵎: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)\nفسمى تركهم لذلك القول واستغفارهم منه توبة.\nوقال أيضا: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ)، فجعل التوبة من الكفر والزنا توبة واحدة وسماها باسم واحد، فغير جائز أن يترك آيات التوبة كلها في الكفار والموحدين بلا وقت مؤقت لآية تحتمل الخصوص.","vol":"1","page":404},{"text":"وقد يجوز أن يكون شي المنافقين من نافق في إظهار القول بالتوبة عند الموت ليحظى بها عند الناس، فيذكر بالجميل إذا مات، وقلبه معتقد على خلاف ما أظهر، فنزلت الآية فيه، وفي أشباهه.\nوأما مناقضتهم في خلود من مات من الموحدين بلا توبة مع الكفار في النار فقد حواه كتابنا المجرد فيه، فكرهنا إعادته في هذا الفصل لطوله، إلا ما ذكرنا، ونذكر مع الآيات في مواضعها إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>سورة الأعراف</span>\nفي التقليد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>قوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)</span>\nحجة بينة في نفي التقليد؛ لأن الهاء في (دونه) لا تخلو: إما أن تكون راجعة على الرب أو على التنزيل، وقد نهى عن اتباع غيره كما ترى.\n(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ)\nنظير ما مضى في سورة البقرة من قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ)\nأي خلقنا من أنتم ذريته، وصورنا من صورناكم على صورته، وهو آدم، والله أعلم.\nقوله إخبارا عن إبليس: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) .\nحجة على المعتزلة والقدرية، لأن الله - ﵎ - لم يرد عليه ذلك وإنما أخبره بعقوبته وعقوبة من اتبعه وليس يخلو من أن يكون خلقه وهو يعلم ما يحدث ويقول أو لا يعلم.","vol":"1","page":407},{"text":"فإن كان علم - وقد علم لا محالة - فقد خلقه لذلك، ولابد من القول بهذا، لأن النافي عنه علمه به كافر لا شك فيه.\nستر العورة ومعنى الوصية:\n* * *\nوقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ)\nحجة في ستر العورات، وفيه من الفقه أن من أوصى بثلثه لبني فلان اشترك فيه الذكر والأنثى من ولده لدخولهن مع البنين في الاستتار.\nولم يقل: يا بني آدم وبناته، لأن الذكور يغلبون الإناث في الاسم فاقتصر عليهم - وهو أعلم - في الذكر دونهن.\nوإن كانت الوصية لذكور بني فلان لم يدخل الإناث معهم. ومثله: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ)\nقد دخل فيهم بناته\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>وقوله: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ) </span>مثله، وفي قوله: (وَقَبِيلُهُ) وهو دليل على أن الاسم الواحد واقع على معاني شتي، إذ القبيل في هذا الموضع - والله أعلم - أشياعه وأعوانه.","vol":"1","page":408},{"text":"وقال في موضع آخر: (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)\nأي عيانا إن شاء الله.\nالقدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>وقوله: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)</span>\nآية يغالط بها القدرية والمعتزلة - العامة منا، وأين القضاء من الأمر، ومن الذي قال: إن الله أمر بالزنا والسرقة، وشرب الخمر، كما أمر بالصلاة والصوم حتى يحتجوا علينا\nبقوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) .\nونحن مقرون أن الله لا يأمر بالمعاصي، بل ينهى عنها ويوعد عليها العقوبة.\nولئن كان هؤلاء القوم لا يفرقون بين الأمر والقضاء على الحقيقة ولا يريدون بهذه الآية المغالطة والتلبيس على العامة، إن المصيبة في جنونهم لأعظم من أن يشتغل بمناقضتهم فيما يدق من بدعتهم.","vol":"1","page":409},{"text":"القضاء حكم مغيب عن العباد مقرون بسابق علمه فيهم لا يستطيعون الخروج منه إلى خلاف ما علمه منهم.\nوالأمر إفصاح ونطق وتسمية الشيء الذي يؤمرون به، إذ محال أن يقدر العبد على معرفة فعل يأمره مولاه به، فيهتدي إليه قبل يأمره، وللسيد فيه علوم وإرادات لا يقدر العبد على معرفتها قبل الإفصاح له بها فهل قال أحد منا: إن الله قال لعبيده: ازنوا أو أقيموا الزنا، أو حافظوا على الزنا، كما قال: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وكما قال، (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) بل قال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) .\nإن هذا منهم لإفراط في الجهل والجنون إن كان حقيقة، وصفاقة وجه\nإن كان مغالطة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>وقوله: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) </span>حجة عليهم إذ المهتدي بدأ مهتديا والضال حق عليه ما","vol":"1","page":410},{"text":"خلق له من الضلالة.\nألا تراه يقول في موضع آخر: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)،\nفالحق لا محالة منه يحق أليس بينا في سياق الكلام أن القول منه جل وعلا حق قبل فعل الجن والإنس أفعالا استوجبوا بها دخول النار، فلذلك لم تؤت كل نفس هداها.\nوهل يقدر من حق عليه الضلالة أن يبطلها عن نفسه، أو من هدي أن يضل،.\nفإن احتجوا بقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) .\nقيل لهم: ويحكم ما تفرون أبدا من شيء إلا وقعتم فيما هو أعظم منه. هل تخلو هدايته ثمود من أن تكون هداية بيان، أو هداية حكم وإيجاب إرادة، فإن كانت هداية بيان، فلا حجة فيها علينا. وإن كانت هداية حكم وإيجاب إرادة، فكيف غلبوا إرادته في إيجاب الهداية، وقهروا حكمه النافذ في كل شيء، فعقروا ناقته وعتوا عن أمره وكفروا بنبيه صالح - ﷺ -،.","vol":"1","page":411},{"text":"أما تعلموا أن البيان والدعوة عامان والهداية خاصة، قال الله ﵎: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)، فجعل الدعوة عامة والهداية خاصة.\nفي تذكير فعل المؤنث:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>قوله: (حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ)</span>\nمن جهة اللغة حجة في تذكير فعل المؤنث وإن كان واحدا للاستغناء بالهاء الدالة على الفرق بينه وبين المذكر ومثله: (لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ) و(فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، ومثله كثير في القرآن وهذا إذا كان الفعل مقدما، فأما إذا تأخر لم يجز إلا تأنيثه، ولو أنث وهو مقدم على التأكيد لكان حسنا قال الله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا)\nو(لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) ومثله كثير.\nالتستر فى الصلاة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>وقوله: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)</span>\nحجة في","vol":"1","page":412},{"text":"الاستتار في الصلاة وقد تقدمت الحجة في الاستتار في غير صلاة بقوله: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) .\nتحريم الخمر:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>قوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ)</span>\nحجة في تحريم الخمر الذي يطالب العامة فيه بلفظ التحريم، ولا يعلمون، أن الحظر والمنع والتحريم بمعنى واحد؛ إذ فعل شيء قد نهى الله عنه وأمر باجتنابه وأخبر أنه من عمل الشيطان وأكده بقوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)، لا محالة إثم، وصاحبه آثم، وهو في عداد ما يلحق الإثم بشاربه، وقد نسقه جل وعلا بالواو على الفواحش بلفظ التحريم.\nفي تحريم التقليد:\nقوله في تمام هذه الآية: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)\nحجة في تحريم التقليد؛ إذ لا يجوز لبشر يحرم شيئا أو يحلله مبتدئا به، ولا يجوز أن يكون إلا تبعًا لله فيهما ناسبا إليه ما يفعله منهما.","vol":"1","page":413},{"text":"فمن دان الله من المميزين بشيء لا يستطيع أن يتلو فيه قرآنا ولا يروي\nفيه عن رسول الله - ﷺ - خبرا صحيحا ولا اجتمع له عليه أهل ملته، إذ كلاهما مع القرآن مقبول بالقرآن لم يسلم من هنا الآية. قال الله وجل من قائل: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)\nوليس في هذا عند من أنصف واتقى الله برؤية وتمييز وقيعة في متقدم سلف ولا عالم خلف فنحن نعلم بل نشهد أن واحدا منهما لا يفتر على الله كذبا، ولكنه سالك في كل ما أحل وحرم إما سبيل نص أو تأويل.\nفما سلك فيه نصا لا يتعذر على المميز الوصول إليه، وما سلك به تأويله فهو مصيب عند نفسه، محمود على صوابه، معذور بخطائه عند ربه غير قادر على أكثر مما فعله واجتهد في طلبه، فعلى المميز أن يشهد بفضله ويعرف قدمته وسابقته ولا يعول على نظره في اجتهاده كما عول في اتباع النص الذي يستوي كل في إصابته، وكل آمن من خطأ يلحقه فيه.\nوالمجتهد نفسه السابق إنما ما حكم فيه باجتهاده لا يقدر أن يشهد على\nالله بما أداه إليه اجتهاده فكيف يقلد \"\nولو كان الحاكم باجتهاده يصيب حقيقة الحق لما أمر رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":414},{"text":"من حكم له بلحن حجته أن يدع أخذ ما حكم له به على خصمه، ولكان لا يتواعده عليه النار لأن حكمه - ﷺ -، وإن كان حقا في نفسه، فهو على ما أوجب ظاهر ألفاظ الخصوم لا على ما استسروه من خداع بعضهم لبعض. فإذا كان الحكم، من رسول الله - ﷺ -، على هذه الحال لا يحلل شيئا ولا يحرمه إلا على ظاهر الحكم حتى يطلعه الله على السرائر، فمن بعده من الحكام والمفتين أولى أن لا يحل ويحرم بقولهم شيئا، وإن ما كانوا فاضلين حتى يتبين للناظر موضع الحجة، فيقول عليها، لا على القول، فإذا اجتهد بنفسه وهو مميز، فأصاب أو أخطأ، لم يكن عليه عتب ولا كان قائلا على الله ما لا يعلم،","vol":"1","page":415},{"text":"والمقلد غير مجتهد فيكون معذورا بتحمل خطأ غيره إلا أن يكون غير مميز فلا بد للأعمى من اتباع البصير.\nفإن كان ممن يضبط السماع ويعرف مراتب الرجال ولا يميز نفس المحكوم فيه قلد الأقرب فالأقرب من العلماء من رسول الله ﷺ، ولم يقلد أهل زمانه إذ هم على مقدار ما يشهد له نظره أجدر بالإصابة وآمن ممن بعدهم.\nوإن كان لا يعرف مراتب الرجال، ولم يضبط السماع قلد آمن أهل\nزمانه وأشهدهم وأشهرهم وأرفعهم ذكرا بالعلم والإشارة إليه في بلده وغير بلده مشافهة، أو قابلًا من آمن أمثاله عنده إذا عجز عن الوصول إلى مشافهته، ولم يسعه قبول الفتوى من كل من أسرع إليها ولا ممن عرفه بالصلاح إذا لم يكن له شهرة في العلم مقصودا إليه فيه، ولن يعدم مثل هذا في كل عصر إن شاء الله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ)</span>\nحجة على القدرية والمعتزلة، لأنه جل وتعالى نسب الافتراء والكذب إليهم وسماهم بذلك ظالمين، ثم أخبر عما ينالهم من نصيبهم من الكتاب وليس يخلو هذا النصيب المضاف إليهم من أن يكون نفس ما أتوه أو عقوبته وأيهما كان فهو قبل العمل والعمل جار عليه لا محيص لفاعله.","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>قوله: (يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ)</span>\nحجة عليهم فيما يزعمون أن كل فعل مضاف إلى فاعله فهو منفرد به غير محمول عليه ولا معان فيه.\nأفيجوز أن نقول: إن رسل الله - جل وعلا - منفردون وتوفي الناس\nغير فاعله بقوة الله وإرادته، كما يزعمون أن الله لما أضاف الافتراء والتكذيب والضلال وأفعال الشر إلى من أضاف كان منفردا بفعله من غير أن يكون مكتوبا عليه ولا مرادا به. أولا يعتبرون أن الفعل وإن أضيف إلى فاعل فغير محيل أن يكون مرادا به محمولا عليه، وأن اللغة المجيزة أن يضاف إلى من ليس بفاعل أصلا فعل كإضافة التوفي إلى الرسل، وخلق الطير من الطين إلى عيسى - ﷺ - وليس لواحد منهما صنع فيما أضيف إليه مجيزة أن يضاف إلى فاعل المعصية فعله، ولا يحيل أن يكون مكتوبة عليه، لأن عجز عاجز عن معرفة عقوبة من هذا سبيله في معصيته من حيث لا يثلم في عدل - من لزومهم ظاهر لفظ إضافة الأفعال إلى العباد وتركهم لفظ إضافة المشيئة إلى الله، أو من رجوعهم إليه في باب الوعيد وتركهم إياه في باب الصفات وفزعهم إلى المعقول في باب العدل في القدر وحده","vol":"1","page":417},{"text":"غير جاهلين مخالفة القرآن مع قيادة العقول ومساهلتهم أنفسهم في إخوانه من خول العبيد ومرض الصغار وأشباههما، وترك قيادة العقول فيها.\nإن هذا إلى التفكه بالبطالة أقرب منه إلى إقامة التوحيد كفعل العبيد.\nومثل قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ) في غير موضع من القرآن قال الله وجله من قائل: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) .\nوقال: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)، وقال: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)\nوهو المتوفي لهم لا محالة قال الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>قوله: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا)</span>\nحجة في أن العرب تسمي","vol":"1","page":418},{"text":"بالاسم الواحد المعاني الكثيرة كما تسمي الشيء الواحد بأسماء شتى.\nوفيه حجة على المعتزلة والجهمية فيما يزعمون: أن الله لما وصف باليدين استحال أن يكونا صفتين، لأن ذلك لا يكون إلا مخلوقا عندهم أفيزعمون أن الأخت من النسب لا تسمى بالأخت من أجل أن هذا الاسم يسمى به غيرها، وقد سماها الله جل وعلا به فقال: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) .\nوالعرب تقول للرجل تظهر منه الخصلة من الخير أو الشر: إن لهذه أخوات، وتقول: فلان أخو صبر وأخو ورع، ثم تسمى به الأخ من النسب فيجتمع كل ذلك في الاسم ويختلف في المعنى، فيما ينكر أن يكون لله - جل وعلا - يدان مبسوطتان وسمع وبصر فينفق بهما ولا يكون ذلك تشبيها بالبشر، إذ كل ذلك من البشر مخلوق فان، ومنه جل وعلا باق غير مخلوق، إن هذا منهم لأضيق رواية، أو أظهر مكابرة، وليت شعري حيث ذهبوا باليد إلى القوة والنعمة فرارا من التشبيه بالمخلوقين هل يسلموا مما فروا منه، أو للمخلوقين قوة ونعمة، فإذا هم لم يخلصوا على أكثر من أن أجازوا تطبيقا وردوا","vol":"1","page":419},{"text":"غيره، وكلاهما الجائز عندهم والمردود - من صفات الخلق، وهذه غفلة متجاوزة أو عناد قبيح.\nوكما قالوا في ضحك الله ﵎: لمعانُ نوره لا الضحك الذي يشاركه فيه المخلوقين.\nوقالوا: هو كقول العرب: ضحك المزن، إذا بدأ فيه لمعان البرق، وضحكت الكرسفة وهل ضحك الكرسفة، والمزن غير مخلوقين حيث حملوا ضحكه على ضحكهما، أو لا يرون أن للشمس والقمر والكواكب نورًا ولمعانًا وهي مخلوقة كلها، أفيجوز نفي النور عنه ﵎، وهو يقول: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)\nلأن شاركه فيه ما ذكرناه.\nوهلا أنكروا الضحك بواحده؛ إذ الضحك غير ذلك كله أيضا.\nقال الله ﵎: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) .","vol":"1","page":420},{"text":"وما الذي جعل الوفاق الواقع من ولد آدم له من صفاته هو المنكر، والوفاق في كل هذه الأشياء محتملا جائزا عندهم، هل في ذلك إلا مضاهاة القرآن بالحدث إذ قد نطق بالسمع والبصر واليد والحب والغضب والمكر والسخط وأشباه ذلك.\nوهلا نفوا الكيد والقوة وأشباهها عنه؛ إذ لولد آدم أيضا كيد وقوة،\nوقد نطق القرآن بهما، قال الله ﵎: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً)\nوقال: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)\nوقال: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)،\nوقال في النساء: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)","vol":"1","page":421},{"text":"وفي الشيطان: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)\nمع ما يطول الكتاب من مثل هذا.\nفما بال بعض هذه الأشياء يكون تشبيها وبعضها غير تشبيه، وفاق بالاسم وليس المفرق بينهما أكثر من أن ما فيه جل وعز غير مخلوق، وما في الآدميين وسائر الخلق مخلوق.\nجملة وخصوص واختصار ومعاني الإضلال:\n* * *\nقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)\nجملة وخصوص واختصار؛ إذ هو لا محالة من مات منهم على ذلك، إذ من تركه وتاب خارج منه بما ذكر من آيات التوبة والمغفرة.","vol":"1","page":422},{"text":"وفيه دليل: على أن المشيئة المضافة إلى العباد مفسرة بمشيئته المضافة\nإليه بإضلاله إياهم؛ إذ لا يجوز كما وصفنا في غير موضع أن تكون مشيئته تبعًا لمشيئتهم، ولا ضلالهم سابقا لإضلاله إياهم.\nوكذا ذكر المكذبين بآيات الله المستكبرين عنها في هذه الآية جملة لا ينسخ آيات التوبة والمغفرة ولا تكون آيات التوبة مجملة وهذه مفسرة.\nوفي قوله: (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ)\nدليل على أنها تفتح للمؤمنين، ويدخل الجنة من صدق بآياته وخضع لها. هذا واضح غير مشكل لمن ميزه وانقاد للحق.\nمعاني المهاد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>قوله: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ)</span>\nدليل على أن الشيء وإن كان موضوعا لمعنى فجائز أن يسمى به ضده؛ لأن المهاد اسم موضوع للراحة والوطء قال الله ﵎: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)\nفجعله في عداد النعم، وقال: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) أي يوطئون، والله أعلم.","vol":"1","page":423},{"text":"ومنه سمي الفراش مهادا؛ لأنه يوطأ ويريح، قال الله ﵎: (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وقد سمى في هذا الموضع النار تحت الكافرين مهادا، لأنها وإن لم توطأ لهم ولم ترح أجسادهم فهي مبسوطة تحتهم.\nومثله البشارة اسم موضوع للسرور والفرح قال الله ﵎: (فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)\nثم نقلها جل وعلا إلى الغم والحزن فقال: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>قوله: (وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ)</span>\nإلى قوله: (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)\nحجة على المعتزلة في باب الوعيد؛ إذ أصحاب الأعراف لا محالة محبوسون عن الجنة بذنوب لم يتوبوا منها؛ إذ لو","vol":"1","page":424},{"text":"كانوا ماتوا تائبين منها ما حبسوا على الأعراف، ولأدخلوا الجنة مع الداخلين من فور فراغهم من الحساب، وقد أخبر الله - جل وعلا - أنه يدخلهم الجنة بعد ما حبسهم عنها مدة كما ترى.\nفإن قالوا: ليس هؤلاء المعتقرين أصحاب الأعراف، كان أوفد للحجة عليه، إذ هم لا محالة، وإن أخطئوا أصحاب الأعراف - من أصحاب النار.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>قوله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)</span>","vol":"1","page":425},{"text":"حجة على الجهمية؛ لأن الاستواء في هذا الموضع هو الاستقرار، فقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)\nأي استقر عليه، فهو بما استقل العرش منه ﷻ له حد عند نفسه لا بحد يدركه","vol":"1","page":426},{"text":"خلقه والمحيط بالأشياء علمه سبحانه.\nوقولهم: الاستواء: الاستيلاء من غير جهة خطأ.\nفأولها: المكابرة في اللغة، تقول العرب: استوى فلان على الفرس\nأي استقر عليه، قال الله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)\nأي: استقرت السفينة عليه.\nأفيجوز أن يقال: استولت السفينة على الجبل، وإذا كان الرجل في شيء، ثم تركه وعمد لغيره يقال: استوى إلى كذا، قال الله تبارك","vol":"1","page":427},{"text":"(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)\nويقال: استوى الميزان والحساب إذا اعتدلا، واستوى الراكع وغيره\nإذا اعتدل بعد الانحناء.\nفهذه وما شاكلها مواضع الاستواء لا نعرف في شيء من شواذ اللغات ولا مشهورها أحدا عد الاستواء استيلاء، إذ الاستيلاء: هو الغلبة والقهر والتملك.\nفهل كان العرش ممتنعا عليه خارجا من يديه حتى استولى عليه،\nوالثانية: أن الاستيلاء إذا كان اسما واقعا على الغلبة والقهر، فلا يجوز أن يكون في الله حادثًا، لأنه جل وتعالى قاهر غالب في الأول، والاستواء يجوز أن يحدثه بعد خلق العرش، فقوله:","vol":"1","page":428},{"text":"(ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)\nبين أن الاستواء بعد خلق السموات والأرض.\nوالثالثة: مكابرة العقول ومقابلة الأمة عالمهم وجاهلهم بالخلاف فيما ليس فيه لبس ولا إشكال.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>قوله: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)</span>\nحجة على الجهمية فيما فرق جل وعلا بين الخلق والأمر ولم يجز أن يقع على القرآن الذي هو أمر خلقا وهو بين.\nدعاء:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>وقوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)</span>\nدليل على أن الجهر الشديد في الدعاء عدوان، ألا تراه يقول: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) ...\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>قوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)</span>\nدليل على أن الشيء يوضع موضع غيره ويسمى باسمه، إذ الرحمة في هذا الموضع لا محالة خلاف الرحمة في قوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>قوله: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ)</span>\nأي: أقلت الرياح - والله أعلم - سحابا والسحاب جمع لقوله (ثِقَالًا)، و(سُقْنَاهُ) مردود - والله أعلم - على لفظ السحاب أو على إضمار المطر.\n* * *\nقوله: (لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي إلى بلد ميت، وهو أعلم.\nفي ضرب الأمثال:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>قوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)</span>\nحجة في ضرب الأمثال وتقريب المعاني بها إلى الأفهام.","vol":"1","page":430},{"text":"قياس:\nولقد بلغني أن قوما يجعلون هذا وأشباهه في القرآن حجة في تثبيت القياس وهذا جهل غير مشكل، إذ القياس عندهم تحريم شيء وتحليله من أجل غيره، وليس إخراج الله ﷻ الموتى من إخراج الثمرات بالماء، ولكنه تعريف الخليقة بأن القادر على إخراج الثمرات قادر على إخراج الموتي.\nفإن كان القياس يزعم أن محرم شيء بعينه قادر على تحريم شبهه أو للمبتدي بتحريم شيء أن يحرم شيئين فقياسه صحيح.\nوإن أراد أن للمأمور أن يتقدم بالآمر في تحريم شيء فيحرم ما يشبهه عنده، فالاحتجاج بهذه الآية وأشباهها لا وجه له، بل أخاف أن يكون الحكم على الله بأنه حرم ما حرمه من أجل علة فيه افتراء عليه، وقولا بما لا علم لقائله به، مع أنا لو علمناه أيضا أنه حرم ما حرمه من أجل علة فيه لكان علمه بالعلة علم يقين، وعلمنا بعلة الشبه عندنا علم شك وكان والمجوز لنا أن نحمل غيره عليه، ولو كانت العلة بنفسها محرمة حرم الأصل المحمول عليه الفرع قبل أن يحرمه الله، وهذا لايقوله بشر وقد مضى","vol":"1","page":431},{"text":"قولنا في: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) في سورة الأنعام بما يغني عن إعادته في هذا الموضع.\nالإذن:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>قوله: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)</span>\nحجة على القدرية والمعتزلة فيما يجعلون الإذن من الله بمعنى العلم.\nأفيجوز أن يقول خرج نبات البلد الطيب بعلمه لا بإطلاقه،\nوكيف يجوز ذلك وقد قال جل وعلا: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)،\nألا ترى أنه جل ثناؤه أخبر عن إخراجه في أول الكلام، وعن خروجه في آخره، فلم يكن ذلك مؤثرا في الأول، فبما ينكرون أن تكون الأفعال منسوبة إلى فاعلها، وإن كان القضاء قد سبقها عليه بها.\nقوله تعالى إخبارا عن هود ﵇: (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)","vol":"1","page":432},{"text":"حجة على القايسين والمقلدين.\nوفي قوله إخبارا عن صالح ﵇: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا) .\nدليل عاما أن بناء القصور ليس بمنكر وأن البناء الطايل غير مؤثر في نسك الناسكين، إذ محال أن يذكرهم آلاء الله في شيء بنيانه معصية وقد قال: (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)\nولو كان بناء القصور منكرا لكان داخلا في الفساد لا في الآلاء.\nوفي قوله إخبارا عن قوله شعيب ﵇: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)\nحجة على المعتزلة والقدرية: ألا تراه - ﷺ -","vol":"1","page":433},{"text":"كيف أعد الرجوع في ملتهم افتراء على الله، وأخبر قومه أن لا يفعل إلا أن يشاء الله فاستثنى بمشيئة الله التي لا محيد له ولا لقومه عنها.\nومن كان منجَّا من ملتهم ممنونا عليه به جدير بأن يتبرأ من الحول والقوة في القيام على شيء لا تصحبه مشيئة الله فيه.\nفي الطاعة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>قوله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)</span>\nدليل على استنزال الرزق بالطاعة وحرمانه بالمعصية وهو يصدق الحديث المروي في \" إن العبد ليحرم الرزق بذنب يصيبه) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>قوله: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)</span>\nحجة على الجهمية في ذكر المكر، وكذا قال في سورة","vol":"1","page":434},{"text":"النمل: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>قوله: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)</span>\nوقوله بعده: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)\nحجة على المعتزلة والقدرية أيضا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>قوله: (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)</span>\nدليل على سعة اللسان، إذ المضافون إليهم من الرسل هم المضافون إلى الله ﷻ. ألا تراه يقول: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا)، فكانوا رسله بما أرسلهم، ورسلهم بما أرسل إليهم. ومثله عبيد الناس وإماؤهم مضافون إليهم، وهم عبيد الله وإماؤه، قال الله ﵎، (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)\nفأضافهم إليهم كما ترى، وكل هذا ينبي عن سعة اللسان الذي يضيقه أهل البدع من المعتزلة وغيرهم. وكذلك قوله: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) ولم يقل: فاسمع، ولا فاعلم، وقال: (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)","vol":"1","page":435},{"text":"ولم يقل: لا يفقهون، أو يقول: ونوقر آذانهم فهم لايسمعوا، فكل هذا دليل على سعة اللسان.\nفكيف يستقيم لمبتدع أن يتعلق ببعض هذا اللسان دون سائره، فيزعمون أن الله ﵎ لما نسب الفعل إلى فاعل لم يجز أن يكون مفعولا به، أو محمولا عليه بقضاء سابق أوقدر موافق.\nوكذلك قوله إخبارا عن الملأ: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)\nوالعليم اسم من أسماء الله. وقال: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)\nفلم يضر الله شيئا من وفاق أساميهم مع اسمه، إذ كان ذلك من حق اللغة المحتملة لكل من علم شيئا حقا كان أو باطلا أن يسمى به عليما، وكذا قلنا: إن الله - ﷻ - له سمعه وبصره اللذان هما غير مخلوقين بل أزليين سميع بصير، كما أن المخلوق بسمعه وبصره المخلوقين المحدثين الزائلين سميع بصير، لا يوجب أن يكون الخلق بسمعه المخلوق لأن الله يسمى به خالقا ولا الله بسمعه الأزلي مخلوق، لأن سمى سمع خلقه سمعا ولكنه من ضاق عن سعة اللسان لم يكن لجهله نهاية ولا بالدين عناية.","vol":"1","page":436},{"text":"قوله إخبارا عمن آمن من سحرة فرعون: (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)\nحجة على المعتزلة والقدرية، إذ كل ما أخبر الله تعالى عنهم في هذه الآية لا محالة مدح لهم، أفيجوز عندهم على الله ﷻ أن يثني على قوم بدعاء محال، والإسلام بأيديهم يثبتون عليه ما شاءوا ويتركونه إذا شاءوا لا يخافون أن ينتزع منهم كرها.\nأليس سؤالهم تركه لهم حتى يتوفاهم عليه وهم مالكوه - قد أمنهم\nالله من الانتزاع منهم بما أظهر لهم من عدله - سؤال محال، ولكنهم سألوا سؤال حق ورهبوا مكر الله الذي لا يأمنه إلا القوم الخاسرون، واقتدوا في ذلك بنبي الله يوسف ﷺ في إخبار الله جل وتعالى عنه: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)\nفإن قالوا: لم يرهبوا الله أن ينتزعه منهم، ولكنهم خشوا أن يفتنهم الشيطان. قيل لهم: فمن مالك الشيطان، فإن قالوا: الله جل وعلا. قيل: أفيجوز عليه عندكم وهو عدل أن لا يحول بينه وبين من يريد تفتينه وانتزاع الإسلام منه، سيما وقد أمره أن يثبت عليه، وأوعد على تركه ما أوعد.","vol":"1","page":437},{"text":"فإن قالوا: لا يعصمه منه، بل يكله إلى استطاعة نفسه، قيل: وهو\nقادر على غلبته فيما يريد من تفتينه أم لا،\nفإن قالوا: قادر رجعوا فيما يلزمهم من أن مسألتهم ومسألة يوسف\nﷺ مسألة محال.\nوإن قالوا لا يقدرون، أقروا بما يراد لهم من أن انتزاع الإسلام الذي دعوا بتركه في أيديهم غير مأمون، وسواء خيف ذلك من قبل الله أو من قبل عدو هو مالكه، وقادر على أن يمنعه من ظلم من يريد تفتينه فلا يمنعه بل كان قادرا على أن لا يخلقه مسلطا ولا متسلطا، فخلقه كيف شاء لماشاء ووضع عنا تفتيشه.\nفي نفي الخلق عن القرآن ورؤية الرب تعالى في الآخرة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>قوله: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)</span>\nحجة على الجهمية واضحة، إذ لو كان القرآن مخلوقا كما يزعمون لكان \" وكلمه كلام ربه \" فإن الله جل وتعالى قادر على أن ينطق كلاما هو خالقه بكلام غيره، كما ينطق من شاء من الحيوان والموات وغير ذلك من خلقه. وقد أخبر عن نفسه جل وتعالى كما ترى أنه قال لموسى، صلى الله\nعليه وسلم، وأجابه موسى، وليس في قوله ﷿: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)","vol":"1","page":438},{"text":"حجة أن الله ﵎ لا يري في القيامة، ولا يكون منه ظهور للخلق، وكيف يجوز ذلك وهو يقول: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ)\nوالتجلي هو: الظهور في اللغة لا محالة، فكان المنكر عندنا ظهوره للبشر من بين سائر خلقه. إنما قوله: هو قوله (لن تراني) في الدنيا لأني لم أحكم لك بذلك، فأما في الآخرة فلابد من رؤيته لقوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)\nفهم الكفار لا محالة.\nثم ساق الكلام فجعل في تمام عقوبتهم (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) .،\nأفيرتاب مميز بأن الحجاب لا يخص به إلا وهناك من لا يحجب، هذا ما لا يذهب على من تبحره، وليس يرتفع الحجاب بتة عن محجوب وإن قرب محله وكثرت جائزته، ما لم يعاين ملكه.","vol":"1","page":439},{"text":"فإن احتجوا بقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)\nقيل لهم: كيف تدركه وهو محتجب عنها،!\nفإذا ظهر لهم في الآخرة كما ظهر للجبل في الدنيا نظروا إليه، فإن كنتم تنكرون الظهور فقد دللنا على بطلان قولكم بآيتين.\nوإن كنتم تزعمون: أنه وإن ظهر لهم، فنظروا، لم يبصروه، فهذا مستحيل في العقول أن تنظر عين إلى شيء غير مستور، والعين مبصرة فلا تبصره، والعقول عندكم أكبر الحجج، وإن كنتم تنكرون الإحاطة به فنحن نوافقكم عليه، فنقول: الإحاطة غير النظر، لأنا نرى السماء ولسنا نحيط بجميعها.\nوقد يجوز أن يكون لا تدركه الأبصار بمعنى لا تحيط به، وأولى المعنيين به - والله أعلم - الأول، أن تحجبه عن الأبصار حقبة ولا يحجب الأبصار عنه شيء لأن الحجب لا تحجب الخلق عنه كما تحجبه عنهم، وقد قال ﵎: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)","vol":"1","page":440},{"text":"فظاهر الناظرة: الناظرة بالأعين، ومن قال: الناظرة بمعنى منتظرة فقد ترك الظاهر، وإن كانت اللغة محتملة لما قال في بعض الأوقات.\nورسول الله، ﷺ، أعرف بما أنزل عليه من مجاهد، مع أن قول مجاهد لا يدفع نظر العين، لأنه قال: هي منتظرة تنتظر الثواب لتثاب، والنظر إلى الله - جل وعلا - من أجل الثواب، وهي الزيادة التي قال الله ﵎: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) .","vol":"1","page":441},{"text":"كذلك رواه صهيب عن رسول الله - ﷺ - بالإسناد الصحيح، والأخبار السنية في الرؤية كثيرة قد ذكرناها في الكتاب المصنف في الرد على أهل الأهواء بالأخبار.\nالأمر والنهي:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>وقوله: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ)</span>","vol":"1","page":442},{"text":"حجة على الجهمية في الكتابة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>وقوله: (وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ)</span>\nيعني والله أعلم لكل شيء أريد منهم من الأمر والنهي وكذا قوله: إن شاء الله في القرآن حيث يقول: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>قوله: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا)</span>\nحجة على الجهمية، لأنه - جل وتعالى - أخبر أن الإله لا يكون إلا متكلما هاديا.\nومثله: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)\nفقد قرن القول بالضر والنفع، وجعل كل ذلك من نعت الإله، فكيف لا يكون جل وعلا متكلما، وما أدحض حجة القوم في اتخاذ العجل إلها إلا بعدم الكلام. أم كيف يكون قوله مخلوقا، وهو - جل وتعالى - بجميع صفاته غير مخلوق.","vol":"1","page":443},{"text":"وكذا أخبر عن إبراهيم حيث نبه قومه عن آلهتهم بأنها غير آلهة قال: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)\nفأخبر قومه أن الإله لا يكون إلا ناطقا.\nالغضب في الأمر، وإذا خاف على نفسه في الأمر بالمعروف:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>قوله: (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ)</span>\nحجة في الأمر بالمعروف، وجواز تناول من يؤمر عليه.\nودليل على أن الآمر وإن خرج في شدة غضبه لله - جل وعز - إلى\nما لا يحمد من الأمور معفو له عنه، لأن الغضب غير مملوك، فإذا حدث على المرء استفزه.\nفإن كان لله - جل وعلا - عفي لصاحبه عما كان من نحو ذلك.\nوإذا كان لغيره نوقش في القليل والكثير.\nوفي قوله إخبارا عن هارون: (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي)\nدليل على أن من خاف على نفسه وسعه وجاز له السكوت.","vol":"1","page":444},{"text":"في الرد على الصوفية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>قوله: (فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ)</span>\nدليل على أن الشغل بالأعداء ليس بمؤثر في نسك الناسكين ودرجات المقربين، لأن هارون نبي، وقد اشتغل بما لو وصل إليه من شماتة الأعداء لم يحط من في درجته عند الله، ولا بزوال الشماتة كان يزداد قربة.\nوروي عن نبينا - ﷺ -: أنه كان يتعوذ بالله من","vol":"1","page":445},{"text":"شماتة الأعداء، فلم تؤثر في درجة القربة كما يزعم المتنطعون من المتصوفة.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>قوله: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَ</span>ا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ)\nحجة على المعتزلة والقدرية: ألا تراه كيف خاطب ربه - ﷿ - بأن اتخاذ السفهاء العجل من فتنته وإضلاله، فلم ينكر عليه، وقد تقدم قولنا في سورة المائدة في قوله: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)","vol":"1","page":446},{"text":"بما يغني عن إعادته\nمن أن الفتن لو كان بمعنى الاختبار كان فتونا لا فتنة.\nويقال لهم: لا تعدوا الفتنة في هذا الموضع إلا اختبارا، كيف اختبرهم باتخاذ العجل - وهو: شرك - وهم قبل اتخاذه مؤمنون، أأخرجهم من الإيمان إلى الشرك لينظر كيف تمسكهم بالشرك وكيف صبرهم عليه، كما يختبرهم بالأوجاع، والمصائب والأنفس، لينظر كيف يصبرون ويشكرون، هذا ما لا يعرف وجهه، ألا تراه - ﷻ - يقول: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)، وقال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)\nفالاختبار هذا وجهه الذي يعقل.\nوبعد: فإن الاختبار نفسه على جميع تصرف وجوهه لو تدبروه، لما خرج لهم في باب العدل مخرجا ما يعقلونه بعقولهم، إذ ليس يخلو المختبرون بالمصائب من أن يجروا فيها على سابق علم مختبرهم بها أو على حادث.","vol":"1","page":447},{"text":"فلما كان نسبة الحادث إليه كفرا غير ملتبس، حصل عليهم السابق الذي لا يعرف العباد وجه جميع الاختبار والعلم السابق عليهم في باب العدل إلا بالتسليم له، عقلوه أو لم يعقلوه، كما قلنا في باب القضاء والقدر (١) ومرض الصغار، وخولة العبيد وأشباه ذلك.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>قوله: (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ)</span>\nحجة عليهم، وليت شعري حيث قرأوه بالسين غير معجمة ونصب الألف من الإساءة أي شيء نفعهم، كأنه ليس في القرآن من المشيئة غير هذا الحرف. أو من الذي لا يقوله منا: إن العذب بالإساءة، وإن كانت الإساءة مكتوبة عليه، فقد فعلها، حتى يصحفوا - لالتماس الحجة على خصمائهم - حرفا من كتاب الله عليهم، وما عسى يقدرون عليه من تصحيف قوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)\nوأشباهه في القرآن إن هذا لأسخف سخافة بعد فرط المكابرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)</span>","vol":"1","page":448},{"text":"حجة عليهم لأنه جمع بين فعل المنسلخ من الآيات، وبين تسوية الشيطان له، وذكر فعله قبل ذكر مشيئته فيه وبعده، وأخبر أنه لو شاء رفعه بالآيات ولم يصفه بما لم يرتضه من أفعاله، فهل يرتاب منصف متيقظ مضرب عن اللجاج والعصبية أن نسبة الفعل إلى فاعله ليس بمؤثر في القضاء والقدر، ولا القضاء والقدر بمسقطي اللوم عن الفاعلين أفعالا نهوا عنها، وأنهم جانون بفعل أفعال وإن كانت قد قضيت عليهم، وإن الله - ﷻ - ليس بظالم لهم فيما أعد لهم من العقوبة عليها وإن كان قضاها عليهم، ولا بجائر فيما أمرهم به من اجتناب ما لايستطيعون الاحتراز منه إلا بعصمته والمسارعة إلى ما لا يقدرون عليه إلا بمعونته، وأن الذي بقي عليهم من تقرر صحة هذا عندهم رفض مفتاح الجهل الذي يريدون به فتح مغالق عدله الذي لا وصول إليه بعقول ناقصة، وهو مع ذلك - جل ثناؤه - عدل صادق غير نسي، أفيجمع كل ما ذكرناه في صدر الفصل في آية واحدة ولا تكون حقا، والقائل به لا يكون على هدى، هل الصدود عن هذا إلى غيره إلا من الجهل الغالب أو الكفر المصرح.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>قوله: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)</span>","vol":"1","page":449},{"text":"حجة عليهم. وهو أيضا من المواضع التي يحسن فيها حذف هاء المفعول به، لأنه لا محالة من يهده الله ومن يضلله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>قوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)</span>\nحجة عليهم، إذ ليس يشك عارف باللغة أن ذرأنا هو خلقنا كما قال في موضع آخر: (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) .\nوقال: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ)\nأي في الرحم، والله أعلم.\nفأي حجة يلتمس أكبر من أن يكون - جل وتعالى - قد أخبر عن نفسه\nنصا أنه خلق لجهنم كثيرا من الجن والإنس، أم كيف يقدر من هو مخلوق للنار أن يذهب بعمله إلى الجنة.\nوفي قوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)\nدليل على أن تمام الكثير من القليل مخلوقون للجنة.\nوبلغني عن بعض سفهائهم أنه قال: (ذرأنا) بمعنى طرحنا،","vol":"1","page":450},{"text":"وهذا من الأمكنة التي إذا أرادوا متابعة اللغة تابعوها بأقبح وجوه الغلط.\nألا يعلمون - ويحهم - أن ما كان بمعنى الطرح فهو أذريت بالألف وسقوط الهمزة كما يقولون: أذري الجمل راكبه، إذا طرحه عن ظهره وألقاه إلى الأرض.\nوكما تبدد الريح الشيء فتطرحه يمينا وشمالا قال الله ﵎: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) .\nوبلغني عمن هو أجهل من هذا منهم أنه أنشد بيت المثقب حجة في هذا المعنى:\nتقول إذا ذرأت لها وديني","vol":"1","page":451},{"text":"بالذال معجمة، فماذا يقال لقوم يبلغ بهم الحرص على تصفح مقالتهم، والأنفة من الرجوع إلى الحق مثل هذه الأشياء القبيحة، نعوذ بالله من الضلالة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>قوله: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا)</span>\nنظير ما مضى في سورة البقرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>قوله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية والجهمية معا، إذ الاستدراج لا محالة كالمكر، وقد أخبر - جل وتعالى - عن نفسه كما ترى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>قوله: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)</span>\nحجة على الجماعة أيضا في الإملاء والكيد، فالاستدراج والإملاء كاسر قولهم فيما يدعونه من معرفة العدل الذي لا يعقلونه والكيد مع","vol":"1","page":452},{"text":"الاستدراج في باب نفي الصفات عنه جل وعلا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>قوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)</span>\nحجة عليهم، إذ سمى نبيه ﷺ، بما سمى به نفسه من المبين، ألا تراه يقول: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) .\nوقد يقع على السحر الأمم المبين، قال الله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) .\nوكذلك الوفاق الواقع بينه وبين الخلق في جميع أسمائه أو في أكثرها مثل: الصادق، والعالم، والملك، والجبار، والقادر، والقاهر، والرحيم، واللطيف وأشباهها، وكل هذه الصفات ذاتية قد شاركه فيها خلقه.\nأيشك أحد أن الرحيم واقع على الرحمة، والقادر واقع على القدرة،","vol":"1","page":453},{"text":"والعالم واقع على العلم، وكذلك أخواتها، فلا تكون رحمته ولا قدرته ولا علمه ولا سائرها مخلوقا، وكل ذلك من الرحمة والقدرة وأشباههما في الخلق مخلوق، وكل هذه الأشياء وإن لم تكن محسوسة بيد ولا نظر فهي ثابتة في الموصوف بها من الخلق ومنه، وكذلك السمع والبصر، واليدان والكيد، والقوة والبطش، والمكر، وأشباه ذلك مثله من حيث لا التباس فيه عند منصف منقاد للحق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>قوله: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)</span>\nحجة عليهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>قوله: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)</span>\nحجة عليهم واضحة فما بقي شيء من منافع الدين والدنيا إلا وقد دخل تحت هذه الآية ما أراهم إلا يكابرون عقولهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>قوله: (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)</span>\nحجة عليهم في نفي الاستطاعة.\nفيقال لهم: أخبرونا عن العامل بالطاعة، أيسمى ناصر نفسه أم لا، والعامل بالمعصية أيسمى خاذل نفسه أم لا،","vol":"1","page":454},{"text":"فإن قالوا: بلى.\nقيل: أفلا تراه يقول، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)، أفيرتاب منصف أن العامل بالطاعة معان عليها بالتوفيق، والعامل بالمعصية مخذول بحجب التوفيق عنه،.\nوان قالوا: لا يسمى العامل بالطاعة ناصر نفسه، ولا العامل بالمعصية خاذلها ولا ظالمها - كابروا في القول وخرجوا من العرف والعادة.\nقول: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)\nحجة على الجهمية بنعمة الله شديدة.\nأليس بينا - من حيث لا التباس فيه - أن الذي قرر عندهم به بطلان آلهتهم عبادتهم ما لا يستجيب دعوة داع، ولا له رجل ماشية، ويد باطشة، وعين مبصرة وآذان سامعة، وأن لله - جل وتعالى - كل هذه الأشياء ولكنها غير مخلوقة فيه.","vol":"1","page":455},{"text":"أو لايفكرون - ويحهم - أن البعل قد عبد وهو رجل وفرعون وهو رجل لهما أيدي باطشة وأرجل ماشية، وأعين مبصرة وآذان سامعة، ولكنها لما كانت مخلوقة كخلق أجسادهم كانوا عبادا أمثالهم.\nفالحاصل من هذا عند من هداه الله وهذب طبعه وفتح عيون قلبه أن المعبود هو الله الواحد الموصوف بهذه الصفات التي وإن شاركه فيها خلقه","vol":"1","page":456},{"text":"بالاسم والذات، فهي فيه غير مخلوقة ولا مستدرك كنه صفتها كهيئتها عنده، وفيهم مخلوقة وهو خالقها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>قوله: (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)</span>\nحجة في الاعتصام بالله، وأمن الأنفس من وصول ضرر الكائدين إليها إلا بمشيئته ﷿.\nوفيه أن هذه الفضيلة لم يخل منها محمد - ﷺ - وإن كان قد سبقه إليها نوح وهود - صلى الله عليهما وسلم -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>قوله: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) </span>.\nو(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ) .\n(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)\nوأشباه هذا لا تعلق لهم فيها لما دللنا عليه في سورة الأنعام، من أن الشيطان من بعض عقوبات الله مخلوق لمثل هذه الأشياء بالوسواس لا بسلطان نافذ، وهو مع ذلك ضعيف الكيد لقوله: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) .","vol":"1","page":457},{"text":"وقد سمى الله كيد النساء عظيما، فهل يقولون: إنهن متسلطات\nعلى الشيطان أيضا مع رجال البشر، فينسبون الشر الذي هو عندهم منسوب إلى الشيطان إليهن، إذ كان العظيم الكيد أقرب إلى أن يكون لضعيفه قاهرا، وأجدر بالاستعلاء عليه.\nلا، ولكنه على ما أخبرت من أن الشيطان مخلوق لأذى البشر كالسباع والحيات وسائر المؤذيات، وتسليط بعضها على بعض، وكما خلقت الفراعنة لأذى الأنبياء.\nومعرفة العدل في جميع ذلك غائب عنا منفرد بعلمه ربنا.\nالشرك:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)</span>\nإلى قوله: «فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) دليل على أن الشرك على وجهين: فشرك في طاعة،","vol":"1","page":458},{"text":"وهو - والله أعلم - هذان لأن أحدًا لا يشك أن آدم وحواء لم يشركا بالله شرك كفر وعبادة، ولكنهما عصيا في القبول من إبليس واغترا بقوله: إن الولد إذا سمي عبد الحارث عاش كما اغترا به في أكل الشجرة.\nوشرك في كفر وعبادة وهو فعل الكفار في عبادة الأصنام، وافتراء اليهود والنصارى في ادعاء الأولاد على الله جل الله.\nوكان الحسن يقول: إن الجاعلي شركاء فيما آتاهم الله صالحا في هذا الموضع هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوهم ونصروهم.\nولا أدري ما وجهه، لأن أول الآية لا يدل عليه.","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>سورة الأنفال</span>\nقوله ﷿: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ)\nرد على المرجئة من وجوه:\nأحدها: أنه ذكر عامة الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة وجعلها من الإيمان، وذلك أنه ذكر قبل (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) التقوى وإصلاح ذات البين، ثم نسق في هذه الآية عملا بعد عمل وذكر فيها التوكل وهو: باطن.\nوالثاني: أنه ذكر زيادة الإيمان بتلاوة الآيات عليهم وهم ينكرونه.\nوالثالث: أنه لم يثبت لهم حقيقة الإيمان إلا باجتماع خصال الخير\nمن الأعمال الظاهرة والباطنة وهم يثبتون حقيقة بالقول وحده.","vol":"1","page":461},{"text":"والرابع: أنه - جل وتعالى - قال بعد ذلك كله: (لَهُمْ دَرَجَاتٌ)\nوقد أثبت لهم الإيمان بشرائطه وحقيقته، وهم لا يجعلون للمؤمن في إيمانه إلا درجة واحدة، ولا يجعلون للإيمان أجزاء. فكيف يستقيم أن يسمى المرء بالإقرار وحده مستكمل الإيمان وقد سمى الله - ﷻ - كل ما حوته الآية إيمانا.\nفإن قيل: فما لك تنكر على القوم أن يشهدوا لأنفسهم بحقيقة الإيمان وقد شهد الله لهم في هذه الآية؟\nقيل: لم أنكر حقيقة الإيمان، وإمكانه في كثير من الخلق، وكيف أنكر شيئا أكمله الله لملائكته وأنبيائه وشهد لأهل هذه الآية به، إنما أنكرت عليهم ما أنكرت من جهتين:\nإحداهما: أن الله شهد بحقيقته لأهل هذه الآية، بخصال كثيرة وهم يشهدون لأنفسهم بخصلة واحدة.\nأيجوز أن أشهد على مقر بكلمة الإخلاص مصدق بها، ذكر عنده ربه\nفلم يوجل قلبه، أو فرط في الصلاة، ولم يؤت الزكاة بحقيقة الإيمان، والله - جل وعلا - لم يشهد له به، فأساوي بينه وبين من كل ذلك كائن فيه.","vol":"1","page":462},{"text":"أم كيف يجوز أن يكون إيمان هذين يستوي من غير أن يكون أحدهما زائدا على صاحبه فيه، وكيف ينكر الزيادة والنقصان في شيء، ولا محالة كل زائد على شيء فالآخر أنقص منه.\nفإن كانوا يزعمون إيمانهما في كلمة الإخلاص قولا واحدا فنحن لا\nنأباه.\nوإن زعموا أن اسم الإيمان لا يقع على غيرها، فنحن لا نخالف كتاب\nربنا.\nوقد حوت هذه الآية وغيرها - مما سنأتي عليها في مواضعها على نسق السور إن شاء الله - ما حوت من العمل المسمى بالإيمان.\nوالأخرى أن تحت الحقيقة معنيين، فإن كانوا يقولون: إنهم حقا مؤمنون بخصال بأعيانها فيهم في وقت القول عند أنفسهم، فنحن لا ننكره، وإن قالوا: إنهم حقا مؤمنون لا يأمنون مكر الله - ﷻ - في السلب، ولا يحذرون القطع بهم عند الخاتمة، فهذا هو المنكر الذي لا نواطئهم عليه ولا نسلمه لهم لتكذيب الخبر والمشاهدة","vol":"1","page":463},{"text":"ذكر الطهارة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>وقوله: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ)</span>\nدليل على أن المزيل للأنجاس هو الماء لا غير، وأن الماء إذا طهر الأنجاس استحال أن تنجسه الأنجاس، إلا أن يصير مستهلكا فيها أو يغلب عليه روائحها، فيسلم في الغلبة للاتفاق، وفي الاستهلاك لزوال العين والإجماع معا.\nذكر الجهاد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)</span>\nدليل على اختصار الكلام والإشارة إلى المعنى؛ إذ النهي عن تولية الأدبار مقصود لا محالة به الهزيمة والفرار، لا أنه نهى أحدًا أن يول كافرا ظهره، وهو مريد لقتاله ناوي الإقبال عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>قوله: (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)</span>\nردعلى الجهمية في إنكارهم الغضب.","vol":"1","page":464},{"text":"قياس واستطاعة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>قوله: (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ)</span>\nدليل على نفي الاستطاعة، وما يدل عليه العقل من الغلبة بالتظاهر، ولو كان كل ما دل عليه العقل حقا لكانت الكثيرة معانة في القتال غير محتاجة إلى معونة النصر.\nفهذا يبين أن دليل العقل إذا خلا من النص غير مستعمل في الدين.\nوقد دخل في معنى هذه الآية القائسون في الفقه، والمستعملون عقولهم من أهل البدع غير مراعي فيه خبر السماء الدال على حقائق الحق،..\n*، معاني في الاستطاعة:\n(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)\nدليل على أشياء:","vol":"1","page":465},{"text":"أولها: وقوع اسم الدواب على الناس كما يقع على البهائم، لأن كل ماش\nداب.\nوالثاني: إجازة تسمية السامع الناطق أصم أبكم إذا تباعد عما أريد منه من السماع والنطق، وامتنع من استماع الموعظة والنطق بما تأمره به، وإن كان ناطقا سامعا في كل شيء سواها.\nوهذا نظير ما مضى في سورة البقرة في قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) .\nوالثالث: أن الاستطاعة في الإنسان لو كان لها في الحقيقة سلطان\nفي الخير والشر لكانت كل نفس منفوسة فيها خير، ولما عري منه أحد، وإلا فما الفائدة إذا في قوله: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) .\nأولا يدلهم على أن الاستطاعة المركبة في الإنسان، وإن كانت كائنة فيه مع الفعل فغير مستغنية بنفسها، ومحتاجة إلى من يمدها","vol":"1","page":466},{"text":"بمعونة الحركة كما السمع مركب فيه.\nومن حكمه في العقل أن يسمع فهو محتاج إلى من يسمعه، ولا يستطيع بنفسه أن يسمع إلا ما أذن له في سماعه.\nفكذلك الاستطاعة لا تقدر أن تنفذ إلا فيما أذن لها فيه. هذا واضح\nلمن تدبر معنى الآية وغاص على نكتها.\nوالرابع: ما دل عليه قوله، (لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)\nمن أنه - ﷻ - يعلم الشيء قبل كونه - ﷾ - عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فليس شيء أوحش عند المؤمنين من تثبيت مثل هذا على الجهلة قاتلهم الله وأسحقهم.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)</span>\nحجة على الجهلة أيضا شديدة، لأنه - جل وتعالى - ابتدأ الآية بالأمر في الاستجابة، ثم قال على إثره بلا فصل وللخروج من خطاب الأمر إلى","vol":"1","page":467},{"text":"غيره: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .\nأمره من لا يملك قلبه - وهو الحائل بعدله بينه وبين مراده بالاستجابة إلا مما لا يقدر المؤتمر عليه إلا بمعونة آمر، ولا وصول له إليه باستطاعة نفسه،.\nأوليس هذا متصور في عقول الجهلة بصورة الجور، وهو نفس ما بيننا وبينهم فيه الخلاف والمناقشة لا ما أثرناه من نظرائه عليهم.\nفهل يتوجه هذا في عقولهم الناقصة العاثرة في طرق العدل، أم ظاهر\nما يعقله منه جور، وهو لا شك عنده عدل وعلينا الإيمان به وإن لم نعقله، وشاهدون بأنه عدل من جميع جهاته، ولولا أنا شرطنا أن نأتي على نسق الآيات في السور وندل على كل ما دلت عليه من الحجج على كل فريق لقطعنا ذكر المعتزلة والقدرية من الكتاب بعد هذه الآية؛ إذ كل ما توصلنا إليه من نظائر ما أنكروه في الرد عليهم قد استغنينا عنه بهذه الآية، لأنها نفس النكتة التي عليها المدار، وفيها جرى الخصومات قديما وحديثا، ولكن الشرط أملك بنا - بعد إكثار حمد الله على نعمه في هذه الآية - منا.\nالحذر وخلق الشر\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>قوله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)</span>\nدليل على وجوب المراعاة وأخذ الحذر والاحتراس من الفتن قبل وقوعها.","vol":"1","page":468},{"text":"وفيه أيضا دليل على خلق الشر، إذ محال أن يأمر باتقاء ما لا أصل له، ألا تراه يقول: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)\nوفيه أيضا أنه أمر باتقاء ما لايقيهم منه غيره.\nمعاني ذكر المعرفة بوجوب تذاكر النعم والفكر:\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>قوله: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) </span>.\nدليل على غير شيء:\nفأحدها: المعرفة بوجوب تذكر النعم، والفكر في حسن صنيع الله\nوالثاني: أن الشكر يستخرج من العبد، فإذا أغفلها أغفل الشكر معها.\nوالثالث: ذكر الخصوص في الناس، ووقوعه على بعضهم\nلأن المستضعفين أيضا أناس.","vol":"1","page":469},{"text":"والرابع: وقوع اسم الناس على الصالح والطالح، لأن الناس لا محالة هاهنا الكفار.\nوالخامس: ندب الخلق كلهم إلى التبرؤ من الضر والنفع، وتسليم\nأن كل ذلك منه - ﷿.\nوالسادس: توحيد وصف الجماعة القليل كما يوصفون بالكثير \" لأنه - ﵎ - لم يقل: إذ أنتم قليلون.\nفضائل القرآن:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)</span>\nجامع كل فضيلة، وحائز كل غنيمة، لأن جعل الفرقان كاشف كل غمة، وجابر كل كسر، ومؤمن من كل فزع ورعب، ومزيل خوف الفقر، ومفرع روح الاستغناء بالله عن كل من دونه، ومتحد ظليل كنف الغار إليه من فتنة الدنيا وعوائق جميع أهلها والمنتشرين فيها من خلقها، وتكفير السيئات وغفران الذنوب من وراء ذلك كله في المعاد، فإن الله - ﷻ - لا يخلف الميعاد.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>قوله: (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية، إذ ليس يخلو هذا القضاء من أن يكون سابقا في هلاك من يهلك عن بينة، وحياة من يحيا عنها، فينقذه في ذلك الوقت، أو مبتدأ فيهم، وأيهما كان، فالله فاعله.\nوهكذا الآية التي بعدها: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)\nبل قد زاد فيها كما ترى، وجعل مرجع الأمور كلها إليه.\nذكر الجهاد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا)</span>\nإلى قوله (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)\nدليل على أن لا يصلح في الحرب إلا مدبرا واحدا، وأن منازعته والخلاف عليه داع إلى الفشل وتشويش الأمر، والصبر - والله أعلم - في الآية جامع للثبات ولزوم طاعة الأمير في تدبير الحرب.","vol":"1","page":471},{"text":"تزيين الشيطان:\nوقد مضى قولنا في تزيين الشيطان قبل هذا في سورة الأنعام بما يغني عن إعادته في هذا الموضع غير أن في قوله: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)\nإلى قوله: (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)\nزيادة لم نذكرها هناك وهي أنهم يجعلون الشر من الشيطان على الحقيقة بقوة وسلطان له فيه، وقد أنبأ الشيطان عن نفسه في هذا الموضع بأنه لا يقدر على ضر أحد ولا نفعه، وأن تزيينه غرور، وقوله كذب لا حقيقة.\nفإن كانوا يزعمون أن تزيين الشر قد يكون من الشيطان، لا أن نفس\nالشر منه فنحن لا نخالفهم، بعد أن لا يقولوا: إنه منفرد به؛ إذ لا يصلح أن يفرد بهذا الفعل، وقد قال الله - ﵎ -: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) .\nفإن زعموا أن حقيقة الشر منه فأمحل الحال أن ينسب إليه ما هو متبرئ منه، مع أنه ليس يعجب منهم أن يكذبوا على الشيطان وقد كذبوا على الله.\nومثل هذا قوله في سورة إبراهيم: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ)","vol":"1","page":472},{"text":"فقد تبرأ من السلطان كما ترى، فكيف يكون الشر منه وهو لا ينفذ سلطانه فيه بأكثر من أن له جزءا في التزيين، وذلك الجزء أيضا مخلوق فيه\nذكر زوال النعمة بإحداث الشر عقوبة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)</span>\nدليل على أن الله - جل وعلا - قد يسلب النعم بفعل المعصية عقوبة لفاعليها، ولا أحسب - والله أعلم - قوله في سورة الرعد: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)\nإلا على هذا المعنى من أنه لا يغير ما بهم من النعم حتى يحدثوا أحداثا يعاقبهم الله عليها، فيغير ما بهم، ويكون الإحداث سببا للتغيير.\nفي ذكر الجهاد:\nقول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ)\nدليل على أن التحرز وأعمال الواسطات غير مؤثرة في توكل المؤمنين.\nألا ترى أنه - ﷻ - قد قال في هذه السورة بعينها: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)","vol":"1","page":473},{"text":"وقال: (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ) .\nثم أمر بإعداد القوة - وهي في التفسير الرمي - ورباط الخيل لإرهاب العدو.\nذكر قبول الإجماع:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>قوله: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ)</span>\nحجة على قبول الإجماع ولزومه لزوم نص القرآن؛ إذ محال أن تتفق الألسن على شيء إلا وقد ائتلفت قلوب الناطقين به؛ لأن الألسنة مترجمة عن الضمائر ما حوتها، وقد أخبر الله تعالى كما ترى أنه مؤلفها.","vol":"1","page":474},{"text":"ذكر الجهاد والمفاداة والمال:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>قوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)</span>\nدليل على أن المفاداة بالمال جائزة، لأن الله - جل وعلا - وإن كان أنكر الإبقاء على الأسرى قبل الإثخان، فقد أباح لهم ما أخذوا من المال بالفداء وسماه غنيمة فقال: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>قوله: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ)</span>\nيعني - والله أعلم - ما أخذوه بالفداء من الأموال، ولكنه سبق في كتابه أن يحل لهم الغنائم ولا يشقيهم بالعذاب.\nوفيه رد على المعتزلة والقدرية فيما ينكرون من الكتاب السابق\nجملة.\nإغاثة الملهوف:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>قوله: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)</span>\nدليل على","vol":"1","page":475},{"text":"وجوب إغاثة الملهوف ونصر المظلوم وإن كان بعيدا.\nرد على المرجئة في باب الإيمان:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)</span>\nرد على المرجئة: فيما أضاف الهجرة والجهاد والنصرة والإيواء إلى الإيمان، وقد شهد لقوم في أول السورة تحقيقه، ولم يذكر هذه الشرائط، وذكر لأولئك شرائط لم يذكرها لهؤلاء، فدل على أن الإيمان ذو أجزاء، وأن كل خير يفعله المؤمن متقربا به إلى الله، فهو من الإيمان فرضا كان أو تطوعا، لأن الجهاد والنصرة والإيواء قد يكون نافلة في بعض الأوقات إذا لم يكن التصور والمؤوى مضطهدا.\nوالجهاد إذا قامت به طائفة فهو للباقي فضيلة لا فريضة.\nفإن قال قائل: فالنصرة والإيواء في هذا الموضع مقصود به رسول الله، ﷺ، وكانا فيه، ﷺ،","vol":"1","page":476},{"text":"فرضين - بقي عليه الجهاد الذي لا يتهيأ له فيه شيء من أن الخارج فيه بعد الكفاية متطوع بخروجه.\nوفيه دليل: على أن اسم الإيمان شامل المؤمن بقليل الإيمان وكثيره، وأن مستحقه بكلمة الإخلاص قبل أن تفرض الفرائض لم يستكمل أقاصي درجاته وأنه إنما سمي مؤمنا في ذلك الوقت، لأنه لم يكن مخاطبا بغيرها، فلما أتى بما خوطب به سمي ائتماره ذلك إيمانا، لأن الله - ﵎ - أفرد قول تلك الكلمة وحدها بالإيمان ومنعه من غيرها، فكل مؤتمر لأمر من أمر الله فأتماره إيمان كما كان ائتمار قائلي كلمة الإخلاص إيمانا.\nولا أحسب المرجئة المساكين أوتوا إلا من قلة بصرهم باللغة، حيث قدروا أن شيئا بعينه إذا سمي باسم لم يجز أن يسمى به غيره، أو أن الاسم لا يقع على المسمى إلا بعد كمال ذلك الشيء الذي سمي به فيه، وأغفلوا أن الله - جل وعلا - سمى نفسه عليما وحكيما، وهو عليم بكل شيء حكيم في جميع صنعه، ثم أجاز أن يسمى غيره عليما وحكيما، ولم يستكملوا ما استكمله - جل وتعالى - ولم يجز أن يستكملوه وقد استحقوا الاسم ببعضه، ويسمى الإنسان حسنا وقبيحا وطويلا","vol":"1","page":477},{"text":"وقصيرا ببعض أجزاء الحسن والقبح والطويل، والقصر وأشباه ذلك، ثم يكون في الناس من هو فوقه في ذلك، والاسم واحد وإن اختلفت درجاته وتفاضل بعض فيه على بعض.\nوكذلك المؤمن في درجات إيمانه، لأن الذي يقع عليه الإيمان هو الائتمان وهو واحد في شيء كان أو شيئين، كما أن الحسن واحد، وإن كان في الوجه والعينين والشفتين وأشباه ذلك.","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>سورة التوبة</span>\nذكر الرد على اللفظية: (١)\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>قوله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ)</span>\nحجة في أن اللفظ بالقرآن غير مخلوق؛ لأن العلم يحيط بأن المستجير لا يقدر على سماع القرآن إلا من لفظ النبي، ﷺ، أو من لفظ واحد من أصحابه، وقد سمى الله تعالى ما يسمعه كلامه.\nوهذا موضوع بشرحه في كتابنا المجرد في الرد على المبتدعة.\n_________\n(١) اللفظية: هم الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق.\nوأول من قال بذلك الحسن بن علي الكرابيسي، أحد المعاصرين للإمام أحمد بن حنبل.","vol":"1","page":479},{"text":"ذكر التوبة من الشرك:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>وقوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) </span>، وكذلك ما قبله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)\nحجة في أشياء:\nفأحدها: أن التوبة من الشرك تسمى توبة كما تسمى من الذنب؛ لأن معناها الرجوع عما كان عليه، والإضمار أن لا تعود في مثله، فسواء كان كفرا أوذنبا.\nذكر تارك الصلاة والزكاة..\nوالثاني: أن تارك الصلاة والزكاة يكفر في الظاهر، لأن الله - جل وتعالى - لم يأمر بتخلية سبيل المشركين ولا سماهم إخوان المؤمنين إلا بإقامة الصلاة والزكاة مع التوبة وهي ثلاث شرائط.","vol":"1","page":480},{"text":"فإذا ترك واحدا أو اثنين لم ينفعه الشرط الباقي، ولا أعلم بين الأمة خلافا في أن: الخارج من الكفر إلى الإيمان لو قال: أؤمن بالله وأؤمن بأن الصلاة والزكاة حق، ولكن لا أقيمهما وأقتصر على القول بالشهادة - أنه لا يقبل منه، وأنه كافر كما كان حلال الدم والمال، وأن الذي يحرم دمه بالشهادة هو الذي يحمل عليه في الحرب فيظهر القول بها أو يجيء متبرعا فيقولها ويسكت ليؤمر بالصلاة والزكاة على الأيام ولا يشترط ترك الصلاة والزكاة في وقت إسلامه.\nفكيف يجوز - والحال ما وصفت - من أن لا يثبت له الإسلام إلا بثلاثة شرائط، فإذا صار من أهله ثم ترك بعضها ثبت إسلامه على حاله لم ينقص منه شيء.\nأو ما باله إذا ترك الإيمان بأن يدعو مع الله شريكا، وهو مقيم على الصلاة والزكاة يكون كافرا، وإذا ثبت على الكلمة وترك الصلاة والزكاة لا يكون كافرا، فإن قال قائل: لا أقبل منه بدءا حتى يأتي بالثلاثة كلها، لأنها شرائط\nالله نصا في القرآن، فإذا قبلها وصار من أهل الإسلام ثم أحدث الترك جعلته ذنبا ولم أكفره بحدثه، وقد صار من أهله بالشرائط.\nقيل له: أفتقره إذا أحدث ترك الشهادة وحدها، ولا تستتيبه ولا","vol":"1","page":481},{"text":"تسميه مرتدا، فإن قال: بل أسميه مرتدا أو أستتيبه، فإن تاب وإلا قتلته.\nقيل: ولم تفعل ذلك إلا أنه ترك بعض الشرائط التي لم يكن داخلا في الإسلام إلا بها، فإن قال: نعم، ولابد من نعم. قيل: فتارك الصلاة والزكاة أيضا تارك بعض ما لم يكن داخلا في الإسلام إلا به، فسمه بتركهما مرتدا أو استتبه فإن تاب وإلا فاقتله.\nفإن قال، لا أفعل هذا في الصلاة والزكاة، وأفعله في الشهادة.\nبانت مكابرته وكان لا محالة مخطئا في إحدى الحالتين:\nإلا حيث لم يقبل بدءا إسلامه إلا بالشرائط الثلاثة.\nوأما حيث كفره بعد الدخول فيها بتركها بعضها دون بعض، ويقال\nله: لا تستتيبه بترك الصلاة والزكاة وتسميه كافرا، وتسميه بترك الشهادة كافرا أو لأنهما ليستا من الإيمان.\nفإن قال: نعم، وافق المرجئة، وكذبه نفس هذه الآية، وهو ثالث العنف الذي دلت عليه ورجع عن قوله فيما لم يقبل إيمان الكافر بدءا إلا بهما مع الشهادة.\nفإن قيل: فأنت تزعم أن جميع ما أمر الله به ونهى عنه من","vol":"1","page":482},{"text":"الإيمان وتجادل المرجئة عليه، أفيكفر المرء بترك شيء منها، أو بمواقعة فاحشة منهي عنها، وتستتيبه عليها أم تسميه مذنبا ولا تستتيبه.\nقيل: بل أسميه مذنبا بترك سائر هذه الثلاثة، ولا أستتيبه مادام معترفا بأنها مفروضة عليه.\nفإن قيل: ما الذي فرق بينها وبين الثلاثة، قيل: فرق بينها أني وجدت الله - ﵎ - يأمر بقتل المشركين حيث وجدوا، قال - ﵎ -: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ)\nثم أمر بالكف عنهم بهذه الشروط، فقال: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) .\nوقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فجعلهم بهذه الثلاثة الأجزاء من الإيمان إخواننا فقال: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) .\nوسائر هذه الثلاثة وإن كانت من الإيمان مسماة بأجزائه، ففعلها زيادة في الإيمان وتركها نقص منه، وهو قولنا: إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.","vol":"1","page":483},{"text":"ووجدت الله - ﵎ - أوجب على منتهكي حرماته حدودا لم تخرجهم من الإسلام ولا أمر بقتلهم، فقالت - ﵎ -: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) .\nوحرم الزنا بقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)\nثم قال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)\nولم يأمر بقتل واحد منهما ولو كانا كفرا لأمر بقتلهما كما قال: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ)\nوهذان المعنيان من قطع السارق وجلد الزاني رد على الشراة: فيما يزعمون أن الذنوب كلها كفر (٧) . ووجدناه - جل وتعالى - حيث أمر بالقتل أيضا في انتهاك محارمه جعله حدا لا كفرا فحرم القتل بقوله: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ثم قال: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)، فجعل السلطان للولي لا لنفسه - ﷻ - ولو كان كفر بالقتل لأمر بالقتل، وإن لم يقتله الولي.\nوقال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)","vol":"1","page":484},{"text":"، فلم يخرجه من اسم الأخوة وقد قتل ولو كان كافرا لما سماه أخا، لأن الكافر ليس بأخي المؤمن، وهذه أيضا حجة على الشراة، لأنها في القرآن، ومثل هذا كثير في القرآن. ووجدنا رسول الله، ﷺ، حين رجم المحصنين من المسلمين صلى عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين، ولم يحرم ميراث ورثتهم منهم، ولو كانوا كفروا لما صلى عليهم ولا دفنهم في مقابر المسلمين ولا ورث ورثتهم منهم، إذ من سنته، ﷺ، أن لا يرث المسلم الكافر.","vol":"1","page":485},{"text":"فهذه الأشياء وما يضاهيها سوى الثلاثة - وإن كانت من الإيمان - معدودة في أجزائه ليس يكفر بتركها المرء وسبيل الثلاثة غيرها.\nوروي عن النبي، ﷺ، بهذا اللفظ: \" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة \".\nوروي عنه: \" حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها \"\nفيحتمل أن يكون الأول مفسرا للثاني، ويحتمل أن تكون الصلاة والزكاة من حقها. وكذلك قال أبو بكر الصديق - ﵁ - حيث قاتل مانعيها: هذه من حقها، وساعدة إجماع من أصحاب رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":486},{"text":"، على القتال والإجماع حجة ولا أحسبه - ﵁ - قاتلهم إلا بعد ما قالوا: لا نؤديها إليك ولا نخرجها بأنفسنا، والله أعلم.\nوقال رسول الله، ﷺ: \" بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر \" ومن ترك صلاة متعمدا فقد برئت ذمة الله وذمة رسوله، ﷺ منه \".","vol":"1","page":487},{"text":"وهو أصح من حديث المخدجي عن أبي محمد لأنهما مجهولان،","vol":"1","page":488},{"text":"مع أن الصنابحي قد رواه عن عبادة بن الصامت، فجاء فيه بكلام يدل على أن قوله: \" ومن تركها فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة \".","vol":"1","page":489},{"text":"إنما هو ترك بعض خشوعها، وإتمام ركوعها وسجودها، لا أنه تركها فلم يصلها، وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" من ترك الصلاة حشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف \".\nوكل عمل تاركه سوى الثلاثة كسلا أو توانيا، وهو عارف بإساءته معترف بخطيئته غير جاحد بوجوبه - فهي معصية غليظة يلقى الله بها فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له.","vol":"1","page":490},{"text":"وروى يعقوب القمي عن ليث بن أبي سليم عن سعيد بن جبير قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ومن ترك الزكاة فقد كفر، ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر، ومن ترك يوما من رمضان فقد كفر، ومن ترك الجمعة متعمدا فقد كفر.\nوروى النضر بن جميل عن أشعث عن الحسن: \" فيمن ترك","vol":"1","page":491},{"text":"صلاته متعمدا أن لا يعيدها \"\nقال النضر: لأنه كفر.\nتارك الصيام والحج:\nفإن قيل: فتارك الصيام والحج - وهما في جملة ما بني عليه الإسلام يكفر عندك أو لا،","vol":"1","page":492},{"text":"قيل: إنه وإن كان كذلك فلا يكفر بتركهما؛ لأن رسول الله صلى\nالله عليه وسلم قد أمر المفطر عامدا في الجماع في رمضان بكفارة ولم يقتله.\nومن حكمه أن يقتل من بدل دينه، ولا قال: كفرت، وأمر رجلا وامرأة أن يحجا عن أبيهما بعد موته ولو كان مات كافرا","vol":"1","page":493},{"text":"لم ينفعه الحج عنه، ومن لم يكفر بإفطار يوم لم يكفر بإفطار الشهر كله، ولكن أسهم إسلامه التي بني عليه منه ذاهب عنه حتى يراجع، وليس هدم بعض البنيان هدما لكله، والله ولي الصواب.\nقال محمد بن علي: من حماقات الرافضة أنهم يتسرعون إلى آيات نازلة\nفي قوم بأعيانهم فيحكمون بها لغيرهم، فتسير فيهم حتى ينشأ عليه طفلهم، ويهرم كبيرهم ويتوارثه الأبناء عن الآباء، فإذا فليت بقراءة ما قبلها وما بعدها عليهم استحيوا من أنفسهم، وقد أهلكوا بها من أهلكوا، فمن ذلك: صرفهم قوله جل وعلا: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)","vol":"1","page":494},{"text":"إلى طلحة والزبير ﵄، وزعمهم أنهم نكثوا بيعة علي - ﵁ - فإذا تلي عليهم قوله (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)\nعلموا أنهما لم يهما بإخراج الرسول في حياته من داره، ولا بعد موته من قبره، ولا طعنوا في دين المؤمنين، فأيقنوا عند ذلك أن ما","vol":"1","page":495},{"text":"تسرعوا إليه من صرف الآية إليهما ليس كما تسرعوا، وهذا شيء متداول بينهم فاش فيهم، يأخذه أصاغرهم عن أكابرهم، ويتوارثونه توارث الأموال لايشكون فيه.\nوالآية نازلة - فيما بلغنا - في أبي جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبي سفيان وسهيل بن عمرو وهم كانوا أئمة الكفر الهامين بإخراج الرسول، ﷺ","vol":"1","page":496},{"text":"فقال الله - جل وعلا: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)\nفأخزى أبا جهل وأمية بن خلف وعتبة، ونصر عليهم رسوله - ﷺ - والمؤمنين، وشفى صدورهم بقتلهم يوم بدر، وتاب على أبي سفيان وسهيل.\nوفيه أيضا في الرافضة:\nقال محمد بن علي: ومنه أيضا صرفهم في سورة يونس: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)\nإنما علي ومعاوية - ﵄.\nوسمعت هذا من بعض من ناظرني في الإمامة شفاها فظننته اختراعا\nمن عنده حتى قرأته بعد ذلك في كتاب صنفه بعض قدمائهم في الإمامة يقال له: علي بن فلان من أهل طوس وهو من كبار أئمتهم.","vol":"1","page":497},{"text":"فمن تسمح له نفسه بأخلاق مروءته وصفاقة وجهه أن يجيء إلى معنى مبتدأ العشر كله من قوله: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)\nإلى (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى)\nوهو مملو بذكر الله - جل وعلا - وذكر شركاء الكفار من آلهتهم التي دعوها مع الله - جل الله - فيجعله في علي ومعاوية - ﵄ - جدير بأن يتقزز من ذكره فضلا عن أن يتخذ إماما في الدين ولكن (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) .","vol":"1","page":498},{"text":"رد على المرجئة في باب الإيمان\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَ</span>عِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)\nرد على المرجئة فيما يزعمون أن المرء بكلمة الإخلاص وحدها مستكمل الإيمان، ومن كان مستكمل الإيمان فهو في الجنة.\nوأرى الله - جل وعز - لم يشهد بالفوز بالجنة والرحمة والرضوان في\nهذه الآية إلا بالهجرة والجهاد بالأموال والأنفس.\nوكذا قال في سورة البقرة: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)،\nفلم يشهد لهم بالهدى والفلاح إلا بإقامة الصلاة والنفقة وكلاهما عمل، وفي هذه السورة التي نحن فيها (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) .\nفكيف يكون على هدى من يعد تارك الصلاة والزكاة مستكمل الإيمان كما يعد فاعلهما، ولا يجعل لأحدهما فضل درجة على صاحبه في","vol":"1","page":499},{"text":"الإيمان، والإيمان لا محالة هدى.\nأفيجوز أن يجعل الله - ﷻ - الهدى في القول والعمل، فنجعل نحن كماله في القول وحده، ولا نقول: إن القول بعض أجزاء الهدى.\nأم يجوز أن يوجب الله الفوز والفلاح والجنة بهما فنوجبه بأحدهما، إن\nهذا لغير مشكل على من شرح الله صدره ولم يكابر عقله.\nومن طريف ما يحتجون به في تجريد الإيمان واستكماله بالقول وإيجاب الجنة به موت من أمر بها وحدها عليها قبل تفرض الفرائض على غيره فيقال لهم: ويحكم كيف لا يكون مستكمل شيء واحد من جاء به، أم كيف لا يستوجب الجنة من وعدها على ذلك الشيء الواحد، حتى تجعلوه ذريعة إلى استكمال إيمان الخليقة بعده، وقد أمروا بأكثر مما أمر وفرض عليهم ما لم يفرض عليه. أكانت كلمة الإخلاص مفروضة على ذلك والصلاة والزكاة وغيرها غير مفروضة على هؤلاء، حتى تسموا ايتماره في الكلمة إيمانا وايتمار هؤلاء في الصلاة والزكاة غير إيمان، إن هذا لغفلة بينه، أو مكابرة مفرطة، وهل يشك عاقل أن الإيمان ليس بصورة مصورة يستوي الجميع فيها، وأنه مصدر حادث من حدث محدث، مأمور به، فلما كانت الأحداث مفرقة في جسد المحدث الأمور فمنها نطق، ومنها إضمار، ومنها تحريك جارحة كان من أمر بإحداث النطق والإضمار دون تحريك الجوارح، فأحدث","vol":"1","page":500},{"text":"في وقته مؤمنا، وكان حدثه وهو النطق الذي أحدثه بلسانه وأضمر القلب على تصديقه إيمانا ليس عليه غيره، وكان قد أكمل ما أمر به، فلما أمر غيره بمثل ما أمر به وأضيف إليه سواه من إحداث حركة الجوارح لم يقدر أن يحدث إحداث الجوارح باللسان والقلب، فأحدثها بجوارحه مؤتمرا لله - جل وتعالى - كما ائتمر له الأول.\nفما بال إحداث حركة الجوارح بالأمر لا تسمى إيمانا، وإحداث حركة اللسان وإضمار القلب بالأمر تسمى إيمانا، هذا ما لا يذهب على منصف ميزه، فكل من ائتمر حقه في جميع ما أمره، وانتهى عما نهاه عنه، فهو مستكمل لما أريد منه من الإيمان، كما كان المقر بالشهادة قبل نزول الفرائض مستكملا لما أريد به منها وإنما جعلنا للإيمان أجزاء ودرجات على مقدار القيام بالفرائض، والشهادة أحدها، بل أعلاها كلها، فمن ترك شيئا من الفرائض سوى الشهادة والصلاة والزكاة إذا وجبت عليه، فهو ناقص الإيمان عن إيمان من لا يتركه، والناهض به زائد الإيمان على إيمان القاعد عنه، ثم تكون النوافل والسنن والفضائل من الإيمان فلا يكون له نهاية في الفضائل،، لأنها غير محدودة ولا متناهية في الكثرة والقلة.\nفأما الفرائض: فإن وقوع اسم الإيمان بها على المؤمن متناهي، لأن الفرائض محدودة مسماة، والدليل على أن النوافل والسنن والفضائل من الإيمان: الصلاة قد دللنا أنها من الإيمان وفيها فريضة وسنة","vol":"1","page":501},{"text":"ونافلة فلا يجوز أن يكون بعضها من الإيمان وبعضها ليس من الإيمان.\nودللنا على أن النفقة من الإيمان، وفيها فريضة ونافلة، وكلاهما\nمن الإيمان. فهذا ما في القرآن في هذه الآية وأخواتها، مع ماسنأتي عليه إن شاء الله في مواضعه على نسق السور.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \" الإيمان بضع وسبعون\nبابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان \"\nفجعل أعلا أجزائه الشهادة، وهي فرض، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وهو فضيلة، وجعل كليهما من الإيمان، مع أن الشهادة إنما هي فرض مع إضمار القلب على الثبوت عليها أبدا مرة عند الدخول في الإيمان ببلوغ الطفل، أو إسلام الكافر، ثم تكريرها عند الأذان ومواضع التهليل في أماكن الدعاء، وضمها إلى التسبيح والاستغفار والتكبير في أيام التشريق، وخلف الفرائض، وإعمال اللسان بها في أماكن القربات بها فضيلة","vol":"1","page":502},{"text":"وليست كالصلوات الخمس والزكاة عند حلول الحول، وسائر الأعمال التي لها أوقات محدودة تكون فرائض كما أقيمت.\nفهل يقولون - ويحهم - إن كلمة الإخلاص تكون إيمانا إذا كانت فرضا، وغير إيمان إذا كانت فضيلة، فيكفونا مؤنة الاشتغال بهم، أم نقرر هذه النكتة وحدها عندهم أن الإيمان لا نهاية له؛ إذ كانت الشهادة نفسها هذه سبيلها، وأن في الفضائل ما يكون إيمانا.\nأم يزعمون أن كلمة الإخلاص فرض في كل وقت أن يشهد بها الموحدون من غير أن يفتروا عن القول، فيخرجون من قول أهل الملة، ويوجبون على كل من أتت عليه لحظة يمكنه أن يشهد فلا يفعل الردة، إذ لا يمكنهم أن يجعلوا لها أوقاتا كأوقات الصلاة والزكاة.\nفإن قال قائل: فما حجتك في دخول من ترك شيئا من الفرائض الجنة وهي عندك من الإيمان، وقد زعمت أن الله - ﵎ - لم يوجب في صدر الآية التي بدأت الفصل بها الجنة إلا بالجهاد والهجرة وتاركهما عندك ناقص الإيمان، وأنت تزعم أنه يدخل الجنة مع نقصانه كما يدخل الزائد مع زيادته، قيل: إنما احتججت بالآية على من زعم أن الجهاد والهجرة ليسا من الإيمان، فأريته أن الإيمان ذو أجزاء، يجمع فرائض ونوافل، فإذا أتى المؤمن بجميع الفرائض، ولم يترك شيئا منها، أو تركها ثم تاب منها، فبدلت سيئاته حسنات حرمت عليه النار في حكم العلم ووجبت له الجنة، ولم يضره ما ترك من السنن","vol":"1","page":503},{"text":"والنوافل، ولا أثرت في إيمانه المفروض وأجزائه الواجبة.\nوكان ناقص الدرجة عن أجزاء فضائل الإيمان مستكملا لما أريد منه\nمن إقامتها، وكانت زيادة الخشية والمراقبة والرهبة وإحضار الهم في الإقامة من نوافله أيضا، يتزايد المقيمون في درجاتها، وإذا ترك شيئا من الفرائض ثم مات بغير توبة صار في منتظري العفو، فإن عفي عنه ربه قبل إدخاله النار وأدخله الجنة فبفضله، وإن أدخله النار باستيعابه فقد وعده أن لا يتركه فيها بقوله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) .\nوسنلخصه في سورة مريم إذا انتهينا إليه إن شاء الله، وليس جود العفو عن المذنبين قبل دخول النار وبعدها بموجب أن تكون أعمالهم التي أدينوا بتركها لا تكون من الإيمان، لأن الله - ﷻ - إنما حرم الجنة وأوجب الخلود في النار على من ليس فيه شيء من أجزاء فرائض الإيمان، وذلك الكافر، وهذا هو الموضع الذي يغلط فيه المرجئة، فيظنون أن الكافر لما خرج من الكفر إلى الإيمان بكلمة الإخلاص كان جميع الإيمان مجموعا فيها له، ولا يعلمون أن هذه الكلمة وإن كانت أوكد أجزاء الإيمان، وكان الكافر مستوجبا لاسم الإيمان بها إذا قالها ولم يكن مستوجبا بغيرها قبلها - غير مانعة من أن يكون للإيمان جزء غيرها لا يستوجب المؤمن كماله إلا به.","vol":"1","page":504},{"text":"أولا يعتبرون أن الله - ﵎ - قد أكد في فرائضه التي يعدونها شرائع الإيمان لا الإيمان - بعضها دون بعض، فحرم على المؤمن أن ينهر أبويه كما حرم عليه قتلهما.\nفهل يجوز لأحد أن يقول: تحريم القتل من الشرائع، وليس تحريم الانتهار من شرائع الإيمان؛ لأن صار تحريم القتل أوكد منه، لعظم العقوبة فيه، كما يزعمون أن سائر الكلمة ليس من الإيمان، وإن كانت فريضة، لأنها ليست في التأكيد مثل الكلمة إن كان حكم النظر أن كل مسمى باسم لا يجوز أن يجعل في أجزائه ما لا يكون في التأكيد مثله.\nوكوقوع اسم الإنسان على جميع شخصه، وفيه أجزاء مؤلفة بعضها أوجد قوة من بعض، وأعظم منفعة، وأضاء ضياء، فلا يقال: إن اسم الإنسان مخصوص به أعظم منفعة أعضائه، وأشد قوة جوارحه، وتكون سائر أجزاء البدن تبعًا له في أنه ذو حركة وسكون، لا أنه بعض أجزاء الشخص الذي لم يستحق الاسم إلا به.","vol":"1","page":505},{"text":"في ذكر بيان النجاسة:\n* * *\nوقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)\nدليل على أن النجس نجسان: نجس فعل، ونجس ذات، وهو في هذا الموضع - والله أعلم -: نجس فعل، وهو شركهم، لا أن أبدانهم نجسة، وكيف تكون نجسة وليست بين خلقتهم وخلقة المؤمنين فرق في شيء من الأشياء، وقد أباح الله لنا أكل طعامهم في ديارهم وقد مسوها بأيديهم، فعجنوا العجيب، وخبزوا الخبز، وعندهم أذهان مائعة، وقد استخلصوها بأيديهم وترطبت بمماستهم، فهي لنا طلق حلال، ولو كانت أبدانهم نجسة لحرمت علينا تلك الأشياء كلها.\nوأباح لنا نساء أهل الكتابين وفيهم شرك وهن يضاجعن بأبدان رطبة ويابسة ويصيب أزواجهن من عرقهن وريقهن فلا تنجس عليهم أبدانهم، وفي أهل الكتاب لا محالة شرك لقولهم في المسيح والعزير، فإن قيل: فقد أمر النبي، ﷺ، ثمامة","vol":"1","page":506},{"text":"بن أثال الحنفي حين أسلم أن يغتسل.\nقيل: ليس في ذلك ما يدل على نجاسة البدن، إذ لو كان كذلك لما نفعه الاغتسال، وحد النجاسة على حاله لم يتغير منه شيء، والنجاسة لا تزول ما دام لها عين قائمة، والذي يشبه - والله أعلم - أن يكون أمره بالاغتسال من أجل الجنابة التي كان يجنب أيام كفره فلا يغتسل لتحل له الصلاة، أو عبادة لا يعرف وجهها كغسل الآنية من ولوغ نجاسة الكلب سبعا، وأشباه ذلك.\nفإن قيل: فالميت يغسل قبل دفنه.\nقيل: ولا ذاك لعلة نجاسته، إذ لو كان للنجاسة لما نفعه غسل","vol":"1","page":507},{"text":"ألف مرة لقيام أصل النجس وعدم اضمحلاله، إذ لو كان لنجاسة ظاهرة لأجزأت غسل مرة واحدة ولم يبلغ به ثلاثا وخمسا وسبعا، ولا وضىء وضوء الصلاة، ألا ترى أن لو كان بدل الإنسي حيوان فارقته الروح، فتنجس ذاته لمفارقة الروح إياه - لم تطهر جيفته أبدا ولوغسلت بماء البحر،\nفغسل الميت عبادة لا إزالة نجس، والمؤمن لا ينجس حيا ولاميتا\nألا ترى أن النبي، ﷺ، قبل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى سالت دموعه على خده.\nوالعلم يحيط أنه لا يقبل جيفة","vol":"1","page":508},{"text":"نجسة.\nفإن قيل: فما تقول في جيفة الكافر إذا فارقته الحياة أنجسة هي أم\nطاهرة،\nقيل: بل نجسة، لأن كل ذي روح فارقته الحياة تنجست جيفته، وإنما سلمنا في جسد المؤمن إذا مات للخبر.","vol":"1","page":509},{"text":"فإن قيل: فما وجه أمر النبي، ﷺ، عليا بغسل\nأبيه بعد موته وهو مشرك. (١)\nقيل: هو خبر في إسناده نظر لأن أبا إسحاق السبيعي ناجية ابن كعب، وناجية ليس بالمشهور في المحدثين.\nرواه عن\n_________\n(١) خبر أمر النبي، ﷺ، علي بن أبي طالب بغسل أبيه، رواه الإمام أحمد في المسند من طريق أبي إسحاق عن ناجية بن كعب انظر مسند الإمام أحمد بتحقيق أحمد شاكر (٢/٢ ١ ١) ح (٧٥٩) وانظر أيضا (١٣٦/٢) ح (٨٠٧) وصحح الإسنادين أحمد شاكر، والألباني في الجنائز وبدعها ص (١٣٤) .\nورواه أيضا أبوداود في سننه (٣/ ٤ ٢١) ح (٤ ١ ٣٢) كتاب: الجنائز، باب: الرجل يموت له قرابة مشرك.\nوالنسائي في سننه (١/ ١١٠) ح (١٩٠) كتاب: الطهارة، باب: الغسل من مواراة المشرك وفي ص (٤/ ٧٩) ح (٦ ٠ ٠ ٢) كتاب: الجنائز، باب: مواراة المشرك.\nوالبيهقي في سننه (١/ ٣٠٤، ٣٠٥) كتاب: الطهارة، باب: الغسل من غسل الميت.\nوأخرجه أيضا في ص (٣٩٨/٣) كتاب: الجنائز باب: المسلم يغسل ذا قربته من المشركين ويتبع جنازته ويدفنه ولا يصلى عليه.","vol":"1","page":510},{"text":"وأبو إسحاق مدلس ولم يذكر سماعه من ناجية، ورواه عن أبي إسحاق أيضا مدلسان ولم يذكرا سماعهما: الثوري وشريك ولا قالا فيه: \" اغسل أباك \" إنما قالا: \" وار أباك \"، وقد يواريه من غير غسل لو صح الخبر، ولو كان ثابتا أيضا ما كان وجه غسله الأوجه تعبد لا نعقل علته.\nفإن قيل: فهل في أمره عليا - ﵁ - بالاغتسال بعد غسل - إن صح الخبر - ما يؤكد نجاسة جيفة الكافر،\nقيل: هي - بحمد الله - مؤكدة بما قدمنا ذكره. فأما بهذا فلا","vol":"1","page":511},{"text":"تزداد تأكيدا من أجل أنا لا نشك أن عليا لم يأت النبي، ﷺ، من غسل أبيه إن صح الخبر عريانا ولا بادي العورة فلو كان أمره للنجاسة لأمره بغسل ثيابه، أو مئزره مع جسده، ولكنها من العبادات - إن كان لها أصل - لا تعقل وجوهها.\nومثل نجاسة المشرك قوله، (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)\nهو عند قوم نجاسة، وأنا أحتج لهم وعليهم فأقول: نجاسة العمل بها لا رجاسة ذواتها؛ لأن الخمر عصير عنبة طاهرة والنشيش لما حرم شربها لم تنجس ذاتها. ولو كان نجس ذاتها ما عادت إذا صارت خلا طاهرة، لأن النجاسة لا تعود طاهرة إذا كانت مائعة إلي بممازجة مقدار يغلبها من الماء لها.","vol":"1","page":512},{"text":"ولا أعلم بين الأمة خلافا - بل هو من الإجماع المحصل - أنها إذا تتخللها صنعة آدمي واستحالت خلا أنها طاهرة فهذا يدلك على أنها كانت نجسة الشرب لتحريمها، فلما حلت بزوال اسم الخمر عنها وحدوث اسم الخل فيها صارت تلك العين المائعة بعينها طاهرة الذات، طاهرة الشرب والذات والاصطناع بها والتمول في البيع وغيره. ومما يزيد ذلك تأكيدا أن الآنية الحاوية لها قد تنجست برطوبة الخمر\nعند من يراها نجسة الذات، فكان ينبغي له أن يقول: إن الخمر نفسها، وإن طهر ذاتها بالاستحالة إنما الخل، فهي نجسة بمماسة الآنية النجسة، إذ كانت النجاسات عنده لا يطهرها إلا الماء، والخل لا يطهر الأنجاس، فأما أن يقول: إن الخل وكل مائع يجري بسلاسته ورقته على النجاسة طهرت به. وإما أن يرجع عن قوله في نجاسة ذات الخمر، فلا يعتبر على نجاستها بتحريم شربها فليس كل محرم نجسا. ألا ترى أن الحرير والديباج محرما اللبس على الذكور وهما طاهران","vol":"1","page":513},{"text":"في أنفسهما، ومحرم شرب الماء في آنية الذهب والفضة، والماء طاهر، والذي حرم منه فعل الشرب على تلك الحال، وكذلك العصير حرم شاربه في حال صلابته التي أحدثها النشيش عليه، وهو طاهر في نفسه إذا لم تمازجه نجاسة نجسته، والنشيش ليس بنجس، إنما تعبد الناس بترك هذا الشراب بعد النشيش في الشرب، فإذا شربوه خرجوا من التعبد وواقعوا المعصية.\nفمواقعة المعصية نجسة، وقد قال رسول الله - ﷺ - يوم رجم ماعز بن مالك، \" اتقوا هذه القاذورات التي","vol":"1","page":514},{"text":"حرمها الله عليكم \"\nفسمى الزنا وما يضاهيه من المعاصي قاذورات. فهذا بين لا إشكال فيه أن أفعال المعاصي والكفر نجسة، ألا ترى أن نفس الميتة لما كانت نجسة فأبيح أكلها للمضطر لم ترتفع عنه العبادة في غسل فيه وبدنه إذا وجد الماء، وأنه ليس له أن يصلي، والماء موجود حتى يغسل أثر نجاسة الميتة عنه، لأنه وإن أبيح له أكلها فذاتها نجس لم تستحل على الآكل بإباحة الأكل له طاهرا، وكذلك نفس شراب أصله طاهر لم ينجس بأن حرم شربه إنما حرم فعل المعصية في شربه فهذا صحيح لا علة فيه، ولاغمة دونه عند من شرح الله صدره وأعاذه من دناءة أخلاق العامة، ولم يسرع إلى الشنعة. بما لا طائل له من حجة.\nألا ترى أن الميسر هو القمار، والمقمور طاهر في نفسه درهما كان أودينارا أوثوبا أو أي سلعة كانت، والأنصاب حجارة، أو صنم منحوت","vol":"1","page":515},{"text":"من خشب أو مصبوب من صفر أو آنك أو ذهب أو فضة وكل ذلك طاهر لم يتحول المأمور نجسا لأن قمر.\nولا الحجر والخشب وأشباهها، لأنه نهي عن عبادتهما والمقمور لأن\nنهي عن قمره.\nوقد سمى الله كل ذلك مع الخمر رجسا، فما بال الخمر وحدها من\nبين هذه الأشياء صارت بالتحريم نجسة الذات، وبقيت هذه الأشياء تكون طاهرة الذات محرمة الشرب،\nولأنها مائعة وتلك جامدة، أم النشيش لما صلب عصيرها وجعله حاليا سكرا حوله الطاهر نجسا،\nوقد دللنا على أن النشيش غير نجس في نفسه فكيف ينجس غيره،\nولا السكر في ذاته نجس إنما الدخول فيه محرم.\nأم الفعل في شرب الخمر منجس نفس الخمر وليس الفعل في القمار","vol":"1","page":516},{"text":"وعبادة الأصنام بمنجس أنفسها.\nذكر الحرم أنه قبلة:\nوفي قوله، (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)\nدليل على أنه - وهو أعلم - سمى الحرم كله مسجدا لمجاورته المسجد، إذ لو كان واقفا على المسجد وحده لجاز للمشركين دخول الحرم إذا تجنبوا المسجد، ومما يؤكد ذلك قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ) .\nوذلك أن المشركين كانوا يقدمون بتجاراتهم إلى الحرم، وكان المسلمون يصيبون من أرباحها. فلما منع المشركون من دخول المسجد الحرام بهذه الآية شق عليهم فوت أرباحهم، وخشوا دخول العيلة عليهم، فنزلت: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)\nفلو كان النهي واقعا على المسجد نفسه لا على جميع الحرم، لكان دخولهم الحرم بتجاراتهم وإن جنبوا المسجد دارا عليهم بالأرباح ولم يخافوا العيلة","vol":"1","page":517},{"text":"بفواتها.\nوفي وقوع اسم المسجد على الحرم دليل على أنه قبلة لأهل الأرض وسعة لهم في التوجه إليه إذا أرادوا الكعبة، كما جاء في الخبر: \" إن البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها \".\nوهذا الحديث وإن كان من جهة النقل واهيا فقد عضده هذا المعنى.\nذكر الجهاد والجزية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>قوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ)</span>\nدليل على أن نساءهم وصبيانهم لا جزية عليهم، لأنهم لا يقاتلون بل قد نهي عن قتلهم.","vol":"1","page":518},{"text":"وفي قوله: (وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)\nدليل على توهين قول من قال: إن من أسلم من رجالهم وقد مضى بعض السنة فعليه من الجزية بقدر ما مضى منها، لأن الله - ﷻ - جعل الجزية صغارا والصغار لاحق بالدافع وقت الدفع لقوله: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) وكيف يلزم المسلم صغار الجزية وقد أعزه الله بالإسلام، والإسلام يجب ما قبله\nوقال ﵎: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)\nوقال رسول الله، ﷺ،: \" ليس على مسلم جزية \".\nذكر تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره:\nوقوله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ)\nحجة في شيئين، أحدهما: جواز","vol":"1","page":519},{"text":"تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره كما مضى في غير فصل من كتابنا، لأن القول - لا محالة - بالألسنة لا بالأفواه.\nوالآخر: إجازة التأكيد في الكلام وإبطال قول من قال: لا تأكيد\nفيه، إذ الكلام لا يخرج من غير الأفواه.\nذكر اختصار الكلام والإخبار عن المعاني المختلفة باللفظ الواحد والتقليد:\n* * *\nقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)\nدليل: على اختصار الكلام والإخبار عن المعاني المختلفة باللفظ الواحد، فمن ذلك أن الأحبار على الأغلب في اليهود والرهبان في النصارى، وقد أخبر عنهم في الإضافة بلفظ واحد.\nومنه عطف المسيح - ﵇ - على جماعتهم باتخاذه ربا دون اليهود.\nومنه أن المعنى الذي اتخذته الأحبار والرهبان أربابا مخالف لما اتخذته","vol":"1","page":520},{"text":"المسيح ﵇، لأن السيد دعي ولدا، وكذب فيما جاء به من الدعوة إلى الله، والأحبار والرهبان أطيعوا فيما أمروا ونهوا من تحريم الشيء وتحليله، فنسبهم إلى أنهم اتخذوهم أربابا بفعلين مختلفين ولفظ الأرباب واحد.\nومنه: أنه أوقع أسما هو له على خلقه ولم يكن نقضا فيما هو له ثم أشرك فيه أعداءه ونبيه.\nومنه: أنه سمى سجود النصارى لعيسى، وقبول من قبل من الأحبار والرهبان - عبادة. وفي هذا أكبر دليل على نفي التقليد، وإعظام القول به.\nومنه أنه سمى الجماعة مشركين من المؤتمرين - الأحبار والرهبان - والساجدين وعيسى الداعينه إلها مع الله - تعالى الله - من أجل أن الائتمار في تحليل الشيء وتحريمه لا يصلح إلا لله، كما لا يصلح السجود ودعوى الإلهية إلا له، فلما ائتمر هذا وسجد هذا كان قد أشرك كل مع الله من لا يصلح أن يكون معه فيه، فسمى كلا - وهو أعلم - مشركا، وإن كان سبب شركه وعقوبة فعله مختلفا.\nحجة لأهل السنة على المبتدعين:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>قوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)</span>\nحجة لأهل السنة على كل من أسر دينا","vol":"1","page":521},{"text":"من أهل البدعة وما يحتجون به من قصة آسية ومؤمن آل فرعون\nوقوله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)","vol":"1","page":522},{"text":"(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)\nودخول رسول الله - ﷺ - الغار وأشباه ذلك، فهو قبل هذه الآية.\nوما أمات الله رسوله - ﷺ - إلا بعد ما أظهر دينه\nعلى الأديان، وأكمل له بقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)\nأنزل هذا عليه في حجة الوداع، وهو واقف، ﷺ، مع أصحابه - ﵃ - بعرفات مع أن أكثر ما يحتجون بها.\nوكل ما كان على شيء يزعم أنه من الدين، وهو يستره ولا يظهره خشية إنكاره، فقد عرف بطلانه قبل أن يسأل برهانه، واستوى في","vol":"1","page":523},{"text":"معرفة تزييفه العالم والجاهل، إذ من شرط الآية أن يكون بعد نزولها في دين الحق ظاهرا.\nفإن كتم عدم شرطه المشروط فيه، وفي عدم شرطه دخول الخلل عليه وزوال الحق عنه، فإن احتج محتج بما روي عن رسول الله، ﷺ: \" بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ \".\nقيل: ليس فيه وقت مؤقت يعود فيه، ولو كان أيضا مؤقتا لعلمنا أن غرباء الدين بدءا كانوا يسترونه عن الكفار وعبدة الأوثان، ومن كان يقاتلهم عليه، وترى المبتدعة يسترونه عن أهل القبلة ومن هو مستعل عليهم، وعلى عبدة الأوثان والممتنعين من أداء الجزية من أهل الكتاب، فإن كان الخبر صحيحا وجازما يرجع عدد المسلمين في الشرق والغرب إلى من كان يسر الدين قبل إسلام عمر - ﵁ - صح تأويل الخبر حينئذ، والا فلا متعلق للمحتجين من أهل البدعة","vol":"1","page":524},{"text":"ذكر الزكاة في الكنوز:\n(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)\nالهاء راجعة إما على الكنوز، وإما على عدد الدنانير والدراهم، أو قطاع التبر من الذهب والفضة لا على لفظهما.\nفلا يشبه أن يكون هذا الكنز - والله أعلم - إلا المال الذي لا تؤدى زكاته، إذ لو أريدت جميع الأموال من الذهب والفضة، ما كان لقوله (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)\nمعنى، ولا لقوله: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) .\nومع ما جاء في القرآن من آيات الزكاة، وحبس الأموال حتى يحول عليها الحول، ولبطلت السنن المروية في الزكاة، ولعللت آي المواريث وكان كل من له مال قل أو كثر ينفقه ولا يحبسه للزكاة ولا للميراث،.\nولا أحسب الزكاة إلا من سبيل الله، فإذا أخرجها فقد أنفق ماله في سبيل الله وكذا قال ابن عمر - ﵁: \" ما أدى ركاته فليس بكنز\".","vol":"1","page":525},{"text":"وقد أسندوه إلى النبي، ﷺ، من طريق ابن عمر، وجابر،","vol":"1","page":526},{"text":"وأم سلمة.\nفإن احتج محتج بالحديث المروي عن أبي أمامة الباهلي","vol":"1","page":527},{"text":"وغيره: أن رجلا من أهل الصفة مات وترك دينارا، فقال النبي، ﷺ: \" كية \" وتوفي آخر وترك دينارين، فقال النبي، ﷺ: \" كيهان \".\nقيل: ليس في إسناد هذا الخبر ما يعارض به ماذكرنا من آي القرآن\nفي الزكاة والمواريث، لأنه رواه عن أبي أمامة أبو الجعد مولى لبني ضبيعة وهو مجهول وعبد الرحمن بن العداء","vol":"1","page":528},{"text":"الكندي وليس ممن تثبت بروايتهما حجة، وسيما وقد رويا رواية تعارض القرآن في الظاهر.\nورواه شهر بن حوشب وفيه ضعف، وحديث أبي ذر","vol":"1","page":529},{"text":"وقد دلت حديث ثوبان مولى رسول الله، ﷺ،\nعلى ما قلنا وهو أصح إسنادا حيث يقول: \" أيما رجل ترك كنزا بعده مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان \"","vol":"1","page":530},{"text":"وهذا مثل رواية عبد الله بن مسعود وأبي هريرة في المال الذي لا تؤدي زكاته، فرواه ثوبان مجملا بذكر الكنز، وروياه مفسرا.\nولو صح حديث أبي أمامة أيضا، لاحتمل أن يصرف قوله في الكية","vol":"1","page":531},{"text":"والكيتين إلى غلول أو عقوبة كذب حيث يوهم الرسول، ﷺ، أن لا شيء عنده، ورسول الله، ﷺ، يعده في عداد أصحابه من أهل الصفة، ثم يترك ما ترك، ولا نترك آي الزكاة والمواريث، ألا ترى أنه، ﷺ، لم يقل لسعد ما قال لهما، حيث دخل عليه وهو مريض فقال: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال، بل لم يدعه أن يتصدق من ماله في","vol":"1","page":532},{"text":"الوصية إلا بالثلث، واستكثره ولم يقل: أنت ميت، ومالك كنز فأخرجه في سبيل الله قبل يحمى عليك في نار جهنم. وكذا قال لأبي لبابة حيث تيب عليه، وأراد أن ينخلع من جميع ماله قربة إلى الله - جل وتعالى \" يجزيك منه الثلث \".","vol":"1","page":533},{"text":"وقال له جابر بن عبد الله: كيف أقسم مالي بين ولدي، فأنزل الله - ﵎ -: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) .\nفدل الكتاب والسنة على أن الحابس ماله بعد أداء الزكاة المفروضة لا حرج عليه فيه، وكل شيء أخرجه بعد الزكاة في وجوه البر ونوائب الخير فهو فضيلة وقربة.\nفضائل أبي بكر - ﵁ -:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>قوله: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)</span>\nرد على الرافضة في تقديم علي على أبي بكر - ﵄ -؛ إذ قد شهد الله - جل وتعالى - له بالصحبة والكينونة","vol":"1","page":534},{"text":"معه في الغار من دون الناس، ولخروجه من توبيخ الخطاب وترك النصرة بالمسابقة إلى ما قعد عنه غيره، والمشاركة له فيما يحذر المطلوب، إذ لا نصرة أنصر ممن بذل نفسه للمكروه وخرج مع المطلوب يؤنسه في وحدته ويشاركه فيما يتقيه من محذور عدوه.\nولئن كان على - ﵁ - قادرا على الخروج مع رسوله الله، ﷺ، إلى الغار فلم يخرج، أو أراد الخروج فرده وأخرج غيره لقد قدمه عليه تقديما ظاهرا، إذ رضيه لأنسه، وأشركه فيما نال من ثواب الله هناك، ولئن كان عن ذلك عاجزا لصغره، لقد سبقه إلى مكرمة لا يقدر مشاركته فيها أبدا، وبان فضله عليه.","vol":"1","page":535},{"text":"ألا ترى أن الله - ﵎ - يقول: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) .\nولو قبلوا الأخبار لجئنا في هذا الفصل من صحاحها بسبب الغار ما\nكان يزول بها عنهم كل ريب، مع أن ما أداه القرآن من ذلك - بحمد الله - شاف كاف لمن بصره الله وكشف عنه غمة الغباوة.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>قوله: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ)</span>\nحجة على المعتزلة والجهمية شديدة من جهات:\nأحدها: ما قدم من ذمهم في قوله: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلى قوله: (لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) .\nالثانية: ما ذكر من الكراهة التي هي عندهم من صفات الخلق ولا يميزون أن كراهة الخلق مخلوقة، وكراهته غير مخلوقة فهي مباينة واضحة بينه وبين خلقه.\nالثالثة: ما ذكر من تثبيطهم، فأي شيء يلتمسون أوضح من هذا أن","vol":"1","page":536},{"text":"يكون ذمهم على التخلف عن أمر هو ثبطهم عنه، وكره خروجهم فيه، أوليس هذا من العدل الذي لا نعقله، وهذا نظير ما مضى في سورة الأنفال في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .\nلأنه نفس ما بيننا وبينهم فيه الخصومة، لا مشابهه فيما أثرناه عليهم من أنواع صنعه في عدله. وقد قال في تمام ذكرهم: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ)\nفأخبر عنهم بما هم فاعلون قبل الفعل - سبحانه - أن يقدر بشر الحيدة عما علمه منه قبل فعله، والله المستعان على عقول تضيق عن هذا البيان الواضح أو تكابر في الخطب الفاضح.\nذكر من يعد المعاصي كفرا:\nقال محمد بن على: ومن حماقات من يعد المعاصي كفرا أو يزعم أن","vol":"1","page":537},{"text":"النار لا يدخلها إلا كافر احتجاجهم بقوله: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) .\nوإخراجهم المؤمن المذنب من جملة من تحيط به، وادعاؤهم أن محالا عندهم أن تذكر الإحاطة بقوم موصوفين فيدخل معهم غيرهم، وهذا هو نهاية الجهل والإفراط في الحماقة.\nأو ليس جائزا عندهم أن تكون لرجل ماشية من بقر وغنم أو غنم وحدها - عفر وسود - فيدخلها حظيرة فيقال: أحاطت حظيرة فلان ببقره ولا يذكر فيها غنمه، أو أحاطت بسود غنمه ولا يذكر عفرها، وقد أدخل كلا فيها، فيكون كلاما غير مستحيل أن تكون الحظيرة أحاطت بالمذكور وغير المذكور، وما عسى يقولون في قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)","vol":"1","page":538},{"text":"أيقولون - ليت شعري - إنه غير محيط بالمؤمنين وبالبهائم وجميع الخلق، نعوذ بالله من الجهل.\nالمعتزلة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>وقوله: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)</span>\nرد على المعتزلة والقدرية من جهتين:\nإحداهما: أنه قال: (إِنْ تُصِبْكَ) ولم يقل \" إن تصب \" والمضاف غير مالك لما يصيبه\nوالثانية: (لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)\nوهم ينكرون الكتاب السابق في كل شيء وهو نظير ما مضى في سورة النساء (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) .\nوحق قراءة من قرأ هناك: \" فمن نفسك وأنا كتبتها عليك) إذ","vol":"1","page":539},{"text":"جائز أن يكون بين هاهنا ما أجاز اختصاره هناك، والله أعلم.\nذكر أشياء مختلفة في اسم واحد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>قوله: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)</span>\nحجة في تسمية أشياء مختلفة باسم واحد؛ لأن إحدى الحسنين هاهنا - والله أعلم - الفتح أو القتل في سبيل الله، وكلاهما مختلف، والحسنة الجنة قال الله - جل وعز -: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)\nوالحسنى صفة لجميع أسامي الله - جل الله - قال الله - ﵎ -: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)\nوهو حجة على المعتزلة في باب موافقة الأسماء الواقعة على ما سميت به، ولا تكون المسميات متفقات لاتفاق أسمائها كما ترى.","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>وقوله: (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا)</span>\nحجة في إضافة الإصابتين إلى الله - ﷿ - ما كان منه وما كان بأيديهم، وهو فعل فعلوه هم بحركاتهم وأعمال أسلحتهم، وقد أضافه تعالى لنفسه كما ترى.\nذكر المرتد يخرج الزكاة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>قوله: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّ</span>ا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)\nدليل على أن الكافر لا يصعد له عمل، ولا يقبل منه خير يثاب عليه في الآخرة، وأن مرتدا لو أخرج زكاة ماله في الردة، ثم راجع الإسلام لوجبت عليه الإعادة واستئناف ما دفع مرة أخرى، لأنه دفعه في حين لم يقبل منه والزكاة أعظم النفقات.\nالمعتزلة والقدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>قوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية","vol":"1","page":541},{"text":"سديدة، إذ أخبر الله - جل وعلا - نصا عن إرادته في خروج أنفسهم على\nفإنا لو سامحناهم في زوال القضاء عنهم حيث دخلوا في الكفر والنفاق\nما سامحناهم في الخروج منهما مع هذه الآية.\nوكيف يقدرون الانتقال عن شيء يريد الله قبضهم عليه، ولا يعتبرون - ويحهم - أن من كان إليه الدخول باختياره فالخروج أيضا إليه. فإن زعموا أن المذكورين في هذه الآية قدروا على الخروج والانتقال عما أراد الله، فقد كفروا - لامحالة - إذ المغلوب عن إرادته غير نافذ الأمر، وليس هذا من صفة الإله.\nوإن قالوا: لم يقدروا على الخروج عن إرادته انكسر قولكم فيما يزعمون أن الإرادة منه إرادة بلوى واختبار لا إرادة حكم واضطرار، فأين موضع البلوى والاختبار بعد موت المذكورين في هذه الآية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>قوله: (لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)</span>\nبلغني أن قتادة كان","vol":"1","page":542},{"text":"يقول: فيه تقديم وتأخير، كأنه يقول: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله أن يعذبهم، أي في الآخرة، وتزهق أنفسهم وهم كافرون، وقد يحتمل ما قال، ويحتمل غيره. كأنه يقول - والله أعلم -: ليعذبهم بها في الحياة الدنيا بما يمضهم من ذهاب أموالهم وفقد أولادهم ولا يثيبهم عليه في الآخرة كما يثيب المؤمن فلا يكون فيه تقديم، وأيها كان فالحجة في زهق أنفسهم على الكفر قائمة على القوم.\nذكر الأصناف الذين يستوجبون الزكاة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) </span>.\nدليل على أن هذه الأصناف مواضع للصدقات، لا أنهم","vol":"1","page":543},{"text":"مشتركون فيها حتى يكون توزيعها على جميعهم فرضا لا يجزئ غيره. ألا تراه - جل وتعالى - يقول: (وَفِي الرِّقَابِ) (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فغير لفظ النسق على لام الفقراء، وليس يعرف في معنى الاشتراك أن يقال: هذا لفلان وفلان، وفي كذا، ومما يزيده تأكيدا قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)،\nفأخبر أن هؤلاء اللامزين ليسوا موضعا للصدقة، ولكن مواضعها كذا وكذا - والله أعلم - فقال: إنما الصدقات هذه مواضعها.\nومما يؤيد قولنا أيضا أنها لو كانت اشتراكًا لبين - والله أعلم - مبلغ ما يعطى كل صنف منهم ليزول التشاح منهم، وكذا روي عن أصحاب رسول الله صلى الله أعليه وسلم، مثل: حذيفة وغيره، وعن","vol":"1","page":544},{"text":"التابعين مثل إبراهيم النخعي وغيره أنه يجعلها في صنف واحد\nولا أعلم أحدًا شدد فيها كتشديد الشافعي - ﵁ - والشافعي ينهى عن تقليده وتقليد غيره.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>وقوله: (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)</span>","vol":"1","page":545},{"text":"الهاء في (إليه) راجعة على الملجأ وحده، لابتدائه به ولعمل المغارات، والمدخل - والمغارات عمله - أو على المعقل أو المكان لا على جميع ما ذكر، والله أعلم.\nقوله (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، الهاء راجعة على الله وحده والرسول تبع له.\nمعنى الوعد:\n(وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ)\nدليل على أن الوعد يكون في الخير والشر، والإبعاد هو الذي يكون في الشر ولا يشاركه فيه الخير، وفصله بين المنافقين والكفار بالواو على تفريق الاسم بهم، لا على اختلاف المعنى - والله أعلم - لأن المنافق أيضا كافر وهذا كقوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)\nوأهل الكتاب أيضا مشركون لقولهم في","vol":"1","page":546},{"text":"عزير والمسيح، ولكن فرق بينهما - والله أعلم - على غلبة اسم المشركين على أهل الأوثان، وأهل الكتاب على اليهود والنصارى،، وغلبة اسم الكفر على من أعلن به، واسم النفاق على من أسره. وكما قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)\nإلى قوله «وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) .\nوكل هذا داخل في الميتة، والذي فصل بينها بالواو الأسامي الغالبة عليها لا المعاني المتفقة فيها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>وقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) </span>.\nدليل على أن زيادة البيان من فصيح كلام العرب ممدوح في أماكن الحاجة إليه، لأن كل ما تقدم الطاعة في هذه الآية داخل فيها فلم يضر رده مع غيرها في جملة الطاعات.\nذكر حديث الرسول - ﷺ -: \" ما منكم أحد ينجيه عمله \":","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>قوله: (أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ)</span>\nيؤيد حديث رسول الله - ﷺ - \" ما أحد منكم ينجيه عمله \" قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: \" ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة \"،\nلأنه - ﵎ - بعد ما وصفهم به من كثرة الأعمال وعدهم الرحمة قبل الجنة حتى يكون دخولهم إياها برحمته لا بأعمالهم، إذ أعمالهم لو قيست ببعض النعم لاستفرغتها، فلا يحصل لهم إلا رحمته.\nفلما تغمدتهم وأدخلتهم دار كرامته عطف عليهم بفضل جديد ونعمة مثناة، فقال: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)،\nو(جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)، و(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) .","vol":"1","page":548},{"text":"والإحسان والعمل: ما أسلفوه في الأيام الخالية كله من نعمته عليهم وتوفيقه إياهم وهدايته لهم - سبحانه -.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>قوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ)</span>\nحجة في أشياء:\nفمنها: أن المرتد تقبل توبته، ولا يقتل بتبديل دينه كما روي في ظاهر الخبر: \" من بدل دينه فاقتلوه \"، فكان معنى \" فاقتلوه \": إن لم يتب وبقي على الردة. ومنها حجة للنابغة فيما قال:","vol":"1","page":549},{"text":"لا عيب فيهم غير أن سيوفهم\nبهن فلول من قراع الكتائب\nوحجة للآخر:\nولا عيب فينا غير عرق لمعشر\nكرام وأنا لا نخط على النمل\nلابتداء الآية بذكر النقمة، ومجيء لفظ الاستثناء بالإغناء.، وهو من غيرجنسه\nوكذا الشاعران ابتدأا البيت بذكر العيب ثم استثنيا منه بما هو مدح.\nومنها: إشراك الرسول في الإغناء مع الله، والله هو المغني وحده\nوفيه حجة قي أن نسبة إغناء المخلوق إلى المخلوق جائز، ولايكون كذبا، بل هي منة من المعطي على المعطى، واجب عليه معرفة إنعامه وشكره عليه وإن كان أصلها من عند الله.\nومنها: أن ذكر التوبة فيها حجة على المعتزلة في امتناعهم من جواز","vol":"1","page":550},{"text":"العفو على الله على المحتقب ذنبا مات عليه، وادعائهم أنه مخلد في النار من أجل أنه خلف لوعده عندهم، والثواب والعقاب عندهم واحد، فيقال لهم: إن كانت العلة في ذلك أن من أوعد قوما عقوبة ثم لم يفعلها كان خلفا وكذبا - ولا يجوز ذلك على الله - فهذه العلة قائمة في الدنيا قبل أن يصار إلى الآخرة، فما باله - جل وعلا - يقول قبل هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ) .\nفيخبر عن قوم بأن مأواهم جهنم ثم لا يجعلها مأواهم، بل يجعل مأواهم الجنة بإحداث التوبة.\nوما باله يقول: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)، فيوجب عليه الخسران وحبط العمل، ثم يرده عليه بالتوبة ويجعله مفلحا بعد أن كان خاسرا.\nوهو حينئذ واحد قد وعد شيئا، ثم فعل به غيره، وإن كان بالتوبة فعل به ما فعل فلم يفعل به ما وعد.\nوتوبة هذا لم تحقق الوعد من الواعد على معنى ما ذهب إليه القوم،","vol":"1","page":551},{"text":"وإن كان لله أن يترك ما وعد السمك من العقاب ولا يكون ذلك خلفا ولا كذبا، فسواء تركه بسبب شيء يحدثه الموعد، أو بغير سبب منه لأن السبب إحسان جديد من الفاعل، والإساءة في فطرة العقول لا تعود غير معقولة وقد فعلت.\nبل قولهم هذا جهل بلسان العرب، فإن العرب لا تعد الخلف إلي ترك إنجاز الوعد في الخير، فأما ترك إنجاز الإيعاد فهو عندها كرم وتفضل لا خلف ولا كذب، والقرآن نازل بلغتها، قال رسول الله ﷺ،: \" من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له، ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار \".\nوقال الشاعر:\nوإني إذا أوعدته أو وعدته\nلمخلف إيعادي ومنجز موعدي","vol":"1","page":552},{"text":"والله أحق من تكرم على عبده، فقد سمى نفسه كريما، والكريم يعفو عن قدره ويتجاوز عن حقه.\nوقد أمر الله بالتحفظ بالأيمان وقال رسوله الله، ﷺ: \" من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه \".\nوروي \" وهو كفارته \".\nوقال ابن عباس: \" من حلف على عبده","vol":"1","page":553},{"text":"أن يضربه فكفارته تركه، ومع الكفارة حسنة \".\nوقد وعد الله يونس، ﷺ، أن يهلك قومه، فآمنوا فلم يهلكهم فذهب مغاضبا، فعاقبه الله بحبسه في الظلمات (١) حين رأى من ربه ما أعده خلفا (٢)، ولم يكن في الحقيقة إلا كرما وجودا.\nوفي قوله - ﵎ - في أهل الأعراف: (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)\nقطع لكل لبسة لمن تدبر في هذا المعنى.\n_________\n(١) قصة يونس - ﵇ - مع قومه ذكرها الله في مواضع من كتابه، منها ما ذكره في سورة يونس آية ما وهي قوله: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)\nوفي سورة الصافات من آية (١٣٩) وهي قوله: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)\nإلى آية (١٤٨) وهي قوله (فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)\nولمزيد من التفصيل راجع في ذلك تفسير الطبري (١ ١/ ١٧١) وما بعدها، و(٢٣/ ٩٨) وما بعدها، ومعالم التنزيل للبغوي (٢/ ٣٦٩)، (٤/ ٤٢) وما بعدها، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨٧/ ٣٨٤)، (٥ ١/ ١ ٢ ١) وما بعدها، وتفسير ابن كثير (٤/ ١ ٢٣)، (٣٣/٧) وما بعدها، وقصص الأنبياء لابن كثير (٥/١ ٩ ١) وما بعدها، والدر المنثور للسيوطي (٤/ ٣٩١) وما بعدها، (٧/ ١ ١٢) وما بعدها، ومع الأنبياء في القرآن الكريم لعفيف طياره ص (٣٠٦) وما بعدها.\n(٢) هذا بناء على أن المغاضبة كانت لله، وهو قول الحسن البصري وفيه نظر، فالأنسب بمقام النبوة أن تكون المغاضبة لقومه لأجل الله. وانظر تفسير الطبري (٧ ١/ ٧٧، ٧٨) .","vol":"1","page":554},{"text":"فإن قيل: فقد وصل الله الاستثناء في سورة الفرقان للتائبين من الكفر والذنوب حيث يقول: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)\nوهو كلام واحد فالخلف غير لاحق به إذا فعل بالتائبين خلاف ما وعدهم،\nقيل: ليس هذا إلا في هذه الآية وحدها وقليل معها، وممكن أن يكون الاستثناء نازلا بعد نزول الآية، كما نزل: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)","vol":"1","page":555},{"text":"بعد نزوله: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فيكون أسوة سائر القرآن الذي لا استثناء فيه عند الوعيد متصلا بسياق الآي.\nقال ﵎: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا)\n، وقال: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)\nإلى قوله: «أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣) .\nوالقرآن مملوء بمثل هذا، والتوبة غير متصلة بآياته، ثم قد أُمر الكافرون والمؤمنون بالتوبة على الانفراد، فقال ﵎: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، وقال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) .\nوقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)\nوكل هذا على كلامين وما كان على كلام وعلى كلامين فهو عندنا نعمة وفضل وكرم ليس بخلف ولا كذب، بل العفو","vol":"1","page":556},{"text":"والكرم قبل التوبة أبين منه بعدها، مع أن معول الناس على العفو أكثر منه على التوبة.\nفالتوبة منقطعة بكثير من الناس قبل طلوع الشمس من مغربها، والعفو والغفران مبسوطان للمؤمنين، قال الله ﵎: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)\nوقال، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)\nوقال: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)\nوقد منع الله فرعون التوبة، ومنعها قوما من المنافقين في قوله (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) .\nوقد دللنا عليه في آخر سورة الأنعام.","vol":"1","page":557},{"text":"ومنعها ثعلبة بن حاطب (١) في هذه الآية في سورة التوبة، قال الله - ﵎ -: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)\nفجاء إلى النبي، ﷺ، لما بلغه نزول هذه الآية بصدقته فأبى أن يقبلها، ثم جاء\n_________\n(١) هو ثعلبة بن أبي حاطب الأنصاري، وقيل ثعلبة بن حاطب وليس هو ثعلبة بن حاطب البدري بل هو آخر، انظر الإصابة (١/ ٢٠٦) .\nوقال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة (٦٦/١): (هو ثعلبة بن حاطب بن عمرو الأنصاري الأوسي بدري، قال: يا رسول الله، ﷺ، ادع الله أن يرزقني مالا ... فذكر حديثا طويلا منكرا بمرة، وقيل: قتل يوم أحد.\nوكما ترى، هذه القصة منسوبة لشخصين، ولكن الأمر يهون إذا ما علمت أن هذه القصة لا تثبت وليست بصحيحة عن أي شخص من أصحاب رسول الله فضلا عن ثعلبة البدري، وقد أثبت عدم صحتها بالدليل القاطع الأستاذ عداب محمود الحمد في رسالته التي ألفها عن ثعلبة بعنوان \" ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه \" وهي رسالة قيمة فراجعها إن شئت.\nوخلاصة الكلام على هذه القصة من الناحية الإسنادية أنها لا تصح ولا تثبت، انظر ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه ص (٦٤) وما بعدها، وص (٨٣) ومابعدها، وص (٩١، ٢١) حيث ذكر من ضعفها من العلماء فقال (... ثم رواها البيهقي (٤٥٨ هـ) في دلائل النبوة ونبه على ضعفها، كما نبه على بطلانها ابن حزم، وابن عبد البر، وابن الأثير في أسد الغابة، والهيثمي في مجمع الزوائد، والحافظ ابن حجر في مواضع من كتبه، والسيوطي..) إلى أن قال: وكثير من المعاصرين قد تنبهوا إليها أيضا منهم علامة مصر المحدث أحمد محمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري، وشيخي في هذا العلم الشريف العلامة المحدث محمد الحافظ التجاني، وقد تنبه إليها المحدث الشيخ ناصر الألباني ...، وحين كتب الشيخ مقبل بن هادي الواقعي الصحيح المسند من أسباب النزول نبه على هذه القصة وبطلانها.\nوفي ص (٩١، ٩٢) زاد في ذكر من ضعفها فذكر القرطبي، والذهبي، والعراقي، والمناوي، ومحمد رشيد رضا.","vol":"1","page":558},{"text":"بها إلى أبي بكر وعمر بعده، فلم يقبلاها، وهذا من العدل الذي لا يعقل علته، والعجب للمعتزلة كيف تتلاعب بهم الحماقة ويستفزهم الجهل فيغفلون في باب الوعيد العدل الذي يدعون الفلسفة في معرفته، وهو شعارهم وفى دثارهم، فليت شعري كيف يستقيم لهم فيه أن يكون عادل في تضييع حسنات مائة عام من الفرائض والنوافل، والقرآن مملوء بذكر مجازاتهم عليها بقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)\nفلهم كذا وكذا - من أجل ذنب واحد يموت محتقبه عليه بغير توبة، فيخلد صاحبه مع الكفار - في النار - الذين أسخطوا الله عمرهم ولم يطيعوا طرفة عين.\nويستقيم عندهم نفي القضاء والقدر، وخلق الشر والأفعال السيئة والحسنة خشية منهم أن ينثلم به العدل الذي لا يعرفون حقائقه.\nفإن قيل: فهل للكفار مطمع في العفو إذا ماتوا على كفرهم إذا\nكان ترك الوعيد عندك كرما لا خلفا،","vol":"1","page":559},{"text":"قيل: قد اتفق الجميع على أن الكافر لا حظ له فيه، والإجماع لا يقابل بالرد، مع أن القرآن قد دل عليه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .\nوليس في إنجاز الوعيد لأهله نقيضة على الموعد، وإن كان الكرم في تركه أظهر والكرم والفضل ليس بحق لأحد عند الكريم، فإن تفضل كان أهلا له، وإن عاقب كان عدلا منه، ونحن لا ننكر أن يكون الله بعدله يدخل النار بعض المذنبين من الموحدين بذنوبهم ثم يخرجهم منها بعد استيفاء جزائهم أو قبله، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا يضيع لهم ما عملوا من الصالحات.\nفإن قيل: فلم يخلد الكافر في النار ولا يقتصر منه على مقدار عمره الذي كان في الدنيا كافرا، ثم ينجيه - كما يُنجي المؤمن - بعد استيفاء جزائه،\nقيل: قال الله - ﵎ من قائل -: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) وليس هذا أول عدل لم نبلغ كيفيته.\nوقد يجوز أن يخلده - بإضماره كان على الكفر - لو خلد في في دنياه فيجازى بالخلود على إضماره.\nوالمؤمن يخلد في الجنة بطويته كانت على الإيمان لو خلد في دنياه مع ما\nله من الحظ في وصول الكرامة إليه وتفضل ربه عليه.","vol":"1","page":560},{"text":"وقد دللنا على أن التفضل ابتداء عطية لاحق لأحد قبله فيكون بمنعه عنه ظالما له\nوبعد، فلو قلت معناهم بعينه قالت عليهم، فقال: وكذلك من وعده على عمل صالح الخلود في الجنة والنجاة من النار، فعمل به أكثر عمره طمعا في وعده الذي لم يشترط عليه فيه حبطا بمعصية في النار الذين أسخطوا الله عمرهم، ولم يطيعوه طرفة عين بكلمة بها لشرطه على المرتد بالشرك إذا خلده في النار بذنب واحد أذنبه بعد العمل الصالح لكان خلفا لوعده، فلنسبة الكرم إليه في الصفح عن الوعيد على ذلك الذنب الواحد أو أخذه به وحده ثم الخلود في الجنة بالكثير من العمل الصالح بعده - أجدر وأليق بربوبيته، وأبعد من الخلف والجور جميعا، وأوجه في العدل والفضل معا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>قوله: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ)</span>\nحجة عليهم وعلى الجهمية في ذكر السخرية التي جمع بينهما من نفسه ومنهم. ذكر الاستغفار:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>قوله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)</span>","vol":"1","page":561},{"text":"دليل على أن منتهى الاستغفار الحاط عظام الذنوب المتوقع بها الغفران سبعين مرة، وهو يؤيد حديث أبي بكر الصديق، رضوان الله عليه -: \" ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة \" وحديث أنس: \" كنا نؤمر - إذا صلينا من الليل - أن نستغفر في السحر سبعين مرة \".\nوأشباههما من الحديث.","vol":"1","page":562},{"text":"وفيه دليل أن الاستغفار للناس نافعهم ولاحق بهم؛ لأن الذي حال بين أهل هذه الآية وبين استغفار رسول الله، ﷺ، لهم كفرهم لا غيره.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>قوله: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)</span>\nحجة على المعتزلة لنسبة الكراهية هاهنا إليهم، وعند الخمسين من أول السورة إلى نفسه - جل وتعالى - حيث يقول: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) .\nونحن لا نقول: إن القضاء والقدر يزيلان سعي الساعين وفعل الفاعلين، وكيف يزيلان أفعالا ينسبها الله إلى فاعليها، ولكننا نقول كما قال الله: إنهم لم يكرهوا حتى كره الله لهم، وسبق به قضاؤه عليهم، ونسكت عن تصحيح هذا عندنا بعقولنا علما منا بعدله وصدقه، وأن الجور والكذب ليسا من نعته.\nفلما رأيناه جمع بين كراهة فاعل لخير مأمور به وبين كراهته له، وجب علينا الإيمان به كما أنزله، وعلمنا أن القدر سره حجبه عنا معرفة كيفيته وتصرفه في عدله الذي لم يطلعنا على معرفته وانفرد هو - ﷻ - به،","vol":"1","page":563},{"text":"ذكر الجنائز:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>وقوله: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)</span>\nأصل في سنة الصلاة على الموتى، إذ لا يخص الله - جل وتعالى - قوما بترك الصلاة عليهم إلا وهي سنة غيرهم.\nوفيه دليل - هو أشرف دليل - على أن الإمام إذا حضر جنازة فهو المقدم عليها في الصلاة دون الأولياء، كما تكون في سائر الصلاة، إذ لو كان الأولياء أحق منه - كما يزعم من يقول: إن الصلاة على الميت من الأمور الخاصة، فيتقدم الولي عليه - كان النهي - والله أعلم - واقعا على منع، ولي عبد الله ابن أبي ابن سلول النازل","vol":"1","page":564},{"text":"فيه هذه الآية من الصلاة عليه، لا على النبي، ﷺ، الذي هو الإمام.\nوفيه دليل على إباحة الوقوف عند القبور وانتفاع المقبور بوقوف من يقف عنده من الداعين، إذ كل ما منع منه رسول الله، ﷺ، في هذه الآية عقوبة للمقبور لا محالة.\nوفيه فضيلة لعمر بن الخطاب، ﵁، لنزول القرآن بتصويب قوله في المشورة على النبي، ﷺ، بترك الصلاة على المقصود بهذه الآية.\nذكر الجهاد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>قوله: (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ </span>لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)","vol":"1","page":565},{"text":"دليل على أن الجهاد لا يجب إلا على القادرين على التجهز له بالطول وهو الغنى، وقد بينه الله - جل وتعالى - في الأخرى حيث يقول (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ) .\nودليل على أن النساء لا جهاد عليهن وإن أطقنه، لأنه - ﷻ\n- قد ذكر الخوالف مرتين في الآية الأولى، والثانية، ولم يخرجهن إنما أخرج من تشبه في التخلف عنه بمن لا جهاد عليه، ورضي الكينونة معه عما هو مندوب إليه.\nوفي قوله: (ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)\nدليل من جهة الإعراب على","vol":"1","page":566},{"text":"أن المذكر يغلب على المؤنث في اللفظ؛ إذ الخوالف كن - لا محالة - مع القاعدين من الضعفاء والمرضي وعادمي النفقة الموضوع عنهم الحرب.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>قوله: (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)</span>\nحجة على القدرية والمعتزلة.\n- ذكر فضائل أصحاب رسول الله، ﷺ:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>قوله: (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)</span>\nإلى قوله: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)\nشاهد لكل من حضر مع رسول الله، ﷺ، غزوة تبوك من أصحابه بالجنة فيكونون مضمومين إلى العشرة المشهود","vol":"1","page":567},{"text":"لهم بها، وكل من شهد غزوة تبوك من أصحاب رسول الله - ﷺ - فهو معه في الجنة على ما كان فيه بشهادة هذه الآية له وهي حق.","vol":"1","page":568},{"text":"ذكر تمنى العبد المال:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>قوله: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ)</span>\nدليل على أن تمني المال ليطاع الله فيه، والحزن على فواته - طاعة، ورد على من يزعم من متنطعي المتصوفة أن عدم المال أربح للمرء من وجوده وإن كان ناويا طاعة الله فيه للمخاطرة دون القيام بها وأداء حق الله فيها.\nذكر الاعتذار:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>قوله: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ)</span>\nحجة في ترك قبول الاعتذار ممن يعرف كذبه بأي وجه عرف منه بعد أن يكون يقينا.\nفأما من جهل منه الكذب فقبوله اعتذاره واجب، لقول رسوله الله.\nصل الله عليه وسلم: \" من اعتذر إليه فلم يقبل كتب عليه خطيئة صاحب مكس.","vol":"1","page":569},{"text":"يعنى العشار (١)، ومن تفضل عليه فلم يقبل لم يرد عليَّ الحوض \". (٢)\nذكر الطهارة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>قوله: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ)</span>\nنظير ما مضى في رجاسة ونجاسة المشرك أنها رجاسة الأفعال لا رجاسة الذوات.\nأيضا في الاعتذار:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>قوله: (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)</span>\nدليل على أن من لم يقبل عذره من\n_________\n(١) هذا التفسير من المؤلف لصاحب المكس، والعشار: هو الذي يأخذ عشر أموال الناس بغير وجه حق. انظر معجم مقاييس اللغة (٤/ ٣٢٤) مادة عشر، ولسان العرب (٤/ ٥٧٠) مادة عشر.\n(٢) لم أجده بهذا اللفظ، إنما وجدته بلفظ: \" من اعتذر إليه فلم يقبل لم يرد علي الحوض! كما سبق ذكره في الحديث السابق وهو من رواية عائشة أخرجه عنها أبو الشيخ هـ\nانظر في ذلك مجمع الزوائد (٨/ ٨١)، المقاصد الحسنة ص (٦٣٠)، وكشف الخفاء (٢/ ٢٣٢) واللآلىء الصناعة في الأحاديث الموضوعة (٢/ ٠ ٩ ١) .","vol":"1","page":570},{"text":"الكذابين بغير يمين فحلف قبل منه، لأن الله - ﵎ - لم يأمر برد اليمين عليهم كما أمر برد الاعتذار، حيث قال: (قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ)\nإنما أخبر - جل وتعالى - عن نفسه بأنه لا يرضي عنهم، وإن رضى عنهم المحلوف له، ويؤيد هذا المعنى حديث رسول الله، ﷺ: \" من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرضَ، ومن لم يرضَ بالله فليس من الله \".\nفالمتعذر إليه ينبغي له أن يقبل يمين المعتذر على الظاهر، ويكل سريرته إلى الله - جل وتعالى -\n* * *\nقوله تعالى: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ)\n(وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ)\nحجة في","vol":"1","page":571},{"text":"إبطال أعمال الرياء، وإحباط أجر النفقة إذا لم تحتسب، والحث على استشعار الاحتساب فيها، واتخاذها قربة.\nقال رسول الله، ﷺ: \" إذا دفع أحدكم زكاة ماله فليقل: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما \" (١)\nوقال: \" إذا أنفق الرجل على أهله محتسبا كتبت له صدقة \" (٢)\nفكل من عمل عمل خير لم يحتسبه لم ينل ثوابا، لما في هذه الآية من الدليل.\nذكر دفع الزكاة إلى الأئمة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>قوله: (وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ)</span>\nدليل على أن دفع الزكاوات إلى الأئمة أفضل من تفرقتها بالأنفس لاستغنام دعوة الإمام له عند أخذها منه، قال الله - ﵎ - بعد هذا: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في سننه (٥٧٣/١) ح (١٧٩٧) كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة،، مع اختلاف يسير حيث إن فيه: وإذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم ... الحديث.\nوأورده السيوطي في الجامع الصغير، انظر: فيض القدير (١/ ٢٩٠)، والألباني في إرواء الغليل (٣/ ٣٤٣) وضعيف الجامع (١/ ١٥٢) وقال: موضوع، وعزاه في الإرواء لابن عساكر في تاريخ دمشق\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في عدة مواضع، منها ما أخرجه في كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، انظر الفتح (١٦٥/١) ح (٥٥)، والنسائي في سننه (٥/ ٩٦) ح (٢٥٤٥) كتاب الزكاة، باب: أي الصدقة أفضل، وابن حبان في صحيحه انظر الإحسان (٢١٩/٦) ح (٤٢٢٥) باب النفقة، ذكر البيان بأن الصدقة إنما تكون للمنفق على أهله إذا احتسب في ذلك، وأورده السيوطي في الجامع، انظر فيض القدير (١/ ٣٠٦) .","vol":"1","page":572},{"text":"وكان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ صدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: \" اللهم صل على آل أبي أوفى مرتين.\nتفضيل أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>قوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ </span>الْعَظِيمُ (١٠٠) .\nشاهد لهم بالجنة أيضا، وفيهم العشرة وغيرهم، وقد سعد التابعون","vol":"1","page":573},{"text":"لهم أيضا بهذه الآية كما ترى.\nأفليست من سب واحدا منهم أو ممن شهد غزوة تبوك في الآية الأخرى أو تنقصه - مغبون الحظ، منحط الدرجة في الإسلام، مضاهي كتاب ربه بالرد، هذا مع ما يلحقه من لعنة رسول الله، ﷺ، حيث يقول: \" لا تسبوا أصحابي، من سبهم فعليه لعنة الله (١) .\nذكر زكاة أصناف الأموال:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)</span>\nيقال: إنها نزلت في أربعة نفر من الأنصار، جد بن قيس.\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة ١١/ ٥٤) ح (١١)، والطبراني في الأوسط ٢/ ٥٠٣) ح (٩٨٦٧) -\nوأورده الهيتمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١)، وابن حجر في المطالب العالية (٤/ ١٤٩)","vol":"1","page":574},{"text":"وأبي لبابة وخذام، وأوس.\nوهم الذين قال الله ﵎: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)\nوكانوا وعدوا أن يجاهدوا ويصدقوا.\nوإذا كانت الآية نازلة فيهم أحاط العلم أنهم كانوا غير مالكين لجميع أصناف الأموال من الناض والماشية والنبات والأمتعة. فليس لأحد أن يوجب على جميع الأموال الزكاة إلا ما خصت بالإسقاط عنها، بل عليه أن يجعل الأمر بأخذ الصدقات خاصَّا على بعض الأموال دون بعض، وهو موضوع بشرحه في كتاب الزكاة.\nومن الدليل على صحة ما قلناه قوله على أثر الكلام: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ)","vol":"1","page":575},{"text":"أي - والله أعلم - التي كانوا وعدوها؛ لأن الياء في \" يعلموا \" إخبار عن الغائبين.\nذكر صفة الشاهد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>وقوله: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)</span>\nدليل على أن شهادة المؤمنين مقبولة لبعضهم على بعض بالخير والشر، ولا تقبل إلي شهادة من جمع مع الإيمان أمانة وفضلا واتقاء لربه ومروءة، لأن المؤمنين الذين رأوا أعمال هؤلاء مع الله ورسوله كانوا كذلك، لا أن شهادة كل من شمله اسم الإيمان مقبولة، وإن كان بضد ما وصفنا به أصحاب رسول الله، ﷺ، الذين رأوا أعمال القوم معه، وذلك أنهم شهداء الله في أرضه، ولا يجوز أن يكون بها شهداء إلا المبرئين من العيوب، الطاهرين من أدناس الذنوب، أمناء فيما يقولون وعليه يشهدون، لا يحملهم شنآن قوم على قول القبيح فيهم بغير علم، علماء بما يكون جرحا ظاهرا، لا يتأولون على المرمى بآرائهم، يتوقون أن يجرحوا إلا بالنصوص المتيقنة المؤدية إلى حقائق الجرح دون غيرها، فإن كثيرا من الناس يرى الشيء محرما بتأويل فيه فيدين الله به وغيره يراه محللًا وهو أمين","vol":"1","page":576},{"text":"يقتدي بصالح سلفه وصحابة نبيه، ﷺ، قد تبين موضع الحجة فيما أداه إلى تحليل ما أدى الشاهد الآخر إلى التحريم.\nوإذا لم يجرح الرجل بالنصوص التي يستوي المجروحون بها في الذم، خاطر بدين السامعين بشهادته، وسيما إن كان مرموقا بعيد التوقي، فلعلهم يهجرون المشهود عليه بشهادته، والهجران محرم، أو تكون شهادته عليه بالخير في نحو ذلك، فيغر من يذكر إليه ويستنيم إلى حسن الثناء عليه من أمن عنده، فيودعه أمواله أو يناكحه، ويبايعه، ويشاركه، فيكون فيه هلاكه.\nوما استشهدنا به من دليل هذه الآية في شهادة المؤمنين قد روي عن رسول الله، ﷺ، مثله في رواية سلمة بن الأكوع","vol":"1","page":577},{"text":"قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في جنازة، فأثنى القوم عليه ثناء حسنا فقال رسول الله - ﷺ -: \" وجبت \" فقيل: يا رسول الله، ما وجبت \" قال: \" الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، فإذا شهدتم وجبت \".\nوقرأ رسول الله، ﷺ: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) .\nالمعتزلة:\nوقوله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)\nحجة على المعتزلة واضحة إذ قد جمع بين الإضلال والهدى منه ولزوم الحجة للمضلين أو المهدين في آية واحدة متصلة المعاني بعضها ببعض، لا يقدرون أن ينفصلوا منها بدعاويهم الباطلة، فإذا كان المضلون مأخوذين ببيان ما يتقون لهم فأي شيء يلتمسه أوضح من هذا، ولا أحسب قوله: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) الأعلى هذا المعنى، والله أعلم.","vol":"1","page":578},{"text":"وفيه من جهة الفقه أن الله - ﷻ - قد بين المحرمات وفصلها\nمن حيث لا التباس فيها، ولا يكون ذلك إلي منصوصا، إذ ما يكون اتقاؤه بالرأي والقياس لا يستوي الجميع فيه وهو غير مشكل لمن تبينه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>قوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ)\nإلى قول: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)</span>\nحجة عليهم في عدم الوصول إلى التوبة المدعو إليها الخليقة إلا بمعونة منه - ﷻ - ونحن لا ننفي الاستطاعة مع الفعل في الخير والشر عن المأمورين المنهيين بكل حال، ولكنا نزعم أن عامل الخير محتاج إلى توفيق لا يتم أمره إلا به، ومجتنب الشر محتاج إلى عصمة تحول بينه وبين ما تنازع إليه نفسه الأمارة بالسوء، فإذا لحقتها رحمة ربها أمدت بالعصمة، فحيل بينها وبين المعصية كما حيل بين يوسف، ﷺ، وبينها بعدما هم بها، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) .\nوكل ذلك من الخير والشر بقضاء سابق، والخلق ميسرون لما خلقوا","vol":"1","page":579},{"text":"له من خير أو شر، وعلم ذلك مخزون عنهم ومنفرد به من خلقهم، فمن زاحمه فيه تقدم إلى الباطل على بصيرة، وقد حرص موسى بن عمران، ﷺ، على تعرف ذلك، وسأل عيسى بن مريم، ﷺ، ربه، فمنعا، صلى الله عليهما وسلم، وألح فيه عزير فمحى الله اسمه من النبوة، ومع ذلك\n_________\n(٣) ذكر إلحاح العزير في السؤال عن القدر ومحو اسمه من النبوة وما تقدم من سؤال موسى ﵇، وعيسى عن القدر - الطبراني من طريق ميمون ابن مهران عن ابن عباس وهو بتمامه كما يلي:\nعن ابن عباس قال: الما بعث الله موسى، ﵇، وأنزل عليه التوراة قال: اللهم، إنك رب عظيم، ولو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت أن لا تعصى ما عصيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا يارب، فأوحى الله إليه: أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. فانتهى موسى.\nفلما بعث الله عزيرا وأنزل عليه التوراة بعد ما كان رفعها عن بنى إسرائيل حتى قال من قال: إنه ابن الله قال: اللهم، إنك رب عظيم ولوشئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت أن لا تعصى ما عصيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى، فكيف يارب، فأوحى الله إليه له أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. فأبت نفسه حتى سأل أيضا فقال: أتستطيع أن تصر صرة من الشمس، قال: لا. قال: أفتستطيع أن تجيء بمكيال من ريح، قال: لا. قال: أفتستطيع أن تجيء بمثقال من نور، قال: لا.\nقال أفتستطيع أن تجيء بقيراط من نور، قال: فهكذا إن لا تقدر على الذي سألت، إني لا أسال عما أفعل وهم يسألون، أما إني لا أجعل عقوبتك إلا أن أمحو اسمك\nمن الأنبياء فلا تذكر معهم. يمحى اسمه من الأنبياء فليس يذكر فيهم وهو نبي. فلما بعث الله عيسى ورأى منزلته من ربه وعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، قال: اللهم، إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن لا تعصى ما عصيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا يا رب، فأوحى الله إليه: أني لا أسال عما أفعل وهم يسألون، وأنت عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتك إلى مريم وروح مني، خلقتك من تراب ثم قلت لك: كن، فكنت، لئن لم تنته ليفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك ... إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. فجمع عيسى من تبعه وقال: القدر سر الله فلا تكلفوهم. اهـ\nأورده الهيتمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٩٩، ٢٠٠)\nوقال: (... وفيه أبو يحيى القتال وهو ضعيف عند الجمهور، وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه في غيرها، ومصعب بن سوار لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٢٢) وما بعدها.\nوذكر سؤال عزير عن ذلك وحده ونهي الله له عن ذلك ثم عقوبته - الآجري في الشريعة ص (٢٣٦)، واللالكائي في \" أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لا (٤/ ٧٢٧) ومابعدها، والبيهقي في الأسماء والصفات ص (٢٢١) .\nوأشار إليه ابن كثير في قصص الأنبياء ص (٣٥٧) ثم قال (.. وهذا ضعيف منكرا وفي البداية والنهاية (٢/ ٤٢) وقال أيضا (... فهو منكر وفي صحته نظرا. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦٢٢) وعزاه لابن أبي حاتم والبيهقي. ولا شك أن هذا من أخبار بني إسرائيل التي أغنى الله أهل الإسلام عنها بما أنزل عليهم وشرعه على لسان رسوله.\nقال الدكتور أحمد سعد حمدان في تعليقه على شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٧٢٨/٤) عند ذكر ما جاء عن العزير (.. ونحن نعتقد أن مثل هذه القصة باطلة لا تصح وذلك لعدة أمور: -\nالأول: أن فيها إساءة إلى مقام الألوهية. وذلك لأن الله ﷿ عندما يختار أحدا من خلقه للرسالة أو النبوة فإنه يختار أفضل ذلك المجتمع في خلقه، وذلك لما في سابق علمه ﷿ عن خلقه، وهذا لم يتوفر في عزيرا حسب هذه الرواية، فيكون اختيار الله ﷿ لم يكن مصيبا تعالى الله وتقدس.\nالثاني: أن هذا طعن في مقام الأنبياء أنفسهم، إذ أنهم كانوا أول من يعصي الله ﷿، فإنه إذا نهاه الله ﷿ عن أمر ولم يمتثل ثم نهاه أخرى ولم ينته فإن ذلك عصيان بين، ثم هو بلادة حس لا تليق بعوام المؤمنين فكيف تكون في مصطفين أخيار؟!\nالثالث: أنها تحمل في ثناياها هدم هذا البحث الذي قدمه المؤلف في إثبات القدر من أساسه، وذلك لأن اختيار الله ﷿ لعزير يعني أنه لا يعلم ما سيكون منه في المستقبل، فلما اختاره وظهر له عدم طاعته جرده من وصف النبوة) ثم قال (... وبهذا يتبين بطلان هذه القصة الإسرائيلية والتي تروى عن ابن بنت كعب الأحبار نوف البكالى ...) إلخ كلامه فراجعه فإنه مفيد.","vol":"1","page":580},{"text":"فالخلق غير محتاجين إلى معرفته ولو احتاجوا إليه لما منعوا، والله أعلم.\nذكر النفير:\nقوله (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)","vol":"1","page":581},{"text":"حجة في أن النفير والنفقة فرضان على الكفاية، وحجة عند المحصلين في قبول خبر الواحد؛ إذ لم يلزمهم الحذر بنذارتهم إلا وقد لزمهم خبر من أنذرهم، وكل واحد منفرد بنذارة قومه، والحجة بخبره لازم للمخبر عنه.\nالمرجئة.:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>قوله: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)</span>","vol":"1","page":582},{"text":"حجة على المرجئة فيما ينكرونه من زيادة الإيمان ونقصه، وهذا نص القرآن ينطق بزيادته كما ترى.\nذكر الطهارة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)</span>\nقد بين بلا إشكال أن الرجس لا يكون نجسا بكل حال، إذ السورة لا تزيد أحدًا نجاسة، وإنما زاد هؤلاء جحودهم بها كفرا إلى كفرهم، والرجس هو: الكفر، والشرك بفعله نجس، وهكذا اللاعب بالميسر وشارب الخمر وعابد الأنصاب أنجاس بأفعالهم، لا أن الميسر والخمر والأنصاب أنجاس الذوات، ولكنها أفعال نهي عنها فاعليها، فصارت أرجاسا، وقد لخصناه في أول السورة عند قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) .","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>سورة يونس</span>\nذكر تعليم منازل القمر:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>وقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)</span>\nدليل على تعرف منازل القمر، وتعلم الحساب وأنه من العلوم النافعة التي قد ندب الناس إلى تعلمها، وليس بمشغلة عن الدين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>وقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ)</span>\n(إلى) فيه بمعنى اللام، والله أعلم.\nوهو من المواضع التي يحسن فيها، ما لم يتقدمها لفظ النظر كما يزعم المعتزلة والجهمية أن قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)\nمعنى لربها منتظرة متى يثيبها، وهذا منهم جهل بلسان العرب، وقد","vol":"1","page":585},{"text":"لخصناه في كتاب الرد على الباهلي (١) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>وقوله: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)</span>\nحجة عليهم في التزيين.\nذكر وجوب السنة:\nوقوله!!: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)\nدليل على أن سنن رسول الله، ﷺ، كلها مسنونة بوحي، وهي إذا صحت برواية الثقات، لزمت لزومه.\nوفيه رد للقياس، إذ كان رسول الله، ﷺ، مع جودة خاطره وفضله فيه على جميع أمته، لا يخترع من تلقاء نفسه حكما ولا تحدى فيه على حكم إلا ما يوحى إليه، فمن بعده أحق أن لا يكون لهم إلا ما نص عليه لهم، غير متخذين اختراعهم وتشبيهاتهم - التي لا يأمنون فيها من الخطأ والزلل - دينا بين عباد الله، تحكم لهم","vol":"1","page":586},{"text":"وعليهم حكم النصوص التي مما لا ارتياب فيها أنها الحق.\nرد على المعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>قوله: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية لذكر الكلمة السابقة التي ما يؤمنون بها ألبتة، وهي - والله أعلم - في اختلافهم أنهم يختلفون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>قوله: (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا)</span>\nحجة على المعتزلة والجهمية في ذكر المكر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>قوله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)</span>\nحجة عليهم شديدة","vol":"1","page":587},{"text":"فيما يزعمون أن كل فاعل منفرد بفعله من غير أن يكون معانا عليه، وقد أخبر الله نصا - كما ترى - أن من يسير في البر والبحر هو يسيره.\nوفيه حجة في خلق الأفعال، لأن السير فعل متصرف في الخير والشر\nلا محالة، والله يسير كل سائر كما ترى.\nفإن قيل: فقد قرئ: \" هو الذي ينشركم \" بالنون والشين (١)؟\nقيل: قرأه أبوجعفر يزيد بن القعقاع وحده دون سائر القراء، وليس بخارج عما أردناه، لوقوع الفعل عليهم بالنشر والتسيير.\nقوله (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا)\nفأنث الصفة ثم قال: (جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ)\nولم يقل: عاصفة، فيشبه - والله أعلم - أن يكون رده على لفظها.\nوفيه حجة لمن يفعل ذلك.\n_________\n(١) وهي قراءة سبعية قرأ بها ابن عامر وأبوجعفر.\nانظر في ذلك تفسير الطبري (١١/ ١٠٠)، والمبسوط في القراءات العشر في القراءات العشرة (١٧٠)، حجة القراءات في القراءات.","vol":"1","page":588},{"text":"ذكر الخصوص والعموم:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>قوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية شديدة؛ لأن الدعوة عامة والهداية خاصة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)</span>\nحجة على الجهمية، إذ هم يقولون بأخبار الآحاد ويثبتونها. ومشهور عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: \" الزيادة النظر إلى وجه الله، تبارك الله وتعالى \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>قوله: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)</span>","vol":"1","page":589},{"text":"حجة على المعتزلة والقدرية واضحة. فكيف يقدر على الإيمان من هذه سبيله لو تدبروه،.\nذكر الظن:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>وقوله: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)</span>\nدليل على أن الظن لا يجوز استعماله في حال من الأحوال، إذ ما لا يغني من الحق شيئا ليس بحق، وضد الحق الباطل.\nوقد يجوز أن يكون قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)\nمصروفا بعضه الذي هو إثم إلى السيىء من الظنون، وسائره إلى الحسن منه، إذ كان من الظنون ما هو حسن وما هو سيئ، وقد جمعهما اسم واحد، ومع ذلك، فهو من الأضداد، إذ يكون بمعنى الشك وبمعنى العلم، والله أعلم بما أراد بالبعض الآخر، وقال رسول الله، ﷺ، جملة: \" إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث \"\nكما ذكره الله جملة ههنا","vol":"1","page":590},{"text":"في سورة يونس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>قوله: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ)</span>\nنظير ما قبل هذا أن الميت بعد المساءلة لا يعلم شيئا ولا يشعر بطول المكث في القبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>قوله: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية في أمره رسوله، ﷺ، بالتبرؤ من الضر والنفع إلا بمشيئته، وقد شرحته في سورة الأعراف.\nقوله (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ)\nعرف بالألف واللام - والله أعلم - لقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)","vol":"1","page":591},{"text":"، وكأن موسى لما ألقوا قال لهم: هذا الذي جئتم به أنتم هو السحر الذي نسبتموه إلى الحق، والحق لا يكون سحرا.\nوفي حرف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب \" سحر \" بغير تعريف\nإلا أن أحدهما قرأ: \" ما آتيتم به \" والآخر \" ما جئتم به \".\nوأحسب مجاهدا وأبا عمرو وأبا جعفر قرأوه على الاستفهام، استثقلوا تعريفه مع الاتصال فاستراحوا إلى الاستفهام اتباعا للخط.","vol":"1","page":592},{"text":"وما قلناه معنى حسن لمن تدبره، والدليل عليه قوله: إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) .\nأفلا تراه أخبرهم أن الحق الذي جاء به فنسبوه إلى السحر يحققه الله، والسحر يحصل في أيديهم، والله أعلم بما أراد من ذلك.\nذكر الذرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>قوله: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ)</span>\nحجة في تسمية أشياء المختلفة باسم واحد؛ إذ اسم الذرية التي تعرفه العامة واقع على الصبيان والنساء دون الرجال البالغين قال رسول الله، ﷺ، لرجل في بعض غزواته: \" الحق خالد بن الوليد فقل له: لا تقتلن ذرية ولا عسيفًا.\nوالذرية تجمع الرجال والنساء البالغة والصغار، قالت الله - تبارك","vol":"1","page":593},{"text":"وتعالى -: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)\nوقال (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) .\nوقال (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ) .\nوهي في هذا الموضع القليل كأنه - والله أعلم -: \" فما آمن لموسى إلا قليل من قومه \" كذلك حكي عن ابن عباس.\nذكر الإيمان والإسلام:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>قوله: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)</span>\nحجة لمن يقول: الإيمان والإسلام وإن فرق بهما اسم فجماعهما واحد.\nوفيه دليل على أن التوكل من الإيمان، وهو رد على المرجئة.","vol":"1","page":594},{"text":"ذكر صلاة الخائف:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)</span>\nحجة في تخلف الخائف عن الجمعة؛ لأن موسى وأخاه وقومهما - لا محالة - كان فرضهم أن يصلوا في مسجد بيوت المقدس، ولم يكن جعلت لهم الأرض كلها مسجدا وطهورا؛ إذ هذا من الخصال التي خص بها محمد، ﷺ، وفضل بها على سائر الأنبياء، فأمرهما الله أن يصليا وقومهما في بيوتهم حيث خافوا فرعون وملأه أن يفتنوهم فلا نعلم صلاة حضورها فرض علينا إلا الجمعة، فإذا خشينا خوف وسعنا أن نصلي الظهر في بيوتنا ولا نحضر الجمعة.\nحجة الشافعي في أن العرب تبتدئ بالشيء من كلامها يبين آخر لفظها","vol":"1","page":595},{"text":"قوله (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)\nحجة للشافعي - ﵁ - فيما قال: إن العرب تبتدئ بالشيء من كلامها يبين آخر لفظها فيه عن أوله؛ إذ ابتداء القول في الدعاء إخبار عن موسى وحده دون أخيه، وآخره يدل على أن الدعاء كان منهما جميعا فيما يقول: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) .\nوفي دعوتهما حجة على المعتزلة والقدرية، ألا ترى أنهما دعوا عليهم\nبما يحول بينهم وبين الإيمان من الشد على قلوبهم، فأجيبا، فلو كان ما دعوا به محالا كما يزعمون لم يدعوا، ولو دعوا ما أجيبا.\nذكر العلم:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>قوله: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) </span>.","vol":"1","page":596},{"text":"حجة لمن قال: من العلم ما يكون وبالًا\nألا ترى أن الله - ﵎ - ذم هذا الاختلاف منهم، وقال (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) ة) .\nويؤيده حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - عن رسول الله، ﷺ: \" إن من العلم لجهلا.\nقبول خبر الواحد:\nوقول: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)\nمن أكبر الدليل وأوضحه على قبول خبر الواحد، لأنه - ﷻ - لم يأمر رسوله، ﷺ، بمسألة من أمر إلا وإذا أخبروه لزمته الحجة بقولهم، وكل واحد ممن يخبره منفرد لخبره، وإن صدقه غيره والحجة لازمة بقوله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>قوله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)</span>","vol":"1","page":597},{"text":"حجة على المعتزلة والقدرية واضحة.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ </span>(١٠٠)\nحجة على المعتزلة.\nولقد بلغني عن بعض سفهائهم أنه قال: معناه: ولو شاء ربك لألجأ\nمن في الأرض كلهم إلى الإيمان واضطرهم ولكنه تركهم مختارين. وهذا لو لم يكن خلافا للتلاوة وتركا لألفاظها، لكان في التأويل خطأ من غير إشكال.\nوكيف يكون كذلك وهو يقول: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)\nإذ الإذن هو الإطلاق، وقد دللنا على فساد قولهم في جعلهم الإذن علما في سورة البقرة وغيرها فأغنى ذلك عن إعادته.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)</span>\nفيه - والله أعلم - إضمار، كأنه قيل لي: أقم","vol":"1","page":598},{"text":"وجهك، وهو نظير ما مضى في سورة الأنعام: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) .","vol":"1","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>سورة هود</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>قوله: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)</span>\nدليل على استنزال الرزق والعيش الطيب بالاستغفار والتوبة.\nومثله إخبارا عن نوح، ﷺ: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) .\nفلو أن رجلا ممن لا يولد له اشتهى أن يكون له ولد فاستغفر محتسبا مستعطفا به أولادا لولد له، وإن كان ميناثا (١) فأحب الذكور من الأولاد لم يعدمهم، فإن الله صادق في قوله لا يخلف ميعاده.\nذكر الزنادقة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>قوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)</span>\n_________\n(١) الميثاء: هو الذي يلد الإناث فقط، ومنه قولهم: امرأة مئناث، ورجل مئناث إذا ولدا الإناث فقط وضده مذكار: الذي يلد الذكور.\nانظر لسان العرب (٢/ ١١٣) مادة أنث، والقاموس المحيط (١/ ١٦٧) مادة أنث.","vol":"1","page":601},{"text":"، وكذلك في سورة يونس: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ)، وقوله في سورة بني إسرائيل: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)\nوكذلك قوله في سورة البقرة: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)\nحجة على الزنادقة والمعطلين؛ إذ عجز جميعهم عن إيراده، وقدرتهم على الأشعار والخطب ودقة الكلام في الحكمة والفلسفة والأسجاع العويصة - شاهد بصحته ودليل على منزله أنه حق واحد منفرد بما لا يشارك فيه.\nالمعتزلة:\nوقوله: إخبارا عن نوح ﵇: <span data-type=\"title\" id=toc-248>(وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية، خانقة لهم جدا لا يجدون عنها محيصا ولا عن","vol":"1","page":602},{"text":"غيرها، وكيف يضربون عن هذه الآية وأخواتها ويفزعون إلى قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)،.\nوقد دللنا في سورة الأنعام على أنهم وضعوها غير موضعها بما يغني عن إعادته في هذا الموضع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>قوله: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ)</span>\nحجة عليهم، فلولا أن القضاء سابق في سعادة المبادرين إلى الإيمان من قومه وبالشقاوة لمن تخلف عنه، ما كان لذلك معنى، ولكنه لما تكامل إيمان من قسم له أوحى إليه أنه لن يؤمن غيرهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>قوله: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)</span>\nحجة عليهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>وقوله: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ)</span>\nحجة عليهم وعلى الجهمية في أن الاستواء الاستقرار.","vol":"1","page":603},{"text":"معنى القوم:\nقوله إخبارا عن هود، ﷺ: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>وقوله: (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)</span>\nوما قال: (ومن قوم موسى)\nوكل ما في القرآن من ذكر القوم دليل على أن القوم وإن انفرد به الرجال في حال فهو يجمع الرجال والنساء في أكثر الأحوال، لإحاطة العلم بأن ذكر القوم في هذه الأمكنة قد جمع الرجال والنساء، وأن كل أمة سميت بالقوم وبعث إليها نبي، فهو مبعوث إلى الرجال والنساء.\nفأما الموضع الذي يكون القوم فيه رجالا دون النساء فقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) .\nقال زهير:\nوما أدري ولست إخال أدري\nأقوم آل حصن أم نساء","vol":"1","page":604},{"text":"قوله تعالى: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)\nحجة على المعتزلة في إيفائه إياهم نصيبهم من عبادة الأوثان، والله أعلم.\nوكذلك قوله: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ)\nوهذه واضحة قاطعة كل ارتياب لهم لو تدبروها، فقد جمعت أيضا الأعمال منه لكل، وقد دخل فيه الكافر والمؤمن والعامل بالخير والشر.\nالصلوات الخمس:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>وقوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)</span>\nدليل على أن الصلوات الخمس تمحو الخطايا كما قال رسول الله، ﷺ: \" مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، فماذا عسى يبقى من درنه؟.","vol":"1","page":605},{"text":"و(طرفي النهار): الفجر والعصر، (وزلفا من الليل): المغرب والعشاء.\nوقال في موضع آخر: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)\nفهي: الظهر (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)\nفقد دخل فيه العصر والمغرب والعشاء ثم قال «وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) .\nفهذا ذكر الصلوات الخمس في القرآن.\nوقد ذكر الفجر وعشاء الآخرة بلفظهما في سورة النور فقال:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) .\nوقال في سورة البقرة: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)","vol":"1","page":606},{"text":"وروي عن النبي، ﷺ، أنها: العصر؛ لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>قوله: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) </span>.\nحجة عليهم واضحة.\nقوله (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ) .\nقالوا: في هذه السورة.","vol":"1","page":607},{"text":"وقال الحسن: في الدنيا وهو أشبه - والله أعلم - لأن الحق جاءه في السور كلها.","vol":"1","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>سورة يوسف</span>\nذكر تسمية الجد أبا:\nقوله تعالى إخبارا عن يعقوب: (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ)\nحجة في تسمية الجد أبا، لأن إسحاق جد يوسف وإبراهيم جد أبيه.\nذكر الشراة:\nقوله إخبارا عن إخوة يوسف: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)\nمع كل ما ذكرهم به من الغدر بأخيهم وإلقائه في الجب، وكذبهم بعد رجوعهم إلى أبيهم رد على الشراة، فيما يزعمون أن الذنوب كفر، إذ ليس يقدرون أن يكفروهم وهم أنبياء، وقد فعلوا تلك الأفاعيل كلها، ثم أخبر عنهم في آخر","vol":"1","page":609},{"text":"السورة بعد ندامتهم: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)\nولم يقولوا كفرنا، ولا رد الله عليهم ولا أبوهم قولهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>وقوله: (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)</span>\nوهم رجال وقول النابغة.\n.............................. وما أحاشي من الأقوام من أحد\nإلا سليمان..............،","vol":"1","page":610},{"text":"ذكر ما روي أن البلاء موكل بالمنطق إخبارًا عن يعقوب:\nقال: (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)\nيؤكد أن البلاء موكل بالمنطق، لأنهم لم يعتلوا على أبيهم إلا بالشيء نفسه الذي سمعوه ينطق به لا غيره.\nذكر البكاء:\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>وقوله: \" (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)</span>\nدليل على أن البكاء يكون من الفرح، ويكون كذبا وصدقا؛ إذ بكاؤهم لا يخلو من أن يجمع المعنيين، أو أحدهما.","vol":"1","page":611},{"text":"ذكر البيوع:\n* * *\nقوله تعالى: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ)\nدليل على أن الشراء قد يكون بمعنى البيع، إذ \" شروه \" لا محالة باعوه.\nوفيه حجة أن بيع الأحرار ظلم، وما أخذ من أثمانهم حرام؛ لأن الثمن البخس هو الحرام المأخوذ بظلم، قال الله ﵎: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) . ثم قال: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ)\nأي أخذه بالثمن.\nتسمية المخلوق بالرب:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>قوله: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)</span>\nحجة في أن","vol":"1","page":612},{"text":"تسمية المخلوق بالرب غير منكر ولا حاط درجة الناسكين.\nوفيه بيان أن يوسف، ﷺ، كان يضع نفسه مع صاحبه موضع المماليك ويسميه ربا. (١)\nوفيه بيان أن محافظة الحسن إلى الإنسان من أخلاق الأنبياء وذوي الفضل، وأن حرمة نسائهم أعظم من غيرهن؛ إذ في مواقعة المعصية معهن سوى تحريم الزنا خيانة وإضاعة حرمة.\nتسمية المخلوقين بالسادة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>قوله: (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ)</span>\nحجة في أن تسمية المخلوقين بالسادة جائز لا يضر ناسكا ولا غيره.\nذكر إباحة الانتصار:\nقوله إخبارا عن امرأة العزيز، «قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)\n_________\n(١) هذا بناء على أن المراد بقوله: (إنه ربي) عزيز مصر، وهو قول مجاهد والضحاك. وهناك قول بأن المراد بالرب هنا هو الله سبحانه وهو قول الزجاج.\nوانظر في ذكر هذين القولين في تفسير الآية تفسير الطبري (١٢/ ١٨٢) وتفسير للماوردي (٢/ ٢٥٨)، وزاد المسير (٤/ ٢٥٣)، تفسير القرطبي (٩/ ١٦٥)، التفسير الكبير (٥/ ٥٤)، وروح البيان للألوسي (١٢/ ٢١٢) .","vol":"1","page":613},{"text":"حجة في إباحة الانتصار ومقابلة الظالم بمثل فعله.\nقوله إخبارا عنها: (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) .\nدليل على صحة استفزاز المرء بالمواجيد حتى يفعل ما لايشعر به.\nغير أنه في الباطل، لأن ما أبهتهن من رؤية يوسف لم يكن بتأمل حق، وهذه حجة الصوفية وهي عليهم، لأنهن رأين رؤية عين، وهم لا يرون رؤية عين.\nذكر المعاقبة:\nقوله إخبارا عنها: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) .","vol":"1","page":614},{"text":"حجة في أشياء:\nفمنها: ما دل آخر الكلام على أوله من أن النسوة كلهن اشتركن في مراودة يوسف وإن كان الخطاب في أول الكلام من امرأة العزيز بالوعيد له إن عصى أمرها. وهو نظير ما مضى في سورة يونس في قوله إخبارا عن دعوة موسى، ﷺ: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) .\nومنها رد على المعتزلة والجهمية: فيما يزعمون أن الإنسان مالك نفسه، لا يحتاج إلى عصمة ربه عن المعاصي.\nوهذا نبي الله يوسف - ﷺ - يدعو بصرف كيدهن\nعنه علما منه أن العصمة هي التي تنجيه وتحول بينه وبينه المعصية، فأخبر الله عن إجابة دعوته وصرف عنه كيدهن كما ترى.","vol":"1","page":615},{"text":"ومنها: أن قول يوسف، ﷺ: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)\nوإبلاء الله - جل وعلا - إياه اتعاظ لغيره أن لا يختار على سؤال العافية شيئا، وقد روي عن معاذ بن جبل أن النبي، ﷺ، مر برجل وهو يقول: اللهم إني أسألك الصبر، فقال: \" سألت الله البلاء، فاسأل الله العافية، وأنه، ﷺ، عاد رجلا قد صار مثل الفرخ، فقال: \" ما كنت في داعيا به، فقال: كنت أقول: اللهم ما كنت معذبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقد صرت كما ترى، فقال: \" ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار \".\nوروي في بعض الأخبار: أن يوسف، ﷺ، لو سأل العافية ولم يسأل السجن لأعطي.","vol":"1","page":616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>قوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)</span>\nقد صح من حيث لا ارتياب فيه أن البلاء موكل بالمُنْطَقِ، وذلك أن هذين لم يكونا رأيا ما قالا، وكأنهما تحالما وبليا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>قوله: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) </span>.\nنظير ما مضى في إباحة تسمية المخلوق بأسامي الخالق، ألا ترى\nأنه أخبر به عن نبيه، ﷺ، ثم ذكره هو جل وعز، وكذلك قوله (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ) .\nوكذلك قوله: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ)\n، وكل هذا حجة واضحة في إباحة ذلك، وقد لخصناه في سورة آل عمران.","vol":"1","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>قوله: (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ)</span>\nقد حقق ما قلناه في: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) .\n\nذكر تطرية النفس:\nقوله إخبارا عن يوسف، ﷺ: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)\nحجة في تطرية النفس بالحق عند الحاجة إليها، ولا يكون من التزكية النهي عنها بقوله: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) .\nوفيه أيضا حجة في تسمية المخلوقين بأسامي الخالق، إذ الحفيظ والعليم جميعا من أساميه جل وعز.\nخصوص في ذكر العموم وذكر الطاعة ونيل الدنيا:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>قوله: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) </span>.","vol":"1","page":618},{"text":"دليل علي أشياء:\nفمنها: الخصوص في ذكر العموم، إذ لا محالة تمكين يوسف لم يكن\nفي جميع الأرض بل كان بأرض مصر ومخاليفها دون سائر الأرض.\nومنها: أن الطاعة تثمر الرزق في الدنيا ويعطى المؤمن الأجر عليها\nفي الدنيا ولا ينقص ذلك من ثوابه عند الله شيئا، كما يعطى الكافر بالشيء يسكن له في الدنيا ولا يكون له في الآخرة نصيب.\nومنها: أن نيل الدنيا إذا لم يشغل عن الآخرة غير مذموم، ويكون المعطى به موصوفا غير مسخوط عليه، وأنه وإن كان كذلك، فأجر الآخرة خير منه، لقوله - ﵎ - من قائل: (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) .\nتطرية:\nقوله إخبارا عن يوسف، ﷺ: (قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)\nأوضح حجة وأبلغها نهاية في تطرية النفس عند الحاجة وتسميتها بأسامي الخالق، ألا تراه يقول في سورة المؤمنين: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)","vol":"1","page":619},{"text":"فقد سمى يوسف، ﷺ، نفسه بخير المنزلين في المعنى الذي أراده، ولم يكن منكرا عليه ولا مستقبحًا منه.\nوفيه حجة لمن يقول إذا أراد مدح إنسان: فلان خير من فعل كذا، وفلان أحسن الناس وجها، وإن كان في الناس من هو خير منه وأحسن، إذا أضمر القائل ناس عصره، وعزل من تقدمهم من الأفضل بنيته، فلا يكون كاذبا ولا آثما بما يدل عليه ظاهر قوله.\nوقال رسول الله، ﷺ: \" ألا أخبركم بخير الناس منزلة، رجل آخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله كلما سمع صيحة طار إليها \"\nفلا يكون هذا الرجل خيرا من الأنبياء وصحابة الأنبياء، ولكنه خير أشكاله.\nويدخل في هذا المعنى أن الخبر المروي في علي - ﵁ -:\n\" أنه خير البشر\" (١) .\n_________\n(١) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٩٢/٣) . وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣٤٧) وقال: لا يصح عن رسول الله.\nوالذهبي في المغني في الضعفاء (١٥٥/١) في ترجمة الحر بن سعيد النخعي (١٦٧/١) وفي ترجمة الحسن بن محمد بن يحى العلوي، وفي الميزان (١/ ٤٧٢) وقال: إنه باطل. وأورده الشوكاني في الفوائد المجموعة ص (٣٤٧، ٣٤٨) وقال عنه: موضوع.","vol":"1","page":620},{"text":"\" وخير من ترك بعد النبي، ﷺ، أو خير من خلف بعده \" بكلا اللفظي لو صح أيضا كان يكون على هذا المعنى، فلا يكون خيرا من الأنبياء والذين هم من البشر، ولكنه خير من البشر الذين هم دونه، ولا خير من أبي بكر وعمر وعثمان الذين خلفوا بعد النبي، ﷺ، ولكنه خير ممن بعدهم من المخلفين، فإما أن يقروا بهذا في علي - ﵁ - وإما أن يكفروا بالله، فيزعمون أن يوسف خير من ربه - جل وتعالى - والآخذ بعنان فرسه خير من نبيه، ﷺ، وهذا عظيم القول، وما بيناه واضح غير مشكل ولا ملتبس عند من تدبره.\nذكر الاحتراز من العين:\nوقوله إخبارا عن يعقوب - ﷺ -: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا)\nحجة في الاحترازات خشية العين، لأن يعقوب، ﷺ، نبي","vol":"1","page":621},{"text":"وقد فكر في هذا وربه - جل وعلا - وإن كان قد بين أن احترازهم لم يغن عنهم شيئا، فلم ينكر وصاة أبيهم بذلك، وقال نبينا، ﷺ: \" العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين \".\nوفيه حجة على من ينفي القدر؛ لأن العين وإن كان حقا فليست تصيب إلا بقدر.\nذكر المعاريض:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>قوله: (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)</span>\nإلى قوله: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩) .","vol":"1","page":622},{"text":"حجة في جواز المعاريض، بل في إباحة الكذب فيما دعا إلى الصلاح والخير، ودفع الحرج فيه. وزوال المأثم في تكريره، وهو يؤيد حديث رسول الله، ﷺ: \" لا يصلح الكذب إلا في ثلاث\nأحدها: في الإصلاح بين الناس \"\nودليل في أن الوصول إلى الحقوق وصلاح ذات البين مباح بالحيل.\nوأن الحيل المنهي عنها المعدودة من أبي حنيفة - ﵁ - ذمًا هي فيما أحل حراما أو حرم حلالا.","vol":"1","page":623},{"text":"وأن البلاء موكل بالقول فيما تشمئز منه النفوس أو يكون صفرا من المنافع، لأن يعقوب، ﷺ، حيث قال: (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)\nقاله بقلب وجل ونفس مشمئزة.\nوالمتحاملين ليوسف، ﷺ، كذبا في رؤياهما تطربا وعبثا. فأما ما دعا إلى الصلاح من المواطئة على الأمور التي تجدي المنافع فبعيد من البلوى وجدير بأن يبلغ صاحبه إلى الحظ الأوفى.\nذكر المحبة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>قوله: (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)</span>\nحجة في أن الحبة والشوق يبليان ويهلكان، والحرض: البالي","vol":"1","page":624},{"text":"الخالة بمنزلة الأم:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>قوله: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ)</span>\nدليل على أن الخالة بمنزلة الأم، لأن أم يوسف، ﷺ، كانت ميتة.\nوإنما آوى إليه أباه وخالته، وكان يعقوب جمع بين أختين\n\" ليا، وراحيل \" أحلهما الله له.\nمعنى العرش:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>قوله: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ)</span>\nحجة في أن العرش هو","vol":"1","page":625},{"text":"السرير - لا محالة - وأن عرش الله أيضا - ﷻ - هو سريره الذي استوى عليه لا العلم كما يزعم الجهلة من الجهمية.\n: معنى خروا له سجدًا:\n* * *\nقوله: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)\nيعني أبويه وإخوته وكان تحيتهم إذ ذاك، فأبدل الله هذه الأمة بها السلام.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>وقوله: (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)</span>\nيعني قوله في أول السورة: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) .\nفكانت الكواكب إخوته، والشمس والقمر أبويه - أباه وخالته - هذا قوله بعض المفسرين أو معنى قوله.\nوأما الذي عندي في: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) أي: خر يوسف وإخوته","vol":"1","page":626},{"text":"وأبوه وخالته سجدا لله حيث جمع شملهم بعد تبديده.\nوسجود الشمس والقمر والكواكب له في المنام تأويله: ما أعطاه الله\nمن الملك ومكنه من السلطان في البلاد والأمر والنهي والاجتباء، والنبوة، وتعليم الأحاديث، وقد أخبر ببعض ذلك عن أبيه في تأويل الرؤيا في أول السورة.","vol":"1","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>سورة الرعد</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>قوله: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)</span>\nدليل على أن في النخيل ذكرا وأنثى؛ لأن النخيل من الثمرات، لقوله: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ)\nوكذلك كل ثمرة.\nذكر الجهمية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>قوله تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ)</span>\nرد على الجهمية؛ إذ قد عجب - جل وتعالى - من كفرهم بالبعث، والعجب عندهم منفي عنه من أجل أنه من صفات المخلوقين، وقد حكاه عن نفسه - جل وتعالى - كما ترى، وليس شيء من صفاته مخلوقا، وإن شاركه المخلوق فيه بالاسم؛ إذ هو من المخلوق مخلوق، ومنه - جل وتعالى - غير مخلوق.\nوروي عن النبي، ﷺ، أنه قال: \" عجب ربنا - ﵎ - من قوم يقادون في السلاسل إلى الجنة وهم كارهون \"،","vol":"1","page":629},{"text":"\" ويعجب من شاب ليست له صبوة \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>قوله: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)</span>\nحجة عليهم، والمحال: المكر وقالوا: الحيلة، وقالوا: الحول والقوة، (٤) .. \"\nذكر محاسبة الكفار:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>قوله: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ </span>وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨) .\nحجة في أن الكفار يحاسبون، ومثله قوله في سورة النور (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) .\nوفي قوله في","vol":"1","page":630},{"text":"سورة الحاقة ما الحاقة: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)\nثم قال في تمام الآية: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)\nفدل أنه في الكافر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) </span>.\nوكذلك قوله: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)\nحجة على المعتزلة والقدرية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>قوله: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)</span>\nحجة عليهم واضحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>قول: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)</span>\nحجة عليهم.","vol":"1","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>سورة إبراهيم</span>\n* * *\nقوله تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ)\nحجة على المعتزلة والقدرية بينة، لحكمه بالإخراج عليه، واشتراطه\nإذنه. والإذن: الإطلاق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)</span>\nحجة عليهم.","vol":"2","page":21},{"text":"قياس.\n* * *\nقوله: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ<span data-type=\"title\" id=toc-279> لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَ</span>شَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)\nحجة في إبطال القياس لمن تمَيزه، وغاص (عليه. ألا ترى أن","vol":"2","page":22},{"text":"الكفار كيف أردوا رسالة الرسل، لأن رأوهم يشبهونهم في البشرية.\nفكان عندهم أن الشيئين إذا استويا في الشبه وجب أن يستويا في الحكم.\nوكان محالًا عندهم أن يكون بَشَرٌ وَبشَرٌ يرسل أحدهما، ويفضل بالرسالة\nعلى شبهه في الجنسية، فصدقتهم الرسل فيما ادعوا عليهم من مساواة\nالجنسية، وخالفوهم في إيجاب مساواة الجنسية مساواة الحكم فقالوا\nلهم: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) .\nثم أكدوا ذلك بما أعلموهم أن ليس لأحد أن يحكم على غيره بحكم\nدون إطلاق الله إياه فقالوا: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nفيقال لمثبتي القياس: ما أنكرنا منكم أن المسميات بتحريم التزايد\nفيها من الأنواع الستة مشابه من المسكوت عنه، ولكن إطباق الرسل على\nأن متشابه الأشياء لا يوجب الجمع بين أحكامها، حاظر علينا أن نجمع","vol":"2","page":23},{"text":"بين المسكوت عنه والملفوظ به في التحريم حتى يكون من الله جل\nجلاله، أو رسوله - ﷺ - المفروض طاعته، أو\nجماعة المسلمين المعصومين من الخطأ - إِذْنٌ في جميع أحكامها كما ابتدأ\nالملفوظ به المنصوص عليه بحكم التحريم، وكما ابتدأ الرسل بالمن\nعليهم، وباين بينهم وبين أشباههم المساوين في البشرية\nفخصهم بالرسالة، ثم لم يجعل حكم سائر المساوين لهم في الجنس\nأحكامهم في الرسالة، لأن أشبهوهم في الجنسية، فهلا يعتبر المعتبر\nأن الله - ﷻ - لما ابتدأ على لسان رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - بعض المتساويات في الأشباه، والمتفقات في الأغذية والأقوات\nبتحريم التزايد فيها كيف شاء لا معقب لحكمه لم يكن للناظر في سائر\nأشباهها أن يُسَوِّيَ بين أحكامها، كما لم يكن للمبعوثين إليهم أن\nيسووا بينهم وبين رسلهم في إبطال رسالتهم لأن أشبهوهم في البشرية.\nفهذا واضح لا إشكال فيه عند من شرح الله صدره، وَدَاله على أن\nللأشباه وإن اعتدلت في المثل، واتفقت في العنى لم يوجب بأنفسها اتفاق\nأحكامها في تناولها وحظرها، لأن اعتدال أنفسها اعتدال خِلْقة.\nوتناولها حكم عبادة وائتمار وانتهاء، فأحكام التناول منوطة بالمتعبد\nالآمر الناهي، غير مقتصر بها على اعتدال نفس تلك الأشباه، فمن\nوُفقَ لفهم هذا أغناه عن كثير من تطويل المطولين في نفي القياس.\nوَزَهَّده في سلك طريق القياسيين، وقرر عنده أن الأشياء متساوية\nالمنافع معتدلة معاني ما يلتمس من أنفسها، متقاربة الخلق قبل نظر","vol":"2","page":24},{"text":"القائس فيه، ولكنها غير منبئة عن أنفسها بتحريم ولا بتحليل، فإذا حظر\nالتعبد بعضها وسماها منفصلة بأساميها لم تجذب أشباه ذاتها إلى أنفسها حكم\nالتعبد في غيرها، ولا عند القائس لو أنصف أوجب ذلك لاختلاف التعبد\nوأشباه تلك الأشياء في أنفسها إذا التعبد شيء والمتمول غيره.\nذكر ضرب الأمثال.\n* * *\nقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) .\nمع هذا النوع في السور حجة في ضرب الأمثال.\nباب الإذن.\n(وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ)","vol":"2","page":25},{"text":"رد على المعتزلة والقدرية فيما يزعمون أن الإذن من الله بمعنى\nالعلم، لا أنه إطلاق فرارا مما يلزمهم في قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nفلو كان كما يقولون لكان المدخل إياهم الجنة فى هذه الآية غيره، هذا كفر.","vol":"2","page":26},{"text":"ذكر كلمة الإخلاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>قوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ)\nإلى قوله في الكلمة الخبيثة: (مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)</span>\nدليل على أن كلمة الإخلاص جامعة للخير، نامية للحسنات، جالبة\nعلى قائلها كلما لفظ بها ثوابًا مجردًا، مثمرة له كل ما يقر الله به عينه في\nمعاده إذا ورد عليه، وأن كلمة الكفر غير مثمرة لقائلها خيرًا. بل\nحاطة عنه خيرًا إن كان له، تاركة قائلها مفلسًا لا تنمي له شيئًا يقر الفَه\nعينه إذا ورد عليه.\nتثبيت المساءلة، ورد على المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>وقوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)</span>","vol":"2","page":27},{"text":"حجة على المعتزلة والقدرية، وبشارة لأهل السنة ومن يؤمن بالمساءلة\nفي القبر، ودليل على أن القبر من منازل الآخرة. أفترى الميت باقي\nالاستطاعة يجيب سائله بحوله وقوته. وقد جمع الله - ﷻ -\nبين تثبيته وتثبيت الحي في كلمة واحدة.\nأفلا يحقق لهم هذا أن قائل الشيء وفاعله - وإن كان قوله وفعله\nمنسوبين إليه، لأنه قائلهما وفاعلهما - فغير قادر على الحقيقة أن يفعل\nخيرًا أو ينطق به إلا بالتوفيق، ولا الشر إلا بالخذلان، وهذا هو\nالوضع الذي لَبّس عليهم أمرهم ولم يعلموا أن الله - ﷻ - لما\nكان له أن لا يشهد عباده خلق السماوات والأرض، ولا خلق أنفسهم\nأن يخزن علم هذا فينفرد هو به.","vol":"2","page":28},{"text":"ويكون عنده عدلًا منتظما، وإن كان في عقول الجهلة جورًا\nمتناقضًا.\nورأيتهم مع جهلهم يؤمنون بأخبار الآحاد بل يحتجون بها في مصنفاتهم، ولكنهم صفاق الوجه،","vol":"2","page":29},{"text":"قليل الرعة يتلقون ما لا يوافق هواهم، ويمتنع من تأويلاتهم المستنكرة\nبالرد.\nوقد صح في تثبيت الآخرة عن النبي - ﷺ - أنه في\nالقبر إذا سئل مَن ربك، وما دينك، وأحسبهم لا يؤمنون بعذاب القبر ولا\nالمسائلة خوفا مما يلزمهم في هذه الآية من جمع الله - جل وتعالى - بين\nالتثبيتين، وبشارة من يؤمن بها جليلة في التثبيت. واللَّه لا يخلف الميعاد.","vol":"2","page":30},{"text":"ذكر رؤية الرب فى القيامة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) و(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً)</span>\nطَيِّبَة)\n(أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) .\nوأشباهه في القرآن.\nيحتج به الجهلة من المعتزلة والجهمية في نفي رؤية العين عن الله - جل\nجلاله - في القيامة، ويزعمون أن قول رسول الله - ﷺ -","vol":"2","page":31},{"text":"\" ترون ربكم يوم القيامة كما تَرونَ القمر ليلة البدر لا تُضَامُونَ في\nرؤيته \" على هذا المعنى لا رؤية العين.","vol":"2","page":32},{"text":"ونحن لا نخالفهم في هذا الموضع أنها ليست برؤية العين، غير أن\nالجمع بين هذه وبين حديث رسول الله - ﷺ - جهل\nغالب، وغلط فاحش من وجوه:\nفمنها: أن هذه الأشياء كلها مذكورة في الدنيا، والرؤية في حديث\nرسول الله - ﷺ - في الآخرة.\nومنها: أن هذه الأشياء لا تتصرف (ترى) فيها، لأنها على معاني\nالمجاز والاستعارة في كلام العرب، كما يقولون في إرادة الحائط قال اللَّه\n﵎: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيد أَن يَنقَضَّ)، ولا إرادة له","vol":"2","page":33},{"text":"كإرادة الإنسان التي تتصرف، لا يقال: ألم تر إلى صنيع زيد\nبعمرو رؤية، كما يقال في رؤية العين: رأيت الملك على سريره رؤية.\nورأيت القمر أراه رؤية، ولا يقال: رأيت الله محسنًا إليَّ رؤية، ورأيته\nحكم في كتابه بكذا، ورأيته يأمر بقطع السارق، وجلد الزاني رؤية.\nقال زهير:\nألم تر أن الله أهلك تبعًا\nوأهلك لقمان بن عاد وعاديًا\nفلم يجز لأحد أن يصرف هذا من قول زهير، وكان له أن يصرف\nقوله: نظرت إليه نظرة فرأيته على كل حال مرة هو حامله. أي\nنظرت إلى الفرس فرأيته يحمل الغلام على السهل، ومرة على الجبل.\nلأنه من رؤية العين.\nومنها: أن قوله - صلى الله عليه وسم -: \" كما تَرون القمر \" قد","vol":"2","page":34},{"text":"قطع كل لُبسة أن الرؤية هي رؤية العين لا علم القلب، إذ محال أن يقول\nبصير: رأيت القمر وهو لايراه بعينه.\nولقد بلغني عن سفيه من سفهائهم أنه قال: معنى قوله - صلى الله\nعليه وسلم -: \" ترون ربكم كما ترون القمر لا تُضَامُون في رؤيته) . أي\nتعرفون ربكم يوم القيامة اضطرارًا لا شك فيها كما أن معرفتكم للقمر في\nالدنيا اضطرار لا شك فيه.\nفتأويله: أترى الأنبياء وأصحابهم والمؤمنون كلهم لم يعرفوا الله في\nالدنيا معرفة يقين لا شك فيها حتى يوافوا يوم القيامة فتزول شكوكهم\nفي معرفته حينئذ، أو ترى رسول الله - ﷺ - حيث\nقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أمر بها لا وصول له\nإليه، أو رسول الله - ﷺ - كان شاكّا في علمه.\nأوليس يقول ﵎: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)، ولم يزل ينفي الربوبية عن كل آفل","vol":"2","page":35},{"text":"من الكوكب والقمر والشمس حتى قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)، فأداه ربه إلى اليقين\nالذي قال له: (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) .\nأو ترى أنه - ﷻ - حيث مدح المؤمنين بأنهم يؤمنون بالغيب\nمدحهم وهم شاكون في إيمانهم بأن الله ربهم، أو حيث قال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) لم يصدقوه فيما قال قبل ورودهم القيامة، فماذا يقال\nلقوم يحملهم الحرص على تصحيح مقالتهم، والاحتجاج لباطلهم على\nمثل هذه الأمور الغلاظ الهائلة، بلِ المؤمنون والأنبياء والصالحون\nقبلهم كانوا كلهم موقنون بحقيقة ربوبية الله، وبكل ما دعاهم إليه من\nالحشر والنشر والقيامة قال الله ﵎: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ)\nبل أكثر الكافرين أيضا يعلمون أن الله خالق","vol":"2","page":36},{"text":"الأشياء فضلا عن المؤمنين، قال الله ﵎: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) . وإذا كان كلما وصفناه كذلك بينا واضحًا\nفرؤية ربنا يوم القيامة هو لا محالة رؤية عين كما أن نظرنا إلى القمر في\nالدنيا رؤية عين، والاحتجاج على نفيه وإنكاره ب (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا)، وأشباهه لا وجه له.","vol":"2","page":37},{"text":"ذكر سعة لسان العرب.\nقوله إخبارًا عن إبراهيم: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)\nحجة لمن يقرأ في سورة الأنعام: (وَاَللَّهِ رَبِّنَا) بالنصب، لأن كل\nهذا من دعاء إبراهيم - صلى الله عليه - وكان في دعائه مخاطبًا ثم رجع إلى\nلفظ الخبر فقال: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)، ولم يقل: وما يخفى\nعليك من شيء، فسواء رجع من لفظ المخاطبة إلى لفظ الخبر، ومن لفظ\nالخبر إلى لفظ المخاطبة إذ كل ذلك تحتمله سعة اللسان. فليس لاختيار\nالخفض في (رَبِّنَا) من أجل أن (وَاَللَّهِ) خبر وجه مع سعة اللسان تجيز\nكلًا ويسهل فيه.","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>سورة الحجر</span>\nذكر المعتزلة.\n* * *\nقوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)\nحجة على المعتزلة في الوعيد، إذ لو كانت ذنوب المسلمين تخلدهم مع\nالكفار في النار ما ودوا إسلامهم، ولا تحسروا ما رأوا من انتقال حالهم.\nولو كان لا يسعد بالجنة إلا صالحوا المسلمين والأنقياء من الذنوب لكان -\nوالله أعلم -: ربما يود الذين كفروا لو كانوا صالحين.\nأفلا يدلهم إعمال فكرهم في هذه الآية لو أعملوه على أنهم لا محالة\nمخلطوا المسلمين، ومن مات منهم بغير توبة، فأدخلوا النار بذنوبهم حتى\nإذا استوفوا عقوباتهم، أو ما أحب الله منها أخرجهم مِنَ النار وأدخلهم\nالجنة فتحسر أهل الخلود من الكافرين على ما به خرجوا وودوا حينئذ\nلو كانوا من أهله.","vol":"2","page":40},{"text":"باب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>قوله: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)</span>\nحجة عليهم في ذكر الكتاب الذي لا يؤمنون به بتة.\nفإن قالوا: الكتاب هو العدد لا ما جرى به القلم. واحتجوا بقوله\n﵎ في المعتدة: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، وزعموا أن هذا هو العدد.\nقيل لهم: وهذا أيضا عندنا له مما جرى به القلم، لكنا نسامحكم في\nهذا الموضع فنقول: لا تعدون الكتاب إلا عددًا. أو ليس هو عدد أجلٍ\nمضروب للمهلكين قبل أعمالهم التي إذا عملوها مستوفاة على أنفسهم","vol":"2","page":41},{"text":"انصرم مدة الأجل المضروب لهم فيها، فاستوجبوا الهلاك حينئذ، ولم\nيستوجبوا قبله بأول عمل عملوه.\nفإن قالوا: ليس بأجل مضروب لهم قبل العمل، ولكنها عدد أعمال\nإذا عملوها استوجبوا الإهلاك، أحالوا معنى الآية ونقضوا قولهم في باب\nالوعيد إذ من قولهم: إن الخلود واجب في النار على من مات بغير توبة\nمن ذنب واحد، كما يستوجب بِعِداد ذنوب، وقد أخبر الله نصا كما\nترى أنه لم يهلك قرية قط إلا بأجل معلوم، فالأجل إذًا على زعمهم\nمجهول غير معلوم وفي تسميته الأجل بالمعلوم أكبر الدليل على أنه قبل\nالعمل لو تميزوه. إذ من قولهم: إن أعمال العباد غير مخلوقة، وهي\nمبتدعة باختيار عامليها إن شاءوا عملوهها، وإن شاءوا تركوها.\nفهل يجوز أن يكون لمن هذه سبيله أجل معلوم في الهلاك، والهلاك\nعقوبة ذنب عامله مستطيع لتركه.\nهذا ما لا يذهب على أفهام الفهماء إذا نظروا فيه بحسن روية، ونفاذ\nبصيرة.","vol":"2","page":42},{"text":"ذكر التأكيد فى كلام العرب.\n* * *\nقوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)\nدليل على أن في كلام العرب تأكيدًا، بل جمع بين تأكيدين، لأن\nلأن (كُلُّهُمْ) تأكيد، و(أَجْمَعُونَ) تأكيد آخر) .\nفإن قيل: فما معنى قوله: (إِلَا إبليس) وإبليس من الجن لا من الملائكة بقوله في سورة الكهف: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)\nقيل: هو - واللَّه أعلم - مستثنى من الساجدين، لأنهم وإن كانوا\nملائكة وإبليس جنيّا فكان في جملة المأمورين بالسجود لكينونته كان معهم\nحينئذ، والقرآن مختصر بليغ نازل بلغة العرب الذين يشيرون إلى المعاني\nتارة، ويؤكدون تارة، في لسانها من السعة ما فيه.\nوفي قوله: (يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)،\nحجة فيما ذكرنا في سورة الأنعام عند انتهائنا إلى قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)\nمن أن في القرآن أشياء لا يجوز","vol":"2","page":43},{"text":"استعمال ظاهرها بتة إذا كان له معارض يدفعه، ولا يمكن توجيه ما\nعورض إلا باطراح ما عارضه، وبه يمكن استعمال المعارض بتوجيهها\nمعًا، ألا ترى أن الله - ﷻ - يستخبر إبليس عما هو أعلم به\nمنه.\nأفيجوز لموحد أن يقول: إن الله ﵎ لم يعلم السبب الذي\nمنع إبليس من السجود لآدم حتى أخبره.\nلا لعمر الله، لا يجوز ذلك بل تعالى ذو الجلال عن هذه الأشياء.\nوكيف لا يعلمه وهو خالقه، وخالق طويته وإضماره، ولكنه على ما\nتعرفه العرب من كلامها، وتستعمله في محاوراتها فتسأل عن الشيء\nتعرفه أو لتؤكد الحجة على المسؤول، ومثل هذا كثير في القرآن، قال\nالله ﵎ لموسى - ﷺ -: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)\nوهو يعلمها ويراها.","vol":"2","page":44},{"text":"ذكر المعتزلة.\nوقوله تعالى إخبارَا عن إبليس: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)\nحجة على المعتزلة والقدرية في إزالة سلطان إبليس عن عباده إلا من\nغوى منهم، والغي مكتوب عليه بما قدمنا ذكره من الآيات في السور قبل\nهذا.","vol":"2","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>سورة النحل</span>\nوما دخل فيه من النهي عن التكبر:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)</span>\nخصوص لا محالة لخلو آدم منها، وعيسى - ﵉ - منها.\nوفيه حث على استشعار التذلل والتواضع، إذ مَن كان خلقه من نطفة\nضعيفة فإعداده نفسه في عداد الخصماء جهل به، وإغفال لمراعاة ما خلق\nمنه.\nوفيه دليل على أن التكبر متولد في الإنسان من قلة معرفته بنفسه.\nوفكره فيما خلق منه.\nوقد مضى في (المبين) الذي هو من أسامي الله، وقد سَمَّى به\nالمخلوق ما يغني عن إعادته في هذا الموضع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>قوله: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ)</span>\nحجة في إباحة لبس المرعزي، وكل ما يتخذ من الأوبار","vol":"2","page":46},{"text":"والأشعار.\nوقد لخصته في سورة الأنعام.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>قوله: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً)</span>\nدليل عالى أن طلب الجمال والزينة إذا عري صاحبها من الفخر\nوالخيلاء. وأراد بهما إظهار نعمة الله عليه ليس بمؤثر في نُسك الناسك، وليس من الدنيا المذمومة.\nألا ترى أنه - ﷻ - جعل ذلك في عداد النعمة على خلقه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)</span>\nدليل على أن الكلأ مباح كماء السماء، لأن الشجر - واللَّه أعلم -\nهو الكلأ قرنه في الآية بالماء، وأخبر أنا نسيم فيه - أي نَرعى -.","vol":"2","page":47},{"text":"وهو موضوع نشرحه في كتاب التجارات من شرح النصوص.\nالسَّمَك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>وقوله: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)</span>\nدليل على أشياء:\nفمنها: إباحة أكل السمك ما طفا منه، وما انحسر عنه، إذ ممكن\nأن يكون طفوه من فور خروج نفسه، والانحسار عنه كذلك، فلا يزول\nاسم الطري عنه.","vol":"2","page":48},{"text":"وأخرى: أن ما يحدث عليه من التغيير بعد الطراة فغير مؤثر في تحليله\nإذا الطراءة متقدمة على التغيير، وإذا صار بها حلا لم يضره حدوث التغيير\nعليه.\nذكر الحلى وركوب البحر.\nومنها: أن لبس حلية البحر مباح للرجال والنساء.\nومنها: أن الغوص في استخراجه مباح، ولا يكون تعرضًا للهلكة.\nومخاطرة بالروح، وذلك لمن يحسن العوم.","vol":"2","page":49},{"text":"ومنها: أن ركوب البحر للتجارة مباح، وتؤيده الآية الأخرى:\n(رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)، إذ محال أن يجعله في جملة النعم، ويضم ذكره في المباحات، ويذكر ابتغاء فضله جملة فيه ثم يحظر ركوبه في حال دون حال.\nوليس في حديث ليث بن أبي سُلَيم عن نافع عن ابن عمر:\n\" لا يركب البحر إلا حاج أو غازي أو معتمر \"\nمن القوة ما يعارض","vol":"2","page":50},{"text":"به القرآن، أو يخص به، لضعف ليث في نفسه، وسوء حفظه.\nالفتوى:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>وقوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)</span>\nدليل على أن من أفتى بغير علمٍ فَعُمل بفتواه كان إثم العامل عليه.\nتأكيد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>قوله: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ)</span>\nدليل على إجازة التأكيد في الكلام، إذا السقف لا يخر إلا من فوق\nالإنسان، وقد أكده الله كما ترى.","vol":"2","page":53},{"text":"فضيلة المؤمن وما يأتيه من البشارة عند موته.\n(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)\nدليل على أن الملائكة تسلم على المؤمن عند قبض روحه، وتبشره بما له عند ربه من الثواب.\nوالملائكة: مَلَك الموت وأعوانه - صلى الله عليهم -.\nومثل هذا قوله: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)","vol":"2","page":54},{"text":"وِقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)\nنظير ما مضى في سورة الأنعام من قوله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) .\nوالجواب فيهما واحد لا متعلق للمعتزلة والقدرية فيهما، للحجج\nالتي ذكرناها هناك، وما أعقب جل ثناؤه تلك وهذه، ألا ترأه يقول\nعلى إثرها: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ)","vol":"2","page":55},{"text":"ثم قال: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) .\nفكيف ينكر عليهم قول شيء قد أخبر عن نفسه من هداهم وإضلالهم\nإلا على ما ذكرنا من أنه لم يجعل لهم الاحتجاج بما خزن علمه عنهم.\nوتفرد به - ﷻ - وجعله سِرا من سره.\nفمغالطتهم لنا بما لا يذهب دقيقته علينا غير نافعة لهم، ولا منجيتهم\nمن إلزاماتنا الكثيرة إياهم بحمد الله ونعمته.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)\nدليل على أن ما قال سفيه المعتزلة في تأويل: \" ترون ربكم يوم القيامة\nكما ترون القمر \" غلط لا ارتياب فيه إذ حضور القيامة ومعاينة أحوالهما\nمُذِهب شكوك الكفرة، ومن كان لايؤمن بها، ويكذب على ربه في\nالدنيا، ويشك في ربوبيته، وإن المؤمنين غير شاكين في الدنيا","vol":"2","page":56},{"text":"والآخرة.\nوفي قوله: (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ)\nدليل على أن الله - ﷻ - مبين لمن خبره جمع الإضلال والعذاب، والأمر والمنع على نفس واحدة موضع عدله عليه، وإزالة جوره عنه ليعلم أنه كما قال لا محالة: (لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) .\nفي أن السجود لله براءة من الكبر.\n(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)","vol":"2","page":57},{"text":"دليل على أن من سجد لله فقد بَرِئ من الكبر، ووطن نفسه على\nالذل، ولم ينازع ربه في كبريائه وعظمته، ويؤيده ما قال قبل هذه\nالاَية: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) .\nفكيف يجد التكبر مساغا فيمن صغره السجود، وذله لربه جل\nوتعالى. ولا أحسب قول النبي - ﷺ - إخبارا عن\nربه: \" الكبرياء ردائي والعظمة إزاري \" إلا مصروفا إلى من يتكبر\nعن السجود لربه، ويمتنع من الإقرار بوحدانيته، قال الله تبارك\nوتعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)","vol":"2","page":58},{"text":"فدل على أن المستكبرين ليسوا من الذين آمنوا، وذللوا أنفسهم بالسجود للَّه ﵎.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبةٍ من خردل من كبر \". فدل على أنه","vol":"2","page":59},{"text":"الكافر الذي لم يخلط بكبره إيمانًا يحمله على السجود فيبرئه منه.\nوأرجو أن لا يكون المترفع من المؤمنين على غيره المختال في مشيته.\nوإن كان ذلك معدودًا منه في الذنوب العظام متكبرًا منازعًا ربه في\nكبريائه، لأن الخيلاء وإن كان ضربًا من الكبرياء فهو معدود في عداد\nالذنوب، والكبرياء الذي يكون كفرا هو الامتناع من السجود\nوالاستنكاف منه كالنفاق الذي يكون في الإيمان كفرا، وفي الأعمال\nذنبَا. قال الله ﵎: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)","vol":"2","page":60},{"text":"وقال: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)\nإلى: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)\nوقال رسول الله - ﷺ -:\n\" ثلاث من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: مَن إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان \"، فهذه أخلاق المنافقين ولكنها ليست نفاق كفر، وهي","vol":"2","page":61},{"text":"ذنوب عظام كبار لا يستوجب صاحبها بها الخلود في النار مع الكفار.\nوكذا الاستكبار إذا استكبر عن السجود كان كافرًا، وإذا ترفع\nعلى غيره، واختال في مشيته، وجرَّ ثوبه بطرًا كان ذنبًا عظيمًا ولم\nيكن كفرَا للحجج التي قدمناها في ابتداء الآية، ولغيرها قال الله\n﵎: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)\nوروي أن بعض فراعنة قال للنبي - ﷺ -","vol":"2","page":62},{"text":"\" لا أسجد فتعلوني استي. استكبارًا عن السجود.\nلأنه غاية التذلل والاستكانة. وإذا سجد العبدُ لله بَرِئ من كِبر الكفر\nكله.\nوكذا إبليس حين امتنع أن يسجد لآدم بأمر الله كان ذلك منه تكبرًا قال\nالله ﵎: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)","vol":"2","page":63},{"text":"وقال:\n(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)\nفإن قيل: فما معنى قول النبي - ﷺ -: \" الكِبر\nمَن سَفِه الحق، وغمص الناس \".\nقيل: معناه - والله أعلم - من سَفِه الحق الذي جاءت به الرسل من","vol":"2","page":64},{"text":"عند الله ونفر عنه، قال الله ﵎: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ) .\nومعنى \" غمص الناس \": استحقرهم - والله أعلم -وتقزز من مجالستهم لفقرهم وغناه كما استحقر صناديد المشركين من عاتب الله رسوله - ﷺ - عليهم فيهم، وأنفوا من مجالستهم\nحين تركهم رسول الله - ﷺ -، وأقبل على الصناديد","vol":"2","page":65},{"text":"طمعا في إسلامهم فقال ﵎: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) .\nفهذا كله راجع - والله أعلم - إلى ما كان عليه الكفار.\nفأما من دخل في الإسلام، وأخذ بشرائعه، وصلى وصام وصار من\nأهل القبلة، فعليه أن يأخذ بأخلاق أهل الإسلام، ويخفض جناحه للمؤمنين، ويكون رحيما بالضعفاء، محبا للمساكين يقربهم ويدنيهم، ولا يبطر نعمة الله، ويمشي على الأرض هَونًا بخشوع واستكانة.\nفإن تمسك بالإسلام، وخالف أخلاق أهله فترفع على الناس لأمره","vol":"2","page":66},{"text":"ونهيه، ونخوة سلطانه وما أشبه هذا، ومشى المطيطاء، فكل ذلك منه\nذنوب عظام كبار. ألا ترى أن الله ﵎ حيث بدأ العشر من سورة\nبني إسرائيل قال: ولا تقتلوا أولادكم، ولاتقربوا الزنا، (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) .\nفجعله في عداد الذنوب والمعاصي لا في عداد الكفر، وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" براءة من الكبر لباس الصوف، واعتقال الشاة، ومجالسة الفقراء المؤمنين، وأكل أحدكم مع عياله \".","vol":"2","page":67},{"text":"رد على المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>قوله: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)</span>\nدليل على أن الله - ﷻ - بذاته في السماء على العرش.\nوليس في الأرض إلا علمه المحيط بكل شيء.","vol":"2","page":68},{"text":"وهذا والله من المصائب العظيمة أن يضطرنا جهل المعتزلة والجهمية.\nوسخافة عقولهم إلى تثبيت هذا عليهم، وهو شيء لا يخفى على نوبية\nسوداء. روى الشريد بن سويد قال: قلت: يا رسول الله، إن\nأمي أوصت أن نعتق عنها رقبة، وعندنا جارية نوبية.\nقال: \" ادع بها \". فدعوت بها.\nفقال لها: \" أين الله، \" قالت: في السماء.\nقال: \" من أنا، \" قالت: أنت رسول الله.","vol":"2","page":69},{"text":"قال: \" اعتقها فإنها مؤمنة \".","vol":"2","page":70},{"text":"وهؤلاء الجهلة الأعداء لله يزعمون أنه في الأرض بنفسه كما هو في\nالسماء، وفي كل موضع من البر والبحر والهواء، وينكرون أنه على\nالعرش سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرَا.\nوكيف يكون كما يقولون - لعنهم الله - وهو يقول: (يَخَافُونَ\nرًبَهُم من فَوقِهِم)، ويقول: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)، ويقول: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ)، ويقول: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ)، وقال:","vol":"2","page":71},{"text":"(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، وقال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، وما يضاهي هذا من الآيات المنبئة عن الله - جل وعلا -\nأنه في السماء، وعلمه بكل مكان لا يخلو من علمه مكان.\nثم اجتماع أهل الصلاة، والسائر على أَلسِنة الخاصة والعامة من أن\nرسول الله ﷺ، أُسري به إلى السماء، ودليل القرآن\nعليه قال الله ﵎: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) .\nأي في السماء - والله أعلم.\nوتحقق قوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)\nفلم عُرج به إلى السماء إذًا - ويحهم - وهو في الأرض معهم،.\nواحتجاجهم بقوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ)","vol":"2","page":72},{"text":"فإنما هو علمه الذي لا يغيب عنه شيء.\nومعناه: أنه لا يخفى عليه نجواهم كما قال (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)، وَقَوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ)، و(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)\nلا متعلق لهم فيه لأنه إله من في السماء من الملائكة، ومن في الأرض من\nالخلق يعلم سر الجميع وجهرهم سبحانه وبحمده.\nذكر الرد على الجهمية في خلق القرآن\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)</span>","vol":"2","page":73},{"text":"حجة على الجهمية والمعتزلة في خلق القرآن، وإعدادهم الجعل بمعنى\nالخلق في كل موضع.\nفيقال لهم: أخلقوا البنات ولهم البنين في هذه الآية.\nفإن قالوا: نعم، كفروا بربهم حيث جعلوا معه خالقًا سواه.\nوإن قالوا: ليس الجعل بمعنى الخلق، رجعوا عن قولهم في\nالجعل، وبطلت في الاحتجاج به على خلق القرآن.","vol":"2","page":74},{"text":"ذكر قسمة الله فى الإناث.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>قوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ)</span>\nعِظة لمن يتسخط قِسمة الله له في الإناث، ولا يسلم لحكمه عليه.\nولا تطيب نفسه به.\nاستعارة الشىء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>قوله: (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)</span>","vol":"2","page":75},{"text":"حجة في استعارة الشيء ووضعه موضع غيره، لأن المبشرين بالإناث\nكانت لا تصير ألوان وجوههم سودا.\nولكن السواد كناية عما كان يعدوها من التغيير والصعوبة عليهم عند\nذلك وهو - والله أعلم - على ما يتكلم به الناس: سَود الله وجه فلان\nكما سود وجهي. إذا صنع إليه صنيعًا سيئَا، وفضحه في الناس بأمر\nقبيح.\nوهو في غير هذا الموضع سواد ألوانها قال الله ﵎: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) .\nوكذلك قوله:) (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ)، وقوله: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)","vol":"2","page":76},{"text":"وهو سواد ألوانها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>وقوله: (أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ)</span>\nالهاء - واللَّه أعلم - راجعة فيهما على المولود.\nذكر الاختصار والإشارة.\n(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)\nحجة في الاختصار والإشارة إلى المعنى، لأن قوله - ﷻ -:\n(مَا تَرَكَ عَلَيْهَا) أي على الأرض، ولم يجر لها ذكر في الآية.\nثم أخبر بتأخير الظالمين إلى أجلٍ مسمى لا يستأخرون عنه ساعة\nولا يستقدمون، ولم يخبر بعقوبتهم فاستغنى السامع بالإشارة إليها.","vol":"2","page":77},{"text":"وفي قوله: (مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ) دليل على أن اسم الدابة واقع على الناس لدبيبهم على الأرض، ومثله - قوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، فقد دخل فيه الناس وغيرهم من الدبيب.\nذكر القسم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>قوله: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ)</span>\nدليل على أنه قَسَم كما يكون بالواو. ودليل على أن المخبر عن\nنفسه جائز له أن يخبر بلفظ الغائب ولا يخبرِ بلفظ الإضافة، لأنه -\nﷻ - هو الله فقال: (تَاللهِ) . ولم يقل: بي، وهذا أيضًا","vol":"2","page":78},{"text":"توكيد حجة من قرأ: (واللَّه ربَّنا) بالنصب.\nذكر الفصاحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>وقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ)</span>\n(الهاء) - والله أعلم - راجعة على الجنس، وفي سورة المؤمنين:\n(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا)\nراجعة على اللفظ.\nوهو حجة لمن فعل ذلك في كلامه، ولا يكون عيبا عليه، ولا طعنا\nعلى فصاحته.\nذكر معنى النجاسة.","vol":"2","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>قوله: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)</span>\nدليل على أنه ليس كل ما جاور نجاسة نجس، حتى يدل على نجاسته\nدليل آخر يسلم لها.\nوفي ذلك أكبر بيان على أن الماء القليل الذي لم تغيره النجاسة لا يجوز أن\nنحكم بنجاسته وأصله طاهر لمجاورة النجاسة، وتيقن كينونتها فيه حتى\nينجسه عبادة برأسها، وكذلك سائر ما جاور النجاسة من غير\nالماء، كما أن اللبَن لما خلقه الله طاهرًا لم يضره مجاورة الدم له، وكان\nطاهرا على أصله.\nوكما خلق المني طاهرا فلم يضره كينونته في الصلب، وخروجه في\nالإحليل مخرج البول وكل ذلك أماكن نجسة.","vol":"2","page":80},{"text":"وكما كان فَمُ الهر طاهرًا لم يضره مجاورة النجاسة له بأكل الفأر\nوغيرها، وكان سؤر مائه طاهرًا.\nفكل هذه الأشياء يدل على مجاورة النجاسة للأشياء الطاهرة لا يجوز أن\nيجعل علمًا لتنجيسها دون مراعاة التعبد فيها.\nوليس هذا منا بقياس غير المذكورات على المذكورات، ولكنه تنبيه","vol":"2","page":81},{"text":"المعتبرين بمجاورة النجاسة للأشياء الطاهرة على تنجس ما جاورها على أن\nلا يعتبروا بها، ويراعوا العبادات في تنجيسها للإرادة.\nفإن قال قائل: أفيجعل ضَم الفرث إلى الدم في الذكر دليلا على نجاسة.\nقيل: لا يجوز ذلك، لأن الدم قد وقفنا على نجاسته من موضع\nآخر، ولم نقف على نجاسة الفرث، بل لنا أدلة على طهارته، وقد","vol":"2","page":82},{"text":"يقرن الشيء بالذكر إلى ما لا يشاكله في الجنس ولا يوجب الجمع بين\nحكميهما.\nوالأدلة على طهارة الفرث مذكورةٌ في كتاب الطهارة الذي ألفناه في\nشرح النصوص.\nذكر الخمر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>قوله: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا)</span>\n(الهاء) في: (مِنهُ) راجعة - والله أعلم - على لفظ (مِن) أو على العصير، أو الجنس لاَ عَلَى الثمرات والنخيل والأعناب.","vol":"2","page":83},{"text":"وفيه دليل على أن الخمر لا يحل ثمنها، ولا تعد في عداد الأملاك\nلإفراد ذكرها بالسكر، وسائرها بالرزق الحسن.\nفما لم يكن رزقًا لم يجز أن يكون ملكًا، ولو كان أيضًا رزقًا لكان خبيثًا\nلتسميته سائرها بالحسن، والخبيث لا ثمن له.\nوفي ترك تعليمه خلقه كيفية اتخاذ الرزق الحسن، وإخباره عن\nاتخاذهم معدودًا في ذكر النعيم - دليل على أن اتخاذه كيف أحبوه مباح\nلهم، وإذا كان ذلك كذلك فإفساد العصير المتروك للخل بالخل قبل\nالنشيش ليأمن النشيش غير مفروض، إذا النية في اتخاذه الرزق\nالحسن لا السكر القبيح، فليس في حدوث النشيش والمرارة عليه قبل\nالحموضة معنى يحرمه، قال الله ﵎: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)","vol":"2","page":84},{"text":"فتارك العصير بنية الخل المنتظر إدراكه مصلح لا مفسد\nوقال رسولى الله - ﷺ - لفيروز الديلمي\nبه حين نهاه عن شرب الخمر، وسأله كيف نصنع بأعنابنا.\nقال: \" زببوها \". قال: فما نصنع بالزبيب.\nقال: \" انبذوه على غدائكم واشربوه على عشائكم، وانبذوه في الشنان\nولا تنبذوه في القرب \" فإنه إن تأخر عن عصره صار","vol":"2","page":85},{"text":"خلا \"، ولم ينهه عن أكل ذلك الخل الحادث من عصير لم يفسد بالخل\nقبل استحالته إلى الخل. فهذا بين لمن تدبره. غير أني أحب على بيانه لمن\nقدر على الخل أن يفسد به عصيره قبل النشيش ليسلم من الاختلاف.\nفإن تركه لم أحرجه وكان مباحًا.","vol":"2","page":86},{"text":"ذكر النحل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>قوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ </span>فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)\nوفي قوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ) رد على الشافعي فيما\nيزعم أنما خرج من البطون نجس كله.\nودليل على أن النحل خلق يسوقه الله حيث يشاء، فإذا اتخذت بيتًا\nفي مُلك بشرٍ كان ما يخرج من بطونها رزقًا لحدوثها في ملكه، فإذا تحول\nإلى غير ملكه لم يكن له المطالبة به، وكان ما يحدثه في ملك من تحول إليه\nمن العسل له كما كان ما أحدثه في ملك الأول، ثم كذلك كلما انتقل.\nفإن اتخذ في أرض موات لا مالك لها كان عسله لمن بادر إلى أخذه.\nوتحصيله بالحيازة والنقلة.","vol":"2","page":87},{"text":"ونفس النحل لا يصلح فيها البيع والشرى، ولا يقع عليها\nملك، لعدم الوصول إلى إحرازها بوجه من الوجوه، وليست كالصيد من\nالطائر والدواب الذي إذا صِيد أُحرز وحبس حيث شاء صاحبه بقص\nأجنحة الطائر، ومنع الصيد من الخروج بغلق باب أو حائط أو\nتشكيل، والنحل لا يمكن فيها هذا، ألا ترى أنه يطين على مواضعها\nالصائرة فتخرج قبل أن يكشف أبواب أحجرة مواضعها، فهذا أحد\nوجوه منع البيع والشرى، وزوال الإملاك عنها.\nووجه آخر: أنها غير مضبوطة بكيل ولا وزن ولا عدد. ولا محاط\nبالنظر إليها ليشتَرى جزافًا كَشِرى الصُّبر المصبوبة في الأرض، وسائر\nالجزاف المحاط بالنظر إليه. ولإعواز الوصول إلى قبضها فبائعها يعتاض\nملكًا ولا يعوض مملوكًا.","vol":"2","page":88},{"text":"وما كان هذا سبيله فإن لم يكن زائدًا على بيوع الغرر والمخاطرات فهو مثلها\nولا يجوز بيع عسلها قبل تحصيله منها، لأنه غير محاط به، ولأنه\nإذا بيع ما حواها وعسلها أخذ النحل من الثمن نصيبًا ففسد الجميع.\nذكر المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية شديدة لجمعه بين المشيئة والإضلال\nوالهدى والسؤال عن العمل في آية واحدة، وهو قولنا الذي نقوله:\nإن الله - ﷻ - لو شاء لجعل الناس كلهم مؤمنين، ولكنه لم\nيفعل فأضل قومًا فكفروا، وهدى قوما فآمنوا، فعذب الكافر بجنايته\nوقد قضاها عليه بعدله، وأثاب المؤمن على إحسانه، وقد هداه إليه\nبفضله.\nوكل هذا حكم منتظم، وعدل شامل، وفضل بين عقلته الخليقة","vol":"2","page":89},{"text":"بعقولها أم لم تعقله، ولو لم يكن في القرآن من الرد عليهم إلا هذه الآية\nوحدها لكفتهم، فكيف وهو مملو بأمثالها بحمد الله ونعمته.\nذكر القياس.\n(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)\nإلى قوله: (عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)\nحجة في إبطال القياس واضحة لمن وفقه الله لفهمها، وأضرب عن\nاللجاج والعناد، وما ألفته نفسه من حلاوة قياسه والتحريم به والتحليل.\nوذلك أنه ابتدأ الآية بالحث على كل ما رزقنا الله من الحلال.\nوأخبر أنها نعمة علينا وأمرنا بالشكر عليها، ثم فصل ما حرم منه","vol":"2","page":90},{"text":"فقال: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)\nفصار كل ما عدا هذا داخلًا في الرزق، والحلال الطيب المعدود\nفي النعم التي يجب الشكر عليها، ولا يذهب على مميز إنما يعد ما تقدمه\nفصل في معنى الاستثناء من الجملة لا ابتداء، ثم لم يقنع - ﷻ -\nبذلك حتى قال على إثره: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)\nفليس لأحد من البشر أن يزيد في هذه الأنواع الأربعة المستثناة من جملة\nالرزق الحلال الطيب إلا طاعته مفروضة، لا يحرم ولا يحلل إلا ما\nأمره الله - ﷻ - هو رسول الله - ﷺ -\nالذي حرم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.\nوحرم التفاضل في أشياء مذكورة مسماة مذكورة معدودة، وحرم مهر البغي،","vol":"2","page":91},{"text":"وثمن الكلب، وعسب الفحل، ونهى عن بيوع بأعيانها مروية","vol":"2","page":92},{"text":"بروايات الثقات، فكل ما وجد نصا عن رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - فهو مضموم إلى الأربع، وما لم يوجد فيه نص وكان تحريمه\nبآراء الرجال فهو في حكم الآية افتراء عند من تدبرها، وغاص على\nنكتها.\nفإن قال قائل: أفتجعل سعد بن أبي وقاص في تحريم البيضاء","vol":"2","page":93},{"text":"بالسلت - والسلت ضرب من الشعير - وابن عباس في إعداد ما عدا\nالطعام في البيع بمنزلة الطعام قبل القبض والاستيفاء. مفتريين على\nالله.\nقيل: معاذ الله أن يكونا مفتريين، بل كانا فيما قالا موفقين\nمصيبين. فأما سعد بن أبي وقاصٍ - ﵁ - فإنه كان من\nمذهبه أن الحنطة بالشعير لا يصلح إلا مثلا بمثل. فلما سئل عن\nالبيضاء بالسلت - والسلت ضرب من الشعير رقيق القشر صغار\nالحب - قال: أيها أفضل،","vol":"2","page":94},{"text":"قال: البيضاء. فنهى عنه.\nولعل السلت بصغر حبه إذا يبس نقص.\nفسئل عن البيضاء بالسلت الرطب، فعلم أن السلت إذا يبس نقص\nعن البيضاء في الكيل، فيكون صنف من أنواع الستة بصنفٍ منها\nمتفاضلًا، والدليل على ذلك ما قال: \" سئل النبي - صلى الله عليه\nوسلم - عن شِرَى التمر بالرطب \" - والرطب رطب ينقص عن\nالتمر - فإذا نقص السلت الرطب إذا يبس عن البيضاء، وهما جميعًا\nمنصوصين، وعند سعد مستويان كان التفاضل بينهما ربا.\nفإن قيل: فما وجه إعداد سعد الشعير بمنزلة الحنطة في أن لا يجيز","vol":"2","page":95},{"text":"التفاضل فيهما ورسول الله ﷺ، قد أجازه.\nقيل: ليس ذلك من جهة القياس. وقد وافقه على ذلك\nعبد الرحمن ابن الأسود بن عبد يغوث\nوابن معيقيب الدوسي، وإليه يذهب أهل المدينة، ويلحقون\nبهما سائر الأصناف، ولا يجيزون واحدَا باثنين، وإلا كانا من جنسين\nمختلفين.\nفأما قول سعد وعبد الرحمن بن الأسود فله وجه عندنا وهو أن سعدًا\nفني علف حماره، وعبد الرحمن علف دابته فأمرا غلاميهما أن يأخذا","vol":"2","page":96},{"text":"حنطة يبتاعان به شعيرا، ولا يأخذا إلا مثلا بمثل. ولعلهما أرادا أن لا\nيأخذا إلا مقدار ما يكفي الحمار والدابة كل يوم، فمنعا التفاضل فيه من\nأجل تأخير قبض جميعه فكان يصير نسيئة فأمرا الغلامين أن لا يربيا، لأن رسول الله - ﷺ - إنما أباح فيهما نقدًا، وحرمه نسيئه.\nفهذا وجه متوجه من قول سعد، وهو أحسن وجه يوجه فيه.\nوأما قول ابن عباس - ﵁ - في أنه قال: \" كل شيء\nبمنزلة الطعام \" فهو نصّ في قول حكيم بن حزام حيث قال لرسول الله - ﷺ -: الرجل يريد مني البيع ليس","vol":"2","page":97},{"text":"من عندي أفأنفقه له، قال: \" لا تبع ما ليس عندك \".\nفإن قيل: أفليس وإن وافق قوله النص من حديث حكيم فقد قاله\nوهو لا يعرف النص.\nقيل: قاله على الظن، فقال: \" ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة\nالطعام \" ولم يحتم به، ولا خطره فوافق ظنه الحق.","vol":"2","page":98},{"text":"وما في قول صحابي تكلم بكلمة وفقه الله فيها للحق في شيءٍ بعينه\nمن الحجة للقائسين. أترى قول ذلك الصحابي - ﵁ - في\nشيءٍ بعينه أكثر من أمر الله - جل وتعالى - العدلين بالمثل في جزاء\nالصيد الذي لايعدوا به موضعه، ولا يحمل غيره عليه.\nوقد قال عمر بن الخطاب - ﵁ - في أشياء نزل القرآن","vol":"2","page":99},{"text":"بتصديقه، وابن عباس - ﵁ - وإن لم يكن له من الجلالة ما لِعُمرَ فهو صحابي فاضل جليل لاينكر له أن يتكلم في شيءٍ تَرِدُ سُنة لرسول الله -\nﷺ - بتصديقه. ولا يكون ذلك ذريعة إلى إباحة\nالقياس، وحجة فيما ليست لرسول الله - ﷺ - سُنة\nيوافق قوله، ويصدق تحليله وتحريمه.","vol":"2","page":100},{"text":"ومن الدليل على أن هذا من قول ابن عباس لم يكن قياسًا، ولا رأى\nالقياس دينًا مستعملاَ في كل ما عدم فيه النصوص: أنه جعل أجل الحامل\nالمتوفى عنها زوجها آخر الأجلين، ولم يقسها على المطلقة، وأجاز لها\nأن تعتد حيث شاءت ولا تمكث في بيتها، ولم يقسها على ما أمر اللَّه\nالمطلقة من المكث في بيتها، وترك الخروج إلى انقضاء أجلها إلا لفاحشة\nمبينة.","vol":"2","page":101},{"text":"وفي ذلك دليل أيضا أن الصحابي قد تذهب عليه السنة التي يعرفها\nغيره، فلا تنحط بذلك درجة فضله وحق صحبته. فقد خَفِي على\nابن عباس - ﵁ - في هاتين المسألتين حديث سُبيعَة الأسلمية.","vol":"2","page":102},{"text":"وحديث الفريعة أخت أبي سعيد الخدري بخلاف ما أفتى به.\nذكر المعاني المختلفة باسم واحد.\n(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ)\nيعني - والله أعلم - ما قصه في سورة الأنعام في قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ)\nإلى آخر الآية. وهذا تحقيق","vol":"2","page":103},{"text":"نزول الأنعام بمكة ونزول النحل بالمدينة إلا أربعين آية من أولها إلى قوله\n(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)\nوالحسنة في هذا الموضع هي المدينة.\nوهذا أيضًا حجة في تسمية العرب المعاني المختلفة باسم واحد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>قوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا)</span>\nأيضًا حجة في تسمية العرب كثير المعاني باسم واحد، والأمة هاهنا","vol":"2","page":104},{"text":"معلم الخير يأتم الناس به في الهدى.\nصفة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)</span>\nحجة في ترك الغِلظة والخرق عند الأمر بالمعروف والنهيْ المنكر\nواستعمال اللين واللطف فيهما، لأنه أجدر أن يلين له قلب المأمور.\nوأحرى أن تصل الموعظة إليه.","vol":"2","page":105},{"text":"ذكر الاستطاعة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>وقوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ)</span>\nدليل على أن الاستطاعة وإن كانت منسوبة إلى العبد فالمعونة عليها من\nعند الله.","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>سورة بني إسرائيل</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>قوله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ)</span>\nكان سفيان الثوري يقول: (إِلى) هو بمعنى: على.\nكأنه يقول: \" على بني إسرائيل \". وهو حسن جدا.\nلكنا نسامح القوم فيها، لأنها قد تكون في هذا الموضع بمعنى: (أوحينا) .","vol":"2","page":107},{"text":"فى القياس.\n(وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)\nحجة في ردّ القياس، إذ كانت الأشياء مفصلة إلى التحليل\nوالتحريم، فقد أغنى الله عن القياس وأهله.\nومثل هذا قوله في سورة الأنعام: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) .\nذكر المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>قوله: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية في إلزام الطائر.","vol":"2","page":108},{"text":"والطائر: ما قضى عليهم من الشقاوة والسعادة.\nقوله أيضًا: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا)\nلا تدفع قولنا، لأن الله - ﷻ - قد أخبر بالإضلال\nوهداهم عن نفسه في مواضع من كتابه هذا وكل ما يشاكله من\nإضافة الأفعال إلى العباد لا ينقض ماحكاه عن نفسه، إذا الأفعال\nجارية من فاعليها على ما سبق من القضاء عليهم فيها.","vol":"2","page":109},{"text":"فمن نسب الفعل إليهم، والقضاء إليه فقد قال بجميع المعنيين واستقام\nقوله.\nومن أنكر القضاء، وردَّ كل آية فيها. فما بالهم يردون كتاب ربهم\nخشية كسر قولهم فيما لا يضر جهله. ولو أضربوا عن اللجاج، ولم\nيحملوا أمر الخالق على عقول أنفسهم لانتظم لهم القول بالقضاء، ونسبة\nالفعل إلى فاعله، وكانوا يصرفون لحوق الحيرة بهم في مصاحبة العدل\nعقوباتهم مع قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)\nإلى ما أثرناه عليهم من أحواله في عقوبة آدم وولده، ومرض الصغار، وَخَول العبيد وأشباه ذلك. إذ لا موضع لإنكارهم معاقبة الجانين لقضائه غيره، وغير حمل حكمته الجليل - جل","vol":"2","page":110},{"text":"ثناؤه - على حكمة الحكيم منهم، أولا يعتبرون - ويحهم - أن الذي\nينازعون عليه من يسمونه المشبهة ويصنفون عليهم فيه الكتب\nقد التزموه دونهم، فكأن قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)\nوهو عندهم في الصورة ددن الأفعال حتى يضاهون بأفعاله وأفعال\nخلقه فيما ينكرون على من قَلَب عليهم نفس مقالتهم. فيقول لهم:\nإذا كان لكم أن تأخذوا معرفة عدل الله وحكمته من عدل خلقه\nوحكمتهم كان لغيركم أن يأخذ صورته من صورة خلقه.\nوأقل ما على القائلين بالعدل إطلاق سبيل هم سالكوه، ولا يحظرون\nعلى غيرهم نفس ما هم فاعلوه.\n(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ)","vol":"2","page":111},{"text":"قد كفانا كل مؤونة في باب العدل، وأعلانا عليهم من كل جهة، إذ\nليس يخلو (أَمَرنَا) من أن يقرأوها مخففة أو مثقلة، فإن قرأوها مخففة\nأقروا بكل ما أنكروه بألفاظ خصمائهم.\nوإن قرؤوها مثقلة قيل لهم: أفمن العدل عندكم تأمير مترف فاسق\nومؤمره يجد مؤمنًا مطيعًا، أو تكثيرهم - فإن التثقيل يحتمل التأمير\nوالتكثير،","vol":"2","page":112},{"text":"فإن قالوا: لا. كفروا، لأن الله قد أخبر عن نفسه بذلك. فإن\nقالوا: هو من فعل المخلوق بالمخلوق جَور، ومن الخالق بالمخلوق عدل.\nقيل: فهو عدل من حيث تعقلونه بعقولكم، أو من حيث تسلمون\nفيه لربكم.\nفإن قالوا: من حيث نعقله بعقولنا.\nقالوا: محالًا. وإن قالوا: من حيث نسلم فيه لربنا علمًا منا بأن\nالجور ليس من صفته، ولا الكذب من نعته، وقد أخبر عن نفسه\nبتأمير هؤلاء، أو بأمرهم فهو صادق في إخباره، عادل في فعله وإن\nلم نعقله نحن بعقولنا.\nأقروا بكل ما أنكروه. علموا أن المنكر هو أخذ معرفة عدله من عدل\nخليقته، وحكمته من حكمتهم، فإن المعروف والصواب من القول هو:\nأن الله لما أخبر عن نفسه بأنه ليس كمثله شيء واستحال عندهم أن تؤخذ\nصورته من صورة خلقه استحال عندهم أن تؤخذ حكمته من حكمتهم.\nوما يتصور جورًا أو عدلًا في أفعالهم، وقبيحًا منهم في حكمهم لم يجز أن\nيكون كذلك منه متصورَا، إذ لا فرق بين من تشبه بخلقه، وبين من تشبه\nخلقه به في أفعالهم لم ينفعه امتناعه من تشبيه صورته بصورهم، والتحكم\nليس من شرط المحصلين. ومن لم ينصف خصومه في الاحتجاج عليهم لم","vol":"2","page":113},{"text":"يقبل بيانه وأظلم برهانه.\nأو يكون - والله أعلم - حركناهم لعمل ما سبق عليهم من القضاء\nبالسبق. وقد قُرئ: (آمرنا) مطولة الألف. أي أكثرنا وهي عليهم\nأيضا.\nذكر ما فى العاجلة.\n* * *\nقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)\nحجة عليهم إذا العاجلة لا محالة هي التي استحقوا بها النار، ولا يكون\nذلك إلا مذمومَا غير مرضي. وقد أخبر الله نصا أنه عجلها لهم، بل أخبر مع التعجيل لهم بإرادته منهم بقوله: (لِمَنْ نُرِيدُ)","vol":"2","page":114},{"text":"وأكده بما بعده حيث يقول: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)\nأفلا يرون ويحهم كيف أخبر عن إمداده إياهم بعطائه، وعن تفضيل\nبعضهم على بعض، وسبب التفضيل عطاؤه لا انفرادهم باكتساب الخير\nوالشر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)</span>\nفي هذا الموضع أمرٌ أو وصية. وليس للقوم علينا فيه حجة لاَ في\nلفظِ القضاء أنه الأمر، ولاَ في الأمر بأن لا يعبد سواه، إذ قد دللنا على أن\nالعرب قد تُسمي باسم الواحد المعاني الكثيرة. ودللنا على الفرق بين\nالقضاء والأمر في سورة الأعراف عند قوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)","vol":"2","page":115},{"text":"إذ الأمر لا يكون إلا بإفصاح، والقضاء: إرادة في\nالمأمور مغيبة عنه. ودقيقة العدل في جميعها على نفسٍ واحدة مغيب عن\nأفهام البشر منفرد ربنا - جل وتعالى - بعلمه.\nذكر الاستطاعة.\nقوله في الوالدين: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)\nحجة عليهم في الاستطاعة، إذ تربيتهما إياه ليس بقوة أنفسهما.\nولا باقتدارهما بلِ الله رابهما ورابي الولد معهما ورازق الجميع.\nوموفيه. وقد نسبه الله إليهما كما ترى. وكذا فاعل المعصية والطاعة\nمعا بقضاء الله ومشيته منسوبان إلى الفاعل لا يؤثر أحدهما في صاحبه.","vol":"2","page":116},{"text":"ذكر القربى.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)\nحجة في أن للمسكين وابن السبيل حقَا في الغنائم والصدقات\nجميعًا لأن ذكرهما مع ذي القربى - وذوي القربى ليس من أهل","vol":"2","page":117},{"text":"الصدقات - دليل على أن المقصود بإعطائهما منه في هذه الآية الغنائم لا\nالصدقات. غير أنهما إن كانا مستغنيينِ بمال الغنيمة في عام الصدقة لم\nيكن لهما أن يأخذا منهما، لأن أخذهما بمعنى الحاجة إليه. فإذا\nاستغنيا عنه وارتفع عنهما الاسم الذي يستوجبانها لم يكن لهم حق في\nمال ليسا من أهله.\nوإذا ضاق المال ولم يكن فيما يصل إليهما ما يزول به اسم الحاجة عنهما\nأخذا منهما معا، وحل ذلك لهما.\nوكذلك إن وقعت غنيمة وقد استغنيا بمال الصدقة لم يكن لهما حق.\nوجعل لمن لم يستغن بها ممن يأخذ بالاسم الذي كانا به آخذين.\nوالحجة في أنهما يأخذان من كلا المالين أن اللَه - جل وتعالى -\nقد ذكرهما في آية الصدقات في التوبة فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) إلى قوله: (وَابْنِ السَّبِيلِ)، وذكرهما في آيتي","vol":"2","page":118},{"text":"الغنيمة في الأنفال والحشر فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، وقال: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) .\nفقد أوجب لهما في كلا المالين حقًا لا يجوز إسقاطه.\nوما روي: \" أهل الغنيمة كانوا في عهد رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - بمعزِل من أهل الصدقة، وأهل الصدقة بمعزِل عن أهل\nالغنيمة\".\nمصروف إلى سوى من ذكر في أهل الصدقة معهما. فلا يجوز أن نحرم\nالمساكين وأبناء السبيل حقهم من المالين وقد أثبته الله لهم نصا برواية يمكن\nصرفها إلى غيرهم من غير معارضة ولا انتقاض.\nوفي قوله: (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)\nفي سورة بني إسرائيل دليل على أن سهم المساكين إذا أعطوا جاز أن يُوضع في واحد دون ثلاثة، إذ المقصود - والله أعلم - اسم المسكنة لا العدد. ألا ترى أن الله - جل","vol":"2","page":119},{"text":"جلاله - جمعهم في اللفظ في سورة الأنفال، وسورة التوبة والحشر ثم\nأفرد لفظهم في سورة بني إسرائيل. وإذا كان ذلك كذلك والمقصود به\nالمسكنة فسواء أخذوا من فيء أو غنيمة أوصدقة يُعطى العدد والواحد\nعلى ما سهل وتيسر على المفرق ولا حرج عليه.\nفإن قيل: أفيجوز أن يوضع أربعة أخماس خمس الغنيمة والفيء في\nصنف واحد من المذكورين في الآية كما زعمته في الصدقات.\nقيل: لا يجوز في الغنيمة ما يجوز في الصدقة.\nوالفرق بينهما أن مال الغنيمة والفيء مقهور عليه المشركون، ومأخوذ\nمنهم قسرا، مشروك فيه من ذكر في الآيتين.\nومال الصدقات: طهرة لأهله متقرب به إلى الله طلب الثواب. ففي\nأي صنف وُضع لحق دافعه اسم القربة، واستوجب الطهرة. ولو كان\nلا يلحق دافع الصدقة اسم الطهر، ولا يستوجب الثواب حتى تصل إلى\nجميع المذكورين في الآية لوجب أن يتألف منه قوم على الإسلام إلى يوم\nالقيامة، كما كانت المؤلفة تُعطى منه على عهد رسول الله - صلى اللَّه\nوأوجب إذا فقد المكاتبون في بلد يقسم به صدقة","vol":"2","page":120},{"text":"أهله أو غيرهم من الأصناف أن تخرج إلى غيرهم، فكان يخرج سهما من\nصدقات أرض الخيل كلها في كل عام إلى غيره.\nوهذا خلاف ما أمر به رسول الله - ﷺ - معاذ بن","vol":"2","page":121},{"text":"جبل من أخذ صدقات أغنياء أهل اليمن ورده في فقرائهم.\nولو لم يكن من الحجة في إجازة وضعها في صنف واحد إلا هذا الخبر\nلكفى. إذ ليس أحدٌ أعلم بالمراد في آية الصدقات ممن أنزلت عليه وهو -\nﷺ - لم يقل لمعاذ بن جبل: خُذها من أغنيائهم\nفردها في الأصناف الثمانية، بلِ اقتصر به على فقراء اليمن.\nفكل هذا يدل على الأصناف المذكورة في الآية منهم أصناف مواضع\nالصدقة، ومن يستوجب دافعها إليهم ثواب صدقته فطهرة لسائر\nماله، لا أنهم يشتركون فيها كاشتراك أهل الغنيمة والفيء.","vol":"2","page":122},{"text":"ومما يؤكد ذلك إجماع الأمة جميعا على أن صاحب الصدقة لو جاءه\nالمصدق وقد أخرج صدقته، وثبت عنه لم يكن له أن يعيدها عليه.\nوقد دفعها إلى بعض من ذكر في الآية دون بعض إذ لا محالة لم يلحق\nالعامل عليها منها شيء.\nغير أني أقول: إن العامل عليها إن لم يعوضه الإمام من موضع آخر\nحقًّا بما صار في يديه لابد من إعطائه لمِاَ لحقه من التعب والنصب في\nجميعها، فيكون أجرة له على عمله.\nذكر السرف.\nوفي قوله: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)\nتغليظ شديد على المنفقين في معاصي الله، إذا التبذير لا يقع إلا","vol":"2","page":123},{"text":"عليها من أجل أن النفقة على ثلاثة وجوه:\nفمنها: ما يلتمس ثوابها من مفروض وغيره.\nومنها: مباح وقد وضع الله الحرج فيها بقول: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)، وبقوله: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)، (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا)، فلم يبق إلاّ نفقة المعصية فاستحق صاحبها اسم التبذير، وصار به من إخوان الشياطين.\nفكل ما حرم الله على العباد أكله أو شربه أو فعله فأنفق فيه منفق نفقة\nسُمي مبذرًا. صائرًا بها من إخوان الشياطين كفورًا لربه جل وتعالى.","vol":"2","page":124},{"text":"والذي نختار من النفقتين القصد فيهما لقوله ﵎: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) .\nفنهيه جل وتعالى - عن مجاوزة الحد والإجحاف بالنفس في النفقة، وتركها بواحدة خشية السرف.\nأنزلت هذه الآية فيما بلغنا في دفعه - ﷺ - قميصه\nإلى سائله من النساء، وقعوده في البيت عريان.\nوالنهي واقع على ما تجحف هذه الإجحاف بالمنفق، ويكون مثله","vol":"2","page":125},{"text":"معدودًا في وجوه السرف.\nإذا السرف في اللغة سرفان:\nأحدهما: مجاوزة الحد في النفقة. وهو ما نهى عنه رسول الله -\nﷺ - فقال بعد ذلك: \" خير الصدقة ما تصدقت به\nعن ظهر غنى\".\nوالسرف الثاني: هو الخطأ في الفعل ما كان الفعل من شيء.\nقال جرير يمدح قوما:\nأعطوا هُنيدةَ تحدوها ثمانية\nما في عطائهم منٌّ ولا سرف","vol":"2","page":126},{"text":"فلم يمدحهم بقلة العطية، لأن ذلك هجو. إنما مدحهم باجتناب الخطأ فيها.\nألا ترى أنه قد ضَمّ السرف إلى المن ونفيها معًا عن القوم\nوكلاهما مدح، والسرف وإن كان منهيا عنه فليس بتبذير. إنما\nالتبذير: ما يستعان به على المعاصي وحدها.\nوالسرف قد يكون في طلب الثواب وغيره من المباحات، لأن دفع\nرسول الله - ﷺ - قميصه إلى المرأة كان في التماس\nثواب، فلما أخرجه إلى العُري نهُي عنه وأمر بالقصد، والقصد مع\nذلك قصدان: فللموسع قصد على مقدار اتساعه، وللمقتر قصد على\nقدر إقتاره.\nقال الله ﵎: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) .\n* * *\nقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)","vol":"2","page":127},{"text":"حجة في وجوب نفقة الآباء على الأبناء. إذ لوكانت النفقة غير واجبة\nلهم عليهم لكان في الناس من تسمح نفسه بترك الإنفاق، وكان مع عدم\nالإجبار عليه آمنًا من الإملاق.\nوالآية عامة المخرج على جميع الآباء، فلا تدل إلاّ على الوجوب بل\nعلى الإجبار مع المنع.\nوفيها عظة للمغتمين بكثرة ولادة الأولاد خشية العجز عن القيام\nبنفقاتهم ومؤناتهم، وفي ضمانه ﵎ نفقتهم أمان للمضمون له\nما يتقيه من العجز، ويحذره من دخول الفقر عليه بسبب أولاده.\nوبشارة يسكن إليها المؤمن ويزول اضطراب قلبه بما لا يخلف ضامنه من\nوعده.\nوإذا كان في حياته مضمونا له رزق أولاده وهو قيمهم فبعد وفاته\nأحرى أن تحسن خلافة ضامنه عليهم. وفي ذلك تطييب أنفس من\nيترك بعده أصاغر، وسكون قلوبهم إلى من لا يخلف ميعادًا، ولا يضيع\nلهالكٍ أولادا.","vol":"2","page":128},{"text":"وفي تركه ﵎ ذكر القود عنِ الآباء في قتل من يقتلونه من\nالأولاد، وإفرادهم غيرهم بالقتل في قوله: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)، لمن يزيل القود بين الآباء والأبناء متعلق.\nوإن لم يكن بالبين جدا.\nذكر السرف فى القتل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>قوله: (فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)</span>","vol":"2","page":129},{"text":"دليل على أن لا تقتل نفسٌ بأنفس، لدخوله تحت السرف في ظاهر الفعل.\nوأجمع المفسرون من أصحاب رسول الله - ﷺ -\nوغيرهم على أن السرف في القتل هو أن يقتل غير القاتل.\nفلما كان تحريم دم المقاد منهم قبل إحداث حدثهم على من تلفت نفسه\nبه مثل دمه، وأعوز تحقيق القتل على واحد من المحدِثين على المقتول منفردًا\nبه، لم يجز أن يشاط دمه المتيقن تحريمه بحدث أحدثه، لا يدري أتلفت\nنفس المحدث عليه به أم لا، إذ ليس أحد الدّمينِ بأشد تحريمًا من\nالآخر، وقد يجرح الرجل غيره جراحاتٍ ويسلم منها، ويجرحه\nغيره جراحة واحدة فيتلف منها، فلو تيقن مع إمكان هذا ووضوحه\nعند جميع العالم إعانة جرح كل واحد منهم على تلف المقتول لكان","vol":"2","page":130},{"text":"محسوبا عليه في علم الله - جل وتعالى - المحرم للقتل، والموجب به\nالقود جزءا من أجزاء الجناية. فكيف يبيح عدم وصول الخلق إلى\nمعرفة ذلك الجزء إفاتة جميع نفس جانِ واحد فضلا عن أنفس الجميع.\nوقد قال الله ﵎: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)، وقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) .\nأفمِنَ العدل أن تُعدل نفسٌ واحدة بأنفسِ أَلفِ إنسان في إفاتة أنفسهم\nوكل واحد منهم محرم الدم بل اجتماعه مع غيره في الحادثة على المقتول.\nأم يكون قتل نفس حقا لا يجرح صاحبها إلا جرحًا. أليس الله\nيقول: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)، وقال:\n(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) . أفتكون إفاتة نفس مثل جرح جراحة\nقد يسلم منها المجروح في أكثر الأحوال. وهل يخلو كل واحد من\nالمجتمعين على قتل المقتول من أن يكون منفردا بالقتل - فإن كان محالا\nفي التجريح - أو غير منفرد به \"\nفإن كان منفردا به فَلم لا نجعل عليه دية ثانية إذا عُفي من الولي\nعن القود واللَّه - جل وتعالى - يقول: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)، كما يكون على المنفرد الذي لا شريك","vol":"2","page":131},{"text":"معه في الجرح، وإن كان غير منفرد بالقتل فكيف يفرد بالقَود من لم تبلغ\nجناية القَود، هذا غير مشكل لمن تدبره.\nوعدل القول في ذلك أن تجعل عليهم ديةٌ واحدةٌ في أموالهم موزعة\nبين الجميع، إذ لا وصول إلى الوقوف على من حدث التلف من جرحه\nبعينه وعتق رقبة واحدة يشتركون في ثمنها، فإن أعوزتهم الرقبة\nفالاحتياط أن يصوم كل واحد منهم شهرين متتابعين - إذ لا سبيل إلى\nالاشتراك في الصوم كما يشترك في ثمن الرقبة - ولا أوجبه عليهم\nإيجاب فرض.","vol":"2","page":132},{"text":"إذ صوم شهرين متتابعين واجب على مُوقن القتل عند إعواز الرقبة، فأما\nمن \" يوقن الجرح ولا يكون القتل فلا صوم عليه إلا احتياطًا.\nفإن قيل: فإذا كان غير موقن للقتل فلم لا تسقط الدية والرقبة أيضًا.\nقيل: اليقين في القتل مرتفع على الانفراد، وغير مرتفع على الجمع\nفلما أمكن توزيع الدية وثمن الرقبة بين الجميع وزعت، ولما أعوز توزيع\nالصوم بين الجميع أسقطته إيجابًا واخترته احتياطًا، وقد دللنا على تَوهين\nرواية سعيد بن المسيب، عن عمر في كل شيء، لولادته لسنتين خلتا\nمن خلافته، وما ذكر عن عمر من قتل نفر بواحد","vol":"2","page":133},{"text":"بروايته","vol":"2","page":134},{"text":"وروي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وعبد الملك، وسعيد بن جبير، وحبيب بن أبي ثابت","vol":"2","page":135},{"text":"لا يقتل اثنان بواحد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>قوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)</span>\nدليل على تصرف الولي في مال اليتيم بما عادَ صلاحه على اليتيم.\nوالله أعلم.\nفإن قال قائل: قد قبلنا قولك في جعل الدية على قاتل العمد لما\nذكرت من قوله ﵎ في سورة البقرة بعد ذكر القصاص\nفي قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)\nفلم جعلت عليه عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين إذا أعوزها،","vol":"2","page":136},{"text":"وهما كفارة قاتل الخطأ الذي تُقْبل توبته، وقاتل العمد لا تقبل توبته.\nوإنما الكفارة كاسمها تكفر معصية قتل الخطأ، وقتل العمد لا تكفره\nالكفارة، إذ لو كفرته ما منع التوبة من فعله.\nقيل له: ولم لا يقبل توبته.\nفإن قال: لأن الآية التي في سورة الفرقان منسوخة بالآية التي في\nالنساء، من أجل أن الفرقان مكية والنساء مدنية.\nقيل له: أما نزول السورتين فكما ذكرت. ولكنه جل وتعالى ذكر في\nسورة النساء عقوبة قاتل المؤمن عمدًا، ولم يقل أنه حجب عنه التوبة\nفإن قال: ذكر الخلود في النار والغضب واللعنة دَليل على حجب\nالتوبة.\nقيل: لا يجوز أن يجعل ذلك دليلًا، لأنه جل وتعالى قد ذكر الخلود\nواللعنة والغضب في عقوبة الكافر، ولم يحجب عنه التوبة فقال تبارك\nوتعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) .\nوقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)","vol":"2","page":137},{"text":"وقال: (إِإِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) .\nوقال: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)، وقال (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ)\nإلى قوله: (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) ولم يحجب التوبة عنهم. ثم قال في سورة النور وسورة المتحرم مدنيتان: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) .\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) .\nواسم الإيمان غير زائل عن قاتل العمد، وهو داخل في دعوة الآيتين إلى التوبة وفي كفارة سيئته بقوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) .\nوقال في سورة اَل عمران وهي مدينية) ٩ (\nأيضًا: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)","vol":"2","page":138},{"text":"وقال في سورة النساء: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) . فأوجب المغفرة في هاتين الآيتين إيجابا عاما ولم يستثنِ فيها\nأحدًا، والمغفِرة في اللغة مثل الكفارة، لأنهما جميعًا يستران الذنوب، ومنه سُمي مغفر الرأس، لأنه يستره، وسُمي الكَفّار في الزروع، لأنهم يسترون الحب إذا بذروه بالتراب. وكذلك الكفارة تستر الذنب، وتصير والمغفرة معًا حجابًا وسترا لعامل المعصية من النار، وسائر عقوبات الآخرة. فإبطال التوبة وحجبها عن قاتل العمد بما ذكر الله من عقوبته في الآية لا وجه له لمن تدبره.","vol":"2","page":139},{"text":"فلو أنه قال: إن قاتل العمد بما ذكر الله من عقوبته مات بغير توبة\nيخلد في النار، واستوجب العقوبة المذكورة له في الآية، ولم يمنعه التوبة\nكان كلامه أشد استقامة وأحسن توجهَا كما أن الكافر المذكور عقوبته\nبالخلود واللعنة والغضب كذكر عقوبة القاتل إذا مات على كفره قبل\nإحداث التوبة منه استوجب ما ذكر به، وخلد في النار بكفره مع أن\nهذا وإن حسن توجهه من قوله فإنا لا نسلمه له في الموحدين وإن ماتوا\nبغير توبة، للحجج التي حواها فصول كتابنا هذا على نسق الآيات في\nالسور، وعند الرد على المعتزلة والشراة، والأخبار الصحيحة عن\nرسول الله - ﷺ - في نزل الموحدين في النار،","vol":"2","page":140},{"text":"وإخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان منها.\nورسول الله - ﷺ - أعلم بتأويل ما نزل عليه من التغليظ في آية قاتل العمد.\nونحن وفقهاء المسلمين كافة من أصحاب رسول االله - صلى\nالله عليه وسلم - والتابعين والأئمة بعدهم نخص بالسنة الصحيحة\nعموم القرآن، ونجعلها بيانا لجملته.\nوبعد فقد وجدنا آية في سورة المائدة تدل على أن التوبة مقبولة من\nقاتل العمد بلفظ التوبة - وإن كان كلما ذكرناه من تمهيد التوبة له شافيًا\nقال الله ﵎ - وهي آية مدينية -: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)","vol":"2","page":141},{"text":"ولا يشك أحد أن المحاربين قد يبلون لا محالة بالقتل إذا طال مكثهم في\nالمحاربة، ولم يَستثنِ الله منهم القاتل، بل الفقهاء المتقدمون والأئمة\nالمختارون كلهم على تفسير علي، وابن عباس في أن (أو) ليس بتخيير\nفي هذه الآية، وأنه لا يقتل منهم إلا من قتل.","vol":"2","page":142},{"text":"وقد أسقط الله عنهم جميع عقوباتهم بالتوبة، وذكرها بلفظها.\nووعدهم المغفرة كما ترى في الآخرة، والصفح عن العذاب العظيم\nالذي ذكره بعد ذِكر الخزي في الدنيا بلفظ ما ذكر في سورة النساء:\n) وَأَعَدَّ لَهم عَذَابًا عَظِيما) .\nقال محمد بن علي - ﵁: وإذا صح أن توبة قاتل\nالعمد مقبولة، وله ممهدة فلا تصح له مع الندم إلا بعتق الرقبة، أو\nصيام شهرين إن عدمها لشمول اسم القاتل له. وليس سبب القتل من","vol":"2","page":143},{"text":"العامد والخاطىء بمزيل عنه اسم القتل، وقال الله تعالى بعد ذكر الرقبة:\n(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) .\nفهذا نص لا قياس لما دللنا عليه من أن سبب القتل لم يُزل اسم القاتل\nعنه، ووجوب الكفارة بالفعل لا بسببه، وإسقاط القود عن قاتل الخطأ\nمسلم فيه لإجماع الأمة.\nذكر تحريم الحكم والفتوى بغير علم، وترك قبول الطعن في المسلمين.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)","vol":"2","page":144},{"text":"حجة فى أشياء:\nفمنها: تحريم الحكم والفتوى بغير علم.\nومنها: ترك قبول الطعن في المسلمين بغير ثَبت - ولا ثَبت إلا بيقين\nالمعاينة، أو السمع من المطعون عليه لا مِنَ الطاعن، أو قيام بينة عادلة\nمعروفة بالصدق والأمانة من كل ترة أو حقد بينها وبين من يشهد\nعليه، غير سابقة إلى شهادتها.\nقيل: يستشهد عند الضرورات، وإقامة الشهادات لإقامة حد، ولا\nمبادرة إلى اغتياب من يطعن عليه عند من ليس بسلطان يقيم الحدود.\nمتفكهة بهمزه ولمزه غير جارة بهما نفعًا إلى مسلم، ولا دافعة","vol":"2","page":145},{"text":"مضرة عن موحد أو ذي عهد. فإن لم يحب ستر أخيه وإخفاء عيوبه جهده\nوطاقته ويكره أن يسير في الناس على لسان غيره فضلا عن أن يتفكه هو\nبها، ويذيعها فيمن يعرج بهتك الأستار أجدر أن يعد في عِداد الفجار.\nولا يقبل قوله في الأخبار.\nوأرى نساك زماننا قد أهملوا هذا من أنفسهم، وأغفلوه في\nرعياتهم، وتسرعوا إلى تعليق العيوب على إخوانهم المؤمنين يوهمهم\nالشيطان أنهم بذلك إلى الله متقربون، ولدينه ناصرون، وبحقه قائلون.\nفقصارهم اتباع عورات المسلمين، وهتك أستار المستورين بعد\nالجهلة المغتابين فيفسقون من يجهلون حاله بشهادة من يشهد بفسقه غيبته\nالمحرمة بنص القرآن، ويحققون الظنون على المستورين بإذاعة\nالكذابين.\nأليس يعلمون أن أهل الإفك ما أهلكهم إلا الظنون السيئة بأم المؤمنين، والخير من الصحابة الفاضلين صفوان بن المعطل - ﵁ -","vol":"2","page":146},{"text":"حيث تخلف من وراء الجيش، وأقامت أم المؤمنين\nالمبرأة بكلام رب العالين على التماس العقد حتى اجتمعا على غير\nتواطؤ، ولا إرادة سوء في منزل واحد، وَبَقِيَا معًا منفردَين حتى\nأبقا بالجيش، وهلك فيهما من هلك.\nأفترى شهادة المغتابين والمذيعين الفواحش بالبلاغات، وفقد المعاينات\nأبلغ في فسق المستورين من اجتماع هذين المعصومين ﵄ -\nعلى حال يقدح معشارها في قلوب المنافقين، وتطلق أَلسُن المفتونين على\nالبرية الرضية أم المؤمنين وصاحبها الخير من المسلمين حتى أدتهم ظنونهم إلى\nما أدت، ونزل فيهم في تكذيبهم، وفي براءة المرميين من الآيات في\nسورة النور ما نزل فيها: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) .\nوفيها: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) .","vol":"2","page":147},{"text":"أوليست هذه الآيات - وإن كانت خاصة في براءتهما - فهى مأدبة\nوَعِظة لمن سمعها أن لا يهلك بما هلكوا، ولا يفعل في المسلمين ما\nفعلوا.\nوبعد فلو كان مفسق المستورين بالبلاغات، وقول المغتابين \" ومن\nيفرح بهتك المؤمنين عاين ممن طعن عليه قبله بعض محارم الله يفعلها\nلكان مأمورًا بالستر عليه، وترك إذاعة فعله في غيره، والذب عنه\nجهده وكان في إسرار النصيحة إليه ما يؤدي حق ربه عليه.\nأوليس معروفًا عند علماء الحديث والفقهاء صنيع رسول الله - صلى\nالله عليه وسلم بماعز بن مالك وهو يُقِر على نفسه بفاحشة الزنا، ورده\nمرة أخرى، والمسألة عن عقله بعد استثبات معرفة الزنا والتحصين\nمنه،.","vol":"2","page":148},{"text":"أوليس قال لهزال حين أخبره بعد رجمه إياه أنه المشير عليه بإتيانه:\n\" يا هزال، لو سترته بثوبك كان خيرا لك مما فعلت به \". أوليس حين\nفرغ من رجمه، وركب مركبًا سمع قائلا يقول لآخر: انظروا إلى هذا ستر\nالله عليه فلم يستر على نفسه حتى رُجِم رجم الكلب، فسار صلى الله عليه\nوسلم قليلا فإذا بحمار ميت شابكٍ برجله، فقال: \" أين فلان","vol":"2","page":149},{"text":"وفلان، \" فقالا: نحن يا رسول الله. فقال: \"انزلا وكلا من جِيفة هذا\nالحمار \". فقالا: غفر الله لك يا رسول الله، ومن يأكل من جِيفة هذا\nالحمار، فقال: \" قد أكلتما آنفا من عرض أخيكما ما هو أشد تحريمًا\nعليكما من جيفة هذا الحمار\"، فجعل القائل والمستمع في دَرجة\nالعقوبة والتحريم واحدة.\nأوليس قد أشار أبو بكر وعمر - ﵄ - على آتي.\nأليس كعب بن عمرو البدري - ﵀ - حين أخبرهما بصنيعه\nبالمرأة التي أرادت منه تمرا، فذهب بها إلى البستان، وفعل بها ما فعل\nمن التقبيل والاعتناق، وكل شيء مكروه غير الجماع أن يستر على\nنفسه، ولم يذكرا أمره لأحد، ولا أقصياه ولا هجرا بل ظنا به أن\nقوله لهما ندم على فعله.","vol":"2","page":150},{"text":"أو ترى شهادة الفاسق المغتاب أكبر من شهادة ثلاثة من أصحاب رسول الله\n- ﷺ - وإثباتهم على رؤية الزنا، والرابع يشهد بأنه\nقد رآه فوقها، وسمع نفسا غالبَا على من شهدوا، فجلد عمر - رضي\nالله عنه - الثلاثة، وفسقهم ائتمارَا لربه، وامتنع من قبول شهادتهم مدة\nحلافته\nوكان المشهود عليه عنده في حالته الأولى من ستره وفضله لم يحفه.","vol":"2","page":151},{"text":"ولم يتغير له. فما بال نساك زماننا يوثر في قلوبهم على إخوانهم المؤمنين\nقول كل ناعق يغويهم بكذبه، ويهلكهم بغيبته حتى يتسرعوا\nإلى الهجران المحرم بنص السنة، وإلى إذاعة الفاحشة في المؤمنين\nالموعود عليها بنص القرآن أليم العذاب في الدارين معا، وما بالهم\nيتحلون بالفظاظة والغلظة على من زلت به قدم الستر بيقين. فكيف\nبالظنون والكذب المخترص، ولا يقتدون بما أدب الله به نبينا - صلى\nالفَه عليه وسلبم - وغيره حيث يقول: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، وقال لموسى وهارون - صلى الله عليهما -\nحين بعثهما إلى فرعون: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)\nفاستعمله رسول اللَه - ﷺ سمعًا وطاعة لربه، فقال\nللرجل الذي استأذنه في الزنا: \"أترضاه لأمك، أترضاه\nلأختك، \" ولم يغلظ له.","vol":"2","page":152},{"text":"وأمر من أخذ بيد علقمة بن عُلاَثة حيث مرَّ على خيم له فقطع\nأطنابها - وهو سكران - من يأخذ بيده حتى يبلغه إلى أهله.\nوقيل لعقبة بن عامر الجهني: إن لنا جيرانا يشربون الخمر، أفلا نرفعهم\nإلى السلطان.\nفقال: لا، سمعت رسول الله - ﷺ -: \" من\nرأى عورة فسترها فكأنما أحيا موءودة من قبرها \"، وقال عليه\nالسلام: \" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكن بالمؤمنين رحيمًا","vol":"2","page":153},{"text":"ولايكونن عليهم غليطا \".\nوقال علي بن أبى طالب - ﵁ -\n: \" لو رأيت رجلا يشرب الخمر لم يره معي غيري فاستطعت أن أستره\nلسترته \"، ومر سعيد بن المسيب بسارق أتريدون به السلطان.\nفأعطاهم دينارا حتى خلوه.\nورسول الله - ﷺ - يكرر على سارق،: \" ما\nإخالك سرقت \" مرة بعد أخرى. وهو يقر له. وكلح وجهه حين\nقطع بين يديه. فقالوا له: كأنك كرهت، فقال: \" ومالي لا أكره\nوأنتم أعوان الشياطين على أخيكم \" يحثهم على الستر ما استطاعوا،","vol":"2","page":154},{"text":"ولا يرفعوه إلى الأئمة الذين ليس لهم تركها بعد رفعه إليهم.\nوقال","vol":"2","page":155},{"text":"لصفوان في سارقه: \" فهلا قبل أن يأتيني به \"، وقال عمر بن\nالخطاب - ﵁ -: \" أذنوا للفجر بليل ليسير السائر.\nويخرج العاهر\". فهذا وما يشاكله من الأخبار - التي لو تقصيناها\nلطال بها الكتاب - يأمر بالستر على ما فيه لله - جل وتعالى -\nحدود وقد أمر بترك الرأفة في إقامتها، فكيف فيما هو دونها من","vol":"2","page":156},{"text":"العيوب، أو الأمور التى يمكن فيها التأويلات، وتحسين الظنون.\nوائتلاف القلوب، وقد قال عمر بن الخطاب - ﵁ -:\n\"من بلغه عن أخيه شيء يكرهه، فما دام يجد له في الحق مساغا لم\nيذهب إلى غيره \".\nوروي عن لقيط بن أرطات السكوني: إن لنا جارًا يشرب الخمر\nويأتي القبيح أفأرفع أمره إلى السلطان.\nقال: لقد قتلت تسعة وسبعين من المشركين مع رسول الله - صلى\nالله عليه وسلم - وما أحب أني قتلت مثلهم، وأني كشفت قناع\nمسلم،","vol":"2","page":157},{"text":"وقال أبو قلابة إذا بلغك عن أخيك أمر تكرهه فاطلب له المعاذير\nبجهدك، فإن طلبتها فلم تجدها فقل: لعل له عذرًا لا يبلغه\nعلمي.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا \".","vol":"2","page":158},{"text":"فهذا وما يضاهيه من أخلاق المؤمنين المؤيدين بالتقوى، وما خالف هذا\nفهو من أخلاق المنافقين السارين بعيوب المؤمنين، ومن يحب تفرق\nالكلم، وانغراس العداوة والبغضاء بين أمة محمد - صلى الله عليه\nوسلم - وقد كره، غير واحد من الأئمة أن تجمع في مسجد مرتين\nخشية تشتت الكلم، وتفرق نظام الإسلام. فضلا عن تتبع\nالعيوب بخاطر من الغيوب، واقتفاء ما لا علم لمعنفيه به كما","vol":"2","page":159},{"text":"قال الله - جل وتعالى - في هذه الآية التي بدأنا الفصل بها.\nومنها: التحفظ في الشهادة على الحقوق. وقد ذكره الشافعي -\n﵁ - في كتاب الشهادات.\nومنها: حفظ السمع عنِ استماع المنكر كله، وغضّ البصر عن\nالمحارم كلها.\nومنها: أن الله - ﵎ - يسأل عن الإضمارات والطوايات\nالمذمومة، وإن لم تساعدها الجوارح بالحركات، لأن الأفئدة محل الضمائر\nوالنيات، وبها تصح جميع أعمال الجوارح والحركات.\nوليس في قول النبي - ﷺ - إخبارا عن ربه - تبارك\nوتعالى - أنه يقول لملائكته: \" إذا هَمَّ عَبدِي بسيئة فلا تكتبوها حتى\nيعملها \" ما يدفع ذلك، لأن ذلك هو في الاهتمام بسيئة لا تعمل","vol":"2","page":160},{"text":"إلا بالجوارح مثل القتل والزنا وأشباهه مما لا يستطاع فعلها إلا بالجوارح\nفتجاوز الله رفقًا بعباده ورحمة لهم عن الاهتمام بها دون الفعل. إذ\nالاهتمام يضاهي الخاطر والشهوة وهما غير مملوكين. فأما ما كان\nسلطانه فيه للقلب من الطوية على الكفر، وحفظ المنكر وأباطيل السحر\nوأشباهه فالإضمار عليه والقبول له عمل يكتبه الحافظ، ويسأل عنه\nالرب جل وتعالى.\nومن زعم أن خطرة المعصية التي لا تتم إلا بالفعل يسأل عنها إذا\nطالت عليه، وتمكنت شهوته من قلبه وإن لم يعملها بجوارحه.\nواحتج بقول النبي - ﷺ -: \" إذا توجه المسلمان\nبسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قيل: يا رسول الله: هذا القاتل\nقد عرفناه، فما بال المقتول، فقال: \" إنه كان حريصًا على قتل\nصاحبه \".","vol":"2","page":161},{"text":"فقد أغفل عندي، لأن المتواجهين بالسيفين كليهما مستعمل\nجوارحه ويريد ضرب صاحبه بعمل يده، واستعمال حديدته، ونفس\nإشارة الحديد إلى المسلم، والحمل عليه وتخويف به معاصٍ كلها","vol":"2","page":162},{"text":"معمولة بجارحة اليد وقوة البدن، فكان يصح تأويله لو كان أحدهما كافا\nيده مقتصرًا على إضمار قلبه، والآخر مضمرًا ومستعملًا. فأما وكلاهما\nمضمران مستعملان فهما فاعلان ولا وجه لتأويله مع الفعل وليس في قوله\nﷺ: \" في النار \" ما يسوي بين درجتيهما فيها إذ\nقد يجتمع في النار من يتباين في كثرة العذاب، وذواق مضضه.\nفيجوز أن تجمعهما النار، والقاتل أكثر عذابا من المقتول لزيادة جرمه وقد\nقال رسول الله - ﷺ -: \" منهم من تأخذه النار إلى\nكعبه، ومنهم من تأخذه إلى ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم\nومنهم حتى ينغمس فيها \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>قوله: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) </span>.\nوقوله في سورة الأنبياء: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)","vol":"2","page":163},{"text":"حجة فيما نقوله عند الاحتجاج على المبتدعين والمعطلين لو كان الأمر\nكما تقولون لما كان كذا وكذا ولوجب أن يكون كذا في الشيء الذي لو\nابتدأه مبتدئ على غير تمثيل لكفر، وقد أبيح له أن يقول متمثلا لتقرب\nالحجة به على مخالفه ولا يحرج.\nذكر التسبيح.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>وقوله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)</span>\nدليل على أن ذا الروح وغيره مما لا حياة فيه، ولا حركة ظاهرة مثل\nالحجر والدر والخشب تسبح لا أنه مخصوص به الروحانيون دون غيرهم.\nويحقق قول أبي صالح.","vol":"2","page":164},{"text":"حيث جعل نقيض الباب تسبيحَا له، وقول مرثد اليزني حين أخبر: أن الزرع يسبح. ويوهن تفسير عكرمة (٣) حيث خص الروحانيين\nبالتسبيح.\nويؤيده الحديث المروي: \" كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل \".\nوتسبيح الحصا في يد النبي ﷺ، ويد من سبح فيها\nمن أصحابه، وهذا أعم وأبلغ في قدرة الرب القادر على إنطاق كل شيء","vol":"2","page":165},{"text":"كما أنطق الروحانيين. ألا ترى أن السموات والأرض ليستا ذوات روح\nظاهرة كالإنسان وسائر الحيوان، وابتداء الآية بذكر تسبيحها قبل تسبيح\nمن فيها، وهو واضح لا إشكال فيه.\nذكر الرقية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>قوله: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)</span>\nدليل على إباحة اتخاذ القرآن حرزا، وأن اتخاذ التمائم أحرازا هو المنهي\nعنها، لأن التميمة لا تكون إلا ما هي بغير لغة العربية من ألسنة العجم\nوغيرها من سائر ألسنة العرب - ولعله يكون شركَا وكلامَا مكروهَا -\nوالقرآن حق فهو شفاء مَنِ استشفى به، وحرز من احترز به.","vol":"2","page":167},{"text":"فإن قيل: إنما جعل قراءة القرآن في هذه الآية حجابًا بين النبي -\nﷺ - وبين المشركين آية لهم خاصة.\nقيل: ليس ذلك بينًا في الآية، ولو كان بينًا أيضا ما ضرَّ أمته\nالاحتراز بما يكون في نفسه حرزًا، لأنهم لا يدّعون بذلك نبوة إنما\nيحترزون به من المكاره، وشر الجن والإنس.\nويؤيد ما قلنا الحديث","vol":"2","page":168},{"text":"المروي في الرجل الذي رقى رئيس الحي بفاتحة الكتاب وقول النبي\n- ﷺ -: \" من كان آكلًا برقية باطل فلقد أكلت برقية\nحق \".\nوحيث قال للمرأة وهي ترقي بعض أزواجه: \"ارقيها بكتاب","vol":"2","page":169},{"text":"اللَّه، ولما جاء جبريل - ﵇ - يوقي النبي - صلى الله عليه\nوسلم - في مرضه قال: \" بسمِ الله أرقيك من كل شيء يؤذيك،","vol":"2","page":170},{"text":"وكان رسول الله - ﷺ - يُعوّذ الحسن والحسين فيقول:\n\" أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين\nلامَّة\".\nويقول: \" بهذا كان أبوكما إبراهيم - صلى الله عليه - يعوذ إسماعيل\nوإسحاق \"\nفكل ذلك يدل على أن المنهي عنه من النشر والتمائم ما كان بغير ذكر الله، فأما الاحتراز بذكر الله والقرآن فهو الحق الذي لا يرتاب فيه، أليس قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الشيطان ليفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة \" (٣)، وحديث أبي أيوب الأنصاري:","vol":"2","page":171},{"text":"مع الجنية في شأن آية الكرسي، وأشباه ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>قوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية.","vol":"2","page":172},{"text":"ذكر الموعظة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>قوله: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) </span>.\nدليل على أن الإنصات للموعظة والإقبال على الواعظ واجب، وأن\nالكلام عندها أو محادثة بعضهم بعضا في مجمع يعظ فيه واعظ مذموم.\nوتهاون بالموعظة ولهو عنها، وفي ذلك زوال منفعتها وفهم ما أودع فيها.\nذكر المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>قوله: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية في الكتاب السابق، إذ تستطير إهلاك\nالقرى وتعذيبها لا يكون إلا بإساءة أهلها. فهي بحمد الله حجة خانقة\nلهم، إذ محال أن يسطر إهلاك شيء من أجل شيء ويجعل عقوبة له\nإلا وقد سبق الكتاب في ذلك الشيء، ولا يكون مبتدأ بل يكون","vol":"2","page":173},{"text":"جاريًا على ما فرغ منه، فلو تميزوا هذا الفصل الواحد لأغناهم - بعون\nالله - عن غيره، ولعلموا أن إقحامهم على معرفة كُنهِ عدل الخالق.\nوحمله على فطرة عقولهم من أجهل الجهل.\n(وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ)\nدليل على تشريف هذه الأمة، وتفضيل رسولها على سائر الرسل -\nصلوات الله عليه وعليهم - وذلك أنه - ﷻ - كان من\nحكمه في الأمم السالفة أن نزل العذاب بكل من كفر بآياته فصرفه عن\nهذه الأمة بترك إرسال الآيات الموجبة للعذاب على من كفر بها.","vol":"2","page":174},{"text":"قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ)\nحجة على المعتزلة والقدرية، وفي تفسير ابن عباس على الجهمية\nذكر التاكيد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ)</span>\nحجة على من نفي التأكيد في كلام العرب من حيث لا إشكال فيه ولا\nلبسة دونه، لقوله إخبارا عن إبليس: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ)","vol":"2","page":175},{"text":"بعدما قال: (قَالَ أَأَسْجُدُ)، ولو كان التأكيد نافيا عنه لكان -\nوالله أعلم - أرأيتك بلا (قال)، ويكون (وقال) بالواو، ويكون كلاما\nمستأنفَا.\n* * *\nوقوله تعالى: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)\nحجة على المعتزلة والقدرية، وبراءة إبليس اللعين ما ينسبونه إليه من\nالقدرة على تضليل الخلق. ألا تراه كيف ألقى الله الاستثناء على لسانه حتى\nاستثنى بالقليل، علمًا منه بأن المعصوم ومن سبق له الخير من ربه لا\nسبيل له عليه، إنما سبيله على من حقت عليه كلمة ربه فتبعه وتولاه.\nوسبق القضاء عليه أن يكون معه في دار الهوان، قال الله تبارك\nوتعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) .\nوهذا السلطان منه على متوليه المشركين بربهم سلطان تسليط لا اقتدار بقوته.","vol":"2","page":176},{"text":"ألا ترى أن من الكفار من قد سبق له في علم الله إيمان وانتقال من\nالكفر إليه فيذهب سلطانه حينئذ عنه، فلو كان سلطانا بغير تسليط لدام له\nعليه، أو كان على الجميع ولا يستثنى القليل فهذا واضح لا بعد فيه، ومما\nيؤيد به أنه يسلط قوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)\nوليس يخلو قوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) من أن\nيكون واقعا على الجميع مؤمنهم وكافرهم، أو على المؤمن دون\nالكافر، فإن كان واقعا على مؤمنهم خاصة فهم المستثنون بالقليل","vol":"2","page":177},{"text":"وسلطانه زائل عنهم بكل حال. وإن كان واقعا على جميعهم فقد صح\nأن سلطانه على الكافر سلطان تسليط. وعدته عدة غرور.\nالفزع إلى الله في الشدة دون الرخاء:\n* * *\nوقوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ)\nإلى قوله: (ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) .\nدليل على أن الفزع إلى الله في الشدة دون الرخاء خلق من أخلاق\nالكافرين. وأن المؤمن مندوب إلى مراعاة حق الله عليه، والتعرف إليه\nفي الرخاء ليجاب عند الشدة فإذا أجيب ازداد ذكرا وخشية","vol":"2","page":178},{"text":"واقترابا وتفويضا ليكون عبدًا مؤتمرا لا وجلا خائفا، متبرئًا من الحول\nوالقوة مستمدًا بالمعونة من ربه في كلا حاليه من الرخاء والشدة مثل\nهذا قوله في سورة النحل: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>قوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)</span>\nإلى قوله: (وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)\nحجة على المعتزلة والقدرية في نسبة التفتين إليهم على ما بينا في غير\nفصل من كتابنا من نسبة الفعل إلى فاعله، وزوال الضرر عن رسول الله - ﷺ -","vol":"2","page":179},{"text":"في تثبيته، وما في زوال القدر عن تحويل السنة.\nذكر صلاة الليل.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)\nدليل على أن صلاة الليل وإن كانت على النبي - ﷺ\n- أشد تأكيدًا فهي نافلة له لا فرض عليه.\nوتفسير مجاهد","vol":"2","page":180},{"text":"من رواية ليث عنه لا يقوم للمعتزلة والجهمية.","vol":"2","page":181},{"text":"والتفسير الذي روي عنه - صلى الله عليه - أنه قال: \" هو المقام الذي\nأشفع فيه لأمتي \"لا يدفع تفسير مجاهد. أو جائز أن تكون شفاعته في","vol":"2","page":182},{"text":"ذلك الموضع، وكل موضع يحل به المرء فهو مقامه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>وقوله: (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية\nذكر الاستشهاد ببعض الحق\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>وقوله: (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)</span>","vol":"2","page":183},{"text":"حجة في الاستشهاد ببعض الحق على بعض.\nودليل على أن أحدا لا يلزمه حجة فيما يخاطب إلا من حيث يعقلها\nويفهمها. وأن الشاهد يستدل به على الغائب ويكون حقا.","vol":"2","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>سورة الكهف</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>قوله: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)</span>\nحجة على المعتزلة.\n(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ)\nحجة في تثبيت الأسباب، ورد على جهلة الصوفية فيما يزعمون أن\nالتوصل إلى الرزق بالطلب والسعي والحركة نقص في التوكل. وذلك\nغلط غير مشكل، ألا يرون أن الله - ﵎ - كان قادرًا على\nإزالة البِلى عن أصحاب الكهف بغير تقليب، فهل يزعمون - ويحهم -\nأن تقليبه إياهم يمينًا وشمالًا نقص في قدرته، أم يرجعون عن قولهم","vol":"2","page":185},{"text":"فيعلمون أن الله - ﷻ - لما جعل سبب البلى طول المكث على جنب\nقلبهم إلى الآخر ليزول البلى عن القوم بالسبب الذي جعله لهم ولغيرهم.\nولما جعل الرزق موصولا إليه بالسعي والحركة حركهم للطلب\nليصير إليهم رزقهم بالسبب الذي جعله له، ولم يكن سعي الساعي\nوحركته في طلب الرزق بالسبب المجعول له نقصا في التوكل، ولا\nتداوى المريض يكون نقصا في التوكل على هذا المعنى.\nالاستثناء.\nوقوله، (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه)\nحجة على المعتزلة والقدرية واضحة، ألا ترى أن الله - ﷻ -\nكيف أدب نبيه - صلى الله علحه ومملم - فأعلمه أن فعله الشيء وإن كان\nمنسوبا إليه فبمشيئته يفعله، ونهاه أن يطلق القول في فعله بغير استثناء","vol":"2","page":186},{"text":"مشيئته.\nفإن قالوا: ليس الاستثناء لزوال القدرة في الأفعال إلا بمشيئته.\nولكن لمخاطرة الموت ولحوقه قبل مجيء وقت فعله لزمهم أن يبطلوا\nالاستثناء في جميع الأحوال فيزعموا أن من قال: واللَّه لأفعلن كذا\nوكذا لوقت إن شاء الله فجاء الوقت ولم يفعله أن الحنث واقع به، إذ\nالاستثناء عندهم مصروف إلى مخاطرة الموت دون زواله القدرة في الفعل\nإلا بمشيئة الله، وهذا مقابلة الإجماع بالرد من جميع أهل النحل.\nولا أعلم في جميع ما مضى من الحجج عليهم وإن كانت كبارا خانقة\nأقرب إلى أفهامهم إن أنصفوا من هذه، وذلك أنهم مقرون بالاستثناء في\nالأيمان أنها جائزة مزيلة للحنث عن الحالفين بها، وهذا إغفال مفرط منهم\nكشفه الله لنا بنعمته، وأنطق به ألسنتنا عليهم. فإما أن يخالفوا القرآن","vol":"2","page":187},{"text":"والرسول والإجماع في جواز الاستثناء في الأيمان فيبطلوه ويكفونا مؤونة\nالاشتغال بهم، وإما أن يقروا بأن الأفعال في جميع الأمكنة وإن كانت\nمنسوبة إلى فاعليها فبمشيئة الله يفعلونها، كما أن الحنث في الأيمان\nإنما زال عنهم بترك فعل معقود على الأنفس فعله وزالت كفارته\nلإحاطة العلم بأن الله لم يشأ فعله فلذلك لم يفعله، ولو كان شاء فعله\nولم يجد عنه محيصا ولفعله، فلما كان شرطه في فعل يفعله العاقد\nمشيئة ربه فزال الوقت قبل فعله علم من غير لبسة، ولا إشكال أن\nالله لم يشأ فعله فلذلك لم يفعله، ولم يلزمه كفارة الكذب لأنه عاد صدقًا.\nفإن قالوا: إذا أسقطتموها عنه لأنه عاد صدقا فأوجبوها عليه إذا\nحلف أن لا يفعل فعلًا ففعله لكذبه.\nقيل لهم: ولا هذا هو كاذب، لأنه إنما حلف أن لا يفعله إن شاء\nالله ذلك، فلما شاء فعله ففعله بمشيئته لم يكن كاذبًا.\nفإن قالوا: فهلا أسقطتم الحنث عنه إذ كان عقد يمينه على فعل شيء\nلوقت بلا استثناء فزال قبل أن يفعله لهذه العلة بعينها، وقلتم زوال","vol":"2","page":188},{"text":"مشيئة الله عنه في الفعل الذي كان عقد على فعله أقعده عن الفعل لا تفريطه فيسقط الحنث والكفارة عنه.\nقيل: هذا نفس ما فيه الخلاف بيننا وبينكم من أن الأفعال المعدودة في\nعداد الجنايات من الفاعلين وإن كانت بقضاء سابق، ومشيئة تابعة لمشيئة\nالخالق ففاعلوها على فعلها معاقبون، ولا يكون تصور الجور فيه عند\nالخليقة حقا بل هو باطل، وعقولهم لنقصها لا تبلغه، وهو عدل في\nالحقيقة عند الخالق، موجب الحث على هذا وجوب عبادة في الأمر\nوالنهي اللذين قد دللنا على أن المسلك بهما مسلك القضاء خطأ في\nالحكم وإن كان حقّا في الأصل. وفي وجوب الحنث على الحالف\nوجوب الكفارة المجعولة فيه أيضا.\nحجة على ذكر الاستثناء.\n(وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)\nحجة من يجيز الاستثناء في الأيمان وإن لم يكن موصولًا، حتى إن\nابن عباس - ﵁ - يجعل له الاستثناء بعد سَنة، والذي\nعندي فيه: أن الاستثناء لا يجوز إلا موصولا باليمين. إذ لو جاز أن","vol":"2","page":189},{"text":"يتبع الاستثناء اليمين بعد قطعها والأخذ في غيرِها ما حنث أحد في يمين\nأبدًا، ولا وجبت على الحالف كفارة، إذ الكفارة لا يوجبها إلا الحنث.\nوالحالف إذا قدر أن يخرج من الحنث بالاستثناء بعد قطع اليمين فقد أزال\nالكفارة عن نفسه في كل ما حلف عليه من الأيمان.\nوفي هذا إبطال آية الكفارة وإبطال حكمها.\nومما يؤيد ما قلنا من أن الاستثناء لا ينفع الحالف بعد قطع يمينه قول\nرسول الله - ﷺ -: \" من حلف على يمين فرأى غيرها\nخيرًا منها فليأتِ الذي هو خير، وليكفر عن يمينه \"، فلو كان","vol":"2","page":190},{"text":"الاستثناء ينفع بعد قطع اليمين لقال: \" فليستثن \". ليخرجه من يمينه.\nولم يقل: \" فليأتِ الذي هو خير وليكفر عن يمينه \"، ولدل الله\nرسوله - ﷺ - حين حرم جاريته على الاستثناء\nليغنيه عن تحلة يمينه بالكفارة، أو لاستدل رسول الله - ﷺ -","vol":"2","page":191},{"text":"بقوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) إذ هو أذكى الخليقة\nرأيًا وأجوده خاطرًا، ومحال أن يكون أحدٌ أعرف بما أُنزِل عليه منه.\nفهذا بين لا لُبسةَ فيه أن الاستثناء لا ينفع الحالف بعد قطع يمينه، ولا\nيخرجه من الكفارة إلا وصوله بها أو البر في يمينه. فالتوقيت بالسنة في","vol":"2","page":192},{"text":"ذلك فلا أعرف وجهه - والله جل وتعالى أعلم - بما أراده ابن عباس -\n﵁ -.\nفإن قيل: فما الفائدة إذَا في قوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) .\nقيل: يحتمل أن يكون ذكر ربه بالقول الذي أمر به حيث يقول:\n(وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)\nإلا بالاستثناء\nويحتمل أن يكون تأديبَا له وحثًا على المستأنف. والله أعلم بما أراد منه.\nذكر الدعاء ومجالسة صالح الفقراء.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)\nدليل على أشياء:\nفمنها: حمل النفس على المكاره والتماس القربة إلى الله، وصرفها عما\nتنازع إليها من هوايا.","vol":"2","page":193},{"text":"ومنها: إبطال الاستحسان ولأن الخطأ فيما يكون ظاهره قربة، لأنا لا\nنشك أن رسول الله - ﷺ - لمَ يلهُ عمَن\nعاتبه الله جل وتعالى فيه ويقبل على غيره إلا طمعا في إسلامهم.\nوإسلامهم في الظاهر قربة فعاتبه الله عليه كما ترى، ونهاه أن تعدو","vol":"2","page":194},{"text":"عيناه عمن أهمله طمعًا في إسلام غيره.\nوإذا كان رسول الله - ﷺ - بهذه المنزلة لا\nيصوب الله له مع حسن رأيه، وجودة خاطره ما يراه صوابا حتى\nتأتيه الرسالة فيما يريد فعله، فمن بعده من المستحسنين والقائسين أبعد\nمن الصواب، وأقرب إلى العتاب فيما يحلون ويحرمون بآرائهم ونظرهم.\nوفي ذلك دليل أن كل شيء قاله الرسول - ﷺ - أو\nفعل فعله، أو أمر أمره، أو نهي نهى عنه لم يوجد فيه عن الله تعالى نكير\nعليه فهو حق لم يأوِ فيه إلى هواه بلِ اتبع فيه ما أنزل إليه من ربه كان\nمتلوا في القرآن أو غير متلو بقوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ)، وبقوله: (إِن أَتًبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلي) .\nوبقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)\nوما يشاكل","vol":"2","page":195},{"text":"هذا من آي القرآن إذ لا يخص موضعًا بإنكار فعله، ويدله على خلافه إلا\nوقد أقر له سائره، وأوجب على الخلق اتباعه.\nومنها: أن الدعاء بالغدوات والعشيات أفضل وأجدر بالإجابة.\nومنها: أن مجالسة الصالحين مأثورة على مجالس غيرهم، ومندوب\nإليها المؤمنون.\nومنها: أن اجتناب دخول الغم على المؤمنين فرض على الموحدين.\nومنها: أن استبدال مجالسة صالحي الفقراء بطالحي الأغنياء معصية.\nوإن لم يعمل المستبدل بأعمالهم.\nومنها: أن النية الحسنة في ظاهر فعل منكر لا تنفع، واستعماله لا\nيجوز فقد دخل الآن في هذا ما حكي عمَّن كان يجنن نفسه، ويفعل أفعالًا\nظاهرها منكر طلبًا للخمول، والسقوط من أعين الخلق لئلا يشار إليه\nبالأصابع فيفتتن، لإنكار الله - جل وتعالى - على رسول الله - ﷺ -","vol":"2","page":196},{"text":"ما أنكر من ترك جلسائه والإقبال على من أغفل\nقلبه عن ذكره مع إرادة رسول الله - ﷺ - في ذلك ما\nأراد، وحرصه على إسلام من أقبل عليه.\nوقد رأيت كثيرًا من نساك زماننا ومتصوفيهم مستحسن هذا الفعل من\nفاعله، وهو عندي منكر لما أعلمتك، ولا أراه مع ذلك إلا كتمان نعمة\nالله على المرء في عاقبه، وتوفيقه للصلاح وعصمته من الطلاح، أليس\nاللَّه يقول: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)\nورسول الله - ﷺ - يقول: \" إذا أنعم الله على عبده نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه \"، وكان إذا مر بمبتلى قال: \" الحمد لله الذي عافانا","vol":"2","page":197},{"text":"مما ابتلاه به، وفضلنا على كثير من خلقه تفضيلًا \".\nأفيجوز التشبه","vol":"2","page":198},{"text":"بشيء تعوذ منه رسول الله - ﷺ - أوليس يقول رسول\nالله - ﷺ - في الذي يعمل العمل يسره فيطلع عليه.\nفيسره له أجران: أجر السر وأجر العلانية\nأوليس الله - جل","vol":"2","page":199},{"text":"وتعالى - قد مدح المعلنين بالطاعة كما مدح المسرين بها فقال: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)\nفأَمَّن خائف الفتنة في الأعمال الصالحة عن كراهة ما يوسوس إليه، والفزع إلى الله - جل وتعالى - في إزالته، ومكابدة عدوه بلزوم العمل الصالح الذي يريد إقعادَه عنه بوسوسة مثل هذا إليه، وليس الله - ﵎ - شيئًا\nأحدثه بنيات الطريق إلا بين بجوده خطأه لئلا يقتدي به كل الناس\nفيضلوا بعد البيان.\nونحن نظن بمن حُكي عنه من السلف هذا جميلا وأنه لم يرد إلا الخير\nولعل علمه عَزَب عن هذه الأشياء، فلم يفض على نُكَتها، مع أنه لم","vol":"2","page":200},{"text":"يحك عن أحد من المعروفين المعدودين في أئمة الدين وأعلام الهُدى.\nوليس في تطويل سِبال أيوب السجستاني ﵁، ولبسه\nنِعال الفتيان، وتطويل ثيابه نكير؛ إذ ممكن أن يكون طول سباله.\nوأحفى ما بين جانبيه من الشارب، وطول ثيابه فوق ثياب أشباهه\nوأشكاله ولم يبلغ بها ما يكون خيلاء، وطولها ولم يرد الخيلاء.\nوهي لا تكون معصية إلا مع إرادة الخيلاء. أليس أبو بكر الصديق","vol":"2","page":201},{"text":"﵁ - قال لرسول الله - ﷺ - حين سمعه\nيقول: \" من جرَّ إزاره خيلاء لم ينظرِ الله إليه يوم القيامة \": إن\nطرف إزأري يرتخي إلا أن أتعاهده، فقال: لست منهم، فإنك لا\nتريد به خيلاء \".\nوالنعال لبسها مباح كيف كانت، وكان ابن عباس - ﵁ - يلبس النعال السندية ويقول: \" تطرد العقارب في الصيف، وتقي الرجل في الشتاء \".\nومنها: أن مجالسة طغاة الأغنياء من زينة الدنيا، وقد أوصى","vol":"2","page":202},{"text":"رسول الله - ﷺ - عائشة بترك مجالستهم فقال لها: \"\nإن سرك اللحوق بي فإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستبدلي ثوبًا حتى\nترقعيه، فإنما يكفيك من الدنيا كزاد الراكب \". ونحن نعلم أنه","vol":"2","page":203},{"text":"لم ينهها عن مجالسة عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن\nعوف، وهم من صالحي الأغنياء، إنما نهاها عن مجالسة أشرارهم وطغاتهم.\nالمعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>وقوله: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية لقوله: (أَغْفَلْنَا)، ولم يقل: غفلوا.\nثم قال: (وَأتَّبَعَ هَوَاهُ)، ولم يقل: (وأتبعناه هواه)، ففيه أكبر\nالدليل على أن إضافة أفعالهم إليهم في مواضع الإضافة في القرآن غير\nدافع فعله بهم وإرادته فيهم إذ قد يجمع بينهما في حرف واحد كما","vol":"2","page":204},{"text":"ترى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) .\nفإن قالوا: فإذا كان قد جمع بينهما فَلمَ اخترت أحدهما دون صاحبه.\nقيل: اخترت في أصل الإيمان ما يكون به إرادة المخلوق\nتبعا لإرادة الخالق، ويكون الخالق غالبا عليه، ولم أختر ما تكون به إرادة\nالخالق تبعًا لإرادة المخلوق، ويكون المخلوق غالبا لخالقه، فأضفت الفعل\nإلى الفاعل في الأمر والنهي، لئلا يلحق بالآمر والناهي ظلم، وليكون\nالمقصر فيهما هو الموصوف بظلم نفسه وإن كان ذلك بقضاء ربه لأُومِنَ\nبجميع القرآن ولا أرد بعضه ببعض.\nذكر الحرير.\nوفي قوله: (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ)\nدليل على أن الذهب والحرير حرم على ذكور هذه الأُمة في الدنيا.\nلأنها دار عبادة، وفي الآخرة حل لهم كما ترى. وكذلك الشرب في\nأواني الذهب حرم في الدنيا على الذكور والإناث والخمر كذلك دون","vol":"2","page":205},{"text":"الآخرة.\nقال الله - ﵎ - (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ)، وقال: (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ","vol":"2","page":206},{"text":"المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذً</span>ا أَبَدًا (٥٧)\nحجة على المعتزلة والقدرية واضحة لإضافة الإعراض إليهم، وإخباره\nعن الحائل بينهم وبين التفقه والسماع من الأكنة على قلوبهم، والوقر في\nآذانهم، ونفي الهدى عنهم.\nوفي إخباره عن نفسه - جل وعلا - بجعل الأكنة على قلوبهم والوقر\nفي آذانهم في هذا الموضع، وإنكاره عليهم في أول سجدة المؤمن حيث\nيقول: (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ)\nدليل على أن الإنكار عليهم في هذا، وفي قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)\nعلى معنى ما لم يجعل لهم\nالاحتجاجبه والاستنامة إليه عن الأمر والنهي اللذين أمروا بما","vol":"2","page":207},{"text":"أعلهما، لأنهم في الموضعين جميعًا قال غير الحق.\nوقد شرحناه في سورة الأنعام ملخصًا بحججه، وكررناه ههنا لذكر الأكنة فإنه نظيره سواء.\nذكر أرأيت.\nقوله إخبارًا عن فتى موسى: (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)\nحجة في إجازة أرأيت في المخاطبات وإباحته في المحاورات، ورذ\nعلى مَن ينكر من أصحاب الحديث اللفظة في نفسها من أجل استعمال\nأهل الرأي لها، وذلك غلط غير مشكل لما ذكرنا.","vol":"2","page":208},{"text":"وقد ذكرها الله عن نفسه في غير موضع من كتابه فقال: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) .\nوقال: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)،\nوقال: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) .\nوقال أبو ذر في مخاطبته لرسول الله - ﷺ - حين أمره أن يكف يده في الفتنة: \" أرأيت إن دخل بيتي فلم ينكر عليه، وقال له رجل: أرأيت إن قتلت في سبيل","vol":"2","page":209},{"text":"الله صابرًا محتسبا، وقال له آخر: أرأيت رقى تسترقيها، ودواء\nنتداوى به ونفثَا ننفثه هل يرد من قدر الله من شيء فما أنكر على\nواحد منهم.","vol":"2","page":210},{"text":"وقول الشعبي - ﵁ -: \" بغَّض هذا المسجد إليَّ\nالأرايتيون: أرأيت أرأيت \" إنما أنكر منهم مرادهم به لا نفس\nالكلمة، كما قال الله - ﵎ -: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ\n(١)","vol":"2","page":211},{"text":"فأنكر عليهم مرادهم بالشهادة، وكذبهم في إضمارهم خلافها لا نفس الكلمة، ولا أحسب سُمي أصحاب الحديث بالحشوية\nإلا من مثل هذه الأشياء وشبهها. والإفراط في كل شيء قبيح، والاقتصار فيه محمود.\nالمعتزلة والنسيان.\nفإن احتج علينا المعتزلة والقدرية بقوله: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، وبقوله في سورة يوسف: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ)\nفي تثبيت قدرته، وما يحول بين المطيع وبين طاعته.\nوقالوا: هذا هو قولنا في الشر إنه من إبليس.\nقيل لهم: ليس معناه معنى القدرة والسلطان، إذ محال أن يقدر على\nإنساء شيء أراد الله ذكره إنما معناه: أن وساوسه تشغله حتى ينسى وقتا\nثم يذكره، ألا ترى أنه يقول في سورة يوسف: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) .","vol":"2","page":212},{"text":"فلو كان إنساؤه إياه بمعنى الاقتدار عليه في نفس إزالة الشيء عنه ما ادكر بعد أُمة.\nوالأُمّة: الحين في هذا الموضع.\nذكر أن العلم موهبة من مواهب الله.\nوفي قوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)\nإلى آخر قصة الخضر مع موسى - صلى الله عليهما - أدلة","vol":"2","page":213},{"text":"فمنها: أن العلم غير مقسوم على فضائل الرجال ودرجاتهم عند الله.\nحتى يكون من هو أعظم فضلا في عمله ودرجته أعلم في دينه، وغير\nجائز أن يكون الأدون الفضل أعلم في أشياء ممن فوقه في درجة\nالفضل، وإنما العلم موهبة من مواهب الله يخص به من يشاء من\nعباده، ويفضل بعضهم على بعض فيه فلا تحط زيادة علم واحدة\nدرجة فضيلة الآخر، ولا فضيلة الآخر تحيل أن يكون من دونه أعلم منه.\nألا ترى أن موسى - صلى الله عليه - قصر علمه عما كان يفعله الخضر - وهو لا محالة أفضل منه - ولم يتخط درجة نبوته وفضله، لأن سبقه الخضر إلى علم لم يعلمه.\nوهذا حجة لنا فيما نختار قول الأصاغر من أصحاب رسول الله -\nﷺ - في بعض الأمكنة على قول الأكابر، ونرى\nالحجة في بعض الأشياء مع الأنزل من العلماء دون الأعلى منهم فلا\nتكون حطا من درجات الأكابر والفاضلين، ولا طعنا عليهم وبخسا\nلحقوقهم.\nذكر أن قلوب المؤمنين مجبولة على إنكار المنكر.","vol":"2","page":214},{"text":"ومنها: أن قلوب المؤمنين مجبولة على إنكار المنكر، وغير مالكة للصبر على\nاحتماله، لأن موسى - صلى الله عليه - وعد الخضر أن يصبر على ما يراه\nمنه، فلما رأى ما أنكره عليه.\nالنكير على الوعد.\nومنها: أن من وعد وعدًا يريد الوفاء به عند قوله ثم عارضه دون\nالوفاء مانع قطعه عنه لم يكن خلفا، ولا كان عليه حرج ومثل هذا\nالدليل حديث رسول الله - ﷺ -: \" مَن وعد أخاه\nومن نيته أن يفي ولم يفِ فلا إثم عليه \".","vol":"2","page":215},{"text":"بل لو رأى الرشد في ترك الإنجاز فلا حرج، وقوله - صلى اللَّه\nعليه وسلم -: \" من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي\nهو خير وليكفر عن يمينه \"، وروي: \" فليأت الذي هو خير وهو","vol":"2","page":216},{"text":"كفارته \". فقد أمره أن يعمد ترك الوفاء بما قال باليمين فما لم يؤكده\nباليمين أحرى أن يتداركه. والله أعلم.\nومنها: أن المعاريض ليست بكذب، لأن موسى - ﷺ -","vol":"2","page":217},{"text":"عارض الخضر بالنسيان. كذلك قال ابن عباس: \" أما إنه لم ينسَ، ولكنها كلمة من معاريض كلامه \".\nومنها: أن الحق عند الله واحد، وإن كان قد جعل لكل بأن يتكلم\nفيه على اختلاف ظاهر الرأي، إذ إنكار موسى فعل الخضر - صلى اللًه\nعليهما - كان حقَا في الظاهر عنده، وفعل الخضر هو الحق عند الله\nفي الباطن.\nومنها: الحجة في قبول خبر الواحد، لأن موسى - صلى الله\nعليه - ترك ما عرفه من تحريم القتل، وخرق السفينة بخبر الخضر،","vol":"2","page":218},{"text":"إذ كان عنده صادقًا ولزمته الحجة بقوله: حتى عاد الحرام عنده حلالًا.\nومنها: أن إحياء الحقوق بذهاب بعضها قربة إلى الله إذا لم يوجد\nالسبيل إليه إلا بذلك، لأن الخضر - صلى الله عليه - قد أنقص\nبخرق السفينة من ثمنها طمعًا في أن يبقى أصلها لأصحابها.\nومنها: أن كسب الملاحين حلال، واشتراكهم في عمل السفينة\nجائز.\nومنها: أن اسم المسكنة واقع على من له البلغة من العيش، لأن\nالخضر - صلى الله عليه - قد سمَّى من له سفينة يعمل فيها مسكينًا.\nوقد أخبر الله عنه به في جملة ما أخبر من الحق.","vol":"2","page":219},{"text":"ومنها: أن للمسافر أن يستطعم من ينزل به إذا عدم ما يأكله، ولا تكون\nمسألة، لأنهما سألا حقهما لوجوب الضيافة على أهل المنازل للمارة.\nألا تراه يقول: (فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا)\nومنها: أن إباحة المكاسب وأخذ الأجرة على العمل وفي ذلك\nْتجهيل من يحرم الكسب من الصوفية، لأن موسى - صلى الله عليه - قال له: (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)\nفلم ينكر الخضر ما قال، بل أعلمه أن الانتظار به إلى وقت اتخاذه الأجر لم يمكنه لما خَشي من ظهور الكنز بعد انقضاضه.\nذكر المعتزلة وقتل الغلام الذي طبع على كافرا.\nوفي قوله تعالى: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ)\nحجة على المعتزلة والله شديدة، لأن الأُمة بأسرها مجمعة على أن","vol":"2","page":220},{"text":"المولودَ بين أبوينِ مؤمنينِ يكون مؤمنا، وهذا مولود طبع كافرا، وأبواه\nمؤمنان، وليس في ذلك ارتياب بتة لإباحة قتله، ولإخبار الكفر عنه\nبلفظه. فلو لم يكن من الحجة عليهم إلا هذا الغلام المخلوق كافرًا.\nوإباحة قتله قبل بلوغ الحنث وجري القلم عليه، والسلك به غير\nمسلك أبويه لكفى، فأين تحذلقهم، وادعى الفلسفة في معرفة عدل\nالله عندهم بعقولهم الناقصة العاثرة، وهل يقدرون في هذا الموضع إلا\nعلى التسليم لعدل لا يعرفونه ضرورة، فيلزمهم أن يسلموه في باب\nالقضاء والقدر ضرورة، أو يكفرون بالقرآن وينسبون الخضر - صلى\nالله عليه - إلى أنه قتل في الحقيقة نفسا زكية بغير نفس كما رأى\nموسى - صلى الله عليه - من ظاهر فعله، وكيف لهم بذلك -\nويلهم - وقد سلمه موسى للخضر وعلم أنه الحق. ثم أخبر الله نبيه -\nصلى الله عليه - وأنزله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن\nخلفه من غير إنكار عليه، بل أخبر أنه فعل بأمره ﵎ حيثما يقول\nإخبارًا عنه - صلى الله عليه -: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)","vol":"2","page":221},{"text":"ومنها: إباحة كنز الكنوز وحفظ الأموال على الصغار إلى وقت البلوغ.\nواختلف في الكنز أي شيء كان.\nفمنهم من قال: كان لوحين فيهما علم، وروي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \" كان ذهبا وفضة \"\nمن أيهما كان فهو حجة فيما قلناه، لأن اللوحين أيضًا قيمة.","vol":"2","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>سورة مريم</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)</span>\nحجة في تسمية المخلوقين بأسماء الله، إذا الولي اسم من أسمائه.\nوقد كثرت الحجج فيه، وليس للتكرير فيه موضع.\nذكر ليس الخبر كالمعاينة.\nوقوله إخبارًا عن زكريا: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)\nإلى قوله: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً)","vol":"2","page":224},{"text":"دليل على تثبيت الخبر المروي وصحته \" ليس الخبر كالمعاينة \".\nوذلك أن زكريا - صلى الله عليه - لم يَشْكُ إلى ربه وَهَن عظمه،","vol":"2","page":225},{"text":"واشتعال الشيب في رأسه إلا وهو موقن بإجابة دعوته، ثم بشره الله\nببشارة الغلام فقال ما قال وهو عالم بأن ربه يقدر عليه فلا وجه له -\nوالله أعلم - غير ما قلنا من أن المعاينة في الأشياء أبلغ من الخبر.\nوإن كان الخبر بالغا عند المؤمنين.\nومثل هذا - والله أعلم - قصة إبراهيم - صلى الله عليه - حيث\nسأل ربه عن كيفية إحياء الموتى فقال له: (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) . وكان بعض الناس يقول في (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي): أنه طمأنينة قلبه إلى إجابة دعوته، والآية لا تدل","vol":"2","page":226},{"text":"على قوله، ولهذا القول أيضا خبر قد قيل قوله - ﷺ -\n: \" نحن أحق بالشك من إبراهيم \" صلى الله عليه.\nذكرمن حلف أن يكلم رجلًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>قوله: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)</span>\nدليل على من حلف أن لا يكلم رجلا فكتب إليه أو أشار أنه لا\nيحنث، لأن زكريا لم يخرجه من الآية إفهام قومه بما قام عندهم","vol":"2","page":227},{"text":"مقام الكلام في الفهم، ولم يكن كلاما، ويؤيده حديث رسول الله -\nﷺ - حيث أشار في الصلاة برد السلام، وأشار\nإلى أبي بكر ﵁ - حين أراد أن يستأخر أن يثبت مكانه.\nوالصلاة لا يجوز فيها الكلام فلم يقِم رسول الله - ﷺ -","vol":"2","page":228},{"text":"الإشارة مقام الكلام في قطع الصلاة، وقد أفهم بها إفهام\nالكلام، فلا يجوز أن يكون إبداء شيء يفهم فهم الكلام كلامًا.\nفإن قيل: ما تقول في رجل كتب بطلاق امرأته ولم ينطق به لسانه\nأيلزمه أم لا.\nقيل: حكم النظر ودليل الكتاب والسنة أن لا يلزمه من أجل أن\nالطلاق لما كان من حكمه أن يوقع بإفصاح النطق، وإرادَة القلب فكتبه\nكاتبا مريدا لوقوعه وهو يقدر على أن يلفظ به فسكت لم يجز أن يوقع\nعليه ما لا يلفظ به، وقد أجمعوا جميعا لا تنازع بينهم على أن الرجل لو","vol":"2","page":229},{"text":"أراد طلاق امرأته فتهجاه بقلبه مريدًا لوقوعه، قاصدا له لم يلزمه وإن كان\nكذلك حتى ينطق به، وليس بين تهجيه بقلبه وكتبه بيده فرق في\nالنظر، لأن الكاتب إنما كتب تلك الحروف التي أمرها المريد على قلبه\nفقط، ولو كتبها ولم يرد إيقاع الطلاق بها لما لزمه عند الجميع\nطلاق.\nفحصل من هذا أنْ الموقع لطلاق الكتاب غير اللافظ أوقعه بالإرادة\nالمفردة التي لا يقع بها طلاق عند بشر، فما باله يوقع بها إذا اقترنت\nمع فعل لا يقع به على الانفراد شيء ولا بها، وحكم ما لا يقع به في\nالاقتران والانفراد واحد وإن تميزه، أفنجعل حكم الكتابة أبلغ من\nحكم اللفظ الذي لا يوقع به إذا عري من الإضمار والقصد بينه وبين\nالحالف شيئا، هذا ما لا يذهب على ذي فهم إذا تدبره.","vol":"2","page":230},{"text":"ولا أعلمهم يختلفون أن الولي لو كتب بتزويج من يزوج، وكتب\nالخاطب بالقبول مريدين بعقده وهما ناطقان سامعان عاريان من\nالخرس والطرش أن النكاح لا ينعقد به، ولو كتبت الثيب\nوهي ناطقة بالرضا لم يجز الأخذ به.\nوالنكاح عقدة هذا الحل الذي يحله الحال بالكتابة فما بال الكتابة تعمل\nفي الحل فلا تعمل في العقد،","vol":"2","page":231},{"text":"فإن قيل: أفليس كتب رسول الله - ﷺ - إلى كسرى\nوقيصر وغيرهما فلزمتهم الحجة بكتابه كما لزم الحاضرين بقوله.\nقيل له: نحن لم ننفِ أن الكتابة لا تفهم إفهام الكلام حتى يحتج علينا بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى قوم، ولكنا نزعم أنها وإن أفهمت فهم الكلام فليست بكلام، وشرط الطلاق في الأصل أن لا يقع إلا على الناطق بالكلام، وليس شرط لزوم الحجة أن\nلا يلزم إلا بالنطق. ألا ترى أن القرآن حجة الله على خلقه أمره أن\nينذر به الناس فقال: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)\n، فكان يتلوه - ﷺ - على الناس منذرَا به فيلزمهم به\nالحجة، وليس هو كلامه، وينذر فيه الرجل متبينًا لأمره ونهيه\nفيلزمه حجتهما وليس هناك نطق، وكان رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - يفعل الفعل فيلزم به الحجة، ويرى الشيء يعمل ولا","vol":"2","page":232},{"text":"ينكر، أو يبلغه فلا ينكره ويلزم بكل ذلك الحجة، وليس هناك\nكلام. فليس لاحتجاج الحجيج بكتاب رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - إلى من كتب في لزوم الحجة لزومها بالكلام متوصلًا به إلى\nإيقاع الطلاق وجه لمن تدبره.\nونحن مقرون بأن الكتاب ينوب عن الكلام في الإفهام، ونرى الناس\nجميعا يستعملونه بينهم في الرقاع والكتب من بلد إلى بلد، وتنفذ كتب\nالأئمة بالولايات والأحكام فتفهِم فَهم الكلام وتقبل ولكنها لا تعد\nكلاما. ألا ترى أن رجلًا لو حلف أن لا يتكلم فكتبه كلاما أنه غير\nمتكلم. ولو كان شَرْط لزوم الحجة أن لا يلزم في الأصل إلا بالكلام.\nثم كتب رسول الله - ﷺ - إلى كسرى وقيصر","vol":"2","page":233},{"text":"فلزمتهما الحجة بكتابه لكان الاحتجاج حينئذ أشبه للقائسين عليه كتاب\nالمطلقين وكان يكون عندنا مسلما في وضعه، فكيف وليس شرط لزوم\nالحجة الكلام دون غيره كشرط الطلاق في الأصل.\nفإن قيل: فقد قال رسول الله - ﷺ -: \" تجاوز\nالله لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تنطق به أو تعمل به \"\nوالكتابة عمل.\nقيل: الأمة تحدث أنفسها بشيئين: أحدهما: ما ينطق به، والثاني: ما يعمل به.\nوالطلاق مما ينطق به، فنفسر ما احتج به حجته عليه لأنه حدث نفسه\nبالطلاق وهو من سلطان النطق فلم ينطق به، وليس للعمل سلطان على\nالطلاق نفسه، لأن الطلاق لا يعمل عملا إنما ينطق به نطقا، والذي\nعملت اليد فيه منه فهو حروف هجائية لا الطلاق الواقع على زوجته.\nأرأيت رجلا كتب حروف الطلاق في كتاب وهو لا يريد به طلاقا وقد\nكتبه ثم قال: قد طلقت هذه الحروف أيقع على امرأته طلاق.\nفإن قال: يقع عليها طلاق، فخالف كافة الأمة، وأبدع في الدين\nما ليس فيه، وأحال القول.","vol":"2","page":234},{"text":"وإن قال: لا يقع بذلك طلاق.\nقيل له: فما الذي يوقع على كاتب الطلاق طلاقا لِنية في الكتابة، أو\nالكتابة نفسها، أم مظاهران معًا في إيقاع الطلاق على الكاتب.\nفإن قال: النية وحدها، أم الكتابة وحدها أحال القول وخالف الأمة، فإن قال: الظاهر هو الذي يوقع.\nقيل له: هل رأيت شيئين كلاهما على الانفراد موصوفين بصفة زوال\nالسلطان، فإن اجتمعا صار لهما بأنفسهما سلطان من غير أن يستعينا\nبشيء غير أنفسهما تقويهما وتجعل لهما سلطانًا.\nهذا ما لا يذهب على من ميزه من العامة، فكيف على أهل العلم\nالمفتين، وعلى الدقائق غائصين.\nفإن قيل: فأنت لا توقع بالنطق وحده طلاقًا، ولا بالإرادة مفردة.\nفإذا اجتمعا أوقعت بهما وهو نفس ما أنكرته.\nقيل: النطق الذي لا أوقع به طلاقًا هو الذي يأوي فيه إلى ما لا\nيقع به طلاقًا كقوله: طلقتك من وثاقك، إذ لا إرادة فيما صرح به من\nهذا","vol":"2","page":235},{"text":"أو يكون نطق على الغلط من أن يريد أن يتكلم بشيء فيجري على\nلسانه الطلاق. فهذا وما يضاهيه لا يقع فيما بينه وبين الله.\nفأما النطق على الانفراد الذي يوقع طلاقا مع النية فمعوز توهمه.\nفكيف النطق به كما يكن كتب حروف الطلاق على القصد والغلط معًا.\nفإذا كان النطق الذي يقع به الطلاق لا يمكن إفراده على قصد كما\nيمكن إفراد كَتْب حرفه على النطق الذي قصد الكتابة دون إحضار النية\nفي وقوعه - لأنه إذا نطق بقصد فقد جمع - كان الجمع بينه في الداخلة\nوبين ما أنكرناه من إفراد النية وإفراد الكتابة والجمع بينهما ظلمًا بينا -\nواللَّه أعلم -.\nفهذا حق النظر وما دل عليه لفظ الكتاب والخبر، فإن أمكن أحد","vol":"2","page":236},{"text":"إيجاد الإجماع في إيقاع الطلاق بالكتابة من غير نطق به فالتسليم له\nواجب\nوإن أعوزه إيجاد الإجماع وهو معوز، فيما قلناه واضح لا إشكال\nوسواء كان الكاتب بالطلاق حاضرا أو غائبا، لأنه يمكنه أن يلفظ به\nفي الغيبة والحضور ثم يكتبه فلا يقع أبدًا عليه طلاق ألا ينطق بقصده\nأحكام.\nولد الزنا.\nوقوله تعالى إخبارا عن مريم: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)\nدليل على أن ولد الزنا يلحق بأمه، ويكون منسوبا إليها. ألا ترى أنها\nنسبت مولود البغي إليها كما ينسب إليها ولد الحلال فلم ينكر عليها\nالملَك، بل أعلمها بأن الله - جل وتعالى - هين عليه أن يرزقها\nغلاما بغير إمساس ذكر، ويجعله آية للناس. فهو واضح لمن تدبره.","vol":"2","page":237},{"text":"ذكر الرطب للنفساء.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)\nدليل على أن الرطب للنفساء نافع.\nذكر الإشارة.\nقوله إخبارًا عن مريم حيث قال لها قومها: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)","vol":"2","page":238},{"text":"يؤكد ما قلنا من أن الإشارة وإن قامت في الإفهام مقام الكلام\nفليست بكلام، لأن مريم - صلى الله عليها كانت نذرت أن لا تكلم\nشيئا فلم تخرجها الإشارة إلى ابنها عيسى - ﷺ - من\nالنَذر، ولا عدت كلاما يخرجها منه.","vol":"2","page":239},{"text":"ذكر تربية المولود فى المهد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>وقوله: (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)</span>\nدليل على أن تربية المولود في المهد سنة المولود، لأن فعل مريم\nبابنها - ﵉ - سُنة ولنا قدوة.","vol":"2","page":240},{"text":"الجهمية.\nقوله إخبارًا عن إبراهيم - ﷺ -: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)\nرد على المعتزلة والجهمية.\nإذ لا ينكر إبراهيم على أبيه ما لا يسمع ولا\nيبصر إلا ومعبوده يبصر ويسمع ويغني عن كل شيء.\nوقوله إخبارًا عن إبراهيم: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)\nحجة في إجازة السلام على ذي الرحم مِنَ الكفار، فيكون ذلك جائزًا\nبالقرآن، وعلى الأجنبيين ممنوعا بالسُّنة.\nوليس تأويل من تأول نهي النبي - ﷺ - عن إبداء\nأهل الكتاب بالسلام من جهة أنه أمان، وتطرقه إلى جوازه بسلام","vol":"2","page":241},{"text":"إبراهيم على أبيه بشيء، لأن النهي من رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - في الظاهر واقع، والتأويل ظن من المتأول. ألا ترى أن الله - ﵎ - أمر موسى وهارون - صلى الله عليهما - في مخاطبة فرعون أن يقولا: (وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) .\nوقد أمرهما بتليين القول له، والسلام ألين القول فلم يجز لهما أن يخصاه\nبه، وفرعون أجنبي منهما، وأجازه لإبراهيم على أبيه. فدل ذلك\nعلى أن ذا الرحم يخص به، والأجنبي لا حظ له فيه.\nفهذا أحسن وأولى من تأويل يرد به ظاهر سُنة ثابتة يشهد لها دليل\nالقرآن واللًه أعلم.","vol":"2","page":242},{"text":"ذكر الولد الصالح.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>وقوله: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)</span>","vol":"2","page":243},{"text":"حجة فى أشياء:\nفمنها: أن طاعة المؤمن تثمر له الثواب في الدنيا والآخرة.\nومنها: أن الولد الصالح من نعم الله على أبيه وجده وليس بفتنة\nعليهما، وأن الولد الذي قال الله - ﵎ -: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)\nهو الطالح لا الصالح، فتكون الآية عامة المخرج خاصة المعنى.\nإذ محال أن يَمتن على إبراهيم - بإسحاق وابنه يعقوب وهما فتنة. والدليل على صحة ذلك أنه قدقال قبل تلك الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)\nفجعله خاصا، فمن كان عدوا لأبيه فهو الذي","vol":"2","page":244},{"text":"فتنة عليه. ولا يجوز أن يكون يحيى بن زكريا فتنة على أبيه، ولا إسماعيل\nوإسحاق فتنة على إبراهيم. وقد يجوز أن يكون الولد الصالح فتنة على أبيه\nوجده ما دام صغيرًا، فإذا كبر وظهر صلاحه، وبانت طاعته عاد\nنعمة عليه والدليل عليه أن النبي - ﷺ - أبصر الحسن\nوالحسين وهو على المنبر، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل\nإليهما وحملهما وعاد إلى المنبر ثم قال: \" صدق الله (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)، إني لما نظرت إلى هذينِ الغلامينِ يمشيانِ\nويعثرانِ لم أتمالك أن نزلتُ إليهما فحملتهما \" (٢) . فقال هذا فيهما","vol":"2","page":245},{"text":"وهما صغيران فلما كَبِرا عادا نعمة عليه بما صار لهما من الجلال والمحل في\nالإسلام، فلم يجز أن يعدا حينئذ في عداد الفتن.\nومنها: أن الثناء الحسن جليلة جميلة يُلبِس الله عبدَه المؤمن التقي.\nلأن لِسان صدق في هذا الموضع هو الثناء الحسن. والله أعلم.\nوإذا كان الله بجوده جعله في عداد النعم، ومدح به من جعله فيه لم\nيجز للمؤمن أن يكرهه، وكان له أن يفرح به ويعده من كبار نعم الله\nعليه.\nومنها: أن الشيء إذا سمي به شيئا جاز أن ينقل إلى غيره لسعة\nاللسان، إذا اللسان المعروف عند العامة هو الذي ينطق به، وقد نقل\nفي هذا الموضع إلى الثناء الحسن.\nذكر تناول الأب مال ولده.\nقال محمد بن علي: وكان بعض النظار يجعل هذه الآية حجة في تناول\nالأب مال ولده، ويؤيده به الحديث المروي: \" أنت ومالك","vol":"2","page":246},{"text":"لأبيك \"، ويزعم أن الله لما وَهبَ إسحاقَ لأبيه، وقال في موضع","vol":"2","page":247},{"text":"آخر: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا)\nلم يكن للموهوب أن يمتنع على من وهب له، والهبة تصير\nملكا للموهوب له، فكل ما أضيف إليها كان منها.\nوليس هو عندي كذلك، لأن الهبة في هذا الموضع هي هبة نِعمة لاَ\nهِبة مُلك، إذ لو كانت هبة ملك لجاز للوالد أن يبيع ولده كما له عند هذا\nالناظر - أن يأخذ ماله بغير أمره - ولما جاز للولد أن ينفق من ماله إلا بإذن\nأبيه، ولما جاز له وطء جاريته يشتريها بالمال الذي هو في يديه إذ كان ملكه\nلأبيه حتى يهبها له أبوه، ولما صحت فيه هبته أيضا، لأن أكثر حال الهبة\nأن تصير ملكا للموهوب له كما كان سائر ماله، ولكان الوالد أحق\nبوطئها، وَلمَا حكم على الموسر إذا كان له والد بصداق نسائه\nونفقاتهن، ونفقة صغار أولاده وعبيده وخدمه، ودفع ديون الناس إذا","vol":"2","page":248},{"text":"طالبوا بها، وفي ذلك عكس أحكام الإسلام كلها، وفي توريث الله -\nجل وتعالى - مع الوالد بعد موت الولد غيره، والاقتصار به على نصيب\nمعلوم أوضح البيان، وأدل دليل على أنه غير مالك مال ولده في حياته\nإذ لو كان له مال في حياته لأخذه بعد وفاته، ولم يأخذ معه غيره والخبر\nالمروي في: \" أنت ومالك لأبيك \" مرسل، ولا يثبت به حجة.\nوقد وصله من ليس محله محل الاتفاق ولا هو بحجة في أئمة النقل، وما كان هذا سبيله لم يصلح أن يتخذ دعامة ولا يكون حجة\nوسيما إذا دفعوا القرآن، وكان فيه عكس أحكام الإسلام.\nفإن احتج محتج بحديث عائشة عن النبي - ﷺ -:\n\" إن أولادكم من كسبكم فكلوا من أموالهم \".","vol":"2","page":249},{"text":"وقال: \" كسب الرجل له \".\nقيل: الخبر صحيح لا مطعن في إسناده، ولكنه موافق لما افتتحنا به\nهذا الفصل من أن الطاعة تثمر ثواب الدنيا والآخرة فالولد كسب الطاعة لا\nكسب التجارة المدارة بيننا في الأسواق. ألا ترى أن إسحاق ويعقوب وُهِبَا\nلإبراهيم جزاء على اعتزاله عبادة الأصنام.\nوالدليل على أن فعل الطاعة تسمى كسبًا:","vol":"2","page":250},{"text":"قوله ﵎: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) .\nوقال: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) .\nومثله في القرآن كثير.\nوكان ولد المؤمن من كسبه أي كسب من طاعته، وقوله - صلى الله\nعليه وسلم -: \" فكلوا من أموالهم \"\nخصوص في شيئين.\nأحدهما: إباحة الأكل الظاهر المخرج، وإن كان يحتمل غيره.\nوالثاني: الاقتصار في الأكل على بعضه لقوله: \" فكلوا من أموالهم \"، ولم يقل: فكلوا أموالهم.\nومن مقتضاه خصوصًا لا عمومًا، وقد قال ﵎ على إثر\nالآية المبتدأ بها الفصل: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)","vol":"2","page":251},{"text":"وقال في أيوب: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)\nفهل يجوز عند هذا الناظر أن يأخذ الرجل مال أخيه\nومال أهله ويتملكه عليهما بغير إذنهما من أجل أن الله - ﵎ -\nجعلهما هِبة له كما جعل الولد هِبة لأبيه، وجعله رسوله - صلى الله عليه\nوسلم - كسبًا له. وكل هذا الاحتجاج لا يوهن نفقة الأبوين على الولد\nالغني زمِنينِ كانا أم صحيحين، وقد بيناه في كتاب آخر بحججه.","vol":"2","page":252},{"text":"ذكر الرد على من يقول بخلق القرآن.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ)\n(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) .\nحجة على من يقول بخلق القرآن، إذ لا يمكنه أن يقول في المناداة\nما يتأوله في الكلام، وإن كان ما يتأوله فيه خطأ.","vol":"2","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>قوله: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)</span>\nأكده بلا أشكال، لأن النجي لا يكون إلا من يكلم ويحاور.\nوفيه حجة على من ينكر أن الله - ﷻ - بنفسه في موضع دون\nموضع، وأنه على العرش وعلمه في الأرض. إذ لو كان بنفسه\nفي كل موضع كما يزعمون ما كان لقوله: (وَقَرَّبْنَاهُ) معنى، ولما\nكان لموسى فضيلة على غيره. إذا المعنى الذي يذهب إليه يستوي جميع\nالناس فيه كافرهم ومؤمنهم، وليس لما يتأوله من أن القرب قرب\nالطاعة، لما قربه بالمناجاة ولذا روي في الخبر: \" أنه قربه حتى سمع\nصريف القلم \".","vol":"2","page":254},{"text":"البكاء والتسبيح.\n(إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)\nحجة في جواز البكاء في السجود، والاقتراب به من المعبود.\nوكذلك قوله في آخر سورة بني إسرائيل: (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) .\nفهذا نظير تلك، وفيها زيادة دَليل\nهو أن التسبيح في السجود صلاة، وسجود القرآن سجود واحد","vol":"2","page":255},{"text":"والقول فيها قول واحد، وأن كل كلام في الصلاة يراد به دعاء وذكر مباح\nفي الصلاة لا يقطعها كما يقطعها الكلام في أمر الدنيا، وما ليس من\nسبب الصلاة.\nذكر تكفير تارك الصلاة.\nوفي قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ)\nدليل على أن الإنسان يدرك ما يكفر، لقوله: إن إضاعتها تركها لا\nتأخيرها عن وقتها كما يزعم بعض المفسرين لقوله ﵎: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ)، فذكر الإيمان مع التوبة.\nوفيه تأكيد قولنا: في أن تارك الصلاة بلا عذر يكفر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>وقوله: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا) </span>- والله أعلم -","vol":"2","page":256},{"text":"مستثنى من المسموع، إذ كل مسموعٍ مِنَ اللغو وغيره مسموع، وهو نظير\nما مضى من رد استثناء إبليس من السَّاجدين في ذكر الملائكة. وكل هذا\nدليل على سعة لسان العرب، والقرآن بلسانها نزل.\nذكر أنجزاء الأعمال مواريث.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>قوله: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا)</span>\nحجة للصوفية فيما يسمون جزاء الأعمال مواريث، لأن الجنة وإن\nكانت من ميراث الآخرة فهي ثواب عمل وكل ثواب مثله.","vol":"2","page":257},{"text":"ذكر أن العبادة ثقيلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>وقوله: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ)</span>\nدليل على أن العبادَة ثقيلة مملوة، والمؤمن مأمور بالصبر عليها إذ\nاسم الصبر لا يكون إلا مقرونَا بالكراهة والصعوبة.\nخصوص.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>وقوله: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)</span>\nخصوص لا محالة، لأن هذا قول بعض الناس دون بعض.","vol":"2","page":258},{"text":"ثم قال: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ)\nعموم، لأن الحشر لا يكون إلا للجميع.\nفأي شيء يلتمس في سعة اللسان بعد هذا، وابتداء الكلام خصوص\nوآخره عموم من غير حائل لفظ بينهما يرد خصوصًا إلى عموم المعنى\nالمفهوم منه.\nذكر المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>وقوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)</span>\nحجة على المعتزلة في الوعيد شديدة، لزعمهم أن الداخل من\nالموحدين النار لا يخرج منها أبدًا، وهذا نص القرآن يخبر بورود الجميع\nإياها وصدر المتقين عنها.","vol":"2","page":259},{"text":"فإن زعموا أن الورود ليس بورود النار كذبهم أول الآية، لأنه ذكر\nالحشر وذكر جهنم بلفظها.\nفإن قالوا: قد قال: (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)\nكانت عليهم فيها حجتان:\nإحداهما: أنهم لا يقولون ولا غيرهم أن أحدا يخلد حول جهنم، ولا\nيعذب به ثم ينجو عنه حتى يصرفوا النجاة التي ذكره الله إلى الخلاص","vol":"2","page":260},{"text":"من حولها لا منها نفسها.\nوالثانية: أن هاء التأنيث في قوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) قد","vol":"2","page":261},{"text":"أذهبت كل ارتياب بأنه ورود النار. إذ لو أريد حوله لكان: (إلا\nوارده)، لأن الحول مذكر، فقد دل هذا على أنهم يحضرون حولها\nأجمعين ثم يردونها فينجوا المتقون، ويبقى الظالمون فيها جثيا.\nفإن قالوا: أليس قد رويتم في بعض تفاسيركم أن الورود هو ورد\nالحمى.\nقيل: ليس كلما نرويه نصححه، وكيف يكون صحيحا والله\nيقول: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)،\nونحن نرى عيايا أن الحمى إذا أخذت الظالم في وقت فارقت كما تفارق\nالتقي، فلو كان كذلك لبقي جَمّ من الظلمة فيها أبدا، فهذا واضح\nأنه ورود جهنم في الآخرة لا ورود الحمى في الدنيا، ونحن نقول بعد\nتصحيح مقالتنا في الورود الذي في كتاب الله أنه ورود جهنم وأن\nالحمى من فيحها في الدنيا كما قال رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - فإنه إذا أخذت منا أحدًا أبردناها بالماء ائتمارًا لرسول الله -\nﷺ - وقبولًا لوصيته،","vol":"2","page":262},{"text":"ولا يكون ذلك نقضًا للورود في الآخرة.\nوبعد فلو كانت روايته عن سعيد بن جبير أن الورود هو ورود الحمى\nلا ورود جهنم صحيحة، وكان القرآن لا يدفعها ما كان لهم علينا فيها\nشيء، بل كانت لنا عليهم إذ استعظامهم لخروج موحد من النار بعد\nدخوله إياها هو من أجل خلف الوعد الذي لا يجوز على الله عندهم. فإن\nكان إخراج من دخلها عظيمًا عندهم فينبغي أن يكون الصفح عمن أوعد\nإدخالها بذنوب اقترفها أعظم عندهم من الباب الذي يذهبون إليه.\nأولا يعلمون أن الخلف في اللغة هو: ترك إنجاز الخير،","vol":"2","page":263},{"text":"والصفح في الوعيد كرم لا خلف كما دللنا عليه في سورة التوبة عند\nانتهائنا إلى قوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ) .\nفإن كانت الاستراحة إلى قول سعيد بن جبير آثر عندهم في الورود مما يدل عليه القرآن فِرارًا من كسر قولهم في خروج من دخل النار منها فنحن نسامحهم، لأن الذي نريده من إيضاح خطأ ما ذهبوا\nإليه في الوعيد من أجل الخلف قلبه عليهم من قول سعيد بل العفو عن\nالموعد والاقتصار منه على حرِّ الحمى في الدنيا أبلغ فيما يريد، وأرجو\nأن يفعل الله ذلك بأكثر المؤمنين على رغم من إنافهم، فقد روى","vol":"2","page":264},{"text":"مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة - ﵂\n- قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" الحمى\nحظ كل مؤمن من النار\"، ورواه أنس - ﵁ - أيضا من","vol":"2","page":265},{"text":"رواية قتادة عنه مرفوعَا، وروى أبو حصين، عن أبي صالح\nالأشعري، عن أبي أُمامة، عن النبي - ﷺ -\nقال: \" الحمى كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان\nحظه من النار \".","vol":"2","page":266},{"text":"وروى هذا الحديث أيضا شهر بن حوشب عن أبي ريحانة عن النبي - ﷺ -","vol":"2","page":267},{"text":"أنه عادَ رجلًا من وعك به فقال: \" يقول الله -\n﵎ -: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من\nالنار \"، وحديث أبي بردة عن أبي موسى الأشعري عن النبي - ﷺ -","vol":"2","page":268},{"text":"في تجعيل اليهود والنصارى فداء للمسلمين من النار مشهور.\nفهذه الأخبار موافقة لتفسير سعيد بن جبير في الحمى والروايات\nالأخر أن قوما يخرجون من النار بعدما دخلوها فيسمون بعد إدخالهم\nالجنة الجهنميين، حتى يغيرون فيها، فيذهب الله عنهم سِيماء أهل\nالنار موافقة لدليل القرآن في الورود، وأيهما كان من هذين فهو لنا","vol":"2","page":269},{"text":"لا لهم، وأنا آمل أن يكون كل ذلك مؤتلفا غير مختلف، فيكون ما دل\n- عليه القرآن في الورود ورود لا يحرق ولا يؤلم كما روي في الخبر: \" إذا\nورد المؤمن النار لتحلة القسم نادته جهنم يا مؤمن أطفأ نورك لهبي \".","vol":"2","page":270},{"text":"ويقول أهل الجنة إذا دخلوا الجنة: \" ألم يعدنا ربنا أنا نرد النار، فيقال\nلهم: بلى، ولكنكم مررتم بها وهي خامدة \".","vol":"2","page":271},{"text":"فإذا خرجوا منها سموا جهنميين، ويكون حظهم من ألمها ما وصل\nإليهم من مس الحمى وألمها إذ كانت من فيحها.\nفإن قيل: فَمَن الذي تسميهم الجهنميين، وكل يَرِدها ممن يخلد ومن\nيخرج منها.\nقيل: قد يجوز أن يكون الورود من جميعهم فمن لم تمس منه شيئا ولم\nتسمه بسمة وتغير من مَست منه ووسَمَته بسمة ويسمونهم جهنميين.\nفإن قيل: فما بالك تقول: مرة لا تمس منهم ولا تؤلمهم، ومرة\nتجعل الألم والمسيس خصوصا لقوم دون قوم.\nقيل: هي أخبار مروية بعضها أثبت من بعض وأقوى دعامة في\nالإسلام. ومن وجد شيئا من الرجاء والتأميل لم يضمن زوال الخلل\nكله عنه، والذي ليس بمخلول ما دَلت عليه التلاوة من القرآن.\nالذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه من أن الورود من","vol":"2","page":272},{"text":"الجميع ورود واحد ثم ينجي الذين اتقوا، وتكون نجاتهم على وجهين.\nفمن وردها لِتَحلة قَسَمه - جل وتعالى - صدر عنها بنعمته غير\nممسوس بألم إن شاء الله.\nومن وردها باقتراف ذنوبه أمسه الله من ألمها ما شاء، ثم أخرجه منها\nإذا شاء، وترك الظالمين فيها جثيًّا.\nومن الأخبار الصحيحة التي لا نشك في أسانيدها خبر مالك بن\nأنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن\nرسول الله - ﷺ - قال: \" من قدّم من المسلمين\nثلاثة من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القَسم \".\nوخبر أبي نضرة، عن أبي سعيد وإن لم يوازِ هذا فهو","vol":"2","page":273},{"text":"يقاربه في الصحة أن رسول الله - ﷺ - قال: \" أما أهل\nالنار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون، وأما قوم دَخلوها\nبذنوبهم فإنهم يموتون فيها، ويصيرون كالحمم فيمكثون فيها ما شاء اللَه\nحتى إذا أراد الله أن يعتقهم انطلق بهم إلى نهر يقال له: الحياة، فينبتون\nفيه نبات الحبة في حميل السيل \".","vol":"2","page":274},{"text":"وحديث جابر بن عبد الله حين أهوى بأصبعيه إلى أُذنيه وقال: صُمَّتا\nإن لم أكن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" الورود\nالدخول لا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلاما\nكما كان على إبراهيم حتى إن لسقر - أو قال: لجهنم ضجيجًا من\nبردهم، (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) \"\nفالمعول على هذا التصديق القرآن إياه في الورود.","vol":"2","page":275},{"text":"وفي قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) .\nفدل أن من دخل النار من الموحدين فمسته مات فيها، إذ محال أن يخص الكافر بصفة في عذابه فيشاركه فيه المؤمن، والله أعلم.\nقال محمد بن على: ولأهل الأعراف حالة غير هذه كلها قد بيناها في\nموضعه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية.","vol":"2","page":276},{"text":"ذكر زيادة الإيمان.\nوَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)\n(حجة على المرجئة في زيادة الإيمان.\nذكر القدرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية في إرسال الشياطين، وهو يؤيد ما قلناه","vol":"2","page":277},{"text":"قبل هذا من أن الشيطان مخلوق نِقمة لمن حقت عليه كلمة ربه يزعجه إلى\nمعاصيه، والكفر بإرسال ربه عليه.\nذكر سعة لسان العرب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>قوله: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)</span>\nدَليل على أشياء:\nفمنها: تأكيد قراءة من قرأ في سورة الأنعام: (وَاَللَّهِ رَبِّنَا)\nبالنصب على سعة اللسان، بالرجوع من الخبر إلى المخاطب المواجه ألا\nتراه يقول: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)\nبالنون إلى الرحمن،","vol":"2","page":278},{"text":"ولم يقل: إلينا.\nولو كان الاختيار في (رَبِّنَا) بالخفض على النعت لكان - والله - كلا\nهذا - والله أعلم - بالياء، يحشر على لفظ ما لم يُسَم فاعله إلى الرحمن.\nومنها: الرد على من يقول: إن الله - ﷻ - بنفسه في كل\nمكان، ولا يكون في مكان دون غيره ولو كان جل وتعالى كذلك ما كان\nلحشرهم إليه معنى، إذ هو معهم حيث يكونون.\nومنها: إجازة الإخبار عن الجميع بلفظ واحد في قوله: (وَفْدًا)، ولم يقل: (وفودا) . وكذلك: (وِرْدَا) عن المجرمين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>قوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)</span>","vol":"2","page":279},{"text":"يؤيد ما قلنا أيضًا في تأييد: (واللهِ رَبِّنَا)، لأنه قال\nلَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)\nولم يقل: جاءوا على لفظ الأول.\nوكل هذا دليل على سعة اللسان بالخفض والنصب في القراءة مختاران\nجميعًا لا يفضل واحد منهما على صاحبه، وفي هذا توسيع ما قلنا في\nسورة فاتحة الكتاب من أن فيها إضمار قل، وتسهيل الكلام بإسقاطه.\nذكر أن البنوة والعبودة لا يجتمعان في حال واحدة.\n) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)\nدليل واضح لمن تدبره أن البنوة والعبودة لا يجتمعان في حال\nواحدة، وأن من ملك ابنه عتق عليه، لأن الولد لا يكون عبدًا لأبيه\nفي حكم هذه الآية. والله أعلم.","vol":"2","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)</span>\nحجة على الجهمية في الوُدّ، وبيان لإعطاء المؤمن ثواب عمله في الدنيا والآخرة.","vol":"2","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>سورة طه</span>\nالرد على من يقول بخلق القرآن ولبس النجس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>قوله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)</span>\nحجة على من يقول بخلق القرآن، ويزعم أن الله لا يجوز عليه الكلام\nفيقال له: من نادى موسى بهذا النداء.\nفإن قال: لم يناده ربه، إنما ناداه بعض ملائكته.\nقيل: (إِنِّى أَنَاْ) راجع على من.\nفإن قال: على الملك، كفر حيث جعله رب موسى - ولن يقوله","vol":"2","page":282},{"text":"إن شاء الله -.\nوإن قال: هو راجع على الله - جل الله -.\nقيل له: أفيجوز أن يكون ذلك راجعَا عليه والنداء من غيره.\nفإن قال: لا يجوز، إنه محال.\nأقر بأن الله متكلم، وأن: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)\nوكل ما بعده من (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) من الابتداء، والجواب لموسى كلامه، وكلامه لا يكون مخلوقا، لأنه صفة من صفاته، ولا يجوز عندنا وعنده وعند من يؤمن به أن يكون شيء من صفاته مخلوقا.\nولو كان: نودي يا موسى، إنه هو ربك، وهو اختارك أنه لا إله\nإلا هو فاعبده، وأقم الصلاة لذكره، وكل ما بعده على هذا المعنى لكان\nقوله حينئذ أوجه في المخلوق في حق الكلام، وإن كان خطأ من كل\nجهة.\nفهذا وما يشاكله في القرآن واضح بلا لُبسة أن الله متكلم ناطق، وإذا\nكان متكلما ناطقا فما خرج منه من كلامه كان غير مخلوق، وانقطعت مادة\nما يوردون من المحالات في التطرق إلى خلقه من الجعل وغيره.","vol":"2","page":283},{"text":"ويحتمل أن يكون قوله: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)\nحجة في لبس النجس، والاستمتاع بغير طاهر في غير حين العبادات\nفإذا جاء وقتها خلع وتجرد منه لها، وقد روي أن نعليه - صلى الله عليه -\nكانتا من جلد حمارٍ ميت، وظاهر الكلام في الأمر بالخلع يدل على أنه","vol":"2","page":284},{"text":"من أجل الوادي المقدس أمر بخلعهما لئلا يطأه بهما، لا أنه نهُي عن\nلبسهما بكل حال.\nذكر الاستخبار.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)\nحجة في الاستخبار عن الشيء الذي يعلمه المستخبر ولا يكون","vol":"2","page":285},{"text":"حشوًا.\nذكر إجازة الجواب فوق الاستخبار.\n(قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)\nدليل على إجازة الجواب فوق الاستخبار.\nذكر - \" الحيات.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>قوله: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ)</span>\nدليل على اختصار الكلام، لأن ذكر الخوف لم يتقدم في\nاللفظ فدل قوله: (وَلَا تَخَفْ) على أنه - صلى الله عليه - لما رأى\nعصاه تحولت حية فرق منها.","vol":"2","page":286},{"text":"وفيه دليل على أن أنفس البشر مجبولة على الخوف من المؤذيات، وأن\nالخوف اللاحق بها عند رؤيته لها لا يحط من درجة التوكل شيئًا، وفي\nذلك دليل على أن قول النبي - ﷺ -: \" فَمَن ترك منهن\nشيئا خيفة فليس منا \" أنه خيفة ما يلحقه من الحرج في قتلهن فأعلم أنه\nمأجور من غير حرج مما يتقيه من ظهور الجان في خلقهن وصُورهن.\nوسيما إذا كُن في الصحاري لا ما يخاف من توثبها عليه، إذ لا يكلفه","vol":"2","page":287},{"text":"ما لاطاقة له به ونفسه مجبولة على خلافه.\nذكر المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>قوله: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)</span>\nحجة على المعتزلة والجهمية شديدة لا مخلص لهم منها. إذ لو كان\nمعنى السمع والبصر معنى العلم والإحاطة لاقتصر - والله أعلم - على\n(إِنَّنِي مَعَكُمَا) ولم يقل: (أَسْمَعُ) كما قال في سورة المجادلة:\n(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) .\nفلما قال: (أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) بعد تمام المعنى الذي يشيرون إليه أزال كل ريب، وكشف كل غمة عن أنه يسمع بسمع، ويرى ببصر غير مخلوقين.","vol":"2","page":288},{"text":"ذكر الساحر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>قوله: (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)</span>\nدليل على أن أمر السحرة في أفاعلهم من تغيير خلق الصور تخييل لا\nحقيقة. فمن زعم أنهم يقدرون على تغيير الصور وتحويلها عما خلقها الله\nإلى غيرها فقد كفر، لمساواتهم بأفعالهم رب العالمين. ألا ترى أن الحاج\nإبراهيم في ربه حيث قال له: (أَنَا أحيى وَأُمِيت) فلجه بقوله:\n(فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)\nفبهت حينئذ إذ ماله معوز عنده. وما يلحق المسحور من ضرر الساحر\nفيما سوى هذا أيضا فبإذن ربه لقوله: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .","vol":"2","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>قوله: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً)</span>\nمحقق لما قلنا: الأنفس مجبولة على الخوف من المؤذيات، بل هذا أوكد\nمن الأول، لأن الحية التي تحولت إليها عصاه كانت على الحقيقة حَية.\nوما يخيل إليه من حبال السحرة وعصيهم كان باطلا لا حقيقة له.\nفخاف منهما معا خوفا واحدا لظاهر سعيها.\nوقوله إخبارا عن السحرة - (لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ)\nيؤكد إجازة طلاق المكره، وكل فعل يكره عليه المرء (٢) إذ لو لم يكن\nالمكره مأخوذا بفعله ما احتاج إلى غفرانه.","vol":"2","page":290},{"text":"ذكر المجرم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>قوله: (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)</span>\nدليل على أن المجرم في القرآن واقع على الكافر.\n(لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)\nففيه دليل على أن من دخل من الموحدين بذنبه النار مات فيها، ولم\nيشعر بعد الموت بألم العذاب حتى يخرج منها.\nإذ لا يجوز في عدل الله - جل وتعالى - من حيث يعقل القوم أن\nيسوي بين عذاب الكافر والمذنب، ويجمع عليهما الخلود.\nوذوق عذاب الأبد.","vol":"2","page":291},{"text":"فإن قيل: كيف يموت في النار من ذاق الموت في دار الدنيا والله يقول:\n(لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) .\nقيل: هذا في أهل الجنة ممن لم تمسه النار إلا تحلة القسمِ، لاَ فِيمن\nتمسه النار ببعض عذابها، ألا تراه يقول: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) .\nوقوله إخبارا عن السامري وغيره: (فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)","vol":"2","page":292},{"text":"يحتمل أن يكون النسيان راجعا على الموعد وهو قوله: (فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) .\nويحتمل أن يكون نَسي أن العجل وإن كان له خوار مطالب بالنطق\nوالصوت.\nومنهم من يقول: إن النسيان أخبر به السامري عن موسى - عليه\nالسلام - كأنه قال: نسي موسى أن العجل إلهه فتركه وطلب غيره\nوأجيبه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>قوله: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)</span>\nإلى قوله: (إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)","vol":"2","page":293},{"text":"دليل على ما قلنا: إن الميت لا يشعر بطول مكثه في البَرزخ، لولا\nذلك لما أحالوا على لُبث عشرِ ويوم.\nفإن قال قائل: إنما هذا منهم على سبيل كذب ومكابرة كما هو في\nسجيتهم، واحتج بقوله - ﵎ - في سورة الروم: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)\nوقال: ألا ترى أن الله قد أنكر عليهم قولهم فقال: (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) .\nقيل: ليس إنكاره عليهم - والله أعلم - من جهة أنهم شعروا","vol":"2","page":294},{"text":"فأنكروا وكابروا، ألا ترى أنهم يتخافتون بينهم بذلك والمكابر وإن كابر\nفهو عارف بمكابرته في نفسه، وهؤلاء يتخافتون بينهم بذلك ولكنه -\nوالله أعلم - على معنى أنهم مخدوعون بذلك فيظنون أنهم مكثوا\nذلك، المقدار وأنه حق \"، كما كانوا يخدعون بكفرهم في الدنيا.\nوإماتتهم أنهم لا يحشرون ولا يبعثون. ونفس الآية التي هي في سورة\nالروم حجة أيضًا في ذلك.\nذكر الشفاعة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>وقوله: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)</span>\nدليل على أن الشفاعة مأذون فيها لخصوص من الناس، وأن غير النبي\n- ﷺ - يشفع فيشفع، وإن كانت الشفاعة العظمى له.\nوكذا قوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)\nدليل على أن هناك شفعاء، وفي زوال منفعتها عن قوم دليل على أن غيرهم يسعدون بها.","vol":"2","page":295},{"text":"اختصار.\nقال محمد بن علي: ومما يؤكد سعة لسان العرب، وإجازته الاختصار\nوالإشارة إلى المعنى قوله - ﵎ - في هذه السورة: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)\nفابتداء الكلام بذكر العدو لهما وحذرهما - من صنيعه بهما، ثم\nقال: (فَتَشْقَى) فجعله لآدم وحده، ولم يقل: فتشقيا، لأنه إذا\nشقي شقيمت - والله أعلم - بشقائه.\nويجوز أن يكون المعنى فيه مصروفا إلى أن عليه التكفل\nبأمرها وهو القائم عليها. فجرى اللفظ بتوحيده من هذه الجهة.\nثم قال: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)\nثم قال: (فَأَكَلَا مِنْهَا) فرجع إلى الإخبار عنهما بعد","vol":"2","page":296},{"text":"أن ذكر الوسوسة إليه وحده، ثم قال: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) فوحد\nبالذكر، وهي لا محالة عاصية مثله بأكل الشجرة، لقوله في البقرة:\n(وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)\nفعمها بالنهي.\nوقال: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)\nوهي أيضا متاب عليها.\nثم رجع إلى لفظ التئنية فقال: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا) .\nثم جاء بلفظ الجمع فأدخل إبليس والحية - وهو أعلم - معهما فقال:\n(بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) .\nوكان ابن عيينة يقول: إن قوله لآدم: (إِن لَكَ أَلَا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا\nتَعرَى) يعني به في الدنيا، وأولاده دَاخلون معه، ويحتج بأنه لو\nكان فى الجنة لما عريا فيها حتى بدت سوآتهما \".","vol":"2","page":297},{"text":"وليس هو عندي كذلك ولا المراد به - والله أعلم - إلا الجنة.\nوكيف يكون ذلك في الدنيا وهو - جل وتعالى - بعد ذكر تحذيرهما ولم\nيخرج من تمام القصة، وصنع إبليس بهما وما وسوس إليهما من أمر\nالشجرة وما عوقبا به من بدُوِّ سوءاتهما وإهباطهما إلى الأرض. إنما\nقوله - ﵎ -: (إِنَ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعرَى)\nفي الجنة إن قبلت تحذيري إياك من عدوك. ولن تعصيني بقبول قوله\nوتصديق وسوسته. فلما قبل قول عدوه وعصى ربه بأكل الشجرة\nأهبطه إلى الأرض فشقي وشقيت زوجه معه، وشقي بشقائهما\nأولاده، وصار عيشهما وعيش أولادهما بالتعب والنصب.\nومما يصدق أن قوله: (إِنَ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعرَى) هو في\nالجنة، وهو على سبيل ضمان منه ووفاء من آدم، وقبوله ما حذر منه","vol":"2","page":298},{"text":"ليس على سبيل إعطاء في الدنيا وتمكن منه كما كان يأكل في الجنة رغدا\nحيث شاء وشاءت زوجته أنا نرى من أولاده الذين زعم ابن عيينة أنهم\nداخلون معه من يجوع في الدنيا ويعرى كثيرا من عيشه، وعيشه\nنكد غير رغد. فكيف جعل له ألا يجوع فيها ولا يعرى، وأعطاه\nذلك وأدخل ولده معه فيه، ونحن نشاهد هذا في أولاده بالمعاينة من\nغير خبر، ولو كان جعل لهما جعل عطية، واقتدار مُلْك ما أصابهم\nذلك طرفة عين، لأنه - ﷻ - لا يخلف ميعاده بل هم أشقياء\nكما أخبر إياهم بمصيره إليه بعد المعصية، بل ضمان رزق عبيده في\nالدنيا ونعمه عليهم في المأكول والملبوس مأخوذ من غير هذا الموضع.\nوالقرآن مملو به، قال اللَه تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) .\n(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) .\nوقال: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ)، وقال: (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)","vol":"2","page":299},{"text":"وقال: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ)، ومثله كثير، ثم أخبر عن تقديره وتنزيله بقدر على من يشاء وإذا شاء، إذ هو أعلم بعباده منهم بأنفسهم، وسائق إليهم بأرزاقهم في أوقات تصلح لهم فقال: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)، وقال: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) .\nتفسير حديث النبي - ﷺ -: (أربع ما جاوزهن\nففيه الحساب \".\nوقال محمد بن علي - ﵁ -: وليس في قول النبي -\nصلى، لله عليه وسلم -: \" أربع ما جاوزهن ففيه الحساب، ما سدً\nالجوعة، وكف العطشة، وستر العورة، وكن البدن.","vol":"2","page":300},{"text":"ما يحقق قول ابن عيينة - وضي الله عنه - في تأويله: (إِنَ لَكَ أَلا\nتجَوُعَ فِيها وَلَا تَعرَى) أنه في الدنيا، إنما هذا إن صح ففيه سعة للمؤمن أن\nتأخذه من الدنيا بسماحة إذ كان لابد منه، ويكون الحساب عليه فيما\nتوسع فيه من فضولها المستغنى عنه، مع أن الخبر له معارض وهو قوله\nلأبي بكر وعمر - ﵄ - حيث أكلا معه عند أبي الهيثم بن\nالتيهان، وقد أخرجهم الجوع الشديد: أكلتم وشربتم وهو من\nالنعيم الذي تسألون عنه \".","vol":"2","page":302},{"text":"يريد - والله أعلم - قوله: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) .\nوأخبار سوى هذا لو تقصيناها لطال الكتاب بها. ولبيانه موضع غير هذا\nوهو كتابنا المؤلف في تعارض الأخبار.\nذكر السرف.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>وقوله: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ)</span>\nيؤكد ما قلنا من أن السرف هو: مجاوزة الحد في الفعل كله، لا في\nالإنفاق وحده،","vol":"2","page":303},{"text":"ويكون أيضا بمعنى الخطأ، وهو في هذا الموضع - والله أعلم - الكفر.\nلأنه قد جمع خطأ ومجاوزة للحد.\nإذ لا فعل أحق بأن يكون المرء مجاوزا فيه حده من الكفر.\nثم خلق ورزق، وأعطى وأمات وأحيى، وله نِعم لا تحصى جل ربنا\nوتعالى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>وقوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)</span>\nفيه - والله أعلم - تقديم وتأخير كأنه: ولولا - كلمة سبقت من ربك\nوأجل مسمى لكان لزاما.","vol":"2","page":304},{"text":"وفيه حجة على القدرية والمعتزلة في ذكر سابق الكلمة وهو - والله\nأعلم - نظير قوله: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)\nفي معنى السبق","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>سورة الأنبياء</span>\nذكر تثبيت خبر الواحد.\n* * *\nقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)\nحجة في تثبيت خبر الواحد، لأن كل واحد من المسؤولين مخبر عن\nذلك على الانفراد، والحجة لازمة على المخبر بقوله.\nالمعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>وقوله: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ)</span>\nحجة على المعتزلة والجهمية فيما يزعمون أن الله - ﷻ - لا\nيوصف بحدِ ذات، وأنه ليس على العرش. إذ محال عندهم أن","vol":"2","page":306},{"text":"يكون في موضع دون موضع وقد قال ﵎: (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ)، فوصفهم بأنهم عنده، ولو لم يكن جل\nجلاله أنه في موضع وعلمه في كل موضع ما كان لقوله: (وَمَن\nعِندَه) معنى.\nوبلغني عن بعض سفهائهم أنه تأول قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) .\nفما عسى يستطيع أن يقول هاهنا والملائكة لا ثواب لهم، ولو كان لهم","vol":"2","page":307},{"text":"أيضا ثواب لكان في القيامة.\nفيقول: - ويله - إنهم عند ثواب مجعول لغيرهم في الجنة. إنهم\nليقولون قولا عظيما.\nوبؤكد قوله: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)\nفهذا الآن على أن الله الذي يجوز أن يكون إلها دون من يتخذونه من\nالأرض، وهو في السماء لا محالة، وعلمه محيط بالأرض وغيرها.\nذكر الرد على الجهمية في نفي الكلام عن الله ﷿.\nوقوله إخبارا عن إبراهيم - صلى الله عليه -: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)\nحجة على الجهمية والمعتزلة في نفي الكلام عن الله - جل الله -\nفيصفون - ويلهم - ما وصف به المشركون آلهتهم، ألا يسمعون بخبر\nعن خليله - صلى الله عليه - بهذا، وعن تظليم القوم أنفسهم حيث\nاتخذوا إلها لاينطق، وهذا مرتضى من قولهم لولا ذلك ما قال: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)","vol":"2","page":308},{"text":"فإنما نكسوا على رؤوسهم حيث رجعوا عن الحق إلى الباطل.\nوصوبوا لأنفسهم عبادة إله لا ينطق بعد أن كانوا ظلموها أفيجوز -\nويحهم - أن يكون إله إبراهيم وآلهتهم بصفة واحدة لا ينطق ذاك ولا\nهؤلاء.\nأليس كان عجز آلهتهم عن الكلام نقصا فيها، وأحد علامات تحقق\nبطلان الإلهية عنها.\nفأراهم لا يرون - ويحهم - إلا على أن يصفوه صفة الموات، ومن\nلا يقدر على نطق ولا حركة، وهذا هو التعطيل بعينه نعوذ بالله منه.\nسعة لسان العرب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>قوله: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)</span>","vol":"2","page":309},{"text":"دليل على سعة لسان العرب، ألا تراه كيف نسب العمل الخبيث إلى\nالقرية، وإنما عمله أهلها، وهذا من الكلام الذي يأتي آخره عن\nأوله، لأنه حين قال: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ) حقق أن العمل\nكان منهم لا مِن القرية، ومثله كثير في القرآن إنما تركنا\nذكره لأن الشافعي - ﵁ - قد سبقنا إليه في كتاب\nالرسالة، فاقتصرنا منه على هذا الموضع وحده لئلا يعرو الكتاب منه.\nوفي تسمية العمل بالخبائث دليل على أن الأنجاس قد تكون فعلا.\nوتكون ذاتية، لا أنه مقتصر بها على الذاتيات المجسدات، ولا على أن كل\nموصوف بالخبث والرجس والنجس مقصود به ضد الطهارة كالغائط\nوالبول وما ضاهاهما.\nذكر الاحتراز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>وقوله: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)</span>","vol":"2","page":310},{"text":"دليل على أن الاحترازات ليست تنقص في التوكل، إذ كان الله -\nجل وتعالى - قد جعل الدرع صيانة في الحروب، وجعلها في النعم\nالتي طالب بشكرها.\nلماذا كان ذلك كذلك فالمكاسب كلها، وإعداد الأقوات غير مؤثرة في\nالثقة بالخالق، ولا معدودة في عداد خوف فوات الرزق.\nذكر التسبيح.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>وقوله: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)</span>\nدليل على أن التهليل والتسبيح يجليان الغموم، وينجيان من الكرب\nوالمصائب، فحقيق على من آمن بكتاب الله أن يجعلها ملجأ في\nشدائده، ومطية في رخائه ثقة بما وعد الله المؤمنين من إلحاقهم بذي\nالنون في ذلك حيث يقول: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)","vol":"2","page":311},{"text":"ذكر القدرية.\nوقو له: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)\nحجة على المعتزلة والقدرية.","vol":"2","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>قوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ)</span>\nحجة على الجهمية.","vol":"2","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>سورة الحج</span>\nذكر المبالغة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>قوله: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)</span>\nنظير ما مضى في سورة البقرة من إجازة المبالغة في الأشياء حتى\nيسمى بأضدادها كما يقال: فلان ميت، إذا كان بليدا في أمره خاليَا\nمن المنافع. وفلان شيطان، إذا كان داهية، وأشباه ذلك.\nألا تراه قال: «وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) ثم قال: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) يعني - والله أعلم - من الشراب، ولكن من غلبة الفزع لما عاينوا من الزلزلة.","vol":"2","page":314},{"text":"الجهمية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)</span>\nحجة على المعتزلة والجهمية مغنية عن جميع ما تقدمها إذ هو يقول -\nﷻ - نصا من غير تأويل: إن الشيطان يضل وليه، ويهديه إلى\nعذاب السعير بما كتبه عليه من ذلك.\nولا أعلم في جميع ما مضى من الحجة عليهم أبلغ من هذه ولا أقل\nالتباسًا منها، فالحمد لله الذي وَقق أفهامنا لإثارتها، وهدانا\nلما ضمن من الحجة عليهم فيها.\nحذف هاء المفعول.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>وقوله: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)</span>","vol":"2","page":315},{"text":"من المواضع التي يحسن فيها حذف هاء المفعول.\nمعان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>وقوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)</span>\nدليل على أشياء:\nفمنهاْ: أن الزيادة في السمن، وكثرة الثمن في البدن أفضل من\nتكثير اللحم بعدد المهازيل.\nومنها: أنها إذا جعلت شعائر يحرم الانتفاع في الظهر، والدر إلى\nأن تنحر.\nومنها: أن اسم البيت غلب على الحرم كله فسمي به، لأن العلم","vol":"2","page":316},{"text":"يحيط أن الشعائر لا تنحر عند البيت نفسه إنما هو مناحرها أرض منى.\nذكر الأكل مِنَ الهدى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>وقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)</span>\nإباحة الأكل من الهدي كله تطوعه وفرضه، إذ مخرج الإباحة في\nالأكل عام فمن خص منه شيئا فعليه أن يأتي بالبرهان.\nولا أعلم منع الأكل من لحم هدية المفترض من الإجماع المحصل، بل\nيحيط العلم بأن كل من حج مع رسول الله - ﷺ - لم يكن\nهديه تطوعًا، وكان فيهم لا محالة من كان هديه فرضا.\nألا ترى أن عائشة - ﵂ - روت أنهم خرجوا مع","vol":"2","page":317},{"text":"رسول الله - ﷺ - فمنهم من أهل بحج وعمرة.\nومنهم من أهل بالحج ومنهم من أهل بعمرة، وأهل رسول الله -\nﷺ - بحج. فهب أن هدي النبي - صلى الله عليه\nوسلم - حين أكل منه كان تطوعا لإفراده الحج.\nأيخلو من كان معتمرا أو قارنا مِنْ إن كان هديهم فرضا واللًه -","vol":"2","page":318},{"text":"﵎ - يقول قولا عاما: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا)، فما\nكان من هدي متعة أو قِران فالأكل بظاهر القرآن منه مباح كهو من أكل\nالمفرد الذي يكون تطوعا. إنما لا يأكل من جزاء الصيد والنذور\nوالفدية، لأن هذه لا تسمى شعائر، إنما الشعائر - والله أعلم - ما\nيكون بسبب القِران. والنذور شيء أوجبه المرء على نفسه فليس له أن\nيأكل منها. والفدية وجزاء الصيد عقوبة فإذا أكل منه لم تتم العقوبة\nعليه.\nفإن عطب هذا الهدي الذي أبيح الأكل منه قبل محله لم يجز أن يأكل منه\nصاحبه، ولا أحد من أهل رفقته لسنة رسول الله - ﷺ\nسواء كان فرضا أو تطوعا.","vol":"2","page":319},{"text":"وكان عطاء يجيز أن يأكل من المتعة ومن الإحصار، ويجيز من النذر\nما دون الثلث ما لم يسمه للمساكين، فإذا سماه للمساكين لم يجز.\nفالإحصار عندي على وجهين:\nفإن كان المحصور اشترط المحل فله أن يأكل منه، لأن محلها حينئذ\nيكون حيث أحصر على حديث ضباعة.","vol":"2","page":320},{"text":"وإن لم يكن اشترط فالحصر وجه من وجوه العطب. إذ كل\nحادثة على الهدي دون محله تمنع من بلوغه المحل عطب فليس حينئذ أن\nيأكل منه، ولا نعلم رسول الله - ﷺ - أكل عام","vol":"2","page":323},{"text":"الحديبية من هديه حين أحصر.\nفإن قال قائل: كيف أبحت الانتفاع بدر الشعائر وظهورها، وقد\nيحتمل أن يكون قوله: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) قبل أن\nتجعل شعائر.\nقيل: إن هذا وإنِ احتمله فالأظهر ما قلناه، لأن الله - ﷻ -\nذكر تعظيمها وأنها من تقوى القلوب قبل ذكر المنافع.\nوالثواب في تسمين البدن يكون لما تنحر لله، فأما ما نحرت للمأكلة\nفلا ثواب فيها من جهة نفس النحر سمانًا.\nوقد أمر رسول الله - ﷺ - رجلًا يسوق بدنة أن\nيركبها وكرره عليه ثلاثًا. فهذا يبين أن المنافع المباحة منها هي بعد\nالتسمية مع أن منافعها قبل التسمية معروفة بملكها فلا يحتاج إلى التكرير","vol":"2","page":324},{"text":"ذكر ذبح الجنين:\n* * *\nوقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)\nكان عطاء بن أبي رباح - ﵁ - يتناوله فيما أرى التسمية\nعلى ذبح الجنين إذا خرج حيًا، ويزعم أنه إذا مات قبل أن يذبح لم","vol":"2","page":325},{"text":"يؤكل. كأنه يذهب إلى أن بهيمة الأنعام الجنين.\nوليس ذلك ببين في تفسير الجنين، لأن الجنين لا ينسك به.\nفأما قوله في ترك أكله إذا مات وقد خرج حيا فكما قال، لأن كل\nحي خرجت نفسه من المأكول بغير ذبح أو ما يقوم مقامه في الصيد\nوالمتوحش، والناد من الإبل والبقر، والساقط في البئر ميتة.","vol":"2","page":326},{"text":"وقول رسول الله - ﷺ -: \" ذكاة الجنين ذكاة\nأمه \" واقع على من خرج ميتا. والله أعلم.","vol":"2","page":327},{"text":"ذكر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>وقوله: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُ</span>ورِ (٤١)\nدليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن نصرة\nالله لا محالة نصرة دينه. إذ هو - جل وتعالى - قوي عزيز كما قال.\nلا يرام فإنما الواجب على أهل دينه نصرة دينه الذي شرعه لهم، ولا\nوصول إليه إلا بإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لو كانا\nغير مفترضين لاتساع القعود عنهما، وارتفعت المآثم في تضييعهما من\nأجل أن أحدًا لا يجبر على عمل تطوع، ولا يحرج بتركه، وفي ذلك\nزوال النصرة عن دين الله، ودخول الوَهَن عليه، وسببه قعود","vol":"2","page":328},{"text":"الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عنه وهم قادرون على\nالتغيير لم يجز أن يسمى نهوضهم إليه تطوعًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>وقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ)</span>\nتفسير من ينصره - واللًه أعلم - ومدح لهم بقيامهم بأمور هي\nمفترضة عليهم كإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع التمكين والقدرة.\nوساقطان بعدمهما كما تسقط الصلاة بالعجز من زوال العقل، والزكاة\nبإعواز المال.\nوكان بعض أهل التمييز يزعمِ أنهما مفروضان على السلاطين دون\nالرعية ويحتج بقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) .\nوهو عندي إغفال، إذ لو كان كذلك لكان - والله أعلم - أقاموا\nالصلاة وأخذوا الزكاة كما قال: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)\nولكانت","vol":"2","page":329},{"text":"الصلاة والزكاة أيضا غير مفروضتين إلا على السلاطين دون الرعية، لأن\nالله تعالى - جل وتعالى - وصف الممكنين في الأرض بالأربعة الأوصاف\nوصفا واحدا. وهذا خروج من الإسلام.\nذكر اختصار الكلام.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>وقوله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)</span>\nدليل على أشياء:\nفمنها: اختصار الكلام والإشارة إلى المعنى، لأن في (يُكذِبُوكَ)\nاسم محمد - ﷺ - وهي اسم المفعول، ولم يذكر المفعول\nبه من المكذبين ظاهرا ولا مكينا إلى ذكر موسى - ﷺ -\nفاستغنى السامع بالإشارة إلى ما ذكر غير هذا الموضع، وعلم أن قوم","vol":"2","page":330},{"text":"نوح كذبوا نوحًا، وعادًا كذبت هودًا، وثمود صالحًا، وقوم إبراهيم\nإبراهيم، وقوم لوط لوطًا، وأصحاب مدين شعيبًا، وفي أصحاب\nمدين خصوص لأن شعيبًا - ﷺ - المكذب وبناته\nأيضًا من أصحاب مدين ولم يدخلوا في التكذيب.\nومنه: أن المغتم بالشيء قد يتسلى بأن يكون له في مصيبته شريك.\nألا ترى أن الله - ﷻ - كيف عزى رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - بمشاركة من مضى قبله من الأنبياء في تكذيب قومهم إياهم.\nواحتمال مضضه وأذاهم، فدل على أن رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - وغيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم - كانوا يغتمون من\nتكذيب قومهم إياهم.\nومنها: أن الإملاء للكافرين مكر بهم واستدراج.","vol":"2","page":331},{"text":"وهو رد على المعتزلة والقدرية.\nاختصار.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>وقوله: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ)\nوكذلك ما بعده: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)</span>\nحجة واضحة في اختصار الكلام، والاستغناء بما يدل عليه لسياقه\nعن الإفصاح بالمشار إليه، لأن القرية لم تكن ظالمة ولا مأخوذة إنما المراد\nبها أهلها.\nوفيه رد على المعتزلة فيما يزعمون أن العفو عن الموعودين\nبالنار لا يجوز على الله، لأنه كذب.","vol":"2","page":332},{"text":"وقد دللنا في غير آية على بطلان قولهم بما يغني عن إعادته في هذا\nالموضع. فإذا كان العفو عن مستوجب النار الموعد بها كذبا عندهم ينفونه\nعن الله - جل الله - تعظيما له.\nوالعفو كرم بإجماع العرب لا خلف. فما عسى يقولون في ظلم القرية\nوأخذها وأشباهه، وظاهر الظلم مضاف إليها، فهل يكفرون - ويحهم -\nبكل ما كان من هذا النمط في القرآن تعظيما لله عندهم بجهد لهم الذي\nيحملون أمر الخالق كله عليه، فيجيزون عليه ما يستجيزونه، وينفون عنه\nما تضيق عنه، والله الحاكم بيننا وبينهم.","vol":"2","page":333},{"text":"ذكر المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>وقوله: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِ</span>هِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)\nحجة على المعتزلة والقدرية واضحة، وقد أخبر نصا عن نفسه أنه\nجاعل ما يلقي الشيطان في أمنية الرسول فتنة للذين في قلوبهم\nمرض، والقاسية قلوبهم، وأخبر عنه وعن نسخه أنه الحق، وأثنى\nعلى المؤمنين من أولي العلم بحقيقة المخبتين قلوبهم له، المهديين إلى\nالصراط المستقيم بهدايته، ولو كان إيمانهم بالآيات والثناء عليهم بها","vol":"2","page":334},{"text":"لا بِما قلنا لكان - والله أعلم: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنها الحق من\nربك فيؤمنوا به فتخبت لها قلوبهم) لأن الآيات مونثات.\nذكر مرض المؤمن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>وقوله: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)</span>\nبشارة للمؤمن كبيرة، وتقوية الحديث المروي: \" من مات مريضَا","vol":"2","page":335},{"text":"مات شهيدا \"، لأن الله - ﵎ - قد جمع بين ثواب الميت\nوالمقتول في هذه الآية، ولم يفضل أحدهما على صاحبه بشيءْ.\nوأشركهما في الرزق الحسن والمدخل المرضي.","vol":"2","page":336},{"text":"وقد دللنا على أن الموت والقتل - وإن فرق بهما اسم - فهو يجمعهما\nمعنى واحد في سورة آل عمران بما يغني عن إعادته في هذا الموضع.\nفما كان سببه فعل بشر سمي قتلا، وما لم يكن سببه فعل بشر سمي\nموتا، وكلاهما موت، وصاحبه وإن سمي ميتا فهو يسمى مقتولا.\nومقتولا وإن سمي ميتا. ألا ترى أن النبي - ﷺ - قال\nلرجل من المشركين: \" إن ربي قد قتل صاحبك البارحة \"، ولو كان\nالأمر كما تزعم المعتزلة والقدرية أن المقتول ظلما مقتول بغير أجله.\nولا يسمى ميتا إلا من مات ميتة نفسه، لكان حقا على الله أن\nيحييه ليذوق الميتة التي وعده حيث يقول: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)","vol":"2","page":337},{"text":"أليس يزعمون في باب الوعيد أن العفو عن الموعود بالنار لا يجوز عليه\nلأنه خلف عندهم.\nفهل يخلو مَن زهقت نفسه بسبب فعل غيره، وتعديه عليه من أن\nيكون ذائقا الموت الموعود به في قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) .\nوبقوله: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)\nأو غير ذائقه.\nفإن كان ذائق تلك الموتة فلم لا يكون ميتا بأجله، ولا يكون فعل غير\nبه مقضيَّا عليه.\nأم كيف يقدر هو بتعديه أن يقدم ما أخره الله عنه.\nأليس يقول: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)\n(وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)","vol":"2","page":338},{"text":"فقاتل المؤمن وإن كان متعديا عليه بفعله فمكتوب عليه تعديه، والمقتول\nميت بأجله وإن كان ذائق تلك الموتة، فمتى يذوق تلك ويحهم وقد\nفارق الحياة وخرج من الدنيا.\nأفيذوقها في الآخرة أم يرده إلى الدنيا ليذيقه إياها بغير فعل بشر.\nوما الذي يفرق بين القِتْلَتين عندهم، وكلاهما سبب من البشر وإن كانا\nمطيعا بأحدهما عاصيا بالآخر، فيما أنا سائلهم فأقول: ما تقولون\nفيمن أمرنا الله بقتلهم من المشركين حيث وجدناهم فقتلناهم - وقتلهم\nلا محالة عقوبة لكفرهم -، أهم ميتون بآجالهم ويسمون ميتين، أم\nمقتولون بغير آجالهم وغير مسمين ميتين.\nفإن قالوا: بل هم مقتولون بآجالهم ميتون به.\nقيل: فلم لا كان المقتول ظلما ميتا بأجله، وكلاهما مفادت نفسه\nبسبب من العبيد، وهب أن المطيع والعاصي مختلفان في الفعل كيف\nتختلف المفعول به في وصول الفعل إليه وإفاتة نفسه به.\nوإن قالوا: بل مقتولون بغير آجالهم غير ميتين به. لزمتهم الحجة من\nجهتين.","vol":"2","page":339},{"text":"إحداهما: أن فعلا بعينه معدودا من فاعل جورا على غيره قد رأوه\nجاريا في عداد العدل وهو فعل واحد، وإن كان بمفعولين مختلفي\nالسيرة.\nوالأخرى: ما يلزمهم في قولهم من بقاء الميتة الموعد بها من قتل بغير\nأجله.\nويقال لهم: أخبرونا عن القتل الذي أمر المؤمنون به للكفار، أهو\nعقوبة لكفرهم أم غير عقوبة.\nفإن قالوا: عقوبة لكفرهم.\nقيل: فما وجه تثنية العقوبة عليهم في الآخرة بالنار، وكيف خروجه\nعندكم في العدل الذي تدعون التحذلق في معرفته، والله - جل وتعالى -\nيقول،: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)\nإلى قوله: (كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)\nفإن قالوا: هو بعض أجزاء جزائهم، وطائفة من عقوبة كفرهم.\nوتمامه يجزون به في النار.\nقيل لهم: أَوَ للكفر عقوبة معروفة متناهية الحد يكون القتل بعضها.\nفإن قالوا: نعم.","vol":"2","page":340},{"text":"قيل: فما وجه تخليدهم في النار، والتخليد لا نهاية له، وقد\nزعمتم أن عقوبتهم متناهية، والقتل طائفة منها.\nفإما أن يكون قولكم في نهاية الكفر وعقوبته خطأ، وإما أن يكون\nتخليدهم من العدل الذي لا تعقلونه، ويوجب عليكم القول بالقضاء.\nوإعداده في وجوه العدل وإن لم تعقلوه.\nوإن قالوا: ليس بعقوبة لكفرهم، لأن عقوبة الكفر تخليدهم النار\nبعد الحشر.\nقيل لهم: فما وجه قتلهم، وتصرفه في العدل الذي تحملونه على\nفطرة عقولكم.\nهذا مع ما يلزمهم من خلاف نص القرآن حيث جعل الله ذلك عقوبة\nلكفرهم وجزاء له.\nويقال: هل يخلو أمره - جل وتعالى - بقتلهم إن كان غير عقوبة\nعندكم من أن يكون عدلا لا تعقلونه يلزمكم أن تؤمنوا بغيره وإن لم\nتعقلوه كإيمانكم بهذا، أو جورا عندكم تجحدون بتنزيله فيكفونا مؤونة\nالاشتغال تناقضكم لما تصرخون به من ظاهر كفركم.\nولو قلتم كما قال، واتبعتم في جميعه القرآن، والرسول - صلى الله\nعليه وسلم - من أن المفات نفسه بفعل البشر وغير البشر ميت بأجله.\nالكافر مع خلود في النار معا عقوبة، وتبرأتم من عدل يخرج","vol":"2","page":341},{"text":"في فطرة عقولكم فيه، وسلمتم صرفته من العادل الذي يعرف كنهه\nسلمتم من جميع هذه المناقضات.\nوبعد فلو جاز أخذ معرفة العدل من الخالق بفلسفة المتفلسفين.\nوعقول العاثرين لكان من أمحل المحال أن يكون فعل واحد - وهو\nالقتل - معدودا في حال مدحا وفي حال ذما، وفي حال طاعة.\nوفي حال معصية من فاعله، ووقوعه بالمفعول في حال سعادة وفي\nحال شقاوة، ولكن أحكام الله لا تضاهى بالرد، ولا تقابل\nبالفلسفة، ويؤمن بجميعها مسلما للخالق فيها علما من المؤمن بأنه -\nجل وتعالى - عدل كيف قضى وحكم، وأثاب وعاقب لا معقب\nلحكمه وهو سريع الحساب.\nذكر الرجوع من الخبر إلى المخاطبة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)</span>\nحجة في الرجوع من الخبر إلى المخاطبة، ولو لم يجز ذلك لكان:\nيعرف في وجوه الذين كفروا المنكر.\nوفيه دليل على أن أهل الباطل تضيق صدورهم من الحق.","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>وقوله: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ)</span>\nنظير ما مضى في سورة المائدة من قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ.\nلأنْ تلاوة الآيات ليس بشر، والنار شر.","vol":"2","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>سورة المؤمنون</span>\nالمرجئة.\nوقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)\nإلى قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)\nحجة على المرجئة واضحة، ألا تراه كيف نعت المؤمنين بنعوت العمل\nولم يجعلهم وارثي جنته وفردوسه إلا بها. فكيف يكون مستكمل الإيمان\nمن عري من هذه النعوت المذكورة في وصف المؤمنين.","vol":"2","page":344},{"text":"خصوص.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)</span>\nعام المخرج خاص لآدم - صلى الله عليه -.\n(ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً)\nالهاء غير راجعة إلى آدم، بل راجعة على ولده لأنهم شاركوه باسم\nالإنسية، وهي عموم منهم إلا عيسى - ﷺ - فإنه\nغير مجعول نطفة بل مخلوق بقدرة الرب في بطن أمه، وحواء خارجة\nمن الطين والنطفة معا، لأن خلقها بعد خلق آدم، وبعد نفخ الروح","vol":"2","page":345},{"text":"فيه من ضِلع من أضلاعه والضلع حينئذ عظم.\nفإذا كان القرآن هذا سبيله من الفصاحة يحصر ويعم، ويشير إلى المعنى\nعلى هذا الاختصار الشديد فإقحام كل عليه، وادعاء علمه من معرفة به\nافتراء على منزله سبحانه.\nثم عم الجميع بالموت من خص في الأول ومن عم فقال: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) </span>.\nرد على من يزعم أن الله في الأرض بنفسه كهو في السماء، ولو كان\nكذلك ما كان في قوله: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) فائدة، لأن من\nكان مع خلقه بنفسه علم أنه لا يغفل عنهم، ولكنه دل المرتابين على أن\nالطرائق السبعة لا تحجب خلقه عنه، ولا تنسيه أمرهم. وهو واضح\nلا إشكال فيه.","vol":"2","page":346},{"text":"ذكر أبي حنيفة.\nوقوله إخبارًا عن بعض من كذبوا رسولهم واتهموه فيما جاء به عن\nربه: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)\nحجة على من يمهد عذر أبي حنيفة فيما رذَ من أخبار رسول الله -\nﷺ - على أنها لم تصح عنده عن رسول الله - صلى\nالله عليه وسلم -.\nإذ كل ما كان صحيحا في الأصل لم يعذر راده باتهام رواته، ألا ترى\nأن الله - جل وتعالى - لم يمهد عذر هؤلاء فيما اتهموا رسولهم -\nصلى الله عليه - وظنوا أنه لا يجوز على الله ما نسبه إليه وادعاه عليه،","vol":"2","page":347},{"text":"وكذا أبوحنيفة لما رد أخبار رسول الله - ﷺ - لم يردها\nعلى من زعم هذا الذي يمهد عذره - إلا تنزيَها لرسول الله - صلى الله\nعليه وسلم - ألا يقول شيئا يأباه عقلُ مثله، فلو كان معذورا في اتهام\nالصادقين من النقلة لعذر أهل هذه الآية في اتهام الرسول الصادق.\nفلما لم يعذروا وفرض عليهم قبول قوله، واستعظموه لصدقه\nوجب على أبي حنيفة أن يقبل رواية الصادقين عن رسول الله -\nﷺ - في تفضيل سهم الفارس على الراجل\nمسلم، ولا يردها استعظاما لذلك، ولا تنزيَها لرسول الله - صلى\nالله عليه وسلم - عن تفضيله سهم بهيمة على سهم رجل مسلم\nوأشباهه فيما رد به الأخبار، مع أن قوله - ﷺ -:\n\" سهم له وسهمان لفرسه \" ليس كما ذهب إليه الأحمق، إنما","vol":"2","page":348},{"text":"قال: \" لفرسه \" أي لما ينفق عليه في علفه ومؤونته.\nوهب أن هذا يعذر فيه - وإن لم يكن معذورا لأنها رواية - ما عذره في","vol":"2","page":349},{"text":"إعداد الجزية رشوة.\nوقد نزل القرآن بها، وقدِ اتفقت الأمة عليها.\nولو لم يكن في إبطال القياس والاستحسان من المعتبر إلا ما يؤدي إلى\nمثل هذه الأشياء لكفى. فكيف والحجج في إبطالها أكثر من أن","vol":"2","page":350},{"text":"تحصى) .\nفإن قيل: أفتجعل اتهام أبي حنيفة لرواة الأخبار كاتهام أولئك لرسولٍ\nيثبت صدقه بالآيات.\nقيل: الذي يوجب الحجة على المبعوث إليهم صدقه لا ما يثبت به\nالصدق، والآيات لا تتكلم فتخبر بالأمر والنهي وغيره عن الله.\nوالمتكلم صاحب الآيات فإذا ثبت صدقه عند المخبر وجب عليه\nتصديقه، وقبول قوله فيما يحكيه عن غيره.\nوقد دللنا في كتاب شرح النصوص على أن الساحر قد يجيء بمعوز من\nالفعل، وقوله كذب كله.\nولكنه لما جعل - ﵎ - في أطباع البشرية ألا يثبت عندها","vol":"2","page":351},{"text":"صدق المخبِرين إلا بأمارات فيهم يسكن إليها قلوب المخبَرين جعل للرسل\nآيات يتباينون بها سائر الخلق، لتوكيد الحجة على المبعوث إليهم.\nفأما لزوم الحجة فالصدق لا بالآيات، فبأي شيء ثبت صدق المخبِر\nعند المخبَر وجب قبول قوله عليه ولزمته الحجة به، وإن لم يكن مثل آيات\nالرسل.\nأليس الله - ﷻ - قد أمر بقبول قول العدل من الشهود على\nما يعرف - فظاهر عدالته وصدق لهجته - ولم يثبت صدقه عندنا بآية أوتيها\nكآيات الرسول.\nوأبو حنيفة ممن يقول بخبر الواحد، وقد ثبت عنده برواية هؤلاء\nبأعيانهم الذين رد أخبارهم أخبار كثيرة وقال بها، وجعلها حجة\nلمذهبه.","vol":"2","page":352},{"text":"أفيكونون عنده في حال صادقين، وفي أخرى كاذبين، فالآية حجة\nعلى ممهد عذره بما لا عذر فيه بينة لمن تدبرها عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>قوله: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية فيما يزعمون أن المقتول ميت بغير\nأجله.","vol":"2","page":353},{"text":"ذكر نقض ضلالة الضالين على أْلسنتهم.\nوقوله تعالى إخبارا عن فرعون وملئه:\n(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)\nدليل على أن الله - ﷻ - يجري نقض ضلالة الضالين على\nألسنتهم فلا يشعرون بها، ولا أتباعهم ليحق كلمته على من قضى عليه\nالشقوة.\nألا ترى أن فرعون مع ادعائه الربوبية قال مع ملئه: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) ولم يحترز من تسمية نفسه بشرا، وقد سماها ربا لا ملؤه.\nقالوا: كيف تدعي الربوبية وأنت بشر مثلنا ومثل موسى وأخيه.\nوهكذا كل مبتدع يغني أتباعه عن فَلي قوله عليه، وهو ذا يناقض\nنفسه ولا يشعر هو ولا أتباعه كالباهلي الذي صنف كتابا في الرد على","vol":"2","page":354},{"text":"المشبهة ثم جعل رده تشبيهًا كله، ولم يشعر.\n* * *\nقوله: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)\nوحدت الآية وهما آيتان - والله أعلم - ردَّا على العجب من أمرهما أن\nتكون أنثى تحمل من غير ذكر، وتلد مولودًا بلا أَبٍ.\nاختصار \"\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>وقوله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)</span>\nدخلت الواو - والله أعلم - على معين كأنه: (ماء معين) فاستغنى\nبالإشارة إليها كسائر ما تقدمه من الاختصار. ولو كانت من نعت القرار\nلكان بغير واو.","vol":"2","page":355},{"text":"المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>وقوله: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)</span>\nيحقق سوء خطر القدرية والمعتزلة، وضعف رويتهم، واغترارهم\nبحلم الله عنهم في تحريف القراءة في سورة آل عمران حيث كسروا:\n(إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ) الأولى، وفتحو الآخرة، فما عسى يقدرون عليه","vol":"2","page":356},{"text":"هاهنا وقد قال نصا: (أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥)\nليس هو الخير يريدهم به، والإملاء والإمداد واحد، وقد شرحنا هناك بما يغني عن إعادته هاهنا.","vol":"2","page":357},{"text":"قال محمد بن علي: فنفى - ﷻ - أن يكون ما يمدهم به مسارعة\nلهم في الخيرات، ثم بين من يسارع في الخيرات فقال: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا)","vol":"2","page":358},{"text":"أردناه واحد - (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)\nفكأنه - والله أعلم - قال: لا نسارع لأولئك في الخيرات، ولكنا\nنسارع فيها لمن هذا صفتهم فيسارعون، والدليل على ذلك آية كذلك -\nوالله أعلم: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)\nفرجع إلى صفة الأولين.","vol":"2","page":359},{"text":"أفلا يعتبرون - ويحهم - أن أحدا لا يسارع في خير إلا وقد سُورع له\nفيه، وأن الفعل المضاف إلى فاعله لا يدفع إمكان قضاء غيره عليه\nوتوفيقه له.\nبشارة للمشفقين.\nوفي قوله تعالى - ﵎ -: (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)\nبشارة للمشفقين من خشية ربهم والوجِلة قلوبهم مع صالح أعمالهم\nمن الرجوع إلى ربهم، وتطييب أنفسهم بأن لا يرهبوا ظلما، ويطمئنون\nإلى أن الله - ﷻ - لا يطالبهم فوق وسعهم، ووسعهم في\nصالح أعمالهم قد أحصاه كتاب ينطق لهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>وقوله: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)</span>","vol":"2","page":360},{"text":"الهاء في (بِهِ) ليست راجعة على الآيات، لأن الآيات مؤنثة.\nويقال: هي راجعة على الحرم كأنه قال: كنتم تستكبرون بالحرم.\nولا تتذللون فيه بعبادة ربكم.\nواختلف المفسرون في قوله: (تَهجُرُونَ) .","vol":"2","page":361},{"text":"فكان الحسن يقول: \" تهجرون كتاب الله ونبيه - صلى الله عليه\nوسلم - \".\nوكان قتادة يقول: \" تكلمون بالشرك والبهتان في حرم الله وعند نبيه\n- ﷺ - \".\nيذهب إلى الهجر وهو القبيح من القول الفاحش منه. فهذا يجيء على","vol":"2","page":362},{"text":"قراءة من قرأ: (تهُجِرُون - بضم التاء، وخفض الجيم - ولعل قتادة\nقرأه كذلك، فلم يؤذه الراوي، فيكون شريك نافع في قراءته.\nفى سجايا الناس.\n* * *\nوقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)\nدليل على أن في سجايا الناس نُبوًا عما لم يسمعوا به، ولم تجرِ سنته\nفيمن قبلهم فصارت الحجة عليهم بذلك من حيث يعقلونها، ولا ينكرون\nتخصيصهم بما دعوا إليه، لتكون أوكد عليهم وأبعد لهم من أن يعذروا\nعند أنفسهم، لا أنها لا تلزمهم ولا تجب عليهم إلا بما سار سُنة في\nغيرهم، فقد أمر آدم بترك الأكل من الشجرة ولزمته حجة ربه، ولم\nيتقدم له في ذلك مقتدم.\nفليس لأحد رد حجة واضحة يوردها عليه مورد وإن لم يكن سمعها\nمن غيره، ولا سبق موردها إليه سواه اعتمادًا على أن الله - جل ثناؤه -\nقال في هؤلاء: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) .","vol":"2","page":363},{"text":"لأن ذلك منه - والله أعلم - على معنى النكير لا على الارتضاء.\nذكر الجد.\n* * *\nوقوله تعالى: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)\nنظير ما يؤكد من الآيات أن الجد أب.\nقال محمد بن علي أبو أحمد: وليس في وقوع اسم الأب على الجد","vol":"2","page":364},{"text":"ما يجريه في الميراث مجراه بكل حال، ويسقط معه الإخوة والأخوات\nالذين وَرثهم الله نصا في القرآن.\nفقد دللنا في سورة البقرة على أن اسم الأبِ واقع على العم أيضا في\nقوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) .\nوإسماعيل لا محالة عم يعقوب، فلم تحجب به الإخوة\nوالأخوات لوقوع اسم الأبِ عليه، والميراث بابٌ آخر يحتاج فيه إلى\nحجة مفردة.\nواسم الأب واقع على أب الأم نصا كوقوعه على أبِ الأب، قد كان\nرسول الله - ﷺ - يسمي الحسن والحسين ابنيه.\nويسميانه جدهما، ولا ميراث له بحال.","vol":"2","page":365},{"text":"فليس في وقوع اسم الأب على الجد ما ينزله في الميراث منزلته.\nوالذي نقول به في ميراثه - ونسأل الله التوفيق - إنما لم نجد الله -\nﷻ - فصل له ميراثا باسمه في كتابه، ولا وجدنا رسول الله -\nﷺ - فصله مع غيره إلا مَا وَرِثه عن سبطه إذا انفرد\nجميع تركته فلا نجد شيئا نورثه إلا إجماع الأُمة، فعلينا أن ننظر إلى\nالفريضة فإذا كانت مجمعا عليها أعطيناه نصيبه، وإذا اختلف فيها\nأعطيناه الأقل الذي قد أجمع كل عليه، لنكون قائلين في جميع ميراثه\nبالإجماع، إذا المعول في توريثه على الإجماع، ومن الإجماع في أمره\nأيضا أنه مسمى بالعصبة وله حظ من قول النبي - ﷺ\n-: \" ألحقوا المال بالفرائض فما بقي فهو لأولى رجل ذكر \"، وهو","vol":"2","page":366},{"text":"موضوع نشرحه في كتاب الفرائض من شرح النصوص.\nذكر قبول خبر الواحد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>قوله: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)</span>\nدليل على أن خبر الواحد يلزم قبوله بشرط معرفة المخبَر بصدق المخبِر\nوثبات عقله.\nألا ترى أن حجج قريش كانت منقطعة بما عرفت من عقل النبي -\nﷺ - وصدقه فلزمهم خبره عن الله - ﷻ - إذ\nلا علة لهم في رسوله - ﷺ - يتعلقون بها، ويأوون\nفي تكذيبه إليها.\nوهذا من أكبر ما يحتج به في تثبيت خبر الواحد لمن تدبره. وإن كان\nكلما ذكرناه قبله شافيا.\nذكر الموازين.\n* * *\nوقوله تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)","vol":"2","page":367},{"text":"دليل أن الموازين للكافر والمؤمن معًا، وأن الأجساد والأعمال تُوزَن\nجميعًا، وفي تمام الآية ذهاب الريب على أن من خسر نفسه، وخلد في\nالنار تحفه مثل به هو الكافر حيث يقول: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)\nومما يؤكد أن الإنسان يوزن مع عمله قوله: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) .\nوقال رسول الله - ﷺ -: \" يؤتى بالرجل العظيم السمين، الأكول الشروب فيوضع في الميزان فلا يزن جناح بعوضة \" ثم تلا: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)\n، وقال في وزن المؤمن حين صعد عبد الله بن مسعود شجرة","vol":"2","page":368},{"text":"فضحكوا من دِقة ساقيه: \" أتضحكون من دقتهما، لهما في الميزان أثقل\nمن أُحد \".","vol":"2","page":369},{"text":"المعتزلة.\nقوله تعالى إخبارا عن أهل النار: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)\nحجة على المعتزلة والقدرية، لأن الله - ﷻ - لم يخُسهم بهذا\nالقول، إنما أخساهم باتخاذهم المؤمنين سخريا، وضحكهم منهم.\nوكيف ينكر عليهم ما قالوا، وقد قال ﵎: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) .\nوقال على لسان نبيه - ﷺ -","vol":"2","page":370},{"text":"\" إن الإنسان يُكتب شقيا وسعيدا في بطن أمه \" برواية\nالثقات الذين لا يرتاب بصدقهم وإتقانهم.\nولو كان أنكره أيضا لكان على نحو ما ذكرنا في سورة الأنعام عند\nقوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) .","vol":"2","page":371},{"text":"(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)\nفيه - والله أعلم - ضمير (بِهِ)، فاستغنى بالإشارة إليه على ما تفعله\nالعرب الفصحاء في كلامها.\nكأنه يلهيهم أهوال القيامة عن التساؤل بالأنساب، فهي منقطعة\nالمنافع، لا أنهم لا يتكلمون بتة ولا يتساءلون. وكيف يكون كذلك\nوقد قال اللَه تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) .\nوقال: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) .","vol":"2","page":372},{"text":"فمعنى ما قلنا: من ترك التساؤل واضح لمن تدبره، ويؤيده قوله جل\nوعز: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>وقوله: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)</span>","vol":"2","page":373},{"text":"حجة أيضًا في أن الميت لا يشعر بطول مكثه في البرزخ، ألا تراهم أجابوا\nبلفظ ما أجاب المارُّ على القرية الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، (قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) .\nورَد الله عليهم: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)\nفدل على أنهم لم يكونوا يعلمون.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>وقوله: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا)</span>\nوإنما سماه - وهو أعلم - قليلا عنده لا عندهم كما قال:","vol":"2","page":374},{"text":"(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) .\nفالساعة عنده - ﷻ - في القرب كغد، وقال ﷺ: \" بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه \" وأشار بالسبابة والوسطى.\nوكل هذا قريب عنده قليل وإن كان عند خلقه بعيدا طويلا كما قال:\n(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)","vol":"2","page":375},{"text":"والأرض في هذا الموضع - والله أعلم - أرض القبر.\nفإن قيل: فما معنى (فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)، وكلهم قَدِ استوى في\nالموت مع صاحبه.\nقيل: لم يُسمَع فيه شيء، ويحتمل أن يكونوا أرادوا من بقي بعدهم\nوعدُّوا أيام موتهم إلى أن ماتوا. والله أعلم كيف هو.\nوالعجب لمن قرأ: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ) (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا)\nعلى الأمر لا عَلى الخبر (١)، وكيف يكون ذلك هو\n_________\n(١) القراءة متواترة وهي لابن كثير وحمزة والكسائي، ومن ثَمَّ فلا وجه لتعجب المؤلف.","vol":"2","page":376},{"text":"شيء يسلمون في القيامة، ولا يعلم في شيء من الأخبار والروايات\nوَلا دَل عليه سياق الكتاب أن الله - ﵎ - يخاطب أهل النار\nبما قال من عند قوله: (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ)\nإلى قوله: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) .\nثم يقول لمحمد - ﷺ -: قل لهم: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)\nولو لم يكن من الدليل على أنهما جميعا (قال) على الإخبار عن نفسه -\nﷻ - إلا قوله: (قَالُوا لَبِثْنَا) لكفى، لأنه يقبح في كلام العرب\nأن يقال: قل لفلان كذا. قال: كذا، ولو كان في (قالوا) فإنه كانت\nالقراءة على الأمر حينئذ أشبه وأوجه. والله أعلم.","vol":"2","page":377},{"text":"لأنه كان يجوز أن يكون معناه: قل لفلان كذا وكذا. فيقول لك\nكذا. والله ولي الصواب.","vol":"2","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>سورة النور</span>\nذكر إقامة الحد:\n* * *\nقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)\nوعيد شديد في ترك إقامة الحدود. والرأفة - لا محالة - تعطيل الحد\nبعد وجوبه، لا ما يلحق المرء عند إقامته من الرقة على المجلود، فإذا\nتركه فقد ضيعه وواقع نهي الله، وإذا أقامه مع الرقة لم يضره لحوق\nالرقة، إذ هو غير مالك لها، فقد أصاب رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - من قطع السارق ما أصاب من الكراهة - وهو أعلم بتأويل","vol":"2","page":379},{"text":"ما أُنزل عليه - ولم يمنعه من قطع غيره بل حث عليه، وأوعد على الشفاعة","vol":"2","page":380},{"text":"الحائلة بين إقامته وبين تعطيله،","vol":"2","page":381},{"text":"وقال في قطع المخزومية: \" لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها \".\nفقد وضح وضوحا لا التباس فيه أن الرأفة المنهي عنها تعطيل الحد، وترك\nإقامته بعد وجوبه.\nوأنا خائف على إيمان من عطله، لأنه - ﷻ - قد جعل\nإقامته من شرطه كما ترى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>وقوله: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)</span>","vol":"2","page":382},{"text":"دليل على أنه يقام علانية غير سر، ليتعظ به سائر الناس.\nالاختلاف:\n* * *\nوقوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) .\nاختلف المفسرون في تأويله:\nفكان الشعبي يقول: \" ذلك في الجاهلية \".\nوكان سعيد بن المسيب يقول: \" هي منسوخة، نسختها الآية\nالتي بعدها: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)\nهي من أيامى النساء.","vol":"2","page":383},{"text":"وكان الحسن يقول: \" إذا حُد وحُدت لم يتزوج كل واحد منهما إلا\nمثله، ونسخ المشرك والمشركة \".\nوروى حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري.\nعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \" الزاني\nالمجلود لا ينكح إلا مثله \" تصديقا لقول الحسن.","vol":"2","page":384},{"text":"وقال مجاهد: \" نزلت في بَغَايَا كُن في الجاهلية لهن رايات يعرفن بها \".","vol":"2","page":385},{"text":"وقال عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: \" نزلت في أم مهزول\nوحدها، استأذن مرثد بن أبي مرثد الغنوي رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - في تزوجها فنزلت هذه الآية \".","vol":"2","page":386},{"text":"وقال ابن عباس: \" ليس هو بالنكاح إنما هو الجماع، لا يزني بها\nوهو يزني إلا زانٍ أو مشرك.\nقال محمد بن علي: أما قول الحسن فهو خلاف الإجماع، لأنا لا نعلم\nأحدا خالف في أن البِكْرَين إذا زنيا، أو الثيبين إذا عطل الجائرون حدّهما\nحل لكل واحد منهما أن يتزوج بمن زنى مرة، ومن لم يزنِ،","vol":"2","page":387},{"text":"بل قول الحسن أظرف من قوله، لأنه يبيح قبل الجلد أن يتزوجا.\nفإن كان مانعَا بالآية، فالآية تمنع الزاني لا المجلود، والزنا حادث\nبالفرج لا بالسوط. فكيف يجيز تزويج الزاني ويمنع تزويج المضروب.\nهذا إغفال غير مشكل، والحديث المرفوع في تصديقه ضعيف الإسناد","vol":"2","page":388},{"text":"لا تثبت بمثله حجة.\nوأما قول سعيد بن المسيب فإن الخطاب في قوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) خطاب واقع على الأولياء في إنكاحهن لا على المتزوجين في نِكاحهن.\nفكيف ننسخ آية تحظر النكاح بآية تبيح الإنكاح، بل تأمر به أمرا.\nفإن كان أراد أن هذه المنكحة قد يجوز أن تكون زانية فأمر بتزويجها فليس في\nإمكان ذلك ما يبيح تزويج الزاني بغير زانية، والزانية بغير الزاني، إن\nكانت الآية الأولى قد منعت من جهة أن عضل الولي في إنكاح الزانية\nمن زان، وإنكاح العفيفة من عفيف عضل واحد، فأمر أن لا يعضل\nوينكح.\nوقد أغنى الله عن وضع الإنكاح موضع النكاح بما استثنى في نفس\nالآية الأولى حيث يقول: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) .\nأوليس إن كانت الآية على المنع كما ذهب إليه\nويحتاج إلى النسخ قد أباح فيها للزانية أن تنكح الزاني، وللزاني أن ينكح\nالزانية، فليست بنا حاجة إلى أن نلتمس إذنه - جل وتعالى - من موضع\nسواه.","vol":"2","page":389},{"text":"ولولا صحة الرواية عن ابن المسيب - ﵁ - لكان أرفع قدرًا\nعندنا، وأجل منزلة، من أن تثبت مثل هذا عليه، ولكن الإغفال\nلحق بكل من عَري من الوحي ولم يؤيد به، وهو - ﵁\n- قد اجتهد وأخذ ثواب المجتهدين وإن أغفل إصابة المصيبين، ولا\nأعلم رواية وردت أعجب أمرا من هذه أن تكون بتداول تداولها\nوتحملها الأكابر والفاضلون وأهل اللغة، وتدون في المصنفات من\nالتفاسير وغيرها فيستتر موضع الإغفال فيها عن جماعتهم، والعجب\nللشافعي - ﵁ - مع إغراقه في اللغة، وهو في\nنفسه لغة غير دخيل فيها كيف ذهب إلى قوله","vol":"2","page":390},{"text":"فلو ذهب إلى رواية مجاهد فقد رواها كان أسلم له، لأن البغايا\nقد هلكن كلهن، وتزويج من يحدث الزنا من النساء بعدهن مباح للزاني\nوغير الزاني.\nقال محمد بن علي: والذي نقول به - ونسأل الله التوفيق - قول ابن\nعباس، لأن أول الآية مبتدأ بالخبر لا بالنهي، ولو كان نَهيَا كانت\n(الحاء) في (يَنكِحُ) موضعين مجزومة لا مرفوعة فكأنه - والله أعلم\n- أخبر أن الزاني لا يجامع في زناه إلا زانية مثله ترى الزنا محرمًا كما\nيراه، أو مشركة بربه والزانية لا يصلها إلا زان يرى الزنا محرمًا كما\nتراه أو مشركا وله محللًا، والمؤمنون محرم عليهم فعله محرمين له\nومحللين.","vol":"2","page":391},{"text":"وأصل النكاح في كلام العرِب: الوطء، ثم يسمى عقد التزويج\nبه، لأن الأغلب في عقده أنه لمِ يُسمى به، ألا ترى أن رسول الله\n- ﷺ - لما نهى الرجال والنساء أن يتحدثوا بما يكون\nمن بعضهم إلى بعض في المضاجعة قال: \" ألا أخبركم مثل ذلكم مثله\nكمثل شيطان لقي شيطانة في الطريق فنكحها والناس ينظرون \".","vol":"2","page":392},{"text":"وهذا أشهر في كلام العرب من أن يحتاج إلى إقامة البرهان عليه..\nقال محمد بن علي: أرى الناس قد ألفوا من القاذف والشاهد وإكمال\nعدد الأربعة بهما وكدرء الحد عنهم إذا تكاملوا من جنسين عدولا\nكانوا أو غير عدول. وهو عندي خلاف الكتاب والسنة، والنظر\nوالقياس معا.","vol":"2","page":393},{"text":"فأما الكتاب فقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)، فنص الكتاب على جلد القاذفين وتسميتهم فساقا، واطراح شهادتهم دون\nإقامة أربعة شهداء على تصديق قولهم يبرئونهم من الجلد والفسق، واطراح الشهادة.\nفيقال لمن ألزم الواحد والاثنين والثلاثة اسم القذفة فإذا جاء رابع يقذف\nمعهم أزال عن الثلاثة الاسم بمشاركة هذا الواحد لهم فيما كانوا بسبيله من\nلزوم القذف لهم، ووجوب الحد عليهم -: لمَ أزلت حد الله الذي نصَّ\nعليه في كتابه، وأزلت اسم الفسق عنهم، ولم يزله الله عنهم إلا\nبالتوبة، وعادوا عندك عدولا، ولا تقبل شهادتهم في جميع ما شهدوا\nعليه والله يقول: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)، لأن الواحد قال\nخلاف قول أصحابه، أو هو شاهد وهم قذفة، أم عادوا كلهم\nشهودا بعد أن كانوا قذفة.\nوكل ما قال من هذه المعاني كابر في القول لا يشكل على السامع عالما\nكان أو جاهلا.","vol":"2","page":394},{"text":"فهبنا سمحنا له بتسمية الرابع شاهدا - ومعاذ الله أن\nنسمح - أليس الله - ﷻ - اشترط أربعة شهداء، وهم أقاموا\nشاهدا واحدا، أتكون نفس واحدة أربعة أنفس، أم يكون حكمه\nحكم أربعة، وكان عدده واحدا فلم اشترط الله إذًا أربعة شهداء.\nويقال له: أرأيت القاذف الواحد أيبرأ من قذفه بثلاثة شهداء حتى\nيكون هو رابعهم، أم يحتاج إلى إقامة أربع.\nفإن قال: يكفيه ثلاثة، خالف النص، لأن أقل ما يقع عليه اسم\nالقاذف في قوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) واحد، فهلا كان: ثم لم\nيأتوا بثلاثة شهداء، وهو مع خلاف نص القرآن، مكاشف جماعة\nالمسلمين بالرد.\nفإنا لا نعلم أحدا قال: إن الواحد إذا قذف مسلما يكفيه إقامة ثلاثة\nشهداء حتى إنهم قالوا في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها:\nيُلاعِن الزوج ويجُلَد الثلاثة.","vol":"2","page":395},{"text":"وإذا كان هذا صورة الواحد، لأنه قاذف، فهكذا صورة الاثنين\nوالثلاثة لأنهم قذفة، لا نعلم كتابا ولا سنة، ولا إجماعا ولا معقولا\nفرق بينهم، وما هو إلا توهم توهموه على عمر - ﵁ -\nحين جلد الثلاثة لما خالفهم الرابع في حكاية رؤية الزنا.\nوعمر - ﵁ - أعلم بكتاب الله من أن يذهب عليه هذا مع\nوضوحه، وبيانه وقلة تشابهه، ولكنهم يغلطون عليه، إذ ليس يخلو\nالمجلودون بقضيته من أن يكون هناك قاذف للمقذوف ادعاء شهادتهم.\nأم هم قذفة لا غير.\nفإذا كان هناك قاذف فلم يعده عمرُ رابعا مع القوم فيزيل الحد عنهم.\nوإن كانوا هم القذفة فإنما جلدهم، لأنهم لم يأتوا بأربعة شهداء كما\nقال الله تعالى، والرابع لم يكن قاذفا فيجلده، لأنه قد يتحول فوق\nالمرأة فيتنفس من ليس بمفض فرجه إلى فرجها ولا فِخاذها، ولا يكون\nعليه حد ولا تعزير أكثر من المأثم فيما بينه وبين ربه، أو يعزره إمام\nإن رأى ذلك كما عزَّر عمر - ﵁ - الرجل والمرأة اللذين\nوجدا في لحاف واحد.","vol":"2","page":396},{"text":"فأي شيء أعظم من خلاف القرآن نصا لخطأ متوهم على عمر - رضي الله\nعنه - ما لم يفعله، وهو أَجَل من أن يدع نص كتاب الله في حكم قد بينه\nأوضح بيان، ولما لم يحك في خبره أن قاذفا ادعى شهادة أبي بكرة وصاحبيه\nعلمنا أن عمر - ﵁ - جلدهم لأنهم قذفة عنده لا شهود.\nإذ لا نعلم على شاهد حدا في شيء من الشهادات.\nوقد كان عدد من قذف عائشة - ﵂ - خمسة رجال\nوامرأة، فجعلهم الله قذفة ولم يجعلهم شهودا فقال:","vol":"2","page":397},{"text":"(إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)\nفجمع ثم قال: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) .\nوعائشة وإن كانت مباينة لسائر المرميات، ومبرأة بوحي رب السموات\nفهن أحق بها فيما قال: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)، إذ لو\nلم يرد - جل وتعالى - أن يكون ذلك حكمًا في كل مرمية سواها إلى","vol":"2","page":398},{"text":"يوم القيامة لكان - وهو أعلم في تكذيب من رماها - بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)\nإلى قوله: (وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)\nوجاءوا معه فيما قال: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) .\nأراد وهو أعلم أن يكون لمن بعدها، وكان لها فيما تقدم وتأخر كفاية تبرأ به.\nفإن قيل: فما الفرق بين القاذف والشاهد في هذا الباب.\nقيل: القاذف من يقول لامرأة: يا زانية، فترافعه إلى الحاكم، أو\nيقول لرجل: يا زان، فيطالبه عند الحاكم، بتصحيح ما رماه فيسأله\nالحاكم أربعة شهداء ليحمي به ظهره من جلد القذف، فإذا جاء بهم\nمجتمعين سمع شهادتهم، وأزال الحد عن القاذف، وأقام على المقذوف\nوحده من جلد مائة في البكر، والرجم في الثيب.","vol":"2","page":399},{"text":"وإن جاء بأقل من أربعة لم يسمع منهم، إذ ليس في شهادتهم ما يزيل\nالحد عن القاذف، ولا يوجب الحد على المقذوف.\nولمن علِم صدق قذفه ولم يكن معه ثلاثة يعلمون مثل علمه أن يمتنع\nمن إقامة الشهادة على المقذوف، إذ ليس في امتناعه إبطال حق، ولازوال","vol":"2","page":400},{"text":"ملك، ولا وجوب حد يحرج بالقعود عنه.\nفالعالمِ لا يضمها إلا مع ثلاثة يكون رابعهم، والحاكم لا يسمع ممن\nنقص عن العدد، فإن جاء بهم مجتمعين سمع منهم، فإذا بينوا الشهادة\nعلى رؤية الزنا كالمرود في المكحلة أزال عنه الحد، وحد صاحبه.\nوإن لم يأتِ بهم مجتمعين جلده للمقذوف.\nفإن سأل التأجيل أجله بإذن المرمي ما يوقت له، فإن جاء بهم وإلا\nجلده. ومما يزيده تأكيدًا قوله في الأزواج: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ)، فدل على أن الأجنبيين يبرأون من الجلد بشهود ليست أنفسهم فيهم، كما يبرأ الزوج من اللعان بشهود أربعة ليست نفسه فيهم، فهذا ما عليه من خِلاف الكتاب.\nوأما السنة فإن سعد قال يا رسول الله: أرأيت لو رأيت إن وجدت","vol":"2","page":401},{"text":"مع امراتي رجلًا، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء، فقال رسول الله - صلى\nالقَه عليه وسلم -: \" نعم \" ولم يقل له: يكفيك أن تأتي بثلاثة\nتكون رابعهم.\nفدل على أن دعواه على الرجل قذف له لا يبرأ منه إلا بأربعة شهداء.\nفإن قتله برئ من دمه بأربعة شهداء، وإن تركه حتى يتولاه\nرسول الله - ﷺ - بالرجم بشهادة الأربعة برئ هو من\nحد القذف.\nوأما الإجماع: فقد اتفق الجميع على أن المدعي لا يكون شاهدًا لنفسه\nولا يستحق بقوله حقا، ولا يدفع عنه واجبًا.\nوأرى من يجعل الشاهد والقاذف واحدا، ويزيل الحد عنهم إذا أتموا\nأربعة - وهم قذفة - يوجب بهم رجم المقذوف، ويزيل بهم عن أنفسهم","vol":"2","page":402},{"text":"حد القذف فقد أبطل بهم شيئا، وأوجب غيره بقول أنفسهم بلا شاهد\nمدعى ولا يمين منكر وفي ذلك هدم الإسلام، ورد قول رسول الله\n- ﷺ -: \" - البينة على المدعي، واليمين على المدعى\nعليه \".","vol":"2","page":403},{"text":"فإن زعم أنه يزيل عنهم حد القذف إذا أتموا أربعة، ولا يوجب على\nالمقذوف حد الزنا زاد في الإحالة.\nفيقال له: لم أزلت عنهم حد القذف.\nلأنهم في الظاهر عندك صادقون أم كاذبون.\nفإن قال: أزلت عنهم لأنهم في الظاهر صادقون.\nقيل: فهم صادقون في الشهادة أَوْ في القذف.\nفإن قال: في الشهادة.\nقيل: كيف لا تحد زانيَا يشهد عليه أربعة والله - جل وتعالى -\nيقول: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) .\nورسول اللَّه - ﷺ - أمر برجم المحصنين.\nوإن قال: هم صادقون في القذف.\nقيل: كيف يكونون صادقين ولم يقيموا على قولهم شهداء، والله\nيقول: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)، وقال:","vol":"2","page":405},{"text":"(لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)\nأفليس الله العلي قد كذب الرامي إذا لم يأت بأربعة\nشهداء، فكيف يكون صادقا من كذبه الله.\nفإن قال: قد أقاموا أنفسهم.\nقيل له: فأجز إذًا في كل حق أن يقيموا أنفسهم إذا لم يكن غيرهم.\nفإن قال: لا يجوز في القذف أنفسهم، لأن الله شرط إقامة\nغيرهم.\nقيل: وكذلك لا يجوز في القذف أنفسهم، لأن الله شرط غيرهم في\nالأجنبيين والزوج معا.\nوأما النظر والقيا: فإن صاحب هذه المقالة لا يجيز إجازة غير\nالعدول في شيء من الحقوق، فما باله يدرأ حد القذف إذا تكامل عدد\nالقذفة أربعة عنهم.\nوحد القذف عنده حق من حقوق المقذوف، فهو يبطل حقا لغيره","vol":"2","page":406},{"text":"قد أوجب الله بنص القرآن، لأن تكامل عدد قذفته أربعة، والله - جل\nوتعالى - لم يزله عنه إلا بالشهود.\nفهب أنا نقيم أنفسهم له مقام الشهود، أنقيم عددهم مقام العدالة.\nإن هذا لأخبر بالقبح عن نفسه من أن يحتاج إلى إقامة شاهد عليه.\nوماله لا يقبل مائة شاهد لا يعرف عدالتهم وقد رضي الله\nبشاهدين في سائر الحقوق، وشرط العدد فيهما كشرط العدد في\nالزنا، لأنهما مع العدد محتاجون إلى شرط العدالة، فلم لا كان العدد\nفي شهود الزنا ليس محتاجا إلى شرط العدالة.\nوقد استدل قائل هذا القول بما شرط الله من العدالة في موضع على\nأن ما أطلق منه في معنى ما شرط فيه، وأحسبه لا يزيل حد القذف عن\nواحد لو أقام أربعة غير عدول، فجعل عددهم لغوا لا يزيل بهم عن","vol":"2","page":407},{"text":"غيرهم حدهم ويجيزهم لأنفسهم في زوال الحد عنهم في جهتين.\nإحداهما: عدم عدالتهم.\nوالأخرى: إنزالهم - في القذف موضع الشهود، وهم قذفة بنص\nالقرآن.\nولو تقصينا الحجج في هذا المعنى لطال الكتاب به، وفيما ذكرنا كفاية\nلمن فهمه، وبصره رشده، ووفق رأيه.\nفإن قال قائل: فما الدليل على أن حَد القذف حق من حقوق\nالمقذوف، ولم يبين الله ذلك في الآية.\nقيل: قد بينه على لسان رسول الله - ﷺ - حيث\nيقول: \" مَن قذف مملوكه وهو بريء مما ت\\قال، جُلِد له الحد يوم\nالقيامة \".","vol":"2","page":408},{"text":"فأضاف الحد إليه، وجعله حقا له.\nفإن قال: أفيجوز للإمام أن لايجلده إذا عفا المقذوف عنه بعد علمه به\nأم هو مثل المحارب يجب عليه القتل بقتل غيره، فيعفو وليه من الدم.\nفلا يكون للإمام تركه لعفو الولي عنه.\nقيل: بل عليه أن يجلده عفا المقذوف عنه أو طالب به، من أجل\nأنه وإن كان حقا من حقوقه، ووجب بسببه فقدِ انتهك محرما لله بين فيه\nعقوبة، ولم يجعل السلطان مفردا فيها له كما جعله لولي المقتول بقتله غير","vol":"2","page":409},{"text":"المحارب حيث يقول: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) .\nوإذا كان الله - ﵎ - قد أوجب في انتهاك هذا المحرم عقوبة.\nولم يشترط فيها عفو من جعلها بسببه لم يجز تعطيلها.\nولو أراد المقذوف العفو عن قاذفه من غير أن يجلد ظهره لعفا عنه قبل\nأن يأتي به الإمام، كما له أن يعفو عن سارق ماله ولايأتي به الإمام ليسلم\nمن القطع كما قال رسول الله - ﷺ - لصفوان في\nسارقه: \" فهلا قبل أن تأتيني به \"، وقال رسول الله - صلى اللًه\nعليه وسلم - جملة: \" ليس للإمام أن يدع حدا يبلغه إلا أقامه \".","vol":"2","page":410},{"text":"والقطع وإن كان من حقوق الله فهو بسبب مال الآدمي الذي ظُلم\nبسرقته، فلو رده السارق قبل القطع لسقطه ظلامة المسروق عنه.\nوطابت نفسه، فلم يسقط عن السارق ما وجب عليه من حد تعديه في\nانتهاك محرم الله طيب نفس من رجع إليه ماله بعد أن\nأوذي بأخذه.\nفكذلك القاذف لا يسقط عنه الحد طيب نفس المقذوف بالعفو الذي لم\nيسقط عن قاذفه عدوان قوله، وإثم جنايته، وَلا عَنِ المقذوف عارُ ما قيل\nفيه\nوالسارق وقد سقط عنه إثم المال برده وبرئ من ظلامة صاحبه، فهو","vol":"2","page":411},{"text":"أجدر بإسقاط الحد عنه لو أسقط من القاذف الذي هو مصر على قوله.\nغير نادم عليه كندم السارق على فعله برد ما أخذه.\nومن جعل للمقذوف تعطيل حد الله وإن كان وجب بسببه، أو من\nجعل له أن يبطل أحدهما من السارق والقاذف بعفوه، ولم يجعل له إبطال\nالآخر، ألا ترى أن الله - ﵎ - حين أراد أن يجعل السلطان في\nعقوبة انتهاك محرم في الدنيا لغيره - ﷻ - حرم القتل بقوله: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)\nلم يأمر به بعقوبة في الدنيا.\nثم بين عقوبته في الآخرة: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)، ثم جعل سلطان عقوبته في الدنيا لوليه في قوله: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) . فصار الحكم في انتهاك\nمحارمه على ثلاثة وجوه:\nمنها: ما جعل العقوبة في الدنيا عليها بيد غيره مثل هذا.\nومنها: ما جعلها لنفسه، وأمر بإقامتها ولاة الأمر مثل القذف وحد\nالزنا، والسرقة والمحاربة، وشارب الخمر على لسان نبيه، صلى الله عليه\nوسلم..\nومنها: ما أبهمها ولم يبين فيها شيئا مثل عقوبة المقامر بالميسر، وآكل\nلحم الخنزير، والكذاب، وأشباه ذلك فهي مآثم على ما فاعلها يلقاه","vol":"2","page":412},{"text":"بها.\nوقد أجمعوا جميعا لا تنازع بينهم على أن جائيَا صحيح العقل، لا جِنة\nبه لو جاء إلى الإمام فقال: قد قذفت محصنة بالزنا، ولا شهود لي فأقم\nعلي حد القذف - لم يكن له تركه، وأوجب عليه إقامته.\nوقد يمكن أن يكون المقذوف يعفو عنه، فلو كان الحد يسقط\nبالعفو لوجب أن يقول له: أحضِر المقذوف لعله يعفو عنك.\nوفي إطباق المسلمين على إزالة القطع عن المسروق فضةً أو ذهبًا على\nسقفِ مسجد يغلق بابه في غير حين الصلاة، أو حائطه، أو سرق\nبَواريه بالغَا ما بلغ،","vol":"2","page":413},{"text":"إذ لا مالك له من البشر -: دليل على أن حد السارق وإن كان لله\nفبسبب مال الآدمي آذاه بأخذه، فإذا برأه الآدمي، أو تصدق به عليه بعد\nرفعه إلى الإمام لم يزل عنه، ووجب على الإمام إقامته بالقذف أسوة هذا لا\nيخالفه إن عفا المقذوف عنه قبل رفعه إلى الإمام، فإذا رفعه إلى\nالإمام أقامه عليه به ولم يلتفت إلى عفوه، وإذا كان الحائل","vol":"2","page":414},{"text":"بين حدود الله جملة في كلها مضادا لله في ملكه، فالعافي عن حد وإن\nوجب بسببه ممنوع عنه، ومحول دونه، وعلى الإمام أن يمضيه لله، ولا\nيحفل بعفوه.\nفإن قيل: فَمَالَك جعلته في صدر الكلام حقا من حقوق من أسقطت\nعفوه في هذا الموضع، وجعلت إنظار المقذوف لإتيان شهوده على القذف\nبإذن المقذوف.\nقيل: الإمام لا يعلم الغيب، والمقذوف خصم قاذفه يطالب بحده.\nفإذا بلغ الإمام بخصومته فعرفه، أو اعترف له القاذف وجب عليه\nإقامته، ولم يكن له تعطيل، ولصاحب الحق أن يعفو قبل أن يأتب\nالإمام به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>وقوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)</span>\nدليل على أن شهادة القاذف بعد التوبة مقبولة، وذنبه مغفور فيقال لمن\nيمتنع من قبول شهادته بعد التوبة: لم جعلت الاستثناء واقعا على بعض\nالكلام دون بعض، وخرجت عن لغة العرب وعرفها، وعادتها في","vol":"2","page":415},{"text":"كلامها، وتحكمت على لسانها - فنحن نسامحك فيما لا تعرفه، ونسألك\nمن حيث تعرفه - أخبرنا عن القاذف أيفسق بالقذف أو بالضرب.\nفإن قال: بالضرب.\nقال: محال.\nوإن قال: بالقذف.\nقيل: فلم تجيز شهادة فاسق بنص القرآن، ونص شهادتك عليه.\nوشرط الفاسق أن لاتقبل شهادته ما دام فاسقا، وترد شهادة\nمضروب، والضرب لا محالة لم يفسقه، وأزلت اسم الفسق عنه\nبالتوبة، وامتنعت من قبول شهادته، وأجزت شهادة فاسق غير\nمضروب، ورددت شهادة عدل مغفور له ذنبه من أجل أنه مضروب\nعلى خطيئته، فأسقط إذًا شهادة البِكر الزاني إذا تاب بعد ضربه،","vol":"2","page":416},{"text":"لأنه أعظم جُرمًا من القاذف. والقذف شطية منه في باب المآثم.\nوأسقط شهادة شارب الخمر بعدما يحد إذا تاب، وشهادة السارق إذا\nتاب بعد قطعه، ولا تجعل جهلك بلغة العرب وإيقاعك الاستثناء على\nبعض الكلام دون بعض محيلًا احكام الله عن جهتها.\nفإن قيل: أفليس قد روي عن عائشة - ﵂ - وعبد الله\nبن عمرو أن النبي - ﷺ -: \" رد شهادة المجلود\nحدا \"، والمحدود في الإسلام، كلا اللفظين.","vol":"2","page":417},{"text":"قيل: إسناد الحديثين في نهاية من الضعف، ولو صَحا أيضا لما كان فيهما\nشيء يمنع من ذلك لجهتين، إحداهما: أنه لم يقولا: رد شهادة المجلود\nالتائب، وكذلك نقول: لا تجوز شهادة المجلود في القذف عمره","vol":"2","page":420},{"text":"إن لم يتب، فإذا تاب عليه.\nجازت شهادته بنص القرآن في وقوع الاستثناء، والجهة الأخرى: أن الحديثين ليس فيهما رد شهادة المجلود في القذف خاصة ولا المحدود في الإسلام في القذف خاصة.\nأفترد شهادة كل محدود على ظاهر الحديث، أم تتحكم فيه كما تحكمت\nفي استثناء القرآن.\nقال محمد بن علي: وفي قوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)\nبعد لزوم اسم الفسق له بالقذف لا بالضرب من حيث لا التباس فيه أكبر\nالدليل على أن شهادته في نفس ما يفسق به مردودة بنص القرآن، فلا\nيكون أحد الشهود وَلا مَن كثر عددهم معه يقبلون، ولا يكونون إلا\nقذفة أبدا.","vol":"2","page":421},{"text":"ذكر من اغتاب أخاه:\nوفي قوله (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)\nدليل واضح على أن من اغتاب مسلما، وأوصل إليه أذى القول في\nشَتم نفس، أو آباء فتوبته منه تحط ذنبه، وتغفر خطيئته وإن لم يحلله\nصاحبه. ألا ترى أن القاذف قد عمَّ المقذوف، وآذاه بقذفه ثم أوجب\nالله له المغفرة والرحمة بتوبته منه، ولم يشترط عليه تحليل المقذوف عنه.\nفالقصاص والمظالم ما كان في مال أو نفس أو جرح دون الكلام.\nوالله أعلم.\nفإن قيل: أفليس قد روي أن النبي - ﷺ - قال\nلعائشة حين قالت: ما أطول ذيل امرأة مرت بها، وما أقصر أخرى.\nفقال النبي - ﷺ -: اغتبتهما، قومي\nفتحلليهما\"،","vol":"2","page":422},{"text":"قيل: هي أخبار واهية الأسانيد، وليس لها من القوة ما يُنسخ بها\nالقرآن، أو يخُص بها.\nفيحتاج لمن وصل إلى استحلال من آذاه بكلامه، أو قفاه بغيبة أن\nيستحله، فإن لم يصل إليه أو وصل فلم يفعل فحكم الآية ما أخبرتك به.\nاللعان:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>وقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ)\nإلى قوله: (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)</span>","vol":"2","page":423},{"text":"دليل على أن كل زوج رَمَى زوجته حرَّة كانت أو أَمَة، مُسلمة أو ذِمية\nفاللعان بينهما واجب لا يزيله افتراق أحوال الأزواج، وأنه باسم الزوجية\nلا بغيرها.\nوليس في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في منع\nاللعان بين أربعة ما يدفع به عموم الآية في اللعان، ونحن وإن","vol":"2","page":424},{"text":"خصصنا بالسنة عموم القرآن فبالصحيحة، وهذه واهية الإسناد لعمرو بن\nشعيب ومن دونه.","vol":"2","page":425},{"text":"والعجب لمن اعتل لإبطال اللعان بين الأَمة والحرة بأن الأَمة لا رجمَ\nعليها، والله يقول: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ) أفتستحيل.\nليت شعري أن تدرأ عن نفسها بشهادتها عذابها من جلد خمسين.\nولئن كان كل زوجة لاَ رجم عليها تبطل اللعان بينها وبين راميها من\nالأزواج، أن رامي الحرة البِكر قبل دخوله بها لأسعد الناس بإبطال اللعان\nبينه وبينها، فأرى هذا القول من قائله قد أدى إلى إبطال اللعان\nبين الحرين البكرين إذ لا رجم على واحد منهما.","vol":"2","page":426},{"text":"وليس بين ألأُمة خلاف في أن مَن قذف بِكرَا بعد عقد النكاح، وقبل\nدخوله بها أنه يلاعنها، فإن امتنعت من اللعان جُلِدت مائة جلدة، وإن\nكذب نفسه جلد مثلها.\nفما بَال الأَمَة لا تلاعِن زوجها إذا رماها، فإن امتنعت من اللعان\nجلدت خمسين. هو الذي أوجد عذابها، ولا يبطل عنها وعن غيرها\nبهذه العلة حكم الله في اللعان بينهما.\nوكان بعض أهل النظر يحتج في إبطال الملاعنة بين المسلم واليهودية\nوالنصرانية بأن الله - جل وعلا - لم يجعل نحرج الأجنبي من القذف\nإلا بشهادة الشهود، وجعل مخرج الزوج إذا لم يكن له هؤلاء الشهود\nاللعان. فإذا لم يكن على قاذف غير المسلمة حد فمن أي شيء يجعل\nنحرجه، ولم يجب عليه بقذفه حد حتى جعل له منه مخرج باللعان.\nولعمري إن هذا حجة من أبطل الحد عن قاذف الأجنبي بيهودية أو\nنصرانية، ثم أوجب اللعان بينهما وبين الزوج.\nفأما نحن فلا يلزمنا، لأنا نزعم أن القاذف اليهودية والنصرانية إذا لم","vol":"2","page":427},{"text":"يأتِ باربعة شهداء محدود كما يحد للمسلمة إذا قذفها، اتباعا لكتاب الله -\n﷿ - حين سوى في اسم الإحصان بينهما حيث أباح تزويجهما في\nقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، ثم قال في آية القذف: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) .\nفمن أخرج الذميات من المحصنات في القذف وأدخلهن في التزويج\nفعليه أن يأتي بالبرهان، ولن يجد إلى ذلك سبيلا، إذ كل ما يدل عليه\nدال من إنزال درجة الكافر عن درجة المسلم في هذا الباب قياس -\nوالقياس لو كان حقا أيضا في نفسه لم يجز عند أهله ترك النص به -\nفكيف وقد دللنا على فساده في هذا الكتاب، وفي شرح النصوص بما\nيغني عن إعادته.","vol":"2","page":428},{"text":"وهب أن الحد لا يجب على الأجنبي إذا قذف ذمية أَوَ يُعطل حكم الله\nعليها إذا قذفها ولا شهود له غير. نفسه يوجب عليها بهِم حد ما رميت به\nمن الزنا، والله - جل وتعالى - لم يلغِ قول الرجل لامرأته في القذف\nلغوا بكل حال بل جعل مخرجها منه شهادات اللعان، ودعوة الغضب في\nالخامسة، وهذا شيء لا يفعل إلا بعد أن يفرغ الزوج من شهادته ودعوته\nباللعنة، ففي كم موضع يشاء ترك نص القرآن في إبطال حد القذف عن\nقاذف الذمية، وقد سماها الله محصنة، أم في إزالة حكم اللعان بينها\nوبين زوجها واسم الزوجية شامل لها، والله يقول: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ)، أم في إبطال حد الزنا عنها وقد رُمِيت به بغير مخرجِ لها\nمنه. وهل يخلو زوجها من أن يكون صادقا فيما قذفها\nبه، فيلزمها الحَد أو كاذبا فيلزمه حد القذف. فلما رأينا الله - جل\nوتعالى - لم يجعل قول القاذف لغوًا في أجنبية ولا زوجة بل أوجب به\nحدَّا عليه، أو على من قذفه به إلا أن يخرج هو منه بالشهداء.\nوالزوج بهم إن كانوا، أو باللعان إن لم يكونوا، والمقذوف من\nالزوجات باللعان، ومن الأجنبيات بعدم شهود القاذف. علمنا أن\nقول القاذف غير لغو وقع من مسلم أو كافر فيزعم أنه غير آثم.\nأَوَ مباح له التفكه به.\nأوليس فى إزالة اللعان بين الذميات وأزواجهن المسلمين تجرئة لهن على","vol":"2","page":429},{"text":"الفاحشة إذ كان قول الرجل لا يوجب عليهن حدا يخرجن منه باللعان.\nوتجرئة للزوج على أذاهن بالقذف إذا كان بقوله لا يجب عليه وَلا على غيره\nحكم. وهذا عظيم لمن تدبره، وأعطى النصفة من نفسه.\nذكر الإيجاز والاختصار.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)\nحجة لمن يحذف من لفظ الكلام ما لا يتم على الحقيقة إلا به التماس\nالإيجاز والاختصار كقول الشاعر:\nفإن المنية من يخشها\nفسوف تصادفه أينما","vol":"2","page":430},{"text":"لأنه - جل وتعالى - ابتدأ (بلولا) ولم يصله بشيء يكون تمامه ظاهرًا\nفي اللفظ، فكأنه - وهو أعلم - ولولا فضل الله عليكم ورحمته، وأن\nالله تواب حكيم، لما بين لكم هذه الأحكام التي قبل هذا الكلام، ولكن\nمن فضله عليكم بين لكم وأنصف المرمي من الرامي، وطهر الزاني\nوالزانية بالجلد. أو شيء هذا معناه، تبارك اسمه.\nومثله قوله في خاتمة العشر الثاني: «وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) .\nلأن (لولا) كلام يقتضي صلة كقوله - جل\nوعلا -: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)، وقال: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)، (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)، فهو لا محالة على الاختصار، ولولا فضل الله عليكم","vol":"2","page":431},{"text":"ورحمته وأن الله رؤوف رحيم لعاقبكم على ما جئتم به من الإفك كذا\nوكذا. ألا تراه يقول: (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)\nهذا وجه الجملة، وقد يحتمل أن يكون (مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) لكل ما بعده كأنه: ولولا فضل الله عليكم الأول\nوالثاني والثالث ما زكى منكم من أحد أبدا. والله أعلم.\nذكر قول الزور.\n* * *\nوقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)\nحجة فى أشياء:\nفمنها: غلبة المذكر على المؤنث في الذين، لأنه كان فيمن جاء\nبالإفك امرأة والمرأة يقال لها: التي، وجمعها اللاتي، واللواتي.\nومنها: الرجوع من الخبر إلى المخاطبة في قوله: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ) أي لا تحسبوا الإفك، والقول به شر لكم (بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)","vol":"2","page":432},{"text":"ومنها: تفضيل الشيء على الشيء بلفظ الخير والشر باطراح الهمزة -\nوالهمزة فيها لحن ليس من كلام العرب.\nومنها: أن قول الزور في المقول خير مدخر له يثاب عليه في\nالآخرة، وشر على قائله معدود عليه في عداد ذنوبه.\nومنها: أن من لحقه غَم بالمتقول عليه من الزور شريكه في\nالأجر، لأن المرمية بالإفك أم المؤمنين - ﵂ - وحدها.\nفجمع الله معها من لحقه أذى القول معها ورسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - وأبويها، وكل من لحقه غم بسببها فقال: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) على لفظ الجميع.","vol":"2","page":433},{"text":"ذكر من سَنَّ شرًا.\n* * *\nوقوله تعالى: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)\nدليل على أن من سَن شرا أعظم إثمًا ممن واطأه عليه، لأن المتولي\nللكبر كان السابق إلى الإفك، وسائرهم صدق قوله، فاستوجب\nضعف العذاب وهذا يؤيد حديث رسول الله - ﷺ\n-: \" ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من\nدمه، لأنه أول من سن القتل \".","vol":"2","page":434},{"text":"وذكر تسمية جنس الآدميين بالأنفس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>وقوله: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)</span>\nحجة في تسمية جنس الآدميين بالأنفس، ومؤيد تفسير من فسر:\n(وَلَا نَقتُلُوَا أَنفُسَكم) أي لا يقتل بعضكم بعضا، ومن فسر:\n(فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي سلموا بعضكم على\nبعض، لأن الأنفس التي أمرت أن تظنوا بها خيرا أم المؤمنين -","vol":"2","page":435},{"text":"﵂ - فسماها الله - جل وتعالى - نفسهم كما ترى، وهو\nيؤيد أيضا حديث رسول الله - ﷺ -: \" المسلمون\nكنفس واحدة \".\nوفيه دليل على أن التصديق بالذايع من الخبر المنكر، والنحلة الفاحشة\nإلى المخبر عنه محرم، وموجب على سامعه إعداده في وجوه الكذب\nوالزور، بل لازم له أن يلفظ بتكذيبه، ولا يقتصر على إضمار القلب\nونبوه عنه.\nوأرى نساك زماننا قد أهملوا هذا من أنفسهم كل الإهمال بل تأسوا فيه","vol":"2","page":436},{"text":"بأطباع الجهال، وركبوا فيه أمحل المحال حتى صاروا يهجرون عليه فضلا\nعن التصديق به الذي حرم الله بنص القرآن كما ترى. وقد لخصناه\nفي سورة بني إسرائيل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>وقوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)</span>\nشديدة لو تأملوها، وقد أكده الله مرة بعد أخرى كما ترى فقال:\n(وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)\nحجة في أشياء، فمن قال فيها - رضوان الله عليها - هذا، أو\nصدق به خرج من الإسلام.","vol":"2","page":437},{"text":"(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)\nحجة فى أشياء:\nفمنها: أن أبا بكر الصديق - ﵁ - بعدما أنفق ماله على\nرسول الله - ﷺ - أغناه الله وجعله من أهل السعة\nوالفضل.\nومنها: أن اسم القربى شامل لكل من مَت إلى الإنسان بِرَحِم\nقربت أو بعدت، إذا الرحم قربة يقترب بها ذو النسب، وقد عري منها\nالأجنبي فلا يمت بها أبدا وكذا النسب وإن بعد نسبه قربة من الإنسان لا\nيقترب بها سائر جنسه من الناس وسواء كان ذلك من قبل الأب أو الأم لا\nأنه أسباط الإنسان وبنو عمه الأدنون كما تزعم الرافضة من أن","vol":"2","page":438},{"text":"قول الله - ﵎ -: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أنه علي والحسن والحسين وفاطمة - ﵃ - دون\nسائر قرابات النبي - ﷺ - ألا ترى أن مِسطح بن\nأثاثة المخصوص عليه أبو بكر ﵁، على الإنفاق عليه\nالمسمى بأولي القربى إنما هو ابن بنت خالة أبي بكر الصديق - رضي\nالله عنه - وقد سماه الله من أولي قرباه. فكيف تخص ابنة رسول\nالله، وسبطاه، وابن عمه دودن سائر أداربه المسلمين بالمودة في الآية.\nوابن بنت خالة الإنسان قريبه كما ترى.","vol":"2","page":439},{"text":"ومنها: أن الذنب الواحد - وإن عظم - إذا احتقبه المرء لا تحط\nعنه سائر حسناته، ولا يحط من درجاته فيها، لأن الله - جل وتعالى -\nقد سمى مسطحَا مهاجرا في سبيله بشهوده غزوة بدر، وقد احتقب","vol":"2","page":440},{"text":"عائشة - ﵂ - ما احتقب، وشارك أهل الإفك فيما شارك من\nعظيم الذنب. وفي هذا رد على جهلة الصوفية فيما يزعمون أن الكبائر\nتمحو الحسناتِ وتحط درجة أصحابها فيها.\nورد على من يزعم أن الذنوب كفر.\nوكيف تكون كفرا، وقد سقى الله مِسطحَا - مع عظيم ذنبه -\nمهاجرا.\nومنها: أن مواصلة من قطع، والإحسان إلى من أساء مرضي\nالأخلاق، ومندوب إليه المرء.\nومنها: أن اليمين إذا وقعت على مَا لا قربة فيه إلى الله فالطاعة\nتركها، وترك الماضي عليها وإن لم يكن الترك مفروضا إذا كان غيره\nأقرب منه، لأن سياق الآية يدل على أن الله - جل وتعالى - ندب أبا\nبكر إلى العود إلى مسطح بفضله، وترك معاقبته على ما كان\nمنه إلى ابنته ندبا، ولم يفرض عليه فرضا. لولا ذلك ما دله - وهو\nأعلم - على العفو والصفح، وَلا وَعده عليه الغفران، إذا العفو\nوالصفح بَابَا فضلٍ لا يجُبر أحد عليه.","vol":"2","page":441},{"text":"وليس في الآية أنه أمره بكفارة ألبتة، فيحتمل أن يكون إتيانه الذي\nهو خير من النفقة على قريبه كفارتها.\nويحتمل أن يكون مع ذلك كفارة وهو أحوط وبه نقول.\nقال محمد بن علي: لا خلاف بين الأمة أن هذه الآيات كلها من\nقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)\nنزلت في أم المؤمنين عائشة - ﵂ - فمن ذكرها بالفاحشة","vol":"2","page":442},{"text":"بعد نزول هذه الآيات، وهوعالم بنزولها فهو كافر يستتاب، لأنه راد على\nالله قوله في براءتها ومكذب بما أنزله من وحيه فيها، فإن تاب وإلا\nقُتل.\nومَن جهل نزول الآيات تليت عليه، وعرف بما فيها فإن آمن بها\nوقبلها جُلد حد المفتري وترك، فإن عاد بعدما عرف مرة أخرى\nاستتيب كالأول.\nذكر المرأة إذا ملكت زوجها.\nوقوله تعالى في النساء المؤمنات: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ)\nدليل على أن المرأة إذا ملكت زوجها حرمت عليه، وانفسخ نكاحها،","vol":"2","page":443},{"text":"لأن الله - جل وتعالى - جعل مُلك يمين المرأة في عداد محارمها،\nوالمحرم لا يصلح أن يكون زوجًا بحال.\n(وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)\nدليل على أن المرأة منهية عن إبراز كل ما دعا إلى شهوتها، وإن كانت\nمباحًا لبسه لها.\nذكر التزو\".:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>وقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ)</span>\nلحجة واضحة في أن ليس للبِكر ولا للثيب أن تتزوج بغير أمرِ وليها.\nإذ لو كان لها ذلك ما أمر غيرها بإنكاحها.","vol":"2","page":444},{"text":"وهذه أبين مما احتج بها الشافعي - ﵁ - من قوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)، لأن ظاهر\nتلك مخاطبة الأزواج. كأنهم يطلقون واحدة، أو اثنتين حتى إذا حاضت\nالمطلقة حيضتين وقاربت الخلو من العدة برؤية الثالثة التي تحلها للأزواج.\nراجعها من غير رغبة فيها يضارها لئلا تتزوج.","vol":"2","page":445},{"text":"ولولا رواية الحسن عن معقل بن يسار أن الآية نزلت فيه.\nحيث عَضَل أخته وأبى تزويجها ممن طلقها - لقلت بظاهرها","vol":"2","page":446},{"text":"تحتمله الآية، ولكني أتهيبه، مع أني أظن في سَماع الحسن عن\nمعقل شيء، فإن صحت روايته عنه فتلك أيضا تقوية لهذه التي في\nالنور، وإلا ففي هذه كفاية لأنها نص.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)\nدليل على أن ليس للعبد ولا للأمة أن يتزوجا بغير إذن سيدهما،","vol":"2","page":447},{"text":"غير أن العبد يؤذن له في التزويج فيعقد هو على نفسه إن كان كبيرا، أو\nيقبله عليه سيده إن كان صغيرا كما يقبل الأب على صغار ذكوره\nوالأمة يعقد هو نكاحها على من أراد تزويجها.\nولو جاز أن تعقد الأيم على نفسها وقد أمر غيرها بالعقد عليها جاز أن","vol":"2","page":448},{"text":"يعقد العبد والأمة على أنفسهما وإن امتنع سيدهما.\nفإن قيل: الأيم مخالفة لهما لقول رسول الله - ﷺ\n-: \" الأيمُ أحق بنفسها من وليها \".\nقيل: هذا ليس بمخالف للقرآن في الأمر بإنكاحهن، إنما أفادنا أن\nالولي لا يعقد عليها إلا برضاها كما يعقد السيد على أَمته وإن كرهت.\nألا ترى أن نفس الحديث حجة في أن الولي هو العاقد عليها غير أنه\nلا يتقوى حتى تأذن، وفي إضافته ولايته عليها إليها، فلو كانت هي\nأملك بنفسها بمعنى أنها تتولى العقد دونه ما كان لتسميته بالولي وإضافته\nإليها معنى وهذا موضوع بتمامه في كتاب النكاح من شرح النصوص.","vol":"2","page":449},{"text":"ذكر ملك العبد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>وقوله: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)</span>\nقد شمل الأيامى، ومن ذُكر معهن من العباد والإماء، واستوجب\nجميعا إنجاز الوعد في الغنى بالنكاح، إذ لو خلا العبيد منهم وقصد به\nالأيامى كان - والله أعلم - إن يكن فقراء يغنهن الله من فضله. فلما\nكان (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) علمنا أن العبيد داخلون\nفيه وهم ذكور فغلبوا.\nوفي ذلك دليل واضح أن العبيد والإماء يملكون ولا يكون الملك\nمضافا إليهم على المجاز وحقيقته للسادة، إذ لو كان كذلك ما استغنوا\nبالإنكاح، ولكانوا فقراء قبله وبعده، لأن من لا يملك شيئا لا يقع\nعليه اسم غنى، وقد قطع الله الريب بما قال: (يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .\nودل على أنه غنى بالمال لا بالنكاح كما قال: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)","vol":"2","page":450},{"text":"ففضله بعد ذكر الاكتساب لا يكون إلا مالًا.\nقال محمد بن علي: وفي مُلك العبد أشياء مختلفة ملبسة أمره، تؤكد\nبعضها ملكه، وبعضها تنفيه، فمن ما تؤكد ملكه هذه الآية التي ذكرناها\nفي هذا الموضع وهي واضحة، والمكاتب يكاتبه سيده وهو عَبد، فلو كان\nلا يملك ما كان لمكاتبته معنى، لأن سيده كان لا يملك كسبه عليه قبل\nحلول النجم، فكان يحل وليس بيده شيء وقد أمر الله بكتابه، واتفق\nالجميع على أن ما يملكه له يؤديه في نجومه حتى يعتق\nبأداء جميعها، فلو كان لا يملك ما عتق بالأداء أبدًا.","vol":"2","page":451},{"text":"والذي هو أيضًا واضح في ملكه أنه لا يخلو من أن يكون لما كان مالا\nفي نفسه بملك سيده وقد استحال أن يضاف إليه مُلك بوجه من الوجوه\nكالبهائم التي يملكها الإنسان، وهي مال في أنفسها فلا يكون مالكه\nبحال، أو يكون.\nوإن كان مملوك الرقبة - لا يستحيل أن يضاف إليه ملكه يكون فيه\nأسوة جنسه من الناس الذين هو مشاركهم في جميع ما هم بسبيله من\nالعبادات والأحكام الجارية بين المسلمين لهم وعليهم، وإن اختلفت\nكيفيتها في الكثرة والقلة، فلما اتفقوا جميعًا من ثبت له ملكا ومن لم\nيثبت أن ماله مستفاد لا مخلوق معه كعضو من أعضائه يملكه سيده\nمعه. علمنا أن السيد ملكه دون ماله، ثم نظرنا إلى ما يقع بيده من\nوجوه الاستفادات فإن كان مما سبيله ملك فيما يقع بيديه قبل أن\nيأخذه سيده منه فقد سُمي مالكا قبل سيده. فإن أخذه منه عن غير\nطيب نفس منه كان غصبًا له.\nوإن كان ممن لا يثبت له ملك فيما يصير في يده فمحال أن يسمى مال\nالعبد ما لم يملكه العبد بعده، والسيد لا يملك مالَ غير عبده، وأكثر","vol":"2","page":452},{"text":"وجوه استفادته منه ما ينتقل من مالك إليه مثل الهبة والصدقة، والجعل\nعلى عمل يعمله فلا يخلو من أن يكون من كان له أصل هذه الأموال\nوهو مالكها فدفعها إلى العبد بهذه الوجوه انتقل ملكه عنها إلى من دفعها\nإليه، أم ملكه ثابت فيها بعد غير منتقل، فإن كان ملك أرباب هذه\nالأموال لم ينتقل عنها بدفعها إلى من لا يملك ملكهم، ويستحيل أن\nيضاف إليه مُلْك، فينبغي للسيد أن يرد ما بيده على من أخذه منهم.\nلأنه ملكهم وهو لا يملك أملاكهم.\nوإن كان لما صارت في يد العبد ملكها العبد كملك من كانت له فلا\nيجوز للسيد انتزاعها من يده إلا بإذنه، فهو صالحه لأنه.. في ملكه\nإذ ... سيده إلى وإلا كان غاصبًا، عليه ما على الغاصب.\nفلما اتفقوا على أن ملك العبد متقدم لما يقع بيده قبل أن يصير لسيده\nثبت ملكه فيه بإجماع الأمة، فمن زعم أنه قد انتقل ملكه إلى السيد بِلاَ\nوَجه من وجوه الانتقال فعليه أن يأتي بإجماع مثله ولن يجد إليه سبيلا.\nهذا ما في تثبيت ملكه وأما ما يدل عليه على أنه ليس بمالك فإجماع\nالناس جميعًا على أنه إذا مات وله ورثة كان سيده أولى بماله من\nورثته، فلو كان مالكًا لمِالِهِ في حياته لَوَرِثَتْه وَرَثَتُهُ بعد وفاته، لأن","vol":"2","page":453},{"text":"ما ملكه تركة، والتركة مقسومة في كتاب الله على الورثة دون\nالأجنبيين. فهذا أوكد شيء في إزالة الملك عنه، وفي الكتاب والسنة أشياء تدل على كلا المعنيين من إثبات مُلكه وإزالته، فأما ما في الكتاب فقوله - ﵎ - في سورة النحل: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ) .\nفيحتمل أن تكون الآية في عبدين أحدهما فقير، والآخر غني، كما\nيكون حران أحدهما غنيا، والآخر فقيرا.\nويحتمل أن يكون حرَّا وعبدا، لأن (مَن) تكون للحر والعبد، وإذا\nاحتمل الشيء معنيين لم يجزْ أن يحكم لأحدهما دون الآخر إلا بحجة تحقق\nأحدهما\nوقوله في سورة الروم: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)","vol":"2","page":454},{"text":"يحتج به من ينفي ملكه، كأنه يذهب إلى أن\nالمملوك لا يجوز أن يشارك المالك في ملكه كما لم يجز للخلق وهم عبيد\nالله أن يشاركوه في ملكه.\nوهو يحتمل ما ذهب إليه، ويحتمل غيره من أنكم لا تملكون معي إلا\nما ملكتم كما لا يملك عبيدكم مما رزقناكم شيئًا إلا ما ملكتموهم. فيكون\nهذا حجة في ملكهم.\nوكان قتادة - ﵀ - يقول: \" هذا مثل ضربه الله لمن عدل به\nشيئا من خلقه يقول: أكان أحد منكم مشاركا مملوكه في قرابته وزوجته.\nفكذاكم الله لا يرضى أن يعدل به أحد من خلقه \" ففسره على معنى\nثالث.\nوأما ما في السنة فقوله - ﷺ -: \" مَن باع عبدَا وله\nمال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع \".","vol":"2","page":455},{"text":"يحتج به الفريقان مثبتوه بإضافة المال إليه في موضعين، ونافوه تجعله -\nوإن أضافه إليه - لغيره للبائع مرة، وللمبتاع أخرى.\nوقوله - ﷺ - حين فرض زكاة الفطر: \" على كل\nحُر وعبد، صغير وكبير \".","vol":"2","page":456},{"text":"فالمثبتون يقولون: لا تفرض على غير مالك.\nوالنافون يقولون: فرضها على سيده، كما فرض عليه لزوجته،.\nوصغار ولده.\nوكل يحتج لمذهبه كما ترى. فنظرنا في ذلك فلم يجز أن يكون على\nتضادهما حقَّا، والحق لا محالة في أحدهما.","vol":"2","page":457},{"text":"ووجدنا من ينفيه قد وافق من يثبته في المكاتب، ووافقه في أن العبد\nمَلَك ماله قبل سيده، وإيتاء الإغناء من فضله في باب الإنكاح، والأمر\nبالمكاتبة يشهدان له بالملك بلا احتمال معنى سواه، وإذا شهد آيتان\nمفردتان لأحدهما يحتمله الآخر بأن كان - والله أعلم - أولى من\nالاحتمال إلى الآخر الذي لا شاهد له على الانفراد، فنقول: إن العبد\nمالك لماله كالحر مسلط عليه لما تقدم من ملكه بإجماع الأُمة قبل تملك\nعليه سيده في قول بعضهم والله يحكم لا معقب لحكمه. فإن\nحكم في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ - بشيء\nفي ماله، أَوِ اتفق جماعة المسلمين عليه سُلم في موضعه، ولم يجعل ذريعة إلى توهين ملكه الدي هو فيه كالحر، فما حكم في ماله عند بيعه مُسَلمَا للسنة، وأخذ سيده ماله بعد موته دون ورثته وَسُلم للإجماع. وإن عدم رضاه ورضاء ورثته - كما تجعل دية الخطأ في مال العاقلة والجاني غيرهم أحبوا أم كرهوا. ليس لأحد أن يضرب أحكام الله بعضها ببعض ويعقبها، بل عليه التسليم\nوالرضا لما حكم، وإن اختلف عند الناظر فيه قال الله - ﵎\n(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) .","vol":"2","page":458},{"text":"ونقول في زكاة الفطر إن وجدنا موجب اتفاق المسلمين على أنها\nمفروضة على سيده سُلّم لهم كما سُلّم في ماله بعد موته، وإلا فظاهر\nالخبر أنها مفروضة عليه، فإن اطلع بأدائها أدّاها وإن عجز عنها\nسقطت عنه كما يسقط عن الحر بالعجز، وإن تطوع السيد فأخرجها\nعنه أجزأه كما تجزي الحر بأن يتطوع غيره عنه، وبالله التوفيق.\nوأما من قال: مال العبد مضاف إليه كإضافة السرج إلى الفَرَس.\nوالغنم إلى الراعي فقد جمع بين شيئين متفاوتين، لأن الفرس لم يستفدِ\nالسرج بنفسه، ولا ملكه قبل صاحبه، كما استفاد العبد ماله، وإن\nكان بزعمه عليه السيد، وقد يعتق العبد فيملك عند قائل هذا\nالقول، والفرس لا يملك أبدا. وإضافة السرج إلى الفرس مجاز بكل","vol":"2","page":459},{"text":"حال، وإضافة المال إلى العبد في حال دون حال.\nوالراعي ليس بمستحيل أن يملك تلك الغنم باعيانها التي هو أجير\nعليها والفرس لا يملك سرجه أبدا.\nوإسقاط مُلك العبد عنه باختلاف وتأويل، ومُلك الفَرس عن السرج\nبعيان وإجماع، لأن الفرس بهيمة والعبد بشر مستعبد تجري - عليه أحكام\nالإسلام.\nوكنت أحب لقائل هذا القول أن يصون نفسه عن هذا، فإنه أجل في\nنفسه وأرفع قدرا من أن يُعرف بهذه الهفوة، وسِيما وهو من أهل اللغة\nيغفر الله لنا وله.\nذكر نفقة الزوجات والصدقات:\n(وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)","vol":"2","page":460},{"text":"دليل على وجوب نفقة الزوجات إماءً كُن أو حرائر، وعلى أن\nالصدُقات تكون نقدا إلا أن ترضى المرأة بتأخيره. إذ لا نجد شيئا\nيكون بها المحتاج إلى النكاح غير هذين الشيئين من نقد المهر والإنفاق.\nوإلا فلم لا يجد النكاح.\nوليس في الناس أحدٌ إلا وَلَه أكفاء ممن يتزوج به حتى إن ذوي العاهة\nبالبرص والجذام وأشباهه يتخذ كُفُوا مثله، فقد صح أن المحضوضين","vol":"2","page":461},{"text":"على الاستعفاف هم الذين لا نقد لهم يصدقون منه، وينفقون على\nالأزواج، وهذا من أوضح دليل في وجوب النفقة، وتقديم\nالصداق لمن تدبره.\nفإن قال قائل: فلم لا تجعل هذا دليلا على التفريق بين من عجز عن\nالنفقة على امرأته وبينها، وهو من التأكيد بهذه المنزلة.\nقيل: ليس المستدبر في ذلك كالمستقبل، لأن أمرهن في المستقبل\nبأيدي أنفسهن، لا يجبرن على تزويج من لا يشتهين، وإذا حدث\nالإعسار بعد عقدة النكاح فقد صار الأمر بيد الأزواج ولا سبيل إلى\nتحريمهن إلا بطلاق يحدثه، وهو شيء يطلق الزوج به لسانه، فإذا\nامتنع من الإنفاق معدوما كان أو واجدا فليس للإمام عليه سبيل إلا\nمطالبته للزوجة بنفقتها، وحبسه به إن طلبته حتى يخرج إليه منها.\nفإن امتنع مع الحبس من النفقة ولم يحل عقالها بالطلاق فهو ظالم لها.\nكما يكون الغائب المنقطع الغيبة ظالما بحبس النفقة، فلا يطلق الحاكم\nعليه، فكيف يفرق الحاكم بين امرأة المعسر وبينه، وإيساره أقرب\nإمكانا من وصول نفقة يبعث بها الغائب إلى زوجته بعد ندامته من ألف\nفرسخ.\nفهي إلى أن يفرق بينها وبين ظالمها بالغيبة أقرب، وبه أجدر من معسر","vol":"2","page":462},{"text":"يعسر يومَا ويجد بعده.\nذكر المكاتب:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>وقوله: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)</span>\nدليل على أن فرضًا على السيد إذا عرف من عبده خيرا، أو من أَمته أن\nيكاتبهما إذا التمسا منه الكتابة، ولا يكون بالخيار في إجابتهما، لأن ظاهر\nالآية أَمر، والأمر من الله تعالى حَتْم حتى يقوم دليل من كتاب وسنة أو\nاتفاق أنه إباحة وندب، ولا سبيل إليها في هذه الآية.","vol":"2","page":463},{"text":"واختلفوا في الخير ما هو.\nوجماعه الذي يجمع أقاويلهم الأمانة، والاضطلاع بأداء ما يكاتب\nعليه على الأغلب من أمره، وما يعرف به.\nوالعجب لمن لا يجبر السيد على الكتابة، ويجبره على إعطائه منها إذا\nفرغ من أدائها، وكلاهما أمر واحد (كاتبوهم)، (وآتوهُم)، وهما\nعندنا واجبان جميعًا.","vol":"2","page":464},{"text":"واختلف علي بن أبي طالب وابن عمر في مقدار ما يُعطى، فأعطاه ابن\nعمر سُبع مال الكتابة، وقال علي: يعطى رُبعها.\nوإليه نذهب،","vol":"2","page":465},{"text":"لأن ابن جُريج - وهو ثقة - وَسيما إذا ذكر السماع - قال: دنا\nعطاء بن السائب،","vol":"2","page":466},{"text":"عن عبد الله بن حبيب، عن علي، عن النبي - صلى الله عليه\nوسلم -: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)\nقال: \" رُبع الكتابة \" وهذا الحديث يقفه غير ابن جريج على علي ولا يسنده إلى","vol":"2","page":467},{"text":"النبي - ﷺ - وسماع ابن جريج من عطاء قبل الاختلاط\nأولى من سماع من بعده. مع أنا قد دللنا في كتاب شرح النصوص على أن\nالثقة إذا أسند حديثًا يقفه غيره من الثقات كان الحكم حكم المسند، كالزيادة في الخبر.","vol":"2","page":468},{"text":"ولو لم يذكر ابن جريج سماعه من عطاء لما ذهبنا إلى روايته، لأنه\nمعروف بالتدليس، فإذا ذكر السماع فهو ثقة لا عِلة في رد خبره، بل\nأكد سماعه منه بما قال بعد روايته: وقد سمعت غير واحد يرويه عن\nعطاء لا يذكر النبي - ﷺ -. فصح أنه لم يَشك\nهو في رفعه.\nقال محمد بن علي: وعبد الله بن حبيب هو أبو عبد الرحمن السلمي وقد\nسَمِع من علي ولم يسمع من عثمان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>قوله: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)</span>\nنزلت في مسيكة جارية عبد الله بن أُبي بن سلول كان يكرهها على\nالبغاء، فأتته بِبُردة، فأمرها أن تعود، فقالت: واللهِ لئن كان حرامًا\nلقد آن لنا أن نتركه، وإن كان حلالًا لقد استكثرنا منه. فنزلت","vol":"2","page":469},{"text":"فيها الآية.\nففيها دليل على أن اسم الإحصان يقع على العفاف، وأن المرأة إذا\nصانت فرجها عن الفاحشة فهي محصنة. قال الله - ﵎ -:\n(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) . فالإحصان اسم جامع كما\nقال الشافعي - ﵁ - يقع على هذا، وعلى الإسلام.\nوالنَرويج وجماعه الحبس عن الشيء بالحائل دونه. فكأنها تحبس نفسها\nعن الفاحشة بحاجز الإسلام، والتعفف بالزواج. والله أعلم.\nذكر ولد الزنا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>وقوله: (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) </span>.\nكان عبد الله بن أُبي يستغنم جُعلها وولدها. ففيه دليل على أن ولد","vol":"2","page":470},{"text":"الأمة من زنا عبيدٍ لسيدها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>وقوله: (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) </span>.\nدليل على أن، إثم الزنا مدفوع عن المكرهة، وَلاَحَد عليها فيه.\nوفيه إبطال قول من قال: إن الرجل إذا أكرى جاريته من الفساق\nبيعت عليه. ألا ترى أن الله - ﵎ - يقول،:","vol":"2","page":471},{"text":"(وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)، فوعدها الغفران\nعلى الإكراه، ولو كان البيع عليه جائزا لكان حائلا بينها وبين الإكراه.\nفلا يكون السيد بعده مكرهَا، وَلا هي محتاجة بسبب الإكراه إلى المغفرة\nوالرحمة - وإن كانت محتاجة في غيره -.\nقال محمد بن علي: وفي هذا إبطال الاستحسان لمن تدبره، لأن البيع\nعلى مَن يعقل هذا حَسن في العقول أن تكون أَمة تريد تحصنَا وسيدها\nيكرهها على الفاحشة ولا ينتهي بالتعزير والمواعدة يحالُ بينها وبين المنكر\nبالبيع عليه.\nوأحسن منه ترك إملاك المالكين لهم، والكف عن إزالتها بغير\nرضاهم، فمن فعل هذا بجاريته فهو في سخط الله ولعنته حتى تنزع\nعنه، ولا تباع عليه، وعلى الجارية أن تقاتل من أراد ذلك منها.\nوتفرغ مجهودها في المنع عنها، ولا تسلم فرجها قبل بذل المجهود في\nالدفع عن نفسها بسلاحها ويدها، وأسنانها واضطرابها حتى، تنقطع حيلها، وتغلب ثم تكون حينئذِ مكرهة مستوجبة ما وُعدت\nمن الغفران والرحمة، بل عليها أن تكره مَا لا تملكه من لحُوقِ الحلاوة","vol":"2","page":472},{"text":"بالبشر عند الوقائح لتستكمل اسم الإكراه.\nقال محمد بن علي: وذُكِر عن ابن عباس - ﵁ - في\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>قوله: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)</span>\nشيء أغفلنا إيراده عند فصله فأوردناه هاهنا لئلا يعرو الكتاب عن\nذكره، ولا أحسبه محفوظا عنه لإرساله.\nروى بِشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك بن","vol":"2","page":473},{"text":"مزاحم عن ابن عباس - ﵁ - في قوله: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا)\nقال: \" ليتزوج من لا يجد، فإن الله سيغنيه \".","vol":"2","page":474},{"text":"فكيف يقدر على التزوج من لا يجده، والغناء بالتزويج وهو لمن يجد التزويج\nولا يعدم من يزوجه، فإذا تزوج من ليس بغني أغناه الله ببركة التزويج\nوهو ما قاله في الآية: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .\nوكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: \" ما رأيت مثل من\nقعد أيمَا بعد هذه الآية (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .\nوقد يجد الرجل صَداق امرأة وهو محترف كسوب، فإذا فقد ما يجد في\nصَداق امرأةٍ كان فقيرا بعده، ومجزيا أيامه باكتسابه، فوعده الله أن\nيغنيه من فضله، فأما من لم يجد النكاح وعدم من يزوجه لعسرته بالصداق\nوالنفقة فليس من أهل هذه الآية، بل هو من أهل الثانية يستعفف عن","vol":"2","page":475},{"text":"الفاحشة، ويصبر على العزبة حتى يغنيه الله من فضله ويرزقه ما يتزوج\nبه، وهذا وجه الآيتين. والله أعلم.\nوابن عباس أعلم بكتاب الله من أن يشكل هذا عليه.\nفإما أن يكون دخل مَتن في مَتنٍ وغلط به الكتاب، وإما أن يكون\nالخلل من جهة الإرسال، لأن الضحاك لم يلقَ ابن عباس.\nولا سمع منه شيئا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>قوله: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)</span>\nمؤيد للرواية في الحث على أكل الزيت والأدهان لبركة شجرتها أعني\nالزيتونة التي خرج منها.","vol":"2","page":476},{"text":"فى إطالة بناء المسجد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>وقوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)</span>","vol":"2","page":477},{"text":"دليل على إطالة بناء المساجد، وكذلك كان قتادة يقوله.\nويحتمل أن تكون رفعتها بالذكر لا بإطالة البناء.\nوفيه دليل على حث المسلمين أن يصلوا في المساجد، لأن الذكر","vol":"2","page":479},{"text":"والتسبيح فيها هي الصلوات الخمس.\nخصوص:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)</span>\nخصوص لم يدخل فيه آدم ولا حواء، ولا عيسى، صلى الله عليهم.\nالفتوى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>وقوله: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)</span>\nإلى قوله: (وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) .\nوعيد شديد لمن يعيب الداعين إليه ورسوله في الفتوى والأحكام، إذ\nلا يجوز أن يحكم فيهما وَلا في غيرهما إلا هما، والخلق تبع لهما.","vol":"2","page":480},{"text":"الإمام.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)</span>\nحجة في تسمية الإمام العامل بطاعة الله خليفة الله، ولا يكون منكرًا\nفإن الله - جل وتعالى - قد وعد ذلك من آمن به، وعمل بطاعته كما\nترى.\nويجوز أن يسمى العلماء أيضا، وكل من دعا إلى دينه، أو أرشد إلى\nسبيله خلفاءه، لأن مخرج الوعد عام.\nفإن قيل: فما فضلة آدم وداود - صلى الله عليهما - إذًا على غيرهما\nإذ كان من ذكرت يسمى خليفة.\nقيل: فضلهما بالنبوة. والاستخلاف اسم واقع لمعنى وكل من أخذ\nبذلك المعنى استحقه، وإن لم يكن له فضل النبوة.","vol":"2","page":481},{"text":"ولو كان كل صفة وصف بها نبي لم يجز أن يشاركه فيها أُمته.\nما شاركوهم في الإيمان والصلاة وسائر الطاعات.\nومعنى الاستخلاف: إقامة المستخلف مقام المستخلف فلما أقام","vol":"2","page":482},{"text":"الله آدم وداود - صلى الله عليهما - في الأرض مقامه في الحكم بين عباده\nاستحقوا الاسم بذلك، ووعد الله المؤمنين العاملين بالطاعة أن يستخلفهم\nكما استخلف غيرهم، فهم خلفاؤه في ذلك وإن لم يكونوا أنبياءه.\nفإن قيل: فما معنى قول النبي - ﷺ -: \" الخلافة\nبعدي ثلاثون ثم يصير مُلكَا \"،","vol":"2","page":483},{"text":"قيل: معناه - والله أعلم - خلافة على تمام سيرته في أُمته، فليس\nيمتنع أحد من كل مَن ولي الأمر بعد الأربعة لم يسرْ في الأُمة بتمام\nسيرة رسول الله - ﷺ - وسيرتهم وإن ساروا بأكثرها.\nوهذا أبو مسلم الخولاني فقيه ذو ورع ويقول: \" يا أهل المدينة أنتم\nأعظم جرمَا عند الله من ثمود، فإن ثمودَا عقروا ناقة الله، وأنتم","vol":"2","page":484},{"text":"قتلتم خليفته، وخليفته أكرم عليه من ناقته \" - يعني عثمان رضي الله\nعنه - فلا ينكر عليه منكر، ولا يقول له: لا تسميه خليفة الله، فإنه\nخليفة رسوله لا خليفته.\nفإن قيل: فقد روي أن، أبا بكر الصديق - ﵁ -\nحين قال له الرجل: يا خليفة الله، قال: لست بخليفة الله، ولكني\nخليفة رسول الله - ﷺ.","vol":"2","page":485},{"text":"قيل: لا يصح على أبي بكر - ﵁ - خلاف القرآن\nواللغة وهو لباب اللغة.\nوقد يجوز أن يكون قاله إن صح عنه إشفاقا على القائل له أن لا يعرف\nمعنى الخلافة، فيذهب بها إلى شيء منكر. فقال: أنا خليفة رسول الله\n- ﷺ - لأن رسول الله خليفة الله على عباده، وخليفة\nخليفته يقوم في اسم الخلافة مقامه. والنبوة ليست من الخلافة في شيء.\nفيكون أبو بكر - ﵁ - قد أزال عن الرجل ما خشي عليه من\nالجهل بمعنى الخلافة، وقد سَلِم من الكذب","vol":"2","page":486},{"text":"من يستر دينًا.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)\nحجة على جميع من يستر دينا يكتمه لا يأمن في إظهاره، لأن الله -\nجل وتعالى - وعد مع تمكين الدين لأهله أمنَا مقرونَا به.\nفمن كان خائفا في دين يتمسك به من ينكر عليه إن أظهر، ومعاقب\nله على باطل يعتقده غير متمكن له دينه، بل هو من إيمانه على مخاطره أن\nيكون الله - جل وتعالى - أنجز أهل الإيمان العاملين بطاعته ميعاده في\nالأمن دونه، والله لا يخلف الميعاد، فكيف يكون فاقدَا لا متمسكَا\nبمرضي الدين وهو فزع في إظهاره، مشمئز من إعلانه.\nالاستئذان فى الأوقات الثلاثة.\n* * *\nوقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)","vol":"2","page":487},{"text":"آية محكمة قد أغفل للناس استعمالها، فينبغي للمسلم أن يتقي الله\nولا يغفلها.\nوفيها دليل على أن هذه الثلاثة الأوقات هي أوقات المضاجعة.\nوالإفضاء إلى الأزواج في الوطء وبدوء العورات.\nويدخل فيه أن ستر العورة على الأطفال الذين قد بلغوا مبلغ معرفتها\nفرض في كل وقت، إذ لا يأمر - جل وتعالى - بالاستئذان من أجل ذلك","vol":"2","page":488},{"text":"إلا وقد فرض سترها في كل وقت عنهم، وعن ملك اليمين.\nذكر غض البصر.\nوفي قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)\nدليل على أن لا حَرج على المرأة أن ينظر إليها الذكر البالغ من ملك\nيمينه، وَلا عليه إذا نظر لغير رِيبة إذ كان في غير هذه الأوقات الثلاثة\nمباح له أن يدخل بغير إذن. ومن دخل بغير إذن أبصر الحرم، وقد\nأزال الله عن الجميع الحرج كما ترى. فهذا خاص في المماليك.","vol":"2","page":489},{"text":"وأما الأحرار يُفرض عليهم غَض البصر عن النساء لشهوة، وغير\nشهوة، ورِيبة وغير رِببة إلا ما تجوز لهم عنه من نظرة الفجأة.\nلأن الله - جل وتعالى - أمر بغض البصر مطلقًا بلا شرط في قوله:\n(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ)","vol":"2","page":490},{"text":"وقد أمر النبي - صلى\" الله عليه وسلم - أم سلمة وأخرى من أزواجه\nأن تستترا عن، ابن أم مكتوم حين استاذن عليه، فقالا: إنه أعمى لا يبصرنا.\nقال: \" أو عمياوان أنتما \".","vol":"2","page":491},{"text":"فإن قيل: أَوَلاَ يكون قوله - ﷺ - لفاطمة بنت\nقيس: اعتدي في بيتِ ابن أم مكتوم، فإنه أعمى تضعين\nثيابك \" معارضًا لأمره إياهما، وكانت هي تبصره ولا يبصرها.\nقيل: ليس فيه بيان أنها كانت تبصره، إنما أمرها بذلك - والله أعلم\n- ليأمن مِن اطلاعه على عورتها إذا وضعت ثيابها في وقت يصادف دخوله\nالبيت وهي فيه. لا أنها تنظر إليه.","vol":"2","page":492},{"text":"فإن اضطر الإنسان إلى إبراز عورته عند الاطلاء بالنورة.\nوالاستحداد والتداوي فأمكن منه صبيا غير بالغ لم يحرج - والله أعلم\n- لأن النبي - ﷺ - بعث إلى غلام لم يحتلم فحجم\nأم سلمة، والمرأة عورة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>وقوله: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)</span>\nدليل على أن الاحتلام في الذكران حد البلوغ ووقت وجوب الفرائض","vol":"2","page":493},{"text":"عليهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>وقوله: (كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)</span>\nدليل على أن الاستئذان في جميع الأوقات واجب في الثلاثة وغيرها\nعلى سائر الناس سوى الأطفال، وملك اليمين الذي أبيح لهم إلا في\nالثلاثة الأوقات.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>وقوله: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ)</span>","vol":"2","page":494},{"text":"دليل على أن الأخذ بالرخص - وإن كان مباحا - فالأخذ بالتشدد\nأفضل، ويؤيده قوله - ﵎ -: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)، وقوله: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)","vol":"2","page":495},{"text":"ثم قال: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>وقوله: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩) </span>.\nفإن. قيل: أفليس قد قال رسول الله - ﷺ -\n\" إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه \".","vol":"2","page":496},{"text":"قيل: ليس ذلك بمؤثر فيما قلناه، إذ ليس في حبه أن يؤخذ كراهة\nللأخذ بما هو عنده أفضل من الرخص، وإذا أحب أن يؤخذ برخصه فهو","vol":"2","page":497},{"text":"لما هو أفضل من الرخص أشد حُبًا. وللآخذ به أكثر ثوابا لما عليه من\nالمضض، والمجاهدة في تحمله، ومخالفة نفسه فيما هي بسبيله من الميل إلى\nالراحات، واجتناب تحمل المشقات.\nومن علم أن رخصة الله ممهدة لأهلها، والآخذ بها آخذ بالحق، بعيد\nمن الإصر فقد قبلها وأخذ بها، وإن لم يعمل بها في كل وقت لما يؤثر\nغيرها في العمل عليها، ويجاهد نفسه في استيجاب ثواب ما فضل\nعليها، ألا ترى أنه قد روي عنه - ﷺ - أنه قال:","vol":"2","page":498},{"text":"\" من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفات \"، فمن\nلم يرمق الآخذين بالرخص بعين التقصير، وعلم أنهم سالكون سبل الحق\nعاملون بغير معصية، فقد قبلها وأخذ بها، ولكنه رأى درجة المجتهدين\nأعلى من درجة المترخصين فسما إليها رجاء ما ذكر الله في كتابه\nفيها.","vol":"2","page":499},{"text":"فإن قيل: أفليس أباح الله - جل وتعالى - إفطار رمضان في السفر وأذن\nفيه، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) .\nقيل: وَلا في الرخص والتشديد أراد إلا اليسر، لأنه مهد الرخص\nولم يؤثم القاعد عن الأصعب، بل دل على زيادة فضل، وعلو درجة إن\nأخذ بها نالهما، وإن قعد عنه لم يلحقه مأثم. فأي يُسرِ أيسر من هذا عند\nمن تميزه.\nوأرى كثيرا من الناس يحملون هذا الخبر غير محله، ويتناولونه.\nعلى غير جهته، فيرون أن الرخص المذكورة عن أهل العلم داخلة في الخبر\nوليس كذلك، لأن رسول الله - ﷺ - أضاف الرخص\nإلى الله - جل وعز - فقال: \" إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يحب\nأن يؤخذ بعزائمه \"، ورخصه غير رخص غيره، إذ لا يمكن إضافتها\nإليه إلا ما بين منها في كتابه، أو شَهِد بها جماعة الأمة عليها، أو أضيف","vol":"2","page":500},{"text":"بظاهر خبر الثقات إليه. ورخص العلماء محتاجة إلى حجج تشهد\nبصحتها، فمن سمى رخص العلماء رخصة فقد افترى على الله\nالكذب، وإن أمكن أن تكون في أنفسها حقَّا.\nالأكل من بيت الصديق.\n* * *\nقوله تعالى: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ)\nإلى قوله: (أَوْ صَدِيقِكُمْ)\nدليل على أن المرء لا حرج عليه أن يأكل من جميع هذه البيوت بغير إذن\nبعد أن لا يفسد، ولا يحمل، إذ لو كان بإذن ما كان لاختصاص هؤلاء\nمعنى، لأن الإذن يبيح من جميع الأمكنة.","vol":"2","page":501},{"text":"المرجئة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)</span>\nحجة على المرجئة فيما يزعمون أن الأعمال ليست من الإيمان، وقد\nجعل الله - جل وتعالى - استئذان الرسول من الإيمان، إذ جعله في صفة\nالإيمان، ولم يشهد لهم به إلا معه.","vol":"2","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>سورة الفرقان</span>\nالمعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>وقوله: (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا)</span>\nحجة على من يرد مشيئة العباد إلى أنفسهم، إذ لو كانت المشيئة إليهم\nلكانوا مالكين لضرهم ونفعهم، وقد نفاهما الله تعالى عنهم كما نفى عنهم\nالموت والحياة والنشور.\nقوله ﷿: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً)\nحجة على القدرية والمعتزلة كيف ما صرفوا جعلنا بمعنى الخلق أم\nبمعنى الصيرورة.","vol":"3","page":503},{"text":"المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)</span>\nتتعلق به الجهمية والمعتزلة في نفي الرؤية، وهذا جهل","vol":"3","page":504},{"text":"مفرط أن يكون الله - جل وتعالى - ينكر على الكفار استدعاء رؤيته في\nالدنيا فيفهمون به رؤية المؤمنين في الآخرة، ونحن مقرون بأن الكفار\nلا يرونه في الآخرة أيضًا، فكيف يحتج علينا لعدمنا رؤيته في الآخرة\nبعدم رؤيتهم في الدنيا.\nوكان بعض من يتحذلق منهم من يزعم أن قوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ)\nدله على أن الله لا يُرى في القيامة من أجل أنهم استدعوا\nمن نزول الملائكة ورؤية الرب، فأجابهم الله عن واحد.\nوهذا إن لم يكن في إفراط حاله من جهل الأول فهو مثله، ومن الذي\nقال: إن الكافر يَرى ربه في الآخرة حتى يتدقق عليه بهذا التدقيق، أو\nيعلم أن الملائكة الذين يرونهم الكفار ملائكة العذاب، ورؤية الرب\nمخصوص بها المؤمنون دونهم.\nولو كان كما زعم أيضًا - ومعاذ الله أن يكون كذلك - ما كان في","vol":"3","page":505},{"text":"سكوته عما سكت دليل على ما ادعاه الأحمق، فكيف والكافر لاحظ له\nفي الرؤية بحال.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>وقوله: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)</span>\nدليل على أن الله - ﵎ - خاطب الكفار على ما هو في\nسجايا عقولهم، إذا الملك في كل وقت حق له، وكل ما سُمي به من\nخلقه فهو مملوك، مملك بما أعطاه الله ومكنه منه، ولكنه لما كان في\nعقولهم أن المتفرد بملك يوم من حيث يعرفونه مستولي على السلطان\nوحده خاطبهم به.","vol":"3","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>وقوله: (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)</span>\nدليل على أنه على المؤمنين يسير، وهي بشارة لهم، إذ محال أن يخص\nالكفار بصفة عقوبة لهم، إلا والمؤمنون بضد تلك الصفة.","vol":"3","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>وقوله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)</span>\nحجة على من يعدل عنه في الاحتجاج به، ويعيب على من يدعو إليه.\nالمعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)</span>\nحجة عليهما - أعني القدرية والمعتزلة - في الجعل كيف صرفوه","vol":"3","page":508},{"text":"ذكر حفظ الشىء.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) .\nدليل على من أدركه حفظ شيء حفظه قليلًا، أو شيئًا بعد شيء\nليرسخ في قلبه، ويأمن من نسيانه.\nودليل على أن التعليق بالأسباب تعلق بالمسبب لا يؤثر في توكل\nالمتوكلين، كما يزعم جهلة المتصوفة أن طلب المكاسب مؤثر في\nالتوكل، لا يعلمون أن الله - ﷻ - كان قادرًا على تثبيت\nالقرآن جملة واحدة في قلب محمد - ﷺ - ولكنه لما\nجعل سببه الحفظ بصفة أجراه عليها، وهذا نظير ما مضى في سورة\nالكهف: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) .\nالهوى.\n* * *\nوقوله تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)","vol":"3","page":509},{"text":"دليل على أن الهوى أشد شيء ضررا على الدين، إذ كان\nيبلغ بالمرء أن يتخذه هواه، وكانت قريش تهوى حجرا فتتخذه صنما.\nثم يرون آخر هو أحسن في أعينهم منه فيتركون الأول ويعبدون الثاني على\nمقدار هواهم فيه.\nالمبالغة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>وقوله: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)</span>\nنظير ما مضى في سورة البقرة من قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) .\nوذلك أنهم كانوا لا محالة يسمعون بآذانهم، ويعقلون عقلا تلزمهم به\nالحجة، ولكنهم لما عدموا العقل الذي ينجيهم، والسماع الذي أريد\nمنهم نُسبوا إلى افتقاد السماع والعقل، وهو حجة على المرجئة والقدرية\nواضحة.","vol":"3","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>وقوله: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)</span>\nتأكيد لما قلناه من جواز المبالغة في الشيء، ورد على من يأباه من\nمتنطعي المريدين، والمعتزلة والقدرية، إذ كانوا كالأنعام وأضل","vol":"3","page":511},{"text":"سبيلًا، وهم مع ذلك مخاطبون معاقبون، والأنعام غير مخاطبين ولا معاقبين.\nقضاء النوافل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>قوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)</span>\nحجة في قضاء النوافل.\nالبيتوتة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>قوله: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)</span>","vol":"3","page":512},{"text":"دليل على أن البيتوتة هو ضد الطول بالنهار، لا أنه النوم.\nوكيف يكون نومًا وهو يقول: سجدا وقيامًا.\nودليل على أن وَاوَ النسق وإن أخرت في اللفظ فهي مقدمة في المعنى\nلأن القيام لا محالة قبل السجود، ففيه أكبر الدليل على أن الذراعين وإن\nأخرا في اللفظ على الوجه في الوضوء فَغُسلا قبله لم يكن بمنكر، وإن","vol":"3","page":513},{"text":"اخترنا أن لا يقدمها، ويأتي به على نسق اللفظ.\nالدعاء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>وقوله: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)</span>\nدليل على أن الدعاء عبادة يثاب عليه الداعي، ألا ترى أن الله - جل\nوتعالى - جعله في جملة ما مدح به عباده في هذا المدح، ويؤيده قوله:\n(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي)، فسماه عبادة.","vol":"3","page":514},{"text":"وروى النعمان بن بشير، عن النبي - ﷺ - أنه\nقال: \" الدعاء هو العبادة \" ثم قرأ هذه الآية.","vol":"3","page":515},{"text":"السرف.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا)</span>\nهو - والله أعلم - على ما بيناه في سورة بني إسرائيل، فيكون من\nأنفق في معصية مواقعا سرف الخطأ، إذ لا خطأ أخطأ من المعصية.\nومن منع من حق فقد قتر، ولا يقع اسم التقتير إلا على ما يكون","vol":"3","page":516},{"text":"المرء مطالبا بالإنفاق فيه فيحبسه عنه، لا أنه الاقتصار من الكثير على يسير\nيجزي.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>وقوله: (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)</span>\nأي عدلا في طاعة كان، أو مباح بعد أن لا يجحف إجحافا\nبينا والله أعلم. وقد اختلف فيه أهل التفسير وما قلناه - والله أعلم -\nيجمع معاني أقاويلهم.\nخصوص.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>وقوله: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ)</span>\nْدليل على أن قوله في سورة التغابن: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) خصوص لا محالة بمن، إذ قد جعل دعاءهم هاهنا في\nإعطائه إياهم الصالحين منهم في جملة ما أثنى عليهم به، ولو كانوا كلهم\nصالحهم وطالحهم على العموم فتنة ما كان الدعاء به ثناء.","vol":"3","page":517},{"text":"ذكر المنزلة الرفيعة.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)\nدليل على أن حب المنزلة الرفيعة، والإشارة به إلى محبه في الدين ليس\nبمنكر، إذا أحبه المحب جلالة للإسلام، وظهورا لنعمة الله عليه فيه.\nبل هو طاعة إذ قد أثنى الله على طالبيه فيما دعوه به كما قرى.\nوفي ذلك توهين الحديث المروي: \" كفى بالرجل شرَّا أن يشار إليه\nبالأصابع \"، أو يكون مصروفَا إلى من افتتن به.","vol":"3","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>سورة الشعراء</span>\nرد على من يقول بخلق القرآن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>قوله: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)</span>\nدليل على أن الله - جل وتعالى - متكلم، وأن القرآن كلامه، ولا\nيكون كلامه مخلوقا.\nوليس لهم فيما في أول السورة من قوله: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) متعلق، إذ كل من لم يكن له عهد بشيء ثم عهد برؤية أو","vol":"3","page":520},{"text":"سماع كان ذلك العهود محدثَا عنده لا أنه محدث بمعنى المخلوق.\nونحن لا ننكر أن الله - جل وتعالى - قبل أن ينادي موسى - صلى الله\nعليه - كان غير مناديه، ولكنه لما ناداه بكلامه، والكلام نعت من نعته لم\nيجز أن يكون مخلوقَا.\nونحن لم نزعم أن القرآن خالق حتى يلزمنا بوقوع اسم المحدث عليه أنه\nمخلوق، والخالق لايكون مخلوقَا، ولا شيء من نعوته.\nفمن أقر منهم بأنه متكلم فالحجة عليه بهذا واضحة، ومن أنكر كلامه\nفقد ألزمناه الحجة بقوله إخبارَا عن متخذي العجل: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ)، وأشباهه في فصول كتابنا هذا، ونفس النداء دليل\nأيضا على الكلام بلا إشكال. ودللناهم في باب الجعل على ما فيه\nشفاء وبُلغة، فلم يبقَ لهم حجة إلا وقد كسرناها كسرا لا يلبس -","vol":"3","page":521},{"text":"بنعمة الله - على عالم ولا جاهل.\nجمع الاسم: (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>وقوله: (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)</span>\nحجة على من ينكر السمع واضحة.\n* * *\nوقوله: (مَعَكُم) بلفظ الجمع، وهما اثنان يحتمل معنيين:\nأحدهما: أن يكون شملهما ومن آمن معهما، ومنع المبعوث إليه.\nبمعنى أنه لا يغيب عنهم يسمع ما يقولون، ويقال لهم.\nجمع الاسم.","vol":"3","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>وقوله: (فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)</span>\nغير مثنى، أي كل واحد منا رسول - والله أعلم - وهو مثل قوله:\n: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) أي كل واحد منهم ظهير، وهو من فصيح كلام العرب واستغنائهم بجمع الاسم عن جمع النعت.\nوقوله إخبارا عن السحرة: (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)\nقد أكد ما قلنا: أن قوله في سورة الأعراف إخبار عن موسى - صلى\nالله عليه وسلم -: (وَأَنَا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) أنه أول قومه إيمانَا،","vol":"3","page":523},{"text":"وكذاك السحرة أول من آمن بموسى لما يلقف حبالهم وعصيهم، إذ\nالأنبياء كلهم قبل موسى - ﷺ - كانوا مؤمنين أن الله\n- ﷻ - لا يُرى في الدنيا.\nمال الكافر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>وقوله: (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)</span>\nدليل على أن مَن قُهر مِن الكفار كان مالهم فيئًا لمن قاتلهم","vol":"3","page":524},{"text":"ناضَّة أو غير ناضَّة.","vol":"3","page":525},{"text":"المعاينة والتجربة.\n* * *\nوقوله تعالى: (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)\nدليل على أن المعاينة والتجربة أقوى في نفوس البشر، وقلوبهم إليها","vol":"3","page":526},{"text":"أشد طمأنينة، صالحة كانت النفس أو طالحة، لأنها على ذلك مجبولة\nلا تقدر أن تغيره من أنفسها. لأن موسى خاف عصاه حين تحولت\nثعبانا في بُدوِّ أمره. وخاف حبال السحرة وعصيهم يوم ألقوها، فلما\nتمكن في النبوة، وكثرت آيات الله الجميلة عنده، وعاينها منه وقتَا\nبعد وقت، أيقن أنه لا يسلمه لشدة وقد سلمه منها مرة بعد أخرى.\nفقال ما قال ثقة بربه وتوكلا عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>وقوله: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)</span>\nولم يقل: أعداء، نظير قوله: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)\nمع أن العدو أظن لفظَا للجمع أيضًا مثل العدل.\nالمعتزلة.\nوقوله إخبارَا عن إبراهيم - صلى الله عليه: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)","vol":"3","page":527},{"text":"رد على المعتزلة والقدرية فيما يزعمون أن أفعال العباد لا صنع فيها بتة\nولا يقولون: إن أفعالهم وإن كانت منسوبة إليهم فهم في الحقيقة\nمهيضون إليها وميسرون لها.\nأفيشك أحد أن إبراهيم - صلى الله عليه - كان يتناوله مأكوله.\nومشروبه بيده، ويرفعه إلى فيه، ويبتلعه بحلقه، ويكون فعله بها\nمنسوبا إليه، وقد قال كما ترى: إن الله مطعمه وساقيه.\nويقال للميت: مات في اللفظ، ولا يقال: موت، وهو في الحقيقة ممات.\nفيما ينكر أن تكون هداية إبراهيم وغيره وإن كانت منسوبة إليهم.\nفالله هاديهم كما هو مطعمهم وساقيهم، وضلال من ضل وإن كان\nمنسوبًا إليه فالله مضله وخاذله، كما هو مميته ومحييه، وتكون معرفة\nالعدل عنده دونهم منفردًا به - ﷻ -.","vol":"3","page":528},{"text":"تخويف المؤمنين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>قوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)</span>\nتخويف للمؤمنين شديد أن يعملوا ولا يتكلوا، إذ كان خليله - صلى\nالله عليه وسلم - طامعًا في غفران خطيئته غير حاتمٍ بها على ربه.\nفمن بعده من المؤمنين أحرى أن يكون أشد خوفَا من خطاياهم.","vol":"3","page":529},{"text":"حب الإنسان الثناء الحسن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>وقوله: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)</span>\nيؤكد ما قلنا من جواز حب الإنسان الثناء الحسن.\nْالشفاعة.\nقوله إخبارًا عن أهل النار: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)\nدليل على أن الله - ﷻ - يُشفع غير رسول الله - صلى الله\nعليه وسلم - قوما من المؤمنين بعضهم في بعض، وأن الصديق يشفع\nلصديقه.","vol":"3","page":530},{"text":"المعتزلة.\nوقوله إخبارا عنهم: (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)\nدليل على أن من يخلد في النار فبكفره لا بذنبه، إذ لو خلف بذنبه\nلقالوا - والله أعلم -: فنكون من الصالحين.\nوهو رد على المعتزلة في باب الوعيد لو تميزوه.","vol":"3","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>قوله: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)</span>\nدليل على أن الله - ﷻ - قد بعث إليهم قبل نوح غيره\nفكذبوه. وَكذلك عاد وثمود أرسل إليهم قبل هود وصالح صلى الله\nعليهما غيرهما لقوله: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)، (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)، وكذا أصحاب الأيكة بعث إليها غير شعيب - صلى\nالله عليه - لقوله: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) .\nتبصر البيان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>وقوله: (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)</span>","vol":"3","page":532},{"text":"دليل على أن كل من عمي عن الحجة وترك تبصر البيان، وعول على\nعقل غيره أهلكه، إذ لا يعلم أحد ممن هلك من القرون الخالية إلا صادَّا\nعن بيان الرسل، معولا على الآباء الماضين، واختيار عقولهم على عقول\nأنفسهم.\nألا ترى أن عادا كيف أهملوا موعظة هود - صلى الله عليه - وتركوا\nالإصغاء إليه، مستنيمين إلى ما كان آباؤهم يقولون، ويأملون أنهم إذا\nماتوا لم يبعثوا ولم يحاسبوا.","vol":"3","page":533},{"text":"قياس.\nوقوله إخبار عن ثمود وأصحاب الأيكة لرسولهم: (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)\nدليل على أن القياس ظاهر على هلاكهم، حين قدروا في قياسهم أن\nبشرين لا يجوز أن يستويان في البشرية، ويفترقانه في المرتبة. إما أن\nيبعثوا رسلا كما بعث غيرهم، وإما أن يكون محالا عندهم أن يبعث\nمن لم ينابهم في البشرية.\nوكما قال غيرهم: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا.\nفرأوا أن من أكل أكللهم، ومشى في أسواقهم، وليس له شيء مفرد يأكله ويسكنه لا يجوز أن يخالفهم فيما هم بسبيله من ذلك.\nفالقياس يورد هذه الموارد، وما أعلم أحدا من المتقدمين من أصحاب\nرسول الله - ﷺ - والتابعين ثبت عنهم قول","vol":"3","page":534},{"text":"بقياس.\nوعامة ما روي عنهم مما يحمله الناس منهم على القياس ليس بقياس\nسيجده الناظر في كتابنا المترجم بشرح النصوص إذا تأمله في فصوله.\nالكاهن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>وقوله: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)</span>\nيصحح الحديث المروي في الكاهن: \" أن وليه من الشيطان يلقي إليه\nالسمع، فيخلط معه أكثر من مائة كذبة \".","vol":"3","page":535},{"text":"وفيه دليل على أن الكهنة كذابون أفاكون لا يغتر بتلك الكلمة من أقاويلهم.","vol":"3","page":536},{"text":"الانتصار.\nوقوله مستثنى من الشعراء: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا\nدليل على أن من تجنب الكذب المحض في شعره، ولم يتشبع به فقوله\nللشعر مباح لا حرج عليه، وأن البادي بالهجو ظالم، والمجيب منتصر.\nوأن الانتصار يكون باللسان، كما يكون باليد.\nودليل على أن قول رسول الله - ﷺ -: \" من دعا\nعلى مَن ظلمه فقد انتصر\" ليس بمنع للدعاء، وكيف يمنع شيء","vol":"3","page":537},{"text":"أذن الله فيه في هذه الآية، وفي قوله: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) .\nوغيره. ولكنه أخبر - ﷺ - أنه قد انتصر بدعائه، وأحال به على ما ينصفه ولا يظلمه.","vol":"3","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>سورة النمل</span>\nالمعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)</span>\nحجة قاطعة مسكتة على المعتزلة والقدرية إذ قد أخبر عن نفسه - جل\nجلاله - أنه مُزين أعمال الكفار نصَّا بِلا تأويل. ففيه دليل على أن ما أخبر\nمن تزيين الشيطان فهو تبع لتزيينه، كما أن مشيئة عباده في المعصية تابعة\nلمشيئته فيهم، إذ محال أن تكون مشيئة الخالق تبعَا لمشيئة مخلوق، أو تزيينه\nتبعا لتزيين الشيطان، فإما أن يجعلوهما تبعَا ويكفروا، أو يجحدوا هذه\nالآية فيكفروا أيضًا، وإما أن يفرقوا بما قلناه ويسلموا، ويكلوا علم\nالعدل فيه إلى من لم يستعبدهم بمعرفته، ولم يلزمهم مزاحمته في سره.","vol":"3","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>وقوله: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)</span>\nدليل على أن طلب النار مباح، ولا يكون في عداد المسألة. وجائز\nللمرء أن يسافر بحرمته إذا خشي عليها الضيعة.\nرد على من يقول بخلق القرآن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>وقوله: (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)</span>\nدليل واضح على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد فسرناه قبل\nهذا في سورة أخرى.\nمعرفة القلب دون إقرار اللسان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>وقوله: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)</span>\nولم يقل: هذه، لأنه - والله أعلم - رد على الجائي من","vol":"3","page":541},{"text":"الآيات. ثم قال: (وَجَحَدُوا بِهَا)\nبرده على الآيات. وفيه دليل على أن معرفة القلب دون إقرار اللسان\nوتوطين النفس على الشيء لا ينفع، ولا الإقرار ينفع دون الضمير حتى\nيجتمعا معا، وتستوطن الأنفس عليه ويأخذ في العمل معه.\nذكر الرافضة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>وقوله: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)</span>\nيحتج بها جهلة الرافضة - وإن كانوا جهالا كلهم - يريدون أن يدفعوا","vol":"3","page":542},{"text":"به إجماع المسلمين ورواية الصادقين أن الأنبياء لا يتوارثون الأموال.\nليتطرقوا به إلى أن أبا بكر الصديق - ﵁ - ظلم فاطمة -\n﵂ - في ترك إعطائها فدك، ولا يعلمون أن سليمان\nورث داود - صلى الله عليهم - نبوته لا ماله، وأن النبي - ﷺ -","vol":"3","page":543},{"text":"لو لم يكن خاتم النبيين أيضًا ما كان للإناث حظ في النبوة، فكيف وهو مع ذلك خاتم الأنبياء - ﷺ - وعلى زوجه.\nأولا يعتبرون - ويحهم - أن عليا - رضوان الله عليه - إن كان\nمضطهدًا على زعمهم مدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله\nعنهم - ومعاذ الله أن يكون كذلك - أجرى حين وَلي فدك مجرى\nما أجروه، ولم يورث الحسن والحسين، وزينب، وأم كلثوم ما\nحرموا أولئك بزعمهم أُمهم وهم بعدها، فقد استوى إذَا علي في\nالظلم معهم إن كان الأمر كما قالوا، حاشاه وحاشاهم.","vol":"3","page":545},{"text":"المعتزلة.\nوقوله إخبارا عن سليمان: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)\nرد على المعتزلة والقدرية، إذ كان - صلى الله عليه - يسأل الله أن\nيلهمه الشكر، وينهضه للعمل الصالح، ويدخله برحمته في صالح\nعباده. وهل يخلو من أن يكون دعا بما هو مستغن، فينسب إلى أن\nدعاءه حشو، ومعاذ الله.\nأو دعا وهو يوقن أنه لا يقدر على شيء بتة إلا به، أو بمعونته، فإذا\nعدمه لم يقدر.\nفكيف يزعمون أن العبد على عمله منفردا به، ونبي الله - صلى الله\nعليه وسلم - يبرأ من الحول والقوة هذا التبرؤ، ويستلهم الله - جل\nجلاله - ما لا يتم أمره إلا به لحظة.\nقبول خبر الواحد.\nوقوله إخبارَا عن الهدهد: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)","vol":"3","page":547},{"text":"مع ما ذكره به خبره.\nدليل واضح بلا إشكال على قبول خبر الواحد من أي جنس كان من\nالناس وغيرهم إذا عرف صدقه.\nألا ترى أن سليمان - صلى الله عليه - إنما كف عن عذابه حيث أتاه\nبسلطان مبين، الذي كان استثنى فهلا عذبه لو لم يقبل خبره، وقال له: أنت واحد لا أقبل خبرك عن سبأ حتى يخبر به\nمعك غيرك من الطير.\nوليس في قوله: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)\nما يوهن ما قلناه، ألا ترى ائتمنه في حمل كتابه، ورد جوابه وهو","vol":"3","page":548},{"text":"واحد.\nالمعتزلة.\nوقوله في تمام القصة: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)\nحجة على المعتزلة والجهمية فيما يزعمون أن مَن وصف الله بصفة قد\nوصف بها مخلوق فقد شبهه بخلقه. أفتزعم أن عرش ملكة سبأ\nعرش الله، أو تشبيه بعرش الله من حيث تكون صفته فى السمك\nوالطول، والعرض والجوهر، والتركيب، سيما وقد وُصِف","vol":"3","page":549},{"text":"بعرش عظيم كما وصف عرش الله.\nومن قولهم: إن من قال: إن لله يدان، لزمه أن يقول: موصولة\nبذراع، وذراع بعضد ومنكب.\nأَوَلا يعتبرون أن الله جل وتعالى - لما كانت ليديه صفة يعرفهما من\nنفسه، لم يلزم واصفه بهما أن يقول: إنما كذلك، كما لا يلزم\nالمسمي عرش ملك سبا بعرش عظيم أن يقول: هو مثل عرش القَه\nالعظيم، ولكنه وفاق وقع بين الاسم والاسم، بأنه سرير وذلك سرير\nمجسدان غير أنهما مختلفان في الخلقة.\nالغنائم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>وقوله: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)</span>\nدليل على أن من أخذ من الكفار قهرَا قبل إسلامهم، وجميع أمتعتهم\nإذ كان قبل الاقتدار عليهم.","vol":"3","page":550},{"text":"فإن قال قائل: أن ما لك تكرر هذا قد ذكرته في سورة الشعراء\nورسول الله - ﷺ - يقول: \" أُحلت لي الغنائم ولم تحل\nلنبي قبلي \"، وهو أحد الخصال التي فضل بها على النبيين قبله.\nقيل: قد يجوز أن يكون أراد - ﷺ - الغنائم التي هي\nمأكولة من الحيوان، وأنواع الأطعمة أحل له ولأُمته أكلها، وكانت\nمن قبل على عهد الأنبياء سواه تجيء نار من السماء فتأكلها.","vol":"3","page":551},{"text":"ولا تكون الأرضون والذهب والفضة، وسائر الأمتعة غير المأكول\nداخلا فيها، لأن الله - جل وتعالى - يقول نصَا: () فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)\nكما قال في النبي - ﷺ - وأُمته: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)\nذكر الظلم..\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>وقوله: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا)</span>\nدليل على أن الظلم يورث أهله الهلاك، ويعقب ديارهم الخراب","vol":"3","page":552},{"text":"ثواب لا إله إلا اللَّه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا)</span>\nأجمع أأهل التفسير على أن الحسنة في هذا الموضع لا إله إلا الله.\n(وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ)\nأجمعوا على أنه الشرك.\nفقوله: (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)\nيوم النفخ في الصور.","vol":"3","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>سورة القصص</span>\nشكوى الضر إلى الله.\nقوله تعالى إخبارا عن موسى - صلى الله عليه -: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)\nدليل على أن شكوى الضر إلى الله مباحة، وسؤاله الغوث جائز.\nوليس على من أصابه ذلك أن ينتظر إتيانه من الله قبل المسألة اعتمادَا\nعلى أن الله - ﷻ - يعلم حاله فيأتيه برزقه.\nلأنه وإن كان كذلك فلم يحظر المسألة بل ندب إليها، وعمل بها نبيه -\nﷺ - كما ترى فقال: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)، وقال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، مع أن المسألة","vol":"3","page":554},{"text":"له ولغيره بإباحته إذ أوى فيهما السائل إلى التعبد لا إلى النظر إلى غيره بغير\nنفع أو ضر ليست بموثرة في درجات المتوكلين، بل هي زيادة في\nدرجاتهم لإقامة تعبد بينهم وبين متعبدهم، والقلوب ساكنة سكون\nطاقتها، وإقامة الاجتهاد في رعايتها، إذ قد عفا لهما عما ليس\nفي طبع بشريتها من هواجس الخاطر عليها من حيث لا يملكه، ولم\nيستعبد من صرفه بأكبر من كراهته.\nذكر من تطوع بعمل لآخر.\n* * *\nوقوله تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)\nدليل على أن من تطوع بعمل لآخر فعليه أن يعطيه أجره، إلا أن\nيمتنع من أخذه، ويحتمل أن لا يكون فرضا، ولكنه في أخلاق المروة\nوالديانة أن يعرض عليه فإن امتنع العامل كان صاحبه قد قضى ما عليه\nمن حق المروة والديانة.","vol":"3","page":555},{"text":"الاحتراز من الفتنة.\nوقوله تعالى إخبارَا عنها: (اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)\nدليل على أن ظاهر عمل الطاعة في الإنسان يستدل به على عدالته وأمانته.\nودليل على أن الاحتراز من الفتنة من أخلاق الأنبياء، إذ جعل موسى\n- صلى الله عليه - إياها خلفه، ومشيه أمامها دليل على أنه احترز من فتنة\nتلحقه.","vol":"3","page":556},{"text":"وفيه دليل أيضًا على أن تَأَمُّلَ خَلْقِ امرأةِ من وراء الثوب مذموم كتأمله\nبَاديَا، وإن كان باديا أعظم، لأن الله - ﷻ - عالم بخفيات\nالقلوب، وعارف بما تكن الصدور.\nوقد روي في الخبر أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله -\nﷺ - فتقدم قوم إلى أوائل الصفوف وتباعدوا عنها خشية\nالفتنة على أنفسهم، وتأخر آخرون إلى أواخر الصفوف طمعا في ملاحظتها\nفأنزل الله ﵎ -: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)، وروي عن حذيفة بن اليمان - ﵁ -","vol":"3","page":557},{"text":"أنه قال \" من تأمل خَلْق امرأة من وراء الثوب وهو صائم أفسد صومه \"\n- ومعنى أفسد صومه - والله أعلم - أنه لم ينزهه عن محارم","vol":"3","page":558},{"text":"الله لا أنه مفطر بالنظر، لأن الصائم عليه أن ينزه صومه من كل ما عليه\nفيه مأثم، ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - قال: \" إذا\nكان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه\nفليقل: إني صائم إني صائم \".\nفالمتأمل خلق المرأة في حال صومه مدخل عليه بمقدار ما عليه من خطر التأمل خللًا من الفساد، وهاتكا بعض التنزه، وصومه جائز لا إعادة عليه كما أن المصلي تنثلم","vol":"3","page":559},{"text":"صلاته بوسواسه فينقص منها تسعها، وثمنها وسبعها على ما جاء في\nالخبر، أي ينقص ثوابه عليها ولا إعادة عليه فيها.","vol":"3","page":560},{"text":"ذكر أن أن تجعل الإجارة ثمنًا للبضع ومهورًا للنساء\nوقوله إخبارًا عن شعيب - صلى الله عليه - (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ)\nدليل على أن ولي البنت في التزويج أبوها. وعلى أن الإجارة\nجائز أن تجعل ثمنًا للبضع ومهورًا للنساء، وعلى أن الأب جائز الحكم","vol":"3","page":561},{"text":"في صدقات بناته، لأن إجارة موسى - صلى الله عليه - كانت لشعيب\nلابنته المزوجة منه. وعلى أن الإجارة على ما لا يمكن أن يخلص من\nالمجهول، وليس في وسع الأجير والمستأجر جائزة حلال لا يفسدها\nالمجهول الذي لا يمكن تعريتها منه، إذ لو جهد الراعي أو صاحب\nالغنم أن يسميا موضع المرعى، والمسرح ومقداره، والسقي وأوراده ما\nقدروا عليه بوجه من الوجوه. ولا الظئر تقدر على تسمية كيفية\nرضاع المولود، وإمساكه، وتعاهد تنظيفه عند إحداثه، لأنهما\nلا يضبطان، وقد أجاز الله ذلك في قوله: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، وليس توصل من يجيز سائر المجهولات المقدور على","vol":"3","page":562},{"text":"استخلاصها منها في الإجارة بهاتين الآيتين بمستقيم، وَلا قاصد فيه\nطريق الحق، لأن الله قد تجاوز لعباده عما لا يقدرون عليه، ولم\nيكلفهم فوق وسعهم وطاقتهم بقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، ومن يقدر على شيء غير متجاوز عن إمهال ما فيه من الفساد.\nفكل إجارة يمكن تعريتها من المجهول فغير محمولة على ما لا يمكن\nتعريته منه، فمن استأجر فهي باطل تفسخ، فإن عمل العامل وهو\nلا يعلم بفسادها فله أجر مثله لا الأجر المسمى، فإن أراد إنسان أن يجيز\nإجارة على عمل بعينه بأجل شهر أو شهرين اعتمادًا على قصة موسى في\nسببه فقد أغفل كل الإغفال، إذ موسى - صلى الله عليه، - لم يعقد إجارته إلا على ثماني حِجَج، وجعل الأمر في إتمام العشر إليه، إن أتمه كان محسنَا، وإلا فالثماني هي الأجل المضروب بينه وبين مستأجره، ومن يستأجر الأجير شهرا أو شهرين فلم تنعقد إجارته على أحد الأجلين فيكون مخيرَا في الأجر، وما كان هذا سبيله","vol":"3","page":563},{"text":"فهو فاسد لا يجوز. فعمل موسى - صلى الله عليه - أجله المضروب له من\nالثمانية الحجج، وأَوفَى السنتين الباقيتين لتتمة إحسانه.\nسعة لسان العرب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>وقوله تعالى: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ)</span>\nدليل على إباحة وضع الكلمة موضع غيرها، لأن الجناح للطائر وليس\nلابن آدم جناح، فكأنه كناية عن الاستقرار والسكون، وذهاب الفزع\nالذي قد خامره من تحويل عصاه ثعبانا، ومثله: (وَاخفِض لَهُمَا\nجَنَاحَ اَلذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) وليس للذل جناح، ولكنه كناية عنِ اللين\nوالتواضع. والله أعلم.","vol":"3","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>قوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)</span>\nدليل على أن ما أقيم عليه البرهان حق، وإن لم يسبق به قول متقدم.\nوأن الراد لما لم يسبق به قول متشبه بهؤلاء القوم.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \" مَن تشبه بقوم فهو\nمنهم \"، وقال ابن مسعود: \" الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنت","vol":"3","page":565},{"text":"وحدك \".\nقوله إخبارا عن فرعون: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى)\nحجة على من يزعم أن الله بنفسه في الأرض، حال في كل مكان.\nوينكر كينونته بنفسه في السماء وعلمه في الأرض. إذ محال أن يقول\nفرعون هذا القول إلا وقد دَلَه موسى - صلى الله عليه - أن إلهه في\nالسماء دون الأرض.\nفإن كان فرعون أنكر كينونته في السماء وثبته في الأرض فقد وافق","vol":"3","page":567},{"text":"القوم فرعون في قوله.\nوإن كان أنكره في السماء والأرض معا فقد خالفوا موسى - صلى\nالله عليه - مع خلافهم لجميع الأنبياء والناس، وأهل الملل كافة سواهم.\nولا أعلم في الأرض باطلًا إلا وهذا أوحش منه، نعوذ بالله من الضلالة.\nبناء القبور بالأجر.\nقال محمد بن علي: ولا أحسب كراهية من كره بناء القبور وغيرها\nبالآجر إلا لهذا، لأن الآجر فيما يزعمون من بِدَع فرعون اللعين.\nوهو من عمله، وبنى به، ولعمري إن الاقتداء ببدع الفراعنة ما\nقل منها وما كثر غير محمود ولا مرضي من أخلاق المؤمنين. فأحب\nاجتناب البناء به على كل حال، خلاف أغلبه من غير أن أحرمه إذا\nعريت نِية الباني به من نيته.","vol":"3","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>وقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)</span>\nدليل على أن الإمامة تكون في الشر كما تكون في الخير، لأن معناها\nأن يصير المرء قدوة يؤتم فيما يكون به بسبيله ومقيمَا عليه، ومثله قوله\n(فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) .\nوفيه رد على المعتزلة،، لأن جعله لهم أئمة لا يخلو من أن يكون خلقَا أو صيرورة، وكلاهما حجة عليهم خانقة.","vol":"3","page":569},{"text":"قياس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>وقوله: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) </span>.\nحجة في إبطال الاستحسان والتقليد والقياس، إذ كل ذلك أهواء غير\nمؤدية إلى حقائق الحق.\nوفيه دليل على أن الهوى قد يكون في الحق أيضًا إذا كان فيه هُدى\nمن الله. وهدى الله في هذا الموضع حجته، ولا حجة له غير كتابه، ورسوله - ﷺ - وإطباق جماعة المسلمين على\nشيء واحد.\nوقوله (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)\nإلى قوله (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)","vol":"3","page":570},{"text":"دليل على أن من لحق محمدا - ﷺ - وكان على شريعة\nمن مَضَى قبله لم يغير ولم يبدل فآمن به، وبما جاء به - ضُوعِف له الأجر\nمرتين.\nالمعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>وقوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية خانقة لهم من جهتين:\nإحداهما: نسبة الهداية إليه - جل وتعالى - جملة كما هو في سائر القرآن.","vol":"3","page":571},{"text":"والأخرى: أن قولهم في تأويل الهداية أنها البيان لا الاضطرار إليها خطأ\nلا محالة بهذه الآية من حيث لا ينكرون أنصفوا واستبصروا.\nفإنا لا نشك وَلا هُم أن الله - ﷻ - قد بين لكل من خاطبه\nبالإيمان طريق الهداية، ورسول الله - ﷺ - قد بينها\nلكل من أرسل إليه، وأحبها له، وأنه لم يحرص على إيمان عمر إلا وقد\nبين له طريق الهداية مرة بعد أخرى.\nفهل تكون الهداية التي لم يقدر عليها محمد - ﷺ -\nلعمه إلا هداية الاضطرار والإجبار، لا هداية البيان التي قد كان فرغ\nمنها، وأدى أمر الله إلى أهله فيها.\nونحن مع هذا البيان الذي لا إشكال فيه نسامحهم في هداية الاضطرار\nوالإجبار في هذا الموضع، لتكون أشد لخزيهم، وأبلغ في كسر قولهم.\nونسألهم عنها سؤالا فنقول: إن كانت الهداية لا تكون عندكم إلا بيانا،","vol":"3","page":572},{"text":"والإنسان لا محالة غير مهتد لما لم يبين له، فهل يكون قوله: (إِنًكَ لَا تهدِى\nمَن أَحببتَ) إلا خاصَّا في البيان بشاهد العيان، إذ كل من كفر لم يبين\nله، ولا الله شاء أن يبين له على دعواهم طريق الهداية وليس لله على أبي\nطالب حجة إن كان ابن أخيه لم يبين له، ولا الله شاء أن يبين\nهدايته، وهو لا يقدر عليها إلا بالبيان أو بالاضطرار والإجبار، فأي\nقول أوحش وأبين غلطا من قول يؤدي نفس قَلبه على قائله إلى هذه\nالفضيحة العظيمة، والقبح الظاهر. نعوذ بالله من غضبه.\nاختصار الكلام.\nوقوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)\nحجة في اختصار الكلام، والإشارة إلى المعنى، لأنه - ﷻ -","vol":"3","page":573},{"text":"ذكر الليل والنهار، ثم ذكر السكون فيه ولم يقل: في الليل.\nوذكر الابتغاء من فضله ولم يقل: في النهار استغناء - والله أعلم - بما\nذكره في موضع آخر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>قوله: (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ)</span>\nالهاء - والله اْعلم - راجعة على (من) .\n(لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) .\nكان بعض أهل الإعراب يزعم أنه من المقلوب: كان العصبة تنوء","vol":"3","page":574},{"text":"بالمفاتيح، على ما تفعل العرب مثل مصراع الأعشى.\nكأننا رعن قف يرفع الآلا","vol":"3","page":575},{"text":"ومعناه: يرفعه الآل.\nقال: ويحتمل عندي أن لا يكون مقلوبا فيوضع (تَنُوءُ) موضع\nتثقل، ويجعل (الباء) في العصبة معنى (على) فيكون: ما إن مفاتحه لتثقل على العصبة. والله أعلم كيف هو.","vol":"3","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>سورة العنكبوت</span>\nذكر ضمان أوزار الناس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)</span>\nدليل على أن ضمان أوزار الناس بعضهم على بعض باطل، وأن أحدا\nلا يجازى إلا بما عمل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>قوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ)</span>\nيحتمل أن تكون أثقالهم ما جنوه على أنفسهم، (وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ)","vol":"3","page":577},{"text":"ذكر المعتزلة\n) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)\nدليل على المعتزلة والقدرية، لأنه ذكر بدو الخلق، وإنشائهم\nعامة، ولم يذكرهم بعمل صالح ولا طالح، بل ذكر مشيئته في\nرحمة بعضهم، وعذاب بعضهم كما ترى.\nفهل يكون الكافر على هذا إلا مرادا بالعذاب، والمؤمن إلا مرادا بالرحمة.\nسعة لسان العرب.","vol":"3","page":578},{"text":"وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي)\nحجة في الإخبار عن لفظ الغائب بلفظ الحاضر، ألا ترى أنه قال:\n(بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ) ثم قال: (أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي)، ولم يقل: من رحمته.\nجواز ترك الخبر قبل إتمامه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>وقوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ)</span>\nحجة في جواز ترك الخبر قبل إتمامه، والأخذ في غيره ثم الرجوع\nإليه، ولا يكون ذلك عيبا على قائله، وَلا خطأ من فصاحته. ألا\nترى أنه - ﷻ - ابتدأ الخبر عن إبراهيم - صلى الله عليه -\nبقوله: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ)، ثم حال بين","vol":"3","page":579},{"text":"إتمامه بقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)، وبقوله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ)\nحتى رجع في تمام قصة إبراهيم\n- صلى الله عليه - فقال: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) .\nوفي هذا دخول الخلد على قول أبي عبيدة - ﵁ - في اختياره\nفي سورة النمل: (أَلَّا يَسْجُدُوا) بالتثقيل اعتمادا على أن لا يحول","vol":"3","page":580},{"text":"بين قصة الهدهد وملكة سبأ حائل من غيره.\nحجة على المعتزلة والقدرية.\n(وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)\nحجة على المعتزلة والقدرية فيما لا يجعلون مشيئة العباد تبعا لمشيئة الله","vol":"3","page":581},{"text":"وتزيين الشيطان تبعا لتزيينه، وإضلاله وصده عن سبيل الله تبعا لإضلاله\nوصده. لا يعتبرون أن الله - ﷻ - أخبر عن نفسه بإنجاء لوط ومن\nأنجى معه فقال: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) .\nوعن إمطاره على من كفر من قومه مطر السوء، ثم أخبر في هذه الآية عن رسله إليهم أنهم قالوا له: (إِنَّا مُنَجُّوكَ)\nولم يقولوا: إن الله منجيك، وقالوا: (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) وليس يخلو بتة من أن تكون الرسل مأمورين بإنزال الحجارة، وإنجاء لوط، فكانوا هم المنزلين ذلك بأمر ربهم، أو غير مأمورين. فلما لم يجز أن لا يكونوا مأمورين، لأنهم لا يكذبون، وبأنفسهم من غير أمر لا يقدرون - حصل أنهم قالوا ذلك بأمره، وفعلوه بتسليط، وقد أخبر الله به عنهم وعن نفسه.\nأفليس إن جعلنا فعل الله تبعا لفعلهم كفرنا، وإن جعلنا فعلهم تبعا\nلفعل الله صح لنا.\nإن الله وإن أخبر بالفعل عن فاعل فهو مؤهله ومقويه عليه، وفاعله\nبإرادته ومشيئته كما نجى الرسل لوطا ومن معه، وأنزلوا الرجس على من\nهلك من قومه بإرادة الله ومشيئته. وكذا قال ﵎: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ثم قال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)","vol":"3","page":582},{"text":"ثم قال: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ)، فعلم أن الإرادة والمشيئة والقوة لله، وأن الفعل منسوب إلى فاعله، فإن كان مطيعا فيه أجر بفضله، وإن كان عاصيا عوقب بعدله. والنظر في كيفيته ذلك\nالعدل، ومعرفته من الخلق له كهيئة ما عنده مزاحمة في ملكه، وتأميل\nإدراك ما لا سبيل إليه من كشف سره.\n* * *\nقوله تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)\nلا متعلق لهم فيه، لأنه على ما علمتك من أن تزيينه تبع لتزيينه.\nوصدوده تبع لصدوده.\nوقال المفسرون في (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨): أي في ضلالتهم معجبين\nبها.","vol":"3","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>قوله: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)</span>\nدليل على فضيلة العلماء، وجواز لضرب الأمثال.\nمعنى الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)\nآية يحملها الناس على غير وجهها، فيرون أن نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر هو أن تحول دونها حتى لا يعمل بشيء منها، وليس كذلك إنما نهيهما ما يجده المصلي من الزاجر في نفسه عن الفحشاء والمنكر، وتصورها في عينه بصورة القبح، فلا تعلم مصليا يقيم الصلاة لله قائما فيها بأمر الله محتسبا ما وعده الله من الثواب عليها إلا وهو يجد هذا في نفسه، والفواحش والمناكر عنده ممقوتة، ممقوت","vol":"3","page":584},{"text":"فاعلها وإن كان يقع فيها.\nوكذا لفظ ظاهر الكلام: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى) ولم يقل: إن الصلاة تحول بين الفحشاء والمنكر.\nوقد نهى الله - جل وتعالى - عن الفواحش والمناكير قبل نهي الصلاة\nولم يحل بين جميع من نهاه وبينها.\nوالنهي في اللغة: زجر عن الفعل والترك لفعل غيره.\nوقول من قال: \" من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها","vol":"3","page":585},{"text":"من الله إلا بعدًا \" صحيح كما قال، ولكنهم المنافقون الذين لا يأتون\nالصلاة إلا وهم كسالى يراؤون الناس، كما قال الله - ﷿ -\nفهؤلاء لا تنهاهم صلاتهم عن شيء، لأنهم لا يقيمونها ديانة، ولا ائتمارا ولا احتساب ثواب، ولا يؤمنون بأمرها ومن حرم الفواحش","vol":"3","page":586},{"text":"والمناكير،، وكيف تنهاهم صلاتهم عما لايحذرون عاقبته، ولا يخشون\nعقوبته، إنما تنهى المؤمن الذي قد آمن بالله وبما أنزل في كتابه، وأيقن بالوعد\n، ألا ترى أنه قال لنبيه - ﷺ -: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ)\nفبدأ به، (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)\nفإنما تنهى من قد دخل مع النبي - ﷺ -\nالإيمان، وبري من الكفر والنفاق. ومن كان هكذا من\nوإن كان في جملة المخلطين فهو غير فاقد نهي الصلاة عن\nوالمنكر، والزاجر الذي ذكرناه من قبله، ويوشك المنهي إذا\nنهي الناهي أن يوفقه الله فيستحي من ناهيه، ويترك ما ينهاه\nوينزجر عما يزجره عنه وإن لم يتركه جملة واحدة.\nقال: أليس قد روي أن النبي - ﷺ - قيل له: إن فلانَا\nيصلي بالليل ويسرق. فقال: \" صلاته تنهاه \".","vol":"3","page":587},{"text":"وهذا يدل على أن النهي هو المنع الحائل\nقيل: لو كان الحديث صحيحا ما كان إلا حجة لقولنا، فكيف وهو\nسقيم،. فأما ما فيه من تأييد قولنا، فإن (لعل) يتوقع بها ما يكون منها، وهو\nما قلناه: إن المنهي إذا كثر عليه نهي الناهي يوشك أن ينتهي، ولو كانت\nالصلاة تحول بين المعاصي لحالت بين هذا السارق وبين سرقته، ولكفته\nصلاة النهار قبل أن يصلي بالليل، بل كانت تجزيه صلاة واحدة.\nوأما سقمه فإن مداره على الأعمش وقد اختلف عليه، فروى زياد بن\nعبد الله البكائي عنه،","vol":"3","page":589},{"text":"عن أبي صالح عن جابر وروى عنه وكيع فقال: أرى أبا صالح\nذكره عن أبي هريرة فشك فيه وقال عن أبي هريرة ولم يقل: عن جابر، ورواه سعد بن الصلت عنه فقال: عن أبي سفيان\n- ليس عن أبي صالح - عن جابر. وأبو سفيان لم يسمع من جابر -\nورواه بغير لفظ أبي صالح فقال: أتى رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - رجل فقال: إن فلانا يقرأ الليل كله وإذا أصبح سرق.\nقال: \" ستنهاه قراءته \"\nفلو صح لكان معناه أنه سيقرأ في جملة ما يقرأه: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) فينزجر بها يومًا، وكذا - والله أعلم - قوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)\nأي تنهاه ما يتلو فيها من القرآن - والله أعلم.","vol":"3","page":590},{"text":"وكان بعض أهل التفسير يذهب إلى أن مدة قيام المرء في الصلاة إلى\nالفراغ منها مشغول بها عن الفحشاء والمنكر، فذلك نهيه عنها عن\nالفحشاء والمنكر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>قوله: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)</span>\nدليل على كل من لم يؤمن بهذأ القرآن أو شيء منه فهو كافر.\nذكر معنى النبى الأمى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>قوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)</span>\nدليل على أن النبي - ﷺ - لم يدرس الكتب المنزلة\nقبله. ولا كان كاتبا، وأن معنى الأمي فيه أنه لا يكتب ولا يحسب ليكون\nذلك أتم في آيات نبوته، ولتنقطع حجة المبطلين عليه بأن يقولوا: حفظ\nهذا الكتاب من كتاب قبله، أو انتسخه.\nوكذا قال رسول الله - ﷺ -","vol":"3","page":591},{"text":"\" إنا أُمة أُمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذ! \" وكسر الإبهام في الثالثة كأنه أشار بأصابع يديه مرتين ليكون عشرين، وأشار في الثانية بخمسة وأربعة ليكون تسعا وعشرين. يريد أن الشهر يكون كذلك أيضا.\nوقال لعلي بن أبي طالب - ﵁ - حين أنكر سهيل بن عمرو إملاءه، هذا ما قضى عليه محمد رسول الله - ﷺ -: \" أرني موضعه \" فمحاه وأمره أن يكتب محمد بن","vol":"3","page":592},{"text":"عبد اللَّه.\nفدل أنه كان لا يقرأ ولا يكتب. وليس كما يقول المتحذلقون في الجهل\nأنه كان يكتب ويقرأ.\nوالأمي في نعته منسوب إلى مكة، لأنها أم القرى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>وقوله: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) </span>.","vol":"3","page":593},{"text":"دليل على أن القرآن من كبار آيات النبي - ﷺ - لآن\nالمشركين قالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ): فقال: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ)\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>وقوله: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ)</span>\nدليل واضح على أن الله - ﷻ - في السماء لا في الأرض\nوأن الذي في الأرض علمه المحيط بما فيها.","vol":"3","page":594},{"text":"المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>وقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية واضحة، لأن العذاب في هذا الموضع\nلا يخلو من أن يكون هلاك بهِلاك موت أو غيره من أنواع العذاب وأيهما كان فلا يتقدم أجل المضروب. وهم يزعمون أن الإنسان قد يموت بغير أجله، وينكرون أن الله - ﷻ - ضرب أجلا - لأحد في هلاك مخافة ما يلزمهم في الكتاب السابق بشيء من الأشياء.\nاختصار","vol":"3","page":595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>وقوله: (وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)</span>\nفيه لا محالة اختصار، وهو أشد ما يكون من الاختصار كأنه - والله\nأعلم - ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون، أو عقوبة ما كنتم تعملون، أو ما\nيقارب هذا المعنى، لأنهم كانوا يعملون المعاصي، والمعاصي لا تُذاق. فأي لسان أشرف من لسان العرب، وأعلى مرتبة أن يجوز فيه هذا الاختصار الشديد والإشارة إلى المعنى.\nاختيار الأرض.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>وقوله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)</span>\nدليل على جواز اختيار الأرض، والنقلة من موضع إلى موضع فرارا\nمن المعصية، وصيانة للدين، وخلاصا ممن لا يساعد على الآخرة ويدعو\nإلى الدنيا","vol":"3","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>سورة الروم</span>\nالمعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>وقوله: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ </span>وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)\nحجة على المعتزلة والقدرية في باب العدل الذي يدعون معرفته لجهلهم.\nفيقال لهم: ما وجه نصرة الله الروم على فارس وكلاهما كافر، الروم\nبالتنصر، وفارس بالتمجس، في فطرة عقولكم التي تعدون بها\nطوركم، ولا تسلمون فيها لربكم منفردا بها دونكم.\nفإن قيل: فما معنى فرح المؤمنين بنصره غيرهم،","vol":"3","page":598},{"text":"قيل: فرحهم - والله أعلم - بأخذ القمار الذي وجب لهم عند ذلك.\nوذلك أنهم كانوا قامروا المشركين قبل تحريم القمار على نصرة الروم على\nفارس، وغلبهم عليه في بضع سنين، فلما أظهرهم الله عليهم فيها\nاستوجبوا قمارهم، وبان صدقهم، وعلا كتابهم المنزل على نبيهم -\nصلى الله عليه - بأن لا ينزل فيه إلا ما يكون حقا ففرحوا بذلك.","vol":"3","page":599},{"text":"قوله: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ)\nحجة عليهم في باب الوعيد، لأنه - ﷻ - قد أكد في إنجاز\nوعده، وأخبر عن الوفاء به في غير موضع من كتابه.\nولم يفعل ذلك في باب الوعيد، لأن ترك إنجازه كرم كما قد بينا ذكره\nقبل هذا لا خُلف.\nذكر الصلاة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>قوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) </span>.\nفى ليل على أنها الصلاة كما قال ابن عباس، ﵁.","vol":"3","page":600},{"text":"إذ لو كان تسبيحا على ظاهر قوله لاستحال أن يكون الله منزها في هذه\nالأوقات دون سائرها، منزه عن السوء في جميع الأوقات. وقدِ اتفق\nالمسلمون لا اختلاف بينهم على أن الله لم يأمر أحدا بأن\nيسبح في هذه الأوقات، ولا غيرها تسبيح قول، ولا تسبيح بعد ذلك\nإلا الصلاة.\nوالصلاة تسمى في لغة العرب تسبيحا، قالت عائشة - رضي الله\nعنها -: \" والله ما سبح رسول الله - ﷺ - سُبحة\nالضحى قط، وإني لأسبحها \".","vol":"3","page":601},{"text":"واتفق المفسرون فيما أعلم على أن قوله في يونس: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) أنه من المصلين.\nوهذا من المواضع التي يترك فيها الظاهر بشاهد من الكتاب والسنة","vol":"3","page":602},{"text":"والإجماع.\nالاختلاف.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)</span>\nاختلف المفسرون فيه، فقال الضحاك بن مزاحم: \" يخرج الرجل\nالحي من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الرجل الحي \".\nوقال الحسن وقتادة: \" يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من\nالمؤمن \".","vol":"3","page":603},{"text":"كأن الحي عندهما المؤمن، والميت الكافر.\nفإن كان ما قالا فهو حجة على المعتزلة والقدرية، وبراءة لهما مما نُسِبا\nإليه من القدر، لأن إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن لا يكون\nإلا عند إلاد الأم بهما، فأما ما يستوجبانه من الاسم بعد البلوغ بما\nيصيران إليه من الإيمان والكفر فلا معتبر فيه.\nولا يخلو من أن يكون ولدا كما سميا، أو على غير ما سميا ثم\nانتقلا. فلما كان إزالة الاسم عنهما قبل إحداث الإيمان والكفر بعد\nالبلوغ، وعند الخروج مزيلا للفظ نص القرآن، ثبت أنهما ولدا كذلك\nفلم يستطيعا النقلة عما ولدا عليه بعد البلوغ، ولحوق الخطاب بهما،","vol":"3","page":604},{"text":"ويؤيده قصة المولود الذي قتله الخضر - صلى الله عليه، وولادته","vol":"3","page":605},{"text":"لا محالة على الكفر، إذ لا يجوز على الخضر أن يقتل طفلا لا يدري - على زعم الجهلة - يكون بعد البلوغ مسلما أو كافرا.\nوفي تسمية الكافر بالميت دليل علي إجازة الإفراط في ذم الإنسان\nومدحه بما يكون ظاهره خلاف باطنه ولا يكون كذبا. وبيان على أن\nالإرادة في تسميته بالميت زوال منفعة الحياة التي تنجيه عنه وإن كان ذا\nروح.\nوتسمية المؤمن بالحي مدح له، حيث كان بضد الكافر من المسارعة إلى\nالإيمان، وما ينجيه من عذاب الرحمن، لأنه ذو روح.\nوإن كان كما قال الضحاك ففيه حجة على وقوع اسم الميتة على الشيء\nلايكون دليلا على نجاسته حتى تقوم حجة ثابتة بنجاسته، لأن رسول الله\n- ﷺ - قد دل على طهارة النطفة.","vol":"3","page":606},{"text":"وفي نفس قوله: (وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)\nدليل على ذلك، لأن الأرض طاهرة، ومعناه أنها أحييت بالنبات بعد أن كانت جردا لا نبات فيها.\nوبلغني أن بعض مثبتي القياس كان يجعل قوله: (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)\nوماضاهى من القرآن حجة في تثبيته.\nوهو عندي جهل بين، وذلك أن القياس عندهم تحريم غير المسمى\nوتحليله من أجل علة في المسمى أوجبت به مسلكه. وليس إخراج الله من\nمات من قبره وإعادة الروح فيه من أجل أنه أخرج الحي من الميت، والميت\nمن الحي، وإحياء الأرض بعد موتها، ولكنه بيان لذوي العقول أن الذي\nفعل ذلك قادر على إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم. وبطلوا القياس\nكلهم مقرون بأن المحرم للأنواع الستة قادر على تحريم غيرها، ولكنها لم\nيحرمها في الدنيا ولا حاجة بأحد إلى تحريمها يوم الحشر كما دل على أن من\nأحيى الأرض بعد موتها قادر على إحياء أهل القبور، وإنما يحييهم يوم","vol":"3","page":607},{"text":"النشور.\nسعة لسان العرب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ)</span>\nخارج على سعة اللسان، لأن المخلوق من تراب آدم وحده.\nوالمخلوق له من نفسه زوجته قال الله - ﵎ - (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)، فلما كان البشر جميعًا من نسله سماهم بذلك على سعة اللسان. والله أعلم.\nحجة الشافعي - ﵁ - فيما يسقط (أن) من كلامه.","vol":"3","page":608},{"text":"(وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا)\nحجة للشافعي - ﵁ - فيما يسقط (أن) من كلامه في\nهذا الموضع كقوله: ولو صلت أَمَةٌ مكشوفة الرأس فعليها تستتر. ولم\nيقل: أن تستتر.\nألا ترى أنه قال: (خَوْفًا وَطَمَعًا) ولم يقل: أن يريكم.\nولا يسلك به مسلك ما تقدمه من قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ)، ولا جعل خبر الابتداء على لفظ المصادر والأسماء كما قال:\n(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، ولكنه جاء به على لفظ المستقبل من الأفعال وأسقط\n(أن) فكلاهما لغتان فصيحتان واردتان معا في القرآن. إلا أن ما كان\nعلى لفظ الأفعال الماضية فلابد من إثبات (أن) فيها، وما كان على\nلفظ المستقبل فالمتكلم بالخيار إن شاء أثبت وإن شاء أسقط، فإذا أسقط","vol":"3","page":609},{"text":"كانت حجته ما ذكرناه من قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا) .\nوإذا أثبت كانت حجته: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ)، وإذا لم يجز له إلا الإثبات كانت حجته: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) .\nالمعتزلة.\n* * *\nوقوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)\nحجة على المعتزلة والقدرية في إضافة الفعل إلى فاعل ذلك الفعل\nمفعول به. ألا ترى أنه قال قبل هذا: (وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)، ثم قال هاهنا: (إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)\nفما ينكرون ويحهم أن تكون أفعال المعاصي يفعلها","vol":"3","page":610},{"text":"العاصون وتنسب إليهم، وتكون محكوم عليهم بها جارون على محتوم\nالقضاء عليهم فيها، فلا يبقى عليهم عند ذلك إلا الإقرار بعزوب\nعلمهم عن عدل عادل، لا يضرهم جهله. ولو كان جل وتعالى\nلا يكون عادلا إلا فيما تعقله الخليقة من عدله دون أن يكون له عدل\nلا يعقله، كانت فيه صفة تحيط الخلق نكتها، ولجاز لمن يزاحمه في\nمعرفة عدله - ولا يعده منكرا من نفسه - أن يزاحمه في معرفة قدرته.\nفيقول: لا أقبل من قدرته إلا ما يتسع لها عقلي، وإلا صرفته في باب\nالمحال، كما أصرف ما لا أعقله من عدله في باب الجور فلا أنسبه إليه.\nفيلزمه أن يقول: لما كان محالا في عقلي أن يكون عادل يجمع على نفس\nواحدة حكما لشيء وقضى عليه به ثم يطالبه بتركه، ويعاقبه على فعله.\nفلم أنسب هذا إليه، ولم أبالِ بمخالفة آي القرآن فيه، وشهادة الرسول\nوجماعة الأمة غيره عليه، فهو فيه أيضًا محال أن يكون للنار موضعا\nيكون فيه والجنة عرضها كعرض السماء والأرض قد أخذت جميع\nالموضع.\nومحال أن يكون مدبر واحد يدبر جميع الأشياء لا يشغله شيء عن\nشيء، وما أشبه هذا من القدرة التي هي من صفة الرب تبارك\nوتعالى، ولا يتسع لها عقول الخلق، وإلا فما الفرق، هذا مع ما بينا\nعليهم من نظائر نفس ما ينكرونه من العدل مفرقا في فصول كتابنا\nهذا، والمجرد في الرد عليهم.","vol":"3","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) </span>.\nمعناه - والله أعلم - وهو أقل عنده من أن لايقدر عليه - لا أن إبداء\nالخلق أصعب عليه من إعادته، بمعنى أن إعادته أيسر عليه. هذا كفر لمن\nيكفر به - وأحسبه كذلك، لأن الله - جل وتعالى - قدرته على الأشياء\nكلها واحدة لا يتعاظمه شيء، ولا يلحقه صعوبة في خلق شيء سبحانه.\nولكنه على ما أعلمتك خرج مخرج الاختصار. وهو أعلم بما أراد به\nجل وعز.","vol":"3","page":612},{"text":"ومن المفسرين من قال: هو أهون على الخلق إعادته بقوله: كن\nفيكون. أهون عليه من ابتدائه مِن نطفة ثم مِن علقة ثم مِن مضغة.\nقياس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>وقوله: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)</span>\nحجة على من يقول بالتقليد والقياس والاستحسان. وحجة على\nالمعتزلة والقدرية.\nوهو من المواضع التي يحسن فيها حذف (هاء) المفعول كأنه: من\nأضله الله.","vol":"3","page":613},{"text":"خصوص.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>وقوله: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)</span>\nخصوص لا محالة، يعني فطر المسلمين عليها دون المشركين.\n(لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)\nكان بعض المفسرين يقول: \" لا تبديل لدين الله \" يذهب به - والله\nأعلم - إلى أن قوله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) قد دل عليه.","vol":"3","page":614},{"text":"اختصار\n* * *\nقوله: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ)\nفيه اختصار - والله أعلم - لأنه لم يتقدم الكلام بشيء تكون\n(مُنِيبِينَ) حالا منه، فكأنه أدخلهم في الخطاب الذي خاطب به\nرسول الله - ﷺ - من إقامة وجوههم للدين منيبين\nإليه، أو في خطاب سواه من الأمر بالتوبة، أو ما شاء جل وعز.\nفإن توهم متوهم، أنه حال من الناس الذي فطرهم على الإسلام\nغلط عندي، لأنه لو كان كذلك: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ)\nوالله ولي الصواب.","vol":"3","page":615},{"text":"(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)\nيحتمل أن يكون دليلا على أن من لم يقمها أشرك، ويحتمل أن يكون\nنهيا مبتدأ - والله أعلم أيهما هو.\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>قوله: - (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)</span>\nحجة في جواز خطاب الغائب بلفظ الحاضر. ألا ترى أنه قال في\nابتداء الآية: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ)\nفهو - والله أعلم - يقول لهؤلاء بأعيانهم لا لغيرهم: فتمتعوا فسوف\nتعلمون، لأنه لم يفرغ من تمام المعنى بعد، والدليل عليه قوله: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) .\nوالذي يزيل الريب كله عنه قوله في آخر العنكبوت: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) .","vol":"3","page":616},{"text":"ذكر الهدايا.\n(وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ)\nيزعم مجاهد أنها: الهدايا، وكذلك قال الضحاك إلا أنه فسره\nفقال: \" هو رجل يعطي الناس ليثاب، فليس له أجر، ولا عليه\nوِزر، ونهُي عنه النبي - ﷺ - خاصة \". فكأنه\nيعطي الناس ليثاب أكثر من عطيته. فهو يقع عليه اسم الربا بالزيادة\nوليس بمحرم، وإن كان من دناءات المطامع، فقال الله في هذا:","vol":"3","page":617},{"text":"(فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ)\nأي لايزيد كما يزيد الزكاة، ثم بينه فقال: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)\nأي أولئك الذين يعطون كذلك يضعفون لأنفسهم ثواب عطاياهم التي أرادوا بها وجه الله.\nولعل الضحاك أراد فيما قال نهي عنه - ﷺ - في\nسورة المدثر: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) .\nلأنه كذلك فسره هناك فقال: \"\nلا تعطِ لِتُعطى أكثر منه \". فنهي النبي - ﷺ - عن\nدناءات الأخلاق والمطامع.\nوقد حث الله تعالى على التأسي برسول الله - ﷺ -\nتأسيًا عامًا في قوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)،","vol":"3","page":618},{"text":"وروي عنه - ﷺ - أنه قال: \" إن الله يحب معالي\nالأمور، ومعالي الأخلاق ويكره سفسافها)، وصح عنه - ﷺ -","vol":"3","page":619},{"text":"جملة أنه قال: \" العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه \".","vol":"3","page":620},{"text":"وقد قال أهل العلم من التابعين والأئمة في الهِبة للثواب لذي الرحم\nوالأجنبين أشياء. وروي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - فيها\nما روي، فلا أدري ما أقول فيها إذا فعلها الإنسان. واختار أن\nلا يفعله اقتداء بالقرآن، وتأسيًا برسول الله - ﷺ -\nفي أخلاقه، وما أخبر عن الله - ﷿ - من كراهة سفسافها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>وقوله: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)</span>\nدليل على جواز التأكيد في القرآن وزيادة البيان، وهو رد على من\nقال: ليس ذلك في القرآن.","vol":"3","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>قوله: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا)</span>\n(الهاء) - والله أعلم - راجعة على النبت، أو علي الأثر الذي قال:\n(فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى) أي يحييها بإخراج النبات من الزرع والحشيش وغيره.\nإيمان.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ)\nحجة على المعتزلة فيما يزعمون أن الإيمان مكتسب غير موهوب.","vol":"3","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>قوله: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩)</span>\nحجة عليهم واضحة.","vol":"3","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>سورة لقمان</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)</span>\nهو - واللَه أعلم - مثل قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) يؤثره ويشتغل به، لا أنه يخرج فيه مالا. ويحتمل أن يكون رفع الأموال إلى المغنين، وإخراجه في شِرى القينات المغنيات.","vol":"3","page":624},{"text":"وفيه دليل على تحريم الغناء وما أخذ أخذه مما يضل عن سبيل الله. وكذا\nقال ابن عباس ومجاهد - ﵄ -: أنها نزلت في الغناء\nوأشباهه (١) . فهي تخبر عن تحريم جميع ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>قوله: (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا)</span>\n(الهاء) - والله أعلم - راجعة على السبيل، لأنها مؤنثة.\nوقد يحتمل أن تكون الآية - وإن كان الغناء محرما من موضع آخر -\nنازلة في حديث الكفر وما دعا إليه، لأن ما بلي من المسلمين باستماع\nالغناء لا يضع نفسه موضع المتخذين سبيل الله هزوَا، والدليل على ذلك\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>قوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا)</span>\nفهذا فعل الكافر. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في الكفار\nومن يؤثر استماع الغناء واللهو على استماع القرآن فيدخل\nفيها تفسير ابن عباس ومجاهد، ويكون السبيل القرآن. والله أعلم","vol":"3","page":625},{"text":"كيف هو.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>قوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا)</span>\nنظير ما مضى في سورة العنكبوت من قوله، (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) .\nوجواز الحائل بين تمام الخبر بغيره ثم الرجوع إليه.\nذكر احتقار الناس.\nوقوله إخبارَا عن لقمان في وصيته ابنه: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)","vol":"3","page":626},{"text":"زجر عن احتقار الناس، ومشية الخيلاء، وحث على التواضع وأخذ\nالسكينة والوقار.\nالإجهار فى المنطق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>قوله: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ)</span>\nدليل على أن الإجهار الشديد في المنطق مذموم.\nوروي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \" إن الله يحب\nالحافض الصوت الرقيقه، ويبغض المجهار \".","vol":"3","page":627},{"text":"قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) .","vol":"3","page":628},{"text":"حجة على المقلدين في تركهم اتباع كتاب ربهم سلفهم، لأن الله - جل\nجلاله - لم ينكر منهم اتباع الآباء خاصة من جهة النسب، إنما أنكر ترك\nكتابه.\nوليس في إيمان هؤلاء، وكفر أولئك ما يزيل عنهم اسم الترك، إذ\nالترك من كل تارك ترك، وليس حسن ظن المقلِّد بالمقلَّد أكثر من تلاوة\nالقرآن في الشيء. والغلط في المقلَّد ممكن، وفي القرآن غير ممكن.\nوجائز أن يكون ما يظنه به من سبب عرفه من القرآن الذي شهد خلافه\nمن نسخ أو تأويل إغفال لا ما ظنه. وقد وضع الله عنه مثل هذا ولم\nيعذره بترك كتابه بل أمره باتباعه مطلقا بلا شرط، ونهاه عن اتباع ما\nسواه فقال: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) .","vol":"3","page":629},{"text":"المعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>وقوله: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا)</span>\nحجة على المعتزلة شديدة إذ لابد لهم من أن يقولوا ما لم تدره النفس\nمن كسبها غدا يدريه الله، بل قدم ذكره بأن علمه عنده فقال: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) كذا وكذا وكذا.\nفإن قالوا: يقدر على أن لا يكسب ما علمه الله من كسبه، فقد كفروا\nلأن الله أعلم ما يكون من أمره في كسبه فلا يقدر الحيدة عنه، كما علمه\nمنه موته بأرض فلا يقدر أن يموت بغيرها.\nوإن قالوا: لا يقدر أن يحيد عما علمه منه، وما علمه من شيء فهو\nالذي علمه لا غير. أقروا بكل ما أنكروه، ولزمتهم الحجة فيما جحدوه.\nولا بُد من القول بأحدهما، والعلم لا يمكن فيه الاختيار كما يزعمونه\nفي الإرادة، وَلا في الإرادة يمكن لو أنصفوا.\nفإن قالوا: إنما العلم أنه سيختار غدا كسبا، لا أنه يعمل كسبا بغير\nاختيار.\nقيل: أفيعلم على أيهما يقع اختياره، أو لايعلم.\nفلا بُد من أن يقولوا: يعلم، وإلا كفروا.","vol":"3","page":630},{"text":"قيل لهم: أفيقدر بعد ما يقع اختياره على أحدهما أن لا يعمل ويعمل الآخر.\nفإن قالوا: بلى.\nقيل: فالاختيار بعد حادث في العزم على الكسب، لا في الكسب\nنفسه والله يقول: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا)، ولم يقل:\nماذا تعزم على كسب غد. مع أن الخلاف بيننا وبينهم في الكسب لا في\nالعزم.\nفيقال لهم: فبد لهذا العزم من أن يكون له آخر يودي إلى كسب.\nفإن قالوا: لابد من ذلك.\nقيل: أفليس هذا الذي لابد منه يعلمه الله منه قبل غدِ كيف يكون.\nفلا بد من الإقرار به.\nفيقال: أفليس إن لم يعمله وعمل غيره قد عمل خلاف ما علمه ربه.\nفإن قالوا: بل لابد لمن أن يعمل ما علمه ربه ولا يقدر على خلافه.\nوكل ما عمله فهو الذي علمه.\nقيل: فعمل معصية وقد أقررت بأن كل ما عمله فهو الذي منه علمه.\nولم يجد بدًا من عمله. ومع ذلك فقد أمره بان لا يعملها. فليس دون هذا","vol":"3","page":631},{"text":"التباس عند عالم ولا جاهل، ولم يبق فيه إلا الإذعان بالجهل عن بلوغ\nمعرفته هذا العدل عليه المتصور في العقل بضده، وهو الذي قلناه إنه\nسر ربنا - جلا وعلا - لم يُطلِع عليه ملكَا مقربَا ولا نبيَّا مرسلَا.\nوهو الذي عوتب فيه موسى وعيسى - صلى الله عليهما - ويجيء\nبالإلحاح في الاطلاع عليه عزيز ولو جاز لأحد أن يكابر بعد هذا\nالوضوح فيه جاز أيضًا المكابرة في موت النفس بالأرض التي تموت فيه.\nفيقال: ليست هي الأرض التي علمها الله وقدر موته كما يزعمون أن\nالكسب ليس هو الذي علم، لأنه منها. وهذا هو الكفر الصراح.\nوالمكابرة الظاهرة.","vol":"3","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>سورة السجدة</span>\nذكر الرد على الباهلى.\n* * *\nوقوله تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ)\nدليل واضح لمن عدل عن المكابرة. أن الله - ﷻ \" - بنفسه في\nالسماء، وليس كما يقول الباهلي وأصحابه، والحلولية وأشياعهم.\nإذ كان - ﷻ - يدبر أمر الأرض من السماء، ثم يعرج\nمن الأرض إليه، وهو نص لا تأويل كما ترى.","vol":"3","page":633},{"text":"المعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>قوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية خانقة لهم، مستغنية بجملتها عن تفصيلها\nعليهم.\nذكر السجود.\n* * *\nوقوله تعالى: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)\nدليل على أشياء:\nمنها: أن السجود من الإيمان، وهو رد على المرجئة، إذ في قوله\n: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا)\nدليل على أنهم لو لم يخروا سجدا لم يكونوا مؤمنين، وهذا إذا امتنعوا من سجدةٍ","vol":"3","page":634},{"text":"فرضِ أو تطوع استكبارَا. فإذا رأوها حقا وهي تطوع فتركوها كسلاَ، أو\nعلما بأنها غير مفترضة لم يأخذوا ثواب الساجدين، ولم يكونوا حرجين.\nوعلى كل حال جاءوا بها فهي من الإيمان، فإن كانت فرضا كانت جزءا\nمن أجزاء فرضه، وإن كانت تطوعا فهي من أجزاء نوافله.\nألا ترى أن من أصحاب رسول الله - ﷺ - من كان\nيقول: \" تعالوا نؤمن ساعة \" يقولها في المسجد.","vol":"3","page":635},{"text":"فرأى قعوده فيه إيمانا، وليس القعود فيه مفروضا، فهو من الإيمان الذي\nيكون تطوعا.\nومنها: أن من وُعِظ بالله كان من تمام اتعاظه إتراب جبينه بالسجود\nلله تواضعا له، وتذللا لجلاله، وهو مندوب إليه بهذه الآية - والله أعلم\n- خلافا على الجبابرة والكفار، ومن تأخذه العزة بالإثم، قال الله - تبارك\nوتعالى -: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ)، وقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا)، فالخلاف على هؤلاء من أقرب القربة إلى الله - جل وعلا - وروي أن رجلا قال لمالك بن مِغول: \" اتقِ الله،","vol":"3","page":636},{"text":"فألزق خده بالأرض \".\nومنه: أن السجود يجُمع فيه بين التسبيح والتحميد، وفيه تقوية\nلحديث حذيفة أن النبي - ﷺ - كان يقول في\nسجوده: \" سبحان ربي الأعلى وبحمده \"، بل قد روي عن عائشة\nأن النبي - ﷺ - كان يقول في سجوده وركوعه:\n\"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي \" يتأول القرآن \".","vol":"3","page":637},{"text":"كأنها تعني هذه الآية. والله أعلم.\nومنها: أن التكبر هو في الامتناع من السجود، وأن من سجد لله\nوتواضع وتذلل بترب وجهه لله برئ منه.\nأسماء الفسق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>وقوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)</span>\nدليل على أن اسم الفسق واقع على الكفر والمعصية معا، لأنه\nتوثب على الكفر أو على الذنب، فهو متوثب على النهي. فمن\nتوثب على الكفر أو على الذنب فهو متوثب، إذ كان الله - جل\nوتعالى - قد سوى بين النهي عنهما، وإن جعل أحدهما أغلظ من","vol":"3","page":638},{"text":"صاحبه، وهو في هذا الموضع كفر، لقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) .\nفعلم أنه لا يكذب بعذاب النار إلا كافر.\nوفيه رد على المعتزلة فيما لا يفرقون بين المكذب والمصدق به في الخلود\nفيه، وهذا من قولهم تحكم مع ما يلزمهم فيه من ثلم العدل الذي\nيتحذلقون في معرفته.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)</span>\nدليل على أن الأئمة يتبعون على الهداية بأمر الله لا بآرائهم، وأن فضل\nإمامتهم لا تثبت حجة على غيرهم، إذ لم يهدوهم بأمر الله.\nوأمره كتابه. والله أعلم.\nوهذا وإن كان في أئمة بني إسرائيل فليس بين أئمتنا وأئمتهم فرق.\nلأن الله - ﷻ - لم يجعل لأحد من خلقه أن يقول من تلقاء نفسه\nشيئا، وإذا لم يجعل له أن يقول فلم يجعل لأحد أن يقتدي به إلا فيما هداه\nبأمره، فمن كان مميزًا فالتقليد محرم عليه، ومن أعوزه تبصر الحجة فهو","vol":"3","page":639},{"text":"كالأعمى يتبع البصير أنجاه أم أهلكه، وليس عليه غيره.\nألا ترى أن الله - ﷻ - لم يلزم الخلق الاقتداء برسول الله - صلى الله\nعليه وسلم - والائتمار له والتأسي به إلا بعد ما شهد له بأنه لا ينطق\nعن الهوى، ولا يبدل من تلقاء نفسه، ويحكم بين الناس بما أراه الله\nثم حينئذ قال: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)، لأنه يهديهم بوحي الله\nورسالته، وما وفقه له من عصمته، وليس هذا لأحد بعده وإن كان\nفاضلًا جليلًا.","vol":"3","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>سورة الأحزاب</span>\n* * *\nوقوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)\nفيه أدلة:\nفمنها: أن الإنسان يُدعى لأبيه بظاهر فِراش أُمهِ، ويثبت به النسب\nوالميراث، وتجري به الأحكام، وأن الله - ﷻ - قد تجاوز عما\nيمكن في الباطن من إحداث الأم.\nومنها: أن ظاهر الدعوة علم لا جهل لقوله: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ) وهم لا يقدرون أن يعلموه إلا بظاهر الفِراش دون حقيقة","vol":"3","page":641},{"text":"العلم.\nومنها: أن الإضمار في الكلام جائز وإن استطيع إظهاره، إذ في\nقوله فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) لا محالة إضمار، كأنه - والله أعلم -\nفهم إخوانكم.\nومنها: أن المولى اسم واقع على أشياء، ويُسمَّى به الأعلى والأسفل.\nوالحر والعبد، والرب والخلق.\nذكر الخطأ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>وقوله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)</span>\nدليل على أن الخطأ مرفوع عن الناس في هذا، وفي الأيمان وغيرها\nدون مادل عليه القرآن من أنه غير مرفوع مثل قَتْل الخطأ وجَرحِه، وما","vol":"3","page":642},{"text":"يحدث من أفعال المخطين على أموال المسلمين. وقد يكون في الخطأ من\nالدعوة زوال مال بالميراث، ولكنه مرفوع بنص الآية كما ترى، وكل\nهذا دليل على إبطال القياس، إذا الخطأ كله لا يجري مجرى واحدا.\nولا يكون جميعه هدرا. فكان مجاهدٌ يذهب إلى أن الجناح مرفوع فيما\nدعوهم إلى غير آبائهم بالتبني قبل النهي.\nوقد يجوز أن يكون كما قال ﵀، ويكون مثل رفع المآثم في نكاح نساء الآباء في الجاهلية، ولكن ليس فيه دليل على أن من دعا بعد النهي مدعوًا\nإلى غير أبيه وهو يرى أنه أبوه حَرَج لعدم طاقته عن إصابة حقيقة\nأبوته، والحرج لاحِقٌ بمن يدعوه إلى غير أبيه بعد ما عرف أباه.","vol":"3","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>وقوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ)</span>\nدليل على أن ذوي الأرحام أولى بالميراث من المؤمنين والمهاجرين على ما\nفرض في آي المواريث، وهم أولوا الأرحام المسمون في سورة\nالنساء لا مَن لم يُسم منهم، لأنا لا نعلم أحدا روى في شيء من\nالأخبار أن المؤمنين والمهاجرين كانوا يرثون ميراث مَن لم يترك من أهل\nالفرائض المسمين أحدًا، فكانوا يرثون دون من لم يُسم من ذوي\nالأرحام، ولو كان ميراثهم على ذلك لكان توريث من يورث من ذوي\nأرحام لم تسم أشبه، ثم كان يحتاج حينئذ إلى نص يفصل ميراثهم كما\nفصل ميراث المسمين، فأما والتوارث كان بالإسلام والهجرة دون\nتوريث أولي الأرحام المسمين وغير المسمين. فالاعتبار على ميراث من\nلم يسم منهم بهذه الآية لا وَجْهَ له. وقد ذكرنا تمام الاحتجاج في\nكتاب الفرائض في شرح النصوص","vol":"3","page":644},{"text":"تفسبر سورة الأحزاب\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>قوله: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا)</span>\nفأبدل سياق الآية على أن الاستثناء في فعل المعروف واقع على من كان\nوَليا للميت من المؤمنين والمهاجرين، ويكون المعروف وصية يوصى له\nحيث نسخ الميراث عنه إلى ذي الرحم. ولكن الحسن وقتادة جميعا\nقالا: \" إن الاستثناء واقع على أقرباء الميت من المشركين يوصى لهم لا\nحرموا الميراث \"، ولا أحفظ عن غيرهما قولًا ولم يجرِ في الآية ذكر","vol":"3","page":645},{"text":"المشرك. فالله أعلم كيف هو.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا)</span>\nرد على من يقول: إن الاسم إذا وقع على شيء لم يجز أن يقع على غيره\nإلا أن يشبهه بجميع صفاته.\nوهذه الملائكة والمشركون من الأحزاب قد شملهما معا اسم الجنود على\nاختلاف صفاتهما، فكيف لا تتفق الأسماء وتختلف الصفات، أم ما في\nاتفاق الشخصية ما يوجب اتفاق صفة الأشخاص لولا جهل الجاهلين.\nوتعسف المبتدعين.\nالمعتزلة.\n* * *\nوقوله تعالى: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً)","vol":"3","page":646},{"text":"حجة على المعتزلة والقدرية شديدة مسكتة، لذكر إرادة السوء بلفظه.\nفإن قالوا: لايريد سوءا، إنما مثل فقال: إن أراد، وهو لا يريد.\nقيل له: فما تنكرون على من يقول لكم: والرحمة أيضًا لم يردها ولكنه\nمثل، وهذا وذاك جهل. يريد الله بخلقه السوء لا معقب لحكمه، ويريد\nبهم الرحمة، وهو متفضل بالسوء بعدله، والرحمة بفضله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>قوله: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا)</span>\nوحد (هَلُمً) - والله أعلم - على لغة من يوحده في التثنية والجمع.\nكما يوحده في الواحد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>قوله: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ) إلى قوله: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)</span>","vol":"3","page":647},{"text":"حجة على المرجئة في زيادة الإيمان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>قوله: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُ</span>لُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)\nحجة على المعتزلة في باب الأعمال التي يضيفها تارة إلى نفسه، وتارة\nإلى عباده، ولا يكون أحدهما مؤثرا في صاحبه من حيث يذهبون إليه، ألا\nتراه يقول: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ)، وقال: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ)، ثم قال: (فَرِيقًا تَقْتُلُونَ)، وقد قال في سورة\nالأنفال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)","vol":"3","page":648},{"text":"وقد مضى هذا المعنى في كثير من فصول هذا الكتاب، وفي بعضه كفاية لنقض قولهم.\nوإنما تكريرنا إياه على نسق الآيات كما شرطناه ليتبصروه إن وفقوا\nلفهم، ويعلموا أن الفعل وإن كان مضافا إلى فاعله من الخلق فغير مانعه أن\nيكون محمولا عليه. وعامله بتيسير خالقه له ﷻ.\nذكر الرافضة.\n* * *\nوقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا)\nإلى قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) .\nحجة على الرافضة فيما ينتقصون أم المؤمنين عائشة - ﵂\n- من جهتين.","vol":"3","page":649},{"text":"إحداهما: أن النبي - ﷺ - بدأ بها مع حداثة سِنها.\nْوأمر أن تستشير أبويها فاختارت الله ورسوله قبل استشارتهما.\nفاستن بها سائر أزواجه، فسعدت بفضل المبادرة بمثل هذه المنقبة\nالجليلة، والله يقول: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)، وقال:\n(لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ) .\nوقال النبي - ﷺ -: \" مَن سَن في الإسلام سنة حسنة \" فدل الكتاب والسنة على","vol":"3","page":650},{"text":"أن للمباردين إلى الفضائل والقربات فضل على المتبعين.\nوالثانية: أن الله - جل وتعالى - لم يكذبها فيما اختارت، وعرف\nصدقها، فأوجب لها ما وعدها من الأجر العظيم فكيف تنتقص امرأة قد\nصدقها الله - جل وتعالى - في إرادتها الله ورسوله والدار الآخرة.\nأم أي شيء يضرها مسيرها يوم الجمل، والله - جل وتعالى - قد","vol":"3","page":651},{"text":"ْأوجب لها ما أوجب باختيارها، وكان الله لا محالة عالمًا بأنها ستسير\nمسيرها فلم ينزل فيها وحي على رسوله - ﷺ - يحط\nدرجتها، هذا مع ما أنزل فيها في سورة النور من الآيات، وأنها\nزوجة رسول الله - ﷺ - في الجنة، نازلة في\nالدرجة التي ينزلها معه. إذ محال أن يكون هو في درجة وأزواجه دونه\nوإن كان له فضل كرامات من الله مشتهرة معهن\nواتخذوا فيه من جهة الفقه دليلًا على أن الرجل إذا خَير امرأته.\nفاختارته لم يكن ذلك طلاقا. وقد لخصناه في كتاب الطلاق من شرح\nالنصوص، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>قوله: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ)</span>\nوالله أعلم - نساء زمانهن، لأنهن لا يكن أفضل من مريم بنت عمران، فإن مريم إن لم تكن فوقهن فلا تكون دونهن.","vol":"3","page":652},{"text":"نفسبر سورة الأحزاب\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>وقوله: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ)</span>\nدليل على أن على المرأة احتراز من كل ما دعا إلى شهوتها، والفتنة\nعليها.\nقوله (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)","vol":"3","page":653},{"text":"حجة في لزوم المرأة بيتها، وترك البراح عنه فيما لا يعنيها.\nالاختلاف.\nواختلفوا في: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)\nفمنهم من قال: هو النياحة.\nومنهم من قال: هي المشية بالتكسير والتغنج.\nكانت نساء الجاهلية يمشين كذلك فنهي أزواج النبي - صلى الله عليه\nوسلم - عنها، وهذا أشبه. والله أعلم.","vol":"3","page":654},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ)</span>\nدليل على أن أزواج النبي - ﷺ - كلهن داخلات في\nأهل البيت.\nذكر النكاح بلا شهود.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>وقوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا)</span>","vol":"3","page":655},{"text":"دليل على أن النكاح إذا عقده الولي بلا شهود واقع عند الله، وحلال\nالوطء به قبل الإشهاد، لأن المراد في شهود النكاح الاحتراز من الحد\nعند التجاحد، لا أنه باطل عند الله.\nألا ترى أن الله - ﷻ - زوج زينب من رسول الله - صلى الله\nعليه وسلم - بلا شهود من البشر، وَلا ذكر أنه يشهد ملائكته.\nوفيه دليل على أن أولياء النساء وكلاء الله في تزويجهن، لأنهن إماؤه\nفإذا ولي الإنكاح هو - جل وعز - لم يكن لوكلائه معه وِلاية. ألا ترى أن\nزينب لم يزوجها أولياؤها من المخلوقين، وكانت تفخر بذلك على أزواج\nرسول الله - ﷺ - وتقول: \" زوجكن أولياؤكن.\nوزوجني رب العرش \".","vol":"3","page":656},{"text":"المتبنى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>قوله: (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا)</span>\nدليل على أن الحلائل يحرمن إذا كُن تحت أبناء الأصلاب وأن\nالمتبنى - وإن سمي ابنا - فنساؤه حِل لمتبنيه، وفي هذا تأكيد لما\nقلناه في سورة النساء من أن حليلة السبط حرام على الجد، لأنه ابنه","vol":"3","page":657},{"text":"وإن كان منحطًا بدرجة، لأن معنى قوله: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ)\nوَلَدْتموه لا مَن تبنيتموه. والله أعلم.\nذكر أن نبي كل أبو قومه.\n* * *\nقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ)\nأي لم يلد زيدا حيث يتبناه، فيكون أباه بالنسب لا أنه\nليس له حظ في أبوته التي هي لسائر المؤمنين، فإن كل نبي أبو قومه.\nوكان ابن عباس وغيره يقرأ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) - وهو أب لهم -\nوكذا تأويل قوله: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ)","vol":"3","page":658},{"text":"عندهم يذهبون به إلى أنه عنى نساء قومه، لا بناته.\nلأنه أبوهن.\nكرامة المؤمن.\n* * *\nوقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) .\nدليل على كرامة المؤمنين على الله، أنه حيث أشركهم في صلاته\nعلى نبيه - ﷺ - ثم خَصَّ نبيه - ﷺ -","vol":"3","page":659},{"text":"بأن أمر المؤمنين بالصلاة عليه، ولم يأمر بعضهم بالصلاة على بعض.\nوجعله في تشهد الصلاة على لسان رسوله - ﷺ - وضمه\nإليها آله.\nفاختلف الناس في آله:\nفمنهم مَن قال: آله كل تقي من أمته. وفيه حديث مرفوع","vol":"3","page":660},{"text":"ومنهم مَن قال: هم آل علي، وآل عباس، وآل جعفر.","vol":"3","page":661},{"text":"وفي ذلك إباحة الصلاة على كل مؤمن، وأنه ليس يضيق على من صلى\nعليه إذا ذكره، لأنه وإن لم يكن مأمورا به كما أمر في النبي - صلى الله\nعليه وسلم - فلم يفعل منكرا. بل فعل ما نزل به القرآن. ولعل\nحديث ابن عباس: \" لا ينبغي الصلاة مِن أحد على أحد إلا على النبي\n- ﷺ - \" وَهْمٌ من الراوي.","vol":"3","page":662},{"text":"ذكرالطلاق النكاح.\n* * *\nوقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ)\nدليل على أن لا طلاق قبل نكاح، وأن من طلق قبل النكاح فليس\nبطلاق. وهذا إذا قال لها: إذا تزوجتك فأنت طالق. ولو كان\nقال لها: إذا تزوجتك فدخلت دار زيد فأنت طالق، طلقت إذا","vol":"3","page":663},{"text":"تزوجها بدخول دار زيد، لأن الطلاق حينئذ واقع بعد النكاح بصفة عقدها\nعلى نفسه، فوقعت الصفة والمرأة في ملكه.\nفأكثر ما فيه أنه وصف صفة مجهولة الوقت، وهكذا تكون يمين\nبصفة، ولا فرق عندي بين من يبتدئ بهذه اليمين والمرأة في ملكه.\nوبين من يبتد بها وليست له بملك العقد، اليمين على صفة يقع\nالطلاق بها لا على الطلاق نفسه، وقد يجوز أن يكون كلاهما سواء فلا\nيقع بواحد منهما طلاق، والله أعلم كيف هو.\nذكر العدة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>قوله: (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)</span>\nدليل على أن للمطلق تحصين المدخول بها إلى انقضاء عدتها، لإضافة\nالعدة إليهم، فعدة المطلقات الآن على ثلاثة معاني، تعبد واستبراء، وحق المطلق في التحصين. وعدة الوفاة بعد الدخول كذلك.\nفإن كانت قبل الدخول خلا منها مُضِي الاستبراء، وبقي التعبد\nوالتحصين، لئلا يلحق بالميت عارُ رِيبةٍ إن حدثت.","vol":"3","page":664},{"text":"ذكر المتعة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>وقوله: (فَمَتعُوهُنَّ)</span>\nمنسوخة بآية البقرة، ومقتصر بها إذا طلقت على نصف الصداق\nدون المتعة، وكذا قال ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب.","vol":"3","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>وقوله: (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)</span>\nيؤكد قول من قال: لا يكون السراح من ألفاظ التصريح، لأن الله\nقال: (وَسَرِّحُوهُنَّ) بعدما أبانها الطلاق.\nوالتسريح في هذا الموضع إخراجها، لا إيقاع الطلاق عليها.","vol":"3","page":666},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>وقوله: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ)</span>\nنظير ما مضى في سورة النحل والعنكبوت من جواز الخروج من تمام\nقصة قبل الفراغ منها، ثم الرجوع إلى إتمامها.\nألا ترى أنه بدأ القصة بـ (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ) إلى أن حال بين\nتمامها: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ) ثم رجع إلى مخاطبته\nفقال: (لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ) .\nفرق بين النبي، ﷺ، وبين أُمته في الموهوبة.\nقوله: وكان بعض التابعين يذهب أن قوله: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ)\nفرق بين النبي - ﷺ - وبين أُمته في الموهوبة حلت\nله بغير ولي ولا صَداق، ولم تحل لأمُته امرأة إلا بولي وصداق. وأحسبه\nقتادة.","vol":"3","page":667},{"text":"فإن كان كذلك فهو تأكيد لإبطال نكاح الثيب بغير ولي.\nوأما قوله: \" ولا صداق \". فقد قال به غيره أيضا.\nوأكثر أهل العلم على أنه ينعقد بغير تسمية مهر. فإن توافقا قبل\nالدخول على شيء، وإلا كان لها صداق مثلها بعد الدخول، وفي\nالقرآن دليل على جوازه وهو موضوع في كتاب الطلاق من شرح\nالنصوص.","vol":"3","page":668},{"text":"وقد يجوز أن يكون قوله: \" ولا صداق \" عنى أن الفروج لا توطأ بغير\nصداق إلا وَطْءَ النبي - ﷺ - الموهوبة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>قوله: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ)</span>\nكان الحسن وقتادة يقولان: \" هو إباحة للنبي - ﷺ\n- أن لايقسم لنسائه، ويقولان في قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) أي لا يحزن إذا علمن أنك","vol":"3","page":669},{"text":"تفعل ذلك بهن برخصة الله لك فيهن.\nومفارقة الحسن سائر القراء في كسر الألف في: (إِن وَهبَت) .\nوفتحه لها.\nكذلك - إن شاء الله - لا يكون ذلك في امرأة واحدة، ولا ترجع:\n(تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ) على الموهوبات، ويكون لغيرهن من أزواجه من غير القسم.\nولا أحسب قتادة قرأه إلا كذلك أيضًا، لمتابعته له في هذا المعنى، بل\nقد روي عنه أن الموهوبة نزلت في ميمونة بنت الحارث، خالة ابن عباس","vol":"3","page":670},{"text":"ولا أدري ما وجه هذا من قولهما.\nفقد أجمع المسلمون إلا ما حكينا عنه، واتفقت الروايات على أن\nالنبي - ﷺ - تزوج ميمونة تزويجا، إنما اختلفت في\nأنه تزوجها حلالًا أو محرمًا","vol":"3","page":671},{"text":"وروي أنه جعل أمرها بيد العباس فزوجها منه.\nوأما القَسْم، فقد كان النبي - ﷺ - يطاف به\nمحمولًا على نسائه في مرضه حتى حللنه. فلو كان الله ﷿ -\nقد رخص له في ترك القَسْم لما احتاج إلى تحليلهن، وكان لا يشق","vol":"3","page":672},{"text":"على نفسه، ويكون عند من أحب منهن.\nوقد روي أن قوله: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا)\nنزل في سَودة حيث صالحها النبي - ﷺ - على أن يكون يومها لعائشة - ﵂ -","vol":"3","page":673},{"text":"ولا يطلقها.\nفلو لم يكن لها حق في القَسْم ما كان لصلحه إياها معنى،","vol":"3","page":674},{"text":"ولا استحال أن يصلح على غير حق، وكان رسول الله - صلى الله عليه\nوسلم - يقرع بين نسائه إذا سافر، ولا تخرج امرأة معه بغير قرعة.\nفلو كان مأذونا له في ترك القَسْم لما احتاج إلى هذا، ولكان سَهم القُرعة إذا\nخرج لامرأةٍ لا يوجب لها شيئا، ولكان تخيير أم سلمة حين تزوج بها في","vol":"3","page":675},{"text":"التسبيع عندها وعندهن، أو التثليث والدوران بعده - لا وَجه له.\nفكل هذا يدل على خلاف ما قالا - ﵄ - ويوجب أن\nيكون قوله: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ)\nفي الموهوبات على ما قرأت القراءة من كسر، وتكون قرة عَين المرجاة، وزوال الحزن عنها في المتروكات من الواهبات، لا في ترك القَسْم للمتزوجات.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>وقوله: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ)</span>\nدليل على أن الاستثناء واقع في ملك اليمين على الإناث دون الذكور.\nلابتداء الكلام بذكر النساء ثم الاستئناء منهن بهن. وهذا وإن كان في\nإجماع الأُمة محصلًا - والذكران من مُلْك اليمين معدود وطؤهم في","vol":"3","page":676},{"text":"عداد الفاحشة - كان دليل القرآن معه أقمع لفتنة المفتونين، وأعلى لحجة\nالمعصومين على المرتابين، ومثل هذا قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .\nالكلام مبتدأ بذكر النساء، والاستثناء واقع من ملك\nاليمين عليهن، فكذلك قوله في سورة المؤمنين، والسائل مثله\nلا يشك فيه إلا مفتون، مفترى على الله جل وتعالى.\n* * *\nوقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ)\nدليل على أن التحين بطعام من لم يُدعَ إليه منهي عنه، وقد أكد","vol":"3","page":677},{"text":"الحديث المروي وصححه: \" من دخل إلى طعام لم يُدع إليه دخل سارقا.\nوخرج مغيرًا \"، أو \" دخل فاسقا، وأكل حرامًا \".","vol":"3","page":678},{"text":"ذكر مُلكِ يمين المرأة.\n* * *\nوقوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ) .\nإلى قوله: (وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ)\nدليل على أن ملك يمين المرأة محرمها، إذ قد جعله - جل وتعالى - في\nجملة من لا تستتر عنه، ويدخل عليها بغير إذن.\nوملك اليمين في هذا الموضع جامع الذكور والإناث، فيكون عَبْد\nالمرأة في ذلك مثل أبيها وأخيها، وأمَتها مثل نسائها.\nذكر مَنِ انتقص واحدا من أصحاب رسول الله، ﷺ","vol":"3","page":679},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)\nإلى قوله: (فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)\nدليل على أن مَنِ انتقص عَلِئا أو عائشة أو واحدَا من أصحاب\nرسول الله - ﷺ - أو ذكرهم بغير الجميل\nفهو ملعون، لأن رسول الله - ﷺ - لا محالة يؤذيه\nذلك، وما آذى رسول الله - ﷺ - آذى الله جل\nوتعالى.\nوأن من آذى سائرهم من المؤمنين ظالما لهم فقدِ احتملوا بهتانا وإثما\nمبينا كما قال جل وعز.","vol":"3","page":680},{"text":"فيمن حلف على اجتناب مجاورة رجل.\n* * *\nوقوله تعالى: (ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)\nدليل على أن المجاورة واقعة على البلدة كلها، فمن حلف على\nاجتناب مجاورة رجل وَلا نِية له، حنث إذا جاوره في بلدة، وإنِ\nاجتنب محلته إلا أن تكون له نِية فيحمل عليها، لأن وقوع المجاورة\nعلى جميع البلدة لا يمنع من وقوعه على بعضها إذا قصد الحالف له.","vol":"3","page":681},{"text":"النظر إلى العووات عند الحاجة.\n* * *\nوقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) .\nدليل على أن النظر إلى العورات مباح عند الحاجة إلى إمضاء أحكام الله\nمثل هذا، أو مثل النظر إلى مُؤْتَزر السبي ليقتل مَن أنبت منهم، وعند\nالشهادة على الزنا،","vol":"3","page":682},{"text":"ونظر النساء إلى عذرة الجواري، لأن الله - ﷻ - لم يكن\nليكشف نبيه موسى - صلى الله عليه - لمن آذاه من بني إسرائيل إلا ليقفوا\nعلى براءته، ولا يكونوا ملعونين في تلك النظرة الواحدة إلى\nالمبرأ بها، وَلا موسى - صلى الله عليه - يكون مضيعا فرض الاستتار\nبالمعنى الذي بَرِئ به عند القوم مما رموه به، وكان بعيدا منه وجيهَا\nعند خالقه.","vol":"3","page":683},{"text":"الصدق والطاعة.\n* * *\nوقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)\nدليل على أن خير الدنيا والاَخرة جامعا يستنزل بالتقوى، والصدق\nوالطاعة لله - جل وتعالى - وهو نظير قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)، وقوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)","vol":"3","page":684},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>سورة سبأ</span>\nفضيلة لأهل العلم.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ)\nفضيلة لأهل العلم، ومدح لمن يعد الاحتجاج بكتاب الله الحق الذي\nلا يضاهيه حق، ولا تدانيه حجة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)</span>","vol":"3","page":685},{"text":"نظير ما مضى في سورة المؤمنين في فصل قوله إخبارا عن قوم نوح:\n(إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)\nمثله سواء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)</span>\nفيه - والله أعلم - ضمير: وقلنا: يا جبال.","vol":"3","page":686},{"text":"قوله: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)\nيقال في التفسير: ألانه له بغير نار يعمل به ما شاء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>وقوله: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ)</span>\nدليل على الاكتساب بعمل اليد، والتثبت في العمل، وتقديره\nوإحكامه.\nودليل على إباحة لبس الدروع، والتجارة في السلاح، وأنها لا تكون\nمؤثرة في التوكل، والفِرار من الأجل، وتكون حِرزًا بين لاَبِسها\nوبين ما يتقيه من الطعن والجرح، وجُنة من وصول المكاره إلى\nالمكان، والتوكل قائم على حاله.","vol":"3","page":687},{"text":"قوله: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ)\nحجة على المعتزلة والقدرية واضحة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>وقوله: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)</span>\nرَد على من يكذب بها، ودليل على أن النبي - ﷺ -\nوغيره يشفع، إذ استثناؤه - ﵎ - بالإذن في الظاهر عام لا\nخاص.","vol":"3","page":688},{"text":"الجهمية -\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>وقوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ)</span>\nحجة على المعتزلة والجهمية فيما يجحدون من الكلام.\nوينكرون من الصفات. وقد روي عن النبي - ﷺ -\nأنه قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمِعَ أهلُ السماء للسماء صلصلة كجر\nالسلسلة على الصفا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم.\nقالوا: الحق.\nفيقولون: الحق الحق.","vol":"3","page":689},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>وقوله: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)</span>","vol":"3","page":690},{"text":"نظير ما مضى في سورة طه من جواز المسألة عما السائل أعلم به من المسؤول.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>قوله: (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)</span>\nقال المفسرون: الحق العدل.\n(وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)\nكان قتادة يجعل (مَا) هاهنا بمعنى الجحد، كأنه يقول: إبليس هو الباطل، لا يبدي أحدًا ولا يعيده،","vol":"3","page":691},{"text":"كما يبدي الله الخلق ثم يعيده لخلقه، ثم يبعثه بعد موته. وهو حسن.\nوقوله، (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي)\nأي بالقرآن. والله أعلم. وهو حجة على من يحيد في الحجج عنه.\nولا يجعله إماما يأتم به فيها. وقد تقدم قولنا في نسبة الضلال إلى الإنسان في كثير من فصول هذا الكتاب بما يغني عن إعادته.","vol":"3","page":692},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>سورة الملائكة</span>\n* * *\nقوله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)\nحجة على المعتزلة والقدرية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)</span>\nمعرف مَن أغفل عداوته فاغتر بوسواسه واستفزته، وتصورت عنده\nفي صورة النصح، فهذه الآية تعرفه أن الشيطان عدو للإنسان فلا يكون\nله ناصحا أبدا، بل يوجب عليه اتخاذه عدوا إيجاب فرض. فعلى كل\nمسلم أن لايسلك مسلك دعائه، لأنه داع إلى السعير كما قال الله.\nوقوله الحق.","vol":"3","page":693},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>قوله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية.\nذكر أن الله في السماء على العرش.\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>قوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)</span>\nحجة قاطعة لكل لُبسة على مَن يزعم أن الله بنفسه في الأرض.\nفكيف يصعد إليه - ويحهم - العمل الصالح وهو مع عامله بزعمهم في\nالأرض، بل هو في السماء على العرش بلا مِرية ولا شك، وعلمه بكل مكان لا يخلو من علمه مكان.","vol":"3","page":694},{"text":"وهذه الآية مع ما فيها من الحجة على هؤلاء حجة على المرجئة فيما يعرون\nالإيمان من العمل الصالح، وهذا القول نفسه لا يرفعه إلا العمل الصالح\nكما ترى، فكيف لا يكون من الإيمان، والقول الذي هو عندهم كمال\nالإيمان لا يرفعه إلا العمل.","vol":"3","page":695},{"text":"التماس العز.\n* * *\nوقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)\nدليل على أن التماس العز لايكون إلا بطاعة الله، وأن ملتمس العز\nبغيرها لايزداد إلا ذُلًا.\nومن الناس من يقول: في العز ضمير العلم، كأنه يقول:\nمَن كان يريد عِلم العزة. وما قلنا أحسن، والله أعلم.\nالمعتزلة والقدرية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>وقوله: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية خانقة لهم، إذِ الأنثى لا محالة تحمل من\nحلال وحرام فيقال لهم: أرأيتم علمه في أنثى حملت من حرام، أكان\nمتقدما على الحمل أو حدث بعد الحمل،.\nفإن قالوا: حدث بعد الحمل، صرحوا بالكفر ووافقوا من قال: إن","vol":"3","page":696},{"text":"الله لا يعلم الشيء إلا بعد حدوثه، وهذا كفر بنفسه، إذِ العلم بالشيء\nبعد حدوثه يستوي فيه الخلق والخالق، والعالم والجاهل.\nوإن قالوا: قبل حدوثه.\nقيل لهم: فكيف استطاع طارح النطفة في رحمها ألا يطرحها، وقد\nعَلِم الله أنه سيطرحها ويخلق منها خلقًا، بل كان علمها قبل حملها وقد\nأكد ذلك في قوله: إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير.\nوفي تفسير قوله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ)\nوهذا المولود مُعمَّر أو مُنقص عمره قطع لكل لُبسة في أن خلقه في\nكتاب، وإذا كان خلقه في كتاب فلا محالة فعل خلقه في كتاب.\nوفاعله غير قادر على الفرار منه، إذ محال أن يقضي الله خَلْقَ خَلْقٍ في\nكتابه فلا يخلقه، أو يستطيع أحد دفعه،","vol":"3","page":697},{"text":"وفي زعمهم أن الزاني قادر على ترك الفعل الذي حدث منه الخلق إبطال\nلحكم الله، واضطهادا له وغلبة عليه، ونسبة إليه إيداع كتابه كذبا\nومحالا، وما لا يكون ويقدر المخلوق تغييره - جل الله عن ذلك وعلا\nعنه علوا كبيرًا - وهذا من أكبر حججهم فيما يرون، وأفحش شيء\nظاهرًا تشمئز منه أنفس العامة، ومن لا يأوي إلى طائل من علم.\nوثاقب من فهمهم فترى الجهلة المردة يستفزونها بقولهم الغث الفاحش\nالهابل اللفظ عندها، أيجمع الله بين الزاني والزانية ثم يعاقبهما عليه.\nفَلِم نهاهم إذًا عنه، وحدهما عليه. فيتعاظمها هذا الكلام، ولا يدرون\nما تحته مما أخرجناه عليهم في خلق المولود، وما قدمنا ذكره في\nالفصول كلها من أن الفحص عن عدله في ذلك وما ضاهاه مشاركة في\nالربوبية، وهتك لأستار سره، وخروج من العبودية، ويُنْسِئون ما\nأثرناه عليهم من مرض الصغار، وخَول العبيد، وعقوبة من لم يعص","vol":"3","page":698},{"text":"من ولد آدم ولم يشاركه في أكل الشجرة، وأشباه ذلك مما يجدونه مفرقَا\nمن هذا الكتاب، ومجموعا في كتابنا المجرد بالرد عليهم.\nالجهمية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُ</span>بُورِ (٢٢)\nحجة على المعتزلة والجهمية، لأنا لا نشك أن الله - جل وتعالى - ضرب هذه الأمثال للكافر والمؤمن وأن الحي هو المؤمن، والميت\nهو الكافر. فإذا كان المسمع هو الله - جل وعلا - ولا يستطيع ذو سمع\nأن يسمع بِسَمعه حتى يُسْمِعه الله، وكلاهما من المؤمن والكافر ذو سمع.\nعلمنا أن المؤمن سَمِع بتوفيق الله الموعظة فوعيها سمعه، وأوصلها إلى قلبه\nبمشيئته في نجاته، والكافر صَمَّ عنها بخذلان الله، وزوال توفيقه عنه\nفلم تعيها أذنه، ولم يقبلها قلبه لخلوه من مشيئة الله في المؤمن، ودخوله\nفي إضلاله.","vol":"3","page":699},{"text":"ذكر العلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>وقوله: (كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)</span>\nدليل على أن الخشية لا تثبت لأهلها إلا بالعلم، والعلم لا يتكامل\nلأهله إلا بالفكر في خلق الله، والإيمان بجميل صُنعه وقدرته المحيطة\nبخلقه، لأنه - جل وعلا - ابتدأ الآية فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا)\nوذكر الطرائق والغرائب، والناس والأنعام واختلاف ألوانها، ثم\nقال: (كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، فدل على أن\nالعلماء لهم فيما ذكره معتبر وفكر، وتولد خشية مِن قادر هذا فعله\nوصنعه.\nالجمع بين الغائب والحاضر في الخبر الواحد.","vol":"3","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>وقوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا)</span>\nمن أوضح الدليل على إجازة الجمع بين لفظ الغائب والحاضر في الخبر\nالواحد. ألا تراه قال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ) ثم قال: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، ولم يقل: فاخرج به.\nذكر تلاوة القزان.\n* * *\nوقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)\nإلى قوله: (إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)\nدليل على أن تلاوة القرآن عبادة برأسها، يثاب التالي عليها.","vol":"3","page":701},{"text":"وقد ذكر الله الربانيين بتعليم الكتاب ودراسته، فجعل الدراسة مدحًا\nلهم، فدل على أنها عبادة في صلاة وغير صلاة.\nوقد حوى الآية من الفائدة أيضًا أن نفقة السر والعلانية معا ممدوحة\nوأن طاعة تسمى تجارة، وفي إجازة ذلك دليل على أن التجارة في\nالشرى والبيع أيضًا سميت كذلك، لأنها تنمي المال، وتسوق المنافع\nوالأرباح، فليس لإبطال الشرى والبيع إذ خليا من إعمال اللفظ بهما\nعند العقد معنى إذا وقع ما باع وأخذ ما اشترى بعد أن يعرف من نهُي\nفي نفس الدفع والأخذ ولا يضره من خلو لفظ الشرى والبيع.","vol":"3","page":702},{"text":"وقد بيناه في سورة البقرة.\nذكر أن الله يزيد كل عامل على أجرة.\n* * *\nقوله تعالى: (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)\nدليل على أن الله - ﷻ - يزيد كل عامل على أجره، لأنه\nذو فضل، فالعامل فائز بفضلين.\nأحدهما: بالفضل الأول جعل الحسنة عشرة.\nوالفضل الثاني: ما يزيد على العشرة.","vol":"3","page":703},{"text":"ولا يجوز أن تكون الزيادة مصروفة إلى التسعة، لأن ذلك إنجاز وعد في\n* * *\nقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، فعشر أمثال العمل\nأجره، والزيادة تكون بعد الأجر، وكذا قال: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)، وقال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)، وقال: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)","vol":"3","page":704},{"text":"بشارة لهذه الأمّة.\n* * *\nوقوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)\nبشارة كبيرة لهذه الأمة، إذ قد وُعِدوا على اختلاف أحوالهم من\nالظلم، والقصد، والمسابقة معا بالجنة.","vol":"3","page":705},{"text":"وكان قتادة والحسن يقولان: \" الظالم لنفسه هو المنافق \" ولا أدري","vol":"3","page":706},{"text":"ما وجهه، فإن المنافق لا حَظ له في الجنة، ولا يكون مصطفى، والله\nجل وعلا - بدأ الآية بذكر المصطفين، ثم قال: (فمنهم) فالهاء\nوالميم راجعتان على المصطفين لا محالة، والثلاثة الأنواع كلهم مصطفون\nفي حكم الآية، وظاهر التلاوة، وقد قال: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)\nفكيف يكون الظالم مع هذا منافقًا.\nوالمنافق مخذول لا مصطفى، وموعده النار بل أسفل دركها.\nوهذه الآية من أكبر الحجة على المعتزلة في باب الوعيد، وعلى\nالشراة في باب إعدادهم الذنوب كفرًا.\nفأما على المعتزلة ففي إدخال الظالم نفسه الجنة مع المقتصد والسابق\nبالخيرات بإذن الله.\nوفي نفس إذن الله حجة عليهم أيضًا، لأن الإذن إطلاق لا علم.\nقد دللنا في غير هذا الموضع.","vol":"3","page":707},{"text":"والظالم نفسه في هذه الآية هو لمن تدبره: الذي يموت بغير توبة، لأنه\nلو كان تاب لكان مع المقتصدين والسابقين لا محالة، إذا التوبة حاطة\nللذنوب، ومبدلها حسنات والله - جل وتعالى - فَرَق المصطفين في\nالآية ثلاث فِرق، فلا يجوز أن نردهم إلى فريقين، والتائب راجع بتوبة\nإلى أحدهما زائل عنه اسم الظلمة لنفسه لا محالة، فالظالم في حكم\nالآية هو الميت بغير توبة، وليس بمستنكر أن يظلم المصطفى نفسه\nلجواز الذنوب عليه فكل مذنب ظالم نفسه، فالمصطفى يكون مذنبا ولا\nيكون منافقا.\nفنحن الآن نسامح المعتزلة في أن هذا الظالم الداخل في جملة المصطفين\nيمكن أن لا يدخل الجنة حتى يجازى بظلمه نفسه، وأرجو أن لايفعل الله\nبه؛ أليس قد وُعِدَ الجنة بعد ذلك مع المقتصدين والسابقين.\nفكيف يخلد إذًا المذنبون مع الكافرين في النار على زعمهم، والله قد\nوعدهم الجنة دون الكافرين.\nفهذا واضح لا إشكال فيه إن وقفوا لفهمه، وأضربوا عن اللجاج","vol":"3","page":708},{"text":"والعناد والمكابرة.\nوأما الحجة على الشراة، فإنهم يعدون صغير الذنب وكبيره كفرا.\nفلو كان المصطفى لما ظلم نفسه كفر لما دخل الجنة أبدا، تاب أو لم\nيتب، لأنهم لا يرون التوبة ولايقولون بها. وقد روي عن عمر بن\nالخطاب - ﵁ - أنه تلا على المنبر هذه الآية ثم قال:\nسمعت النبي - ﷺ - يقول: (سابقنا سابق.\nومقتصدنا ناجٍ، وظالمنا مغفور له \".\nوفي هذا إبطال قول من قال: الظالم هو المنافق.","vol":"3","page":709},{"text":"وقول الله - جل وتعالى -: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ)\nيشيد حديث عمر هذا.\n* * *\nقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)\nيؤكد ما قلناه، ويُثِبهم عن خطأ قولهم، لأنهم لا يسمون المذنب\nوإن مات بغير توبة كافرا، والله جعل الخلود في النار للكفار كما\nترى.\nوقال: (كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)\nولم يقل: كل مذنب،","vol":"3","page":711},{"text":"فليت شعري مَن المغفور والمتفضل عليه إذًا، وما معنى تسمية الله نفسه\nغفورا وعفوا إذا كان الكافر يخلد في النار، والمذنب الميت بغير توبة\nيخلد، والتائب محسن لا سبيل عليه مبدل سيئاته حسنات لا يدخل النار\nعندهم بَتة، ولا يقع عليه اسم العفو عنه، ولا المغفرة له، إذا المغفرة\nلا تكون إلا لذنب وجناية، والعفو لا يكون إلا عنها، والتائب قد لقي\nالله بريئَا منها، نقيا مِن رسمهما، قد طهرته التوبة وأعادتهما به\nحسنات، يستوجب عليهما الكرامات. وليس هناك بزعمهم من إذا\nدخل النار خرج منها بعفوه ومغفرته، أو لا يدخلها وإنِ استوجبها\nبتفضله ورحمته، ورأفته وإحسانه، فأرى على زعمهم قد بطل كثير من\nأسامي الله، وعادت عَواري - ويلهم - لا فائدة فيها مثل العفو\nوالغفور، والرحيم والرءوف، والمحسن، وهذا خروج من","vol":"3","page":712},{"text":"الإسلام، ودخول فى الكفر، فلو تدبروه باتقاء وخشية، وإضراب عن\nالعصبية، ونصرة الباطل، والمحاماة عن الأنفة من الرجوع إلى الحق.\nلعلموا أن ليس دون ما قلناه التباس يمنع، وأن دونه من البيان لمن\nأراد الحق مقنع.\nفإن قالوا: معنى العفو، أنه يعفو عن المسيء في الدنيا، فلا يعاجله\nبالعقو بة. والغفور لأنه يستره في الدنيا فلا يفضحه. والرحيم يرحم\nالطفل والبهائم، ويرأف بهم. والمحسن يحسن إليهم في\nالدنيا.\nأفيستحيل على من يفعل هذا في الدنيا بعبيده أن يفعل بهم في الآخرة\nمثله.\nفإن قالوا: يستحيل، كفروا وكاشفوا كافة الأمُة بالخلاف\nوإن قالوا: يجوز أن يفعل ذلك بهم في الآخرة كما فعل بهم في\nالدنيا.\nقيل لهم: فمن ْالذي يغفر له في الآخرة، أو يعفو عنه أو يرحمه.\nوأهل الجنة فلا، أغناهم بنعيمه عنها، وأهل الكبائر مع الكفرة مخلدون\nلاَ حَظ لهم بزعمهمْ، وأصحاب الأعراف ليسوا من هؤلاء ولا أولئك، إذ ليسوا في جَنة وَلاَ نار، وليس هناك فرقة جانية محتاجة إلى المغفرة والعفو.\nهل تكون - ويلكم - إلا أصحاب الكبائر","vol":"3","page":713},{"text":"والمذنبين الميتين بغير توبة، الذين ظلمتموهم، وافتريتم على الله فيهم.\nفخلدتموهم مع الكفار مِن عَبدَة الأوثان والمتخذين مع الله، إذ كان أهل\nالجنة بجنتهم مستغنين، والكفار بخلودهم في النار آيسين، وأصحاب\nالأعراف في الجنة طامعين، ومن النار فرقين.\nفإن قالوا هم أصحاب الأعراف.","vol":"3","page":714},{"text":"قيل لهم: أليسوا هم مذنبون، وقد زعمتم أن المذنب يخلد في النار\nمع المجرم من الكفار.\nفإن قالوا: يخلد أصحاب الكبائر، ويغفر لأصحاب الصغائر.\nتحكموا تحكما ثانيا، وطولبوا بإقامة الدليل عليه، فإن احتجوا بقوله:\n(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) .\nقيل: هؤلاء قوم لا يدخلون النار بَتة، لأن سيئاتهم تكفر عنهم\nبمصائب الدنيا، فيلقون الله ولا خطيئة عليهم، وأصحاب الكبائر","vol":"3","page":715},{"text":"مع الله - جل وعلا - في منزلتين، إما أن يجود عليهم فلا يدخلون النار\nبَتة لقوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)، ولقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .\nوإما أن يدخلهم النار ثم ينجيهم لقوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)","vol":"3","page":716},{"text":"على ما بيناه ولخصناه في سورة مريم.\nثم إنهم لو طولبوا بتسمية الكبائر ما وفوا بها حق الوفاء، لحجج\nالكتاب والسنة والإجماع. إذ كل ما نهى الله - جل وعلا - عنه\nكبير، وإن كان عند جانيه صغيرًا.","vol":"3","page":717},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>سورة يس</span>\nالمعتزلة.\n* * *\nوقوله تعالى: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)\nحجة على المعتزلة والقدرية، وهو القول الذي قال - والله أعلم -:\n(وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) .\nوقال على إثره ما أزال ١٤٥١/ أ، به كل ريب، وكشف كل لُبسة فقال:\n(إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) .\nأفليس","vol":"3","page":718},{"text":"قد أخبر نصا أنه حال بينهم وبين الإيمان والجَنة بهذه الموانع التي ذكرها.\nوهل ترك متعلقا للقوم بعد هذا لولا جهلهم ومكابرتهم.\nثم أكدهم بتأكيدِ ثانِ فقال: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) .\nالإيمان.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) .\nحجة عليهم، إذا الإيمان والكفر، والخير والشر شيء كله، فإذا\nكان محصى في كتابه قبل الفعل، فهل يجري الفعل - ويحهم - إلا\nعليه.\nذكر الشهيد.\nوفي قوله: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)","vol":"3","page":719},{"text":"دليل على أن الشهيد يدخل الجنة قبل يوم القيامة لأنه حي يتكلم كما\nترى، ومثل هذا قوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) .\nفإن قال قائل: فَمَالَك قلت في سورة الملائكة عند قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا)، إذ ناقضت المعتزلة في باب الوعيد والتائب مستغن بتوبته عن العفو والمغفرة، والله تعالى يقول\nفي حبيب النجار كما ترى إخبارا عنه، وقد مات محسنا شهيدا،","vol":"3","page":720},{"text":"قيل: إنما قلته هناك على وجه المناقضة، ليتبين للقوم خطأ مذهبهم\nفي الوعيد، إذ هم يَرون العقوبات والكرامات معا باكتساب العبيد محضا\nلا يشوبه تفضل على محسن، وَلا قضاء على مجرم، فأريتهم على قياد\nمذهبهم ما هدم بنيانهم الذي بنوه في الوعيد، وفي هذا معا على\nالباطل، ليكونوا على يقين من كسر قولهم، وفساد نحلتهم، فأما\nنحن فلا ننكر أن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين محتاجون إلى فضل\nرحمة الله لا ينجي أحدا منهم عمله إلا أن يتغمدهم الله بفضله\nورحمته، كما قال رسول الله - ﷺ - وكيف\nتنجيهم أعمالهم ويدخلون الجنة بها وحدها، وهي لو قِيست بنعمة\nواحدة من نِعم الله عليهم في الدنيا ما وَفت، فكيف بجميع نعمه","vol":"3","page":721},{"text":"وما لا يحصى منها، وكل محتاج إلى مغفرته وتفضله، وإن حسن عمله.\nفإن قيل: فما معنى قوله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) .\nوقوله في غير موضع: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .\nقيل: هذا زيادة فضل منه ﷿، وتثنية كرم وجود أن يشكر","vol":"3","page":722},{"text":"لهم ما أنهضهم إليه، ويثني عليهم بما وفقه لهم، ويسره عليهم حتى\nفعلوه.\nألا تراه يقول: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) .\nوقد قال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) فأثنى عليهم بفعل حقيقته منه، وبقوته وعونه فأضاف إليهم في حال، وكتب لهم به عملًا صالحًا، وكل هذا رد على المعتزلة والقدرية في أن الفعل وإن نسب إلى فاعله فحقيقته من عند خالقه، وما يثيب المحسن عليه فضل، وما يعاقب المسيء عدل. ولم، وكيف، منقطعان في الحالين معًا، إذ ليس للعبد أن يعترض على\nخالقه في أحكامه، والخالق يفعل ما لا يبلغه علم عبيده، وعليهم\nالتسليم به على ما تصرفت أحكامه في أفهامهم، وعقولهم الناقصة\nولذلك - والله أعلم - قال: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>وقوله: (وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)</span>\n(الهاء) - والله أعلم - راجعة على جنس الثمر.","vol":"3","page":723},{"text":"(وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ)\nأي ما غرسوا وزرعوا - والله أعلم - ومنهم من يجعل (ما) فيما\nعملته أيديهم جحدا، بمعنى أنهم لم يعملوه في الحقيقة هم.\nوإن باشروه بأيديهم، بل الله عامله إذ هو مخرجه من العدم إلى الوجود\nويحتجون بالآية التي بعدها: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>وقوله: (أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)</span>\nنظير ما مضى في سورة الأنعام عند قوله: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا) .","vol":"3","page":724},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>سورة الصافات</span>\n* * *\nقوله تعالى: (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)\nحجة على المعتزلة والجهمية، ألا ترى إلى مخاطبة هذا لِقرينه الذي كان\nحريصا على إغوائه في الدنيا بما يقول له: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) .\nفأعلمه أنه لم ينجُ مما كان يدعوه إليه قرينه، ويزينه له إلا بنعمة ربه لا\nبطاقته واستطاعة نفسه.\nالمعتزلة.\nوقوله تعالى: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)\nحجة على المعتزلة والقدرية، ومعنى هذه الحجة أن الظالمين لما ذكرت","vol":"3","page":727},{"text":"شجرة الزقوم في سورة بني إسرائيل في قوله: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) افتتن بذكرها الظالمون فقالوا: \" يزعم محمد أن في النار شجرة، والنار تحرق الشجر، وتأكله \"، وكان نزول بني إسرائيل قبل نزول الصافات، وكلاهما مكيتان، فقال نصا كما ترى\nفي هذه السورة: (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)،\nإذ قولهم لا محالة في الشجرة تكذيب في القرآن ونسبة الرب إلى النسيان.\nوهذا من أكفر الكفر الذي ازدادوه إلى كفرهم، فليعدوا الجعل كيف\nشاؤوا في هذا الموضع فإنه حجة عليهم.","vol":"3","page":728},{"text":"وقد دللت إلى الفرق بين الفتنة والفتون بما يغني عن إعادته في هذا الموضع\nالتقليد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>وقوله: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)</span>\nذم للتقليد كما ترى، ولسنا نريد بهذا القول: أن تقليد العلماء في\nالعلم كتقليد هؤلاء آباءهم جميع جهاته، ولكنا ننبه المقلدين أن من لهى\nعن طلب الحجة والفحص عن الأشياء، وبذل الجهد في الاستقصاء في","vol":"3","page":729},{"text":"أمر الدين، وعول على التقليد أداه إلى ما لا تحمد عاقبته، ولا يرتضى\nطريقه، كما أدى هؤلاء حين لهوا عن آيات الرسل، وما أتوهم به\nمن الحق عن ربهم، فظنوا أن آباءهم أصدق من رسلهم، وأعرف\nبمواضع الحجة من أنفسهم.\nالمعتزلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>وقوله: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)</span>\nحجة على المعتزلة في خلق الأفعال، لأن الله - ﷻ - لم يخلق\nالصنم صنما منحوتا صورة كما خلق سائر الصور، والقوم لم يعبدوا ما\nنَحتوا منه الصنم كهيئة ما خلقه الله. فكيف يجوز أن يكذب عليهم\nإبراهيم - ﷺ - مع نبوته وخلته، فيوبخهم على ما لم\nيفعلوا. إذا القوم لم يعبدوا حجرا، ولا خشبا قبل النحت، وإنما\nوبخهم على ما فعلوا، وفعلهم في العبادة واقع على صورة الصنم لا\nعلى الشيء الذي نحت منه الصنم، فليس يخلو قوله: (وَمَا تَعمَلُونَ)\nمن أن يكون واقعا على نص النحت وهو عمل، أو عليه وعلى غيره","vol":"3","page":730},{"text":"من الأعمال. وعلى ما وقع من هذين فالحجة ظاهرة عليهم.","vol":"3","page":731},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>وقوله: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)</span>\nحجة عليهم في تبري إبراهيم - صلى الله عليه - من الهداية\nوالاستهداء من ربه.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>وقوله: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)</span>\nدليل على أن رؤيا الأنبياء حَق، يعلمون به كما يعلمون بالرسالة.\nويثبت به الحجة على الناس ثبوتها بالرسالة.\nوقوله إخبارًا عن الغلام: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ)","vol":"3","page":732},{"text":"حجة على المعتزلة والقدرية، ألا ترى أن الغلام كيف استثنى في صبره\nعِلْما منه بأنه غير مالك له، وأن الله - جل ئناؤه - هو الذي يصبره\nوكذا قال الله لنبيه محمد - ﷺ -: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) فيسأل الصبر، إنه غير مملوك ولا مستطاع إلا بالله، وقد\nأمر الله به الناس كافة فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا)، أفيجوز لأحد أن يقول: أمر الله المؤمنين بشيء قد أخبر أنهم لا يستطيعونه إلا به، وذلك ظلم منه كما يزعمون\n- ويلهم - أن المدعي على الله - ﷻ - بقضاء المعصية على من\nأمره بتركها مجوره. أَوَلا يعتبرون أن الأعمال كلها أسوة الصبر قد أمر\nالله المأمورين بجميعها، وطاقتهم فيها معا طاقة واحدة لا يقدرون على\nشيء منها إلا به، كما لا يقدرون على الصبر إلا به، والله - جل\nوتعالى - عادل فيما أمرهم، ومتفضل على من أعانه عليه، وغير","vol":"3","page":733},{"text":"جائز على من حجب عنه المعونة ثم عاقبه على الجناية، ونسبها إليه\nوسماه بها ظالما، ونفسه عادلا، وكل ذلك حكم منتظم وخبر\nصادق، وعلم كيفيته وكيفية صدقه محجوب عمن هو عبد ذليل\nبالعبودية جاهل بكل ما لم يعلم. ألا ترى إلى قول الملائكة: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا)، وهذا علم لم يُعلِّمه اللهُ بشرًا\nولا مَلَكًا، بل ألزم الجميع أن يؤمنوا بعدله عرفوه أم لم يعرفوه، كما\nألزمهم سائر الفرائض ليكونوا عبيدا مقهورين مؤتمرين غير مقحمين على\nما لم يطلعوا عليه من سره في قضائه وقدره.\nوفيما أخبر عن الغلام أيضًا دليل على الاستثناء مقدما ومؤخرا.\nاستثناء محسوب لمستثنيه، فهو هاهنا مقدم، وفي قوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) مؤخر.","vol":"3","page":734},{"text":"وقوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) .\nدليل على أن كلام الله غير مخلوق.\nوفيه دليل على أنه رأى في المنام أنه يقدمه للذبح لا أنه يذبحه، إذ لو\nكان رأى ذبحه ما صدق رؤياه بالتقديم للذبح، فيكون قوله: (أَني\nأَذبحكَ) أسوة سائر ما ضاهاه في القرآن على سعة اللسان مثل قوله:\n(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، فإنما هو مقاربة الأجل -\nوهذا مقاربة الذبح. والله أعلم كيف هو.","vol":"3","page":735},{"text":"وفي قوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)\nتأكيد لما قلنا، والبلاء في هذا الموضع الاختبار - والله أعلم - ونحر\nالولد من أشد الاختبار وأثبته، فوجد الخليل وابنه معا سمحين به متبعين\nرضا مختبرهما - جل وعلا -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>قوله: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)</span>\nدليل على أن الذبيح إسماعيل، وكان أبو الخطاب قتادة بن دعامة\nيوافق من قال: هو إسحاق، ويزعم أن الله جعله نَبيا جزاء","vol":"3","page":736},{"text":"لاستسلامه للذبح.\nوليس عندي في هذا معتبر، لأن الغلام المفدا من الذبح قد كان\nاستحق النبوة بنبوة إبراهيم قبل ابتلائه بالذبح، بل أدل\nما قال: إن الله جعله نبيا لِيُقر عَيَن إبراهيم - صلى الله عليه - به\nجزاء له على ما صبر، وَوَطن نفسه على ذبح إسماعيل - صلى الله\nعليه - لأن البشارة بإسحاق كانت بعد أن فدي الغلام بالكبش، فلو\nكان المفدى إسحاق لكان: وبشرناه نبيا.\nوالله أعلم كيف هو مع أن قول الرجل للنبي - ﷺ\n- \" يا ابن الذبيحين \" وترك إنكار النبي - ﷺ -","vol":"3","page":737},{"text":"يؤيده.\nوالخبر وإن كان في إسناده بعض المقال فشهرته واستفاضته تؤيده\nوقوله في موسى وهارون: (وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) .","vol":"3","page":738},{"text":"حجة على المعتزلة.\nذكر القول فى عمل السىء.\n* * *\nوقوله تعالى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)\nدليل على أن العمل السييء لا يعدِم ما تقدمه من الصالح، وأن المرء\nيحفظ صالح عمله، وينجو به من المهلكات.","vol":"3","page":739},{"text":"وفيه دليل على أن المسلم وإن عُوقِب بجنايته لا يخلد بها في العذاب.\nوأن الصالي بالخلود في عذاب جنايته هو الكافر دون المسلم، وفي ذلك\nدحض الحجة على المعتزلة في باب الوعيد بَينا لمن تدبره.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>قوله: (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)</span>\nكان الحسن البصري - ﵀ - يقول: \" يعني: يا بني إبليس.\nإنكم لن تستطيعوا أن تُضِلوا أحدا إلا مَن كان في علم الله أن يَصلَى\nالجحيم \".\nوهو حَسَن من قوله، وبراءة مما رُمي به من القدر، وحجة على من\nيحسب أنه منهم.","vol":"3","page":740},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>وقوله: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)</span>\nفيها إضمار - والله أعلم - كانت تقول الملائكة: وإنا لنحن\nالصافون، لأنه لم يجرِ لهم ذكر قبل هذا إلا في قوله: (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)، إلى قوله: (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) .\nفيحتمل أن يكون معنى هذا الفصل أن يقول: كيف تكون الملائكة أولادَ الله، وهم مقرون بأنهم صافون\nوالمسبحون، يفعلون فِعل العبيد، ولو كانوا أولادا ما كانوا عبيدا.\nفيكون حينئذ كقوله: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)\nتكذيبَا لمنِ ادعى له ولدا، وإذا كان ذلك كذلك كان أيضَا حجة في أن الابن يعتق على الأب إذا مَلَكه، إذ محال أن","vol":"3","page":741},{"text":"يجتمع على نفس واحدة بنوة وعبودة لشخص في حكم التلاوة.\nوكان عكرمة يقول في قوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا)\nقال: \" جعلوا بنات سراة الجِن بنات الله - ﵎ - \".\nفكأنه يقول: كيف تكون بين الجِنة وبين الله نَسَب.\nوهم عالمون بانهم محضرون في عذابه، فلو كانوا أبناء صرف عنهم\nعذابه.\nوالله أعلم بكل ما أراد من ذلك.","vol":"3","page":742},{"text":"المعتزلة والقدرية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>قوله: (وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية، إذ لو كانوا مِن مَالكي أنفسهم.\nمتصرفين في استطاعتها على نحو ما يذهبون إليه لآمنوا بمجيئهم\nذكر أوليهم فلا يعتبرون أن مَن تمَنى شيئَا لشيء فأعطيه وهو لا يشك في\nالوصول إليه بعد إعطائه مُنَاه، ثم لم يصل إليه أن هناك حِرمان أقعده\nعنه، وَفَوات قَسْم لم يقسم، ولا يجوز صرف كفرهم في هذا الموضع\nإلى الجحود، لأن الجاحد لا يتمنى الأماني بل يُصر على العِناد في\nالعيان والبلاغ الذي يزيل الريب عما قلناه، وتحقق ما احتباناه\nفانتزعناه.\nقوله إخبارا عن قوم النار (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)\nثم قال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)","vol":"3","page":743},{"text":"فهل بعد معاينة أهوال الموت والحشر والقيامة والنار ارتياب\nيصد المرء عن الإيمان، لولا زوال استطاعة عن شيء لم يُقْسَم له، ولم\nيُمتن به عليه بل حِيل بينه وبين الوصول إليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>وقوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)</span>\nحجة عليهم واضحة.","vol":"3","page":744},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>سورة ص</span>\nقوله ﷿: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا)\nرذ على من قال: إن الله سبحانه بنفسه في الأرض.\nذكر أن المؤمن يكون مسخرًا وإن كان موفقًا.\n(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)\nرد على مَن قال: إن المؤمن لا يكون مسخرا، إنما يكون موفقا\nوالمؤمن وإن كان موفقا فليست تمتنع اللغة أن يكون مسخرا للخير، ألا\nترى أن الجبال والطير مسخران في هذه الآية للتسبيح مع داود - صلى\nالله عليه - والتسبيح طاعة،","vol":"3","page":746},{"text":"فلذلك (١) قوله: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ) .\nوهم دائبون في طاعة، يسيرون في الفلك ليلا ونهارًا.\nفالسخرة: اسم موضوع لحمل الإنسان على شيء مكره. فمن\nأُكره على الخير، أو على الشر فهو مسخر، أي محمول عليه وإن لم\nيشتهيه..\nوالتسبيح يقع على الصلاة وعلى التنزيه معا، فقد يجوز أن يكون داود","vol":"3","page":747},{"text":"- ﷺ - كان مع تنزيهه لله عن السوء يصلي\nالضحى، والطير والجبال ساعدون على التنزيه دون الصلاة، وذلك\nأنه رُوي عن ابن عباس أنه قال: \" كنت أَمرُّ بهذه الآية: (بِالعشي والإشراق) فلا أدري ما الإشراق، حتى حدثتني أم هانئ أن النبي - ﷺ - صَلى يوم الفتح الضحى ثماني ركعات. وقال: \" هذه صلاة الإشراق \"","vol":"3","page":748},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>وقوله: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ)</span>\nاسم الخصم واقع على الواحد والجماعة، فقد يحتمل أن يكون\nتسور عليه من أكثر من مَلَكين، وخاطبه ملكان، لأنه قال: (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ)، و(إِذْ دَخَلُوا)، ثم قال: (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ)\n، و(إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ)، ويقال: إنهما كانا","vol":"3","page":749},{"text":"جبريل وميكائيل - صلى الله عليهما - لأن الله آخى بينهما في\nْالسماء، ويحققه قوله: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ) .\nوفي قوله: (تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ)\nدليل واضح غير مشكل على إباحة المعاريض، فإنها غير معدودة في\nعداد الكذب.","vol":"3","page":750},{"text":"وقد قيل: إن النعجة ليست بكناية عن المرأة بل نفس المرأة تُسمى\nنعجة كما قال عنترة\nيا شاة ما قنص بمن حلت له\nحرمت عليَّ وليتها لم تحرم\nوهذا وإن كان كذلك فليس يمنع من أن يكون الخطاب حجة في جواز\nالمعاريض، لأن الملَكَين لم يكن لهما نعاج النساء، وَلاَ نعاج الغنم.\nوقد قال مخاطبَا له، (وَلىَ) كما قال، ولم يكن لهما في الحقيقة.\nولكنهما أرادا تنبيه داود - صلى الله عليه - على خطيئة فانتبهوا لها.\n(وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)","vol":"3","page":751},{"text":"وفي قوله: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)\nدليل على أن العرب وإن سمتِ النساء بالنعاج، فهي في هذا الموضع\nنعاج الغنم، لأن الخلطاء لا يكونون في النساء إنما يكونون في الغنم.\nوفي قولهما له: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)\nدليل على أن الخصوم إذا خاطبوا الحاكم بمثله، وقالوا: اعدل في\nحكمك، ولا تجر علينا لم يكن ذلك منهما سوء أدب، ولا يجاز\nللحاكم أن يحد عليهما ولا يعاقبهما.\nفإن قيل: أفليس قد أنكر النبي - ﷺ - على الرجل\nالذي قام عليه وهو يقسم قسما فأمره بالعدل،","vol":"3","page":752},{"text":"قيل: إنما أنكر عليه قوله: \" فإنك لم تعدل \". ولو قال له: اعدل\nوسكت ما أنكر عليه، لأن الأمر بالعدل بترك الحيف أمر بالمعروف وكلام\nحق.","vol":"3","page":753},{"text":"وقوله: فإنك لم تعدل للنبي - ﷺ - منكر، بل كفر لمن\nتعمده. وهذان الملكان خاطبا خليفة الله داود - صلى الله عليه -\nوللخصوم بعدهما قدوة بهما، وللحكام قدوة بداود - صلى الله عليه.\nوفي إطباق القراء وهجاء مصاحف الأمصار على: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) سوى الضحاك بن مزاحم فإنه قرأ: (قُل رَبي أحْكَمُ)","vol":"3","page":754},{"text":"قطع من كل لبسة في أن ذلك جائز، لأن الله - ﷻ - لا يحكم إلا\nبالحق وقد. . . الحكم بالحق كما ترى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>وقوله: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ)</span>\nالظن بمعنى العلم - والله أعلم - أي علم داود.\nوالدليل عليه استغفاره وتوبته، لأن بالشك لا يتحقق الذنب.\nفللتائبين بعده أن يقتدوا به - صلى الله عليه - في التوبة، فيستغفروا\nخارين بين يدي ربهم في السجود، لأنه أجدر بالغفران لصاحبه إذا تذلل\nبالسجود لخالقه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>قوله: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)</span>\nحجة على المعتزلة، ألا تراه - ﷻ - بعد أن أخبر بالإضلال","vol":"3","page":755},{"text":"عن نفسه، وعن عَدوه الشيطان، أخبر به في هذا الموضع عن الهوى\nوأخبر بعد الهوى عمن له الهوى بأنه يضل هو عن الهوى. فأي شيء\nيلتمس أوضح من هذا، وهل يكون كل من أخبر عنه بذلك إلا تَبعا\nله، إذ لا يجوز بتة أن يجعل تبعا لهم، فقد بَان كل البيان أن الضلال\nمقضي به على صاحبه أضيف إليه أو إلى غيره.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>قوله: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)</span>\nحجة لمن يجعل القرآن نصب حججه في أحكام إسلامه، وشرائع دينه\nوانتزاعاته في جميع علومه، فمن تدبر آياته أدته إلى حقائق الأحكام.\nوتذكر أولي الألباب لا يكون إلا به، وكذا قال: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)، ولهما أشباه في القرآن.","vol":"3","page":756},{"text":"قو له: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ)\nدليل على أشياء.\nفمنها: أن الولد من هِبة الله لأبيه، فإذا كان صالحا لم يكن عليه فِتنة.\nومنها: الاستغناء بأجزاء الكلام عن أوله بما يدل عليه سياقه، لأنه\nلم يذكر فوات الذكر له قبل الإخبار عن سليمان بقوله، ومعاقبة نفسه.\nومنها: الاستغناء بالإشارة إلى المعنى في الأوقات عن اللفظ.\nلقوله: (حَتَّى تَوَارَت بِاَلحجَابِ) ولم يجر للشمس ذكر.","vol":"3","page":757},{"text":"ومنها: إجازة التكرير والتأكيد مع ذلك تارة وتارة (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ)\nومنها: أن الصلاة يقال لها: ذكر كما هي، وفيها أفعال.\nومنها أن هذه الصلاة كانت صلاة العصر، لذكره العشي، وتواري\nالشمس بالحجاب بعده.","vol":"3","page":758},{"text":"ومنها: أن النفس تعاقب على اشتغالها بالدنيا عن الآخرة، إذ فعل\nسليمان - ﵇ - في الجياد عقوبة لنفسه، وحملها على ما كرهته من\nفوات ما أحبته\nونبي الله سليمان - ﵇ - قدوة مَنِ اقتدى به، وقد اقتدى به\nعمر بن الخطاب - ﵁ - حيث خرج إلى أرضِ له، ففاتته\nصلاة العصر فتصدق بها. وقيمتها مائة ألف.\nومنها: أن أكل الخيل جائز، إذ لا يجوز على نبي الله سليمان في","vol":"3","page":759},{"text":"منزلته من الله أن يعاقب نفسه تقربا إلى الله في شيء يعود ظلمه\nعلى بهيمة أو حيوان إلا وتلك البهيمة تمسح بالسوق والأعناق مجعولة","vol":"3","page":760},{"text":"للمساكين يأكلونها، فتكون زيادة في قربته، ولا تكون إفاتة نفسها إلا\nمنفعة لا عبثا وظلما. ألا ترى أن رسول الله - ﷺ -\nقال: \" من قتل عصفورًا عبثًا عَجَّ إلى الله - ﵎ - فقالت: يا رب\nإن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة \".","vol":"3","page":761},{"text":"ونهى عن صبر البهائم.","vol":"3","page":762},{"text":"وأن تتخذ شيئا فيه الروح غرضَا، لأن الله - ﷻ - لم يبح قتل\nالروحانيين من غير الناس إلا ما ذبح لمأكلة مما أباح لحَمه، أو كان مؤذيا\nفيقتل مثل الحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، وأشباه ذلك\nمما أباح قتله في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ -،","vol":"3","page":763},{"text":"فكل هذا دليل على أن سليمان - صلى الله عليه - وإن عاقب نفسه بقتل\nجياده فلم يقتلها إلا لمنفعة المساكين ومأكلهم.\nومنها: أن المذبوح إذا أبين رأسه جاز أكله، ولم يكن مكروها في\nالذبائح، لأنه روي أن سليمان - ﵇ - ضرب أعناقها\nبعدما عقر سُوقها.","vol":"3","page":764},{"text":"ومعنى عَقْر السُوق - والله أعلم - كمعنى الإشعار في البدن في\nشريعتنا ليدل بها على أنها مجعولة شعائر تذبح لله، فكأنه مسح سوقها\nليدل بها على أنها مجعولة لله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>قوله: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)</span>\nدليل على جواز ضرب النساء فيما دعا إلى صلاحهن وأدبهن.\nوأوبهن إلى الله - جل وتعالى - لأن امرأة أيوب - صلى الله عليه -\nكان لقنها إبليس شيئا تُشير به على أيوب، وأريها أن شفاءه من بلائه\nفي ذلك، فكان قبولها ذلك منه، ومشورتها به على أيوب معصية.\nفحلف أن يضربها عليه مائة جلدة. وفي هذا تأكيد قول أهل الشام","vol":"3","page":765},{"text":"فيما رأوا التعزير مائة.\nوقد أباح الله ضرب الناشز في كتابه، ونشوزها معصية.\nفللزوج أن يضربها على كل ما كان معصية منها، وأذى عليه.\nفأما ما آذاه مما ليس بمعصية منها فليس له أن يضربها، بل ينهاها\nبلسانه نهيا، ولا يفضي إلى الضرب.","vol":"3","page":766},{"text":"وفي براءة أيوب - صلى الله عليه، - من يمينه وبِرّه فيها بإعمال\nالضِغث مرة واحدة دليل واضح، وحجة لمنِ يقول: الأيمان على الأسماء\nليس على المعاني، لإحاطة العلم بأن ممُاسة شماريخ الضِغث لا يؤلم\nالمضروب كما يؤلمه تفريق عدد الضرب عليه. وأيوب - ﵇ -\nلا محالة حين حلف عليها قَصد لضرب مفرقٍ يُعدُّ عدَّا واحدًا بعد\nآخر. إذ محال أن يكون عَرَف الضِغث قبل أن يأمره الله به، وكذا ضَرْب النبي - ﷺ - الزاني النّضْو الخلق\nبِعثكال النخل ضربة واحدة بما فيه مائة شمراخ، وقد أمر الله بجلد","vol":"3","page":767},{"text":"مائة، فهو يؤكد هذا.\nوكان وكيع بن الجراح يفتي فيمن حلف أن يضرب رجلا ضربة\nبالسيف أن يضربه بعرضه، فيخرج به من يمينه، وقصد الحالف","vol":"3","page":768},{"text":"لم يكن للعرض، فهذا حجة له، لأن اسم الضرب في الظاهر شامل لما كان\nبالعرض والحد، فيخرج من هذا أن الحالف على ترك لبس ما غزلته\nامرأته، إذا باعه واشترى بثمنه غيره فلبسه لم يحنث. وما ضاهى هذا\nمن أيمان الحالفين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>وقوله: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية.","vol":"3","page":769},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>سورة الزمر</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)</span>\nفيه ضمير \" يقولون \"، أو \" قالوا \" وما أشبهه، والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)</span>\nدليل على أن المؤمن هداه الله إلى إيمانه. وهو حجة على المعتزلة في أشياء:","vol":"4","page":3},{"text":"فمنها: ما يزعمون: أن الله - ﷻ - ليس له في فعل العبد\nصنع بمعونة ولا غيرها، وقد أخبر - نصًّا ها هنا - أن الكافر محتاج إلى\nهداية الله إيَّاه - والمؤمن به اهتدى.\nومنها: ما يلزمهم في ادعاء العدل - الذي لا يعقلونه - من مطالبة\nالكافر بالإيمان، وعقوبته على الكفر، وليس يقدر على ما أمر به إلا بهداية\nآمره، كما ترى.\nومنها: يزعمون: أن إخراج أهل الكبائر من النار لا يجوز على الله","vol":"4","page":4},{"text":"من جهة أنه خُلْف، وقد قال - نصًّا ها هنا -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)\nوقد هدى من الكفار من لا يحُصى. أفليس بينًا\n- لمن تدبره - أن الموعَد بالعقوبة، إذا تركت له فهو من تاركه كرم، لا\nخلف وأن من قال: لا يهديه من الكفار، والكذابين، إما أن يكون\nخصوصًا في قوم بأعيانهم، حتم أن لا يهديهم، لما سبق في قضائه من\nشقوتهم، أو يكون بمعنى لا يهديهم طريق الجنة، إذا ماتوا على كفرهم\nوكذبهم، كما قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) .\nفهو لمن مات على شركه.\n* * *\nوقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) .\nلمن تاب في حياته. وأيهما كان - من هذين المعنيين","vol":"4","page":5},{"text":"- فهو حجة عليهم، إذ توهم معنًى سواهما كفرٌ صراحٌ لا التباس فيه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>قوله: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) </span>.\nنظير ما مضى من قوله: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) .\nهو حجة فيما نمثله - للمخالفين - في الاحتجاج عليهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)</span>\nدليل على أن الله - ﷻ - خلق ذرية آدم في صلبه، مودعين على\nصور الذر، كما روي في الخبر، قبل خلق حواء، لأن \" ثم \"","vol":"4","page":6},{"text":"حرف يستأنف به الكلام، ويقطع الأول عن الآخر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>قوله: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ)</span>\nدليل على أنها منزلة من الجنة. ويؤيده حديث رسول الله، ﷺ، في الماعزة: \" امسحوا رُغامها فإنها من دواب الجنة \".\nفإن قيل: أليس قد رُوي عنه في الإبل: \" فإنها جنٌّ، من جنٍّ خُلقت \".","vol":"4","page":7},{"text":"قيل: وما في ذاك ما يمنع أن تكون من دواب الجنة، كأن الجن محرمٌ\nعليهم دخول الجنة؟! أليس مسلمو الجن يدخلونها،. وما ينكر أن\nيكون من الجنِّ من كان في الجنة، فأهبط إلى الأرض، كما أهبط\nآدم. أليس إبليس رأس الجن وأصلهم،","vol":"4","page":8},{"text":"وكان في الجنة، فأهبط مع آدم إلى الأرض، قال الله - تبارك\nوتعالى -: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)، قال: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>قوله: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)</span>\nآية يتعلق بها المعتزلة والقدرية","vol":"4","page":9},{"text":"ويُغالطون بها العامَّة منّا.\nوليس في زوال رضاه عنه ما يحيل أن يكون هو خالقه، فقد خلق\nإبليس، وهو رأس الشر، وليس بمرضي عنده، وخلق الدنيا، وهي\nبغيضته، يُزَهِّد فيها أولياءه، ويُمتِّع فيها أعداءه. فما يمنع أن\nيكون الكفر من خلقه، وهو يبغضه، ولا يرضاه، ولا يرضى\nلعباده أن يأخذوا به، كما لا يرضى لهم أن يأخذوا الدنيا، إذ هي\nمتاع الغرور، و(لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ) في الحياة، كما قال اللَّه ﵎.\nفإن قيل: فكيف خلق ما لا يرضاه؟.\nقيل: ليس علمُ هذا إلى عباده، وما خاطبهم به في كتابه، ولا على","vol":"4","page":10},{"text":"لسان رسوله، ﷺ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>قوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) </span>.\nتقريع لمن يهمل الدعاء في الرخاء، ويفزع إليه في الشدة، وليس ذلك من أخلاق المؤمنين، إذ من أخلاقهم إكثار الدعاء\nفي الرخاء عُدة للشدة، واستغنامًا لشفاعة الملائكة - إلى ربهم - في\nإجابته، فقد رُوي أن النبي، ﷺ، قال لابن عباس:\n\" تعرَّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة \".","vol":"4","page":11},{"text":"ورُوي: \" أن العبد إذا أكثر الدعاء في الرخاء، ثم نزلت به الشدة فدعا.\nقالت الملائكة: صوت معروفٌ، من آدمي كان يكثر الدعاء في الرخاء.\nفنزلت به الشدة، فتشفع له إلى الله، وإذا لم يكثر الدعاء، فنزلت به\nالشدة، فدعا، قالت الملائكة: صوت مجهول من آدمي لم يدع الله في الرخاء، فنزلت به الشدة فدعا، ولا يشفعون له \".\nومثل هذا في القرآن في مواضع، مثل قوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)، وقوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وغير ذلك.\nفلا ينبغي للمؤمن أن يستن بالكافر، ولا يفزع إلى الدعاء إلا عند الشدائد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>وقوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)</span>\nدليل على أن أوقات الليل - كلها - في الصلاة","vol":"4","page":12},{"text":"ممدوحة، وأن القانت هو المطيع، لا القائم، وأن الواو وإن كانت\nناسقة باللفظ، فغير موجبة أن تكون ناسقة بالمعنى في كل موضع، ألا\nتراه ذكر القيام بعد السجود، فهل يجوز لأحد أن يقدم السجود على\nالقيام؟.\nوهذا رد على من يرى ترتيب أعضاء الوضوء في الغَسل فرضًا.\n* * *\nوقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)\nمَدَحَ العلماءَ، وذم الجهلاءَ، ودليلٌ على أن التذكر لا يمكن إلا بالعلم.\nوفيه حجة لمن قال: العالم - وإن لم يعمل بعلمه -","vol":"4","page":13},{"text":"أفضل من جاهل لا يعمل بالخبر، لأن الله - جل وتعالى - فرض العلم والعمل - معًا -\nفمن أطاعه في العلم فقد جاء بشطر الأمر، وبقي عليه الشطر، ويوشك\nالشطر الذي أطاع فيه أن يُلحقه بالشطر الآخر، والجاهل مضيعٌ لجميعه.\nوغير آخذ عدة العمل، ودليل النجاة.\nوالخبر المروي: \" يُغفر للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنب\nواحد\" ليس هو عن رسول الله، ﷺ، وليس\nبشيء، لأنَّا لا نعلم الله مدح الجهل في كتابه، ولا على لسان\nرسوله، ﷺ، ولو كان كذلك، لكان الجهل أرفع\nدرجة من العلم، والجاهل إلى أن يكون عمله الذي يحسبه صالحًا -\nغير مقبول منه - أقرب إلى أنْ يغفر له خطيئته، لأنه لا يقيمه بعلم.\nولا يخلصه لربه.\nوربما أعدَّ الخطيئة طاعة، والطاعة خطيئة، والإعجاب بعمله أسرع\nإليه منه إلى العالم، الذي إذا عمل خيرا شكر من وفَّقه له، وعلم أنه","vol":"4","page":14},{"text":"مستعمل، لا عالم بقوته، فالإعجاب بعيد من هذا، والشكر عمل\nبرأسه، وإذا عمل سيئة عرف وزنها، وطريق الاستغفار منها.\nوالندم عليها، فتسره حسنته، وتسوؤه سيئته، فيستوجبُ الإيمان.\nكما قال رسول الله - ﷺ -: \" من سرته حسنتة، وساءته سيئته، فهو مؤمن \".\nوالجاهل لا للخطيئة يعرف وزن ثقلها، وعظم بليتها، ولا للحسنة\nيعرف وزنها، بل يرى نفسه مستعليًا بها، ومتكبرًا على القاعدين عنها.\nوكل هذا خطايا برؤوسها، فكيف يستويان، ومتى يلتقيان؟!.\nفلو قُلب هذا الخبر، وقيل: يُغفر للعالم سبعون ذنبًا، قبل أن يُغفر","vol":"4","page":15},{"text":"للجاهل ذنب واحد، لكان الكتاب والسنة والإجماع ونظر المحصلين\nأدل عليه، إن شاء الله.\nوعلى العالم - مع ذلك - أن يعرف حق المنعم عليه فيما علمه.\nويصون ما أكرم به من تدنيسه، وسلكه به مسلك الجاهلين، ويحذر\nسطوة الله في تضييع شُكره - فعلًا وقولًا - على ما أعطي.\nفعليه أن يَنْفِس على ميراث الأنبياء، فلا يخلطه بميراث إبليس.\nوأعدائه من الشياطين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>وقوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)</span>\nدليل على الإخلاص فرض عليه، وعلى أمته مع أنه قد نص القرآن على أمر الأمة -أيضًا - حيث يقول: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>وقوله: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)</span>\nيحتمل أن تكون اللام فيه بمعنى \" الباء \"، ويحتمل أن يكون وأمرت بالعبادة المُخْلَصة، لأن أكون أول المسلمين. والله أعلم كيف هو.","vol":"4","page":16},{"text":"وهذا يؤكد أن قوله - في الأعراف، إخبارًا عن موسى -: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)، أنه أول مؤمني زمانه، إذ محال أن يؤمر النبي.\nﷺ، أن يكون أول من أسلم، من الخلق - كلهم -\nوقد تقدمه بالإسلام من تقدم.\nولكنه أول من يسلم من أمته.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>وقوله: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) </span>.\nهو على طريق التهدد ليس على ما يتأوله المعتزلة والقدرية.\nوهو نظير قوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)، وقد أجبناهم عنه.\nوجه التأكيد فيه: أن موسى وصف أنه أول المؤمنين، ووصف نبينا محمد، ﷺ، أنه أول المسلمين فلو كان المراد الأولية بالنسبة للناس جميعا لاقتضى التناقض، إذ كيف يصف نبيا أنه أول المؤمنين جميعًا، ثم في مكان آخر يصف نبيُّا - آخر أنه هو الأول، فما جاء هنا أكد أن المراد بالأولية هناك أولية نسبية، لا مطلقة.","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-551>وقوله: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ)</span>\nرُوي عن قتادة أنه قال: هم أهلوهم الذين أعدوا لهم في الجنة.\nفخسروهم بكفرهم. وما أظنه إلا كما قال.\nفقد رُوي عن رسول الله، ﷺ، حديث يصدّقه:\n\" ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار.\nفإن مات فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله. فذلك قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) \".","vol":"4","page":18},{"text":"وفي بعض أخبار المساءلة في القبر عن النبي، ﷺ.\nأنه قال - في الكافر -: \" ثم يفتح له باب من الجنة، فيُقال له: هذا\nكان مكانك، لو آمنت بربك. فأمَّا إذ، كفرت به، فإن الله أبدلك\nبه هذا. فيفتح له باب من النار. ويفتح للمؤمن باب من النار، فيقال\nله: هذا مكانك لو كفرت بربك فأمَّا إذ آمنت به، فإن اللَّه أبدلك به هذا، فيفتح له باب إلى الجنة \".","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>وقوله: (فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)</span>\nآية يغلط فيها القائلون بالاستحسان.\nفيحتجون بها، وليست لهم، بل هي عليهم، لأنه يستمعون","vol":"4","page":20},{"text":"القول، والقول المسموع لغيرهم.\nوالاستحسان لهم. فمحال أن يتبعوا أنفسهم في الاستحسان.\nويكون القول المسموع لغيرهم، فيُمدحُوا بغير ما وُصفوا.\nوالآية - بعد بيان غلطهم - حُجَّةٌ على المقلدين، إذ القول","vol":"4","page":21},{"text":"المسموع لا يخلو من أن يكون قول من يكون قوله حجة، أو قول من\nلا يكون قوله حجة.\nفلما كان قول من يكون حجة، حسنًا كله، لا تزييف فيه، عُلم\nأنه المتبع، دون قول من لا يكون حجة.\nوقد لخصناه في كتاب الأصول من \" شرح النصوص \" ما أغنى\nعن إعادته ها هنا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>وقوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ)</span>\nنظير ما مضى من قوله: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) في جواز تذكير فعل\nالمؤنث، لما يدل عليه اسمه.\nوهو حجة على المعتزلة، وهو - والله أعلم - مثل قوله: (أَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>وقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ)</span>\nإلى قوله: (فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)\nحجة على المعتزلة والقدرية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>وقوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ)</span>\nدليل على أن الصدق الثاني ليس بعطف على الصدق الأول \" لأن \" الذي \" يخُبر به عن واحد، و\" أولئك \" عن جميع، ففيه دليل على أن الذي جاء\nبالصدق هو رسول الله، ﷺ، جاء بالقرآن، وهو\nصدق، وصدق به أصحابه في حياته، وسائر المؤمنين بعد وفاته.\nوكل من صدَّق بالقرآن استحق اسم التقوى، واستوجب ما وُعد -\nهؤلاء - المصدِّقون من الثواب، وتكفير السيئات.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>وقوله: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)</span>\nدليل على أنه يكفي من","vol":"4","page":23},{"text":"توكل عليه، واعتصم به، ويقيه شر كل محذور - دونه - فاستعلى على كل\nمتسلط سواهم فليتق المؤمنون بهذا منه، إذا استكفوه، وفوضوا أمورهم\nإليه، فلن يُغلب من تولاه، ولن يهُضم من حرسه وكفاه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>وقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ)</span>\nرد على المعتزلة والقدرية. وهو من المواضع التي يحسن فيها حذف هاء المفعول.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>قوله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)</span>\nردّ على المعتزلة والقدرية فيما يزعمون: أن المقتول ميت بغير أجله.\nوقاتله قاطعٌ حياته الموهوبة له من عند ربه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>قوله: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)</span>\nإلى قوله: (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)","vol":"4","page":24},{"text":"دليل على أنهم ليسوا بمؤمنين - لأن المؤمن لا يستهزئ بوعيد ربه، وإنْ اغترَّ بذنبه - وهم اليهود والنصارى، ومن يرى من الكفار أن عمله الذي يتقرب به إلى اللَّه يجُازى عليه بخير، فيبدو له - من ربه - خلافُ ما قدَّر. والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>وقوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)</span>\nالآية، حجة على المعتزلة في باب الوعيد، وقد بيناه في غير هذا الموضع.","vol":"4","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>وقوله: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)</span>\nدليل على أن استكشاف العذاب، والعقوبات بالمسارعة\nفي الطاعات، والمسارعة إلى التوبة والندامات.\nويدخل في هذا المعنى ما نُدب إليه الناس من إحداث التوبة، والتقدّم\nفي الطاعة إذا أرادوا الخروج إلا الاستسقاء، في حين الجدب.\nوالقحط، وذلك أن منع القطر لا يكون إلا بسخطة، ولا السقيا إلا\nبرحمة. فإذا قدموا الطاعات، كانوا أقرب إلى الإجابات، وأجدر\nبرفع العقوبات.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>وقوله: (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)</span>\nلا متعلق للمعتزلة فيه، لأنه نظير ما مضى - في سورة الأنعام - من\nقوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)\nيعيب احتجاجهم بما لا حجة فيه، لا أنهم يقولون غير الحق.","vol":"4","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>وقوله: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)</span>\nلا متعلق لمن يقول بخلق القرآن لله، إذ قد دللنا على أن القرآن كلام الله، تكلم به، وإذا كان كذلك فهو نعت من نعته ولا يكون نعتُه - وإن سُمي شيئًا - مخلوقًا، لأنه شيء غير مخلوق. مع أنا لم نعلم أن الله خالق كل شيء\nإلا بهذا القول، فمحال أن يدخل في الشيء ما عرف به الشيء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>وقوله: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)</span>\nدليل على غير شيء: فمنه: إعمال الفعل","vol":"4","page":27},{"text":"الأول، دون الثاني، والإخبار عنه على التوحيد، وإهمال الثاني على الإشراك، وعلى الإفراد - معًا - بالإخبار عنه، لا بالإشارة إلى المعنى.\nوفي ذلك دخول الخلل على اختيارات أبي عبيد - ﵁ -\nفي القراءات إعمال الفعل الأقرب، دون الأبعد، مثل قوله: (أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى) بالياء، لأنه يلي النعاس، والأمنة قبله.","vol":"4","page":28},{"text":"ومثل قوله: (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥)، لتباعد الشجرة\nمنه، ومثل قوله: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)، بالتاء، لمجاورة النخلة له، دون الجذع، ومثل قوله: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)، بالياء، لقرب المني، وبعد","vol":"4","page":29},{"text":"النطفة، وأشباه ذلك، لأن اللغة إذا وردت في القرآن في موضع\nفقد - تكاملت الفصاحة فيها، فسواء كانت في موضع أو في\nمواضع لا يزيد للمكرر على الموحد في الفصاحة شيئًا، إنما يُغلَّب\nالكثرة على القلة، فيختار فيما لم ينزل بها القرآن - وهي متداولة في\nالشعر والخطب - من كلام البشر.\nفإذا نزل بها القرآن، ذهب موضع اختيار بعضه على بعض، إلا أن\nيكون حرف يختلف القراء في نزوله، كيف نزل، فتقول طائفة: نزل كذا. وطائفة: كذا.\nفيختار حينئذٍ ما تشهد له الكثرة، والأشهر - من كلام العرب - دون\nالآخر.\nوقد يجوز أن يكون هذا المعنى حجة لبيت امرئ القيس، حيث\nأعمل الفعل الأول في قوله:\nفلو أن ما أسعى لأدنى معيشة\nكفاني ولم أطلب قليل من المال.","vol":"4","page":30},{"text":"بمعنى كفاني قليل من المال، ولم أطلب، كتأويل: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ)، لئن فعلت كذا كان كذا (وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ)، أوحي مثله والله أعلم.\nومنه: أن المرتد وإن رجع إلى الإسلام فعليه إعادة كل ما سبق له -\nقبل الردة - في ظاهر هذه الآية، لأن العمل المحبوط محتاج صاحبه إلى\nاستئنافه.\nوأحسب الكوفيين - حيث قالوا ذلك - تأولوا هذا المعنى، وهو -\nكما تأولوه - بينًا في هذه الآية، لولا الآية الأخرى، إذ يقول:","vol":"4","page":31},{"text":"(وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)\nفأبان أن المحبط عمله هو الميت على الردة، لا النازع عنها.\nوفي قوله: (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) - معنًى - دليل واضح لا إشكال فيه أن المرتد تقبل توبته، ولا تبيح الردة دمه، دون الامتناع\nمن الإقلاع عما أمقل إليه من دين الباطل، إذ لو كانت الردة\nتبيح دمه من غير تلوم برجوعه، لم يكن لاشتراطه (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ)","vol":"4","page":32},{"text":"معنى - لأنه كان يموت على ردته - إذا قُتل بجنايته كل مرتد.\nإذ محال أن ترده التوبة إلى الإسلام فيشاط دمه وهو مسلم.\nوهذا لا يشبه الحدود، من إفاتة نفس الزاني الحصن بالرجم، وهو\nمسلم، لأن الرجم عقوبة عمل معمول فإذا تاب لم يعد عليه عمله غير\nمعمول، فهو مستوجب عقوبته، حتى يعاقب، والردة ترك عمل، من\nقول وفعل، كان حاقنا بها دمه، فلما تركهما أوقعاه في إباحة الدم.\nما دام مقيمًا عليها فإذا أقلع عن حال إباحة دمه، وعاد في حال ما\nحقن به حرم أَيضًا، وكان كفره ساعة نهاره ككفر الكافر مدة عمره.\nقبل إسلامه، فمحال أن يجب الإسلام كفر مئة عام، ولا يجبُّ كفر\nساعة من نهار.\nومن هِرَاق دم المرتد بردته، ولم يلتفت إلى توبته، اعتمادًا على قول\nالنبي، ﷺ: \" من بدَّل دينه فاقتلوه \"، فقد جهل","vol":"4","page":33},{"text":"كل الجهل، وتأوَّل على الرسول، ﷺ، بتوهمه ما لم\nيقله، وأباح دم مسلم إذا تاب من ردته، إذ لا يقع اسم التبديل إلا\nعلى المصر على الردة، التي أمقل إليها.\nفأمّا هراقة دمه، وقد صار بالتوبة مسلمًا، فهو قتل مسلم لا مرتد.\nومنه: ما يدخل على المعتزلة في باب الوعيد من قبول توبة\nمن أوعد بحبط العمل، واللحوق بالخسارة، إذ محال أن يكون ما\nيسمونه خُلْفًا، يكون في الآخرة، ولا يكون فى الدنيا، لأن الدنيا\nوالآخرة داران، والموعَد واحد.\nفهل يجوز لذي عقل أن يزعم: أن زيدًا لو أوعد عمرًا مكروهًا، وله\nداران، فعفا عنه، أن يُعدَّ عفوه في إحدى الدارين كرمًا، وفي\nالأخرى خُلفًا.\nأم يحقِّق ذلك عندهم أن العفو عن المكروه كرم - في كلا الدارين -\nوالخلف لا يكون إلا في ترك إنجاز الخير.","vol":"4","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-565>وقوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) </span>.\nرد على المعتزلة والجهمية","vol":"4","page":35},{"text":"في القبضة، واليمين، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.","vol":"4","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>سورة المؤمن</span>\n* * *\nقوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)\nإلى قوله: (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)\nدليل على كرامة المؤمن على الله، إذ قد ألهم حملة عرشه\n- ومن حوله - الاستغفار له، والدعاء، وما فيه له ولآبائه وأزواجه\nوذرياته النجاة.\nوفي دعائهم للتائبين المتبعين سبيل الله - بالمغفرة - دليل على ما\nقلنا: من أن التائب، وغير التائب محتاج إلى مغفرة الله ورضوانه.\nلا ينجيه عمله، دون أن يجود عليه مولاه برحمته.","vol":"4","page":37},{"text":"(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ)\nدليل على أنه في السماء، على العرش، لأن \" ذو \" نعت، ولا يكون إلا نعت حلوله، واستوائه عليه، وكذا قال في سورة البروج: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ)، فهو نعت.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>قوله: (لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ)</span>\nخطاب للعباد، على ما في سجيَّة عقولهم من أن البارز أحضر لعين الرقيب، والجليل في الحقيقة","vol":"4","page":38},{"text":"لا يخفى عليه شيء من أمور عباده، بارزين وغير بارزين، ولا يسترهم\nعنه ستر ولا حجاب. فإن قيل: أفليس قد قال النبي، صلى الله عليه\nوسلم، في حديث يَعلى حين أمر المغتسل بالاستتار في الخلوة -: \"\nفالله أحق أن في يستحيا منه \"؟.","vol":"4","page":39},{"text":"قيل: إنما ذلك إفراغ طاقة العبد في عبادته - بينه وبين خالقه - لا\nأنه يستتر به عنه، كما يستتر من عبيده، وتوهم ذلك كفر ممن توهمه.\nوقد استعبد الله عباده بغسل أعضاء الوضوء، من غير نجاسة عليها\nتزال بالماء، والاستتار له عبادة، كما الوضوء بالماء عبادة، وكرمي\nالجمار، وأشباهه، فهي عبادة، لا لمعنى فيها بل، لغيرها، وكذا\n* * *\nقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) وقد كان - أبدًا - الملك له وحده.\nومن كان له من الملوك في الدنيا عبيده، هو ملّكهم وأعطاهم، ولكنه\nقاله على ما في سجايا العقول، كأنه يخبرهم - والله أعلم - بأن الذل\nفي القيامة شاملٌ كل من كان يتعزَّز - في الدنيا - ويتملك\nعلى غيره، فصار - يوم القيامة - في مثل درجة من كان يتملك\nعليه، واستويا معًا.\nفأما عنده - جل وتعالى - فكان ذله في جميع الأوقات واحدًا، والملك\nله دونه، وهو عبد من عبيده.","vol":"4","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) </span>.\nخصوص - والله أعلم - لقوله في سورة النمل: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) .\nفإن قيل: أليس قد قال - ﷿ -: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)\nوهذا يدل على أنهم يفزعون، قيل: ليس ذلك - في ظاهر الأخبار - الذي حملهم على التبرؤ من العلم الفزع.\nوقد وُضع عنّا تفتيش ذلك، ولا يُعلم شيء - بلفظه في القرآن - نسخه.\nوقد حقق الخصوص في قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ)\nقولُه: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)\nوالظالمون هم الكافرون، في","vol":"4","page":41},{"text":"هذا الموضع، والله أعلم.\nوليس قول من قال: من هول السؤال طاشت عقولهم، فلم يدروا\nما أجيبوا - قول نبي، ولا صحابي، ولا تابعي، يضيق خلافه (١) .\nوالله أعلم بذلك، كيف هو.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ)</span>\nإلى قوله: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١)\nدليل على أن اعتبار المأمور به العباد ليس ما يذهب إليه القائسون\n_________\n(١) بل هو مروي عن بعض الصحابة والتابعين، فأخرجه سفيان الثوري في تفسيره ص (١٠٥) عن مجاهد، ومن طريق سفيان هذا أخرجه عبد الرزاق في تفسير القرآن (١/ ١ ٠ ٢) عن مجاهد -أيضًا - وأخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٨١ - ٨٢) عن الحسن البصري ومجاهد والسدي. وأورده أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (٢/ ٣٨١) عن مجاهد. وأورده السيوطي في الدر (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥) عن ابن عباس.\nوهو الذي أجاب به الإمام أحمد في كتابه الرد على الجهمية والزنادقة ص) ٩٤) .\nواختار الطبري التفسير الآخر المروي عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة أنه قال: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. انظر تفسيره (٨٢/٧) . قال ابن كثير: ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب مع الرب ﷻ. انظر تفسيره (٢/ ١١٥) .","vol":"4","page":42},{"text":"من أنه من حمل الأشكال على الأشكال، وإلحاق الأشباه بالأشباه في\nالتحليل والتحريم، إنما هو لادِّكار كل امرئ في نفسه، بما يوصل\nاللَّه حظه من الخوف، والخشية اللذين ينجو بهما من عذاب الله.\nوكذا قوله - في سورة الحشر: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)\nألا ترى إلى إخباره - في أول السورة - عن إخراج الذين كفروا من\nديارهم، وما ظنوا من منع حصونهم من سطوة ربهم، وعذابه.\nوإخراب بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.\nفليت شعري! ما الاعتبار الذي يكون قياسا من المعتبرين، إذا\nتدبروا ما فعل الله بالمخرَجين! أكثر من أن لا يعملوا - فيما\nخوطبوا - بأعمالهم، فيحق عليهم ما حق على أولئك.\nولو لم يكن من الحجة - - على من أعدَّ الاعتبار قياسًا في هذا - إلا نفس\nما فيه إذا تدبره، لكفى، أليس أشباه الشخصية، والإنسانية،","vol":"4","page":44},{"text":"والسعي، والحركة، وما أخذ أخذها قائمًا بينهم وبين المخرَجين من\nديارهم قبل حدث الأحداث التي استوجبوا بها العقوبات، فلم تحق\nعليهم عقوبة إلا بشيء يحدث على الأشخاص التي هي\nأشباه وأشكال، كما كان الشبه بين الحنطة والأرُز، فإنما في نحو ما\nيذهب إليه القوم، من أنهما قوتان مكيلان حادثان من نبات الأرض.\nفَلَمْ نوجب تحريم التفاضل في نفس الحنطة - التي هي الأصل - حتى\nحدث عليها العبادةُ، فألحق بها تحريم التفاضل، ولو كانت\nالأشباه تحدث بها العبادات لأحدث على الحنطة قبل التعبد ما أحدثه\nالتعبد.\nفزعم القائسون: أن حدوثه في الحنطة أحدث في الأرز - أيضًا -\nبما كان فيه من متقدّم شبه الحنطة.\nوهم - مع ذلك - يحتجون بـ (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) .\nفهلا قالوا: إن وفاق شبه أشخاص المعتبرِين بالمخرَجين من ديارهم أحدث","vol":"4","page":45},{"text":"عليهم ما أحدث على المخرَجين، قبل إحداث أعمال يستوجبون بها عقوبة\nالجليل، كما يزعمون: أن التحريم حدث في الأرز بلا تعبد حدث\nعليه - بلفظه - كما حدث على الحنطة بلفظها. وأحسبهم - غفر اللَّه لنا ولهم - يقدرون في رادي القياس أنهم ينفون الشبه عن الحنطة\nوالأرز، وهم لا ينفون مقدار ما ذهبوا إليه من أنهما مأكولان مكيلان\nمن نبات الأرض، وإن نفوا بقية أشباههما.\nولكنهم يقولون: إن شبه الأرز من شبه الحنطة محتاج إلى حدوث تعبد\nعليه يحرمه، كما حدث على الحنطة فحرمها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>وقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)، و(كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤)، و(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)</span>\nكله حجة على المعتزلة والقدرية، والمسرف:","vol":"4","page":46},{"text":"المشرك، في أكثر آي القرآن.\nوما ذكر من المتكبر الجبار نظير ما مضى من جواز تسمية المخلوق\nبأسامي الخالق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>وقوله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) </span>، الآية حجة على المعتزلة من جهتين:\nإحداهما: لا يزعمون: أنه ليس - بنفسه - في السماء، وهذا المعنى من\nقول فرعون، وفرعون كافر قد قطع كل ريب أنه - لا محالة - في\nالسماء، إذ محال أن يقول فرعون إلا بعد أن سمع موسى - عليه","vol":"4","page":47},{"text":"السلام - يدعوه إلى من هو في السماء، وقد ذكرناه في سورة\nالقصص أيضًا عند إخباره عن فرعون (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) .\nوالثانية: ما ذكر من التزيين لفرعون سوء عمله، فإن كان أراد به\nهو الذي زين له كما قال: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ)، فهو ما يريدون، وإن أراد أن الشيطان زين له\nكقوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)\nفقد دللنا على أنه تبع للَّه في ذلك، إذ لا يجوز أن يكون الله - ﷻ - تبعًا له.\n(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)","vol":"4","page":48},{"text":"حجة على المعتزلة والقدرية، لو تدبروها\nوأنصفوا من أنفسهم، وذلك أن هذه اللفظة - بعينها - قد أخبر بها عن\nفرعون قبل هذا بقليل، وهو (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) .\nولسنا نشك في أن قوله خلاف قول المؤمن، إذ قوله غرور وظن، وقول المؤمن علم وحقيقة، فنظرنا في هذا العلم والحقيقة، فإذا هما هداية بيان، التي ينسبونها إلى الرحمن، في قوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ)، إذ محال أن يقدر\nمؤمن آل فرعون من هداية قومه، على ما لم يقدر عليه رسول الله.\nﷺ، من هداية قريش وهداية عمه، حيث يقول اللَّه - ﵎ -: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، فعلمنا - بذلك - أن كل هداية منسوبة إلى البشر فهداية\nبيان وتبصر، وما كانت منسوبة إلى الله فهو على وجهين: تجوز أن\nتكون دعاءً وبيانًا، وتجوز أن تكون إرإدة وإجبارًا، فأيهم دل عليه\nسياق الكلام كان الحكم له فيها.\nفلما قال: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)","vol":"4","page":49},{"text":"عُلم أنها هداية دعاء وبيان، إذ محال أن تكون هداية\nإجبار وإرادة، إذ لو كانت كذلك ما استطاعوا أن يغلبوا إرادته.\nويقهروا إجباره بالعتو عن أمره، وعقر ناقته، ولما قال: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)\nعُلم أنه هداية إجبار وإرادة اضطرار المهدي إلى ما أريد منه، إذ محال أن يقول: إنك لا تبين لمن أحببت، أو لا تدعو من أحببت، وهو يعلم - جل وتعالى\n- أنه قد بين لأبي طالب ودعاه، ولكنه لا يقدر على حمله عليها.\nواضطراره إليها، وأن الذي يفعل هذا هو الله - جل وتعالى - فقال:\nإنك لا تقدر على أن تنجي أبا طالب بهداية إجبار، ولكني أفعل أنا هذا\nبمن أشاء. ولا يشك أحد أن النبي، ﷺ، أراد من\nعمه أن يكون كذلك فلم يقدر عليه، فلو ميز القوم، وأضربوا عن","vol":"4","page":50},{"text":"اللجاج، وتبصّروا الأشياء برويَّة وعقل لأبصروا - بعون الله -\nطريق الرشد، وعلموا أن إضافة الأفعال إلى فاعليها ليست بمانعة\nمن أن يكون مقضيًّا بها عليهم، ولا القضاء بمؤثر في عدل الله على\nبريته، وأنه غير مستحيل أن يعلم من علم عدله ما يجهله خلقه، وأن\nالتصور في عقولهم من لوح الجور - في جمع القضاء والعقاب على\nنفس واحدة - كلوح استحالة كينونة الرب فيها بلا أول - ولا بدو.\nفهل يجيزون لأنفسهم أن يأخذوا ذلك من شبه خلقه، كما يأخذون\nمعرفة عدله من عدل خلقه، فيزعموا: أنه لمَّا كان محالًا -\nفي عقولهم - أن يكون مالك من الآدميين إذا أجبر عبده على فعل\nشيء، ثم عاقبه عليه، كان ظالمًا له، لم يجز أن ينسب إلى الله أنه\nيضطر أحدًا من عبيده إلى فعل بعينه - في القضاء السابق عليه - ثم\nيعاقبه على فعله، وأنه إن فعل كان جائرًا. كان - أيضًا - محالًا أن\nيكون حي موجودًا في الأزل بلا أول، إذ ليس ذلك بممكن في\nالخلق، بل هو محال أن يكون خَلْق قبل يُكَوَّن، ويخُلَّق.\nفلا يجيزون على الله - جل الله - إلا ما يقبله عقولهم، ويسهل\nعندها كونه، ولا تنبو عنه.\nوما الفرق بين من يأخذ شبه عدل الخالق، من شبه عدل المخلوق،","vol":"4","page":51},{"text":"وبين من يأخذ ما مثلناه من شبه خلقه، وكلاهما مُقحِم على ما ليس\nله، وعاد طوره فيما لم يجعل إليه، ولا خوطب بتعريفه. فلما كان\nممكنًا - عند المؤمنين الموحدين - أن يكون الله أزليًّا بلا أول، ودائمًا\nبلاِ آخر منقطع، ويكون أوّل كل شيء وآخره، كما قال: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) .\nوإن نَبَتْ عقول المرتابين عنه، ولم يجدوا شبهه في الخلق، كان - أيضًا - ممكنًا عندها أن يكون الله - ﷻ - يجمع على نفس واحدة قضاء بشيء، وعقوبة عليه، ويكون عدلًا، وإن نبت عقول المرتابين عنه، ولم\nيجدوا شبهه في عدل الخلق.\nفليت شعري! لِمَ يسمونا المشبهة؟! لأن قلنا: إن للَّه سمعًا،","vol":"4","page":52},{"text":"وبصرًا، ويدين مبسوطتين ينفق كيف يشاء، وهم يأبون أن يجيزوا على\nاللَّه شيئًا إلا ما وجدوا شبهه في المخلوق، ولم ينب عنه العقل\nالمخلوق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>وقوله: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)</span>\nالآية حجة في غير شيء:\nفمنه: أن هذا العرض قبل الحشر، إذ هم بعد الحشر، إذا دخلوها","vol":"4","page":53},{"text":"دائمين - فيها - معذبين بسرمد العذاب، (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا)\nفإنما العرض بالغدو، والعشي على من ليس دائمًا فيها، وقد أكد ذلك قوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) .\nفهذا عذاب سوى العرض، وفي محل غير محل العرض.\nومنه: أن للعذاب درجات في الشدة والخفة، فقد يجوز أن يكون أشد\nللكافر، وأخفه لمن يلي من المسلمين المذنبين بدخولها.\nورُوي عن النبي، ﷺ، أنه قال: \" ما أحسن من\nمحسن كافر، أو مسلم إلا أثابه الله \" قلنا: يا رسول اللَّه: ما إثابة الكافر.\nقال: \"إن كان قد وصل رحمًا، أو تصدق بصدقة، أو عمل حسنة أثابه\nاللَّه، وإثابته إياه المال والولد، وأشباه ذلك \" قال: قلنا: ما\nإثابته في الآخرة، قال: \" عذاب دون عذاب \" وقرأ (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) .","vol":"4","page":54},{"text":"فإن كان محفوظًا فلا متكلم فيه، وعلينا التسليم له، والإقرار على\nأنفسنا بالجهل، وإن لم يكن محفوظًا، فلإثابته في الدنيا بالمال.\nوالولد، وأشباه ذلك نظير من سنة ثابتة، وهو أسوة رزقه وعافيته.\nوصرف كثير من المكاره عنه.\nوأما إثابته في الآخرة فالقرآن شاهد بخلافه، وقد دللنا عليه في غير\nموضع من هذا الكتاب، مثل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) الآية. وقوله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) .\nوفي قوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) .\nوالكافر لا كلم له طيب يصعد إليه، فكيف يصعد عمله، أو يكون له وزن في الآخرة؟!.","vol":"4","page":55},{"text":"ويشبه أن لا يكون محفوظًا، لأنه رواه عامر بن مدرك، عن عتبة\nبن يقظان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن\nعبد الله بن مسعود.\nوعامر بن مدرك، وعتبة بن يقظان ليسا من الثبت بمحل يعارض\nبروايتهما القرآن.\nوفيما دل عليه عرضُ آل فرعون على النَّار غدوًّا وعشيّا ما يعارض ما\nذكرناه في غير موضع من هذا الكتاب من أن الميت لا يشعر - بعد","vol":"4","page":56},{"text":"المساءلة - بعد طول المكث في البرزخ، حتى يبعثه الله، ودللنا عليه\nفي التلاوة - نصَّا - في الكافر والمسلم، ورُوي عن النبي - ﷺ - بنقل","vol":"4","page":57},{"text":"الثقات ما يؤيده من عرض مقاعد أهل القبور عليهم - إيَّاها -\nبكرة وعشية، فقد يحتمل أن يكون هذا العرض بقية من المساءلة تمتد\nعليه، وطائفة من عذاب القبر تطول عليه بكرة واحدة وعشية واحدة.\nثم يخمد فلا يشعر إلى الحشر بشيء، كما دللنا عليه.\nفإن قيل: وكيف يكون ذلك وفي الموتى من يموت عشية يوم قد\nمضت بكرته، أو يموت ليلًا قد مضت البكرة والعشية معًا؟.\nقيل: نفس هذا دليل على أنه لا يؤخذ في العرض عليه من فور\nدفنه، فإذا عرض عليه غدوة يوم، وعشية الثاني فقد ارتفعت غدوة\nوعشية، واستغرق الاحتمال، وزال التعارض. فإن قيل: أفليس\nقد رُوي: \" أنه تُعرض عليهم مقاعدهم غدوة وعشية، ما دامت الدنيا \".","vol":"4","page":59},{"text":"قيل: لم يأت بهذه اللفظة إلا قَبيصة عن سفيان، ومالك\nأثبت، رَوى عن نافع، عن ابن عمر فلم يذكرها، وقبيصة\nوإن كان من الأثبات، فقد أغفل الحفظ في غير شيء،","vol":"4","page":60},{"text":"وأخطأ في كثير مما يواطأ عليه حفظ غيره، فلا يعارض بزيادة زادها\nالقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>وقوله: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) </span>.\nيحتمل أن يكون الدعاء حتمًا، يعصي التارك بتركه.\nويحتمل أن يكون ندبًا، ندب الخلق إليه، وكذلك قوله: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، فدل قوله - قبل هذه الآية -: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، على أنه حثهم عليه، إشفاقًا\nعليهم، ليصل إليهم نفع إجابته. فمن استكبر عن دعائه كفر، ومن\nكسل عنه كان مغبون الحظ، فإنه الخير الذي لا يعتاض منه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ)</span>\nإلى قوله: (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى)، حجة على المعتزلة والقدرية، فيما يزعمون: أن المقتول ميت بغير أجله، ومقطوع عليه حياته.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>وقوله: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ)</span>","vol":"4","page":61},{"text":"حجة عليهم في إعدادهم الإذن علمًا.\nوإنكارهم أن يكون إطلاقًا، فكيف كانت الرسل تقدر أن تأتي\nبالآيات بغير إطلاق منه، أكانوا - وَيْلَهم - شركاء معه في\nالقدرة،، فإذا كان الإذن لا يجوز أن يكون - ها هنا - إلا إطلاقًا.\nولا يجوز أن يكون علمًا، فإعدادهم إياه علمًا - في قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) - تحكم، ومع التحكم\nجهل باللغة، وأن الإيذان هو العلم، لا الإذن، تقول: آذنت\nفلانًا بكذا، أي أعلمته، قال الله - ﵎ -: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، في قراءة من قرأ بالمد، أي","vol":"4","page":62},{"text":"اعلموا، ومن قرأ (فأذنوا) فهو الإطلاق، أي أطلقوا الحرب.\nوتكون الباء مقحمة، وقوله: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي إعلام، ومنه سُمي الأذان أذانًا، لأنه يعلم الناس بالصلاة، فأما الإذن بالقصر فهو الإطلاق، لا شك فيه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>وقوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) </span>- إلى آخر السورة - نظير ما مضى في سورة الأنعام،","vol":"4","page":63},{"text":"وذكر إيمان فرعون لما أدركه الغرق، وقد شرحناه هناك، فأغنى عن\nإعادته ها هنا.","vol":"4","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>سورة فصلت </span>(السجدة)\nقوله - تعالى -: (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ)، قاطع\nللارتياب بأن قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)، وما أشبهه - في القرآن - هو إنكار عليهم أن لا يحتجوا بما لا حجة لهم فيه، وزجر عن مزاحمته في سره، ألا ترى\nأنهم قالوا: ما أخبر به عنهم - جل وعلا في سورة الأنعام، حيث يقول: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)، وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) .\nفهل وجه إنكار شيء قالوه موافقًا لما قال إلا على ما قلناه، لو أنصفوا من أنفسهم.","vol":"4","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>وقوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)</span>\nيؤكد ما قلناه: من أن مانع الزكاة يكفر.\nوسمعت محمد بن عبد الغفار، يحدث عن أبي عمرو الضرير،","vol":"4","page":66},{"text":"قال: سألت عبد الله بن المبارك، عن قوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)\nقال: لا يقرون بها. قلت: عمن.\nقال: عن سعيد، عن قتادة.\nفلا أدري ما وجه قوله: أن يؤتون - في اللغة -: هو يقرون\nوالإقرار غير الإعطاء، وقد يجوز أن يكون تأول قوله: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)\nفقال: من كان كافرًا بالآخرة لم يقر بالزكاة.\nوقد أخبر الله عن أهل الكتاب - الذين أمر بأخذ الجزية منهم - أنهم\nلا يؤمنون باليوم الآخر، فقال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ)، وهم يقرون بالزكاة، ويخرجونها - من أموالهم - عن كل ألف درهم درهمًا، وعن كل ألف دينار دينارًا.\nكما كان في شريعة موسى - صلى الله عليه - ويتصدقون على أهل","vol":"4","page":67},{"text":"دينهم، والله - جل وعلا - قد سماهم كفارًا بالآخرة، فلا يجوز ترك\nظاهر الإيتاء - الذي هو الإعطاء - باحتمال لا طائل فيه من حجة.\nومن كفر بترك إيتائها فسواء ضم إلى كفره كفرًا غيره، أو لم يضم، وقتال\nأبي بكر الصديق - ﵁ - في قتالهم، وهم متمسكون بسائر\nشرائع الإسلام دليل على كفرهم، وهو من الإجماع المحصّل، الذي\nنسميه إجماع الأعصار، وهو حجة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>وقوله: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً)</span>\nحجة على المعتزلة والجهمية فيما يزعمون: أن كل ما وُصف به المخلوق لم يجز أن يوصف به الخالق، من أجل التشبيه، وهذا نص القرآن ينكر على","vol":"4","page":68},{"text":"عادٍ ادعاء القوة، ويخبر أن الله أشد قوة منهم، والرد لا يكون إلا\nبمثله، فإن كانت قوة عادٍ غير ذاتية فلعمري أن قوة الراد\nمثلها، وإن كان قوتهم ذاتية، فما ينكرون - ويلهم - أن تكون قوة\nاللَّه أيضا ذاتية، وليس في ادعائها ذاتية ما يوجب أن تكون\nنحلوقة، كما هي في عادٍ مخلوقة، لأن الله - ﷻ - بجميع\nصفاته غير مخلوق، وعاد بجميع صفاتها مخلوقة، ولست أدري كيف\nيذهب على الجهلة، هذا مع تدقيقهم - عند أنفسهم - وهذا","vol":"4","page":69},{"text":"جلي لا فى دقة فيه، أم كيف يتحكمون في وجوب التغيير على الأشياء -\nبأنفسها - قبل أن يحُدث عليها خالقُها حتى يزعموا: أن المخلوق لما\nأحدث خلقه، وركب تركيبًا بأعضاء ومفاصل وعروق، استحق اسم\nالفناء - حينئذ - وجواز الأسقام والأحداث والتغيير عليه، وهذا قول\nالدهرية، ومن يزعم أن الأشياء تدبر ذواتها، ولا يقر بمدبر.\nفلو فكر الجهال لأبصروا الدقيقة، التي غلطوا فيها، فأدتهم إلى إنكار\nصفات الله الذاتية، وهي ما أثرناه عليهم من موافقتهم الدهرية في هذا\nالمعنى، ولو فكروا في هذا الخلق المحدث، ولم يوجبوا التغيير عليه.\nوراعوا حكم الله عليه بالتغيير والأسقام والفناء، لاستراحوا من\nجهلهم، وعلموا أن الأشياء - بأنفسها - لا توجب تغييرًا، ولا\nتصرفًا، قبل أن يغيّرها مغيّر، ويصرفها مصرف، وأن الله - جل","vol":"4","page":70},{"text":"جلاله - لما كان جاري الحكم على الكل، ولم يكن أحد يجري عليه\nحكمه، أو يقهره بسلطانه استحال أن تكون صفاته الذاتية توجب\nتغييرًا من أجل أن غيره من الذاتيين هو أوجب عليهم التغيير، لا أنهم استحقوه بأنفسهم قبل إجراء مجر عليهم، أليس هذا الخلق -\nبعينه الذي أوجبت الدهرية عليه تغييرًا بنفسه - إذا أزال الله عنه حكم\nالتغيير في الجنَّة بقية الأبد على حالة واحدة من زوال التغيير.\nوالأسقام، والكبر، والهرم، والفناء عنه، ولم يزل عنه اسم\nالمخلوق، والمصنوع المركب أعضاء، وجوارحًا، وطولًا، وعرضًا\nوحدَّا. فما بال هؤلاء الجهلة يخالفون الدهرية في شيء، ويتابعونها\nفي شيء؟!، ولا يدرون أن ما أوتوا من إنكار صفاته الذاتية، من\nأين أوتوا؟.\nفهلاّ يقولون: إن الجنة والنار وأهلها يفنون، وإن من أدخل الجنة\nمن تافلة الدنيا إليها لا ينفعهم كينونتهم فيها، ولا يزول التغيير.\nوالأسقام، والأحداث المغيرة، والفناء عنهم، لأنهم مخلوقون،","vol":"4","page":71},{"text":"والمخلوق يوجب خلقه جري هذه الأشياء عليه، وإن لم يجر عليه مجر\nولم يحكم عليه حاكم.\nفإن قالوا: إن أهل الجنة والنار لما نشروا أنشئوا إنشاءً غير إنشاء\nالأول، الذي أنشئوا عليه في الدنيا، فأنشئوا إنشاء البقاء، فكذلك\nزال عنهم التغيير.\nقيل: فهل أنشأ الله - ﷻ - قط - أحدًا إنشاء فناء.\nحتى يلزم من ثَبَت له صفات ذاتية إجازة التبعيض، والأجزاء.\nوالتغيير عليه ما أراهم إلا يكابرون عقولهم.\nقال محمد بن علي: ولو لم يزيف القياس في نوازل\nالشرائع، ويدل على بطلانه إلا علة هؤلاء القوم، فيما خرجناه\nعليهم، لكان جَدِيرًا بأهله رفضه، فإنهم قد ساووهم - فيها -\nحذو النعل بالنعل، ألا ترى أن القوم أخذوا جواز التغيير على","vol":"4","page":72},{"text":"الغائب بمشاهدة الحاضر، فألزموه خصومهم، وظنوا أنهم بذلك منزهوه\nعما لا يليق به - عندهم - وهكذا فعل القائسون بالنازلة الملحقة بنظيرها.\nبل زادوا عليهم - في التحكم - درجة، لأن أولئك ألزموا لحوق الأشياء\nبعضها ببعض، ولم يدعوه على الله - جل وتعالى - أنه أمرهم بذلك.\nولا أراده منهم، والقائسون يزعمون: أن الله - جل وتعالى - لما حظر\nشيئَا بعينه حظره لعلة فيه، وقد أراد أن تكون كل ما فيه تلك العلة، تجري\nمجراه في الحظر، فوافقوا القوم في إلحاق العلل بعضها ببعض، وزادوا\nعليهم أنهم ادعوا على اللَّه شيئين:\nأحدهما: تحريمه الشيء لعلة، والآخر: إرادته في إجراء الشبه مجراه، فلا أرى جرمهم","vol":"4","page":73},{"text":"إلا، أعظم من جرم أولئك، لأن من أخطأ في رأي ليس كمن نسب\nذلك الرأي إلى الله جل وتعالى.\nولعلهم لم يعلموا أن هذا يلزمهم، فقالوا بما تصوّر لهم حق فيه\nعندهم. والله يغفر لنا، ولهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>قوله: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ)</span>\nدليل على أن في الأيام مشاييم وميامين، وكذا قوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) .\nوقد يجوز أن يكون اليوم نحسًا عليهم - خاصة - لما أصابهم فيه.\nلا أنه جُعل نحسًا في نفسه، والظاهر أنها نحسات، كما قال الله:\n(نَحِسَاتٍ)، ولم يقل: عَلَيهم) .","vol":"4","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>قوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ)</span>\nقد مضى قولنا فيه - في سورة الأعراف، وحم المؤمن - بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>قوله: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية، إذ قد أخبر -\nنصًّا - أن من زين لهم من قرنائهم سيىء أعمالهم، هو المقيِّض\nلهم، ولا يخلو القول الذي حق عليهم من أن يكون سابقًا فيهم\nقبل العمل، أو عقوبة للعمل الذي زينه لهم قرناؤهم، وإذا كان هو\nمقيض قرنائهم، فأيهما كان فالحجة عليهم به ظاهرة.\nوقوله - تعالى إخبارًا عن الملائكة المنزلين على المستقيمين، بعد قول\nالحق، والإقرار بربوبية الرب -: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)","vol":"4","page":75},{"text":"دليل على أن نزولهم عليهم - في الدنيا - عند\nالموت، يبشرونهم بما لهم عند الله، ليزول حزنهم، ويأمنوا عذاب\nربهم، ويخرجوا من الدنيا طيبة أنفسهم بالموت، وفي ذلك - والله\nأعلم - تصديق الخبر المروي في تأويل: \" من أحب لقاء الله، أحب\nالله لقاءه \" فإن من نزلت عليه ملائكة الرحمة - عند الموت -\nفبشروه، وأمَّنوه هان عليه الموت - المكره إلى النفوس - فأحب لقاء الله.\nوفي اشتراطه - جل وتعالى - نزول الملائكة بالبشارة، على هؤلاء\nدليل على أنهم لمن خالف سبيلهم ملائكة عذاب، يبشرونهم بسخط\nاللَّه، وما يسخن أعينهم من دخول الجحيم، والخلود في أنواع\nعذابه، فيكره لقاء الله، ويكره الله لقاءه.\nقوله - تعالى -: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)\nدليل على إشفاق الله - ﵎ - على","vol":"4","page":76},{"text":"المؤمن، إذ قد دله على ما يأمن به غوائل عدوه، ودليل على أنه ندب\nإلى الإحسان إلى المسيء، لتأتلف الأمة، ولا تفترق، ولا تتباغض.\nوأيد هذا الخبر المرفوع: \" جُبلت القلوب على حب من أحسن إليها \".\nألا ترى أن العدو يعود بالإحسان إليه صديقًا، بل وليًّا حميمًا.\nويقال: إنه السَّلام يدفع ببذله - في العالم - شرهم. والإحسان\nإلى المسيء درجة الأنبياء، والأولياء، وقد أوصى الله به، كما ترى،","vol":"4","page":77},{"text":"فهو الخير الذي لا يعتاض منه، وقد بين الله ذلك في قوله: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) .\nفلا ينبغي للمرء أن يؤثر هواه على فوات ما أوصاه به مولاه.\nوذُكر عن بعض الماضين أن الدفع بالإحسان منسوخ، فإن كان\nكما قال، فهو منسوخ في الكفار بآية السيف، وليس بمنسوخ في\nالمؤمنين، إذ المنسوخ ينسخ بضده عند الجميع، فهل يجوز\nلأحد أن يقول: نسخ الله الدفع بالذي هو أحسن، بالدفع الذي هو\nأقبح، إذ كان النسخ يزيل المنسوخ ويجيء بغيره، هذا والله عظيم\nسماعُه، فكيف انتحاله، والقول به؟!.","vol":"4","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>وقوله: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)</span>\nرد على الجهمية والمعتزلة، ومن ينفي المكان، والحد عن الله - جل الله - ويزعم: أنه ليس بنفسه في السماء وحدها دون","vol":"4","page":79},{"text":"الأرض، وقد قال كما ترى (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) وهم الملائكة، لا يشك أحد أنهم في السماء، وإذا كانوا عنده، فهو - جل وتعالى - فيها بحد يعرفه من نفسه، وإن عجز خلقه عن كنهه.\nوقد لخصناه في كتاب \" الرد على الباهلي \"، ودللنا على خطأ قوله","vol":"4","page":80},{"text":"في تأويل عند ما يغني عن إعادته في هذا الموضع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>قوله: (أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) </span>، آية يحتج بها الجهلة في تثبيت المشيئة للشائين من خلق اللَّه، وقد دللنا على أن مشيئتهم تبع لمشيئته، فلا يؤثر إضافته إليهم\nفي القضاء السابق عليهم. ومعنى (مَا شِئْتُمْ) وعيد ليس بتخيير إذ\nلو كان تخييرًا ما عوقبوا عليه، بل أثيبوا، ونحن لا نقول: إن\nحركة العاملين في الأعمال، هي حركة اللَّه، بل هي حركاتهم\nالتي أعطاهم الله، وفرض عليهم أن لا يعملوها إلا في الطاعة، فهي\nمنسوبة إليهم، وللًه - جل وتعالى - فيهم مقدمات أحكام.\nوعلوم، ليس لهم أن يحتجوا بها عليه، كما لم يكن لمن شَوَّه خلقه.\nوسوَّد لونه، وأعمى بصره، وأقعده من جوارحه أن يحتج به عليه.\nكيف لم يخلقه صحيحًا، سويّا، أبيض اللون، حسن الوجه، وقد\nسوى بينه وبين الصحيح، في مطالبته بما فرض عليه، وكذلك سوى\nبين الفقير والغني - فيها - فلم يكن لأحد أن يحتج إليه، ويطالبه\nبإخلاف أحكامه فيهم، ولا يعذر - نفسه - في التقصير في بعض ما","vol":"4","page":81},{"text":"فرض عليه، لأن فضل غيره في الخلق، والصورة الحسنة، وثراء\nالمال، وعلو المرتبة في السلطان، والجاه، والصحة، وعافية البدن\nعليه، لأنها أحكام هو أعلم بها منهم، وإذا كان أعلم بأحكامه.\nوليس لأحد منازعته - فيها - ولا اشتراك في علومها، فهو أعلم\nبعدله، لا ينازع فيه، ولا يشارك في علمه، ولا يؤخذ كيفيته من\nعدل الخليقة، بعضهم على بعض.\nوقوله. (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ)\n، لا متعلق للجهلة فيه، إنما هو - والله أعلم - ولو أنزلناه بلغة العجم لما فهمته العرب، ولقالوا: كيف يأتينا رسول عربي\nبقرآن لا نفهمه، وهو عربي اللسان، يكلمنا به بلسان العجم؟!.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>قوله: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى)</span>\nالآية حجة في أشياء:\nفمنها: أن الهدى في القرآن، من التمسها في غيره، أو في غير ما أمر به ضل.","vol":"4","page":82},{"text":"ومنها: أنه يستشفى به بالنشر، والتعليق، من أجل أن اسم\nالتمائم لا يقع عليه، لأن التمائم هي: ما كانت بغير لغة العربية.\nمن كلام لا يعرف، والقرآن شفاء، كيفما استشفي به، بالقراءة\nعلى العليل، أو بكتبه، وسقيه، والإفاضة عليه، أو تعليقه\nفي الصحف، على بعض بدنه، لا ينكره إلا جاهل بمعنى","vol":"4","page":83},{"text":"التمائم، المنهي عنها. ولما كانت النُّشر تكتب من القرآن، وذكر\nاللِّه، وتكتب من غيره كان قوله: \" النشر من السحر، والنشر من عمل\nالشيطان \" مصروفًا إلى ذلك، لا إلى القرآن، وذكر الرحمن.\nومنها: الرد على المعتزلة والقدرية، لذكر الوقر في آذان الكفار.\nوتحويل القرآن - الذي هو هدى للمؤمنين - عمى عليهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>وقوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ)</span>\nحجة عليهم.","vol":"4","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-587>وقوله: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ)</span>\nحجة عليهم، وقد شرحناه في سورة الملائكة.\nالصبر عند الشدائد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>وقوله: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩)</span>\nدليل على أن المرء، إن يصبر عند المصائب، ولا ييئس\nمن رحمة ربه، ولا يلهيه مس المصيبة عن الذكر، والشكر، فإن\nالمصائب - وإن كانت تمض فهي - كفارات، وعاقبتها كرامات.\nومن صفة المؤمن أن يكون شكورًا عند الشدائد، والرخاء، فما من\nشدة إلا وفوقها شدة، فإذا بلي بأدونها، كان عليه الشكر في صرف\nأرفعها، والمعافاة منها، فمن جعل موضع الشكر القنوط واليأس.\nقل تبصره، وساء تخيره.","vol":"4","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>سورة الشورى</span>\nذكر الجهمية:\nوقوله - تعالى -: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ)\nحجة على الجهمية، والمعتزلة في إنكار الصفات - كلها - وما ينكرون من\nكينونته في السماء، وحلوله فيها على العرش، وهذا يؤيد\nالحديث المرفوع: \" وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد من الثقل.","vol":"4","page":86},{"text":"جل ربنا، وتبارك من عظيم جليل.","vol":"4","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>قوله: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ)</span>\nهو - والله أعلم - خصوص للمؤمنين، إذ محال أن\nيستغفروا للكفار، وهو نظير ما مضى، في سورة المؤمن.\nالقدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) </span>، رد على المعتزلة والقدرية، إذ في قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، دليل على أنهم لم يجعلهم، وخص بالرحمة من\nشاء منهم، والرحمة - لا محالة - سبب الهداية، ومنع الرحمة سبب\nالضلالة، لولا ذلك ما كان في الكلام فائدة، عند من تدبره\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>قوله: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)</span>\nدليل على أن الحق - إن شاء الله - إذا اختلف المختلفون في شيء لم يكن إلا في","vol":"4","page":88},{"text":"واحد، ولولا ذلك لأقره، ولم يجعل حكمه إليه، وفميا جعل حكمه\nدليل على أن حكم غيره محرم القول به، ومسكوت عنه، حتى يُعرف ما\nحُكم فيه فيتبع.\nوحكمه على ثلاثة وجوه:\nفمنها: ما أنزل فيه نص كتاب.\nومنها: ما بينه على لسان الرسول، ﷺ\nومنها: ما ألف علمه قلوب الجماعة، فأيها عرف في المختلف فيه -\nمن هذه الثلاثة - فهو الحق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>وقوله: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) </span>، لا محالة إضمار.\nكأنه يأمر رسول الله - ﷺ - بأن يقول ذلك، إذ لو\nكان الكلام إخبارا عن نفسه، على نسق ابتداء أوله لكان - والله أعلم -:","vol":"4","page":89},{"text":"\" ذلكم الله ربكم \"\nالشريعة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>وقوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)</span>\nدليل على أن دين هؤلاء - كلهم - وشرائعهم واحد، وما وقع فيه من تغيير\nشيء، فهو مثل الناسخ والمنسوخ، في كتابنا، لا أن الشريعة -\nبأسرها - متغيرة كلها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>قوله: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ)</span>\nحجة في إجازة الرجوع من لفظ خبر الغائب، إلى خبر الحاضر.","vol":"4","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-596>قوله: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ)</span>\n\" الهاء \" راجعة على \"ما\"، والشهادة داخلة فيه. وهو حجة على المعتزلة، والقدرية، لذكر المشيئة في الاجتباء، والهداية إلى ما كبر على المشركين.\nواستوحشوا من دعائهم إليه، فضادوه، وأفرغوا مجهودهم في\nخفضه، وأبى الله إلا رفعه، وإمضاءه، حجة عليهم.\n* * *\nوقوله تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)، حجة عليهم، إذ ليست تخلو هذه الكلمة - السابقة -\nمن أن تكون في اختلافهم، أو في بقائهم عليه إلى الموت الموقت\nأجله، وأيهما كان فهو حجة عليهم مسكتة، وسياق الكلام دليل على\nأنها سابقة في نفس الاختلاف، لقوله: (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)، وذلك أن\nاللَّه - ﷻ - نهى نوحًا ومن أدخل معه في الوصية عن التفرق\nفي الدين، وأمرهم بإقامته، فأتمروا لربهم، ولم يفرقوا دينهم، فلما","vol":"4","page":91},{"text":"صار الكتاب في أيدي من بعدهم شكوا فيه، وتدرعوا في\nالاختلاف، فأخبر الله أن اختلافهم من القضاء السابق عليهم.\nفأي شيء يلتمس بعد هذا البيان - ويحهم - لو أنصفوا، فما بينهم\nوبين الوصول إلى فهمه إلا تدرع لباس الجهل، بمعرفة عدله، وقد تخلصوا.\nمخاطبة الجهال:\nوقوله - تعالى -: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ)، \" اللام \" بمعنى \" إلى \" والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>وقوله: (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ)</span>\nفائدة لمن أراد السلامة في مخاطبة الجهال، فخاطبهم بحق يسلم فيه من دخول\nالفساد على دينه، لأن الله جل ثناؤه أَمر رسوله، صلى الله عليه\nوسلم، بهذا القول لهم - وهو أعلم - ليكون إيمان رسوله - ﷺ - بكتاب أنزل على نبيهم أبلغ - عندهم - في\nتصديقهم لأنفسهم في إجابته إلى ما يدعوهم","vol":"4","page":92},{"text":"إليه، وقد آمن بكتب أنبيائهم - قبله - فقال: (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ)\nولم يقل: \" آمنت بما في أيديكم \" للتبديل، والتحريف الذي أحدثوه.\nقياس:\nوقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ)\nدليل على إبطال الرأي، والاستحسان، والقياس، لأن اليهود، والنصارى - الذين نزل فيهم هذا - كانوا يحاجون بما يرونه عند أنفسهم حقًا، وليس يخلو كل ما عدا الكتاب، والسنة، والإجماع - من حجج الناس - من\nأحد الثلاثة: من الرأي، والاستحسان، والقياس، وكان محاجة\nالقوم بأحد هذه الثلاثة، فأخبر الله - نصًا كما ترى - عن دحض\nحجتهم عنده، بل فيه أكبر الدليل على إبطالها، فإن القوم حاجوا","vol":"4","page":93},{"text":"أصحاب رسول الله ﷺ بتقديم كتابهم ونبيهم، على\nكتاب الصحابة، ونبيهم.\nوقد مدح الله القُدْمةَ فى أشياء:\nمثل قوله: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ)، وقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ)\nوقال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) .\nوذم احتجاج هؤلاء بالقدمة - كما ترى - وحمل الأشكال على الأشكال ممدوح في الرأي، والقياس، والاستحسان، فلو كان حقًّا، لكان أصحاب رسول الله، ﷺ، محجوجين بقول اليهود، والنصارى، أفليس بيّنًا - عند من شرح الله صدره - أن القدمة ممدوحة حيث مدحها الله، ومذمومة حيثما مدحها غيره، تشبيهًا بما مدحها الله، وقد جعل اللَّه رسوله، ﷺ، محمدًا أفضل الأنبياء، وهو آخرهم","vol":"4","page":94},{"text":"رسالة، وكلهم أقدم منه فيها.\nفلما كانت القدمة ممدوحة في موضع، دون موضع، دل على أن\nالأشياء وإن تشاكلت، فهي محتاجة إلى تعبد، يصحبها في\nالأحكام، فإن ائتلفت في الأحكام، كما ائتلفت في الأشكال\nائتلفت، وإن لم تأتلف في الأحكام اختلفت.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>وقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا)</span>\nحجة على المعتزلة، والقدرية \" وذلك أن\nالحرث - في اللغة - كناية عن العمل، سُمي به - والله أعلم -\nللنماء الذي ينميه من الخير والشر، وكذا قال عبد الله بن عمر - وهو\nمن أرباب اللغة -: \" احرث للدنيا كأنك تعيش أبدا، واحرث للآخرة\nكأنك تموت غدًا\"، وقد أخبر الله - نصا كما ترى - أنه يزيد كلًاّ\nما يريده، وعطيته لا تخلو من أن تكون خلقًا لحرثه، أو معونة على","vol":"4","page":95},{"text":"فعله، وأيهما كان فهو حجة عليهم واضحة، لا إشكال فيها.\nوقد أنبأتهم عن المعنى الذي أرادوه، وأزالوا به القرآن\nعن جهته - في سورة الأنعام - في قوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ)\nأنه خطأ من ثلاث جهات:\nفأحدها: رد الفاعل إلى المفعول به.\nوالثانية: أنه لو كان كذلك - أيضا - ما نفعهم، لأنه إن كان محالًا\nعلى الله أن يخلق شيئًا، أو يقضيه على عباده، فهو محال عليه أن يعطي\nأحدًا سؤله فيه، وإن سأل.\nوالثالث: وإن نفس وصف القوم بإرادة الضلال خطأ، لإعزازه\nفي العالم، وعدم من يرد من الله ذلك، إنما يستفزهم حرص الدنيا.\nفيريدون جمعها - لأنفسهم - بأي وجه اجتمعت لهم من خير، أو شر.\nكما قال الله - ها هنا -: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا)، فقد أخبر الله أنه يؤتيهم حرثها المحروص عليه منهم، لا بمسألتهم إياه ذلك.","vol":"4","page":96},{"text":"قال محمد بن علي - ﵀ -: وفي قوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)\nمعتبر لمن وفقه الله، في أن القياس، والاستحسان دين لم يأذن الله به، إذ الإذن لا يكون إلا ملفوظًا، لا متوهمًا، ولسنا نجد قائسا، ولا مستحسنًا\nآوى في قياسه إلى آية، أو سنة تصرح له إذنًا بالقياس، بل كل ما\nيحتجون به من مثل العدل، والقبلهّ، وجزاء الصيد، وتحريم\nالحنطة بالحنطة المتفاضلة نصوص في أنفسها، لأنفسها، وحمل","vol":"4","page":97},{"text":"أشباهها - عندهم - عليها توهم، من المتوهمين، لا تصريح به من رب\nالعالين، فهل جعل التوهم دينًا يحل به، ويحرم ويعقد ويحل إلا مما لم يأذن\nاللَّه به عند المنصفين، والمميزين إذا تدبروه.\nالرد على الروافضة:\nوقوله - تعالى -: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)\nدليل على أن في سجايا البشر نبوًا عن موعظة من أخذ الدينار\nوالدرهم، وأن التعفف عنهما كان مرموقًا في الجاهلية الجهلاء بعين","vol":"4","page":98},{"text":"المدح، من يزهد فيهما، ويتضع قدر من سارع إلى أخذهما، فأمر اللَّه\nرسوله، ﷺ، أن يبرأ إلى المنذَرين، من أخذ أجر من\nأحدهما على ما يدعو إليه من كتاب ربه، ودينه الذي شرعه لعباده.\nلتمخض دعوته إلى الله - جل وتعالى - خالصة غير مشوبة بميل\nدنيا، تخفض طلابها، والراكنين إليها عن مراتب العز، ودرجات\nالمقربين، وبذلك أخبر عمن مضى من الرسل - قبله - في سورة\nالشعراء، وغيرها - بقوله: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وعن حبيب النجار حين أمر المبعوثين إليهم برسولين، والتعزيز بثالث (اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>وقوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)</span>\nكان الحسن البصري - ﵁ -","vol":"4","page":99},{"text":"يقول فيه قولًا لم يواطئه عليه سائر المفسرين، فقال: إلا أن\nتودّدوا إلى الله بما يقربكم إليه.\nوأما المفسرون سواه، فقالوا: إلا أن تصلوا قرابتي منكم، فلا\nتكذبوني ولا تؤذوني.\nوقد رُوي عن ابن عباس حديث مرفوع مثل قول الحسن، إلا أن\nفي إسناده رجلًا مرغوبًا عن الرواية عنه، وهو قزعة بن سويد، روى","vol":"4","page":100},{"text":"عن ابن أبي نَجيح - وقد ذكر بالقدر، ولكنه ثقة في الحديث -\nعن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ:\n\" قل لا أسألكم على ما أتيتكم من البينات، والهدى - إلى آخر الآية - إلا أن توادوا الله، وأن تقربوا إليه بطاعته \".\nوقد يحتمل أن يكون قول الحسن، وغيره سواء، لأن حفظ من يحفظ\nقرابته من رسول الله، ﷺ، فلا يكذبه، ويصدقه طاعة\nاللَّه داخلة في جملة ما يتقرب به إلى الله منها.\nوقد رُوي عن ابن عباس، رواية أخرى، مثل ما حكيناه عن","vol":"4","page":101},{"text":"المفسرين، وفيها أن هذا الاستثناء منسوخ بقوله: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) .\nوأما الشيعة ففسرته تفسيرًا شنيعًا قبيحًا، يهدم الآية، ويضع من\nرسول الله ﷺ.\nزعموا: أن الاستثناء في الأجر، وقع على حب أهل بيته خصوصية\nلهم، إذ مطالبة رسول الله، ﷺ، إياهم بمودة أهل","vol":"4","page":102},{"text":"بيته على ما يدعوهم إليه طرف من الأجر إذ الأجر كله، ليس كله في\nالدينار، والدرهم.\nوأهل بيته، ﷺ، نوعانِ: فمن كان منهم مسلمًا.\nعاملًا بطاعة الله فهو أسوة سائر المسلمين، يحُب على ما فيه من الطاعة\nلربه. ومن كان منهم كافرًا، لم ينفعه قرابته من رسول الله، ﷺ، ولا يحب عليها، ومن زعم أن أحدًا ينفعه قرابته من\nرسول الله، ﷺ، بغير طاعة الله فقد خالف الكتاب\nوالسنة، قال الله - ﵎ -: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، وقد أوصى رسول الله، ﷺ، فاطمة ابنته","vol":"4","page":103},{"text":"وصفية عمته أن تشتريا أنفسهما من الله، فإنه لا يغني عنهما شيئًا.\nوأوصى كافة أهل بيته، فقال: \"لا يأتيني الناس - يوم القيامة -\nبالطاعات، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم، فإني لا أغني عنكم من\nاللَّه شيئًا \". وقال: «إن أهل بيتي يظنون أنهم أولى الناس بي.\nوليس كذلك، إنما أوليائي المتقون \".","vol":"4","page":104},{"text":"ولم يكن أحد أقرب إلى رسول الله، ﷺ، من أبيه.\nوأمه فما نفعهما إذ كانا كافرين، وكان أبو طالب عمه، كما كان\nحمزة، والعباس، فشقي دونهما بالكفر، وسعدا بالإسلام.\nوعلي - ﵁ - مسلم مطيع، وكان أقرب إليه من أبي بكر.\nوعمر، وعثمان، ففضلوا عليه - ثلاثتهم - لزيادة طاعة كانت فيهم\nوإن كان علي - أيضا - مطيعًا وصار علي أفضل من سائر من بعدهم.\nلزيادة طاعة فيه.\nولو كان بالقرب مع الإسلام أفضل لكان عمه العباس، وابنا علي","vol":"4","page":105},{"text":"الحسن، والحسين أفضل منه، فصار أفضل منهما، ومن عمه\nبزيادة طاعة، وإن كان كلهم مطيعًا.\nفهذا واضح - عند من شرح الله صدره - أن القربة منه لا تنفع\nالكافر، ولا المسلم، إذا لم تساعده طاعته، للَّه جل وتعالى.\nفإن قيل: فما معنى قوله: \" إني تارك فيكم كتاب الله حبلًا ممدودًا.\nوعترتي - أهل بيتي - فانظروا كيف تحفظوني فيهما \".\nو\" مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك \".","vol":"4","page":106},{"text":"وما أشبه ذلك من الأخبار.\nقيل: هي أخبار تدل الناس على فضائلهم، وجليل مناقبهم.\nورسوخ محبتهم في قلوب المؤمنين، وهم عندنا كذلك، وفوق ذلك\nبحمد الله ونعمته، ولكنهم غير مرفوعين على من ازدادوا في الطاعة\nعليهم، وللناس في الحب، والفضائل درجات في القلوب، على\nمقدار ما جعل الله لهم، فلا تؤثر الدرجات بعضها في بعض.\nولكل درجة مقدار في قلب المؤمن، ألا ترى أن حب الله - تبارك\nتعالى - فرض على المؤمن، فهو مقدم على كل حب، ثم حبه رسول الله - ﷺ - يتلوه،","vol":"4","page":107},{"text":"ثم حب من فضّل من أصحابه على أهل بيته، ثم حب أهل بيته راسخ كله، جعله الله في القلوب، لا يؤثر بعضه في بعض.\nفإن قيل: فكيف يكون علي دون أبي بكر، وعمر، وعثمان في الفضل، ولا تكون له الخلافة إلا بعدهم، وهو ختنه، وابن عمه؟\nقيل: قد دللنا على أن الفضائل مستدركة\nبالطاعات، دون القرابات، فقد كان العباس عمه، وهو أقرب منه.\nفلم يكن له فيها حظ، وعثمان - قد - كان ختنه، فلم تخلص له\nالخلافة إلا بعد أبي بكر، وعمر ﵄ وعنه.\nفإن قيل: أفليس قد قال رسول الله، ﷺ.\nلعلي: \" أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي \".\nقيل: لا ننكر لعلي أنه كان في الوزارة، والأخوة من رسول الله - ﷺ - كهارون من موسى، وقد كان أبو بكر، وعمر\n- أيضًا - وزيريه، يسميان به في عهده، وسماهما علي بعد","vol":"4","page":108},{"text":"موته. والنبوة، والخلافة قبل أن يلي غيره لا حظ له فيهما، لأن رسول\nاللَّه - ﷺ - كان خاتم النبيين، وقد استثني\nفي الخبر بالنبوة وهارون - صلى الله عليه - كان شريكًا لموسى في النبوة.\nفلم تكن لتبطل نبوته بعد موت موسى - صلى الله عليه - لو مات قبله\nولا كانت تتحول خلافته، فيلزمنا أن عليا لما لم يجز أن يكون نبيًّا كان\nخليفة، ولو كان هارون خليفة موسى - صلى الله عليه - بعد موته.\nولم يكن نبيًا برأسه، لاحتمل أن يكون علي - مع قول النبي، صلى\nاللَّه عليه وسلم، فيه - خليفة بعده، قبل أن يلي غيره، فلما كان\nهارون مستغنيًا عن الخلافة بالنبوة، ولا حظ لعلي في النبوة، لم يكن\nلاعتلال المعتل بخلافته بعد النبي، ﷺ، بهذا\nالخبر وجه.\nوقد يحتمل أن يكون النبي، ﷺ، لما خلف عليًّا\n- ﵁ - في غزوة تبوك، جعله خليفته على من خلفه إلى وقت","vol":"4","page":109},{"text":"انصرافه، كما جعل موسى - ﵇ - هارون خليفته على بني\nإسرائيل، لما ذهب لميقات ربه، وكذا روي في الخبر أن عليًّا حزن\nلذلك، فقال: تخلفني وتذهب؟! فقال: \"ألا ترضى أن تكون مني\nبمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي \".\nوفي موت هارون قبل موسى - ﵇ - أدل دليل أنه أراد\nخلافة الحياة، لا خلافة الموت - وقد رُوي: \" لا نبي معي \"","vol":"4","page":110},{"text":"وخلافة الحياة، خلاف خلافة الممات، وقد استخلف أبا بكر - رضي\nالله عنه - على الحج، ثم أرسل عليًا على إثره بسورة براءة، فكان\nكل واحد منهما خليفته فيما أسند إليه من الحج، وتبليغ سورة براءة.\nفليس في الخبر متعلق للشيعة في خلافة علي، بعد النبي، ﷺ، إن أنصفوا، ولم يكابروا، ولتخليص هذا موضع غير\nهذا الكتاب.\nقال محمد بن علي - ﵁ -: فهذا ما دل عليه الكتاب\nوالسنة من تقدمة الناس بالتقوى والطاعة، بعضهم على بعض. فإذا\nجئنا إلى الأنساب لم ننكر أن العرب أفضل من غيرهم، وأن رسول.\nاللَّه ﷺ، وأهل بيته أفضل من سائر قبائلها نسبًا.\nفللرسول، ﷺ، فضل الدين، والنسب معًا\nوالكرامة على الله - جل وتعالى - على جميع الخلق، ولأهل بيته فضل\nعليهم في النسب، دون الدين، لما دللنا عليه من أن الدين مفاضل\nالناس فيه بالتقوى، لا بالنسب، وكذا سائر العرب، كل من قربت\nولادته من رسول الله، ﷺ، كان أفضل نسبًا ممن\nبعدت منه، يفضل الأقرب فالأقرب في النسب على من دونه،","vol":"4","page":111},{"text":"وأفضل الدين طريق واحد، وهو التقوى.\nذكر المال:\nوقوله - تعالى -: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)\nدليل على أن كثرة المال سبب لفساد الدين إلا، من عصمه الله - ﷿ - لم يجعله فتنة عليه، فهو معصوم مخصوص بالكرامة، كمن كان غنيُّا من أصحاب رسول اللَّه، ﷺ، ومن لم يعصمه فكثرة المال له مهلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>وقوله: (وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ)</span>\nدليل على أن لا سبيل إلى\nالازدياد في الرزق بالحيل، والمكاسب، لأن الله وعد الأرزاق.\nوضمنها بقوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)\nفرزق كل عبد مجموع عنده، ينزل عليه بمقدار ما يصلح له، وهذا وإن كان\nكذلك، فلا متعلق - فيه - لمن يفضل الفقر على الغنى، ولا لمن\nيحرم المكاسب من الصوفية، لأن الآية وإن كانت خروجها عامًّا","vol":"4","page":112},{"text":"في المخرج، فقد دخلها الخصوص بمن كثر ماله من أصحاب رسول\nاللَّه - ﷺ - فلم يفسده، ولا بغى فيه، وكان ماله\n- وإن كثر - داخلًا في القدر الذي ينزله الله بمشيئته، فكيف يمكن\nأن يفضل الفقر على الغنى - جملة - وقد كانت لرسول الله، صلى\nاللَّه عليه وسلم، أحوال في المال، كثر عنده في وقت، وقل في\nغيره، فهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله، صلى الله عليه\nوسلم، حين قلَّ ماله كان أفضل منه حين كثر، أم يجوز أن يقول: إن\nدرجته في الفضل حين أفاء الله عليه قرى عربية اتضعت، هذا والله\nعظيم لمن توهمه، فكيف لمن قاله؟! . بل المال محنة واختبار لأهله،","vol":"4","page":113},{"text":"فمن أطاع الله فيه نفعه، ومن عصاه فيه ضره، ولا يقال: الغني أفضل\nمن الفقير، ولا الفقر أفضل من الغنى، إلا أن الأغلب أن فتنة المال أكثر من\nفتنة الفقر، وللفقر -أيضًا - فتنة.\nوأما ما عليه الصوفية الحرمين للكسب، فإن الله - جل وعلا - لا\nتضمّن الأرزاق، وقدّر تنزيلها، لم يَعد أحدا في كتابه أنه يوصله إليه بغير\nواسطة سبب، بل خلق المكاسب، وأباحها لخلقه، فقال: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ)، وجعل رزق نبيه، ﷺ، تحت ظل رمحه، يصل إليه بقتال العدو، فالغنائم، والتجارات، وأعمال اليد - كلها - مكاسب، ودل في","vol":"4","page":114},{"text":"كتابه، وعلى لسان نبيه، ﷺ\nعلى وجوب التجارات، وعلى ما يحل منها، ويحرم، فلو كانت\nأسباب الرزق محرمة لكانت هذه الأشياء: من أبواب الربا.\nوالغرر، وبيوع الجاهلية لا تخص دون سائرها بالتحريم، ولكان\nتحريم المكاسب جملة قد حظر جميع التصرف وهذا قول عظيم، خبيث\nيؤدي إلى الإباحة - لمن ميزه - ويسوي بين أملاك\nالمسلمين، وأهل الحرب، إذ لابد لمن يقول: بتحريم المكاسب من","vol":"4","page":115},{"text":"أكل، وشرب، ولباس، فإذا لم يميز وجوهه، ورأى ما يصل إليه من\nالوجوه - كلها - مباحًا فقد دخل في هذه التسوية، وأباح أخذ الأموال\nبالسرقة، والغصوب، والاقتدارات، كما يبيح أموال أهل الحرب\nسواء، وهذا سوء مقال، وأجدره بالمحال، وأردّهُ للقرآن - كله -\nمثل قوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)، وقال: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) و(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا)، فمن حرم الكسب - وهو مجوف محتاج إلى الأكل، والشرب ولا يسل ولا يتعرض إذ، المسألة، والتعرض معًا\nكسب - فقد قال بالإباحة، عند من تدبر قوله.\nذكر المعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>وقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)</span>","vol":"4","page":116},{"text":"ممهِّد للمؤمن - مَنْ طيَّب نفسه - من احتمال المصائب.\nإذا علم أنها مكفرة لسيئاته، وموجبة له عفو ربه. وفيه تنبيه للقدرية.\nوالمعتزلة - فيما احتججنا عليهم - من مرض الصغار، والمجانين.\nالذين يصيبهم المؤلمة بلا اكتساب شيء، كان منهم، كما دل\nاللَّه - ﷻ، في هذه الآية - من خاطبه من العقلاء\nالمميزين، أن مصائبهم تصيبهم باكتساب أيديهم، فليس لفرقهم بينها\nوبين مصيبة النار معنى، إذ كليهما تعد مصائب، لما فيها من الآلام\nعلى الأجسام، ألا ترى أن النار لم تكن مصيبة على إبراهيم، صلى اللَّه\nعليه وسلم، بل نعمة فما بالهم - ويحهم - يفرقون بين الألمين.\nوالمصيبتين بما لا فرق فيه. فإن كان تصور الجور عندهم في تعذيب\nمن أجرم بقضاء الله لأنه معذب من لا ذنب له - عندهم - فهذا\nالطفل، والمجنون يعذب في الظاهر، ولا ذنب له. وإن كان تصور\nالجور فيه - عندهم - من غير هذه الجهة فليدلوا عليه، لنجيبهم\nعنه، ولا سبيل لهم إليه.\nذكر الآثام:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>وقوله: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)</span>","vol":"4","page":117},{"text":"دليل على أشياء:\nفمنها: أن في الآثام صغيرًا، وكبيرًا، وأن اجتناب الكبير يكفر\nالصغير، ويؤيده قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) .\nومنها: أن العفو عن المسيء، وغفران سيئاته ممدوح عند الله، مرضي لديه.\nومنها: إجازة الصلة، وزيادة التأكيد في الكلام، وأنهما غير\nحاطين من درجة الفصاحة، لأن \" ما \" صلة، و\" هم \" زيادة تأكيد.\nذكر التشاور:\nوقوله - تعالى -: (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، دليل على\nأن التشاور طاعة للَّه، واقتراب إليه، إذ قد جعله - جل وتعالى - في\nجملة ما مدح به القوم، وكل شيء حمله الاستجابة له، والصلاة،","vol":"4","page":118},{"text":"والنفقة، وكذلك الانتصار بعد الظلم ممدوح، إذا أراد به المنتصر إعزاز\nدين الله، لقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) .\nفإذا انتصر المظلوم لنفسه فانتصاره مباح، وعفوه أفضل، لقوله:\n(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)\nإلى قوله: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) .\nوقد يدخل في قوله: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)\nإباحة حبس المغصوب عن غاصبه بقدر ما غصب، إذا قدر\nعليه، وقد بينته في سورة المائدة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)</span>\nدليل على أن إدخال\n\" اللام \" في خبر \" إن \"، وإسقاطه جائز فصيح، ألا ترى أنه قد\nأسقطها في سورة لقمان، عند الإخبار عنه في وصية ابنه (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)","vol":"4","page":119},{"text":"وأثبتها ها هنا.\nذكر المعتزلة:\nودوله - تعالى -: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) .\nحجة على المعتزلة والقدرية في الإخبار بالإضلال عن نفسه لهم، ونفى السبيل\nبذلك عنهم، وأمرهم على إثر ذلك بالاستجابة، فهل ذلك - ويحهم -\nإلا نص قولنا، وضد قولهم، ومعرفة كيفيته عنا مغيب، وهو عدل\nلا ريب فيه، وإن جهلناه.\nذكر أن القرآن كلام الله:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>وقوله: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)</span>\nدليل على أن الله متكلم وإذا كان متكلمًا، والقرآن كلامه، فقد ثبت أنه غير مخلوق.\nوليس للقوم متعلق في ذكر الحجاب، لأنه يعني بذلك في الدنيا.\nوهو مثل الرؤية الزائلة في الدنيا، والكائنة في الآخرة.","vol":"4","page":120},{"text":"ذكر تأييد الاحتجاج بالقرآن:\nقوله - ﷿ -: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)\nإلى قوله: (مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)، دليل على تأييد الاحتجاج بالقرآن.\nوأن الهداية لا تكون إلا به، أو بما يدل - هو - عليه.\nوفيه حجة على القائسين، والمستحسنين، إذا كان رسول رب\nالعالمين لم يعلم قبل تعلُّم، فالقائس، والمستحسن أولى أن لا يعلم قبل\nتعلم، إذ القياس، والاستحسان ليسا بمنصوصين في القرآن\nبألفاظهما، ولا بلفظ متفق على تأويله فيتعلما، فكيف يكونان حجة\nعلى الخلق وقد أخبر الله أن الهداية في القرآن المتعلَّم.\nذكر الستن:\nوقوله - تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ)\nحجة في قبول السنن، وزوال الارتياب في أن قول الرسول - كله - حق من عند الله، وهاد إلى سبيل الله.","vol":"4","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>سورة الزخرف</span>\nالإقرار ببعض الحق:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>قوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)، وكذلك قوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) </span>.\nدليل على أن الإنسان لا يكون بإقراره ببعض الحق مؤمنًا\nحتى يقر بجميعه، وأن الكفر ببعض الحق كفر بجميعه، ألا ترى أن\nالقوم قالوا حقًّا، لم ينفعهم الإقرار به، وقد ردوا غيره.\nثبوت الأسباب:\nوقوله - تعالى: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا)، وأمثاله في القرآن، دليل على ثبوت الأسباب، وأنها غير\nمؤثرة في توكل المتوكلين، ولا في قدرة الخالق، وهو نظير ما مضى\n- في سورة الكهف - من قوله: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ)\nألا ترى أن الله - ﷻ، لا محالة - قادر على إنشار الأرض بغير مطر، فأنشرها بالمطر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>وقوله: (كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)</span>\nيحتمل معنيين:","vol":"4","page":123},{"text":"أحدهما: أن يكون إخبارًا عن قدرته على إحياء الأموات، كإحياء\nالأرض بالنبات.\nوالآخر: أن يكون مثل الحديث المروي: \" إن اللَّه - جل ثناؤه -\nإذا أراد أن يحيي خلقه يوم القيامة أمطر عليهم من السماء مطرًا، فينبتون به\nنباتًا، بقدرته \".\nذكر حط درجات النساء، عن درجات الرجال\nقوله - تعالى -: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)، دليل على حط درجات النساء، عن درجات الرجال.\nوبيان تفضيل الرجال عليهن، وأن الآباء مندوبون إلى تحلية\nبتاتهم، لأنهن لا يقدرن على النشوء فيه - صغارًا - إلا وقد حلين","vol":"4","page":124},{"text":"بما ينشون عليه، وأن الرجال لا يجوز لهم المَحلي بحلي النساء، تشبهًا\nبهن لأن ذلك أمارة نقص المرأة، وأن المرأة إذا كان لها حق تطالب به\nوكلت رجلًا يطالب لها، إذا هي غير مبينة في خصومتها.\nالرد على الجهمية:\nقوله - تعالى -: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)\nدليل على غير شيء:\nفأوله: رد على الجهمية - (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا) - في باب الجعل الذي لا يعدونه إلا خلقًا، ليتطرقوا إلى\nخلق القرآن، وهم لا يستطيعون أن يجعلوا \" الجعل \" ها هنا\nخلقًا، إذ محال أن يكون الكفار خلقوا الملائكة إناثًا، إنما افتروا\nعلى الله، وادعوا عليه دعوى باطل، وكفر.","vol":"4","page":125},{"text":"والثاني: أن الحكم على الغيب محظور على كل أحد، بغير عيان.\nولا خبر صادق.\nوالثالث: تقريع للشهود أن لايشهدوا على شيء يسألون عنه إلا بعد\nتيقنه، والتثبت فيه.\nوقوله - تعالى -: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ)، نظير ما مضى - في سورة الأنعام - من قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)، والجواب فيهما واحد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>وقوله: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ)</span>\nنظير ما مضى - في سورة المائدة - من قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ)، إذ لم يكن فيما كان عليه آباؤهم شيء من الهداية، بتة.\nوقد تأكدت حجة الشافعي - بها - جدًّا، وضعفت حجة","vol":"4","page":126},{"text":"ذكر الحسد:\nوقوله تعالى -: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)، دليل على أن تعظيم الأغنياء، والمتريسين بالثراء قديم في\nأطباع من لم يعصمه الله بالإيمان ويبصّره رشده، ألا ترى المساكين كيف\nظنوا أن من كان - عندهم - عظيمًا رئيسًا أحق بالنبوة من محمد، صلى\nاللَّه عليه وسلم، فأخبرهم الله أن النبوة رحمة منه على من ينبيه، ليست\nهي بأيديهم، فيقسموها لمن أحبوا، إنما أخبر عن قسمته، ورفع فى درجة\nبعضهم على بعض، فقال: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) .\nوفي ذلك تقريع شديد، وغلظة للحاسد أن لا يحسد من فضله الله في المعيشة عليه، لأن في حسده تسخط قضاء ربه - وقد رضاه بقسمته - والازدراء بنعمة الله عليه.","vol":"4","page":127},{"text":"المعتزلة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>وقوله - تعالى -: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) </span>، حجة على المعتزلة، والقدرية لمن تدبره.\nبشارة لمن صرف عنه متاع الدنيا:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>قوله: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)</span>\nإلى (وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)، دليل على تزييف الدنيا، وزبرجها - كله - وتعزية لمن قدر رزقه، ولم يوسع عليه، وبشارة لمن صرف عنه متاع الدنيا، وليس فى هذا نقض لما مضى في قوله: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ)، لأن الغنى قد يشترك فيه المؤمن والكافر، والدين\nمخصوص به المؤمن دون الكافر، والجنة جزاؤه، والنار جزاء الكافر.\nفالمؤمن يستعين بغناه على طلب الجنة، والكافر يستكثر به الإصرار،","vol":"4","page":128},{"text":"وهو مملو به، ليزدادوا إثمًا، والمؤمن منظور له، ليزدادوا جزاء\nحسنًا، والله أعلم.\nالإشارة:\nوقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)\nحجة في أشياء:\nفمنها: جواز الإخبار بلفظ الحاضر عن لفظ الغائب.\nومنها: رد على المعتزلة والقدرية في تقييض الشيطان للعاشي\nعن ذكر الرحمن، وتصييره قرينه.\nومنها: أن إثباءهم بإضافة الصدود إلى المقَيَّضين ما يجلى عماهم - في\nجهلهم - بإضافة الفعل إلى الفاعلين، وإخبارهم به غير مؤثر في فعل اللَّه","vol":"4","page":129},{"text":"بهم ما فعل من حتم قضائه.\nومنها: الاختصار، والاستغناء بالإشارة، وإجراء من يجري الجمع\nبعد توحيده - في اللفظ - ألا تراه يقول: (نُقَيِّضْ لَهُ)\nثم قال: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)، فعلم أن \" من \" يعش جمع لا واحد، وإن كان في اللفظ موحدًا وعُرف بالإشارة إلى المعنى أن الصادين هم\nالقرناء، والعاشيين هم المصدودون، الظانون ظنًّا قد أخطؤه في\nالهداية، ثم قال: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا)، فرجع إلى لفظ \" من \"، لأنها موحدة في الظاهر.\nومنهم من قرأ: (جآءانا) على لفظ الاثنين، يريد الكافر","vol":"4","page":130},{"text":"العاشي عن ذكر ربه، وقرينه، والتوحيد غير زائل - في سياق الكلام\n- في كلا القراءتين، ثم قال: (وَلَن يَنفَعَكُمُ) فرد إلى الجمع -\nكما ترى، سبحانه - وأشرك في العذاب الكافرين، والعاشين بعد ما\nأخبر عنهم بالظلم معًا، ولم يُفرد به الصاد، دون العاشي.\nأفلا يعتبرون - ويحهم - أن الفاعل يجُازى بفعله، وإن كان محمولًا\nعليه، كما حمَل المقيضون المصدودين على الظلم، ثم اشتركا في\nالعذاب، وأُخذا بالجناية معًا.\nفهلا اقتصر على عذاب الحامل دون المحمول على ما لا يقدر الحيدة\nعنه؟.\nوما الفرق - ويحهم - بين من يحمله القضاء على فعل، وبين من\nيحمله قرين مُقيَّض لذلك الشيء، وكلاهما من عند الله، هل بقي\nفي ذلك إلا التسليم لحكمه، والرضا بقضائه، والتبرئ عن علم\nمعرفة العدل فيه، كما يعرفه العادل - في ذلك، ﷻ - من\nنفسه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>قوله: (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠)</span>","vol":"4","page":131},{"text":"حجة عليهم واضحة.\nوقوله - تعالى -: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)\nحجة في قبول خبر الواحد - الصادق - إذ قد دللنا على أن","vol":"4","page":132},{"text":"أمارات النبوة دليل على صدقهم، والحجة واجبة بإخبارهم، لا بأماراتهم.\nوقد اختلف المفسرون في هذا السؤال:\nفمنهم: من قال: أمره - جل وتعالى - ليلة المعراج أن يسل من أراه\nمن الرسل في السماء.\nومنهم من قال: أمره بسؤال أهل، التوراة والإنجيل\nليخبروه، وإخبارهم إياه كإخبار الرسل، لأنهم عنهم أخذوا.","vol":"4","page":133},{"text":"وفي هذا دليل على أن خبر المعيوب عليه في دينه - إذا عُرف بالصدق -\nمقبول، وإن أنكر حاله، إذ المراد من المُخبِر صدقه، لا غيره.\nوليس إلمام المذنبين - المعروفين بالصدق - بالذنوب، والمتأوّلين أمورًا\nبأكثر من كفر الكافرين.\nوقد يحتمل أن يكون أُمر بسؤال من أسلم، منهم عبد الله بن سلام","vol":"4","page":134},{"text":"وغيره، وليس ذلك في الآية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>وقوله: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا)</span>\nنظير ما مضى - في سورة الأعراف - من قوله: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>وقوله: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ)</span>\nحجة على الجهمية\nفيما ينفون عنه من كل صفة يشاركه فيها خلقه إذ قد أخبر عن نفسه\n- جل وتعالى - أنهم قد أغضبوه كما ترى.","vol":"4","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>سورة الدخان</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>قوله: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)</span>\nدليل على أنه كان في الدنيا، لأن السماء مطوية يوم القيامة.\nوكان الحسن يقول: إنه يوم القيامة، ويرسله عن أبي سعيد الخدري، ولا أعرف وجهه.\nوالقول - عندنا - فيه قول ابن مسعود، لما دل عليه القرآن.","vol":"4","page":136},{"text":"(فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ)\nدليل على أن في الناس من يبكيان عليه، إذ لا يخُصُّ أولئك بذلك، ويجُعل عقوبة لهم إلا وغيرهم مكرم به.","vol":"4","page":137},{"text":"(ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)\nحجة في تسمية المخلوق باسم الخالق، ورفع الحرج فيه، ودليل على أن تقريع المعذب بما أداه إلى عذابه جائز، لأنه زيادة في غمه.\nوكان بعض أهل التفسير يقول: هو على طريق الاستهزاء، لأن أبا\nجهل كان يزعم - في الدنيا - أنه أعز الناس، وأكرمهم، فعُرِّف في\nالنار أنه أذل، وأحقر مما قال.","vol":"4","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>سورة الجاثية</span>\nرد على من يقول بخلق القرآن:\nقوله - تعالى -: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)\nحجة على من يقول بخلق القرآن من الجهمية، والمعتزلة، ويحتج بقوله:\n(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) .\nفهلا يزعمون - ويحهم - أن الله مخلوق، إذ قد سمى نفسه، وآياته\nحديثًا، كما ترى.\nوقولهم - في الحديث - غلط غير مشكل، إنما معنى الحديث في\nاللغة ما يحدث عند الناس، مما لم يكن لهم به عهد، ولا عرفوه، وكان توحيد الله، وخلع الأنداد، وتلاوة القرآن مما لم يكن لهم به عهد، فحدث عندهم، وكان ما عهدوا من آبائهم، ومن سلف قبلهم ترك توحيد الله، وجعل الشركاء معه.\nوعهد الشعر، والخطب، فكان توحيد الله، وتلاوة كلامه - معًا -\nحديثين عندهما، لا أنهما أحدثا بالخلق.","vol":"4","page":139},{"text":"المعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>قوله: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) الآية</span>.\nحجة على المعتزلة، والقدرية واضحة غير مشكلة، وعظة لمتبعي\nالهوى، وتقريع لهم شديد، ودليل واضح على أن العلم - مع الخذلان\n- غير نافع، وبعث على الاستهداء من عند الله، وطرح\nالكيف بين يديه، والتبرؤ من الحول والقوة إليه\nذكر الدهرية:\nوقوله - تعالى - إخبارًا عن مشركي العرب: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)\nحجة على الدهرية فيما يزعمون: أن مهلكهم العمر،","vol":"4","page":140},{"text":"يأتي عليهم فيخلقهم، ويفنيهم، فأخبر الله - ﵎، عنهم -\nأن هذا ظن يظنونه، وليس كذلك، بل الله مهلكهم، وقال على إثره:\n(قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ)\nقيل: فما وجه حديث رسول الله، ﷺ: \"لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر\".\nقيل: وجهه أن القوم كانوا - في جاهليتهم - يقدرون أن المصائب\nالتي تصيبهم، هي من فعل العمر بهم ولا يعلمون أن لهم صانعا يفعل بهم\nذلك، ويصيبهم بالسراء والضراء، وكانوا يسمون عمر الدنيا الدهر.\nفلما أسلموا كانت ألسنتهم جارية بعادتهم، فكانوا يسبون الدهر عند\nالشدائد تصيبهم، والمصائب تنزل بهم، فنهاهم رسول الله، صلى\nاللَّه عليه وسلم، أن يسبوا الدهر، الذي لا صنع له فيهم، وهو مدبَّر\nمعهم، فقال: \"لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر\" أي فإن الذي\nيفعل ذلك بكم هو الله - جل وعلا - فسماه بالدهر، لدوامه لأنه\nالأول، والآخر، لا انقطاع له، ولا زوال لملكه، سبحانه.","vol":"4","page":141},{"text":"ذكر المعتزلة:\nوقوله - تعالى - (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)\nحجة على المعتزلة، والقدرية إذ، النسخ لا يكون إلا\nمما قد فرغ منه مرة، ولو كانت كتابة ابتداء كان - والله أعلم - (إنا\nكنا نكتب ما كنتم تعملون) .\nالوعيد:\nوقوله - تعالى -: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ)\nإلى آخر القصة، حجة عليهم في بالب الوعيد لو تدبروه، لأنه قال - في أول القصة -: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا)، ثم أخبر بمثوى كل فريق، ومجازاته فقال: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ولم يقل: (ولم يذنبوا)، والمؤمن إذا صلى، وصام، وتوضأ، واغتسل من الجنابة فقد","vol":"4","page":142},{"text":"عمل الصالحات، ولا ترى مؤمنا - وإن أذنب - إلا وقد فعل كل هذا\nوزيادة، وقال - في الفرقة الأخرى -: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)\nفحق الوعيد عليهم بتعريتهم من الإيمان، فمن أوجب الله له الفوز.\nووعده الإدخال في رحمته فقد أمن مثوى الآخرين، وجزاءهم.\nفإن أوجدونا في القرآن - كله - أن الله لم يوجب الرحمة، والفوز.\nوالجنة إلا لمن لم يعصه طرفة عين، أو عصاه فمات تائبًا، فالقول\nقولهم، وإلا فليقروا أن الخلود لا يجب على من آمن، وعمل\nالصالحات، وليعلموا أن هذا العادل - الذين يدعون الفلسفة في\nمعرفة عدله - لا يضيع إيمان مؤمن، وصالح عمله بذنب أذنبه.\nفيسوي بينه وبين الكافر، الذي لم يؤمن طرفة عين، ولا عمل من\nصالح عمله شيئًا، وما بال القضاء بالذنوب يُنفى عن الله - جل\nوتعالى - محاماة على عدله عندهم، ولا يُنفى عنه التسوية بين المؤمن.\nوالكافر في الخلود، وما بال إيمان الكافر - إذا آمن لحظة -\nيستعلي على كفره جميع عمره، وإحسان المؤمن - عمره - لا يستعلي\nعلى ذنب أذنبه؟! ومع إحسانه إيمانه. ألِأَنَّ الذنب أعظم من","vol":"4","page":143},{"text":"الكفر، وأوزن في الميزان منه؟!، إن هذا منهم إلى تجوير الله - تعالى عن\nقولهم - أقرب منه إلى تعديله، وكذا قال: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، وكذا (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا)\nوالفساق - في هذه الآية - هم الكفار، لقوله في آخر\nالآية: (وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) .\nلأن المؤمن - وإن ساء عمله - لم يكذب بعذاب النار، وقال\n: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)، ومثله في القرآن كثير. فإن احتجوا بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) .\nقيل: استقامتهم هو على ما قالوا، ألا ترى أنه لم يقل: \"\nاستقاموا \" على غيره، وكذا رُوي عن رسول الله، صلى الله عليه\nوسلم، أنه تلا هذه الآية، فقال: \" قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم،","vol":"4","page":144},{"text":"فمن قالها حتى يموت فهو ممن استقام عليها.\nفالمذنب حقيق بالعقوبة، موعد بها، غير حقيق بالخلود مع الكفار، فإن عفا\nعنه ربه، وغفر له، فهو أهل العفو والمغفرة، وإن جازاه\nعلى سيء عمله، وعاقبه عليه أنجزه ما وعده من الخير على العمل\nالصالح، حيث يقول: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ) الآية، وما بال العفو يكون - عندهم - خُلْفًا \" لقوله:\n(وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)، وقد دللنا على أن العفو\nكرم لا خلف، ولا يكون خلود المؤمن مع الكافر - في النَّار - إذا\nمات بغير توبة من ذنب عمله خلفًا، لقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)\nفمتى يرى هذا الخير - ليت شعري - إذا خلد في النار؟! إن الخطأ في قولهم أبين، وأظهر من أن يحتاج فيه إلى هذا الإغراق كله.","vol":"4","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>سورة الأحقاف</span>\nقوله - تعالى -: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) .\nدليل على أن النساء قد يلدن لستة أشهر، وقد سبقنا إلى هذا علي وابن عباس ﵄.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>قوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)</span>\nرد على القدرية، والمعتزلة فيما أخبر عنه من إيزاع\nالشكر، والتوفيق للعمل الصالح، ولو كان مستطيعًا بنفسه لكان\nدعاؤه محالًا، ثم أثنى عليه ربه، وأضاف العمل - الذي هو أعانه\nعليه - إليه، فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) فالعمل حسنه، وسيئه مضاف إلى عامله،","vol":"4","page":146},{"text":"وإن كان معانًا على الحسن، مقضيًا عليه بالسيء، ولو كانت الاستطاعة\nمستغنية بنفسها ما عمل أحد عملًا سيئًا - أبدًا - إذ ليس يخلو العمل\nالسيء من أن يكون عامله عارفًا بعقوبته، أوجاهلا بها، فإن كان\nجاهلًا بها فالحجة - بعد - لم تلزمه حتى يعرف عقوبة العمل الذي أمر\nباجتنابه وتوعد عليه، وإن كان عالمًا بعقوبته فليس يخلو:\nمن أن يكون فعله له بعقل، أو غير عقل. فإن كان بغير عقل\nفلا حجة عليه - أيضًا - لرفع القلم عنه، وإن كان يعقل - وهو\nمستطيع لأن لا يعمله - فليس في فطرة العقول أن يهلك عاقل نفسه.\nولا يطرحها في النار.\nوإن كان شاكًا في عقوبة ذنبه، لأنه لم يعاينها، فهذا بعد لم يؤمن\nبالله، ولا دخل في جملة الموحدين، فضلًا عن النظر في القضاء\nوالقدر.\nأفلا يعتبرون أنه عالم ما يُعاقَب عليه بعقل وإيقان، ولكنه لا يستطيع\nالحيد عما قُضي عليه قبل خلقه، ومعرفة العدل في ذلك منفرد به خالقه\nجل وعز.\nثم قال: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا) إلى تمام قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ)","vol":"4","page":147},{"text":"وهو - والله أعلم - ما قال (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)\nفهو واضح لا إشكال فيه.","vol":"4","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>سورة محمد</span>\nذكر المفاداة:\nقوله - تعالى -: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)\nدليل على أن المفاداة والمن لا يجوز قبل النكاية والإثخان.\nودليل على جواز المفادة وردّ من قد أُخرج إلى دار الإسلام -\nمنهم - إلى دار الكفر، والمن عليه قبل الإسلام، لأنه إذا أسلم\nاستغنى عن المن عليه، وحرم المفادة به.\nالتقوى:\nوقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)","vol":"4","page":149},{"text":"دليل على أن من استشعر التقوى في مقاصده، وأخلص\nالنية للَّه - في أعماله - لم يسلمه الله إلى عدوه، ولم يعله عليه، وكان\nالظفر له على من ناوأه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) </span>.\nحجة على المعتزلة، والقدرية في الإخبار بالطابع عنه، وباتباع الهوى عنهم.\nالمرجئة:\nقوله - تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)،","vol":"4","page":150},{"text":"حجة عليهم في إعطاء التقوى، وعلى المرجئة في زيادة الهدى.\nذكر المبالغة فى الشىء:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) </span>.\nحجة عليهم واضحة، وهي حجة لمن أراد المبالغة في شيء يذمه، أو\nيمدحه، أن يفرط فيه - في اللفظ - ولا يكون كذبًا، إذ معنى\nالصمم، والعمى لا محالة هو ما حال بينهم وبين استماع الموعظة.\nوالانتفاع بها، والعمى عن طريق الهداية، أفهم، كانوا يستمعون ما\nيخاطبون في أمر دنياهم، ويهتدون الطرق في طلبها، وكل ما دعا إليها.\nالمعتزلة:\nوقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)","vol":"4","page":151},{"text":"حجة عليهم، لأن الشيطان\nهو الذي دللنا على أن الله قيضه ليزيبن لهم، ويملي بقوله: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، ألا ترى أنهم قد حيل\nبينهم وبين الهدى، بعد ما تبين لهم بشيء قيض الله لهم، وهذا مع\nما قد أخبر بالتزيين والإملاء لهم عن نفسه في موضع آخر\nوالتسويل والتزيين واحد.\nذكر الأشرار:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>وقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)</span>\nدليل على أن للأشرار ظواهر - نكير تدل على ما يخبون من الشر - لا تخفى على ذوي الأبصار، والمتوسمين من الأخيار.","vol":"4","page":152},{"text":"ذكر أن الهدنة لاتجوز مع قوة الإسلام:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>قوله: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ)</span>\nدليل على أن الهدنة لا\nتجوز مع قوة الإسلام، وكثرة أهله، واستعلائهم على أعدائهم.\nولا يضرب لها مدة صغيرة، ولا كبيرة. واحتجاج الشافعي ﵁ على جوازها - مع قوة الإسلام - أربعة أشهر، لقوله - عز\nوجل -: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)\nليس ببين، لأن الهدنة هي على ترك القتال، والأجل المضروب في سورة براءة للإسلام، فكان من جاء مسلما\" فيها قُبل إسلامه، ومن جاء بعد انصرامها - من هؤلاء القوم بأعيانهم مسلمًا - لم يقبل منه.\nوإن شُبّه كل أحد قوله: (إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قيل\nنفس البراءة محتملة لنقض العهد، الذي عوهدوا عليه، والدليل على ذلك\nالغلظة على المسيَّرين، وسورة محمد، ﷺ،أيضًا\nمدنية مثل براءة، يأمر بالقتال، والإثخان في العدو، وينهى","vol":"4","page":153},{"text":"في آخرها - نهيًا عن السلم نصًّا بلفظ النهي، فكيف يجوز أن يترك النهي\nالزاجر بالإخبار عن شيء يحتمل أن يكون الله - بجوده - قد غيره\nبالبراءة، إعزازًا للإسلام، وإذلالًا للكفر، والله أعلم كيف هو.","vol":"4","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>سورة الفتح</span>\nقوله - ﷿ -: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) .\nحجة في أشياء:\nأحدها: أن الله - ﷻ - قد نسب الفتح إليه، وإنما فتحه\nبأيديهم، ثم يقال: فتح رسول الله، ﷺ، مكة.\nوفتوحه كلها، فلا يكون كذبًا، ولا إضافة فعله إليه بمؤثر فيما أخبر\nاللَّه به عن نفسه، ولا ما أخبر به عن نفسه - منه - بمانع أن تضاف\nالفتوح إلى رسول الله، ﷺ، ورسول الله، صلى\nاللَّه عليه، فتحها مع أصحابه، والإخبار بها عنه وحده لأنه الرئيس.\nوميسر الفتح - على الرئيس وغيره - ربهم. فهو الآن حجة على\nالمعتزلة في الأفعال، وعلى المتنطعين من الناسكين في تضييق","vol":"4","page":155},{"text":"الكلام، الذي ينسبون. ما خالف باطنه ظاهر اللفظ إلى، الكذب، وهذا من جهلهم بسعة اللسان، ولايعرفون الكذب المعدود في عداد الآثام.\nوفيه دليل على أن اللَّه - ﷻ - أثاب نييه - ﷺ - على شيء هو فعله به، فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\nوكذا يفعل بجميع المؤمنين، يوفقهم للعمل الصالح، وييسره لهم\nويعينهم عليه، ثم يثيبهم جودا منه وفضلًا.\nوفيه دليل على أن النبي - صلى الله عليه - في نبوته وجلالته ومنزلته من اللَّه - كان غير مالك لما سبق به قضاء ربه علمه من الوقوع في ذنب يغفر الله له، فمن بعده من أمته أجدر أَن لا يملكوا ذلك من أنفسهم، وقد ألحقهم الله - ﷻ، بفضله ورأفته - به\nفغفر لهم وكفر سيئاتهم فقال: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)\nومنها: أن هداية النبي - ﷺ - بعد، النبوة إلى\nالصراط المستقيم - لا يكون، إلا زيادة في إيمانه، وهو رد على المرجئة.\nذكر المرجئة:\nقوله - تعالى -: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ)","vol":"4","page":156},{"text":"حجة على المرجئة واضحة.\nذكر الاختصار:\nوقوله - تعالى -: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) .\nأظهر شيئًا دليلًا على الاختصار والإشارة إلى المعنى، لأنك كيف قرأت - بالياء، أو بالتاء - فذلك فيه واضح، وقراءته بالتاء أظرف قراءة، وأكثر القراء عليها.\nذكر الجهمي@ة.\nقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)\nحجة على الجهمية والمعتزلة في غير شيء:","vol":"4","page":157},{"text":"فمنه: أن المبايعة فعل واصل من الأتباع المخلوقين إلى الرؤساء\nالمخلوقين، وقد أخبر الله - نصًا كما ترى - بالبيعة له.\nومنه: أن الله ﷻ إن لم تكن له يد متصف بها، غير\nمخلوقة يعرف صفتها من نفسه، ومستحيل ذلك عليه - بزعمهم -\nوقد قال الله: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) فقد لزمهم أن يقولوا: إن\nالمخلوقين ليست لهم أيدي جسمانية فيخالفوا العيان - مكابرة - وإلا\nفلا يتحكموا.\nوليت شعري أي شيء نفعهم حيث تأوّلوا في يد الله القوة، والنعمة\nوالقوة والنعمة يكونان للمخلوقين -أيضًا - فهل يكون ذلك إلا أن\nقوة، ونعمة لا يشبه ما للمخلوقين، وكذلك يكون له يد لا تشبه أيدي","vol":"4","page":158},{"text":"المخلوقين، لو أنصفوا.\nذكر الروافضة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>وقوله: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)، إلى قوله (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)</span>\nاختلف قتادة، والحسن في القوم.\nفقال قتادة: هم هوازن وثقيف دعاهم النبي - ﷺ -","vol":"4","page":159},{"text":"وقال الحسن وغيره: هم فارس والروم، دعاهم أبو بكر إلى\nقتالهم، بعد النبي - ﷺ - ففيه الآن حجة على\nالرافضة في خلافة أبي بكر ﵁، وقد سبقنا إلى هذا","vol":"4","page":160},{"text":"عبد العزيز المكي.\nذكر العمل الصالح:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>وقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)</span>\nإلى قوله: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا)\nدليل على أن اللَّه - ﷻ - قد يثيب المؤمن رزقا -\nفي الدنيا - على العمل الصالح، ولا يحط ذلك من درجة فضله.\nويجعل ذلك من أطيب وجوهه، ألا ترى أن الغنائم أطيب وجوه\nالكسب، وأمطر الله على نبيه أيوب حين عافاه، من بلائه جرادًا من\nذهب، لم تبتذله الأيدي.","vol":"4","page":161},{"text":"فالدنيا - المذمومة - وزبرجها هو ما يكتسب من خبيث المكاسب.\nومحظور الوجوه تفاخرًا وتكاثرًا، وذلك من غضب الله على أهله.\nومن إبلائه لهم.\nفأما الرزق الحلال، الذي تعقبه الطاعة، ويجعله الله ثوابًا لأهله فهو\nعطيته لهم، يستعينون بها على طلب الآخرة - الدائمة - يتعففون بها عن\nزيادة المسألة، وبِذلة الوجوه، وإخلاقه بالإلحاف فيها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>وقوله: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية.","vol":"4","page":162},{"text":"المعتزلة:\nقوله - تعالى -: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) .\nحجة عليهم فيما سبق من القسمة أن يكونوا أهلها.\nوأحق من غيرهم بها وهي \" لا إله إلا الله \" وكذلك رُوي عن رسول\nاللَّه، ﷺ، وإلا فما الفائدة إذًا في قوله:\n(وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) وقد دُعونا ومن كذب بها وأباها دعوة\nواحدة.\nذكر الاستثناء فى الإيمان:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>وقوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)</span>","vol":"4","page":163},{"text":"حجة لمن يستثنى في الإيمان، ولا يكون شكًّا منه\nوقد سبقنا إلى هذا غير واحد من أهل العلم.\nذكر، الحلق:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>وقوله: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ)</span>\nودعا النبي - ﷺ - للمحلقين ثلاتا، وللمقصرين\nواحدة - وكلاهما قائم بمناسك الله، مطيع له فيها - دليل على أن","vol":"4","page":164},{"text":"كل ما صعب من الأعمال كانت أعظم للثواب، وأدق في الأكمال - التي\nهي فرائض - ما يكون أكثر ثوابًا، وإن كان جميعها فرضًا.\nوفي قوله - ﵎ في سورة البقرة -: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)، ولم يذكر القصر كالدليل على أن المنسك هو الحلق.\nفإن قصر أَجزأ - عنه - كما الفرض في الوضوء غسل الرجلين، فإن\nمسح على خفيه أجزأ عنه.\nقال محمد بن علي: وقد كره قوم حلق الرؤوس - في غير الموسم\nللحج والعمرة - وزعموا: أنه تشبيه بالخوارج، وليس هو","vol":"4","page":165},{"text":"عندي بالبين، لأن النبي، ﷺ، لم ينكر من\nالرجل - الذي قام عليه فأمره بالعدل في القسم - حلق رأسه.\nإنما أنكر كلامه، وما عرفه من سوء مذهبه، وبعث في طلبه من يقتله (١) لما أنكر منه، لا للحلق.\n_________\n(١) المأمور أبو بكر، فقد ذكره الهندي في الكنز، ونسبه إلى سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه، وفيه ثم دعا نبي الله - ﷺ - أبا بكر فقال: اذهب فاقتله، فذهب فلم يجده، فقال: \" لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم \" كنز العمال) ١١/٣١٨ (رقم (٣١٦١٣) . وفي الصحيحين ما يعارض أن الرسول أمر بقتله، فالمذكور فيهما أنه منع من أراد ذلك به. انظر صحيح البخاري - مع الفتح -\n(٢ ١/ ٠ ٢٩) حديث (٦٩٣٣)، صحيح مسلم (٢/ ٠ ٧٤) وما بعدها (باب: ذكر الخوارج وصفاتهم) .","vol":"4","page":166},{"text":"وقوله - في آخر الحديث -: \" سيماهم التحليق \" لا يفيد نكيرًا - في\nنفس الحلق - إذ لو كان الحلق بذاته منكرًا، أو مصيِّرًا فاعله خارجيًّا.\nلأبيح به دماء أهله، كما أباح رسول الله، ﷺ.\nدم ذلك الرجل، ومن كان من ضئضئه، ولو كان الحلق منكرًا\nبنفسه ما جعله الله - جل وعلا - في مناسك الحج والعمرة.\nوأنطق لسان رسوله، ﷺ، بالدعاء بالرحمة لهم\nثلاثًا، ولو كان الحلق مباحًا في الحج، محظورًا في غيره، لكان\nالقصر -أيضًا - مثله، ولكان محظورا في الموسم وغيره \" لأنه من\nسنة النساء، فكان لا يجوز التشبه بهن، لأن رسول الله، صلى اللَّه","vol":"4","page":167},{"text":"عليه وسلم، قد لعن المتشبهين من الرجال والنساء.\nوقد أمر النبي، ﷺ، كعب بن عجرة أن يحلق\nرأسه، للأذى - وهو محرم - ولم يكن حلقه ذلك حلق النسك في\nوقته بعد ذبح الهدي، فهلا قال - له -: خذ شعرك بالمقص، أو\nبالمقراضين حتى يكون أوان حلقك.\nوقد روَى سفيان بن عقبة - أخو قبيصة بن عقبة - عن أخيه، عن","vol":"4","page":168},{"text":"سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن\nحجر، قال: قدمت على النبي، ﷺ، ولي\nشعر، فقال:، (ذباب، ذباب \" فذهبت فحلقته، ثم عدت إليه.\nفقال له: \" لم أعنك، - وهذا حسن.\nوكان الحسن، والحسين، وعبد الله بن عمر - ﵃ -\nيحلقون رؤوسهم في غير أيام الموسم.","vol":"4","page":169},{"text":"وسئل عنه الحسن البصري في الأمصار، فقال: حسن، والله جميل.\nفمعنى قوله، ﷺ: \" سيماهم التحليق \" سيما من\nكان خارجيًّا، لا سائر الناس.\n(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)\nإلى اَخر السورة، رد على الرافضة، ومن ينتقص أصحاب رسول الله.\nﷺ، لأن الله - جل ثناؤه - وصفهم بهذه الصفة.\nوصفًا عامًّا، فكل من صحبه، وكان معه بعد الإسلام فقد استحقها.\nوصار من أهلها، ووجب على الناس إعظامهم، وتبجيلهم، والرحمة","vol":"4","page":170},{"text":"عليهم، وترك التنقص لجميعهم، وإن فَضَّل بعضهم على بعض، بما\nفضلهم الله ورسوله، ﷺ، ورحمهم أجمعين - ونعلم\nأن من تنقصهم فهو ملعون، مخالف للَّه في وصفهم، وحاق به لعنة\nرسول الله، ﷺ، قال رسول الله، صلى الله عليه\nوسلم: \" لا تسبوا أصحابي، من سبهم فعليه لعنة الله \".","vol":"4","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>سورة الحجرات</span>\nحجة على من ييتغي مع القرآن في السنة سواها:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)\nحجة على من يبتغي مع القرآن.، والسنة سواهما.\nويلتمس الحجة في غيرهما، ولا يحرم القول بغيرهما أو بالإجماع\nالذي عليه دلاهما (١) .\nفضيلة أبي بكر الصديق ﵁:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)</span>\n_________\n(١) هكذا رسمت في المخطوط (دلاهما) ولعله يريد: أو بالإجماع الذي دل عليه القرآن والسنة.","vol":"4","page":172},{"text":"وقد صح أن أبا بكر الصديق ﵁، جعل على نفسه عند نزوله أن أن لا يكلم رسول الله، ﷺ، إلا كأخي السرار. فاستوجب\nالتقوى، والمغفرة، والأجر العظيم، فسبق الجميع إلى هذه المنقبة\nالجليلة، وهو رد على من تنقصه.\nذكر توقير الإمام:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)</span>\nدليل على أن على الناس - وإن تواضع لهم إمامهم وغض لهم جناحه - أن يوقروه، ولا ينزلوه من أنفسهم منزلة بعضهم من بعض، وأن ينتظروه","vol":"4","page":173},{"text":"لحوائجهم - وإن رفع حجابه - حتى يخرج إليهم.\nذكر قبول خبر العدل:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)</span>\nدليل على قبول خبر العدل، وقد سبقنا إلى هذا الدليل، ولكنا كرهنا أن نعري موضعه.\nذكر المعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>قوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)</span>\nحجة على المعتزلة، والقدرية واضحة.\nفإن زعموا: أن تحبيبه إليهم مدحه، وتكريهه إليهم ذمه.\nقيل: قد يمدح الشيء، بغاية المدح ولا يحب، ويذم بغاية الذم ولا\nيكره، لأن الحب، والكراهة فعلان من أفعال القلب ينبو عما يكره،","vol":"4","page":174},{"text":"وينطوي على ما يحب، وربما كان ما ينبو عنه ممدوحًا عند غيره، وما يحبه\nمكروهًا عند غيره، ولو كان كذلك لكان - والله أعلم - \" ولكن اللَّه مدح الإيمان وحسنه، وقبح الكفر وذمه \" ولا يكون حبَّب إلا حمل\nالقلب عليه، ولا كرَّه إلا باعد منه القلب.\nفإذا كان المؤمن محببًا إليه الإيمان، وهو لا يقدر على المسابقة إليه إلا\nبتحبيب ربِّه إياه إليه، ولا يقدر على ترك الفسوق، والعصيان إلا\nبتكريهه إياه إليه، وقد خص بهذا المؤمن دون الكافر، علمنا أن\nالذي أقعد الكافر عما نهض به المؤمن عدم ما جاد الله به على المؤمن\nمن هذين المعنيين من التحبيب والتكريه، ولا يخلو من أن يكون قادرًا\nعلى الإتيان بالإيمان، واجتناب الفسوق والعصيان\nباستطاعته، أو لا يقدر إلا بما ذكره الله من التحبيب والتكريه، فإن\nكان قادرًا - كما يزعمون - فلا معنى للاعتداد عليه بما لا منة فيه.\nوجل الله عن ذلك، بل يقول - فى آخر السورة -: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) .\nوإن لم يكن قادرًا عليه إلا بهما فقد علمنا أن الكافر - أيضًا - لم يقدر عليه لما حُرِمَ منهما.\nفالمؤمن هاد بتوفيق الله، والكافر ضال بخذلان الله إياه، فليلتزموه","vol":"4","page":175},{"text":"إذ لا ثالث لهما.\nتفسير قول النبي ﷺ: (سباب المسلم فسوق:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>وقوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)</span>\nإضمار الجميع راجع على جمع الطائفتين، لأن الطائفة تكون واحدا\nوجمعًا، وهو في هذا الموضع جمع\nوفي تسميته إياهم بالمؤمنين - مع الاقتتال - دليل على أن قول النبي\nﷺ: \" سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر \" هو أن\nيقاتله مستحلًاّ لقتاله، فأما إذا قاتله مذنبًا، أو متأولًا، فليس ذلك\nبكفر، لأن الله - جل وتعالى - لم يزل اسم الإيمان عن الباغية\nوغيرها، ثم قال: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) على لفظ ثأثيثها، لأنها مؤنثة اللفظ.\nثم أكد الإيمان - لهم - بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)","vol":"4","page":176},{"text":"وهو رد على الرافضة خانق لهم، فيما يكفرون مقاتلىِ علي\n- ﵁ وعنهم - وعلى الشراة (١) فيما يعدون الذنوب كفرا\n، وقد سمى الله كلًّا مؤمنا كما ترى.\nتحريم تسمية المؤمن بما يكره.:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>وقوله: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)</span>\nيؤيد - والله أعلم - بعضكم\nبعضًا، (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ)، دليل على تحريم تسمية المؤمن\nبكل ما يكره من فسق، أو كفر، أو غيره، إذ دعاء من ليس\nبفاسق فاسقا بهتان ولمُزة، ودعاء من تفسق بدنب تعيير، واستطالة\n_________\n(١) \" الشراة \" هم الخوارج، وإنما سمو بذلك لقولهم: \" شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنة \". انظر مقالات الإسلاميين، ص (- ١٢٨)، وتاريخ الفردق الإسلامية ص (٢٦٤ - ٢٦٥) .","vol":"4","page":177},{"text":"عليه، وتعرض لمعافاته، وابتلاء الداعي بمثله، وفي النصيحة له.\nوإسرار الموعظة له مندوحة عن التنادي بما يعرف منه.\nوقد فتن الناس أحاديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن\nجده: \" أَترِعون عن ذكر الفاجر \"، وليس في أخبار بهز ما\nيعارض به نص القرآن في تحريم الغيبة - جملة - في هذه السورة،","vol":"4","page":178},{"text":"(وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)، والمؤمن - باقتراف الذنوب - لايزول عنه اسم الأخُوَّة\nللمؤمنين، فكيف يسلم المغتاب من أكل لحم من اغتابه من\nالمذنبين والمطيعين، وكلاهما إخوة في الدين، وذنب المذنب على\nنفسه، ومعاملته فيه مع ربه، وحقوق أخوَّةِ الإسلام قائمة - على\nأخيه - لم يزلها ظلمه لنفسه.\nوحديث بهز هذا، رواه الجارود بن يزيد، وهو كذاب.\nوروى معناه، أو قريبًا منه الأنصاري.","vol":"4","page":179},{"text":"والأنصاري، وإن كان في عداد المحدثين المحتملين فلا يثبت بروايته - إذا\nانفرد - حجة، وسيما إذا روى عن بهز، وأحاديثه - فى أنفسها -\nغير قوية، وقد حرم - مع ذلك - أذى المؤمن جملة وقد وُعد عليه الإثم\nالمبين في قوله: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) .\nوفي قول رسول الله، ﷺ: \" من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن أذاني فقد آذى الله \".\nوقال - ﵎، في أذاه وأذى رسوله -: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)\nفكل أذى يلحق المذنب المعلن بذنوبه غير إقامة الحد فيما يوجب عليه ما\nاكتسبه - والتغبير عليه ساعة","vol":"4","page":180},{"text":"يطهره من ذكر عرض، وغيبة، وتنديد - فمدخل عندي مؤذية فيما\nأخبر الله جل وتعالى عنه في آية المؤمنين، والمؤمنات بنص القرآن.\nومخوف أن يدخله في آية الله، والرسول، بدليل قول رسول الله - ﷿ - الذي ذكرناه، وحديث العلاء - عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - حيث سُئل عن الغيبة، فقال: \" ذكرك أخاك بما يكره قيل: يا رسول اللَّه: أرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: \" إن كان فيه ما تقول فقد أغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته \" أصح، وأشد\nموافقة للقرآن من حديث بهز،","vol":"4","page":181},{"text":"وحديث معاذ مرسل لا يقوم به حجة فيا روى: \" ثلائة ليست لهم في الغيبة حرمة \"\nوهو مع إرساله ضعيف الرجال.\nفأرى حق المسلم على المسلم واجبًا على جميع جهاته مطيعًا.\nوعاصيًا، لا يغتابه، ولا يعيره، ولايشمئز من رؤيته، ولايدع إجابته\nإذا دعاه في وقت لا يحضر معصية، ولايعلن منكرًا، ويشمته إذا\nعطس، ويعوده إذا مرض، ويشهده إذا قبض كغيره سواء، ما لم\nيحُدث بدعة تخرجه إلى الكفر، فتزول أخُوَّةُ الإسلام بها، ولا يدع\nنصيحته في السر، وموعظته بالرفق، إذ ليس فيما أحدثه نساكُ","vol":"4","page":182},{"text":"زماننا - من الهجران، والإقصاء، والجفوة، والتنديد والغيبة - كتاب\nولا سنة ثابتة، ولا إجماع محصل، ولا يثبت ببنيات الطريق حجة.\nوقد ذكرنا في سورة بني إسرائيل - عند قوله: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) - ما يغني عن إعادته في هذا الموضع.\nفمن جانب أخاه الذنب في أفعاله، وأنكرها عليه عند رؤيته، وحال\nبينه وبينها، إذا قدر عليه من ظلم يهم به، أو خمر يريد شربها فيريقها.\nأو ملهاة يبصرها فيكسرها، فليس عليه أكثر من ذلك، وحقوق أخيه.\nوتحريم عرضه - في سائر ذلك - قائمة عليه بالحجج التي قدمنا\nذكرها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى)</span>\nيعدها كثير من الناس خصوصًا من أجل آدم وعيسى، صلى الله عليهما. وقد يحتمل","vol":"4","page":183},{"text":"أن يكون المقصود بها أمة محمد، ﷺ، لأن آدم.\nصلى الله عليه، ميت، وعيسى - ﵇ - مرفوع فلا يكون\nخصوصًا، من جهة ما ذهبوا إليه، بل تكون عمومًا فيمن نزل فيها\nمن الأمة، ونبيها، ﷺ.\nخصوص:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>وقوله: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا)</span>\nخصوص لا محالة - لقوله: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)\nإلى قوله: (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ) .\nذكر الإيمان:\nقوله - تعالى -: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)، ليس بخلاف لما قلنا:\nفي سورة البقرة، وجمعنا بين الإيمان والإسلام، إذ ليس بين الأمة\nخلاف أن أحدًا لا يثبت له إسلام منفرد، يكون به من أهل الدين،","vol":"4","page":184},{"text":"ويمتاز به عن الكفر دون الإيمان، والله - جل وتعالى يقول نصا -:\n(وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)\nفدل على أنهم استتروا بما حقنوا به دماءهم، وأموالهم، ولم يكونوا مؤمنين، ولا نفعهم ذلك يوم الدين.\nذكر المرجئة والجهاد:\nقوده - تعالى -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)","vol":"4","page":185},{"text":"حجة على المرجئة واضحة، إذ هم مقرون بأن من لم يكن له صدق الإيمان\nفليس بمؤمن، وقد جعل الله الجهاد من صدق الإيمان كما ترى.\nفإن قيل: فكيف يكون من لم يجاهد صادقًا في إيمانه، إن كان الجهاد جزءا من أجزائه؟.\nقيل: قال الله - ﵎ -: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) و(إِلَّا وُسْعَهَا)","vol":"4","page":186},{"text":"فمن لم يطق الجهاد بالنفس، والمال.\nوآمن به، ورآه حقا وأحبه فهو من أهله، وليس عليه غيره، والجهاد -\nمع ذلك فرض على الكفاية، والإيمان يزيد وينقص، فمن جاهد\nبنفسه، وماله كان أفضل درجة، وأزيد إيمانًا ممن قعد عنه بالعذر\nوالرخصة، فكلاهما مؤمن، وبعضهما أزيد فيه من بعض، وكل\nبمقدار جزئه صادق فيه، قال الله - ﵎ -: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)،\nوهذا بعد ما عذر أولي الضرر - في أول الآية","vol":"4","page":187},{"text":"فقال: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .","vol":"4","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>سورة ق</span>\nحجة في الاستدلال بالشاهد على الغائب وبالخلق على الخالق:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>قوله: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)</span>\nإلى قوله: (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)\nحجة بالاستدلال بالشاهد على الغائب - من قدرة الرب - وبالخلق على\nالخالق من صنعه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>وقوله: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)</span>\nدليل على جواز إضافة الشيء إلى نفسه\nجواز الخبر عن الاثنين بلفظ الواحد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>وقوله: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)</span>\nحجة في أشياء:\nفمنها: ما دل على توحيد الفعل المتقدم على الأسماء.\nومنها: اختصار الكلام،","vol":"4","page":189},{"text":"والإشارة إلى المعنى.\nومنها جواز الإخبار عن الاثنين بلفظ الواحد، كأنه - واللَّه أعلم - كل واحد منهما قعيد.\nتسمية المخلوقين باسم الخالق:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>قوله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)</span>\nحجة في تسمية المخلوقين باسم الخالق، وزوال النكير عنه، وهو تأييد لما أجزناه من تسمية الناس بالسيد.\nواختلفوا في خصوص اللفظ وعمومه","vol":"4","page":190},{"text":"فقال عكرمة: من قوله. وعن ابن عباس ما يؤجر عليه، ويؤزر\nوقال قتادة والحسن: هو كل شيء.","vol":"4","page":191},{"text":"وفي هذا -أيضًا - حجة في اختزال الحرف من الكلمة، والإرادة\nتمامها، كأنه - والله أعلم - إلا لديه رقيب عتيد يكتب ما قال.\nمانع الزكاة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>وقوله: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)</span>\nضمير الاثنين - والله أعلم - راجع على السائق، والشهيد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>وقوله: (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ)</span>\nوعيد شديد على مانع الزكاة، ومؤيد ما\nقلنا: من أن مانعها يُكفَّر، بدليل قوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)","vol":"4","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>قوله: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)</span>\nحجة على من يتأول \" عند \" - على مستنكره التأويل - فما عسى أن يقول: في (لَدَيّ) هاهنا، وليس هناك ثواب يكون به قريبًا منه.","vol":"4","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-648>قوله: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)</span>\nمما قلنا إنه لا يجوز استعمال ظاهره بتة، لأن الله - ﷻ، لا محالة - أعلم من جهنم بما يقول لها، قد قال كما ترى، فكيف يجوز أن يحمل:\n(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)، وما أشبهه.\nفيرد به عامة القرآن، وممكن فيه على ما خرّجناه أن يكون تبعًا لما\nخالفه، ولا يمكن أن يجعل ما خالفه تبعًا له، لما دللنا عليه من إحالة\nجعل مشيئته تبعًا لمشيئة خلقه، وظهور الكفر فيه، وغير\nمحال أن تجعل مشيئتهم تبعًا لمشيئته، والقرآن نازل بلغة العرب.\nومعروف في كلامها أن يعد الملك بعض أهل مملكته وعدًا، فإذا\nأنجزه، قال - له -: هل وفيت لك بما وعدتك، وهو يعلم أنه قد\nوفى له، فلا يستفهمه لجهله بصنيعه به.\nوبلية القوم من إضاعة النصيحة، وإهمال التقوى، واتباع ما تشابه\nمن كتاب الله، وبذلك وصفهم - جل وتعالى - فقال: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) الآية.\nفلما كان من حكمه - ﷻ - أن يملأ جهنم من الجنة والناس","vol":"4","page":194},{"text":"أجمعين فملأها، فقال لها - وهو أعلم -: (هَلِ امْتَلَأْتِ)\nوقد علم ما جعل فيها، وكيف لا يعلم، وهو أدخلهم إيّاها سبحانه؟!\nوفيه دليل -أيضًا - على أن القرآن غير مخلوق، لأن الله - جل\nوتعالى - كل كلامه غير مخلوق، ما قد تكلم به، وما يتكلم به يوم\nالقيامة، فكيف يجوز أن يكون (هَلِ امْتَلَأْتِ) مخلوقًا - الآن - لو\nجاز أن يكون - أيضًا - مخلوقًا كلامه، ومعاذ الله، وهو لم يقله بعد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>قوله: (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)</span>\nدليل على أن قراءة يحيى بن يعمر، وإن انفرد بها على الأمر أحسن تأويلًا، من قراءة من قرأها على الخبر، لأن هل لا تكاد تلي إلا المواجهة، فكيف تترك \"هل \"","vol":"4","page":195},{"text":"مفردة بالإخبار عن قوم نقَّبوا، ولو كان كذلك، لكان - والله أعلم -\nفنقَّبوا في البلاد فلم يجدوا محيصًا، فلما قال: (هَلْ مِنْ مَحِيصٍ)\nدل على أن قوله: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا)\nكلام تامّ كما قال: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا)\nثم ابتدأ - وهو أعلم - بالأمر لكفار قريش بأن ينقبوا في البلاد، هل ينجيهم من الهلاك، على معنى التهدد، والله ولي الصواب.","vol":"4","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-650>سورة الذاريات</span>\nقوله - إخبارًا عن المرسلين -: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)\nدليل على أن الله - ﷻ - بنفسه في السماء، لأن الحجارة لا\nمحالة أمطرت من السماء، وقد قال: (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) .\nوفيه -أيضًا - بطلان قول المتأولين في: (عِنْدَ) .\nذكر الإيمان:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>وقوله: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)</span>\nدليل على أن الإيمان، والإسلام وإن فرق بهما اسما\nفهو يجمعهما معنى وفيه رد على المرجئة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>وقوله: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)</span>\nدليل على أن سائر الرياح تلقح الأشجار، وتودعها الثمار، بإذن الجبار.\nفكانت تلك وحدها عقيمًا، أثيرت للعذاب، لا لمنافع العباد في","vol":"4","page":197},{"text":"أشجارهم وزروعهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>قوله: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ)</span>\nحجة للجهمية - فيما يرون - ولا متعلق لهم فيها، لأن اليد التي ينكرونها جمعها \" أيدي \"\nفإن كان هاهنا تلك فهي عليهم لا لهم، وإن كانت بمعنى\nالقوة فهي لا لنا ولا لهم، بل لنا في القوة حجة عليهم لا لهم.\nوقد بينا في غير هذا الموضع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>وقوله: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)</span>\nآية غليظة على من لا ينتفع بالموعظة، لما يخُشى عليه من النفاق، إذا زالت عنه منافع المواعظ.","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>سورة الطور</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>قوله: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)</span>\nحجة لمن يشبه الروحاني بغيره، وهو حجة على المتنطعين في تضييق الكلام.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>قوله: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ)</span>\nكان ابن عباس يقول: هو عذاب القبر. ففي تفسيره دليل على أن المؤمن المحسن ناج منه، ومقتصر به على المساءلة دونه، لاشتراطه ذلك في الظالمين، وهم الكافرون.","vol":"4","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>سورة النجم</span>\nقوله - تعالى -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)\nدليل على أن النبي - صلى الله عليه - كل ما سنه فبوحي سنه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>قوله: (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)</span>\nحجة في أن الله - جل وعلا، لا محالة - في السماء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>قوله: (أَوْ أَدْنَى)</span>\nليس بشك، وكيف يكون شكَّا، وهو\nأدناه، وقد بينته في سورة البقرة.","vol":"4","page":200},{"text":"وفيه -أيضًا - حجة على متأولي (عند) على حماقاتهم.\nذكر الجهمية:\nوقوله - تعالى -: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)\nحجة على الجهمية - شديدة، لا محيص لهم عنها - في تثبيت الصورة التي هي له يعرفها من نفسه، وهو - لا محالة -","vol":"4","page":201},{"text":"رؤية الرب بالفؤاد، لأن رؤية جبريل كانت رؤية عين، فكان يراه طول","vol":"4","page":202},{"text":"نبوته، ﷺ، وعلى جبريل. وقد حوى باب الرؤية\nبالعين لرسول الله، ﷺ، كتابنا المؤلف في الرد على أهلى\nالبدع بالأخبار\" وبينا اختلافه وعلله.","vol":"4","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-661>وقوله: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)</span>\nحجة على القائسين والمستحسنين والمحققين على الناس - بظنونهم - فواحش\nالذنوب، وقبائح الأعمال، ورد لكل ذلك منهم.\nتثبيت نسب ولد الزنا من أمه:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>وقوله: (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)</span>\nدليل على تثبيت نسب ولد الزنا من أمه، ومغنى عن قياسه على ولد الملاعنة، لدخول ولد الزنا - لا محالة - في هذا الخطاب، ونسبته - جل وتعالى -\nجميع الأجنة إلى الأمهات.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>قوله: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)</span>","vol":"4","page":204},{"text":"دليل على أن قارئ القرآن مندوب إلى البكاء عند قراءته.\nوكذا روي في الخبر: «إن هذا القرآن أنزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن\nلم تبكوا فتباكوا \".","vol":"4","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>سورة القمر</span>\n(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)\nدليل على أن الآيات دالة على اقتراب القيامة.\n* * *\nقوله: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ)\nدليل على أن القرآن غاية كل حجة، وفاتق كل لبسة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>وقوله: (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)</span>\nنظير ما مضى - في الطور - من إجازة تشبيه الناس بغيرهم، وفي ذلك حجة للشعراء إذا لم يكذبوا كذبَا محضًا، لا تأويل فيه.\nالقدرية:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>قوله: (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)</span>\nوالقدرية بلفظ القدر.","vol":"4","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>وقوله: (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)</span>\nرد عليهم في فعل الإكفار بهم.\nوسواء فعله الله بهم، أو عدوّ سلطه عليهم، فهو مفعول بهم - أي\nكفرهم نوحًا، وتضييع شكره ومعرفة حق نبوته، ورسالته -\nمكتوب عليهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>قوله: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)</span>\nدليل على أن السفن - بعد نوح متروكة إلى القيامة - آية للورى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>قوله: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)</span>\nدليل على أن الذكر ملتمس منه، وطالبه معان عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>قوله: (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)</span>\nنظير (مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) .\nوسقوط الهاء من \" الجَرَادٌ \" وهو جمع، و(مُنْقَعِرٍ)، وهو نعتُ\nجمع محمول على اللفظ، والله أعلم.","vol":"4","page":207},{"text":"وقوله - إنكارًا على ثمود -: (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)\nحجة واضحة في قبول خبر الواحد العدل، ورد على\nمن يرده، لأن ثمود - مع بشرية صالح - أنكروا وحدته فكذبوه لذلك.\nوالله أعلم.\nذكر الماء:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>قوله: (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ)</span>\nرد على القدرية والمعتزلة في باب الاختبار، وقد لخصناه في سورة الأعراف.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>قوله: (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ)</span>\nدليل على أن الماء مقسوم بين الناس، ليس لأحد أن ينفرد به، ويمنع غيره، فما كان من السماء والأنهار والعيون فالقسمة واقعة عليه بالسوية، وما كان يجُرى بالنفقة والكلفة فهو لمن أجراه، وأنفق عليه، يمنعه ممن أحب، إلا","vol":"4","page":208},{"text":"الشَّفة (١)، فلا يجوز منعه بوجه من الوجوه، إلا أن يحرز منه شيء في\nبيت أو ركوة أو آنية، أو ما أشبه ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>قوله: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ)</span>\nدليل على أن قوم لوط عموا قبل أن يخسف بهم، ويمطر عليهم.\nففيه بيان واضح - لمن تدبره - أن النظر إلى المرد للشهوة\nمعصية، لأن الملائكة كانوا جاءوا لوطًا في صورة - المرد من البشر.\nفلما رمقوهم بعين الشهوة عوقبوا بالعمى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>وقوله: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)</span>\nحجة على القدرية والمعتزلة بلفظ القدر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>قوله: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)</span>\nحجة عليهم واضحة لا التباس فيها، ولا عرية دونها.\n_________\n(١) الشفة: الماء القليل المطلوب. انظر كتاب العين (٤٠٢/٣) باب الهاء والشين والفاء، ولسان العرب (٧/ ١٥٧)، والنهاية (٢/ ٤٨٨) \" شفه \".","vol":"4","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>سورة الرحمن</span>\nقوله - ﷿ -: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) .\nمما لا يجوز استعمال ظاهره، لأن الله - ﷻ - لا يشغله شيء عن شيء، ومعناه سننظر في أموركم، وكذلك قال المفسرون.\nفضل الأبكار على الثيب:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>وقوله: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)</span>\nدليل على فضل الأبكار على الثيب، إذ لا يصفهن ببراءتهن من الطمث\nإلا وقد فَضَّلَهُن على من طُمثن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>وقوله: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) </span>- نظير ما مضى من قوله:\n(كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) - دليل على أن الصفاء والرقة مدح في الأشخاص.","vol":"4","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>سورة الواقعة</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>قوله: (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)</span>\nنظير ما مضى من مثله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>قوله: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)</span>\nنظير ما مضى في تفضيل الأبكار على الثيب.\nبشارة للمؤمنين:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>وقوله: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)</span>\nإلى قوله: (أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)\nبشارة للمؤمنين كبيرة، ورد على المعتزلة واضح، لأن الله - جل\nجلاله - زمر جميع خلقه ثلاث زمر، وأخبر عن كل زمرة بما هو\nفاعل بها ومصيرهم إليه.\nفأخبر عن المقربين بما أخبر، فعلم أنه ميزهم عن المؤمنين بفضل\nالطاعة وزيادة ما أوتوا، إذ فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء.\nوأخبر عن أصحاب اليمين بما أخبر فعُلم أنهم دونهم في المنزلة مساوون","vol":"4","page":211},{"text":"لهم في التوحيد، فمن كان مذنبًا موحدا فهو داخل معهم، وأخبر عن\nأصحاب الشمال بما أخبر وجعل في صفتهم أنهم (كانوا) (يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) .\nفعلم أنهم الكفار - كلهم - عبدة الأوثان، والمنافقون، وأهل الكتاب الذين لايؤمنون باللَّه، ولا باليوم الآخر، وكذا قال - في آخر السورة -: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)\nفلم يذكر لهم ثالثًا، وذكر أصحاب الأعراف - في موضع آخر - وذكر نجاتهم،","vol":"4","page":212},{"text":"فهم زُمَرٌ ثلاث لا رابع لهم، أو رابع، لا خامس لهم، فمن الزمرة الخامسة - ليت شعري - التي يخلدها المعتزلة مع\nالكفار في النار؟! إذ غير ممكن أن تجعل واحدة من هؤلاء ولا خارج\nفي قولهم بتة، فقد وضح - بنعمة الله - دحض حجتهم في\nالوعيد، بالدليل العتيد في هذا الفصل، وحقت بشارة المؤمنين\nالمذنبين بالنجاة بنعمة ربهم ورأفته.\nرد على المعتزلة والقدرية فيما يرزن أن المقتول ميت بغير أجله:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>وقوله: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)</span>\nحجة عليهم فيما يرون المقتول ميتًا بغير أجله، وهو جهل بين.","vol":"4","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>قوله: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)</span>\nروي أن النبي، ﷺ، قال: \" لا يقولن أحدكم: زرعت.\nولكن ليقل: حرثت \" من أجل هذه الآية.\nوهذا خبر وإن كان حسن الإسناد فله معارض يشهد له القرآن وهو\nقوله - حين أشار بترك تلقيح النخل فحملت شيصًا -: \" إن الله لم\nيبعثني تاجرًا، ولا زراعًا\".","vol":"4","page":214},{"text":"وقال الله: (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ)\nفسماهم كما ترى.\nوقد دللنا - في غير موضع - على إجازة تسمية الناس بأسامي\nاللَّه.\nقوله (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)\nهو - والله أعلم - الكتاب الذي في السماء","vol":"4","page":215},{"text":"وقد قال المفسرون - فيه - ألوانا، لقوله: (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)\nوهذا الذي عندنا ينشر، ويبتذل، وأدل الأشياء على (لَا يَمَسُّهُ) أن يكون خبرًا لا نهيا، لأن أكثر كلام العرب على نصب المضاعف في مواضع الجزم، لخفة الفتح عندهم، وقد رفعوه - أيضًا - إلا أن الفتح أكثر، ورأينا الله أظهر هذا اللفظ في الشرط والجزاء - وهو جزم - فقال: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ)، وقال: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ)\nفأشبه أن يكون لما ترك إظهاره - في هذا الموضع - ورفع صار خبرًا\nعن الملائكة المطهرين، فهذا أدل وأكثر، ولا أحتم به، لاحتماله\nأن يكون نهيا على جواز رفع المضاعف - في موضع الجزم - كقوله\n﵎: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا)\nاتفق القراء على رفعه، فأحب أن لا يمس القرآن أحد - من","vol":"4","page":216},{"text":"البالغين - إلا طاهرًا بطهارة الصلاة احتياطًا ولا أوجبه إيجابا، لما دللنا\nعليه من إمكان الخبر في (لَّا يَمَسُّهُ) وفي \" المكنون \"، ولاتفاق\nأهل الصلاة على إجازة مسه للصبيان، وهم غير متوضئين، ولو\nتوضأوا قبل يعقلون الوضوء ونيته ما طهروا به، ولو كان\nنهيا متحققا لمنع الأطفال من مسه حتى ييلغوا.\nوحديث رسول الله، ﷺ، في كتابه إلى عمرو بن\nحزم فى ترك مسمه إلا للطاهرين،","vol":"4","page":217},{"text":"مرسل لا يثبت متصلًا. والله أعلم كيف هو.","vol":"4","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>سورة الحديد</span>\nقوله - ﷿ -: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)\nحجة على القدرية والمعتزلة.\nفضيلة أبى بكر ﵁:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>قوله: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)</span>\nدليل على فضيلة أبي بكر - ﵁ - لإنفاقه ماله على رسول\nاللَّه، ﷺ، قبل الفتح، ودليل على أن كل عمل\nيُسبق إليه أفضل مما يؤخر، من غير أن نُلحق بالمتأخر تقصيرًا.\nذكر حديث رسول الله، ﷺ، في أمر الصدقة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)</span>","vol":"4","page":219},{"text":"يؤيد حديت رسول الله - ﷺ -: \" إن الله -\nﷻ - يربي صدقة المتصدق كما يربي أحدكم فَلُوَّه، أو فصيله \"\nألا ترى أنه ذكر مضاعفتها قبل أجرها، ليكون الأجر على ما رباه\nوأعظمه، لا على صغير ما أقرضه، جودًا منه وكرمًا وهو أعلم.\nفي تسمية الصدقة بالقرض، وإضافتها إلى نفسه، وهي واصلة إلى\nغيره \"معنيان:","vol":"4","page":220},{"text":"أحدهما: إجازهّ وضع الكلمة موضع غيرها.\nوالآخر: إفادتنا أن المتقرب إليه بإعطاء الفقير معظم حقه.\nفيخرج - الآن منه - أن المتحري مسرة رجل بإرفاد من يحبه مكرمه\nبذلك الرفد، ومستوجب من عنده المكافأة علي فعله.\nغلبة المذكر على المؤنث:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>قوله: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) </span>دليل على غير شىّء.\nفمنه: غلبة المذكر على المؤنث في قوله: (نورهم) ولم يقل: \" نورهن \".\nومنه: أن الإخبار بالسعى عن النور توكيد لاستعارة الكلام، وأنه -\nلا محالة - في لسان العرب.\nوالباء في (وَبِأَيْمَانِهِمْ) فى معنى \"عن \" والله أعلم.","vol":"4","page":221},{"text":"وفي قوله: (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) - والله أعلم - ضمير كأنه \" ويقال لهم: بشراكم اليوم \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>قوله: (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ)</span>\nدليل على أن القول وإن كان اختبارًا في موضع فغير\nمانعة من أن يكون معنى غير الاختبار - أيضا - إذ محال أن يكون\nالمنافقون اختبروا أنفسهم في الدنيا بنفاقهم، فهو الآن رد على المعتزلة\nوالقدرية في تأويلهم إياه اختبارًا في كل موضع، وامتناعهم من إجازة غيره عليه، وكذلك قوله: (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)، إذ قد أخبر بالغرة عن الأماني، ثم أخبر بها عن الغرور وهو الشيطان، وقد أخبر بها في موضع آخر عن الدنيا، وهو قوله: (ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، وإذا كان كذلك فغير ممتنع أن يخبر بالإضلال عن نفسه لهم، وإن كان قد أخبر به في الشيطان مرة وعن المضلين\nأخرى، فيكون فعل المخلوق أبدًا تبعًا لفعل الخالق، ولا يكون فعل","vol":"4","page":222},{"text":"الخالق تبعًا لفعل المخلوق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>وقوله: (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ)</span>\nيؤكد جميع ما مضى من إجازة تسمية المخلوق باسم الخالق، إذ قد دل على تسمية الناس به، ثم أجاز - ها هنا - تسمية النار أيضًا به.\nالمرجئة:\nوقوله - تعالى -: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)، رد على المرجئة إذ المخاطبون الموبخون بهذا\nقد كان لهم - لا محالة - حظ في الخشوع قبل استبطائهم وتقريعهم، إذ\nلو لم يكن لهم حظ فيه - وإن قل - ما كانوا مؤمنين، فهل ما التمس\nمنهم إلا زيادة في خشوعهم، الذي بقليله استحقوا اسم الإيمان قبل\nأن يطالبوا بكثيره.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>وقوله: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ) </span>، دليل على","vol":"4","page":223},{"text":"أن المرء ممنوع من التشبه والاقتداء بمن لا يكون مرضي الفعال، وأنه إن\nاقتدى به في فعل بعينه لم يصر بجميع الصفات مثله، فليعتبر المنكر\nعلى من شبه المشمئزين - من دعوة الداعى في الأحكام إلى القرآن -\nبالمنافقين والكافرين، وإن لم يكن منافقًا ولا كافرًا بهذا، ليردعه عن\nاستعظام ما ليس بعظيم من المشَبِّه، بل فعل الممثممئز بالتشبيه\nبالقوم عظيم لو عقله، والله يغفر لنا وله.\nإهمال الرعاية:\nوقوله - تعالى -: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ)\nدليل على أن إهمال الرعاية مخلقة للأذكار في قلوب المؤمنين، وتعاهدها مطرية، والقسوة متولدة من طول الأمل، وإدمان الزلل","vol":"4","page":224},{"text":"ذكر اللهو:\nوقوله - تعالى -: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)\nدليل على أن اللعب، واللهو والزينة، وكل ما ذكر معهم مذموم جملة، إلا ما رخص فيه من ملاعبة الرجل امرأته، وجاريته، ولهو النضال، وما ذكر معه، وما استثني - من الزينة - في سووة الأعراف من أخذ الزينة\nعند المساجد، وما لم يكن منها سرفًا.","vol":"4","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>قوله: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)</span>\nإلى قوله: (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ)، تأكيد لما قلنا، ودليل على أن المرء معذب على ما لم يستثن من ذلك، ومفجوع بها في الدنيا قبل مباشرة العذاب في الآخرة.\nوقد مضى جوابنا - في غير موضع، من هذا الكتاب - للقائسين في\nأن احتجاجهم على تثبيت القياس بهذه الأمثال، وما ضاهاها في القرآن\nبعيد مما يظنون، فأغنى ذلك عن إعادته.\n* * *\nقوله: (وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ)\nمقصود به - لا محالة -\nقومًا آخرين، ففيه دليل على جواز اختصار الكلام، والإشارة إلى\nالمعنى.\nالوعيد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>وقوله: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)</span>\nنظير ما مضى في سورة آل عمران.","vol":"4","page":226},{"text":"(أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)\nحجة على المعتزلة في باب الوعيد - شديدة - لو تأملوها، إذ ما لا يفهمونه من الخُلْف خانق لهم -\nفي هذا الموضع - فيقال لهم: كيف يجوز عندكم أن يكون الله - جل\nجلاله - يخبر عن نفسه بإعداد الجنة للمؤمنين به، وبرسوله - في هذه\nالآية - بلا شرط، فيكون فيهم من يذنب ذنبًا - واحدًا - فلا يجعل له\nحظًّا فيما أعد لمن آمن به وبرسوله، من أجل ذلك الذنب الواحد.\nلأن ذلك الذنب محا الإيمان من صدره، وأنطق بالكفر لسانه!.\nفإن قالوا: لا، ولكنه أوعده النار على ذنبه.\nقيل لهم: فأوعده إدخال النار وحده أو أوعده مع الإدخال\nالخلود؟.\nفإن قالوا: أوعده كلاهما، كابروا في الدعوى، وطولبوا بالتلاوة\nفي ذلك، ولا سبيل لهم إليه.\nوإن قالوا: بل أوعده النار، ولم يوعده الخلود.\nقيل: فما بالكم تخلدونه - فيها - بعد استيفاء الجزاء على ذنبه.\nوأنتم قوم تقودون دليل العقل، وتأخذون أفعال الله بعبيده من أفعال","vol":"4","page":227},{"text":"الخلق بعضهم ببعض في باب العدل والتوحيد وغيره، أفسائغ في\nعقولكم - ليت شعري - أن يتواعد رجل عبده بضرب على فعل إن\nفعله، فيتقدم بين يدي نهيه يفعل ذلك الفعل، فإن ضربه ثم خلاّه عد\nكذبا عليه، وخلفا لوعيده، لتخليته بعد ضريه، ولا يكون -\nعندكم - صادقًا، ولا منجبزا وعيده إلا بتتابع الضرب وسرمدته عليه\nعمره! كما يزعمون: أن من أدخله الله - بعدله - نار جهنم عقوبة\nعلى خطيئته، ثم أخرجه بعد استيفاء عقوبة خطيئته أنه مخُلف لإيعاده\nأَوَ سائغ - في عقولكم - إذا حلف رجل على عبده أن يسجنه، فسجنه يومًا، أو ساعة ثم خلاه أن تكون يمينه باقية عليه حتى\nيخلده في السجن،! وأشباه ذلك، أو تتبصرون فتعلمون أن الضرب\nإذا وقع بالعبد الموعَد به، وأطلق من السجن - بعد وقوع الحبس\nعليه - بر الحالف ووفى الموعِد، وأن الله - ﷻ - إذا أدخل\nالمذنب ناره فقد وفى بوعيده، فإذا أخرجه بعد استيفاء جزائه لم يكن\nذلك مؤثرًا في وعيده\nفإن قالوا: فقد قال الله - ﵎ -: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) .\nقيل: المعصية قد تكون في الكفر، وتكون في الذنب، إذ معنى\nالمعصية عصيان من أَمر بشيء، ونَهَى عن شيء، فتعدى أمره ونهيه.\nفلما كانت المعصية - المصروفة إلى الذنب غير مبطلة لقوله:","vol":"4","page":228},{"text":"(وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)، والمعصية المصروفة إلى الكفر مبطلة له، ومتأسية بغيرها من\nآيات الوعيد في الكفر، كان صرف العصيان - في هذه الآية - إلى\nعصيان الكفر أجدر، مع أن ما قبل هذا الآية وما بعدها دليل على\nأنه عصيان الكفر من الكافر، ألا تراه يقول: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)\nفأخبر عن إكبار القوم دعوة الرسول وما كادوا يفعلون به، ثم أخبر عما أمر به رسوله - ﷺ - من القول في عدم مجير يجيره من الله إن لم يبلغ رسالاته، ونسق عليه بـ (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)\nوحققه وأزال عنه كل لبسة بقوله: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)\nفأخبر أن","vol":"4","page":229},{"text":"المتكاثرين المتظاهرين، ومن كاد يتلبد من الجن والإنس على تكذيب\nالرسول الداعي إلى الله، وعلى رد ما جاء به يكونون - بعد رؤية\nجهنم، ودخولها وما أوعدوا من الخلود فيها - بلا أنصار، ولا عدد\nيتكثرون بهم كما تكثروا وتلبدوا على التظافر به والتظاهر عليه، فلم\nينفعهم ذلك، وأبى الله إلا إمضاء ما أرسل به رسوله، فهذا واضح\nلا إشكال فيه.\nقال محمد بن علي - ﵀ -: ولا أرى الشراة إلا أَعْذر\nفي مقالتهم منهم - وإن كانوا متساوين في باب الخطأ - لأن أولئك\nخلطوا في أصل تسمية المذنب بالكافر، وإعداد الذنب كفرًا، ثم قادوا","vol":"4","page":230},{"text":"مذهبهم في الخلود والشهادة على الكافر عندهم.\nوهؤلاء لم يسموه كافرًا، بل سموه فاسقا، ثم أوجبوا باسم الفسوق\nالخلود، فجمعوا على أنفسهم الغلط من وجوه عدة.\nفأحدها: أن الفسوق - في اللغة - التوثب، ولذلك سميت\nالفأرة فويسقة، لأنها قفازة، قال الله - ﵎ - في\nإبليس -: (فَفَسَقَ عَنَ أَمرِ رَبِّه)، أي وثب بين يدي أمره.\nوخلفه وراء ظهره، فإذا كان الفسق هو التوثب على الأمر والنهي.\nوكان الأمر والنهي مشتملين على أشياء: منها ما يكون كفرًا مثل\nدعوى الولد والزوجة والقول بالأنداد وأشباه ذلك، ومنها ما يكون\nذنبًا مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر وما ضاهاها، لم يجز إلا أن يكون\nالفاسق - في النوعين معًا - يسمى باسم واحد مسلوكًا به طريقًا","vol":"4","page":231},{"text":"واحدًا، أو مسمى باسمين مختلفين مسلوكًا به طريقين، فإن كان\nلاتفاقهم معنى على تغليط الشراة حقيقة في التسمية ولم يكونوا به\nمتزينين فقولهم في الخلود غلط - بغير إشكال - إذ محال أن يكون\nالكفر فعلًا لا نظير له من الذنوب فعل، وجزاؤه الخلود، ثم يكون\nضده من الفعل إذا فعل يكون - أيضًا - جزاؤه الخلود، وإن كانوا\nمجامعين لهم في أصل المقالة ومتزينين بما نحلوه من الاسم فقد\nنافقوا في الكلام، واستهدفوا لخصومهم في الإلزام -\nوالثانية: أنهم يخطئون مقالتنا فيما نصف به ربنا - جل وعلا -\nبأنه عدل في تعذيب مق قضى عليه الخطيئة، ويعدونه جورًا - منا - ولا\nيخطئون أنفسهم في إيجاب الخلود على من أخطأ خطيئة واحدة - في\nعمره - لم يتب منها، وأطاع وبه سائر عمره، ولا يسمونه كافرًا.\nويسلكون به مسلك الكافر، ويعدونه عدلًا.\nوالثالثة: أنهم يفرقون - في عقوبة هذا المجرم - بين الدنيا","vol":"4","page":232},{"text":"والآخرة، فيزعمون أن المتفسق بأفعال الذنوب لا يقتل ولا يستتاب - كأهل\nالحرب والردة - ويستوجب الخلود، والمتفسق بأفعال الكفر يقتل\nويستوجب الخلود ويرث ويورتّ، والكافر لا يرث ولا يورث ومحرم\nماله. ويحل مال الكافر الذي جزأؤه الخلود.\nوالرابع: أن نفس ما يحتجون به من قوله - ﷾ -:\n(بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) .\nموضوع في غير موضعه، وذلك أن أبتداء الآية - التي هذا فيها - نازل في قوم كانوا يلمزون أنفسهم، ويتنابزون بالألقاب، فيقول الرجل الآخر: يا\nكافر، يا فاسق يلقبه بذلك، ولايسميه باسمه، فأخبر الله - جل\nجلاله - أن المسمى بالفسوق بعد الإيمان مبدل اسمه بما لا يشاكله\nفقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ)\nأي بئس الاختيار","vol":"4","page":233},{"text":"في تسمية المؤمن بالفسوق بعد ما سُمي بالإيمان، لا أن اسم الإيمان\nزائل عنه بفسوقه الذي ليس بكفر.\nفإن عارضنا معارض من المرجئة فزعم: أن ما احتججنا على المعتزلة\nفي هذا الفصل حجة له في تجريد الإيمان معرىً من العمل، إذ ليس في\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>قوله: (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)</span>\nعمل - فقد غلط كل\nالغلط، لأن الله - ﷻ - ذكر الإيمان جملة به وبرسله، ولم يذكر\nإيمانًا، فالجملة جامعة للقول - معًا - بما دللنا عليه في السور قبل هذا\nالفصل، ولو كان - أيضًا - ذكر قولا ما كان لهم حجة إذ من قولنا:\nإن المؤمن ببعض أجزاء الإيمان قد يدخل الجنة بعفو الله، بل بمثقال\nخردلة مع الشهادة، وليس في دخوله النار قبل دخوله الجنة - بعد\nإخراجه منها - ما يكسر قولنا في تجزئة الإيمان وتسمية العمل به.\nوكذا قولنا في حديث رسول الله، ﷺ: \" من قال\nلا إله إلا الله فله الجنة، وإن زنا، وإن سرق \"، أي يدخل الجنة","vol":"4","page":234},{"text":"بعد ما يخرج من النار، فتكون الجنة داره أبدًا، إذ ليس في هذا\nالحديث: \" من قال لا إله إلا الله لم يدخل النار \" إنما هو \" فله\nالجنة \" والجنة له في أي وقت دخلها، فتأويلنا في هذا أحسن من\nتأويل من قال: كان هذا قبل نزول الفرائض، لأنه وإن كان\nحسنًا فلا يدرك إلا بخبر، وقولنا مطوي في نفس الكلام، لمن ميزه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>قوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)</span>","vol":"4","page":235},{"text":"حجة على القدرية والمعتزلة واضحة - إذ قد أخبر نصًّا يإيداع المصائب كتابه السابق قبل وقوعها، والهاء في (نَبْرَأَهَا) لا تخلو من أن تكون راجعة\nعلى الأنفس، أو على الأرض، فإن كانت على الأرض فالأنفس\nمخلوقة بعدها، وإن كانت على الأنفس فمصائبها مكتوبهّ علمها قبل\nخلقها، وهي على كل الأحوال قبل الأنفس،","vol":"4","page":236},{"text":"ولا يتمانع ذو الحجا - من أهل اللغة - أن المعاصي أكبر المصائب والجنايات من جانبها، والمجني عليه مصيبة واصلة إليه من كتب إليه فعل يفعله، أو يفعل به، فلابد من كونه.\nذكر الطب:\nوقوله - تعالى -: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)\nحجة في أصل الطب، والمتوصل إلى الشفاء بواسطة\nمن العلاجات بالأدوية، لأن المنافع وإن كانت راجعة على السلاح\nوالأدوات وأَثمان الحديد فالَخبَث من منافعه، وهو خارج منه.\nحدثنا العِجلي، دثنا أحمد بن عيسى بن اللخمي، دثنا","vol":"4","page":237},{"text":"إسماعيل بن مسلمة بن قعنب، قال: حدثني سلم بن قتيبة، عن\nمسلمة بن قعنب، قال: دخلت عليه فقال لي: اشرب من\nشراب كان فيه اللبن يجعل فيه خبث الحديث وأخلاط معه، فقال:\nاشرب، حدثني ابن عون،","vol":"4","page":238},{"text":"عن ابن سيرين، قال: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)\nوأرجو أن يكون هذا منه \".\nومثل ذلك قوله - إخبارًا عن النحل -: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)، هو دليل على إباحة التداوي مع ما\nجاء عن رسول الله، ﷺ، في الأمر بالتداوي لونًا\nلونًا.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>وقوله: (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) </span>.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>وقوله: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)</span>\nفي أشباه لهما رد على المعتزلة فيما يجعلون الفسق درجة بين درجتين من الإيمان\nوالكفر، إذ الفسق في جميع هذه الأمكنة كفر لا شك فيه، لما دل عليه سياق الكلام.","vol":"4","page":239},{"text":"ذكر الرعايات:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>وقوله: (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)</span>\nدليل على تثبيت الرعايات، وعلى أن البدعة من العمل الصالح وما يقرّب إلى الله - جل وتعالى - ويكون فيها منافع الخلق غير مذمومة، إذ لو كانت ما\nذموا على تضييع الرعاية في المحافظة عليها، ويؤيد هذا الابتداع حديث\nرسول، الله ﷺ: \" من سن في الإسلام سنة\nحسنة، فعمل بها بعده، كان له، أجرها وأجر من عمل بها \".\nولا شك أن هذه سنة مأذونة في إحداثها، لا سنةً متبعة لغير من\nسنها، وقد وعد عليها رسول الله، ﷺ، من\nالأجر ما وعد، أو ليس عمر - ﵁ - سن قيام شهر\nرمضان في جماعة، وعثمان - ﵁ - الأذان الأول يوم الجمعة","vol":"4","page":240},{"text":"وكانا داخلين في قول رسول الله ﷺ: \"\nمن سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً \".\nفإن قال: فما معنى قوله، ﷺ: \" كل محدثة\nبدعة، وكل بدعة ضلالة \" وإياكم ومحدثات الأمور \" وأشباه ذلك.\nقيل: قد يجوز أن يكون في محدثات لا تؤدي إلى القريات، مثل حلق\nالرأس في العقوبات، واتباع العرائس بالنيران عند الزفاف، وما أخذ أخذه، والله أعلم.","vol":"4","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية.","vol":"4","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>سورة المجادلة</span>\n* * *\nوقوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ)\nحجة في أشياء:\nفمنها: أن الظهار لا يكون إلا بالأم \" إذ في (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) دليل أنهم كانوا يظاهرون بالأمهات، وإذا كان ذلك تفسير الظهار المجمل، فغير ذلك لا يكون ظهارًا، وإن لفظ به، إلا أن تتفق الأمة على ذات محرم - غير الأم - ويجعلون بها ظهارً، فيُسَلَّم لهم.\nفإن قيل: أفليس قد رُوي أن النبي، ﷺ، سمع\nرجلًا يقول لامرأته: يا أخية، فقال له رسول الله - ﷺ -: \" أختك هي؟ قال: لا. فكرهه.","vol":"4","page":245},{"text":"قيل: هو حديث يرسله أبو تميمة عنه، لا نعلم أحدًا ذكر فيه\nأبا سعيد الخدري غير عبد الله بن عصمة، وليس بمشهور في\nأصحاب حماد، ولا ممن يقبل حديثه إذا انفرد به، مع أنه لو كان","vol":"4","page":246},{"text":"ثابتًا لكان تأكيدًا لما قلناه: من أنه لا يكون به ظهار، وإن كره القول\nومنها: أن الظهار من الأمة والحرة واحد لشمول اسم النساء\nلهما - معًا - وهو مذكور بشرحه في كتاب الظهار من شرح النصوص.\nومنها: تأكيد ميراث ولد الملاعَنة، وولد الزنا، لشمول اسم\nالأمومة لمن ولد بهما، وهو نظير قوله: (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>قوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)</span>","vol":"4","page":247},{"text":"دليل على أن التحريم لا يكون طلاقًا من حيث\nلا إشكال فيه - لمن تدبره - إذ لو كان الحرام طلاقًا - بوجه من الوجوه -\nما جاز وطء المظاهر منها بعد الكفارة، لأن الطلاق حل لا تعقده\nالكفارة، والبينونة لا تعود وصلًا بها، والمحرمة بالظهار إن لم تكن\nأغلظ تحريمًا من المحرمة بغير الظهار فهي مثلها، فكيف يجوز إبانة\nتحريم امرأة عن زوجها بالطلاق، وهو إنما حرمها كتحريم المظاهر\nالمؤكد تحريمه بالظهار.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)</span>\nموضح - والله أعلم - أن المراد\nفي (يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) هو إرادة العود إلى الوطء الذي حظره\nبالظهار على نفسه، إذ لو كان حبسها - بعد القول مدة يمكنه تحريمها","vol":"4","page":248},{"text":"فيها بالطلاق ولا يطلقها - موجب عليه الكفارة ما كان لتقديمها على\nالمسيس@ معنى عند من تدبره ولوجبت الكفارة على من يحبسها\nبعد القول بالظهار ساعة ثم يطلقها ثلاثًا، والمسيس قد حرمه عليه\nالطلاق، فكيف يعود لما قال بعد الطلاق، أم كيف تجب عليه\nالكفارة، وهو لا يمكنه المسيس، والكفارة - لا محالة - محللة له في\nحكم التلاوة، وإذا كان ذلك كدلك كان مجاز الآية - والله أعلم - أن\nتكون اللام في (لما) بمنزلهّ \" إلى \" كأنه ثم يعودون إلى ما منعوه\nبتحريم الظهار من الوطء فيريدون فعله، أو يكون\n(لما) بمعنى \" فيما \" على هذا التأويل، إذ اللغة محتملة له، والله أعلم كيف هو.\nوقال قتادة وطاووس - جميعا - في قوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) هو الوطء.","vol":"4","page":249},{"text":"وروي عن الزهري في الرقبة فقال: يجزئ - ها هنا - الطفل.\nوروي عن النبي، ﷺ، من حديث معمر، عن عكرمة، أن النبي، ﷺ، لما سألته المرأة عن ذلك، فقال: \" ما أراك إلا وقد حرمت عليه \" قاله ثلاثًا.","vol":"4","page":250},{"text":"وروي عن قتادة قال: حرمها ثم يريد أن يعود لها يطأها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>قوله: (فَتَحريرُ رَقَبَةٍ)</span>\nإضمار، كأنه - والله أعلم - فعليه تحرير رقبة.\nوفي إرساله - جل وتعالى - الرقبة بلا شرط، ولا صفة دليل على أنه\nتجزئ الصغيرة والكبيرة، والمسلمة والذمية، والسوداء والبيضاء.\nويجزئ فيها الذكر والأنثى، والسليمة والمعيبة، وأنه من منع إجازة","vol":"4","page":251},{"text":"شيء منها فعليه إقامة البرهان عليه، ولا برهان - في هذا الموضع - عند\nمن أنصف من القائسين وغيرهم، إلا من النصوص الثلاثة المؤدية إلى\nالحقائق، إذ تخصيص العموم، وتفسير الجملة لا يجوز بالمقاييس والأوهام\nالمظنونة.\nفإن قيل: استدللت بإرسالها على جواز كل ما قلته، هلا جعل\nالإيمان من شرطها اعتمادًا على ما شرطه الله في كفارة القتل، كما\nجعلت شرط الشهود عدولًا في كل مكان، وإن كان شرط العدالة في\nبعض الأمكنة دون بعض.\nقيل: إنما جعلت ذلك في الشهود بما شرطته من أحد النصوص\nالثلاثة، وهو الإجماع، وأطلقت في رقبة الظهار على الإرسال إذ\nهو موضع اختلاف، والاختلاف لا يخص به العام ولا تفسر به الجملة.\nقال محمد بن علي: وليسى إجازة وطء المظاهِر - إذا عَجَزَ عن الرقبة\nالصيام قبل الإطعام - من هذا في شيء وهو عندي إغفال مفرط من","vol":"4","page":252},{"text":"مجيزه، وذلك أن الوطء لما حُظر قبل الكفارة - من تحرير الرقبة - عُلم أن\nالكفارة هي المحللة له، والصيام بدل عن الرقبة، والإطعام بدل عن\nالصيام، كل واحد بعد عدم الآخر وقصور الطاقة عنه، فليس\nبجائز للمظاهِر أن يطأ وإن كفر بالإطعام إلا بعد فراغه منه، والله ولي الصواب.\nمراعاة عدد الذنوب:\nوقوله - تعالى -: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ) دليل على أن مراعاة عدد الذنوب واجبة، إذ لا يجعل نسيانها في جملة ما يعيبهم به إلا وقد أوجب عليهم حفظها، وهو أعلم.","vol":"4","page":253},{"text":"المعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>وقوله: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية في إخباره عن الشيطان بهما. وزوال ضرره عنه إلا بإذنه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)</span>\nحجة على المعتزلة والجهمية في إخباره عن نفسه بالغفسب، كما ترى..\nمعنى الإنساء:\n(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ)، الإنساء على معنى\nالتزيين منه كأنه مقيض لهما جميعًا، ألا تراه يقول في سورة الحشر: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)، فأخبر بالنسيان عن أنفسهم\nمرة، وأخبر ثانية عن الشيطان بأنه أنساهم، وثالثة عن نفسه بأنه","vol":"4","page":254},{"text":"أُنسيَهم، فدل أن جميع ما ذكره عن الشيطان مثل قوله: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ)، هو تابع لإنساء الله إياهم ذلك، إذ هو الخالق للشيطان المقيِّض له المسلط هذا الشيطان عليهم، ولا يجوز أن يكون الله - ﷻ - بما أخبر عن نفسه تابعًا له، ولا لهم.\nوقد لخصنا ذلك في فصل التزيين، وفصل المشيئة - قبل هذا -\nفي سورة الأنعام، وغيرها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>قوله: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية في الكتاب الذي لا يؤمنون به - أصلًا - ولا يقرون به بتةً.\nوفيه دليل على إجازة الرجوع من لفظ الخبر إلى لفظ المواجهة\nلقوله: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)، ولم يقل: ليغلبن هو ورسله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>قوله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) </span>، إلى آخر الآية، زجر إلى التودد إلى من كان على غير دين الإسلام، والتحبب إليه، والموالاة له، إذ في ذلك ذهاب","vol":"4","page":255},{"text":"العداوة وانغراس المحبة لمن يعادي الله - ﷻ - ألا ترى أن\nاللَّه - ﷻ - سماهم أعداءه، حيث يقول: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)، ومثل - هذا - قوله: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)، إلى آخر الآية.\nويقال: إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، حيث كاتب كفار مكة\nبمسير النبي، ﷺ، إليهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>قوله: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية في الكتاب.","vol":"4","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>سورة الحشر</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>قوله: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)</span>\nحجة في إخراب بلاد العدو للنكاية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>قوله: (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا)</span>\nحجة في الكتاب على من ينكر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>قوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا) </span>.\nحجة في قطع الشجر المثمر، وغير المثمر في بلاد العدو، ودليل على أن\nالناس فيه بالخيار إن شاءوا قطعوا، وإن شاءوا تركوا، والاختيار\nالقطع كما قطع النبي، ﷺ، نخل بني النضير،","vol":"4","page":257},{"text":"والآية نازلة - والله أعلم - فيهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>قوله: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ)</span>\nرد على القدرية الذين يجعلون الإذن\nبمعنى العلم، إذ لو لم يكن الإذن إطلاقًا ما عُلم أن قطع الشجرة\nمباح، أو غير مباح، ألا ترى أن علمه - سبحانه - محيط بالمحظور\nوالمباح معًا وليس كل ما أحاط بفعله علمه جاز لفاعله فعله، دون\nإطلاقه، فقد دل هذا - بغير إشكال - على أن إعداد الإذن علمًا\nخطأ، لا يُشك فيه.\nقال محمد بن علي: ذكر الله أصحاب نبيه، ﷺ.\nفي هذه الآية - على ثلاث فرق، وهو قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)، فهذه فرقة.\nوالثانية قوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ) .\nوالفرقة الثالثة: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) .","vol":"4","page":258},{"text":"وأثنى على الثلاثة - معًا - مما حوته الآيات الثلاث، فليس يخلو أحد\nصاحب النبي، ﷺ، ولو ساعة واحدة إلا وهو\nداخل في أحد الفرق الثلاثة. فهذا - الآن - حجة على كل من سب\nواحدًا منهم، أو تنقصه، ودليل على أن من أتى في أصحاب نبيه.\nﷺ خلاف الجميل أنه راد على الله، وغير راض\nلدينه - جل وتعالى - بما رضيه هو له بنص القرآن الذي لا يأتيه\nالباطل من بين يديه، ولا من خلفه، قبل أن يصير إلى ما عليه في\nالأخبار من إيجاب اللعنة.\nوكان مالك بن أنس يقول: من سب أصحاب رسول الله، ﷺ، لم يكن له في الفيء والغنيمة نصيب، وهو كما قال.\n﵀.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>قوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا)</span>\nجملة دليل على أن من لم يكن - له - سليم الصدر لأصحاب رسول الله - ﷺ - محبًا","vol":"4","page":259},{"text":"لكافتهم، داعيًا لجميعهم فهو مسلوك به غير سبيل الممدوحين، منوط\nفي طرق المذمومين غير مقبول منه - فيهم - شيء يأوي له.\nومُنحرض باطله.\nوفي دعوتهم بأن لا يجعل - ﷻ - لهم غلاَّ في قلوبهم رد على\nالمعتزلة والقدرية، إذ محال أن يدعوه بما هو منكر عنده - على زعمهم -\nفي صفاته فيثني به عليهم، وهو واضح لا لبسة فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) إلى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) </span>.\nدليل على أن سجايا المنافقين مجبولة على منافقة أوليائهم وأعدائهم - معًا - فهو الآن تنبيه بيِّن أن الاستنامة إلى ود من ليس يتقي، والمعول على ولايته\nليس من فعل ذوي التحصيل، ولا يغتر به من خليل، ويؤيد هذا\nقوله - سبحانه -: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)، فلو كانت خلتهم في الدنيا مستقيمة لكانوا بها","vol":"4","page":260},{"text":"محسنين - والإحسان لا يعود سيئًا فيضمحل، كما لم تضمحل خلة\nالمتقين - وكانت في الدنيا والآخرة متصلة لهم غير منقطعة بهم.\nتخويف المنافق بالناس:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>وقوله: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ)</span>\nحجة لمن يقول: خوف المنافق بالناس، والمؤمن بالله جل وعز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)</span>\nحجة واضحة لمن أراد المبالغة في وصف شيء أن يبالغ فيه كيف أراد، ولا يكون كاذبًا، ولا آثمًا، لأن الله - ﷻ -\nسمى الآخرة بغدٍ كما ترى، وبين نزول الآية وبينها دهر طويل، وقد\nاقتدى بهذا المعنى أصحاب رسول الله، ﷺ، فقال\nأبو بكر الصديق - ﵁ - في بعض ما مُدح به عمر -\n﵁ -: وأنى لعمر الشهادة، وهو في جزيرة أضيق من\nهذه، وعقد بيده تسعين.","vol":"4","page":261},{"text":"وقال غيره - في بعض مواعظه -: المضمار اليوم والسباق غدًا.\nومثله كثير.\nوفي هذا حجة لنا أن الذين روي - في الأخبار - أنهم تكلموا بعد\nالموت لم يكونوا - في الحقيقة - أمواتًا فعاشوا، ولكنهم سموا به","vol":"4","page":262},{"text":"لمقاربتهم منه، ودخولهم في غشية تشبهه وأن ما رأوه من الجنة والنار.\nوقالوه فشيء رأوه في الغشية، كما يُرى في المنام.\nوليس للقائلين بالرجعة فيها متعلق، لأنه إذا جاز أن يسمي اللَّه الساعة - التي تكون بعد دهر طويل - بغدٍ جاز أن يُسمى بالموت\nما يكون فيه يومه، بل في ساعته.","vol":"4","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>سورة الممتحنة</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>قوله: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ)</span>\nنظير ما مضى - في سورة الحشر - من قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا)، وبيان أن خلة غير المتقين المؤمنين لا معول عليها، ألا ترى أن الموالين الملقى إليهم بالمودة - في أول هذه السورة - لم يراعوا للمسرِّين إليهم بها، ولم يحاموا عليه من أجلها.\nكما ذكره - جل وتعالى - وهو الصادق.\n(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) .\nدليل على جواز الاقتداء بمن لم يكن فيه الخطأ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>قوله: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)</span>\nدليل على أن الله - جل وتعالى - قد يفتن الكافرين بما شاء، لولا ذلك ما كان لهذا\nالدعاء معنى، فهو رد على المعتزلة والقدرية.\nذكر وداد الختن صهره:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>قوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً)</span>","vol":"4","page":264},{"text":"دليل على أن وداد الحنتن صهره من ممدوح الأمور ومرضي الأخلاق، لأن\nأبا سفيان بن حرب كان لرسول الله، ﷺ، عدوًّا قبل\nإسلامه، فلما صاهره - والصهر لممبب للمودة - هذاه الله إلى الإسلام\nليتصل سبب ودادهإ٢ (.\nوفيه فضيلة لأبب سفيان - ﵀ - وعظة لمن يشنأ الأصهار من\nالأختان، والله أعلم.\nذكر إسلام المرأة قبل الزوج:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>قوله: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)</span>","vol":"4","page":265},{"text":"على أن إسلام المرأة فسخ لنكاحها من زوجها الكافر، وفيه تقوية\nقول من قال: إن زوجها وإن أسلم قبل انقضاء العدة فلابد من تجديد\nنكاح بينه وبينها، لأن الله ذكر رفع الجناح في نكاحهن - جملة - ولم\nيستثن مدخولة بها، من غير مدخولة، فهو الآن حاكم لإحدى\nالروايتين من تجديد النبي، ﷺ، نكاح أبي العاص","vol":"4","page":266},{"text":"بينه وبين زينب، وأنها أثبت من الرواية التي فيها ردها عليه\nبالنكاح الأول، فكل امرأة تحت كافر أسلمت - وهي غير مدخول","vol":"4","page":267},{"text":"بها، أو مدخول بها، ثم أسلم زوجها - جدد نكاحها على هذا المعنى.\nومن زعم أن المدخول بها غير محتاجة إلى تجديد النكاح - إذا أسلم\nزوجها قبل انقضاء عدتها - فهو يخص عموم الآية الدالة على قطع\nالعصمة بالنكاح، وخصوص العموم لا يجوز إلا بالنصوص وهي\nمعدومة ها هنا.\nفإن شبه على أحد، وتأول أن الرواية في تجديد النبي، صلى الله عليه\nوسلم، نكاح زينب كان من أجل انقضاء عدتها، فقد ادعى على الخبر ما\nلم يؤده بتوهمه، وكذب الرواية الأخرى في أنه ردها عليه بالنكاح الأول\nبإجماع الأمة، إذ لا خلاف بينهم - وهو من الإجماع المحصل - أن إسلام\nالزوج إذا كان بعد انقضاء العدة لم يكن من تجديد النكاح بد، فكيف يحتمل تعارض الروايتين في شيء أحدهما خطأ\nبيقين، هذا ما لا يتوجه - أصلًا - ولا يجوز توهمه على ناقل.","vol":"4","page":268},{"text":"فإن قيل: فكيف لم تبحها قبل انقضاء عدتها لغيره من المسلمين بظاهر\nالآية، إذ كانت عندك على جميع الأزواج؟.\nقيل: لشهادة الكتاب والسنة والإجماع بأن كل مصابة من النساء\nباسم النكاح لا تحل لغير مصيبها إلا بعد استبراء يكون من مائه، وإن\nكان فيهم من يسميه عدة، ومختلف في كميتها.\nفإن قيل: فمتى تحل لغيره - إذا أسلمت - مدخولًا بها؟.\nقيل: لما دلت الآية على قطع العصمة، واخترنا - بدليلها - على أن\nزوجها -أيضًا - لو أسلم قبل انقضاء عدتها احتاج إلى تجديد نكاح؟.\nقلنا: تحل للأزواج بعد حيضة واحدة، لأنها ليست بمطلقة تحتاج إلى\nثلاثة قروء، وإنما هي امرأة منفسخة النكاح بينها وبين زوجها.\nومتلطخة بما تحتاج إلى الاستبراء منه، لئلا يفسد نسب المتزوج بها.\nوهو نص حكم رسول الله، ﷺ، في التلوم (١)\nبوطء السبايا الموقوفات، ذوات الأزواج، حيضة في الحائل منهن.\n_________\n(١) التلوم: هو الانتظار والمكث. انظر لسان العرب (١٢/ ٣٦٥)، وترتيب القاموس\n) ٤ / ١٨٦، مادة \" لوم \".","vol":"4","page":269},{"text":"ولا فرق بين منفسخة نكاحها بالرق، وبين منفسخة نكاحها بالإسلام.\nإذ المحصول من الأمرين تحريمها على الزوج الأول بالحادث عليها\nمن الإسلام والرق.\nوكذا نقول في المختلعة، وأم الولد المتوفى عنها سيدها.\nوكل من حرمها على زوجها غير الطلاق أنها لا تزيد في العدة على\nحيضة ثم تحل بعده إلى أن يخص الكتاب أو السنة أو الإجماع - في\nموضع - فسخًا بالأقراء فيسلم له، وإلا فالحيضة استبراء تام في كل\nموضع.\nوالمطلقة -أيضًا - تبرأ بحيضة واحدة من الحبل، إلا أن الحيضتين","vol":"4","page":270},{"text":"الباقيتين تعبد عليها، وتمام أجل خلوها منه، لا من الاستبراء.\nوقد رُوّينا عن ابن عباس، والرُّبيّع بنت مُعَوّذ بن عَفْراء أن النبي.\nﷺ، أمر امرأة ثابت بن قيس بن شَمَّاس - حين\nاختلعت منه - بحيضة واحدة.","vol":"4","page":271},{"text":"وحكم به عثمان بن عفان - في خلافته - وأصحاب رسول الله.\nﷺ، متوافرون، لا نعلم أحدَا عارضه فيه.","vol":"4","page":272},{"text":"وروي عن عمر بن عبد العزيز والحسن وعكرمة والحَكَم: إذا\nأسلمت بانت من زوجها من ساعتها، وإن أسلم بعد ذلك فهو\nخاطب لا تحل له إلا بنكاح جديد، وهو قول أبي ثور.\nقال أبو عبد الله المروزى: هذا أصح الأقاويل في النظر، واللِّه أعلم.","vol":"4","page":273},{"text":"النكاح بغير الصداق:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>وقوله: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)</span>\nدليل على أن لا يحل لمسلم وطء كافرة إلا الكتابية المستثناة له في سورة النساء بقوله:\n(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .\nقال محمد بن علي: وقوله: (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) - ها هنا -\nوفي قوله: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .\nوفي قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ)، يدل على أن النكاح بغير صداق غير جائز.\nلأن الله - ﵎ - أباح النكاح في هذه الأمكنة مقرونًا بإيتاء\nالأجور، وابتغائه بالمال، وليس في إفراد ذكره في أماكن بمؤثر -","vol":"4","page":274},{"text":"والله أعلم - في المواضع المقرونة بما ذكرنا، بل المفسَّر أحرى أن يحكم\nعلى الجمل.\nوقد ذهب قوم إلى أن قوله - ﵎ -: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً)، دليل على أن النكاح بغير صداق ثابت، واحتجوا من السنة بحديث بَرْوَع.\nفأما ما احتجوا به من دليل الآية فليس بملفوظ، إنما هو احتمال.\nوما ذكرنا من الآي الثلاث ملفوظ، والملفوظ أقوى من الاحتمال.\nمع أنه قد يحتمل - والله أعلم - أن يكون (وقد فرضتم لهن فريضة\nمحدودة) إذ كان النكاح جائزًا - في السُنة - على نعلين، وعلى القبضة\nمن الطعام، وسورة من القرآن،","vol":"4","page":275},{"text":"وخاتم حديد وشبهه ما لا تصف له مدركًا بنفسه حتى يتعرف بغيره.\nفيكون فرض نصف الصدقات المحدودات للمطلقات بالآية، ونصف\nما نزل بالقيَم والتراضي، أو رده إلى نصف صداق المثل، في\nالصداق الفاسد، وفيما لا يوصل إلا على التعديل والتقسيط إلى","vol":"4","page":276},{"text":"نصفه بالإجماع، فيكون أحد ما تحتمل معنى الآية، وإذا احتملت الآية\nوجهين، كليهما غير ملفوظ، كان الحكم بأحد الوجهين - في المراد\nبها - غير جائز في حق النظر.\nوالملفوظ في الآي الثلاث، من إيتاء الأجور وابتغاء النكاح بالمال\nمقرونًا بإباحته، مستغن بنفسه غير محتاج إلى تقويته بغيره.\nوقد يرد الحرف في القرآن على سعة اللسان فلا يحكم له بكل ما احتمل\nسياقه، ألا تراه يقول - جل وتعإلى -: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً)، فهل يقول المستدل على جواز\nالنكاح بغير صداق بقوله: (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً): إن المطلق امرأته بعد مسيسها، أو تسمية صداقها - وإن أوفاها كاملًا - حرج في الطلاق، آثم في إيقاعه، إذ سياق الآية يدل على أن الجناح مرفوع عمن طلق قبل المسيس، أو تسمية فرض، بل نفس","vol":"4","page":277},{"text":"هذه الآية أقوى له من التي احتج بها، إذ مع الجناح الذي دل عليه\nسياق الكلام، يصفه في طلاق من لم يُسم لها صداق، فلولا أن\nالنكاح يثبت - بغير تسمية مهر - ما كان لطلاق من ليس بزوجة\nوجه يحرج به المطلق، أو لا يحرج.\nفإن تجشَّم الاحتجاج بهذه الآية طولب باستعمال جميعها، وإن\nاقتصر على الأولى عُورض بما عليه في هذه الآية.\nوأما حديث بَرْوَع فمطعون على إسناده عند جماعة، وثابت عند\nغيرهم.\nالشافعي - ﵁ - ممن يطعن على إسناده، ويجيز النكاح","vol":"4","page":278},{"text":"بغير صداق بدليل الآية التي ذكرناها.\nوقد عارضه - مع ذلك - حديثان يقاربانه في النقل لا يمكن براءتهما\nمن الطعن على طريقتهما.\nأحدهما: حديث أبي عبد الله بن محمد بن وهب قال: فى ثنا\nإبراهم ابن سعيد الجوهري، قال: دثنا عثمان بن خالد\nالعثماني، قال: دثنا سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان - هو\nابن عفان - قال: دثنا هشام ابن عروة،","vol":"4","page":279},{"text":"عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدي عدل \".\nوالآخر: حدثناه الحسين بن إسحاق بن إبراهيم العِجلي، قال: دثنا","vol":"4","page":280},{"text":"أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، قال: دثنا عبد الرحمن بن قيس -\nقال أبو أحمد: هو أبو معاوية الزعفراني - قال: دثنا\nنهاس ابن قهم، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ -","vol":"4","page":281},{"text":"قال: \" لا نكاح إلا بولي، وشاهدين، ومهر ما قل أو كثر\".\nورُوِّيناه عن علي بن أبي طالب، حدثناه حمويه بن محمد أبو جعفر\nالأصبهاني، قال: دثنا محمد بن مِهْران الجمَّال، قال: دثنا\nعيسى بن يونس، عن موسى بن عُبيدة،","vol":"4","page":282},{"text":"عن الأصبغ بن محمد عن علي - ﵁ - قال: \" لا نكاح إلا بولي، وشاهدين، وصداق مسمى \".","vol":"4","page":283},{"text":"وقد اختلف عنه، روى سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب.\nعن عبد خير، عن علي أنه كان يجعل على المرأة التي لا يفرض لها العدة\nويعطيها الميراث، ولا يعطيها الصداق.\nوكذا قول ابن عمر،","vol":"4","page":284},{"text":"وزيد بن ثابت، وابن عباس من رواية ابن جريج، عن عطاء، عنه\nخلاف حديثه المرفوع.\nقال محمد بن علي: فلما كان سبيل الآية ما ذكرنا عن اعتوار الوجهين\nلها، وسبيل الحديث المرفوع ما لحقه من الطعن على النقل، والمعارضة.\nلم يجز الحكم بأحدهما دون الآخر، وكان حق النظر، والاحتياط، مع","vol":"4","page":285},{"text":"شهادة الآيات الثلاث لهما بما أودعت من اقتران الشرط أن\nلا يحل فرج امرأة - محرمة بيقين - إلا بنكاح يسلم من الاعتراض عليه\nبشيء مما ذكرنا، وهو أن يُسمى معه صداق معلوم القدر والعدد، أو\nمعلوم العين، فإن عقد بغير صداق - بتة - فاللَّه أعلم كيف هو.\nوأنا أتهيب أن أقول فيه شيئًا، لما أعرف من إطباق أكثر العلماء على\nجوازه.\nوحديث بَرْوَع وإن كنا ذكرنا علته، فقد رويناه من طريق الثوري غير\nمعلول، أخبرنا محمد بن زكريا القرشي، قال: دثنا أبو حذيفة.\nدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم،","vol":"4","page":286},{"text":"عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه أفتى في رجل تزوج\nامرأة، فمات عنها، ولم يكن فرض لها شيئًا، ولم يدخل بها.\nفسألوه شهرًا، فقال عبد الله: أقول برأي: لها صداق نسائها.\nوعليها العدة، ولها الميراث.\nفقال معقل بن سنان الأشجعي: قضى رسول الله، ﷺ، في بَرْوَع بنت واشق - امرأة من بني رؤاس بن\nكلاب - بمثل ما قضيت. ففرح بذلك.","vol":"4","page":287},{"text":"قال سفيان: وبه نأخذ.\nقال أبو أحمد: فوجهه - عندنا - كون الآية أنه لم يكن فرض لها\nشيئًا محدودًا.\nويلزم من قال: إن نهي النبي، ﷺ، عن","vol":"4","page":288},{"text":"الشِّغار، هو عن العقد، لا عن المهر - أن يبطل النكاح بغير تسمية\nمهر - بلا لبسة - إذ ليس هناك شيء يفسده غير تسمية المهر، والله\nأعلم.","vol":"4","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>سورة الصف</span>\nقوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) .\nدليل على تعبئة الحرب والتظاهر في القتال، وتشبيه الشيء بما ليس من جنسه، إذ البنيان ليس من جنس الروحانيين من البشر، والذي منهم بالبنيان - والله أعلم - توازرهم على القتال، والإزماع على ترك الفرار، لا زوال تحركهم في الصف، إذ معلوم أن المقاتل لابد له من حركة.\nوفي ذلك دليل على أن إعداد القائسين هذه الآية، وشكلها من\nالآيات ليس بحجة لهم في إطلاق القياس، إذ سبيل القياس - عند\nأهله - رد الشيء إلى نظيره، وما يشاكله في شبهه من أكثر جهاته.\nوهذا تشبيه شيء بغير نظيره.\nوما هو -أيضًا - نظير من البنيان وثبات القدم في الحرب فهو - في\nالحقيقة - جمع بين متحرك وساكن، فإن كان القائس يسومنا أن نقر له","vol":"4","page":290},{"text":"بأن مشابه ما في الحنطة من الكيل والقوت والنبات نظير ما في الأرز\nوالعدس والحمص، كما أن شبه ثبات القدم في الحرب موجود في\nالبناء المرصوص، الذي لا يزعزعه إلا الهدم، ولا يفرق نظام الصف\nإلا الفشل والفرار والهزيمة، فنحن نعترف له به، وإن كان يريد أن الحنطة لا ائتلفت بما ذكرنا من مشابهها مع الأرز والعدس والحمص لم يكن بد من أن يحرم التفاضل فيها، لزمه ألا يبطل نظام صف المقاتلين وثبات أقدامهم في الحرب، لما أشبه ثبات البنيان لم يمكن فيهم الفشل، والهزيمة محال إلا عند تهدم البنيان، فيورد ما ليس في العرف والعادة وجواز تفرق نظام صف القاتلين فارين أو مغلوبين، كما ليس بدًّا - عنده - من أن يكون مشابه الحنطة في شيء يلحق أشباهها في التحريم بها، أو يقول: إن جائزًا على الحنطة التي هي الأصل، والعدس الذي هو الفرع - معًا - أن يزول تحريم\nالتفاضل فيهما، كما جائز على الصف الذي هو الفرع، والبنيان الذي\nهو الأصل زوال المشابه عنهما، بأن يتهدم البنيان، ويتفرق نظام\nالصف بالفرار وغيره، فيقع فيما هو أقبح من الأول أو ينصف -","vol":"4","page":291},{"text":"من نفسه - فيقول: إن ائتلاف مشابه الحنطة والأرز لم يصيّر الأرز حنطة.\nكما لم يصيِّر مشابه الصف من البنيان الصف بنيانًا، وحكم التحريم غير\nالمشابه، لأن التحريم لا يدرك عينه في الحنطة، كما يدرك عين الكيل\nفيها وفي الأرز، ويدرك ثبات المقاتلين في الحرب وثبات البنيان معًا.\nفنفس ادعاء مشابهة التحريم من الحنطة والأرز خطأ ومكابرة قبل أن\nيسلكا في التحريم مسلكا واحدًا، وادعاء مشابه ثبات البنيان والصف\nصواب في الحكاية.\nولو ادعى مدع أن المقاتلين في الصف ثبتوا من أجل أن البنيان حكمه\nأن يثبت، لا أن ثباتهم كان بمعنى آخر، وإنما شبه نفس ثباتهم بالبنيان\nلكان حينئذ مساويًا في الخطأ المدَّعَى مشابه التحريم من الحنطة والأرز.\nفلما علم بلا إشكال أن ثبات المقاتلين في الصف ليس من أجل\nثبات البنيان في الأس، وإنما ثباتهم في الصف، أو إزماعهم على\nالمظاهرة يشبه ثبات البنيان علمنا أن التحريم في تفاضل الحنطة لم يقع\nمن أجل أنها مأكولة مكيلة فيلزمنا حمل الأرز عليه من أجل أنه مأكول\nمكيل.","vol":"4","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>قوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) </span>.\nدليل على أنهم كانوا يجحدون نبوته فيكفرون بها على بصيرة، وكذا كان - عندي - سبيل كل نبي مع قومه، يعرفونه، ثم ينكرونه، لتكون الحجة ألزم لهم، ألا تراه يقول - سبحانه في\nمحمد، ﷺ -: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) .\nفاستوجبوا اللعنة بجحودهم به بعد العرفة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>قوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) </span>.\nحجة على المعتزلة والقدرية، إذ قد أخبر - في كلام واحد - عن زيغهم وإزاغتهم، كما ترى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>قوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) </span>حجة على كل من يسر دينًا بعد دخوله في دين الإسلام.\nمن أهل الأهواء جميعًا، وقد بيناه في سورة التوبة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)</span>","vol":"4","page":293},{"text":"دليل على أن التجارة اسم واقع على طلب الأرباح ونماء الأموال، ومحابّ النفوس معًا، وقد لخصناه في سورة البقرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>قوله: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) .\nإلى (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) </span>.\nدليل على أن الطاعة تثمر للمرء محاب الدنيا والآخرة، وأن طلب الأرباح - في الدنيا والآخرة - بالطاعة أسرع إدراكًا لطالبه منه بغيرها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) </span>.\nحجة واضحة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لا يشك أحد أن نصر الله إنما هو نصر دينه، ولا يكون نصره إلا بالمعونة على إقامة\nأمره ونهيه وعلوهما، والأخذ على يدي من يريد ذله وإهانته، ولا\nيكون ذله وإهانته إلا في تضييع أمره ونهيه اللذين قوام الدين بهما.\nفأي حجة تلتمس على وجوبها من نصر قوله - ﷿ - في الأمر","vol":"4","page":294},{"text":"بالنصرة، كما ترى (١) .\n_________\n(١) هكذا العبارة في المخطوط والذي فهمت أن المؤلف يريد أن يقول: فأي حجة تلتمس في وجوبها. من نصر لقول الله حيث أمر بنصره كما ترى.","vol":"4","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>سورة الجمعة</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) </span>.\nمن الكلام الذي خوطب الناس بباطنه دون ظاهره -\nإذ معناه: أنهم حملوا العمل في التوراة فلم ينتهوا إليه، ونبذوه وراء\nظهورهم، لا أنهم أمروا بحمل المكتوب من التوراة، وهذا دليل على\nسعة اللسان، ففيه حجة في ضرب الأمثال، وبيان ضرب الأمثال\nمخالف للقياس، إذ لا يشك أحد أن حمل هؤلاء التوراة إذ لم يعملوا\nبما فيها يشبه حمل الحمار الكتب لا يعلم ما فيها، فلم يفعلوا ذلك.\nمن أجل أن الحمار يحمل الكتب، ولا الحمار حمل الكتب من أجل أن\nفي الناس من يحمل كتابًا لا يعمل بما فيه، كما يزعم القائسون: أن\nالحنطة حرم التفاضل فيها لعلة القوت والنبات والكيل، فيحمل كل ما\nكان ذلك فيه - في التحريم - عليه، فليس لاستشهادهم بهذه الآية\nوجه.\nفإن سامونا القول بالقياس، فليدلونا على أن الله - ﷻ -\nحرم التفاضل في الحنطة لما ذكرناه من عللها، لا أنه ابتدأ تحريم ذلك على لسان رسوله - ﷺ - كيف أراد","vol":"4","page":296},{"text":"ولا يجعلوا توهمهم حجة علينا.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>وقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية، إذ لو كان كل مبعوث إليه رسولًا، ومدلول على طريق الهداية يقدر بنفسه - أن يهتدي من غير أن يهديه الله ما كان في\nذلك فائدة، ولا كان عليهم عقوبة، وهذا - لا محالة - إخبار عن\nقوم حمّلوا التوراة، وبعث إليهم موسى - صلى الله عليه - فهل كان\nبقي عليهم بعد بعثة الرسول، وإنزال الكتاب إلا المعونة من الله في\nالسلك بهم سبيل ما أريد منهم، أفليس بينًا لا إشكال دونه، أن هذا\nمن العدل الذي نستيقن كونه، ونجهل كيفيته، إذ قد سمى قومًا\nمحتاجين إلى معونته على الهداية، ظالمين مع منعها منهم، وإخباره عن\nنفسه بأنه هو ما نفعهم سبحانه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)</span>\nرد على من يزعم أن المتيمم من الجنابة إذا وجد الماء ليس بفرض عليه أن يغتسل لما يستقبل من الصلاة حتى يجنب","vol":"4","page":297},{"text":"ثانية، معتلًاّ بقول رسول الله - ﷺ - لأبي ذر:\n\" إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك، فإنه خير.\nفيقال: إن كان قوله: \" فإنه خير \" يدل على أنه اختيار، لا فرض.\nفقل إذا: إن السعي إلى الذكر - عند الأذان - وترك البيع اختيار لا\nفرض، لقوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)،","vol":"4","page":298},{"text":"فإن سوّى بينهما وقال: هذا -أيضًا - اختيار لا فرض، قابل الأمة\nبالخلاف، إذ لا نعلم أحدًا يعده خلافًا يشك في أن إتيان الجمعة.\nوترك البيع فرض، لا اختيار.\nوإن قال: لا يدل هذا على الاختيار.\nقيل له: ولا ذاك يدل، إنما معناه - والله أعلم - أن غسلك بعد\nوجود الماء خير من أن تبقى بعد زوال رخصة التيمم، على حال لا تكون\nلك صلاة مستقبلة، وكذاك هو ها هنا: إن طاعتكم للَّه - جل وتعالى -\nفي ترك البيع، وإتيان الجمعة خير لكم من معصيته في ترك الجمعة.\nوالاشتغال بالبيع، والله أعلم.\nوهذا، وإن كان بذكر الخير قد تشاكلا، فإنهما في المعنى قد اختلفا\nبما تقدمهما من الكلام، إذ المتَيَمَّم قد شهد له بالطهارة، وأقيم\nمقام الوضوء، عشر من سنين، وأدّى فرضه - فيه - فصار ذكر الخير له\nفضيلة بيقين، والساعي إلى الجمعة، وترك البيع - حينئذ - إن لم يسع.\nولم يترك البيع كان عاصيًا فصار ذكر الخير له فريضة بيقين.\nترك لفظ الظاهر:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>وقوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)</span>","vol":"4","page":299},{"text":"من المواضع التي يترك فيها لفظ الظاهر، لقيام الدليل على أنه\nوإن كان من ألفاظ الأمر فهو إطلاق بعد حظر، ومثل هذا قوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، هو إباحة بعد حظر، لا أعلم في ذلك خلافًا\nيعتمد، وهو كذلك، والله أعلم.\nوكذلك قوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) -\nوالله أعلم - حض على سبيل الفلاح، وبلوغه بكثرة ذكره، لا أن\nحد الكثير مفروض بلوغه، لقيام الدليل على إعواز معرفة حد غير\nمحدود، فكلما أكثر المرء ذكر الله، كان أزيد لفلاحه، وأجدر\nلنجاحه، وأقرب إلى النجاة من عذاب ربه، ولا تلحق به المعصية إلا\nفي وقت لا يذكره - بتة - ولا يحذر نظره عند معصية أو الاهتمام\nببليّة، وهذا غير ممكن فيمن يقيم الصلوات الخمس، ويؤذن.\nويتلو القرآن، ويشكر الله - جل وتعالى - على النعم الظاهرة\nوالباطنة، وهذا كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا)، وكقوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)\nوالله أعلم.","vol":"4","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>قوله: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) </span>.\nدليل على أن الخطبة تخطب من قيام، والهاء في (إليها) راجعة على\nالتجارة، أو على الفعلة السيئة في الانفضاض عن ذكر الله، وترك\nرسول الله ﷺ والله أعلم.\n(قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ) .\nنظير ما مضى في سورة المائدة من قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ)","vol":"4","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-737>سورة المنافقين</span>\nذكر الزنديق:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>قوله: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) إلى قوله: (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) </span>.\nحجة على من قال: الزنديق لا يستتاب، ولا تقبل توبته، بل يقتل إذا عرفت زندقته، ألا ترى إلى إخبار الله - ﵎ - عن المنافقين بإضمار الكذب، وخلاف الطوية لما يعلنون به من شهادة الحق، وجعل الأيمان جنة ليسلموا من","vol":"4","page":302},{"text":"القتل، فكيف يجوز إذا أظهر بلسانه ما هو عَلَم لحقن الدماء وزوال القتل\nعن فساد الطوية، مع تخلية الله، وتخلية رسول الله، صلى الله عليه\nوسلم، بين المنافقين وسوء طواياهم، وحقن دمائهم بظاهر القول.\nأترى معرفة الحاكم بطوايا المعروفين بالزندقة، إذا تابوا - بظاهر\nالقول -. أكثر من معرفة الله - جل وتعالى - بطوايا المنافقين؟!.\nقد يمكن - لا محالة - أن يكون المعروف بالزندقة قد استوى باطنه\nمع ظاهره من حيث قد خفي على الحاكم الذي لا يقدر أن يظهر على\nالطوايا، كما يظهر عالم الخفيات على سرائر خلقه، فإذا كان من\nلا شك في كفره - ممن يشهد الله بكذبه من المنافقين - قبل منه ظاهره\nولم يقتل، فالمعروف بالزندقة إذا أظهر القول بالتوبة، مع إمكان انتقال\nحاله، وعدم ظهور الحاكم على سره أحرى أن يقبل قوله، ولا يشاط\nدمه، فهذا واضح لا إشكال فيه.\nولولا أن النبي، ﷺ، عذر المخطئ من\nالمجتهدين، ووعده عليه أجرًا واحدًا لكان مشيط دم المعروف","vol":"4","page":303},{"text":"بالزندقة - بعد توبته - لا عذر له مع ظهور هذه الحجة، وزوال التشابه\nعنها من كل جهة.\nوقد أخرج رسول الله، ﷺ، من المسجد ناسًا\nمنهم، حين أنزل الله - جل وتعالى -: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)، ولم يقتلهم.\nالزكاة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>وقوله: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)</span>\nدليل على أن المرء ممنوع من ماله عند حضور أجله، وغير مسلط على إنفاذ إرادته فيه، كهيئة ما كان في","vol":"4","page":304},{"text":"صحته، وأن لا سبيل له على أكثر من ثلثه الذي أباح الله له على لسان\nرسوله، ﷺ.\nودليل - واضح - على أن ما فرط فيه من إخراج زكاته لا يجاوز ثلثه\nإن أوصى به، ويلقى الله ببقيته، إذ النفقة في القرآن هي الزكاة\nالمفروضة، فلو قدر على إخراجها بعد ندامته، بعد دنو منيته، أو\nالوصية بها من رأس ماله، ما كان في مسألة تأخيره إلى أجل قريب","vol":"4","page":305},{"text":"يَصَّدق فيه فائدة، ولكان ممهدًا له تلافي تفريطه - إذا شاء - قبل\nخروج روحه، فهذا بين لمن تدبره.\nفإن قيل: أفلا تكون الزكاة أسوة الديون المقدمة على الميراث مع\nالوصية؟.\nقيل: إن الزكاة وإن كان وجوبها كوجوب الدين فلا يقع عليها - في\nاللغة - اسم دين \" لأن الدين ما يستدان، والزكاة الواجبة عليه - في\nماله - لم تصر في يد الفقراء قط، ثم أخذها منهم فيكون مستدينًا أو\nغاصبًا، إنما هي شيء اؤتمن المسلم عليها، يخرجها من أمواله بحد\nمعلوم، وحول كامل، ولا مالك لها بعينه إلا بعد وصولها إليه،","vol":"4","page":306},{"text":"كما يكون للديون والمظالم أرباب بأعيانهم، فإذا فرط في\nإخراجها - بعد مضي الحول - فهو خائن بحبسها، ظالم فيما بينه وبين\nربه، فإذا أداها قبل حظر ماله عليه فذاك، وإلا لم يكن له سبيل\nعلى مال وارثه، المجعول له بعد موته، إلا الثلث المؤقت له.\nوالمسلط عليه دون سائره.\nفإن قيل: فما تقول في الحجة الواجبة، أهي من رأس المال، أم من\nالثلث؟.\nقيل: بل من الثلث كالزكاة، لا يختلفان في هذا المعنى بل الحجة أضعف من الزكاة، لأن الزكاة في المال - وحده - والحجة على بدنه وماله، ألا ترى أن كثيرًا من أهل العلم والمفسرين جعلوا الاستطاعة إلى الحج في الصحة، لا في الزاد والراحلة، لأن الخبر","vol":"4","page":307},{"text":"في الزاد والراحلة واهي، الإسناد، فإذا كان الأمر كذلك. فهي\nفي الثلث إن بلغت، وإلا لقي الله - جل وتعالى - بوزرها، إن شاء\nعذبه، وإن شاء عفا عنه.\nفإن قيل: أفليس النبي، ﷺ، سماها دينًا، حين","vol":"4","page":308},{"text":"قال للخثعمية: \" فدين الله أحق \" فَلِمَ لا تحجعها مقدمة على الميراث","vol":"4","page":309},{"text":"(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)؟.\nقيل له: إن في حديث الخثعمية معاني تمنع من سلك الحجة - في\nذلك - مسلك ديون العباد.\nفمنها: أن الخثعمية لا تخلو من أن تكون حاجة عن أبيها بمالها، أو\nبمال أبيها، أو بأمره، أو بغير أمره.\nفإن كانت حجة عنه بمالها فهي متطوعة، وإن كان بماله فإنما عمل\nعنه عملًا وجب عليه في حين أمره جائز في ماله، إذ لم يحضره الموت\nالذي يحجر مالَه.\nوظاهر ما يدل عليه الحديث أنها كانت متطوعة عنه \" إذ لفظ الحديث\nأنها قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده - في الحج -\nأدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، فهل ترى أن","vol":"4","page":310},{"text":"أحج عنه؟.\nولو كانت قالت - أيضًا -: \" بماله \"، ما كان فيه شيء، لما دللنا\nعليه من أنه في حين يكون مسلطًا على جميع ماله.\nومنها: أن تفسير السبيل بزاد وراحلة لم يثبت في الأصل حتى\nنصرف إدراك فريضة الله - له - إلى الزاد والراحلة.\nوليس في قولها: \" لا يستطيع أن يثبت على الراحلة \" ما يجُعل به\nالراحلة من سبيل الحج، لأن الناس قد يركبون رواحلهم في أسفارهم\nإلى الحج وغيره، مستطيعين، وغير مستطيعين.\nوقد صرحت في الحديث لرسول الله، ﷺ، بأنه\nلا يستطيع أن يثبت على الراحلة، فلا أدري كيف وجه الحديث في هذا\nالشيخ، مع ذهاب طاقته، وفقد صحته، وضعف الدليل على أن\nالاستطاعة هي الزاد والراحلة، أكثر من أنه فرط في صحته فقضت عنه ابنته ما عجز عنه بعد فقدها.\nومنها: أن المرأة مختلف في أداء فرضها - في حجة الإسلام - عن\nنفسها بغير محرم، فكيف عن غيرها؟.","vol":"4","page":311},{"text":"فإن كانت حاجّة عنه بغير أمر قاطع من أبيها لها فحجها عنه تطوّع -\nبغير شك - وما كان من الأسفار تطوعًا لم يجز خروجها فيه بغير محرم.\nلقول رسول الله، ﷺ،: \" لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه\nواليوم الآخر أن تسافر سفرًا \"\nغير مؤقت في حديث ابن عباس ومؤقت - في حديث غيره - بيوم وليلة، وبثلاثة أيام","vol":"4","page":312},{"text":"\" إلا مع ذي محرم منها \" وسيما الشابة.\nوفي الحديث أن الخثعمية كانت شابة، يصرف النبي، ﷺ، وجه الفضل بن عباس عنها.\nوإن كان بأمر قاطع من أبيها فلا يجوز لها أن تطيعه فيما هو معصية\nعليها من خروجها بغير محرم.\nوإذا كان محرمها لا يجبر - بإجماع الأمة - على الخروج معها وهي\nحاجة عن نفسها، لم يجبر عليه إذا حجت عن غيرها.\nفالحاجة عن أبيها لا تقدر أن تخرج عنه سالمة من العصيان، إلا في\nحين يتطوع محرمها بالخروج معها، وهذا يقل.\nولو ذهب ذاهب إلى توهين هذا الحديث، ونفيه عن رسول الله - ﷺ - لما اعتوره من هذا المعنى، وقال بقول من قال: لا يحج أحد عن أحد، أوجد مساغًا فيه.","vol":"4","page":313},{"text":"مع أنه قد رُوي عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يارسول الله عليّ حجة\nالإسلام، وعليّ دين، فقال: \" اقض دينك \". ففرق بين الدين\nوالحج.\nحدثناه عبد الله بن الصباح، قال: دثنا داود بن رشيد، قال:\nدثنا الوليد بن مسلم، عن أبي عبد الله - مولى بني أمية - عن أبي\nحازم، وسعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -","vol":"4","page":314},{"text":"وليس جهلنا برواية أبي عبد الله بأكبر تأثيرًا في حديثه، مما وهّن\nحديث الخثعمية من المعاني.\nوأبو عبد الله وإن لم يكن ظاهر العدالة - في المحدثين - فقد اتفق\nالجميع على معنى روايته من أن الدين يقدم على نفقة الحج في حياة\nالحاج، ولا نعرف مدونًا عن أحدٍ رأي الحجة الواجبة من رأس المال\nمضاربة بها مع ديون البشر.\nولجواز حج الإنسان عن غيره - بعد الموت - ولمنع المرأة من الحج\nبغير محرم موضع غير هذا، وهو كتابنا المؤلف في \" شرح النصوص \"\nولحج العبد معًا، فهذه المعاني في حديث الخثعمية بينة واضحة.\nفإن صرف حديثها إلى أن تخبر من يحج عن أبيها - على سعة اللسان -","vol":"4","page":315},{"text":"ولا تحج بنفسها -: لم يدخل الحديث وهن، وأرجو أن يكون كذلك، لأن إسناده صحيح.","vol":"4","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>سورة التغابن</span>\nقوله - ﷿ -: (فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) .\nدليل على أن البشر يخبر به عن الجمع، وهو اسم للجنس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>قوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا)</span>\nرد على المعتزلة فيما يزعمون: أن الشيء إذا سمي باسم، ثم سمي به غيره\nلزم أن يشبهه بجميع جهاته، وقد سمى الله - ﷻ - القرآن هاهنا نورًا، كما سمى نفسه نورًا.\nذكر التاكيد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>وقوله: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)</span>\nحجة للتأكيد في الكلام، ورد على من قال: ليس في كلام العرب تأكيد، إذ الأبد","vol":"4","page":317},{"text":"داخل في الخلود، وقد أكده كما ترى، وذكر الذين كفروا وكذبوا\nبآياته، ثم قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) .\nولم يقل أبدًا، فهل يزعم نافي التأكيد - عن كلام العرب - أن أهل النار من الكفار لايؤبدون فيها كما يؤبد أهل الجنة.\nأم يرجع عن قوله،. فيعلم أن ذكر الأبد في وعد أهل الجنة تأكيد\nلا يضر حذفه في وعيد أهل النار، لإتيان ذكر الخلود عليه، وإن لم يذكر؟.\n(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nرد على المعتزلة والقدرية، لما دللنا عليه - في غير موضع من هذا الكتاب - أن الإذن إطلاق، لا علم، والقتل أكبر المصائب الواردة على المصاب.\nذكر الاحترازات:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) </span>، دليل على تثبيت الاحترازات، وأنها غير مؤثرة في الإيمان بالمقادير، بل مندوب إليها المرء كما ترى، ومأمور به، وإن كان غير نافعه، وهو يؤيد الحديث المروي عنه، ﷺ: \" اعقلها وتوكل \".","vol":"4","page":318},{"text":"ذكر الصبر على أذى الزوجة:\n(وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) .\nعزاء لمن بلي بزوجة مؤذية، أو ولد عاق فصبر على أذاهما، وعفا وصفح عن زلاتهما، ومكروه يكون منهما، وفيما وعد الله - ﷻ - من\nالغفران من فعل ذلك ما يهوّن عليه، ويعظّم بشارته إذا احتمل مضض\nغوائلهما طمعًا في إنجاز ما وعده الله عليه.\nالمعتزلة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>وقوله: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)</span>\nتنبيه للمعتزلة والقدرية، لو تأملوه وأنصفوا من أنفسهم فالفلاح","vol":"4","page":319},{"text":"شيء مفعول بهم، وتعقيبه ذلك بفعل مضاف إليهم من إقراض القرض\nالحسن، وجعله كليهما في مدح الموصوفين بفعلين مختلفي اللفظ.\nمتفقي المعنى، وهذا نظير الإضلال الذي يخبر به مرّة عن نفسه أنه\nفاعل بهم، ومرة عنهم أنه يفعلونه بأنفسهم.","vol":"4","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>سورة الطلاق</span>\nقوله - ﵎ -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)، خصوص - لا محالة - على المدخولات بهن، لزوال العدة عن غير المدخولات بهن، و(إِذَا طَلَّقْتُمُ) معناه - والله\nأعلم - إذا أردتم الطلاق، لا إذا فرغتم منه \"\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>وقوله: (لِعِدَّتِهِنَّ)</span>\nدليل على أن المطلقة - حائضًا - لا تعتد في\nعدتها بالحيضة التي طلقت فيه، إذ لو كانت في كل حالة طلقت\nفيه - دخلت في عدخها من فور الطلاق - ماكان في اشتراطه وقتًا\nموصوفًا فائدة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ)</span>\nدليل","vol":"4","page":321},{"text":"على أن من سكن دارًا جاز أن تضاف إليه - وإن كان ملكها لغيره - ولا\nيكون كذبًا، إذ البيوت المضافات إلى الزوجات - في هذه الآية -\nملكها - لا محالة - لأزواجهن، إذ لو كان ملكها لهن ما كان\nلأزواجهن سبيل عليهن قبل الطلاق وبعده، لأنهن أحق بأملاكهن ممن\nلا ملك له، فإنما خاطب المطلِّقين بفرض سكنى من طلقوا من\nالزوجات دون الثلاث، إذ هن في معاني الزوجات - كما كنَّ قبل\nالطلاق - من وجوب السكنى والنفقة كما كن إنما حرم منهن\nالوطء وما أخذ أخذه من القبل ونظر الشهوة حتى يراجعن.\nوفي إيجابه - جل وتعالى - على الأزواج سُكنى من لم يبت أقصى\nطلاقها دليل على أن من طُلقت أقصى الطلاق ألا، يفرض لها","vol":"4","page":322},{"text":"سكنى، لأنها خارجة من معاني الزوجات، وغير محبوسة بالعدة\nعليه، لزوال المطمع في الرجعة التي قد قطعها أقصى الطلاق.\nقال محمد بن علي: وفيما خرج لنا من جواز إضافة البيوت إلى من\nمُلْكها لغيره دليل على أن من حلف - من السكان - أن لا يسكن\nداره، ولا يدخل دار فلان حنث بالسكنى، ودخول فلان الدار التي\nهو فيها بكراء لأنها داره بالتوطن والحلول.\nوإن كان مُلْكها لغيره، إلاّ أن تكون له دار يملكها ملك الرقبة\nفيقصدها بيمينه، فلا يحنث حينئذ في المكتراة.","vol":"4","page":323},{"text":"ذكر الطلاق ثلاثًا:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>وقوله: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)</span>\nدليل على أن من جمع التطليقات الثلاث بكلمة واحدة، وأوقعها\nعلى امرأته في حال واحد واقع عليها، إذ لو كانت لا تقع كما\nيزعم الزاعمون - ما خشي أبدًا فوات الرجعة، لأنه لو ردت","vol":"4","page":324},{"text":"الثلاث إلى واحدة كانت الرجعة ممهدة له، ولو أبطلت بأسرها عنه ما\nاحتاج إليها بتة لبقاء عصمة النكاح على حالها، فما الفائدة - إذًا - في\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>قوله: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)</span>\nإن كان الأمر لم يخرج من يده بعد.\nفهل يشكل على من نصح نفسه - إذا تدبر ما وصفناه - أن الله جل\nجلاله لرأفته بعباده دلهم على موضع الحيطة في تفريق الطلاق على\nالزوجات، لئلا يفوت - نادمًا على طلاق من تتبعه نفسه بعد\nالطلاق - الرجعة الرادة عليه ما أخرجه الطلاق من بين يديه، لا أنه\nشرع الطلاق مفرقًا على أنه لا يقع مجتمعا، ولولا قوله: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)، لاحتمل أن يكون تفريق الطلاق\nشرعًا، لا نظرًا وحيطة.\nفأما والقصة متممة بهذا فدعوى الشرع الذي لا يقع بغيره وإنكار النظر\nوالحيطة مما لايعذر به ذو رأي وبصيرة.\nفإن شُبّه على أحد بأن الأمر الذي يحدثه الله راجع على المحصَّن - لمن\nطلق - بالسُّكنى، فإذا لم تسكن لم تسمح نفسه برد من قد أخرجه خالف\nالإجماع، وخرج من العرف والعادة.","vol":"4","page":325},{"text":"فأما مخالفته الإجماع: فهو أن سكنى المطلقة واحدة فرض على الزوج ليس\nبمخير فيه.\nفمن زعم أن الأمر - الذي يحدثه الله - راجع على المحصن بالسكنى\nفقد خيره، وأزال عنه فرضها، وعليه مع مخالفته الإجماع خلاف قول\nرسول الله ﷺ لفاطمة بنت قيس: \" إنما السكنى\nوالنفقة لمن كانت له على امرأته رجعة \".\nوأما خروجه من العرف والعادة فهي المشاهدة في العالم أنهم يسمحون\nبرد امرأةٍ بعد تزويجها، ودخول الزوج الثاني بها -، فضلًا عن النظر في\nخروجها من البيت بعد الطلاق، ومن أحدث الله له رغبة في امرأة -\nيجد السبيل إلى ردها - لم يفكر في خروجها من بيته.\nفإذا كان هذا المعنى لا يجوز توهمه - لإحاطة الخلل به كما ترى، وما\nذكرناه يُنكر - بقي الأمر الذي يحدثه الله عطلًا ليس له شيء يرجع عليه.\nإذ ليس معنى ثالث يرد عليه - بتة - ملفوظًا ولا متوهمًا.","vol":"4","page":326},{"text":"ومن نسب الله - ﷻ - إلى أنه ينزل في كتابه حشوًا، أو مبتَّرًا، أو محُالًا افترى عليه، وكفى مؤونة الاشتغال به تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوليس ما اجتبأناه - من هذا - بمؤثر في ذبيحة السارق، وما شاكلها، لما دللنا عليه أن النظر والحيطة ليس كالشرع، وقد لخصناه في\nتمامه في كتاب الطلاق من \" شرح النصوص \" فأغنى عن إعادته في هذا\nالموضع.\nالرجعة بغير شهود:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>وقوله: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) </span>.\nدليل على أشياء:\nفمنها: جواز السماحة في الكلام، على مذهب العرب فيه وترك","vol":"4","page":327},{"text":"التنطع بما يحسبه جهال المتنسكين كذبا، فإن بلوغ الأجل - في هذا\nالموضع - هو مقاربة خلوه، لا خلوه، إذ لو كان خلوّه ما أمكنه الإمساك بالرجعة، ولا احتاج إلى تزويجها، ولا يقال للمتزوج ممسك.\nومنها: إبطال الرجعة بغير شهود، وتوهين من جعل الجماع\nرجعة - مع الإرادة - إذ محال أن يشهد على المجامعة، وقد أمر اللَّه بالإشهاد على الإمساك والفراق، كما ترى.\nومنها: أن الإشهاد في الطلاق فرض، لا يجوز تركه، وكيف","vol":"4","page":328},{"text":"يجوز تركه وهو سبب إطلاق المرأة في التزويج بغيره؟!.\nأرأيت لو جحدها الطلاق - ولا بينة للمرأة عليه - أليس كان يحلف\nوترد إليه حرامًا في الباطن،، وترك الإشهاد أعان عليه.\nوالعجب ممن لا يدري الإشهاد في الرجعة والطلاق فرضًا - مع\nالأمر به نصًا متلوًا - ويرى الشهود في النكاح فرضًا، ولا تلاوة فيه.\nولا أعرف عذر من يترك آية من كتاب الله، فيها حكم بين بأمر\nمفصح، ثم لا يأوي - فيه - إلى مثلها، أو سنة ثابتة، أو إجماع من\nالأمة تمهد له صنيعة، والله المستعان.\nومنها: أن \" الفراق \" لفظ لا يعد بنفسه تصريحًا، بل هو أسوة\nالكنايات في من لم يبنها الطلاق، لجعل الله - جل وعلا - إيّاه من ألفاظ","vol":"4","page":329},{"text":"الإخراج، لأن ألفاظ البينونة كما قال في السراح - بعد البينونة\nبالطلاق - (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩) .\nفجعلهما معًا من ألفاظ الإخراج لمن أبانها الطلاق، فليس لإعدادهما في عداد\nالتصريح وجه لمن تدبرهما، ولا يكون لفظ التصريح إلا الطلاق وحده.\nتفسير:\n(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) .\nيؤكد أن المطلق ثلاثًا بكلمة واحدة، وإن عد -أيضًا - عاصيًا أشد ما قيل فيه أن الطلاق يقع عليه، وقد فاته المخرج بالرجعة.\nوكذلك حدثني عبد الله بن الصباح الأصبهاني، قال: دثنا إسحاق\nبن أبي، إسرائيل، قال: دثنا","vol":"4","page":330},{"text":"حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد.\nقال. كنت جالسًا إلى عبد الله بن عباس، فجاءه رجل فقال: إني\nطلقت امرأتي ثلاثًا، فسكت عنه حتى ظننا أنه سيردها عليه، ثم\nقال: يعمد أحدكم فيعمد الحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس.\nوقد أنزل الله - ﵎ - على نبيه ﷺ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ \" في قبل عدتهن \") (١)، وإنك لم تفعل وإن\n_________\n(١) قوله: \" في قبل عدتهن \" هذه قراءة عبد الله بن عباس، فقد نقل ذلك عنه سفيان بن عيينة، وعبد الرزاق الصنعاني والطبري. انظر تفسير سفيان ص (٣٣٦)، والمصنف (٦/ ٣٠٣)، وتفسير الطبري (٢٨/ ٨٤) .","vol":"4","page":331},{"text":"الله - ﵎ - قال، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) .\nوإنك لم تتق الله فما أرى لك مخرجًا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك \".\nفهذا ابن عباس - المعتمد على حديثه في الطلاق الثلاث من رواية\nطاووس عنه - يقول هذا القول بالإسناد الصحيح، ويدل على\nأن الخرج إنما هو لمن لم يجمع الثلاث، ويدل على أنه وإن عصى\nفطلاقه واقع، ولا مخرج لحديث طاووس إلا ما بيَّنَّاه في كتاب الطلاق\n\" من شرح النصوص \".","vol":"4","page":332},{"text":"وليس قول من فسر (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)، من كل أمر\nضاق على الناس بدافع ما قلناه، لأن رجوع المرأة بالرجعة - بعد\nالواحدة والثنتين - من الفسحة على المطلق، بعد ما أخرجها بالطلاق.\nوداخل في الأمر الضيق على الناس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>قوله: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) </span>، دليل واضح على أن الأقراء الحيض، لذكره المحيض -\nبلفظه - وجعله الأشهر الثلاث عوضًا منه.\nبلوغ النساء:\n* * *\nوقوله تعالى: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) .\nدليل على أن للنساء - أيضًا - بلوغًا سوى الحيض،","vol":"4","page":333},{"text":"إذا بلغته قبل إدراك الحيض وجبت عليهن به الفرائض، لأن العدة\nفرض على النساء لا يجوز إيجابه إلا على من يجري عليه القلم -\nمنهن - ولا تكون العدة أوكد من الصلاة والزكاة وسائر الأعمال\nالمفروضة عليهن.\nوحد هذا البلوغ من النساء - عندي، بدليل القرآن - هو السن الذي\nتطيق فيه الجماع، وتلد في مثله، ألا ترى أنه قال: (إِنِ ارْتَبْتُمْ)، ولا يكون الارتياب إلا بعد الدخول ممن يمكن أن تحمل وذلك تسع سنين، التي دخل رسول الله - ﷺ - بعائشة ﵂،","vol":"4","page":334},{"text":"وشوهد من النساء من حملت فيها.\nوفي توقيته - ﵎ - ثلاثة أشهر مع ذكر الارتياب دليل على\nأن الحمل يتبين فيها، ودليل -أيضًا - على أن الآيسة من الحيض قد تحمل، ولا يكون إدرار دم الحيض - من النساء - سببًا للحمل بكل حال، وعونًا عليه، وإن كان الأغلب أنه يكون كذلك.\nوقد يحتمل أن يكون هذا السن من النساء بلوغًا في وجوب العدة\nعليهن - وحدها - وسائر الفرائض لا تجب عليها إلا بالحيض، لقول\nرسول الله ﷺ \" لا تقبل صلاة امرأة قد حاضت إلا\nبخمار \". فحد النظر أن لا يكون على المطلقة - المظلومة بالدخول\nبها في حين لا تطيقه - عدة، لأنها ليست ممن يُرتاب بحملها الذي","vol":"4","page":335},{"text":"، شرطه الله فيها، ولا ممن وجب عليها جميع الفرائض ببلوغ\nالحيض، فتكون العدة أحدها، ارتيب، أو لم يرتب.\nوكذلك إن مات عنها زوجها في هذا السن، مدخولًا بها، أو غير\nمدخول، لأن غير المدخولات بهن، وإن وجبت عليهن عدة الوفاة\nفهن اللواتي يعقلن التربص بأنفسهن، ووجب عليهن الفرائض\nببلوغهن، ولا يشك أحد أن العدة على النساء فرض، فمن لم تجب\nعليها الفرائض بالبلوغ، ولا دخل بها في حين يجوز أن تحبل فيرتاب\nبها لم يكن لموجب العدة عليها حجة يعتمد عليها من كتاب، ولا\nسُنة، بل الكتاب والسنة - معًا - يدلان على إسقاطها عمن هذه حاله\nمن النساء، والله أعلم كيف هو.\nومن المفسرين من قال: إن العشرة ضُمت إلى الأربعة الأشهر في\nالوفاة، لأن نفخ الروح في الجنين فيها تكون، فليس يتبين الحبل\nعلى هذا القول في أقل من ثلاثين ومئة يوم، وهذا حكم على مراد","vol":"4","page":336},{"text":"الباري - سبحانه - لا تسمح النفس بقبول إلا باب مأثور عن رسول\nاللَّه ﷺ.\nوالأثر مدته عشرون ومئة يوم. حدثني أبي قال: دثنا علي بن\nحرب قال: دثنا عبد الله بن داود وأبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود قال:","vol":"4","page":337},{"text":"حدثنا النبي ﷺ وهو الصادق الصدوق \" إن أحدكم\nيجمع خلقه في بطن أمه أربعين. يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم\nيكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح \".\nفكيف يمكن مع هذا الحتم على أن نفخ الروح لا يكون إلا في آخر\nيوم من العشر المضمومة إلى الأربعة الأشهر بلا توقيت، وقد جعل الله\nجل وتعالى العدة ها هنا - في سورة الطلاق - مع الارتياب بثلاثة\nأشهر، والقرآن حق لا ريب فيه، والخبر يقبل من رواته.\nولا يشهد به على الله - سبحانه - كما يشهد عليه بما ورد في القرآن.\nفإن عَرف النساء - قبل تحرك الولد - علامة للحبل في ثلاثة أشهر","vol":"4","page":338},{"text":"فقد اتفقت الرواية مع القرآن لثنتين، للحبل علامتان تظهر إحداهما\nبما تظهر في ثلاثة أشهر، والأخرى بالتحرك في أربعة أشهر.\nوإلا فقد أخبر القرآن عن زوال الارتياب بثلاثة أشهر، وهو الحق\nالذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والخبر قد يقع فيه\nالوهم من الراوي قبل أن يبلغ به رسول الله ﷺ\nوما استوقن أن رسول الله ﷺ قد قاله فلا وهم فيه\nكالقرآن، لقوله - ﵎ -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) .\nوأيهما كان فتصحيح ما قاله المفسر - في ضم العشر إلى الأربع - لا\nيمكن تحققه، وقد اتفق الجميع مع ذلك على أن العدة من الأربعة الأشهر\nوالعشر واجبة على المتوفى عنها زوجها، وإن لم يكن دخل بها، وليس","vol":"4","page":339},{"text":"هناك بيقين من ينفخ فيه الروح في العشر ولا قبلها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>قوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) </span>.\nراجع - والله أعلم - على من مضى من الآيسات من المحيض، واللائي لم\nيبلغنه أي إن كن أولات حمل فليس عدتهن الأشهر، ولكنه وضع\nالحمل، ففيه - الآن - دليل على أن من جعل عدتهن ثلاثة أشهر هن\nمن يمكن أن تحمل، لا الأصاغر اللواتي لا يمكن فيهن حمل يرتاب به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>قوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) </span>.\nدليل على أن كل عسير من الأمور يتيسَر بالتقوى، حتى عسر تقتير الرزق، وشفاء الداء العسر العلاج، والخلاص من المحبس - من الفكاك من الأسر -\nوأشباه ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>قوله: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ) </span>.\nحجة فى أن القرآن غير مخلوق، لأن الله سماه بالأمر، والأمر لا يكون إلا كلامًا متكلمًا","vol":"4","page":340},{"text":"به وكلام الآمر نعت من نعته، ونعوت الخالق غير مخلوقة، وهو مثل قوله\n-: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) .\n(أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ)، رد على من لا يقر أن الله - سبحانه بنفسه - في السماء.\nذكر التوبة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>قوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) </span>.\nدليل على أن التوبة مع ما تحط من السيئات، تنمي له أجرًا برأسه، وهو\nمثل قوله: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) .\nوهذه الغنيمة الباردة لمن عقلها وتيقظ لها.\nقال محمد بن علي: وقد مضى ذكر الدليل على أن المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها، ولا نفقة، عند قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) .\nثم قال - سبحانه - في الآية الأخرى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)","vol":"4","page":341},{"text":"فقد شبّه اشتراط النفقة بالحمل عليهن على الناظر فيه، وأراه أن الأمر بالإسكان - هاهنا -\nهو للمطلقة ثلاثًا، إذ لو كان غيرها من المطلقات لوجب عليه لها النفقة\nحاملًا، وغير حامل، فهو يحتمل هذا، ويحتمل أن يكون الإسكان -\nفي هذه الآية،أيضًا - لمن طلقت دون ثلاث، ويكون زيادة في البيان\nوالتأكيد.\nواشتراط النفقة بالحمل حقًا من حقوق الولد - الذي في البطن - لا\nمن حقها. ويكون وجوب النفقة لغير المبتوتة بالإجماع مسلّمًا له.\nكما سُلّم له إيقاع طلاق جديد، والإيلاء، والظهار، ووجوب\nالميراث، إذ الطلاق إذا قطع عصمة النكاح كان حق النظر أن\nلا ينظر فيه إلى العدد، ألا ترى أنها تحل للأزواج بعد انقضاء العدة\nبالواحدة، كما تحل بالثلاث، فلو لم تكن العصمة منقطعة كانت\nأحكام الزوجات لها قائمة، من أجل ثبوت العصمة ولما حلت","vol":"4","page":342},{"text":"للأزواج، ولا احتاجت إلى العدة، ولا الزوج إلى الرجعة، فدل أن هذه\nالأشياء قائمة بينها وبين زوجها بالإجماع الذي لا تعقل علته، إذ العلة\nالمعقولة انفساخ النكاح بالتطليقة الواحدة، وهذه أحكام كانت قائمة بينها\nوبين زوجها قبل إحداث الطلاق، فلما حصل الإجماع على فسخ النكاح\n، بالتطليقة الواحدة، كما ينفسخ بالطلاق الثلاث مفرقًا، وغير\nمفرق، عندنا وعند من يراه والوطء محرم دون إحداث الرجعة\nبكلام، أو جماع يقصد به الرجعة عند من يراه، وإباحتها للأزواج\nبترك الرجعة عُلم أن النفقة لا تفرض لمن ليست بزوجة، كما\nتفرض لها وهي زوجة، فلما أوجب لها السكنى القرآن، وأوجب لها\nالنفقة الإجماع - مع ما ذكر من السكنى، - سُلّم لهما.\nوكانت المبتوتة بالثلاث زائلًا كل ذلك عنها إذ محال أن يزول الإيلاء\nوالظهار والميراث، ويبقى لها السكنى والنفقة، وليس فيه قرآن يسلم\nله، ولا سنة، ولا إجماع يترك عندهما، كما ترك عند الأولى.\nوليس توهم المتوهم أن اشتراط الله النفقة بالحمل - بعد ذكر الإسكان - إنما هو في المبتوتات بالثلاث دون غيرهن، ومحال أن يكون نزول الآية بعد اتفاق الأمة على إيجاب النفقة لغيرهن، وكيف","vol":"4","page":343},{"text":"تتفق الأمة على فرع شرع قبل أن يفرض أصله؟!، هذا ما لا وجه\nوإيجاب النفقة بالحمل ممكن أن يكون من حق الولد الواجب نفقته على\nالآباء، ويحُبس عليه قسمة الميراث، فهذا الاحتمال أبين مما ذكرناه في\nالآية الأولى.\nمن قوله: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بيُوتِهِنَّ)، والله أعلم كيف هو.","vol":"4","page":344},{"text":"القياس:\nقال محمد بن علي: ولو لم يكن من الدليل على بطلان القياس إلا\nإجماع الأمة على إبقاء أحكام بين زوجين قد قطع الطلاق عصمة نكاحهما\nلكفى، فعلى أي علة وقع هذا الحكم - ليت شعري - والعلة المسماة\nبالنكاح الذي كانت الأحكام تجب بها زائلة بالطلاق الذي يحلها\nللأزواج، ويقطع ميراثها بعد انقضاء العدة. لو حدث الموت بعده.\nففي هذا أكبر معتبر لمن اعتبر أن الأحكام لا تقع معللة، إنما تقع\nتعبدًا محضًا لا شوب فيه، وعلى المحكوم عليه اتباعها، وترك البحث","vol":"4","page":345},{"text":"عن عِلَلِها، فضلًا عن أن يحمل عليها أشباهها عنده.\nذكر وجوب نفقة الولد:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>قوله: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) </span>.\nحجة في وجوب نفقة الولد، وفي أن الأمَّ لا تحرم الأجرة وجد الأب متطوعة، من الأجنبيات، أو لم يجد، لأن الله - جل وتعالى - أمر بإيتاء\nأجورهن أمرًا عامًا، وهو يعلم أن في الآباء من يجد متطوعة -\nمغنى - مع عموم الآية بالأمر.\nوفيها -أيضًا - دليل على أن ما لا يمكن تعريته من المجهول، ولا يضبط بالتسمية في الإجارات جائزة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>وقوله: (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) </span>.\nدليل على أن الأم إذا أرادت الإجحاف بالأب في إغلاء أجرة الرضاع، كان للأب دفعه إلى أجنبية، ولم يجبر الأب على أكثر من أجرة مثلها في إرضاعها.","vol":"4","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>وقوله: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) </span>.\nدليل على أن التقتير في الإنفاق - مع السعة - على الأنفس والعيال مذموم، ولا نعلم رسول الله - ﷺ - ولا الخلفاء بعده قتروا على أنفسهم مع السعة، وكانوا كما قال الله - ﷾ في هذه الآية -.\n(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) .\nوفي (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) .\nدليل على أن نفس المال يسمى رزقًا، لا أن اسم الرزق لا يقع إلا على ما استهلك بالأكل، واللباس، وما أشبههما.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>قوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)</span>\nدليل على أن من وجب عليه نفقة قوم فلم يقدر على تمامها\nلم يلزمه الإقحام على ما لا يحل له، ووجب عليه الاقتصار على ما أوتي\nمن الرزق، وعلى من يمون الصبر معه على انتقال حاله من العسر","vol":"4","page":347},{"text":"إلى اليسر الذي وعده الله في هذ\" الآية، ولو جعل هذا المعنى جاعل حجة\nفي ترك التفرقة يين المعسر بنفقة أمرأته وجد فيها متفسحا - والله\nأعلم - إذ سبيل من أعسر بجميع الكفاية، ومن أعسر ببعضها\nواحد لإحاطة العلم بأن ما لابد منه من حد محدود لم يغن بعضه\nعن جميعه.\nالكافر يحاسب يوم القيامة:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ)</span>\nإلى قوله: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) .\nدليل على إجازة تأخير المعنى إلى آخر الكلام، والإشارة إليه في أوله، إذ العتو من القرية، وما ذكر من شأنها كله مقصود به أهلها الذين رجحت \" الهاء والميم \" عليهم في (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ)، وفيه دليل على أن الكافر يحاسب.","vol":"4","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>قوله: (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا)</span>\nحجة في استعارة الكلام من المخلوقين، ووضعه موضع غيره إذا دل عليه لفظه، إذ أصل الذوق إنما هو بالفم، فلما أراد الإخبار عن وجود مضض العذاب، وسوء العاقبة، به أخبر، والقرآن نازل بلغة العرب، واذا كان الجليل - سبحانه - يفعل ذلك والكلام غير معوز عنده، ونسبة الضيق -\nعنه - إليه كفر ممن توهمه فالمضطر إليه من البشر أحرى أن\nيستعمله، ومثله قوله في سورة المائدة: (وَبَالَ أَمْرِهِ)","vol":"4","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>قوله: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا) </span>.\nحجة في أن الله - ﷾ - بنفسه في السماء، أو، هو رد على من ينكره.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>وقوله: (رسولًا)</span>\nإضمار - والله أعلم - كأنه قال: (أنزل اللَّه إليكم ذكرًا وأرسل رسولًا)، لأن الذكر هو القرآن، والله أعلم.\nوفي قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)\nدليل على جواز التأكيد في لغة العرب، لأن \" الخلود \" مغن عن \" الأبد \" ودال عليه، فقوله: (أَبَدًا) تأكيد من غير إشكال.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>قوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) </span>.\nالمثل - والله أعلم - راجع على العدد، لا على الصورة، وفيه دليل على أن الأرض قد توضع موضع الجمع،","vol":"4","page":350},{"text":"إذ لم يقل - سبحانه - (ومن الأرضين) ثم يجمع بعد ذلك على\nلفظ الجمع أيضًا.\nفي قوله: (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)، دليل على أن الأرضين طباق\nمثل السموات، وأن بين كل أرض وأرض خلق مستعبدون، ومنزول\nعليهم الأمر، والأمر في هذا الموضع والله أعلم، إخبار عن\nكلامه - جل وعلا - في كل ما ينزله مما يتعبدهم به من أمر ونهي.\nكما قال: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)، فكان أمره القرآن.","vol":"4","page":351},{"text":"وفيه - مع الأمر - نهي وإرشاد وندب إلى كل خير، وقصص الأنبياء\nوغير ذلك، لا الأمر وحده.\nوفيه دليل -أيضًا - على أنه سبحانه في السماء بنفسه، والأمر ينزل\nمنه إلى الأرضين، لولا ذلك ما كان \" للفظ \" التنزيل معنى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>قوله: (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)</span>\nزوال كل لبسة من أنه في السماء، وعلمه محيط بالأشياء، ولو كان كما يقول الجهلة\nلكان - والله أعلم - «وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ) فقط من غير أن\nيكون فيه (عِلْمًا)، وهذا قد فسر كل محيط في القرآن ليس معه العلم.\nوهو أعلم.","vol":"4","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>سورة التحريم</span>\nقوله - ﵎ -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) .\nيقال: إنه نزل في عسل حرمه على نفسه ألاَّ يشربه.\nويقال: بل نزل في تحريمه مارية","vol":"4","page":353},{"text":"أم إبراهيم.\nوالذي يشبه - عندي، والله أعلم - أن يكون في تحريم مارية إذ","vol":"4","page":354},{"text":"ليس في تركه ﷺ شرب عسل - حرمه عند من كان من\nأزواجه، أو جاريته - ما يبتغي به مرضات سائرهن، ولا ما يزول به\nغيرتهن، إذا دخل عليها ووطيها بعد أن لا يشرب عندها عسلًا، بل أشبه\nشيء أن يقلن له - ﵇ -: نجد منك ريح المغافير، طمعا في\nتزييف من شرب عندها ذلك العسل، ليزهد فيها فيحرمها، لا ليترك\nشرب العسل عندها.\nومما يزيده تاكيدًا أن العسل داخل في جملة الطيبات، التي نهى الله عن\nتحريمها في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) .\nنزلت في رجل حرم اللحم","vol":"4","page":355},{"text":"على نفسه فعمه الله - ﷻ - هو وسائر المؤمنين بالنهي عن\nتحريم ما حللَّه من الطيبات لهم.\nورسول الله ﷺ أجل المؤمنين قد دخل في هذا النهي\nمع أمته، والمائدة آخر ما نزل من القرآن، فلو كانت آية المتحرّم نازلة في\nالعسل لقال النبي ﷺ للرجل - والله أعلم -: حلل\nيمينك في تحريم اللحم، ولما سكت عنه حين سأله منتظرًا للوحي حتى نزل.\nوما أحل الله في سورة المتحرّم، كلمة جامعة يدخل فيها العسل\nواللحم، وغيرها من المأكول والمشروب، بمنصوص على لفظ\nالعسل فيحتاج - عند من يأبى القياس - إلى نص مجُدّد في تحريم","vol":"4","page":356},{"text":"اللحم، مع أن قوله: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) .\nدليل واضح في أنه الجارية، لا العسل.\nفإن قيل: لو كان كما ذكرت لكان: لم تحرم من أحل الله لك، ولم\nيكن (مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)، إذ لفظ \"من \" يخبر بها عن الحيوان، ولفظ \" ما \"\nيخبر بها عن غير الحيوان.\nقيل له: فقد قال الله - ﵎ -: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، فدخل فيه الحيوان وغيره، وأخبر بلفظ \"ما\" عنهم، كما\nأخبر بلفظ \"من \" في قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) .\nبل المفسرون على تسبيح الحيوان مجمعون، وفي غير الحيوان مختلفون.","vol":"4","page":357},{"text":"ولو لم يكن لنا في الجمع بين \"ما\" و\"من \" إلا في هذا الموضع هذا الشاهد -\nأيضا - \"لأمكن أن تكون \"ما\" واقعا على تحريم الوطء، فلا يكون لمن\nيقصر عن سعة لسان العرب متعلق بما بيناه من قوله.\nفلنا الآن أدلة في ذلك:\nمنها: أن كل حلف - وإن كان بغير الله، ﷻ - يسمى\nيمينًا، لقوله: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) .\nولم تكن يمينه ﷺ بالله جل وتعالى.\nومنها: أن المباح من فرج الأمة - الذي أباحه ملكها - حَرُم بلفظ\nالتحريم حتى تحلله الكفارة، كما حَرُمَ فرج الحرة المباح بعقد النكاح","vol":"4","page":358},{"text":"بلفظ الظهار حتى تحلله الكفارة، إلا أن كفارة الظهار أغلظ من كفارة\nالتحريم في الأمة، لأن تلك مذكورة، وهذه مبهمة، فهي بردها إلى\n* * *\nقوله: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) - لاتفاق اللفظين من\nالأيمان - أحق من ردها إلى لفظ الظهار، أو لفظ الموعظة في\nقوله: (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ)، أو لفظ الحدود في قوله: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)، بعد ذكر الكفارة في الظهار، فيكون على اللافظ بتحريم فرج أحل الله له من أمَة، أو حرة كفارة يمين، يخير فيها من إطعام، أو كسوة، أو تحرير رقبة.\nوعلى اللافظ بالظهار عتق رقبة - لا غير - إن وجدها، وصيام\nشهرين إن لم يجدها، وإطعام ستين مسكينًا إن لم يستطع صيامهما.\nليحمل كل على شرط الله - ﷻ - فيه.","vol":"4","page":359},{"text":"وليس لإسقاط الكفارة عن محرم الحرة - وإن لم يجعل قوله طلاقًا -\nمعنى مع قوله: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)، وقوله على إثره: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) .\nوهي مما أحل الله لنا، وإذا كانت مما أحل الله لنا فسواء كانت حرة، أو أمة لا يكون إيجاب الكفارة فيها إلا بالنص، لا بالقياس.\nوليس لقول من جعل (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ)، ابتداء لا ردًّا على ما قبله - مع تكفير النبي ﷺ، قوله هذا - معنى، إذ لو كان ابتداء كما زعم ما كفر النبي - ﷺ - عنه.","vol":"4","page":360},{"text":"فقولنا - الآن - فى إبطال الكنايات مستقيم، لا نجعل التحريم في\nالحرة طلاقًا، ولا في الأمة عتقًا، غير أنا نجعله مانعا للوطء\nحتى يحلله قائله بالكفارة، التي فرضها الله لنا، وأحكام الزوجة\nقائمة مع زوجها، وأحكام الأمة مع سيدها كما كان، غير الوطء\nوحده.\nومنها: أن محرم غير الزوجة والأمة من المأكول والمشروب لا كفارة\nعليه إذ حصلت الكفارة على محرم الزوجات والإماء في هذه\nالآية، وقد بان ذلك في سورة المائدة، حتى نهى - سبحانه - عن\nتحريم الطيبات ولم يفرض فيه تحلة كما فرضه في سورة التحريم.\nلنزولها بعدها، وهي وإن نزلت بعدها فليس يتبين أنها ناسخة لما\nقبلها، فتسقط بها الكفارة عن محرم الفروج المحللة الطيبة بالملك\nوالنكاح، إذ لو جاز أن يقال ذلك ما كان على من حرم زوجته\nبالظهار - أيضا - كفارة، والإجماع محصل في وجوبها عليه فكان تحريم","vol":"4","page":361},{"text":"الفروج مخصوصًا بها، وموضوعًا عن غيرها من المأكول والمشروب، وما أشبههما، والله أعلم كيف هو.\nوما يزيد ما قلناه تأكيدًا من أن فرض تحلة الأيمان راجع على ما قبله\nوليس بمبتدأ ذكره المغفرة - سبحانه - على إثر التحريم، ِ كما ذكره\nعلى إثر التحريم بالظهار فقال - ها هنا -: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)، وقال - هناك -:\n(وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) .\nفدل على أنه جعل الكفارة بعد المغفرة للقولين زيادة في ستر ما غفره\nمن تحريم المحلل ليمحو بها المنكر من لفظ \"الظهار\" و\"التحريم \" والله\nأعلم.\nقوله (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا)\nإلى قوله: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)\nذكر فى هذا \"السر\" تفسيران:\nأحدهما: أنه ما أسره النبي - ﷺ - إلى حفصة من","vol":"4","page":362},{"text":"تحريم جاريته مارية، فأخبرت به عائشة، وهذا يروى عن عمر بن\nالخطاب ﵁، وعنهما.\nوالآخر: أنه أسر إليها بأن أباك وأباها يليان بعدي\nوهذا يروى عن حبيب بن أبي ثابت.","vol":"4","page":363},{"text":"فإن كان السر كما فسره حبيب فهو يثبت خلافتهما من القرآن\nكما بينها (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ) .\nلأبي بكر. وأن كان ما فسره عمر، رحمة الله عليه، ففي تلك لأبي بكر -\n﵁ - كفاية من القرآن، مع ما فيه من السنن، ولعمر\nباستخلاف أبي بكر إياه، مع ما ذكر فيه -أيضًا - من سنن قد\nحواها كتابنا \"المجرد في الرد على المخالفين بالأخبار\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>قوله: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) </span>.\nدليل على أن إفشاء السر ذنب من مفشيه، لولا ذلك ما دُلتا - والله أعلم - على التوبة منه، وهما وإن كانتا أفشتا سر رسول الله ﷺ\nبعد ما أمرتا بالتحفظ به، وكتمانه، وطاعته فرض في حال وندب في","vol":"4","page":364},{"text":"أخرى، لا يشاركه فيهما أحد من أمته، فمن دونه ﷺ\nأيضًا من المؤمنين إذا ائتمن إنسانًا بوضع سره عنده فخانه بإفشائه عليه\nفهو لا محالة آثم \" إذ لو لم يكن آثمًا إلا بإبدائه لكفاه عما سواه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ)</span>\nبعد ذكر التظاهر دليل واضح أن\nالمولى هو الناصر، لا المالك، إذ لو كان مالكًا لما شاركه فيه\nجبريل، وصالح المؤمنين، فهو - الآن - رد على الرافضة فيما\nيحملون عليه قول النبي صلى الله عليه زسلم: \"من كنت مولاه فعلي\nمولاه)، أنها ولاية النصرة، لا ولاية التمليك، وهذا من","vol":"4","page":365},{"text":"حماقات الرافضة التي لا تشكل على عالم، ولا جاهل، فلم ابتاع إذًا -\nليت شعري - الجواري والمماليك بالأثمان الغالية إن كان على زعمهم\nمالكهم، ومالك ساداتهم،!.\nبل لم أصدق حرائره إن كن بالملك جواريه،، أم لم فعله رسول\nالله - ﷺ - قبله الذي ورث الولاية عنه، واستحقا\nبه؟!.\nإن هذا لأقبح مقال، وأجدره بطرق المحال، نعوذ بالله من الضلال.\nويقال: إن صالح المؤمنين هو عمر بن الخطاب - ﵁ - خاصة.\nويقال: هو أبو بكر وعمر - ﵄.","vol":"4","page":366},{"text":"وهو في القرآن موحد، وقد يجوز أن يكون اللفظ موحدًا والإشارة\nإلى أكثر منه، على سعة اللسان، كما ذكرناه في غير موضع من\nهذا الكتاب والله أعلم كيف هو.\nقوله (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)\nإلي قوله (وَأَبْكَارًا)، دليل على المرجئة فيما يزعمون أن الإيمان لا يزيد\nولا ينقص، إذ لا يشك أحد أن نساء النبي ﷺ كن لا\nمحالة مسلمات مؤمنات، ولم يكن كوافر، فهل تكن المفضلات عليهن بالإسلام والإيمان إن طلقن يكن خيرًا منهن إلا بزيادة في الإيمان والإسلام، وهو بين لمن أنصف من نفسه، ولم يكابر عقله.\nوفي إدخال الثيب مع البكر - في موضع المدح - دليل على أنها\nممدوحة أيضًا، وإن كانت البكر أفضل منها بما بين على لسان النبي\nﷺ في قوله لجابر","vol":"4","page":367},{"text":"وغيره: \" فهلاَّ تزوجت بكرًا، تعضها وتعضك، وتلاعبها وتلاعبك \"","vol":"4","page":368},{"text":"وفي قوله: (عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا، وأرضى باليسير \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) </span>،","vol":"4","page":369},{"text":"دليل على أن تعليم الأهلين، وتأديبهن فرض، وهو اسم جامع\nللزوجة، والولد، والإخوة، والأخوات، وغيرهم، إذ لا يقدر\nأحد يقي غيره النار - وهو لا يملكها - إلا بما يدله على ما يباعده منها\nمن العمل الصالح، واجتناب الطالح، وكذا جاء في التفسير -\nأيضًا - أنه تعليمهن، وتأديبهن.\nوقد أفرد الأهل - في سورة طه - بالأمر بالصلاة والاصطبار\nعليها، وهو يؤكد ما قلناه، وقاله المفسرون قبلنا.\nويؤيده حديث رسول الله ﷺ: \"كلكم راع.\nوكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول","vol":"4","page":370},{"text":"عنهم \".\nوأخاف أن يكون الفرض أغلب عليه من الندب، إذا ظاهر لفظ\nالقرآن أمر، والسؤال لا يكون في إهمال الندب، والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>قوله: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) </span>- لا محالة - خصوص \" إذ ليس بواقع على جميع الناس، ولا على كل الحجارة.\nويقال: إنها حجارة خلقه الله من كبريت أحمر.","vol":"4","page":371},{"text":"ولو لم يكن من الدليل على سعة اللسان إلا خروج النار - في اللفظ -\nمخرج النكرات وهي معرفة، لنعتها بوقود الناس والحجارة، اللذين\nلفظهما لفظ معرفة، وإن كان فيهما خصوص.\nوالإشارة إلى نار بعينها قد جرى ذكرها في كثير من آي القرآن.\nوالعرب تعرف المشار إليه في كلامها، وإن كان لفظه لفظ نَكِرٍ.\nقال الأعشى:\nقالت هريرة لما جئت زائرها\nويلي عليك وويلي منك يا رجل\nفرفع \"رجلا\" وهي نكرة مفردة مناداة، لإشارة المرأة إليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>قوله: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) </span>.\nقد دخل في ظاهر الكلام الصحابة - ﵃ -","vol":"4","page":372},{"text":"بلا شك، واستوجبوا ما وعدهم الله - ﷻ - في\nالآية، فمن تنقص واحدًا منهم، أو أخرجه مما وعده الله، فقد رد على الله.\nوأرجو أن يكون سائر المؤمنين داخلين معهم في ذلك، لأن من آمن\nبعده فقد دخل في الاسم معه وإن لم يكن في الرؤية والفضيلة أسوة\nالصحابة.\nوالباء في (وَبِأَيْمَانِهِمْ) هي - والله أعلم - في معنى عن، مثل\nقوله في الفرقان: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا)، أي عنه،، إن شاء الله.\nقال علقمة ابن عَبَدة:\nفإن تسألوني بالنساء فإنني\nبصير بأدواء النساء طبيب\nإذا شاب رأس المرء أو قل ماله\nفليس له من ودهن نصيب.\nأي عن النساء.","vol":"4","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>سورة الملك</span>\nقوله - ﵎ -: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، دليل على أن ترقب الموت أكبر مواعظ الله - جل\nجلاله - وأجدر بالمعونة على العمل الصالح، إذ ترقبه مقصر للأمل.\nومهوّن مضض المصائب، وتجرع مرارات الفقر إذا ترك، وتزهد في\nشهوات النفس إذا اتصل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>قوله: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ)</span>\nدليل على أن العرب\nتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، ألا ترى أن الله - جل\nوتعالى - سمى الكواكب ها هنا بمصابيح وفي الفرقان، (سِرَاجًا)\nفي قوله - ﵎ -: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا)، ويحتمل أن يكون السراج الشمس، وفي الصافات\n\" شهابًا \" في قوله: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) .","vol":"4","page":374},{"text":"فإن كان جعلها أسماء كلها خواص فهو ما قلناه، وإن كان سماها\n\"شهابًا\" و\"مصابيح \" بضوئها ونورها وشعاعها فهو أدل على سعة اللسان.\nوالله أعلم كيف هو.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا)</span>\nذكر (ذَلُولًا) - والله أعلم - على لفظ (اَلأرضَ) وإن كانت مؤنثة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) </span>.\nحجة في السعي والحركة في طلب الرزق والتماسه بالمكاسب في الأسفار، والحضر، لاتفاق المسلمين - جميعًا - على أن القاعد ليس بفرض عليه أن يقوم فيمشي في مناكب الأرض، فلا يكون المشي في مناكبها، والأكل من رزقة - إن شاء الله - إلا على هذا المعنى.\nوقد يجوز أن يكون ذكّرهم نعمته عليهم بتذليل الأرض لهم.\nوتمهيدها ليمشوا في مناكبها، ويأكلوا من رزقه فيها، والله أعلم كيف\nهو.","vol":"4","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>قوله: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ)\nإلى قوله (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) </span>.\nحجة على المعتزلة فيما يزعمون: أنه - جل بنفسه في السماء، وعلمه في الأرض.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>قوله: (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) </span>.\nزوال كل لبسة وريب، يرتابون به - أنه كما قلناه -\nفي السماء على العرش، وعلمه في الأرض محيط بها.\nوقد لخصناه في كتاب \"الرد على الباهلي \".\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) </span>.\n\" إِلَى \" - في هذا الموضع جار مجرى الصلات، والطير جمع لا محالة لقوله (وَيَقْبِضنَ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>وقوله (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ)</span>\nحجة على المعتزلة فى باب الاستطاعة؛ إذ قد أخبر بإمساكهن عن نفسه، ولم يقل يستمسكن","vol":"4","page":376},{"text":"بالذي جعله في استطاعتهن من سلطان الطيران بالأجنحة والقبض والبسط\nبهن، كما جعل للناس سلطان الحركات، والأعمال بالجوارح التي في\nأدوات الأفعال، وهم لايستطيعونها إلا به سبحانه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) </span>.\nدليل على إقامة المجاز مقام الحقائق - في اللفظ، لأن الإصباح في الروحانيين، وقد","vol":"4","page":377},{"text":"جعل للماء إصباحًا كما ترى، وفي جواز ذلك إنباء عن سعة اللسان.\nورد على المتنطعين من المنتسبين إلى التنسك - بغير علم - العادّين ما ضاهى\nهذا النمط من كلام المخلوقين في عداد الكذب، وإلحاق الحرج بقائله.\nوالغور - والله أعلم - مكانه غائر، خرج على سعة اللسان.\nوالمعنى: أنة يبعد قعره، حتى لا تناله الدلاء، كذلك قال\nالمفسرون، يذكّر نِعَمه في الماء المعين الذي تناله أيدي الناس.\nوأفواه مواشيهم وبهائمهم بلا مشقة، له الحمد والشكر، تبارك تعالى.","vol":"4","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>سورة ن</span>\nقوله - تعالى -: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)\n\"الباء \" - والله أعلم - مقحمة على سعة اللسان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>قوله: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)</span>\nدليل على أن من أكثر الأيمان هان على الرحمن، واتضعت مرتبته عند الناس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>قوله: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)</span>\nدليل على أن في كلام العرب\nاستعارة، ووضع الكلمهَ موضع غيرها، فالخرطوم للسباع أخبر به عن\nالناس كما ترى، وقد يخبرون بما للناس عن السباع، قال زهير:","vol":"4","page":380},{"text":"له لبد أظفاره لم تقلم\nفأخبر عن مخاليب الأسد بالأظفار التي هي للناس، وكل هذا دليل\nعلى سعة اللسان، فمن زاحم في لسانها قبل أن يعرف هذا من\nكلامها - وسائر ما ذكرناه من لطيف إشارتها - ركب خطة عظيمة.\nوأخاف أن يخوض النار خوضًا، وهو لا يعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>قوله: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ)</span>\nإلى قوله: (كَالصَّرِيمِ) .\nدليل على أن الشيء يسمى باسم غيره، وإن لم يشبهه بجميع\nصفاته، ألا ترى أن الله - ﷻ - قد جمع بين جنة الدنيا التي هي\nبستان وبين جنة الآخرة بالاسم، وهما لا يجتمعان في جميع صفاتهما.\nوهذا رد على المعتزلة فيما يزعمون: أن الله - ﷻ - لا يجوز أن\nيوصف بشيء مما يقع اسمه موافقًا لاسم ما في المخلوق، وأغفلوا مثل\nهذا وأشباهه، وما هو أعظم من هذا وهو الجمع بين أسمائه -\nسبحانه - وأسماء خلقه مثل: \"الملك \" و\"الجبار\" و\"العزيز\" و\"العظيم \"\nو\"الكريم \" وما ضاهاها، فلم يوجب ذلك أن يساوي خلقه في جميع\nصفاته، ولا على خلقه أدط يساووه في جميع صفاتهم، وإذا كان","vol":"4","page":381},{"text":"هذا غير ضيِّق في الاسم وجب ألاَّ يضيق فيما وقع عليه الاسم، لولا\nالجهل المفرط والعناد الشديد.\nوفي معاقبة تاركي الاستثناء - في هذه الآية - عظة شديدة، وتنبيه\nلمن يرسل كلامه ولا يقيده بالاستثناء، الذي هو سبب النجاح\nوالظفر بالحاجة، ومخرج من المآثم، ومؤمّن درك العقوبة.\nوقد زجر الله نبيه، ﷺ، وأدبه، وعلمه أن لا\nيقول لفعل شيء هو فاعله إلا مقرونًا بالاستثناء، وكذلك بسائر\nالأنبياء فعل - إن شاء الله - وعاقبهم على تركه.\nفقد روي أن سليمان بن داود - صلى الله عليه - قال: لأطوفنّ\nالليلة على مائة امرأة، تحمل كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله.\nولم يستثن، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة، حملت بشق غلام. فقال\nنبينا، ﷺ: \" لوكان استثنى، لكان كما قال \".","vol":"4","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>قوله: (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)</span>\nنظير قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا)، إذ ليس للجنة فعل في الإصباح، وإنما هو على سعة اللسان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>قوله: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) </span>.\nدليل على أن الشيء المتقرب به إلى الله - جل الله -\nفرضًا كان، أوندبًا إذا فرط فيه تلوفي فنفع، إذ تسبيح القوم بعد\nوقته - الذي كان موضعه - نفعهم تداركه.\nودليل على أن المذنب الظالم لنفسه محتاج - مع ربه - إلى الاعتراف\nبذنبه، وسوء صنيعه بلسانه، وإن كان نادمًا عليه بقلبه، وكذا كان\nنبينا - صلى الله عليه - يقول في دعاء الاستفتاح: \"ظلمت نفسي.\nواعترفت بذنبى\".","vol":"4","page":383},{"text":"فكان هذا الاعتراف من تمام التوبة، وتحقيق الاستكانة، والتواضع.\n، وكان بعض أهل العلم يزعم: أن التسبيح يوضع موضع\nالاستثناء فيقع، ويحتج بهذه الآية، لأن القوم عيبوا بترك\nالاستثناء، فنبههم عليه أوسطهم، بلفظ \"التسبيح \" كما ترى فقالوا\nهم -: (قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا)، ولم يقولوا: (إن شاء اللَّه) .\nوهو - لعمري - محتمل لما قال، غير أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء\nذكره، والله أعلم كيف هو.\nفإن احتج محتج بأن الاستثناء ينفع بعد قطع المستثنى فيه، والأخذ في\nغيره، فقد أغفل عندي، لأن تداركه في هذا الموضع مخرج - إن\nشاء الله - من المأثم، لا أنه يرد شيئًا أخرجه المتكلم بلسانه فيصير غير\nمقول إلا مع الاستثناء.","vol":"4","page":384},{"text":"وقد أخبرنا بالحجة في هذا الفصل، وأخبرنا عن خلله في سورة\nالكهف، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>قوله: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) </span>.\nحجة على المعتزلة والجهمية في باب \"الجعل \" الذي يعدونه\nخلقًا في جميع الأماكن، فإن أعدوه هاهنا خلقًا كان أبلغ حجة عليهم.\nإذ يعترفون - بألسنتهم - أنه لا يخلق المسلم كالمجرم، فمن خولف بينه\nوبين غيره في الخلق لم يستطع أن يكون مثله في العقل، لأن الخلق\nهاهنا واقع على ما وقع عليه الاسم، والاسم لم يقع على الصورة.\nإنما وقع على ما سُمي الشخصان به مسلمًا ومجرمًا.\nوإن أعدوه غير خلق - وهو القول في هذا الوضع - رجعوا عن\nإعدادهم إياه خلقًا في كل موضع.\nوفي قوله: (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)، دليل على أن لا\nتكون الحجة إلا مقروءة مسطرة، ولا تكون مخترعة متوهمة، إذ لا\nيكون المدروس إلا المسطور، لا المشبه بالمسطور، والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>قوله: (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)</span>\nحجة في تصحيح الكفالة،","vol":"4","page":385},{"text":"وقد احتج بها الفقهاء قبلنا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) </span>.\nيتأوّله الجهمية والمعتزلة، وكثير من أهل اللغة على الشدة، والأمر العظيم.\nونحن لا ندفع أن الساق - في اللغة - قد يقع على الشدة، غير أن\nما وقع على الشدة، لا يحيل أن يقع على غيرها، وهو عندنا في هذا\nالموضع واقع على النور، كذلك روي عن رسول، الله صلى الله عليه\nوسلم، أنه قال في قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) قال: \" عن نور\nعظيم فيخرون له سجدًا \".","vol":"4","page":386},{"text":"فهذا هو القول، ولا يكون هذا النور إلا نور الله - جل وعز - لأن\nالسجود لا يصلح إلا له، ولا يدعى الخلق إلا إليه.\nوقد ذكرناه بأتم من هذا في كتاب \" الرد على الباهلي \".\nوقد حقق ذلك قوله: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)","vol":"4","page":387},{"text":"أنهم دعوا إلى السجود له - في دار الدنيا فامتنعوا، بما سبق في قضائه عليهم أنهم لا يفعلونه، فلم يستطيعوه في الدنيا، ولا في الآخرة. وهذا حجة ثابتة عليهم في باب \" الاستطاعة \"، ألا ترى أنه قد أخبر - نصًّا - عنهم أنهم لا يستطيعون السجود، لما يدعون إليه في الآخرة، واستطاعه غيرهم ممن سبقت لهم منه الرحمة، فاستطاعوه في الدنيا والآخرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>قوله: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) </span>.\nحجة عليهم خانقة، لأن الاستدراج - في اللغة - هو كالخديعة.\nكأنه يفعل بهم الشيء الذي يحسبونه خيرًا، وهو في الحقيقة ضده.\nفقد أخبر الله - ﷻ، كما ترى - أنه سيستدرجهم من حيث\nلا يعلمون، ويملي لهم، وقد حقق ذلك بقوله: (كَيْدِي مَتِينٌ)، فهل بقي بعد هذا ارتياب، لو أنصفوا من أنفسهم.\nوسلموا مقاليد معرفة هذا العدل إلى ربهم، وأقروا على أنفسهم بجهلهم.","vol":"4","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>قوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) </span>.\nدليل على أن مواعظ آخذ نيل الدنيا زائلة عن القلوب، غير نافعة للموعوظين، وقد بينا في سورة\"عسق \" فأغنى عن تلخيصه في هذا الموضع.\n(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) .\nدليل على أن في أحكام الله على عباده محيرًا، تنبو عنه النفوس، ولا تهش لها العقول، فيحتاج النبي ﷺ، في جلالته، ومعرفته، بالله -\nﷻ - أن يصبر عليها، ويحمل نفسه على تجرع مرارتها، ولا يستبطىء النصرعلى أعدائه، فتضيق نفسُه من ذلك.\nوفي إمهال الله - ﷻ - الظالمين المفسدين في الأرض.\nالمؤذين أنبياءه، وأولياءه، وهم مستوجبون للعقوبة في أول قدم منهم\nدليل على أنهم قد ضرب لهم في قضائه مدة ينتهون إليها، لا يتقدمون\nعنها، ولا يتأخرون، فهو يستدرج أعداءه بأذى أوليائه مدة،","vol":"4","page":389},{"text":"لا يعجل الولي ذوق جزائه الحسنى، ولا العدو ذوق جزائه السيئ -\nمقدمين كانا في الدنيا، أومؤخرين في الآخرة - وكل هذا من العدل\nالذي لا يُعرف وجهه، وهو حجة على المعتزلة والقدرية.\nوفي قوله - هاهنا في صاحب الحوت - وهو يونس ﵇ -\n: (لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)،\nوإضافة كل ذلك إلى نفسه سبحانه، وقوله - في موضع آخر -: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) .\nأكبر الدليل أن لا يؤثر بعض ذلك في بعض، وإن لم يكن التسبيح الذي\nكان به من أهله ممدوح به إلا من إنعام الله -أيضًا - عليه، من غير\nمرية ولا شك، وما بقي بيننا وبين القوم إلا تبصر ما أثرناه عليهم على\nنسق الآيات، ولن يستطيعوه بأنفسهم حتى يوفقهم له خالقهم.\nوهذا - أيضا - حجة عليهم.","vol":"4","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>سورة الحاقة</span>\nقوله - تعالى -: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) .\nوارد - والله أعلم - على الاختصار، كأنه ينبه على عظم ما في\nالحاقة من الأهوال، والشدائد لا على نفس الاسم، ويعظه بما فيها\nيومئذ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>قوله: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)</span>\nولم يقل: (بالحاقة) كالدليل على ما قلناه، مما في الحاقة، من القوارع التي تقرع القلوب بالأهوال العظيمة، وهو أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>قوله: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) </span>.\nأنث فعلها مع ثمود في أول الكلام مقدمه، وذكّر فعلها مؤخره، كما ترى، فهو دليل على سعة اللسان، وذكر للريح - وهي مؤنثة - صفتين، ذكَّر إحداهما على اللفظ وهي \"الصرصر\" وأنث الأخرى وهي \" العاتية \" فأي شيء يلتمس بعد هذا، وكيف يضيق المبتدعون عن هذا اللسان، حتى","vol":"4","page":391},{"text":"يزعموا: أن الجعل ليس له إلا موضع واحد وهو الخلق، وأن الاسم\nإذا وقع على شيء وجب أن يشبهه من جميع جهاته، وإلا أنكروه بالكلية.\nوطلبوا له التأويلات المستنكرة.\nولو تدبروا الأمور بروية مستقيمة، وعقل ناقد، واستعانوا بالله على\nمعرفتها، وتبرأوا من الحول والقوة لأنعشهم الله، وبصَّرهم جلي ما\nدق على أفهامهم، ووفقهم، وكشف لهم عما لبسته عليهم بدعتهم.\nودخولهم في الأشياء بأنفسهم، فخذلوا فيها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>قوله: (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) </span>.\nدليل على أن القوم واقع على الرجال والنساء، وإنما يقع على الرجال دون\nالنساء إذا أراده الموقع، لا أنه لا يقع على النساء - بتة -","vol":"4","page":392},{"text":"إذ لا يشك أحد أن عادًا لم تهلك بالريح العاتية رجالهم دون نسائهم.\nوتشبيههم صرعى بأعجاز النخل حجة في تشبيه الروحانيين بغيرهم.\nوأن هذا التشبية لا يجوز أن يكون حجة - في القياس، وقد بيناه في غير\nموضع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>قوله: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) </span>.\nأي حملنا من أنتم من نسلهم، ومن كانوا آباءكم، لأن الجارية - وهي السفينة - لم يحُمل فيها محمد، ﷺ، وأصحابه الموجودون عند نزول الآية، وقد حقق ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>قوله: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً)</span>\nكما قال: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)، فجعل بعضهم من بعض، الآباء من الأبناء، والأبناء من الآباء، وكل ذلك على سعة اللسان.","vol":"4","page":393},{"text":"(وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)\n\"الهاء\" راجعة على التذكرة، وجعل للأذن\nوعْيًا، والمعروف أنه للقلب، وللأذن السمع، فإما أن يكون بمعنى\nشدة استماعها، وإما لأداء الأذن ما تسمع إلى القلب فيعيه القلب، فأخبر\nبالفعل عنها واعية، وإن كان نعتًا لها فهو فعلها، والله أعلم كيف هو.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>قوله: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)</span>\nرد على من يزعم من المعتزلة: أن العرش ملكه فكيف يكون ملكه محمولًا، أم كيف يكون الملائكة خارجين من الملك، فقد بان - بغير إشكال - أنه\nالسرير.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>قوله: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) </span>.\nوارد على ما في سجايا البشر من أنه إذا انفرد الأمر له من حيث يراه الكافر والمؤمن لم يخف المستور، فأما عليه - ﷻ - فلا يخفى اليوم،","vol":"4","page":394},{"text":"ولا ذلك اليوم، وهذا كقوله: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وقد بيناه في غير هذا الموضع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>قوله: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) </span>.\nدليل على أنه لا يدعو إلى قراءة كتابه إلا وقد محيت منه سيئاته، وبقيت حسناته فقر بذلك عينه، فعرضه على من يقرؤه.\nوهو قرير العين، إذ محال أن يعرض عليهم قراءة سيئاته.\nوكتاب المغفورين لهم - بدليل الكتاب والسنة - على لونين:\nفمن كان منهم مات تائبًا كانت سيئاته محولة - له - حسنات، فهو\nيقرأ، ويعرض على القرأة ما أنجزه الله من تبديل السيئات له حسنات\nبقوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) .\nومن مات منهم غير تائب - والغفران له سابق من ربه - محيت منه.\nوالله أعلم لتستر عن أعين قرأته، وكذا معنى المغفرة في اللغة هو ستر\nالشيء، ومنه اشتُق المغفر، لأنه يستر الرأس ويقيه من وصول السلاح\nإليه.","vol":"4","page":395},{"text":"ورُوي في الخبر أنه إذا كان عند آخر قنطرة من قناطر جهنم الذي\nمنه يضع قدمه في الجنة عرضت سيئاته مفردة عليه في كتاب لا يطلع\nعليها غيره، وفيها مكتوب \"عبدي لم يمنعني من عرضها إلا حياء منك.\nفادخل الجنة برحمتي، فقد غفرتها لك \"، فيدخل الجنة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>قوله: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) </span>.\nدليل على أن الكافر يحاسب لقوله - في آخر الكلام -: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>قوله: (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)</span>\nفيه - والله أعلم - إضمار\nالموتة، وكذلك قال المفسرون: يا ليتها موتة لا حياة بعدها.","vol":"4","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>قوله: (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) </span>.\nحجة في إضافة الشيء إلى نعته، ألا ترى أن اليقين صفة للحق، لأنه في المعنى - والله أعلم - حق يقين، ومثله: (فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)، الحصيد نعت للحب كما ترى، ومثله كثير.\nوفي هذا رد على من يُلحن المحدثين في روايتهم عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"في الجنين غُرةُ عبدٍ، أو أمةٍ\"، مضافًا.","vol":"4","page":397},{"text":"وأن قولهم ينبغي أن يكون: \" في الجنين غُرة عبدٌ، أو أمةٌ \"مرفوعًا\nمبدلًا خطأ، لا وجه له.","vol":"4","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-804>سورة المعارج</span>\nقوله - ﷿ -: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ)،\nدليل على أن الله - ﷻ - بنفسه في السماء، لأن \" الهاء \" في \" إليه \" راجعة على الله ذي المعارج، فلو كان معهم في الأرض - كما يزعمون ويفترون به عليه - ما كان لذكر العروج إليه معنى، فقد وضح - بلا إشكال - خطأ قولهم، لمن يلبسون عليه من الجهال، وإن كان غير مشكل على أكثرهم بحمد الله ونعمته.\nوفي قوله: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)\nهو - عندي - الزكاة المفروضة، على ما قال قتادة وغيره من","vol":"4","page":399},{"text":"المفسرين، لأنه لو كان مناولة السائل والمحروم لكان مجهولًا غير\nمعلوم، فلا معلوم إلا الزكاة، التي بيّن - ﷻ - حدها\nووقتها على لسان نبيه، ﷺ، في أنواع الأموال، إذ\nلا فرق بين ما بينه في كتابه، أو أظهره على لسان رسوله، ﷺ. إذ قد أخبر عنه أنه لا ينطق عن الهوى، وإنما ينطق\nفبوحي ينطق.\nوليس حديث الشعبي، عن فاطمة بنت قيس: \" إن في المال حقًّا\nسوى الزكاة \"","vol":"4","page":400},{"text":"وتلاوته هذه الآية من جهة النقل بشيء لإرسال الثقات\nإياه، وإنما يصله أبو حمزة من رواته، وأشباهه ممن لا تقوم بروايتهم حجة.","vol":"4","page":401},{"text":"وحديث أبي هريرة \" في الحمل على النجيبة، وذبح السمينة، واللبن\nيوم الورود \"","vol":"4","page":402},{"text":"أضعف من حديث أبي حمزة\nفحصل من الآية أن الحق المعلوم هي الزكاة المفروضة على ما بيناه.\nوإذا كانت الزكاة.\nوفيها أكبر الدليل على أن مال الأيتام لا زكاة فيها، ولا في أموال\nالأصاغر - غير الأيتام - الذين لم تجب عليهم الصلاة، ولم تجر عليهم\nالأقلام بالفرائض المحتومات، التي يستوجب لها تاركوها العقوبات، ألا","vol":"4","page":403},{"text":"تراه يقول سبحانه: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) .\nفأضاف الأموال إليهم، وجعل الحق المعلوم من مدحهم، فمن لا يديم إقامة الصلاة لم يكن في ماله حق معلوم وغير معلوم في حكم الآية.\nفإن قيل: أفلا تكون \"الواو\" في (والذين) قاطعة نعت المصلين، ومستأنفة ذكر غيرهم؟.\nقيل: لا يجوز ذلك، لأنا إن جعلنا الواو قاطعة لذكر المصلين\nومستأنفة لغيرهم، لزمنا أن نوجب الزكاة على أموال الكفار، فنخرج\nمن قول أهل الصلاة.\nوالواو لا تكون للاستئناف في كل موضع، بل قد تكون ناسقة\nببعض الصفات على بعض ألا ترى أنك لو قلت: قدمت على زيد\nمكرم الزوار، ومنزل الأضياف، وحامل الأثقال كانت الواو في\n\" منزل\" و\"حامل \" ناسقتين بتمام نعت زيد المكرم الزوار على ما تقدم من\nذكره، ولم تكن مستأنفة بهذا النعت لغيره، قال الله - تبارك","vol":"4","page":404},{"text":"وتعالى -: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ) .\nكما يزعم هذا الزاعم أن لو كان (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)\nليس من نعت المصلين لكان (إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون الذين في أموالهم حق معلوم) بلا واو، لأن الواو عنده مستأنفة في كل\nموضع، فهل يقول: إن قوله: (إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ)، استأنفت\nالواو بإله غير إله إبراهيم، فكيف؟!، أو ليس قد بان له - بغير\nإشكال - أن الواو نسقت بإله الآباء على إله إبراهيم، وهو إله واحد.\nوأن الواو في هذا الباب يكون كونها وحذفها غير مغير من معنى\nالصفات شيئًا، وكذلك نقول، والله أعلم كيف هو.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>قوله: (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) </span>.\nدليل على أن الزكاة تجعل فى صنف\nواحد وصنفين فتجزىء، وليس نُحتِّم أن، تجعل في الثمانية","vol":"4","page":405},{"text":"الأصناف كلها وقد لخصنا ذلك في سورة براءة، وسورة بني إسرائيل فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) </span>.\nخصوص - وهو أعلم - لأن المسميات بالتحريم في سورة النساء حرَّم فروجهن بالوطء المنسوب إلى الحلال، لا باسم النكاح، فلو جاز أن تشكل\nتحريم الأختين من ملك اليمين جاز أن تشكل العمة، والخالة،","vol":"4","page":406},{"text":"والأخت من النسب، والرضاع منه، بل جاز أن تشكل الأمهات.\nوالبنات ولا أعرف للاشتباه في هذا وجهًا، ولا الروايات فيها إلا معلولة، أو أوهامًا من الراوين.","vol":"4","page":407},{"text":"وقد ذكرناه في سورة النساء بأشرح من هذا، فليس تحل ملك\nاليمين إلا ماعدا المسميات هناك - فقط - دونهن.\nو@ي قوله: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) .\nدليل على تحريم الاستمناء، وأحسب الشافعي - ﵁ أيضًا - قد\nذكره في بعض كتبه.\nوفيما ذكر - جل وتعالى - من هذه الخصال كلها من عند قوله:\n(فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) .\nإلى آخر السورة دليل على أن المؤمن لا يسلك مسلكهم، ولا يؤخذ به طريقهم، ولا يرهقهم ذلك ولا هوان، إذ لو ساواهم المؤمنون - في هذه النعوت أو في بعضها - ما كانت عقوبة لهم، وذلك بشارة للمؤمنين كبيرة.","vol":"4","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-807>سورة نوح</span>\nقوله - تعالى، إخبارًا عن نوح ﵇ -: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) .\nحجة على المعتزلة والقدرية فيما يزعمون: أن المقتول ميت، بغير أجله، فالأجل المؤجل من الموت لا تقدم فيه، ولا تأخر.\nفإن قيل: فما معنى قول النبي، ﷺ: \" صلة الرحم تزيد في الأجل \"؟.\nقيل: معناه تزيد في الأجل الذي أجل بغير صله الرحم، كأنّه قد\nسبق في القضاء أن يوهب لواصلي الأرحام عُمُرًا يكون زيادة في","vol":"4","page":409},{"text":"أعمارهم، كما سبق فيه أنه يهب آدم لداود - ﵉ - أربعين\nعامًا، من عمره، تكون زيادة في عمر داود، ونقصانًا من عمر\nآدم ﵉.\nوهو مثل قوله، ﷺ: \" أرأيت ما نعمله من\nالأعمال، أهو في أمر قد فرغ منه، \" قيل له: يا رسول الله، ففيم\nالعمل؟!، قال \" اعملوا فكل ميسر لما خلق له \".","vol":"4","page":410},{"text":"فكان القضاء بموهبة آدم لداود كان سابقًا فتيسَّر لما خلق له فزيد في\nعمره.\nوقد رُوي: \" أن الزنا ينقص من العمر\"، فهو على ما ذكرناه.","vol":"4","page":411},{"text":"من تقدم القضاء به، وهذا معنى قول الله - ﷿ -: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ)، فيزاد فيه فضيلة\nالرحم، وينقص منه بالزنا، كما أداه الخبر، وبما شاء الله من\nالأعمال، التي لم يؤدها الخبر، وكذا قال ابن عباس - ﵁ - حين سُئل عن قول: النبي، ﷺ: \" الدعاء يرد القضاء \" فقال: هو من القضاء أن يرد الدعاء القضاء \".","vol":"4","page":412},{"text":"فكل هذه الأشياء منتظمة مؤتلفة، غير مختلفهّ، لا تشكل على أفهام\nالعلماء بالله، وبأمره ومنهاه سبحانه.\nفإن قيل: فما معنى قول النبى، ﷺ، حين أخبر\nعن ربه في قاتل النفس: \" إن عبدي بادرني بنفسه، فحرمت عليه الجنة \"، وقوله - ﵇ للسائل حين ألقى إليه\nالتمرة -: \" خذها لو لم تأتها لأتتك \".","vol":"4","page":413},{"text":"قيل: معناه أن الله - ﵎ - قضى أجل الموت، وقضى\nمبلغ الرزق، وحده، ومقداره، فيحرص قاتل النفس على ما\nيتزين له من قتلها، فيرى أنها لا تموت إن لم يقتلها، وينسى الأجل\nالمقدور فيقحم على السبب الذي جعل لموته، ويقحم طالب الرزق على\nالسبب الذي قضى له ويرى لشدة حرصه وجشعه أنه مدركه بسعيه.\nفأعلمه النبي، ﷺ، أن ليس إتيانه الذي ساق إليه\nالتمرة، ولكن ساقها إليه ما سبق له من تقدير ربه، وجعله إيّاها من\nوهكذا قاتل نفسه قدّر أن يبادر أجله، ولم يعلم أن فعله بنفسه ليس\nهو الذي أماتها، وإنما أماتها أجله. مكتوب عليه من فعله بنفسه.\nفحُرمت عليه الجنة، لتقديره الغلط، وظنه بما قام له من فرض","vol":"4","page":414},{"text":"التزيين أنه يغلب ربه بتعجيل ما أخره، ومعرفة كيفية العدل في هذا مغيب\nعنا منفرد بعلمه ربنا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>قوله: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) </span>.\nدليل على أن اسم القوم واقع على الرجال والنساء، وأنه لا يفرد به الرجال إلا بإرادته ذلك وإضماره، لا أنه اسم لا يقع إلا على الرجال فقط، لإحاطة أن نوحًا دعا الرجال والنساء إلى دينه، وقد لخصناه في غير هذا الموضع.\n(يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) .\nذكَّر المدرار - والله أعلم - لأن السماء في هذا الموضع اسم للمطر، لا للسقف المرفوع، وذلك سائر في كلام العرب قال الشاعر:\nإذا سقط السماء بأرض قوم\nرعيناه وإن كانوا غضابا","vol":"4","page":415},{"text":"فهو بين أن السماء اسم للمطر، وأحسبه سمىِ به لأنه من السماء\nينزل، أو لأنه عالٍ ينزل إلى سافل، والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>قوله: (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) </span>.\nدليل على استنزال الرزق، وتكثير الأولاد بالعمل الصالح، لأن نوحا وعد قومه على الاستغفار إمدادًا بالأموال والبنين.\nوذكر أن رجلًا كان ميناثًا لا يلد له ذكور فلزم الاستغفار متأولًا لهذه\nالآية، محتسبًا ما وُعد أهل الاستغفار فيها، فأذكر بعد ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>قوله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) </span>.\nكان بعض أهل النظر يذهب إلى أن القمر نور في إحداهن، وهي سماء الدنيا، ليس في جميعهن، ويجعل ذلك حجة لقوله، حيث جعل الأيام المعدودات.\nأيام التشريق، فلم يلزمه أن يبيح النحر في جميعها، اعتمادًا على أن","vol":"4","page":416},{"text":"الله جعل القمر نورًا في بعض السموات - وهو فى اللفظ فيهن -\nلا فيها. وليس هو عندي كذلك، إذ ممكن أن لكوّن القمر يضيء\nبوجهه الذي إلى السماء جميع أهل السموات لصفائهن، بقدرة الله -\n﵎ - فيكون نورًا في جميعهن ليس في إحداهن)\nوليس في جعله الأيام المعدودات أيام التشريق ما يلزمه أن يبيح النحر\nفى جميعهن، لعدم جرى النحر وذكره في الأيام المعدودات، وإنما أمر\nالله - سبحانه - أن يذكّر فيها\nفإن كان النحر الذي هو في يوم العاشر من ذي الحجة يجوز عند قوم -\nبضرب من التأويل في هذه الأيام - فليس ذلك لأن الأيام سميت\nبالمعدودات حتى يلزمه أن يجيز، النحر في جميعها، ولكن أجازوه -\nوالله أعلم - لأنها بقايا أيام مناسك الحج لرمي الجمار والبيتوتة بمنى.\nفلما كان النحر منسكًا من مناسك الحج ففات وقته أجيز في الأيام\nالمنسوبة إليه، والمجعولة من تمام مناسكه.\nويحيى - عندنا - فى ذلك سنة لرسول الله - ﷺ -","vol":"4","page":417},{"text":"صحيحة الإسناد أنه أجاز الذبح في جميع أيام التشريق، فاستغنينا بها\nعن التأويل في إجازة ذلك.\nفإن قال: لم يرد هذا الناظر ما ذهبت إليه بل تتحجج عليه، إنما\nأراد إبطال قول من يُلزمه النحر ثلاثة أيام، في كل يوم نحرًا جديدًا كان\nذلك أبعد من الصواب، لأن ابتداء النحر ليس هو في أول يوم من الأيام\nالمعدودات حتى يلزمه أن يحدد النحر في كل يوم بالاسم، وإنما ابتداؤه\nفي يوم الحج الأكبر، الذي ليس من الأيام المعدودات في شيء، والأيام","vol":"4","page":418},{"text":"المعدودات بعده قد فصل بينهما الليل بلا شك.\nفلا أعرف لذكره ذلك معنى في هذا الموضع، ولا أرى فيه فائدة -\nبتة - أكثر من أنه تأوّل على (فِيهنَّ نورًا) ما يمكن - وغير مستنكر -\nأن يكون ضد قوله، وخلاف تأويله، والله يغفر لنا ولقائله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>قوله: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) </span>.\nأبلغ حجة في التوسع في الكلام، الذي يدل سياقه على معناه، وأرد شيء لقول المتنطعين من المتنسكين، لإحاطة العلم بأنه - سبحانه - لم ينبتنا من الأرض كهيئة النجم والشجر، وإنما أراد - وهو أعلم - أنا من نسل من خلقه من التراب المجعول طينًا، والتراب من الأرض، فكأنا نبتنا منه نباتًا.\nفأين تحذلق المتحذلقين، وتضيّق المضيقين على المتوسعين في ألفاظ\nالكلام، المقتصرين فيه على الإشارات إلى المعاني المفهومة بالألفاظ\nالمختصرة؟!\nفإن قيل: أفلا يكون هذا ذريعة إلى إباحة القياس؟.\nقيل: إن كان القياس عند مستعمليه فهم الشيء نفسه، باختصار\nاللفظ في ذكره، فهذا - لعمري - ذريعة إليه، ومبيح القول به.","vol":"4","page":419},{"text":"وإن كان القياس عند أهله حمل الشيء على نظيره، وسالك شبه\nالمسكوت عنه مسلك المذكور باسمه فهذا بعيد منه، إذ لو كان هذا مثله\nوجب أن يكون جميع الروحانيين من الطير والهوام، وسائر الدبيب.\nوالحشرات نابتًا من الأرض كما كان آدم وذريته نابتين منه، بمعنى أنهم\nمخلوقون منها.\nولو فهم القوم عن دافعي القياس قولهم لعلموا أنهم لا ينكرون فهم\nخفي الخطاب بفصيح الكلام، وأن الذي يمتنعون منه إنما هو إنشاء العلل\nفي الملفوظ، ليحملوا عليها غير الملفوظ.\nفأمّا العلة الدالة عليها لفظ النص وسياقه، فلا يتمانعوها، إذ هي\nودليل الشيء على نفسه، وفهم ما يدق على غير أهل اللسان بالجليل عند\nأهل اللسان.\nوقد بينا في سورة آل عمران في فصل قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)، وهو أكثر اشتباهًا من هذا الفصل.\nوفي فصول كثيرة على نسق السور ما لو فهموه لأغناهم عن كثير من\nتوهمهم، وأنبأهم عما يشكل عليهم مما ليس بمشكل عند من شرح\nالله صدره، ولم يكابر عقله.\nوهم يضربون عن تبصره صفحًا اقتداء بمن لا يفهمون فهمه،","vol":"4","page":420},{"text":"ولا يسلك في السبيل إلى إباحة القياس مسلكهم، ويجوز عليه من السهو -\nفيه - ما يجوز في المسائل الذي يوصلون ترك الاقتداء به دون وضوح\nالحجة لهم.\nوالنبات مصدر خارج على غير قياس المصادر المشاكلة له، إذ لو كان\nخارجًا على شكله لكان - والله أعلم - \"إنباتًا\"، لا\"نباتًا\".\nومن النحويين من قال: إنه خارج على ضمير \" فعل \" كأنه: والله\nأنبتكم من الأرض فنبتم نباتًا، وهو أعلم سبحانه كيف هو.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>قوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)</span>\nدليل على أن ما اختاره أبو عبيد - من إعمال الفعل المتلاصق بالاسم.\nوإن كان وجها حسنًا، فإعمال المتباعد عنه -أيضًا - حسن، وأن ليس\nواحد منهما مختارًا على صاحبه، إذ كلاهما وارد في القرآن.\nولا يجوز أن يكون بعض القرآن أفصح من بعض، لأنه كله كلام الله -","vol":"4","page":421},{"text":"جل وتعالى - ألا تراه ردّ السلوك إلى الأرض، ولم يرده إلى البساط\nالمتلاصق به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>قوله: (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) </span>.\nدليل على أن في كلام العرب تأكيدًا، كما ذكرناه في غير موضع من هذا الكتاب، إذ ليس يخلو الود والسواع ويغوث ويعوق والنسر من أن يكونوا تفسيرًا للآلهة المجملة، أو يكونوا غيرها.\nفإن كانو تفسيرًا لها فقد أكد الكلام بـ (وَلَا تَذَرُنَّ) الثاني. وإن\nكانوا غيرها فقد أكد الكلام بها نفسها.\nوإنما صرفها كلها، ولم يصرف يغوث، ويعوق، لأن هذين على\nلفظ الأفعال المستقبلة، والأسماء الأعجمية.\nقوله - إخبارًا عن دعاء نوح ﵇ -: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) .\nحجة على المعتزلة والقدرية، من أجل أن نوحًا - ﵇ - لا يجوز عليه أن يدعو بالباطل، ولا الله - ﵎ - يُسأل باطلًا، وقد سأله كما ترى أن يزيد الظالمين ضلالًا، فدل على أن الكفر فيهم، والزائد بدعائه معا من،","vol":"4","page":422},{"text":"عند ربه، ومعرفة كيفيته متفرد به - ﷻ - بعلمه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>قوله: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا)</span>\nدليل على أن اسم الخطيئة واقع على الكفر، ومعناها أنها ضد الصواب، فمن خالف\nاللَّه - ﷾ - في الإيمان الذي آمن به، أو واقع ما نهى عنه\nمن كفر، أو معصية فهو مخطئ غير مصيب، وإنما تختلف عقوبة\nالفعلين فقط.\nفليس لتعلق المعتزلة في باب الوعيد باسم خطيئة ذكر في عقوبتها\nخلود وجه، لو أنصفوا من أنفسهم، وتدبروا الأمور بحقائقها، ولو\nميزوا تناقض قولهم، وقلة النظر إلى ذلك، في باب العدل، لعلموا\nأن جمع الخلود على من عصى الله - ﷻ - عمره، ومن عصاه\nيومه الذي مات فيه بغير توبة بعيد من العدل، الذي يدعون معرفته.\nفضلًا عمن كفر به عمره، فيجمع بينه وبين من آمن به دهره.\nولئن كان هذا - عندهم - غير ثالم في العدل، وثلم في جمع القضاء\nوالعقوبة على عبد، مع عظم ذاك، وخفة هذا، ألا يزول العجب ممن\nيتعجب من مكابرتهم، أو فرط جنونهم - أكبر - نعوذ بالله من","vol":"4","page":423},{"text":"الضلالة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>قوله: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) </span>.\nرد على المعتزلة والقدرية شديد لو تدبروه، وذلك أن نوحًا - مع\nنبوته - جمع في دعائه بين إضلالهم للعباد، وإيلادهم الفجار والكفار\nفلم ينكره عليه ربه، ثم أنزله على نبينا، ﷺ، في\nكتابه، كما ترى مدحًا للداعي، وذمَّا للمدعو عليه، وأخبر - نصّا\nبغير تفسير، ولا تأويل - أن المولود يلد فاجرًا كافرًا، قبل أن\nيكتسبهما كبيرًا بسييء عمله.\nفإن قيل: لم يرد أنهم يلدون كذلك قبل الاكتساب، إنما أراد أنهم\nيبلغون فيكتسبون.\nقيل: ليس هذا في التلاوة، ولو كان فيها أيضًا لما نفعهم، لأن من\nأخبر الله - ﷻ - عنه بأنه يكتسب الفجور والكفر بعد البلوغ.\nلا يقدر على اجتنابهما، وقد سوّى في الخطاب بينه وبين من لم يخبر ذلك\nعنه، وأمره أن يجتنبهما، كما أمر غيره باجتنابهما.\nفإن زعموا: أنه قادر على اجتنابهما إن شاء، أفليس","vol":"4","page":424},{"text":"إذا اجتنبها لم يكن فاجرًا ولا فاسقًا؟.\nفإن قال: نعم. ولابد من نعم، نسب ربه - ﷻ - إلى\nالكذب في قوله، والجهل بما يكون من فعل عبده، وكان ما يلحقه\nمن الكفر في مقالته أكثر مما أردناه من مناقضته، وكفينا مؤنة الاشتغال\nوإن قال: لا يقدر على اجتنابهما، بعد إخبار الله عنه بهما -\nقيل له: أوَ خاطبه - مع ذلك - باجتناجهما، أو لم يخاطبه، وترك\nسدى؟.\nفإن قال: لم يخاطبه. كابر في قوله، وخرج من قول، متبعيه\nومخالفيه، وكافة البشر، ولن يقوله إن شاء الله.\nوإن قال: بل خاطبه كما خاطب غيره، رجع إلى ما أنكره\nواستخف ما استكبره، واستسهل ما استوعره، واستراح من\nمحالاته، وعرف ضلال نفسه، وكافة أصحابه، ولن يجد من ذلك\nمخلصًا، وعلم أن نسبة الإضلال إلى من لا يقدر على حفظه نفسه غير\nمؤثر في قضائه، بشقوته وشقوة غيره، ولا ملحق بربه - سبحانه -\nجورًا تصوره هو من عدل لم يحط بمعرفته، ولا جاز أن يكون شريكه\nفي كنه وصفه \"\nومثل هذا المولود الذي قتله الخضر - صلى الله عليه - وإخبار الكفر","vol":"4","page":425},{"text":"عنه بلفظه، قبل بلوغ حينه واكتسابه بعمله، وقد ذكرناه في\nموضعه.\nوقول رسول الله، ﷺ: \" إن الله ﵎\nخلق يحى بن زكريا - ﵇ - في بطن أمه مؤمنًا، وخلق فرعون\nفي بطن أمه كافرًا \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>قوله: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) </span>، بشارة لكل مؤمن ومؤمنة يكون إلى يوم القيامة، لأن نوحًا - ﵇ - نبي، ودعاؤه مستقيم.","vol":"4","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>سورة الجن</span>\nوقوله - ﷻ -: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) .\nحجة لمن يدعو في الحجج، إليه، إذ كان هاديًا إلى الرشد على الحقيقة، فلا أعرف عذر من ينحرف فيها عنه، بعد مدح الله - ﷻ - الإنس\nوالجن بالدعاء، وذمه المنحرفين عنه، وقد لخصناه في كتابنا المؤلف في\n\"شرح النصوص \"فأغنى ذلك عن إعادته.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>قوله: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) </span>.\nدليل على أن العرب تسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة، إذ الجد في هذا الموضع العظمة والجلال، وفي غيره البخت وأبو الأب.\nوفيه - أيضًا - رد على المعتزلة فيما يزعمون: أن الشيء إذا سمي به\nشيء لم يعد به إلى غيره، وقد لخصنا خطأه عليهم في غير موضع.\nومثله قوله: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)،","vol":"4","page":427},{"text":"و\"الأحد\" اسم من أسماء الله ﵎.\nوفيه - أيضا - حجة على تسمية المخلوقين بأسماء الخالق ﷿.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>قوله: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)</span>\nدليل على سعه اللسان، لأن الحرس جمع، وجعل الشديد في نعته، على لفظ\nالواحد، ولم يقل: أشدادً\nفأما أن يكون - والله أعلم - على اللفظ، لأن لفظ الحرس\nلفظ الواحد، وإن كان جمعًا، وأما أن يكون رُدَّ على الحارس، أي كل\nحارس من الحرس شديد.\nوكذلك (شُهُبًا) دليل على السعة، لأن الشهب جمع شهاب.\nوالشهاب النار، لقوله - إخبارًا عن موسى -: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ) .\nفأما أن يكون شبه لنا ضوء الكواكب وحرها بالنار، إذ جعله اسمًا لها\nوللنار معًا، وأيهما كان فالسعهّ فيه بينة.","vol":"4","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>قوله: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) </span>، حجة على المعتزلة والقدرية، لإخبار الله - ﷻ -\nعن الجن بإرادته الشر بمن في الأرض، كإرادته بهم الرشد، ولم ينكره من قولهم، ولا نسبهم إلى الكذب عليه فيه، بل أنزله في جملة\nالقرآن العجب على رسوله ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>قوله: (إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) </span>.\nهو - لامحالة - عصيان الكفر، لا عصيان الذنب، فمن شبه عليه من المعتزلة، وتعلق بظاهر لفظ العصيان نبهه عليه قوله: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) .\nلأن المسلم - عاصيًا كان أو غير عاص - لم ينسب قط رسول الله، ﷺ إلى أنه لا ناصر له، ولا كثرة عدد تغلب بهم، وإنما كان ينسبه إلى ذلك الكفار، ويرون أنه مغلوب لقلة عدده، وأنصاره، وكانوا يعصونه.\nولا يطيعونه، ويتربصون به ريب المنون، وكانت معصيتهم للرسول\nمعصية لله - ﵎ - فأنزل الله هذه الآية فيهم، وأخبر أنهم إذا","vol":"4","page":429},{"text":"أفضوا إلى الخلود في النار عرفوا أنهم كانوا هم الأقلين عددًا وأنصارًا.\nإلا الرسول، ﷺ، وهو بين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) </span>.\nرد على من يزعم من الشيعة أن الإمام يعلم الغيب وهذا من كبار حماقاتهم، وقد أخبر الله - ﷻ - أنه لا يظهر عليه إلا من ارتضاه رسولًا، والإمام ليس برسول.\nمع أن دعوتهم لهذا الإمام - نفسه، أيضًا - حماقة، لأن إمامًا لم يسعد به من قد مات من منتظريه، لا يسعد به مدركوه، وليس بشيء\nإذ كل إمام أقامه الله - ﷻ - في زمان من الأزمنة سعد به\nالجميع، لا بعضهم دون بعض، إلا من شق عصاه.\nوالإمام المستور ليس بإمام، إنما الإمام الظاهر الآمر الناهي، قوي\nفي أمره ونهيه أم ضَعُف.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) </span>،","vol":"4","page":430},{"text":"أشد ما يكون من الاختصار، إذ نصب \" الرصد \" لابد من اختصار ضمير يكون فيه، كأنه - والله أعلم - \" فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه\nملائكة يكونون رصدًا له \" فينصب على ضمير خبر يكونون، أو يكون\nنصبه حالًا، كأنه ملائكة رصدًا له.\nوقد يجوز - والله أعلم - أن يكون المراد به أن الله ﷻ يسلك\nمن بين يديه ومن خلفه بالرصد من الملائكة، كما تقول: سلك الرجل\nالطريق، وسلك به غيره، فيكون نصب الرصد بانتزاع الخافض.\n(لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ) .\nفعلمه بذلك - سبحانه - ليس بمحدث في وقت تبليغ رسالة الرسل، بل علمه قديم أزلي بالأشياء كلها، قبل كونها بتكوينه لها، وهو في هذا على سعه\nاللسان، أي يراهم مبلغين للرسالة، سامعين لربهم، مطيعين.","vol":"4","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>سورة المزمل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>قوله - تعالى -: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)</span>\nدليل على أن من لم يؤمن بالقيامة فهو كافر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>وقوله: (يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا)</span>\nيحتمل أن يجعلهم شيبًا بطوله.\nويحتمل بأهواله وأفزاعه، وأنواع شره المستطير، التي تشيب\nالنواصي، على المبالغة، والله أعلم -","vol":"4","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>قوله: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ)</span>\nذكر السماء - والله أعلم - على اللفظ\nو(به) قد يحتمل أن تكون الباء فيه بمعنى \"في \" كما قال: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)، والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>قوله: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ)</span>\nيجوز أن تكون \" الهاء \"","vol":"4","page":433},{"text":"راجعة على الموعظة، أو على السورة، وإن كانت كلها مواعظ.\nويجوز أن تكون لتأنيث التذكرة نفسها، كما تقول: هذه جارية.\nوالله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>قوله: فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ)</span>\nليس بناقض لما ذكرناه فى سورة بعد\nسورة من تبع مشيئة العباد لمشيئة الله ﷻ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>قوله: (إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا)</span>\nأي إلى طاعة يتقرب بها إلى ربه.\nفيأمن بها من أفزاع القيامة، وأهوالها، والله أعلم\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>قوله: (هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)</span>\nدخلت (هُوَ) في الكلام، ولم تغير الإعراب، لأن ما تقدمه من الفعل أقوى منها، فعمل فى الإعراب دون هو، ومثله في القرآن موجود، مثل قوله: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ)، وأشباهه، مع أني أحسب","vol":"4","page":434},{"text":"أنهم قد استعملوها أيضًا.","vol":"4","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-832>سورة المدثر</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>قوله: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) </span>.\nبشارة للمؤمنين كبيرة، إذ لا يكون على الكافرين غير يسير، إلا وهو على المؤمنين يسير، والله أعلم.\nولو كان عليهما - معًا - عسيرًا ما كان للمؤمنين عليهم فضل، ولا\nكان في الكلام فائدة.\nفمن يسره تقصير طوله - في أعينهم - واستظلالهم في ظل عرش\nربهم يوم لا ظل إلاّ ظلُّه، إذ ليس يخلو مؤمن - إن شاء الله - من فيض\nعينيه إذا ذكر الله خاليًا، وربما كان ذلك في عمره ما لا يحصي عدده غير\nربه، فهذا أعم ما في السبع الخصال التي ذكرها رسول الله - ﷺ - أن الله - ﵎ - يظل أصحابها في ظله، يوم لا ظل إلا ظله.\nفيسعد بها - إن شاء الله - جميعهم، ويشارك كثير منهم في الستة","vol":"4","page":436},{"text":"المذكورة معه من وفقه له ربه.\nوالسبع: \" إمام عادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل ذكر اللَّه خاليًا ففاضت عيناه، ورجل كان قلبه معلقًا بالمسجد إذا خرج منه حتى\nيعود إليه، ورجل دعته امرأة ذات نسب وجمال فقال: إني أخاف\nالله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تصدق به يمينه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>قوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) </span>.\nمن المواضع التي يحسن فيها حذف هاء المفعول، لأنه لم يقل: \" خلقته \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>قوله: (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) </span>.\nقد أزال كل لبسة عن أن القرآن كلام الله، غير مخلوق.\nواللفظ به غير مخلوق، لتواعده الوليد بن المغيرة فيما نسبه إلى قول","vol":"4","page":437},{"text":"البشر، وإذا لم يكن قول البشر، فلا يكون إلا قول الخالق، وإن تلاه\nالبشر -أيضًا - فلا يكون قوله، بل يكون قول من بدأ به، وهو اللَّه ﷻ.\nفلم يصر بتلاوة جبريل على رسول الله، ﷺ.\nمخلوقًا، وجبريل مخلوق، ولا بتلاوة رسول الله، صلى الله عليه\nوسلم، على أصحابه مخلوقًا، ورسول الله، ﷺ.\nمخلوق، ولا بتلاوة التالين إلى يوم القيامة، وإن كان التالون له مخلوقينْ.\nوقال رسول الله، ﷺ: \" إن أفواهكم طرق\nللقرآن، فطهروها بالسواك \" والأفواه مخلوقة، وهي تؤديه،","vol":"4","page":438},{"text":"فلا يصير مخلوقا.\nوقد قال: طرق للقرآن - كما ترى - ولم يقل: لحكاية القرآن.\nفالقرآن لا يكون لفظًا للعباد، ولا حكاية لهم عن غيرهم أبدًا لأنه\nذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله ﷻ، كيف احتمل، وكيف\nأدي.\nولا أدري كيف اشتبه هذا على اللفظية، والقائلين بالحكاية، ولو\nأنعموا الرويّة باتقاء وخشية، ونصحوا أنفسهم،","vol":"4","page":439},{"text":"ولم يعتبوا عقولهم لعلموا: أن كل كلام ابتدأ به متكلم، ولفظ به\nلافظ، لا يقدر أحد غيره أن يتكلم به، ولا يلفظ به أبدًا، لأن الذي\nيحتمله من نطق غيره، ويؤديه إلى الأسماع هو كلام المبتدي به - لا\nمحالة - لا كلامه، إذ محال أن يكون كلام واحد لمتكَلِّمَين، ولفظ\nواحد للافظين في حال واحدة، ولا في حالين -أيضًا - إن ظن\nظان أنه يمكن في حالين، لأنه لا يكون إلا حالًا واحدة، إذ حال\nالكلام واحد بالسبق إليه.\nوالحال الثانية: تكون للأداء والإخبار، وكلاهما غير كلام المبتدي\n. وكلام المبتدي واحد حين ابتدأ، وحين أخبر عنه وأدي.\nفإن كان هذا الإخبار والأداء عن كلام غير القرآن من كلام البشر.\nكان -أيضًا - كلام ذلك البشر، لأن كلام المخبر والمؤدي إخبار\nوأداء وإن كان الأداء والإخبار عن القرآن، الذي هو","vol":"4","page":440},{"text":"كلام الخالق فهو كلامه، وهو غير مخلوق، وإن كان يؤديه مخلوق، ويخبر\nبه مخلوق، فتفهمه وإن دق عليك، فإنك تجده كذلك، إن شاء الله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>قوله: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية، في الإضلال والمشيئة - منه - فيه الذين لا يؤمنون بهما بتة، ويخالفون نص القرآن فيه، ويتابعون أهل الكفر فيه.\nفقد روي أن عمر بن الخطاب كان يخطب، وعنده جاثليق (١) يترجم\nله، فلما قال عمر: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي\nله، نفض الجاثليق جبته كهيئة المنكر لقول عمر.\nفقال عمر: ما يقول، فسكتوا عنه ثلاث مرات، كل ذلك ينفض\nجبته.\nفقال عمر: ما يقول، قالوا: يا أمير المؤمنين: يزعم أن الله لا يضل أحدًا.\nفقال عمر: كذبت يا عدو الله، بل الله خلقك، وهوأضلك، ثم\nيدخلك النار - إن شاء الله - أما والله لولا ولث (٢) عقد لك لضربت\n_________\n(١) الجاثليق: فسره ابن عباس أنه عظيم عظماء النصارى. انظر كتاب القدر لابن وهب ص (١١٤) .\n(٢) في المخطوط \" ولت، والتصحيح من المصادر التي أوردت الأثر، مثل كتاب السنة (٢/ ٤٢٣)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٦٥٩) . والولث: بقية العهد -","vol":"4","page":441},{"text":"عنقك. إن الله - ﵎ - خلق أهل الجنة وما هم عاملون.\nوخلق أهل النار وما هم عاملون، فقال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه.\nفتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>وقوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) </span>.\nدليل على أن الإسفار هو يعقب طلوعه إذا وضح، وأن الإسفار بصلاة الصبح يكون حينئذ، لا تركه إلى امتحاق النجوم، مضاهاة النصرانية، كما روي عن","vol":"4","page":442},{"text":"رسول الله، ﷺ.\nوأن قوله: \" أسفروا بصلاة الصبح، فإنه أعظم للأجر \".\nهو هذا الإسفار، وهكذا قال أحمد بن حنبل - ﵁ -\nحين سُئل عن الإسفار ماهو، فقال: هو أن يصبح فلا يشك في\nطلوعه.","vol":"4","page":443},{"text":"وهو كما قال، لأنه يبدو عند ابتداء طلوعه خفيًّا لا يتبينه كل أحد.\nفإذا وضح عرفه الجميع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>قوله: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) </span>.\nوكل ما في القرآن من مثل هذه المشيئة، فهي على ما بينته في غير موضع، أن مشيئتهم تبع لمشيئة الله - جل وتعالى - لقوله سبحانه: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) .\nفمن زعم: أن مشيئته غالبة مشيئة الله فقد كفر بيقين، فصح أن\nمشيئة العباد تبع لمشيئة الله - ﷿ - إذ لا ثالث له\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>قوله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) </span>.\nيقال - في التفسير -: إنهم ولدان المسلمين فى هذا الموضع، لا يحاسبون، لأنهم لم يعملوا معصية ارتهنوا بها.","vol":"4","page":444},{"text":"فإن قيل: فإذا كان هكذا، فما معنى قول النبي، صلى الله عليه\nوسلم، حين قالت له عائشة - في طفل أتي به ليصلي عليه -:\nعصفور من عصافير الجنة لم يعمل خطيئة. فقال: \" أو\nغير ذلك يا عائشة، إن الله - ﵎ - خلق للجنة أهلا.\nبأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، مدمن عليهم، لايزاد فيهم ولا\nينقص منهم إلى يوم القيامة\".","vol":"4","page":445},{"text":"قيل: القرآن - والله أعلم - ذكرهم على الظاهر الأعم، والنبي.\nﷺ، أجاب عائشة على الباطن الأخص، حين أشارت\nإلى طفل بعينه، وشهدت له بالجنة، فأعلمها - ﵇ - أن\nالإشارة إلى شخص بعينه لا تجوز، لأنه لا يدرى كيف كتب عند\nالله، وفي أي القبضتين خرج.\nوهذا كما يقال: المقتول في سبيل الله شهيد، فإذا قُتل شخص بعينه\nلم يجز أن يشهد عليه بالشهادة، كما قال عمر بن الخطاب - ﵁ - في حديث أبي العجفاء السلمي: والأخرى تقولونها في\nمغازيكم، قتل فلان شهيدًا، ولعله قد أوقر ركابه ذهبًا وفضة -\nيريد الغلول - فلا تقولوا: فلان شهيد، ولكن قولوا كما قال رسول\nالله، ﷺ: \" من قتل في سبيل الله، فهو شهيد\".","vol":"4","page":446},{"text":"وكحديث مِدْعم مولى رسول الله، ﷺ، حين\nجاءه سهم غرب في بعض مغازي رسول الله، ﷺ.\nفقتله. فقال الناس: هنيئًا له الجنة. فقال النبي، صلى الله عليه\nوسلم: \" كلا إن الشملة التي أخذها من الغنائم - لم تصبها\nالمقاسم - لتشتعل عليه نارًا \" فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك.\nوشراكين إلى رسول الله. فقال رسول الله - ﷺ -","vol":"4","page":447},{"text":"\" شراك من نار، وشراكان من نار\".\nفأخبر ﷺ أن قتل مِدْعم، وإن كان ظاهره شهادة\nفباطنها غيرها، للغلول الذي تقدّمه، فلم يصر من أجلة في جملة\nالشهداء. والأخبار في هذا المعنى كثيرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>قوله: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) </span>.\nدليل على توكيد حرمة المسكين، حين قرن تضييعه بترك الصلاة، وخوض\nالخائضين، وتكذيب بيوم الدين، وكما قال - ﵎، في\nسورة الحاقة -: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) .\nوكقوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) .\nفقد أكده - سبحانه - هذا التأكيد، والناس في غفلة عنه، فقصارهم","vol":"4","page":448},{"text":"تضييع حقوقهم، والتهاون بإطعامهم، ونسيانهم بالكلية، وربما.\nزبروهم (١)، وطردوهم، وانتهروهم، فماذا عسى يكون\nوزن هؤلاء عند ربهم؟!، وما يكون حالهم في معادهم؟!.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>قوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) </span>.\nدليل على أن هناك شفعاء يشفعون غير محمد، ﷺ، فيشفعون، إذ لا يزيل منفعة الشفاعة عن قوم، إلا وهناك من ينتفع بها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>قوله: (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) </span>.\nمثل قوله: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)، نظير ما مضى من أشباهه، في أن مشيئة العبد تبع لمشيئة الله، وأن مشيئته - جل وتعالى - متقدمة على مشيئته، لولا ذلك ما استطاع العبد فعل شيء، ولا كانت مشيئة في شيء.\n_________\n(١) الزبر: هو الزجر والمنع. انظر لسان العرب (٦/ ١١)، ومختار الصحاح ص (٢٠٣)، مادة \" زبر \".","vol":"4","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>سورة القيامة</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>قوله: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) </span>.\nرد على من يقول بالدهر، وقدم العالم، ومن يقول: إن المعتاد من مجاري الليل والنهار والشمس والقمر لا يتغير، وقد أخبر الله - تعالى، نصًا، كما ترى - أن الشمس والقمر يجمع بينهما، وفي الجمع بينهما ذهاب المعتاد من\nمجاريهما، فإن كان مؤمنًا بالقرآن، فالقرآن قد نقض قوله، وإن لم\nيؤمن تلي عليه، فإن قبله ورجع عن قوله، وأقر بالقيامة، وقيام\nالساعة، وإلا استُتيب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.\nولا يقر على هذا القول، لأنه ليس من أهل الجزية، فتؤخذ منه ويخلى\nبينه وبين مذهبه، واعتقاده.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>قوله: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) </span>.\nمن العلماء بالقرآن من قال: يريد بل للإنسان من نفسه عليها بصيرة. كأنه يذهب به إلى الاعتبار بما يراه منها، ومن أحوالها، كما قال: وَفِئ أَنفُسِكم أَفَلاَ تبصرون)، يقول أهل، التفسير:","vol":"4","page":450},{"text":"إنه سبيل الغائط والبول، يجعلهما الإنسان عبرة يعتبر بها، فيعلم\nأنه مدبر مملوك، وأن مالكه الذي أدخل الطعام والشراب في جحر\nواحد، وأخرجهما من جحرين مختلفين، مميزًا بينهما، مبقيًا\nنفعهما، هو القادر على كل شيء، وهو الرب الذي يفعل ما يشاء.\nفيوطن نفسه على طاعته، ويجتنب مساخطه، فإنه في قبضته لا يقدر\nعلى الفرار منه.\nوقد يجوز أن يكون على ظاهره، فيكون بل الإنسان بنفسه بصير\nفتدخل فيه \"الهاء\" على التأكيد والمبالغة، كما قالوا: رجل علامة\nونسابة، ويكون (عَلى) بمعنى\"الباء\" كما بدل العرب حروف\nالصفات بعضها من بعض، والله أعلم كيف هو.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>قوله: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) </span>.\nأي ولو أسبل ستوره عند","vol":"4","page":451},{"text":"خلوته بالمعاصي.\nوأهل اليمن يسمون الستور المعاذير، واحدها معذار.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) </span>.\nدليل إلى الإشارة إلى المعنى، وإن لم يجر لفظه في أول الكلام، لأن \"الهاء\" في (به) راجعة على القرآن، ولم يذكر قبلها، فاستغنى بما دل عليه آخر\nالكلام، إذ يقول: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) .\nوهو من المواضع التي يبين آخر اللفظ فيه عن أوله، وهو مع ذلك من أدل دليل على أن القرآن المسموع من لسان العباد كلام الله غير مخلوق، ولم يصر لفظًا ولا حكاية، وأنه القرآن المحض الذي تكلم الله به، وليس للعباد به\nلفظ أصلًا، إنما حملوه حملًا، وأدوه أداء، كما يحمله الكاتب بكتابته\nمن غير أن يكون له فيه ممازجة لفظ، وهو بين لا ينبغي أن يدق على\nفهم من أقر بأنه كلام الله غير مخلوق، فيشك في اللفظ والحكاية.\nلأنه ليس للتالي، ولا للكاتب، ولا للحافظ، ولا للسامع صنع في\nاللفظ، ولا في الحكاية، ومن شك فيهما وقدر أن له لفظًا فيه إذا\nأدّاه، ويصير بأدائه حكاية فقد رجع عن قوله: إنه كلام الله غير","vol":"4","page":452},{"text":"مخلوق، واستوى مع من يقول بخلقه، وكفر كفرًا صراحًا لأن اللفظ\nلا يكون من لافظين في حال واحدة، ولا الكلام يكون حكاية ومحكيًّا من\nواحد في حال واحدة، إذ لابد من عدم أحدهما بوجود الآخر.\nفلما كان المتكلم لا يقدر على ابتداء كلام قد سبق إليه، فيكون هو -\nأيضًا - مبتدئًا به، كما كان الأول مبتدئًا به، فتلا القرآن الذي\nابتدأ الله بالتكلم به كان الكلام لله وحده، وكان هو الموجود.\nوكلام التالي الذي يظن الظان أنه كلامه عدمًا بيقين، إذ لا يجوز أن\nيكون كلام الله عدمًا - وهو كلامه - بأداء مخلوق بالله، والآية ليست\nبكلام، وقد أيَّس الله الناس جميعًا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقال:","vol":"4","page":453},{"text":"(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) .\nأفليس من يظن على أن يقدر على اللفظ بالقرآن فقد زعم أنه من أتى بمثله وحده من غير تظاهر، وكذب الله -\nﷻ - في قوله، واستحق القتل.\n(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) .\nنص بلا تأويل أنها تنظر إلى ربها نظر العين - لا محالة - ومن قال: إنها منتظرة تنتظر الثواب فليس بخلاف، لما دل عليه القرآن إذ لا ثواب أجل من انتظاره رؤية الرب - سبحانه - لأنه غايه الطالبين، وأمتع تمتع المتمتعين، ولولا خذلان الجهمية ما أنكروا ذلك، ولو لم يكن فيه قرآن يتلى، ولا\nأخبار عن الرسول التي تروى برواية الصادقين الأعلام المشهورين.","vol":"4","page":454},{"text":"وهو موضوع بشرحه في ردنا على الباهلي، والدوري وابن أبي يعقوب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) </span>.\nالظن فيها بمعنى العلم، وهو كلمة من الأضداد، قد ذكرناها في غير هذا\nالموضع، وهكذا (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) .\nأي وعلم، والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>قوله: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) </span>.\nيؤيد أن ترك الصلاة كفر.\nإذ قرنه - ﷻ - مع تكذيب الرسل، وترك تصديقهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>قوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) </span>.\nفيه خصوص، إذ آدم، وحواء، وعيسى - ﵈ - خارجون\nمن الإمناء.","vol":"4","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>سورة هل أتى</span>\nقوله - تعالى -: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) .\nيذهب ناس إلى أن (هَل) بمعنى\"قد\" أتى على الإنسان.\nوليس هو عندي كذلك، بل هو - والله أعلم - على ظاهره\n(هَل) إذ محال أن يأتي الحين على الشيء العدم، إنما يأتي الحين على\nالشيء الموجود، فكأنه قال - والله أعلم -: هل أتى على الإنسان\nمنذ خلق فصار إنسانًا حين من الدهر لم يذكر في جملة المخلوقين، أو لم\nيذكر بخير، أو بشر، أو بتهديد، أو بتبشير، أو بتعديد النعم\nعليه، أو بتخويف مما وراءه من أهوال القيامة، والنار، وما أشبه\nذلك ولا أدري كيف اضطر من جعله بمعنى \"قد\" فخرج عن","vol":"4","page":456},{"text":"العرف، مع بيانه ووضوحه، وقلة تشابهه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>قوله: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) </span>حجة على الجهمية شديدة خانقة، ألا تراه كيف أخبر\nعن تجعيله الأمشاج المبتلى سميعًا بصيرًا، ووصفه - به - بما وصف به نفسه من السمع والبصر، إذ يقول: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) .\nفسوى بين الصفتين، ولم يخالف بين اللفظين فأخبر\nذلك، لأن الله سميع بسمع وبصر غير مخلوقين، يعرف صفتهما\nمن نفسه كهيئة ما هما له سبحانه.","vol":"4","page":457},{"text":"ولا نقول نحن بكيفيتهما من غير أن نتجاهلهما، فنزيل عنهما\nالحقائق ونأخذ بهما طريق المجازات، فندخل في التعطيل، لأن من\nنفى عن الله ﷻ - حقائق وصفه، أو حقائق فعله فقد عطله.\nومن عطله، فقد كفر وحل دمه. وإن لم يثبت وأخذ بالسميع\nوالبصير إلى معنى الإدراك خوفًا من التشبيه لم يسلم من التشبيه بل\nتعجل الخسران في ترك لفظين نازلين في كتابه، ورد اسمين له -\nسبحانه - إلى اسم واحد، وهو \"المدرك \".\nوكيف يسلم من التشبيه؟! أليس للمخلوق - أيضًا - إدراك لأشياء.\nوإن لم يدرك جميعها، كما يدرك الله جميعها؟!، كما له أن علمًا\nبأشياء، وإن لم يحس بجميعها، كما يعلم الله جميعها فهو يسمى عالمًا\nوعليمًا، ويسمى الله عالمًا وعليمًا، فلا يكون تشبيهًا كما يظنه\nالجهمي المخدوع، لأن علم المخلوق الذي سُمي به عالمًا وعليمًا مستفاد\nمتعلم، وعلمه - سبحانه - أزلي صفة من صفاته غير متعلم ولا مستفاد، كذلك سمع المخلوق مصنوع فان، وبصره مثله يفنيهما الله إذا شاء، ثم يعيدهما إذا أحياه كما ابتدأهما بقدرته، وكذلك بصره.","vol":"4","page":458},{"text":"وسمع الله وبصره كائنان أزليتان فيه بلا إحداث محدث، ولا صنع\nصانع، حقيقيا غير مجازين، معروفان عند نفسه، معروف حقيقتهما\nعنده، معروف عندنا حقيقتهما بغير معنى الإدراك، بل بمعنى\nالسمع والبصر، مسكوت عن كيفيتهما، كهيئة ما هما عنده سبحانه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>قوله: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) </span>.\nدليل على أن المؤمن وإن دخل النار بعصيانه وجرمه وأحرق في النار بقدر جنايته لم يغل، ولم يجعل في السلاسل حتى يعتقه الله برحمته، ويذر الكافرين في\nالسلاسل، والأغلال، والسعير الذي يستعر عليهم، كلما نَضَّجَ له\nجلدًا استعر على الجلد الذي يبدل له، خالدًا مخلدًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>وقوله: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) </span>.\nدليل على أن \"الباء\" إذا دخلت مقحمة - في الكلمة على سعة اللسان - لم يغير من المعنى شيئًا.","vol":"4","page":459},{"text":"وفيه حجة لمن يقول: إن قوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) .\nلم يغير من مسح جميع الرأس شيئًا، كما قال في التيمم: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) فلم يغير من مسح جميع الوجه شيئًا.\nوإن قول القائل: إن دخولها في مسح الرأس للتبعيض إغفال.","vol":"4","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>قوله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)</span>\nدليل على أن إطعام الأسير يؤجر المطعم عليه، وهو مرضي أخلاقه، وإن كان الأسير كافرًا لأن الله - ﵎ - قرنه بإطعام اليتيم والمسكين كما\nترى، وجعله مدحًا لفاعله، فليس لأحد أن يتنطع فيقول: لا أطعمه.\nولا أحسن إليه، لأنه معونة على كفره، لأن الله - ﵎ - قد\nأعد له في الآخرة عذابًا على خلوده في النار، إن مات على كفره، ما\nهو كاف من إجاعته في الدنيا، ألا ترى إلى الخليل إبراهيم - صلى اللَّه عليه - حين دعا للبلد الحرام فقال: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .\nقال الرب - ﷿ -: (وَمَنْ كَفَرَ)","vol":"4","page":461},{"text":"أي ومن كفر فأنا أرزقهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>وقوله: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ) </span>الآية.\nدليل على أن من خافه في الدنيا، وأخذ أهبته من طاعة ربه، أمَّنَه من\nأهواله، ووقاه أفزاعه، وكذا قال في سورة النمل: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) .\nويقال: إن الحسنة - في هذا الموضع - لا إله إلا الله، والسيئة الشرك.","vol":"4","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>قوله: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)، إلى قوله: (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)</span>\nقال بعض المفسرين: بما صبروا عن الدنيا جملة، فدخل\nفيه كل مصيبة شديدة ورزية، بفقد مال وموت حميم، وقريب، ونسيب\nوصديق، ومضض الفقر والأوجاع والأمراض، وخوف العدو، وجور\nالسلطان، وأشباه ذلك، إذا جرع غصصه، وصبر على آلامه، وسلم\nفيها لحكم ربه، وعلم أنه منظور له بذلك، ومجعول كفارات لذنوبه.\nورافع له في درجاته، ومسلوك به سبيل أنبيائه ورسله، وأوليائه.\nوالصالحين من عباده، هان عليه - عندها - ما هو فيه، وأيقن بثواب\nربه، ولم يكره بالازدياد منه.\nوقد قال رسول الله صلى، الله عليه وسلم: \" ليودنَّ أهل العافية في\nالدنيا - يوم القيامة - أن جلودهم قرضت بالمقاريض، بما يرون من\nثواب أهل البلاء\".","vol":"4","page":463},{"text":"وقال: \"إن الله - ﵎ - ليتعاهد وليه بالبلاء كما تتعاهد الوالدة ولدها بالخير\".\nوسئل - ﵇ - أي الناس أشد بلاء، قال: \"الأنبياء، ثم\nالأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه \" أو قال: \" على قدر\nدينه، فإن كان صلب الدين على حسب ذلك، وإن كان رخو الدين\nفعلى حسب ذلك، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي في الأسواق\nوما عليه خطيئة\".","vol":"4","page":464},{"text":"وقال: \" إذا أحب الله قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن\nسخط فله السخط \". مع أشباه لهذا.\nوإذا كان كذلك استوجب - برحمته - ما وعده في هذه الآية، إلى\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>قوله: (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) </span>.\nيقال في (وَذُلِّلَتْ): أدنيت حتى يتناولوها بالقطف قيامًا،","vol":"4","page":465},{"text":"وقعودًا، ونيامًا، وعلى كل حال، تتطامن لهم الشجرة حتى\nيتناولوا ثمارها بلا تعب، ولا نصب، فإذا فرغوا من تناولها استعلت\nفعادت كما كانت، هذه سبيلهم أبد الأبد.\nوقد قيل في: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا): إنهم صبروا عن\nالشهوات. والشهوات - أيضا - من الدنيا في تركها مضض.\nوشدة على النفوس، فهو موافق لما قلناه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>قوله: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) </span>.\nيقال: قدروها على مقدار ريهم.\nوفيه دليل على أنهم عوضوا من تركهم إدارة المحّرم","vol":"4","page":466},{"text":"عليهم من خمر الدنيا في أقداح الزجاج، بأواني الفضة، التي هي في\nصفاء الفضة، وبياض المرجان من خمر الجنة، التي (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)\nأي لا تنزف عقولهم بالسكر، ولا أموالهم التي كانوا يجعلونها - في الدنيا - أثمانًا للأعناب المعصورة، ومنقودة فيها نفسها، وشربه فيما أعان على شربها، ومجعوله في الملك، وأثمان المغنيات، وأجدادهن، وعطاياهن، وعطايا غيرهن ممن يجري مجراهن في ملاذ النفوس، وشهوات القلب.\nفصار الداخلون إلى الجنة في أمن من كل ذلك، يغرف الخمر من.\nأنهار الجنة الجارية فيها بلا ثمن، والاستمتاع بما يحبرون في رياضها.\nبلا حذر، ولا عطية، رغدًا كيف شاءوا، ومتى شاءوا، كما قال -\n﵎ -: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) .","vol":"4","page":467},{"text":"قال: السماع في الجنة.\nوقد قيل في قوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) .\nإنه ضرب الأوتار تصوّت بالتسبيح والتقديس بنغم لم يسمع الخلائق\nبمثلها.\nوقيل في الشغل: إنه افتضاض العذارى.\nوهو عندي هذا وهذا، يلهون تارة بالسماع وأصوات الأوتار، وتارة\nبافتضاض العذارى، وكذا قال - في سورة أخرى: - (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) .\nأي بكأس الخمر - والله أعلم - فلا يكون فيها لغو أهل الدنيا\nوأباطيلهم.","vol":"4","page":468},{"text":"وهَدْر القول الذي يؤثم قائله ومستمعه، والنظر إلى المدير، وتمني\nالمعصية معه، فعرضوا في الإدارة عليهم في الجنة - لما تجنبوا في الدنيا\nمثله - بغلمان يديرونها، ويطوفون بها عليهم، من غير إثم يلحقهم\nبالنظر إليهم، لما نزع من صدورهم من الغل في تمني الباطل.\nواستغنائهم بالحور العين، وافتضاض الأبكار.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>قوله: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) </span>.\nدليل على أن لذع الألسنة في الخمر مدح لها، ولذة لشاربها، ولذلك مدحها بمزاج الزنجبيل على ما في سجايا البشر، غير أنه حرمها بجميع صفاتها في الدنيا، فعوض - سبحانه - من تركها في الدنيا بما هو فيها لذة من اللذع، وأزال عنها السكر الذي هو فيها عيب.\nيقال: إنها تمزج لأصحاب اليمين، ويشربها المقربون صرفًا.\nويقال: السلسبيل، هو الحديد الجرية. ولها مزاج آخر","vol":"4","page":469},{"text":"وهو الكافور، ولكنه - والله أعلم - ذكر الكافور لطيبه، لا لمرارته.\nإذ ليس في الجنة مرارة تكدر شيئًا من أطعمتها، وأشربتها.\nذكر الله هذه الكأس في أول السورة للأبرار يشربونها هكذا ممزوجة\nلهم بالكافور، جزاء على وفائهم بالنذر، وخوفهم يومًا كان شره\nمستطيرًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>قوله: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) </span>.\nيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون وصفهم بصفاء الألوان.\nورطوبة الأبدان، وذهاب الأدناس، كما يوصف اللؤلؤ الرطب\nالمكنون عن الغبار وغيره، ليبقى صفاؤه، ولا يذهب ماؤه\nفيكون الولدان - في حسبان الناظر إليهم - أبدًا كذلك.\nوالوجه الآخر: أن يكون وصفهم بالنفاسة، وغلاء الأثمان لو كانوا\nفي الدنيا، كما يغلوا النفيس فيكثر ثمنه، ويعز أشباهه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>وقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) </span>.\nحجة على المعتزلة","vol":"4","page":470},{"text":"والقدرية، لنفي المشيئة عنهم قبل مشيئته، وكذلك: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) .","vol":"4","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-863>سورة المرسلات</span>\nقوله - ﷿ -: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) .\nهو - والله أعلم - إهلاكهم بعقوبة الذنب، لا إهلاك الموت الذي يسوى\nكل فيه، والدليل عليه قوله: (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) .\nفجعله خصوصًا لهم، لأن إهلاك الموت الذي ليس بعقوبة الذنب، يشترك فيه النبيون والمرسلون، والملائكة المقربون، والصالحون والطالحون، وهو\nقوله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) .\nوهو - والله أعلم - تقريع للآخرين أن لايعملوا بأعمالهم، ولا يسيروا بسيرتهم، فيستوجبوا مثل إهلاكهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>قوله: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)</span>\nخطاب لمن كان في زمن\nالوحي إلى يوم القيامة، وإن كان من قبلهم -أيضًا - مخلوقًا من هذا\nالماء، إلا آدم، وحواء، وعيسى - ﵈ - فإنهم لم يخلقوا.\nوهو خصوص خارج عن العموم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>قوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)</span>\nوتكراره، دليل على إجازة التأكيد","vol":"4","page":472},{"text":"في الكلام، ورد على من نفاه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>قوله: (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)</span>\nعلى لفظ الأمر، كأنه -\nوالله أعلم - يقال لهم: ذلك يوم القيامة.\nوهو حجة في إجازة الضمير، واختصار الكلام، والتحري بفهم\nسامعه عن إظهاره.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>قوله: (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)</span>\nيقال إن الكفار إذا اشتد عليهم لهب النيران ذكروا الظل\nالذي كانوا يستظلون به في الدنيا، فرفعت لهم أصنامهم\nالتي كانوا يعبدونها، وجعل لها ظل في أعينهم، فقيل لهم: انطلقوا\nإلى ظل أصنامكم فاستظلوا بها، فإذا مروا إليه كان حر ذلك الظل\nأشد عليهم مما فروا منه، فلم يقهم من اللهب.\nوالظل واللهب مذكران، فقوله: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) .\nكأنه رجع إلى ذكر النار التي هي مؤنثة، أو إلى جهنم.","vol":"4","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>قوله: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)</span>\nيحتمل - والله أعلم - أن لا ينطقوا بالاعتذار، لأنه لا يؤذن لهم فيه، وإن نطقوا بغيره.\nوقد قيل: إنه مقام في اليوم، ووقت لا ينطقون فيه بشيء، ثم\nينطقون في مقام آخر بالتسايل والخصومات.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>قوله: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) </span>.\nأي بالقرآن، والله أعلم.\nوهو - إن شاء الله - كقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)،","vol":"4","page":474},{"text":"سماه حديثًا، لأنه يتلى فيه الأنباء والقصص، والمواعظ، وغير ذلك، لا أنه أحدثه إحداث الخلق، كما يزعم الجهلة من الجهمية.\nولا يعلمون أن من لم يكن له عهد بشيء، ثم عهده كان ذلك المعهود\nحديثًا عنده، لا أنه كان عدمًا فخلق.\nوالعجب أنهم لا يقولون، ولا يؤمنون بشيء يخرج عن فطن\nالعقول، ثم يزعمون أن القرآن كلام مخلوق، فكيف يأمر وينهى\nالكلام بكلام، إنما يأمر وينهى المتكلم بكلامه، افعل ولا تفعل.\nولكن من شاء أن يجنن نفسه جننها، نعوذ بالله من العمى بعد\nالبصيرة.\nوالذي يزيل الريب عن الحديث أنه لا يكون بمعنى المخلوق\nوالمصنوع في كل موضع.\nقوله ﷿ في سورة الجاثية -: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)، فسمى نفسه وآياته - معًا - حديثًا.\nفهل بقي بعد هذا لهم مقال يتعلقون به، - ويلهم - لو تبصروا، ولم يجهلوا، أو يتجاهلوا.","vol":"4","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>سورة النبأ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>قوله ﷿: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)</span>\nرد على المعتزلة والقدرية، لأنه مجمع الأشياء فدخل فيه الخير والشر، والإيمان والكفر، وصارت متقدمة على الأفعال فخرجت الأفعال عليها، ولم\nيمكن المحيص عنها.","vol":"4","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-872>سورة النازعات</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>قوله: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦)</span>\nدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، تكلم به تكلمًا، لأن النداء\nكلام مسموع لا محالة، والكلام للمتكلم والنداء منه، وصفة من\nصفاته، وهو بجميع صفاته غير مخلوق، ثم أخبر عن فرعون\nفقال: (فَحَشَرَ فَنَادَى)، فكان نداء فرعون مخلوقًا، لأن\nالمنادي مخلوق، وكل صفة تبع للموصوف فإن كان الموصوف مخلوقًا\nكان كلامه مخلوقًا، وإن كان الموصوف خالقًا كان كلامه غير مخلوق.\nوهو بين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>قوله: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)</span>\nفالآخرة هاهنا قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)، أو الأولى، قوله في سورة القصص: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) .","vol":"4","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>قوله: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)</span>\nدليل على أن الماء والكلأ، وحجارة الجبال وحطبه الناس فيه شركاء، ما لم يقع فيها الحيازات بالأملاك الظاهرة، التي تستفاد بوجوه الفوائد، فإذا وقعت الحيازات فكل من ملك أرضا، ملك كل ما تخرجه من عين وكلأ، إلا ماء الشفه ما لم تجعل في الظروف، والكلأ من المارة.","vol":"4","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>سورة عبس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>قوله ﷿: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)</span>\nبشارة للمؤمن كبيرة، لأنه لا محالة حاصل له هذا الإخبار، لأنه قال -\nعلى إثره -: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)\nفحصل هذا للكافر، وذلك للمؤمن إن شاء الله، إذ لم يذكر معهما ثالثة.\nو\" القترة \" ما يغشى الوجه من غبرة الموت.\nتغشيها، و\" السفرة \" النيرة المشرقة بياضًا وحسنًا.","vol":"4","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>سورة التكوير</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>قوله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)</span>\nإذا قرئت هذه القراءة المعروفة (سُئِلَتْ) بضم السين بغير ألف كان فيها\nغموض، ومعناه - والله أعلم - أن قتلتها سئلوا بأي ذنب قتلوها.\nكما لو سألت هي.\nومن قرأ \" سألت \" بفتح السين والألف كان معناها بينًا غير مشكل، وهي قراءة أبي صالح، وجابر بن زيد، وأبي","vol":"4","page":480},{"text":"الضحى، والضحاك بن مزاحم.","vol":"4","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>سورة الانفطار</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>قوله: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) </span>.\nعام المخرج خاص المعنى، لأن الكل لم يكذب بالدين، إنما كذب البعض، ثم رجع إلى العام فقال: (كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) .\nلأن الحافظين على الكل، فعلمهم على وجهين:\nفما كان من ظاهر قول، أو حركة جوارح علموه بظاهره، وكتبوه\nعلى جهته.\nوما كان من باطن ضمير، يقال: إنه يجدون لصاحبه ريحًا طيبة.\nولطالحه ريحًا خبيثة، فكتبوه عملًا صالحًا وآخر سيئًا.","vol":"4","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>سورة المطففين</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>قوله: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)</span>\nأي من الناس، والله أعلم.\nوالعرب تبدل حروف الجر بعضها من بعض، إذا أرادت ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>قوله: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)</span>\nروي عن سعيد بن جبير أنه قال: تحت خد إبليس. كأنه يريد أن ما أحصاه\nفباستفزازه ووساوسه وتزيينه اكتسبه فجعل تحت خده","vol":"4","page":483},{"text":"عن قربه منه.\nوقد يجوز أن يكون جعل تحت خده ليقرن معه في جهنم إذا\nدخلاه فإن كان على ما فسره سعيد لحضناه من قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)، تعظيم له، وتهويل، كما قال: @وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَومُ الدِّينِ)\nوشبهه في القرآن.\nوإن كان سعيد خولف في هذا التفسير، فظاهر الكلام يدل على أن\nالكتاب المرقوم هو تفسير للسجين على التشبيه، كأن ما رقم فيه، وأودعه\nمن قبائح أفعال الفاجر في ضيق وإياس من أن يفلت فيه شيء.\nكالمسجون الذي قد ضيق عليه فلا يستطيع أن يفلت، والله أعلم بما أراد.","vol":"4","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-885>قوله: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) </span>.\nأدل دليل على الرؤية لأنه لا يخص قوم بالاحتجاب عقوبة لهم إلا ويظهر لآخرين كرامة لهم، وهو بين وقد لخصناه في غير موضع من كتبنا في الرد على الباهلي، وابن أبي يعقوب، وابن حرمان.","vol":"4","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>قوله: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)</span>\nقد أنبأ أن المحجوبين عن الرؤية هم الكفار الذين كانوا يكذبون بالجحيم، والمؤمن عاصيًا كان أو مطيعًا لم يكذب به فدخل في حكم الآية فيمن يرى ربه\nسبحانه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>قوله: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)</span>\nيحتمل في الخير ما\nاحتمله كتاب الفجار في الشر من أنه إذا رفع صاحبه في الجنة - والجنة\nفي السماء السابعة - فكأنَّ كتابه موضوع هناك.","vol":"4","page":486},{"text":"وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)\nتعظيم له، وإعجاب للمخاطب به، والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>قوله: (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)</span>\nيريد الملائكة الذين يناهيهم بالمطيعين من عباده، والله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>قوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ) </span>. دليل على أن المؤمن مندوب إلى الرغبة في ملاذّ النفوس، وشهواتها في الآخرة","vol":"4","page":487},{"text":"والسعي في اكتسابها.\nوإن تنطع الصوفية كما يدعون من ترك الاشتغال بها، والاقتصار على\nالعمل الصالح الرضي وحده، لا للرغبة في الجزاء عليه.\nمن مباشرة ما وعده الله - ﵎ - وأعده لأهل الجنة مذموم من\nقولهم، وغير مرضي من فعلهم، لأن رضى الله - ﷻ - وإن كان\nمن أجلّ الجزاء وأعظم النعيم فليس بمانع من الرغبة في مباشرة ملاذ\nالنفوس، والتمتع بما هو من حظها، وإنه لا يحطه من درجة طلاب\nالرضى.\nوإنما نهوا عنه في الدنيا وندبوا إلى الزهد فيها، لأن محظورها يفضي\nبهم إلى المحرم ويكسبهم النار، ومباحها يفضي بهم إلى الفتور والكسل\nوالرغبة في الدنيا عن مباشرة تعب العبادة ونصبها، وتصعّب عليهم\nتجرع المرارات، وتطمئن إلى الراحات وإيثار الحلاوات عليها.\nفإذا دخلوا الجنة وانتقلوا عن دار المحن، ورفعت عنهم العبادة تلذذوا\nبمحابّ النفوس من الأكل، والشرب، وأنواع النعيم من معانقة الحور.\nومن يزوجون من الآدميات المطيعات، ويرد إليهم من الزوجات اللواتي\nكن لهم في الدنيا، فلم يضرهم ذلك، ولا خشوا مقتًا من ربهم،","vol":"4","page":488},{"text":"ولا حذروا فتورًا عن العبادة، لأنه جزاء لهم على ما أطاعوه في الدنيا.\nوآثروا طاعته على ملاذهم ومحابهم فيها، ألا تراه يقول - سبحانه -:\n(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) .\nوالقرآن مملوء به\nمن قوله: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) .\nوكيف يكون مذمومًا مع قوله: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)\nفلم أمرهم إذًا بالتنافس، ولم وصفه وملأ القرآن بذكره، ولذلك قال عبد الله بن مسعود: \" ما رأيت أحدًا أشد على المتنطعين من رسول الله، صلى الله\nعليه وسلم، ولا رأيت بعد رسول الله - ﷺ - أشد\nخوفًا عليهم من أبي بكر - ﵁ - وإني لأظن أن عمر كان\nأشد خوفًا عليهم، أو لهم \" ﵁.\nوروى الأحنف بن قيس، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله، صلى الله عله وسلم، قال: \" ألا هلك المتنطعون \" ثلاثًا.","vol":"4","page":489},{"text":"فالتنطع في أشياء هذا أحدها، وهو من كبارها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>وقوله: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)</span>\nروي أنها تمزج لأصحاب اليمين، ويشربها المقربون صرفًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>قوله: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)</span>\nدليل على أن المجرم - في أكثر القرآن - الكافر، وقد حققه في قوله:\n(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) .\nوفيه عظة شديدة لمن يتضحك من المؤمنين، وممن يتخذونه ضحكة إذ\nهو شيء من أخلاق الكفار، فإذا تشبه بهم أهل الإيمان خيف عليهم أن يكونوا مثلهم لما روي عن رسول الله، ﷺ، قال: \" من تشبه بقوم فهو منهم \".\nوإنما يضحكون في الآخرة والله أعلم، لأنه جزاء لهم وعقوبة لما\nكان منهم إليهم في الدنيا فيصيبهم من مضضه ما كان يصيب المؤمنين\nفي الدنيا، فصار كالاقتصاص.\nفعلى المضحوك أن يتقي الله، ولا يضع نفسه هذا الموضع، وعلى","vol":"4","page":490},{"text":"الضاحك أن يجتنبه في الجد، والهزل لأنه من عظيم الذنب وفعل\nالظالمين، ومن قد نسي أمر معاده، وما هو مفض إليه.\nوروي أن بعض الصالحين مرّ بلعاب يلعب بالمدينة، وهو في لعبه.\nفقال له: أما علمت أن لله يومًا يخسر فيه المبطلون.\nفما رُئي بعد ذلك يلعب، وكذلك التغامز مثله، والتفكه مثله محرمان\nمؤثمان، لقوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) .","vol":"4","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>سورة الانشقاق</span>\nقوله - ﷿ -: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)\nروي عن رسول الله - ﷿ - \" أنه العرض \".\nوإن كان سمي بالحساب، وإنما يسره، لأنه لا مناقشة فيه، فأما من\nنوقش في الحساب عذب.\nوَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)، أي إلى أهله الذين أعدوا له في الجنة\nوالله أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>قوله: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) </span>.\nأي أهله الذين كانوا في الدنيا،","vol":"4","page":492},{"text":"يريد - والله أعلم - إنه كان مسرورا بحياته، لا يظن أنه يحور، أي\nيرجع إلى الآخرة فتهوله، وينقص سروره، فقال: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)، أي لا يرجع.\nوكان النبي، ﷺ، يقول - في السفر -: \"\nاللَّهم إني أعوذ بك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ \".\nوروي \" بعد الكون \" بالنون والراء.","vol":"4","page":493},{"text":"فمن رواه بالنون: أراد أنه بعد أن كان على حال جميلة، صار إلى\nحال مكروهة أي رجع.\nومن رواه بالراء أراد: من النقصان بعد الزيادة، كأنه ينتقص أمره من\nالمحبوب إلى المكروه، كما ينتقص شد العمامة، إذا حل كورها.\nووعثاء السفر مشقته، وما يصيب الإنسان فيه من النصب والتعب.\nوكآبة المنقلب ما يكتئب الإنسان منه، أي يغتم من مصيبة، أو\nفاجعة، إذ المسافر لا يأمن أن يقدم على مصيبته قد حدثت على\nأهله، أو ولده، أو ماله، وكذلك مخلفوه لا يأمنون من غم، أو\nمصيبة تلحق غائبهم، فتعوذ النبي، ﷺ، من الحالين معًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>قوله: (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)</span>\nيؤيد قول عمران ابن الحصين - ﵀ -: \" إن القرآن سجود كله \"\nأي متى قرأه،","vol":"4","page":494},{"text":"أو قرئ عنده فأحب أن يسجد سجد، وإن لم تكن الأماكن المعروفة\nبالسجود، وهى خمسة عشر مكانًا: الأعراف، والرعد، والنحل.\nوبني إسرائيل، ومريم، والحج في مكانين، والفرقان، والنمل.\nوسجدة الأحزاب، وص، وسجدة المؤمن، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك. غير أنهم اختلفوا في الحج: فمنهم\nمن سجد فيها سجدة، ومنهم من سجد سجدتين، ونحن نذهب إلى\nسجدتين.\nواختلفوا في سجدة ص: فمنهم من لم يسجد فيها وقال: هي توبة\nنبي.\nوقال الشافعي: هي سجدة شكر، كأنه يريد شكر داود - عليه\nالسلام - حين عرفه الله - ﵎ - ذنبه حتى تاب منه، وبكى عليه","vol":"4","page":495},{"text":"أيام حياته، وأنا أرى السجود فيها.\nفقد روي عن النبي، ﷺ، غير حديث صحيح أنه\nسجد فيها.\nواختلفوا في السجود في المفصل: وهي سجدة\nالنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك، ونحن نسجد فيها\nثلاثتها.\nومثل قوله: (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) .\nقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)","vol":"4","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>وقوله: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) </span>.\nفإن أخذ الإنسان بقول عمران بن حصين وسجد عند تلاوته في كل\nموضع - غير الخمسة عشر - كان حسنًا، لأنها تذلل لله، وبراءة من\nالكبر، وخلاف على الكفار.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>قوله: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)</span>\nحجة في أن البشارة تكون في\nالخير والشر، كقلى له: ميو بَشِّرِ اَلْمُتَفِقِينَ لمحاَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) .\nوقال في المؤمنين (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) .\nوأشباهه في القرآن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>قوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) </span>.\nدليل على أن الاستثناء قد يجوز من غير جنسه، لأن المؤمن غير\nالكافر، وقد استثني منه كما ترى، ومن قال: إن (إلا) قد تكون بمعنى (لكن) فقد ترك اللفظ وأتى بغيره، وإن كان قد قيل.","vol":"4","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>سورة البروج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا)</span>\nفتنوا أي: قتلوهم بالنار.\nروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: هم أناس من مذارع أهل\nاليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها فظهر مؤمنوها على كافريها ثم اقتتلوا\nالثانية، ثم أخذ بعضهم على بعض المواثيق والعهود ألا يغدر بعضهم ببعض، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أخذًا، ثم إن رجلا من المؤمنين قال لهم: هل لكم أن توقدوا نارًا تعرضونا عليها فمن بايعكم على دينكم فذاك الذي تشتهون، ومن لا استقدم النار فاسترحتم منه، فأججوا نارًا، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها\nضنًّا بدينهم، حتى بقيت منهم عجوز، فكأنها تلكأت، فقال لها\nطفل في حجرها: يا أمه امضي ولا تنافقي.","vol":"4","page":498},{"text":"وفي قوله: (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) دليل - في ظاهره - على أن التوبة من قتل\nالمؤمنين مقبولة.\nوأجمع المسلمون أنها من الكافر مقبولة في جملة توبته من الكفر، لأن\nالإسلام يجب ما كان قبله.\nواختلفوا فيها من المؤمن يقتل المؤمن عمدًا، وقد شرحته في سورة\nبني إسرائيل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>قوله: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)</span>\nهو جواب القسم.\nواختلف المفسرون في القسم، فروي عن يحي بن رافع أن\n\" السماء ذات البروج \" قصور في السماء.","vol":"4","page":499},{"text":"وقال قتادة: بروجها نجومها، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم مثله.\nواختلف -أيضًا - في (وَشَاهِدٍ وَمَشهُودٍ)، فروى أبو الضحى.\nعن أابن الزبير قال: \" الشاهد \" يوم الجمعة، و\" المشهود \" يوم\nعرفة.","vol":"4","page":500},{"text":"قال أبو الضحى: فلقيت الحسن، أو الحسين فذكرت ذلك، فقال:\nليس كما قال، الشاهد محمد، ﷺ، والمشهود يوم\nالقيامة، وقرأ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) .\nوفي رواية أخرى عن أبي الضحى قال: فذكرته لمحمد بن علي.\nوروي عن ابن عباس مثل قول ابن الزبير.","vol":"4","page":501},{"text":"وروي عن شمر بن عطية قال: \" الشاهد \" يوم عرفة، و\"المشهود\"\nيوم القيامة.\nوروي عن مجاهد، قال: \" الشاهد \" ابن آدم، و\" المشهود \" يوم القيامة.","vol":"4","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>قوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)</span>\nوجه القراءات فيه الخفض على أن يكون من نعت اللفظ، ليصير اللوح هو\nالمحفوظ.\nوأما قراءة نافع، وابن محيصن (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٌ)، برفع \" الظاء \" على أن يكون نعتًا للقرآن،","vol":"4","page":503},{"text":"فلا وجه له إلا أن يجعل المحفوظ في معنى المكتوب أي هو قرآن\nمجيد مكتوب في لوح، لأن اللوح مخلوق تقع عليه حفظ الحراسة.\nوالقرآن لا يقع عليه حفظ الحراسة، إنما يقع عليه الإيعاء والكتابة.\nوذلك أنه كلام الله غير مخلوق، صفة من صفات ذاته، ومحال أن\nيحفظ نفسه، أو يحفظ صفته، أو يحفظه غيره، لأن هذا كفر، وإنما\nيوقع الحفظ على القرآن من يجعله مخلوقًا، ومن جعله مخلوقًا فقد كفر.\nوهذا شيء يغرب على أهل هذا الزمان، ويدق على أفهامهم، وهو\nعند النحارير جلي واضح، وكذلك قوله -\nسبحانه، في سورة الحجر -: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)، فالذكر هو القرآن، و\" الهاء \" في (لَهُ) ليست\nبراجعة على الذكر، إنما هي راجعة على محمد - ﷺ -","vol":"4","page":504},{"text":"ومن لم يقرأ أوائل الآيات ويتدبرها، ويتعلق بأواخرها لم يهد\nرشده، ولم يهذب فهمه، ألا ترى إلى إخبار الله - سبحانه\nوتعالى، فى أول ابتداء الذكر - عن الكفار حيث قالوا لمحمد، صلى\nاللَّه عليه وسلم: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)\nأي أنت مجنون في ادعائك أن الذكر تنزل عليك من السماء أمره.\n(لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)، أي هلاّ تأتينا\nبالملائكة فتشهد لك إنك صادق فيما تدعيه، فقال الله: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)، أي لو رأيتم الملائكة\nالذي تنزل على، محمد، ﷺ، عيانًا وسمعتم\nشهادتهم له ما أمهلتم ولا أنظرتم، ولعوجلتم بالعقوبة قبل القيامة.\nهذا أو معناه، والله أعلم.","vol":"4","page":505},{"text":"ثم شهد هو - ﷻ - لمحمد، ﷺ، فقال:\n(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)، أي نحفظ محمدًا من\nمكروهكم، وغائلتكم وتكذيبكم فلا تصلون إلى قتله، ولا هضمه.\nإلا ما تقولونه بألسنتكم، وهو بين.\nولو سمي محمد، ﷺ، ذكرًا، لأن الذكر عليه\nينزل لاتسع ذلك في لسان العرب، وما ضاق، قال الله - عز\nوجل - في آخر سورة الطلاق: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ)، فسمى الرسول - كما ترى بالذكر نصا.\nومن رد \" الهاء \" في \" الحفظ \" من متقدم أو متأخر على \" الذكر \" فقد\nهفا، وقاله على السلامة، ولم يدر ما تحته مما أثرناه عليه، من هذا\nالواضح البين، والله يعفو عنه إن شاء الله.\nومن لج من أهل زماننا فيه - جاهلًا أو متجاهلًا - فقد أنبت\nللجهمية جناحًا وباء بسخط من الله، وصار معهم بالسوية.","vol":"4","page":506},{"text":"وقوله - في سورة المائدة -: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ)، فإنما هو بما ألزموا أن يعوه، ولا ينسوه، ليدروا\nكيف يحكمون بين الناس.\nفإن قيل: أليس قد قلت - في سورة الطلاق -: إن في الرسول\nضميرًا كأنه قال: \" وأرسل رسولًا، \".","vol":"4","page":507},{"text":"قيل: ذلك احتمال، وما قلناه - ها هنا - ظاهره أن يكون الرسول تفسيرًا\nللذكر، والظاهر أولى من الاحتمال.","vol":"4","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>سورة الطارق</span>\nقوله تعالى: <span data-type=\"title\" id=toc-903>(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)</span>\nعظة للإنسان، وتنبيه له على معرفة خلقه، وضعف تركيبه وعلى ما يزيل به\nدواعي الكبر والنخوة عن نفسه، فلا ينازع فيها خالقه الذي لا يشاركه\nفي الكبرياء والعظمة، ولا يستطيل به على المخلوقين، إذ من يكون\nهذا بدء خلقه، ثم يصير آخره إلى البلى والرفات، إلى أن يجدد اللَّه خلقه بالنشور يوم يحيي العظام النخرة، والأجسام البالية جدير بأن لا\nيفارقه الذل والاستكانة في جميع الأحوال، ولا يتعرض بسخط من هو\nقادر على رده في صلب أبيه قبل الآخرة، ثم الجنة والنار، وأنواع\nالأهوال من ورائه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>قوله: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) </span>.\nرد على الجهمية في نفي الصفات بالكلية، وقد أخبر الله - سبحانه - عن نفسه بأنه يكيد بلفظ \" الكيد \" الذي أخبر به عن الكائدين، وهم ينكرونه، يردون نص القرآن، نعوذ باللَّه من صفاقه الوجه، وقلة الدين.","vol":"4","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-905>سورة الأعلى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>قوله - ﷿ -: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) </span>.\nفيه - والله أعلم - ضمير \" الباء \"، ثم نزعت عنه - في اللفظ - فانتصب الاسم، كما قال - في موضع آخر - (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)، فخفض الاسم مع إظهارها، فلا يكون لمن يجعل الاسم والمسمى واحدًا متعلق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>قوله: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)</span>\nدليل على نفي","vol":"4","page":510},{"text":"الاستطاعة وإعلام أن من لا يقدر على أن يكون خلقًا بنفسه، لا يقدر أن\nيهتدي بنفسه حتى يُهدى، كما لا يقدر أن يكون خلقًا حتى يخُلق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>قوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) </span>.\nالاستثناء - ها هنا - بمشيئة الله، دليل على أن قوله: (وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيطَانُ)، داخل إنساؤه تحت إنساء الله، لأنه لا يقدر على إنسائيه وحده، ولا يكون شريكًا معه، وإن إضافة المشيئة إليه - في ذلك الموضع - على\nمجاز اللغة، لا على حقيقة القدرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>قوله: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)</span>\nأي لا تنفع الكافر، كما تنفع المؤمن، والله أعلم.\nوفي قوله: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) .\nألا تراه يقول - سبحانه -: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) .","vol":"4","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-910>قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)</span>\nمنهم من قال: يكون عمله زاكيًا.\nوروي عن رسول الله، ﷺ: \" أنها صدقة الفطر \"، لقوله (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)، كأنه يخرج صدقة\nالفطر، ثم يخرج إلى الفطر فيصليها.","vol":"4","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>سورة الغاشية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>قوله - تعالى -: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)، إلى قوله: (لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) </span>.\nدليل على اختصار الكلام، والإشارة إلى المعنى، لأن الغاشية - والله أعلم - هي القيامة، فلم\nيذكر يومها، واختصر على فعلها، ثم قال: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) .\nفذكر الوجوه وحدها، وهي لا تكون منفردة\nعن الأجسام بهذه الأوصاف إلا بمشاركتها، ثم قال: (تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)، وهي لا تصليه وحدها، ثم قال: تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)، وإنما تسقى البطون، فأخبر بكل ذلك عن الوجوه.\nلأنها غرة الأبدان، وأرفع شيء في الأجساد، والله أعلم.\nوكذلك الوجوه الأخر التي وصفها بالناعمة، وهي تنعم مع أبدانها،","vol":"4","page":513},{"text":"ولا تنفرد بسعيها، وتكون مع الأبدان في الجنة العالية، و(لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)، إلى آذانها فنسب كل ذلك إليها اختصارًا، وفصاحة\nوإشارة إلى المعاني المفهومه عند العرب، الذين نزل القرآن بلغتهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>وقوله: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)</span>\nيقال: هو الشبرق (١) المحمى.\nويقال: نبت لا ينجع ولا ينمي في البدن، وإذا أكلته الإبل ردته\nمن فورها بالسلح، فلم يسمنها، ولا ذهب بجوعها.\nوقد قيل: إنه - ﵎ - ضربه مثلًا، لا أنه يكون الضريع\nبعينه.\n_________\n(١) قال الزجاج: الشبرق جنس من الشوك، إذا كان رطبًا فهو شبرق، فإذا يبس فهو الضريع. معاني القرآن وإعرابه (٥/ ٣١٧) . وقوله: فإذا يبس فهو الضريع هذا تسمية أهل الحجاز، اللسان، \" شبرق \".","vol":"4","page":514},{"text":"وهذا لا أحبه، لأنه يدعو إلى مضارعة من ينكر النبات في النار، ويرده\nإلى فطرة العقل، ويقول: كيف يجتمع النبت والنار في مكان واحد؟.\nوهذا جهل وإنكار قدرة الرب، الذي جعل النار على خليله إبراهيم -\nصلى الله عليه - بردًا وسلامًا، وحولها عليه روضة خضراء، وكما\nقال في سورة والصافات: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) .\nيقال: إن الشياطين ها هنا الحيات. ورؤوسها مجتمع سمومها فمن\nينكر قدرة الباري - في مثل هذه الأشياء التي تنبو عنها العقول - فليس\nبمؤمن، ولا له في الإسلام حظ، نعوذ ب الله من مثل هذه المقاتلة.\nونسأله التمسك بتوحيده، والإيمان بكل هذه الأشياء من قدرته، جل\nوتعالى.","vol":"4","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>سورة الفجر</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) </span>.\nإلى قوله: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)، تنبيه وتقريع لمن بعدهم أن لا يعملوا بمثل عملهم فينزل، بهم ما أنزل بأولئك، مع بأسهم.\nوشدتهم، وعددهم، وأموالهم التي أنفقوها في ذات العماد، وما\nفعلته ثمود جوب الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد فاعل أفاعيله الهائلة المنكرة، كيف أفناهم، وأبادهم، ومحا آثارهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين.\nوفي قوله: في إرم: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)، رد على\nالمعتزلة في الخلق، لأنا نعلم أن الله سبحانه لم يخلقها - معمولة كهيئتها\n- وإنما عملها عبادة. فإن رُد الخلق من عملهم إلى الله دل على خلق\nالأفعال.","vol":"4","page":516},{"text":"وإن رد إليهم فقد أخبر عنهم باللفظ الذي يخبر عن الله في الخلق.\nوأيهما كان فهو حجة عليهم، ولا ثالث له.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>قوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)</span>\nحجة عليهم أيضًا في ذكر\nالمرصاد، لأنه مكان.\nوجاء في التفسيبر: أنه يضع كرسيه على جسر جهنم، فيقول: \"\nوعزتي وجلالي لا تجوزي اليوم بظلم ظالم، ولو ضربة بيده \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>وقوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا)</span>\nحجة عليهم شديدة بذكر\nالجية، وهو نظير قوله - في سورة البقرة -:","vol":"4","page":517},{"text":"(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ)، وهي حجة خانقة لهم، شديدة عليهم.","vol":"4","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>سورة البلد</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>قوله: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)</span>\nحجة في الإفراط في وصف\nالأشياء، لأن العقبة كناية عن العمل الذي يشق على النفوس.\nفسماه - سبحانه - بالعقبة، ثم فسره بفك الرقبة، والإطعام في\nالمجاعة، فقال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) .\nوهو نظير قوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)، وما أشبه ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>قوله: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) </span>.\nدليل على أن التواصي بالخير من محمود الأخلاق، ومرضي الأفعال.\nومكتسب الفوز بالجنة، والنجاة من النار.","vol":"4","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>سورة الشمس</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>قوله تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)</span>\nحجة على المعتزلة\nوالقدرية شديدة إذ قد أخبر - نصا - أنه ألهم النفس فجورها، كما\nألهمها تقواها.\nروى عمران بن حصين أن رجلًا من جهينة، أتى النبي، صلى\nالله عليه وسلم، فقال: أرأيت ما يعمل الناس فيه، ويكدحون.\nأشيء قد قُضي عليهم، ومضى من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون\nمما جاءهم واتخذت عليهم فيه الحجة، قال: \" لا، بل شيء قد قضي\nعليهم \" قال: ففيم يعمل العاملون،. قال: \" من خلق لواحد المنزلين\nأتاه بعمله، وتصديق ذلك في كتاب الله - ﵎ - (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) .\nفأجاب رسول الله، ﷺ، بمثل ما في كتاب اللَّه سواء. فأي شيء بقي لهم، لولا بلاؤهم، وشقاؤهم.","vol":"4","page":520},{"text":"ولو لم يكن عليهم من الحجة إلا أنفسهم لكفاهم.\nحيث يسمعون هذه الأشياء الواضحة المسكتة، فلا يقررون قوله، ولا\nيستطيون فهمه، لأن أفهامهم عنها مقيدة بما سبق من القضاء\nعليهم بالشقاء، فلا يستطيعون أن يسعدوا.\nومن فسر (ألهمها) على ألزمها فليس بمخالف لهذا، لأن\nالإلهام إذا كان منه، فالإلزام غل في أعناقهم، لا يستطيعون\nحله، فكان الأمر في ذلك واحدًا.","vol":"4","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-923>سورة الليل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)</span>\nحجة على المعتزلة والقدرية في تيسير اليسرى والعسرى، وكذا روى\nعلي بن أبي طالب عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: \"\nما منكم من أحد إِلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النار \" فقيل له: أفلا\nنتكل،، فقال: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له \"، ثم قرأ\nرسول الله، ﷺ، هاتين الآيتين.\nواختلفوا في تفسير (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)، (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) . فمنهم\nمن قال: بلا إله إلا الله ومنهم من قال: بالخلف في العطية الأول، وبخل الثاني.","vol":"4","page":522},{"text":"قوله: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)، حجة عليهم في نفي الاستطاعة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>وقوله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)</span>\nدليل على أْن لا يجزئ دفع الزكاة إلى الأبوين الصحيحين كانا أو زمنين، ولا إلى أحد يقدم منه إلى المعطي إحسان، لأنه يصير مكافأة ومجازاة، وإنما هي لمن لا\nيكافي ولا يجازي، ولا يدفع بها ذمًّا، بل تكون لله ﷿ خالصًا\nلوجهه فقط، فإنما المكافأة تكون في إخراج الأموال في التطوع، لا\nفي الفرض.","vol":"4","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>سورة الضحى</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>قوله: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)</span>\nدليل على توكيد حرمتهما، وإيجاب حقهما، وترك الاستهانة بهما، وكذا قال -\nفي سورة الحاقة، في صفة من أوتي كتابه بشماله -: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) .\nفقرنه مع الكفر إذا لم يحض عليه، وذلك معه.\nوأرى الناس قد أهملوا أمرهما، وضيعوه.","vol":"4","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>سورة الشرح</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>قوله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)</span>\nيعدد عليه آلاءه ونعماءه.\nبشرح صدره، ووضع وزره الذي كان قبل النبوة، ورفع ذكره.\nحتى لا يذكر - سبحانه - في الإيمان، والأذان، والطاعة إلا ذكر معه.\n(إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)، غنيمة للمؤمن ليطمئن إليه، ولا يضيق\nصدره من عسر يلحقه، فإن مع كل عسر يسرين.","vol":"4","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>سورة والتين</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>قوله: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) </span>.\nفضيلة لمن أسن في الإسلام، لأن الله - ﷻ - يكتب أجر ما كان يعمله في شبيبته، ولا يقطعه عنه.","vol":"4","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-932>سورة اقرأ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>قوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)</span>\nيحتج بها جهلة الجهمية.\nيزعمون: أنه أخبر عن خلق الاسم، وحذف \" هاء \" المفعول من (خَلَقَ) كأنه \" خلقه \" وهذا جهل كبير من جهتين:\nإحداهما: أن مجازه باسم ربك الخالق، الذي خلق الأشياء، فهو من\nنعت الرب، لا نعت الاسم.\nوالأخرى: أنه لو كان كما يقولون: لكان دالًاّ على أن له أسامي غير\nمخلوقة، ومنها - بزعمهم - اسم مخلوق، فأمره أن يقرأ بذلك الاسم\nالمخلوق، دون التي هي غير مخلوقة، فهم يحتجون على أنفسهم، ولا\nيعلمون، أو يعلمون ويكابرون، وأتباعهم يقبلونه منهم بجهلهم.\nوهم لا يشعرون.\nوالذي يزيل كل الالتباس - عما قلناه، وإن كان بحمد الله زائلًا -","vol":"4","page":527},{"text":"قوله في سورة البقرة -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) .\nأفيرتابون بأن ليس رب سواه خلقهم فلا يعبدون إلا الذي خلقهم.\nهانما هو رب واحد خلقهم لا خالق سواه، وكذلك (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)، وهو بين، ولكن من يضلل الله فلا هادي له.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>قوله: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) </span>.\nذم للغنى، لأنه يعين على الطغيان، ويدعو إلى العصيان، لقدرته على الشهوات المذمومات المبتغاة بالمال.\nوكان رسول الله، ﷺ، يقول: \" اللَّهم إني أعوذ\nبك من غنى يطغي.\nواختار الفقر على الغنى، ودعا أن يجعل رزقه ورزق أهله","vol":"4","page":528},{"text":"قوتًا، وكفافًا.\nولهذه المسألة موضع آخر شرحناه في مسائلنا المنثورة في أبواب شتى.","vol":"4","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-935>سورة القدر</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>قوله: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)</span>\nمستعملة للعبادة والإحياء.\nخص الله بها نبيه ﷺ وأمته حين جعل أعمارهم\nقصيرة، فأعطاهم فضل هذه الليلة ليبلغوا بها وحدها فوق ما بلغ الأمم\nالسالفة في طول أعمارهم، جودا، وكرمًا، وتفضيلًا لهذا النبي على\nمن تقدمه من الأنبياء، وتفضيلًا منه على أمتهم، لأنه خاتم الأنبياء إلى أن\nتقوم الساعة، يعمل بما جاء به من عند الله من شريعته، وإن أخل\nبعضهم ببعضها فلا يدعونه كافة، ولا يرتدون جملة، كما كان يفعله\nسائر الأمم بعد موت نبيهم، فكانوا يدعون شيئًا شيئًا حتى يتركوا\nجميعه، ويرجعوا في الجاهلية الجهلاء، إلى أن يبعث الله - ﷻ\n- نبيًّا آخر فيجدد دينهم.\nوليست هذه الأمة كذلك، بل يكونون عليه قائمين.\nوقال رسول الله ﷺ \" لا تزال طائفة","vol":"4","page":530},{"text":"من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين حتى يأتي أمر الله، وهم على\nذلك \".\nوقد قيل: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)\nليس فيها ليلة القدر.\nوقد قيل غير هذين، وما أحسبه يثبت،","vol":"4","page":531},{"text":"والأول أشبه والله أعلم.","vol":"4","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-937>سورة البينة</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>قوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ)</span>\nأي منفكين من كفرهم، والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>(حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)</span>\nأي البيان - والله أعلم - والبينة\nوالبيان بمعنى واحد، قال الله ﷿، لرسوله - ﷺ -: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-939><span data-type=\"title\" id=toc-941>قوله: (يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)</span></span>\nأي ما في الصحف، مكتوب على سعة اللسان.\n(فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) أي عادلة.","vol":"4","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-942>سورة الزلزلة</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>قوله: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)</span>\nأي تحركت من أسفلها.\nوَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)، دليل على التأكيد في الكلام، لرده ذكر الأرض.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>قوله: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)</span>\nأي ما عمل إليها من خير،","vol":"4","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-945>سورة العاديات</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>قوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)</span>\nفيه خصوص - والله أعلم\n-، لأن الأنبياء داخلون في الإنسان، خارجون من الكنود.\nوالكنود هم الكفور، وفي الصالحين -أيضًا - من ليس بكفور، وإن كانوا لا يقومون بكنه الشكر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>قوله: (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)</span>\nيقال: إن \" الهاء \" راجعة على\nاللَّه - ﷿ - هكذا قال مجاهد، وغيره.\nولم يجر له ذكر فهو أعلم.","vol":"4","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-948>سورة القارعة</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>قوله: (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)</span>\nهي القيامة يعظم أمرها\nوهي وعيد إلى آخرها، والناس في غفلة عنها.","vol":"4","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-950>سورة التكاثر</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>قوله: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)</span>\nيقال: إنها نزلت في قبيلتين من\nالأنصار تفاخروا فقال كل واحد منهما: فلان خير من فلان، يريد كل\nواحد منهما رجال قومه، فما زالوا كذلك حتى جاءوا إلى المقابر.\nوأشاروا إلى قبر رجل ممن كان مات معهم، فذلك قوله:\n(حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) .\nوقد قيل: إنها نزلت في أهل الكتاب. والتكاثر في المال، والولد.\nوروى عياض بن غنم عن رسول الله صلى الله عله وسلم أنه قال\n- في حديث طويل -: \" فأما وعيد وعيده فقوله: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) .\nيقول: لو قد دخلتم","vol":"4","page":537},{"text":"القبور، (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)\nيقول: لو قد خرجتم من قبوركم.\n(كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)، محشركم إلى ربكم، (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) أي في الآخرة، حق اليقين، كرأي العين (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)، يوم القيامة، (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)، بين يدي ربكم عن بارد الشراب، وظلال المساكن، وشبع البطون واعتدال الخلق، ولذاذة النوم.\nوحتى خطبة أحدكم المرأة - أجمل منه - مع خطاب سواه.\nفزوجه ومنعها غيره \".\nوروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" إِن الله - تبارك\nوتعالى - ليذكر عبده آلاءه، ويعدد عليه نعماءه، حتى يقول له: عبدي\nسألتني أن أزوجك فلانة - يسميها باسمها - فزوجتكها.","vol":"4","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-952>سورة العصر</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>قوله: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)</span>\nفهذه بشارة للمؤمن جليلة وغنيمة عظيمة، أن يكون\nالإنسان في خسر، ويكون هو في زيادة، لأن الخسر النقصان.\nوذلك أنه ما دام شبابًا، أو كهلًا مطيقًا فهو يزيد بعمل الخير.\nوالمسارعة إلى الطاعة، فإذا كبر وضعف عن العمل كتب له ما كان\nيعمله في وقت الطاعة، وإن كان له ولد صالح يدعو له فهو يلحقه\nفي قبره، أو كان ممن وقف وقفًا في سبيل الخير، أو علم علمًا فهو\nيجري له أجوه إلى يوم القيامة.\nفأي زيادة أزيد من هذا،، للَّه الحمد والشكر على هذا.\n* * *\nقوله: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)، تواصوا بكل ما يدعو\nإلى طاعة الله، وبكل ما يقرب من جنته، وزجروا عن كل ما يقرب\nمن سخطه، والدخول إلى ناره، وبالصبر على المصائب، والرزايا.\nوالفقر، والأمراض، والأوجاع.","vol":"4","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-954>سورة الهمزة</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>قوله: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) </span>.\nفالهمزة الطعان على الناس، وباغي عثراتهم، واللمزة المغتاب العياب.\nوقد قيل: إذا رأيت الرجل يعتاب أخاه فإنما يمدح نفسه. ومن\nنظر إلى نفسه بعين المدح، ورضي عملها دخل في جملة المعجبين، وحبط\nعمله، ولعب به عدوه.\nوروي عن النبي ﷺ: \" لولا أن الذنب خير\nللمؤمن من العجب، ما خلى الله بين مؤمن، وبين ذنب أبدًا \"\nوذلك أن المذنب خائف، والخوف طاعة، والمعجب آمن، والأمن\nمعصية.\nوروي أنه قيل لابن عمر: أنزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله\nﷺ فقال ابن عمر: ما عنينا بها، ولا عنينا بعشر","vol":"4","page":541},{"text":"القرآن.\nفقد حصل تسعة أعشاره فينا، ونحن في غفلة عنه، أيقظنا الله\nمن رقدة الغفلة، وعرفنا ما له خلقنا، وما نحن إليه صائرون بجوده.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>وقوله: (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)</span>\nزاجر للمؤمن من الاشتغال\nلجمع المال عن الأخذ بطاعة الله، واجتناب معاصيه، لا سيما من لم\nيرض باليسير والبلغة، وأراد التفاخر والتكاثر، ونسي أنه تاركه.\nوالراحل عنه بثقل الأوزار التي حملها باكتسابه، وفات من عمره الذي\nلا سبيل له إلى رده.\nفإن كان يطلب من حل ويعنى مع ذلك بأمر آخرته، ولم ينهمك\nانهماك الحريص الذي يريد الكثرة، ولا يفكر في العاقبة كان\nخارجًا من هذه الآية، وداخلًا فيما قال في سورة النور: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، إلى آخر الآية.\nوقال رسول الله ﷺ: \" من طلب الدنيا حلالًا","vol":"4","page":542},{"text":"استعفافًا عن المسألة، وسعيًا على عياله، وتعطفًا على جاره لقي الله\nووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا مرائيًا، مفاخرًا، مكاثرًا\nلقي الله وهو عليه غضبان \".\nوقال: \"التاجر الصدوق، الأمين، المسلم، مع الشهداء يوم القيامة \".","vol":"4","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-957>سورة الفيل</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>قوله: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣)</span>\nوالأبابيل الذي يتبع بعضها\nبعضًا، كأنها جماعات متفرقة، فهي تنظم بعضها إلى بعض.\nواختلفت الأخبار في صفتها. فقال عكرمة: هي طير بيض وجوهها\nوجوه السباع لا تصيب شيئا، إلا جدرته أو جذذته.\nوقال عبد الرحمن بن سابط: خرجت من البحر كأنها رجال","vol":"4","page":544},{"text":"الهند، في أرجلها حجارة، وفي مناقيرها حجارة، كالإبل البزل.\nلا تصيب شيئا إلا قتلته.\nوفي رواية أخرى عن ابن سابط -أيضًا - قال: هىِ طير تشتت من\nقبل البحر، كأنها رجال الهند، ترميهم بحجارة من سجيل، واسمها\nسنككل، أعظمها مثل مبارك الإبل، وأصغرها مثل رؤوس الرجال.\nلا تريد شيئا فتخطئه، ولا تصيب شيئًا إلا أحرقته.\nوروي عن سعيد بن جبير قال: أقبل أبو اليكسوم -\nصاحب الحبشة - ومعه الفيل، فلما انتهى إلى الحرم برك الفيل، فأبى\nأن يدخل الحرم، فإذا وجه راجعًا أسرع راجعًا، وإذا أريد على الحرم","vol":"4","page":545},{"text":"أبى، فأرسل عليهم طير بيض صغار، في أفواهها حجارة أمثال\nالحمص، لا يقع على أحد إلا أهلكه.\nوروى أبو مكين عن عكرمة قال: فأظلتهم من السماء، فلما\nجعلهم الله كعصف مأكول، أرسل عليهم عينًا، فسال بهم حتى\nذهب بهم إلى البحر.\nوعن سعيد بن المسيب قال: سبق إلى الكعبة فيلان، فأما أحدهما\nفهو الذي هلك، وأما الآخر فلما كان بالمُغَمَّس برك، فأتاه أصحابه\nفعاقدوه، وحلفوا له، ولحيث توجهت توجهنا معك، قال: فرفع\nإحدى أذنيه على الأخرى، ثم توجه راجعًا، فلم يصب من أولئك","vol":"4","page":546},{"text":"أحد.\nوروي عن عائشة - ﵂ - قالت: لقد رأيت قائد الفيل.\nوسائقه، أعميين مقعدين، يستكفان الناس بمكة.\nواختلفوا في \" العصف \" ما هو، فروي عن عطية أنه قال: العصف المأكول أصول الزرع حين تقطع\nوتبقى أصوله فيه كهيئة الحجر.\nوعن حبيب بن أبي ثابت قال: هو طعام مطعوم.\nوقال غيرهما: هو ورق الزرع.","vol":"4","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-959>سورة قريش</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)</span>\nقال بعضهم - أراه عكرمة - يريد نعمتي على قريش.\nوقال غيره: فعلت ما فعلت بأصحاب الفيل لتأتلف قريش برحلة\nالشتاء والصيف، فتقيم بمكة.\nوتجعل السورتين سورة واحدة.","vol":"4","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-961>سورة الماعون</span>\nوأرى الله - تبارك - قد أكد أمر المساكين، والناس بهم متهاونون.\nوقد رددناه في غير موضع من هذا الكتاب.\nوقال - في هذه السورة -: <span data-type=\"title\" id=toc-962>(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)</span>\nأي يدفعه عن حقه - والله أعلم - ويزجره، ولا يرحمه.\nقوله: وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)، فما يكون حال من لا يطعمه، ولا يحض غيره عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>قوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)</span>\nهم الذين يؤخرونها، عن وقتها، وهم مضمرون على إقامتها، لولا","vol":"4","page":550},{"text":"ذلك لكفروا، وقد توعدوا بالتأخير هذا التواعد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>قوله: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)</span>\nفإن راءوا بإقامتها لم تقبل لهم \"\nلقوله: \" أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملًا أشرك فيه\nغيري فأنا بريء منه \".\nوإن راءى بها وبغيرها من أعمال الطاعة فهو شر، قال الله (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ)، هم الذين يعملون بالرياء.\nوقال - ﵎ -: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) .\nأي لا يرائي، لأن أدنى الرياء شرك.","vol":"4","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>(وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧) </span>.\nقالوا: هي الزكاة المفروضة.\nوقالو ا: هي العارية، إعارة القدر، والدلو، والفأس، ونحوه","vol":"4","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>سورة الكوثر</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>قوله: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)</span>\nقالوا: هو الخير الكثير.\nوقالوا: نهر في الجنة أعطيه النبي ﷺ، حافتاه\nالذهب، يجري على الدر والياقوت، تربته أطيب من ريح\nالمسك، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل.","vol":"4","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-968>قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)</span>\nقال مجاهد وعكرمة: الصلاة والنسك.\nوقال محمد بن علي بن الحنفية: النحر أول ما يكبر الرجل، كأنه","vol":"4","page":554},{"text":"رفع اليدين إلى النحر.\nوقال الضحاك: ذبيحة الناس يوم النحر.\nوكان عطاء يقول: إذا رفعت رأسك من الركوع فاستو قائمًا.\nوقال غيرهم: هو وضع اليمين على الشمال عند النحر.","vol":"4","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-969>قوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)</span>\nقال عطاء: هو أبو لهب.\nوقد قيل: إنه غير أبي لهب.","vol":"4","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>سورة الكافرون</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)</span>\nهي براءة من الشرك، أمر النبي - ﷺ - رجلًا أن يقرأها عند المنام، وقال: \" هي براءة من الشرك \".\nومن قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن.","vol":"4","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-972>سورة النصر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ)</span>\nهي - أيضًا - ربع القرآن.\nونعيت إلى رسول الله ﷺ نفسه في نزولها.\nفكان لا يصلي صلاة إلا قال: \" سبحانك ربنا وبحمدك، اللَّهم اغفر\nلي.","vol":"4","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>سورة المسد</span>\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>قوله: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)</span>\nيقال كانت تحتطب الكلام تمشي بالنميمة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>قوله: (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)</span>\nقال عروة: سلسلة في النار.\nويقال: هي مثل حديدة البكرة.\nويقال: حبل من ليف، لا تحرقه النار بقدرة الله، وهي تجد الألم.","vol":"4","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-977>(مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)</span>\nهو ولده، هكذا قال ابن عباس، وعائشة، وابن سيرين.","vol":"4","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-978>سورة الإخلاص</span>\nهذه السورة نسبة الرب ﵎.\nجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد انسب لنا\nربك، فأنزل الله - ﵎ -: <span data-type=\"title\" id=toc-979>(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)</span>\nإلى آخر السورة، فهو أحد لا ثاني، وصمد لا يأكل، ولا حاجة له به إليه.","vol":"4","page":563},{"text":"(لَمْ يَلِدْ)، فيكون كالمخلوق، (وَلَمْ يُولَدْ)، فيكون له أول، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)، فيرام، فهو أول كل شيء، وآخر كل شيء، لم يكن شيء قبله ولا معه، وكون الأشياء بقدرته، وأخرجها من العدم إلى\nالوجود، ثم يردها إلى العدم، إلا الجنة والنار وأهلها المخلوقين\nفي الجنة من الحور والولدان وأنواع نعيمها، وفي النار من الزبانية\nمالك وأصحابه، وأنواع عذابها، وما أعد لأعداء الله، ثم يحيي\nمن أماته أجمعين، حتى البق والبعوض والنمل، ويبقى الجن","vol":"4","page":564},{"text":"والإنس، فريق في الجنة، وفريق في السعير، فلا يفنيهم أبدًا، ويجعل\nسائرهم ترابًا.\nوهي سورة تعدل ثلث القرآن، من قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله.","vol":"4","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-980>المعوذتان</span>\nاختلفوا في تفسير \" الفلق \" فمنهم من قال: هم الخلق.\nومنهم من قال: هو الصبح، ومنهم من قال: هو سجن في جهنم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>واختلفوا في \" الغاسق إذا وقب </span>\" فمنهم من قال: هو الليل إذا\nذهب، ومنهم من قال: هو القمر، نظر إليه النبي - ﷺ -","vol":"4","page":566},{"text":"قد طلع فقال لعائشة: \" استعيذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب \".\nفمن فسره على الليل، اختلفوا في وقوبه:\nفمنهم من جعله دخوله، ومنهم من جعله ذهابه.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-982>(النَّفَّاثَاتِ) </span>السواحر، و(الْعُقَدِ) السحر،","vol":"4","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-983>و(الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)</span>\nالشيطان، يوسوس في صدور الناس، فإذا ذكروا الله انخنس أي انقمع حتى يصير مثل الذباب.\nومنهم من قال في \" الغاسق إذا وقب \": إنه القمر إذا انكسف.\nفدخل في الكسوف، فأمر رسول الله ﷺ أن\nيتعوذ من كل هذا.\nوهما من القرآن، ومن قال: ليستا من القرآن فقد أعظم القول.\nوما ذكر عن ابن مسعود، فهو عنه غير صحيح، ولو صح عنه\nأنها غير مكتوبة في مصحفه، ما دل على أنهما لم تكونا عنده من\nالقرآن، لأنه كان يحفظهما، ومن حفظ شيئا فليس بحتم عليه أن\nيكتبه،","vol":"4","page":568},{"text":"ولو أن حافطا للقرآن كله لم يكتبه، واقتصر على تلاوته آناء الليل","vol":"4","page":569},{"text":"والنهار قي الصلاة، وغير الصلاة ما ضره، وإنما كتب إشفاقا على من لا يقدر أن يحفظه فكتب، ليستوي فيه الحافظ، وغير الحافظ، وليرجع إليه الناسي إذا نسي منه الشيء، أو اشتبه عليه الحرف، ولينظر فيه الناظر فيصير نظره فيه عبادة، وليقرأ فيه الحافظ - أيضًا - فيجمع الثوابين ثواب التلاوة، وثواب النظر.\nوقد سأل عقبة بن عامر رسول الله - ﷺ - عن\nالمعوذتين، فأمه بهما في صلاة الفجر.\nوهذا حين اختتام الكتاب، والله - ﷿ - المحمود بجميل بلائه\nوجزيل عطائة، والمسؤول من جسيم فضله وكريم طوله أن يوالي ديم\nصلواته، وتحيته، ووفود كراماته، ورحمته على المصطفئ محمد، سيد\nالمرسلين، وقدوة المصطفين، وعلى آله السادة الغر، وأصحابه الأنجم\nالزهر، وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"4","page":570}]}