{"ً":{"ٌ":9133,"ٍ":"عودة الحجاب","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"بحوث ومسائل/عودة الحجاب - المقدم - ط دار طيبة 01-03","files":["00_113619.pdf|الغلاف","01_113619.pdf","02_113620.pdf","03_113621.pdf"]},"ّ":"الكتاب: عودة الحجاب\nالمؤلف: محمد أحمد إسماعيل المقدم\nجـ ١: دار طيبة (توزيع دار الصفوة) - الطبعة العاشرة، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧م\nجـ ٢: دار ابن الجوزي، القاهرة - الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\nجـ ٣: دار القمة، دار الإيمان (الإسكندرية) - الطبعة الثانية، ٢٠٠٤ م\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[عودة الحجاب - محمد إسماعيل المقدم]\n\nموسوعة ضخمة ماتعة لفضيلة الشيخ محمد إسماعيل المقدم - حفظه الله -، تقع في في ٣ أقسام\nالقسم الأول (التاريخي): معركة الحجاب والسفور\nالقسم الثاني: المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية\nالقسم الثالث: أدلة الحجاب، بحث جامع لفضائل الحجاب وأدلة وجوبه والرد على من أباح السفور\nوله قسم رابع (عن عمل المرأة) يسّر الله إتمامه\n\nأثنى فضيلة الشيخ (صالح بن عبد العزيز آل الشيخ) -حفظه الله تعالى- على المؤلف وعلى كتابه «عودة الحجاب» ثناءً عطرًا فقال -: «وهذا الكتاب فضل من الله على هذه الأُمَّة وعلى مؤلِّفِه»، وقال أيضًا: «إن الشيخ -يعني الشيخَ (محمد إسماعيل) - قد تخصص في هذا الموضوع -يعني موضوع الحجاب- تخصًّصًا بحيث أصبح قولَه فيه هو القول ونظرَه فيه هو النَّظَر» .","ٓ":"1.0","ٔ":1206,"ٕ":18,"ٖ":1770155535,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"القسم الأول معركة الحجاب والسفور","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة الطبعة الثالثة","level":2,"page":3},{"title":"مقدمة الطبعة الأولى","level":2,"page":10},{"title":"معركة الحجاب والسفور (قضية المرأة) بين المنهزمين والمتآمرين (٩)","level":2,"page":14},{"title":"حركة \" تحرير المرأة \" في مصر","level":2,"page":23},{"title":"البذرة الأولى:","level":3,"page":23},{"title":"- دور الشيخ \" رفاعة الطهطاوي \" (١٨٠١- ١٨٧٣ م):","level":4,"page":23},{"title":"مرقص فهمي والقذيفة الأولى:","level":4,"page":26},{"title":"- \" الدوق دراكير \" و\" المصريون \":","level":4,"page":27},{"title":"- الجذور (٢٢):","level":4,"page":28},{"title":"قاسم أمين (١٨٦٥م - ١٩٠٨م)","level":4,"page":30},{"title":"فتنة الأجيال وداعية السفور في عهد الاحتلال","level":4,"page":30},{"title":"الخطوة الأولى:","level":4,"page":32},{"title":"رده على \" داركير \"","level":5,"page":32},{"title":"- رد فعل الأميرة \" نازلي \":","level":5,"page":34},{"title":"- أثر الأميرة \" نازلي \" في فكر الشيخ \" محمد عبده \":","level":5,"page":35},{"title":"الخطوة الثانية:","level":4,"page":36},{"title":"كتاب \" تحرير المرأة \" (٤٨)","level":5,"page":36},{"title":"ظروف تأليف الكتاب:","level":5,"page":36},{"title":"نظرة في الكتاب:","level":5,"page":36},{"title":"بين \" قاسم \" و\" سعد \":","level":5,"page":44},{"title":"دور سعد زغلول:","level":5,"page":45},{"title":"ردود فعل كتاب \" تحرير المرأة \":","level":5,"page":46},{"title":"موقف \" محمد طلعت حرب \":","level":5,"page":48},{"title":"موقف \" محمد فريد وجدي \":","level":5,"page":52},{"title":"موقف \" مصطفي كامل \" (١٨٧٤ - ١٩٠٨):","level":5,"page":53},{"title":"أثر كتاب \" تحرير المرأة \" في العراق والشام:","level":5,"page":54},{"title":"الإنكليز يترجمون الكتاب وينشرونه:","level":5,"page":55},{"title":"من مواقف الشعراء:","level":5,"page":55},{"title":"الخطوة الثالثة:","level":4,"page":59},{"title":"كتاب (المرأة الجديدة)","level":5,"page":59},{"title":"بعض ردود فعل الكتاب:","level":5,"page":65},{"title":"موقف مصطفى كامل:","level":5,"page":65},{"title":"هل رجع \" قاسم أمين \" عن آرائه؟","level":5,"page":69},{"title":"موت \" قاسم أمين \":","level":5,"page":71},{"title":"من يحمل اللواء؟","level":5,"page":71},{"title":"صدور مجلة \" السفور \":","level":5,"page":73},{"title":"الطفرة:","level":5,"page":75},{"title":"جريمة الزعيم:","level":5,"page":76},{"title":"\" سعد زغلول \" المنفذ الفعلي لأفكار قاسم أمين:","level":5,"page":79},{"title":"\" سعد زغلول \": أول وزير مصري في ظل الاحتلال:","level":5,"page":81},{"title":"تلميذ المدرسة الاستعمارية","level":5,"page":84},{"title":"وبداية \" تحرير المرأة \" (*)","level":5,"page":84},{"title":"الاستعمار الأوربي حملة صليبية جديدة","level":5,"page":89},{"title":"والحرب الصليبية الثامنة قادها \" أللنبي \":","level":5,"page":91},{"title":"والفرنسيون أيضا صليبيون:","level":5,"page":92},{"title":"ومن هنا:","level":4,"page":96},{"title":"خريجات البيوت العميلة في موكب الرذيلة","level":5,"page":100},{"title":"١- \" صفية زغلول \" (١٨٥)","level":6,"page":100},{"title":"(\" هدى شعراوي \" (ت ١٩٤٧ م):","level":6,"page":101},{"title":"لقاء (هدى) و(موسوليني):","level":6,"page":107},{"title":"وقفة مع الاتحاد النسائي:","level":6,"page":108},{"title":"(هدى شعراوي) .. والأديان:","level":6,"page":109},{"title":"لقاء (هدى) و(أتاتورك):","level":6,"page":110},{"title":"٣- \" سيزا نبراوي \":","level":6,"page":112},{"title":"١- درية شفيق.. المرأة الغامضة (٢٢٢)","level":6,"page":113},{"title":"\" درية شفيق \"، ومثلها الأعلى:","level":6,"page":118},{"title":"\" درية شفيق \".. و\" الحملة الفرنسية \":","level":6,"page":118},{"title":"لماذا فشلت \" درية شفيق \"؟","level":6,"page":119},{"title":"٥- \" ماري إلياس زيادة \":","level":6,"page":120},{"title":"٦- \" أمينة السعيد \":","level":6,"page":120},{"title":"لعبة العرائس المتحركة:","level":5,"page":125},{"title":"من يحرر من؟","level":5,"page":125},{"title":"\" لا \" للقومية النسائية:","level":4,"page":126},{"title":"فهل أدركت يا أخت الإسلام:","level":4,"page":128},{"title":"حصاد المؤامرة:","level":4,"page":129},{"title":"الصحافة، والمرأة المسلمة (*)","level":4,"page":130},{"title":"دور الصحافة فى حركة (تدمير) المرأة","level":4,"page":130},{"title":"وقفة مع بعض دعاة \" تحرير المرأة \"","level":4,"page":138},{"title":"١- إحسان عبد القدوس:","level":5,"page":138},{"title":"٢- (نجيب محفوظ:","level":5,"page":139},{"title":"٣- مصطفى أمين:","level":5,"page":139},{"title":"٤- نزار قباني (٢٦٨):","level":5,"page":140},{"title":"موقف الإسلام من دعاة تحرير المراة","level":4,"page":142},{"title":"فيا أيتها الأخت المسلمة:","level":4,"page":144},{"title":"السفور مطية الفجور","level":4,"page":146},{"title":"سنة إبليسية:","level":4,"page":147},{"title":"تمسك المصريين بالحجاب:","level":4,"page":149},{"title":"سياسة \" تكسير الموجة \"","level":4,"page":149},{"title":"سنة سيئة:","level":4,"page":151},{"title":"\" ومعظم النار من مستصغر الشرر \":","level":4,"page":152},{"title":"صيحة نذير:","level":4,"page":157},{"title":"\" بعد السفور \" (٣٠٤):","level":4,"page":159},{"title":"والآن يا أختي المسلمة:","level":4,"page":160},{"title":"عبرة","level":4,"page":162},{"title":"\" طه حسين \" عميد التغريب في الفكر المعاصر دوره في \" تحرير المرأة \" وجرائمه في حق الإسلام (٣١٩)","level":4,"page":172},{"title":"في يناير ١٩٥٠ م:","level":4,"page":172},{"title":"صراع حركة اليقظة مع \"طه حسين\"","level":4,"page":179},{"title":"كيف واجه المسلمون مؤامرات \" طه حسين \"؟","level":4,"page":181},{"title":"إلى شباب الجامعة (٣٢٨)","level":4,"page":183},{"title":"بين \" الزهاوي\" و\" ابن الخطيب \":","level":4,"page":184},{"title":"ومن قذائف الحق في هذه المعركة:","level":4,"page":186},{"title":"المصير الأسود","level":4,"page":190},{"title":"- ودفعت المرأة الثمن:","level":4,"page":191},{"title":"- والآن:","level":4,"page":191},{"title":"- التجربة خير شاهد:","level":4,"page":192},{"title":"السياسة في المعركة","level":4,"page":193},{"title":"- معركة سلاحها الأقلام:","level":4,"page":193},{"title":"- معركة سلاحها البطش:","level":4,"page":194},{"title":"- مسؤولية الحاكم المسلم:","level":4,"page":195},{"title":"عود على بدء","level":4,"page":199},{"title":"١ - في تركيا:","level":5,"page":199},{"title":"المثل الأعلى للفراعنة:","level":5,"page":203},{"title":"دعاة \" حقوق الإنسان \" ضد الحجاب","level":5,"page":206},{"title":"- المحاميات ممنوعات من الحجاب:","level":5,"page":208},{"title":"٢ - في إيران (٣٦٤):","level":5,"page":209},{"title":"٣ - وفي أفغانستان:","level":5,"page":209},{"title":"٤ - في ألبانيا:","level":5,"page":210},{"title":"٥- في روسيا:","level":5,"page":210},{"title":"٦ - في يوغسلافيا:","level":5,"page":210},{"title":"٧ - في الجزائر:","level":5,"page":210},{"title":"٨ - في سوريا:","level":5,"page":211},{"title":"٩ - في تونس:","level":5,"page":211},{"title":"١٠ - في الصومال:","level":5,"page":211},{"title":"١١ - في ماليزيا:","level":5,"page":211},{"title":"١١ - في مصر:","level":5,"page":212},{"title":"الحركة النسائية في ظل النظام الجمهوري (*)","level":4,"page":213},{"title":"تكلف ... واصطناع:","level":4,"page":219},{"title":"\" الغزالي حرب \" وحربه ضد الحجاب:","level":4,"page":222},{"title":"المركز القومي للبحوث الاجتماعية في حالة (طوارئ) بسبب عودة الحجاب","level":4,"page":229},{"title":"(ولتعرفنهم في لحن القول) سورة محمد (٣٠)","level":4,"page":232},{"title":"(ردة ونكسة ومأساة) زكي نجيب محمود (*)","level":4,"page":232},{"title":"صدق وهو كذوب:","level":4,"page":248},{"title":"السلفية والتقدم:","level":4,"page":252},{"title":"حقا.. إنها معركة","level":4,"page":262},{"title":"مارق يتحدى مشاعر المسلمين ويستعدي \" السلطة\" على المحجبات","level":4,"page":262},{"title":"اعرف عدوك","level":4,"page":274},{"title":"شيوخ في المعركة","level":4,"page":275},{"title":"أخطاء ... أم خطايا؟:","level":4,"page":278},{"title":"إن هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم","level":4,"page":279},{"title":"بشائر عودة الحجاب","level":4,"page":281},{"title":"السيادة لقانون الله:","level":4,"page":281},{"title":"وجهة نظر صحافي ألماني:","level":4,"page":282},{"title":"أقوى من فرنسا:","level":4,"page":283},{"title":"رجع الصدى.. وترديد الببغاوات:","level":4,"page":284},{"title":"العودة إلى الحجاب.. عودة إلى الله","level":4,"page":284},{"title":"الصنم الذي تحطم:","level":4,"page":286},{"title":"الإسلام يعود من الجامعة:","level":4,"page":286},{"title":"ذهب مع الريح:","level":4,"page":286},{"title":"لا.. لجيل \" هدى شعراوي \":","level":4,"page":287},{"title":"عاد الحجاب:","level":4,"page":288},{"title":"سلفيات.. لا مرتدات:","level":4,"page":288},{"title":"وفي فرنسا أيضا قلقون:","level":4,"page":289},{"title":"أمريكا وإسرائيل تحذران الغرب: \" الإسلام قادم ونحن على خطر عظيم \":","level":4,"page":290},{"title":"\" عسى أن يكون قريبا \"","level":4,"page":290},{"title":"المعركة مستمرة:","level":4,"page":290},{"title":"القسم الثاني المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية","level":1,"page":292},{"title":"مقدمة الطبعة الخامسة","level":2,"page":296},{"title":"* الباب الأول *","level":2,"page":298},{"title":"تمهيد","level":3,"page":298},{"title":"[فصل] المرأة سلاح ذو حدين","level":3,"page":303},{"title":"[فصل] القضية الأم القرآن والسلطان","level":3,"page":312},{"title":"[فصل] بين الترقيع ... والأصالة","level":3,"page":316},{"title":"[فصل] وضع المرأة ومسئولية الولاة","level":3,"page":321},{"title":"[فصل] موقف دعاة الإسلام من قضية المرأة (٥٢)","level":3,"page":328},{"title":"الباب الثاني إهانة الجاهلية للمرأة","level":2,"page":334},{"title":"[الفصل الأول] المرأة عند الآخرين (٥٧)","level":3,"page":336},{"title":"[الفصل الثاني] المرأة عند العرب في الجاهلية","level":3,"page":346},{"title":"الباب الثالث شمس الإسلام تشرق على المرأة","level":2,"page":363},{"title":"[الفصل الأول]","level":3,"page":363},{"title":"مظاهر تكريم الإسلام للمرأة","level":4,"page":364},{"title":"[فصل] دحض بدعة المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة","level":4,"page":413},{"title":"[فصل] الفروق بين الرجل والمرأة","level":4,"page":422},{"title":"مسألة: هل يجب تسوية الوالدين بين أولادهم الذكور والإناث في الهبة؟","level":4,"page":429},{"title":"عود على بدء","level":4,"page":434},{"title":"[الفصل الثاني] المرأة أما","level":3,"page":445},{"title":"[فصل] بر الوالدين بعد موتهما","level":4,"page":456},{"title":"[فصل] من مواقف الأم المسلمة","level":4,"page":480},{"title":"[فصل] الأم المسلمة وراء هؤلاء العظماء","level":4,"page":488},{"title":"[الفصل الثالث] المرأة بنتا","level":3,"page":502},{"title":"[الفصل الرابع] المرأة زوجة","level":3,"page":516},{"title":"[فصل] الكفاءة في الزواج","level":4,"page":531},{"title":"فصل نص القرآن الكريم على تحريم نكاح الزانية،","level":4,"page":537},{"title":"فصل وأما الأدلة على عدم اعتبار المال في الكفاءة:","level":4,"page":540},{"title":"فوائد","level":4,"page":542},{"title":"[فصل] الزوجية بين الحقوق والواجبات والآداب","level":4,"page":545},{"title":"أولا: الحقوق والآداب المشتركة بين الزوجين","level":5,"page":548},{"title":"من مواقف الزوجة المسلمة","level":6,"page":556},{"title":"تنبيهات","level":6,"page":565},{"title":"ثانيا: حقوق الزوجة على زوجها","level":5,"page":582},{"title":"(أ) الحقوق المادية","level":6,"page":582},{"title":"(ب) الحقوق الأدبية","level":6,"page":616},{"title":"[فصل] لا نكاح إلا بولي","level":6,"page":633},{"title":"تنبيهات متفرقة","level":6,"page":644},{"title":"عود على بدء من حقوق المرأة على زوجها","level":6,"page":659},{"title":"[فصل] مسئولية الرجل عن حماية الأسرة (٩١٥)","level":6,"page":667},{"title":"ثالثا: حقوق الزوج على زوجته","level":5,"page":730},{"title":"[فصل] (١٢٢٠) في علاقة الابن بوالديه بعد الزواج وعلاقة الحماة بالكنة (١٢٢١)","level":6,"page":795},{"title":"[فصل] وفاؤها لزوجها","level":6,"page":820},{"title":"[الفصل الخامس] المرأة مؤمنة مجاهدة صابرة","level":3,"page":828},{"title":"[الفصل السادس] المرأة عالمة","level":3,"page":854},{"title":"[فصل] صور من سيرة المسلمة العالمة","level":4,"page":869},{"title":"[الفصل السابع] المرأة ... عابدة","level":3,"page":889},{"title":"الخاتمة","level":3,"page":917},{"title":"القسم الثالث الأدلة","level":1,"page":927},{"title":"مقدمة هذه الطبعة","level":2,"page":927},{"title":"مقدمة الطبعة الأولى","level":2,"page":931},{"title":"الباب الأول","level":2,"page":944},{"title":"الفصل الأول","level":3,"page":945},{"title":"فتنة المرأة","level":4,"page":945},{"title":"الفصل الثاني","level":3,"page":951},{"title":"احتياطات الإسلام لسد ذرائع الفتنة بالمرأة","level":4,"page":951},{"title":"الباب الثاني","level":2,"page":996},{"title":"الفصل الأول:","level":3,"page":997},{"title":"معنى الحجاب ودرجاته","level":4,"page":997},{"title":"الفصل الثاني","level":3,"page":1002},{"title":"تاريخ الحجاب","level":4,"page":1002},{"title":"الباب الثالث","level":2,"page":1016},{"title":"الفصل الأول:","level":3,"page":1018},{"title":"فضائل الحجاب","level":4,"page":1018},{"title":"الفصل الثاني","level":3,"page":1054},{"title":"مثالب التبرج","level":4,"page":1054},{"title":"الباب الرابع","level":2,"page":1072},{"title":"الفصل الأول","level":3,"page":1073},{"title":"شروط الحجاب الشرعي","level":4,"page":1073},{"title":"الفصل الثاني","level":3,"page":1096},{"title":"أين نحن من الحجاب الشرعي","level":4,"page":1096},{"title":"الباب الخامس","level":2,"page":1108},{"title":"أدلة وجوب ستر الوجه والكفين","level":3,"page":1108},{"title":"الفصل الأول","level":4,"page":1110},{"title":"أدلة القرآن الكريم","level":5,"page":1110},{"title":"الفصل الثاني","level":4,"page":1248},{"title":"الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بحكم الحجاب","level":5,"page":1248},{"title":"الباب السادس","level":2,"page":1283},{"title":"الفصل الأول","level":3,"page":1284},{"title":"شبهات وجوابها","level":4,"page":1284},{"title":"الفصل الثاني","level":3,"page":1374},{"title":"المذاهب الفقهية في حكم كشف الوجه والكفين","level":4,"page":1374},{"title":"تنبيهات","level":2,"page":1391}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,190":185,"1,191":186,"1,192":187,"1,193":188,"1,194":189,"1,195":190,"1,196":191,"1,197":192,"1,198":193,"1,199":194,"1,200":195,"1,201":196,"1,202":197,"1,203":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"2,4":294,"2,5":295,"2,7":296,"2,8":297,"2,9":298,"2,10":299,"2,11":300,"2,12":301,"2,13":302,"2,14":303,"2,15":304,"2,16":305,"2,17":306,"2,18":307,"2,19":308,"2,20":309,"2,21":310,"2,22":311,"2,23":312,"2,24":313,"2,25":314,"2,26":315,"2,27":316,"2,28":317,"2,29":318,"2,30":319,"2,31":320,"2,32":321,"2,33":322,"2,34":323,"2,35":324,"2,36":325,"2,37":326,"2,38":327,"2,39":328,"2,40":329,"2,41":330,"2,42":331,"2,43":332,"2,44":333,"2,45":334,"2,46":335,"2,47":336,"2,48":337,"2,49":338,"2,50":339,"2,51":340,"2,52":341,"2,53":342,"2,54":343,"2,55":344,"2,56":345,"2,57":346,"2,58":347,"2,59":348,"2,60":349,"2,61":350,"2,62":351,"2,63":352,"2,64":353,"2,65":354,"2,66":355,"2,67":356,"2,68":357,"2,69":358,"2,70":359,"2,71":360,"2,72":361,"2,73":362,"2,74":363,"2,75":364,"2,76":365,"2,77":366,"2,78":367,"2,79":368,"2,80":369,"2,81":370,"2,82":371,"2,83":372,"2,84":373,"2,85":374,"2,86":375,"2,87":376,"2,88":377,"2,89":378,"2,90":379,"2,91":380,"2,92":381,"2,93":382,"2,94":383,"2,95":384,"2,96":385,"2,97":386,"2,98":387,"2,99":388,"2,100":389,"2,101":390,"2,102":391,"2,103":392,"2,104":393,"2,105":394,"2,106":395,"2,107":396,"2,108":397,"2,109":398,"2,110":399,"2,111":400,"2,112":401,"2,113":402,"2,114":403,"2,115":404,"2,116":405,"2,117":406,"2,118":407,"2,119":408,"2,120":409,"2,121":410,"2,122":411,"2,123":412,"2,124":413,"2,125":414,"2,126":415,"2,127":416,"2,128":417,"2,129":418,"2,130":419,"2,131":420,"2,132":421,"2,133":422,"2,134":423,"2,135":424,"2,136":425,"2,137":426,"2,138":427,"2,139":428,"2,140":429,"2,141":430,"2,142":431,"2,143":432,"2,144":433,"2,145":434,"2,146":435,"2,147":436,"2,148":437,"2,149":438,"2,150":439,"2,151":440,"2,152":441,"2,153":442,"2,154":443,"2,155":444,"2,156":445,"2,157":446,"2,158":447,"2,159":448,"2,160":449,"2,161":450,"2,162":451,"2,163":452,"2,164":453,"2,165":454,"2,166":455,"2,167":456,"2,168":457,"2,169":458,"2,170":459,"2,171":460,"2,172":461,"2,173":462,"2,174":463,"2,175":464,"2,176":465,"2,177":466,"2,178":467,"2,179":468,"2,180":469,"2,181":470,"2,182":471,"2,183":472,"2,184":473,"2,185":474,"2,186":475,"2,187":476,"2,188":477,"2,189":478,"2,190":479,"2,191":480,"2,192":481,"2,193":482,"2,194":483,"2,195":484,"2,196":485,"2,197":486,"2,198":487,"2,199":488,"2,200":489,"2,201":490,"2,202":491,"2,203":492,"2,204":493,"2,205":494,"2,206":495,"2,207":496,"2,208":497,"2,209":498,"2,210":499,"2,211":500,"2,212":501,"2,213":502,"2,214":503,"2,215":504,"2,216":505,"2,217":506,"2,218":507,"2,219":508,"2,220":509,"2,221":510,"2,222":511,"2,223":512,"2,224":513,"2,225":514,"2,226":515,"2,227":516,"2,228":517,"2,229":518,"2,230":519,"2,231":520,"2,232":521,"2,233":522,"2,234":523,"2,235":524,"2,236":525,"2,237":526,"2,238":527,"2,239":528,"2,240":529,"2,241":530,"2,242":531,"2,243":532,"2,244":533,"2,245":534,"2,246":535,"2,247":536,"2,248":537,"2,249":538,"2,250":539,"2,251":540,"2,252":541,"2,253":542,"2,254":543,"2,255":544,"2,256":545,"2,257":546,"2,258":547,"2,259":548,"2,260":549,"2,261":550,"2,262":551,"2,263":552,"2,264":553,"2,265":554,"2,266":555,"2,267":556,"2,268":557,"2,269":558,"2,270":559,"2,271":560,"2,272":561,"2,273":562,"2,274":563,"2,275":564,"2,276":565,"2,277":566,"2,278":567,"2,279":568,"2,280":569,"2,281":570,"2,282":571,"2,283":572,"2,284":573,"2,285":574,"2,286":575,"2,287":576,"2,288":577,"2,289":578,"2,290":579,"2,291":580,"2,292":581,"2,293":582,"2,294":583,"2,295":584,"2,296":585,"2,297":586,"2,298":587,"2,299":588,"2,300":589,"2,301":590,"2,302":591,"2,303":592,"2,304":593,"2,305":594,"2,306":595,"2,307":596,"2,308":597,"2,309":598,"2,310":599,"2,311":600,"2,312":601,"2,313":602,"2,314":603,"2,315":604,"2,316":605,"2,317":606,"2,318":607,"2,319":608,"2,320":609,"2,321":610,"2,322":611,"2,323":612,"2,324":613,"2,325":614,"2,326":615,"2,327":616,"2,328":617,"2,329":618,"2,330":619,"2,331":620,"2,332":621,"2,333":622,"2,334":623,"2,335":624,"2,336":625,"2,337":626,"2,338":627,"2,339":628,"2,340":629,"2,341":630,"2,342":631,"2,343":632,"2,344":633,"2,345":634,"2,346":635,"2,347":636,"2,348":637,"2,349":638,"2,350":639,"2,351":640,"2,352":641,"2,353":642,"2,354":643,"2,355":644,"2,356":645,"2,357":646,"2,358":647,"2,359":648,"2,360":649,"2,361":650,"2,362":651,"2,363":652,"2,364":653,"2,365":654,"2,366":655,"2,367":656,"2,368":657,"2,369":658,"2,370":659,"2,371":660,"2,372":661,"2,373":662,"2,374":663,"2,375":664,"2,376":665,"2,377":666,"2,378":667,"2,379":668,"2,380":669,"2,381":670,"2,382":671,"2,383":672,"2,384":673,"2,385":674,"2,386":675,"2,387":676,"2,388":677,"2,389":678,"2,390":679,"2,391":680,"2,392":681,"2,393":682,"2,394":683,"2,395":684,"2,396":685,"2,397":686,"2,398":687,"2,399":688,"2,400":689,"2,401":690,"2,402":691,"2,403":692,"2,404":693,"2,405":694,"2,406":695,"2,407":696,"2,408":697,"2,409":698,"2,410":699,"2,411":700,"2,412":701,"2,413":702,"2,414":703,"2,415":704,"2,416":705,"2,417":706,"2,418":707,"2,419":708,"2,420":709,"2,421":710,"2,422":711,"2,423":712,"2,424":713,"2,425":714,"2,426":715,"2,427":716,"2,428":717,"2,429":718,"2,430":719,"2,431":720,"2,432":721,"2,433":722,"2,434":723,"2,435":724,"2,436":725,"2,437":726,"2,438":727,"2,439":728,"2,440":729,"2,441":730,"2,442":731,"2,443":732,"2,444":733,"2,445":734,"2,446":735,"2,447":736,"2,448":737,"2,449":738,"2,450":739,"2,451":740,"2,452":741,"2,453":742,"2,454":743,"2,455":744,"2,456":745,"2,457":746,"2,458":747,"2,459":748,"2,460":749,"2,461":750,"2,462":751,"2,463":752,"2,464":753,"2,465":754,"2,466":755,"2,467":756,"2,468":757,"2,469":758,"2,470":759,"2,471":760,"2,472":761,"2,473":762,"2,474":763,"2,475":764,"2,476":765,"2,477":766,"2,478":767,"2,479":768,"2,480":769,"2,481":770,"2,482":771,"2,483":772,"2,484":773,"2,485":774,"2,486":775,"2,487":776,"2,488":777,"2,489":778,"2,490":779,"2,491":780,"2,492":781,"2,493":782,"2,494":783,"2,495":784,"2,496":785,"2,497":786,"2,498":787,"2,499":788,"2,500":789,"2,501":790,"2,502":791,"2,503":792,"2,504":793,"2,505":794,"2,506":795,"2,507":796,"2,508":797,"2,509":798,"2,510":799,"2,511":800,"2,512":801,"2,513":802,"2,514":803,"2,515":804,"2,516":805,"2,517":806,"2,518":807,"2,519":808,"2,520":809,"2,521":810,"2,522":811,"2,523":812,"2,524":813,"2,525":814,"2,526":815,"2,527":816,"2,528":817,"2,529":818,"2,530":819,"2,531":820,"2,532":821,"2,533":822,"2,534":823,"2,535":824,"2,536":825,"2,537":826,"2,538":827,"2,539":828,"2,540":829,"2,541":830,"2,542":831,"2,543":832,"2,544":833,"2,545":834,"2,546":835,"2,547":836,"2,548":837,"2,549":838,"2,550":839,"2,551":840,"2,552":841,"2,553":842,"2,554":843,"2,555":844,"2,556":845,"2,557":846,"2,558":847,"2,559":848,"2,560":849,"2,561":850,"2,562":851,"2,563":852,"2,564":853,"2,565":854,"2,566":855,"2,567":856,"2,568":857,"2,569":858,"2,570":859,"2,571":860,"2,572":861,"2,573":862,"2,574":863,"2,575":864,"2,576":865,"2,577":866,"2,578":867,"2,579":868,"2,580":869,"2,581":870,"2,582":871,"2,583":872,"2,584":873,"2,585":874,"2,586":875,"2,587":876,"2,588":877,"2,589":878,"2,590":879,"2,591":880,"2,592":881,"2,593":882,"2,594":883,"2,595":884,"2,596":885,"2,597":886,"2,598":887,"2,599":888,"2,600":889,"2,601":890,"2,602":891,"2,603":892,"2,604":893,"2,605":894,"2,606":895,"2,607":896,"2,608":897,"2,609":898,"2,610":899,"2,611":900,"2,612":901,"2,613":902,"2,614":903,"2,615":904,"2,616":905,"2,617":906,"2,618":907,"2,619":908,"2,620":909,"2,621":910,"2,622":911,"2,623":912,"2,624":913,"2,625":914,"2,626":915,"2,627":916,"2,628":917,"2,629":918,"2,630":919,"2,631":920,"2,632":921,"2,633":922,"2,634":923,"3,5":931,"3,6":932,"3,7":933,"3,8":934,"3,9":935,"3,10":936,"3,11":937,"3,12":938,"3,13":939,"3,14":940,"3,15":941,"3,16":942,"3,17":943,"3,19":944,"3,21":945,"3,22":946,"3,23":947,"3,24":948,"3,25":949,"3,26":950,"3,27":951,"3,28":952,"3,29":953,"3,30":954,"3,31":955,"3,32":956,"3,33":957,"3,34":958,"3,35":959,"3,36":960,"3,37":961,"3,38":962,"3,39":963,"3,40":964,"3,41":965,"3,42":966,"3,43":967,"3,44":968,"3,45":969,"3,46":970,"3,47":971,"3,48":972,"3,49":973,"3,50":974,"3,51":975,"3,52":976,"3,53":977,"3,54":978,"3,55":979,"3,56":980,"3,57":981,"3,58":982,"3,59":983,"3,60":984,"3,61":985,"3,62":986,"3,63":987,"3,64":988,"3,65":989,"3,66":990,"3,67":991,"3,68":992,"3,69":993,"3,70":994,"3,71":995,"3,73":996,"3,75":997,"3,76":998,"3,77":999,"3,78":1000,"3,79":1001,"3,81":1002,"3,82":1003,"3,83":1004,"3,84":1005,"3,85":1006,"3,86":1007,"3,87":1008,"3,88":1009,"3,89":1010,"3,90":1011,"3,91":1012,"3,92":1013,"3,93":1014,"3,94":1015,"3,95":1016,"3,96":1017,"3,97":1018,"3,98":1019,"3,99":1020,"3,100":1021,"3,101":1022,"3,102":1023,"3,103":1024,"3,104":1025,"3,105":1026,"3,106":1027,"3,107":1028,"3,108":1029,"3,109":1030,"3,110":1031,"3,111":1032,"3,112":1033,"3,113":1034,"3,114":1035,"3,115":1036,"3,116":1037,"3,117":1038,"3,118":1039,"3,119":1040,"3,120":1041,"3,121":1042,"3,122":1043,"3,123":1044,"3,124":1045,"3,125":1046,"3,126":1047,"3,127":1048,"3,128":1049,"3,129":1050,"3,130":1051,"3,131":1052,"3,132":1053,"3,133":1054,"3,134":1055,"3,135":1056,"3,136":1057,"3,137":1058,"3,138":1059,"3,139":1060,"3,140":1061,"3,141":1062,"3,142":1063,"3,143":1064,"3,144":1065,"3,145":1066,"3,146":1067,"3,147":1068,"3,148":1069,"3,149":1070,"3,150":1071,"3,151":1072,"3,153":1073,"3,154":1074,"3,155":1075,"3,156":1076,"3,157":1077,"3,158":1078,"3,159":1079,"3,160":1080,"3,161":1081,"3,162":1082,"3,163":1083,"3,164":1084,"3,165":1085,"3,166":1086,"3,167":1087,"3,168":1088,"3,169":1089,"3,170":1090,"3,171":1091,"3,172":1092,"3,173":1093,"3,174":1094,"3,175":1095,"3,177":1096,"3,178":1097,"3,179":1098,"3,180":1099,"3,181":1100,"3,182":1101,"3,183":1102,"3,184":1103,"3,185":1104,"3,186":1105,"3,187":1106,"3,188":1107,"3,189":1108,"3,190":1109,"3,191":1110,"3,192":1111,"3,193":1112,"3,194":1113,"3,195":1114,"3,196":1115,"3,197":1116,"3,198":1117,"3,199":1118,"3,200":1119,"3,201":1120,"3,202":1121,"3,203":1122,"3,204":1123,"3,205":1124,"3,206":1125,"3,207":1126,"3,208":1127,"3,209":1128,"3,210":1129,"3,211":1130,"3,212":1131,"3,213":1132,"3,214":1133,"3,215":1134,"3,216":1135,"3,217":1136,"3,218":1137,"3,219":1138,"3,220":1139,"3,221":1140,"3,222":1141,"3,223":1142,"3,224":1143,"3,225":1144,"3,226":1145,"3,227":1146,"3,228":1147,"3,229":1148,"3,230":1149,"3,231":1150,"3,232":1151,"3,233":1152,"3,234":1153,"3,235":1154,"3,236":1155,"3,237":1156,"3,238":1157,"3,239":1158,"3,240":1159,"3,241":1160,"3,242":1161,"3,243":1162,"3,244":1163,"3,245":1164,"3,246":1165,"3,247":1166,"3,248":1167,"3,249":1168,"3,250":1169,"3,251":1170,"3,252":1171,"3,253":1172,"3,254":1173,"3,255":1174,"3,256":1175,"3,257":1176,"3,258":1177,"3,259":1178,"3,260":1179,"3,261":1180,"3,262":1181,"3,263":1182,"3,264":1183,"3,265":1184,"3,266":1185,"3,267":1186,"3,268":1187,"3,269":1188,"3,270":1189,"3,271":1190,"3,272":1191,"3,273":1192,"3,274":1193,"3,275":1194,"3,276":1195,"3,277":1196,"3,278":1197,"3,279":1198,"3,280":1199,"3,281":1200,"3,282":1201,"3,283":1202,"3,284":1203,"3,285":1204,"3,286":1205,"3,287":1206,"3,288":1207,"3,289":1208,"3,290":1209,"3,291":1210,"3,292":1211,"3,293":1212,"3,294":1213,"3,295":1214,"3,296":1215,"3,297":1216,"3,298":1217,"3,299":1218,"3,300":1219,"3,301":1220,"3,302":1221,"3,303":1222,"3,304":1223,"3,305":1224,"3,306":1225,"3,307":1226,"3,308":1227,"3,309":1228,"3,310":1229,"3,311":1230,"3,312":1231,"3,313":1232,"3,314":1233,"3,315":1234,"3,316":1235,"3,317":1236,"3,318":1237,"3,319":1238,"3,320":1239,"3,321":1240,"3,322":1241,"3,323":1242,"3,324":1243,"3,325":1244,"3,326":1245,"3,327":1246,"3,328":1247,"3,329":1248,"3,330":1249,"3,331":1250,"3,332":1251,"3,333":1252,"3,334":1253,"3,335":1254,"3,336":1255,"3,337":1256,"3,338":1257,"3,339":1258,"3,340":1259,"3,341":1260,"3,342":1261,"3,343":1262,"3,344":1263,"3,345":1264,"3,346":1265,"3,347":1266,"3,348":1267,"3,349":1268,"3,350":1269,"3,351":1270,"3,352":1271,"3,353":1272,"3,354":1273,"3,355":1274,"3,356":1275,"3,357":1276,"3,358":1277,"3,359":1278,"3,360":1279,"3,361":1280,"3,362":1281,"3,363":1282,"3,365":1283,"3,367":1284,"3,368":1285,"3,369":1286,"3,370":1287,"3,371":1288,"3,372":1289,"3,373":1290,"3,374":1291,"3,375":1292,"3,376":1293,"3,377":1294,"3,378":1295,"3,379":1296,"3,380":1297,"3,381":1298,"3,382":1299,"3,383":1300,"3,384":1301,"3,385":1302,"3,386":1303,"3,387":1304,"3,388":1305,"3,389":1306,"3,390":1307,"3,391":1308,"3,392":1309,"3,393":1310,"3,394":1311,"3,395":1312,"3,396":1313,"3,397":1314,"3,398":1315,"3,399":1316,"3,400":1317,"3,401":1318,"3,402":1319,"3,403":1320,"3,404":1321,"3,405":1322,"3,406":1323,"3,407":1324,"3,408":1325,"3,409":1326,"3,410":1327,"3,411":1328,"3,412":1329,"3,413":1330,"3,414":1331,"3,415":1332,"3,416":1333,"3,417":1334,"3,418":1335,"3,419":1336,"3,420":1337,"3,421":1338,"3,422":1339,"3,423":1340,"3,424":1341,"3,425":1342,"3,426":1343,"3,427":1344,"3,428":1345,"3,429":1346,"3,430":1347,"3,431":1348,"3,432":1349,"3,433":1350,"3,434":1351,"3,435":1352,"3,436":1353,"3,437":1354,"3,438":1355,"3,439":1356,"3,440":1357,"3,441":1358,"3,442":1359,"3,443":1360,"3,444":1361,"3,445":1362,"3,446":1363,"3,447":1364,"3,448":1365,"3,449":1366,"3,450":1367,"3,451":1368,"3,452":1369,"3,453":1370,"3,454":1371,"3,455":1372,"3,456":1373,"3,457":1374,"3,458":1375,"3,459":1376,"3,460":1377,"3,461":1378,"3,462":1379,"3,463":1380,"3,464":1381,"3,465":1382,"3,466":1383,"3,467":1384,"3,468":1385,"3,469":1386,"3,470":1387,"3,471":1388,"3,472":1389,"3,473":1390,"3,474":1391,"3,475":1392,"3,476":1393,"3,477":1394,"3,478":1395,"3,479":1396,"3,480":1397,"3,481":1398,"3,482":1399,"3,483":1400},"ٜ":{"1":[1,297],"2":[4,634],"3":[5,483]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297",null,null,"2,4","2,5","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634",null,null,null,null,null,null,null,"3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,19","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,73","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,365","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"10":[3],"14":[4],"23":[5,6,7],"26":[8],"27":[9],"28":[10],"30":[11,12],"32":[13,14],"34":[15],"35":[16],"36":[17,18,19,20],"44":[21],"45":[22],"46":[23],"48":[24],"52":[25],"53":[26],"54":[27],"55":[28,29],"59":[30,31],"65":[32,33],"69":[34],"71":[35,36],"73":[37],"75":[38],"76":[39],"79":[40],"81":[41],"84":[42,43],"89":[44],"91":[45],"92":[46],"96":[47],"100":[48,49],"101":[50],"107":[51],"108":[52],"109":[53],"110":[54],"112":[55],"113":[56],"118":[57,58],"119":[59],"120":[60,61],"125":[62,63],"126":[64],"128":[65],"129":[66],"130":[67,68],"138":[69,70],"139":[71,72],"140":[73],"142":[74],"144":[75],"146":[76],"147":[77],"149":[78,79],"151":[80],"152":[81],"157":[82],"159":[83],"160":[84],"162":[85],"172":[86,87],"179":[88],"181":[89],"183":[90],"184":[91],"186":[92],"190":[93],"191":[94,95],"192":[96],"193":[97,98],"194":[99],"195":[100],"199":[101,102],"203":[103],"206":[104],"208":[105],"209":[106,107],"210":[108,109,110,111],"211":[112,113,114,115],"212":[116],"213":[117],"219":[118],"222":[119],"229":[120],"232":[121,122],"248":[123],"252":[124],"262":[125,126],"274":[127],"275":[128],"278":[129],"279":[130],"281":[131,132],"282":[133],"283":[134],"284":[135,136],"286":[137,138,139],"287":[140],"288":[141,142],"289":[143],"290":[144,145,146],"292":[147],"296":[148],"298":[149,150],"303":[151],"312":[152],"316":[153],"321":[154],"328":[155],"334":[156],"336":[157],"346":[158],"363":[159,160],"364":[161],"413":[162],"422":[163],"429":[164],"434":[165],"445":[166],"456":[167],"480":[168],"488":[169],"502":[170],"516":[171],"531":[172],"537":[173],"540":[174],"542":[175],"545":[176],"548":[177],"556":[178],"565":[179],"582":[180,181],"616":[182],"633":[183],"644":[184],"659":[185],"667":[186],"730":[187],"795":[188],"820":[189],"828":[190],"854":[191],"869":[192],"889":[193],"917":[194],"927":[195,196],"931":[197],"944":[198],"945":[199,200],"951":[201,202],"996":[203],"997":[204,205],"1002":[206,207],"1016":[208],"1018":[209,210],"1054":[211,212],"1072":[213],"1073":[214,215],"1096":[216,217],"1108":[218,219],"1110":[220,221],"1248":[222,223],"1283":[224],"1284":[225,226],"1374":[227,228],"1391":[229]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"عودة الحجاب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>القسم الأول\nمعركة الحجاب والسفور</span>\n\nجمع وترتيب\nمحمد أحمد اسماعيل المقدم\nغفر الله له ولوالديه وللمسلمين\nتوزيع دار الصفوة","vol":"1","page":1},{"text":"جميع الحقوق محفوظة للناشر\nالطبعة العاشرة\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧م\nتوزيع\nدار الصفوة\nت: ٠١٠١٩٩٩٥٥٥\nE-mail.ddarelsafwah@yahoo.com\nالناشر\nدار طيبة للنشر والتوزيع","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة الطبعة الثالثة</span>\n\nالحمد لله الذي اخمد ذكر الطواغيت فصار بعز التوحيد والإسلام مطموسًا وأذل بقهره منهم أعناقًا ورؤوسًا وصرف عن أهل طاعته بلطفه وإسعاده أذى وبوسًا ورفع كيد شياطين الإنس والجن عن قلوب أهل الإيمان فأصبح عنها محبوسًا.\n\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص في معتقده وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى اللهم وسلم عليه وعلى آله وصحبه وعلى سائر التابعين مقصده الصابرين من البلاء على أشده.\nأما بعد:\nفما أشد حاجتنا إلى إعادة النظر في تقويم الرجال بعد رحلة الشقاء التي تركت قلوبنا مجرحة وأيدينا مرتعدة وسيوفنا ملثمة تلك الرحلة التي قام فيها على امرنا فريق التحف الإسلام وتبطن الكفر حمل بين فكيه لسانًا مسلمًا وبين جنبيه قلبًا كافرًا مظلمًا حرص كل الحرص على أن يطفئ نور الإسلام ويهدم عز المسلمين فلم يجد أعون له على هذا الغرض السيئ من أن يقدم لنا الكفر والفسوق والعصيان في ثوب إسلامي ويتولى تزيينه لنا سدنته من الزعماء وربائبه من المفكرين فكانت النتيجة ركامًا ضحلًا تافهًا مظلمًا من المبادئ التي أخذناها لنستر بها عُريَنا فعرينا! والمناهج التي اقتبسناها لننسج بها آمالنا فنسجنا بها أكفاننا!","vol":"1","page":3},{"text":"(إن كثيرًا ممن نعتبرهم اليوم دعائم النهضة الحديثة لم يصبحوا كذلك في أوهام الناس إلا بسبب الدعايات المغرضة التي أرادت أن تضعهم في هذه المنزلة لتحقق بذلك أغراضها في نشر مذاهبهم والتمكين لأرائهم ولأن كثيرًا من الآراء المنحرفة التي لم تكن تستطيع أن تجد طريقها إلى الفكر الإسلامي وإلى مجتمعاته قد أصبح قبولها ممكنًا بنسبتها إلى هذه الزعامات وإلى هؤلاء الأئمة الذين لا يتطرق إلى الناس شك في إخلاصهم وعلمهم والواقع أن كثيرًا من هؤلاء الرجال قد أحيطوا بالأسباب التي تبني لهم مجدًا وذكرًا بين الناس ولم يكن الغرض من ذلك خدمتهم ولكن الغرض منه كان ولا يزال هو خدمة المذاهب والآراء التي نادوا بها والتي وافقت أهداف الاستعمار ومصالحه\nوخطة الاستعمار واليهودية العالمية في ذلك كانت تقوم - ولا تزال - على السيطرة على أجهزة النشر التي نسميها الآن \" الإعلام \" وإلقاء الأضواء من طريقها على كُتاب ومفكرين من نوع خاص يبنون وينشئون بالطريقة التي يبني بها نجوم التمثيل\nوالرقص والغناء بالمداومة عن الإعلان عنهم والإشادة بهم وإسباغ الألقاب عليهم ونشر أخبارهم وصورهم وذلك في الوقت الذي يُهمل فيه الكتاب والمفكرون الذين يمثلون وجهات النظر المعارضة أو تُشوه آراؤهم وتُسفه ويُشهَّر بهم ثم هي تقوم على تكرار آرائهم آنًا بعد آن لا يملون من التكرار لأنهم يعلمون أنهم يخاطبون في كل مرة جيلًا جديدًا أو هم يخاطبون الجيل نفسه فيتعهدون بالسقي البذور التي ألقوها من قبل.\nونحن حين ندعو إلى إعادة النظر في تقويم الرجال لا نريد أن ننقص من قدر أحد ولكننا لا نريد أن تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعم الزاعمون أنهم معصومون من كل خطأ وأن أعمالهم كلها حسنات لا تقبل القدح والنقد حتى أن المخدوع بهم والمتعصب لهم والمروج لآرائهم ليهيج ويموج إذا وصف أحد الناس إمامًا من أئمتهم بالخطأ في رأي من آرائه في الوقت الذي لا يهيجون","vol":"1","page":4},{"text":"فيه ولا يموجون حين يوصف أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنهم بما لا يقبلون أن يوصف به زعماؤهم \" المعصومون \"! ويحتمون بحرية الرأي في كل ما يخالفون به إجماع المسلمين ويأبون على مخالفيهم في الرأي هذه الحرية يخطئون كبار المجتهدين من أئمة المسلمين ويجرحونهم بالظنون والأوهام ويثورون لتخطئة ساداتهم أو مواجهتهم بالحقائق الدامغة) اهـ (١)\n- ويرهق كثير من الكتاب عقولهم في تحديد هوية أولئك المتآمرين وهذا لا مبرر له إذ يكفينا أنهم (كارهون لما أنزل الله) فلا نبالي حينئذ أن يكونوا حقًا صنائع اليهودية أو الصليبية أو الماسونية أو الشيوعية لأن الكفر مهما تعددت ألوانه فهو كفر ينبغي محاربته واستئصاله ودين الشيطان لا يعرف الجنسية.\n- وهؤلاء الذين ما يزالون يتعامَون عن رؤية الواقع الصارخ الذي يؤكد أن هناك مؤامرة وتدبيرًا خفيًا يستهدف القضاء على الإسلام - غافلون مخدوعون بأصحاب القفازات الحريرية الذين هم \" من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا \".\nإن من الغفلة أن نعمى عن أعداء ديننا بل ونتخذهم أولياء من دون المؤمنين وهم - في ذات الوقت - لا يدخرون وسعًا في تحطيم مقومات الأمة وتنفيذ مخططات أعدائها:\nبأبي وأمي ضاعت الأحلام أم ضاعت الأذهان والأفهام\nمن حاد عن دين النبي محمد أله بأمر المسلمين قيام\nإن لا تكن أسيافهم مشهورة فينا فتلك سيوفهم أقلام (٢)\n- وإذا كنا بصدد الحديث عن المؤامرة على المرأة المسلمة كجزء من مشروع استعماري شامل لتغيير وجه الحياة في مصر واقتلاع المجتمع الإسلامي من\n_________\n(١) (الإسلام والحضارة الغربية) للدكتور محمد محمد حسين ﵀، ص (٤٧-٤٩) بتصرف.\n(٢) (غذاء الألباب بشرح منظومة الآداب) لمحمد بن أحمد السفاريني (٢/١٤) .","vol":"1","page":5},{"text":"جذوره فلا ريب يستوقفنا مواقف رضعاء ألبان الغرب والشرق الذين غسلت أدمغتهم في دهاليز الكفر وترعرعوا في كنف الإلحاد وعادوا إلى بلادنا لترتفع على أكتافهم أعمدة الهيكل العلماني من هنا كان لابد من وقفات معهم تبين بالوثائق والأدلة موقفهم من الإسلام وعليه موقف الإسلام منهم.\n\nولئن كان هناك رجال وقفوا حياتهم على هدم الإسلام فلابد أن يكون مصيرهم الهدم ومن عجيب أمر بعض السذج أنهم تأخذهم بأولئك الهدامين رأفة في دين الله وينكرون على من يكشف كيدهم قائلين: \" وما يدريك لعلهم تابوا! ففلان حج أو اعتمر وفلان بنى مسجدًا وفلان أعلن أنه يستمع إلى إذاعة القرآن الكريم \"!\nنقول: هذا فهم قاصر لمعنى التوبة في حق هؤلاء فإن من شرط توبتهم أن يتوبوا عن مظالمهم وان يقلعوا عن غيهم ويتبرأوا مما بدر منهم في حق دين الحق ويندموا على ما بارزوا به الإسلام والمسلمين ويعلنوا ذلك على الملأ.\nوقد يقول قائل: \" لعلهم تابوا ولكن حيل بينهم وبين إعلان توبتهم \"\nنقول: هذا محتمل وقد قال الله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ البروج (١٠)\nوقال - ﷺ -: (..... وإنما الأعمال بالخواتيم) (٣)\nوالخواتيم مغيبة فلهذا كان من أصول أهل السنة عدم الحكم لمعين بالجنة ولا الحكم على معين بالنار إلا بنص من الوحي ولكن هذا لم يمنعهم من أن يجروا أحكام الإسلام على من كان يظهر الإسلام في الدنيا وأحكام الكفر على من أظهره في الدنيا وانشرح به صدره ولم يمنعهم ذلك أيضًا من أن يحذروا من ضلال المضلين وتلبيس الملحدين مع علمهم بأن الخواتيم مغيبة إذ إن ذلك من واجبات الديانة.\n_________\n(٣) قطعة من حديث رواه الشيخان - انظر \" جامع الأصول \" (١٠/٢٢٠- ٢٢١) .","vol":"1","page":6},{"text":"وحينما نعرض الوثائق التاريخية التي تنطق بإدانة أولئك المتمسلمين الذين رفعوا عقيرتهم بالصد عن سبيل الله فإن مقصودنا الأول هو تحذير المسلمين من ضلالهم أما القطع بخاتمة شخص معين أو الحكم عليه بجنة أو نار فهذا لا يملكه إلا العزيز الغفار.\nومن هنا يتضح لك الجواب عما رمانا به أحد \" عُباد الصليب \" وقد أخذته الحمية وتدفقت من قلبه الغيرة على شخصيات تناولها البحث بالنقد فكتب في (الأهرام)\nتحت عنوان: \" تشويه العظماء \":\n\n(إن محاولات هؤلاء المتخلفين وهجماتهم لم تقتصر على أعلامنا الأحياء بل امتدت لتشمل روادنا الراحلين أي أن حقد المتخلفين لم يقف احترامًا للموت بل استطاع أن يتجاوز حواجزه حتى ينفث سمومه هناك حيث رحاب الله وانهالت عليهم تهم الإلحاد\nوالكفر والزندقة وكأن هؤلاء المتخلفين قد ورثوا بابوات روما في العصور الوسطى المظلمة في منح صكوك الغفران لمن يحبونه وحجبها عمن يحقدون عليهم!!\n(قلت: أنت أدرى!!) .\nوقد آن الأوان ليعلم هؤلاء المتخلفون الجهلاء أن السلطة الوحيدة التي تملك حق اتهام الآخرين على وجه هذه الأرض هي السلطة القضائية وذلك بناء على قرائن وشواهد محددة أما أن يتخيل جاهل متخلف أن في قدرته تحديد الذاهبين إلى الجنة والساقطين في الجحيم فإنه بهذا يتدخل في إرادة الله ﷾) اهـ\n\nولا أجد جوابًا عليه إلا أن أنقل قوله:\n\n(ولكي ندرك خطورة ما يجري الآن فلنا أن نتخيل حياتنا الثقافية بدون طابور روادنا العظام ابتداء برفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين وهدى شعراوي ولطفي السيد وطه حسين، ... وسلامة موسى ومحمد مندور وانتهاءً بتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وزكي نجيب محمود","vol":"1","page":7},{"text":"ولويس عوض وأمينة السعيد وعبد الرحمن الشرقاوي وحسين فوزي ويوسف إدريس وأحمد بهاء الدين وغيرهم ممن حملوا شعلة الثقافة المستنيرة عبر ما يزيد عن قرن ونصف من الزمان) اهـ\n\nثم أتساءل: ما هو الذي يجمعك يا عابد الصلبان مع هؤلاء الرواد \" العظام \" سوى وحدة الهدف؟\n\nإن وثائق الإدانة لهؤلاء الرواد العظام (!) تتزاحم أمامي الآن كل منها يستبق ليحتل السطور القليلة في هذه المقدمة ولكني أرجئ أغلبها وأتخير وثيقة واحدة وهي عبارة مظلمة نطق بها يومًا أحد روادك العظام وهو الذي أسماه أبوه (أحمد بهاء الدين) قال:\nقال:\n(لابد من مواجهة الدعوات الإسلامية في أيامنا مواجهة شجاعة بعيدًا عن اللف والدوران وإن الإسلام كغيره من الأديان يتضمن قيمًا خلقية يمكن أن تستمد كنوع من وازع الضمير أما ما جاء فيه من أحكام وتشريعات دنيوية فقد كانت من قبيل ضرب المثل ومن باب تنظيم حياة نزلت في مجتمع بدائي إلى حد كبير ومن ثم فهي لا تلزم عصرنا ومجتمعنا) اهـ (٤)\nإن الإسلام دين الله الحق لا يهزم أبدًا في معركة شريفة ولا يهاب الصراع مع الباطل أيًا كان إذ:\n(ليس الخطر الذي يهدد المجتمع الإسلامي ناشئًا عن هذا الصراع فالصراع بين الأصيل والدخيل سنة من سنن الله العليم الحكيم يضرب فيها الحق والباطل\n﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ الرعد آية ١٧ ليس هذا الصراع إذًا مصدر خطر بل إنه ربما يدعو إلى التفاؤل والاطمئنان ولكن مصدر الخطر وعلامته هي أن يزول هذا الصراع وأن يفقد الناس الإحساس\n_________\n(٤) انظر: (الصحافة والأقلام المسمومة) للأستاذ أنور الجندي - ص (٢١٤) .","vol":"1","page":8},{"text":"بالفرق بين ما هو إسلامي وبين ما هو غربي إن فقدان هذا الإحساس هو النذير بالخطر لأنه يعني فقدان الإحساس بالذات فالجماعات البشرية إنما تدرك ذاتها من طريقين معًا: من طريق وحدتها التي تكونها المفاهيم والتقاليد المشتركة ومن طريق مخالفتها للآخرين التي تنشأ عن المغايرة والمفارقة ولذلك كان الخطر الذي يتهدد هذه الوحدة يأتيها من طريقين: الشعوبية التي تفتتها والعالمية التي تميعها فزوال الإحساس بالمغايرة والمفارقة هو هدم لأحد الركنين اللذين تقوم عليهما الشخصية وهذا هو ما لا نريد أن يكون، نريد أن يظل هذا التمييز بين ما هو إسلامي وبين ما هو طارئ مستجلب - شرقيًا كان أو غربيًا - حيًا في نفوس الأجيال الصاعدة والتالية وهي أمانة تلقاها جيلنا عمن قبله ولابد أن يحملها إلى من يجئ بعده) (٥)\n\nوأخيرًا لا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بالشكر الجزيل لكل من أعان على نشر هذا الكتاب والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\nالإسكندرية في الجمعة الثالث عشر من شهر الله المحرم ١٤٠٦ هـ.\n_________\n(٥) (الإسلام والحضارة الغربية) ص (٥٩- ٦٠) .","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة الطبعة الأولى</span>\n\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إلى إلا الله وحده وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾\n(آل عمران: ١٠٢)\n﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾\n(النساء: ١)\n﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠)\nأما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد - ﷺ - وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.\n\nبين يديك - أيها القارئ - مواقف تاريخية تبين لك فصول (المعركة) التي نشبت في أواخر القرن الماضي واستمرت أمدًا بعيدًا بين (الحجاب) وبين (السفور) بين (العفة والفضيلة) وبين (التهتك والرذيلة) .","vol":"1","page":11},{"text":"وقد تركز البحث حول تاريخ هذه المعركة في (مصر) وإن كان من حقه أن يستوفي تفاصيل المعركة في سائر البقاع الإسلامية ولهذا الأمر مسوغات\n\n- منها عزة المصادر المرضية التي يمكن من خلالها استنباط المقصود.\n\n- ومنها أن مصر لما لها من مركز حساس ولما تتمتع به من صدارة تؤهلها للقيادة الفكرية - يقر بها الجميع - كانت الأسوة والقدوة في شتى المجالات بعامة وفي مجال\n(المرأة) بخاصة الأمر الذي جعل من فصول المعركة خارجها صورة مطابقة لما حدث فيها ولا ينسى التاريخ وصية الملك \" عبد العزيز \" لأبنائه بأن يقيسوا حال الأمة العربية قوة وضعفًا بحال مصر فهي ميزان قوة العرب والمسلمين (٦)\nولا ينسى التاريخ أن دفاع المسلمين المصريين ضد الإنكليز وعملائهم من دعاة ما يسمى بـ (تحرير المرأة) كان انطلاقًا من وجهة نظر الشاعر \" أحمد محرم \" التي يلخصها قوله مشيرًا إلى \" مصر \":\n\nاحفظوها إن مصر إن تضع ضاع في الدنيا تراث المسلمين\n\nومن هنا لم يكن عفوًا أن يبدأ المبشرون الصليبيون بمصر قلعة الإسلام الصامدة ومركز ثقله ولم يكن عفوًا أن يكون قادة الغزو الصليبي الجديد لمصر من القساوسة المعروفين بكيدهم للإسلام والمسلمين أمثال \" دنلوب \" هذا الكاهن الذي:\n\n(خلع عنه ثوب الكهنوت ودخل في خدمة الحكومة يدير مدارسها في خلال ربع\nقرن فكان يناهض القرآن مناهضة سرية متواصلة) (٧)\n\nوأمثال\" كرومر\" الذي تخرج هو ودنلوب من أكبر المدارس اللاهوتية في أوربا (٨)\nوغيرهم من النصارى الذين رحلوا إلى مصر ليتخذوها قاعدة انطلاق وليجندوا زملاءهم من المنافقين والمنافقات الذين أظهروا أسماء المسلمين وأبطنوا قلوب الذئاب\n﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾\n(البقرة:٩)\n\nفمن هنا جاز تجريحهم وكشف عوارهم تحذيرًا منهم ونصيحة للمسلمين كما بين ذلك علماء \" الجرح والتعديل \"\n﴿ولا عدوان إلا على الظالمين﴾ (البقرة: ١٩٣)\n\nولله در القائل:\n\nمن الدين كشف الستر عن كل كاذب وعن كل بدعي أتى بالعجائب\nولولا رجال مؤمنون لهدمت صوامع دين الله من كل جانب\n_________\n(٦) \"مدافع آية الله \" لمحمد حسنين هيكل (ص ٢٥٤)، وانظر ص (١٧، ٢٥٢) من نفس المصدر،\nوانظر أيضًا: \" تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الولاة والسلاطين \" للشيخ عبد الله الشرقاوي المطبوع\nبهامش \" فتوح الشام \" للواقدي ص (١١،١٧- ٢١) .\n\n(٧) \" المخاطر التي تواجه الشباب المسلم \" د / \" مصطفى حلمي \" ص (٢٨) نقلًا عن (الإسلام وآسيا أمام\nالمطامع الأوربية) تأليف أوجين يونج ص (١٥٧) .","vol":"1","page":12},{"text":"هذا وقد حرصت أن أعزو - ما استطعت - كل قول إلى قائله لأخرج من تبعته وقصرت جهدي على الجمع والترتيب إلا فيما لابد منه من التوضيح والتهذيب.\nوهذا الجزء هو الأول من مجموعة (عودة الحجاب) يتلوها إن شاء الله تعالى الأجزاء:\n\nالثاني، وموضوعه: المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية.\nوالثالث، ويتضمن: مقدمة في ذم التبرج والحث على الحجاب - شروط زي المرأة المسلمة - الاختلاط وأضراره - معاني الحجاب وتاريخه - بدعة الدعوة إلى السفور - السفور والغيرة - السفور والحياء - أدلة القرآن الكريم والسنة النبوية على وجوب انتقاب المرأة وسرد المذاهب في ذلك ومناقشة أدلة المخالفين.\nوالرابع، ويتضمن: ثلاث قضايا جامعة: تعليم المرأة، وعمل المرأة، وأحكام القرار في البيوت - يسر الله إتمامها.\n_________\n(٨) \" المرأة ومكانتها في الإسلام \" لأحمد عبد العزيز الحصين ص (٢٠٧) .","vol":"1","page":13},{"text":"- هذا عدا مسائل أخرى تفرعت من أبواب هذا البحث تعم الحاجة إلى تبيينها وإن بعدت عن المقصود الأصلي منه ولكن قد يذكر الشيء بالشيء وتصح الإضافة بأدنى مشابهة في الزي والفيء وكلها نبضات قد يعوزها الترتيب والتنسيق ولكن أرجو ألا يعوزها الصدق والتوفيق والله ﷾ أسأل أن يجعل سعيي هذا مشكورًا وجهدي في هذا الجمع والترتيب - وإن كنت مقلًا - مبرورًا ويتوب علينا وعلى سائر العصاة فيما فرط منا من السيئات والذنوب توبة لا يصيبنا بعدها نصب ولا يمسنا فيها لغوب وحسبي بعد ذلك أن أدعو الله أن لا يصرف من نيتي شيئًا إلى غيره وأن يوفقني كي لا أبتغي بما سطرته إلا وجه الله والدار الآخرة فإن من كان همه هناك كان في شغل شاغل عن مدح المادحين وقدح القادحين\n\n﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله وعليه توكلت وإليه أنيب﴾\n(هود: ٨٨)\n\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>معركة الحجاب والسفور\n(قضية المرأة)\nبين المنهزمين والمتآمرين (٩)</span>\n\nإن جملة الأحكام التي يطلق عليها عنوان (الحجاب) هي في الحقيقة مشتملة على أهم أجزاء النظام الاجتماعي في الإسلام فإذا وضعت هذه الأحكام موضعها الصحيح في النظام الإسلامي بكامله ثم تأملها أحد فيه أثارة من البصيرة الفطرية السليمة لم يلبث أن يعترف بأنها الصورة الوحيدة الممكنة التي تضمن القصد والاعتدال في الحياة الاجتماعية\nوأن هذه الأحكام لو عرضت على العالم منفذة في الحياة العملية بروحها الحقيقية الصحيحة لهرولت الدنيا المنكوبة إلى هذا النبع الصافي تلتمس فيه الدواء لأدوائها الاجتماعية المتفشية بدل أن تنفر منه أو تطعن عليه.\nفي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ومطلع القرن التاسع عشر فوجئت الممالك الإسلامية بطوفان من الاستعمار الغربي وبينما المسلمون في هجود الكرى لم يستيقظوا بعد كل اليقظة جعل هذا السيل يمتد من قطر إلى قطر حتى شرق العالم الإسلامي وغرب وما أن انتصف القرن التاسع عشر حتى غدت معظم الأمم المسلمة عبيدًا للغرب الأوربي وخولًا له والتي لم تدخل منها في عبوديته لم تسلم من الخضوع لسلطانه ورهبة بأسه وسطوته.\nولما بلغ هذا الانقلاب تمامه بدأت في المسلمين آثار اليقظة والحركة فلما فتحوا أعينهم على الحال التي قد صاروا إليها فشلت ريحهم وزال عنهم بغتة ذلك\n_________\n(٩) مستفاد بتصرف من كتاب \" الحجاب \" للمودودي ﵀ ص (٣٧- ٤٧) طبع مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":15},{"text":"الفخار والاعتزاز الذي طالما تأصل فيهم لبقائهم في عز الغلبة ومجد السيادة قرونًا متوالية فعادوا يفكرون في أنفسهم كالسكران يفيقه توالي الضربات من عدو شديد ويبحثون عن الأسباب التي هبطت بهم وغلبت الإفرنج عليهم غير أن عقولهم لم تكن ثابت بعد إلى رشدها إذ كان السكر لا ريب قد ذهب عنهم ولكن ميزان الفكر كان لا يزال مختلًا فيهم:\nفبجانب كان يلح بهم شعور بالذلة والهوان ويؤزهم أزًا على تبديل ما هم فيه من الأحوال وبجانب آخر يغلبهم من حب الراحة وإيثار الدعة والارتخاء ما يحملهم على توخي أقرب الطرق وأسهلها لتبديل تلك الحالة وقد خارت فيهم من جهة ثالثة قوى الفكر والعقل وصدئت ملكات الفهم والذكاء بطول تعطلها عن العمل زد على ذلك كله ما أخذ بمجامع نفوسهم من الدهشة والروعة التي تعتري بالطبع كل أمة منهزمة مستعبدة،\nوتغلغلت هذه العوامل في محبي الإصلاح من المسلمين وأوقعتهم في كثير من الضلالات العقلية والعملية فأكثرهم ما كادوا يفطنون للأسباب الحقيقية في ارتقاء أوربة وانحطاطهم وأما الذين فهموها منهم وأدركوها فأعوزهم من بعد الهمة والعزيمة ما يتشجعون به على اختيار الطريق الوعرة للرقي والتقدم وكان من وراء ذلك كله الروعة والدهشة التي تعتري الطائفتين على السواء فلما مضوا بهذه العقلية المريضة الزائفة يريدون الإصلاح لم يروا أضمن للرقي من ولا أدنى للوصول إليه من أن يحاكوا في حياتهم اليومية كل مظاهر التمدن والحضارة الغربية فيعودوا كالمرآة الصافية يرى فيها خيال الروضة والأزهار والرياحين وليس فيها من حقيقة هذه المناظر من شيء.\n\" لتتبعن سنن من كان قبلكم \" (١٠)\nوهذه هي الفترة الانهزامية التي غدت الأمم الإسلامية فيها تحاكي أمم الغرب\n_________\n(١٠) صدر حديث رواه الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبي \" وتتمته: =","vol":"1","page":16},{"text":"في الزي واللباس وسائر المظاهر الاجتماعية في آداب المجالس وأطوار الحياة حتى في الحركة والمشي والتكلم والنطق لقد حاولوا تشكيل المجتمع المسلم على الصيغة الغربية وقبلوا الإلحاد والدهرية والمادية في نشوة التجدد بدون حيطة أو شعور بالعواقب وعدوا من لوازم التنور الفكري إيمان المرء بكل ما بلغه من قبل الغرب من فكرة ناضجة أو فجة والإفاضة فيه في مجالسه ورحبوا بالخمر والقمار واليانصيب والتهتك والرقص وما إلى ذلك من ثمرات الحضارة الغربية ثم سلموا بجميع معتقدات الغرب وأعماله في الأخلاق والآداب والاجتماع والاقتصاد والسياسة والقانون حتى في العقائد الإيمانية والعبادات سلموا بكل ذلك من غير فهم أو شعور ومن غير نقد أو تجريح كأنه تنزيل من السماء ليس لهم قبله إلا أن يقولوا: (آمنا) وأصبح المسلمون أنفسهم يستحيون من كل ما نظر إليه أعداء الإسلام بالتحقير والتعيير ولو كان هذا الشيء من الأمور الثابتة في الشرع الحنيف وطفقوا يحاولون أن يمحوا تلك السبة عن أنفسهم:\n\n- اعترض الغربيون على ما عندهم من أحكام الجهاد فقال هؤلاء المنهزمون:\n(ما لنا وللجهاد يا سادة؟ إنا نعوذ بالله من هذه الهمجية) ...\n\n- اعترضوا على الرق فقال هؤلاء: (إنما هو حرام عندنا أصلًا) (١١)\n\n- وأطالوا لسان القدح في تعدد الزوجات فجاء المنهزمون ينسخون بضلالهم وجهلهم آيات القرآن ويحرفون الكلم عن مواضعه (١٢)\n- ثم قال أولئك الغربيون: (لابد من مساواة الرجل والمرأة في جميع نواحي\n_________\n= (.... شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى\nلو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟)\n(١١) انظر \" أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن \" للشنقيطي (٣/٣٨٦- ٣٨٩) .\n(١٢) انظر المرجع السابق (٣/٧٧٣- ٣٨٠)","vol":"1","page":17},{"text":"الحياة) فوافقهم المنهزمون وقالوا: (وهذا هو الذي ينادي به ديننا ويدعو إليه) .\n\n- وطعن القوم في أحكام الزواج والطلاق في الإسلام فقامت طائفة من المنهزمين تعالجها بالإصلاح والتعديل.\n\n- ولما عابوا الإسلام بأنه عدو لما يسمى (الفنون الجميلة) استدرك هؤلاء قائلين:\n(كلا بل ما زال الإسلام مذ كان يحتضن هذه الفنون ويحضوا عليها ويشرف على الرقص والموسيقى والتصوير والغناء ونحت التماثيل......)\n\nففي سبيل دفع تهم الجمود التي يلصقها الغربيون بالشريعة رأينا هؤلاء المنهزمين ينجرفون إلى أقصى الطرف المناقض في بيان ما تنطوي عليه الشريعة من مرونة التطبيق حتى يبلغوا بهذه المرونة حد الميوعة وانعدام الذات والمقومات تلك الميوعة التي تجعلها صالحة لأن تكون ذيلًا لأي نظام وتبعًا للأهواء وبذلك ينتهون إلى إلغاء وظيفة الدين لأنهم بدلًا من تقويم عوج الحياة بنصوص الشريعة يحتالون على نصوص الشريعة حتى يبرروا بها عوج الحياة المعاصرة.\n\nنشأة \" مسألة الحجاب \":\n\nكان هذا الدور أخبث الأدوار وأخزاها في تاريخ المسلمين ففي هذا العصر نشأت\n\" مسألة الحجاب \" ولو كان البحث في هذه المسألة مقصورًا على تعيين الحد الذي وضعه الإسلام لحرية المرأة لهان الأمر ولم يستعص حله لأن أكثر ما هنالك من الاختلاف بين المسلمين في هذا الباب هو منحصر في وجه المرأة ويديها: هل يجوز إبداؤها أم لا؟ وليس في هذا كبير خطورة ولكن الواقع ههنا غير ما ذكرنا.\nالواقع في الحقيقة أنه نشأت هذه المسألة في المسلمين لكون الغرب قد نظر","vol":"1","page":18},{"text":"إلى الحجاب والنقاب بعين المقت والازدراء وصوره أقبح تصوير وأشنعه فيما كتب ونشر وعدَّ (حبس) المرأة - على حد تعبيره - من أبرز عيوب الإسلام ولكن أنى للمنهزمين أن يغضوا عن هذه النقيصة التي أخذها (سادتهم) عليهم فيما أخذوا؟! لقد فعلوا في هذه المسألة - الحجاب - مثل ما فعلوا في مسائل الجهاد والرق وتعدد الزوجات وما شاكلها من المسائل فما كان منهم إلا أن عمدوا إلى الكتاب والسنة يتصفحون أوراقهما وإلى كتب الفقه والأحكام ينقبون عن اجتهادات الأئمة فيها وأقوال الفقهاء لعلهم يجدون في ثناياها ما يعينهم على أن يغسلوا عن أنفسهم هذا العار الذميم الذي عيرهم به الغربيون.\nفإذا بهم يقعون على أقوال لبعض الأئمة تجيز للمرأة أن تبدي وجهها وكفيها وتخرج كذلك من بيتها لحوائجها ويؤخذ منها أيضًا أن المرأة يجوز لها أن تشهد الحرب لسقي المجاهدين ومداواة الجرحى ثم وجدوا في تلك الأقوال إذنًا بخروج المرأة إلى المسجد للصلاة وجلوسها للتعلم والتعليم فكفاهم هذا القدر من المعلومات لأن يدعوا أن الإسلام قد أعطى للمرأة حرية مطلقة (١٣) وأن الحجاب من تقاليد الجهلاء اتخذه المتأخرون من المسلمين الجامدين المتشددين ولا أثر له في آية ولا في حديث وإنما القرآن والسنة يعلمان الحياء والعفاف على سبيل التوجيه الخلقي العام وليس فيهما قانون أو ضابط بقيد حركة المرأة وتنقلها بقيد ما.\n\nومن الضعف الطبيعي في الإنسان إنه إذ اختار مذهبًا من المذاهب في شئون حياته يكون بدء اختياره لذلك المذهب بنزعة عاطفية غير عقلية ثم يأتي بعد ذلك فيستعين بالمنطق والعقل ليثبت كون نزعته تلك صحيحة معقولة كذلك وقع في أمر الحجاب أيضًا فما عرضت للمسلمين مسألة الحجاب لشعورهم بضرورة عقلية أو شرعية إليه وإنما أتت من ذلك الميل والنزوع الذي نشأ من تأثرهم ببريق\n_________\n(١٣) يأتي في ثنايا هذا البحث إبطال هذه الادعاءات ومناقشة شبهات القوم إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":19},{"text":"حضارة أمة غالية ومن ارتياعهم لدعاية تلك الأمة ضد التمدن الإسلامي.\n\nوذلك أن المسمين برجال (الإصلاح) لما رأوا المرأة الأوربية وما هي عليه من زينة وحرية في الحركة والجولة ونشاط زائد في المجتمع الغربي.... لما رأوا كل هذا بعيون مسحورة وعقول مندهشة تمنوا بدافع الطبيعة أن يجدوا مثل ذلك في نسائهم أيضًا حتى يجاري تمدنهم تمدن الغرب ثم أثرت فيهم الدعوات الجديدة إلى تحرير المرأة وتعليم النساء ومساواتهن بالرجال ... تلك الدعوات التي كانت تنصبُّ عليهم كالوابل المدرار بلغة قوية منطقية وفي طبع أنيق كذاب حتى أماتت هذه الكتب والمنشورات الغربية بقوة دعايتها ملكة النقد والتجريح عندهم فاستقر في سويداء قلوبهم أنه لابد لكل من يرغب أن يعدَّ من (المتنورين التقدميين) ويدفع عن نفسه تهمة (الرجعية والتخلف) أن يؤمن بتلك النظريات إيمانه بالغيب ويؤيدها ويحامي عنها فيما يكتب ويخطب ثم يروجها في الحياة العملية بحسب ما أوتي من همة وجراءة كان هؤلاء تكاد تسوح بهم الأرض من فرط الخجل حينما يرون الغربيين يتهكمون بنسائهم المتنقبات المستورات في اللباس العادي وينبذونهن بـ (الجنائز المكفنة المتحركة) وإلى متى - يا ترى - يطيق القوم الصبر على هذه الوخزات؟ ... لذلك استعدوا آخر الأمر - طوعًا أو كرهًا - لأن يقوموا فيدفعوا عن أنفسهم هذا العار المخزي.\n\nوهذه النزعات والعواطف هي التي دفعت المنهزمين إلى أن يقوموا بحركة ما يسمى\n: (تحرير المرأة) التي بدأوها في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي فمنهم من كانت هذه النزعات كامنة في شعورهم الخفي فلا يدرون بأنفسهم ماذا يجرهم ويدفعهم إلى تلك الحركة فكانوا مخدوعين عن أنفسهم ومنهم آخرون كانوا يشعرون بنزعاتهم شعورًا تامًا ولكنهم يستحيون ويحجمون عن إبداء نزعاتهم الحقيقية فهؤلاء لم يكونوا مخدوعين بل دهاة خادعين وأيًا كان الأمر فقد قام","vol":"1","page":20},{"text":"كلا الفريقين بعمل واحد ألا وهو: سحب ذيل الخفاء\nعلى المحركات والدوافع الحقيقية لحركته تلك وحاول أن يظهرها بمظهر حركة عقلية بدلًا من إظهارها حركة عاطفية وساق في تأييدها جميع الأدلة التي تلقاها من الغرب مباشرة كصحة النساء وارتقائهن في مجال الفكر والعمل وحقوقهن الفكرية واستقلالهن الاقتصادي وتخلصهن من ظلم الرجال وأثرتهم وانحصار رقي المدنية في رقيهن لكونهن شطرًا كاملًا من الأمة ... إلى آخر هذه الحجج وحتى ينخدع عامة المسلمين ولا يفتضح عليهم صميم المقصد من تلك الحركة وهو حمل المرأة المسلمة على اقتفاء آثار المرأة الأوربية واتباع المناهج الاجتماعية الرائجة بين أمم الغرب أعني: اليهود والنصارى ...\nولكن الأدهى والأخبث أنهم عادوا يخدعون الناس في هذا الصدد عن طريق احتيالهم في إثبات حركتهم الضالة بنصوص واستنباطات من الكتاب والسنة بالرغم من وجود البون الشاسع بين المنهج الإسلامي الرباني في الاجتماع ومقاصد هذه الشريعة العليا وبين مبادئ النظام الاجتماعي الأوربي ومقاصده.\n\nفإن المقصد الأعلى الذي يريد أن يحققه الإسلام من خلال نظامه الاجتماعي هو صون الأعراض وكبح جماح الشهوات وترويضها وضبطها وتقييدها بضوابط أخلاقية تضمن استعمالها في خير الإنسان وطهارته بدل إهمالها أو تضييعها في الفوضى والهمجية.\n\nوأما النظام الاجتماعي الغربي فعلى العكس من ذلك يرمي إلى الحث على سير التمدن بإشراك المرأة والرجل في تدبير شؤون الحياة وتحمل تبعاتها على حد سواء واستعمال الشهوات في فنون ووسائل تحول متاعب الحياة إلى لذات ومسرات.\n\nومن هنا يتضح الفرق إذ أن الإسلام يضع نظامًا للاجتماع ليخدم مقاصده،","vol":"1","page":21},{"text":"فقد فصل فيه بين دائرتي عمل الرجل والمرأة إلى حد كبير وحُظر اختلاط الذكور بالإناث بدون قيد خلقي ثم حسمت فيه جميع الأسباب التي يمكن أن تخل بهذا الضبط والتقييد وبذلك تجفف منابع الفتنة وتسد الذرائع إليها وتراعى حرمات الله وتؤدى حقوقه ﷾ وكذا حقوق النفس وحقوق الخلق في انسجام فطري وتناسق طبيعي وهذا بخلاف النظام الأوربي الذي يدفع الجنسين إلى ميدان مشترك في الحياة مع رفع جميع الحجب من بينهما تلك الحجب التي تحول دون اختلاطهما الحر ومعاملتهما المطلقة التي لا تحدها حدود.\nولك أن تقدر شدة مكر القوم الذين يريدون من جانبهم أن يتبعوا التمدن الغربي ثم يُسوِّغون فعلهم هذا بقواعد النظام الإسلامي الاجتماعي.\n\nإن أقصى ما أوتيت المرأة من الحرية في النظام الإسلامي هو أن تبدي وجهها وكفيها إذا دعت الضرورة وأن تخرج من بيتها لحاجتها ولكن هؤلاء يجعلون هذا الحد الأقصى من حريتها نقطة البدء وبداية المسير فيقومون إلى آخر حدود الإسلام ويتقدمون في سبيل الحرية ويتمادون إلى أن يخلعوا عن أنفسهم ثوب الحياء والاحتشام فلا يقف الأمر بإناثهم عند إبداء الوجه والكفين بل يجاوزه إلى تعرية الوجه والذراع والنحر إلى آخر هذه الهيأة القبيحة المعروفة وهي الهيأة التي لا تخص بها المرأة الأزواج والأخوات والمحارم فقط بل يخرجن بكل تبرج من بيوتهن ويمشين في الأسواق ويخالطن الرجال في الجامعات ويأتين الفنادق والمسارح ويتبسطن مع الرجال الأجانب ...\n\nثم يأتي القوم فيحملون رخصة الإسلام للمرأة في الخروج من البيت للحاجة وهي الرخصة المشروطة بالتستر والتعفف على أنها يحل لها أن تغدو وتروح في الطرقات وتتردد إلى المنتزهات والملاعب والسينما في أبهى زينة وأفتنها للناظرين ثم يتخذ إذن الإسلام لها في ممارسة أمور غير الشؤون المنزلية - ذلك الإذن","vol":"1","page":22},{"text":"المقيد المشروط بأحوال خاصة - يتخذ حجة ودليل على أن تودِّع المرأة المسلمة جميع تبعات الحياة المنزلية وتدخل في النشاط السياسي والاقتصادي والعمراني تمامًا وحذو القذة بالقذة كما فعلت الإفرنجية.\n\nوها هو ذا المودودي - ﵀ - يصرخ في وجوه هؤلاء الأحرار في سياستهم العبيد في عقليتهم قائلًا:\n\n(ولا ندري أيُّ القرآن أو الحديث يستخرج منه جواز هذا النمط المبتذل من الحياة؟ وإنكم - يا إخوان التجدد - إن شاء أحدكم أن يتبع غير سبيل الإسلام فهلا يجترئ ويصرح بأنه يريد أن يبغي على الإسلام ويتفلت من شرائعه؟ وهلا يربأ بنفسه عن هذا النفاق الذميم والخيانة الوقحة التي تزيِّن له أن يتبع علنًا ذلك النظام الاجتماعي وذلك النمط من الحياة الذي يحرمه الإسلام شكلًا وموضوعًا ثم يخطو الخطوة الأولى في هذا السبيل باسم اتباع القرآن كي ينخدع به الناس فيحسبوا أن خطواته التالية موافقة للقرآن)\nأهـ","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>حركة \" تحرير المرأة \" في مصر</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>البذرة الأولى:</span>\n\n(إن المتتبع لتاريخ ما يسمى بحركة \" تحرير المرأة \" في مصر يجد أن جذور هذه الحركة تمتد إلى عهد محمد علي باشا والي مصر حينما بعث المبعوثين إلى فرنسا ليتلقوا هناك الخبرات والمهارات الفنية ثم يحملوها معهم إلى مصر لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل رجع المبعوثون من فرنسا حاملين تيارات فكرية مادية دخيلة على دينهم بعد أن بهرتهم رهبانية العلم المادي وتعبدهم سلطان العقل لقد عاد أولئك المبعوثون يحتلون مراكز الصدارة والتوجيه في مختلف الميادين السياسية والتربوية والفكرية) (١٤)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-7> دور الشيخ \" رفاعة الطهطاوي \" (١٨٠١- ١٨٧٣ م):</span>\n\n(وكان من أعضاء الجيل الأول لهؤلاء المبعوثين الشيخ \" رفاعة رافع الطهطاوي \" الذي أقام في باريس خمس سنوات \" من ١٨٢٦ - ١٨٣١ \" تقريبًا وكان قد رافق البعثة المصرية كواعظ وإمام لها وما إن عاد إلى مصر حتى بدأ يبذر البذور الأولى لكثير من الدعوات الدخيلة على البيئة المصرية المسلمة تلك الدعوات التي حمل جراثيمها معه من فرنسا مثل الدعوة إلى فكرة \" الوطنية القومية \" بمفهومها المادي المحدود المنابذ للرابطة الإسلامية بين المسلمين مهما تباعدت أوطانهم وكذا استوحى من واقع الحياة الفرنسية أفكارًا عن المرأة هي أبعد\n_________\n(١٤) انظر \" الإسلام والحضارة الغربية \" للدكتور \" محمد محمد حسين \" ﵀ ص (١٧ - ١٨) .","vol":"1","page":25},{"text":"ما تكون عن شرائع الإسلام وآدابه وقد تجلى ذلك في مواقفه الجريئة من قضايا تعليم الفتاة وتعدد الزوجات وتحديد الطلاق واختلاط الجنسين حيث ادَّعى في كتابه \" تخليص الإبريز في تلخيص باريز \" (١٥) (ص ٣٠٥) أن:\n﴿السفور والاختلاط بين الجنسين ليس داعيًا إلى الفساد﴾ اهـ وذلك ليُسوِّغ دعوته إلى الاقتداء بالفرنسيين حتى في إنشاء المسارح والمراقص مدعيًا - ما معناه -:\n﴿الرقص على الطريقة الأوربية ليس من الفسق في شيء بل هو أناقة وفتوة﴾\nوأنه لا يخرج عن قوانين الحياء ودعا المرأة إلى التعلم حتى تتمكن من تعاطي الأشغال والأعمال التي يتعاطاها الرجال) (١٦)\nوهكذا كان \"رفاعة الطهطاوي\" أول من أثار قضية (تحرير المرأة) في مصر في القرن التاسع عشر الميلادي فسنَّ بذلك أسوأ السنن وبذر هذه الأفكار الدخيلة في التربية الإسلامية ولم يدرك أنه حين ينقل هذه الآراء خاصة ما يتعلق منها بمدلول كلمة \"الحرية\"\nإلى المجتمع الإسلامي يمكن أن ينتهي إلى نفس النتيجة التي انتهت إليها أوربة وهي نبذ الدين وتسفيه رجاله والخروج على حدوده لم يدرك ذلك ولم يلاحظ إلا الجانب البراق الذي يأخذ نظر المحروم من الحرية حين تمارس في مختلف صورها وألوانها وفي أوسع حدودها فكان كالجائع المحروم الذي بهرته مائدة حافلة بألوان الأطعمة فيها ما يلائمه وما لا يلائمه ولكنه\n_________\n(١٥) (وقد كتب الطهطاوي هذا الكتاب أثناء إقامته في فرنسا وعرضه على أستاذه (جومار) قبل أن ينشره بعد عودته)\nاهـ من \"السابق\" ص (١٩- ٢٠) .\n(وقد بين لنا هذا الكتاب - أي\" تخليص الإبريز\" - أن صاحبه خلق من جديد في الفترة التي قضاها في فرنسا يأنس إلى علمائها ويأنسون إليه فإذا عاد إلى القاهرة أشرف على حركة الترجمة وعُيِّن رئيسًا لتحرير الوقائع المصرية وكتب المقالات وألف الكتب وترجم القوانين وعُيِّن ناظرًا لمدرسة الألسن) اهـ من \" تطور النهضة النسائية في مصر\"لإبراهيم عبده ودرية شفيق ص (٥٣)\n(١٦) \" الإسلام والحضارة الغربية \" د / محمد محمد حسين ص (٣٦) .","vol":"1","page":26},{"text":"لم ينظر إليها إلا بعين حرمانه ولم يرها إلا صورة من النعيم الذي يتوق إليه ويشتهيه.\n\n(وكانت دعوة جريئة من \" رفاعة \" لم يجد لها معارضًا خاصة وأن حاكم البلاد قد بارك دعوته وبارك أول كتاب وضعه \" رفاعة \" وهو \" تخليص الإبريز في تلخيص باريز \" يبرز فيه تقدم الغرب ويحسن لمواطنيه الانتفاع بتقدمه وأكثر من هذا فقد قرأ\"محمد علي\"الكتاب قبل نشره - بناء على تزكية له من الشيخ \" حسن العطار \" شيخ الأزهر - فأمر بطبعه وأصدر أمره بقراءته في قصوره وتوزيعه على الدواوين والمواظبة على تلاوته والانتفاع به في المدارس المصرية بل إنه أمر بعد ذلك بترجمته إلى التركية) (١٧) اهـ\n\nلقد كان \" رفاعة \" أول من وضع الأفكار النظرية موضع التنفيذ وأول من أنتج عملًا فكريًا يمهد لخطة اجتماعية عملية وتجلى ذلك في مؤلفيه (تلخيص الإبريز) و(المرشد الأمين) الذي ألفه بناء على أمر الخديوي \" إسماعيل \" وذلك عام (١٨٧٢) قبل افتتاح أول مدرسة للبنات ترعاها الحكومة بعام واحد وقبل موت رفاعة بأعوام قليلة ولما كان الخديوي \" إسماعيل \" يقود - في بداية تلك المرحلة - حركة التحديث في كل الميادين السياسية والفكرية والاجتماعية فقد حاول بعد ذلك أن يقنع أهل الرأي بتأليف كتاب في الحقوق والعقوبات يطبقه في المحاكم بحيث يكون سهل العبارة مرتب المسائل على نحو ترتيب القوانين الأوربية ولكن رفض أهل الرأي من مشايخ الأزهر هذه الدعوة فطلب الخديوي من الشيخ رفاعة إقناعهم بقبول ذلك ولكنه اعتذر عن ذلك على الوجه الذي وصفه الشيخ \" رشيد رضا \" في كتاب تاريخ الإمام \" محمد عبده \" على الوجه التالي:\n_________\n(١٧) \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" د / السيد احمد فرج ص (٣٨) .","vol":"1","page":27},{"text":"قال الشيخ \" رشيد \": ﴿حدثني \" علي باشا رفاعة بن رفاعة بك الطهطاوي \" قال:\nإن \" إسماعيل باشا \" الخديوي لما ضاق بالمشايخ ذرعًا استحضر والده رفاعة بك وعهد إليه أن يجتهد في إقناع شيخ الأزهر وغيره من كبار الشيوخ بإجابة هذا الطلب وقال له: (إنك منهم ونشأت معهم وأنت أقدر على إقناعهم فأخبرهم أن أوربا تضطرب إذ هم لم يستجيبوا إلى الحكم بشريعة \" نابليون \") فأجابه بقوله: \" إنني يا مولاي قد شخت ولم يطعن أحد في ديني فلا تعرضني لتكفير مشايخ الأزهر إياي في آخر حياتي وأقلني من هذا الأمر\" فأقاله﴾ (١٨)\nوكان أن انزوى \" الطهطاوي \" بعيدًا عن مكان الصدارة وانتأى بعيدًا ليحتل مكانه الشيخ \" محمد عبده \" الذي كان في ذلك الوقت في شرخ الشباب يحدوه جرأة الشباب وإقدامه وهنا تبدأ مرحلة جديدة من مراحل تحرير المرأة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>مرقص فهمي والقذيفة الأولى:</span>\n\nوفي سنة (١٨٩٤) أي بعد الاحتلال الإنكليزي لمصر بحوالي اثنتي عشرة سنة ظهر أول كتاب في مصر أصدره صليبي حقود من أولياء (كرومر) الملقب باللورد أظهره محتميًا بالنفوذ البريطاني الذي أمَّن له الطريق نحو طعن الإسلام وأهله ذلكم هو (مرقص فهمي) المحامي وكتابه هو (المرأة في الشرق) دعا فيه صراحة وللمرة الأولى في تاريخ المرأة المسلمة إلى تحقيق أهداف خمسة محددة وهي: -\n\nأولًا: القضاء على الحجاب الإسلامي.\n_________\n(١٨) \" تاريخ الإمام محمد عبده \" للشيخ محمد رشيد رضا (١/٦٢٠- ٦٢١) .","vol":"1","page":28},{"text":"ثانيًا: إباحة اختلاط المرأة المسلمة بالأجانب عنها.\n\nثالثًا: تقييد الطلاق وإيجاب وقوعه أمام القاضي.\n\nرابعًا: منع الزواج بأكثر من واحدة.\n\nخامسًا: إباحة الزواج بين المسلمات والأقباط.\n\nوقد أحدث الكتاب ضجة عنيفة ولم يلبث المسلمون حين صدموا به حتى انطلقت في غمرات هذه الضجة قذيفة أخرى تفجرت في الوسط الإسلامي:\n\n- \"<span data-type=\"title\" id=toc-9> الدوق دراكير \" و\" المصريون </span>\":\n\nفقد صدر كتاب ألفه (الدوق دراكير) (١٩) باسم (المصريون) حمل فيه على نساء مصر وهاجم المصريين وتعدى على الإسلام ونال من الحجاب الإسلامي وقرار المرأة المسلمة في البيت واقتصار وظيفتها على تربية النشء ورعاية الزوج وقد هاجم (المثقفين) المصريين بصفة خاصة لسكوتهم وعدم تمردهم على هذه الأوضاع.\n\n(وقد بدأ الاستعمار الإنكليزي إثر هذه الضجة يبحث عن وسيلة لشد أزر\"مرقص فهمي\" فلجأ إلى الأميرة [نازلي فاضل] (٢٠) ليستعجلها على عمل شيء يساند\"مرقص فهمي\" من خلال صالونها) (٢١)\n_________\n(١٩) وكان داركير قد زار مصر ثلاث مرات سائحًا عابرًا في خريف عام (١٨٩٣م) .\n\n(٢٠) وهي ابنة الأمير \" مصطفى فاضل \" باشا نجل \" إبراهيم \" باشا ابن \" محمد علي \" باشا الكبير كان والدها مصطفى\nفاضل يعتبر نفسه أحق بعرش مصر من الخديوي إسماعيل ومن هنا كانت الأميرة نازلي تعلن الحرب على الخديوي\n(عباس) اهـ من جريدة المساء الخميس (٤أغسطس ١٩٨٣م) من مقالة [هل انتحر محرر المرأة بسبب امرأة؟]\nللصحافي مصطفى أمين.\n\n(٢١) \" الحركات النسائية في الشرق \" لمحمد فهمي عبد الوهاب ص (١٣- ١٤) طبعة دار الاعتصام.","vol":"1","page":29},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-10> الجذور (٢٢):</span>\n\nكانت دعوة تحرير المرأة جزءًا من منهج كلي شمل كافة اتجاهات الحياة في المجتمع المصري وتعود خيوطه إلى مدرسة الشيخ \"محمد عبده\" تلميذ \" جمال الدين الأفغاني \" أو إن شئت \" المتأفغن \" (٢٣) وقد سارا على الدرب الذي رسمه الطهطاوي وزاد الأفغاني نشاطه المريب وعلاقاته بالمحافل الماسونية وتبنيه لمبادئ الثورة الفرنسية \"الماسونية\" (*) .\n\nومع وجود بعض الجوانب المشرقة في منهاج محمد عبده إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل نشاطه حيث كان له أخطر الأثر في عملية \"التغريب\" وتقريب الأمة الإسلامية نحو القيم الغربية مما جعل اللورد كرومر يشيد بدعوته وبتلامذته ويعلق عليهم أمله في تغريب المجتمع المصري ويذكر أنهم لذلك يستحقون (أن يعاونوا بكل ما هو مستطاع من عطف الأوربي وتشجيعه) اهـ\n\nويكفي للتدليل على خطر هذه المدرسة أن نقرر دور تلاميذها في إفساد الحياة في مصر:\nفهذا \" لطفي السيد \" يحيي التاريخ الفرعوني والنعرة الوطنية الإقليمية ويرعى الدعوة إلى \"الحرية\" بمفهومها الغربي الدخيل على الأمة الإسلامية.\n_________\n(٢٢) انظر \" الإسلام والحضارة الغربية \" ص (٤١ - ١٠٠) و\" قاسم أمين \" للدكتور \" ماهر حسن فهمي \" ص (١٩ - ٢٠) .\n\n(٢٣) هناك خلاف منتشر في حقيقة نسب الأفغاني هل هو حقًا أفغاني أم إنه شيعي إيراني انظر (المجلة) العدد ٢٣٣/٣\nأغسطس ١٩٨٤ م / ٧ ذو القعدة ١٤٠٤ هـ - ص (٦١ - ٦٣) وانظر أيضًا (الإسلام والحضارة الغربية) ص (٦١ - ٦٣) .\n\n(*) انظر: (دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام) للأستاذ مصطفى فوزي بن عبد اللطيف غزال نشر (دار طيبة) - الرياض وهي دراسة كشفت الكثير من جوانب الغموض في سيرته.","vol":"1","page":30},{"text":"وهي كلها مبادئ بلغت مداها على يد تلميذ آخر لمحمد عبده هو (سعد زغلول) .\n\nوهذا تلميذه (قاسم أمين) يفسد الحياة الاجتماعية في مصر بدعوته إلى \"تحرير المرأة\" بالمعنى الذي يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n\nلقد كان يريد \" محمد عبده \" أن يقيم سدًا في وجه التيار العلماني اللاديني ليحمي المجتمع الإسلامي من طوفانه ولكن الذي حدث أن هذا السد أصبح قنطرة للعلمانية عبرت عليه إلى العالم الإسلامي لتحتل المواقع واحدًا تلو الآخر ثم جاء فريق من تلاميذ\"محمد عبده \" وأتباعه فدفعوا نظرياته واتجاهاته إلى أقصى طريق العلمانية (اللادينية) .\n\nرام نفعًا فضر به من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقًا","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>قاسم أمين (١٨٦٥م - ١٩٠٨م)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>فتنة الأجيال وداعية السفور في عهد الاحتلال</span>\n\n(ولد \" قاسم أمين \" في أول ديسمبر عام ١٨٦٣م بالإسكندرية والتحق بمدرسة رأس التين الابتدائية بالإسكندرية وكانت تقع بحي رأس التين إلى جوار السراي) (٢٤)\n\nوقيل (إن أباه \"محمد بك أمين\" من أصل كردي) (٢٥)\nوقيل: (بل أصل الأسرة تركي وإن بعض أفراد أسرة \" محمد بك أمين \" قد ولي \"السليمانية\" من أعمال العراق وبقيت الأسرة ردحًا من الزمن تقوم بهذه الولاية حتى ظن أنها كردية وممن صحح هذا \"أحمد خاكي\" في كتابه \"قاسم أمين\") (٢٦)\n\n(وكان أبوه قد أخذ رهينة في الأستانة على أثر خلاف وقع بين الدولة العلية والأكراد ثم جاء إلى مصر في عهد إسماعيل باشا وانتظم في الجيش المصري ورقي إلى رتبة أميرالاي وتزوج بكريمة \"أحمد بك خطاب\" شقيق \"إبراهيم باشا خطاب\" فولدت له أولادًا أكبرهم \" قاسم \") (٢٧)\n\n(وفي سنة ١٨٨١م نال قاسم إجازة الحقوق ثم عمل بمكتب صديق والده التركي \"مصطفى فهمي\" المحامي) (٢٨)\n\n(وانضم للكوكبة التي كانت تحيط\n_________\n(٢٤) (قاسم أمين) تأليف د / ماهر حسن فهمي ص (٣٠) .\n(٢٥) (بناة النهضة العربية) تأليف جرجي زيدان ص (٩٩) .\n(٢٦) (قاسم أمين) تأليف د / ماهر حسن فهمي ص (٢٨) .\n(٢٧) (بناة النهضة العربية) تأليف جرجي زيدان ص (٩٩) .\n(٢٨) (قاسم أمين) تأليف د / ماهر حسن فهمي ص (٣٣) .","vol":"1","page":33},{"text":"بجمال الدين الأفغاني حيث التقى بمحمد عبده وسعد زغلول ومحمد فتحي زغلول وعبد الله النديم وأديب إسحاق وغيرهم) (٢٩)\n\nرحل \" قاسم \" إلى فرنسا ليتم تعليمه هناك وانبهر بالحياة في أوربا حتى أنه صرح بأن:\n(أكبر الأسباب في \" انحطاط \" الأمة المصرية تأخرها في الفنون الجميلة التمثيل والتصوير والموسيقى) (٣٠)\n(وبعد أن كان يقر العامة حين يقولون: \" مصر أم الدنيا \" فإنه الآن في باريس يقول أن الأصح أن تسمى \" خادمة الدنيا \") (٣١)\n\n(ويتعرف قاسم على صديقته الفرنسية \" سلافا \" التي تصاحبه إلى المجتمعات الفرنسية والحفلات ويتعرف إلى كثير من الأسر وتقوى العلاقة بينهما فبينما كان يقرأ في مصر مقدمة ابن خلدون وإحياء علوم الدين للغزالي والأغاني نجده في فرنسا يقرأ مع زميلته حكم لارشفوكو وشعر لامارتين وفلسفة فنلون ورينان وأعمال فولتير وروسو وسبنسر وغيرهم) (٣٢)\n(وكانت في فرنسا في الوقت نفسه حركة نسائية كما كانت في إنكلترا وأمريكا حركة نسائية أخرى..) (٣٣)\n(كل هذه الأفكار تأثر بها مصري يعيش في قلب باريس في قلب هذه النظريات) (٣٤)\n_________\n(٢٩) (قاسم أمين) لأحمد خاكي ص (٤٥) .\n(٣٠) (كلمات) تأليف قاسم أمين ص (٢٤) .\n(٣١) (قاسم أمين) تأليف د / ماهر حسن فهمي ص (٤٤) .\n(٣٢) السابق ص (٤٠ - ٤١) .\n(٣٣) السابق ص (٤٣) .\n(٣٤) السابق ص (٤٣) .","vol":"1","page":34},{"text":"(وفي هذا الوسط اضطرب قاسم المسلم الشرقي) (٣٥)\nوالتقى قاسم في فرنسا بالأفغاني ومحمد عبده وانضم إلى جمعية العروة الوثقى واتخذه محمد عبده مترجمًا له) (٣٦)\n(وبعد أن أتم قاسم دراسته في فرنسا طلب إليه أستاذه لرنود أن يعمل معه بضعة شهور يكتسب فيها خبرات عملية ووافق قاسم أمين) (٣٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الخطوة الأولى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>رده على \" داركير </span>\"\n\nقرأ قاسم أمين كتاب داركير عن المصريين فتألم أشد الألم حتى قيل إنه مرض عشرة أيام بعد قراءته لشدة تأثره فحاول أن يدافع عن المصريين والإسلام وألف ردًا بالفرنسية حاول فيه تفنيد اتهاماته لمصر والمصريين وبين فيه فضائل الإسلام على المرأة المصرية ورفع من شأن الحجاب وعده دليلًا على كمال المرأة وحاول شرح الحكمة الإيجابية في قوانين الشرع الإسلامي إلا أن دفاعه قد بدا تبريريًا وشرحه قد اتسم بالخنوع والذلة فيقول وكأنه يناشد داركير أن يعتبر الإسلام في مرتبة النصرانية والمجوسية:\n(إن الإسلام دين خلقي لا يقل عن المجوسية ولا عن المسيحية وإن روح القرآن لا تختلف عن الروح الإنجيلية) (٣٨) اهـ\n\nويقول أيضًا:\n(... ولهذا كان أمامها - أي مصر - طريقان: العودة إلى تقاليد الإسلام أو محاكاة أوربا وقد اختارت الطريق\n_________\n(٣٥) السابق ص (٤٥) .\n(٣٦) السابق ص (٤٧) .\n(٣٧) السابق ص (٥١) .\n(٣٨) (قاسم أمين - الأعمال الكاملة) تحقيق دكتور محمد عمارة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ١٩٧٦ -\n(ج ١ / ص ٢١٧) .","vol":"1","page":35},{"text":"الثاني.. إنها قد خطت اليوم بعيدًا في هذا الطريق حتى ليصعب عليها الارتداد عنه إن مصر تتحول إلى بلد أوربي بطريقة تثير الدهشة وقد أخذت إدارتها وأبنيتها وآثارها وشوارعها وعاداتها ولغتها وأدبها وذوقها وغذاؤها وثيابها تتسم كلها بطابع أوربي.. لقد اعتاد المصريون قضاء الصيف في أوربا (؟!) كما اعتاد الأوربيون قضاء الشتاء في مصر فلعل أوربا تقدر لمصر مسيرتها ولعلها ترد لها يومًا بعض هذا الود الكبير الذي تكنه لها مصر) (٣٩) اهـ\n\nومما يجدر الإشارة إليه أن قاسمًا استنكر في كتابه - المصريون - خطة بعض السيدات المصريات اللائي يتشبهن بالأوربيات فاقتنص بعض خصومه الفرصة ووشوا به إلى الأميرة نازلي بأن قاسمًا إنما يعنيها هي بهذا التعريض بذم المصريات اللائي يقلدن الإفرنجيات ويسرن سيرتهن لأنه لم يكن في نساء مصر آنذاك من يتشبه بالنساء الأوربيات غيرها (٤٠)\n\nفقد كانت الوحيدة التي تختلط بالرجال وتجالسهم في صالونها الذي افتتحته آنذاك ليكون مركزًا تبث منه الدعوة إلى التغريب عامة وإلى \"تحرير المرأة\" خاصة (٤١) .\n_________\n(٣٩) المصدر السابق (١/٢٦٣) .\n(٤٠) من مقال لداود بركات رئيس تحرير الأهرام (جريدة الأهرام مايو ١٩٢٨ (.\n(٤١) ﴿وكان من رواد \" صالون الضرار \" هذا سعد زغلول والشيخ محمد عبده واللقاني ومحمد بيرم وغيرهم وكانت نازلي\nتؤيد هؤلاء في قصر الدوبارة وهو مقر المندوب السامي الإنكليزي ضد قصر عابدين وتسعى لترقيتهم وهم يعتمدون\nعليها في كل أمر وكانت الأميرة نازلي قد افتتحت هذا المنتدى إثر عودتها إلى مصر بعد الاحتلال وبعد أن قويت روابطها\nمع اللورد كرومر واتخذت من المعتمد البريطاني أداة لحماية رواد هذه الدعوة وتعبئتهم لتوجيه هذه الحركة متى أمكن\nذلك﴾ اهـ من (الأخوات المسلمات) ص ٢٤٠ وما بعدها، (الحركات النسائية في الشرق) ص ١٥، مقالة داود\nبركات في عدد الأهرام الخاص بمرور ٧٥ عامًا على تأسيسه.","vol":"1","page":36},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-15> رد فعل الأميرة \" نازلي </span>\":\n\nغضبت الأميرة مما فعله قاسم أمين وقالت للشيخ (محمد عبده) قولًا شديدًا بعد أن هددت وتوعدت وقد أشير إلى جريدة (المقطم) لسان حال الإنكليز في مصر في ذلك الوقت - أن تكتب ست مقالات تتعقب آراء قاسم أمين في كتابه المصريون وتفند أخطاؤه في دفاعه عن الحجاب واستنكاره الاختلاط بين الجنسين ولكن لم تلبث هذه الحملة أن ألغيت بعد أن اقتنع قاسم أمين بضرورة تصحيح خطأه (٤٢)\nواتفق معه (سعد زغلول) و(محمد عبده) على أن ينشر كتابًا يصحح فيه خطأه ويؤيد فيه الدوق دراكير ويواصل مناصرته لكتاب (المرأة في الشرق) للقبطي (مرقص فهمي) وهكذا خرج قاسم أمين على البلاد بكتابه \" تحرير المرأة \" سنة (١٨٩٩ م) ودعا فيه إلى نفس ما سبق أن دعا إليه ذلك الصليبي بحذافيره اللهم إلا أنه لم يتعرض لمسألة زواج المسلمات من الأقباط.\n_________\n(٤٢) وقد حكت \" هدى شعراوي \" في مذكراتها المنشورة بمجلة (حواء) العدد رقم (١٢٢١) بتاريخ ١٦ فبراير ١٩٨٠م\nعن الشيخ عبد العزيز البشري أنه قال في احتفال بذكرى قاسم أمين:\n(إن كثيرين من الحاضرين كانوا أشد من وجع الضرس وضرباته على دعوة قاسم أمين وعلى شخص قاسم أمين وقال: إن قاسمًا كان في مبدأ حياته من الرجعيين حتى أنه لما رد على الدوق دراكير دافع عن الحجاب واستنكر السفور فظنت الأميرة نازلي فاضل - وكان مجلسها يجمع العلماء والفضلاء أمثال محمد عبده وسعد زغلول وعبد الكريم سلمان وفارس نمر ويعقوب صروف والمويلحي وأبنه - أنه يقصدها فغضبت لذلك ولكن سعدًا قدم صديقه إليها ولما رأى شدة عقلها ورجاحة حلمها ووثاقة فضلها انقلب عن رأيه وأخذ يطالب بتحرير المرأة) اهـ","vol":"1","page":37},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-16> أثر الأميرة \" نازلي \" في فكر الشيخ \" محمد عبده </span>\":\n\nكان الشيخ محمد عبده مقربًا لدى الأميرة نازلي فاضل وقد سعى لأستاذه الأفغاني كي يتوسط لها لدى السلطان في الآستانة ليمنحها وسامًا سلطانيًا (٤٣) .\nوكانت هي قد سعت لدى الخديوي \" توفيق \" ليعفو عن الشيخ محمد عبده عقب عودته من منفاه كما التمست وساطة كرومر للأمر نفسه (٤٤) وتم المراد وعفا عنه الخديوي.\nوقد أدركت تلك الأميرة ما للشيخ من تفوق عقلي وخلقي فخصته بمكانة متميزة (٤٥) .\nوقد ظهر تأثيرها على موقف الشيخ محمد عبده من الإنكليز الذين كان يشتد عليهم قبل التعرف على الأميرة أثناء صحبة الأفغاني وعقب الثورة العرابية أما بعد اتصال الشيخ بالأميرة التي كانت صديقة لبعض الإنكليز فقد خفت حملته ضد إنكلترا وسمح بصداقته الشخصية للورد كرومر صديق الأميرة (٤٦) .\nوهذا ما أحنق صدور بعض الوطنيين عليه وإن دافع عنه تلاميذه بقولهم:\n(إنه سمح بصداقته للورد كرومر دون تفريط في حق بلاده أو عدول عن رأيه السياسي) (٤٧) .\n_________\n(٤٣) تاريخ الإمام محمد عبده) (١/٨٩٧) .\n(٤٤) السابق (١/٨٩٥) .\n(٤٥) مجلة الهلال - العدد الماسي ص (٢٢٥) من الهلال ج ٧ م ٦٦.\n(٤٦) السابق. (٤٧) السابق.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الخطوة الثانية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>كتاب \" تحرير المرأة \" (٤٨)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ظروف تأليف الكتاب:</span>\n\nكتب (فارس نمر) صاحب (المقطم) في مقال له في مجلة (الحديث) الحلبية\nعام ١٩٢٩ م يقول:\n(إن الشيخ محمد عبده تطوع للقيام بهذه المهمة (٤٩) وتحدث الشيخ محمد عبده مع الأميرة \"نازلي\" في هذا الشأن واتفق \"محمد عبده\" و\"سعد زغلول\" و\"محمد المويلحي\" وغيرهم على أن يتقدم \"قاسم أمين\" بالاعتذار إلى سمو الأميرة فقبلت اعتذاره ثم أخذ يتردد على صالونها وارتفع مقامها لديه وإذا به يضع كتابه الأول عن المرأة الذي كان الفضل فيه للأميرة نازلي والذي أقام الدنيا وأقعدها بعد أن كان قاسم أمين أكثر الناس دعوة إلى الحجاب) اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>نظرة في الكتاب:</span>\n\nطبع الكتاب في سنة ١٨٩٩م وقد ألغى فيه أفكاره الدفاعية التي أوردها في\n_________\n(٤٨) بتأمل عنوان الكتاب يتبين لنا أنه كان يعتبر المرأة مستعبدة وقد أخذ على نفسه أن يحررها وقد جاء في مجلة الهلال أنه\nكان «يعلم ما يعتور مشروعه من العقبات وما سيلقاه من مقاومة تيار الرأي العام الآن إصلاح المرأة يقتضي منحها\nالحرية ويتناول تقبيح الحجاب والنهي عن الطلاق وتعدد الزوجات مما يعده العامة من قبيل العقائد الدينية وهو ليس من\nالدين في شيء فاضطر أن يبين ذلك في أثناء بحثه» اهـ من مقدمة \" أسباب ونتائج لقاسم أمين \" ص (١٠) وانظر\nأيضًا \" بناة النهضة العربية \" لجرجي زيدان\" ص (١٠١) .\n(٤٩) يشير إلى إيقاف مقالات الهجوم على \" قاسم أمين \".","vol":"1","page":39},{"text":"كتابه السابق (المصريون) (٥٠) سواء المتعلقة بتقييمه للإنسان المصري أو المتعلقة بالمرأة المصرية أو أحكام الشريعة وما يسميه (المدنية الإسلامية) فبينما نجده في كتابه المصريون يصف المصري بالأمانة والشجاعة والذكاء وقوة الاحتمال ويعزي هذه الخصال الجيدة لحقيقة الهوية الإسلامية للمصري نجده يقول بعد خمس سنوات في كتابه (تحرير المرأة):\n«فالتركي مثلًا نظيف صادق شجاع والمصري على ضد ذلك إلا أنك تراهما رغمًا عن هذا الاختلاف متفقين في الجهل والكسل والانحطاط إذن لابد أن يكون بينهما أمر جامع وعلة مشتركة هي السبب الذي أوقعهما معًا في حالة واحدة ولما لم يكن هناك أمر يشمل المسلمين جميعًا إلا الدين ذهب جمهور \"الأوروباويين\" وتبعهم قسم عظيم من نخبة المسلمين إلى أن الدين هو السبب الوحيد في انحطاط المسلمين وتأخرهم عن غيرهم» (٥١)\nقد انصرف جهد المؤلف في هذا الكتاب إلى التدليل على ما زعمه من أن:\n«حجاب المرأة بوضعه السائد (٥٢) ليس من الإسلام وأن الدعوة إلى السفور (٥٣) ليس فيها خروج على الدين أو مخالفة لقواعده»\n\nوقد تناول في كتابه هذا أربع مسائل وهي:\n\nالحجاب، واشتغال المرأة بالشئون العامة، وتعدد الزوجات، والطلاق\n\nوهو يذهب في كل مسألة من هذه المسائل إلى ما يطابق مذهب الغربيين زاعمًا أن ذلك هو مذهب الإسلام - قال:\n(سيقول قومًا إن ما أنشره اليوم بدعة، فأقول: نعم! أتيت ببدعة ولكنها ليست في الإسلام بل في العوائد وطرق المعاملة التي يحمد طلب الكمال فيها) (٥٤)\n_________\n(٥٠) بل لم يحاول نقل كتابه (المصريون) إلى اللغة العربية ولا إعادة إصداره في مصر\n(٥١) (قاسم أمين - الأعمال الكاملة) (٢/٧٢)\n(٥٢) يقصد تغطية المرأة جميع بدنها عن الأجانب.\n(٥٣) يقصد به كشف وجهها.\n(٥٤) \" تحرير المرأة \" ص (٥) ط محمد زكي الدين بالقاهرة ١٣٤٧ هـ.","vol":"1","page":40},{"text":"والذي يهمنا فيما نحن بصدده ما كتبه فيما يتعلق بالحجاب:\nلقد اعتبر قاسم أمين الحجاب\n(أصلًا من أصول الأدب يلزم التمسك به ولكنه يطالب بأن يكون منطبقًا على الشريعة الإسلامية) (٥٥) ثم يقول:\n(إن الشريعة ليس فيها نصًا يوجب الحجاب على الطريقة المعهودة)\nوإنما هي في زعمه:\n(عادة عرضت لهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين براء منها) (٥٦) ثم يورد قاسم أمين قوله تعالى:\n﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ الآيتان (٥٧) ثم يقول:\n(إن الآية قد أباحت أن تظهر بعض أعضاء من جسم المرأة أمام الأجنبي عنها غير أنها لم تسم تلك المواضع وقد قال العلماء (٥٨): إنها وكلت فهمها وتعيينها إلى ما كان معروفًا في العادة وقت الخطاب واتفق الأئمة على أن الوجه والكفين مما شمله الاستثناء في الآية ووقع الخلاف بينهم في أعضاء أخر كالذراعين والقدمين) (٥٩) اهـ\nثم ينتقل إلى الكلام على الحجاب بمعنى قصر المرأة في بيتها وحظر\n_________\n(٥٥) \" تحرير المرأة \" ص (٥٤) .\n(٥٦) \" المصدر السابق \" ص (٥٧ - ٥٨) .\n(٥٧) سورة النور (٣٠ - ٣١) .\n(٥٨) كذا!!! ولم يسمِّ واحدًا منهم.\n(٥٩) \" تحرير المرأة \" ص (٥٨) .","vol":"1","page":41},{"text":"مخالطتها بالرجال فيقول:\n(إن الحجاب بهذا المعنى هو تشريع خاص بنساء النبي \" ويستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب﴾ (٦٠) الآية\nوقوله تعالى:\n﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ (٦١) الآية.\nأما نساء المسلمين عامة فهن - في زعمه - منهيات عن الخلوة بالأجنبي فقط) (٦٢) اهـ\n\nويستمر قاسم بنفس التهافت في علاج القضايا الأخرى ويزيد على ذلك تهكمه بالفقهاء واستهزاءه بعلماء الشريعة بل وبنصوصها الصريحة كما فعل في قضية تعدد الزوجات وهو في كل ذلك يستدل بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية (٦٣) ثم يعرض لشرحها شرحًا ملتويًا مغرضًا يوجه لتبرير فكرة معينة يحاول أن يسخر النصوص لخدمتها تلبيسًا على ضحاياه المخدوعين.\n\nوما أصدق ما قاله بعض معاصريه: (ما رأيت باطلًا أشبه بحق من كلام قاسم أمين)\nبل هذا \" أحمد شوقي \" يشير إلى لباقة قاسم أمين في دعم\n_________\n(٦٠) الأحزاب (٥٣) .\n(٦١) الأحزاب (٣٢) .\n(٦٢) اقتضت الضرورة \" عدو المرأة المسلمة \" أن يتظاهر في بعض المواضع بمظهر المسلم الوقور الغيور على دينه الحافظ لحدود الله المحترم للفقهاء والأدلة الشرعية بينما تخلى عن هذا القناع في مثل قوله:\n«في البلاد الحرة قد يجاهر الإنسان بأن لا وطن له ويكفر بالله ورسله ويطعن على شرائع قومه وآدابهم وعاداتهم ... يقول ويكتب ما شاء في ذلك ولا يفكر أحد أن ينقص شيئًا من احترامه لشخصه متى كان قوله صادرًا عن نية حسنة واعتقاد صحيح (!) كم من الزمن يمر على مصر قبل أن تبلغ هذه الدرجة من الحرية؟»\nاهـ من (قاسم أمين - الأعمال الكاملة) (١ / ١٦٥) .\n(٦٣) \" تحرير المرأة \" ص (٦٨)\n\nهذا وقد وقع في آخر جملة في الكتاب خطأ مطبعي غير مقصود لفظًا، ولكن لا يبعد أن الحكمة الإلهية شاءت أن يقع في محله لأنه مطابق لمقصود الكتاب ألا وهو قول \" قاسم أمين \": تم كتاب تجريد المرأة","vol":"1","page":42},{"text":"دعوته بالقرآن والسنة متسائلًا: أكان قاسم أمين يَغار على الإسلام أم يُغير عليه؟؟!!\n\nولك البيان الجزل في أثنائه العلم الغزير\nفي مطلب خشن كثير في مزالقه العثور\nما بالكتاب ولا الحديث إذا ذكرتهما نكير\nحتى لنسأل هل تغار على العقائد أم تغير؟ (٦٤)\n\nوقد علق الدكتور \" محمد محمد حسين \" - ﵀ - على هذا المنهج اللئيم بقوله:\n(أحب أن أسأل الذين يحاولون أن يسوغوا باطلهم الذي يقحمونه على إسلامنا بمزاعم يتحايلون على إلصاقها بالدين ونصوصه أحب أن أسأل سؤالًا حاسمًا يفرق بين الحق والباطل: هل تعلمون أن أحدًا من المسلمين قد دعا قبل اليوم بدعوتكم؟ فإذا كان ذلك لم يحدث من قبل فهل تستطيعون أن تزعموا أن صحابة رسول الله \" ورضي الله عنهم وفقهاء المسلمين قد غفلوا جميعًا عن فهم نصوص دينهم حتى جاء هؤلاء الذين أوحى إليهم شياطين الجن والإنس في باريس من أمثال قاسم أمين فانتكس تفكيرهم بين معاهدها ومباذلها حين لم يعتصموا في دين الله بحبل متين ولم يأووا بهديه إلى ركن رشيد يذود عنهم كل شيطان مريد وذلك حين بعثوا إلى تلك البلاد لينقلوا إلينا الصالح النافع من علومها وصناعاتها فضلوا الطريق وعادوا إلينا بغير الوجه الذي بعثوا به جاء هؤلاء بعد ثلاثة عشر قرنًا من نزول القرآن ليخرجوا للناس حقائق التنزيل التي غاب علمها عن الأولين والآخرين من الفقهاء والمفسرين ويضربوا بإجماع المسلمين في الأجيال المتعاقبة والقرون المتطاولة عرض الحائط أليس ابتداع هذه الدعوة في ظل الاحتلال\n_________\n(٦٤) \" الشوقيات \" (٢ / ١٦٨) .","vol":"1","page":43},{"text":"الإنكليزي وتزعم فريق من المتفرنجين الذين عرفوا بموالاة ذلك الأجنبي المحتل هو وحده دليلًا كافيًا على إنها طارئة علينا من الغرب تقليدًا لمذاهب أهله المبتدعين في دينهم بأهوائهم وأهواء رؤسائهم والخارجين على نصرانيتهم وكتابها) اهـ (٦٥)\n\n- هل كان للشيخ \" محمد عبده \" (١٨٤٢ - ١٩٠٥ م) دور في الكتاب؟\n\n(كان المعروف عن قاسم أمين أنه ليس له إلمام بالعلوم الإسلامية بحيث يتمكن من إضفاء الصبغة الفقهية على كتابه ومن هنا شاع بين الناس وقتها أن مؤلفه في الحقيقة أستاذه هو الشيخ محمد عبده) (٦٦) .\n\nقال الدكتور \" محمد محمد حسين\":\n(جاء كتابه - تحرير المرأة - مملوءًا بالمغالطات سواء كان ذلك في تفسير الآيات القرآنية أو في النصوص التاريخية والفقهية أو الأدلة العقلية وهذا الاتجاه الذي يفسر النصوص تفسيرًا جيدًا مخالفًا لكل ما هو ثابت متواتر في تفسيرها هو جزء من اتجاه عام تزعمه الشيخ \" محمد عبده \" متذرعًا إليه بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد الذي زعم أن الفقهاء أغلقوا بابه وهو يدعو إلى الملائمة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية) (٦٧) اهـ.\n\nقال \" داود بركات \" رئيس تحرير الأهرام:\n(وقد حمل الشيخ محمد عبده الدعوة إلى تحرير المرأة في دروسه في الرواق العباسي بالأزهر حين أعلن أن الرجل والمرأة يتساويان عند الله وقد ترددت آراء كثيرة بأن الشيخ محمد عبده كتب بعض فصول الكتاب أو كان له دور في\n_________\n(٦٥) \" حصوننا مهددة من داخلها \" ص (١٢١ - ١٢٢) طبعة المكتب الإسلامي (١٣٩٨ هـ) .\n(٦٦) \" الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر \" (١/ ٢٨١ - ٢٨٢) للدكتور محمد محمد حسين ﵀.\n(٦٧) \" الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر \" (١ / ٢٨١ - ٢٨٢) للدكتور محمد محمد حسين ﵀.","vol":"1","page":44},{"text":"مراجعتها) (٦٨) .\nومما أورده \" لطفي السيد \":\n(أنه اجتمع في جنيف عام ١٨٩٧ م بالشيخ محمد عبده وقاسم أمين وسعد زغلول وأن قاسم أمين أخذ يتلو عليه فقرات من كتاب تحرير المرأة وصفت بأنها تنم عن أسلوب الشيخ محمد عبده) (٦٩) اهـ.\nوقالت \" وداد السكاكيني \":\n(فتح - أي محمد عبده - على الناس أبوابًا جديدة تلج منها المرأة المسلمة إلى الحياة التي وهبها الخالق إياها كما وهبها للرجل ولكن النفوس لم تكن هيئت تمام التهيؤ في البداية ورأى الإمام ألا يخاطر فيلج بنفسه هذا الميدان ويرقى مرتقاه الصعب فيقف أمام الجهلاء يحاربونه فيؤثر ذلك على مركزه كإمام للإصلاح يستند على الدين وتضيع بذلك فرص في الإصلاح في الميادين الأخرى فهيأ لهذا الميدان بالذات جنديًا يصلح له من تلاميذه هو \" قاسم أمين \" ثم وقف يسانده ويحميه من بعيد حتى وصلت الدعوة في تحرير المرأة إلى أبعد مما كان يقصد الشيخ \" محمد عبده \" إذن لم تكن دعوة قاسم أمين مبتكرة ولا بدعة في سبقها) (٧٠) اهـ\nوقال د / محمد عمارة جامع الأعمال الكاملة لـ قاسم أمين ومحققها:\n_________\n(٦٨) الأهرام - مايو ١٩٢٨م\nوانظر (دحض بدعة المساواة بين الرجل والمرأة) في القسم الثاني من هذا الكتاب ص (٩٣ - ١١٥) .\n(٦٩) نقلًا عن كتاب (الأخوات المسلمات) ص (٢٤٧)\nوانظر (تطور النهضة النسائية) لإبراهيم عبده ودرية شفيق ص (٧٤) (٧٥) .\n(٧٠) \" قاسم أمين \" لوداد السكاكيني ص (٤٦) .","vol":"1","page":45},{"text":"(ففي تحرير المرأة وبالذات في الفصول التي تتناول وجهة نظر الشريعة والدين في هذه القضية نلتقي بمجموعة من الآراء الفقهية والمناقشات لا يستطيع أن يبحثها ولا أن يستخلصها كاتب مثل قاسم أمين وأهم من ذلك نجد أحكامًا كلية تدل على أن صاحبها ومصدرها قد استقصى بحث هذا الأمر في جميع مصادره الرئيسية في الفكر الإسلامي على اختلاف مذاهبه وتياراته الفكرية وهو الأمر الذي لا نعتقد أنه قد توافر في ذلك العصر سوى لقلة قليلة في مقدمتهم جميعًا الأستاذ الغمام محمد عبده) (٧١) اهـ\nبينما يجزم د / محمد عمارة في موضع آخر بهذه النسبة المشار إليها آنفًا بقوله وهو يعدد إنجازات الشيخ محمد عبده: (ومن أبرز أعماله الفكرية في هذه المرحلة ... الفصول التي شارك بها في كتاب \" تحرير المرأة \" لقاسم أمين سنة ١٨٩٩ م) (٧٢) اهـ\n\nوذكرت \"درية شفيق\" (أن دور محمد عبده في الكتاب قد أثار حفيظة بعض الرجعيين الذين اتهموه بالزيغ والكفران) (٧٣)\n\nوقال الدكتور السيد أحمد فرج - حفظه الله -: (وقد بالغ بعض الكتاب فرأى أن فصولًا كاملة بنصوصها في كتاب تحرير المرأة كتبها الشيخ محمد عبده من إنشائه وهي الفصول الآتية:\n١ - حجاب النساء من الجهة الدينية ص (٥٩ - ٧٢)\n٢ - الزواج ص (١٢٣ - ١٣٢)\n٣ - تعدد الزوجات ص (١٣٣ - ١٤٠)\n_________\n(٧١) \" قاسم أمين الأعمال الكاملة \" المقدمة: دراسة في فكر قاسم أمين ص ١٤٤.\n(٧٢) \" الإسلام والمرأة في رأي الإمام محمد عبده \" ص ١٣٨.\n(٧٣) (تطور النهضة النسائية) ص (٧٨)","vol":"1","page":46},{"text":"٤ - الطلاق ص (١٤١ - ١٦٤)\n(محمد عمارة - الأعمال الكاملة \" لمحمد عبده \" ٢/ ١٠٥- ١٢٩ بيروت ١٩٧٢)\nوهذا الادعاء من كاتبه يرد عليه لأنه يحتاج إلى دليل يوثقه والأرجح أنها من فكر الشيخ محمد عبده وإنشاء كاتبها فالشيخ هو الذي وجه الأفكار وأرشد إلى ما يحتاجه الكاتب من نصوص الكتاب والسنة وكتب الفقه الإسلامي وهو الذي أرشده بتوجيهاته أثناء الكتابة أو قراءة أصول الكتاب قبل طبعه كما جاء في مذكرات احمد لطفي السيد.\nوالمعروف عن الشيخ محمد عبده أنه كان يملي الأفكار ويوجه إليه أكثر مما يكتب هكذا فعل مع قاسم أمين ومع أشهر تلاميذه في مجال الإصلاح الإسلامي السيد \" محمد رشيد رضا \") (٧٤) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>بين \" قاسم \" و\" سعد </span>\":\n\nقال الصحافي \" مصطفى أمين \":\n\n(كان قاسم أمين لا يفترق عن سعد زغلول وكان قاسم أمين هو الذي توسط في زواج سعد زغلول بصفية زغلول وكان سعد زغلول هو الذي وقف إلى جوار قاسم أمين عندما أصدر كتاب تحرير المرأة وهوجم بعنف وضراوة واتهم بالكفر ومنع من دخول قصر الخديوي بدعوى أنه يدعو إلى الإباحية وأقفل الناس بيوتهم في وجهه وذهب عدد من الشباب المتحمسين إلى بيته في شارع الهرم واقتحموا بيته وطالبوا قاسم أمين أن يسمح لهم بأن يجتمعوا بزوجته على انفراد تطبيقًا لدعوته إلى سفور المرأة.\nعندما أقفل كبار المصريين في وجه قاسم أمين فتح سعد له بيته\n_________\n(٧٤) المؤامرة على المرأة المسلمة: تاريخ ووثائق ص (٧٦ - ٧٧) .","vol":"1","page":47},{"text":"ودعاه هو وزوجته ليتناول الغداء والعشاء على مائدته ومائدة صفية زغلول وأصر أن يخرج في عربته مع قاسم أمين ويطوف شوارع العاصمة متحديًا للأصدقاء الذين نصحوه بأن لا يظهر مع قاسم أمين في مكان عام وإلا ضربه الناس بالطوب وعندما وضع قاسم أمين كتابه الثاني \" المراة الجديدة \" متحديًا العاصفة الهوجاء ومطالبًا أن تحضر المرأة مجالس الرجال وتمارس الأعمال الحرة أهدى كتابه الجديد إلى سعد زغلول صديقه الحميم ونصيره الأول) (٧٥) اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>دور سعد زغلول:</span>\n\nقال العقاد: (وكان- أي \"سعد زغلول\" - رجلًا له رأي في المرأة وفيما ينبغي أن تكون عليه شريكة الحياة يخالف رأي السواد الغالب في تلك الأوقات وفي جميع الأوقات وحسبه من ذلك أنه هو الذي أعان قاسم أمين زميله وصديقه الحميم على إظهار كتابه في تحرير المرأة وتشجيعه على احتمال ما لقي في سبيله من سخط وعناء) (٧٦) اهـ\n\nوقال الدكتور السيد احمد فرج - حفظه الله -: (والرأي أنه لم يكن في استطاعة قاسم أمين أن يبرز نفسه بهذه الآراء الجريئة في ذلك العصر لولا تعضيد الإمام محمد عبده وأحد تلاميذه الذي صار زعيمًا للأمة سعد زغلول باشا وقد بلغ حب قاسم أمين لهما مبلغًا كبيرًا فأهدى كتابه الثاني المرأة الجديدة لسعد زغلول واستشهد على صحة أقواله فيه بمباركة الشيخ محمد عبده لها وينشر كل بنود اقتراح الشيخ في شأن\n_________\n(٧٥) نقلًا عن جريدة المساء الخميس ٤ أغسطس ١٩٨٣ مقالة بعنوان (هل انتحر محرر المرأة؟) هذا وقد ذكر الصحافي\nمصطفى أمين في مقالته هذه أنه حدثت قطيعة بين الصديقين حتى الموت تسببت من لعب قاسم أمين بالورق\n\" القمار \" حتى خسر مبالغ طائلة أودت بثروته وأثقلته بالدين.\n(٧٦) (سعد زغلول) تأليف عباس محمود العقاد ص ٥٢٧.","vol":"1","page":48},{"text":"إصلاح قانون الأحوال الشخصية في آخره.\nوسعد زغلول في الحقيقة هو الذي ضمن تنفيذ أفكار قاسم أمين تنفيذًا عمليًا فقد رحل الشيخ محمد عبده سنة ١٩٠٥ ورحل تلميذه قاسم أمين بعده بسنوات قليلة وكان في ميعة شبابه ثم بقى سعد زغلول وقد أهلته مواهبه الفذة أن يقود المجتمع ويكيفه كما يريد وكان قادرًا خاصة وأن الظروف الاجتماعية والفورة الوطنية قد هيأتا الناس لتقبل الأفكار الجديدة ووضعها موضع التنفيذ العملي فقد ظل العقلاء كما سماهم \"جرجي زيدان\" يتهامسون في موضوع تحرير المرأة حتى صرح الشيخ محمد عبده بآرائه فكثر مريدوه والمؤمنون على أقواله وأول أولئك قاسم أمين (٧٧) وسعد زغلول المنفذ الحقيقي لهذه الأفكار) (٧٨) اهـ.\n\nوأيًا ما كان الأمر فقد أحدث الكتاب ضجة عنيفة لأنه صادر من مسلم يشغل وظيفة مستشار في الدولة سبق له أن هاجم أعداء الحجاب منذ وقت قريب ولم تقتصر هذه الضجة على الأوساط الإسلامية الغيورة على دينها بل شملت الأوساط الوطنية والأدبية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>ردود فعل كتاب \" تحرير المرأة </span>\":\n\nتجلت ردود الفعل في موجة عارمة من المعارضة كان أكثرها مقالات صحافية وقد اتهمه المعارضون بالهذيان وبأنه ممن تخطف زخارف التمدن الغربي بصائرهم يرى المحاسن ولا يرى المساوئ وهاجمه علماء الدين هجومًا عنيفًا وحكم الفقهاء بأنه خرق في الإسلام ومروق من الدين وعدها الكثيرون ضربًا من\n_________\n(٧٧) \" بناة النهضة العربية \" لجرجي زيدان ص ١٠٥.\n(٧٨) \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" ص ٦٤.","vol":"1","page":49},{"text":"المبالغة في تقليد الغربيين واتهمه آخرون بالجناية على الدين ثم الوطن وأنه يرمي إلى قلب الهيئة الاجتماعية المصرية وممالأة الإنكليز على ضياع البلاد وإنه ينفذ أمنية من أماني الأمم الصليبية التي تريد بها هدم الإسلام وتقويض الآداب والأخلاق وتحريض النساء على الفساد واتهمه من يعضد هذه الدعوة بأنه ليس من المسلمين.\nوبادر إلى مناصرة قاسم حفنة من الكتاب وعلى رأسهم \"جرجي نقولا باز\" الذي ألف تأييدًا لقاسم كتابين أحدهما:\n(إكليل غار على رأس المرأة) والآخر (النسائيات) (٧٩) .\nولم يكتف دعاة الحق وأنصار الحجاب بالمقالات العنيفة بل ألفوا الكتب العديدة (التي بلغ عددها مائة كتاب) (٨٠) تبطل شبهات قاسم وتقيم الحجة عليه من أدلة الشريعة المطهرة.\nمن هذه الكتب:\n(\" السنة والكتاب في حكم التربية والحجاب \" لمحمد إبراهيم القياتي.\nومنها: \" الجليس الأنيس في التحذير عما في تحرير المرأة من التلبيس \" لمحمد أحمد حسنين البولاقي.\nومنها: \" خلاصة الأدب \" لحسين الرفاعي.\nومنها: \" نظرات في السفور والحجاب \" لمصطفى الغلاييني.\nومنها: \" قولي في المرأة \" لمصطفى صبري.\nومنها: \" رسالة في مشروعية الحجاب \" لمصطفى نجا.\n_________\n(٧٩) \" قاسم أمين \" د. \" ماهر حسن فهمي \" ص (١٧٢) .\n(٨٠) \" تطور النهضة النسائية \" ص (١٢) .","vol":"1","page":50},{"text":"ومنها: \" رسالة الفتى والفتاة \" لعبد الرحمن الحمصي) (٨١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>موقف \" محمد طلعت حرب </span>\":\n\nعلى أن أول كتاب ألف في الرد على قاسم أمين هو كتاب \" تربية المرأة والحجاب \" وهو أهم ما ألف وأعمقه أثرًا ألفه \" محمد طلعت حرب \" الذي اقترن اسمه فيما بعد - وللأسف - بشئون الاقتصاد الربوي وقد استنكر في كتابه هذا على قاسم دعوته ودافع عن الحجاب (٨٢) .\n\nويبدأ الكتاب بمقدمة يثبت فيها المؤلف أن المستعمر الغربي يجاهد بكل الطرق ليغير وضع المرأة المسلمة كأنما وكلتهم المرأة للدفاع عنها وما ذلك إلا ليثبتوا أن الشريعة الإسلامية قد ظلمتهن أما هدفهم البعيد فهو التدخل في شئون المسلمين باسم الإنسانية وفرنجة المرأة في المجتمع الشرقي لتنحل مقوماته الاجتماعية قال:\n\n(إن رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوربا من قديم الزمان لغاية في النفس يدركها كل من وقف على مقاصد أوربة بالعالم الإسلامي) .\n\nوقال أيضا: (إنه لم يبق حائل يحول دون هدم المجتمع الإسلامي في المشرق لا في مصر وحدها - إلا أن يطرأ على المرأة المسلمة التحويل بل الفساد الذي عم الرجال في المشرق)\n\nوهو يذكر أن الخديوي \" إسماعيل \" حين أراد أن ينفصل بمصر عن الدولة العثمانية وعد ملوك أوربة - إن هم أيدوه من أجل تحقيق هدفه - أن يبدل أحكام القرآن فيما يتصل بالحياة السياسية والاجتماعية فيفصل السياسة عن الدين ويطلق\n_________\n(٨١) \" قاسم أمين \" د. \" ماهر حسن فهمي \" ص (١٦٤ - ١٦٥) .\n(٨٢) ولمحمد طلعت حرب كتاب آخر في الرد على قاسم أمين هو: (فصل الخطاب في المرأة والحجاب) شن فيه حملة عنيفة على ضلالات قاسم ووقفت كثرة الشعب في جانبه وأيدته فاستهدفت قاسم للإهانة تلو الإهانة\n(انظر: \" تطور النهضة النسائية \" ص \" ٧٠ \")","vol":"1","page":51},{"text":"الحرية للنساء بحيث يسرن في أثر المرأة الغربية وينقل إلى مصر معالم المدنية الأوربية.\n\nوذكر أن الحرية كانت دائما شعار الإسلام فكان أولى بقاسم أن يجعل عنوان كتابه تربية المرأة بدلًا من تحريرها ثم يقول طلعت حرب:\n(ومن عجيب المصادفات أن الذي يقرأ \" الرحلة الأصمعية \" التي طبعت باللغة التركية سنة ١٨٩٣ في مصر يقرأ فيها الاعتراضات التي وجهها الأوربيون إلى مؤلف الرحلة فيما يختص بوضع المرأة المسلمة فإذا ما قرأنا \" تحرير المرأة \" لقاسم أمين وجناه يردد نفس الاعتراضات فهل هذا يرجع إلى توارد الخواطر؟ ويتحدث طلعت حرب في الباب الأول من كتابه عن وظيفة المرأة فيقرر أن الأديان (٨٣) جميعًا تنفي مساواة المرأة بالرجل مساواة كاملة ويورد النصوص من التوراة والإنجيل والقرآن التي تؤكد سيادة الرجل وحسن المعاملة والتقدير للمرأة ويقرر أن سعادة الأسرة لا تكون بوجود قائدين في بيت واحد وإنما تكون بتوجيه الرجل توجيها حكيما.\n\nثم قال: (إن للمرأة أعمالا غير ما للرجل ليست بأقل أهمية من أعماله ولا بالأدنى منها فائدة وهي تستغرق معظم زمن المرأة إن لم نقل كله: الرجل يسعى ويكد ويشقى ويتعب ويشتغل ليحصل على رزقه ورزق عياله وامرأته ترتب له بيته وتنظف له فرشه وتجهز له أكله وتربى له أولاده وتلاحظ له خدمه وتحفظ عينه عن المحارم وهو يسكن إليها ...) (٨٤)\n_________\n(٨٣) اعلم - رحمك الله - أنه لا يصح أطلاق كلمة \" الأديان \"! هكذا مجموعة في سياق التقرير والاحتجاج بها لأن\nالدين واحد هو الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه قال تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾\n(آل عمران: ١٩) والشرائع هي التي تختلف من نبي لآخر قال تعالى:\n﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾ (المائدة: ٤٨) والله أعلم.\n(٨٤) \" تربية المرأة والحجاب \" ص (١٧) طبعة القاهرة.","vol":"1","page":52},{"text":"وينتقل إلى الباب الثاني فيتناول تربية المرأة ويؤكد أن\n(الشريعة قد حثت على التربية الخلقية التي تضمن إصلاح النفس وعمار الكون وضمان السعادتين وكان السلف الصالح يعودون أبنائهم عليها فيشبون وقد تشبعوا بمكارم الأخلاق ولم تول الدنيا عنا إلا يوم أهملنا تلك التربية ثم دهمتنا المدنية الغربية بما بها من مظاهر خادعة فحسبناها منتهى ما يدركه الإنسان من الكمال فتسابقنا إلى التشبه والتقليد.\nفإذا كنا نريد إصلاح حقيقي فلننظر إلى مدنيتنا الإسلامية ولنقتبس منها أسس التربية السليمة لكل أفراد المجتمع من بنين وبنات) .\n\nثم ينتقل إلى أهم نقاط البحث وهي مشروعية الحجاب فيعرض لقوله تعالى:\n(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) وينقل من أحاديث رسول الله \" وسيرة الصحابة ﵃ أن المقصود ستر الوجه لأنه أعظم زينة للمرأة أما ما جاء في قوله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) فهي الكحل والخضاب ثم كيف يمكن الاختلاط مع غض البصر؟\n\nوإذا كان \" قاسم أمين \" يرى أن الحجاب خاص بنساء النبي \" وأن قوله تعالى:\n(يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) (الأحزاب ٣٢) فيه معنى التخصيص فإن قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) (الأحزاب ٥٩) قد قطع كل شك في وجوب الحجاب وقد اعتمد \"قاسم\" على رأي بعض الفقهاء في إباحة كشف الوجه واليدين والقدمين مع أن رأى الفقهاء في هذه الإباحة كان خاصًا بالصلاة وحدها لا بقضية الحجاب والسفور.\n\nعلى أن من يقول بجواز النظر لوجه المرأة عند أمن الفتنة قد قضى بتحريم ذلك على الإطلاق خصوصًا في هذه الأيام حيث نشاهد تبذل الشباب واستهتارهم كل","vol":"1","page":53},{"text":"حين فما بالنا لو خلعت المرأة الحجاب وأطلقنا لها الحرية؟\nإن الإحصائيات تثبت أن المرأة الشرقية - بسبب الحجاب - أكثر نساء العالم تعففًا ولا نريد أن نمزق ستار العفاف.\nوإذا كان \" قاسم \" يتساءل: لماذا اختص النساء بالاحتجاب والتبرقع دون الرجال وكلاهما مأمور بغض الأبصار؟ الإجابة واضحة إذ من المسلم به أن لكل من الزوجين وظيفة اختص بها وكانت وظيفة الرجل خارج بيته للسعي على معاشه ووظيفة المرأة منزلية داخل البيت وخروجها للضرورة فتكليفها بالتبرقع دون الرجل أكثر ملائمة لظروفها (*)\nأما ما قيل عن علم عائشة ﵂ فهو حجة على قائله لأنها كانت محتجبة حجابا تاما بالإجماع ولم يمنعها الحجاب من التفقه في أمور الدين والمشاركة في أمور الحياة وكذلك كان كل النساء المسلمات اللائي نبغن وبلغن درجة من العلم والكمال فالحجب لم يمنع من تحصيل العلم ولا تدريسه وإذا كان الحجاب هو المانع من الترقي فلما لم يترق كل الرجال؟\n\n(*) قال الشيخ \" سعيد الجابي \" ﵀ في كتابه \" كشف النقاب \":\n(وإذا قيل ينبغي على الرجال أن يستتروا خوف فتنة النساء اللواتي أمرن بغض أبصارهن.\nفنقول: إن النساء اللواتي أمرن بالقرار والوقار وإخفاء صوت الخلخال عن الجار والكلام من وراء حجاب وإدناء الجلباب والإقلال من الخروج خارج الأبواب كاف لهن ومغن عن أن يكلف الرجال بستر وجوههم عنهن سيما وأن أعمال الرجال خارج البيوت وأعمال النساء في داخلها والفرق بين العملين ظاهر لا يماري فيه إلا مكابر ولا سيما أن جمال وجه الرجال سريع الزوال إذا راعوا الحكم الشرعي بإعفاء اللحى القائمة مقام النقاب والحجاب والجلباب وهي عند بعض الزوجات أعظم مصاب! وإذا كانت الضرورات تبيح المحظورات فلا مانع من أن تظهر المرأة عينيها أو عينها بعد ستر وجهها وحينئذ لا يقال: حرموا هذه المسكينة أن تبصر طريقها أو النور أو جمال الطبيعة بل يقال: حرموا هذا المسكين أن يرى جمال وجهها) اهـ\nنقله عنه الشيخ محمد أديب كلكل في \" فقه النظر \" ص (٦٤ - ٦٥) .\nولو نظرنا إلى المرأة الأوربية لوجدنا الأمر يرجع إلى حاجة أوربا للأيدي العاملة بسبب ظروف حياتها فخرجت النساء لمساعدة الرجال على الكسب والتعمير فلما ابتذلت المرأة هناك أعرض الشباب عن الزواج فاضطرت المرأة أن تستمر في العمل لتعيش على أن الناظر إلى المرأة الشرقية الآن (٨٥) يراها قد خرجت وأقبلت على ملاذ الدنيا وأغرتنا الحضارة الأوربية على التساهل وسيسير الزمن بنا - باسم الحرية والمدنية - حسب التخطيط الذي يدفعنا الأجنبي إليه إلى أن تصبح المرأة الشرقية مثل الأجنبية ما لم نبادر إلى تقييد تلك الحرية لا إطلاقها\n_________\n(٨٥) طبع الكتاب سنة ١٨٩٩ م.","vol":"1","page":54},{"text":"وإلى تحرير الرجل قبل المرأة من الجهالة والفساد.\n\nويختم \" طلعت حرب \" كتابه قائلا: (الحجاب أصل من أصول الأدب فيلزم التمسك به إلا أن المطلوب أن يكون منطبقا على ما جاء به الشرع) (٨٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>موقف \" محمد فريد وجدي </span>\":\n\nونشر\"محمد فريد وجدي\" في \" المؤيد \" و\" اللواء \" بضع مقالات قال في بعضها:\n(إذا أشرنا اليوم بوجوب كشف الوجه واليدين فإن سنة التدرج سوف تدفع المرأة إلى خلع العذار للنهاية في الغد القريب التي بلغت بها حالة التبذل درجة ضج منها الأوربيون أنفسهم وبدلا من أن نضرب الأمثلة بالغرب دائما ينبغي أن نولي وجوهنا إلى عظمة مدنيتنا الإسلامية الماضية) (٨٧)\nويتهكم أحد الكتاب بالدعوة إلى خروج المرأة للعمل ويحاول أن يتصور المرأة وقد خرجت إلى معترك الحياة تعمل فإذا البيوت مقفرة والشوارع مزدحمة بالرجال والنساء والمحال التجارية وقف بها المتحككون بالنساء البائعات أما الزى فخليط عجيب امرأة بقبعة وأخرى بغيرها والمقص قد تحيف الجيوب والذيول والأكمام والتصقت الملابس بالمرأة حتى صارت كبعض جسمها ثم يتساءل قائلا: (أهذا ما نريده؟ إن ما نريده حقا هو تربية المرأة قبل كل شيء) (٨٨)\n_________\n(٨٦) السابق ص (١٠٥) .\n(٨٧) \" قاسم أمين \" د / \" ماهر حسن فهمي \" ص (١٦٢) .\n(٨٨) السابق ص (١٦٣) .","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>موقف \" مصطفي كامل \" (١٨٧٤ - ١٩٠٨):</span>\n\nكان للكتاب دوي شديد في الأوساط الوطنية لأنه كان بمثابة تحدى صريح للرأي الإسلامي العام وهجوم سافر ضد الإسلام لذلك لم يكن عجبا أن يقف الحزب الوطني المصري أو بمعنى آخر أن يقف \" مصطفى كامل \" من هذه الحركة موقف المقاومة والعناد إذ تحسس ورائها الأصابع البريطانية فربط بين هذه الحركة التي يديرها ذلك النادي الذي جمع بين أذناب الاستعمار وبين الإنكليز على أنها وسيلة من وسائله المتلونة في القضاء على مقومات الأمة فسارع إلى مقاومة هذه الحركة الخائنة وتحذير الأمة منها فأشار إليها في أول اجتماع عام عقده عقب صدور ذلك الكتاب في الخامس من شعبان سنة (١٣١٧ هـ) الموافق الثامن عشر من سبتمبر (١٨٩٩ م) حيث قال:\n(إني لست ممن يرون أن تربية البنات يجب أن تكون على المبادئ الأوربية فإن في ذلك خطرًا كبيرًا على مستقبل الأمة فنحن مصريون (*) ويجب أن نبقى كذلك ولكل أمة مدنية خاصة بها فلا يليق بنا أن نكون قردة مقلدين للأجانب تقليدًا أعمى بل يجب أن نحافظ على الحسن من أخلاقنا ولا نأخذ عن الغرب إلا فضائله فالحجاب في الشرق عصمة وأي عصمة فحافظوا عليه في نسائكم وبناتكم وعلموهن التعليم الصحيح وإن أساس التربية التي بدونه تكون ضعيفة ركيكة غير نافعة ... هو تعليم الدين) (٨٩)\nوقد بلغ \" بمصطفى كامل\" الاهتمام بمقاومة هذه الحركة المسمومة إلى الحد الذي جعله يفتح صدر صحيفة \" اللواء \" منذ أول ظهورها سنة (١٩٠٠ م) لكل طاعن على\n\" قاسم أمين \" وأفكاره فكانت \" اللواء \" - كما يقول الدكتور\n_________\n(*) الواجب أن يقول: (فنحن مسلمون) وإلا فما قيمة المصريين أو غيرهم بدون الإسلام؟\n(٨٩) \" الحركات النسائية \" ص (١٦ - ١٧) .","vol":"1","page":56},{"text":"\" محمد حسين هيكل \" -: (خصمًا لدودًا لقاسم وأفكاره وكانت ميدان لأشد المطاعن عليه) (٩٠) اهـ\nوكتب \" مصطفى كامل \" في اللواء (٣١ يناير ١٩٠١ م) يؤكد على\n(وجوب الالتفات إلى تربية النساء فهي دعوة يوافق عليها كل مثقفي الأمة أما الحرية للمرأة فلا محل للحديث عنها الآن وعملية التطور الطبيعي تسير سيرها المحترم وفرق بين التطور والتطوير القسري الذي لا يؤمن معه من سوء العاقبة فإن الرجل منا أهون عليه أن يموت من أن يرى من أهل بيته امرأة فاسدة ولو كانت بهجة العلم وحليته)\nثم يخدش قاسمًا - وما أصاب - فيقول: (ولست أدري إذا كان هذا الشعور شعورًا طبيعيًا عند الرجال أو منشؤه الميراث الذي يحمله كل منا في دمه من أخلاق آبائه وأجداده وسواء كان هذا أو ذاك فإن الحرية التي تقتل العصمة شر عندي من الحجاب القاتل للرذائل) (٩١) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>أثر كتاب \" تحرير المرأة \" في العراق والشام:</span>\n\nواجه الكتاب هناك معارضة عنيفة لا تقل عن التي واجهها في مصر وأعلن المعارضون لقاسم أن الدعوة إلى خروج المرأة المسلمة إقتداء بالغربية دعوة لا تستند إلى حجة مقبولة لأن الغربية لم تناد بالخروج إلى المجتمعات وإلى الحرية المطلقة وإنما الرجال هناك هم الذين دفعوها إلى العمل تخلصًا منها وطمعًا في الانتفاع بتعبها فكانت النتيجة أن استدرجت إلى مواقف لم تأمن معها الذلل وفقدت بيتها\n_________\n(٩٠) \" تراجم مصرية وغربية \" للدكتور محمد حسين هيكل باشا ص (١٤٢) .\n(٩١) \" قاسم أمين \" تأليف د / ماهر حسن فهمي ص (١٦٠) ومما يلزم التنبيه إليه أن هذا الأسلوب المتضمن\nللهمز واللمز يأباه الإسلام الذي يعلو ولا يعلى والذي يعد النعرة القومية والعصبية الوطنية جاهلية\nخبيثة منتنة.","vol":"1","page":57},{"text":"وفقدت أنوثتها وإذا كان التاريخ يستفظع وأد بعض رعاع العرب لبناتهم تخلصًا من العار فكم يكون استفظاعه لحياة كثير من الفتيات في هذه المدنية التي يود البعض أن نقتضي بها؟ !\nوثار علماء الدين في الشام ثورة عنيفة ضد \" قاسم أمين \" فأعلنوا أن دعاة السفور هم دعاة فساد لأنه يخالف ما أمر به الدين ولأن السفور يقود الناس حتما إلى المجون وهدم القيم وبذلك تنحل كل الروابط الاجتماعية (٩٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الإنكليز يترجمون الكتاب وينشرونه:</span>\n\nوقد كتب\"مصطفى كامل\" في \" اللواء \" بتاريخ (٩ فبراير سنة ١٩٠١ م) يقول:\n(هذا وقد انتشر خبر كتاب \"تحرير المرأة \" في جهات الهند واهتم الإنكليز بترجمته وبث قضاياه وإذاعة مسائله لما وراء العمل به من فائدة لهم) اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>من مواقف الشعراء:</span>\n\nوكان للحركة صدى عميق في نفوس الأدباء والشعراء (٩٣)\nوهذا \" أحمد محرم \" (٩٤)\nالذي أعجب به \" مصطفى كامل \" وطالما أشاد به وبشعره على صفحات اللواء يقول مستنكرًا دعوة \" قاسم أمين \":\n\nأغرك يا أسماء ما ظن قاسم؟! أقيمي وراء الخدر (٩٥) فالمرء واهم\n_________\n(٩٢) السابق ص (١٦٣ - ١٦٤) .\n(٩٣) كان أكثر شعراء تلك الفترة من أهل الرأي والفكر ولم يكونوا مجرد نظاميين.\n(٩٤) \" أحمد محرم \" (١٨٧١ - ١٩٤٥) عده الأدباء في الطبقة الأولى من شعراء جيله وسلكوه في صف شوقي\nوحافظ وطبع شعره الإسلامي بعنوان (الإلياذة الإسلامية) سنة ١٩٦٣.\n(٩٥) الخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت وجارية مخدرة ومخدورة إذا ألزمت الخدور وانظر \" لسان العرب \"\n(٥ / ٣١٢ - ٣١٥) .","vol":"1","page":58},{"text":"تضيقين ذرعًا بالحجاب وما به سوى ما جنت تلك الرؤى والمزاعم\n\nسلام على الأخلاق في الشرق كله إذا ما استبيحت في الخدور الكرائم\nأقاسم لا تقذف بجيشك تبتغي بقومك والإسلام ما الله عالم\nلنا من بناء الأولين بقية تلوذ بها أعراضنا والمحارم\nأسائل نفسي إذا دلفت (٩٦) تريدها أأنت من البانين أم أنت هادم؟\nولولا اللواتي أنت تبكي مصابها لما قام للأخلاق في مصر قائم\nنبذت إلينا بالكتاب (٩٧) كأنما صحائفه مما حملنا ملاحم (٩٨)\nففي كل سطر منه حتف مفاجئ وفي كل حرف منه جيش مهاجم\n\nإلى أن يقول:\n\nلنا في كتاب الله مجد موثل (٩٩) وملك على الحدثان (١٠٠) والدهر دائم\nإذا نحن شئنا زلزل الأرض نابنا ودامت لنا أقطارها والعواصم\n\n******\nهممنا بربات الحجال (١٠١) نريدها أقاطيع ترعى العيش وهي سوائم\nوإن امرءًا يلقى بليل نعاجه إلى حيث تستن الذئاب بظالم\nوكل حياة تثلم العرض سبة ولا كحياة جللتها المآثم\nأتأتي الثنايا الغر والطرر (١٠٢) العلى بما عجزت عنه اللحى والعمائم؟\n_________\n(٩٦) دلفت: أي تقدمت.\n(٩٧) يشير إلى كتاب \" تحرير المرأة \".\n(٩٨) جمع ملحمة: وهي الوقعة العظيمة القتل.\n(٩٩) أي الحسيب الأصيل العظيم الشريف.\n(١٠٠) الحدثان: النوب.\n(١٠١) الحجل بفتح الراء وكسرها: الخلخال.\n(١٠٢) الطرر: جمع طرة: جانب الثوب الذي لا هدب له وطرف كل شيء.","vol":"1","page":59},{"text":"فلا ارتفعت سفن الجواء بصاعد إذا حلقت فوق النسور الحمائم\nعفى الله عن قوم تمادت ظنونهم فلا التهج مأمون ولا الرأي حازم\nألا إن بالإسلام داءًا مخامرًا وإن كتاب الله للداء حاسم (١٠٣)\n\n***********************\n\nوهاجم الشاعر العراقي \" البناء \" السفوريين وخاطب المرأة قائلًا:\nوجوه الغانيات بلا نقاب تصيد الصيد في شرك العيون\nإذا برزت فتاة الخدر حسرى تقود ذوي العقول إلى الجنون\n\nوهذا الشاعر \" جواد الشبيبي \" يقول مستنكرًا الدعوة الأثيمة:\nمنع السفور كتابنا ونبينا فاستنطقي الآثار والآيات\nتلك الوجوه هي الرياض بها أزدهت للناظرين شقائق الوجنات\nكانت تكتم في البراقع خفية من أن تمس حصانة الخفرات (١٠٤)\nواليوم فتحها الصبا فتساقطت بعواطف الألحاظ والقبلات\nصوني جمالك بالبراقع إنها ستر الحسان ومظهر الحسنات\nوضعي الصدار على الترائب إنه حق عليكي فحق نهدك نات (*)\nوتماثلي في البيت صورة دمية مكنونة الأعضاء في الحبرات (١٠٥)\n\nوفي قصيدة للأزدي يعارض فيها \"الرصافي\"ويخاطب بنت بغداد \" كريمة الزوراء \" ويحذرها من ضلال السفوريين ويبصرها بعواقب مسلكهم الوخيم، يقول:\n_________\n(١٠٣) ديوان محرم (٢/٦٣ - ٦٥) الطبعة الأولى (١٣٣٨ هـ - ١٩٢٠ م) - مطبعة الفتوح بدمنهور.\n(١٠٤) امرأة خفرة: أي شديدة الحياء.\n(*) كذا بالأصل!\n(١٠٥) انظر \" قاسم أمين \" للدكتور \" ماهر حسن فهمي \" ص (١٧٣) .","vol":"1","page":60},{"text":"أولم يرو أن الفتاة بطبعها كالماء لم يحفظ بغير إناء\nمن يكفل الفتيات بعد ظهورها مما يجيش بخاطر السفهاء؟\nومن الذي ينهى الفتى بشبابه عن خدع كل خريدة حسناء؟\n\nإلى أن يقول:\n\nنص الكتاب على الحجاب ولم يبح للمسلمين تبرج العذراء\nماذا يريبك من حجاب ساتر جيد المهاة (١٠٦) وطلعة الذلفاء (١٠٧)\nماذا يريبك من إزار مانع وزر الفؤاد وضلة الأهواء\nما في الحجاب سوى الحياء فهل من التهذيب أن يهتكن ستر حياء\nهل في مجالسة الفتاة سوى الهوى لو أصدقتك ضمائر الجلساء\nشيد مدارسهن وارفع مستوى أخلاقهن لصالح الأبناء\nأسفينة الوطن العزيز تبصري بالقعر لا يغررك سطح الماء (١٠٨)\n\nوهذا \" أديب التقى \" يحذر من السفور كذريعة إلى الخلاعة والدمار الاجتماعي:\nكيف ترضى بأن ترى حاسرات يتملى وجوهها الفجار\nواتخذن الخلاعة اليوم خلقًا هو للشعب لو أفاق دمار (١٠٩)\n\nوفي السودان هاجم الشيخ \" حسيب علي حسيب \" يعنف دعاة السفور فقال:\n\nدعوا في خدرها ذات الدلال فقد أرهقتموها بالجدال\nرأيت شعورها الحساس مضنى على هذا الجمود عن المعالي\nتذوب وقد تناذرتم حياء بفحش اللفظ أو هجر المقال\nويعلو خدها خفر ينادي ألا يا للنساء من الرجال\n_________\n(١٠٦) الجيد - بالكسر: العنق أو مقدمه و(المهاة): الشمس والبقرة الوحشية.\n(١٠٧) الذلف: صغر الأنف.\n\n(١٠٨) \" الأدب العصري \" (٢ / ٥٦) طبعة القاهرة (١٩٢٣) .\n(١٠٩) \" الاتجاهات الفكرية في بلاد الشام \" ص (١٤٤) طبعة القاهرة (١٩٥٨) .","vol":"1","page":61},{"text":"زعمتم تعشقون لها صلاحًا فظني أن ذا عشق الجمال\nومسألة (السفور) غدت قديمًا لدى الكتاب مشكلة النضال\nوما أحد لها يدعوا فماذا يريد الناس من قيل وقال\nأحب في مناجاة الغواني ترى: أم ذاك زهدًا في المعالي\nبلى فالعلم عندهم كريم ولكن المتيم غير سال\nدعوها فهي تؤلمها كثيرًا سهام المصلحين بلا اعتدال\nعجبت لحلمهم في كل خطب وإن ذكر البنات دعوا نزال\n\nوقال آخر:\n\nزعموهن بالحجاب عن العلم ونور العرفان محتجبات\nبنت مصر كالشمس يحجبها الليل وراء الآفاق والظلمات\nوهي في أفقها ضياء ونور ساطع في جدورها النيرات\nأو هي المسك ينفذ العرف منه من وراء الأستار والحجرات\n\nانتهى من (التيار التراثي العربي الحديث) د/ سعد دعيبس ص (١٤٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الخطوة الثالثة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>كتاب (المرأة الجديدة)</span>\n\nلم يلبث مؤلف (تحرير المرأة) حين واجه هذه المعارضة التي أحرجته كثيرًا أن (أسفر)\nوجهه الحقيقي وخلع عنه ثوب الحياء وقناع التدين وكشف في جرأة وصراحة عن أهدافه المغرضة في كتاب ظهر في العام التالي وهو كتاب (المرأة الجديدة) الذي بدأ فيه أثر الحضارة الغربية واضحًا فالتزم فيه مناهج البحث الأوربية الحديثة التي ترفض كل المسلمات والعقائد السابقة سواء منها ما جاء من طريق الدين أو ما جاء من غير طريقه\nولا تقبل إلا ما يقوم عليه دليل من التجربة أو الواقع","vol":"1","page":62},{"text":"على حسب المنهج الذي يسلكه باحثو الاجتماع الأوربيين وهو ما يسمونه بـ (المنهج العلمي) (١١٠) فتراه يعتمد على آراء مفكري الغرب ويصطنع أساليبهم في الإحصاء وفي الدراسات النفسية والاجتماعية والتجريبية.\n\nبينما كنت تراه هادئًا في كتابه الأول يحوم حول النصوص الإسلامية ويمتص من رحيقها لتعضيد مواقفه في المطالبة بحقوق المرأة انقلب في الكتاب الثاني يسلط حمم غضبه ويستعمل عبارات قاسية في التعبير عن رأيه عبارات لا تقرها المرأة ذاتها فهو لا يقبل\n- بزعمه - (حق ملكية الرجال للنساء) ويرى ترك حرية النساء للنساء حتى ولو أدى الأمر إلى (إلغاء نظام الزواج حتى تكون العلاقات بين الرجل والمرأة حرة لا تخضع لنظام ولا يحددها قانون) (١١١) ..\n\nو(المرأة الجديدة) التي قصدها \" قاسم أمين \" هي المرأة الأوربية التي أراد من المصرية أن تتحول إليها وتتخذها مثلًا أعلى. قال \" قاسم \":\n(هذا التحول هو كل ما نقصد وغاية ما نسعى إليه هو أن تصل المرأة المصرية إلى هذا المقام الرفيع وأن تخطو هذه الخطوة إلى سلم الكمال وأن تكون مثلها تحررًا فالبنات في سن العشرين يتركن عائلاتهن ويسافرن من أمريكا إلى أبعد مكان في الأرض وحدهن ويقضين الشهور والأعوام متغيبات في السياحة متنقلات من بلد إلى أخرى ولم يخطر\n_________\n(١١٠) \" المرأة الجديدة \" ص (٧٥) ومما ينبغي التنبه له أن هذا الذي يسميه علمًا ليس علمًا بالمعنى الصحيح للكلمة إلا\nفيما يتصل بالفروع التجريبية كالطبيعة والكيمياء والهندسة والطب أما ما يتصل منه بالنفس والاجتماع والأخلاق فإنه\nلا يزيد على أنه فروض لحل بعض المشكلات ونظريات لتعليل ما غاب عن الحس ولذلك فهو دائمًا موضع أخذ ورد\nحتى بين دارسي الغرب ولا ننسى أن هذه الدراسات النفسية والاجتماعية قد أصبحت موجهة وتسخر لخدمة المذاهب\nوالأحزاب السياسية المختلفة وأن بعضها يتذرع باسم (العلم) ليهدم الدين والخلق ويفرض السياسات الاستعمارية،\nانظر \" الاتجاهات الوطنية \" (١ / ٢٨٣) .\n(١١١) \" مبادئ السياسة والأدب والاجتماع \" لأحمد لطفي السيد ص (١٧٣) - كتاب الهلال ١٣٨٣ هـ - ١٩٦٣ م.","vol":"1","page":63},{"text":"على بال أحد من أقاربهن أن وحدتهن تعرضهن إلى خطر ما وكان من تحررها أن يكون لها أصحاب غير أصحاب الزوج والرجل يرى أن زوجته لها أن تميل إلى ما يوافق ذوقها وعقلها وإحساسها وأن تعيش بالطريقة التي تراها مستحسنة في نظرها) (١١٢)\n\nوطلب قاسم أمين من المصريين أن يتخلصوا مما وقر في أنفسهم من أن عاداتهم هي أحسن العادات وأن ما سواها لا يستحق الالتفات وقال: (إن طالب الحقيقة لا يجب أن يجري في إصدار أحكامه على هذا الضرب من التساهل بل يجب أن يعود نفسه على أن يجري نقده للحوادث الاجتماعية على أسلوب علمي) ص (٧٥)\n\nويقول في موضع آخر: (إن التشريح الفسيولوجي والتجربة في البلاد التي منحت المرأة حريتها قد أثبتت أن المرأة مساوية للرجل في الملكات) ويستشهد في معرض كلامه عن أثر حرارة الجو في إثارة الشهوة بكلام كاتب إيطالي يقول: (إن العفة تكتسب بمنح الحرية للمرأة وإن اختلاف الأجواء لا أثر له في ذلك) .\nثم يقول في موضع آخر: (لما تخلصت المرأة المصرية من الاستعباد رأت نفسها في أول الأمر في حيرة لا تدري معها ماذا تصنع بحريتها الجديدة وهكذا يكون الحال بالنسبة لحرية النساء: أول جيل يظهر فيه حرية المرأة تكثر الشكوى منها ويظن الناس أن بلاء عظيما قد حل بهم لأن المرأة تكون في دور التمرين على الحرية ومع مرور الزمن تتعود المرأة على استعمال حريتها وتشعر بواجباتها شيئًا فشيئًا وترتقي ملكاتها العقلية والأدبية وكلما ظهر عيب في أخلاقها يداوى بالتربية حتى تصير إنسانًا شاعرًا بنفسه) (١١٣)\nويقول في موضع آخر: (إننا قد ورثنا الصورة التي كوناها عن المرأة من العرب الذين قامت حياتهم - حسب زعمه - على الغزو والنهب ومن ثم لم\n_________\n(١١٢) \" آثار باحثة البادية \" ص (٢٧٤) .\n(١١٣) \" المرأة الجديدة \" ص (٧٠ - ٧١) .","vol":"1","page":64},{"text":"يكن فيها للمرأة نصيب ثم لم يكن لها نصيب في تربية الولد لأن تربيته كانت مقصورة على تغذية جسمه ليشب مقاتلًا لا عالمًا فاضلًا وصورة المرأة هذه التي ورثها المسلمون - حسب زعمه - عن العرب قد تكون صحيحة بالقياس إلى الماضي ولكنها مزورة إذا نظرنا إلى الحال والمستقبل) اهـ\nوكان معارضو \"قاسم أمين \" يرون أن نهضتنا يجب أن تعتمد على تراثنا القديم وعلى حضارتنا الإسلامية وحدها فقام هو بالرد على ذلك بأن (الحضارة الإسلامية قامت على دعامتين: الأساس الديني الذي كون من القبائل العربية أمة واحدة والأساس العلمي الذي ارتفعت به الأمة الإسلامية وآدابها) ثم يزعم أن العلم وقت ذاك كان ضعيفًا في أول نشأته وكانت أصوله ضربًا من الظنون التي لم تؤيدها التجربة ولذلك كانت قوة العلم ضعيفة بجانب قوة الدين فتغلب الفقهاء على رجال العلم ووضعوهم تحت رقابتهم وزجوا بأنفسهم في المسائل العلمية ينتقدونها ويفتون بمخالفتها لنصوص القرآن والحديث التي يؤولونها وبذلك حملوا الناس (حسب زعمه) على إساءة الظن بالعلم فنفروا منه وهجروه وانتهى بهم الأمر إلى الاعتقاد بأن العلوم جميعًا باطلة إلا العلوم الدينية نفسها: إنها يجب أن تقف عند حد لا يجوز لأحد أن يتجاوزه ثم تقدمت العلوم وظهرت المكتشفات الحديثة واستطاع العلم أن يشيد بناء لا يمكن لعاقل أن يفكر في هدمه وتغلب رجال العلم على رجال الدين) (١١٤)\n\nوينتهي \" قاسم أمين \" من هذا العرض\n_________\n(١١٤) إن محاولة \" قاسم أمين \" إلقاء العداوة بين العلم والدين ما هي إلا مظهر من مظاهر التبعية العمياء للغرب حين سادت\nالعداوة بين النصرانية وبين العلوم التجريبية وفي سحب هذا الحكم على الإسلام والمدنية الإسلامية مغالطة تكشف عن\nجهل بالواقع التاريخي من جهة وبحقائق الدين والعلم من جهة أخرى - راجع كتاب (ماذا خسر العالم بانحطاط\nالمسلمين) للشيخ أبي الحسن الندوي وانظر أيضًا (أضواء البيان) للشنقيطي (٣/ ٣٩٦ - ٤٠٠) وانظر بحث (فصل الدين عن السياسة ضلالة مستوردة) للأستاذ يوسف العظم وانظر \" بيان الهدى من الضلال \" للشيخ إبراهيم\nبن عبد العزيز السويح، ومما =","vol":"1","page":65},{"text":"إلى أن التمدن الإسلامي قد بدأ وانتهى قبل أن يكشف الغطاء عن أصول العلم فكيف يمكن أن نعتقد أن هذا التمدن كان نموذج الكمال البشري؟ ..\nثم يبين أن كثيرًا من ظواهر التمدن الإسلامي لا يمكن أن تدخل في نظام معيشتنا الاجتماعية الحالية ويضرب الأمثلة من نظم هذا التمدن في الحكم وهي في رأيه أقل من المستوى الذي بلغه اليونان والرومان في كفالة الحريات (١١٥) كما يضرب أمثلة من نظام الأسرة ليبين أنه كان غاية في الانحلال وأن الفرق واسع بينه وبين النظم والقوانين التي وضعها الأوربيون لتأكيد روابط الأسرة)\nويختم ذلك متسائلًا: (إذا كانت هذه حالهم فما الذي يطلب منا أن نستعيره منها؟ .. وأي شيء منها يصلح لتحسين حالنا اليوم؟)\nثم يقول: (متى تقرر أن المدنية الإسلامية هي غير ما هو راسخ في مخيلة الكتاب الذين وصفوها بما يحبون أن تكون عليه لا بما كانت في الحقيقة عليه وثبت أنها كانت ناقصة من وجوه كثيرة فسيان عندنا بعد ذلك أن احتجاب المرأة كان من أصولها أو لم يكن وسواء صح أن النساء في أزمان خلافة بغداد والأندلس كن يحضرن مجالس الرجال أو لم يصح فقد صح أن الحجاب هو عادة لا يليق استعمالها في عصرنا) اهـ (١١٦)\n_________\n= يجدر التنبيه إليه أن مصطلح \" رجل الدين \" مصطلح دخيل على الفهم الإسلامي\nالصحيح بل كل مسلم ينبغي أن يكون رجل دين عليه واجبات تجاه دينه لابد من تأديتها حتى يستحق وصف المسلم.\n\n(١١٥) هذه المقارنة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الرومانية وترجيح كفة الأخيرة تبين أن المعين الذي كان يستمد منه قاسم أمين وأضرابه هو كتابات (المتحررين) في أوربا الذين كانوا يحقرون الحضارة المسيحية ويمجدون الحضارة اليونانية واللاتينية الوثنية السابقة على المسيحية وما هذه المقارنة الغبية إلا صورة جديدة تدل على التخلف الفكري والتقليد الأعمى الذي كان يعاني منه ذلك المفتون بحضارة الغرب الذي نلاحظ من كتاباته كم كان شامخ الأنف متغطرسًا مع مواطنيه متعاليًا على أمته وفي الوقت ذاته مهدور الكرامة مطأطأ الرأس ذليلًا أمام أعداء دينه وأمته قد وقف حياته على أن يجذب بمنهاجه السقيم أعناقنا نحن المسلمين وجباهنا - نحن الموحدين - لتستقر أمام أقدام أعدائنا اليهود والصليبيين خاشعة خاضعة.\n\n(١١٦) \" المرأة الجديدة \" ص (١٨٣) ويبدو أن الجذرية في كتابه الثاني هذا لم تكن رد فعل للهجوم القاسي من =","vol":"1","page":66},{"text":"ثم يستطرد (عدو المرأة المسلمة) قائلًا: (نحن لا نستغرب أن المدنية الإسلامية أخطأت في فهم طبيعة المرأة وتقدير شأنها فليس خطؤها في ذلك أكبر من خطئها في كثير من الأمور الأخرى ...)\n\nويقول (.. والذي أراه أن تمسكنا بالماضي إلى هذا الحد هون من الأهواء التي يجب أن ننهض جميعًا لمحاربتها لأنه ميل إلى التدني والتقهقر..هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له من دواء إلا أننا تربي أولادنا على أن يعرفوا شئون المدنية الغربية ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها إذا أتى هذا الحين - ونرجو أن لا يكون بعيدًا - انجلت الحقيقة أمام عيوننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغربي وتيقنا أن من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسًا على العلوم العصرية الحديثة وإن أحوال الإنسان مهما اختلفت وسواء كانت مادية أو أدبية خاضعة لسلطان العلم لهذا نرى أن الأمم المتمدنة على اختلافها في الجنس واللغة والوطن والدين متشابهة تشابهًا عظيمًا في شكل حكومتها وإدارتها ومحاكمها ونظام عائلتها وطرق تربيتها ولغاتها (١١٧) وكتابتها ومبانيها\n_________\n= أوساط العلماء الأزهريين وإنما كان قاسم أمين قد أعد أصول الكتابين في ذهنه قبل نشرهما وخطط لإخراجهما بهذه الصورة وقاسم أمين نفسه كان يؤمن بطريقة غرس الأفكار بالتدريج فقد قال في الصفحات الأولى من \" تحرير المرأة \"\n: (إني لست ممن يطمع في تحقيق آماله في وقت قريب لأن تحويل النفوس إلى وجهة الكمال في شئونها لا يسهل تحقيقه وإنما يظهر أثر العاملين فيه ببطء شديد في أثناء حركته الخفية وكل تغيير يحدث في أمة من الأمم وتبدو ثمراته في أحوالها فهو ليس بالأمر البسيط وإنما هو مركب من ضروب من التغيير كثيرة تحصل بالتدريج في نفس كل فرد شيئًا فشيئًا ثم تسري من الأفراد إلى مجموع الأمة فيحدث التغيير في حال ذلك المجموع نشأة أخرى للأمة) اهـ من \" تحرير المرأة \" ص (٢، ٣) . وهذا يوضح أن قاسمًا كان يضمر في نفسه شيئًا لم يشأ أن يعلنه في هذا الكتاب حتى لا تسقط كل جهوده فأبرزه في كتابه الثاني \" المرأة الجديدة \" التي كانت - بالفعل - امرأة \" جديدة \" مغايرة تمامًا لتلك التي رأيناها في كتابه الأول \" تحرير المرأة \".\nفالحاصل أن كل ما يمكن تركه هجوم شيوخ الأزهر من أثر هو حدة الكلمات والعبارات لا جوهر الفكر ذاته - والله تعالى أعلم - انظر \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" ص (٦٥، ٧٨) .\n(١١٧) من المعروف أن قاسم أمين كان يدعو إلى ثورة في لغة الأدب وخطته في ذلك تشبه ثورته الاجتماعية، =","vol":"1","page":67},{"text":"وطرقها بل في كثير من العادات البسيطة كالملبس والتحية والأكل هذا هو الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوربيين ونشيد بتقليدهم وحملنا على أن نستلفت الأنظار إلى\nالمرأة الأوربية) (١١٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>بعض ردود فعل الكتاب:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>موقف مصطفى كامل:</span>\n\nتصدى \" مصطفى كامل\" من جديد لقاسم أمين وكتب في اللواء بتاريخ ٩ / ٢ /١٩٠١ م معلقًا على كتاب \" المرأة الجديدة \": (أخرجه أخيرًا قاسم أمين ليدعم به أمر كتابه الأول ويفتح به آفاقًا جديدة تحلل المسلمين من دينهم وأخلاقهم) اهـ\nوحكى \"مصطفى كامل \" أن سلطان \"ملديفي\" لما بلغه خبر الكتاب وسئل عن رأيه في هذه الاتجاهات قال: (أما تعليم النساء المسلمات فقد أصبح من المسائل الحيوية للإسلام والمسلمين ولكنه لو مال عن طريق الشريعة الغراء إلى خطة مدنية الغرب الغبراء كان معولًا لهدم أركان الإسلام وفأسًا لفتح القبور لأبنائه ودسهم فيها وهم أحياء أما رفع الحجاب فلا أرضاه لنسائي وبلادي وأما المرأة وحق طلاق زوجها فدعوة لا تصدر من معترف بقول الله في كتابه: (الرجال\n_________\n= فننسلخ من لغة القرآن ونكتب آدابنا بلهجاتنا العامية على نحو ما انسلخت اللغات الأوربية الحديثة من أمها اللاتينية\nونعبر في خطنا عن الحركات بحروف تدخل في بنية الكلمة على طريقة الكتابة بالحروف اللاتينية - (انظر \"\nالأعمال الكاملة \" ١/ ١٥٧ - ١٥٨) ولا يخفى ما في هذا \" التكتيك الخبيث \" من خدمة عظيمة لأعداء\nالإسلام تشير بإصبع الاتهام من جديد إلى \" قاسم أمين \".\n(١١٨) \" المرأة الجديدة \" ص (١٨٥ - ١٨٦) . .","vol":"1","page":68},{"text":"قوامون على النساء) (النساء ٣٤) فنسأل الله السلامة) اهـ (١١٩)\n\nوأفسح \" مصطفى كامل \" لعلماء المسلمين المجال في جريدة اللواء ليتصدوا لهذه الدعوة الاستعمارية وليبينوا حكم الإسلام فيها وفي أصحابها (وكان من الكتاب الذين نشرت لهم \" اللواء \" مقالات تعيب على قاسم أمين وذيوله خصومة الحجاب وتجاوز ذلك إلى تحرر يسيء إلى حياة الأمة الأستاذ \" محمود سلامة \" الأديب المعروف) (١٢٠)\n\nومن البحوث التاريخية التي نشرها \" اللواء \" أيضًا ذلك البحث الذي وضعه قاضي قضاة مصر (١٢١) السيد \" عبد الله جمال الدين أفندي \" ﵀ ونشرته له \" اللواء \" في عدديها رقم (٤٥٦ و٤٥٧) بتاريخ (٢٥ و٢٦ من ذي الحجة سنة ١٣١٨هـ أي في أواخر سنة ١٩٠٠م) وقد استغرق هذا البحث من كل عدد الصفحة الأولى كاملة وثلث الصفحة الثانية (١٢٢) .\nوبما أن هذه الحركة كانت قد نشأت في بيئة وطيدة الصلة بالاحتلال البريطاني معادية في نفس الوقت لحاكم البلاد الرسمي (الخديوي) فكان من الطبيعي أن يقف منها الخديوي موقف العداء ...\nأولًا: لمنافاتها للإسلام في وقت كان الحكام والأمراء يفاخرون بالحرص عليه\nوثانيًا: لصلتها بالاحتلال الذي يعمل على حشد القوى المناصرة له لمناهضة الخديوي والحد من سلطانه وقد أبرز (مصطفى كامل) موقف الخديوي \" عباس حلمي \" من هذه الحركة في اللواء بتاريخ (٢٢ إبريل من سنة\n_________\n(١١٩) \" الحركات النسائية في الشرق \" ص (١٨) .\n\n(١٢٠) انظر \" تطور النهضة النسائية \" ص (٥٨) .\n(١٢١) كره بعض العلماء هذا اللقب لشبهه بلقب \" شاهنشاه \" أي ملك الأملاك المذموم في السنة الصحيحة وذلك\nقوله \" (إن أخنع اسم عند الله تعالى رجل تسمى ملك الأملاك) متفق عليه.\n(١٢٢) وقد طبع حديثًا في كتيب بعنوان (حجاب المرأة العفة والأمانة والحياء) طبع مكتبة التراث الإسلامي\n(١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م) .","vol":"1","page":69},{"text":"١٩٠١ م) بعنوان: (رأي الجناب العالي في مسألة الحجاب) وقد جاء فيه ما نصه:\n(يرى الجناب العالي حفظه الله في مسألة الحجاب وإطلاق حرية النساء ما يراه الشرع الشريف ويأمر به وقد عرف رأي جنابه في هذا الشأن بأمرين:\nالأول: أنه أبى قبول كتاب \" المرأة الجديدة \" عندما ذهب \" قاسم أمين \" في الأيام الأخيرة إلى المعية السنية والتمس تقديمه إلى سموه.\nالثاني: أنه قبل كتاب \" الاحتجاب \" الذي رفعه إليه يوم الجمعة الماضي حضره الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الله نقيب الأشراف برودس وقريب مؤلف الكتاب عبد الله جمال الدين أفندي ﵀ وتقبله حفظه الله بكل ارتياح وانشراح وأعرب عن عظيم امتنانه من نشره حتى ينتفع به\nالمسلمون ويرشدهم إلى الحق والصواب) اهـ\nهذا ولم يقف الأمر بالخديوي حيال \" قاسم أمين \" عند هذا الحد بل لقد أصدر أمرًا بمنعه من دخول القصر في أي مناسبة مع أنه مستشار (١٢٣) في الدولة وذلك أنصع في الدلالة على استنكار الخديوي لهذه الحركة الأثيمة (١٢٤) .\n_________\n(١٢٣) درس \" قاسم أمين \" الحقوق في فرنسا وعاد إلى مصر سنة ١٨٨٥ م فتعين وكيلًا للنائب العمومي في\nمحكمة مصر المختلطة وما زال يرتقي حتى صار مستشارًا في الاستئناف إلى أن مات بالسكتة في ليلة ٢٣\nأبريل ١٩٠٨ م وهو في الثالثة والأربعين من عمره وقد زعم الصحافي \" مصطفى أمين \" أنه لم يمت موتًا\nطبيعيًا ولكنه انتحر وذكر سبب ذلك في مقالة نشرت بجريدة المساء (الخميس ٤ / ٨ / ١٩٨٣)\nبعنوان \" هل انتحر محرر المرأة بسبب امرأة \".\n\n(١٢٤) ومن المواقف (الملكية) النادرة ما روته وصيفة \" الملكة نازلي \" عن شدة معاملة \" الملك فؤاد \" لها\nقالت:\n﴿وفي السبع عشرة سنة التي عاشها الملك مع الملكة لم يسمح لها بالسفر إلى أوربا سوى مرة واحدة عندما أجمع الأطباء على ضرورة سفرها إلى إحدى مدن المياه المعدنية بفرنسا لتعالج فيها وذلك عام ١٩٢٧ م وكان الملك مسافرًا لبعض دول أوربا زيارة رسمية ورفض أن يصحبها معه في هذه الزيارات واشترط أن تبقى في أوربا محجبة ورفض أن تكون معه على نفس الباخرة وأمر بأن تسافر باليخت (المحروسة) ليتفادى سفرها بالبواخر العادية حتى لا تختلط بالرجال وأمر الملك أن يكون هناك (ديدبان) طوال =","vol":"1","page":70},{"text":"........................\n_________\n= الليل في الممشى أمام الجناح الخاص بالملكة في اليخت وعندما بدأت الرحلة وخيم الظلام في الليلة الأولى رأت الملكة الديدبان فغضبت وهاجت وماجت وأمرت قبطان اليخت المحروسة بسحب الديدبان فورًا وقال لها القبطان في احترام:\n\" إنني أنفذ أوامر جلالة الملك شخصيًا \"\nوقالت الملكة:\n\" ولكن وجوده هنا يضايقني وصوت حذائه يزعجني ويقلق نومي \"\nولم يستطع القبطان أن يقول إن صوت الحذاء لا يسمع مع وجود (البساط) المفروش على الأرض بل قال للملكة: إذا كان صوت حذاء الديدبان يزعج جلالتك فإنني سآمره أن يخلع حذائه وفعلًا كان الجنود الذين يتناوبون الحراسة ليلًا أمام جناح الملكة يخلعون أحذيتهم ويقفون حفاة تنفيذًا لأمر الملك من جهة وإرضاءً للملكة من جهة أخرى.\nوحدث في تلك الأيام أن نشرت مجلة (روز اليوسف) صورة للملكة نازلي ووجهها مكشوف فقامت قيامة الملك فؤاد وطلب من \" توفيق نسيم \" باشا رئيس الديوان الملكي أن يطلب من \" عبد الخالق ثروت \" باشا رئيس الوزراء إغلاق مجلة روز اليوسف بتهمة (العيب في الذات الملكية) .. وحقق مدير المطبوعات مع \" روز اليوسف \" فقالت: \" إن الصورة منقولة عن جريدة فرنسية وزعت في مصر \" واكتفى مدير المطبوعات بتوجيه توبيخ شديد اللهجة إلى \" روز اليوسف \".\nوكان الملك فؤاد يحرص أن لا تظهر الملكة نازلي سافرة أمام رجل حتى أنها كانت لا تستطيع أن تتنزه في حدائق القصر الملكي إلا إذا حجبت نصف وجهها وبعدما يتحقق بوليس القصر من عدم وجود رجل في المنطقة التي ستتنزه فيها الملكة وفي الوقت الذي ستتنزه فيه الملكة وفي الوقت نفسه يصدر الأمر إلى جنود الحرس الملكي الذين يقفون فوق جدران القصر أن يديروا ظهورهم إلى حديقة القصر طول مدة سير الملكة في الحديقة!\nوحدث أن قرر الملك (أمان الله خان) ملك أفغانستان أن يزور مصر وهو في طريقه إلى أوربا فصحب الملكة (ثريا) زوجته ورحب الملك فؤاد بملك أفغانستان ثم سمع أن الملك (أمان الله) دعا نساء أفغانستان إلى نزع الحجاب إقتداء بالغازي (كمال أتاتورك) الذي ألغى الحجاب في تركيا وجاءت البرقيات تقول أن الملكة ثريا سترافق الملك \" سافرة \" في رحلته وعندئذ ألغى الملك فؤاد استضافته ملك أفغانستان في قصر عابدين بحجة أن التقاليد تحول دون اشتراك الملكة ثريا في الزيارة الرسمية وعُرف أن الملك فؤاد لا يريد أن تقيم ثريا في قصر عابدين حتى لا تسمم أفكار الملكة نازلي ووافق الملك أمان الله على أن\nتكون إقامة ثريا في مصر إقامة غير رسمية فلا تشترك في الحفلات والاستقبالات التي يدعى إليها ولم يكتفي الملك فؤاد بذلك بل أبلغ الملك أمان الله أنه يرجو ألا تظهر زوجته سافرة أثناء إقامتها في مصر مراعاة لتقاليدها وخضعت ثريا لرغبة الملك وأصدر الملك فؤاد أمره إلى وزارة الداخلية بعدم محاولة تصوير ملكة أفغانستان وفعلًا لم تظهر صورة واحدة للملكة ثريا في الصحف المصرية طوال مدة إقامتها. =","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>هل رجع \" قاسم أمين \" عن آرائه</span>؟\n\nزعم بعض الباحثين أن قاسم أمين (عدل عن رأيه في عام ١٩٠٦ م بعد أن تبين له أنه ضل الطريق وذلك ضمن حديث له إلى صحيفة \" الظاهر \" التي كان يصدرها \" محمد أبو شادي \" المحامي أعلن فيه رجوعه عن رأيه كما أعلن فيه أنه كان مخطئًا في\n\" توقيت \" الدعوة إلى تحرير المرأة) (١٢٥)\n\nوقد استدل من ذهب إلى ذلك بحديثه المذكور آنفًا في صحيفة \" الظاهر \" وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر لأن عبارته لم تكن صريحة في توبته عن ضلاله بالكلية ولكنه ادعى أن خطأه كان فقط في (توقيت) الدعوة إلى تحرير المرأة وليس في مضمون الدعوة ذاتها وإليك نص عبارته في ذلك:\n\nقال \" قاسم أمين \":\n\n(لقد كنت أدعوا المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك بل الإفرنج في تحرير نسائهم وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم.. ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس فلقد تتبعت خطوات النساء في\n_________\nوعندما انتهت الزيارة وصعدت ملكة أفغانستان إلى الباخرة الإيطالية التي أقلتها إلى أوربا أسرعت ونزعت الحجاب بحركة عصبية وقالت للصحافيين:\n\" أظن أننا لم نعد مقيدين بأوامر الملك فؤاد \" اهـ\nمن مقالات بعنوان: (من عشرة لعشرين) للصحافي مصطفى أمين - أخبار اليوم ٩ يناير ١٩٨٢ م.\n(١٢٥) (الأخوات المسلمات) ص (٢٥٢) ولعل مما يضعف احتمال رجوعه عن مذهبه ما قالته \" هدى شعراوي \"\nفي حفل تكريم ذكرى رحيل \" قاسم أمين \" العشرين - والذي حضره صفية زغلول وطه حسين ولطفي السيد وواصف غالي وتوفيق دوس ومصطفى عبد الرزاق: (سادتي وسيداتي: اسمحوا لي أن أبدأ كلمتي بآخر\nكلمة نطق بها المرحوم قاسم أمين في حفلة نادي المدارس العليا وهو يحيي الطلبة الرومانيين ليلة وفاته إذ\nقال: \" كم أكون سعيدًا في اليوم الذي أرى فيه سيداتنا يزين مجالسنا كما تزين طاقات الزهور قاعات\nالجلوس \" هذه هي آخر جملة نطق بها المرحوم قاسم قبل أن يلبي دعوة ربه ببرهة وجيزة وهي\nكما ترون تتضمن أمنية غالية لم يمهله الموت حتى يشاهد تحقيقها) اهـ\nمن (حواء) العدد (١٢٤٩) ٣٠ أغسطس ١٩٨٠ م ص (١٤ - ١٥) .","vol":"1","page":72},{"text":"كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات فرأيت من فساد أخلاق الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي..رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تتطاولوا إليها بألسنة البذاء ثم ما وجدت زحامًا في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسنة جميعًا.. أنني أرى أن الوقت ليس مناسبًا للدعوة إلى تحرير المرأة بالمعنى الذي قصدته من قبل) (١٢٦)\n\nوقد كان نشر هذا الكلام قبل موته بعام ونصف فلعله رأى - بعد أن تغيرت الظروف بزوال \" كرومر \" وانطفاء نفوذ \" نازلي فاضل \" ربيبته - أن يتخفف من تبعه هذه الدعوة المدمرة بل ربما كان لبعض التجارب أثرها في نفسه فمما يروى (أن صديقًا عزيزًا \" هو المؤرخ الإسلامي رفيق العظم \" زاره ذات مرة فلما فتح له الباب قال: \" جئت هذه المرة من أجل التحدث مع زوجك في بعض المسائل الاجتماعية! \" فدهش قاسم أمين كيف يطلب مقابلة زوجته ومحادثتها؟ فقال له صديقه: \" ألست تدعو إلى ذلك؟ إذًا لماذا لا تقبل التجربة مع نفسك؟ \" فأطرق \" قاسم أمين \" صامتًا)\n(١٢٧)\n\n(وكلمته زوجة قاسم من وراء ستار وأفهمته أن قاسمًا لم يدعو إلى السفور ولا إلى الخلوة بأجنبي) (١٢٨) .\n_________\n(١٢٦) نقلًا عن كتاب (رجال اختلف فيهم الرأي) للأستاذ أنور الجندي ص (٢٩) طبع دار الأنصار.\n(١٢٧) عن مجلة (الاعتصام) عدد رمضان سنة ١٣٩٩ هـ.\n(١٢٨) \" قاسم أمين \" د / \" ماهر حسن فهمي \" ص (١٥٩)،\n= ومن الجدير بالذكر أن زوجة (قاسم أمين) كانت محجبة حجابًا كاملًا وقد ذكرت في بعض تصريحاتها بعد\nوفاته:\n(أنه - أي قاسم - لم يرغمها على السفور عندما كان ينادي إليه) وتقول: (إنها ظلت ترتدي البرقع\nوالحبرة) وإن قاسمًا (كان يكتفي بالمناداة بفكرته ولكنه لم يطبقها في أسرته إلا على النشء الجديد، أعني\nبناته) ثم تحاول تبرئة قاسم من وزر الفساد الذي ترتب على دعوته فتقول: (إن بنات الجيل الحالي\nوشبابه قد أخطأوا فهم هذه الدعوة وتجاوزوا مداها فالمظهر الذي تظهر به فتيات هذا","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>موت \" قاسم أمين </span>\":\n\n(ومات قاسم أمين ليلة الثالث والعشرين من إبريل سنة ١٩٠٨م فأوحى الإنكليز إلى شيعته بإقامة ما يسمى \" حفل تأبين \" له فأقاموا هذا الحفل وأشادوا فيه بدعوته إلى السفور فقابل رجال الحزب الوطني هذه الحركة بإقامة احتفال كبير للدعوة إلى الحجاب ولإبراز أصابع الإنكليز في فتنة السفور) (١٢٩)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>من يحمل اللواء</span>؟\n\nوبموت \" قاسم أمين \" لم تهدأ هذه الدعوة إلى (تدمير) المرأة إلا قليلًا وكيف يهدأ للإنكليز بال والخطة لم تصل بعد إلى أهدافها؟\nوإن مات قاسم أمين فهناك على الساحة السياسية من يستأنف الدور ويحمل اللواء هناك \"حزب الأمة\"وزعاماته المعروفة بعمالتها للإنكليز من أمثال (أحمد فتحي زغلول) (١٣٠) عضو محكمة دنشواي والهلباوي جلادها\n_________\n= العصر ليس سفورًا بل\nبهرجة فظيعة لم يكن يخطر على بال قاسم أن ينادي بها أو يدعوا إليها وإنما كان قاسم ينادي\nبالسفور الشرعي (!) الذي لا يزيد عن إظهار الوجه واليدين والقدمين ولا يتجاوزه إلى إظهار العورات\nوإلى اختلاط المرأة بالرجل بالشكل الحاصل الآن وإني أعتقد أن قاسم بك لو كان حيًا لما رضى عن هذه الحال\nبل لانبرى إلى محاربتها) اهـ وانظر \" قاسم أمين \" لأحمد خاكي ص (١٠٦ - ١٠٧) .\n(١٢٩) (الحركات النسائية في الشرق) ص (١٩) .\n(١٣٠) أحمد فتحي زغلول شقيق سعد زغلول اشترك في الحكم على المتهمين في حادثة دنشواي إذ كان أحد قضاة\nالمحكمة المخصوصة، ﴿وهي التي أصدر بطرس \"باشا\" غالي وزير الحقانية بالنيابة قرارًا بتشكيلها\nلمحاكمة المتهمين برياسته هو نفسه - أي بطرس - وعضوية كل من (المستر) هيتر و(المستر) بوند\nوالقائم مقام (لادلو) وأحمد فتحي (بك) زغلول رئيس محكمة مصر الابتدائية﴾ اهـ من (مصطفى كامل\nباعث الحركة الوطنية) لعبد الرحمن الرافعي ص (٢٠٣) وفيه أيضًا أن (أحمد زغلول هو الذي كتب\nالحكم بقلمه ورقي بعد الحكم وكيلًا لوزارة الحقانية وسماه مصطفى كامل قاضي دنشواي) اهـ\nص (٤١٩) وهو المقصود بقول شوقي في \" وداع كرومر \":\n\nأم من صيانتك القضاء بمصر أن تأتي بقاضي دنشواي وكيلًا؟","vol":"1","page":74},{"text":"وسفاحها وهناك وكلاء الغرب المنضوون تحت لواء هذا الحزب من أمثال \" لطفي السيد \" الذي حمل على عاتقه الدعوة إلى خروج النساء باسم التحرير وها هو ذا \" أستاذ الجيل \" أو \" منشئ الوطنية المصرية \" على حد تعبير \" سلامة موسى \" يتحدى المسلمين ويدخل الفتيات طالبات في الجامعة مختلطات بالطلاب سافرات الوجوه ولأول مرة في تاريخ الجامعة المصرية (١٣١) وظل \" أستاذ التضليل \" يروج لحركة تحرير المرأة على صفحات\n\" الجريدة \" لسان حزب الأمة (١٣٢) .\n_________\n(١٣١) وكان عضده ونصيره في تلك الخطوة (طه حسين) و(كامل مرسي) من \" المرأة المصرية \" لدرية شفيق\nص (١٥٣، ٢٦٧) أما تفاصيل ذلك فقد حكاها (طه حسين) في الاحتفال بتكريم أولى خريجات الجامعة\nوأول طيارة مصرية في فبراير ١٩٣٢ م حيث قال في كلمته: (أظن أن موقفي الآن - ولست من الرجال\nالرسميين - يسمح لي بأن أكشف لحضراتكم عن مؤامرة خطيرة جدًا حدثت منذ أعوام وكان قوامها جماعة\nمن الجامعيين فقد ائتمر الجامعيون وقرروا فيما بينهم أن يخدعوا الحكومة وأن يختلسوا منها حقًا اختلاسًا لا\nينبئونها به ولا يشاورونها فيه وهو الإذن للفتيات بالتعليم العالي في الجامعة المصرية وأؤكد لكم أيها السادة\n\nأنه لولا هذه المؤامرة التي اشترك فيها الجامعيون وبنوع خاص أحمد لطفي السيد باشا وعلي إبراهيم باشا\nوهذا الذي يتحدث إليكم لولا هذه المؤامرة التي دبرناها سرًا في غرفة محكمة الإغلاق لما أتيح لنا ولا للإتحاد\nالنسائي أن أقدم إليكم الآن محامية مصرية وأديبات مصريات اتفق هؤلاء الثلاثة فيما بينهم أن يضعوا وزارة\nالمعارف أمام الأمر الواقع وكان القانون الأساسي في الجامعة يبيح دخول المصريين وهو وإن كان لفظًا مذكرًا\nينطبق على المصريين والمصريات وعلى ذلك ائتمرنا على أن تقبل الفتيات فقبلناهن ولم نحدث أحدًا بذلك\nحتى إذا تم الأمر وأصبح لهن حق مكتسب في الجامعة علمت الوزارة أن الفتيات دخلن الجامعة) اهـ\nص (٢٣ - ٢٤) من حواء العدد ١٢٥٥ / ١١ أكتوبر ١٩٨٠ م.\n(١٣٢) ومن المعروف أنه كان من الداعين إلى \"إصلاح الخط العربي \" سنة ١٨٩٩ وذلك بالدلالة بالحرف على\nالحركات فتكتب سعدٌ بالرفع هكذا (ساعدون) وبالنصب (ساعدان) والجر (ساعدين) وبفك الإدغام فتكتب\nمحمد هكذا (موحاممادان) في الرفع و(موحاممادان) في النصب و(موحاممدين) في الجر وهو يوافق في ذلك القاضي الإنكليزي (ولمور) و\" الأب \" (أنستاس) في خططهما الخبيثة للقضاء على لغة القرآن المجيد ومحو الشخصية المسلمة من الوجود.\n﴿وقد كان (لطفي السيد) خصمًا للعروبة والوحدة الإسلامية وكان يدعو إلى قصر التعليم على أبناء الأعيان وكان يدعو إلى اللهجة العامية على وفق ما دعا إليه المستشرقون والمبشرون مثل \" مولار","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>صدور مجلة \" السفور </span>\":\n\nولما قامت الحرب العالمية الأولى وكانت الفرصة سانحة لإخفات صوت الإسلاميين وتشريد دعاتهم وكتم أنفاسهم - اعتقلت السلطات البريطانية رجال الحزب الوطني وانتهز أنصار الحركة النسائية الفرصة فأصدروا مجلتهم \" السفور \"\n_________\n، ويلكوكس \" رافعًا شعار \" تمصير العربية بإحياء العامية \" وكان يقاوم التضامن العربي الإسلامي فقد عارض مساعدة المصريين لجيرانهم في طرابلس الغرب أثناء الغزو الإيطالي عام ١٩١١ م ودعا إلى التزام الحياد المطلق في هذه الحرب الإيطالية \"التركية\"\nومن مواقفه الشهيرة أنه مجّد اللورد كرومر ووصفه بأنه (من أعظم عظماء الرجال ويندر أن نجد في تاريخ عصرنا ندًا له يضارعه في عظائم الأعمال) ونشر عنه هذا الكلام في نفس اليوم الذي ألقى فيه كرومر خطاب الوداع فسبّ المصريين جميعًا.\n\nوقد رسم (أستاذ الجيل) منهجًا للحياة الاجتماعية والسياسية والتربوية والاقتصادية في مصر يقوم على التبعية العامة للنفوذ الأجنبي والاحتلال البريطاني والفكر الغربي تحت اسم عبارة خادعة هي \" مصر للمصريين \".\nوقد أسس هذا الأستاذ \" حزب الأمة \" الذي كان \" صناعة بريطانية\" بإجماع الآراء وكان هدف هذا الحزب تقنين الاستعمار والعمل على شرعية الاحتلال والدعوة إلى مهادنة الغاصب وتقبل ما يسمح به بدون مطالبته بشيء!..\n\nأما موقفه من الدين فيلخصه قوله:\n(لست ممن يتشبثون بوجوب تعلم دين بعينه أو قاعدة أخلاقية بعينها ولكني أقول بأن التعليم العام يجب أن يكون له مبدأ من المبادئ يتمشى عليه المتعلم من صغره إلى كبره هذا المبدأ هو مبدأ الخير والشر)﴾ انتهى ملخصًا من كتاب (رجال اختلف فيهم الرأي) للأستاذ أنور الجندي ص (٤ - ١١) وقال د / حسين فوزي: (والفكرة في عقيدة لطفي السيد هي الحرية، الحرية في كل صورها ومعانيها والعقيدة هي القومية والديموقراطية والتمدين) اهـ من \" أحمد لطفي السيد \" ص (٢٨٧) .\n\nوقد كان الرباط وثيقًا جدًا بين (طه حسين) و(لطفي السيد) وآية ذلك:\n- أول رسالة علمية في الجامعة منحت لطه حسين.\n- وحينما تحولت الجامعة الأهلية إلى حكومية اشترط لطفي السيد أن يكون طه حسين أستاذًا فيها.\n- وحينما أقيل طه حسين لعدوانه على الإسلام استقال لطفي السيد من الجامعة تضامنًا معه.\n(انظر \" لطفي السيد \" للدكتور حسين فوزي ص (٢٧٠ - ٢٧٨) .","vol":"1","page":76},{"text":"باسم \" عبد الحميد حمدي \" وقد أخذت على عاتقها نشر الدعوة ضد الحجاب وضد الآداب الإسلامية وممن كتب فيها داعيًا إلى السفور مصطفى عبد الرازق وعلي عبد الرازق (١٣٣) وطه السباعي وصاحب \" المجلة \" وغيرهم (١٣٤)\nوإلى قيام ثورة ١٩١٩ كانت هذه الدعوة الآثمة محصورة في أضيق الحدود حتى إن المتظاهرات اللاتي أغراهن دعاة التحرير بالخروج في ذلك الحين كن محجبات يرتدين البراقع البيضاء ولا يخالطن الرجال (١٣٥)\n_________\n(١٣٣) \" علي عبد الرازق \" صاحب كتاب (الإسلام وأصول الحكم) صدر كتابه سنة ١٣٤٤هـ (١٩٢٥ م) عقب\nإلغاء الكماليين الخلافة الإسلامية في تركيا ليسوغ صنيعهم زاعمًا أن الخلافة نظام تعارف عليه المسلمون\nوليس في أصول الشريعة الإسلامية ما يلزم به والكتاب ملئ بالتهجم الظالم والمتهور على الخلافة والخلفاء\nولم يستثن من ذلك الخلفاء الراشدين ﵃ وعلى رأسهم خليفة رسول الله - ﷺ - أبو بكر - ﵁ - وزعم\nعدو الله أن الدين لا يمنع من أن جهاد النبي - ﷺ - كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين (حاشا لرسول الله\nﷺ) وأنكر أن القضاء وظيفة شرعية ووصف حكومة الخلفاء الراشدين بأنها كانت (لا\nدينية) وهذه جرأة (لا دينية) من المؤلف وقد ذهب قبل تأليفه إلى بريطانيا وأقام فيها عامين ولقرائن عديدة\nذهب فضيلة الشيخ (محمد بخيت) ﵀ إلى أن الكتاب ليس من تأليف \" على عبد الرازق \" ورجح\nالدكتور \" ضياء الدين الريس \" بأن مؤلف الكتاب الحقيقي هو مستشرق إنجليزي يهودي الأصل وهو (\nمرجليوث) ومن هنا أطلق عليه الأستاذ أنور الجندي (حاشية على عبد الرازق على بحث مرجليوث) ! وقد\nصدرت كتب عديدة ترد على الكتاب وتفضح مؤامراته وحوكم مؤلف الكتاب أمام هيئة كبار العلماء بالأزهر\nفأصدرت حكمها في ٢٢ من المحرم سنة ١٣٤٤ هـ الموافق ١٢ أغسطس ١٩٢٥ م وهو يقضي (بإخراج\nالشيخ على عبد الرازق أحد علماء الأزهر والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية ومؤلف\nكتاب (الإسلام وأصول الحكم) من زمرة العلماء ومع أن حركة اليقظة الإسلامية واجهت الكتاب المنحول\nوفندت أباطيله إلا أن قوى التغريب ما تزال تعيد نشره وطبعه مع مقدمات إضافية يكتبها المضللون الشعوبيون\nليخدعوا المسلمين بأسمائهم وألقابهم - انظر (الاتجاهات الوطنية) (٢ / ٨٥ - ٩٥)،\n(رجال اختلف فيهم الرأي) ص (٦١ - ٧٢) .\n(١٣٤) (تطور النهضة المسائية) ص (١٤) .\n(١٣٥) من (خمسون عامًا على ثورة ١٩١٩) لأحمد عزت عبد الكريم أصدرته مؤسسة الأهرام مركز الوثائق","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الطفرة:</span>\n\nوقد كانت ثورة \" ١٩ \" أكبر طور طفر بحركة \" تحرير المرأة \" وقد تمثل ذلك في مشاركة المرأة في ثورة ١٩١٩ ومؤازرة \" سعد زغلول \" للحركة النسائية وكانت المشاركة الفعلية للمرأة بمظاهرة يوم ٢٠مارس سنة ١٩١٩ وكانت هذه المشاركة في ذلك اليوم بمثابة جواز المرور الذي تجاوزت به المرأة الحائط القديم الذي قبعت طويلًا خلفه ولم تعد إليه أبدًا بعد أن وضعت قدمها موضع قدم الرجل فعندما تشكل الوفد المصري من الرجال همت المرأة فشكلت لجنة الوفد من السيدات اللاتي اجتمعن برئاسة \" هدى شعراوي \" بالكنيسة المرقصية (يوم ٨ يناير سنة ١٩٢٠) ومنذ ذلك التاريخ انتقل التنظيم النسائي إلى مرحلة العمل المنظم على أساس أنه هيئة مستقلة حرة معترف بها لها الحق في أن تشارك في مجريات الأحداث التي تمر بها البلاد. وظلت الصحافة في هذه المرحلة تؤازر المرأة خاصة التي يحررها صحافيون سفوريون ممن كانوا يؤازرونها من قبل وممن انضم إليهم من أمثال الدكتور \" محمد حسين هيكل \" صاحب جريدة \" السياسة \" وبعض كتاب مجلة الهلال وغيرهم ورسمت الصحافة صورة المرأة المثالية التي يجب أن تتمثلها المرأة المصرية وهي نفسها صورة المرأة الأوربية في ذلك الوقت يقول أحد الكتاب: (المرأة الأوربية عندها واجبان مقدسان بيتها ووطنها وبين الواجبين تخص بساعة نفسها فتحضر حفل موسيقي أو تدعو أصحابها لليلة راقصة ولا تنسى أن تقف أمام المرآة لتزين حالها فتتذكر دائمًا أنها امرأة إنها في نظري مثال المرأة الأعلى ويحسن بالمرأة الشرقية أن\n_________\nوالبحوث التاريخية لمصر المعاصرة (ص ١٩٣ - ١٩٧) وقد ضمن الكتاب صور المتظاهرات في وسط\nالطريق وهن يرتدين النقاب الأبيض والجلباب الأسود في حين وقف الرجال على جنبات الطريق ينظرون\nإليهن وقد مضين قدمًا.","vol":"1","page":78},{"text":"تقتبس عنها كل شيء) (١٣٦)\nوربط كتاب هذه المرحلة صراحة بين تحرير المرأة وفكرة \" المصرية \" ونبذ فكرة\n\" الإسلامية \" يقول \" محمود عزمي \" - وكان من أبرز كتاب تلك المرحلة:\n(تأثرت بكتب \" قاسم أمين \" تأثرًا عجيبًا جعلني أمقت الحجاب مقتًا شديدًا يرجع إلى اعتبار خاص هو اعتباره من أصل غير مصري ودخوله إلى العادات المصرية عن طريق تحكم بعض الفاتحين الأجانب فكان حنقي على أولئك الأجانب الفاتحين الإسلاميين يزيد) اهـ (١٣٧) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>جريمة الزعيم:</span>\n\n(صحبت \" صفية زغلول \" زوجها \" سعد زغلول \" في باريس لحضور مؤتمر الصلح سنة ١٩٢٠لعرض القضية المصرية وقد مكثت صفية ترتدي الحجاب إلى أن عادت مع سعد زغلول إلى مصر بعد عودته من منفاه وعلى ظهر الباخرة التي نقلتهما إلى الإسكندرية وجد سعد البحر وقد امتلئ بألوف المخدوعين يستقبلونه بالقوارب وقال سعد لصفية \" ارفعي الحجاب \" وتدخل \" علي الشمسي \" و\" واصف بطرس \"! - من أعضاء الوفد - وعارضا في ذلك فقال سعد زغلول \" المرأة خرجت إلى الثورة بالبرقع ومن حقها أن ترفع الحجاب اليوم \" ورفعت صفية زغلول الحجاب (١٣٨) ثم وقفت إحدى صنائع\n_________\n(١٣٦) انظر: (المؤامرة على المرأة المسلمة) ص (١٤) .\n(١٣٧) \" الهلال \" العدد الماسي - ص (١٣٢) .\n(١٣٨) ويبدو أن الأمر استقر أخيرًا على أن لا تخلع صفية الحجاب نزولًا على رغبة (واصف بطرس غالي) !!، فقد حكت هدى شعراوي في مذكراتها قصة عودتها على نفس الباخرة التي عاد عليها سعد فقالت:\n(وقد بدأ - أي سعد - يهنئ على توفيقي في الوصول إلى رفع الحجاب وكيفية عمل الحجاب الشرعي (!) الذي أرتديه وقال: \" إنه قد سر عندما رأى صورتي بهذا الزي الجديد في منفاه \" ثم =","vol":"1","page":79},{"text":"الاستعمار تخطب في القاهرة في احتفال الشعب المخدوع بقدوم \" الزعيم \" وطلب منها رفع الحجاب وعندئذ رفعت الحاضرات الحجاب) اهـ (١٣٩)\n\nوجاء في جريدة الجمهورية الصادرة في ٢٠ / ٤ / ١٩٧٨ في الذكرى السبعين لموت قاسم أمين تحت عنوان: \" تحليل شخصية قاسم أمين \":\n\n(ولما تولى سعد زغلول زعامة الشعب في عام ١٩١٩ اشترط على السيدات اللواتي يحضرن سماع خطبه أن يزحن النقاب عما سمح الله به من وجوههن وكانت هذه أول مرحلة عملية للسفور) اهـ\n\nوفي رواية: (نفت بريطانيا \" صديقها \" سعد زغلول وجماعته إلى جزيرة سيسل فترة ثم أعادته إلى مصر لتوليه رئاسة الوزارة وتوقع معه معاهدة فيكون احتلال بريطانيا لمصر شيئًا رسميًا متفقًا عليه!\n\nهيئ الجو في الإسكندرية لاستقبال سعد وأعد سرادق كبير للرجال وآخر للنساء المحجبات وأقيمت الزينات في كل مكان ونزل \" سعد \" من الباخرة وعلى استقبال حافل وهتافات أخذ طريقها إلى سرادق النساء - دون سرادق الرجال - فلما دخل على النساء المحجبات استقبلته \" هدى شعراوي \" بحجابها ...\nفمد يده - يا ويله - فنزع الحجاب عن وجهها تبعًا لخطة معينة وهو يضحك..\nفصفقت هدى....\n_________\n= ثم طلب من السيدة حرمه أن تقلدني فوعدت بذلك..\nصعدت إلى ظهر الباخرة للنزول وإذا بصفية هانم تقابلني ببرقعها وملاءتها فقلت لها \" أين وعدك لسعد باشا بارتداء الإزار\nالشرعي؟ \" فقالت:\" أنا ليس لي زوج واحد.. واصف باشا غالي استحسن ألا أغير زيي حتى لا أحدث تأثيرًا سيئًا في المستقبلين \" فعجبت من ذلك وصافحتها ونزلت إلى اللنش الذي كان في انتظاري \" اهـ من (حواء) العدد (١٢٣٧) ٧ يونيو ١٩٨٠ م.\n(١٣٩) (الأخوات المسلمات) ص (٢٥٥) .","vol":"1","page":80},{"text":"وصفقت النساء لهذا الهتك المشين ... ونزعن الحجاب\nومن ذلك اليوم أسفرت المرأة المصرية استجابة لـ \" رجل الوطنية \" سعد وأصبح الحجاب نشازًا في حياة المسلمة المصرية ...\nلقد فعل \" سعد \" بيده ما دعا إليه اليهودي القديم بلسانه فكلفه دمه (١٤٠) أما سعد.....؟! (١٤١)\n\nويستنكر الشيخ \" مصطفى صبري \" ﵀ هذه الجريمة التاريخية البشعة قائلًا:\n\n(وكأني بعلماء الدين سكتوا عند وقوع تلك الحادثة احترامًا لسعد أو انتقده عليه قليل منهم من غير تصريح باسمه كما هو المعتاد عند علماء مصر في النقد ولكن النهي عن المنكر ليس بجهاد مع الهواء وإن الحق وخاطر الإسلام أكبر من سعد وألف سعد وإني تذكرت هنا سعدًا الصحابي ﵁ وقول النبي \" فيه (١٤٢): أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه والله أغير مني) (١٤٣) اهـ\n_________\n(١٤٠) لعله يشير إلى ما رواه بن هشام عن محمد بن إسحاق (وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن\nأبي عون، قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته في سوق بني قينقاع\nوجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى\nظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان\nيهوديًا وشدت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضبت المسلمون\nفوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع) اهـ\nمن \" السيرة النبوية \" لابن هشام مع \" الروض الأنف \" للسهيلي (٣/ ١٣٧) .واسناده مرسل معلق،\nانظر: (دفاع عن الحديث النبوي والسيرة) للشيخ ناصر الدين الألباني ص (٢٦ - ٢٧) .\n\n(١٤١) \" المرأة المسلمة \" للشيخ وهبي سليمان غوجي الألباني ص (١٨٨) .\n\n(١٤٢) متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال سعد بن عبادة - ﵁ -: \" لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته\nبالسيف غير مصفح \" فبلغ ذلك رسول الله \" فقال: \" تعجبون من غيرة سعد؟ والله لانا أغير منه والله\nأغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن \" الحديث \" جامع الأصول - في أحاديث\nالرسول \" \" بتحقيق الأرناؤوط (٨ /٤٣٢) .\n\n(١٤٣) \" قولي في المرأة \" للشيخ مصطفى صبري ﵀ (ص ٧٤ - ٧٥) .","vol":"1","page":81},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-40> سعد زغلول \"\nالمنفذ الفعلي لأفكار قاسم أمين:</span>\n\n(في ثورة سنة ١٩١٩ استطاع المصريون بقيادة سعد زغلول أن يحققوا الاستقلال عن كل من تركيا وانجلترا وتحقق - وفي الوقت نفسه - بتعضيد من سعد زغلول ومعاونته استقلال المرأة وتحررها العملي وتحققت بذلك نبوءة \" قاسم أمين \" الذي كان يرى أن آراءه في المرأة لن تأخذ شكلها العملي إلا على يد سعد زغلول ومن ثم فقد أهداه كتاب\n\" المرأة الجديدة \" الذي يمثل الثورة الجذرية الفعلية للمرأة المصرية.\n\nوالذي لا يعرفه الكثيرون أن \" سعد زغلول \" كان لا يقل تحمسًا لتحرير المرأة عن شيخه الشيخ \" محمد عبده \" وصديقه \" قاسم أمين \" إن لم يكن أكثر حماسًا وفاعلية منهما فهو الرجل الذي قدر له أن يقرر تاريخ مصر طوال العقد الثالث من هذا القرن.\n\nوكان سعد زغلول من الذين تخرجوا من الأزهر الشريف ودرسوا الحقوق واحترفوا المحاماة واتصل برجال تركيا الفتاة الذين قضوا على الخلافة الإسلامية في تركيا وكانت الأميرة \" نازلي فاضل \" تؤيد أفكارهم فالتقت فكريًا بسعد زغلول وعهدت إليه بالإشراف على ممتلكاتها وعن طريق منتداها بدأ نجمه يبزغ في ظل نجم الأميرة ونجم الشيخ \" محمد عبده \" ثم سطع نجمه عندما مثل أول أدواره السياسية بوصفه صهر \" مصطفى فهمي \" باشا رئيس الوزراء المصري وأحد المقربين إلى اللورد \" كرومر \" سنة ١٩٠٧ ثم عندما أسس حزب الأمة الذي بارك اللورد كرومر تكوينه راجيًا أن يحد به من نفوذ الحزب الوطني ذي النزعة الإسلامية بقيادة مصطفى كامل - ثم أسند اللورد لسعد زغلول نظارة المعارف مكافأة له على خدماته قبل","vol":"1","page":82},{"text":"أن تتغير الاتجاهات السياسية في مصر في نهاية الحرب العالمية الأولى وثورة سنة ١٩١٩) (١٤٤)\n\n(وفي هذه الفترة التي قدر لسعد زغلولا أن يقرر فيها تاريخ مصر قطعت مسألة تحرير المرأة شوطًا لم يكن يتحقق لها بدونه ومن ثم فقد بز دوره الشيخ محمد عبده وقاسم أمين معًا وذلك لأن سعد زغلول - كما يقول الشيخ محمد رشيد رضا - في مجلة المنار (٢٨ / ٧١١و ٧١٢): (دخل في أطوار التفرنج في معيشته وأفكاره الاجتماعية وغلبت نزعة \" المصرية \" عنده على فكر \" الجامعة الإسلامية \" ولم يعد يذهب إلى المساجد\n\" وهو خريج الأزهر الشريف \" إلا في مناسبات الاحتفالات الرسمية وبعض صلوات\nالجمعة في زمن زعامته وأنكر عليه أهل الدين أمورًا منها عمله في تجرئة النساء على\n\n(١٤٤) \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" ص (١٩ - ٢٠) .\n\nالسفور المتجاوز للحد الشرعي حتى لقد بدا للعيان أنه لو كان الأمر بيد \"سعد زغلول \" لحول مصر إلى تركيا كمالية ولكن حال دون ذلك نزوع المصريين الفطري إلى التدين والتمسك بعرى الدين وخوف سعد - إذا تمادى في تحدي مشاعر الناس الدينية - من أن يفقد شعبيته واحترام البسطاء له) (١٤٥) اهـ.\n_________\n(١٤٤) \"تاريخ الشعوب الإسلامية\" - كارل بروكلمان - ص (٧٢٤) - ترجمة نبيه أمين فارس - ومنير\nالبعلبكي - بيروت سنة (١٩٦٨م)\n(١٤٥) انظر \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" - د. السيد أحمد فرج / ص (٢٠-٢١)","vol":"1","page":83},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-41> سعد زغلول \":\nأول وزير مصري في ظل الاحتلال:</span>\n\nلقد بدأ \"الزعيم\" حياته السياسية صديقًا للإنكليز وختمها كذلك صديقًا للإنكليز (١٤٦)\nوبدأها بمصاهرة أشهر صديق للإنكليز عرفته مصر في تاريخ الاحتلال الإنكليزي من أوله إلى آخره وهو \" مصطفى فهمي \" باشا أول رئيس وزراء في مصر بعد الاحتلال\n\n(وقد اختار اللورد \" كرومر \" سعدًا وزيرًا للمعارف فحاول بمجرد تعيينه إحباط مشروع الجامعة المصرية وتصدى للجمعية العمومية حينما طالبت الحكومة في مارس ١٩٠٧ بجعل التعليم في المدارس الأميرية باللغة العربية وكان وقتئذ بالإنكليزية وكان الاحتلال هو الذي أحل اللغة الإنكليزية محل العربية في التدريس) (١٤٧)\n\n(وبعد تعينه وزيرًا أراد مجموعة من النساء المصريات في القاهرة أن يجتمعن به لأمر من الأمور فدخل عليهن وبهت إذ فوجئ بأنهن يسدلن الحجاب على وجوههن فرفض الدخول والاجتماع بهن إلا أن يكشفن وجوههن فأبين ذلك ولم يحصل الاجتماع) (١٤٨)\n_________\n(١٤٦) بل إن مما يحتاج إلى الفحص والتدقيق ما جاء في كتاب (الأخوات المسلمات) نقلًا عن مجلة (المصور) في\nعددها الخاص الصادر في ٢٣ ديسمبر ١٩٢٧ بعد وفاة سعد زغلول فقد نشرت المصور صورة الجنازة تحت\nعنوان: (الأمة والحكومة تشيعان الفقيد العظيم) وتحت الصورة مباشرة كتبت العبارة التالية: (وفد\nالبنائين الأحرار - الماسون - في تشييع جنازة الزعيم الكبير وكان ﵀ قطبًا من أقطاب الماسونية)\nومن قبل ذلك نشرت جريدة \" المقطم \" في عددها الصادر يوم الجمعة ٢٦ أغسطس في الصفحة الأولى\nالعبارة التالية: (حداد الماسونية على فقيد البلاد الأعظم.. فقدت الماسونية المصرية بفقد سعد العظيم الخالد\nعضدًا كبيرًا وفضلًا كثيرًا وذخرًا وفيرًا كانت تعتز بفضله.. وستقام حفلة جناز ماسونية للفقيد الأعظم يعلن\nموعدها فيما بعد) اهـ.\n(١٤٧) (مصطفى كامل) للرافعي ص (٢٣٩، ٤٣١) وانظر مواقفه (الوطنية) ! المماثلة في (الاتجاهات الوطنية\nفي الأدب المعاصر) للدكتور \" محمد محمد حسين \" (٢ /٣٧٣ - ٣٩٣) .\n(١٤٨) من مقالة بقلم \" فاطمة عصمت زكريا \" ملحقة بكتاب (المرأة ومكانتها في الإسلام) لأحمد الحصين\nص (٢٠٨) .","vol":"1","page":84},{"text":"ومن هنا فلا تعجب إذا رأيت مصطفى كامل يعلق على تصرفات الوزير سعد زغلول قائلًا: (إن الناس قد فهموا الآن أوضح مما كانوا يفهمون من قبل لماذا اختار اللورد\n\" كرومر \" (١٤٩) لوزارة المعارف العمومية صهر رئيس الوزراء مصطفى فهمي باشا الأمين على وحيه الخادم لسياسته........ ألا إن الذين كانوا يحترمون الوزير كقاض ليأسفون على حاضره كل الأسف وليخافون على مستقبله كل الخوف ويفضلون ماضيه كل التفضيل ذلك لأن الوزير قائم الآن على منحدر هائل مخيف) (١٥٠) اهـ\n\nولنختم هذا الفصل بما كتبه سعد زغلول عن اللورد \" كرومر \" قال: (كان يجلس معي الساعة والساعتين ويحدثني في مسائل شتى كي أتنور منها في حياتي السياسية)، (وكان يصفه بأن صفاته - أي كرومر- قد اتفق الكل على كمالها)\nويحكي \" سعد \" في مذكراته وقع خبر استعفاء كرومر من منصبه (١١/٤/١٩٠٧) عليه فيقول: (أما أنا فكنت كمن تقع ضربة شديدة على رأسه أو كمن وخز بآلة حادة فلم يشعر بألمها لشدة هولها ... لقد امتلأت رأسي أوهامًا وقلبي خفقانًا وصدري ضيقًا) .\nوكان سعد في مقدمة الداعين إلى إقامة حفل لتوديع اللورد كرومر الذي سب في\n_________\n(١٤٩) ذكر كرومر في تقرير سنة ١٩٠٦ م (أن في مصر جماعة صغيرة العدد آخذة في الازدياد هي الحزب الذي يمكن أن أسميه على سبيل الاختصار بأتباع المفتي الأخير \" محمد عبده \") وذكر في خصائصهم أنهم (غير متأثرين بدعوة الجامعة الإسلامية ويتضمن برنامجهم - إن كنت قد فهمته حق الفهم - التعاون مع الأوربيين لا معارضتهم في إدخال الحضارة الغربية إلى بلادهم) ثم أشار كرومر إلى أنه (تشجيعًا لهذا الحزب - وعلى سبيل التجربة - قد اختار أحد رجاله وهو \" سعد زغلول \" وزيرًا للمعارف) اهـ وانظر: \" الإسلام والحضارة الغربية \" للدكتور \" محمد محمد حسين \" ص (٧٥) .\n(١٥٠) (مصطفى كامل) للرافعي ص (٤٢٢) .","vol":"1","page":85},{"text":"خطاب وداعه المصريين جميعًا ولم يمدح إلا رجلًا واحدًا هو \" سعد زغلول \" وأعلن أنه يترك مصر مستريحًا لأنه أقام فعلًا القاعدة الأساسية لاستدامة الاحتلال وصدق فقد ألف في ذلك العام \"حزب الأمة\" (١٥١) وأصبح \" لطفي السيد \" حامل لواء \"الجريدة\" (١٥٢)\n\nوعين سعد زغلول ناظرًا للمعارف وقال كرومر في تعليل هذا التعيين:\n(إنه يرجع أساسًا إلى الرغبة في ضم رجل قادر ومصري مستنير من تلك الطائفة الخاصة من المجتمع المعنية بالإصلاح في مصر)، (كما أن سعدًا من تلاميذ محمد عبده وأتباعه الذين أطلق عليهم \" جيرونديي \" (١٥٣) \" الحركة الوطنية المصرية \" والذي كان برنامجهم تشجيع التعاون مع الأجانب لإدخال الحضارة الغربية إلى مصر الأمر الذي جعل كرومر يحصر فيهم أمله الوحيد في قيام الوطنية المصرية) (١٥٤) اهـ\n_________\n(١٥١) تكون \" حزب الأمة \" - كما يقول الشيخ محمد رشيد رضا - \" من أركان أصدقاء الشيخ محمد عبده من كبار رجال الحكومة ووجهاء القطر \" اهـ من (تاريخ الإمام) (١ /٥٩١) - مطبعة المنار سنة ١٩٣٥ م.\n\nقال الدكتور السيد أحمد فرج: (إن حزب الأمة أنهى علاقاته بالجذور القديمة الإسلامية وصفى آثارها تمامًا ليهيئ الجو للفكر العلماني الذي أطبق على البلاد بلا شريك - لأول مرة - وفرض أسلوب الغرب في الحكم والتربية والتشريع والاقتصاد، يوضح ذلك بيان الحزب نفسه الذي صدر ليحذر بجلاء الذين يتهمون هذه الحركة الجديدة حركة حزب الأمة بأن لها مظهرًا من مظاهر التعصب الديني أي الـ \"pan Islamism \" لأنهم يريدون بهذه التهمة أن يبعدوا بيننا وبين أحرار الأوربيين خاصة وأنهم يعلمون أن المصريين أبعد الناس عن هذه التهمة وأبرؤهم منها \" اهـ \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" ص (١٧) . وانظر: (قصة حياتي) أحمد لطفي السيد ص (٤٤) .\n(١٥٢) (اتضح أن أهم أسباب إصدار \" الجريدة \" إظهار نوايا حزب الأمة في تطليق فكرة الإسلامية نهائيًا والعمل\nعلى تغيير العادات والأفكار الاجتماعية في مصر) اهـ من \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" ص (١٧) .\n(١٥٣) انظر \" الموسوعة العربية الميسرة \" ص (٦٧٧) .\n(١٥٤) انظر (رجال اختلف فيهم الرأي) لأنور الجندي ص (١٦ - ١٨) .","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>تلميذ المدرسة الاستعمارية</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>وبداية \" تحرير المرأة </span>\" (*)\n\nلم يكن يتخيل أحد أن \" يجاهر \" أحد من القائمين على دعوة تحرير المرأة بأن هذا\n\" التحرير \" في مفهومه يرادف \" الأسر \" بل ويرادف \" الانحلال \" بكل ما تحتمله الكلمة من معان.\n\nومع وضوح السلسلة التاريخية التي مرت بها حركة \" تحرير المرأة \" والتي سردنا بعضًا من حلقاتها فيما تقدم ومع إمكان الاختلاف في تحديد بدايتها على وجه الدقة إلا أنه لم يوجد \" قلم \" يحترم نفسه جرؤ على الزعم بأن عام ١٨٠٠م هو عام تحرير المرأة المصرية!\nوأن \" الحملة الفرنسية \" كانت نقطة \" الانطلاق \" إلى \" تحرير المرأة\" من كل قيد وأول ذلك قيد الدين والخلق والحياء.. فماذا عن عام ١٨٠٠؟\n\n(عام ١٨٠٠ عام هزيمة ثورة القاهرة الثانية عام سبي جنود الاحتلال الفرنسي لنساء مصر وبناتها وغلمانها ... هو عام تحرير المرأة المصرية)\nلقد أنفرد بهذا الكشف \" لويس عوض \"! يقول:\n(أما عام ١٨٠٠م فهو عام تحرير المرأة ففي الجبرتي وصف لبدايات حركة السفور ووصف لبدايات حركة تحرير المرأة ووصف لما أصاب بعض نساء القاهرة من انطلاق نتيجة لمخالطة المصريين للفرنسيين ومحاكاتهم في الزي وفي\n_________\n(*) بتصرف من \" ودخلت الخيل الأزهر \" ص (٣٩٥ - ٤١٤) ط. أولى، (١٣٩١ هـ - ١٩٧٢ م) - الدار\nالعلمية - بيروت.","vol":"1","page":87},{"text":"السلوك) (١٥٥)\nويستشهد \" لويس عوض \" على حركة \" التحرير \" هذه بقول الجبرتي: (ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة ويركبن الخيول والحمير ويسوقنها سوقًا عنيفًا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية معهم وحرافيش العامة فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل والفواحش فتداخلن معهم لخضوعهم للنساء وبذل الأموال لهن وكان ذلك التداخل أولًا مع بعض احتشام وخشية عار ومبالغة في إخفائه فلما وقعت الفتنة الأخيرة بمصر وحاربت الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات وصرن مأسورات عندهم فزيوهن بزي نسائهم وأجروهن على طريقتهن في كامل الأحوال فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية وتداخل مع أولئك المأسورات غيرهن من النساء الفواجر ولما حل بأهل البلد من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في حوز الفرنسيين ومن والاهم وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهم لهن وموافقة مرادهن وعدم مخالفة هواهن ولو شتمته أو ضربته بتاسومتها\n(١٥٦) فطرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار واستملن نظراءهن واختلسن عقولهن لميل النفوس إلى الشهوات وخصوصًا عقول القاصرات\n_________\n(١٥٥) \" تاريخ الفكر \" للويس عوض \" ج ١ \".\n(١٥٦) أي حذاؤها.","vol":"1","page":88},{"text":"وخطب الكثير منهم بنات الأعيان وتزوجوهن رغبة في سلطانهم ونوالهم فيظهر حالة العقد الإسلام وينطق بالشهادتين لأنه ليس له عقيدة يخشى فسادها)\n(ومنها أنه أوفى النيل أذرعه ودخل الماء إلى الخليج وجرت فيه السفن ووقع عند ذلك\nمن تبرج النساء واختلاطهن بالفرنسيين ومصاحبتهن لهم في المراكب والرقص والغناء والشرب بالنهار والليل في الفوانيس والشموع الموقدة عليهن الملابس الفاخرة والحلي والجواهر المرصعة وبصحبتهم آلات الطرب وملاحوا السفن يكثرون من الهزل والمجون ويتجاوبون برفع الصوت في تحريك المجاديف بسخف موضوعاتهم وكثائف مطبوعاتهم وخصوصًا إذا دبت الحشيشة في رؤوسهم وتحكمت في عقولهم فيصرخون ويطبلون ويرقصون ويزمرون ويتجاوبون بمحاكاة ألفاظ الفرنساوية في غنائهم وتقليد كلامهم شيء كثير)\n\n(وأما الجواري السود فإنهن لما علمن رغبة القوم في مطلق الأنثى ذهبن إليهم أفواجًا فرادى وأزواجًا فنططن الحيطان وتسلقن إليهم من الطيقان ودلوهم على مخبآت أسيادهن وخبايا أموالهم ومتاعهم وغير ذلك) اهـ\nهكذا يفهم \" لويس عوض \" من العبرات السابقة للجبرتي أنه كانت هناك\"ثورة نسائية\" أو \" ثورة حريم \" في مصر \" أو على الأقل في القاهرة عام ١٨٠٠\" ومع أن الجبرتي لم يترك فرصة لسوء الفهم هذا فإن تلميذ المدرسة الاستعمارية يصر على أنها ظاهرة عامة نابعة عن \" ثورة تحررية \"! وليست حالة انهيار تحدث في جميع المجتمعات التي تتعرض للاحتلال والنهب والسلب والتجويع وأسر بنات الأسر كالجواري ووضعهن في معسكرات الجنود \" مأسورات \".\nمؤرخ المدرسة الاستعمارية يجعل من انحطاط المرأة إلى حد التكسب \"","vol":"1","page":89},{"text":"بالفاحشة \" ثورة نساء وبداية تحرر المرأة!\nوهو بذلك يعكس احتقارًا عميقًا للمرأة كما يعكس مفهومًا وقحًا لمعنى تحرر المرأة ولكنه لا يكتفي بذلك بل يصر على أن يجعل هذا التحرر بعلم رجال مصر ورضاهم.\nوالجبرتي دقيق وواضح حين يبين أن الفريق الأول أو \" الرائدات \" هن من النساء الأسافل والفواحش أما الفريق الثاني من الحرائر فهو يعتذر عنهن بالأسر ولكن \" لويس عوض \" يأبى إلا أن يلوي عنق النص ويدعي أن الجبرتي (يتحدث عن الحرائر من ربات البيوت وبناتها ... عن سيدات المجتمع وهؤلاء ما كان يمكن أن يخالطن الفرنسيات والفرنسيين إلا برضاء الأولياء عليهن) (١٥٧) اهـ\nوهكذا بزعم تلميذ المدرسة الاستعمارية أن المجتمع المصري \" المتحرر\" تحولت نساؤه إلى بغايا وتحول رجاله إلى قوم يرضون بذلك!\nثم تأمل افتراءه - عامله الله بعدله - حينما يدعي أن طبقات النساء اللواتي حاكين المتفرنسات والعادات الفرنسية وطرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار قد اتسعت\n(بتأثير سبايا الفرنسيين المتحررات من بنات بولاق) اهـ\nنعم في منطق \" لويس عوض \" وأمثاله لا تتعارض كلمة \" سبايا \" مع كلمة\n\" متحررات \" لأن الحرية التي هي مسار الجدل هنا هي \" الحرية الشهوانية \" بمعناها السوقي المبتذل ومن ثم يمكن أن تكون المرأة جارية سبية وفي نفس الوقت \" متحررة \" بل\nوطليعة ثورة تحررية لأنها تتبرج في ثيابها وتخرج سافرة الوجه متأبطة ذراع\n\" محررها \" و\" مالكها \" في نفس الوقت ومن ثم يمكن أيضًا - في منطق الرجل - الفصل بين (حرية المرأة المملوكة) وبين (حرية الوطن الأسير) .\n_________\n(١٥٧) \" تاريخ الفكر \" لويس عوض (ج ١) .","vol":"1","page":90},{"text":"إن ظاهرة \" الاحتلال \" ظاهرة عامة في المستعمرات ولا علاقة لها بمركز المرأة إذ إنها ظاهرة تنشأ عند قشرة المجتمع عند نقطة احتكاكه بالمحتل الأجنبي وهي حينئذ لن تتحول إلى ثورة نسائية ولا إلى حركة تحرير المرأة لأن المرأة لا تتحرر على يد جيش احتلال يهتك الأعراض ويدنس الحرمات.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الاستعمار الأوربي\nحملة صليبية جديدة</span>\n\n(ولا يزالون يقاتلوكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)\nسورة البقرة آية (٢١٧)\n\nكان الجندي الإيطالي يرتدي لباس الحرب قادمًا لاستعمار بلاد الإسلام وهو ينشد بأعلى صوته:\n(يا أماه ...\nأتمي صلاتك.... ولا تبكي\nبل اضحكي وتأملي ... ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني\nوأنا ذاهب إلى طرابلس\nفرحًا مسرورًا ...\nلأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة ... (*)\nولأحارب الديانة الإسلامية ...\nسأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن ...) (١٥٨) .\n(والمتتبع لتاريخ العلاقات ما بين الغرب وشعوب الإسلام يلاحظ حقدًا مريرًا يملئ صدر الغرب حتى درجة الجنون يصاحب هذا الحقد خوف رهيب من الإسلام\n_________\n(١٥٨) \" قادة الغرب يقولون \" نقلًا عن القومية والغزو الفكري \" ص (٢٠٨) وهذه الأنشودة المشهورة تسمى \" أغنية الفاشيست \" كانت جيوش الطليان الجرارة تترنم بها وهي تسير مدججة بالسلاح في طرقات طرابلس وبرقة بصوت واحد (انظر: الاتجاهات الوطنية ٢ / ١٥٧) .","vol":"1","page":93},{"text":"إلى أبعد نقطة في النفسية الأوربية.\nهذا الحقد وذلك الخوف لا شأن لنا بهما إذا كانا مجرد إحساس نفسي شخصي أما إذا كانا من أهم العوامل التي تبلور مواقف الحضارة الغربية من الشعوب الإسلامية سياسيًا واقتصاديًا وحتى هذه الساعة فإن موقفنا يتغير بشكل حاسم.\nسوف تشهد لنا أقوال قادتهم أن للغرب والحضارة الغربية بكل فروعها القومية وألوانها السياسية موقفًا تجاه الإسلام لا يتغير إنها تحاول تدمير الإسلام وإنهاء وجود شعوبه دون رحمة.\n\n(*) بل هي - ولله الحمد - أمة مرحومة كما قال نبيها نبي الرحمة: \" أمتي أمة مرحومة \" الحديث في الصحيحة رقم (٩٥٩) .\nحاولوا تدمير الإسلام في الحروب الصليبية (١٥٩) ففشلت جيوشهم التي هاجمت بلاد الإسلام بالملايين فعادوا يخططون من جديد لينهضوا.. ثم ليعودوا إليهم بجيوش جديدة وفكر جديد وهدفهم تدمير الإسلام من جديد) (١٦٠) .\n\nومهما حاولت هذه الحملات الاستتار تحت راية \" نشر الحضارة والتقدم \" في البلاد المستعمرة فإن الحقيقة التي لا تخفى على كل ذي لب أن الغرب بنى ولا يزال يبني علاقاته معنا على أساس أن الحروب الصليبية بيننا وبينهم لا تزال مستمرة وهاكم البراهين على ذلك:\nفسياسة أمريكا معنا تخطط على هذا الأساس:\nقال \" أيوجين روستو \" رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية ومستشار الرئيس \" جونسون \" لشئون الشرق الأوسط حتى عام ١٩٦٧:\n(يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست\n_________\n(١٥٩) (ويوم دخلوا بيت المقدس ذبحوا فيه سبعين ألفًا من المسلمين حتى غاصت الخيل إلى صدورها في دماء\nالمسلمين) اهـ من (حاضر العالم الإسلامي) لستودارد ص (٢٠٨) .\n(١٦٠) (قادة الغرب يقولون) للأستاذ جلال العالم ص (٦ - ٧) طبعة المختار الإسلامي.","vol":"1","page":94},{"text":"خلافات بين دول أو شعوب بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية لقد كان الصراع محتدمًا ما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصور مختلفة ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي.\nإن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا أنما هي جزء مكمل للعالم الغربي فلسفته وعقيدته ونظامه وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها) (١٦١) اهـ\nوبالأمس (وقف مندوب أمريكا في هيئة الأمم قائلًا: إن الصراع الحقيقي في الشرق ليس بين العرب واليهود إنما الصراع الحقيقي هو ما بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب فإذا استطعنا أن نزيح حضارة الإسلام عن ميدان الصراع هان علينا تصفية\nالقضية وسهل علينا الجمع ما بين العرب واليهود) (١٦٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>والحرب الصليبية الثامنة قادها \" أللنبي </span>\":\n\nقال \" باترسون سمث \" في كتابه \" حياة المسيح الشعبية \":\n(باءت الحروب الصليبية بالفشل لكن حادثًا خطيرًا وقع بعد ذلك حينما بعثت إنكلترا بحملتها الصليبية الثامنة ففازت هذه المرة إن حملة \" أللنبي \" على القدس أثناء الحرب العالمية الأولى هي الحملة الصليبية الثامنة والأخيرة) (١٦٣) .\n_________\n(١٦١) المصدر السابق ص (٢٥ - ٢٦) نقلًا عن (معركة المصير) ص (٨٧ - ٩٤) .\n(١٦٢) \" محاضرات الجامعة الإسلامية \" موسم عام (١٣٩٥ - ١٣٩٦ هـ) هامش (١٢٤) .\n(١٦٣) عن مجلة الطليعة القاهرية - مقال وليم سليمان عدد ديسمبر ١٩٦٦ - ص (٨٤) .","vol":"1","page":95},{"text":"ولذلك نشرت الصحف البريطانية صور أللنبي تحتها عبارته المشهورة التي قالها عندما فتح القدس: (اليوم انتهت الحروب الصليبية) ونشرت هذه الصحف خبرًا آخر يبين أن هذا الموقف ليس موقف \"أللنبي\" وحده بل هو موقف السياسة الإنكليزية كلها\nقالت الصحف: (هنأ \" لويد جورج \" وزير الخارجية البريطاني الجنرال \" أللنبي \" في البرلمان البريطاني لإحرازه النصر في آخر حملة من الحروب الصليبية التي سماها \" لويد جورج \": (الحرب الصليبية الثامنة)\nوقال \" ألان مورهيد \" مؤلف كتابي: (النيل الأبيض) و(النيل الأزرق):\n(إن احتلال الإنكليز لمصر سنة ١٨٨١ كانت لمواجهة مؤامرة إسلامية خطيرة وتيار محمدي متعصب) (١٦٤) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>والفرنسيون أيضًا صليبيون:</span>\n\nفالجنرال \" غورو \" عندما تغلب على جيش \" ميسلون \" خارج دمشق توجه فورًا إلى قبر صلاح الدين الأيوبي عند الجامع الأموي وركله بقدمه قائلًا:\n(ها قد عدنا يا صلاح الدين) (١٦٥)\nوقد صرح القائد الفرنسي \" بيبر كيلر \" (١٦٦):\n(إن مصالح فرنسا في الشرق الأوسط هي قبل كل شيء مصالح روحية وتعود هذه العلاقات إلى عهد الصليبيين حيث وقعت معاهدات لحفظ الأماكن المقدسة وجددت هذه\nالمعاهدات على مر القرون وتحملت فيها فرنسا مهمة حماية نصارى الشرق) اهـ\n\nويؤكد صليبية الفرنسيين ما قاله \" بيدو \" وزير خارجية فرنسا عندما زاره بعض\n_________\n(١٦٤) \" محاضرات الجامعة الإسلامية \" عام (١٣٩٥ - ١٣٩٦ هـ) ص (٣١) .\n(١٦٥) \" قادة الغرب يقولون \" نقلًا عن (القومية والغزو الفكري) ص (٨٤) .\n(١٦٦) ص (١١٩) عن (الاتجاهات الوطنية) (٢ / ٢٠) .","vol":"1","page":96},{"text":"البرلمانيين الفرنسيين وطلبوا منه وضع حد للمعركة الدائرة في \" مراكش \" فأجابهم:\n(إنها معركة بين الهلال والصليب) (١٦٧)\nوفي ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الجزائر قال الحاكم الفرنسي في الجزائر:\n(إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتكلمون العربية فيجب أن نزيل القرآن العربي من جودهم ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم) (١٦٨) .\nوهذا هو الكاتب الفرنسي \" فرنسيس جانسون \" يعترف بـ (أن الاحتلال الفرنسي للجزائر كان منذ البدء يحمل طابع الحروب الصليبية: \" التبشير والاستعمار\") (١٦٩) .\n\nوبعد سقوط القدس عام (١٩٦٧)\n\nقال \" راندولف تشرشل \": (لقد كان إخراج القدس من سيطرة الإسلام حلم المسيحيين واليهود على السواء إن سرور المسيحيين لا يقل عن سرور اليهود إن القدس قد خرجت من أيدي المسلمين وقد أصدر الكنيست اليهودي ثلاثة قرارات بضمها إلى القدس اليهودية ولن تعود إلى المسلمين في أية مفاوضات مقبلة ما بين المسلمين واليهود) (١٧٠)\n\nوعندما دخلت قوات إسرائيل القدس عام ١٩٦٧م تجمهر الجنود حول حائط المبكى وأخذوا يهتفون مع \" موشى ديان \":\n﴿هذا يوم بيوم خيبر ... يا لثارات خيبر﴾\nوخرج أعوان إسرائيل بمظاهرات قبل حرب ١٩٦٧ تحمل لافتات في باريس\n_________\n(١٦٧) \" قادة الغرب يقولون \" ص (٢٨) نقلًا عن (القومية والغزو الفكري) ص (٨٤) .\n(١٦٨) السابق ص (٣٣) نقلًا عن (المنار) عدد (٩ / ١١ / ١٩٦٢ م) .\n(١٦٩) \" محاضرات الجامعة الإسلامية \" (١٣٩٥ - ١٣٩٦ هـ) ص (١٣١) .\n(١٧٠) \" قادة الغرب يقولون \" عن (حرب الأيام الستة) لراندولف تشرشل ص (١٣٩) من الترجمة العربية.","vol":"1","page":97},{"text":"سار تحت هذه اللافتات اليهودي الوجودي \" جان بول سارتر \" وقد كتب عليها وعلى جميع صناديق التبرعات لإسرائيل جملة واحدة من كلمتين هما: (قاتلوا المسلمين)\nفالتهب الحماس الصليبي الغربي وتبرع الفرنسيون بألف مليون فرنك خلال أربعة أيام فقط كما طبعت إسرائيل بطاقات معايدة كتبت عليها: \" هزيمة الهلال \"\nبيعت بالملايين لتقوية الصهاينة الذين يواصلون رسالة الصليبية الأوربية في المنطقة وهي: (محاربة الإسلام وتدمير المسلمين) (١٧١) .\n\nوهذا \" لورنس براون \" يقول: (إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي) (١٧٢) .\nوهذا \" جلاد ستون \" رئيس وزراء إنكلترا (١٧٣) وقد وقف في أواخر القرن الماضي في مجلس العموم البريطاني وقد أمسك بيمينه القرآن المجيد وصاح في أعضاء البرلمان قائلًا: (إن العقبة الكئود أمام استقرارنا بمستعمراتنا في بلاد المسلمين هي شيئان ولابد من القضاء عليهما مهما كلفنا الأمر: أولهما هذا الكتاب وسكت قليلًا بينما أشار بيده اليسرى نحو الشرق وقال: (وهذه الكعبة) (١٧٤)\nوقال أيضًا: (ما دام هذا القرآن موجودًا في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان) (١٧٥) .\n_________\n(١٧١) السابق ص (٣٠ - ٣١) عن (طريق المسلمين إلى الثورة الصناعية ص ٢٠ - ٢١) .\n(١٧٢) (التبشير والاستعمار) ص (١٨٤) طبعة المكتبة العصرية بيروت ١٩٥٧ م.\n(١٧٣) كان (مصطفى كامل) قد راسل غلادستون هذا من باريس يسأله رأيه في مسألة مصر والاحتلال فأجابه (غلادستون)\nجوابًا جاء في جملته: (إننا يجب أن نترك مصر بعد أن نتم فيها بكل شرف - وفي فائدة مصر نفسها - العمل الذي\nمن أجله دخلناها) انتهى من (بناة النهضة العربية) ص (٥٨) .\n(١٧٤) (الحركات النسائية في الشرق) ص (٧) .\n(١٧٥) (الإسلام على مفترق الطرق) ص (٣٩) .","vol":"1","page":98},{"text":"وهو القائل أيضًا: (لن تستقيم حالة الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن) (١٧٦) .\nوهذا \" كرومر\" يقول:\n﴿جئت لأمحو ثلاثًا: القرآن والكعبة والأزهر﴾ (١٧٧)\nوهذا القسيس \" زويمر \" يبشر المؤتمرين في \" مؤتمر القاهرة التبشيري\" (١٩٠٦م) الذي ناقش خطة تنصير العالم الإسلامي ويوصيهم بجملة وصايا كان آخرها: (أن لا يقنطوا إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوربيين وإلى تحرير نسائهم) (١٧٨)\nوهذا \" جان بول رو\" يقول في كتابه \" الإسلام في الغرب \" (١٧٩): (إن التأثير الغربي الذي يظهر في كل المجالات ويقلب رأس على عقب المجتمع الإسلامي لا يبدو في جلاء أفضل مما يبدو في تحرير المرأة) اهـ\nوفي تصريح لـ \" بن غوريون \" في الكنيست قال:\n(اصبروا فلن يكون هناك سلام لإسرائيل ما دام العرب تحت قيادة الرجعيين إن الشرط الأساسي للسلام هو أن يقوم في البلدان العربية حكومات ديموقراطية تقدمية متحررة من \" التقاليد \" الإسلامية) (١٨٠) .\n\nوبالأمس القريب نشرت مجلة (الأمة) أن رئيس أمريكا (ريجان) وجه إليه أحد الصحافيين سؤالًا نصه: (متى تنتهي مهزلة ما يحدث في بيروت والدماء تنزف؟)\n_________\n(١٧٦) (المرأة ومكانتها) للحصين ص (١٢)\n(١٧٧) \" الخنجر المسموم \" لأنور الجندي ص (٢٩) .\n(١٧٨) \" أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي \" للدكتور علي جريشة ومحمد شريف الزيبق ص (٣٤) .\n(١٧٩) انظر ص (١٧٨ - ١٨٩) والكتاب ترجمة: نجدة هاجر وزميله طبع في مصر ١٩٦٠ م.\n(١٨٠) \" محاضرات الجامعة الإسلامية \" ص (١٣١) عام (١٣٩٥ - ١٣٩٦ هـ) .","vol":"1","page":99},{"text":"فأجاب رئيس أمريكا في غرور واضح:\n(إننا لا نزال صليبيين! ولابد من إنهاء المناوشات بين المسلمين واليهود وحماية أتباع المسيح في لبنان من المسلمين الغرباء) (١٨١) .\n(بل هذه قلعة \" الشقيف \" القائمة على تل في جنوب لبنان ويسميها الأوربيون قلعة\n\" بوفور\" نسبة إلى القائد الذي أقامها أيام الحروب الصليبية منذ قرون وقد كانت محل قصف دائم من إسرائيل طيلة سنوات وفي اكتساحها للجنوب لم تتمكن من إخراج المقاومة منها إلا بعد أن دمرتها تمامًا واستدعى يومها الجنرال \" إيتان \" قائد الجيش الإسرائيلي \" مناحم بيجن \" إلى أطلال القلعة ليقدم له القلعة هدية وجاء بيجن ليرفع عليها العلم الإسرائيلي قائلًا: (ها قد عدنا) ناسيًا بذلك غزوه إلى الغزوات الأوربية التي أقامت ممالكها في تلك المنطقة قرونًا قبل أن يستردها العرب ومستخدمًا عبارة الجنرال\n\" غورو\" القائد الفرنسي حين احتل دمشق سنة ١٩٢٠، ووقف أمام قبر \" صلاح الدين الأيوبي\" وقال: (ها قد عدنا يا صلاح الدين» (١٨٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>ومن هنا:</span>\n\nلم يكن عفوًا أن يبدأ المبشرون الصليبيون بمصر قلعة الإسلام الصامدة ومركز ثقله وموطن الأزهر.\nولم يكن عفوًا أن يكون قادة الغزو الصليبي الجديد لمصر من القساوسة المعروفين بكيدهم للإسلام والمسلمين أمثال \" دنلوب \" كاهن السياسة التعليمية الفاسدة التي زرعها في مصر لقطع صلة الأجيال بالإسلام و\" كرومر \" الحاكم البريطاني الذي أذل\n_________\n(١٨١) \" الأمة \" العدد (٣١) السنة الثالثة.\n(١٨٢) (يوميات) الأهرام (١٢ / ٨ / ١٩٨٢ م) ص (١٨) .","vol":"1","page":100},{"text":"المصريين لمدة ربع قرن من الزمان والذي حرص على صياغة جيل من المثقفين ثقافة أوربية يقبل التعاون مع الاستعمار ويخلفه في حمل راية التفرنج بعد رحيل جيوشه حتى يضمن قهر الإسلام ويأمن بعث المسلمين من جديد بعد رحيله،\n\nوكلا الرجلين \" دنلوب\" و\" كرومر \" قد تخرجا من أكبر المدارس اللاهوتية في أوربا ولم يكن من المستغرب أيضًا أن ينشط لدعوة الحرية عامة وتحرير المرأة خاصة النصارى والشاميون المقيمون في مصر (١٨٣)، فهؤلاء كانوا يعملون لنصرة أبناء دينهم أمثال \" كرومر وزويمر ودنلوب وغورو واللنبي \"، (وتصورهم الديني غارق في التثليث والعشاء الرباني وصكوك الغفران ... لكن من المؤسف أن يصير في هذا الخط المدمر أناس من أبناء المسلمين أضلهم الشيطان على علم وعميت أبصارهم عن الحقيقة فكانوا خدامًا لأسيادهم وأولياء نعمتهم من الفرنج) (١٨٤) .\n\nوكعناصر أي معركة: كانت (القيادة) صليبية و(القاعدة) أرض وطننا المسلم مصر و(الأسلحة) بسطاء المسلمين ومستضعفيهم و(العملاء) الهواة منهم والمحترفون الحكام والقادة الفكريون يمارسون بأيديهم إبادة مقومات القوة في أمتنا ليسهلوا على العدو الخبيث المتربص التهامها.. وما أفظعها من مهمة يمارسها العملاء حين يدمرون أممهم ثم يدفعونها في فم الغول الاستعماري البشع ليلتهمها.. لقمة سائغة!\n_________\n(١٨٣) أمثال: مرقص فهمي وميخائيل عبد السيد وجرجي زيدان ولويس عوض وسلامة موسى وفرح أنطون\nوشبلي الشميل وقسطنطين رزق وميشيل عفلق وجورج حبش وأنطون سعادة وشاعر المجون والعربدة\nنزار قباني وغيرهم انظر (المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التحرر) للدكتور \" عمر الأشقر \" ص (١٤)\nو(المرأة ومكانتها) للحصين ص (٢٠٨)، و(الاتجاهات الوطنية) (١ / ٢٠٣) وما بعدها.\n\n(١٨٤) (المرأة ومكانتها في الإسلام) للحصين ص (٢١٩) بتصرف.","vol":"1","page":101},{"text":"لقد استطاع أعداء الإسلام في تلك الحقبة أن يغرسوا في نفوس الكثير من المنهزمين أنهم ما أتوا إلا لتعمير بلادنا ونشر الحضارة والثقافة وجهل هؤلاء المنهزمون أن هؤلاء الأعداء الموتورين قد توارثوا الأحقاد على الإسلام وأنهم لا يألون جهدًا حتى يردونا عن ديننا إن استطاعوا.\n\nكأن أنسالهم من بعدهم حلفوا أن يبعثوا الحقد نيرانًا وينتقموا\nهذي حضارتهم والشر يملؤها ماتت على صرحها الأخلاق والشيم\n\nوالآن.. وبعد أن انكشفت لنا الحقائق جلية عن نوايا أعدائنا بنا وخططهم لتدميرنا وعن حقيقة هؤلاء الذين قامت على أكتافهم دعوة \" تحرير المرأة \" وسنكشف فيما بعد إن شاء الله عن حقيقة هؤلاء اللاتي طفن بأوربا وحججن إلى حضارتها وشددن الرحال إلى مؤتمراتها و\" مؤامراتها \" ثم عدن نائبات عن (أسيادهن) في مهمة (تدمير المرأة المسلمة)\nوبذلن كل فروض الطاعة والولاء الصريح لأعداء الإسلام وبخلن في الوقت نفسه بإظهار أي صورة من صور الولاء الحقيقي لله ولرسوله وللمؤمنين وجهر بعضهن بعد ذلك بالطعن في الدين والتبري مكن شريعة سيد المرسلين \" أفلا يحق لنا بعد هذا كله أن نتساءل:\n(ما سر العلاقة الودية الوثيقة التي تربط بين دعاة تحرير المرأة وبين القوى الاستعمارية والمعادية للإسلام وعلمائه ودعاته وأهله في كل مكان من العالم حولنا؟\nإنه بالرغم من افتراض حسن النية أو الجهل عند من كان يظهر الإسلام من دعاة تحرير المرأة لكن هذا الافتراض لم يمنع بعض المحللين والباحثين حق الاجتهاد والبحث عن علاقة ما محتملة سرية أو علنية بين مخططات البهائية والصهيونية والماسونية ومسيرتها السرطانية الدؤوبة التي لا نشعر بها إلا بعد ظهور الأورام وتفشي الموت في الدم واللحم والعظم - وبين قيادات ودعاة السفور على مساحة ديار المسلمين الواسعة و\" من أوقع نفسه في مواقع التهمة فلا يلومن من أساء الظن به \")","vol":"1","page":102},{"text":"فلنستصحب هذه المعاني ونحن نجول بين أعلام نسائية بارزة كان لها دور ما في معركة \" الحجاب والسفور \" ولنتأمل جيدًا دورهن \" كتلميذات للاستعمار \" ما منهن واحدة إلا ورحلت إلى \" هناك \" لتلقن أصول الدعوة المدمرة ثم عادت إلى \" هنا \" لنتبوأ مراكز التوجيه ... متجردة من الولاء للإسلام والاعتزاز بأحكامه ومخلصة في عبادتها لأوربا بل فخورة باستعباد أوربا لها رافضة بلسان حاله وسلوكها ولحن قولها أن تجعل الإسلام منظار على عينيها ترى الأشياء من خلاله وتحكمه فيما هي عليه من عقيدة ومنهاج.\n- - - - -","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>خريجات البيوت العميلة\nفي موكب الرذيلة</span>\n\nارتبطت الأحزاب النسائية في الشرق على اختلاف أسمائها بعجلة الاستعمار منذ أول يوم من نشأتها وقامت بتزعم هذه الأحزاب نسوة لا نستطيع تفسير نشاطهن ضد الآداب والأحكام الإسلامية إلا بإلقاء بعض الضوء حسبما تسمح هذه العجالة على الخلفيات والبيئات التي نشأن فيها وبالتالي خرجت منهن زعيمات مقلدات للغرب بل ومنفذات لخططه في تدمير الأسرة المسلمة وانخدع بهن كثير من المسلمات وانقدن وراء دعوتهن\n\nأعمى يقود بصيرًا لا أبالكم قد ضل من كانت العميان تهديه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>١- \" صفية زغلول \" (١٨٥)</span>\n\nزوجة \" الزعيم \" \" سعد زغلول \" وابنة \" مصطفى فهمي \" رئيس الوزراء التركي الأصل الذي كانت سياسته تمثل الخضوع التام للاحتلال الإنكليزي وهو \" أشهر صديق للإنكليز \" عرفته مصر في تاريخ الاحتلال الإنكليزي من أوله إلى آخره (١٨٦)، \" ولم يكن من أنصار الاحتلال فحسب بل كان من المخلصين له العاملين على تحقيق مآربه مما دفع الخديوي \" عباس \" إلى إقصائه عن رئاسة الوزارة\n_________\n(١٨٥) هي بنت (مصطفى فهمي) وقد تسمت باسم زوجها \" سعد زغلول \" تشبهًا بالإفرنج في نسبة المرأة إلى زوجها ولقبت بأم المصريين.\n(١٨٦) (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) (٢ / ٣٨٦) .","vol":"1","page":105},{"text":"سنة (١٨٩٣م) فحدثت أزمة مع كرومر انتهت بتأليف \" الوزارة الطويلة \" برئاسة\"مصطفى فهمي\" ثانية والتي حكمت مصر بالحديد والنار لمدة ثلاثة عشر عامًا خضوعًا للاحتلال\nالإنكليزي \" (١٨٧)، (وقد حرصت أن تستأثر بالزعامة السياسية فأرادت أن تفتح مجالًا جديدًا تنفرد فيه بالزعامة فكان ذلك هو مجال المرأة خاصة) (١٨٨)\nوقد ذكرنا آنفًا دورها في سن فتنة السفور إلى جانب أنها تزعمت مع \" هدى شعراوي \" أول مظاهرة نسائية سنة (١٩١٩ م) .\n٢- \"<span data-type=\"title\" id=toc-50> هدى شعراوي \" (ت ١٩٤٧ م):</span>\n\n(هي نور الهدى بنت محمد سلطان باشا - التي تسمت فيما بعد على الطريقة الأوربية بهدى شعراوي إلحاقًا لها باسم زوجها \" على باشا شعراوي \" بواسطة حرم حسين باشا رشدي الفرنسية وقد اعترفت هدى شعراوي بنفسها في مواضع كثيرة من مذكراتها بفضل هذه السيدة عليها (١٨٩) وأبوها \" محمد سلطان باشا \" (١٩٠) الذي كان يرافق جيش الاحتلال الإنكليزي في زحفه على العاصمة والذي كان يدعو الأمة إلى استقباله وعدم مقاومته ويهيب بها علانية أن تقدم له كافة المعاونات والمساعدات وقد سجل التاريخ فوق هذه الصفحة السوداء صفحة أخرى أشد سوادًا حينما تقدم هذا الخائن مع فريق من الكبراء بهدية من الأسلحة الفاخرة إلى\n_________\n(١٨٧) (مصطفى كامل) للرافعي ص (٤١٦) .\n(١٨٨) (رجال اختلف فيهم الرأي) ص (٣٤) .\n(١٨٩) \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" ص (٢٣) .\n(١٩٠) انظر تفاصيل خيانته للثورة العرابية في كتاب (محمد سلطان أمام التاريخ) للدكتور عبد العزيز رفاعي\nو(الأستاذ الإمام محمد عبده) لرشيد رضا (١ / ٢٥٨ - ٢٥٩)،\nو(رجال اختلف فيهم الرأي) لأنور الجندي (٣١ - ٣٣) .","vol":"1","page":106},{"text":"قادة جيش الاحتلال شكرًا لهم على\n\" إنقاذ البلاد \".. وهكذا لم يكن عجبًا أن يفرض الاحتلال على الخديوي أن يمنح أمثال هذا الخائن عشرة آلاف من الجنيهات الذهبية اعترافًا من بريطانيا له بالجميل.. ليس هذا فحسب بل لقد أنعمت عليه انجلترا بنيشان \" سان ميشيل \" و\" سان جورج \" الذي يلقب حامله بلقب \" سير \" (١٩١) وهي زوجة \" علي شعراوي \" باشا ابن عمتها وتلميذ محمد عبده (*) ورفيق سعد زغلول وعبد العزيز فهمي أصدقاء الإنكليز والصديق الوفي للطفي السيد وأحد أعضاء \" حزب الأمة \" الذين أطلق عليهم \" الإنكليز \" اسم\n\" الرجال المعتدلون \" لأنهم حاربوا في سبيل بريطانيا \" مصطفى كامل \" وناوأوه ووصفوه بالرجل العنيف وقد كان هذا الحزب المشبوه ينكر الجامعة الإسلامية ويحاربها داعيًا إلى وطنية تقوم على المصلحة المتبادلة والمنفعة المادية لا على الإسلام وهو الحزب الذي عرف فيما بعد باسم (حزب الوفد) (١٩٢) والذي كان (علي شعراوي) نفسه وكيلًا له (١٩٣) .\nوهي أيضًا رفيقة \" صفية زغلول \" ابنة \" مصطفى فهمي \" تلقفتها جماعات تحرير المرأة في روما وأمستردام ومرسيليا واستانبول وباريس وبرلين وبروكسل وبودابست وكوبنهاجن وجنيف وحيدر أباد ونيو دلهي لتقود حركة \" تحطيم المرأة المسلمة \" في مصر.\n\nوهي أيضًا تلميذة وفية لزوجة \" حسين رشدي \" باشا الفرنسية التي كانت \" هدى \" تكبرها وتفيض في ذكر مبررات إعجابها بها واتخاذها مثلها الأعلى\n_________\n(١٩١) (الحكات النسائية في الشرق) للأستاذ \" محمد فهمي عبد الوهاب \" ص (٢٣ - ٢٤) .\n(*) \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" ص (٦٤) .\n(١٩٢) (الاتجاهات الوطنية) (٢/ ١٣٥)، و\" حواء \" العدد (١٢٣١) (٢٦ / ٤ / ١٩٨٠ م) .\n(١٩٣) (حواء) (١٢٢٧) تاريخ (٢٩ / ٣ / ١٩٨٠ م) ص (١٩) .","vol":"1","page":107},{"text":"فقالت:\n(لم تكن تعني بظروفي وحالتي واسمي فقط وإنما كانت أيضًا تجتهد في تثقيفي في اللغة الفرنسية وكانت ترشدني إلى أثمن الكتب وأنفعها وكانت تناقشني فيما قرأت وتفسر لي ما يصعب عليّ فهمه وكانت تغذي عقلي وروحي بكل أنواع الجمال والكمال وتحتم عليّ حضور صالونها كل يوم سبت وتقول لي: أنت زهرة صالوني) (١٩٤) .\nوكانت هذه المرأة الفرنسية الأصل التي أعدت \"هدى شعراوي\" إعدادًا خاصًا لمهمتها قد ألفت كتابين الأول بعنوان \" حريم ومسلمات مصر \" وكتاب \" المطلقات \" تعبر فيهما - على حد قولها - عن مدى الألم والتعاسة التي تعانيها من \" أجل تعاسة المصرية وظلم الرجل لها \" (١٩٥) .\nوكانت على صلة وثيقة بحركة تحرير المرأة المصرية كما كانت موضع إعجاب النابهين في مصر من رواد هذه الحركة وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين الذي كانت تعجب به كثيرًا وتأسف لعدم تقدير المصريين له التقدير اللائق برسالته \" وكانت كثيرًا ما تقص على صفيتها هدى شعراوي ما كان يدور بينها وبين هؤلاء الثلاثة الكبار من حديث \" (١٩٦) تشعل به كيانها وتدفعها إلى التطلع إلى تحسين أحوال المرأة المصرية والسير بحركتها إلى الأمام.\nوكانت كثيرًا ما تحدث هدى شعراوي \" حول البحث عن الطريقة العملية المجدية للوصول إلى تحسين حال المرأة المصرية والترفيه عنها وكانت توجهها إلى أن تبدأ مشروعها بتوجيه المرأة المصرية إلى ممارسة الرياضة البدنية أولًا قبل تنبيهها إلى خوض الحياة الاجتماعية وترغيبها في دراسة الفنون والآداب وعقد اجتماعات تجمع بين\n_________\n(١٩٤) (مذكرات هدى شعراوي) ص (٩٦) - كتاب الهلال سبتمبر / ١٩٨١.\n(١٩٥) السابق ص (٩٩) .\n(١٩٦) السابق ص (١٠٢) .","vol":"1","page":108},{"text":"الرياضة الفكرية والرياضة البدنية وكذا إعداد ملعب \" للتنس \" في حديقة مصطفى رياض باشا) (١٩٧) .\nقالت (وداد السكاكيني) في ترجمة \" هدى شعراوي \": (.. وقد توقد فيها الذكاء والإباء فتأبت على هذه التقاليد التي كانت تضطر نظائرها من بنات الصعيد إلى التزام الحجاب (١٩٨) والبعد عن السياسة ولو كانت تدار من بيوتهن) (١٩٩) .\nوقالت: (لما عادت هدى شعراوي للمرة الأولى من الغرب كانت تفكر في هذه التقاليد الموروثة التي لا تسمح لها بالظهور سافرة في بلادها فثارت عليها وما كادت تطل على الإسكندرية (٢٠٠) حتى ألقت الحجاب جانبًا ودخلت مصر مع صديقتها (سيزا نبراوي) بدون نقاب (٢٠١) فلقيتا من جراء هذا السبق بالسفور لغطًا وتعنتًا من المتزمتين ولم يكن هذا الأمر من رائدة النهضة النسوية بدعًا أو خروجًا على الحشمة والوقار بل كان منها سلوكًا مثاليًا في السفور السليم \"؟ ! \" واستنكارًا للانحراف والتبرج \"! ! \" اللذين ظهرت فيهما بعض السافرات المتطرفات) (٢٠٢) اهـ.\n_________\n(١٩٧) السابق ص (٩٩) .\n(١٩٨) ومن هذه الوجهة كانت تصف زوجها بأنه كان يسلبها كل حق في الحياة وذكرت من أمثلة ذلك ما نصه\n: (ولا أستطيع تدخين سيجارة لتهدئة أعصابي حتى لا يتسلل دخانها إلى حيث يجلس الرجال فيعرفوا\nأنه دخان سيجارة السيدة حرمه إلى هذا الحد كانت التقاليد تحكم بالسجن على المرأة وكنت لا أحتمل\nمثل هذا العذاب ولا أطيقه) اهـ من (المرأة المصرية) ص (١٣٩) .\n(١٩٩) (نساء شهيرات من الشرق والغرب) ص (٥) .\n\n(٢٠٠) كانت في هذه الرحلة تستقل الباخرة التي يعود عليها سعد زغلول من فرنسا بعد استشفائه (المرأة المصرية)\nص (١٣٦) .\n(٢٠١) وقد ذكرت (صافي ناز كاظم) أن (هدى شعراوي وسيزا نبراوي ألقتا حجابهما وداستاه بأقدامهما فور\nوصولهما من مؤتمر النساء الدولي الذي عقد بروما صيف ١٩٢٣ م) اهـ من (مسألة السفور والحجاب)\nص (٩)، وانظر (المرأة المصرية) لدرية شفيق ص (١٣٤ - ١٣٥) .\n(٢٠٢) (نساء شهيرات من الشرق والغرب) لوداد السكاكيني ص (٥، ٦) .","vol":"1","page":109},{"text":"تقول \" درية شفيق \":\n\nوقد شجعت (هدى) عددًا من الفتيات على السفر إلى أوربة (كي تعود الطالبات حاملات إلى الوطن عناصر الثقافية الغربية ومثلها العليا في الحياة الاجتماعية) (٢٠٣) .\n(كانت \" هدى \" لا تزال تفكر في النظرة التي تقابل بها المصرية كلما سافرت إلى أوربا إن القوم هناك يسخرون من ذلك الحجاب الذي يغطي وجوه المصريات حتى إنهم كانوا - إذ يرون هدى شعراوي وزميلاتها بلا يشامك ولا براقع - يشككون في مصريتهن وفي ذلك المؤتمر الأخير بالذات كانت مندوبات الدول المختلفة ينكرن على \"هدى\" مصريتها ولا يكدن يعترفن إلا بمصرية واحدة كانت تصر على حضور تلك المؤتمرات محجبة لا تكشف شيئًا من وجهها وهي السيدة \" نبوية موسى \") (٢٠٤) اهـ\nتقول \" هدى شعراوي \" في حديث لها: و\".. ورفعنا النقاب أن وسكيرتيرتي\n\" سيزا نبراوي \" وقرأنا الفاتحة ثم خطونا على سلم الباخرة مكشوفتي الوجه وتلفتنا لنرى تأثير الوجه الذي يبدو سافرًا لأول مرة بين الجموع فلم نجد له تأثيرًا أبدًا لأن كل الناس كانوا متوجهين نحو \" سعد \" متشوقين إلى طلعته \" (٢٠٥) اهـ.\nوقد دفعت بعد ذلك مباشرة ثمن جرأتها ورأت تأثير الوجه السافر حينما واجهتها هي وزميلاتها كثير من التعليقات الساخرة كلما سرن في الطريق وعرضن أنفسهن حتى للعبارات النابية والصفات المؤذية (٢٠٦) .\nوهذه \" الزعيمة \" هي التي قادت مع زوجة \" الزعيم \" سعد المظاهرة النسائية المشهورة سنة ١٩١٩ تقول في مذكراتها:\n_________\n(٢٠٣) \" تطور النهضة النسائية في مصر \" ص (١٥) .\n(٢٠٤) (المرأة المصرية) لدرية شفيق ص (١٣٦) .\n(٢٠٥) المصدر السابق ص (١٣٧) .\n(٢٠٦) انظر المصدر السابق ص (١٣٨) .","vol":"1","page":110},{"text":"(وبينما كنت أتأهب لمغادرة منزلي في ذلك اليوم للاشتراك في المظاهرة بادرني زوجي بالسؤال: إلى أين تذهبين والرصاص يدوي ويتساقط في أنحاء المدينة؟\nفأجبت: للقيام بالمظاهرة التي قررتها اللجنة!!\nفأراد أن يمنعني فقلت له: هل الوطنية مقصورة عليكم معشر الرجال فقط وليس للنساء نصيب فيها؟\nفأجابني: هل يرضيك إذا تحرش بكن الإنجليز أن يفزع بعض النساء ويولولن\n\" يا أمي ... يا لهوتي!! \".\nفقلت له إن النساء لسن أقل منكم شجاعة ولا غيرة قومية أيها الرجال وتركته وانصرفت لألحق بالسيدات اللاتي كن في انتظاري ...) (٢٠٧) .\n\nفي ذمة الفضلى هدى جيل إلى هاد فقير\nأقبلن يسألن الحضارة ما يفيد وما يضير\nما السبل بينه ولا كل الهداة بها بصير (٢٠٨)\n\nوتقول وداد السكاكيني:\n(وكانت هدى اليد اليمنى لصفية زغلول والمفكرة المتحررة لنسوة الطليعة الواعية بمصر والبلاد العربية وقد استجابت لدعوة المؤتمرات النسوية في الشرق والغرب فلما عقد أول مؤتمر دولي للمرأة في روما عام ١٩٢٣ م حضرته \" هدى شعراوي \" مع \" نبوية موسى \" و\" سيزا نبراوي \" صديقتها وأمينة سرها.. وقد توالت بعدئذ رحلات\n\" هدى شعراوي \" للشرق والغرب ممثلة نساء بلادها رافعة علمها بين أعلام\n_________\n(٢٠٧) (المرأة المصرية) لدرية شفيق ص (١٣٩) وانظر: (رجال اختلف فيهم الرأي) لأنور الجندي ص\n(٣٤ - ٣٥) .\n(٢٠٨) (الشوقيات) (٢ / ١٦٨) .","vol":"1","page":111},{"text":"الدول الوافدات على المؤتمر) (٢٠٩) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>لقاء (هدى) و(موسوليني):</span>\n\nقالت (هدى) في (مذكراتها):\n(كان من بين ما حققه مؤتمر روما الدولي أننا التقينا بالسنيور موسوليني ثلاث مرات وقد استقبلنا وصافح أعضاء المؤتمر واحدة واحدة وعندما جاء دوري وقدمت إليه كرئيسة وفد مصر عبر عن جميل عواطفه ومشاعره نحو مصر وقال إنه يراقب باهتمام حركات التحرير في مصر،.. ثم كررت رجائي الخاص بمنح المرأة الإيطالية حقوقها السياسية) (٢١٠) اهـ.\nولما عادت هدى من مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي المذكور كونت الاتحاد النسائي المصري سنة ١٩٢٣ ووضعت الحجر الأساسي له في إبريل ١٩٤٢ م وبطبيعة الحال عمل ذلك الاتحاد بقيادتها لتحقيق الأهداف التي حرص الاستعمار على الوصول إليها وردد نفس المبادئ التي نادى بها من قبل (مرقص فهمي) ونقلها عنه (قاسم أمين) وفي مقدمتها تعديل قوانين الطلاق ومنع تعدد الزوجات علاوة على المطالبة للمرأة بالحقوق الاجتماعية والسياسية المزعومة التي وصلت أخيرًا (٢١١) إلى حد المطالبة\n_________\n(٢٠٩) (نساء شهيرات) ص (٥) .\n\n(٢١٠) (حواء) العدد (١٢٢٣) تاريخ (١٠ مايو ١٩٨٠) .\n(٢١١) ﴿ومن الجدير بالذكر أن سلامة موسى النصراني كان قد خطب في جمعية (الشبان المسيحية) وتحدث في\nأمر لا يخصه وهو التعرض للمرأة المسلمة وحجابها وسفورها وما عينه لها القرآن من نصيب في الميراث\nوبعد هذه المحاضرة حاول - زيادة منه في الكفر - أن يحرض هدى شعراوي على مطالبة الحكومة\nالمصرية بسن قانون يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث وذلك ضمن رسالة شخصية بعث بها إليها لكنها\nأنكرت عليه ذلك وردت عليه في مقال بجريدة الأهرام﴾ انظر (المرأة بين الفقه والقانون) للسباعي ﵀\nص (٢١٩ - ٢٢٠) (حواء) العدد (١٢٥٢) تاريخ (٢٠ سبتمبر ١٩٨٠) ص (٣٤ - ٣٦) .","vol":"1","page":112},{"text":"بالمساواة في الميراث) (٢١٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>وقفة مع الاتحاد النسائي:</span>\n\nوقد اهتمت الدوائر الأجنبية بأمر ذلك الاتحاد النسائي عند قيامه حتى أن الدكتورة\n(ريد) رئيسة الاتحاد النسائي الدولي حضرت بنفسها إلى مصر لتدرس عن كثب تطور الحركة النسائية ولتناصر الحركة بنفوذها في المحيط الأوربي وبتصريحاتها التي ترمي إلى المساعدة بإعطاء المرأة المصرية الحقوق السياسية المزعومة.\n\nوبعد عشرين عامًا من تكوين هذا الاتحاد استطاع بالنفوذ الأجنبي وأذناب الاستعمار أن يمهد لعقد ما سمي بالمؤتمر النسائي العربي سنة ١٩٤٤ م وقد حضرت مندوبات عن الأقطار العربية المختلفة (٢١٣) واتخذت فيه القرارات \"المعتادة \" وفي مقدمتها بالطبع:\n\n- المطالبة بالمساواة في الحقوق السياسية مع الرجل وعلى الأخص الانتخاب.\n\n- تقييد حق الطلاق.\n\n- الحد من سلطة الولي أيًا كان وجعلها مماثلة لسلطة الوصي.\n\n- تقييد تعدد الزوجات إلا بإذن من القضاء في حالة العقم أو المرض غير القابل للشفاء\n\n- الجمع بين الجنسين في مرحلتي الطفولة والتعليم الابتدائي.\n\nثم في نهاية القرارات:\n(اقتراح: تقديم طلب بواسطة رئيسة المؤتمر إلى المجمع\n_________\n(٢١٢) (الحركات النسائية في الشرق) ص (٢٤) .\n(٢١٣) ولقد احتج علماء سوريا رسميًا على حكومتهم على تمثيل بعض النساء السوريات في ذلك المؤتمر كما أصدر\nالملك عبد الله ملك شرق الأردن حينذاك منشورًا إلى رئيس وزرائه يلفت فيه نظره إلى حركة التمرد على\nالآداب والتقاليد الإسلامية ووجوب التزام المرأة بالحجاب الذي كرمها الله به. (المصدر السابق ص (٢٥»","vol":"1","page":113},{"text":"اللغوي في القاهرة والمجامع العلمية العربية بأن تحذف نون النسوة من اللغة العربية) (٢١٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>(هدى شعراوي) .. والأديان:</span>\n\n﴿وطالبت هدى شعراوي في المؤتمر الثاني عشر للاتحاد النسائي الدولي في مدينة استانبول (١٨ إبريل ١٩٣٥ م) بإزالة الفوارق الجنسية والدينية بين الشعوب﴾ (٢١٥) .\nوتجلى موقفها في هذه القضية من قبل حينما صورت في (مذكراتها) العلاقة بين ممثلي الأديان خلال ثورة ١٩ فقالت:\n(.. وكان أن تآخى الجميع وصاروا يجتمعون في الكنائس والمساجد والمعابد وهم شيع مختلفة وكان الشيخ يتأبط ذراع القسيس أو الحاخام أمام عدسات المصورين ليظهروا للملأ اتحاد الجميع على الثورة ضد الإنجليز) (٢١٦) .\n_________\n(٢١٤) المصدر السابق ص (٢٥) وانظر: (تطور النهضة النسائية في مصر) (١٤٥ - ١٤٧) .\n(٢١٥) (حواء): العدد (١٢٢٧) تاريخ (٢٩ مارس ١٩٨٠) ص (١٥) .\n(٢١٦) السابق ص (١٨) ومن الجدير بالذكر أن ثورة ١٩ قد استغلت تحت ستار مقاومة الاحتلال في الترويج في\nمفاسد خطيرة ما كانت لتجد إلى قلوب الناس سبيلًا لولا جو الثورة الذي يلهي الناس عن تدبر ما يراد بهم\nومن أخطر هذه المفاسد الترويج لتحرير المرأة وتمييع قضية مولاة المؤمنين ومعاداة الكافرين تحت ستار\nالأخوة الوطنية بهدف محو معالم الإسلام من ضمير الأمة شيئًا فشيئًا كما نرى ذلك جليًا في النص المنقول\nأعلى ومن المواقف المماثلة لذلك ما حكاه الشيخ العلامة محمد بخيت ﵀ قال: (لما قامت الحركة\nالوطنية عقب الحرب العظمى السابقة واتحد هؤلاء المارقون مع الأقباط ليطالبوا بالاستقلال كان مقر\nاجتماعهم وقطبهم الجامع الأزهر ومنه كانت تنظم المظاهرات فكان يعمر بالأقباط والقسس منهم يصعدون\nإلى المنبر خطباء مناوبة مع المصريين قال: وذات يوم كان المسمى \" مصطفى القاياتي \" وهو من\nالمدرسين في الأزهر والقائل بأن سعدًا أفضل من النبي (وأنه جاء بما لم يأتي به النبي) وأنه رسول\nالوطنية كان هذا الرجل حاضرًا معهم فأخذ الصليب ووضعه في محراب الأزهر وقام - لعنه الله - خطيبًا\nفدعا إلى اتحاد الإسلام والنصرانية القبطية ودعا الحاضرين إلى صلاة ركعتين جميعًا مع وضع الصليب في\nالمحراب وكبر وصلى ركعتين والصليب أمامه يصلي له ولله معًا في زعمه لعنه الله تعالى) اهـ انتهى بنصه\nمن \" مطابقة الاختراعات العصرية \" لأبي الفيض أحمد بن الصديق ص (٨٤) .","vol":"1","page":114},{"text":"وفي الخطبة التي ألقتها (هدى) بمناسبة الاحتفال بالعيد العشرين للاتحاد النسائي قالت:\n(.. ومنذ ذلك اليوم - أي يوم قبلت عضوية مصر في الاتحاد النسائي الدولي - قطعنا على أنفسنا عهدًا أن نحذو حذو أخواتنا الغربيات في النهوض بجنسنا مهما كلفنا ذلك وأن نساهم بأمانة وإخلاص في تنفيذ برامج الاتحاد النسائي الدولي الذي يشمل أغراضنا المشتركة.\nوهنا يطيب لي أن أذكر حادثًا كان له تأثيره عند افتتاح ذلك المؤتمر وهو إننا لما دخلنا قاعة الاجتماع قبل انعقاده ووجدنا أعلام الدول المشتركة ترفرف على جدرانها ولم نكن قد أخذنا الأهبة لذلك لعدم معرفتنا بهذا التقليد كلفنا طلاب البعثة المصرية بتحضير علم مصري يتعانق فيه الهلال والصليب فصنعوه وإذا به أكبر الأعلام الموجودة حجمًا.. ولما رأت رئيسة المؤتمر الصليب يعانق الهلال تأثرت تأثرًا عظيمًا وأمرت بوضعه على يسار المنصة معادلًا لعلم الدولة المنعقد المؤتمر بأرضها فشغل بذلك محلًا ممتازًا وقدمتنا الرئيسة عند الافتتاح بعبارات ملؤها التأثر والتقدير وكانت أكبر عامل في إزالة الفكرة الخاطئة التي شابت حركتنا الوطنية بوصفها بالتعصب الديني) (٢١٧) .\n'\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>لقاء (هدى) و(أتاتورك):</span>\n\nعقد المؤتمر النسائي الدولي الثاني عشر في استانبول في ١٨ إبريل ١٩٣٥ م وتكون من هدى شعراوي رئيسة وعضوية اثنتي عشر سيدة - وقد انتخب المؤتمر\n_________\n(٢١٧) \" تطور النهضة النسائية في مصر \" ص (١٢٤) .\nومما ينبغي أن يعلم أن (الهلال) علامة مهنية ترمز في عرف الناس إلى مهنة الطب، أما (الصليب)\nفعلامة اعتقا دية تشير إلى ما يعتقده النصارى الكفرة في شأن عيسى ﵇ فالمسلم الذي يتخذ هذه\nالعلامة على خطر عظيم لأن في إقرارها تكذيبًا صريحًا للقرآن الذي جاء فيه قوله تعالى: (وما قتلوه وما\nصلبوه ولكن شبه لهم) النساء (١٥٧) ولهذا لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه\nوالله تعالى أعلم.","vol":"1","page":115},{"text":"\" هدى \" نائبة لرئيسة الاتحاد النسائي الدولي تقول (هدى) في مذكراتها:\n\n(وبعد انتهاء مؤتمر استانبول وصلتنا دعوة لحضور الاحتفال الذي أقامه \" مصطفى كمال أتاتورك \" محرر تركيا الحديثة.. وفي الصالون المجاور لمكتبه وقفت المندوبات المدعوات على شكل نصف دائرة وبعد لحظات قليلة فتح الباب ودخل\n\" أتاتورك \" تحيطه هالة من الجلال والعظمة وسادنا شعور بالهيبة والإجلال، ... وعندما جاء دوري تحدثت إليه مباشرة من غير ترجمان وكان المنظر فريدًا أن تقف سيدة شرقية مسلمة وكيلة عن الهيئة النسائية الدولية وتلقي كلمة باللغة التركية تعبر فيها عن إعجاب وشكر سيدات مصر بحركة التحرير التي قادها في تركيا (*)، وقلت: إن هذا المثل الأعلى من تركيا الشقيقة الكبرى للبلاد الإسلامية شجع كل بلاد الشرق على محاولة التحرر والمطالبة بحقوق المرأة، وقلت: إذا كان الأتراك قد اعتبروك عن جدارة أباهم وأسموك \" أتاتورك \" فأنا أقول إن هذا لا يكفي بل أنت بالنسبة لنا \"أتاشرق\" فتأثر كثيرًا بهذا الكلام الذي تفردت به ولم يصدر معناه عن أي رئيسة وفد وشكرني كثيرًا في تأثر بالغ ثم رجوته في إهدائنا صورة لفخامته لنشرها في مجلة \" الإجيبسيان \".\nوذكرت هدى في حديث لها مع جريدة المقطم بعد عودتها إلى مصر ما معناه:\n(إن ما أحدثه الغازي العظيم بلا ريب من نعمة الأقدار على أخواتنا في استانبول)\n(٢١٨) .\n_________\n(*) انظر ص (١٩٣: ٢٠٢) من هذا القسم.\n\n(٢١٨) (حواء) العدد (١٢٥٦) (١٨ أكتوبر ١٩٨٠ م) ص (١٦) وأفعال \" أتاتورك \" وجرائمه في حق\nالإسلام أكثر من أن تحصى فليت شعري ما الذي يدعو (هدى) إلى هذا الانبهار به سوى وحدة الهدف\nوالخطة بين أعداء الإسلام في مصر وفي تركيا؟\nولعله من أجل هذا علق الأستاذ \" محمد أمين هلال \" في مقال له في مجلة \" الإسلام \" الغراء بتاريخ\nالجمعة ١٦ أغسطس ١٩٣٥ م بقوله:\n(... ولعل السبب في دفاعه عن الكماليين إنه رأى وليات نعمته من بعض النسوة الأرستقراطيات\nالمدعيات كذبًا تمثيل نساء مصر ولم يجتمعن في الغالب إلا للغناء والرقص وإمتاع النظارة بضروب من\nالمغريات ولم يحاولن أن يلمسن جوانب الإصلاح الحق الذي يستدعي هجر الراحة والتضحية فليس =","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>٣- \" سيزا نبراوي </span>\":\n\nتقول في مذكراتها:\n(وعندما عدت من الخارج حيث عشت حتى بلغت الثامنة عشرة من عمري كنت متحررة متحمسة ولهذا رفضت لبس البرقع وأصررت على لبس القبعة وبحكم الصداقة التي كانت بين والدتي وبين هدى شعراوي أخذت تهدئ من ثورتي وتقنعني بأن الظروف غير مواتية للحصول على حقوق المرأة مرة واحدة وأن المطالبة بها في هدوء يجنبنا ثورة الرجال الذين كانوا كل شيء في ذلك الوقت) (٢١٩)\n(ولما تقدم الفنان مصطفى نجيب للزواج منها قالت: إنها لا تستطيع أن ترتبط بحياة يكون من حق أحد طرفيها فقط أن يتخلى عن التزامه فيها بالطلاق في أي وقت يشاء فتزوجها على أن تكون العصمة في يدها ولم يدم الزواج أكثر من أربع سنوات) (٢٢٠)\n(وفي أثناء مرور \" غاندي \" بمصر عائدًا إلى الهند بعد حضوره مؤتمر المائدة المستديرة بلندن في ديسمبر ١٩٣١ م فكرت الهيئات في إرسال وفود عنها لتحيته والتعبير عن مشاعر المصريين نحوه وقد سافر (محمود فهمي النقراشي) مندوبًا عن\n\" الوفد \"،.. والآنسة \" سيزا نبراوي \" مندوبة عن \" الاتحاد النسائي \" وقد طلبت منه سيزا أن يوجه كلمة للسيدات المصريات فكتب بالإنكليزية ما ترجمته بالعربية\n: \" أرجو أن تلعب الأخت المصرية نفس الدور الذي تلعبه أخواتها الهنديات في حركة تحرير أراضيهم المحترمة لأني أعتقد أن عدم القسوة هو امتياز المرأة \" (٢٢١) اهـ.\n_________\n= لهن سبيل إلى المعرفة بها وإن عرفنها فلا يصبرن عليها قد ذهب وفدهن إلى إسلام بول مدعيًا بهتانًا وزورًا\nأن نساء مصر راضيات بما اختطه الكماليون للمرأة التركية وبكل ما فعله الكماليون!! مع أن كل المسلمين\nومعظم الشرقيين لا يرضون مذاهب الكماليين ومذهبهم حيال الدين والمرأة ويستعيذون بالله من الشيطان\nويلعنون الطغيان) انتهى ص (٤٤) .\n\n(٢١٩) (مجلة حواء) العدد ٢١ / ١٢ / ١٩٥٧ م.\n(٢٢٠) (الأخوات المسلمات) ص (٢٥٨ - ٢٥٩) .\n(٢٢١) (مجلة حواء) العدد ٤ أكتوبر ١٩٨٠ م رقم (١٢٥٤) ص (١٦ - ١٧) .","vol":"1","page":117},{"text":"٤- درية شفيق.. المرأة الغامضة (٢٢٢)\n(وبعد ظهر يوم ٢٠ سبتمبر ١٩٧٥ م عدت إلى بيتي بعد أن\nتناولت الغداء في أحد الفنادق وفي ردهة العمارة رأيت جمعًا\nمن الناس يلتف حول ملاءة بيضاء وسألت: ماذا حدث؟\nقالوا:إن سيدة ألقت بنفسها من شرفة الطابق السادس\nورفعت الملاءة البيضاء ووجدت جثة جارتي درية شفيق)\n\" مصطفى أمين \" الأخبار ١٢ / ٤ / ٨٦.\n\nتلميذة وفية من تلميذات (لطفي السيد) رحلت وحدها - بمجرد تخرجها - إلى فرنسا لتحصل على الدكتوراة ثم تعود لتشكل حزب (بنت النيل) ثم ترحل إلى إنكلترا حيث تقابل بحفاوة بالغة قيل أنه لم ينل مثلها كثير من رؤساء الدول وزعمائها ورحبت بها الصحف البريطانية بدون استثناء ونشرت عنها الأحاديث العديدة التي تصورها بصورة الداعية الكبرى إلى تحرير المرأة المصرية من أغلال الإسلام وتقاليده.. أغلال الحجاب والطلاق وتعدد الزوجات، ومن هذه الأحاديث ما كتبه مراسل جريدة الـ\n(سكتشمان) يقول: (إن الأهداف المباشرة لحزب بنت النيل هي كما أوضحتها الدكتورة \" درية شفيق \": منح المرأة حق الاقتراع\n_________\n= ومن الجدير بالذكر أن (غاندي) هذا كان هندوسيًا وثنيًا كارهًا للإسلام ومتعصبًا ضد المسلمين وكان يخفي\nوثنيته البغيضة وراء المغزل والشاة وهو الذي سرق الحركة الإسلامية من الزعماء المسلمين بالخيانة\nوالتآمر مع الاستعمار الإنكليزي فسيقوا إلى السجن وسحب غاندي الحركة الوطنية من أيديهم واستعان\nببريطانيا من أجل تحويل المسلمين في الهند إلى أقلية وقد كان للمسلمين قوة بلغت حدًا جعل الحكومة التي\nصارت تقبض على ألف مسلم في الصباح تطلقهم في المساء بسبب أن السجون لم تعد تسع المعتقلين\nوخطب الـ (لورد) ريدنج الحاكم العام في كلكتا فقال:\n(إنني شديد الحيرة من جراء هذه الحركة ولست أدري ماذا أصنع فيها؟) فلا تغتر أيها المسلم بهذا الوثني\nالذي يحرص أعداء الإسلام على أن يرسموا له صورة مزخرفة تخفي جرائمه في حق الإسلام والمسلمين\nوتنبه لخطر \" القومية النسائية \" التي تجعل المسلمة الموحدة أختًا للهندية المشركة.\nانظر ص (١٢٣ - ١٢٤) من هذا الكتاب، و(رجال اختلف فيهم الرأي) ص (١٠٤ - ١١٤) .\n(٢٢٢) (الحركات النسائية في الشرق) ص (٢٩) وما بعدها.","vol":"1","page":118},{"text":"وحق دخول البرلمان والمطمع الثاني الذي تهدف الدكتورة لتحقيقه هو إلغاء تعدد الزوجات وإدخال قوانين الطلاق الأوربية في مصر) اهـ.\nولما عادت إلى مصر عظم نشاطها وتوفرت لها أسباب الحماية والحرية وتهيأت لها عوامل النشر والإذاعة حتى لقد حيل بين أهل الرأي ودعاة الدين وحماته وبين الرد على دعوتها التي وصفتها هي نفسها بأنها تريد للمرأة (حقًا في الحرية الحرة المطلقة من كل قيد) (٢٢٣) .\n\nوبلغ التوتر مبلغه ونهض علماء الدين ودعاة الفضيلة والأخلاق على قلب رجل واحد يجابهون الاستعمار في شخص هذه المرأة أمام أعظم حصن من حصون الإسلام وهو الأسرة المسلمة ووقف الاستعمار بأمواله ونفوذه ...\n\nوانكشف بعض المستور حين قدمت إحدى عضوات مجلس إدارة الحزب استقالة مسببة ما لبثت أن قبلتها الرئيسة دون عرضها على مجلس الإدارة وكم كانت الدهشة كبيرة حين علم انه قد حيل بين كثير من الصحف وبين نشر سبب الاستقالة حتى فوجئ الشعب بأن السبب هو أن السفارة الإنكليزية والسفارة الأمريكية تمدان الحزب بألفين من الجنيهات سنويًا (٢٢٤) عدا الورق المصقول وغيره فضلًا عن تقديم المشورة والتوجيه\nوقد أشادت \" درية شفيق \" بجهود \" طه حسين \" بك ومدرسته من أصدقائه وتلامذته في القضاء على ما أسمته \" التقاليد السخيفة \" حتى أخذ الناس بفضلها\n_________\n(٢٢٣) \" تطور النهضة النسائية \" ص (٦٠) .\n(٢٢٤) وكانت (درية) قد أنشأت معهدًا نسائيًا لتدعيم نشاطها في حركة \" تحرير المرأة \" وقد عددت في كتابها\n(تطور النهضة النسائية في مصر من عهد محمد على إلى عهد الفاروق) أفضال بعض الشخصيات\n(الكريمة) التي مولت عملية إنشاء هذه الدار قالت: (وهنا لا يمكنني أن أجحد فضل المرحوم (! !)\nالمستر هربرمان الأمريكي الذي تبرع بمبلغ مائتي جنيه أرسلها من أمريكا مساعدة في تأسيس هذه الدار)،\nوقالت: (كما أخذ المسيو بيانكي المقاول الكبير على عاتقه بناء هذه الدار بقدر ما يمكن من العناية\nوالاقتصاد) اهـ ص (١٣١) .","vol":"1","page":119},{"text":"يتسابقون في تحرير بناتهم ثم تقول:\n(وكان من نتيجة هذه الجهود مجتمعة أن تيسر تحقيق حلم الخديوي إسماعيل القديم وهو اعتبار مصر جزءًا من أوربا) (٢٢٥)\nوهي تعتبر أن الخديوي إسماعيل كان (ضرورة) لمصر ليطفر بها من الخمول واليأس إلى النضوج والاستواء وتقيم أدلتها الدامغة (!) على ذلك فتقول:\n(ترقت الحياة في عهد إسماعيل فشهدت قصوره حياة اجتماعية لم تعرف في مصر الحديثة شهدت قصوره الحفلات الراقصة وشهد عصره أذواق الملابس الجديدة حتى ألوان الطعام تنوعت ودخل فيها جديد)\nثم تتحدث عن \" اكتشاف \" تاريخي \" خطير \" قائلة:\n(وقد حدثتنا الوثائق المكتشفة أخيرًا أنه اشترك لزوجاته وسيدات أسرته في سبع مجلات \" للموضة \" فكانت نماذج الأزياء في مصر والشرق العربي تخرج من قصوره)، ثم تقول:\n(وهذه العناية بشئون النساء - وإن كانت خاصة - إلا أن ورائها قلبًا كبيرًا يعرف للمرأة حقها ونوايا طيبة بدأ أثرها في خلال عصره الزاهر) (٢٢٦) .\nوهذه المرأة هي التي قادت مظاهرة الجامعة الأمريكية في إبريل سنة (١٩٥١ م) بتحريض من وزير الشئون الاجتماعية البريطانية \" سمر سكيل \" حين اجتمعت به في مصر (٢٢٧) وقادت الإضراب عن الطعام والاعتصام بنقابة الصحافيين في (١٢ مارس ١٩٥٤ م) - مطالبة بحقوق المرأة المزعومة.\n\nوفي إبريل سنة (١٩٥١ م) عقد مؤتمر نسائي دولي في أثينا حضرته هذه المرأة ممثلة المرأة المصرية زورًا وبهتانًا وقد كان المؤتمر مؤامرة استعمارية بعيدة المدى\n_________\n(٢٢٥) (تطور النهضة النسائية في مصر) ص (١٥) .\n(٢٢٦) السابق ص (٤٥ - ٤٦) .\n(٢٢٧) انظر تفاصيل تلك (المهزلة) في كتابها (المرأة المصرية) ص (٢٠١ - ٢٠٨) .","vol":"1","page":120},{"text":"كما يبدو من أحد قراراته التي أيدتها \" درية شفيق \" فيما يتعلق بإقرار \" سياسة التسليح الدفاعي \" مما كان من شأنه تأييد الاحتلال البريطاني لمصر ولذلك صفقت المندوبة البريطانية تصفيقًا حارًا لذلك القرار.\nوكانت تلك المرأة تصرخ مطالبة بحق المرأة في الانتخاب والترشيح وبضرورة إيجاد نص في القانون يجعل النساء سواسية مع الرجال إزاء هذا الحق المزعوم فقامت ضدها قومة علماء الدين \" وعلى رأسهم فضيلة مفتي الديار المصرية آنذاك الشيخ محمد حسنين مخلوف حفظه الله \" ودعاة الفضيلة والأخلاق بحملتهم الناجحة التي أحبطت كيد الاستعمار وأذنابه وأسندت ظهر الأمة أمام الخطر وإذا \" بالزعيمة \" تتصل بإنكلترا مستغيثة فلجأت على الفور إلى مندوب الإذاعة البريطانية في مصر\n\" باتريك سميث \" ليرفع إلى بلاده شكوى عميلتها من الحكومة المصرية!\nولذلك لم يعجب هؤلاء الذين استمعوا إلى المذيع البريطاني المذكور حينما تكلم إلى بلاده حينذاك قائلًا ما ملخصه:\n(جاءتني الدكتورة \" درية شفيق \" زعيمة حزب بنت النيل وقد شكت إلىّ من أن الجهات المسئولة في مصر تعارض بشدة مطالبتها بحقوق المرأة السياسية وكفاحها من أجل تمثيل المرأة داخل البرلمان المصري وطلبت مني أن أناشد الصحف البريطانية كي تؤازرها بكل ما تستطيعه وأن تضغط على الدوائر المصرية حتى تكف عن معارضتها القائمة)، ثم أوصى \" حضرته \" في رسالته (بضرورة مؤازرة هذه الزعيمة في\nدعوتها إلى تحرير المرأة المصرية عملًا بميثاق هيئة الأمم المتحدة الذي تحتكم إليه الزعيمة والذي ينص على تطبيق مبدأ المساواة في الحقوق السياسية والاجتماعية بين الرجال والنساء في الدول الأعضاء والتي من بينها مصر) اهـ، وفي عهد وزارة\n\" على ماهر \" إذا به يسمح لها بالسفر إلى لندن لحضور المؤتمر النسائي الدولي هناك ثم تنتقل بعد ذلك على الفور بصحبة مندوبة إنكلترا لحضور المؤتمر النسائي في نابلي وقد استقبلتها الصحف الإنجليزية جميعها على عادتها","vol":"1","page":121},{"text":"استقبالًا حارًا علقت عليه بعض الصحف المصرية - في دهشة - بأنه استقبال لم يحدث له مثيل.\nثم اتجهت \" الزعيمة \" إلى \" روما \" بصحبة مندوبة إنكلترا ومندوبة إسرائيل \" تبيهلا مانمون \" وأثناء انعقاد المؤتمر اتصلت بوفد إسرائيل ورئيسته المذكورة طوال الأيام التي مكثتها هناك ونشرت الصحف الأوربية وبعض المجلات النسوية المصرية الصور الكثيرة التي بدت فيها الدكتورة \" درية شفيق \" في أحاديث هامة وأوضاع شتى مع هذه الإسرائيلية الخطيرة..\n\nوأعلنت المندوبة الإسرائيلية المذكورة ارتياحها بالمندوبة المصرية بلندن ومصاحبتها لها إلى نابلي حيث قالت فيما نشرته الصحف الإيطالية والفرنسية:\n(إنني أهنئ نفسي بهذا الاتصال الذي ربط بيني وبين السيدة \" درية شفيق \" وإنني أعلن لعضوات المؤتمر السادس عشر في نابلي أني عقدت أمالي على الزعيمة المصرية لحل جميع المشكلات بين البلدين: إسرائيل ومصر) .\nوقد نشرت مجلة نسوية مصرية الصور المختلفة لدرية شفيق مع رئيسة وفد إسرائيل نقلًا عن الصحف الإيطالية كما نشرت صورة زنكوغرافية لمقال نشرته بعض الصحف الإسرائيلية الصادرة في \" تل أبيب \" باللغة العبرية وكانت صورة \" درية شفيق \" وهي تحادث مندوبة إسرائيل تزين (!) المقال المذكور وقد جاء في هذا المقال بعد ترجمته:\n(إن تل أبيب تتوقع أن الحوادث المقبلة ستزيد مكانة\"درية شفيق\"شأنًا ورفعة) (٢٢٨) اهـ.\n_________\n(٢٢٨) نقلًا عن (الحركات النسائية في الشرق وصلتها بالاستعمار والصهيونية العالمية) تأليف محمد فهمي عبد\nالوهاب ص (٢٨ - ٥٠) باختصار.","vol":"1","page":122},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-57> درية شفيق \"، ومثلها الأعلى:</span>\n\nوتجهر \" درية شفيق \" بالدعوة إلى التبعية المطلقة للغرب ولبريطانيا التي كانت تحتل مصر آنذاك على وجه الخصوص فتقول:\n(وبالرغم من أن ثقافة معظم المصريين المتعلمين متأثرة أشد التأثر بالثقافة الفرنسية وبالرغم من أن كثيرًا من مظاهر حياتنا الاجتماعية منقولة عن مظاهر الحياة الفرنسية الاجتماعية فإنا لا نجد في ظروفنا الحاضرة مثلًا أرفع من مثل الإنجليزية المثالية التي نرجو أن نخطو في نشاطنا النسائي على نهجها وهداها.\nفالمرأة الإنجليزية سيدة عركها الزمن واستحقت مكانها في حياة بريطانيا \" العظمى \" بجدارة تحسدها عليها بنات جنسها جميعًا إنها سيدة بيت من الطراز الأول..، وهي أم مثالية بين الأمهات.. لأن وظيفة الأم عندها رعاية الابن الممثل فيه الجيل الجديد: جيل إنجلترا الذي ينبغي أن يحافظ على تقاليد تلك الأمة وفي مقدمتها تربية الطفل تربية تليق بـ \" عظمة \" بريطانيا،.. فيشب مواطنًا يعرف مقامه في الدنيا وحسبه هذا المقام الذي يشغله الإنجليز منذ مئات السنين) (٢٢٩) .\nوتقول: (وقد تأثرت المرأة الإنجليزية في ذلك كله بملكة إنجلترا..، ونحن بذلك نضرب المثل بخير مثل وهو جلالة ملكة بريطانيا..\nفلنأخذ القدوة من أهل القدوة وليكن في السيدة الإنجليزية وعلى رأسها ملكة إنجلترا مثالًا لنا في كفاحنا من أجل السيدة المصرية ونصيبها في الحياة) (٢٣٠) اهـ.\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-58> درية شفيق \".. و\" الحملة الفرنسية </span>\":\n\nوفيما رأى المسلمون الواعون أن الحملة الفرنسية بقيادة \" نابليون بونابرت \" سنة\n_________\n(٢٢٩) \" تطور النهضة النسائية \" ص (٩٧) .\n(٢٣٠) السابق ص (٩٩) .","vol":"1","page":123},{"text":"١٧٩٨ م كانت حملة صليبية جديدة فاجتمعوا يواجهونها ويجاهدونها الجهاد المقدس في سبيل الله رأت \" درية شفيق \" أن اعتبار تاريخ مصر الحديثة يبدأ بنزول الفرنسيين إلى وادي النيل - مبدأ مقبول إلى حد بعيد، وتقول:\n\n(ذلك لأن مصر شهدت جديدًا أثناء تلك الحملة وأنها منذ عرفت الفرنسيين عرفت التقدم في مراحله جميعًا وأنها مضت قدمًا نحو أهداف سياسية واجتماعية ...) (٢٣١) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>لماذا فشلت \" درية شفيق </span>\"؟\n\n(كانت \" درية شفيق \" قلقة مضطربة كالعصر الذي ظهرت فيه فلم تكن في تعقل\n\" هدى شعراوي \" التي كانت تتحرك كجزء في الجهاز العام لحركة \" التنوير \" التي وضع أسسها الشيخ \" محمد عبده \" و\" قاسم أمين \" و\" سعد زغلول \" على اختلاف مواهبهم الدينية أو الفكرية أو السياسية.\nولم تستطع \" درية شفيق \" أن تسوس الرجل فتملكه ثم تطلب ما تريد كما فعلت سابقاتها ولكنها أرادت أن تثور على الرجل فتأخذ حقها غلابًا بأسنانها وأنيابها فلم تستطع لأن أنياب الرجل وأظافره لا تزال أقوى وستظل كذلك.\n\nأما السبب الأكثر خطورة في فشل \" درية شفيق \" فيتمثل في أنها رأت أن من النساء من هن أحق من الرجال بحق التمثيل السياسي وأنه من العار بزعمها \" أن يصوت الطاهي وتحرم من ذلك السيدة التي تستخدمه في منزلها \" (٢٣٢) فتجاوزت بذلك الحدود والأطوار الأمر الذي لم يقبله الرجل ولم يرض عنه) (٢٣٣) .\n_________\n(٢٣١) السابق ص (٢٩) ومما يعكس بعضًا من تلك الأهداف الاجتماعية ما حكاه الجبرتي في \" تاريخ عجائب\nالآثار والتراجم والأخبار \" وقد تقدمت الإشارة إليه، فراجع ص (٧٣ - ٧٦) .\n(٢٣٢) \" الحركة النسائية \" د / إجلال خليفة ص (١٧٤) .\n(٢٣٣) \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" ص (١٠٨ - ١٠٩) .","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>٥- \" ماري إلياس زيادة </span>\":\n\n(الأديبة السورية الأصل التي اشتهرت فيما بعد \" بالآنسة مي \" وكان لها محفل يشبه محافل الباريسيات يجتمع فيه الرجال والنساء وكانت \" مي \" سافرة متحررة يجتمع في دارها في هذا المحفل الذي أسسته سنة ١٩١٣م (٢٣٤) أهل الأدب والسياسة والفن ورجال الأعمال والصحافيون وكان المحفل يضم رجالًا ونساءًا من طرز مختلفة من الأوربيين والمصريين والعرب المقيمين بمصر خاصة النصارى منهم وكان يؤمه من الشيوخ الأزهريين الشيخ مصطفى عبد الرزاق وكان يضم طائفة من العلمانيين واللادينيين والليبراليين والماسونيين أمثال: يعقوب صروف وشبلي شميل وأنطوان فرح وإدريس راغب وغيرهم وكانت \" مي \" غالية في تحررها وقد انعكس تأثير محفلها على طبقة محصورة من الرجال والنساء الأوربيين والمصريين دون أن ينعكس انعكاسًا مباشرًا على أغلبية نساء المجتمع المصري وإن ظل يؤرخ له على أنه أحد العوامل المساعدة في سير الحركة النسائية نحو التحرر) (٢٣٥) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٦- \" أمينة السعيد </span>\":\nتلميذة وفية لـ \" طه حسين \" ترأس تحرير مجلة (حواء)، (ومن خلالها تحرض نساءنا على النشوز وفتياتنا على التهتك والانحلال) (٢٣٦)\nوقد تواتر لدى الجميع أنها تهاجم الحجاب الإسلامي بكل جرأة وهي - وإن كانت تلقفت الراية من \" الزعيمات \" السابقات - إلا أنها تفوقت على كل اللائي سبقنها في باب التجرد من الآداب والأخلاق الأساسية، إذ إنها لا تألو جهدًا في الصد عن سبيل الله\n_________\n(٢٣٤) وأسس هذا المحفل - فيما بعد - بصورة رسمية سنة ١٩١٤ وذلك بجهود البرنس \" أولفادي لبيدف \".\n(٢٣٥) انظر: \" رجال عرفتهم \" لعباس محمود العقاد (الهلال ١٩٦٣) فصل: \" رجال حول مي \"، و\" المؤامرة\nعلى المرأة المسلمة \" للدكتور السيد أحمد فرج ص (٢١) .\n(٢٣٦) (الأخوات المسلمات) ص (٢٦٤) .","vol":"1","page":125},{"text":"والاستهزاء من شرعه ﷿ حتى وصل بها الأمر إلى أن قالت:\n(كيف نخضع لفقهاء أربعة ولدوا في عصر الظلام ولدينا الميثاق؟)، وقالت:\n(إنني لا أطمئن على حقوق المرأة إلا إذا تساوت مع الرجل في الميراث) (٢٣٧) .\nوهي المرأة التي أزعجتها ظاهرة (عودة الحجاب) إلى المجتمع المصري فجردت قلمها المسموم لتواجه هذه الظاهرة (المقلقة) ووصفت الحجاب بأنه (كفن ككفن الموتى)\n\nفقد قالت في إحدى جولاتها ضد الحجاب:\n(إن هذه الثياب الممجوجة قشرة سطحية لا تكفي وحدها لفتح أبواب الجنة أو اكتساب رضا الله فتيات يخرجن إلى الشارع والجامعات بملابس قبيحة المنظر يزعمن أنها \" زي إسلامي \" لم أجد ما يعطيني مبررًا منطقيًا معقولًا لالتجاء فتيات على قدر مذكور من التعليم إلى لف أجسادهن من الرأس إلى القدمين بزي هو والكفن سواء) (٢٣٨) اهـ\nوقالت أيضًا مستنكرة:\n(هل من الإسلام أن ترتدي البنات في الجامعة ملابس تغطيهن تمامًا وتجعلهن كالعفاريت.. وهل لابد من تكفين البنات بالملابس وهن على قيد الحياة حتى لا يرى منها شيء وهي تسير في الشارع؟) (٢٣٩) اهـ.\nوقالت أيضًا:\n(عجبت لفتيات مثقفات! كيف يلبسن أكفان الموتى وهن على قيد الحياة؟!) (٢٤٠) اهـ.\n_________\n(٢٣٧) السابق (ص ٢٦٨ - ٢٦٩) نقلًا عن (المصور) .\n(٢٣٨) مجلة (حواء) تاريخ ١٨ نوفمبر ١٩٧٢ م.\n(٢٣٩) (المصور) ٢٢ يناير ١٩٨٢ م ص (٧٥) .\n(٢٤٠) نقلًا عن (الولاء والبراء في الإسلام) لمحمد بن سعيد بن سالم ص (٤٠٤) .","vol":"1","page":126},{"text":"بل إنها تعتبر ظاهرة (عودة الحجاب) مشكلة وترهق نفسها في البحث عن تبرير لهذه الظاهرة فيهديها شيطانها إلى تبرير يشابه إلى حد كبير موقف المنافقين الذين كانوا يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات الذين لا يستطيعون أن يتصوروا إخلاص المؤمنين في طاعتهم لربهم وصدقهم في الصبر على دينه وامتثال أمره لأنهم لم يألفوا\nالصدق ولم يذوقوا الإخلاص ومن هنا راحوا يطعنون في الغني المتصدق بأنه مراء وفي الفقير بأنه أحوج إلى صدقته قال تعالى:\n(الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم) التوبة (٧٩) .\nتقول أمينة السعيد:\n(الانفتاح أباح لبعض الفتيات الفرصة في ارتداء الأزياء الغالية ومتابعة الموضات المختلفة مما تسبب عنه مشكلة اجتماعية ترتب عليها في نظري مشكلة الحجاب وارتداء الملابس الإسلامية.. وهو في معظم أوقاته ليس تدينًا بل هربًا من مواجهة المقارنة الرهيبة في الجامعة بين الأزياء الباهظة الثمن المتنوعة وبين البنت غير القادرة وهي عندما تلبس ما يطلقون عليه الزي الإسلامي تنقذ روحها من محنة مالية هي غير قادرة عليها) (٢٤١) اهـ.\n\nوتفاخر (أمينة السعيد) بصفحات نضالها ضد الشريعة الإسلامية تحت ستار (تحرير المرأة) فتقول:\n(اقتراحي بإجراء تلقيح صناعي لزوجة عقيم من زوجها أقام الدنيا وأقعدها ومطالبتي بإلغاء المحاكم الشرعية كاد يدخلني السجن أما مهاجمتي لقانون الأحوال الشخصية فقد أثارت الدنيا من حولي وجاءت مظاهرة إلى \"دار الهلال\" تهتف بسقوطي) (٢٤٢) اهـ.\n_________\n(٢٤١) (المصور) العدد رقم (٣١٣٩) ١٤ ربيع الأول ١٤٠٥هـ، ٧ ديسمبر ١٩٨٤ م، ص (٧٤) .\n(٢٤٢) السابق.","vol":"1","page":127},{"text":"ولنعرض فيما يلي - إن شاء الله - أنموذجًا من جولاتها ضد الحجاب والآداب الإسلامية في ردها على بعض الشيوخ مستنكرة عليه آراءه التي (أثارت القلق والأسف) على حد تعبيرها ولن نتتبع شبهاتها بالرد والتعقيب لأن فسادها يغني عن إفسادها وصدق القائل:\n\nلو كل كلب عوى ألقمته حجرًا لأصبح الصخر مثقالًا بدينار\n\nوهي تذكر أن أكث ما أثار القلق في أقوال الشيخ الفاضل نقطتان:\nأولاهما: الدعوة إلى إلزام الطالبات بما يسمونه \" الزي الإسلامي \" وهو ما تفضل سيادته بتسميته الحجاب بحجة أنه دليل إسلامي رائع على الإيمان العميق والبعد عن\nالفتنة والإغراء.. إلخ، ثم ترتدي هذه المرأة (الثعلب) ثياب (الناسكين) وتعظ الشيخ قائلة:\n(ما كان ينبغي على شيخ المفروض فيه - بحكم ثقافته ومكانته - أن يكون ضليعًا في الإسلام أن يصدر عنه مثل هذا الكلام ونحن نعرف جميعًا استنادًا إلى ما ورد بالقرآن الكريم - وهو دستورنا الديني الأول- أن الإسلام لم يحدد على الإطلاق زيًا معينًا للمرأة المسلمة ولم يقدم رسمًا كامل الأوصاف لا من حيث الشكل أو النوع أو اللون)\nثم تزعم أن (المعنى الواضح من هذا الكلام المقدس أن الدين الحنيف لا يستهدف من ملابس المرأة سوى الوقار والاحتشام والبعد عن التبرج والابتذال فكان أي ثوب تتوافر فيه هذه الاشتراطات هو زي إسلامي بمعنى الكلمة سواء كان مقتبسًا من الغرب أو الشرق أو الشمال أو الجنوب أما ما نراه اليوم شائعًا بين الفتيات والسيدات مما يسمونه\n\" الزي الإسلامي \" فالإسلام منه براء لأنه تقليد حرفي لزي الراهبات المسيحيات والذي نعلمه جميعًا أن لا كهانة ولا رهبانية في الإسلام)\n\nثم تستطرد تحت عنوان: (أزياء دخيلة) (٢٤٣) فتقول:\n\n(والأدهى من\n_________\n(٢٤٣) تعني بتلك الأزياء الدخيلة الجلباب والنقاب وهي تعلم تمامًا أن ما عدا هذه الأزياء هو الدخيل الطارئ وأن\nهذا الحجاب كان سائدًا في كل المجتمع المصري قبل ظهور دعاة تحرير المرأة ولكنها =","vol":"1","page":128},{"text":"ذلك: \" المقنعات \" وهن قلة من المتطرفات في إعلان عن تدينهن فقد ذهبن في ثيابهن إلى تحريم ما أحله الله فغطين وجوههن بأنسجة كثيفة ليس بها سوى خرمين صغيرين للاستعانة بهما في النظر ولم يكتفين بذلك بل ذهبن في مبالغتهن إلى تغطية الخرمين الصغيرين بنظارات سوداء خوفًا من أن تتغلغل الأنظار من خلال الخرمين إلى حدقتي العينين وهو كل ما يحتمل أن يظهر من هذا القناع العجيب الدخيل هذا بالطبع غير جائز في الإسلام بدليل الفتوى الذي أصدرها سيد الأئمة كلهم الإمام الأكبر الشيخ \" محمد عبده \" وقد أورد فيها أن \" المقنعات \" لا ينبغي أن ترفع لهن قضية أو تسمع لهن شهادة في المحاكم ... ولو كنا نساير روح الإسلام الأصيل ما سمحنا لهن بدخول الامتحانات العامة لسهولة تزييف الشخصية تحت هذا القناع العجيب) .\n\nوتشتد \" غيرة \" \" أمينة السعيد \" على الإسلام و\" يتدفق \" حرصها على\"مخالفة الكفار \" فتقول:\n(وما يقال عن الحجاب يسري أيضًا على ملابس الرجال فمع عظيم إجلالي للعمامة والجبة والقفطان أعرف أنها ليست زيًا إسلاميًا أصيلًا وإنما هي اقتباس من ملابس الأحبار اليهود في قديم الزمان)\n\nوتختم مقالتها الطويلة مستنكرة على الشيخ تصريحاته قائلة:\n\n(إنها عملية هدم للإسلام من أساسه فاللهم ارحمنا وارحم ديننا من شر أنفسنا إنه السميع المجيب) (٢٤٤) اهـ وصدقت فإن ما تفعله حقًا هو عملية هدم للإسلام من أساسه وهي أولى بهذه الكلمات من غيرها، وصدق الله العظيم:\n\n(ولتعرفنهم في لحن القول)\nالآية (٢٤٥) .\n_________\n= تستغل جهل الجيل\nالحاضر بالماضي الذي عاصرته هي وأمثالها من الطاعنات في السن وتتحدث عن الحجاب كأنه من اختراع\n\" المتطرفات الجدد \" على حد تعبيرها.\n(٢٤٤) من مقالة بعنوان (هذه دعاوي غير إسلامية) مجلة حواء.\n(٢٤٥) جزء من آية رقم (٣٠) سورة محمد \".","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>لعبة العرائس المتحركة:</span>\n\nوفي موكب الرذيلة صحافيات أخريات ومذيعات ومعلمات طبيبات وسياسيات قد تلونت تصوراتهن بألوان شتى وتفرقت مللهن أيما تفرق وبرغم انتساب بعضهن إلى الإسلام فقد جمعهن هدف واحد هو طعن الإسلام في الصميم وهؤلاء جميعًا وضعن أنفسهن بهذا المسلك الوخيم في صف المواجهة مع الإسلام يرمينه عن قوس واحدة شئن أم أبين رضين أم كرهن وتحصنّ في هذه الحرب في خندق واحد ضم إليهن اليهود والنصارى والملاحدة والمنافقين والفاسقين وكأني بهن يشرن إلى أوليائهن ورفاقهن قائلين:\n(هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا) الآية النساء (٥١)،\nفما أجدر هؤلاء بقوله تعالى:\n(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا) (٢٤٦) .\nوغير هؤلاء صفوف وصفوف ممن رباهن الاستعمار الصليبي والصهيوني في محاضنه وأخريات ممن هن في دور الإعداد والتربية ليخلفهن في مهمة \"تدمير المرأة \"\nكل بأسلوبه وبقدر طاقته، (ولكل وجهة هو موليها) البقرة (١٤٨)، لكن يجمعهن محور واحد يؤكد أن هذه الشخوص التي تبدو للناظر كأنها تتحرك بإرادتها لا تتحرك إلا حسب خطة واحدة قدّرها ورسم خطوطها الذين فضلوا أن يجذبوا الخيوط من خلف ستار كفانا الله والمسلمين شرورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>من يحرر من</span>؟\n\nإن المرأة المسلمة الواعية البصيرة بحقوقها وواجبتها في ضوء كتاب الله وسنة رسوله \" هي المرأة الجديرة بصفة الحرية أما المرأة الغير المسلمة أو المنحرفة في\n_________\n(٢٤٦) سورة النساء آية (١١٥) .","vol":"1","page":130},{"text":"فهمها للإسلام فهي الأسيرة التي تحتاج إلى تحرير سواء كان هذا التحرير من رق الشرك والوثنية وعبادة غير الله أو رق الرذيلة والتهتك أو رق العادات والأعراف والتقاليد المنافية لدين الإسلام.\n(ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)\nآل عمران (٨٥)\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-64> لا \" للقومية النسائية:</span>\n\n(كان دأب دعاة تحرير المرأة منذ البداية لجعل القضية: قضية \" تحرير المرأة \" فقط مع إسقاط التعيين \" المسلمة \" ومن ثم ربطها بقضية تحرير المرأة في العالم كأنما صارت هناك قومية خاصة اسمها \" القومية النسائية \" تربط المرأة المسلمة بالمرأة النصرانية بالمرأة اليهودية بالمرأة عابدة البقروالأوثان بالمشركة بالملحدة (٢٤٧) ... إلخ.\n_________\n(٢٤٧) بل الأدهى من ذلك أن تتجاوز هذه (القومية النسائية) حدود الزمان لتجعل\nالمسلمة الموحدة أختًا لنساء قدماء المصريين الوثنيات انظر ما كتبته (إحداهن)\nمفتخرة بالفراعنة:\n(كان الفراعنة هم أول من رفع المرأة إلى مقاعد الحكم وارتضى رجالهم في\nفخر واعتزاز أن تحكمهم ملكات كانت عهودهن رمز العدالة والتقدم\nوالاستقرار.. ولقد وصلت المرأة الفرعونية إلى هذه المكانة العالية في قومها\nبغير معارك وبدون اعتراض.. وما كان ذلك إلا لأن المجتمع الفرعوني كان\nهو المجتمع المتحضر الذي رسم للبشرية بأجمعها طريق الحضارة والعلم\nوالحكمة) اهـ من (المرأة المصرية) لدرية شفيق ص (٧)\n\nثم تفتخر ببعض مظاهر حرية المرأة عند الفراعنة مثل:\n(حق اقتسام الميراث في مساواة مع رجل أسرتها وكانت تملك حق تطليق\nزوجها بعد أن تدفع له تعويضًا وكانت تسمي أولادها باسمها) اهـ ص (١٥)\n\nوتنقل بإعجاب عن (هيرودوت) قوله:\n(إن المرأة في مصر القديمة أكثر نشاطًا من رجلها فالنساء يذهبن إلى السوق يبعن ويشترين في حين\nأن الرجال يلازمون بيوتهم حيث يقومون بنسج الأقمشة) اهـ ص (١٦) ثم تفتخر زعيمة حزب\n(بنت النيل) بنفرتيتي زوجة إخناتون ﴿التي حملت لواء حركة الانقلاب الديني.. وهي الحركة التي\nقامت في عهد حكم زوجها واشتركت نفرتيتي معه في صنع أسس الدين الجديد الذي توحدت فيه لأول\nمرة في تاريخ الأديان (!!) جميع الآلهة في إله واحد هو (آتون) أي الشمس﴾ اهـ ص (١٦)،\n\nوليت شعري ما الذي يدعو إلى هذا الفخار وقد انتقلت نفرتيتي وقومها من شرك إلى شرك؟ وأي\nشيء يدعو للإعجاب والاعتزاز بفراعنة وحدوا آلهتهم المتعددة في (كومبانية) آلهة مشتركة هي\n(الشمس) تعالى الله عما يشركون!، وهل خفى على هذه (المتحررة) أن عقيدة توحيد الله سبحانه\nوتعالى أول من نزل بها إلى الأرض من البشر آدم وحواء.. وأنهما كانا على دين الإسلام الذي أرسل\nالله به جميع رسله وأنزل به جميع كتبه؟ وأن التوحيد ليس إختراعًا =","vol":"1","page":131},{"text":"كأن قضيتهن واحدة ومطالبهن واحدة وأهدافهن واحدة ومعتقداتهن واحدة وكان السعي\n\nوكان السعي فعلًا حثيثًا لتأخذ المرأة المسلمة ملامح المرأة الغربية وكلما تطابقت صورتها مع الغربية كلما زاد الإعجاب بها وتقريظها بأنها لا تفترق عن الأجنبية! حتى سقطت بعض المسلمات فيما لم تسقط فيه عابدة البقر التي ظلت معتزة بزيها الخاص\n\" الساري \" وتميزها بالنقطة الحمراء بين عينيها) (٢٤٨) .\n\nوقد قامت الدوائر الاستعمارية خاصة في أمريكا وإنكلترا بتغذية هذه\"القومية النسائية \" في البلاد الإسلامية خاصة مصر فحينما استطاع \" الاتحاد النسائي المصري \" أن يعقد ما سمي بـ \" المؤتمر النسائي العربي \" سنة ١٩٤٤ م وسط استنكار الشعوب العربية والمسئولين فيها ووسط احتجاج العلماء وثورة الإسلاميين إذا بزوجة الرئيس الأمريكي\n\" روزفلت \" (٢٤٩) تبرق إلى المؤتمر المذكور في ١٧ ديسمبر ١٩٤٤ م البرقية الآتية:\n(يسرني أن تتاح لي فرصة إرسال تحيتي إلى مندوبات الاتحادات النسائية في مختلف بلاد الشرق العربي والواقع أن نفوذ السيدات ليتعاظم ويزداد قوة في مختلف أرجاء العالم وإني لواثقة من أن النساء العربيات سيقمن بدورهن إلى جانب \" شقيقاتهن \" في باقي بلدان العالم أملًا في نشر التفاهم والسلم العالمي في المستقبل) (٢٥٠)\n\nومن قبلها حضرت إلى مصر \" الدكتورة ريد \" رئيسة الاتحاد النسائي الدولي\n_________\n= فرعونيًا؟ وهل تتجاهل الكاتبة\nحقيقة تلك الوثنية الفرعونية البغيضة التي لا يصح إسلام أحد حتى يتبرأ منها ومن أصحابها؟ قال\nتعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما\nتعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾\nالآية (٤» الممتحنة: ٤) .\n(٢٤٨) (في مسألة الحجاب والسفور) (لصافي ناز محمد كاظم) ص (٢٦) بتصرف.\n(٢٤٩) (ولسنا في حاجة إلى أن نذكر الدور الخطير الذي لعبته \" مسز روزفلت \" في تكوين الوطن القومي لليهود\nفي فلسطين) من (الحركات النسائية) لمحمد فهمي عبد الوهاب ص (٢٨) .\n(٢٥٠) (الحركات النسائية في الشرق) ص (٢٧) .","vol":"1","page":132},{"text":"بنفسها لتدرس عن كثب تطور الحركة النسائية ولتناصر الحركة بنفوذها في المحيط الأوربي وبتصريحاتها التي ترمي إلى \" المسارعة بإعطاء المرأة المصرية الحقوق السياسية \" المزعومة!\n\n(ومن هنا أيضًا لم يدهش الشعب المصري لزيارة وزيرة الشئون الاجتماعية البريطانية\n\" مسز سمر سكيل \" لتتفقد الأحزاب النسائية في مصر وتجتمع بـ \" درية شفيق \" رئيسة حزب \" بنت النيل \" المشبوه وتحرضها على أن تترك المقالات والمناقشات والمجلات وتتجه إلى المظاهرات واقتحام أبواب البرلمان (٢٥١) .\nوتمتثل رئيسة \" حزب بنت النيل \" لتلك التوجيهات ففي إبريل سنة ١٩٥٢ خرجت مظاهرة من قاعة \"إيوارت\" بالجامعة الأمريكية - ذات التاريخ الطويل في التبشير - قوامها بضع عشرات من الفتيات الكاسيات ...، تتقدمهن زعيمة الحزب المذكور وبعض الشبان من أصدقاء حزبها وأنصاره إلى دار البرلمان هاتفات بالحقوق السياسية المزعومة!\nوفورًا أبرقت جمعية \" سان جيمس \" الإنكليزية إلى الزعيمة المذكورة بتهنئتها على نجاحها في اتجاهها الجديد نحو المظاهرات وتعلن تأييدها لها حتى تنال المرأة المصرية على يديها الحقوق السياسية تحت قبة البرلمان وفوق كرسي الوزارة) (٢٥٢) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>فهل أدركت يا أخت الإسلام:</span>\n\nحقيقة \" الحركات النسائية \"..\nوهدف \" القومية النسائية العالمية \"؟\n\n(إن الكلام عن \" العالمية \" في هذا المجال ضار جدًا وهادم لأسباب النهضة عند الأمم الضعيفة بنوع خاص لأنها إذا أرادت أن تنهض فلن تقوم لها نهضة إلا على\n_________\n(٢٥١) وكان الهدف من ذلك كله إشغال الرأي العام بقضية المرأة عن التفرغ لقضية (الوطن الأسير) الذي كانت\nتحتله آنذاك الدولة التي تمثلها \" مسز سمر سكيل \" الغيورة على (حقوق المرأة المصرية) !\n(٢٥٢) (الحركات النسائية في الشرق) ص (٣٧ - ٣٩) بتصرف.","vol":"1","page":133},{"text":"مغارسها وأصولها الأولى والنهضة على غير هذا الأساس فناء لذات العنصر الأضعف في العنصر الأقوى) (٢٥٣) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>حصاد المؤامرة:</span>\n\nفي نفس الوقت الذي ارتفعت فيه نعرة توحيد \" القومية النسائية \" كان دأب \" دعاة تحرير المرأة \" رجالًا ونساءً الأهم هو فصل قضية تحرير \" المرأة \" المسلمة عن قضية تحرير \" الوطن \" المسلم وفصل قضية الظلم الواقع عليها عن قضية الظلم الواقع على الرجل المسلم: تجزئة للقضية الواحدة من أجل أن تتفتت في مسارات متباينة متعارضة بل ومتصارعة إذ لم يقف الأمر عند هذه التجزئة بل تعداه إلى أن جُعلت المرأة المسلمة تقف خصمًا أمام الرجل المسلم وأمام الوطن المسلم تقف خصمًا ضد شريعتها\nتمتلئ رعبًا وهلعًا كلما قيل لها: هناك من يطالب بتطبيق حكم شريعتك وتنفرج أساريرها فرحة كلما وجهت ضربة إلى الشرع الحنيف عن طريق سن المزيد من القوانين العلمانية المستمدة من قوانين الغرب.\n\nذهب العصر الذي شيبنا وأتى عصر الشباب الملحدين\nعيرونا إن عبدنا ربنا وحفظنا عهده في الحافظين\nوعدوها لنا \" رجعية \" جعلوها سبة للمؤمنين\nللمصلين إذا ما سجدوا من حديث السوء ما للصائمين\nنسخ الأخلاق في شرعتهم أنها من ترهات الجامدين\nإن نقل\"دين\"يقولوا\"فتنة\" هاجها في مصر بعض المفسدين\nفسد الأمر فهل من مصلح أصلحوه يا شباب المسلمين (*)\n_________\n(٢٥٣) من مقالة للدكتور \" محمد محمد حسين \" ﵀ بمجلة الأمة العدد (٣١) السنة الثالثة ص (٢٦) .\n(*) \" الاتجاهات الوطنية \" (٢ / ٣١٤) .","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الصحافة، والمرأة المسلمة </span>(*)\n\nوصف \"محمد التابعى\"- الذى كانوا يعدونه أستاذ جيل الصحافيين الذين خرجتهم مجلة (روز اليوسف) - واقع الصحافة يوما، فقال ما نصه:\n﴿هذه الصحيفة صنيعة أمريكا، وهذه الصحيفة مأجورة للإنجليز، وهذه المجلة تصدر بأموال شيوعية، وهذا الصحفى يتلقى أوامره ومرتبه الشهرى من موسكو أو وارسو أو براج.\nوهكذا أصبحنا جميعا نحن الصحفيين بين فاسدين ومفسدين، ومنافقين وخونة، مأجورين للكتلة الغربية والكتلة الشرقية، وأصبح الشعب في حيرة من لسانه المسموم:\nالصحف التى أيدت الطغيان ودافعت عن الفساد، الصحفيون الذين مرغوا جباههم تحت أقدام الطغيان، بعد أن أسفر الطغيان﴾ .\n\nانتهى من (الصحافة والأقلام المسمومة) للأستاذ \" أنور الجندي \" ص (٦٨ - ٦٩) نقلًا من: (أخبار اليوم) تاريخ (٢٥ / ١٠ / ١٩٥٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>دور الصحافة فى حركة (تدمير) المرأة</span>\n\nأولت الصحافة (اليومية والأسبوعية) اهتماما كبيرًا للمرأة، وظهرت صحف متخصصة لقضايا المرأة، تحمل ذلك الفكر الذى يعتمد على مفاهيم مضللة عن حرية المرأة، وعمل المرأة من خلال مفهوم يقوم على الهجوم الدائم والمتصل على كل الدعوات التى تحمل لواء مسئولية المرأة فى المنزل، ورسالتها الحقيقية فى الأسرة والزواج وتربية الأبناء، وتركز على مجموعة من المفاهيم الخاطئة كالقول بأن عمل المرأة من شأنه أن\n_________\n(*) مختصر - بتصرف - من: \" الصحافة والأقلام المسمومة \" للأستاذ أنور الجندي.","vol":"1","page":135},{"text":"يزيد دخل الأسرة ماديًا، وأن المرأة تعاون الزوج فى نفقات البيت، ثم تركز على مسائل الأزياء الجديدة، وكل ما يتصل بالزينة والملابس والإغواء، وهى تتمثل بأن هناك عداءً للمرأة يحمل لواءه الرجل، وأن نظم الزواج والطلاق لا تحقق للمرأة رغبتها فى التحرر وامتلاك الإرادة، والقضاء على ما يسمى بالقوامة، وتستمد هذه الكتابات مفاهيمها من دعوة منحرفة تقودها منظمات عالمية هي فى الأغلب على صلة بالصهيونية العالمية، وتعتمد على عبارات مسمومة مما يتردد فى كتابات بعض دعاة الهدم أمثال (سيمون دى بوفوار) و(فرانسوا ساجان) وكثيرات ممن يجرين في نفس الفلك.\n\nولعل مجلتي (حواء) و(الشرقية) كانتا أشد المجلات عنفًا وجرأة فى هذا المجال، حيث تشن حملات مستمرة شديدة متصلة على كل قيم الإسلام، وقد حملتا حملات واسعة على حركة الدعوة إلى الله التى ظهرت فى مجال الطالبات الجامعيات والدعوة إلى الحجاب الإسلامي، ووصفتا هذه الحركة بكل تحقير، كما أعلنتا خصومتها لكل دعوة إلى الملابس المحتشمة أو أخلاقيات الملابس، وسخرتا من القائمين بها، كما حملتا على القائمين على حدود الله فى أمور الطلاق وتعدد الزوجات.\nوما تزال المجلات النسائية فى مصر والبلاد العربية تحتضن فى أعماقها خلفية من الكراهية للمفهوم الإسلامي، وتعليمًا واضحًا لبث هذه السموم يومًا بعد يوم.\nلقد حرصت الصحافة العربية على أن تغير العرف الإسلامي العام فى مجال الاجتماع والمرأة والأسرة والعلاقة بين الرجل والمرأة، مستهدفة تحطيم ذلك الحاجز القوى الذى أقامه الإسلام على أساس المحافظة على العرض والشرف والخلق، وتنطلق النظرة\nالغربية الوافدة التى تحمل لواءها الصحافة العربية من خلفية آثمة تستهدف إخراج المرأة من دائرة حياتها الحقة، من موقعها الأصيل، لتكون أداة تسلية ولهو وإفساد كما تصور ذلك\n(بروتوكولات صهيون تحت اسم تحرير المرأة، وحقوق المرأة، وقد أكد كثير من الباحثين أن المرأة ما تزال سلعة يتلاعب بها يهود العالم، وأن الصحافة هي وسيلتهم","vol":"1","page":136},{"text":"الكبرى فى ترويج هذه السلعة.\n\nإن من أشد مقاتل الصحافة ومصادر اتهامها أنها لا تقدم الحقيقة للمرأة، وإنما تفضل أن تقدم لها الرأي المضل الخادع الغاش، أنها تخفى الحقائق الأصلية، وتحجبها لأنها تتعارض مع هدفها الأساسي من التدمير.\nمثال ذلك أنها تكثر من تقديم كتابات الغرب الداعية إلى الفساد، وتتجاهل عمدا عشرات الأبحاث الجادة التى تكشف الحقيقة، والتي كتبها غربيون منصفون، يحذرون من مخاطر المنزلق الذى هوت إليه المرأة.\n\nففي قضية (عمل المرأة وحريتها) حذر الكثيرون من أمثال (ألكس كاريل) والكثيرات ومنهن (مارتن باولى) من أخطار انهيار الأسرة بسبب تمرد المرأة على التزاماتها التى توثقها بالأسرة، وبسبب اندراج عدد كبير من الزوجات في العمل خارج المنزل، مما يخضعن لسلطة أخرى هي سلطة المؤسسات وقوانينها، مما أدى إلى ارتفاع معدل الطلاق إلى ما يقارب الخمسين بالمائة من عدد الزيجات، وتغيرت صورة المنزل التقليدية وأصبحت مجرد خيال ... حتى العلاقة بين الآباء والأبناء، أصبحت تعصف بها الشكوك ... الخ.\nوفى مسألة \" تحديد النسل \": كشفت دراسات غربية كثيرة عن فساد الدعوة إلى تحديد النسل، وكيف أن الغرب يدعو إلى ما يضادها من تشجيع النسل، وكيف أن قادة الدين النصراني رفضوا الموافقة على تحديد النسل.\nوكشفت الأبحاث عن أخطار طبية واجتماعية نتيجة حبوب منع الحمل، ولكن صحافتنا تحجب هذه الجوانب.\n\nوفى مجال قضايا الأسرة والشباب كشفت دراسات كثيرة فى مقدمتها كتابات\n(برتراند راسل) عن فساد الأسرة فى المجتمع الغربي الذى تصوره لنا الصحافة العربية","vol":"1","page":137},{"text":"على أنه المثل الأعلى.\nإن الصحافة العربية متهمة بأنها تخفى عن قومنا أن المرأة فى الغرب تجأر الآن بالشكوى، وتطلب العودة إلى البيت.\nويمكن تلخيص عمل الصحافة فى سبيل إفساد المرأة المسلمة فى ميادين مختلفة:\n\nأولًا: فى مجال الدعوة إلى حريتها الزائفة، وغرس الشعور \" بالقومية النسائية \" عن طريق التهليل والتصفيق لكل امرأة وليت عملا من الأعمال: منادية فى البورصة، سائقة تاكسي، كناسة فى شوارع روسيا.. الخ.\n\nثانيًا: إشاعة جو من التبرج الصارخ، والتمرد على الفطرة من خلال قنوات الصحافة والإذاعة المسموعة والمرئية والسينما والمسرح والقصة، وغيرها، والإفاضة فى شأن الموديلات والسهرات ومسابقة الجمال وأخبار الفاسقات من الممثلات والراقصات، والإلحاح فى ذلك حتى يوجدوا لدى الجميع انطباعًا بأن هذه هي صورة المجتمع الطبيعية التى لا مناص من الإقرار بها ثم الاندماج فيها.\nوبينما يدعو الإسلام المرأة إلى إغماد سلاح الفتنة أمام الرجل، وتجنب مخالطتهم والاحتجاب عنهم، تدعو الصحافة إلى الملابس الضيقة والعرى وإيقاد الشهوات.\n\nثالثًا: تعمل الصحافة جاهدة لتحقيق هدف خطير ألا وهو: دمج الرجولة فى الأنوثة، وتحويل الأنوثة إلى رجولة والعكس، وإلباس الرجل ثياب المرأة، والمرأة ثياب الرجل، وذلك معارضة لحكمة الإسلام فى حتمية الفصل الدقيق والعميق بين الرجل والمرأة.\n\nرابعًا: دعوة الصحافة إلى إغراء المرأة باتخاذ حبوب منع الحمل: تحمل فى طياتها خطرًا شديدًا، فإن انتشار هذه الحبوب بلا رقابة من شأنه إشاعة الفاحشة، والترويج للحرام، وهدم الأسر.","vol":"1","page":138},{"text":"خامسًا: تستهدف الصحافة من وراء نشر عشرات الحوادث المخلة والإغراء بها، وكذا ما تنقله عن المجتمعات الغربية تستهدف بذلك أن تبدو العلاقة المحرمة فى نظر الناس سهلة يسيرة بل ومقبولة، ويحاول بعض الصحافيين الإيحاء بين الناس أن الشرف والفضيلة والعرض كلها مسائل تافهة لا يتمسك بها إلا السذج والبسطاء والرجعيون؛\nتقول (أمينة السعيد):\n(الحرية الجنسية فى البلاد الأخرى طاغية فى خطابات القراء عندهم، فإذا وجدوا بنتًا معقدة شجعوها أن تنطلق جنسيًا، وتمارس حياتها بلا حدود، عندنا البنت عندما تخطيء تكاد تقتل نفسها، هناك يقولون: \" إنها إحدى تجارب الحياة، ستتعلمين منها،\nواحترسي فى المرة القادمة \"، إذا كانت حاملًا دون زواج، يقولون: \" وماله؟! أعط الطفل أمومتك، وواجهي به المجتمع \" يعنى شيء مختلف لا يمكن أن يسرى عندنا..) (٢٥٤) .\nوجاء فى مجلة \" صباح الخير \":\n(إن نظام الزواج فى وطننا العربي هو نظام مضحك يدعو إلى السخرية: مهر، وعقد.. مظاهر جوفاء تقتل فيها الإرادة، وتقتل المشاعر الإنسانية) (٢٥٥) اهـ.\n\nوتقول (عايدة ثابت) في (أخبار اليوم) تاريخ (١٧ سبتمبر ١٩٧٠) وهى تتحدث عن المجتمع الأوربي تحت عنوان: \" حرية الفتاه بلا حدود \":\n(إن ما نسميه نحن انحلالًا يفعلونه كأي ظاهرة طبيعية أخرى، فلم يعد فى هذا المجتمع شيء غير مباح وغير مقبول، ولم يعد الشباب يواجه فى سلوكه وعلاقاته كلمة \"ممنوع \") اهـ.\nولقد عمدت الصحافة إلى الغش والتمويه وذلك فى طرق عرض الجرائم الخلقية، وهى تعرف أن أخبار الجرائم الأخلاقية تثير النفوس، فتعرضها على نحو تهون فيه من\n_________\n(٢٥٤) (المصور) العدد (٣١٣٩) تاريخ ٧ ديسمبر ١٩٨٤ م - ص (٧٤) .\n(٢٥٥) نقلًا من: (مجلة الجامعة الإسلامية) (١٣٩٥ - ١٣٩٦ هـ) ص (١٢٨) .","vol":"1","page":139},{"text":"شأنها، وتوحي من وراء التعدد والموالاة والتكرار أن الظاهرة عامة، وأنها طبيعية، وأنها لا تؤثر على المجتمع.\n\nوهى لا تحاول مطلقًا أن تقدم مع الحدث الوجهة الصحيحة أو الدرس المستفاد، أو الدعوة إلى الإصلاح، فذلك أمر تتجاهله تمامًا، ولا ريب أن موالاة عرض الجرائم والأحداث أسبوعًا بعد أسبوع، ويومًا بعد يوم، وإعداد صفحات دائمة، وأبواب ثابتة لها هو من أخطر ما تقوم به الصحافة فى سبيل توهين روابط المجتمع، وليس عملها فى هذا المجال أقل من اهتمامها بنشر التفصيلات الوافية عن أفلام الجريمة والفحش.\nوهناك فى الصحافة النسوية اهتمام بالغ بالموضة (أي بالأساليب المتجددة للزى) وهناك إصرار بالغ واهتمام كبير بهذه التغييرات، وبالرغم من الأخطار التى يتحدث الباحثون عن آثارها فى المرأة فان موجة الاندفاع لا تتوقف، يقول واحد من هذه الأبحاث:\n\nإن المجتمع يدفع المرأة إلى الجنون، ففي كل دقيقة تظهر موضة جديدة، وفى كل لحظة هناك منتجات ظهرت خصيصًا للمرأة، وتجد المرأة نفسها منجذبة نحو هذا التيار الجارف من المعروضات لدرجة تكاد تدفعها إلى الجنون، إنها تريد أن تجرب كل شيء، وتشترى كل شيء، وعندما لا تستطيع تصاب بعقدة.\nويقول علماء النفس:\n\" إن المرأة التى ليس لها رصيد من القناعة، يصبح لها رصيد من العقد، فهناك آلاف من الأشياء التى تجذب المرأة إليها، والتي تجعلها تفقد الاهتمام بزوجها، والحل هو أن المرأة عليها أن تلزم التوازن، وأن تحدد باقتناع ما تريد، وتزن الأمور حتى لا تصبح فى النهاية فريسة للضياع فى بحر من العقد \".\nهذا ما قاله علماء النفس، لكن الصحافة العربية تقول غير هذا، تقول على لسان","vol":"1","page":140},{"text":"\" أنيس منصور \" (٢٥٦) .\n(سوف تكون خيوط الموضة هذا الشتاء حشمة جدًا، وسخيفة جدًا لأن الفساتين سوف تكون طويلة وواسعة، وسوف تبدو المرأة وكأنها شماعة تحمل هذه الفساتين، وأن ما بينها وبين هذه الفساتين خصام)،\nثم يصف فى عبارة بذيئة هذه الثياب إلى أن يقول:\n(ثم إن الفساتين تبدو وكأنها إهانة للمرأة، فلا الساقان ظاهرتان، ولا ... ولا ... ولا الذراعان، ولا العنق، كأنها أنواع مختلفة من الخيام، وإن المرأة قد ضربت حولها وأمامها ووراءها الخيام فلا يراها أحد)\n\nثم يقول:\n(إن ملوك الأناقة عوضوا المرأة عن هذه الخيمة بأشكال جميلة من قمصان النوم، ومعنى ذلك أن الموضة ستعجل المرأة جميلة فى البيت، وغير ذلك فى الشارع، على الرغم من أن المرأة حريصة على أن تبدو جميلة لكل الناس، فإنها تفضل أن تكون جميلة لشخص واحد، والمرأة التى لا تسعد برجل واحد، فإنها تحاول أن تلفت عيون الآخرين، ولذلك فإن المرأة تسارع إلى الشارع، وتتمتع بنظرات الناس إليها، لأنها لا تجد هذه المتعة فى البيت) (٢٥٧) .\n\nسادسًا: ومن أخطر محاولات الصحافة بالنسبة لتغيير العرف الإسلامي للمرأة هي رفع قدر الممثلات والراقصات والمغنيات، وجعلهن مثلًا أعلى للفتاة فى أمور الملبس والمأكل والعادات والتقاليد.\n_________\n(٢٥٦) (محمد أنيس منصور) من أعداء المرأة المسلمة الكارهين لما أنزل الله الذين لم يدخروا وسعًا في بلبلة الأفكار وتشويه العقائد وصرف الشباب عن مفهوم الدين الحق وقد قام بدور ضالع في إحياء الأساطير الفرعونية والفكر الفلسفي عند الفراعنة وسوّد الصفحات بأفكار مسمومة عن سارتر والوجودية وفرنسوا ساجان الكاتبة الفرنسية الإباحية وهو لا يألو جهدًا في الترويج للراقصات والفاجرات بطرق شتى تهدف في جملتها إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا فراجع \" الصحافة والأقلام المسمومة \" للأستاذ أنور الجندي ص (١٠٧ - ١١١)، (١٨٤) لتطالع دوره في الصد عن سبيل الله وتحطيم الشباب المسلم.\n(٢٥٧) انظر (الصحافة والأقلام المسمومة) ص (٤٢ - ٤٣)، (٥٦) .","vol":"1","page":141},{"text":"سابعًا: ومن ذلك الدعوة إلى إلغاء قوامة الزوج على زوجته تقول (أمينة السعيد):\n(القوامة اليوم لا مبرر لها لأن هذه القوامة مبنية على المزايا التي كان الرجل يتمتع بها في الماضي في مجال الثقافة والمال وما دامت المرأة استطاعت اليوم أن تتساوى مع الرجل في كل المجالات فلا مبرر للقوامة) (٢٥٨) اهـ.\nولا ريب أن هذه الآراء المسمومة التي ترددها (أمينة السعيد) هي نفسها التي طرحتها\n(سيمون دي بوفوار)، ومجمع المؤامرات المنعقد ضد المرأة المسلمة.\n\nثامنًا: فساد توجيه الصحافة لطالبات الإجابة عن المشاكل والقضايا وما يتخلل الردود من سخرية واضحة بالدين واستهانة بالخلق ودعوة إلى التخفف من العقوبات الشرعية واللامبالاة الاجتماعية بالآثام والميل إلى اعتبار الآثام الخلقية داخلة في إطار الحرية الشخصية.\n\nتاسعًا: حملت الصحافة حملات شعواء على العلماء على العلماء الذين قدموا حكم الإسلام في المرأة في مواجهة سمومهم وضلالاتهم وذلك كما فعل\n\" أحمد بهاء الدين \" و\" موسى صبري \" وغيرهما.\n\nعاشرًا: حاولت الصحافة تصوير الدعاة إلى تحرير المرأة بأنهم أنصارها الذين يدفعونها إلى الحرية والعمل والواقع غير ذلك فإن هؤلاء هم أعداؤها الحقيقيون الذين يدعونها إلى النار ويقودونها إلى الهاوية وصدق الله العظيم:\n(والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا) النساء (٢٧ - ٢٨) .\n_________\n(٢٥٨) السابق ص (٤٨) - وانظر القسم الثاني من هذا الكتاب ص (٩٣ - ٩٩) .","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>وقفة مع بعض دعاة \" تحرير المرأة </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>١- إحسان عبد القدوس:</span>\n(وهو أحد المسئولين عن إفساد هذا الجيل بما كتبه من روايات تجر الشباب جرًا إلى القاع وتقتل فيهم نوازع السمو والسعي نحو مستوى خلقي أفضل إنه يرضي مظاهر واتجاهات الانحراف فيشجعها ويمجدها ويفلسفها ويرصد اتجاهات الاستقامة والفضيلة فيخذلها ويصدر عنها ويحاربها) (٢٥٩) .\nيقول \" إحسان \": (إن إيماني بحرية المرأة ليس له حدود) .\n﴿وقد كتب في إحدى توجيهاته التي كان يبثها في المجلة التي تحمل اسم والدته اليهودية (روز اليوسف): (إنني أطالب كل فتاة أن تأخذ صديقها في يدها وتذهب إلى أبيها وتقول له: \" هذا صديقي \"!)، وقال في \" أخبار اليوم \":\nإنه زار إحدى الجامعات الألمانية ورأى هناك من أوضاع الطلاب والطالبات كذا وكذا - مما يرفض جبين القلم من الخجالة بتسطيره - ثم قال:\n(فقلت في نفسي: متى أرى ذلك المنظر في جامعة أسيوط! لكي تراه عيون أهل الصعيد وتتعود عليه!) اهـ (*) .\n(وما زال \" إحسان \" يقف مع كوكبة من أمثال \" لويس عوض \" و\" نجيب محفوظ \" و\" مصطفى أمين \" و\" يوسف إدريس \" في إصرار عجيب على الترويج للفحشاء وتبريرها في نفس الوقت الذي أخذت فيه ظاهرة المرأة المسلمة المحتشمة تبدو واضحة في كل مكان على أنها واقع أصيل يصفع الداعين إلى الشهوات والآثام) (٢٦٠) .\n_________\n(٢٥٩) مجلة (المجتمع) الكويتية العدد (١٨ / ١ / ١٩٧٧ م) .\n(*) انظر: \" واقعنا المعاصر \" ص (٢٩٤ - ٢٩٥) .\n(٢٦٠) انظر: \" الصحافة والأقلام المسمومة \" ص (٢٠٥) .","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>٢- (نجيب محفوظ:</span>\n\n﴿الشاك في كل قيمة المتذبذب في كل فكره الضائع في كل واد المتحدي لعقيدة الأمة والمتجه ناحية المشارب الأخرى يعب منها حتى يطفح فيفيض ما عليه على غيره وينتكس بعد ذلك إلى غيره﴾ (٢٦١) .\n﴿وقد اتضح في آثاره ظاهرتان خطيرتان أولاهما: إشاعة الفاحشة وتبريرها وثانيتهما: الإلحاد ولهذا يوليه الماركسيون اهتمامًا خاصًا وقد استخدموه في دعوتهم إلى الإباحية وإلى المفاهيم الهدامة للأسرة والفتاة وعمل المرأة وعلاقتها بالرجل﴾ (٢٦٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٣- مصطفى أمين:</span>\nخريج مدرسة \" التابعي \" والصحافي البارع في وضع السموم في علب ملونة حلوة المظهر تخدع القراء قال الأستاذ \" أنور الجندي \":\n(كان \" مصطفى أمين \" يصنع الأصنام ويعبدها ويحاول أن يجر الشعب معه ليسجد لتلك الأصنام)، ومن مواقفه إزاء حركة الإصلاح الإسلامي قوله:\n(حارب الأحرار في هذه البلد سنوات طويلة لتحصل المرأة على بعض حقها ويظهر أن بعض الناس يريدون العودة بنا إلى الوراء وقد يحدث هذا في أي مكان\n_________\n(٢٦١) انظر: \" الصحافة والأقلام المسمومة \" ص (١٨٩ - ١٩٦) .\nوإذا عرفنا أنه صنيعة (طه حسين) و(سلامة موسى) لم نستغرب اجتهاده في تحطيم الشباب فإن\nأستاذيه كانا يعرفان أنهما يقدمان سمًا من نوع خطير إلى الأجيال الجديدة فيخدمان به دعوتهما\nويكونان جيلًا يحمل أفكارها انظر المرجع السابق ص (١٨٦)، (١٨٩) .\n(٢٦٢) السابق، هذا وقد كافأته الأيدي الملحدة القذرة بمنحه جائزة نوبل للآداب لعام ١٩٨٨ لتأليفه رواية\n\" أولاد حارتنا \" وجاء في حيثيات الترشيح الرسمية أن الرواية تعني بالبحث الأزلي للإنسان عن\nالقيم الروحية فآدم وحواء وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء والرسل يظهرون في تخف\nطفيف) اهـ وقد نشر ملخص هذه الرواية بجريدة النور عدد (٢٢ ربيع الأول ١٤٠٩ هـ) فإذا بها\nتتضمن الإلحاد في ذات الله والتفريط في جنب الله والاستهزاء بكعبة الله والتطاول على مقامات\nأنبياء الله وتجريح رسل الله بما فيهم موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين\nوالاستخفاف بملائكة الله بحيث يتحقق في صاحب هذه الرواية قول القائل:\nوكنت امرءًا من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي\nولا نبالغ إذا قلنا في ضوء هذه الرواية التي رقعت بوثنيات اليونان وإباحيات الرومان وخبث\nالماسون وإلحاد الماركسيين لا نبالغ إذا قلنا عن انتساب \" نجيب محفوظ \" إلى البشرية عار على\nالجنس البشري وأولى به أن يرجم كرجم العرب قبر أبي رغال وإن الكفر البواح والشرك الأكبر\nالذين تلبس بهما ليجعلانه عدوًا لدودًا لكل ذي دين ولو كان يهوديًا أو نصرانيًا بله المسلم الموحد.","vol":"1","page":144},{"text":"ولكن لا نفهم أن يحدث في الجامعة مهد التقدم والفكر الحر) (٢٦٣) .\n\nومع أنه قلما يفصح عن أهدافه إلا أنه كتب يومًا تحت عنوان:\n\" الأهداف التي ستعمل لها مصر بعد الاستقلال \" (٢٦٤)\nوجعل من أهدافه التي سيعني بها ويقود لها الرأي العام:\n(أن يحارب التعصب الديني وأن يجدد الأزهر وأن ينادى بتحرير المرأة قلبيًا لأن الحب الطاهر لا يزال جريمة يعاقب عليها المجتمع والمجتمع المصري إلى اليوم مجتمع لا روح فيه لأنه خال من المرأة والشباب المصري لا شخصية له لأنه ليس في حياته امرأة ... ومن أهدافه أن يشجع المرأة على المطالبة بحقوقها السياسية وتولي الوظائف وأن ترث كما يرث الرجل تمامًا وأن يدعو إلى اتحاد شرقي لا اتحاد إسلامي (٢٦٥) على نظام الولايات المتحدة الأمريكية) (٢٦٦)\nومع أن أسمى ما تطمح إليه الأمة في هذا العصر هو تطبيق الشريعة الإسلامية نجد\n\" مصطفى أمين \" يسفه هذا المطلب ويقول:\n(إن حضارة مصر عمرها سبعة آلاف سنة ولا يمكن أن تعود القهقري إلى الخلف) (٢٦٧) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٤- نزار قباني (٢٦٨):</span>\n\nوهو من عصابة المجان الكارهين لما أنزل الله المحرضين على الفساد والفاحشة يقول في بعض أحاديثه:\n(لو كنت حاكمًا لألغيت مؤسسة الزواج وختمت أبوابها بالشمع الأحمر)، ويقول مستهزئًا: (العري أكثر حشمة من التستر)،\nوقد حمل لواء الرفض لكل ما يمت إلى الإسلام والعروبة بصلة ويعده المتحررون من أعمدة الدعوة\n_________\n(٢٦٣) (أخبار اليوم) (٥ نوفمبر ١٩٧٧ م (.\n\n(٢٦٤) وتاريخ المقال (١٥ مارس ١٩٤٣ م) بمجلة الاثنين.\n(٢٦٥) بهذا النص!\n(٢٦٦) انظر \" الصحافة والأقلام المسمومة \" ص (٩٩ - ١٠٦) .\n(٢٦٧) انظر \" الصحافة والأقلام المسمومة \" ص (٩٩ - ١٠٦) .\n(٢٦٨) \" الصحافة والأقلام المسمومة \" ص (١٦٧ - ١٦٨) بتصرف.","vol":"1","page":145},{"text":"إلى تحرير المرأة، قال الأستاذ \" أنور الجندي \":\n\nأما شعر \" نزار قباني \" الذي أوسعت له الصحافة العربية الصفحات فيكفيني في التعريف به ما كتبه \" محمد سالم غيث \" في كتاب له حول شعر \" نزار \" يقول: لقد خلع \" نزار \" ثياب الرجل كثيرًا ولبس ثياب المرأة وتقمص شخصيتها وتحدث بلسانها وقال: إنه يفعل ذلك \" دفاعًا عن المرأة التي حكم عليها هذا الشرق الغبي بالإعدام \"\nحتى إنه ليقدم أحد كتبه الفاجرة إلى طالبات الجامعة الأمريكية ويقول:\n\n\" إنه كتابكن كتاب كل امرأة حكم عليها هذا الشرق الغبي بالإعدام ونفذ حكمه فيها قبل أن تفتح فمها ولأن هذا الشرق غبي وجاهل ومعقد يضطر رجل مثلي أن يلبس ثياب امرأة ويستعير كحلها وأساورها ليكتب عنها من مفارقات القدر أن أصرخ أنا بلسان النساء ولا تستطيع النساء أن يصرخن بأصواتهن الطبيعية \"؟\n\nولا نستطيع أن نعلق على هذا إلا بما كتبه \" صالح جودت \" قائلًا:\n\n(لا رحم الله نزار: لقد مات كسوري ومات كعربي\nومات كشاعر ومات كإنسان) (٢٦٩) اهـ.\nشعر:\n\nلا بوركت تلك الأكف فإنها ضربت على الألباب سدًا عاتيًا\nحجبت صديع (٢٧٠) الرشد عنها فارتمت تجتاب ليل الغي أسفع داجيًا\nبعثوا الصحائف يلتوين كأنما بعثوا بهن عقاربًا وأفاعيا\nصحف يزل الصدق عن صفحاتها ويظل جد القول عنها نابيا\nليت الزلازل والصواعق في يدي فأصبها للغافلين قوافيا\nفنيت براكين القريض ولا أرى ما شفني من جهل قومي فانيا\nفلئن صمتُّ لأصمتن تجلدا ولئن نطقت لأنطقن تشاكيا (٢٧١)\n_________\n(٢٦٩) \" الصحافة والأقلام المسمومة \"، ص (١٦٧ - ١٦٨) بتصرف.\n(٢٧٠) الصديع: الصبح.\n(٢٧١) \" الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر \"، (١ / ٢٢٠) .","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>موقف الإسلام من دعاة تحرير المراة</span>\n\nإذا كان حال هؤلاء الدعاة والداعيات كما تقدم وولاؤهم لأعداء الإسلام كما وصفنا فهل يحتاج الأمر منا إلى كثير تدبر فيما ينبغي أن يكون عليه موقف كل مسلمة ومسلم من دعوتهم الأثيمة؟\nأليس هؤلاء ممن قال تعالى فيهم:\n(إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم\nفي الدنيا والآخرة) النور (١٩)\nوإذا كان القوم أشربت قلوبهم حب الكافرين وأولعوا بما هم عليه من الضلال المبين فأين أنت أيتها المسلمة من قوله تعالى:\n(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه) آل عمران (٢٨)\nوقوله تعالى: (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) المجادلة (٢٢)\n\nوقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) آل عمران (١٤٩)\n\nوقوله تعالى:) وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (الأنعام (١٢١)\n\nوقوله تعالى:) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم (المائدة (٥١) .\nقال حذيفة: \" ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر لهذه الآية\n(ومن يتولهم منكم فإنه منهم) \".\n\nوقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) المائدة","vol":"1","page":147},{"text":"(٥٤)\nقال علي: \" (أذلة على المؤمنين) أهل رقة على أهل دينهم (أعزة على الكافرين) أهل غلظة على من خالفهم في دينهم \"\n\nوقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء) المائدة (٥٧)\nوقال تعالى: (ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون) المائدة (٨٠)\n\nوقال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) هود (١١٣)\nقال بن عباس: \" (ولا تركنوا) ولا تميلوا \".\nقال بعض المفسرين في الآية: (فالنهي متناول للانحطاط في هوتهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزياراتهم ومداهنتهم والرضي بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم والركون هو الميل اليسير) اهـ\n\nوقال تعالى:) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة (الآية الممتحنة (١)\nقال بن عباس: \" من أحب في الله وأبغض في الله وعادى في الله ووالى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك \"\nوقال تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) الأنفال (٧٣) .\n\nوعن ابن عباس قال: قال رسول الله \" لأبي ذر: يا أبا ذر أي عرى الإيمان أوثق؟\nقال: الله ورسوله أعلم قال: المولاة في الله والحب في الله والبغض في الله (٢٧٢)\nوعن أبي أمامة عن النبي \" قال: من أحب لله وأغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان (٢٧٣)\nوقال \": المرء مع من أحب (٢٧٤)\nوقال \": ولا يحب رجل قومًا إلا جاء\n_________\n(٢٧٢) حسن بشواهده أنظر تحقيق (شرح السنة) للبغوي (١٣ / ٥٣ - ٥٤) .\n(٢٧٣) جزء من حديث أخرجه أبو داود وحسنه الأرناؤوط (شرح السنة ١٣ / ٥٤) .\n(٢٧٤) متفق عليه.","vol":"1","page":148},{"text":"معهم (٢٧٥)\n\nوإذا كان الله ﷾ قد فرض علينا تلاوة سورة الفاتحة في اليوم والليلة سبع عشرة مرة في كل مرة ندعو الله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) ثم يبين سبحانه صفة هذا الصراط بقوله (غير المغضوب عليهم) وهم اليهود\n(ولا الضالين) وهم النصارى (الفاتحة ٧) فما ذاك إلا لأنه لا يمكن للمسلم أن يستقيم إلا إذا خالف أصحاب الجحيم وتميز عن هديهم وطريقهم (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) الأنعام (١٥٣) .\nكيف إذًا نصدق هؤلاء الأفاكين وننقاد لأولئك المغررين من أعداء ديننا وأمتنا الذين يخبرنا سبحانه عما في قلوبهم بقوله:\n(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم (البقرة (١٢٠)\nوقوله:) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (آل عمران (١١٨) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>فيا أيتها الأخت المسلمة:</span>\n\nإن أيديهم الماكرة الخبيثة الخادعة قد امتدت إليك في هذه الفتنة لتنزلك من علياء كرامتك وتهبط بك من سماء مجدك وتخرجك من دار سعادتك فاقطعيها بسرعة وبقوة فإنها يد مجرمة ظالمة واهتفي بما هتفت به من قبل \" عائشة التيمورية \" (٢٧٦):\nبيد العفاف أصون عز حجابي وبعصمتي أعلو على أترابي\nوبفكرة وقادة وقريحة نقادة قد كملت آدابي\nما ضرني أدبي وحسن تعلمي إلا بكوني زهرة الألباب\nما عاقني خجلي عن العليا ولا سدل الخمار بلمتي ونقابي (٢٧٧)\n_________\n(٢٧٥) قطعة من حديث أخرجه البغوي في \" شرح السنة \" (١٣ / ٦٤) .\n(٢٧٦) هي الأديبة الألمعية شقيقة أحمد تيمور باشا (ت ١٩٠٢) .\n(٢٧٧) (الدر المنثور في طبقات ربات الخدور) لزينب يوسف فواز العاملي ص (٣٠٩) .","vol":"1","page":149},{"text":"قولي كما قالت أختك من قبل:\n\nأيها القوم أصلحوا أنفسكم خاب من رام السفور اليوم خابا\nبرقعي وسط محيطي شرفي لم أحد عنه ولو ذقت العذابا\n\nواحذري من الذين:\n\nقالوا ارفعي عنك الحجابا أو ما كفاك به احتجابا\nواستقبلي عهد السفور اليوم واطرحي النقابا\nعهد الحجاب لقد تباعد يومه عنا وغابا\nألقميهم الحجارة وأخرسيهم قائلة:\nفأجبتهم والضحك ملء ... فمي ولم أعدم جوابا\nمهلا فما هذا الذي ... قد غركم إلا سرابا\nأو لا ترون الغرب كيـ ... ـف غدا الرجال به ذئابا\nأو لا ترون عري الأ ... خلاق تنشعب انشعابا\nكم نظرة للوجه تو ... رث في الحشا جمرا مذابا\nإن ترغبوا لنسائكم ... صونا وعيشا مستطابا\nفدعوا السفور لأهله ... وارخوا عليهن النقابا (٢٧٨)\n_________\n(٢٧٨) (فقه النظر في الإسلام) لمحمد أديب كلكل ص (١٨٨) .","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>السفور مَطِيَّة الفجور</span>\n\nعن النواس بن سمعان عن رسول الله \" أنه قال:\n\" ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم \" (٢٨١) .\nوعن حذيفة أنه قيل له: (في يوم واحد تركت بنو إسرائيل دينهم؟) قال: (لا ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه وإذا نهوا عن شيء ركبوه حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه) (٢٨٢) .\nومعلوم أن المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضًا حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها فكلما فرط من العبد معصية قالت أخرى إلى جانبها: (اعملني أيضًا) فإذا عملها قالت الثالثة كذلك وهلم جرا حتى تصير المعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة بحيث لو عطل المسيء سيئاته لضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت وأحس من نفسه أنه كالحوت إذا فارق الماء حتى يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه ولا يزال المسكين يألف المعاصي حتى ينسلخ من قلبه استقباحها فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له بل يحبها حتى يرسل الله عليه الشياطين تؤزه إليها أزًا فيكونون أعوانًا عليه.\n_________\n(٢٨١) رواه الإمام أحمد في مسنده عن النواس بن سمعان وأخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وقال: صحيح على\nشرط مسلم ووافقه الذهبي، قال الألباني \" وهو كما قالا \" (صحيح الجامع رقم ٣٧٨٢) .\n(٢٨٢) رواه عن حذيفة أبو نعيم في الحلية.","vol":"1","page":151},{"text":"وقال شيخ من أهل الشام:) من أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولًا لم ينج آخرًا وإن كان جاهدًا) (٢٨٣)\nوفي بعض الآثار:\n(إذا استشرفت للفتن استشرفت لك) ومن هنا قال أبو السعود في \" مراقي السعود \":\nسد الذرائع إلى المحرم حتم كفتحها إلى المنحتم\nإن الذي يسمح لقدمه أن تنزلق خطوة واحدة في أول الطريق لا يدري إلى أين تسوقه قدماه وإلى أين ينتهي به المسير لذا كان علينا أن نضع للأشياء حدودًا لا نسمح لأنفسنا بتخطيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>سنة إبليسية:</span>\n(لقد نهج دعاة التحرير نفس منهج إمامهم الأول إبليس لعنه الله إذا ما كان من إبليس إلا أن زيف للأبوين الحقيقة وألبس الحق لباس الباطل والباطل لباس الحق لم يأت الشيطان ليقول للإنسان: كل من الشجرة المحرمة كي يغضب الله عليك ويطردك من جنته وينزلك إلى دار الشقاء بل قال له: إن في الأكل من الشجرة سعادتك وهناءك وخيرك وقال له: إن أنت أكلت من الشجرة حصلت على الملك العظيم والحياة الخالدة وتحولت إلى ملك غير قابل للفناء.\nوزيادة في الإضلال وإمعانًا في التغرير بآدم أقسم له ولزوجه أنه صادق فيما يقول وأنه ناصح لهما يقدم لهما الخير ويدلهما على الطريق الحق (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) طه (١٢٠)، (وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما\n_________\n(٢٨٣) (ذم الهوى) لابن الجوزي.","vol":"1","page":152},{"text":"إني لكما لمن الناصحين) وما النتيجة؟ (فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما\nمن ورق الجنة) الأعراف (٢٠: ٢٢) . (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) (٢٨٤) .\nوهكذا تذرع الشيطان إلى الفجور الذي نراه اليوم ونعاني ويلاته بالسفور كخطوة أولى يستنزل بها المرأة المسلمة من عليائها وعفتها وما كان للمسلمة أن تطيعه أبدًا إذا دعاها صراحة وهي في قمة الاحتجاب والتعفف إلى ما نراه الآن مثلًا على شواطئ البحار وفي دور الخيالة لكن الخبيث تدرج معها ابتداءً بأن السفور (كشف الوجه) جائز شرعًا وانتهاءً بأن خير الهدي هدي أوربا وأمريكا.\nقال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ في معرض كلامه عن أثر كشف المرأة وجهها في وقوع الافتتان بها: (.. ولهذا أمر النساء بستر وجوههن عن الرجال فإن ظهور الوجه يسفر عن كمال المحاسن فيقع الافتتان) (٢٨٥) اهـ.\nجاء في ترجمة عبيد بن عمير المكي من \" ثقات العجلي \" قال: (كانت امرأة جميلة بمكة كان لها زوج فنظرت يومًا إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها: أترى أحدًا يرى هذا الوجه ولا يفتن به؟ قال: نعم فقالت: من؟ قال: عبيد بن عمير قالت: فأذن لي فلأفتننه! قال: قد أذنت لك فأتته فاستفتته فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام قالت: فأسفرت عن مثل فلقة القمر فقال لها:\" يا أمة الله اتقي الله \") (٢٨٦) .\nومن قبل قال (بعض) أهل الأهواء في تصوير فتنة السفور أو الحجاب \" النصفي \":\n_________\n(٢٨٤) (المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التقدم) للدكتور عمر سليمان الأشقر ص (١٧ - ١٨) بتصرف.\n(٢٨٥) (روضة المحبين ونزهة المشتاقين) ص (٦٧) .\n(٢٨٦) (حجاب المرأة المسلمة) للألباني هامش ص (٥٣) .","vol":"1","page":153},{"text":"قل للميلحة في الخمار المذهب أذهبت دين أخي التقى المتعبد\nنور الخمار ونور وجهك ساطع عجبًا لوجهك كيف لم يتوقد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>تمسك المصريين بالحجاب:</span>\nلقد بلغ تمسك المسلمين في مصر بالحجاب مبلغًا عظيمًا إلى حد دفع الشاعر (حافظ إبراهيم) يعبر عن عجز المتفرنجين عن إزاحة النقاب عن وجه المرأة المسلمة ويأسه هو نفسه من استجابة الشعب لتلك النعرة بقوله (وبئس ما قال):\nفلو خطرت في مصر حواء أمنًا يلوح محياها لنا ونراقبه\nوفي يدها العذراء يسفر وجهها تصافح منا من ترى وتخاطبه\nوخلفها موسى وعيسى وأحمد وجيش من الأملاك ماجت مواكبه\nوقالوا لنا: رفع النقاب محلل لقلنا لهم: حق ولكن نجانبه (٢٨٧)\nمع أن (حافظًا) هو نفسه القائل:\nالأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق\nأنا لا أقول دعوا النساء سوافرًا بين الرجال يجلن في الأسواق\nيدرجن حيث أردن لا من وازع يحذرن رقبته ولا من واقي\nيفعلن أفعال الرجال لواهيًا عن واجبات نواعس الأحداق\nفي دورهن شؤونهن كثيرة كشئون رب السيف والمرزاق (٢٨٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>سياسة \" تكسير الموجة </span>\"\nولما كان تمسك المسلمين بالحجاب أصلًا من أصول نظامهم الاجتماعي نهج أعداء المرأة المسلمة سياسة تكسير الموجة شيئًا فشيئًا وهي سياسة استعمارية\n_________\n(٢٨٧) جريدة الأهرام (٥ / ٩ / ١٩٨٢ م) .\n(٢٨٨) المزراق: الرمح.","vol":"1","page":154},{"text":"معروفة (٢٨٩) فكانت الخطوة الأولى إبراز فكرة جديدة كنقطة انطلاق يتبعها ما وراءها وتضفي عليها الصبغة الدينية الشرعية حتى لا تصدم شعور العامة ويكون التذرع بالدين وفتح باب الاجتهاد سبيلًا إلى قبولها ولابد في ذلك من استدراج بعض الشيوخ والعلماء لكي يدلوا بدلوهم في القضية باعتبار أنها خلاف فقهي فيه راجح ومرجوح ومن هنا تبدأ القابلية للتردد وزلزلة الأفكار، أجل! لابد أن يبدأ الزحف بصحبة الشيوخ الذين تقدسهم العامة والذين يستغلون في البداية كأسلحة مؤقتة ولا بأس أيضًا بالتنقيب في الأسفار والبحث هنا وهناك عن عبارات وفتاوى مبتورة تبرر الانحراف عن الشريعة ثم بعد ذلك وبعد تمكن الفكرة الجديدة من القلوب وشن الحملات على ما يخالفها من الأوضاع الاجتماعية السائدة يبدأ الانخلاع من الدين شيئًا فشيئًا لتختفي النبرة الإسلامية حينًا ثم تأتي مرحلة الهدم والضرب العشوائي الذي يحطم كل شيء.\n\nلقد بدأت حركة (تحرير المرأة) على أيدي المتفرنجين فقلدهم بعض الخطباء الجهلة والكتاب الفسقة ونشبت المعركة أول ما نشبت حول (كشف وجه المرأة) أي السفور وأقام العلماء الناصحون الدنيا وأقعدوها ليحبطوا تلك الدعوة إلى السفور لا لأنه الحكم الراجح في المسألة فحسب ولكن لأنهم فطنوا لحقيقة الخطة المدمرة التي تستهدف القضاء على المرأة المسلمة وتحطيم كيانها لقد نادوا بتخليص المرأة من الحجاب ولزوم البيت والخضوع للآباء والخنوع للأزواج والبعد عن الحياة الاجتماعية والسياسية وواتت هذه الحركة فرصة وجود الأمة المسلمة مستعبدة للأجنبي الكافر مستعمرة له ترزح تحت نيرانه وتأن تحت كلكله تتوجب لما يصب عليها من جم غضبه وما يسومها من سوء عذابه فنسبوا - مكرًا وخديعة - كل ما حل بالأمة\n_________\n(٢٨٩) انظر: (الاتجاهات الوطنية) (٢ / ٢٤٥ - ٢٤٦)، و(من أصداء الدين في الشعر المصري الحديث)\nللدكتور سعد الدين محمد الجيزاوي (١ / ٣٢٢) .","vol":"1","page":155},{"text":"المسلمة من تأخر وضعف وهون ودون إلى حجاب المرأة وعفتها وحيائها وبعدها عن التعليم العقيم والسياسة الفاجرة والحياة الاجتماعية الفاسدة.\nوانخدع كثير من النساء وأوليائهن بتلك الدعاوى المعسولة المسمومة وأخذت الفتاة المسلمة تتمرد على الحجاب وتحاول التخلص منه فبدأت لأول مرة بإلقاء البرقع الذي كان على وجهها ونزع النقاب من الوجه كذلك فظهرت الوجوه ما يحجبها برقع ولا يغطيها نقاب - وإنا لله وإنا إليه راجعون.\nلقد كانت خطوة جريئة من المرأة يومذاك صفق لها دعاة السفور وعباد الشهوات ورواد الفجور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>سنة سيئة:</span>\nثم كان أن خطا الناس إلى أبعد مما نادى به \" قاسم أمين \" فقد زعم أنه إنما يدعو إلى الوقوف بالحجاب عندما أمر الله به ولم يدع قط إلى كشف العورات كالأذرع والسوق وغيرها ولم يدع صراحة إلى الاختلاط بالرجال ومراقصتهم كلا ولا دعا إلى شيء مما نراه الآن من انحطاط وتهتك ولكن قاسم أمين - وإن لم يدعو إلى شيء من ذلك صراحة - هو الذي فتح الباب لهذه الدعوات وهو الذي سن تلك السنة القبيحة سنة السفور لتكون ذريعة إلى ما تلاها من فساد وهو الذي خطا بالمرأة المسلمة في طريق يعلم كل عاقل أن الناس لابد أن يسيروا فيه من بعده خطوات وخطوات.. ويعلم كل مدرك واع أن الخلف بين المسلمين وبين الغربيين في هذه القضية خاصة مما لا يرجى معه اتفاق إلا بفناء أحد المذهبين في الآخر تمامًا وبلا قيود وبلا حد وسط.","vol":"1","page":156},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-81> ومعظم النار من مستصغر الشرر </span>\":\n\nأخذت الأمور تتطور سريعًا حتى استنفدت \" دعوة قاسم أمين \" - في وقت وجيز - كل أغراضها وسارت الحال على سنة التدرج المعروفة واندفع الناس إلى ما وراء السفور في سرعة غير منتظرة فقد بدأت الفتنة العظمى بان خلعت المرأة النقاب وخلعت معه ما هو أغلى منه وأثمن ألا وهو ثوب الحياء الذي طالما صان وجهها أن يكون معروضًا ومبذولًا لكل من شاء أن يراه من أجنبي أو فاسق أو كافر ثم استبدلت المرأة المعطف الأسود بالحبرة (٢٩٠) وما هي إلا فترة من الزمن حتى امتدت يد التحرر إلى الخمار الذي كان لا يزال يستر شعر الرأس وبدا - لأول مرة - شعر المسلمة مكشوفًا لا شيء عليه يستره عن أعين الناس من أجانب وأقارب وبذلك شل جسم الحياء في المرأة ولم يعد قادرًا على منعها من أن تحدث وتجالس أو تصافح وتضاحك من شاءت من الرجال عامة وأصدقاء وأقارب الزوج خاصة وإن بعدوا أو سفلوا.\nوتأتي بعد ذلك الخطوة الأكثر جرأة إذ تعمد المرأة إلى ملاءتها أو عباءتها أو معطفها فتلفها كالثوب الخرق وترمي بها بعيدًا عن ساحة الحياة وتخرج المرأة المسلمة لأول مرة في تاريخ إسلامها في درع سابغ مزين بالألوان المزخرفة تحته غلالة لطيفة وما فوقه شيء ...\nثم إذا بالمقص يتحيف هذه الثياب في الذيول والأكمام وفي الجيوب (٢٩١) ولم يزل يجور عليها فضيقها على صاحبتها حتى أصبحت كبعض جلدها ثم أنها تجاوزت ذلك كله إلى الظهور على شواطئ البحر في المصايف بما لا يكاد يستر شيئًا ولم تعد\n_________\n(٢٩٠) الحبرة: بفتحتين - إزار كانت المرأة تلتحف به إذا برزت للطريق وقد كان يتخذ من قماش أسود ويتكون\nمن قطعتين تدور إحداهما حول الخصر وتنسدل إلى أن تغطي الساقين وتنزل الأخرى من فوق الرأس فتغطي\nالصدر والكتفين وتنتهي إلى ما دون الخصر وقد اختفى هذا الزي الآن.\n(٢٩١) الجيب: فتحة إدخال الرأس.","vol":"1","page":157},{"text":"عصمة النساء في أيدي أزواجهن ولكنها أصبحت في أيدي صانعي الأزياء في باريس وغيرها من اليهود ومشيعي الفجور.\nوقطعت المرأة مراحل التعليم المختلفة واقتحمت الجامعة مخالطة للرجال في الطرقات والمواصلات والمدرجات مزاحمة فيما يلائمها وفيما لا يلائمها من ثقافات وصناعات وشاركت في وظائف الحكومة ثم لم تقف مطالبها عند حد في الجري وراء ما سماه أنصارها \" حقوق المرأة \" أو \" مساواتها بالرجل \" وكأنما كان عبثًا خلق الله ﷾ الذكر والأنثى وأقام كل منهما فيما أراد بحكمته جل وعلا، وامتلأت المصانع والمتاجر بالعاملات والبائعات وحطم النساء الحواجز التي كانت تقوم بينهن وبين الرجال في المسارح وفي الترام وفي كل مكان فاختفت المقاعد التي جرت العادة بتخصيصها للسيدات بعد أن أصبحن لا يستحيين من مشاركة الرجال.\nتتابعت هذه التطورات في سرعة مذهلة ولم تدع فرصة للمعارضة وأعان على اندفاعها جو الثورة التي تلت الحرب وما كان يوحي به من جرأة ومن تمرد على كل قديم وقد ظهرت طلائع ذلك في مظاهرة النساء المشهورة في مارس سنة ١٩١٩ التي طافت بشوراع القاهرة هاتفة بالحرية في طريقها إلى دار المعتمد البريطاني لتقدم إليه احتجاجا مكتوبًا على تعسف سلطات الاحتلال وقد كان عدد المتظاهرات يربو على الثلاثمائة\n\nوعلى رأسهن \" صفية زغلول \" و\" هدى شعراوي \" (٢٩٢) وهذه المظاهرة هي التي قال فيها \" حافظ إبراهيم \" يصف تعرض الجيش البريطاني لها متهكمًا (٢٩٣):\n_________\n(٢٩٢) ومن النساء اللاتي اشتركن في تلك المظاهرة كزعيمات (حرم حنا مسيحة، حرم د. نجيب اسكندر، حرم\nاسكندر مسيحة، الآنسة جولييت صليب، رفائيل بغدادي، حرم ويصا واصف، الآنسة ماري ميرهم، حرم\nصليب منقريوس، حرم ميخائيل لبيب)، وحرم قاسم أمين.\n(٢٩٣) ديوان حافظ إبراهيم (٢ / ٨٧) .","vol":"1","page":158},{"text":"خرج الغواني يحتججن ورحت أرقب جمعهنه\nفإذا بهن تخذن من سود الثياب شعارهنه\nوظللن مثل كواكب يسطعن في وسط الدجنه\nوأخذن يجتزن الطريق ودار سعد قصدهنه\nيمشين في كنف الوقار وقد أبن شعورهنه\nوإذا بجيش مقبل والخيل مطلقة الأعنه\nوإذا الجنود سيوفها قد صوبت لنحورهنه\nوإذا المدافع والبنادق والصوارم والأسنه\nوالخيل والفرسان قد ضربت نطاقًا حولهنه\nوالورد والريحان في ذاك النهار سلاحهنه\nفتطاحن الجيشان ساعات تشيب لها الأجنه\nفتضعضع النسوان والنسوان ليس لهن مُنَّه (*)\nثم أنهزمن مشتتات الشمل نحو قصورهنه\nفليهنأ الجيش الفخور بنصره وبكسرهنه\nفكأنما الأ لمان قد لبسوا البراقع بينهنه\nوأتوا (بهندنبرج) (٢٩٤) مختفيًا بمصر يقودهنه\nفلذاك خافوا بأسهن وأشفقوا من كيدهنه\nوتجرأت المرأة منذ ذلك الوقت على المشاركة في القضايا الوطنية (٢٩٥)\nوفي مختلف\n_________\n(*) منة: أي قوة.\n(٢٩٤) هو رئيس الجمهورية الألمانية وقائد جيشها، انظر الموسوعة العربية الميسرة ص (١٩٠٥) .\n(٢٩٥) من ذلك ما حدث يوم الجمعة ١٢ ديسمبر من نفس العام حيث (سبقت حفنة من سيدات مصر جمع الهيئات\nالوطنية إلى الاحتجاج - ضد لجنة ملنر - على شكل مؤتمر وطني في دار الكنيسة المرقسية بالقاهرة) اهـ\nعن (المرأة المصرية) لدرية شفيق ص (١٢٦) .","vol":"1","page":159},{"text":"الميادين الاجتماعية فتألفت لجنة مركزية للسيدات الوفديات شاركت مشاركة فعالة في حركة المقاطعة الاقتصادية سنة (١٩٢٢) وتزعمت \" صفية زغلول \" حرم\n\nزعيم الثورة الأول وكريمة مصطفى فهمي باشا هذه الحركة الأولى التي طفرت بالمرأة إلى وضع لم يحلم به \" قاسم أمين \" أن تبلغه في مثل هذه المدة الوجيزة وبهذه السهولة\nوغفلت عين المعارضين من المحافظين عن هذه الخطوات الجريئة التي أضفى عليها جو الثورة لون من النبل حفظها من أن تهاجم أو تمس.\nثم تنبه المعارضون فإذا المراة ماضية قدمًا في استئناف الطريق التي وضعت قدمها على أوله باشتراكها في ثورة (١٩١٩) فأخذت تؤسس الجماعات وتقيم الحفلات وتعقد الندوات والمحاضرات وتزعمت هذه الحركة النسوية \" هدى شعراوي \" وتجرأت هذه المتزعمة على ما لم تتجرأ عليه امرأة مسلمة من قبل فسافرت إلى باريس وإلى أمريكا لدراسة شئون المرأة وأخذت تلقي بالتصريحات والأحاديث لمندوبي الصحف وجزع المحافظون لما صحب هذه الحركة من ميل إلى التبرج ومن نزوع إلى التحرر والانطلاق وأنكروا ما رأوا من تغير حال المراة ومن جرأتها على التقاليد وتمردها على\nسلطة الأب والزوج وراحوا يتابعون في ذهول تطور الزي وتقلص الثوب فوق جسدها في سرعة تجاوزت كل ما يتخيلون من حدود.\nيقول عبد المطلب ناعيًا على النساء تقصير الثياب والتبرج (٢٩٦):\nما في بنات النيل من أرب لذي غرض نبيل\nأصبحن عابًا في الزمان وسوأة في شر جيل\nما هذه الحبرات تهفو في الخمائل والحقول\n_________\n(٢٩٦) ﴿ديوان عبد المطلب (ص ١٨٤ - ١٨٨) وليت شعري ماذا كان عساه قائلًا لو رأى أزياء المرأة اليوم فقد\nيبدو أن أشد أنصار الحشمة تطرفًا لا يكاد يطمع في أن يعيد المرأة إلى مثل هذا الزي الذي يشكو منه الشاعر﴾\nمن تعليق الدكتور محمد محمد حسين ﵀ (الاتجاهات الوطنية ٢/٢٤٠) .","vol":"1","page":160},{"text":"نكر العفاف ذيولها ومن الخنى قصر الذيول\nإن ينتسبن إلى الحجاب فإنه نسب الدخيل\nيختلن أبناء الهوى بالدل والنظر الختول\nمن كل خائنة الحليل تهيم في طلب الخليل\nما لأبنة الخدر المصون وربة المجد الأثيل\nأودى شفيف نقابها بكرامة الأم البتول (٢٩٧)\nوعلى رنين حجولها أسفًا على الذيل الطويل\nفإذا مشت النقاب محاسن الوجه الجميل\nولقد ينم عبيرها فتحسه من نحو ميل\nترتاد خائنة العيون بلحظ فاتنة قتول\nيا هل درى (ذاك) الغيور بما جرى!؟ ويح الجهول (٢٩٨)\nأهي التي فرض الحجاب لصونها شرع الرسول؟\n\nجعل الحجاب معاذها من ذلك الداء الوبيل\nيا منزل القرآن نورًا للبصائر والعقول!\nعميت بصائر أهل وادي النيل عن وضح السبيل\nذهلوا عن الأعراض لو يدرون عاقبة الذهول!\nكان تيار السفور والتبرج جارفًا لم تستطع صيحات المحافظين أن تقف في وجهه بل لم تستطع أن تقلل من حدته أو تخفف من سرعته ولكن ذلك لم يكن ليثنيهم عن التنبيه والتحذير على كل حال ...\n_________\n(٢٩٧) الشاعر هنا لا يشكو من نزع النقاب ولكنه يشكو من رقته التي تشف عما تحته؟! .\n(٢٩٨) لعله يُعَّرِض بـ \" قاسم أمين \".","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>صيحة نذير:</span>\n\nوهذا هو \" شكيب أرسلان \" (٢٩٩) ينشر مقالًا عن (السفور والحجاب) (٣٠٠)\nيحاول أن يقدم للناس درسًا يستنبط فيه العظة من تطورات السفور في تركيا فيعرض للمراحل التي مر بها ليبين أن الدعوة إلى نزع الحجاب هي مرحلة تهيئ لما يليها من الدعوات التي ترمي إلى هدم أحكام الإسلام فيقول فيما يقول:\n(عند إعلان الدستور العثماني سنة ١٩٠٨ قال \" أحمد رضا \" بك من زعماء أحرار الترك: \" ما دام الرجل التركي لا يقدر أن يمشي علنًا مع المرأة التركية على جسر غلطة (٣٠١) وهي سافرة الوجه فلا أعد في تركيا دستورًا ولا حرية \" فكانت هذه المرحلة الأولى وفي هذه الأيام بلغني أن أحد مبعوثي مجلس أنقرة الكاتب \"رفقي بك\" الذي كان كاتبًا عند \" جمال باشا \" في سورية كتب: \" إنه ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت ولو كان من غير المسلمين (٣٠٢) بل\n_________\n(٢٩٩) ولولد \" شكيب أرسلان \" في بلدة الشويفات من مقاطعة \" الشوف \" التي تبعد من بيروت قرابة عشرة أميال\nومعنى \" شكيب \" بالفارسية: الصابر ومعنى \" أرسلان \" بالفارسية والتركية: الأسد، وهو من طائفة\n(الدروز) اللبنانية وهم (إسماعيلية فاطمية) وقد ذكر الشيخ الشرباصي أن الأمير شكيبًا كان سنيًا وإن\nانتسب سياسيًا أو إداريًا إلى الدروز وأنه كان يتعبد على طريقة السنيين فهو يصلي ويصوم ويحج كما يفعل\nجمهور المسلمين قال: (وقد أكدت لي زوجته هذه الحقيقة وقالت أن الدروز يحرمون الزواج من سنية\nولكن زوجي تزوجني وأنا سنية مسلمة وقد تسبب هذا الوضع في متاعب لشكيب فمن الدروز من لا يرونه\nدرزيًا كاملًا ومن السنيين من لا يرونه سنيًا كاملًا فضاع جانب من حقه بين هؤلاء وهؤلاء) اهـ من (شكيب\nأرسلان) للشيخ أحمد الشرباصي، ص (٥١ - ٥٢) ويعكر على هذا ما هو معلوم من زواج (كمال\nجنبلاط) زعيم الدروز من \" مي \" ابنة شكيب فالله أعلم بحقيقة أمره.\n(٣٠٠) (المنار) عدد ٢٩ ذي الحجة ١٣٤٣ هـ - ٢١ يولية ١٩٢٥ م ص (٢٠٦ - ٢١٠) .\n(٣٠١) كوبري جلتا أو بلتا جسر شهير في مركز مدينة استانبول يربط بين قارتي أسية وأوربة ويصل بين شطري\nالمدينة التي تمتد في القارتين.\n(٣٠٢) وبالفعل نص القانون المدني التركي فيما بعد على إباحة زواج النصراني من المسلمة، انظر مجلة الرسالة\nالعدد =","vol":"1","page":162},{"text":"ما دامت لا تعقد مقاولة مع رجل تعيش وإياه كما تريد مسلمًا كان أو غير مسلم فإنه لا يعد تركيا قد بلغت رقيًا \" فهذه هي المرحلة الثانية)\n\nثم يقول \" شكيب أرسلان \":\n(فأنت ترى أن المسألة ليست منحصرة في السفور ولا هي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجئ كيفما تشاء بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصل بعضها ببعض لابد من أن ينظر الإنسان إليها كلها من أولها إلى آخرها فإذا كان ممن يرى حرية المرأة المطلقة فعليه أن يقبلها بحذافيرها ...\nأما أن نجمع بين حرية المراة وعدم حريتها وأن نطلق لها الأمر تذهب حيث أرادت وتحادث من أرادت وتضاحك من أرادت وتغامز من أرادت ثم إذا صبا قلبها إلى رجل من غير جنسنا فذهبت وساكنته وكان بينها وبينه ما يكون بين الرجل وزوجته أقمن القيامة ودعونا بالمسدس وقلنا: يا للحمية يا للأنفة يا للغيرة على العرض! فهذا لا يكون! وليس من العدل ولا من المنطق أن يكون) .\nثم يقول: (والنتيجة التي نريدها قد حصلت وهي أن سلوكنا مسلك الأوربيين حذو القذة (٣٠٣) بالقذة في هذه المسألة هذا له توابع ولوازم لابد أن نقبلها ولا يبقى معها محل لكلمة: \" أعوذ بالله \" كلا! لا يوجد هناك \" أعوذ بالله \" بل تلك مدنية وهذه مدنية تلك نظرية وهذه نظرية وعلينا أن نختار إحدى المدنيتين أو إحدى النظريتين مهما استتبعت من الأمور التي كان يقال في مثلها عندنا: أعوذ بالله) اهـ.\n\nوقد كان الذي قاله \" شكيب أرسلان \" وتوقعه في سنة ١٩٢٥ صحيحًا\n_________\n= ٨٠ تاريخ ٩ شوال ١٣٥٣ هـ ١٤ يناير ١٩٣٥ م ص (٤٥) .\n(٣٠٣) القذة: ريش السهم، والحذو: القطع والتقدير على مثال أي كما تقدر كل واحدة منها على صاحبتها وتقطع","vol":"1","page":163},{"text":"تمامًا فلم تمض عليه ثلاث عشرة سنة حتى ارتفع صوت يقول تحت عنوان:\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-83> بعد السفور \" (٣٠٤):</span>\n\n(إننا لم نخط بعد الخطوة الحاسمة في سبيل تطبيق روح الحضارة العصرية على عاداتنا وأخلاقنا وأساليب حياتنا إن نساءنا العصريات المتعلمات اللواتي يطالعن الصحف ويقرأن القصص ويغشين المسارح ودور السينما ما يزال يحال بينهن وبين الظهور في المجتمعات البيتية أمام رجل غريب فنحن قد سلمنا بمبدأ تعليم نسائنا ولكنا لم نسلم بعد بقدرة هؤلاء النساء على الانتظام في حفل كبير يضم عددًا من أفراد الجنسين ويتألف منه مجتمع مصري مختلط أشبه بالمجتمعات الأوربية التي نشهدها في مصر ونحسد الأجانب عليها) .\n\nويزعم الكاتب الكاثوليكي أن ذلك راجع إلى أن (ثقة الرجل المصري بالرجل المصري لا تزال معدومة)\n\nثم يقول: (وقد ترتب على ذلك أنك أصبحت ترى امرأة صديقك السافرة في الشارع وفي المحل التجاري وفي دار المسرح أو السينما ثم لا تستطيع أن تراها في بيتها لتتفهم حقيقة شخصيتها وتعرف كيف تعيش؟ وكيف تشعر؟ وكيف تفكر؟ أصبحت تبصرها في الحياة العامة وتعجب بها ولكنك متى أردت تهذيب عواطفك وصقل إحساساتك ومشاعرك بالجلوس إليها والتحدث معها وإشراكها في المسائل التي تشغل عقلك وعقل مواطنيك حيل بينك وبينها واتهمت بفساد النية وسوء القصد) .\nثم يزعم الكاتب في مقاله أن (المجتمع المختلط هو الذي يقرر مسافة الخلف بين الجنسين ويقيم علاقات بين الرجل والمرأة على قاعدة التفاهم الفكري العاطفي) .\n_________\n(٣٠٤) مقال في (الهلال) بعدد أول يناير ١٩٣٨ - ٢٩ شوال ١٣٥٦ هـ ص (٢٦٨ - ٢٧٢) للصحافي\nالكاثوليكي إبراهيم المصري - انظر جريدة \" أخبار اليوم \" تاريخ ٣٠ / ١٠ / ١٩٨٠ م ص (١١) .","vol":"1","page":164},{"text":"ثم يدعو الكاتب المصريين لأن يطردوا من عقولهم: (الاعتقاد الشرقي الشائع بأن الرجل والمرأة متى التقيا فلابد أن ينهض الشيطان بينهما وينفث في نفسيهما سموم الرذيلة والشر (٣٠٥) هذا هو سر تأخرنا وهو بقايا عصور الجهل والخوف والظلام) أهـ كلامه.\nشعر:\n\nمن عذيري من معشر هجروا العقل وحادوا عن طرقه المستقيمة\nلا يرون الإنسان قد نال حظًا من صلاح حتى يكون بهيمة (٣٠٦)\n\nوإذا كانت هذه أدنى ثمرات السفور فلننظر إلى أقصى ثمراته المريرة لندرك الهدف الذي يدعو إليه (المتحررون): جاء في مجلة \" صباح الخير \" ما نصه:\n\n(إن نظام الزواج في وطننا العربي هو نظام مضحك يدعو إلى السخرية: مهر وعقد.. مظاهر جوفاء تقتل فيها الإرادة وتقتل المشاعر الإنسانية) (٣٠٧) اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>والآن يا أختي المسلمة:</span>\n\nهل أدركت مدى فطنة فقهائنا لما حرموا السفور سدًا للذريعة؟\n\nوهل لك أن تسمعي هذه النصيحة من شيخ ناصح أمين (٣٠٨):\n\n(إن بداية السفور والتبرج الجاهلي الذي عليه جل نساء المؤمنين اليوم في ديار المسلمين إنما بدأ من كشف الوجه بإزالة البرقع والنقاب عنه حتى بات وأصبح\n_________\n(٣٠٥) هذا من الكاتب النصراني زيادة في الكفر إذ إن الذي يشير إليه ليس اعتقادًا شرقيًا ولكنه معنى حديث شريف\nعن سيد ولد آدم - ﷺ -.\n(٣٠٦) من شعر الإمام (ابن دقيق العيد) ﵀ نقلًا عن \" المجددون في الإسلام \" ص (٢٧٠) .\n(٣٠٧) نقلًا من \" محاضرات الجامعة الإسلامية \" موسم عام (١٣٩٥ - ١٣٩٦ هـ) ص (١٢٨) .\n(٣٠٨) هو فضيلة الداعية الإسلامي الكبير \" أبو بكر جابر الجزائري \" حفظه الله في رسالته: (إلى الفتاة السعودية والمسئولين عنها) ص (٢٦) .","vol":"1","page":165},{"text":"وأضحى وظل وأمسى من المعلوم بالضرورة: أن من كشفت من الفتيات عن وجهها اليوم ستكشف غدًا حتمًا عن رأسها وصدرها وساقيها وحتى فخذيها ولا يجادل في هذا أو لا يسلمه إلا مغرور مخدوع أو مضلل مغرر مخادع يعمل لحساب الماسونية العالمية التي جعلت من أهدافها القضاء على الإسلام عقيدة وبيتًا ومجتمعًا ودولة.. وبناء على هذا فإن اليد التي\nتحاول أن تحسر الحجاب عن وجه فتياتنا اليوم ينبغي الضرب عليها وإن اللسان الذي يدعو فتاتنا إلى نزع الحجاب بإسقاط ملاءتها ينبغي أن يقطع)\n\nويقول فضيلته محذرًا من المغررين (٣٠٩):\n\n(إنهم اليوم لا يطلبون منك أكثر من كشف وجهك وبحجة أن كشف الوجه مختلف فيه بين أهل العلم في كونه الزينة التي يجب أن تخفيها المسلمة أو من غير الزينة مما لا يجب عليها إخفاؤها.. غير إنهم يعلمون علم اليقين - بحكم التجارب الطويلة العديدة - أنك يوم تكشفين عن وجهك ويذهب ماؤه وحياؤه ستكشفين لهم عما عدا ذلك) اهـ.\n\nوصدق الشيخ \" سعيد الجابي \" ﵀ إذ قال:\n\nرفع النقاب وسيلة إن حبذت ضمت إليها للفجور وسائل\nفالاختلاط فمرقص فتواعد فالإجتماع فخلوة فتواصل (٣١٠)\n\nوصدق الشاعر \" أحمد شوقي \" حين قال:\n\nصداح يا ملك الكنار ويا أمير البلبل\nإن طرت عن كنفي وقعت على النسور الجهل\nحرصي عليك هوى ومن يحرز ثمينًا يبخل (٣١١)\n_________\n(٣٠٩) السابق ص (١٧ - ١٨) .\n(٣١٠) (فقه النظر في الإسلام) ص (٧٤) .\n(٣١١) (مهلًا يا صاحبة القوارير) ص (٢٩) .","vol":"1","page":166},{"text":"وقال آخر:\n\nيا أخت سابغة البراقع في الأباطح والوعور\nقري فديتك حيث لا تؤذيك لا فحة الهجير\nودعي الجنوح إلى السفور وخففي ألم العشير\nالنمر لو لزم الشرى (٣١٢) من كان يطمع في النمور؟\nوالطير تأخذها شباك الصيد في ترك الوكور (٣١٣)\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>عبرة</span>\n\nوالآن فلنتوقف - إلى حين - لنطالع هذه (العبرة) كما حكاها الكاتب الأديب\n\" المنفلوطي \" في مقال له في مسألة الحجاب (٣١٤) قال ﵀:\n\n﴿ذهب فلان إلى أوربا وما ننكر من أمره شيئًا فلبث فيها بضع سنين ثم عاد وما بقي مما كنا نعرف منه شيء: ذهب بوجه كوجه العذراء ليلة عرسها وعاد بوجه كوجه الصخرة الملساء تحت الليلة الماطرة وذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو ويستريح إلى العذر وعاد بقلب ملفف مدخول لا يفارقه السخط على الأرض وساكنها وعلى السماء وخالقها وذهب بنفس غضة خاشعة ترى كل نفس فوقها وعاد بنفس ذهابة نزاعة لا ترى شيئًا فوقها ولا تلقي نظرة واحدة على ما تحتها وذهب بنفس مملوءة حكمة ورأيًا وعاد برأس كرأس التمثال المثقب لا يملأه إلا الهواء المتردد وذهب وما على الأرض أحب إليه من دينه ووطنه وعاد وما على وجهها أصغر في عينيه منهما وكنت أرى أن هذه الصور الغريبة التي يتراءى بها هؤلاء الضعفاء من الفتيان العائدين\n_________\n(٣١٢) الشرى: كعلي، الجبل، وطريق في سلمى كثيرة الأسد، وجبيل بتهامة كثيرة السباع - انظر \" القاموس\nالمحيط \" (٤ / ٣٥٠) .\n(٣١٣) (فقه النظر في الإسلام) ص (٤٩) .\n(٣١٤) (العبرات) للمنفلوطي ص (٤٩) .","vol":"1","page":167},{"text":"من تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرغة على أجسامهم إفراغًا لا تلبث أن تطلع عليها شمس المشرق حتى تنصل وتتطاير ذراتها في أجواء السماء وأن مكان المدنية من نفوسهم مكان الوجه من المرآة إذا انحرف عنها زال خياله منها فلم أشأ أن أفارق ذلك الصديق فلبسته على علاته وفاء بعهده السابق ورجاء لغده المنتظر متحملًا في سبيل ذلك من حمقه ووسواسه وفساد تصوراته وغرابة أطواره ما لا طاقة بمثلي باحتمال مثله حتى جاء في ذات ليلة بداهية الدواهي ومصيبة المصائب فكانت آخر عهدي به دخلت عليه فوجدته واجمًا مكتئبًا فحييته فأومأ إلي بالتحية إيماء فسألته ما باله؟\n\n...\nفقال: \" ما زلت منذ الليلة من هذه المرأة في عناء لا أعرف السبيل إلى الخلاص منه ولا أدري مصير أمري فيه \" قلت: \" وأي امرأة تريد؟ \"\nقال: \" تلك التي يسميها الناس زوجتي وأنا أسميها الصخرة العاتية في طريق مطالبي وآمالي \" قلت: \" إنك كثير الآمال يا سيدي ففي أي آمالك تَحَدَّث؟ \"\nقال: \" ليس لي في الحياة إلا أمل واحد وهو أن أغمض عيني ثم أفتحها فلا أرى برقعًا على وجه امرأة في هذا البلد \"\nقلت: \" ذلك ما لا تملكه ولا أرى لك فيه \" قال: \" إن كثيرًا من الناس يرون في الحجاب رأيي ويتمنون في أمره ما أتمنى ولا يحول بين نزعه عن وجوه نسائهم وإبرازهن إلى الرجال يجالسنهم كما يجلس بعضهم إلى بعض إلا العجز والضعف والهيبة التي لا تزال تلم بنفس الشرقي كلما حاول الإقدام على أمر جديد فرأيت أن أكون أول هادم لهذا البناء العادي (٣١٥) القديم الذي وقف سدًا دون سعادة الأمة وارتقائها دهرًا طويلًا وأن يتم على يدي ما لم يتم على يد أحد غيري من دعاة الحرية وأشياعها فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرته وأعظمته وخيل إليها أنني جئتها بإحدى النكبات العظام والرزايا الجسام وزعمت إنها إن برزت للرجال فإنها لا تستطيع أن تبرز إلى النساء بعد ذلك حياءًا منهن وخجلًا ولا خجل\n_________\n(٣١٥) أي القديم، نسبة إلى عاد.","vol":"1","page":168},{"text":"هناك ولا حياء ولكنه الموت والجمود والذل الذي ضربه الله على هؤلاء النساء في هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن وخمرهن حتى يأتيهن الموت فينقلهن من مقبرة الدنيا إلى مقبرة الآخرة فلابد لي أن أبلغ أمنيتي وأن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجًا ينتهي بإحدى الحسنيين إما بكسره أو بشفائه \"\nفورد علي من حديثه ما ملأ نفسي همًا وحزنًا ونظرت إليه نظرة الراحم الرائي:\n\" أعالم أنت أيها الصديق ما تقول؟ \"\nقال: \" نعم أقول الحقيقة التي أعتقدها وأدين نفسي بها واقعة من نفسك ونفوس الناس جميعًا حيث وقعت \"\nقلت: \" هل تأذن لي أن أقول لك أنك عشت فترة طويلة في ديار قوم لا حجاب بين رجالهن ونسائهن فهل تذكر أن نفسك حدثتك يومًا من الأيام وأنت فيهم بالطمع في شيء مما لا تملك يمينك من أعراض نسائهم فنلت ما تطمع فيه من حيث لا يشعر مالكه؟ \"\nقال: \" ربما وقع لي شيء من ذلك فماذا تريد؟ \" قلت: \" أريد أن أقول لك إني أخاف على عرضك أن يلم به من الناس ما ألم بأعراض الناس منك \"\nقال: \" إن المرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال وهي من شرفها وعفتها في حصن حصين لا تمتد إليه المطامع \"\nفداخلني ما لم أملك نفسي منه وقلت له: \" تلك هي الخدعة التي يخدعكم بها الشيطان أيها\n\nالضعفاء والثلمة التي يعثر بها في زوايا رؤوسكم فينحدر منها إلى عقولكم ومدارككم فيفسدها عليكم الشرف كلمة لا وجود لها إلا في قواميس اللغة ومعاجمها فإن أردنا أن نفتش عنها في قلوب الناس وأفئدتهم قلما نجدها والنفس الإنسانية كالغدير الراكد لا يزال صافيًا رائقًا حتى يسقط فيه حجر فإذا هو مستنقع كدر والعفة لون من ألوان النفس لا جوهر من جواهرها وقلما تثبت الألوان على أشعة الشمس المتساقطة \"\nقال: \" أتنكر وجود العفة بين الناس؟ \"\nقلت: \" لا أنكرها لأني أعلم أنها موجودة بين البله والضعفاء والمتكلفين ولكنني أنكر وجودها عند الرجل القادر المختلب والمرأة الحاذقة المترفقة إذا","vol":"1","page":169},{"text":"سقط بينهما الحجاب وخلا وجه كل منهما لصاحبه في أي جو من أجواء هذا البلد تريدون أن تبرز نساؤكم لرجالكم: أفي جو المتعلمين وفيهم من سئل مرة: \" لِمَ لم تتزوج؟ فأجاب: نساء البلد جميعًا نسائي \" أم في جو الطلبة وفيهم من يتوارى عن أعين خلانه وأترابه حياءًا وخجلًا إن خلت محفظته يومًا من الأيام من صور عشيقاته وخليلاته وأقفرت من رسائل الحب والغرام أم في جو الرعاع والغوغاء وكثير منهم يدخل البيت خادمًا ذليلًا ويخرج صهرًا كريمًا؟ وبعد فما هذا الولع بقصة المرأة والتمطق (٣١٦) بحديثها والقيام والقعود بأمرها وأمر حجابها وسفورها وحريتها وأسرها كأنما قمتم بكل واجب للأمة عليكم في أنفسكم فلم يبق إلا أن تفيضوا من تلك النعم على غيركم هذبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نساءكم فإن عجزتم عن الرجال فأنتم عن النساء أعجز أبواب الفخر أمامكم كثيرة فاطرقوا أيها شئتم ودعوا هذا الباب موصدًا فإنكم إن فتحتموه فتحتم على أنفسكم ويلًا عظيمًا وشقاءًا أروني رجلًا واحدًا منكم يستطيع أن يزعم في نفسه أنه يمتلك هواه بين يدي امرأة يرضاها فأصدق أن امرأة تستطيع أن تملك هواها بين يدي رجل ترضاه إنكم تكلفون المرأة ما تعلمون أنكم تعجزون عنه وتطلبون عندها ما لا تعفونه عند أنفسكم فأنتم تخاطرون بها في معركة الحياة مخاطرة لا تعلمون أتربحونها من بعدها أم تخسرونها وما أحسبكم إلا خاسرين ما شكت المرأة إليكم ظلمًا ولا تقدمت إليكم في أن تحلوا قيدها وتطلقوها من أسرها فما دخولكم بينها وبين نفسها وما تمضغكم ليلكم ونهاركم بقصصها وأحاديثها؟\nإنها لا تشكوا إلا فضولكم وإسفافكم ومضايقتكم لها ووقوفكم في وجهها حيث سارت وأينما حلت حتى ضاق بها وجه الفضاء فلم تجد لها سبيلًا إلا أن تسجن نفسها بنفسها في بيتها فوق ما سجنها أهلها فأوصدت من دونها بابها وأسبلت أستارها\n_________\n(٣١٦) التمطق: التصويت باللسان عند استطابة الطعام.","vol":"1","page":170},{"text":"تبرمًا بكم وفرارًا من فضولكم فواعجبًا لكم تسجنونها بأيديكم ثم تقفون على باب سجنها تبكونها وتندبون شقاءها! إنكم لا ترثون لها بل ترثون لأنفسكم ولا تبكون عليها بل على أيام قضيتموها في ديار يسيل جوها تبرجًا وسفورًا ويتدفق خلاعة واستهتارًا وتودون بجدع الأنف لو\n\nظفرتم هنا بذلك العيش الذي خلفتموه هناك لقد كنا وكانت العفة في سقاء من الحجاب موكوء فما زلتم به تثقبون في جوانبه كل يوم ثقبًا والعفة تسيل منه قطرة قطرة حتى تقبض وتكرش ثم لم يكفكم ذلك منه حتى جئتم اليوم تريدون أن تحلوا وكاءه حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة عاشت المرأة المصرية حقبة من دهرها هادئة مطمئنة في بيتها راضية عن نفسها وعن عيشها ترى السعادة كل السعادة في واجب تؤديه لنفسها أو وقفة تقفها بين يدي ربها أو عطفة تعطفها على ولدها أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات نفسها\nوتستبثها سريرة قلبها وترى الشرف كل الشرف في خضوعها لأبيها وائتمارها بأمر زوجها ونزولها عن رضاهما وكانت تفهم معنى الحب وتجهل معنى الغرام فتحب زوجها لأنه زوجها كما تحب ولدها لأنه ولدها فإن رأى غيرها من النساء أن الحب أساس الزواج رأت هي أن الزواج أساس الحب فقلتم لها:\n\" إن هؤلاء الذين يستبدون بأمرك من أهلك ليسوا بأوفر منك عقلًا ولا أفضل رأيًا ولا أقدر على النظر لك من النظر لنفسك فلا حق لهم في هذا السلطان الذي يزعمونه لأنفسهم عليك \" فازدرت أباها وتمردت على زوجها وأصبح البيت الذي كان بالأمس عرسًا من الأعراس الضاحكة مناحة قائمة لا تهدأ نارها ولا يخبو أوارها وقلتم لها:\n\" لابد لك أن تختاري زوجك بنفسك حتى لا يخدعك أهلك عن سعادة مستقبلك \" فاختارت لنفسها أسوأ مما اختار لها أهلها فلم يزد عمر سعادتها عن يوم وليلة ثم الشقاء الطويل بعد ذلك والعذاب الأليم وقلتم لها:\n\" إن الحب أساس الزواج \" فما زالت تقلب عينيها في وجوه الرجال مصعدة مصوبة حتى شغلها الحب عن الزواج فغنيت به عنه وقلتم لها:\n\" أن سعادة المرأة في","vol":"1","page":171},{"text":"حياتها أن يكون زوجها عشيقها \" وما كانت تعرف إلا أن الزوج غير العشيق فأصبحت كل يوم تبغي زوجًا جديدًا يحيي من لوعة الحب ما أمات الزوج القديم فلا قديمًا استبقت ولا جديدًا أفادت وقلتم لها:\n\" لابد أن تتعلمي لتحسني تربية ولدك والقيام على شئون بيتك \" فتعلمت كل شيء إلا تربية ولدها والقيام على شئون بيتها وقلتم لها:\n\" نحن لا نتزوج من النساء إلا من نحبها ونرضاها ويلائم ذوقها ذوقنا وشعورها شعورنا \" فرأت أن لابد لها أن تعرف مواقع أهوائكم ومباهج انظاركم لتتجمل لكم بما تحبون فراجعت فهرس حياتكم صفحة صفحة فلم تر فيه غير أسماء الخليعات المستهترات والضحكات اللاعبات والإعجاب بهن والثناء على ذكائهن وفطنتهن وتخلعت واستهترت لتبلغ رضاكم وتنزل عند محبتكم ثم مشت إليكم بهذا الثوب الرقيق الشفاف تعرض نفسها عليكم عرضًا كما تعرض الأمة نفسها في سوق الرقيق فأعرضتم عنها ونبوتم عنها وقلتم لها:\n\" إنا لا نتزوج النساء العاهرات \" لأنكم لا تبالون أن يكون نساء الأمة جميعًا ساقطات إذا سلمت لكم نساؤكم فرجعت أدراجها خائبة منكسرة وقد أباها الخليع وترفع عنها المحتشم فلم تجد بين يديها غير باب السقوط فسقطت كذلك انتشرت الريبة في نفوس الأمة جميعًا وتمشت الظنون بين رجالها ونسائها فتعاجز الفريقان وأظلم الفضاء بينهما وأصبحت البيوت كالأديرة (٣١٧) لا يرى فيها الرائي إلا رجالًا مترهبين ونساء عانسات.\nذلك بكاؤكم على الرمأة أيها الراحمون وهذا رثاؤكم لها وعطفكم عليها نحن نعلم كما تعلمون أن المرأة في حاجة إلى العلم فليهذبها أبوها وأخوها أنفع لها من العلم (٣١٨) وإلى اختيار الزوج العادل الرحيم فليحسن الآباء اختيار الأزواج لبناتهم وليجمل الأزواج\nعشرة نسائهم وإلى النور والهواء تبرز إليهما وتتمتع فيهما برؤية الحياة\n_________\n(٢١٧) الأديرة جمع دير.\n(٢١٨) يعني علم ما لم يكون ضروريًا كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":172},{"text":"فيأذن لها أولياؤها بذلك وليرافقها رفيق منهم في غدواتها وروحاتها كما يرافق الشاه راعيها خوفًا عليها من الذئاب فإن عجزنا أن نأخذ الآباء والأزواج بذلك فلننفض أيدينا من الأمة جميعًا نسائها ورجالها فليست المرأة بأقدر على إصلاح نفسها من الرجل على إصلاحها.\nأعجب ما أعجب له من شئونكم أنكم تعلمتم كل شيء إلا شيئًا واحدًا هو أدنى إلى مدارككم أن تعلموه قبل كل شيء وهو أن لكل تربة نباتًا ينبت فيها ولكل نبات زمن ينمو فيه رأيتم العلماء في أوربا يشتغلون بكماليات العلوم بين أمم قد فرغت من ضرورياتها فاشتغلتم بها مثلهم في أمة لا يزال سوادها الأعظم في حاجة إلى معرفة حروف الهجاء ... ورأيتم الرجل الأوربي حرًا مطلقًا يفعل ما يشاء ويعيش كما يريد لأنه يستطيع أن يملك نفسه وخطواته في الساعة التي يعلم فيها أنه قد وصل إلى حدود الحرية التي رسمها لنفسه فلا يتخطاها فرأيتم أن تمنحوا هذه الحرية نفسها رجلًا ضعيف الإرادة والعزيمة يعيش في حياته الأدبية في رأس منحدر زلق إن زلت به قدمه مرة تدهور من حيث لا يستطيع أن يستمسك حتى يبلغ الهوة ويتردى في قرارتها ورأيتم الزوج الأوربي الذي أطفأت بيئته غيرته وزالت خشونة نفسه وحرشتها يستطيع أن يرى زوجته تخاصر من تشاء وتصاحب من تشاء وتخلو بمن تشاء فيقف أمام ذلك المشهد موقف الجامد المتبلد فأردتم من الرجل الشرقي الغيور المتلهب أن يقف موقفه ويستمسك استمساكه ورأيتم المرأة الأوربية الجريئة المتفتية تستطيع في كثير من مواقفها مع الرجال أن تحتفظ بنفسها وكرامتها (*) فأردتم من المرأة المصرية الضعيفة الساذجة أن تبرز للرجال بروزها وتحتفظ بنفسها احتفاظها وكل نبات يزرع في أرض\n_________\n(*) في هذه العبارة نظر، إذ ليست علة منع الاختلاط سذاجة المرأة وعدم جرأتها بحيث يقال إذا زالت العلة زال\nالمعلول فيباح الاختلاط للمرأة الجريئة المتفتية ويمنع للساذجة الضعيفة وهذا باطل لمخالفته نصوص\nالشريعة وقواعدها وقد فصَّلت ذلك في \" القسم الثالث \" من هذا الكتاب فانظره ص (٥١: ٦٠) .","vol":"1","page":173},{"text":"غير أرضه أو في ساعة غير ساعته إما أن تأباه الأرض فتلفظه وإما أن يستنبت فيها فيفسدها.\nإنا نذرع إليكم باسم ... الحرمة الدينية أن تتركوا تلك البقية من نساء الأمة آمنات مطمئنات في بيوتهن ولا تزعجوهن بأحلامكم وآمالكم كما أزعجتم من قبلهن فكل جرح\n\nمن جروح الأمة له دواء إلا جرح الشرف فإن أبيتم إلا أن تفعلوا فانظروا بأنفسكم قليلًا ريثما تنتزع الأيام من صدوركم هذه الغيرة التي ورثتموها عن آبائكم وأجدادكم لتستطيعوا أن تعيشوا في حياتكم سعداء آمنين \".\n\nفما زاد الفتى أن ابتسم في وجهي ابتسامة الهزء والسخرية وقال:\n\" تلك حماقات إلا لنعالجها فلنصطبر عليها حتى يقضي الله بيننا وبينها \"\nوقلت له: \" لك أمرك في نفسك وأهلك فاصنع بهما ما تشاء وائذن لي أن أقول لك إني لا أستطيع أن اختلف إلى بيتك بعد اليوم إبقاءً عليك وعلى نفسي لأن الساعة التي ينفرج لي فها جانب ستر من أستار بيتك عن وجه امرأة من أهلك تقتلني حياءً وخجلًا ثم انصرفت وكان هذا فراق ما بيني وبينه.\nوما هي إلا أيام قلائل حتى سمعت الناس يتحدثون أن فلانًا هتك الستر في منزله بين نسائه ورجاله وأن بيته أصبح مغشيًا لا تزال النعال خافقة ببابه فذرفت عيني دمعة لا اعلم هل هي دمعة الغيرة على العرض المزال أو الحزن على الصديق المفقود.\nمرت على تلك الحادثة ثلاثة أعوام لا أزوره ولا يزورني ولا ألقاه في طريقه إلا قليلًا فأحييه تحية الغريب للغريب من حيث لا يجري لما كان بيننا ذكر ثم أنطلق في سبيلي.\nوإني لعائد إلى منزلي ليلة أمس - وقد مضى الشطر الأول من الليل - إذ رأيته خارجًا من منزله يمشي مشية الذاهل الحائر وبجانبه جندي من جنود الشرطة كأنما هو","vol":"1","page":174},{"text":"يحرسه أو يقتاده فأهمني أمره ودنوت منه فسألته عن شأنه فقال:\n\" لا علم لي بشيء سوى أن هذا الجندي قد طرق الساعة بابي يدعوني إلى مخفر الشرطة ولا أعلم لمثل هذه الدعوة في مثل هذه الساعة سببًا وما أنا بالرجل المذنب ولا المريب فهل أستطيع أن أرجوك يا صديقي بعد الذي كان بيني وبينك أن تصحبني الليلة في وجهي علني أحتاج بعض المعونة فيما قد يعرض لي هناك من الشئون؟ \"\nقلت: \" لا أحب إلي من ذلك \" ومشيت معه صامتًا لا أحدثه ولا يقول لي شيئًا ثم شعرت كأنه يزور في نفسه كلامًا يريد أن يفضي به إلي فيمنعه الخجل والحياء ففاتحته الحديث وقلت له: \" ألا تستطيع أن تذكر لهذه الدعوة سببًا؟ \" فنظر إلي نظرة حائرة\nوقال: \" إن أخوف ما أخافه أن يكون قد حدث لزوجتي الليلة حادث فقد رابني من أمرها أنها لم تعد إلى المنزل حتى الساعة وما كان ذلك شأنها من قبل \"\nقلت: \" أما كان يصحبها أحد؟ \" قال: \" لا \"\nقلت: \" ألا تعلم المكان الذي ذهبت إليه؟ \" قال: \" لا \"\nقلت: \" ومم تخاف عليها؟ \" قال: \" لا أخاف شيئًا سوى أني أعلم أنها امرأة غيور حمقاء فلعل بعض الناس حاول العبث في طريقها فشرست عليه فوقعت بينهما واقعة انتهى أمرها إلى مخفر الشرطة \"\nوكنا وصلنا إلى المخفر فاقتادنا الجندي إلى قاعة المأمور فوقفنا بين يديه فأشار إلى جندي أمامه إشارة لم نفهمها ثم استدنى الفتى إليه وقال له:\n\" يسوءني أن أقول لك يا سيدي إن رجال الشرطة قد عثروا الليلة في مكان من أمكنة الريبة برجل وامرأة في حال غير صالحة فاقتادوهما إلى المخفر فزعمت المرأة أن لها بك صلة فدعوناك لتكشف لنا الحقيقة في أمرها فإن كانت صادقة أذنا لها بالانصراف معك إكرامًا لك وإبقاءً على شرفك وإلا فهي امرأة عاهرة لا نجاة لها من عقاب الفاجرات وها هما وراءك فانظرهما \" وكان الجندي قد جاء بهما من غرفة أخرى\nفالتفت وراءه فإذا المرأة زوجته وإذا الرجل أحد أصدقائه فصرخ صرخة رجفت لها جوانب المخفر وملأت","vol":"1","page":175},{"text":"نوافذه وأبوابه عيونًا وآذانًا ثم سقط مكانه مغشيًا عليه فأشرت على المأمور أن يرسل المرأة إلى منزل أبيها ففعل وأطلق سبيل صاحبها ثم حملنا الفتى في مركبة إلى منزله \"\nثم ذكر السيد المنفلوطي ﵀ وحاصلها أن الفتى مات كمدًا وحسرة من هذه الفضيحة التي اختتم بها حياته ...","vol":"1","page":176},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-86> طه حسين \" عميد التغريب في الفكر المعاصر دوره في \" تحرير المرأة \" وجرائمه في حق الإسلام (٣١٩)</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>في يناير ١٩٥٠ م:</span>\n\nحمل \" حسين سري \" (رئيس الديوان) إلى الملك \" فاروق \" مشروع التشكيل الوزاري الذي سلمه إليه \" مصطفى النحاس \" رئيس حزب الوفد أخذ الملك في مراجعته ولما بلغ اسم \" طه حسين \" قال فاروق:\n(مستحيل مستحيل أنتم لا تعرفون خطورة هذا الرجل)\nوقال أيضًا:\n(من المحال أن أوافق على أن يكون وزيرًا للمعارف بالذات مستحيل)\nوتدخل \" كريم ثابت \" الصليبي وأقنع الملك بالعدول عن موقفه.\n\nفمن هو ذلك الرجل الذي أشفق الطاغية \" فاروق \" من خطره؟\n\nلعل أغلب أبناء هذا الجيل طرق أسماعهم اسم \" طه حسين \" الموصوف زورًا بأنه\n\" عميد الأدب العربي \" وتخيلوه - من جراء الدعاية المسلطة على عقولهم - الرجل المسلم الوقور تحيطه هالة من الشهرة المدوية والتاريخ الحافل بالأمجاد.\n\nإن من الواجب على أبناء اليقظة الإسلامية المعاصرة أن يمحصوا حقيقة ذلك\n_________\n(٣١٩) استفدت فقرات هذا الفصل من (طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام) للأستاذ \" أنور الجندي \"\nبتصرف وانظر: (محاكمة فكر طه حسين) له أيضًا.","vol":"1","page":177},{"text":"الرجل حتى لا ينخدعوا بالدعايات الكاذبة التي تملأ الآفاق مدحًا في \" طه حسين \" وتمجيدًا له\nفي حين أنه كان صنيعة لأعداء الإسلام وداعية للتبعية المطلقة للمدنية الغربية بكل مفاسدها وشرورها.\nإن \" طه حسين \" مسئول عن كثير من مظاهر الفساد والتحلل التي ينوء بها المجتمع اليوم ولقد خاض معركة بل معارك من أجل \" تسميم \" الآبار الإسلامية وتزييف مفهوم الإسلام والتاريخ الإسلامي معتمدًا على سياسة المستشرقين في التحول من المهاجمة العلنية للإسلام إلى خداع المسلمين بتقديم طعم ناعم في أول الأبحاث ثم دس السم على مهل متسترًا وراء دعوى \" البحث العلمي \" و\" حرية الرأي \"!! وليس المقام مقام\n(الترجمة) لطه حسين ولكنه مقام التنبيه إلى دوره الخطير في محاربة الإسلام وتهديد حصونه من داخلها ثم سرد مقتطفات من أقواله وأفعاله التي تبين مدى حقده على هذا الدين وعلى هذه الأمة ولا أجد أصدق في التعبير عن ذلك من حكم أستاذه \" التلمودي \" المستشرق \" ما سينيون \" عليه.\nفقد قال الدكتور زكي مبارك:\n(وقف المستشرق ماسنيون يوم أديت امتحان الدكتوراة وقال: إنني حين أقرأ بحثًا لطه حسين أقول: \" هذه بضاعتنا ردت إلينا \") (٣٢٠) اهـ\n\nوهاك أمثلة من أقواله الكفرية ومواقفه الإبليسية:\n\n١ - فمن ذلك: تكذيبه القرآن المجيد وسائر الكتب السماوية في قوله:\n(للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلًا عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب ونحن مضطرون أن نرى في هذه القصة نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام\n_________\n(٣٢٠) (زكي مبارك) للأستاذ \" أنور الجندي \" ص (١٣٢) .","vol":"1","page":178},{"text":"واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى) اهـ.\n\n٢ - ومن ذلك قوله: (أن القرآن المكي يمتاز بالهروب من المناقشة والخلو من\nالمنطق) تعالى الله عما يقول الملحدون علوًا كبيرًا.\n\n٣ - ومن ذلك قوله: (إن الدين لم ينزل من السماء وإنما خرج من الأرض كما\nخرجت الجماعة نفسها)\n(إن الدين حين يقول بوجود الله ونبوة الأنبياء يثبت أمرين لا يعترف بهما العلم) اهـ.\n\n٤ - ومن ذلك قوله: (إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين وستبقى كذلك بل يجب أن تبقى وتقوى والمصري فرعوني قبل أن يكون عربيًا ولا يطلب من مصر أن تتخلى عن فرعونيتها وإلا كان معنى ذلك: إهدمي يا مصر أبا الهول والأهرام وانسي نفسك واتبعينا لا تطلبوا من مصر أكثر مما تستطيع أن تعطي مصر لن تدخل في وحدة عربية سواء كانت العاصمة القاهرة أم دمشق أم بغداد وأؤكد قول أحد الطلبة القائل:\n\" لو وقف الدين الإسلامي حاجزًا بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه \") اهـ.\n\n٥ - ومنه قوله في مجلة \" كوكب الشرق \" (١٢ أغسطس ١٩٣٣):\n(لم أكن في اللجنة التي وضعت الدستور القديم ولم أكن بين الذين وضعوا الدستور الجديد ولم يستشرني أولئك وهؤلاء في هذا النص الذي اشتمل عليه الدستوران جميعًا والذي يعلن أن للدولة المصرية دينًا رسميًا هو الإسلام ولو قد استشارني أولئك وهؤلاء لطلبت إليهم أن يتدبروا وأن يتفكروا قبل أن يضعوا هذا النص في الدستور) اهـ.\n\n٦ - ومن ذلك أنه دعا طلاب كلية الآداب إلى اقتحام القرآن في جرأة ونقده بوصفه كتابًا أدبيًا يقال فيه: هذا حسن وهذا (كذا) تعالى الله عن","vol":"1","page":179},{"text":"زندقته علوًا كبيرًا فقد حكى عنه\n(عبد الحميد سعيد) قوله:\n(ليس القرآن إلا كتابًا ككل الكتب الخاضعة للنقد فيجب أن يجري عليه ما يجري عليها والعلم يحتم عليكم أن تصرفوا النظر نهائيًا عن قداسته التي تتصورونها وأن تعتبروه كتابًا عاديًا فتقولوا فيه كلمتكم ويجب أن يختص كل واحد منكم بنقد شيء من هذا الكتاب ويبين ما يأخذه عليه) (*) اهـ.\n\n٧ - ومن ذلك: حملته الشديدة على الأزهر الشريف وعلمائه الأفاضل ورميهم جميعًا بالجمود وحثه على:\n(استئصال هذا الجمود ووقاية الأجيال الحاضرة والمقبلة من شره) على حد تعبيره.\n\n٨ - ومن ذلك أيضًا تشجيعه لحملة (محمود أبو رية) على السنة الشريفة ومن ذلك أيضًا تأييده لـ (عبد الحميد بخيت) حين دعا إلى الإفطار في رمضان وثارت عليه ثائرة علماء المسلمين.\n\n٩ - ومنه: مطالبته بإلغاء التعليم الأزهري وتحويل الأزهر إلى جامعة أكاديمية للدراسات الإسلامية وقد أطلق عليها (الخطوة الثانية) وكانت \" الخطوة الأولى \" هي إلغاء المحاكم الشرعية التي هلل لها كثيرًا.\n\n١٠ - قوله: (خضع المصريون لضروب من البغي والعدوان جاءتهم من الفرس والرومان والعرب أيضًا) اهـ.\n\n١١ - ومن ذلك أنه أعاد خلط الإسرائيليات والأساطير إلى السيرة النبوية بعد أن نقاها العلماء المسلمون منها والتزيد في هذه الإسرائيليات والتوسع فيها.\n\n١٢ - ومن ذلك: حملته على الصحابة ﵃ وعلى الرعيل الأول من الصفوة المسلمة وتشبيههم بالسياسيين المحترفين الطامعين في\n_________\n(*) من \" طه حسين \" لأنور الجندي ص (٢٢٩) .","vol":"1","page":180},{"text":"السلطان - وحاشاهم ﵃ - وذلك في محاولة منه لإزالة ذلك التقدير الكريم الذي يكنه المؤرخون المسلمون لصحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم.\n\n١٣ - ومن ذلك: عمله على إعادة طبع رسائل \" إخوان الصفا \" وتقديمها بمقدمة ضخمة في محاولة إحياء هذا الفكر الباطني المجوسي المدمر وإحياؤه شعر المجون والفسق والحديث عن شعرائهما بهالة من التكريم كأبي نواس وبشار وغيرهم وكذا ترجمة القصص الفرنسي الإباحي الماجن وطعنه في ابن خلدون والمتنبي وغيرهما.\n\n١٤ - ومن ذلك قوله: (أريد أن أدرس الأدب العربي كما يدرس صاحب العلم الطبيعي علم الحيوان والنبات ومالي أدرس الأدب لأقصر حياتي على مدح أهل السنة وذم المعتزلة من الذي يكلفني أن أدرس الأدب لأكون مبشرًا للإسلام أو هادمًا للإلحاد) اهـ.\n\n١٥ - ومنه قوله: (إن الإنسان يستطيع أن يكون مؤمنًا وكافرًا في وقت واحد مؤمنًا بضميره كافرًا بعقله فإن الضمير يسكن إلى الشيء ويطمئن إليه فيؤمن به أما العقل فينقض ويبدل ويفكر أو يعيد النظر من جديد فيهدم ويبني ويبني ويهدم) اهـ.\n١٦ - ومن ذلك قوله: (علينا أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا فنأخذ الحضارة خيرها وشرها وحلوها ومرها وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب) اهـ.\n\n١٧ - ومن ذلك قوله في تصوير سر إعجابه \" بأندريه جيد \": (لأنه شخصية متمردة بأوسع معاني الكلمة وأدقها متمردة على العرف الأدبي وعلى القوانين الأخلاقية وعلى النظام الاجتماعي وعلى النظام السياسي وعلى","vol":"1","page":181},{"text":"أصول الدين)\nوذكر أنه يحب \" أندريه جيد \" ويترسم خطاه ويصور نفسه من خلال شخصيته.\n\n١٨ - ومن ذلك: وصفه لوحشية المستعمرين الفرنسيين وقسوتهم في معاملة المسلمين المغاربة: بأنها (معانة ومشقة في سبيل بسط الحضارة الفرنسية والمدنية على تلك الشعوب المتوحشة التي ترفض التقدم والاستنارة) .\n\n١٩ - ومن ذلك: استقدامه لبعض المستشرقين المحاربين لله ورسوله الطاعنين في القرآن الكريم لإلقاء محاضرات حول الإسلام في الجامعة المصرية لتشكيك الطلاب في القرآن والإسلام.\n\n٢٠ - ومن ذلك: تشجيعه تيار التنصير في الجامعة وحينما اكتشف هذا المخطط التنصيري قال: (ما يضر الإسلام أن ينقص واحدًا أو تزيد المسيحية واحدًا) وعندما تكشف أن هناك كتبًا مقررة في قسم اللغة الإنكليزية تتضمن هجومًا على الإسلام ورسوله \" قال: (إن الإسلام قوي ولا يتأثر ببعض الآراء) واكتفى بهذا في حين ترك للأساتذة الإنكليز مطلق الحرية في هذا العمل.\n\n٢١ - ثم عمد \" طه حسين \" إلى إخراج كل من له رأي أو أصالة من كلية الآداب واستبقى أعوانه الذين سار بهم إلى الطريق الذي رسمه وعانه على ذلك \" لطفي السيد \" الذي كان مديرًا للجامعة وفي نفس الوقت تابعًا لخطط \" طه حسين \" وخاصة في خطة إنشاء معهد \" التمثيل والرقص الإيقاعي \" ودعوة الطالبات إلى الاختلاط وتحريضهن على ذلك ومعارضة الجبهة المسلمة التي حاولت أن تدعو إلى الدين والأخلاق وهكذا تحولت الجامعة إلى مجتمع متحلل من قيود الأخلاق الإسلامية فأقيمت حفلات رسمية في دار الأوبرا خليت لها الراقصات المحترفات ومن ثم عرفت","vol":"1","page":182},{"text":"حفلات الرقص والسمر في البيوت مما قصت أخباره بعض الخريجات وغيرها والرحلات المشتركة وما كان يجري في اتحاد الجامعة ورابطة الفكر العالمي من محاضرات مادية\nإلحادية ومقطوعات فرنسية على البيانو وروايات تمثيلية تقوم على الحب والغرام.. وقد وصل الأمر إلى حد أن أحد الأساتذة \" الأجانب \" ضاق ذرعًا بذلك الفساد فكتب يقول:\n(إنه خليق بالجامعة أن تمثل المثل الأعلى - \" يعني للطلاب \" - لا أن تمثل فيهم دور السكير) !.\nوكان \" طه حسين \" يرعى ذلك ويقول: (إن هذا النوع من الحياة الحديثة يمضي عليه وقت طويل في مصر حتى يغير العقلية المصرية تغييرًا كبيرًا) .\n\n٢٢ - وتتابعت خطوات \" طه حسين \" في كلية الآداب في سبيل خطته فأقام حفلًا لتكريم \" رينان \" الفيلسوف الفرنسي الذي هاجم الإسلام أعنف هجوم ورمى المسلمين والعرب بكل نقيصة في آدابهم وفكرهم وكذلك جعل \" طه حسين \" الشعار الفرعوني هو شعار الجامعة وقد لقي من ذلك كله معارضة شديدة وخصومة واسعة وصلت إلى كل مكان في البلاد العربية وأرسل إليه الأستاذ \" توفيق الفكيكي \" من العراق برقية قال فيها: \" إن شعاركم الفرعوني سيكسبكم الشنار وستبقى أرض الكنانة وطن الإسلام\nوالعروبة برغم الفرعونية المندحرة \".\n٢٣ - وذكرت مجلة \" النهضة الفكرية \" في عددها الصادر في ٧\nنوفمبر ١٩٣٢ م:\n(أن الدكتور \" طه \" تعمد في إحدى كنائس فرنسا وانسلخ من الإسلام من سنين في\nسبيل شهوة ذاتية) (٣٢١) .\n_________\n(٣٢١) انظر ما قيل حول تنصره في \" طه حسين حياته وفكره في ميزان الإسلام \" للأستاذ أنور الجندي\nص (٧٣ - ٧٤) .","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>صراع حركة اليقظة مع \"طه حسين</span>\"\n\nولقد هوجم \" طه حسين \" منذ اليوم الأول إلى اليوم الأخير لم تتوقف حركة اليقظة عن متابعته وكشف شبهاته وتزييف آرائه ودحر مخططه ولكنه مع كل ذلك كان يقبض الثمن ويكافأ بكل إصرار على خدماته لأعداء الإسلام فلقد ظل يترقى في المناصب رغم الحملات التي شنها عليه علماء الإسلام في كافة البقاع الإسلامية ظل يترقى في مخطط مرسوم من أستاذ إلى عميد إلى مدير جامعة إلى مستشار فني إلى وزير وظل حتى اللحظات الأخيرة من حياته مشرفًا على اللجنة الثقافية في الجامعة العربية ورئيسًا لمجمع اللغة العربية وله نفوذه الواسع في وزارة المعارف والجامعات وذلك مصداق قول \" هاملتون جب \" المستشرق:\n(سواء قوبلت آراء \" طه حسين \" بالموافقة أم لم تقابل فلابد أن يقضي نفوذه الواسع الذي يتمتع به إلى توطيد المبادئ التي يدعو إليها) اهـ.\n\nوقال المستشرق \" كاممفاير \":\n(إن المحاولة الجريئة التي قام بها \" طه حسين \" ومن يشايعه في الرأي لتخليص دراسة العربية من شباك العلوم الدينية هي حركة لا يمكن تحديد آثارها على مستقبل الإسلام) اهـ\nبل قال هو عن نفسه: (إنني أفكر بالفرنسية وأكتب بالعربية) اهـ.\nوفي تقرير خطير يصف المكر اليهودي الأمريكي لإبادة الجيل المسلم وبصورة مكشوفة يطالب التقري بوجوب الإفادة من آراء \" طه حسين \" ومؤلفاته.\n﴿وقد دعا هذا التقرير إلى وجوب تأليف \" لجنة مكافحة الإسلام \" تنبع من وكالة الأمن القومي الأمريكي وقد استعانت هذه اللجنة بعدة شخصيات منها نائب ما يسمى بـ (البابا المسئول عن التبشير مع الجمعيات الدينية كما استعانت بتقرير الإدارة","vol":"1","page":184},{"text":"البريطانية وغيرها من تقارير الدول الاستعمارية في الغرب والشرق.\nوقد جاء في توصيات اللجنة السابقة بالحرف الواحد:\n\" وجوب تسليط الدعاية والإعلام على مجددي الدين المزعومين\nكطه حسين وأمثاله \"﴾ (٣٢٢) اهـ.\n\nهذا وقال الأستاذ الشيخ \" عبد ربه مفتاح \" من علماء الأزهر في مقالة\nنشرها الكوكب مخاطبًا \" طه حسين \":\n(وكيف تزعم أيها الدكتور أن \" بعض \" العلماء أثار هذا الأمر- أمر كفرك - وهاأنا ذا أصرح لك - والتبعة في ذلك علي وحدي - بأن العلماء أجمعين وعلى بكرة أبيهم يحكمون عليك بالكفر وبالكفر الصريح الذي لا تأويل فيه ولا تجوز وأتحداك وأطلب منك بإلحاح أو رجاء أن تدلني على واحد منهم \" وواحد فقط \" يحكم عليك بالفسوق والعصيان دون الكفر أجل إني وأنا من بينهم أتهمك بالكفر وأتحمل تبعة هذا الاتهام وعليك تبرئة نفسك من هذا الاتهام الشائن والمطالبة بما لك من حقوق نحوي) (٣٢٣) اهـ.\n\nوأخيرًا: فهذه لمحة خاطفة عن \" طه حسين \" الرجل الذي تشهد كتبه بأنه لم يكن إلا\nبوقًا من أبواق الغرب وواحدًا من عملائه الذين أقامهم على حراسة السجن الكبير يروج\nلثقافاته ويعظمها ويؤلف قلوب العبيد ليجمعهم على عبادة جلاديهم (ويوطد دعائم الود\nوالتفاهم بين الحمار وراكبه وهي دعائم تفيد الراكب دائمًا ولا تفيد الحمار!) (*) .\n_________\n(٣٢٢) (طه حسين في ميزان العلماء والأدباء) للأستاذ محمود مهدي الاستانبولي، نقلًا عن مجلة (حضارة الإسلام) ع: (٤٤٢٠) بين ١٣٩١ (١٩١٩) .\n(٣٢٣) السابق - ص (٥٥٢) .\n(*) انظر: (حصوننا مهددة من داخلها) ص (١٠١) الطبعة السابعة.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>كيف واجه المسلمون مؤامرات \" طه حسين </span>\"؟\n\nأصر (طه حسين) على استبقاء كتب (برنارد شو) وغيره التي تهاجم الإسلام في\nكلية الآداب بحجة أن الإسلام قوي ولن يتأثر بهذا الرأي وذاك.\n\nسرت عند ذلك روح الغيرة الإسلامية عند الطلاب فقاومت مؤامرات (طه حسين) على\nالإسلام وحاصرته في مكتبه بكلية الآداب وكادت أن تفتك به لولا أن أنقذه بعض الخدم\nفهرب - واعتكف كمقدمة لخروجه من كلية الآداب.\n\nوأحرق الشباب العربي في الشام كتب (طه حسين) في ميدان عام في العاصمة دمشق\nووصفه العلماء بالإلحاد والزندقة.\n\nوقام بعض تلامذته الذين استيقظ فيهم الشعور بالكرامة والعزة الإسلامية وكشفوا حقيقته\nبفضح أهدافه وكشف تزويره وسرقته من كتب المؤلفين الغربيين (٣٢٤) .\n\nوتصدى له عشرات العلماء والدعاة والمفكرين لعدوانه المتكرر على حرمات\nالإسلام وفضحوا مؤامراته على الإسلام ومن ذلك المقالة التالية:\n\nبين \" حسن البنا \" و\" طه حسين \":\n\nفقد عقد الأستاذ \" حسن البنا \" ﵀ فصلًا في مجلة \" التعارف \" تحت عنوان:\n\" إذا كان هذا (٣٢٥) صحيحًا يا دكتور فقد أتفقنا \"\nوكان مما جاء فيه بصدد قضية \" الاختلاط \":\n\n(وهل من الدعوة الإسلامية يا دكتور أن تخلط بين الفتيان والفتيات هذا الخلط\n_________\n(٣٢٤) انظر \" طه حسين \" للأستاذ أنور الجندي ص (٧٩) .\n(٣٢٥) يقصد الشيخ حسن البنا ﵀ بكلمة (هذا) الإشارة إلى قول \" طه حسين \" في حفل تكريم أقيم له:\n(وأتمني أن يقيض الله للإسلام من يدافع عنه كما أدافع أنا عنه وأن ينشره ويحببه للناس كما أبشر به أنا\nوكما أحبب مبادئه للناس) اهـ! وانظر \" طه حسين \" للأستاذ أنور الجندي ص (٨٥ - ٨٩) .","vol":"1","page":186},{"text":"في كلية الآداب فتحذو حذوها غيرها من الكليات وتبوء أنت بإثم ذلك كله؟ وتريد\nللفتيات في صراحة هذا الاختلاط وتحثهن عليه وتدعوهن إليه ولا تقل إن هذا من عمل\nغيرك فيداك أوكتا وفوك نفخ وما تحمس لهذا ودعا إليه وحمل لواءه واستخدم نفوذه في\nتحقيقه أحد كما فعلت ذلك أنت ولعلك تعتبر هذا من مآثرك ومفاخرك ولكني أخالفك يا\nدكتور وأصارحك بأن هذا الاختلاط ليس من الإسلام وقد رأينا - وسترى - ما كان\nوما سيكون له من آثار) اهـ.\n\nوقالت (درية شفيق):\n(وفي سنة ١٩٣٢ ظهرت صورة للدكتور \" طه حسين \" بك في نادي الجامعة وعلى\nيمينه ويساره الطلبة والطالبات جلوسًا يتناولون الشاي وقامت القيامة لهذه الصورة\nالبريئة التي تضرب المثل للأبوة في وجود العميد و\" الإخوة \"! في جلسة الطلبة\nوالطالبات واتخذت الصورة تكأة يتخلص بها الرجعيون من (طه حسين) و(لطفي\nالسيد) ووقف الرجعيون في مجلس النواب يحملون على الجامعة ورجالها فكرة تعليم\nالبنات فيها ويرون ذلك فضيحة من الفضائح يجب أن تحول دونها الحكومة) (٣٢٦) اهـ.\n\nوفي غرة المحرم ١٣٥٦ هـ (الموافق ١٤ مارس ١٩٣٧ م) زحف موكب كبير من\nطلبة الجامعة المصرية والأزهر ودار العلوم يزيد على أربعة آلاف نسمة ومن خلفهم\nأضعافهم من ولاة أمور الطلاب واتجه الموكب إلى قصر الأمير (محمد علي) رئيس\nمجلس الوصايا مطالبين بتعميم التعليم الديني والتربية الإسلامية في جميع أدوار التعليم\nإلى نهاية درجته العليا وفصل الشابات عن الشبان في الجامعة المصرية كما هو الحال\nفي أدوار التعليم التي قبل الجامعة والاهتمام بالتربية بقدر الاهتمام بالتعليم) (٣٢٧) اهـ.\n_________\n(٣٢٦) من \" تطور النهضة النسائية في مصر \" ص (٧٢) .\n(٣٢٧) \" إهابة \" للكاتبة \" عزيزة عباس عصفور \" ص (١٢٨، ١٣٣)، وقد كان لهذه المطالب صدى واسع لدى المؤيدين والمعارضين وفي هذا الكتاب \" إهابة \" جمعت الكاتبة النشرات والمقالات التي باركت تلك الحركات الإسلامية الطلابية فراجعه إن شئت.","vol":"1","page":187},{"text":"وانبرى الأديب الكبير (مصطفى صادق الرافعي) يبارك مطالب شباب الجامعة التي تجاوبت بها أصداء البلاد ويرد على \" طه حسين \" وأشياعه تحت عنوان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>إلى شباب الجامعة (٣٢٨)</span>\n\n(حياكم الله يا شباب الجامعة المصرية لقد كتبتم الكلمات التي تصرخ منها الشياطين\nكلمات لو انتسبن لانتسبت كل واحدة منهن إلى آية مما أنزل به الوحي في كتاب الله.\nوطلب تعليم الدين لشباب الجامعة ينتمي إلى هذه الآية ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم\nالرجس﴾ الأحزاب ٣٣ وطلب الفصل بين الشباب والفتيات يرجع إلى هذه الآية:\n﴿ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ الأحزاب ٥٣ يريد الشباب مع حقيقة العلم حقيقة الدين\nفإن العلم لا يعلم الصبر ولا الصدق ولا الذمة يريدون قوة النفس مع قوة العقل فإن\nالقانون الأدبي في الشعب لا يضعه العقل وحده ولا ينفذه وحده.\n\nيريدون قوة العقيدة حتى إذا لم ينفعهم في بعض شدائد الحياة ما تعلموه نفعهم ما اعتقدوه..\nلا ... لا ...، يا رجال الجامعة! إن كان هناك شيء اسمه حرية الفكر فليس هناك\nشيء اسمه حرية الأخلاق.\nوتقولون: أوربا وتقليد أوربا؟ ونحن نريد الشباب الذين يعملون لاستقلالنا لا\n_________\n(٣٢٨) \" وحي القلم \" (٣ / ١٨٤ - ١٨٨) تحت عنوان (قنبلة بالبارود لا بالماء المقطر)، وانظر \" إهابة \" لعزيزة عباس عصفور ص (٧٨ - ٨٠) .","vol":"1","page":188},{"text":"لخضوعنا لأوربا.\nوتقولون: إن الجامعات ليست محل الدين ومن الذي يجهل أنها بهذا صارت محلًا\nلفوضى الأخلاق؟\nوتزعمون أن الشباب تعلموا ما يكفي من الدين في المدارس الابتدائية والثانوية فلا\nحاجة إليه في الجامعة.\nأفترون الإسلام دروسًا ابتدائية وثانوية فقط؟ أم تريدونه شجرة تغرس هناك لتقلع\nعندكم؟) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>بين \" الزهاوي\" و\" ابن الخطيب </span>\":\n\nومن فصول المعركة الهجمات التي شنها الشاعر العراقي الملحد المدعو \" جميل صدقي\nالزهاوي \" (٣٢٩) حيث أكثر من الطعن في الدين والتنفير من شرائعه حتى قال في\nالحجاب:\nأخر المسلمين عن أمم الأرض حجاب تشقى به المسلمات\nفانبرى له الشيخ ابن الخطيب وعارضه قائلًا (٣٣٠):\n\nبئس ما يدعي فلاسفة العصر من أن السفور فيه الحياة\n_________\n(٣٢٩) والزهاوي هو القائل في حب الإنكليز أعداء الإسلام والتنفير من الترك المسلمين:\nتبصر أيها العربي واترك ولاء الترك من قوم لئام\nووال الإنجليز رجال عدل وصدق في الفعال وفي الكلام\nأحب الإ نكليز وأصطفيهم لمرض الإخاء في الأنام\nجلوا في الملك ظلمة كل ظلم بعدل ضاء كالبدر التمام\n(من ديوان الزهاوي) ط دار الدعوة - بيروت وله أشعار كثيرة في ذم الحجاب والتنفير منه ضربنا عنها صفحًا - عليه من الله ما يستحقه.\n(٣٣٠) (حقائق ثابتة في الإسلام) لابن الخطيب ص (٨١ - ٨٦) .","vol":"1","page":189},{"text":"وهو حق إذ أن أسلافنا الأعراب من فرط ما يحبون ماتوا (٣٣١)\nيا خليلي حدث عن الشرق قدمًا حين كانت تعظم المعجزات\nحين كان القرآن يرجى ويخشى والقوانين آية البينات\nحين كان الحديث يتلى ولا يرويه إلا ذوو العقول الثقات\nإننا في الزمان نلقى أناسًا في التوضي علومهم قاصرات (٣٣٢)\nوهموا بعد يدعون علومًا أنكرتها عصورنا الخاليات (٣٣٣)\nليت شعري ماذا يريدون منا وصنوف الأذى بنا محدقات\nبنت مصرهاتي سفورك واغشي كل ناد ولتمل منك الجهات (٣٣٤)\nعرفي نفسك الغداة وطوفي لا تفتك الأسواق والحانات\nثم أمي مجالس القوم وادعيهم إلى حيث لا تمل الدعاة\nعلنًا بالسفور نبني حصونًا شامخات بها ترد العداة\nوعسانا نرى البرايا سجودًا لابن مصر وقد علاه الثبات (٣٣٥)\n_________\n(٣٣١) تهكم بهذا الرأي الفاسد والقول المذموم فهو يصدقهم في ما زعموه من أن السفور سبب للحياة إشارة إلى أن من مات من أعفاء العرب حزنًا وجوى لعجزهم عن رؤية من يحبون نظرًا لأن الحجاب كان يحول دون ذلك فيموت العاشق أو يجن وفي هذا يقول قائلهم:\nما كان أغناني عن حب من من دونه الأستار والحجب\nفي حين أن السفور الممقوت قد خلط الحابل بالنابل وجعل العاشق متمكنًا ومالكًا لمن يعشقها فانقشع (بفضل)\nالسفور الأسى والجوى وحل محلهما القرب والنجوى فعم بذلك الشر والبلوى واستوجبوا به غضب الجبار ولا\nحول ولا قوة إلا بالله.\n(٣٣٢) أي أنهم لا يتقنون الوضوء، أو: لا يتوضئون أصلًا لتركهم الصلاة.\n(٣٣٣) وذلك لأنهم مع جهلهم حتى بفقه الوضوء يتقمصون صور العلماء والأحبار ويتشدقون بالنصوص الشرعية بعد تحريفها وتأويلها مدعين أن السفور لا ينافي الدين ويأتون بفهم للنصوص سقيم لم يسبقهم إليه سلف ولا خلف.\n(٣٣٤) أمر قصد به التهكم والاستهزاء.\n(٣٣٥) أي تركه النوم والخمول.","vol":"1","page":190},{"text":"ولعمري قد بكى الدين حزنًا حين قال الخطيب: يا سيدات (٣٣٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>ومن قذائف الحق في هذه المعركة:</span>\nما قاله الأديب الشاعر \"مصفى صادق الرافعي\" ردًا على دعاة \"تحرير\" المرأة:\n\nأراك ترجين الذي لست أهله وما كل علم إبرة وثياب\nكفى الزهر ما تندى به راحة الصبا وهل للندى بين السيول حساب\nوما أحمق الشاة استفرت بظلفها إذا حسبت أن الشياه ذئاب\nفحسبك نبلًا قالة الناس أنجبت وحسبك فخرًا أن يصونك باب\nلك القلب من زوج وولد ووالد وملك جميع العالمين رقاب\nولم تخلقي إلا نعيمًا لبائس فمن ذا رأى أن النعيم عذاب\nدعي عنك قومًا زاحمتهم نساؤهم فكانوا كما حف الشراب ذباب\n\nتساووا فهذا بينهم مثل هذه وسيان معنى يافع وكعاب\nوما عجبي أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجاب (٢٣٧)\n\nومنها: ما كان من الشاعر الأستاذ (محمد حسن النجمي) وقد أطلع على رد\n_________\n(٣٣٦) أي عندما غشيت النساء المحافل والمنتديات مختلطات بالرجال وصار الخطباء يفتتحون كلامهم بقولهم\n(سيداتي سادتي)، هذه العبارة كان (سعد) يحلم باليوم الذي تقال فيه إذ قال في حفل تكريم له أقامه تجار\nالعاصمة على أثر عودته من منفاه: (سادتي.. كنت أود أن أقول: \" سيداتي وسادتي \"،.. وأتعشم أن\nيأتي يوم أرى فيه خطباءنا يبدأون بتلك البداية) اهـ من كتاب (المرأة المصرية) لدرية شفيق ص (١٣٣)\n(٣٣٧) ديوان الرافعي (٢/١٣٢١هـ) (ربة الحسن والقلم) وللرافعي قصيدة أنشأها ينقد فيها تبرج النساء لاقت في\nزمنه رواجًا عظيمًا ووزع منها عشرة آلاف نسخة وذكر ذلك صديقه (أبورية) في كتابه (من رسائل الرافعي)\nقال في مطلعها: دلالك في التبرج من ضلالك وما عاب الدلال سوى دلالك","vol":"1","page":191},{"text":"فضيلة الشيخ (مصطفى صبري) ﵀ على السفوريين (٣٣٨) فأنشأ القصيدة الآتية:\n\nزعم السفور والاختلاط وسيلة للمجد قوم في المجانة أغرقوا\nكذبوا متى كان التعرض للخنا شيئًا تعز به الشعوب وتسبق\nأيكون كشف السوأتين فضيلة فيذيعها هذا الشباب الأحمق\nما بالهم والبنت قد فتنت بما قالوا وحل بها الجنون المطبق\nوبدت مقاتل عرضها لرماته حتى لهم به الجبان الأخرق\nوالقول أصبح في الخروج لها فلا كَفٌ تكُف ولا رتاج يغلق\nكرهوا الزواج بها وباتت سوقها بعد التبذل عندهم لا تنفق\nما خطبهم كلفوا بنزع حجابها وتكلفوا فيها البيان ونمقوا\nوتناولوا بالضعف من حاجاتنا واللين ما هو بالصرامة أخلق\nأغدت مشاكلنا الكبيرة كلها ذيل يجرجره السفور المطلق\nأم أنهم ضلوا السبيل وغرهم ببريقه هذا الجديد المخلق\n\n***\nأشبابنا المرجو صيحة جازع أغرى بها هذا البلاء المحدق\nونصيحة يفدي برائع سرها لقوام نهضتنا محب مشفق\nلا ترهفوا سمع الحفي لقالة أبدًا بها بوم البطالة تنعق\nلم يقصدوا خيرًا بها لكنهم رأوا القوى يسيغها فتملقوا\nولربما أجترح القوى خطيئة فمضى الضعيف بمدحها يتشدق\nقوا أهلكم ونفوسكم عارًا إذا لم تتقوه بغيركم لا يعلق\n_________\n(٣٣٨) في كتابه (قولي في المرأة) .","vol":"1","page":192},{"text":"وتناولوا بالزجر حمرًا كلما هيجت إلى متع الإباحة تنهق\nليس التمدن أن نرى روح الحيا بيد الخلاعة كل يوم تزهق\nوالبنت يدفعها براحته الهوى فتروح تهوى من تشاء وتعشق\nلكنه العلم اهتدى بضيائه غرب البسيطة حين ضل المشرق\n\nقال الشاعر \" محمد إقبال \" في قصيدته \" جواب شكوى \" (*):\n\nلقد سئم الهوى في البيد قيس ومل من الشكاية والعذاب\nيحاول أن يباح العشق حتى يرى ليلاه وهي بلا احتجاب\nيريد سفور وجه الحسن لما رأى وجه الغرام بلا نقاب\nفهذا العهد أحرق كل غرس من الماضي وأغلق كل باب\nقد أفنت صواعقه المغاني وعاثت في الجبال وفي الهضاب\n***\nهي النار الجديدة ليس يلقى لها حطب سوى المجد القديم\nخذوا إيمان إبراهيم ينبت لكم في النار روضات النعيم\nويذكوا من دم الشهداء ورد سني العطر قدسي النسيم\n\nولعل مما يصور واقع (المرأة الجديدة) التي أنتجتها دعوة التحرير أصدق تصوير هذه\nالقصيدة لفضيلة الشيخ\"عبد الفتاح عشماوي\" كتبها جوابًا لشاب مسلم حائر بعنوان:\n_________\n(*) (تنزيه الشريعة عن إباحة الأغاني الخليعة) لأحمد بن يحيي النجمي ص (٥٩) .","vol":"1","page":193},{"text":"\" حيرة \"\n\nسأل الفتى هلا أزلت لحيرتي كيف السبيل وقد جعلتك قدوتي؟\nفأجبت أفصح ما بذاتك علني أجد السبيل بقدر ما في طاقتي\nفأجاب أبغي أن أصون غريزتي بزواج من تدعى بحق زوجتي\nليست مشاع للجميع يرونها تمشي لتعرض ما يذل رجولتي\nإن قلت صوني سمعتي وتستري ألفيتها عابت عليَّ (رجعيتي)\nأو قلت: قال الله كان جوابها ما قال (قاسم) أو (فرويد) غايتي\nوإذا خطبت وقلت: ما هو مهرها؟ لم يتركوا إلا الفراغ بجعبتي\nوإذا رأتني بالشعيرات التي في عارضي طلبت إزالة لحيتي\nأو لا زواج وقد أطاعوا أمرها وأنا الطريد أجر ذيل الخيبة\nفإذا رضخت وصار وجهي ناعمًا وتزوجتني والمضيع سنتي\nورأيتها يومًا تغادر بيتنا وسألتها قالت: أريد إدارتي\nلم يبق إلا أن أكون مكانها وهي التي تسعى لتجلب لقمتي\nوطعامها أطهو وأغسل ثوبها وكذاك أرضع طفلها يا بلوتي\n\nلم لا تكون وقد رأت حكامها أعطوا لها ما حرمته شريعتي\nمن لي بذات الدين تحفظ غيبتي غابت فلم أر من أراها زوجتي\nفأجبته وأنا أغالب دمعتي أسمعتني ما زادني من حسرتي\nلكن أقول وقد وُهِبْتَ هداية لا تيأسن وأبحث عن المهدية\nفهناك من صن الحياء وإنما غيبن خلف الخدر خدر العفة\nقل للتي أخضرت ولكن من دمن (٣٣٩) لا أشتريك لكي أبيع ديانتي\n_________\n(٣٣٩) مأخوذ من معنى حديث ضعيف جدًا نصه: (إياكم وخضراء الدمن فقيل وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء) - أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة حديث رقم (١٤) .","vol":"1","page":194},{"text":"لو عشت طول العمر غير مزوج فأنا حريص أن أبيض صفحتي\nولدي وعد الله حق قاطع عندي عروسك والزفاف بجنتي (٣٤٠)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المصير الأسود</span>\n\nوكنتيجة حتمية لذلك السفور وهذا التبرج الجاهلي الكبير ولنفس النظام التعليمي الفاسد\nالذي غايته المثلى وهدفه الأسمى الوظيفة الحكومية وغير الحكومية امتلأت دور\nالحكومة ومصالحها بالموظفات وازدحمت بهن المسارح ودور السينما وكذلك المسابح\nوالمصطافات وضمت البلاد بالخبث وعمها الفساد وانمسخ المجتمع الإسلامي فأصبح\nغيره بالأمس في مظهره ومخبره وظاهره وباطنه.\n\nثم جردت جيوش الشيطان ونفثت سمومها في كل مكان عبر السينما والتليفزيون\nوالمسارح وإذا بنا أمام مخطط إلحادي يجوس خلال ديارنا وإذا بالزنا يحميه قانون\nوإذا بالفسقة والفاسقات من أهل \" الفن \" تقام لهم الأعياد وتضفى عليهم صفات البطولة\nوتهدى لهم الجوائز ليستعينوا بها على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.\n\nلقد كرم الإسلام المرأة كتابًا وسنة وحفلت شريعته برفع شأنها وصيانة حقوقها لكنها\nأذلت نفسها لما اتبعت الذين حرضوها ضد فطرتها ودينها وفسلخوها من دينها\nوأبعدوها عن ربها وألقوا بها في متاهات الحياة لتقاسي شظف العيش ومكاره المحن\nالتي ناء بها كاهل الرجل بله المرأة لقد حملوها حملًا على أن تصطف في طابور\nالمنقادين لحضارة الغرب لتدخل جنته المنشودة ولكن بعد أن تخلع على أعتابها إيمانها\nبالله واليوم الآخر.\n_________\n(٣٤٠) محاضرات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - الموسم الثقافي للعام الدراسي ١٣٩٤ هـ - ١٣٩٥ هـ.","vol":"1","page":195},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-94> ودفعت المرأة الثمن:</span>\n\nلقد فقدت المرأة التي كان يلوح لها \" أنصارها \" بسعادة التحرر والتطور - ليس فقط سعادتها - بل فقدت وجودها كله ذات قيمة في المجتمع ووزن فيه لقد قبضت فيما مضى على دينها فقبض الله عنها السوء وبسط لها الحلال حتى لم تكد تينع الثمرة في بيت أبيها إلا وتمتد يد الحلال وتقطفها فلا تفتح عينها إلا على حليلها ولكنها قد ابتذلت وأهينت على يد أصدقائها وأنصارها كان أول من زهد فيها أنصارها المخادعون ولم تعد - كما كانت - تتمتع باحترام الآباء والأزواج ولم تعد تحاط بهالة التقدير والتعظيم وإنما أصبحت في نظر الجميع أشبه بمحترفة تطلب العيش وتقرع كل باب للعمل لعلها تحصل على وظيفة - أي كانت - تدر عليها دراهم معدودة تنفق أكثرها في المساحيق للتجميل وفي الثياب القصيرة للفتنة ولفت الأنظار.\nهذا هو المنحدر الفظيع والهاوية السحيقة والمصير الأسود القاتم الذي انتهت إليه المرأة في كثير من بلاد المسلمين.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-95> والآن:</span>\n\nوقد خلعت المرأة حجابها وغادرت حصنها وعصت ربها فهل جنينا حقًا التقدم والرخاء والحضارة؟\nلقد خالطت الرجال واختلط الحابل بالنابل فهل زالت العقد النفسية؟ وهل استقرت دواخلهما؟ وهل جنينا سوى الثمار المريرة؟\nلقد فتحنا بلادنا أمام الغزو الفكري اليهودي والصليبي والعلماني الذي سلط علينا سموم الشبهات وسهام الشهوات التي كانت أفتكها المرأة فهل وجدناهم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا؟","vol":"1","page":196},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-96> التجربة خير شاهد:</span>\n\nإننا لن نطيل في وصف الهاوية التي تردت إليها المرأة \" المتحررة \" بفضل\n\" أنصارها \" و\" أصدقائها \" لأن الواقع حولنا يكفينا مؤنة هذه الإطالة إنه حقًا واقع مرير مرير تستطيع أن تدرك عواقبه وآثاره حيثما وقعت عينك في كل بيت في كل طريق في كل وظيفة.\nوربما إذا كنا نتكلم من خلال خيال حالم أو حتى منذ قرن واحد مضى لا تهمنا بالتحامل أو المبالغة..\nولكنه واقع أليم خير من ينبئك عنه:\nهذه المرأة الضحية ...\nوهؤلاء \" الأ نصار \" و\" الأصدقاء \" ...\nإن صدقوا!","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>السياسة في المعركة</span>\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-98> معركة سلاحها الأقلام:</span>\n\nرأينا - فيما سبق - كيف تحولت قضية (تحرير) المرأة المسلمة إلى حملة (السفور) مسعورة ضد الحجاب وكيف أخذت كلمة (تحرير) مدلول (السفور) برغم أن التحرير في الإسلام يأخذ مدلول الحجاب فكانت المحجبة هي \" الحرة \" والسافرة - أي التي تكشف وجهها - هي \" الأمة \" فكان السفور عنوان العبودية أما في ظل دعاة التحرير فأن الحجاب عندهم هو عنوان العبودية.\n\nوتابعنا فيما مضى بعض فصول المعركة الفكرية التي انتصر فيها (السفور) على\n(الحجاب) وكانت ساحة هذه المعركة في الغالب صفحات الصحافة ثم الكتب والمطبوعات وقاعات الجامعة وسائر وسائل الإعلام..\n\nوقد كانت هذه الوسائل متوافرة في أيدي دعاة السفور ومن ثم لم تكن المعركة متكافئة ولم تكن الحرب عادلة خاصة إذا انضم غلى ذلك ادعاء السفوريين أن السفور جاء نتيجة طبيعية للتطور الحضاري المرتقب وأن السفور هو اختيار المرأة ذاتها ورغبتها الفعلية الحرة من أجل خلاصها من العبودية.\n\nبل لم يبخل السفوريون بان يخدعوا أنفسهم أو يخادعوا الإسلاميين بقواعد شرعية صحيحة يحرفونها عن مواضعها ويستدلون بها لتسويغ باطلهم.\n\nوتطوع علماء السوء بالتزلف - تحت ضغط \" سيف المعز \" و\" ذهب المعز \" - وراحوا ينتزعون من النصوص الشرعية ما يمكن أن يبرروا به للحكام مخالفتهم للشرع هؤلاء الحكام الذين راحوا يتشدقون بأن (الدين في نظرهم ثقافة ليس إلا) وإنه (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) هم أنفسهم رحبوا بالدين طالما صلى لهم \" رجال الدين \" \" صلاة الاستسقاء \" إذا عطشوا و\" صلاة النصر \"","vol":"1","page":198},{"text":"إذا انتصروا و\" صلاة الحاجة \" إذا مرضوا ثم \" صلاة الجنازة \"إذا ماتوا.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-99> معركة سلاحها البطش:</span>\n\nإذا كانت دعوة \" تحرير المرأة \" أساسًا دعوة استعمارية أسسها الاستعمار وربى دعاتها على موائده ومكن تلاميذه من نشرها..\n\nوإذا كان هؤلاء السفوريون سلكوا تلك الأساليب الملتوية في عرض دعوتهم لتزييف الحقيقة والصد عن سبيل الله.. وإذا كانت إعراض التآمر واضحة في كل خطوة من خطوات حركة تحرير المرأة.. فهل يمكن بعد ذلك أن يزعم زاعم أن المعركة التي\nانتصر فيها السفور على الحجاب في بلاد المسلمين كانت معركة شريفة حقًا انتصر فيها (السفور) لأنه التطور الحضاري المرتقب كما يزعمون ولأنه الرغبة الفعلية للمرأة واختيارها الحر من أجل خلاصها؟\n\nوإذا كانت فصول المعركة الفكرية بعد أن انتهت بهذا الانتصار الكاذب قد تحولت إلى معركة حقيقية تفرضها سياسة جائرة تحكم أمة مستضعفة مقهورة وجنود مسلحون أمام نساء عزل وقوانين إرهابية وإجراءات تعسفية ومشانق تعلق وسجون تعمر ونيران تضرم فهل يمكن بعد هذا كله القول بأنها كانت معركة شريفة انتصر فيها السفور على الحجاب طبقًا للاختيار الحر للمرأة وأنها ثمرة من ثمرات \" الديموقراطية \" المزعومة أو \" الحرية \" الأسيرة أو \" التقدم \" الرجعي الذي يعيدنا إلى الجاهلية الأولى؟\n\nوالآن - وقبل أن نستأنف عرض تفاصيل المعركة المسلحة ضد الحجاب - دعونا نطالع أولًا هذه السطور المضيئة للإمام المحقق ابن قيم الجوزية وهو يعدد واجبات أولي الأمر:","vol":"1","page":199},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-100> مسؤولية الحاكم المسلم:</span>\n\nقال ﵀ (٣٤١):\n\n(ومن ذلك: أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال.\nقال مالك ﵀ ورضي الله عنه:\n\" أرى للإمام أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم وأرى أن لا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع فأما المرأة المتجالة والخادم الدون التي لا تتهم على القعود ولا يتهم من تقعد عنده: فإني لا أرى بذلك بأسًا \" انتهى.\nفالإمام مسؤول عن ذلك والفتنة به عظيمة قال \":\n\" ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء \" (٣٤٢)\nوفي حديث آخر أنه قال للنساء: \" لكُن حافات الطرق \" (٣٤٣) ويجب عليه منع النساء من الخروج متزينات متجملات ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات كالثياب الواسعة والرقاق ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات ومنع الرجال من ذلك\n\nوإن رأى ولي الأمر أن يفسد على المرأة - إذا تجملت وتزينت وخرجت - ثيابها بحبر ونحوه فقد رخص في ذلك بعض الفقهاء وأصاب وهذا من أدنى عقوبتهن المالية وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها - ولا سيما إذا خرجت متجملة - بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والمعصية والله سائل ولي الأمر عن ذلك وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ النساء من المشي\n_________\n(٣٤١) \" الطرق الحكمية في السياسة الشرعية \" ص (٢٨٠ - ٢٨١) .\n(٣٤٢) رواه الشيخان وغيرهما عن أسامة ﵁.\n(٣٤٣) أخرجه أبو داود عن أبي أسيد الأنصاري بلفظ: (ليس لكُن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق: وفي سنده مجهول لكن له شاهد حسن من حديث أبي هريرة بلفظ: (ليس للنساء وسط الطريق) رواه ابن حبان وغيره، فيتقوى به (صحيح الجامع ٥ / ٩٨)، وتحقيق \" شرح السنة \" (١٢ / ٣٢٢) .","vol":"1","page":200},{"text":"في طريق الرجال والاختلاط بهن في الطريق (٣٤٤) فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك.\nوقال الخلال في جامعه: أخبرني محمد بن يحيي الكحال أنه قال لأبي عبد الله: أرى الرجل السوء مع المرأة؟ قال: صح به وقد أخبر النبي \":\n\" أن المرأة إذا تطيبت وخرجت من بيتها فهي زانية \" (٣٤٥)\nويمنع المرأة إذا أصابت بخورًا أن تشهد عشاء الآخرة في المسجد (٣٤٦) فقد قال النبي \": \" المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان \" (٣٤٧) .\nولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة) اهـ.\nفهذه نبذة يسيرة مما ينبغي أن يكون عليه الحاكم المسلم وأن سلطته - بقوة الشرع الذي يجعل طاعته جزء من الدين - تمتد إلى هذه الحدود الواسعة ردعًا للفسقة ومشيعي الفاحشة ومراعاة لقوله \":\n\" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته \"\nالحديث (٣٤٨) .\n_________\n(٣٤٤) وقد روى أنه رأى رجلًا وامرأة يتكلمان في الطريق - وقد تكون زوجته أو من محارمه - فعلاهما\nبالدرة، وقال: (ما وجدتما مكانًا غير هذا تتكلمان فيه؟) فأين أنت يا عمر وأين درتك؟ ما أحوجنا إليكما\nالآن! .\n(٣٤٥) أخرجه النسائي وأبو داود والترمذي والحاكم والإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من\nحديث أبي موسى الأشعري بلفظ: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية)\nوقال الترمذي: حسن صحيح وقال الحاكم: صحيح الاسناد، ووافقه الذهبي.\n(٣٤٦) لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله \": (أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)\nأخرجه مسلم وأبو عوانة في صحيحيهما وأصحاب السنن وغيرهم.\n(٣٤٧) رواه البزار والترمذي والطبري في الكبير وصححه الألباني (إرواء الغليل ١ / ٣٠٣) رقم (٢٧٣) .\n(٣٤٨) رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":201},{"text":"قال الله تعالى: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميه ليمكروا فيها)\nالآية الأنعام ١٢٣.\n\nوهذا ما جرى من \" أكابر مجرميها \" قرانا حيث تمكن منها تلامذة الاستعمار الأمناء على عهده الحافظون لمآربه وهم قوم صغار النفوس لا يقف استهتارهم وعنادهم للشرع عند حد والأمة إذا أسندت أمرها إلى صغار النفوس كبرت رذائلهم لا نفوسهم وإذا حكم الفاسق فقد حكم الفسق.\n\nوللخير أهل يعرفون بهديهم إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع\nوللشر أهل يعرفون بشكلهم تشير إليهم بالفجور الأصابع\n\nوقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله \": \" صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات (٣٤٩) مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا \".\n\nقال الأستاذ \" محمد أديب كلكل \" (٣٥٠) مشيرًا إلى فوائد هذا الحديث:\n(وفيه ربط بين الاستبداد السياسي \" قوم معهم سياط \" والانحلال الخلقي \" ونساء كاسيات عاريات \" وهذا ما يصدقه الواقع فإن المستبدين من الطغاة والمتسلطين من الفراعنة يشغلون الشعوب عادة بما يقوي الشهوات ويزينها ويلهي الناس بالمتاع الشخصي عن مراقبة القضايا العامة لكي يبقوا سادرين في غفلاتهم غارقين في شهواتهم لا يهتمون\n_________\n(٣٤٩) قال الإمام ابن الأثير الجزري ﵀: (\" مائلات مميلات \" مائلات: أي زائغات عن طاعة اللهو عما\nيلزمهن من حفظ الفروج ومميلات: يعلمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن) اهـ محل الغرض منه\n(جامع الأصول ١١ / ٧٨٩) .\nوقال الشيخ إسماعيل حقي في تفسير قوله (مميلات): (أي قلوب الرجال إلى الفساد بهن، أو مميلات\nأكتافهن وأكفالهن كما تفعل الراقصات أو مميلات مقانعهن عن رؤوسهن لتظهر وجوههن) اهـ من\n(روح البيان) (٧ / ١٧٠) - وانظر هامش \" المجموع \" للنووي (٤ / ٣٠٧) .\n(٣٥٠) في كتابه (حكم النظر في الإسلام) ص (١٣٤) .","vol":"1","page":202},{"text":"بطغيان ولا يسألون عن انحراف ولا يقاومون ظلمًا ولا عدوان) اهـ بمعناه.\n\nأجل! لقد تطرف هؤلاء \" الأكابر \" في انجذابهم إلى طريق الشيطان حتى خرجوا من الدائرة بالكلية وصاروا هم في الحقيقة الرجعيين المتطرفين الداعين إلى الرجعية الجاهلية المظلمة قبل بزوغ فجر الإسلام.\n\nومن عجيب أمرهم أنه إذا أنكر عليه منكر فتحهم باب الطعن في أحكام الإسلام احتجوا بأن هذه أمور تخضع للحرية الشخصية وأن لابد من التزام مبدأ حرية الرأي والسلوك أفلا يحتجون بحرية الرأي والسلوك في حق من يكفر بنظمهم \" الأساسية \" ويطعن في مناهجهم العلمانية؟ أم أنهم يغارون على دنياهم ويستكثرون منا أن نغار على ديننا؟\nيقاد للسجن من سب الزعيم ومن سب الإله فإن الناس أحرار","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>عود على بدء</span>\n\nالآن نعرض فصولًا من المعركة التي دارت بين الحجاب والسفور في بعض البقاع الإسلامية وقد تحولت من معركة فكرية سلاحها القلم والتضليل إلى معركة حقيقية سلاحها البطش والإرهاب والتنكيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>١ - في تركيا:</span>\n\n(شرع أتاتورك - عليه من الله ما يستحق - قانونه لنزع حجاب المرأة المسلمة وراقب تنفيذه وعاقب مخالفيه وشنق معارضيه) (٣٥١) .\nوقال في تسويغ حربه على الحجاب:\n\" لقد رأيت كثيرات من أخواتنا يغطين وجوههن إذا ما رأين غريب يتقدم نحوهن ومن المؤكد أن هذا الغطاء يضايقهن كثيرًا في الحر \" (٣٥٢) اهـ.\nوقام عام (١٩٢٥) بإجبار تركيا بأكملها - وليس المرأة فقط - على هجر الإسلام كلية حتى الحرف الذي تكتب به اللغة التركية متشابهًا مع لغة القرآن أم نزع حجاب المرأة التركية فقد تم بالإرهاب والإهانة في الطرقات حين كان البوليس يقوم بنزع حجاب المرأة التركية بالقوة) (٣٥٣) .\nوهكذا كان نزع الحجاب خطوة\n_________\n(٣٥١) (المرأة المسلمة) لوهبي غاوجي الألباني ص (١٨٩) .\n(٣٥٢) \" مصطفى كمال أتاتورك \" إعداد لجنة الرواد والمشاهير \" بإشراف الدكتور رء وف سلامة موسى\nص (٩٦) .\n(٣٥٣) (في مسألة السفور والحجاب) لصافي ناز كاظم ص (٩) .","vol":"1","page":205},{"text":"ضمن خطة علمانية شاملة لإزالة كل أثر للإسلام في تركيا مركز الخلافة العثمانية (٣٥٤) ويصور الأستاذ \" أحمد حسن الزيات \" بعض ملامح هذه الخطة فيقول:\n(وألزموا التركي المسلم بلبس القبعة وأرغموه أن يكتب من الشمال وفصلوا الدين عن الدولة وانتزعوا العربية من التركية وألغوا العيدين واستبدلوا بعيد الجمعة عيد الأحد وعطلوا الصلاة بمسجد أيا صوفيا وأسكتوا المؤذنين وأبعدوا المصلين فلا يمرون عليه إلا باكين مستعبرين وحولوه إلى متحف وبيت للأوثان وطمست منه آيات القرآن وأظهرت فيه الصور والأوثان - وكأن أتاتورك وأشياعه قد نقلوا أمتهم المروعة المشدوهةعلى المدرعات إلى الشاطئ الأوربي ثم أحرقوامن ورائها سفائن طارق) (٣٥٥)\n\n(أجل! لقد حولوا جامع \" أيا صوفيا \" وهو مسجد الأستانة الكبير كنيسة بمنع الصلاة فيه ومحو ما فيه من آيات قرآنية وأحاديث والكشف عما ستره المسلمون الفاتحون من الصور التي زعمها النصارى للملائكة ومن يسمونهم القديسين والصلبان ونحوها من نقوش نصرانية) (٣٥٦) .\n\nوفي هذا قال حافظ:\n\n\" أيا صوفيا \" حان التفرق فاذكري عهود كرام فيك صلوا وسلموا\nإذا عدت يومًا للصليب وأهله وحلي نواحيك المسيح ومريم\nودقت نواقيس وقام مزمر من الروم في محرابه يترنم\nفلا تنكري عهد المآذن إنه على الله من عهد النواقيس أكرم (٣٥٧)\n_________\n(٣٥٤) ومن الجدير بالذكر أن زوجة أتاتورك رفضت الاستجابة لطلب زوجها حينما راودها على كشف وجهها\nورأسها وأمرها بالتخلي عن الحجاب وأصرت على لزوم الحجاب حتى كان هذا الأمر أحد أسباب طلبها\nالطلاق منه.\n(٣٥٥) مستفاد من (الرسالة) العدد ٨٨ السنة الثالثة ٦ ذي الحجة ١٣٥٣ هـ، ١١ مارس ١٩٣٥ م.\n(٣٥٦) مجلة \" الإسلام \" - ١٧ جماد الأولى ١٣٥٤ هـ - ١٦ أغسطس ١٩٣٥ م - ص (٤٤) .\n(٣٥٧) \" الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر \" (٢ / ٢٠ - ٢١) .","vol":"1","page":206},{"text":"(ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة في ٣ مارس عام ١٩٢٤ من دون مناقشة للجمعية الوطنية وصدر قانون يحكم بالإعدام على من يتآمر على عودتها (٣٥٨) ....\nوفي نفس العام (١٩٢٤) صدر قانون بإلغاء التعليم الديني وجعل التعليم مدنيًا فقط ثم ألغيت المحاكم الشرعية وأصبحت التركية هي لغة البلاد وأنقرة هي عاصمتها.\nوكان أتاتورك يجوب تركيا لابسًا قبعة من القش وكان يثور كلما رأى رجلًا يلبس الطربوش وقد أثار أزمة مع سفير مصر في أنقرة إذ صرخ فيه في إحدى الحفلات:\n\" قل للملك إني لا أحب هذا اللباس \".\nوفي عام (١٩٢٦) ألغى الزواج الشرعي وجعله مدنيًا وألزم توثيقه أمام موظفي الدولة وقد أمر أتاتورك الأتراك بالتوقف عن إلقاء السلام بالفم ونصحهم بأن تكون تحيتهم بالمصافحة باليد وحرم ارتداء الملابس الدينية لغير رجال الدين ثم ألغى الحريم وأصدر قانونًا بإلغاء الحجاب للمرأة وألغى تعدد الزوجات وأدخل التعليم المختلط ... واستبدل بالقانون المدني التركي القانون السويسري وأوقف التقويم الهجري وأمر باستخدام التقويم الميلادي وجعل العطلة الأسبوعية يوم الأحد من كل أسبوع) (٣٥٩) .\n\nوهذه صحيفة \" السياسة الأسبوعية \" (٣٦٠) تكتب مقالًا عن (فتاة تركيا ١٩٢٦) تصف فيه باخرة اتخذتها وزارة التجارة التركية معرضًا عامًا في رحلة على\n_________\n(٣٥٨) (جاء في دائرة المعارف الماسونية ص (١٦٢) ما نصه: \" إن الانقلاب الذي قام به الأخ \" مصطفى كمال\nأتاتورك \" أفاد الأمة الماسونية فقد أبطل السلطنة وألغى الخلافة الإسلامية وأبطل المحاكم الشرعية وأبعد\nدين الإسلام عن الحياة \")، وانظر \" محاضرات الجامعة الإسلامية \" عام (١٣٩٥ م - ١٣٩٦ هـ)\nص (١٣٢) .\n(٣٥٩) انظر \" مصطفى كمال اتاتورك \" د. رؤف سلامة موسى ص (٩٣: ٩٦) .\n(٣٦٠) \" السياسة الأسبوعية \" - عدد ١٧ يوليو ١٩٢٦ م.","vol":"1","page":207},{"text":"نفقة الحكومة تنتقل فيها بين موانئ أوربا الشهيرة فتقول أن هذه الباخرة كانت تقل (خمسًا وعشرين فتاة من فتيات تركيا الجديدة كلهن جميلات مقصوصات الشعور لا يكاد يميزهن الرائي من فتيات لندن وباريس)\nويقول المراسل: \" إن أكثر الفتيات يتكلمن الإنجليزية بإتقان يدعو إلى الدهشة وإن بعضهن قد تلقى العلم في الكلية الأمريكية في القسطنطينية \" ويروي بعض ما صرحت به الفتيات من مثل قول إحداهن في بعض الموانئ الإنجليزية:\n(إن المرأة التركية اليوم حرة فلن تسير إلى الطرقات في ظلام وإننا نعيش اليوم مثل نسائكم الإنجليزيات نلبس أحدث الأزياء الأوربية والأمريكية ونرقص وندخن ونسافر وننتقل بغير أزواجنا)\nومن مثل تصريح أخرى بأن (معيشتهن على ظهر الباخرة معيشة سرور وصفاء لا يوصف فكلهن يرقص وبعد العشاء يبدأ الرقص من \" تانجو \" و\" فوكس تروت \" وقد تعلمت ذلك في المدرسة)\nويعلق مراسل الصحيفة على ذلك الوصف بقوله: (إن هذا من أظهر الآثار التي تدل على تقدم المرأة التركية ومجاراتها لأختها الغربية في ميدان العمل والجهاد الفكري والاقتصادي ولا يسع كل محب لتركيا إلا أن يغبطها على هذه الخطوات) اهـ.\n\nوهذه هي صحيفة (المقتطف) تكتب مقالًا عن (الأحوال في تركيا المعاصرة) (٣٦١) تشيد فيه بمصطفى كمال أتاتورك وتقرنه بواشنجتن زاعمة إنه أكبر زعيم معاصر وهي تثني على صنيعه في فصل الدولة عن الدين واعتباره الدين (أمرًا شخصيًا بين المرء وخالقه) ثم تشيد الصحيفة بالتطور الاجتماعي الذي طرأ على تركيا بسفور النساء واشتراكهن في المجتمعات مع الرجال ومشاركتهن الشبان في الدراسات الجامعية وإنشاء صحيفة تدافع عن حقوقهن ويشير الكاتب بإعجاب إلى ما أنشئ من الدور المختلطة التي تضم الشباب من الجنسين ليمارسوا الرياضة ويروي الكاتب\n_________\n(٣٦١) المقتطف عدد إبريل (نيسان) ١٩٢٦ (ص ٤١٠ - ٤١٣) .","vol":"1","page":208},{"text":"بلهجة الاستحسان (طلب بعض النابغات منهن أن يسمح لهن بإلقاء خطب في الجوامع كل أسبوع في تدبير المنزل وما أشبهه من الموضوعات) اهـ.\n\nلقد كان أتاتورك يجعل من رذائل الأوربيين فضائل لهم على رغم أنفهم يتبرءون منها ويلحقها هو بقومه.. إنه لم يحكم على شبر من أوربا بجعله تركيا ولكنه جعل رذائل أوربة تتجنس بالجنسية التركية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المثل الأعلى للفراعنة:</span>\n\nولعل سيرة اتاتورك تفسر لنا لماذا يصر طواغيت اليوم على اتخاذه أسوة وقدوة حتى لقد افتخر \" فرعون مصر \" الملقب بـ \" أنور اليهود \" يومًا بأن مثله الأعلى هو\"أتاتورك\" وكأنه لم يكفه أن زعيم الترك بعد أن أرغم قومه على إلغاء الحروف العربية بغضًا في العرب ودينهم وحملهم على لبس القبعة فأحسوها ذلة تطأطأ لها الرءوس وعارًا تذل له النفوس وحاول بعض المتقين نبذها فقطعت رءوسهم وأراد بعض الغيورين استهجانها فشلت ألسنتهم ولم يكفه أن \" أتاتورك \" رمى بالمصحف ساخرًا وقال لعنة الله عليه:\n\" لا تفلحوا ما دام هذا الكتاب البالي أمامكم \"\nوكان يأمر فيترجم له بعض آياته لنقدها والسخرية بها.\nوقال في حديث مع (المس جريس أليسون):\n\" إنك تتحدثين عن الدين ألا فاعلمي أني رجل لا دين له وكثيرًا ما وددت لو كان في وسعي أن أقذف بجميع الأديان إلى البحر! إن الحاكم الذي يشعر بحاجته إلى الدين ليدعم به حكومته لهو أخرق الرأي ضعيف السلطان يحاول اصطياد الرعية بالحبال الواهية أما الشعب التركي فسيتعلم مبادئ الديموقراطية الصحيحة ويرضع لبان العلوم الحقة وسنضرب الخرافات بيد من حديد ثم ندع للناس حرية الاعتقاد ليعبدوا ما يشاءون \".","vol":"1","page":209},{"text":"وقرر أن لا يدرس الفقه الإسلامي في جامعة استمبول الجديدة لأنه يعتقد أن التخصص في العلوم الدينية لا يطابق حالة العصر (٣٦٢) .\n(وتبنى القانون المدني السويسري وقانون الجرائم الإيطالي وأمر بتحريق مصادر الفقه الإسلامي ثم أضطهد علماء المسلمين أبشع الاضطهاد وقتل منهم العشرات وعلق جثثهم على أعواد الشجر بأقمشة عمائمهم.\nلقد أحياهم في التاريخ أم هم فقتلوه في التاريخ وجاءهم بالرحمة من جميع المسلمين أما هم فجاءوه باللعنة من المسلمين جميعًا) (٣٦٣) .\n\nوجاء في جريدة \"المسلمون \" الدولية - العدد الثالث والثلاثون - السبت (٧ - ١٣ المحرم ١٤٠٦ هـ) الموافق (٢١ - ٢٧ سبتمبر ١٩٨٥م) تحت عنوان:\n(الدكتورة \" نبهة \" هل تخلع الحجاب بالقوة في تركيا؟):\n(الدكتورة \" نبهة كورو \" اسم تردده وكالات الأنباء العالمية أستاذة مساعدة في جامعة إيجه في أزمير مشكلتها أنها تعرضت للاضطهاد بسبب ارتدائها الحجاب وإصرار السلطات على أن تخلعه.\n\nقصتها بدأت في منتصف العام الماضي عقب عودتها من الولايات المتحدة بعد حصولها على درجة الدكتوراة في الطاقة الشمسية وجدت أن الحكم العسكري الذي كان مسيطرًا على مقاليد الحكم في تركيا في ذلك الوقت قد سيطر على الجامعات من خلال تنظيم مجلس التعليم العالي وأسند رئاسة المجلس إلى \" إحسان دوجر ماس \" وهو أستاذ تلقى تعليمه في الولايات المتحدة وقام بعد رئاسته للمجلس بشن حملة فصل تعسفي شملت أكثر من ألفي عضو هيئة تدريس بحجة مخالفة القوانين.\n_________\n(٣٦٢) مجلة \" الإسلام \" ١٧ جمادى الأولى ١٣٥٤ هـ - ص (٤٣ - ٤٤) - ومما يذكر أن الطاغية\n\" جمال عبد الناصر \" كان هو أيضًا يفاخر في مناسبات عديدة بأن مثله الأعلى هو \" أتاتورك \".\n(٣٦٣) مجلة \" الجامعة الإسلامية \" عام ١٣٩٥ - ١٣٩٦ هـ ص (١٣٣) .","vol":"1","page":210},{"text":"حرصت الدكتورة \" نبهة \" على ارتداء الحجاب أثناء إلقاء محاضراتها بجامعة أزمير وسرعان ما بدأ الصدام حيث بدأ الأستاذ دوجر ماس - مفوض الحاكم العسكري على الجامعات - حملة مضايقات ضدها وكان الإنذار الأول بأن لا ترتدي غطاء الرأس أثناء وجودها في الجامعة والإنذار الثاني من السلطات الرسمية يتضمن طلبًا رسميًا بخلع الحجاب.\nورفضت الدكتورة \" نبهة \" خلع الحجاب وكان ذلك بمثابة تحد وعصيان على سلطة\n\" دوجر ماس \" المطلقة على التعليم العالي في تركيا وأحيلت إلى المحاكمة ورفضت أن يدافع عنها أحد ووقفت لمدة ساعة تترافع عن نفسها ولم تستشهد إلا بنصوص القانون العلماني الذي يريدون أن يحاكموها طبقًا له واستحوذ أسلوبها على اهتمام الناس وهي تطالب بإلغاء الحكم الصادر ضدها بخلع الحجاب ولم تكتف بالدفاع عن الحجاب بل كشفت أيضًا تفاصيل المعاملة غير العادلة التي تقوم بها سلطات الجامعة.\nوقد أعلنت المحكمة تأجيل القضية للحكم وبعد شهرين من التأجيل أصدرت المحكمة العليا حكمًا جاء في حيثياته:\n\" رغم أن مواد الدستور تنص على حماية الحرية الدينية لكل مواطن إلا أن هناك مبادئ عليا في الدولة هي المبادئ الكمالية - نسبة إلى مصطفى كمال اتاتورك - وإن إصرار الدكتورة \" نبهة \" على ارتداء الحجاب ضد روح الدستور \".\nوالدكتورة نبهة تقدمت بطعن إلى المحكمة العليا لم ينظر حتى الآن ومنعت من ممارسة التدريس وما زالت في الانتظار تبحث عن جواب ...\nمن يملك الحق في تحريم الحجاب؟)","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>دعاة \" حقوق الإنسان \" ضد الحجاب</span>\n\nأعرب \" معمر إكسوي \" أحد الموقعين على التماس إلى الرئيس التركي لإعطاء مزيد من الحريات للشعب عن رأيه بضرورة صياغة قانون لمنع ارتداء الحجاب في المؤسسات والهيئات الحكومية.\nكما وجهت \" توريكان أديكان \" رئيسة منظمة الدفاع عن حقوق المرأة وعضو البرلمان اللوم إلى زوجات أعضاء البرلمان اللائي حضرن حفل افتتاح جلساته وهن يرتدين الحجاب وتقول: إنه لا يجب التسامح في ارتداء السيدات للحجاب وجدير بالذكر أن \" معمر \" و\" توريكان \" من كبار الدعاة لحقوق الإنسان (*) في تركيا.\nوطبقًا للقانون العلماني في تركيا يعاقب كل من يكتب في الصحف أو يشير في وسائل الإعلام الأخرى عن الشريعة الإسلامية أو الحجاب بالسجن لمدة تصل إلى سبع سنوات والتهديد بالإغلاق.\nورغم ذلك هناك أصوات إسلامية قوية تقف ضد التيار العلماني الذي يطالب بمنع الحجاب فهناك الكاتبة الإسلامية \" سولي يوكسل سينلر \" التي تعرضت للسجن أكثر من مرة وتعيش في أحد الأحياء الفقيرة في أنقرة واكتسبت شهرة كبيرة بين أوساط النساء بدعوتها إلى الحجاب عندما ظهر أول مقال لها في صحيفة الاستقلال في عام ١٩٦٧ تحت عنوان (خطاب إلى المرأة المسلمة) وبدأت تجذب انتباه عشرات الآلاف في تركيا تم القبض عليها وحكم عليها بالسجن عامين.\n\nوفي عام ١٩٧٢ تأسس حزب \" السلامة \" الإسلامي\nبزعامة \" نجم الدين أرباكان \" وحاز على تأييد قوي في انتخابات عام ١٩٧٣ بعد ستة أشهر فقط من\n_________\n(*) إنما ذكرت هذا من باب إلزامهم بما ألزموا أنفسهم به ألا وهو احترام الحرية الشخصية والفكرية وهذا\nالإلزام هو من باب \" ورهبانية ابتدعوها \" الآية، وإلا فإن ما يسمى بـ \" إعلان حقوق الإنسان \"\nيتضمن مخالفات صريحة للشرع الإسلامي ومصادمات واضحة لمقاصده العليا مما لا يتسع المجال لبسطه","vol":"1","page":212},{"text":"تأسيسه وبدأ الحزب حملة نضال من أجل حقوق المرأة المحجبة ولكن رئيس الحزب فوجئ باتهام موجه له بأنه يعمل على محاولة إقامة دولة دينية ويواجه الآن حكمًا بالسجن لمدة عامين.\nوقد وصل عدد الطالبات اللاتي تم فصلهن من جامعة أنقرة بسبب ارتدائهن الحجاب إلى مائة طالبة ومن بين حالات الطالبات اللاتي تم فصلهن الطالبة \" أيس نورمان \" التي كانت على أبواب التخرج من كلية الطب في جامعة أنقرة وكان تخرجها بعد خمسة أشهر إلا أن الجامعة خيرتها بين خلع الحجاب وبين الفصل من الجامعة\nو\" هدم مستقبلها \"! وفضلت الطالبة الفصل من الجامعة على أن لا تخلع الحجاب وقالت: \" أنها لا تشعر بالأسف على هذا الاختيار وإنها لن تتخلى عن موقفها\nوتخلع الحجاب \".\nوالطالبة \" ربيعة ألماظ \" من كلية الطب في اسطنبول كان مفروضًا أن تلقي خطابًا في حفل التخرج باعتبارها أولى الخريجات ولكن سلطات الجامعة منعتها من إلقاء الخطاب لأنها ترتدي الحجاب.\n\nومن الحوادث المؤلمة في تاريخ جامعة لنقرة حادث \" هايتس بابا كان \" والمعروف باسم حادث جامعة أنقرة في أواخر الستينات كانت \" هايتس \" تدرس الأديان في جامعة أنقرة ورفضت خلع الحجاب وكانت حالة لم يسبق لها مثيل في كلية دراسة الأديان وفي محاضرة عن مقارنة الأديان قام الأستاذ \" نيست كاجاتي \" بطرد \" هايتس \" من قاعة المحاضرات بعد إهانتها بألفاظ غير لائقة لأنها ترتدي الحجاب وقام مجلس الكلية بفصلها وهنا وقع انقسام وتمرد بين الطلاب وقاطعوا الدراسة وأعلنوا الإضراب عن الطعام تضامن مع زميلتهم وتم إغلاق الكلية لمدة ستة أشهر وتقول \" هايتس \" وهي تتحدث اليوم عن هذه الذكريات:\n\n(إن عميد الكلية \" حسين غازي \" استدعاني إلى مكتبه وقال لي: \" إنني اعلم أنك تغطين رأسك","vol":"1","page":213},{"text":"وجسمك لأنك غير قادرة على التحكم في غريزتك الجنسية ولأنك شاذة جنسيًا فيجب أن تخجلي من نفسك \".\n\nوتضيف \" هايتس \": لقد كان يغشى علي عند سماعي هذا الكلام من أستاذ جامعي وبدءوا في محاصرتي وحاولوا إشاعة أنني مريضة نفسيًا ونصحني البعض بالحصول على شهادة طبية تثبت صحة قواي العقلية للرد على هذه الشائعات) .\n\nوفي عام ١٩٦٨ أصدرت حكومة \" سليمان ديميريل \" قانونًا يحظر على المدرسات المسلمات ارتداء الحجاب في العمل وتم فصل عدد كبير منهن واضطرت أعداد كبيرة إلى الاستقالة ولجأ بعضهن إلى القضاء ولكنه لم ينصفهن.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-105> المحاميات ممنوعات من الحجاب:</span>\n\nولم تنج مهنة المحاماة من الاضطهاد فتم منع \" أمينة إيكينار \" - وهي محامية مسلمة - من المرافعة في المحكمة مرتدية الحجاب ورفعت المحامية قضية ضد الحكومة كانت نتيجتها الخسارة واضطرت إلى ترك المحاماة والتزام منزلها.\nيتغير الموقف تدريجيًا الآن فهناك أربع مجلات إسلامية توزع نحو مائة ألف نسخة أسبوعيًا والحكومة التركية بدأت تطالب بالتخفيف من القوانين العلمانية خاصة فيما يتعلق بحجاب المرأة المسلمة.\nأصدرت المحكمة العسكرية التركية حكمًا على الكاتبة التركية المسلمة \" أمينة سينليكو جلو \" بالسجن ست سنوات والنفي داخل البلاد لمدة سنتين بحجة انتهاك قوانين الدولة العلمانية وكانت الكاتبة التركية قد وضعت كتابًا عن مستقبل الإسلام بين النشء في تركيا الحديثة وهي متزوجة وأم لطفل واحد) .","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>٢ - في إيران (٣٦٤):</span>\n\nفي عام ١٩٢٦ عندما نصَّب الإنجليز الكلونيل \" رضا بهلوي \" شاه إيران مؤسسًا للأسرة\nالبهلوية ألغى من فوره الحجاب الشرعي وكانت زوجته أول من كشفت عن رأسها في\nاحتفال رسمي ثم أصدر أوامره إلى الشرطة بمضايقة النساء اللواتي رفضن الاقتداء\nبملكتهن وخرجن محجبات فما كانت امرأة تخرج من بيتها محجبة إلا وعادت إليه سافرة\nفقد كانت الشرطة تنزع حجابها غصبًا وتستولي على عباءتها وتهين صاحبتها ما\nاستطاعت إلى الإهانة سبيلًا وحُظِرَ على الفتيات والمعلمات وضع الحجاب ودخول\nمدارسهن به ومنع أي ضابط من ضباط الجيش من الظهور في الأماكن العامة أو في\nالشوارع برفقة امرأة محجبة مهما كانت صلته وقرابتها به وقد كان \" رضا خان \"\nصديقًا حميمًا لكمال أتاتورك وكان يحرص دومًا على تقليده واقتفاء خطاه وبالفعل كان\n\" رضا بهلوي \" في حربه للإسلام صورة طبق الأصل عن أتاتورك.\nوعندما سئل ذلك الشاه عن سبب ضغطه على النسوة في نزع الحجاب مع أن عجلة التاريخ قد تضمن له تحقيق أهدافه أجاب: (لقد نفد صبري إلى متى أرى بلادي وقد ملئت بالغربان السود؟!) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>٣ - وفي أفغانستان:</span>\n\nتولت السلطة نزع حجاب المرأة بقانون وذلك في عهد \" محمد أمان \".\n_________\n(٣٦٤) انظر (وجاء دور المجوس) للدكتور محمد عبد الله الغريب ص (٩١ - ٩٢)، و(في مسألة السفور والحجاب) لصافي ناز كاظم ص (٩) واعلم أن \" إيران الشيعة \" لا تدرج بالمقياس الإسلامي الصحيح ضمن البلاد الإسلامية إلا باعتبار وجود أقلية سنية فيها أو عوام جهلة لم تقم عليهم الحجة وإلا فإن شيعة إيران الروافض أبعد ما يكونون عن أصول وفروع الإسلام كما يعلمه من له مسكة من علم أو معاشرة لهم والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>٤ - في ألبانيا:</span>\n\nحارب \" أحمد زوغو \" الحجاب بقانون ثم عادت المرأة المسلمة الألبانية إلى الحجاب أيام\nالحرب العالمية الثانية ثم عاد \" أنور خوجة \" مرة ثانية وشن حربًا شعواء على الحجاب\nفي ألبانيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٥- في روسيا:</span>\n\nحاربت روسيا الحجاب في تركستان والقوقاز والتشن والقرم وسائر ما تحتل من بلاد\nالمسلمين وهم يبلغون ستين مليونًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٦ - في يوغسلافيا:</span>\n\nوكذلك فعل \" تيتو \" في يوغسلافيا (٣٦٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٧ - في الجزائر:</span>\n\nسرق \" أحمد بن بيلا \" الثورة الإسلامية وحولها إلى ثورة اشتراكية بعيدة عن الإسلام مناوئة\nله ودعا المرأة الجزائرية إلى خلع الحجاب بحجة عجيبة حين قال:\n(إن المرأة الجزائرية قد امتنعت عن خلع الحجاب في الماضي لأن فرنسا هي التي كانت تدعوها إلى ذلك! أما اليوم فإني أطالب المرأة الجزائرية بخلع الحجاب من أجل الجزائر) (*)\n_________\n(٣٦٥) (المرأة المسلمة) لوهبي الألباني ص (١٨٩ - ١٩٠) .\n(*) (واقعنا المعاصر) للأستاذ محمد قطب ص (٢٦٠) ويقال أن \" بن بيلا \" عاد إلى الإسلام بعد حبسه.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>٨ - في سوريا:</span>\n\n(طرح \" حافظ الأسد \" فكرة تعديل قانون الأحوال الشخصية وفكرة التجنيد الإجباري للمرأة كما مزق الحجاب في شوارع دمشق ومنع المحجبات من دخول المدارس بحجابهن) (**) اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>٩ - في تونس:</span>\n\n(نادى \" بورقيبة \" بتخليص المرأة من قيود الدين وجعلها رسولًا لمبادئه العلمانية) (٣٦٦)\n\n(وفي حديث \" للحبيب بو رقيبة \" بأهرام ٢٠ / ١٢ / ١٩٧٥م صرح الرئيس التونسي بأنه أصدر في سنة ١٩٥٦ م قانونًا بمنع تعدد الزوجات يعتبر التعدد جنحة يعاقب مرتكبها بالسجن لمدة سنة وغرامة مالية \" ٢٤٠ \" دينارًا) (٣٦٧) اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>١٠ - في الصومال:</span>\n\n(شددت حكومة \" سياد بري \" حملتها ضد الإسلام في الصومال وقد طردت مؤخرًا كل طالبة ترتدي الزي الإسلامي من المدارس كما ألغت تفسير القرآن الكريم من المناهج وتقوم بطرد الطلاب الذين يقبض عليهم وهم يؤدون الصلاة أو يقرؤون القرآن الكريم من المدارس)\n(٣٦٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>١١ - في ماليزيا:</span>\n\nجاء في (أخبار اليوم) تاريخ السبت (٧محرم ١٤٠٦ هـ) الموافق (٢١ / ٩ / ١٩٨٥ م)\n: (أصدرت الجامعة التكنولوجية في ماليزيا قرارًا بإيقاف تسع طالبات عن الدراسة بحجة ارتدائهن الحجاب الذي تمنعه وزارة التعليم الماليزية وذكر مسؤول كبير في الجامعة أن قرار إيقاف الطالبات سيظل ساريًا مادام هؤلاء الطالبات يرتدين الحجاب) اهـ\n_________\n(**) \" هذه تجربتي وهذه شهادتي \" للأستاذ سعيد حوي ﵀ وعفا عنه ص (١٠٥) .\n(٣٦٦) (المرأة ومكانتها في الإسلام) لأحمد عبد العزيز الحصين ص (٢٢٥) وانظر محاضرات الجامعة الإسلامية\nالموسم الثقافي (١٣٩٥ - ١٣٩٦هـ) ص (١٢٦) .\n(٣٦٧) (أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي) هامش ص (٨٩) وجاء فيه أيضًا: (وفي مقال شيخ الأزهر ذكر\nأن أحد التونسيين ضبط متلبسًا بجريمة الزواج الثاني ولم يخل سبيله إلا بعد أن قرر أن هذه الثانية خليلة\nوليست زوجة) اهـ ﴿ألا ساء ما يزرون﴾ .\n(٣٦٨) (المرأة ومكانتها في الإسلام) للحصين ص (٦٢) .","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>١١ - في مصر:</span>\n\nوضع عبد الناصر وزبانيته كتاب \" الميثاق \" متأسيًا في ذلك بإمامه الأول جنكيز خان حيث وضع الأخير كتابه (الياسق) (٣٦٩) ليصد به الناس عن القرآن وكان مما جاء بصدد المرأة في (الميثاق):\n(المرأة تتساوى بالرجل ولابد أن تسقط بقايا الأغلال التي تعوق حركتها الحرة حتى تستطيع أن تشارك الرجل بعمق وإيجابية في صنع الحياة) اهـ\nوبوحي من هذه الفلسفة العلمانية المادية اتخذت إجراءات وخطوات حاسمة في هذا الصدد وصدرت قوانين تقضي:\n- بفرض ثلاثين نائبة على الأقل في مجلس الشعب.\n- بفرض خمسة وعشرين بالمائة من النساء على الأقل في عضوية جميع المجالس الشعبية والمحلية.\n- بجعل الانتخاب والتصويت إجباريًا على كل أنثى تبلغ الثامنة عشرة من عمرها مع كونهما ليسا إجباريين على الرجل.\nوأخيرًا صدر قانون تعديل أحكام قوانين الأحوال الشخصية الذي خططوا له طويلًا وتحقق أمل \" مرقص فهمي \" و\" قاسم أمين \".\n_________\n(٣٦٩) انظر \" عمدة التفسير عن الحافظ بن كثير \" لمحدث الديار المصرية العلامة أحمد شاكر ﵀\n(٤ / ١٧١ - ١٧٤) .","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الحركة النسائية في ظل النظام الجمهوري </span>(*)\n\n﴿ظهرت الحركة النسائية في ظل الحكم الجمهوري بمظهر يغاير نظيره في العهد الملكي فبينما كانت المرأة تطالب أو تحرض على المطالبة بما أسمته \" حقوقها \" منذ بدأت حركتها في منتصف القرن العشرين سارعت حكومات العهد الجمهوري باستقطابها والاستفادة منها في حقل الإنتاج هذا من ناحية\nأما الجانب الآخر فقد بات واضحًا أن أهم المسائل التي تشغل الحكومة قبل المرأة تنحصر في شيئين هامين هما: حق العمل للمرأة وهذا الحق مؤدٍّ بالضرورة لحق آخر وهو التمثيل النيابي والمشاركة في حل القضايا الاجتماعية ومن ثم لم تعد المرأة هذا المخلوق الضعيف الذي يطالب بل صارت المخلوق القوي الذي يمنح ويعطي كل ما يمنحه ويعطيه الرجل تمامًا.\nوهذا الرأي بالضرورة لا يتناقض مع فشل حركة المرأة عند قيامها بأعنف مظاهرة لها في تاريخها الحديث في ١٢ مارس ١٩٥٤ م أي في بداية العهد الجمهوري لأن اللاتي قمن بهذه المظاهرة كن ينتمين للعهد السابق \" الملكي \" ويرتبطن به ثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا ولا يرتبطن بأوهى رباط بالعهد الجديد وقيمه وإن بدا في الأفق - وقتها - أن الحكومة الجمهورية راضية عن هذا العمل رضاء تامًا حينما أعلن اللواء \" محمد نجيب \" رئيس الجمهورية الاستعداد للاستجابة لهن وأن حقوقهن في أيدي أمينة وأنه سيشكل لجنة مختصة للنظر في تكوين الجمعية التأسيسية للنظر في مطالبهن وكان ذلك في ٢١ مارس ١٩٥٤ م.\nوبعد ذلك اختفت الحركة التي تزعمتها \" درية شفيق \" واختفت معها زعيمتها ولم تعد للظهور أبدًا حتى فاجأ الطاغوت \" جمال عبد الناصر \" خلف محمد\n_________\n(*) من \" المؤامرة على المرأة المسلمة \" للدكتور السيد أحمد فرج ص (١١٥ - ١٢٢) بتصرف.","vol":"1","page":219},{"text":"نجيب الناس في يوم (١٦ يناير ١٩٥٧)\nبخطاب أعلن فيه منح المرأة لأول مرة حقوقها السياسية (لأن الحقوق التي اكتسبها الشعب بالثورة باشرتها المرأة أيضًا كما باشرها الرجل فقد وقفت المرأة مع الرجل جنبًا إلى جنب طوال كفاحه المرير واستشهدت بعض نسائنا في سبيل الكفاح المشترك من أجل الحرية والحياة وكما كافحت المرأة من أجل الحصول على حق الشعب فمن حقها أن تسترد حقوقها كاملة) (٣٧٠)\nوكان دستور (١٩٥٦) قد نص على (أن الانتخاب حق للمصريين على الوجه المبين في القانون وأن مساهمتهم في الحياة العامة واجب وطني عليهم) (٣٧١)\n\nفجاء خطاب الطاغية بمثابة البيان لهذا النص الذي تأكد عمليًا في العام نفسه في أول انتخابات تجرى في العهد الجمهوري عام (١٩٥٧) إذ انتخبت سيدتان لمجلس الأمة هما: \" أمينة شكري \" في الإسكندرية و\" راوية عطية \" في حي الجيزة.\n\nثم كان أكبر دفعة لتحرير المرأة ما جاء في \" الميثاق الوطني \" سنة ١٩٦٢ لينص على أن (المرأة تتساوى بالرجل ولابد أن تسقط بقايا الأغلال التي تعوق حركتها الحرة حتى تستطيع أن تشارك بعمق وإيجابية في صنع الحياة) (٣٧٢)\nذلك أن الميثاق وهو دليل العمل في الستينات نظر للمرأة على إنها كم اقتصادي كالرجل سواء بسواء.\nوكان الطاغية عبد الناصر الموصوف بأنه صاحب الإرادة الوحيد في تلك الفترة قد مهد لهذا من قبل فقال وهو يخطب في معسكر للفتيات في رشيد في (٢٨ يوليو ١٩٥٩)\n: (كان لابد لنا بعد أن اكتشفنا أنفسنا أن نكتشف نصف شعبنا - المرأة - ونعطيها جميع حقوقها وقد وضعنا هذا موضع التنفيذ) (٣٧٣) ثم\n_________\n(٣٧٠) من خطاب جمال عبد الناصر يوم ١٦ يناير ١٩٥٧ بمناسبة تقديم الدستور (١٩٥٦) .\n(٣٧١) دستور ١٩٥٦ مادة: (١٦) .\n(٣٧٢) \" الميثاق الوطني الباب السابع: الإنتاج والمجتمع.\n(٣٧٣) مجموعة خطب عبد الناصر وتصريحاته وبياناته القسم الثاني ص (٥٧١) - مصلحة الاستعلامات.","vol":"1","page":220},{"text":"أكد ذلك في خطابه في معسكر الفتيات للتدريب العسكري بالورديان بالإسكندرية في (٤ أغسطس ١٩٥٩) معلنًا شعوره بالفخر (لأن المرأة العربية اليوم نصف المجتمع وعليها مسئولية كبرى لتشارك الرجل في بناء هذا الوطن وفي بناء المصانع وفي التعليم الفني وفي التدريب العسكري (٣٧٤) وفي اليوم نفسه زار معسكر فتيات المكس بالإسكندرية وطالب فيه بضرورة تضافر جهود كل فرد من المواطنين جميعًا من الرجال والنساء (٣٧٥)\nكان عبد الناصر قادرًا على أن يبرر للشعب أهمية مساواة المرأة بالرجل في كل المجالات: في الإنتاج وفي التدريب العسكري وغير ذلك لأن الوطن يحتاج إلى تضافر الجنسين معًا نساءً ورجالًا ومن ثم فقد نادى في جلسات المؤتمر الوطني للقوى الشعبية في شرح الميثاق:\n(بوجوب عمل المرأة لأن في عملها يمكنها أن تحافظ على نفسها إذا كانت غير متزوجة)\n(٣٧٦) !!\nوفي المؤتمر نفسه أبدى عزمه على (تعيين المرأة في كل الأعمال ابتداء من الأعمال اليدوية حتى الوزارة) (٣٧٧)\nوبعد ليلتين أي في مساء ٢٨ / ٥ / ١٩٦٢ رأى عبد الناصر تحرير المرأة بدنيًا ومعنويًا برفضه لطلب مواطن سأله بصفته رئيسًا للجمهورية أن يوجه نظر الناس إلى أهمية الحجاب الشرعي للمرأة \" الخاص بالملبس فقط \" لأنه على حد تعبيره (لا يريد أن يدخل معركة كبيرة جدًا مع ٢٥ مليون من المواطنين \" هم كل تعداد مصر في ذلك الوقت \" أو مع نصفهم على الأقل) (٣٧٨)\n\nوهكذا أعطى عبد الناصر المرأة ما طلبت وما لم تطلب وفوق ما كانت تطمع بل أعطاها تصريحًا بالإمعان في السفور\n_________\n(٣٧٤) السابق (٢ / ٦٠٣) .\n(٣٧٥) السابق (٢ / ٦٠٥) .\n(٣٧٦) السابق (٤ / ٦٩) .\n(٣٧٧) السابق (٤ / ٧٠) .\n(٣٧٨) السابق (٤ / ٨١) .","vol":"1","page":221},{"text":"واختفت القيادات النسائية القديمة لأنهن لا يستطعن التجاوب مع الفكر الجديد أو التفاعل معه وظهرت نجمات أخريات استقطبتهن القيادة السياسية الجديدة التي قادت البلاد تعتنق الفكر الجديد وهو ليس كفكر \" درية شفيق \" المتعالي \" فكر المرأة سيدة الدار \" المترفع على الرجل \" طاهيها \" (٣٧٩) لأنه لا يتناسب مع روح الاشتراكية الجديدة هذا بالإضافة إلى أن القيادة الجديدة للحركة النسائية لم تكن في يد هذا الصنف من النساء اللاتي ينتمين لطبقة الأعيان التي كان منها الوزراء وأصحاب المراكز الهامة الحاكمة في الدولة وزعيمات الحركة النسائية في العهد الملكي ولكن الريادة في هذه المرة انتقلت إلى نوع آخر من المثقفات الجامعيات اللائى نشأن ودرجن في أحضان الطبقة الشعبية العاملة مثل الدكتورة \" حكمت أبو زيد \" التي بدأ ظهورها وبروزها في المجتمع في أكتوبر ١٩٦٢ أي بعد إعلان الميثاق الوطني بثلاثة شهور وعينت وزيرة للشئون الاجتماعية في أول حكومة تتولى حكم البلاد بعد إعلان القوانين الاشتراكية سنة ١٩٦١ والميثاق الوطني سنة ١٩٦٢ ومنذ ذلك التاريخ صارت وزارة الشئون الاجتماعية قصرًا على النساء بحيث لم يعد يخطر على قلب رجل أن يفكر في ولوج بابها.\n\nوتحت رعاية الحكومة أو من استأمنتهم الحكومة على حراسة الفكر الجديد تحدد وضع المرأة في النظام الجديد كله على أنها أصبحت \" كمًًّا إنتاجيًا \" في ميدان الاقتصاد دون النظر إلى التأثير السلبي الناتج عن ذلك والذي أثر تأثيرًا سيئًا في وضع المرأة نفسها في مجالات أخرى أكثر أهمية لوجودها الاجتماعي نفسه كما ان المؤتمرات النسائية التي عقدت في تلك الفترة بدعوة من الحكومة نفسها أعطت إشارة البدء لإعلان أفكار جذرية تخص حركة المرأة نفسها نابعة من الفكر الاشتراكي الذي بينه الميثاق وبوحي من\nالفلسفة المادية العلمانية ومن هنا نظر الناظرون الجدد إلى\n_________\n(٣٧٩) راجع ص (١٢٤) .","vol":"1","page":222},{"text":"الطريقة القديمة وأسلوب العمل الذي كانت تمارسه الحركة النسائية منذ ظهور \" هدى شعراوي \" وانتهاء بـ\n\" درية شفيق \" نظرة ازدراء وعدوها طريقة عفنة لمعالجة القضايا لا تليق بالمرحلة\n\n\" الثورية \" التي تعيشها البلاد ورأوا أن المرأة منذ ظهور \" هدى شعراوي \" حتى الآن لم تتمكن من تحقيق التحرر الفعلي لها وكل ما حققته لم يتجاوز الحقوق الشكلية لمقاصد المرأة المتعالية المرفهة.\nإن الذين يفكرون بالطريقة الجديدة يرفضون النظر إلى المرأة - بزعمهم - (من خلال مفاهيم رومانسية للأمومة والشرف وتربية الأجيال ومن خلال مفاهيم قبلية أو رعوية حول الشرف والعرض وإطاعة الزوج والسهر على راحته) (٣٨٠) وهم يطالبون بالقضاء على النظام الاجتماعي الأبوي الذي يسيطر فيه الرجل - رب العائلة - والقضاء على سلطة الرجل في أي شكل كان (زوجًا أو أخًا أو رئيسًا) على المرأة لأن هذا النظام يعطل تحرير المرأة وللقضاء على هذه السيطرة يجب السيطرة على النظام كله المتمثل في \" سيطرة الأب والنظام الطبقي الرأسمالي \" (٣٨١) ولهذا فإن هؤلاء ينظرون إلى المجتمع الذي يقوم على الأسرة المستقرة على أنه مجتمع تسلطي يجب أن يعاد النظر في بحث أهم قضاياه \" وهي قضية سلطة الرجل على المرأة سلطة الذكر على الأنثى \" (٣٨٢) .\nومن هنا فهم يحرضون المرأة (على أن لا يقتصر دورها على إنجاب الأبناء الذين يحملون عادة اسم الأب وأن لا يقتصر أيضًا على العمل المنزلي لأنه غير مقيم اقتصاديًا وأيضًا الإشباع الجنسي والعاطفي للرجل وهذا الدور الأخير بالذات يناط بها من خلال عقد الزواج المكرس في قوانين واضحة) (٣٨٣) وهو ما يجب أن ترفضه.\n_________\n(٣٨٠) مجلة الطليعة عدد نوفمبر ١٩٦٨ ص (٧٨) - د / إجلال خليفة.\n(٣٨١) مجلة \" المستقبل العربي \" ص (١٢٠) عدد يناير (١٩٨١) د / نوال السعداوي.\n(٣٨٢) السابق - ص (١٢٢) - د / عباس مكي.\n(٣٨٣) السابق نفسه.","vol":"1","page":223},{"text":"والخلاصة:\nأنهم يريدون أن يتحقق للمرأة الاستقلالية الكاملة وهي لا تتحقق إلا إذا تمسكت بالوسائل الآتية:\n١ - أن تحصل المرأة على الأمن الاقتصادي والبدني (وإن فرضت عملية الزوجية - واللفظ لهم - طاعة الزوج تستطيع أن تتحول بشكل غير مباشر إلى باردة عاطفيًا)\n(٣٨٤)\n٢ - أن تحصل كذلك على الأمن الاجتماعي (المرأة غير آمنة كلية من الناحية الاجتماعية ويصل الأمر إلى أنها لا تستطيع أن ترتاد وحدها بعض الأماكن) (٣٨٥) وتتصرف بحرية كاملة كالرجل.\n٣ - أن تخرج من استغلالية الرجل بتوفير العمل لها (في كل الميادين العملية مع ضمان أن لا يكون الرجل هو المتحكم في الدخل أو الأجر الذي تتقاضاه المرأة وبذلك تخرج من وضعها المقهور أو المكبوت) (٣٨٦)\n\n٤- قيام حركة نسائية موجهة ضد الرجل (﴿المطلق﴾ ويكون هو المقصود بها فعلًا)\n(٣٨٧)\n٥ - أن تحرير المرأة يحتاج إلى القضاء على النظام الطبقي كما يحتاج إلى تغيير النظام الأبوي في الأسرة ويحتاج إلى قوانين مدنية عادلة ﴿لا شرعية﴾ تسوي بين المواطنين ﴿فالمرأة يجب أن تسمى مواطنًا لا امرأة﴾ وإلى قوانين علمانية لا دينية مدنية تطبق في الأسرة (٣٨٨) .\nوالأمر الذي يجدر ملاحظته ان حركة المرأة سارت منذ البداية مع حركة التغيير\n_________\n(٣٨٤) السابق نفسه.\n(٣٨٥) السابق د / هدى بدران ص (١٢٦) .\n(٣٨٦) السابق ص (١٢٨) د / إيليا حريق.\n(٣٨٧) السابق نفسه ص (١٣٢) .\n(٣٨٨) السابق نفسه ص (١٢٩) د / نوال السعداوي.","vol":"1","page":224},{"text":"الاجتماعي في ظروفه المختلفة سواء جنحت به هذه الظروف نحو الغرب أو نحو الشرق ففي حركة المرأة الأولى التي بدأت من \" منتدى الأميرة نازلي فاضل \" بريادة الشيخ محمد عبده وانتهاء بإضراب النساء عن تناول الطعام سنة ١٩٥٤ كانت حركة المرأة تواكب حركة التغيير في كل الميادين في مصر في ميلها نحو الغرب وانجذابها له وعندما اتجهت وجهة المجتمع في بداية الستينات إلى اعتناق الاشتراكية اتجهت معها الحركة النسائية إلى وجهتها وبدأت تظهر قيادات نسائية تؤمن بالثقافة الاشتراكية وتعتنقها وتبرز دور المرأة المشارك لعملية الإنتاج وتقييم المرأة على أنها كم اقتصادي\n\nعلى أن المرأة في كل من المرحلتين كانت تابعة للرجل فهو الذي يحرضها على أن تطلب ثم يمنح فهو المانح دائمًا بينما اقتصر دورها على قبول هذا المنح غير أن الرجل في الحالة الأولى - حالة الاتجاه التغريبي - حافظ للمرأة على شخصيتها الاعتبارية فبدت للعيان - على أقل تقدير - أنها هي التي كافحت من أجل ما تسميه حقوقها التي حصلت عليها بينما اختلفت الأمور في الحالة الثانية - حالة التطبيق الاشتراكي - فقد عمل الرجل على إذابتها في الجماعة فهو الذي أشار عليها أن تقبل منحه وأرغمها على ألا ترفضه فهو الذي فرض عليها ان تكون عضوًا في المجالس النيابية والمحلية وهو الذي فرض عليها أن تكون وزيرة وسفيرة وشاغلة لمناصب الرجال دون أن يعطيها فرصة إبداء رأيها أو معرفة رأيها الحقيقي فيما آلت إليه حياتها) اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>تكلف ... واصطناع:</span>\n\nومن يتأمل حال القوم يدرك أن اعتراضاتهم على الشرائع الإسلامية تأتي لمجرد الاعتراض فهذه المطالب التي تلهث المتحررات وراءها لمجرد إسماع الناس أصواتهن وهذه المنازعات الوهمية بين الرجل والمرأة كل هذه مشاكل مصطنعة وأزمات مختلقة","vol":"1","page":225},{"text":"فهم يخالفون لمجرد المخالفة لا لحاجة أوجبت هذا الاختلاف والمرأة لا توضع حيث\n\nتدعو الحاجة - صحيحة كانت أو مزعومة - إلى أن توضع ولكنها توضع لمجرد إثبات وجودها في كل مكان ولإقحامها على كل ما كان العقل والعرف ينادي بعدم صلاحيتها له فلم يكن المقصود بتوظيفها مثلًا في تلك الأيام سد حاجة موجودة ولكن كان المقصود هو مخالفة عرف راسخ وتحطيم قاعدة قائمة مقررة وإقامة عرف جديد في الدين وفي الأخلاق وفي الذوق وابتداع المبررات التي تجعل انسلاخنا من ديننا أمر واقع وتجعل دخولنا في دين الغرب ومذاهبه وفسقه أمر واقع كذلك.\n\nوقصة \" دعاة التحرير \" هنا في مصر وغيرها تشبه (قصة ذلك الرجل الذي قدم إلى أبرز ساحة في العاصمة فملأ وسطها بالأنقاض ثم جاء بسارية رفع عليها مصباح أحمر\nوجعل الناس ينظرون بدهشة إلى عمله ... وسأله بعضهم: ماذا تريد بهذا المصباح؟ فأجاب: تنبيه الناس إلى الخطر لكي لا يصطدموا بالأنقاض فلما سألوه: ولما جئت بهذه الأنقاض أجاب: لكي أرفع هذا المصباح) (٣٨٩) .\n\nوإذا أردنا أن نشرح دور السياسة في معركة الحجاب في مصر فلا شك يقفز إلى أذهاننا الدور الذي لعبه \" صديق إسرائيل \" (٣٩٠) و\" خادم أمريكا \" و\" حليف الشيطان \" الذي تهكم بالحجاب علنًا ووصفه بأنه \" خيمة \" وجرائم\n_________\n(٣٨٩) (تأملات في المرأة والمجتمع) لمحمد مجذوب ص (٣٣ - ٣٤) .\n(٣٩٠) وقد أقيمت الصلوات اليهودية في ميادين تل أبيب على ضوء الشموع حزنًا على موته وحضر ثلاثة من رؤساء أمريكا قداسًا جنائزيًا بالكنيسة على روحه.. لقد كان مصرًا على أن يدخل التاريخ وقد دخله.. ولكن من نفس الباب الذي دخل منه إبليس وفرعون وقارون ومضى إلى ربه بعد أن صفى كل عداواته إلا عداوته لأمته.","vol":"1","page":226},{"text":"هذا المخلوق في حق الإسلام ثم في حق وطنه كثيرة لا تكاد تخفى على أحد وقد ختم حياته \" النضالية \" ضد أمة محمد \" بتلك الإجراءات التعسفية والحرب المسعورة ضد المحجبات عمومًا والمنقبات خصوصًا فكان رجاله يتعرضون للمنقبات في الطرقات وكانت صحفه نارًا تصب حميمها على المنقبات وفرض عليهن الخيار بين السفور وبين الفصل من وظائفهن ولم تنج النساء من حملة الاعتقالات الواسعة التي عمت البلاد واصطف جنود الشرطة البواسل صامدين رابضين كالأسود على بوابات الجامعة ودور التعليم للتصدي\nلأي طالبة منقبة تسول لها نفسها دخول الجامعة بهذا النقاب الساتر وذلك الجلباب السابغ الذي وصفه بأنه خيمة:\nفرعون حقير يرقد الآن في مزبلة التاريخ وحسابه على الله.\n\nبل هذه زوجة هذا الفرعون تدلي قبل أن تدور عليها دائرة السوء وهي في قمة غرورها - ولا أقول مجدها - بحديث إلى مجلة \" ماري كلير \" الفرنسية المتخصصة في شئون المرأة حول ما يتعلق بالمرأة الشرقية من عرف وتقاليد متوارثة كالحجاب وختان الفتيات (٣٩١) وجريمة الزنا وذلك خلال أربعة أسئلة وجهتها الصحافية الفرنسية \" كاتي برين \" التي زارت مصر أخيرًا لإجراء هذا الحوار وكان السؤال الأول:\n\n﴿انتشرت عادة الحجاب بين الفتيات في مصر فما رأي السيدة \" جيهان السادات \" في تلك الظاهرة؟ فأجابت: (أنني ضد الحجاب لأن البنات المحجبات يخفن الأطفال بمنظرهن الشاذ وقد قررت \" بصفتي مدرسة بالجامعة \" أن أطرد أي طالبة محجبة في محاضرتي فسوف آخذها من يدها وأقول لها: \" مكانك الخارج \" وفي نظري فإن المسئولية تقع على عاتق أساتذة الجامعات فهم سبب في انتشار هذه الظاهرة فإذا قام أستاذ بطرد فتاة واحدة من محاضراته مرة واثنين فسوف تقلع الفتيات عن ارتداء الحجاب.\n_________\n(٣٩١) انظر \" الصحافة والأقلام المسمومة \" ص (٧٢ - ٧٣) .","vol":"1","page":227},{"text":"وتستطرد قائلة: إن التحجب ليس بالشكل وبارتداء الأقنعة فالإسلام لم يدع إلى ارتداء الحجاب إنما تلك مسائل تفصيلية بعيدة عن جوهر الإسلام وعن مبادئه الأساسية ثم تذكر في نهاية الحوار أنها تعمل ليل نهار حتى تحقق للمرأة المصرية بعض حقوقها وأن أبرز ما أنجزته هو صدور قانون الأحوال الشخصية الجديد ثم ذكرت أنها دائمًا \" تعاكس \" زوجها في طلباتها للمرأة ولكنه يجيب بقوله: \" إن هذه ليست هي اللحظة المناسبة \" وتقول: \" ولكنني أعاود وألح عليه في طلباتي من أجل المرأة \" (٣٩٢)\n\nويتضح من هذا الحديث أن ظاهرة \"عودة الحجاب \" كانت قد أخذت في الانتشار السريع وكادت تفرض نفسها كواقع يكشف الحقيقة للمخدوعين والمخادعين على السواء لولا أن \" الأكابر بدءوا يبيتون \" وأد \" هذه \" العودة \" قبل أن يفلت الزمام فبدأت الدوائر\nالسياسية والصحافية تمهد للحملة المجنونة التي توجتها السلطة بمذبحة \" سبتمبر ١٩٨١م \" ومن هذه الإرهاصات المقالة التالية:\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-119> الغزالي حرب \" وحربه ضد الحجاب:</span>\n\n\" الغزالي حرب \" مفتش أول اللغة العربية بشمال القاهرة إنسان أقلقه كثيرًا مظهر الحجاب الإسلامي وشيوعه وسط الفتيات يومًا بعد يوم فشهر قلمه ليدلي بدلوه مع إخوانه من دعاة السفور فنشر في الأهرام أكثر من مقال يهاجم فيه الحجاب ويحرض فيه\n\n\" الأكابر \" على تشريع جديد يصفه بأنه (قرار حاسم يحقق التوازن والاعتدال في أزياء الطالبات والمدرسات بين التفريط والإفراط وبين الانغلاق والانضباط)\n\nويفتتح إحدى مقالاته بقوله: (منذ بضعة أيام اتصل بي تليفونيًا الشيخ الدكتور عبد المنعم النمر ليحدثني عن بعض الطالبات في إحدى المدارس الأجنبية الثانوية ممن\n_________\n(٣٩٢) ملحق جريدة (القبس) العدد (٢٦٢٥) تاريخ الاثنين ٦ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٨٠.","vol":"1","page":228},{"text":"يحرصن على ارتداء ما يسمينه \" الزي الإسلامي \" أو \" الزي الشرعي \" ولقد اتفقنا في هذا الحوار التليفوني على أن تغطية الوجه بالنقاب أو البرقع للطالبات تطرف لا يقره الشرع الإسلامي ولا ترتاح إليه اللوائح والتعليمات المدرسية أو الجامعية وما هو إلا شذوذ مظهري مريب)\n\nثم يقول: (فهذا الزي المبرقع أو المنقب ليس إلا زيًا من صميم الأزياء الجاهلية البائدة التي عفى عليها الزمان ولم يعد لها اليوم مكان إلا في بعض البلاد المتخلفة أو النامية ولن يبقى فيها طويلًا أمام التطور الوثاب الذي يؤكد ما قاله داعية تحرير المرأة الأول في مصر والشرق العربي \" قاسم أمين \" من أن هذا الزي الشاذ يمثل دورًا من الأدوار التاريخية لحياة المرأة في العالم ومن العبث الذي لا طائل من ورائه أن تتشبث بعض المدرسات أو الطالبات متمسحات في ذلك بالإسلام الذي يدعو المرأة - ولا شك - إلى الاحتشام المنضبط الذي يقره العرف القويم والذوق السليم لا إلى الاحتشام \" المنغلق \" المثير للشبهات ولا سيما شبهة محاولة \" إخفاء الشخصية (٣٩٣) \"\n\nثم يستطرد قائلًا (ما أروع الحديث النبوي الشريف القائل: \" ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ - طلب البراءة والسلامة - لدينه وعرضه) وخاصة في ظروفنا الحاضرة التي تمس فيها الحاجة دائمًا إلى التحقق من كل طالب وطالبة حرصًا على استتباب الأمن والنظام وسيادة الأمن العام وحرام - والله - أن نضيع مثقال ذرة من الوقت الغالي\nالثمين بلابسات البراقع والجدل حولهن باسم الإسلام الذي يقول بلسان الرسول ﵊:\n\" ما غضب الله على قوم إلا ابتلاهم بالجدل وصرفهم عن العمل \" (٣٩٤)\n\n..... حرام والله - أن تشغلنا هذه \" الظاهرة المرضية \" عن النصح\n_________\n(٣٩٣) يأتي دفع هذه الشبهة الإبليسية إن شاء الله عند تفسير قوله تعالى ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين﴾ الآية بالقسم الثالث من هذا الكتاب يسر الله تمامه.\n(٣٩٤) روى الترمذي وبن ماجه والإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \" ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون﴾\n(الزخرف ٥٨) وقال الترمذي حسن صحيح وصححه الحاكم ووافقه الذهبي=","vol":"1","page":229},{"text":"لكريماتنا وأخوتنا المنتقبات أن يكن في أزيائهن منضبطات متفتحات لا منغلقات أو مبرقعات وأن يذكرن - والذكرى تنفع المؤمنين والمؤمنات - أنه عندما نهض قاسم أمين بدعوته المتحررة باركها باسم الإسلام أستاذنا \" الإمام محمد عبده \" حاربه الجامدون والمتنطعون داعين النساء إلى ارتداء النقاب والبرقع اتقاء للفتنة فانتهزت ملاهي أوربا هذه الفرصة وأخذت تعرض رقصة أسمتها \" رقصة برقع الإسلام \" وهكذا التقى جد الرجعيين وهزل العابثين في اتهام الإسلام بأنه دين البراقع) .\nثم يذكر معنى الحجاب في الإسلام في نظره فيقول: (وما هو إلا دين الاحتشام المعتدل المشرق بأنوار العفة والفضيلة والحياء وفي ضوئها وهداها التقى الجنسان على سواء معتصمين بحجاب الوازع الخلقي والضمير الحي)\nإلى أن يبتهل داعيًا المولى ﷿ في نهاية مقاله قائلًا: (واللهم أبعد عن مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا وطرقاتنا وسائر مجالاتنا شبح الجمود والممات وشبح الظواهر المرضية المثيرة للفتن والخلافات والانقسامات) (٣٩٥) انتهى\n\nولا يقل عنه تحاملًا الصحافية \" منى رمضان \" التي كتبت مقالًا في مجلة \" أكتوبر \" تحت عنوان \" طبيبات ولكن محجبات \" تبدؤها بقولها:\n(عاد الحجاب مرة أخرى كظاهرة على وجوه الفتيات والسيدات في مصر وهذه ليست آخر صيحة في عالم الموضة كما قد يتبادر إلى الذهن ولكنه نوع من الحشمة وإحياء التقاليد (٣٩٦)\n_________\n= (جامع الأصول ٢ / ٧٤٩) والجدال والمراء: المخاصمة والمحاجة وطلب المغالبة ولا شك أن الحديث نفسه يدين الكاتب وهو حجة عليه لعدوانه على أهل الحق ومجادلته إياهم بالباطل كما سترى الحمد لله الذي أنطقه بالحجة لنا.\n(٣٩٥) الأهرام - الاثنين ٢ فبراير ١٩٨١ م مقالة بعنوان (أزياء الطالبات بين الانضباط والانغلاق) .\n(٣٩٦) ينبغي التحفظ من مثل هذه العبارات فليس الإسلام \" تقاليد \" وما عرفناه إلا منارًا وتعاليم وشرائع ومعالم وردت في أكثر من حديث: منها قول رسول الله \": (ذاك جبريل أتاكم يعلمكم معالم - أي =","vol":"1","page":230},{"text":"الإسلامية التي تطلب من النساء أن \" يدنين عليهن من جلابيبهن \")\nوتحت صورة التقطت لمحجبتين تكتب قائلة:\n(النقاب الذي ترتديه فتاة الجامعة يقربها إلى الرهبانية ولا رهبنة في الإسلام) لكنها حرصت على أن تنشر ثلاث صور إحداها على غلاف المجلة لفتاتين سافرتين ترتديان\n\" الحجاب النصفي \" أو \" الحجاب العصري \" الضيق المزين والثانية لثلاث فتيات سافرات ولكن في عرفهن\n_________\n= دلائل ومسائل - دينكم) رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن عمر - ﵁ - بهذا اللفظ\nومنها قوله \": (إن الإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئًا وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم فمن ترك من ذلك شيئًا فقد ترك سهمًا من الإسلام ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في \" كتاب الإيمان \" وغيره - أنظر \" سلسلة الأحاديث الصحيحة \" حديث رقم (٣٣٣)\nومعنى \" صوى \" جمع صوة: أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي والمفازة المجهولة يستدل بها على الطريق وعلى طرفيها أراد أن للإسلام طرائق وأعلام يهتدي بها كذا في \" لسان العرب \".\nعن أبي عمرو بن العلاء.\nوعن عبد الله بن يسر المازني - ﵁ - عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت وأنا كبرت فأخبرني بشيء أتشبث به ولا تكثر علي فأنسى قال: (لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله) رواه الترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\nوفي بعض الآثار (أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم) ...\nفكم تفر أعين المتغربين والمتفرنجين والمجامحين الخارجين عن ربقة الإسلام بكلمة \" التقاليد \" الإسلامية؟!\nإنهم بذلك يحولون شرع الله ووحيه إلى أعراف وتقاليد تواضع الناس - في زمن من الأزمان - على احترامها وبناء على ذلك فما يصلح لجيل لا يصلح لآخر وما يناسب مجتمعًا لا يناسب المجتمعات الأخرى وما يتفق مع زمن فلا شأن له بباقي الأزمان!\nفالهدف إذًا من التعبير عن الأحكام الشرعية بـ (التقاليد) واضح وهو جعلها عرضة للتغيير والتبديل بحجة أن \" تقاليد \" عصر الصحراء لن تناسب عصر الفضاء ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ الكهف ٥!\nأنظر: \" مهلًا يا صاحبة القوارير \" ص (١٠ - ١١) .","vol":"1","page":231},{"text":"\" محجبات \" يرتدين ثيابًا لا يقرهن عليها مسلم عالم وقد علقت مسرورة بثيابهن قائلة:\n(الحشمة الغير مبالغ فيها مطلوبة داخل الجامعات المصرية بدلًا من التقليعات الدخيلة علينا)\nوالثالثة لفتاة متزينة بالحجاب العصري الفتان وقد علقت الصحافية تحتها:\n(هكذا تكون الفتاة الجامعية: علم وإيمان) .\nتقول الكاتبة الحائرة القلقة: (والحشمة هنا نابعة من داخل المرأة وعلى أساسها فصَّلت هذه الثياب وفضلت أن تخرج بها إلى الشارع وإلى الجامعة.. وقد تكون هذه الظاهرة عودة إلى عصر الحريم (*) لا ينقصها إلا \" قاسم أمين \" جديد ليطلق صرخته مرة أخرى.. وربما تكون نوعًا من الموضة تأخذ مداها ثم تتلاشى بعد فترة طالت أو قصرت وقد تكون حنينًا على العودة إلى رحاب الروحانيات بعد أن طغى سلطان المادة على نواح كثيرة في حياتنا إلى آخر هذه التساؤلات التي تتبادر إلى أذهاننا جميعًا)\nثم تعبر عن حسرتها وقلقها قائلة: (إن هذه الظاهرة انتشرت وبصورة أكثر وأوسع داخل كليات الطب في الجامعات الثلاث) .\nثم تنقل الكاتبة في حوارها كلمة \" دكتور يوسف عبد الرحمن \" رئيس قسم الفسيولوجيا بطب القاهرة:\n(باعتباري رجلًا مسلمًا أفضل الزي الإسلامي فهو\n_________\n(*) الصحافية هنا تنسج على منوال إخوانها في الضلال حيث أخذوا يسخرون ويتفكهون بعصر \" الحريم \" ثم ربطوا الدعوة إلى الحجاب بعصر الحريم تنفيرًا منه تمامًا كما يربط العلمانيون الملاحدة الدين بالرجعية ولكن ما هو (الحريم)؟ جاء في مجلة (الأسبوع العربي) اللبنانية العدد (١٤١٥٣ أيار): (كانت كلمة \" حريم \" تعني منذ الأزمان البعيدة الحرم المقدس أو المعبد المحرم الدخول إليه وقد أطلق هذا الاسم على القسم الخاص بالعائلة أي بالنساء والأطفال والذي كان محرمًا على الغرباء ولوجه بينما سمح لهم بالدخول على باقي أقسام المنزل ولم يكن النساء ليبرحن \" الحريم \" إلا لزيارة صديقاتهن أو لحضور الاحتفالات العائلية أو الدينية فقد كان للنساء إذًا عالمهن الخاص المقتصر عليهن فقط إذ حرم عليهن تمامًا الاختلاط بالرجال أو استقبالهم أو التحدث إليهم) اهـ.\nوجاء في جريدة (الأخبار) على لسان باحثة أمريكية مشهورة تدعى الدكتورة \" إيدالين \" ما نصه: (إن تدهور الأخلاق في أمريكا راجع إلى ترك المرأة بيتها واشتغالها بالحياة العامة وإن عودة المرأة إلى \" نظام الحريم \" هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الخلقي الذي يسير فيه) اهـ. من (الحركات النسائية في الشرق) ص (٣٥) .","vol":"1","page":232},{"text":"\" مستحب \" لأنه حشمة ويخفي عورة المرأة وهذا الزي كما أعرف لا يعوق المرأة عن العمل أما النقاب الذي ظهر حاليًا فهو غير مستحب ولا أفضله أبدًا فهو يقترب بالمرأة من الرهبانية ولا رهبانية في الإسلام) ثم يقول:\n(وما دامت المرأة قد خرجت إلى الشارع والعمل فلابد أن يتعرف عليها المدرس وكمسري الأتوبيس وكل من يتعامل معها أما النقاب فهذا غريب وغير عملي في هذا العصر وأنا أعلم أن النقاب كان موجود في العصور المظلمة فقط) انتهى كلامه.\nوهذه (مها عثمان) تكتب في \" آخر ساعة \" مقالًا بعنوان\n(ظاهرة الحجاب: لماذا؟)\nوتقول: (ظاهرة الحجاب من الظواهر اللافتة للنظر الآن ليس فقط في الشارع المصري وإنما في الدواوين والمصالح الحكومية والكثير من مواقع العمل والظاهرة تتنامى ويأخذ معها الحجاب أشكالًا متعددة.\nوالأسئلة التي تثيرها تلك الظاهرة عديدة وفي مقدمتها: لماذا الحجاب؟ وماذا وراء تلك الظاهرة؟ ثم ما هو الفرق بين الحجاب والنقاب؟ وتحاول الكاتبة الإيحاء بأن الحجاب تقليد مملوكي أو تركي.\nثم تقول: (وظلت المرأة تحرص على وضع النقاب على فمها وأنفها عند ظهورها في المجتمعات الراقية واستمر حجاب المرأة بهذه الطريقة حتى دعا \" قاسم أمين \" إلى السفور عام \"١٩١٢\" (٣٩٧) والتحرر من قيود هذه الأغطية وغيرها) .\nوتتسلل روح التغريب وكراهية الحضارة الإسلامية بين السطور فتقول الكاتبة:\n(ويمكننا فهم دعوة \" قاسم أمين \" للسفور وإلغاء الحجاب على إنها دعوة للإنسان للأخذ بقيم الحضارة الغربية على حساب حضارة أخرى وهي الحضارة التي تمثلها الدولة العثمانية)\n\nفما هي تلك الحضارة \" الأخرى \" التي تمثلها الدولة العثمانية إن لم\n_________\n(٣٩٧) كذا!","vol":"1","page":233},{"text":"تكن الحضارة الإسلامية؟\nثم تمضي الكاتبة قائلة: (وقد نجحت دعوة \" قاسم أمين \" حيث كان الجو العام مهيئًا.. وأصبح هذا النمط السائد في التعليم والملبس والمسكن و\" القانون \" و\" السياسة \" والفلسفة لكن إذا كان هذا هو ما حدث في فترة تاريخية معينة فما هو تحليل \" عودة الحجاب \" مرة أخرى؟) .","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>المركز القومي للبحوث الاجتماعية في حالة (طوارئ) بسبب عودة الحجاب</span>\n\nتقول الدكتورة \" زينب رضوان \" رئيسة وحدة البحوث الدينية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية:\n(إن هذه الظاهرة من أهم الظواهر التي اهتم المركز برصدها وتحليلها ولذلك فقد أجري بحثًا حول عوامل هذه الظاهرة وأسبابها والتفاعلات الاجتماعية المرتبطة بها والصلات التي تربط الحجاب بالعوامل الاقتصادية والثقافية والدينية وتلك التي تتعلق بالتنشئة الاجتماعية.\nوقد ضم هذا البحث تقريرين أحدهما يتعلق بالطالبات والثاني يهتم بالموظفات وقد تناول البحث حوالي ٨٠٠ من الفتيات ما بين محجبات وغير محجبات.. واهتمت الأسئلة\nبالدوافع بالنسبة لكل من الطالبة والسيدة المتزوجة.. وهل هي واحدة أم أنها مختلفة؟ وهل هذه الدوافع دينية أم أنها لأسباب أخرى؟)\nوتضيف الدكتورة \" زينب رضوان \": إنه ينبغي لنا أن نسجل ملاحظة هامة وهي:\n(أن الإنسان يتصرف وفق ما يعتقد أنه صحيح لا وفق ما هو صحيح بالفعل ولذلك فبعض المحجبات يرفضن المساواة بالرجل مستشهدات بالآية الكريمة ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ وهذا تفسير نختلف عليه.. والحجاب ليس مجرد مظهر ولكنه سلوك إسلامي حضاري..) ثم تستطرد قائلة:\n(إنه إذا أردنا ان نضع هذه الظاهرة داخل إطار معين وأن نفسرها فسنجد أن هناك ثلاثة تفسيرات مختلفة:","vol":"1","page":235},{"text":"التفسير الأول: يرى أن الحجاب في مصر يدخل ضمن مجموعة من الظواهر التي يمكن التأريخ لها عام (١٩٦٧) وأنه دليل على اتجاه المجتمع للبحث عن \" بديل \" للفكر والقيم والسلوكيات العلمانية التي نقلها مجتمعنا عن الغرب ولهذا فإن هذه الظاهرة ما هي في الحقيقة إلا جزء من فكر \" بديل \" ألا وهو البديل الديني) اهـ.\n\nلا.. لا أيتها الباحثة! حاشا أن يكون دين الإسلام \" بديلًا \" فبئس ما قلت إنما العودة إلى الإسلام عودة إلى الله بعد أن طغى سلطان \" اللادينية \" في ظل \" انقلاب يوليو ١٩٥٢ \" وليس الإسلام في ذلك بديلًا كأي بديل ولكنه سير على الطريق الوحيد الموصل إلى سعادتي الدنيا والآخرة فكل طريق إلى الجنة مسدود إلا طريقًا على رأسه رسول الله ﷺ.\nوقد قال رسول الله ﷺ: (الإسلام يجب ما كان قبله) (٣٩٨)\nوليس الإسلام (بديلًا) ولكنه هو الأصل وما عداه طارئ بل ما عداه \" زبد \" حانت له الفرصة يومًا ما أن يطفو على السطح ثم لم يلبث أن تلاشى كأن لم يكن\n﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ (الرعد ١٧) .\nقال فضيلة الأستاذ الدكتور \" مصطفى حلمى \" حفظه الله في تحليل ظاهرة عودة الشباب إلى الدين:\n(وكما يفيق المغمى عليه ويعود إلى نفسه كذلك أخذت الطلائع الشابة الواعية ترقب فشل الأنظمة المستوردة من الشرق أو الغرب التي أدى تطبيقها إلى المزيد من الفشل والهوان وأدركت أن هذا الفشل يرجع إلى بعد الأمة عن طريقها وانقطاع صلتها بالعقيدة والتراث وأخذ صوت الإسلام يدوي بين الصفوف لم الاستغراب إذن\n_________\n(٣٩٨) رواه الإمام أحمد في مسنده وصححه الألباني ولمسلم نحوه بلفظ: \" يهدم \".","vol":"1","page":236},{"text":"من عودة ظهور التدين بين شباب الإسلام؟ إن العقيدة لم تختف أصلًا بل ظلت باقية كل ما هنالك أنها اختفت وراء ستر رقيق ذلك أنه ينبغي التمييز بين العوامل الجوهرية للنهوض بالأمم واندثارها وبين مظاهر التدهور والضعف التي تنتابها بين حين وآخر كعوارض مرضية تظهر لتختفي) (٣٩٩) اهـ.\nثم تقول الكاتبة:\n(التفسير الثاني: يحاول أن يتجاوز الواقع المصري إلى الواقع الإسلامي بأكمله فهو يرى أن الحجاب ما هو إلا نوع من الإحياء للحضارة والثقافة الإسلامية في مواجهة الطابع الإنساني للعلاقات التي سقطت فيها الحضارة الغربية.\nأما التفسير الثالث والأخير: فهو يرى أن الحجاب شكل من أشكال الرفض التلقائي للظواهر الاستهلاكية التي بدأت تسود مجتمعنا والتي تحول هذه المجتمعات إلى أسواق استهلاكية تابعة للحضارة الرأسمالية الغربية المنتجة فهي صحوة تحاول الحفاظ على \" طهارة \" الذات القومية في مقابل الترف الاستهلاكي) اهـ.\n\nولن نشغل أنفسنا بمناقشة هذه التفسيرات الهزيلة لأن هدفها واضح وهو إضعاف الصبغة الإسلامية لعودة الحجاب والتشويش على نوايا الفتيات المخلصات لربهن المعتزات بإسلامهن و\" الانحراف \" بهذه الظاهرة الإسلامية الواضحة إلى مفاهيم مائعة تفت في عضد الملتزمات وتوهن عزيمة الراغبات في التحجب وهيهات هيهات.\n_________\n(٣٩٩) \" المخاطر التي تواجه الشباب المسلم وكيف نتوقاها؟ \" ص (١٦ - ١٧) .","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>(ولتعرفنهم في لحن القول) سورة محمد (٣٠)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>(ردة ونكسة ومأساة) زكي نجيب محمود </span>(*)\n\nأعداء الإسلام من المنافقين المتمسلمين الكارهين لما أنزل الله الصادين عن سبيل الله الآمرين بالمنكر والناهين عن المعروف لا يملون ولا يكلون من ممارسة هوايتهم الرخيصة في إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا والترويج للذرائع المفضية إلى مزيد من\nالفساد والإفساد لهذه الأمة الغافلة عما يراد بها إنهم لا يألون جهدًا في قطع صلتنا بأسلافنا ووصل الحبال مع أعداء ديننا الكارهين - أيضًا - لما أنزل الله.\nنشرت جريدة الأهرام في عددها الصادر بتاريخ ٩ / ٤ / ١٩٨٤ م مقالًا بعنوان (ردة في عالم المرأة) للفيلسوف الهرم (الذي أفنى عمره داعية لثقافة الغرب وكارهًا للحياة في ظلال الإسلام إنه الرجل الذي رشح لاقتعاد محل الصنم الضال \" طه حسين \" بعد هلاكه الذي أنفق ردحًا من عمره في دراسة الفكر المادي الذي كانت قمته كتابه المعروف بـ (خرافة الميتافيزيقا) أي بمعنى آخر: اتهام مفهوم (الغيب) بأنه (خرافة) وإنكار كل ما سوى المحسوس تبعًا لمدرسة الفيلسوف الملحد \" أوجست كنت \" تلك المدرسة التي يفاخر فيلسوفنا الهرم بأنه يمثلها) (٤٠٠)\n\nإنه الكاتب الذي (باع عقله للهوى وانضوى تحت لواء الأعداء فهو جندي من جنود الاستعمار الفكري والانحراف الخلقي) (٤٠١) إنه الرجل الذي لم يستح أن يجهر في\n\" الأهرام \" بقوله: (من الخطأ الظن بأن التشريع الإلهي قد غطى كل معضلات الحياة) (٤٠٢)\n_________\n(*) استفدت كثيرًا من فقرات هذا الفصل من كتاب \" صحوة في عالم المرأة \" للدكتور عبد الحي الفرماوي حفظه الله.\n(٤٠٠) انظر \" رجال اختلف فيهم الرأي \" ص (١١٥ - ٢٢٤) .\n(٤٠١) (الاعتصام) عدد رمضان ١٤٠٤هـ / يونيو ١٩٨٤ م - ص ١٠.\n(٤٠٢) (الصحافة والأقلام المسمومة) ص (٢١٥) نقلًا عن الأهرام.","vol":"1","page":238},{"text":"لقد أثار الفيلسوف الهرم في مقاله \" قضية المرأة \" ومن خلال هذه القضية أثار قضية أخرى أخطر وأهم وهي قضية ارتباط جيلنا بدينه وأسلافه المسلمين أكثر من ارتباطه بجيل الآباء ورأى الكاتب في هذا الارتباط خطرًا وبيلًا على الفكر والأمة والمستقبل.\nوأول ما يفجع القارئ أن يرى الكاتب يعنون مقالته بقوله \" ردة في عالم المرأة \" فلربما يستبشر القارئ ويخيل إليه من أول وهلة أن الكاتب يقصد استنكار الحال الذي وصلت إليه بعض النساء اللاتي ارتددن عن الإسلام بأن تكون منهن - مثلًا - من قد أنكرت ما هو معلوم من الدين بالضرورة أو استحلت شيئًا حرمه الله أو أنها اتهمت شرع الله بالنقص أو طعنت في حكمه ﷾ أو اتهمت الإيمان بالغيب بأنه (خرافة) مثلًا\nولكن القارئ لا يلبث أن يصدم شعوره حين يرى الكاتب منكوس القلب منكوس الرأي مطموس البصيرة مركوس السريرة قد رأى الأشياء على عكس حقائقها كالمريض الذي فسد مزاجه فإنه يحس بالأشياء على خلاف طبائعها:\n\nوما على العنبر الفواح من حرج أن مات من شمه الزبال والجعل\n\nفتراه كالجعل الذي اعتاد الخبائث فهو يندفع إليها ويسقط عليها وينفر غاية النفرة أو يموت من الروائح الطيبة.\nفالمرأة المسلمة عنده (مرتدة) لأنها كفرت بفكر (مرقص فهمي) و(قاسم أمين) و(سعد زغلول) وأمثالهم ورضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا.\nوالمرأة المسلمة في نظره قد أصابتها (نكسة) لأنها كفرت بهدى شعراوي وصفية","vol":"1","page":239},{"text":"زغلول ودرية شفيق وأمينة السعيد ومن على شاكلتهن في حين أنها عادت تلتمس القدوة في أمهات المؤمنين ونساء وبنات المهاجرين والأنصار ومثيلاتهن من خيرات نساء العالمين الطاهرات المحصنات المؤمنات الخاشعات ﵅.\nوالمرأة المسلمة عنده (نكصت على عقبيها) لأنها سترت عورتها وحجبت بدنها وأطاعت زوجها ووقفت حياتها على أولادها ورفضت أن تقتدي بهدى شعراوي التي ألقت حجابها في البحر عند شواطئ الإسكندرية وأبت أن تتأسى برائدات (الفن) من الراقصات الفاسقات وداعيات (الموضة) من الصهيونيات والماسونيات.\n\nويبدو أن الرجل لا يقصد بمقاله المرأة وحدها بل يقصد إدانة الاتجاه العام السائد بين الشباب والذي يرمي إلى استلهام التصور الإسلامي في بعث الأمة الإسلامية والوصول بها إلى واقع جديد يختلف عن واقع الهزيمة والتخلف والظلم وها هو يهاجمنا - نحن المسلمين - في أخص ما نملك وأعز وأغلى ما عندنا إلا وهو ديننا الحنيف ومن هنا وقبل أن نتتبع أقواله ينبغي:\nأولًا: أن نرفع اللبس والإبهام والتعتيم عن كلمة (المرأة المصرية) التي يتحدث عنها فنقول إنه يعني بالمرأة المصرية (المرتدة الناقصة على عقبها المنتكسة الرجعية التي تعيش مأساة ... إلخ) المرأة المسلمة.. فالمرأة المسلمة المصرية وحدها هي المقصودة وهي المستهدفة بسهامه المسمومة وأفكاره المحمومة وفتنته المضلة التي تطل برأسها بين الحين والحين والتي (زرعت في أرحام بلاد غير بلادنا وولدت في أكناف غير أكنافنا ولكنها زرعت خصيصًا للمسلمين وولدت خصيصًا للمسلمين وصدرت منهم خصيصًا للمسلمين) . (٤٠٣)\n_________\n(٤٠٣) راجع ص (٧٩ - ٨١) .","vol":"1","page":240},{"text":"ثانيًا: أن تحدد هدف هذا المقال وهو كما يمكن استخلاصه من عباراته: التصدي لظاهرة (عودة الحجاب) والدعوة صراحة إلى الخلع الحجاب وإلقائه في البحر وإغراقه في اليم ليصبح نسيًا منسيًا وبالتالي: محاكاة المرأة الغربية في كل ما تأتي وتذر\nبيد أن الهدف يتسلل بين السطور على استحياء ويدخل على الناس ممتطيًا حلو الكلام ولين الحديث وبريق الخداع قال تعالى في وصف المنافقين: (وإن يقولوا تسمع لقولهم) المنافقون (٤) وقال ﷺ: (إن من البيان لسحرًا) (٤٠٤) .\nولعل أبرز ما يتميز به الكاتب أنه يتقن الصنعة اليهودية القديمة وهي حرفة \" التبديل \" وعكس المعاني فإنك لو عكست أكثر كلامه لكان هذا الأكثر هو الحق فهو كمن \" يمشي مكبًا على وجهه \" وهو كالذين (يحرفون الكلم عن مواضعه) المائدة (١٣)  ̧في صده عن سبيل الله وتنفير المسلمات عن الحجاب وطاعة الله ورسوله ﷺ مثل\nالذي (ينهى عبدًا إذا صلى) العلق (١٠) ومثل الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون) التوبة (٦٧) وبقوله سبحانه: (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر) آل عمران (١١٨) وبقوله ﷿:\n(ولتعرفنهم في لحن القول) محمد (٣٠) .\nفالكاتب في الحقيقة هو المنتكس المرتد إلى الجاهلية حين يرى طاعة الله ورسوله ردة قال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون) المائدة (٥٠) وقال تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) الأحزاب (٣٣)\nوالكاتب الذي يصف عودة المرأة المسلمة إلى\n_________\n(٤٠٤) رواه مالك وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":241},{"text":"الله وعودتها إلى الحجاب بأنها قد\n\nخرجت بذلك من ضوء النهار إلى غسق الظلام والله ﷿ يقول: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) البقرة (٢٥٧)\nوالله تعالى يقول: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون) الأعراف (٣) هو الناكص على عقبيه.\nوالكاتب الذي يدعو المرأة إلى دخول عصر النور الذي بدأ في زعمه بإلقاء الحجاب في البحر على شواطئ الإسكندرية وانتهى إلى ما نعلمه اليوم على شواطئ الإسكندرية هو شيطان الظلام وليس الدعاة إلى الإسلام الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر\nوالمأساة التي يتصور الكاتب أن المراة المسلمة تعيشها اليوم لا وجود لها إلا في قوله الفاسد ورأيه الكاسد وإنما هي من صنع نفسه التي سولت له أن المجتمع يرفض دعوته ودعوة أمثاله من شياطين الإنس ولن يؤثر في عقل المراة اليوم وسوسة شيطان يدعي أنها بهذا الاختيار تكون \" تابعة \" أو \" خاضعة \" لأحد من البشر إنما هي متبعة لأوامر ربها وخاضعة لحكم الله رب العالمين تتحجب صيانة لنفسها واستجابة لشرع الله وترفض السفور لأنه دعوى الشياطين ووسوسة الذين في قلوبهم مرض.\nإن \" المأساة حقًا \" هي التي تعيشها المرأة في التعليم المختلط والنوادي المختلطة والشواطئ المتجردة من ثوب الحياء.\nإن (المأساة) حقًا هي واقع أمثاله من دعاة (تدمير المرأة) الذين وقفوا حياتهم على هدم حصون الإسلام وعرقلة مسيرة الصحوة الإسلامية أما أن تعيش المسلمة في مأساة لأنها تحجبت بمحض أختيارها فقد: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا) الكهف (٥) .","vol":"1","page":242},{"text":"يقول صاحب (الردة): (المرأة اليوم - بعد كل ما صنعته أخوات لها من بنات الجيل الماضي لترفع عنها نير الهوان - تتبرع سلفًا بحجاب نفسها قبل أن يأمرها بحجاب والد\nأو زوج فكأنها بذلك الحجاب الطوعي تقف على مئذنة لتصيح في الناس: ها هي ذي سلعة من عهود الحريم لمن يشتري) اهـ\nويلك يا شيخ التغريب! لقد قلبت الأمور رأسًا على عقب.\nما مقصودك بهذا؟\nأنت مطالب ببيان الفرق بين \" الإنسان \" وبين \" السلعة \" ثم إثبات ان المسلمين قد عاملوها معاملة السلعة ببراهين وأدلة صحيحة أما الكذب والفجور فكل خبيث ساقط منسلخ من الدين لا يعجز عنه ولايهابه لأنه غذاء قلبه وروحه:\n\nلي حيلة فيمن ينم وليس لي في الكذب حيلة\nمن كان يخلق قوله فحيلتي فيه قليلة\n\nإن مجرد إحصان المرأة في البيت لا يقضي بكونها سلعة فإن السلعة لا تختص بالأحراز في البيوت بل أكثر السلع تعرض في الأسواق والمجامع وفي كل مكان بل السلع التي تحرز أنفس من السلع التي تعرض في كل محل وليس مجرد المعاوضة يوجب التشبيه بالسلع.\nومن المسلم به في عالم التجارة وفي قانون العرض والطلب أن على أصحاب السلعة أن يحسنوا عرضها على الناس فيكشفوا عنها حتى يتعرف الراغبون في شرائها على مزاياها والأمر هنا مختلف جد الاختلاف إذ أن المرأة في حياتنا هذه تخفي مفاتنها وتحجب عن الناس رؤية وجهها وهو أمارة الجمال وعلامته فهي إذن لم تحاول عرض نفسها كسلعة تباع وتشترى ولم تناد من فوق مئذنة بصوت خفيض أو","vol":"1","page":243},{"text":"جهوري لأنها أكرم على نفسها من هذا الوصف المهين الذي لا يليق بالمسلمة المحجبة ولكنه أليق بتلك التي خلعت حجابها على شواطئ الإسكندرية لتدخل \" عصر النور \" في زعمك فأنت في الحقيقة الذي جعلتها سلعة لأنك أعرضت عن كل ما شرعه لها ربه ورسولها ﷺ من الحقوق التي هي في غاية العدل والإحسان من العفة والإحصان والصيانة والتكريم والتعليم الصحيح وأنت الذي سلكت فيها مسلك السلع المبتذلة وطلبت منها أن تخرج من بيتها لتخالط الرجال بادية عوراتها وأن تنطلق إلى عصر \" النور \" لتكون رائدة في \" الفن والموسيقى والرقص \" وأن تعمل \" مضيفة في الطائرة وبائعة في المحلات وسكرتيرة في الإدارات وأن تمرح وتسرح وتذهب وتجئ كالسائمة المهملة كيف شاءت شهواتها.. أليس هذا هو شأن \" بعض \" السلع المبتذلة؟!\nكلا ليس التوبة ردة وليس النور ظلامًا وليست اليقظة مأساة بل هي \" صحوة \" مباركة أدركت المرأة بعد أن عثرت على ذاتها التي ضاعت في عصر \" الثورة \" فلما عاد إليها صوابها أدركت بعقلها وسليقتها وفطرتها حاجتها إلى أن تحتمي بنور الإيمان فأسبغت على نفسها ملابسها وغطت رأسها وبذلك عادت إليها روحها أصيلة وهي راضية حيث\nرجعت من تلقاء نفسها إلى طاعة ربها (قبل أن يأمرها بذلك والد أو زوج) كما يعترف الفيلسوف الهرم وهذا هو السمو الخلقي والروحي الذي لا سمو يعلو عليه.\nفما الذي رابك أيها العجوز من ستر الأجساد وصيانة الأعراض؟\nوما الذي تعيبه على نساء مسلمات عرفن أن الله ﷾ هو ربهم الواحد الجدير بأن يطاع لا شياطين الشرق والغرب من أعداء الله ورسوله والمؤمنين؟!\nفإن كنت ترثي للمحجبات لأنهن في زعمك (مرتدات) فأولى بك أن ترثي لنفسك وقد تماديت في غيك وضلالك وأنت ابن الثمانين ولم يزدك تطاول السنين إلا","vol":"1","page":244},{"text":"تهورًا واستكبارًا عن الرجوع إلى الله والتكفير عن الصد عن سبيل الله قال رسول الله ﷺ: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة) رواه البخاري\nوقال رسول الله ﷺ: (لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة لقد أعذر الله إليه) رواه الحاكم عن أبي هريرة ﵁\nوالمقصود أنه سبحانه لم يبق فيه موضعًا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة.\nإن المسلمة المحجبة يهمها أولًا أن تنجو من عذاب النار وغضب الواحد القهار ولا يهمها بعد ذلك أن تنجو من اتهام الأقزام أمثالك بالردة او الرجعية أو النكسة أو النكوص على الأعقاب أو التزمت أو التطرف.\nفإن المؤمنين والمؤمنات تعودوا على هذا المسلك من أعداء الدين فيما مضى ولابد من أن يعيد التاريخ نفسه (ولكل قوم وارث) وقد سبق الكاتب من هم على شاكلته بهذه السخرية وذلك الاستهزاء كما قال تعالى: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) المائدة (٥٨)\nوقال تعالى: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون) الآيات (المطففين ٢٩) فالمهم من يضحك أخيرًا (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) هود (٣٨)\nوقال ﷿: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) البقرة (٢١٢) .\nهذا وإن هذه الدعاوي التي رمى بها (الفيلسوف الهرم) والمهانة التي ألحقها بكرامة المرأة المسلمة لو أن أكفر يهودي أدعاها على شعب أو أمة لكان لابد أن تعامله معاملة أعدى عدو لها فكيف بأمة الإسلام وكيف بنساء المسلمين!.\nويتمادى الكاتب في عدوانه ليصف ظاهرة عودة الحجاب بأنها (موجة رجعية عاتية نثرت رذاذها في كل اتجاه حتى أصاب المرأة ما أصابها)","vol":"1","page":245},{"text":"نقول: إن التقدم الفكري ليس له صلة بكشف العورات أو إلهاب الشهوات لأن الشهوة هي التي تطفئ العقل وتذهب باللب وإلا فأن الحيوانات العارية التي تقارف الشهوة في قارعة الطريق أدنى - في نظرك - وبهذا المنطق الممسوخ إلى التقدم الفكري وكأنك بهذا النهج الذي يدل على (التخلف الفكري) تصف النساء المسلمات منذ عصر النبوة\nحتى بدأ غزو الحضارة الغربية بالتخلف والجمود والانحطاط ولا يستبعد صدور هذا من أمثالك.\nولعمر الحق.. إن أقل امرأة منهن - ولو كانت أمية جاهلة بفلسفتك - لهي أدنى إلى الحق والصواب والحكمة منك لأنها آمنت بدين الله والتزمت أوامر الله بفطرتها أما أنت فقد فسدت فطرتك حين ضيعت عمرك في فلسفة أكثرها سفه وأعرضت عن علم الوحي والحكمة واستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير إن عودة المرأة إلى جادة الصواب ليس رجعية ولكنه تعبير فطري بجانب أنه تعبير عقائدي تسعى إليه الفطرة السليمة التي تأبى الفوضى الاجتماعية.\nوعقد الكاتب مقارنة هزيلة بين (الليلة) و(البارحة) في حياة (المرأة المصرية) فقال - عامله الله بعدله - (ألا ما أبعد الفرق في حياة المرأة المصرية بين الليلة والبارحة ففي بارحتها ألقت بحجابها في مياه البحر عند شواطئ الإسكندرية إيذانًا بدخولها عصر النور وأما في ليلتها هذه فباختيارها تطلب من شياطين الظلام أن ينسجوا لها حجابًا يرد عنها ضوء النهار) اهـ.\nنقول: نعم! (إن المرأة المصرية حين ألقت بحجابها في بداية القرن العشرين في مياه البحر عند الإسكندرية إنما ألقته عندما كان البحر الأبيض المتوسط في حالة الجزر فانحسرت الأمواج عن شواطئ الإسكندرية وهي تحمله فوق زبدها فلما أسبل الليل سدوله انتشر الظلام وهبت الريح العاتية وخضع البحر لعوامل المد فزحف الموج عائدًا إلى الشاطئ حاملًا مع ما فوقه من الزبد الميني جيب فالتقطه قلة","vol":"1","page":246},{"text":"من المصريات وفرحن به فارتدينه أسوة بأخوات لهن في أوربا وأمريكا فكشفت كل واحدة منهن عن ساقيها وسرن بهذا اللباس في الطرقات وذهبن به إلى بعض أماكن العمل ثم دار الزمان دورة أخرى وجاء ليل مظلم آخر وسيطر على البحر عامل المد مرة ثانية وزحف الموج كعادته عندما يعم الظلام قاصدًا شواطئ الإسكندرية وحاملًا \" ملابس البحر فوق زبد الموج الزاحف فهرعت إليه قلة قليلة من فتياتنا وأعجبن به كما أعجبت به من قبل أخوات لهن في أوربا وأمريكا فارتدينه وسرن به شبه عاريات على بعض شواطئ الإسكندرية واستمر سيرهن على هذا الحال..) (٤٠٥) اهـ\nحتى شاء الله أن يعود لهؤلاء الفتيات أو لقسم كبير منهن (الوعي) بحقائق الإسلام التي جهدت مدرسة (السفور) أن تطمسها.. وعاد الوعي بأباطيل خصوم الإسلام ومؤامراتهم.. وعاد الوعي بحقيقة (الرائدات) والرواد الذين أضرموا فتنة ما يسمى بـ (تحرير المرأة) .. وكانت نتيجة ذلك كله ضرورة أن (عاد الحجاب) .\nإن الفرق بين نهار المرأة المسلمة المحجبة وليلتها البارحة هي أنها أدركت أنكم يا شياطين الظلام تعيشون في حالة (ردة) عن دين الله القويم إلى الجاهلية الأولى\nو(نكسة) إلى الفرعونية الوثنية و(مأساة) يرثى لكم من أجلها من أنعم الله عليهن بالهداية إلى الصراط المستقيم.\nولعل من أغرب ما في كلام الفيلسوف الهرم أن أكثر ما يشعل النار نار الغيظ في قلبه هو أن الفتيات يرتدين الحجاب طوعًا لا كرهًا بمحض اختيارهن وقناعتهن الذاتية و(حريتهن الشخصية) فإذا كان هو أحد دعاة احترام (الحرية الشخصية) و(حرية الرأي) فما الذي يغيظه ويكيده سوى الحقد الأعمى على الإسلام والمسلمين\n_________\n(٤٠٥) من مجلة الأزهر عدد رمضان ١٤٠٤ هـ يونيو ١٩٨٤ م من مقالة الأستاذ عبد المنعم عمر بعنوان (حجاب المرأة عودة للتمسك بالدين والعفة والفضيلة) ص (١٤٨٤) .","vol":"1","page":247},{"text":"والكيد الرخيص لمعاندة شرع الله (قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور) ولما لم تصدر منه عبارة واحدة في استنكار صور الانحراف الأخلاقي في المجتمع وما أكثرها وإنما الذي استحق أن يلفت نظره هو فتيات آمنَّ بالله سبحانه وصدقن في اتباع رسوله ﷺ وحجبن عوراتهن عن نظر قوم فاسقين لا خلاق لهم ولا خلق لا تعني\n\" حرية الرأي \" عندهم إلا \" حرية الفسق والفجور \".\n\nثم عقد الفيلسوف الهرم مقارنة أخرى بين الشباب الثائر في العالم وبين الشباب المسلم في بلادنا فقال: (بينما الشباب الثائر في البلاد الأخرى كان يحتج على أوضاع الحياة الراهنة وبطء حركتها نحو المستقبل الجديد المأمول رأينا ثورة شبابنا تحتج هي الأخرى على أوضاع الحياة الراهنة وتدعو إلى عودة بها إلى نموذج السلف) (٤٠٦) اهـ.\nهكذا يرتمي الكاتب ثانية في أحضان أوربا وأمريكا ويجتهد في التمسح بالغرب حتى في فساد عقول شبابه.\nإن الفرق جد واضح بين هذا وذاك.\nإن ثورات الشباب في أمريكا ظهرت بالانحلال وعدم المبالاة والجري اللاهث وراء\n\" اللامعقول \" بل محاولة كل ما ليس بمعقول فظهرت هناك - والكل يعلم ذلك - فرق الخنافس والهيبز وسائر الفرق الحشرية ... وانتشر بينها تعاطي الماريجوانا والحشيش وعقاقير الهلوسة وشاع بين أفرادها الفحش والانحراف والانتحار الجماعي..إلخ.\nولسنا بصدد الحديث عن (مظاهر) تلك الفوضى تاريخًا وأسبابًا ولكن نريد أن نثبت أن: التنطع على أبواب الغرب والتمسح بعتبات الغرب مرض استشرى في كثير من كتابنا.\n_________\n(٤٠٦) \" بريد غاضب \" الأهرام (٧ / ٥ / ٨٤) .","vol":"1","page":248},{"text":"فهل الذين يعبدون الله وحده لا شريك له ... متأثرون بثورات الشباب الغربي الماجن؟\nوهل المسلمة التي تتحجب ابتغاء رضوان الله متأثرة بالفتيات الأوربيات التي لا يعلم كثيرات منهن أبًا أو أمًا أو بيتًا ويتسكعن على الأرصفة هنا وهناك في أزقة عالمهن المادي الكافر؟\nوهل من يتأثر باطنه بظاهره فيصدق الحديث ويفي بالعهد ويؤدي الأمانة ويصبح - هو أو هي - عضوًا نافعًا في الجماعة التي يحيا بينها ويشيع الطمأنينة والراحة النفسية بينه وبين كل من يتعامل معهم\nهل نقول عنه: إنه متأثر بثورات الشباب الذي يدفعه اليأس والضلال كل يوم إلى مزيد من العنف والجرائم الخلقية ومزيد - كذلك - من الانتحار؟!! أم كنت أيها الفيلسوف الهرم تحب أن يكون شبابنا وبناتنا كهؤلاء حتى لا يكون \" الصدى جاء عندنا - كما تقول - ليعكس الترتيب الطبيعي للأوضاع \"؟؟\nويثير صاحب \" الردة \" شبهة طالما يحلو لأمثاله أن يرددوها وهي أن هذا الحجاب\n(نموذج نقل إلينا عن آخرين فوجد ذلك النموذج ترحيبًا من الشباب اليائس) اهـ.\nنقول: إن كان قصدك بالآخرين: صحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم ونساءهم ﵅ والتابعين لهم بإحسان من المؤمنين والمؤمنات الممتثلين والممتثلات لشرع الله ﷾ في أي مكان وجدوا أو في أي زمان عاشوا منذ أن كان الصحابة وإلى زماننا هذا ...\n\nفنحن نوافقك في ذلك تمام الموافقة مع تصحيح بسيط جدًا وهو أن الذين رحبوا بهذا\n(النموذج المبارك) ليسوا هم الشباب (اليائس) لكنهم الشاب (المؤمن)","vol":"1","page":249},{"text":"والمؤمن لا ييأس أبدًا لقوله تعالى:\n(ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) يوسف (٨٧)\nفمهما بلغ الأمر بالعاصين والمفرطين فهم لا يزالون يستمعون وينصتون إلى قول الله ﵎: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم) الزمر (٥٣) .\n\nوإن كان قصدك بالآخرين الذين نقل عنهم ذلك النموذج غير هؤلاء.. فخبرنا بربك عنهم.. لتزداد سعادتنا نحن المسلمين بهم ونزهو بكثرة أتباع رسول الله - ﷺ - الذين تعرفهم أنت وحدك.\nثم يؤرخ صاحب النكسة لبداية ظهور مأساة عودة الحجاب فيقول:\n(لقد بدأت هذه الموجة المتحفظة مع شبابنا - ذكورًا وإناثًا - بعد نكسة ١٩٦٧ م ثم أخذت في التضخم والاتساع حين وجدت من ينفخ لها النار حتى أصبحت \" ظاهرة \" في حياتنا الاجتماعية) اهـ\nثم يحاول صاحب (الردة) أن يعلل هذه الظاهرة الخطيرة التي أقضت مضجعه فيقول: (ماذا حدث فأحدث في حياتنا الاجتماعية تلك المفارقة؟ والذي حدث - أولًا - هو هزيمة ١٩٦٧ م فنتج عن تلك الهزيمة - ثانيًا - شعور قوي بالإحباط واليأس وانسداد الطريق أمام الشباب قبل سواهم) اهـ.\nوالخطأ الأول الذي وقع فيه صاحب الردة هو في تحديد تاريخ امتثال المؤمنات لأوامر الله ﷿ ولا نقول تاريخ الظاهرة..فإنه لم يبدأ بعد النكسة ولكن قبلها ومنذ زمن بعيد بعيد جدًا.\nولكن صاحب الردة لا يعرف ذلك التاريخ وهو أمر سيئ.\nأو: يعرف ولكنه يغالط ويغش ويخدع.. وهو أمر أسوأ.","vol":"1","page":250},{"text":"وعلى كلا الاحتمالين: فلقد بدأ الامتثال:\n١ - يوم أنزل الله تعالى على عبده ورسوله محمد ﷺ في سورة الأحزاب: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا) الأحزاب (٥٩) .\n٢ - يوم أن أمر الله ﷿ نبيه محمدًا ﷺ فقال في سورة النور:\n(وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) النور (٣١)\n٣ - يوم أن قال تعالى آمرًا أمهات المؤمنين: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) الأحزاب (٢٣) ولسائر المؤمنات فيهن أسوة.\n٤ - ويوم أن أمر الله ﷿ المؤمنين بقوله في حق أمهات المؤمنين: (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) الأحزاب (٥٣) وغيرهن من المؤمنات أولى بذلك.\n٥ - ويوم أن أثنت أم المؤمنين عائشة ﵂ على الممتثلات لأمر الله ﷾ في قولها: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن أكف مروطهن فاختمرن بها) .\nويوم ... ويوم ... ويوم ...\nفإن كنت تعرف تلك (الأيام الكثيرة الحافلة) خاصة وأنك تزعم أن القرآن","vol":"1","page":251},{"text":"كتابك كما هو كتابنا.. فأنت تخدع نفسك وتكذب على ربك وتغش القارئين.\nوإن كنت لا تعرف: فأنت - بالتالي - لا تقدر ما تقول قدره.\nالمهم: أن المسلمين حافظوا على هذا الامتثال - ذكورًا وإناثًا - غير من شذ منهم وعصى الله ﷾ وخالف تعاليم النبي - ﷺ -.\nوظل الأمر على ذلك: حتى كانت تلك الفترة التي تغدق عليها آيات التمجيد وتعطرها بالفخر والثناء وهي الخمسون سنة التي بدأت مع مطلع هذا القرن وهي التي أسميتها\n\" بارحة المرأة المصرية \".\nوفيها.. وبعد التزام المرأة المسلمة المصرية لتشريع الله تعالى طيلة هذه القرون..رأينا: أول امرأة مصرية منتسبة إلى الإسلام.. تخلع الحجاب (٤٠٧)\nورأينا كذلك: أول زوجة زعيم سياسي عربي - تقريبًا - تظهر معه سافرة الوجه في المحافل والصور (٤٠٨) وتبعهما في ذلك من تبع..\nورأينا من ينفخ لهن النار..نار تلك الفتنة من أمثال صاحب (الردة) بيد أنه قد بقيت الكثرة الغالبة منهن: تؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالقرآن كتابًا وبمحمد - ﷺ - نبيًا ورسولًا في كل ما تأتي وتذر وذلك قبل نكسة (٦٧) وبعد نكسة (٦٧) وستظل كذلك بإذن الله إلى ما شاء ربك..دون أن تحتاج إلى من ينفخ لها النار كما يدعي صاحب\n(الردة) .\n\nأما عن علاقة النكسة بـ (عودة الحجاب) ..\n_________\n(٤٠٧) وهي (هدى شعراوي) انظر (الأعلام) للزركلي (٨ /٨٧) .\n(٤٠٨) وهي (صفية زغلول) انظر (سعد زغلول) ص (٢٠٤) .","vol":"1","page":252},{"text":"فلا ننكر أنها قد أثرت في تقوية هذا الاتجاه لدى كثرة كثيرة من الناس أيقنت بصدق شيئين وهما:\nأولًا: أن نكسة ٦٧ واحدة من الآثار المشئومة والنتائج الحتمية لبارحة المرأة المصرية التي أخذت تتغشى المجتمع المصري كله بفسادها وضلالها وانحرافها تحت ستار\n\" تحرير المرأة \" وبعبارة أخرى: إن الحجاب لم يكن ثمرة النكسة بقدر ما كانت النكسة ثمرة التخلي عن الحجاب كمظهر من مظاهر التخلي عن الإسلام.\nثانيًا: أن الخلاص من تلك البارحة التي انساق المجتمع كله في تيارها وسرت فيه عدواها وأن التخلص من آثارها ونتائجها الوخيمة لا يكون ولن يكون - إلا بالعودة إلى الله تعالى والالتجاء إلى حماه والالتزام بشرعه والامتثال لمنهجه - توسلًا لمرضاته تعالى وطاعة رسوله - ﷺ -.\nوبعبارة أخرى: أن التخلص من آثار (العدوان) اليهودي لن يتم إلا بالتخلص من آثار العدوان العلماني على شريعة الله ﷿ وأن الصوت الوحيد الذي ينبغي أن يعلو كل صوت هو الذي يدوى قائلًا: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يوسف (٤٠)\nوقد ظهر ذلك كله في الجنود المسلمين يوم دكوا خط (بارليف) بصيحة \" الله أكبر \" قبل أن يدكوها بسلاحهم ويوم تجاوبت أصداء البلاد بالمطالبة بالحكم بما أنزل الله وتحرير البلاد من الاستعمار (التشريعي) ويوم كانت عودة المرأة إلى الحجاب (رمزًا صامتًا) يصفع أحلام الرائدات والرواد الأول ويتحدى مؤامرات اللاحقين من دعاة\n\" النهضة \" النسائية - استغفر الله -: بل (الكبوة) الشيطانية.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>صدق وهو كذوب:</span>\n\nومن عجيب أمر صاحب الردة أنه فهم من أمر الحجاب معنا زائدًا على ما يفهمه كثير من بسطاء المسلمين في هذا الزمان وهم الذين يصفون كل ما يمت إلى المظهر الإسلامي بصلة كالحجاب واللحية ... إلخ بأنه (قشور وفرعيات) لا ينبغي أن تشغل حيزًا من اهتمام المسلمين.\nأما صاحب الردة فقد فطن إلى أن الحجاب (رمز له دلالته) في قوله:\n(ولم يكن أحد ليعلق بكلمة واحدة على قطعة من ثياب امرأة اختارتها كما يختار أي إنسان ثيابه التي تلائم ذوقه لكن الموقف يتغير إذا أريد بقطعة معينة من الثياب أن تكون رمزًا له دلالته) اهـ.\nوهذا حق.. فإن \" الحجاب \" عند نساء المسلمين و\" اللحية \" عند رجالهم وغيرهما من المظاهر الإسلامية المتميزة بجانب أنها طاعة لله ﷾ ولرسوله ﷺ إلا أنها أيضًا \" رمزًا لتحدي الواقع الجاهلي الحريص على طمس معالم الشخصية الإسلامية وهي \" تعبير صامت \" عن الحنين إلى جذورنا الأصيلة الضاربة في أعماق التاريخ والتي جعلت من سلفنا خير أمة أخرجت للناس وهي أخيرًا (راية) على وجوه المسلمين رجالًا ونساءًا تؤكد استعلاءهم على مؤامرات أعداء الإسلام الذين يقف معهم صاحب الردة في خندق واحد حاملًا (قوسه المشدود إلى صدر الإسلام وقد شحن بالتحفز حتى إذا ما ارتخت عنها قبضة الرامي ارتدت إلى نحره وكان فيها حتفه بإذن الله) ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ الشعراء (٢٢٧)\nولما كان من المستحيل أن يجمع الإنسان بين إيمانه بالإسلام كما فهمه السلف الصالح وعملوا له وبين الإيمان بمبادئ \" العلمانية \" و\" الليبرالية \" (٤٠٩) ولما كان\n_________\n(٤٠٩) تعني الليبرالية: (أي: التحررية) رفض الخضوع لسلطان الدين والتسليم بقضاياه والوقوف عند =","vol":"1","page":254},{"text":"الاقتداء بالسلف الصالح ينافي دعوة \" المتغربين \" إلى الاقتداء بفلاسفة الغرب ورجالاته..\nولما كانت قوة المسلمين منوطة بمدى انتهاجهم النهج السلفي القويم.. رأينا\n\" شيخ التغريب \" لا يفوته أن يربط (عودة الحجاب) بـ (سلفية الشباب والفتيات) على أن هذا الرباط من الأمور التي أزعجته وجعلته يجرد قلمه المسموم ليحذر من هذه\n(الموجة الرجعية العاتية) فيقول:\n(لقد أصبحت هذه الموجة المتحفظة ظاهرة في حياتنا الاجتماعية ولا أظن أن لها شبيهًا في بلدان أخرى كثيرة والظاهرة التي أعنيها هي أن يكون الجيل الأكبر في معظم الأسر أو قل في كثير منها أقل نزوعًا إلى تلك المحافظة من الجيل الأصغر ففي حالات كثيرة نرى الأم سافرة وابنتها محجبة ... وفي حالات كثيرة أيضًا ترى الوالد حليق اللحية وأبنه مرسلها على هذا النحو أو ذاك وإنها لمفارقة شديدة في أي مجتمع: أن ترى الجيل\nالأصغر سلفيًا بدرجة تزيد على الحد المألوف وترى الجيل الأكبر منه أقل سلفية - في ظاهرة على الأقل - من أبنائه وبناته) اهـ.\nوقال في بريده الغاضب: (بينما الشباب الثائر في البلاد الأخرى كان يحتج على أوضاع الحياة الراهنة وبطء حركتها نحو المستقبل الجديد المأمول رأينا ثورة شبابنا تحتج هي الأخرى على أوضاع الحياة الراهنة وتدعو إلى عودة بها إلى نموذج السلف) اهـ\nلقد أتي الفيلسوف الهرم من عقدة الخضوع للمفاهيم الغربية الشائعة والانسياق ورائها ظنًا منه أنها مطابقة للتصورات المماثلة في المجتمعات الإسلامية فمال هو وأمثاله إلى الغض من الاتجاه السلفي وأصحابه ونفروا الناس منه وقاموا بحملة تشهير ظالمة ضده\n_________\n= حدوده والتزام أوامره ونواهيه في تنظيم المجتمع ورسم سياسته انظر (الإسلام والحضارة الغربية) للدكتور محمد\nمحمد حسين ﵀ ص (١١٦ - ١١٨) .","vol":"1","page":255},{"text":"ولنقف هذه الوقفة مع هذا المصطلح الشريف:\n(السلفية) (٤١٠) .\n\n(فمن حيث المصطلح أصبحت السلفية علمًا على أصحاب منهج الاقتداء بالسلف من الصحابة والتابعين من أهل القرون الثلاثة الأولى وكل من تبعهم من الأئمة كالأئمة الأربعة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن وشمل شيوخ الإسلام المحافظين على طريقة الأوائل مع تباين العصور وتفجر مشكلات وتحديات جديدة أمثال ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وكذلك أصحاب أغلب الاتجاهات السلفية المعاصرة بالجزيرة العربية والقارة الهندية ومصر وشمال أفريقيا وسوريا وكانت ذات أثر واضح في تنقية مفاهيم الإسلام ودفعه إلى الأمام لمواجهة الحضارة والتطور وللكشف عن جوهر الثقافة العربية والإسلامية الأصيلة القادرة على الحياة في كل جيل وكل بيئة) .\n\n(ومن حيث المضمون تعني السلفية في الإسلام التعبير عن منهج المحافظين على مضمونه في ذروته الشامخة وقمته الحضارية كما توجهنا إلى النموذج المتحقق في القرون الأولى المفضلة وفيها تحقق الشكل العلمي والتنفيذ الفعلي ومنه استمدت حضارة المسلمين أصولها ومقوماتها ممثلة في العقيدة خضوعًا للتوحيد وبيانًا لدور الإنسان في\nهذه الحياة وتنفيذًا لقواعد الشريعة الإلهية بجوانبها المتعددة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة وروابط الأسرة وفضائل الأخلاق.\nوالسلفية كمصطلح تعني أيضًا في مدلولها الخاص - الاقتداء بالرسول ﷺ فإن أمتنا تنفرد بمزية لا تشاركها فيها أمة أخرى في الماضي أو الحاضر أو المستقبل تلك هي تحقق القدوة في شخصه ﷺ - إذ حفظت سيرته كاملة محققة بكافة\n_________\n(٤١٠) انظر (قواعد المنهج السلفي) و(السلفية بين العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية) للأستاذ الدكتور مصطفى\nحلمي.","vol":"1","page":256},{"text":"تفاصيلها فنحن نعلم عنه كل شيء وفقًا لما نقل إلينا في كتب وعلوم مصطلح الحديث بأدق منهج تاريخي علمي عرفه المؤرخون.\nوهكذا فإن السيرة النبوية حية في كياننا ونحن نعيشها كل يوم وهي تمثل القمة للسلفيين وتطبيق الشريعة الإسلامية ممتد على طول الزمن لا يتعلق بعصر دون آخر بل إن كل جيل من المسلمين مطالب بتنفيذ أصولها النصية مع الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص عند مواجهة أحوال الحياة المتغيرة كما هو معروف في أصول الفقه.\n\nوإزاء خطط الغزو الفكري ومظاهر الاشتباك العقلي مع خصوم الإسلام صمد السلفيون للمحافظة على جوهر الإسلام وأصوله إيمانًا بأنه لم يظهر زيف هذه العقائد والنحل إلا بطريقة السلف أنفسهم مهما تغيرت الأزمنة والأعصار لأنها طريقة موضوعية ذات أسس عليمة منهجية تعتمد على النصوص الشرعية الموثقة فهناك مسائل ثابتة لا تتغير: كفطرة التوحيد ومخاطبة العقول البشرية للبرهنة على النبوات عامة ونبوة رسول الله ﷺ خاصة والرد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في كل ما انحرفوا به عن الشرع المنزل مع دحض شبهات الملحدين والمشركين.\nهذا فضلًا عن ثبات الفضائل الأخلاقية وقواعد التحليل والتحريم في المأكل والمشرب والملبس وتنظيم العلاقات الاجتماعية في الأسرة والمجتمع وإقامة العلاقات الدولية مع سائر الأمم وفقًا لأصول الشرع ولقد أصبحت الحركة السلفية هي الحركة الكبرى التي جددت الدعوة الإسلامية ولولاها لهان على الغرب أن يستعبد الشرق روحيًا وفكريًا إلى أمد بعيد.\nفإذا كان المسلمون يتلمسون اليوم طريقًا للنهوض فليس لهم من سبيل إلا وحدة جماعتهم ووحدة الجماعة ليس لها من سبيل إلا الإسلام الصحيح والإسلام الصحيح مصدره القرآن والسنة وهذه خلاصة الاتجاه السلفي: عودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.","vol":"1","page":257},{"text":"وفي العصر الحديث يعمل السلفيون على استئناف الحياة الإسلامية على أساس هذا الفهم وطبقًا للنظرة الرحبة الفسيحة لكل جوانب الإسلام كمنهج رباني شامل لا يعتوره نقص في أي من مجالات الحياة.\nوقد اتفق المسلمون السلفيون على قاعدة اضطراد العلاقة بين تقدم المسلمين واستمساكهم بالإسلام وعلى العكس تدهورهم وضعفهم عند الانسلاخ منه فالعلاقة بينهما علاقة المد والجذر مع الإسلام والإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>السلفية والتقدم:</span>\n\nيزعم خصوم الإسلام بعامة والسلفية بخاصة أنها دعوة رجعية وهو زعم خاطئ من جذوره فلا تتعارض السلفية مع التقدم لأن التقدم في الإسلام تقدم أخلاقي يمضي قدمًا في تحقيق الرسالة التي نيطت بهذه الأمة مع الأخذ بأسباب العمران المادي في نواحي الحياة كلها.\nوالقديم في تاريخ أوربا تعبير يطلق على العصور المظلمة في القرون الوسطى السابقة لعصر النهضة ورفض أوربا لتاريخها القديم موقف عادي يتلاءم مع رغبتها في التقدم لأن الماضي يعد سببًا لتخلفها.\n\n\" وإذا قارنا الإسلام بمختلف ديانات العالم عرفنا أن عقائدها منعت معتنقيها من التقدم الحضاري عندما استمسكوا بها ودارس التاريخ يلاحظ أن أهل أوربا والبوذيين في اليابان على سبيل المثال لما كانوا راسخين في معتقداتهم الدينية كانوا على أسوأ ما يكون من أدوار التخلف ولما أحرزوا لأنفسهم الرقي والتقدم في حياتهم العلمية والعقلية والمادية ما عادوا مؤمنين بمعتقداتهم المسيحية والبوذية إلا اسمًا.\nأما المسلمون فعندما كانوا أقوياء في إيمانهم بمعتقداتهم صاروا أكثر أمم الأرض تقدمًا وازدهارًا وقوة ومجدًا وما أن دب دبيب الضعف في إيمانهم بها حتى تخلفوا في","vol":"1","page":258},{"text":"ميادين العلم وضعفوا في صراعهم للرقي الدنيوي وتحكمت فيهم واستولت عليهم أمم أجنبية وهذا فرق عظيم بين معتقدات الإسلام ومعتقدات الديانات الأخرى في العالم \" (٤١١) .\n\nفالأمر عكسي بالنسبة لنا تمامًا: فإن تاريخنا يعبر عن تقدم حضاري في كافة المجالات وإذا نحن طالبنا (بالترقي) إلى مستوى السلف فإننا نعني بذلك التمسك بالمفاهيم الإسلامية الشاملة للعقيدة والعبادة والشريعة وسائر الأنشطة الإنسانية التي منها - بلا شك - الحقل العلمي.\nولكننا في الوقت نفسه لا نزعم - ولا نظن أن عاقلًا يخطر له على بال - أن نضع الأمة الإسلامية في متحف للتاريخ! بمعنى أن نطالب بإرجاعها للأخذ بوسائل العصور السابقة في الحياة العمرانية بأساليبها في الإنتاج والنقل والتعليم والتطبيب وتشييد المدن وتجهيز الجيوش وبناء المدارس والجامعات والمستشفيات....إلخ.\nويتضح لكل دارس للإسلام أن المفهوم الإسلامي للحضارة أرقى بكثير من التصور الغربي فلا نحن نرضى بتخلف المسلمين الحالي عن تحقيق النموذج الإسلامي ولا نرضى في الوقت نفسه بتقليد الغرب في فلسفته ومضامينه الفكرية الشاملة.\nأما نبذ السلفية بحجة التسابق مع الزمن واللحاق بكل ما هو جديد فمنهج خاطئ قائم على مفاهيم غربية متصلة بفلسفتها فإن ما نراه اليوم جديدًا سيصبح غدًا - وحتمًا - قديمًا فليست الموازنة إذن بين قديم وجديد موازنة صحيحة ولكن ينبغي أن تتم بالمقارنة بين الحق والباطل أيًا كان العصر والزمان لأن القيم لا تتغير ولا تتبدل فليس الجديد مقدمًا بالضرورة عن سلفه.\nولعلنا نصدم أصحاب دعوى التجديد المتغربين النابذين للسلفية عندما نضع\n_________\n(٤١١) \" المخاطر التي تواجه الشباب المسلم وكيف نتوقاها؟ \" للأستاذ الدكتور مصطفى حلمي ص (٤٨ - ٤٩) .","vol":"1","page":259},{"text":"أمامهم الحديث النبوي:\n(إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (٤١٢)\nوالتجديد إنما يكون بعد الدروس فالتجديد ارتقاء وتقدم بالأمة لتسلك طريقها مرة أخرى كلما بعدت عن الصحيح الأصيل المتوارث.\n\nونحن نرفض تقليد الغرب ونبحث عن الأصالة ولا تأتي الأصالة بترقيع الشخصية بل بالارتباط بالعقيدة التي كانت حجر الزاوية في كيان هذه الأمة وينبغي هنا التمييز بين تقليد (مقومات الشخصية والعقائد والتصورات) وبين النتائج العلمية فلا وطن للعلم ولا جنسية للاكتشاف والأبحاث الإنسانية في الميادين المختلفة.. ولكن المشكلة هي اختلافنا الأساسي معهم على قواعد جوهرية تتناول عقيدة التوحيد والإيمان بالله ﷾ وإفراده بالألوهية والربوبية وما هية الإنسان والغرض من خلقه وبيان مآله في اليوم الآخر وما هي وسائله لسلوك أحسن السبل الممكنة في الحياة والارتقاء بها؟\nوتأتي آفة التقليد عندما ننسى أصالتنا ولذا ينبغي التنبيه إلى الحكمة النبوية في الحديث الذي رواه البخاري (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون \" الأمم \" قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك؟) (٤١٣) .\nوفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عنه ﷺ أنه قال:\n(لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى ولو دخلوا جحر ضب خرب لتبعتموهم قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن غيرهم!) (٤١٤) .\n_________\n(٤١٢) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي في \" المعرفة \" من حديث أبي هريرة ﵁ وصححه الألباني.\n(٤١٣) رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁.\n(٤١٤) رواه الإمام أحمد والشيخان وابن ماجه عن أبي سعيد ﵁.","vol":"1","page":260},{"text":"إذا عرفنا كل هذا أصبح هدف السلفية واضحًا أمامنا كضوء الشمس وهو يتلخص في:\nتطهير العقيدة من شوائب البدع وتربية الشخصية الإسلامية وفتح الذهن البشري لقبول كل جديد في ميادين العلوم التجريبية وإحياء العقيدة من منابعها بعيدًا عن المذهبية\nالضيقة بصورتها الأخيرة أو تطويع العقيدة والشريعة في الإسلام لدعاوي التطوير الخاطئة ورفض فكرة لا دينية الدولة.\nوأخيرًا: أسعفت الفيلسوف الهرم ذاكرته فتذكر أن هناك قرآنًا يستدل المسلمون بآياته على حتمية الحجاب فقال: (ثم وجدت هذه اللفتة السلفية من يربطها للشباب بالدين وهنا تأتي النقطة الرابعة التي سأجعلها الأخيرة) وهذه النقطة المؤخرة عنده - أخره الله وأخزاه - هي آيات القرآن المجيد الآمرة بالحجاب وكان ينبغي أن يبدأ بما انتهى به وأن يقدم ما أخره فإن حق كلام الله ﷿ أن يقدم على كل كلام لو كان صدقًا فكيف إذا كان لغوًا وزورًا وافتراءً على الله كتلك المئات من السطور التي سودها ذلك المنافق يصد بها الناس عن القرآن؟!\nقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) الآية\n(الحجرات: ١)\nوقال ﷿: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الآية\n(الحشر: ٧)\n\nوقال ﵎: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء\nقليلًا ما تذكرون) (الأعراف: ٣)\nولقد ذم الله قومًا يعرضون عن آياته فقال ﷿: (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم) (النجم: ٣٠)\nوقال سبحانه: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن","vol":"1","page":261},{"text":"يضلهم ضلالًا بعيدًا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا) إلى قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا)\nالنساء (٦٠ - ٦٥) .\nثم إن الفيلسوف الهرم لم يكتف بذلك بل تجاهل آيات القرآن تمامًا فضلًا عن مناقشة تفسيرها وترقى إلى ما هو أبعد من ذلك - رماه الله في المهالك - حين تقول على الله بغير علم وفكَّر وقدَّر فقتِل كيف قدَّر ثم قتل كيف قدر ثم حكم ببطلان أن الحجاب أمر تحتمه الشريعة الإسلامية فقال - قاتله الله - (أوردت الرسائل في سياقها آيات قرآنية كريمة يستشهد بها أصحاب الرسائل على أن فتور الهمة نحو العلم ونحو العمل في\nامرأة هذا الجيل وميلها نحو العودة إلى البيت ونحو أن تتحجب - أو على الأقل أن تضع فوق رأسها رمزًا يشير إلى معنى الحجاب - هو أمر تحتمه الشريعة الإسلامية وأقول إنه لو كان ذلك صحيحًا لكنت أول الداعين إليه ولكن هل هو صحيح؟) اهـ\nوهنا بدأت نبرة الكاتب تتحول إلى الإنسحاب الهادئ فبعد أن طعن الدين في الصميم وشعر أنه أسرف في الكذب والافتراء وجد نفسه مضطرًا إلى ممارسة (فن التلون الحربائي) فإذا به يتوارى ويتحصن في الدين فيقول: (لو كان ذلك - يعني أن القرآن يحتم الحجاب - صحيحًا لكنت أول الداعين إليه) ونحن إذا أحْسَنَّا الظن به حملنا أمر الفيلسوف \" الكبير \"! على أنه لم يقرأ القرآن مرة واحدة أو أنه قرأه ثم نسيه لانشغاله عنه بفلسفة أكثرها سفه وإلا فهو عدو للإسلام والمسلمين متآمر ضد أمة محمد ﷺ قال تعالى: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) القتال (٣٠)","vol":"1","page":262},{"text":"ثم يذكر الكاتب دليله على قطع الصلة بين القرآن والحجاب فيقول: (أكانت تلك الشريعة معطلة حتى جاء شباب هذا الجيل ليعيدها إلى الحياة؟) اهـ\nنقول: كلا بل ما زالت شريعة القرآن نافذة وسائدة طوال عصور الإسلام وما زالت قلوب المسلمين رجالًا ونساءً تخفق بالاعتزاز بها والإذعان لها إلى أن هجمت جيوش الغزو الفكري متترسة بالفلاسفة والعملاء والعميلات اللائى أسميتهن (رائدات الجيل الماضي) ليرفعوا الحجاب عن وجه المرأة ويعطلوا الشريعة الحنيفية شكلًا ثم موضوعًا وواقعًا فجاء شباب هذا الجيل ليصحح الأوضاع ويعود إلى حظيرة الإيمان ويجدد معالم دينه الذي ارتضاه الله له فما الذي يغيظك من ذلك كله؟\nوإذا كنت محبًا لهذه الأمة المحمدية ومخلصًا لهذه الملة الحنيفية فلماذا تنزعج هكذا من عودة الشباب على الإسلام وعودة المسلمات إلى الحجاب؟\nثم يمضي غمام الضلالة مدعيًا مرتبة الاجتهاد المطلق بل ها هو ذا يقدم نفسه على كل أئمة الهدى في كافة عصور الإسلام ويبرهن على ذلك بقوله:\n(إنني مهما تواضعت في قدر نفسي فلا أظنني أصل بذلك التواضع درجة تحرمني من فهم الآيات الكريمة التي سيقت في الرسائل شواهد على ما أراده أصحابها فالقرآن الكريم كتابهم وكتابي) اهـ\nأقول: لو أن هذا المختال الفخور درس القضية في ضوء الكتاب العزيز والسنة المطهرة لوجد فيها من الشفاء والهدى والنور ما يغنيه عن ظلماته وضلالاته التي أوقعته في مهواة البلاء والعجب بنفسه وتكبره الذي دعاه إلى أن يضرب بسهم مع الأفاضل وأرباب التقوى مع أنه كما قال القائل:\nنزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل","vol":"1","page":263},{"text":"وكما قال القائل:\nأيها المدعي لسلمى انتسابًا لست منها ولا قلامة ظفر\nوالفيلسوف الزائغ ليس من أهل الترجيح لأقوال أهل العلم بعضها على بعض بل لا يصلح أن يكون حكمًا بين صبيين فضلًا عن أن يكون حكمًا بين العلماء الربانيين:\nما أنت بالحكم الترضي حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل\nفإن من شرط الحكم أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومذاهب المجتهدين فمن أين لهذا الزائغ من هذه العلوم وهو بالنسبة إلى الأئمة الذين \" قضوا بالحق وكانوا به يعدلون \" طفل راقد في مهد طفوليته؟!\nبل أين المخلصون المجاهدون في سبيل الإسلام من الطاعنين فيه الصادين عن سبيله؟! قال تعالى:\n(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا) النساء (١١٥)\nوقال ﷿: (ألم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) ص (٢٨)\nأما قول صاحب (الردة): (فالقرآن الكريم كتابهم وكتابي)\nفما أشبهه بقول من حكى الله عنهم: (ويحلفون بالله أنهم لمنكم وما هم منكم)\nالتوبة (٥٦)\nوقوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون) المنافقون (١)\nفعادة المنافقين \" الاستجنان \" بالإيمان الكاذبة كما استجنوا بالشهادة الكاذبة (اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون) المنافقون (٢)\nفيتخذون حلفهم بالله إنهم لمنكم جنة تحميهم مما يعامل به الكفار وأخبر سبحانه عن صفتهم وشأنهم فقال:\n(وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم) المنافقون (٤)","vol":"1","page":264},{"text":"لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم إلى أن قال ﷿ (هم العدو) أي هم الكاملون في العداوة والراسخون فيها فإن أعدى الأعادي العدو المداجى الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي (فاحذرهم) لكونهم أعدى الأعادي ولا تغترن بظاهرهم\n\nفلا تقنع بأول ما تراه فأول طالع فجر كذوب\n\nفمن هذا الباب قول الكاتب (فالقرآن الكريم كتابهم وكتابي) نقول: إن القرآن حق في نفس الأمر وليس هو محتاجًا لأن يحامي مثلك عنه والمحاماة عن القرآن تكون بإقامة البراهين ودفع الشبهات الباطلة أما تحريف معناه وتغييره أما تجاهله والإعراض عنه أما مراغمة نصوص القرآن ومعاكستها ووصف الممتثلين لها بوصف (الردة والنكسة\nوالمأساة) وما إلى ذلك من العبارات الشنيعة فهذا كله إفساد للقرآن وصد عن سبيله واستحلال لحرماته واستهزاء بآياته:\n(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون)\nالأنبياء (١٨)\nولئن جاز أن يتسامح المسلمون مع الكاتب فيما كتب - وهذا بعيد جدًا - فلا يمكن أن يتسامحوا معه بأي وجه من الوجوه حينما (أبى واستكبر وعاند) الآيات التي بلغها إليه القراء في رسائلهم الغاضبة ثم إذا به يضرب بها كلها عرض الحائط ويتبجح في عتو عناد بمقولة تعيد إلى أذهاننا عناد صناديد قريش:\n(إنني لم أجد في تلك الرسائل جميعًا ما يحملني على أن أغير حرفًا مما كتبته ولو أعدت الكتابة لكررت ما قلته كلمة كلمة) اهـ\nفإذ لم يرفع بآيات الله الآمرة بالحجاب رأسًا فإنا نذكره بقول الله ﵎:\n\n(ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرًا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئًا اتخذها هزوًا أولئك لهم عذاب مهين) الجاثية (٧ - ٩) .","vol":"1","page":265},{"text":"وقوله ﷿: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون) السجدة (٢٢) .\n\nوقوله ﷾: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذًا أبدًا وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلًا) سورة المدثر (١٦) .\n\nثم نقول كون هذه الآراء صحيحة عندك وأنك مؤمن بها لن تتراجع عن كلمة منها لا يدل على صحتها في نفسها فكل حيوان يستطيب ريقه وإن كان خبيثًا وقد قال تعالى في إخوانك من قبل:\n(ويحسبون أنهم على شيء ألا انهم هم الكاذبون استحوذ عليهم\nالشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان\nألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) (المجادلة: ١٨ - ١٩)\n\nوما أحسن ما قيل في مثله:\n\nولقد أقول لمن تحرش بالهدى عرضت نفسك للبلا فاستهدف\nآخر:\n\nيا ناطح الجبل العالي ليكلمه أرفق على الرأس لا ترفق على الجبل (*)\n_________\n(*) وفي أحدث محاولات الفيلسوف الهرم لينطح الجبل العالي كتب مقالة مطولة في \" آخر ساعة \" يدافع فيها\nعن العلمانية ويهاجم الجماعات الإسلامية وفيها تطرق إلى الحجاب زاعمًا أن علة انتشاره بين الفتيات هي\n: (انخفاض الدخل في كثير من الأسر مما جعل عدد من السيدات والفتيات يعجزن عن التنافس في دنيا\nالثياب - الموضات - فيجدن ملاذًا في الزي الديني) وادَّعى أن من الأسباب أيضًا: (ارتفاع أجور العناية\nبالشعر عند الكوافير فيحدث أن حجبه - حجب الشعر تحت الحجاب - أيسر وأقل تكلفة) ولما سئل عن\nرأيه في المنقبات قال في غرور: (المنقبات =","vol":"1","page":266},{"text":"فنسألك اللهم أن تخلع من أعداء الحق وثائق قلوبهم وأفئدتهم وأن تباعد بينهم وبين أزودتهم وأن تحيرهم في سبلهم وأن تضللهم عن وجههم وأن تقطع المدد عنهم وأن تنقص منهم العدد وأن تملأ أفئدتهم بالرعب وتقبض أيديهم عن البسط وتحرم ألسنتهم عن النطق وتشرد بهم من خلفهم وتنكل بهم من وراءهم وتقطع بحربهم أطماع من بعدهم اللهم عقم أرحام نسائهم ويَبِّس أصلاب رجالهم وعجل لهم الوبال والنكال وأخرس منهم عضو المقال وفرق جمعهم وشتت شملهم وأفسد رأيهم وأخمد أنفاسهم وهدِّم أساسهم إنك على ما تشاء قدير.\n_________\n= لا يستأهلن الحديث مني عنهن ...) ثم راح يتساءل (هل هو\nعدم جمال خلقة؟ .. ولكن أقول إن فيهن صاحبات وجوه مليحة ومقبولة! أيضًا أقول: هل هي حركة\nاحتجاجية داخل الأسرة؟ هل هي حالة عدم رضاء كاملة عن النفس؟ هل النقاب هو الإسلام؟) اهـ\nمن \" آخر ساعة \" ص (٣٤) مايو ١٩٨٦ م.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>حقًا.. إنها معركة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>مارق يتحدى مشاعر المسلمين\nويستعدي \" السلطة\" على المحجبات</span>\nإنه المدعو \" حسين احمد أمين \" (*) الذي فتحت له الصحافة أبوابها على مصراعيها فصال وجال داعيًا إلى البهتان العظيم والعدول عن صراط الله المستقيم ومناقضة ما جاء به رسول الله ﷺ وصَدَحَ به كتاب الله المبين جاء هذا الغبي الجاهل المكابر فأعرض عن الحق الصريح الظاهر وكتب المقالات المطولة التي حشاها من الكذب والافتراء والظلم والعدوان وشتم أهل الحق وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات والصد عن سبيل الله ﷿.\nويبدو أن الدور الذي شاء له أسياده ووقع اختيارهم عليه لأجل إنجازه هو \" محاربة الحجاب \".. ذلك الحجاب الذي أشعلت عودته نار الحقد والغيظ في قلبه فأنشأ يسوِّغ محاربته إياه قائلًا: (رأيت ظاهرة تنتشر في مجتمعنا انتشار النار في الهشيم هي ظاهرة الحجاب وسمعت أنصارها يربطون بينه وبين الإسلام فأحببت أن أتحقق بنفسي مما إذا كان القرآن قد أمر به وقد توصلت إلى أن حجاب المرأة ليس من الإسلام) اهـ\nوقال في موضع آخر (٤١٥):\n\n(ليس للحجاب أي علاقة بالإسلام) ! ثم يزعم أن الحجاب إنما عرف عند\n_________\n(٤١٥) من مقاله المنشور بمجلة \" روز اليوسف \" الاثنين ١٧ يونية ١٩٨٥ م العدد (٢٩٧٥) بعنوان (المفكر الإسلامي \" حسين أمين \" يتحدى: ليس في القرآن آية واحدة تفرض الحجاب) وفي نفس المقالة استهزأ من حكم الإسلام بأن شهادة الرجل تعادل شهادة امرأتين قائلًا: (هل يمكن أن تكون شهادة بواب عمارتنا تعادل شهادة \" أمينة السعيد \" \" سهير القلماوي \" معًا هل نستطيع الآن أن نقول هذا..؟) اهـ ص (٣٥) .\n(*) وانظر: \" قصة الهجوم على السنة \" للدكتور علي السالوس - حفظه الله - ص (٥٤) لتقف على بعض افتراءاته\nعلى الإسلام.","vol":"1","page":268},{"text":"الفرس ويقول: (ومن المعروف أن أول مفسرين للقرآن الكريم على الإطلاق كانوا من الفرس (*) ومن الطبيعي أن يتأثر المفسرون بالتقاليد والقيم التي نشأوا عليها. لقد درست الآيات القرآنية التي ورد ذكر الحجاب بها ووجدت أنه ليس هناك آية واحدة تفرض الحجاب على المسلمات) اهـ\n.\nونراه يبين منهجه الذي انتهجه في هذا \" التحقيق الفذ \" فيقول:\n(إنني أعتمد على أمهات الكتب وأدرس ما اتفق عليه العلماء والأئمة الأربعة وغيرهم غير إني لا أعتبر نفسي ملزمًا إلا بما انتهى إليه تفكيري ... ولا يضيرني أن أكون أول من قال بهذا الرأي أو ذاك دون أن أستند إلى مرجع) (٤١٦)\nوالفقهاء كلهم - في نظره - (لا قولهم حجة ولا من الواجب الأخذ به)\nبل إنه يرد على مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف حمزة قائلًا: (نعم يا سيدي المفتي أنا زعيم لك بأني أهل لأن أنافس الأئمة المجتهدين وأن أدلي بدلوي كما أدلوا بدلائهم) اهـ\n(٤١٧)\nفانظروا أيها المسلمون ما يقول ذلك (الإمام المجدد) والعبقري الفذ والمجتهد المطلق! الذي نفتق عنه القرن الرابع عشر الهجري وحلَّق في آفاق الاجتهاد حتى أنه ليشهد لنفسه بملء فمه أنه أهل لأن \" ينافس \" أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وسفيانًا وسائر الأئمة وأن تتمخض عبقريته عن آراء واكتشافات كان هؤلاء جميعًا في غفلة عنها بل مخطئين فيها ومن أعظم هذه \" الاكتشافات \" أن حجاب المرأة ليس من الإسلام!!\nقال اخزاه الله (٤١٨):\n_________\n(*) راجع \" التفسير والمفسرون \" للدكتور محمد حسين الذهبي - ﵀ - (١ / ٣٢ - ١٤٢) حتى تقف على فساد هذا القول\n(٤١٦)، (٤١٧) جريدة \" الأهالي \" الماركسية تاريخ (٢٣ / ١ / ٨٥) ص (١٠) .\n(٤١٨) مجلة أكتوبر العدد (٣٥١) تاريخ ١٧ يوليو ١٩٨٣ م ٧ شوال ١٤٠٣ هـ ص (٢٤ - ٢٦) .","vol":"1","page":269},{"text":"(متى نشأ في مجتمع معين وفي زمن محدود ما لا يمكن وصفه إلا بأنه ظاهرة متفشية تنطوي إلى حد ما على عنصر المفاجأة فلابد لنا من أن نلتمس التفسير أو بعضه على الأقل في أسباب خارج نطاق الموضوع محور الظاهرة فعودة الكثير من نسائنا (٤١٩) - بمحض إرادتهن - لا نتيجة ضغط من آبائهن أو أزواجهن \" بل أحيانًا ضد رغبة آبائهن وأزواجهن ورغم استهجان السلطة في بلدهن \" يمكن أن نحدد لبدايتها تاريخًا لا يزيد على ستة عشر عامًا (٤٢٠) ثم انتشرت منذ ذلك الحين وفي هذه الحقبة القصيرة انتشار النار في الهشيم مثل هذا الانتشار المفاجئ لظاهرة ما إن كان يمكن تفسيره في بعض الأحيان بظهور نبي جديد (٤٢١) أو قيام حكومة ثيوقراطية في بلد معين فليس بالوسع الاقتصار في تفسيره على الإشارة إلى رغبة عامة مفاجئة في التمسك بتعاليم الدين علمًا بأن القرآن كان دائمًا بين أيدينا وكانت تعاليم الدين دومًا في متناول الجميع (٤٢٢) فلم ظهر الأمر فجأة إذن؟ ولم اتخذ صورة الظاهرة المتفشية خلال سنوات قلائل؟ لا مفر إذن من تفسير هذا النوع الذي ذكرناه في بداية المقال وإن كره الكارهون وغضب الغاضبون) اهـ.\n\nولعمر الحق لو كان هذا مخلصًا للإسلام محبًا لأهله لشغلته الفرحة والابتهاج بتوبة العاصيات وإنابتهن إلى ربهن عن البحث في أسباب الظاهرة التي إن بحث فيها المخلص إنما ليدعمها ويسعى في تمكينها وتدعيمها لا تهوينها والتنفير عنها كما يفعل الذين في قلوبهم مرض وحتى ندرك الفرق بين الفريقين نضرب المثال بقول أحد الدعاة\n_________\n(٤١٩) كذا (!) ولعل تمام العبارة: (إلى الحجاب) .\n(٤٢٠) قد بينا الخطأ الفادح في هذا التأريخ في الرد على مقالة \" ردة في عالم المرأة \" للدكتور زكي نجيب محمود في\nهذه الطبعة فراجعه ص (٢٣٦ - ٢٣٩) .\n(٤٢١) وهل ظهور نبي جديد بعد رسول الله ﷺ خاتم النبيين أمر قابل للاحتمال في عقيدة الكاتب؟ .\n(٤٢٢) ومن هنا فنحن نوجه للكاتب سؤالًا صريحًا: إن كنت تعلم أن الحجاب من تعاليم الدين ومن أوامر القرآن الذي\nبين أيدينا فما هو موقفك الصريح من هذه التعاليم وما هو الموقف الذي ترتضيه وترضاه من غيرك تجاه أوامر\nالقرآن؟ التي هي حجة على من يخالفها أو حجة لمن يتبعها فأين أنت منهما؟ .","vol":"1","page":270},{"text":"المسلمين في تحليل نفس الظاهرة (٤٢٣) (أ) قال حفظه الله:\n(على الداعية الإمساك بهذه الظاهرة - ظاهرة تدين الشباب واستمساكه بالإسلام - وجعلها باعثًا لتحقيق الآمال في النفوس فما الشباب إلا تجسيد لآمال المستقبل وتعبير عن استعادة الأمة لحيويتها بسواعد أبنائها على أن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود فما ظهور الشباب المتدين إلا بمثابة مولود جديد خرج إلى الحياة بعد آلام المخاض التي عانت منها الأمة الإسلامية ما عانت فإذا لم يحظ بالعناية الكافية ربما حدثت ردة لا يعلم إلا الله مدى آثارها) اهـ كلامه.\n\nثم يستمر الكاتب - حسين أمين - في تحليل أسباب تمسك البعض بالحجاب فيقول:\n(إن ظاهرة عودة نسائنا إلى الحجاب لا يمكن وصفها بأنها شأن عادي ولا القول بأن العائدات إليه - في مجموعهن - وكطائفة نساء عاديات ولا عجب في هذا أن نجد من بينهن الكثيرات من الفتيات والنسوة العاديات اللواتي خضعن لتأثير أو ضغط أو دفعهن إلى التحجب نزوع إلى تقليد أو اتجهن إلى التدين ثم سألهن من يعتقدن أنهم أفقه منهن في أمور الدين فاخترن ما ذكر لهن أنها ثياب إسلامية يأمر الشرع بها فالمهم هنا ليس أن المتحولة إلى هذا النوع من الثياب امرأة عادية إنما المهم هو نوعية ممارسي الضغط والتأثير في المناخ العام الذي جعل هذا الضغط وهذا التأثير شائعين) اهـ.\nوكأن الكاتب الحاقد يشير بكلمات مسمومة هدفها الواضح: أن هذه الثياب لا علاقة لها بالإسلام وإنما هناك ضغوط خفية مؤثرة يجب البحث عنها والقضاء عليها.\nثم يؤكد في مقاله على القيم التي يرى من وجهة نظره أن تكون أساسًا لاختيار المرأة ثيابها فيعتبر جمال الوجه والقوام أساس اختيار الثوب أما اختيار الثوب طبقًا\n_________\n(٤٢٣) (أ) (المخاطر التي تواجه الشباب المسلم وكيف نتوقاها) للأستاذ الدكتورمصطفى حلمي-حفظه الله-ص (١٧) .","vol":"1","page":271},{"text":"لأحكام الإسلام وأوامر القرآن فهذه عنده سلوك غير عادي ويجب محاربته يقول:\n(ولو أن امرأة اختارت ارتداء الثوب الإسلامي على أساس أنه أجمل أو أنسب لوجهها وقوامها ولا شيء غير ذلك لكان سلوكها عاديًا ولما كان الأمر محل جدل ومثار مناقشات عنيفة وسبب احتكاك عائلي وشجارات وطلاق ومنع من دخول الجامعات إلى آخره غير أن الواقع أن تبنى الرجل أو المرأة للزي الإسلامي ليس نابعًا من مزاج إنما هو موقف ... يراه البعض شاذًا مستنكرًا وجديرًا بالمحاربة ويراه أصحابه الموقف السليم الوحيد الذي ينبغي محاربة غيره واستئصاله) اهـ.\n\nوكأن العبقري الفذ الذي يقول: (أهلًا وسهلًا ومرحبًا بطاعة \" بيوت الأزياء \" الصهيونية الفاجرة ولا مرحبًا بطاعة الله ورسوله ﷺ)\nيريد أن يذكرنا بمسلكه الوخيم هذا بمن قال فيه الله ﵎: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا) الفرقان (٤٣، ٤٤)\nوقوله ﷿: (وإذا ذكر الله وحده أشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) الزمر (٤٥) .\nثم يحاول ذلك الشيطان الإنسي أن يبث بذور الفرقة والعداوة ويوطد دعائم \" الحواجز النفسية \" الحاقدة بين المحجبة وغير المحجبة حتى لا تتأثر الأخيرة بدعوة الأولى لها إلى الحجاب يومًا ما فيقول: (إنه يكاد يكون من المؤكد أنه ما من امرأة محجبة تجلس إلى غير محجبة إلا ونظرت كل منهما إلى الأخرى نظرة الارتياب هذه في استنكار وتحفز وتلك في حيرة وتساؤل كما أنه من الصعب أن نتخيل قيام علاقة عادية بين الاثنين) اهـ\n\nثم يدعي أنه قابل منذ أيام عاملًا ميكانيكيًا بسيطًا ومرت بهم امرأة محجبة وينسب إلى ذلك الميكانيكي \" الملهم ... الأديب ... \" تعليقه على منظرها قائلًا في","vol":"1","page":272},{"text":"امتعاض: (أنا لست ضد الدين وأنا وامرأتي نصلي ونصوم ولله الحمد ولكن هذا الشيء (٤٢٣) (ب) من ديننا في شيء هؤلاء - لاحظ استخدامه لكلمة \"هؤلاء\" في معرض الحديث عن واحدة (٤٢٤) - قوم يبغضوننا ويتربصون بنا وينتظرون أن تكون لهم الغلبة حتى يخسفوا بنا الأرض - أنا لست ضد الحجاب في حد ذاته.. فليتحجب من شاء.. ولكني ضد ما يخفيه هذا الحجاب من مشاعر سوداء.... تسألني ماذا لقيت منهن؟ لم ألق منهن شيئًا ولكني أحس إحساسًا قويًا بما تشعر به نحوي وهي تنظر إليَّ وأعرف ما تهددني به \" إننا \" نتركهن يرتدين ما يردن ويتصرفن كما يحلو لهن ولكن أتظن متى وصلت جماعتهن إلى السلطة يتركننا نلبس ما نشاء ونتصرف كما نريد؟)\nثم يمضي الكاتب ينفث سمومه السوداء وأحقاده الدفينة قائلًا:\n(وقد هالني أن أرى الشبه الشديد بين موقفه هذا من المرأة المحجبة وموقف الرومان خلال القرون الثلاثة الأولى بعد مولد المسيح من المسيحيين في الإمبراطورية لقد كان يسود الإمبراطورية خلال تلك القرون تسامح ديني نادرًا ما عرف العالم نظيرًا له غير أنهم استثنوا المسيحيين من هذا التسامح وكان هذا الاستثناء راجعًا إلى مخالفة المسيحيين لهم في العقيدة إنما إلى عداء المسيحية لكل من عاداها من عقائد مما دفع الرومان إلى تسمية أتباعهم بأعداء الجنس البشري، كانت روح المسيحية خطرًا على تقاليد.........\n\n..... على تقاليد المجتمع الروماني وأسسه ومع ذلك فقد كانت كراهية عامة الشعب للمسيحيين أقوى منها عند الأباطرة والسلطات فالجمهور قد أزعجه أن يرى أتباع هذا الذين يكرهون آلهتهم ويصلون من أجل نهاية العالم ويفرحون متى لحقت الهزيمة بجيوش الإمبراطورية وكانت العامة تنسب الكوارث التي تحل بها كالفيضانات\n_________\n(٤٢٣) (ب) يقصد الميكانيكي الفذ بكلمة \" هذا الشيء \": الحجاب.\n(٤٢٤) هذا التعليق من ذلك الكاتب الحاقد على دين الله أو ممن وراءه من (الميكانيكية) - هدفه إقامة الحواجز النفسية\nبين أهل الطاعة وعموم الناس حتى يترسخ العداء بينهما ويحول دون استجابتهم لأحكام الشرع.","vol":"1","page":273},{"text":"والمجاعات والحرائق إلى ما يمارسه المسيحيون من سحر أسود وكانت تدرك أن المسيحيين يبغضون كافة مظاهر الحضارة التي يعيشون في ظلها وأنهم إن تمت لهم الغلبة فسيسحقون أنظمة الدولة وآلهتها ولن يبدوا تجاه الأديان المخالفة ذلك التسامح الذي يطالبون به لأنفسهم فاستثناؤهم إذن من تطبيق مبدأ التسامح الديني إنما كان لحماية مبدأ التسامح الديني) (٤٢٥) اهـ.\nيتضح من هذا أن الكاتب يحاول أن يقيم أدلة على أن \" الشبه شديد \" بين موقف \" الميكانيكي \" من \" المحجبات \" وبين موقف \" الرومان \" من\n_________\n(٤٢٥) ﴿اعلم أخي المسلم أن بعض الناس يخلطون بين لفظة (التعصب) ولفظة (التسامح) خلطًا معيبًا يؤدي إلى خلل في دينهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا فإذا سمعك أحدهم مثلًا تقول:\n\" لا يجوز الترحم على اليهودي أو النصراني لأنه لا يدخل الجنة \" اعتبر هذا تشددًا وتعصبًا وتشدق بأن رحمة الله واسعة وعدَّ نفسه متمسكًا بسماحة الإسلام ولكشف النقاب عن هذا الخلط نقول:\nإن التعصب والتسامح لا يكونان إلا في المعاملة فالتعصب: أن تعامل الذمي اليهودي أو النصراني بحيف وتبخسه حقه والشرع يأبى ذلك ولا يرضاه والتسامح: أن تعامله بالعدل والإنصاف وتعاشره بالمجامة والألطاف وأن تحسن جيرته إن كان جارًا لك وأن تصله إن كان من قرابتك غير أنك لا تعطيه من زكاة مالك ولا من زكاة فطرك لأنهما خاصتان بفقراء المسلمين ولا بأس أيضًا بجريان بعض المعاملات الدنيوية بينك وبينه كقرض أو نحوه مما لا تعلق له بالدين وشرط هذا كله أن لا يكون محاربًا ومع هذا يجب عليك أن تعتقد اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه أنه على باطل وإنه إن مات كافرًا لا يجوز الترحم عليه ولا الدعاء له بالمغفرة قال تعالى:\n(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل) من الخير كصدقة وصلة رحم وإغاثة ملهوف (فجعلناه هباءً منثورًا) الفرقان (٢٣) لا ثواب له في الآخرة وهذه الآية تفيد أنه لا يوجد منهم ولي أو قديس كما يقولون لأن الولاية أو القداسة نتيجة العمل الصالح المقبول وعملهم غير مقبول لبطلان دينهم المخالف للإسلام\n(ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آل عمران (٨٥)\nوقال ﷺ: (والذي نفس محمدًا بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه الإمام أحمد ومسلم\nفمن جوز وجود ولي منهم أو تبرك بأحد قديسيهم فقد تخلى عن عقيدته ودينه إذ التساهل في شيء من العقيدة لا يكون تسامحًا كما ظن المخلطون الواهمون لكنه تنازل عنها يلزم منه الخروج من الدين لأنه مبني على العقيدة فإذا فقدت فقد، فينبغي عدم إقراره على كفره وعدم الرضا به وبغضه ببغض الله تعالى له وعدم موالاته وموادته قال تعالى:\n(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) آل عمران (٢٨)\nوعدم التشبه به وعدم إنكاحه المؤمنة وعدم بداءته بالسلام وأن يضطره إلى أضيق الطريق فهذا كله من التمسك بالدن وليس من التعصب في شيء والتفريط فيه ليس تسامحًا ولكنه تنازل عن حدود الله ﷿ والله ﷾ أعلم","vol":"1","page":274},{"text":"\" المسيحيين \" ويلزم من قياسه أن يرمي المسلمين في واقعنا زورًا بأنهم \" أعداء الجنس البشري \"وأنهم (يصلون من أجل نهاية العالم) وأنهم \" يبغضون كافة مظاهر الحضارة التي يعيشون في ظلها \".\nوذلك كله كي يصل إلى نتيجة وهي: أنه يجب على الحكومات استثناء المسلمين من مبدأ \" التسامح \" تمامًا كما فعل الرومان مع المسيحيين (*) وقياسه هذا باطل من أوجه عديدة لا\nتخفى على المخلصين لدينهم المؤمنين بأن الحق واحد لا يتعدد وبأن هؤلاء النصارى إن كانوا على دين الحق الذي بعث الله به عيسى ﵇ وهو دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه التي منها \" الإنجيل \" فإنما هم مسلمون موحدون مؤمنون يحررون ولائهم لله ﷾ وحده ويتبعون رسولهم المسيح ﵇ ويصبرون على أذى الرومان ابتغاء وجه الله ونصرة لدينه الحنيف فعداوة (الإسلام) لما عداه من العقائد الكفرية أمر لا ينكره إلا من لا حظ له في الإسلام قال تعالى:\n(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) البقرة (٢٥٦)\nفالعروة الوثقى هي \" كلمة لا إله إلا الله \" المتضمنة لإفراد الله سبحانه وحده باستحقاق العبادة والكفر بكل طاغوت يعبد من دون الله ﷿.. وهذا هو جوهر الإسلام ولبه، فأين أنت منه يا صاحب القياس؟\nثم يستطرد ذلك الشيطان قائلًا:\n(أعود فأقول إن ما يدفع البعض إلى اعتبار المرأة المحجبة امرأة غير عادية هو أن الزي الذي تبنته يفصح عن موقف عقلي غير عادي وعن مفاهيم وقيم يراها الآخرون غير عادية فخلاصة اعتقاد مثل هذه المرأة هي: أن النظر سهم من سهام إبليس مسموم\nولا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة ولا المرأة إلى الرجل حيث إن قصدها منه كقصده منها،..فالمرأة كلها عورة إلا وجهها ويديها.. والكشف عن غير الوجه\n_________\n(*) وتمامًا كما قال: \" مناحم بيجن \" في إذاعة فلسطين المغتصبة: (لقد سمعت اعتراضات كثيرة في أمريكا ضد حملة السادات على المتعصبين المتطرفين \" الذين يريدون العودة إلى تطبيق قوانين العصور الوسطى بل العصور الحجرية \" وقد سمعت اعتراضات كثيرة هناك ضد هذه الحملة باعتبارها تتعارض مع التقاليد الديموقراطية ولكنني دافعت عن إجراءات السادات بحرارة وأقنعت المعترضين بأنه يجب عليهم أن يتناسوا التقاليد الديموقراطية حين يتعلق الأمر بالمسلمين) اهـ باختصار نقلًا عن صحيفة \" القبس \" الكويتية عدد رقم (٣٣٨٢) تاريخ (١٢ / ١٠ / ١٩٨١ م)","vol":"1","page":275},{"text":"والكفين مدعاة للافتتان فإن كانت المرأة جميلة الوجه وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك.. إلى آخره مما نقلناه من تفسيرات القرطبي فالمرأة التي تعتقد مثل هذا في أيامنا هذه حين أصبح بالإمكان أن يجلس الرجل إلى المرأة دون أن تخطر ببال أيهما فكرة جنسية والتي ترفض أن تصافح الرجل بيد عارية خشية أن تثور لدى أيهما إحساسات جنسية محرمة والتي تشغل بالها مشكلة ما إذا كان ظاهر قدمها سيثير عند الرجل في الطريق رغبات حيوانية امرأة غير عادية)\n\nثم ذكر فوق هذه التعبيرات الساخرة عبارات \" فاحشة \" ننزه قلمنا وأسماع إخواننا عن تسطيرها بل لم يكتف - أخزاه الله - بهذا بل ها هو يصف المحجبات \" بالكبت بدل أن يصف فعلهن \" بالتعفف \" والامتثال لأوامر رب العالمين بل تصل الجرأة وسوء الأدب أقصاهما حين يصف معنى الحجاب الوارد في قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب﴾ الأحزاب (٥٣) بأنه معنى \" ضيق \" ثم يمضي فيتهم المحجبات\nالعفيفات المحصنات - بارك الله فيهن - بأنهن لا يفكرن إلا فيما سماه \" الجنس \" وأنها - أي المحجبة - ترتدي الحجاب (ليقيها من هذه المثيرات التي تسببت من قبل في إحداث تهيج شديد عندها لم يكن لها طاقة به.. بمعنى أنها قبل أن ترتدي الحجاب قد تأثرت بهذه المثيرات التي أحدثت لها هذا التهيج الجنسي الذي استجابت له ولم تستطع مقاومته ...) اهـ\nإلى هذا الحد يطعن هذا الفاجر في سلوك المحجبات نسأل الله أن يجعله هو وأمثاله من أعداء الدين عبرة لمن يعتبر وأن يحبط كيدهم ويرده في نحورهم وأن يشغلهم بأنفسهم عن أهل محبته وطاعته وأن يجعل تدبيرهم في تدميرهم إنه سميع مجيب.\nثم يتحدى مشاعر المسلمين جميعًا قبل المسلمات بقوله: (ولو كانت مرتديات الحجاب صريحات مع أنفسهن لاعترفن في النهاية بأن سبب ارتدائهن له هو تعرضهن لاختبار صعب أو موقف صعب لم تكن لهن به طاقة) اهـ.","vol":"1","page":276},{"text":"ثم يشير إلى أن هدف المتمردين على التقاليد هو (أن يشد بعضهم من أزر بعض حتى أصبح مجرد سيرهم في الطريق ورؤيتهم فيه لأمثالهم يشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم في خضم الصراع فإذا بإرادتهم الاستمرار في المقاومة تثبت وإذا ثابتهم يدفع غيرهم إلى التشبه بهم فيكثرون وإذا الكثرة تبهجهم فيشجعون والحجاب في مجتمعنا يؤدي الغرض نفسه) اهـ.\nثم يمضي الكاتب متحفزًا مستنفرًا إخوانه من أعداء الإسلام مستعديًا إياهم على أولياء الله قائلًا: (فإذا كان منا من يعلم هذا كله ويرى مع ذلك ضررًا اجتماعيًا خطيرًا في العودة إلى الحجاب فعليه أن يضع في حسبانه - فوق كل اعتبار آخر - أن انتهاج سبيل العنف مع هؤلاء كوسيلة للحل ليس فقط من قبيل العبث إنما هو أمر يرحب به هؤلاء فما من سعادة يرونها أعظم من سعادة الاستشهاد في سبيل العقيدة) اهـ\nويختتم مقاله مستنهضًا همم إخوانه من دعاة العري والانحلال قائلًا: (ليست الحكومة وحدها المطالبة بالتصدي لتصحيح الأوضاع التي دفعت هؤلاء إلى مثل هذا الموقف والمسلك.. فالأفراد والجماعات كافة - حتى ميكانيكي السيارات الذي تحدثت عنه - مطالبون هم أيضًا بالمساهمة وهي مساهمة نوجزها في جملة واحدة: كبح جماح النفس قبل أن يأتي اليوم الذي يذهب بنفوسهم) انتهى كلامه عليه من الله ما يستحقه ونحن لا نملك إلا أن نقول له: (اخسأ فلن تعدو قدرك) هذه نفثة مقهور وأنه معثور\n﴿موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور﴾ آل عمران (١١٩) .\nولتكونن \" عودة الحجاب \" شجى في حلقك وقذى في عينك وريبة في قلبك إلى أن يقطع الله دابرك وصدق الله العظيم:\n﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ غافر (٥١ - ٥٢)\nفاللهم وعدك الذي وعدت به عبادك المؤمنين (ولقد","vol":"1","page":277},{"text":"سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾ الصافات (١٧١ - ١٧٣)\n﴿إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾ المجادلة (٢٠ - ٢١) .\nلقد هذا الموتور أنه بهذه الترهات والقحة الزائدة ينال من أهل الإسلام ويشفي غيظه.. وهيهات ﴿وما كيد الكافرين إلا في ضلال﴾ غافر (٢٥) .\n\nوهل حط قدر البدر عند طلوعه إذا ما كلاب أنكرته فهرت\nوما إن يضر البحر إن قام أحمق على شطه يرمي إليه بصخرة (٤٢٦)\n\nوما أحرى ذلك المأفون بقول الشاعر:\n\nألا أيها الغمر (٤٢٧) الذي غره الكبر ترديت من عال وناسبك القعر\nتفكر طويلًا يا جهولًا ترادفت عليه المخازي فهي في متنه أسر\nنبذت نفيس الدر واخترت ضده ومن يكره الياقوت يعجبه البعر\nفأصبحت مصبوبًا عليك شتائم كما كان مشبوبًا على قلبك الجمر\nظننت خداع الله في الدين هينًا ولن يخرج الله الذي كنه الصدر؟\nفجئت بأقوال النفاق مخادعًا فقد بان ما تخفيه وانهتك الستر\nتحارب دين الله يا شر ملحد وتلصق آراء به ما لها قدر\nوتسلك في أمر النسا شر مسلك إباحية صلعاء ليس لها ستر\n_________\n(٤٢٦) \" بيان الهدي من الضلال \" للشيخ إبراهيم بن عبد العزيز السويح (١ / ٥٣٩) .\n(٤٢٧) الغمر: بفتح الغين وضمها وتسكين الميم: من لم يجرب الأمور.","vol":"1","page":278},{"text":"ألا يا نصير الكفر ويلك فاتئد ولا تنطح الصفوان يدمغك الصخر\n\nلقد ضل من أغراك بالسب والهجا كما زل من أغواك نيته المكر\nأتحسب أن الدين سهلًا أساسه ستنزله أقوالك الجور والفجر\nأتحسب أن الدين تخفى ضياءه عجاجتك (٤٢٨) الهوجا وآثارها الكدر\nأتحسب أن الناس قد غاب عنهم مقاصدك السوءى وأفعالك المر\nفما أنت في دعواك إلا منافق كأصـ ـحابك النوكى (٤٢٩) وهم في الورى كثر\nفأنتم فساد الناس في كل أمة وجرثومة يضنى بها الجسم والفكر\nلحي الله (٤٣٠) قومًا صانعوك غباوة لأهواء نفس نالها الخوف والذعر\nفلا تجعل العدوان للدين راحة فبعدًا وسحقًا عاقك العسر والخسر\nفإنك لن تشفى من الغيظ والبلا بلى إن هذا الوحر (٤٣١) يلهبه الوحر\nفمهلًا قليلًا إنك اليوم غافل ستندم في الدنيا ومن بعدها القبر (٤٣٢)\nومن بعد ذا يوم عسير حسابه به يعلم الإنسان ما أثمر العمر\nوكل بذي الأيام يلقى جزاءه فليس بها هضم لحق ولا جور (٤٣٣)\n_________\n(٤٢٨) عجاجتك: العجاج: الغبار والدخان وعجعج: صاح ورفع صوته.\n(٤٢٩) النوكي: جمع أنوك وهو الأحمق.\n(٤٣٠) لحي الله قومًا: أي قبحهم ولعنهم.\n(٤٣١) الوحر: بفتحتين هو الحقد والغيظ.\n(٤٣٢) القبر: مبتدأ مؤخر فهو ليس معطوفًا على الدنيا.\n(٤٣٣) السابق (٢ / ٥٩٥) بتصرف.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>اعرف عدوك</span>\n\nيتحلى أغلب أعداء الحجاب بخاصية \" الجهل المركب \" فهم ليسوا فقط جُهالًا بل يجهلون أيضًا أنهم جُهال ... وقديمًا قالوا \" عدو عاقل خير من صديق جاهل \" فإذا اجتمعت في شخص العداوة مع الجهل ترى كيف يكون حاله وماذا يكون مقاله؟\nنورد فيما يلي ما كتبته الطبيبة النفسية والكاتبة (نوال السعداوي) تحت عنوان:\n\" ليس هناك نص ... أتحدى \" (٤٣٤):\n(إن ما هو طبيعي وما هو إنساني أن تعامل المرأة كعقل وجسد وتتعامل مع الآخرين من هذا المنطلق أنا ضد أن نحكم على المرأة بالزي فحجاب المرأة ونقابها ما هو إلا اختزال لإنسانيتها وأنا ضده بالذات حين يكون باسم الدين..\n\n.. والذين ينادون بأن تتحجب المرأة لم يفهموا المرأة المسلمة ولم يدرسوا أحاديث الرسول ولم يقرأوا القرآن قراءة صحيحة ولم يطلعوا على التاريخ بل أخذوا أشياء\nدخيلة على الإسلام الحقيقي وعلى الحضارة المصرية والعربية الحقيقية، فأنا لي خمسة وعشرون عامًا أدرس الدين الإسلامي وأقارن.. ولا توجد آية قرآنية واحدة تنص على تحجيب المرأة.. زوجات سيدنا محمد لم يكن محجبات وأتحدى أي شخص يقول بأن السيدة خديجة مثلًا - كانت محجبة أو أن سيدنا محمد فرضه عليها ... والحجاب تاريخيًا بدأ في الدين اليهودي الذي يرى أن حواء ترمز إلى الخطيئة الأولى وما هي إلا جسد فقط على عكس آدم الذي يرمز للعقل لذلك يجب أن تشعر بطبيعتها الناقصة وتغطي رأسها خجلًا وعارًا) اهـ.\n_________\n(٤٣٤) جريدة (الأهالي) الشيوعية عدد ٥ / ١٠ / ٨٣ الصفحة الثالثة ومن الجدير بالذكر أن هذه الكاتبة ممن يطالبون\nبما يسمى \" التحرر الجنسي \" ولها في هذا الشأن ومتعلقاته مؤلفات عديدة انظر (الصحافة والأقلام المسمومة) للأستاذ أنور الجندي ص (٢٠٠) .","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>شيوخ في المعركة</span>\n\n﴿إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا\nنشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية﴾\nعمر بن الخطاب ﵁\nطال الأمد على المسلمين وتم تحريف تصوراتهم بتأثير هذه الهجمات واعتادت قلوبهم وعيونهم رؤية المنكر فلا يحركون ساكنًا ولا يتمعر لأكثرهم وجه غضبًا الله تعالى وتضاعفت المحنة حينما وقع بعض الشيوخ أسرى للغزو الفكري المسموم فراحوا يرددون دعاوى انهزامية لا تليق أن تصدر من أفواه ورثة النبي - ﷺ - وأدلوا بدلوهم في فتنة (تحرير المرأة) عن طريق السخرية والتهكم أحيانًا وعن طريق دعاوى علمية زائفة أحيانًا أخرى فمن الأول قول الكاتب محمد الغزالي: (إن المحجبة تظهر في سمت عفريت) وأن الدعاة إلى حجاب المرأة وقرارها في البيت\n(قوم غلبهم الهوى الجنسي وأنهم أصحاب عقد نفسية وأنهم يصدرون في غيرتهم عن\nضعف جنسي أو شبق جنسي)\nويتساءل: (لماذا تحترم الراهبات ولا تحترم المحجبات وزيهما واحد) (٤٣٥) ومن الثاني قول بعضهم: (إن النقاب\n_________\n(٤٣٥) انظر \" أضواء على تفكيرنا الديني \" للشيخ محمد الغزالي ص (٢٢ - ٢٩) ومما يجدر ذكره أن لهذا الكاتب دورًا مؤسفًا في تغذية الاتجاه العقلاني المنحرف لا في قضية المرأة وحدها بل في كثير من القضايا العلمية وقد كانت آراءه المبتدعة متناثرة في ثنايا كتبه وكان العلماء يغضون الطرف عنها لضالتها وتفرقها إلى أن خرج على الأمة بكتابه الأبتر الذي لم يفتح بالحمد ولا بالبسملة والذي ضم محصلة طعونه في السنة المشرفة: (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) وهنا توالت ردود حماة السنة وفرسان الحديث وجهابذة الفقه وجماهير الدعاة الغيورين وطلاب العلم المخلصين متعاقبة متناصرة ترد كيد المعتدي في نحره:\nجاءت تهادي مشرفًا ذراها تحن أولاها على أخراها\n\nفتتبعوا كلامه الساقط وشبهاته المتهافتة وبينوا أنه حاف في حكمه وجار في قضائه وانتصر لرأي نفسه وسفه علماء الأمة وبث الخلاف وشق الصف وحشر نفسه في خندق واحد مع خصوم سنة سيد الأنام ﵊. =","vol":"1","page":281},{"text":"بدعة لا أصل لها في كتاب ولا سنة ولا مذهب إمام من\n_________\n= وعلى الجانب الآخر احتفى بالكتاب المسموم كافة وسائل الإعلام المشبوهة واحتفل به العلمانيون واليساريون والأعداء التقليديون للصحوة الإسلامية من الساسة والصحافيين وضربوا الدفوف ابتهاجًا به وصرح أحدهم بأن هذا الكتاب هو \" بيروسترويكا \" في الإسلام!\n\nأما أهم ملامح منهج الكاتب فتتلخص في:\n\n١ - العقلانية الاعتزالية المفرطة التي تهدر ميزان أهل السنة والجماعة في ضبط العلاقة بين العقل والنقل.\n\n٢ - تشوش مفهوم الاعتزاز بذاتية الإسلام والاستعلاء بأحكامه وشريعته على ما خالفها وكذا اضطرابه في قضية الولاء والبراء الذي يتجلى في موقفه الفظ الغليظ من شباب الصحوة الأمر الذي عمق الحواجز النفسية بينه وبين طلاب العلم سيما وأنهم رأوا الكاتب في غاية التلطف والرفق مع \" القوانين العالمية \" وبعض أهل الكتاب وأهل البدع كالرافضة وغيرهم.\n\n٣ - الانهزام النفسي بسبب \" عقدة ضغط الواقع الغربي \" والذي يتجلى في افتتانه البالغ ببعض ما تواضع عليه الغرب من قيم ومفاهيم واعتباره إياها نبراسًا ييهتدى به ويخضع له بل أنه يجعل مراعاة خاطر الغرب مرجحًا في الخلافيات له حضور الحاكمية وله سلطة التأثير على مسار الفتيا سلبًا وإيجابًا\n\n٤ - عدوانه على عشرات الأحاديث الصحيحة عن طريق إهدار اعتبار قواعد علم الحديث والقفز فوق الضوابط الفنية التي أحكمها العلماء خصوصًا في مجال التعارض والترجيح وفتح باب الطعن على السنة وأهلها من خلال بدعة \" فتح باب نقد متن الحديث وإن صح سنده \" لكل من هب ودب متأثرًا في ذلك بالقرآنيين وربما بالمستشرقين.\n\n٥ - استخفافه بقضايا الهدي الظاهر وتناوله إياها بأسلوب ساخر مما يجرئ السفهاء على تنقص بعض الأحكام الشرعية والاستهانة بها تقليدًا له.\n\n٦ - الاستبداد الفكري ومصادرة آراء الآخرين والفرار من الحوار العلمي المنضبط وتحت ستار من العاطفة والغيرة على الإسلام رفع الكاتب الأسنة على بعض أئمة أهل السنة بكل ما أمكنه من الهجاء اللاذع وأطلق في حقهم عبارات لا تليق مع الصبية الأحداث فضلًا عن قمم الإسلام ورموز نهضته من\nالعلماء الربانيين والمجددين المجاهدين بل لم يسلم من تجاوزاته بعض الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين.\n\nإن خطورة منهج البيروسترويكا الغزالية الحقيقية سوف تظهر جلية صريحة عندما يمسك بتلابيب هذا المنهج المتربصون بالإسلام والصحوة الإسلامية الذين سيجدون في أيديهم آلة فعالة تتيح لهم هدم قواعد الدين وأركانه وخصوصياته التشريعية وذلك لأن كتابات الغزالي تتسق - رغمًا عنه - مع خطط خبيثة ترمي لضرب شريعة الله في مقتل وإنهم يستغلون الغزالي - وإن لم يقصد - كمصدة ريح أو كاسحة ألغام تمهد الطريق أمام طروحات أكثر خطورة وتحدث الثغرة الأولى في التحصينات الفكرية الإسلامية لينفذ منها بعده من يبدأ من حيث انتهى الغزالي فيشتط في التطاول على أحكام الشريعة الغراء فبينما سمعنا الغزالي يقول:\n(المرأة الروسية غزت الفضاء ويراد أن تعجز المرأة المسلمة عن معرفة الطريق إلى المسجد)\n\nسمعنا من سماه أبوه \" أحمد بهاء الدين \" يوبخ المسلمين الذين (يبحثون حتى الآن في مسألة هل الربا حرام أم حلال وفوائد البنوك؟ بينما الأمريكيون يتابعون رحلات الفضاء الهائلة التي جاوزت كوكب نبتون) =","vol":"1","page":282},{"text":"الأئمة) (٤٣٦) ومنهم من يحمل المنقبة على خلع النقاب وينفرها منه.\nوهؤلاء جميعًا يهرفون بما لا يعرفون يثبطون ولا يثبتون وكان الأحرى بهم -إذ قصرت هممهم عن همم هؤلاء الفتيات المؤمنات الصابرات على دينهن القابضات على الجمر - أن يتمثلوا ما قاله النبي - ﷺ - لأبي بكرة - ﵁ -: \" زادك الله حرصًا \" (٤٣٧) أي على الخير وقد مضت السنة أن من رأى شخصًا على عمل صالح فليثبته عليه فعن ابن عباس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال: (اعملوا فإنكم على عمل صالح) (٤٣٨) وعنه ﵁ قال: قدم رسول الله - ﷺ - وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ (٤٣٩) فشرب وسقى فضله أسامة وقال:\n(أحسنتم كذا فاصنعوا) (٤٤٠) .\nنعم كان الأولى بهم أن يحفظوا قوله - ﷺ - لجابر بن سليم الهجيمي - ﵁ -: (اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئًا) (٤٤١) وليتهم قلدوا العلماء الذين يبيحون كشف الوجه ورغبوا في النقاب باعتباره فضلًا لا فرضًا ولكن هؤلاء\n_________\n= وإنا لنسأل الله ﷿ أن يلهم الغزالي التوبة من هذا المنهج الخطير ليصون جهاده الطويل ومواقفه المجيدة في الانتصار للإسلام فيما مضى بأن يحسن عاقبته فيما بقى:\n\nفكم يومًا رأينا فيه صحوًا فأسمعنا بآخره الرعودا\nوعاد الصحو بعد كما علمنا وأنت كذاك نرجوا أن تعودا\n(٤٣٦) (الدعوة) عدد (٥٩) جمادى الأولى ١٤٠١ هـ ص (١٢ - ١٣) .\n(٤٣٧) رواه البخاري (كتاب الآذان - باب إذا ركع دون الصف) .\n(٤٣٨) رواه البخاري في صحيحه (انظر فتح الباري ٣ / ٤٩١) .\n(٤٣٩) النبيذ: كل شارب نبذ سواء تعجلوا شربه وهو حلو قبل أن يختمر وهو الأكثر وهو المراد هنا أو تركوه حتى يختمر وكل ذلك يسمى عندهم نبيذًا.\n(٤٤٠) رواه مسلم وانظر \"الأذكار\" للنووي ص (٢٥٩) .\n(٤٤١) أخرجه جمع الأئمة منهم الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والبغوي وابن حبان وغيرهم (فيض القدير) (١ / ١٣٣) .","vol":"1","page":283},{"text":"ادَّعوا أن الانتقاب بدعة لا فرض ولا فضل واستباحوا السخرية والتهكم من المنقبات وهذا ما لم يسبقهم إليه عالم.\nومن تناقضاتهم أنهم يعيبون دعوة \" قاسم أمين \" وينددون بها وبالويلات التي جرتها على الأمة ثم هم يفكرون بعقلية \" قاسم أمين \".\nألا إن كل من يدعو المرأة إلى كشف وجهها وإلى الخروج للعمل والمشاركة في الحياة العامة مخالطة للرجال إنما هو \" قاسم أمين \" جديد مهما كان اسمه بلا فرق بين الأصل والصورة في هذه الدعوة الأثيمة فلا تحاربوا يا قوم \" قاسم أمين \" وأنتم من حيث لا تشعرون تدعون بدعوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>أخطاء ... أم خطايا</span>؟:\n\nهذا وإن الذي يدفعنا إلى التنبيه على دور هؤلاء الشيوخ في المعركة أنهم جهروا بهذه الآراء ونشرت لهم على نطاق واسع خلال الصحف التي حرصت - خلال المعركة - على أن تخلط دائمًا ذهبنا بعملتها المزيفة لتتناولها الأيدي متسترة وراء هذه الأسماء.\nومما يبعث على الأسف أن العديد ممن تصدروا وترأسوا في هذا الزمان يدعون احترام الأئمة والعلماء - وقد ذابوا في تعظيم الأجانب - ثم هم يخرجون على الأمة بآراء\nانهزامية أمام افتتانهم بالحضارة الغربية العاتية وكأنهم يحملون تحت العمائم أدمغة أصحاب القبعات.... ثم هم يفرضون هذا الفكر المنهزم على الدعوة الإسلامية الفتية الناهضة ويحكمون على مخالفيهم بما يحلو لهم من عقوبات ظالمة يستبيحون في سبيل تطبيقها حتى أساليب الأحزاب السياسية وبذلك يقفون غصة في حلق دعوة الحق ويقهرون العمل الإسلامي والإصلاح السلفي \" وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا \".","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>إن هذا الأمر دين\nفانظروا عَمَّن تأخذون دينكم</span>\n\nقال البخاري ﵀ في أول كتاب الفرائض من \"صحيحه\": قال عقبة بن عامر - ﵁ -:\n\" تعلموا قبل الظانين \" قال البخاري: يعني الذين يتكلمون بالظن،\nوقال النووي رحمه الله تعالى: \" ومعناه: تعلموا العلم من أهله المحققين الورعين قبل ذهابهم ومجيء قوم يتكلمون في العلم بمثل نفوسهم وظنونهم التي ليس لها مستند شرعي \" (٤٤٢) اهـ.\nوقال الإمام العلامة أبو شامة ﵀ (٤٤٣):\n(وفي الحديث عن ثوبان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا \") (٤٤٤) .\nقال الإمام الطرطوشي ﵀: (وقد صرَّف عمر - ﵁ - هذا المعنى تصريفًا فقال: \" ما خان أمين قط ولكن ائتمن غير أمين فخان \" قال: ونحن نقول: \" ما ابتدع عالم قط ولكنه استفتي من ليس بعالم فضل وأضل \" وكذلك فعل ربيعة، قال مالك رحمه الله تعالى: بكى ربيعة يومًا بكاءًا شديدًا فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ قال: لا ولكن استفتى من لا علم عنده وظهر في الإسلام أمر عظيم) اهـ.\n_________\n(٤٤٢) \" المجموع شرح المهذب \" (١ / ٤١) .\n(٤٤٣) \" الباعث على إنكار البدع والحوادث \" للعلامة أبي شامة ﵀ ص (٥٦) - مطبعة السعادة.\n(٤٤٤) أخرجه الشيخان وهو مسوق بالمعنى فإنه مغاير لسياقهما في بعض الألفاظ.","vol":"1","page":285},{"text":"شعر: وكنا نستطب إذا مرضنا فصار هلاكنا بيد الطبيب\nآخر: بالملح يصلح ما يخشى تغيره فكيف بالملح إن حلت به الغير\n\nآخر: إلى الماء يسعى من يغص بلقمة إلى أين يسعى من يغص بماء؟\nآخر: فلو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري\n\nونحمد الله ﷿ أن تكفل ببقاء طائفة أهل الحق من العلماء الربانيين الذين أضطلعوا بواجبهم وأنكروا على الخالفين المخالفين وألفوا كتبًا ورسائل وأصدروا فتاوى تفضح خطط المتآمرين على المرأة المسلمة وتدعوها إلى الحرية الحقيقية الممثلة في العبودية الكاملة لله رب العالمين وتوجب على المرأة قرارها في البيت ولزوم الانتقاب والحجاب الكامل عند خروجها للحاجة (*) .\n_________\n(*) وسيأتي ذكر أسمائهم ومصنفاتهم حول هذه القضية في \" القسم الثالث \" إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>بشائر عودة الحجاب</span>\n\n﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث\nفي الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ الرعد (١٧)\n\nأرأيت من ينطح برأسه الصخر ويشرب بفيه البحر؟\nإنه هذا الذي يتنكر للإسلام ويسعى في إذابة أهله وصدَّهم عن دين ربهم..\nإنه لا يحطم الصخر ولا يجفف البحر..\nولكنه يمشي على رأسه إلى القبر..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>السيادة لقانون الله:</span>\n\nعلمنا - مما تقدم - أن السفور حالة طارئة بدأت على استحياء منذ ما يقرب من خمسين عامًا وبلغت أوجها منذ ثلاثين عامًا ثم بدأ صعودها البياني في التوقف ثم الهبوط ولا يزال آخذًا في الهبوط السريع منذ عشر سنوات تقريبًا ويلاحظ الجميع أن المؤشرات كلها تؤكد أن السفور يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة وستبقى بإذن الله السيادة لقانون الله وأمره بالحجاب ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ التوبة (٤٠) .\nإن الشارع المصري يخبرنا أنه قد آن الأوان لهذا المرض الطارئ - السفور وملحقاته - أن ينقشع وتبرأ منه أمتنا ككل باطل مصيره الهزيمة والاندحار مهما طال الأمد.\nفطوبى لمن تنزع عنها غلالة الرجعية الجاهلية وتعود من غربتها واغترابها وتأتي اليوم وغدًا بالحجاب ومعها العلم والوعي والبصيرة والحرية الحقة من عبودية العبيد،\nقائلة","vol":"1","page":287},{"text":"لشياطين الإنس الذين يزينون لها معصية الله ورسوله - ﷺ -:\n﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ يونس (١٥)\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>وجهة نظر صحافي ألماني:</span>\nقال الكاتب الألماني هيلمنسدورفر في كتابه \" العبور العظيم والروح الجديدة لمصر \":\n(لقد عشت في القاهرة كمراسل صحفي من عام ١٩٥٦ م حتى عام ١٩٦١ م ومنذ هذا التاريخ كانت طبيعة عملي وراء حضوري إلى المنطقة بين الحين والحين وكنت أفضل دائمًا الإقامة بجوار النيل إن التغيير الهائل الذي طرأ على القاهرة عاصمة الملايين معروف للجميع فقد انتقلت هذه المدينة الضخمة من الطابع الشرقي حيث كانت النساء يرتدين الأحجبة والرجال يرتدون الطربوش إلى عاصمة كبرى ولم تعد الفتيات اللواتي يرتدين البنطلونات والملابس العصرية يلفتن نظر أحد أو يقابلن بدهشة واستغراب وأصبحت العلاقات بين الجنسين علاقة سوية لا تتخللها رواسب الجاهلية التي استمرت فترات طويلة في الشرق ويكفي أن تعلم أنه منذ عشرين عام فقط كان (٩٠) في المائة من الرجال في القاهرة يرتدون الجلباب وكانت كل النساء تقريبًا يرتدين الحجاب أما اليوم فإن القاعدة العامة هي ارتداء البدل العصرية وعلى أحدث موضة في الغرب وبالنسبة للنساء فإنه حتى في أكثر المناطق شعبية لم نعد نرى الحجاب) (٤٤٥) اهـ\nلقد فرح ذلك الصحافي الألماني.. ولم يكن يدري أنها فرحة.. لن تتم فتلك طبيعة هذه الدعوة وتلك سنة الله في خلقه.. أن دولة الباطل ساعة.. ودولة الحق إلى قيام الساعة بل لعله فرح لأنه لم يبلغه رأي أخيه (لاكوست) وزير المستعمرات الفرنسي منذ سنوات مضت:\n_________\n(٤٤٥) نقلًا عن ترجمة الكتاب المنشورة في جريدة الأهرام بتاريخ ١ / ١٠ / ١٩٨٢.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>أقوى من فرنسا:</span>\nففي ذكرى مرور مائة عام على احتلال فرنسا للجزائر وقف الحاكم الفرنسي في الجزائر يقول:\n(يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ... ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم حتى ننتصر عليهم) (٤٤٦) ..\nوبعد ذلك بسنوات قلائل:\n(قامت فرنسا - من أجل القضاء على القرآن في نفوس شباب الجزائر - بتجربة عملية فتم انتقاء عشر فتيات مسلمات جزائريات أدخلتهن الحكومة الفرنسية في المدارس الفرنسية ولقنتهن الثقافة الفرنسية وعلمتهن اللغة الفرنسية فأصبحن كالفرنسيات تمامًا.\nوبعد أحد عشر عامًا من الجهود هيأت لهن حفلة تخرج رائعة دعي إليها الوزراء والمفكرون والصحافيون..\n\nولما ابتدأت الحفلة فوجئ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن بلباسهن الإسلامي الجزائري..\nفثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت: \" ماذا فعلت فرنسا في الجزائر إذن بعد مرور مائة وثمانية وعشرين عامًا؟! \"\nأجاب (لاكوست) وزير المستعمرات الفرنسي:\n(وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟!) (٤٤٧) .\n_________\n(٤٤٦) المنار عدد ٩ / ١١ / ١٩٦٢.\n(٤٤٧) جريدة الأيام عدد ٧٧٨٠ - بتاريخ ٦ كانون الأول ١٩٦٢.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>رجع الصدى.. وترديد الببغاوات:</span>\n\nقالوا: إن العودة إلى الحجاب عودة إلى الجاهلية الأولى..\nوقالوا: إن الحجاب لا يصلح إلا في مجتمع قبلي جاهلي..\nوقالوا: إن الحجاب تقليد من التقاليد البالية العتيقة..\nوقالوا: إن الحجاب تطرف وتنطع يأباه الإسلام..\nوراحوا يبحثون عن علة هذه الظاهرة فمن قائل: إنه اكتئاب حط على القلوب الشابة حتى لجأن إلى الحجاب يتوارين فيه.\nومن قائل: بل هو تطرف مفاجئ نتج عن الفراغ السياسي والعاطفي عقب النكسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>العودة إلى الحجاب.. عودة إلى الله</span>\n\nلقد فعلوا - كما تقدم آنفًا - شتى الحيل ليصدوا المسلمة عن دينها ويوقعوها في شراكهم ويذبحوا على أعتاب جامعاتهم ومصانعهم ومتاجرهم حياءها قربانًا لأغراضهم وقد استجاب لهم كثيرات وكثيرات.\nولكن لم تعدم أمتنا من يقمن الحجة على هؤلاء الكثيرات ويحيين السنة المطهرة فخرج من بينهن فتيات عفيفات طاهرات يهتفن من أعماق سويدائهن بنداء صارم بدد أطماع الأعداء فردهم خاسئين:\n(رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد - ﷺ - نبيًا ورسولًا)\nوبعائشة الصديقة بنت الصديق وفاطمة الزهراء وأسماء ذات النطاقين والخنساء أسوة وقدوة لعلنا نحشر في زمرتهن يوم القيامة قال - ﷺ -: (المرء مع من أحب) (٤٤٨) .\n_________\n(٤٤٨) متفق عليه من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":290},{"text":"وإذا بالفتيات المسلمات في كل مكان تهوى قلوبهن لهذا النداء العزيز وتنضم الواحدة تلو الأخرى إلى موكب العفاف والفضيلة بعد أن تهجر الفسق والرذيلة..\n﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن البطل كان زهوقًا﴾ الإسراء (٨١) .\nوأنى لباطل أعداء الإسلام أن يصبر أمام الحجة والبرهان؟ إن باطلهم ظلام وحجتنا نور وبرهان وأنى تصبر جيوش الظلام أمام جحافل الحق.\n﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾ الأنبياء (١٨) .\nإن الرد على دعاوى المبطلين قريب وأقوى رد هو تخلى المرأة المسلمة عن هؤلاء بعد أن انخدعت بهم زمنًا طويلًا وخلعت الحجاب وخالطت الرجال وذاقت ويلات جاهلية القرن العشرين وجرت في دروب التقدميين والاشتراكيين طويلًا فما وجدت عندهم إلا الشقاء والضنك فعادت المسلمات - زرافات ووحدانًا - مستغفرات تائبات خاشعات قانتات ما لهن هجيرى سوى.\n﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ البقرة (٢٨٥) .\n\nيا أعداء الإسلام! موتوا بغيظكم:\n\nلقد اغتاظ أدعياء التحرر وصارت (عودة الحجاب) غصة في حلوقهم فراحوا يتابعون هذه الظاهرة في حسرة وقلق (٤٤٩) .\n_________\n(٤٤٩) حتى إنهم اعترفوا بهزيمتهم في \" المعركة الحقيقية \" وعللوا ذلك بأن الفتيات يتحجبن عن اقتناع كامل متحديات كل ما وضع في طريقهن من العراقيل والضغوط حتى صار الحجاب في عرف القوم حريًا بوصف \" الظاهرة\n\" ومن هنا كان هذا الإقرار الواضح والاعتراف الصريح وثيقة إدانة لكل الذين يصرون على فرض التبرج والسفور بالقهر زاعمين في الوقت نفسه احترام ما يسمى بـ \" الحرية الشخصية \" و\" حرية الرأي \".","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الصنم الذي تحطم:</span>\n\nكتبت جريدة الأهرام بتاريخ (٢٩ / ٤ / ٧٧) تقول:\n(أمس مر (٧١) عام على وفاة \" قاسم أمين \" محرر المرأة الذي دعا إلى تحرير المرأة ورفع الحجاب)\nثم يقول الكاتب مغتاظًا متحسرًا متأسفًا:\n(الغريب أنه بعد مرور (٧١) سنة على وفاته - وفي نفس الوقت الذي نحتفل فيه بذكراه - تقوم الدعوة إلى رجوع المرأة إلى البيت وحجبها عن المشاركة في الحياة العامة) اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>الإسلام يعود من الجامعة:</span>\n\nوهذا الصحافي (مصطفى أمين) يقلقه انتشار المد الإسلامي بين الفتيات في مصر خاصة في الجامعات وبين أعلى الطبقات ثقافة فيقول:\n(حارب الأحرار في هذا البلد سنوات طويلة لتحصل المرأة على بعض حقها ويظهر أن بعض الناس يريدون العودة بها إلى الوراء وقد يحدث هذا في أي مكان لكن لا نفهم أن يحدث في الجامعة مهد التقدم والفكر الحر) (٤٥٠) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>ذهب مع الريح:</span>\n\nوقال أحدهم في \" صباح الخير\" وقد تلقى بعض الردود المفحمة من فتيات محجبات عن آرائهن في ما يسمى (الحب) فلم ترقه إجاباتهن:\n(أي جامعة هذه؟ وأي طالبات جامعيات هؤلاء في النصف الثاني من القرن العشرين!؟ حيث المرأة مساوية للرجل وتصعد إلى الفضاء إن كل ما يفعله المجتمع وكل ما تفعله الحكومة من تعليم البنت وتشغيلها وما تفعله زعيمات النشاط النسائي\n_________\n(٤٥٠) (أخبار اليوم) ٥ نوفمبر ١٩٧٧م.","vol":"1","page":292},{"text":"في مصر لتأكيد هذه المساواة وتربية المرأة المصرية على الخروج على عقلية الحريم تهدمه مثل هذه الأساليب في التربية والرعاية في المدن الجامعية للطلاب) (٤٥١) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>لا.. لجيل \" هدى شعراوي </span>\":\n\nوجاء في مجلة أكتوبر عدد (٢٢): نشرت صحيفة \" كريستيان مونتيور \" بحثًا عن الإنجازات التي حققتها المرأة المصرية في ميادين العلم والدراسات الاجتماعية وقالت الصحيفة: (شيء غريب في مصر لقد كانت الأمهات من جيل \" هدى شعراوي \" أكثر تحررًا وتقدمًا من بعض الفتيات في مصر الآن.. الفتيات المحجبات والمتشددات! ومعنى ذلك أن هدى شعراوي وجيلها كن أكثر تحررًا وتطورًا من فتيات اليوم بنات وحفيدات هدى شعراوي) اهـ.\n\nوهذه جريدة \" الأهالي \" الشيوعية تتابع الظاهرة في قلق وغيظ وتفرد لها بحثًا جاء في أثنائه على لسان \" د / زينب رضوان \" قولها: (انتشر الحجاب بين الطبقة المثقفة قبل العوام وهذا على عكس ما هو متعارف عليه ونفس هذه الطبقة المثقفة هي التي رفضت الحجاب في زمن \" هدى شعراوي \" وخلعته وداسته (٤٥٢) وهي ذاتها التي عادت تنادي به وبالعودة إلى الأصالة بالإضافة إلى أن الغالبية العظمى من المحجبات من الطبقة الوسطى وهي الطبقة التي تقود التغيير في أي مجتمع صحيح أنه انتشر أيضًا بين الطبقة الأرستقراطية ولكن بنسبة أقل) (٤٥٣) اهـ.\n\nوهذه (أمينة السعيد) تصف الحجاب بأنه ثياب ممجوجة وتقول وقد ملأتها الحسرة:\n(فتيات يخرجن إلى الشارع والجامعات بملابس قبيحة المنظر يزعمن أنها زي\n_________\n(٤٥١) (صباح الخير) ١٦ يناير ١٩٧٥ م.\n(٤٥٢) أقول: بل وأحرقته بأن سكبت عليه البترول وأشعلت فيه النار وذلك في ميدان الإسماعيلية\n(التحرير فيما بعد) - انظر \" واقعنا المعاصر \" للأستاذ \" محمد قطب \" ص (٢٥٨) .\n(٤٥٣) (الأهالي) تاريخ ٥ / ١٠ / ١٩٨٣ الصفحة الثالثة.","vol":"1","page":293},{"text":"إسلامي لم أجد ما يعطيني مبررًا منطقيًا معقولًا لالتجاء فتيات على قدر مذكور من التعليم إلى لف أجسادهن من الرأس إلى القدمين بزي هو والكفن سواء) (٤٥٤) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>عاد الحجاب:</span>\n\nوكتبت \" منى رمضان \" في (أكتوبر):\n(عاد الحجاب مرة أخرى كظاهرة على وجوه الفتيات والسيدات في مصر وهذه ليست آخر صيحة في عالم الموضة كما قد يتبادر إلى الذهن ولكنه نوع من الحشمة و\" إحياء \" التقاليد الإسلامية التي تطلب من النساء أن \" يدنين عليهن من جلابيبهن \" والحشمة هنا نابعة من داخل المرأة وعلى أساسها فصلت هذه الثياب) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>سلفيات.. لا مرتدات:</span>\n\nحقًا إنهم حائرون.. وهذا فيلسوفهم الهرم \" زكي نجيب محمود \" يتباكى على تبرج الجاهلية الذي انقشع أمام الصحوة الإسلامية فيقول:\n(أصابت المرأة المصرية في أيامنا هذه نكسة ارتدت بها إلى ما قبل.. هناك اليوم عشرات الألوف من النساء المرتدات ينزلقن تطوعًا إلى هوة الماضي.. والمأساة أن المرأة اليوم تتبرع سلفًا بحجاب نفسها قبل أن يأمرها بالحجاب والد أو زوج.\n\nإن أبشع جوانب هذه الردة في حياة المرأة المصرية ليس أن أحدًا يتدخل في شئون حياتها ليس هو أنها تريد أن تتعلم إلى آخر المدى فيمنعها أحد لأن أحدًا لا يمنعها من ذلك وليس هو أنها تريد أن تعمل بما تعلمته فيمنعها أحد لأن أحدًا لا يقفل في وجهها أبواب العمل وإنما الجانب البشع من تلك الردة هو أن المرأة اليوم تريد أن\n_________\n(٤٥٤) (حواء) (١٨ نوفمبر ١٩٧٢ م) .","vol":"1","page":294},{"text":"تجعل من نفسها - وبمحض اختيارها - حريمًا يتحجب وراء الجدران أو يتستر وراء حجب وبراقع) (٤٥٥) .\n\nثم يصف زمن السفور متحسرًا عليه قائلًا: (ذلك زمن أوشك على الذهاب مع رائدات الجيل الماضي)، ويستطرد قائلًا:\n(إن في طائفة كبيرة من نساء هذا الجيل وبناته نكوصًا على الأعقاب بالقياس إلى الطموح الذي تميزت به أمهاتهن في الجيل الماضي وأنها لمفارقة شديدة في أي مجتمع أن ترى الجيل الأصغر منه سلفيًا بدرجة تزيد على الحد المألوف وترى الجيل الأكبر منه أقل سلفية..\nوبينما الشباب الثائر في البلاد الأخرى كان يحتج على أوضاع الحياة الراهنة رأينا ثورة شبابنا تحتج هي الأخرى على أوضاع الحياة الراهنة وتدعو إلى العودة بها إلى نموذج السلف) (٤٥٦) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>وفي فرنسا أيضًا قلقون:</span>\n\nفقد كان أول سؤال وجهته الصحافية الفرنسية \" كاتي برين \" إلى \" سيدة مصر الأولى والأخيرة \": (انتشرت عادة الحجاب بين الفتيات في مصر فما رأي السيدة \" جيهان \" في هذه الظاهرة؟)\nفتجيب - وكأنه أسقط في يدها أمام قوة انتشار هذه الظاهرة:\n(في نظري أن المسئولية تقع على عاتق أساتذة الجامعات فهم سبب في انتشار تلك الظاهرة فإذا قام أستاذ واحد بطرد فتاة واحدة من محاضراته مرة واثنتين فسوف تقلع الفتيات عن ارتداء الحجاب ...) اهـ.\n_________\n(٤٥٥) (الأهرام) (٩/ ٤ / ٨٤) ص (١٣) .\n(٤٥٦) (الأهرام) (٧ / ٥ / ٨٤) ص (١٣) .","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>أمريكا وإسرائيل تحذران الغرب:\n\" الإسلام قادم ونحن على خطر عظيم </span>\":\nفي مقال عن قلق أمريكا وإسرائيل من الصحوة الإسلامية كتبت صحيفة \" فورتشن \" تقول: (إنه حتى في الجامعات العبرية في إسرائيل بدأ الطلاب العرب المسلمون يبدون اهتمامًا متزايدًا بالعودة إلى دينهم وبدءوا يمارسون ضغوطًا على السلطات اليهودية للسماح بفتح كليات للثقافة الإسلامية والشريعة الإسلامية في الجامعات اليهودية كما بدأ العديد منهم يطلقون لحاهم ويؤدون العبادات الإسلامية في الجامعات اليهودية في حين بدأت الفتيات المسلمات في ارتداء الزي الإسلامي الشرعي) (٤٥٧) .\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-145> عسى أن يكون قريبًا </span>\"\n\nوفي مقال آخر تقول الصحيفة نفسها: (إن الاتجاه الديني في مصر يرسخ أقدامه يومًا بعد يوم فالشباب المصري مفتون بالصحوة الإسلامية الثورية كما أن الفتيات المصريات يبدين اهتمامًا متزايدًا بالإسلام وفي جامعة القاهرة يزيد عدد الطالبات الملتزمات بالزي الشرعي وقد يأتي يوم لا تبقى فيه طالبة مصرية واحدة إلا وقد ارتدت الزي الشرعي الإسلامي) (٤٥٨) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>المعركة مستمرة:</span>\n\nأعداء الحق في كل عصر على وتيرة واحدة وقلوبهم متشابهة فيما يرد عليها من الخواطر والشئون وعلى المسلمة الصادقة أن توقن أن المعركة بين الحجاب والسفور بين الحق والباطل بين الإيمان والكفر لا تنقطع فإن التاريخ يعيد نفسه وإن هذه سنة الله في خلقه ﴿ولن تجد لسنة الله تحويلًا﴾ فاطر (٤٣) .\n\nألا إنما الأيام أبناء واحد وهذي الليالي كلها أخوات\nفلا تبطلن من عند يوم ولا غد خلاف الذي مرت به السنوات\n_________\n(٤٥٧) نقلًا عن صحيفة \" القبس \" الكويتية عدد (٣٠ / ٦ / ٨٦) .\n(٤٥٨) المصدر السابق عدد (٨ / ٧ / ١٩٧٩) .","vol":"1","page":296},{"text":"قال تعالى:\n\n﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾\n(٤٥٩) التوبة (٧٣) .\n\nوعن كعب بن مالك مرفوعًا:\n\n\" اهجوا بالشعر إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله\nوالذي نفس محمد بيده كأنما تنضحوهم بالنبل \" (٤٦٠)\n\nفيا كتائب الحق في كل مكان:\n\nجردوا أسنة العزائم والرد واستعينوا على رد الباطل بالواحد الفرد اكشفوا ما في مناهجهم من المؤاخذات وبينوا ما فيها من الخطأ والغلطات ليظهر جهل أعداء الحق وفساد أقوالهم للناظرين ولا عدوان إلا على الظالمين.. فتالله ما بارز جنود الحق قط قرن إلا كسروا قرنه فقرع من ندم سنه ولا ناحرهم خصم إلا بشروه بسوء منقلبه وسدوا عليه طريق مذهبه لمهربه.\nفاللهم من أراد الإسلام وأهله بسوء فاردد عليه دائرة السوء ورد كيده في نحره واجعل تدبيره في تدميره - اللهم اغفر لجامعه ولوالديه\nو﴿ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾\nولإخوانه في الله ولمن نظر فيه فدعا له بالعفو والعافية في الدنيا والآخرة ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك مجيب الدعوات وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.\n\nتم بحمد الله القسم التاريخي من \" عودة الحجاب \" ويليه بإذن الله القسم الخاص بمكانة المرأة وموضوعه:\n\nالمرأة\nبين تكريم الإسلام\nوإهانة الجاهلية\n\nالإسكندرية في\nالسبت ١٢ من ربيع الثاني ١٤٠٤ هـ\nالموافق ١٧ من ديسمبر ١٩٨٣ م\n_________\n(٤٥٩) قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: (جاهد الكفار) بالسيف (والمنافقين) بالحجة (واغلظ عليهم)\nفي الجهادين جميعًا ولا تحابهم وكل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه يجاهد\nبالحجة وتستعمل معه الغلظة ما أمكن) اهـ من الكشاف (١ / ٥١٦) .\n(٤٦٠) رواه الإمام احمد في مسنده وحسنه الألباني.","vol":"1","page":297},{"text":"المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية\nتأليف محمد بن احمد إسماعيل المقدم\nعفا الله عنه\nدار ابن الجوزي\nالقاهرة","vol":"2","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nحقوق الطبع محفوظة\nالطبعة الأولى\n\n١٤٢٦ هـ/٢٠٠٥ م\nرقم الإيداع: ٨٧١٣/٢٠٠٥\nدار ابن الجوزي\nللنشر والتوزيع\nجمهورية مصر العربية\n٢٢ درب الأتراك خلف الجامع الأزهر\nالقاهرة\nت: ٠٠٢٠٢٥١٤٣١٤١\nتليفاكس: ٠٠٢٠٢٥١١١٧٥٠","vol":"2","page":null},{"text":"أنت نصف الأمة. .\nثم إنك. .\nتلدين لنا النصف الآخر. .\nفأنت أمة بأسرها. .","vol":"2","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>مقدمة الطبعة الخامسة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله على فضله ونعمائه، والصلاة والسلام على خير أصفيائه، وعلى آله وصحبه وأوليائه، وبعد:\nفهذه هي الطبعة الخامسة من \"المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية\" وقد أضيف إليها زيادات وتحقيقات نافعة إن شاء الله.\nوهذا الكتاب كان قد أدرِجَ ضمن مجموعة \"عودة الحجاب\" مع أن تعلقه به غير مباشر، وربما كان الدافع إلى ذلك درء ما يدعيه أعداء الإسلام وأدعياؤه من أن الحجاب بمعناه الشرعي الشامل يشل حركتها، ويعوق رسالتها، وهذا الزعم مبني على افتراض أن المرأة داخل بيتها خلية فارغة، وهذه الدراسة مما يؤكد بطلان هذه النظرة، ومناقضتها للحقيقة، فهي تبين للمنصف أن للمرأة في بيتها وظيفة مقدسة، ورسالة سامية، تجعل من هذا البيت قلعة من قلاع العقيدة، وحصنا من حصون الإسلام، وتبين أيضا مدى الجرم الذي ترتكبه الأمهات والزوجات \"الهاربات\" من ساحة \"جهادهن المقدس\" الذي هو \"حسن التبعل\" و\"صناعة الأبطال\" و\"إعداد أمهات المستقبل\".\nإن جوانب عظمة الإسلام لا حصر لها، وإذا ما جئته من أي النواحي متأمِّلا ما فيه من الحكمة والإبداع لازددت يقينَا بأن هذا دين الله ﷿، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، وهذا الكتاب محاولة لتوكيد هذه الحقيقة من خلال الأحكام التشريعية، ومن خلال النماذج التطبيقية الواقعية التي","vol":"2","page":7},{"text":"أثمرتها التربية الربانية لخير أمة أخرجت للناس.\nوالله ﵎ هو المسئول المرجو الإجابة أن يتقبله بقبول حسن، وأن ينفع به النفع العميم، في الدنيا ويوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.\nالإسكندرية في الأحد\n٩/٤/١٤١١ هـ\n٢٨/١٠/١٩٩٠ م","vol":"2","page":8},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n*<span data-type=\"title\" id=toc-149> الباب الأول *</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>تمهيد</span>\nالحمد لله مستحق الحمد وأهلِه، ومبين الهدى بإيضاح سبله، أحمده حمدًا دائمًا بلا فترة، وأشكره على نعمه التي لا تحصى كثرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أدخرها نجاة من عذاب الحفرة، وسلامًا من العدو في العسرة واليسرة.\nأحمده على نعماه، وأصلي على عبده ورسوله محمد الذي اختاره واجتباه، وأحبه وارتضاه، وعظَّمه وكرمه، ورفعه على من سواه..\nصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبع هداه.\nلا يخفى على أي مؤمن صادق ما آل إليه أمر الإسلام وحال المسلمين في زماننا هذا من الغربة، فالموافق المتابع فيه على وصفه الأول قليل، والمخالف هو الكثير، وقد اندرست رسوم كثير من الشرائع أو كادت، حتى مدت الفتن أعناقها، واستطار شررها، وعم ضررها، والتبست الأمور على الجمهور، فظهر مصداق قول رسول الله - ﷺ -: يدرس الإسلام كما يدرس وَشْيُ الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة (*) الحديث، وقوله - ﷺ -: \" بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ،\n_________\n(*) قطعة من حديث رواه ابن ماجه (٤٠٤٩) والحاكم في \" المستدرك\" (٤/٤٧٣)، وقال: \"صحيح على شرط مسلم،، وزاد في \"الجامع الصغير، عزوه إلى البيهقي في \"الشعب\"، والضياء عن حذيفة - ﵁ -، قال السندي: \" وفي الزوائد: =","vol":"2","page":9},{"text":"فطوبى للغرباء\" (١) .\nوفي رواية: \" قيل: ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون عند فساد الناس\" (٢) .\nوفي رواية للإمام أحمد: \"الذين يصلحون إذا فسد الناس\" (٣) .\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \" طوبى للغرباء، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصهم أكثر ممن يطيعهم\" (٤)، وفي رواية:\n_________\n= إسناده صحيح، ورجاله ثقات\" اهـ. من حاشيته على سنن ابن ماجه (٢/٤٩٨)، و\"درس الرسم دروسًا إذا عفا وهلك، و\"درس الثوب درسا، إذا صار عتيقا، ويؤيد الثاني قوله \" وشي الثوب\" أي نقشه.\n(١) رواه مسلم رقم (١٤٥) في الإيمان: باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا، من حديث أبي هريرة ﵁، \" وطوبى\": (فُعْلَى من الطيب: أي فرحة، وقرة عين، أو سرور وغبطة، أو الجنة، أو شجرة في الجنة) اهـ. من \" فيض القدير\" (٢/٣٢١) .\n(٢) أخرجه من حديث عبد الرحمن بن سنة ﵁ عبد الله بن أحمد في زوائده، (٤/٧٣-٧٤)، وذكره الهيثمي في \" مجمع الزوائد\" وقال: (رواه عبد الله، والطبراني، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك) اهـ. (٧/٢٧٨)، وله شواهد عن عدة من الصحابة ﵃، انظر: \"الغرباء\" للآجري تحقيق بدر البدر ص (١٥-٢٦) .\n(٣) أخرجه الإمام أحمد (٣/٧١)، وابن جرير (١٣/١٤٩)، وابن حبان (٢٦٢٥- موارد)، والخطيب في \"تاريخه\" (٤ لم ٩١)، والآجري في الغرباء! ص (١٦) وفيه ضعف، ورواه من طريق أخرى الترمذي (٢/١٠٤)، وقال: \"حسن صحيح\"، وانظر: \"السلسلة الصحيحة\" رقم (١٢٧٣) .\n(٤) أخرجه الإمام أحمد (٢/١٧٧، ٢٢٢)، وابن المبارك في \" الزهد\" (٧٧٥)، والآجري في \" الغرباء، ص (٢٣)، وقال الهيثمي في \" مجمع الزوائد\": (وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف) اهـ. (٧ /٢٧٨) ورواه الطبراني بأسانيد قال الهيثمي: (رجال أحدها =","vol":"2","page":10},{"text":"\"من يُبْغِضُهم أكثر ممن يحبهم\".\nوعن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دينه، كالقابض على الجمر\" (٥) .\nقال المناوي ﵀: \"شبه المعقول بالمحسوس، أي الصابر على أحكام الكتاب والسنة يقاسي بما يناله من الشدة والمشقة من أهل البدع والضلال مثلَ ما يقاسيه من يأخذ النار بيده، ويقبض عليها، بل ربما كان أشد، وهذا من معجزاته ﷺ، فإنه إخبار عن غيب، وقد وقع (٦) .\nوقال المباركفوري ﵀: (قال الطيبي: (المعنى: كا لا يقدر القابض على الجمر أن يصبر لإحراق يده، كذلك المتدين يومئذ لا يقدر على ثباته على دينه، لغلبة العصاة والمعاصي وانتشار الفسق وضعف الإيمان\" انتهى، وقال القاري: (الظاهر أن معنى الحديث: كما لا يمكن القبض على الجمر إلا بصبر شديد وتحمل غلبة المشقة، كذلك في ذلك الزمان لا يُتَصَورُ حفظُ دينهِ ونورِ إيمانه إلا بصبر عظيم\" انتهى) (٧) اهـ.\nوعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إن من ورائكم زمانَ صبر، للمتمسك فيه أجْرُ خمسين شهيدا منكم\" (٨) .\n_________\n= رجال الصحيح) اهـ، وانظر: \"فيض القدير\" (٤/٢٧٤) .\n(٥) رواه الترمذي رقم (٢٢٦١) (٢/٤٢) في (الفتن،: باب رقم (٧٣)، وفي سنده عمر بن شاكر البصري، وهو ضعيف كما في \"التقريب\" (٢/٥٧)، وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه،، ورمز له السيوطي بالحسن، وصححه الألباني بشواهده كما في \" السلسلة الصحيحة\" رقم (٩٥٧)، وانظر: تحقيق \"جامع الأصول\" (١٠/٥)، و\"الغرباء\" للآجري ص (٢٦) .\n(٦) \"فيض القدير\" (٢/٤٥٦) .\n(٧) \"تحفة الأحوذي\" (٦/٥٣٩) .\n(٨) (أخرجه الطبراني في \" المعجم الكبير\" (١/٧٦/٣)، وإسناده صحيح، رجاله =","vol":"2","page":11},{"text":"ويروَى عن أبي أمامة الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشَني ﵁ قال: قلت: (يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: (عليكم أنفسَكم)؟ (المائدة ١٠٥)، قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: (ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحًّا مطاعًا، وهوى متبعا ودُنيا مُؤثَرة، وإعجابَ كل ذى رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيامَ الصبرِ، الصبر فيهن كالقبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم\") (٩)، زاد أبو داود في حديثه: \"قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين رجلًا منكم\".\nوعن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" العبادة في الهَرج كهجرة إليَّ\" (١٠)، قوله: \"العبادة في الهرج\" أي الفتنة واختلاط أمور الناس، \"كهجرة إليَّ\" قال النووي ﵀: \"وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد\" (١١) اهـ.\n_________\n= كلهم ثقات رجال مسلم) اهـ من \"السلسلة الصحيحة\" رقم (٤٩٤) .\n(٩) أخرجه الترمذي رقم (٣٠٦٠) في التفسير: باب: (ومن سورة المائدة)، وقال: (حسن غريب)، وأبو داود رقم (٤٣٤١) في الملاحم: باب الأمر والنهى، وابن ماجه رقم (٤٠١٤) في \"الفتن\": باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم)، وابن حبان (١٨٥٠- موارد)، (وفيه عتبة بن أبي حكيم الهمداني الشامي، وثقه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد، كذا في \" تخريج السنن\" (٦/١٨٩)، وانظر: \"مجمع الزوائد\" (٧/٢٨٢) .\n(١٠) أخرجه مسلم رقم (٢٩٤٨) في الفتن: باب فضل العبادة في الهرج، والترمذي رقم (٢٢٠٢) في الفتن: باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه.\n(١١) \"شرح النووي لصحيح مسلم\" (١٨/٨٨)، وانظر (تحفة الأحوذي) (٦/٤٤٣-٤٤٥) .","vol":"2","page":12},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه أحمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد أن رجلا قال له: يا أبا سليمان! اتق الله، فإن الفتن ظهرت، فقال: أما وابن الخطاب حيٌّ فلا، إنما تكون بعده، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانا لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، فتلك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة أيام الهرج) (١٢) اهـ، وقال المناوي ﵀: (\"كهجرة إليَّ \" في كثرة الثواب، أو يقال: المهاجر في الأول كان قليلا لعدم تمكن أكثر الناس من ذلك، فهكذا العابد في الهرج قليل، قال ابن العرفط: وجه تمثيله بالهجرة أن الزمن الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن تعيَّن على المرء أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة، وهو أحد أقسام الهجرة) (١٣) اهـ.\n_________\n(١٢) \"فتح الباري\" (١٣/١٥) .\n(١٣) \"فيض القدير\" (٤/٣٧٣) .","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>[فصل]\nالمرأة\nسلاح ذو حدين</span>\nأخذت الأرض زخرفها وازينت.. وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وانصرف الناس عن دينهم إليها، وانقاد السواد الأعظم لغرورها، وافتتنوا بحضارة الغرب وزخارف الشرق، وصادف هذا كله غفلة دعاة الحق، وكتمان البعض- الا من رَحِمَ الله- ما أنزل الله من البينات والهدى، لكن أعداء الإسلام لم يغفلوا عنا، فحملوا بخيلهم ورجلهم، وجردوا الحملات المسلحة بسهام الشهوات وسموم الشبهات لتعيث في قلوب المسلمين فسادًا، وتجوس خلال ديارهم، لتسلخهم من دينهم الحق الذي ارتضى الله لهم ... وقد كان هؤلاء الأعداء خبثا ماكرين، في حربهم، إذ تفرسوا في أسباب قوة المسلمين وحدَّدوها، ثم اجتهدوا في توهينها وتحطيمها بكل ما أوتوا من مكر ودهاء..\nعلموا أن المرأة من أعظم أسباب القوة في المجتمع الإسلامي، وهم يعلمون أيضا أنها سلاح ذو حدين، وأنها قابلة لأن تكون أخطر أسلحة الفتنة والتدمير، ومن هنا كان النصيب أكبر من حجم المؤامرات التي بدأت بإسقاط الخلافة، وانتهت - حتى الآن - بأعلام تحمل \"نجمة داود\" ترفرف في عواصم إسلامية (١٤) .\n_________\n(١٤) وهل أتاك نبأ ما وقع في عهد السلطان العثماني \"عبد المجيد\" الذي أمر بتعمير القدس سنة ١٨٦٥م و(كان الوالي المعين من قبله على المدينة- أي القدس- واسمه =","vol":"2","page":14},{"text":"١٥\nقال محمد طلعت حرب في كتابه \"تربية المرأة والحجاب\": (إنه لم يبق حائل يحول دون هدم المجتمع الإسلامي في الشرق - لا في مصر وحدها - إلا أن يطرأ على المرأة المسلمة التحويل. . بل الفساد الذي عم الرجال في الشرق) (١٥) اهـ.\nإن المرأة تملك مجموعة من المواهب الضخمة الجديرة بأن تبني أمة، وأن تهدم أمة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء\" (١٦) .\nوعن أسامة بن زيد وسعيد بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء\" (١٧) .\nوروى أبو نعيم في \"الحلية\" بسنده عن حسان بن عطية قال: \"ما أتيت\n_________\n= \"كامل باشا\" قد أجاز أن ترفع بعض الدول الأجنبية أعلامها على قنصلياتها فيها، لأنها كانت قد حاربت في جانب تركيا ضد روسيا القيصرية، فثار الأهالي ضده وأجبروه على العدول عن هذا القرار فطويت الأعلام الأجنبية في \"القدس\" في الحال!) اهـ من \"اليهود المغضوب عليهم\"، ص (١٨٢) .\n(١٥) نقلا من \"الحركات النسائية في الشرق\" ص (١١) .\n(١٦) رواه مسلم رقم (٢٧٤٢) في الذكر باب أكثر أهل الجنة الفقراء، والترمذي رقم (٢١٩٢) في جملة حديث طويل في الفتن: باب ما جاء ما أخبر النبي ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة، وابن ماجه (٤٠٠٠) في الفتن: باب فتنة النساء، وانظر: \"شرح النووي\" (١٧/٥٥) .\n(١٧) رواه البخاري (٩/١١٨) في النكاح: باب ما يتقى من شؤم المرأة، ومسلم رقم (٢٧٤٠) في الذكر والدعاء: باب أكثر أهل الجنة الفقراء، والترمذي في الأدب رقم (٢٧٨٠): باب ما جاء في التحذير من فتنة النساء، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وانظر: \" فتح الباري ط. السلفية (٩/١٣٨) .","vol":"2","page":15},{"text":"١٦\nأمة قط إلا من قبل نسائهم \" (١٨) .\nوقد كان للمرأة المسلمة دور رائع في بناء الصرح الإسلامي نفرده بالبسط في فصول مقبلة إن شاء الله، وقد انتفعت الأمة بهذا الحد النافع من سلاح المرأة في قرونها الخيرية، ثم لم تلبث الحال أن تدهورت شيئا فشيئا وجرحت الأمة بالحد المهلك من \"سلاح المرأة\" (١٩) وهل ننسى أن المعز الفاطمي - بعد أن فتح ما يلي إفريقية من البحر المحيط أخذ يرنو إلى غزو مصر واجما متهيبا حتى جاءته الأنباء متواترة عن \"استهتار\" نساء الإخشيد، فتحرك للعمل وأرسل قائده جوهرا لفتح مصر وقال: \"اليوم فتحت مصر، الآن لا يصدنا عنها شيء\"، فكان الأمر وفق ما قال (٢٠) .\nوكذلك لا ننسى أن انحراف المرأة أو الانحراف بالمرأة كان السبب الأول في أن حضارات عتيقة انهارت وتمزقت كل ممزق ونزل بأهلها العقاب الإلهي، والأوجاع والأمراض الفتاكة كما وقع قديما لليونان والرومان والفرس والهنود وبابل وغيرها من الممالك (٢١)، أما في عصرنا الحاضر فقد ذخر التاريخ الحديث بعبر وَمَثُلات تزيد يقين المؤمن بشؤم هاتيك المعاصي والشهوات التي غرق فيها الغربيون، وتبعهم عليها كثير من الأمم، الأمر الذي ينذر بسوء العاقبة، ويحق لنا معه أن نتساءل:\n(أليس حسبنا أن نرى - مثلا - حاملة لواء هذه الفوضى اللاأخلاقية \"فرنسا\" تركع أمام خصومها وتحت أقدام أعدائها مستسلمة في سرعة\n_________\n(١٨) \"حلية الأولياء\" (٦/٧٦) .\n(١٩) انظر: \"المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها\" الجزء الثالث.\n(٢٠) \"المرأة العربية\" (٣/٦٣)، و\"تأملات في المرأة والمجتمع\" لمحمد المجذوب (ص ٧٩) .\n(٢١) انظر: الحجاب\" للمودودي ص (٨-٣٦) .","vol":"2","page":16},{"text":"١٧\nعجيبة (٢٢)، حتى قال لهم قائد حربهم الماريشال \"بيتان\" يقرعهم، ويوبخهم: \" زنوا خطاياكم بني قومي - إن خطاياكم ثقيلة، إنكم لم تريدوا أطفالا، وهجرتم حياة الأسرة، ونبذتم الفضيلة، وكل المثل الروحية، وانطلقتم إلى الشهوات تطلبونها في كل مكان، فانظروا إلى أي مصير قادتكم الشهوات؟ \") (٢٣) .\nويحق لنا أيضا أن نتعجب ونتساءل:\n(ألم يكن جديرا بهذا الغرب أن يلحظ العبرة في مصاير تلك الأمم التي سبقته إلى عبادة الجسد؟ . . ألم يسمع بمصير اليونان والرومان وهما أقرب السابقين إليه؟!\nوصح عن التابعي الجليل جبير بن نفير - ﵀ - أنه قال: (لما فتحت قبرص فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، ورأيت أبا الدرداء ﵁ جالسا وحده يبكي، فقلت: \"يا أبا الدرداء! ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟! \"، قال: \"ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره، بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله ﷿ فصاروا إلى ما ترى! \") (٢٤) .\nعبرة من \"بومبي\":\nولعمري إن في \"بومبي\" (٢٥) وحدها ما يكفي لإيقاظ ضميره لو أن\n_________\n(٢٢) وكان ذلك عندما هزمت فرنسا أمام الألمان في الحرب العالمية الثانية.\n(٢٣) \"ماذا عن المرأة\" للدكتور نور الدين عتر (ص ٤١) .\n(٢٤) أخرجه الإمام أحمد في الزهد ص (١٤٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/٢١٦ - ٢١٧)\n(٢٥) (\"بومبي\" - يطلق هذا الاسم على هضبة صغيرة قريبة من بركان \"فيزوف\" من =","vol":"2","page":17},{"text":"١٨\nفي ضميره بقية من حياة.\nلقد أخبرنا التاريخ بهلاك هذه البلدة في غمرة مفاجئة من حمم \"فيزوف\" طمستها في دقائق معدودة، ولكنه لم يعرفنا شيئا عن هذه المدينة سوى أنها بلد الفن الإيطالي حتى إذا شاء الله أن يكشف عبرتها، هدى الإنسان إلى إبرازها من تحت الركام، فإذا هناك عجب.. شعب بأكمله استحال إلى محنطات لم يبل منها شيء، ولم يتغير وضع، حتى الخباز لترى في يديه لوحا مستخرجا به الخبز.. وحتى السكارى ليمسكون بكؤوس الخمر على شفاههم ... وحتى الفاسقون في أشنع حالات الفحشاء.\nوكان من بالغ عبر بومبي ما يراه السائحون هناك فوق مداخل بعض القصور: رسوم موازين منحوتة في الصخر في إحدى كفتي الواحد منها أكداس من الجواهر، يقابلها في الأخرى \"رمز اتخذوه للفاحشة\"، راجحا على تلك الأكداس، إشارة إلى أن الشهوة عندهم هي غاية الحياة. إن مَثُلات القدر لم تنته من الأرض، فلئن هلك بعض الأمم الظالمة بالخسف أو النسف أو الجوع أو المسخ ... إن ذلك لمستمر لم ينقطع بعد ولن ينقطع (٢٦) .. وإلا فما هذه الزلازل تقرع البشر هنا وهناك؟ ... وما هذه السيول تجرف المدن والقرى في الشرق والغرب؟ ... وما هذه الأمراض الفتاكة تجتاح الإنسان في كل مكان؟ وقد عجز العلم عن استئصالها، فما يكاد أن يستريح من غارة حتى يستأنف التعبئة لدفع غارة!\n_________\n= مقاطعة نابولي، وهي في الأصل مدينة بلغ سكانها مائة ألف، وكانت المحلة التي يقضي فيها أغنياء الرومان أوقات الاستمتاع بملذاتهم وشهواتهم.. وقد غطيت بحمم \"فيزوف\" منذ سنة ٧٩ بعد الميلاد، واستمرت محجوبة حتى سنة ١٧٤٨م حيث عثر أحد الفلاحين على بعض آثارها، فبدأت الحفريات حتى أمكن إظهار أكثرها - عن لاروس) اهـ من \"تأملات في المرأة والمجتمع\" لمحمد المجذوب هامش (ص ٧٤)، وانظر: \"جنود الرحمن\" للأستاذ سعيد أحمد الأصبحي ص (٢٠ - ٢٥) .\n(٢٦) انظر \"فتح الباري\" (٢/١٨٤)، (٨/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، (١٠/٥٦) .","vol":"2","page":18},{"text":"أما المسخ فما أكثره في هذا العصر ... الذي مُسِخَ فيه معظم البشر آلاتٍ تحرك آلات.. فلا وفاء ولا حنان ولا عدالة ولا أمان ... فكأن الأرض كلها على فُوَّهة بركان!\nمن \"أوربة\" تأتي الفتن:\nوليس الغرب وحده هو المسئول عن شيوع الفاحشة في قديم العالم وحديثه ... فكثير من الأم مشتركة في تبعة هذا الاتجاه الرهيب.. ولكنْ لا مراء أن الغرب مسئول إلى حدّ كبير عن انتصار الرذيلة، وامتداد ظلماتها على أنحاء العالم في عصرنا الراهن، وذلك بما سخر من علومه، ومواهبه للدعاية إلى هذه الفاحشة، وتزيينها في أعين المغفلين.. وبخاصة من هذا الشرق.\nولعل سرور الغرب بنجاحه في إفساد أخلاقنا أعظم بكثير من سروره باستنزاف أموالنا في منتجاته الصناعية الكمالية وغيرها، كما يشهد بذلك المنصر الأمريكي \"بيارد دودج\" حين يقول في محاضرة له عن الإسلام: \".. ويلوح في أن هوليود قد أثرت في الجيل الحاضر من المسلمين أكثر من تأثير مدارسهم الدينية \" (٢٧) .\nونحن العربَ- مع الخجل الكبير- لم نقصر في الترويج لهذه المفاسد قديما وحديثًا، ولكن الرذيلة هي الرذيلة سواء انتسبت إلى الشرق أو إلى الغرب، وعندما تهاجم النار دارا لا يسأل أهلها: \" من أين جاءت؟ \"، قبل أن يبذلوا وسعهم في إخمادها، ونحن عندما نشير إلى الغرب في كلامنا عن أخطار التحلل الأخلاقي المشهود، فلكي ندل على المنفذ الكبير الذي يجب إغلاقه لنتمكن من حصر الخطر، وقد كان لنا عبرة في ماضينا الوجيع\n_________\n(٢٧) \"تأملات\" للمجذوب، نقلًا عن \"الإسلام في نظر الغرب\" (ص ٢) .","vol":"2","page":19},{"text":"يوم أهمل الناس أمثال هذه المقاصد، فتركوها تستشري ثم تتجمع، فتتحول إلى سيول ما لبثت أن نسفت سدودنا، فأسلمت مواريثنا الضخمة في الشرق والغرب لقمة سائغة إلى متوحشة التتار، وإلى متعصبة الأسبان والصليبيين. وليس من الإخلاص لديننا وأمتنا أن ندع العابثين يبثون ألغامهم في \"تحصيناتنا الأخلاقية\" لِيُحَوِّلوا الملايين من أبنائنا وشبابنا إلى \"عناصر هزيمة \" تخدم أهداف أعدائنا في تقويض صرح الأمة، بتحطيم شبابها، وشحن أعصابهم بالمواد الناسفة.\nوقد أدرك أحفاد التتار والصليبيين والرومان أن من اكبر ما لقيه آباؤنا الأولون من العون في فتوحهم لفارس والروم - بعد الإيمان- إنما جاء من انحلال الأخلاق في هاتين الدولتين، فكان الدم الجديد ممثلًا في تلاميذ مدرسة النبوة، ينازل الدم الفاسد المهترئ، ممثلا في جنود الإمبراطوريتين، فلم يكن عجيبًا أن يقهر الإيمان الكفر، وأن تغلب القوة الضعف، وأن تهزم الصلابة الميوعة ...\nثم لقد علم هؤلاء الموتورون أننا لم نخسر أمجادنا العظيمة إلا عندما فتحنا قلوبنا وعقولنا وبيوتنا لسموم هذه الأمم، تكتسح بميوعتها صلابتنا، وتذيب برذائلها رجولتنا، فكانت هزيمتنا يوم ذاك هزيمة الخلائق قبل أن تكون هزيمة المعارك) (٢٨) .\nومن هنا:\nكانت المخططات التي رسمها الأعداء ترمي إلى شل المرأة المسلمة عن وظيفتها البناءة سلبًا، ثم الزج بها إلى مواقع الفتنة وتدمير الأخلاق إيجابًا،\n_________\n(٢٨) \"تأملات في المرأة والمجتمع\" لمحمد المجذوب (ص ٧٣-٧٩) بتصرف.","vol":"2","page":20},{"text":"تحت ستار خداع من المصطلحات البراقة كالتحرير والتجديد والتقدم. وهذا أحد أقطاب المستعمرين يقول: \"كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرِقوها في حب المادة والشهوات) .\nوقال أحد كبراء الماسونية: (يجب علينا أن نكسب المرأة، فأي يوم مدت إِلينا يدها فزْنا بالحرام، وتَبدَّد جيش المنتصرين للدين) .\nوجاء في \" بروتوكولات حكماء صِهْيُون\": (يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان، فتسهل سيطرتنا، إن \"فرويد\" منا، وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر هو إرواء غريزته الجنسية، وعندئذ تنهار أخلاقه) (٢٩) اهـ.\nوتقول المنصرة \" آن ميليجان\":\n(لقد استطعنا أن نجمح في صفوف كلية البنات في القاهرة بنات آباؤهن باشوات وبكوات، ولا يوجد مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وبالتالي ليس هنالك من طريق أقربَ إلى تقويض حصن الإسلام من هذه المدرسة) (٣٠) اهـ. لقد عز عليهم أن تجود المرأة المسلمة على أمتها كما جادت من قبل بالعلماء العاملين والمجاهدين الصادقين، فصار همهم أن يعقموها أن تلد مثل عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، وعائشة بنت الصديق، وسمية بنت خُبَّاط، وأسماء ذات النطاقين، والخنساء.\n_________\n(٢٩) \" تربية الأولاد في الإسلام\" لعبد الله ناصح علوان (١/ ٢٨٦-٢٨٧) .\n(٣٠) \"قادة الغرب يقولون\" للأستاذ جلال العالم ص (٨٣) .","vol":"2","page":21},{"text":"لقد ظلت المرأة المسلمة طيلة القرون الخالية مصونة متربعة على عرشها قارةً داخل مصنع رهبان الليل، وفرسان النهار\"، تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها، فراح أعداؤها الموتورون يحيكون المؤامرة تلو المؤامرة، وينصبون لها الشباك، ويحتالون بشتى الحيل، إلى أن تم لهم - في زمن قياسي - ما أرادوا، ولم يرفعوا أيديهم عن أمتنا، ويسحبوا جيوشهم من بلادنا إلا وقد اطمأنوا أنهم خلفوا وراءهم جيشًا أمينا على مآربهم، حفيظًا لعهودهم، ممثلًا في قادة الفكر والأدب و\"الفن\" من المغررين المبددين الذين أطلق عليهم - زورا - المحررين المجددين، فتراهم يستخفون تحت العمائم، وتارة يلبسون مسوح العلماء والناسكين، وتارة يسفرون عن وجوههم الحقيقية ليجهروا بالعداوة والبطش بالذين يأمرون بالقسط من الناس، وهم أنفسهم الذين ادَّعَوْا يوما أنهم حماة الدين، ورافعو لواء العلم، ودعاة الإيمان.\nأرى الإيمان دعوى يعجب الناسَ حسنها ... ويخدعُهم عنها الحديث الملفق\nأكاذيب يزجيها الفتى وهو عالم ... إذا ما ادعاها أنه ليس يصدق","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>[فصل]\nالقضية الأم\nالقرآن والسلطان</span>\nاعلم أن الشريعة أصل، والملك حارس،\nوما لا أصل له ... فمهدوم،\nوما لا حارس له ... فضائع.\nالأمام أبو حامد الغزالي\nإن الإسلام كل لا يتجزأ، وليست مظاهر الانحراف عن هذا الدين في معظم المجالات إلا نتيجة ضياع \"السلطان\" الذي جاء فيه عن عثمان بن عفان رضي عنه قوله: \"ما يزعُ الناسَ السلطانُ أكثرُ مما يزعهم القرآن \" (٣١) .\nونظًرا لما يمنحه الإسلام للسلطان من صلاحيات يحرس بها الدين،\nويذود عن حماه، ويسوس الدنيا بالدين، فيؤتمن على مصاير البلاد، ومصالح العباد، فطن أعداء الإسلام أيضًا لهذا المصدر العظيم من مصادر قوة الأمة، فحرصوا على نقض هذه العروة الوثقى من عرى الإسلام، وقد تم لهم ما أرادوا حين أفلحوا في الإجهاز على آخر شكل صوري للخلافة العثمانية، فتحقق مصداق قول الصادق المصدوق ﷺ: \" لتنْقَضَن عُرَى الإسلام\n_________\n(٣١) رواه عنه يحيى بن سعيد وأخرجه رزين، وإسناده منقطع، وهو مشهور من كلام عثمان ﵁ \" جامع الأصول\" (٤/٨٣-٨٤)، وَزَعَ يزعُ: إذا كف، وردع.","vol":"2","page":23},{"text":"عُرْوَة عروةً، فكلما انتقضت عروة تشبث الناسُ بالتي تليها، فأوَّلهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة\" (٣٢) فكان سقوط الخلافة أول دركة انحطت بعدها الأمة إلى ما يليها من دركات سلخهَا من خصائصها المتميزة التي طالما احتفظ بها المسلمون رغم تقلبات القرون والمحن، تلك الخصائص التي أورثتهم عبر الأجيال عزة ومنعة أذلوا بها رؤوس الجبابرة، وكسروا ظهور الأكاسرة، وقصموا رقاب القياصرة.. وهذا شوقي يصرخ عقب انهيار الخلافة متوقعا ما يمكن أن تتمخض عنه تلك الفتنة (٣٣):\nفَلَتَسمَعُن بكلِّ أرض داعيًا ... يدعو إلى \"الكذاب\" أو لِسَجَاحِ (٣٤)\nوَلَيُشْهَدَنَّ بكل أرض فِتْنةٌ ... فيها يبَاعُ الدينُ بيع سَمَاحِ\nورحم الله الإمام عبد الله بن المبارك إذ قال: (٣٥)\nإن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا\nكم يدفع الله بالسلطان معضلة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا\nلولا الخلافة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا\n_________\n(٣٢) أخرجه من حديث أبي أمامة ﵁ الإمام أحمد (٥/٢٥١)، وابن حبان (٢٥٧- موارد)، والحاكم (٤/٩٢) وقال: \"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\"، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/١٥)، رقم (٤٩٥١) .\n(٣٣) \"الشوقيات (١/ ١٠٩) .\n(٣٤) المراد بالكذاب \"مسيلمة\" الذي ادعى النبوة، وادعى أنه أشْرِكَ مع النبي ﷺ في النبوة، ثم جاء بقرآن يضحك الناس، وتزوج \"سجاح\" التي ادعت هي الأخرى النبوة بعد موت النبي ﷺ، فقالوا لمسيلمة حين تزوجها: لابد لها من مهر، فقال: مهرها أني أسقطت عنكم صلاتي الفجر والعتمة، ثم إنها رجعت عن غيها وأسلمت، وما زالت تبين فضائح مسيلمة حتى قتل - انظر \"صيد الخاطر\" لابن الجوزي (ص ٥٠١-٥٠٣)، \"البداية والنهاية\" (٥/ ٥١، ٥٢)، (٦/٣٢٦) .\n(٣٥) \"غذاء الألباب\" للسفاريني (١/١٩٨) .","vol":"2","page":24},{"text":"لقد غدت عودة الحكم الإسلامي والسلطان المسلم أملًا يراود المسلمين في شتى بقاع الأرض، وتوحدت عليه قلوبهم، ولكنهم اختلفوا أيما اختلاف في كيفية هذه العودة المرتقبة، التي وعد الله ﷿ بها في قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسولَه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (٣٦)، ووعد بها رسول الله ﷺ في غير ما حديث\" (٣٧) .\nومع تباين السبل المقترحة للوصول إلى هذا الهدف واختلاف أصحابها إِلا أنه يكاد يتفق الجميع على أن الخطوة الأولى هي أن نصلح أنفسنا فإن الهداية فرع الاهتداء، والإصلاح فرع الصلاح، \"ولا يستقيم الظل والعود أعوج\"، فمن هنا كان لزامًا علينا أن نصحح فهمنا للإسلام الذي نجاهد لتمكينه، والذي تأثر كثيرا بحملات الغزو الفكري في كثير من المجالات، ثم نلتزم بما يمليه علينا هذا التصحيح.\nومن هذه المجالات الخطيرة وضع المرأة ... إنها قضية لا تحتمل التأجيل إلى ما بعد تحقيق الأمل المنشود بإذن الله ﷾، لسبب رئيسي ألا وهو أن قيام الدولة الإسلامية وبعث الأمة المسلمة منوطان بوضع المرأة المسلمة في كثير من الجوانب. . .\nفالمرأة هي أم المجاهدين، وبنت المجاهدين، وزوج المجاهدين، وأخت المجاهدين، وبدون \"المرأة المسلمة\" و\"البيت المسلم\" لا يمكن أن تقوم \"الدولة المسلمة\"، وعودة الإسلام لن تكون إلا على أيدي وأكتاف أولي عزم يقيمون الإسلام في أنفسهم وبيوتهم، ويحكمون بما أنزل الله في خاصة أنفسهم وأهليهم أولًا، حتى يستحقوا تنزل النصر عليهم، وحتى يأمنوا أن\n_________\n(٣٦) التوبة (٣٣) .\n(٣٧) انظر تفسير \"محاسن التأويل\" للقاسمي (٨/٣١٢٩-٣١٣٢) .","vol":"2","page":25},{"text":"يخذلهم الله في مواطن اللقاء مع الأعداء (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد: ١١) .\nونحن - المسلمين - مكلفون بتطبيق \"ما أنزل الله\" متعلقا بنظم الحياة الإسلامية الشاملة في مجتمعاتنا، فإذا تنَحلْنا المعاذير لتقصيرنا في هذه الفريضة، فماذا عسى أن يكون عذرنا إذا لم نحكم \"بما أنزل الله\" في بيوتنا؟ وماذا يكون عذرنا ونحن قادرون بعون الله على أن نستقي فهمنا للإسلام، ولقضية المرأة - على وجه الخصوص - من منابع الإسلام الصافية؟\nإنه لا يسوغ لنا، ولا يليق بنا أن نتلفت حيارى بحثًا عن الطريق، وبين أيدينا المعين الذي لا ينضب في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، فنكون:\nكالعِيس (٣٨) في البيداء يقتلها الظَّما ... والماء فوق ظهورها محمولُ\n_________\n(٣٨) العيس: بكسر العين: الإبل البيض يخالط بياضها شُقْرة - من \" القاموس المحيط\" (٢/٢٤٢) .","vol":"2","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>[فصل]\nبين الترقيع ... والأصالة</span>\nإن \"الترقيع\" و\"التقليد\" مرفوضان في طريق الإصلاح الإسلامي، فوضع المرأة الحالي الذي يحاول أن يسَوغَهُ بعضُ المنهزمين بنصوص إسلامية، إنما هو \"ترقيع\" في أحكام الإسلام التي لا تحتاج إلى عملية \"تجميل\" ليقبل عليها الناس، لأن هذه الأحكام الربانية السامية تحمل في طياتها جاذبية كامنة تهوى إليها أفئدة المؤمنين والمؤمنات الذين رَضوْا بالله ربُّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولًا.\nإن تقليد أغلب المسلمين والمسلمات لغيرهم إنما هو أمارة الانهزام الداخلي الذي ينعكس في هذه التبعية العمياء التي أودت بأصالتهم، وأفقدتهم \" العزة الإسلامية\"، وجعلتهم يهونون على ربهم، ويهونون على أنفسهم. \" ويل للمغلوب من الغالب\":\nولله دَر العلامة ابن خلدون ﵀ إذ عقد فصلًا خاصا في \"مقدمته\" (٣٩) جعله بعنوان:\n\"المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده\"، وبين فيه أن الذي يقلد غيره إنما هو الضعيف والناقص والمغلوب والجاهل، فقال:\n_________\n(٣٩) \"مقدمة ابن خلدون\"، الفصل الثالث والعشرون (ص ١٤٧) .","vol":"2","page":27},{"text":"\" ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله، وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائما، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمالَ فيهم، حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها، فيسرى إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير، كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة أي (الأسبان)، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحْوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتى لقد يَسْتَشْعِر من ذلك الناظرُ بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء، فالأمر لله\" اهـ.\nوصدق ابن خلدون ﵀، فلقد توقع استيلاء الإفرنج على الأندلس الإسلامية، وخروج المسلمين منها قبل أن يقع ذلك بنحو مئتي سنة، ولم يكن له دليل على ذلك إِلا مشاهدته تشبه المسلمين بالأعداء في ملابسهم وشاراتهم وعاداتهم وأحوالهم.\nإن الاعتزاز بالإسلام، والفخر بأحكامه الإلهية، والاستعلاء بها على كل ما خالفها من نظم ومناهج، هو مفتاح عودتنا إلى الإسلام، وعودة الإسلام إلى حياتنا.\n\"الإسلام يَعلُو، ولَا يُعلى\" (٤٠):\nوتأمل مَعي هذه القصة التي رواها الحاكم من طريق ابن شهاب قال:\n_________\n(٤٠) أخرجه الدارقطني في \" سننه\" (٣٩٥)، والبيهقي (٦/٢٠٥)، عن حشرج بن عبد الله بن حشرج حدثني أبي عن جدي عن عائذ بن عمرو المزني أنه جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حرب، ورسول الله ﷺ حوله أصحابه، فقالوا: \"هذا أبو سفيان، وعائذ بن عمرو، فقال رسول الله ﷺ: \"هذا عائذ بن عمرو، وأبو سفيان، الإسلام أعز من ذلك، الإسلام يعلو، ولا يعلَى\"، وحسنه الحافظ في \"الفتح\" (٣/٢٢٠) ط. السلفية، وقال: (وفي هذه القصة أن للمبدأ به في الذكر تأثيرًا في الفضل، لما يفيده من الاهتمام) اهـ، وقد أراد ﷺ هنا أن يعلمهم البداءة بذكر المسلم، وانظر: \"إرواء الغليل\" (٥/١٠٦ - ١٠٩)، \"جامع الأصول\" (٩/ ٦٠٤) .","vol":"2","page":28},{"text":"أخرج عمر بن الخطاب إلى الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة، فنزل عنها، وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا؟! تخلع نعليك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك! فقال عمر: أوَّه لو يقل ذا غيرُك أبا عبيدة جعلتهُ نكالًا لأمة محمد ﷺ، إنا كنا أذلَّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله\" (٤١)، وفي رواية: (يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العز بغيره) .\nوهذا ربعي بن عامر يرسله سعد ﵁ قبل القادسية رسولا إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلي الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى\n_________\n(٤١) رواه الحاكم (١/٦١-٦٢)، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي، قال الألباني- حفظه الله -: \"وهو كما قالا\" اهـ. من \"الصحيحة\" رقم (٥١) .","vol":"2","page":29},{"text":"عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) (٤٢) .\n(وحينما كانت البعثات الطلابية النصرانية تفد إلى ديار الإسلام وحواضره لتلقي العلم رغما عن رجال الكنيسة كان ذوو هؤلاء الطلاب ورجال الكنائس التي يتبعونها يبذلون كل جهدهم لوضع حواجز نفسية في نفوس هؤلاء الطلاب وعقولهم تحول دون تأثرهم بالفكر الإسلامي وبحياة المسلمين، ولقد بلغ من حرص الكنيسة على هذا أنها أصدرت قرارَا كنسيا تقول فيه: \" إن هؤلاء الشبان الرقعاء الذين ييدأون كلامهم بلغات بلادهم، ثم يكملون كلامهم باللغة العربية لنعلم أنهم تعلموا في مدارس المسلمين، هؤلاء إن لم يكفوا عن ذلك فستصدر الكنيسة ضدهم قرارات حرمان. .\" وأما اليهود فتلمودهم وشروحه وتعاليم أحبارهم حافلة بكل ما من شأنه إيجاد الحواجز المادية والنفسية بينهم وبين سواهم، ولولا هذه الحواجز- بغض النظر عن خطئهم أو إصابتهم فيها- لذاب اليهود منذ قرون في سواهم من الأمم، ولانتهى وجودهم) (٤٣) .\n\"موشى ديان\".. واعظًا:\n(لقى وزير الدفاع الإسرائيلي في إحدى جولاته شابا مؤمنًا في مجموعة من الشباب في حي من أحياء قرية عربية باسلة، فصافحهم بخبث يهودي غادر، غير أن الشاب المؤمن أبى أن يصافحه، وقال له: \"أنتم أعداء أمتنا، تحتلون أرضنا، وتسلبون حريتنا، ولكن يوم الخلاص منكم لابد آتٍ\n_________\n(٤٢) \"البداية والنهاية \" (٧/٣٩) .\n(٤٣) \"النهي عن الاستعانة والاستنصار في أمور المسلمين بأهل الذمة والكفار\" المقدمة (ص ١١) .","vol":"2","page":30},{"text":"بإذن الله، لتتحقق نبوءة الرسول ﷺ: \" لتقاتلن اليهود أنتم شَرْقِي النهر، وهم غَرْبِيه\"، فابتسم ديان الماكر، وقال: \"حقا! سيأتي يوم نخرج فيه من هذه الأرض، وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أصلا. . . ولكن متى؟ \" واستطرد اليهودي الخبيث يقول: \"إذا قام فيكم شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه، ويقدر قيمه الحضارية، وإذا قام فينا شعب يرفض تراثه، ويتنكر لتاريخه.. عندها تقوم لكم قائمة، وينتهي حكم إسرائيل \") (٤٤) .\n_________\n(٤٤) \"فصل الدين عن الدولة ضلالة مستوردة، للأستاذ يوسف العظم (ص ٧٠- ٧١) .","vol":"2","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>[فصل]\nوضع المرأة ومسئولية الولاة</span>\n\"عندما تميد الأرض تحت أقدام الناس لا تجد بينهم من يستطيع تحديد موقفه ولا مصيره، إذ يكون الجميع مأخوذين بدهشة المفاجأة، - فليس لدى أحدهم فرصة لسؤال غيره، بل لا يخطر في بال أحد أن يسأل غيره. والعين التي تستطيع تسجيل هذه الحركة العامة يجب أن تكون خارج المجال، وفِى وضع معزول تماما عن تأثيره.\nويبدو أن العقل الذي صنع قصة جحا وهو يقطع الغصن في وضع معكوس إنما يريد إعطاء هذه الصورة.. صورة فقدان الوعي الذي يصاحب مثل هذه الحركة في مجالها العين، فجحا يقف على طرف غصن يعمل هو في قطعه من ناحية الجذع، دون أن ينتبه إلى حتمية السقوط الذي سيصير إليه، فإذا مر به من ينبهه إلى هذا المصير، الذي انتهى إليه فعلًا بعد قليل، نهض يعدو خلفه ليقول له: لقد عرفت أمر سقوطي قبل حصوله ... فلن أدعك حتى تنبئني بنهايتي متى تحين!\nهذه الصورة تمثل واقع المرأة المسلمة اليوم، في اندفاعها المحموم وراء المجهول، الذي لم تجرب قط أن تسأل نفسها عن غايته ومحتواه.. وهو واقع لا يتاح التخلص من ضغطه إلا للإنسان الذي استطاع أن يعزل نفسه عن مؤثراته، ضمن حصانة من الفكر الحر المزود بمقاييس الطوارئ \" (٤٥) .\n_________\n(٤٥) \"تأملات في المرأة والمجتمع\" لمحمد المجذوب ص (٧-٨) .","vol":"2","page":32},{"text":"والمؤلم في هذا الواقع المرير أن المرأة قد رضيت أن تُؤلفَ نقطة الضعف، فهى ملقية بزمامها إِلى التيار يقذف بها حيث اتجه وسار، دون أن تفكر بالمقاومة، وأصبحت كل طاقاتها موجهة للاندفاع وراء هذا التيار فأصبحت كحجرة الانفجار في محرك السيارة، لا عمل لها الا الدفع، ولكنه الدفع الذي يسوق إلى الهاوية.\nبل بلغ الاستخفاف بها مداه حين صوروا لها أنها بهذا المسلك ترتفع إلى أعلى وأعلى، ولم تفطن إلى أنها في حقيقة الأمر قد صارت كالكرة الطائرة، تتقاذفها أيدي اللاعبين فتتهادى في كل اتجاه.. ولعلها مع ذلك لو نطقت لفاخرت بأنها ترفع على أكف المعجبين إلى عليين!\nلقد جاهرت المرأة الجديدة بالإعراض عن دينها، وقد يلتمس المتكلفون لها عذرًا لنقص عقلها ودينها، ولكن ما هو العذر الذي قد يلتمس للرجال الذين استغلوا نقصها، فنقصوا عنها عقلًا ودينًا أيضًا، وراحوا يدفعونها بإصرار إلى هلاكها بما يخالف العقل والنقل والفطرة.\nلقد جاء اليوم الذي يدفع فيه الرجال زوجاتهم وبناتهم دفعًا إلى مخالطة الرجال والعمل في محافلهم، فما أجدرهم بقول الشاعر:\nجرد السيفَ لرأس ... طارت النَّخوةُ منه\nإن الحديث عن المرأة لا ينتهَي، لأنها نصف البشرية، والذي يهمنا أن نؤكده هو أن كل ما نسطره في حق المرأة إنما هو من منطلق غيرتنا بصفتنا مسلمين على أخواتنا في الإسلام، وحرصنا على صيانتهن وحمايتهن، وليس انطلاقًا من \"عداوة\" للمرأة، فإنه لا يتصور رجل سَوِيٌّ يكون عدوُّا للمرأة، أليست المرأة هي أمه أو زوجه أو ابنته أو أخته أو قريبته، فكيف يكون عدوا لهؤلاء؟!\nوكذا ينبغي ألا ننخدع بأكاذيب من يَدَّعون \"صداقة المرأة\"،","vol":"2","page":33},{"text":"ويقومون على دعوة تحريرها، ويقودون تجمعاتها، وهم في الحقيقة ألدُ أعدائها، يتاجرون بقضيتها، وينتفعون بانحلالها، مموِّهين على ضحاياهم ببريق المصطلحات الخداعة، وما هي في الحقيقة إلا كساتر الدخان الذي يطلقه المحاربون لتغطية الزحف، ثم لا تلبث النفوس الضعيفة أن تخر صريعة تحت مطارق أوهام \"الحرية والتحرير\"، وقد تبلورت على أيدى هؤلاء الأنصار والأصدقاء، في معانٍ طريفة من الفوضى المنظمة.\nفتش عن اليهود:\n[لقد ترقت المفاهيم السياسية في هذا العالم الفسيح حتى أصبح كل ذى بصيرة يملك من قوة الحَدس ما يكشف له اليد الصهيونية (٤٦) وراء انهيار صرح الأخلاق في كثير من الأمم والشعوب، فما بالنا نغفل عن تدبير هذه اليد المختفية وراء قضايانا الاجتماعية عامة، وقضية المرأة المسلمة خاصة،\n_________\n(٤٦) ونظرة إلى كتاب (أوقفوا هذا السرطان) للدكتور سيف الدين البستاني الذي حلل فيه بروتوكولات اليهود ومساعيهم في إفساد المرأة (وتحريرها\" تبين حقيقة هذه اليد الصهيونية وراء إفساد المرأة المسلمة، وقد اتفق مخطط الدولة الصهيونية العالمية التي تريد ًان تسيطر على العالم وتتسلط على كافة الأمم بعد أن تقيم \"ملك داود\" على أن من السبل التي يجب اتباعها لإخضاع من يسمونهم (الجوييم) أو (الأمميين) حرب الأخلاق وتقويض نظام الأسرة بشتى الوسائل الممكنة: فالأفلام الماجنة توزعها في العالم \"دور صهيونية\"، والأزياء الفاحشة تتميز بها دور الأزياء الصهيونية، والمجلات الخليعة والقصص الفاجرة تصدرها دور طبع يهودية، وكثير من \" أبطال\" \"الفن\" الذين أسسوا ألوانه المتعددة ونشروها في ديار المسلمين هم من اليهود.\nوصدق الله العظيم: (ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين) (المائدة ٦٤) - انظر \"المرأة المسلمة\" لوهبي غاوجي (ص ٢٥٢)، \"ماذا عن المرأة\" للدكتور نور الدين عتر (ص ٤١)، و\"خطر التبرج والاختلاط\" لعبد الباقي رمضون (ص ١٩٦) .","vol":"2","page":34},{"text":"إن المشكلة في حقيقتها صارت تخضع من جراء التكتيك الصهيوني الصليبي لإيحاءات تسلطها على مشاعرنا المختبرات والأجهزة المختصة، حتى لا نستطيع أن نوجه سلوكنا الفكري طبقًا للمقاييس التي تحددها عقولنا وتعيها ضمائرنا، وهذا أمر من حقه أن يستوقف أولي البقية من الإيمان والحياء ليثير تفكيرهم فيما وراءه من جوائح لا تبقِي ولا تَذَر.\nإن ثمة توجيهًا خفيا يستهدف وضع المرأة المسلمة في ظروف مقصودة تسلبها الثقة بنفسها ومقوماتها، ولا جَرَمَ أن الهدف من وراء ذلك خطير رهيب، إنه تحطيم السدود الروحية التي حفظت لهذه الأمة حتى الآن مشاعر العزة والحرية الدافعة إلى الجهاد والبذل في سبيل الله، ثم اجتثاث الجذور التي تربطنا في أعماق التاريخ برسالة المجد الإلهي، التي جعلت من أمتنا خير أمة أخرجت للناس.\nلقد بات وضع المرأة المسلمة في مهب الأعاصير، فليس من الحكمة أن يترك زمامه للأمواج تقذف به حيث يشاء أولو الأهواء، ولا ريب أن الواجب يضع على كل عاتق نصيبه من المسئولية، لا يُستَثنى من ذلك صغير ولا كبير، ولا حاكم ولا محكوم.\nعلى أن الخطر بات من \" الإحكام\" بحيث لا يصلح لدرئه عمليا سوى \" الكبار\" الذين وضع الله في أيديهم مصاير البلاد، ومصالح العباد، فرب حكمة من مسئول تكون كالسد في طريق السيول.\nولا نريد أن نكذب على الحقيقة فنقول: \"إن الأمة تريد\"، فالأمة غافلة عما يراد بها من كيدٍ بهذه الانحرافات الاجتماعية المُبَيَّتة، وما دامت في غمرة الرجفة، فعسير عليها- إن لم نقل: مستحيل- أن تدرك واقعها..\nوإنما نقول: إن واجب الديانة ثم مصلحة الأمة يهيبان بالمسئولين أن","vol":"2","page":35},{"text":"يضغطوا على كابح القاطرة، قبل أن تصير إلى حافة الهاوية، وأين موضع هذا الكابح إن لم يكن في التشريع الذي يفرض على المرأة أن تكف عن السباق المجنون الذي تمارسه في حلبة التقليد الأعمى..\nالتشريع الذي يقول لمعاول الهدم من أصحاب الفنون الهابطة:\n\"ارتفعوا عن هذه الأوحال، فليس في حياة الأمم الجادة مجال لرقاعات السفهاء وثرثرات السخفاء\"، التشريع الذي يقول للمرأة: \"مهلا، لقد ملأتِ بتهتككِ دروبَ الناس ألغاما، فاقني حياءك، والزمي حدود الحشمة التي حتمتها تعاليم السماء على لسان جميع الأنبياء، فإن لم تفعلي ذلك مختارة فعلتِهِ مكرهة\".\nفليست أمريكا وهي مزرعة الرذائل اليهودية بأغير على الآداب من أمة المسلمين (٤٧)، وليس \" بيتان \" ابن باريس أم الفسوق والفجور بأحرص على هذه الآداب من أمة القرآن] (٤٨) .\n_________\n(٤٧) سُن في بعض الولايات المتحدة قانون يفرض على المرأة ألا يزيد كعب حذائها عن مقياس معين، وقد زُود رجال الشرطة هناك بمنشار يقطع كل زائد عن المباح، وقال جورج بالوشي في كتابه \"الثورة الجنسية\": (في سنة ١٩٦٢ صرح كنيدي بأن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات، لا يُقَدِّر المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأنه من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين، لأن الشهوات التي أغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية، وفي سنة ١٩٦٢ صرح خروشوف بأن مستقبل روسيا في خطر، وأن شباب روسيا لا يؤتمن على مستقبلها لأنه مائع منحل غارق في الشهوات.\nوفي شهر أبريل سنة ١٩٦٤ أثيرت في السويد ضجة كبرى عندما وجه (١٤٠) طبيبا من الأطباء المرموقين مذكرة إلى الملك والبرلمان يطلبون فيها اتخاذ إجراءات للحد من الفوضى الجنسية التي تهدد حقا حيوية الأمة وصحتها، وطالب الأطباء بسن قوانين ضد الانحلال الجنسي) اهـ. من \" تربية الأولاد في الإسلام\" (١/ ٢٧٨، ٢٨٠) . (٤٨) في فرنسا أعلن المريشال (بيتان) عقب هزيمة بلاده أمام الألمان في الحرب العالمية =","vol":"2","page":36},{"text":"اهـ (٤٩)\n[لقد فقدنا شخصيتنا المميزة، فبات كل ما نستطيعه هو تقليد هذا الغرب الذي آمنا بتفوقه، وأقبلنا نعدو وراءه دون وعي، فإذا نحن أسرع منه هبوطًا إلى أسفل، وإذا نحن نتلقى كل أخطائه الاجتماعية بالقبول والتطبيق، لا نشك في أنها خير ما أبدعه التقدم البشري، حتى إذا وجد من كبار رجال الغرب من يكشف فضائح هذه الأخطاء أغلقنا أسماعنا دون صوته! .. ولا عجب في ذلك، فالانحدار أيسر من الصعود، وليس من السهل أن تكلف من يهوي في السفح أن يتماسك فجأة عند نقطة الخطر، فضلًا عن أن تأمره بالصعود، وقديما صور الشاعر هذا المعنى بقوله:\nسُبُل الغَي سهلة واسعات ... وطريق الهدى كَسَمِّ الخِياط\nمصعد شَق لا تُكَلفه الضُّمَّرُ ... إلا مضروبةً بالسياط\nومن هنا كان إصلاح الأمم المتخلفة موقوفًا بالدرجة الأولى على قادتها السياسيين، الذين بيدهم مقاليد الإصلاح.\nوحق ما قاله حكيم العرب (أكثم) قديمًا من أن (إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي) .. ولكن صحة هذا الرأي مقيدة بنسبة الأوضاع؛ فالشعوب الواعية هي التي تملي خطط الحكام، ومن وعيها السياسي يستمد هؤلاء اتجاهاتهم، ولكن الجماعات التي لم تستكمل نضجها السياسي، ولم تستبن لها الأهداف في وضوح، وبخاصة إذا كانت حديثة\n_________\n= الثانية: أن سر الكارثة يعود إلى الفجور، وأصدر تشريعا يحدد للمرأة قياس ثوبها وأكمامها بشكل يستأصل دابر الفتنة، وها هو ذا القسيس (نيريرى) ديكتاتور تنزانيا يفعل بالأمس القريب قريبا من ذلك، وكانت قوات الشرطة في العراق (سنة ١٩٦٨) تتتبع النساء اللاتي ترتفع ثيابهن فوق الركبة، وتطاردهن، فإن لاذت المرأة بالفرار، وإلا قام البوليس بطلاء ساقها وقدمها بدهان أزرق عقوبة لها على ذلك.\n(٤٩) \"تأملات\" للمجذوب ص (١٣-١٦) بتصرف.","vol":"2","page":37},{"text":"النهوض من عثرات قرون وقرون.. هذه الجماعات لا تقبل الإصلاح إلا بقوانين، وكل دعوة فيها إلى الخير ينبغي أن تسبق بالأسوة الصالحة أولًا في شخص الحكام ومَن حولهم (٥٠) ثم بالمؤيدات القانونية التي تحسن التأديب لمن يند عن طريق الجماعة ... ولقد كان من سنة الفاروق ﵁ كلما أراد أن يشيع في الناس أمرًا، أن يجمع أهل بيته ويقول لهم: \" إني آمرٌ الناسَ بكَذا، وإنهم لينظرون إليكم؟ تنظر الطير إلى اللحم، فوالله لا أعلم بمخالفة أحدكم لهذا الأمر إِلا أضعفت له العقوبة\"] (٥١) .\n_________\n(٥٠) انظر تفصيل ذلك في \"الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة \" للأستاذ عبد الله ابن عمر الدميجي طبعة دار طيبة ص (٣٧١-٣٧٤) .\n(٥١) (تأملات في المرأة والمجتمع) لمحمد المجذوب (ص ٩٦-٩٧) .","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>[فصل]\nموقف دعاة الإسلام\nمن قضية المرأة (٥٢)</span>\n(والله يقول الحق وهو يهدى السبيل):\nإن دعاة الإسلام يدعون أولًا إلى الرجوع إلى حقيقة الإسلام ثم إلى صورة الإسلام، ثم إنهم يعتقدون أنهم يخاطبون أحد رجلين:\nإما كافر مكذب، فمهمتهم الأولى إزاءه دعوته إلى التصديق والإقرار بحقيقة التوحيد والرسالة، وإما مؤمن مصدق فواجبهم نحوه إقامة الدليل على حكم الله وحكم رسوله ﷺ من الكتاب المجيد والسنة المطهرة، وعليه أن يقول حينئذ (سمعنا وأطعنا)، إنهم لا يحَكمون آراءهم في \" قضية المرأة\"، ولا في أي قضية قال الله سبحانه فيها قولا، وحكم فيها حكمًا، شعارهم الذي يرفعونه دائمًا قول الله ﷿: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) وقوله سبحانه: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) وقوله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) الآية.\nولذلك تراهم لا يُحَكّمون أهواءهم بل كلام الحكيم الخبير العليم،\n_________\n(٥٢) استفدت كثيرا من فقراته من كتيب \" المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التحرر، للأشقر، بتصرف.","vol":"2","page":39},{"text":"ولا يَحكُمون لصالح الرجل ضد مصلحة المرأة، ولا لمصلحة المرأة ضد مصلحة الرجل، ذلك بأن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، إنه ليس في صالح المرأة ولا في صالح المجتمع أن تحيا مع الرجل حياة مواجهة وصراع، كذلك الذي وقع في أوربا وأمريكا إلى حد أن قامت هناك منظمات رجالية تدافع عن حقوق الرجال ضد تسلط المرأة، إن المرأة إذا سارت في الطريق الذي يريده لها أعداء دينها فلن تكسب شيئًا وستخسر كل شيء، إن الله ﵎ خلق المرأة للمهمة ذاتها التي خلق من أجلها الرجل، قال تعالى: (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون)، وأناط ﷻ السعادة بتحقيق كل منهما لهذه المهمة، والشقاء بالإعراض عنها، قال جل وعلا: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) الآيات.\nعبودية هي أعلى مراتب الحرية:\nلقد ألزم الإسلام الرجل والمرأة بالعبودية لله وحده في صورة الخضوع لمهجه ودينه، وهذه العبودية هي أرقى مراتب الحرية، فالإنسان من خلال توجهه إلى الله وحده يتحرر من كل سلطان فلا يوجه قلبه، ولا يطأطئ رأسه إلا لخالق السموات والأرض (٥٣) .\nوالمسلم بالإسلام يتحرر من سيطرة الهوى والشهوة، والسلطان الذي يسيطر عليه إنما هو سلطان الشرع الحنيف، قال تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) .\nإذن هي حرية في صورة العبودية، ولا يمكن للبشرية أن تتحرر حقُّا إلا بتحقيق هذه العبودية.\n_________\n(٥٣) انظر \" مجموع الفتاوى \" لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٠/٥٩٣، ٥٩٨) .","vol":"2","page":40},{"text":"إن الحرية في غير الإسلام تصبح حرية جوفاء لا معنى لها، بل هي العبودية المذلة المهينة، وإن بدت في صورة الحرية، إن الخضوع للطواغيت من الزعماء والرؤساء والمناهج والقوانين والنظم وما تهواه الأنفس بعيدًا عن تشريع الخالق إنما هو عبودية لغير الله وأي عبودية:\nهَرَبوا من الرق الذي خلِقُوا له ... فَبُلُوا بِرِق الكفرِ والشيطانِ\nكلانا مظلوم:\nإن التشريعات الإسلامية منزهة عن الظلم والإجحاف: (إن الله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون)، ولئن ساء وضع المرأة المسلمة في بعض الظروف، فإن السبب الحقيقي لهذا لم يكن التزامها بأحكام الإسلام- حاشا وكلا- بل هو في المقام الأول انحرافها عن الإسلام. وإن الظلم الواقع على المرأة في ديارنا كالظلم الواقع على الرجل سواءً بسواء، ليس سببه الإسلام الذي ندين به، بل سببه البعد عن الإسلام، وفصل الدين الحنيف عن واقع الحياة ونظمها.\nلا نسَوغُ الأخطاء:\nنحن أيضا لا نسوغ ما حاق فعلًا بالمرأة من ظلم وأوضاع فاسدة، فهناك من يكلفها فوق طاقتها، ولا يرحم ضعفها، هناك الآباء القساة، والأزواج الجهلة الذين يضربون بناتهم وأزواجهم ضرب غرائب الإبل، هناك من يهملون المرأة إهمالًا تامَا، ويهدرون حقوقها، ونحن لا نتعامى عن ذلك، ولكننا نعلم أيضًا أنه مرض من أمراض كثيرة تحيط بالأمة في رجالها ونسائها وأطفالها، ونحمد كل مسعى لإصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، ولكن لا نريد علاج الخطأ بخطأ آخر، ولا نريد أن ننتقل من إفراط إلى تفريط،","vol":"2","page":41},{"text":"ومن ضلال إلى ضلال، ورحم الله الإمامَ مالكًا القائل: \" لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها\".\nونحن أيضا حريصون على أن لا نشارك في هذا الظلم فنلقي اللوم كله على المرأة المظلومة أو الجاهلة.. فما أكثر هؤلاء النساء اللائي صُوِّر لهن أن خروجهن للتعليم - بوضعه الجاهلي - والعمل أيا كان نوعه، وأن خروجهن للمحافل والمجتمعات المختلطة واجب شرعي أو مستحب وأنه حق ينبغي لها أن لا تفرط فيه بحال، وأن قرارها في بيتها سجن وقيد وأغلال، وأنه شلل لطاقاتها العظيمة، وأن وظيفتها في هذا العصر صارت خارج البيت لا داخله، وما أكثر دعاوى علماء السوء الذين ضللوا الكثيرات بفتاواهم، وما أكثر النساء الصادقات النية في الالتزام بما يمليه عليهن دينهن لولا تشويش علماء السوء، ولولا قهر الآباء \" التقدميين \" والأزواج \"العصريين\"!\nما أكثر المسلمات اللائي أطعن الله ورسوله، وأرضين الله ورسوله فسخط عليهن الآباء أو الأزواج وراحوا يذيقونهن صنوف الأذى والعذاب، فاضطررن اضطرارًا للخضوع لقهرهم وإكراههم، وعسى أن يعذرهن الله ﷿:\nومن يَأت الأمور على اضطرار ... فليس كمثل آتيها اختيارا (٥٤)\nوالحق أن الخطاب ينبغي أن يتوجه في المقام الأول إلى الرجال آباء أو أزواجا، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارَا وقودها الناس والحجارة) الآية. (سورة التحريم: ٦) .\nوقال ﷺ: \" كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسئول عن\n_________\n(٥٤) انظر \"القسم الثالث\" ص (١٧٤-١٧٨) .","vol":"2","page":42},{"text":"رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها\" (٥٥) الحديث.\nشرع الله فوق الأمر الواقع:\n[ونحن لا ننكر أن الهوة فسيحة بين ما نحن عليه، وبين ما ينبغي أن نكون عليه، ويخطئ من يعتذر عن هذا بأن خروج المرأة إلى ميادين العمل ومغادرتها حصنها الحصين مخالطةً للرجال قد أصبح أمرًا واقعا وقاعدة مقررة، فلا نملك إلا الخضوع لها، والجريان وراء التيار.\nولكننا نقولها لكل مسلمة ترجو الله واليوم الآخر، وتعلم أنها مسئولة غدَا بين يدي ربها ﷿: إن هذا الذي يسمى (بالأمر الواقع، سوف يظل في ميزان إسلامنا الحنيف باطلًا منقوضًا مهما طال العهد عليه لأنها سنن الله الكبرى التي لا تتبدل ولا تتحول، والمعاند لها هالك لا محالة، فالحق واحد لا يتغير، ومهما يتقادم العهد على الباطل فسيظل باطلًا، ومهما يجر العمل على غير الحق فسيظل الحق هو هو وإن حاد عنه كل الناس، ثم إنه لا يبقى على توالي الأزمان إلا الحق، لأن الباطل زهوق لا تدوم له دولة، والحق هو الناموس، هو قانون الله الذي لا يتبدل، هو فطرة الله التي فطر عليها الخلق، هو ما ركبه الله سبحانه في طبائع الأشياء حين أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، (ولن تجد لسنة الله تبديلًا)، ولكن الذي يحول ويزول هو المعاند لسنة الله وفطرته، والذي يعارض الناموس ويخرج\n_________\n(٥٥) رواه البخاري (١٣/١٠٠) في الأحكام: في فاتحته، وفي الجمعة: باب في القرى والمدن، وفي الاستقراض، والعتق والوصايا، والنكاح، ومسلم رقم (١٨٢٩) في الإمارة: باب فضيلة الإمام العادل، والترمذي رقم (١٧٠٥) في الجهاد: باب ما جاء في الإمام، وأبو داود رقم (٢٩٢٨) في الإمارة: باب ما يلزم الإمام من حق الرعية.","vol":"2","page":43},{"text":"على الفطرة كالوعل الأحمق الذي وصفه الأعشى قديمًا حين قال:\nكناطِح صخرةً يومًا ليُوهِنَها ... فلم يَضِرْها وَأوهَى قَرْنَه الوَعْلُ] (٥٦)\n_________\n(٥٦) حصوننا مهددة من داخلها \" للدكتور محمد محمد حسين ﵀ (ص ١٣٢) .","vol":"2","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>الباب الثاني\nإهانة الجاهلية للمرأة</span>\n(أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم\nقلوب يعقلون بها أوءَاذان يسمعون بها\nفإنها لا تعمَى الأبصارُ ولكن تعمى\nالقلوب التي في الصدور) الحج (٤٦)\n\" بالضد تتبين الأشياء\":\nيجدر بنا إذا أردنا أن نبحث عن علاج لتقويم الوضع الذي وصلت إليه المرأة المسلمة في هذا الزمان وقد سقطت صريعةَ التبرج الجاهلي المعاصر: أن نعود إلى الماضي البعيد لنتتبع وضع المرأة في \" الجاهلية الأولى \" عند عرب الجاهلية، بل عند الأمم الأخرى التي انفصلت عن هدي الرسالات الإلهية، لندرك أن هناك \" إجماعا عالميا \" قد تجاوز حدود الزمان والمكان على ظلم المرأة وتجريدها من كافة حقوقها الإنسانية.\nثم إذا نحن تأملنا كيف حرر الإسلام المرأة ورفع شأنها، وكرمها قرآنا وسنة، وقلبنا صفحات التاريخ لِنَدْرُسَ\" سيرة المرأة المسلمة\" وكيف تأثرت بالإسلام مؤمنةً عابدة، وانفعلت به مجاهدةً صابرةً، ثم كيف أثرت في الإسلام أمُّا وبنتا وزوجة وعالمة.\nعند ذلك نستطيع أن ندرك:\n- زيف الدعاوى التي يروجها أعداء المرأة المسلمة حول \"وضع المرأة في الإسلام\".","vol":"2","page":45},{"text":"- وحقيقة المهانة التي تعرضت لها المرأة عند غير المسلمين، وتتعرض لها الآن مما لا يحس به إلا سليم الحس والبصيرة والذوق.\nوعند ذلك أيضًا نستطيع أن نستشعر ويستشعر معنا أمهاتنا ونساؤنا وبناتنا نعمة الإسلام العظيمة ورحمته التي لا حد لها، وتكريمه للمرأة المسلمة، فنرفع عقيرتنا نهتف بها قائلين: \"أيتها المسلمة لا تبدلي نعمة الله كفرًا\".","vol":"2","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>[الفصل الأول]\nالمرأة عند الآخرين (٥٧)</span>\nلا جرم أن الباحث في وضع المرأة قبل الإسلام لن يجد ما يسره، إذ يرى نفسه أمام إجماع عالمي على تجريد هذه المخلوقة من جميع الحقوق الإنسانية:\n(١) المرأة عند الإغريق:\nكانت محتقرة مهينة، حتى سموها رجسًا من عمل الشيطان، وكانت عندهم كسَقَطِ المتاع، تباع وتشترى في الأسواق، مسلوبة الحقوق، محرومة من حق الميراث وحق التصرف في المال، ومما يذكر عن فيلسوفهم (سقراط) قوله: (إن وجود المرأة هو أكبر منشأ ومصدر للأزمة والانهيار في العالم، إن المرأة تشبه شجرة مسمومة حيث يكون ظاهرها جميلَا، ولكن عندما تأكل منها العصافير تموت حالًا) .\nويحدثنا التاريخ عن اليونان في إدبار دولتهم كيف فشت فيم الفواحش والفجور، وعُدَّ من الحرية أن تكون المرأة عاهرًا، وأن يكون لها عشاق، ونصبوا التماثيل للغواني والفاجرات، وقد أفرغوا على الفاحشة ألوان القداسة بإدخالها المعابد حيث اتخذ البغاء صفة التقرب إلى آلهتهم، ومن ذلك أنهم\n_________\n(٥٧) مستفاد من \"المرأة بين الفقه والقانون\" للدكتور السباعي ﵀ (١٣ -٢٢)، \"ماذا عن المرأة؟ \" للدكتور نور الدين عتر (١٣-١٦)، \"المرأة المسلمة، لوهبي غاوجي (٢٥-٢٧)، \"المرأة ومكانتها، للحصين (١١-١٧) و\"المرأة العربية\" لعبد الله عفيفي، و(الحجاب) للمودودي (١٢-٢٥) وغيرها.","vol":"2","page":47},{"text":"اتخذوا إلها أسموه (كيوبيد) أي (ابن الحب)، واعتقدوا أن هذا الإله المزعوم ثمرة خيانة إحدى آلهتهم (٥٨) (أفروديت) زوجها مع رجل من البشر.\nوتحكى بعض المصادر أنه كان للمرأة الإسبرطية الحق في أن تتزوج بأكثر من رجل واحد.\n(٢) المرأة عند الرومان:\nكان شعارهم فيما يتعلق بالمرأة: \" إن قيدها لا ينزع، ونيرها لا يخُلع \" (٥٩)، وكان الأب غير ملزم بقبول ضم ولده منه إلى أسرته ذكرًا كان أم أنثى، بل كان يوضع الطفل بعد ولادته عند قدميه، فإذا رفعه وأخذه بين يديه كان ذلك دليلًا على أنه قبل ضمه إلى أسرته، وإلا فإنه يعني رفضه لذلك، وحينئذ يؤخذ الوليد إلى الساحات العامة، أو باحات هياكل العبادة فيطرح هناك، فمن شاء أخذه إذا كان ذكرًا، وإلا فإن الوليد يموت جوعا وعطشًا وتأثرا من حرارة الشمس أو برودة الشتاء، وكان لرب الأسرة أن يدخل في أسرته من الأجانب من يشاء، ويخرج منها من أبنائه من يشاء عن طريق البيع، ثم قيد قانون الاثني عشر لوحًا حق البيع بثلاث مرات، فإذا باع الأب ابنه ثلاث مرات متوالية كان له الحق في التحرر من سلطة رئيس الأسرة، أما البنت فكانت تظل خاضعة له ما دام حيًّا، وكانت قوانين الاثني عشر لوحًا تعد الأنوثة من أسباب حرمان الأهلية، ومن عجيب ما ذكرته بعض المصادر- وهو مما لا يكاد يصدق- أن (مما لاقته المرأة في العصور الرومانية تحت شعارهم المعروف \"ليس للمرأة روح \" تعذيبها بسكب الزيت الحار على بدنها، وربطها بالأعمدة، بل كانوا يربطون البريئات بذيول الخيول، ويسرعون بها إلى أقصى سرعة حتى تموت) (٦٠) .\n_________\n(٥٨) كان يبلغ عدد الآلهة التي عبدوها من دون الله \"ألف إله\"!\n(٥٩) \"المرأة في القرآن\" للعقاد ص (٥٤) .\n(٦٠) \"المرأة في الإسلام\" لسكينة زيتون (ص ١١) .","vol":"2","page":48},{"text":"(٣) المرأة عند الصينيين القدماء:\nشبهت المرأة عندهم بالمياه المؤلمة التي تغسل السعادة والمال، وللصيني الحق في أن يبيع زوجته كالجارية، وإذا ترملت المرأة الصينية أصبح لأهل الزوج الحق فيها كثروة، وتورث، وللصيني الحق في أن يدفن زوجته حية!\n(٤) المرأة في قانون حمورابي:\nكانت المرأة تحسب في عداد الماشية المملوكة، ومن قتل بنتًا لرجل كان عليه أن يسلم بنته ليقتلها أو يتملكها.\n(٥) المرأة عند الهنود:\nفي شرائع الهندوس أنه: \" ليس الصبر المقدر، والريح، والموت، والجحيم، والسم، والأفاعي، والنار، أسوأ من المرأة) .\nويقول الدكتور مصطفى السباعي ﵀: (ولم يكن للمرأة في شريعة \"مانو\" حق في الاستقلال عن أبيها أو زوجها أو ولدها، فإذا مات هؤلاء جميعا وجب أن تنتمي إلى رجل من أقارب زوجها، وهى قاصرة طيلة حياتها، ولم يكن لها حق في الحياة بعد وفاة زوجها بل يجب أن تموت يوم موت زوجها، وأن تحرق معه وهي حية على موقد واحد، واستمرت هذه العادة حتى القرن السابع عشر حيث أبطلت على كرهٍ من رجال الدين الهنود، وكانت تقدم قربانا للآلهة لترضى، أو تأمر بالمطر أو الرزق، وفي بعض مناطق الهند القديمة شجرة يجب أن يقدم لها أهل المنطقة فتاة تأكلها كل سنة \"؟! \") (٦١) .\n_________\n(٦١) \"المرأة بين الفقه والقانون\" (ص ١٨) .","vol":"2","page":49},{"text":"ويذكر \" جوستاف لوبون \" أن المرأة في الهند (تعد بعلها ممثلًا للآلهة في الأرض، وتُعَدُ المرأة العَزَبُ (٦٢)، والمرأة الأيم (٦٣) على الخصوص من المنبوذين من المجتمع الهندوسي، والمنبوذ عندهم في رتبة الحيوانات، ومن الأيامى الفتاة التي تفقد زوجها في أوائل عمرها، فموت الرجل الهندوسي قاصم لظهر زوجته فلا قيام لها بعده، فالمرأة الهندوسية إذا آمت- أي فقدت زوجها- ظلت في الحداد بقية حياتها، وعادت لا تعاملٍ كإنسان، وعُدَّ نظرها مصدرًا لكل شؤم على ما تنظر إليه، وعدت مُدَنسَة لكل شيء تمسه، وأفضل شيء لها أن تقذف نفسها في النار التي يحرق بها جثمان زوجها، وإلا لقيت الهوان الذي يفوق عذاب النار) (٦٤) .\n_________\n(٦) المرأة عند الفرس:\n\"أبيح الزواج بالأمهات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وكانت تنفي الأنثى في فترة الطمث إلى مكان بعيد خارح المدينة، ولا يجوز لأحد مخالطتها إلا الخدام الذين يقدمون لها الطعام، وفضلا عن هذا كله فقد كانت المرأة الفارسية تحت سلطة الرجل المطلقة، يحق له أن يحكم عليها بالموت، أو ينعم عليها بالحياة\" (٦٥) .\n(٧) المرأة عند اليهود:\nكانت بعض طوائف اليهود تعتبر البنت في مرتبة الخادم، وكان لأبيها\n_________\n(٦٢) العزب يطلق على الذكر والأنثى.\n(٦٣) الأيم من الرجال من فقد زوجته، ومن النساء من فقدت زوجها. (٦٤) \"حضارات الهند \" لغوستاف لوبون (ص ٦٤٤-٦٤٦) وما دفع هذا الحيف عن المرأة الهندية التي يموت زوجها، إلا بحكم الإسلام فيهم الذي كاد يحكم عموم الهند، خاصة في أيام الملك الصالح أورنك زيب ﵀، حتى احتل الإنكليز الهند، وفعلوا ما فعلوا خاصة بالمسلمين من أهلها.\n(٦٥) \"حقوق المرأة في الإسلام\" لمحمد رشيد رضا (ص ٢٧-٢٨) .","vol":"2","page":50},{"text":"الحق في أن يبيعها قاصرة، وما كانت ترث إلا إذا لم يكن لأبيها ذرية من البنين وإلا ما كان يتبرع لها به أبوها في حياته، وحين تحرم البنت من الميراث لوجود أخ لها ذكر يثبت لها على أخيها النفقة والمهر عند الزواج، وإذا كان الأب قد ترك عقارًا فيعطيها من العقار، أما إذا ترك مالًا منقولًا فلا شيء لها من النفقة والمهر ولو ترك القناطير المقنطرة.\nوإذا آل الميراث إلى البنت لعدم وجود أخ لها لم يجز لها أن تتزوج من سبط آخر، ولا يحق لها أن تنقل ميراثها إلى غير سبطها، واليهود يعتبرون المرأة لعنة لأنها أغوت آدم، وعندما يصيبها الحيض لا يجالسونها ولا يؤاكلونها (٦٦) ولا تلمس وعاء حتى لا يتنجس، وكان بعضهم ينصب للحائض خيمة، ويضع أمامها خبزًا وماء، ويجعلها في هذه الخيمة حتى تطهر.\n(٨) المرأة عند الأمم النصرانية:\nهال رجال النصرانية الأوائل ما رأوا في المجتمع الروماني من انتشار الفواحش والمنكرات وما آل إليه المجتمع من انحلال أخلاقي شنيع، فاعتبروا المرأة مسئولة عن هذا كله، لأنها كانت تخرج إلى المجتمعات، وتتمتع بما\n_________\n(٦٦) وقد قال أنس بن مالك ﵁: \" إِن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ؟ فأنزل الله ﷿: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (البقرة: ٢٢٢)، فقال رسول الله ﷺ: \" اصنعوا كُل شيء إلا النكاحَ \"، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: \" ما يريد هذا الرجل أن يَدَعَ من أمرنا شيئا إلا خالفَنا فيه\") الحديث رواه مسلم رقم (٣٠٢) في الحيض: باب جواز غسل الحائض رأس زوجها، وأبو داود رقم (٢١٦٥) في النكاح: باب في إتيان الحائض ومباشرتها، والترمذي رقم (٢٩٨١) في التفسير، والنسائي (١/١٥٢) في الطهارة.","vol":"2","page":51},{"text":"تشاء من اللهو، وتختلط بمن تشاء من الرجال كما تشاء، فقرروا أن الزواج دنس يجب الابتعاد عنه وأن العزب أكرم عند الله من المتزوج، وأعلنوا أنها باب الشيطان، وأن العلاقة بالمرأة رجس في ذاتها، وأن السمو لا يتحقق إلا بالبعد عن الزواج، قال (ترتوليانا الملقب بالقديس (٦٧): (إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، مشوهة للرجل) .\nوقال: \" سوستام\" الملقب بالقديس: (إنها شر لابد منه، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة) .\nوفي القرن الخامس اجتمع بعض اللاهوتيين ليبحثوا ويتساءلوا في \"مجمع ماكون\": (هل المرأة جثمان بحت أم هي جسد ذو روح يناط به الخلاص والهلاك؟) وغلب على آرائهم أنها خِلْو من الروح الناجيهّ، وليس هناك استثناء بين جميع بنات حواء من هذه الوصمة إلا مريم (٦٨) ﵍ أم المسيح \" عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام \".\nوعقد الفرنسيون في عام ٥٨٦ م- أي في زمان شباب رسول الله ﷺ - مؤتمرًا للبحث: هل تعد المرأة إنسانا أم غير إنسان؟ وهل لها روح أم ليس لها روح؟ وإذا كانت لها روح فهل هي روح حيوانية أم روح إنسانية؟ وإذا كانت روحًا إنسانية فهل هي على مستوى روح الرجل أم أدنى منها؟ وأخيرًا: قرروا أنها إنسان، ولكنها خُلقت لخدمة الرجل فحسب.\n_________\n(٦٧) راجع \" القسم الأول \" هامش ص (٢٣٤) طبعة القاهرة أو طبعة \" طيبة\" ص (٢٧٤) .\n(٦٨) \"المرأة في القرآن\" ص (٥٤) .","vol":"2","page":52},{"text":"فالدين النصراني المحرف الذي ينتمي إليه العالم الغربي اليوم يرى أن المرأة ينبوع المعاصي، وأصل السيئة والفجور، ويرى أن المرأة للرجل باب من أبواب جهنم من حيث هي مصدر تَحَرُّكه وحمله على الآثام، ومنها انبجست عيون المصائب على الإنسانية جمعاء، يقول الدكتور \" سفر الحوالي\" حفظه الله:\n[ولما كانت المرأة- حسب رواية سفر التكوين- هي التي أغرت الرجل بالأكل من الشجرة، فإن النصرانية المحرفة ناصبت المرأة العداء، باعتبارها أصل الشر، ومنبع الخطيئة في العالم، لذلك فإن عملية الخلاص من الخطيئة لا تتم إلا بإنكار الذات، وقتل كل الميول الفطرية، والرغبات الطبيعية، والاحتقار البالغ للجسد وشهواته \" اهـ (٦٩) .\nومن أساسيات النصرانية المحرفة التنفير من المرأة وإن كانت زوجة، واحتقار وترذيل الصلة الزوجية وإن كانت حلالًا، حتى بالنسبة لغير الرهبان، يقول أحد رجاك الكنيسة: \" بونا فنتور\" الملقب بالقديس: (إذا رأيتم امرأة، فلا تحسبوا أنكم ترون كائنًا بشريا، بل ولا كائنًا وحشيًّا، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته، والذي تسمعون به هو صفير الثعبان) (٧٠) اهـ.\n(إن القس يجب أن يكرس حياته لله وبني الإنسان، وإن مستواه الأخلاقي يجب أن يعلو على مستوى أخلاق الشعب، وأن يضفي على مستواه هذه المكانة التي لابد منها لاكتساب ثقة الناس، وإجلالهم إياه (٧١» اهـ.\nويقول صاحب كتاب \" المشكلة الأخلاقية والفلاسفة\" معلقًا على هذه التعاليم الكنسية التي تدعو إلى أن نقتل فينا كل ميل دنيوي:\n_________\n(٦٩) \"العلمانية: نشأتها، وتطورها، وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة\" ص (٨٦) .\n(٧٠) \"السابق\" نقلا من: \"أشعة خاصة بنور الإسلام\" ص (٢٩) .\n(٧١) \"السابق\" نقلًا من: \"قصة الحضارة\" (١٤/٣٨٢) .","vol":"2","page":53},{"text":"\"عظمة وعلاء، ولكنه قضاء قاس على الإنسانية، وإن التطبيق الكامل لمثل تلك المبادئ ليمكن أن يملأ الأرض بأديرة فيها الرجال من جهة، والنساء من جهة أخرى، ينتظرون في طهارة وتأمل الزوال النهالى للنوع الإنساني] (٧٢) اهـ.\n(وأصدر البرلمان الإنكليزى قرارا في عصر هنري الثامن ملك انكلترا، يحظر على المرأة أن تقرأ كتاب (العهد الجديد) أي الإنجيل، لأنها تعتبر نجسة) .\nوتذكر بعض المصادر أنه قد شكل مجلس اجتماعي في بريطانيا خصيصًا لتعذيب النساء، وذلك سنة ١٥٠٠ م، وكان من ضمن مواده تعذيب النساء، - وهن أحياء بالنار (!) .\nونص القانون المدني الفرنسي (بعد الثورة الفرنسية) على أن القاصرين هم الصبي والمجنون والمرأة، حتى عدل عام ١٩٣٨، ولا تزال فيه بعض القيود على تصرفات المرأة المتزوجة.\nوظلت النساء طبقا للقانون الإنكليزي العام- حتى منتصف القرن الماضي تقريبا- غير معدودات من \"الأشخاص\" أو \" المواطنين\" (٧٣) الذين اصطلح القانون على تسميتهم بهذا الاسم، لذلك لم يكن لهن حقوق شخصية، ولا حق في الأموال التي يكتسبنها، ولا حق في ملكية شيء حتى الملابس التي كن يلبسنها.\nبل إن القانون الإنكليزى حتى عام ١٨٠٥م كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد ثمن الزوجة بستة بنسات (نصف شلن)، وقد حدث أن باع إنكليزى زوجته عام ١٩٣١م بخمسمائة جنيه، وقال محاميه\n_________\n(٧٢) \"السابق، ص (٩١) .\n(٧٣) وفي عام ١٥٦٧، صدر قرار من البرلمان الاسكوتلاندي بأن المرأة لا يجوز أن تمنح أية سلطة على أي شيء من الأشياء.","vol":"2","page":54},{"text":"في الدفاع عنه: \" إن القانون الإنكليزي عام ١٨٠١م يحدد ثمن الزوجة بستة بنسات بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوجة\"، فأجابت المحكمة بأن هذا القانون قد ألغى عام ١٨٥٥م بقانون يمنع بيع الزوجات أو التنازل عنهن، وبعد المداولة حكمت المحكمة على بائع زوجته بالسجن عشرة أشهر.\nوجاء في مجلة \"حضارة الإسلام\" السنة الثانية (ص ١٠٧٨):\n(حدث في العام الماضي أن باع إيطالي زوجته لآخر على أقساط، فلما امتنع المشتري عن سداد الأقساط الأخيرة قتله الزوج البائع) اهـ.\nوقال الأستاذ \"محمد رشيد رضا\" ﵀: \"من الغرائب التي نقلت عن بعض صحف إنكلترا في هذه الأيام (٧٤) أنه لا يزال يوجد في بلاد الأرياف الإنكليزية رجال يبيعون نساءهم بثمن بخس جدا كثلاثين شلنا، وقد ذكرت- أي الصحف الإنكليزية- أسماء بعضهم\" (٥٧) اهـ.\nأما وضع المرأة اليوم في ديار الكفار، فَحَدث ولا حرج عن الإذلال، والمهانة، والمجون، والخلاعة، والابتذال، والاستغلال، في أقسى صورها، وأبشع مظاهرها، التي لا يسيغها إلا ممسوخ الفطرة، منتكس السريرة، خبيث الطوية، وحسبك أن تنتقي أمة تتربع على قمة العالم الغربي الكافر كأمريكا، وترصد ما وصلت إليه المرأة من انحطاط أخلاقي، وانهيار اجتماعي، وتفكك أسري، يقول الدكتور \"مصطفى السباعي \" ﵀ في وصف شيء من أحوال المرأة في الغرب:\n(وأما المرأة فقد دفع بها الوضع الاجتماعي الذي لا يرحم إلى أن\n_________\n(٧٤) وتاريخ طبع الكتاب ١٢ ربيع الأول سنة ١٣٥١ هـ، أي أن آثار الماضي كانت لا تزال باقية في إنكلترا إلى ما قبل حوالي ستين سنة فقط!\n(٧٥) حقوق النساء في الإسلام\" الشيخ محمد رشيد رضا ﵀.","vol":"2","page":55},{"text":"أصبحت تطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة لكى تبدأ في الكدح لنيل لقمة العيش، وإذا ما رغبت- أو أجبرتها الظروف- في البقاء في المنزل مع أسرتها بعد هذه السن، فإنها تدفع لوالديها إِيجار غرفتها، وثمن طعامها، وغسيل ملابسها، بل تدفع رسمًا معينا مقابل اتصالاتها الهاتفية) (٧٦) اهـ.\nوحَدث- ولا حرج- عن ندرة الزواج، وشيوع البغاء، وتفشي الزنا واللواط، وكثرة اللقطاء، وارتفاع نسبة الطلاقَ، وتغلغل الأمراض التناسلية الفتاكة، وانتشار نكاح المحارم بصورة مفزعة، بل لقد وصلت المرأة إلى دركة من المهانة والانحلال لا يتخيلها عاقل:\nيقول الدكتور \" نور الدين عتر\": \" حدثني صديق أنهى تخصصه العالي في أمريكا حديثا أن في الأمريكيين أقوامًا يتبادلون زوجاتهم لمدة معلومة، ثم يسترجع كل واحد زوجته المعارة، تماما كما يعير القروي دابته، أو الحضري في بلادنا شيئا من متاع بيته \" (٧٧) اهـ.\nفهذه لمحة خاطفة عن حال المرأة في عصر الحضارة المسماة حضارة القرن العشرين، وما هي بحضارة، وإنما هي قذارة وفجارة، عصرِ المساواة، وما هي بمساواة المرأة بالرجل، وإنما هي مساواة الإنسان بأخيه الحيوان:\nإيهِ عصرَ العشرين ظنوك عصرًا ... نيِّرَ الوجه مُسْعِدَ الإنسان\nلست (نورًا) بل أنت (نار) وظلم ... مذ جعلت الإنسان كالحيوانِ\n_________\n(٧٦) \"المرأة بين الفقه والقانون\" ص (٣٠٠) .\n(٧٧) \" ماذا عن المرأة؟ \" ص (١٥-١٦) .","vol":"2","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>[الفصل الثاني]\nالمرأة عند العرب في الجاهلية</span>\nوالله إن كنا في الجاهلية ما نعد\nللنساء أمرا، حتى أنزل الله فيهن\nما أنزل، وقسم لهن ما قسم) (٧٨) .\nعمر بن الخطاب ﵁\nلم يكن لها حق الإرث، وكانوا يقولون في ذلك: \" لا يرثنا إلا من يحمل السيف، ويحمي البيضة)، فإذا مات الرجل ورثه ابنه، فإن لم يكن فأقرب من وجد من أوليائه أبا كان أو أخا أو عمُّا، على حين يضم بناته ونساؤه إلى بنات الوارث ونسائه، فيكون لهن ما لهن، وعليهن ما عليهن.\nولم يكن لها على زوجها أي حق، وليس للطلاق عدد محدود، ولا لتعدد الزوجات عدد معين، وكانوا إذا مات الرجل وله زوجة وأولاد من غيرها، كان الولد الأكبر أحق بزوجة أبيه من غيره، فهو يعتبرها إرثا كبقيهَ أموال أبيه، فإن أراد أن يعلن عن رغبته في الزواج منها طرح عليها ثوبًا، وإلا كان لها أن تتزوج بمن تشاء، وفي هذا يقول ناظم عمود النسب- وهو يعدد مختلقات الجاهلية:\n(وأن من ألقى على زوج أبيه ... ونحوه بعد التوى (٧٩) ثوبًا يريه\nأولى بها من نفسها إن شاء ... نكح أو أنكح أو أساء\nبالعضل كي يرثها أو تفتدي ... ومهرها في النكحتين للردي) (٨٠)\n_________\n(٧٨) انظر: \" فتح الباري، (١٠/٣٠١) ط: السلفية.\n(٧٩) تَوِيَ تَوًى - كَرَضِيَ - هَلَكَ. \"مختار القاموس\" ص (٨٠) .\n(٨٠) \"أضواء البيان\" للشنقيطي (١/٢٧٩)، وانظر: \" الكشاف، للزمخشري (١/٥١٣) .","vol":"2","page":57},{"text":"وعن ابن عباس ﵄ قال: \" كان الرجل إذا مات أبوه أو حموه فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدى بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها\".\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: \" إن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل فترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم\"، وحكى ابن جرير ﵀: \" أن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه، فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو ينكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهى أحق بنفسها\" (٨١) .\nوقد كان نكاح زوجات الآباء معروفًا في الجاهلية، فعله كثير من العرب (٨٢)، وهذا الذي نهى الله عنه بقوله جل وعلا: (ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتَا وساء سبيلًا) (النساء: ٢٢) .\nوكانت المرأة تُمسَك ضرارًا للاعتداء، وتلاقي مِن بعلها نشوزًا أو إعراضا، وتُترك أحيانا كالمعلقة.\nوكان أحدهم إذا أراد نجابة الولد حمل امرأته - بعد طهرها من\n_________\n(٨١) \" تفسير الطبري\" (٤/٣٠٧) .\n(٨٢) وقد ذكر أسماء بعض منهم العلامة القرطبي في تفسيره (٥/١٠٤)، وكان بعض ذوى المروءات منهم يمقتون هذا النكاح، ويسمونه نكاح المقت، وكانوا يسمون الرجل الذي يزاحم أباه في امرأته غير أمه: \" الضيزن\"، وكانوا يسمون المولود من هذا النكاح: المتقْتِي، وأصل المقت: البغض. [انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/١٠٤-١٠٥) .","vol":"2","page":58},{"text":"الحيض- إلى الرجل النجيب كالشاعر والفارس، وتركها عنده حتى يستبين حملها منه، ثم عاد بها إلى بيته، وقد حملت بنجيب!\nوعن ابن عباس ﵄ قال: \" كانوا في الجاهلية يُكْرِهون إماءهم على الزنا، ويأخذون أجورهم \".\nوقال قتادة: \"كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقعد حزينا سليبًا ينظر إلى ماله في يد غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضًا\" (٨٣) اهـ.\nوكان من المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرم على الإناث، كما يأتي بيانه إِن شاء الله.\nوكان عند العرب في الجاهلية أنواع من الزواج الفاسد الذي كان يوجد عند كثير من الشعوب، ولا يزال بعضه إلى اليوم في البلاد الهمجية: - فمنها اشتراك الرهط من الرجال في الدخول على امرأة واحدة، وإعطائها الحق في الولد أن تلحقه بمن شاءت منهم.\n- ومنها نكاح الاستبضاع، وهو أن يأخذ الرجل لزوجه أن تمكن من نفسها رجلًا معينا من الرؤساء والكبراء المتصفين بالشجاعة أو الكرم ليكون لها منه ولد مثله، وقد مر ذكره آنفا (٨٤) .\n- ومنها السفاح بالبغاء العلني، وكان عند العرب خاصا بالإماء دون\n_________\n(٨٣) ذكره الطبراني عند تفسير قوله تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) المائدة آية (٩١) .\n(٨٤) وهذان النوعان لا يزالان موجودان بصفة مطلقة دائمة عند بعض الأمم كالتبت وغيرها، وكان عند العرب مؤقتا ومقيدًا بما ذكرنا.","vol":"2","page":59},{"text":"الحرائر، \"وكانوا لا يتحرجون من الزنا، وهم يتحرجون من ولاية اليتامى\" (٥٨) .\n- ومنها اتخاذ الأخدان أي الصواحب والعشيقات، وكانوا يستترون به، ويعدونه لؤما وخِسة (٨٦) .\n- ومنها نكاح المتعة وهو المؤقت، وقد استقر أمر الشريعة على تحريمه، وتبيحه فرقة الشيعة الإمامية (٨٧) .\n- ومنها نكاح البدل والمبادلة، وهو أن ينزل كل من الرجلين للآخر عن زوجته (٨٨) .\n- ومنها نكاح الشغار، وهو أن يُزَوِّج الرجلَ امرأة بنته أو أخته أو من هي تحت ولايته على أن يزوجَه أخرى بغير مهر، صداقُ كُل واحدة بُضْعُ الأخرى.\n- وهذان النوعان مبنيان على قاعدة اعتبار المرأة ملكًا للرجل يتصرف فيها كما يتصرف في بهائمه وأمواله (٨٩) .\nوأما المرتقون من العرب كقريش فكان نكاحهم هو الذي عليه المسلمون في الإسلام، من الخطبة والمهر والعقد، وهو الذي أقره الإسلام (٩٠)، مع إبطال بعض العادات الظالمة للنساء فيه، من استبدادٍ فى\n_________\n(٨٥) \"الكشاف\" للزمخشري (١/٤٩٦) .\n(٨٦) وهذان النوعان شائعان اليوم في أوربا كلها جهرا، وسرى منها إلى كثير من البلاد الشرقية.\n(٨٧) وهو شائع بمعناه اليوم عند الإفرنج ويسمونه: نكاح التجربة.\n(٨٨) \"نيل الأوطار\" (٥/٢) ط. دار التراث.\n(٨٩) ولا يزالان، موجودين في الشعوب الهمجية كالغجر.\n(٩٠) انظر: \"فتح الباري\" (٩/١٥٠-١٥٢) .","vol":"2","page":60},{"text":"تزويجهن كرهًا أو عضلهن -أي منعهن من الزواج- أو أكل مهورهن إلى غير ذلك.\nمن عادات الجاهلية في الطلاق:\n(وكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية) (٩١) .\n(ولم يكن النساء يومذاك بحاجة إلى المصارحة بالطلاق، بل كان حسب البدويات منهن أن يحولن أبواب أخبيتهن إن كانت إلى الشرق فإلى الغرب، أو كانت إلى الجنوب فإلى الشمال) (٩٢) .\n(وكان لهن- إذا لم يَكُن ذوات أخبية- أساليب يدللن بها الرجال على الطلاق، فليس لهم عليهن من سبيل، فكان بعضهن إذا تزوجت رجلًا، وأصبحت عنده كان أمرها إليها، وتكون علامة ارتضائها للزوج أن تعالج له طعامًا إذا أصبح) (٩٣) .\nمن عادات الجاهلية في الحداد:\nوكانت المرأة في الجاهلية إذا ذهب الموت بعزيز من آلها وعشيرتها فهناك يجتمع نساء الحي للمأتم، حواسر الرؤوس، سوافر الوجوه، يشققن الجيوب، ويلطمن الوجوه، ويهجن الباكيات، بما يثير الحزن الرابض، والشجو المميت، وعادة المَنَاحَةِ على السيد الشريف أن تظل سنة كاملة:\n*ومن يبكِ حولا كاملًا فقد اعتذر*\nوقد كانت العدة في الجاهلية حولًا كاملًا، وكانت المرأة تحد على\n_________\n(٩١) \"الأغاني\" لأبي الفرج (١٦/١٠٢) .\n(٩٢) السابق.\n(٩٣) (المرأة العربية) (١/٥٧-٥٨) .","vol":"2","page":61},{"text":"زوجها شر حداد وأقبحه، فتلبس شر ملابسها، وتسكن شر الغرف وهو (الحِفْش) (٩٤)، وتترك الزينة والتطيب والطهارة، فلا تمس ماءً، ولا تقلم ظفرًا، ولا تزيل شعرًا، ولا تبدو للناس في مجتمعهم، فإذا انتهى العام خرجت بأقبح منظر، وأنتن رائحة، فتنتظر مرور كلب لترمي عليه بعرة احتقارًا لهذه المدة التي قفتها، وتعظيمًا لحق زوجها عليها.\nوعن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: \" يا رسول الله إن ابنتى توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحُلها؟ \" فقال رسول الله ﷺ: \"لا\"، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: \"لا\"، ثم قال ﷺ: إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول\" فقالت زينب: (كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفشا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر عليها سنة، ثم تؤتى بدابة حمارٍ أو طير أو شاةٍ فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات (٥٩)، ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعدُ ما شاءت من طيب أو غيره) (٩٦) .\nوكان من عوائد النساء في الجاهلية بدعة \" الإسعاد\"، ومعناه إِعانة\n_________\n(٩٤) الحفش: البيت الصغير المظلم داخل البيت.\n(٩٥) قال ابن قتيبة: (سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدة كانت لاتمس ماء، ولا تقلم ظفزا، ولا تزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض بطائر أي تمسح قُبُلَهَا به، فلا يكاد يعيش ما تفتض به) والمراد أنه يموت من نتنها- وانظر \" فتح الباري\" (٩/٤٨٤ - ٤٩٠)، و\"روائع البيان\" للصابوني (١/٣٦٥ -٣٦٧) .\n(٩٦) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/٥٩٦ -٥٩٨) في الطلاق: باب ما جاء في الإحداد، والبخاري (٤٢٧/٩) في الطلاق: باب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، ومسلم رقم (١٤٨٦: ١٤٨٩) في الطلاق: باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة، وغيرهم.","vol":"2","page":62},{"text":"النساء بعضهن بعضا في النياحة بموت الميت، فكان النساء يسرعن لمساعدة صاحبة الميت في النوح والبكاء، وتصير المساعدة دَيْنًا في ذمة المرأة المصابة ترى وجوب تأديته لكل من ساعدها (٩٧) .\nوأد البنات في الجاهلية\n(من العرب من كان يرى البنت حملَا فادحًا يضعف دونه احتماله، وتتخاذل قواه لفرط ما يُشفق من وصمة الذل، ووصم العار، إذا وهنت نفسها، أو ذهب السباء بها، فكان بين أن يستبقيها على كره لها، ومضض منها، وترقب لموتها، أو يفزع إلى الحُفَر فيقذفها في جوفها، ويهيل التراب على غَضَارة عودها، ونضارة وجهها، وبدل أن يدعها تستقبل الوجود، وتستنشي نسيم الحياة، يدعها في غمرة الموت بين طباق الأرض!!\nولو أننا افترضنا تلك الجريمة الموبقة بين جمهور العرب لما آمنا بتلك الجيوش الخضارم (٩٨) التي وطئت نواصي الأرض، وطوقت أعناق الأمم، وهم أبناؤهم وحفدتهم، فالحق أن الوأد لم يكن معروفَا إلا في فرائق من ربيعة (٩٩) وكِنْدة وتميم وطيء، وأفذاذ مغمورين لا يُعَدُّون قلةً من مختلف القبائل، وهم بين رجلين: رجل أملق من عقل ومال، فهو يخشى أن\n_________\n(٩٧) انظر \"الإبداع في مضار الابتداع للشيخ على محفوظ ﵀ (ص ٢٢٤- ٢٢٥) .\n(٩٨) الخضارم: جمع خِضْرم بكسر الخاء والراء - الكثير الوفير من كل شيء.\n(٩٩) قال الألوسي رحمه الله تعالى: (ورأيت إذ أنا يافع في بعض الكتب أن أول قبيلة وأدت من العرب ربيعة، وذلك أنهم أغير عليهم، فنهبت بنت لأمير لهم، فاستردها بعد الصلح، فخيرت برضى منه بين أبيها ومن هي عنده، فاختارت من هي عنده، وآثرته على أبيها، فغضب، وسن لقومه الوأد ففعلوه غيرة منهم، ومخافة أن يقع لهم بَعْدُ مثل ما وقع، وشاع في العرب غيرهم، والله تعالى أعلم بصحة ذلك) اهـ من \" روح المعاني \" (٣٠/٦٧) .","vol":"2","page":63},{"text":"يسيء الفقر إلى أدب ابنته، ويهتك من سترها، ويبذل من عرضها، وآخر من سراة القوم ذهبت بعقله الغيرة، وهوى بنفسه الإشفاق من تبدل الحوادث، وتداول المَثُلات، وما عسى أن يصيبها من ذل أو سباء) (١٠٠) .\nوقد كانت بعض القبائل تئد البنات والأولاد أيضًا خشية الفقر (١٠١) .\nوكانت بعض القبائل تقول: \" الملائكة بنات الله \"، فيفتلون بناتهم، ويقولون: \" نلحقهن ببنات الله\" - تعالى الله عن ذلك علوُّا كبيرًا.\nوقال قتادة: \" كان مُضَرُ وخُزاعة يدفنون البنات أحياءً، وأشدهم في هذا تميم، زعموا خوف القهر عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن\" (١٠٢) .\nوعنه أيضًا قال: (كان أحدهم يغذو كلبه، ويئد ابنته) اهـ (١٠٣) .\n(وكان بعضهم يغرقها، وبعضهم يذبحها) (١٠٤) .\n(وكان الرجل يشترط على امرأته: أنكِ تئدين جارية، وتستحيين أخرى، فإذا كانت الجارية التي توأد، غَدَا مِن عند أهله أو راح، وقال: أنت علىَّ كأمي إن رجعت إليك ولم تئديها، فترسل إلى نسوتها، فيحفرن\n_________\n(١٠٠) \"المرأة العربية\" (١/٤٤) .\n(١٠١) وقد رَدَّ عليهم القرآن ذلك في قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئًا كبيرا) وقوله سبحانه: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) فأبطل بالآية الأولى تخوفهم من الإملاق المتوقع، وفي الثانية من الإملاق الحاضر.\n(١٠٢) \"الجامع لأحكام القرآن \" للقرطبي (١٠/١١٧) .\n(١٠٣) \"تفسير الطبري\" (٧٦/١٤) .\n(١٠٤) \"روح المعاني\" للألوسي (١٤/١٦٩) .","vol":"2","page":64},{"text":"لها حفرة، فيتداولنها بينهن، فإذا بصرن به مقبلا دسسنها في حفرتها، وسوَّين عليها التراب) (١٠٥) .\nوكانوا في بعض الأحيان يئدون البنات بقسوة نادرة، فقد يتأخر وأد الموءودة (١٠٦) لسفر الوالد وشُغله، فلا يئدها إلا وقد كبرت، وصارت تعقل، وقد كان بعضهم يلقى الأنثى من شاهق (١٠٧)، وقد حَكَوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات:\nمنها: ما رُوِىَ أن عمر ﵁ قال: \" أمران في الجاهلية، أحدهما يبكيني، والآخر يضحكني؛ أما الذي يبكيني: فقد ذهبت بابنة لي لوأدها، فكنت أحفر لها الحفرة، وتنفض التراب عن لحيتي، وهى لا تدرى ماذا أريد لها، فإذا تذكرتُ ذلك بكيت، والأخرى: كنت أصنع إلهَا من التمر، وأضعه عند رأسي يحرسني ليلًا، فإذا أصبحت معافى أكلته، فإذا تذكرت ذلك ضحكت من نفسي\" (١٠٨) .\nوعن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول، وسئل عن هذه الآية: (وإذا الموءُودةُ سُئلت بأي ذنب قتلت) (١٠٩)، فقال: (جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ، فقال: إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية\" (١١٠)، فقال: \"أعتق عن كل\n_________\n(١٠٥) \"الدر المنثور، للسيوطي (٨/٤٨) .\n(١٠٦) الموءودة: هي البنت التي تدفن حية، من الوأد وهو الثقل، كأنها سُميت بذلك لأنها تئقل بالتراب حتى تموت.\n(١٠٧) \"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ \" ص (٦٨-٧٠) والشاهق: المرتفع من الجبال والأبنية وغيرها.\n(١٠٨) \"تتمة أضواء البيان\" (٩/٦٣) .\n(١٠٩) التكوير (٨، ٩) .\n(١١٠) في \" بلوغ الأرب\" (٣/٤٢ -٤٣) أنه اعترف بوأد بضعة عشر بنتا من بناته في","vol":"2","page":65},{"text":"واحدة منهن رقبة\"، قال: \"إِني صاحب إبل\"، قال: \"اهْدِ إن شئت عن كل واحدة منهن بَدَنة\" (١١١) .\n(وكان للعرب تفنن في الوأد، فمنهم من إذا صارت بنته سداسية يقول لأمها: \"طيبيها، وزيِّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها\"، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: \"انظري فيها\"، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب، حتى تستوي البئر بالأرض، ومنهم من كان إذا قربت امرأته من الوضع حفر حفرةً لتتمخض على رأس البئر، فإذا ولدت بنتًا رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنًا حبسته) (١١٢) .\nوقد شنع القرآن المجيد على أهل الجاهلية بسبب وأدهم البنات، ومهانتها عندهم، وَصَوَّرَ ذلك أدق تصوير، فقال ﷾: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم لِيُرْدُوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون) الأنعام (١٣٧) .\n(وقالوا هذه أنعام وحَرث حِجر لا يطعمها إلا من نشاء) أي لا يأكلها إلا الرجال دون النساء، وقيل: خدام الأصنام، ثم بين سبحانه أن هذا تحكملم يرد به شرع، ولهذا قال: (بزعمهم) (وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراءً عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون. وقالوا ما في بطون هذه الأنعام) قال السيوطي (١١٣): وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄\n_________\n= الجاهلية، وقال السيوطي: \"أخرجه البزار، والحاكم في الكنى، والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب ﵁ بنحوه، وفيه أنهن كن ثمان بنات\" (الدر المنثور) (٦/٣٢٠) .\n(١١١) \"الإصابة في تمييز الصحابة، (٥/٤٨٥) .\n(١١٢) \"تفسير القاسمي \" (١٧/٦٠٧٢) .\n(١١٣) \"الدر المنثور\" (٣/٤٨) .","vol":"2","page":66},{"text":"قال: (اللبن، كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربونه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، فكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تُرِكَت فلم تُذْبَحْ، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء) (خالصة لذكورنا) أي حلال لهم خاصة، لا يشركهم فيه أحد من الإناث (ومحرم على أزواجنا) أي على جنس أزواجنا وهن الإناث، فيدخل في ذلك البنات والأخوات ونحوهن، (وإن يكن ميتة) أي ذلك حلال للذكور محرم على الإناث إن ولد حيُّا، وإن ولد ميتة (فهم) أي الذكور والإناث (فيه) أي فيما في بطون الأنعام (شركاء) يأكلون منه جميعًا (سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم) (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم) أي لخفة عقولهم وجهلهم بصفات ربهم سبحانه (وحَرَّموا ما رزقهم الله افتراءً على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين) قال القرطبي: (أخبر بخسرانهم لوأدهم البنات وتحريمهم البحِيرة وغيرها بعقولهم، فقتلوا أولادهم سفها خوف الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم، ولم يخشوا الإملاق) (١١٤) اهـ، وقال قتادة: \"هذا صنع أهل الجاهلية: كان أحدهم يقتل ابنته، مخافة السباء والفاقة، ويغذو كلبه\" (١١٥)، ومن هنا قال ابن عباس ﵄: (إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام (قد خسر الذين قتلوا أولادهم) إلى قوله: (وما كانوا مهتدين) (١١٦) .\nوقال ﷿: (ويجعلون لله البناتِ سبحانه ولهم ما يشتهون، وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًّا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هُون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) (١١٧) .\n_________\n(١١٤) \"القرطبي\" (٧/٩٦) .\n(١١٥)، (١١٦) \"الدر المنثور\" (٣/٤٨) .\n(١١٧) \"النحل\" (٥٨-٥٩) .","vol":"2","page":67},{"text":"قوله سبحانه: (ويجعلون) أي يعتقدون أن (لله البناتِ) الإناث، وذلك أن خزاعة وكنانة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله؟ بينه تعالى بقوله: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا) الآية، مع أن الإناث التي جعلوها لله يكرهونها لأنفسهم، ويأنفون منها كما قال تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مُسْوَدًّا) أي لأن شدة الحزن والكآبة تُسَوِّدُ لون الوجه (وهو كظيم) أي: ممتلئ حزنا وهو ساكت، وقيل: ممتلئ غيطا على امرأته التي ولدت له الأنثى (١١٨) (يتوارى من القوم من سوء ما بشر به) أي يختفي من أصحابه من أجل سوء ما بشر به لئلا يروا ما هو فيه من الحزن والكآبة، أو: لئلا يشمتوا به ويعيروه، ويحدث نفسه، وينظر: (أيمسكه) أي ما بشر به وهو الأنثى (على هُون) أي هوان وذل (أم يدسه في التراب) أي يدفن المذكور الذي هو الأنثى حيا في التراب، وهو ما كانوا يفعلون بالبنات من الوأد. قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: (وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم، ولما خطبت إلى عقيل بن علفة المرى ابنته \" الجرباء\" قال:\nوإني وإن سيق إلى المهرُ ... ألف وعُبدان وذَوْدٌ (١١٩) عَشْرُ\nأحب أصهاري إلي القبرُ\nويروى لعبد الله بن طاهر قوله:\nلِكُل أبي بِنْتٍ يُراعِى شئونَها ... ثلاثةُ أصهارٍ إذا حُمِدَ الصِّهْرُ\nفَبَعْلٌ يُراعِيها، وخِدْر يُكِنها ... وقبر يُوارِيها، وخيرُهم القبرُ\n_________\n(١١٨) وانظر: \" الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٦/ ٧٠- ٧١) .\n(١١٩) \"في القرطبي\": (وخُورٌ عشر) اهـ. (١٠/١١٨)، جمع خوارة- على غير قياس، وهو الناقة الغزيرة اللبن.","vol":"2","page":68},{"text":"وقال بعض الشعراء في هذا المعنى نفسه:\nجُعِلْتُ فِداكَ من النائبات ... ومُتعْتَ ما عِشْتَ في الطيبات\nسُرورانِ ما لَهُما ثالث ... حياةُ البنين وموتُ البنات\nوأصدقُ منْ ذَينِ قولُ الحكيـ ... ـم دَفْنُ البناتِ مِنَ المَكْرُمات (١٢٠)\nومن مأثور قولهم لمن \"رُزِئ\" بأنثى - على حد تعبيرهم -:\n(آمنكم الله عارها، وكفاكم مؤنتهَا، وصاهرتم (١٢١) القبر)، وهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن، وشدة كراهيتهم لولادتهن: الخوف من العار، وتزوج غير الأكفاء، وأن تهان بناتهم بعد موتهم، كما قال الشاعر في ابنة له تسمى \" مودة\":\n\"مودة تهوى عمر شيخ يسره ... لها الموت قبل الليل لو أنها تدرى\nيخاف عليها جفوة الناس بعده ... ولا ختن يرجى أود من القبر (١٢٢)]\nوقال إسحاق بن خلف البهراني في نفس المعنى:\nلولا أمَيْمةُ لم أجزع من العدمِ ... ولم أجُب في الليالي جِنْدِس (١٢٣) الظلَمِ\nوزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذُلَّ اليتيمةِ يجفوها ذوو الرَّحِم\nتهوى بقائي وأهوى موتها شفقا ... والموتُ أكرم نزَّالٍ على الحُرَم\nأحاذر الفقر يومَا أن يُلِمَّ بها ... فيكشف الستر عن لَحم على وَضَمِ (١٢٤)\nإذا تذكرتُ بنتي حين تندبني ... فاضت لرحمةِ بنتي عَبرتي بِدَمِ\n_________\n(١٢٠) \"مرآة النساء\" ص (٦٠) .\n(١٢١) \"تراجم سيدات بيت النبوة، ص (٤٣٤) .\n(١٢٢) انظر: \" أضواء البيان، للشنقيطي (٣/٢٦١-٢٦٢) .\n(١٢٣) شدة الظلام.\n(١٢٤) الوضم: الخوان يوضع عليه اللحم ليشوى، و\"لحم على وضم\" مثل يضرب لكل ذليل لا يعتصم من مكروه، وانظر: \" القسم الثالث\" ص (٤٩) .","vol":"2","page":69},{"text":"أخشى إضاعةَ عَم أو جفاءَ أخ ... وكنت أحنو عليها من أذى الكَلِمِ\nما أنسَ لا أنسَ منها إذ تُوَدعُني ... والدَّمعُ يَجْري على الخدين ذا سَجَم\nلا تبرحن فإن مت فإن لنا ... ربا تكفلَ بالأرزاقِ والقَسمِ (١٢٥)\nومن طرائف ما يُروى في ذلك:\nأنه كان لأبي حمزة الأعرابي زوجتان، فولدت إحداهما ابنة، فعز عليه ذلك، واجتنبها، وصار في بيت ضَرتِها، فأحسَّت به يومًا في بيت صاحبتها، فجعلت تُرَقِّصُ ابنتها الصغيرة، وتقول:\nما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا\nغضبان أن لا نَلِدَ البنينا ... تالله ما ذلك في أيدينا\nبل نحن كالأرض لزارعينا ... يَلبثُ ما قد زرعوه فينا\nوإنما نأخذ ما أعطينا\nفعرف أبو حمزة قُبْحَ ما فعل، وراجع امرأته (١٢٦) .\nموقف بعض سادات العرب من الوأد\nذلك وقد نهض من سادات العرب مَن حال دون الوأد بما بذل من مال جم، وسعي وفير، ومن بين هؤلاء صَعْصَعَةُ بن ناجية التميمي، فقد كان يتلمس مَن مسها المخاض، فيغدو إليها، ويستوهب الرجل حياة مولوده إن كانت بنتا على أن يبذل له في سبيل ذلك بعيرًا وناقتين عُشَرَاوِيَيْن (١٢٧)، فجاء الإسلام وقد افتدى أربعمائة وليدة (١٢٨) .\n_________\n(١٢٥) \" صون المكرمات برعاية البنات\" ص (٢٧-٢٨) .\n(١٢٦) \"صون المكرمات برعاية البنات\" ص (٢٥) .\n(١٢٧) الناقة العشراء: التي أتى عليها من وقت حملها، عشرة أشهر.\n(١٢٨) \"الأغاني\" (٩٩/٣) .","vol":"2","page":70},{"text":"ومنهم زيد بن عمرو بن نُفَيل القرشي، كان يضرب بين مضارب القوم فإذا بَصُرَ بِرَجُل يَهُمُّ بوأد ابنته قال له: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، ويلي أمرها حتى تشب عن الطوق، فيقول لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها (١٢٩) .\nوصعصعة بن ناجية بن عقال هو جد الفرزدق بن غالب، قال السيوطي: (وأخرج الطبراني عن صعصعة بن ناجية المجاشعي- وهو جد الفرزدق- قال: قلت: يا رسول الله إني عملت أعمالا في الجاهلية، فهل لي فيها مِنْ أجر؟ قال: وما عملت؟ قال: أحييت ثلاثمائة وستين موءودة أشترى كل واحدة منهن بناقتين عشراويين وجمل، فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال النبي ﷺ: لك أجره إذا مَنَّ الله عليك بالإسلام) (١٣٠) .\nوروى أبو عبيدة أن صعصعة هذا وفد على رسول الله ﷺ في وفد بني تميم، قال: وكان صعصعة منع الوأد في الجاهلية، فلم يدع تميما تئد وهو يقدر على ذلك، فجاء الإسلام وقد فدى في بعض الروايات أربعمائة موءودة، وفي أخرى ثلاثمائة، فقال للنبي ﷺ: (بأبي أنت وأمي أوصِني\" فقال ﷺ: \"أوصيك بأمك وأبيك وأختك وأخيك وأدانيك أدانيك \"، فقال: \" زدني\"، فقال ﷺ: (احفظ ما بين لحييك ورجليك \"، ثم قال ﷺ: \" ما من شيء بلغني عنك فعلتَهُ؟ \" فقال \" يا رسول الله! رَأيتُ الناس يموجون على غير وجه، ولم أدر أين الصواب، غير أني علمت أنهم ليسوا عليه، فرأيتهم يئدون بناتهم، فعرفت أن ربهم\n_________\n(١٢٩) رواه البخاري تعليقا (٧/١١٠) في فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب حديث زيد ابن عمرو بن نفيل.\n(١٣٠) \" الدر المنثور\" للسيوطي (٦/٣٢٠)، وعزاه الحافظ في \"الإصابة\" (٣/ ٤٣٠) إلى ابن أبي عاصم، وابن السكن، والطبراني، وقال الهيثمي: (وفيه الطفيل بن عمرو التميمي، قال البخاري: \" لا يصح حديثه\"، وقال العقيلي: \" لا يتابع عليه\") اهـ. (١/٩٥) .","vol":"2","page":71},{"text":"﷿ لم يأمرهم بذلك، فلم أتركهم، ففديت ما قدرت عليه) (١٣١) .\nوقد افتخر الفرزدق بهذا في قوله:\nومنا الذي منع الوائداتِ ... وأحيا الوئيد فلم يوأدِ\nوفي قوله أيضا (١٣٢):\nأنا ابن عِقال وابن ليلى وغالب ... وفكّاكُ أغلال الأسير المُكَفرِ (١٣٣)\nوكان لنا شيخان ذو القبر (١٣٤) منهما ... وشيْخ أجار الناس من كل مَقبرِ\nعلى حِينِ لا تُحْيىَ البناتُ وإذ هُم ... عُكُوف على الأصنام حول المُدَورِ\nأنا ابن الذي رد المنيةَ فضلُه ... وما حَسَب دافعتُ عنه بِمُعْوِرِ\nأبي أحد الغيثين صعصعةُ الذي ... متى تُخلِفُ الجوزاءُ والنجمُ يُمطِرِ\nأجار بناتِ الوائدين ومن يُجرْ ... على القبر، يعلم أنه غيرُ مُخْفِرِ\nوفارق (١٣٥) ليل من نساءٍ أتت أَبي ... تعالج ريحا ليلُها غيرُ مُقْمِر\nفقالت: أجر لى ما ولدتُ فإنني ... أتيتك من هَزْلَي الحمولةِ مُقْتِر\nرأي الأرضَ منها راحة فرمى بها ... إلى خُدَدٍ منها وفي شر مَخْفَر\nفقال لها: نامى فأنتِ بذمتي ... لبنتكِ جار من أبيها القَنَوَّر (١٣٦)\n_________\n(١٣١) انظر: \" الإصابة\" (٣/٤٣٠- ٤٣١)، و\"كشف الخفا\" (١/٥٨) رقم (١٤٤) .\n(١٣٢) من قصيدته التي مطلعها:\nبني نهشل أبقوا عليكم ولم تروا ... سوابقه حام للذمار مُشَهر\n(الديوان ٢/ ٤٧٤)\n(١٣٣) المكفر: هو الذي كُفر، وكُبلَ بالحديد.\n(١٣٤) ذو القبر: غالب، كان يستجار بقبره والعياذ بالله، والذي أجار الناس من القبر، وأحيا الوئيدة: صعصعة.\n(١٣٥) فارق: يعني امرأة ماخضًا، شبهها بالفارق من الإبل، وهي الناقة التي يضربها المخاض فتفارق الإبل، وتمضى على وجهها حتى تضع.\n(١٣٦) القنور: السيء الخلق.","vol":"2","page":72},{"text":"ويقال: (إنه اجتمع جرير والفرزدق يومًا عند سليمان بن عبد الملك، فافتخرا، فقال الفرزدق: أنا ابن محيي الموتى، فقال له سليمان: أنت ابن محيي الموتى؟ فقال: إن جدي أحيا الموءودة، وقد قال تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا) (١٣٧) وقد أحيا جدي اثنتين وتسعين موءودة، فتبسم سليمان، وقال: \" إنك مع شعرك لَفَقِيه\"، نقله المرتضي في \" أماليه\") (١٣٨) اهـ.\nوبالجملة فكان الوأد عادة من أشنع العوائد في الجاهلية مما يدل على نهاية القسوة، وتمام الجفاء والغلظة.\n_________\n(١٣٧) المائدة (٣٢) .\n(١٣٨) \"محاسن التأويل\" للقاسمي (١٧/٦٠٧٤) .","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الباب الثالث\nشمس الإسلام\nتشرق على المرأة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>[الفصل الأول]</span>\n\"إنما النساء شقائق الرجال\" (١٣٩)\nحديث شريف\n(أسفر نور الإسلام، فافترَّ ثغر الدهر لنساء العرب عن جو مشرق، وأمل بعيد، وأسلوب من الحياة جديد.\nرسخت أصول الإسلام، وورفت ظلاله، وخفقت على الخافقين أعلامه، ونعمت المرأة تحت ظله بوثوق الإيمان، ونهلت من معين العلم، وضربت بسهم في الاجتهاد، وشُرع لها من الحقوق ما لم يُشْرَع لأمة من الأمم في عصر من العصور، فقد أمعنت في سبيل الكمال طلقة العِنان، حتى أخملت مَنْ بين يديها، وأعجزت من خلفها، فلم تشبهها امرأة من نساء العالمين في جلال حياتها وسناء منزلتها.\n_________\n(١٣٩) قال الخطابي في \" المعالم\": (أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع، فكأنهن شُققن من الرجال) اهـ (١/٧٩) - والحديث رواه عن عائشة ﵂ الإمام أحمد في \" المسند\" (٦/٢٥٦)، وأبو داود رقم (٢٣٦) في الطهارة: باب في الرجل يجد البلة في منامه، والترمذي رقم (١١٣) في الطهارة: باب ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللًا، ولا يذكر احتلاما، والدارمي في \"سننه\" (ا/ ١٩٥-١٩٦)، وابن ماجه (١/١١٠) وصححه الشيخان: أحمد شاكر في \"تحقيق الترمذي\" (١/١٩٠ -١٩٢)، والألباني في \" صحيح الجامع، (٢/٢٨١) .","vol":"2","page":74},{"text":"تلك هي المرأة التي وثب بها الإسلام، ووثبت به، وكان أثرها في تكوين رجاله، وتصريف حوادثه أشبه ما يكون بأثر الغدير الهادئ الفياض في زَهْر الرياض) (١٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>مظاهر تكريم الإسلام للمرأة</span>\nلم يعتبر الإسلام المرأة جرثومة خبيثة كما اعتبرها الآخرون، ولكنه قرر حقيقة تزيل هذا الهوان عنها، وهي أن المرأة بين يدي الإسلام قسيمة الرجل، لها ما لها من الحقوق، وعليها أيضا من الواجبات ما يلائم تكوينها وفطرتها، وعلى الرجل بما اخْتُص بهِ من شرف الرجولة، وقوة الجَلَدِ، وبسطة اليد، واتساع الحيلة، أن يلي رياستها، فهو بذلك وليُّها؛ يحوطُها بقوته، ويذود عنها بدمه، وينفق عليها من كسب يده.\nذلك ما أجمله الله، وضم أطرافه، وجمع حواشيه، بقوله تباركت آياته:\n(ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة) البقرة (٢٢٨) .\nتلك هي درجة الرعاية والحياطة، لا يتجاوزها إلى قهر النفس، وجحود الحق.\nوكما قرن الله سبحانه بينهما في شئون الحياة، كذلك ساوى بينهما في الإنسانية، والموالاة، وتكاليف الإيمان، وحسن المثوبة، وادخار الأجر، وارتقاء الدرجات العلى في الجنة.\n_________\n(١٤٠) \"المرأة العربية، (٢/١٤) بتصرف.","vol":"2","page":75},{"text":"المساواة في الإنسانية\nفالنساء والرجال في الإنسانية سواء، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات (١٣) .\nوهي قد خلقت من الرجل، قال سبحانه: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً) الآية النساء (١) .\nوخلق المرأة نعمة عظيمة ينبغي أن يحمد الرجال ربهم عليها، قال تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمهَ) الروم (٢١)، وقال ﷿: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) الآية، الأعراف (١٨٩) .\nوقال جَلَّ وعلا: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) النحل (٧٢) .\nوقال رسول الله ﷺ: \" إنما النساء شقائق الرجال\" (١٤١) .\nالمساواة في أغلب تكاليف الإيمان\nإذا كان مناط التكليف هو الأهلية، فلكل من الرجل والمرأة أهلية الوجوب، وأهلية الأداء، ما دام قد تقرر في ذمة كل منهما الواجبات الشرعية، فلا تبرأ ذمة كل منهما حتى يؤدي ما عليه من واجبات،؟ يكون له بمقتضى تلك الأهلية حقوق قِبَلَ غيره.\n_________\n(١٤١) تقدم تخريجه بهاش رقم (١٣٩) .","vol":"2","page":76},{"text":"وقد وضع القرآن الكريم الرجل والمرأة على قدم المساواة في الالتزامات الأخلاقية، والتكاليف الدينية إلا في حالات مخصوصة خفَّف اللَه فيها عن المرأة رحمةً بها، ومراعاةً لفطرتها وتكوينها؟ سيأتي إن شاء الله.\nوإيمان النساء كإيمان الرجال:\nقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) الآية، الممتحنة (١٠) .\nوقال تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احملوا بهتانا وإثما مبينًا) الأحزاب (٥٨) .\nوقال سبحانه: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) البروج (١٠) .\nوأمر الله سبحانه نبيه ﷺ أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات جميعا فقال ﷿: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات\nوالله يعلم متقلبكم ومثواكم) القنال (١٩) .\nوعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة\" (١٤٢) .\nومن المجمع عليه المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن على النساء ما على الرجال من أركان الإسلام، إلا أن الصلاة تسقط عن المرأة في زمن الحيض والنفاس مطلقًا فتتركها، ولا تعيدها لكثرتها، وأما الصيام فيسقط\n_________\n(١٤٢) قال في \" مجمع الزوائد\": (رواه الطبراني، وإسناده جيد) اهـ (١٠/ ٢١٠) .","vol":"2","page":77},{"text":"عنها في زمنهما، وتقضي ما أفطرته من أيام رمضان لقلتها، وأما حجها فيصح في كل حال، ولكنها لا تطوف بالبيت الحرام إلا وهي طاهرة.\nالمساواة في المسئولية المدنية\nفي الحقوق المادية الخاصة (١٤٣)\nأكد الإسلام احترام شخصية المرأة المعنوية، وَسَواها بالرجل في أهلية الوجوب والأداء، وأثبت لها حقها في التصرف، ومباشرة جميع العقود: كحق البيع، وحق الشراء، وحق الدائن، وحق المدين، وحق الراهن، وحق المرتهن، كذلك حق الوكالة، والإجارة، والاتجار في المال الخاص، وما إلى ذلك، وكل هذه الحقوق المدنية واجبة النفاذ.\nولقد أطلق الإسلام للمرأة حرية التصرف في هذه الأمور بالشكل الذي تريده، دون أية قيود تقيد حريتها في التصرف، سوى القيد الذي يقيد الرجل نفسه فيها، ألا وهو قيد المبدأ العام: أن لا تصدم الحرية بالحق أو الخير.\nقال ﵎: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب\nمما اكتسبن) (النساء: ٣٢)، وجعل لها حق الميراث، فقال تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا) (النساء: ٣٧)، كما جعل صداقها ملكًا خالصا لها، لا يشاركها فيه أحد، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض\n_________\n(١٤٣) من \"الأسرة في ضوء الكتاب والسنة \" للدكتور السيد أحمد فرج ص (٢٩-٣٢) بتصرف.","vol":"2","page":78},{"text":"ما آتيتموهن) الآيتان (النساء: ١٩- ٢٠) .\nوالمرأة في تملك هذه الحقوق شأنها أمام الشرع، شأن الرجل تمامًا إذا أحسنت أو أساءت، قال جل وعلا: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم) (المائدة:٣٨) .\nوقال ﷿: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (النور:٢) .\nكذلك ساوت الشريعة بينهما في الدماء، وقررت أن يقتل الرجل بالمرأة، قال جل وعلا: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) (البقرة: ١٧٩) .\nوقال ﷿: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) الآية (البقرة:١٧٨) .\nوهذه الآية تبين حكم النوع إذا قتل نوعه، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فهي محكمة، وفيها إجمال، يبينه قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) الآية (المائدة: ٤٥) .\nالمساواة في جزاء الآخرة\nوقال تعالى: (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل (٩٧) .\nوقَال ﷿: (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) غافر (٤٠) .","vol":"2","page":79},{"text":"وقال سبحانه: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) النساء (١٢٤) .\nوقال ﷿ في أولي الألباب الذين يذكرون الله كثيرا، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، وَيَدْعُونه: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض) (١٤٤) آل عمران (١٩٥)\nوتأمل كيف أكد القرآن هذا المبدأ في قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعَدَّ الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا) (١٤٥) الأحزاب (٣٥)\n_________\n(١٤٤) وعن أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله ﷿: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض - إلى - والله عنده حسن الثواب) .\nرواه الترمذي رقم (٣٠٢٦) في التفسير، والطبري رقم (٨٣٦٨) وفي سنده رجل من بني سلمة، رواه الحاكم (٢/٣٠٠)، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي في \"تلخيصه\"، وبينَ الحاكم أن الرجل هو سلمة بن أبي سلمة، لم يخرج له سوى الترمذي، ولم يوثقه غير ابن حبان، وقال الحافظ: \" مقبول\" - انظر \" التقريب \" (١/٣١٧) .\nوقد قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: (أي بجميع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله، أو كأنه منه لفرط اتصالكم واتحادكم) اهـ.\n(١٤٥) وعن أم عمارة الأنصارية ﵂ قالت:\nأتيت رسول الله ﷺ، فقلت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء، فنزلت: (إن المسلمين والمسلمات - إلى قوله: أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيما) .","vol":"2","page":80},{"text":"فسوى سبحانه بين الزوج والزوجة والابن والبنت والعبد والأمة في هذه الصفات الجميلة، وما زال السلف رضوان الله عليهم على هذا المنهاج تجد أولادهم ونساءهم وعبيدهم وإماءهم في غالب أمرهم مشتركين في هذه الفضائل كلها.\nوقال سبحانه: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها\nالأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله اكبر ذلك هو الفوز العظيم) التوبة (٧٢) .\nوقال ﷿: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها، وَيُكَفًرَ عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما) الفتح (٥) .\nوقال ﵎: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم\n_________\n= أخرجه الترمذي رقم (٣٢٠٩) في التفسير: باب: ومن سورة الأحزاب، وقال: \"هذا حديث حسن غريب\" اهـ.\nوعن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ قالت: (قلت للنبي ﷺ: \" ما لنا لا نُذْكَرُ في القرآن كما يُذْكَرُ الرجال؟ \"، قالت: فلم يَرُعْني منه - أي يفزعني ويفاجئني- يومئذ إلا ونداؤه على المنبر: قالت: وأنا أسرح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى حجرة من حجَر بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد- معناه أنها رفعت رأسها إلى جهة الجريد الذي هو سقف المسجد إذا ذاك لقرب النبي ﷺ منه وهو على المنبر، لكونه غير مرتفع عن المنبر كثيرا- فإذا هو يقول عند المنبر: يا أيها الناس إن الله يقول في كتابه: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات- إلى آخر الآية: أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيما» رواه الإمام أحمد في \" المسند، (٦ /٣٠١)، والنسائي في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (١٣/٥٨٢٤)، والحاكم مختصرا، وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي (٢/٤١٦) .","vol":"2","page":81},{"text":"بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم) الحديد (١٢) .\nوقال ﷺ: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت\" (١٤٦) .\nفإذا احتمل الرجل نار الهجير، واصطلى جمرة الحرب، وتناثرت أوصاله تحت ظلال السيوف، فليس ذلك بزائده مثقالَ حبة عن المرأة إذا وفت لبيتها، وأخلصت لزوجها، وأحسنت القيام على بنيها.\nوعن عبادة بن الصامت ﵁: \" أن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن رواحة، قال: فما تحوز (١٤٧) له عن فراشه، فقال: أتدري من شهداء أمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة، قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدُها جمعاء (١٤٨) شهادة، يجرها ولدها بسرره (١٤٩) إِلى الجنة، (١٥٠) .\n_________\n(١٤٦) رواه من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ الإمام أحمد رقم (١٦٦١) (٣/١٢٨)، وقال الشيخ أحمد شاكر: \"إسناده منقطع\"، وعزاه الألباني في (آداب الزفاف\" ص (٢٨٦) إلى الطبراني في \" الأوسط\"، وابن حبان في\" صحيحه\" من حديث أبي هريرة ﵁، وأبي نعيم (٦/٣٠٨)، والجرجاني عن أنس بن مالك ﵁، وقال الألباني) (حديث حسن أو صحيح له طرق) اهـ.\n(١٤٧) تحوز: أي تنحى.\n(١٤٨) جمعاء: هي التي تموت وفي بطنها ولد.\n(١٤٩) السرة: ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة، والسرر ما تقطعه.\n(١٥٠) أخرجه الإمام أحمد، والدارمي، والطيالسي، وصحح الألباني إسناده في \"أحكام الجنائز، ص (٣٩) .","vol":"2","page":82},{"text":"المساواة في الموالاة والتناصر\nقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) التوبة (٧٢) .\nالمساواة بين المؤمنات إزالة الفوارق ين النساء:\nمزق الإسلام حجب الفوارق بينَ النساء كما مزقها بين الرجال، فتطامنت الرؤوس، وتساوت النفوس، فلم يكن بين المرأة والمرأة إلا الخير تتقدم به، أو العمل الصالح تسبق إليه، فأما أن تُدِلَّ بعَرَض طارف، أو تعتز بحسب قديم فذلك ما لا يقدمها أنملة، ولا يغنى عنها من الله شيئا.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: (قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﷿: (وأنذر عشيرتك الأقربين) قال: يا معشر قريش\" - أو كلمة نحوها - \" اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم من الله شيئَا، يابنى عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئَا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفيةُ عمةَ رسول الله، لا أغني عنكِ من الله شيئًا، ويا فاطمةُ بنت محمد، سليني ما شئتِ من مالي، لا أغني عنكِ من الله شيئا\") (١٥١) .\n_________\n(١٥١) رواه البخاري (٨/٣٨٦) في تفسير سورة الشعراء: باب (وأنذر عشيرتك =","vol":"2","page":83},{"text":"لقد شرع الله للمؤمنين شِرعة الإخاء بقوله جل شأنه: (إنما المؤمنون إخوة) الحجرات (١٠) فلم يكن يفرق بين المسلمة والمسلم، ولا بين المسلم والمسلمة، إلا شريف الخلق وخسيسه، فذلك حيث يقول الله تباركت حكمته في كتابه الكريم: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات) النور (٢٦)، وكذلك استن رسول الله ﷺ سنة المساواة بقوله: \"المسلم أخو المسلم\" (١٥٢)، وهو الذي يقول ﷺ: (كل نسب وصِهْرٍ ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري\" (١٥٣)، ولا أدل على ما نقول من: [حديث فاطمة بنت الأسود المخزومية - وهي امرأة من ذوات الشرف والحسب في قريش - وَهَنت نفسها فسرقت، فقامت عليها البينة، فوجب عليها الحد فأَهَمَّ ذلك قريشًا، فقالوا: من يكلِّم رسول الله ﷺ؟ ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ\n_________\n= الأقربين)، وفي الوصايا، والأنبياء، ومسلم رقم (٢٠٦) في الإيمان: باب قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، والترمذي رقم (٣١٨٤) في التفسير: باب ومن سورة الشعراء، والنسائي (٦/٢٤٨) في الوصايا: إذا أوصى لعشيرته الأقربين.\n(١٥٢) طرف حديث أخرجه البخاري (٥/٧٠) في المظالم: باب لا يظلم المسلم المسلم، ولا يسلمه، وفي الإكراه، ومسلم رقم (٢٥٨٠) في البر والصلة ة باب تحريم الظلم، والترمذي رقم (١٤٢٦) في الحدود: باب ما جاء في الستر على المسلم، كلهم من حديث عبد الله بن عمر ﵄، ورواه الترمذي رقم (١٩٢٨) في البر والصلة: باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم من حديث أبي هريرة ﵁، وزاد: \" لا يخذله، ولا يكذبه، ولا يظلمه، وإن أحدكم مرآة أخيه، فإن رأى به أذى فليُمِطه عنه\".\n(١٥٣) عزاه السيوطي إلى ابن عساكر عن ابن عمر ﵄، ورمز له بالصحة، وقال المناوي: (قال الذهبي: فيه ابن وكيع لا يعتمد، لكن ورد فيه مرسل حسن\" اهـ) من فيض القدير\" (٥/٣٦)، وصححه الألباني في \" صحيح الجامع\" (٤/ ١٨٢) .","vol":"2","page":84},{"text":"رسول الله ﷺ، فكلَّم رسولَ الله ﷺ، فتلوَن وجه رسول الله ﷺ، فقال: \" أتشفع في حَدّ من حدود الله؟ \"، فقال أسامة: \" استغفر لي يا رسول الله \"، فلما كان بالعشي، قام فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: \" أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها\"، ثم أمر ﷺ بتلك المرأة التي سرقت، فقُطِعَتْ يَدُها\"، قالت عائشة ﵂: فحسنت توبتها بعدُ وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها. إلى رسول الله ﷺ (١٥٤) .\nومن ذلك أن الله تعالى ذم سخرية بعض النساء من بعض، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا) يسخر (نساء من نساء عسى أن يكن) المسخور بهن (خيرا منهن) يعني من الساخرات بهن، قيل: إنها نزلت لما أتت صفية بنت حيي بن أخطب رسولَ الله ﷺ (١٥٥)، قال الحافظ الذهبي ﵀: (وفي جامع أبي عيسى، من طريق هاشم بن سعيد الكوفي: حدثنا كنانة: حدثتنا صفية بنت حُيي، قالت: دخل عَلَيَّ رسول الله ﷺ، وقد بلغني عن عائشة وحفصة كلام، فذكرتُ له ذلك، فقال: \"ألا قلتِ: وكيف\n_________\n(١٥٤) أخرجه البخاري (١٢/٧٦) في الحدود: باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع، وفي الشهادات، وفي الأنبياء، وفي فضائل أصحاب النبي ﷺ، وفي المغازي، ومسلم رقم (١٦٨٨) في الحدود: باب قطع السارق الشريف وغيره، والترمذي رقم (١٤٣٠) في الحدود: باب ما جاء في كراهية أن يشفع في الحدود، وأبو داود رقم (٤٣٧٣) و(٤٣٧٤) في الحدود: باب في الحد يشفع فيه، والنسائي (٨/٧٤- ٧٥) في السارق: باب ما يكون حرزا، وما لا يكون. (١٥٥) انظر: \" زاد المسير في علم التفسير\" (٧/٤٦٦) .","vol":"2","page":85},{"text":"تكونان خيرا مني، وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى\" (١٥٦)، وكان بلغها أنهما قالتا: نحن أكرم على رسول الله ﷺ منها، نحن أزواجه، وبناتُ عمه) (١٥٧) .\nمن مظاهر رحمة الإسلام بالمرأة\nأرأيت لو ذَهَبَتْ صبية جارية بقطيع من الغنم، فعدا الذئب على واحدة فأكلها، فنهض مولى الصبية إليها يضربها، أكان ذلك غريبا على الناس، بعيدَا عن مواقع أسماعهم وأبصارهم؟\nلقد حدث ذلك في عهد النبي ﷺ، وغدا الرجل على رسول الله ﷺ يخبره بما أصاب به جاريته، واشتد غضب النبي ﷺ، وشق عليه ما كان من ضرب الجارية، وَلنَدَعْ صاحبَ الواقعة معاوية بن الحكم السلمي ﵁ يحكيها لنا:\n_________\n(١٥٦) وذلك لأنها ﵂ بنت حيي بن أخطب بن سَعية، من سبط اللاوي ابن نبي الله إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، ثم من ذريته رسول الله هارون ﵇.\n(١٥٧) نقلًا من \"سير أعلام النبلاء\" (٢/٢٣٣)، وقال محققه الشيخ شعيب الأرنؤوط: [أخرجه الترمذي (٣٨٩٢) في المناقب، والحاكم (٤/٢٩)، وإسناده ضعيف لضعف هاشم بن سعيد الكوفي، وباقي رجاله ثقات، لكن يشهد له حديث أنس ﵁ عند أحمد (٣/١٣٥، ١٣٦)، والترمذي (٣٨٩٤) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، عن أنس قال: (بلغ صفية أن حفصة قالت: \"بنت يهودي\"، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ، وهي تبكي، فقال: \"ما يبكيك\"؟ فقالت: \"قالت لي حفصة: إني بنت يهودي، فقال النبي ﷺ: \"إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟ \"، ثم قال:\n\" اتقي الله يا حفصة\"، وإسناده صحيح] اهـ من هامش \" سير أعلام النبلاء، (٢/٢٣٣) .","vol":"2","page":86},{"text":"قال: ﵁:\n(كانت لي جارية ترعى غنمًا لي في قِبَل أُحُد والجوانية، فاطلعتها ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسَفُ كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت النبيَّ ﷺ، فَعَظَّمَ ذلك عَلَيَّ، قلت: \" يا رسول الله أفلا أعتقها؟ \" قال: \"ائتني بها\"، فأتيته بها، فقال لها: \" أين الله؟ \"، فقالت: \"في السماء\"، قال: \" من أنا؟ \"، قالت: \" أنت رسول الله\"، قال: \" أعتقها، فإنها مؤمنة\") (١٥٨)، وقال مرة: \"هي مؤمنة فأعتقها\".\nوعن هلال بن يساف قال:\n(كنا نبيع البُر في دار سويد بن مُقَرن أخي النعمان بن مقرن، فخرجت جارية، فقالت لرجل مِنا كلمةً فلطمها، فغضب سويد- وفي رواية: فما رأيت سويدا أشد غضبًا منه ذلك اليوم، وقال له: عجز عليك إلا حُرُّ وجهها؟ لقد رأيتني سابع سبعة من بني مُقَرِّن، ما لنا خادم إلا واحدة، فلطمها أصغرنا، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نُعتقها) (١٥٩) .\nوكان من أشد ما يؤلم نفسه الكريمة ﷺ أن يسمع الرجل يُعَير الرجل\n_________\n(١٥٨) أخرجه مسلم (٥٣٧) في المساجد وموضع الصلاة فيها: باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، وأبو داود (٩٣٠) في الصلاة: باب تشميت العاطس في الصلاة، والنسائي (٣/ ١٤-١٩) في الصلاة: باب الكلام في الصلاة، والإمام أحمد (٥/٤٤٧، ٤٤٨)، وابن أبي شيبة (١١/١٩ - ٢٠)، الطيالسي (١١٠٥)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/٢١٥) رقم (٤٨٩)، والبيهقي في \" الأسماء والصفات\" ص (٤٢٢)، وفي \"سننه\" (٧/٣٨٧)، والدارمي في \" الرد على الجهمية\" ص (٢١-٢٢)، والطبراني في \" الكبير\" (١٩/٩٣٧، ٩٣٨) من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁.\n(١٥٩) رواه مسلم رقم (١٦٥٨) في الإيمان: باب صحبة المماليك، وأبو داود رقم (٥١٦٦)، (٥١٦٧) في الأدب: باب في حق المملوك، والترمذي رقم (١٥٤٢) في النذور: باب ما جاء في الرجل يلطم خادمه.","vol":"2","page":87},{"text":"بأمه، وآية ذلك ما حَدَّثَ المعرور بن سويد قال: (لقِيتُ أبا ذَر بالربَذَةِ (١٦٠)، وعليه حُلًةٌ، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببتُ رجلًا، فَعَيرتُه بأمه (١٦١)، فقال لي النبي ﷺ: \"يا أبا ذَر، أعيرتَه بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكم (١٦٢)، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليُلْبسهُ مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم\") (١٦٣) .\nومن مظاهر رفقه ﷺ ورحمته بالنساء:\nما رواه سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (استأذن عمرُ على النبي ﷺ، وعنده نسوة من قريش يُكَلِّمنَهُ - وفي رواية: يسألنه، ويستكثِرنَه- عاليةً أصواتُهنَّ على صوتِهِ، فلما استأذن عُمَرُ قُمْنَ يبتدِرْنَ الحجابَ، فأذِن له النبي ﷺ، فدخل عُمَرُ والنبي يضحك، فقال عمر: (أضحَكَ الله سِنَّكَ (١٦٤)، بأبي وأمي، قال: \"عجبت من هؤلاء اللاتي كُن عندي، فلما سَمِعْنَ صوتَك ابتدرْنَ الحجابَ، قال عمر:\n_________\n(١٦٠) الربَذَة: موضع بالبادية، بينه وبين المدينة ثلاث مراحل.\n(١٦١) زاد البخاري في \"الأدب\": (وكانت أمه أعجمية فنلت منها\"، وفى رواية: \"قلت له: يا ابن السوداء\".\n(١٦٢) الخوَلُ: حشمُ الرجل وأتباعه، واحدهم خائل، وهو مأخوذ من التخويل: التمليك، وقيل: من الرعاية.\n(١٦٣) رواه البخاري (١/ ٨٠، ٨١) في الإيمان: باب المعاصي من أمر الجاهلية، وفي العتق: باب قول النبي ﷺ: \" العبيد إخوانكم فأطعموهم مما تأكلون\"، وفي الأدب: باب ما ينهى من السباب واللعن، ومسلم رقم (١٦٦١) في الإيمان: باب إطعام المملوك مما يأكل، وأبو داود، أرقام (٥١٥٧)، (٥١٥٨)، (٥١٦١) في الأدب: باب حق المملوك.\n(١٦٤) قال الحافظ في \"الفتح\": (لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازمه وهو =","vol":"2","page":88},{"text":"\" فأنت يا رسولَ الله لَأحَقُّ أن يَهَبْنَ\"، ثم قال عمر: (أي عَدُوَّاتِ أنفسِهن، أتهَبْنَنِي ولا تَهَبْنَ النبيَّ ﷺ؟!، قلن: \"نعم، أنت أفَظُّ وأغلَظُ من (١٦٥) النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"إيهِ (١٦٦) يا ابنَ الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لَقِيَكَ الشيطان سالكًا فَجا إلا سَلَكَ فَجُّا غير فجًك \" (١٦٧) .\nومن مظاهر رفق رسول الله ﷺ بالنساء:\nأنه ﷺ وقف يبايعهن على أن يأتمرن بأوامر الله، ويجتنبن نواهيه، فقال ﷺ: \"فيما استطعتن، وأطقتن\"، فقلت: \" الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، (١٦٨) .\n_________\n= السرور أو نفي ضد لازمه، وهو الحزن) اهـ.\n(١٦٥) نفى القرآن عن رسول الله ﷺ أن يكون الفظاظة والغلظة خلقًا لازما له ﷺ فقد قال تعالى: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، غير أنه ﷺ قد يغضب لله في بعض الأحوال كإنكار المنكر مثلا، وكان ﷺ لا يواجه أحدا بما يكره إلا في حق من حقوق الله تعالى، وكان عمر ﵁ يبالغ في الزجر عن المكروهات مطلقا، وطلب المندوبات، فلهذا قال له النسوة ذلك - انظر \"فتح الباري\" (٦/٤٧) .\n(١٦٦) بالكسر والتنوين، ومعناها: حدثنا ما شئت، وبغير التنوين: زدنا مما حدثتنا.\n(١٦٧) رواه البخاري رقم (٣٦٨٣) (٧/٤١) ط. السلفية، في فضائل أصحاب النبي ﷺ باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁، وفي بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده، وفي الأدب: باب التبسم والضحك، ومسلم رقم (٢٣٩٦) في فضائل الصحابة: باب من فضائل عمر بن الخطاب ﵁.\n(١٦٨) وأصل الحديث عن أميمة بنت رقيقة ﵂ قالت: (أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من المسلمين لنبايعه، فقلنا: يا رسول الله، جئنا لنبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف\"، قال: فقال رسول الله ﷺ: \" فيما =","vol":"2","page":89},{"text":"تحريم كل النساء في الحروب:\nحَرم الشرع الشريف قتل النساء والأطفال والشيوخ في الجهاد، إلا أن يقاتلوا، فيدْفعوا بالقتل:\nفعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشا قال: (انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلَا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغُلُّوا، وضُمُّوا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين\" (١٦٩) .\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (وُجدَت امرأة مقتولةً في بعض مغازي رسول الله ﷺ، فنهى رسولُ الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان) (١٧٠)، وفي رواية: (فأنكر) .\n_________\n= استطعتن، وأطقتن قالت: قلنا: \" الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، بايعنا يا رسول الله، قال: \" اذهبن فقد بايعتكن، إنما قولي لمائة امرأة، كقولي لامرأة واحدة، قالت: ولم يصافح رسول الله ﷺ منا امرأة\" رواه الإمام أحمد (٦/٣٥٣، ٣٦٥)، والإمام مالك في \" الموطأ، (٢/٩٨٢) في البيعة: باب ما جاء في البيعة، والترمذي رقم (١٥٩٧): باب ٧ في السير، والنسائي (٧/١٤٩) في البيعة: باب بيعة النساء، وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٨٧٤) في الجهاد: باب البيعة.\n(١٦٩) رواه أبو داود رقم (٢٦١٤) في الجهاد: باب دعاء المشركين، وفي سنده خالد بن الفزر الراوي عن أنس، لم يوثقه غير ابن حبان، وبقية رجاله ثقات، وله شواهد تتقوى بها، أفاده الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في \" تحقيق جامع الأصول\" (٢/٥٩٦)\n(١٧٠) رواه البخاري (٦/١٠٤) في الجهاد: باب قتل الصبيان في الحرب، وباب قتل النساء في الحرب، ومسلم رقم (١٧٤٤) في الجهاد: باب تحريم قتل النساء والصبيان، والموطأ (٢/٤٤٧) في الجهاد، والترمذي رقم (١٥٦٩) في الجهاد، وأبو داود رقم (١٦٦٨) في الجهاد، والدارمي في \"سننه\" (٢/٢٢٣) في السير، وابن ماجه رقم (٢٨٤١) في الجهاد: باب الغارة والبيات وقتل النساء، والإمام أحمد (٢/٢٢، ٢٣) .","vol":"2","page":90},{"text":"وعن رباح بن الربيع ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا، فقال: \" انظر علام اجتمع هؤلاء؟! \"، فجاء، فقال: \"على امرأةٍ قتيل، فقال: ما كانت هذه لِتُقاتِلَ\" قال: وعلي المقدمة خالد بن الوليد، قال: فبعث رجلًا، فقال: \"قل لخالد: لا تَقتُلَن امرأةً ولا عسيفًا (١٧١) \") (١٧٢) .\nورُوي عن عبد الرحمن بن كعب أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ الذين قتلوا ابن أبي الحُقَيق عن قتل النساء والولدان، قال: فكان رجل منهم يقول: \" بَرحَتْ بنا امرأةُ ابنِ أبي الحُقَيقِ بالصياح، فأرفع السيفَ عليها، ثم أذكر نهي رسول الله ﷺ فَأكُف، ولولا ذلك لاسترحنا منها \") (١٧٣) .\nمعاملة الحائض في السنة الشريفة:\nعن عائشة ﵂ قالت: \" كنت أشرب من الإناء وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ، فيضع فاه على موضع فِي \" وفي رواية أبي داود والنسائي قالت: \" كنت أتعرقُ العَرْقَ (١٧٤) وأنا حائض، فأعطيه رسول الله ﷺ، فيضع فَمَهُ في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وكنت\n_________\n(١٧١) العسيف: الأجير.\n(١٧٢) أخرجه أبو داود رقم (٢٦٦٩) في الجهاد: باب في قتل النساء، والطحاوي ٢/١٢٧)، والحاكم (٢/ ١٢٢)، والإمام أحمد (٣/٤٨٨)، وقال الحاكم: \" صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في \" الإرواء، (٥/٣٥) .\n(١٧٣) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" ص (٢٧٧) في الجهاد: باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو، وقال الحافظ ابن عبد البر: \" اتفق رواة الموطأ على إرساله\" اهـ، وانظر \" فتح الباري\" (٧/٣٤٤) ط. السلفية.\n(١٧٤) العَرْق: العظم عليه بقية اللحم، وتعرقَه: إذا أكل ذلك اللحم الباقي عليه.","vol":"2","page":91},{"text":"أشرب من القَدَح فأناوله إياه، فيضع فَمه في الموضع الذي كنت أشرب \".\nوفي رواية للنسائي عن شُريح بن هانئ أنه سألها: \" هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ \" (١٧٥)، قالت: \" نعم، كان رسول الله ﷺ يدعوني، فآكل معه، وأنا عارِك (١٧٦)، وكان يأخذُ العَرْقَ، فَيُقْسِمُ عَلَي فيه، فآخذُه فأتعَرَّقُ منه، ويضع فمَه حيث وضعت فمي من العَرْق، ويدعو بالشراب، فيقسم عَلَيَّ فيه، قبل أن يشرب منه، فآخذه فأشرب منه، ثم أضعه، فيأخذه فيشرب منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من القَدَح \" (١٧٧) .\nوعن عبد الله بن سعد الأنصاري ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن مؤاكلة الحائض؟ فقال: \"واكِلْها \" (١٧٨) .\nوعن عائشة ﵂ قالت: \" كان رسول الله ﷺ يخْرِجُ إليَّ رأسَه من المسجد، وهو مجاور- أي معتكف- فأغسله وأنا حائض\" (١٧٩) .\nوعنها ﵂ قالت: \" إن النبي ﷺ كان يتكئ في حَجْرِي\n_________\n(١٧٥) طامث: حائض.\n(١٧٦) عارك: عَرَكَت المرأة تَعْرُك فهي عارِك: إذا حاضت.\n(١٧٧) رواه مسلم رقم (٣٠٠) في الحيض: باب جواز غسل الحائض رأس زوجها، وأبو داود رقم (٢٥٩) في الطهارة: باب في مؤاكلة الحائض ومجامعتها، والنسائي (١/١٤٨) في الطهارة: باب مؤاكلة الحائض والشرب من سؤرها.\n(١٧٨) أخرجه الترمذي رقم (١٣٣) في الطهارة: باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها، وفي الباب عن عائشة ﵂، وأنس ﵁، وقال الترمذي \" حديث عبد الله بن سعد حديث حسن غريب، وهو قول عامة أهل العلم، لم يروا بمؤاكلة الحائض بأسًا \".\n(١٧٩) رواه بهذا اللفظ مسلم رقم (٢٩٧) في الحيض: باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله.","vol":"2","page":92},{"text":"وأنا حائض، فيقرأ القرآن \" (١٨٠) .\nوعنها ﵂ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ: (ناوليني الخُمرة (١٨١) من المسجد، (١٨٢)، قالت: قلت: (إني حائض\"، قال: \"إن حِيْضَتَك ليست في يدك\") .\nكرامة المرأة المسلمة\nلئن قرن الإسلام بين الرجل والمرأة في عامة المواطن، لقد عرف لها نصيبها من رقة القلب، ودقة الوجدان، وأنها مناط شرف الرجل، وموطن عرضه، فاختصها بنصيب وافر من الحرمة والكرامة.\nإن كرامة المرأة في الإسلام تتناول شخصها وسيرتها، وتشمل مشهدها ومغيبها، فمن حقها أن تكون هي في موطن الرعاية والعناية، وأن\n_________\n(١٨٠) رواه البخاري (١/٣٤٢، ٣٤٣) في الحيض: باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض، وفي التوحيد، ومسلم (٣/٢١١- نووي) في الحيض: باب جواز قراءة القرآن في حَجر الحائض، وأبو داود رقم (٢٦٠) في الطهارة: باب في مؤاكلة الحائض ومجامعتها، والنسائي (١/١٩١) في الحيض: باب الرجل يقرأ القرآن، ورأسه في حجر امرأته وهي حائض.\n(١٨١) الخمرة: حصير صغير مضفور من ليف أو غيره بقدر الكف.\n(١٨٢) (قال القاضي عياض ﵁: معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد، أي وهو في المسجد، لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفا، وكانت عائشة ﵂ في حجرتها وهي حائض لقوله ﷺ: \"إن حيضتك ليست في يدك\"، فإنما خافت من إدخال يدها المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى والله أعلم) اهـ نقلا من \" شرح النووي، (٣/٢١٠)، والحديث رواه مسلم رقم (٢٩٨)، وأبو داود رقم (٢٦١)، والترمذي رقم (١٣٤)، والنسائي (١/١٩٢) .","vol":"2","page":93},{"text":"يكون اسمها بمنجاة من لغو القول، ومنال اللسان. لقد كانت المرأة المسلمة تجير الخائف، وتفك العاني، وذلك كله إلى تجلة واحترام، بلغت منهما غايتهما.\nفقد أجارت أم هانئ بنت أبي طالب رجلين من أحمائها كتب عليهما القتل، وذلك مجمل حديثها في سبيل ذلك، قالت ﵂: (ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فسلمت عليه، فقال: \" من هذه؟ \"، فقلت: \"أنا أم هانئ بنت أبي طالب \"، فقال: \"مرحبا بأم هانئ\"، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: \" يا رسول الله، زعم ابنُ أمي عَلي: أنه قاتل رجلًا فد أجَرْتُه (١٨٣) - فلان بن هُبيرة- فقال رسول الله ﷺ: (قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ\"، قالت أم هانئ: \" وذلك ضحى\") .\nوفي رواية الترمذي: (أن أم هانئ قالت: أجرتُ رجلين من أحمائي (١٨٤)، فقال رسول الله ﷺ: \"قد آمنا من آمنت\") .\nوفي رواية أبي داود: (أنها أجارت رجلًا من المشركين يومَ الفتح، فأتتِ النبي ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال: (قد أجرنا من أجرت، وآمنا من آمنت\") (١٨٥) .\n_________\n(١٨٣) أجَرتُ الرجل: منعت من يريده بسوء، وآمنته شره وأذاه.\n(١٨٤) حمو المرأة، وحموها، وحماها: أبو زوجها، ومن كان من قِبلِه.\n(١٨٥) رواه البخاري (١/٣٣١) في الغسل: باب التستر في الغسل عند الناس، وفي الصلاة، وفي الجهاد: باب أمان النساء وجوارهن، وفي الأدب، ومسلم رقم (٣٣٦) في الحيض: باب تستر المغتسل بثوب ونحوه، وفي صلاة المسافرين وقصرها، و\"الموطأ\" (١/١٥٢) في قصر الصلاة: باب صلاة الضحى، والترمذي رقم (٢٧٣٥) في الاستئذان، وأبو داود رقم (١٢٩٠) في الصلاة: باب صلاة =","vol":"2","page":94},{"text":"وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (إن كانت المرأة لتجِيرُ على المسلمين، فيجوز\" (١٨٦) .\nوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" إن المرأة لتأخذ على القوم، يعنى تُجِير على المسلمين \" (١٨٧) .\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال رسول الله ﷺ: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم (١٨٨)، وهم يد على مَن سواهم، (١٨٩) الحديث.\nولما أسر المسلمون أبا العاص بن الربيع، وغنموا ماله فيما أسروا وغنموا وكان زوج زينب بنت رسول الله ﷺ إلا أن الإسلام فرق بينهما، استجار أبو العاص بزينب ﵂ فوعدته خيرًا، وانتظرت حتى صلى رسول الله ﷺ الفجر بالمسلمين، ثم وقفت على بابها- في المسجد - فنادت بأعلى صوتها: \"إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع\"، فقال رسول الله ﷺ: \"أيها الناس هل سمعتم ما سمعت\"؟ قالوا: \"نعم\"، قال: \"فوالذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي\n_________\n= الضحى ورقم (٢٧٦٣) في الجهاد: باب في أمان المرأة، والنسائي (١/١٢٦) في الطهارة: باب ذكر الاستتار عند الاغتسال، وأخرجه الدارمي في \"سننه\" (١/٣٣٩) في الصلاة: باب الضحى، والإمام أحمد (٦/٣٤٣، ٤٢٣، ٤٢٥) .\n(١٨٦) رواه أبو داود رقم (٢٧٦٤) في الجهاد: باب في أمان المرأة.\n(١٨٧) أخرجه الترمذي رقم (١٥٧٩) في السير: باب ما جاء في أمان العبد والمرأة، وقال الترمذي: \" حديث حسن غريب\"، وحسنه الألباني في \"المشكاة، رقم (٣٩٧٨) .\n(١٨٨) \"يجير عليهم أقصاهم\" يعني أن أبعد المسلمين دارًا يجير عليهم، ويمنعهم ممن يريدونه إِذا كان قد أعطاه بذلك عهدا، وقيل: هو إذا وَجه الإمام سرية فأجازوا أحدًا أمضاه.\n(١٨٩) رواه أبو داود رقم (٤٥٣١) في الديات: باب إيقاد المسلم بالكافر، وابن ماجه رقم (٢٦٨٣)، وصححه الألباني في\" صحيح ابن ماجه\" رقم (٢١٧٢) .","vol":"2","page":95},{"text":"سمعتم، المؤمنون يَد على من سواهم، يجير علَيهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت \" (١٩٠)، فلما انصرف النبي ﷺ إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخِذَ منه ففعل (١٩١) .\nأما كرامة سيرتها، وصيانة اسمها، فذلك ما لا نحسب شريعة من الشرائع حاطتهما بمثل حياطة الإسلام لهما، وحسبك أن الله ﷾ اشتد في كتابه الكريم على قاذفي النساء في أعراضهن بأشد مما اشتد على القتلة وقطاع الطريق، فقد قال الله سبحانه في سورة النور: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) النور (٤) .\nفجعل سبحانه للقاذف عقوبة ثمانين جلدة، ثم دعم هذه العقوبة بأخرى أشد وأخزى وهي اتهامه أبد الدهر في ذمته، واطراح شهادته، فلا تقبل له شهادة أبدا، ثم وَسَمه بعد ذلك بسمة هي شر الثلاثة جميعا، وهي سمة الفسق، ووصمة الفجور.\nلم يكن كل ذلك عقاب أولئك الأثمة الجناة، فقد عاود الله أمرهم بعد ذلك بما هو أشد وأهول من تمزيق ألسنتهم فقال: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) النور (٢٣) وإن في حديث الإفك، وما أفاض الله في شأنه لموعظة وذكرى لقوم يعقلون.\n_________\n(١٩٠) \"السيرة\" لابن هشام (١/٦٥٣ - ٦٥٩)، والحاكم (٣/٢٣٦ - ٢٣٧) .\n(١٩١) وقد عاد أبو العاص بحد ذلك إلى مكة، فأدى الحقوق إلى أهلها، ثم آب إلى المدينة مسلما، فرد عليه رسول الله ﷺ زوجه ﵂، وانظر: \" سير أعلام النبلاء\" (١/ ٣٣٢ - ٣٣٤)، \"الإصابة\" (٧/٢٤٨) .","vol":"2","page":96},{"text":"الوحي ينتصر للمرأة\nكان الوحي ربما ينزل إنصافًا للمرأة، وانتصارًا لحقها، يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (كنا في الجاهلية لا نعدُّ النساء شيئًا، فلما جاء الإسلام وذكَرَهُن الله رأينا لهن- بذلك- علينا حَقا) (١٩٢) إلخ.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا نتقي الكلام والانبساط إِلى نسائنا على عهد رسول الله ﷺ هيبةَ أن ينزل فينا شيء، فلما تُوُفّيَ تكلمنا، وانبسطنا) (١٩٣) .\nوتأمل كيف انتصر الوحي لتلك المرأة التي جاءت تجادل رسول الله ﷺ، وحفلت كتب السنة بالروايات التي تفصل قصتها مع زوجها أوس ابن الصامت ﵁، تقول خولة بنت ثعلبة ﵂: (فِيَّ والله، وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة)، قالت: (كنت عنده، وكان شيخا كبيرًا قد ساء خُلُقه، قالت: فدخل عليَّ يومًا فراجعته بشيء، فغضب، فقال: \"أنت عَلَي كظهر أمي\"، فقالت: \"والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إليَّ، وقد قلتَ ما قلتَ، حتى يحكم فينا الله ورسولُه بحكمه\"، فشكت إلى رسول الله ﷺ، فنزل صدر السورة، ثم بين لها النبي ﷺ حكم الظهار، وهو: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا (١٩٤) .\n_________\n(١٩٢) رواه البخاري (١٠/٣٠١- فتح) ط. السلفية.\n(١٩٣) رواه البخاري (٩/٢٥٣- فتح) ط. السلفية، والذي كانوا يتركونه كان من المباح، لكن الذي دخل تحت البراءة الأصلية، فكانوا يخافون أن ينزل في ذلك منع أو تحريم، وبعد الوفاة النبوية أمنوا ذلك، ففعلوه تمسكا بالبراءة الأصلية.\n(١٩٤) عزاه في \" الدر المنثور، إلى الإمام أحمد (٦/ ٤١٠) وأبي داود، وابن المنذر، =","vol":"2","page":97},{"text":"وفي رواية ابن أبي حاتم عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: \" تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علىَّ بعضُه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: (يا رسول الله، أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك \"، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) (المجادلة: ١) (٥١٩) لقد نزل الوحي مؤيدًا تلك المرأة الصالحة، وأعلى ذكرها حتى صار قرآنا يتلى في المحاريب.\n(عن ابن زيد قال: لقي عمر بن الخطاب ﵁ امرأة يقال لها \" خولة\" وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها، وانصرفت، فقال له رجل: \"يا أمير المؤمنين حبستَ رجالَ قريش على هذه العجوز؟ \"، قال: \"ويحك! وتدري من هذه؟ \" قال: \"لا\"، قال:\n\"هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل، ما انصرفت حتى تقضي حاجتها \") (١٩٦) .\n_________\n= والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام (٦/١٧٩) .\n(١٩٥) رواه البخاري (١٣/٣١٦) في التوحيد: باب قول الله تعالى: (وكان الله سميعا بصيرا) تعليقًا، ووصله النسائي (٦/١٦٨) في النكاح: باب الظهار، وأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٦/٤٦) وصححه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٨١)، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٠٦٣) من حديث عروة عن عائشة ﵂.\n(١٩٦) عزاه في \" الدر المنثور، إلى ابن أبي حاتم، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٦/١٧٩) .","vol":"2","page":98},{"text":"(وعن ثمامة بن حزن قال: بينما عمر بن الخطاب يسير على حماره، لقيته امرأة، فقالت: \" قف يا عمر\"، فوقف، فأغلظت له القول، فقال رجل: \" يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم\"، فقال: \"وما يمنعني أن أستمع إليها، وهي التي استمع الله لها، وأنزل فيها ما أنزل: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) الآية (١٩٧) .\nوفي بعض الروايات أنه ﵁ مر بها في خلافته، والناس معه، على حمار، فاستوقفته طويلًا، ووعظته، وقالت: \" يا عمر: قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب\"، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: \" يا أمير المؤمنين\"، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟ !، قال: (والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لازلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها، ولا يسمعه عمر؟!) .\nوصية النبي ﷺ بالنساء\nوكانت في رجال قريش صرامة على نسائهم، ومنهم من كان يعمد إليهن بالأذى، فأما رسول الله ﷺ فما ضرب في حياته امرأة ولا خادمَا- وهو الذي يقول: (اتقوا الله في النساء) (١٩٨) و(استوصوا بالنساء خيرًا) (١٩٩) ويقول: \"إني أحَرِّج عليكم حَق الضعيفين: اليتيم، والمرأة \" (٢٠٠)، وكان\n_________\n(١٩٧) عزاه في \" الدر المنثور \" إلى البخاري في \" تاريخه\"، وابن مردويه (٦/١٧٩) .\n(١٩٨) انظر تخريجه بهامش رقم (٢٤٠) .\n(١٩٩) انظر تخريجه بهامش رقم (٢٤٣) .\n(٢٠٠) انظر تخريجه بهامش رقم (٩٣٨) .","vol":"2","page":99},{"text":"كأغضب ما يكون إذا سمع بامرأة يضربها زوجها:\nفعن عبد الله بن زمعة قال: وعظ النبي ﷺ في النساء فقال: \"يضربُ أحدكم امرأته ضرب العبدِ، ثم يعانقها آخر النهار؟ \" (٢٠١) .\nوعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: \" ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنْتَهَكَ شيء من محارم الله، فينتقم \" (٢٠٢) .\nوعن إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب قال رسول الله ﷺ: \"لا تضربوا إماء الله\"، فجاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: \" ذَئِرْنَ (٢٠٣) النساء على أزواجهن\"، فرخص في ضربهن،\n_________\n(٢٠١) أخرجه البخاري (٨/٥٤٢) في تفسير سورة الشمس، وفي الأنبياء، وفي النكاح: باب ما يكره من ضرب النساء، وفي الأدب، ومسلم رقم (٢٨٥٥) في الجنة وصفة نعيمها، والترمذي رقم (٣٣٤٠) في التفسير: باب \"ومن سورة الشمس، والدارمي (٢/١٤٧) .\nرواه مسلم رقم (٢٣٢٧) في الفضائل: باب مباعدته ﷺ للآثام، وأبو داود رقم (٤٧٨٦) في الأدب: باب التجاوز في الأمر، والدارمي (٢/١٤٧) بنحوه مختصرا.\nذئرن النساء: من باب: \" أكلوني البراغيث\" على لغة بني الحارث، ومن باب قوله تعالى: (وأسروا النجوى الذين ظلموا)، اجترأن ونشزن، ويقال الذائر: المغتاظ على خصمه، المستعد للشر، قال محيي السنة البغوي عليه الرحمة: (وفي الحديث دليل على أن ضرب النساء في منع حقوق النكاح مباح، ثم وجه ترتيب السنة على الكتاب في الضرب يحتمل أن يكون نهى النبي ﷺ عن ضربهن قبل نزول الآية، ثم لما ذئر النساء، أذن في ضربهن، ونزل القرآن موافقا له، ثم لما بالغوا في الضرب، أخبر أن الضرب- وإن كان مباحًا على شكاسة أخلاقهن- فالتحمل والصبر على سوء أخلاقهن وترك الضرب أفضل وأجمل، ويُحكى عن الشافعي هذا المعنى) اهـ من \" شرح السنة\" (٩/١٨٧)، وانظر \" فضل الله الصمد (١/٨١ - ٨٣)، =","vol":"2","page":100},{"text":"فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير، يشكون أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ: \" لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم) (٢٠٤)، وعن بهز بن حكيم حدثني أبي عن جدي قال: (قلت يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منهن وما نذر؟ قال: ائت حرثك أنى شئت (٢٠٥)، وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تُقَبح الوجه، ولا تضرب) (٢٠٦) وفي رواية بزيادة: \" ولا تهجر إلا في البيت\".\nولم يقف الإسلام من كرامة المرأة ورعايتها موقف المكتفي بكف الأذى عنها فحسب، بل كان مما سنه رسول الله ﷺ ترفيهها والحرص على سرورها، واجتلاب ما يفرحها، ويشرح صدرها في حدود ما أباحه الله وفي غير معصية\nفعن عائشة ﵂ قالت: (كنت ألعب بالبنات عند رسول الله ﷺ، وكان يأتيني صواحبي، قالت: فكن ينقمعن عن رسول الله ﷺ،\n_________\n= وانظر ص (٤٥٤ -٤٧٠) من هذا القسم.\n(٢٠٤) رواه الإمام الشافعي (٢/ ٣٦١، ٣٦٢)، وأبو داود رقم (٢١٤٦) في النكاح: باب في ضرب النساء، وابن ماجه رقم (١٩٨٥) في النكاح: باب ضرب النساء، والدارمي (٢/١٤٧) في النكاح: باب في النهي عن ضرب النساء، وابن حبان رقم (١٣١٦) في النكاح: باب ضرب النساء (٣١٩ - ٣٢٠) موارد، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/١٨٨)، وقال: \" هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\" وأقره الذهبي، وإياس مختلف في صحبته، انظر: \" الإصابة\" (١/١٦٥)، وللحديث شاهد عند ابن حبان (١٣١٥ - موارد) من حديث ابن عباس، وآخر مرسل عند البيهقي (٧/٣٠٤) من حديث أم كلثوم بنت أبي بكر، والحديث صححه الألباني في \" صحيح الجامع\" رقم (٧٢٣٧) .\n(٢٠٥) انظر آداب الزفاف للألباني ص (٩٩ - ١٠٦)، و\" أضواء البيان، للشنقيطي (١/١٢٤-١٢٨) .\n(٢٠٦) انظر تخريجه هامش رقم (٧٣٧) .","vol":"2","page":101},{"text":"قال أنس: ينقمعن (٢٠٧) يفرِرْنَ، قالت: فكان النبي ﷺ يُسَربُهُنَّ إليَّ، فيلعبن معي) (٢٠٨) .\n(وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قدم من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سَهْوَتها (٢٠٩) سِتر، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لُعَب، فقال: \" ما هذا يا عائشة؟ \"، قالت: \" بناتي\"، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: \" ما هذا الذي أرى وسطهن؟ \" قالت: \" فرس\"، قال: (وما هذا الذي عليه؟ \" قالت: \" جناحان\"، قال: \" فرس له جناحان؟!) قالت: \" أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ \" قالت: \" فضحك حتى رأيت نواجذه\" (٢١٠) .\nوعنها ﵂ قالت: \"والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يقُوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه لأنظر إلى لعبهم، بين أذنه وعاتقه، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن (٢١١)، الحريصة\n_________\n(٢٠٧) أي يتغيبن، والانقماع: الدخول في بيت أو ستر، والمراد: يستترن حياء منه ﷺ.\n(٢٠٨) رواه البخاري (١٠/٤٣٧) في الأدب: باب الانبساط إلى الناس، ومسلم رقم (٢٤٤٠) في فضائل الصحابة: باب في فضل عائشة ﵂، وأبو داود رقم (٤٩٣١) بلفظ: (كنت ألعب بالبنات، فربما دخل علي رسول الله ﷺ وعندي الجواري، فإذا دخل خرجن، وإذا خرج دخلن) .\n(٢٠٩) السهوة: صُفة صغيرة قدام البيت كالمخدع، وقيل: بيت صغير منحدر قليلا إلى الأرض.\n(٢١٠) رواه أبو داود رقم (٤٩٣٢) في الأدب: باب في اللعب بالبنات، وزاد الألباني عزوه إلى (النسائي في \" عشرة النساء، (٧٥/١)، بسند صحيح، وابن عدى (١٨٢/١) مختصرا) اهـ. من \" آداب الزفاف\" ص (٢٧٦) .\n(٢١١) أي قيسوا قياس أمرها، وأنها مع حداثتها، وشهوتها النظر وحرصها عليه، كيف مسها التعب والإعياء، ورسول الله ﷺ لم يمسه شيء من ذلك حفظا لقلبها.","vol":"2","page":102},{"text":"على اللهو\" (٢١٢) .\nوقد دخل ﷺ على عائشة ﵂ يوم عيد فوجد عندها فتاتين تنشدان أشعارًا حربية، ولما لم يكن إلا بيت واحد فقد استلقى على فراشه، وولى ظهره إليهن، ولما دخل أبو بكر ﵁ وسمع الصوت بالشعر عَنف ابنته فقال له ﷺ: \" دعهن يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا \" (٢١٣) .\nاللهو المباح في العرس\nوعن عائشة ﵂: أنها زَفت امرأةً إلى رجل من الأنصار، فقال نبى الله ﷺ: \" يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو \" (٢١٤) .\nوعن محمد بن حاطب الجمَحي ﵁ قال: \" قال رسول الله ﷺ: \" فصل ما بين الحلال والحرام: الصوت بالدف \" (٢١٥)\n_________\n(٢١٢) انظر تخريجه برقم (١٠٢٤) .\n(٢١٣) أصل الحديث رواه البخاري (٢/٣٦٦-٣٧٠) في العيدين، والجهاد، وفضائل أصحاب النبي ﷺ، وفي النكاح: باب حسن المعاشرة مع الأهل، ومسلم رقم (٨٩٢) في العيدين: باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه، والنسائي (٣/ ١٩٥-١٩٧) في العيدين، وباب الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم العيد.\n(٢١٤) رواه البخاري (٩/ ٢٢٥) ط. السلفية في النكاح: باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها، والحاكم (٢/١٨٤)، وعنه البيهقي (٧/٢٨٨) .\n(٢١٥) رواه الترمذي رقم (١٠٨٨) في النكاح: باب ما جاء في إعلان النكاح، وحسنه، والنسائي (٦/١٢٨، ١٢٧) في النكاح: باب إعلان النكاح بالصوت وضرب\nالدف، وابن ماجه (١٨٩٦)، والحاكم (٢/١٨٤) وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٧/٢٨٩)، والإمام أحمد (٣/٤١٨)، (٤/٢٥٩)، وقد حسنه الألباني في تحقيق =","vol":"2","page":103},{"text":"وفي: رواية: \" الدف، والصوت \".\nوذلك لأن به يتم إعلان النكاح.\nويروَى عن عائشة ﵂ مرفوعا: \" أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف (٢١٦) .\nوعن عامر بن سعد ﵄ قال: (دخلت على قَرَظَة بن كعب وًابي مسعود الأنصاري في عُرْس، وإذا جوالي يغنين، فقلت: \" أيْ صاحِبَيْ رسول الله ﷺ وأهلَ بدر، يُفعَل هذا عندكم؟ \"، فقالا: \" اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رُخصَ لنا في اللهو عند العرس \") (٢١٧) .\n_________\n= المشكاة، (٢/٩٤٣) .\n(٢١٦) رواه الترمذي رقم (١٠٨٩) في النكاح: باب ما جاء في إعلان النكاح، والبيهقي (٧/٢٩٠)، وقال الترمذي: (حديث غريب حسن، وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث) اهـ. وقال الحافظ في \" الفتح\": \" وسنده ضعيف\"، ثم قال ﵀: (واستدِل بقوله: \"اضربوا\" على أن ذلك لا يختص بالنساء، لكنه ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء، فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهى عن التشبه بهن) اهـ. من \"فتح الباري\" ط. السلفية (٩/٢٢٦)، وتقدمه إليه الحليمي حيث خص حله بالنساء والحديث ضعفه أيضًا: ابن الجوزي، والزيلعي؟ في فيض القدير (٢/ ١١) .\nوقال الألباني: (وأما تحسين الترمذي للحديث فإنما هو باعتبار الفقرة الأولى منه، فإن له شاهدًا من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعا، والترمذي إنما أورده في باب \" ما جاء في إعلان النكاح\" وأما الجملة التي بعدها فإني لم أجد لها شاهدا فهي لذلك منكرة) اهـ من: \" سلسلة الأحاديث الضعيفة\" (٢/٤١٠) حديث رقم (٩٧٨) .\nواعلم أنه بفرض صحة الحديث فإنه ينبغي أن يصان المسجد عن أن يضرب فيه بالدف، لكن يكون ذلك خارجه ويكون المأمور بجعله فيه هو مجرد العقد فحسب- أفاده بمعناه المناوي في \" الفيض، (٢/١١) .\n(٢١٧) رواه النسائي (٦/ ١٣٥) في النكاح: باب اللهو والغناء عند العرس، وسكت عليه =","vol":"2","page":104},{"text":"تنبيه: مما ينبغي أن يعلم أن هذا اللهو المباح إنما هو صوت الدف - وهو ما لا جلاجل له -، أو إِنشاد الجواري الصغار بأشعار مباحة، بخلاف الكلام المحظور، وغناء الفاجرات، والمعازف الإبليسية التي فتن بها أهل زماننا، نسأل الله العافية.\nحياته ﷺ مع نسائه، وإحسانه إليهن\nأما حياته ﷺ في بيته بين نسائه فقَد كانت المثل الأعلى في الموادة، والموادعة، والمواتاة، وترك الكلفة، وبذل المعونة، واجتناب هُجْر الكلام ومُرِّه، وهو الذي يقول: \" خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي \" (٢١٨) .\nعن الأسود قال: سألت عائشة ﵂: \"ما كان يصنع النبي ﷺ في أهله؟ \"، فقالت: \" كان يكون في مهنة (٢١٩) أهله، فإذا\n_________\n= الحافظ في \"الفتح\" (٩/٢٢٦) ط. السلفية ورواه الحاكم (٢/١٨٤)، وزاد: \" وفي البكاء عند المصيبة \" قال شريك: أراه قال: \" في غير نوح\"، وفي رواية عن ثابت بن وديعة، وقرظة بن كعب: \" إنه رخص في الغناء في العرس، والبكاء على الميت من غير نياحة، قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (١٨٤/٢) .\n(٢١٨) رواه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/٢١١) من حديث ابن عباس ﵄، وروى الشطر الأول منه الحاكم (٤/١٧٣)، وصححه، ووافقه الذهبي، وله شاهد من حديث عائشة ﵂ أخرجه أبو نعيم في (الحلية، (٧/١٣٨)، والترمذي رقم (٣٨٩٢) في المناقب: باب في فضل أزواج النبي ﷺ، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح\"، وزاد في روايته: \" وإذا مات صاحبكم فدعوه\" أي: اتركوا ذكر مساوئه، ورواه بهذه الزيادة الدارمي (٢/١٥٩) بدون قوله: \" وأنا خيركم لأهلي\"، وانظر: \" المسند، للإمام أحمد (٢/٢٥٠، ٤٧٢) .\n(٢١٩) المِهنَة: بكسر الميم وفتحها الخدمة، والمراد أنه كان يعاونهن، ويعمل معهن.","vol":"2","page":105},{"text":"حضرت الصلاة قام إلى الصلاة\" (٢٢٠) .\nوعن عروة قال: سألت عائشة ﵂: \" ما كان النبي ﷺ يعمل في بيته؟ \"، قالت: \" يخصف (٢٢١) نعله، ويعمل ما يعمل الرجل في بيته \" (٢٢٢) .\nوعنه أيضا أنها قالت: \" ما يصنع أحدكم في بيته: يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخيط) (٢٢٣) .\nوعن عمرة قالت: (قيل لعائشة: \" ماذا كان يفعل رسول الله ﷺ في بيته؟، قالت: \" كان بَشَرا من البَشَر؟ يفْلِي ثوبه، ويَحلُبُ شاتَه، ويَخدِم نفسه\") (٢٢٤) .\nوعنها ﵂ أنها سئلت: \" ما كان يصنع رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ \"، قالت: \" كما يصنع أحدكم؛ يشيل هذا، ويحط هذا،\n_________\n(٢٢٠) أخرجه البخاري في \" صحيحه، في صلاة الجماعة، والنفقات، والأدب (١٠/٤٦١)، ط. السلفية، وفي \" الأدب المفرد، رقم (٥٣٨) بلفظ \"خرج\"، بدل: \" قام، والترمذي في \" الزهد\".\n(٢٢١) يخصف نعله: يخرزها.\n(٢٢٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم (٥٣٩)، والإمام أحمد (٦/١٢١) بنحوه.\n(٢٢٣) رواه البخاري في الأدب المفرد، رقم (٥٤٠)، وصححه ابن حبان، والإمام أحمد بنحوه (٦/ ٢٦٠) .\n(رواه البخاري في الأدب المفرد، رقم (٥٤١) بدون قولها (ويخدم نفسه، وعنه بهذه الزيادة الترمذي في \" الشمائل، رقم (٢٩٣)، والبغوي في \" شرح السنة\" (٣٦٧٦)، ورواه عن القاسم عن عائشة ﵂ الإمام أحمد (٦/٢٥٦)، وابن حبان في صحيحه، (٢١٣٦)، وأبو نعيم في (الحلية، (١/٣٣١)، وصححه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (٦٧١)، وروى ابن سعد عنها ﵂: \" كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان رجلًا من رجالكم، إلا أنه كان بساما، كذا في (فتح الباري \" (١٠/٤٦١) ط. السلفية.","vol":"2","page":106},{"text":"ويخدم في مهنة أهله \"، وفي رواية: \" كان ﷺ يخدم في مهنة أهله، ويقطع لهم اللحم، ويقمُّ البيت، ويعين الخادم في خدمته، (٢٢٥) .\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال:\n(خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أف قط (٢٢٦)، وما قال لي لشيء صنعته: \" لم صنعته؟ \"، ولا لشيء تركته: \" لم تركته؟ \"؛ وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقًا (٢٢٧) الحديث.\nوكان ﷺ من التبسط ورفع الكلفة إلى حَدِّ أن يستبق هو وامرأته كما جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفر، وهي جارية، قالت: \" لم أحمل اللحم، ولم أبدِن (٢٢٨)، فقال لأصحابه: \"تقدموا\"، فتقدموا، ثم قال: \" تعالي أسابقك\"، فسابقته، فسبقته على رجلي، فلما كان بعدُ، خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه: \"تقدموا\"، ثم قال \" تعالي أسابقك\"، ونسيت الذي كان، وقد حَمَلْتُ اللحم، وبدنت، فقلت: \" كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذه\n_________\n(٢٢٥) \" السمط الثمين، ص (١٢) .\n(٢٢٦) أف: اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر، وأتوجع، وهي كلمة تبرم وملال، تقال لكل ما يتضجر منه.\n(٢٢٧) رواه البخاري في \" الأدب\" والوصايا، و\"الديات\" وسلم رقم (٤٧٧٤)، والترمذي رقم (٢٠١٦)، وفي \"الشمائل \" رقم (٢٩٦)، وأبو داود والدارمي (١/ ٣١)، والبغوي رقم (٢٦٦٤) .\nواعلم أن هذا التسامح منه ﷺ إنما فيما يتعلق بحظ الإنسان، وأما الأمور اللازمة شرعا فلا يتسامح فيها، لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n(٢٢٨) بَدُنَ وبَدَّن: بالتشديد بمعنى كبر وأسن، وبالتخفيف من البدانة، وهي كثرة اللحم والسمنة، وهذا المعنى هو الأليق بالسياق، انظر النهاية (١/١٠٧) .","vol":"2","page":107},{"text":"الحال؟ \"، فقال: \" لتفعلن\"، فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وقال: \" هذه بتلك السبقة \") (٢٢٩) .\nوعن عمر ﵁ قال: (تغضبت يومًا على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك، فو الله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل؟، قال: فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: \" قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت (٢٣٠) الحديث.\nوقال أنس ﵁ في حديثه- عن صفية ﵂: (.. فكان ﷺ يحوى لها وراءها بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، فتضع صفية ﵂ رجلها على ركبته حتى تركب) (٢٣١) .\nوعن عائشة ﵂ قالت: (أتيت النبي ﷺ بخزيرة قد طبختُها له، فقلت لسودة ﵂ والنبي بيني وبينها: \" كلي\"،\n_________\n(٢٢٩) أخرجه أبو داود (٤٠٣)، والإمام أحمد (٦/ ٢٦٤)، وابن ماجه (١/ ٦١٠) مختصرا، وغيرهم، وصححه الحافظ العراقي في \" تخريج الإحياء، (٢/٤٠)، وعزاه الألباني أيضا إلى النسائي في (عشرة النساء) (٧٤/٢) وصححه، كما في آداب الزفاف\" ص (٢٧٦) ط ١٤٠٩ هـ.\n(٢٣٠) قطعة من حديث طويل رواه عن ابن عباس ﵄ البخاري (٨/٥٠٣)، في تفسير سورة التحريم: وفي كتاب المظالم: باب الغرفة والعلية، وفي النكاح، واللباس ومسلم رقم (١٤٧٩) في الطلاق: باب الإيلاء واعتزال النساء، والترمذي رقم (٣٣١٥) في التفسير: باب ومن سورة التحريم، والنسائي (٤/ ١٣٧-١٣٨) في الصوم: باب كم الشهر؟\n(٢٣١) رواه البخاري (١/٤٠٤، ٤٠٥) في الصلاة: باب ما يذكر في الفخذ، وفي الأذان، وَفي صلاة الخوف، وفي الجهاد، والأنبياء، والمغازي: باب غزوة خيبر، ومسلم رقم (١٣٦٥) في النكاح: باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها، وفي المغازي.","vol":"2","page":108},{"text":"فأبت، فقلت: \" لتأكلين أو لألطِّخنَّ وجهَك\"، فأبت، فوضعتُ يدي في الخزيرة فطليت وجهها، فضحك النبي ﷺ فوضع بيده لها: وقال لها: الطخي وجهها، فضحك النبي ﷺ)، وفي رواية: (فخفض لها ركبته لتستقيد مني، فتناولَت من الصحفَةِ شيئًا، فَمَسَحَتْ به وجهي، ورسول الله ﷺ يضحك) (٢٣٢) .\nوعن النعمان بن بشير ﵄ قال: (جاء أبو بكر يستأذن على النبي ﷺ فسمع عائشة ﵂ وهي رافعة صوتها على النبي ﷺ، فأذن له، فدخل، فقال: (يا ابنة أم رومان أترفعين صوتك على رسول الله ﷺ؟، وتناولها أبوها ﵁ (٢٣٣) (أترفعين صوتك على رسول الله ﷺ؟ \"، قال: فحال النبي ﷺ بينه وبينها، فلما خرج أبو بكر ﵁ جعل النبي ﷺ يقول لها يترضاها (٢٣٤): \" ألا تَرَينَ أني قد حُلْتُ بين الرجل وبينك؟ \"، قال: ثم جاء أبو بكر (٢٣٥) ﵁ فاستأذن عليه، فوجده يضاحكها، قال: فأذن له، فدخل، فقال أبو بكر: \" يا رسول الله أشركاني في سِلمِكُما (٢٣٦) كما أشركتماني\n_________\n(٢٣٢) رواه أبو يعلى الموصلي، \"ورجاله رجال الصحيح خلا محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن\" كذا في \" مجمع الزوائد، (٤/٣١٦)، وقال الحافظ العراقي في \" تخريج الإحياء\" (رواه الزبير بن بكار في كتاب الفكاهة والمزاح، وأبو يعلى، بإسناد جيد)، والخزير والخزيرة: لحم تقطع، ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذر عليه الدقيق.\n(٢٣٣) وفي رواية أبي داود: \" تناولها ليلطمها\" وهو ضرب الخد، وهو منهي عنه، ولعله كان قبل النهي، أو وقع ذلك من أبي بكر ﵁ لغلبة الغضب، أو أراد، ولم يلطم.\n(٢٣٤) أي يلاطفها، ويمازحها، وهذا من كرم أخلاقه ﷺ، وحسن معاشرته لأزواجه.\n(٢٣٥) وجاء عند أبي داود: (قال: فمكث أبو بكر أياما) .\n(٢٣٦) أي صلحكما.","vol":"2","page":109},{"text":"في (٢٣٧) حربكما) (٢٣٨) .\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: (ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ) (٢٣٩) الحديث.\nوقال ﷺ في خطبة حجة الوداع: \" فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، (٢٤٠) وفي رواية: (ألا واستوصوا بالنساء خيرَا، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة\" (٢٤١) الحديث.\nوقال ﷺ: \" إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائكم) (٢٤٢) .\n_________\n(٢٣٧) زاد أبو داود: (فقال النبي ﷺ: نعم، قد فعلنا، قد فعلنا) .\nأخرجه الإمام أحمد (٤/٢٧٢)، وأبو داود رقم (٤٩٧٨) (١٣/٣٤٤) من \" عون المعبود\" في الأدب: باب ما جاء في المزاح، والنسائي في \"عشرة النساء\" كما في \"تحفة الأشراف، (٩/٢٨)، وسكت عنه أبو داود، والمنذري، \" ورجاله كلهم ثقات، كما في \" بلوغ الأماني، (١٦/٢٣٤) .\n(٢٣٩) رواه مسلم رقم (٢٣١٦) في الفضائل: باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال.\n(٢٤٠) رواه مسلم في الحج: باب حجة النبي ﷺ من حديث جابر بن عبد الله ﵄، انظر: (شرح النووي\" (٨/١٨٣) .\n(٢٤١) رواه الترمذي رقم (٣٠٨٧) في تفسير سورة التوبة، وقال الترمذي: \" هذا حديث حسن صحيح\"، وفي الفتن: باب تحريم الدماء رقم (٢٦١٠)، وابن ماجه رقم (١٨٧٣) من حديث عمرو بن الأحوص ﵁، وصححه الإمام ابن القيم في \" زاد المعاد، (٤/٤٦) .\nو\"عوانٍ، جمع عانية، وهى مؤنثة العاني، وهو الأسير، شبه النساء بالأسرى عند الرجال، لتحكمهم فيهن، واستيلائهم عليهن، وانظر: (آداب الزفاف\" ص (٢٧٠) .\nانظر تخريجه بهامش رقم (٣٠٠) .","vol":"2","page":110},{"text":"وقال ﷺ: (استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضِلَع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء، (٢٤٣) .\nوصدق الله العظيم: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) التوبة (١٢٨) .\nإبطال عادات الجاهلية في الجنائز\nلقد تأثرت المرأة بأدب الإسلام، وخرجت عما احتكم بها في الجاهلية من عادة نافرة، وتقليد ذميم، وكان أول ما لُقنت المرأة من أدب الله ورسوله ﷺ الاعتصام بالصبر، إذا دجا الخطب، وجل المصاب، فحال الإسلام بينها وبين ما كانت تعتاده في الجاهلية إذا ذهب الموت بعزيز لها أو كريم من آلها من شق الجيوب، ولطم الوجوه، إلى غير ما ذكرناه سابقَا.\nفهذا رسول الله ﷺ يبايع النساء في المدينة: \" على ألا يَنُحْنَ، ولا يخمشن وجهًا، ولا يشققن جيبًا، ولا يدعين ويلًا، ولا ينشرن شعرا، ولا يقلن هجرا \" (٢٤٤) .\nطوقت تلك البيعة أعناق المؤمنات جميعا، فأصبحت من أركان دينهن، وعمد إيمانهن، ثم أصغين إلى ما كتب الله للصابرين والصابرات من\n_________\n(٢٤٣) رواه البخاري (٩/٢١٨) في النكاح: باب المداراة مع النساء، وفي الأنبياء، والأدب، والرقاق، ومسلم رقم (١٤٦٨) في الرضاع: باب الوصية بالنساء، والترمذي رقم (١١٨٨) في الطلاق: باب ما جاء في مداراة النساء - من حديث أبي هريرة ﵁، وانظر: \" زاد المسلم\" (٢/١٤٠)، (٣/٢٦٣) .\n(٢٤٤) انظر تخريجه هامش رقم (٢٥٧) .","vol":"2","page":111},{"text":"جليل الأجر وجميل المثوبة، ورأينه خَلة (٢٤٥) الأنبياء وسنة الصديقين، وآية المقربين، وقرأن قول الله تباركت حكمته: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وقوله جلت آياته في الصابرين: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) البقرة (١٥٧)، وسمعن رسول الله ﷺ يقول فيما يرويه عن ربه ﷿: (يقول الله: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صَفِيه (٢٤٦) من أهل الدنيا ثم احتسبه (٢٤٧) إلا الجنة (٢٤٨) .\nوقوله ﷺ للنساء: \"ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار \" فقالت امرأة: \" واثنين؟ \" قال ﷺ: \" واثنين \" (٢٤٩) .\nكل ذلك وأشباهه - سمعنه ووعينه، فكان مسلاة نفوسهن، وراحة قلوبهن، وبرد أكبادهن (٢٥٠)، ثم جاءت السنة الشريفة بزواجر ومواعظ تبطل ما كان من عادات الجاهلية، وتنقضها من أصلها:\n_________\n(٢٤٥) الخلًة: بفتح الخاء، الخصلة، وجمعها: خِلالً.\n(٢٤٦) صفي الإنسان: خليله، وخاصته الذي يصطفيه، ويختاره دون الناس.\n(٢٤٧) احتسبه: أي ادخر أجره عند الله تعالى.\n(٢٤٨) أخرجه من حديث أبي هريرة ﵁ البخاري (١١/٢٠٧) في الرقاق: باب العمل الذي يبتغى به وجه الله.\n(٢٤٩) رواه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ البخاري (١/١٧٥) في العلم: باب هل يجعل للنساء يوما على حدة في العلم، وفي الجنائز: باب فضل من مات له ولد فاحتسب، وفي الاعتصام: باب تعليم النبي ﷺ أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل، ومسلم رقم (٢٦٣٣) في البر والصلة: باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه.\n(٢٥٠) وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر نماذج عملية لامتثال المؤمنات هذه التعاليم في الفصل الخامس من الباب الثالث: \" المرأة مؤمنة مجاهدة صابرة،.","vol":"2","page":112},{"text":"فعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: (أربع في أمتي من الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعنُ في الأنساب، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحة\"، وقال: \" النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سِربال من قَطِرانٍ، ودِرْع من جَرَب (٢٥١) .\nوالنوح: أمر زائد على البكاء، قال ابن العربي \" النوح ما كانت الجاهلية تفعل، كان النساء يقفن متقابلات يصحن، ويحثين التراب على رؤوسهن، ويضربن وجوههن\" اهـ نقله الأبي (٢٥٢) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت \" (٢٥٣) .\nوعن أم عطية ﵂ قالت: \" أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة ألا ننوح (٢٥٤) .\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعى بدعوى الجاهلية (٢٥٥) .\n_________\n(٢٥١) رواه مسلم رقم (٩٣٤) في الجنائز: باب التشديد في النياحة.\n(٢٥٢) \" إكمال إكمال المعلم \" (٣/٧٣) .\n(٢٥٣) رواه مسلم رقم (٦٧) في الإيمان: باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة.\n(٢٥٤) رواه البخاري (٣/١٤١) في الجنائز: باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر من ذلك، وفي تفسير سورة الممتحنة، وفي الأحكام، ومسلم رقم (٩٣٦) في الجنائز: باب التشديد في النياحة، والنسائي (٧/١٤٨، ١٤٩) في البيعة: بيعة النساء، وأبو داود رقم (٣١٢٧) في الجنائز: باب في النوح، والبيهقي (٤/٦٢) .\n(٢٥٥) انظر تخريجه بهامش رقم (٢٧٤) .","vol":"2","page":113},{"text":"وعن أبي بردة بن أبي موسى ﵄ قال: \" وَجِعَ أبو موسى وجعًا، فَغشِيَ عليه، ورأسه في حَجْر امرأةٍ من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يَرُدَّ عليها شيئًا، فلما أفاق قال: (أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ، فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالِقة، والحالِقة، والشاقة \") (٢٥٦) .\nوعن امرأة من المبايعات قالت:\n(كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نَعْصِيَه فيه: أن لا نُخَمّش وجهًا، ولا ندعُوَ ويلًا، ولا نشُق جيبًا، وأن لا ننشر شعرًا \" (٢٥٧) .\n(وحكى الأوزاعي أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع صوت بكاء فدخل ومعه غيره، فمال عليهم ضربًا حتى بلغ النائحة، فضربها حتى سقط خمارها، فقال: \" اضرب فإنها نائحة ولا حرمة لها، إنها لا تبكي لشجوكم، إنها تهريق دموعها على أخذ دراهمكم، وإنها تؤذى موتاكم في قبورهم، وأحياكم في دورهم، إنها تنهى عن الصبر، وقد أمر الله به، وتأمر\n_________\n(٢٥٦) رواه البخاري تعليقًا (٣/١٣٢) في الجنائز: باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة، وقد وصله مسلم رقم (١٠٤) في الإيمان: باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، وأبو داود رقم (٣١٣٠) في الجنائز: باب في النوح، والنسائي (٤/٢٠) في الجنائز: باب السلق، وباب الحلق.\nوالصالقة: التي ترفع صوتها، وتصرخ عند المصيبة وَتضج.\nوالحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة.\nوالشاقة: التي تَشُق ثيابها.\n(٢٥٧) رواه أبو داود رقم (٣١٣١) في الجنائز: باب في النوح، ومن طريقه البيهقي (٤/٦٤)، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص (٣٠) .","vol":"2","page":114},{"text":"بالجزع، وقد نهى الله عنه) (٢٥٨) اهـ.\nوعن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ أخذ على النساء - حين بايعهنَّ- ألا يَنُحْنَ، فقلن: \" يا رسول الله، إن نساء أسْعَدْتَنا في الجاهلية: أفَنُسْعِدُهُن؟ \"، فقال رسول الله ﷺ: \"لا إسعادَ في الإسلام \" (٢٥٩) .\nوالإسعاد: إعانة النساء بعضهن بعضا في النياحة بموت الميت.\nوعن أم سلمة ﵂ قالت: \" لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غُرْبة، لأبكينه بكاءً يُتَحَدثُ عنه، فكنتُ قد تهيأتُ للبكاء عليه، إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تُسْعِدَني، فاستقبلَها رسولُ الله ﷺ، فقال: \"أتريدين أن تُدْخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه؟ \"مرتين \"، فكففتُ عن البكاء، فلم أبكِ) (٢٦٠) .\nقولها: \" غريب وفي أرض غربة \": معناه أنه كان من أهل مكة، ومات بالمدينة.\nوالمراد بالصعيد هنا: عوالي المدينة، وأصل الصعيد في اللغة وجه الأرض سواء كان عليه تراب أوْ لا.\nكراهة الاجتماع للتعزية:\nوكان من هدي الإسلام في الجنائز أن كره الاجتماع للتعزية في مكان\n_________\n(٢٥٨» الزواجر، للهيثمي (١/١٦٠)، وانظر \" الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (١٨/٧٥) .\n(٢٥٩) رواه النسائي (٤/١٦) في الجنائز: باب النياحة على الميت، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/١٩٧)، وصححه ابن حبان رقم (٧٣٨ - موارد) .\n(٢٦٠) رواه مسلم رقم (٩٢٢) في الجنائز: باب البكاء على الميت.","vol":"2","page":115},{"text":"خاص كالدار أو المقبرة أو المسجد، وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: \" كنا نعد - وفي رواية: نرى - الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة\" (٢٦١)، قال النووي ﵀: \" وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف (٢٦٢) وسائر الأصحاب على كراهته، قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها \" (٢٦٣) .\nالترخيص في البكاء بغير نوح:\nعلى أن الإسلام قد أباح للناس أن يشتفوا بالدمع، ويستريحوا إلى البكاء، فعن أسامة بن زيد ﵄: (أن رسول الله ﷺ حمل ابنًا لابنته زينب قد حُضر، ونفسه تقعقع في صدره، ففاضت عيناه، فقال له سعد بن عبادة ﵁: \" ما هذا يا رسول الله وقد نهيت عن البكاء؟ \"، قال: \"إنما هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء \") (٢٦٤) .\n_________\n(٢٦١) أخرجه الإمام أحمد رقم (٦٩٠٥)، وابن ماجه (١/٢٥٢)، وصححه النووي في \"المجموع\" (٥/٣٢٠)، والبوصيري في \"الزوائد\" (١/٥٣٥)، والشوكاني في \" نيل الأوطار، (٤/١٤٨)، والشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند \" (١١/١٢٥) .\n(٢٦٢) يعني الإمام أبا إسحاق الشيرازي صاحب \" المهذب، ﵀.\n(٢٦٣) \"المجموع\" (٥/٣٠٦) .\n(٢٦٤) رواه البخاري (٣/١٢٤ -١٢٦) في الجنائز: باب قول النبي ﷺ: \"يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه \"، وفي المرضى: باب عادة الصبيان، وفي القدر، وفي الإيمان والنذور، وفي التوحيد، ومسلم رقم (٩٢٣) في الجنائز: باب البكاء على الميت، والنسائي (٤/٢٢) في الجنائز: باب الأمر بالاحتساب والصبر عند نزول المصيبة.","vol":"2","page":116},{"text":"وعن أنس ﵁ قال: (دخلنا مع رسول الله ﷺ على أي سيف القَيْن - وكان ظِئرًا (٢٦٥) لإبراهيم ﵇ - فأخذ رسولُ الله ﷺ ابنه إبراهيم، فقبَّله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيمُ يجودُ بنفسه، فَجَعَلَتْ عينا رسول الله ﷺ تَذْرِفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: \" وأنتَ يا رسول الله؟ \"، فقالَ: (يا ابنَ عوني، إنها رحمة\"، ثم أتبعها بأخرى، فقال: \" إنَّ العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول إلا ما يرضِي رَبنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم محزونون) (٢٦٦) .\nوعن عائشة ﵂: \" أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله، وبكى حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه\" (٢٦٧) .\nهدي الإسلام في الحداد على الميت:\nولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلها حدادا على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام، إلا على زوجها فتحد أربعة أشهر وعشرا لغير الحامل،: عن حميد بن نافع قال: \" أخبرتني زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان ابن حرب، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صُفرَة خَلوق أو غيره، فدهنت منه جارية، ثم مَست بعارضَيها، ثم قالت: (والله ما لى بالطيب من\n_________\n(٢٦٥) أي زوج مرضعة إبراهيم ﵇.\n(٢٦٦) رواه البخاري (٣/١٣٩) في الجنائز: باب قول النبي ﷺ: إنا بك لمحزونون، ومسلم رقم (٢٣١٥) في الفضائل: باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه، وأبو داود رقم (٣١٢٦) في الجنائز: باب في البكاء على الميت.\n(٢٦٧) أخرجه أبو داود رقم (٣١٦٣) في الجنائز: باب في تقبيل الميت، والترمذي رقم (٩٨٩) في الجنائز: باب ما جاء في تقبيل الميت، وقال الترمذي: \"حديث عائشة حديث حسن صحيح\"، وقال: \" وفي الباب عن ابن عباس وجابر وعائشة قالوا: =","vol":"2","page":117},{"text":"حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على مَيّتٍ فوقَ ثلاثِ ليالٍ، إلا على زوجٍ: أربعةَ أشهر وعشرا \")، قالت زينب: ثم دخلتُ على زينبَ بنتِ جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمسحت منه، ثم قالت: (أما والله، ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، الحديث) (٢٦٨) .\nوإظهارًا لعدم التعرض للزواج، ومراعاة لحق الزوج في الوفاء له أوجب الشرع على الحادة أن تجتنب ما يدعو إلى نكاحها، ويرغب في النظر إليها، ويحسنها، وذلك أربعة أشياء:\nأحدها: الطيب (٢٦٩)، والثاني: اجتناب الزينة في نفسها كالخضاب والتحمير والحف وما أشبهه مما يُحَسنها كالاكتحال بالإثمد (٢٧٠) واجتناب زينة الثياب المصبغة للتحسين، وكذا اجتناب الحلي، فيحرم عليها لبس الحلي كله حتى الخاتم في قول عامة أهل العلم.\n_________\n= إن أبا بكر قبل النبي ﷺ وهو ميت\" (٣/ ٣١٥)، وأخرجه ابن ماجه رقم (١٤٥٦) في الجنائز: باب ما جاء في تقبيل الميت.\n(٢٦٨) رواه البخاري (٩/٤٢٧) في الطلاق: باب تحد المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا، وفي الجنائز، ومسلم رقم (١٤٨٦) حتى (١٤٨٩) في الطلاق: باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة، و\" الموطأ\" (٢/٥٩٦-٥٩٨) في الطلاق: باب ما جاء في الإحداد، وأبو داود رقم (٢٢٩٩) في الطلاق: باب إحداد المتوفى عنها زوجها، والترمذي رقم (١١٩٥)، (١١٩٦)، (١١٩٧) في الطلاق: باب ما جاء في عدة المتوفى عنها زوجها، والنسائي (٦/٢٠١) في الطلاق: باب ترك الزينة للحادة المسلمة دون النصرانية.\n(٢٦٩) إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة أو أظفار.\n(٢٧٠) ولا تمنع من التنظيف بتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر والامتشاط به.","vol":"2","page":118},{"text":"والثالث: مما تجتنبه الحادة النقاب (٢٧١)، وما في معناه مثل البرقع ونحوه، وإذا احتاجت إلى ستر وجهها أسدلت عليه كما تفعل المحرمة.\nوالرابع: المبيت في غير منزلها- فيجب على الحادة أن تعتد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به، سواء كان مملوكًا لزوجها أو بإجارة أو عارية إِلا لعذر (٢٧٢) .\nتهذيب الإسلام لمشاعر المرأة (٢٧٣)\nعمد الإسلام إلى قلب المرأة، فاستل سخيمته، وأخرج ضغينته، وطهره من غِل الثائر، نزعة الانتقام، وقد كان ذلك من أشد ما يجيش به صدرها، وتهتف به نفسها، ويقذف حممه فمها ولسانها، فاليوم وقد شرع الله القصاص في الدنيا والآخرة، واستنقذ العرب من مفارق الفُرق، ومنازع الفِتن، وألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانَا، فقد تبدل الحقد وُدُّا، واستحالت البغضاء ولاء.\nوأنى يكون لسخائم النفوس، وتطلب الأوتار، من أثر في صدر المرأة المؤمنة، وقد لعن رسول الله ﷺ الداعين بدعوة الجاهلية، وقال: \" ليس منا.. من دعا بدعوى الجاهلية \" (٢٧٤)، وما دعوة الجاهلية إلا أن يقول\n_________\n(٢٧١) انظر: \" الإمداد بأحكام الحداد\" للدكتور فيحان بن شالي المطيري ص (٩٦) .\n(٢٧٢) \"المغني لابن قدامة (٧/٥١٨-٥٢٢) .\n(٢٧٣) مستفاد من \"المرأة العربية\" (٢/٨٢-٨٥) بتصرف يسير.\n(٢٧٤) جزء من حديث أخرجه من حديث عبد الله بن مسعود: \" البخاري (٣/ ١٣٣) في الجنائز باب ليس منا من ضرب الحدود، وفي الأنبياء: باب ما ينهى من دعوى الجاهلية ومسلم رقم (١٠٣) في الإيمان: باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية، والترمذي رقم (٩٩٩) في الجنائز باب ما =","vol":"2","page":119},{"text":"الرجل أو المرأة، \" يا لَفلان\"، فتعقد الألوية، وتجاش الجيوش، وتنتضي السيوف، وتخاض الدماء، إن ظالمًا وإن مظلومًا.\nوهل طوى قلب على أشد وأهول مما طوى عليه قلب هند ابنة عتبة، من سموم الموجدة، ونيران العداوة لرسول الله ﷺ، وآل بيته؟ فهم الذين قتلوا آلها يوم بدر، واستقادوا زوجها يوم زحفهم على مكة، وهي التي أهدر نبي الله ﷺ دمها يوم فتح مكة جزاء تمثيلها بجثمان عمه حمزة يوم أحد، وكانت بقرت بطنه بعد مصرعه، وأخرجت كبده، فلاكتها، ثم لفظتها، وتلك شر نزعات الجاهلية، رُوي أن هندًا جاءت تبايع رسول الله ﷺ وهى مقنعة، فقالت: \"يا رسول الله الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، لتنفعني رَحِمُك، يا محمد أني امرأة مؤمنة بالله، مصدقة برسوله \" (٥٢٧)، ثم كشفت عن نقابها، فقالت: \" أنا هند بنت عتبة\"، فقال رسول الله ﷺ: \"مرحبًا بك\"، فقالت: \"والله ما كان على الأرض أهل خباء أحب إليَّ من أن يذلوا من خبائك، ولقد أصبحت وما على الأرض أهل خباء أحب إليَّ من أن يعزوا من خبائك) (٢٧٦) .\nففي سبيل الله، وفي سبيل دينه، ما غسل الدم، وزالت الوحشة، وأتلفت نوافر القلوب.\nوكما أن الله طهَّر نفس المرأة من الحقد، وأبرأ قلبها من قرحة الغل، كذلك حسر عن عقلها حجاب الجهل، ونزع عن إدراكها غشاء الأباطيل، فلم تخضع لعقيدة فاسدة، ولم ترضخ لوهم مُمَوَّه، وعلمت أن الله قد أسدل\n_________\n= جاء في النهي عن ضرب الخدود، وشق الجيوب عند المصيبة، والنسائي (٤/٢٠) في الجنائز: باب ضرب الخدود.\n(٢٧٥) وروي أنها لما أسلمت، جعلت تضرب صنمًا لها في بيتها بالقدوم حتى فَلَذَتهُ فلذة فلذة، وتقول: \" كنا معك في غرور، من \"الإصابة\" (٨/١٥٦) .\n(٢٧٦) \"الطبقات الكبرى\" لابن سعد (٧/ ١٧١-١٧٢) .","vol":"2","page":120},{"text":"حجب الغيب دون أوليائه وأصفيائه، فلم تطلبه، أو تحاول كشفه، فطويت بذلك صحف الكهان والعرافين، وزواجر الطير، وطوارق الحصى، وأمثال كل أولائك من كل ذي لغو مموه، وظن مُرَجم، وضلالة باطلة (٢٧٧)، وتبينت أن الأمر كله بيد الله، وأنه وحده مقلب القلوب، ومُحَول الحالات، فلم تحتل على الحب واللقاء، والبرء والشفاء، ومدِّ حبل العُمُر، ورد سهم القدر بتعليق الخرزات والاستقاء بمائها، ولا بقول الرُّقى الشركية وعقد التمائم فلم يكن مفزعها في الأمر كله إلا رجاء طيب في الله وحده، ودعاءٌ صالح يزلفها لديه سبحانه، وبطل ما كانت تعتقد في المعاني التى ألبسها الخيال لَبوسًا من الأشباح المترائية، والخيالات الخرافية، كل كل أولائك محاه الدين، ومحقه العلم الصحيح، وبدد ظلماتِه نُور التوحيد، وهاك طائفة من الآثار في ذلك:\nعن قيس بن السكن الأسدي قال: دخل عبد الله بن مسعود ﵁ على امرأته، فرأى عليها حرزًا من الحُمرَةِ، فقطعة قطعا عنيفا، ثم قال: \" إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء\"، وقال: كان مما حفظنا عن النبي ﷺ: \" إِن الرقى، والتمائم، والتولة شرك \" (٢٧٨) .\n_________\n(٢٧٧) انظر: \" معارج القبول\" (١/٣٣٨-٣٤٣)، (١/٣٧٥ - ٣٨٥) .\n(٢٧٨) أخرجه الحاكم (٤/٢١٧)، وقال: \" صحيح الإسناد\"، ووافقه الذهبي، ثم الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٣٣١)، وروى المرفوع منه أبو داود رقم (٣٨٨٣)، وابن ماجه رقم (٣٥٣٠)، وابن حبان (١٤١٢)، والإمام أحمد (١/٣٨١)، والرقى: هنا غير الشرعية، وهى ما كان فيه الاستعاذة بالجن، أو كانت مما لا يفهم معناها، والتمائم: جمع تميمة، أصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد لدفع العين، ثم توسعوا فيها، فسموا بها كل عوذة، ومثله: تعليق نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر المكان، أو تعليق بعض السائقين نعلًا في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، أو الخزر الأزرق على مرآة السيارة لدفع العين زعموا.\nوالتولة: بكسر التاء وفتح الواو: ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره.","vol":"2","page":121},{"text":"وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط، فبايع تسعة، وأمسك عن واحد، فقالوا: \" يا رسول الله بايعت تسعة، وتركت هذا؟ \"، قال: (إن عليه تميمة \"، فأدخل يده، فقطعها، فبايعه، وقال: \" من علَّق تميمة فقد أشرك) (٢٧٩) .\nويروى عنه ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" من تعلق تميمة، فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة، فلا ودع (٥٢٨) الله له \" (٢٨١) .\nوعن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولا: \" أن لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت\" (٢٨٢) .\nوعن رويفع ﵁ قال: قال في رسول الله ﷺ: \" يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا بريء منه) (٢٨٣) .\n_________\n(٢٧٩) أخرجه الإمام أحمد (٤/١٥٦)، ومن طريق آخر الحاكم (٤/٢١٩)، وصححه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (٤٩٢) .\n(٢٨٠) أي: لا جعله في دعة وسكون، ولا خفف الله عنه ما يخافه، وهذا دعاء أو خبر.\n(٢٨١) أخرجه الحاكم (٤/٤١٧، ٢١٦)، وصححه، ووافقه الذهبي، وفيه جهالة خالد بن عبيد المَعَافري، وقال المنذري (٤/١٥٧): \" رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد جيد، والحاكم، وقال: (صحيح الإسناد\" اهـ.، وضعفه الألباني في (الضعيفة، رقم (١٢٦٦) .\n(٢٨٢) رواه البخاري (٦/٩٨، ٩٩) الجهاد: باب ما قيل في الجرس، ومسلم رقم (٢١١٥) في اللباس: باب كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير، والموطأ في صفة النبي ﷺ: باب ما جاء في نزع المعاليق، وأبو داود رقم (٢٢٥٢) في الجهاد: باب في تقليد الخيل بالأوتار.\n(٢٨٣) رواه أبو داود رقم (٣٦) في الطهارة: باب ما ينهى عنه أن يستنجى به، والنسائي (٨/١٣٥) في الزينة: باب عقد اللحية، والإمام أحمد (٤/١٠٨، ١٠٩)، وصححه","vol":"2","page":122},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا:\n\"من أتى عرافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد\" (٣٨٤) ﷺ.\nوعن عمران بن حصين ﵄ مرفوعًا:\n\"ليس منا من تطيَّر أو تطير له، أو تكهن أو تُكُهنَ له، أو سحر أو سُحِر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد\" (٢٨٥) ﷺ.\nوعن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: \" من أتى عرافا، فسأله عن شيء، فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة \" (٢٨٦) .\n_________\n= الألباني في \" المشكاة\" رقم (٣٥١) .\n(٢٨٤) رواه الإمام أحمد (٢/٤٠٨، ٤٢٩)، والحاكم (١/٨) عن أبي هريرة ﵁، قال الحاكم، \" على شرطهما\".\n(وقال الحافظ العراقي في أماليه: \" حديث صحيح، ورواه عنه البيهقي في السنن، وقال الذهبي: \"إسناده قوي\") اهـ. من \" فيض القدير، (٦/٢٣) .\n(٢٨٥) (رواه الطبراني، وكذا البزار، قال المنذري: \" إسناد الطبراني حسن وإسناد البزار جيد، وقال الهيثمي: \" فيه إسحاق بن ربيع العطار، وثقه أبو حاتم، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات، ورواه في الأوسط عن ابن عباس، ورمز السيوطي لحسنه) اهـ. \" فيض القدير \" (٥/٣٨٥) .\n(٢٨٦) رواه مسلم رقم (٢٢٣٠) في السلام: باب تحريم الكهانة، وإتيان الكهان، والإمام أحمد (٤/٦٨)، (٥/٠ ٣٨) .","vol":"2","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>[فصل]\nدحض بدعة المساواة المطلقة\nبين الرجل والمرأة</span>\n(وليس الذكر كالأنثى)\n(آل عمران: ٣٦)\nبعد أن أعلن الإسلام موقفه الصريح من إنسانية المرأة وأهليتها وكرامتها، نظر إلى طبيعتها وما تصلح له من أعمال الحياة، فأبعدها عن كل ما يناقض تلك الطبيعة، أو يحول دون أداء رسالتها كاملة في المجتمع، ولهذا خصها ببعض الأحكام عن الرجل زيادة أو نقصانا، كما أسقط عنها- لذات الغرض، بعض الواجبات الدينية والاجتماعية كصلاة الجمعة، وهيئة الإحرام في الحج، والجهاد في غير أوقات النفير العام، وغير ذلك مما يأتي إن شاء الله مما ينسجم مع فطرتها وطبيعتها، ولا يرهقها من أمرها عسرا. [قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) الآية الحجرات (١٣)] .\nوبيَّن ذلك في قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها) الزمر (٦) .\nوبهذا دلت آيات القرآن على أن المرأة الأولى كان وجودها الأول مستندَا إلى وجود الرجل وفرعا منه، وهذا أمر كوني قدري من الله، أنشأ المرأة في إيجادها الأول عليه، وجاء الشرع الكريم المنزل من عند الله ليعمل به في أرضه، بمراعاة هذا الأمر الكوني القدري في حياة المرأة في جميع النواحي.","vol":"2","page":124},{"text":"فجعل الرجل قائما عليها وجعلها مستندة إليه في جميع شئونها كما قال تعالى: (الرجال قوامون على النساء) الآية- النساء (٣٤)، فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة لا يمكن أن تتحقق لأن الفوارق بين النوعين كونا وقدرًا أولًا، وشرعا مُنَزلا ثانيا، تمنع من ذلك منعًا باتا.\nولقوة الفوارق الكونية القدرية والشرعية بين الذكر والأنثى، صح صح عن النبي ﷺ أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر، ولا شك أن سبب هذا اللعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم.\nوقد قال تعالى: (ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزَى) النجم (٢١) أي غير عادلة لعدم استواء النصيبين لفضل الذكر على الأنثى.\nولذلك وقعت امرأة عمران في مشكلة لما ولدت مريم، قال تعالى عنا: (فلما وَضَعَتها قالت رب إني وضعتُها أنثى والله أعلم بما وَضَعَتْ وليس الذكر كالأنثى) الآية آل عمران (٣٦) .\nفامرأة عمران تقول: (وليس الذكر كالأنثى) وهي صادقة في ذلك بلا شك.\nوالكفرة وأتباعهم يقولون: \" إن الذكر والأنثى سواء\".\nولا شك عند كل عاقل في صدق هذه السالبة، وكذب هذه الموجبة] (٢٨٧) .\nمقتضى الفطرة في أعمال الزوجين:\nالإسلام دين الفطرة، وما قررته الشريعة من اقتسام أعمال الزوجية بين الرجل والمرأة هو مقتضى هذه الفطرة، فقد فضل الله الرجل في خلقته بقوة في الجسم والعقل كان بها أقدر على الكسب والحماية والدفاع الخاص\n_________\n(٢٨٧) من \"أضواء البيان\" للشنقيطي (٧/٦٣٠-٦٣٣) باختصار.","vol":"2","page":125},{"text":"بالأسرة والعام للأمة والدولة ومن ثم فرض عليه النفقة، وبهذا كان الرجال قوامين على النساء يتولون الرياسة العامة والخاصة، التي لا يقوم النظام العام ولا الخاص بدونها، فعليه جميع الأعمال الخارجية في أصل الفطرة، ومن مقتضى الفطرة أيضًا اختصاص المرأة بالحمل والرضاع وحضانة الأطفال وتربيتهم وتدبير المنزل بجميع شئونه، قال ﷺ: \" كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهى مسئولة عن رعيتها (٢٨٨) الحديث، فتأمل كيف حصر ﷺ وظيفتها في بيت زوجها.\nولا ينازع في تفضيل الله الرجل على المرأة في نظام الفطرة إلا جاهل أو كافر، بل إن من استقرأ طباع النساء السليمات الفطرة من جناية سوء التربية وفساد النظام يرى أن هذه الأفضلية ثابتة عندهن، ولا أدل على ذلك من أن السواد الأعظم منهن يفضلن أن يكون مولودهن ذكرَا، ويتفاخرن بذلك، أما الأدلة (٢٨٩) على هذه الأفضلية:\nفقوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم) وهو الر جال (على بعض) النساء (٣٤)، وهو النساء، وقوله ﷿: (وللرجال عليهن درجة) (٢٩٠) البقرة (٢٢٨) وذلك لأن الذكورة كمال خلقي، وقوة\n_________\n(٢٨٨) تقدم تخريجه بهامش رقم (٥٥) .\n(٢٨٩) مستفاد من \" أضواء البيان\" (٣/٣٨١-٣٨٦) باختصار.\n(٢٩٠) (وعلى الجملة فـ \"درجة\" تقتضي التفضيل، وتشعر بأن حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه، ولهذا قال ﵇: \"لو أمرت أحدا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها\"، وقال ابن عباس: \" الدرجة إشارة إلى حَض الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخلق، أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه\" قال ابن عطية: (وهذا قول حسن بارع\" اهـ. من \"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/١٢٥) .","vol":"2","page":126},{"text":"طبيعية، وشرف وجمال، فالأنوثة نقص خلقي، وضعف طبيعي، كما هو محسوس مشاهد لجميع العقلاء، ولا يكاد ينكره إلا مكابر في المحسوس.\nوقد أشار إلى ذلك جل وعلا بقوله: (أو من يُنَشَّأُ في الحِلية وهو في الخصام غير مبين) الزخرف (١٩) لأن الله أنكر عليهم في هذه الآية الكريمة أنهم نسبوا إليه ما لا يليق به من الولد، ومع ذلك نسبوا له أخس الولدين وأنقصهما وأضعفهما، ولذلك \" ينشأ في الحلية، أي الزينة من أنواع الحلي والحلل، ليجبر نقصه الخلقي الطبيعي بالتجميل بالحلي والحلل وهو الأنثى بخلاف الرجل، فإن كماله وقوته يكفيه عن الحلي، قال الألوسي ﵀: (والآية ظاهرة في أن النشوء في الزينة والنعومة من المعايب والمذام، وأنه من صفات ربات الحجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك، ويأنف منه، ويربأ بنفسه عنه، ويعيش كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: (اخشوشنوا في اللباس، واخشوشنوا في الطعام، وتمعددوا\"، وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى) (٢٩١) اهـ.\nوقال تعالى: (ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ضيزى) النجم (٢١)، وإنما كانت هذه القسمة ضيزى- أي غير عادلة-، لأن الأنثى أنقص من الذكر خِلقة وطبيعة، فجعلوا هذا النصيب الناقص لله جل وعلا ﷾ عن ذلك علوًّا كبيرًا، وجعلوا الكامل لأنفسهم؟ قال: (ويجعلون لله ما يكرهون) النحل (٦٢) أي: وهو البنات.\nوقال: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلًا) أي وهو الأنثى (ظل وجهه مسودُّا وهو كظيم) الزخرف (١٧) .\nوكل هذه الآيات القرآنية تدل على أن الأنثى ناقصة بمقتضى الخلقة\n_________\n(٢٩١) \"روح المعاني\" (٢٥/ ٧١)، وتمعْدَدَ: تزيا بزي مَعَد، وكانوا أهل قشَب وغِلَظ في المعاش.","vol":"2","page":127},{"text":"والطبيعة، وأن الذكر أفضل منها وأكمل (أصطفى البنات على البنين، ما لكم كيف تحكمون) الصافات (١٥٣ - ١٥٤)، (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثًا) الآية، الإسراء (٤٠) .\nومن الأدلة على أن الأنوثة ضعف طبيعي ونقص خلقي أن المرأة الأولى خُلِقَتْ من ضِلَع الرجل الأول، فأصلها جزء منه.\nقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى (٢٩٢): (أوَ مَنْ ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) الزخرف (١٩): (أي المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت فلا عبارة لها، بل هي عاجزة عَيِية، أوَ من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله ﷿؟! فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحَلْي وما في معناه، ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض شعراء العرب:\nوما الحَلْيُ إلا زِينَة منْ نَقيصةٍ ... يُتَممُ مِنْ حُسْن إذا الحُسْنُ قَصَّرا\nوأما إذا كان الجمال مُوَفرًا ... كحُسْنِكِ، لم يحتجْ إلى أن يُزَوَّرَا\nوأما نقص معناها، فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار، لا عبارة لها ولا همة) انتهى (٢٩٣) محل الغرض منه، ولا عبرة بنوادر النساء لأن النادر لا حكم له.\nوقال الشنقيطي (٢٩٤) ﵀: (ألا ترى أن الضعف الخِلقي والعجز عن الإبانة في الخصام عيب ناقص في الرجال، مع أنه يعد من جملة\n_________\n(٢٩٢) \" تفسير القرآن العظيم\" (المجلد السابع ص ٢١٠) .\n(٢٩٣) انظر \" الإنصاف في مسائل الخلاف، لابن الأنباري (١/٩٩) .\n(٢٩٤) \"أضواء البيان\" (٣/٣٨٣ - ٣٨٤) .","vol":"2","page":128},{"text":"محاسن النساء التي تجذب إليها القلوب، قال جرير:\nإن العيونَ التي في طَرفِها حَوَرٌ ... قَتَلْنَنَا ثم لم يُحْيِينَ قَتْلانا\nيَصرعْنَ ذا الُّلب حتى لا حِراكَ بِهِ ... وَهُنَّ أضعفُ خَلْقِ الله أركانا\nوقال ابن الدمينة:\nبنفسي وأهلي مَنْ إذا عَرَضُوا له ... ببعض الأذى لم يَدْرِ كيف يجيب\nفلم يعتذِرْ عُذْرَ البَرِيء ولم تزل ... به سَكْتَة حتى يُقالَ مُرِيب\nفالأول: تشبيب بهن بضعف أركانهن، والثاني: بعجزهن عن الإبانة في الخصام، كما قال تعالى: (وهو في الخصام غير مبين) ولهذا التباين في الكمال والقوة بين النوعين، صح عن النبي ﷺ اللعن على من تشبه منهما بالآخر) اهـ.\nوقد روى البخاري بسنده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُبِّ الرجل الحازم من إحداكن\" الحديث (٢٩٥)، قال الشيخ عبد الله بن حميد ﵀: \" فهذا نص صريح في نقصان المرأة في عقلها ودينها عن الرجل، لضرورة أنه لا يتساوى من يصلي بعض حياته بمن يصلي كل حياته، ولا من يصوم شهر رمضان من أوله إلى آخره بمن لا يصوم إلا البعض، كما لا تتساوى شهادة الرجل لِكمال عقله وقوة ضبطه بمن شهادتها نصف شهادته لضعف عقلها وعدم كمال حفظها، فمن ساوى بين الرجل والمرأة\n_________\n(٢٩٥) رواه البخاري (٣/٢٥٧-٢٥٨) في الزكاة: باب الزكاة على الأقارب، وفي الحيض، والعيدين، والصوم، والشهادات وتتمته: (قلن: \" وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟، قال: \" أليس شهادةُ المرأة منكن مثلَ نصف شهادة الرجل؟ \"، قلن: \" بلى\"، قال: \" أليس إذا حاضت لم تصَل، ولم تصم؟ \"، قلن: \" بلى\"، قال: \" وذلك من نقصان دينها \") .","vol":"2","page":129},{"text":"فقد جنى على الإسلام، وسلك سبيل الاعوجاج\" (٢٩٦) اهـ.\nقوامة الرجل تنظيمية لا استبدادية:\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \" كل نفس من بني آدم سيد، فالرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها\" (٢٩٧) .\nإن قوامة الرجل على المرأة قاعدة تنظيمية تستلزمها هندسة المجتمع واستقرار الأوضاع في الحياة الدنيا، ولا تسلم الحياة في مجموعها إلا بالتزامها، فهي تشبه قوامة الرؤساء وأولي الأمر، فإنها ضرورة يستلزمها المجتمع الإسلامي والبشري، ويأثم المسلم بالخروج عليها مهما يكن من فضله على الخليفة المسلم في العلم أو في الدين، إلا أن طبيعة الرجل تؤهله لأن يكون هو القيم، فالرجل أقوى من المرأة وأجلد منها في خوض معركة الحياة وتحمل مسئولياتها، فالمشاريع الكبيرة يديرها الرجال، والمعارك الحربية يقودها الرجال، ورئاسة الدولة العليا يضطلع بها الرجال، وهكذا ترى الأمور الكبرى والمصالح العامة يوفق فيها الرجال غالبا، ويندر أن تفلح فيها امرأة إلا أن يكون من ورائها رجل.\nهذا وإن النطاق الذي تشمله قوامة الرجل، لا يمس حرمة كيان المرأة ولا كرامتها، وهذا هو السر العظيم في أن القرآن الكريم لم يقل: (الرجال سادة على النساء) (٢٩٨)، وإنما اختار هذا اللفظ الدقيق \"قوامون\" ليفيد\n_________\n(٢٩٦) \"نقد مساواة المرأة بالرجل في الأعمال\" ملحق \" بهداية الناسك\" ص (١٥٨) .\n(٢٩٧) رواه ابن السني في \" عمل اليوم والليلة\" رقم (٣٩٠) ص (١١٧) باب إباحة المخاطبة بالسؤدد على الإضافة، وصححه الألباني - انظر \" صحيح الجامع الصغير\" (٤/١٨٣)، و\"فتح الباري\" (٥/٨٠)، \" معجم المناهي اللفظية\" ص (١٩٠ -١٩١) .\n(٢٩٨) وقد يطلق لفظ \" السيد\" على الزوج مضافًا، كما في قصة يوسف ﵇: (وألفيا سيدها لدى الباب)، وكما في الحديث المتقدم آنفا، وقد قالت =","vol":"2","page":130},{"text":"معنى ساميًا بناءً، يفيد أنهم يقومون بالنفقة عليهن، والذبِّ عنهن، و\"قَوَّام\" فعَّال للمبالغة، من القيام على الشيء، والاستبداد بالنظر فيه، وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها، وتأديبها، وإمساكها في بيتها، ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته، وقبولَ أمره، ما لم تكن معصية، وتعليل ذلك بالفضيلة، والنفقة، والعقل، والقوة في أمر الجهاد، والميراث، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر (٢٩٩)، وشأن القوامين أنهم يصلحون ويعدلون، لا أنهم يستبدون ويتسلطون، فنطاق القوامة محصور إذن في مصلحة البيت، والاستقامة على أمر الله، وحقوق الزوج، أما ما وراء ذلك فليس للرجل حق التدخل فيه كمصلحة الزوجة المالية، فلا يتدخل الزوج فيها بغير رضاها، وليس عليها طاعته إلا في حدود ما أحله الله، فإن أمرها بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وما لم تُخِل المرأة بحق الله تعالى، أو بحق الزوج فليس له عليها سبيل إلا سبيل التكريم والاحترام.\nبل إن حُسن معاشرةِ الرجلِ زوجتَه وحسنَ خُلُقِهِ معها من أعظم مقاييس كمال الإيمان وسلامة الدين، فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ \"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خُلُقًا\" (٣٠٠) .\n_________\nأم الدرداء ﵂ وهى تحدث عن زوجها أبي الدرداء ﵁: (حدثنى سيدي\" - انظر: \" شرح النووي لصحيح مسلم\" (١٧/٥٠) .\n(٢٩٩) انظر: (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي (٥/١٦٩) .\n(٣٠٠) أخرجه الترمذي رقم (١١٦٢) في الرضاع: باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، وأبو داود رقم (٤٦٨٢) في السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، وقال الترمذي: \"حسن صحيح\"، وابن حبان بنحوه (١٩٢٦ - موارد)، وأبو نعيم في \" الحلية\" (٩/٢٤٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/٣)، وصححه على شرط =","vol":"2","page":131},{"text":"شاهد من الغرب:\nقال الدكتور \" أوجست فوريل\" تحت عنوان: \" سيادة المرأة \" (٣٠١):\n(يؤثر شعور المرأة بأنها في حاجة إلى حماية زوجها على العواطف المشعة من الحب فيها تأثيرَا كبيرًا، ولا يمكن للمرأة أن تعرف السعادة إلا إذا شعرت باحترام زوجها، وإلا إذا عاملته بشيء من التمجيد والإكرام، ويجب أيضًا أن ترى فيه مثلها الأعلى في ناحية من النواحي، إما في القوة البدنية، أو في الشجاعة، أو في التضحية وإنكار الذات، أو في التفوق الذهني، أو في أي صفة طيبة أخرى، وإلا فإنه سرعان ما يسقط تحت حكمها وسيطرتها، أو يفصل بينهما شعور من النفور والبرود وعدم الاكتراث، ما لم يُصَب الزوجُ بسوء أو مرض يثير عطفها، ويجعل منها ممرضة تقوم على تمريضه والعناية به، ولا يمكن أن تؤدي سيادة المرأة إلى السعادة المنزلية لأن في ذلك مخالفة للحالة الطبيعية التي تقضي بأن يسود الرجل المرأة بعقله وذكائه وإرادته، لتسوده هي بقلبها وعاطفتها) اهـ.\n_________\n= مسلم، ووافقه الذهبي، والإمام أحمد (٢/٢٥٠، ٤٧٢)، وحسنه الألباني في (الصحيحة، حديث رقم (٢٨٤) .\n(٣٠١) \"ماذا عن المرأة؟ \" للدكتور نور الدين عتر، ص (١٣٦)، نقلا عن \" الزواج عاطفة وغريزة\" (٢/٣٢ - ٣٣) .","vol":"2","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>[فصل]\nالفروق بين الرجل والمرأة</span>\nمنها: تخصيص النبوة والرسالة بالرجل:\nالرسالة دعوة إلى الله تعالى قولًا وفعلا، وهي تلقى عادة أعداء ومخالفين يدفعهم إلى معاداتها مصالح دنيوية، أو تقليد للأسلاف على غير عقل ولا بصيرة، وقد تلقى من المخالفين ملاحقة وأذى وضربا وقتلَا، وقد تلقى منهم طردًا وتشريدًا، وسجنًا وتعذيبا.\nثم إن الرسالة تقوم على قوة العارضة، وصدق الحجة، وعلى الحِلم والجَلَد في المجادلة، وقطع الطريق على الباطل بالدليل الحاضر، ودفع الشبهة بالحقيقة، وإضاءة الظلمة بالنور القاهر، ولعمر الله إن الرجل هو الذي يقدر على ذلك لأنه خُلِقَ لذلك، وما تقدر المرأة على ذلك، لأنها لم تخلق له، ولعله لهذه الحكم وغيرها اصطفى الله ﵎ من الرجال خيرهم وأفضلهم وهم الأنبياء (٣٠٢) ﵈ (وربك يخلق ما يشاء ويختار) القصص (٦٨)، وقال ﷿: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم) يوسف (١٠٩) .\nومنها: تخصيص فرضية الجهاد الشرعي بالرجل:\nفعن عائشة ﵂ قالت: قلت: (يا رسول الله ألا نغزو، ونجاهد معكم؟ \"، فقال: \" لَكنَّ أحسن الجهاد وأجمله: الحج، حج مبرور\"، فقالت عائشة ﵂: \" فلا أدعُ الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ (٣٠٣) .\n_________\n(٣٠٢) انظر: \" الفِصَل\" (٥/١٢ - ١٤)، و\" الرسل والرسالات، للدكتور عمر الأشقر ص (١٤-١٥) .\n(٣٠٣) رواه البخاري (١/٤٦٥)، والبيهقي (٤/٣٢٦)، والإمام أحمد (٦/٧٩) .","vol":"2","page":133},{"text":"ومنها: تخصيص القوامة الأدبية والتعليمية والتربوية بالرجل في المقام الأول: لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة) الآية التحريم (٦) .\nومنها: جعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل أمام القضاء:\nفقد جعل الإسلام نصاب الشهادة التي تثبت الحقوق لأصحابها شهادة رجلين عدلين، أو رجلًا وامرأتين، قال ﷿: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضَونَ من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) البقرة (٢٨٢) .\nوهذا مظهر تشريعي لتطبيق قاعدة صلاحية الرجل للعمل خارج البيت دون المرأة، فإن الآية الكريمة تشير بذلك الحكم إلى أن وظيفة المرأة الأولى القرار في البيت، والقيام على تربية الأولاد، ومراعاة شئون بيتها، وهى إن اضطرت تحت بعض الظروف إلى مخالطة الرجال في شئون العمل والحياة، فإنها تتحفظ في هذا الاختلاط أشد التحفظ إِن دعتها إليه حاجة، أو ساقتها إليه المقادير، مما يقتضيها عدم مخالطة الرجال غالبًا، وعدم حضور العقود المالية، وحالات البيع والشراء إلا نادرًا، فالمرأة وإِن حضرت شيئا من ذلك فإن قلة ممارستها له قد يفقدها الاستيعاب الكامل لجوانب الموضوع، وبالتالي قد تنقص شيئًا من الحق فيما تشهد به، فكان لابد من إضافة امرأة مثلها إليها، لاستدراك ذلك النقص أو توهمه، قال تعالى: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (٣٠٤) والحقوق لابد فيها من التثبت والتحقيق.\nولهذا المعنى نفسِه ذهب كثير من الفقهاء إلى أن شهادة النساء لا تقبل في الجنايات، وليس ذلك إلا لأنها غالبًا ما تكون قائمة بشئون بيتها، ولا يتيسر لها أن تحضر مجالس الخصومات التي تنتهي بجرائم القتل وما أشبهها،\n_________\n(٣٠٤) البقرة (٢٨٢)، وانظر ص (٢٠٨) .","vol":"2","page":134},{"text":"وإذا حضرتها فقلَّ أن تستطيع البقاء إلى أن تشهد جريمة القتل بعينيها، وتظل رابطة الجأش، بل الغالب أنها إذا لم تستطع الفرار تلك الساعة فما يكون منها إلا أن تُغمض عينيها، وتولول، وتصرخ، وقد يغمي عليها، فكيف يمكن بعد ذلك أن تتمكن من أداء الشهادة، فتصف الجريمة والمجرمين وأداة الجريمة وكيفية وقوعها، قال الحافظ العراقي ﵀: (إن الرجال هم الذين يُبتلون بالشدائد والمحن، ويظهر فيهم ثمرة الفتن، بخلاف النساء فإنهن محجوبات في الأغلب، لا يصلين نار الفتن، قال الشاعر:\nكُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى الغانيات جَرُّ الذيولِ) (٣٠٥)\nومن المسلَّم به أن الحدود تُدْرَأ بالشبهات، وشهادتها في القتل وأشباهه تحيط بها الشبهة: شبهة عدم إمكان تثبتها من وصف الجريمة لحالتها النفسية عند وقوعها.\nويؤكد مراعاة هذا المعنى في الاحتياط لشهادتها فيما ليس من شأنها أن تحضره غالبًا: أن الشريعة قبلت شهادتها وحدها فيما لا يقَع عليه غيرها، أو ما تطلع عليه دون الرجال غالبًا، فقد قرروا أن شهادتها وحدها تقبل في إِثبات الولادة، وفي الثيوبة والبكارة، وفي العيوب الجسدية لدى المرأة (٣٠٦)، وكذا في الإرضاع، قال عقبة بن الحارث: (تزوجت امرأة، فجاءتني امرأة سوداء، فقالت: \"أرضعتكما\"، فأتيت النبي ﷺ، فقلت: \"تزوجتُ فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت لي: \"أرضعتُكما\"، وهي كاذبة، فأعرض، فأتيت من قِبَلِ وجهه، فقلت: \" إنها كاذبة\"، قال: \" كيف وقد زَعَمَتْ أنها أرضعتكما؟ \"، ففارقها\n_________\n(٣٠٥) \"طرح التثريب\" (٣/٢٦٠) .\n(٣٠٦) وهذا الحكم أيضا يعكس ما كان عليه الأوائل من تولي النساء توليد النساء وعلاجهن وتطبيبهن.","vol":"2","page":135},{"text":"عقبة، ونكحت زوجًا غيره) (٣٠٧) .\nومنها: أن ميراث المرأة أقل من ميراث الرجل في الغالب:\nفقد جاء الإسلام يقرر للمرأة نصيبا مفروضًا من الميراث لا يصح الانحراف عنه بحال، قال تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر، نصيبًا مفروضًا) النساء (٧)، والرجل هو أصل عمود النسب، وهذا النصيب يختلف في أحكام الإرث بين حالات:\n(أ) بين أن يكون نصيبها مثل الذكر؟ في الأخوات لأم، فإن الواحدة منهن إذا انفردت تأخذ سدس الميراث، كما يأخذ الأخ لأم كذلك إذا انفرد، وإذا كانوا ذكورا وإناثًا اثنين فأكثر فإنهم يشتركون جميعًا في الثلث، للذكر مثل حظ الأنثى، قال الله تعالى: (وإن كان رجل يُورَثُ كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحدٍ منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، النساء (١٢) .\n(ب) وبين أن يكون نصيبها مثله أو أقل منه، كما في الأم مع الأب إذا مات ولدهما، فإن ترك الولدَ أولادًا ذكورا وإناثا، أو ذكورًا ولو واحدَا فللأب السدس وللأم كذلك، وإذا ترك بنتًا أو بنتين فأكثر فللأم السدس، وللأب السدس فرضًا وما يبقى تعصيبًا، وإن ترك الولد أبوين، ولم يترك أولادًا فللأم الثلث، وللأب الثلثان، قال الله تعالى: (ولأبويه لكل واحد\n_________\n(٣٠٧) رواه البخاري (٥/١٨٤) في الشهادات: باب إذا شهد شاهد أو شهود بشيء، وباب شهادة الإماء والعبيد، وباب شهادة المرضعة، وفى العلم، والبيوع، والنكاح، والترمذي رقم (١١٥١) في الرضاع: باب ما جاء في شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، وأبو داود رقم (٣٦٠٣) و(٣٦٠٤) في الأقضية: باب الشهادة في الرضاع، والنسائي (٦/١٠٩) في النكاح: باب الشهادة في الرضاع، وانظر: (رد المحتار على الدر المختار\" (٤/٥١٤) .","vol":"2","page":136},{"text":"منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث) .\n(ج) وبين أن تأخذ نصف ما يأخذه الذكر، وهذا هو الأعم الأغلب (٣٠٨)، كما إذا مات رجل، وترك ابنًا وبنتًا مثلًا، فللذكر مثل حَظَّيْ أخته الأنثى، قال الله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) النساء (١١)، وقال ﷿: (وإن كانوا إخوة رجالا ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم) النساء (١٧٦) .\nوالله ﷾ صرح في هذه الآية الكريمة أنه يبين لخلقه هذا البيان الذي من جملته تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث لئلا يضلوا، فمن سوى بينهما فيه فهو ضال قطعًا، ثم بين أنه سبحانه أعلم بالحكم والمصالح وبكل شيء من خلقه بقوله تعالى: (والله بكل شيء عليم) والحكمة في هذا التفضيل ظاهرة إذ إن الأمر يتعلق بالعدالة في توزيع الأعباء والواجبات على قاعدة \" الغُرم بالغُنْم\".\nوالحكمة البالغة تقتضي أن يكون الضعيف الناقص مقومًا عليه من قِبَلِ القوى الكامل، واقتضى ذلك أيضًا أن يكون الرجل مُلْزَمًا بالإنفاق على نسائه، والقيام بجميع لوازمهن في الحياة، كما قال تعالى: (وبما أنفقوا من أموالهم)، ومال الميراث لم يتسبب فيه أحدهما ألبتة، وما سعيا في تحصيله عرفًا، وإنما هو تمليك من الله مَلَكَهُما إياه تمليكًا جبريا، فاقتضت حكمة الحكيم الخبير أن يؤثر الرجل على المرأة في الميراث، وإن أدليا بسبب واحد،\n_________\n(٣٠٨) تأمل رحمك الله الربط بين الشرائع وبين الواقع في هذا الحكم، فإنه لما كان الرجل قواما على المرأة مكلفا بالإنفاق على أسرته، جاء هذا التشريع مظهرًا من المظاهر التشريعية لتطبيق هذا الأصل، وهو تكليف الرجل بالإنفاق على أسرته.","vol":"2","page":137},{"text":"لأن الرجل مترقب للنقَص دائمًا بالإنفاق على نسائه وأولاده، وبذل المهور لهن، والبذل في نوائب الدهر، والنفقة على أقاربه الفقراء الذين يرثونه، وهو أصل عمود النسب، ومنزله مقصد للزائرين، أما المرأة فإنها مترقبة للزيادة، إذ يأتي يوم يضمها إليه رجل يتزوجها، يبذل لها مهرها نحلة، ويقوم هو بالإنفاق عليها، والقيام بشئونها، ولا يجب عليها أن تسهم بشيء من نفقات البيت على نفسها وعلى أولادها ولو كانت غنية، كما أن مالها يزيد ربحه إذا نَمَّته بالتجارة، أو بأية وسيلة من وسائل الاستثمار المشروعة. والحاصل أن إيثار مترقب النقص دائمًا على مترقب الزيادة دائمًا لجبر بعض نقصه المترقب حكمة ظاهرة واضحة، لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي عصمنا الله منهما، فلا عبرة بما يردده الملاحدة الذين فسقوا عن أمر ربهم من شبهات حول هذا الحكم الرباني وأمثاله (٣٠٩) .\nقال تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم بعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أفحكم\n_________\n(٣٠٩) وأول من أحدث ضلالة التسوية بين الذكور والإناث في الميراث تركيا في ظل مصطفى كمال أتاتورك، حيث استبدلت الأحكام الشرعية بالقانون السويسري، ثم انتقلت عدوى هذه الضلالة إلى تونس على يد \"البغيض \" بورقيبة ثم إلى الصومال حيث استحل طاغوتاهما تبديل شرع الله، وقد حصل في إثر ذلك في الصومال ما حصل من قتل وإحراق العلماء المسلمين الذين فضلوا المنية على الدنية، وآثروا الفضيلة والنعش على الرذيلة والعيش، رحمهم الله تعالى، وأخزى أعداءهم.\nوقد صرح المدعو زياد برى طاغوت الصومال في ٢١ أكتوبر ١٩٧٠م بواسطة الإذاعة باعتناق حكومته المبدأ الماركسي اللينيني، وجاء - بعد ذلك- على لسانه في الجريدة الرسمية قوله: \" كنا نسمع عن أقوال تقول الربع والثلث والخمس والسدس، فإنا نقول: إن ذلك لا وجود له بعد اليوم، وإن الولد والبنت متساويان في الميراث \" اهـ من جريدة \" نجمة أكتوبر \" الصومالية بتاريخ (٣١/١/١٩٧٤) .","vol":"2","page":138},{"text":"الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون) المائدة (٤٩ - ٥٠)، وقال ﷿: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بض للرجال نصيب مما كسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وَسئَلُوا الله من فضله) النساء (٣٢) .\nوقد أجمع العلماء على كفر من استباح المساواة في الميراث بين الذكور والإناث فيما ورد فيه التفاضل في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، لأنه كفر بالكتاب، وبما أرسل الله به رسله، وخروج عن شريعة الله إلى حكم الطاغوت، قال تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) النور (٥١)، وقال جل وعلا: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيتَ ويسلموا تسليمًا) النساء (٦٥) .","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>مسألة: هل يجب تسوية الوالدين\nبين أولادهم الذكور والإناث في الهبة</span>؟\n\" سووا بين أولادكم في العطية، فلو\nكنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء \" (٣١٠)\nحديث شريف\nاتفق الفقهاء على جواز هبة الوالدين لأولادهم، لكنهم اختلفوا في تفضيل بعضهم على بعض في أصل الإعطاء، ثم اختلفوا في صفة الإعطاء، وفيما يلى نجمل إن شاء الله ما يناسب ذكره في هذا المقام متعلقًا بالأمرين. أولًا: حكم العدل بين الأولاد في الهبة\nروى البخاري بسنده إلى النعمان بن بشير ﵄: (أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ، فقال: \" إني نحلت ابنى هذا غلامًا \"، فقال: \" أكُل ولدِك نحلتَ مِثْلَه؟ \"، قال: \" لا \"، قال: \" فأرجعه \") .\nوروى أيضًا بسنده عن حُصين بن عامر قال: (سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر، يقول: \" أعطاني أبي عطيةً، فقالت عَمرة بنتُ رَواحة: \" لا أرضى حتى تُشهِدَ رسولَ الله ﷺ \"، فأتى رسولَ الله ﷺ\"، فقال: \" إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً، فأمرتني أن أشْهِدَكَ يا رسول الله \"، قال: \" أعطيتَ سائر ولدِك مِثْلَ\n_________\n(٣١٠) يأتي تخريجه بهامش رقم (٣٢٢) .","vol":"2","page":140},{"text":"هذا؟ \"، قال: \" لا \"، قال: \" فاتقوا الله، وَاعْدِلوا بين أولادكم \"، قال: \" فرجع، فَرَد عَطِيتهُ \" (٣١١) .\n(ومسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، قال: \"فاردده\"، وفي رواية الشعبي: قال: \" فرجع، فرد عطيته\"، ولمسلم: \"فرد تلك الصدقة\"، وزاد في رواية أبي حيان في \"الشهادات\": \" قال: لا تشهدني على جَوْر\"، ولمسلم في رواية أبي حيان أيضا: \" فقال: فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جَوْر)، وله في رواية داود بن أبي هند\n(فأشهد على هذا غيري\"، وفي حديث جابر: (فليس يصلح هذا،\nوإني لا أشهد إلا على حق \"، وفي رواية عروة عند النسائي: \" فكره أن يشهد له \"، وفي رواية المغيرة عن الشعبي عند مسلم: \" اعدلوا بين أولادكم في النُّحْل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر \"، وفي رواية مجالد عن الشعبي عند أحمد: (إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ \" قال: \" بلى \"، قال: \" فلا إذًا \"، ولأبي داود من هذا الوجه: \" ان لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك \"، وللنسائي من طريق (٣١٢)\n_________\n(٣١١) رواه البخاري (٥/٢١٠ - ٢١١) ط. السلفية، في الهبة: باب الهبة للولد، وباب الإشهاد في الهبة، وهذا لفظه، وفي الشهادات: باب لا يشهد عل شهادة جَوْر إذا شهد، ومسلم رقم (١٦٢٣) في الهبات: باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، و\" الموطأ \" (٢/٧٥١، ٧٥٢) في الأقضية: باب ما لا يجوز من النٌّحْل، وأبو داود أرقام (٣٥٤٢) إلى (٣٥٤٥) في البيوع: باب في الرجل يفضل بعض ولده في النحل، والترمذي رقم (١٣٦٧) في الأحكام: باب ما جاء في النحل والتسوية بين الولد، والنسائي (٦/٢٥٨-٢٦١) في النحل: في فاتحته.\n(٣١٢) جمع هذه الروايات الحافظ ابن حجر ﵀ في \" الفتح\" (٥/٢١٣-٢١٤) =","vol":"2","page":141},{"text":"أبي الضحى: \" ألا سَوَّيتَ بينهم؟ \"، وله ولابن حبان من هذا الوجه: \"سَو بينهم \") .\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:\n(واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد، وقد تمسك به من أوجب التسوية في عطية الأولاد (٣١٣)، وبه صرح البخاري (٣١٤)، وهو قول طاوس (٣١٥)، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وقال به بعض المالكية، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة (٣١٦)، وعن أحمد: تصح، ويجب أن يرجع، وعنه: يجوز التفاضل إن كان له سبب (٣١٧)،\n_________\n= وقد نقلناها بتصرف يسير.\n(٣١٣) (ومن حجة من أوجبه أنه مقدمة الواجب، لان قطع الرحم، والعقوق محرمان، فما يؤدى إليهما يكون محرمًا، والتفضيل مما يؤدي إليهما) اهـ من \"الفتح\" (٥/٢١٤) .\nحيث قال في \" صحيحه،: (باب الهبة للولد، وإذا أعطى بعض ولده شيئا، لم يجُز حتى يعدل بينهم، ويعطي الآخر مثله، ولا يشهد عليه) اهـ من (فتح الباري، (٥/٢١٠) .\nقال القرطبي ﵀: (روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال: \" كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية: (أفحكم الجاهلية يبغون)، فكان طاوس يقول: \" ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ، وفُسِخ، وبه قال أهل الظاهر) اهـ (٦/٢١٤)، وعن طاوس أيضا قال: \" لا يجوز ذلك، ولو برغيف محترق\"، وبه قال ابن المبارك، وروى معناه عن مجاهد، وعروة.\n(٣١٦) قال القرطبي ﵀: (قوله: \" فارجعه \" محمول على معنى: فاردده، والرد ظاهر في الفسخ، كما قال ﵇: \" من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد، أي مردود مفسوخ، وهذا كله ظاهر قوى، وترجيح جلي في المنع) اهـ (٦/٢١٥) .\n(٣١٧) قال في \" المغني \": (فإن خص بعضهم لمعنى يقضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة، أو عمى، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم، أو نحوه من الفضائل أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين =","vol":"2","page":142},{"text":"كأن يحتاج الولد لزمانته ودينه، أو نحو ذلك دون الباقين، قال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار) (٣١٨) اهـ.\nوذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فَضل بعضًا صَح، وكُرِه، واستُحِبت المبادرةُ إلى التسوية أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب، والنهي على التنزيه (٣١٩) .\nثانيًا: صفة التسوية بين الذكور والإناث\nتقدم الكلام في حكم أصل التسوية، بقي أن نبين أن العلماء اختلفوا في صفة التسوية، فقال محمد بن الحسن، وأحمد، وإسحق، وبعض الشافعية والمالكية: العدل: أن يعطي الذكر حظين كالميراث، وذهبوا إلى أن التسوية التي أمر بها رسول الله ﷺ تحمل على القسمة موافقة لقول الله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (النساء: ١١)، والله ﷿ لم يترك توزيع المال لأحد سواه، بل ذكر تفصيل ذلك، ثم قال: (فريضة من الله) (النساء: ١١)، فيجب اتباع ما أمر الله به.\n_________\n= بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها، فقد روى عن أحمد ما يدل على جواز ذلك، لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: \" لا بأس به إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة \"، والعطية في معناه \" اهـ. من (المغني، (٥/٦٦٥) .\n(٣١٨) \"فتح الباري\" (٥/٢١٤) .\n(٣١٩) وقد استدلوا بأدلة كثيرة، لكنها لا تنهض أمام أدلة الوجوب، كما بين ذلك الحافظ ابن حجر من خلال تتبعه ألفاظ الروايات المختلفة لحديث النعمان ﵁، فانظر: \" فتح الباري\" (٥/٢١٤ - ٢١٥)، وانظر أيضًا البحث الملحق بآخر كتاب \" تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية \" للنابلسي - للشيخ محمد عمر بيوند ص (٢٢٠: ٢١٧) .","vol":"2","page":143},{"text":"ولا يلزم من إطلاق التسوية أن تكون من كافة الوجوه، بل يحتمل أن يكون المقصود التسوية في أصل العطاء، لا في صفته (٣٢٠) .\nواستدلوا بأن العطية حال الحياة تكون استعجالًا لما يكون بعد الموت، فيجب أن يكون بحسبه، فلو أبقى الواهب ذلك المال في يده حتى مات، لكان حظها منه نصف حظ الذكر.\nواستدلوا بأن الذكر تقع عليه أعباء أكثر من الأنثى، فمثلًا يكلف الرجل في الزواج بالمهر، والنفقة، ونفقة الأولاد، بخلاف الأنثى، لذا دعت الحاجة إلى تفضيله، وقد رُوعي هذا كله عندما قسم الله الميراث، فينبغي مراعاته كذلك عند الهبة للأولاد.\n(وقال شريح لرجل قسم ماله بين ولده: \" ارددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه \"، وقال عطاء: \" ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى \") (٣٢١) اهـ.\nوذهب الجمهور إلى أنه لا فرق بين الذكر والأنثى، قال الحافظ ابن حجر:\n(وظاهر الأمر بالتسوية يشهد لهم، واستأنسوا بحديث ابن عباس رفعه:\n(سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مُفَضِّلًا أحدا لفضَّلْتُ النساء\" أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي من طريقه، وإسناده حسن) (٣٢٢) اهـ.\n_________\n(٣٢٠) انظر: (عقد الهبة) للدكتور جمال الدين العاقل ص (٢٠٩) .\n(٣٢١) \"المغني، (٥/٦٦٦) .\n(٣٢٢) \"فتح الباري\" (٥/٢١٤) .","vol":"2","page":144},{"text":"وعن مالك بن أبي معشر عن إبراهيم قال: \" كانوا يحبون أن يُساووا بين أولادهم حتى في القُبَل (٣٢٣)، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: (إن المقْسطين عند الله على منابِرَ من نور على يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا) (٣٢٤) .\nتنبيهان:\nالأول: اعلم - رحمك الله - أن الأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب، لقول رسول الله ﷺ: \" اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم \"، ولأنها أحد الوالدين فمنعت من التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحقد، وزرع العداوة بين الأولاد، وقطع الصلات التي أمر الله بها أن توصل، يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها، فثبت لها نفس الحكم في ذلك.\nالثاني: أن الواجب على من خالف أمر النبي ﷺ، ولم يعدل بين أولاده في العطية أن يبادر بالتوبة من هذا الجور والباطل، بطاعة الله ﷿، وطاعة رسول الله بفعل واحدٍ من أمرين:\n(أ) إما رد ما فَضل به البعض.\n(ب) وإما إتمام نصيب الآخر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>عود على بدء</span>\nومن الفروق بين الرجل والمرأة:\nجعل الطلاق بيد الرجل ونسبته إليه، كما قال تعالى: (يا أيها النبي\n_________\n(٣٢٣) \"أحكام النساء\" لابن الجوزي ص (٩٦) .\n(٣٢٤) أخرجه مسلم رقم (١٨٢٧) في الإمارة: باب فضيلة الإمام العادل، والنسائي (٨/٢٢١) في آداب القضاة: باب فضل الحاكم العادل، والإمام أحمد في \" المسند\" (٢/ ١٦٠) .","vol":"2","page":145},{"text":"إذا طلقتم النساء) الآية الطلاق (١) .\nوقيل المراد بقوله تعالى: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) يعني الزوج، وقال تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) البقرة (٢٣٧)، وقال ﷿: (والمطلَّقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) البقرة (٢٨٨) - إلى قوله سبحانه: (فإن طلقها فلا تحل \" من بعد حتى تنكح زوجًا غيره) البقرة (٢٣٠)، وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \" إنما الطلاق لمن أخذ بالساق\" (٥٣٢) .\nوالمسلمون مجمعون على أن الطلاق بيد الرجل، وهو الذي يوقعه إذا شاء.\nوالحكمة في تخصيص الرجل بنقض الزوجية واضحة:\n- فالنساء مزارع وحقول، تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض، كما قال تعالى: (نساؤكم حرث لكم)، ولا شك أن الطريق القويم أن الزارع لا يرغم على الازدراع في حقل لا يرغب الزراعة فيه، لأنه يراه غير صالح له، والرجل هو الذي يملك أمر الازدراع، ولهذا أجمع العقلاء على نسبة الولد له لا للمرأة، قال تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) البقرة (٢٢٣) .\n- والرجل هو الذي يطلب الزواج عادة، ويبذل المهر، ويعد سكن الزوجية.\n- والرجل هو الذي يملك القوامة والمسئولية الكبرى في الأسرة، فمن\nحقه أن يملك تنظيم شئون الأسرة.\n- والزوج هو الذي ينفق على الزوجة المطلقة أثناء عدتها حتى تنقضي،\n_________\n(٣٢٥) أخرجه ابن ماجه (٢٠٨١)، وقال في \" الزوائد\": \" هذا إسناد ضعيف، لضعف ابن لهيعة، اهـ من \" حاشية السندي\" (١/٦٤١)، وحسًنه الألباني بطرقه في \" إرواء الغليل\" (٧/١٠٨ -١١٠) رقم (٢٠٤١) .","vol":"2","page":146},{"text":"وقد تطول العدة إلى تسعة أشهر، وذلك فيما إذا طلقها وهي حامل، فتنتهي عدتها بوضع الحمل.\n- والزوج هو الذي ينفق على أولاده في فترة حضانة الزوجة لهم، فهو ينفق على إرضاع الصغير رضاعًا وخدمة، وينفق على سائر أولاده فترة حضانة أمهم لهم، وهى فترة تطول إلى سبع سنوات أو أكثر.\n- والرجل أقوى إرادة وأكثر تعقلًا وأبصر بالعواقب من المرأة عادة، ولا يعتوره ما يعتور المرأة من الحالات التي تؤثر في مزاجها وتفكيرها. تنبيه: جعل الطلاق بيد القاضي ذريعة إلى الفاحشة:\nأما الخروج على نظام الإسلام في أمر الطلاق، وجعله بيد القاضي فهو مخالفة صريحة لحكم الإسلام (٣٢٦)، وذريعة إلى مفاسد عظيمة، بجانب أنه لا يحد من الطلاق.\nأما مخالفة ذلك للإسلام فلما سبق من الأدلة على أن الطلاق بيد الرجل، ونبذ هذه النصوص نبذ لحكم الإسلام وتعطيل له.\nوأما كونه يؤدي إلى مفاسد اجتماعية عظيمة، فإن الزوج قد يطلق زوجته طلاقًا بائنا، ولا يوقعه القاضي، ويمضي زمن يتصالحان فيه، فيعاشرها معاشرة الأزواج، بحجة أن القاضي لم يقض بالطلاق، وذلك الزنى بعينه معاذ الله.\nولربما طلق الزوج زوجته، وعرض الأمر على القاضي، فلابد من ذكر أمور لا تذكر للناس مما يكون بين الزوجين، وربما وقع في ذلك الكذب والغش والإفك من أجل أن يقتنع القاضي فيقضي بالطلاق، والقاضي ليس\n_________\n(٣٢٦) انظر الفتوى الملحقة بكتاب (حقوق الزوجين) للشيخ أبي الأعلى المودودي ﵀ (ص ١١٤ - ١٢٢) .","vol":"2","page":147},{"text":"معصومًا عن الميل مع الهوى، ولا عن الغرض.\nوإذا لم يقتنع القاضي أخيرا بالأسباب الداعية إلى الطلاق فماذا يصبح حال الزوجين، هل يبقيان زوجين؟ يبقيان معلقين؟ ولك أن تقدر أضرار كلا الاحتمالين، وأما كونه لا يحد من الطلاق، فهذه أمريكا وألمانيا تجعلان الطلاق بيد القاضي، ومع ذلك فقد كانت نسبة الطلاق في أمريكا منذ سنوات ٤٨% من الزيجات، وكان نسبة الطلاق في ألمانيا منذ سنوات ٣٥% من الزيجات.\nتنبيه: لا يعترض ما تقدم آنفا بأن من الرجال من يتعسف، ويتعنت، ويظلم امرأته مستغلا هذا الحق أسوأ استغلال، وذلك لأن كل نظام في الدنيا قابل لأن يساء استعماله، وكل صاحب سلطة عرضة لأن يتجاوزها إذا كان سيء الأخلاق، ضعيف الإيمان، ومع ذلك فلا يخطر في البال أن تلغي الأنظمة الصالحة لأن بعض الناس يسيئون استعمالها، أو أن لا تعطي لأحد من الأمة أية صلاحية لأن بعض أصحاب الصلاحيات تجاوزوا حدودها.\nإن الإسلام أقام دعامته الأولى في أنظمته على يقظة الضمير المسلم، واستقامته، ومراقبته لربه، وسلك في سبيل تحقيق ذلك أقوم السبل، وإذا رجعنا إلى قاعدة الترجيح بين المصالح والمفاسد، لرأينا أننا لو قارنا بين حسنات إعطاء الرجل حق إيقاع الطلاق بسيئات نزع هذا الحق منه، أو إشراك غيره معه فيه، رجحت كفة الحسنات على السيئات كثيرَا، وهذا كافٍ في الترجيح. (٣٢٧)\nومنها: أن دية المرأة التي قتلت خطأ أو التي لم يستوجب قتلها عقوبة\n_________\n(٣٢٧) راجع تفصيل القضية في (المرأة بين الفقه والقانون) للدكتور \"مصطفى السباعي\" ﵀ ص (١٢٢ -١٤٧) .","vol":"2","page":148},{"text":"القصاص لعدم استيفاء شروطه، بما يعادل نصف دية الرجل، والقتل العمد يوجب القصاص من القاتل سواء كان المقتول رجلا أو امرأة، وسواء كان القاتل رجلا أو امرأة، وهذا لأننا في القصاص نريد أن نقتص من إنسان لإنسان، والرجل والمرأة متساويان في الإنسانية، قال تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) المائدة (٤٥) .\nأما في القتل الخطأ وما أشبهه، فليس هناك إلا التعويض المالي الذي يجب أن تراعى فيه الخسارة المالية الناجمة عن القتل قلة وكثرة، فهل خسارة الأسرة بالرجل كخسارتها بالمرأة؟ إن الأولاد الذين قتل أبوهم خطأ، والزوجة التي قتل زوجها خطأ، قد فقدوا معيلهم الذي كان يقوم بالإنفاق عليهم، والسعي في سبيل إعاشتهم.\nأما الأولاد الذين قتلت أمهم خطأ، والزوج الذي قتلت زوجته خطأ، فهم لم يفقدوا إلا ناحية معنوية لا يمكن أن يكون المال تعويضًا عنها. إن الدية ليست تقديرا لقيمة الإنسانية في القتيل، وإنما هي تقدير لقيمة الخسارة المادية التي لحقت أسرته بفقده، وهذا هو الأساس القويم الذي، لا يماري فيه أحد.\nإن هذا التشريع الحكيم مرتبط مثل سابقَيْه بنظام الإسلام في عدم تكليف المرأة بالكسب للإنفاق على نفسها وعلى أولادها رعاية لمصلحة الأسرة والمجتمع.\nومنها: اشتراط أن يكون الخليفة رجلَا:\nفقد ثبت في حديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ لما بلغه أن فارسا ملكوا عليهم ابنة كسرى قال: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة \" (٣٢٨)،\n_________\n(٣٢٨) رواه البخاري (٣ / ٤٥، ٤٦) في الفتن: باب الفتنة التي تموج كموج البحر، =","vol":"2","page":149},{"text":"فهذا نص على أنه لا يجوز عليهم أن تكون المرأة في منصب الخلافة، وأن الفلاح منفي عمن تولت رئاستَهم امرأة، ومتى تخلف الفلاح عنهم، قارنهم الخذلان والخيبة.\nوهذا الحكم مخصوص بالولاية العامة (رئاسة الدولة)، ويلتحق بها ما كان في خطورتها، واتفق العلماء قاطبة على جواز أن تكون المرأة وصية على الصغار وناقصي الأهلية، وأن تكون وكيلة لأية جماعة من الناس في تصريف أموالهم وإدارة مزارعهم، وأن تكون شاهدة في غير الدماء على أن يكون معها رجل، والشهادة نوع ولاية، وهذا أيضًا مما لا علاقة له بموقف الإسلام من إنسانية المرأة وكرامتها وأهليتها، وإنما هو وثيق الصلة بمصلحة الأمة، وبطبيعة المرأة النفسية، ورسالتها الاجتماعية.\nإن رئيس الدولة في الإسلام ليس صورة رمزية للزينة والتوقيع، وإنما هر قائد المجتمع المسلم، ورأسه المفكر، ووجهه البارز، ولسانه الناطق، وله صلاحيات واسعة خطيرة الآثار والنتائج:\n- فهو الذي يعلن الحرب على الأعداء، ويقود جيش الأمة في ميادين الكفاح، ويقرر السلم والمهادنة إن كانت مصلحة الإسلام فيهما، أو الحرب، والاستمرار فيها إن كانت المصلحة تقتضيها، بعد مشورة أهل الحل والعقد لقوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) آل عمران (١٥٩) .\n- وهو الذي يتولى خطابة الجمعة في المسجد الجامع، وإمامة الناس في الصلوات، والقضاء بين الناس في الخصومات، إذا اتسع وقته لذلك.\n_________\n= وفي المغازي: باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، والترمذي رقم (٢٢٦٣) في الفتن: باب لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، والنسائي (٨/٢٢٧) في القضاة: باب النهي عن استعمال النساء في الحكم، وأخرجه أيضا الإمام أحمد في \"المسند\" (٥/٣٨، ٤٣، ٤٧، ٥١) .","vol":"2","page":150},{"text":"ومما لا ينكر أن هذه الوظائف الخطيرة لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي والعاطفي، ولأن وظيفة المرأة الأصلية القرار في البيت، والتفرغ الكامل من أجل تربية رجال المستقبل، وخدمة الزوج، ولأنها لا تخالط الرجال، ولا تخلو بأجنبي أيا كانت الأسباب.\nولأنها قوية العاطفة سريعة التأثر، وذلك يعوقها عن تغليب العقل والحزم والقوة على مظاهر الحنو والرحمة.\nوكيف تخطب في الناس، وتصلي بهم، وهي ليست ملزمة بصلاة الجمعة، ولا تتولى إمامة الرجال في الصلاة، وكيف تقوم العبادة على الخشوع وخلو الذهن مما يشغله إذا قامت المرأة واعظة أو إمامة؟\nومنها: أن الله ﷾ أباح للرجل أن يجمع بين أربع نسوة إذا عرف من نفسه العدل بينهن في الحقوق، قال تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) الآية النساء (٣) .\nفي حين أنه لا يجوز للمرأة أن يتزوجها أكثر من واحد لما في ذلك من منافاة الفطرة السوية واختلاط الأنساب والفساد العريض، إلى غير ذلك مما لا تستقيم معه الحياة.\nوقد فصَّل الردَّ على من يقول: \" لماذا لا يباح للمرأة تعدد الأزواج؟ \" الدكتور عبد الله ناصح علوان، فقال:\n\" إن المساواة بين الرجل والمرأة في أمر التعدد مستحيلة طبيعةً وخِلْقَةً وواقعًا، ذلك لأن المرأة في طبيعتها لا تحمل إلا في وقت واحد، ومرة واحدة في السنة كلها، وأما الرجل فغير ذلك، فمن الممكن أن يكون للرجل أولاد متعددون من نساء متعددات، ولكن المرأة لا يمكن أن يكون لها مولود واحد من أكثر من رجل واحد، وأيضا تعدد الأزواج بالنسبة إلى المرأة يُضَيع نسبة ولدها إلى شخص معين، وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الرجل في تعدد زوجاته.","vol":"2","page":151},{"text":"وشيء آخر: وهو أن للرجل حق رئاسة الأسرة في جميع شرائع العالم، فإذا أبحنا للزوجة تعدد الأزواج فلمن تكون رئاسة الأسرة؟ أتخضع لهم جميعًا؟ وهذا غير ممكن لتفاوت رغباتهم، أم تخص واحدًا دون الآخرين؟ وهذا ما يسخط الآخرين.\nوهناك أمور تتعلق بنسبة الولد إلى أحد الأزواج، وأمور تتعلق بالعلاقة الزوجية، لا تخفى على من كان عنده أدنى إدراك وبصيرة: من إرهاق للمرأة، وإضرار بها، ومن وقوع في المشاكل العائلية، والأمراض الجسمية والنفسية ... إلى غير ذلك من الأضرار البالغة، والعواقب الوخيمة.\nإذن فتعدد الأزواج بالنسبة للمرأة مستقبح عقلًا، وحرام شرعًا، ومستحيل طبيعة وواقعًا، فلا يقول به إلا مَنْ كان إباحي النزعة، مدنَّس السُّمْعَة، فاسد الخلق، عديم الغيرة، ملوث الشرف) (٣٢٩) اهـ.\nجملة أخرى من الأحكام تخالف المرأة فيها الرجل\nعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يخطب يقول: \" لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم (٣٣٠)، وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال رسول الله ﷺ \" ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهَما الشيطان) (٣٣١) .\n_________\n(٣٢٩) \" تعدد الزوجات في الإسلام\" ص (٢٩-٣٠) .\n(٣٣٠) رواه البخاري (٤/٦٤ - ٦٥) في الحج: باب حج النساء، وفي الجهاد: باب كتابة الإمام الناس، وفي النكاح: باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، ومسلم رقم (١٣٤١) في الحج: باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره.\n(٣٣١) رواه عنه الإمام أحمد (٣/٤٤٦)، ورواه عن عمر ﵁ الترمذي رقم (٢١٦٥) في الفتن: باب ما جاء في لزوم الجماعة، والحاكم (١/١١٤ -١١٥)، =","vol":"2","page":152},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" لا تَصُم المرأة وبَعْلُها شاهد الا بإذنه \" (٣٣٢) يعني تطوعا.\nوعن سهل بن سعد ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء\" (٣٣٣) يعني في الصلاة.\nوعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ: \" ليس على النساء الحلقُ، وإنما على النساء التقصير \" (٣٣٤)، أي عند التحلل من الإحرام.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها \" (٣٣٥) .\n_________\n= وقال: \" صحيح على شرط الشيخين \"، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في \"تحقيق المشكاة\" رقم (٣١١٨) .\n(٣٣٢) رواه البخاري وهذا لفظه، (٩/٢٥٧) في النكاح: باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعًا، وباب ألا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه، ومسلم رقم (١٠٢٦) في الزكاة: باب ما أنفق العبد من مال مولاه، وأبو داود رقم (٢٤٨٥) في الصوم: باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها، والترمذي رقم (٧٨٢) في الصوم: باب ما جاء في كراهية صوم المرأة إلا بإذن زوجها.\n(٣٣٣) رواه البخاري (٣/٦٢) في العمل في الصلاة: باب التصفيق للنساء، وفي السهو وفي الصلح، وفي الأحكام، ومسلم رقم (٤٢١) في الصلاة: باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام.\n(٣٣٤) رواه أبو داود رقم (١٩٨٥) في المناسك: باب الحلق والتقصير، وقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\": (وأخرجه أيضًا الطبراني، وقد قوى إسناده البخاري في \" التاريخ\"، وأبو حاتم في \" العلل\"، وحسنه الحافظ، وأعله ابن القطان، ورد عليه ابن المواق، فأصاب) اهـ (٥/٨٠) .\n(٣٣٥) رواه الترمذي رقم (١١٥٩) في الرضاع: باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، =","vol":"2","page":153},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخِرها، وشَرها أولها\" (٣٣٦) .\nوعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \" خير مساجد النساء بيوتُهن\" (٣٣٧) .\nوعن طارق بن شهاب مرفوعًا:\n\" الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا على أربعة: عبدٍ مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض\" (٣٣٨) .\nوعن أسماء بنت يزيد ﵂ قال رسول الله ﷺ:\n_________\n= وقال: (حسن غريب)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع) (٥/٦٨) .\n(٣٣٦) رواه مسلم رقم (٤٤٠) في الصلاة: باب تسوية الصفوف وإقامتها، وأبو داود رقم (٦٧٨) في الصلاة: باب صف النساء، وكراهية التأخر عن الصف الأول، والترمذي رقم (٢٢٤) في الصلاة: باب ما جاء في فضل الصف الأول، والنسائي (٢/٩٣) في الإمامة: باب ذكر خير صفوف النساء، وشر صفوف الرجال. (٣٣٧) رواه الإمام أحمد (٦/ ٣٠١)، وابن خزيمة رقم (١٦٨٤)، والحاكم (١/٢٠٩)، وصححه الألباني بشاهده في \" السلسلة الصحيحة، حديث رقم (١٣٩٦) .\n(٣٣٨) رواه من حديث طارق بن شهاب أبو داود رقم (١٠٦٧) في الصلاة: باب الجمعة للمملوك والمرأة، وقال: (طارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ، ولم يسمع منه شيئا) اهـ، وقال النووي ﵀: (هذا الذي قاله أبو داود لا يقدح في صحة الحديث، لأنه إن ثبت عدم سماعه يكون مرسل صحابي، ومرسل الصحابي حجة عند أصحابنا، وجميع العلماء، إلا أبا إسحاق الإسفراييني) اهـ من \" شرح المهذب\" (٤/٤٨٣)، وقال في \"بغية الألمعي\": (هذا خلاف ما قاله الحافظ في \"الفتح\" (٧/٢): إن الخلاف بين الجمهور، وبين أي إسحق في قبول مرسل الصحابي الذي سمع من النبي ﷺ شيئا، وأما الصاحب الذي لم يسمع من النبي ﷺ شيئا، فمرسله كمراسيل سائر التابعين: يقبله من يقبل مراسيلهم، ويرده من يرد مراسيلهم، والله أعلم) اهـ (٢/١٩٩)، وقال الحافظ في \" تلخيص الحبير\": (وصححه غير واحد) اهـ (٢/٦٩)، وقد وصله الحاكم في \" المستدرك \" =","vol":"2","page":154},{"text":"\"العقيقة حق عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة\" (٣٣٩)، إلى غير ذلك من النصوص.\nوأخيرًا:\nفلا ريب أن هذه الجملة من الفروق بين الرجل والمرأة تبين لنا مدى ترابط النظام الإسلامي مع الواقع، وأن من يرفض هذه الأصول الاجتماعية الحكيمة، لابد وأن يخلع رِبقَةَ الإسلام من عنقه، ليعبد الهوى والطاغوت، وإن هذه الشرائع الإلهية، ما وضعت لتكون طريحة المكاتب والأوراق، ولا هي قابلة لأن تُعرض على العباد المربوبين ليبحثوا إمكانية تطبيقها، أو ليدرسوا مدى صلاحيتها، ولكنها شرعت لتعمل عملها في واقع ينفعل بها، وأي خلل في الانقياد لها، أو الإيمان ببعضها مع الكفر بالبعض الآخر، يحَوّل الحياة إلي شقاء وضنك دائمين (٣٤٠): (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رَبّ لم حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيرًا قال كذلك أتتك آياتنا فنَسِيتَها وكذلك اليومَ تُنْسَى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآياتِ ربه ولعذابُ الآخرةِ أشد وأبقى) طه (١٢٣-١٢٧) .\n_________\n= (١/٢٨٨)، وقال: \" صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي، والحديث أخرجه الدارقطني (١٦٤)، والبيهقي (٣/١٨٣)، وقال: (هذا الحديث- وإن كان فيه إرسال - فهو مرسل جيد، وطارق من كبار التابعين، وممن رأى النبي ﷺ، وإن لم يسمع منه، ولحديثه شواهد) اهـ، وقد ذكر هذه الشواهد العلامة\nالألباني، وصححه بها في (إرواء الغليل\" (٣/٥٥-٥٨) .\n(٣٣٩) رواه الإمام أحمد (٦/٤٥٦)، وأورده الهيثمي في \" مجمع الزوائد\"، وقال: (رواه أحمد والطبراني في \" الكبير\"، ورجاله محتج بهم) اهـ. (٤/٥٧)، وصححه الألباني في \"الإرواء) (٤/٣٩٢) .\n(٣٤٠) ومن أجمع ما كتب في توضيح قضية إفراد الله ﷿ بالحاكمية والتشريع كتاب \"الشريعة الإلهية لا القوانين الوضعية\" لفضيلة الدكتور عمر سلمان الأشقر حفظه الله تعالى.","vol":"2","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>[الفصل الثاني]\nالمرأة أُمًّا</span>\nأوصى الله تعالى في مواضع من كتابه بالإحسان إلى الوالدين، وقرنه بالأمر بعبادته والنهي عن الشرك به، وأمر بالشكر لهما متصلًا بالشكر له، وَخَص الأم بالذكر في بعض هذه الوصايا للتذكير بزيادة حقها على حق الأب.\nقال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدَينِ إحسانا) النساء (٣٦) .\nقال ابن عباس ﵄: \" يريد البر بهما مع اللطف، ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللا لهما \" (*) .\nوقال تعالى: (وقضى (٣٤١) ربك ألَّا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا) الإسراء (٢٣-٢٤) .\nقوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) قال البغوي ﵀:\n[يريد: لا تقل لهما ما فيه أدنى تبرم، والأُفُّ والتُّفُّ: وَسَخُ\n_________\n(*) الزواجر عن اقتراف الكبائر\" (٢/٦٦) .\n(٣٤١) قضى هنا بمعنى: أمر، وألزم، وأوجب، قال ابن عباس والحسن وقتادة: \" ليس هذا قضاء حكم، بل هو قضاء أمر\" اهـ. من \"الجامع لأحكام القرآن \" (١٠/٢٣٧) .","vol":"2","page":156},{"text":"الأظفار، ويقال لكل ما يُستثقل ويُضْجَرُ منه: أفّ له، قال مجاهد: \" لا تَقْذَرْهُما كما كانا لا يَقْذَرانِكَ \" (٣٤٢) .\nوقال الهيثمي ﵀:\n[(وقل لهما قولا كريمَا) ثم أمر بأن يقال لهما القول الكريم: أي اللين اللطيف المشتمل على العطف والاستمالة وموافقة مرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن سيما عند الكبر، فإن الكبر يصير كحال الطفل وأرذل، لما يغلب عليه من الخرف وفساد التصور، فيرى القبيح حسنًا، والحسن قبيحا، فإذا طُلِبَتْ رعايته وغايةُ التلطف به في هذه الحالة، وأن يُتَقَربَ إليه بما يناسب عقله إلى أن يرضى؛ ففي غير هذه الحالة أولى] (٣٤٣) .\nقال أبو البداح التجِيبيُّ: (قلت لسعيد بن المسيب: \" كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته، إلا قوله: (وقل لهما قولًا كريمًا) ما هذا القول الكريم؟ \"، قال ابن المسيب: \" قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ \") (٣٤٤) .\nوقال معاوية بن إسحاق عن عروة، قال: (ما بَرَّ والدَه، مَن شَدَّ الطَّرفَ إليه \" (*) .\n[وقوله ﷿: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) قال عطاء: \" لا ينبغي لك أن ترفع يديك على والديك، ولا إليهما تعظيما لهما \"، وقال عروة: \" لا تمتنع من شيء أحَبَّاه \"] (٣٤٥) .\n_________\n(٣٤٢)، (٣٤٥) \"شرح السنة \" (١٣/١٥)، وانظر: \" فضل الله الصمد، (١/٦٠- ٦١) .\n(٣٤٣) \" الزواجر عن اقتراف الكبائر \" (٢/٦٦) .\n(٣٤٤) \" الجامع لأحكام القرآن \" (١٠/٢٤٣) .\n(*) \" سير أعلام النبلاء \" (٤/٤٣٣) .","vol":"2","page":157},{"text":"وينبغي للإنسان- بحكم هذه الآية- أن يتذلل لوالديه تذلل الرعية للأمير، والعبيد للسادة، وقد ضرب خفض الجناح ونصبه مثلًا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده.\n[ثم أمر تعالى بعد القول الكريم بأن يخفض لهما جناح الذل من القول بأن لا يُكَلَّما إلا مع الاستكانة والذل والخضوع، وإظهار ذلك لهما، واحتمال ما يصدر منهما، ويريهما أنه في غاية التقصير في حقهما وبرهما، وأنه من أجل ذلك ذليل حقير، ولا يزال على نحو ذلك إلى أن ينثلج خاطرهما، ويرد قلبهما عليه، فينعطفا عليه بالرضا والدعاء، ومنْ ثم طلب منه بعد ذلك أن يدعو لهما، لأن ما سبق يقتضي دعاءهما له كما تقرر، فليكافئهما إن فُرِضَتْ مساواة، وإلا فشتان ما بين المرتبتين (٣٤٦)، وكيف تُتَوَهَّمُ المساواة، وقد كانا يحملان أذَاكَ وَكَلَّكَ، وعظيم المشقة في تربيتك، وغاية الإحسان إليك، راجين حياتك، مؤملين سعادتك، وأنت إن حملت شيئًا من أذاهما رجوت موتهما، وسئمت من مصاحبتهما، ولكون الأم أحمل لذلك وأصبر عليه مع أن عناءها أكثر وشفقتها أعظم بما قاسته من حمل وطلق وولادة ورضاع وسهر ليل، وتلطخ بالقذر والنجس، وتجنُّبٍ للنظافة والترفه، حَض النبي ﷺ على برها ثلاث مرات، وعلى بر الأب مرة واحدة كما في الحديث الصحيح] (٣٤٧) .\nتنبيه:\nلا يختص بر الوالدين بكونهما مسلِمَيْن، بل يبرهما وإن كانا كافرين، ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد، قال تعالى: (لا ينهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دِياركُم أن تبروهم)\n_________\n(٣٤٦) انظر: \" فضل الله الصمد \" (١/٤١) .\n(٣٤٧) \"الزواجر\" (٢/٦٦) .","vol":"2","page":158},{"text":"الآية (الممتحنة: ٨) .\nوعن أسماء ﵂ قالت: (قَدِمت عَلي أمي وهي مشركة - في عهد قريش إذ عاهدهم -، فاستفتيت النبي ﷺ، فقلت: \" يا رسول الله إن أمي قدمت عليّ، - وهي راغبة - (٣٤٨) أفأصلها؟ قال: \" نعم، صلي أمك \") (٣٤٩) .\nوقال سبحانه: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وَهنًا على وهن (٣٥٠) وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) لقمان (١٤)، وقال ﷿: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) لقمان (١٥) .\nفإذا أمر الله تعالى بمصاحبة هذين بالمعروف مع هذا القبح العظيم الذي يأمران ولدهما به، وهو الإشراك بالله تعالى، فما الظن بالوالدين المسلمَين سيما إن كانا صالِحَينِ، تالله إن حقهما لمن أشد الحقوق وآكدها، وإن القيام به على وجهه أصعب الأمور وأعظمها، فالموفَّق من هُدِي إليها،\n_________\n(٣٤٨) أي في برى وصلتي، وقيل: راغبة عن الإسلام كارهة له، قال ابن عطية: (والظاهر عندي أنها راغبة في الصلة، وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها) اهـ. من (الجامع لأحكام القرآن) (١٤/٦٥)، وأم أسماء هي قُتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسد، وأم عائشة وعبد الرحمن هي أم رومان قديمة الإسلام.\n(٣٤٩) رواه البخاري (١٣/ ١٧-١٨) في الأدب: باب صلة الوالد المشرك، وفي الهبة، والجهاد، ومسلم رقم (١٠٠٣) واللفظ له، في الزكاة: باب فضل الصدقة على الأقربين، ولو كانوا مشركين، وأبو داود رقم (١٦٦٨) في الزكاة: باب الصدقة على أهل الذمة، والإمام أحمد (٦/ ٣٤٤، ٣٤٧، ٣٥٥) .\n(٣٥٠) أي حملته في بطنها، وهي تزداد كل يوم ضعفًا على ضعف، وقيل: المرأة ضعيفة الخِلقة، ثم يضعفها الحمل، ثم تعاني الوضع، ثم الرضاعة والتربية.","vol":"2","page":159},{"text":"والمحروم كل المحروم من صرف عنها وقد جاء في السنة من التأكيد في ذلك ما لا تحصى كثرته ولا تحد غايته، فمن ذلك:\nما رواه أبو هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: \" يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ \"، قال: \" أمك \"، قال: \" ثم من؟ \"، قال: \" أمك \"، قال: \" ثم من؟ \"، قال: \" أمك \"، قال: \" ثم من؟ \"، قال: \" ثم أبوك \") (٣٥١) .\nوعن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب \" (٣٥٢)\nوعن أبي رمثة ﵁ قال: \" انتهيت إلى رسول الله ﷺ فسمعته يقول: \" بر أمك وأباك، وأختك وأخاك ن ثم أدناك أدناك \") (٣٥٣) .\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ: \" أي الأعمال أحب إلى الله؟ \"، قال: الصلاة على وقتها، قلت: \" ثم أي؟ \"، قال: \" ثم بر الوالدين \"، قلت: \" ثم أي؟ \"، قال: \" ثم الجهاد في سبيل الله \" قال: \" حدثني بهن رسول الله ﷺ، ولو استزدته،\n_________\n(٣٥١) أخرجه البخاري (١٣/٤-٦) في الأدب: باب من أحق الناس بحسن الصحبة، ومسلم رقم (٢٥٤٨) في البر: باب بر الوالدين.\n(٣٥٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٠) واللفظ له، وابن ماجه (٣٦٦١)، والحاكم (٤/١٥١)، والإمام أحمد (٤/١٣١، ١٣٢)، وصححه الألباني في الصحيحة رقم (١٦٦٦)\n(٣٥٣) أخرجه الحاكم (٤/١٥١) واللفظ له، والإمام أحمد (٢/٢٢٦)، وصححه الألباني في \" إرواء الغليل \" (٣/٣٢٢)، وتأمل كيف قدم الأم على الأب، وكذا قدم الأخت على الأخ.","vol":"2","page":160},{"text":"لزادني \") (٣٥٤)\nفاخبر ﷺ أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام ورتب ذلك بـ \"ثم\" التي تقتضي الترتيب والمهلة.\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لرجل استأذنه في الجهاد: \" أَحَيًّ والداك؟ \"، قال: \" نعم \" قال: \" ففيهما فجاهد \" (٣٥٥)، وفي رواية لمسلم قال: \" (أقبل رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: \" أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله قال فهل من والديك أحد حيُّ؟ \" قال: \" نعم بل كلاهما حي \" قال فتبتغي الأجر من الله؟ قال نعم! قال فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما \"، وفي رواية أخرى لأبي داود والنسائي عنه ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: \" جئت أبايعك على الهجرة ن وتركت أبويَّ يبكيان \"، قال: \" فارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما \")، وعنه أيضا أن النبي ﷺ قال رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد \" (٣٥٦) .\n_________\n(٣٥٤) رواه البخاري في مواقيت الصلاة وفضلها: باب فضل الصلاة لوقتها، وفي الجهاد والسير وفي الأدب، وخرجه مسلم واللفظ له في الإيمان رقم (١٣٩)\n(٣٥٥) رواه البخاري (٦/٩٧ - ٩٨) في الجهاد: باب الجهاد بإذن الأبوين، وفي الأدب، ومسلم رقم (٢٥٤٩) في البر والصلة: باب بر الوالدين، وأبو داود رقم (٢٥٣) في الجهاد باب في الرجل يغزو، وأبواه كارهان، والترمذي رقم (١٦٧١) في الجهاد: باب فيمن خرج في الغزو وترك أبويه، والنسائي (٦/١٠) في الجهاد: باب الرخصة في التخلف لمن له والدان، (٧/١٤٣) في البيعة: باب البيعة على الهجرة وهذا محمول على ما لم يتعين الجهاد كأن يقع النفير، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع.\n(٣٥٦) رواه الترمذي رقم (١٩٠٠) في البر والصلة: باب ما جاء في بر الوالدين، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١/٤٢)، وصححه ابن حبان (٢٠٢٦ - موارد)، =","vol":"2","page":161},{"text":"تنبيه: قال الغزالي (من يخدم أبويه ينبغي ألا يطلب بخدمته منزلة عندهما إلا من حيث أن رضا الله في رضا الوالدين، فإن ذلك معصية في الحال، وسيكشف الله عن ريائه، فتسقط منزلته من قبلهما أيضا) (٣٥٧) اهـ.\nوعن معاوية بن جاهمة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله! أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك؟ \" فقال هل لك أم؟ قال نعم قال فالزمها فإن الجنة تحت رجليها (٣٥٨)\nوعن كعب بن عجرة ﵁ قال مر على النبي ﷺ رجل فرأى أصحابه من جلده ونشاطه ما أعجبهم، فقالوا يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ إن كان خرج يسعى على أولاده صغارا فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان \") (٣٥٩) .\n_________\n= الحاكم (٤/١٥٢) وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي وفيه نظر لأن عطاء العامري مجهول العين كما ذكره الذهبي ﵀\n(٣٥٧) نقلا عن فضل الله الصمد (١/١١١)\n(٣٥٨) رواه النسائي (٦/١١) في الجهاد باب الرخصة في التخلف لمن له والدة وابن ماجه رقم (٢٧٨١) والحاكم (٤/١٥١) وصححه ووافقه الذهبي والإمام أحمد (٣/٤٢٩) وعبد الرزاق في المصنف (٥/١٧٦) وذكره الهيثمي في المجمع (٨/١٣٨) وقال (رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات اهـ، وانظر الترغيب والترهيب (٣/٣١٦)\n(٣٥٩) أخرجه الطبراني في معاجمه الثلاثة ورجال الكبير رجال الصحيح اهـ، كذا قال الهيثمي في المجمع والمنذري في الترغيب والترهيب (٣/٦٣) ورمز له =","vol":"2","page":162},{"text":"وروي عن ابن عمر ﵄ أن رجلًا أتى النبي ﷺ، فقال: \" يا رسول الله، إني أصبتُ ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ \" فقال: \"هل لك من أم؟ \" قال: \" لا\"، قال: (فهل لك من خالة؟ \" قال: \" نعم \"، قال؟ \" فَبِرَّها \") (٣٦٠) .\nقال البغوي: \" وقد صح عن البراء عن النبي ﷺ قال: \" الخالة بمنزلة الأم) (٣٦١) .\nوقال مكحول: \"بر الوالدين كفارة للكبائر، ولا يزال الرجل قادرًا على البر ما دام في فصيلته مَنْ هو أكبر منه \"] (٣٦٢) .\nوعن عطاء بن يسار عن ابن عباس (أنه أتاه رجل فقال: \" إني خطبت امرأة، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فَأحَبَّتْ أن تنكحه، فَغِرْتُ عليها، فقتلتها، فهل لي من توبة؟ \"، قال: \"أمُك حية؟ \"، قال: \" لا \"، قال: \" تُب إلى الله ﷿، وتقرب إليه ما استطعت \"، فذهبت، فسألت ابن عباس: \" لم سألتَه عن حياة أمه؟ \"، فقال:\n_________\n= السيوطي في \" الجامع الصغير\" بالصحة \" فيض القدير\" (٣/٣١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع\" (٢/٨) .\n(٣٦٠) رواه الترمذي رقم (١٩٠٥) في البر والصلة. باب بر الخالة، مرسلا ومسندا، وقال: \" إن المرسل أصح\"، وأما المتصل فصححه ابن حبان (٢٠٢٢- موارد)، والحاكم (٤/ ١٥٥) بلفظ: \" والدان \"، وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، ورواه الإمام احمد (٢/١٤)، واللالكائي رقم (١٩٦٨) .\n(٣٦١) رواه الترمذي رقم (١٩٠٥) في البر والصلة: باب بر الخالة، وقال: \" هذا حديث صحيح \".\nوالحديث رواه في قصة طويلة البخاري (٧/ ٣٨٥ - ٣٩١) في المغازي: باب عمرة القضاء، وفي الحج، والصلح، والجهاد، ومسلم رقم (١٧٨٣) في الجهاد: باب صلح الحديبية في الحديبية.\n(٣٦٢) \"شرح السنة\" (١٣/١٣) .","vol":"2","page":163},{"text":"\" إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله ﷿ من بر الوالدة \") (٣٦٣) .\nوعن طيسلة بن مَياس قال: (كنت مع النجدات (٣٦٤) فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فذكرت ذلك لابن عمر، قال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا، قال: ليست هذه من الكبائر) إلى أن قال: (قال لي ابن عمر: أتفْرَق من النار، وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: إي والله!، قال: أحَي والداك؟ قلت: عندي أمي، قال: فوالله لو ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة، ما اجتنبت الكبائر) (٣٦٥) .\nوعن أبي هريرة مرفوعًا: \" رَغِمَ أنفُهُ (٣٦٦)، رغم أنفه، رغم أنفه \"، قيل: (من يا رسول الله؟، قال؟ (من أدرك أبويه عنده الكبرُ: أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة \" (٣٦٧)\nوعد النبي ﷺ عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، وخص الأمهات بالذكر، فقال ﷺ: \" إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا\n_________\n(٣٦٣) رواه البخاري في \" الأدب المفرد\" رقم (٤)، والبيهقي، واللالكائي في \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة \" رقم (١٩٥٧) .\n(٣٦٤) فرقة من الخوارج، تنسب إلى نجدة بن عامر الحنفي، انظر: \" الملل والنحل للشهرستاني (١/١٢٢- ١٢٥) .\n(٣٦٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم (٨)، والطبري في \" التفسير\" وعبد الرزاق الخرائطي في مساوئ الأخلاق، كما في حاشية (فضل الله الصمد\" (١/٥٩) .\n(٣٦٦) رغم أنفه: الرغام: التراب، ورغم أنفه: أي لصق بالتراب، والمعنى: ذل وخزي من قصر في برهما عند ذلك، وفاته دخول الجنة.\n(٣٦٧) رواه مسلم رقم (٢٥٥١) في الأدب: باب رغم أنف من أدرك أبويه، فلم يدخل الجنة، والبخاري في \" الأدب المفرد\" (١/٨٦)، والترمذي رقم (٣٥٣٩) في \" الدعوات\": باب رقم (١١٠)، وحسنه والإمام أحمد (٢/٣٤٦) .","vol":"2","page":164},{"text":"وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال \" (٣٦٨) .\nوعن أبي بكرة ﵁ قال: \" كنا عند رسول الله ﷺ، فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ \" - ثلثا -، قلنا: \" بلى يا رسول الله \"، قال: \" الإشراك بالله، وعقوق الوالدين \"، وكان متكئًا فجلس، فقال: \" ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور \"، فما زال يقولها حتى قلنا: \" لا يسكت \" (٣٦٩)، وفي رواية: \" حتى قلنا: ليته سكت \"، يعني: قلناها إشفاقًا عليه، لما رأوا من انزعاجه ﷺ.\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:\n\" إن من الكبائر شتم الرجل والديه \"، قالوا: (يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ \"، قال: \" نعم يسُب أبا الرجل فيسب أباه، ويسُب أمَّه، فيسب أمه \" (٣٧٠) .\n_________\n(٣٦٨) رواه من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ البخاري (٣/٢٧٠) في الزكاة ة باب قول الله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا)، وفي الأدب: باب عقوق الوالدين من الكبائر، ومسلم واللفظ له، رقم (٩٥٣) في الأقضية: باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة.\n(٣٦٩) رواه البخاري (٥/١٩٣) في الشهادات: باب ما قيل في شهادة الزور، وفي الأدب: باب عقوق الوالدين من الكبائر، وفي الاستئذان، وفي استتابة المرتدين، ومسلم رقم (٨٧) في الإيمان: باب بيان الكبائر وأكبرها، والترمذي رقم (٢٣٠٢) في الشهادات: باب ما جاء في شهادة الزور.\n(٣٧٠) رواه البخاري (١٠/٣٣٨) في الأدب: باب لا يسب الرجل والديه، ومسلم رقم (٩٠) في الإيمان: باب بيان الكبائر وأكبرها، والترمذي رقم (١٩٠٣) في البر: باب ما جاء في عقوق الوالدين، وأبو داود رقم (٥١٤١) في الأدب: في بر الوالدين.","vol":"2","page":165},{"text":"وقد تقدم أنه كان من أشد ما يؤلم نفسه الكريمة ﷺ: أن يسمع الرجل يعير الرجل بأمه، وآية ذلك ما حدَث المعرور بن سويد، قال: (رأيت أبا ذر الغفاري، وعليه حُلة، وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا، فشكاني إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: \" أعيرَته بأمه! إنك امرؤ فيك جاهلية \"، ثم قال: \" إن خدمكم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يَغْلِبُهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم \" (٣٧١) .\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: \" من الكبائر عند الله تعالى أن يستسب الرجل لوالده \" (٣٧٢) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: \" لا تمشين أمام أبيك، ولا تجلس قبله، ولا تَدعُه باسمه، ولا تستسب له) (٣٧٣) .\n_________\n(٣٧١) تقدم تخريجه برقم (١٦٣) .\n(٣٧٢) رواه البخاري في \" الأدب المفرد، رقم (٢٨)، والمعنى: أن يكون سببا لسب الأبوين سواء سب أحدًا أو آذى أحدًا.\n(٣٧٣) رواه البخاري في \" الأدب المفرد \" رقم (٤٤)، وعبد الرزاق في \" مصنفه \"، والبيهقي، وابن السني مرفوعا رقم (٣٩٧) .","vol":"2","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>[فصل]\nبر الوالدين بعد موتهما</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال \" إذا مات الإنسان (٣٧٤) انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جاريهَ، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له \" (٣٧٥) .\nوعن أبي قتادة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجرى يبلغه أجرها، وعلم يُعْمَلُ به من بعده) (٣٧٦) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: \" ترْفَع للميت بعد موته درجة، فيقول: أي رب! أي شيء هذه؟ فيقال: ولدك استغفر لك \" (٣٧٧) .\n_________\n(٣٧٤) أي المؤمن، فقد بينت السنة اشتراط كون الأب مؤمنًا موحدا كما يأتي إن شاء الله.\n(٣٧٥) رواه مسلم رقم (١٦٣١) في الوصية: باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، وأبو داود رقم (٢٨٨٠) في الوصايا: باب ما جاء في الصدقة عن الميت، والترمذي رقم (١٣٧٦) في الأحكام: باب في الوقف، والنسائي (٦/٢٥١) في الوصايا: باب فضل الصدقة عن الميت، والطحاوي في مشكل الآثار (١/٨٥) والبيهقي (٦/٢٧٨)، والإمام أحمد (٢/٣٧٢) .\n(٣٧٦) أخرجه ابن ماجه (١/١٠٦)، وابن حبان في صحيحه رقما (٨٤، ٨٥) والطبراني في المعجم الصغير ص (٧٩) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/١٥)، وصحح إسناده الحافظ المنذري في \"الترغيب\" (١/٥٨) .\n(٣٧٧) أخرجه ابن ماجه (٣٦٦٠)، والإمام أحمد (٢/٥٠٩) والبخاري في \" الأدب المفرد\" (١/٣٦)، وقال البوصيري في \"الزوائد\": \" إسناده صحيح، رجاله =","vol":"2","page":167},{"text":"ومن البر بهما بعد موتهما: قضاء صوم النذر أو الكفارة عنهما: فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \" من مات وعليه صيام، صام عنه وَلِيُّه \" (٣٧٨) .\nومن البر بهما بعد موتهما: التصدق عنهما:\nفعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إن أمى تُوُفيَتْ، أينفعها إن تصدَّقتُ عنها؟ \"، قال: \" نعم \"، قال: \" فإن لي مَخْرَفا، فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها \" (٣٧٩) .\nوعن عائشة ﵂: (أن رجلًا قال: \"إن أمي افْتُلِتت (٣٨٠) نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ \" قال: \" نعم، فتصدق عنها \") (٣٨١) .\n\"وعن أبي هريرة ﵁: (أن رجلًا قال للنبي ﷺ: \"إن\n_________\n= ثقات\" (٣/١٥٩) وحسنه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١٥٩٨) (٤/١٢٩) .\n(٣٧٨) أخرجه البخاري (٤/١٦٨) في الصوم: باب من مات وعليه صوم، ومسلم رقم (١١٤٧) في الصوم: باب قضاء الصيام عن الميت، وأبو داود رقم (٢٤٠٠) في الصوم: باب فيمن مات وعليه صيام.\n(٣٧٩) أخرجه البخاري (٥/٢٨٩) في الوصايا: باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة عن أمي فهر جائز، وباب الإشهاد في الوقف والصدقة: وباب إذا وقف أرضا، ولم يبين الحدود فهو جائز، وأبو داود رقم (٢٨٨٢) في الوصايا، والترمذي رقم (٦٦٩) في الزكاة، والنسائي (٦/٢٥٢، ٢٥٣)، والمَخْرَفُ: النخل، لأنها تخترف ثمارها، أي: تجتني.\n(٣٨٠) افْتُلِتَتْ: افتلتت نفس فلان، أي: مات فجأة، كأن نفسه أخذَتْ فَلْتَةً.\n(٣٨١) رواه البخاري (٥/٢٩١) في الوصايا: باب ما يستحب لمن توفي فجأة أن يتصدقوا عنه، وفي الجنائز، ومسلم رقم (١٠٠٤) في الزكاة، وأبو داود رقم (٢٨٨١) في الوصايا، والنسائي (٦/٢٥٠) في الوصايا، وابن ماجه (٢/ ١٦٠)، والإمام أحمد (٦/٥١) .","vol":"2","page":168},{"text":"أبي مات وترك مالا ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ \"، قال: \" نعم \") (٣٨٢) .\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عَمْرًا سأل النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: \" أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد، فصمتَ، وتصدقتَ عنه، نفعه ذلك \") (٣٨٣) .\n_________\n(٣٨٢) أخرجه مسلم (٥/٧٣)، والنسائي (٢/١٢٩)، وابن ماجه (٢/١٦٠)، والبيهقي (٦/٢٧٨)، والإمام أحمد (٢/٣٧١) .\n(٣٨٣) أخرجه الإمام أحمد (٢/١٨٢)، وقال الألباني في الصحيحة، رقم (٤٨٤): (وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، على الخلاف المعروف في عمرر بن شعيب عن أبيه عن جده) إلى أن قال حفظه الله:\n(والحديث دليل واضح على أن الصدقة والصوم تلحق الوالد، ومثله الوالدة بعد موتهما إذا كانا مسلمين، ويصل إليهما ثوابهما، بدون وصية منهما، ولما كان الولد من سعى الوالدين، فهو داخل في عموم قوله تعالى: (وَأن ليس للإنسان إلا ما سعى فلا داعي لتخصيص هذا العموم بالحديث وما ورد في معناه في الباب، مما أورده المجد ابن تيمية في \" المنتقى\" كما فعل البعض.\nواعلم أن كل الأحاديث التي ساقها في الباب هي خاصة بالأب أو الأم من الولد، فالاستدلال بها على وصول ثواب القرَب إلى جميع الموتى كما ترجم لها المجد ابن تيمية بقوله: \" باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى) غير صحيح، لأن الدعوى أعم من الدليل، ولم يأت دليل يدل دلالة عامة على انتفاع عموم الموتى من عموم أعمال الخير التي تهدى إليهم من الأحياء، اللهم إلا في أمور خاصة ذكرها الشوكاني في \" نيل الأوطار\" (٤/٧٨-٨٠)، ثم الكاتب في كتابه (أحكام الجنائز وبدعها)، من ذلك: الدعاء للموتى، فإنه ينفعهم إذا استجابه الله ﵎، فاحفظ هذا تنج من الإفراط والتفريط في هذه المسألة، وخلاصة ذلك أن للولد أن يتصدق، ويصوم، ويحج، ويعتمر، ويقرأ القرآن عن والديه لأنه من سعيهما، وليس له ذلك عن غيرهما، إلا ما خصه الدليل مما سبقت الإشارة إليه، والله أعلم) اهـ =","vol":"2","page":169},{"text":"ويُروى عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: (بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله ﷺ، إذ جاءه رجل من بني سَلِمة، فقال: \" يا رسول الله: هل بقي مِنْ بِر أبَوَي شيء أبَرهما بعد موتهما؟ \"، فقال: (نعم، الصلاةُ عليهما (٣٨٤)، والاستغفارُ لهما، وإنفاذ عهدهما مِن بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصَلُ إلا بهما، وإكرام صديقهما \") (٥٣٨) .\nوعن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا خرج إلى مكة، كان له حمار يتروَّحُ عليه إذا ملَّ ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها رأسه، فبينما هو يومًا على ذلك الحمار، إذ مَرَّ به أعرابي، فقال: \" ألست ابنَ فلان؟! \"، قال: \" بلى\"، فأعطاه الحمار، فقال: \" اركب هذا \"، والعمامةَ، وقال: \" اشدُد بها رأسك\"، فقال له بعض أصحابه: \" غفر الله لك، أعطيتَ هذا الأعرابيَّ حمارًا كنت تَرَوحُ عليه، وعمامة كنت تَشُدُّ بها رأسك؟ ! \"، فقال: (إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أبَر البر صلة الرجل أهلَ وُد أبيه بعد أن يُوَلّي، وإن أباه كان وُدُّا لعمر \")] (٣٨٦) .\n_________\n= من سلسلة الأحاديث الصحيحة\" رقم (٤٨٤) .\n(٣٨٤) أي الدعاء لهما بالرحمة، وإن لم يكن بلفظ الصلاة، فإن الله تعالى لم يجعل الدنيا عوضًا عن بر الوالدين، بل قال: (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا) أي: سل الله لهما الفوز في الآخرة.\n(٣٨٥) رواه أبو داود رقم (٥١٤٢) في الأدب: باب بر الوالدين، وابن ماجه رقم (٣٦٦٤) في الأدب: باب صل من كان أبوك يصل، وابن حبان رقم (٢٠٣٠)، وفي سنده على بن عبيد الساعدي، الراوي عن أبي أسيد لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجال السند ثقات، والحديث ضَعفَ الألباني إسناده في \" تحقيق المشكاة، رقم (٤٩٣٦)، و\"ضعيف ابن ماجه \" ص (٢٩٦) رقم (٨٠٠) .\n(٣٨٦) رواه مسلم رقم (٢٥٥٢) في البر والصلة: باب فضل صلة أصدقاء الوالد، =","vol":"2","page":170},{"text":"وفي رواية البخاري في \"الأدب المفرد\"، وكذلك الترمذي مختصرا: \"إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه \".\nويروى عن عبد الله بن دينار بلفظ: (مر أعرابي في سفر، فكان أبو الأعرابِي صديقًا لعمر ﵁، فقال للأعرابي: \" ألستَ ابن فلان؟ \"، قال: \" بلى، فأمر له ابن عمر بحِمار كان يستعقب (٣٨٧)، ونزع عمامته عن رأسه فأعطاه، فقال بعض من معه: (أما يكفيه درهمان؟ \" (٣٨٨)، فقال: قال النبي ﷺ: \" احفظ وُدً أبيك، لا تقطعه فيطفئ الله نورَك \") (٣٨٩) .\nوعن ثابت البُناني عن أبي بردة قال: (قدمت المدينة، فأتاني عبد الله بن عمر، فقال:، أتدرى لم أتيتُك؟ \" قال: قلت: لا، قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" مَنْ أحَب أن يَصِلَ أباه في قبره، فَلْيَصِل إخوانَ أبيه مِن بعده \"، وإنه كان بين أبي: عمرَ، وبين أبيك إخاء وود، فأحببت ًان أصِلَ ذلك) (٣٩٠) .\n_________\n= وأبو داود رقم (٥١٤٣) في الأدب: باب بر الوالدين، والترمذي رقم (١٩٠٤) في البر والصلة: باب ما جاء في إكرام صديق الوالد، ومعنى (أبر البر، أفضله بالنسبة إلى والده، وكذا والدته، وذلك باْن يحفظ الابن أهل ود أبيه وأمه إذا ماتا أو غابا، فيحسن إلى قرابتهما وأحبائهما، فإن هذا من تمام الإحسان إلى الأب، وإنما عُد هذا من أبر البر، لأنه إذا حفظ غيبه فهو بحفظ حضوره أولى وأحرى.\n(٣٨٧) أي يستريح عليه إذا ضجر من ركوب البعير كما في الرواية السابقة.\n(٣٨٨) ولفظ مسلم: (قال ابن دينار: \" قلنا له: إنهم الأعراب، وهم يرضَوْن باليسير \") .\nورواه بهذا اللفظ البخاري في \" الأدب المفرد\" رقم (٤٠)، وعزاه في الجامع الصغير) إلى الطبراني في \" الأوسط\" والبيهقي في \" شعب الإيمان\"، وقال الحافظ العراقي: \" إسناده جيد\"، وحسنه الهيثمي، والسيوطي كما في: \"فيض القدير\" (١/١٩٦)، وضعفه الألباني في (ضعيف الجامع\" (١/١٠٦) رقم (٢١٠) .\n(٣٩٠) أخرجه ابن حبان (٢٠٣١)، وصححه الألباني على شرط البخاري، وعزاه =","vol":"2","page":171},{"text":"عاقبة البر، ومواقف سلفية في بر الوالدين\nوعن عائشة أم المؤمنين ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (\" دخلت الجنة، فسمعت قراءة، فقلت: \"من هذا؟ \" فقيل:\n\" حارثة بن النعمان \"، فقال رسول الله ﷺ: \" كذلكم البر، كذلكم البر \") وزاد عبد الرزاق في روايته: (وكان أبر الناس بأمه \" (٣٩١) .\nوقال رجل لعمر بن الخطاب ﵁: (إن لي أمُّا بلغ منها الكِبَرُ أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية - يعني: أحملها إلى مكان قضاء الحاجة - فهل أدَّيت حقها؟)، فقال عمر: \" لا، لأنها كانت تصنع بك ذلك، وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه، وتتمنى فراقها) (*) .\nوقد رأى ابن عمر ﵄ رجلًا يطوف بالكعبة حاملًا أمه على رقبتَه، فقال: يا ابن عمر أترى أني جزيتها؟ قال: \" لا، ولا بطلقة واحدة، ولكنك أحسنت، والله يثيبك على القليل كثيرًا \".\nوفي رواية البخاري في \" الأدب المفرد\": (أن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري حدث أنه شهد ابنُ عمر رجلًا يمانيا يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول:\nإنى لها بعيرُها المذلَّلْ ... إن أذعِرت ركابُهَا لم أذعَرْ\nالله ربي ذو الجلال الأكبر\n_________\n= إلى أبي يعلى، و\" السلسلة الصحيحة، رقم (١٤٣٢) (٣/٤١٧ - ٤١٨) .\n(٣٩١) رواه الإمام أحمد (٦/٣٦، ١٥١ - ١٥٢، ١٦٦ -١٦٧)، والبغوي في \" شرح السنة، (١٣/٧١)، وعبد الرزاق في المصنف\" (٢٠١١٩)، والحاكم (٣/٢٠٨)، وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة، (١/٦١٨): \"إسناده صحيح \" اهـ.\n(*) نقلًا من \" المرأة وحقوقها في الإسلام\" للشيخ مبشر الطرازي ص (٦٢-٦٣) .","vol":"2","page":172},{"text":"حملتُها أكثر مما حملت ... فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟\nثم قال: يا ابن عمر! أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة) (٣٩٢) .\nوعنه أيضًا ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" بينما ثلاثةُ نَفَرٍ يتماشَون، أخذهم المطر، فمالوا إلى غارٍ في الجبل، فانحطَّت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها لعله يُفَرِّجُها، فقال أحدهم: \" اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار، كنت أرعى عليهم، فإذا رجعت عليهم، فحلبت، بدأتُ بوالديَّ أسقيهما قبل ولدي، وإنه قد نأى بي الشجَرُ (٣٩٣)، فما أتيتُ حتى أمسيتُ، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحْلُب، فجئت بالحِلَاب، فقمتُ عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغَوْنَ (٣٩٤) عند قدمي، فلم يزل ذلك دَأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا فُرْجة نرى منها السماء، ففرَّج الله لهم حتى يرون السماء\" الحديث (٥٣٩) .\n(وكان الفضل بن يحيى أبر الناس بأبيه، بلغ من بِره إياه أنهما كانا في السجن، وكان يحيى لا يتوضأ إلا بماء سخن، فمنعهما السجان من\n_________\n(٣٩٢) رواه البخاري في \" الأدب المفرد \" رقم (١١)، وابن المبارك في البر والصلة، والبيهقي في شعب الإيمان في الخامس والخمسين، والزفرة: المرة من الزفير، وهو تردد النفس حتى تختلف الأضلاع، وهذا يعرض للمرأة عند الوضع.\n(٣٩٣) نأى بي الشجر: بَعُدَ المرعى والرجوع عنه.\n(٣٩٤) يتضاغون: يُصَوِّتون باكين.\n(٣٩٥) رواه البخاري (٨/٣) ط. الشعب، ومسلم (٨/٨٩) في الرقاق، وابن حبان (٤٩٧- موارد)، وانظر: \" مجمع الزوائد \" (٨/١٤٠) .","vol":"2","page":173},{"text":"إدخال الحطب في ليلة باردة، فلما نام يحيى، قام الفضل إلى قُمْقُمَةٍ، وملأها ماءً، ثم أدناه من المصباح، ولم يزل قائمًا - وهو في يده - حتى أصبح) (٣٩٦) .\nقال ابن المنكدر: \" بِتُّ أكبس رِجْلَ أبى، وبات آخر يصلي - يعنى التهجد- ولا يسرني ليلته بليلتي \" (*) .\nوعن أبي عبد الرحمن قال: \" كان رجل منا بَرُّا بوالديه، فأمراه أو أمره أحدهما أن يتزوج، فتزوج، فوقع بين أمه وبين امرأته شر، ووافقه أهله، فقالت له أمه: طلقْها، قال: فاشتد عليه أن يطلق امرأته، واشتد عليه أن يعق أمه، قال: فرحل إلى أبي الدرداء ﵁ فقص عليه قصته، فقال: ما كنت آمرك أن تطلق امرأتك، ولا أن تَعُق أمك، ولكن إن شئت حَدَثتُك حديثًا سمعتهُ من النبي ﷺ: \" الوالد (٣٩٧) أوسط (٣٩٨) أبواب الجنة، فإن شئت فحافظ على الباب، أو ضَيعْ \"، قال فأنا أشهدكم أنها طالق، فرجع وقد طلق امرأته \" (٣٩٩) .\nوعن أبي كثير السُّحَيمي قال: حدثني أبو هريرة ﵁، قال: \" والله، ما خلق الله مؤمنًا يسمع إلا أحبني \"، قلت: \" وما علمك بذلك؟ ! \"، قال: (إن أمي كانت مشركة، وكنت أدعوها إلى\n_________\n(٣٩٦) \" بر الوالدين، للطرشوشي ص (٧٨) .\n(*) من \" المرأة وحقوقها، للشيخ مبشر الطرازي ص (٦٢) .\n(٣٩٧) الوالد: أي الشخص الوالد، فيشمل الأم والأب.\n(٣٩٨) أوسط أبواب الجنة: أي خير أبواب الجنة، والمقصود أن طاعته تؤدي إلى دخول الجنة من أوسط أبوابها.\n(٣٩٩) الترمذي (١٩٠١) في البر والصلة، وقال: \" هذا حديث صحيح، وصححه ابن حبان (٢٠٢٣)، وانظر \" شرح السنة) للبغوي (١٣/١٠-١١)، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته: \" لا يحل له أن يطلقها، بل =","vol":"2","page":174},{"text":"الإسلام، وكانت تأبى عَلَي، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ، وأنا أبكى، فأخبرتُهُ، وسألتهُ أن يدعو لها، فقال: \" اللهم اهْدِ أمً أبي هريرة \"، فخرجْت أعدو أبشرها، فأتيت، فإذا الباب مُجَاف، وسمعتُ خضخضةَ الماء، وسَمِعَتْ حِسِّي، فقالت: \"كما أنت\"، ثم فتحتْ، وقد لبِست درعها، وعَجِلت عن خمارها، فقالت: \" أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله \"، قال: فرجعت إلى رسول الله، أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن؛ فأخبرته، وقلت: \" ادعُ الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين \"، فقال: \" اللهم، حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما \" (٤٠٠) .\nوها هو ﵁ يحكى أنه كان يشتد به الألم من الجوع، فيخرج من بيته إلى المسجد، لا يخرجه إلا الجوع، فيجد نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فيقولون: \" يا أبا هريرة ما أخرجك هذه الساعة؟ \"، فيقول: \" ما أخرجني إلا الجوع)، يقول أبو هريرة: (فقمنا، فدخلنا على رسول الله ﷺ: فقال: \" ما جاء بكم هذه الساعة؟ \"، فقلنا: \" يا رسول الله جاء بنا الجوع\"، قال: فدعا رسول الله ﷺ بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال: \" كلوا هاتين التمرتين، واشربوا عليهما الماء، فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا \"، قال أبو هريرة: فأكلت تمرة، وخبأت الأخرى؛ فقال رسول الله ﷺ: \" يا أبا هريرة لم رفعت هذه التمرة؟ \"، فقلت: \" رفعتها لأمي \"، فقال: \" كُلْها، فإنا سنعطيك لها تمرتين، فأكلتها، فأعطاني لها تمرتين \") (٤٠١) .\n_________\nعليه أن يبرها، وليس تطليق امرأته من برها) اهـ. نقله عنه السفاريني في \" غذاء الألباب \" (٢/٣٣١)، وانظر أيضا: \" الآداب الشرعية، لابن مفلح (١/٥٠٣) .\n(٤٠٠) أخرجه الإمام أحمد (٢/٢١٩، ٢٢٠)، مسلم (٢٤٩١) في فضائل الصحابة، وحسنه الحافظ الذهبي في \" سير أعلام النبلاء \" (٢/٥٩٣) .\n(٤٠١) \" سير أعلام النبلاء\" (٢/٥٩٢ - ٥٩٣)، \"طبقات ابن سعد \" (٤/٣٢٨ - ٣٢٩) .","vol":"2","page":175},{"text":"وعن أبي مُرَّة: (أن أبا هريرة كان يستخلفه مروان، وكان يكون بذي الحُلَيْفَة، فكانت أمه في بيت، وهو في آخر، قال: فإذا أراد أن يخرج وقف على بابها، فقال: \" السلام عليكِ - يا أمتاه - ورحمة الله وبركاته \"، فتقول: \" وعليك يا بني ورحمة الله وبركاته \"، فيقول: \" رحمكِ الله كما ربَّيْتِني صغيرا \"، فتقول: \" رحمك الله كما بررتني كبيرًا \"، ثم إذا أراد أن يدخل صنع مثله) (٤٠٢)، (ولازم أبو هريرة أمه، ولم يحج حتى ماتت لصحبتها) (٤٠٣) .\nوهل أتاك نبأ أويس بن عامر القرني؟ ذاك رجل أنبأ النبي ﷺ بظهوره، وكشف عن سناء منزلته عند الله ورسوله، وأخذ البررة الأخيار من آله وصحابته بالتماس دعوته وابتغاء القربى إلى الله بها، وما كانت آيته إلا بره بأمه، وذلك الحديث الذي أخرجه مسلم عنه: (كان عمر ﵁ إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: \" أفيكم أويس بن عامر؟ \"، حتى أتى عَلَى أويس بن عامر، فقال: \" أنت أويس بن عامر؟ \" قال: \" نعم \"، قال: (مِن مراد؟ \" قال: \" نعم \"، قال: \" كان بك بَرَصٌ فبرأتَ منه إلا موضع درهم؟ \" قال: \" نعم \"، قال: \" لك والدة؟ \" قال: \" نعم \"، قال: \" سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قَرَن، كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بار بها، لو أقسمِ على الله لأبَرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل \"، فاستغفِرْ لي، فاستغَفر له،\n_________\n(٤٠٢) رواه البخاري في الأدب المفرد، رقم (١٢)، وروى بعضه الإمام أحمد في (المسند\" (٤/٤٠٩، ٤٢٩، ٤٣٠، ٥٢٧) .\n(٤٠٣) رواه ابن عساكر في \" تاريخه \" (٤٧/٥١٦ - ٥١٧)، كذا عزاه د. محمد عجاج الخطيب في \" أبو هريرة راوية الإسلام \" ص (١٢٠) .","vol":"2","page":176},{"text":"فقال له عمر: \" أين تريد؟ قال: \" الكوفة\"، قال: \" ألا اكتب لك إلى عاملها؟ \"، قال: \" أكون في غبراء الناس أحب إلي \") (٤٠٤) .\nوعن أصبغ بن زيد، قال: \" إنما منع أويسًا أن يَقْدَم على النبي ﷺ بِره بأمه \" (*) .\n(وعن أبي عبد الرحمن الحنفي قال: رأى كَهْمَس بن الحسن عقربا في البيت، فأراد أن يقتلها، أو يأخذها، فسبقته إلى جُحْرها، فأدخل يده في الجحر يأخذها، وجعلت تضربه، فقيل له: \" ما أردت إلى هذا؟، لِمَ أدخلتَ يدك في جحرها تخرجها؟ \" قال: \" إني أحمد؟ خفت أن تخرج من الجحر فتجيء إلى أمي فتلدغها \"، وكان يمينه الذي يحلف به: إني أحمد، وأحمد) (٤٠٥) اهـ.\nوعن الحسن بن نوح قال: (كان كَهمَس يعمل في الجص كل يوم بدانقين، فإذا أمسى اشترى به فاكهة فأتى بها إلى أمه) (٤٠٦) اهـ.\n(وكان كهمس الدَّعَّاءُ يكسح البيت، ويخدم أمه، فأرسل إليه سليمان بن علي الهاشمي بصُرة، وقال: (اشتر بها خادمًا لأمك \"، لأنه كان مشغولًا بخدمتها، وكان أبر شيء بأمه، وأراده على أن يقبلها فأبى، فألقاها في البيت، ومضى، فأخذها كَهمَس، وخرج يتبعه حتى دفعها إليه) (٤٠٧) اهـ.\nوكان عمرو بن عبيد يأتي كهمسًا يسلم عليه، ويجلس عنده هو\n_________\n(٤٠٤) رواه مسلم في \" صحيحه \" - انظر: شرح النووي\" (٥/٢٢٣) .\n(*) \" سير أعلام النبلاء\" (٦/٢١١) .\n(٤٠٥) \" حلية الأولياء \" (٦/٢١١) .\n(٤٠٦)، (٤٠٧) \" السابق \" (٦/٢١٢) .","vol":"2","page":177},{"text":"وأصحابه، فقالت له أمه: \" إني أرى هذا وأصحابه، وأكرههم، وما يعجبوني، فلا تجالسهم \"، قال: \" فجاء إليه عمرو وأصحابه، فأشرف عليهم، فقال: \"إن أمي قد كرهتك وأصحابك، فلا تأتوني \" (٤٠٨) اهـ.\nوقيل: \" إن محمد بن سيرين كان يكلم أمه كما يُكَلَّمُ الأمير الذي لا يُنْتَصَف منه \" (*) .\nوعن بعض آل سيرين قال: \" ما رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع \"، وعن ابن عون قال: (دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه، فقال: \" ما شأن محمد أيشتكي شيئا؟ \" قالوا: \" لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه \") (٤٠٩) .\nوهذا أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب ﵄ وهو المسمى زين العابدين كان من سادات التابعين، وكان كثير البر بأمه، حتى قيل له: \" إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة \"، فقال: \" أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عَيْنها، فأكون قد عققتها \" (٤١٠) اهـ.\nوهذا عبد الله بن عون (نادته أمه فأجابها، فعلا صوته صوتها، فأعتق رقبتين) (٤١١) .\n(وكان طلق بن حبيب من العباد والعلماء، وكان يُقَبلُ رأسَ أمه،\n_________\n(٤٠٨) \"السابق\" (٦/٢١٢) .\n(*) \"المرأة وحقوقها\" للشيخ مبشر الطرازي ص (٦٢) .\n(٤٠٩) \" السابق \" (٢/٢٧٣) .\n(٤١٠) \" عيون االأخبار \" (٣/٩٧) .\n(٤١١) \" حلية الأولياء \" (٣/٣٩) .","vol":"2","page":178},{"text":"وكان لا يمشى فوق ظهر بيت هي تحته - إجلالا لها -) (٤١٢) .\n(وحُكي عن ابن القاسم: أنه كان يًقرأ عليه \" الموطأ \"- إذ قام قياما طويلًا ثم جلس، فقيل له في ذلك، فقال: \" نَزَلَت أمي فسألتني حاجة فقامت، فقمتُ لقيامها، فلما صَعِدَتْ جَلَسْتُ \") (٤١٣) . (وكان حَيْوَةُ بنُ شُرَيح - وهو أحد أئمة المسلمين - يقعد في حلقته\nيعلم الناس، فتقول له أمه: \" قم يا حيوةُ، فألقِ الشعير للدَجاج \"، فيقوم ويترك التعليم) (٤١٤) .\nوعن هشام بن حسان قال: (كان الهُذَيلُ بن حفصة يجمع الحطب في الصيف، فَيَقْشرُه، يأخذ القصب، فيفلِقه، قالت حفصة: وكنت أجد قِرةً (*)، فكان إذا جاء الشتاء جاء بالكانون فيضعه خلفي، وأنا في مُصَلَّاي، ثم يقعد فيوقَد بذلك الحطب المقشر، وذاك القصب المفلق وَقودًا لا يؤذي دخانه ويدفئني، نمكث بذلك ما شاء الله، قالت: وعنده من يكفيه لو أراد ذلك.\nقالت: وربما أردت أنصرف إليه، فأقول: يا بني ارجع إلى أهلك، ثم أذكر ما يريد فأدعه (٤١٥) .\nقال هشام: وكانت له لِقْحة - أي ناقة حلوب غزيرة اللبن - قالت حفصة: كان يبعث إلى بحَلْبَةٍ بالغداة، فأقول: \" يا بنى إنك لتعلم أني لا أشربه، أنا صائمة \"، فيقول: \" يا أم الهذيل إن أطيب اللبن ما بات\n_________\n(٤١٢)، (٤١٣) \" بر الوالدين\" للطرطوشي ص (٧٨) .\n(٤١٤) \"السابق\" (٧٩) .\n(*) القِرةُ: بكسر القاف، ما أصابك من القُر - بالضم - أي البرد.\n(٤١٥) \"صفة الصفوة\" (٤/٢٥)، وفيه إعانة الوالد ولده على بره.","vol":"2","page":179},{"text":"في ضروع الإبل، اسقِيه من شئتِ \") (٤١٦) .\n(قال محمد بن سعد: كانت لمسعر بن كدام أم عابدة، فكان يحمل لها لِبدا، ويمشى معها حتى يدخلها المسجد، فيبسط لها اللبد، فتقوم، فتصلي، ويتقدم هو إلى مقدم المسجد، فيصلى، ثم يقعد، ويجتمع إليه من يريد، فيحدثهم، ثم ينصرف إليها، فيحمل لبدها، وينصرف معها) (٤١٧) .\n(ولى ممات ذَر - وكان من الأولياء - قال أبوه عمر بن ذَر: \" اللهم إني قد غفرت له ما قصر فيه من واجب حقي، فاغفر له ما قصر فيه من واجب حقك \"، فقيل له: \" كيف كانت عشرته معك؟ \"، قال: \" ما مشى معى قط في ليل إلا كان أمامي، ولا مشى معي في نهار إلا كان ورائي، ولا ارتقى قط سقفا كنت تحته \") (٤١٨) .\nوقال عامر بن عبد الله بن الزبير: \" مات أبي، فما سألت الله - حَوْلا - إلا العفوَ عنه \" (٤٩٩) .\nوكان عروة بن الزبير يقول في صلاته - وهو ساجد -: \" اللهم اغفر للزبير بن العوام، وأسماء بنت أبي بكر \" يعنى والديه ﵄ (٤٢٠) .\nوكان أبو يوسف الفقيه يقول عقيب صلاته: \" اللهم اغفر لأبَوَيَّ، ولأبي حنيفة \" (٤٢١) .\n_________\n(٤١٦) \" السابق\" (٤/٢٥ - ٢٦) .\n(٤١٧) \" السابق \" (٣/١٨٨-١٨٩) .\n(٤١٨) \" بر الوالدين \" للطرطوشى ص (٧٦)، وانظر سير أعلام النبلاء\" (٦/٣٨٨) .\n(٤١٩) \" عيون الأخبار\" (٣/٩٨) .\n(٤٢٠) \" بر الوالدين للطرطوشي ص (٧٧) .\n(٤٢١) السابق.","vol":"2","page":180},{"text":"(وكان الإمام أبو حنيفة ﵀ بَرا بوالديه، وكان يدعو لهما، ويستغفر لهما مع شيخه حماد، وكان يتصدق كل شهر بعشرين دينارًا عن والديه (أ) .\nو(قال أبو يوسف: كان أبو حنيفة يحمل والدته على حماره إلى مجلس عمر بن ذرّ كراهيةَ أن يرد قولها، وقال أبو حنيفة: ربما ذهبتُ بها إلى مجلسه، وربما أمرتني أن أذهب إليه، وأسأله عن مسألة، فآتيه، وأذكرها له، وأقول له: (إن أمي أمرتني أن أسألك عنها \"، فيقول: \" وأنت تسألني عن هذا؟ \"، فأقول: \" هي أمرتني\"، فيقول: \" قل لي: كيف هو - يعني الجواب - حتى أخبرك؟ \"، فأخبره بالجواب، ثم يخبرني به، فآتيها، وأخبرها عنه بما قال، ونظير ذلك أنها استفتت عن شيء، فأفتيتها، فلم تقبله، وقالت: \" لا أقبل إلا بقول زُرعة القاص \"، - أي الواعظ - فجاء بها إليه، وقال له: \" إن أمي تستفتيك في كذا \"، فقال: \" أنت أعلم وأفقه، فَأفتِها \" قال: \" أفتيتها بكذا \"، فقال زرعة: \" القول ما قال أبو حنيفة \" فرضيت، وانصرفت (ب) .\nوعن يحيى بن عبد الحميد قال: (كان الإمام يُخْرَجُ كل يوم من السجن، فيضْرَب ليدخل القضاء فيأبى فلما ضُرِب رأسُه، وأثًرَ ذلك في وجهه بكى، فقيل له في ذلك، فقال: \" إذا رأته أمي بكت، واغتمت، وما علىٌ شيء أشد من غَم أمي) (ج) اهـ.\nوقال محمد بن شجاع الثلجي حدثني حبان - رجل من أصحاب أبي حنيفة- قال:\n_________\n(أ) \" أبو حنيفة النعمان \" للشيخ: وهبى غاوجي الألباني ص (١٠٢) .\n(ب) \" أخلاق العلماء \" للشيخ محمد سليمان ص (٧٩) .\n(ج) \" أبو حنيفة النعمان ص (١٠٢) .","vol":"2","page":181},{"text":"(قال أبو حنيفة حين ضُرِب لِيَليَ القضاء: \" ما أصابني في ضربي شيء أشدُّ عَلَيَّ من غَم والدتي \"، وكان بها بارُّا) .\nوعن يحيى الحماني عن أبيه قال: (كان أبو حنيفة يُضْرَبُ على أن يلى القضاء، فيأبى، ولقد سمعته يبكي، وقال: \" أبكي غَما على والدتي \"!) (د) .\n_________\n(د) مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه \" للحافظ الذهبي ص (١٥ - ١٦) .","vol":"2","page":182},{"text":"[فصل]\nالتحذير من عقوق الوالدين والأم\nوما أحسن قول بعضهم، إغراءً على البر، وتحذيرًا عن العقوق ووباله، وإعلامَا بما يدحض العاق إلى حضيض سفاله، ويحطه عن كماله: (أيها المضيع لأوكد الحقوق، المعتاض عن البر بالعقوق، الناسي لما يجب عليه، الغافل عما بين يديه، بر الوالدين عليك دَين، وأنت تتعاطاه باتباع الشين، تطلب الجنة بزعمك، وهى تحت أقدام أمك، حملتك في بطنها تسعة أشهر كأنها تسع حجج، وكابدت عند وضعك ما يذيب المهج، وأرضعتك من ثديها لبنًا، وأطارت لأجلك وَسَنًا، وغسلت بيمينها عنك الأذى، وآثرتك على نفسها بالغِذا، وصيَّرت حِجرها لك مهدا، وأنالتك إحسانا ورفدا، فإن أصابك مرض أو شكاية، أظهرت من الأسف فوق النهاية، وأطالت الحزن والنحيب، وبذلت مالها للطبيب، ولو خُيِّرت بين حياتك وموتها، لآثرت حياتك بأعلى صوتها، هذا وكم عاملتها بسوء الخلق مرارًا، فدعت لك بالتوفيق سرا وجهارا، فلما احتاجت عند الكبر إليك، جعلتها من أهون الأشياء عليك، فشبعتَ وهى جائعة، ورويت وهي ضائعة، وقدمت عليها أهلك وأولادك في الإحسان، وقابلت أياديها بالنسيان، وصعب لديك أمرها وهو يسير، وطال عليك عمرها وهو قصير، وهجرتها وما لها سواك نصير، هذا، ومولاك قد نهاك عن التأفيف، وعاتبك في حقها بعتاب لطيف، ستعاقب في دنياك بعقوق البنين، وفي أخراك بالبعد من رب العالمين، يناديك بلسان التوبيخ والتهديد (ذلك بما","vol":"2","page":183},{"text":"قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد) الحج (١٠) .\nلأمك حَقٌّ لو علمتَ كبير ... كثيرُك يا هذا لديه يسير\nفكم ليلة باتت بثقلك تشتكي ... لها من جواها أنَّةٌ وزفير\nوفي الوضع لو تدري عليها مشقة ... فمن غُصَص منها الفؤاد يطير\nوكم غَسَلَتْ عنك الأذى بيمينها ... وما حَجْرها إلا لديك سرير\nوتفديك مما تشتكيه بنفسِها ... ومن ثديها شُرب لديك نمير (٤٢٢)\nوكم مرة جاعت وأعطتك قُوتَها ... حُنُوًّا وإشفاقًا وأنت صغير\nفآهًا لذي عقل ويتبع الهوى ... وآها لأعمى القلب وهو بصير\nفدونَكَ فارغب في عميم دعائها ... فأنت لما تدعو إليه فقير (٤٢٣)\n_________\n(٤٢٢) النمير لغة: الزاكي من الماء.\n(٤٢٣) \"الزواجر عن اقتراف الكبائر \" (٢/٧١-٧٢) .","vol":"2","page":184},{"text":"[فصل]\nوفاؤها لأولادها\nرغم أن الإسلام لم يحمد من المرأة كرهَها للزواج بعد زوجها (*)، لقد شكر ذلك لها، وأجزل عليه مثوبتها، إن اعتزمته، وأقدمت عليه، وفاءً لأبنائها، ورعيا لهم، وضَنَا بهم أن يضيعوا عند غير أبيهم: من سهل بن سعد مرفوعًا: \" أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا: وأشار بالسبابة والوسطى، وفَرَّج بينهما شيئًا \" (٤٢٤) .\nويُروى عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: (أنا أول من يفتح باب الجنة، إلا أني أرى امرأة تبادرني، فأقول لها: \" مالك؟ ومن أنت؟ \"، فتقول: \" أنا أمرأة قعدتُ على أيتام لي) (٤٢٥) .\nويروى عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قال\n_________\n(*) انظر: \" سير أعلام النبلاء \" (٢/٢٠٣)، \" سلسلة الأحاديث الصحيحة \" رقم (١٢٨١)، رقم (٦٠٨) .\n(٤٢٤) رواه مسلم رقم (٢٩٨٣) في الزهد والرقائق: باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، و\" الموطأ \" (٢/٩٤٨) في الشعر: باب السنة في الشعر.\n(٤٢٥) ذكره الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" (٨/١٦٢) وقال: (رواه أبو يعلى، وفيه عبد السلام بن عجلان، وثقه أبو حاتم، وابن حبان، وقال: \" يخطئ، ويخالف \" وبقية رجاله ثقات) اهـ، وقال أبو الفضل عبد الله بن الصديق الغماري: (رواه أبو يعلى في مسنده بإسناد حسن، ومعنى \" قعدت على أيتام أي مات زوجها، وترك لها أيتاما، فلم تتزوج، وقعدت على أيتامها تربيهم) اهـ من \" تمام المنة ببيان الخصال الموجبة للجنة \" ص (١٧٨) - الحديث العشرون والمائة.","vol":"2","page":185},{"text":"رسول الله ﷺ أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة - وأومأ يزيد بن زريع الراوي بالوسطى والسبابة -، امرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا (٤٢٦) .\nوعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي امرأة ومعها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة فأعطيتها أياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت فخرجت فدخل النبي ﷺ فأخبرته فقال النبي ﷺ: من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار \") (٤٢٧)\nوفي رواية لمسلم: (جائتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت للنبي ﷺ فقال إن الله ﷿ قد أوجب لها بها الجنة وأعتقها بها من النار) .\nوهذه أم هانئ فاختة بنت أبي طالب ﵂ أخت أمير المؤمنين\n_________\n(٤٢٦) أخرجه الإمام أحمد (٦/٢٩) وأبو داود رقم (٥١٤٩) في الأدب: باب فضل من عال يتيما وفي سنده النهاس بن قهم بن الخطاب البصري القاضي قال الحافظ في التقريب: ضعيف والسفعة نوع من السواد ليس بكثير وأراد أنها بذلت نفسها ليتاماها وتركت الزينة والترفه حتى شحب لونها واسود وآمت - بالمد - أقامت بلا زوج ومعنى بانوا انفصلوا واستغنوا وانظر: عون المعبود (١٤/٥٨) .\n(٤٢٧) رواه البخاري (٤/٢٦) في الزكاة: باب اتقوا النار ولو بشق تمرة وفي الأدب باب رحمة الولد وتقبيله ومسلم رقم (٢٦٢٩) في البر والصلة باب فضل الإحسان إلى البنات والترمذي رقم (١٩١٦) في البر والصلة: باب ما جاء في النفقة على البنات.","vol":"2","page":186},{"text":"علي ﵁، وبنت عم رسول الله ﷺ \"، وراوية حديث الإسراء، فَرق الإسلام بينها وبين زوجها (هبيرة) (٤٢٨)، وكانت قد انكشفت منه عن أربعة بنين، فخطبها رسول الله ﷺ، فقالت أم هانئ: \" يا رسول الله، لأن أحب إليَّ من سمعي ومن بصري، وحق الزوج عظيم، فأخشى إن أقبلت على زوجي - تعني رسول الله ﷺ - أن أضيعَ بعض شأني وولدي، وإن أقبلت على ولدي أن أضَيِّعَ حق زوجي \"، وهنا امتدحها النبي ﷺ، وشكر لها ذلك، فقال: \" إن خير نساءٍ ركبن الإبل نساءُ قريش، أحْناه على ولدٍ في صِغَرِه، وأرْعاهُ على بَعلٍ - أي زوج - في ذات يده \" (٤٢٩) .\nوانصرفت أم هانئ إلى الاهتمام بأمور أبنائها وتربيتهم تربية صالحة، فنشأوا عالمين عاملين، وروى بعضهم عنها ما حدثت به عن رسول الله ﷺ من الأحاديث أمثال ابن ابنها جَعْدة المخزومي، وابن ابنها يحيى بن جعفر، وابن ابنها هارون، وعاشت حتى خلافة أخيها علي ﵁.\n\nوكان ذلك بعض عذر أم سلمة حين خطبها رسول الله ﷺ فأرسلت تقول له: \" إني مُصبْية \" (٤٣٠)، فأرسل إليها: \" أما ما ذكرتِ من أيتامك\n_________\n(٤٢٨) انظر: \" سير أعلام النبلاء \" (٢/٣١٢ - ٣١٣) .\n(٤٢٩) رواه البخاري (٩/١٠٧) في النكاح: باب إلى من ينكح؟ وأي النساء خير؟ وفي النفقات: باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده، والنفقة، ومسلم (٢٥٢٧) في فضائل الصحابة: باب خيار الناس، والإمام أحمد (٢/٢٦٩)، ٢٧٥، ٣٩٣، ٤٤٩، ٥٠٢)، وفي رواية \" المستدرك \" (٤/٥٣): (لكني امرأة مُصبِية، فأكره أن يؤذوك) .\n(وقوله: \" أحناه على ولد \": أشفقه، والحانية التي تقوم بولدها بعد موت الأب، وحنت المرأة على ولدها: لم تتزوج بعد موت الأب، قال ابن التين: فإن تزوجت فليست بحانية، قال الحسن في الحانية: التي لها ولد، ولا تتزوج) اهـ.\nمن \" فتح الباري \" (٦/٤٧٣) .\n(٤٣٠) أي ذات صبية، والصبي من لم يفطم بعد، وقد كان لها ثلاثة أولاد: سلمة أكبرهم، وعمر وزينب أصغرهم، وربوا في حجر النبي ﷺ.","vol":"2","page":187},{"text":"فعلى الله وعلى رسوله \"، فقالت عند ذلك: مرحبًا برسول الله ﷺ \" (٤٣١)\nوتلك أم سُليم الغُمَيْصاء ﵂ إحدى السابقات إلى الإسلام، أسلمت ورسول الله ﷺ بمكة، وبايعته حين مقدمه إلى المدينة، وكان إسلامها مراغمة لزوجها مالك بن النضر، وكان ولدها أنس بن مالك يومئذ طفلًا رضيعًا، فكانت تقول له: قل: \" لا إله إلا الله \"، قل: \" أشهد أن محمدَا رسول الله \" فجعل ينطق بذلك أولَ ما ينطق، فكان مما يثير الغضب في نفس مالك، فيقول لها: \" لا تفسدي علي ولدى \" فتقول: \" إني لا أفسده \"!، ثم أيأسه أمرها فخرج عنها إلى الشام، وهنالك لقي عدوا له، فقتله، فلما بلغها قتله - وكانت شابة حَدَثَة، وكثر خُطَابُها - قالت: \" لا جَرَمَ، لا أفطم أنسًا حتى يدع الثدي، ولا أتزوج حتى يجلس في المجالس ويأمرني \" فوفت بعهدها وَبَرَّتْ، وكان أنس ﵁ يعرف لها تلك المنة، ويقول: \" جزى الله أمي عني خيرًا، لقد أحسنت ولايتي \".\nحتى إذا شب أنس تقدم لخِطتها أبو طلحة زيد - وكان مشركًا - فأبت، ثم قالت له يومًا فيما تقول: \" أرأيت حجرًا تعبده لا يضرك ولا ينفعك، أو خشبة تأتي بها النجار، فينجرها لك: هل يضرك؟ هل ينفعك؟ \"، وأكثرت من أشباه ذلك الكلام، فوقع في قلبه الذي قالت، فأتاها فقال: \" لقد وقع في قلبي الذي قلتِ \"، وآمن بين يديها، قالت: \" فإني أتزوجك، ولا أريد منكَ صَداقًا غير الإسلام \" (٤٣٢)، قال ثابت:\n_________\n(٤٣١) انظر روايات الحديث في \" الطبقات \" لابن سعد (٨/٩٠)، و\" المسند \" للإمام أحمد (٦/٣١٣، ٣١٤، ٣١٧)، وسنن النسائي (٦/٨١، ٨٢) في النكاح: باب إنكاح الابن لأمه، وقال الحافظ في \" الإصابة \" (١٣/٢٢٣): (إسناده صحيح) اهـ.\nوصححه ابن حبان (١٢٨٢)، والحاكم (٤/١٧)، ووافقه الذهبي.\n(٤٣٢) أخرجه ابن سعد في \" الطبقات \" (٨/٤٢٦)، والنسائي (٦/١١٤) في النكاح: =","vol":"2","page":188},{"text":"(فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرًا من أم سليم الإسلام) (٤٣٣) اهـ.\nوقالت امرأة من نساء اليمامة تدعى (أم أثال) - وكانت كأحسن النساء وجها-، فلما مات زوجها، تدافع الخُطَابُ على بابها، فردَّت كل خاطب، وفاءً لابنها أثال:\nلعمر أثال لا أفدي بعيشه ... وإن كان في بعض المعاش جفاءُ\nإذا استجمعت أم الفتى غَص طَرفَه ... وشاعَرَهُ دون الدِّثار بلاءُ (٤٣٤)\nذلك بعض حديث المرأة المسلمة في الوفاء لخير ما وُكلَتْ به، وخُلِقَتْ له، بعد العبودية لرب العالمين.\nالأمومة والتضحية:\nتنتقل المرأة بعد ذلك إلى طور آخر تبلغه، فتبلغ به غاية ما أعدَّت له من كمال النفس، وشرف العاطفة، ذلك طور التضحية، فهناك تنزل المرأة عن حقها من الوجود لمن فُصِل عن لحمها ودمها، تسهر لينام، وتظمأ لِيروى، وتحتمل الألم المُمِضَّ- راضية مغتبطة - لتذيقه طعم الدعة، وتُنْشِيَهُ نسيم النعيم.\nتلك هي التضحية بالنفس بلغت بها الأمومة غايتها:\n* والجودُ بالنفسِ أقصى غايةِ الجودِ \"\nوهاك هذه القصة الشعرية الرمزية، والتي يُظهر فيها الشاعر حقيقة قلب الأم، وما يكنه من مشاعر وعواطف، ورأفة وحنان:\n_________\n= باب التزوج على الإسلام، ورجاله ثقات خلا خالد بن مخلد، وهو القَطَواني، قال الحافظ في \" التقريب \" (١/٢١٨): (صدوق يتشيع، وله أفراد) اهـ.\n(٤٣٣) رواه النسائي (٦/١١٤)، وانظر: \" المحلى\" (٩/٤٩٩ - ٥٠٠) .\n(٤٣٤) \" بلاغات النساء \" ص (١٣٢ - ١٣٣) .","vol":"2","page":189},{"text":"أغرى امرؤ يوما غلاما جاهلا ... بنقوده كيما ينال به الوطر\nقال ائتني بفؤاد أمك يا فتى ... ولك الجواهر والدراهم والدرر\nفمضى وَأغرزَ خِنجرًا في صدرها ... والقلبَ أخرجهُ وعاد على الأثر\nلكنه من فرطِ سرعتهِ هوى ... فتدحرجَ القلبُ المقطعُ إذ عَثَر\nناداه قلبُ الأم وَهْوَ مُعَفرٌ ... ولدي حبيبي هل أصابك من ضرر؟\n***\nفكأنَّ هذا الصوتَ رغم حُنُوهِ ... غضبُ السماءِ على الغلامِ قد انهمر\nفدرى فظيع جناية لم يَجْنِها ... ولد سِواه منذ تاريخِ البشر\nفارْتَد نحو القلب يغسِلُه بما ... فاضت به عيناهُ من سيلِ العِبَر\nويقولُ يا قلبُ انتقم مني ولا ... تغفرْ فإنَّ جريمتي لا تُغتَفَر\nواسْتَل خِنجرَهُ ليطعنَ قلبَهُ ... طعنًا فيبقى عِبْرة لمن اعتبر\nناداه قلب الأم كُفَّ يدًا، ولا ... تطعنْ فؤادي مرتين على الأثر (٤٣٥)\n_________\n(٤٣٥) نقلًا من \" خطر التبرج والاختلاط \" لعبد الباقي رمضون \" ص (١٣٤ - ١٣٥) .","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>[فصل]\nمن مواقف الأم المسلمة</span>\n[في قرن وبعض قرن وثب المسلمون وثبة ملأوا بها الأرض قوة وبأسا وحكمة وعلما فراضوا الأمم وهاضوا الممالك وركزوا ألويتهم في قلب آسيا وهامات إفريقية وأطراف أوروبة وتركوا دينهم وشرعهم ولغتهم وعلمهم وأدبهم تدين لها القلوب وتنقلب بها الألسنة بعد أن كانوا فرائق بددا لا نظام ولا قوام ولا علم ولا شريعة.\nففي أي المدارس درجوا ومن أي المعاهد خرجوا؟\nلقد قطع المسلمون تلك المرحلة التي سهم لها الدهر ووجم لروعتها التاريخ ولم يقيموا معهدا أو ينشئوا جامعة ... استغفر الله! بل لقد كانت خصاصهم وخيامهم ودورهم وقصورهم معاهد ومدارس وما شئت من مغارس حكمة ومغاوص آداب ولي أمرها أمهات صدق أقامهن الله على نشئه واستخلفهن على صنائعه وَائْتَمَنَهُنَّ على دعاة حقه ورعاة خلقه فكن أقوم خلفائه بواجبه وأثبتهن على عهده وأنهضهن بالفادح الشديد من أمره لقد كان الله ﷾ أبر بهؤلاء القوم من أن يخرجهم مخرجا سيئا أو ينبتهم منبتا فاسدا أو يضمهم إلى صدور واهية وقلوب سقيمة ثم يسومهم أشرف مطالب الحياة ويوردهم أسمى مقاصدها.. لأن الأم من الأمة بمثابة القلب من الجسد فهي غذاء أرواحهم ومران أعوادهم ومفيض مداركهم ومبعث عواطفهم فإن وهنت كان كل أولائك ضعيفا لقد كانت نهضة المسلمين غريبة فريدة لأن المرأة كذلك كانت غريبة","vol":"2","page":191},{"text":"فريدة.. وإذا كانت المرأة الحديثة قد أنصتت لـ \" لنكولن \" زعيم الجمهورية الأمريكية، وهو يقول لمهنئيه بمنصب من مناصب الدنيا: \" لا تهنئوني، وهنئوا أمي فهي التي رفعتني إلى مقامي هذا \"، فإن المرأة المسلمة كانت تستمع لأشباه هذا الكلام من أشباه \" لنكولن \"، فلا ينثني جيدها، ولا يهتز عِطفها لطول ما سمعته وألفته] (٤٣٦) .\nودونك هذه المواقف للأم المسلمة لترى مصداق هذا الحديث: بطل قريش يرتجف أمام أمه:\n(لما كانت موقعة أحد أغرت هند بنت عتبة بحمزة بن عبد المطلب من خالسه فصرعه - وكان قد قتل آلها يوم بدر - ثم نفذت إليه فبقرت بطنه، ونزعت كبده، وجدعت أنفه، وصلمت أذنيه، وجاء بعدها أبو سفيان، فأخذ يطعنه بالرمح في فمه حتى مزقه ... انقضت الموقعة، وجثمان حمزة تكاد تَحيل معالمه لفرط ما مُثلَ به، فلما وقف به رسول الله ﷺ اشتد حزنه لما أصاب عمه البطل الكريم، ووقف بنجوة منه، ثم أبصر فوجد عمته صفية بنت عبد المطلب مقبلة لتنظر ما فعل القوم بأخيها، فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير بن العوام: \" دونَك أمَّك فامنعْها \"، وأكبر همه ألا يَجِدَّ بها الجزع لما ترى، فلما وقف ابنها يعترضها قالت: \" دونك، لا أرض لك، لا أمَ لك! \"\nوهنالك رجفت أحناء بطل قريش، وزلزلت قدماه، واعتقل لسانه، وكَر راجعًا إلى رسول الله ﷺ فحدثه حديث أمه، فقال: \" خَل سبيلها \".\nكذلك انفرجت صفوف الناس لعمة رسول الله ﷺ، فسارت حَتى أتت أخاها فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، وقالت لابنها: \" قل لرسول الله: ما أرضانا بما كان في سبيل الله!\n_________\n(٤٣٦) انظر: \" المرأة المسلمة \" لعبد الله عفيفي (٢/١٢٥ - ١٢٦) .","vol":"2","page":192},{"text":"لأحتسبنَ، ولأصبرن إن شاء الله \") (٤٣٧) .\nفانظر إلى موقف البطل المسلم حيال أمه، وقد أمره رسول الله ﷺ أن يقف دونها فيعترضها! ولو سامه النبي ﷺ لا أن يعترض الجيش اللهام لوقف في سبيله غير هائب ولا مدفوع.. وماله لا يعنو وجهه، ولا ترتجف أضالعه لعظمة الأمومة وعظمة الخُلُق؟!\n(لبث عبد الله بن الزبير (٤٣٨) على إمرة المؤمنين، ودانت له العراق والحجاز واليمن ثماني سنين، ثم أخذ عبد الملك بن مروان يقارعه، فانتقص منه العراق، ورماه بعد ذلك بالحجاج بن يوسف، فأخذ يطوي بلاده عنه حتى أتى إلى مكة فطوقها، ونصب المجانيق على الكعبة، وأهوى بالحجارة عليها، وفي الكعبة يومئذ أسماء بنت أبي بكر ﵄.\nوكان عبد الله يقَاتل جند الحجاج مسندا ظهره إلى الكعبة، فيعيث فيهم، ويروعُ أبطالهم، وليس حوله إلا القوم الأقلون عددًا، والحجاج بين ذلك كله يرسل إليه يمنيه الخير، ويعده بالإمارة في ظل بني أميَّة لو أغمد سيفه، وبسط للبيعة يده.\nدخل عبد الله على أثر ذلك على أمه، فقال: \" يا أُمَّه! خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبق معي إلا اليسير، ومن لا دفع له أكثر من صبر ساعة من النهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك؟ \"، فقالت: \" الله الله يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه، فامض عليه، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية فيلعبوا بك، وإن كنت أردت\n_________\n(٤٣٧) السابق (٢/١٢٩ - ١٣٠)، وانظر \" الروض الأنف \" للسهيلي (٣/١٧٢) .\n(٤٣٨) ابن الزبير ﵄ أبوه حواري رسول الله، وأمه بنت الصديق، وخالته عائشة حبيبة حبيب الله، وجدته صفية عمة رسول الله، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد ﵅، انظر \" البداية والنهاية \" (٨/٣٣٤) .","vol":"2","page":193},{"text":"الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت إني كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي، فليس هذا فعل الأحرار ولا مَن فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير، والله لضربة بالسيف في عِز أحب إلي من ضربة بالسوط في ذل \"، فقال: \" يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني \"، قالت: \" يا بني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك، واستعن بالله \"، فقبل رأسها، وقال لها: \" هذا والله رأيي، والذي قمت به داعيا إلى الله، والله ما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله ﷿ أن تُهتَك محارمه، ولكني أحببت أن أطلع على رأيك فيزيدني قوة وبصيرة مع قوتي وبصيرتي، والله ما تعمدت إتيان منكر، ولا عملًا بفاحشة، ولم أجُر في حكم، ولم أغدِر في أمان، ولم يبلغني عن عمالي حيف فرضيت به، بل أنكرت ذلك، ولم يكن شيء عندي آثر من رضاء ربي، اللهم إني لا أقول ذلك تزكية لنفسي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلوَ عَني \"، فقالت: \" والله إني لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا، إن تقدمتني احتسبتك، وإن ظفرت سررت بظفرك، اخرج حتى أنظر إلام يصير أمرك \"، ثم قالت: \" اللهم ارحم طول ذلك القيام بالليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبره بأمه، اللهم إني قد سلمت فيه لأمرك، ورضيت فيه بقضائك، فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين \"، قال: \" يا أُمَّه لا تدَعي الدعاء لي قبل قتلي ولا بعده \"، فقالت: \" لن أدعه، فمن قتِلَ على باطل، فقد قُتِلْتَ على حق \"، فتناول يدها ليقبلها، فقالت: \" هذا وداع فلا تبعد \"، فقال لها: \" جئت مودعًا لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا \"، قالت: \" امض على بصيرتك، وادن مني حتى أودعك \"، فدنا منها فعانقته، وقبلته، فوقعت يدها على الدرع، فقالت: \" ما هذا صنيع من يريد ما تريد \"! فقال: \" ما لبستها إلا لأشد متنكِ \"، قالت: \" إنها لا","vol":"2","page":194},{"text":"تشد متني \"، فنزعها، ثم درج لِمته، وشد قميصه وجبته، وخرج وهو يقول:\nأبي لابن سلمى أن يُعير خالدا ... ملاقي المنايا أي صرف تيمما\nفلست بمبتاع الحياة بسُبَّةٍ ... ولا مرتقٍ من خشية الموت سُلَّما\nوقال لأصحابه: \" احملوا على بركة الله، وليشغل كل منكم رجلًا، ولا يلهينَّكم السؤال عني، فإني على الرعيل الأول \"، ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون، وهنالك رماه رجل من أهل الشام بحجر فأصاب وجهه، فأخذته منه رعدة، فدخل شعبًا من شعاب مكة يستدمي، فبصُرت به مولاة له، فقالت:\n\" وا أمير المؤمنينا! \"، فتكاثر عليه أعداؤه عند ذلك فقتلوه، وصلبه الحجاج، فأقام جثمانه على الجذع، حتى إذا أمر عبد الملك بإنزاله، أخذته أمه فغسلته بعد أن ذهبوا برأسه، وذهب البلى بأوصاله، ثم كفنته، وصلت عليه، ودفنته) (٤٣٩) .\nوروى ابن حزم بسنده عن صفية بنت شيبة قالت: (دخل ابن عمر المسجد فأبصر ابن الزبير مطروحا قبل أن يصلب، فقيل له: \" هذه أسماء \"، فمال إليها وعزاها، وقال: \" إن هذه الجثث ليست بشيء، وإن الأرواح عند الله ﷿ \"، فقالت له أسماء: \" وما يمنعني، وقد أهدى رأس يحيى إِلى بغي من بغايا بني إسرائيل \") (٤٤٠) .\nقال عروة: (دخلت أنا وأخي قبل أن يُقتل، على أمنا بعشر ليال، وهى وَجِعَة، فقال عبد الله: \" كيف تجدينك؟ \"، قالت: \" وَجِعة \"،\n_________\n(٤٣٩) السابق (٢/١٣٠- ١٣٢) بتصرف، وانظر \" البداية والنهاية، (٨/٣٢٩ - ٣٤٥) .\n(٤٤٠) المحلى (٢/٢٢)، وانظر: \" سير أعلام النبلاء \" (٢/٢٩٤ - ٢٩٥) .","vol":"2","page":195},{"text":"قال: \" إن في الموت لعافية!، قالت: \" لعلك تشتهي موتي؛ فلا تفعل \"، وضَحِكَتْ، وقالت: \" والله، ما أشتهي أن أموت، حتى تأتي على أحد طرفَيْك: إما أن تُقْتَلَ فأحتسبك، وإما أن تظفر فتقر عيني، إياك أن تُعرض على خُطة فلا توافق، فتقبلها كراهية الموت \")، قال: \" وإنما عَنى أخي أن يُقتل، فيَحزنها ذلك \" (أ) .\nوعن ابن عيينة: حدثنا أبو المُحيَّاة، عن أمه، قال: لما قَتل الحجاج ابن الزبير، دخل على أسماء، وقال لها: \" يا أمه، إن أمير المؤمنين وصاني بك، فهل لكِ من حاجة؟ \"، قالت: \" لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثَّنية، وما لي من حاجة؛ ولكن أحدثك: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" يخرج في ثقيف كذاب، ومُبير \"، فأما الكذاب، فقد رأيناه - تعنى المختار - وأما المُبِيرُ، فأنت \"، فقال لها: \" مبير المنافقين \" (ب) .\nوعن يَعْلي التيمي قال: (دخلتُ مكة بعد قتل ابن الزبير بثلاث - وهو مصلوب- فجاءت أمُّهُ عجوز طويلة عمياء، فقالت للحجاج: \" أما آن للراكب ًان ينزل؟ \"، فقال: \" المنافق؟ \"، قالت: \" والله ما كان منافقَا، كان صَواما قَوامًا بَرُّا \"، قال: \" انصرفي يا عجوز، فقد خَرِفْتِ \"، قالت: لا والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: في ثقيف كذاب، ومبير ... \" الحديث (ج) .\nهكذا كان أول ما لُقنَت المرأة من أدب الله ورسوله ﷺ، الاعتصام بالصبر، إذا دجا الخطب، وجل المصاب.\n_________\n(أ) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/٢٩٣) .\n(ب) \" السابق \" (٢/٢٩٤) .\n(ج) \" السابق \".","vol":"2","page":196},{"text":"أوَ لَم تر إلى الخنساء، وما ذهب به الدهر من حديث جزعها، وتصدع قلبها، واضطرام حشاها على أخيها، لقد استحال كل ذلك إلى صبر أساغه الإيمان، وجمله التقى، فلم تأس على فائت من متاع الحياة الدنيا. أولئك أبناؤها، وهم أشطار كبدها، ونياط قلبها، خرجوا إلى القادسية وكانوا أربعة، فكان مما أوصتهم به قولها: \" يا بَني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتمَ مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنْتُ حَسبَكم، وما غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية.\nاصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتمَ الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارًا على أرواقها، فَيَمِّمُوا وَطِيسها (د)، وجالدوا رَسيسها (هـ)، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة \".\nفلما كَشَّرَت الحرب عن نابها، تدافعوا إليها، وتواقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم، حتى قُتِلوا واحدا في أثر واحد.\nولما وافتها النُّعاةُ بخبرهم، لم تزد على أن قالت: \" الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة \" (و) .\nذلك أبعد مدى تبلغه المرأة من جلال الصبر وقوة الإيمان!\n[وعن جويرية بن أسماء عن عمه أن إخوة ثلاثةً شهدوا يوم تُسْتَر،\n_________\n(د) الوطيس: المعركة أو الضرب.\n(هـ) الرسيس: الأصل.\n(و) \"الإصابة\" (٨/٦٦-٦٧)، وانظر رقم (١٣١٦) .","vol":"2","page":197},{"text":"فاستشهدوا، فخرجت أمهم يومًا إلى السوق لبعض شأنها، فتلقاها رجل حضر \" تُستر\" فعرفته، فسألته عن أمور بنيها، فقال: \" استشهدوا \"، فقالت: \" مقبلين أو مدبرين؟ \" قال: \" مقبلين \"، قالت: \" الحمد لله نالوا الفوز، وحاطوا الذمار، بنفسي هم وأبي وأمي \") اهـ من جمهرة الخطباء] (٤٤١) اهـ.\nكل ذلك وأشباهه مما جعل للأم المقام الأوفى، والمنزلة الأسمى، وهذا هو سر عظمة القوم، وسبيل نهضتهم، ومُنبعَثُ قوتهم، وإليه مرجع استبسالهم واستماتتهم:\nخَلفْتِ جيلًا من الأبطال سيرتهم ... تضوع بين الورى رَوْحًا وريحانا\nكانت فتوحهموا بِرًّا ومرحمة ... كانت سياستهم عدلًا وإحسانا\nلم يعرفوا الدين أورادًا ومِسْبحة ... بل أشْبِعوا الدينَ محرابًا وَميْدانا (٤٤٢)\n_________\n(٤٤١) \"المنحة المحمدية في بيان العقائد السلفية، للشيخ محمد بن أحمد بن عبد السلام خضر ص (٢١١) .\n(٤٤٢) انظر \" تربية الأولاد في الإسلام \" (١/٢٩٨) .","vol":"2","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>[فصل]\nالأم المسلمة وراء هؤلاء العظماء</span>\nإذا قلبت صفحات تاريخنا الإسلامي، فلا تكاد تقف على عظيم ممن ذَلتْ لهم نواصي الأمم، ودانت لهم الممالك، وطبق ذكرهم الخافقين، إلا وهو ينزع بِعِرْقِهِ وخُلُقِهِ إلى أم عظيمة، وكيف لا يكون ذلك والأم المسلمة قد اجتمع لها من وسائل التربية ما لم يجتمع لأخرى ممن سواها؟ مما جعلها أعرف خلق الله بتكوين الرجال، والتأثير فيهم، والنفاذ إلى قلوبهم، وتثبيت دعائم الخلق العظيم بين جوانحهم، وفي مسارب دمائهم:\nفالزبير بن العوام: فارس رسول الله ﷺ، الذي بلغ من بسالته وبطولته، أن عدل به الفاروق ﵁، ألفًا من الرجال، حين أمد به جيش المسلمين في مصر، وكتب إلى قائدهم عمرو بن العاص ﵁ يقول:\n\" أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألفٍ: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن خالد \".\nوقد صدقت فِراسة الفاروق ﵁، وسجل التاريخ في صفحاته أن الزبير لا يعدل ألفًا فحسب، بل يعدل أمة بأسرها، فقد تسلل إلى الحصن الذي كان يعترض طريق المسلمين، وصعد فوق أسواره، وألقى بنفسه بين جنود العدو، وهو يصيح صيحة الإيمان: \" الله اكبر \".. ثم اندفع إلى باب الحصن، ففتحه على مصراعيه، واندفع المسلمون، فاقتحموا","vol":"2","page":199},{"text":"الحصن، وقضوا على العدو قبل أن يفيق من ذهوله.\n(هذا البطل العظيم إنما قامت بأمره أمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ، وأخت حمزة أسد الله، فقد شب في كنفها، ونشأ على طبعها، وتخلق بسجاياها.\nوالكَمَلَة العظماء: عبد الله، والمنذر، وعروة أبناء الزبير: كانوا ثمرات أمهم أسماء بنت أبي بكر ﵄، وما منهم إلا له الأثر الخالد، والمقام المحمود.\nوأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: تنقل في تربيته بين صدرين من أملأ صدور العالمين حكمة وأحفلها بجلال الخلال، فكان مغداه على أمه فاطمة بنت أسد، ومراحه على خديجة بنت خويلد زوج رسول الله ﷺ.\nوعبد الله بن جعفر: سيد أجواد العرب وأنبل فتيانهم، تركه أبوه صغيرًا، فتعاهدته أمه أسماء بنتُ عُمَيس، ولها من الفضل والنبل ما لها. وأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵄: أريب العرب وألمعيُّها، ورث عن هند بنت عتبة همة تجاوز الثريا، وهي القائلة - وقد قيل لها ومعاوية وليد بين يديها: \" إن عاش معاوية ساد قومه \" - \" ثكِلْتُهُ إن لم يَسُد إلا قومه \"، ولما نعي إليها ولدها يزيد بن أبي سفيان قال لها بعض المعزين: (إنا لنرجو أن يكون في معاوية خلف منه \"، فقالت: \" أوَ مِثْلُ معاوية يكون خَلَفا من أحد؟ والله لو جمعت العرب من أقطارها، ثم رُمِيَ به فيها، لخرج مِن أيها شاء \".\nوكان معاوية ﵁ إذا نوزع الفخر بالمقدرة، وجوذب بالمباهاة بالرأي، انتسب إلى أمه فصدع أسماع خصمه بقوله: \" أنا ابن","vol":"2","page":200},{"text":"هند \") (٤٤٣) .\nوعبد الله بن زيد المازني: الذي حكى وضوء رسول الله ﷺ، والذي قتَل مسيلمة الكذاب بسيفه (٤٤٤)، وقتل هو يوم الحرة.\nوأخوه حبيب بن زيد بن عاصم المازني: الذي أخذه مسيلمة فقطَّعَه، قطعة قطعة.\nكلاهما كان ثمرة أم فاضلة مجاهدة هي أم عُمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية ﵂، كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين، وكان أخوها عبد الرحمن من البكَّائين، شهدت ليلة العقبة، وشهدت أحدًا، والحديبية، ويوم حُنين، ويوم اليمامة، وجاهدت، وفعلت الأفاعيل) (٤٤٥) .\nوعبد الملك بن مروان: أمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وكان لها من مضاء العزم، وذكاء القلب، ونفاذ الرأي - ما لم يكن بعض الرجال في شيء منه، وهي التي يعنيها ابن قيس الرقيات في قوله لعبد الملك:\nأنتَ ابن عائشة التي ... فضلت أُرُومَ (٤٤٦) نسائها\n_________\n(٤٤٣) \"المرأة العربية\" (١٣٣/١٣٣-١٣٤) بتصرف، وانظر: \" معاوية بن أبي سفيان \" لمنير الغضبان ص (٣١) .\n(٤٤٤) هكذا ذكره الحافظ الذهبي ﵀ في (سير أعلام النبلاء) (٢/٢٨١ - ٢٨٢)، وهو يخالف ما ذكره الحافظ ابن كثير ﵀ في قصة مقتل مسيلمة الكذاب في \" البداية والنهاية \" (٦/٣٤١)، (٦/٢٦٨) من أن الكذاب قتله وحشي بن حرب، وأبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري.\n(٤٤٥) انظر: \" سير أعلام النبلاء \" (٢/٢٧٨ - ٢٨٢)، وسيأتي مزيد من فضائلها ومناقبها في الفصل الخامس \" ص (٥٥٢) إن شاء الله.\n(٤٤٦) الأروم: جمع الأرومة: الأصل.","vol":"2","page":201},{"text":"لم تلتفت لِلِداتِها (٤٤٧) ... ومَشت على غُلَوائها (٤٤٨)\nوَلَدَت أغَرَّ مباركًا ... كالشمس وَسطَ سمائها (٤٤٩)\nوأبو حفص عمر بن عبد العزيز: أورع الملوك وأعدلهم وأجلهم، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، أكمل أهل دهرها كمالا، وأكرمهن خلالًا، وأمها تلك التي اتخذها عمر لابنه عاصم، وليس لها ما تعتز به من نشب ونسب، إلا ما جرى على لسانها قول الصدق في نصيحتها لأمها (٤٥٠)، وهي التي نزعت به إلى خلائق جده الفاروق ﵁.\nوأمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر: الذي ولي الأندلس وهو ولاية تميد بالفتن، وتَشْرَقُ بالدماء، فما لبثت أن قرت له، وسكنت لخشيته، ثم خرج في طليعة جنده، فافتتح سبعين حصنا في غزوة واحدة، ثم أمعن بعد ذلك في قلب فرنسا، وتغلغل في أحشاء سويسرا، وضم أطراف إيطاليا، حتى ريض كل أولئك له، ورجف لبأسه، فكان أعظم أمراء بني أمية في الأندلس، حكم مدة خمسين سنة وستة أشهر، وبعد ما كانت قرطبة إمارة، أصبحت مقر خلافة يحتكم إليها عواهل أوربة وملوكها، ويختلف إلى معاهدها علماء الأمم وفلاسفتها.\nأتدري ما سر هذه الهمة، وما مهبط وحيها؟ إنها المرأة وحدها! فقد نشأ عبد الرحمن يتيمًا قتل عمُّه أباه وعمره واحد وعشرون يوما،\n_________\n(٤٤٧) لدات: جمع لِدة، واللًدَةُ: التربُ، من وُلِد معك.\n(٤٤٨) الغُلَواء: الغُلو، وأول الشباب وسرعته.\n(٤٤٩) \" العقد الفريد \" (٢/٢١٦) ط. بولاق، وانظر \" السير\" للذهبي (٤/٢٤٩) .\n(٤٥٠) حكى الميداني أن عمر ﵁ مر بسوق الليل - وهي من أسواق المدينة - فرأى امرأة معها لبن تبيعه، ومعها بنت لها شابة، وقد همت العجوز أن تَمْذِقَ لبنها - أي تخلطه بالماء - فجعلت الشابة تقول: يا أمه لا تمذقيه، ولا تغُشيه، فوقف علبها عمر فقال: مَنْ هذه منك؟ قالت: ابنتي، فأمر عاصمًا فتزوجها، وهى جدة عمر بن عبد العزيز لأمه.","vol":"2","page":202},{"text":"فتفردت أمه بتربيته وإيداع سر الكمال وروح السمو في ذات نفسه، فكان من أمره ما علمت) (٤٥١) .\nوسفيان الثوري: وما أدراك ما سفيان الثوري (٤٥٢)؟!.\nإنه فقيه العرب ومحدثهم، وأحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، إنه أمير المؤمنين في الحديث الذي قال فيه زائدة: (الثوري سيد المسلمين)، وقال الأوزاعي: (ولم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان)، وما كان ذلك الإمام الجليل، والعَلَم الشامخ، إلا ثمرة أم صالحة، حفظ التاريخ لنا مآثرها، وفضائلها، ومكانتها، وإن كان ضَن علينا باسمها.\nروى الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ بسنده عن وكيع قال:\n(قالت أم سفيان لسفيان: \" يا بني! اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي (٤٥٣)، فكانت - رحمها الله - تعمل، وتقدم له، ليتفرغ للعلم، وكانت تتخوله بالموعظة والنصيحة، قالت له ذات مرة- فيما يرويه الإمام أحمد أيضا -: \" يا بني إذا كتبت عشرة أحرف، فانظر: هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرك، ولا تنفعك \" (٤٥٤) .\nفهل من غرابة بعد هذا أن نرى سفيان يتبوأ منصب الإمامة في الدين، كيف وهو قد ترعرع في كنف مثل هذه الأم الرحيمة، وتغذي بلبان تلك الأم الناصحة التقية؟!\n_________\n(٤٥١) \" المرأة العربية \" (٢/١٣٦) بتصرف، وانظر: \" الأعلام \" للزركلي (٣/٣٢٤) .\n(٤٥٢) انظر: \" الإمام سفيان الثوري \" للدكتور محمد أبو الفتح البيانوني ص (٣٦-٣٧) .\n(٤٥٣)، (٤٥٤) \" صفة الصفوة \" (٣/١٨٩) .","vol":"2","page":203},{"text":"والإمام الثقة الثبت إمام أهل الشام وفقيههم، أبو عمرو الأوزاعي: يقول فيه أبو إسحاق الفزاري: (ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي، والثوري، فأما الأوزاعي فكان رجل عامة، والثوري كان رجل خاصة، ولو خُيرتُ لهذه الأمة، لاخترت لها الأوزاعي، لأنه كان أكثر توسعًا، وكان والله إمامًا، إذ لا نصيبُ اليوم إمامًا، ولو أن الأمة أصابتها شدة، والأوزاعي فيهم لرأيت لهم أن يفزعوا إليه) (٤٥٥)، وقال الخريبي: (كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه) .\nوقال بقية بن الوليد: (إنا لنمتحن الناس بالأوزاعي، فمن ذكره بخير، عرفنا أنه صاحب سنة) وقال العجلي: (شامي ثقة من خيار المسلمين) .\nوقال الشافعي: (ما رأيت أحدًا أشبه فقهه بحديثه من الأوزاعي (٤٥٦) .\nقال النووي ﵀: (وقد أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي، وجلالته، وعلو مرتبته، وكمال فضله، وأقاويل السلف ﵏ كثيرة مشهورة مصرحة بورعه وزهده وعبادته وقيامه بالحق وكثرة حديثه وغزارة فقهه، وشدة تمسكه بالسنة، وبراعته في الفصاحة، وإجلال أعيان أئمة عصره من الأقطار له، واعترافهم بمرتبته) (٤٥٧) .\nوعن سفيان الثوري: (أنه لما بلغه مقدم الأوزاعي، خرج حتى لقيه بذِي طوى، فحل سفيان رأس البعير عن القطار، ووضعه على رقبته، وكان\n_________\n(٤٥٥) يعنى كي يفيدوا من علمه وقضائه وورعه.\n(٤٥٦) انظر: \" تهذيب التهذيب \" (٦/٢٣٨-٢٤٢) .\n(٤٥٧) \" تهذيب الأسماء واللغات \" (١/٢٢٩) .","vol":"2","page":204},{"text":"إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ) (٤٥٨) .\n(وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في الطبقات أن الأوزاعي سئل عن الفقه- يعني استُفْتي - وله ثلاثَ عشرةَ سنة) (٤٥٩) .\nذلك الحَبر البحر كان أيضًا ثمرة أم عظيمة:\nقال الذهبي ﵀: (قال العباس بن الوليد: فما رأيت أبي يتعجب من شيء في الدنيا تعجبه من الأوزاعي، فكان يقول: \" سبحانك تفعل ما تشاء \" كان الأوزاعي يتيمًا فقيرًا في حَجْر أمه، تنقلُهُ من بلدٍ إلى بلد، وقد جرى حكمك فيه أن بلغتَه حيث رأيتُه، يا بني \" عجزت الملوك أن تؤدب أنفسها وأولادها أدب الأوزاعي في نفسه، ما سمعتُ منه كلمةً قطُّ فاضلةً إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه، ولا رأيته ضاحكًا قط حتى يُقهقِه، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد، أقول في نفسي: أتُرى في المجلس قلبٌ لم يبك؟) (٤٦٠) .\nقال أبو مسهر:\nوكان الأوزاعي ﵀ يحيي الليل صلاةً وقرآنًا وبكاءً، وأخبرني بعض إخواني من أهل بيروت، أن أمه كانت تدخل منزل الأوزاعي، وتتفقد موضع مُصَلَاه، فتجده رطْبًا من دموعه في الليل) (٤٦١) اهـ.\n[وهذه أم \" ربيعة الرأي \" شيخ الإمام مالك: أنفقت على تعليم ولدها ثلاثين ألف دينار خَلًفها زوجها عندها، وخرج إلى الغزو، ولم يعد لها إلا بعد أن استكمل ولده الرجولة والمشيخة، وكانت أمه قد اشترتهما\n_________\n(٤٥٨)، (٤٥٩) \" السابق \" (١/٣٠٠) .\n(٤٦٠) \" سير أعلام النبلاء \" (٧/١١٠) .\n(٤٦١) \" سير أعلام النبلاء \" (٧/١٢٠) .","vol":"2","page":205},{"text":"له بمال الرجل، فأحمد الرجل صنيعها، وأربح تجارتها في قصة طلية ساقها ابن خلكان، قال:\n(وكان فرُّوخ أبو ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بنى أمية، وربيعة حمل في بطن أمه، وَخَلَّفَ عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرسا، وفي يده رمح، فنزل، ودفع الباب برمحه، فخرج ربيعة، وقال: \" يا عدو الله أتهجم على منزلي؟ \"، فقال فروخ: (يا عدو الله أنت دخلت على حرمي؟ \"، فتواثبا حتى اجتمع الجيران، وبلغ مالكَ بن أنس، فأتوا يعينون ربيعة، وكثر الضجيج، وكل منهما يقول: \" لا فارقتك\"، فلما بصروا بمالك سكتوا، فقال مالك: (أيها الشيخ لك سَعَة في غير هذه الدار \"، فقال الشيخ: \" هي داري، وأنا فروخ \"، فسمعت امرأته كلامه، فخرجت، وقالت: \" هذا زوجي، وهذا ابنى الذي خَلَّفه، وأنا حامل به \"، فاعتنقا جميعا وبكيا، ودخل فروخ المنزل، وقال: \" هذا ابني؟ \"، فقالت: \" نعم \"، قال: \" أخرجي المال الذي عندك \"، قالت- تُعَرضُ -: \" قد دفنته، وأنا أخرجه \"، ثم خرج ربيعة إلى المسجد، وجلس في حِلْقته، فأتاه مالك والحسن وأشراف أهل المدينة، وأحدق الناس به، فقالت أمُه لزوجها فروخ: (اخرج فصل في مسجد رسول الله ﷺ \"، فخرج فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاها، فوقف عليها، فنكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره، وعليه قلنسوة طويلة، فشك أبوه فيه، فقال: \" من هذا الرجل؟ \"، فقيل: \" هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن \"، فقال: \" لقد رفع الله ابني \"، ورجع إلى منزله، قال لوالدته: \" لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحدًا من أهل العلم والفقه عليها \"، فقالت أمه: \" فأيما أحب إليك: ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه؟ \"، فقال: \" لا والله، بل هذا \"، فقالت: \" أنفقت المال كله عليه \"، قال: \" فوالله","vol":"2","page":206},{"text":"ما ضَيَّعْتِهِ \")] اهـ (٤٦٢) .\nإمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀:\nقال مطرف: قال مالك: (قلت لأمي: \" أذهب، فأكتب العلم؟ \"، فقالت: \" تعال، فالبس ثياب العلم \"، فألبستني مسمرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: \" اذهب، فاكتب الآن \"، وكانت تقول: \" اذهب إلى ربيعة، فتعلًّمْ من أدبه قبل علمه \") (*) اهـ.\nثم إذا نشرنا صفحة العهد العباسي، بل صفحة العهد الإسلامي لا نجد في تضاعيفها امْرَءَا دنت له قطوف العلم والحكمة، ودانت له نواصي البلاغة والفصاحة كمحمد بن إدريس الشافعي فهو الشهاب الثاقب الذي انتظم حواشي الأرض، فملأ أقطارها علما وفقهًا، ذلك أيضًا ثمرة الأم العظيمة.\nفقد مات أبوه وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وأشرقت عليه بحكمتها، وكانت امرأة من فضليات عقائل الأزد (٤٦٣)، وهي التي تنقلت به من \" غزة \" مهبطه إلى \" مكة \" مستقر أخواله، فربته بينهم هنالك.\n(وكانت أم الشافعي رحمها الله - باتفاق النقلة- من العابدات القانتات، ومن أزكى الخلق فطرة (٤٦٤)، ومن طريف ما يحكى عنها من\n_________\n(٤٦٢) \"من أخلاق العلماء \" للشيخ محمد بن سليمان ص (١٥٣-١٥٤) .\n(*) نقله عن (مقدمة كتاب \" الديباج المذهب \" لابن فرحون) الأستاذ محمد نور سويد في كتابه \" منهج التربية النبوية للطفل \" ص (٢٣٥) .\n(٤٦٣) \" طبقات الأدباء \" (٦/٣٦٨)، \" المجموع \" للنووي (١/١٤) .\n(٤٦٤) \" طبقات الشافعية الكبرى \" لابن السبكي (٢/١٧٩) .","vol":"2","page":207},{"text":"الحذق والذكاء: أنها شهدت عند قاضي مكة هي وأخرى (٤٦٥) مع رجل، فأراد أن يفرق بين المرأتين، فقالت له أم الشافعي: \" ليس لك ذلك، لأن الله ﷾ يقول: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (٤٦٦)، فرجع القاضي لها في ذلك) (٤٦٧) .\nقال الحافظ ابن حجر: \" وهذا فرع غريب، واستنباط قوي \" (٤٦٨) .\nوعن وكيع قال: \" كان الحسن بن صالح وأخوه وأمهما قد جَزَءوا الليل ثلاثة أجزاء، فكل واحد يقوم ثلثًا، فماتت أمهما، فاقتسما الليل، ثم مات علي، فقام الحسن الليل كله \" (*) .\nوكان جعفر بن يحيى وزير الرشد أرفق الناس برياضة القول، وأعرفهم بفنون الكلام، وكان إذا عقب رسالة، أو وقَع تحت كتاب فإليه مباءة البلاغة، ونهاية الإيجاز، حتى لقد يتدافع الكُتَّابُ على بابه فيشترون من حُجابه كل توقيع بدينار.\n\" كل ذلك ورثه جعفر عن أمه لا عن أبيه \" (٤٦٩) .\nوعن سفيان بن عيينة قال: (قالت أم طَلْقٍ لطَلْقٍ: \" ما أحسنَ صوتَك بالقرآن\" فليته لا يكون عليك وَبالا يوم القيامة \"، فبكى حتى غشي عليه) (٤٧٠) .\n_________\n(٤٦٥) هي أم بشر المريسي كما في \" السابق \" (٢/١٧٩) .\n(٤٦٦) من الآية (٢٨٢) من سورة البقرة.\n(٤٦٧)، (٤٦٨) \" توالي التأسيس\" لابن حجر ص (٤٦) .\n(*) \" حلية الأولياء \" (٧/٣٢٨)، وانظر: \" سير أعلام النبلاء \" (٧/٣٦١) وما بعدها.\n(٤٦٩) \" البيان والتبيين\" (١/٥٩) .\n(٤٧٠) \" صفة الصفوة \" (٣/٣٧) .","vol":"2","page":208},{"text":"أم إبراهيم البصرية العابدة:\nحُكي أنه كان بالبصرة نساء عابدات، وكان منهن أم إبراهيم الهاشمية، فأغار العدو على ثَغْر من ثغور الإسلام، فانْتُدِبَ الناسُ للجهاد، فقام عبد الواحد بن زيد البصري في الناس خطيبًا، فَحَضهم على الجهاد، وكانت أم إبراهيم هذه حاضرةً مجلسَه، وتمادي عبد الواحد على كلامه، ثم وصف الحور العين، وذَكَر ما قيل فيهن، وأنشد في وصف حَوْراء:\nغادة ذاتُ دَلال وَمَرَحْ ... يَجدُ النًاعِتُ فيها ما اقترحْ\nخُلِقَتْ مِن كل شيء حَسَن ... طيب فاللَّيْثُ فيها مُطَّرَحْ\nزَانَها الله بوجهٍ جُمِعَت ... فيه أوصافُ غَريباتِ المُلَح (أ)\nوبعين كُحلُها من غُنْجِها (ب) ... وبِخَدٍّ مِسكُهُ فيه رَشح\nناعم يجري على صفحتِهِ ... نَضرةُ المُلْكِ ولألاءُ الفرح\nأتَرى خاطبَها يسمعُها ... إذ تُدِيرُ الكأسَ طَوْرًا والقَدَح\nفي رياض مونق نَرْجَسُها ... كلما هبَّتْ له الريحُ نَفَح\nوهي تدعوه بِوُد صادق ... مُلئ القلبُ به حتى طَفَح\nيا حبيبًا لستُ أهوى غيرَه ... بالخواتيمِ يتِم المُفْتَتَح\nلا تكونن كمن جَدَّ إلي ... مُنْتَهى حاجَتِهِ ثم جَمَح\nلا، فما يَخْطُبُ مثلي مَنْ سَها ... إنما يخطب مِثلي مَنْ ألح\nقال: فماج الناسُ بعضُهم في بعض، واضطرب المجلس، فوثبت أم إبراهيم من وسط الناس، وقالت لعبد الواحد: \" يا أبا عبيد، ألستَ تعرف ولدي إبراهيم، ورؤساءُ أهل البصرة يخطبونه على بناتهم، وأنا أضربه عليهم، فمَد والله أعجبتني هذه الجاريةُ، وأنا أرضاها عروسًا لولدي، فَكَررْ ما\n_________\n(أ) المُلحَة: واحدة المُلَح من الأحاديث.\n(ب) الغُنْج: بالضم، وبضمتين، والغُنَاج: الشكْل: الدلال، يقال: غنَجت الجارية، وهي غنِجة.","vol":"2","page":209},{"text":"ذكرتَ من حُسْنِها وجمالها، فأخذ عبد الواحد في وصف حوراء، ثم أنشد:\nتَوَلًدَ نورُ النورِ مِن نورِ وجهِها ... فمازج طيبَ الطيبِ من خالص العِطْرِ\nفلو وَطئَتْ بالنعِل منها على الحصى ... لأعْشَبَتِ الأقطارُ من غير ما قَطْر\nولو شِئتَ عَقدَ الخَصْرُ منها عُقْدَتَه ... كغصن من الريحان ذي ورق خُضْرِ\nولو تَفَلَتْ في البحر شَهْدَ رُضابها (ج) ... لطابَ لأهل البَر شرب مِنَ البحر\nيكادُ اختلاسُ اللحظِ يجرح خَدَّها ... بجارحِ وَهْمِ القلبِ من خارجِ السترِ\nفاضطرب الناسُ أكثر، فوثبت أم إبراهيم، وقالت لعبد الواحد: \" يا أبا عبيد، قد والله أعجبتْني هذه الجاريةُ، وأنا أرضاها عروسا لولدي، فهل لك أن تزوِّجَهُ منها هذه الساعة، وتأخذَ مني مهرها عشرة آلاف دينار، ويخرج معك في هذه الغزوة، فلعل الله يرزقه الشهادة، فيكون شفيعا لي ولأبيه في القيامة؟ \"، فقال لها عبد الواحد: \" لئن فعلتِ لتفوزَن أنتِ وولدك وأبو ولدِكِ فوزا عظيمًا \"، ثم نادت ولدها: \" يا إبراهيم \"، فوثب من وسط الناس، وقال لها: \" لبيك يا أماه \"، قالت: \" أي بُنَي، أرَضِيت بهذه الجارية زوجةً ببذل مهجتك في سبيله، وتركِ العَوْدِ فِي الذنوب؟ \"، فقال الفتى: \" إي والله يا أماه، رَضِيتُ أي رضًا \"، فقالت: \" اللهم إني أشهِدك أني زَوَّجت ولدي هذا من هذه الجارية، ببذل مهجته في سبيلك، وترك العود في الذنوب، فتقبلْه مني يا أرحم الراحمين\"، قال: ثم انصرَفَتْ، فجاءت بعشرة آلاف دينار، وقالت: \" يا أبا عبيد، هذا مهر الجارية تَجَهَزْ به، وجَهِّز الغزاةَ في سبيل الله تعالى \"، وانصرفت، فابتاعت لولدها فرسا جيدًا، واستجادت له سلاحا، فلما خرج عبد الواحد خرج إبراهيمُ يعدو، والقراءُ حولَه يقرءون: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، قال: فلما أرادت فِراق ولدها، دفعت إليه\n_________\n(ج) الرضاب: الريق المرشوف، وفُتات المسك، وقطع السكر، والبرد، ولعاب العسل.","vol":"2","page":210},{"text":"كفنًا وحَنُوطًا، وقالت له: \" يا بُنَيَّ، إذا أردتَ لقاء العدو فتكفنْ بهذا الكفن، وتحنط بهذا الحَنُوطِ، وإياك أن يراك الله مُقَصرا في سبيله \"، ثم ضَمَّتهُ إلى صدرِها، وَقَبلَتْهُ بين عينيه، وقالت له: \" يا بني لا جمع الله بيني وبينك إلا بين يديه في عَرَصات القيامة \".\nقال عبد الواحد: فلما بَلَغْنَا بلادَ العدو، ونُودِي في النفير، وبرز الناس للقتال، برز إبراهيمُ في المقدمة، فقتل من العدو خَلْقًا كثيرَا، ثم اجتمعوا عليه فقُتِل.\nقال عبد الواحد: فلما أردنا الرجوعَ إلى البصرة قلت لأصحابي: \" لا تُخبروا أمَّ إبراهيم بخبر ولدها، حتى ألقاها بحسن العزاء، لئلا تجزعَ فيذهبَ أجرُها \"، قال: فلما وصلنا البصرة خرج الناسُ يَتَلَقوْنَنَا، وخرجت أم إبراهيم فيمن خرج، قال عبد الواحد: فلما نَظَرَتْ إليَّ قالت: \" يا أبا عبيد، هل قُبِلتْ منى هَدِيتي فَأهنأ، أم رُدتْ عَلى فَأعزى؟ \"، فقلت لها: (قد قُبِلَتْ هديتُكِ، إن إبراهيمَ حَي مع الأحياء يرزَق \" (د)، قال: فخرت ساجدةَ لله شكَرا، وقالت: \" الحمد لله الذي لم يخيب ظني، وتقبل نسكي مني \"، وانصرفت، فلما كان من الغد أتت إلى مسجد عبد الواحد، فنادت: (السلام عليك يا أبا عبيدٍ بُشْراك \"، فقال: \" لا زلتِ مُبَشرةً بالخير \"، فقالت له: (رأيت البارحةَ ولدي إبراهيم، في روضة حسناء، وعليه قبة خضراء، وهو على سرير من اللؤلؤ، وعلى رأسه تاجٌ وإكليل، وهو يقول: (يا أماه أبشري، فقد قُبِلَ المهرُ، وزُفت العروس \") (هـ) .\n_________\n(د) الصحيح أن يدعو له بالشهادة، أو يستثني فيقول: \" إن شاء الله \"، انظر: \" فتح الباري، (٦/ ٨٩) .\n(هـ) ذكر هذه القصة الشيخ محمود العالم ﵀ في مختصره: (فكاهة الأذواق من =","vol":"2","page":211},{"text":"كذلك كانت النساء في ذلك العهد الكريم مبعث كل شيء في نفوس أبنائهن، والأمر في ذلك ما قال رافع بن هُريم:\nفلو كنتم لِمُكْيِسَة لكاست ... وكَيس الأم يُعْرَفُ في البنينا\nأما بعد:\nفأولئك هن الأمهات اللواتي انبلج عنهن فجر الإسلام، وسمت بهن عظمته، وصدعت بقوتهن قوته، وعنهن ذاعت مكارمه، ورسخت قوائمه، وهكذا كانت الأم في عصور الإسلام الزاهية، وأيامه الخالية: مهبط الشرف الحر، والعز المؤثل، والمجد المكين، وصدق الشاعر:\nالأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيب الأعراقِ\nالأم روض إن تعهده الحيا ... بالري أورق أيما إيراقِ\nالأم أستاذ الأساتذة الألى ... شَغلَتْ مآثرهم مدى الآفاق\n_________\n= مشارع الأشواق، إلى مصارع العشاق، ومثير الغرام إلى دار السلام) ص (٢٦-٢٩)، للعلامة المجاهد أحمد بن إبراهيم النحاس ﵀.","vol":"2","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>[الفصل الثالث]\nالمرأة بنتًا</span>\nإن الإسلام لم يفرق في المعاملة الرحيمة والعطف الأبوي بين رجل وامرأة، وذكر وأنثى، وإنما دعا إلى المساواة والعدل الشامل بينهما في هذا الباب، قال الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية (النحل: ٩٠)، وقال ﷿ من قائل: (اعدوا هو أقرب التقوى) (المائدة: ٨)\nوعن النعمان بن بشير ﵄ قال رسول الله ﷺ: \" اعدِلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائًكم\" (٤٧١)، وقد قال ﷺ فيمن أراد أن يفضل بعضَ ولده على بعض في الهبة: \" أعْطَيتَ سائرَ ولدِك مثل هذا؟ \" قال: \" لا \"، قال: \" فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم \" (٤٧٢)، وفي رواية أخرى أنه لما جاء يشهده ﷺ قال له: \" فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور \"، وعن ابن عباس ﵄ مرفوعا: \" سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضَّلتُ النساء \" (٤٧٣) .\nقال الألوسي ﵀: \" المعهود من ذوي المروءة جبر قلوب النساء لضعفهن، ولذا يندب للرجل إذا أعطى شيئًا لولده أن يبدأ\n_________\n(٤٧١) تقدم تخريجه رقم (٣١١) .\n(٤٧٢) تقدم تخريجه رقم (٣١١) .\n(٤٧٣) تقدم تخريجه رقم (٣٢٢) .","vol":"2","page":213},{"text":"بأنثاهم \" (٤٧٤) اهـ.\nوقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) الآية الأنعام (١٣٩) .\n(واسْتُدِلَّ بالآية على أنه لا يجوز الوقف على أولاده الذكور دون الإناث، وأن ذلك الوقف يفسخ ولو بعد موت الواقف، لأن ذلك من فعل الجاهلية، واستدل بذلك بعض المالكية على مثل ذلك في الهبة، وأخرج البخاري في \" التاريخ \" عن عائشة ﵂ قالت: \" يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده؟! إن هذا إلا كما قال الله تعالى: (خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) (٤٧٥) \") اهـ.\nحرم الإسلام الوأد، وشنع على فاعليه بالخسران والسفه، قال تعالى: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم) الآية الأنعام (١٤٠)، وقال ﷿: (وإذا المَوءُودَة سُئِلَت بأي ذنب قُتلَت) التكوير (٩، ٨) .\nوقال ﷺ: \" إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعا وهات،\nووأد البنات \" (٤٧٦) .\nوَبَيَّنَ الإسلام أن كراهية البنات، والتشاؤم بهن، والحزن لولادتهن جاهلية بغيضة إلى الله تعالى، قال سبحانه ناعيا على أهلها: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مُسْوَدًّا وهو كظيم (٤٧٧)، يتوارى من القوم من\n_________\n(٤٧٤) \" روح المعاني \" (٨/٣٦) . (٤٧٥) \"السابق \" (٨/٣٧) .\n(٤٧٦) تقدم تخريجه رقم (٣٦٨) .\n(٤٧٧) (وهو كظيم) أي مشتد الغيظ على امرأته، لأنه- بزعمه- حصل له منها ما يوجب أشد الحياء. (القاسمي ١٠/٣٨١٩)، (والكظيم: المغموم الذي يُطبق فاه فلا يتكلم من الغم، مأخوذ من الكظامة، وهو شَدُّ فم القِربة) اهـ. من \" الجامع لأحكام القرآن \" (١٠/١١٦)، وقال أبو حيان: (أخبر عمَّا يظهر في وجهه، وعن ما يُجِنه في قلبه) اهـ. من\" البحر المحيط \" (٥/٥٠٤) .","vol":"2","page":214},{"text":"سوء ما بشر به (٢٧٨) أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون) (٤٧٩) (النحل: ٥٨ - ٥٩) بل إن هذا من ضعف الإيمان وزعزعة اليقين لكونهم لم يرضوا بما قسم الله لهم من إناث فهذا أمره الغالب ومشيئته المطلقة وإرادته النافذة لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه قال ﷿: (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير) (الشورى: ٤٩ - ٥٠) [وما سماه الله تعالى (هبة) فهو بالشكر أولى وبحسن التقبل أحرى] .\nقال واثلة بن الأسقع: [إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر وذلك أن الله تعالى قال (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور) فبدأ\n_________\n(٤٧٨) (ويروى أن بعض الجاهلية كان يتوارى في حال الطلق فإن أخبر بذكر ابتهج أو بأنثى حزن وبقي متواريا أياما يدبر ما يصنع: أيمسكه أيتركه ويربيه على هون أي ذل وهوان لا يورثه ولا يعتني به ويفضل ولده الذكور عليه؟ فهي مهانة عنده وعبر عنها بـ \"ما\" عرفا لإسقاطها في زعمهم عن درجة العقلاء) اهـ من روح المعاني (١٤/١٦٨) .\n(٤٧٩) قال الألوسي ﵀ في تفسير هذه الآية: (والآية ظاهرة في ذم من يحزن إذا بشر بالأنثى حيث أخبرت أن ذلك فعل الكفرة وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في قوله سبحانه: (وإذا بشر ...) الآية هذا صنيع مشركي العرب أخبركم الله تعالى بخبثه فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله تعالى له وقضاء الله تعالى خير من قضاء المرء لنفسه ولعمري ما ندري أي خير؟ لرب جارية خير لأهلها من غلام وإنما أخبركم الله ﷿ بصنيعهم لتجتنبوه ولتنتهوا عنه وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته \" اهـ من \"روح المعاني\" (١٤/١٦٩)\nوما كل مئناث سيشقى ببنته ... وما كل مذكار بنوه سرور\nوالمئناث: الذي لم ينجب إلا بنات.\nوعن ابن عمر ﵄ أن رجلا كان عنده وله بنات فتمنى =","vol":"2","page":215},{"text":"بالإناث] (٤٨٠) .\nقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀:\n(فقسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ما قدَّره بينهما من الولد فقد وهبهما إياه، وكفى بالعبد تَعرُّضًا لمقته أن يتسخط ما وهبه.\nوبدأ سبحانه بذكر الإناث، فقيل: جبرَا لهنَّ لأجل استثقال الوالدين لمكانهن، وقيل - وهو أحسن -: إنما قدَّمهن لأن سياق الكلام أنه فاعلَ ما يشاء، لا ما يشاء الأبوان، فإن الأبوين لا يُريدان إلا الذكور غالبا، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء، فبدأ بذكر النصف الذي يشاء، ولا يريده الأبوان.\nوعندي وجه آخر: وهو أنه سبحانه قدَّم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدونهن، أي: هذا النوع المؤخر عندكم مقدُّم عندي على الذكَر، وتأمل كيف نكر سبحانه الإناث، وعَرف الذكور، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، وجبر نقص التأخير بالتعريف) (٤٨١) اهـ.\nوقال ابن القيم ﵀: (وقد قال الله تعالى في حق النساء: (فإن\n_________\n= موتهن، فغضب ابن عمر، فقال: (أنت ترزقهن؟ \" رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٨٣) .\nوالله ﷾ قد تكفل برزق خلقه كافة، فقال ﷿: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (هود: ٦)، وقال جل وعلا: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) (الأنعام: ١٥١)، فالضجر من البنات من جهة الرزق لا مسوغ له، ولا داعي، وهو لا يصدر في الحقيقة إلا عمن ساء ظنه بربه، وضعُف يقينه به، فالمؤمن يثق بما في يد الله أكثر من ثقته بما في يده.\n(٤٨٠) \" الجامع لأحكام القرآن \" (١٦/٤٨) .\n(٤٨١) \" تحفة المودود بأحكام المولود \" ص (٢٠- ٢١) .","vol":"2","page":216},{"text":"كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعلَ الله فيه خيرًا كثيرا) (النساء: ١٩)، وهكذا البنات أيضًا قد يكون للعبد فيهن خير في الدنيا والآخرة، ويكفي في قبح كراهتهن أن يكره ما رضيه الله، وأعطاه عبده (٤٨٢) .\nوقال صالح بن أحمد: كان أبي إذا وُلد له ابنة يقول: \" الأنبياء كانوا آباء بنات \"، ويقول: (قد جاء في البنات ما قد علمت \"، وقال يعقوب ابن بختان: وُلِد لي سبع بنات، فكنت كلما وُلِد لي ابنة دخلت على أحمد ابن حنبل، فيقول لي: \" يا أبا يوسف! الأنبياء آباء بنات \"، فكان يُذْهِبُ قولُه هَمِّي) (٤٨٣) اهـ.\nوقد اقتلع رسول الله ﷺ من بعض النفوس الضعيفة جذور الجاهلية فخص البنات بالذكر، أمر الآباء المربين يحسن صحبتهن، والعناية بهن، والقيام على أمورهن، وحض على رحمتهن، والشفقة عليهن.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: (قبَّل رسول الله ﷺ الحسنَ\n_________\n(٤٨٢) ولعله لأجل هذا نهى النبي ﷺ عن تهنئة المتزوج بعبارة: \" بالرفاء والبنين \" لأن فيها الدعاء له بالبنين دون البنات، فعن الحسن أن عقيل بن أبي طالب تزوج امرأة من جشم، عليه القوم، فقالوا: \" بالرفاء والبنين\"، فقال: \" لا تفعلوا ذلك، فإن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك\"، قالوا: \" فما نقول يا أبا زيد؟ \"، قال: قولوا: \" بارك الله لكم، وبارك عليكم، إنا كذلك كنا نؤمر\" رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" والنسائي (٢/٩١)، وابن ماجه (١/٥٨٩)، والدارمي (٢/ ١٣٤)، والإمام أحمد (٣/٤٥١)، وقال الألباني: (.. هذا في حكم المنقطع لكن رواه أحمد من طريق أخرى عن عقيل، فهو قوي بمجموع الطريقين، والله أعلم) اهـ من \" آداب الزفاف \" ص (١٧٦)، وانظر: \" أركان النكاح وشروطه، للشيخ عبد العزيز بن محمد بن داود ص (٩٠) الفصل الثالث من الباب الثاني.\n(٤٨٣) \" تحفة المودود \" ص (٢٦) .","vol":"2","page":217},{"text":"ابنَ علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: \" إن لي عَشرةَ من الولد ما قبَّلْتُ منهم أحدًا \"، فنظر إليه رسول الله ﷺ فقال: \" من لَا يَرحَم لا يرحَم \" (٤٨٤) .\nوعن عائشة ﵂ قالت: (جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ، فقال: \" أتقَبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم \"، فقال النبي ﷺ: \" أوَ أمْلِكُ لك أن نزع الله من قلبك الرحمة (٤٨٥)؟ \") .\nويروَى عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \" من كان له أنثى فلم يئدْها، ولم يُهِنْهَا، ولم يؤثر وَلَده - يعني الذكور - عليها، أدخله الله تعالى الجنة \" (٤٨٦) أي: مع السابقين.\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: (سألت رسول الله: \" أي الذنب عند الله أعظم؟ \"، قال: \" أن تجعلَ لله ندا وهو خَلَقَكَ \"، قال: قلت: \" إن ذلك لعظيم؛ ثم أي؟ \" قال: \" أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك \") (٤٨٧) الحديث.\n_________\n(٤٨٤) رواه البخاري (١٠/ ٣٥٩، ٣٦٠) في \" الأدب \": باب رحمة الولد وتقبيله، ومسلم رقم (٢٣١٨) في الفضائل: باب رحمته ﷺ بالصبيان والعيال، والترمذي رقم (١٩١٢) في البر: باب في رحمة الولد، وأبو داود رقم (٥٢١٨) في الأدب: باب في قبلة الرجل ولده، وقال السيوطي ﵀: \" هذا حديث متواتر\" اهـ. من \" فيض القدير \" (٦/٢٣٩) .\n(٤٨٥) رواه البخاري (١٠/٣٦٠) في الأدب: باب رحمة الولد وتقبيله، ومسلم رقم (٢٣١٧) في الفضائل: باب رحمته ﷺ بالصبيان والعيال.\n(٤٨٦) رواه أبو داود (٥١٤٦) في الأدب: باب فضل من عال يتيما، والحاكم (٤/١٧٧)، وصححه، ووافقه الذهبي،: في سنده زياد بن حدير، وهو لا يعرف، وباقي رجال السند ثقات، ولذا ضعفه الألباني في \" تحقيق المشكاة \" (٣/١٣٨٩) رقم (٤٩٧٩) .\n(٤٨٧) أخرجه البخاري (٨/٣٧٨) في تفسير سورة الفرقان: باب قوله: (والذين =","vol":"2","page":218},{"text":"وعن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" من عال جاريتين حتى تبلغا (٤٨٨) جاء يوم القيامة أنا وهو - وضم أصابعه - \" (٤٨٩)، أى: معا.\nوعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جِدَته - يعني ماله -، كنَّ له حجابا من النار \" (٤٩٠) .\nويروَى عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهن، واتقى الله فيهن، فله الجنة ط (٤٩١) وفي رواية أبي داود: (من\n_________\n= لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس) الآية، وفي تفسير سورة البقرة: باب قوله تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادَا)، وفي الأدب، والمحاربين، والتوحيد، ومسلم رقم (٨٦) في الإيمان: باب كون الشرك أقبح الذنوب، وأبو داود رقم (٢٣١٠) في الطلاق: باب تعظيم الزنا، والترمذي رقم (٣١٨٣) من طريقين قال في أحدهما: \" حسن غريب \"، وفي الآخر: \" حسن صحيح \" (٥/٣٣٦ - ٣٣٧) .\nحنى تبلغا: \" أي حتى تتزوجا، قال القرطبي: (أي: إلى أن تستقلا بأنفسهما، وذلك أن يُدخَل بهن، ولا يعني بلوغ المحيض، (إذ قد تتزوج قبل ذلك، وقد تبلغ غير مستقلة بحال نفسها، ولو تركت لضاعت، ولذا لا تسقط نفقتها عن الأب بالبلوغ بل بالدخول بها) اهـ - انظر: \" شرح الأبي \" (٧/٦٦)، و\" فتح القدير \" لابن الهمام (٣/٣٢٢) .\n(٤٨٩) أخرجه مسلم رقم (٢٦٣١) في البر والصلة: باب فضل الإحسان إلى البنات، واللفظ له، والترمذي رقم (١٩١٧) في البر والصلة: باب في النفقة على البنات، ولفظه: \" من عال جاريتين دخلت أنا وهو الجنة كهاتين، وأشار بأصبعه \".\n(٤٩٠) رواه الإمام أحمد في \" مسنده \" (٤/١٥٤)، والبخاري في الأدب المفرد \" (٧٦)، وابن ماجه (٣٦٦٩)، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٥/٣٤) .\n(٤٩١) رواه أبو داود رقم (٥١٤٧) في الأدب: باب في فضل من عال يتيما، والترمذي =","vol":"2","page":219},{"text":"عال ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو أختين، أو ابنتين، فَأدبَهُنَ، وأحسن إليهن، وزوَجهن، فله الجنة) .\nويروَى عن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ: \" ما من مسلم تدرك له ابنتان، فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما، إلا أدخلتاه الجنة \" (٤٩٢) .\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ: (من كان له ثلاثُ بنات يُؤويهُن، ويرحمهُنَّ، ويكفلُهُنَّ وجبت له الجنة البتة)، قيل: يا رسول الله! فإن كانتا اثنتين؟ قال: (وإن كانتا اثنتين)، قال: فرأى بعض القوم أن لو قالوا له: واحدة؟، لقال: (واحدةً) (٤٩٣) .\nوعن عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي امرأة ومعها ابنتان تسأل، فلم تجد عندي شيئا، غير تمرة واحدة، فأعطيتُها إياها، فَقَسَمَتْها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فَخَرَجَت، فدخل النبي ﷺ علينا، فأخبرتُه، فقال: \" من ابتلي (٤٩٤) من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن،\n_________\nرقم (١٩١٣) في البر والصلة: باب ما جاء في النفقة على البنات، وأخرجه بنحوه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١/١٦٢)، وفي سنده سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل الأعشى، لم يوثقه غير ابن حبان، وأخرج حديثه في \" صحيحه رقم (٢٠٤٤)، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، (٥/٢٤٣) .\n(٤٩٢) رواه الإمام أحمد (١/٣٦٢)، والبخاري في \" الأدب المفرد\" (١/٧٧)، وابن حبان (٢٠٤٣)، والحاكم (٤/١٧٨)، وصححه، وصحح المنذري إسناده، وقال الحافظ الذهبي: \" شرحبيل بن سعد واهٍ \" وقال الحافظ الناجي تلميذ الحافظ ابن حجر: \" وفيه شرحبيل اختلط بأخَرة \" اهـ.\n(٤٩٣) أخرجه الإمام أحمد (٣/٣٠٣)، والبخاري في \" الأدب \" (٧٨)، وغيرهما، وهو حديث حسن بشواهده، انظر: \" الترغيب والترهيب\" (٣/٦٧ - ٦٨)، و\" تحفة المودود \" ص (٢٣ - ٢٥) .\n(٤٩٤) وفي لفظ: \" من ابتلي بشيء من البنات، فصبر عليهن، كُنَّ له حجابًا من النار \" =","vol":"2","page":220},{"text":"كن له سترًا من النار \" (٤٩٥)، وقوله ﷺ: \" بشيء\" يصدق على البنت الواحدة.\nقال محمد بن سليمان: (البنون نِعَم، والبناتُ حسنات، والله - ﷿ - يحاسب على النِّعم، ويجازي على الحسنات\" (٤٩٦) .\nوعنها أيضا ﵂ قالت: (جاءت مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطَت كُل واحدة تمرة، وَرَفَعَت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال: (إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار \" (٤٩٧» .\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \" الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء \" (٤٩٨) الحديث.\nلقد كان العرب في الجاهلية يأنفون أن يداعب الرجل وليدته، أو يسمح لها أن تمرح بين يديه، فأما رسول الله ﷺ فقد نقض تلك السنة\n_________\n= والابتلاء: الاختبار بما يظهر به التزام الحق والشرع أو عدمه، قال شيخ الإسلام النووي ﵀: (إنما سماه ابتلاء لأن الناس يكرهونهن في العادة) اهـ. من \" شرح النووي لصحيح مسلم \" (١٦/١٧٩) .\n(٤٩٥) تقدم تخريجه برقم (٤٢٧) .\n(٤٩٦) \" صون المكرمات برعاية البنات \" ص (٢٨) .\n(٤٩٧) تقدم تخريجه برقم (٤٢٧) .\n(٤٩٨) رواه أبو داود رقم (٤٩٤١) في الأدب: باب في الرحمة، والترمذي رقم (١٩٢٥)، وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر: \" مجمع الزوائد\" (٨/١٨٧)، وقال الترمذي: \" حسن صحيح \"، وصححه الحافظ العراقي، وغيره، وانظر: \" السلسلة الصحيحة \" رقم (٩٢٥) .","vol":"2","page":221},{"text":"السيئة، ولم يكن يضن بوقته الأعز أن يداعب فيه الولائد من بناته أو بنات صحابته:\nعن أبي قتادة ﵁ قال: (خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت أبي العاص (٤٩٩) على عاتقه، فصلى، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها \" (٥٠٠) .\nوحدثت أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: (أتيت رسول الله ﷺ مع أبي وعَلي قميص أصفر، قال رسول الله: \" سَنَهْ سَنَهْ - وهي بالحبشية حسنة -، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فانتهرني أبي، قال رسول الله ﷺ: \" دعها\" ثم قال رسول الله ﷺ: \" أبلي وأخلِقي، ثم أبلي وَأخْلِقي \" فعُمّرَتْ بعد ذلك ما شاء الله أن تُعَمَّرَ) (٥٠١) .\nأما حبه ﷺ لابنته فاطمة، وشغفه بها، وحنانه عليها، وإكرامه إياها، فمما لا يحيط به وصف، ولا يناله بيان، وهي التي يقول فيها: \" فاطمة بَضعة مني، يريبني ما رَابها، ويؤذيني ما آذاها \" (٥٠٢)، وقالت\n_________\n(٤٩٩) وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ وكانت أمامة من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ وقد زُوجَتْ من علي بن أبي طالب ﵁ بعد موت خالتها فاطمة ﵂.\n(٥٠٠) أخرجه البخاري (١/٤٨٧، ٤٨٨) في سترة المصلي: باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، ومسلم (٥٤٣) في المساجد: باب جواز حمل الصبيان، و\"الموطأ\" (١/١٧٠) في قصر الصلاة في السفر: باب جامع الصلاة.\n(٥٠١) رواه البخاري في اللباس: باب ما يُدعَى لمن لبس ثوبا جديدا، وفي الجهاد، والأدب، ومناقب الأنصار.\n(٥٠٢) أخرجه البخاري (٧/٦٧ - ٦٨) في فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب أصهار النبي ﷺ، وباب مناقب قرابة رسول الله ﷺ وفي النكاح، ومسلم (٢٤٤٩) في فضائل الصحابة: باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ، وأبو داود (٢٠٦٩) في النكاح: باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، والترمذي (٣٨٦٦) في المناقب:","vol":"2","page":222},{"text":"أم المؤمنين عائشة ﵂: (جاءت فاطمة تمشي، ما تُخطِئ مِشيَتُها. مِشيئةَ رسول الله ﷺ، فقام إليها، وقال: \" مرحبًا بابنتي \" (٥٠٣) .\nأبصر المسلمون كل ذلك، ورأوا أن الله تعالى لم يختص فاطمة ﵂ بذريته ﷺ ليُشيد بالمرأة، وينهض بأمرها، ويرفع من شأنها، ويأخذ العرب بحبها، والابتهاج بها، فغدا مَنْ بعده يحبون بناتهم، ويكرمونهن، ويرون الخير كله معقودا بنواصيهن.\nوعن البراء قال: (أتى أبو بكر ﵁ ابنته عائشة ﵂ وقد أصابتها الحمى، فقال: \" كيف أنتِ يابنية؟ \"، وقبل خدَّها) (٥٠٤) .\nلقد كان رسول الله ﷺ أرحم بالبنت من أبيها، وَإن فيما روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص لبلاغًا لقوم يعقلون: قال سعد ﵁: (مرضت بمكة مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني النبي ﷺ يعودني، فقلت: \" يا رسول الله إن لي مالًا كثيرًا، وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ \" قال: \" لا\"، قلت: \" فالشطر؟ \" قال: \" لا\"،\n_________\n= باب مناقب فاطمة بنت محمد ﷺ من حديث المسور بن مخرمة. (٥٠٣) قطعة من حديث رواه البخاري (٦/٤٦٢) في الأنبياء: باب علامات النبوة في الإسلام، وفي فضائل الصحابة، والمغازي، والاستئذان، ومسلم (٢٤٥٠) في فضائل الصحابة: باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ بدون قولها: \" فقام إليها \" فقد رواه أبو داود (٥٢١٧)، والترمذي (٣٨٧٢)، والحاكم (٣/١٥٤)، وصححه، ووافقه الذهبي، ولفظ الشيخين: \" فلما رآها رحب بها، وقال: مرحبا بابنتي، وأجلسها عن يمينه\".\n(٥٠٤) رواه أبو داود رقم (٥٢٢٢) في الأدب: باب في قبلة الخد، والحديث سكت عنه المنذري.","vol":"2","page":223},{"text":"قلت: \" الثلث؟ \" قال: \" الثلث كبير، إنك إن تركت ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقهّ إلا أجرْتَ عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك \") (٥٠٥) الحديث.\nوقد تأثر المسلمون بهذا التكريم والتشريف للمرأة، فصار أدباء الصدر الأول يصوغون في مدحهن ما هو أبهى من عقود الجمان:\nفمن ذلك ما قاله منصور الفقيه:\nأحِبُّ البناتِ فَحُبُّ البنا ... تِ فرضٌ على كُل نفس كرِيمَهْ\nلأن شعيبًا لأجل البنا ... تِ أخدمه الله موسى كليمَه (٥٠٥)\nوقال حِطان بن المعلي:\nلولا بُنَيات كزُغُبِ القَطا (٥٠٧) ... رُدِدن من بعض إلى بعض\nإن هَبت الريحُ على بعضهم ... لم تطعَمِ العينُ من الغَمْض\nلكان لي مضطَرَبٌ واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض\n_________\n(٥٠٥) رواه البخاري (٣/١٣٢) في الجنائز: باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة، وفي الإيمان، والوصايا، وفي فضائل أصحاب النبي ﷺ، وفي المغازي، والنفقات، والمرضى، والدعوات، والفرائض، ومسلم رقم (١٦٢٨) في الوصية: باب الوصية بالثلث، و\"الموطأ\" (٢/٧٦٣) في الوصية: باب الوصية في الثلث لا تتعدى، والترمذي رقم (٩٧٥) في الجنائز: باب ما جاء في الوصية بالثلث والربع، وفي الوصايا، وأبو داود رقم (٢٨٦٤) في الوصايا: باب ما جاء فيما لا يجوز للوصي في ماله، والنسائي (٦/٢٤١-٢٤٣) في الوصايا: باب الوصية بالثلث، والإمام أحمد (١/١٧٢) .\n(٥٠٦) \" صون المكرمات برعاية البنات\" ص (٢٦)، وقد حقق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن شيخ مدين لم يكن شعيبًا، تحقيقا جيدًا، فانظره في (جامع الرسائل \" المجموعة الأولى تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم ﵀ ص (٥٩-٦٦) .\n(٥٠٧) هي فراخ القطا التي ليس عليهن إلا شَعر لين.","vol":"2","page":224},{"text":"وإنما أولادُنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض (٥٠٨)\nوكان لمعن بن أوس ثمان بنات، وكان يقول: (ما أحب أن يكون لي بهن رجال \"، وفيهن قال:\nرأيتُ رجالَا يكرهون بناتهم ... وفيهن - لا نُكْذَبُ - نساء صوالحُ\nوفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائحُ (٥٠٩)\nوقال العلوي الجمانيُّ في صديق له وُلِدَتْ له بنت فسخطها:\nقالوا له: ماذا رُزِقتا ... فأصاخ ثُمَّتَ قال: بنتا\nوأجل من ولد النساء ... أبو البناتِ، فَلِم جزعتا\nإن الذين تَوَدُّ مِنْ ... بين الخلائق ما استطعتا\nنالوا بفضل البنت ما ... كَبَتُوا به الأعداءَ كبتا (٥١٠)\nوقال أبو محمد الحسن بن عبيدة الريحاني:\nحبذا من نعمة الله ... البناتُ الصالحات\nهن للنسل وللأنس ... وهن الشجرات\nوبإحسانٍ إليهن ... تكونُ البركات\nإنما الأهلون أرضو ... ن لنا محترثات\nفعلينا الزرع فيها ... وعلى الله النبات (٥١١)\nومما يُحكى عن معاوية ﵁ قوله في شأن البنت: \" والله\n_________\n(٥٠٨) \" شرح الحماسة \" (١/٢٨٧) .\n(٥٠٩) \" المرأة العربية \" لعبد الله عفيفي (٨/١٨ - ١٩) .\n(٥١٠) \" محاسن التأويل \" للقاسمي (١٧/٦٠٧٤ - ٦٠٧٥) .\n(٥١١) \" صون المكرمات برعاية البنات \" لجاسم الدوسري ص (٢٧) .","vol":"2","page":225},{"text":"ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الزمان، ولا أذهب جيشَ الأحزان مِثْلُهُنَّ، وإنك لواجِدٌ خالًا قد نفعه بنو أخته، وأبا قد رفعه نسلُ بنته) (٥١٢) .\nوفي رواية عنه: (والله ما مَرَّضَ المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأحزان مِثْلُهن، وَرُب ابن أخت قد نفع خاله) (٥١٣) .\nوفي رقعة للصاحب بالتهنئة بالبنت:\n(أهلًا وسهلا بعقيلة النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون:\nفلو كان النساء كمن ذكرنا ... لفُضِّلت النساءُ على الرجالِ\nوما التأنيثُ لاسم الشمس عَيْب ... وما التذكيرُ فَخْر للهلال\nوالله تعالى يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة بموقعها، فادَّرع اغتباطَا، واستأنف نشاطَا، فالدنيا مؤنثة، والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها (*) والأرض مؤنثة، ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنثة، وقد زينت بالكواكب، وَحُليَتْ بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة، وهي قوام الأبدان، وملاك الحيوان، والحياة مؤنثة، ولولاها لم تتصرف الأجسام، ولا عرف الأنام، والجنة مؤنثة، وبها وعد المتقون، وفيها ينعم المرسلون، فهنيئًا لك هنيئًا بما أوتيت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت) (٥١٤) .\nوالأخبار والنوادر في هذا لا تُحصى، وكلها من بركة الإسلام وفضله.\n_________\n(٥١٢) \"محاسن التأويل\" (١٧/٦٠٧٥) .\n(٥١٣) \" صون المكرمات \" ص (٢٦-٢٧) .\n(*) هذا التعبير في هذا السياق لا يجوز، فتنبه!\n(٥١٤) \" محاسن التأويل \" (١٧/٦٠٧٥) .","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>[الفصل الرابع]\nالمرأة زوجة</span>\nمن فضل الله تعالى وتكريمه لبني آدم أن شرع لهم الزواج، وجعل طريقة تناسلهم بهذه الطريقة الشريفة المنظمة المحفوظة المصونة لئلا تختلط المياه، وتشتبه الأنساب بخلاف ما عليه طريقة تناسل الحيوانات والبهائم.\nولم تعد المرأة في ظل الإسلام كما كانت عند الآخرين دنسًا يجب التنَزه عنه، ولكن تسامى الإسلام بالمرأة إلى علياء السمو، وجعل الزواج من نعمه سبحانه على عباده.\nقال سبحانه في وصف الرسل ومدحهم: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا وجعلنا لهم أزواجًا وذرية) الرعد (٣٨)، فذكر ذلك في معرض الامتنان، وإظهار فضله سبحانه عليهم، والمعنى:\nوجعلناهم بشرا يقضون ما أحل الله من شهوات الدنيا، وإنما التخصيص في الوحي، فهذه سنة المرسلين كما نصت عليه هذه الآية، والسنة واردة بمعناها.\nومدح ﷿ أولياءه بأنهم يسألونه ذلك في دعائهم، فقال عز من قائل: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتِنا قرة أعين) الفرقان (٧٤)، وقال ﷾: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الروم (٢١) .\nولا تستعمل لفظة \"آية\" في القرآن المجيد إلا في الأمور الجليلة العظيمة، ليدل على قوة وقدرة الخالق ﵎، وقد قرن الله تبارك","vol":"2","page":227},{"text":"وتعالى آية تكوين الأسرة، بآية تكوين العالم أجمع، فعقب هذه الآية بقوله جل وعلا: (ومن آياته خلْقُ السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين) (الروم: ٢٢) بل إن الزوجة نعمة من نعم الله على عبده حقيق به أن يشكرها ولا يكفرها، وهو مسئول عن هذه النعمة بين يدي ربه يوم الحساب، كما يسْأل عن سائر النعم: ففي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا:\n(.. فيلقى العبدُ رَبه، فيقول الله: \" ألم أكْرِمْكَ، وأُسَوِّدْكَ، وَأزَوِّجْكَ، وَأُسَخرْ لك الخيلَ والإبلَ، وَأذَرْكَ ترْأسُ وَترْبَعْ؟ \"، فيقول: \" بلى أي رَبِّ \"، فيقول: \" أفظننتَ أنك مُلاقِيَّ؟ \"، فيقول: \" لا \"، فيقال: \" إني أنساك كما نسيتني \") (٥١٥) الحديث.\nوعلم بالضرورة من دين الإسلام الترغيب في الزواج والحث عليه (٥١٦) .\nعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" إذا تزوج العبدُ، فقد استكمل نِصْفَ الدين، فليتق الله فيما بَقِي \" (٥١٧) .\nقال القرطبي: (ومعنى ذلك أن النكاح يعف عن الزنى، والعفاف أحد الخصلتين اللتين ضَمِن رسول الله ﷺ عليهما الجنة، فقال: \" من وقاه الله شر اثنتين وَلَجَ الجنة: ما بين لَحْيَيهِ، وما بين رجليه \" (٥١٨) خرجه\n_________\n(٥١٥) رواه مسلم في \" صحيحه \" (٤/٢٢٨٠) رقم (٢٩٦٩) في الزهد، واللفظ له، والترمذي في \" صفة القيامة \" رقم (٢٤٢٨)، والإمام أحمد (٢/٤٩٢)، (٤/٣٧٨، ٣٧٩) .\n(٥١٦) انظر: \" القسم الثالث\" ص (٦١-٦٥)، و\" بدائع الفوائد\" (٣/١٩١ -١٩٢)، وحسبك أن عامة كتب السنة تستفتح كتاب النكاح بالترغيب فيه، والحث عليه.\n(٥١٧) أخرجه الطبراني في \" الأوسط \"، وحسنه الألباني في \" الصحيحة \" رقم (٦٢٥)، وانظر الحاشية رقم (٥٣٤) .\n(٥١٨) أخرجه الترمذي (٢/٦٦) رقم (٢٤١١) في الزهد: باب ما جاء في حفظ =","vol":"2","page":228},{"text":"الموطأ وغيره) (٥١٩) اهـ\nوكان رسول الله ﷺ يحض أصحابه على الزواج، وكان يقرأ لمن يطلب إباحة التبتل قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (٥٢٠) المائدة (٨٧) .\nوعن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: \" تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى\" (٥٢١) .\nوعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لعثمان بن مظعون ﵁ لما أراد أن يتبتل: (يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا،\n_________\nاللسان، وقال: \" هذا حديث حسن غريب\"، والحاكم (٤/٣٥٧) بنحوه، وقال: \"صحيح الإسناد\"، ووافقه الذهبي، وله شاهد أخرجه الإمام أحمد (٥/٣٦٢) وابن حبان في \" الثقات، (١/٥)، وانظر: \" السلسلة الصحيحة\" رقم (٥١٠)، والحديث أخرجه في \"الموطأ\" (٢/٩٨٧، ٩٨٨) عن عطاء بن يسار مرسلا، في الكلام: باب ما جاء فيما يخاف من اللسان.\n(٥١٩) \" الجامع لأحكام القرآن\" (٩/٣٢٧) .\n(٥٢٠) انظر: صحيح البخاري (٧/٥) ط. الشعب، ومما يجدر ذكره أن القرآن أمر بالتبتل في قوله تعالى: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا) المزمل (٨)، ومعنى الآية الأمر بالانقطاع إلى الله ﷿ بإخلاص العبادة، كما قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) البينة (٥)، وقد ورد النهي عن التبتل في السنة، والمقصود به الانقطاع عن الناس والجماعات وسلوك سبيل الرهبانية في ترك النكاح، والترهب في الصوامع، فصار التبتل مأمورا به في القرآن، منهيا عنه في السنة، ومتعلق الأمر غير متعلق النهي، فلا يتناقضان، وإنما بعث ﷺ ليبين للناس ما نُزل إليهم، انظر: \" الجامع لأحكام القرآن \" للقرطبي (١٩/ ٤٤-٤٥)، (٦/٢٦١)، \" الفتح الرباني\" (١٦/١٤٢) .\n(٥٢١) أخرجه البيهقي في \" السنن الكبرى، (٧/٧٨)، وساقه الحافظ في \" الفتح\" (٩/١١١)، وسكت عليه، وقواه الألباني لشواهده في \" الصحيحة\" رقم (١٧٨٢) .","vol":"2","page":229},{"text":"أفما لك فِي أسوة؟ فوالله إني أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده \" (٥٢٢) .\nهكذا أبطل ﷺ تنطع المتنطعين المعاندين لسنة الله في التعبد بترك النكاح، ولم تعد الرابطة الزوجية دناءة بهيمية، فإن إشعاع الإسلام بَددَ تلك الظلماتِ في العالمين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تسامى الإسلام بتلك الرابطة حتى جعل منها ذريعة لواجبات كثيرة رفع الإسلام قدرها:\nوتأمل هذه العبارة الجامعة للفقيه الحنفي كمال الدين بن الهمام - ﵀- حيث يقول: (ومن تأمل ما يشتمل عليه النكاح من تهذيب للأخلاق، وتوسعة للباطن بالتحمل في معاشرة أبناء النوع، وتربية الولد (٥٢٣)، والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها، والنفقة على\n_________\n(٥٢٢) أخرجه ابن حبان (١٢٨٨)، والإمام أحمد (٦/٢٢٦)، والطبراني في \" الكبير \"، وقال الألباني: \" سنده صحيح على شرطهما\" - انظر: \" إرواء الغليل\" (٧/٧٩)، \" السلسلة الصحيحة\" رقم (٣٩٤)، والأحاديث الواردة في مدح العزوبة كلها باطلة، كما في (الأسرار المرفوعة، للقاري ص (٤٨٣) .\n(٥٢٣) ومن مقاصد النكاح في الإسلام تكثير عدد المسلمين، فعن معقل بن يسار ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: \" إني أصبت امرأة ذات حُسن وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فقال: لا، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: \" تزوجوا الودود الولود، فإني مُكاِثر بكم الأمم، رواه أبو داود (١/٣٢٠)، والنسائي (٢/٧١)، وقال القرطبي في \" تفسيره\": (صححه أبو محمد عبد الحق، وحسبك اهـ (٩/٣٢٨)، ورواه من حديث أنس ﵁ الحاكم وصححه (٢/١٦٢)، ووافقه الذهبي، ورواه من حديث أنس ﵁ بلفظ فإني مكاثر بكم الأنبياء\": الحاكم (٢/١٦٢)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان (١٢٢٨ - موارد)، وكذا الإمام أحمد (٣/١٥٨)، وقال الهيثمي: \" إسناده حسن \" مجمع الزوائد \" (٤/٢٥٨) .\nوعن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث رجلا على بعض السقاية، فتزوج امرأة، وكان عقيما، فقال له عمر: (أعلمنَها أنك =","vol":"2","page":230},{"text":"الأقارب، والمستضعفين، وإعفاف الحرم (٥٢٤)، ونفسه، ودفع الفتن عنه وعنهن، ودفع التقتير عنهن بحبسهن، لكفايتهن مؤنة سبب الخروج - يعني الخروج لطلب الرزق - ثم الاشتغال بتأديب نفسه، وتأهله للعبودية، ولتكون أيضًا سببا لتأهيل غيره، وأمرها بالصلاة، فإن هذه الفرائض كثيرة، لم يكد يقف عن الجزم بأنه - أي الزواج - أفضل من التخلي) (٥٢٥) أي للعبادات النافلة، وعن أبي كبشة الأنماري ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" مِنْ أماثِلِ أعمالِكم إتيانُ الحلال \" يعني النساء (٥٢٦) .\n_________\n= عقيم؟ \"، قال: \" لا \"، قال: \" فانطلق، فأعلِمها، ثم خَيرها، انظر: \" المحلى\" للإمام ابن حزم (١٠/٦١)، و\" الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/٧٢ -٧٣) .\nقال فضيلة الدكتور محمد الصباغ حفظه الله:\n(إن غريزة الامتداد في الذراري والأحفاد لا يستطيع المرء السَّوِيُّ أن ينعم بها إلا عن طريق الزواج.\nفكما أحسن إليك والدك فكان سببَ وجودِك في هذه الدنيا، فكذلك ينبغي بالنسبة إليك أن تقابل هذا الإحسانَ بالبر إليه، والوفاء له، فتنجب للدنيا نبتة كريمة تتعهدها بالتربية والتهذيب، تحيي اسم والدك، ويكون عملها الطيب في سجلك. ويكفى الممتنع عن الإنجاب عقوقَا أن يكون هو الشخص الأول الذي يقطع هذه السلسلة التي تبدأ بآدم، وتنتهي به) اهـ. من \"نظرات في الأسرة المسلمة\" ص (٢٧) .\n(٥٢٤) الحُرَم: الزوجات.\n(٥٢٥) \"فتح القدير\" (٣/١٨٩) .\n(٥٢٦) أخرجه الإمام أحمد (٤/٢٣١)، وأبو نعيم في \" الحلية\" (٢/٢٠) من طريق الطبراني عن معاوية بن صالح عن أزهر بن سعيد الحرازي قال: سمعت أبا كبشة الأنماري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ جالسا في أصحابه، فدخل، ثم خرج وقد اغتسل، فقلنا يا رسول الله، قد كان شيء؟ \"، قال: \" أجل، مرت بي فلانة، =","vol":"2","page":231},{"text":"وقد يتعجب القارئ كما تعجب الصحابة ﵃ من قبل عندما قال ناس منهم للنبي ﷺ: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: \" أو ليس قد جعل الله لكم ما تَصَدقُون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرةٍ صدقةً، وبكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضْع أحدكم صدقة! قالوا: \" يا رسول الله أيأتي أحدُنا شهوتَه، ويكونُ له فيها أجر؟ ! \"، قال: \" أرأيتم لو وضعها في حرام أكان فيها ورز؟ \"، قالوا: \" بلى \"، قال: \" فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له فيها أجر \" (٥٢٧) الحديث.\nوقال ﷺ لأبي ذر ﵁ ضمن وصية جامعة له: (.. \" ولك في جِماعِكَ زوجتَك أجر \"، قال أبو ذر: \" كيف يكون لي أجْر في شهوتي؟ \"، فقال ﷺ: \" أرأيت لو كان لك ولد، فأدرك، ورجوتَ خيره، فمات، أكنت تحتسبه؟ \"، قلت: \" نعم\"، قال: \" فأنت خلقتَه؟ \"، قال: \" بل الله خلقه \"، قال: \" فأنت هديتَه؟ \"، قال: \" بل الله هداه، قال: \" فأنت ترزقه؟ \"، قال: \" بل الله كان يرزقه \"، قال: \" كذلك فَضَعهُ في حلاله، وجَنبهُ حرامَهُ،\n_________\n= فوقع في قلبي شهوة النساء، فأتيت بعض أزواجي، فأصبتُها، فكذلك فافعلوا، فإنه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال \")، قال الألباني في \" الصحيحة\" رقم (٤٤٢): \" إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات \" اهـ.\n(٥٢٧) رواه مسلم (٢/٦٩٧)، والسياق له، والنسائي في \" عشرة النساء\"، والإمام أحمد (٥/١٦٧)، ١٦٨، ١٧٨)، قال السيوطي ﵀: (وظاهر الحديث أن الوطء صدقة، وإن لم ينو شيئًا) اهـ، كما نقله الألباني عن \" إذكار الأذكار، له، وانظر: \" آداب الزفاف\" ص (١٣٨) ط ١٤٠٩ هـ.","vol":"2","page":232},{"text":"فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر\" (٥٢٨» .\nولتحقيق التسامي بتلك الرابطة فوق طابع الشهوة إلى ممارسة سامية عالية أرشد النبي ﷺ الزوج إلى استصحاب نية طلب الأولاد (٥٢٩)، والتسمية،\n_________\n(٥٢٨) أخرجه الإمام أحمد (٥/١٦٨)، وابن حبان (١٢٩٨- موارد)، وقال الألباني: \" سنده صحيح، رجاله كلهم ثقات، رجال مسلم \" اهـ من الصحيحة، رقم (٥٧٥) .\n(٥٢٩) يستحب أن ينوي عند الجماع طلب الولد الصالح، قال تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم) (البقرة: ١٨٧)، أي: \" لا تباشروهن لقضاء الشهوة وحدها، ولكن لابتغاء ما وضع الله في النكاح من التناسل) \"الكشاف\" للزمخشري (١/٢٥٧)، وبه قال جمع من السلف منهم أبو هريرة، وابن عباس، وأنس ﵃: \" أي من أجل طلب الولد\"، وانظر: \" تحفة المودود، لابن القيم ص (٩)، وقال ﷺ لجابر ﵁: (إذا قدمت فالكيسَ الكيسَ) رواه البخاري، ومسلم، والدارمي، يعنى بالكيس: الولد، وهو لا يأتي إلا بالنكاح، فجعل طلبَ الولد عقلا، انظر \" النهاية\" لابن الأثير (٤/٢١٧)، وروى البخاري في صحيحه، باب من طلب الولد للجهاد من حديث أي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (قال سليمان بن داود ﵉: \" لأطوفن الليلةَ على مائة امرأة، أو تسع وتسعين، كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله \"، فقال له صاحبه: (قل: إن شاء الله \"، فلم يقل: \" إن شاء الله \"، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل؛ والذي نفس محمد بيده، لو قال: \" إن شاء الله\" لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون\"، قال الحافظ ابن حجر: (قوله: باب من طلب الولد للجهاد - أي ينوي عند المجامعة حصولَ الولد ليجاهد في سبيل الله، فيحصل له بذلك أجر، وإن لم يقع له ذلك) اهـ. من \" الفتح\" (٧/٢٧٢)، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (إني لأكرِهُ نفسي على الجماع رجاء أن يُخْرِجَ الله مني نسمةً تسبح الله تعالى) \" موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص (٦٦٠)، وحكى عنه الشيخ كمال الدين بن العديم الحلبي قوله ﵁: (تكثروا من العيال، فإنكم لا تدرون ممن ترزقون) اهـ. من \" الدراري في ذكر الذراري \" ص (١٥) .","vol":"2","page":233},{"text":"وحَضَّ على ذلك لما فيها من الخير الكثير.\nفعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: \"بسم الله، اللهم جَنبّنا الشيطان، وَجَنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك اليوم لم يَضُرَّه الشيطان أبدَا) (٥٣٠) .\nوعنه ﵁ في تفسير قوله تعالى: (نساؤكم حَرْث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وَقَدِّمُوا لأنفسكم) البقرة (٢٢٣) قال: (وقدموا لأنفسكم) يقول: \" بسم الله \"، التسمية عند الجماع (٥٣١) .\nالزواج ميثاق غليظ:\n[الزواج أغلظ المواثيق وأكرمها على الله، لأنه عقد متعلق بذات\n_________\nوقال العلامة أبو الحسن الماوردي: (وأن ينوي في ذلك كله نية الولد، وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وينوي في الولد أن الله لعله يرزقه مَنْ يعبد الله، ويوحدُه، ويجري على يديه صلاح الخلق، وإقامة الحق، وتأييد الصدق، ومنفعة العباد، وعمارة البلاد) اهـ. من \" نصيحة الملوك\" ص (١٦٦) .\n(٥٣٠) رواه الإمام أحمد في\" المسند \" (١/٢١٧، ٢٢٠، ٢٤٣، ٢٨٣، ٢٨٦)، والبخاري (٦/٢٤٠) في بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده، وفي الوضوء، والنكاح، والتوحيد، ومسلم رقم (١٤٣٤) في النكاح: باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع، وأبو داود رقم (٢١٦١) في النكاح: باب في جامع النكاح، والترمذي رقم (١٦٩٢) في النكاح: باب ما يقول إذا دخل على أهله، وهذا الذكر مستحب عند إرادة الجماع، أما عند الفعل نفسه فيستحب الذكر بالقلب فقط، انظر:\n\" الوابل الصيب\" ص (١٤٧) تحقيق الشيخ الأنصاري.\n(٥٣١) \" تفسير الطبري\" بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ﵀ (٤/٤١٧)، وقال ابن نصر الله من الحنابلة: (الأظهر عدم اختصاص الرجل، بل تقوله المرأة) اهـ. من \" السلسبيل\" (٢/٧٤٥)، والظاهر من لفظ الحديث السابق أنه ينصرف إلى الرجل وحده، والله أعلم.","vol":"2","page":234},{"text":"الإنسان، ونَسَبه، وشرط هذا العقد رضا المتعاقدين كسائر العقود الصحيحة، ولكنه يسمو عليها جميعًا بما أفرغه الله عليه من صبغة\" الميثاق الغليظ\"، ويكفي في الدلالة على ذلك التكريم أن كلمة \" الميثاق، لم ترد في القرآن الكريم إلا تعبيرا عن المعاهدة بين الله وعباده، قال تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به) الآية (المائدة: ٧) في موجبات التوحيد.\nولم يرد وصف الميثاق، بالغليظ إلا في عقد الزواج (وأخذن منكم ميثاقا غليظًا) (النساء: ٢٩)، وفيما أخذه الله على أنبيائه من مواثيق، قال تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا)] (٥٣٢) اهـ.\nفضل الزوجة الصالحة\nبناء الأسرة هو أخطر بناء في كيان المجتمع، بل في كيان الأمة بأسرها، فإذا كان الناس يعنون عند إقامة أبنيتهم من الأحجار، باختيار الموقع المناسب، وتحري الخامات الجيدة، التي تكفل سلامة البناء، وتضمن بقاءه إلى حين، إذا كان هذا هو شأن الناس في إقامة الأبنية المكونة من الأحجار والطين، فإن بناء الأسر المكونة من الرجال والنساء والبنين أولى بالدقة عند الاختيار، وأجدر بالتقصي والاستفسار، لأن بناء الأحجار يتعلق بشئون الدنيا وهي فانية، وبناء الأسرة يتعلق بسعادة الدنيا، ويمتد أثره إلى الآخرة، وهي دار القرار.\n(إن البيت قلعة من قلاع هذه العقيدة، ولابد أن تكون القلعة\n_________\n(٥٣٢) من \"تفسير القرآن الكريم\" للشيخ محمود شلتوت، ص (١٧٣ -١٧٤) .","vol":"2","page":235},{"text":"متماسكة من داخلها، حصينة في ذاتها، وكل فرد من أفراده يقف على ثغرة كيلا ينفذ منها العدو، أو يقتحمها العسكر، وواجب المسلم أن يؤمن هذه القلعة من داخلها، واجبه أن يسد الثغرات فيها قبل أن يذهب عنها بدعوته بعيدا.\nوالأب المسلم لا يكفي وحده لتأمين القلعة، فلابد أيضًا من الأم المسلمة، ليقوما معًا على تربية الأبناء والبنات) اهـ (٥٣٣) .\n(هذا أمر ينبغي أن يدركه الدعاة إلى الإسلام، وأن يعوه جيدًا: إن أول الجهد ينبغي أن يوجه إلى البيت، إلى الزوجة، إلى الأم، ثم إلى الأولاد، وإلى الأهل بعامة؛ يجب الاهتمام البالغ بتكوين المسلمة لتنشئ البيت المسلم، وينبغي لمن يريد بناء بيت مسلم أن يبحث له أولا عن الزوجة المسلمة، وإلا فسيتأخر بناء الجماعة الإسلامية، وسيظل البنيان متخاذلا كثير الثغرات) (٥٣٤) اهـ.\nوالإسلام في هذه الناحية - شأنه في كل شيء - لا يقيم وزنًا للمظاهر، وإنما يعني دائما بالجوهر الأصيل، لأن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأموال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، فالعبرة في الخصال لا الأشكال، وفي الخلال لا الأموال: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمْرَينِ، تنبو عنه أعينُ الناس، لو أقسم على الله لأبرهُ \" (٥٣٥) .\n_________\n(٥٣٣) من\" منهج التربية النبوية للطفل\" لمحمد نور سويد ص (٢٩) .\n(٥٣٤) السابق، نقلا من \" دستور الأسرة في ظلال القرآن\" ص (١١٢) .\n(٥٣٥) رواه مسلم رقم (٢٦٢٢) في البر والصلة: باب فضل الضعفاء والخاملين، وفي صفة الجنة، ونعيم أهلها، ورواه الحاكم في \" المستدرك\" واللفظ له (٤/٣٢٨): وقال: \" هذا حديث صحيح الإسناد\"، ووافقه الذهبي، والطمرُ: الثوب الخلَق.","vol":"2","page":236},{"text":"من أجل ذلك رغب الإسلام الرجل في تحري أن تكون زوجته صالحة ذات دين، وجعل ذلك هو الأصل الذي ينبغي الاعتناء به ضمن الخصال المرغوبة فيها، فإنها إن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها، أزرت بزوجها، وسودت بين الناس وجهه، وشوهت بالغيرة قلبه، وتنغص بذلك عيشه.\nلقد بالغ الرسول ﷺ في الحث على ذات الدين لأن مثل هذه المرأة تكون عونًا على أعظم أمر يهم المسلم، ألا وهو الدين.\nقال رسول الله ﷺ: \" من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شَطْر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني \" (٥٣٦) .\nوعن ثوبان ﵁ قال: \" لما نزلت (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) التوبة (٣٤)، كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: \" أنزِلَت في الذهب والفضة، لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ \"، فقال رسول الله ﷺ: \" أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تُعِينُهُ على إيمانه \" (٥٣٧» .\nوقال بعضهم في نظم هذا المعنى:\n_________\n(٥٣٦) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/١٦١)، وقال: \" صحيح الإسناد \"، ووافقه الذهبي، وعزاه الهيثمي في \" المجمع \" إلى الطبراني في \" الأوسط\" (٤/٢٧٢)، وانظر: \" كشف الخفاء\" للعجلوني (٢/٢٣٩)، وراجع حاشية رقم (٥١٧) .\n(٥٣٧) أخرجه الإمام أحمد (٥/٢٧٨)، والترمذي (٣٠٩٣) في التفسير: سورة التوبة، وصححه الألباني في \" صحيح الجامع\" رقم (٥٢٣١)، وزاد عزوه إلى ابن حبان عن علي ﵁، وأبي نعيم في الحلية\"، والحاكم عن ابن عباس ﵄.","vol":"2","page":237},{"text":"من خير ما يتخذ الإنسان في ... دنياه كيما يستقيمَ دينُهْ\nقلب شكور ولسان ذاكر ... وزوجة صالحة تُعِينُه\nوعن سعد ﵁ قال رسول الله ﷺ:\n(ثلاثة من السعادة، وثلاثة من الشقاء، فمن السعادة: المرأة الصالحة؛ تراها فَتُعجِبُكَ، وتغيب عنها فتأمنُها على نفسِها ومالك) (٥٣٨) الحديث.\nوعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق\" (٥٣٩) .\nوعن محمد بن واسع قال مسلم بن يسار: (ما غبطت رجلًا بشيء ما غبطته بثلاث: زوجة صالحة، وبجار صالح، وبمسكن واسع \" (٥٤٠) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (قيل لرسول الله ﷺ: \" أي النساء خير؟ \"، قال: \" التي تسُره إذا نظر، وتُطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في\n_________\n(٥٣٨) وتتمته: (والدابة تكون وطيئة؛ فتُلحِقك بأصحابِك، والدار تكون واسعة كثيرةَ المرافق، ومن الشقاء: المرأة، تراها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإن غِبْتَ عنا لم تأمنْها على نفسِها ومالِك، والدابة تكون قطوفٍا، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تُلْحِقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلةَ المرافق) رواه الحاكم في \" المستدرك\" (٢/١٦٢)، وصححه، وحسنه الألباني في \" صحيح الجامع\" (٣/٧٠) رقم (٣٠٥١)، والقطوف: الضيقة المشي.\n(٥٣٩) رواه ابن حبان (١٢٣٢)، وصححه الألباني على شرط الشيخين كما في \" الصحيحة\" رقم (٢٨٢)، وبنحوه الإمام أحمد (١/١٦٨)، وفيه محمد بن أبي حميد، قال الحافظ في \" التقريب\": (ضعيف) .\n(٥٤٠) ذكره ابن الجوزي في \"أحكام النساء\" ص (١١٦) .","vol":"2","page":238},{"text":"نفسِها ولا مالِها بما يكره \" (٥٤١) .\nوعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك \" (٥٤٢) .\nقال في \" عون المعبود\":\n(يؤخذ من الأحاديث استحبابُ تزوج الجميلة، إلا إذا كانت الجميلة غيرَ دَيّنة، والتي أدنى منها جمالًا متدَينة، فتُقدم ذاتُ الدين، أمَّا إذا تساوتا في الدين، فالجميلة أولى) (٥٤٣) اهـ.\n_________\n(٥٤١) رواه النسائي (٢/٧٢)، والحاكم (٢/١٦١)، والإمام أحمد (٢/٢٥١، ٤٣٢، ٤٣٨)، وقال الحاكم: \" صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ العراقي: \" سنده صحيح\" اهـ من\" المغني عن حمل الأسفار\" (٤/٧١٥)، وقال: \" ولأبي داود نحوه من حديث ابن عباس بسند صحيح \" اهـ.، وحسنه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (١٨٣٨) .\n(٥٤٢) رواه البخاري (٩/١١٥) في النكاح: باب الأكفاء في الدين، ومسلم رقم (١٤٦٦) في الرضاع: باب استحباب نكاح ذات الدين، وأبو داود رقم (٢٠٤٧) في النكاح: باب ما يؤمر به من تزويج ذات الدين، والنسائي (٦/٦٨) في النكاح: باب كراهية تزويج الزناة، وقوله ﷺ: \" تربت يداك \" يعني: (التصقت بالتراب، من الدعاء، وهذا الدعاء وأمثاله كان يرد من العرب، ولا يريدون به الدعاء على الإنسان، إنما يقولونه في معرض المبالغة في التحريض على الشيء، والتعجب منه، ونحو ذلك) كذا قال ابن الأثير في \" جامع الأصول\" (١١/٤٣٠)، وانظر: \" عون المعبود\" (٦/٤٠) .\n(٥٤٣) \" عون المعبود\" (٦/٤٢)، وانظر: \" فتح الباري\" (٩/١٣٥)، ومما ينبغي التنبيه إليه أن: (هناك فكرة مغلوطة يُلبس إبليس بها على بعض الشباب، فقد يرى الواحد منهم فتاة يروقه جمالُها، ولكنها ليست ذات دين، فيدعي أنه يريد من وراء الزواج منها أن يصلحها، وهذه الفكرة خطرة، وغير مأمونة ولا مضمونة، فقد رأينا في الحياة الواقعية أن بعض الشباب كانوا يريدون الإصلاح، فأفسدتهم تلك =","vol":"2","page":239},{"text":"وعلق القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله تعالى على قوله ﷺ: \" فاظفر بذات الدين\" قائلًا: \" إن اللائق بذوي المروءات، وأرباب الديانات، أن يكون الدين مطمح نظرهم في كل شيء، لا سيما فيما يدوم أمره، ويعظم خطره، فلذا اختاره النبي ﷺ، وأبلغه، فأمر بالظفر به، الذي هو في غاية البغية، ومنتهى الاختيار والطلب، الدال على تضمن المطلوب لنعمة عظيمة، وفائدة جليلة \" (٥٤٤) اهـ.\nويؤكد ﷺ هذا المعنى بقوله فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو ﵄: \" الدنيا كلها متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة\" (٥٤٥)، أي أن الدنيا متاع زائل، وخير ما فيها من هذا المتاع: المرأة الصالحة، لأنها تُسْعِد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة، وهي خير وأبقى.\nوقد روي أن أبا الأسود الدؤلي قال لبنيه:\n\" يا بنيَّ: قد أحسنت إليكم صغارًا، وكبارًا، وقبل أن تُولدوا! \"، قالوا: \" كيف أحسنتَ إلينا قبل أن نولد؟ \"، قال: (اخترت لكم من الأمهاتِ من لا تُسَبُّونَ بها \" (٥٤٦» .\nوشكا رجل لصديقه عقوق ولده له، وسوء معاملته، ودناءة طبعه، فقال: \" لا تَلم أحدًا، ولكن توجه باللوم إلى نفسك، لأنك لم تتخير أمه \"، وقديمًا قال الناس: \" كادت المرأة أن تلد أخاها \" (*) .\n_________\n= الزوجة) اهـ. من (نظرات في الأسرة المسلمة) لفضيلة الدكتور محمد الصباغ حفظه الله ص (٣٦) .\n(٥٤٤) \" إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري\" (٨/٢٢) .\n(٥٤٥) أخرجه الإمام أحمد (٢/٢٦٨)، ومسلم رقم (١٤٦٧) في الرضاع، والنسائي\n(٦/٦٩) في النكاح، وابن ماجه رقم (١٨٥٥)، والبيهقي (٧/٨٠) في النكاح.\n(٥٤٦) \" أدب الدنيا والدين\" ص (٨٢) .\n(*) نظرات في الأسرة المسلمة\" ص (١٤٣) .","vol":"2","page":240},{"text":"(وقال الأصمعي: \" ما رفع أحد نفسه - بعد الإيمان بالله تعالى - بمثل مَنكح صِدْقٍ، ولا وضع نفسه بعد الكفر بالله تعالى - بمثل منكح سوء \") (٥٤٧) .\nوقال الشاعر:\nوليس النبتُ يَنْبُتُ في جِنانٍ ... كمثل النبت ينبت في الفلاة\nوهل يرجَى لأطفالٍ كمال ... إذا ارتضعوا ثُدِي الناقصات (٥٤٨)\nوقال الإمام ابن عبد القوى في \" منظومة الآداب\":\nوخير النسا من سَرَّتِ الزوجَ منظرا ... ومن حفِظته في مغيب وَمشهَدِ\nقصيرةُ ألفاظ قصيرةُ بيتها ... قصيرةُ طرفِ العين عن كُلِّ أبعَدِ\nعليك بذاتِ الدين تظفر بالمنى الـ ... وَدُودِ الوَلودِ الأصلِ ذاتِ التعبد (٥٤٩)\nولله دَر من قال:\nسعادةُ المرءِ في خمس إذا اجتمعت ... صلاح جيرانه والبر في ولده\nوزوجة حسنت أخلاقها، وكذا ... خل وفي، ورزق المرء في بلده (٥٥٠)\n_________\n(٥٤٧) \" مرآة النساء فيما حسن منهن وساء \" ص (١٦٠) .\n(٥٤٨) \"أستاذ المرأة \" ص (١٣٢) بتصرف.\n(٥٤٩) انظر: \" غذاء الألباب بشرح منظومة الآداب\" (٢/٣٤٢-٣٥٠) .\n(٥٥٠) \" مرآة النساء\" ص (٢١) .","vol":"2","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>[فصل]\nالكفاءة في الزواج</span>\nالكفاءة: هي المساواة، والمماثلة، والكفء والكفاء: المثيل والنظير، ومنه قوله ﷺ: \" المسلمون تتكافأ دماؤهم \" (٥٥١)، أي تتساوى، فيكون دم الوضيع منهم كدم الرفيع.\nوالمقصود بالكفاءة في الزواج: \" المماثلة بين الزوجين، دفعا للعار في أمور مخصوصة، هي عند المالكية: الدين، والحال (٥٥٢)، وعند الجمهور: \" الدين، والنسب، والحرية، والحرفة (أو الصناعة)، وزاد الحنفية والحنابلة: اليسار (أو المال) .\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: (واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه، فلا تحل المسلمة لكافر أصلًا) (٥٥٣) اهـ. وأهل الكفر بعضهم أكفاء لبعض، لأن اعتبار الكفاءة لدفع النقيصة، ولا نقيصة أعظم من الكفر. وقد اختلف العلماء فيما تعتبر الكفاءة فيه:\nفقد ذهب الجمهور إلى أن الكفاءة معتبرة في الاستقامة والصلاح (٥٥٤)،\n_________\n(٥٥١) صدر حديث رواه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أبو داود رقم (٤٥٣١) في الديات: باب إيقاد المسلم بالكافر؟، وغيره، وصححه الألباني في \" إرواء الغليل \" (٧/٢٦٥) .\n(٥٥٢) ومقصودهم بالحال: السلامة من العيوب التي توجب لها الخيار.\n(٥٥٣) \" فتح الباري\" (٩/١٣٢) .\n(٥٥٤) فالفاسق ليس بكفء للعفيفة، لأن التعيير بالفسق أشد وجوه التعيير، ولأن =","vol":"2","page":242},{"text":"والنسب، والحرية، والحرفة، والمال، وإنما كان مقصودهم بهذا توفير دواعي الاستقرار والانسجام في الأسرة، وتجنب دواعي الشقاق والضرر والتنغيص، (ولأن النكاح يعقد للعمر، ويشتمل على أغراض ومقاصد: كالازدواج، والصحبة، والألفة، وتأسيس القرابات، ولا ينتظم ذلك عادة إلا بين الأكفاء) (٥٥٥) .\nوقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك، ونقل عن ابن عمر وابن مسعود، ومن التابعين عن محمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز.\nفقد ذهب هؤلاء العلماء، ومن وافقهم إلى أن الكفاءة معتبرة بالاستقامة والخلق فقط، ولا اعتبار لنسب (٥٥٦)، ولا لصناعة، ولا لغنى، ولا لشيء آخر ... فيجوز للرجل الصالح الذي لا نسب له، أن يتزوج المرأة النسيبة، ولصاحب الحرفة الدنيئة أن يتزوج المرأة الرفيعة القدر، ولمن لا جاه له أن يتزوج صاحبة الجاه والشهرة، وللفقير أن يتزوج المثرية الغنية- ما دام مسلمًا عفيفًا -، وأنه ليس لأحد من الأولياء الاعتراضُ، ولا طلب\n_________\n= الفاسق مردود الشهادة والرواية، وغير مأمون الجانب على النفس والمال، ناقص عند الله وعند خلقه، فلا يجوز أن يكون كفئا ولا مساويًا للصالحة، خلافا لما ذهب اليه ابن حزم ﵀ حيث قال: \" والفاسق الذي بلغ الغاية من الفسق المسلم- ما لم يكن زانيا- كفء للمسلمة الفاضلة، وكذلك الفاضل المسلم كفء للمسلمة الفاسقة ما لم تكن زانية\" اهـ. من \" المحلى\" (١٠/٢٤)، وخلافًا أيضًا لمحمد بن الحسن ﵀ حيث قال: \" إن الفسق لا يمنع الكفاءة، إلا إذا كان صاحبه متهتكا يصْفَع، ويُسْخَر منه، أو يخرج إلى الأسواق سكران؛ لأن الفسق من أحكام الآخرة، فلا تبتني عليه أحكام الدنيا\" اهـ. نقلًا من: \" الفقه الإسلامي وأدلته، (٧/٢٤١) .\n(٥٥٥) انظر: \" إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري \" للقسطلاني (٨/١٩) .\nوقد مَال الحافظ في \"الفتح\": (ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث) اهـ. (٩/١٣٣) .","vol":"2","page":243},{"text":"التفريق، وإن كان غير مستوٍ في الدرجة مع الولي الذي تولى العقد، ما دام الزواج كان عن رضي منها، فإذا لم يتوفر شرط الاستقامة عند الرجل، فلا يكون كفؤا للمرأة الصالحة..، ولها الحق في طلب فسخ العقد، إذا كانت بكرا، وأجبرها أبوها على الزواج من الفاسق.\nقال في \" بداية المجتهد \": (ولم يختلف المذهب- أي المالكي- أن البكر إذا زوجها الأب من شارب الخمر، وبالجملة من فاسق، أن لها أن تمنع نفسها من النكاح، وينظر الحاكم في ذلك، فيفرق بينهما، وكذلك إذا زوَّجها مِمَّن ماله حرام، أو ممن هو كثير الحلف بالطلاق) (٥٥٧) اهـ.\nواستدل أصحاب هذا المذهب بأدلة:\nمنها: قوله ﷿: (والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) النور (٢٦) .\nومنها قوله جل وعلا: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) التوبة (٧١) .\nومنها: قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات:\n(١٣) قالوا: فالمسلمون جميعا أكفاء للمسلمات.\nومنها: قول الله ﷿: (إنما المؤمنون إخوة) الحجرات (١٠)، فأهل الإسلام إخوة.\nومنها: قوله سبحانه بعد ما ذكر ما حرم علينا من النساء: (وأحل لكم ما وراء ذلك) النساء (٢٤١) .\nوقوله تعالى: مخاطبًا جميع المسلمين: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) النساء (٣) .\n_________\n(٥٥٧) \" بداية المجتهد\" (٢/١٦)، وانظر: \" الفتاوى الخانية \" (١/٤٤٣)، \"فتح القدير (٢/٤٤٢)، \" الشرح الكبير\" (٢/٣٤٥)، \"الروضة\" (٧/٣٧٠)، \" المجموع\" (١٥/٣٢٦)، \" كشاف القناع، (٥/١٤٨) .","vol":"2","page":244},{"text":"ومنها: قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخِيَرةُ من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينًا) الأحزاب (٣٦) .\nقال القرطبي ﵀: (في هذه الآية دليل بل نص في أن الكفاءة لا تعتبر في الأحساب، وإنما تعتبر في الأديان، خلافًا لمالك والشافعي والمغيرة وسحْنون، وذلك أن الموالي تزوجت في قريش، تزوج زيد زينب بنت جحش، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير، وزوج أبو حذيفة سالمًا من فاطمة بنت الوليد بن عتبة، وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن عوف) (٥٥٨) اهـ. فهكذا كان شأن التزوج في أصحاب رسول الله ﷺ، لم يعرج أحد منهم على الكفاءة في النسب، بل هذا رسول الله ﷺ حينما استشارته فاطمة بنت قيس في معاوية وأبي الجهم أمرها أن تنكح أسامة (٥٥٩) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: (إذا خطب إليكم مَنْ ترضَوْنَ دينه وخلقه، فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) (٥٦٠) .\nوقال القرطبي ﵀: (الكفاءة في النكاح معتبرة؟ واختلف العلماء هل في الدين والمال والحسب، أو في بعض ذلك؟ والصحيح جواز نكاح الموالي للعربيات والقرشيات؛ لقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) .\n_________\n(٥٥٨) \" الجامع لأحكام القرآن \" (١٤/١٨٧)، وانظر الحاشية رقم (٨٥٨) .\n(٥٥٩) كما رواه مسلم (٤/١٩٥) في الطلاق.\n(٥٦٠) أخرجه الترمذي\" (١/٢٠١)، وابن ماجه (١٩٦٧)، والحاكم (٢/١٦٤-١٦٥)، وحسنه الألباني لشواهده كما في\" الإرواء\" (٦/٢٦٦) رقم (١٨٦٨) .","vol":"2","page":245},{"text":"وقد جاء موسى إلى صالحِ مدين غريبًا طريدا خائفًا وحيدًا جائعًا عريانًا فأنكحه ابنته لما تحقق من دينه، ورأى من حاله، أعرض عما سوى ذلك) (٥٦١) اهـ.\nقال ابن القيم ﵀: (والذي يقتضيه الحكم اعتبار الدين في الكفاءة أصلًا وكمالا، فلا تزوج عفيفة لفاجر، ولم يعتد القرآن والسنة في الكفاءة أمرا وراء ذلك) (٥٦٢) اهـ.\nفليتق الله أناس هان عليهم دينهم، فلا يبالون بتزوج بناتهم الصالحات ممن هم عن الدين معرضون، وللصلاة مضيعون، وبالمنكر آمرون، وعن المعروف ناهون، إيثارًا لأعراض الدنيا ومتاعها الزائل، وليعلموا أنهم بين يدى ربهم موقوفون، وعن فتنتهم بناتهم مسئولون (وسيعلمُ الذين ظلموا أي منقلب يقلبون) .\nعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ: (إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه، أحفِظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسألَ الرجل عن أهل بيته \" (٥٦٣) .\nوعن معقل بن يسار ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصحه، إلا لم يجد رائحة الجنة \" (٥٦٤) .\n_________\n(٥٦١) \" الجامع لأحكام القرآن \" (١٣/٢٧٨) .\n(٥٦٢) \" زاد المعاد\" (٥/١٥٩) .\n(٥٦٣) انظر الحاشية رقم (٧٤١) .\n(٥٦٤) رواه البخاري (١٣/١١٢) في الأحكام: باب من استرعى رعية فلم ينصح، ومسلم رقم (١٤٢) في الإيمان، وفي الإمارة، والإمام أحمد في \" المسند \" (٥/٢٥، ٢٧) .","vol":"2","page":246},{"text":"وعن الشعبي قال: \"من زَوَّج كريمته من فاجر، فقد قطع رحمها \" (٥٦٥) .\nومنها: قوله ﷺ في خطبته الجامعة بمنى في أوسط أيام التشريق: \" يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى \" (٥٦٦) .\nوعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ: \" يا أيها الناس: إن الله قد أذهب عنكم عُبيةَ الجاهلية، وتعاظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدمَ من تراب \" الحديث (٥٦٧) .\nوعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ مَرَّ عليه رجل، فقال: \" ما تقولون في هذا؟ \"، قالوا: (حَري إن خطب أن يُنْكَح، وإن شفع أن يُشَفع، وإن قال أن يُسْتَمَعَ \"، ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال ﷺ: \" ما تقولون في هذا؟ \"، قالوا: \" حَرِيُّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع \"، فقال رسول الله ﷺ: \" هذا خير من ملء الأرض مثلَ هذا \" (٥٦٨) .\nوعن عمرو بن العاص ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ\n_________\n(٥٦٥) ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، (٣٢/١٢٠) .\n(٥٦٦) رواه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ الإمام أحمد في \" مسنده\" (٥/٤١١)، وصححه محققا \" زاد المعاد\" (٥/١٥٨) .\n(٥٦٧) رواه الترمذي رقم (٣٢٧٠)، كتاب تفسير القرآن: باب \" ومن سورة الحجرات \"، وقال: \" هذا حديث غريب\"، وحسنه الألباني في \" صحيح الجامع\" (٦/٢٧١)، وعُبية الجاهلية: هي الكبر، وتضم عينها وتكسر.\n(٥٦٨) رواه البخاري رقم (٥٠٩١) في النكاح: باب الأكفاء في الدين.","vol":"2","page":247},{"text":"جهارا غير سِر يقول: \" إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحو المؤمنين \" (٥٦٩)، وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان نسب أقرب من نسب \" (٥٧٠) الحديث.\nوالإسلام إذ يقيم الوزن الأرجح للكفاءة في الدين، لا يحول - إذا أمكن - دون ابتغاء ما دونها من كفاءات أخرى، معنوية كانت أم مادية، أما إذا فقدت الكفاءة في الدين، فلن تعوضها أي كفاءة أخرى، في حين أن الدين عِوَض عن كل ما عداه.\nعليك بتقوى الله في كل حالة ... ولا تترك التقوى اتكالًا على النسب\nفقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب\nومن ثم: فإنه يجوز للفقير ًان يتزوج الغنية، وللمولى أن يتزوج الشريفة القرشية، وللرجل الكبير أن يتزوج الصغيرة الصبية، لكن لا يجوز للفاسق ومفقود العدالة أن يتزوج الصالحة التقية، مهما توفرت له مقومات الكفاءة في الحسب والنسب والجاه والمال، لأنه يُؤثر عليها في دينها وخلقها (٥٧١) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>فصل\nنص القرآن الكريم على تحريم نكاح الزانية</span>، فقال ﵎:\n_________\n(٥٦٩) أخرجه البخاري (١٠/٣٥١، ٣٥٢) في الأدب: باب تبل الرحم ببلالها، ومسلم رقم (٢١٥) في الإيمان: باب موالاة المؤمنين، وأحمد (٤/٢٠٣) .\n(٥٧٠) أخرجه البخاري في (الأدب المفرد\" رقم (٨٩٧)، وحسنه محققا \"زاد المعاد\" (٥/١٥٨) .\n(٥٧١) وانظر: \" الفقه الإسلامي وأدلته\" (٧/٢٤٧ - ٢٤٨)، و\" سلسلة الأحاديث الصحيحة ط حديث رقم (١٠٦٧) .","vol":"2","page":248},{"text":"(الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحُرم ذلك على المؤمنين) النور (٣) .\nومما يدل على تحريم مناكحة الزانيات أن الله تعالى أحل نكاح النساء بشرط الإحصان، فقال ﷿: (اليومَ أحِلَّ لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حِل لكم وطعامكم حِل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) المائدة: (٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (\" والمحصنات \" قد قال أهل التفسير: هن العفائف، هكذا قال الشعبي، والحسن، والنخعي، والضحاك، والسدي) (٥٧٢) اهـ، وقال الإمام المحقق ابن القيم ﵀: (إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفة، فقال: (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان) فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع، وما عداه، فعلى أصل التحريم) (٥٧٣) اهـ.\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: (أن مَرْثَد ابن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بَغيٌّ يقال لها: \" عَنَاق \" وكانت صديقته، قال: جئت إلى النبي ﷺ، فقلت: \" يا رسول الله، أنكح عناق؟ \"، قال: فسكت عني، فنزلت: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) (النور: ٣) فدعاني، فقرأها عَلَيَّ، وقال: \" لا تنكحها \" (٥٧٤) .\n_________\n(٥٧٢) \"مجموع الفتاوى \" (٣٢/١٢١) .\n(٥٧٣) \" زاد المعاد \" (٤/٧) .\n(٥٧٤) رواه أبو داود رقم (٢٠٥١) في النكاح: باب قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية)، واللفظ له، والترمذي رقم (٣١٧٦) في التفسير: باب ومن سورة =","vol":"2","page":249},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" لا ينكح الزاني المجلودُ إلا مثلَه \" (٥٧٥) .\nقال الحافظ ابن القيم ﵀:\n(أما نكاح الزانية فقد صرح الله بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من ينكحها فهو زانٍ أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه، ويعتقد وجوبه، أوْ: لا، فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده، فهو مشرك، وان التزمه، واعتقد وجوبه، وخالفه، فهو زان، وأيضا فإنه سبحانه قال: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات) النور (٢٦)، والخبيثات: الزواني، وهذا يقتضي أن من تزوجهن خبيث مثلُهن) (٥٧٦) اهـ.\n* * *\n_________\n= النور، وقال: \" حسن غريب \"، والنسائي (٦/٦٦) في النكاح: باب تزويج الزانية، والحاكم (٢/ ٣٩٦)، وصححه، والبيهقي (٧/١٥٣)، وصححه الألباني في \" الإرواء \" رقم (١٨٨٦) .\n(٥٧٥) رواه أبو داود رقم (٢٠٥٢) في النكاح، والإمام أحمد (٢/٣٢٤)، وقال الحافظ في \" بلوغ المرام \" رقم (١٠٢٩): \" إسناده حسن\"، وانظر: \" نيل الأوطار\" (٦/١٤٥)، وقال الشنقيطي ﵀: (إن أظهر قولي العلماء عندي أن الزانية والزاني إن تابا من الزنا، وندما على ما كان منهما، ونويا ألا يعودا إلى الذنب، فإن نكاحهما جائز، فيجوز له أن ينكحها بعد التوبة، ويجوز نكاح غيرهما لهما، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، لقوله تعالى: (إلا من تاب وءامن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) (الفرقان: ٧٠)، فالتوبة من الذنب تُذْهِبُ أثره، أما من قال: إن مَن زنى بامرأة لا تحل له مطلقا ولو تاب، فقولهم خلافُ التحقيق) اهـ من (أضواء البيان\" (٦/٨٣)، وانظر: \"المغني\" (٦/٦٠١ - ٦٠٣)، \" مجموع الفتاوى\" (٣٢/١١٠)، (٣٢/١٤٥) .\n(٥٧٦) \" زاد المعاد\" (٥/١١٤)، وانظر: \" التدابير الواقية من الزنا) للدكتور فضل إلهي ص (١٩٦: ١٩٢) .","vol":"2","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>فصل\nوأما الأدلة على عدم اعتبار المال في الكفاءة:</span>\nفمنها: قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) النور (٣٢) فهذه الآية دليل على تزويج الفقير الصالح التقي دون مبالاة بفقره، على وعد من الله ﷿ بأنه سيغنيهم من فضله، قال ﷺ: \" حق على الله عون من نكح التماس العفاف عما حَرم الله ط (٥٧٧) .\nقال القسطلاني ﵀: (فالمعسر كفء للموسرة، لأن المال غادٍ ورائح، ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر) (٥٧٨) .\nفالمال ظل زائل، وحال حائل، ومال مائل، وقد زوج رسول الله ﷺ المرأة التي جاءت لتهب نفسها له، من رجل ليس له سوى إزار واحد (٥٧٩)، وزوَّج ﷺ ابنته فاطمة ﵍ إلى علي بن أبي طالب ﵁، وهو أشد ما يكون فقرا، وآثره بها على غيره من أشراف قريش (٥٨٠) .\nو(حجم أبو هند النبي ﷺ، فقال: \" يا بني بَياضة أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه) (٥٨١) .\nألا إنما التقوى هي العز والكرمْ ... وحبك الدنيا هو الذل والسقم\nوليس على عبد تقي نقيصة ... إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم\n_________\n(٥٧٧) انظر تخريجه في: \" القسم الثالث\" ص (٦٤) .\n(٥٧٨) \"إرشاد الساري\" (٨/٢٤) .\n(٥٧٩) انظر \" فتح الباري\" (٩/١٣١) .\n(٥٨٠) \" البداية والنهاية\" (٣/٣٤٦)، و\" ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، للمحب الطبري ص (٢٧) .\n(٥٨١) أخرجه أبو داود رقم (٢١٠٢)، وصححه الحاكم (٢/١٦٤)، ووافقه الذهبي، =","vol":"2","page":251},{"text":"أما أهل الدنيا فإنهم يجعلون المال حسبهم الذي يسعون إليه، فصاحب المال فيهم عزيز كيفما كان، والمقل عندهم وضيع، ولو كان ذا نسب رفيع، فعن أبي بريدة عن أبيه قال رسول الله ﷺ: \" إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المالُ \" (٥٨٢) .\nوقال الشاعر:\nغنينا (٨٣٥) زمانا بالتصعلك والفقر ... وكُلا سقاناه بكأسَيْهِما الدَّهْرُ\nفما زادنا بَغْيًا على ذِي قَرابَةٍ ... غِنانا، ولا أزْرَى بأحسابِنا الفقرُ\nآخَر:\nما يصنع العبدُ بعِز الغني ... والعِزُّ كُلُّ العِز للمُتقي\nمن عرف الله فلم تُغْنِهِ ... معرفةُ الله فذاك الشقي\n_________\n= وحسنه الحافظ في \" تلخيص الحبير\" (٣/١٨٨) .\n(٥٨٢) رواه النسائي (٦/٦٤) في النكاح، وابن حبان رقم (١٢٣٣) - موارد، والدارقطني (٣/٣٠٤)، والحاكم (٢/١٦٣)، والبيهقي (٧/١٣٥)، والإمام أحمد (٥/٣٦١)، وصححه الألباني في \" الإرواء\" رقم (١٨٧٠)، وقال الحافظ في \"الفتح\": (والحسب هو الشرف بالآباء والأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إذا تفاخروا، عددوا مناقبهم، ومآثر آبائهم وقومهم، وحسبوها، فيُحكم لمن زاد عدده على غيره.\nويؤخذ من الأحاديث في ذلك أن الشريف النسيب يشحب له أن يتزوج بذات حسب ونسب مثله، إلا إن تعارض نسيبة غير دينة، وغير نسيبة دينة، فتُقَدم ذات الدين، وهكذا في سائر الصفات) اهـ. (٩/ ١٣٥)، وانظر: \" الفقه الإسلامي وأدلته، ص (٢٤٣) .\n(٥٨٣) غنينا: أقمنا.","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>فوائد</span>\nالأولى:\nاعلم أن الفقهاء الذين تشددوا في اشتراط الكفاءة، وتوسعوا فيه، قالوا: \" الرجل العالم هو كفء لكل امرأة، مهما كان نسبها، وإن لم يكن له نسب معروف، وذلك لأن شرف العلم دونه كل نسب، وكل شرف: قال الله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر (١٠)، وقال جل وعلا: (يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة (١١) .\nوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سئل: \" من أكرم الناس؟ \"، فقال: \" يوسف بنُ يعقوب بن إسحاق بنِ إبراهيم \"، قالوا: \" ليس عن هذا نسألك \"، قال: \" فأكرمهم عند الله أتقاهم \"، فقالوا: \" ليس عن هذا نسألك \"، فقال: \" عن معادن العرب؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا \" (٥٨٤) .\nوبعد ما ذكر بعض الفقهاء جملة من المهن الدنيئة المعتبرة عندهم في الكفاءة، قال- لله دَره -: (وأما أتباع الظلمة: فَأخسُّ من الكل) اهـ (٥٨٥) .\nالثانية:\nاعلم أن الكفاءة في الزواج - عند من اشترطها - معتبرة في الزوج دون الزوجة، أي أن الرجل هو الذي يشترط فيه أن يكون كفؤًا للمرأة، ولا يشترط أن تكون المرأة كفؤا للرجل (٥٨٦)، ودليل ذلك:\n_________\n(٥٨٤) رواه البخاري (٦/٢٩٨) في الأنبياء، وفي تفسير سورة يوسف، ومسلم رقم (٢٥٢٦) في فضائل الصحابة: باب خيار الناس.\n(٥٨٥) \" الفقه الإسلامي وأدلته\" (٧/٢٤٧) .\n(٥٨٦) انظر: \" حقوق المرأة في الزواج \" للشيخ محمد بن عمر الغروي ص (٣٢٩) وما =","vol":"2","page":253},{"text":"أولا: ما رواه أبو بردة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بمحمدٍ ﷺ، والعبد المملوك إذا أدَّى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها، فأحسن تأديبها، وعلمها، فأحسن تعليمها، ثم أعتقها، فتزوجها، فله أجران \" (٥٨٧) .\nثانيا: أن النبي ﷺ لا مكافئ له في منزلته، وقد تزوج من أحياء العرب، وتزوج من صفية بنت حُيي، وكانت يهودية، وأسلمت ﵂.\nثالثًا: أن الزوجة الرفيعة المنزلة، هي التي تُعَير هي وأولياؤها عادة، إذا تزوجت من غير الكفء، بخلاف الزوج الشريف، فلا يعيَّر إذا كانت زوجته دونه في المنزلة.\nالثالثة:\nاعلم أن مذهب الجمهور أن وجود الكفاءة إنما يعتبر عند إنشاء العقد ولا يضر زوالُها بعدَه، فإذا تخلف وصف من أوصافها بعد العقد، فإن ذلك لا يضر، ولا يغير من الواقع شيئًا، ولا يؤثر في عقد الزواج، لأن شروط عقد الزواج إنما تعتبر عند العقد، فإن كان عند الزواج صاحبَ حرفة شريفة، أو كان قادرًا على الإنفاق، أو كان صالحا، ثم تغيرت الأحوال،\n_________\n= بعدها، و\" الفقه الإسلامي وأدلته\" (٧/٢٣٣، ٢٣٩) .\n(٥٨٧) رواه البخاري (٥/١٢٦، ١٢٧) في العتق: باب العبد إذا أحسن عبادة ربه، ونصح سيده، وفي العلم، والجهاد، والأنبياء، والنكاح، ومسلم رقم (١٥٤) في الإيمان: باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، والترمذي رقم (١١١٦) في النكاح: باب ما جاء في فضل من يعتق أمَته ثم يتزوجها، والنسائي (٦/١١٥) واللفظ له.","vol":"2","page":254},{"text":"فاحترف مهنة دنيئة، أو عجز عن الإنفاق، أو فسق عن أمر ربه بعد الزواج، فإن العقد باقٍ على ما هو عليه، فإن الإنسان قد لا يدوم على حال واحدة، وعلى المرأة أن تصبر، وتتقي، فإن ذلك من عزم الأمور.","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>[فصل]\nالزوجية\nبين الحقوق والواجبات والآداب</span>\nالزواج كغيره من العقود، ينشئ بين العاقدين الزوجين حقوقا وواجبات متبادلة، عملًا بمبدأ التوازن، والتكافؤ، وتساوي أطراف العقد الذي يقوم عليه كل عقد.\nوالحقوق الزوجية التي نتكلم عنها ليست مجرد وصايا ينفذها الزوجان بدافع الوجدان المحض كالصدق، والاحترام وغيرهما، أو السلوك الذي يعتمد على المميزات الشخصية، وإنما نريد بالحقوق الزوجية ما يلزم به كل من الزوجين تجاه الآخر من حقوق يحميها القانون الإسلامي، وتتدخل السلطة لإجبار من أخل بشيء منها على أدائه كاملًا لشريكه في الحياة الزوجية، ذلك لأن النفوس جبلت على الشح في المسائل المادية، وما يتصل بها، فنصت الشريعة على هذه الحقوق، وجعلتها لازمة بحكم القضاء دعمًا للاستقرار العائلي، فإن الدافع الأول لأداء الحقوق هو تلك المزايا الشخصية التي يتحلى بها الزوجان من سعة الصدر والأناة والمداراة والتلطف تحركها عوامل المودة والرحمة (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون) الروم (٢١) .\nوفي الحقيقة أنا \"المَوَدَّة\" بما تدل عليه من تقرب كلٍّ إلى الآخر، والتلطف معه، و\" الرحمة\" بما تشعر من حرص كل من الزوجين على","vol":"2","page":256},{"text":"مصلحة صاحبه، والرفق به، والإشفاق عليه من كل سوء ومكروه، هما عماد البيت الذي يبقي على سكينة النفس، ويجعلها حقيقة مُدْرَكة في الحياة، وهما دستور المعاشرة بين الزوجين التي تجعل كلا منهما يشعر أنه متمم للآخر، وأنه هو مُتَمَّم به أيضا، فإذا بالرجل والمرأة الغريبين عن بعضهما المتباعدين من قبل، يتقاربان هذا التقارب، ويتحابان محبة تجعل كلا منهما أقرب إلى الآخر من أبيه وأمه!\nفإذا وجد مع ذلك كله القضاء الشرعي الملزم، كان أدعى لسكون النفس، ومنعها أن تنزع إلى التمرد، أو التخفف من بعض المسئوليات، فإن نزعت، لجأ الطرف الآخر لقوة القضاء يلزمه بالتنفيذ وأداء الحق كاملا.. ولقد قرر القرآن الكريم هذه الحقوق في قاعدة تشريعية دقيقة هي قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة) .\nحقوق الزوجين متبادلة:\nفالآية نصت على أن الحقوق بين الزوجين متبادلة، طبقا لمبدأ: \" كل حق يقابله واجب\"، فكل حق لأحد الزوجين على زوجه يقابله واجب يؤديه إليه، وبهذا التوزيع تكفلت هذه القاعدة أن تحقق التوازن بين الزوجين من كافة النواحي، مما يدعم استقرار حياة الأسرة، واستقامة أمورها.\n(قال ابن عباس ﵄:\n\" أني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف (٥٨٨) كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها عَلي؛ لأن الله تعالى قال:\n_________\n(٥٨٨) استنظفت الشيء: إذا أخذته كله.","vol":"2","page":257},{"text":"(ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) أي زينة من غير مأثم \"، وعنه أيضًا: \" أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن \"، وقال ابن زيد: \" تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله ﷿ فيكم\".\nقال القرطبي: \" الآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية \") (٥٨٩» .\n_________\n(٥٨٩) انظر: \" الجامع لأحكام القرآن \" للقرطبي (٣/١٢٣ - ١٢٤) .","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>أولا: الحقوق والآداب المشتركة بين الزوجين</span>\nالحق الأول: غض الطرف عن الهفوات والأخطاء، وخاصة غير المقصود منها السوء في الأقوال والأفعال، وقد روى أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" كُل بَني آدَمَ خَطَّاء، وخير الخطائين التوابون \" (٥٩٠) .\nفعلى كل من الزوج والزوجة أن يحتمل صاحبه، فلكل جواد كبوة، ولكل امرئ هفوة، ولكل إنسان زلة، وأحق الناس بالاحتمال من كان كثير الاحتكاك بمن يعاشر.\nقال الشاعر:\nإذا كنتَ في كُل الأمور مُعاتِبًا ... صديقَكَ، لم تَلْقَ الذي لا تُعَاتِبُه\nفَعِشْ واحدًا أوْ صِلْ أخاكَ فإنه ... مُقارفُ ذَنب مرةً ومجَانِبُهْ\nإذا أنتَ لم تشربْ مِرارًا على القَذَى ... ظمِئتَ، وَأي الناس تَصْفُو مَشَارِبُهْ؟\nمَنْ ذَا الذي ترضَى سجاياه كُلها؟ ... كفى المرءَ نُبْلا أن تُعَد مَعَايِبُهْ\nوقال آخر:\nمَنْ ذا الذي ما ساءَ قط ... ومَن لَه الحسنى فقط؟!\nوقال آخر:\n_________\n(٥٩٠) أخرجه الترمذي رقم (٢٥٠١) في صفة القيامة: باب المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه، وابن ماجه رقم (٤٢٥١) في الزهد: باب ذكر التوبة، والدارمي (٢/٣٠٣) في الرقاق: باب في التوبة، وأحمد (٣/١٩٨)، وحسنه الألباني في \" صحيح الجامع\" (٤/١٧١) .","vol":"2","page":259},{"text":"أرى كُل إنسان يرى عيبَ غيرِه ... ويعمَى عن العيب الذي هو فيه\nإن أحدنا لتمر عليه فترات لا يرضى فيها عن نفسه، فهو لا يرضى لها الضعف في مجال القوة، أو الغضب في مقام الحلم، والسكوت في معرض بيان الحق.. ولكنه يتحمل نفسه، ويتعلل بما يحضره من المعاذير، فليكن هذا هو الشأن بين الزوجين يلتمس كلاهما لقرينه المعاذير، \"فإن المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات \"، وحين تحسن النوايا، وتتواد القلوب، ويكون التعقل هو مدار المعيشة، يتوفر هذا الجانب الكريم في حياة الأسرة.\nوعلى كل طرف ألا يقابل انفعال الآخر بمثله، فإذا رأى أحد الزوجين صاحبه منفعلًا بحدة، فعليه أن يكظم غيظه، ولا يرد على الانفعال مباشرة، وهذه النصيحة يجب أن تعمل بها المرأة أكثر من الرجل رعايةً لحق الزوج، وما أجمل قول أبي الدرداء ﵁ لزوجته: \" إذا رأيتني غَضِبت، فَرَضِّني، وإذا رأيتُكِ غَضبتي رَضيتكِ، وإلا لم نصطحب \".\nوعن محمد بن إبراهيم الأنطاكي قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: (أراد شعيب بن حرب أن يتزوج امرأة، فقال لها: \" إني سيء الخلق\"، فقالت: \" أسوأ منك خُلُقًا من أحوجك أن تكون سيء الخلق \"، فقال: \" إذا أنت امرأتي \") (٥٩١) .\nوتزوج الإمام أحمد ﵀ عباسة بنت المفضل، أم ولده صالح، وكان الإمام أحمد يثني عليها، ويقول في حقها:\n\" أقامت أم صالح معي عشرين سنة، فما اختلفت أنا وهي في كلمة \" (٥٩٢) .\n_________\n(٥٩١) \"أحكام النساء\" ص (٨٢) .\n(٥٩٢) \"طبقات الحنابلة\" (١/٤٢٩) .","vol":"2","page":260},{"text":"الحق الثاني: المشاركة الوجدانية في الأفراح والأحزان:\nفي الهموم والمطالب، وما أصدق كلام عمر ﵁ وقد دخل على رسول الله ﷺ فرآه يبكي هو وأبو بكر ﵁، بعد قبوله الفداء في أسرى بدر ونزول العتاب:\nقال: (قلت: يا نبى الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإلا تباكيت لبكائكما) (٥٩٣) الحديث.\nإن المودة لا تهبط علينا هبوطَا، ولا تنبع من تحت أرجلنا نبعَا، إننا إن لم نسع إليها ونأخذ بأسبابها الموصلة إليها لم نبلغها، ومن أعظم هذه الأسباب المشاركة العاطفية والوجدانية، التي إن لم يتشبع بها الجو الأسري، فقد المحبة والتعاون، وحل محلهما الكراهية والتواكل، وهذا هو الخراب الحقيقي للبيت، فإن بيتًا يقوم على الكراهية، والنزاع، والخصام بيت خرب، أشبه ما يكون بأتون يحرق كل من يقترب منه بَلْهَ من يسكنه.\nإن المشاركة في الأفراح تجعلها مضاعفة، والمواساة في المصائب تكسر حدتها، والمصيبة إذا عمت خفت.\nفليتعاون الزوجان في السراء والضراء، على جلب السرور ودفع الحزن، في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، \" والله في عون العبد، ما دام العبد في عون أخيه \".\nالحق الثالث: أن ينصح كل منهما قرينه في طاعة الله تعالى، ويتطاوعا في ذلك: وقد تقدم في الحديث الصحيح بيان رسول الله ﷺ، أن من أفضل\n_________\n(٥٩٣) قطعة من حديث رواه مسلم رقم (١٧٦٣) في الجهاد: باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم.","vol":"2","page":261},{"text":"ما يتخذه الإنسان: \" زوجةً مؤمنة تعينه على إيمانه \" (٥٩٤) .\nقال المباركفوري ﵀: (أي على دينه بأن تذكِّرَه الصلاة والصوم، وغيرهما من العبادات، وتمنعه من الزنا، وسائر المحرمات) (٥٩٥) اهـ.\nإِن التعاون على طاعة الله تعالى يتوج التفاهم بين الزوجين، ويبلغ به القمة، والتعاون شعار المجتمع الإسلامي: (وتعاونوا على البر والتقوى) فكيف بالزوجين؟ وهذا رسول الله ﷺ يهيب بالزوجين أن يجتهد كل منهما في إعانة الآخر على بلوغ الكمال الديني، فيحثه على أخلص العبادة لله، وهى \" قيام الليل \" فيروي عنه أبو هريرة ﵁ قوله: \" رحم الله رجلًا قام من الليل، فصلى، وأيقظ امرأته، فَصَلَّتْ، فإن أبت نضح في وجهها الماء (٥٩٦)، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبي نضحت في وجهه الماء \" (٥٩٧) .\n_________\n(٥٩٤) تقدم تخريجه برقم (٥٣٧) .\n(٥٩٥) (تحفة الأحوذي (٤/١٦٥) .\n(٥٩٦) نضح: رش، (في وجهها الماء) قال المناوي: (نبه به على ما في معناه نحو ماء ورد أو زهر) اهـ من \" فيض القدير \" (٤/٢٥)، وقال الدكتور نور الدين عتر: (ومعنى النضح الرش الذي لا يؤذي ولا يؤدي إلى استفزاز، ويمكن استعمال شيء آخر كماء الزهر، أو مسح الوجه بشيء من الطيب) اهـ. من \" ماذا عن المرأة؟ \".\n(٥٩٧) رواه أبو داود رقم (١٣٠٨) في الصلاة: باب قيام الليل، والنسائي (٣/٢٠٥) في قيام الليل: باب الترغيب في قيام الليل، وابن ماجه (١٣٣٦)، وابن حبان (٦٤٦- موارد)، والحاكم (١/٣٠٩)، وصححه على شرط مسلم، والإمام أحمد (٢/ ٢٥٠، ٤٣٦)، ونقل في \" فيض القدير\" قول النووي ﵀: \" إسناده صحيح، اهـ (٤/٢٦) .","vol":"2","page":262},{"text":"ويمتثل أبو هريرة ﵁- راوي هذا الحديث- ما رواه عن النبي ﷺ:، فيطبقه على نفسه وأهله، فكان هذا ديدنه يصوم النهار، ويقوم الليل: يقوم ثلث الليل، ثم يوقظ امرأته، فتقوم ثلثه، ثم توقظ هذه ابنته، لتقوم ثلثه (٥٩٨)، وقال أبو عثمان النهدي: (تضيفت أبا هريرة سبع ليال، فكان هو وخادمه وامرأته يعتقبون الليل أثلًاثا \" (٥٩٩) .\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصليا - أو صلى- ركعتين جميعًا، كُتِبا في الذاكرين الله كثيرا والذاكرات \" (٦٠٠) .\n_________\n(٥٩٨) \" البداية والنهاية\" (٨/ ١١٠) .\n(٥٩٩) \"حلية الأولياء\" (١/٣٨٣) .\n(٦٠٠) رواه أبو داود رقم (١٣٠٩) في الصلاة: باب قيام الليل، ورقم (١٤٥١) باب الحث على قيام الليل، والطبراني في \" الصغير\" (١/٨١)، والحاكم (٢/٤١٦)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: (وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، والذهبي، والنووي، والعراقي) اهـ من \" المشكاة\" (١/٣٩٠) .","vol":"2","page":263},{"text":"تعاون الزوجين على البر والتقوى\nوأثره عليهما وعلى ذريتهما\nولا شك أن لتعاون الزوجين على البر والتقوى آثارًا عظيمة عليهما وعلى ذريتهما في الحاضر والمستقبل.\nأما في الحاضر: فإن شيوع هذه الروح في البيت وتشبع الطفل بها، يؤدى إلى حبه لطاعة الله، وتعظيمه لشعائر الإسلام، وسهولة انقياده لأمر الله، اقتداءً بأبويه كما قال تعالى: (ذرية بعضها من بعض) آل عمران (٣٤)، وأما في المستقبل القريب في الدنيا:\nفقد بين القرآن الكريم أن صلاح الآباء ينفع الأبناء، وهذا الخضِر ﵇ وقد بنى الجدار متبرعَا، فيقول له موسى ﵇: (لو شئت لتخذت عليه أجرا) الكهف (٧٧)، فيبين له سبب عدم أخذه على ذلك أجرًا، فيقول: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحَا) الآية الكهف (٨٢)، وإذا ما نشأث الذرية على طاعة الله ﷿، وتعظيم دينه، سهل عليهم أمر التكاليف الشرعية حين يبلغون، فيستحقون بشارة رسول الله ﷺ الواردة في قوله: \" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله\" وذكر منهم: \" شابا نشأ في عبادة الله ﷿ \" (٦٠١)، ثم إذا فارق الأبوان الدنيا نفعهما دعاء الولد\n_________\n(٦٠١) جزء من حديث رواه البخاري (٢/١١٩)، في الجماعة، ومسلم رقم (٢٠٣١) في الزكاة، والترمذي رقم (٢٣٩٢) في الزهد، والنسائي (٨/٢٢٢) في القضاة، وغيرهم.","vol":"2","page":264},{"text":"الصالح كما في الحديث.\nوإذا استقامت الذرية بعد فراق الأبوين على هذا العهد، كان اللقاء بينهم من جديد في جنة الخلد، ودار الكرامة: قال سبحانه: (والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين) الطور (٢١) .\nلهذا قال أحد الصالحين: \" يا بني إني لأستكثر من الصلاة لأجلك\"، وعن ابن عباس ﵄ أنه لما نزل (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى أنزل الله تعالى بعد هذا: (ألحقنا بهم ذريتهم) يعني بإيمان، فأدخل الله ﷿ الأبناء بصلاح الآباء الجنة (٦٠٢) .\nوفي رواية: (ألحقنا بهم ذريتهم) قال ابن عباس: (إن الله ﷿ ليرفع ذرية المؤمن معه في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ: (والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء) الطور (٢١)، يقول: وما نقصناهم \" (٦٠٣) .\nوقال سعيد بن المسيب ﵀: \" إني لأصلي، فأذكر ولدي، فأزيد في صلاتي \" (٦٠٤) .\nإن تقوى الله ﵎، والعمل الصالح الذي يتعاون عليه الزوجان أعظم ذخيرة يدخرها الأبوان لحماية أولادهما، وأوثق تأمين على مستقبل ذريتهما، وأقوى ضمان لسلامتهم، ورعاية الله لهم في حياتهما، وبعد رحيلهما، خاصة إذا تركاهم ضعافًا يتامى، لا راحم لهم ولا عاصم\n_________\n(٦٠٢) \" الاعتقاد، للبيهقي ص (٧٤- ٧٥) .\n(٦٠٣) \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/١١٩) .\n(٦٠٤) عزاه إلى \" حسن الأسوة \" صاحب \" منهج التربية النبوية للطفل \" ص (٤٥) .","vol":"2","page":265},{"text":"من البشر، قال جل وعلا: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) النساء (٩) .","vol":"2","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>من مواقف الزوجة المسلمة</span>\nروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [لما نزلت هذه الآية: (من ذا الذي يُقْرِضُ الله قرضًا حَسَنا فيضاعفَه له) قال أبو الدحداح الأنصاري: \" يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ \"، قال: \" نعم يا أبا الدحداح \"، قال: (أرني يدك يا رسولَ الله \"، قال: فناوله يده، قال: (فإني قد أقرضت ربي حائطي \"، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها: \" يا أم الدحداح \"، قالت: \" لبيك \"، قال: \" اخرجي فقد أقرضته ربي ﷿ \"، وفي رواية أنها قالت له: (رَبِح بيعُك يا أبا الدحداح \"، ونقلت منه متاعها وصبيانها، وإن رسول الله ﷺ قال: \" كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح \"، وفي لفظ: \" رُبَّ نخلة مُدَلَّاة عروقها دُر وياقوت لأبي الدحداح في الجنة \" (٦٠٥)] والعذق: بفتح العين النخلة، وبكسرها: عرجونها، والرداح: الثقيل.\nوعن محمد بن الحسين السلمي قال: (قال أبو محمد الحريري: كنت عند بدر المغازلي، وكانت امرأته باعت دُرًّا بثلاثين دينارًا، فقال لها بدر: \" نفرق هذه الدنانير في إخواننا، ونأكل رزق يوم بيوم \"، فأجابته إلى ذلك، وقالت: \" تزهد أنت، ونرغب نحن؟ هذا ما لا يكون \" (٦٠٦» .\n_________\n(٦٠٥) قال في \" مجمع الزوائد \": (رواه البزار، ورجاله ثقات) اهـ (٦/٣٢٠)، وقال في موضع آخر: (رواه أبو يعلى: والطبراني ورجالهما ثقات، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح) اهـ (٩/٣٢٤)، وللقصة أصل صحيح كما حققه الشيخ أحمد شاكر في \" تفسير الطبري\" (٥/٢٨٣ -٢٨٦)، وانظر: \" الإصابة\" (٧/١٢٠) .\n(٦٠٦) \" أحكام النساء \" ص (١٤٧) .","vol":"2","page":267},{"text":"وقال أبو يوسف البزار:\n(تزوج رياح القيسي امرأة، فبنى بها، فلما أصبح قامت إلى عجينها، فقال: \" لو نظرتِ إلى امرأةٍ تكفيكِ هذا \"، فقالت: \" إنما تزوجت رياحا القيسي، ولم أرني تزوجت جبارًا عنيدا \"، فلما كان الليل نام ليختبرها، فقامت ربع الليل، ثم نادته: \"قم يا رياح \"، فقال: \"أقوم\"، فقامت الربع الآخر، ثم نادته، فقالت: \" قم يا رياحا، فقال: \" أقوم \"، فلم يقم، فقامت الربع الآخر، ثم نادته، فقالت: \" قم يا رياح\"، فقال: \" أقوم \"، فقالت: \" مضى الليل، وعَسكَرَ المحسنون، وأنت نائم، ليت شِعري من غَرَّني بك يا رياح؟، قال: \" وقامت الربع الباقي \") (٦٠٧) اهـ.\nوقال رياح: (اغتممتُ مرة في شيء من أمر الدنيا، فقالت: \" أراك تغتم لأمر الدنيا، غرَّني منكم شُميط (٦٠٨)، ثم أخذت هُدْبَةً من مِقْنَعَتِها (٦٠٩)، فقالت: \" الدنيا أهون عَلى من هذه \") (٦١٠) اهـ.\nوقال الحسين بن عبد الرحمن:\nحدثني بعض أصحابنا قال: (قالت امرأة حبيب أي محمد، وانتبهت ليلة، وهو نائم، فأنبهته في السحر، وقالت: \" قم يا رجل فقد ذهب الليل، وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد، وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قُدامنا، ونحن قد بقينا \") (٦١١) .\n_________\n(٦٠٧) \"صفة الصفوة \" (٤/٤٣ - ٤٤) .\n(٦٠٨) وهو \" شُمَيط بن العجلان \" الذي زَوَّجَها من \" رياح القيسي\".\n(٦٠٩) المقنَعَة: ما تغطي به المرأة رأسها، وهو أصغر من القناع، والهدبة: الخيط الصغير، وما يشبهه.\n(٦١٠) \"صفة الصفوة \" (٤/٤٤) .\n(٦١١) \"السابق\" (٤/٣٣) .","vol":"2","page":268},{"text":"و(أجمع المؤرخون على أن جميع الأعمال الطيبة، والأفعال الحسنة التي قام بها المهدي (٦١٢)، فأكسبته الشهرة الفائقة، إنما كانت بتأثير زوجته \" الخيزران \") (٦١٣) .\nوفي العصر المتأخر كان للزوجة العاقلة أكبر الأثر في نصرة أعظم حركة تجديدية شهدتها الأمة منذ أوائل القرن الثاني عشر الهجري حتى يومنا هذا:\nإذ لما قدم شيخ الإسلام \" محمد بن عبد الوهاب \" ﵀ إلى \" الدرعية \" ليعرض دعوته على أميرها \" محمد بن سعود \" لعله ينصره بسيفه، ويحمى الدعوة التجديدية الوليدة، أوعز تلميذ شيخ الإسلام الشيخ \" أحمد بن سويلم العريني \" إلى \" ثنيان \" و\" مشاري \" أخوي الأمير \" محمد بن سعود\"، وكانا من أنصار الشيخ وأتباعه، أوعز إليهما أن يستكشفا رأي أخيهما الأمير محمد في شأن الشيخ، ويقفا على مدى استعداده لمناصرة دعوته، فلم يترددا في قبول طلبه، وخَفا مسرِعَيْن إلى دار أخيهما الأمير محمد، وشرعا أولا بمفاوضة زوجته المسماة \" موضى بنت أبي وهطان \" من آل كثير، وكانت امرأة مشهورة بوفرة الذكاء والنباهة وسعة الإدراك، وقد تحدث الأخَوان إلى زوجة أخيهما طويلًا في المهمة التي جاءا من أجلها، وعن الدعوة التي يدعو إليها الشيخ، ومدى فائدتها في محاربة البدع والخرافات، ومكانة الشيخ، وما هو عليه من علم ومعرفة، وصفة ما يأمر به وينهى عنه، وأخيرًا طلبا إليها أن تفاوض زوجها لمناصرة\n_________\n(٦١٢) هو الخليفة محمد بن عبد الله المنصور.\n(٦١٣) \" مرآة النساء \" ص (٨٦)، وهي أم الهادي، وهارون الرشيد، ملكة حازمة، عاقلة، لبيبة، دينة، خيرة، متفقهة، أخذت الفقه عن الإمام الأوزاعي، كما في \" الأعلام \" (٢/٣٧٥) .","vol":"2","page":269},{"text":"الشيخ، وشَد أُزرِه، وإشهار السيف من غِمده في سبيل نصرة الدعوة التي يدعو إليها، فَوَعَدَتهما خيرًا، وتم الاتفاق على ذلك، ونقلت السيدة \" موضى\" إلى زوجها ما دار بينها وبين أخويه من الحديث، وَدَعَتْهُ إلى تأييد الشيخ، ونصرة دعوته، وقالت له: إن هذا الرجل قدم إلى بلدك، وهو غنيمة ساقها الله تعالى إليك، فأكرِمْه، وعظمْه، واغتنم نُصرتَه \"، ثم رَغبَتْهُ، وحسنت إليه القيام بزيارة خاصة إلى دار الشيخ \" أحمد بن سويلم\" لمقابلة الشيخ، لتكون إعلانا جهارًا للملأ بأنه على نصرته، وتحت حمايته، لكي يعظمه الناس، ويكرموه، فوافق الأمير محمد على نصيحة زوجته)، وتم اللقاء بينهما حيث أفاض الشيخ في شرح دعوته إلى التوحيد، ومحاربة الشرك والبدع، وتمت البيعة بينهما، وعقد التحالف على قيام الأمير \" محمد بن سعود \" بشد أزر الشيخ ونصرة دعوته، ودخل الشيخ البلد تلبية لدعوة الأمير، واتخذ له منزلا بالقرب من دار الأمير \" محمد بن سعود \" (٦١٤) اهـ.\nوقد كان لهذه المرأة الصالحة الصادقة أكبر الأثر في مؤازرة زوجها وتشجيعه، وحثه على الصبر والسلوان حينما اندحر الجيش الذي قاده ولده عبد العزيز وهزم هزيمة نكراء في \" حائر \" (٦١٥) .\n_________\n(٦١٤) انظر: \" تاريخ الجزيرة العربية في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب \" لحسين خلف الشيخ خزعل ص (١٥٩ - ١٦١)، وكذا \" السعوديون والحل الإسلامي\" ص (١١٢)، \" مجلة البحوث الإسلامية \" العدد السابع عشر ص (٣٦٠) عام ١٤٠٦ - ١٤٠٧ هـ.\n(٦١٥) \" السابق \" ص (٢٥٢)، ومن فضائل هذه المرأة العاقلة أن في كتفها وتحت عينها نشأ ابنها الإمام المجاهد، والبطل المجالد، أمير المسلمين في زمانه، العلامة الزاهد العابد، بقية السلف الصالح، تلميذُ إمام الدعوة السلفية: عبد العزيز بن محمد ابن سعود، الملقب بـ \" مهدي زمانه \"، المقتول غدرًا بيد رافِضي خبيث في صلاة العصر وهو ساجد سنة ١٢١٨ هـ، ﵀، وعفا عنه، وتقبله في الشهداء.","vol":"2","page":270},{"text":"الحق الرابع: حفظ السر:\nفلا يذكر أحدهما قرينه بسوء بين الناس، ولا يفشي سره، ولا يخبر بما يعرفه عنه من العيوب الخفية، قال تعالى: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله.\nقال البغوي ﵀: \" أي: قيمات بحقوق أزواجهن، والقنوت: القيام، والقنوت: الدعاء، وقيل: قانتات: أي: مُصَلِّيات، ومنه قوله ﷿: (أمن هو قانت آناء الليل) (٦١٦) الآية الزمر (٩) .\n_________\n(٦١٦) \" شرح السنة \" (٩/١٥٧) .\nوقال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: (قال الثوري وقتادة: \" حافظات للغيب \": يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال، وروى ابن جرير والبيهقي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \" خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتهما أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها \" وقرأ ﷺ هذه الآية) وقال: (أقول: ويدخل في قوله هذا وجوب كتمان كل ما يكون بينهن وبين أزواجهن في الخلوة، ولا سيما حديث الرفث، فما بالك بحفظ العرض؟ ! وعندي أن هذه العبارة أبلغ ما في القرآن من دقائق كنايات النزاهة، تقرؤها خرائد العذارى جهرا، ويفهمن ما تومئ إليه مما يكون سرا، وهن على بعد من خطرات الخجل أن تمس وجدانهن الرقيق بأطراف أناملها، فلقلوبهن الأمان من تلك الخلجات، التي تدفع الدم إلى الوجنات، ناهيك بوصل حفظ الغيب (بما حفظ الله) فالانتقال السريع من ذكر ذلك الغيب الخفي، إلى ذكر الله الجلي، يصرف النفس عن التمادي في التفكير فيما يكون وراء الأستار، من تلك الخفايا والأسرار، وتشغلها بمراقبة الله ﷿.\nوفسروا قوله تعالى: (بما حفظ الله) بما حفظه لهن في مهورهن، وإيجاب النفقة لهن - يريدون أنهن يحفظن حق الرجال في غيبهم جزاء على المهر ووجوب النفقة المحفوظين لهن في حكم الله تعالى، وما أراك الا ذاهبا معى إلى وهَن هذا القول وهزاله، وتكريم أولئك الصالحات بشهادة الله تعالى أن يكون حفظهن لذلك الغيب من يد تلمس، أو عين تبصر، أو أذن تسترق السمع، معللا بدراهم قبضن، =","vol":"2","page":271},{"text":"فالصالحة عابدة لله تعالى تعين زوجها على تطبيق الإسلام على نفسه وعلى أسرته، وأما حفظ الغيب فهو واجب على كلا الزوجين، لكنه في حق المرأة آكد وأقوى، لأن الخطر في تساهلها عظيم جدا، يهدد بأفظع النتائج الدينية والدنيوية، ويدمر الأسرة، فالمرأة الصالحة حافظة لزوجها في غيابه: من عِرض فلا تزني، ومن سر فلا تفشي، ومن سمعة فلا تجعلها مضغة في الأفواه.\nومن حفظ السر: عدم نشر ما يكون بين الزوجين متعلقًا بالوقاع ونحوه، وقد ثبتت أحاديث في تحريم ذلك:\nمنها: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \" إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي (٦١٧) إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر (٦١٨) ...................................\n_________\n= ولقيمات يرتقبن، ولعلك بعد أن تمج هذا القول يقبل ذوقك ما قبله ذوقي، وهو أن الباء في قوله: (بما حفظ الله) هي صِنْوُ باء: \" لا حول ولا قوة إلا بالله\" وأن المعنى: حافظات للغيب بحفظ الله، أى: بالحفظ الذي يؤتيهن الله إياهن بصلاحهن، فإن الصالحة يكون لها من مراقبة الله تعالى وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة، قوية على حفظ الأمانة، أو حافظات له يسبب أمر الله بحفظه، فهن يطعنه، ويعصين الهوى) اهـ من \" حقوق النساء في الإسلام\" ص (٤٨- ٥٠) ..\n(٦١٧) أي: يصل إليها بالمباشرة والمجامعة ومنه قوله تعالى: (وقد أفضى بعضكم إلى بعض \".\n(٦١٨) وقد أضاف الحديث الشر إلى الرجل وحده، لأنه أجرأ في الكشف عن مثله، وليس معنى ذلك أن ذكر الإفضاء حرام على الرجل مباح للمرأة، فالتحريم يشملهما معا، قال النووي ﵀: (ومجرد ذكر الجماع - إن لم تكن فيه فائدة، ولا حاجة إليه - فمكروه، لأنه خلاف المروءة، وقد قال رسول الله ﷺ: \" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا، أو ليصمت\" اهـ من \" شرح النووي لصحيح مسلم\" (١٠/٩)، ولهذا فإن التشريع الحكيم لا يبيح ذكره تعريضا إلا إذا كان لتعليم درس، أو طلب إعلام فقهي، أو مقاضاة بين زوجين، ويترتب على ذكره فائدة، وهكذا كان أدب رسول الله ﷺ فقد قال لأبي طلحة ﵁: \" أأعرستم الليلة؟ \"، وقال لجابر ﵁: \" الكيسَ، الكيسَ، يعني الولد، وهو لا يأتي إلا بالنكاح، وعن مجاهد في تفسير قوله تعالى: (وإذا مروا باللغو مروا كراما قال: (إذا أتوا عل ذكر النكاح كنوا عنه) رواه ابن أبي شيبة (٤/٣٩١) .","vol":"2","page":272},{"text":"سرها \" (٦١٩)، ومنها ما روته أسماء بنت يزيد - ﵂- أنها كانت عند رسول الله ﷺ، والرجال والنساء قعود، فقال: \" لعل رجلا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟ ! \"، فأرَمَّ (٦٢٠) القوم، فقلت: \" أي والله يا رسول الله! إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلون \"، قال: \" فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغشيها والناس ينظرون \" (٦٢١) .\nالحق الخامس: المبيت في الفراش، والإعفاف:\nفلا يجوز لأحد الزوجين أن يغمطه صاحبه مع القدرة عليه: فالمرأة يجب عليها أن تلبي زوجها كلما أرادها على ذلك، وإن لم يكن لديها ميل إليه، إلا لعذر مانع، فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إذا دعا الرجل امرأته إلى فِراشه (٦٢٢)، فأبت أن تجيء، فبات غضبانَ، لعنتها الملائكة حتى تصبح \"، وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال: \" والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فتأبى\n_________\n(٦١٩) رواه ابن أبي شيبة (٤/٣٩١)، ومن طريقه مسلم رقم (١٤٣٧) (١٠/٨) - نووي، والإمام أحمد (٣/٦٩) بلفظ: (إن من أعظم الأمانة عند الله)، وأبو نعيم (١٠/٢٣٦ - ٢٣٧)، وابن السني رقم (٦٠٨)، والبيهقي (٧/١٩٣ - ١٩٤)، وفيه عمر بن حمزة العمري، قال ابن القطان: (وعمر ضعفه ابن معين، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، فالحديث به حسن لا صحيح) اهـ. كذا نقله عنه المناوي في \" فيض القدير\" (٢/٥٣٩) .\n(٦٢٠) أي: سكتوا، ولم يجيبوا.\n(٦٢١) أخرجه الإمام أحمد (٦/٤٥٦)، وله شواهد يرتقي بها إلى الصحة أو الحسن، ذكرها الألباني في \" آداب الزفاف\" ص (١٤٤) .\n(٦٢٢) (الظاهر أن الفراش كناية عن الجماع، ويقويه قوله ﷺ: \" الولد للفراش\"، أي لمن يطأ في الفراش، والكناية عن الأشياء التي يُستحيى منها كثيرة في القرآن والسنة) اهـ نقله الحافظ عن \" ابن أبي جمرة\" فانظر \"فتح الباري\" (٩/٢٩٤) .","vol":"2","page":273},{"text":"عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها \" (٦٢٣)، وفي رواية أخرى قال: \" إذا باتت المرأة مُهاجِرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح\"، وفي أخرى: \" حتى ترجع\" (٦٢٤) .\nوعن طلق بن على ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا الرجل دعا زوجته لحاجته، فلتأته وإن كانت على التنور \" (٦٢٥) . وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قَتَب (٦٢٦)، لم تمنعه........................\n_________\n(٦٢٣) وفي هذا الحديث أًن سخط الزوج يوجب سخط الرب، وهذا في قضاء الشهوة، فكيف إذا كان في أمر الدين؟!\n(٦٢٤) رواه البخاري (٩/٢٥٨) في النكاح: باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، وفي بدء الخلق: باب ذكر الملائكة، ومسلم رقم (١٤٣٦) في النكاح: باب تحريم امتناعها من فراش زوجها، وأبو داود - ولفظ الأولى له - رقم (٢١٤١) في النكاح: باب حق الزوج على المرأة، والدارمي (٢/١٤٩ - ١٥٠)، والإمام أحمد (٢/ ٢٥٥، ٣٤٨، ٣٨٦، ٤٣٩، ٤٦٨، ٤٨٠، ٥١٩، ٥٣٨) .\n(٦٢٥) أخرجه الترمذي رقم (١١٦٠) في الرضاع: باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، وقال: \" حسن غريب \"، وصححه الألباني في \" الصحيحة \" رقم (١٢٠٢)، وابن حبان (١٢٩٥- موارد) ص (٣١٥)، والإمام أحمد (٤/ ٢٢ -٢٣)، والبيهقي (٧/٢٩٢)، وقوله: \" وان كانت على التنور، (معناه: فلتجب دعوته وإن كانت تخبز على التنور، مع أنه شغل شاغل لا يتفرغ منه إلى غيره إلا بعد انقضائه، قال ابن الملك: \" وهذا بشرط أن يكون الخبز للزوج، لأنه دعاها في هذه الحالة، فقد رضى بإتلاف مال نفسه، وتلف المال أسهل من وقوع الزوج في الزنا) اهـ. من \" مرقاة المفاتيح\" (٣/٤٦٧) .\n(٦٢٦) أي: رَحْل - وفي \" النهاية \": (القَتَب للجمل كالإعلاف لغيره، ومعناه الحث لهن على مطاوعة أزواجهن، وأنه لايسعهن الامتناع في هذه الحال، فكيف في غيرها؟) اهـ. (٤/١١) (وقيل: إن نساء العرب كن إذا أردن الولادة جلسن على قتب، ويقال إنه أسهل لخروج الولد، فأراد تلك الحالة، قال أبو عبيد: كنا =","vol":"2","page":274},{"text":"نفسها (٦٢٧) .\nوعن معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" لا تُؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجتهُ من الحور العين: \" لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإنما هو عندكِ دخيل (٦٢٨)، يوشك أن يفارقكِ إلينا \" (٦٢٩» .\nوعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون \" (٦٣٠) .\n_________\n= نرى أن المعنى: وهي تسير على ظهر البعير فجاء التفسير بغير ذلك) اهـ من \" حاشية السندي على ابن ماجه \" (١/٥٧٠) .\n(٦٢٧) قطعة من حديث رواه ابن ماجه (١/٥٧٠)، والإمام أحمد (٤/٣٨١)، وابن حبان ص (٣١٤)، رقم (١٢٩٠- موارد)؛ والبيهقي (٧/٢٩٢)، وله شاهد من حديث زيد بن أرقم ذكره المنذري في \" الترغيب\" وقال: (رواه الطبراني بإسناد جيد) اهـ (٣/٥٨)، وانظر \" السلسلة الصحيحة \" رقم (١٢٠٣) .\n(٦٢٨) الدخيل: الضيف والنزيل، يعني: هو كالضيف عليك، وأنت لست بأهل له حقيقة، وإنما نحن أهله، فيفارقك قريبا، ويلحق بنا.\n(٦٢٩) رواه الترمذي رقم (١١٧٤) في الرضاع: باب رقم (١٩)، وابن ماجه رقم (٢٠١٤)، والإمام أحمد (٥/٢٤٢)، وصححه الألباني في الصحيحة، رقم (١٧٣) .\n(٦٣٠) رواه الترمذي رقم (٣٦٠)، وقال: \" حسن غريب \"، وحسنه الألباني في \" المشكاة \" رقم (١١٢٢) .","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>تنبيهات</span>\nالأول: قوله ﷺ: \" فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح \" قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: (ظاهره اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلًا لقوله: \" حتى تصبح \"، وكأن السر تأكد ذلك الشأن في الليل، وقوة الباعث عليه، ولا يلزم من ذلك أنه يجوز لها الامتناع في النهار، وإنما خص الليل بالذكر لأنه المظنة لذلك) (٦٣١) اهـ، وإطلاقات حديث ابن أبي أوفى وأبي هريرة ﵄ تتناول الليل والنهار، وكذا قوله ﷺ: \" ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى ترضى \" (٦٣٢) .\nالثاني: قوله: \" فبات غضبان عليها \" به يتجه وقوع اللعن، لأنها حينئذ يتحقق ثبوت معصيتها، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك فإنه يكون: إما لأنه عذرها، وإما لأنه ترك حقه من ذلك، واعلم أنه لا يتجه عليها اللوم إلا إذا بدأت هي بالهجر، فغضب هو لذلك، أو هجرها وهى ظالمة، فلم تستنصل من ذنبها، وهجرته، أما لو بدأ هو بهجرها ظالما لها فلا (٦٣٣) .\nالثالث: في هذه الأحاديث (الإرشاد إلى مساعدة الزوج وطلب\n_________\n(٦٣١) \" فتح الباري\" (٩/٢٩٤) .\n(٦٣٢) عزاه الحافظ في \" الفتح \" (٩/٢٩٤) إلى ابن خزيمة، وابن حبان، وانظر \" موارد الظمآن\" ص (٣١٥ - ٣١٦) .\n(٦٣٣) \" فتح الباري\" (٩/٢٩٤) .","vol":"2","page":276},{"text":"مرضاته، وأن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة، وأن أقوى التشويشات على الرجل داعية النكاح، ولذلك حَض الشارع النساء على مساعدة الرجال في ذلك، أو السبب فيه الحض على التناسل، وفيه إشارة إلى ملازمة طاعة الله والصبر على عبادته، جزاء على مراعاته لعبده، حيث لم يترك شيئًا من حقوقه إلا جعل له من يقوم به، حتى جعل ملائكته تلعن من أغضب عبده بمنع شهوة من شهواته، فعلى العبد أن يوفي حقوق ربه التي طلبها منه، وإلا فما أقبح الجفاء من الفقير المحتاج إلى الغني الكثير الإحسان) (٦٣٤) اهـ.\nالرابع: لا يجوز للمرأة أن تطيع زوجها فيما لا يحل له، بل يجب عليها مخالفته حينئذ، وذلك مثل أن يطلب منها الوطء في زمان الحيض (٦٣٥) والنفاس (٦٣٦)، أو في غير محل الحرث (٦٣٧)، أو وهي صائمة صيام فريضة\n_________\n(٦٣٤) \" السابق \" (٩/٢٩٥) .\n(٦٣٥) لكن ليس الحيض عذرا لها في أن لا تجيبه مطلقًا، قال النووي ﵀: (يحرم امتناعها من فراشه لغير عذر شرعي، ولى الحيض بعذر في الامتناع، لأن له حقا في الاستمتاع بها فوق الإزار) اهـ. بنحوه من \" شرحه لصحيح مسلم \" (١٠/٧-٨) .\n(٦٣٦) ثبت تحريم إتيان المرأة في النفاس بالإجماع، وقد قاس الفقهاء النفاس على الحيض لاشتراكهما في العلة والسبب.\n(٦٣٧) وذلك لما رواه ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ: \" لا ينظر الله إلى رجل يأتي امرأته في دبرها \" أخرجه الترمذي وحسنه (١/٢١٨)، وابن حبان (١٣٠٢)، وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ \" أخرجه أبو داود رقم (٣٩٠٤)، والترمذي رقم (١٣٥)، وابن ماجه رقم (٦٣٩)، والدارمي (١/٢٥٩)، والإمام أحمد (٢/٤٠٨، ٤٧٦) واللفظ له، وصححه الألباني في \" آداب الزفاف\" ص (١٠٦)، وعن طاوس قال: (سئل ابن عباس عن الذي يأتي امرأته في دبرها؟ فقال: \" هذا يسألني عن الكفر؟ \") =","vol":"2","page":277},{"text":"كرمضان، وذلك لقول رسول الله ﷺ: \" لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) (٦٣٨) .\nكذلك يحرم على الرجل أن يتعمد هجر زوجته، فهو مأمور بأداء حقها بقدر حاجتها وقدرته:\nفإن الشريعة السمحة لم تقتصر على مطالبة المرأة بأن تستجيب لزوجها، بل طالبت الرجل أيضا أن يؤدي إليها حقها، ويعفها، ويغنيها، وذلك لقوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) (النساء: ١٢٩)، قال الإمام أبو بكر الجصاص ﵀: (ويدل عليه أن عليه وطأها لقوله تعالى: (فتذروها كالمعلقة) يعني: لا فارغة فتتزوج، ولا ذات زوج إذا لم يوفها حقها من الوطء) (٦٣٩) اهـ. ويدل عليه أيضًا مفهوم قوله ﷿: (واهجروهن في المضاجع) (النساء: ٣٤)، وقوله ﷺ: \" لا يهْجَر إلا في المضجع \" (٦٤٠) .\nوكما قرر النبي ﷺ أنه ليس للمرأة أن تشتغل بالعبادات غير الفريضة إذا كانت تفوت حق زوجها، كذلك قرر ﷺ أنه لا يجوز للرجل أن يشتغل بالعبادات النوافل حتى يغفل أو يعجز عن أداء حق زوجته:\nفعن عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال رسول الله ﷺ:\n_________\n= وصححه أيضا الألباني في المرجع السابق.\n(٦٣٨) أخرجه البخاري (١٣/٢٠٣)، ومسلم (٦/١٥)، وأبو داود (٢٦٢٥)، والنسائي (٢/١٨٧)، وأحمد (١/٩٤) عن علي ﵁.\n(٦٣٩) \" أحكام القرآن \" (١/٢٧٤) .\n(٦٤٠) رواه من حديث معاوية بن حيدة ﵁ الإمام أحمد (٤/٤٤٧)، (٥/٥، ٣)، وأبو داود رقم (٢١٤٢)، وابن ماجه (١٨٥٠)، وصححه الألباني في \" الإرواء\" (٧/٩٨) .","vol":"2","page":278},{"text":"\" يا عبدَ الله ألم أخْبَرْ أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟ \"، قلت: \" بلى يا رسول الله \"، قال: \" فلا تفعل، صُمْ وأفطِر، ونم وقم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لِزَوْرِك (٦٤١) عليك حقًا، وإن بحَسْبِك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عَشر أمثالِها، فإذا (٦٤٢) ذلك صيامُ الدهر \" (٦٤٣) الحديث، وفي رواية للبخاري قال: \" أنكحني أو امرأة ذاتَ حسب، وكان يتعاهد كَنتهُ (٦٤٤)، فيسألها عن بعلها (٦٤٥)، فتقول له: \" نعم الرجل من رجل لم يَطَأ لنا فراشًا، ولم يفتش لنا كَنَفا (٦٤٦) مُذ أتيناه \"، فلما طال ذلك عليه، ذكَر ذلك للنبي ﷺ، فقال: \"ألقِني به\"، فلقِيتُه بَعْدُ، فقال: \" كيف تصوم؟ \"، قلت: \" كل يوم \"، قال: \" وكيف تختم؟ \"، قلت: \" كل ليلة \") الحديث بنحوه.\nوفي رواية النسائي، قال: (زوَّجني أبي امرأة، فجاء يزورنا، فقال: \" كيف ترين بعلك؟ \"، قالت: \" نعم الرجل، لا ينام الليلَ، ولا يفطر النهار \"، فوقع بي (٦٤٧)، وقال: \" زَوجتُك امرأة من المسلمين،\n_________\n(٦٤١) الزور: الزائرون، يقال: رجل زائر، وقوم زور، وزوار.\n(٦٤٢) \" فإذًا ذلك \" روى \" إذا \" بالتنوين، وبلفظ، \" إذا \" التي للمفاجأة.\n(٦٤٣) رواه البخاري (٥/١٢٣) في الصوم: باب صوم الدهر، وأبواب حق الضيف، والجسم، والأهل في الصوم، وفي التهجد، والأنبياء، وفضائل القرآن، والنكاح: باب لزوجك عليك حق، والأدب، وأخرجه مسلم رقم (١١٥٩) في الصيام: باب إلى عن صوم الدهر.\n(٦٤٤) الكَنة: امرأة الابن أو الأخ.\n(٦٤٥) بعل المرأة: زوجها.\n(٦٤٦) الكَنَف: الجانب، أرادت: أنه لم يقربها، ولم يستعلم لها حالا خَفِيَتْ عنه. (٦٤٧) وقع بي فلان: إذا لامك، وَعَنَفَكَ، وأما وقعتَ فيه، فهو من الوقيعة، وهي الغِيبة.","vol":"2","page":279},{"text":"فَعَضَلْتَها؟! \" (٦٤٨)، قال: فجعلت لا ألتفت إلى قوله مما عندي من القوة والاجتهاد، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: \" لكني أنا أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، فقم ونم، وصم وأفطر \" (٦٤٩) الحديث.\nوفي حديث الرهط الثلاثة أن أحدهم قال: \" أما أنا فأصلي الليل أبدا \"، وقال الآخر: \" وأنا أصوم الدهر أبدًا، ولا أفطِر \"، وقال الآخر: \" وأنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا \"، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: \" أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوَّجُ النساء، فمن رغب عن سنتي (٦٥٠)، فليس مني \" (٦٥١) .\nوعن عائشة ﵂ قالت: (دخلت على خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وكانت عند عثمان بن مظعون، قالت: فرأى رسول الله أي بذاذة هيئتها، فقال لي: \" يا عائشة ما أبذ هيئة خويلة! \"، قالت: فقلت: \" يا رسول الله امرأة لها زوج يصوم النهار، ويقوم الليل، فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها، وأضاعتها \"، قالت: فبعث رسول الله ﷺ لا إلى عثمان بن مظعون، فجاءه، فقال: \" يا عثمان أرغبة عن سنتي؟ ! \" قال: فقال: \" لا والله يا رسول الله، ولكن سُنَتكَ أطلبُ \"، قال: \" فإني أنام، وأصلي، وأصوم،\n_________\n(٦٤٨) العَضل: المنع، والمراد: أنك لم تعاملها معاملة الأزواج لنسائهم، ولا تركتها بنفسها لتتزوج، وتتصرف في نفسها كما تريد.\n(٦٤٩) هذه رواية النسائي للحديث، في كتاب الصيام: باب صوم يوم وإفطار يوم (٤/٢٠٩ - ٢١٥) .\n(٦٥٠) انظر تخريجه في \" القسم الثالث\" ص (٦١) .\n(٦٥١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: (المراد بالسنة الطريقة، التي لا تقابل الفرض) اهـ من \" الفتح \" (٩/١٠٥)، وانظر: \" نيل الأوطار\" (٦/١١٧) .","vol":"2","page":280},{"text":"وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل ونم \" (٦٥٢) .\nوروى الشَّعبِيُّ أن كعب بن سُوْر كان جالسًا عند عمر بن الخطاب ﵁، فجاءت امرأة فقالت: \" يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلًا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائمًا، ويظل نهاره صائمًا\"، فاستغفر لها، وأثنى عليها، واستحيت المرأة، وقامت راجعة، فقال كعب: \" يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها فلقد أبلغت إليك في الشكوى \"، فقال لكعب: \" اقض بينهما، فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم \"، قال: (فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة (٦٥٣) هي\n_________\n(٦٥٢) أخرجه الإمام أحمد، والسياق له (٦/٢٦٨)، وأبو داود رقم (١٣٦٩) في أبواب قيام الليل: باب ما يؤمر به من القصد بالصلاة، وفيه عنعنة ابن إسحق، لكن يشهد له أحاديث صحاح، فها حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وزاد في آخره: (قال: فأتتهم المرأة بعد ذلك كأنها عروس، فقيل لها: \" مه؟ \"، قالت: \" أصابنا ما أصاب الناس\" أخرجه ابن حبان (١٢٨٧- موارد)، وقد روى البخاري (٤/١٧٠- ١٧١)، والترمذي (٣/٢٩٠)، والبيهقي (٤/٢٧٦)، وغيرهما نحو هذا من قصة أو الدرداء وسلمان عن أبي جحيفة ﵁، وفيها قوله ﷺ لأبي الدرداء: \" يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، صم، وأفطر، وصل، وأتِ أهلك، وأعط كل ذي حق حقه) الحديث.\n(٦٥٣) فتأمل كيف رأى ذلك القاضي المسلم أنه لا فرق بين التشدد في العبادة الذي يضر بالزوجة، وبين الضرائر، فأوجب لها حقا، ولو لم يكن لها فيه حق لم يقض فقهاء المسلمين بفسخ النكاح لتعذره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإن للمرأة على الرجل حقا في ماله، وهو الصداق، والنفقة بالمعروف، وحقا في بدنه، وهو العشرة والمتعة، بحيث لو آلى منها استحقت الفرقة بإجماع المسلمين، وكذلك لو كان مجبوبا أو عِنينًا لا يمكنه جماعُها فلها الفرقة، ووطؤها واجب، عليه أكثر =","vol":"2","page":281},{"text":"رابعتهن، فأقضي بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة \"، فقال عمر: (والله ما رأيك الأول بأعجب من الآخر، اذهب فأنت قاض على البصرة، نعم القاضي أنت \" (٦٥٤) .\n(وسئل أحمد: \" يؤجر الرجل أن يأتي أهله، وليس له شهوة؟ \" فقال: أي والله، يحتسب الولد، وإن لم يرد الولد يقول: \" هذه امرأة شابة \"، لم لا يؤجر؟!) (٦٥٥) اهـ.\nوهذه الشريعة الحنيفية تقرر أن الزوج لو آلى (أي حلف) ألا يقرب زوجته، يلزمه أن يحنث في يمينه، قال تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) البقرة (٢٢٦)، فقد نص على أن الذين يؤلون - أي يحلفون - على ألا يقربوا زوجاتهم يُمهلون أربعة أشهر، فإن عاد أحدهم إلى الإنصاف وأداء الحق فيها، وعليه كفارة يمين، وإلا كان إصراره إضرارًا موجبا للفراق، قال ﷺ: \" لا ضرر، ولا ضرار \" (٦٥٦) .\n_________\n= العلماء، وقد قيل: \" إنه لا يجب اكتفاء بالباعث الطبيعي\"، والصواب: أنه واجب كما دل عليه الكتاب، والسنة، والأصول) اهـ. من \" السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص (١٦٢ - ١٦٣) .\n(٦٥٤) أخرجه عبد الرزاق في \" مصنفه \" (٧/١٢٥٨٧)، وأورده الحافظ في \" الإصابة \" (٥/٦٤٦) في ترجمة كعب بن سور، وصححه الألباني في\" الإرواء \" (٧/٨٠)، وانظرا تفسير القرطبي (٥/١٩)، (٣/١٢٤)، (المغني، (٧/٣٠)، \" مجموع الفتاوى، (٣٤/٨٥) .\n(٦٥٥) المغني، (٧/٣١) .\n(٦٥٦) رواه من حديث ابن عباس ﵄ الإمام أحمد (١/٣١٣)، وابن ماجه (٢/٥٧)، وفيه جابر الجعفي قال ابن رجب: (ضعفه الأكثرون \" اهـ. من \" جامع العلوم والحكم \" ص (٢٨٦)، وللحديث - على ضعفه- طرق كثيرة أشار إليها النووي ﵀ في \" أربعينه\"، ثم قال: \" يقوى بعضها بعضًا \"، وقال =","vol":"2","page":282},{"text":"وقال ﷺ: \" من ضارَّ ضاره الله، ومن شاقَّ شق الله عليه \" (٦٥٧) .\nويروى أن (عمر ﵁ كان يطوف في المدينة، فسمع امرأة وهي مغلقة عليها بابها، تقول:\nتطاول هذا الليلُ تسرِى كواكبه ... وأرَّقني أن لا ضجيعَ ألاعبُهْ\nألاعبه طورًا وطورًا كأنما ... بدا قمرًا في ظلمةِ الليل حاجبُه\nيسر به من كان يلهو بقربه ... لطيف الحشى لا يحتويه أقاربه\nفو الله لولا الله لا شيء غيره ... لَنُقِّضَ من هذا السرير جوانبه\nولكنني أخشى رقيبا موكلًا ... بأنفسنا لا يَفْتُرُ الدهرَ كاتبُه\nثم تنفست الصعداء، وقالت: \" لهان على عمر بن الخطاب وحشتي، وغيبة زوجي عني\"، وعمر واقف يسمع قولها، فقال لها عمر: \" يرحمك الله\"، ثم وجه إليها بكسوة ونفقة، وكتب لها أن يقدم عليها زوجها) (٦٥٨) .\nوقيل: إن عمر ﵁ أوَّه، ثم خرج، حتى دخل على\n_________\n= ابن الصلاح ﵀: (مجموعها يقوي الحديث، ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به، وقول أبي داود: \" إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها\"، يشعر بكونه غير ضعيف) اهـ. نقلا من \" جامع العلوم والحكم \" ص (٢٨٧)، وانظر: \" السلسلة الصحيحة\" رقم (٢٥٠)، و\" جامع الأصول \" (٦/٦٤) .\n(٦٥٧) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الحاكم (٢/٥٧-٥٨)، والبيهقي (٦/٦٩- ٧٠)، وقال الحاكم: \" صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي، وكذا أخرجه من حديث أبي صرمة بن قيس الأنصاري المازني الإمام أحمد (٣/٤٥٣)، وأبو داود رقم (٣٦٣٥) في الأقضية: باب أبواب من القضاء، والترمذي رقم (١٩٤١) في البر والصلة: باب ما جاء في الخيانة والغش، وابن ماجه (٢٣٤٢) في الأحكام: باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، وقال الترمذي: \" حسن غريب\"، ويشهد له معنى الحديث السابق، وانظر: \" فيض القدير\" (٦/١٧٣) .\n(٦٥٨) \" مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب \" لابن الجوزي ص (٨٣-٨٤)، \" تفسير القرآن العظيم\" لابن كثير (١/٣٩٤) .","vol":"2","page":283},{"text":"على حفصة أم المؤمنين ﵂، فقالت: \" يا أمير المؤمنين، ما جاء بك في هذا الوقت؟ \"، قال: \" أي بنية كم تحتاج المرأة إلى زوجها؟ \"، فقالت: \"في ستة أشهر \"، فكان لا يغزي جيشًا له أكثر من ستة أشهر) (٦٥٩)، وفي بعض الروايات تحديد المدة بأربعة أشهر، وقيل: (إن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم من أهل المدينة، فأمرهم إما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يفارقوا، فمن فارق منهم فليبعث بنفقة ما ترك، وأن تكون النفقة على قدر السعة) (٦٦٠) .\nولهذا كان عمر ﵁ يرى فسخ النكاح إذا فات حق الوطء، ورآه الفقهاء أيضًا، فرأوا أن من حق أحد الزوجين أن يفسخ النكاح لترك الوطء، وهو ما يسمى بالفسخ للعيب، أي لعيب خِلقي كالمرض الذي يستحيل معه الوطء، أو خُلقي للإضرار أو إهمالًا، لأن ذلك ترك لحق من الحقوق، قال الإمام ابن حزم - ﵀ -: \" ويجبر على ذلك من أبى بالأدب، لأنه أتى منكرًا من العمل \" (٦٦١) اهـ.\nو(قيل للإمام أحمد: \" كم يغيب الرجل عن زوجته \"؟ قال: \" ستة أشهر، يكتب إليه، فإن أبى أن يرجع فرق الحاكم بينهما \" (٦٦٢) اهـ. يعني بذلك: إذا تضررت الزوجة، وطلبت التفريق، والله أعلم.\nالحق السادس: تزين الزوجين:\nامتن الله سبحانه على عباده بما أنزل إليهم من الزينة التي تحسِّن هيآتهم،\n_________\n(٦٥٩) \" السابق\"، وانظر: \" المصنف \" للإمام عبد الرزاق (٧/١٢٥٩٤)، و\" المغني \" (٧/٢٩)، \" موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص (٦٥٩)، \" روضة المحبين ونزهة المشتاقين، لابن القيم ص (٢٢٦-٢٢٧) .\n(٦٦٠) \"المغني\" (٧/٥٧٣)، \" موسوعة فقه عمر بن الخطاب \" ص (٤٨٩) .\n(٦٦١) \" المحلى \" (١٠/٤٠) .\n(٦٦٢) \"المغني \" (٧/٣١) .","vol":"2","page":284},{"text":"ومنازلهم، فقال ﷿: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير) الأعراف (٢٦) . وقال سبحانه يندد بالذين يحرمون ما أحل الله لعباده من هذه الزينة والطيبات المباحة: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الأعراف: ٣٢] .\n\nوجاءت السنة النبوية تحض المسلمين رجالا ونساءً على حسن الهيئة والنظافة، قال رسول الله ﷺ: \" من كان له شعر فليكرمه) (٦٦٣) .\nوعن أبي قتادة قال: (قلت: \" يا رسول الله إن لي جُمَّةً، أفأرَجلُها؟ \" (٦٦٤) قال: \" نعم، وأكرمها \" (٦٦٥» .\nوعن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حَبة من كِبرٍ \"، فقال رجل: \" إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعلُه حسنةً؟، فقال ﷺ: \" إن الله جميل يحب الجمال \" (٦٦٦) الحديث، وجاء رجل إلى النبي ﷺ، وعليه ثوب دُون، فقال له:\n_________\n(٦٦٣) أخرجه أبو داود رقم (٤١٦٣) في الترجل: باب في إصلاح الشعر، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/٣٢١)، وحسنه الحافظ في \" الفتح\" (١٠/٣١٠) .\n(٦٦٤) الجُمة: الشعر المسترسل حتى يبلغ تحت الأذن، وقوله: \" أرجلها \": يعني أسرحها بالمشط.\n(٦٦٥) رواه النسائي (٨/١٨٣) في الزينة: باب اتخاذ الجمة، وقال في \" تحقيق جامع الأصول \": (وإسناده عنده - أي النسائي - صحيح، ووصله أيضًا البزار بإسناد صحيح \" اهـ (٤/٧٥٠) .\n(٦٦٦) رواه مسلم رقم (٩١) في الإيمان: باب تحريم الكبر وبيانه، وأبو داود رقم (٤٠٩١) في الأدب: ما جاء في الكبر، والترمذي (١٩٩٩) في البر والصلة: باب ما جاء في الكبر.","vol":"2","page":285},{"text":"\" ألك مال؟ \"، قال: \" نعم \"، قال: \" من أي المال؟ \"، قال: \" من كل المال قد أعطاني الله تعالى! \"، قال: \" فإذا آتاك الله مالًا فَلْيُرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامته \" (٦٦٧) .\nوقال ﷺ: \" من كان له مال، فَلْيُرَ عليه أثرُه \" (٦٦٨) .\nوتزين المرأة لزوجها، وكذا الرجل لزوجته ينبغي أن يتخذ منه الزوجان الحظ المناسب، لأنه من أسباب الألفة والمودة، ولهذا جعل الشارع الزينة حقا مشروعًا لكل منهما على صاحبه.\nومراعاةً لهذه الفطرة التي فطر الله عليها النساء من حب الزينة، والتي يشر إليها قوله تعالى: (أوَمن يُنَشَّأ في الحِلْيَةِ وَهُوَ في الخِصامِ غيرُ مُبِين) الزخرف (١٨)، (أباح الله تعالى من التحلي واللباس للنساء ما حَرمه على الرجال، لحاجتهن إلى التزين للأزواج، وأسقط الزكاة عن حليهن (٦٦٩) معونةً لهن على اقتنائه) (٦٧٠) اهـ.\n_________\n(٦٦٧) أخرجه النسائي (٢/ ٢٩١، ٢٩٦)، وأبو داود رقم (٤٠٦٣)، والحاكم (٤/ ١٨١)، وأحمد (٣/٤٧٣) من حديث أبي الأحوص عن أبيه ﵁، وقال الحاكم: \" صحيح الإسناد \"، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: (رواه الطبراني في الصغير، ورجاله رجال الصحيح) اهـ (٥/١٣٣)، والحديث صححه الألباني في (غاية المرام، رقم (٧٥) .\n(٦٦٨) رواه الطبراني في \" الكبير\" (٨/٣١)، وقال الهيثمي: (وفيه يحيى بن يزيد بن أبي بردة، وهو ضعيف) اهـ. من \" المجمع\" (٥/١٣٣)، والحديث صححه الألباني في\" صحيح الجامع\" (٥/٣٤٥) رقم (٦٣٧٠) .\n(٦٦٩) وهذا مذهب الجمهور، إذا كان يتخذ زينة ومتاعا،. أما ما اتخذ مادة للكنز والادخار، أو اتخذ حُلِيا فرارا من الزكاة، فتجب فيه الزكاة، واستدل من يقول بوجوب الزكاة في الحلي المتخذ للزينة بعموم الأدلة في الذهب والفضة، وكذا أحاديث وردت في زكاة الحلي خاصة، صححها بعض الأئمة، والله أعلم. (٦٧٠) \" المغني \" (٥/٥٤٦) .","vol":"2","page":286},{"text":"فعلى المرأة أن تتزين لزوجها، ومن حقه عليها أن تفعل (٦٧١)، وإن تجاوزت الشطر الأعظم من عمرها، فذلك من أسباب الألفة والتودد، لكن لا تبالغ في ذلك حتى يضيع وقتها الثمين أمام المرآة، فهذا من ضعف العقل، وخلل التصور.\nومن الإشارات النبوية إلى أهمية التزين للأزواج وأثره في التواد والتحاب بين الزوجين: ما جاء في حديث جابر ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في غزاة، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: (أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا يعنى عشاء - لكي تمتشط الشعِثة، وتستحِد المُغِيبةُ \" (٦٧٢»، وفي رواية للبخاري: \" إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلا \".\nوفي هذا دليل على أنه يستحب التأني للقادم على أهله حتى يشعروا بقدومه قبل وصوله بزمان يتسع لما ذُكر من تحسين هيئات من غاب عنهن أزواجهن، وذلك لئلا يهجم على أهله وهم في هيئة غير مناسبة، فيقع النفور عنهن، وفي هذا الحديث بيان أن المرأة مادام زوجها حاضرا مقيمًا فهي دائمة التزين، ولا تهجر هذه الخصلة إلا في غياب زوجها.\n_________\n(٦٧١) وشرط تزين المرأة أن لا تظهر. لأجنبي، وأن لا تكون الزينة محرمة كوصل الشعر، والنمص، والوشم، وتفليج الأسنان، وغيره مما نهى عنه الشارع، فلا يحل التزين به، ولو أمر به الزوج، قال ﷺ: \" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق \".\n(٦٧٢) رواه البخاري (٩/٢٩٦-٢٩٧) في النكاح: باب لا يطرق أهله ليلا إذا أطال الغيبة، وفي الحج، ومسلم رقم (٧١٥) في الإمارة: باب كراهة الطروق وهو الدخول ليلا، وأبو داود رقم (٢٧٧٦: ٢٧٧٨) في الجهاد: باب في الطروق، والترمذي رقم (١١٧٢) في الرضاع: باب رقم (١٧)، وفي الاستئذان رقم (٢٧١٣)، والشعِثة: البعيدة العهد بالغسل وتسريح الشعر والنظافة، والمغيبة: التي غاب عنها زوجها، وعن زينب امرأة عبد الله قالت: (كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح، وبزق كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه) الحديث رواه الإمام أحمد (١/٣٨١) .","vol":"2","page":287},{"text":"ومما يعكس رسوخ هذا المفهوم عند الرعيل الأول، ذلك السؤال الذي وجهته أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى امرأة عثمان بن مظعون ﵁ لما رأتها هجرت الزينة، فقد قالت ﵂: (كانت امرأة عثمان بن مظعون تخضب- أي بالحناء- وتتطيب، فتركته، فدخلت عَلَي، فقلت: \" أمَشْهَدٌ أم مَغِيب؟ \" (٦٧٣)، فقالت: \" مشهد \" (٦٧٤)، قالت: \" عثمان لا يريد الدنيا، ولا يريد النساء \"، قالت عائشة: \" فدخل عَلىَ رسول الله ﷺ، فأخبرته بذلك، فلقي عثمانَ، فقال: (يا عثمان تُؤمنُ بما نؤمنُ به؟ \" قال: \" نعم يا رسول الله \"، قال: \" فَأسْوَة ما لَكَ بنا \") (٥٦٧) .\n(وكانت علية بنت المهدي كثيرِة الصلاة، ملازمة للمحراب، وقراءة القرآن، وكانت تتزين، وتقول: \" ما حَرم الله شيئًا إلا وقد جعل فيما أحل عِوَضًا منه، فبماذا يحتج العاصي؟) (٦٧٦) اهـ.\n(وقال الأصمعي: رأيت في البادية امرأة عليها قميص أحمر، وهي مختضبة، وبيدها سبحة، فقلت: \" ما أبعد هذا من هذا\"، فقالت:\nولله مني جانب لا أضيِّعُه ... وللهو مني والبطالة جانب\n_________\n(٦٧٣) فتأمل كيف ربطت عائشة ﵂ فورا بين هجرانها الزينة وبين غياب زوجها، تدرك أن الأصل الذي كان متقررا عند نساء السلف أن المرأة تداوم على الزينة ما دام زوجها مقيما.\nوفي رواية أنها قالت: \"مشهد كمغيب\" تعني أن زوجها لا حاجة له بالنساء، فهى في حكم من لا زوج لها.\n(٦٧٥) أخرجه الإمام أحمد في \" المسند \" (٦/١٠٦) من طرق مختلفة، انظر: (٦/٢٦٨)، (٦/٢٢٦)، وقال الهيثمي في \" مجمع الزوائد،: (وأسانيد أحمد رجالها ثقات) اهـ. (٤/٣٠)، وانظر \" السلسلة الصحيحة\" رقما (٣٩٤)، (١٧٨٢) .\n\" أحكام النساء، ص (١٣٨) .","vol":"2","page":288},{"text":"فعلمت أنها امرأة صالحة لها زوج تتزين له) (٦٧٧) اهـ.\nوقد راج بين العرب قديما مثل يقول: (أطيب الطيب الماء)، لأن زينة المرأة عندهم هي النظافة في الدرجة الأولى، ومن هنا فإن من واجب الزوجة أن تسعى إلى إرضاء زوجها، وإدخال السرور على قلبه إذا جاء بيته، فتستقبله متزينة متنظفة، لا تبدي تعبَا من عمل، ولا نفورَا من أمر، متحرية إدخال السرور على قلبه؛ فتحمل متاعه، وتعينه على نزع ثيابه، وتقدم إليه ما يلبس في بيته، وذلك مدعاة لسروره وسعادته بامرأته.\nوقد سئل إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ \" عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها، فتتلقاه، وتنزع ثيابه، وتقف حتى يجلس؟، ففال: أما التلقي فلا بأس به، وأما القيام حتى يجلس، فلا، فإن هذا فعل الجبابرة، وقد أنكره عمر بن عبد العزيز \" (٦٧٨) اهـ.\nولكن أكثر الزوجات الآن تلقى زوجها مشغولة بطبخها الذي تأخرت فيه، بذلة الثياب، تعبة، ضيقة الصدر، كثيرة الشكوى والضجر، ولا تلبث إحداهن بعد الأشهر الأولى من الزواج أن تنهمك في مراعاة المطبخ والأثاث، وتبذل في ذلك غاية وسعها، حتى تنصرف من حيث لا تشعر عن الاحتفاء بزوجها في الملبس أو الزينة، وإن كانت لا تغفل عن هذا الاحتفاء وتلك الزينة، لاستقبال أترابها وزيارة جاراتها، مما يكون عاملا أساسيا في نفرة الزوج وسخطه، فيدخل البيت مستعيذًا من شرها، ويفر منه مستجيرَا من ضرها، إذ يجد زوجه قد تحولت عنه، وتقمصت شخصية الخادم التي تحس أن واجبها منحصر في خدمة البيت، دون العناية\n_________\n(٦٧٧) \" إحياء علوم الدين \" (٤/٧٥٠ -٧٥١) .\n(٦٧٨) \"فتح الباري\" (١١/٥٠ - ٥١) .","vol":"2","page":289},{"text":"بصاحب ذلك البيت أعني الزوج (٦٧٩) .\nأوصت أم ابنتها عند زواجها، فقالت لها: (أي بنية! لا تغفلي عن نظافة بدنك، فإن نظافته تضيء وجهك، وتحبب فيك زوجك، وتبعد عنك الأمراض والعلل، وتقوى جسمك على العمل، فالمرأة التفلة تمجها الطباع، وتنبو عنها العيون والأسماع، وإذا قابلت زوجك فقابليه فَرِحة مستبشرة، فإن المودة جسم رُوحه بشاشة الوجه) (٥٦٨) .\nكذلك ينبغي للرجل أن يتزين لزوجه بما يناسب رجولته (٦٨١)، كما يحب أن يرى امرأته تزدان له أيضَا، فإنها يعجبها منه ما يعجبه منها، وقد فهم السلف ذلك من قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) البقرة (٢٢٨) .\nقال ابن عباس ﵄: (إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها عَلي؛ لأن الله تعالى قال: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) أى\n_________\n(٦٧٩) انظر \" نظرات في الأسرة المسلمة، للدكتور محمد الصباغ حفظه الله ص (٧٠- ٧١) .\n(٦٨٠) \" رحمة الإسلام للنساء \" للشيخ محمد الحامد ﵀ ص (٧٥)، وقد قال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: (ومن آداب المرأة ملازمة الصلاح والانقباض في غيبة زوجها، والرجوع إلى اللعب والانبساط وأسباب اللذة في حضور زوجها) اهـ (الإحياء ٤/٧٥١) .\n(٦٨١) ومن الزينة المباحة للرجل: خاتم الفضة، وأن يعفي شعره حتى يبلغ منكبيه، وفرقه وهو قسمته في مفرق وسط الرأس، وترجيله وإكرامه، على ألا يكون له مشغلة، وتغيير الشيب بالصفرة والحمرة، والطيب، والسواك، والكحل إذا كان يليق به، ومما يحرم عليه التزين به: حلق لحيته، أو لبس خاتم الذهب، والحرير، وجر الثياب أسفل الكعبين، انظر: \" الجامع لأحكام القرآن \" للقرطبي (٣/١٢٤) .","vol":"2","page":290},{"text":"زينة من غير مأثم) (٦٨٢) .\nوقد سرى هذا الفهم إلى التابعين، فهذا يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي يقول: أتيت محمد بن الحنفية فخرج إليَّ في مِلْحَفَةٍ حمراء، ولحيته تقطر من الغالية (٦٨٣)، فقلت: \" ما هذا؟ \"، قال: \" إن هذه المِلْحَفَةَ ألقتها علي امرأتي، ودهنتني بالطيب، وإنهن يشتهين مِنا ما نشتهي منهن \" (٦٨٤) .\n(قال العلماء: أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم؛ فإنهم يعملون ذلك على اللبَق (٦٨٥) والوفاق، فربما كانت زينة تليق في وقت، ولا تليق في وقت، وزينة تليق بالشباب، وزينة تليق بالشيوخ، ولا تليق بالشباب،.. والمقصود أنه يكون عند امرأته في زينة تسرها، وتُعِفها عن غيره من الرجال) (٦٨٦) اهـ.\nوقد وسعت شريعة الله الإباحة فيما يتزين به الإنسان، ولم تقيده إلا تقييدًا يسيرَا، لكي لا تخرج الزينة إلى المفسدة المضرة، قال تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) الأعراف (٣١) .\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄: قال ﷺ: \" كلوا، وتصدقوا، والتبسوا في غير إسراف ولا مخيلة \" (٦٨٧) .\n_________\n(٦٨٢) تقدم برقم (٥٨٩) .\n(٦٨٣) الغالية: طيب معروف.\n(٦٨٤) \" التبيان فيما يحتاج إليه الزوجان \" ص (٣٤)، ولم يعزه.\n(٦٨٥) اللبق: بالفتح، اللباقة والحذق.\n(٦٨٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/١٢٤) .\n(٦٨٧) أخرجه النسائي (٥/٧٩) في الزكاة: باب الاختيال في الصدقة، وكذا البخاري تعليقا (١٠/٢١٥) في اللباس: في فاتحته، وابن ماجه (٣٦٠٥)، والإمام أحمد (٢/١٨١)، والحاكم (٤/١٣٥)، وصححه، ووافقه الذهبي، وابن أبي شيبة في","vol":"2","page":291},{"text":"وعن عبد الله بن عباس ﵄: قال ﷺ: \" كُلْ ما شئتَ، والبَسْ ما شئتَ، ما أخطأتك اثنتان: سَرَف، ومَخِيلة \" (٦٨٨) .\nفالإسلام يأمرنا بالاعتدال في اللباس والزينة، ويكره للرجل كما يكره للمرأة أن يباهي بثيابه أو يتعاظم بها، لأنه اشتغال بالقشور، وإعراض عن اللباب.\n_________\n= \" المصنف\" (٨/٢١٧) رقم (٤٩٢٩)، وحسنه الألباني في (المشكاة) رقم (٤٣٨١) .\n(٦٨٨) أخرجه البخاري تعليقا (١٠/٢١٦) في اللباس: في فاتحته، ووصله ابن أبي شيبة في \" المصنف\" (٨/٢١٧) رقم (٤٩٣٠) .","vol":"2","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>ثانيا: حقوق الزوجة على زوجها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>(أ) الحقوق المادية</span>\n(١) هدية التكريم للمرأة\n\"المهر\"\n\" خير النكاح أيسره \" (٦٨٩)\nحديث شريف\nالمهر: هو ما تُعطاه الزوجة من مالٍ (٦٩٠) ومنفعة بسبب النكاح. حكمه: الوجوب، فقد أوجب الشرع الإسلامي على الرجل أن يبذل الصداق للمرأة إذا أراد أن يتزوجها.\nأما أدلة الوجوب:\n- فمن القرآن الكريم قوله تعالى: (وءَاتوا النساء صَدُقاتهن نِحْلَة) (النساء: ٤)، أي: عطية من الله مبتدَأة، والمخاطب بذلك الأزواج عند الأكثرين، وقيل: الأولياء.\n_________\n(٦٨٩) انظر رقم (٦٩٦) .\n(٦٩٠) بشرط أن يكون المال متقومًا، معلوما، مقدورا على تسليمه، وأن تكون المنفعة منفعة شخص أو عين يستحق في مقابلها المال، وانظر: \" البدائع\" (٢/٢٧٧-٢٨٧)، و\" الشرح الكبير\" (٢/٢٩٤)، \" كشاف القناع\" (٥/١٤٧)، (مغني المحتاج \" (٣/٢٢٠)، ولم يدل نص صريح ولا قياس صحيح عل تحديد المهر قلة أو كثرة، فالصداق جائز بما قل أو كثر من المال، إذا حصل عليه التراضي، لعموم الأدلة في ذلك، وهذا مذهب الجمهور، انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/١٢٨)، \" المغني، (٦/٦٨٠)، \" المحلى\" (٩/٦٠٣)، \" مغني\" المحتاج\" (٣/٢٢٠)، \" فتح القدير \" (٢/٤٣٦)، \" زاد المعاد\" (٤/٢٩) .","vol":"2","page":293},{"text":"وقوله جل وعلا: (فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن بالمعروف) (النساء: ٢٥) .\nوقوله سبحانه: (فآتوهن أجورهن فريضة) (النساء: ٢٤) .\nوقال ﷿: (وأحِل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) (النساء: ٢٤) .\nوقال جل وعلا: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن) (الممتحنة: ١٠) .\n- ومن السنة:\nما رواه أنس ﵁ أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال لرسول الله ﷺ: \" تزوجتُ امرأة \"، فقال: \" ما أصدقتَها؟ \" قال: \" وزنَ ئواة من ذهب\" (٦٩١)، فقال: \" بارك الله لك، أولم، ولو بشاة \" (٦٩٢) .\nوعنه ﵁: \" أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عِتقها صَداقها \" (٦٩٣) .\n_________\nالنواة: اسم لما وزنه خمسة دراهم.\n(٦٩٢) رواه البخاري (٩/ ١٠١) في النكاح، وغيره، ومسلم رقم (١٤٢٧) في النكاح: باب الصداق، وأبو داود رقم (٢١٠٩) في النكاح: باب قلة المهر، والترمذي رقم (١٠٩٤) في النكاح: باب ما جاء في الوليمة، والنسائي (٦/١١٩، ١٢٠) في النكاح: باب التزويج على نواة من ذهب، والبيهقي (٧/٢٢٧) .\n(٦٩٣) طرف من حديث طويل أخرجه البخاري (٩/١١١) في النكاح: باب من جعل عتق الأمة صداقها، وفي البيوع، والجهاد، ومسلم رقم (١٣٦٥) في النكاح: باب فضيلة إعتاق أمة ثم يتزوجها، ورواه بلفظه المذكور أبو داود رقم (٢٠٥٤) في النكاح، والترمذي رقم (١١٥) فيه، وكذا النسائي (٦/١١٤): باب التزويج على العتق.","vol":"2","page":294},{"text":"وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ في قصة الواهبة نفسها أن رجلًا من أصحابه ﷺ قام، فقال: \" يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة، فزوجنيها \"، فقال: \" فهل عندك من شيء؟ \"، فقال: \" لا، والله يا رسول الله، فقال: \" اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئًا؟ \" فذهب، ثم رجع، فقال: \" لا، والله ما وجدت شيئًا \"، فقال رسول الله ﷺ: \" انظر، ولو خاتمًا من حديد \"، فذهب، ثم رجع، فقال: \" لا، والله يا رسول الله، ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري \"، فقال رسول الله ﷺ؟ \" ما تصنع بإزارك؟ إن لبِسَتْهُ لم يكن عليك منه شيء، وإن لَبِسْتَهُ لم يكن عليها منه شيء \"، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسُه قام، فرآه رسول الله ﷺ مُوَليا، فأمر به فَدُعِي، فلما جاء قال: \" ماذا معك من القرآن؟ \"، قال: \" معي سورة كذا، وسورة كذا: عَدَّدَها \"، فقال: (تقرؤهن عن ظهر قلب؟ \"، قال: \" نعم \"، قال: \" اذهب فقد مَلكْتُكَها بما معك من القرآن \" (٦٩٤) .\n_________\n(٦٩٤) رواه البخاري (٩/١١٣) في النكاح: باب تزويج المعسر، وثمانية أبواب أخرى، وفي الوكالة، وفضائل القرآن، واللباس، والتوحيد، ومسلم رقم (١٤٢٥) في النكاح: باب الصداق، وأبو داود رقم (٢١١١) في النكاح، والترمذي رقم (١١١٤) فيه: باب رقم (٢٣)، والنسائي (٦/١١٣) في النكاح: باب التزويج على سور من القرآن، وابن ماجه رقم (١٨٨٩)، والبيهقي (٧/٨٥)، والدارقطني (٣/٢٤٨)، وأحمد (٥/٣٣٠)، والدارمي (٢/١٤٢) .\nوفي هذا الحديث الرخصة في تعليم القرآن صداقا للزوجة، إذا عدم الرجل المال، ولم يجد شيئا يقدمه، وهذا الحديث يخصص عموم قوله تعالى: (أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) (النساء: ٢٤)، وكذا قوله ﷿: (فنصف ما فرضتم) (البقرة: ٢٣٧)، والذي يحتمل التنصيف هو المال، فالنص القرآني عام في التزويج بالمال لمن وجد المال، وأما من لم يجد المال، فقد دلت السنة الصحيحة على الرخصة له في أن يتزوج بتعليم القرآن الكريم، وهذه رخصة مشروطة، فلتؤخذ بقدرها، ولا يتوسع فيها، والله أعلم، وانظر: \" فتح الباري\" (٩/٢٠٥)، \" شرح النووي، (٩/٢١٤)، \" أحكام القرآن \" لابن العربي (٣/١٤٥٩)، \" المغني\" (٧/٢١٤)، \"المحلى\" (٩/٣٠٥) .","vol":"2","page":295},{"text":"وفي رواية للبخاري: \" ولو خاتمًا من حديد\".\nفلو كان لأحد أن يتزوج بدون صداق، لكان التسامح مع الفقير الذي لم يجد ولا خاتمًا من حديد، ليتزوج المرأة، مما اضطره الحال إلى أن يدفع صداقًا إزارَهُ، ولم يكن له رداء كما قال سهل ﵁.\nوأما الإجماع: فقد ثبتث مشروعية الصداق في النكاح بالإجماع، ولم يخالف فيها أحد من المسلمين، كما ذكره ابن قدامة في \"المغني\" (٦٩٥) .\nويستحب أن لا يعري النكاح عن تسمية الصداق، لما ثبت أن النبي ﷺ لم يتزوج أحدًا من نسائه ﵅، ولا زوج أحدَا من بناته ﵅ إلا بِصَداقٍ سماه في العقد، ولأن تسمية المهر في العقد أدفع للخصومة، وأبعد عن النزاع.\nعر أن ذكر المهر ليس شرطا ولا ركنا في العقد، وإنما هو أثر من آثاره المترتبة عليه، ولذا اغتفر فيه الجهل اليسير، والغرر الذي يرجَى زَوالُه، فإن لم يُسَمَّ المهر في العقد صح بالإجماع - مع الكراهة - على أن يسمي لها مهر بعد العقد، أو يكون لها مهر المثل في ذمة الزوج، ودليل صحة العقد قوله تعالى: (لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) (البقرة: ٢٣٦)، فرفَعَ الله الجناح عمن طَلق في نكاح لا تسمية فيه، والطلاق لا يكون إلا بعد النكاح الصحيح، فدل على جواز النكاح بلا تسمية مهر.\nوعن عقبة بن عامر ﵁ (أن النبي ﷺ قال لرجل: \" أترضى أن أزوجك من فلانة؟ \"، قال: \" نعم \"، وقال للمرأة: \" أترضَيْنَ أن أزوجك فلانا؟ \" قالت: \" نعم\"، فزوج أحدَهما صاحبَه،\n_________\n(٦٩٥) \"المغني\" (٦/٦٧٩) .","vol":"2","page":296},{"text":"فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئًا، وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: \" إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقًا، ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها صداقًا سهمي بخيبر \"، فأخذته، فباعته بعد موته بمائة ألف، قال: وقال رسول الله ﷺ: \" خير النكاح أيسره \"، وفي رواية: \" خير الصداق أيسره \" (٦٩٦) .\nوعن علقمة قال: (أتي عبد الله - أي ابن مسعود - ﵁ في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقَا، ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه، فقال: \" أرى لها مِثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العِدة \"، فشهد مَعقلُ بن سنان الأشجعي أن النبي ﷺ قضى في بَرْوَع ابنة واشق بمثل ما قضى) (٦٩٧) .\nومع أن الإسلام قد جعل المهر - نقدًا أو عينا - حقا للمرأة، وألزم الزوج الوفاء به، إلا أنه حرره من عنصر \" الثمنية\" المادية، فلم يحدده بقدر محدد أصلا، ولم ينظر إليه بذاته، ولقد كان عرب الجاهلية يرونه ثمنًا للمرأة عند زواجها، ويطلقون عليه \" النافجة\"، أي الزيادة والكثرة، وكان من حق الأب، لا الابنة المخطوبة، ولذا كانت العرب في الجاهلية\n_________\n(٦٩٦) رواه أبو داود رقم (٢١١٧) في النكاح: باب فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات، وابن حبان (١٢٥٧)، (١٢٦٢)، (١٢٨١) ورواه الحاكم (٢/١٨٢)، والبيهقي (٧/٢٣٢)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، قال الألباني: (إنما هو على شرط مسلم وحده) اهـ. من \" إرواء الغليل\" (٦/٣٤٥)، وانظر: \" سلسلة الأحاديث الصحيحة\" رقم (١٨٤٢) .\n(٦٩٧) رواه أبو داود رقم (٢١١٤: ٢١١٦)، والترمذي رقم (١١٤٥) وقال: \" حسن صحيح \"، والنسائي (٦/١٢١ - ١٢٣) كلهم في النكاح، ورواه الحاكم (٢/١٨٠)، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٧/٢٤٥)، وقال: \" إسناده صحيح\"، وغيرهم.","vol":"2","page":297},{"text":"تقول للرجل إذا وُلدت له بنت: \" هنيئا لك النافجة\"، أي المعظِّمة لمالك، وذلك أنه يزوجها، فيأخذ مهرها من الإبل، فيضمها إلى إبله، فينفجها، أي يرفعها، ويكثِّرها (٦٩٨) .\nوالمهر عطية فرضها الله للمرأة: ليست مقابل شيء يجب عليها بذله إلا الوفاء بحقوق الزوجية، كما أنها لا تقبل الإسقاط - ولو رضيت المرأة - إلا بعد العقد، وهذه الآية تعلن على الملأ: (وآتوا النساء صدقاتهن (٦٩٩) نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا) .\nوقيل في قوله تعالى: (نِحلة): فريضة، أي أعطوهن مهورهن حال كونها فريضةً من الله تعالى لهن، وقيل: هبة وعطية، قال ابن\n_________\n(٦٩٨) \" لسان العرب\" لابن منظور (٦/٤٤٩٢) مادة \" نفج\".\n(٦٩٩) قوله تعالى: (صَدُقاتهن) أضاف \" صدقات \" إليهن إضافة تمليك، وهذا يدل على أن المهر ملك للمرأة، ولا يجوز لأحد سواها، سواء كان أباها أو غيره أن يتصرف فيه أو يأخذه، قال علامة القصيم عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ في تفسير الآية: (وفيه أن المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنها تملكه بالعقد لأنه أضافه إليها، والإضافة تقتضي التمليك، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء غير ما طابت به) اهـ. من \" تيسير الكريم الرحمن\" (٢/٩)، وانظر: \" نيل الأوطار\" (٦/٢٥٨)، أما قول الرجل الصالح لموسى ﵇: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) (القصص: ٢٧) ففيه مواعدة، ومواصفة أمر قد عُزِم عليه، وهو إنكاحه إحدى ابنتيه مقابل مهر معلوم، هو أجر عمل ثماني حجج، على أن يكون المهر حقا خالصا للزوجة لا لأبيها، ومن ثم قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: (ويجوز أن يستأجره لرعيه ثماني سنين بمبلغ معلوم، ويوفيه إياه، ثم ينكحه ابنته)، وربما كان هذا من باب اختلاف الشرائع في مواجب النكاح، كما في \" روح المعاني \" (٢٠/٦٩)، ولهذا قال الصنعاني في \" سبل السلام\": (وكان الصداق في شرع من قبلنا للأولياء) اهـ. (٣/١٩٣) .","vol":"2","page":298},{"text":"الأنباري: \" كانت العرب في الجاهلية لا تعطي النساء شيئًا من مهورهن، فلما فرض الله لهن المهر كان نحلة من الله، أي هبة للنساء، فرضًا على الرجال \" (٧٠٠) .\nوقال القاضي أبو يعلى: (وقيل: إنما سمى المهر نحلة لأن الزوج لا يملك بدله شيئًا، لأن البضع بعد النكاح في مِلك المرأة، ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها دون الزوج، وإنما الذي يستحقه الزوج الاستباحة، لا الملك) (٧٠١) .\nقال الألوسي: (فإن قلت: \" إن النحلة أخذت في مفهومها أيضا عدم العوض، فكيف يكون المهر بلا عوض وهو في مقابلة البضع والتمتع به؟ \"، أجيب: \" بأنه لما كان للزوجة في الجماع مثل ما للزوج أو أزيد، وتزيد عليه بوجوب النفقة والكسوة كان المهر مجانا لمقابلة التمتع بأكثر منه \" (٧٠٢) اهـ.\nوقيل: النحلة: العطية بطيب نفس، أي: \" لا تعطونهن مهورهن وأنتم كارهون \"، وقيل: النحلة: الديانة، أي: آتوهن صدقاتهن ديانةً. والحاصل أن المهر حق مفروض للمرأة، فرضته لها الشريعة ليكون تعبيرًا عن رغبة الرجل فيها، ورمزَا لتكريمها وإعزازها، وقد صرح الفقهاء بقولهم:\n(المهر فُرضَ شرعَا لإظهار خطَرِ المحل)\nولقد حرست الشريعة هذا الحق للمرأة، فَحَرمَت على أي إنسان أكلَه أو التصرفَ فيه بغير إذنها الكامل ورضاها الحقيقي، قال تعالى: (فإن\n_________\n(٧٠٠)، (٧٠١) \" زاد المسير\" (٢/١١) .\n(٧٠٢) \" روح المعاني\" (٤/١٩٨) .","vol":"2","page":299},{"text":"طِبنَ لكم عن شيء منه نفسًا) أي من غير إكراه ولا إلجاء بسبب سوء العشرة ولا إخجال بالخلابة والخديعة (فكلوه هنيئًا مريئا) أي سائغا لا غصص فيه ولا تنغيص، فإذا طلب منها شيئًا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له، وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى، وقد روى جماعة من الصحابة ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: \" لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه \" (٧٠٣) .\nقال الألوسي: (والمعنى: فإن وهبن لكم شيئا من الصداق متجافيًا عن نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاملتكم، وإنما أوثر ما في النظم الكريم دون \" فإن وهبن لكم شيئا منه عن طيب نفس\" إيذانًا بأن العمدة في الأمر طيب النفس وتجافيها عن الموهوب بالمرة، حيث جعل ذلك مبتدأ، وركنا من الكلام لا فضلة، كما في التركيب المفروض) (٧٠٤) .\n(وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن ناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساقه إلى امرأته فنزلت هذه الآية، وفيها دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس، وقلما يتحقق) (٧٠٥) اهـ.\nإن المهر - قلَّ أو كثر - حق للمرأة، في مقابل الميثاق الغليظ،\n_________\n(٧٠٣) رواه من حديث عم أبي حرة الرقاشي الدارقطني (٣/٢٦)، وأحمد (٥/٧٢)، والبيهقي (٦/١٠٠)، ومن حديث أبي حميد الساعدي الإمام أحمد (٥/٤٢٥)، وابن حبان (١١٦٦)، ومن حديث عمرو بن يثربي الدارقطني (٣/٢٦)، والبيهقي (٦/٩٧) والإمام أحمد (٣/٤٢٣، ٥/١١٣)، ومن حديث ابن عباس: البيهقي، والحديث صححه الألباني في \" إرواء الغليل\" (٥/٢٧٩) .\n(٧٠٤) \"روح المعاني\" (٤/١٩٩) .\n(٧٠٥) \" السابق\" (٤/٢٠٠)، وانظر: \" الكشاف \" للزمخشري (١/٣٧٧) .","vol":"2","page":300},{"text":"قال تعالى: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظًا) (النساء: ٢١)، والميثاق الغليظ: هو حق الصحبة والمعاشرة، والإمساك بمعروف، أو التسريح بإحسان.\nولقد حرص التشريع الحكيم على حماية حق المرأة في تملكها للمهر، وتوعد رسول الله ﷺ من يضيع هذا الحق بأشد الوعيد: فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \" إن أعظم الذنوب عند الله رجل تزوجَ امرأة؛ فلما قضى حاجتَهُ منها طلقَها، وذهب بمهرها، ورجل استعمل رجلًا فذهبَ بأجرته، وآخَرُ يقتل دابَّة عَبَثَا \" (٧٠٦) .\nوالمرأة لا تفقد مهرها الا في حالة واحدة فقط، هي حالة الخُلْع، وهو طلبها مفارقة الزوج مقابل مال تبذله له، وذلك جائز إذا تم مخافة أن تقيم حدود الله في زوجها بسبب كراهية تؤدي إلى تضييع حقوق الزوج، وحُسْن معاشرته (٧٠٧)، وإذا كان عارض الكراهية من قبل الرجل، بغير ذنب منها، وخشي ألا يعاملها بما يجب بالمعروف، فله أن يُسَرحَها بإحسان، لأن عقدة الزوجية بيده، وليس له في هذه الحالة أن يأخذ مما أعطاها شيئا، بل يعطيها حقوقها كاملة لقول الله ﷿: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارَا فلا تأخذوا منه شيئا)\n_________\n(٧٠٦) رواه الحاكم (٢/١٨٢)، وقال: \" صحيح على شرط البخاري\"، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (٩٩٩) .\n(٧٠٧) وأول خلع وقع في الإسلام حين جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله ﷺ، فقالت: \" يا رسول الله إني لا أعتب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق، ولكني لا أطبقه \"، فقال رسول الله ﷺ: \" أتردين عليه حديقته؟ \"، قالت: \" نعم \"، قال رسول الله ﷺ: \" اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة \"، رواه البخاري، وانظر: \" فتح الباري\" (٩/٣٢٥) ط. السلفية، باب الخلع.","vol":"2","page":301},{"text":"الآية (النساء: ٢١) .\nومن يُسْرِ الإسلام وسماحته، وتشجيعه على الزواج، ورفعه الحرجَ عن الأمة أنه شرع لمن لم يجد مالًا حالا أن يتزوج بمهر مؤجل، قال الفقهاء ﵏: \" يصح كونُ المهر مُعَجَّلا أو مُؤجَّلًا، كله أو بعضه، إلى أجل قرِيب أو بعيد، أو أقرب الأجلين (٧٠٨): الطلاق، أو الوفاة \" (٧٠٩) .\nوالأوْلى الموافق لفعل السلف الصالح ﵃ تعجيل المهر كله بعد تيسيره، لأن النبي ﷺ قال: \" التمس ولو خاتمًا من حديد \"، ولم يُزَوجْه بمؤخر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\n(ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقا يَضُرُّ به إن نقَدَه، ويعجز عن وَفائه إن كان دَينًا ...، وإذا أصدقها دينًا كثيرًا في ذمته، وهو ينوي أن لا يعطيها إياه كان ذلك حرامًا عليه..\nوما يفعله أهل الجفاء والخيلاء والرياء من تكثير المهر للرياء\n_________\n(٧٠٨) وعلى ذلك جرى العرف في بلاد المسلمين، وكل ما سبق الاستدلال به على صحة العقد بدون تسمية مهر يصح الاستدلال به على تأجيله، بل أوْلى، لأن زواج المرأة بمهر معلوم مؤجل خير لها من أن تتزوج بدون تسمية صداق، وكلا الأمرين جائز، وربما كان لها في التأجيل مصلحة، فإنه في حالة الفراق قد تكون في حاجة إلى المبلغ المؤجل، لتستعين به على نوائب الدهر.\n(٧٠٩) فإذا طلقها وجب عليه أن يدفع مَا لَها بذمته من المهر المؤجل، ونفقة عدة الطلاق، وإذا مات عنها كان مهرها المؤجل دينًا في التركة، يبدأ بأدائه بعد تجهيزه ودفنه، وقبل تنفيذ وصيته، لأنه حق ثابت في ذمة المتوفي كالديون الأخرى، فإذا ماتت قبله فهو ميراث متروك عنها لمن يرثها، وزَوْجُها من جملتهم، وله النصف إذا لم يكن لها ولد مطلقًا منه أو من زوج آخر قبله، والربع إذا كان لها ولد منه أو من زوج آخر قبله، والباقي لبقية الورثة الأقرب فالأقرب.","vol":"2","page":302},{"text":"والفخر (٧١٠)، وهم لا يقصدون أخذه من الزوج، وهو ينوي أن لا يعطيهم إياه: فهذا منكر قبيح، مخالف للسنة، خارج عن الشريعة (٧١١) .\nوإذا قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه، فقد حمل نفسه، وشغل ذمته، وتعرض لنقص حسناته، وارتهانه بالدين، وأهل المرأة قد آذَوْا صِهرَهم، وضَرُّوه) (٧١٢) اهـ.\nقال الشيخ محمد كمال الدين الأدهمي:\n(وللزوج أن يخلص من التبعة، فيعطيها - وهو في حياته، وهي تحت\n_________\n(٧١٠) ويظهرون مهرا في العلانية يقل عن مهر السر لأجل السمعة والتباري والمباهاة. (٧١١) \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/١٩٣-١٩٤) بتصرف، والناظر إلى العقود التي يكون فيها مهور مؤجلة يدرك أن القصد منها ليس المهر بقدر ما هو التضييق على الزوج، وتقييده إذا فكر في الطلاق، ولذا يكون المؤجل أضعاف المعجل، ويتساهلون في المعجل ظنا منهم أنه إذا أقدم على طلاقها، تذكر إغرامه بالمؤخر عند حلوله، فيمتنع عن التسرع في طلاقها، وفي ذلك قول شاعرهم:\nمَهْر الفتاةِ إذا غلا صَوْن لها ... عن أن يبت عَشِيرُها تطليقَها\nيهْوى الفِراقَ، وخَافَ مِنْ إغرامِهِ ... فأدامَ في أسبابه تعْلِيقَها\nولربما ؤرِثَتْهُ أو سبقَتْ بها ... أقدارُ مَيتتها فكان طَليقَها\nان المغالاة في المهر تثير الحقد والغضب والعداوة في نفس الخاطب، كما بين ذلك أمير المؤمنين عمر ﵁، وإن من أراد أن يكون نكاح ابنته ميمونا عظيم البركة، فعليه أن يسعى إلى ذلك بتيسير المهر وتقليله، تصديقا لقول الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ: \" إن أعظم النكاح بركة: أيسره مؤنة \"، وليعلم الآباء \"التجار\" الذين ينظرون إلى بناتهم نظرتهم إلى السلع المبيعة، والذين يتوهمون أن في رفع مهور بناتهم ضمانا لمستقبلهن، ليعلم هؤلاء أن الذي يكره زوجنه، ويريد طلاقها لا يمكن أن تقف في وجهه مشكلة المال، إذا كان ميسور الحال، وإلا فربما زين الشيطان له عَضلها والإضرار بها حتى تفتدي نفسها منه، أو خداعها بالمكر والخلابة، فيعود الحال إلى نقيض ما قصده أبوها، بشؤم المغالاة في المهور!\n(٧١٢) \" مجموع الفتاوى\" (٣٢/١٩٢-١٩٤) بتصرف.","vol":"2","page":303},{"text":"عصمته - مؤجل صداقها الذي تستحقه بطلاقها أو بموته تخلصا من تبعة الدينِ الثقيلة الوطأة على المَدِين - المديون- ولها أن تسقط عنه مهرها المؤجل كله أو بعضه، في حياته وبعد موته، وعليه أن يوصي به- أي بلزوم دفع مؤجل مهرها - وليست هذه وصية صدقة، بل وصية تأدية حق كالديون الأخرى، يسْأل عنها في قبره، ويعذب على سكوته عليها، قال رسول الله ﷺ: \" لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاةِ الجَلْحَاء من الشاة القرناء تنطحها، رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، وقال في حديث آخر: (نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يُقضَى عنه، رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة) (٧١٣) اهـ.\n_________\n(٧١٣) \"مرآة النساء\" ص (١٦٧) .","vol":"2","page":304},{"text":"كراهة المغالاة في المهور\nلقد فرض الشرع الشريف المهر للزوجة منحة تقدير تحفظ عليها حياءها وخَفرَها، وتعبر عن تكريم الزوج لها ورغبته فيها، إلا أنه مِن جانب آخر- حَث على يُسْرِه وخِفتِهِ.\n- فعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" خير النكاح أيسره \" (٧١٤) .\nوعن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن من يُمْنِ المرأة: تيسيرَ خِطبتها، وتيسير صداقها، وتيسيرَ رحِمها \" (٧١٥)، قال عروة: \" يعني تيسير رحمها للولادة.\nوأتبع النبي ﷺ السنة القولية بالسنة العملية موضحا معنى هذا التيسير، فلم يزد في مهور بناته ولا نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقِيَّةً ونَشًّا: - فعن أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر يومًا، فقال: \" ألا لا تُغَالوا في صدُقاتِ النساء، فإن ذلك لو كان مَكْرُمَة (٧١٦) في الدنيا، وتقوى\n_________\n(٧١٤) تقدم برقم (٦٩٦) .\n(٧١٥) رواه الإمام أحمد (٦/٧٧، ٩١)، والبيهقي (٧/٢٣٥)، وابن حبان (١٢٥٦)، والحاكم (٢/١٨١)، وقال: \" صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٢/٢٥١)، إن كان أسامة ابن زيد- أحد الرواة- هو الليثي، وإن كان العدوى فضعيف، وقال عروة الراوي عن عائشة ﵂: (وأنا أقول من عندي: \" من أول شؤمها أن يكثر صداقها \") .\n(٧١٦) وفي هذا النص من أمير المؤمنين ﵁ إبطال صريح لما يتوهمه الذين =","vol":"2","page":305},{"text":"عند الله، كان أوْلاكم بها رسول الله ﷺ، ما أصدقَ رسولُ الله ﷺ امرأةً من نسائه، ولا أصْدِقَتْ امرأة من بناته، أكثر من ثنتي عَشرةَ أوقية \" (٧١٧) .\n_________\n= لا يفقهون من أن غلاء مهر المرأة مكرمة لها في الدنيا، إذ لو كان كذلك لكان أحق الناس بهذه المكرمة رسول الله ﷺ الذي تزوج، وزوج بمهر لا يتجاوز اثنتي عشرة أوقية، ومن الأمور المسلمة أن الشرف والمكرمة إنما يكون في البذل والعطاء والمسامحة والتيسير على الآخرين، وليس في الأخذ والطلب منهم، والتشديد عليهم، وهذا هو شأن الفضلاء والكرماء لا يرون كثرة الصداق في نفوسهم شيئًا، وإنما جل هم الكريم اختيار الكفؤ لموليته، الذي يتقي الله فيها، وهذا هو النكاح الجدير باليمن والبركة.\n(٧١٧) رواه أبو داود رقم (٢١٠٦) في النكاح: باب الصداق، والترمذي رقم (١١١٤) في النكاح: باب رقم (٢٣) وصححه، والنسائي (٦/١١٧-١١٨) في النكاح: باب القسط في الأصدقة، وابن ماجه (١٨٨٧)، والبيهقي (٧/٢٣٤)، والحاكم (٢/١٧٥) وصححه، ووافقه الذهبي، وابن حبان (١٢٥٩)، والدارمي (٢/١٤١)، وأحمد (١/٤٠، ٤٨)، وصححه الألباني في \"الإرواء\" (٦/٣٤٧) .\nفائدتان:\nالأولى: في قيمة الأوقِية، والنش، والنواة، وهى من مضاعفات الدرهم.\nوزن الدرهم الشرعي = ٢. ٩٧ جراما من الفضة.\nالأوقية =٤٠ درهمًا =٤٠ * ٢. ٩٧ = ١١٨. ٨ جراما.\nالنش = ٢٠ درهمًا =٢٠ * ٢. ٩٧ = ٥٩. ٤ جراما.\nالنواة = ٥ دراهم = ٥ * ٢. ٩٧ = ١٤. ٩٥ جراما، وانظر \" المقادير الشرعية\" للكردي ص (١٤٧) .\nالثانية: شاع على الألسنة قصة اعتراض المرأة على عمر، قائلة له: \" نهيتَ الناسَ آنفا أن يغالوا في صداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه: (وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا)؟!، فقال عمر ﵁: \" كل أحد أفقه من عمر \" مرتين أو ثلًاثا، ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: \" إني كنت نهيتكم أن تُغالُوا في صَداق النساء، ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له\"، أخرجه البيهقي (٧/٢٣٣)، وقال: \" هذا منقطع\"، وقال الألباني في الإرواء،: (ضعيف منكر) اهـ. (٦/٣٤٨)، وحتى لو كان في الآية دليل على إباحة المغالاة في المهور =","vol":"2","page":306},{"text":"- وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة ﵂: كم كان صَداق رسول الله ﷺ؟ قالت: كان صداقُه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: \" أتدري ما النشُّ؟ \"، قلت: \" لا\"، قالت: \" نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم \") (٧١٨) .\n- وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: \" لما تزوج عليّ بفاطمة ﵄، وأراد أن يدخل بها، قال له رسول الله ﷺ: \" أعطها شيئا \"، قال: \" ما عندي شيء \"، قال \" أين دِرْعكَ الحطَمِية \"؟، فأعطاها درعه) (٧١٩) .\n- وعن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن ابن عوف أثر صُفرة، فقال: \" ما هذا؟ \" قال: \" يا رسول الله إني تزوجت امرأة من الأنصار \"، قال: \" كم سُقْتَ إليها؟ \"، قال: \" زِنةَ\n_________\n= كما قال القرطبي ﵀، لأن الله لا يمثل إلا بمباح، لكن ليس كل جائز مستحسنا، ولا كل مباح مُرَغبا فيه، بل لقد نهى عمر عنه لما تحول إلى وضع ضار، كما في رواية أبي العجفاء السلمي، وفي رواية النسائي زيادة تجَسدُ خطر المغالاة في المهور ولفظه: \" وإن الرجلَ ليعلِى بصَدُقة المرأة، حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول: \" كَلِفتُ لكم عَلَقَ القِربَة\"، وعَلَق القربة: يقال:\nجَشِمتُ إليك علق القربة وعرَقَ القِربة، أي تكلفت إليك، وتعبت، حتى عرَقتُ كعَرَقِ القِربة، يعنى بذلك: الشدة، وأصله: أن القِرَب إنما كان يحملها الإماء ومَن لا مُعين له، وربما افتقر الرجل الكريم، واحتاج إلى حملها، فيعرق، لما يلحقه من المشقة والحياء من الناس، وهذا إنما يقال في الأمر يجد فه الإنسان كُلْفَة وشدة. (٧١٨) رواه مسلم رقم (١٤٢٦) في النكاح: باب الصداق، وأبو داود رقم (٢١٠٥) في النكاح: باب الصداق، والنسائي (٦/١١٦، ١١٧) في النكاح: باب القسط في الأصدقة، وابن ماجه رقم (١٨٨٦) .\n(٧١٩) رواه أبو داود أرقام (٢١٢٥، ٢١٢٦، ٢١٢٧) في النكاح: باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها شيئا، والنسائي (٦/١٢٩، ١٣٠) في النكاح: باب تحلة الخلوة، والبيهقي (٧/٢٥٢)، (١٠/٢٦٩)، والطبراني في \" الكبير\" (١١/٣٥٥)، وابن أبي شيبة في \" المصنف \" (٤/١٩٩)، وقال في تحقيق \" جامع الأصول\": \" إسناده صحيح، اهـ. (٧/٢١)، والحطمِية: درع تكسر السيوف، وقيل: العريضة الثقيلة، وقيل: إنها منسوبة إلى بطن من عبد القيس يقال له: حُطَمة بن محارب، كانوا يعملون الدروع.","vol":"2","page":307},{"text":"نواة من ذهب \"، قال: \" بارك الله لك، أولم ولو بشاة \"، وفي رواية البيهقي: \" على وزن نواة من ذهب، قُومَت خمسة دراهم) (٧٢٠) .\nوغضب رسول الله ﷺ من كثرة المهر، فقد جاءه رجل من الصحابة يستعينه، فقال رسول الله ﷺ: \" على كم تزوجتها؟ \"، قال: \" على أربع أواقٍ \"، فقال له النبي ﷺ: \" على أربع أواقٍ؟ كأنما تنحتون الفضة من عُرْض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثَك في بَعْثٍ تُصِيبُ منه \" (٧٢١) الحديث.\nقال الإمام الشافعي ﵀: (والقصد في المهر أحب إلينا، وأستحب أن لا يزيد في المهر على ما أصدق رسول الله ﷺ نساءه وبناته، وذلك خَمسمائة درهم) (٧٢٢) .\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [(والمستحب في الصداق - مع القدرة واليسار- أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبي ﷺ ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة بالدراهم الخالصة، نحوا من تسعة عشر دينارا، فهذه سنة رسول الله ﷺ، من فعل ذلك فقد استن بسنة رسول الله ﷺ في الصداق، قال أبو هريرة ﵁: \" كان صداقنا إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة درهم \" (٧٢٣) إلى أن قال ﵀:\n_________\n(٧٢٠) تقدم برقم (٦٩٢) .\n(٧٢١) أخرجه مسلم رقم (١٤٢٤) في النكاح: باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، و\" غُرْض\" الشيء جانبه، وانظر: \" المصنف\" لابن أبي شيبة (٤/١٩٠) .\n(٧٢٢) \"الأم\" (٥/١٤٣) .\n(٧٢٣) رواه بنحوه النسائي (٦/١١٧) في النكاح: باب القسط في الأصدقة، والدارقطني (٣/٢٢٢) في النكاح، والإمام أحمد (٢/٣٦٧)، واللفظ له، ورجال إسناده ثقات =","vol":"2","page":308},{"text":"(.. فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله ﷺ اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة، فهو جاهل أحمق، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليسار، فأما الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة) اهـ.\nثم قال رحمه الله تعالى: (.. وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصداق، فتزوج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول الله ﷺ على وزن نواة من ذهب، قالوا: وزنها ثلاثة دراهم وثلث، وزوج سعيد بن المسيب بنته على درهمين، وهي من أفضل أيم من قريش، بعد أن خطبها الخليفة لابنه، فأبى أن يزوجها به) (٧٢٤)] اهـ.\nهكذا كانت سيرة السلف الصالح ﵃ في شأن المهر، ثم خَلَفَ من بعدهم خَلف سيطر على أفكارهم النظرة التجارية، فتراهم يُغالون في المهور، حتى إنه لا يكاد يخرج بعضهم من عقد زواج إلا وهم يتحدثون عن المهر، وكم بلغ من الأرقام القياسية..!؟ كأنما خرجوا من حلبة سباق، أو مزايدة!\nوترى بعضهم إذا خطب إليه الرجل ابنته أو موليته أخذ يُحِدُّ شفرته ليفصل ما بين لحمه وعظمه، فإذا قطع منه اللحم، وهشم العظم، وأخذ منه كل ما يملك، سلمَها له، وهو في حالة بؤس وفقر شديدين، مُثْقَلا بأوزار الديون، والتي من لوازمها الهموم والغموم التي تكدر عليه صفوه، فتذله بالنهار، وتقض مضجعه بالليل، ويغلي بنارها قلبه، ولا تزال به حتى تجعل القوي ضعيفًا، والسمين نحيفًا، كما قيل:\n_________\n= كما في \" نيل الأوطار\" (٦/١٩٠)، و\"الفتح الرباني\" (١٦/١٦٨) .\n(٧٢٤) \" مجموع الفتاوى\" (٣٢/١٩٤ - ١٩٥) بتصرف.","vol":"2","page":309},{"text":"والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم\nإن المغالاة في المهور، وعدم تيسيرها أنتجت أسوأ العواقب، فتركت البنات العذارى عوانس وأيامى في بيوت آبائهن، يأكلن شبابهن، وتنطوي أعمارهن سنة بعد سنة (٧٢٥)، وتعذَّر النكاح على جمهور الشباب بل تعسر، فعزفوا عنه، رغم رغبتهم فيه، بل حاجتهم إليه، وفي هذا مضادة لمقاصد الشريعة التي رغبت في النكاح والتناسل، وبهذا يعلم مدى شؤم مخالفةَ مَنْ هَدْيُه خير الهدي ﷺ في الآخرة والأولى.\n_________\n(٧٢٥) ولا شك أن الولي الذي يمتنع من تزويج موليته بالكفء الصالح لظنه أنه لا يدفع له صداقَا كثيرا، لا شك أنه غاش لرعيته، لا ينظر في مصلحتها، بل في هوى نفسه، وهو مع ذلك مرتكب للعضل الذي يعتبر من تكرر منه فاسقًا، ناقص الدين، ساقط العدالة حتى يتوب، انظر: مجموعة ثلاث رسائل للشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، ص (١٠٠) .","vol":"2","page":310},{"text":"ليس من الإسلام\nليس من الإسلام: ما نراه اليوم من استبداد بعض الآباء بمهور بناتهم والإجحاف بها، أو استيلاء بعض الأشقاء على مهور أخواتهن.\nوليس من الإسلام: ما يرتكب في بعض البيئات الجاهلية حيث يعمد بعض الناس إلى المقايضة بين النساء في سبيل توفير المهر، وهو المسمى \" نكاح الشغار \" يزوج الرجل ابنته أو أخته مقابل أن يزوجه ذلك الشخص ابنته أو أخته، وقد قال رسول الله ﷺ: \" لا شِغار في الإسلام \" (٧٢٦) .\nوذلك لأن كل واحد منهما جعل بُضْعَ كل واحدة منهما مهرًا للأخرى، والبُضع ليس بمال، فلا يصلح مهرا.\nوليس من الإسلام: \" ما يحاوله بعض الذين استعبدتهم أوربة أن يغضوا من شأن المهر، والإفاضة في ذكر مساوئ المغالاة فيه بهدف التوصل إلى غاية خطيرة ألا وهي: إلغاء المهر، كلا.. فليس من المنطق الصحيح في شيء أن نعالج تعسف الناس في استعمال القانون بأن نلغي القانون، لأنا بهذا لن نبقي في الدنيا قانونا، إنما نكون كالذي آلمته عينه فعمد إليها وقلعها، كي لا تؤلمه من بعد. . .\nوقد أدى هذا المسلك الوخيم بالأوربيين إلى أن تُقَدمَ المرأة هناك بعض المال للرجل، وتكلف هي بإعداد المنزل من مالها.. نعم من مال المرأة..! ! .\nوهذا معناه أنه لا تزوج المرأة إلا إذا كانت ذات مال، أو تضطر لمعاناة مشقات الحياة ونكد الدنيا لتحصيل نفقات الزواج، ومعناه أيضًا\n_________\n(٧٢٦) رواه مسلم في النكاح، الباب رقم (٧) ص (٠٣٥ ١)، والترمذي رقم (١١٢٣)، وابن ماجه رقم (١٨٨٥)، وأحمد (٣/١٦٢)، وابن حبان رقم (٧٣٨، ١٢٦٩، ١٢٧٠) .","vol":"2","page":311},{"text":"أن نغض من كرامة المرأة، ونضطرها أن تسعى إلى الرجل تطلب يده، فنفرض عليها أن تمزق حجب الحياء والخفر الذي هو زينة أخلاق المرأة، وميزان أصالتها ...\nإننا نرفض الدعوة إلى إلغاء المهر، لأننا لا نقبل التفريط فيما شرع الله من تكريم المرأة وإعزازها، كما أننا في نفس الوقت نرفض الاعتبارات التجارية التي تسيطر على أفكار طائفة من الناس وطائفة من السيدات، إذ يؤدي إلى التغالي في المهور الذي يئن منه المجتمع، ويرزح تحت أعبائه شبابنا وفتياتنا على حد سواء.\nإن المهر هدية تعطى للمرأة، فهل يقتنع العقل قط أن المُهدَى إليه يشارط فيها، ويكلف صاحبه من أمره شططا؟!) (٧٢٧) اهـ.\n(٢) النفقة\nومن حقوق الزوجة المادية وجوب نفقتها على زوجها، وهي تشمل الطعام، والشراب، والملبس، والمسكن (٧٢٨)، وسائر ما تحتاج إليه الزوجة (٧٢٩) لإقامة مهجتها، وقوام بدنها.\n_________\n(٧٢٧) \" ماذا عن المرأة؟ \" للدكتور نور الدين عتر ص (٦٨) .\n(٧٢٨) وهي التي أشار إليها قوله تعالى: (إن لك أن لا تجوع فيها ولاتعرَى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحَى) طه (١١٨-١١٩)، وقد خصَّ الله آدم بذكر الشقاء فقال: (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) (طه: ١١٧)، و\"لم يقل: \" فتشقيان\" يعلمنا أن نففة الزوجة على الزوج، انظر: \" الجامع لأحكام القرآن\" (١١/٢٥٣) .\n(٧٢٩) وقال الفقهاء: \" إنه يلزم للزوجة نفقة الخادم إذا كان الزوج موسرا، وكانت المرأة ممن تُخدم في بيت أبيها مثلا، ولا تخدم نفسها لكونها من ذوي الأقدار، أو مريضة؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، والخادم هو من يحل له النظر إلى المرأة، بأن يكون امرأة أو ذا رحم محرم؛ لأن الخادم يلزم المخدوم في أغلب أحواله، فلا يسلم من =","vol":"2","page":312},{"text":"وقد أخبر ﷿ أن الرجال هم المنفقون على النساء، ولذلك كانت لهم القوامة والفضل عليهن بسبب الإنفاق عليهن بالمهر والنفقة، فقال ﵎: (الرجال قوامُون على النساء بما فضلَ الله بعضهم على بعض وبما أنففوا من أموالِهم) (النساء: ٣٤) .\nوقد دل على وجوب هذه النفقة؟ الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.\nأما أدلة الكتاب الكريم:\n- فمنها قوله تعالى: (لينفق ذو سعَةِ من سعته. ومن قُدِرَ عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. سيجعل الله بعد عُسْر يُسْرًا) (الطلاق: ٧) .\n- ومنها قوله جل وعلا: (وعلى المولود له رزقُهن وكِسوَتهن بالمعروف لا تكَلَّفُ نفس إلا وُسعَها) (البقرة: ٢٣٣) .\n- ومنها قوله سبحانه: (وإن كُن أولاتِ حَمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حَملَهن) (الطلاق: ٦) . فدلت الآية على وجوب النفقة على المطلقة الحامل، فكانت النفقة للزوجة من باب أولى.\nوأما أدلة السنة الشريفة:\nفعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: \" اتقوا الله في النساء فإنهن عوانٍ عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف \" (٧٣٠) .\n_________\n= النظر \" انظر: \" بدائع الصنائع\" (٥/٢٢١٥)، \" فتح القدير\"، (٣/٣٢٧ - ٣٢٩)، \" بداية المجتهد \" (٢/٥٤)، \" شرح منح الجليل\" (٢/٤٣٤)، \" تكملة المجموع\" (١٧/١٤٠)، \" كشاف القناع\" (٥/٣٧٨)، \"المحلى\" (١٠/١١١) .\n(٧٣٠) تقدم تخريجه رقم (٢٤٠) .","vol":"2","page":313},{"text":"وعن عمرو بن الأحوص ﵁ أنه رسول الله ﷺ يقول قي حجة الوداع: \".. ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حَقُّكم على نسائكم: فلا يوطئن فُرُشَكم مَنْ تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحَقُّهُنَّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كِسوَتهن وطعامهن \" (٧٣١) .\nوعن معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت: \" يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ \"، قال: \" أن تُطعمها إذا طعِمتَ (٧٣٢)، وتكسوَها إذا اكتسيت، ولا تُقَبح الوجه (٧٣٣)، ولا تضرب \" (٧٣٤)، وفي رواية للإمام أحمد بزيادة: \" ولا تهجر إلا في البيت (٧٣٥)، كيف وقد\n_________\n(٧٣١) انظر تخريجه برقم (١١٣٥) .\n(٧٣٢) وما أقبح أن يتعاطى الرجل أطايب الطعام، ويلتذ بأشهى الشراب في المطاعم والنوادي والرحلات، ثم يبخل بشيء منه على زوجته وأولاده، كما يصدر ممن لا مروءة له، (حدَّث القالي قال: كان رجل من أهل الشام مع الحجاج يحضر طعامه، فكتب إلى امرأته يعلمها بذلك، فكتبت إليه:\nأيهْدى إلي القِرطاس والخبز حاجتي ... وأنت على باب الأميرِ بطين\nإذا غبت لم تذكر صديقا ولم تُقِمْ ... فأنت على ما في يديك ضنين\nفأنت ككلب السوء ضيع أهله ... فيُهزل أهل البيت وهو سمين)\nانتهى من \" المرأة العربية \" لعبد اللَه عفيفي (٢/١٩٢) .\n(٧٣٣) أي: لا يُسمعها المكروه، ولا يشتمها بأن يقول: \" قبح الله وجهك، وما أشبهه من الكلام.\n(٧٣٤) أي: لا تضرب الوجه، أو لا تضرب إلا بما حل عليهن من الضرب والهجر بسبب نشوزهن، كما في قوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا. إن الله كان عليا كبيرا) (النساء: ٣٤)، وانظر ص (٤٥٤ - ٤٧٠) من هذا الكتاب.\n(٧٣٥) أي لا يهجرها إلا في المضجع، ولا يتحول عنها، أو يحولِها إلى دار أخرى، وقد ورد ما يدل على جواز هجرة النساء في غير بيوتهن في البخاري في كتاب النكاح =","vol":"2","page":314},{"text":"أفضى بعضكم إلى بعض (٧٣٦)، إلا بما حل عليهن \" (٧٣٧) .\nقال البغوي: (قال أبو سليمان الخطابي: في هذا إيجاب النفقة والكسوة لها، وهو على قدر وُسع الزوج (٧٣٨)، وإذا جعله النبي ﷺ حقا لها، فهو لازم حضر، أو غاب، فإن لم يجد في وقته، كان دينًا عليه كسائر الحقوق الواجبة، سواء فرض لها القاضي عليه أيام غيبته، أو لم\nيفرض) (٧٣٩) اهـ.\n_________\n= باب (هجرة النبي ﷺ نساءه في غير بيوتهن)، والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، انظر \" فتح الباري \" (٩/٣٠٠ - ٣٠٢) .\n(٧٣٦) يعنى الجماع.\n(٧٣٧) رواه أبو داود (٢/٢٤٤) رقم (٢١٤٢)، في النكاح: باب في حق المرأة على زوجها، وابن ماجه (١٨٥٠)، والحاكم (٢/١٨٧ - ١٨٨)، وصححه، وأقره الذهبي، وابن حبان (١٢٨٦)، والبغوي في \" شرح السنة \" (٩/١٦٠)، والإمام أحمد (٤/٤٤٦، ٤٤٧)، (٥/٥، ٣)، والبيهقي (٧/٢٩٥)، وصححه الألباني في \" الإرواء\" (٧/٩٨) .\n(٧٣٨) وهذا هو التحقيق؛ أن النفقة تقدر بحسب حال الزوج - لا الزوجة - يسارًا وإعسارا، لقول الله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قُدِر عليه رزقه فينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) (الطلاق: ٧)، وقال تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، والمعروف أن النفقة تكون على قدر حال الزوج من اليسار والإعسار، ويؤيده قوله سبحانه: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجدِكم) (الطلاق: ٦) قال ابن عباس: \" أسكنوهن من سعتكم\"، فدل على أن الإنفاق مخصوص بحال الزوج جِدَة وفقرا، انظر: \" بدائع الصنائع\" (٥/٢٢١٦) .\nويدل لهذا أيضًا قوله ﷿: (وبما أنفقوا من أموالهم) (النساء: ٣٤)، فالرجل صاحب القوامة عليها بالفضل والإنفاق فكان الاعتبار بحاله.\nويدل لهذا أيضا قوله ﷺ: \" أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون\" الحديث رواه أبو داود (٢/٢٤٥) رقم (٢١٤٤) من حديث معاوية القشَيري، وانظر رقم: (٧٣٧) .\n(٧٣٩) \"شرح السنة\" (٩/١٦٠) .","vol":"2","page":315},{"text":"وقد رُوي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ: \" كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت \" (٧٤٠) .\nوعن أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ: \" إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفِظَ ذلك أم ضَيع، حتى يَسألَ الرجلَ عن أهل بيته) (٧٤١) .\nوعن قيس بن حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" والله لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره، فيبيعه، ويستغني به، ويتصدق منه، خير له من أن يأتي رجلا فيسأله، يؤتيه أو يمنعه، وذلك أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول) (٧٤٢)، وفي رواية: (فقيل: \" مَنْ أعول يا رسول الله؟ \" قال: \" امرأتك ممن تعول \" (٧٤٣)،\n_________\n(٧٤٠) رواه أبو داود رقم (١٦٩٢) في الزكاة: باب في صلة الرحم، وأحمد (٢/١٦٠، ١٩٤، ١٩٥)، والبيهقي (٧/٤٦٧)، (٩/٢٥)، والطبراني في \" الكبير\" (١٢/٣٨٢)، قال الألباني حفظه الله: (ضعيف بهذا اللفظ، وأخرجه مسلم بلفظ: \" كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتَه \") اهـ. من \" غاية المرام\" رقم (٢٤٥)، وقال في \" إرواء الغليل \" رقم (٨٩٤): (وفي رواية لأحمد عن وهب قال: إن مولى لعبد الله بن عمرو قال له: (إني أريد أن أقيم هذا الشهر ههنا ببيت المقدس، فقال له: (تركت لأهلك ما يقوتهم هذا الشهر؟ \"، قال: \"لا\"، قال: فارجع إلى أهلك، فاترك لهم ما يقوتهم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت \")، ثم حسنه الألباني بعد أن ذكر له شاهدًا، فانظر: \" الإرواء\" (٣/٤٠٧) .\n(٧٤١) رواه ابن حبان رقم (١٥٦٢)، وابن عدي في \" الكامل، (١/٣٠٧)، وأبو نعيم في \" الحلية\" (٦/٢٨١)، وصححه الحافظ في \" الفتح\" (١٣/١١٣) ط.\nالسلفية، وانظر: \" سلسلة الأحاديث الصحيحة\" حديث رقم (١٦٣٦) .\n(٧٤٢) أخرجه مسلم في الزكاة (١٠٦) (٣/٩٦)، وأحمد (٢/٤٧٥)، والترمذي (١/١٣٢)، وقال: \" حديث حسن صحيح\".\n(٧٤٣) رواه الدارقطني: (٣/٢٩٦)، والإمام أحمد (٢/٥٢٤، ٥٢٧)، وقال العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق آبادي في \" التعليق المغني\": (رواه أحمد أيضا بإسناد صحيح مثله) اهـ (٣/٢٩٦)، وجوَّد الألباني إسنادها في \" الإرواء\" (٣/٣١٧) .","vol":"2","page":316},{"text":"تقول (٧٤٤): \" أطعمني، وإلا فارقني، وجاريتك تقول: (أطعمني، واستعملني \"، وولدك يقول: \" إلى مَن تتركني؟ \".\nوجاء في تفسير قوله تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) أن العفو: الزائد على قدر الحاجة التي لابد منها على أصح (٧٤٥) التفسيرات، وهو مذهب الجمهور، وقد قال ﷺ: \" وابدأ بمن تعول\" (٧٤٦)، وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: \" ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلِذي قرابتك، فإن فضل عن ذى قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: \" فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك، (٧٤٧)، وعن جابر بن سمرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إذا أعطى الله أحدكم خيرا فليبدأ بنفسه وأهل بيته \" (٧٤٨) .\n_________\n(٧٤٤) وفي البخاري: (فقالوا: \" يا أبا هريرة، سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ؟ \"، قال: \" لا، هذا من كيس أبي هريرة \") اهـ. وقوله: \" من كِيسي، بكسر الكاف، أي من حاصله، إشارة إلى أنه من استنباطه مما فهمه من الحديث المرفوع مع الواقع، وفي رواية الأصيلي: بفتح الكاف، أي من فطنته ﵁ - وانظر: \" فتح الباري\" (٩/ ٥٠٠ - ٥٠١) ط. السلفية.\n(٧٤٥) انظر: (أضواء البيان\" (١/٣٨ -٤٠) .\nتقدم تخريجه برقم (٧٤٢)، ومعنى \" مَن تعول\" من تجب عليك نفقته.\n(٧٤٧) أخرجه مسلم (٢/٦٩٢) رقم (٩٩٧) في الزكاة: باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابة، والنسائي (٥/٦٩ -٧٠)، (٧/٣٠٤)، البيهقي (٤/١٧٨)، وسبب ورود الحديث أن رجلا من بني عُذرَة أعتق عبدًا له عن دُبُر (أي علق عتقه بموته، فقال: أنت حر يوم أموت)، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: \" ألك مال غيره؟ \"، فقال: \" لا\"، فقال: \" من يشتريه مني؟ \"، فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوى بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: \" فذكره.\n(٧٤٨) رواه مسلم (١٤٥٤)، وأحمد (٥/٨٦، ٨٩)، والطبراني (٢/٢١٧) .","vol":"2","page":317},{"text":"وعن عائشة ﵂ قالت: (إن هند بنت عُتْبة قالت: \" يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يُعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم\"، فقال: (خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف\" (٧٤٩» .\nقال ابن قدامة ﵀: (وفيه دلالة على وجوب النفقة لها على زوجها (٧٥٠)، وأن ذلك مقدر بكفايتها، وأن نفقة ولده عليه دونها بقدر كفايتهم، وأن ذلك بالمعروف، وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها، من غير\n_________\n(٧٤٩) رواه البخاري (٥/١٠٧) ط. السلفية، في المظالم: باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه، وفي النفقات، والإيمان، والأحكام، ومسلم رقم (١٧١٤) في الأقضية: باب قضية هند، والنسائي (٨/٢٤٦ - ٢٤٧)، وابن ماجه (٢٢٩٣)، والإمام أحمد (٦/٣٩، ٥٠، ٢٠٦)، والدارمي (٢/١٥٩)، والبيهقي (٧/٤٦٦)، والبغوي (٨/٢٠٦ -٢٠٧) .\nطريفة: من طرائف ما يروى في بخل الرجل وشدة محاسبة أهله ما حكاه ابن الجوزي ﵀ في كتابه (الأذكياء) من (أن المغيرة بن شعبة وفتى من العرب خطبا امرأة، وكان الفتى جميلا، فأرسلت إليهما المرأة، فقالت: \" إنكما قد خطبتماني، ولست أجيب أحدا منكما، دون أن أراه، وأسمع كلامه، فاحضرا إن شئتما \"، فحضرا، فأجلستهما بحيث تراهما، وتسمع كلامهما، فلما رأى المغيرة الفتى وحسن هيئته يئس منها وعلم أنها لن تؤثره عليه، فأقبل على الفتى - وقد فكر في مخرج - فقال له: \" لقد أوتيت جمالًا وحسنا وبيانا، فهل عندك سوى ذلك \"؟ قال: \" نعم\"، فعدد محاسنه، ثم سكت، فقال له المغيرة؟ \" كيف حسابك؟ \" فال: \" ما يسقط علي منه شي، وإني لأستدرك منه أدق من الخردلة! \"، فقال له المغيرة: \" لكنني أضع البدرة- والبدرة كيس يكون فيه ألف، أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار- في زاوية البيت، فينفقها أهلي على ما يريدون، فما أعلم بنفادها، حتى يسألوني غيرها \"، فقالت المرأة في نفسها: \" والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إلي من هذا الذي يحصي علي مثل صغير الخردلة \"، فتزوجت المغيرة) اهـ.\n(٧٥٠) ووجهه أنه لو لم تكن النفقة واجبة، لم يحتمل أن يأذن لها بالأخذ من غير إذنه.","vol":"2","page":318},{"text":"علمه إذا لم يعطها إياه \" (٧٥١) .\nوأما دليل الإجماع على وجوب النفقة:\nفقد نقله كثير من العلماء منهم ابن المنذر، والمهلب، وابن قدامة، والنووي، وابن حجر ﵏ أجمعين.\nقال ابن قدامة ﵀: (وأما الإجماع فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن، ذكره ابن المنذر وغيره) (٧٥٢) اهـ\nوأما دليل العقل (٧٥٣):\nفهو أن المرأة محبوسة على الزوج بمقتضى عقد الزواج، ممنوعة من التصرف والاكتساب لتفرغها لحقه، فكان نفع حبسها عائذا عليه، فكان عليه أن ينفق عليها، وعليه كفايتها وإلا هلكت، لأن الغنم بالغرم، والخراج بالضمان، فالنفقة جزاء الاحتباس، فمن احتبس لمنفعة غيره وجبت نفقته في مال الغير كالقاضي والولي والموظف والجندي جعل رزقهم في بيت المال لأن كلا منهم محبوس لحق المسلمين، ممنوع من التكسب لتفرغه لمصالحهم. من أجل هذا تجب نفقة الزوجة على الزوج حتى ولو كانت الزوجة موسرة (٧٥٤)، لأن نفقتها لم تجب للحاجة، وإنما بسبب احتباسها لحق الزوج.\n_________\n(٧٥١) \"المغني\" (٧/٥٦٣) .\n(٧٥٢) \" المغني\" (٧/٥٦٤)، وانظر: \" المبسوط\" (٥/١٨١)، \" فتح القدير\" (٣/٢٣١)، \" بدائع الصنائع\" (٥/٢١٩٧)، \" فتح الباري\" (٧/٤٩٨، ٥٠٠، ٥٠٩) ط. السلفية.\n(٧٥٣) انظر: \" المغني\" (٧/٥٦٤)، \" المبسوط\" (٥/١٨١)، \" شرح النووي\" (٨/١٨٤) .\n(٧٥٤) بل لا تكلف المرأة بشيء من الإنفاق عموما: أما كانت أو أختا، بنتًا كانت =","vol":"2","page":319},{"text":"......................\n_________\n= أو زوجة، قادرة على العمل أو عاجزة عنه، غنية كانت الزوجة أو ففيرة، كان زوجها قادرا على العمل أو عاجزًا عنه، غنيا كان أو فقيرا، فالرجل هو المسئول عن النفقة البيتية، وليس من حقه أن يلزمها بها إلا إذا تبرعت مساهمة في تحمل بعض العبء.\nوالمرأة قبل البلوغ تحت وصاية أوليائها، وهي ولاية رعاية وتأديب وعناية بشأنها، وتنمية لأموالها، وليست ولاية تملك واستبداد، ثم هي بعد البلوغ كاملة الأهلية للالتزامات المالية سواء بسواء.","vol":"2","page":320},{"text":"[فصل]\nاستحباب تصدق المرأة على زوجها وولدها\nعن زينب - امرأة عبد الله بن مسعود - ﵄ قالت: (قال رسول الله ﷺ: (تَصَدقْنَ يا معشر النساء، ولو من حُلِيكُن \"، قالت: \" فرجعتُ إلى عبد الله، فقلت: إنك رجل خفيف اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فَائْتِهِ \"، فاسْألهُ، فإن كان ذلك يجزى عني، وإلا صرفتُها إلى غيركم؟ \"، فقال في عبد الله: \" بل ائتيه أنت \"، قالت: فانطلقتُ، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ، حاجتي حاجتُها، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقِيَتْ عليه المهابةُ، قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: \" ائتِ رسولَ الله ﷺ فَأخْبِرْهُ: أن امرأتين بالباب، يسألانك: أتجْزئُ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن \"، قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ، فسأله، فقال له رسول الله ﷺ: \" من هما؟ \" قال: \" امرأة من الأنصار وزينب \"، فقال رسول الله ﷺ: \" أي الزيانب؟ \"، قال: \" امرأةُ عبدِ الله \"، فقال رسول الله ﷺ: \" لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة \" (٧٥٥)، وفي رواية للبخاري: أنها قالت للنبي ﷺ:\n_________\n(٧٥٥) رواه البخاري (٣/٣٢٨) ط. السلفية في الزكاة: باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، ومسلم- واللفظ له- رقم (١٠٠٠) في الزكاة: باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج، والنسائي (٥/٩٢، ٩٣) في الزكاة: باب الصدقة على الأقارب، وأما رواية البخاري فقد أخرجها من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٣/٣٢٥) في الزكاة: باب الزكاة عل الأقارب، وفي الحيض، والعيدين، =","vol":"2","page":321},{"text":"\" يا نبي الله، انك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حُلِيّ لي، فأردتُ أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود: أنه وولدَ أحقُّ من تُصُدقَ به عليهم \"، فقال النبي ﷺ: \" صدق ابنُ مسعود، زوجُكِ وولدُك أحقُّ من تصدقتِ به عليهم \"، وفي رواية ابن خزيمة: \" تصدقي به عليه وعلى بنيه، فإنهم له موضع \".\nفضل الإنفاق على الأهل والأولاد\nثبت في فضل النفقة على الأهل أحاديث كثيرة:\nمنها: ما رواه أبو مسعود الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" إذا أنفق المسلم نفقة على أهله، وهو يحتسبها، كانت له صدقة \" (٧٥٦) .\nومنها: ما رواه سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: \" إنك مهما أنفقت على أهلك من نفقة فإنك تؤجر، حتى اللقمة ترفعها\n_________\n= والصوم، والشهادات، وابن خزيمة (٤/ ١٠٦-١٠٧) رقم: (٢٤٦١) .\n(٧٥٦) قوله: \" وهو يحتسبها \" يفيد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقيد قصد القربة، سواء كانت واجبة أو مباحة، أفاده القرطبي، كما نقله عنه في \" فتح الباري \" (١/١٣٦)، والحديث أخرجه البخاري (١/١٣٦)، (٩/٤٩٧) فتح - ط. السلفية، رقم (٥٥) في الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، والنسائي (٥/٦٩)، والطيالسي رقم (٦١٥) ص (٨٦)، والطبراني في \"الكبير\" (١٧/١٩٦) .\nفائدة: قال الحافظ ابن حجر ﵀: (النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر، فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم، ترغيبا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع) اهـ. من \" الفتح\" (٩/٤٩٨) .","vol":"2","page":322},{"text":"إلى في امرأتك \" (٧٥٧) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ: \" دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة (٧٥٨)، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرَا الذي أنفقته على أهلك \" (٧٥٩) .\nوعن المقدام بن معديكرب ﵁ قال رسول الله ﷺ: (ما أطعمتَ نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة) (٧٦٠) .\nوعن كعب بن عُجرَة ﵁ قال: (مرَّ على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحابه من جَلَده ونشاطه ما أعجبهم، فقالوا:\n\" يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ \"، قال رسول الله ﷺ: \" إن كان خرج يسعى على أولاده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعِفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو\n_________\n(٧٥٧) قطعة من حديث رواه البخاري (٣/١٦٤) ط. السلفية في الجنائز: باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة، ومسلم رقم (١٦٢٨) في الوصية، والترمذي رقم (٢١١٦) في الوصايا: باب ما جاء في الوصية بالثلث، وأبو داود رقم (٢٨٦٤) (٣/١١٢) في الوصايا، وأحمد (١/١٧٢)، وفي أفراد مسلم: \" وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة \".\n(٧٥٨) أى: في إعتاقها.\n(٧٥٩) رواه مسلم رقم (٩٩٥) (٢/٦٩٢) في الزكاة: باب فضل النفقة على العيال والمملوك، والإمام أحمد (٢/٤٧٣)، والبيهقي (٧/٤٦٧) .\n(٧٦٠) رواه الإمام أحمد (٤/ ١٣١، ١٣٢)، والبيهقي (٤/١٧٩)، وقال المنذري: \" بإسناد جيد \" (٣/٦٢)، وانظر: \" صحيح ابن ماجه \" (٢/٥) رقم (١٧٣٩) .","vol":"2","page":323},{"text":"في سبيل الشيطان \") (٧٦١) .\nوعن عبد الله بن المبارك ﵀ قال: \" لا يقع موقع الكسب على العيال شيء، ولا الجهاد في سبيل الله \" (٧٦٢) .\nوقال ﵀ وهو مع إخوانه في الغزو: \" تعلمون عملًا أفضل مما نحن فيه؟ \"، قالوا: \" ما نعلم ذلك\"، قال: \" أنا أعلم \"، قالوا: \" فما هو؟ \"، قال: \" رجل متعفف ذو عائلة، قام من الليل، فنظر إلى صبيانه نيامًا متكشفين، فسترهم، وغطاهم بثوبه، فعمله أفضل مما نحن فيه \" (٧٦٣) .\nوينبغي على الرجل أن يطعمها وأولادها حلالا لا إثم فيه، ولا شبهة، فإن طلب الحلال فرض عين عند أهل الكمال.\nعن كعب بن عُجْرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" يا كعبُ ابن عجرة\" إنه لا يدخل الجنة لحمٌ ودم نَبَتا على سحْت؛ النار أولى به \" (٧٦٤) الحديث.\nولهذا كانت الزوجة من السلف الصالح تقول لزوجها إذا خرج إلى عمله: \" اتق الله، وإياك والكسبَ الحرام، فإنا نصبر على الجوع والضر، ولا نصبر على النار \" (٧٦٥) .\n_________\n(٧٦١) تقدم برقم (٣٥٩) .\n(٧٦٢) \" سير أعلام النبلاء، (٨/٣٩٩) .\n(٧٦٣) \" الإحياء\" (٤/٧٠١) .\n(٧٦٤) رواه ابن حبان (٢٦١)، (١٥٦٩)، والإمام أحمد (٣/٣٩٩)، والدارمي (٢/ ٣١٨)، والطبراني (١٩/ ١٠٦، ١٤١، ١٤٥)، والحاكم (٤/٤٢٢)، وصححه، ووافقه الذهبي، وابن عبد البر في \" التمهيد\" (٢/٣٠٣)، والحديث صححه الألباني في \" صحيح الترغيب والترهيب\" رقم (٨٦١) .\n(٧٦٥) \" الإحياء \" (١/٧٤٨) .","vol":"2","page":324},{"text":"ومن النفقة الواجبة:\n(٣) المسكن\nقال الإمام ابن قدامة المقدسي ﵀ تعالي:\n(ويجب لها مسكن (٧٦٦) بدليل قوله ﷾: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجدكم) فإذا وجبت السكنى للمطلقة، فَلِلتي في صلب النكاح أوْلى، قال الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف)، ومن المعروف أن يسكنها في مسكن (٧٦٧)، ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون، وفي التصرف والاستمتاع، وحفظ المتاع، ويكون المسكن على قدر يسارهما وإعسارهما لقول الله تعالى: (من وُجْدِكم) (٧٦٨) ولأنه واجب لها لمصلحتها في الدوام فجرى مجرى النفقة والكسوة) (٧٦٩) اهـ.\n_________\n(٧٦٦) إما بملك، أو إجارة، أو إعارة، أو وقف.\n(٧٦٧) أي: مستقل لدفع الحرج، وللأمن على الأمتعة والحوائج، ولأنه أكثر سلامة، وأحسن للعشرة حيث يضيق نطاق النزاع، ويسهل التسامح في حال وقوع خلاف بينهما، بعكس ما لو اطلع عليه أحماؤها كأمه وأخواته، فقد تأخذه العزة أن يتنازل ويصفع، والاستقلال بالمسكن يقلل حوافز الغيرة التي تحصل بالاجتماع معهن، وفوق كل ذلك قول الله تعالى في آية الطلاق: (واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن) الآية (الطلاق: ١)، فدل القرآن على أن لهن الحق في البيوت، حق تمتع لا حق تمليك، قبل أن يطلقن، فمن كانت في صلب النكاح وعصمته أولى بهذا الحق، ولا تسلم من تنغيص الحياة، وشدة الخصومات والشكاوى إلا بسكن مستقل في الغالب، والله تعالى أعلم.\n(٧٦٨) الوُجد: السعة والمقدرة.\n(٧٦٩) \" المغني (٧/٥٦٩)، وقد سبق بيان أن التحقيق تقدير النفقة بحسب حال =","vol":"2","page":325},{"text":"والسُّكْنَى من كفايتها، فتجب لها كالنفقة، وقد أوجبه الله ﷿ مقرونا بالنفقة، وإذا وجب حقا لها، فليس له أن يشرك غيرها فيه، إلا أن ترضى بذلك، فإن تضررت من السكنى مع ضرتها أو أحمائها، أو كانوا يؤذونها، فعليه أن يُسكِنَها في منزل منفرد ملائم لحاله يسارا وإعسارا، والله تعالى أعلم.\n_________\n= الزوج - لا الزوجة - يسارا وإعسارًا، راجع هامش رقم (٧٣٨)، وعلى هذا فإن المسكن يكون على حسب حاله هو، وإن تضررت، لأنها تزوجته وهي تعرف حاله، فلم يكن لها إلا أن تسكن معه على قدر حاله، لأنه هو الذي آتاه الله، قال ﷿: (لينفق ذو سعَةٍ منْ سعته ومن قدِرَ عليه رزقُه فلينفق مما آتاه الله لا يكلفُ الله نفسا إلا ما آتاها) الآية (الطلاق: ٧) .","vol":"2","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>(ب) الحقوق الأدبية</span>\n(٤) حرية المرأة في اختيار الزوج\nلقد حفظ لها الإسلام حقها في اختيار الزوج، واحترم إرادتها فيه، إذ إن هذا الموقف هو أدق المواقف في حياتها، وأمسها بمستقبلها، وهل هناك ما هو أدل على احترام الإسلام رَأي المرأة في هذا الموطن من حديث أم هانئ بنت أبي طالب وقد خطبها رسول الله ﷺ، فقالت: \" يا رسول الله لأنت أحب إلي من سمعي ومن بصرى، وإني امرأة مُؤتمة، وبني صغار، وحق الزوج عظيم، فأخشى إن أقبلتُ على زوجي أن أضيعَ بعض شأني وولدي، وإن أقبلت على ولدي أن أضيع حق زوجي \"، فقال رسول الله ﷺ: \" إن خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولَدٍ في صِغره، وأرعاه على بَعْل في ذات يده \" (٧٧٠) .\nتلك امرأة أبدت صفحة العذر عن بلوغ أقدس منزلة تبلغها المرأة المسلمة، وهى منزلة أمومة المؤمنين، فأكبر رسول الله ﷺ رأيها إكبارًا قلَّد قريشا بأسرها تلك الشهادة العالية الكريمة.\nوعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجارية يُنْكحُها أهلُها، أتستأمَرُ أم لا؟ فقال لها رسول الله ﷺ: \" نعم تُستأمر \"، فقالت: فقلت له: إنها تستحيي، فقال رسول الله ﷺ: \" فذلك إذنُها إذا هي سكتت \" (٧٧١)، وفي لفظ النسائي وأحمد: \" استأمروا\n_________\n(٧٧٠) تقدم برقم (٤٢٩) .\n(٧٧١) أخرجه البخاري رقم (٥١٣٧) في النكاح، ومسلم- واللفظ له- رقم (١٤٢٠) (٢/١٠٣٧)، والنسائي (٦/ ٨٥ - ٨٦)، والبيهقي (٧/١٢٣)، وأحمد (٦/ ٤٥، ١٦٥، ٢٠٣) .","vol":"2","page":327},{"text":"النساء في أبضاعهن \"، قيل: \" فإن البكر تستحيي أن تكلم؟ \" قال: \" سكوتها إذنها \") .\nغير أن في المسألة تفصيلا نذكره فيما يلي:\nأولًا: البكر الصغيرة:\nيجوز للأب تزويج البكر الصغيرة قبل البلوغ بدون إذنها، لأنها لا إذن لها، قال الحافظ ابن حجر: (إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها) (٧٧٢)، وقد دل على ذلك القرآن، والسنة، والإجماع:\n- أما القرآن الكريم:\nفقول الله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يَحضنَ) (الطلاق: ٤)، (فجعل لِلَّائي لم يحضن عدة ثلاثة أشهر، ولا تكون العدة ثلاثة أشهر إلا من الطلاق في نكاح أو فسخ، فدل ذلك على أنها تُزَوج، وتطلق، ولا إذن لها فيعتبر) (٧٧٣) .\nوقال ﷿: (وأنكحوا الأيامى منكم) (النور: ٣٢)، والأيم: الأنثى التي لا زوج لها، صغيرة كانت أو كبيرة.\n- وأما السنة:\nفإن أبا بكر الصديق ﵁ زوج ابنته عائشة ﵂ رسولَ الله ﷺ وهى بنتُ سِتِّ سنين، وبنى بها وهي بنت تسع\n_________\n(٧٧٢) \" فتح الباري\" (٩/١٩٣) ط. السلفية.\n(٧٧٣) \" المغني\" (٦/٤٨٧)، وانظر: \" الجوهر النقي\" (٧/١١٤-١١٥) .","vol":"2","page":328},{"text":"سنين (٧٧٤)\nوعنها ﵂: \" أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت سبع سنين، وَزُفَّت إِليه وهي بنت تسع سنين، ولُعَبُها معها \" (٧٧٥) الحديث.\nوعنها ﵂ قالت: \" تزوجني رسول الله ﷺ لِسِتّ سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين، قالت: فقدمنا المدينة، فَوُعِكتُ شهرًا، فَوَفَى شعري جُمَيْمَةً، فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة، ومعي صواحبي، فصرخَتْ بي، فأتيتها، وما أدرى ما تريد بي، فأخذَتْ بيدي، فأوقفتني على الباب، فقلت: هَهْ هَهْ حتى ذهب نفَسِي، فأدخلتني بيتًا، فإذا نسوة من الأنصار، فقلن: \" على الخير والبركة، وعلى خير طائر\"، فأسلمتني إليهن، فغسلن رأسي، وأصلحْنَنِي، فلم يَرُعْنِي إلا ورسولُ الله ﷺ ضُخى، فأسلمنني إليه \" (٧٧٦)، ومعلوم أنها لم تكن في تلك الحال ممن يعتبر إذنها.\nوقد زَوجَ عَلِىُّ ﵁ ابنته أم كلثوم وهي صغيرة عمر بن الخطاب ﵁ (٧٧٧) .\n- وأما الإجماع:\nفقال ابن المنذر: \" أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا زوَّجها من كفء) (٧٧٨) اهـ.\n_________\n(٧٧٤) كما رواه عنها البخاري (٩/١٩٠) ط. السلفية، ومسلم (٢/١٠٣٩) وغيرهما.\n(٧٧٥) رواه مسلم (٢/١٠٣٩) .\n(٧٧٦) رواه مسلم رقم (١٤٢٢)، (٢/١٠٣٨)، وانظر: \" شرح الأبي\" (٤/٣٥ - ٣٧) .\n(٧٧٧) انظر: \" سنن البيهقي\" (٧/١١٤)، \" المستدرك\" (٣/١٤٢)، \" المعجم الكبير\" للطبراني (٣/٣٦، ٣٧)، (١١/٢٤٣) .\n(٧٧٨) \" المغني\" (٦/٤٨٧)، وانظر: \" نيل الأوطار\" (٦/١٣٦) .","vol":"2","page":329},{"text":"تنبيهان:\nالأول: اعلم- رحمك الله- أن الحكمة من جواز تزوج الصغيرة قد تكمن في ظهور مصلحة لها في ذلك، ويكون الأب قد وجد الكفء، فلا يُفَوته إلى وقت البلوغ، ومع هذا الجواز فالأفضل أن يتريث حتى تكبر، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في القديم: \" أستحب للأب أن لا يزوجها حتى تبلغ، لتكون من أهل الإذن، لأنه يلزمها بالنكاح حقوق \" (٧٧٩) اهـ.\nالثاني: أنه - وإن جاز العقد عليها وهي صغيرة - إلا أنه لا يمكن منها حتى تصلحَ للوطء (٧٨٠) .\nثانيَا: البالغ الثيب: (٧٨١)\nوهذه لا يجوز تزويجها بغير إذنها، وإذنها الكلام بخلاف البكر فإذنها الصمات، ولا يجوز لأحد من الأولياء إجبارها على النكاح، سواء كان الولي أبا أو جدُّا أو غيرهما، وهذا قول عامة أهل العلم.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: (وَرَدُّ النكاح إذا كانت ثيبا فَزُوجَتْ بغير رضاها: إجماع، إلا ما نقل عن الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيب ولو كرهت) (٧٨٢) اهـ.\n(وقال إسماعيل بن إسحاق: \" لا أعلم أحدًا قال في البنت بقول الحسن \"، وهو قول شاذ خالف فيه أهل العلم والسنة) (٧٨٣) اهـ.\n_________\n(٧٧٩) \" المجموع شرح المهذب \" (١٥/٥٨) .\n(٧٨٠) انظر: \" نيل الأوطار\" (٦/١٣٧) .\n(٧٨١) الثيب: المرأة فارقت زوجها، أو دُخِل بها، وأصل الثوب: رجوع الشيء إلى حالته الأولى التي كان عليها، سميت به لأنها تثوب عن الزوج، وقد يطلق على المرأة البالغة وإن كانت بكرًا مجازا واتساعا.\n(٧٨٢) \" فتح الباري \" ط. السلفية (٩/١٩٤) .\n(٧٨٣) \" المغني\" (٦/٤٩٢) .","vol":"2","page":330},{"text":"وعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \" الأيم أحق (٧٨٤) بنفسها من وليها، والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتُها \" (٧٨٥) .\nوروى البخاري من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر\"، ووقع عند ابن المنذر والدارمي والدارقطني بلفظ: \" لا تُنكح الثيب\"، وعند ابن المنذر أيضًا: \" الثيب تُشاوَر\" (٧٨٦) .\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: (وظاهر هذا الحديث أن الأيم هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل في \"الأيم\"، ومنه قولهم: \" الغزو مأيمة\" أي: يقتل الرجال فتصير النساء أيامى) (٧٨٧) اهـ.\nوقال أيضًا: (قوله \" حتى تستأمر\" أصل الاستثمار طلب الأمر، فالمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، ويؤخذ من قوله \"تستأمر\" أنه لا يعقد عليها إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الولي، بل فيه إشعار باشتراطه) (٧٨٨) اهـ.\nفأمر الثيب إلى نفسها، ويحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد،\n_________\n(٧٨٤) قال شيخ الإسلام النووي ﵀: (واعلم أن لفظة \" أحق\" هنا للمشاركة، معناه: أن لها في نفسها في النكاح حقا، ولوليا حقا، وحقها أوكد من حقه، فإنه لو أراد تزويجها كفؤًا، وامتنعت: لم تجبر، ولو أرادت أن تتزوج كفؤا فامتنع الولي: أجبر، فإن أصَر زَوجَها القاضي، فدل على تأكيد حقها ورجحانه) اهـ.\nمن \"شرح النووي\" (٩/٢٠٤)، ونقل في \" عون المعبود\" عن ابن الجوزي قوله: (إنه أثبت لها حقا، وجعلها أحق، لأنه لا يجوز للولي أن يزوجها إلا بإذنها) اهـ.\n(٦/١٠١)، وقال الصنعاني في \"سبل السلام\": (أحقيته الوِلاية، وأحقيتها رضاها، فَحقها آكد من حقه، لتوقف حقه على إذنها) اهـ (٣/١١٩) .\n(٧٨٥) رواه مسلم رقم: (١٤١٢) (٢/١٠٣٧) .\n(٧٨٦) \" فتح الباري\" (٩/١٩٢)، وانظر رقم (٧٩٢) .\n(٧٨٧)، (٧٨٨) \"فتح الباري\" (٩/١٩٢) .","vol":"2","page":331},{"text":"لأن \" الأمر \" صريح في القول والنطق باللسان، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقًا، قال البغوي: (فإن زوجها وليها بغير إذنها، فالنكاح مردود) (٧٨٩) .\nوعن خنساء بنت خِدام الأنصارية ﵂: (أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فَرَدَّ نكاحَها) (٧٩٠) . ثالثًا: البكر البالغة:\nوهذه فيها قولان مشهوران:\nأحدهما: أن البكر تُستأذنَ تطييبًا لنفسها، لا أن إذنها شرط في صحة العقد كما في الثيب.\nوهذا مذهب مالك، والشافعي، والليث، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وهو رواية عن أحمد، واختاره الخرقي، والقاضي، وأصحابه.\nوالثاني: أنه يُشترَطُ إذنُها كما يُشترط إذن الثيب، فلا يجوز إجبارها على النكاح، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر، وهو الرواية الثانية عن أحمد واختاره أبو بكر عبد العزيز، وصوَّبه شيخ الإسلام ابن تيمية فقد قال ﵀: (وهذا القول هو الصواب، والناس متنازعون في \" مناط الإجبار\" هل هو البكارة؟ أو الصغر؟ أو مجموعها؟ (٧٩١)؟ أو كل منهما؟ على أربعة أقوال\n_________\n(٧٨٩) \" شرح السنة \" (٩/٣١) .\n(٧٩٠) أخرجه البخاري رقم (٥١٣٨) في \" النكاح\": باب إذا زَوج الرجل ابنته وهي كارهة، فنكاحه مردود، وأبو داود (٢١٠١)، والنسائي (٦/٨٦)، والدارمي (٢/١٣٩)، وابن ماجه (١٨٧٣)، والبيهقي (٧/١١٩)، وأحمد (٦/٣٢٨)، وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀: \" وهو حديث مجمع على صحته\" اهـ.\n(٧٩١) كذا بالأصل، ولعلها: \" مجموعهما\"، وانظر: \"زاد المعاد\" (٥/٩٩) .","vol":"2","page":332},{"text":"في مذهب أحمد وغيره، والصحيح أن مناط الإجبار هو الصغر، وأن البكر البالغ لا يجبرها أحد على النكاح فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: \" لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر (٧٩٢) فقيل له: \"إن البكر تستحيي\" فقال: \" إذنها صماتها\"، وفي لفظ في الصحيح: \" البكر يستأذنها أبوها\".\nفهذا نهي النبي ﷺ: \" لا تنكح البكر حتى تُستأذن \"، وهذا يتناول الأب وغيره، وقد صرح بذلك في الرواية الأخرى الصحيحة، وأن الأب نفسه يستأذنها.\nوأيضًا: فإن الأب ليس له أن يتصرف في مالها إذا كانت رشيدة إلا بإذنها، وبضعُها أعظم من مالها (٧٩٣)، فكيف يجوز أن يتصرف في بُضْعِها مع كراهتها ورشدها؟!\n_________\n(٧٩٢) رواه البخاري رقم (٥١٣٦)، ومسلم رقم (١٤١٩)، والترمذي (١١٠٧) و(١١٠٩)، وأبو داود (٢٠٩٢)، (٢٠٩٣)، والنسائي (٦/٨٥)، واعلم أن الاستئمار لا يكون جوابه إلا بالنطق، لأنه طلب الأمر، والأمر لا يكون إلا بالنطق، أما الاستئذان فهو طلب الإذن، وهو يصح بالسكوت، انظر: \" فتح الباري\" (٩/١٩١ - ١٩٣) ط. السلفية، و\"موسوعة الفقه الإسلامي\" (٥/١٣٢) .\nفائدة: (قال ابن المنذر: يستحب إعلام البكر أن سكوتها إذن) اهـ (فتح الباري ٩/١٩٣)، وقال الأبي: (استحباب إعلامها بذلك هو المشهور، ونقل ابن رشد عن ابن مسلمة أن إعلامها بذلك واجب، وعلى القولين يكفي إعلامها مرة واحدة، وقال ابن شعبان: يقال ذلك لها ثلًاثا: \" إن رضيت فاسكتي، وإن كرهت فانطقي، واستحب ابن الماجشون الوقوف عندها قليلًا) اهـ من \" إكمال إكمال المعلم\" للأبي (٤/٣٠) .\nقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀: (ومعلوم أن إخراج مالها كُله بغير رضاها، أسهلُ عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها) اهـ. من \" زاد المعاد\" (٥/٩٧) .","vol":"2","page":333},{"text":"وأيضا: فإن الصغر سبب الحجر بالنص والإجماع، وأما جعل البكارة موجبة للحجر فهذا مخالف لأصول الإسلام؛ فإن الشارع لم يجعل البكارة سببا للحجر في موضع من المواضع المجمع عليها، فتعليل الحجر بذلك تعليل بوصف لا تأثير له في الشرع.\nوأيضًا فإن الذين قالوا بالإجبار اضطربوا فيما إذا عينت كفوًا، وعين الأب كفوًا آخر: هل يؤخذ بتعيينها؟ أو بتعيين الأب؟ على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد، فمن جعل العبرة بتعيينها نقض أصله، ومن جعل العبرة بتعيين الأب، كان في قوله من الفساد والضرر والشر ما لا يخفى؛ فإنه قد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: \" الأيم أحق بنفسها من وليها؛ والبكر تستأذن، وإذنها صماتها \" وفي رواية: \" الثيب أحق بنفسها من وليها \"، فلما (٧٩٤) جعل الثيب أحق بنفسها، دل على أن البكر ليست أحق بنفسها؛ بل الولي أحق (٧٩٥)، وليس ذلك إلا للأب والجد، هذه عمدة المجبرين، وهم تركَوا العمل بنص الحديث، وظاهره؛ وتمسكوا بدليل خطابه؛ ولم يعلموا مراد الرسول ﷺ، وذلك أن قوله: \" الأيم أحق بنفسها من وليها \" يعم كل ولي، وهم يخصونه بالأب والجد (٧٩٦)، و\"الثاني\"\n_________\n(٧٩٤) كذا كالأصل (٣٢/٢٤)، ومقتضى السياق: (قالوا: فلما جعل) .. إلخ وتنتهي حكاية كلامهم عند قوله: (إلا للأب والجد) فتأمل.\n(٧٩٥) راجع الحاشية رقم (٧٨٤)، والجواب عما ذكروه أن المفهوم الذي يستدلون به هنا لا ينتهض للتمسك به في مقابلة المنطوق كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام، وفي حديث ابن عباس عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي: \" والبكر يستأمرها أبوها\"، وهذه زيادة زادها ابن عيينة في حديثه، وزيادة الثقة الحافظ مقبولة. (٧٩٦) قال ابن قدامة ﵀:\n(أما البكر فإذنها صماتها في قول أهل العلم منهم شريح والشعبي وإسحاق والنخعي والثوري والأوزاعي وابن شبرمة وأبو حنيفة، ولا فرق بين كون الولي أبا أو غيره، وقال أصحاب الشافعي: \"في صمتها في حق غير الأب وجهان: =","vol":"2","page":334},{"text":"قوله: \" والبكر تستأذن\"، وهم لا يوجبون استئذانها؛ بل قالوا: هو مستحب (٧٩٧)، حتى طرد بعضهم قياسه؛ وقالوا: \" لما كان مستحبا اكتفي فيه بالسكوت\"، وادعي أنه حيث يجب استئذان البكر، فلابد من النطق، وهذا قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.\nوهذا مخالف لإجماع المسلمين قبلهم؟ ولنصوص رسول الله ﷺ؛ فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة المستفيضة؛ واتفاق الأئمة قبل هؤلاء أنه إذا زوج البكر أخوها أو عمها فإنه يستأذنها، وإذنها صماتها.\n_________\n= أحدهما: لا يكون إذنا لأن الصمات عدم الإذن، فلا يكون إذنا، ولأنه محتمل للرضى والحياء وغيرهما، فلا يكون إذنا كما في حق الثيب، وإنما اكتفي به في حق الأب لأن رضاءها غير معتبر \"، وهذا شذوذ عن أهل العلم وترك للسنة الصحيحة الصريحة، يصان الشافعي عن إضافته إليه، وجعله مذهبا له مع كونه من أتبع الناس لسنة رسول الله ﷺ، ولا يعرج منصف على هذا القول) اهـ من \" المغني\" (٦/٤٩٣)، وقال الحافظ ابن حجر: (وخص بعض الشافعية الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجد دون غيرهما، لأنها تستحيي منهما أكثر من غيرهما، والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار لجميع الأولياء) اهـ من \" الفتح\" (٩/١٩٣)، وانظر: \" المجموع شرح المهذب\" (١٥/٥٥، ٥٨)، \" بداية المجتهد\" (٢/٥) .\n(٧٩٧) قال ابن قدامة ﵀: \" لا نعلم خلافا في استحباب استئذانها، فإن النبي ﷺ قد أمر به، ونهى عن النكاح بدونه، وأقل أحوال ذلك: الاستحباب، ولأن فيه تطييب قلبها، وخروجا من الخلاف، وقالت عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله ﷺ: \" نعم تستأمر\"، وقال: \" استأمروا النساء في أبضاعهن، فإن البكر تستحيي فتسكت، فهو إذنها\" متفق عليهما، ورُوي عن عطاء قال: كان النبي ﷺ يستأمر بناته إذا أنكحهن، قال: كان يجلس عند خدر المخطوبة، فيقول: \" إن فلانا يذكر فلانة\" فإن حركت الخدر لم يزوجها، وإن سكتت زوجها) اهـ من \" المغني\" (٦/ ٤٩١) .","vol":"2","page":335},{"text":"وأما المفهوم: فالنبي ﷺ فرَّق بين البكر والثيب؛ كما قال في الحديث الآخر: \" لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر \"، فذكر في هذه لفظ \" الإذن\" وفي هذه لفظ \" الأمر\"، وجعل إذن هذه الصمات، كما أن إذن تلك النطق، فهذان هما الفرقان اللذان فرق بهما النبي ﷺ بين البكر والثيب، لم يفرق بينهما في الإجبار وعدم الإجبار؛ وذلك لأن \"البكر\" لما كانت تستحيي أن تتكلم في أمر نكاحها لم تخطب إلى نفسها؛ بل تخطب إلى وليّها، ووليُّها يستأذنها، فتأذن له؛ لا تأمره ابتداءً، بل تأذن له إذا استأذنها، وإذنها صماتها، وأما الثيب لقد زال عنها حياء البكر، فتتكلم بالنكاح، فتخطب إلى نفسها، وتأمر الولي أن يزوجها، فهي آمرة له، وعليه أن يعطيها (٧٩٨) فيزوجها من الكفؤ إذا أمرته بذلك، فالولي مأمور من جهة الثيب، ومستأذَن للبكر، فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي ﷺ. وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح: فهذا مخالف للأصول والعقول، والله لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده، فكيف يكرهها على مباضعة من تكره مباضعته ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له، ونفورها عنه، فأي مودة ورحمة في ذلك؟) إلى أن قال ﵀: (والشارع لا يكره المرأة على النكاح إذا لم ترده، بل إذا كرهت الزوج، وحصل بينهما شقاق، فإنه يُجعل أمرها إلى غير الزوج لمن ينظر في المصلحة من أهلها، مع من ينظر في المصلحة من أهله، فيخلصها من الزوج بدون أمره؛ فكيْفَ تؤسر معه أبدًا بدون أمرها؟ والمرأة أسيرة مع الزوج؛ كما قال النبي ﷺ (٧٩٩):\n_________\n(٧٩٨) كذا بالأصل، ولعل الصواب: \" يطيعها\".\n(٧٩٩) \" مجموع الفتاوى\" (٣٢/٢٢-٢٨) مع اختصار يسير.","vol":"2","page":336},{"text":"\" اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله \" (٨٠٠» اهـ.\nومما يدل لهذا المذهب إضافة إلى ما تقدم:\n- ما رواه ابن عباس ﵄: (أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ، فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيَّرها النبي ﷺ) (٨٠١) .\nويروَى عن ابن عمر ﵄ أنه (قال لأبيه عمر بن الخطاب ﵁: \" اخطب عَلي ابنة صالح \"، فقال: \" إن له يتامى، ولم يكن ليؤثرنا عليهم \"، فانطلق عبد الله إلى عمه زيد بن الخطاب ليخطب، فانطلق زيد إلى صالح، فقال: \" إن عبد الله بن عمر أرسلني إليك يخطب ابنتك\"، فقال: \" لي يتامى، ولم أكن لأترب لحمي - أي أهين قرابتي -، وأرفع لحمكم، أشهدكم أني أنكحتها فلانا \" - وكان هوى أمها إلى عبد الله ابن عمر -، فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: \" يا نبي الله، خطب عبد الله بن عمر ابنتي، فأنكحها أبوها يتيما في حَجْرِه، ولم يؤامرها\"، فأرسل رسول الله ﷺ إلى صالح فقال: \" أنكحت ابنتك، ولم تؤامرها؟ \"،\n_________\n(٨٠٠) تقدم تخريجه برقم (٢٤٠) .\n(٨٠١) أخرجه أبو داود رقم (٢٠٩٦) في النكاح: باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها، وابن ماجه رقم (١٨٧٥) في النكاح: باب من زوج ابنته وهي كارهة، والإمام أحمد في \" المسند\" (١/٢٧٣)، من حديث جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، وهذا الحديث (صححه ابن القطان، وقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\": \" ولا معنى للطعن في الحديث، فإن طرقه تقوى بعضها بعضا \") اهـ نقلًا من \" تحفة الأحوذي\" (٢/١٨٠) ط. الهند، وانتصر لتصحيحه الإمام المحقق ابن القيم في \" زاد المعاد\" (٥/٩٦ -٩٧)، وفي \" تهذيب السنن \" (٦/١٢٠-١٢٢)، وذكره الألباني في \" صحيح ابن ماجه\" برقم (١٥٢٠) (١/٣١٥) .","vol":"2","page":337},{"text":"فقال: \" نعم\"، فقال: \" أشيروا على النساء في أنفسهن \" (٨٠٢)، وهي بِكر، فقال صالح: \" فإنما فَعَلْتُ هذا لما يُصْدِقُها ابن عمر، فإن له في مالي مثلَ ما أعطاها \" (٨٠٣) .\nوقد وقعت لابن عمر قصة أخرى خلاف هذه:\nقال ﵄: (توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون - قال عبد الله: وهما خالاي - قال: فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوَّجَنيها، ودخل المغيرة بن شعبة - يعني إلى أمها - فأرْغَبَها في المال، فحطَّت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فأبيا، حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله ﷺ، فقال قدامة بن مظعون: \" يا رسول الله، ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتُها ابنَ عمتها عبد الله بن عمر فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها! فقال رسول الله ﷺ: \" هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها \"، قال: فانتُزِعَتْ والله مني بعد أن ملكتُها، فزوجوها المغيرة بن شعبة (٨٠٤) .\n_________\n(٨٠٢) أخرجه الإمام أحمد (٢/٩٧)، (٤/١٩٢)، والطحاوي في \" شرح معاني الآثار، (٤/٣٦٩)، وأورده الهيثمي وقال: \" رواه أحمد، وهو مرسل، ورجاله ثقات \"، قال في \" الفتح الرباني\": \" وفي سنده اضطراب وانقطاع\" اهـ (١٧/١٦١)، وانظر: \" السلسلة الصحيحة\" (٣/٤٤٢ - ٤٤٣) .\n(٨٠٣) (معناه: أني ما زوجتها لليتيم إلا لأن ابن عمر سمَّى لها من الصداق شيئا لا يزيد عما يستحقه اليتيم في مال، فاليتيم أولى، والله أعلم) اهـ. من \" الفتح الرباني\" (١٧/١٦١) .\n(٨٠٤) أخرجه الإمام أحمد (٢/١٣٠)، والدارقطني (٣/٢٣٠)، وقال الألباني في إسناده: (وهذا إسناد جيد، رجاله رجال الشيخين غير ابن إسحق، وقد صرح بالتحدث، وقد توبع، فرواه الدارقطني، والحاكم (٢/١٦٧) عن ابن أبي ذئب =","vol":"2","page":338},{"text":"والحاصل (٨٠٥): أنه لا يجوز أن تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تُزوج إلا برضاها، فإن وقع لم يصح العقد، وهذا مذهب الأوزاعي، والثوري، والحنفية، وغيرهم، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم.\nوهذا هو المذهب الحق الذي يجب أن ندين الله به، ولا نعتقد سواه، للأسباب الآتية:\nأولًا: أنه موافق لحكم رسول الله ﷺ، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة، كما في حديث ابن عباس ﵄.\nثانيا: أنه موافق لأمره ﷺ، فإنه قال: \" والبكر تستأذن\"، وهذا أمر مؤكد، لأنه ورد بصيغة الخبر الدال على تحقق المخبر به وثبوتهِ ولزومه، والأصل في أوامره ﷺ أن تكون للوجوب، ما لم يقم إجماع على خلافه. ثالثا: أنه موافق لنهيه ﷺ، وهو الوارد في قوله: \" لا تنكح البكر حتى تُستأذن \" فَأمَرَ، ونهى، وحكم بالتخيير، وهذا إِثبات للحكم بأبلغ الطرق.\nرابعا: أنه موافق لقواعد شرعه ﷺ، فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من مالها إلا برضاها، فكيف يجوز أن يُرِقها، ويخرج بضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس فيه، وهو مِن أبغض شيء إليها؟\n_________\n= عن عمر بن حسين به نحوه مختصرا، وفيه عند الحاكم: \" لا تنكحوا النساء حتى تستأمروهن، فإذا سكتن فهو إذنهن\"، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا) اهـ. \"السلسلة الصحيحة\" (٣/٤٤٤) .\n(٨٠٥) ملخصًا من \" زاد المعاد\" (٥/٩٥ -٩٩) .","vol":"2","page":339},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر عنه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه كان النكاح كذلك، وأولى، فإن أكل المكروه مرارة ساعة، وعشرة المكروه من الزوجين على طول يؤذي صاحبه كذلك، ولا يمكن فراقه) (٨٠٦) اهـ.\nخامسا: أنه موافق لمصالح الأمة، ولا يخفى مصلحةُ البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصولُ مقاصد النكاح لها به، وحصول ضد ذلك ممن تُبغِضه وتنفر عنه، قال الشاه ولي الله الدهلوي ﵀: \" لا يجوز أن يحكم الأولياء فقط لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من نفسها، ولأن حار العقد وقاره (٨٠٧) راجعان إليها \" (٨٠٧) اهـ.\nوقد ثبتت أحاديث تدل على أن المرأة إذا أبغضت الزوج لم يكن لوليها إكراهها على عشرته، وإذا أحبته لم يكن لوليها التفريق بينهما (٨٠٩): فمن ذلك: ما ثبت من أن بَرِيرة - وهى جارية حبشية - ملكها عتبة بن أبي لهب وزوجها عبدا من عبيد المغيرة ما كانت لترضاه لو كان لها أمرها، فأشفقت عليها عائشة أم المؤمنين ﵂، فاشترتها، وأعتقتها، فقال لها رسول الله ﷺ: \" ملكتِ نفسك، فاختاري \"، وكان زوجها مغيث يطوف خلفها في سكك المدينة، يبكي عليها، وهي تأباه، فقال النبي ﷺ لأصحابه: \" ألا تعجبون من شدة حبه لها، وبغضها له؟ \"، ثم قال ﷺ لها: \" لو راجعتِهِ، فإنه أبو ولدكِ \"، قالت: \" يا رسول الله،\n_________\n(٨٠٦) \" مجموع الفتاوى\" (٣٢/٣٠) .\n(٨٠٧) أي: ضرر العقد ونفعه.\n(٨٠٨) \" حجة الله البالغة\" (٢/١٢٧) .\n(٨٠٩) انظر: \" فتح الباري\" (٩/٤١٥) .","vol":"2","page":340},{"text":"أتأمرني؟ \" وفي رواية: \" أشيء واجب علي؟ \"، فقال ﷺ: \" لا، إنما أنا شافع \"، قالت: \" فلا حاجة لي فيه، لو أعطاني كذا وكذا ما كنت عنده \" (٨١٠) .\nومما يقوى اعتبارَ الإسلام لوجود الألفة والمحبة والمودة ما رواه أبو هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ قال لرجل تزوَّج (٨١١) امرأة: \" أنظرتَ إليها؟ \" قال: \"لا\"، قال: \" اذهب فانظر إليها\" (٨١٢) .\nوعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ: \" انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما \" (٨١٣) .\nوعن ابن عباس ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إن عندنا يتيمة، وقد خطبها رجل مُعْدِم، ورجل موسر، وهي تهوى المعدم، ونحن نهوى الموسر، فقال رسول الله ﷺ: \" لَم ير للمتحابين مِثْلُ النكاح \" (٨١٤) .\nفلينظر الآباءُ كيـ ... ـف يكونُ تزويج البنات\n_________\n(٨١٠) رواه البخاري (٩/٣٥٨) في الطلاق، باب خيار الأمة تحت العبد، وباب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة، وأبو داود رقم (٢٢٣١)، (٢٢٣٢) في الطلاق، والترمذي رقم (١١٥٦) في الرضاع، والنسائي (٨/٢٤٥) في القضاة.\n(٨١١) أي: أراد ذلك.\n(٨١٢) رواه مسلم رقم (١٤٢٤) في النكاح: باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها.\n(٨١٣) انظر تخريجه في \" القسم الثالث\" ص (٣٢١) .\n(٨١٤) أخرجه ابن ماجه (١٨٤٧)، والحاكم (٢/١٦٠)، وقال: \" صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي والبيهقي (٧/٧٨)، والطبراني في \" الكبير\" (١١/١٧)، وانظر: \" البيان والتعريف\" لابن حمزة الحسيني (٣/١٢٦)، والحديث صححه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (٦٢٤) .","vol":"2","page":341},{"text":"يستأذنونَ البكر في التز ... ويجِ مثلَ الثيبات\nحتى يَعِشْنَ مَعَ الرجا ... لِ مُنَعماتٍ راضِيات\nطَعمُ الحياةِ مَعَ السُّجو ... نِ أمَرُّ مِنْ طَعمِ الممات (٨١٥)\nوقد حكى العرب عن آباء تعسفوا مع بناتِهم، وتأذى بناتُهم بذلك العَسف حتى صدر منهن ما لا يحمد من البنت في حق أبيها، فمن ذلك: - أن إحداهن زوجها أبوها، وهي حَدَثة بغير إذنها، فقالت:\nأيا أبتا عَنَّيتني وابتليتني ... وصيَّرتَ نفسي في يَدَيْ من يُهِينُها\nأيا أبتا لولا التحرجُ قد دعا ... عليك مجابًا دعوة يستدينها (٨١٦)\n(ومما يروَى: أن عبد الله بن جعفر (٨١٧) قد زوَّج ابنته من الحجاج\n_________\n(٨١٥) \" أستاذ المرأة\" ص (٢١٤) .\n(٨١٦) \" المرأة العربية\" (٢/٥٣) .\n(٨١٧) عبد الله بن جعفر \" قطب السخاء\" أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأمه أسماء بنت عميس أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث لأمها، هاجر أبواه إلى الحبشة، وهنالك كان مولده قبل هجرة رسول الله ﷺ بثلاث سنين، ووافي أبواه المدينة وله سبع سنين، وفي هذه السن بايع عمه رسول الله ﷺ، وتوفي أبوه في غزوة مؤتة، وكان أمير القوم فيها، فكفله ﷺ ودعا له بقوله: (اللهم اخلف جعفرًا في ولده)، ثم انتقل إلى كفالة أبي بكر، ثم إلى كفالة عمه علي ﵁، وكان أحد أمراء جنده في يوم صفين، وزوجه علي ﵁ بابنته ﵂ فولدت له عليا وعونا وعباسا ومحمدَا وأم كلثوم، وكان عبد الله علمًا من أعلام الجود حتى لقب بقطب السخاء، ومما قالوه أن امرأة سألته فأعطاها مالا عظيمًا، فقيل له: \" إنها لا تعرفك، وكان يرضيها اليسير\"، فقال: \" إن كان يرضيها اليسير، فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني، فأنا أعرف نفسي\"، وسأله سائل بينا يهم بركوب ناقته، فنزل له عنها، وعما فوقها، وكان عليها أربعة آلاف درهم، وسيف من سيوف علي بن أبي طالب ﵁، وفيه يقول القائل:\nوما كنت إلا كالأغر بن حاتم ... رأى المال لا يبقى فأبقى له ذكرا =","vol":"2","page":342},{"text":"ابن يوسف على كره منها، لأنه ليس في شيء من سَنَاء نسبها، ولا كرم سجاياها، وما حمله على ذلك إلا ضيق ذات يده، وألف ألف درهم حُمِلَتْ مهرا إليه، فلما زُفت نظر الحجاج إلى عَبْرتها تجول في عينيها، فقال: \" بأبي أنتِ وأمي مِم تبكين؟ \" فقالت: \" أبكي من شرف اتضع، ومن ضَعة شُرفت \"، حتى إذا علم عبد الملك ين مروان بأمرها، كتب إلى الحجاج بطلاقها، فقال لها: \" إن أمير المؤمنين كتب إلي بطلاقك\" فقالت: \" هو أبرُّ بي ممن زوجَنيك \" (٨١٨) .\n_________\n= وفي سبيل جوده احتمل الدين والمتربة، حتى رضي أن يزوج ابنته من الحجاج بن يوسف لأنه وَفي عنه دينه، وأعطاه ألف ألف درهم، أما ابنته هذه فاسمها \" أم أبيها \"، وكانت كأوضأ النساء وجها وأبينهن بيانا، وأسمحهن يدا، وهي صغرى بناته، ولم تنكشف عن عقب رحمها الله) اهـ. من \"المرأة العربية\" (٢/ هـ ٥٣-٥٤) بتصرف.\n(٨١٨) \"المرأة العربية\" (٢/٥٣) .","vol":"2","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>[فصل]\nلا نكاح إلا بولي</span>\nربما يتوهم البعض أن للمرأة أن تزوج نفسها، وأن ذلك حق من حقوقها مادام أن الشارع اعتبر رضاها كما بيناه آنفا، لكن مما ينبغي أن يعلم: أنه مع ثبوت حق المرأة في قبول من ترضاه من الأزواج - فإن هذا الحق مقيد بإذن وليها، فإن النكاح لا يصح الا بولي (٨١٩)، ولا تملك المرأة تزويج نفسها، ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها (٨٢٠)، فإن فعلت لم يصح النكاح، وهاك أدلة هذا الحكم:\n(٨١٩) والمراد بالولي هو الأقرب من العَصبَة من النسب ثم من السبب ثم من عَصبته، وليس لذوي السهام ولا لذوي الأرحام ولاية، وهذا مذهب الجمهور، فأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها ثم أبوه وإن علا، ثم ابنها وابنه وإن سفل، ثم أخوها لأبيها وأمها ثم أخوها لأبيها.\nواعلم أن الولاية بعد من ذكرنا تترتب على ترتيب الإرث بالتعصيب، فأحقهم بالميراث أحقهم بالولاية فأولاهم بعد الآباء ينو المرأة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو أبيها وهم الإخوة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جدها، وهم الأعمام ثمْ بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جد الأب، وهم أعمام الأب، ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو الجد ثم بنوهم.\nولا ولاية لغير العصبات من الأقارب كالأخ من الأم والخال وعم الأم والجد أب الأم ونحوهم، وانظر \" المغني\" لابن قدامة (٦/٤٥٦ - ٤٦٧) .\n(٨٢٠) واشتراط الولي هو مذهب جمهور أهل العلم، منهم: عمر، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحق، والشافعي، ونقِلَ عن ابن المنذر أنه لا يعرفُ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وانظر: \" فتح الباري\" (٩/١٨٧) .","vol":"2","page":344},{"text":"الأول: قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة (٢٣٢) .\n(ومعنى العَضل: منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحدٍ منهما في صاحبه) (٨٢١) .\nوعن مَعقِل بن يَسار ﵁ قال: (كانت لى أخت تخطَبُ إلي، وأمْنَعُها من الناس، فأتاني ابن عَم لي، فأنكحتُها إياه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم طَلقَها طلاقًا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عِدَّتُها، فلما خُطِبت إلي أتاني يخطبها مع الخُطاب، فقلتُ له: خُطِبَتْ إلي فمنعتُها الناسَ، وآثرتُك بها، فَزَوجتُكَها، ثم طَلقْتَها طلاقًا لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خُطِبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب؟! والله لا أنكحتكها أبدا، قال: فَفِي نزلت هذه الآية: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهُن أن ينكحن أزواجهن) الآية، فكفرتُ (٨٢٢) عن يميني، وأنكَحتُها إياه) (٨٢٣) .\n_________\n(٨٢١) \"المغني\" (٦/٤٧٧) .\n(٨٢٢) تكفير اليمين: إخراج الكفارة التي تلزم الحالف إذا حنث، كأنها تغطي الذنب الذي يوجبه الحنْثُ، والتكفير: التغطية.\n(٨٢٣) رواه بنحوه البخاري (٨/١٤٣) فتح - ط. السلفية، في التفسير: باب (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن)، وفي النكاح: باب من قال: لا نكاح إلا بولي، وفي الطلاق: باب (وبعولتهن أحق بردهن)، وأبو داود رقم (٢٠٨٧) في النكاح: باب في العضل، والترمذي رقم (٢٩٨٥) في التفسير: باب: ومن سورة البقرة، ولفظه: عن الحسن عن معقل بن يسار (أنه زوج أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلَّقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع، =","vol":"2","page":345},{"text":"وفي رواية أخرى للبخاري: (فحَمِيَ (٨٢٤) معقل من ذلك أنفا (٨٢٥)، وقال: خلا عنها، وهو يقدر عليها، ثم يخطبها؟ فحال بينه وبينها، فأنزل الله هذه الآية، فدعاه النبي ﷺ، فقرأ عليه، فترك الحَمِيةَ، واستقاد لأمر الله ﷿) (٨٢٦) .\nقال الشافعي رحمه الله تعالى: (وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقًّا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رَضِيَتْ أن\n_________\nأكرمتُك بها وزوجتكها، فطلقتها! والله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله ﵎: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن - إلى قوله - وأنتم لا تعلمون)، فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه، فقال: \" أزوجُك وَأكرمُك\") قال الترمذي: (هذا حديث صحيح، وقد روي من غير وجه عن الحسن، ثم قال: وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي، لأن أخت معقل بن يسار كانت ثيبا، فلو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل ابن يسار، وإنما خاطب الله في هذه الآية الأولياء، فقال: (ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) ففي هذه الآية دلالة على أن الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهن) اهـ.\n(٨٢٤) حَمِيَ: أي أخذته الحمية، وهي الأنفَة والغيرة.\n(٨٢٥) بفتح الهمزة والنون منون، أي ترك الفعل غيظا وترفعا.\n(٨٢٦) قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وفي حديث معقل أن الولي إذا عضل لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك، وإن أصر زوج عليه الحاكم، والله أعلم) اهـ. من \" الفتح\" (٩/١٨٨)، وقد ذكر سماحة العلامة عبد العزيز بن باز حفظه الله صورة من صور العضل المبنية على الحمية، حيث قال ﵀: (ومن المسائل المنكرة في هذا ما يتعاطاه الكثير من البادية وبعض الحاضرة من حجر ابنة العم ومنعها من التزويج من غيره، وهذا منكر عظيم، وسنة جاهلية، وظلم للنساء، وقد وقع بسببه فتن كثيرة، وشرور عظيمة من شحناء، وقطيعة رحم، وسفك دماء، وغير ذلك) اهـ. من رسالة بعنوان: \" نصيحة وتنبيه على مسائل في النكاح مخالفة للشرع\".","vol":"2","page":346},{"text":"تُنكَحَ بالمعروف) (٨٢٧) اهـ.\nوقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: (.. وهذا دليل قاطع على أن المرأة لا حق لها في مباشرة النكاح، إِنما هو حق الولي، ولولا ذلك لما نهاه الله ﷾ عن منعها)، ثم ذكر سبب نزول الآية، وقال: \" لو لم يكن لمعقل حق لقال الله تعالى لنبيه ﵊: لا كلام لمعقل) (٨٢٨) اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: (وقد اختلف العلماء في اشتراط الولي في النكاح، فذهب الجمهور إلى ذلك، وقالوا: لا تزوج المرأة نفسها أصلًا، واحتجوا بالأحاديث المذكورة، ومن أقواها هذا السبب المذكور في نزول الآية المذكورة، وهي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه، وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك) (٨٢٩) اهـ.\nالثاني: قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) الآية البقرة (٢٢١) .\nقال القرطبي ﵀: (في هذه الآية دليل بالنص على أن لا نكاح إلا بولي، قال محمد بن على بن الحسين: النكاح بولي في كتاب الله؛ ثم قرأ (ولا تنكحوا المشركين) (٨٣٠) اهـ.\n_________\n(٨٢٧) \" تكملة المجموع شرح المهذب\" (١٥/٤١) .\n(٨٢٨) \" أحكام القرآن\" (١/٢٠١)، وانظر \" الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/١٥٨) .\n(٨٢٩) \"فتح الباري\" (٩/١٨٧) .\n(٨٣٠) \"تفسير القرطبي\" (٣/٧٢) .","vol":"2","page":347},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر ﵀: (وجه الاحتجاج بالآية والتي بعدها أنه خاطب بإنكاح الرجال، ولم يخاطب به النساء، فكأنه قال: لا تنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين) (٨٣١) اهـ.\nقال القرطبي ﵀: (ومما يدل على هذا أيضًا من الكتاب: الثالث: قوله تعالى: (فانكحوهن بإذن أهلهن) النساء (٢٥) .\nالرابع: وقوله: (وأنكحوا الأيامى منكم) النور (٣٢) .\nفلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال، ولو كان إلى النساء لذكرهن) (٨٣٢) اهـ.\nالخامس: قوله تعالى حكاية عن صالح مدين: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيْ هاتين) الآية القصص (٢٧)، فقد تولى هو النكاح، فدل على أن لا حظ للمرأة فيه، وهذا مقتضى قوله ﷿: (الرجال قوامون على النساء) الآية النساء (٣٤) .\nالسادس: قول رسول الله ﷺ: \" لا نكاح إلا بولي\" (٨٣٣) وفي لفظ: \" لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له\" (٨٣٤) وفي\n_________\n(٨٣١) \"فتح الباري\" (٩/١٨٤) .\n(٨٣٢) \"تفسير القرطبي \" (٣/٧٣) .\n(٨٣٣) رواه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أبو داود رقم (٢٠٨٥) في النكاح: باب في الولي، والترمذي رقم (١١٠١) في النكاح: باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، والدارمي (٢/١٣٧)، وابن حبان (١٢٤٣)، وصححه، والحاكم (١/١٧٠)، وصححه، وأحمد (٤/٣٩٤)، والحديث صححه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٢٣٥) .\n(٨٣٤) رواه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وابن عباس ﵄ الإمام أحمد (٦/٢٦٠)، (١/٢٥٠)، وابن ماجه رقم (١٨٨٠)، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع \" (٦/٢٠٣) .","vol":"2","page":348},{"text":"لفظ: \" لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل \" (٨٣٥) .\nقال الصنعاني ﵀: \" والحديث دَل على أنه لا يصح النكاح إلا بولي، لأن الأصل في النفي، نفي الصحة لا الكمال\" (٨٣٦) اهـ.\nالسابع: قوله ﷺ: \" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي لها\" (٨٣٧) .\nففي هذا الحديث نص صريح لا يحتمل التأويل على أن المقصود من قوله ﷺ: \" لا نكاح إلا بولي\" محمول على نفي الصحة والحقيقة الشرعية، ولا يصح بحال حمله على نفي الكمال.\nالثامن: قوله ﷺ: \" لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها \" (٨٣٨) .\n_________\n(٨٣٥) رواه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ ابن حبان (١٢٤٧ - موارد)، والدارقطني (٣٨٣- ٣٨٤)، والبيهقي (٧/١٢٥)، وصححه الألباني في \"الإرواء\" رقم (١٨٥٨) .\n(٨٣٦) \"سبل السلام\" (٣/١١٧) .\n(٨٣٧) رواه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أبو داود رقم (٢٠٨٣)، والترمذي رقم (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وصححه ابن حبان (١٢٤٨)، والحاكم (٢/١٦٨)، ووافقه الذهبي، وأبو عوانة، وابن خزيمة وغيرهم، انظر: \" تلخيص الحبير\" (٣/١٧٩)، و\" إرواء الغليل\" (١٨٤٠) .\n(٨٣٨) رواه من حديث أبي هريرة ﵁ ابن ماجه رقم (١٨٨٢)، والدارقطني (٣٨٤)، والبيهقي (٧/١١٠)، وقال الحافظ في \" بلوغ المرام\" ص (٢٢٥): \" رجاله ثقات\"، وصححه الألباني في \" الإرواء\" (١٨٤١) دون الجملة الأخيرة، وصحح وقفها على أبي هريرة ﵁.\nوهذا الحديث يدل على أن المرأة ليس لها ولاية في الإنكاح لنفسها ولا لغيرها، فلا عبارة لها في النكاح إيجابا ولا قبولا، فلا تزوج نفسها بإذن الولي ولا =","vol":"2","page":349},{"text":"التاسع: عن ابن عمر ﵄: \" أن عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر من ابن حُذافة السهمي - وكان من أصحاب النبي ﷺ من أهْل بدر - توفي بالمدينة، فقال عمر: لقيت عثمان بن عفان فعرضتُ عليه، فقلت: إن شئتَ أنكحتُك حفصةَ، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني، فقال: بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيتُ أبا بكر فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة فصمت أبو بكر، فلم يرجع إلي شيئَا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ، فأنكحتها إياه \" (٨٣٩) الحديث.\nووجه الدلالة منه اعتبار الولي في الجملة، لقول عمر:\n\"أنكحتُك\".\n[قال الطبري: (في حديث حفصة حين تأيمت، وعقد عمر عليها النكاح، ولم تعقده هي، إبطال قول من قال: \" إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها، وعقد النكاح دون وليها، ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله ﷺ ليدع خطبة حفصة لنفسها إذا كانت أولى بنفسها من أبيها، وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها، وفيه بيان قوله ﷺ: \" الأيم أحق بنفسها من وَليها\" أن معنى ذلك أحق بنفسها في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها، لا أنها أحق بنفسها في أن تعقد النكاح على نفسها دون وليها)] (٨٤٠) اهـ.\nالعاشر: عن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته:\n_________\n= غيرها، ولا تزوج غيرها بولاية ولا وكالة، ولا تقبل النكاح بولاية ولا وكالة، والله أعلم.\n(٨٣٩) رواه البخاري (٩/١٨٣) في النكاح: باب من قال: لا نكاح إلا بولي.\n(٨٤٠) نقله عنه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن \" (٣/٧٣)، وانظر: \"الفتح\" (٩/١٨٦، ١٧٥-١٧٦) .","vol":"2","page":350},{"text":"\" أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاحُ الناس اليوم، يخطُبُ الرجل إلى الرجلِ وَليته أو ابنته فيُصْدِقُها، ثم يَنْكِحُها \" الحديث، إلى أن قالت ﵂: \" ... فلما بُعِثَ محمد ﷺ بالحق هَدَمَ نكاحَ الجاهلية كله، إلا نكاحَ الناس اليوم \" (٨٤١)، وفيه حجة على اشتراط الولي.\n_________\n(٨٤١) رواه البخاري (٩/١٨٢-١٨٣) في النكاح: باب من قال: لا نكاح إلا بولي.","vol":"2","page":351},{"text":"[فصل]\nذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أنه لا يُشترط الولي أصلًا، ويجوز للمرأة أن تزوِّج نفسها ولو بغير إذن وَلِيها إذا تزوجت كفؤَا، واحتج بما يأتي:\nأولًا: قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) فذهب إلى ًان الخطاب للأزواج لا للأولياء كما قال الجمهور، وقد أسند إليها النكاح فدل على أنه يصدر عنها، قالوا:\n\" والمقصود نهى الأزواج عن أن يكون الارتجاع مضارةً وعضلا عن نكاح الغير بتطويل، لعدة عليها\".\nوجوابه:\n- أن سبب نزول الآية يدل على أن الخطاب للأولياء لا للأزواج، كما قدمنا بيانه، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: في باب (لا نكاح إلا بولي) من \" الأم \" [(إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) يعني فانقضى أجلهن يعني عدتهن (فلا تعضلوهن) يعني أولياءهن (أن ينكحن أزواجهن) إن طلقوهن ولم يبتوا طلاقهن.. قال: ولا أعلم الآية تحتمل غيره لأنه إنما يؤمر بأن لا يعضل المرأة مَن له سبب إلى العضل بأن يكون يتم به نكاحها من الأولياء، والزوج إذا طلقها، فانقضت عدتها فليس منها بسبيل فيعضلها (٨٤٢)، وإن لم تنقض عدتها، فقد يحرم عليها أن تنكح غيره، وهو لا يعضلها عن نفسه، وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي\n_________\n(٨٤٢) انظر: \" الجامع لأحكام القرآن\" (٣/١٥٩) .","vol":"2","page":352},{"text":"مع المرأة في نفسها حقًا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف] (٨٤٣) .\nثانيا: قوله ﷺ: \" الثيب أحق بنفسها من وليها \"، والجواب: أن سبب النزول كان في ثيب، وقد تقدم بيان معنى الحديث بما يغني عن إعادته (٨٤٤) .\nثالثا: احتج بالقياس على البيع، فإنها تستقل به، وجواب: أن هذا من أفسد أنواع الأقيسة، لأنه قياس مع وجود النص الصحيح الصريح، قال الحافظ ابن حجر ﵀: (حديث معقل المذكور رفع هذا القياس، ويدل على اشتراط الولي في النكاح دون غيره، ليندفع عن موليته العار باختيار الكفء) (٨٤٥) اهـ.\nرابعا: وقد يُحتج لهذا المذهب بما رواه عبد الله بن بريدة عن عائشة ﵂:\n(أن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ، فأخْبرَته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله، قد أجزتُ ما صنع أبي، ولكن أردتُ أن أعْلِمَ الناس: أن ليس للآباء من الأمر شيء) (٨٤٦) .\nوالجواب عنه من وجوه:\n_________\n(٨٤٣) نقلا من \" تكملة المجموع شرح المهذب\" (١٥/٤١) .\n(٨٤٤) راجع الحاشيتين رقمي (٧٨٤)، (٨٢٣) .\n(٨٤٥) \"فتح الباري\" (٩/١٨٧) .\n(٨٤٦) رواه النسائي (٦/٨٧)، والإمام أحمد (٦/١٣٦)، والدارقطني (٣/٢٣٢)، وابن ماجه (١٨٧٤) إلا أنه جعله من حديث بريدة ﵁.","vol":"2","page":353},{"text":"أحدها: أن هذا الحديث ضعيف، لأنه من رواية كهس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عائشة ﵂، قال الدارقطني عقبه: (وهذا مرسل، لأن ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا) اهـ.\nوكل الرواة عن كهمس قالوا: عن عبد الله بن بريدة عن عائشة سوى وكيع، فقال: عن ابن بريدة عن أبيه، قال: فذكر الحديث، وهذه رواية ابن ماجه، قال الألباني حفظه الله:\n(وهذا خطأ من هناد، فقد قال أحمد: ثنا وكيع ثنا كهمس عن عبد الله بن بريدة عن عائشة، وهذا هو الصواب أن الحديث عن عائشة لموافقة هذه الرواية عن وكيع لرواية الجماعة عن كهس) اهـ. من: \" نقد الكتاني ص ٤٦ \"، ولهذا قال الألباني في رواية ابن ماجه: (ضعيف شاذ) .\nثانيا: أنه لو صح فإنما جعل الأمر إليها لوضعها في غير كفء، قاله شمس الحق في \" التعليق المغني \" (٨٤٧) وكأنه أخذه من قولها: \" ليرفع بي خسيسته \" وفيه نظر، (لأن أباها زوجها، من ابن أخيه، وهو كفؤ لها، وإنما جعله إليها لعدم الرضا منها، ولهذا نفذ العقد بإجازتها)، قاله الشوكاني ﵀ في \" السيل الجرار\" (٨٤٨)، وقال فيه أيضا: (إنما جعل النبي ﷺ الأمر إليها لكون رضاها معتبرًا، فإذا لم ترض، لم يصح النكاح، سواء كان المعقود له كفؤَا أو غير كفء) (٨٤٩) اهـ.\nوقد تواردت عبارات العلماء على إنكار مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀:\n_________\n(٨٤٧) \"التعليق المغني على الدارقطني\" (٣/٢٣٢) .\n(٨٤٨) \"السيل الجرار\" (٢/٢٧٤) .\n(٨٤٩) \"السابق\" (٢/٢٩٢) .","vol":"2","page":354},{"text":"فقال الإمام ابن المنذر ﵀: (وأما ما قاله النعمان فمخالف للسنة، خارج عن قولِ أكثر أهل العلم) (٨٥٠) اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (جمهور العلماء يقولون: النكاح بغير ولي باطل، يُعَزرون من يفعل ذلك اقتداءً بعمر بن الخطاب ﵁، وهذا مذهب الشافعي، بل طائفة منهم يُقيمون الحدَّ في ذلك بالرجم وغيره) (٨٥١) .\nوقال﵀- في موضع آخر:\n(دَلَّ القرآن في غير موضع، والسنة في غير موضع، وهو عادة الصحابة، إنما كان يُزَوِّجُ النساءَ الرجالُ، لا يُعرفُ عن امرأة تزوج نفسها، وهذا مما يُفَرَّقُ فيه بين النكاح ومتخذات أخدان، ولهذا قالت عائشة: \" لا تزوج المرأة نفسها، فإن البغي هي التي تزوج نفسها \") (٨٥٢) اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>تنبيهات متفرقة</span>\nالأول: الحكمة من اشتراط الولي في النكاح:\n- إن من مقاصد هذا التشريع الحكيم صيانة المرأة عن أن تباشر بنفسها ما يشعر بوقاحتها، ورعونتها، وميلها إلى الرجال، مما ينافي حال أرباب الصيانة والمروءة، قال الشيخ ولي الله الدهلوي ﵀:\n(وفي اشتراط الولي في النكاح تنويه أمرهم، واستبدادُ النساء بالنكاح وقاحة منهن، منشؤها قلة الحياء، واقتضاب على الأولياء، وعدم اكتراث\n_________\n(٨٥٠) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/٧٤)، وانظر: \" المحلى\" (٩/٤٥٦)\n(٨٥١) \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/٢١)\n(٨٥٢) \" السابق\" (٣٢/١٣١) .","vol":"2","page":355},{"text":"لهم، وأيضًا يجب أن يميز النكاح من السفاح بالتشهير، وأحق التشهير أن يحضره أولياؤها) (٨٥٣) اهـ.\n- كما أن المرأة - لقلة تجربتها في المجتمع، وعدم معرفتها شئون الرجال وخفايا أمورهم - غير مأمونة حين تستبد بالأمر لسرعة انخداعها، وسهولة اغترارها بالمظاهر البراقة دون ترو وتفكير في العواقب، وقد اشترط إذن الولي مراعاة لمصالحها لأنه أبعد نظرا، وأوسع خبرة، وأسلم تقديرًا، وحكمه موضوعي لا دخل فيه للعاطفة أو الهوى، بل يبنيه على اختيار مَنْ يكون أدومَ نكاحا، وأحسن عشرة.\n- وكيف لا يكون لوليها سلطان في زواجها وهو الذي سيكون - شاءت أم أبت، بل شاء هو أو أبى - المرجع في حالة الاختلاف، وفي حالة فشل الزواج يبوء هو بآثار هذا الفشل، ويجني ثمرات خطأ فتاته التي تمردت عليه، وانفردت بتزويج نفسها؟ !\nإن الهدف من رقابة الولي على اختيار الزوج ليس فقط تسهيل الزواج، وإنما أيضا تأمينه وتوفير عوامل الاستقرار له، ورعاية مصالح الفتاة التى ائتمنه الله عليها، وإن قصر نظرها عن إدراكها، ومن هنا كان مبنى الولاية على حسن النظر، والشفقة، وذلك معتبر بمظنته، وهي القرابة، فأقربهم منها أشفقهم عليها، وهذا أغلب ما يكون في العَصَبَة (٨٥٤) .\n_________\n(٨٥٣) \"حجة الله البالغة \" (٢/١٢٧) .\n(٨٥٤) وعَصبَة الرجل لغة: بنوه وقرابته لأبيه، أو أولياؤه الذكور من ورثته، وسموا عصبة لأنهم عصبوا بنسبه - أى: استكفوا به، وأحاطوا به لحمايته، ودفع العدوان عنه، مِنْ \" عَصبَ القوم بفلان\" إذا استكفوا حوله، ومفردها عاصب، وجمع العصبة عصبات، فهي جمع الجمع، وهي في اصطلاح الفرضيين: القرابة الذكور من جهة الأب.","vol":"2","page":356},{"text":"الثاني: واجب الولي:\nيجب على ولي المرأة أن يتقي الله فيمن يزوجها به، وأن يراعي خصال الزوج، فلا يزوجها ممن ساء خَلْقُه أو خُلُقُه، أو ضعف دينه، أو قصر عن القيام بحقها، فإن النكاح يشبه الرق، والاحتياط في حقها أهم، لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال، [(وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: \" استوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عندكم عوان، فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله الا بإذنه، سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة.\nقال زيد بن ثابت ﵁: (الزوج سيد في كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: (وألفيا سيدها لدى الباب»، وقال عمر بن الخطاب ﵁: (النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته (٨٥٥)، وقال يعض السلف: (من زوج كريمته من فاجر فقد قطع (٨٥٦) رحمها)] (٨٥٧) .\nوقال رجل للحسن: (\" قد خطب ابنتي جماعة، فمِمن أزوجها؟ \"\n_________\n(٨٥٥) قال الحافظ العراقي ﵀: (حديث \" النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته، رواه أبو عمر التوقاني في \" معاشرة الأهلين\" موقوفا على عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، قال البيهقي: وروى ذلك مرفوعًا والموقوف أصح) اهـ من \" تحقيق أحاديث الإحياء \" (٤/٧١٩)، وانظر الحاشية رقم (٢٤١) .\n(٨٥٦) قال الحافظ العراقي ﵀: (رواه ابن حبان في \" الضعفاء\" من حديث أنس، ورواه في \" الثقات\" من قول الشعبي بإسناد صحيح) اهـ، وزاد الزبيدي ﵀: (وروى الديلمي من حديث ابن عباس: \" من زوج ابنته أو واحدة ممن يشرب الخمر فكأنما قادها إلى النار) اهـ.\n(٨٥٧) \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/٢٦٣) بتصرف.","vol":"2","page":357},{"text":"قال: (مِمَّن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها \") (٨٥٨) .\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\n(وإذا رضيت رجلًا، وكان كفؤًا لها، وجب على وليها - كالأخ ثم العم - أن يزوجها به، فإن عَضَلَها أو امتنع عن تزويجها زَوَّجَها الولي الأبعد منه أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه؛ ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا كان كفؤًا باتفاق الأئمة؟ وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة الذين يزوجون نساءهم\n_________\n(٨٥٨) \"عيون الأخبار، لابن قتيبة (٤/١٧)، ومما يجمل ذكره هنا قصة زواج مبارك أبي الإمام العظيم عبد الله بن المبارك ﵀، وكان رجلا تركيا، وكان عبدا لرجل خوارزمي من التجار من همذان من بني حنظلة، وكان رجلا تقيا صالحا، كثير الانقطاع للعبادة، محبا للخلوة، شديد التورع، ومن حديثه: \" أنه كان يعمل في بستان لمولاه، وأقام فيه زمانا، ثم إن مولاه صاحبَ البستان جاءه يوما، وقال له: \"أريد رمانا حلوا\"، فمضى إلى بعض الشجر، وأحضر منها رمانا، فكسره فوجده حامضا، فَحَرَد - أي غضب - عليه، وقال: \" أطلب الحلو فتحضر لي الحامض؟ هاتِ حُلْوا \"، فمضى، وقطع من شجرة أخرى، فلما كسرها وجده أيضا حامضا، فاشتد حرده عليه، وفعل ذلك مرة ثالثة، فذاقه، فوجده أيضًا حامضًا، فقال له بعد ذلك: \" أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟ \"، ففال: \" لا \"، فقال: \" وكيف ذلك؟ \"، فقال: \" لأني ما أكلت منه شيئا حتى أعرفه \"، فقال: \" ولِمَ لم تأكُلْ؟ \"، قال: \" لأنك ما أذنت لي بالأكل منه \"، فعجب من ذلك صاحب البستان، وكشف عن ذلك فوجده حقا، فعظم في عينيه، وزاد قدره عنده، وكانت له بنت خُطِبَتْ كثيرًا؛ فقال له: \" يا مبارك، مَنْ ترى تزوجُ هذه البنت؟ \"، فقال: \" أهل الجاهلية كانوا يزوجون للحسب، واليهود للمال، والنصارى للجمال، وهذه الأمة للدين \"، فأعجبه عقله، وذهب فأخبر به أمها، وقال لها: \" ما أرى لهذه البنت زوجا غير مبارك\"، فتزوجها، فجاءت بعبد الله بن المبارك\"، فتمت عليه بركة أبيه، وأنبته الله نباتا صالحًا، وربَّاه على عينه، انظر: \" وفيات الأعيان\" لابن خلكان (٢/٢٣٧)، و\" شذرات الذهب\" لابن العماد (١/٢٩٦)، و\" مرآة الجنان\" لليافعي (١/٣٧٩) .","vol":"2","page":358},{"text":"لمن يختارونه لغرض؛ لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك، أو يُخْجِلونها حتى تفعل، ويعضلونها عن نكاح من يكون كفؤًا لها لعداوة أو غرض، وهذا كله من عمل الجاهلية، والظلم والعدوان، وهو مما حرمه الله ورسوله ﷺ، واتفق المسلمون على تحريمه، وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا في مصلحة المرأة؛ لا في أهوائهم كسائر الأولياء والوكلاء ممن تصرف لغيره، فإنه يقصد مصلحة من تصرف له، لا يقصد هواه، فإن هذا من الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها فقال: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) النساء (٥٨) وهذا من النصيحة الواجبة، وقد قال النبي ﷺ: \" الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة \" قالوا: \" لمن يا رسول الله؟ \" قال: \" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم \" والله أعلم) (٨٥٩) .\nالثالث: حكم عدم وجود الأولياء حقيقة:\nفي حالة عدم وجود الولي أصلا، بَيَّنَ رسول الله ﷺ الحكم فيما رواه ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ: \" لا نكاح إلا بولي، والسلطان وَلِي مَنْ لا ولي له \" (٨٦٠) .\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما من لا ولي لها، فإن كان في القرية أو المحلة نائب حاكم زوجها هو، وأمير الأعراب، ورئيس القرية، وإذا كان فيهم إمام مطاع زَوَّجها أيضًا بإذنها، والله أعلم) (٨٦١) .\n_________\n(٨٥٩) \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/٥٢-٥٣)، وانظره: (٣٢/٣٩ - ٤٠)، و\" المغني \" (٦/٤٦٠)، و\"المنهاج مع شرح مغني المحتاج\" (٣/١٥٣) .\n(٨٦٠) رواه الإمام أحمد (١/٢٥٠)، والطبراني في \" الكبير\" (١١/١٤٢)، وابن عدي في \" الكامل\" (٦/٢٤٤٨)، وانظر: \" مجمع الزوائد\" (٤/٢٨٦) .\n(٨٦١) \" مجموع الفتاوى\" (٣٢/٣٥) .","vol":"2","page":359},{"text":"الرابع: عدم وجود الأولياء حكما:\nوذلك بأن يكونوا أحياء في الوقت الذي يحتاج إليهم لتدبير أمور عقد النكاح، ولكن لا يمكن الرجوع إليهم، وذلك في حالات:\n(١) إما لأجل سفر الولي الأقرب، وغيبته غيبة بعيدة، بحيث يكون في موضع لا يصل إليه الكتاب، أو يصل فلا يجيب عنه، وفي هذه الحالة يتولى تزويجها الولي الأبعد من عَصَبَتها، فإن لم يكن فالسلطان، وهذا مذهب الإمام أبي القاسم الخرقي ﵀ (٨٦٢) .\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (.. فأما إن غاب - أي الولي - غيبة بعيدة، انتقلت الولاية إلى الأبعد أو الحاكم) (٨٦٣) اهـ.\nالخامس: عدم اتفاق الأولياء عل اختيار الخاطب:\nوضع رسول الله حَلا لهذه المشكلة في قوله ﷺ:\n\" فإن اشتجروا - أي الأولياء - فالسلطان ولي من لا ولي له \" (٨٦٤) .\nقال حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر ﵀:\n(فإن كان الأولياء في التعدد سواء، كان أولاهم بذلك أفضلهم، فإن استووا في الدرجة والفضل وتشاحوا، نظر الحاكم في ذلك، فما رآه\n_________\n(٨٦٢) \"المغني\" (٦/٤٧٨)، وانظر: \" مغني المحتاج\" للشربيني (٣/١٥٧) .\n(٨٦٣) \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/٣١)، وأما تحديد مقدار الغيبة أو المسافة التي تعطي الحق للولي الأبعد أو السلطان فهذا بابه التوقيف، ولا توقيف في هذه المسألة، فترد إلى ما يتعارفه الناس بينهم مما لم تجر العادة بالانتظار فيه، ويلحق المرأة الضرر بمنعها من التزويج في مثله، كما أفاده ابن قدامة في المغني (٦/٤٧٩) .\n(٨٦٤) رواه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١/٢٠٤)، وحسنه، وابن ماجه (١٨٧٩)، وأحمد (٦/٤٧، ٦٦، ١٦٦)، والدارمي (٢/١٣٧)، وصححه الألباني في \" الإرواء\" (٦/٢٤٣) .","vol":"2","page":360},{"text":"سدادًا ونظرًا أنفذه، وعقده، أو رَدَّه إلى من يعقده منهم) (٨٦٥) .\nالسادس: وجوب التحري الدقيق عن صفات الزوج:\nعن معقل بن يسار ﵁: قال رسول الله ﷺ: \" ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يُحِطْها بنصحه، إلا حَرَّم الله عليه الجنة \" (٨٦٦) .\nومن هذه النصيحة الواجبة أن يجتهد ولي المرأة في تحري الصفات الطيبة فيمن يزوجه موليته، وذلك بأن يستشير أولي العلم، وذوي الصلاح والتقوى ممن يوثق بأمانتهم ومعرفتهم حَقَّ الشهادة لله ﷿، ممن لا تحمله البغضاء على الحسد وكتمان الجميل، ولا يحمله الود على المجاملة وستر العيوب، ويجب ألا يكتفي بالمعرفة السطحية، والشهادة العابرة (٨٦٧)، لأن في ذلك خضرًا على النساء، وتقصيرًا من الأولياء الذين هم رعاة مسئولون أمام الله ﷿ عن رعيتهم.\nوما أدق ذلك الميزان الذي وضعه الفاروق - ﵁ - لمعرفة قيم الرجال، فقد [جاء رجل يطلب منه أن يوليه عملًا، فقال: \" ائتني بمن يعرفك \"، وعاد الرجل وبصحبته آخر، فسأله عمر: \" أتعرف هذا الرجل؟ \"، قال: \" نعم \"، قال: \" هل أنت جاره الذي يعرف مداخله ومخارجه؟ \"، قال: \" لا \"، فقال عمر: \" هل صاحبته في السفر، الذي\n_________\n(٨٦٥) \"الكافي في فقه أهل المدينة\" (٢/٥٢٥) .\n(٨٦٦) رواه البخاري (١٣/١١٢) في الأحكام: باب من استرعى رعية فلم ينصح، ومسلم رقم (١٤٢) في الإيمان: باب استحقاق الولي الغاش لرعيته النار، وفي الإمارة: باب فضيلة الإمام العادل، والإمام أحمد في \" المسند\" (٥/٢٥، ٢٧) .\n(٨٦٧) وكذا لا يعتمد على المحترفات الخاطبات، اللائي لا هَم لهن غالبا إلا ترويج السلعة، حرصًا على الأجر المنشود، والثمن الموعود.","vol":"2","page":361},{"text":"تعرف به مكارم الأخلاق؟ \"، فأجاب الرجل: \" لا \"، فاستطرد أمير المؤمنين ﵁ قائلًا: \" هل عاملته بالدرهم والدينار الذي يُعرف به ورع الرجل؟ \"، قال الرجل: \" لا \"، فقال الفاروق متعجبًا: \" لعلك رأيته قائمًا قاعدا يصلي بالمسجد؟ \"، فرد الرجل بالإيجاب، فقال له أمير المؤمنين: \" اذهب فإنك لا تعرفه! \"، والتفت إلى الرجل الأول، فقال له: \" ائتني بمن يعرفك \".\nوفي رواية أخرى: أن رجلا قال لعمر ﵁: \" إن فلانا رجل صِدْق\"، قال: \" هل سافرت معه؟ \"، قال: \" لا\"، قال: \"فكانت بينك وبينه خصومة؟ \"، قال: \" لا\"، قال: \" فهل ائتمنته على شيء؟ \"، قال: \" لا \"، قال له عمر: \" فأنت الذي لا علم لك به، أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد\"] (٨٦٨) .\nمن أجل ذلك فإنه لا يكفي للتحري عن الزوج أقوال الناس عنه، فإن موازينهم تختلف باختلاف أمزجتهم، وصلابة دينهم، وقوة ورعهم، فما قد يراه البعض فضيلة، قد يراه البعض الآخر من أقبح المنكرات، لا سيما في هذا الزمان، الذي أعرض فيه الكثيرون عن موازين الإسلام المحكمة، ومعاييره الصادقة.\nالسابع: جواز عرض الرجل موليته على أهل الخير والصلاح: جرت عادة الناس بأن يبحث الرجل عن المرأة التي يرغب الزواج بها، ويخطبها من وليها، فإذا اتفقا، وكتب لهما الوفاق والوئام تزوجها على عادة الناس، وفقًا للشريعة الغراء.\nوقد يقع من بعض العقلاء والحكماء خلاف هذه العادة، فيبحث\n_________\n(٨٦٨) \" عيون الأخبار\" (٣/١٥٨) .","vol":"2","page":362},{"text":"الرجل عن الزوج الصالح لابنته من أهل الكفاءة والديانة والأمانة، فيعرضها عليه، ويحصل هذا غالبًا ممن لديهم بُعْد نظر، وحسن تفكير، وليس أدل على ذلك من فعل أمير المؤمنين عمر الفاروق ﵁، صاحب رسول الله ﷺ، وخليفته الثاني، ومن نزل القرآن موافقا رأيه، فعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال:\n(إن عمر بن الخطاب حين تأيمت (٨٦٩) حفصة بنت عمر من خنيس ابن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، فتوفي بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب ﵁:\nأتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: \" سأنظر في أمري\"، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: \" قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا\"، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: \" إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر \"، فصمت أبو بكر فلم يرجع في شيئًا، وكنت أوجدَ عليه مني على عثمان (٨٧٠)، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: \" لعلك وجدت عَلَي حين عرضت عَلي حفصة فلم أرجع عليك؟ \"، قال: قلت: \" نعم \"، قال أبو بكر: \" فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سِرَّ رسول الله ﷺ، ولو تركها النبي ﷺ لقبلتُها \") (٨٧١) .\nوعرضت أم المؤمنين أم حبيبة ﵂ أختها على النبي ﷺ، فقال:\n_________\n(٨٦٩) أي صارت أيمًا، وهي التي يموت زوجها، أو تبين منه، وتنقضي عدتها، وأكثر ما تطلق على من مات زوجها، وانظر \" القسم الثالث \" ص (٦٤) .\n(٨٧٠) أي كان أشد غضبا عليه منه على عثمان ﵃ أجمعين، لقوة المودة بينه وبين أبي بكر، ولأن عثمان أجابه أولًا ثم اعتذر، أما أبو بكر فإنه لم يجبه بشيء.\n(٨٧١) تقدم تخريجه برقم (٨٣٩) .","vol":"2","page":363},{"text":"\" إن هذا لا يحل لي \" (٨٧٢)، وعرض أمير المؤمنين علي ﵁ ابنة عمه عمارة بنت حمزة ﵄، فاعتذر ﷺ بأنها ابنة أخيه من الرضاعة (٨٧٣)، وقال صالح مدين لموسى ﵇: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) الآية (القصص: ٢٧) قال القرطبي: (فيه عرض الولي بنته على الرجل؛ وهذه سنة قائمة؛ عرض صالح مدين ابنته كل صالح بني إسرائيل) (٨٧٤) إلخ.\n(هكذا كان شأن الرعيل الأول من أصحاب سيد المرسلين ﷺ في فهمهم للإسلام، وأخذهم بآدابه، واجتهادهم في تحري الصالحين لبناتهم أو أخواتهم، وصراحتهم في العرض، وعدم تحرجهم في القبول أو الرفض، إذ كان هدف الجميع دائمًا القيام بحق الله تعالى، سواء بالنسبة لبناتهم وأخواتهم، باعتبارهن أولى الناس ببرهم واجتهادهم، أو بالنسبة لإخوانهم في الله: باعتبارهم أحق الناس بمصاهرتهم وإكرامهم، ولكن غفلة كثير من الناس في هذا الزمان عن هذه الآداب السامية، قلب الأوضاع في نظرهم، وأصبح التأسي بمثل هؤلاء الكرام البررة محل غرابة واستنكار، وظنه البعض محاولة لترويج بضاعة كاسدة، فأحجم ذوو النفوس العالية عن عرض بناتهم وأخواتهم\n_________\n(٨٧٢) رواه البخاري (٩/١٢١) في النكاح: باب (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)، وباب (وأن تجمعوا بين الأختين) وغيرهما، ومسلم رقم (١٤٤٩) في الرضاع، وأبو داود رقم (٢٠٥٦)، والنسائي (٦/٩٦) كلاهما في النكاح.\n(٨٧٣) رواه مسلم رقم (١٤٤٦) في الرضاع: باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، والنسائي (٦/٩٩) في النكاح: باب تحريم بت الأخ من الرضاعة.\n(٨٧٤) \" الجامع لأحكام القرآن \" (١٣/٢٧١) .","vol":"2","page":364},{"text":"على أقرب الناس إليهم، ضَنُّا بكرامتهم أن تمتهن) (٨٧٥) .\nونقول لهؤلاء: إنكم لستم بأفضل من عمر بن الخطاب ﵁، وقد عرض ابنته حفصة على عثمان وأبي بكر ﵄، ولا من سعيد بن المسيب، وقد زوَّج ابنته على أحد طلبته دون طلب من التلميذ (٨٧٦)، وكان يخطبها ولد أمير المؤمنين، وأمهرها زوجها درهمين فقط، لأنه ربما كان لا يجد سواهما.\nبل لقد بلغ من سماحة الإسلام وواقعيته، أنه - من ناحية أخرى - أباح للمرأة أن تعرض نفسها على الرجل الصالح، وأن تقترح زواجها منه رغبة في صلاحه، واطمئنانًا إلى تقواه (٨٧٧)، لا سيما إذا لم يكن لها ولي ينوب عنها في التعبير عن ذلك، فعن أنس ﵁ قال:\n(جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ، تعرض عليه نفسها- أي: ليتزوجها- قالت: \" يا رسول الله: ألك بي حاجة؟، فقالت بنت أنس - وكانت حاضرة: \" ما أقل حياءها! واسوأتاه ... واسوأتاه! \"، فقال أنس ﵁- أي لابنته: \" هي خير منكِ، رغبت في النبي ﷺ، فعرضت نفسها عليه \") (٨٧٨)، فلا حرج على الفتاة إذا بلغت مبلغ الزواج، وتقدم لها خاطب كفؤ دَين على خلق، أن تطالب وليها بالزواج الحلال تعف نفسها بالطريقة المشروعة، وعلى الأب أن يلبي رغبتها، وييادر بتزويجه،\n_________\n(٨٧٥) \"اختيار الزوجين في الإسلام\" ص (٩٢) .\n(٨٧٦) انظر الحاشية رقم (١٤٠٥) .\n(٨٧٧) وقد خطبت خديجة بنت خويلد ﵂ رسول الله ﷺ قبل البعثة لنفسها، فكانت خير زوجة له ﷺ، ناصرته وآوته وأعانته بمالها ونفسها، ولم يعب أحد ذلك، وكان يخطبها كبار قريش وأشرافهم، وكانت تسمى في الجاهلية:\n\"الطاهرة\" ﵂.\n(٨٧٨) انظر: \" فتح الباري\" (٩/١٧٨) .","vol":"2","page":365},{"text":"فإن رسول الله ﷺ قال: \" إنما النساء شقائق الرجال \" (٨٧٩) .\nالثامن: استحباب مشاورة المرأة في تزويج بنتها:\nعن أنس ﵁ قال: (خطب النبي ﷺ على جلَيْبِيب (٨٨٠) امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: \" حتى أستأمر أمها \"، فقال النبي ﷺ: \" فنعم إذا \"، فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: \" لاها الله (٨٨١)، إذا ما وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيبًا وقد منعناها من فلان وفلان\"، قال: والجارية في سترها تستمع، فال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي ﷺ بذلك، فقالت الجارية: \" أتريدون أن تردُّوا على رسول الله ﷺ أمره؟ إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه \"، فكأنها جلت (٨٨٢) عن أبويها، وقالا: \" صدقت \"، فذهب أبوها إلى النبي ﷺ، فقال: \" إن كنت قد رضيته فقد رضينا\"، قال: \" فإني قد رضيته \"، فزوَّجَها، ثم فزع (٨٨٣) أهل المدينة، فركب جليبيب فوجدوه قد قتل وحوله ناس من المشركين قد قتلهم (٨٨٤)، قال أنس: فلقد رأيتها وإنها لمن\n_________\n(٨٧٩) تقدم برقم (١٣٩) .\n(٨٨٠) قال الحافظ في \" الإصابة\": (غير منسوب، وهو تصغير جلباب) اهـ (١/٤٩٥) .\n(٨٨١) أي: هذا يمين، و\" لا \" لنفي كلام الرجل، و\" ها \" بالمد والقصر، ولفظ الجلالة مجرور بها لأنها بمعنى واو القسم، وجملة \" إذا ما وجد رسول الله ﷺ.. إلخ \"، جواب القسم، وإنما قالت ذلك المرأة لأن جليبيبا كان في وجهه دمامة كما في رواية أبي يعلى، وفي حديث أبي برزة ﵁ أن المرأة قالت: \" لا لعمر الله لا تزوجه\"، وهي مؤيدة لرواية أنس مفسرة لها.\n(٨٨٢) بفتح اللام: أي كشفت، وأوضحت أمرا خفي عليهما.\n(٨٨٢) الفزع: الخوف، أي أخافهم العدو، وفي حديث أبي برزة: \" فخرج رسول الله ﷺ في غزوة \" يعني: ومعه جليبيب ﵁.\n(٨٨٤) وفي رواية أبي برزة عند مسلم والإمام أحمد: (فوجده إلى جنب سبعة قد قتلهم،","vol":"2","page":366},{"text":"أنفق (٨٨٥) بيت في المدينة \") (٨٨٦) .\nوالشاهد قوله ﷺ: \" فنعم إذا \".\nورُويَ عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \" آمروا النساء في بناتهن \" (٨٨٧) قال ابن الأثير: (\" آمروا النساء\" أي استأذنوهن وشاوروهن، قال الخطابي: \" وهو أمر استحباب من جهة استطابة أنفسهن، وحسن العشرة معهن، لأن في ذلك بقاء الصحبة بين البنت وزوجها، إذا كان برضى الأم، خوفًا من وقوع الوحشة بينهما إذا لم يكن برضاها، إذ البنات إلى الأمهات أمْيَلُ، وفي سماع قولهن أرغبُ، ولأن المرأة ربما علمت من حال بنتها - الخافي عن أبيها - أمرًا لا يصلح معه النكاح، من علة تكون بها؛ أو آفة تمنع من وفاء حقوق النكاح، وعلى نحو هذا يُتأول قوله ﷺ: \" لا تزوج البكر إلا بإذنها، وإذنها سكوتها \" وذلك أنها قد تستحيي أن تُفْصح بالإذن، وأن تظهر الرغبة في النكاح، فيستدل\n_________\n= ثم قتلوه، فقالوا: \" يا رسولَ الله، ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فأتاه النبي ﷺ، فقام عليه، فقال: \" قتل سبعة وقتلوه؟ هذا مني، وأنا منه، مرتين أو ثلاثا، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه، وحُفِر له، ما له سرير إلا ساعدا رسول الله ﷺ، ثم وضعه في قبره، ولم يذكر أنه غسله) .\n(٨٨٥) بفتح الفاء من النفاق بفتح النون مشددة، وهو ضد الكساد، والمعنى أنها كانت أعظم امرأة أيم في بيوت المدينة، يتسابق إليها الخطاب بعد موت جليبيب، وذلك ببركة كونها رضيت بنكاح جليبيب الذي كان ينفر منه الناس، وببركة دعاء النبي ﷺ لها إذ رُوي أنه دعا لها فقال: \" اللهم صبَّ عليها الخير صبا، ولا تجعل عيشها كَدا كدا \".\n(٨٨٦) (رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيحين، وأخرجه أبو يعلى مختصرًا، ويشهد له حديث أبي برزة عند مسلم والإمام أحمد)، كما في \" الفتح الرباني \" (٦/١٤٨) .\n(٨٨٧) أخرجه الإمام أحمد (٢/٣٤)، وأبو داود رقم (٢٠٩٥) في النكاح: باب فى الاستئمار، والبيهقي (٧/١١٥)، والبغوي في \" شرح السنة\" (٩/٣٢)، وقال محققه: (وإسناده ضعيف لجهالة أحد رواته)، وانظر الحاشية رقم (٨٠٢) .","vol":"2","page":367},{"text":"بسكوتها على سلامتها من آفة تمنع الجماع، أو سبب لا يصلح معه النكاح) (٨٨٨) اهـ.\nالتاسع: الكفاءة في السن:\nعن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (خطب أبو بكر وعمر ﵄ فاطمة فقال رسول الله ﷺ: \" إنها صغيرة\"، فخطبها علي فزوَّجها منه) (٨٨٩) .\nقال السندي في حاشيته على النسائي: (قوله: (فخطبها عليّ، أي عقب ذلك بلا مهلة، كما تدل عليه الفاء، فعلم أنه لاحظ الصغر بالنظر إليهما، وما بقي ذاك بالنظر إلى علي، فزوجها منه، ففيه أن الموافقة في السن أو المقاربة مرعية لكونها أقرب إلى المؤالفة، نعم قد يُترَكُ ذاك لما هو أعلى منه، كما في تزويج عائشة رضي الله تعالى عنها، والله أعلم) (٨٩٠) اهـ.\nوالتكافؤ بين الزوجين في السن هو القاعدة، وإن أجاز الشرع غيره ما دام الرجل قادرَا على أعباء الزوجية، وتحققت فيه كفاءة الدين والخُلُق، وارتضته الفتاة زوجا لها، وقد تزوج ﷺ عائشة ﵂ وكان يكبرها بخمس وأربعين سنة، ومن قبل تزوج ﷺ خديجة ﵂، وكانت تكبره بخمس عشرة سنة، وتزوج عمر ﵁ أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁، وكانت تصغره بسنين كثيرة.\nوإنما العمدة في تحقيق السعادة الزوجية التوافق الروحي بين الزوجين،\n_________\n(٨٨٨) \"جامع الأصول\" (١١/٤٦٥) .\n(٨٨٩) رواه النسائي (٦/٦٢) باب: تزويج المرأة مثلها في السن، والحاكم (٢/١٦٨)، وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي، ورواه ابن حبان (٢٢٢٤)، وقال الألباني في \" تحقيق المشكاة\" رقم (٦٠٩٥): (وإسناده جيد) اهـ. (٣/١٧٢٣) .\n(٨٩٠) \" حاشية السندي على النسائي \" (٦/٦٢) .","vol":"2","page":368},{"text":"فعن أم المؤمنين عائشة وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: \" الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف \" (٨٩١)\n_________\n(٨٩١) رواه البخاري (٤/١٦٢)، ومسلم (١٥٩، ١٦٠)، وأبو داود (٤٨٣٤)، والإمام أحمد (٢/ ٢٩٥، ٥٢٧، ٥٣٩)، وغيرهم.","vol":"2","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>عود على بدء\nمن حقوق المرأة على زوجها</span>\n(٥) وقايتها من النار بتعليمها وتأديبها\nوذلك بأن يعلمها أصول دينها: كيف تؤمن بالله تعالى الإيمان الحق، وتوحده التوحيد الخالص، وتؤمن بأسمائه وصفاته على الوجه اللائق بجلاله ﷾.\nوتعرف ما يجب لله تعالى، وما يجوز له سبحانه، وما يستحيل عليه ﵎، ونؤمن بما جاء من عند الله تعالى من أركان الإيمان، وسائر أحكام الإسلام الواجبة عليها، وأصول معرفة الحلال والحرام.\nوأن يعلمها أحكام العبادات، ويحضها على القيام بها، خاصة الصلاة في أول الوقت وشروطها وأركانها ومفسداتها ومكروهاتها، وسائر العبادات، وحقوق الله تعالى عليها، وحقوق الزوجية.\nوأن يعلمها مكارم الأخلاق من وقاية القلب من أمراض الحسد والبغضاء، ووقاية اللسان من الغيبة والنميمة والسب والكذب.\nويراقبها في ذلك كله ما استطاع إلى المراقبة سبيلًا.\nقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) التحريم (٦) .\nقال علي ﵁ في قوله تعالى: (قوا أنفسكم وأهليكم","vol":"2","page":370},{"text":"نارا): \" علموا أنفسكم وأهليكم الخير، وأدبوهم \" (٨٩٢) .\nوقال قتادة: \" أن يأمرهم بطاعة الله تعالى، وينهاهم عن معصيته، وًان يقوم عليهم بأمر الله تعالى، يأمرهم به، ويُساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها، وزجرتهم عنها \" (٨٩٣) .\nقال الألوسي ﵀: (واستُدل بها على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض، وتعليمه لهؤلاء، وأدخل بعضهم الأولاد في الأنفس، لأن الولد بعض من أبيه) (٨٩٤) اهـ.\nوقال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية، ففي صحيح الحديث أن النبي ﷺ قال: \" كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته: فالإمام الذي على الناس راعٍ، وهو مسئول عنهم، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسئول عنهم \" (٨٩٥)، وعن هذا عبَّر الحسن في هذه الآية بقوله: \" يأمرهم وينهاهم \"، وقال بعض العلماء: لما قال: (قوا أنفسكم) دخل فيه الأولاد؛ لأن الولد بعض منه، كما دخل في قوله تعالى: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) (٨٩٦)، فلم يُفْرَدُوا بالذكر إفراد سائر القرابات، فيعلمه الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي والآثام، إلى غير ذلك من الأحكام.\n_________\n(٨٩٢) عزاه في \" الدر المنثور\" (٦/٢٤٤) إلى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في \" المدخل\".\n(٨٩٣) \" تفسير الطبري\" (٢٨/١٦٦) .\n(٨٩٤) \" روح المعاني\" (٢٨/١٥٦) .\n(٨٩٥) تقدم تخريجه برقم (٥٥) .\n(٨٩٦) انظر: \" الجامع لأحكام القرآن\" (١٢/٣١٤) .","vol":"2","page":371},{"text":".. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ: \" مُرُوا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع\" (٨٩٧) خرجه جماعة من أهل الحديث، وهذا لفظ أبي داود، وخرج أيضًا عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: \" مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين، فاضربوه عليها \" (٨٩٨) .\nوكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة، ووجوب الصيام، ووجوب الفطر إذا وجب؛ مستندًا في ذلك إلى رؤية الهلال، وقد روى مسلم أن النبي ﷺ كان إذا أوتَرَ يقول: \" قومي فأوتِري يا عائشة\"، وروي أن النبي ﷺ قال: \" رحم الله امرأ قام من الليل، فصلَّى، فأيقظ أهله، فإن لم تقم رَشَّ وجهها بالماء، رحم الله امرأة قامت من الليل تصلي، وأيقظت زوجها، فإذا لم يقم رشَّت على وجهه من الماء \" (٨٩٩)، ومنه قوله ﷺ: \" أيقظوا صواحب الحُجَر \" (٩٠٠)، ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) الآية.\n... قال إلكيا: \" فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يُستغنى عنه من الأدب \" (٩٠١) اهـ.\n_________\n(٨٩٧) رواه الإمام أحمد (٢/١٨٧)، وابن أبي شيبة (١/٣٤٧)، وأبو داود (٤٩٥، ٤٩٦)، والدارقطني (١/٢٣٠)، والحاكم (١/١٩٧)، والبيهقي (٧/٩٤) وغيرهم، وصححه الألباني في \"الإرواء\" (١/٢٦٦) .\n(٨٩٨) رواه أبو داود رقم (٤٩٤) في الصلاة: باب (٢٦)، والبيهقي (٢/١١) عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده ﵁.\n(٨٩٩) تقدم تخريجه برقم (٥٩٧) .\n(٩٠٠) رواه بنحوه في حديث أطول منه البخاري (٣/٨) في التهجد، والعلم، واللباس، والأدب، والفتن، والترمذي رقم (٢١٩٧) في الفتن.\n(٩٠١) \" الجامع لأحكام القرآن\" (١٨/١٩٥-١٩٦) بتصرف.","vol":"2","page":372},{"text":"وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" أيما رَجل كانت عنده وليدة، فعلمها، فأحسن تعليمها، وأدَّبها، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها، وتزوجها، فله أجران \" (٩٠٢) أي أجر العتق، وأجر التعليم.\nوترجم البخاري لهذا الحديث: باب تعليم الرجل أمته وأهله، وقال الحافظ ابن حجر في شرحه: (مطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص، وفي الأهل بالقياس، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله، وسنن رسوله ﷺ آكد من الاعتناء بالإماء) (٩٠٣) اهـ.\nوعن أبي سليمان مالك بن الحويرث ﵁ قال: (أتينا النبي ﷺ ونحن شَبَبة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتهينا أهلينا، فسألنا عمن تركنا في أهلينا، فأخبرناه، وكان رفيقًا رحيما، فقال: \" ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي \" (٩٠٤) الحديث، وقد بلغ من اعتناء السلف بهذه التربية أنهم كانوا حريصين على متانة الروابط بينهم وبين من يؤدبون أولادهم، فكانوا يحزنون إذا غابوا عن الأولاد فترة لسبب من الأسباب، لخوفهم على أولادهم أن لا يؤدبوا على ما يريدون ويشتهون، وذكر الراغب الأصفهاني أن المنصور بعث إلى مَنْ في الحبس من بني أمية يقول لهم: \" ما أشد ما مَرَّ بكم في هذا الحبس؟ \" فقالوا: \" ما فقدنا من تربية أولادنا \" (٩٠٥) .\n_________\n(٩٠٢) رواه البخاري (١/١٩٠) في العلم، والعتق، والجهاد، والأنبياء، والنكاح، ومسلم رقم (١٥٤) في الإيمان، وأحمد (٤/٣٩٥، ٤١٤)، والبغوي في\" شرح السنة \" (١/٥٣، ٥٥) .\n(٩٠٣) \" فتح الباري\" (١/١٩٠) .\n(٩٠٤) رواه البخاري (١/١٨٣)، (٩/١٠٧)، ومسلم في المساجد (٢٩٢)، والنسائي (٢/٩)، والدارمي (١/٢٨٦)، وأحمد (٣/٤٣٦)، وغيرهم.\n(٩٠٥) \" تربية الأولاد في الإسلام\" (١/١٥٢) .","vol":"2","page":373},{"text":"وقد أثنى الله على نبيه إسماعيل ﵇ فيما أثنى بقوله: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا) مريم (٥٥) .\nوقال تعالى: (وَأمُرْ أهلك بالصلاة واصطبر عليها) الآية طه (١٣٢) .\nأمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بأن يأمر أهله بالصلاة، ويمتثلها معهم، ويصطبر عليها ويلازمها، والظاهر أن المراد بالصلاة الصلوات المفروضة، ويدخل في عموم هذا الأمر جميع أمته ﷺ وأهل بيته على التخصيص (٩٠٦) .\nويُروى عن ثابت قال: (كان النبي ﷺ إذا أصابه خصاصة نادى أهله: \" يا أهلاه! صَلوا، صلوا \"، قال ثابت: \" وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر، فزعوا إلى الصلاة \") (٩٠٧)، وكان عروة بن الزبير ﵁\n_________\n(٩٠٦) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\n(عمن له زوجة لا تصلي: هل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة؟ وإذا لم تفعل: هل يجب عليه أن يفارقها، أم لا؟ فأجاب: نعم، عليه أن يأمرها بالصلاة، ويجب عليه ذلك؛ بل يجب عليه أن يأمر بذلك كل من يقدر على أمره به إذا لم يقم غيره بذلك، وقد قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) الآية، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) الآية، وقال ﵊: \" علموهم، وأدبوهم \".\nوينبغي مع ذلك الأمر أن يحضها على ذلك بالرغبة، كما يحضها على ما يحتاج إليها، فإن أصرت على ترك الصلاة فعليه أن يطلقها، وذلك واجب في الصحيح، وتارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلي باتفاق المسلمين؛ بل إذا لم يُصَل قتِل، وهل يقتل كافرا مرتدا؟ على قولين مشهورين، والله أعلم) اهـ. من \" مجموع الفتاوى\" (٣٢/٢٧٦ - ٢٧٧)، والحديث المذكور موقوف، راجع الحاشية رقم (٨٩٢) .\n(٩٠٧) رواه الإمام أحمد في \" الزهد \" ص (١٠)، وابن أبي حاتم، والبيهقي في \" شعب الإيمان \" كما في \" الدر المنثور \" (٤/٣١٣) .","vol":"2","page":374},{"text":"إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا، فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار، قرأ: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) ثم يقول: \" الصلاةَ الصلاة، رحمكم الله \" (٩٠٨)، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يصلي من الليل ما شاء الله تعالى أن يصلي، حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، ويقول لهم: \" الصلاةَ، الصلاةَ \" ويتلو هذه الآية: (وأمر أهلك) الآية (٩٠٩) .\n[(وعن القاسم بن راشد الشيباني قال: كان زمعة نازلًا عندنا بالمحصب، وكان له أهل وبنات، وكان يقوم فيصلي ليلًا طويلًا، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته: (أيها الركب المعرسون، أكُلَّ هذا الليل ترقدون! أفلا تقومون فترحلون؟ \" فيتواثبون، فَيُسمع من ههنا باك، ومن ههنا داع، ومن ههنا قارئ، ومن ههنا متوضئ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: \" عند الصباح يحمد القوم السرى \" (٩١٠)] .\nفائدة جليلة: (قوله تعالى في هذه الآية: (لا نسألك رزقًا نحن نرزقك) فيه دفع لما عسى أن يخطر ببال أحد من أن المداومة على الصلاة ربما تضر بأمر المعاش، فكأنه قيل: داوموا على الصلاة غير مشتغلين بأمر المعاش عنها، إذ لا نكلفكم رزق أنفسكم، إذ نحن نرزقكم، وتقديم المسند إليه للاختصاص أو لإفادة التقوى، وقد قال تعالى: (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله\n_________\n(٩٠٨) أخرجه الطبري (١٦/١٧٠)، وعزاه السيوطي في \" الدر المنثور\" (٤/٣١٣) لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٩٠٩) أخرجه الإمام مالك في \" الموطأ \" (١/١١٩) في صلاة الليل: باب ما جاء في صلاة الليل، وقال في \" تحقيق جامع الأصول \" (٦/٦٩): \" إسناده صحيح \".\n(٩١٠) \"الإحياء\" (١٥/٢٧٧٢) .","vol":"2","page":375},{"text":"هو الرزاق) الآيات الذاريات (٥٦-٥٨)، ومعلوم أن ترك الاكتساب للصلاة المفروضة فرض، وليس المراد بالمداومة عليها إلا أداؤها دائمًا في أوقاتها المعينة لا استغراق الليل والنهار بها، ويستشعر من الآية أن الصلاة مطلقًا تكون سببًا لإدرار الرزق، وكشف الهم، وعن عبد الله بن سلام قال: \" كان النبي ﷺ إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وتلا: (وأمر أهلك بالصلاة) (٩١١)، وأخرج أحمد في الزهد وغيره عن ثابت قال: \" كان النبي ﷺ إذا أصابت أهلَه خصاصة نادى أهله بالصلاة: صلوا صلوا، قال ثابت: وكانت الأنبياء ﵈ إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة \") أفاده الألوسي (٩١٢) .\nإذا فسد القوام عَم الفساد جمع الأقوام:\nوالرجل قدوة أهل بيته، والقدوة من أخطر وسائل التربية:\nعن فضيل بن عياض قال: (رأى مالك بن دينار رجلا يسيء صلاته، فقال: \" ما أرحمني بعياله! \"، فقيل له: \" يا أبا يحيى يسيء هذا صلاته، وترحم عياله! \" قال: \" إنه كبيرهم، ومنه يتعلمون \" (٩١٣» .\nقال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ ضمن آداب الزوج:\n(أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز الواجب، ويُعَلم زوجته أحكام الصلاة، وما يقضى منها في الحيض، وما\n_________\n(٩١١) عزاه في \" الدر المنثور \" إلى: (أبي عبيد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، والطبراني في \" الأوسط\"، وأبو نعيم في \" الحلية \"، والبيهقي في \" شعب الإيمان\" بسند صحيح) اهـ (٤/٣١٣) .\n(٩١٢) \" روح المعاني\" (١٦/ ٢٨٥) .\n(٩١٣) \"حلية الأولياء\" (٢/٣٨٤) .","vol":"2","page":376},{"text":"لا يقضى، فإنه أمر بأن يقيها النار بقوله تعالى: (قوا أنفسكم وأهليكم نارًا) فعليه أن يلقنها اعتقاد أهل السنة، ويزيل عن قلبها كل بدعة إن استمعت إليها، ويخوفها في الله إن تساهلت في أمر الدين، ويعلمها من أحكام الحيض والاستحاضة ما تحتاج إليه.\nوعلم الاستحاضة يطول، فأما الذي لابد من إرشاد النساء إليه في أمر الحيض بيان الصلوات التي تقضيها، فإنها مهما انقطع دمها قبيل المغرب بمقدار ركعة، فعليها قضاء الظهر والعصر، وإذا انقطع قبل الصبح بمقدار ركعة، فعليها قضاء المغرب والعشاء، وهذا أقل ما يراعيه النساء.\nفإن كان الرجل قائما بتعليمها، فليس لها الخروج لسؤال العلماء، وإن قصر علم الرجل، ولكن ناب عنها في السؤال، فأخبرها بجواب المفتي فليس لها الخروج، فإن لم يكن ذلك، فلها الخروج للسؤال، بل عليها ذلك، ويعصي الرجل بمنعها، ومهما تعلمت ما هو من الفرائض عليها، فليس لها أن تخرج إلى مجلس الذكر، ولا إلى تعلم فضل إلا برضاه، ومهما أهملت المرأة حكمًا من أحكام الحيض والاستحاضة، ولم يعلمها الرجل، خرج الرجل معها، وشاركها في الإثم) (٩١٤) اهـ.\n_________\n(٩١٤) \"الإحياء \" (٤/٧٣٠) .","vol":"2","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>[فصل]\nمسئولية الرجل عن حماية الأسرة (٩١٥)</span>\n[قرر الإسلام مكانة عظيمة للأسرة، تتجلى من الاهتمام بشؤونها في كتاب الله زواجًا ورضاعًا وطلاقًا وإرثًا، واستطاعت الأجيال المتعاقبة أن ترسخ معاني إسلامية عميقة في الأسرة في مجتمعاتنا، وقد أحسَّ أعداؤنا - وهم يحاولون هدم هذه الأمة - صلابة هذه اللبنة، وقوة هذا الحصن.. ومن أجل ذلك كان في الحقبة الأخيرة هجوم مركز على الأسرة، استخدموا له كل القوى التي يمكن أن تصل إلى أيديهم، وما أكثرها! ! (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) لقد استخدموا سن القوانين التي تفتت الأسرة في كثير من بلاد المسلمين، وشنوا حملات عليها من طريق الفنّ بواسطة وسائل النشر والإعلام من قصص وصحف ومجلات وإذاعة وتلفزيون ومسرح وسينما، ومازالوا في طريقهم ماضين.\nويساعد هذه الحملاتِ المسعورة - في أحيان كثيرة - سيطرةُ النزعة المادية على سواد الناس.\nومما يؤسف له أنّ هذه الأسرة المستهدفة من قبل الأعداء مهددة أيضًا من قبل أصحابها المسؤولين عنها ... وإن المسؤولية في الأسرة يتحملها الرجل في قطاع كبير قال ﷺ: \" كلكم راع ومسؤول عن رعيته.. والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته \" كما أن المرأة أيضا تتحمل مسؤولية قررها\n_________\n(٩١٥) اختصرت هذا الفصل من كتاب \" نظرات في الأسرة المسلمة \" لفضيلة الدكتور محمد الصباغ حفظه الله، بتصرف من ص (٢٨- ٣١)، (٩٠-٩٣)، (١٤٢-١٤٧)، (١٦٠) .","vol":"2","page":378},{"text":"رسول الله ﷺ بقوله: \" والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها \"، إن على كل أب وكل أم أن يستشعر هذه المسؤولية نحو الأسرة.. فهناك خطر داهم ماحق خطير، والأسرة هي القلعة الأخيرة التي إن خسرناها نكون قد أضعنا كرامتنا وديننا ومجتمعاتنا، ذلك لأن أكثر شعوب العالم الإسلامي غزيت بما يهدد عقيدتها في عدة مجالات: في المدرسة.. ومناهج التعليم.. في السوق والمتجر والمصنع.. في وسائل الإعلام وأدوات تكوين الرأي العام.\nوقد حيل - في كثير من بلاد المسلمين - بين الدعاة العاملين والناس، ولم يبق لهذه العناصر المسلمة الخيرة من مجال إلا الأسرة، نعم بقيت المنطلق الوحيد لهؤلاء الدعاة.. ونحن لا نودُّ أن نلقي اللوم على الأعداء ونبرئ أنفسنا.. إن كثيرا منا يتحمل في هذا الأمر أكبر نصيب في المسؤولية، ويحسن بنا أن نذكر أهم الأمور التي تعرض الأسرة للخطر الماحق، والتي تعود إلينا نحن، إن الأمور الخمسة الآتية أهم ما يرد في هذا المجال وهي:\n١- عدم تقدير المستقبل:\nكثيرًا ما يتصرف المرء بعض التصرفات، ولا يقدر أثرها في المستقبل، فقد يتصور أن سكوته على أمر ما هين يسير، ولكن ذلك يهدم الأسرة هدمًا تاما، وقد يتصور أن أولاده صغار لا يستحقون أن يخصهم بجزء من ورقته الثمين فهو يضحك منهم، ويسخر منهم، ولا يأمر واحدا منهم بخير، ولا ينهاه أو يحذره من منكر.. ولا يقدر المستقبل؛ ولا يدري أن هذا الطفل الصغير سيكون بعد مدة وجيزة رجلًا كبيرًا، قد يكون له شأنه في البيت، بل في المجتمع كله.\n٢- روح اللامبالاة:\nوقد سرت هذه الروح في عدد من أبناء أمتنا المجيدة، مع أن الإسلام","vol":"2","page":379},{"text":"يربي في أبنائه الشعور بالمسئولية، وينمي فيهم الاهتمام بشؤون المسلمين، فليس هناك أمر يحدث في المجتمع ولا تأثير فيه، وما أروع حديث السفينة الذي يجعل أي عمل من أي فرد له تأثير على المجتمع كله؛ إن هذا الحديث يبين لنا أن روح اللامبالاة تقضي على الأمة؛ إذ لو أن ذاك الرجل الذي أراد أن يخرق في موضعه من السفينة خرقًا وترك وشأنه انطلاقًا من روح اللامبالاة لهلك وهلك ركاب السفينة جميعا.\n٣- سيطرة التقاليد الاجتماعية المتعفنة وقلة العلم بالدين:\nوهذا أمر في غاية الأهمية؛ إذ نرى أن كثيرا من هذه التقاليد التي لم يشرعها الله تحل محلّ الدين في كثير من بلاد المسلمين، ومكن لها من السيطرة الجهل بدين الله وتخلف الوعي الإسلامي، وهي تختلف من بلد إلى بلد، ولكنها في هذه البلاد جميعا تسيء في عملية بناء الأسرة بناء متينًا أو في محاولة الإبقاء عليها أمام هذه الأعاصير.\n٤- تسلط المرأة على التوجيه وإدارة البيت:\nإن من النقص أن يُنزل الرجل نفسه في غير منزلتها اللائقة بها، فإن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء، ومن هو قائم على شيء فهو أفضل منه، ومن شأنه أن يكون مُطاعًا لا مطيعًا، ومتبوعا لا تابعا:\nوما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... فإن شاء أعلاها وإن شاء سَفَّلا\nوقد استشرى داء تسلط المرأة وطغيانها في أوساطنا بسبب التقليد، وهو من أخطر الأمور وأكثرها إيذاءً، فقد تقترح المرأة أن تلبس البنات لباسًا لا يقره الإسلام بحجة أنهنّ صغيرات، وأن الناس هكذا يعملون وأن المصلحة في مسايرة الزمان، ويضعف الرجل ويوافق.\nوقد ترى المرأة أن تقوم بألوان من الاستقبالات التي لا يقرها","vol":"2","page":380},{"text":"الإسلام، يضعف الرجل ويوافق، وفي هذا ما فيه من الهدم للأسرة.\nوإنه انتكاس للأمور يمكن أن يفهم من قوله ﷺ عندما ذكر أمارات الساعة فقال: \" أن تلد الأمة ربتها \"، وليس معنى هذا أن نلغي شخصية المرأة ... لا.. ولكنها القوامة.. التي جعلها الله للرجل في حدود شرعه، ومهما يكن من أمر فإن إلغاء شخصية الرجل أكبر خطرًا وأعظم أثرًا) .\nوقد تطغي مشاعر الأمومة الحانية، والأبوة المشفقة، وتتعدى حدودها، و(إزاء هذا الفيض من العاطفة، والسيل المتدفق من الحنان، والميل الشديد لاسترضاء الأولاد، وإدخال السرور عليهم، وقف الإسلام وقفة المذكر المنبه الكابح.. إذ إن هذا الحنان وهاتيك العاطفة قد تنسيان الأب مهمته في التوجيه والتربية، فينقلب عندئذ إلى منفذ لأوامر أطفال صغار، ومسارع في تحقيق رغبات هؤلاء الذين لا يعرفون من الحياة شيئًا، ولا يدرون ما ينفعهم ولا ما يضرهم.\nوإن كثيرا من أجيال المسلمين اليوم في عدد من بلاد الإسلام لم يجدوا في والديهم إلا الحنان المحض أو الإهمال اللامبالي.. ومن أجل ذلك تجد في صفات كثير من مسلمي اليوم الميوعة والضعف والانهزامية واللامبالاة (٩١٧) .\n_________\n(٩١٧) يقول الدكتور الصباغ حفظه الله:\n(سمعتُ من الأستاذ مالك بن نبي ﵀ أن رجلًا جاء يسترشده لتربية ابن له أو بنت ولدت حديثا، فسأله كم عمرها؟ قال: شهر. قال: فاتك القطار، وقال: كنت أظن في بادئ الأمر أني مبالغ، ثم عندما نظرت وجدت أن ما قلته الحق، وذلك أن الولد يبكي فتعطيه أمه الثدي، فينطبع في نفسه أن الصراخ هو الوسيلة إلى ما يريد، ويكبر على هذا.. فإذا ضربه اليهود بكى في مجلس الأمن.. يظن أن البكاء والصراخ يوصله إلى حقه) اهـ هامش ص (١٤٦-١٤٧) .","vol":"2","page":381},{"text":"وعندما كان الرجل في سابق الأيام مسيطرًا على البيت، كانت شدته وصلابته تخففان من لين الوالدة، وتكفكفان من تدليلها الأولاد.. أما بعد أن استنوق الجمل في كثير من الأوساط، وأصبح الرجل في بيوت هذه الأوساط لا مهمة له إلا القيام بالخدمات، وجلب الأغراض والحاجيات، ودفع الفلوس والنفقات، ولم يعد يملك من أمر بيته إلا اليسير التافه، كان هذا الجيل المائع المنهار.\n٥- الشغل المتواصل:\nأصبح ربُّ الأسرة - في معظم الأحيان - عاجزًا عن أن يجد الوقت الذي يجتمع فيه بنفسه أو بأفراد أسرته يوجههم ويحدثهم ويستمع إليهم، حتى إن زوجته لا يتاح لها أن تجلس معه وتتفاهم معه على الخطة الرشيدة التي يجب أن يسير بموجبها أفراد الأسرة، ففي الصباح يسارع إلى عمله الدنيوي، ولا يعود إلا لتناول طعام الغداء وأخذ قسط من الراحة تمنع خلاله الحركات والهمسات ولا يعود في المساء إلا في ساعة متأخرة من الليل ليجد أهل البيت نيامًا، وإذا كان هذا الوضع مستنكرًا صدوره من عامة الناس فإنه من المتدينين أشد، واللوم لهم أكثر؛ ذلك لأن هذا الأخ المتدين سيجد نفسه - بعد مدة - في واد، وزوجته وأولاده في وادٍ آخر، وسيندم ولات ساعة مَنْدم، ومن المؤسف أن هذا الشغل لم يقتصر على الرجل بل شمل في بعض الأسر المرأة التي تترك بيتها سحابة النهار وتكل تربية أبنائها وإعداد بيتها للخادمة.. فيكون من ذلك الضياع التام.\nوالشغل متنوع، وأكثره في الدنيا والكسب، غير أن هناك نوعًا غريبًا جدا من أنواع الشغل، وهو ما يكون للدعوة وإصلاح الناس ... وذلك خطأ في تصور الدعوة والعمل فيها، والمرء مطالب بأن يصلح أهله أشد المطالبة؛ يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا","vol":"2","page":382},{"text":"وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (التحريم: ٦)، (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) (طه:١٣٢)، وهذا الإهمال لأهله سيوقعهم في الانحراف والمخالفة، وعندئذ لا يقوى على الاستمرار في الدعوة إلى الله.. إذ سرعان ما تلوكه الألسنة، ويقال له:\" إن كنت صادقا فأصلح بيتك \"، ويكون هذا الوضع الخاص مضعفًا لتأثيره في الناس لأن معنى القدوة يفوت بوجود مثل هذا الوضع، ويكون ذلك سببا في أن يتعكر صفوه، وتتنغص عليه لذاته، وفي أن تتولد فيه عقد، وتواجهه مشكلات، قد تحول بينه وبين الاستمرار في الدعوة.\nأيها الزوج العروس:\n- لا تنشغل طويلًا عن أهلك، واعلم يا أخي أن الجلوس إلى عروسك ومحادثتها ليس وقتا ضائعًا، لا سيما إن كانت المحادثة تسير في طريق هادف وتسعى نحو قصد محدود، إنّك بذلك تفهم زوجك، وتتيح لها أيضًا أن تفهمك، وهذا الفهم هو الخطوة الأولى للمعاشرة الحسنة، وكم رأينا في واقع الناس أزواجًا يقضون العشر والعشرين من السنين ولا يفهم أحدهما الآخر.... وكان ذلك سببًا من أسباب النكد والشقاق، إنك يا أخي بجلوسك إلى أهلك ومحادثتك إياها تفسح المجال لك لتقنعها بكثير من آرائك التي تبدو غريبة عليها بادئ الأمر، والكلام أول مرة لا يترك الأثر المطلوب، ولا يلمس الإنسان نتيجته، ولكن التكرار وحسن اختيار الوقت المناسب، والأسلوب المناسب في عرض الفكرة وضرب الأمثلة الكثيرة لابدَّ من أن يترك أثرا كبيرا في الإنسان.\nواعلم يا أخي أن الحديث الطويل الهادف غير الممل، والمؤانسة المهذبة الممتعة يُمدان الحياة الزوجية بالقوة والنماء وأفضل الغذاء، وَلتَضَعْ نُصب","vol":"2","page":383},{"text":"عينيك ما رواه عقبة بن عامر ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، ورميه بقوسه ونبله، ومداعبة أهله \" (٩١٨)، وفي رواية: \" كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا تأديبه فرسه، ورميه عن قوسه، ومداعبته أهله \".\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: \" رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرتميان، فمل أحدهما فجلس، فقال له الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" كل شيء ليس من ذكر الله ﷿ فهو لغو ولهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلم السباحة \" (٩١٩) .\nواذكر يا أخي قصة أبي الدرداء مع سلمان ﵄، روى البخاري ﵀ عن وهب بن عبد الله ﵁ قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة (أي لابسة ثياب المهنة تاركة ثياب الزينة) فقال: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، [أي في النساء، وجاء في رواية الدارقطني: (في نساء الدنيا) وزاد في رواية ابن خزيمة: (يصوم النهار ويقوم الليل)] .\nفجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما.\n_________\n(٩١٨) أخرجه الإمام أحمد (٤/١٤٨)، وأبو داود رقم (٢٥١٣) في الجهاد: باب في الرمي، والترمذي رقم (١٦٣٧) في فضائل الجهاد، وقال: \" حسن صحيح\"، وابن ماجه رقم (٢٨١١)، والدارمي (٢/٢٠٥)، والطحاوي في \" المشكل\" (١/١١٩)، وانظر: \" الصحيحة\" رقم (٣١٥) .\n(٩١٩) أخرجه النسائي في \"عشرة النساء\" رقم (٥٢)، والطبراني في الكبير\"، والبزار، وقال المنذري في \" الترغيب\" (٢/١٧٠): \" بإسناد جيد\"، وانظر: \" السلسلة الصحيحة\" رقم (٣١٥) .","vol":"2","page":384},{"text":"فقال له: كُلْ؛ فإني صائم.\nقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم.\nفقال له سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال له: \" نم\"، فلما كان آخرُ الليل قال سلمان: (قم الآن)، فصليا جميعًا، فقال له سلمان: \" إن لربِّك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه \".\nفأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ: \" صدق سلمان\" (٩٢٠) .\nنعم إن لأهلك عليك حقا، فللأهل حق، ولله حق، وللنفس حق، والمسلم مطالب أن يعطي كل ذي حق حقه، إنّ الموازنة بين هذه الحقوق أمر مطلوب، ولا يقوى عليه إلا الواعون، والتفريط في هذه الموازنة تفريط في الحياة المتكاملة.\nأيها السادة:\nهناك ناس يشغلون عن زوجاتهم بكسب المال، فترى الواحد منهم يكدح طوال النهار وطرفًا من الليل، ولا يعود إلى داره إلا مكدود الجسم، مهدود القوى، قد استنفد طاقته حتى لم يعد لديه استعداد لحديث ولا مؤانسة.. فيخلد إلى الفراش منهارًا مضعضعًا.. وقد يأتي فيجد أهله في نوم عميق بعد أن طال عليها الانتظار.\nقد يكسب من وراء هذا السلوك المال.. ولكنه يعرض نفسه لخسران الحياة الزوجية.\n_________\n(٩٢٠) تقدم تخريجه برقم (٦٥٢) .","vol":"2","page":385},{"text":"وهناك ناس يشغلون عن زوجاتهم بمعاشرة الأصدقاء، وحضور الحفلات والسهرات، والاشتراك في الرحلات، فترى الواحد منهم بعيدًا عن بيته وأهله في معظم الأوقات.. وإن لم يذهب من الدار جاء هؤلاء الأصدقاء إليه وكان مكلفًا بقِراهم وخدمتهم، وهو بطبيعة الحال سيدعو زوجته إلى إعداد ما سيقدم إلى ضيوفه من أنواع الطعام والشراب.\nإن هذا الإنسان قد يكسب ودّ عدد من الأصدقاء، وقد يكسب سمعة اجتماعية جيدة ولكنه يعرض نفسه إلى خسران السعادة البيتية.\nوهناك ناس يشغلون عن زوجاتهم بأمور محمودة كما شغل أبو الدرداء عن زوجته، فتراهم في ذكر وعبادة، ونصح للناس ودعوة، وقراءة وكتابة.\nإن هؤلاء فقدوا القدرة على الموازنة بين الحقوق المتعددة، وفقدان القدرة على هذه الموازنة يورث خللا واضطرابا في الحياة الداخلية للفرد منهم.\nفي حياته مع زوجه وأولاده، إن الأهل والذرية من أحق الناس بالعناية وبأن توجه الدعوة إليهم، إن الواحد من هؤلاء الذين فقدوا القدرة على تلك الموازنة لا يلبث أن يستيقظ من غفلته، فإذا هو في واد، وزوجته وأولاده في واد آخر، أفكاره غير أفكارهم، ومواقفه تختلف عن مواقفهم، وسلوكه في الحياة بعيد عن سلوكهم وذلك لأنه ترك أهله خاضعين لمؤثرات أخرى من وسائل الإعلام والصحافة ومن البيئة التي قد يسود فيها الانحراف، والعلاقات والقرابات، وربما كان كثير منها لا يتفق مع اتجاهه في الحياة، ومن أصعب الأمور على النفس أن يرى المرء زوجه وأولاده يسيرون في طريق الزيغ والانحراف والضلال.\nإن هؤلاء الذين يشغلون عن أهليهم يجنون بعد حين الصاب والعلقم، ويتجرعون غصص العناء والشقاء، والحياة اليوم معقدة الجوانب، مترعة","vol":"2","page":386},{"text":"بأسباب التأثير، أعرف رجلًا متدينًا انصرف في أول حياته الزوجية إلى عمله فجد واجتهد، وكان لا يأتي إلى داره إلا للطعام والنوم، ثم يخرج ولا يعود إلا بعد منتصف الليل، فإذا جاءت الإجازة ترك زوجته مع أهلها وسافر إلى البلاد الأجنبية في تحقيق أمور تتصل بعمله ... فكان من جراء ذلك تدمير الأسرة وتشرد الأولاد وعانى هو من وراء ذلك أعظم الصعوبات.\nإنَ الانشغال عن الأهل تفريط في حق الرجل والأسرة، وظلم بين، إذ كيف يسوغ للإنسان أن يحبس زوجه وينطلق هو في عمله وزياراته وقراءته وكتابته وعبادته، ويترك شريكة حياته نهبا للوساوس والخطرات، والوحشة والأزمات، أو يتركها للانغماس في المجتمع الذي يسير في طريق آخر.\nفاتق الله يا أخي ووازن بين الحقوق، ومنها حق الأهل، وليكن لك مع أهلك وقت تملؤه بالمؤانسِة العذبة الهادفة والحديث المؤثر الجذاب، وفقك الله ورعاك] اهـ.\nوقال فضيلته في موضع آخر:\n[إن كثيرًا من الصالحين يشغلون عن أولادهم بأمور عامة تتصل بالدعوة، ويحسبون أنهم بذلك يقومون بخدمة جليلة، وذلك لعمر الله تقصير كبير، إن أحق الناس بتوجيهك أولادك وزوجك الذين معهم تعيش، وبهم تعرف، وشرهم وخيرهم مقرون بك، وقد تضطرك الأيام إلى أن تكون بحاجة برهم: ورعايتهم، وقد يفيدك أن تحظى بدعوة من أحدهم تخفف عنك ما أنت فيه من الضيق والكرب بعد موتك، أو تزيدك من الخير في آخرتك، من أجل ذلك أود أن أقترح ما يلي:\n١- لابد من أن تخصهم بجلسة أسبوعية على أقل تقدير، وإن استطعت أن تكون في مدة أقل كان أحسن.\n٢- إقامة حلقات للأولاد يتولاها ناس ظلهم خفيف ودينهم جيد وبيانهم","vol":"2","page":387},{"text":"مشرق وإن كانت مستوياتها مختلفة للابتدائي والمتوسط والثانوي والجامعي فهو أفضل (فالمرء على دين خليله) .\nهذه أمور بأيدينا نحن فلنتق الله فيها.. ولنصلح الفاسد.. ولنحذر غرق سفينة المجتمع.\nإن الأسرة هي القلعة الأخيرة التي ينبغي أن نقف حياتنا وإمكانياتنا لحمايتها وحفظها وإنا لمسؤولون] اهـ.\n(٦) ومن حقها عليه: أن يغار عليها ويصونها\nإن من حب الرجل لزوجته أن يغار عليها، ويحفظها من كل ما يلم بها من أذى في نظرة أو كلمة، والزوجة أعظم ما يكنزه المرء، فلا يليق به أن يجعلها مضغة في الأفواه، تلوكها الألسنة، وتتقحمها الأعين، وتجرحها الأفكار والخواطر.\nكلا! إن الغيرة أخص صفات الرجل الشهم الكريم، وإن تمكنها منه يدل دلالة فعلية على رسوخه في مقام الرجولة الحقة الشريفة، ومن هنا كان كرام الرجال وأفذاذ الشجعان يمتدَحون بالغيرة على نسائهم، والمحافظة عليهن، وإن من شر صفات السوء ضعف الغيرة وموت النخوة، ولا يركن إلى ذلك إلا الأرذلون.\nوليست الغيرة تعني سوء الظن بالمرأة، والتفتيش عنها وراء كل جريمة دون ريبة، ومتى ما تحين الرجل الفرص ليأخذ امرأته على غرة، التماسا لعثرة منها بدون أي ريبة كانت هذه غيرة مذمومة، فعنه ﷺ أنه قال: \" إن من الغيرة غيرة يبغضها الله، وهي غيرة الرجل على أهله من غير ريبة \" (٩٢١) .\n_________\n(٩٢١) رواه من حديث جابر بن عتيك ﵁ مرفوعا: الإمام أحمد (٥/ ٤٤٥، ٤٤٦)، =","vol":"2","page":388},{"text":"إن الرجل هو صاحب القوامة، والمسؤول الأول في الأسرة، والمحافظ على أفرادها، وهو أبعد أهله نظرًا وتبصرًا في العواقب، فمن حقها عليه أن يغار عليها.\nوقد نظم الإسلام هذا الأمر فيما نجمله بما يلي:\nأولًا: أن لا تأذن لأحد بدخول بيته من رجل قريب أو امرأة قريبة أو أجنبية الا بإذنه، فهو أدرى بمصلحة الأسرة لأنه القيم عليها، فقد يكون في دخول أبيها أو أخيها أو أمها مفسدة عليه في أسرته.\nأما الأجنبي فلا تأذن له بدخوله عليها، ولو أذن بذلك الزوج، لأنه إثم ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nولا يُدخِل هو عليها من لا يخاف الله تعالى، فقد يخون بنظرة أو كلمة، ويشعل في البيت شرارة فتنة:\nفعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" من خَبَّب (٩٢٢) خادمًا على أهلها، فليس منا (٩٢٣)، ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منا \" (٩٢٤) .\n_________\n= وأبو داود (٢٦٥٩)، والدارمي (٢/١٤٩)، وابن حبان (١٣١٣)، والبيهقي (٧/٣٠٨) (وحسنه الألباني في \" الإرواء \" رقم (١٩٩٩) (٧/٥٨) .\n(٩٢٢) خَببَ: بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة الأولى، معناه: خدع وأفسد، لأن يحبب إليها كراهية الزوج.\n(٩٢٣) أي ليس على طريقتنا، ولا من العاملين بقوانين أحكام شريعتنا، وانظر: \" فيض القدير \" (٦/١٢٣) .\n(٩٢٤) أخرجه الإمام أحمد (٢/٣٩٧)، والبيهقي (٨/١٣)، وبنحوه أبو داود (٥١٧٠)، (٢١٧٥)، والحاكم (٢/١٩٦)، وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وابن حبان (١٣١٩)، وقال الألباني في إسناده: \" هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم \" اهـ. من \" الصحيحة\" رقم (٣٢٤) .","vol":"2","page":389},{"text":"وعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" ليس منا من حلف بالأمانة، ومن خَبَّبَ على امرئ زوجته أو مملوكته، فليس منا \" (٩٢٥) .\nعن عقبة بن عامر ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إياكم والدخول على النساء\"، قالوا: \" يا رسول الله أرأيت الحمو؟ \"، قال: \" الحمو الموت \" (٩٢٦) .\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" لا \" تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي \" (٩٢٧» .\n_________\n(٩٢٥) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٣٥٢)، والحاكم (٤/٢٩٨)، وصححه، ووافقه الذهبي، والبزار (١٥٠٠- زوائد)، وابن حبان (١٣١٨)، وصححه المنذري في \" الترغيب\" (٣/٨٢) .\nفائدة: تتعلق بحكم إفساد المرأة على زوجها:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وهذا من أكبر الكبائر فإنه إذا كان الشارع نهى أن يخطب على خطبة أخيه، فكيف بمن يفسد امرأته أو أمته أو عبده، ويسعى في التفريق بينه وبينها حتى يتصل بها، وفي ذلك من الإثم ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة إن لم يزد عليها، ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة، فإن التوبة - وإن أسقطت حق الله - فحق العبد باق، فإن ظلم الزوج بإفساد حليلته، والجناية على فراشه أعظم من ظلم أخذ ماله، بل لا يعدل عنده إلا سفك دمه) اهـ. كما نقله عنه المناوي في \" الفيض\" (٥/٣٨٥) .\nويكفى في التنفير عن هذا الجرم العظيم أن صاحبه يتلبس بفعل هو من أحب الأشياء إلى إبليس، فعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم، فيقول: \" فعلت كذا وكذا \"، فيقول: \" ما صنعتَ شيئًا \"، ثم يجيء أحدهم، فيقول: \" ما تركتُه حتى فرقت بينه وبين امرأته \"، فيُدنيه منه، ويقول: \" نِعْمَ أنت، فيلتزمه \" رواه مسلم وغيره.\n(٩٢٦) انظر تخريجه في \" القسم الثالث \" ص (٤٧) .\n(٩٢٧) رواه الإمام أحمد (٣/٣٨)، وأبو داود (٤٨٣٢)، والترمذي (٢٣٩٧)، والدارمي =","vol":"2","page":390},{"text":"ثانيًا: أن لا تخرج من بيته إلى مجتمعات الرجال، فتخالطهم في الحفلات أو السهرات العائلية، وغير العائلية، وفي الأسواق، ووسائل المواصلات، والمحلات التجارية، عن علي ﵁ قال: \" بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج في الأسواق، ألا تستحيون؟ ألا تغارون؟ يترك أحدكم امرأته تخرج بين الرجال! \" (٩٢٨) .\nثالثا: أن لا يعرضها للعنت فيطيل غيابه عنها، ولا يدفعها إلى الفسوق بمطالعة القصص الفاجرة والمجلات الخليعة، ولا يصطحبها إلى دور الملاهي والخيالة، ولا يسمعها أغاني الفحش والخنا، ولا يودع بيته جهاز \" التلفاز \" أو ما يسمى بـ \" الفيديو \" لترى مشاهدهما الآثمة، فإنهما من أعظم أسباب الفساد وتحطيم الأخلاق في هذا العصر، والناس عنهما في غفلة، بل هم فيهما على رغبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" عن رجل له زوجة أسكنها بين ناس مناجيس، وهو يخرج بها إلى الفرج، وإلى أماكن الفساد، ويعاشر المفسدين، فإذا قيل له: \" انتقل من هذا المسكن السوء \"، فيقول: \" أنا زوجها، ولي الحكم في امرأتي، ولى السكن، فهل له ذلك؟ \".\nفأجاب: الحمد الله رب العالمين، ليس له أن يسكنها حيث شاء، ولا يخرجها إلى حيث شاء؛ بل يسكن بها في مسكن يصلح لمثلها، ولا يخرج بها عند أهل الفجور، بل ليس له أن يعاشر الفجار على فجورهم، ومتى فعل ذلك وجب أن يعاقب عقوبتين:\nعقوبة على فجوره، بحسب ما فعل، وعقوبة على ترك صيانة زوجته\n_________\n= (٢/١٠٣) والبغوي (١٣/ ٦٩)، والحاكم (٤/١٢٨)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان (٢٠٤٩)، وحسنه الألباني في \" تحقيق المشكاة \" (٣/١٣٩٧) .\n(٩٢٨) \"المغني \" (٧/٢٧)، \" الزواجر عن اقتراف الكبائر \" (٢/٤٦) .","vol":"2","page":391},{"text":"وإخراجها إلى أماكن الفجور، فيعاقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل ذلك، والله أعلم) (٩٢٩) .\n(٧) ومن حقها عليه أن لا يَتَخوّنها، ولا يتلمس عثراتها وذلك بأن يترك التعرض لما يوجب سوء الظن بها، وقد دل على ذلك أحاديث: منها: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: \" كان النبي ﷺ يكره أن يأتي الرجلُ أهلَه طُروقًا (٩٣٠)، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرقَنَّ أهله ليلًا، (٩٣١) وعن أنس ﵁: \" أن النبي ﷺ كان لا يطرق أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية \" (٩٣٢) .\nوعن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم، أو يطلب عثراتهم \" (٩٣٣)، وعنه أيضًا بلفظ: \" لا\n_________\n(٩٢٩) \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/٢٦٤ - ٢٦٥) .\n(٩٣٠) رواه البخاري رقم (٥٢٤٣) في النكاح: باب لا يطرق أهله ليلا إذا أطال الغيبة، ومسلم رقم (٧١٥) في الإمارة، وأبو داود رقم (٢٧٧٦)، والطروق: المجيء بالليل من سفر أو من غيره على غفلة، ويقال لكل آت بالليل: طارق، وأصل الطروق: الدفع والضرب، وبذلك سميت الطريق لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقا لأنه يحتاج غالبا إلى دْق الباب، وقيل: بل هو من السكون، فلما كان الليل يسكَن فيه سمى الآتي فيه طارقًا.\n(٩٣١) رواه البخاري (٩/٢٩٦، ٢٩٧) في النكاح، والحج، والإمام أحمد (٣/٣٩٦)، وأبو نعيم في \" الحلية \" (٨/٢٦٢) .\n(٩٣٢) رواه البخاري (٣/٤٩٣) في العمرة: باب الدخول بالعشي، ومسلم في الإمارة باب (٥٦) رقم (١٨٠) - واللفظ له -، وأحمد (٣/١٢٥، ٢٠٤، ٢٤٠) .\n(٩٣٣) رواه الإمام أحمد (١/١٧٥)، (٣/٣٠٢)، وابن أبي شيبة (١٢/٥٢٣)، وأبو نعيم في \" الحلية \" (٨/٣١٥)، (٩/٢٦) .","vol":"2","page":392},{"text":"تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم \" (٩٣٤) .\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: (قوله في طريق عاصم عن الشعبي عن جابر: \" إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلًا، التقييد فيه بطول الغيبة يشير إلى أن علة النهي إنما توجه حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلا نهارا، ويرجع ليلًا، لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيل الغيبة، كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يهجم بعد طول الغيبة غالبا ما يكره: إما أن يجد أهله على غير أهبَة من التنظيف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله ﷺ لجابر حين قدم معه من سفر: \" إذا دخلت ليلًا (٩٣٥)، فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغِيبة، وتمتشطَ الشعِثة \"، ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة، لئلا يطلع منها على ما يكون سببا لنفرته منها، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع محرِّض على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله: \" أن يتخونهم، ويتطلب عثراتهم \" (٩٣٦) .\n_________\n(٩٣٤) أخرجه الإمام أحمد (٩/٣٠٩)، والترمذي رقم (١١٧٢) في الرضاع، (٢٧١٣) في الاستئذان.\n(٩٣٥) وفي رواية أنه قال: \" أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا - أي عشاء - حتى تستحد المغيبة، الحديث رواه البخاري رقما (٥٢٤٥)، (٥٢٤٦) في النكاح، ففي هذا: الأمر بالدخول ليلا، وقد ورد النهي عن الدخول ليلا، ويُجْمَعُ بينهما - كما قال الحافظ ابن حجر: (بأن المراد بالأمر بالدخول: في أول الليل، وبالنهي: الدخول في أثنائه، أو الأمر بالدخول ليلا لمن علم أهله بقدومه، فاستعدوا له، والنهي عمن لم يفعل ذلك) اهـ. انظر \" فتح الباري\" (٩/٣٤٢)، وفي سنن أبي داود رقم (٢٧٧٧) بلفظ: \" إن أحسن ما دخل الرجل على أهله إذا قدم من سفر أولَ الليل \".\n(٩٣٦) وفي معناه ما ثبت عن النبي ﷺ من قوله: (إنك إن تتبعت عورات المسلمين =","vol":"2","page":393},{"text":"فعلى هذا من علم أهله بوصوله، وأنه يقدم في وقت كذا مثلًا، لا يتناوله هذا النهى، وقد صرح بذلك ابن خزيمة في صحيحه، ثم ساق من حديث ابن عمر قال:\n(قدم النبي ﷺ من غزوة، فقال: \" لا تطرقوا النساء \"، وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون)، قال ابن أبي جمرة - نفع الله به -: \" فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غرة من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه، والسبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في الحديث، قال: وقد خالف بعضهم فرأى عند أهله رجلًا، فعوقب بذلك على مخالفته \" اهـ، وأشار بذلك إلى حديث أخرجه ابن خزيمة عن ابن عمر قال: \" نهى رسول الله ﷺ أن تطرق النساء ليلًا، فطرق رجلان كلاهما وجد مع امرأته ما يكره \"، وأخرجه من حديث ابن عباس نحوه، وقال فيه: \" فكلاهما وجد مع امرأته رجلًا \"، ووقع في حديث محارب عن جابر: \" أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته ليلًا، وعندها امرأة تمشطها، فظنها رجلًا، فأشار إليها بالسيف، فلما ذكر للنبي ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا \" أخرجه أبو عوانة في صحيحه.\nوفي الحديث الحث على التواد والتحاب خصوصًا بين الزوجين، لأن الشارع راعى ذلك بين الزوجين مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفي عنه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك نهى عن الطروق لئلا يطلع على ما تنفر نفسه عنه، فيكون مراعاة ذلك في غير الزوجين بطريق الأولى) (٩٣٧) اهـ.\n_________\n= أفسدتهم أو كدتَ أن تفسدهم) رواه أبو داود، وصححه النووي، والمناوي كما في \" فيض القدير\" (١/٥٥٩) .\n(٩٣٧) \"فتح الباري\" (٩/٣٤٠ - ٣٤١) .","vol":"2","page":394},{"text":"(٨) ومن أعظم حقوقها المعاشرة بالمعروف\n\" إني أحَرجُ عليكم حَق الضعيفين:\nاليتيم والمرأة \" (٩٣٨)\n(حديث شريف)\nتوارد القول الكريم من الله ورسوله ﷺ في محاسنة الزوجات وموادعتهن، ولبُسهن على بعض ما فيهن، مما يفيض رفقًا ورحمة، ورعاية وعناية، وحسبك أن الله ﷿ جعل المرأة من آيات الله ومنته على الرجل، وجعل المودة والرحمة والألفة عقدة الصلة بينهما، فذلك حيث يقول جل وعلا: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجَا لتسكنوا إليها وجل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ولقد كفى وشفى في الأمر بحسن المعاشرة آية جليلة جامعة، بها تنزل الوحي الإلهي يتلى في المحاريب، ويتقرب به المتعبدون إلى الله سبحانه، فمن ذا الذي يستمع قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرا) (النساء: ١٩) ثم يجفو امرأته، أو يتسخطها بعد ذلك؟\nقلب بين أعطاف هذه الآية بصرك، واملأ منها يدك، ورَو من معينها قلبك، ثم انظر هل تقيم على وجدانك، أو تقر على عاطفتك، فيما تكره من امرأتك؟ وما ظنك بأمر تكرهه ثم تظل على لجاجك فيه بعد أن مناك الله بالخير الكثير من ورائه؟ وأين ذلك من حسن الثقة وتمام الإيمان بالله؟\n_________\n(٩٣٨) أخرجه ابن ماجه (٣٦٧٨)، وابن حبان (١٢٦٦)، والحاكم (١/٦٣)، (٤/١٢٨)، وأحمد (٢/٤٣٩)، وقال الحاكم: \" صحيح على شرط مسلم \"، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (١٠١٥) .","vol":"2","page":395},{"text":"ولقد شَبه الله تعالى حسن القيام على الزوجة بحسن القيام على الوالدين، فقال تعالى في حق الوالدين: (وصاحبهما في الدنيا معروفًا)، وقال تعالى في حق الزوجات: (وعاشروهن بالمعروف) .\nوقوله تعالى: (وعاشروهن) قال السدي: \" وخالطوهن \"، وقال ابن جرير: (كذا قال محمد بن الحسين، وإنما هو \" خالقوهن \") (٩٣٩)، (بالمعروف) وهو ما لا ينكره الشرع والمروءة، والمراد هنا النصفة في القسم والنفقة، والإجمال في القول والفعل.\nقوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف):\nقال القرطبي: (أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة، والخطاب للجميع، إذ لكل أحد عِشْرة، زوجًا كان أو وليًّا، ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: (فإمساك بمعروف)، وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وألا يعبِس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون مُنطَلِقًا في القول لا فَظا ولا غليظًا ولا مُظهرًا ميلًا إلى غيرها) (٩٤٠) اهـ.\nوقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له، واستدل بعمومه من أوجب لهن الخدمة إذا كُنَّ ممن لا يخدمن أنفسهن، قال ابن كثير: «وعاشروهن بالمعروف) أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيآتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) الآية) - البقرة (٢٢٨) .\nقوله تعالى: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعلَ الله فيه خيرًا كثيرًا) (النساء: ١٩) قال القرطبي ﵀: «فإن كرهتموهن) أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز؛\n_________\n(٩٣٩) \" تفسير الطبري\" (٤/٣١٣) .\n(٩٤٠) \" الجامع لأحكام القرآن \" (٥/٩٧) .","vol":"2","page":396},{"text":"فهذا يُنْدَبُ فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين ... قلت: ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: \" لا يَفْرَك مؤمن مؤمنةً إن كرِه منها خُلقًا رضي منها آخر \" أو قال: \" غيره\"، المعنى: أي لا يُيْغِضها بغضًا كُليا يحمله على فراقها، أي لا ينبغي ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب.\nوقال مكحول: سمعت ابن عمر يقول: \" إن الرجل ليستخير الله تعالى فَيُخار له، فيسخط على ربه ﷿، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خِيرَ له.\nوذكر ابن العربي بسنده عن أبي بكر بن عبد الرحمن: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة، وكانت له زوجة سيئة العشرة، وكانت تُقَصر في حقوقه، وتؤذيه بلسانها؛ فيقال له في أمرها ويُعذَلُ بالصبر عليها، فكان يقول: \" أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني، فلعلها بُعثت عقوبة على ذنبي، فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها \" قال علماؤنا: في هذا - أي ما تقدم من الآية والحديث - دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة) (٩٤١) اهـ.\n(قوله تعالى: (فإن كرهتموهن) أي إن كرهتم صحبتهن وإمساكهن بمقتضى الطبيعة من غير أن يكون من قِبَلهن ما يوجب ذلك (فعسى أن تكرهوا شيئا) كالصحبة والإمساك (ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) كالولد والألفة التي تكون بعد الكراهة، والمعنى: فإن كرهتموهن\n_________\n(٩٤١) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/٩٨) بتصرف.","vol":"2","page":397},{"text":"فاصبروا عليهن، ولا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها، فلعل (لكم) فيما تكرهونه (خيرًا كثيرًا) فإن النفس ربما تكره ما يحمد، وتحب ما هو بخلافه، فليكن مطمع النظر ما فيه خير وصلاح، دون ما تهوى الأنفس، ونكر\" شيئًا \" و\" خيرًا \" ووصفه بما وصفه مبالغة في الحمل على ترك المفارقة، وتعميمًا للإرشاد، ولذا استدل بالآية على أن الطلاق مكروه) (٩٤٢) اهـ.\n[(وعن ابن عباس في قوله تعالى: (ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) قال: \" الخير الكثير أن يعطف عليها فيُرزق الرجلُ ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا \"] .\n(وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: فإذا وقع بين الرجل وبين امرأته كلام، فلا يعجل بطلاقها وليتأن بها، وليصبر، فلعل الله سيريه منها ما يحب، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: عسى أن يمسكها وهو لها كاره، فيجعل الله فيها خيرا كثيرًا)] (٩٤٣) .\nوقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: [وقد ندبت الآية إلى إمساك المرأة مع الكراهة لها، ونبهت على معنيين: أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح، فرب مكروه عاد محمودًا، ومحمودٍ عاد مذموما، والثاني: أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبًا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما يكره لما يُحب، وأنشدوا في هذا المعنى:\nومن لم يُغْمِضْ عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يَمُتْ وهو عاتِبُ\nومن يتتبع جاهدًا كل عَثرَة ... يَجِدْها، ولا يسلمُ له الدَّهرَ صاحبُ] (٩٤٤)\n_________\n(٩٤٢) \"روح المعاني\" (٤/٢٤٣) .\n(٩٤٣) \"الدر المنثور\" (٢/١٣٣) .\n(٩٤٤) \"زاد المسير\" (٢/٤٢) .","vol":"2","page":398},{"text":"ومما يرمي إلى ذلك الغرض الجليل قول رسول الله ﷺ: \" لا يَفْرَكُ مؤمن مؤمنةً، إن كره منها خلقًا، رضي منها آخر - أو قال: غيره \" (٩٤٥) .\nوالفِرك: هو بغض أحد الزوجين الآخر، (والفارك هو المبغض لزوجته، ومن هذا المعنى قول الرضى:\nرمت المعالي فامتنعن ولم يزل ... أبدًا، يمانع عاشقًا معشوق\nفصبرت حتى نلتهن ولم أقل ... ضجرًا دواء الفارك التطليق) (٩٤٦)\nفلا ينبغي للرجل أن يبغضها إذا رأى منها ما يكره، لأنه إن كره منها خلقا رضي منها آخر، فيقابل هذا بذاك (٩٤٧)، وقد رُوي أن عمر ﵁ قال لرجل طلق امرأته: \" لم طلقتها؟ \"، قال: \" لا أحبها \"، فقال: \" أوَ كل البيوت بني على الحب؟ فأين الرعاية والتذمم؟ \".\nوعن سمرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إن المرأة خُلِقت من ضلع، وإنك إن تُرِد إقامة الضلع تكسرها، فدارِها، تَعِشْ بها \" (٩٤٨) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إن المرأة\n_________\n(٩٤٥) رواه من حديث أبي هريرة ﵁ مسلم رقم (٦٣) في الرضاع: باب الوصية بالنساء.\n(٩٤٦) \"فتح المنعم\" (٣/٢٦٤) .\n(٩٤٧) \"شرح الأبي لصحيح مسلم\" (٤/١٠٠)، وقيل: (الحديث خبر لا نهي، أي: لا يبغض الرجل بغضًا تاما، ويعني أن بغض الرجال للنساء بخلاف بغض النساء للرجال اللاتي يكفرن العشير، فإنها إذا رأت منه ما تكره قالت: \" ما رأيت منك خيرًا قط\"، ألا تراه كيف قال: \" إن كره منها خلقًا رضي منها آخر؟ \".\n(٩٤٨) رواه الإمام أحمد (٥/٨)، وابن حبان (١٣٠٨)، والحاكم (٤/١٧٤)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في \" صحيح الجامع\" (٢/١٦٣) .","vol":"2","page":399},{"text":"خلقت من ضِلَع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها، استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها \" (٩٤٩)، وعنه أيضًا بلفظ: \" واستوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج (٩٥٠)، استوصوا بالنساء خيرًا (٩٥١)، ومعنى \" خلقت\" أي أخرجت كما تخرج النخلة من النواة \" من ضِلَع \" واحد الأضلاع، فالمراد أن أول النساء خلقت من ضلع، أو المراد التمثيل، قال القاضي: \" استعير الضلع للمعوج صورةً ومعنى \"، فيكون المراد: إنها مثل الضلع، ويشهد له قوله: \" لن تستقيم لك على طريقة\".\nوالعَوج: بفتح العين في الأجسام، وبكسرها في المعاني، قوله: \" إن ذهبت تقيمها كسرتها \" (أي إن أردت منها تسوية اعوجاجها أدى إلى فراقها، فهو ضرب مثل للطلاق، قوله: \" وإن تركته\" أي لم تقمه \" لم يزل أعوج \" فلا تطمع في استقامتهن، قوله: \" وإن أعوج شيء في الضلع\n_________\n(٩٤٩) رواه مسلم في \" الرضاع\" رقم (٦١)، والحميدي (١١٦٨) .\n(٩٥٠) فيه إشارة إلى الصبر على اعوجاجهن لأنه في الغالب طبع فيهن، ولا يردن به شرا، ومن أراد تقويم المرأة تقويمًا تاما فقد طلب المحال، والعشرة كلها تحتاج إلى صبر وعفو وحلم سواء أكانت مع الرجال أم مع النساء.\n(٩٥١) رواه البخاري (٩/٢٠٦) ط. السلفية، ومسلم في \" الرضاع\" رقم (٦٢) .\nفائدة: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في بيان مقصود قوله ﷺ: \" استوصوا بالنساء خيرا \" الحديث: (يؤخذ منه أن لا يتركها على الاعوجاج إذا تعدت ما طبِعَت عليه من النقص إلى تعاطي المعصية بمباشرتها، أو ترك الواجب، وإنما يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة) اهـ \" فتح الباري\" (٩/٢٠٧) .\nوقال ﵀ أيضا: (وفيه رمز إلى التقويم برفق، بحيث لا يبالغ فيه فيكسر، ولا يتركه فيستمر على عوجه، وإلى هذا أشار البخاري في الباب) اهـ. (٩/٢٠٦) .","vol":"2","page":400},{"text":"أعلاه \" ذكر تأكيد لمعنى الكسر، وإشارة إلى أنها خلقت من أعوج آخر الضلع، مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن، أو ضربه مثلًا لأعلى المرأة، لأن أعلاها رأسها، وفيه لسانها، وهو الذي يحصل به الأذى، وقوله:\n\" استوصوا بالنساء خيرًا \" الاستيصاء قبول الوصية، فالمعنى: أوصيكم بهن خيرًا، فاقبلوا وصيتي فيهن، فإنهن خلقن من ضِلَع أعوج، فلا يتأتى الانتفاع بهن إلا بأن يداريها، ويلاطفها، ويوفيها حقوقها، أو تكون السين للطلب مبالغة، أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن، أو اطلبوا الوصية والنصيحة من غيركم بهن، وقد نظم بعضهم معنى هذا الحديث فقال:\nهي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إن تقويم الضلوع انكسارها\nتجمع ضعفًا واقتدارا على الفتى ... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها؟ ! (٩٥٢)\nرَأي أفِينٌ (٩٥٣)\nحكى منشيء المنار الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ أنه بقي يدرس مسألة النساء والحياة الزوجية بعمق وتدبر للواقع في بلاد المسلمين والإفرنج مدة ثلث قرن ونيف، وأنه كتب فيها، وناظر المشتغلين بها، والداعين إلى المساواة بين النساء والرجال في الجامعة المصرية فحكمت له الأكثرية الساحقة منهم بالفلج وإصابة صميم الحق، ثم قال رحمه الله تعالى:\n(وإنني أعتقد بعد هذا الدرس الطويل العريض العميق، وما اقترن به من الاختبار الدقيق، أن ما يراه الكثيرون من أهل الغرب والشرق من\n_________\n(٩٥٢) انظر: \" فيض القدير\" (١/٥٠٣)، و\"شرح الأبي\" (٤/٩٩ - ١٠٠) .\n(٩٥٣) الأفين والمأفون: الضعيف الرأي والعقل.","vol":"2","page":401},{"text":"نوط السعادة الزوجية بتعارف الزوجين قبل الزواج، وعشق كل منهما للآخر، هو رأي أفين، أثبت الاختبار (٩٥٤) بطلانه، وأن تحاب الشبيبة لا ثبات له بعد الزواج غالبًا، بل كانت العرب تقول: \" إن الزواج يفسد الحب\".\nوإنما القاعدة الصحيحة لهناء الزوجية ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لامرأة خاصمت زوجها إليه، وصرحت له بأنها لا تحبه، فقال لها: \" إذا كانت إحداكن لا تحب الرجل منا، فلا تخبره بذلك، فإن أقل البيوت ما بني على المحبة، وإنما يتعاشر الناس بالحسب والإسلام \"، يعني أن التزام كل من الزوجين لحفظ شرف الآخر والعمل بما يرشد إليه الإسلام من الواجبات والآداب الزوجية هو الذي تنتظم به الحياة الزوجية، ويعيش الناس به العيشة الهنية.\nوينبغي لكل من الزوجين أن يتكلف التحبب إلى الآخر بأكثر مما يجده له في قلبه، فإن التطبع يصير طبعًا، ورحم الله عُليَّة بنت المهدي أخت هارون الرشيد حيث قالت:\n* تَحَببْ فإن الحبَّ داعيةُ الحب *\nفإنه في معنى قوله ﷺ: \" العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم \") (٩٥٥) انتهى كلامه ﵀، وما أشار إليه من قول عمر ﵁ للمرأة التي خاصمت زوجها، جاء مفصلًا في الخبر التالي:\n_________\n(٩٥٤) يعني بعد ثبوت حكم الشرع بمنع الاختلاط مع الأجنبي ولو كان خاطبا، مع حرص الشرع على حصول المودة بينهما قبل الشروع في الزواج بإباحته النظر للمخطوبة وتعليل ذلك بأنه \" أحرى أن يؤدم بينهما \"، وانظر: \" القسم الثالث\" ص (٥١-٦٠) .\n(٩٥٥) \"حقوق النساء في الإسلام\" ص (١٨٧ - ١٨٨) .","vol":"2","page":402},{"text":"(رُوي أن ابن أبي عُذرة الدؤلي - أيام خلافة عمر ﵁ - كان يخلع النساء اللائي يتزوج بهن، فطارت له في النساء من ذلك أحدوثة يكرهها، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله، ثم قال لامرأته:\n- أنشدك بالله هل تبغضينني؟\nقالت: لا تنشدني بالله.\nقال: فإني أنشدك بالله.\nقالت: نعم.\nفقال لابن الأرقم: أتسمع؟\nثم انطلقا حتى أتيا عمر ﵁، فقال: (إنكم لَتَحَدَّثُونَ أني أظلم النساء، وأخلعهن، فاسأل ابن الأرقم، فسأله فأخبره، فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة، فجاءت هي وعمها، فقال: أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه؟ \"،\nفقالت: إني أول من تاب، وراجع أمر الله تعالى، إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب، أفأكذب يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك، فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب) (٩٥٦) .\nفمع غلظ تحريم الكذب، وتشديد الشرع فيه، غير أنه أباح طرفًا منه ليستصلح الرجل زوجته، ويستطيب نفسها: فعن أم كلثوم بنت عقبة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرا \"، قالت: \" ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: يعني الحرب، والإصلاح بين الناس،\n_________\n(٩٥٦) انظر: \" شرح السنة\" (١٣/١٢٠) .","vol":"2","page":403},{"text":"وحديث الرجل امرأته، والمرأة زوجَها \" (٩٥٧) .\n_________\n(٩٥٧) رواه البخاري (٥/٢٢٠) في الصلح: باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، ومسلم (٢٦٠٥) في البر والصلة: باب تحريم الكذب وبيان المباح منه واللفظ له، والإمام أحمد (٦/٤٠٤) من وجه آخر، والبغوي في \" شرح السنة\" (١٣/١١٧) وقال ﵀: (وأما كذب الرجل زوجته فهو أن يعددَها ويمنيها، ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه، يستديم بذلك صحبتها، ويستصلح به خلُقها، والله أعلم) اهـ. (١٣/١١٩)، وفي حديث أسماء بنت في يزيد ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: \" لا يصلح الكذب إلا في ثلاث\" الحديث، وفيه: \" والرجل يكذب للمرأة ليرضيها بذلك\" رواه الترمذي (١٩٤٠)، وحسنه، وأحمد (٦/٤٥٤، ٤٥٩، ٤٦٠) وفيه شهر بن حوشب، وانظر \" سلسلة الأحاديث الصحيحة\" رقم (٥٤٥)","vol":"2","page":404},{"text":"[فصل]\nأصفى السرور: اجتماع المودة والرحمة\n(قد يجعل الله سبحانه المودة في الرجل ولا يجعل فيه الرحمة، كما يوجد من أخلاق الجفاة الأراذل، يحب أحدهم زوجته لكنه يعاملها معاملة المبغض من الضرب واللعن وشتم الآباء والأمهات، وقد يكلفها أعمالًا شاقة، ويُضَيِّقُ عليها في النفقة الواجبة، وقد يتزوج عليها فيقطع صلته بها ونفقته عليها وعلى عياله منها، حتى يجعلها معلقة لا هي ذات زوج ولا مُطَلقة.\nوقد يجعل الله الرحمة في الشخص ولا يجعل فيه المودة، كما يوجد من أخلاق بعض الفضلاء، يقع في نفس أحدهم عدم المودة الصافية منه لزوجته، لكنه يعاشرها بكرم الأخلاق، وجميل الوفاق، وبالعطف واللطف والإنفاق، إن الناس متفاوتون في الأخلاق، كما أنهم متفاوتون في الأرزاق، وان الكمال التام متعذر من رجل وامرأة، فما من أحد إلا وفيه شيء من النقص بحسبه، غير أن الناس يتعاشرون بالشرف، وتندر البيوت المبنية على المحبة، والرجل الكريم صاحب الخلق القويم يغض عن الشيء اليسير، فما استقصى كريم قط، فكم من رجل كره امرأة فأنجبت له أولادا كرامًا قاموا بنفعه، ونشروا فخر ذكره، (وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرَا)، وكم من رجل فُتِن بمحبة امرأة فأفسدت عليه دينه ودنياه وأهله وخلقه (وعسى أن تحبوا شيئَا وهو شر لكم» (٩٥٨) .\nولقد رفع الإسلام حسن الخلق إلى أعلى المقامات، وكان ﷺ نهاية\n_________\n(٩٥٨) \"قضية تحديد الصداق\" ص (٢٣-٢٤) .","vol":"2","page":405},{"text":"العالَم في حسن الخلق، ولذا قال الله تعالى في حقه: (وإنك لعلى خلق عظيم) فما بالك بما يستعظمه الحق جل شأنه؟\nبل جعل الله ﷿ تتميم صالح الأخلاق أحد المقاصد الرئيسية لبعثة رسول الله ﷺ:\nفعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إنما بُعِثْتُ لأتمم صالح الأخلاق \" (٩٥٩) وفي رواية: \" مكارم الأخلاق\".\nوعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن \" (٩٦٠) .\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن معاذ بن جبل ﵁ أراد سفرا، فقال: \" يا رسول الله، أوصني\"، فكان من وصيته ﷺ: \" استقم، وليحسن خُلُقُكَ للناس\" (٩٦١) .\nوعن أسامة بن شريك ﵁ مرفوعًا: \" أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقا \" (٩٦٢) .\n_________\n(٩٥٩) رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٢٧٣)، وابن سعد في \" الطبقات، (١/١٩٢)، والحاكم (٢/٦١٣)، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والإمام أحمد (٢/٣١٨)، ورواه الإمام مالك في \" الموطأ \" بلاغا (٢/٩٠٤) في حسن الخلق، وقال الحافظ ابن عبد البر: (وهو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره) اهـ، وانظر \" السلسلة الصحيحة\" رقم (٤٥)\n(٩٦٠) رواه الترمذي رقم (١٩٨٨) في البر: باب ما جاء في معاشرة الناس، وحسنه. (٩٦١) عجز حديث أخرجه ابن حبان (١٩٢٢)، والحاكم (٤/٢٤٤)، وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في \" الصحيحة، رقم (١٢٢٨) .\n(٩٦٢) رواه الطبراني كما في \" الترغيب، (٣/٢٥٩)، و\" المجمع\" (٨/٢٤)، وقالا: (ورواته محتج بهم في الصحيح) اهـ، وصححه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٤٣٣)","vol":"2","page":406},{"text":"وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ: \" إن أحبكم إلى وأقربكم منى في الآخرة مجالسَ أحاسنُكم أخلافا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقا، الثرثارون، المتفيهقون المتشدقون \" (٩٦٣) .\nوعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول ﷺ قال: ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة\" (٩٦٤) .\nولم يكتف الشرع بعموم النصوص التي تحض على حسن الخلق مع الخلق كافة، بل خص النساء بذلك، وجعل حسن الخلق معهن معيار الخيرية والفضل.\nفعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" أكمل المؤمنين إيمانا: أحسنهم خلقًا، وخياركم: خياركم لنسائهم، (٩٦٥) .\nإن الزوجة أمانة ووديعة يسلمها وليُّها لمن يحافظ عليها، ويتقي الله فيها، ويحسن صحبتها، عن حجر بن قيس قال: (خطب علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ فاطمة ﵂، فقال: \" هي لك على أن تحسن\n_________\n(٩٦٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٠١٩) في البر والصلة: باب ما جاء في معالي الأخلاق، وقال: \" حسن غريب من هذا الوجه \" وفي سنده مبارك بن فضالة صدوق يدلس ويُسوي، وله شواهد كما في \" الترغيب والترهيب\" (٣/٢٦١) .\n(٩٦٤) أخرجه الترمذي رقم (٢٠٠٣)، (٢٠٠٤)، في البر والصلة: باب ما جاء في حسن الخلق، وأبو داود رقم (٤٧٩٩) في الأدب، و\" البزار بإسناد جيد \" كما في \" الترغيب والترهيب\" (٣/٢٥٦) .\n(٩٦٥) أخرجه الترمذي (١/٢١٧ - ٢١٨)، وقال: \"حسن صحيح\"، والإمام أحمد (٢/٢٥٠، ٤٧٢)، ومن طريق أخرى أخرجه ابن حبان (١٣١١)، وصححه الألباني في \" الصحيحة \" رقم (٢٨٤) .","vol":"2","page":407},{"text":"صحبتها \" (٩٦٦» .\nوإن مما يعين المؤمن على الصبر على أهله، وكف الأذى عنهم، وحسن الخلق معهم، تذكر ساعة فراق الأحباب، التي قد تأتيه بغتة، ولابد أن تأتيه وإن طال العمر، كما رَوى سهل بن سعد ﵁ مرفوعًا: (أتاني جبريل ﵇ فقال: \" يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به \" (٩٦٧» .\nأيا فرقة الأحباب لا بُد لىِ منكِ ... ويا دارُ دُنيا إني راحل عنكِ\nوقال الحسن: \" ابدأ أهلك بمكارم الأخلاق، فإن الثواء (٩٦٨) فيهم قليل) (٩٦٩) .\nوقال أيضًا وهو في جنازة: \" ابن آدم لئن رجعت إلى أهل ومال، فإن الثوى فيهم قليل)، وعن هشام قال: (كان الحسن إذا أصبح وإذا أمسى قال لأهله ثلاث مرات: (يا أهلاه! الثوى فيكم قليل \" (٩٧٠» .\nوقال الحسن ﵀: \" البَرُّ: الذي لا يؤدي الذَرَّ \" (٩٧١) .\nولا أوذي الأنام وكيف يوذي ... عبادَ الله منتظر الرحيل؟\n_________\n(٩٦٦) رواه الطبراني في \" الكبير\" (٤/٤٠)، وصححه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (١٦٦) .\n(٩٦٧) (أخرجه الطبراني في \" الأوسط\" بإسناد حسن) كما في \" المجمع\" (١٠/٢١٩)، و\"الترغيب\" (٢/١١)، وحسنه العراقي كما نقله عنه في \"فيض القدير\" (١/١٠٣)، وحسنه الألباني بطرقه في \" الصحيحة\" رقم (٨٣١) .\n(٩٦٨) الثواء: \" الإقامة.\n(٩٦٩) \"بر الوالدين\" للطرطوشي ص (١٧٨) .\n(٩٧٠) رواه الإمام أحمد في \" الزهد\" ص (٢٧٢) .\n(٩٧١) \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٩/١٢٥) .","vol":"2","page":408},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله يُيْغِضُ كل جعظرِي جَوَّاظ، سَخاب في الأسواق جيفةٍ بالليل، حِمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة \" (٩٧٢) .\nوقد جاء في تفسير قوله ﷺ: \" إن الله يبغض كل جعظري جواظ\" الحديث قيل: هو الشديد على أهله، المتكبر في نفسه، وهو أحد ما قيل في معنى قوله تعالى: (عُتُلّ) قيل: العتل هو الفظ اللسان الغليظ القلب على أهله، وقال ﷺ لجابر حين تزوج ثيبًا: \" هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك \" (٩٧٣) .\nلقد تأثر المسلمون الأوائل بهذه التوجهات الإلهية، والإرشادات النبوية إلى حسن الخلق مع أهليهم، وانفعلوا بها أصدق الانفعال، فحفل تاريخهم بمواقف مشرقة يضرب بها المثل، في الفتوة والصبر والتجمل مع وجود داعي النفرة، وهاك بعض حديثهم في ذلك:\nقال أحمد بن عنبر: (لما ماتت أم صالح بن أحمد بن حنبل قال أحمد لامرأة تكون عندهم: \" اذهبي إلى فلانة بنت عمها، فاخطبيها لي من نفسها، فأتتها، فأجابته، فلما رجعت إليه قال: \" أختها كانت تسمع كلامكِ؟ \"، قال: وكانت بعين واحدة، فقالت له: \" نعم\"، قال: \" فاذهبي فاخطبي تِيكَ التي بفرد عين\"، فأتتها، فأجابته، وهي أم عبد الله ابنه، فأقام معها سبعا، ثم قالت له: \" كيف رأيت يا ابن عمي؟ أنكرتَ شيئًا؟ \" قال: \" لا، إلا نعلك هذه تصِر \".\n_________\n(٩٧٢) رواه ابن حبان (١٩٥٧)، والبيهقي متابعة (١٠/١٩٤)، وصححه الألباني في \" الصحيحة \" رقم (١٩٥)، وفسر الجعظري بالفظ الغليظ المتكبر، والجواظ: الجموع المنوع، والسخاب كالصخاب كثير الضجيج والخصام.\n(٩٧٣) انظر تخريجه برقم (١٢٥٠)، (١٢٥١) .","vol":"2","page":409},{"text":"وقال خطاب بن بشر: قالت امرأة أحمد بن حنبل لأحمد، بعد ما دخلت عليه بأيام: \" هل تنكر مني شيئًا؟ \"، فقال: \" لا، إلا هذا النعل الذي تلبسينه، لم يكن على عهد رسول الله ﷺ، قال: فباعته واشترت مقطوعًا فكانت تلبسه)، وهى ريحانة بنت عمر عَم الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٩٧٤) .\n(قيل: تزوج رجل بامرأة، فلما دخلت عليه رأى بها الجدري، فقال: \" اشتكيت عيني \"، ثم قال: \" عميت\"، فبعد عشرين سنة ماتت، ولم تعلم أنه بصير، فقيل له في ذلك، فقال: \" كرهت أن يحزنها رؤيتي لما بها \"، فقيل له: \" سبقت الفتيان \" (٩٧٥» .\n(وعن محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أمي تقول: سمعت مريم امرأة أبي عثمان تقول: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها، فقلت: \" يا أبا عثمان أي عملك أرجى عندك؟ \" فقال: يا مريم لما ترعرعت وأنا بالري، وكانوا يريدونني على الزواج فأمتنع، جاءتني امرأة فقالت: \" يا أبا عثمان قد أحببتك حُبا أذهب نومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب وأتوسل إليك أن تتزوج بي \"!\nفقلت: \" ألكِ والد؟ \" قالت: \" نعم، فلان الخياط في موضع كذا وكذا \"، فراسلتُ أباها أن يزوجها مني، ففرح بذلك، وأحضرت\n_________\n(٩٧٤) \" طبقات الحنابلة \" (١/٤٢٩) .\n(٩٧٥) \" مدارج السالكين \" (٢/٣٤٢)، وقريب من هذه الصورة من الفتوة ما حكاه الحافظ ابن القيم ﵀ عن أبي علي الدقاق قال:\n[(جاءت امرأة، فسألت حاتمًا عن مسألة، فاتفق أنه خرج منها صوت في تلك الحالة، فخجلت، فقال حاتم: \" ارفعي صوتك \"، فأوهمها أنه أصم، فَسُرت المرأة بذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصوت، فلقب بحاتم الأصم) وهذا التغافل هو نصف الفتوة] اهـ. من \" مدارج السالكين\" (٢/٣٤٤) .","vol":"2","page":410},{"text":"الشهود، فتزوجت بها، فلما دخلت وجدتها عوراء عرجاء مشوهة الخَلْق، فقلت: \" اللهم لك الحمد على ما قدَّرته لي! \".\nوكان أهل بيتي يلومونني على ذلك فأزيدها بِرا وإكراما، إلى أن صارت بحيث لا تدعني أخرج من عندها فتركت حضور المجالس إيثارًا لرضاها، وحفظًا لقلبها، ثم بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة، وكأني في بعض أوقاتي على الجمر، وأنا لا أبدى لها شيئًا من ذلك إلى أن ماتت! فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي) (٩٧٦) اهـ.\nومن المعاشرة بالمعروف:\nالتغاضي وعدم تعقب الأمور صغيرها وكبيرها، وعدم التوبيخ والتعنيف في كل شيء، إلا في حقوق الله ﷿، وذلك ما يرشدنا إليه فولُه تعالى: (وإذ أسَرَّ النبي إلى بعض أزواجه حديثا. فلما نبأت به وأظهره الله عليه عَرَّف بعضه وأعرض عن بعض. فلما نبأها به قالت: من أنبأك هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير) (التحريم: ٣) .\nوعن أنس ﵁ قال: (كان ﷺ أحسن الناس خُلُقَا) (٩٧٧)، وقال: (ولقد خدمت رسولَ الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أفّ، ولا قال لشيء فعلتُه، لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟) (٩٧٨) .\n_________\n(٩٧٦) \" المنتظم\" (٦/١٠٧) .\n(٩٧٧) صدر حديث رواه البخاري (١٠/٤٣٦) في الأدب: باب الانبساط إلى الناس، ومسلم رقم (٢١٥٠) في الأدب، وأبو داود رقم (٤٩٦٩)، والترمذي رقم (٣٣٣) .\n(٩٧٨) رواه البخاري (١٠/٣٨٣، ٣٨٤) في الأدب: باب حسن الخلق والسخاء، ومسلم =","vol":"2","page":411},{"text":"وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم) (٩٧٩) .\nوعنها ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرًا من مظلمة ظُلِمها قط ما لم يُنتهك من محارم الله شيء، فإذا انتُهِك من محارم الله شيء كان من أشَدِّهم في ذلك غَضَبا، وما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن مأثمًا) (٩٨٠) .\nووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت: \" والله لقد كان ضحوكا إذا ولج، سكوتا إذا خرج، آكلًا ما وجد، غير سائل عما فقد \" (٩٨١) .\nومن المعاشرة بالمعروف:\nطلاقة الوجه، والبشاشة:\nفقد بين ﷺ أن ذلك من المعروف: فعن جابر بن سليم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: \" ولا تحقرن شيئا من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه بوجهك، فإن ذلك من المعروف) (٩٨٢)، وعن عدي بن حاتم ﵁ قال ﷺ: \" اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن\n_________\n= رقم (٢٣٠٩) في الفضائل، وأبو داود رقم (٤٧٧٤) في الأدب: باب في الحلم.\n(٩٧٩) رواه مسلم رقم (٢٣٢٧) في الفضائل: باب مباعدته ﷺ للآثام، وأبو داود رقم (٤٧٨٦) في الأدب: باب التجاوز في الأمر.\n(٩٨٠) رواه البخاري (٦/٤١٩) في الأنبياء، والأدب، والحدود، والمحاربين، وأبو داود رقم (٤٧٨٥) .\n(٩٨١) \" الإحياء\" (٤/٧٢٤) .\n(٩٨٢) قطعة من حديث أخرجه أبو داود رقم (٤٠٨٤) في اللباس، وصححه ابن حبان\n(١٢٢١)، (١٤٥١) \" موارد\".","vol":"2","page":412},{"text":"لم يجد فبكلمة طيبة \" (٩٨٣) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" والكلمة الطيبة صدقة \" (٩٨٤) .\nومن أحق من الزوجَة بهذا المعروف، وهذه الصدقة؟\n(نعم.. ما أجدرنا أن نعود ألسنتنا على الكلام الطيب في أول حياتنا الزوجية، ومما يتصل بالكلمة الطيبة طريقة إلقائها، فقد تزيد هذه الطريقة - إن كانت حلوة عذبة - من تأثيرها، وما أجدرنا أن نعوّد عضلات وجوهنا الابتسامة التي تبسط أكثر المسائل تركيبا وتعقيدًا، وتمنحنا قوة في التغلب على كل المصاعب.\nوقد أعجبني كلام سمعته من أستاذ من أساتذتي قاله لشاب يعظه، ولم أنسه أبدًا، قال له: \" إذا أردت أن تعرف ما يفعله العبوس فانظر وجهك في المرأة عندما تكون غضبان عابسا.. انظر وجهك كم هو منفر وقبيح!!\nوانظر كم يجلب مثل هذا الوجه على صاحبِه من السخط والأذى \" (٩٨٥» اهـ.\n_________\n(٩٨٣) قطعة من حديث طويل رواه البخاري (٦/٤٥٠، ٤٥١) في الأنبياء: باب علامات النبوة في الإسلام.\n(٩٨٤) قطعة من حديث رواه البخاري (٥/٢٢٦) في الصلح: باب فضل الإصلاح بين الناس، وفي الجهاد، ومسلم رقم (١٠٠٩) في الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.\n(٩٨٥) \" نظرات في الأسرة المسلمة \" للدكتور محمد الصباغ حفظه الله ص (٩٠) .","vol":"2","page":413},{"text":"[فصل] (٩٨٦)\nتأملات في قوله تعالى: (وَقُولوا لِلنَّاس حُسنًا)\nقال الله تعالى:\n(وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى وقولوا للناس حسنًا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلًا منكم وأنتم معرضون) (البقرة ٨٣) .\nلقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل على أمور أساسية في العقيدة والعبادة والسلوك والحياة، من توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وبرّ الوالدين، والإحسان إلى ذي القربى واليتامى، ومساعدة المساكين، والقول الحسن للناس، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولكنهم تولوا إلّا قليلا منهم، فكان عاقبة ذلك أن حاقت بهم لعنة الله وصاروا إلى ما صاروا إليه.\nجاء في القرطبي:\n[.. وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا مع البرّ والفاجر والسني والمبتدع من غير مداهنة ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضى مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: (فقولا له قولًا لينًا) فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون وقد\n_________\n(٩٨٦) هذا الفصل مختصر بتصرف من \" نظرات في الأسرة المسلمة\" لفضيلة الدكتور محمد الصباغ حفظه الله من ص (١١٥-١٣٢) .","vol":"2","page":414},{"text":"أمرهما الله تعالى باللين معه.\nوقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ فقال لا تفعل. يقول الله تعالى وقولوا للناس حسنا فدخل في الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي؟] (٩٨٧)\nإننا لنقرأ في كتاب الله ﷿ خطابه حبيبه وخيرته من خلقه محمدا ﷺ (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) .. فلو كان رسول الله المؤيد بالعصمة والحكمة، والمعزز بالتسديد والتأييد، لو كان ﷺ فظا غليظ القلب لانفض أصحابه من حوله وبقي وحيدا فإذا كان هذا بالنسبة إلى رسول الله ﷺ فما القول بالناس الآخرين الذين لم يؤيدوا بما أيد به، ولم يؤتوا ما أوتيه من الخلق العظيم الذي أثنى به عليه ربه ﵎ فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم) إن لين الجانب ورقة المعاملة أساس لاجتماع القلوب، وليس هناك وسيلة تحقق ذلك اللين وتلك الرقة أهم من الكلمة الحسنة.. وهي ترضي الله وتدخل صاحبها الجنة.\nوعن أنس قال: قال رجل للنبي ﷺ: علمني عملا يدخلني الجنة، قال ﷺ: \" أطعم الطعام، وأفش السلام، وأطب الكلام، وصل بالليل والناس نيام \" (٩٨٨) .\nوعن ابن عمر قال رسول الله ﷺ: \" إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها \" فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ: \" لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما\n_________\n(٩٨٧) \" الجامع لأحكام القرآن\" (٢/١٦) .\n(٩٨٨) رواه البيهقي (١٠/١٥٨)، وابن حبان (٦٤٢)","vol":"2","page":415},{"text":"والناس نيام (٩٨٩) .\nالكلمة الطيبة غذاء للروح.. وشفاء لأمراض النفس، والكلمة الحلوة لها تأثير قد يغير حياة إنسان أو أمة!! من أجل ذلك كان قرن القول الحسن مع هذه الأمور الأساسية في العقيدة والعبادة والسلوك.. فتوحيد الله وإقامة الصلاة وبرّ الوالدين من أهم ما دعت الشريعة إلى تحقيقه وإقامته، وها نحن أولاءِ نجد في الآية قرنًا للقول الحسن بهذه الأمور، ونودّ أن نعيش لحظات في ظلال قوله تعالى: (وقولوا للناس حسنَا) نطل من خلالها على حياتنا الاجتماعية والأسرية (العائلية) .\nكم تضيع علينا في حياتنا (العائلية) والاجتماعية فرص سعادة وغنى وأنس كنا على مقربة منها لو قلنا كلمة حلوة.. ولكنَّا أضعناها عندما لم نلق بالكلمهَ الطيبة.\nإن كلمة واحدة تستطيع أن تفعل شيئًا كبيرًا ... فبسبب كلمة قامت حروب، وبسبب كلمة تآلفت قلوب.\nإن الكلمة الطيبة أساس متين تبنى عليه علاقات الحب والمودة والرحمة والانتاج والتربية، إن الكلمة الطيبة تهيئ المناخ المناسب لنمو هذه العلاقات ولتثمر الثمرة المرجوة سعادة وفرحًا وابتهاجًا وانطلاقًا وتحقيقًا لكثير من معاني الخير.\nوإن الكلمة الطيبة أغلى عند الزوجة في كثير من الأحيان من الحلي الثمين، والثوب الفاخر الجديد، ذلك لأنّ العاطفة المحببة التي تبثها الكلمة\n_________\n(٩٨٩) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٣٤٣)، والحاكم في \" المستدرك\" (١/٨٠)، (١/٣٢١)، وصححه عل شرطهما، ووافقه الذهبي، وكذا رواه التزمذي رقم (١٩٨٥) من حديث علي ﵁.","vol":"2","page":416},{"text":"الطيبة غذاء الروح، فكما أنه لا حياة للبدن بلا طعام، فكذلك لا حياة للروح بلا كلام حلو لطيف.\nلماذا نهمل الكلمة الطيبة في نطاق الأسرة وهي لا تكلفنا شيئًا؟ إن السعادة كلها ربما كانت كامنة في كلمة فيها مجاملة ومؤانسة يقولها أحد الزوجين لصاحبه أو الوالد لابنه.\nأجل ... إن علينا أن تكون ألسنتنا رطبة بذكر الله وبالكلام المعسول الجميل لا سيما عندما نخاطب أزواجنا.. إن المرأة الشرقية عاطفية إلى أبعد الحدود.\nإن الخطأ الذى يقوم في حياتنا الزوجية مبني على فهم خاطئ لفكرة رفع الكلفة.. حتى إن كثيرًا من الناس ليقع في الأغلاط المدمرة لحياته الأسرية بحجة رفع الكلفة، يقول أحدهم: إن زوجتي ولدت ولدين أو ثلاثة أو أربعة.. فلم نعد عروسين نحتاج إلى الملاطفة والمجاملة أو الكلمة المأنوسة.. قد مضى وقت ذلك، إن هذا خطأ قادح يجرّ ذيول التعاسة والشقاء على عش الزوجية، وقد يدمر بناء الأسرة ويقضي على نفسية الأولاد.\nلماذا لا تكون الملاطفة مع من نعايش؟ لماذا لا تكون الكلمة الطيبة مع الأزواج والأولاد؟ ألسنا بشرًا سواء أكنا عرسانًا أم كنا قد تقدت بنا الأيام والسنون، وسواء أأنجبنا أم لم ننجب؟ ولو أننا نظرنا إلى حياة رسول الله - ﷺ - مع أزواجه لرأينا أنها مثال الملاطفهَ والمؤانسة، فلقد كان يؤانسهن ويمازحهن ويعمر نفوسهن بالكلمة الحلوة، والنظرة الحانية، والتصرف الودود، ويحتمل منهن أخطاءهن.\nإن تجاهل حاجة الزوجة إِلى العاطفة العذبة التي تفيض بها الكلمة الطيبة، يجعلها تحمل بين جوانبها حجرًا مكان القلب ... مما يعكر على الزوج","vol":"2","page":417},{"text":"حياته.. لأننا نعيش بالمعاني لا بالأجساد فقط.. وليس في الحجارة من المعاني شيء\nإن رتبة كتف حانية من الزوج مع ابتسامة مشرقة مقرونة بكلمة طيبة تذيب تعب الزوجة، وتنعش فؤادها المشرئب للعطف والحنان، فهل لك يا أخي أن تنتبه إلى نفسك وتتأسى بسيدنا رسول - ﷺ - الذي يقول الله ﵎ فيه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .\nاشكر زوجتك على صحن الطعام اللذيذ الذي قد أعدته لك بيديها.. اشكرها بابتسامة ونظرة عطف وحنان.. أثن عليها وتحدث عن محاسنها وجمالها، والنساء يعجبهن الثناء ويوثر فيهنّ.. وإذا كان الكذب محظورًا فقد أباح لك الإسلام طرفا منه في علاقتك الزوجية عندما يكون ذلك سببًا لتعميق المودة وتحقيق التفاهم (٩٩٠) .\nاذكر لها يا أخي امتنانك لرعايتها وخدمتها لك ولبيتك وأولادك، وإن كان هذا من اختصاصاتها، وإن كانت لا تقدم إلا ما تقدمه النساء عادة.. لكن ذلك من قبيل الكلمة الطيبة التى تؤكد أسباب المودة والرحمة ... قل لها الكلمة الطيبة ولو نقصتها شيئًا من الطعام والمال والكساء.. إنها حينئذ ستسعد وستحس بدفء الحنان والعطف والمودة في أعماق قلبها.. وإذا أصبح قلبها مترعًا بهذه المعاني دفع دماءها حارة مغرّدة في عروقها.. وستندفع في خدمتك وتعيش معك العمر آمنة مطمئنة، وسوف ترى أنت بريقا يتراقص في عينيها، وابتسامة مشرقة على شفتيها، وسينطلق لسانها بالحديث عنك وإليك بالكلمة الطيبة.\nوربما قالت بعض الزوجات: وماذا يريد الزوج مني؟ ألا يجد طعامه\n_________\n(٩٩٠) راجع ص (٤٠٣-٤٠٤) .","vol":"2","page":418},{"text":"مطيها، وثوبه مكويا، وبيته نظيفًا، وأولاده لابسين آكلين، وحاجاته مهيأة؟\nإنه لا يطلب منى طلبًا إلا حققته، ولا يريد حاجة إلا سارعت في تنفيذها.\nماذا يريد الزوج مني أكثر من ذلك؟\nكلا يا سيدتي:\nإنه بحاجة إلى العاطفة التي أنت مصدرها.. إنه بحاجة إلى الابتسامة المشرقة من فيك التي تبدد ظلمات الكآبة التي تعترضه في الحياة.\nإنه يريد أن يرى الإنسانة التي تعني به وتظهر له الاهتمام الكبير، وتشعرهُ أنه - بالنسبة إليها - قطب الرحى، وأساس السعادة.\nإنه يريد أن يسمع باللحن المريح كلمة الشوق والشكر والحب والرغبة في الأنس به واللقاء.\nإن ذلك كله مفتاح باب السعادة التي يحويها معنى الزواج.\nإن كلمة شكر وامتنان من الزوجة مع ابتسامة عذبة تسديها إلى الزوج بمناسبة شرائه متاعا إلى البيت، أو ثوبًا لها، تدخل عليه من السرور الشيء الكثير، قولي له الكلمة الطيبة ولو كان نصيب المجاملة فيها كبيرًا، لتجدي منه الود والرحمة والتفاهم، مما يحقق لك الجو المنعش الجميل.\nرددي بين الفينة والفينة عبارات الإعجاب بمزاياه، واذكري له اعتزازك بالزواج منه وأنك ذات حظ عظيم.. فإن ذلك يرضي رجولته ويزيد تعلقه بك.\nقابليه ساعة دخوله بالكلمة الحلوة العذبة، وتناولي منه ما يحمل بيديه وأنت تلهجين بذكره وانتظارك إياه.\nفذلك كله من الكلمة الطيبة التي تأتي بالسعادة، ولا تكلفك شيئًا وتعود عليك بالنفع العظيم.","vol":"2","page":419},{"text":".. وإن مما يتصل بالقول الحسن والكلمة الطيبة أن نعرف آداب إلقاء هاتيك الكلمة الطيبة، والحق أنّ هناك أمورًا كثيرة وهي يسيرة علينا نتجاهلها في حياتنا الزوجية، فنضيّع على أنفسنا سعادة كبيرة، ونَصْلَى من وراء ذلك نار الخلاف والشجار والشحناء والبغضاء مدة العيش المشترك بين الزوجين طالت هذه المدة أم قصرت.\nأجل.. هنالك أمور يسيرة على من ينتبه إليها، عظيمة الجدوى والنفع على من يأخذ بها ويحققها، وهي واردة بالنسبة إلى الزوجين، وإن كانت ظروف حياتنا تجعل هذه الأمور مطلوبة من الزوجة بصورة آكد. وأعظم الناس حماقة من يفوت على نفسه السعادة من تجاهله أمرا لا يكلفه شيئًا وإهماله أدبا نصحه الناصحون به.\nومن هذه الأمور الهينة الميسورة أدب الحديث..\nأيها السادة:\nإن للحديث آدابا تتصل بإلقائه، وآدابًا تتصل بسماعه إن روعيت عادت على أصحابها بالنفع الجليل وحققت أطيب الثمرات المرجُوة.\nوإن مما يؤسف له حقًا أن كثيرًا من الأزواج والزوجات يخالفونها معتذرين بأعذار واهية عدة، كدعوى زوال الكلفة، أو دعوى الرغبة في البساطة، أو دعوى الميل إلى المرح، وكل أولئك أعذار باطلة مردودة لا تصح ولا تصدق.\nوهذه المخالفة - كما رأينا في الحياة الواقعية - تؤدي في كثير من الأحيان إلى مشكلات اجتماعية يستصرخ منها الأزواج والزوجات ويوسطون الناس لحلها، وقد ييأسون من العلاج فينتهي الأمر في بعض الحالات إلى الفراق والطلاق، ولقد كانوا قادرين على تلافي تلك المشكلات لو أنهم انتبهوا إلى هذه الأمور اليسيرة الهينة، بل لقد كانوا قادرين على إحلال السعادة والتفاهم والرضى والسرور محلها.","vol":"2","page":420},{"text":"آداب إلقاء الحديث\nإن من رعاية القول الحسن الاهتمام بآدابه، لاسيما عندما يكون الحديث بين الزوجين:\nفمن أهم هذه الآداب أن يراعي المتحدّث حالة المخاطب، فلا يحدثه بقصد التودد وهو يراه متوجعًا متألما، أو مشغولَا بكتابة أو محادثة هاتفية، أو منتظرا أمرَا ذا بال وهو يفكر فيه، أو نعسان يغالبه النوم، أو متضايقا يدافع الأخبثين ويريد دخول الخلاء، أو مستعجلًا يريد الخروج وإدراك موعد له أو ما إلى ذلك من الحالات.\nومن آداب إلقاء الحديث أن يراعي المتحدِّث ألا ينفرد بالحديث وألا يكون آخذًا دائمَا صفة الذي يلقي ويطلب من سامعه دائمًا أن يكون مصغيا لا يفتح فمه. ومن هذه الآداب في إلقاء الحديث أن يجتنب المتحدث إعادة الحديث\nوتكراره فليس أثقل على النفس من الحديث المعاد.\nومن هذه الآداب أن يحرص المتحدث على الإيجاز وأن يحذر الإطالة والثرثرة، فحمل السامع على متابعتك لمدة طويلة مرهق ومنفر.\nومن آداب إلقاء الحديث أن يتنبه المتحدث إلى صفة التواضع، فليس حسنًا أن يفرط في الفخر بمزاياه العظيمة، وليعلم أن هذا ثقيل على السامع حتى ولو كان زوجَا أو إنسانا من أقرب الناس إليه.\nومن هذه الآداب أن يحرص المتحدث على أن يلقي حديثه بتقدير","vol":"2","page":421},{"text":"عميق لمن يكلمه لا سيما إن كان زوجة، فهي قرينته في حياته وشريكته في عمره وهى أم أولاده.\nومن آداب إلقاء الحديث أن يتخيّر المتحدث من الأحاديث ما يعلم اهتمام المخاطب به، وعليه أن يجتنب ما يعلم يقينًا أن سامعه يضيق صدره منه، ومعرفة هذا ميسورة للزوجين بحكم الخلطة المستمرة، واللقاء الدائم والحياة المشتركة.\nفإذا كان الزوج في أزمة مالية فمن الغلط أن تحدثه زوجته بحاجة البيت أو أفراد الأسرة إلى بعض المطالب التي لا يقوى على تحقيقها، وكذلك من الخطأ أن يحدث الرجل زوجته عن مزايا في غيرها لا توجد فيها: من نحو كون المرأة على مستوى جيد من المعرفة، أو الذكاء؛ فليس كل كلام صحيح صالحًا لأن يلقى على الناس.\nوعليه أن يجتنب الإكثار من الوعظ والعتاب والتوجيهات والتقريعات، فهذه الأمور يجب أن تكون بقدر محدود، وفي ظرف يساعد على قبولها، وأنا أعلم أنه لابد من بعضها، ولكنها إذا كثرت أضحت معولًا يهدم كيان السعادة الزوجية، فهناك أزواج لا يكون كلامهم إلا لومًا أو عتابا أو توجيهًا أو موعظة، ولله درّ القائل:\nإذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه\nفعش واحدًا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه\nإذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه\nومن ذا الذي ترضَى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلًا أن تعدّ معايبه\nومن آداب إلقاء الحديث أن يفرق الإنسان بين الحديث الخاص بين الزوجين وفي خلوتهما وبين حديثهما أمام أهليهما أو الأولاد أو الضيوف.","vol":"2","page":422},{"text":"ومن أهم هذه الآداب أن يراعى أحكام الشرع: فلا يكذب ولا يغتاب ولا يرمي أحدا بما ليس فيه، فاحرص يا أخي على أن يكون كلامك مع أهلك ومع الناس نظيفًا خيرا، وتذكر قول رسول الله ﷺ: \" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت \" (٩٩١) .\nوأود أن أذكر أدبًا مهمُّا يتصل بالعناية بمخارج الحروف وإبلاغ السامع أو السامعين الصوت جليا: فهناك أفراد لا يهتمّون بهذه الناحية حتى تتشابه الكلمات في حديثهم، وربما وصلت الكلمة إلى أذن السامع على نحو يناقض قصد المتكلم، من هنا كان الوضوح في الكلام أدبًا مطلوبًا، ويعين على ذلك أن يتكلم المرء بفمه كله، وأن يتعوّد على هذا، وأن يراعي ما يألف السامعون من الحروف، وأن يمرن لسانه على المخارج الصحيحة.\nوكذلك فإنّ عليه أن يسمع المخاطبين، فقد يحمل تكلفُ اللطف وتصنع الرزانة إنسانا على أن يتكلم بصوت منخفض جدا، حتى إن السامع لا يستطع أن يدرك مقصوده، وقد يريد الإسماع فيرفع صوته حتى يصدع رؤوس الناس، والتوسط في هذا هو المطلوب، وما بين ذلك قوام إن شاء الله.\nأما أدب الاستماع فهو من الأهمية بمكان لا يقل عن الإلقاء بل يزيد عليه، لأنّ الانتباه إليه أمر مضيَّع قل من يراعيه من الناس.\nوحسن الاستماع يزيد في حب الإنسان لصاحبه، ويجعله أكثر إقبالًا على الحديث، والانسجام مع قرينه، فمن هذا المنطلق ينبغي أن يحرص المرء على أن يثبت لمحدثه أنه يحبه لا سيما إن كان زوجًا، ففي ذلك توكيد لأسباب المودة والرحمة، وتوثيق لعرى الزوجية السعيدة، إنَّ عليه ًان يقبل\n_________\n(٩٩١) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي شريح الخزاعي، ومن حديث أبي هريرة: البخاري والترمذي رقم (٢٥٠٢)، وصححه.","vol":"2","page":423},{"text":"على سماع حديث صاحبه، وأن يلتمس النواحي المشرقة في حديثه، ويقنع نفسه بضرورة الإصغاء له بعناية تامة.\nإن الإقبال على المتحدث والإصغاء له دليل على تقديره واحترامه والاهتمام به ورعاية كرامته، وهذا مطلوب من الإنسان المسلم نحو أي مسلم آخر، ولو كان لا يجمع بينه وبينه إلا المرافقة في طريق.. فما بالك بشريكة العمر؟\nهذه أهمية حسن الاستماع فما آدابه؟\n١- من آدابه ألّا يتشاغل السامع عن الإصغاء بقراءة أو خياطة أو كنس أو مداعبة لولد أو نحو ذلك.\nإن تخصيص جزء من الوقت للحديث المشترك بين الزوجين يقبل فيه كل منهما على صاحبه كفيل بأن يزيل كثيرًا من أسباب الخلاف، ويحُل محلها أسس الود والرحمة.\n٢- ومن آدابه ألا يقاطع السامع صاحبه، بل ينتظره حتى يتم حديثه، لأن مخالفة هذا الأدب سبب لكثير من المشكلات الزوجية، وكثيرا ما تكون المقاطعة نتيجة لخوف من أحد الزوجين أن يخسر موضوع الحديث، وهذا خطأ فادح، لماذا لا نسمع ونناقش بهدوء؟ وإذا كنا على خطأ لماذا لا يكون عندنا الاستعداد للتراجع عن الخطأ؟\n٣- ومن آداب حسن الاستماع أن يبدي المرء استحسانه لما يسمع، وأن يكون هذا الاستحسان في حدود المعروف المقبول لا يبالغ فيه، إذ إن المبالغة قد تعني التهكم والمداراة، وكل ذلك مسيء للمتحدّث، وقد قيل: إذا زاد الأمر عن حده انقلب إلى ضده.\n٤- ومن آدابه ألا ينتقل في تعقيبه على حديث المتكلم إلى موضوع آخر حتى يشعر بأن المتكلم قال كل ما يريد.","vol":"2","page":424},{"text":"٥- ومن آداب حسن الاستماع أن يقبل السامع على الإصغاء لحديث صاحبه حتى ولو كان في أمر يعرفه أدق المعرفة، قال ابن المقفع: [إذا رأيت الرجل يحدث حديثا قد علمته، ويخبر خبرا قد سمعته، فلا تشاركه فيه، ولا تفتح عليه، حرصًا على أن تُعلم الناس أنك قد علمته، فإن ذلك خفة وسوء أدب] ولله درّ أبي تمام:\nمَنْ لي بإنسان إذا أغضبتُه ... وجهلتُ كان الحلم رد جوابه\nوتراه يصغي للحديث بقلبه ... وبسمعه ولعله أدرى به\n٦- ومن آداب حسن الاستماع أن ينصت سواء أكان الحديث دسما عميقًا أم كان تافها غثا، وألا يظهر لصاحبه ضيقه من ذلك، لأن أي إنسان مهما أوتي من الموهبة لن يستطيع أن يجعل حديث التسلية دائمًا حديثًا عميقَا دسما، وقد قيل: إذا جالست الجهال فأنصت لهم، وإذا جالست العلماء فأنصت لهم؟ فإن في إنصاتك للجهال زيادة في الحلم، وفي إنصاتك للعلماء زيادة في العلم.\n٧- وإذا كان الحديث بين زوجين فمن آداب حسن الاستماع ألا يسارع أحدهما إلى الردّ على صاحبه فيما إذا قرر أمرَا لا يراه، ما لم يكن إثمًا أو زيغًا.. إن عليه ما دام الأمر لم يصل إلى دائرة المنكر أن يلوذ بالصمت الملاطف الرفيق، ولا بأس بأن يثني على جانب من الكلام تمهيدا للتعقيب المناسب في الوقت المناسب، ذلك لأنَ المبادرة إلى إبطال قوله قد تترك أثرًا سيئًا في نفس صاحبه، ولايزهدن أحد في المجاملة، فما أكثر ما تكون المجاملة نافعة في الدنيا!!! وليس يعني هذا أن ينسلخ المرء عن رأيه ولا أن يتخلى عن فكره.. لا.. ولكن يسعه الصمت في بادئ الأمر ثم يتخير الوقت المناسب ليقول فيه ما يرى.\n٨- ومن آدابه أن يجاري أحد الزوجين صاحبه فيما يسمع.. فإن كان الحديث نكتة صادقة ضحك، وإن كان خبرًا يثير التعجب تعجب..","vol":"2","page":425},{"text":"إن مثل هذه المجاراة والتجاوب يجعل المرء يحس بلذة الحديث، وأنه يتحدث مع حيّ يشاركه الرأي لا مع جماد ميت، ولا مع مشاكس معاند، وليحاول أن يجعل ذلك كله طبيعيًّا لا أثر للتكلف فيه] اهـ.\nعود على بدء\nومن المعاشرة بالمعروف:\nأن يستمع إلى حديثها، ويحترَم رأيها، ويأخذ بشوراها، إذا أشارت عليه برأي صواب، فقد أخذ ﷺ برأي أم سلمة يوم الحديبية، فكان في ذلك سلامةُ المسلمين من الإثم، ونجاتهم من عاقبة المخالفة، كما جاء في بعض الروايات: \" فجلى الله عنهم يومئذ بأم سلمة \"، وذلك حين امتنع الصحابة ﵃ من أن ينحروا هديهم، فأشارت عليه أم سلمة ﵂ أن يخرج، ولا يكلم أحدًا منهم كلمة حتى ينحر بُدْنه، ويحلق، ففعل ﷺ، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا، ففي هذا الحديث أنه ﷺ قبل مشورة أم سلمة ﵂ (٩٩٢)، وكذا قبل صالح مدين مشورة ابنته في استئجار موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nومن المعاشرة بالمعروف:\nأن يسلم على أهله إذا دخل عليهم، فعن أنس ﵁ قال:\n_________\n(٩٩٢) رواه البخاري (٥/٣٣٢) ط. السلفية، واعلم - رحمك الله - أنه لا معنى لرفض رأي المرأة العاقلة الفاضلة واطراح مشورتها لمجرد كونها امرأة، كما يفعل البعض اعتمادا على أحاديث ضعيفة مثل: \" شاوروهن، وخالفوهن \" قال الألباني: \" لا أصل له مرفوعا \"، وحديث: (طاعة المرأة ندامة\"، قال الألباني: \" موضوع\"، وحديث: \" هلكت الرجال حين أطاعت النساء \" قال الألباني: \" ضعيف \"، وانظر: \" سلسلة الأحاديث الضعيفة\" أرقام (٤٣٠)، (٤٣٥)، (٤٣٦)، و\"فتح الباري\" (٥/٣٤٧) .","vol":"2","page":426},{"text":"قال رسول الله ﷺ: \" يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم، يكن سلامُك بركةً عليك، وعلى أهل بيتك) (٩٩٣) .\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \" إن للإسلام صُوى ومنارا كمنارات الطريق \" الحديث بطوله، وفيه: \" وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئًا، فقد ترك سهما من الإسلام، ومن تركهن كلهن، فقد ولي الإسلام ظهره) (٩٩٤) .\nوعن أبي أمامة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" ثلاثة كلهم ضامن علي الله، الحديث، وفيه: \" ورجل دخل بيته بسلام، فهو ضامن على الله \" (٩٩٥) .\nوالمعنى: أنه إذا دخل بيته سلم على أهله ائتمارًا بقوله سبحانه:\n_________\n(٩٩٣) رواه الترمذي رقم (٢٦٩٨) في الاستئذان، وقال: \" حديث حسن صحيح\"، وفيه علي بن زيد بن جدعان، لكن قال الألباني: (هو كما قال - أي الترمذي - فإن له طرقًا كثيرة يتقوى الحديث بها، وقد جمعها الحافظ ابن حجر في جزء صغير، انتهى فيه إلى تقوية الحديث) اهـ. من \" تحقيق الكلم الطيب\" رقم (٦٢) .\n(٩٩٤) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في \" كتاب الإيمان\" رقم (٣)، وصححه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٣٣٣)، والصوى: جمع \"صوة\"، وهى أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي والمفاوز المجهولة، يستدل بها على الطريق، وعلى طرفيها.\n(٩٩٥) رواه أبو داود رقم (٢٤٩٤)، وابن حبان رقم (٤١٦) ولفظه: (ثلاثة كلهم ضامن على الله، إن عاش رُزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة: من دخل بيته فسلم فهو ضامن على الله) الحديث، والحاكم (٢/٧٣)، وصححه، وأقره الذهبي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٣/٦٩)، ومعنى ضامن: صاحب الضمان، وهو الرعاية للشيء كما يقال: \" تامر\" و\"لابن\" لصاحب التمر واللبن، ومعنى الحديث أنه في رعاية الله، وضمنه بعلى تضمينًا لمعنى الوجوب، والمحافظة على سبيل الوعد بأن يكلأه الله من الضرر في الدنيا والدين، وانظر: \" فيض القدير\" (٣/٣١٩ - ٣٢٠) .","vol":"2","page":427},{"text":"(فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) (النور: ٦١) .\nومن المعاشرة بالمعروف:\nأن يكرمها بما يرضيها، ومن ذلك أن يكرمها في أهلها عن طريق الثناء عليهم بحق أمامها، ومبادلتهم الزيارات، ودعوتهم في المناسبات، وبذل الإحسان لهم.\nفعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: \" أيما امرأةٍ نَكَحَتْ على صَداقٍ أو حِباء (٩٩٦)، أو عِدة قبل عصمة (٩٩٧) النكاح، فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح، فهو لِمَنْ أعطِيَه، وأحَقُّ ما أكرِمَ عليه الرجل ابنتُه وأختُه (٩٩٨) \".\nومن المعاشرة بالمعروف:\nمعالجتها ومداواتها إذا مرضت، وإن طال المرض، وحال دون انتفاعه\n_________\n(٩٩٦) الحباء: العَطية والهبة للغير أو للزوج زائدا على مهرها.\n(٩٩٧) (عصمة النكاح: عقدته، يقال: عصمة المرأة بيد الرجل أي عقدة نكاحها، ومنه قوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) أي بعقد نكاحهن، والله أعلم) اهـ. من \" جامع الأصول \": (٧/ ٢٢ - ٢٣) .\n(٩٩٨) رواه أبو داود رقم (٢١٢٩) في النكاح: باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها شيئا، والنسائي (٦/١٢٠) في النكاح: باب التزويج على نواة من ذهب، وابن ماجه (١/٣٠٨)، والإمام أحمد رقم (٦٧٠٩)، والبيهقي (٧/٢٤٨)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في \" المسند\" (١٠/١٧٨)، (وفي الحديث دليل على أن المرأة تستحق جميع ما يذكر قبل العقد من صداق أو حِباء أو عدة، ولو كان ذلك الشيء مذكورا لغيرها، وما يذكر بعد عقد النكاح فهو لمن جُعِل له سواء كان وليا، أو غير ولي، أو المرأة نفسها) اهـ. من \" عون المعبود\" (٦/١٦٥)، وانظر: \" السلسلة الضعيفة \" حديث رقم (١٠٠٧)، و\" نيل الأوطار\" (٦/١٩٧) .","vol":"2","page":428},{"text":"بها، فذلك من الوفاء وحسن العشرة، والمعروف الذي أمر الله به.\nبل من حسن المعاشرة أن يباشر بنفسه رعايتها، ويلزمها إذا مرضت، فقد تغيب ذو النورين عثمان بن عفان عن غزوة بدر لأن زوجه رقية بنت رسول الله ﷺ كانت مريضة، فقال له النبي ﷺ: \" أقم معها، ولك أجر من شهد بدرًا وسهمه \" (٩٩٩) .\nومن المعاشرة بالمعروف: العدل بين الزوجات في القَسم والنفقة: قال الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية (النحل: ٩٠)، وقال جل وعلا: (قل أمر ربي بالقسط) (الأعراف: ٢٩)، وقال سبحانه: (إن الله يحب المقسطين) (المائدة: ٤٢)، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعا: \" المقسطون عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا \" (١٠٠٠) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إذا كانت عند الرجل امرأتان، فلم يعدل بينهما، جاء يومَ القيامة وشِقُّه ساقط \" (١٠٠١)\nوعن عروة قال: قالت عائشة ﵂: (يا ابن أختي كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القَسم من مُكثه عندنا، وكان\n_________\n(٩٩٩) رواه البخاري (٧/٤٨) في مناقب عثمان بن عفان ﵁.\n(١٠٠٠) أخرجه مسلم رقم (١٨٢٧) في الإمارة، والنسائي (٨/٢٢١)، والبغوي (١٠/٦٣)، والإمام أحمد (٢/١٦٠) .\n(١٠٠١) رواه أبو داود رقم (٢١٣٣)، والترمذي رقم (١١٤١)، والنسائي (٧/٦٣)، وغيرهم، وصححه الألباني في \" تحقيق المشكاة\" (٢/٩٦٥)، و\"الإرواء\" (٧/٨٠) .","vol":"2","page":429},{"text":"قَلَّ يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ التي هو يومُها فيبيت عندها) (١٠٠٢) الحديث.\nقال الإمام القرطبي ﵀ مبينًا العدل الواجب بين الزوجات: (على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة؛ هذا قول عامة العلماء، وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار، ولا يُسقِطُ حقَّ الزوجة مرضُها ولا حَيضها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها، وعليه أن يعدِل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته، إلا أن يعجِز عن الحركة فيقيم حيث يغلب عليه المرض، فإذا صَح استأنف القَسمَ، والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء ...\nولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا يدخل لإحداهن في يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة ...\nوروى ابن بكير عن مالك عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان، فإذا كان يوم هذه لم يشرب من بيت الأخرى الماء، قال ابن بكير: وحدثنا مالك عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان ماتتا في الطاعون، فأسهم بينهما أيهما تدلى أوَّل) (١٠٠٣) اهـ.\nتنبيه: ما هو العدل غير المستطاع؟\nقوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) الآية، (النساء: ١٢٩) .\n_________\n(١٠٠٢) رواه أبو داود رقم (٢١٣٥) في النكاح: باب في القسمة بين النساء، وقال محقق \" جامع الأصول\": \" حديث صحيح \" (١١/٥١٤) .\n(١٠٠٣) \" الجامع لأحكام القرآن\" (١٤/٢١٧) بتصرف.","vol":"2","page":430},{"text":"قال القرطبي ﵀: (أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض؛ ولهذا كان ﵇ يقول: \" اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك \" (١٠٠٤)، ثم نهى فقال: (فلا تميلوا كل الميل) قال مجاهد: \" فلا تتعمدوا الإساءة بل الزموا التسوية في القسْم والنفقة؛ لأن هذا مما يُستطاع \" ... وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشِقه مائل \" (١٠٠٥) . قوله تعالى: (فتذروها كالمعلقة) أي لا هي مطلقة، ولا ذات زوج؛ قاله الحسن) (١٠٠٦) اهـ.\nومن المعاشرة بالمعروف: أن يشاركها في خدمة البيت إن وجد فراغا: عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: \" كان ﷺ يكون في مهنة أهله - يعنى خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة \" (١٠٠٧) .\nوعنها ﵂ قالت: \" كان بَشَرَا من البشر: يَفْلِي ثوبه،\n_________\n(١٠٠٤) رواه أبو داود رقم (٢١٣٤)، والترمذي رقم (١١٤٠)، والنسائي (٧/٦٤)، والحاكم (٢/١٨٧)، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، وبقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك - يعني القلب)، والحديث أعله جمع من المحققين كما فصل العلامة الألباني في \" الإرواء\" (٧/٨٢)، وضعفه.\n(١٠٠٥) تقدم آنفا برقم (١٠٠١) .\n(١٠٠٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/٤٠٧) بتصرف.\n(١٠٠٧) رواه البخاري (٢/١٦٢)، (٩/٥٠٧)، (١٠/٤٦١)، والترمذي رقم (٢٤٨٩)، والإمام أحمد (٦/١٢٦، ٢٠٦) .","vol":"2","page":431},{"text":"ويَحلُبُ شاته، ويخدِم نفسه \" (١٠٠٨) .\n* * *\nقال الشافعي ﵁: (وجماع المعروف بين الزوجين كف المكروه، وإعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه، لا بإظهار الكراهية في تأديته، فأيهما مطل بتأخيره فمطل الواجد القادر على الأداء ظلم بتأخيره) اهـ (١٠٠٩) .\nوقال بعض الشافعية: (كف المكروه: هو أن لا يؤذي أحدهما الآخر بقول أو فعل، ولا يأكل أحدهما، ولا يشرب، ولا يلبس ما يؤذي الآخر) (١٠١٠) اهـ.\nوبالجملة فكل أمر يتصور في الدين والعرف أنه حسن فهو من المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها، قال ﷺ: \" خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي \" (١٠١١) .\nوفيما يلي نعرض لقبس من الهدي النبوي في حسن المعَاشرة ليكون نبراسَا لمن أراد أن يمتثل قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) .\nقال ابن كثير رحمه الله تعالى: (وكان من أخلاق النبي ﷺ أنه\n_________\n(١٠٠٨) رواه البخاري في \" الأدب المفرد\" (٥٤١)، والبغوي في \" شرح السنة\" (٣٦٧٦)، والإمام أحمد (٦/٢٥٦)، وصححه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٦٧١) على شرط مسلم.\n(١٠٠٩) \"تكملة المجموع\" (١٥/٢٨٩) .\n(١٠١٠) \" السابق\" (١٥/٢٩٠) .\n(١٠١١) تقدم تخريجه برقم (٢١٨) .","vol":"2","page":432},{"text":"جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين ﵂، يتودد إليها بذلك، قالت: \" سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم، فسبقني، فقال: \" هذه بتلك \"، وكان ﷺ يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء، وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك ﷺ، وقد قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (١٠١٢) اهـ.\nوعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت:\n\" كان رسول الله ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حَدَّثني، وإلا اضطجع حتى يُؤذَّنَ بالصلاة \" (١٠١٣) .\nوكانا يتبادلان السمر بالأحاديث الخفيفة، والقصص ذات الموعظة الحسنة، كما في حديث أبي زرع وأم زرع، حيث قال لها: \" كنت لك كأبي زرع لأم زرع \" (١٠١٤)، فأظهر استعداده لتحمل النفقة، والعطف والمودة والإحسان، وحسن المعاشرة، وفي رواية بزيادة: (\" إلا أنه طلقها، وأنا لا أطلق \"، فقالت عائشة ﵂: \" يا رسول الله\n_________\n(١٠١٢) \" تفسير القرآن العظيم \" (١/٤٧٧) .\n(١٠١٣) رواه البخاري (٣/٣٦) في التطوع، ومسلم رقم (٧٤٣) في صلاة المسافرين، وأبو داود رقم (١٢٦٢)، (١٢٦٣) في الصلاة، والترمذي رقم (٤١٨) في الصلاة.\n(١٠١٤) أصل الحديث رواه البخاري (٩/٢٢٠ - ٢٤١) في النكاح: باب حسن المعاشرة مع الأهل، ومسلم رقم (٢٤٤٨) في فضائل الصحابة: باب ذكر حديث أم زرع.","vol":"2","page":433},{"text":"بل أنت خير من أبي زرع \" (١٠١٥» .\nوعنها أيضًا ﵂ قالت: \" إن كان رسول الله ﷺ ليؤتى بالإناء فأشرب منه وأنا حائض، ثم يأخذه، فيضع فاه على موضع في، وإن كنت لآخذ العَرق فآكل منه، ثم يأخذه، فيضع فاه على موضع فِي \" (١٠١٦) .\nوقال الغزالي رحمه الله تعالى في (الإحياء) في \" آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح \".\n(الأدب الثاني: حسن الخلق معهن، واحتمال الأذى منهن، ترحمًا عليهن، لقصور عقلهن، قال الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف)، وقال في تعظيم حقهن: (وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا) (١٠١٧)، وقال تعالى: (والصاحب بالجنب) قيل هي: المرأة) .\nثم قال: \" واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها وغضبها، اقتداءً برسول الله ﷺ، فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام، وتهجره الواحدة منهن يومًا إلى الليل،\n_________\n(١٠١٥) هذه الزيادة أخرجها النسائي في \" عشرة النساء\" رقم (٢٥٦)، وانظر: \" بغية الرائد \" للقاضي عياض، \" مختصر الشمائل المحمدية \" للألباني هامش ص (١٣٤) .\n(١٠١٦) تقدم تخريجه برقم (١٧٧) .\n(١٠١٧) قال الزمخشري: (الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة، ووصفه بالغلظة لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟) اهـ.\n(قال الشهاب الخفاجي: قلت بل قالوا:\nصحبة يوم نسب قريب ... وذمة يعرفها اللبيب)\nانظر \" محاسن التأويل \" (٥/ ١١٦٥) .","vol":"2","page":434},{"text":"وراجعت امرأةُ عمر عمر ﵁ في الكلام، فقال: \" أتراجعيني يالكعاء؟ \"، فقالت: إن أزواج رسول الله ﷺ يراجعنه، وهو خير منك \" (١٠١٨)] (١٠١٩) اهـ. ومع انشغاله ﷺ بتبعات الدعوة الجسام، وبناء الأمة المسلمة كان لا يألو جهدًا عن مطايبة أزواجه ﷺ:\nفكان ﷺ يرخم اسم عائشة ﵂، وربما خاطبها: \" يا عائش\"، و\" يا عويش\"، و\" يا حميراء\"، ليدخل السرور على قلبها. وكان ﷺ يقول لها ﵂: \" إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غَضْبَى \"، قالت: فقلت: \" من أين تعرف ذلك؟ \"، فقال: (أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: \" لا، ورب محمد \"، وإذا كنت غضبى قلت: \" لا، ورب إبراهيم \"!) قالت: \" أجل والله يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك \" (١٠٢٠) .\nوعنها ﵂ قالت:\n(قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لُعَب، فقال: \" ما هذا يا عائشة؟ \" قالت: \" بناتي\"، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: \" ما هذا الذي أرى وسطهن؟ \"، قالت: \" فرس \"، قال: \" وما هذا الذي عليه؟ \" قالت: \" جناحان \"، قال: \" فرس له جناحان؟ \" قالت: \" أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ \" قالت: فضحك حتى\n_________\n(١٠١٨) قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري رقم (٢٤٦٨) في المظالم: باب الغرفة والعلية (٥/١١٤- ١١٦) ط. السلفية.\n(١٠١٩) \" الإحياء\" (٤/ ٧٢٠ - ٧٢٢) .\n(١٠٢٠) رواه البخاري (٩/٢٨٥) في النكاح: باب غيرة النساء ووجدهن، وفي الأدب، ومسلم رقم (٢٤٣٩) في فضائل الصحابة: باب في فضل عائشة ﵂.","vol":"2","page":435},{"text":"رأيت نواجذه) (١٠٢١) .\nوعنها ﵂ قالت: (دعاني رسول الله ﷺ، والحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد في يوم عيد، فقال لي: \" يا حُمَيراء (١٠٢٢) ! أتحبين أن تنظري إليهم؟ \"، فقلت: (نعم)، فأقامني وراءه، فطأطأ لي منكبيه لأنظر إليهم، فوضعت ذقني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خده، فنظرت من فوق منكبيه - وفي رواية: من بين أذنه وعاتقه - وهو يقول: \" دونكم يا بني أرفدة \"، فجعل يقول: \" يا عائشة، ما شبعتِ؟ \"، فأقول: \" لا \"، لأنظر منزلتي عنده، حتى شبعت، قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبا)، وفي رواية: (حتى إذا مللت، قال: (حسبك؟)، قلت: \" نعم \"، قال: \"فاذهبي\")، وفي أخرى: (قلت: \" لا تعجل\"، فقام لي، ثم قال: \" حسبك؟ \"، قلت: \" لا تعجل \"، ولقد رأيته يراوح بين قدميه، قالت: \" وما بي حب النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه، وأنا جارية، فاقدروا قدر الجارية العَرِبة الحديثة السن الحريصة على اللهو \" (١٠٢٣)، قالت: \" فطلع عمر، فتفرق الناس عنها، والصبيان \"، فقال النبي ﷺ: \" رأيت شياطين الإنس والجن فروا من عمر \"، قالت عائشة ﵂: قال ﷺ يومئذ: \" لتعلم يهود أن في ديننا فسحة \" (١٠٢٤» .\n_________\n(١٠٢١) رواه أبو داود رقم (٤٩٣٢) في الأدب: باب في اللعب بالبنات، والنسائي \" عشرة النساء \" رقم (٦٤) ص (٩٤ - ٩٥)، وقد تقدم برقم (٢١٠) .\n(١٠٢٢) تصغير الحمراء، يريد البيضاء، كذا في \" النهاية \" (١/٤٣٨) .\n(١٠٢٣) راجع الحاشية رقم (٢١١) .\n(١٠٢٤) رواه البخاري (١/٤٥٧) في المساجد، والعيدين، وغيرهما، ومسلم رقم (٨٩٢) في العيدين، والنسائي (٣/ ١٩٥ - ١٩٦)، وفي هذه الرواية زيادات جمعها العلامة الألباني، وحققها في \" آداب الزفاف \" طبعة ١٤٠٥ هـ ص (٢٧٢ - ٢٧٥) .","vol":"2","page":436},{"text":"وتقدم عنها ﵂: (أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفر، وهي جارية، قالت: \" ولم أحمل اللحم، ولم أبدِّن (١٠٢٥)، فقال لأصحابه: تقدموا \"، فتقدموا، ثم قال: \" تعالي أسابقك \"، فسابقته، فسبقته على رجلي، فلما كان بعد، خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه: \" تقدموا\"، ثم قال: \" تعالي أسابقك \"، ونسيت الذي كان، وقد حملت اللحم، وبدنت، فقالت: \" كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذه الحال؟ \"، فقال: \" لتفعلن\"، فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وقال: \" هذه بتلك السبقة \" (١٠٢٦) .\nويُروى عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قالت عائشة ﵂: (كان عندي رسولُ الله وسَوْدَةُ، فصنعتُ خَزِيرا (١٠٢٧)، فجئت به، فقلت لسودة: \" كُلِي \"، فقالت: \" لا أحبه \"، فقلت: \" والله لَتأكلين أو لألطخَنَّ وجهك \"، فقالت: \" ما أنا بباغية \"، فأخذت شيئًا من الصحفَة فلطختُ به وجهها ورسولُ الله ﷺ ما بيني وبينها، فخفض لها رسول الله ﷺ ركبتيه لتستقيد مني، فتناوَلَت من الصحفة شيئا، فَمَسَحَت به وجهي، وجعل رسولُ الله ﷺ يضحك) (١٠٢٨) .\n_________\n(١٠٢٥) أي: لم أضعف، ولم أكبر، وفي \" القاموس\": \" وبَدن تبدينا: - بشديد الدال - أسن وضعف\"، و\" بَدُن، بتخفيف الدال من البدانة، وهى كثرة اللحم والسمنة، انظر: \" النهاية\" (١/١٠٧) .\n(١٠٢٦) تقدم تخريجه برقم (٢٢٩) .\n(١٠٢٧) الخزير والحزيرة: لحم يقطع ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذُر عليه الدقيق.\n(١٠٢٨) رواه النسائي في \" عشرة النساء\" رقم (٣١)، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء\": (رواه الزبير بن بكار في كتاب الفكاهة والمزاح، وأبو يعلى بإسناد جيد) اهـ. وانظر: \" تخريج أحاديث الإحياء\" (٤/١٦٨١ - ١٦٨٢) .","vol":"2","page":437},{"text":"وعن الشفاء بنت عبد الله قالت: (دَخَلَ عَلَيَّ النبي ﷺ وأنا عند حفصة، فقال لي: (ألا تعلمين هذه رُقيَةَ النَّمِلَة (١٠٢٩) كما عَلًمتِيها الكتابة \" (١٠٣٠) .\nوهذا من لغز الكلام ومزاحه، وذلك أن رقية النملة التي كانت تُعرف بين العرب، هي كلام كانت تستعمله نساؤهم يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع، وهي أن يقال: \" العروس تحتفل، وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل غير أن لا تعصي الرجل \"، فأراد ﷺ بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريضا، لأنه ألقى إليها سِرًّا فأفشته (١٠٣١) .\nالوفاء للزوجة بعد مماتها\nلقد ضرب رسول الله ﷺ المثل الأعلى في الوفاء للزوجة حتى بعد موتها، بعد أن ضرب هذا المثل الأكمل في المعاشرة بالمعروف حال حياتها.\nومن خبر ذلك أنه ﷺ كان يُثني على أم المؤمنين خديجة ﵂، ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها، بحيث أن عائشة ﵂ كانت تقول: \"ما غِرْتُ من امرأة ما غِرْتُ من خديجة (١٠٣٢)،\n_________\n(١٠٢٩) النمِلَة: بفتح النون وكسر الميم، قروح تخرج في الجنب.\n(١٠٣٠) رواه أبو داود رقم (٣٨٨٧) في الطب: باب ما جاء في الرقى، والحاكم (٤/٤١٤)، وصححه، ووافقه الذهبي، والإمام أحمد (٦/٢٨٦)، وابن سعد (٨/٥٩)، والطحاوي في \" شرح معاني الآثار\" (٤/٣٢٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/٣٩٥)، وسكت عنه أبو داود، والمنذري، وابن القيم في \"تهذيب السنن\"، وقال الهيثمي في \" الزوائد\" (ورجاله رجال الصحيح) اهـ (٥/١١٢)، إلا إبراهيم بن مهدى البغدادي المصيصي، وهو ثقة.\n(١٠٣١) انظر: \"عون المعبود\" (١٠/ ٣٧٣ - ٣٧٤) .\n(١٠٣٢) قال الذهبي ﵀: (وهذا من أعجب شيء! أن تغار ﵂ من =","vol":"2","page":438},{"text":"من كثرة ما كان رسول الله ﷺ يذكرها \" (١٠٣٣)، وفي رواية بزيادة: \" وما رأيتها قط، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة \" (١٠٣٤)، وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها يومَا، فحملتني الغيرة، فقلت: \" لقد عَوضَك الله من كبيرة السن! \" قالت: فرأيته غضب غضبا أسقِطْتُ في خَلَدي (١٠٣٥)، وقلت في نفسي: \" اللهم إن أذهبتَ غضبَ رسولك عني لم أعُد أذكرها بسوء \"، فلما رأى النبي ﷺ ما لقيتُ، قال: \" كيف قلتِ؟ والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزِقْتُ منها الولد وحرمتموه مني \" قالت: \" فغدا وراح عَلي بها شهرا \" (١٠٣٦) .\nوعنها أيضًا ﵂ قالت:\n(جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهو عندي، فقال لها رسول الله\n_________\n= امرأة عجوز توفيت قبل تزوج النبي ﷺ بعائشة بمُديدة، ثم يحميها الله من الغيرة من عدة نسوة يشاركنها النبي ﷺ، فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي ﷺ لئلا يتكدر عيشُهما، ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حُبُّ النبي ﷺ لها، وميلُه إليها، فرضي الله عنها، وأرضاها) اهـ \"السير\" (٢/ ١٦٥) .\n(١٠٣٣) أخرجه البخاري (٧/١٠٢) في فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها، ومسلم (٢٤٣٥)، والترمذي (٣٨٧٥) .\n(١٠٣٤) رواه البخاري (٧/١٠٧ - ١٠٨) باب تزويج النبي ﷺ خديجة ﵂.\n(١٠٣٥) الخلد: بالتحريك: البال والقلب والنفس.\n(١٠٣٦) نسبه الحافظ في \" الإصابة\" (١٢/٢١٧ - ٢١٨) إلى كتاب \" الذرية الطاهرة\" للدولابي، وقال محقق \"سير أعلام النبلاء\": (إسناده حسن) اهـ.\n(٢/١١٢)، ورواه بنحوه الإمام أحمد (٦/١١٧، ١١٨) (وفيها مجالد وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات) كذا في \" تحقيق السير\"، (٢/١١٧) .","vol":"2","page":439},{"text":"ﷺ: \" من أنت؟ \"، قالت: \" أنا جثامة المزنية \"، فقال: \" بل أنت حُسَّانة المزنية، كيف أنتم كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ \" قالت: \" بخير، بأبي أنت وأمي يا رسول الله \"، فلما خرجت، قلت: \" يا رسول الله ﷺ تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ \" قال: \" إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان \" (١٠٣٧) .\nوعنها ﵂ قالت: (لما بعث أهل مكة في فداء أساراهم، بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص بقلادة، وكانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله ﷺ رَق لها رقة شديدة، قال: \" إذا رأيتم أن تُطْلِقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها \") (١٠٣٨) .\n_________\n(١٠٣٧) أخرجه الحاكم (١/١٥-١٦)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، مع أن صالح بن رستم لم يخرج له البخاري إلا تعليقا، قال فيه أحمد: \" صالح الحديث \" كما نقله الذهبي في \" الميزان\" (٢/٢٩٤)، وقال: \" وهو كما قال أحمد \"، وعزاه الحافظ إلى البيهقي في \" الشعب\" كما في \" الفتح\" (١٠/٤٣٦) ط. السلفية، وانظر: \" إتحاف السادة المتقين\" (٦/٢٣٥- ٢٣٦) .\n(١٠٣٨) أخرجه الحاكم (٤/٤٤ - ٤٥) من طريق ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه، عنها ﵂، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، فإن ابن إسحاق صرح بالتحديث.","vol":"2","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>ثالثًا: حقوق الزوج على زوجته</span>\n\" كن نساء المدينة إذا أردن أن يبنين بامرأة\nعلى زوجها، بدأن بعائشة، فأدخلنها عليها،\nفتضع يدها على رأسها، تدعو لها، وتأمرها\nبتقوى الله، وحق الزوج \" (١٠٣٩) أم حُمَيد\nأوجب الله ﷾ على الزوجة حقوقًا تجاه زوجها، وألزمها بواجبات إزاء بيتها وأولادها، لكي تستقيم الحياة، وتسعد الأسرة نفصلُها فيما يلي:\n١- وجوب طاعة المرأة زوجها في المعروف:\nعلى المرأة خاصة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به في حدود استطاعتها، وهذه الطاعة أمر طبيعي تقتضيه الحياة المشتركة بين الزوج والزوجة، ولا شك أن طاعة المرأة لزوجها يحفظ كيان الأسرة من التصدع والانهيار، وتبعث إلى محبة الزوج القلبية لزوجته، وتعمق رابطة التآلف والمودة بين أعضاء الأسرة، وتقضي على آفة الجدل والعناد التي تؤدى في الغالب إلى المنازعة، وتعطي الرجل أحقية القِوامة، ورعاية الأسرة بما وهبه الله من خصائص القوة والتعقل، وبما كلفه به من مسؤولية الإنفاق، فإن هذا مما فضل الله به الرجال على النساء، كما في قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات) أي مطيعات لأزواجهن (حافظات للغيب بما حفظ الله) (النساء: ٣٤) .\n_________\n(١٠٣٩) رواه ابن أبي شيبة في \" المصنف\" (٤/٣٠٥ - ٣٠٦) .","vol":"2","page":441},{"text":"وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة مؤكدة لهذا المعنى، ومبينة بوضوح ما للمرأة وما عليها إذا هي أطاعت زوجها أو عصته: منها: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: (قيل لرسول الله ﷺ: \" أي النساء خير؟ \"، قال: \" التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره \") (١٠٤٠) .\nومنها: ما رواه حصين بن مُحصِن قال: (حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله ﷺ في بعض الحاجة، فقال: \" أي هذه! أذات بعل؟ \" قلت: \" نعم \"، قال: \" كيف أنتِ له؟ \". قالت: \" ما آلوه (١٠٤١)؛ إلا ما عجزتُ عنه \"، قال: \" فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك \" (١٠٤٢)، فالزوج هو باب للمرأة إما إلى الجنة في حالة رضاه عنها، أو للنار عند سخطه عليها بالحق، والطاعة لا تكون إلا بالمعروف، أما إذا أمرها بمعصية فلا سمع حينذاك ولا طاعة، لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: \" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق \" (١٠٤٣) .\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:\n\" ولو دعاها الزوج إلى معصية، فعليها أن تمتنع، فإن أدبها على\n_________\n(١٠٤٠) رواه النسائي، والحاكم (٢/١٦١)، والإمام أحمد (٢/٢٥١، ٤٣٢، ٤٣٨)، والبيهقي (٧/٨٢)، وقال الحاكم: \" صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ العراقي: \" سنده صحيح \" (١/٧١٥)، وحسنه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١٨٣٨)، وانظر: \"عشرة النساء\" للنسائي ص (١٠٦) .\n(١٠٤١) ما آلوه: أي لا أقصر في طاعته وخدمته.\n(١٠٤٢) رواه ابن أبي شيبة (٤/٣٠٤)، وابن سعد (٨/٤٥٩)، والإمام أحمد (٤/٣٤١)، (٦/٤١٩)، والحاكم (٢/١٨٩)، والبيهقي (٧/٢٩١)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال المنذري: \"رواه أحمد والنسائي بإسنادين جيدين\" (٣/٧٤) . (١٠٤٣) تقدم تخريجه برقم (٦٣٨) .","vol":"2","page":442},{"text":"ذلك، كان الإثم عليه \" (١٠٤٤) اهـ.\nوفي الحديث التالي - إن صح - جَعَل رسول الله ﷺ طاعة المرأة زوجها أولى الخصال التي تستحق بها المرأة أن توصف بالصلاح:\nفمما يُروى عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول:\n\" ما استفاد المؤمن - بعد تقوى الله ﷿ - خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإِن أقسم عليها أبرَّته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله \" (١٠٤٥) .\nولعظم حق الزوج أضاف ﷺ طاعة الزوج إلى مباني الإسلام كما في الحديث التالي:\nعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إذا صلت المرأة خَمْسَها، وصامت شهرها، وحصَّنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئتِ) (١٠٤٦) .\nفالزوج أولى الناس بالمرأة، ومكانته بالنسبة إليها عالية مقدسة لا يبلغها أحد من أقاربها أبدًا.\n_________\n(١٠٤٤) \" فتح الباري\" (٩/٣٠٤) .\n(١٠٤٥) رواه ابن ماجه رقم (١٨٥٧) في النكاح: باب أفضل النساء، وضعفه الألباني في \" المشكاة\" رقم (٣٠٩٥)، وانظرا \" الصحيحة\" المجلد الثالث ص (٤٥٥)، وانظر: \" فيض القدير\" (٥/٤١٩) .\n(١٠٤٦) رواه من حديث أبي هريرة ﵁ ابن حبان رقم (١٢٩٦ - موارد)، وأحمد رقم (١٦٦١) عن عبد الرحمن بن عوف، وأبو نعيم (٦/٣٠٨) عن أنس بن مالك، وقال الألباني: (حديث حسن أو صحيح، له طرق) انظر: \" آداب الزفاف \" ص (٢٨٦) .","vol":"2","page":443},{"text":"ولما كانت الصلاة أسمى أنواع العبادات، والسجود فيها ذروتها، فقد اعتبر الشرع مكانة الزوج بالنسبة لزوجته أنها بمستوى سجودها له، وكاد أن يأمرها بالسجود له لولا أنه لا ينبغي السجود لغير الله ﷾. (وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا من حوائط الأنصار، فإذا فيه جملان يضربان ويرعدان، فاقترب رسول الله ﷺ منهما، فوضعا جرَانهما (١٠٤٧) بالأرض، فقال من معه: \" نسجد لك؟ \" فقال النبي ﷺ: \" ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد، ولو كان أحد ينبغي له أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لما عظم الله عليها من حقه \" (١٠٤٨)، وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ عن النبي ﷺ \" قال: \" لو كنت آمِرًا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها، حتى تؤدي حق زوجها كلَّه، حتى لو سألها نفسها وهي على قَتَب لم تمنعه \" (١٠٤٩) .\n_________\n(١٠٤٧) الجرَان: باطن العتق، أي أنهما بركا ومدا عنقهما على الأرض. \" النهاية\" (١/٢٦٣) .\n(١٠٤٨) أخرجه الترمذي (١/٢١٧)، وابن حبان (١٢٩١ - موارد) - واللفظ له - والبيهقي (٧/ ٢٩١)، وقال الترمذي: \" حسن غريب \"، وقال الألباني: \" وهو كما قال \"، انظر: \" الإرواء \" (٧/٥٤) .\n(١٠٤٩) وسبب ورود هذا الحديث أن (معاذًا ﵁ لما قدم من الشام، سجد للنبي ﷺ، قال: \" ما هذا يا معاذ؟ ! \" قال: \" أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك \"، فقال رسول الله ﷺ: \" فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا.. \" فذكر الحديث، أخرجه الإمام أحمد (٤/٣٨١)، وابن ماجه (١٨٥٣) (١/٥٧٠)، وابن حبان (١٢٩٠ - موارد)، والبيهقي (٧/٢٩٢)، وحسنه الألباني في \" صحيح الجامع\" (٥/٦٩)، وراجع الحاشية رقم (٦٢٧) .\nوقال ابن الأثير في \" النهاية\": (القَتَب للجمل كالإكاف لغيره، ومعناه - أي الحديث - الحث لهن على مطاوعة أزواجهن، وأنه لا يَسَعُهُن الامتناع في هذه =","vol":"2","page":444},{"text":"وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" لا يصلح لبشرٍ أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها \" (١٠٥٠) .\nإن المرأة المسلمة حين تطيع زوجها تكون في طاعة لله، وهي بذلك مأجورة، ولا سيما عندما تكون الطاعة فيما لا توافق عليه، بل إن الطاعة لتتجلى في طاعته فيما تكره، أكثر مما تتجلى في طاعته فيما تحب، إن طاعته في قبول الجواهر النفيسة ليست كطاعته في تنفيذ أمر لا تريده، وكمال الطاعة يتحقق في أن تؤدي الأمر بكل سرور ورضى، أما إذا أذا أدته متبرمة متأففة، يعلو وجهَها العبوسُ وأماراتُ الكراهية والضيق، فإن هذه الطاعة كعدمها، إن إظهارها الرضى والسرور، وإشعار نفسها وزوجها بالقناعة مما يخفف عليها تنفيذ ما تكره (١٠٥١) .\nوهذا رسول الله ﷺ يرغب المرأة في طاعة زوجها، حتى فيما لم يتبين لها فيه المنفعة، أو ما قد تخالف فيه رأي زوجها تقربًا إلى الله ببره ومرضاته:\n_________\n= الحال، فكيف في غيرها؟\nوقيل: إن نساء العرب كُن إذا أردن الولادة جلسن على قتب، ويقال: إنه أسلس لخروج الولد، فأرادت تلك الحالة.\nقال أبو عبيد: كنا نرى أن المعنى: وهي تسير على ظهر البعير، فجاء التفسير بغير ذلك) اهـ (٤/١١) .\n(١٠٥٠) أخرجه الإمام أحمد (٣/١٥٨)، وكذا البزار كما في \" مجمع الزوائد\" (٩/٤) وقال: \" ورجاله رجال الصحيح غير حفص بن أخي أنس، وهو ثقة \" اهـ، وقال المنذري: \" رواه أحمد بإسناد جيد، رواته ثقات مشهورون، والبزار بنحوه \"، وانظر: \" الإرواء\" (٧/٥٥) .\n(١٠٥١) انظر: \" نظرات في الأسرة المسلمة\" ص (٩٦) .","vol":"2","page":445},{"text":"فقد رُوي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \" لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، أو من جبل أسود إلى جبل أحمر لكان نَوْلها (١٠٥٢) أن تفعل \" (١٠٥٣) .\nوعن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: (أتى رجل بابنته إلى رسول الله ﷺ، فقال: \" إن ابنتي هذه أبت أن تتزوج \"، فقال لها رسول الله ﷺ: \" أطيعي أباك \"، فقالت: \" والذي بعثك بالحق، لا أتزوج حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته؟ \"، قال: \" حق الزوج على زوجته أن لو كانت به قَرْحَة فَلَحَسَتْها، أو انتثر مِنْخَراه صديدًا أو دما، ثم ابتلعته، ما أدَت حقه \"، قالت: \" والذي بعثك بالحق لا أتزوج أبدا \" فقال النبي ﷺ: \" لا تنكحوهن إلا بإذنهن \" (١٠٥٤) .\n_________\n(١٠٥٢) نوْلَها: أي حقها، والذي ينبغي لها، وقوله: (من جبل أحمر إلى جبل أسود) الحديث، يعني أحجارَ هذا إلى ذلك، مع أنه أمر شاق، وقد يكون عبثا، وتخصيص اللونين تتميم للمبالغة، لأنه لا يكاد يوجد أحدهما بقرب الآخر، وانظر \" المرقاة \" (٣/٤٧١) .\n(١٠٥٣) أخرجه ابن ماجه رقم (١٨٥٢)، وابن أبي شيبة (٤/٣٠٦)، والإمام أحمد (٦/٧٦)، من طريق علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، كما في \"التقريب\" (٢/٣٧) وقال البوصيري في \" زوائده \": (هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان،.. وله شاهد من حديث طلق بن علي رواه الترمذي والنسائي، ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أم سلمة) اهـ. (٢/٦٧)، والحديث ضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٥/٤٠) .\n(١٠٥٤) رواه الحاكم (٢/١٨٩) مختصرا ولفظه: \" حق الزوج على زوجته أن لو كانت به قُرحْة، فلحستها ما أدت حقه \"، وصححه، وقال الذهبي في \" التلخيص\": \" بل منكر\"، ابن حبان (١٢٨٩ - موارد) - واللفظ له - وابن أبي شيبة (٤/٣٠٣)، والدارقطني (٣/٢٣٧)، والبيهقي (٧/٢٩١)، وقال العلامة أبو الطيب شمس الحق في \" التعليق المغني\": (رواه البزار بإسناد جيد، ورواته =","vol":"2","page":446},{"text":"وعن معاذ ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" لو تعلم المرأة حق الزوج، لم تقعُد ما حضر غداؤه وعشاؤه؛ حتى يفرغ منه \" (١٠٥٥) .\nوعن عائشة ﵂ قالت: (يا معشر النساء! لو تعلمن حق أزواجكن عليكن لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن وجه زوجها بنَحر وجهها) (١٠٥٦) .\nوعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان) (١٠٥٧) .\nوعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: (اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما: عبد أبق من مواليه حتى يرجع إليهم، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع) (١٠٥٨) .\n_________\n= ثقات مشهورون) اهـ. (٣/٢٣٧)، وصحح الألباني لفظ الحاكم في \"صحيح الجامع\" (٣/٩٢) .\n(١٠٥٥) عزاه الهيثمي في \" المجمع\" إلى الطبراني في \"الكبير\"، وقال: \" وفيه عبيدة بن سليمان الأغر، لم أعرف لأبيه من معاذ سماعًا، وبقية رجاله ثقات\" اهـ.\n(٤/٣٠٩)، والحديث صححه الألباني في \" صحيح الجامع\" (٥/٦١) .\n(١٠٥٦) رواه ابن أبي شيبة (٤/٣٠٥)، والنحر هنا بمعنى القطعة، وقد ذكره ابن الجوزي في \" أحكام النساء\" ص (٧٢) بلفظ: (عن قدمي زوجها بحر وجهها) .\n(١٠٥٧) رواه ابن ماجه رقم (٩٧١)، واللفظ له، وابن حبان (٣٧٧)، وقال البوصيرى في \" الزوائد\" (١/٣٣٠): \" هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات \"، ويشهد له حديث أبي أمامة الذي أخرجه بنحوه الترمذي (٢/١٩٣) حديث رقم (٣٦٠)، وقال: (حسن غريب) .\n(١٠٥٨) أخرجه الحاكم (٤/١٧٣) وسكت عنه هو والذهبي، والطبراني في \"الصغير\" (١/١٧٢)، وقال المنذري: \" إسناده جيد\" (٣/٧٩)، وقال الهيثمي: (رواه الطبراني في \" الصغير\" و\" الأوسط \"، ورجاله ثقات) \"المجمع\" (٤/٣١٣)، =","vol":"2","page":447},{"text":"فلتحذر المسلمة المؤمنة أن تكون من أولئك النساء المولعات بمخالفة أزواجهن، فلا تؤمر الواحدة منهن بشيء إلا سارعت إلى مخالفته حتى ولو كان فيه مصلحتها، إن هؤلاء يقعن في سخط الله، ويعرضن حياتهن للدمار، وتدعو عليهن الحور العين:\nفعن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإنما هو عندك دخيل (١٠٥٩) يوشك أن يفارقك إلينا) (١٠٦٠) .\nوإن الإصرار على مخالفة الزوج يوغر صدره، ويجرح كرامته، ويسيء إلى قوامته، فيبادلها ذلك ممانعة لما تحب، ومخالفة لما ترغب. قال الشنفري الشاعر الجاهلي الصعلوك مخاطبا زوجته:\nإذا ما جئتِ ما أنهاكِ عنه ... ولم أنكر عليكِ فَطَلقيني\nفأنت البعلُ يومئذ فقومي ... بسوطك - لا أبا لَكِ - فاضربيني\nومن أخلاق المرأة الصالحة أنها تبادر إلى إرضاء زوجها إذا غضب، ولا تنتظر أن يبدأ هو بذلك:\nومنها: عن ابن عباس مرفوعًا: (ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والصِّدِّيق في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر، لا يزوره إلا لله ﷿، ونساؤكم من أهل الجنة الودود (١٠٦١) ........................................\n_________\n= والحديث حسنه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (٢٨٨) .\n(١٠٥٩) الدخيل: الضيف، والنزيل.\n(١٠٦٠) تقدم تخريجه برقم (٦٢٩) .\n(١٠٦١) الودود: التي تتودد إلى زوجها، وقد وصف تعالى الحور العين في سورة الواقعة بأنهن \" عُرُب\" جمع \"عَرُوب\" وهي المرأة المتحببة إلى زوجها.","vol":"2","page":448},{"text":"الولود (١٠٦٢) العؤود على زوجها (١٠٦٣)، التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها وتقول: لا أذوق غُمْضًا حتى ترضى \") (١٠٦٤) .\nوعن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: \" ألا أخبركم بنسائكم في الجنة \"؟ قلنا: \" بلى يا رسول الله \"، قال: \" ودود ولود، إذا غضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك، لا أكتحلُ بغُمْض - أي لا أنام - حتى ترضى \") (١٠٦٥) .\nأما الفتاة الدَّيِّنة ذات الزوج المتدين القابض على دينه فهي أولى وأولى بأن ترفق بزوجها، ولا تجمع عليه النكد والشقاء في البيت، مع ما يلقى من أعداء الله، وخصوم الدعوة في خارج البيت، وهناك حديث غير قوي وإن كان معناه صحيحًا (١٠٦٦) يبشرها إن هي أحسنت قيامها بحقوق زوجها بثواب يعدل ثواب الجهاد والفوز بالشهادة في سبيل الله بالنسبة للرجال: وهو ما رُوِى عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى\n_________\n= الولود: ليست بعقيم بل هي كثيرة الولادة، ويعرف في البكر بأقاربها.\n(١٠٦٣) وفي لفظ: (قالت: هذه يدي في يدك) أمدها لمصالحتك (لا أكتحل بغمض) أي لا أنام حتى يذهب ما بيننا من خصام، ومعنى هذا أنها سهلة الخلق، لينة العريكة، إذا غضبت لم يطل غضبها، بل تسرع بالرجوع إلى مألوف عادتها - انظر\" تمام المنة \" لعبد الله بن محمد بن الصديق ص (١٧١-١٧٣) .\n(١٠٦٤) رواه بنحوه النسائي في \"عشرة النساء\" رقم (٢٥٧)، وذكر الألباني له شواهد يتقوى بها، فانظر: \"الصحيحة\" رقم (٢٨٧)، و\"مجمع الزوائد \" (٨/١٧٤)، و\"المعجم الكبير\" للطبراني (١٩/١٤٠)، و\"الصغير\" (١/٤٧) . (١٠٦٥) أخرجه الطبراني في \"الصغير \"، و\" الأوسط \"، وقال المنذري في الترغيب \": \" ورواته محتج بهم في الصحيح إلا إبراهيم بن زياد القرشي، فإني لم أقف له على جرح ولا تعديل، وقد روى هذا المتن من حديث ابن عباس وكعب بن عجرة وغيرهما) اهـ. (٣/٧٧)، وقال \" الألباني في \"الصحيحة \" تحقيق رقم (٢٨٧): \" لا بأس به في الشواهد، والله أعلم) اهـ.\n(١٠٦٦) انظر: \" نظرات في الأسرة المسلمة \" للدكتور محمد الصباغ حفظه الله ص (٩٧) .","vol":"2","page":449},{"text":"النبي ﷺ فقالت: \" يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن أصيبوا أجروا، وإن قُتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟ \"، قال: فقال رسول الله ﷺ: \" أبلغي من لَقِيتِ من النساء أن طاعة الزوج واعترافًا بحقه يعدل ذلك، وقليل منكن من يفعله) (١٠٦٧) .\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقًا على هذا الحديث: (أي أن المرأة إذا أحسنت معاشرة بعلها كان ذلك موجبًا لرضاء الله وإكرامه لها، من غير أن تعمل ما يختص بالرجال، والله أعلم) (١٠٦٨) اهـ.\nقال فضيلة الدكتور محمد بن لطفي الصباغ حفظه الله معلقًا على مبدأ طاعة الزوج فيما لا معصية فيه: (وهذا أمر طبيعي، فإن كان الزواج شركة، وكان الرجل هو صاحب القوامة، فلابد من طاعته فيما يأمر وينهى في حدود الشرع، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\n... قد شاعت بين عدد من المثقفات فكرة خاطئة، وهي أن مساواة الرجل بالمرأة تقتضي تحررها نهائيا من طاعته، وهي غلط في مقدمتها ونتيجتها، فمساواة المرأة بالرجل خديعة أطلقها ناس وهم لا يصدقونها، لأن الواقع لا يصدقها، ولو كان ذلك صحيحا، فليس من الضروري أن يترتب عليها عدم الطاعة، لأن طاعة الرئيس لا تعني عدم المساواة بينه وبين مرؤوسيه، وهذه الفكرة هي السبب في هدم بنيان كثير من الأسر اليوم.\nإن الحياة المشتركة ينبغي أن تكون مبنية على التفاهم والتحاور\n_________\n(١٠٦٧) رواه البزار (١٤٧٤ - كشف الأستار)، وزاد في \" الترغيب \" عزوه إلى الطبراني (٣/٥٣)، وزاد في \" الدر المنثور\" عزوه إلى عبد الرزاق (٢/١٥٢)، وقال في \" مجمع الزوائد\" (٤/٣٠٨): (فيه رشدين بن كريب، وهو ضعيف) اهـ.\n(١٠٦٨) \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/٢٧٥) .","vol":"2","page":450},{"text":"والتشاور، ولكن القوامة ينبغي أن تكون للرجل كما قال ربنا ﵎: (الرجال قوامون على النساء) .\nوهناك حقيقة لابد أن تعلمها الزوجة المثقفة، وأن تتذكرها دائمًا، وهي أن الرجل السوي لا يحب المرأة المسترجلة التي ترفع صوتها فوق صوته، والتي تشاجره في كل أمر، وتخالفه في كل رغبة، وتسارع إلى رَد رأيه أو ما يقول، إن هذا الرجل - إن لم يطلقها- عاش معها كئيبًا عابسًا كارها، فتكون بذلك قد حرمت نفسها رؤية البهجة المرحة في وجه زوجها ومعاملته، وحرمت بيتها التمتع بالحنان الدافئ.. وهى الخاسرة سواء شُرِّدَ أولادها بالطلاق، وتحطمت نفسيتها بالترمُّل، أم بقيت في بيتٍ تعلوه سحب المصادمات اليومية، والحرائق النزاعية.\nإن الزوجة الذكية هي التي لا تتخلى عن طبيعتها الرقيقة الهادئة الطيبة، إنها كما صورها الحديث الشريف راعية في بيت زوجها، تصونه، وترعاه، إذا نظر إليها زوجها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته فِى نفسها وماله) (١٠٦٩) اهـ.\nتنبيه: حق الزوج عل المرأة أعظم من حق والديها:\nيروَى عن عائشة ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ: \" أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ \" قال: \" زوجها\"، قلت: \" فأي الناس أعظم حقا على الرجل؟ \" قال: \" أمه \") (١٠٧٠) .\n_________\n(١٠٦٩) \"نظرات في الأسرة المسلمة\" ص (٧١-٧٢) .\n(١٠٧٠) رواه الحاكم (٤/١٥٠)، (٤/١٧٥)، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه \"، وقال المنذري في \"الترغيب\": (رواه البزار والحاكم، وإسناد البزار حسن) اهـ. (٣/٥٣)، والحديث ضعفه الألباني في \" ضعيف الجامع\"\n(١/٣٠٤)، وانظر: \" مجمع الزوائد\" (٤/٣٠٨) .","vol":"2","page":451},{"text":"وقد تقدم خبر (١٠٧١) الثلاثة الذين (آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدَت عليهم الغار، فقالوا: \" إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: \" اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبِقُ (١٠٧٢) قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلب الشجر يومًا) الحديث، والشاهد أن النبي ﷺ ذكر ذلك في مقام الثناء على هذا الرجل ببر والديه، وتقديم حقهما والإحسان إليهما على الزوجة والأبناء لا سيما عند التعارض، والله أعلم.\nوقد تقدم من بيان أدلة عظم حق الوالدين ما فيه كفاية، أما عظم حق الزوج على زوجته، وأولويته على حق والديها لا سيما إذا وقع بينهما تعارض، فقد بينه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: (قوله: (فالصالحات قانتات، حافظات للغيب بما حفظ الله) يقتضي وجوب طاعتها لزوجها مطلقًا: من خدمة، وسفر معه، وتمكين له، وغير ذلك كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ في حديث \" الجبل الأحمر \" وفي \" السجود\" وغير ذلك؛ تجب طاعة الأبوين؛ فإن كل طاعة كانت للوالدين انتقلت إلى الزوج؛ ولم يبق للأبوين عليها طاعة: تلك وجبت بالأرحام، وهذه وجبت بالعهود) (١٠٧٣) اهـ.\nوقال شيخ الإسلام أيضًا: (وليس على المرأة بعد حق الله ورسوله أوجب من حق الزوج) (١٠٧٤) اهـ.\nوقال ﵀ في موضع آخر: (... فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق\n_________\n(١٠٧١) تقدم تخريجه برقم (٣٩٥) .\n(١٠٧٢) أي لا أقدم في الشرب قبلهما أهلا، ولا مالا من رقيق وخادم، و\"الغبوق\" شرب العشي.\n(١٠٧٣) \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/٢٦٠-٢٦١) .\n(١٠٧٤) \"السابق\" (٣٢/٢٧٥) .","vol":"2","page":452},{"text":"والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة.\nوإذا أراد الرجل أن ينتقل بها إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها، ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك: فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان؛ ليس لهما أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج، وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه أو مضاجرته حتى يطلقها: مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحدا من أبويها في طلاقه إذا كان متقيًا لله فيها، ففي السنن الأربعة، وصحيح ابن أبي حاتم عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \" أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس (١٠٧٥) فحرام عليها رائحة الجنة \" (١٠٧٦)، وفي حديث آخر: \" المختلعات والمنتزعات هن المنافقات \" (١٠٧٧)، وأما إذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه\n_________\n(١٠٧٥) أي من غير حالة شدة تدعوها، وتلجئها إلى المفارقة، كأن تخاف أن لا تقيم حدود الله فيما يجب عليها من حسن الصحبة، وجميل العشرة، لكراهتها له، أو بأن يضارها لتختلع منه- انظر: \" فيض القدير \" (٣/١٣٨) .\n(١٠٧٦) رواه الترمذي رقم (١١٨٦)، (١١٨٧)، في الطلاق: باب ما جاء في المختلعات، وقال الترمذي: \" هذا حديث حسن\"، وأبو داود رقم (٢٢٢٦) في الطلاق: باب في الخلع، وابن ماجه رقم (٢٠٥٥)، والإمام أحمد (٥/٢٧٧)، والدارمي (٢/ ١٦٢)، وابن حبان (١٣٢٠)، والبيهقي (٧/٣١٦)، وابن أبي شيبة (٥/٢٧١)، والحاكم (٢/٢٠٠)، وقال: \" صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حجر، وابن خزيمة كما في \" فيض القدير\" (٣/١٣٨)، وصححه الألباني في \" الإرواء\" (٧/١٠٠) .\n(١٠٧٧) رواه من حديث أبي هريرة ﵁ النسائي (٦/١٨٦) في الطلاق: باب ما جاء في الخلع، والإمام أحمد (٢/٤١٤)، وهو من القليل الذي سمعه الحسن من أبي هريرة ﵁، وقد صححه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (٦٣٢) وذكر له شواهد، و\" المنتزعات\" اللاتي ينتزعن أنفسهن بمالِهن من كنف =","vol":"2","page":453},{"text":"طاعة الله: مثل المحافظة على الصلوات، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، ونهياها عن تبذير مالها وإضاعته، ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله أو نهاها الله ورسوله عنه: فعليها أن تطيعهما في ذلك، ولو كان الأمر من غير أبويها، فكيف إذا كان من أبويها؟ !\nوإذا نهاها الزوج عما أمر الله، أو أمرها بما نهى الله عنه: لم يكن لها أن تطيعه في ذلك؛ فإن النبي ﷺ قال: \" إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق \" (١٠٧٨)، بل المالك لو أمر مملوكه بما فيه معصية لله لم يجز له أن يطيعه في معصيته، فكيف يجوز أن تطيع المرأة زوجها أو أحد أبويها في معصية؟ ! فإن الخير كله في طاعة الله ورسوله، والشر كله في معصية الله ورسوله) (١٠٧٩) اهـ.\n٢- ومن حق الزوج: أن يلي تأديبها- بشروطه- إذا كانت ناشزًا: قال الله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا إن الله كان عليًّا كبيرًا) (النساء: ٣٤) .\nومن هذه الآية الكريمة تستنبط فوائد عظيمة:\nالأولى: بدأ ﵎ هذه الآية بقوله ﷿: (الرجال\n_________\n= أزواجهن عن غير رضى منهم، وقوله: \" هن المنافقات\": أي أنها كالمنافقات في أنها لا تستحق دخول الجنة مع من يدخلها أولا، والله تعالى أعلم.\n(١٠٧٨) تقدم تخريجه برقم (٦٣٨) .\n(١٠٧٩) \" مجموع الفتاوى\" (٣٢/٢٦٣ -٢٦٤) .","vol":"2","page":454},{"text":"قوَّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) الآية.\nفأفادت أن للزوج الحقَّ في تأديب زوجته عند عصيانها أمره، ونشوزها عليه، تأديبًا يراعى فيه التدرج، الذي قد يصل إلى الضرب بشروطه، قال القرطبي ﵀ في \" تفسيره\":\n\"اعلم أن الله ﷿ لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صُراحًا إلا هنا وفي الحدود العظام؛ فساوى معصيتهن أزواجهن بمعصية الكبائر، وولى الأزواج ذلك دون الأئمة، وجعله لهم دون القُضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانًا من الله تعالى للأزواج على النساء.. \" (١٠٨٠) اهـ.\nالثانية: ثم ثنى ﵎ بذكر حال النساء الصالحات، فقال عز من قائل: (فالصالحات قانتات) أي مطيعات لله ثم لأزواجهن (حافظات للغيب بما حفظ الله) فالمرأة الصالحة تؤدى حقوق زوجها التي أعلاها طاعته في المعروف، ولذا فهي لا تحتاج إلى تأديب (١٠٨١)، وأما غير الصالحة التي تخل بحقوق الزوجية، وتعصي زوجها فهي التي تحتاج إلى تأديب.\nالثالثة: ثم ثلث سبحانه بذكر علاج المرأة الناشز العاصية المتمردة المترفعة على زوجها فقال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن) قال ابن عباس: تخافون بمعنى تعلمون وتتيقنون، وقيل: هو على بابه، فعليه يُشرع في التأديب إذا ظهرت أمارات النشوز بالفعل أو القول.\nوالنشوز: العصيان؛ مأخوذ من النَّشز، وهو ما ارتفع من الأرض، فالمعنى: أي تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة\n_________\n(١٠٨٠) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/١٧٣) .\n(١٠٨١) وفي مثلها يقال:\nرأيت رجالًا يضربون نساءهم ... فشُلت يميني حين أضرب زينبا","vol":"2","page":455},{"text":"الأزواج، وقال ابن فارس: ونشزت المرأة استصعبت على بعلها (١٠٨٢) .\nومن أمثلة النشوز: امتناعها منه لغير عذر شرعي، أو خروجها من المنزل بغير إذنه، لا إلى القاضي لطلب الحق منه، أو أن تدخل بيته من يكره دخوله (١٠٨٣) .\nالرابعة: اختلف أهل العلم في العقوبات الواردة في هذه الآية الكريمة: هل هي مشروعة على الترتيب أم لا؟\nومنشأ الخلاف اختلافهم في \" الواو \" العاطفة هل هي لمطلق الجمع وعليه فللزوج أن يقتصر على إحدى العقوبات أيا كانت، وله أن يجمع بينهما- أم أنها تقتضي وجوب الترتيب الذي ورد في الآية؟\nوتوسط قوم فقالوا: إنه وإن كان ظاهر العطف في الواو يدل على مطلق الجمع، لكن المراد منه الجمع على سبيل الترتيب لظاهر اللفظ، وذلك أن سياق الآية فيه الترقي والتدرج في التأديب: قال الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى:\n(من أحسن ما سمعت في تفسير هذه الآية قول سعيد بن جبير، فقد قال: \" يعظها، فإن هي قبلت وإلَّا هجرها، فإن هي قبلت وإلا ضربها، فإن هي قبلت وإلا بعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فينظران ممن الضرر، وعند ذلك يكون الخلع \" (١٠٨٤) اهـ.\n_________\n(١٠٨٢) انظر: \" السابق\" (٥/١٧٠- ١٧١) .\n(١٠٨٣) \" السابق\" (٥/١٧٢-١٧٣)، ومن صور النشوز ما ذكره شيخ الإسلام النووي ﵀ حيث قال في: \" روضة الطالبين\": (فمنه الخروج من المسكن، والامتناع من مساكنته، ومنع الاستمتاع بحيث يحتاج في ردها إلى الطاعة إلى تعب، ولا أثر لامتناع الدلال) اهـ. (٧/٣٦٩) .\n(١٠٨٤) \" أحكام القرآن\" (١/٤٢٠) .","vol":"2","page":456},{"text":"الخامسة: مراتب التأديب:\nإذا ظهرت أمارات النشوز، فليبدأ الزوج بالتأديب على النحو التالي: المرتبة الأولى: الوعظ بلا هجر ولا ضرب، لقوله تعالى:\n(فعظوهن): أي بكتاب الله؛ فذكروهن ما أوجب الله عيهن من حسن الصحبة، وجميل العشرة للزوج، والاعتراف بالدرجة التي له عليها، وبأحاديث رسول الله ﷺ في تعظيم حق الزوج على زوجته، ووجوب طاعته في المعروف (١٠٨٥)، ويقول لها برفق ولين: \" كوني من الصالحات القانتات الحافظات للغيب، ولا تكوني من كذا وكذا \"، ويذكرها بالموت، والقبر، والدار الآخرة، ويوم الحساب، ويبين لها أن النشوز يستوجب الترقي إلى عقوبة أعلى، ويسقط النفقة، والقَسْمَ مع ضرائرها، فلعلها بعد ذلك أن تبدي عذرًا، أو تتوب عما وقع منها بغير عذر.\nفإن لم ينفع الوعظ والتذكير بالرفق واللين، فلينتقل إلى:\nالمرتبة الثانية: وهي الهجر في المضجع، لقوله تعالى: (واهجروهن في المضاجع) وذلك بأن يوليها ظهره في المضجع، أو ينفرد عنها بالفراش، ويجوز أيضًا أن يهجرها خارج البيت، وقوله تعالى هنا: (واهجروهن في المضاجع) مطلق، ولم يثبت دليل في تقييده، لكن صَح أن النبي ﷺ هجر نساءه، واعتزلهن شهرًا (١٠٨٦) .\n_________\n(١٠٨٥) وقد قدمنا جملة صالحة منها في الأرقام من (١٠٤٠) إلى (١٠٦٧) .\n(١٠٨٦) وذلك فيما أخرجه البخاري في كتاب النكاح: باب هجرة النبي ﷺ نساءه في غير بيوتهن، (٩/٣٠٠)، وقد تقدم حديث معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: \" أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، لا تقبح الوجه، ولا تضرب - أي الوجه -، ولا تهجر إلا في البيت \"، وهذا الحصر في حديث معاوية غير معمول به كما قال الحافظ ابن حجر ﵀: (والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف =","vol":"2","page":457},{"text":"لكن ينبغي ألا يبلغ بالهجر في المضجع أربعة أشهر وهي المدة التي ضرب الله أجلًا عُذْرًا للمُولِي (١٠٨٧)، وينبغي أن يقصد من الهجر التأديب والاستصلاح لا التشفي والانتقام والمضارة لذاتها، ولا يهجرها في الكلام أكثر من ثلاثة أيام لقَول رسول الله ﷺ: \"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث \" (١٠٨٨) الحديث، إلا لعذر شرعي (١٠٨٩) .\nالمرتبة الثالثة: وهي الضرب غير المخوف، لقوله تعالى: (واضربوهن)\n(أ) متى يجوز الضرب؟\n(قال ابن عباس ﵄: \" اهجرها في المضجع، فإن أقبلت، وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربًا غير مبرَح \".\nوقال جماعة من أهل العلم:\n\" الآية على الترتيب: فالوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، الضرب عند تكرره، واللجاج فيه، ولا يجوز الضرب عند ابتداء النشوز.\nقال القاضي أبو يعلى: وعلى هذا مذهب أحمد، وقال الشافعي: يجوز ضربها في ابتداء النشوز (١٠٩٠)، قال ابن مفلح ﵀: (ظاهر المذهب: لا يجوز ضربها عند ابتداء النشوز، لأن المقصود بهذه العقوبات زجرها عن المعصية في المستقبل، فيبدأ بالأسهل فالأسهل) (١٠٩١) اهـ.\n_________\n= الأحوال)، وانظر: \" فتح الباري \" (٩/٣٠٠ - ٣٠٢) .\n(١٠٨٧) راجع ص (٢٨٢) .\n(١٠٨٨) رواه البخاري في \" الأدب\" (١٠/٤٩٢)، ومسلم رقم (٢٥٦٠) وغيرهما.\n(١٠٨٩) انظر: \" معالم السنن\" للخطابي (٤/١٢٢)، و\"روضه الطالبين\" (٧/٣٦٧ -٣٦٨) .\n(١٠٩٠) \" زاد المسير\" (٢/٧٦) .\n(١٠٩١) \" المبدع \" (٧/٢١٥) .","vol":"2","page":458},{"text":"(ب) اعلم أن جواز الضرب مقيد بشروط:\nمنها: أن تصر على النشوز والعصيان حتى بعد تدرجه معها في التأديب على النحو الذي سبق ذكره.\nومنها: أن يتناسب العقاب مع نوع التقصير، فلا يبادر إلى الهجر في المضجع في أمر لا يستحق إلا الوعظ والإرشاد، ولا يبادر إلى الضرب وهو لم يجرب الهجرة في المضجع، وذلك لأن العقاب بأكثر من حجم الذنب والتقصير ظلم.\nومنها: أن يراعي أن المقصود من الضرب العلاج، والتأديب والزجر لا غير، فيراعي التخفيف فيه على أبلغ الوجوه، وهو يتحقق باللكزة ونحوها، أو بالسواك ونحوه، وفي الحديث الذي وصَّى فيه النبي ﷺ أمته في حجة الوداع، قال: (... اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح) (١٠٩٢) .\nقال عطاء: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: السواك ونحوه (١٠٩٣) .\nويشترط أن يتجنب المواضع المخوفة (١٠٩٤) كالرأس والبطن، وكذا الوجه فإن رسول الله ﷺ نهى عن ضرب الوجه نهيا عامُّا، لا يضرب آدميا ولا بهيمة على الوجه، وفي حديث حكيم بن معاوية عن أبيه مرفوعًا:\n_________\n(١٠٩٢) تقدم تخريجه برقم (٢٤٠) .\n(١٠٩٣) انظر \" الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/١٧٢)، \" السلسبيل، (٢/٧٤٩) .\n(١٠٩٤) قال الإمام النووي ﵀: (فإن أفضى إلى تلف، وجب الغرم، لأنه تبين أنه إتلاف لا إصلاح) اهـ. من \" روضة الطالبين\" (٧/٣٦٨) .","vol":"2","page":459},{"text":"\" ولا تضرب\" أي الوجه كما تقدم (١٠٩٥)، كذلك لا يكسر عظما، ولا يشين عضوًا، ولا يدميها، ولا يكرر الضربة في الموضع الواحد.\nومنها: أنها إن ارتدعت، وتركت النشوز، فلا يجوز له بحال أن يتمادى في عقوبتها، أو يتجنى عليها بقول أو فعل، لقوله تعالى: (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا) .\nقال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ﵀:\n(فإن راجعن طاعتكم عند ذلك، وفئن إلى الواجب عليهن، فلا تطلبوا طريقًا إلى أذاهن ومكروههن، ولا تلتمسوا سبيلًا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل، وذلك بأن يقول أحدكم لإحداهن، وهي له مطيعة: \" إنكِ لست تحبيني \"، فيضربها على ذلك أو يؤذيها \" (١٠٩٦) اهـ.\nوقال سفيان بن عيينة في تفسير قوله تعالى: (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا): \"لا تكلفها الحب، لأن قلبها ليس في يدها \" (١٠٩٧) .\nفإن فعل شيئًا من ذلك وخاصم ففجر، وتعدى حدود الله فيها فهو من الظالمين، قال ﷿: (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون)، ولهذا ختم الله ﷿ الآية بقوله: (إن الله كان عليا كبيرًا) وهو كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:\n_________\n(١٠٩٥) تقدم برقم (٧٣٧) . (١٠٩٦) \" تفسير الطبري\" (٥/٦٩) .\n(١٠٩٧) \" زاد المسير\" (٢/٧٦)، لكن يجتهد في تكلف أسباب المحبة بالتحبب والتودد، قال ﷺ: \" إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه \".\nومن هذه الأسباب التهادي قال ﷺ: \" تهادوا تحابوا\"، ومنها: إفشاء السلام، قال ﷺ: \" ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم \"، ولله در القائل:\nقد يمكث الناس دهرا ليس بينهُم ... وُد فيزرعه التسليم واللطفُ","vol":"2","page":460},{"text":"\" تهديد للرجال إذا بَغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وَلِيُّهن، وهو منتقم ممن ظلمهن، وبغى عليهن \" (١٠٩٨) .\nالطريقة الفضلى عدم ضرب النساء البتة\n(ج) اعلم - أصلحك الله - أن الأوْلى والأفضل تركُ الضرب مع بقاء الرخصة فيه بشرطه:\nفقد اتفق العلماء على أن ترك الضرب، والاكتفاء بالتهديد أفضل، وذلك:\n- لما رواه إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب (١٠٩٩)، قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا تضربوا إماء الله \"، فأتاه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: \" يا رسول الله، ذَئِر (١١٠٠) النساءُ على أزواجهن، فأذِنَ في ضربهن، فأطاف بآل محمدٍ نساءٌ كثير، كُلهن يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ: \" لقد أطاف بآل محمد سبعون امرأةً، كلهن يشتكين أزواجهن، ولا تجدون أولئك خياركم \" (١١٠١)، ورُوِي أنه ﷺ نهى عن ضرب النساء، فقيل: (يا رسول إنهن قد فسدن \"، فقال ﷺ: \" اضربوهن، ولا يضرب إلا شراركم \" (*) .\n_________\n(١٠٩٨) \" تفسير القرآن العظيم\" (٢/٢٥٩) .\n(١٠٩٩) جزء أحمد بن حنبل، والبخاري وابن حبان بأن لا صحبة له، وخالفهم أبو حاتم وأبو زرعة، ورجح قولهما الحافظ ابن حجر كما في \" تهذيب التهذيب\" (١/٣٨٩) .\n(١١٠٠) أي: اجترأن ونشزن، والذائر: النًفور، المغتاظ على خصمه، والمستعد للشر. (١١٠١) أخرجه ابن ماجه رقم (١٩٨٥)، والدارمي (٢/١٤٧)، وأبو داود (٢١٤٦)، وصححه ابن حبان (١٣١٦)، والحاكم (٢/١٨٨، ١٩١) وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٧/٣٠٤، ٣٠٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع \" (٥/٣٠) .\n(*) \" الطبقات الكبرى\" (٨/١٤٧) .","vol":"2","page":461},{"text":"قال محيي السنة البغوي ﵀:\n(وفي الحديث دليل على أن ضرب النساء في منع حقوق النكاح مباح، ثم وجه ترتيب السنة على الكتاب في الضرب يحتمل أن يكون نهي النبي ﷺ عن ضربهن قبل نزول الآية، ثم لما ذئر النساء، أذن في ضربهن، ونزل القرآن موافقا له، ثم لما بالغوا في الضرب، أخبر أن الضرب - وإن كان مباحًا على شكاسة أخلاقهن - فالتجمل والصبر على سوء أخلاقهن، وترك الضرب أفضلَ وأجمل، ويُحكى عن الشافعي هذا المعنى) (١١٠٢) اهـ.\n- وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: \" ما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة قط، ولا خادما، ولا ضرب شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله) (١١٠٣)، \" وقد أمِرَ نبي الله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس \" (١١٠٤) .\n- وعن لقيط بن صَبِرَةَ أنه وفد إلى النبي ﷺ، فقال له: \" يا رسول الله، إن لي امرأة في لسانها شيء، يعنى البذاء \"؟، قال: \" طلقها \"، قلت: (إن لي منها ولدًا، ولها صُحْبَة \"؟، قال: \" فَمُرْها (١١٠٥)، يقول: عِظْها، فإن يَكُ فيها خير، فستقبل، فلا تضربنُّ ظعينتك (١١٠٦)\n_________\n(١١٠٢) \"شرح السنة\" (٩/١٨٧) .\n(١١٠٣) رواه مسلم في \" النكاح \" (٧٩)، وابن ماجه (١٩٨٤)، والدارمي (٢/١٤٧)، وأحمد (٦/٣٢، ٢٠٦، ٢٢٩، ٢٣٢، ٢٨١) .\n(١١٠٤) رواه البخاري (٨/٢٢٩) في تفسير سورة الأعراف، وأبو داود رقم (٤٧٨٧) .\n(١١٠٥) أي عظها كما في رواية أبي داود.\n(١١٠٦) الظعينة في الأصل الراحلة، وقيل للمرأة ظعينة لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، ولأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت، وهو وصف للمرأة في هودجها، ثم سميت بهذا الاسم وإن كانت في بيتها.","vol":"2","page":462},{"text":"ضربَكَ أميتكَ \" (١١٠٧) الحديث، (وفيه إيماء لطيف إلى إباحة الضرب بعد عدم قبول الوعظ، لكن يكون ضربًا غير مبرح كما تقدم) (١١٠٨) .\nوقد قال بعض الفقهاء: إن على الزوج أن يُقَدر أن ينفع الضرب في الإصلاح، وأنه لا يترتب عليه مفسدة أعظم، وفتنة أشد، وإِن عليه أن يراعي أن يكون التأديب فيما بينه وبينها فقط (١١٠٩) .\nوقال ابن الجوزي ﵀:\n(وليعلم الإنسان أن من لا ينفع فيه الوعيد والتهديد لا يردعه السوط، وربما كان اللطف أنجح من الضرب، فإن الضرب يزيد قلب المعرض إعراضا، وفي الحديث: \" ألا يستحيي أحدكم أن يجلد امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها \" (١١١٠)، فاللطف أولى إذا نفع) (١١١١) اهـ.\nوقال فضيلة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله تعالى:\n(أخبر النبي ﷺ أن المرأة ما دامت لم تُدخل بيت زوجها أحدًا يكرهه، ولم تفر منه، ولم تخرج من بيته بغير إذنه، فليس له عليها من الحق أكثر من ذلك، ونفهم من ذلك أنها إن فعلت شيئَا من هذه الأمور، ورأى الرجل أن في إصلاحها أملا، وأنه إذا ضربها ضربًا غير مبرِّح تصلح\n_________\n(١١٠٧) رواه أبو داود (١٤٢)، وصححه ابن حبان (١٥٩)، والحاكم) (٤/١١٠، ١٦٠)، ووافقه الذهبي، ورواه الإمام أحمد (٤/٢٣، ٢١١) .\n(١١٠٨) \"الفتح الرباني\" (١٦/٢٣٢) .\n(١١٠٩) \"آداب الخطبة والزفاف\" للدكتور عبد الله ناصح علوان ﵀ ص (١٤٤) .\n(١١١٠) وذلك لأن المجامعة إنما تستحسن مع ميل النفس، والرغبة في العشرة، والضرب عادة يورث النفرة، والحديث يشير إلى ذمه، فإن كان ولابد فاعلا لنشوزها، فليعاملها معاملة الحرائر، وليكن بالضرب اليسير غير المبرح - أفاد معناه الحافظ في \" الفتح \" (٩/٣٠٣) .\n(١١١١) \"أحكام النساء\" ص (٨٢) .","vol":"2","page":463},{"text":"حالها، وتعود إلى الاستقامة، جاز له ضربُها بقصد الإصلاح، لا بقصد الانتقام، وأما إذا رأى بخبرته أن الضرب لا يُصْلِحُها، بل يزيدها عنادًا ويفسدها، ويئس من حسن العشرة معها، لم يجز له أن يضربها، وله أن يطلب رد المهر، ويطلقها.\nومن المعلوم أن طباع النساء ليست سواء، فبعضهن يصلحها الضرب، وبعضهن يفسدها الضرب، ومقصود الشارع الإصلاح لا الفساد، فقد تكون الزوجة حديثة السن، تحتاج إلى تأديب أبويها، فيتزوج بها رجل عاقل، يقوم مقام والديها في تأديبها إلى أن تكبر، ويكمل عقلها، فهذا هو وجه الضرب المباح، على أن الشارع الحكيم- مع وجود السبب - لم يبح الضرب إلا بعد ألا ينفع الوعظ والهجر، ويؤيد هذا ما جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: \" ما بال أحدكم يضرب امرأته ضرب الفحل، ولعله يضاجعها من ليلته؟ ! \"، أو كما قال ﷺ، وصدق رسول الله ﷺ: إذ كيف يعقل أن يضرب الرجل امرأته، ثم يعانقها، ويقبلها؟ ! ففي ذلك تناقض عظيم، لما يقع من النفور والقضاء على المحبة التي هي روح العشرة الحسنة..)، ثم قال ﵀:\n(... وحسب علمنا وتجاربنا، لا يُصلح الضربُ الممتنعة من فراش زوجها إلا إذا كانت صغيرة أو سفيهة، وأكثر النساء لا يزيدهن الضرب إلا نفورًا، فيأتي بعكس المطلوب، وبدلَ أن يقربها يبعدها، ويزداد الخرق اتساعًا، كما هو مشاهد، وفي حديث أبي داود نهى رسول الله ﷺ عن ضرب النساء، فذئرت النساء على أزواجهن، قال صاحب اللسان: قال الأصمعي: أي نفرن، ونشزن، واجترأن، فأنت ترى أن هذا الحديث موافق للأحاديث المتقدمة في أن الضرب لا يجوز إلا عند النشوز، ومع ذلك: بعدما جاءت النساء إلى بيت النبي ﷺ، واشتكين أزواجهن؛ قال","vol":"2","page":464},{"text":"في الذين يضربونهن: \" ليس أولئك بخياركم \"، وفي الحديث الصحيح: \" خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي \"، ولذلك لم يرد عن النبي ﷺ أنه ضرب الناشز، وهى ابنة الجون التي تزوج بها، فلما دنا منها قالت: \" أعوذ بالله منك\"، فقال لها النبي ﷺ: \" لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك \" رواه البخاري.\nفسنته الفعلية عدم ضرب النساء - وإن جاز ضربُهن - والقولية تقدمت في قوله ﵊: \" ليس أولئك بخياركم \"، فالطريقة الفضلى هي عدم ضرب النساء البتة) (١١١٢) اهـ.\nولما خطب معاوية بن أبي سفيان وأبو جَهْم ﵃ فاطمة بنت قيس ﵂، ذَكَرَتْ ذلك لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \" أما أبو جَهْم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فَصُعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد \" (١١١٣) الحديث.\nومعنى قوله ﷺ: \" لا يضع عصاه عن عاتقه \" قيل: إنه كثير الأسفار، وقيل - وهو أصح- إنه كثير الضرب للنساء، بدليل الرواية الأخرى عند مسلم بلفظ: (وأما أبو جهم فرجل ضَراب للنساء\" الحديث، وعليه يحمل وصفه ﷺ إياه في رواية النسائي: \" إنه صاحب شر لا خير فيه \"، ورواية الترمذي: \" فرجل شديد على النساء \".\nفتأمل كيف ذمه رسول الله ﷺ لهذه الصفة.\n(د) ليس من الرجولة:\nومما يجدر التنبيه إليه ما شاع من تعسف بعض أهل الجفاء ممن قسا\n_________\n(١١١٢) \" أحكام الخلع في الإسلام\" ص (٣٢-٣٦) بتصرف.\n(١١١٣) رواه مسلم رقم (١٤٨٠) في الطلاق، وأبو داود رقم (٢٢٨٤)، والترمذي رقم (١١٣٥) .","vol":"2","page":465},{"text":"قلبه، وغلظ طبعه، وساء فهمه من ظلم النساء، وضربهن ضربَ غرائب الإبل وذلك لأتفه الأسباب، وربما تستروا وراء هذا الإذن القرآني بالضرب، ويظن بعضهم أن الرجولة هي الظلم والقهر والاستعلاء، وأن القوامة طوق في عنق المرأة لإذلالها وتسخيرها، إن الزوجة ليست كالبقرة ولا السلعة، متى اشتراها ربها صنع بها ما يشاء كما يتوهم أولئك الظالمون البغاة، إن للمرأة في هذه الحال الحق الكامل في أن تشكوه إلى أوليائها، أو ترفع أمرها إلى الحاكم، لأنها إنسان مكرم داخل في قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا) الإسراء (٧٠) .\nوليس حسن معاشرة المرأة أمرا اختياريًّا متروكًا للزوج يفعله أو لا يفعله، بل هو تكليف وواجب.\nوليس الرفق بها من باب الرفق بالحيوان الأعجم، ولكنه حق لها وواجب على الرجل لأنها مكرمة مثله بالخلق السوي، والصورة الحسنة، والعقل والنطق والتفكير، وحمل الأمانة، فهذه المزايا كلها مشاعة بين الرجل والمرأة، فمن أراد أن يعامل الزوجة معاملة الدابة والسلعة، فقد كفر نعمة الله، واستحق أن يسلط الله عليه من المستعمرين وغيرهم من يعامله بمثل ذلك \" كما تدينوا تدانوا\"\nإنها جديرة بالحياة الطيبة التي وعد الله في قوله: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) أي في الدنيا (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) أي في الآخرة.\nفإذا أساء الرجل عشرتها وقهرها وهي مقيمة على طاعته مؤدية لحقوقه فأي حياة طيبة تكون لها؟ وهذا رسول الله ﷺ المثل الأعلى في كمال الرجولة، وصلابة العزيمة، وقوة الشكيمة، وقد أخذت نفسُه من الحزم","vol":"2","page":466},{"text":"أوفر نصيب يؤتاه بَشَر، ومع ذلك كان لا يترفع على أهله، ولا يرهبهم من شخصه، شأنه مع أصحابه في خفض الجناح، ولين الجانب، وإكرام الصحبة، وقد تقدم أنه ﷺ ما ضرب بيده امرأة، ولا خادمًا قط (١١١٤)، وقد قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)، وقال تعالى: (واتبعوه لعلكم تهتدون)، وهو هو القائل ﷺ: \" خير الهدى هدى محمد ﷺ.\nفأين أولئك القساة الغلاظ من قوله تعالى: (إن ربك لبالمرصاد) (الفجر: ١٤)، وقوله ﷺ: \" إني أحرِّجُ عليكم حق الضعيفين: اليتيم والمرأة \" (١١١٥) .\nوقوله ﷺ: \" النساء شقائق الرجال\" (١١١٦) .\n(هـ) آخر الدواء الكَيُّ.\nيطعن أعداء الإسلام ومطاياهم من المنتسبين إليه، الذين يتظاهرون بتقديس النساء، ويصرحون بعبادتهن؛ ليخدعوهن عن أعراضهن، ويوردوهن موارد الهلكة - يطعنون في هذا الحكم ويتأففون منه، ويعدونه إهانة للمرأة، والجواب: أن القوم يستكبرون مشروعية تأديب الناشز، ولا يستكبرون أن تنشز هي وتترفع على زوجها، فتجعله - وهو رئيس البيت - مرءوسا بل محتقرا، وتصر على نشوزها، وتمشي على غُلَوائها، حتى إنها لا تلين لوعظه، ولا تستجيب لنصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، ترى كيف يعالجون هذا النشوز؟ وبم يشيرون على أزواجهن أن يعاملوهن به؟\n_________\n(١١١٤) تقدم برقم (١١٠٣) .\n(١١١٥) تقدم برقم (٩٣٨) .\n(١١١٦) تقدم برقم (١٣٩) .","vol":"2","page":467},{"text":"لعل الجواب تضمنه قول الشنفري الشاعر الجاهلي المعروف مخاطبًا زوجته:\nإذا ما جئتِ ما أنهاك عنه ... ولم أنكر عليك فطلقيني\nفأنت البعل يومئذ فقومي ... بسوطك - لا أبالك - فاضربيني\nنعم، أذن الإسلام في ذلك بشروط سبق ذكرها، وبينا متى يكون الضرب؟ ولمن يكون؟ إن هذا الإذن علاج ودواء فينبغي مراعاة وقته ونوعه وكيفيته ومقداره، وقابلية المحل، وهو إنما يُلجأ إليه عند الضرورة، لكن أعداء الله يموهون على الناس، ويلبسون الحق بالباطل، إذ ليس التأديب المادي هو كل ما شرعه الإسلام في العلاج، وإنما هو آخر أنواع ثلاثة، مع ما فيه من الكراهة الشرعية التي ثبتت عنه ﷺ، ومع أنه موجه لنوعية خاصة من النساء أشار إليها القرآن الكريم، فإذا وجدت امرأة ناشز أساءت عشرة زوجها، وركبت رأسها، اتبعت خطوات الشيطان، لا تكف ولا ترعوي عن غَيها واستهتارها بحقوق زوجها، ولم ينجع معها وعظ، ولا هجران، فماذا يصنع الرجل في هذه الحالة؟\nهل من كرامة الرجل أن يُهرع إلى طلب محاكمة زوجته كلما نشزت؟ وهل تقبل المرأة أن يهرع زوجها كلما وقعت في عصيان زوجها إلى أبيها أو إلى المحكمة ينشر خبرها على الملأ؟\nلقد أمر القرآن الكريم بالصبر والأناة، وبالوعظ والِإرشاد، ثم بالهجر في المضاجع، فإذا لم تنجع كل هذه الوسائل، فآخر الدواء الكي.\nإن الضرب بالسواك وما أشبهه أقل ضررًا على المرأة نفسها من تطليقها الذي هو ثمرة غالبة لاسترسالها في نشوزها إلى أن يتصدع بنيان الأسرة، ويتمزق شملها، ويتشرد أطفالها، وإذا قيس الضرر الأخف بالضرر الأعظم، كان ارتكاب الأخف حسنًا وجميلًا، وكما قيل: \" وعند ذكر العمى","vol":"2","page":468},{"text":"يُستَحْسَنُ العَوَرُ \".\nفالضرب طريق من طرق العلاج، ينفع في بعض الحالات مع بعض النفوس الشاذة المتمردة، التي لا تفهم الحسنى، ولا ينفع معها الجميل.\nالعبد يُقْرَعُ بالعَصا ... والحُرُّ تَكْفِيه الإشارة\nوقال بشار: * الحُرُّ يُلْحَى (١١١٧) والعصا للعبد*\nوقال ابن دُرَيد:\nواللوم للحر مقيم رادع والعبد لا يردعه إلا العصا (١١١٨)\n[إن من النساء، بل من الرجال من لا يقيمه إلا التأديب، ومن أجل ذلك وُضِعت العقوبات، وفتحت السجون.\nإن مشروعية هذا التأديب لا يستنكرها عقل ولا فطرة حتى نحتاج إلى تأويلها، إنما هي مجرد أمر يُحتاج إِليه في حالة \" فساد البيئة \"، وغلبة الأخلاق الفاسدة، إذا رأى الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه، فإذا صلحت البيئة، وصار النساء يعقلن النصيحة، ويستجبن للوعظ، أو يزدجرن بالهجر فيجب الاستغناء عن الضرب، فلكل حال حكم يناسبها في الشرع، مع أن الأصل هو الرفق بالنساء على كل حال، وتحمل الأذى منهن، والله أعلم.\nأما هؤلاء الذين يتأففون من حكم الله ﷿، وشريعته، فهؤلاء قوم لم يعرفوا حياة \" الأسرة \"، ولم يخبروا واقعها، وما يصادفها في بعض الأحيان من المشكلات، إنما هم قوم متملقون لعواطف بيئة خاصة من النساء يعرفونها هم، ويعرفها الناس جميعًا، يتظاهرون أمام هذه الفئة بالحرص على\n_________\n(١١١٧) يُلْحَى: أي يُلام، وانظر: \" الجامع لأحكام القرآن\" (٥/١٧٤) .\n(١١١٨) بتصرف من \" ماذا عن المرأة؟ \" ص (١٣٧- ١٣٩)، و\" روائع البيان\" (١/٤٧٤ - ٤٧٦) .","vol":"2","page":469},{"text":"كرامتها وعزتها]، وقانا الله والمسلمين شرهم.\n٣- ومن حقه عليها:\nالمتابعة في المسكن:\n(وكما فرض الله ﷾ على الزوج سكنى الزوجة، أوجب عليها بالمقابل \" متابعة زوجها في السكن \" في الِإقامة معه في المنزل الذي يسكنه، ويُعدُّه من أجلها، وألا تخالف في ذلك، إلى غير مسكن الزوج، وفي هذا يقول تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) (١١١٩) الطلاق (٦)، وهذا الواجب على الزوجة أمر طبيعي، لا غنى عنه لاستقامة الحياة الزوجية، سيما وأن الزوج مكلف بالإنفاق على الأسرة، وأن الزواج يقوم على ركن السكينة النفسية بين كل زوج وزوجته.\nومن هنا نجد أن الشريعة تحكم على الزوجة التي لا تتابع زوجها في السكن بأنها ناشزة، وتلزمها بالعودة إلى المتابعة بسلطة القضاء الشرعي. إلا أننا - للأسف - نجد بعض الكاتبين في شئون المرأة يفتعلون النقد لهذا الحكم، ويتنطعون في الطعن فيه، بأن إرغام الزوجة على الرجوع إلى بيت زوجها فيه مساس بكرامتها أو تحقير لشخصيتها، وإجبار لها على غير\n_________\n(١١١٩) قال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله): قوله تعالى: (وسار بأهله) قيل: فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء، لما له عليها من فضل القوَّامية وزيادة الدرجة إلا أن يلتزم لها أمرًا، فالمؤمنون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يُوَفى به ما استحللتم به الفروج) اهـ (١٣/٢٨١)، وذكر بعض الفقهاء أن للزوج بعد أداء كل المهر المعجل أن يسافر بزوجته إذا كان مأمونا عليها، كما في \" الفقه الإسلامي وأدلته \" (٧/٣٤٢)، وانظر \" جامع الأصول\" (١١/٥٣٢)، و\" فتح الباري\" (٩/١٨٨- ١٩٠) .","vol":"2","page":470},{"text":"ما تريد..!\nهكذا نصب هؤلاء المصلحون- بزعمهم- نصبوا أنفسهم للدفاع عن المرأة، ولكن أية امرأة هذه التي يدافعون عنها؟ هل هي الصالحة المخلصة لواجباتها الزوجية؟ كلا! إنهم يدافعون عن الزوجة الناشزة المتمردة على واجباتها، كأنهم نسوا أن التمرد والنشوز لا يخلو عند الضرورة من قسوة الزجر والردع.\nعلى أننا يجب أن نتذكر أن الزوج لو قصر في النفقة أو إعداد السكن، فإن الشارع يعامله بأشد مما يعامل به الزوجة حتى إن من الفقهاء من قال: \" إنه يحبس في نفقة زوجه ... \".\nئم إن الشريعة لم تلزمها بالمتابعة استبدادًا وإخضاعًا مطلقًا..؟ ! كلا، وإنما تلزم المرأة بالعودة إلى بيت زوجها بعد معاينة السلطة القضائية الشرعية لهذا البيت، والتأكد من أنه مستكمل المرافق، متوفرة فيه وسائل الراحة، مناسب لمركز المرأة الاجتماعي، ولحالة الرجل المادية.\nفما الذي تريد المرأة بعد هذا، وماذا يبتغي أعداء المتابعة الزوجية؟ هل نجعل للمرأة الحرية المطلقة في أن تسكن مع الزوج أو لا تسكن؟\nوهل تبقى بعدئذٍ مرحلة من الفوضى في حياة المجتمع وفي أوضاعه التنظيمية؟\nبل هل تجد في طبيعة الحياة على أي مستوى مثل هذا التفلت؟ كلا!، إن هذا الوضع لفي الغاية القصوى من الفوضى، وضع شاذ لا تقره طبيعة الحياة، في أي مستوى حتى عند الحيوانات بأنواعها السائحة والمتوحشة، وعند الطيور الأهلية والبرية، التي تعيش زوجين زوجين، فإنا","vol":"2","page":471},{"text":"نجد التزام المتابعة أمرًا متقررًا لا لشيء إلا لأنه ضرورة الحياة (١١٢٠) .\nأم يريد هؤلاء أن يلحق الرجل إلى منزل زوجته الناشزة، ويحكم عليه بالمتابعة! وماذا نفعل إذا أصرت الزوجة على استبعاده أيضا؟) (١١٢١) .\n٤- ومن حقه عليها:\nأن لا تصوم نفلًا بدون إذنه:\nإذا كان مقيمًا في البلد غير مسافر، فقد يعرض له فيها ما يتعارض مع صيامها من خدمة وعمل، وإعداد طعام لضيوف، أو حاجة تتنافى مع الصيام.\nقال النووي ﵀: (وسبب هذا التحريم أن للزوج حق الاستمتاع بها في كل وقت، وحقه واجب على الفور فلا يفوته بالتطوع، ولا بواجب على التراخي، وإنما لم يجز لها الصوم بغير إذنه، وإذا أراد الاستمتاع بها جاز ويفسد صومها لأن العادة أن المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإفساد، ولا شك أن الأولى له خلاف ذلك إن لم يثبت دليل كراهته،\n_________\n(١١٢٠) ولهذا كانت فرضية المتابعة على الزوجة حكمًا مقررا في كافة القوانين الوضعية، وهذا القانون الفرنسي يقرر (أن الزوج يجب عليه صيانة زوجته، وأن يقدم لها كل ما هو ضروري لحاجات الحياة، في حدود مقدرته وحالته، وأن المرأة في مقابل ذلك ملزمة بطاعة زوجها، وأن تسكن معه في أي مكان يرى صلاحيته لإقامتها) اهـ. وأين هذا من قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل اللَه بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) وقوله ﷿: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) وقوله جل وعلا: (لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها) .\n(١١٢١) انتهى بتصرف يسير من كتاب (ماذا عن المرأة؟) للدكتور نور الدين عتر ص (١٢٥- ١٢٧) .","vol":"2","page":472},{"text":"نعم لو كان مسافرًا، فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد يقتضي جواز التطوع لها إذا كان زوجها مسافرًا، فلو صامت وقدم في أثناء الصيام فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة، وفي معنى الغيبة أن يكون مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع) اهـ. نقله عنه الحافظ في الفتح (١١٢٢) .\nوقال القاري في \" المرقاة\": (وإنما لم يلحق بالصوم في ذلك صلاة التطوع لقصر زمنها، وفي معنى الصوم الاعتكاف لا سيما على القول بأن الاعتكاف لا يصح بدون الصوم) (١١٢٣) اهـ.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه \" (١١٢٤) .\nولما جاءت امرأة صفوان بن المعطل تشكو إلى رسول الله ﷺ أمورا ذكرت منها أنه: \" يُفَطّرها إذا صامت\" فسأله ﷺ عما قالت، فقال فيما قال: (... وأما قولها \" يفطرني إذا صمت، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب، فلا أصبر)، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: \" لا تصوم المرأة إلا بإذن زوجها \" (١١٢٥) الحديث.\nقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: (قوله: \" لا تصوم المرأة، وبعلها شاهد \" أي حاضر\" إلا بإذنه \" وأراد به صيام التطوع، فأما قضاء\n_________\n(١١٢٢) \"فتح الباري\" (٩/٢٩٦) .\n(١١٢٣) المرقاة (٢/٥٣٣) .\n(١١٢٤) رواه البخاري (٩/٢٩٥)، والترمذي (١/١٥٠)، والدارمي (٢/١٢)، وزاد في روايته: (يوما تطوعًا في غير رمضان)، وابن ماجه (١٧٦١)، والإمام أحمد (٢/٤٦٤) .\n(١١٢٥) أخرجه أبو داود (٢٤٥٩)، وابن حبان (٩٥٦)، والحاكم (١/٤٣٦)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأقرهما الألباني في \" الإرواء\" (٧/٦٥)، وأخرجه الإمام أحمد (٣/٨٠) .","vol":"2","page":473},{"text":"رمضان، فتستأذنه ما بين شوال إلى شعبان، قالت عائشة: \" إن كان ليكون علىَّ صيام من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان \" (١١٢٦)، وهذا يدل على أن حق الزوج محصور بالوقت، وإذا اجتمع مع الحقوق التي يدخلها المهلة، كالحج (١١٢٧) ونحوه، قُدم عليها) (١١٢٨) اهـ، قال الحافظ: (وفي الحديث أن حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير، لأن حقه واجب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع) (١١٢٩) .\nوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (عن رجل له زوجة تصوم النهار، وتقوم الليل، وكلما دعاها الرجل إلى فراشه تأبى عليه، وتقدم صلاة الليل، وصيام النهار على طاعة الزوج، فهل يجوز ذلك؟) .\nفأجاب ﵀:\n(لا يحل لها ذلك باتفاق المسلمين، بل يجب عليها أن تطيعه إذا طلبها إلى الفراش، وذلك فرض واجب عليها، وأما قيام الليل، وصيام النهار، فتطوع، فكيف تقدم مؤمنة النافلة على الفريضة؟) (١١٣٠) اهـ.\n_________\n(١١٢٦) أخرجه البخاري (٤/١٦٦) في الصوم، وزاد يحيى بن سعيد في آخره: (تعني الشغل من النبي ﷺ، أو الشغل بالنبي ﷺ، وانظر: \" مرقاة المفاتيح \" (٢/٥٣٢ - ٥٣٣) .\n(١١٢٧) وهذا بناء على أن وجوب الحج على التراخي، خلافًا لما عليه فريق من العلماء من أنه على الفور، فانظر تحقيق ذلك في \" أضواء البيان\" للشنقيطي (٥/١٠٨ - ١٢٦) .\n(١١٢٨) \" شرح السنة \" (٦/٢٠٣) .\n(١١٢٩) \"فتح الباري\" (٩/٢٩٦) .\n(١١٣٠) \" مجموع الفتاوى\" (٣٢/٢٧٤) .","vol":"2","page":474},{"text":"٥- ومن حقه عليها:\nأن لا تأذنَ لِأحد في بيته إلا بإذنه:\nعن تميم بن سلمة، قال: (أقبل عمرو بن العاص إلى بيت علي بن أبي طالب في حاجة، فلم يجد عليُّا، فرجع ثم عاد فلم يجده، مرتين أو ثلًاثا، فجاء علي فقال له: أما استطعت إذ كانت حاجتك إليها أن تدخل؟ قال: \" نهينا أن ندخل عليهن إلا بإذن أزواجهن \") (١١٣١) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه \" (١١٣٢) .\nقال القاري: (\" ولا تأذنَ \" بالنصب في النسخ المصححة عطفًا على \" تصوم\"، أي: ولا يحل لها أن تأذن أحدًا من الأجانب أو الأقارب حتى النساء، و\" لا \" مزيدة للتأكيد، وقال ابن حجر: \" يصح رفعه خبرا يراد به النهي، وجزمه على النهي \" في بيته\" أي في دخول بيته \" إلا بإذنه\" وفي معناه العلم برضاه) اهـ (١١٣٣) .\nوقال الحافظ في \" الفتح\": (قوله: \" باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه \" المراد ببيت زوجها سكنه سواء كان ملكه أو لا) وقال أيضًا: (قوله \" ولا تأذن في بيته \" زاد مسلم من طريق همام عن أبي هريرة: \" وهو شاهد إلا بإذنه \" وهذا القيد لا مفهوم له، بل خرج مخرج الغالب، وإلا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل\n_________\n(١١٣١) عزاه الألباني للخرائطي في \" مكارم الأخلاق \"، وقال: \" وإسناده صحيح، وقد عزاه السيوطي في \" الجامع\" للطبراني في \" الكبير\" من حديث عمرو بلفظ: (نهى عن أن تكلم النساء إلا بإذن أزواجهن)، انظر \" السلسلة الصحيحة \" رقم (٦٥٢) .\n(١١٣٢) تقدم آنفا برقم (١١٢٤) .\n(١١٣٣) \" مرقاة المفاتيح\" (٢/٥٣٣) .","vol":"2","page":475},{"text":"بيته، بل يتأكد حينئذ عليها المنع لثبوت الأحاديث الواردة في النهي عن الدخول على المغيبات أي من غاب عنها زوجها، ويحتمل أن يكون له مفهوم، وذلك أنه إذا حضر تيسر استئذانه، وإذا غاب تعذر، فلو دعت الضرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه لتعذره، ثم هذا كله فيما يتعلق بالدخول عليها، أما مطلق دخول البيت بأن تأذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها، أو إلى دار منفردة عن سكنها، فالذي يظهر أنه ملتحق بالأول، وقال النووي: (في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج بالإذن في بيته إلا بإذنه، وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به، أما لو علمت رضا الزوج بذلك فلا حرج عليها، كمن جرت عادته بإدخال الضيفان موضعا معدًّا لهم سواء كان حاضرًا أم غائبًا، فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاص لذلك، وحاصله أنه لابد من اعتبار إذنه تفصيلَا أو إجمالًا - قوله: \" إلا بإذنه أي الصريح، وهل يقوم ما يقترن به علامة رضاه مقام التصريح بالرضا؟ فيه نظر) (١١٣٤) اهـ.\nوعن عمرو بن الأحوص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: \" ... ألا وإن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فحقكم عليهن: أن لا يوطئن فُرُشَكم من تكرهون، ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون \" (١١٣٥) الحديث قال المباركفوري ﵀: (\" فرشَكم \" بالنصب مفعول أول، \" من تكرهون \" مفعول ثان، أي: من تكرهونه رجلًا كان أو امرأة، قال النووي: \" والمختار (١١٣٤) \"فتح الباري\" (٩/٢٩٥ - ٢٩٦) .\n(١١٣٥) جزء من حديث رواه الترمذي رقم (١١٦٣) وقال: \" حسن صحيح\"، وابن ماجه رقم (١٨٥١)، وفي سنده سليمان بن عمرو بن الأحوص، لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وللحديث شواهد في الصحيحين منها حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ عند مسلم وغيره.","vol":"2","page":476},{"text":"أن معناه أن لا يَأذنَّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيا أو امرأة، أو أحدا من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك \" (١١٣٦)، \" ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون \" هذا كالتفسير لما قبله، وهو عام) (١١٣٧) اهـ.\nوقال السندي في حاشيته على ابن ماجه: (... وقال الخطابي: \" معناه أن لا يؤذن لأحد من الرجال يدخل، فيحدث إليهن، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب، لا يرون ذلك عيبا، ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية الحجاب، وصارت النساء مقصورات نهي عن محادثتهن والقعود إليهن \"، وقوله: \" من تكرهون \" أي تكرهون دخوله سواء كرهتموه في نفسه أم لا، قيل: المختار منعهن عن إذن أحد في الدخول والجلوس في المنازل سواء كان محرمًا أو امرأة إلا برضاه، والله أعلم) (١١٣٨) .\n_________\n(١١٣٦) وباقي عبارة النووي ﵀: (وهذا حكم المسألة عند الفقهاء: أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل أو امرأة، ولا محرم، ولا غيره في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه، لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه، أو ممن أذن له في الإذن في ذلك، أو عرِف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا، ولم يترجح شيء، ولا وُجِدت قرينة، لا يحل الدخول، ولا الإذن، والله أعلم) اهـ من \" شرح النووي لصحيح مسلم \" (٨/١٨٤) .\n(١١٣٧) \" تحفة الأحوذي\" (٨/٤٨٣ - ٤٨٤) .\n(١١٣٨) \" حاشية السندي على ابن ماجه \" (١/٥٦٩) .","vol":"2","page":477},{"text":"هكذا فلتكن النساء\nقال الحافظ الذهبي ﵀:\n[روى إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: \" لما مرضت فاطمة، أتى أبو بكر فاستأذن، فقال علىُّ: \" يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذن عليكِ \"، فقالت: \" أتحب أن آذن له؟ \" قال: \" نعم \") .\nقلت: عملت السنة ﵂، فلم تأذن في بيت زوجها إلا بأمره.\nقال: فأذنتْ له، فدخل عليها يترضاها.. حتى رضيت] (١١٣٩) اهـ.\nورُوِي (أن شريحًا القاضي قابل الشعبي يومًا، فسأله الشعبي عن حاله في بيته، فقال له: \" من عشرين عامًا لم أر ما يغضبني من أهلي \"، قال له: \" وكيف ذلك؟ \" قال شريح: \" من أول ليلة دخلت على امرأتي، رأيت فها حسنَا فاتنًا، وجالًا نادرًا، قلت في نفسي: فَلْأطَّهَّر وأصلي ركعتين شكرا لله، فلما سلمت وجدت زوجتي تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، فلما خلا البيت من الأصحاب والأصدقاء، قمت إليها، فمددتُ يدي نحوها \"، فقالت: \" على رِسلك يا أبا أمية، كما أنت \"، ثم قالت: \" الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلى على محمد وآله، إني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك، فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأتركه \"، وقالت: \" إنه كان في قومك من تتزوجه من نسائكم، وفي قومي من الرجال من هو\n_________\n(١١٣٩) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/١٢١)، ورواه ابن سعد في \" الطبقات \" (٨/٢٧)، وقال الحافظ في \" الفتح \" (٦/١٣٩): (وهو - وإن كان مرسلا - فإسناده إلى الشعبي صحيح) اهـ.","vol":"2","page":478},{"text":"كفء لي، ولكن إذا قضى الله أمرًا كان مفعولًا، وقد ملكت فاصنع ما أمرك به الله، إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، أقول قولي هذا، وأستغفر الله في ولك..! \".\nقال شريح: (فأحوجتني - والله يا شعبي - إلى الخطبة في ذلك الموضع، فقلت: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي على النبي وآله وأسلم، وبعد: فإنكِ قلت كلامَا إن ثَبَتِّ عليه يكن ذلك حظك، وإن تَدَعِيه يكن حجة عليكِ، أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا، وما رأيتِ من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها! \".\nفقالت: \" كيف محبتك لزيارة أهلي؟ \" قلت: (ما أحب أن يُمِلَّني أصهاري \"، فقالت: \" فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك فآذن له، ومن تكره فأكره؟ \"، قلت: \" بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء)، قال شريح: \" فبت معها بأنعم ليلة، وعشت معها حَوْلًا لا أرى إلا ما أحب، فلما كأن رأس الحول جئت من مجلس القضاء، فإذا بفلانة في البيت، قلت: \" من هي؟ \" قالوا: \" ختنك \" - أي أم زوجك -، فالتفتت إلي، وسألتني: (كيف رأيت زوجتك؟ \" قلت: \" خير زوجة \"، قالت: \" يا أبا أمية إن المرأة لا تكون أسوأ حالَا منها في حالين: إذا ولدت غلامًا، أو حظيت عند زوجها، فوالله ما حاز الرجال في بيوتهم شرا من المرأة المدللة، فأدب ما شئت أن تؤدب، وهذب ما شئت أن تهذب \" فمكثت معي عشرين عاما لم أعقب عليها في شيء إلا مرة، وكنت لها ظالما) (١١٤٠) .\n_________\n(١١٤٠) انظر: \" أحكام النساء \" لابن الجوزي ص (١٣٤ - ١٣٥)، و\" أحكام القرآن \" لابن العربي (١/٤١٧) .","vol":"2","page":479},{"text":"٦- ومن حقه عليها:\nأن لا تكلم - وهي في بيتها - أحدًا من غير محارمها إلا بإذنه: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (نَهَى عن أن تُكَلَم النساء - يعنى في بيوتهن - إلا بإذن أزواجهن) (١١٤١)، قال المناوي: \" لأنه مظنة وقوع الفاحشة بتسويل الشيطان، ومفهومه الجواز بإذنه، وحمله الولي العراقي على ما إذا انتفت مع ذلك الخلوة المحرمة، والكلام في رجال غير محارم) (١١٤٣) اهـ.\n٧- ومن حقه عليها:\nأن لا تخرج من بيته بغير إذنه:\nقال ابن قدامة ﵀: (وللزوج منعها من الخروج من منزله إلى ما لها منه بد، سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما، قال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة: \" طاعة زوجها أوجب عليها من أمها إلا أن يأذن لها \"، وقد روى ابن بطة في \" أحكام النساء \" عن أنس أن رجلًا سافر، ومنع زوجته من الخروج، فمرض أبوها، فاستأذنت رسول الله ﷺ في عيادة أبيها، فقال لها: رسول الله ﷺ: \" اتقي الله، ولا تخالفي زوجك\"، فمات أبوها، فاستأذنت رسول الله ﷺ في حضور جنازته، فقال ها: \" اتقي الله، ولا تخالفي زوجك \"، فأوحى الله إلى النبي ﷺ: \" إني قد غفرت لها بطاعة زوجها \" (١١٤٣)\n_________\n(١١٤١) عزاه الألباني للخرائطي في \" مكارم الأخلاق \"، وقال: \" إسناده ضعيف\"، ويشهد له حديث عمرو بن العاص ﵁ المتقدم آنفًا برقم (١١٣١)، وانظر \" السلسلة الصحيحة\" رقم (٦٥٢) .\n(١١٤٢) \" فيض القدير \" (٦/٣٤٩) .\n(١١٤٣) قال الهيثمي في \" المجمع\" (٤/٣١٣): (رواه الطبراني في \" الأوسط \"، وفيه =","vol":"2","page":480},{"text":"ولأن طاعة الزوج واجبة، والعيادة غير واجبة، فلا يجوز ترك الواجب لما ليس بواجب، ولا يجوز لها الخروج إلا بإذنه، ولكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما لأن في ذلك قطيعة لهما، وحملًا لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف، وليس هذا من المعاشرة بالمعروف، وإن كانت زوجته ذمية فله منعها من الخروج إلى الكنيسة لأن ذلك ليس بطاعة، ولا نفع، وإن كانت مسلمة، فقال القاضي: له منعها من الخروج إلى المساجد، وهو مذهب الشافعي، وظاهر الحديث يمنعه من منعها لقول النبي ﷺ: \" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\" (١١٤٤)، وعن ابن عمر ﵄ قال: (كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعِشاء فى الجماعة في المسجد، فقيل لها - أي قال عمر -: \" لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويَغار؟ \"، قالت: \" وما يمنعه أن ينهاني؟ \"، قال: يمنعه قول رسولِ الله ﷺ: \" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله \" (١١٤٥» .\n_________\n= عصمة بن المتوكل، وهو ضعيف) اهـ. وقال الألباني حفظه الله: (أخرجه الطبراني في الأوسط \" (١/١٦٩/٢) من طريق عصمة بن المتوكل نا زافر عن سليمان عن ثابت البُناني عن أنس بن مالك به، وقال: \" لم يروه عن زافر إلا عصمة\"، قلت: وهو ضعيف، قال العقيلي في \" الضعفاء\" ص (٣٢٥): \" قليل الضبط للحديث، يهم وهما\"، وقال أبو عبد الله - يعني البخاري -: \" لا أعرفه \"، ثم ساق له حديثا مما أخطأ في متنه، وقال الذهبي: \" هذا كذب على شعبة\"، وشيخه - زافر- وهو ابن سليمان القهستاني- ضعيف أيضًا، قال الحافظ في \" التقريب\": \" صدوق كثير الأوهام\") اهـ من \" إرواء الغليل \" (٧/٧٦-٧٧) رقم (٢٠١٤) .\n(١١٤٤) رواه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ البخاري في \" الجمعة \"، و\" صفة الصلاة\"، والنكاح، ومسلم رقم (٤٤٢)، في الصلاة، وأبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ رقم (٧٦٥) في الصلاة، والبغوي في \" شرح السنة \" (٣/٤٣٨)، وصححه.\nرواه البخاري (٢/٣٨٢) فتح - ط. السلفية في الجمعة: باب هل على من لم =","vol":"2","page":481},{"text":"وروي أن الزبير تزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت تخرج إلى المساجد، وكان غيورًا، فيقول لها: \" لو صليت في بيتك؟ \" فتقول: \" لا أزال أخرج أو تمنعني \"، فكره منعها لهذا الخبر (١١٤٦) ..) اهـ (١١٤٧) .\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها) (١١٤٨) .\nوعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم \" (١١٤٩) وفي رواية: \" إذا استأذنوكم\" (١١٥٠) .\n_________\n= يشهد الجمعة غسل؟\n[والمرأة المذكورة هي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل أخت سعيد بن زيد أحد العشرة، سماها الزهري فيما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه قال: (كانت عاتكة بنت زيد عند عمر بن الخطاب، وكانت تشهد الصلاة في المسجد، وكان عمر يقول لها: (والله إنك لتعلمين أني ما أحب هذا\"، قالت: \" والله لا أنتهي حتى تنهاني\"، قال: \" فلقد طُعِن عمر وإنها لفي المسجد \") كذا ذكره مرسلا] اهـ. من \" فتح الباري \" (٢/٣٨٣) .\n(١١٤٦) انظر \" الإصابة \" (٨/١٢-١٣) وفيه أن الذي كره منعها عمر ﵁ كما في الأثر السابق، وأن الزبير كان يمنعها، (وقد ذكر أبو عمر في التمهيد أن عمر لما خطبها شرطت عليه أن لا يضربها ولا يمنعها من الحق ولا من الصلاة في المسجد النبوي، ثم شرطت ذلك على الزبير، فتحيل عليها أن كمن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء، فلما مرت به ضرب على عَجيزتها، فلما رجعت قالت: إنا لله! فسد الناس! فلم تخرج بعد) اهـ نقلًا من \" الإصابة\" (٨/١٢) .\n(١١٤٧) \"المغني\" (٧/٢٠-٢١) .\n(١١٤٨) أخرجه الشيخان كما تقدم آنفا برقم (١١٤٤)، والنسائي - واللفظ له - (٢/٤٢) في المساجد.\n(١١٤٩) رواه مسلم في الموضع المتقدم برقم (١١٤٤) .\n(١١٥٠) قال النووي: (هكذا وقع في أكثر الأصول \"استاذنوكم\"، وفي بعضها =","vol":"2","page":482},{"text":"وذكر بعض أهل العلم أن أمر الأزواج بالإذن لهن في الأحاديث الواردة في ذلك ليس للايجاب، وإنما هو للندب، وكذلك نهيه ﷺ عن منعهن، قالوا: هو لكراهة التنزيه لا للتحريم، قال ابن حجر: في فتح الباري\": (وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب، لأنه لو كان واجبا، لانتفى معنى الاستئذان، لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذَن مخيرا في الإجابة أو الرد) (١١٥١) اهـ.\nوقال النووي في \" شرح المهذب \": (فإن منعها لم يحرم عليه، هذا مذهبنا، قال البيهقي: وبه قال عامة العلماء، ويجاب عن حديث: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، بأنه نهي تنزيه، لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه لفضيلة) (١١٥٢) اهـ.\nوقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي في \" المهذب\": (وللزوج منع الزوجة من الخروج إلى المساجد وغيرها، لما روى ابن عمر ﵄ قال: \" رأيت امرأة أتت إلى النبي ﷺ، وقالت: يا رسول الله! ما حق الزوج على زوجته؟ قال: حقه عليها أن لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت: لعنها الله، وملائكة الرحمة، وملائكة الغضب، حتى تتوب أو ترجع، قالت: يا رسول الله! وإِن كان لها ظالما؟ قال: وإن كان لها ظالما \" (١١٥٣)، ولأن حق الزوج واجب، فلا يجوز تركه لما ليس بواجب،\n_________\n= \" أستاذنكم\"، وهذا ظاهر، والأول صحيح أيضا، وعوملن معاملة الذكور لطلبهن الخروج إلى مجلس الذكور، والله أعلم) اهـ من \" شرح النووي\" (٤/١٦٢) .\nواعلم أن في هذه المسألة ومتعلقاتها بحثا طويل الذيل نورده إن شاء الله في القسم الرابع، من هذا الكتاب في باب \" أحكام القرار في البيوت\" يسر الله إتمامه. (١١٥١) \" فتح الباري\" (٢/٣٤٨) .\n(١١٥٢) \"المجموع شرح المهذب\" (٤/٩٥) ط. الشيخ زكريا علي يوسف رحمه الله تعالى.\n(١١٥٣) رواه أبو داود الطيالسي بهذا اللفظ، والبيهقي، وقال العراقي في \" المغني\": =","vol":"2","page":483},{"text":"ويكره منعها من عيادة أبيها إذا أثقل، وحضور مواراته إذا مات (١١٥٤)، لأن منعها من ذلك يؤدي إلى النفور، ويغريها بالعقوق) اهـ (١١٥٥) .\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن المرأة (إذا خرجت من داره بغير إذنه فلا نفقة لها ولا كسوة) (١١٥٦)، وقال أيضا ﵀:\n_________\n= (وفيه ضعف) اهـ. ورواه من حديث ابن عباس ﵄ البزار (٢/١٧٨)، والطيالسي، وابن عساكر (٧/٣٦٨)، وفيه حسين بن قيس المعروف بحنش، وهو ضعيف، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله ثقات، كما في \" المجمع\" (٤/٣٠٧)، وعزاه المنذري إلى الطبراني في \" الترغيب\" (٣/٥٧-٥٨)، ولفظه: (أن امرأة من خثعم أتت رسول الله ﷺ فقالت: \" يا رسول الله! أخبرني ما حق الزوج على الزوجة؟ فإني امرأة أيم، فإن استطعت، وإلا جلستُ أَيِّمًا \"، قال: \" فإن حق الزوج على زوجته إن سألها نفسها وهي على ظهر قتب لا تمنعه، وأن لا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، فإن فعلت جاعت وعطشت، ولا يقبل منها، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء، وملائكة الرحمة، وملائكة العذاب \"، قالت: \" لا جرم لا أتزوج أبدا \")، وانظر \" ضعيف الجامع \" (٣/١٠٠)، (تخريج أحاديث الأحياء \" رقم (١٤٤٢) .\n(١١٥٤) لكن قال صاحب المهذب في موضع آخر: (ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روي عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ لعن زُوارتِ القبور) اهـ \" المجموع شرح المهذب\" (٥/٢٨٠)، وقد روى ابن ماجه، والبيهقي عن علي ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ فإذا نسوة جلوس، فقال: \" ما يجلِسُكن؟ \"، قلن: \" ننتظر الجنازة \"، قال: \" هل تغسلن؟ \" قلن: \" لا\"، قال: \" هل تدلين فيمن يدلي؟، قلن: \" لا \"، قال: \" فارجعن مأزورات غير مأجورات \")، وروى الشيخان عن أم عطية ﵂ قالت: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت)، وفيه: (ونهانا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا)، وذلك لأن خروجهن للمقابر مظنة وسبب لأمور محرمة من الجزع ونحوه، والله تعالى أعلم.\n(١١٥٥) \" المجموع شرح المهذب\" (١٥/٥٦٧- ٥٧٠) .\n(١١٥٦) \" مجموع الفتاوى\" (٣٢/٢٨١) .","vol":"2","page":484},{"text":"(لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه، ولا يحل لأحد أن يأخذها إليه، ويحبسها عن زوجها، سواء كان ذلك لكونها مرضعا، أو لكونها قابلة، أو غير ذلك من الصناعات، وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة عاصية لله ورسوله؛ ومستحقة للعقوبة) (١١٥٧) .\n٨- ومن حقه عليها: أن تحفظ ماله:\nالمرأة أمينة على مال زوجها، وما يودعه في البيت من نقد أو مؤنة أو غير ذلك، فلا يجوز لها أن تتصرف فيه بغير رضاه، وفي الحديث الشريف: \" ... والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها \" (١١٥٨) .\nوقد أشاد رسول الله ﷺ بالمرأة التي تحنو على زوجها وتشفق عليه\nوترعى ماله، فقال ﷺ: \" خير نساء ركبن الإبل صالحُ نساء قريش، أحناه على ولد في صِغره، وأرعاه على زوج في ذات يده \" (١١٥٩) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (قيل لرسول الله ﷺ: \" أيُّ النساء خير؟ \"، قال: \" التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره \" (١١٦٠) .\nوعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ: \" لا يحل لها أن تُطْعِمَ من بيته إِلا بإذنه إلا الرطب من الطعام \" الحديث، وفيه: \" ولا تعطي من بيته شيئا إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان له الأجر، وعليها\n_________\n(١١٥٧) \" السابق\".\n(١١٥٨) تقدم تَخريجه برقم (٥٥) .\n(١١٥٩) تقدم تخريجه برقم (٤٢٩) .\n(١١٦٠) عزاه في \" مشكاة المصابيح\" إلى النسائي، والبيهقي في \" شعب الإيمان\"، وقال الألباني في \" تحقيق المشكاة\": (وإسناده حسن) اهـ. (٢/٢٧٦) .","vol":"2","page":485},{"text":"الوزر\" (١١٦١) .\nوعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: \" لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها \" قيل: \" يا رسول الله! ولا الطعام؟ \"، قال: \" ذاك أفضل أموالنا \") (١١٦٢) .\nوعن سعد قال: \" لما بايع رسول الله ﷺ النساء، قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مُضَر، قالت: (يا رسول الله إنا كَلُّ على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ \"، قال: (الرَّطْبُ تأكلنه وتُهْدِينه \" (١١٦٣» .\nقال البغوي ﵀: (\" امرأة جليلة\" قد يريد به الجسم، وقد يريد به كبير السن، وخص الطعام الرطب بالأكل لما جرت العادة بين الجيرة والأقارب أن يتهادوا بالرطب من الفواكه والبقول لسرعة الفساد إليها دون اليابس الذي يبقى على الادخار.\n_________\n(١١٦١) رواه أبو داود الطيالسي، والبيهقي، قال الحافظ العراقي: \" وفيه ضعف\"، انظر: \" تخريج أحاديث الإحياء \" رقم (١٤٤٢)، (١٤٤٧)، و\" إتحاف السادة المتقين\" (٥/٤٠٥) .\n(١١٦٢) أخرجه الترمذي رقم (٦٧٠) في الزكاة: باب ما جاء في نفقة المرأة من بيت زوجها، وحسنه، وابن ماجه رقم (٢٢٩٥)، وابن أبي شيبة (٦/٥٨٥)، والبغوي في \" شرح السنة\" (٦/٢٠٤)، والبيهقي (٤/١٩٣)، والإمام أحمد (٥/٢٦٧)، وغيرهم، وحسنه الألباني في \" صحيح الترغيب\" رقم (٩٣٥)، و\" صحيح ابن ماجه\" (٢/٣١) .\n(١١٦٣) أخرجه أبو داود رقم (١٦٨٦) في الزكاة: باب المرأة تتصدق من بيت زوجها،\nوالبغوي في \" شرح السنة \" (٦/٢٠٦)، وقال محققه: (إسناده جيد) اهـ، وابن أبي شيبة (٦/٥٨٥)، والحاكم (٤/١٣٤)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":486},{"text":"قال ﵀: وفي الجملة ليس لأحدهما أن يتناول من مال الآخر، ما يقع به الضنة دون إذنه) (١١٦٤) اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر: (المراد بالرطب: ما يتسارع إليه الفساد، فأذن فيه بخلاف غيره، ولو كان طعامًا، والله أعلم) (١١٦٥) اهـ.\nوفي \" شرح السنة \": (وقد روى عَن عطاء، عن أبي هريرة في المرأة تصدق من بيت زوجها، قال: \" لا، إلا من قوتها والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا بإذنه (١١٦٦)، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن المرأة ليس لها أن تتصدق بشيء من مال الزوج دون إِذنه، وكذلك الخادمُ، ويأثمان إن فعلا ذلك) (١١٦٧) اهـ.\nوعن عائشة ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ: \"إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غيْر مفْسِدَة، كان لها أجرُها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا يُنقِصُ بعضُهم أجر بعض شيئًا \" (١١٦٨» .\nقال البغوي ﵀: (وحديث عائشة خارج على عادة أهل الحجاز أنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في الإنفاق والتصدق مما يكون في البيت إذا حضرهم السائل، أو نزل بهم الضيف، فحضهم على لزوم تلك العادة،\n_________\n(١١٦٤) \"شرح السنة\" (٦/٢٠٦) .\n(١١٦٥) \"فتح الباري\" (٩/٢٩٧) ط. السلفية.\n(١١٦٦) رواه أبو داود رقم (١٦٨٨) في الزكاة، وفيه عنعنة ابن جريج، وباقي رجاله ثقات.\n(١١٦٧) \"شرح السنة\" (٦/٢٠٥) .\n(١١٦٨) رواه البخاري (٣/٢٤٠) في الزكاة: باب أجر المرأة إذا تصدقت..، وفي البيوع، ومسلم رقم (١٠٢٤) في الزكاة: باب أجر الخازن الأمين..، وأبو داود رقم (١٦٨٥)، والترمذي رقم (٦٧١)، (٦٧٢)، والنسائي (٥/٦٥) .","vol":"2","page":487},{"text":"كما قال لأسماء: \" لا توعي فيوعى عليك \" وعلى هذا يخرج ما روي عن عمير مولى آبي اللحم قال: كنت مملوكًا، فسألت رسول الله ﷺ: أتصدق من مال مَوالِي بشيء؟ قال: \" نعم، والأجر بينكما نصفان \" (١١٦٩) اهـ.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فله نصف الأجر \" (١١٧٠) .\nوتقييده بقوله: \" من غير أمره \" قال النووي ﵀: (معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره، وذلك الإذن الذي قد \" ... \" (*) سابقًا إما بالصريح وإما بالعرف، ولابد من هذا التأويل لأنه ﷺ جعل الأجر مناصفة، وفي رواية أبي داود: \" فلها نصف أجره، ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر، فتعين تأويله)، ثم قال: (واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يعلَم رضا المالك به في العادة، فإن زاد على المتعارف لم يجز، وهذا معنى قوله ﷺ: \" إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة \" فأشار إلى أنه قدر يعلم رضا الزوج به في العادة) قال: (ونبه بالطعام أيضا على ذلك لأنه يسْمَحُ به في العادة، بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس، وفي كثير من الأحوال) (١١٧١) اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (ويحتمل أن يكون المراد بالتصنيف في حديث الباب الحمل على المال الذي يعطيه الرجل في نفقة\n_________\n(١١٦٩) رواه مسلم رقم (١٠٢٥) في الزكاة: باب ما أنفق العبد من مال مولاه. (١١٧٠) رواه البخاري (٤/٢٥٥) في البيوع: باب قوله تعالى: (أنفقوا من طيبات ما كسبتم) وفي النفقات، ومسلم رقم (١٠٢٦) في الزكاة: باب أجر الخازن الأمين، وأبو داود رقم (١٦٨٧)، في الزكاة. (*) بياض بالأصل.\n(١١٧١) \" شرح النووي\" (٧/١١٢ - ١١٣) .","vol":"2","page":488},{"text":"المرأة، فإذا أنفقت منه بغير علمه كان الأجر بينهما: للرجل لكونه الأصل في اكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله كما ثبت من حديث سعد ابن أبي وقاص وغيره، وللمرأة لكونه من النفقة التي تختص بها، ويؤيد هذا الحمل ما أخرجه أبو داود عقب حديث أبي هريرة هذا قال في المرأة تصدق من بيت زوجها؟ قال: \" لا، إلا من قُوتِها، والأجر بينهما \"، ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا بإذنه) (١١٧٢) اهـ.\nهل للمرأة حرية التصرف في مالها بدون إذن زوجها؟\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو مرفوعا: \" لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها \" (١١٧٣)، وقد ورد الحديث نفسه بلفظ: \" لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عِصمتها \" (١١٧٤) .\nوعن عبد الله بن يحيى الأنصاري - رجل من ولد كعب بن مالك - عن أبيه عن جده: (أن جدته خيرة امرأة كعب بن مالك أتت رسول الله ﷺ بحلي لها، فقالت: \" إني تصدقت بهذا\"، فقال لها رسول الله ﷺ: \" لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها، فهل استأذنتِ كعبًا؟ \"، قالت: \" نعم\"، فبعث رسول الله ﷺ إلى كعب بن مالك، فقال: \" هل أذنت\n_________\n(١١٧٢) \" فتح الباري\" (٩/٢٩٧) ط. السلفية.\n(١١٧٣) رواه الإمام أحمد رقم (٦٦٨١)، والطيالسي (٢٢٦٧)، وأبو داود رقم (٣٥٤٧) في البيوع، والنسائي (٥/٦٥، ٦٦) في الزكاة، (٦/٢٧٨) في العمرى، والبيهقي (٦/٢٧٨)، وصححه العلامة أحمد شاكر في \" تحقيق المسند\" (١١/١٧) .\n(١١٧٤) رواه الإمام أحمد رقم (٧٠٥٨)، وأبو داود رقم (٣٥٤٦) في البيوع، النسائي (٦/٢٧٨) بلفظ \" هبة \" بدل \" أمر \"، والحاكم (٢/٤٧)، وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٦/٦٠)، وصححه العلامة أحمد شاكر ﵀ في \"تحقيق المسند\" (١٢/١٧-١٨) .","vol":"2","page":489},{"text":"لخيرة أن تتصدق بحُلِيها؟ \" فقال: \" نعم \"، فقبله رسول الله ﷺ منها) (١١٧٥) .\nقال الخطابي في قوله ﷺ: \" لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها \": (عند أكثر الفقهاء هذا على معنى حسن العشرة، واستطابة نفس الزوج بذلك، إلا أن مالك بن أنس قال: \" تَرُدُ ما فعلت من ذلك حتى يأذن الزوج \"، وقد يحتمل أن يكون ذلك في غير الرشيدة، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ قال للنساء: \" تصدقن \"، فجعلت المرأة تلقى القرط والخاتم، وبلال يتلقاها بكسائه (١١٧٦)، وهذه عطية بغير إذن أزواجهن) (١١٧٧) انتهى.\nوقال السندي ﵀: (ونقل عن الشافعي أن الحديث ليس بثابت، وكيف نقول به والقرآن يدل على خلافه ثم السنة ثم الأثر ثم المعقول؟ ويمكن أن يكون هذا في موضع الاختيار مثل: \" ليس لها أن تصوم وزوجها حاضر إلا بإذنه \" فإن فعلت جاز صومها، وإن خرجت بغير إذنه فباعت، جاز بيعها، وقد أعتقت ميمونة قبل أن يعلم النبي ﷺ فلم يعب ذلك عليها، فدل هذا مع غيره على أن هذا الحديث إن ثبت فهو محمول على الأدب والاختيار.\nوقال البيهقي: إسناد هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن\n_________\n(١١٧٥) رواه ابن ماجه رقم (٢٣٨٩)، والطحاوي في \" شرح معاني الآثار \" (٢/٤٠٣)، قال الطحاوي: \"حديث شاذ لا يثبت\"، وقال ابن عبد البر: (إسناده ضعيف لا تقوم به الحجة \"، وصححه الألباني في \" صحيح ابن ماجه\" رقم (١٩٣٥) .\n(١١٧٦) انظر تخريجه في \" القسم الثالث \" ص (٣٥٦) .\n(١١٧٧) نقله عنه في \" عون المعبود \" (٩/٤٦٣) .","vol":"2","page":490},{"text":"أثبت عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا إلا أن الأحاديث المعارضة له أصح إسنادًا، وفيها وفي الآيات التي احتج بها الشافعي دلالة على نفوذ تصرفها في مالها دون الزوج، فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولا على الأدب والاختيار، كما أشار إليه الشافعي، والله تعالى أعلم) (١١٧٨) اهـ.\nوقال الشوكاني ﵀ معلقًا على نفس الحديث:\n(وقد استدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز للمرأة أن تعطي عطية من مالها بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة، وقد اختُلِفَ في ذلك: - فقال الليث: لا يجوز لها ذلك مطلقًا لا في الثلث، ولا فيما دونه إلا في الشيء التافه.\n- وقال طاوس ومالك: إنه يجوز لها أن تعطي مالها بغير إذنه في الثلث لا فيما فوقه، فلا يجوز إلا بإذنه.\n- وذهب الجمهور إلى أنه يجوز لها مطلقا من غير إذن من الزوج إِذا لم تكن سفيهة، فإن كانت سفيهة لم يجز، قال في \" الفتح \": \" وأدلة الجمهور من الكتاب والسنة كثيرة \" انتهى.\nوقد استدل البخاري في صحيحه على جواز ذلك بأحاديث ذكرها في باب هبة المرأة لغير زوجها من كتاب الهبة، ومن جملة أدلة الجمهور حديث جابر (١١٧٩) المذكور قبل هذا، وحملوا حديث الباب على ما إذا كانت سفيهة غير رشيدة، وحمل مالك أدلة الجمهور على الشيء اليسير، وجعل حَده الثلثَ فما دونه.\nومن جملة أدلة الجمهور الأحاديث المتقدمة في أول الباب (١١٨٠)\n_________\n(١١٧٨) \"حاشية السندي على سنن النسائي\" (٦/٢٧٩) .\n(١١٧٩) تقدمت الإشارة إليه آنفا برقم (١١٧٦) .\n(١١٨٠) الإشارة هنا إلى نفس الأحاديث المتقدمة بالأرقام (١١٦٣)، (١١٦٨)، =","vol":"2","page":491},{"text":"القاضية بأنه يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه، وإذا جاز لها ذلك في ماله بغير إذنه، فبالأولى الجواز في مالها؛ والأولى أن يقال: \" يتعين الأخذ بعموم حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وما ورد من الواقعات المخالفة له تكون مقصورة على مواردها، أو مخصصة لمثل من وقعت له من هذا العموم، وأما مجرد الاحتمالات فليست مما تقوم به حجة \" (١١٨١) اهـ.\nوبنحو هذا الذي رجحه الشوكاني ﵀ قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في\" سلسلة الأحاديث الصحيحة\" معلقًا على حديث وائلة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" ليس للمرأة أن تنتهك شيئًا من مالها إلا بإذن زوجها \" (١١٨٢):\n(وهذا الحديث رقم (٧٧٥)، وما أشرنا إليه مما في معناه يدل على أن المرأة لا يجوز لها أن تتصرف بمالها الخاص بها إِلا بإذن زوجها، وذلك من تمام القوامة التي جعلها ربنا ﵎ له عليها، ولكن لا ينبغي للزوج - إذا كان مسلمًا صادقًا - أن يستغل هذا الحكم، فيتجبر على زوجته، ويمنعها من التصرف في مالها فيما لا ضير عليهما منه، وما أشبه هذا الحق بحق ولي البنت التي لا يجوز لها أن تزوج نفسها بدون إذن وليها، فإذا أعضلها رفعت الأمر إلى القاضي الشرعي لينصفها، وكذلك الحكم في مال المرأة إذا جار عليها زوجها، فمنعها من التصرف الشروع في مالها، فالقاضي ينصفها أيضًا، فلا إشكال على الحكم نفسه، وإنما الإشكال في سوء التصرف به، فتأمل) (١١٨٣) اهـ.\n_________\n= (١١٦٩)، (١١٧٠) .\n(١١٨١) \"نيل الأوطار\" (٦/٢٢)\n(١١٨٢) عزاه الألباني في \" الصحيحة \" رقم (٧٧٥) إلى تمام في\" الفوائد \"، وعزاه السيوطي للطبراني في \" الكبير\"، وقال المناوي: (قال الهيثمي: وفيه جماعة لم أعرفهم) اهـ، وصححه الألباني لشواهده.\n(١١٨٣) \" سلسلة الأحاديث الصحيحة \" (٢/٣٣٨) حديث رقم (٧٧٥)، وانظر: =","vol":"2","page":492},{"text":"٩- ومن حقه عليها أن لا تطالبه مما وراء الحاجة، وما هو فوق طاقته، فترهقه من أمره عسرًا، بل عليها أن تتحلى بالقناعة، والرضى بما قسم الله لها من الخير.\nفيجب على الزوجة أن تقدر طاقة زوجها المالية، وتقتصد في ماله، فلا تهدره بطرًا وبغير حق، ولا ترهقه بطلباتها غير الضرورية من متاع الدنيا خصوصا إذا فاقت إمكاناته، فذلك يزعجه ويؤلمه، لأنه لا يستطيع تحقيق هذه المطالب، ويعز عليه أن يظهر أمام زوجته بمظهر العاجز الذي لا يملك تنفيذ ما تطلب.\nوعليها أذ تصحب زوجها بالقناعة، فلا تتطلع إلى ما عند الغير، ولا تحاكي أترابها من نساء الأقارب والجيران والمعارف في اقتناء الكماليات، بل عليها أن توجه مال الله للبذل في سبيل الله ﷿ ليكون رصيدًا لهما يوم القيامة.\nوعليها أن تتأسى بأمهات المؤمنين ﵅، فقد كانت حياتهن كفافًا، وربما خلت بيوتهن من الطعام، ولقد وضع رسول الله ﷺ لنا من الضوابط ما يأخذ نفوسنا بالقناعة، حين أمرنا أن ننظر إلى من هو أقل منا عيشا، وأضيق رزقا، لأن ذلك يبعثنا على شكر النعمة التي غمرنا الله بها، ويُقَوي فينا الشعور بالرضا، فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم \" (١١٨٤)، وهذا في حظوظ الدنيا، أما في الدين فإن المسلمة مأمورة بعلو الهمة، والتنافس في الخيرات، والاجتهاد في الصعود إلى مستوى من هو أرقى وأرفع منزلة، وهل في عالم\n_________\n= \" فيض القدير \" (٥/٣٧٨) .\n(١١٨٤) انظر تخريجه في \" القسم الثالث \" ص (١٧٣-١٧٤) .","vol":"2","page":493},{"text":"النساء منذ خلقه الله إلى اليوم مَن تُسامي أمهات المؤمنين وبنات رسول الله ﷺ ونساء المهاجرين والأنصار، هيهات هيهات، ومع ذلك كانت حياتهن كفافًا، وربما خلت بيوتهن من الطعام.\nفعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: \" ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض رسول الله ﷺ (١١٨٥) .\nوعن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: \"والله يا ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار \"، قلت: يا خالة، فما كان يُعيشُكم؟ قالت: \" الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح (١١٨٦)، فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه \" (١١٨٧) .\nقال فضيلة الدكتور محمد الصباغ حفظه الله:\n(إن القناعة سبب السعادة.. فالغنى غنى النفس.. وإذا ترك المرء نفسه على سجيتها لا يشبعها شيء، كما قال الهذلي:\nوالنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع\nوكما قال البوصيري:\nوالنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم\nيقول رسول الله ﷺ:\n\" لو أن لابن آدم واديًا من ذهب لتمنى أن يكون له اثنان ولن يملأ\n_________\n(١١٨٥) رواه البخاري (٩/٥٤٩) ط. السلفية في الأطعمة، والرقاق (١١/٢٨٢)، ومسلم واللفظ له رقم (٢٩٧٠) في الزهد.\n(١١٨٦) منايح: جمع منيحة: وهى الشاة والناقة يعطيها صاحبها، يُشرَب لبنُها، ثم يردها.\n(١١٨٧) رواه البخاري (١١/٢٨٣) في الرقاق، ومسلم رقم (٢٩٧٢) في الزهد.","vol":"2","page":494},{"text":"عينه إلا التراب ويتوب الله على من تاب \" (١١٨٨) .\nومن هنا أشار رسول الله إلى أن الإنسان الذي ينظر إلى من كان فوقه في الدنيا يزدرى نعمة الله عليه.\nوقال بعض الصالحين: \" يا ابن آدم إذا سلكت سبيل القناعة فأقل شيء يكفيك، وإلّا فإن الدنيا وما فيها لا تكفيك \".\nإن القناعة تضفي على النفس الرضى والسعادة والطمأنينة: قال رسول الله ﷺ: \" ارض بما قسم الله لك تكن أسعدَ الناس (١١٨٩) .\nولقد قال الله ﵎ مخاطبًا نبيه ومصطفاه ﷺ: (ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) (طه: ١٣١) .\nوقال تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيب ممّا اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله، إن الله كان بكل شيء عليمًا (النساء: ٣٢) في هذه الآية نهي عن التمني، وتبيان للنهج السليم، وهو أن يسأل الله من فضله، فخزائنه لا تنفد، وعطاؤه لا حد له.\nوقد قصَّ علينا القرآن الكريم قصة قارون، وهي قصة مليئة بالمواعظ\n_________\n(١١٨٨) رواه بنحوه البخاري (٦٤٣٩) في الرقاق: باب ما يتقى من فتنة المال، ومسلم رقم (١٠٤٨) في الزكاة من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(١١٨٩) رواه بنحوه الترمذي رقم (٢٣٠٥) وقال: (حديث غريب، والحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئا)، والطبراني في \" الصغير\" (٢/١٠٤)، والإمام أحمد (٢/٣١٠)، عن أبي هريرة ﵁، وضعفه الألباني في \" تخريج أحاديث مشكلة الفقر\" رقم (١٧) ص (٢٠) .","vol":"2","page":495},{"text":"والدروس النافعات:\n(فخرج على قومه في زينته. قال الذين يريدون الحياة الدنيا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم. وقال الذين أوتوا العلم: ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا، ولا يلقاها إلا الصابرون. فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون: ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن منِّ الله علينا لخسف بنا، ويكأنه لا يفلح الكافرون) (القصص: ٧٩ - ٨٢) .\nفلندع المقارنات والموازنات الفارغة، ولنرض بما قسم الله لنا بعد أن نستفرغ الجهد ونبذل الطاقة في تحصيل ما كتب الله لنا من الرزق الحلال، ففي ذلك سعادتنا في الدنيا ونجاتنا في الآخرة يوم يقوم الناس لرب العالمين) (١١٩٠) اهـ.\nإن المرأة في هذا العصر - إلا من رحم الله - قد راحت تعبد المظاهر، وتستهويها الزخارف، وقد بين النبي ﷺ أن تعلق النساء بالمظاهر والزينة من حرير وحُلي سبب للهلاك في الدنيا والآخرة:\nأما في الدنيا: فعن أبي سعيد ﵁ أن نبي الله ﷺ خطب خطبة فأطالها، وذكر فيها أمر الدنيا والآخرة، فذكر أن أول ما هلك بنو إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلفه من الثياب أو الصيغ - أو قال: من الصِّيغة - ما تُكلِّف امرأة الغني) (١١٩١) الحديث.\nوأما في الآخرة: فإن انشغال المرأة بالحرير والذهب عن طاعة ربها\n_________\n(١١٩٠) \" نظرات في الأسرة المسلمة\" بتصرف ص (١١٢-١١٤) .\n(١١٩١) رواه ابن خزيمة في \" التوحيد\" ص (٢٠٨)، وقال الألباني: \" إسناده صحيح على شرط مسلم \" في السلسلة الصحيحة \" رقم (٥٩١) .","vol":"2","page":496},{"text":"يعوقها عن السمو إلى المنازل العليا في الجنة.\nيروى عن أبي أمامة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" أريتُ أني دخلت الجنة فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المؤمنين، وإذا ليس فيها أحد أقل من الأغنياء والنساء، فقيل لي: أما الأغنياء فإنهم على الباب يحاسبون ويمحصون، وأما النساء فألهاهن الأحمران: الذهب والحرير \" (١١٩٢) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" ويل للنساء من الأحمرين: الذهب والمعصفر \" (١١٩٣)، ومع أنه ﷺ أباح الذهب والحرير للنساء غير أنه ﷺ: \" كان يمنع أهله الحلية، والحرير، ويقول: \" إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها، فلا تلبسوها في الدنيا \" (١١٩٤)، ولعل ذلك مخصوص بهن ليؤثروا الآخرة على الدنيا.\n١٠- ومن حقه عليها أن تشكر له ما يجلب لها من طعام وشراب وثياب وغير ذلك مما هو في قدرته، وتدعو له بالعِوض والإخلاف، ولا تكفر نعمته عليها:\nعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(١١٩٢) عزاه في \" الترغيب والترهيب\" إلى أبي الشيخ ابن حبان وغيره من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة ﵁ (٣/١٠١) .\n(١١٩٣) أخرجه ابن حبان (١٤٦٤)، والديلمي في \" الفردوس \" (٥/١١٥)، وقال الألباني في \" الصحيحة\" رقم (٣٣٩): (وهذا إسناد جيد) اهـ. ونقل المناوي في \" الفيض\" عن \"مسند الفردوس\": (يعني يتحلين بحلي الذهب، ويلبسن الثياب المزعفرة، ويتبرجن متعطرات متبخترات كأكثر نساء زماننا، فيفتن بهن) اهـ (٦/٣٦٨) .\n(١١٩٤) أخرجه النسائي (٨/١٥٦)، وابن حبان (١٤٦٣)، والحاكم (٤/١٩١)، والإمام أحمد (٤/١٤٥)، وصححه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (٣٣٨) .","vol":"2","page":497},{"text":"\" لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه \" (١١٩٥) .\nإن مجرد تناسي الزوجة فضل زوجها وجحوده، قد سماه رسول الله ﷺ كفرَا، وجعله الله سببا لدخول فاعلته نار جهنم: فعن أسماء ابنة زيد الأنصارية ﵂ قالت: (مرَّ بي النبي ﷺ، وأنا في جوار أتراب لي، فسلم علينا، وقال: \" إياكُن وكُفْرَ المنعمين \"، فقلت: يا رسول الله وما كفر المنعَّمين؟ \" قال: \" لعل إحداكن تطولُ أيمَتُها من أبويها، ثم يرزقها الله زوجًا، ويرزقها منه ولدا، فتغضب الغضبة فتكفر، فتقول: مارأيت منكَ خيرًا قط \" (١١٩٦) .\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال للنساء: \" يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار \"، فقلن: \" وبم ذلك يا رسول الله؟ \"، قال: \" تكثرن اللعن، وتكفرن العشير \" (١١٩٧) الحديث.\n١١- ومن حقه عليها: خدمته، وتدبير المنزل، وتهيئة أسباب المعيشة به:\nمن طبخ وكنس وفرش وتنظيف للأواني، وذلك لتدع للرجل فرصة\n_________\n(١١٩٥) قال المنذرى: (رواه النسائي والبزار بإسنادين رواة أحدهما رواة الصحيح، وقال الحاكم: \" صحيح الإسناد\" اهـ (٣/٧٨)، وقال الهيثمي: (رواه البزار بإسنادين والطبراني وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح) اهـ (٤/٣٠٩)، وقد صححه الإمام عبد الحق الأشبيلي بسكوته عليه في \" الأحكام الكبرى\" وإيراده إياه في \" الأحكام الصغرى\" التي خصها بالحديث الصحيح - وصححه الألباني في \" السلسلة الصحيحة، رقم (٢٨٩) .\n(١١٩٦) أخرجه البخاري في \" الأدب المفرد\" (١٠٤٨)، وقال الألباني: \" إسناده جيد\" كما في \" الصحيحة\" رقم (٨٢٣) .\n(١١٩٧) أخرجه البخاري (٣/٣٢٥) ط. السلفية في الزكاة: باب الزكاة على الأقارب، والعشير: الزوج المعاشر.","vol":"2","page":498},{"text":"للعلم والعمل، فإن المرأة الصالحة عون على الدين بهذه الطريق، ولذلك قال أبو سليمان الداراني ﵀: \" الزوجة الصالحة ليست من الدنيا، فإنها تفرغك للآخرة \" (١١٩٨) .\nوعن حصين بن محصن قال: (حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله ﷺ في بعض الحاجة، فقال: \" أي هذه! أذاتُ بعل \"؟ قلت: \" نعم\"، قال: \" كيف أنت له؟ \" قلت: \" ما آلوه (١٩٩٩) إلا ما عجزت عنه \"، قال: \" فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك \" (١٢٠٠) .\nقال محدث الشام ناصر الدين الألباني: (قلت، والحديث ظاهر الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها، وخدمتها إياه في حدود استطاعتها، ومما لا شك فيه أن من أول ما يدخل في ذلك الخدمة في منزله، وما يتعلق به من تربية أولاده ونحو ذلك) (١٢٠١) اهـ.\nوعن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: (دخلت أيم العرب على سيد المسلمين ﷺ أول العشاء عَروسا، وقامت آخِرَ الليل تطحن - يعنى: أم سلمة) (١٢٠٢) .\nوعن أنس ﵁ قال: \" كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا زفوا امرأة إلى زوجها يأمرونها بخدمة الزوج ورعاية حقه \" (١٢٠٣) .\n_________\n(١١٩٨) \"الإحياء\" (٤/٦٩٩) .\n(١١٩٩) ما آلوه: أي لا أقصر في طاعته وخدمنه.\n(١٢٠٠) تقدم برقم (١٠٤٢) .\n(١٢٠١) انظر: \"آداب الزفاف\" ص (٢٨٦) .\n(١٢٠٢) \" سير أعلام النبلاء\" (٢/٢٠٥)\n(١٢٠٣) راجع رقم (١٠٣٩)، وانظر: \"المرأة المسلمة\" لوهبي غاوجي ص (١٥٠) .","vol":"2","page":499},{"text":"(قال عَلىُّ ﵇: لقد تزوجت فاطمة وما لي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل، ونضعه على الناضح بالنهار، وما لي ولها خادم غيرها، ولما زوجها رسول الله ﷺ أرسل بي معها بخميلة ووسادة آدم حشوها ليف، ورحاءين وسقاء وجرتين، فَجَرت بالرحاء حتى أثرت في يدها، واستقت بالقِربة حتى أثرت القربة بنحرها، وَقَمَّت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القِدر حتى دنست ثيابها (١٢٠٤) .\nوعن أبي البَختَرِي قال علي ﵁ لأمه: \" اكفى فاطمة الخدمة خارجًا، وتكفيكِ هي العملَ في البيت، والعَجْن والخبز والطحن \" (١٢٠٥) .\nوعن علي ﵁: (أن رسول الله ﷺ لما زوَّج فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف، ورحاءين، وسقاءين، قال: فقال علي لفاطمة يومَا: \" لقد سنوت (١٢٠٦) حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله بسبي، فاذهبي، فاستخدمي\"، فقالت: \" وأنا والله، قد طحنت حتى مجلت (١٢٠٧) يداي \"، فأتت النبي ﷺ فقال: \"ما جاء بك أي بنية،؟ فقالت: \" جئت لأسَلمَ عليك\"، واستحيت أن تسأله، ورجعت، فأتياه جميعًا فذكر له عليٌّ حالهما، قال: \" لا والله، لا أعطيكما، وأدعُ أهل الصفة تتلوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم \"، فرجعا، فأتاهما وقد دخلا قطيفتهما، إذا غطيا رؤوسهما بدت \"أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما انكشفت رؤوسهما، فثارا،\n_________\n(١٢٠٤) \"أحكام النساء\" لابن الجوزي ص (١٢٤) .\n(١٢٠٥) \" سير أعلام النبلاء\" (٢/١٢٥) .\n(١٢٠٦) سنوت الدلو: إذا جررتها من البئر.\n(١٢٠٧) مجلت يدها: ثخن جلدها، وظهر فيها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة.","vol":"2","page":500},{"text":"فقال: \" مكانكما ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ \" فقالا: \" بلى\"، فقال: \" كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا، وإذا أويتما إلى فراشكما فَسَبِّحا ثلًاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين \"، قال علي: \" فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن \"، وقال له ابن الكواء: \" ولا ليلة صفين؟ \" فقال: \" قاتلكم الله يا أهل الطروق، ولا ليلة صفين \" (١٢٠٨) .\nقال ابن حبيب في\" الواضحة\": (حكم النبي ﷺ بين علي بن أبي طالب ﵁، وبين زوجته فاطمة ﵂ حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم عَلَى فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت، وحكم على عَلِيٍّ بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العجين، والطبخ، والفرش، وكنس البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كله) (١٢٠٩) .\nوقال ابن حجر: قال الطبري: (يؤخذ من حديث عليّ ﵁ في شكوى فاطمه أن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها من خبز وطحن وغير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج إذا كان معروفا أن مِثلها يلي ذلك بنفسه، ووجه الأخذ أن فاطمة لما سألت أباها الخادم فلم يأمر زوجها أن يكفيها ذلك إما بإخدامها بخادم أو باستئجار من يقوم بذلك، أو يتعاطى ذلك بنفسه، ولو كانت على الزوج لأمره به، كما أمره أن يسوق الصداق قبل الدخول) (١٢١٠) اهـ.\n_________\n(١٢٠٨) أخرجه البخاري (٧/٧١) في فضائل الصحابة: باب مناقب علي بن أبي طالب، وفي فرض الخمس (٦/٢١٥)، والنفقات (٩/٥٠٦)، والدعوات (١١/١١٩)، ومسلم (٢٧٢٧) في الذكر والدعاء: باب التسبيح أول النهار وعند النوم، وانظر: \" الإصابة \" (٨/٥٨-٥٩) .\n(١٢٠٩) نقله عنه في \" زاد المعاد\" (٥/١٨٦) .\n(١٢١٠) \"فتح الباري\" (٩/٥٠٦ - ٥٠٧) .","vol":"2","page":501},{"text":"وعن أسماء ﵂ أنها قالت: (كنت أخدم الزبير خدمة البيت كُله، وكان له فرَس، وكنت أسُوسُه، وكنت أحتَش له، وأقوم عليه) (١٢١١) .\nوعنها ﵂: (أنها كانت تعلف فرسه، وتسقي الماء، وتَخْرِز الدلوَ، وتَعجِن، وتنقُل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ) (١٢١٢) .\nوقالت ﵂: (تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا شيء غير فرسه وناضحه (١٢١٣)، فكنت أعلف فرسه، - زاد مسلم: وأسوسه - وأدق النوى لناضحه، وأستقي الماء وأخرز غربه (١٢١٤)، وأعجن، وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ (١٢١٥)، حتى أرسل إلي أبو بكر بجارية، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني، فجئت يومًا والنوى على رأسي، فدعاني رسول الله ﷺ، فقال: إخ، إخ، يستنيخ ناقته ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، - وكان أغير الناس- فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت، فجئت الزبير فحكيت له ما جرى، فقال: والله لحملك النوى على رأسك أشد علي من ركوبك معه ﷺ) (١٢١٦) .\n_________\n(١٢١١) أخرجه الإمام أحمد في \" المسند\" (٦/٣٥٢)، وصححه ابن القيم في \" الزاد\" (٥/١٨٧) .\n(١٢١٢) أخرجه الإمام أحمد في \" المسند\" (٦/٣٤٧)، وصححه ابن القيم في \" الزاد \" (٥/١٨٧) .\n(١٢١٣) أي بعيره الذي يستقي عليه.\n(١٢١٤) أي: أخيط دلوه بالخرز.\n(١٢١٥) والفرسخ: ثلاثة أميال، وثلثاه: ٣٦ و٣ كم.\n(١٢١٦) رواه البخاري (٩/ ٢٨١، ٢٨٢)، ومسلم (٢١٨٢)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٨/٢٥٠)، والإمام أحمد (٦/٣٤٧، ٣٥٢) .","vol":"2","page":502},{"text":"وقد اختلف العلماء في حكم خدمة المرأة زوجها، وحقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في \" الفتاوى\" فقال: (وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخبز والطحن لمماليكه وبهائمه مثل علف دابته ونحو ذلك؟\nفمنهم من قال: لا تجب الخدمة، وهذا ضعيف كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء! فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن، إن لم يعاونه على مصلحته لم يكن قد عاشره بالمعروف، وقيل- وهو الصواب - وجوب الخدمة، فإن الزوج سيدها في كتاب الله - وهي عانية عنده بسنة رسول الله ﷺ، وعلى العاني والعبد الخدمة، لأن ذلك هو المعروف.\nثم من هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف، وهذا هو الصواب، فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة) (١٢١٧) اهـ.\nقال الألباني حفظه الله معقبًا على كلام شيخ الإسلام ﵀: قلت: (وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى أنه يجب على المرأة خدمة البيت، وهو قول مالك وأصبغ، كما في \" الفتح\" (٩/٤١٨)، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وكذا الجوزجاني من الحنابلة كما في \" الاختيارات\" ص (١٤٥)، وطائفة من السلف والخلف كما في \" الزاد\" (٤/٤٦)، ولم نجد لمن قال بعدم الوجوب دليلا صالحًا، وقول بعضهم: \"إن عقد النكاح\n_________\n(١٢١٧) انظر \" الفتاوى الكبرى\" (٣٤/٩٠)، (٣٢/٢٦٠)، (٢٨/٣٨٤) .","vol":"2","page":503},{"text":"إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام \" مردود بأن الاستمتاع حاصل للمرأة أيضًا بزوجها فهما متساويان في هذه الناحية، ومن المعلوم أن الله ﵎ قد أوجب على الزوج شيئا آخر لزوجته ألا وهو نفقتها وكسوتها ومسكنها، فالعدل يقتضي أن يجب عليها مقابل ذلك شيء آخر أيضا لزوجها، وما هو إلا خدمتها إياه، سيما وهو القوام عليها بنص القرآن الكريم كما سبق، وإذا لم تقم هي بالخدمة فسيضطر هو إلى خدمتها في بيتها، وهذا يجعلها هي القوامة عليه، وهو عكس للآية القرآنية كما لا يخفى، فثبت أنه لابد لها من خدمته، وهذا هو المراد، وأيضًا: فإن قيام الرجل بالخدمة يؤدي إلى أمرين متباينين تمام التباين: أن ينشغل الرجل بالخدمة عن السعي وراء الرزق وغير ذلك من المصالح، وتبقى المرأة في بيتها عطًلا عن أي عمل يجب عليها القيام به، ولا يخفى فساد هذا في الشريعة، التي سوت بين الزوجين في الحقوق، بل وفضلت الرجل عليها درجة، ولهذا لم يُزِل رسول الله ﷺ شكوى ابنته فاطمة علبها السلام) (١٢١٨) اهـ.\nوقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى مؤيدًا القول بالوجوب:\n(وأيضا فإن العقود المطلقة إنما تنزَل على العرف، والعُرف خدمة المرأة، وقيامها بمصالح البيت الداخلة، وقولهم: \" إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعًا وإحسانًا \"، يردُّه أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى مِن الخدمة، فلم يقل لعلي: \" لا خدمة عليها، وإنما هي عليك \"، وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدًا، ولما رأى أسماء والعلفُ على رأسها، والزبيرُ معه، لم يقل له: لا خدمةَ عليها، وأن هذا ظلمٌ لها، بل أقرَّه على استخدامها، وأقَرَّ سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية،\n_________\n(١٢١٨) \"آداب الزفاف\" ص (٢٨٨-٢٨٩) .","vol":"2","page":504},{"text":"هذا أمر لا ريب فيه.\nولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة، وفقيرة وغنية، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدِم زوجها، وجاءته ﷺ تشكو إليه الخدمة، فلم يُشكِها، وقد سمى النبي ﷺ في الحديث الصحيح المرأة عانيةً، فقال: \" اتقوا الله في النساء، فإنهن عَوان عندكم \"، والعاني: الأسير، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده، ولا ريب أن النكاح نوع من الرق، كما قال بعض السلف: النكاح رِق، فلينظر أحدكم عند مَن يُرِق كريمته، ولا يخفى على المنصف الراجحُ من المذهبين، والأقوى من الدليلين) (١٢١٩) اهـ.\n_________\n(١٢١٩) \" زاد المعاد\" (٥/١٨٨ - ١٨٩) .","vol":"2","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>[فصل] (١٢٢٠)\nفي علاقة الابن بوالديه بعد الزواج\nوعلاقة الحماة بالكَنَّة (١٢٢١)</span>\n(وما يذكره بعضهم من الخلاف اللازم بين\nالحماة والكَنة فأمر مبالغ فيه، وما يقع في\nتلك الأسرة من بعض خلاف فشيء طبيعي بين\nعاطفتين، وبين كبير وصغير، وبين تعجل\nوحلم، ولكن حين يتوفر أدب الإسلام في\nأفراد الأسرة، ويعرف كل فرد في الأسرة\nحقه وواجبه، فإن الحياة تسير رضية سعيدة\nفي أغلب الأحيان، والله أعلم) (١٢٢٢) .\n١- من حق الزوج على زوجه: أن تبر أهلَه مِنْ والِدين وأخوات: - إن من أدب الإسلام أن تؤثر الزوجة رضى زوجها على رضي نفسها، وأن تكرم قرابته خصوصا والديه، ويتأكد هذا إذا كانت تقيم معهما، وفي إكرامهم إكرام لزوجها، ووفاء له، وإحسان إليه، لأنه مما يفرحه، ويؤنسه، ويقوي رابطة الزوجية، وآصرة الرحمة والمودة بينهما.\n_________\n(١٢٢٠) استفدت كثيرا من فقرات هذا الفصل من \" نظرات في الأسرة المسلمة\" للدكتور محمد الصباغ، بتصرف.\n(١٢٢١) الكَنة: امرأة الابن.\n(١٢٢٢) \" المرأة المسلمة\" للشيخ وهبي غاوجي ص (١٥٣) .","vol":"2","page":506},{"text":"- وإذا كان الزوج أعظم حقا على المرأة من والديها، وإذا كان الابن مأمورا شرعًا بأن يحفظ وُد أبيه (١٢٢٣) تقوية للرابطة الاجتماعية في الأمة، فإن الزوجة مأمورة شرعًا بأن تحفظ ود أهلِ زوجها من باب أولى لتقوية رابطة الزوجية في الأسرة، قال رسول الله ﷺ: (إن من أبر البر أن يحفظ الرجل أهل ود أبيه \" (١٢٢٤) فلأن تحفظ المرأة أهل ود زوجها من باب أولى.\n- كما أن إكرام الزوجة إياهما وهما في سن والديها خلق إسلامي أصيل: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحمْ صغيرنا، ويعرف لعالمِنا حَقَّه \" (١٢٢٥)، وعن ابن عمرو ﵄ مرفوعا: \" ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا \" (١٢٢٦)، وعن أنس وأسامة والأشعث ﵃ مرفوعًا: \" ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا \" (١٢٢٧) .\n- وفي إحسانها لوالديه شكر لهما على ما أنعم الله عليها من ولدهما الذي تسببا في وجوده من العدم، وربياه، فأصبح زوجا لها، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" من لا يشكر الناس لا\n_________\n(١٢٢٣) راجع ص (١٧٠ - ١٧١) .\n(١٢٢٤) تقدم برقم (٣٨٦) .\n(١٢٢٥) رواه الإمام أحمد (٥/٣٢٣)، والحاكم (١/١٢٢)، وحسنه الألباني في \" صحيح الترغيب\" (٩٦) .\n(١٢٢٦) رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٣٥٤)، والترمذي رقم (١٩٢٠)، وقال: \" حسن صحيح\"، والحاكم (١/٦٢)، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والإمام أحمد (٢/١٨٥، ٢٠٧، ٢٢٢)، وصححه الألباني في \" صحيح الجامع\" (٥/١٠٣) .\n(١٢٢٧) رواه الترمذي رقم (١٩١٩)، وقال: \" غريب\"، وصححه الألباني في \" صحيح الجامع\" (٥/١٠٣) .","vol":"2","page":507},{"text":"يشكر الله \" (١٢٢٨) الحديث، وعن ابن مسعود وغيره ﵃ مرفوعَا: \" أشكرُ الناس لله أشكرهم للناس \" (١٢٢٩) . يقول الدكتور محمد الصباغ حفظه الله:\n(إن على الزوجة الفاضلة أن لا تنسى منذ البداية أن هذه المرأة التي قد تشعر أنها منافسة لها في زوجها، هي أم هذا الزوج، وأنه لا يستطيع مهما تبلَّد فيه إحساس البر أن يقبل إهانة توجه إليها، فإنها أمه التي حملته في بطنها تسعة أشهر، وأمدته بالغذاء من لبنها، ووقفت على الاهتمام به حياتها حتى أصبح رجلًا سويا.\n- واعلمي أيتها الزوجة أن زوجك يحب أهله أكثر من أهلك، كما أنك أنت أيضًا تحبين أهلك أكثر من أهله، فاحذري أن تطعنيه بازدراء أهله أو انتقاصهم أو أذيته فيهم، فإن ذلك يدعوه إلى النفرة منك.\nإن تفريط الزوجة في احترام أهل زوجها تفريط في احترامه، وإن لم يقابل الزوج ذلك بادئ الأمر بشيء، فلن يسلم حبه إياها من الخدش والنقص والتكدير.\nإِن الرجل الذي يحب أهله ويبر والديه إنسان صالح فاضل جدير بأن تحترمه زوجته، وترجو فيه الخير) (١٢٣٠) .\n_________\n(١٢٢٨) رواه الإمام أحمد (٣/٧٣ - ٧٤)، والترمذي رقم (١٩٥٤)، (١٩٥٥)، وقال: \" حسن صحيح\"، وصححه الألباني في \" تحقيق المشكاة\" حديث رقم (٣٠٢٥) (٢/٩١١) .\n(١٢٢٩) رواه الإمام أحمد (٣/٣٢)، (٥/٢١١)، وابن عدي في \" الكامل\" (٥/٧٩٤)، والبيهقي (٦/١٨٢)، والطبراني (١/١٣٥)، (١/٢٠٧)، والحديث صححه الألباني في \" صحيح الجامع\" (١/٣٣٧) .\n(١٢٣٠) \" نظرات في الأسرة المسلمة\" ص (٨٧ - ٨٨) بتصرف.","vol":"2","page":508},{"text":"ثم يقول في موضع آخر مخاطبا الزوج:\n(إن ما تقدم من والديك من إكرام وعناية وإحسان إليك، يجب أن يقابل منك بالعرفان والمكافأة، لقد تعهداك بالرعاية والخدمة وأنت ضعيف لا تملك من أمر نفسك شيئًا، وأنفقا عليك، وَحَرَما أنفسهما من أجلك، وسهرا على شئونك، وتعبا من أجل راحتك، أفلا يجدر بك إن كنت من أهل الخير والمروءة أن تقابل ذلك بعرفان وإحسان؟ و(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)؟\nوالأم ينبغي أن تُقَدَّمَ في البر لضعفها، ولذلك وصى بها رسول الله ﷺ مرات قبل الأب، ثم وصى بالأب، ومما يعينك على تحقيق البر في حياتك أن تضع نفسك في محل أبيك وأمك ... فهل يَسُرُّك غدًا عندما يصيبك الكبر، ويهن العظم منك، ويشتعل رأسك شيبا أن تلقى من ابنك المعاملة السيئة والإهمال القاسي والإهانة الجارحة؟\nأو ما علمت يا أخي أن الأيام دُوَل وأن الزمان لا يبقى على حالة واحدة (وتلك الأيام نداولها بين الناس) فلا تغتر بشبابك وقوتك ومالك، فسرعان ما يلقاك المشيب، ويعتريك الضعف، ويزول عنك المال، وقد يكون مقدرًا للإنسان أن يكون في آخر عمره مُقْعَدًا، فليتصور هذا الإنسان أنه - وهو في هذه الحالة من العجز - قوبل بالعقوق والجفوة من ابنه بسبب إيثاره زوجته ماذا يكون شعوره في ذاك الوقت وهو على ما ذكرنا؟ تصور هذا يا أخي وأنت تعامل والديك فهذا مما يعينك على تحقيق البر في حياتك) (١٢٣١) اهـ.\n(إن عقوق الرجل والديه دمار عليه وعلى زوجته وأولاده، لأن\n_________\n(١٢٣١) \" نظرات في الأسرة المسلمة\" ص (١٠٢ - ١٠٣) .","vol":"2","page":509},{"text":"العقوق من المعاصي التي تعجل عقوبتها في الدنيا:\nفعن أبي بكرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \" اثنان يعجلهما الله في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين \" (١٢٣٢)، وعن أنس ﵁ مرفوعًا: \" بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي، والعقوق) (١٢٣٣)، وما يشير إليه الحديث أمر مشاهد ينطق به الواقع العملي، وإن من عدل الله ﵎ وسننه الماضية أن العقوبة عنده تكون من جنس العمل المستوجب لها، فإن أساءت المرأة معاملة والدي زوجها فقد تعاقب- حين تهرم وتشيخ- بأن يقيض الله لها من كَناتها- أي زوجات أولادها- من يسيء معاملتها جزاءً وفاقًا) (١٢٣٤) اهـ.\nوليس من شك في أن الزوجة الصالحة العاقلة، الخيرة الطيبة تكون عونا لزوجها على الخير، وتوصيه بالتزام حكم الشرع وآدابه، وتحرضه على زيادة بر والديه وإكرامهما:\nحكى الإمام أبو الفرج بن الجوزي عن عابدة: كانت تصلي بالليل لا تستريح، وكانت تقول لزوجها: \" قمْ ويحك! إلى متى تنام؟ قم يا غافل قم يا بطَّال، إِلى متى أنت في غفلتك؟ أقسمت عليك ألا تكسب معيشتك إلا من حلال، أقسمت عليك أن لا تدخل النار من أجلي، بِر أمكَ، صل رحمك، لا تقطعهم، فيقطع الله بك \" (١٢٣٥) .\n_________\n(١٢٣٢) عزاه في \" الجامع الصغير\" إلى البخاري في \" التاريخ\"، والطبراني في الكبير، كما في \"فيض القدير\" (١/١٥١)، وصححه الألباني في \" صحيح الجامع\" (١/٩٩) .\n(١٢٣٣) أخرجه الحاكم (٤/١٧٧)، وصححه، ووافقه الذهبي، وأحمد (٥/٣٦)، وصححه الألباني على شرط مسلم، كما في \" الصحيحة\" رقم (١١٢٠) .\n(١٢٣٤) \" نظرات في الأسرة المسلمة\" ص (٨٨) بتصرف.\n(١٢٣٥) \"صفة الصفوة\" (٤/٤٣٧) .","vol":"2","page":510},{"text":"(إن الرجل الذي لا خير فيه لأبويه لا يمكن أن يكون فيه خير لزوجة ولا ولد ولا لأحد من الناس في هذا الوجود، إن موقف الزوجة الصالحة في إعانته على البر كفيل في كثير من الأحيان في حل المشكلة وتسوية الأزمة، لأن الوالدين عندما يشهدان الحب الصادق والاحترام والحنان من زوجة ابنهما يعطفان عليها وعليه، ويسود الود والتفاهم والصفاء جو الأسرة كلها.\n.. واعلم أيها الأخ الفاضل أن تصرفات الوالدين وتصرفاتك أنت أيضا تتغير بعد الزواج.. إنهما في الغالب يصبحان شديدي الحساسية.. والأم أكثر حساسية من الأب، فلتكن في منتهى الحذر ... واعمل ما وسعك العمل على ألا يتغير قلبها نحوك.\nويساعدك في تحقيق ما تريد من المراعاة للوالدين والزوجة أمور أهمها:\n١- أن تلجأ إلى الله، وتحسن صلتك به عبادة ودعاء والتزامًا لما شرع.\n٢- وأن تسكن منفردًا مستقلا عن أهلك وأهل زوجك، وأن لا تدخلا أحدا من أهليكما في مشكلاتكما الخاصة، وأن تتوليا حلها بينكما بروح المودة والرحمة.\n٣- وأن تصارح والديك مع الاحترام البالغ بما تنكره من أوضاع جديدة، وتبين لهم الواقع البعيد عن التأويلات، التي قد يوسوس الشيطان بها للإنسان للايقاع بين الأهل والأحباب.\n٤- وأن تزيد من برهما المادي والمعنوي، كالهدايا والزيارات والاتصال الدائم، والتكريم الكبير، وإشعار والدتك بأنها ما تزال عندك الأم التي لها حق عظيم.\n٥- والتفاهم مع زوجتك على السلوك الذي يحقق إرضاء الوالدين.","vol":"2","page":511},{"text":"٦- هذا، وأنصح الأخ الزوج ألا يلزم نفسه في أول الأمر بما لا يستطع أن يستمر عليه، لأنه إذا بدأ به ثم قطعه فُسر تفسيرا ليس في مصلحته، وجَر عليه أسوأ العواقب ...\nواحذر يا أخي أن تعطي والدتك- في تصرفاتك التي قد لا تنتبه إليها- الأدلة التي تشعرها بأن فلذة كبدها قد صارت لغيرها وقد تحولت عنها، إنها عندئذ ستكون شديدة التأثر واللوم ... وكلما كانت أكثر تعلقا بك وحبا لك كان تأثرها ولومها أكبر وأضخم.\nوأنا أعلم أن كثيرا من الأمهات الجاهلات بسبب ما تقدم يحرجن أبناءهن، ويحرمنهم من السعادة، فإذا ابتلي إنسان بأم من هذا النوع كان عليه أن يقابل ذلك بالصبر والاسترضاء.. وهنا تظهر حقيقة البر وقوة الشخصية التي تقوى على الموازنة بين أصحاب الحقوق) (١٢٣٦) اهـ.\nويقول الدكتور السيد محمد علي نمر حفظه الله مشيرا إلى أن الأمومة صنو التضحية، ونادبَا الأمهات إلى العدل في معاملة الكَنات:\n(كثيرًا ما تسوء معاملة الأم لزوجة ابنها، ذلك أن الأم قد سهرت، وتعبت في سبيل أبنائها، وحين ينمو الابن، ويستوي على سوقه، ويصير رجلًا ويتزوج، تظن الأم أن ابنها لم يعد بعد في حوزتها وتحت قبضتها، وقد آلت ملكيته إلى امرأة أخرى، كما أن زوجة الابن تعتقد بدورها أن زوجها لا يشاركها فيه أحد، فتنشب الكراهية بين الأم وزوجة الابن، والأم الصالحة هي التي تعمل لإسعاد أولادها، وكما ضَحت بعمرها، وبذلت كل غال ورخيص ليخرج ولدها إلى الحياة شابًّا صالحا، فعليها أن تضحي حين تسلمه إلى امرأة أخرى، كما عليها أن تعلم أن هذه هي سنة الحياة، ولن\n_________\n(١٢٣٦) \"نظرات في الأسرة المسلمة\" ص (١٠٣ - ١٠٥) .","vol":"2","page":512},{"text":"تجد لسنة الله تبديلًا.\nإن الإسلام يطالبها أن تعتدل في نظرها إلى ولدها، حتى لا يكون منه عقوق لها) (١٢٣٧) اهـ.\n(ويطيب لي أن أهمس في آذان الأمهات أن ينتبهن لأنفسهن، وأن يكنَّ عونا لأولادهن على البر، وأن يعملن على تحقيق السعادة لهم.\nويبقى الحنان مفتاحًا في يد الولد العاقل، يجعل أمه سهلة الانقياد، سريعة التأثر، والأمهات أنواع، فقد ترضى الأم بكلمة حلوة، أو هدية متواضعة، أو استرضاء مبلل بالعاطفة الوافرة.\nإن قلب الأم - إن لم يتحول بسبب العقوق- قريب المأخذ، يا أخي إن ارتباطك بوالديك أمر محتوم لا خيار لك فيه، ولا فكاك لك منه بحال من الأحوال، وليس في يديك ... فلا تنس هذه الحقيقة.\nولقد جاء الشرع فقرر لهما من الحقوق ما لم يقرره لمخلوق من الناس إذ أوجب أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا ولو كانا كافرين يدعوانِك للكفر، يا أخي إن أعظم ما يميز مجتمعنا الإسلامي هو هذا الترابط العظيم في علاقاته الأسرية، فلا تتهاون فيه، فإن في بقاء هذا الترابط خيرًا للناس الذين يعيشون معك) (١٢٣٨) اهـ.\n(إن قوة شخصية الإنسان تبدو في القدرة على أن يوازن بين الحق والواجبات التي قد تتعارض أمام بعض الناس، وأحيانًا يكونون سطحيين تافهين ضعفاء، إن قوة الشخصية تظهر في القدرة على أداء حق كُلّ من أصحاب الحقوق، دون أن يلحق جورًا بواحد من الآخرين.\n_________\n(١٢٣٧) \" إعداد المرأة المسلمة\" ص (١٤٠) .\n(١٢٣٨) \" نظرات في الأسرة المسلمة\" ص (١٠٣ - ١٠٥) بتصرف، وانظر ص (٨٨) .","vol":"2","page":513},{"text":"ومن عظمة هذه الشريعة أنها جاءت بأحكام توازن بين عوامل ودوافع وحوافز متعددة، فللوالدين حقوق، وللزوج حقوق، ولا تعارض بينهما في حقيقة الأمر، والمسلم الواعي قوى الشخصية يستطع أن يعطي كل ذي حق حقه.\nويبدو أن الناس فيما مضى - ولعوامل متعددة - كانوا يراعون حق والدي الزوج رعاية مبالغًا فيها، قد تدخل الجور على الزوجة في كثير من الأحيان عدوانا وظلما، ولكن الأمر - بعد اختلاطنا بالكفرة، وتأثرنا بحضارتهم التي حطمت فيها الأسرة- اختلف حتى أصبح الظلم يصيب الوالدين، وهو إن وجد ينصبُّ أكثر ما ينصب على الأم، لئن كنا في الماضي بحاجة إلى تذكير الزوج بحقوق الزوجة مع مراعاة بر الوالدين، إننا اليوم بحاجة إلى تذكير شبابنا برعاية الموازنة بين حقوق الوالدين وحقوق الزوج، وإلى تحذيرهم من العقوق.\nإن كثيرًا من المآسي الاجتماعية والعائلية تقع بسبب الإخلال بهذا التوازن المطلوب، والخسارة الكبرى والإثم العظيم يقع على الزوج أولًا عندما يقع في غضب الجبار، ويدخل النار.\n... أيها الزوج العروس: أنا لا أدعوك إلى ظلم زوجتك، فالظلم حرام بكل أنواعه ومظاهره، ولكنني أذكرك بأن ظلم والديك وعقوقهما من أعظم الذنوب.. واحرص في الوقت ذاته على إنصاف زوجك، والإحسان إليها ما استطعت إلى ذلك سبيلا) (١٢٣٩) اهـ.\n١٣- ومن حقه عليها: إرضاع الأطفال وحضانتهم:\nالطفل جزء من أمه، وقطعة من كيانها، فهي تحنو له، وتحدب\n_________\n(١٢٣٩) \"السابق\" ص (١٠١: ١٠٢) بتصرف.","vol":"2","page":514},{"text":"عليه، وتعكف على راحته، وهذه الصلة الوثيقة التي تربط الأم بطفلها تبلغ ذروتها وأوج قوتها في الأسابيع ثم الأشهر الأولى من ولادته، إذ يبلغ بها الأمر أن تعكف عليه عكوفًا يشبه عبادة العابد، ونسك الناسك، بل تستطيع الأم أن تجعل عملية الإرضاع عبادة سامية إذا استحضرت النية الصالحة من ورائها، لتجني ثمارها كل حين بإذن ربها:\nروى أن عمرو بن عبد الله قال لامرأة ترضع ابنًا لها: \" لا يكونن رضاعك لولدك كرضاع البهيمة ولدَها قد عطفت عليه من الرحمة بالرحم، ولكن أرضعيه تتوخين ابتناء ثواب الله، وأن يحيا برضاعك خَلْق عسى أن يوحِّد الله ويعبده \" (١٢٤٠) .\nإن للطفل حقا ثابتًا على أبويه في الرعاية والعطف والتربية، ومن هنا توجه الخطاب القرآني إلى كل والدة سواء كانت مزوجة أو مطلقة يستحثها ويندبها إلى الاهتمام برضاعة طفلها، فقال جل وعلا: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) الآية البقرة (٢٣٣) .\nويثني الله تعالت أسماؤه على الأم إذ تتحلى بهذه السجية الإنسانية، ويعلن ما تستوجبه بهذه العاطفة من التكريم فيقول: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفِصاله في عامين أن اشكر لى ولوالديك إلي المصير) لقمان (١٤) .\nوالواقع أن هذا الوضع التشريعي الذي أمر به القرآن هو تحديد وفرض للوضع الطبيعي الذي بنيت عليه غريزة الأم، وانبنى عليها كيان الطفل، إن إرضاع الأم طفلها واجب عليها ديانة باتفاق الفقهاء، تُسأل عنه أمام الله تعالى حفظا على حياة الولد، سواء كانت متزوجة بأبي الرضيع،\n_________\n(١٢٤٠) عزاه في \" منهج التربية النبوية للطفل\" ص (٧٢) إلى \" نصيحة الملوك\" للماوردي ص (١٦٦) .","vol":"2","page":515},{"text":"أم مطلقة منه وانتهت عدتها.\nواختلفوا في وجوبه عليها قضاء: أيستطيع القاضي إجبارها عليه أم لا (١٢٤١)؟\nوقد ذهب جهور الفقهاء إلى أن الأمر بالإرضاع للندب، وأنه لا يجب على الوالدة إرضاع ولدها- أي قضاءً - إلا إذا تعينت مرضعًا بأن كان لا يقبل غير ثديها، أو كان الوالد عاجزًا عن استئجار ظئر (مرضعة)، أو قدر ولكنه لم يجد الظئر، واستدلوا على الاستحباب بقوله تعالى: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) .\nومذهب مالك أن الرضاع واجب على الأم في حال الزوجية، فهو حق عليها إذا كانت زوجة، أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها، أو إذا عُدم الأب، واستثنوا من ذلك الشريفة بالعُرف، وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع علها، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي إرضاعه فهي أحق، ولها أجرة المثل، هكذا كفل الإسلام للطفل حقه في الرضاع حتى بعد طلاق أمه، ولم يكتف بذلك بل تجاوزه إلى تعطيل إقامة الحد على الأم الزانية إلى حين انتهاء فترة رضاعه منها.\nففي قصة الغامدية التي حملت من الزنا، وجاءت إلى النبي ﷺ ليقيم عليها الحد، قال لها رسول الله ﷺ: \" لا، فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدته أتته بالصبي في خرقة، قالت: \" هذا قد ولدته\"، قال: \" اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه \"، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، قالت: \" هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام\"، فدفع بالصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس\n_________\n(١٢٤١) انظر: \" الفقه الإسلامي وأدلته \" (٧/٦٩٨-٧٠٤) .","vol":"2","page":516},{"text":"فرجموها) الحديث (١٢٤٢) .\nوتأمل ما رواه أبو أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي) الحديث، وفيه: (ثم انطلق بي، فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات، قلت: ما بال هؤلاء؟ قال: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن (*) .\nوهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان لا يفرض لمولود حتى يفطم، فتراجع عن ذلك، وفرض له من حين ولادته حتى تطول فترة الإرضاع، فبينما هو يطوف ذات ليلة بالمصلى، بكى صبي، فقال لأمه: \" أرضعيه\"، فقالت: \" إن أمير المؤمنين لا يفرض لمولود حتى يُفطم، وإني فطمته\"، فقال عمر: \" إن كدت لأن أقتله أرضعيه، فإن أمير المؤمنين سوف يفرض له\"، ثم فرض بعد ذلك للمولود حين يولد (١٢٤٣) .\nإن الحكمة الإلهية جعلت هذه العاطفة السامية عاطفة الأمومة متجاوبة مع قوة اتصال الوليد بأمه، ومع حاجته الماسة إليها ماديا وعاطفيا، فالطفل يحتاج إلى أمه حاجة تتصل بكيانه كله، وتشمل مشاعره وأحاسيسه.\nومن قول النبي ﷺ: \" أنت أحق به ما لم تنكِحي\" (١٢٤٤)، قالها\n_________\n(١٢٤٢) رواه مسلم ص (١٣٢٢)، والبيهقي (٦/٨٣)، والدارقطني (٣/ ٩٢)، والإمام أحمد (٥/ ٣٤٨)، وغيرهم.\n(*) أخرجه النسائي في \" السنن الكبرى \" كما في \" تحفة الأشراف\" (٤٨٧١)، وابن خزيمة في \" صحيحه \" (١٩٨٦) وعنه ابن حبان (١٨٠٠ - موارد)، والحاكم في \" المستدرك \" (١/٤٣٠) مختصرًا، وقال: (صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي، وعزاه الحافظ في \"الفتح\" إلى الطبراني، وقال: \" بسند جيد\" اهـ.\n(١٢/٤٤١)، وصححه الألباني في \" صحيح الترغيب والترهيب\" (١/٤٢٠) .\n(١٢٤٣) \" المصنف \" لعبد الرزاق (٥/٣١١) .\n(١٢٤٤) رواه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أبو داود رقم (٢٢٧٦) في =","vol":"2","page":517},{"text":"لمن شكت إليه زوجها، ندرك مدى اهتمام الإسلام بالطفل، حيث انتزع الرسول الله ﷺ طفلًا من أبيه- وهو أقرب الناس إليه- ليكون في رعاية أمه، لأنها أشفق وأقدر على تربيته في هذا السن، كذلك ندرك أمرا آخر وهو أن الأم إذا شُغلت بزواج أو غيره، فهي ليست أهلَا للحضانة، لأن الطفل يجب أن ينشأ في جوٍّ تملؤه المودة والمحبة والعطف والحنان.\nنسوق هذا الكلام إلى الذين ينادون بتخلي المرأة عن مهمتها وترك هؤلاء الأطفال إلى دور الحضانة حيث يحرم الطفل من حقه في رعاية أمه وحنانها، أمه التي لا يعوضه عنها أرقى وأعظم دور الحضانة.\nإن مما يصادم الفطرة والشرع ما يتصوره بعض الناس من أن حاجة الطفل إلى أمه قاصرة على تغذيته باللبن خلال فترات منتظمة، وهو أمر يمكن استبداله بأي لبن كان، ثم تغيير ثيابه وتنظيفه بين الفينة والأخرى، وهو عمل تستطيعه أي حاضنة أمينة، وإذا تصور هذا أي رجل لم يذق إنسانية الحياة العائلية، فلا يتصوره من النساء إلا امرأة مُسِختْ حقيقتها، وانطوى صدرها على قلب قاس جامد، قد نُحِتَ من صُم الجلاميد الصلاب، ولله دَر من قال:\nليس اليتيم من انتهى أبواه من ... هَمِّ الحياة وخلَّفاه ذليلا\nإن اليتيم هو الذي تلقى له ... أما تخلَّت أو أبا مشغولا\nألا فلترجع الأم \" الهاربة\" من ميدان كفاحها إلى بيتها، ولتعد \" الأم\" المتمردة على فطرتها إلى حجابها الأول: \" وقرن في بيوتكن\"،\n_________\n= الطلاق: من أحق بالولد؟، والدارقطني (٣/٣٠٥)، والحاكم (٢/٢٠٧)، وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٨/٤- ٥)، والإمام أحمد (٢/١٨٢)، وحسنه الألباني في \" الإرواء\" (٧/٢٤٤) .\nوسبب وروده (أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني \"، فقال لها رسول الله ﷺ) فذكره.","vol":"2","page":518},{"text":"ولتؤب إلي \" المصنع\" الذي رشحها الله لتمارس فيه أشرف وظائف المرأة بعد عبادة الله \" والمرأة راعية في بيت زوجها \" إنه مصنع الأبطال والمجاهدين والعباد، والدعاة، مصنع العفيفات العابدات العالمات المؤمنات الصابرات.\nفإن كانت ممن لا يكتفي بالنصيحة إلا إذا دُعمت بإحصاءات العلم الحديث، ونتائجه المنسوبة إِلى أهله، فلترع سمعها ما يلي: أولًا: ما قالته مؤلفة كتاب \" أطفال بلا أسر\": (وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الولد في ظل أبويه ينشأ ذكيا، وتنخفض نسبة ذكائه كلما ابتعد عن أمه وأبيه، ففي دور المياتم والحضانة التي تشرف على كل عشرة أطفال فيها فقط مربية واحدة تنخفض نسبة الذكاء ٤٠% عن الطفل الذي ينشأ مع أمه أو إحدى قريباته ...\nوقد قام البروفيسور \" وين دنيس\" الحائز على شهادة الدكتوراة من جامعة كلارك، والذي يعتبر من ألمع أساتذة علم النفس في الولايات المتحدة بجولة علمية زار خلالها لبنان، والولايات المتحدة، وانكلترا، وهولندا، وألمانيا، واليونان، وإيطاليا، والمجر، وتبين له مدى الفروق الهائلة في مستوى الذكاء لدى الأطفال من بيئة إِلى أخرى، وأثبتت دراساته أن الذكاء ينخفض لدى الطفل إن كان يعيش مع عشرة أطفال وتشرف على تربيتهم مربية واحدة إلى ما يزيد عن ٤٠% من نسبة الذكاء لدى غيره من الأطفال الذين ينشأون في جو عائلي) (١٢٤٥) اهـ.\nثانيَا: درج بعض الأطباء الأمريكيين الذين أجروا دراسات على الأطفال على أن يكتب في \" الوصفة \" لكل أم تذهب إليه بطفلها المريض العبارة التالية:\n\" العلاج: هو العودة إلى الأم الحقيقية\" (١٢٤٦) .\n_________\n(١٢٤٥) انظر: \" نظام الأسرة وحل مشكلاتها في ضوء الإسلام\" ص (٢١٨) .\n(١٢٤٦) \"الأخت المسلمة\" للجوهري ص (١١٨) .","vol":"2","page":519},{"text":"١٤- ومن حقه عليها: أن تحسن القيام عل تربية أولادها منه في صبر وحلم ورحمة:\nفلا تغضب على أولادها أمامه، ولا ترفع صوتها عاليًا في مخاطبة أولادها أو زجرهم حتى يسمع خارج المنزل، ولا تدعو عليهم، ولا تسبهم، أو تضربهم، فإن ذلك قد يؤذيه منها، ولربما استجاب الله تعالى دعاءها عليهم، فيكون مصابهما بذلك عظيما.\nعن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ: \" لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةَ نَيل، فيها عطاءٌ، فيستجيب لكم) (١٢٤٧) .\nوقد تفننت نساء بعض البلاد في اللعن تفننَا غريبَا، فتسمع الدعاء الفظيع ينهال على الولد البريء الذي تصرف تصرفًا صبيانيًّا لم يوافق هوى أمه ورضاها، إنها تدعو عليه أحيانًا بأن يرسل الله عليه الحمّى والأوجاع المتعددة، وتدعو عليه أحيانًا أن يقتل بالرصاص، أو أن تذهب به داهية الدهس، أو أن يصيبه العمى، تدعو عليه بذلك وغيره، وهو ابنها وفلذة كبدها، وهي لا تدري أنه قد توافق دعواتُها ساعة الإجابة، فتندم ولات ساعة مندم، وقد قيل إن الدعوات كالحجارة التي يرمى بها هدف، فمنها ما يصيب ومنها ما يخطئ (١٢٤٨) .\nوعليها أن تربي أولادها على الطهارة والنظافة والعفة والشجاعة،\n_________\n(١٢٤٧) رواه أبو داود رقم (١٥٣٢) في الصلاة، وهو قطعة من حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر عند مسلم رقم (٣٠٠٦)، وكذا ابن حبان (٢٤١١) .\n(١٢٤٨) انظر: \" أضواء البيان\" (٣/٤١٧)، \" نظرات في الأسرة المسلمة\" ص (١٦١- ١٦٢) .","vol":"2","page":520},{"text":"والزهد في سفاسف الأشياء، وملاهي الحياة، كي ينشأوا مسلمين، يعيشون بالإسلام وللإسلام، يكَثر الله تعالى بهم الخير في المجتمع، ويتباهى بهم وبأمثالهم رسول الله ﷺ غدا (١٢٤٩) .\nوعليها أن تراعي الأمور الآتية حتى تنجح العملية التربوية: أولًا: أن لا تتصرف أمام أبنائها بصورة توحي بأن سياستها التربوية تخالف سياسة الأب.\nثانيا: أن لا تعترض المرأة على زوجها أثناء تأديبه أولاده وبحضرتهم، فإن كان ولابد، فلها أن تبدي رأيها في أمور التربية على انفراد به، وعليهما الخروج بسياسة تربوية محددة.\nثالثا: أن تحرص على الصدق مع زوجها، وتصارحه بالحقيقة في أمورها كلها، وأن تعلمه بالأحداث التي تتم في غيبته، ولا تتستر على أخطاء أولادها الجسيمة، والتي يجب معرفة الأب بها.\nرابعًا: أن لا تأذن ولا تعطي ولدها عند غياب أبيه ما منعه منه.\nخامسًا: أن لا تبدي الزوجة أمام أبنائها أي إشارة رفض أو ضجر من بعض عادات الأب أو تصرفاته، وأن تحذر أن تُخَطِّئ أقواله وأفعاله، أو أن تنتقص منه، أو أن تتظلم لأولادها منه قبالتهم.\n_________\n(١٢٤٩) ومن خير ما يسترشد به الأبوان في هذه التربية كتاب \" منهج التربية النبوية للطفل \" لمؤلفه محمد نور سويد جزاه الله خيرا، فإنه في جملته من خير ما يسد هذه الثغرة.","vol":"2","page":521},{"text":"[فصل]\nمن آداب المرأة المسلمة أن تحسن القيام على أولاد زوجها من امرأة أخرى، كأنهم أولادها، فإن الزوجة الصالحة عون لزوجها على مصاعب الحياة، وأعباء المعيشة، وتأمل ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال:\n(تزوجت امرأة في عهد رسول الله ﷺ، فلقيت النبي ﷺ، فقال: \" يا جابر، تزوجت؟ \" قلت: \" نعم\"، قال: \" بكرًا، أم ثيبا؟ \" قلت: \" ثيبا\"، قال: \" فهلا بكرًا تلاعبها؟ \" قال: قلت:\n\" يا رسول الله، إن لي أخوات، فخشيت أن تُدْخِلَ بيني وبينهن\"، فقال: \" ذاك إذا، إن المرأة تنكَح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين ترِبَتْ يداك \" (١٢٥٠» .\nوفي رواية للبخاري: (\" فهلا جارية تلاعبك؟ قلت: يا رسول الله، إن أبي قُتِل يوم أحد، وترك تسع بنات، كُنَّ لي تسع أخوات، فكرهت أن أجمع إليهن جاريةً خرقاءَ مثلهن، ولكن امرأة تمشطُهن، وتقوم عليهن \"، قال: \" أصبت \" (١٢٥١) .\nوفي رواية الترمذي: (فقلت: \" يا رسول الله، إن عبد الله مات، وترك سبع بنات أو تسعًا، فجئت بمن تقوم عليهن، فدعا لي \" (١٢٥٢) .\n_________\n(١٢٥٠) رواه مسلم رقم (٧١٥) في الرضاع: باب استحباب نكاح ذات الدين، وباب استحباب نكاح البكر.\n(١٢٥١) رواه البخاري (٩/١٢٢)، (٦/١٢١)، (١١/ ١٩٠) ط. السلفية.\n(١٢٥٢) رواه الترمذي رقم (١٠٨٦، ١١٠٠) في النكاح.","vol":"2","page":522},{"text":"فتأمل كيف أقر رسول الله ﷺ جابرا ﵁ على نظرته التربوية في اختياره زوجة تنجز بعض المهام التربوية لأخواته الصغار، أليس بالأحرى أن تعين زوجها على بر والديه، والإحسان إلى أبنائه من غيرها؟\nقال ابن بطال: (وعون المرأة زوجها في ولده ليس بواجب عليها، وإنما هو من جميل العشرة، ومن شيمة صالحات النساء) (١٢٥٣) اهـ.\n١٥- ومن حقه عليها: أن تتجنب الغيرة المذمومة:\nتوجد الغيرة في غالب النساء، غير أن منها ما هو مذموم، ومنها ما هو محمود: [فالمذموم منها تلك التي تتأجَّجُ في صدر صاحبتها نارا تُشعِلُ جيوش الظنون والشكوك كلُّ آن، فتحيلَ حياة الأسرة جحيمَا لا يطاق:\n- عن أنس بن مالك ﵁ قالوا: (يا رسول الله، الا تتزوج من نساء الأنصار؟ \" قال: \" إن فيهن لغيرةً شديدة \" (١٢٥٤) .\n- ولذلك لم يتزوج رسول الله ﷺ أم سَلَمة ﵂، إلا بعد أن دعا أن يذهِبَ الله غيرتها، عن أمَ سلمة قالت: لمّا توفيَ أبو سلمة، استرجعتُ، وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي، واخلفني خيرا منه، ثم رجعت إلى نفسي، قلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عِدتي استأذن علي رسول الله ﷺ، وأنا أدبغُ إهابَا لي، فغلست يدي من القَرَظِ (ما يُدبَغ به) وأذِنتُ له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته، قلت: يا رسول الله، ما بي أن لا تكون بك الرغبة فِي، ولكني امرأة في غَيْرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يُعذِّبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السنُّ، وأنا\n_________\n(١٢٥٣) \"فتح الباري\" (٩/٥١٣): باب عون المرأة زوجها في ولده.\n(١٢٥٤) رواه النسائي (٦/٦٩) في النكاح، وقال الأرناؤوط في \" تحقيق جامع الأصول\" (إسناده صحيح) اهـ. (١١/٥٣٤) .","vol":"2","page":523},{"text":"ذات عيال، فقال: \" أما ما ذكرتِ من غَيرتك فسوف يُذهبها الله ﷿ عنك (وفي رواية النسائي، فأدعو الله ﷿ فيُذهِبَ غيرتك)، وأما ما ذكرتِ مِن السنّ فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرتِ من العيال فإنما عيالك عيالي \": قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ، فتزوجها، قالت أمّ سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه رسولَ الله ﷺ) (١٢٥٥) .\n- أمّا الغيرة المعتدلة التي لا تتسلط على صاحبتها، فهي مقبولة بل وقد تُستملَح أحيانًا:\nفعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ عند بعض نسائه (وفي رواية عائشة)، فأرسلت إليه إحدى أمهات المؤمنين (في رواية أم سلمة، وفي أخرى صفية) بصَحفة فيها طعام، فضربت التي هو في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفةُ، فانفلقتْ، فجمع رسول الله ﷺ فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: \" غارتْ أمُّكم، غارتْ أمكم \" ثم حبس الخادم، حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفعها إلى التي كُسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرتها) (١٢٥٦) .\n- أما الغيرة المحمودة، فهي التي تكون إذا ما انتهِكَت محارم الله: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غَيرة الله أن يأتي المؤمنُ ما حَرَّم الله\n_________\n(١٢٥٥) رواه أحمد (٤/٢٨) واللفظ له، والنسائي (٦/ ٨١) في النكاح، وقال الأرناؤوط في \" جامع الأصول\": (إسناده صحيح) اهـ (١١/٤١٠) .\n(١٢٥٦) البخاري (٩/٢٨٣) في النكاح، وأبو داود (٣٥٦٧) في البيوع، والترمذي (١٣٥٩) في الأحكام، والنسائي (٧/٧٠) عشرة النساء.","vol":"2","page":524},{"text":"عليه \" (١٢٥٧)] (١٢٥٨) .\n١٦- ومن حقه عليها: حفظه في دينه وعرضه:\nوذلك ببعدها عن التبرج والتعرض للأجانب في البيت وخارجه، في الشرفة أو على الباب، أو في الطريق والمحلات التجارية، وقد سبق أن ذلك من حق المرأة على زوجها أن يحفظها من ذلك، لذا فهي لا تبدي زينتها، إلا لزوجها ولذوي محارمها على التأبيد مع أمن الفتنة، ولا تخلو بأجنبي، ولو كان شقيق زوجها، ولا تأذن لمن لا يرضى الزوج دخوله عليها، وهي حافظة لزوجها في غيابه من عرض فلا تزني، ومن سر فلا تفشي، ومن سمعة فلا تجعلها مضغة في الأفواه.\nوعن أبي أذينة الصدفي ﵁ أن رسول الله ﷺ \" قال: \" خير نسائكم الودود الولود، المواتية المواسية، إذا اتقين الله، وشرُّ نسائكم المتبرجات المتخيلات، وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثلُ الغراب الأعصم \" (١٢٥٩) .\nوعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \" أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها، خرق الله ﷿ عنها ستره \" (١٢٦٠) .\nوعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها، فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله ﷿ \" (١٢٦١) .\n_________\n(١٢٥٧) انظر تخريجه في \" القسم الثالث\" ص (١١٥) .\n(١٢٥٨) \"أسس اختيار الزوجة \" للشيخ محمد عيد الصياصنة، \" مجلة البحوث الإسلامية \" عدد (٢٤) ص (٢٦٢-٢٦٤) .\n(١٢٥٩) انظر تخريجه في \" القسم الثالث\" ص (١٣٠) .\n(١٢٦٠) \" السابق، ص (١٠١)، وانظر \" صحيح الجامع\" (٢/٣٩٢) .\n(١٢٦١) \" السابق\" ص (١٣١) .","vol":"2","page":525},{"text":"وعن فضالة بن عبيد مرفوعًا: \" ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه، ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجُها قد كفاها مُؤنة الدنيا فتبرجت بعده، فلا تسأل عنهم \" (١٢٦٢) \" الحديث.\n١٧- ومن حقه عليها: أن تحفظ حواسه وشعوره، وتتحرى ما يرضيه فتأتيه، وما يؤذيه فتجتنبه:\nوينبغي لأبوي المرأة خصوصًا الأم أن تعرفها حق الزوج، وتبالغ في وصيتها، رُوي أن أسماء بن خارجة الفَزَاري (١٢٦٣) قال لابنته عند التزوج: (إنك خرجت من العش الذي فيه درجت، فصرت إلى فراش لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أرضًا، يكن لك سماءً، وكوني له مهادًا، يكن لك عمادًا، وكوني له أمة، يكن لك عبدًا، لا تلحفي به فيقلاك (١٢٦٤)، ولا تباعدي عنه فينساك، إن دنا منكِ فاقربي منه، وإن نأى عنك فابعدي عنه، واحفظي أنفه وسمعه وعينه، فلا يشمن منك إلا طيبا، ولا يسمع منكِ إلا حسنًا، ولا ينظر إلا جميلًا) (١٢٦٥) .\nوأوصى عبد الله بن جعفر بن أي طالب ابنته فقال: (إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وإياك وكثرة العتب فإنه يورث البغضاء، وعليك بالكحل فإنه أزين الزينة، وأطيب الطيب الماء \"، وقال رجل لزوجته:\nخذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سَوْرتي حين أغضبُ\nولا تنقريني نقرك الدفَّ مرةً ... فإنك لا تدرين كيف المُغيبُ\n_________\n(١٢٦٢) \" السابق\" ص (١٣١) .\n(١٢٦٣) انظر ترجمته في \" الإصابة\" (١/١٩٥ - ١٩٦) .\n(١٢٦٤) أي: لا تلحي عليه فيكرهك.\n(١٢٦٥) انظر: \" أحكام النساء\" لابن الجوزي ص (٧٣) .","vol":"2","page":526},{"text":"ولاتكثري الشكوى فتذهب بالهوى ... ويأباكِ قلبي والقلوبُ تقلب\nفإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبُّ يذهب\n(وقال بعض العرب: \" لا تنكحوا من النساء ستة: لا أنانة، ولا منانة، ولا حنانة، ولا تنكحوا حداقة، ولا براقة، ولا شداقة\"، أما الأنانة، فهي التي تكثر الأنين والتشكي، وتعصب رأسها كل ساعة، فنكاح الممراضة، أو نكاح المتمارضة لا خير فيه، والمنانة التي تمن على زوجها فتقول: \" فعلت لأجلك كذا وكذا\"، والحنانة التي تحن إلى زوج آخر، أو ولدِها من زوج آخر، وهذا أيضًا مما يجب اجتنابه، والحداقة التي ترمي إلى كل شيء بحدقتها فتشتهيه، وتكلف الزوج شراءه، والبراقة تحتمل معنيين: أحدهما: أن تكون طول النهار في تصقيل وجهها وتزيينه، ليكون لوجهها بريق محصل بالصنع، والثاني: أن تغضب على الطعام، فلا تأكل إلا وحدها، وتستقل نصيبها من كل شيء، وهذه لغة يمانية، يقولون: برقت المرأة، وبرق الصبي الطعام، إذا غضب عنده، والشداقة المتشدقة الكثيرة الكلام) (١٢٦٦) .\nوأوصت أمامة بنت الحارث ابنتها حين زفت إلى زوجها، فقالت: (أي بنية: إن الوصية لو كانت تترك لفضل أدب، أو لتقدم حسب، لزويت ذلك عنك، ولأبعدته منك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل.\nأي بنية: لو أن امرأة استغنت عن زوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها، كنت أغنى الناس عن ذلك، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال.\n_________\n(١٢٦٦) \"الإحياء\" (٤/٧١٢-٧١٣) .","vol":"2","page":527},{"text":"أي بنية: إنك قد فارقت الحمى الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك مليكًا فكوني له أمة يكن لك عبدًا وشيكا، واحفظي له خصالا عشرا، تكن لك ذخرًا:\nأما الأولى والثانية: فالصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب، وفٍى حسن المعاشرة مرضاة للرب.\nوأما الثالثة والرابعة: فالمعاهدة لموضع عينيه، والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم منكِ إلا أطيب ريح.\nوأما الخامسة والسادسة: فالتعاهد لوقت طعامه، والتفقد لحين منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة\" وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله، والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير.\nوأما التاسعة والعاشرة: فلا تفشين له سرًّا، ولا تعصين له أمرا، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، واتقي مع ذلك كله الفرح إذا كان ترحا، والاكتئاب إذا كان فرحًا، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وأشد ما تكونين له إعظاما أشد ما يكون لك إكراما، وأشد ما تكونين له موافقة أطول ما يكون لك مرافقة، واعلمي يا بنية أنك لا تقدرين على ذلك حتى تؤثري رضاه على رضاك، وتقدمي هواه على هواك فيما أحببت أو كرهت، والله يضع لك الخير، وأستودعك الله) (١٢٦٧) اهـ.\nإن الزوجة التي يندب إليها هي الهينة، اللينة، العفيفة، التي \" تعين\n_________\n(١٢٦٧) انظر: \" أحكام النساء\" لابن الجوزي ص (٧٤-٧٨) .","vol":"2","page":528},{"text":"أهلها على العيش، ولا تعين العيش عليهم، لا تؤهل دارا (١٢٦٨)، ولا تؤنس جارًا (١٢٦٩)، ولا تنفث (١٢٧٠) نارًا \" (١٢٧١) .\nوقال الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى:\n(وينبغي للمرأة أن تعرف أنها كالمملوك للزوج، فلا تتصرف في نفسها ولا في ماله إلا بإذنه، وتقدم حقه على حق نفسها وحقوق أقاربها، وتكون مستعدة لتمتعه بها بجميع أسباب النظافة، ولا تفتخر عليه بجمالها، ولا تعيبه بقبيح إن كان فيه ...) (١٢٧٢) .\n(وينبغي للمرأة العاقلة إذا وجدت زوجًا صالحًا يلائمها أن تجتهد في مرضاته، وتجتنب كل ما يؤذيه، فإنها متى آذته أو تعرضت لما يكرهه أوجب ذلك ملالته وبقى ذلك في نفسه، فربما وجد فرصته فتركها أو آثر غيرها، فإنه قد يجد وقد لا تجد هي، ومعلوم أن الملل للمستحسَن قد يقع، فكيف للمكروه؟) (١٣٧٣) اهـ.\n[والقول الجامع في آداب المرأة: أن تكون قاعدة في قعر بيتها، لازمة لمنزلها، لا يكثر صعودها واطلاعها، قليلة الكلام لجيرانها، لا تدخل عليهم إلا في حال يوجب الدخول، تحفظ بعلها في غيبته، وتطلب مسرته في جميع أمورها، ولا تخونه في نفسها وماله، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن\n_________\n(١٢٦٨) لا تؤهل دارا: أي لا تجعل دارها آهلة بدخول الناس عليها.\n(١٢٦٩) لا تؤنس جارًا: أي لا تؤنس الجيران بدخولها عليهم.\n(١٢٧٠) لا تنفث نارا: أي لا تنم، ولا تغري بين الناس.\n(١٢٧١) \" عيون الأخبار \" لابن قتيبة (٤/٤- ٥) .\n(١٢٧٢) \" أحكام النساء\" ص (٧٢-٧٣) .\n(١٢٧٣) \" السابق\" ص (٧٨) .","vol":"2","page":529},{"text":"خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثة، تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، محترزة من أن يسمع غريب صوتها، أو يعرفها بشخصها، لا تتعرف إلى صديق بعلها في حاجاتها، بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها أو: تعرفه، همها صلاح شأنها، وتدبير بيتها، مقبلة على صلاتها وصيامها، وإذا استأذن صديق لبعلها على الباب وليس البعل حاضرا لم تستفهم، ولم تعاوده في الكلام، غيرة على نفسها وبعلها، وتكون قانعة من زوجها بما رزق الله، وتقدم حقه على حق نفسها، وحق سائر أقاربها، متنظفة في نفسها، مستعدة في الأحوال كلها للتمتع بها إن شاء، مشفقة على أولادها، حافظة للستر عليهم، قصيرة اللسان عن سب الأولاد ومراجعة الزوج..] (١٢٧٤) اهـ.\n_________\n(١٢٧٤) \" الإحياء\" (٤/٧٤٩ - ٧٥٠) .","vol":"2","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>[فصل]\nوفاؤها لزوجها</span>\nإن الثبات على صدق الوفاء من أفضل ما تتحلى به النساء، ولهذا (درجت المرأة المسلمة على مواتاة زوجها ومصافاته، واستخلاص نفسها له، واحتمال نبوة الطبع منه، وأكثر ما كان صفاء نفسها، وسماح خلقها وعذوبة طبعها، إذا استحال الدهر بالرجل فرزأهُ في ماله، أو نَكَبَهُ في قُوَّته، أو بدَّله بكرم المنصب، وروعة السلطان، أعرافًا من السجن، وأصفادًا من الحديد.\nبل لقد كان وفاؤها له بعد عفاء أثره، وامِّحاء خبره، عديل وفائها له وهي بين أفياء نعمته، وأكناف داره، وكان إيثار الإسلام له بمَدِّ حدادها عليه أربعة أشهر وعشرة أيام، لا تتجمل في أثنائها، ولا تزدان، ولا تفارق داره إلى دار أبيها - سُنَّةً من سنن هذا الرفاء، وآية من آياته.\nلذلك كانت المرأة المسلمة ترى الوفاء لزوجها بعد الموت، آثر مما تراه لأبيها وأمها وذوي قرابتها، فكانت تؤثر فضائله، وتذكر شمائله في كل موطن ومقام، بل ربما عرض ذكره وهي بين خليفته من بعده، فلا تتحرج في ذكر فضائله وتفضيله إن كانت ترى الفضل له) (١٢٧٥) .\nومن حديث ذلك أن أسماء بنت عُميس كانت لجعفر بن أبي طالب، ثم لأبي بكر من بعده، ثم خلفهما علي ﵁، فتفاخر مرة ولداها\n_________\n(١٢٧٥) انظر: \" المرأة العربية\" (٢/٨٩) .","vol":"2","page":531},{"text":"محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر، كل يقول: \" أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك \"، فقال لها علي: \" اقضي بينهما يا أسماء\"، قالت: \" ما رأيت شًاّبا من العرب خيرا من جعفر، ولا رأيت كهلا خيرًا من أبي بكر \"، فقال علي: \"ما تركتِ لنا شيئًا، ولو قلتِ غير الذي قلت لمَقتُّكِ! \" (١٢٧٦) فقالت أسماء: \" إن ثلاثا أنت أقَلهم لخيار \" (١٢٧٧) .\nوأوصى أبو بكر ﵁ أن تُغَسلَه أسماء بنت عميس ﵂، ففعلت، وكانت صائمة، فسألت من حضر من المهاجرين: وقالت: \" إني صائمة، وهذا يوم شديد البرد، فهل عَلَي من غُسل؟ \"، فقالوا: \" لا \"، وكان أبو بكر ﵁ قد عزم عليها (١٢٧٨) لما أفطرت، وقال: \" هو أقوى لك\"، فذكرت يمينه في آخر النهار، فدعت بماء، فشربت، وقالت: \" والله لا أتْبِعُهُ اليومَ حِنْثًا \" (١٢٧٩) .\nومن ذلك أيضًا ما رُوِي من أن النساء قمْنَ (حين رجع رسول الله ﷺ من أحُد يسألن الناس عن أهلهن، فلم يُخْبَرن حتى أتين رسول الله ﷺ، فلا قال واحدة إلا أخبرها، فجاءته حَمْنَة بنت جحش، فقال: \" يا حَمْنَةُ، احتسبي أخاك عبد الله بن جحش، قالت: \" إنا لله وإنا إليه راجعون، ﵀، وغفر له \"، ثم قال: \" يا حمنة، احتسبي خالك حمزة بن عبد المطلب \" قالت: \" إنا لله، وإنا إليه راجعون، ﵀،\n_________\n(١٢٧٦) وقيل: لعلها: (لومقتك) أي: أحببتك!\n(١٢٧٧) رواه ابن سعد في \" الطبقات \" (٨/٢٠٨ - ٢٠٩)، وأبو نعيم في \" الحلية \" (٢/٧٦)، وانظر: \" سير أعلام النبلاء \" (٢/٢٨٦ - ٢٨٧)، وقال الحافظ ابن حجر ﵀: (أخرجه ابن السكن بسند صحيح عن الشعبي) اهـ. من \"الإصابة \" (٧/ ٤٩١) .\n(١٢٧٨) أي: أقسم عليها.\n(١٢٧٩) رواه ابن سعد في \" الطبقات \" (٨/٢٠٨) .","vol":"2","page":532},{"text":"وغفر له\"، ثم قال: يا حمنة احتسبي زوجك مُصعب بن عمير \"، فقالت: \"يا حَرَباه، (١٢٨٠)، قال النبي ﷺ: \" إن للمرأة لشُعبة من الرجل ما هى له في شيء \" (١٢٨١)، ولعمرك إن في قول رسول الله ﷺ لبلاغا لما أوثرت المرأة به، وَأبَرَّت فيه من فرط الحنو على زوجها، وفضل الوفاء له بعد موته (١٢٨٢) .\nولما تسور المجرمون الفَسَقَةُ على أمير البررة، وقتيل الفجرة، عثمان ﵁، وتبادروه بالسيوف، ألقت زوجته \" نائلة بنت الفُرافِصة \" بنفسها عليه حتى تكون له وِقاء من الموت، فلم يَرعَ القتلةُ الأثمةُ حرمتها، وضربوه بالسيف ضربة انتظمت أصابعها، ففصلتهن عن يدها، ونفذت إليه، فجندلته، ثم ذبحوه رضي الله تعالى عنه (١٢٨٣)، ولما خطبها أمير المؤمنين معاوية ﵁ أبت، وقالت: \" والله لا قَعَدَ أحد مني مقعدَ عثمان أبدًا \" (١٢٨٤) .\n* * *\n_________\n(١٢٨٠) الحَرَبُ: السلَب، وفي لفظ ابن ماجه: \" قالت: \" واحزناه \") .\n(١٢٨١) رواه ابن ماجه في سننه رقم (١٥٩٠) بلفظ: (إن للزوج من المرأة لشعبَة، ما هي لشيء)، وكذا ابن سعد في \" الطبقات\" (٨/١٧٥)، وابن إسحق في السيرة بلفظ: (إن زوج المرأة منها لبمكان)، وضعفه الألباني في \" ضعيف ابن ماجه\" رقم (٣٤٧) ص (١٢٠)، وكذا في \" ضيف الجامع\" رقم (١٩٦٠) .\n(١٢٨٢) ومن ثم قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى: \" ولا ينبغي لوالدي المرأة، ولا لجميع أهلها أن يطلبوا منها الميل إلى إيثارهم أكثر من ميلها إلى زوجها، فإنها تميل إلى زوجها بالطبع، وقد أخبر عنها الشارع بذلك، فلتعذر في ذلك\" اهـ. من \" أحكام النساء\" ص (٧٠) .\n(١٢٨٣) \" الدر المنثور في طبقات ربات الخدور\" ص (٥١٧)، \" المرأة العربية\" (٢/١١٧) .\n(١٢٨٤) \" العقد الفريد، لابن عبد ربه، كتاب المرجانة الثانية في النساء وصفاتهن (ج ٣)، و\" الأعلام \" (٧/٣٤٣) .","vol":"2","page":533},{"text":"ومع أن رغبة الأيم عن الزواج، وكراهيتها له، واعتكافها دونه، لم يكن من مبادئ الإسلام في شيء، فقد قال تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) الآية، النور (٣٢) .\nوعن جابر عن أم مبشر الأنصارية: (أن النبي ﷺ خطب أم مبشر بنت البراء بن معرور (١٢٨٥) فقالت: \" إني اشترطت لزوجي ألا أتزوج بعده \"، فقال النبي ﷺ: \" إن هذا لا يصلح \" (١٢٨٦) .\nومع الرخصة لهن في النكاح والتوسعة عليهن في أمره - فإن كثيرًا من الأيامى أنفن أن يتبدلن ببعولتهن زوجا آخر، وفاءً لهم، وبقيًا على ذكراهم، بل أملا أن تمتد الزوجية بينهم في الدار الآخرة:\nفقد كان مما بشر به الإسلام المرأة الصالحة، أن المؤمن إذا دخل الجنة، ألحق به أزواجه: قال تعالى: (جَنات عدن يدخلونها ومن صَلَح من ءابائهم وأزواجهم وذُرياتهم) (الرعد: ٢٣)، فيجمعهم الله في الجنات منعمِين، يتكئون في ظلالها مسرورين فرحين: (هم وأزواجهم في ظلال على الأرائِك متكون) (يس: ٥٦)، (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحْبَرُون) (الزخرف: ٧٠) .\nوكان من آيات وفاء كثير من الصالحات لأزواجهن بعد موتهن إمساكُهن عن الزواج، لا لغرض إلا ليكن زوجات لهن في الجنة.\nفعن ميمون بن مهران قال: خطب معاوية بن أبي سفيان ﵁\n_________\n(١٢٨٥) أي خطبها لزيد بن حارثة بعد أن مات أهله، كما في رواية البخاري في \" التاريخ الكبير \".\n(١٢٨٦) رواه الطبراني في \" المعجم الكبير \" (٢/١٤)، و\" الصغير \" (٢/١٣٨)، والحديث حسنه الحافظ في \" الفتح\" (٩/٢١٩)، وكذا حسنه الألباني بشاهده عند البخاري في\" التاريخ الكبير\"، انظر: \" الصحيحة\" حديث رقم (٦٠٨) .","vol":"2","page":534},{"text":"أم الدرداء، فأبت أن تَزَوَّجَهُ، وقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ: \" المرأة في آخر أزواجها، أو قال: لآخر لآخر أزواجها \" (١٢٨٧) .\nوعن عكرمة: (أن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام، وكان شديدًا عليها، فأتت أباها، فشكت ذلك إليه، فقال: \" يا بنية اصبري، فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها، فلم تَزَوجْ بعده جُمع بينهما في الجنة) (١٢٨٨) .\nوكل حذيفة ﵁ أنه قال لزوجته: \" إن شئتِ أن تكوني زوجتي في الجنة، فلا تزوجي بعدي، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا \" (١٢٨٩) .\nوعن جبير بن نفير، عن أم الدرداء، أنها قالت لأبي الدرداء: \" إنك خَطَبتَنِي إلى أبَوَي في الدنيا، فأنكحوك، وأنا أخطبك إلى نفسك في الآخرة\"، قال: \" فلا تنكحين بعدي\"، فخطبها معاوية، فأخبرته بالذي كان، فقال: \" عليكِ بالصيام \" (١٢٩٠) .\nوقال الأصمعي: (خرج سليمان بن عبد الملك ومعه سليمان بن المهلب بن أبي صفرة من دمشق متنزهين، فمرا بالجبانة، وإذا امرأة جالسة\n_________\n(١٢٨٧) انظر: \" المطالب العالية\" (١٦٧٣)، و\" كنز العمال\" (٤٥٥٥٧)، (٤٥٥٨٠)، \" تاريخ بغداد \" (٩/٢٢٨)، \" الفقيه والمتفقه\" (٤٨)، والحديث صححه الألباني في \" الصحيحة\" رقم (١٢٨١) بشواهده.\n(١٢٨٨) انظر: \" الصحيحة\" للألباني (٣/٢٧٦)، و\"التذكرة\" للقرطبي ص (٥٧٦) .\n(١٢٨٩) أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٧/٦٩- ٧٠) وتتمته: \" فلذلك حرم الله على أزواج النبي ﷺ أن ينكحن بعده، لأنهن أزواجه في الجنة \"، وفيه أبو إسحق السبيعي.\n(١٢٩٠) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/٢٧٨) .","vol":"2","page":535},{"text":"على قبر تبكي، فهبت الريح، فرفعت البرقع عن وجهها، فكأنها غمامة جَلَت شمسا، فوقفنا متعجبين، ننظر إليها، فقال لها ابن المهلب: \" يا أمة الله، هل لك في أمير المؤمنين بعلا؟ \"، فنظرت إليهما، ثم نظرت إِلى القبر، وقالت:\nفإن تسألاني عن هواي، فإنه ... بملحود هذا القبر يا فتيانِ\nوإني لأستحييه والتربُ بيننا ... كما كنت أستحييه وهو يراني\nفانصرفنا ونحن متعجبون) (١٢٩١) .\nوأخيرًا: هذا مثل للزوجة المسلمة الفاضلة ينبغي لكل مسلمة أن تجعله نصب عينيها:\n(إن فاطمة بنت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كان لأبيها - يوم تزوجت- السلطان الأعظم على الشام والعراق والحجاز واليمن وإيران والسند وقفقاسيا والقريم وما وراء النهر إلى نجارا وجنوة شرقَا، وعلى مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وإسبانيا غربا، ولم تكن فاطمة هذه بنت الخليفة الأعظم وحسب، بل كانت كذلك أخت أربعة من فحول خلفاء الإسلام وهم: الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، ويزيد ابن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، وكانت فيما بين ذلك زوجة أعظم خليفة عرفه الإسلام بعد خلفاء الصدر الأول، وهو أمير المؤمنين \" عمر ابن عبد العزيز \".\nبنت الخليفة، والخليفة جَدُّها ... أخت الخلائف، والخليفة زوجها \" (١٢٩٢)\n_________\n(١٢٩١) \" الدر المنثور\" ص (٤٦٥-٤٦٦)، و\" أخبار النساء \" ص (١٣٨)، وهذا الأخير منسوب خطأ لابن قيم الجوزية، كما حققه العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد في \" ابن قيم الجوزية: حياته، وآثاره\" ص (١٢١-١٢٦) .\n(١٢٩٢) \" البداية والنهاية، (٩/١٩٣) .","vol":"2","page":536},{"text":"وهذه السيدة التي كانت بنت خليفة، وزوجة خليفة، وأخت أربعة من الخلفاء، خرجت من بيت أبيها إلى بيت زوجها يوم زفت إليه وهى مثقلة بأثمن ما تملكه امرأة على وجه الأرض من الحلي والمجوهرات، ويقال إن من هذه الحلي قرطي (١٢٩٣) مارية اللذين اشتهرا في التاريخ، وتغني بهما الشعراء، وكانا وحدهما يساويان كنزا.\nومن فضول القول أن أشير إلى أن عروس عمر بن عبد العزيز كانت في بيت أبيها تعيش في نعمة لا تعلو عليها عيشة امرأة أخرى في الدنيا لذلك العهد، ولو أنها استمرت في بيت زوجها تعيش كما كانت تعيش قبل ذلك لتملأ كرشها في كل يوم، وفي كل ساعة بأدسم المأكولات وأندرها وأغلاها، وتنعم نفسها بكل أنواع النعيم الذي عرفه البشر، لاستطاعت ذلك،.. إِلا أن الخليفة الأعظم عمر بن عبد العزيز اختار- في الوقت الذي كان فيه أعظم ملوك الأرض- أن تكون نفقة بيته بضعة دراهم في اليوم (١٢٩٤)، ورضيت بذلك زوجة الخليفة التي كانت بنت خليفة وأخت أربعة من الخلفاء فكانت مغتبطة بذلك لأنها تذوقت لذة القناعة، وتمتعت بحلاوة الاعتدال، فصارت هذه اللذة وهذه الحلاوة أطيب لها وأرضى لنفسها من كل ما كانت تعرفه قبل ذلك من صنوف البذخ وألوان الترف، بل اقترح\n_________\n(١٢٩٣) (وكان أبوها عبد الملك بن مروان ﵀ قد أعطاها قرطي مارية، والدرةَ اليتيمة، وكانت أحب أخواتها إليه، وكان قد دعا لها قائلا: \" اللهم احفطني فيها\" فتزوجها ابن عمها عمر بن عبد العزيز) اهـ من \" البداية والنهاية\" (٩/٦٧) .\n(١٢٩٤) (وقد خيرها عقب توليه الخلافة بين أن تقيم معه على أنه لا فراغ له إليها، وبين أن تلحق بأهلها، فبكت، وبكى جواريها لبكائها، فسمِعَت ضجة في داره، ثم اختارت مقامها معه على كل حال رحمها الله) اهـ من \" البداية والنهاية\" (٩/١٩٨) .","vol":"2","page":537},{"text":"عليها زوجها أن تترفع عن عقلية الطفولة، فتخرج عن هذه الألاعيب والسفاسف التي كانت تبهرج بها أذنيها وعنقها وشعرها ومعصميها، مما لا يسمن، ولا يغني من جوع، ولو بيع لأشبع ثمنه بطون شعب برجاله ونسائه وأطفاله، فاستجابت له، واستراحت من أثقال الحلي والمجوهرات واللآلئ والدرر التي حملتها معها من بيت أبيها، فبعثت بذلك كله إلى بيت مال المسلمين.\nوتوفي عقب ذلك أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ولم يخلف لزوجته وأولاده شيئًا، فجاءها أمين بيت المال، وقال لها: \" إن مجوهراتك يا سيدتي لا تزال كما هي، وإني اعتبرتها أمانة لك، وحفظتها لذلك اليوم، وقد جئت أستأذنك في إحضارها \".\nفأجابته بأنها وهبتها لبيت مال المسلمين طاعة لأمير المؤمنين، ثم قالت: \" وما كنت لأطيعه حيُّا، وأعصيه ميتًا \".\nوأبت أن تسترد من مالها الحلال الموروث ما يساوى الملايين الكثيرة، في الوقت الذي كانت محتاجة فيه إلى دريهمات، وبذلك كتب الله لها الخلود، وها نحن نتحدث عن شرف معدنها ورفيع منزلتها بعد عصور وعصور، رحمها الله، وأعلى مقامها في جنات النعيم) (١٢٩٥) .\n_________\n(١٢٩٥) (مقدمة \" آداب الزفاف في السنة المطهرة \") للألباني ص (٨٤-٨٨) بقلم الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى) طبعة سنة (١٤٠٩ هـ) .","vol":"2","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>[الفصل الخامس]\nالمرأة مؤمنةً مجاهدةً صابرةً</span>\nلقد رفع الإسلام المرأة إلى أبعد مما يطمح خيالها، ويصبو أملها،: ساق لها من آي الذكر الحكيم، ما بهر سناه بصرها، وملكت محجته نفسها، واستقادت بلاغته وحسن مساقه قلبها، وأنصتت لما وصف به الله رحمته وعزته، وناره وجنته، وما أعد للصابرات والمحسنات من جزيل الأجر، وسَنِي المنزلة، فأثار ذلك عاطفتها، وأفاض وجدانها، وأنار بصيرتها، فكان حقا لذلك أن يصيب حبة قلبها، ويجُول في مجال دمها، ويتأشب بين أحناء ضلوعها.\nكذلك كان أمر نساء العرب، فإن أول قلب خفق بالإسلام، وتألق بنوره قلب امرأة منهن، هي سيدة نساء العالمين في زمانها: أم القاسم خديجة بنت خويلد ﵂، قال الإمام عز الدين بن الأثير رحمه الله تعالى: \" خديجة أولُ خَلقِ الله أسلَمَ، بإجماع المسلمين \" (١٢٩٦) .\nوما كانت تلك المرأة في سواء النساء، بل لقد هيئ لها من جلال الحكمة، وبعد الرأي، إلى زكاء الحسب، وذكاء القلب، ما عَزَّ على الأكثرين من الرجال، فلم تأخذ الدين مشايعة، ولم تتلقه مجاملة، بل أخذته عن تأثر به، وظمأ إليه.\nومناقبها جَمة، وهى مِمَّن كمُلَ من النساء، كانت عاقلة دَيِّنة\n_________\n(١٢٩٦) \" أسد الغابة \" (٧/٧٨) .","vol":"2","page":539},{"text":"مَصُونةً كريمة، من أهل الجنة، وكان النبي ﷺ يُثني عليها، ويُفَضلُها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها، بحيث إن عائشة ﵂ كانت تقول: \" ما غِرْتُ من امرأة ما غِرت من خديجة، من كثرة ذكر النبي ﷺ لها \" (١٣٩٧) .\nومن كرامتها عليه ﷺ أنها لم يتزوج امرأة قبلها، وجاءه منها عدةُ أولاد، ولم يتزوج عليها قط، ولا تَسرَّي إلى أن قضت نَحْبَها، فَوَجَدَ لفقدها، فإنها كانت نِعم القرين، وكانت تنفق عليه من مالها، ويَتَّجِرُ هو ﷺ لها.\n\" وقد أمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قَصَب، لا صخَبَ فيه ولا نَصَب \" (١٢٩٨» (١٢٩٩) اهـ.\nوعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها، فذكرها يومًا، فحملتني الغيرة، فقلت: \" لقد عَوَّضك الله من كبيرة السن! \"، قالت: فرأيتُه غضب غضبًا أسْقِطْتُ في خَلَدي (١٣٠٠)، وقلت في نفسي: \" اللهم إن أذهبتَ غضبَ رسولك عني لم أعُدْ أذكرها بسوء \"، فلما رأى النبي ﷺ ما لقيتُ، قال: \" كيف قلتِ؟ والله لقد آمنت بي إذ كَذَّبني الناسُ، وآوتني إذ رفضني الناس، وَرُزِقْتُ منها الولد وحرمتموه مني \"، قالت:\n_________\n(١٢٩٧) تقدم برقم (١٠٣٣) .\n(١٢٩٨) أخرجه البخاري (٧/١٠٥)، ومسلم (٢٤٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وكذا أخرجه البخاري (٧/١٠٤)، ومسلم (٢٤٣٣) من حديث عبد الله ابن أبي أوفى ﵁. وأراد بالبيت: القصر، والقصب هنا: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف، والصخب: اختلاط الأصوات، والنصب: التعب.\n(١٢٩٩) \"سير أعلام النبلاء \" (٢/١١٠) .\n(١٣٠٠) الخلَد: بالتحريك، البال والقلب والنفس.","vol":"2","page":540},{"text":"\" فغدا وراح عَلَىّ بها شهرًا \" (١٣٠١) .\nأجل، لقد تأثرت خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ وأم المؤمنين - ﵂- بهذا الدين تأثرا نفذ إلى قلبه ﷺ، فكان مبعث الغبطة والسكينة عند تدافع النوب، واشتداد الخطوب، ثم أعقبها جمهور النساء فتأثرن بهذا الدين تأثرًا هان وراءه كل شيء.\nوأول من سبق إليه فريق الضعاف اللواتي فقدن النصَفَة، وَاسْتَهَنَّ بما أصابهن في سبيل الله، من ظلم وذل وآلام.\nوكانت لقريش صولة وانبساط بالأذى على من آمن من أولئك الضعاف حتى لقد تجاوزوا به حد التعذيب والإيلام، إلى الافتنان في التمثيل، والتأنق في التنكيل، ومن أولئك اللواتي استعذبن العذاب: سمية بنت خُبَّاط أم عمار بن ياسر كانت سابعة سبعة في الإسلام، وكان بنو مخزوم إذا اشتدت الظهيرة، والتهبت الرمضاء، خرجوا بها هي وابنها وزوجها إلى الصحراء، وألبسوهم دروع الحديد، وأهالوا عليهم الرمال المتقدة، وأخذوا يرضخونهم بالحجارة، (وكان رسول الله ﷺ يمر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رَمْضاء مكة فيقول: \" صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة \" (١٣٠٢) حتى تفادى الرجلان ذلك العذاب المر بظاهرة من الكفر أجرياها على لسانهما، وقلباهما مطمئنان بالإيمان، وقد عذر الله أمثالهما بقوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فأما المرأة فاعتصمت بالصبر، وقرت على العذاب، وأبت أن تعطي القوم ما سألوا من الكفر بعد الإيمان، فذهبوا بروحها، وأفظعوا قِتلتها، فقد أنفذ الشريف النذل أبو جهل بن هشام حربته فيها، فماتت ﵂، وكانت أول شهيدة في الإسلام.\n_________\n(١٣٠١) تقدم برقم (١٠٣٦) .\n(١٣٠٢) \"الإصابة\" (٧/٧١٣) .","vol":"2","page":541},{"text":"قال ابن حجر: (وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن مجاهد قال: أول شهيد في الإسلام سمية والدة عمار بن ياسر، وكانت عجوزًا كبيرة، ضعيفة،. ولما قُتل أبو جهل يوم بدر قال النبي ﷺ لعمار: \" قَتَل الله قاتِلَ أمك \" (١٣٠٣) اهـ.\nوغير سمية كثيرات احتملن فوق ما احتملت:\nفمنهن من كانوا يلقونها، ويحملون لها مكاوي الحديد، ثم يضعونها بين أعطاف جلدها، ويدعون الأطفال يعبثون بعينها حتى يذهب بصرها، وممن عُذب بهذا العذاب زنيرة جارية عمر بن الخطاب ﵁، وكان هو وجماعة من قريش يتولون تعذيبها، ولما ذهب بصرها قال المشركون: \" ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى \"، فقالت لهم: \" والله ما هو كذلك، وما تدري اللات والعزى من يعبدهما، ولكن هذا أمر من السماء والله قادر على أن يرد عليَّ بصري \"، قيل: \" فرد عليها بصرها\"، فقالت قريش: \" هذا من سحر محمد ﷺ \"، وقد اشتراها أبو بكر وأعتقها ﵁ \" (١٣٠٤) .\nومنهن من كانوا يسقونها العسل، ويوثقونها بالأغلال، ثم يلقونها بين الرمال، ولها حرٌّ يذيب اللحم، ويصهر العظم، حتى يقتلها الظمأ \" (١٣٠٥)، وممن فعلوا بهن ذلك أم شريك غزيَّة بنت جابر بن حكيم- قال ابن عباس ﵄: (وقع في قلب أم شريك الإسلام وهي بمكة، فأسلمت،\n_________\n(١٣٠٣) \" الإصابة \" (٧/٧١٣) .\n(١٣٠٤) \" سيرة ابن هشام \" (١/١٢٦) وقد أعتق أبو بكر الصديق ﵁ ممن كان يعذب في الله سبعة، وهم: بلال، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، وجارية بني المؤمل، والنهدية، وابنتها، وأم عُبَيس. (الإصابة ٨/٢٥٧) .\n(١٣٠٥) \" المرأة العربية\" (٢/٧٣) .","vol":"2","page":542},{"text":"ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرًّا، فتدعوهن، وترغبهن في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها، وقالوا لها: \" لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم \"، قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء موطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثًا لا يطعموني، ولا يسقوني، فنزلوا منزلا، وكانوا إذا نزلوا وقفوني في الشمس واستظلوا، وحبسوا عني الطعام والشراب حتى يرتحلوا، فبينما أنا كذلك إذا بأثر شيء بارد وقع علي منه ثم عاد، فتناولته، فإذا هو دلو ماء، فشربت منه قليلا ثم نزع مني، ثم عاد فتناولته، فشربت منه قليلا، ثم رفع، ثم عاد أيضا، فصنع ذلك مرارا حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي، فلما استيقظو \" إذا هم بأثر الماء، ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي: \" انحللت فأخذتِ سقاءنا فشربت منه؟ \" فقلت: \" لا والله ما فعلت ذلك، كان من الأمر كذا وكذا\"، فقالوا: \" لئن كنت صادقة، فدينك خير من ديننا \"، فنظروا إِلى الأسقية فوجدوها كما تركوها، فأسلموا لساعتهم) (١٣٠٦) .\nوكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁- قبل أن يسلم- يتولى تعذيب جارية مسلمة لبني المؤمل، فلا يزال يضربها بالسياط، حتى إذا مَل قال لها: \" إني أعتذر إليك أني لم أتركك إلا ملالة \"، فتقول له: \" كذلك فعل الله بك \" (١٣٠٧) .\nوقالت أسماء بنت أبي بكر ﵄: (لما توجه النبي ﷺ من مكة حمل أبو بكر معه جميع ماله- خمسة آلاف، أو ستة آلاف- فأتاني جدي أبو قحافة وقد عمي، فقال: \" إن هذا قد فجعكم بماله\n_________\n(١٣٠٦) \"الإصابة\" (٨/٢٤٨)، \" حلية الأولياء\" (٢/٦٦)، \" الطبقات\" لابن سعد (٨/١١٠-١١١) .\n(١٣٠٧) \" الطبقات\" لابن سعد (٢/١٨٧)، وانظر: \" المرأة العربية\" (٢/٧٣-٧٤) .","vol":"2","page":543},{"text":"ونفسه \"، فقلت: \" كلا، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا \"، فعمدتُ إلى أحجار، فجعلتهن في كوة البيت، وغطيت عليها بثوب، ثم أخذتُ بيده، ووضعتُها على الثوب، فقلت: هذا تركه لنا \"، فقال: \" أما إذ ترك لكم هذا، فنعم \".\nوعن ابن إسحق قال: حُدِّثْتُ عن أسماء، قالت: أتى أبو جهل في نفر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك؟ قلت: لا أدري- والله أين هو؟، فرفع أبو جهل يَدَه، ولطم خدي لطمة خرَّ منها قُرطي، ثم انصرفوا) (١٣٠٨) اهـ.\nوخرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر، وكانت صائمة سمعت حسًّا على رأسها، فرفعته، فإذا دلو معلق، فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها \" (١٣٠٩) .\nآمنت أم كلثوم بنت عقبة- وهو سيد من سادات قريش- دون رجال بيتها، وفارقت خدرها، ومستقر أمنها ودعتها، تحت جنح الليل، فريدة شريدة، تطوي بها قدماها ثنايا الجبال، وأغوار التهائم بين مكة والمدينة، إلى مفزع دينها، ودار هجرتها، إلى رسول الله ﷺ، ثم أعقبتها بعد ذلك أمها، فاتخذت سنتها، وهاجرت هجرتها، وتركت شباب أهل بيتها وكهولهم، وهم في ضلال يعمهون (١٣١٠) .\nذلك قليل من كثير مما يشهد للمرأة المسلمة باحتكام الدين في ذات نفسها، واستهانتها بالدم والروح في سبيله.\n_________\n(١٣٠٨) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/٢٩٠) .\n(١٣٠٩) انظر: \" حلية الأولياء\" (٢/٦٧)، \"الطبقات \" (٨/١٦٢) .\n(١٣١٠) انظر: \" الطبقات\" (٨/١٦٧)، \" المرأة العربية \" (٢/٧٥) .","vol":"2","page":544},{"text":"ومن هذا القبيل مواقف تكشف وضوح قضية \" الولاء والبراء \" في حس المرأة المسلمة وضوحًا لا يخالطه شائبة ضعف، أو انهزام، أو هوادة مع مَنْ حادَّ الله ﷿ ورسولَه ﷺ.\nفهذه أسماء بنت أبي بكر ﵄، وقد جاءتها أمها \" قُتَيْلَة \" راغبة في صلتها، فتوقفت حتى سألت رسول الله ﷺ فقالت: \" يا رسول الله، إن أمي قدمت، وهى راغبة، أفأصلها \"، قال: \" نعم، صِلِي أمك \" (١٣١١)، وفيها نزل قوله ﵎: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة: ٨) .\nوعن يزيد بن الأصم قال: تلقيتُ عائشة، وهي مقبلة من مكة، أنا وابنُ أختها ولدٌ لطلحة، وقد كنا وقعنا في حائط بالمدينة، فأصبنا منه، فَبَلَغَها ذلك؛ فأقبلت على ابن أختها تلومه؛ ثم وَعَظَتنِي موعظةً بليغةً، ثم قالت: أما عَلِمتَ أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبتْ والله ميمونة، ورُمِي بحبلك على غاربك! أما إنها كانت من أتقانا لله، وأوصلِنا للرحم (١٣١٢) وعن يزيد: أن ذا قرابة لميمونة دخل عليها، فوجدتْ منه ريح شراب، فقالت: \" لئن لم تخرج إلى المسلمين، فيجلدوك، لا تدخلْ عليَّ أبدا \" (١٣١٣) .\nكذلك تأثرت المرأة بأدب الإسلام، وخرجت به عما احتكم بها في الجاهلية من عادة نافرة، وتقليد ذميم.\n_________\n(١٣١١) تقدم برقم (٣٤٩) .\n(١٣١٢) أخرجه ابن سعد (٨/٩٩)، والحاكم (٤/٣٢) .\n(١٣١٣) أخرجه ابن سعد (٨/٩٩) .","vol":"2","page":545},{"text":"وكان مِن أول ما لقنت المرأة من أدب الله تعالى ورسوله ﷺ، الاعتصامُ بالصبر، إذا دجا الخطب، وجل المصاب.\nوقد تقدم ذكر خبر الخنساء، وما ذهب به الدهر من حديث جزعها، وتصدع قلبها، واضطرام حشاها على أخيها، لقد استحال كل ذلك إلى صبرٍ أساغه الإيمان، وجمله التقى، فلم تأس على فائت من متاع الحياة الدنيا.\nأولئك أبناؤها، وهم أشطار كبدها، ونياط قلبها، خرجوا إلى القادسية وكانوا أربعة، فكان مما أوصتهم به قولها: \" يا بَني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجَّنْت حَسبَكم، وما غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية.\nاصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارا على أرواقها، فيمموا وطيسها (١٣١٤)، وجالدوا رسيسها (١٣١٥)، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة \".\nفلما كشرت الحرب عن نابها، تدافعوا إليها، وتواقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم، حتى قتلوا واحدا في أثر واحد.\nولما وافتها النعاة بخبرهم، لم تزد على أن قالت: \" الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة \" (١٣١٦) .\n_________\n(١٣١٤) الوطيس: المعركة، أو الضرب فيها.\n(١٣١٥) الرسيس: الأصل.\n(١٣١٦) انظر: \" الاستيعاب \" لابن عبد البر (٤/٢٩٧)، و\"الإصابة\" (٧/٦١٥-٦١٦)، و\" المرأة العربية\" (٢/٧٩ - ٨٠)، وقد تقدم برقم (و) ص (١٩٧) .","vol":"2","page":546},{"text":"ذلك أبعد مدى تبلغه المرأة من جلال الصبر وقوة الإيمان، ولعل أبعد منه:\nما حدَّث أنس بن مالك عن أمه أم سُليم بنت مَلْحان الأنصارية زوج أبي طلحة زيد بن سهل قال: (مرض أخ لي من أبي طلحة يدعى أبا عمير، فبينما أبو طلحة في المسجد مات الصبي، فهيأت أم سليم أمره، وقالت: \" لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه \"، فرجع من المسجد، وقد تطيبت له وتصنعت، فقال: \" ما فعل ابني \"؟ قالت: \" هو أسكن مما كان \"، وقدمت له عشاءه، فتعشى هو وأصحابه الذين قدموا معه، ثم قامت إلى ما تقوم له المرأة، فأصاب من أهله، فلما كان آخر الليل قالت: \" يا أبا طلحة، ألم تر إلى آل فلان، استعاروا عارية (١٣١٧)، فتمتعوا بها، فلما طُلِبَتْ إليهم شق عليهم؟ \" قال: \" ما أنصفوا\"، قالت: \" فإن ابنك فلانا كان عارية من الله فقبضه إليه \".. فاسترجع، وحمد الله، وقال: \" والله لا أدعك تغلبينني على الصبر \"، حتى إذا أصبح غدا على رسول الله ﷺ، فلما رآه قال: \" بارك الله لكما في ليلتكما\"، فاشتملت منذ تلك الليلة على عبد الله بن أبي طلحة، ولم يكن في الأنصار شاب أفضل منه، وخرج منه رجل كثير، ولم يمت عبد الله حتى رزق عشر بنين كلهم حفظ القرآن، وأبلى في سبيل الله) (١٣١٨) .\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: شهدت أم سُلَيم \" حنينًا \" مع رسول الله ﷺ ومعها خنجر قد حزمته على وسطها، وإنها يومئذ حامل بعبد الله بن أبي طلحة، فقال أبو طلحة: \" يا رسول الله إن أم سليم معها\n_________\n(١٣١٧) العارية: إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال، مع بقاء عينها.\n(١٣١٨) \" الإصابة\" (٨/٢٢٩)، (الطبقات الكبرى) (٨/٣١٦)، وقد استشهد عبد الله بفارس، وأصل الحديث في الصحيحين وغيرهما، وله عدة روايات جمعها العلامة الألباني في \" أحكام الجنائز وبدعها\" ص (٢٤-٢٦) .","vol":"2","page":547},{"text":"خنجر \" فقالت: \" يا رسول الله أتخذه إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، أقتل به الطلقاء، وأضرب أعناقهم إن انهزموا بك \"، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: \" يا أم سليمِ، إن الله قد كفى وأحسن \" (١٣١٩) .\nوعن عبد المؤمن بن عبد الله القيسي قال: ضَرَبَتْ أم إبراهيم العابدة دابة فكسرت رجلها، فأتاها قوم يُعَزُّونها، فقالت: \" لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس \" (١٣٢٠) .\n[وقال أبو الفرج بن الجوزي في \" عيون الحكايات \": (قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها، فسلمنا فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: \" ما أنتم؟ \" قلنا: \" قوم ضالون عن الطريق أتيناكم فأنسنا بكم \"، فقالت: \" يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل \"، ففعلنا فألقت لنا مِسْحا (١٣٢١) فقالت: \" اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني \"، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وترده \" (١٣٢٢) إلى أن رفعتها، فقالت: \" أسأل الله بركة المقبل أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني \" (١٣٢٣)، فوقف الراكب عليها، فقال: \" يا أم عقيل، أعظم الله أجرك في عقيل \"، قالت: \" ويحك مات ابني؟ \" قال: \" نعم \"، قالت: \" وما سبب موته؟ \" قال: \" ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر \"، فقالت: \" انزل فاقض ذمام (١٣٢٤) القوم، ودفعت إليه كبشا، فذبحه\n_________\n(١٣١٩) \" الطبقات \" (٨/٣١١)، وصححه الحافظ في \" الإصابة\" (٨/٢٢٩) .\n(١٣٢٠) \" صفة الصفوة\" (٣/١٩٠) .\n(١٣٢١) المسحُ: الفراش.\n(١٣٢٢) يعني ترتقب قدوم ولدها.\n(١٣٢٣) يعني أنها تفرست وحدثت نفسها بوقوع مكروه لولدها لما رأت غيره راكبا بعيره.\n(١٣٢٤) الذمام: الحرمة، والحرمة ما لا يحل انتهاكه، والمقصود هنا أنها قالت له في أشد =","vol":"2","page":548},{"text":"وأصلحه، وقرب إلينا الطعام فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: \" يا هؤلاء هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئًا؟ \" قلت: \" نعم \"، قالت: \" اقرأ علي من كتاب الله آيات أتعزى بها \"، قلت: \" يقول الله ﷿ في كتابه: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) قالت: \" آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ \" قلت: \" آلله إنها لفي كتاب الله هكذا \"، قالت: \" السلام عليكم \"، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: \" إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلًا \"، تقول ذلك ثلاثا، \" اللهم إني فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني \"] (١٣٢٥) .\nولما مات عبد الله بن الفرج لم تُعْلِم زوجته لإخوانه بموته، وهم جلوس بالباب ينتظرون الدخول عليه في علته، فغسلته، وكفنته في كساء كان له، فأخذت فرد باب من أبواب بيته، وجعلته فوقه، وشدته بشريط، ثم قالت لإخوانه: \" قد مات، وقد فرغت من جهازه \"، فدخلوا، فاحتملوه إلى قبره، وأغلقت الباب خلفهم (١٣٢٦) .\nوقد مر بك نبأ صفية بنت عبد المطلب الهاشمية ﵂، وهي عمة النبي ﷺ، وشقيقة أسد الله حمزة، وأم حواري رسول الله ﷺ الزبير بن العوام، والعوام زوجها هو أخو سيدة النساء خديجة بنت خويلد ﵂، وأمها من بني زُهرة وهي هالة بنت وهب خالةُ رسول الله\n_________\n= وقت وأصعبه عليها: اقض حق ضيافة القوم.\n(١٣٢٥) \" المنحة المحمدية \" للشيخ محمد عبد السلام الشقيري ﵀ ص (٢٠٨-٢٠٩) .\n(١٣٢٦) \" الغرباء \" للآجري ص (٦٧) .","vol":"2","page":549},{"text":"ﷺ، وهي من المهاجرات الأوَل، وكانت قد خرجت يوم أحد في طليعة النسوة اللواتي خرجن لخدمة المجاهدين، ومداواة الجرحى.\nﷺ ولما انهزم المسلمون بعد أن خالف الرماة أمر رسول الله ﷺ بالثبات سواء كان النصرُ أم كانت الأخرى، وانفض أكثر الناس عن رسول الله ﷺ، ولم يبق حوله سوى القلائل من أصحابه، قامت \" صفية \" ﵂ وبيدها رمح تضرب به في وجوه الناس الفارين المنهزمين، والأعداء المشركين، وتقول لهم: \" انهزمتم عن رسول الله!! \"، فلما رآها رسول الله ﷺ أشفق عليها فقال لابنها \" الزبير بن العوام \": \" القَها فَأرجِعْها، لا ترى ما بشقيقها \" أي حمزة بن عبد المطلب ﵁ فلقيها \" الزبير \" فقال:\n- \" يا أمَّه، إن رسول الله ﷺ لا يأمرك أن ترجعي ... \".\nفقالت صفية: \" ولم؟ فقد بلغني أنه مُثِّل بأخي، وذلك في الله ﷿ قليل، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله تعالى \".\nوعاد الزبير إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فقال ﷺ: \" خل سبيلها \"، فأتت \" صفية \" \" الحمزة \" فنظرت إليه، وصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت، ثم أمر رسول الله ﷺ فدُفِن (١٣٢٧) .\nولما خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق جعل نساءه في أطُم (١٣٢٨) يقال له فارع، ويُروى عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: \" كان النبي ﷺ إذا خرج لقتال عَدُوه رفع نساءه في أطم حَسان ﵁ لأنه كان من أحصن الآطام) إلى أن قال: (فجاء يهودي فلصق\n_________\n(١٣٢٧) تقدم برقم (٤٣٧) .\n(١٣٢٨) الأطم: كل حصن مبني بحجارة.","vol":"2","page":550},{"text":"بالأطم ليسمع، قالت صفية: \" فأخذت عمودًا فنزلت إليه حتى فتحت الباب قليلًا قليلًا، فحملت عليه فضربته بالعمود فقتلته \" (١٣٢٩) .\nوفي رواية ابن إسحاق زيادة: (وهي أول امرأة قتلت رجلًا من المشركين) .\nوفي رواية: (... فجاء إنسان من اليهود فرقي في الحصن، حتى أطل عليهن، قالت صفية بنت عبد المطلب: \" فقمت إليه، فضربتُه حتى قطعتُ رأسه، فأخذتُ رأسه فرميتُ به عليهم \" (١٣٣٠» .\nفي طريق عودة النبي ﷺ من غزوة أحد إلى المدينة خرج الناس من المدينة للاستفسار عن نبيهم ﷺ وذويهم المشتركين في المعركة، ويُروى أنه كانت من بينهم امرأة من بني دينار قتل يوم أحُد أبوها وزوجها وأخوها وابنها، فلما نُعوا لها لم تكترث كثيرا، فقد أنساها قلقها على حياة رسول الله ﷺ كل أحد، ولهذا فإنها قالت بعد أن نُعِي لها أبوها وابنها وأخوها وزوجها: \" ما فعل رسول الله ﷺ؟ \" قالوا: \" خيرًا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين \"، قالت: \" أرونيه حتى أنظر إليه \"، فلما رأته سالمًا قالت- مشيرة إلى مصيبتها بفقد أبيها وزوجها وابنها وأخيها-: \" كل مصيبة بعدك جلل \" (١٣٣١) .\nوفي رواية أن الدينارية هذه جاءت إلى مصارع القوم في المعركة فمرت\n_________\n(١٣٢٩) رواه بنحوه ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/٢٧)، والحاكم (٤/٥١)، وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: (عروة لم يدرك صفية)، وأورده الهيثمي في \" المجمع\" (٦/١٣٤)، وقال: رواه الطبراني ورجاله إلى عروة رجال الصحيح، ولكنه مرسل.\n(١٣٣٠) انظر: \" الإصابة\" (٧/٧٤٤) .\n(١٣٣١) تريد صغيرة، قال ابن هشام: (الجلل يكون من القليل ومن الكثير) اهـ.","vol":"2","page":551},{"text":"بأبيها وابنها وأخيها وزوجها صرعى، وكلما سألت عن واحد وقالت: \" من هذا؟ \"، قيل لها: \" هذا أبوك، وابنك، وزوجك، وأخوك \"، فلم تكترث، بل صارت تقول: \" ما فعل رسول الله؟ \"، فيقولون: \" أمامك \"، حتى جاءته وأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: \" بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب \" (١٣٣٢) .\nوقبل أن يدخل الرسول ﷺ المدينة جاءت أم سعد بن معاذ سيد الأنصار ﵁ تعدو نحو رسول الله ﷺ وهو على فرسه وسعد آخذ بلجامها، فقال سعد: \" يا رسول الله.. أمي \"، فقال: \" مرحبًا بها \"، فوقف لها، فلما دنت من رسول الله ﷺ عزَّاها بابنها عمرو بن معاذ - وقد اسشهد في غزوة أحد وله اثنتان وثلاثون سنة- فقالت: \" أما إذا رأيتك سالمًا، فقد اشتويْت المصيبة \" - أي استقللتها -، ثم دعا رسول الله ﷺ لأهل من قتل بأحد، وقال لأم سعد: \" يا أم سعد أبشري، وبشري أهلهم أن قتلاهها ترافقوا في الجنة جميعا، وقد شفعوا في أهلهم جميعًا \"، قالت: \" رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول الله ادع لمن خلفوا منهم \"، فقال ﷺ: \" اللهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا \" (١٣٣٣) .\nوهذه أم عُمَارة نَسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف الصحابية (الفاضلة المجاهدة الأنصارية الخزرجية، كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين، وكان أخوها عبد الرحمن من البكَائين. شهدت أم عُمارة ليلة العقبة، وشهدت احُدًا، والحديبية، ويوم حُنين، ويوم اليمامة، وجاهدت، وفعلت الأفاعيل، وقُطِعت يدُها في الجهاد.\n_________\n(١٣٣٢) \" السيرة الحلبية \" (٢/٤٤) .\n(١٣٣٣) \" السابق\" (٢/٤٧) .","vol":"2","page":552},{"text":"قال الواقدي: شهدت أحدا، مع زوجها غَزِيَّة بن عَمرو، ومع وَلَدَيها.\nوكانت قد خرجت في جيش المسلمين تسقي الظماء، وتأسو الجرحى، وقاتلت، وأبلت بلاءً حسنًا.\nوكان ضَمْرَةُ بن سعيد المازني يحدث عن جَدته، وكانت قد شهدت أحُدًا، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" لَمُقَامُ نسيبة بنت كعب اليوم خير من مُقام فلان وفلان \" (١٣٣٤) .\nوكانت غرة الحرب وطلعتها للمسلمين، ثم أشاحت بوجهها عنهم، فتناولتهم سيوف المشركين، تنهل من نحورهم، وتطعن في ظهورهم، فانكشفوا وولوا مدبرين، إلا عشرة أو نحوهم، وقفوا يدرأون عن رسول الله ﷺ، ويحولون دون الوصول إليه.\nهنالك جاء دور نسيبة، فانتضت سيفها، واحتملت قوسها، وذهبت تصول وتجول بين يدي رسول الله ﷺ: تنزع عن القوس، وتضرب بالسيف، وحولها من الغر المذاويد علي وأبو بكر وعمر وسعد وطلحة والزبير والعباس، وولداها وزوجها، فكانت من أظهر القوم أثرا وأعظمهم موقفا.\nوكانت لا ترى الخطر يدنو من رسول الله ﷺ حتى تكون سداده وملء لهوته حتى قال ﷺ: \" ما التفت يمينًا ولا شمالًا إلا وأنا أراها تقاتل دوني \" (١٣٣٥) .\nوعن عمارة بن غزية قال: قالت أم عُمارة: (رأيتُني، وانكشف\n_________\n(١٣٣٤) \" الطبقات\" (٨/٣٠٢)، و\" سير أعلام النبلاء\" (٢/٢٧٨ -٢٧٩) .\n(١٣٣٥) \" الطبقات\" (٨/٣٠٣) .","vol":"2","page":553},{"text":"الناس عن رسول الله ﷺ، فما بقى إلا في نُفَيْر ما يُتِمُّون عشرة؛ وأنا وابناي وزوجي بين يديه نَدب عنه، والناس يمرون به منهزمين، ورآني ولا ترسَ معي، فرأى رجلًا موليًا ومعه ترس، فقال: ألقِ ترسك إلى من يقاتل، فألقاه، فأخذته، فجعلت أترس به عن رسول الله ﷺ، وإنما فعل بنا الأفاعيلَ أصحاب الخيل؛ لو كانوا رَجالةً مثلَنا أصبناهم، إن شاء الله.\nفيُقبل رجل على فرس، فيضربني، وترستُ له، فلم يصنع شيئًا، وولَّى؛ فأضرب عُرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي ﷺ يصيح: \" يا ابن أم عمارة، أمَكَ! أمك! قالت: فعاونني عليه، حتى أوردتُه شَعوب) (١٣٣٦) .\nومما حدث ابنها عمارة قال:\n(جُرحْتُ يومئذ جرحًا في عضدي اليسرى، ضربني رجل كأنه الرَّقل (١٣٣٧)، ومضى عني، ولم يُعَرّج علىَّ، وجعل الدم لا يرقأ، فقال رسول الله ﷺ: \" اعصب جرحك \"، فأقبلت أمي إلي، ومعها عصائب في حَقْوَيْها، قد أعدَّتها للجراح، فربطت جرحي، والنبي واقف ينظر إليَّ، قالت: \" انهض بُنَيَّ فضارِب القوم \"، فجعل النبي ﷺ يقول: \" ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ \" قالت: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني، فقال رسول الله ﷺ: \"ضارب ابنك \"، قالت: \" فاعترضتُ له فضربتُ ساقه، فبرك\"، قالت: \" فرأيت رسول الله ﷺ يتبسمُ حتى رأيت نواجذه \"، وقال: \" استقدتِ يا أم عمارة \"، ثم أقبلنا نَعُلَّه (١٣٣٨) بالسلاح حتى أتينا على نفسه، فقال النبي ﷺ: \" الحمد لله الذي ظفَّرك،\n_________\n(١٣٣٦) \" الطبقات \" (٨/٣٠٢)، وشَعوب: من أسماء المنية.\n(١٣٣٧) الرقل: جمع رقلة، وهي النخلة العالية.\n(١٣٣٨) عَلَّ الضاربُ المضروبَ: تابع عليه الضرب.","vol":"2","page":554},{"text":"وأقرَّ عينك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك \".\nوأصيبت نسيبة في هذا اليوم بثلانة عشر جرحًا، واحد منها غار في عاتقها فنزف الدم منه (١٣٣٩)، وهي رغم ذلك كالصاعقة الساحقة، تضرب في نحور العدو، وترتمي بين صفوفهم، غير آبهة ولا دارية بالدم الناعر من جسمها، فقال رسول الله ﷺ: \" أمّك أمك، اعصب جرحها، بارك الله عليكم من أهل بيت، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان \"، فلما سَمِعَتْ أمُه قالت: \" ادع الله أن نرافقك في الجنة\"، فقال: \" اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة \"، فقالت: \" ما أبالي ما أصابني في الدنيا \" (١٣٤٠» .\nوولدها حبيب بن زيد بن عاصم هو الذي أخذه مسيلمة الكذاب، فقطًّع أعضاءه عضوًا عضوًا ليرتد عن دينه، حتى مات تحت العذاب، وهو ثابت على دينه (١٣٤١) .. وبلغها مقتله، فاحتسبته عند الله، وأقسمت أن تقاتل مسيلمة حتى يقتل أو تقتل، فذهبت إلى اليمامة، واشتركت في الموقعة\n_________\n(١٣٣٩) ولقد ظلت تداوي هذا الجرح سنة، وحين نادى منادي رسول الله ﷺ: \" إلى حمراء الأسد \"، بعد انتهاء غزوة أحد بساعات شدت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم، ﵂ ورحمها- انظر: \" الطبقات\" لابن سعد (٨/٣٠٢) .\n(١٣٤٠) \" الطبقات \" لابن سعد (٨/٣٠٢-٣٠٣) .\n(١٣١٤) وقصة ذلك: أن مسيلمة لعنه الله وجد فرصة على حبيب فقال له: \" هل تشهد أني رسول الله \"؟ فقال حبيب: \" لا أسمع \"، فقال مسيلمة: \" أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ \"، فقال حبيب: \" نعم \"، فأمر مسيلمة بقتل حبيب كما في \" الحلية \" (١/٣٥٦)، فكان رجاله يقطعون جسمه عضوا عضوا، وفي كل مرة يعرضون عليه نفس السؤالين، فكان ﵁ يجيب السؤال الأول بالصمم، والثاني بنعم، وكأنه ﵁ كان يتمثل قول الشاعر:\nأصَمُّ عن الشيء الذي لا أريده ... وأسمع خلقِ الله حين أريد","vol":"2","page":555},{"text":"التي قتل فيها مسيلمة، وأبلت بلاء حسنًا -وكانت قد أصبحت مسنة- حتى قطعت يدها وهي تحاول قتل مسيلمة، وجُرِحت سوى يدها أحدَ عَشر جرحًا، ثم عادت من المعركة بيد واحدة، والدم ينزف، وكان أبو بكر ﵁ وهو خليفة يأتيها يسأل عنها، واستمر جرحها ينزف دمًا حتى فارقت الحياة، وأدركتها الوفاة ﵂) (١٣٤٢) .\n[بعد الانسحاب الرائع لخالد بن الوليد من سرية مؤتة والذي أنقذ به جيشه من فناء محقق، لم يكد خالد بن الوليد ﵁ يعود بجيشه، إلى ضواحي المدينة بـ (الجرف) حتى اصطدم بأهل المدينة يصيحون بالجيش: \" يا فرار يا فرار، فررتم في سبيل الله \"، ويحثون في وجوههم التراب، والرسول ﷺ يقول: \" ليسوا بفرَّار، ولكنهم كُرَّار إن شاء الله\".\nورغم ذلك ظل أهل المدينة حانقين على الجيش يؤنبون كل من لاقوه من أفراده حتى المرأة كانت لا تفتح الباب لزوجها منهم، وتذكره بأنه من الذين فروا؛ وفضلوا الحياة على الاستشهاد في سبيل الله:\nفقد روي عن أبي بكر بن عبد الله بن عتبة أنه كان يقول: (ما لقي جيش بعثوا معنا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة، لقيهم أهل المدينة بالشر، حتى إن الرجل لينصرف إلى بيته وأهله، فيدق عليهم الباب، فيأبون أن يفتحوا له، يقولون: \" ألا تقدمت مع أصحابك؟ \") يعنى الذين استشهدوا] (١٣٤٣) .\nوفي وقعة اليرموك حرض أبو سفيان ﵁ النساء، فقال: \" من رأيتنه فارًّا فاضرِبْنه بهذه الأحجار والعصي حتى يرجع \" (١٣٤٤)،\n_________\n(١٣٤٢) \" الطبقات\" (٨/٣٠٤)، و\" سير أعلام النبلاء \" (٢/٢٨١) .\n(١٣٤٣) انظر: \" البداية والنهاية \" (٤/ ٢٤١)، و\"غزوة مؤتة\" لمحمد أحمد باشميل ص (٣٣٠ - ٣٣١) .\n(١٣٤٤) \" البداية والنهاية \" (٧/١١) .","vol":"2","page":556},{"text":"وحمل المسلمون على الروم حملة منكرة، ودارت بينهم الحرب كما تدور الرحى، وتكاثرت جموع الروم على ميمنة المسلمين، فعادت الخيل تنكص بأذنابها راجعة على أعقابها منكشفة كانكشاف الغنم بين يدي الأسد، ونظرت النساء خيل المسلمين راجعة على أعقابها، فنادت النساء: \" يا بنات العرب! دونكن والرجال، ردوهم من الهزيمة حتى يعودوا إلى الحرب \"، قالت سعيدة بنت عاصم الخولاني: (كنت في جملة النساء يومئذ على التل، فلما انكشفت ميمنة المسلمين صاحت بنا عقيرة بنت غفار، وكانت من المترجلات الباذلات، ونادت: \" يا نساء العرب! دونكن والرجال، واحملن أولادكن على أيديكن، واستقبلنهن بالتحريض \"، فأقبلت النسوة، واستقبلن من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة، ويرجمن وجوه الخيل بالحجارة، وجعلت ابنة العاص بن منبه تنادي: \" قَبح الله وجه رجل يفر عن حليلته \"، وجعلت النساء يقلن لأزواجهن: \" لستم لنا ببعولة إن لم تمنعوا عنا هؤلاء الأعلاج \" (١٣٤٥)، وكانت خولة تقول هذه الأبيات:\nيا هاربًا عن نسوة ثقاتْ ... لها حمال ولها ثباتْ\nتُسلِمُوهُن إلى الهَنات ... تَمْلِكُ نواصِينَا مع البنات\nأعلاج سوء فسق عتاة ... ينلن منا أعظم الشتات\nقال ابن جرير: (وقد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم، وقتلوا خلقًا كثيرا من الروم، وكن يضربن من انهزم من المسلمين، ويقلن: \" أين تذهبون وتَدَعوننا للعلوج؟ فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى\n_________\n(١٣٤٥) (قال منهال: فقد كانت النساء أشد علينا غلظة من الروم) اهـ. من \" فتوح الشام \" للواقدي (١/١٢٩)، وانظر \" البداية والنهاية\" (٧/١١) .\nوالأعلاج: جمع عِلْج: وهو الرجل من كفار العجم.","vol":"2","page":557},{"text":"القتال) (١٣٤٦) اهـ. ورجعت الفرسان تحرض الفرسان على القتال، فرجع المنهزمون رجعة عظيمة، عندما سمعوا تحريض النساء، وخرجت هند ابنة عتبة، وبيدها مزهر، ومن خلفها نساء من المهاجرين، وهي تقول الشعر الذي قالته يوم أحد:\nنحن بنات طارق ... نمشي على النمارق\nمشي القطا الموافق ... قيدي مع المرافق\nومن أبى نفارق ... إن تغْلبُوا نعانق\nأو تدبروا نفارق ... فراق غير واثق\nهل من كريم عاشق ... يحمي عن العواتق\nثم استقبلت خيل ميمنة المسلمين، فرأتهم منهزمين، فصاحت بهم: \" إلى أين تهزمون؟ وإلى أين تفرون؟ من الله ومن جنته؟ هو مطلع عليكم \"، ونظرت إلى زوجها أبي سفيان منهزمًا، فضربت وجه حصانه بعمودها، وقالت له: \" إلى أين يا ابن صخر؟ ارجع إلى القتال، ابذل مهجتك حتى تُمَحصَ ما سلف من تحريضك على رسول الله ﷺ \"، قال الزبير بن العوام: فلما سمعت كلام هند لأبي سفيان، ذكرت يوم أحد ونحن بين يدي رسول الله ﷺ، قال: فعطف أبو سفيان عندما سمع كلام هند، وعطف المسلمون معه، ونظرت إلى النساء وقد حملن معهم، وقد رأيتهن يسابقن الرجال، وبأيديهن العمد بين أجل الخل (١٣٤٧)، ولقد رأيت منهن امرأة وقد أقبلت على علج عظيم وهو على فرسه، فتعلقت به، وما زالت به حتى نكبته عن جواده، وقتلته، وهى تقول: \" هذا بيان نصر الله للمسلمين \" \" وفي هذه الموقعة قتلت أسماء بنت يزيد بن السكن بعمود خبائها\n_________\n(١٣٤٦) \" البداية والنهاية\" (٧/١٣) .\n(١٣٤٧) كذا بالأصل!","vol":"2","page":558},{"text":"تسعة من الروم \" (١٣٤٨)، قال الزبير بن العوام ﵁: \" وحمل المسلمون حملة منكرة لا يريدون غير رضا الله ورسوله ﷺ \" فانكسر الروم) (١٣٤٩) .\nويُروى أنه لما أسر ضرار بن الأزور في وقعة أجنادين سار خالد بن الوليد في طليعة من جنده لاستنقاذه، فبينا هو في الطريق، مَرَّ به فارس معتقل رمحه، لا يبين منه إلا الحَدق، وهو يقذف بنفسه، ولا يلوي على ما وراءه، فلما نظر خالد قال: \" ليت شعري من هذا الفارس؟ وأيم الله إنه لفارس \"، ثم اتبعه خالد والناس من ورائه، حتى أدرك جند الروم، فحمل عليهم\"، أمعن بين صفوفهم، وصاح بين جوانبهم، حتى زعزع كتائبهم، وحطم مواكبهم، فلم تكن غير جولة جائل، حتى خرج وسنانه ملطخ بالدماء، وقد قتل رجالا، وجندل أبطالًا، ثم عرض نفسه للموت ثانية، فاخترق صفوف القوم غير مكترث، وخامر المسلمين من القلق والإشفاق عليه شيء كثير، وظنه أناس خالدًا، حتى إذا قدم خالد قال له رافع بن عميرة: \" من الفارس الذي تقدم أمامك؟ فلقد بذل نفسه ومهجته \"، فقال خالد: والله لأنا أشد إنكارًا وإعجابًا لما ظهر من خلاله وشمائله، وبينا القوم في حديثهم، خرج الفارس كأنه الشهاب الثاقب، والخيل تعدو في أثره، وكلما اقترب أحد منه ألوى عليه، فأنهل رمحه من صدره، حتى قدم على المسلمين، فأحاطوا به وناشدوه كشف اسمه، ورفع لثامه، وناشده ذلك خالد، وهو أمير القوم وقائدهم، فلم يحر جوابًا، فلما أكثر خالد أجابه وهو ملثم فقال: \" أيها الأمير إني لم أعرض عنك إلا حياءً منك، لأنك أمير جليل، وأنا من ذوات الخدور، وبنات الستور، وإنما\n_________\n(١٣٤٨) \" سير أعلام النبلاء\" (٢/٢٩٧) .\n(١٣٤٩) \"فتوح الشام\" (١/١٢٧ - ١٢٨) .","vol":"2","page":559},{"text":"حملني على ذلك أني مُحْرَقَةُ الكبد، زائدة الكمد \"، فقال خالد: \" من أنت؟ \"، قالت: \" أنا خَوْلَةُ بنت الأزور، كنت مع نساء قومي، فأتاني آت بأن أخي أسير، فركبتُ، وفعلتُ ما رأيتَ \"، هنالك صاح خالد في جنده، فحملوا، وحملت معهم خولة، وعظم على الروم ما نزل بهم منها، فانقلبوا على أعقابهم، وكانت تجول في كل مكان علها تعرف أين ذهب القوم بأخيها، فلم تر له أثرًا، ولا وقفت له على خبر، على أنها لم تزل على جهادها، حتى استنقذ لها أخوها.\nومن مواقفها الرائعة، موقفها يوم أسر النساء في موقعة \" صحورا \"، (فقد وقفت في النساء، وكانت قد أسرت معهن، فأخذت تثير نخوتهن، وتضرم نار الحمية في قلوبهن، ولم يكن من السلاح شيء معهن، فقالت: \" خذن أعمدة الخيام، وأوتاد الأطناب، ونحمل على هؤلاء اللئام، فلعل الله ينصرنا عليهم \"، فقالت عفراء بنت عَفَار: \" والله ما دعوتِ إلى ما هو أحب إلينا مما ذكرتِ \"، ثم تناولت كل واحدة عمودًا من عمد الخيام، وصِحنَ صيحة واحدة، وألقت خَوْلَةُ على عاتقها عمودها، وتتابع النساء وراءها، فقالت لهن خولة: \" لا ينفك بعضكن عن بعض، وكُنَّ كالحلقة الدائرة، ولا تتفرقن فتُمْلكْنَ، فيقع بكن التشتيت، واحطمن رماح القوم، واكسرن سيوفهم \"، وهجمت خولة، وهجم النساء وراءها، وقاتلت بهن قتال المستيئس المستميت، حتى استنقذتهن من أيدي الروم، وخرجت وهي تقول:\nنحن بنات تُبَّعٍ وحِمْيَر ... وضربنا في القوم ليس يُنْكَر\nلأننا في الحرب نار تسعر ... اليوم تُسْقَوْن العذاب الأكبر) (١٣٥٠)\n_________\n(١٣٥٠) \" السابق \" (١/٢٨-٢٩) .","vol":"2","page":560},{"text":"وبعد:\nفهؤلاء هن أمهاتنا الأوليات، كواكب السحَر في سماء العظائم، وأروع الغُرَرَ في جبين العزائم، وذلك شيء من حديث جهادهن، لا يَدَع لقائل قيلًا، ولا لِمُفْتَخِرٍ سبيلًا، يشهد بسر من أسرار القوة العظيمة، التي جعلت من العرب الأميين خير أمةٍ أخرجت للناس، إنها النفوس التي صاغها الله برحمته، ورواها من حكمته، واصطنعها لتربية جنده، هيَأها لتزكية خَلْقه:\nسَلَامٌ عَلى تِلْك الخَلائِقِ إنَّها مُسَلًمَة ... مِنْ كُل عارٍ ومَأثَم\nوهذا موقف من مواقف الإيمان، وقد خالطت بشاشته قلب امرأة رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا، حكاه عن الماضي القريب الأستاذ عبد الله بن عفيفي الباجوري ﵀:\n(في أصيل يوم من صيف سنة ١٩١٤ كنت واقفًا في جمهور الواقفين في محطة طنطا، أترقب القطار القادم من الإسكندرية لأتخذه إلى القاهرة. لقد كان كل في شُغل بتلك الدقائق المعدودات يقضيها في توديع وإشفاق، وترقب وانتظار، وحمل متاع وتنسيق آخر، وكنت في شغُل بصديق يجاذبنى حديثا شيقًا ممتعا.\nفي تلك اللحظات الفانيهَ، وبين ذلك الجمع المحتشد، راعَ الناسَ صياح وإعوال، وتهدج واضطراب، ومشادة ومدافعة، ثم أبصروا فإذا فتاة في السابعة عشرة من سنيها، يقودها إلى موقف القطار شرطي عات شديد، وساعٍ من سعاة معتمدي الدول قوي عتيد، ومن خلفها شيخ أوروبي جاوز الستين مكتئب مهزول، وهى تدافع الرجلين حولها بيدين لا حول لهما.","vol":"2","page":561},{"text":"أقبل القطار ثم وقف! فكاد كل ينسى بِذلك الموقف موقفه وما قصد له، ثم أصعدت الفتاة، وصعد معها من حولها، وعجلت أنا وصاحبي فأخذنا مقاعدنا حيث أخذوا مقاعدهم، كل ذلك والفتاة على حال من الحزن والكرب لا يَجْملُ معها الصبر، ولا يُحْمدُ دونها الصمت، سألت الشيخ: \" ما خطبه؟ وما أمر الفتاة؟ \"، فقال وقد أشرقه الدمع، وقطع صوته الأسى:\n\" إنني رجل أسباني، وتلك ابنتي، عرض لها منذ حين ما لم أعلمه، فصحوت ذات صباح على صوتها تصلي صلاة المرأة المسلمة، ومنذ ذلك اليوم احتَجَزَتْ ثيابها لتتولى أمر غسلها، وأرسلت خمارها الأبيض على صفحتي وجهها، ومكشوف صدرها، ثم أخذت تُنْفِدُ وقتها في صلاة وصيام، وسجود وهجود، وكانت تُدْعَى \" روز \"، فأبت إلا أن تسمى \" فاطمة \"، ما لبثت أن تبعتها أختها الصغرى، فصارت أشبه بها من القطرة بالقطرة، والزهرة بالزهرة.\nفزعت لهول ذلك الأمر، وقصدتُ أحد أساقفتنا، فأخذ يعاني رياضتها فلم يجد إلا شِماسا وامتناعًا، وعَزَت على الرجل خيبته، فكتب إلى معتمد الدولة الأسبانية، بأمر الأسرة الخارجة على دينها، وهنالك آمر المعتمد حكومة مصر فساقت إليه الفتاة كما ترى برغمها ورغم ذويها ليقذف بها بين جوانب دير تسترد فيه دينها القديم! \".. .\nقلت: \" أوَ أرضاك أن تساق ابنتك سوق الآثمات المجرمات على غير إثم ولا جريمة؟ \".\nفزفر الرجل زفرة كاد يتصدَّع لها قلبه وأحناء ضلوعه، ثم قال: \" أما لقد خُدعتُ ودُهِمْتُ، وغلب أمر الحكومتين أمري فما عساني أفعل؟ \".\nعلى أثر ذلك انثنيت إلى الفتاة وهى تعالج من أهوال الحزن وأثقاله","vol":"2","page":562},{"text":"ما تخشع الراسيات دون احتماله، فقلت: \" ما بالك يا فاطمة؟ \"- وكأنها أنِسَتْ منى ما لم تأنسه ممن حولها- فأجابتني بصوت يتعثر من الضنى: (لنا جيرة مسلمون، أغدو إليهم فأستمع أمر دينهم، حتى إذا أخذني النوم ذات ليلة رأيت النبي محمدًا ﷺ في هالة من النور يخطف سناها الأبصار، يقول وهو يلوح إلي بيده: \" اقتربي يا فاطمة \")، ولو أنك أبصرتها، وهي تنطق باسم النبي محمد ﷺ لرأيت رعْدَة تتمشى بين أعطافها وأطرافها حتى تنتهي إلي أسنانها فتخالف بينها، وإلى لسانِها فتعقله، وإلى وجهها فتحيل لونه، فلم تكد تستتم جملتها حتى أخذتها رجفة فهوت على مقعدها كأنها بناء منتقض!\nإلى ذلك الحد غشي الناس ما غشيهم من الحزن، وأبصرت بشيخ يتمشى في ردهة القطار فطلبت إليه أن يؤذن في أذنها، فلما انتهى إلى قوله: \" أشهد أن محمدًا رسول الله \" تنفست الصُّعداء، وأمعنت في البكاء، وعاودتها سيرتها الأولى، فلما أفاقت قلت لها: \" ومم تخافين وتفزعين؟ \"، قالت: \" إنه سيؤمر بي إلى دير.. حيث ينهلون من السياط دمي، ولست من ذلك أخاف، إلا إن أخوف ما أخاف يومئذ أن يحال بيني وبين صلاتي ونسكي! \"، قلت لها: \" يا فاطمة أولا أدلك على خير من ذلك؟ \"، قالت: \" أجل\"، قلت: \" إن حكم الإسلام على القلوب، فما عليك لو أقررت بين يدي المعتمد بدينك القديم، وأودعت الإسلام بين شغاف قلبك، حتى لا يفوتك أن تقيمي شعائره حيث تشائين؟ \"، هنالك نظرت إليَّ نظرة تضاءلتُ دونها حتى خفيتُ على نفسي، ثم قالت:\" دون ذلك حَزُّ الأعناق وتفصيل المفاصل! دعني! فإنني إن أطعت نفسي، عصاني لساني \"، وكان ضلالًا ما توسلت به أنا وأبوها ومَن حولها.\nكان ذلك حتى أوفينا على القاهرة فحيل دونها، لم أعلم بعد ذلك","vol":"2","page":563},{"text":"شيئًا من أمر فاطمة لأني لم أستطع أن أعلم، رحمة الله وبركاته عليك يا فاطمة، فما أنت أولى شهيدات الرأي الحر، والإيمان الوثيق) (١٣٥١) .\n_________\n(١٣٥١) \" المرأة العربية \" (٢/٨-١١) .","vol":"2","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>[الفصل السادس]\nالمرأة عالِمةً</span>\nيقولون- وكأنهم أدلَوْا بالجديد من الحجة والعلم-: \" إن المرأة نصف المجتمع \" يتخذونها وسيلة تسوغ هم كل مأرب في المرأة! ولكننا نعلم أن الإسلام قد أولى المرأة غاية الأهمية والعناية لا باعتبار أنها نصف المجتمع، بل إنها أكثر من نصف المجتمع، إنها صانعة المجتمع، فيجب أن تحوز تلك العناية كي تكون على مستوًى يجعلها تصوغ لَبِناتِ المجتمع على أكمل وجه.\n- لقد كان أول ما نزل من الوحي قوله تعالى لنبيه ﷺ: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم) العَلَق (١- ٥)، فدل ذلك على مكانة العلم وشرفه في الإسلام.\n- وقال ﷿: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر (٩) .\n- وقال ﷾: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة) التحريم (٦) .\nجاء عن عَليّ ﵁ في تفسيرها: \" أدبوهم، وعَلموهم \"، وروى عنه الحاكم وابن المنذر قوله في تفسيرها: \" عَلِّموا أنفسَكم، وأهليكم الخير، وأدبوهم \".","vol":"2","page":565},{"text":"قال الألوسي ﵀: (واستُدل بها على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض وتعليمه لهؤلاء، وأدخل بعضهم الأولاد في الأنفس لأن الولد بَعْضٌ من أبيه) .\n- وقال ﷿ مخاطبًا أمهات المؤمنين ﵅: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) الأحزاب (٣٤) .\n- وقال ﷺ: \" طلب العلم فريضة على كل مسلم \" (١٣٥٢) .\nقال الحافظ السخاوي: (قد ألحق بعض المصنفين بآخر هذا الحديث: \" ومسلمة \" وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كان معناها صحيحًا) (١٣٥٣) اهـ.\nمن هنا قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى:\n(ويجب عليهن- أي النساء- النفار للتفقه في الدين، كوجوبه على الرجال، وفرض عليهن كلهن معرفة أحكام الطهارة والصلاة والصيام، وما يحل، وما يحرم: من المآكل، والمشارب، والملابس كالرجال، ولا فرق، وأن يعلمن الأقوال والأعمال: إما بأنفسهن، وأما بالإباحة لهم لقاء من\n_________\n(١٣٥٢) (رواه ابن عدي والبيهقي عن أنس، والطبراني في \" الكبير\" عن ابن مسعود، وفي \" الأوسط \" عن ابن عباس، وفيه أيضا وكذا البيهقي عن أبي سعيد، وتمام في فوائده عن ابن عمر، والخطيب في \" تاريخه عن علي \") اهـ، وقال الحافظ العراقي﵀-: (قد صحح بعض الأئمة طرقه)، وقال - المزي: (هذا الحديث روي من طرق تبلغ رتبة الحسن)، وقال السيوطي في \" التعليقة المنيفة\": (وعندي أنه بلغ رتبة الصحيح، لأني رأيت له نحو خمسين طريقا، وقد جمعها في جزء) اهـ، انظر: \" تخريج أحاديث إحياء علوم الدين \" (١/٥٥ - ٥٧)، \" تخريج أحاديث مشكلة الفقر \" رقم (٨٦) .\n(١٣٥٣) \" المقاصد الحسنة \" ص (٢٧٧) .","vol":"2","page":566},{"text":"يعلمهن، وفرضٌ على الإمام أن يأخذ الناس بذلك) (١٣٥٤) اهـ.\nوعن أبي موسى الأشعري﵁- قال رسول الله ﷺ: \" أيما رجل كانت عنده وليدة، فعلمها، فأحسن تعليمها، وأدَّبها، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران \" (١٣٥٥) .\nفقرن ﷺ ثواب العتق من رِق العبودية بثواب العتق من رق الجهل بفرائض الله ﷿، وسنن رسوله ﷺ.\nوقد أحست المرأة نتيجة لهذا الحث بحاجتها إلى العلم، فذهبت إلى النبي ﷺ تطلب منه مجلسًا خاصًا بالنساء، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: \" يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله \"، فقال ﷺ: \" اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا \"، فاجتمعن، فأتاهن، فعلمهن مما علمه الله) (١٣٥٦) .\nلقد بلغ حرص النساء المسلمات على العلم غايته حتى تطلبن المجالس الخاصة بهن للتعليم مع أنهن يستمعن في المسجد لتعليمه ومواعظه ﷺ.\nكذلك نجد النبي ﷺ يسن للنساء سنة مؤكدة، ألا وهي: شهود مجامع الخير يتزودن منها:\nفعن عطية الأنصارية ﵂ قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ\n_________\n(١٣٥٤) عزاه في\" الأسرة في ضوء الكتاب والسنة\" ص (٢٨) إلى: \" الأحكام\" لابن حزم (١/٤١٣)، ووقفت عليه بمعناه في طبعة زكريا علي يوسف (١/٣٢٥) .\n(١٣٥٥) تقدم تخريجه برقم (٩٠٢) .\n(١٣٥٥) أخرجه البخاري (١/١٧٥) في العلم: باب هل يجعل للنساء يومًا على حدة في العلم، وفي الجنائز، وفي الاعتصام، ومسلم رقم (٢٦٣٣) في البر والصلة: باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه.","vol":"2","page":567},{"text":"أن نخرجهن في الفطر: والأضحى: العواتق (١٣٥٧) والحُيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين.. قلت: \" يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ \" قال: \" لتلبسها أختها من جلبابها \") (١٣٥٨) .\n- وجاء في \" فتوح البلدان \" للبلاذري أن أم المؤمنين حفصة بنت عمر ابن الخطاب ﵄ كانت تتعلم الكتابة في الجاهلية على يد امرأة كاتبة تدعى \" الشفاء العدوية \" (١٣٥٩)، فلما تزوجها ﷺ طلب إلى الشفاء أن تعلمها تحسين الخط وتزيينه كما علمتها أصل الكتابة) (١٣٦٠) .\n- وعن عائشة ﵂ قالت: \" نِعْمَ النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين \" (١٣٦١) .\nلقد أقبلت المرأة المسلمة على العلم منذ أكرمها الله تعالى بالإسلام، فنهلت من معينه، وأخذت منه بسهم وافر:\nفهذه:\nالصديقة بنت الإمام الصدِّيقِ الأكبر، خير من طلعت عليه الشمس\n_________\n(١٣٥٧) العواتق: جمع عاتق، وهي البنت البالغة، والتي قاربت البلوغ، لأنها تعتق من الخروج لخدمة أهلها، لتمكث في البيت إلى أن تتزوج.\n(١٣٥٨) أخرجه البخاري (٢/٣٨٦) في العيدين، والحيض، والحج، ومسلم رقم (٨٩٠) في صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة. (١٣٥٩) الشفاء بنت عبد الله العدوية، كانت من عقلاء النساء وفضلائهن، وهى من المهاجرات الأول، كان عمر يقدمها في الرأي، ويرعاها، ويفضلها، وربما ولَّاها شيئا من أمر السوق- انظر: \" الإصابة\" (٧/٧٢٧ - ٨٢٨) .\n(١٣٦٠) \" تربية الأولاد في الإسلام \" (١/٢٧٧)، وانظر: \"المجموع \" (٩/٥٥) . (١٣٦١) أخرجه مسلم رقم (٣٣٢) في الحيض: باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فْرصَة من مسك في موضع الدم.","vol":"2","page":568},{"text":"بعد الأنبياء والمرسلين، رفيق رسول الله ﷺ في الغار، ومعينه في الأسفار، ووزيره في عهده، وخليفته بحق من بعده، ﵁ وعن ابنته، القرشية، التَّيمية، المكية، أم المؤمنين، زوجة نبينا ﷺ في الدنيا والآخرة، وحبيبة خليل الله ﷺ، الفقيهة الربانية، المبرأة من فوق سبع سماوات، أفقه نساء هذه الأمة على الإطلاق، تزوج بها سيد الأولين والآخرين ﷺ وهي بنت تسع سنوات، وهو ﷺ ابن أربع وخمسين سنة، وأقام معها تسع سنوات، ومات عنها وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهي لم تخط بعد إلى التاسعة عشرة، على أنها ملأت أرجاء الأرض علمًا، فهى في رواية الحديث نسيج وحدها، وعت من أحاديث رسول الله ﷺ ما لم تعه امرأة من نسائه، وروت عنه ما لم يَرْوِ مِثلَهُ أحد من الصحابة إلا أبا هريرة وعبد الله بن عمر ﵃ أجمعين، قال الحافظ الذهبي ﵀: (روت عنه ﷺ علما كثيرًا طيبا مباركا فيه، وعن أبيها، وعن عمر، وفاطمة، وسعد، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وجُدامة بنت وهب) (١٣٦٢) .\nعاشت بعد رسول الله ﷺ خمسين سنة، وتوفيت ولها من العمر ثمان وستون سنة.\nقال الحافظ الذهبي ﵀:\n(وكانت امرأة بيضاء جميلة، ومِن ثَم يقال لها: الحميراء، ولم يتزوج النبي ﷺ بِكرَا غيرها، ولا أحَب امرأةً حُبَّها، ولا أعلم في أمة محمد ﷺ، بل ولا في النساء مُطلقًا، امرأة أعلم منها، وذهب بعض العلماء إلى أنها أفضل من أبيها، وهذا مردود، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، بل نشهد أنها زوجة نبينا ﷺ في الدنيا والآخرة، فهل فوق ذلك مَفْخَر؟) (١٣٦٣) اهـ.\n_________\n(١٣٦٢) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/١٣٥) .\n(١٣٦٣) \"السابق\" (٢/١٤٠) .","vol":"2","page":569},{"text":"من فضائلها ﵂:\nما رواه هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: (أرِيتُكِ في المنام ثلاثَ ليال، جاء بكِ الملَكُ فِى سَرَقَةٍ (١٣٦٤) من حرير، فيقول: \" هذه امرأتك \"، فأكشفُ عن وجهك، فإذا أنتِ فيه، فأقول: إن يكُ هذا من عند الله يُمْضِهِ \" (١٣٦٥» .\nوعن ابن أبي مُليكة، عن عائشة ﵂: (أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي ﷺ فقال: \" هذه زوجتُك في الدنيا والآخرة \" (١٣٦٦» .\n(وكان تزويجه ﷺ بها إثر وفاة خديجة، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد، ثم دخل بسودة، فتفرد بها ثلاثةَ أعوام حتى بنى بعائشة في شوال بعد وقعة بدر، فما تزوج بكرًا سواها، وأحبها حُبُّا شديدًا كان يتظاهر به، بحيث إن عمرو بن العاص، وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة، سأل النبي ﷺ: \" أي الناس أحبُّ إليك يا رسولَ الله؟ \" قال: \" عائشة\"، قال: \" فَمِن الرجال؟ \"، قال: \" أبوها\" (١٣٦٧) .\nوهذا خبر ثابت رغم أنوف الروافض، وما كان ﷺ يُحِب إلا طيبا، وقد قال ﷺ: \" لو كنت مُتَخِذًا خليلًا من هذه الأمة، لاتخذت\n_________\n(١٣٦٤) السرقَة: بفتح السين والراء والقاف: هي القطعة، وانظر: \" الفتح\" (٩/١٥٦) .\n(١٣٦٥) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/١٤٠) .\n(١٣٦٦) \" السابق \" (٢/١٤١) .\n(١٣٦٧) أخرجه البخاري (٧/١٩) في فضائل أصحاب النبي ﷺ (٨/٥٩) في المغازي: باب غزوة ذات السلاسل، ومسلم (٢٣٨٤) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي بكر ﵁.","vol":"2","page":570},{"text":"أبا بكرٍ خليلًا، ولكن أخوةُ الإسلام أفضل \" (١٣٦٨) .\nفَأحَبَّ أفضل رجل من أمته، وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ، فهو حَري أن يكون بغيضًا إلى الله ورسوله ﷺ) (١٣٦٩) .\nوعن عمرو بن غالب: أن رجلًا نال من عائشة عند عمَّار، فقال: (اعزب مقبوحا منبوحًا، أتؤذي حبيبة رسول الله ﷺ؟) (١٣٧٠) .\nوحُبُّه ﷺ لعائشة كان أمرًا مستفيضًا، ألا تراهم كيف كانوا يتحروْنَ بهداياهم يومها تقربًا إلى مرضاته؟! قال حماد بن زيد، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: (كان الناس يتحرَّوْنَ بهداياهم يوم عائشة، قالت: فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة، فقلن لها: إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فقولي لرسول الله ﷺ يأمر الناس أن يُهدوا له أينما كان، فذكرت أم سلمة له ذلك، فسكت، فلم يردَّ عليها، فعادت الثانية، فلم يَرُد عليها، فلما كانت الثالثة قال: \" يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عَلَيَّ\n_________\n(١٣٦٨) أخرجه البخاري (٧/١٥) في فضائل أصحاب النبي ﷺ، وفي المساجد، وفي الفرائض، وقد اختار ﷺ أن يمرض في بيتها، ومن ثم قال أبو الوفا بن عقيل ﵀: (انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت، واختار لموضعه من الصلاة الأب، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة، عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكاد تخفى عن البهيم فضلًا عن الناطق) اهـ نقلًا من \" الإجابة \" للزركشي ص (٥٤) .\n(١٣٦٩) \" سير أعلام النبلاء\" (٢/١٤٢) .\n(١٣٧٠) أخرجه الترمذي رقم (٣٨٨٨) في المناقب وحسنه، وابن سعد في \"الطبقات\" (٨/٦٥)، و\" الحلية \" (٢/٤٤) .","vol":"2","page":571},{"text":"الوحي وأنا في لحاف امرأةٍ منكنَّ غيرِها \" (١٣٧١) متفق على صحته. وهذا الجواب منه دالّ على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حُبه لها، وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها) (١٣٧٢) .\nوعن أنس مرفوعًا: \" فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام \" (١٣٧٣) .\nوعنها ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ: \" يا عائشُ، هذا جبريل وهو يقرأ عليكِ السلام\"، قالت: \" وعليه السلامُ ورحمةُ الله، تَرى ما لا نَرى يا رسول الله \" (١٣٧٤» .\nلقد كانتَ ﵂ إحدى المجتهدات من أنفذ الناس رأيا في أصول الدين ودقائق الكتاب المبين، وكانت ﵂ تحسن أن تقرأ، ولم يكن يعرف ذلك إلا عدد محدود من أصحاب رسول الله ﷺ، وكم كان لها ﵂ من استدراكات على الصحابة وملاحظات، فإذا علموا\n_________\n(١٣٧١) أخرجه البخاري (٧/٨٤) في فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب فضل عائشة، وفي الهبة، وأخرجه مسلم مختصرا رقم (٢٤٤١)، ومطولًا رقم (٢٤٤٢) .\n(١٣٧٢) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/١٤٣) .\n(١٣٧٣) أخرجه البخاري (٧/٧٣) في فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب فضل عائشة، وفي الأطعمة: باب الثريد، ومسلم رقم (٢٤٤٦) في فضائل الصحابة: باب فضل عائشة ﵂، والترمذي رقم (٣٨٨٧) .\n(١٣٧٤) أخرجه البخاري (٧/٨٣) في فضل عائشة، وبدء الخلق، والأدب، والاستئذان، ومسلم رقم (٢٤٤٧)، في فضائل الصحابة: باب فضائل عائشة ﵂، وأبو داود رقم (٥٢٣٢)، والترمذي رقم (٣٨٧٦) .\nوقال الزركشي ﵀: (قال أبو الفرج: \" وإنما سلم عليها ولم يواجهها لحرمة زوجها، وواجه مريم لأنه لم يكن لها بعل؛ فمن نُزهت لحرمة بعلها عن خطاب جبريل، كيف يسلط عليها أكف أهل الخطايا؟! \") اهـ. ص (٥٥) .","vol":"2","page":572},{"text":"بذلك منها رجعوا إلى قولها) (١٣٧٥) .\nقال أبو موسى الأشعري ﵁: (ما أشكَلَ علينا أصحابَ رسول الله ﷺ حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا) (١٣٧٦)، وقال مسروق: \"رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرايِض \" (١٣٧٧) .\nوقيل لمسروق: \" كانت عائشة تحسن الفرائض؟ \" قال: \" والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض \" (١٣٧٨) .\nوقال عطاء بن أبي رباح: \" كانت عائشة أفقه الناس، وأحسنَ الناس رأيا في العامة \" (١٣٧٩) .\nقال الزهري: (لو جمع علم الناس كلهم، وأمهات المؤمنين، لكانت عائشة أوسعَهم عِلما) (١٣٨٠) .\nوعنه أيضًا: قال: \" لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل \" (١٣٨١) .\nقال الذهبي ﵀: (مسند عائشة يبلغ ألفين ومائتين وعشرة\n_________\n(١٣٧٥) انظر: \" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، للزركشي، و\" السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين\" للمحب الطبري ص (٣٣-٩٤) .\n(١٣٧٦) أخرجه الترمذي رقم (٣٨٨٣)، وقال: \" حسن صحيح\".\n(١٣٧٧) \" الإجابة\" للزركشي ص (٥٨) .\n(١٣٧٨) أخرجه الدارمي (٢/٣٤٢، ٣٤٣)، وابن سعد في \" الطبقات \" (٨/٤٥)، والحاكم (٤/١١) .\n(١٣٧٩) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/١٨٥) .\n(١٣٨٠) \" المستدرك\" (٤/١١) .\n(١٣٨١) قال الهيثمي في \" المجمع\": (رواه الطبراني، ورجاله ثقات) اهـ (٩/٢٤٣)، وكذا الحاكم (٤/١١) .","vol":"2","page":573},{"text":"أحاديث، اتفق لها البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين) (١٣٨٢) .\n[وذكرها﵂- الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقاته في جملة فقهاء الصحابة، ولما ذكر ابن حزم أسماء الصحابة الذين رويت عنهم الفتاوى في الأحكام على مزية كثرة ما نقل عنهم، قدَّم عائشة على سائر الصحابة، وقال الحافظ أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي في كتاب\" إيضاح ما لا يسع المحدث جهله\": \" اشتمل كتاب البخاري ومسلم على ألف حديث ومائتي حديث من الأحكام فروت عائشة من جملة الكتابين مائتين ونيفا وتسعين حديثا لم يخرج عن الأحكام منها إلا يسير \" قال الحاكم أبو عبد الله: \" فحُمِل عنها ربع الشريعة \"]، (١٣٨٣) .\nوعن عروة بن الزبير قال: \" ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة ﵂ \" (١٣٨٤) .\nوذكر أبو عمر بن عبد البر ﵀: \" أنها كانت وحيدة عصرها في ثلاثة علوم: علم الفقه، وعلم الطب، وعلم الشعر \" (١٣٨٥) .\nورُوي عن ابن شهاب قال: حدثنا القاسم بن محمد: أن معاوية دخل على عائشة، فكلمها، قال: فلما قام معاوية، اتكأ على يد مولاها ذكوان، فقال: \" والله، ما سمعتُ قط أبلغَ من عائشة، ليس رسولَ الله ﷺ) (١٣٨٦) .\n_________\n(١٣٨٢) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/١٣٩) .\n(١٣٨٣) \" الإجابة \" للزركشي ص (٥٩) .\n(١٣٨٤) \"الإصابة\" (٨/١٨) .\n(١٣٨٥) انظر: \" الاستيعاب \" (٤/١٨٨١) وما بعده.\n(١٣٨٦) \" سير أعلام النبلاء\" (٢/١٨٣) .","vol":"2","page":574},{"text":"وعن موسى بن طلحة قال؟ \"ما رأيت أحدًا أفصح من عائشة \" (١٣٨٧) .\nوعن هشام عن أبيه قال: ربما روت عائشة القصيدة ستين بيتًا وأكثر، (١٣٨٨) (وعن أبي الزناد؛ قال: ما رأيت أحدًا أروى لشعر من عروة، فقيل له: \" ما أرواك! \"، فقال: \" ما روايتي في رواية عائشة؟ ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا \" (١٣٨٩» .\nورُوى عن ابن سيرين عن الأحنف، قال: (سمعت خطبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء بعدهم، فما سمعتُ الكلامَ من فم مخلوق أفخمَ ولا أحسنَ منه مِن في عائشة) (١٣٩٠) .\nوعن الشعبي: أن عائشة قالت: رَوَيتُ لِلَبِيد نحوا من ألف بيت، وكان الشعبي يذكرها، فبتعجبُ من فِقهها وعلمها، ثم يقول: ما ظنكم بأدب النبوة (١٣٩١) !\nوعن هشام بن عروة قال: كان عروة يقول لعائشة ﵂: يا أمَّتاه، لا أعجب من فقهك؛ أقول: زوجةُ نبي الله، وابنةُ أبي بكر، ولا أعجب من عِلمك بالشعْر وأيام الناس؛ أقول: ابنةُ أبي بكر، وكان أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب: كيف هو، ومن أين هو، أو ما هو؟\nقال: فضربَت علىَ منْكبِه، وقالت: أي عُرَية، إن رسول الله ﷺ\n_________\n(١٣٨٧) رواه الترمذي (٣٨٨٤)، وقال: حسن صحيح غريب \".\n(١٣٨٨) \" سير أعلام النبلاء\" (٢/١٨٩) .\n(١٣٨٩) \"الإصابة\" (٨/ ١٨) .\n(١٣٩٠) \" المستدرك\" (٤/١١) .\n(١٣٩١) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/١٩٧) .","vol":"2","page":575},{"text":"كان يَسقمُ عند آخر عُمُره- أو في آخر عُمُره- وكانت تَقْدَمُ عليه وفودُ العرب من كل وجه، فَتَنْعَتُ له الأنعات، وكنتُ أعالجها له، فَمِنْ ثمَّ) (١٣٩٢) .\nوعن عروة قال: (ما رأيتُ أحدًا أعلم بالطب من عائشة ﵂، فقلتُ: يا خالة، مِمن تعلمتِ الطب؟ قالت: كنت أسمع الناس يَنعَت بعضهم لبعض، فأحفظُه) (١٣٩٣) .\nوعن هشام، عن أبيه، قال: (لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحدًا قط كان أعلم بآية نزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا، ولا بكذا، ولا بقضاء، ولا طب منها، فقلت لها: \" يا خالةُ، الطب، من أين عُلِّمْتِهِ؟ \"، فقالت: \" كنتُ أمرضُ فيُنْعَتُ لي الشيءُ، ويمرض المريض، فينعتُ له، وأسمع الناسَ ينعتُ بعضهم لبعض، فأحفظه \".\nقال عروة: فلقد ذهب عامةُ علمها، لم أسأل عنه) (١٣٩٤) .\n(وكانت زوجات رسول الله ﷺ جميعًا قسيمات عائشة ﵂ في إذاعة العلم وإفاضة الدين على المسلمين، مما يؤكد أن المرأة المسلمة أقبلت على العلم منذ أكرمها الله تعالى بالإسلام، كثيرة تلك الأحاديث التي روتها أمهات المؤمنين عنه ﷺ، وكثيرة تلك الأقوال المنسوبة إليهن في التفسير وفقه الحديث، وكثيرات هن النساء اللاتي حفظن كتاب الله تعالى أو حفظن كثيرة، وحفظن الكثير من حديث رسول الله ﷺ، وكن يبلغن\n_________\n(١٣٩٢) أخرجه الإمام أحمد (٦/٦٧)، وأبو نعيم في \" الحلية \" (٢/٥٠)، وانظر: \" مجمع الزوائد \" (٩/٢٤٢) .\n(١٣٩٣) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/١٨٣) .\n(١٣٩٤) \" السابق \" (٢/١٨٣)، \" الحلية \" (٢/٤٩) .","vol":"2","page":576},{"text":"ذلك الرجال من وراء حجاب كما أمر الله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب) الأحزاب (٥٣) .\nولقد وجد على مر القرون نساء تجاوزن علوم فرض العين إلى فروض الكفاية، فكانت منهن المحدثات العظيمات، والراويات الثقات، وهذا الإماء محمد بن سعد صاحب الطبقات يعقد جزءًا من كتاب \" الطبقات الكبير \" لراويات الحديث من النساء أتى فيه على نيِّف وسبعمائة امرأة روين عن رسول الله ﷺ أو عن صحابته ﵃، وروى عنهم أعلام الدين وأئمة المسلمين، وكذا فعل غيره من الأئمة في مصنفاتهم.\nوهل تجد موطنًا أوثق، ومرتقى أسمق، ومنزلة أوثق من أن عليَّ بن أبي طالب ﵁- وهو العَلَم الأشم الذي لا يدانيه أحد في علمه وحكمته، وقربه من رسول الله ﷺ وقرابته- يتلقى الحديث على مولاة لرسول الله ﷺ كانت تقوم على خدمته، وهي ميمونة بنت سعد؟ فكيف بمن دون علي ﵁؟! (١٣٩٥) .\nويُروى عن أم الدرداء الفقيهة الزاهدة قولها: \" لقد طلبت العبادة في كل شيء فما أصبت لنفسي شيئًا أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم (١٣٩٦) .\nلقد تصدت المرأة لفنون العلم وشئون الأدب، وأمعنت في كل ذلك إمعانًا أعيا على الرجل دركه في مواطن كثيرة، (وكان لها مظهر خلقي كريم في العلم والتعليم فقد امتازت \" العالمة المسلمة \" بالصدق في العلم، والأمانة في الرواية، واستمع إلى هذه الشهادة يشهدها واحد من عظماء العلماء ألا\n_________\n(١٣٩٥) \" المرأة العربية\" (٣/١٤١-١٤٢) بتصرف.\n(١٣٩٦) \" الأخت المسلمة\" للجوهري ص (٧٤)، وانظر: \" سير أعلام النبلاء\" (٤/٢٧٧) .","vol":"2","page":577},{"text":"وهو الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨)، وقد ألف كتابه \" ميزان الاعتدال \" في نقد رجال الحديث، خرَّج فيه عدة آلاف مُتَّهم من المحدثين، ثم أتبع قوله بتلك الجملة التي كتبها بخطه الواضح وقلمه العريض فقال: \" وما علمت من النساء من اتُّهِمَتْ ولا من تركوها \" (١٣٩٧) .\nولعل قائلًا يقول: \" وما للنساء ورواية الحديث؟ وهل تركهن الذهبي إلا من قلة أو ذلة؟ \"، والجواب: أن حديث رسول الله ﷺ منذ عهد عائشة ﵂ حتى عهد الذهبي ما حُفِظَ ولا رُوِيَ بمثل ما حفظ في قلوب النساء، وروي على ألسنتهن.\nذلكم الحافظ ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) أوثق رواة الحديث عقدة، وأصدقهم حديثا، حتى لقبوه بـ \" حافظ الأمة \"، كان له من شيوخه وأساتذته بضع وثمانون من النساء، فهل سمع الناس في عصر من العصور، وأمة من الأمم أن عالمًا واحدا يتلقى عن بضع وثمانين امرأة علمًا واحدًا؟ فكم ترى منهن من لم يلقها أو يأخذ عنها، والرجل لم يجاوز الجزء الشرقي من الدولة الإسلامية، فلم تطأ قدماه أرض مصر، ولا بلاد المغرب، ولا الأندلس وهي أحفل ما تكون بذوات العلم والرأي من النساء) (١٣٩٨) .\n(وهذا الإمام أبو مسلم الفراهيدي المحدث يكتب عن سبعين امرأة) (١٣٩٩) .\n(وقد شهد الحافظ جلال الدين السيوطي ﵀ مجالس حافلة قرأ فيها على بعض المحدثات الحافظات الفقيهات، فتراه يختم كتابه \" بغية الوعاة \"\n_________\n(١٣٩٧) \" ميزان الاعتدال\" (٤/٦٠٤) .\n(١٣٩٨) \" المرأة العربية \" (٢/١٣٨-١٣٩) .\n(١٣٩٩) \" من أخلاق العلماء \" هامش ص (٣٤٥) .","vol":"2","page":578},{"text":"بمسلسلات قرأ منها على الأصيلة الثقة الخيرة الفاضلة الكاتبة أم هانئ بنت الحسن الهوريني.\n- وعلى هاجر بنت محمد المصرية.\n- وأخبرته الشيختان المسندتان أم هانئ وأم الفضل بنت محمد المقدسي.\n- وقرأ على الأصيلة نشوان بنت عبد الله الكناني.\n- وأخبرته كمالية بنت محمد بن أبي بكر الجرجاني.\n- وأنبأته أمة الخالق بنت عبد اللطيف العقبي.\n- وأخبرته أمة العزيز بنت محمد الأمباسي.\n- وفاطمة بنت علي بن اليسير مشافهة بالفسطاط.\n- وخديجة بنت أبي الحسن بن الملقن ... إلخ) (١٤٠٠) .\nولقد بلغت الكثيرات من العالمات المسلمات منزلة علمية رفيعة، فكان منهن الأستاذات والمدرسات (للإمام الشافعي، والإمام البخاري، وابن خلكان، وابن حيان) (١٤٠١) .\nونعرض فيما يلي نماذج من هؤلاء الفقيهات والمحدثات اللائي اعتززن بالإسلام، فكان لهن سهم في إعزازه، والبذل في سبيله.\n_________\n(١٤٠٠) \" السابق\" ص (٣٤٥) .\n(١٤٠١) \" تربية الأولاد في الإسلام\" (١/٢٧٩)، وانظر مجلة \" الأزهر \" عدد رمضان ١٤٠٤ هـ ص (١٤٨٢) .","vol":"2","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>[فصل]\nصور من سيرة المسلمة العالمة</span>\nحفصه بنت سيرين: أم الهذيل، الفقيهة، الأنصارية.\nقال هشام بن حسان:\n\" قرأت حفصة بنت سيرين القرآن وهى ابنة اثنتي عشرة سنة، وماتت وهي ابنة تسعين \".\nوعنه أن ابن سيرين كان إذا أشْكِل عليه شيء من القرآن قال: \" اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ \".\nوعنه قال: اشترت حفصة جارية أظنها سِنْدِيَّة، فقيل لها: \" كيف رأيتِ مولاتَك؟ \"، فذكر إبراهيم كلامًا بالفارسية، تفسيره: \" أنها امرأة صالحة، إلا أنها أذنبت ذنبًا عظيمًا، فهي الليلَ كله تبكى وتصلي \".\nوعنه قال: قد رأيتُ الحسنَ وابنَ سيرين، وما رأيت أحدًا أرَى أنه أعقل من حفصة.\nوعن عبد الكريم بن معاوية قال: \" ذُكر لي عن حفصة أنها كانت تقرأ نصف القرآن في كل ليلة، وكانت تصوم الدهر، وتفطر العيدين وأيام التشريق \".\nوعن هشام أن حفصة كانت تدخل في مسجدها فتصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم لا تزال فيه حتى يرتفع النهار، وتركع، ثم تخرج فيكون عند ذلك وضوءها ونومها، حتى إذا حضرت","vol":"2","page":580},{"text":"الصلاةُ عادت إلى مسجدها إلى مثلها.\nعن مهدي بن ميمون قال: مَكَثَتْ حفصة في مصلاها ثلاثين سنة لا تخرج إلا لحاجة أو لِقائِلَةٍ) (١٤٠٢) .\nعَمْرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارةَ: (ت ٩٨ أو ١٠٦ هـ) .\nالأنصاريهَ، النجَّارية، المدنية، الفقيهة، تربية (١٤٠٣) عائشة وتلميذَتُها، قيل: لأبيها صحبة، وجَدُها سعد من قدماء الصحابة، وهو أخو النقيب الكبير أسعد بن زرارة.\nكانت عالمة، فقيههَ، حجة، كثيرة العلم، حدثت عن عائشة، وأم سلمة، ورافع بن خَديج، وأختها أم هشام بنت حارثة، وحدث عنها ولدها أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن، وابناه: حارثة، ومالك، وابن أختها القاضي أبو بكر بن حزم، وابناه: عبد الله، ومحمد، والزهري، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وآخرون، وحديثها كثير في دواوين الإسلام.\nروى أيوب بن سويد، عن يونس، عن ابن شهاب، عن القاسم ابن محمد أنه قال لي: \" يا غلام، أراك تحْرِصُ على طلب العلم، أفلا أدلك على وعائه \"؟ قلت: \" بلى\"، قال: \" عليك بِعَمْرَةَ فإنها كانت في حَجْرِ عائشة ﵂؛ قال: فأتيتُها، فوجدتُها بحرًا لا ينْزَف \" (١٤٠٤) .\n(وهذه ابنة سعيد بن المسيب لما أن دخل بها زوجها \" (١٤٠٥)، وكان\n_________\n(١٤٠٢) \" صفة الصفوة \" (٤/٢٤-٢٦)، \" سير أعلام النبلاء\" (٤/٥٠٧) .\n(١٤٠٣) التربُ: اللذَةُ، والسنُّ، ومن وُلِد معك.\n(١٤٠٤) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/٥٠٧-٥٠٨) .\n(١٤٠٥) جاء في ترجمة سعيد بن المسيب (أن عبد الملك بن مروان خطب ابنته لولده الوليد حين ولاه العهد، فأبى أن يزوجها، قال أبو وداعة: كنت أجالس سعيد بن =","vol":"2","page":581},{"text":"من أحد طلبة والدها، فلما أن أصبح أخذ رداءه يريد أن يخرج، فقالت\n_________\n= المسيب ففقدني أيامًا، فلما جئت قال: \" أين كنت\"؟، قلت: \" توفيت أهلي، فاشتغلت بها \"، قال: \" فهلًا أخبرتنا فشهدناها؟ \" قال: ثم أردت أن أقوم فقال: \" هل أحدثت امرأة غيرها؟ \" فقلت: \" يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ \" فقال: \" إن أنا فعلتُ تفعل؟ \" قلت: \" نعم\"، فحمد الله تعالى وصلى على النبي وزوجني على درهمين أو على ثلاثة، قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، وصرت إلى منزلي، وجعلت أفكر ممن آخذ وأستدين؟، وصليت المغرب، وكنت صائمًا فقدمت عشائي لأفطر، وكان خبزًا وزيتًا، وإذا بالباب يُقْرعُ، فقلت: \" من هذا؟ \" فقال: \" سعيد\"، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلًا سعيد بن المسيب، فإنه لم يُر منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقمت وِخرجت، إذا بسعيد بن المسيب، وظننت أنه بدا له، فقلت: \" يا أبا محمد هَلا أرسلت إلي فأتيتك؟ \" قال: \" لا، أنت أحق أن تزار\"، قلت: \" فما تأمرني؟ \" قال: \" رأيتك رجلًا عَزَبًا قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك \"، فإذا هي قائمة خلفه فِي طوله، ثم دفعها في الباب، ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقتُ من الباب، ثم صعدت إلى السطح، وناديت الجيران، فجاءوني وقالوا: \" ما شأنك؟ \" قلت: \" زؤَجني سعيد بن المسيب ابنته، وقد جاء بها على غفلة وها هي في الدار\"، فنزلوا إليها، وبلغ أمي فجاءت، وقالت: \" وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أنا أصلحها ثلاثة أيام \"، فأقمت ثلاثًا ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظهم لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ، وأعرفهم بحق الزوج، قال: فمكثت شهرا لا يأتيني ولا آتيه ثم أتيته بعد شهر، وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي، ولم يكلمني، حتى انفض مَنْ في المسجد، فلما لم يبق غيري، قال: \" ما حال ذلك الإنسان؟ \" قلت: \" على ما يحب الصديق، ويكره العدو \" اهـ نقلًا من (\" من أخلاق العلماء\" لمحمد بن سليمان) ص (١٢٣-١٢٥)، وفي \" الإحياء\" بزيادة: (فقال: \" إن رابك منه أمرً، فدونك والعصا \"!، فانصرفت إلى منزلي، فوجه إلي بعشرين ألف درهم) اهـ، فما أعظم اطمئنان ذلك التابعي الجليل إلى مصير ابنته، حتى أنه لم يفكر في استقصاء أحوالها، لاطمئنانه إلى أنها في كنف رجل تقي، يخشى الله تعالى، ويعرف حقها عليه، ومكانتها منه!","vol":"2","page":582},{"text":"له زوجته، \" إلى أين تريد؟ \"، فقال: \" إلى مجلس سعيد أتعلم العلم\"، فقالت له: \" اجلس أعلمك علم سعيد \") (١٤٠٦) .\nمعاذَة بنت عبد الله (ت ٨٣ هـ):\nالسيدة العالمة، أم الصهباء العدويةُ البصرية العابدة، زوجةُ السيدِ القدوة صِلَة بن أشيم. رَوَتْ عن عَلِي بن أبي طالب، وعائشة، وهشام بن عامر، حَدث عنها أبو قلابة الجَرمي، ويزيد الرشْك، وعاصم الأحول، وعمر بن ذر، وإسحاق بن سُوَيد، وأيوب السختِياني، وآخرون، وحديثُها محتج به في الصحاح، وثقها يحيى بن مَعِين.\nقال الحافظ الذهبي ﵀:\n(بلغنا أنها كانت تُحْيي الليلَ عبادةً، وتقول: \" عَجِبْت لعين تنام، وقد عَلِمتْ طولَ الرُّقاد (*) في ظُلَمِ القبور \"، ولما استشْهِد زوجُها صِلَةُ وابنُها في بعض الحروب، اجتمع النساء عندها، فقالت: \" مرحبًا بِكُنَّ، إن كُنْتُنَّ جئتُن للهَناء، وإن كنتن جئتُنَّ لغير ذلك فارجعن \".\nوكانت تقول: والله ما أحب البقاء إلا لأتقرب إلى ربي بالوسائل، لعله يجمع بيني وبين أبي الشعثاء وابنه في الجنة\") (١٤٠٧) اهـ.\nأم الدرداء الصغرى:\n(السيدة العالمة الفقيهة، هُجَيْمَة بنت يحيى الوَصابِية الحِميَرِيَّة الدِّمَشقِيَّة.\nروت علمًا جَما عن زوجها أبي الدرداء، وعن سلمان الفارسي،\n_________\n(١٤٠٦) \"المدخل\" للإمام ابن الحاج (١/٢١٥) .\n(*) انظر الحاشية رقم (١٥٠٤) .\n(١٤٠٧) \" سير أعلام النبلاء \" (٤/٥٠٨ - ٥٠٩) .","vol":"2","page":583},{"text":"وكعب بن عاصم الأشعري، وعائشة، وأبي هريرة، وطائفة، وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم والعمل والزهد.\nوقال ابن جابر وعثمان بن أبي العاتكة: كانت أم الدرداء يتيمةً في حِجْر أبي الدرداء، تختلف معه في بُرْنُس، تصلي في صفوف الرجال، وتجلس في حِلَق القرآن تعلَّمُ القرآن، حتى قال لها أبو الدرداء يومًا: \" الحقي بصفوف النساء\".\nوعن جبير بن نُفير، عن أم الدرداء، أنها قالت لأبي الدرداء عند الموت: \" إنك خطبتني إلى أبَوي في الدنيا، فأنكحوك، وأنا أخطبك إلى نفسك في الآخرة \"، قال: \" فلا تنكحين بعدى\"، فخطبها معاوية، فأخبرته بالذي كان، فقال: \" عليك بالصيام\") .\nقال مكحول: \" كانت أم الدرداء فقيهة \"، وعن عون بن عبد الله قال: \" كنا نأتي أم الدرداء، فنذكر الله عندها\"، وقال يونس بن ميسرة: \" كن النساء يتعبدن مع أم الدرداء ﵂، فإذا ضَعُفْنَ عن القيام، تَعَلَّقنَ بالحبال \"، قال إسماعيل بن عُبيد الله: كان عبد الملك بن مروان جالسًا في صخرة بيت المقدس، وأم الدرداء معه جالسة، حتى إذا نُودِي للمغرب قام، وقامت تتوكأ على عبد الملك حتى يدخلَ بها المسجد، فتجلس مع النساء، ويمضي عبد الملك إلى المقام يصلي بالناس.\nوعن يحيى بن يحيى الغسَّاني قال: كان عبد الملك بن مروان كثيرًا ما يجلس إلى أم الدرداء في مُؤخَر المسجد بدمشق) (١٤٠٨) اهـ.\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀: (أم الدرداء الصغرى: تابعية عابدة\n_________\n(١٤٠٨) \"السابق\" (٤/٢٧٧ - ٢٧٩) بتصرف.","vol":"2","page":584},{"text":"عالمة فقيهة، كان الرجال يقرءون عليها، ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق، وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها مع المتفقهة، يشتغل عليها وهو خليفة ﵂) (١٤٠٩) .\nبنت الإمام مالك بن أنس:\nوكان الإمام مالك يُقرأ عليه الموطأ، فإن لحن القارئ في حرف، أو زاد، أو نقص تدق ابنته الباب، فيقول أبوها للقارئ: \" ارجع، فالغلط معك \"، فيرجع القارئ، فيجد الغلط (١٤١٠) .\nجارية الإمام مالك بن أنس:\n(وحكى عن أشهب أنه كان في المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأنه اشترى خضرة من جارية، وكانوا لا يبيعون الخضرة إلا بالخبز، فقال لها: إذا كان عشية حين يأتينا الخبز فأتنا نعطكِ الثمن، فقالت: ذلك لا يجوز، فقال لها: ولم؟ فقالت: لأنه بيع طعام بطعام غير يدٍ بيد، فسأل عن الجارية، فقيل له: \" إنها جارية مالك بن أنس \" رحمه الله تعالى) (١٤١١) اهـ.\nأم علي تقِيَّة:\nالعالمة المصرية الفاضلة أبوها الثقة أبو الفرج غيث بن عليّ، وولدها النحوي القارئ أبو الحسين علىُّ بن فضل، صحبت الحافظ المحدِّث أبا طاهر السلَفي بثغر الإسكندرية زمانا، فذكرها في بعض تعاليقه، وأثنى عليها،\n_________\n(١٤٠٩) \" البداية والنهاية\" (٩/٤٧) .\n(١٤١٠) \" المدخل\" ص (١/٢١٥) .\n(١٤١١) \" السابق\".","vol":"2","page":585},{"text":"وعثر هو يومًا في منزله، فانجرح إخمصه، فشقَّت وليدة في الدار خِرْقَة من خمارها وعصَّبته، فأنشدت تقية المذكورة في الحال لنفسها تقول:\nلو وجدت السبيل بخدِّي ... عوضًا عن خمار تلك الوليده\nكيف لي أن أقبِّل اليوم رِجْلًا ... سلكت دهرَها الطريق الحميده\nوقد كتب الشيخ السلَفي هذه الواقعة بخطه) (١٤١٢) .\nوالدة الفقيه الواعظ المفسر زين الدين علي بن إبراهيم بن نجا: المعروف بـ \"ابن نجية\" سبط الشيخ أبي الفرج الشيرازي الحنبلي.\nقال ناصح الدين بن الحنبلي: قال لي والدي: زين الدين سَعِد بدعاء والدته، كانت صالحة حافظة، تعرف التفسير.\nقال زين الدين: كنا نسمع من خالي التفسير، ثم أجيء إليها، فتقول: \" إيش فَسر أخي اليوم؟ \"، فأقول: \" سورة كذا وكذا \"، فتقول: \" ذكر قول فلان؟ وذكر الشيء الفلاني؟ \" فأقول: \" لا \"، فتقول: \" ترك هذا\"، وسمعت والدي يقول: (كانت تحفظ كتاب \" الجواهر\" وهو ثلاثون مجلدة، تأليف والدها الشيخ أبي الفرج، وأقعدت أربعين سنة في محرابها) (١٤١٣) .\nفاطمة بنت الأستاذ الزاهد أبي علي الحسن بن على الدقاق: الشيخة، العابدة، العالمة، أم البنين النيسابورية، أهْل الأستاذ أبي القاسم القُشيري، وأم أولاده. وكانت عابدة، قانتة، متهجدة، كبيرة القدر (١٤١٤) .\n_________\n(١٤١٢) \"من أخلاق العلماء\" للشيخ محمد بن سليمان ﵀ ص (٣٧) .\n(١٤١٣) \" ذبل طبقات الحنابلة\" (١/٤٤٠) .\n(١٤١٤) \" سير أعلام النبلاء\" (١٨/٤٧٩ -٤٨٠) .","vol":"2","page":586},{"text":"أم الخير الحجازية:\nتصدرت حلقات وعظ وإرشاد المسلمات بجامع عمرو بن العاص ﵁ في القرن الرابع الهجري (١٤١٥) .\n[وجاء في مقدمة كتاب المعلمين لابن سحنون: (أن القاضي الورع عيسى بن مسكين كان يقرئ بناته وحفيداته.. قال عياض: فإذا كان بعد العصر دعا ابنتيه وبنات أخيه ليعلمهن القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله فاتح صقلية \" أسد بن الفرات\" بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة.\nوروى الخُشني أن مؤدبًا كان بقصر الأمير محمد بن الأغلب، وكان يعلم الأطفال بالنهار، والبنات في الليل)] (١٤١٦) .\nقال الإمام ابن الحاج رحمه الله تعالى: (وقد كان في زماننا هذا سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى قرأت عليه زوجته الختمة فحفظتها، وكذلك رسالة الشيخ أبي محمد بن أبي زيد ﵀، ونصف الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى، وكذلك ابنتاها قريبان منها، فإذا كان هذا في زماننا فما بالك بزمان السلف رضوان الله عليهم أجمعين، والعالم أولى من يحمل أهله ومن يلوذ به على طلب المراتب العلية فيجتهد في ذلك جهده، فإنهم آكد رعيته، وأوجبهم عليه وأولاهم به) (١٤١٧) .\nفاطمة بنت السمرقندي:\n(وكان لعلاء الدين السمرقندي \" صاحب تحفة الفقهاء\" ابنته\n_________\n(١٤١٥) \"الأخت المسلمة \" للجوهري ص (٦٤) .\n(١٤١٦) \" تربية الأولاد في الإسلام \" (١/٢٧٨) .\n(١٤١٧) \" المدخل \" (١/٢١٥-٢١٦) .","vol":"2","page":587},{"text":"\" فاطمة \" الفقهية العلامة، حفظت \"التحفة \" لأبيها، وطلبها جماعة من ملوك الروم، فلما صنَّف أبو بكر الكاساني الملقَب \" ملك العلماء \" كتابه \" البدائع \" وهو شرح التحفة، عرضه على شيخه وهو أبوها، فازداد به فرحًا، وزوَّجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك، فقالوا في عصره: \" شرح تحفته، وتزوَّج ابنته \"، قال صاحب \" الفوائد البهية ص ١٥٨ \" في ترجمة السمرقندي: \" محمد بن أحمد بن أبي أحمد أبو بكر علاء الدين السمرقندي صاحب \" تحفة الفقهاء \" أستاذ صاحب \" البدائع \"، شيخ كبير فاضل جليل القدر تفقَّه على أبي المعين ميمون المكحولي، وعلى صدر الإسلام أبي اليسر البزدوي، وكانت ابنته فاطمة الفقيهة العلامة زوجة علاء الدين أبي بكر صاحب \" البدائع \"، وكانت تفقهت على أبيها، وحفظت تحفته، وكان زوجها يخطئ فتردّه إلى الصواب، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها، فلما تزوجت بصاحب \" البدائع \" كانت تخرج وعليها خطّها وخط أبيها وخط زوجها) اهـ (١٤١٨) .\nوكانت فقيهة عالمة بالفقه والحديث، أخذت العلم من جملة من الفقهاء، وأخذ عنها كثيرون، وكان لها حلقة للتدريس، قد أجازها جملة من كبار القوم، وكانت من الزهد والورع على جانب عظيم، وألفت المؤلفات العديدة في الفقه والحديث، وانتشرت مؤلفاتها بين العلماء الأفاضل.\nوكانت معاصرة للملك العادل \" نور الدين الشهيد \"، وطالما استشارها في بعض أموره الداخلية، وأخذ عنها بعض المسائل الفقهية، وكان دائمًا ينعم عليها، ويعضد مسعاها \" (١٤١٩) .\n_________\n(١٤١٨) \" من أخلاق العلماء \" ص (١٢٥)، وانظر: \" جولة في رياض العلماء\" للدكتور عمر الأشقر ص (١٥٥) .\n(١٤١٩) \" الدر المنثور في طبقات ربات الخدور\" ص (٣٦٧) .","vol":"2","page":588},{"text":"فاطمة بنت الإمام الحافظ البرزالي:\nكتبت البخاري في ثلاثة عشر مجلدًا، فقابله لها أبوها الإمام، وكان يقرأ فيه على الحافظ المزي تحت القبة، حتى صارت نسختها أصلا معتمدا يكتب منها الناس (١٤٢٠) .\nستَيْتَة بنت القاضي أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المَحَامِلِّي:\n(العالمة، الفقيهة، المفتية، تفقهت بأبيها، وروت عنه، وحفظت القرآن، والفقه، والفرائض، والحساب، والدور، والعربية، وغير ذلك، وكانت من أحفظ الناس للفقه، ومن أعلم الناس في وقتها بمذهب الشافعي، وكانت تفتى به مع الشيخ أبي علي بن أبي هريرة، وكانت فاضلة في نفسها، كثيرة الصدقة، مسارعة إلى فعل الخيرات، وقد سمعت الحديث أيضا، وهي والدة القاضي محمد بن أحمد ابن القاسم المحاملي) (١٤٢١)\nزوجة الحافظ الهيثمي (وهي بنت شيخه الحافظ العراقي): كانت تساعد زوجها في مراجعة كتب الحديث (١٤٢٢) .\nفاطمة بنت محمد بن أحمد التَنوخِية (ت ٧٧٨ هـ):\n(خاتمة المسندين في دمشق، كانت عالمة بالحديث، أخذ عنها جماعة: منهم الحافظ ابن حجر) (١٤٢٣)\n_________\n(١٤٢٠) \" البداية والنهاية \" (١٤/١٨٥) .\n(١٤٢١) انظر: \" البداية والنهاية\" (١١/٣٠٦)، \" سير أعلام النبلاء \" (١٥/٢٦٤) .\n(١٤٢٢) \"تمام المنة ببيان الخصال الموجبة للجنة \" ص (٣٩) .\n(١٤٢٣) \" الأعلام \" (٥/١٣٢) .","vol":"2","page":589},{"text":"أم زينب فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية: الشيخة، الصالحة، العالمة، المفتية، الفقيهة، المدرسة، العابدة، الناسكة، المجاهدة، وكل هذه ألقاب خلعها عليها أهل دهرها، وكلها صفات وصلت بها منتهى حدودها.\nكانت تصعد المنبر، وتعظ النساء، وِانتفع بتربيتها، والتخرج عليها خلق كثير، وكانت عالمة موفورة العلم في الفقه والأصول (١٤٢٤) .\nقال الحافظ ابن كثير ﵀:\n(وكانتَ من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم على الأحمدية في مواخاتهم النساء والمردان، وتنكر أحوالهم وأصول أهل البدع وغيرهم، وتفعل من ذلك ما لا يقدر عليه الرجال، وقد كانت تحضر مجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعتُ الشيخ تقي الدين يثني عليها ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيرا من المغني أو أكثره، وأنه كان يستعد لها من كثرة مسائلها وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها، وهي التي خَتَمَتْ نساءً كثيرًا القرآن، منهن أم زوجتي عائشة بنت صديق، زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وهي التي أقرأت ابنتها زوجتي أمة الرحيم زينب رحمهن الله وأكرمهن برحمته وجنته، آمين) (١٤٢٥) .\nتوفيت في يوم عرفة، بظاهر القاهرة، وشهدها خلق كثير.\nوقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في \" ذيل طبقات الحنابلة \": (فاطمة ابنة عباس بن أبي الفتح، أم زينب الواعظة، الزاهدة العابدة\n_________\n(١٤٢٤) \"المرأة العربية \" (٣/٩٨) .\n(١٤٢٥) \" البداية والنهاية \" (١٤/٧٢) .","vol":"2","page":590},{"text":"الشيخة الفقيهة، العالمة المسندة المفتية، الخائفة الخاشعة، السيدة القانتة، المرابطة المتواضعة، الدَّينة العفيفة، الخَيِّرة الصالحة، المتقنة المحققة الكاملة، الفاضلة المتفننة البغدادية، الواحدة في عصرها، والفريدة في دهرها، المقصودة في كل ناحية.\nكانت جليلة القدر، وافرة العلم، تسأل عن دقائق المسائل، وتتقن الفقه إتقانًا بالغا، أخذت عن الشيخ عز الدين بن أبي عمر، حتى برعت، كانت إذا أشكل عليها أمر سألت ابن تيمية عنه، فيفتيها، ويتعجب منها ومن فهمها، ويبالغ في الثناء عليها.\nكانت مجتهدة، صوَّامة قوَّامة، قوَّالة بالحق، خشنة العيش، قانعة باليسير، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، انتفع بها خلق كثير، وعلا صيتُها، وارتفع محلها، وقيل: إنها جاوزت الثمانين، توفيت ليلة عرفة سنة أربع عشرة وسبعمائة، رحمها الله تعالى ورضي عنها آمين) (١٤٢٦) .\n(وعلى سنتها سارت ابنتها زينب، فكانت تعظ النساء، وتخطبهن في حياة أمها، وبعد موتها) (١٤٢٧) .\nشهدَةُ بنت المحدث أبي نصر أحمد بن الفرج الدينوري: مسندة العراق، وفخر النساء، قعدت للحديث في القرن السادس، وهى صاحبة السماع العالي، ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر، بَعُد صيتها، وسمع عليها الخلق الكثير، وكان لها خط حسن، وخالطت الدُّورَ والعلماء، ولها بِر وخير (١٤٢٨) .\n_________\n(١٤٢٦) \" ذيل طبقات الحنابلة\" (٢/٤٦٧ - ٤٦٨) .\n(١٤٢٧) \" المرأة العربية \" (٣/٩٨) .\n(١٤٢٨) \" سير أعلام النبلاء\" (٢٠/٥٤٢) .","vol":"2","page":591},{"text":"كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المَرْوَزِيَّة:\nالشيخة، العالمة، الفاضلة، المسنِدة، سيدة الوزراء، المجاورة بحرم الله، كانت من راويات صحيح البخاري المعتبرة عند المحدثين، روت عن زاهر بن أحمد السَّرْخَسي، وغيره، وكانت نابغة في الفهم والنباهة وحِدَّة الذهن، رحل إليها أفاضل العلماء.\nقال أبو بكر بن منصور السمعاني: سمعتُ الوالد يذكر كريمة، ويقول: (وهل رأى إنسان مثلَ كريمة؟ \" (١٤٢٩) .\nعائشة بنت محمد بن الحسين البسطامي: عالمة محدثة، كان أبوها، وأخوها، وولده من كبار العلماء (١٤٣٠) .\nزينب بنت عبد الله بن عبد الحليم بن تيمية الحنبلية:\nابنة الإمام شرف الدين عبد الله أخي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمهم الله تعالى، وزوجة الإمام العلامة أبو محمد عبد الوهاب بن السلار (١٤٣١)، قال الحافظ ابن حجر: (سمعتْ من الحجار وغيره، وحدَثت، وأجازت لي) (١٤٣٢) .\nومن تلاميذها الإمام الحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي الشافعي (١٤٣٣) .\n_________\n(١٤٢٩) \" السابق\" (١٨/٢٣٣- ٢٣٥) .\n(١٤٣٠) \" السابق\" (١٨/٤٢٥) .\n(١٤٣١) انظر: \" الرد الوافر\" لابن ناصر الدين الدمشقي ص (١١٠) .\n(١٤٣٢) \" جلاء العينين في محاكمة الأحمدين \" ص (٣٠) .\n(١٤٣٣) \" الرد الوافر\" ص (١١٠) .","vol":"2","page":592},{"text":"عائشة بنت حمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف ابن محمد بن قدامة المقدسي:\nسمعت صحيح البخاري، وروى عنها الحافظ ابن حجر، وقرأ عليها كتبًا عديدة، وانفردت في آخر عمرها بعلم الحديث (١٤٣٤) .\nومن المحدثات: السيدة نفيسة ابنة محمد (١٤٣٥) .\nومنهن: فاطمة بنت محمد البغدادي: الشيخة، العالمة، الواعظة، الصالحة، المُعمَرة، مسندة أصبهان، حَدَّث عنها السمعاني، وابن عساكر، وأبو موسى المديني، وغيرهم \" (١٤٣٦) .\nومنهن: زينب ابنة الكمال، ومن تلاميذها الإمام محمد بن حمزة الحسيني (١٤٣٧) .\nومنهن: كمال بنت المحدث أبي محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي: أم الحسن صالحة خيرة، وهى زوجة المحدّث عبد الخالق اليوسفي (١٤٣٨) .\nومنهن: وزيرة بنت عمر بن المنجى، ومن تلاميذها الإمام محمد بن سوار السبكي (١٤٣٩) .\nومنهن: عائشة بنت حسن بن إبراهيم: الواعظة، العالمة، المسندة، أم الفتح الأصبهانية، قال ابن السمعاني: سألت الحافظ إسماعيل عنها،\n_________\n(١٤٣٤) \"المرأة ومكانتها\" للحصين ص (٥٧) .\n(١٤٣٥) \" تربية الأولاد في الإسلام\" (١/٢٧٨) .\n(١٤٣٦) \" سير أعلاء النبلاء\" (٢٠/١٤٨) .\n(١٤٣٧) \" الرد الوافر\" ص (٥٥) .\n(١٤٣٨) \" سير أعلام النبلاء \" (٢٠/٤٢٠) .\n(١٤٣٩) \" الرد الوافر \" ص (٥٠) .","vol":"2","page":593},{"text":"فقال: (امرأة صالحة، عالمة، تعظ النساء، وكتبت أمالي ابن مَنْدَة عنه، وهي أول من سمعتُ منها الحديث، بعثني أبي إليها، وكانت زاهدة) (١٤٤٠) .\nومنهن: زينب بنت مكي: وممن سمع عليها الحافظ أحمد بن بكار النابلسي وعبد الله بن المحب وعمر بن حبيب وكثير من المحدثين (١٤٤١) .\nوزينب بنت أبي القاسم:\nكانت عالمة أدركت جماعة من أعيان العلماء وأخذت عنهم، وأجازها أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري مؤلف الكشاف، والمؤرخ شهاب الدين بن خلكان صاحب التاريخ المشهور (١٤٤٢) .\nأم سلمى فاطمة بنت أبي بكر بن عبد الله:\nروت عن أبيها، وكتب عنها محمد بن جعفر كتاب \"الجمل\" (١٤٤٣) .\nست الوزراء بنت عمر بن أسعد بن المنجا:\nالشيخة الصالحة، راوية صحيح البخاري، وغيره (١٤٤٤) .\nخديجة بنت موسى بن عبد الله:\nالواعظة، وتعرف بـ \" بنت البقال\"، قال الخطيب: \" كتبت عنها،\n_________\n(١٤٤٠) \" سير أعلام النبلاء\" (١٨/٣٠٢-٣٠٣) .\n(١٤٤١) \" الردَ الوافر \" ص (٨٠)، (١٠١)، (١١٣) .\n(١٤٤٢) \" المرأة ومكانتها \" ص (٥٧) .\n(١٤٤٣) \" السابق \" ص (٥٦) .\n(١٤٤٤) \" البداية والنهاية \" (١٤/٧٩) .","vol":"2","page":594},{"text":"وكانت فقيرة، صالحة، فاضلة \" (١٤٤٥) .\nأم الهذيل:\nلها روايات كثيرة، وقد قرأت القرآن وعمرها اثنتا عشرة سنة، وكانت فقيهة عالمة، من خيار النساء (١٤٤٦) .\nأم السلامة بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شنخرة: سمعت من محمد بن إسماعيل النصلاني وغيره، وعنها الأزهري، والتنوخي، وأبو يعلى بن الفراء، وغيرهم، وأثنى عليها غير واحد في دينها، وفضلها، سيادتها (١٤٤٧) .\nفاطمة بنت إبراهيم بن محمود بن جوهر البطائحي:\nالمسندة، المحدثة، الدمشقية، الصالحة، سمعت صحيح البخاري من ابن الزبيدي مرات، سمعت صحيح مسلم من ابن الحصيري، وأخذ عنها العلامة السبكي، والإمام المحقق ابن قيم الجوزية (١٤٤٨) .\nست القضاة بنت الشيرازي:\nتتلمذ عليها الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، والقاضي الإمام أحمد ابن فضل الله العمري (١٤٤٩) .\n_________\n(١٤٤٥) \" السابق \" (١٢/٥٤) .\n(١٤٤٦) \"السابق \" (١١/٣٠٢) .\n(١٤٤٧) \"السابق \" (١١/٣٢٨) .\n(١٤٤٨) انظر: \" شذرات الذهب \" (٦/٢٨)، \" الأعلام \" (٥/١٢٩)، \" ذيل طبقات الحنابلة \" (٢/٤٤٨)، \" طبقات المفسرين\" (٢/٩١) (١٤٤٩) \"الرد الوافر\" ص (٨١) .","vol":"2","page":595},{"text":"زبيدة زوجة هارون الرشيد وابنة عمه:\nكانت عالمة، فقيهة، وذكر ابن خلكان: (أنه كان لها مائة جارية كلهن يحفظن القرآن العظيم، غير من قرأ منه ما قدر له وغير من لم يقرأ، وكان يسمع لهن في القصر دوي كدوي النحل، وكان ورد كل واحدة عُشْرُ القرآن) (١٤٥٠) .\nوقاية:\n(امرأة عالمة فاضلة، كانت بإحدى مدن ليبيا، وكان يلجأ إليها أفاضل العلماء، ويقولون: \" تعالوا بنا نستشير وقاية، فعصابتها خير من عمائمنا \" (١٤٥١» .\nفاطمة بنت الحسن بن علي البغدادي العطار:\n(المؤدبة الكاتبة وتعرف ببنت الأقرع، سمعت الحديث من أبي عمر بن مهدي وغيره، وكانت تكتب المنسوب على طريقة ابن البواب، ويكتب الناس عليها، وبكتابها يُضرب المثل، وبخطها كانت الهدنة من الديوان إلى ملك الروم، وكتبت مرة إلى عميد المُلْك الكندي رقعة فأعطاها ألف دينار..) (١٤٥٢) .\nربيعة خاتون بنت أيوب أخت السلطان صلاح الدين الأيوبي الملقبة ب \" ست الشام \":\nواقفة المدرستين البرانية والجوانية الست الجليلة خاتون، أخت الملوك، وعمة أولادهم، وأم الملوك، كان لها من الملوك المحارم خمسة وثلاثون ملكًا، وكانت ست الشام من أكثر النساء صدقة وإحسانًا إلى الفقراء والمحاويج،\n_________\n(١٤٥٠) \" البداية والنهاية \" (١٠/٧١) .\n(١٤٥١) \" حقائق ثابتة في الإسلام\" لابن الخطيب ص (٧٨) .\n(١٤٥١) \" البداية والنهاية \" (١٢/١٣٤)، \" سير أعلام النبلاء\" (١٨/٤٨٠) .","vol":"2","page":596},{"text":"وكانت تعمل في كل سنة في دارها بألوف من الذهب أشربة وأدوية وعقاقير وغير ذلك وتفرقه على الناس، وكانت وفاتها يوم الجمعة في دارها التي جعلتها مدرسة (١٤٥٣) وكانت في خدمتها الشيخة الصالحة العالمة أمة اللطيف بنت الناصح الحنبلي، وكانت فاضلة، ولها تصانيف، وهي التي أرشدتها إلى وقف المدرسة بسفح قاسيون على الحنابلة، ووقفت أمة اللطيف على الحنابلة مدرسة أخرى (١٤٥٤) .\nوقال الشيخ عطية محمد سالم حفظه الله: (قد رأيت بنفسي وأنا مدرس بالأحساء نسخة لسنن أبي داود عند آل المبارك وعليها تعليق لأخت صلاح الدين الأيوبي..) (١٤٥٥) اهـ.\nفاطمة بنت أحمد بن السلطان صلاح الدين الأيوبي:\n(من فضليات النساء، روت الفقه، وشيئًا من الحديث، واشتهرت في عصرها) (١٤٥٦) .\nفاطمة بنت الحسين بن الحسن ابن فضلويه:\nسمعت الخطيب وابن المسلمة وغيرهما، وكانت واعظة لها رباط تجتمع فيه الزاهدات، وقد سمع عليها ابن الجوزي مسند الشافعي وغيره) (١٤٥٧) .\nقال فضيلة الشيخ عطية محمد سالم حفظه الله:\n(... وذكر صاحب التراتيب الإدارية قوله: وقد ثبت عن كثير من\n_________\n(١٤٥٣) انظر: \" البداية والنهاية \" (١٣/٨٤- ٨٥) .\n(١٤٥٤) \" السابق \" (١٣/١٧٠) .\n(١٤٥٥) \" تتمة أضواء البيان \" (٩/٣٦٠) .\n(١٤٥٦) \" الإعلام \" للزركلي (٥/١٣٠) .\n(١٤٥٧) \" البداية والنهاية \" (١٢/١٩٨) .","vol":"2","page":597},{"text":"نساء أهل الصحراء الأفريقية خصوصًا شنقيط \" شنجط \"، وهي المعروفة بموريتانيا وتيتبكتو، وقبيلة كنت - العجبُ، حتى جاء أن الشيخ المختار الكنتي الشهير، ختم مختصر خليل للرجال، وختمته زوجته في جهة أخرى للنساء، ومما يؤيد ما ذكره أننا ونحن في بعثة الجامعة الإسلامية لأفريقيا، سمعنا ونحن في مدينة أطار وهى على مقربة من مدينة شنجط المذكورة، سمعنا من كبار أهلها أنه كان يوجد بها سابقًا مائتا فتاة يحفظن المدونة كاملة، وقد سمعت في الآونة الأخيرة أنه توجد امرأة تدرس في المسجد النبوي الحديث والسيرة، واللغة العربية وهى شنقيطية) (١٤٥٨) اهـ.\nوقال الأستاذ عبد الله عفيفي ﵀: (وأكثر ما عرف به الممتازات من نساء المغرب الأقصى حفظ القرآن الكريم بقراآته جميعًا ورواية الحديث ودرس الفقه والأصول وما إلى هذه من علوم الدين، ويذكر أهل ذلك الاقليم ثمانين امرأة من نساء المغرب جمعن إلى النفاذ في ذلك كله حفظ مدونة الإمام مالك بن أنس ﵁، وهي أكبر المطولات الجامعة في الحديث الفقه (١٤٥٩) اهـ.\nوذكر من النسوة اللاتي تخرجن في العلوم الدينية: (السيدة الشريفة فاطمة الزهراء ابنة السيد محمد بن أحمد الإدريسي، تحفظ القرآن الكريم بقراآته، وتحفظ كثيرًا من كتب الفقه والحديث، ولها فوق ذلك صلة وثيقة بالعلوم العصرية، ولم تبارح دار أبيها قط، وتخرجت على أبيها وجدها) (١٤٦٠) .\nوقال عبد الواحد المراكشي: (إنه كان بالربض الشرقي في قرطبة\n_________\n(١٤٥٨) \" تتمة أضواء البيان \" (٩/٣٦٠ - ٣٦١) .\n(١٤٥٩) \" المرأة العربية \" (٣/١٥٥) .\n(١٤٦٠) \" السابق \" (٣/١٥٦) .","vol":"2","page":598},{"text":"سبعون ومائة امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي) (١٤٦١) .\nأما بعد: فذاك غيض من فيض حديث النهضة العلمية الإسلامية، وتلك آثار المرأة المسلمة فيها، ومآثرها عليها، فهل رأيت ما رأيت في أمة من الأمم قديمها وحديثها؟ اللهم إنها حكمة الله ملأ بها أحناء تلك الصدور (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا) (البقرة: ٢٦٩) .\nفلو كان النساءُ كَمَنْ ذَكَرنا ... لَفضلَتِ النساءُ على الرجالِ\nوما التأنيثُ لاسم الشمس عَيْبٌ ... وما التذكيرُ فخر للهلالِ\nومما ينبغي أن يعلم أن المرأة حازت تلك المكانة العلمية الرفيعة ضمن ضوابط شرعية محددة، تهيئ لها المناخ الصالح الذي تأمن فيه الاختلاط بالرجال، وحضور مجالسهم، فكانت تؤدي وظيفة العلم من وراء حجاب، ومن هنا فلا يجوز لأحد أن يستدل بهذه النماذج الطيبة من \" العالمات المسلمات \" على \" استحلال \" ما عليه مجتمعاتنا اليوم من اختلاط فاضح، وتهتك مزرٍ، وتبرج مشين، فهذا لا يمكن أن يقره دين ولا عقل، لتعارضه مع نصوص الشريعة الصريحة، ولمنافاته روحَها الراميةَ إلى سد الذرائع المفضية إلى الفتنة والفساد، ولكن تلك النماذج المشرقة دليل واضح على موقف الإسلام من حق المرأة في التعلم، على أن يتم في حدود ما أحل الله، وعلى أن تراعي طبيعتها وما يناسبها من أنواع العلوم، وعلى أن تصان مما يخدش عقيدتها وآدابها الإسلامية (١٤٦٢) .\n* * *\n_________\n(١٤٦١) \" المرأة ومكانتها في الإسلام \" للحُصَين ص (٥٧) .\n(١٤٦٢) ويأتي مزيد بيان لقضية \" تعليم المرأة \" إن شاء الله في القسم الرابع من هذا الكتاب، يسر الله إتمامه.","vol":"2","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>[الفصل السابع]\nالمرأةُ ... عابدةً</span>\nفَقُهَتْ المرأة المسلمة عن الله أمره، وتدبرت في حقيقة الدنيا، ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشت من فتنتهَا، وتجافي جنْبُها عن مضجعها، وتناءى قلبها من المطامع، وارتفعت همتها عن السفاسف، فلا تراها إلا صائمة قائمة، باكية والهة، وحفل التاريخ بالخيرات الصالحات اللواتي نهجن طريق الزهد عن فرط علم، ورسوخ عقيدة، لا عن حماقة وجهالة كما تجد في كثير ممن عرفن بالنسك والتصوف من أشتات البلاد.\nوثبت في دواوين الإسلام أخبار وأخبار عن النساء العابدات، بدءًا من صدر العهد النبوي إلى ما تلاه من القرون:\nفقد روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أتى النساء بعد صلاة العيد، فكلمهن في الصدقة، فأخذن ينزعن الفُتخ والقرطة والعقود والأطواق والخواتيم والخلاخيل ويلقينها في ثوب بلال- وكان بلال قد بسط ثوبه ليضع فيه النساء صدقاتهن (١٤٦٣) .\nوبذلك رقأت عبرة اليتيم، وبردت لوعة المسكين.\nوكذلك فعل النساء حين نزلت آية الصدقة: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنًا يضاعف لهم ولهم أجر كريم) الحديد (١٨) .\n_________\n(١٤٦٣) انظر تخريجه \" بالقسم الثالث\" ص (٣٦٥) .","vol":"2","page":600},{"text":"وكان كثير من الإحسان في الجاهلية مما تثيره المنافسة، وحسن الأحدوثة فأصبح بالإسلام مما تفيض به الرحمة، ويبعثه ابتغاء مرضاة الله.\nويتصدر هؤلاء العابدات نساء الصحابة ﵃ وعنهن، ويتصدر نساء الصحابة أمهات المؤمنين وآل بيت النبي ﷺ، وعلى رأس هؤلاء: أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄: عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال:\n(ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء، وجودُهما مختلف: أما عائشة فكانت تجمع الشيء حتى إذا اجتمع عندها قسمت، وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئًا لغد) (١٤٦٤) .\nقال القاسم: \" كانت عائشة تصوم الدهر \" (١٤٦٥) .\nوعن عروة أن عائشة ﵂ كانت تسرد الصوم، وعن القاسم أنها \" (كانت تصوم الدهر، لا تفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر) (١٤٦٦) .\n(وعنه قال: كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة ﵂، فأسَلمُ عليها، فغدوت يوما، فإذا هي قائمة تُسَبحُ، وتقرأ: (فَمَنَّ الله علينا ووقانا عذابَ السَّموم) الطور: (٢٧)، وتدعو، وتبكي، وترددها، فقمت حتى مللت القيام، فذهبت إلى السوق لحاجتي، ثم رجعت، فإذا هي قائمة كما هي تصلى وتبكي) (١٤٦٧) .\n_________\n(١٤٦٤) \"أحكام النساء\" لابن الجوزي ص (١٢٥) .\n(١٤٦٥) أخرجه ابن سعد (٨/٤٧)، ورجاله ثقات، والمعنى أنها كانت تصوم غير الأيام المنهي عنها كالعيدين، وأيام التشريق، والحيض.\n(١٤٦٦) \" السمط الثمين\" ص (٩٠) .\n(١٤٦٧) \" السابق\".","vol":"2","page":601},{"text":"وعن عروة قال: (كانت عائشة ﵂ لا تمسك شيئًا مما جاءها من رزق الله تعالى إلا تصدقت به) (١٤٦٨) .\nوقال عروة: (بعث معاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف درهم، فقسمَتها، لم تترك منها شيئًا، فقالت بريرة: \" أنتِ صائمة، فهلا ابتعتِ لنا منها بدرهم لحمًا؟ \" قالت: \" لو ذكرتِني لفعلت \" (١٤٦٩)، وعنه أيضَا قال: \" وإن عائشة تصدقت بسبعين ألف درهم، وإنها لترقع جانب درعها \" رضي الله تعالى عنها) (١٤٧٠) .\nعن محمد بن المنكدر عن أم ذَرَّة وكانت تغشى عائشة ﵂، قالت: بعث إليها ابن الزبير بمال في غِرارتين، قالت: أراه ثمانين ومائة ألف، فدعَت بطبق، وهى صائمة يومئذ، فجلست تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم، فلما أمست قالت: \" يا جاريةُ هلمي فَطُوري \"، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم ذَرَّة: \" أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشترى لنا بدرهم لحمًا نفطر عليه؟ \" فقالت: \" لا تُعَنفيني، لو كنت أذكرتِني لفعلتُ \" (١٤٧١) .\nو(عن ابن يمن المكي قال: دخلت على عائشة ﵂ وعليها درع قطري ثمنه خمسة دراهم، فقالت: ارفع بصرك إلى جاريتي، فانظر إليها، فإنها تُزْهَى (١٤٧٢) أن تلبسه في البيت، وقد كان منهن درع على عهد\n_________\n(١٤٦٨) \" السابق\" ص (٨٨) .\n(١٤٦٩) أخرجه أبو نعيم في \" الحلية \" (٢/٤٧)، والحاكم (٤/١٣) .\n(١٤٧٠) رواه ابن سعد في \" الطبقات \" (٨/٤٥) .\n(١٤٧١) رواه ابن سعد (٨/٤٦) في \" الطبقات\"، وأبو نعيم في \" الحلية \" (٢/٤٧)، ورجاله ثقات.\n(١٤٧٢) تزهى أن تلبسه في البيت: أي تترفع عنه، ولا ترضاه.","vol":"2","page":602},{"text":"رسول الله ﷺ، فما كانت امرأة تُقَيَّنُ (١٤٧٣) في المدينة إلا أرسلت إليَّ تستعيره) (١٤٧٤) .\nعن عبد الله بن أبي مليكة أنه جاء أم المؤمنين عائشة ﵂، وعند رأسها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن، فقلت: \" هذا ابن عباس يستأذن \"، فأكب عليها ابن أخيها عبد الله، فقال عبد الله: \" هذا ابن عباس، وهى تموت \"، فقالت: \" دعني من ابن عباس \"، فقال لها: \" يا أماه إن ابن عباس من صالحي بنيك، يسلم عليك، وَيُوَدِّعُكِ، فقالت: \" ائذن له إن شئت \"، فأدخلته، فلما جلس، قال: \" أبشري! فما بينك وبين أن تلقي محمدًا ﷺ الأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، كنتِ أحب نساء رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ، ولم يكن رسول الله ﷺ يحب، إلا طيبا، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء، فأصبح رسول الله ﷺ حتى تصبح في المنزل، فأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله ﷿: (فتيمموا صعيدًا طَيبّا) (المائدة: ٦)، وكان ذلك في سببك، وما أنزل الله لهذه الأمة من الرخصة، وأنزل براءتك من فوق سبع سماوات، جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر الله فيه إلا تتلى فيه آناء الليل، وآناء النهار\"، فقالت: \" يا ابن عباس دعني منك، ومن تزكيتك، فوالله لوددت أني كنت نسيًا منسيا \" (١٤٧٥) .\nوكانت أم المؤمنين زينب بنت جحش بن رئاب ابنة عمة النبي ﷺ ورضي الله عنها امرأة صَنَاعا، وكانت تعمل بيدها، وتتصدق به في سبيل الله (١٤٧٦) .\n_________\n(١٤٧٣) تقين بالمدينة: أي تزين لزفافها، والتقين: التزين.\n(١٤٧٤) \" السمط الثمين\" ص (٨٧)، والحديث رواه البخاري (٥/٢٤١-٢٤٢) .\n(١٤٧٥) \" أحكام النساء\" ص (١٢٥-١٢٦) .\n(١٤٧٦) \" سير أعلام النبلاء \" (٢/٢١٧) .","vol":"2","page":603},{"text":"وكانت ﵂ صالحة، صوامة، قوامة، بارَة، ويقال لها: \"أم المساكين\"، وقالت فيها أم المؤمنين عائشة ﵂ بعد موتها: \" لقد ذهبت حميدة متعبدة، مفزع اليتامى والأرامل \" (١٤٧٧)، وعن أنس ﵁ قال: (دخل رسول الله ﷺ المسجد، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: \" ما هذا الحبل؟ \"، قالوا: حبلٌ لزينبَ، فإذا فترت تعلًقت به \"، فقال النبي ﷺ: \" لا، حُلُّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد \" (١٤٧٨» .\nوعن عبد الله بن رافع عن بررة بنت رافع قالت: \" لما جاء العطاء بعث عمر إلى زينب ﵂ بالذي لها، فلما دخل عليها قالت: \" غفر الله لعمر، لَغيري من أخواتي كان أقوى على قَسْم هذا مني \"، قالوا: \" هذا كله لك \"، فقالت: \" سبحان الله! \" واستترت دونه بثوب، وقالت: \" صُبوه، واطرحوا عليه ثوبًا \"، فصبوه، وطرحوا عليه، وقالت لي: \" أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة، فاذهبي إلى آل فلان، وآل فلان \" - من أيتامها وذوي رحمها -، فقسمته حتى بقيت منه بقية؛ قالت لها بررة: \" غفر الله لك، والله لقد كان لنا من هذا حظ \" قالت: \" فلكم ما تحت الثوب \"، فرفعنا الثوب، فوجدنا خمسة وثمانين درهمًا، ثم رفعت يدها، وقالت: \" اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا \"، قالت: فماتت\n_________\n(١٤٧٧) \" الإصابة \" (٧/٦٧٠) .\n(١٤٧٨) رواه البخاري (٣/٢٧٨) في أبواب التهجد: باب ما يكره من التشديد في العبادة، والنسائي (٣/٢١٨-٢١٩) في قيام الليل: باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل، وفى رواية لأبي داود (قالوا: \" زينب تصلي، فإذا كسلت، أو فترت أمسكت به\"، فقال: \" خلُّوهُ، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسَل أو فتر فليقعد\") .","vol":"2","page":604},{"text":"﵂) (١٤٧٩) .\nوحدث محمد بن كعب قال: كان عطاء زينب اثني عشر ألف درهم حمل إليها فقسمته في أهل رحمها، وفي أهل الحاجة، حتى أتت عليه، فبلغ عمر فقال: \" هذه امرأة يراد بها خير \"، فوقف على بابها، وأرسل بالسلام، وقال: \" قد بلغني ما فرقتِ \"، فأرسل إليها بألف درهم لتنفقها، فسلكت بها طريق ذلك المال (١٤٨٠) .\nورُوِيَ أنها قالت حين حضرتها الوفاة: \" إني قد أعددت كفني، ولعل عمر سيبعث إليَّ بكفن، فإن بعث بكفن فتصدقوا بأحدهما، إن استطعتم إذا أدليتموني أن تصدَّقُوا بِحَقْوي فافعلوا \" (١٤٨١) .\nوهي التي كان النبي ﷺ يقول: \" أسرعُكن لحوقًا بي: أطولكن يَدًا \"، وإنما عَنَى ﷺ طول يَدِها بالمعروف، قالت عائشة ﵂: \" فكُنَّ يتطاوَلنَ أيتهُن أطولُ يَدًا، وكانت زينب تعمل وتتصدق (١٤٨٢) .\nقالت عائشة ﵂: (كانت زينب بنت جحش تُساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ؛ ولم أرَ امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تَصَدَّقُ به، وتَقَربُ به إلى الله تعالى ما عدا سَوْرَةً من حِدة كانت فيها تسرع منها الفيئة) (١٤٨٣) .\n_________\n(١٤٧٩) \"سير أعلام النبلاء\" (٢/٢١٣ - ٢١٥) .\n(١٤٨٠) أخرجه ابن سعد بسند في الواقدي، كما في \"الإصابة\" (٧/٦٧٠) .\n(١٤٨١) \"السابق\" (٢/٢١٧)، وأخرجه ابن سعد بإسناد فيه الواقدي كما في \"الإصابة\" (٧/٦٦٩) .\n(١٤٨٢) \" السابق\" (٢/٢١٣) .\n(١٤٨٣) \" السابق\" (٢/٢١٤) .","vol":"2","page":605},{"text":"أم المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله الهلالية:\nكانت ﵂ تُدْعَى أم المساكين، لكثرة معروفها أيضًا (١٤٨٤) .\nأم المؤمنين حفصة بنت أميرِ المؤمنين أبي حَفص عمر بن الخطاب ﵁:\nوهي التي كانت تسامي أم المؤمنين عائشة ﵂ في مكانتها عند رسول الله ﷺ، كانت عابدة، خاشعة، قانتة ﵂، وقد صح أن النبي ﷺ طلقها، ثم راجعها بأمر جبريل ﵇ له بذلك، وقال: \" إنها صَوامة، قوًامة، وهي زوجتك في الجنة \" (١٤٨٥)، فأي شهادة وتزكية بعد شهادة الله ﷿ وتزكيته حفصة بنت الفاروق ﵄؟!\nأسماء بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قُحافة عثمان ﵃ أجمعين: أم عبد الله القرشية، التيمية، والدة الخليفة عبد الله بن الزبير، وأخت أم المؤمنين عائشة، وهى المعروفة بذات النطاقين، كانت خاتمة المهاجرين والمهاجرات.\nقال ابن أبي مُلَيكة: (كانت أسماء تصدع، فتضع يدها على رأسها، وتقول: \" بذنبي، وما يغفره الله أكثر \" (١٤٨٦» .\n(وعن فاطمة بنت المنذر: \" أن أسماء كانت تمرض المرضة، فتعتِقُ\n_________\n(١٤٨٤) \" السابق\" (٢/٢١٨) .\n(١٤٨٥) \"السابق \" (٢/٢٢٨)، وصححه ابن حجر في \" الإصابة \" (٤/٢٧٣) .\n(١٤٨٦) \"السابق \" (٢/٢٩٠) .","vol":"2","page":606},{"text":"كل مملوك لها \".\nوعن محمد بن المنكدر، قال: \" كانت أسماء بنت أبي بكر - ﵄- سَخِية النفس \" (١٤٨٧» .\nوعن الركَين بن الربيع، قال: (دخلتُ على أسماءَ بنتِ أبي بكر، وقد كَبرَت، وهي تصلي، وامرأة تقول لها: \" قومي، اقعدي، افعلي، من الكِبَر \" (١٤٨٨» .\nأم الدرداء الصغرى:\nالسيدة، العالمة، الفقيهة، هُجَيمة زوجة أبي الدرداء ﵁، عرضت القرآن وهى صغيرة على أبي الدرداء ﵁، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم، والعمل، والزهد.\nقال عون بن عبد الله: \" كنا نأتي أم الدرداء، فنذكر الله عندها \" (١٤٨٩) .\nوقال يونس بن ميسرة: \" كُنَّ النساء يتعبدن مع أم الدرداء، فإذا ضًعُفنَ عن القيام، تَعَلَّقْنَ بالحبال \"، وعنه أيضًا قال: (كنا نحضر أم الدرداء، وتحضرها نساء عابدات، يقمن الليل كله، حتى إذ أقدامهن قد انتفخت من طول القيام) (١٤٩٠) .\nالسيدة المكرمة الصالحة نفِيسة، ابنة الحسن بن زيد بن السيد سبطِ النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄، العلوية، الحَسَنِيَّة. كانت- رحمها الله وأكرمها- من الصالحات العوابد، زاهدة،\n_________\n(١٤٨٧) \"السابق \" (٢/٢٩٢) .\n(١٤٨٨) \" السابق \" (٢/٢٩٥) .\n(١٤٨٩) \"السابق\" (٤/٢٧٧-٢٧٨) .\n(١٤٩٠) \"السابق\" (٤/٢٧٨)، وانظر: \" صفة الصفوة\" (٤/٢٩٦-٢٩٧) .","vol":"2","page":607},{"text":"تقية، نقيهَ، تقوم الليل، وتصوِم النهار، وتكثر البكاء من خشية الله ﷿، حتى قيل لها: \"تَرَفَقي بنفسك \"، لكثرة ما رأوْا منها، فقالت: \" كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون؟ \"، حجَّت ثلاثين حجة، وكانت تحفظ القرآن وتفسيره، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن حكى أنها دخلت مصر مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر بن محمد الصادق: (فأقامت بها، وكانت ذات مال، فأحسنت إلى الناس، والجذمى، والزَّمْنَى، والمرضَى، وعموم الناس، وكانت عابدة، زاهدة، كثيرة الخير، ولما ورد الشافعي مصر أحسنت إليه، وكان ربما صَلَّى بها في شهر رمضان، وحين مات أمرت بجنازته فأدخِلَتْ إليها المنزل، فصلت عليه) (١٤٩١) اهـ.\nومن أخبارها رحمها الله تعالى:\n(أنها أقامت بمصر مع زوجها إسحق بن جعفر الصادق، وقيل: مع أبيها الحسن الذي عُيِّن واليًا على مصر من قِبل أبي جعفر المنصور.\nوقد هرع إليها أهل مصر يشكون من ظلم أحمد بن طولون، فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غدٍ، فكتبت رقعة، ووقفت بها في طريقه، وقالت: \" يا أحمد بن طولون \"، فلما رآها عرفها، فترجل عن فرسه، وأخذ منها الرقعة، وقرأها، فإذا فيها:\n\" ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخُوِّلتُم فعسفتم، ورُدَّت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام القدر نافذة غير مخطئة لا سيما في قلوب أوجعتموها، وأكبادٍ جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن\n_________\n(١٤٩١) \" البداية والنهاية\" (١٠/٢٦٢) .","vol":"2","page":608},{"text":"يموت المظلوم، ويبقى الظالم.\nاعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا مستجيرون، واظلموا فإنا إلى الله متظلمون (وسيعلم الذين ظَلموا أي منقلب ينقلبون)، فعدل لوقته) (١٤٩٢) .\nبل قيل: إن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى سمع عليها الحديث من وراء حجاب، وطلب منها أن تدعو له (١٤٩٣)\n[توفيت رحمها الله تعالى وهي صائمة، فألزموها الفطر، فقالت: \" واعجباه! أنا منذ ثلاثين سنة أسأل الله تعالى أن ألقاه صائمة، أأفطِر الآن؟! هذا لا يكون \"، وخرجت من الدنيا، وقد انتهت قراءتها إلى قوله تعالى: (قل لمن ما في السموات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة) (١٤٩٤) (الأنعام: ١٢)] (١٤٩٥) .\n_________\n(١٤٩٢) \"إعداد المرأة المسلمة\" ص (١٤٣ -١٤٤) .\n(١٤٩٣) \"مرآة النساء \" ص (٨٢) .\n(١٤٩٤) \" السابق\".\n(١٤٩٥) قال الحافظ الذهبي ﵀: (ولجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف، ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دُعاة العُبَيْدِية) اهـ. من \" سير أعلام النبلاء\" (١٠/١٠٦)، وقال الحافظ ابن كثير ﵀: (وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرا جدا، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظا ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز، وربما نسبها بعضهم إلى زين العابدين، وليست من سلالته، والذي ينبغي أن يعتَقد فيها: ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي ﷺ بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام، ومن زعم أنها تفك من الخشب، أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك، رحمها الله وأكرمها) اهـ (١٠/٢٦٢) .","vol":"2","page":609},{"text":"أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان الأموية، أخت الخليفة الراشد عمر ابن عبد العزيز رحمهما الله تعالى:\nكانت مضرب المثل في الكرم والجود، فكانت تقول: \" لكل قوم نَهْمة (١٤٩٦) في شيء، ونهمتي في الإعطاء\"، وكانت تعتق كل يوم جمعة رقبة، وتحمل على فرس في سبيل الله ﷿، وتقول: \" أف للبخل، لو كان قميصًا لم ألبسه، ولو كان طريقًا لم أسلكه \" (١٤٩٧) .\nعجردة العمية:\nعن آمنة بنت يَعْلى بن سُهَيل قالت:\n(كانت عجردة العمية تغشانا، فتظل عندنا اليوم واليومين، قالت: فكانت إذا جاء الليل لبست ثيابها، وتقنَّعت، ثم قامت إلى المحراب، فلا تزال تصلي إلى السحَر، ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر، فقلت لها- أو قال لها بعض أهل الدار-: \" لو نمتِ من الليل شيئًا؟ \"، فبكت، وقالت: \"ذكر الموت لا يدعُني أنام \" (١٤٩٨» .\nوكانت تحيي الليل، وكانت مكفوفة البصر؛ فإذا كان السحر، نادت بصوت لها محزون: \" إليك قطع العابدون دجى الليالي يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك يا إلهي أسألك لا بغيرك أن تجعلني في أول زمرة السابقين، وأن ترفعني لديك في عليين في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أرحم الرحماء، وأعظم العظماء، وأكرم الكرماء يا كريم، ثم تخر ساجدة فيُسمع لها وجبة، ثم لا تزال تدعو، وتبكي إلى الفجر (١٤٩٩) .\n_________\n(١٤٩٦) النهمَة: الشهوة للشيء، والرغبة فيه.\n(١٤٩٧) \" أحكام النساء\" ص (١٣٧) .\n(١٤٩٨) \"صفة الصفوة\" (٤/٣١) .\n(١٤٩٩) \" السابق\" (٤/ ٣١) .","vol":"2","page":610},{"text":"حبيبة العدوية:\nوعن عبد الله المكي أبي محمد قال:\n(كانت \" حبيبة العدوية\" إذا صلت العتمة قامت على سطح لها، وشدَّت عليها درعها وخمارها، ثم قالت: \" إلهي قد غارت النجوم، ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك \"، ثم تقبل على صلاتها، فإذا طلع الفجر، قالت: \" إلهي هذا الليل قَد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت مني ليلتي فأهنأ، أم رددتها علي فأعزى؟ وعزتك لهذا دأبي ودأبك ما أبقيتني، وعزتك لو انتهرتني عن بابك ما برحت، لما وقع في نفسي من جودك وكرمك \" (١٥٠٠) .\nجارية الحسن بن صاع:\nكان الحسن بن صالح يقوم الليل هو وجاريته، فباعها لقوم، فلما صلَّت العشاء، افتتحت الصلاة، فما زالت تصلي إلى الفجر، وكانت تقول لأهل الدار كل ساعة تمضي من الليل: \" يا أهل الدار قوموا! يا أهل الدار صَلوا! \"، فقالوا لها: \" نحن لا نقوم إلى الفجر \"، فجاءت إلى الحسن ابن صالح، وقالت: (بعتني لقوم ينامون الليلَ كُلَّه، وأخاف أن أكسل من شهود نومهم \"، فردها الحسن إليه رحمة بها، ووفاءً بحقها \" (١٥٠١) .\nعابدة من بني عبد القيس:\nكانت إذا جاء الليل تحرمت، ثم قامت إلى المحراب، وكانت تقول:\n_________\n(١٥٠٠) \" إحياء علوم الدين \" (١٥/٢٧٧٤ - ٢٧٧٥) .\n(١٥٠١) \" صفة الصفوة \" (٣/١٩٥) .","vol":"2","page":611},{"text":"\" المحب لا يسأم من خدمة حبيبه \"، وكانت تقول: \" عاملوا الله على قدر نِعَمِهِ عليكم، وإحسانِه إليكم، فإن لم تطيقوا: فعلى قدر ستره، فإن لم تطيقوا: فعلى الحياء منه، فإن لم تطيقوا: فعلى الرجاء لثوابه، فإن لم تطيقوا: فعلى خوف عقابه \" (١٥٠٢) .\nامرأة الهيثم بن جماز:\nقال الهيثم: (كانت لي امرأة لا تنام الليل، وكنت لا أصبر معها على السهر، فكنت إذا نعست ترش عليَّ الماء في أثقل ما أكون من النوم، وتنبهني برِجلها، وتقول: \" أما تستحي من الله؟ إلى كم هذا الغطيط؟ \"، فوالله إن كنت لأستحي مما تصنع) (١٥٠٣) .\nأم الصهباء معاذة بنت عبد الله العدوية زوجة صلة بن أشيم رحمهما الله: وهى تلميذة مباركة لأم المؤمنين عائشة ﵂، كانت- رحمها الله- إذا جاء النهار تقول: \" هذا يومي الذي أموت فيه \"، فما تطعم حتى تمسي، فإذا جاء الليل تقول: \" هذه الليلة التي أموت فيها \"، فتصلي حتى تصبح، ومن قولها: \" عجبتُ لعين تنام، وقد عرفت طول الرقاد في ظلمة القبور \" (١٥٠٥)، وكانت إذا جاء البرد لبست الثياب الرقاق حتى يمنعها البرد من النوم (١٥٠٥) .\n(وكانت تصلى الليل الطويل، فكانت تَكِل الرجال، وهي لا\n_________\n(١٥٠٢) \" السابق\" (٤/٣٩١) .\n(١٥٠٣) \" السابق\".\n(١٥٠٤) \" إحياء علوم الدين\" (١٥/٢٧٧٧)، ومما يجب التنبيه عليه: أن الحياة في القبر ليست مجرد رقاد ونوم، بل هي حياة برزخية في نعيم أو جحيم.\n(١٥٠٥) \" صفة الصفوة\" (٤/٢٢) .","vol":"2","page":612},{"text":"تكلُّ) (١٥٠٦) .\nولما بلغها نبأ استشهاد زوجها وابنها (١٥٠٧)، أتت النساء يواسينها في مصابها، فقالت لهن: \" إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحبًا بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن\"، ولم تتوسد فراشًا بعد مقتل زوجها رحمهما الله تعالى.\nشعوانة:\nوقال يحيى بن بسطام: (كنت أشهد مجلس شعوانة، فكنت أرى ما تصنع من النياحة والبكاء، فقلت لصاحب في: \" لو أتيناها إذا خلت فأمرناها بالرفق بنفسها؟ \" فقال: \" أنت وذاك \"، قال: فأتيناها، فقلت لها: \" لو رفقت بنفسك، وأقصرت عن هذا البكاء شيئًا، فكان أقوى لك على ما تريدين؟ \" قال: فبكت، ثم قالت: \" والله لوددت أني أبكي حتى تنفد دموعي، ثم أبكى دمًا حتى لا تبقى قطرة من دم في جارحة من جوارحي، وأني لي بالبكاء، وأني لي بالبكاء\"، فلم تزل تردد: \" وأني لي بالبكاء \" حتى غشي عليها) (١٥٠٨) .\nوكانت شعوانة تقول في دعائها: \" إلهي ما أشوقني إلى لقائك،\n_________\n(١٥٠٦) \" تنبيه المغترين أواخر القرن العاشر على ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر\" ص (١١٧) .\n(١٥٠٧) وقصة ذلك أن زوجها صلة بن أشيم (خرج غازيا هو وابنه، فقال صله لابنه: \" يا بني! إلى أمك \"، فقال ابنه: \" يا أبت! أتريد الخير لنفسك، وتأمرني بالرجعة؟! أنت والله كنت خيرًا لأمي مني\"، قال: \" أما إذا قلتَ هذا فتقدَّمْ، فتقدم، فقاتل حتى أصيب، فرمى صلة عن جسده، وكان رجلًا راميا، حتى تفرقوا عنه، وأقبل يمشي حتى قام عليه، فدعا له، ثم قاتل حتى قتِل رحمهما الله تعالى)، انظر: \" كتاب الجهاد\" للإمام عبد الله بن المبارك ص (١٢٩) .\n(١٥٠٨) \" إحياء علوم الدين\" (١٥/٢٧٧٥) .","vol":"2","page":613},{"text":"وأعظم رجائي جزائك، وأنت الكريم الذي لا يخيب لديك أمل الآملين، ولا يبطل عندك شوق المشتاقين، إلهي إن كان دنا أجلي، ولم يقربني منك عملي، فقد جعلت الاعتراف بالذنب وسائل عللي، فإن عفوت فمن أولى منك بذلك؟ وإن عدلت فمن أعدل منك هنالك! إلهي قد جرتُ على نفسي فِى النظر لها، وبقى لها حسن نظرك، فالويل لها إن لم تسعدها، إلهي إنك لم تزل بي بَرّا أيام حياتي، فلا تقطع عني برك بعد مماتي، ولقد رجوت ممن تولاني في حياتي بإحسانه، أن يسعفني عند مماتي بغفرانه، إلهي كيف أيأس من حسن نظرك بعد مماتي، ولم تولني إلا الجميل في حياتي، إلهي إن كانت ذنوبي قد أخافتني، فإن محبتي لك قد أجارتني، فتولً من أمري ما أنت أهله، وعُدْ بفضلك على مَن غره جهله، إلهي لو أردت إهانتي لما هديتني، ولو أردت فضيحتي لم تسترني، فمتعْني بما له هديتني، وأدِمْ في ما به سترتني.. \" (١٥٠٩) .\n[وعن محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: (كانت شعوانة قد كَمِدَت حتى انقطعت عن الصلاة والعبادة، فأتاها آتٍ في منامها فقال:\nأذري جفونكِ إما كنتِ شاجيةً ... إن النياحة قد تَشْفي الحُزَينِينَا\nجِدِّي وقُومي وصومي الدهرَ دائبةً ... فإنما الدَّوب من فعل المطيعينا\nفأصبحت فأخذت في الترنم والبكاء، وراجعتِ العمل.\nوعن الحسن بن يحيى قال: كانت شعوانة تردد هذا البيت فتبكي، وتبكِى النساكَ معها، تقول:\nلقد أمِنَ المغرور دارَ مقامِه ... ويوشِك يومًا أن يخاف كما أمِنْ\nوعن رَوْح بن سلمة قال: قال في مُضَر: ما رأيت أحدًا أقوى على\n_________\n(١٥٠٩) \" السابق\" (١٥/٢٧٧٧-٢٧٧٨) .","vol":"2","page":614},{"text":"كثرة البكاء من شعوانة، ولا سمعت صوتًا قط أحرقَ لقلوب الخائفين من صوتها إذا هي نَشَجَت، ثم نادت: \" يا مَوْتي، وبَني الموتى، وإخوةَ الموتى! \".\nوقال أبو عمر الضرير: سمعتها تقول: \" من استطاع منكم أن يبكي فليبكِ، وإلا فليرحم الباكي، فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بما أتى إلى نفسه\".\nوعن الحارث بن مغيرة، قال: كانت شعوانة تنوح بهذين البيتين:\nيُؤمِّل دنيا لتبقى له ... فوافَى المنيةَ قبلَ الأمَلْ\nحثيثًا يُرَوي أصولَ الفَسيلِ ... فعايش الفَسِيلُ (١٥١٠) ومات الرجُلْ وعن فضيل بن عياض قال:\n(قَدِمَتْ شعوانةُ، فأتيتها، فشكوت إليها، وسألتُها أن تَدعوَ بدعاء، فقالت: \" يا فضيل أمَا بينك وبين الله ما إن دعوتَهُ استجاب لك؟ \"، قال: فشهق الفضيل، وخَرَّ مغشيا عليه) (١٥١١) .\nمنيفة بنت أبي طارق البحرانية:\nكانت إذا هجم عليها الليل تقول: \" بخ بخ يا نفسُ قد جاء سرور المؤمن \"، فتقوم في محرابها، فكأنها الجذع القائم حتى تصبح.\nوعن أم عمار بنت مليك البحراني قالت: \" بِتُّ ليلةً عند منيفة ابنة أبي طارق، فما زادت على هذه الآية ترددها، وتبكي: (وكيف تكفرون وأنتم تتلَى عليكم آيات الله وفيكم رسولُه ومن يعتصمْ بالله فقد هُدِي\n_________\n(١٥١٠) الفسيل: مفرده الفسيلة، وهي كل عود يقطع من شجرته، فيغرس، كالنخل وغيره.\n(١٥١١) \"صفة الصفوة\" (٤/٥٥-٥٦) .","vol":"2","page":615},{"text":"إلى صراطٍ مستقيم) (١٥١٢) (آل عمران: ١٠١) .\nأم حيان السُّلَميَة:\nقال أبو خلدة: \" ما رأيت رجلا قط، ولا امرأة أقوى ولا أصبر على طول القيام من أم حيان السلمية، إن كانت لتقوم في مجلس الحي كأنها نخلة تصفقها الرياح يمينًا وشمالا \"، وكانت تقرأ القرآن في يوم وليلة (١٥١٣) .\nرَحلَة العابدة مولاة معاوية:\nعن سعيد بن عبد العزيز قال: \" ما بالشام ولا بالعراق أفضل من رحلة\".\nودخل عليها نفر من القراء، فكلَّموها في الرفق بنفسها، فقالت: \" ما لي وللرفق بها؟ فإنما هي أيامُ مبادرة، فمن فاته اليوم شيء لم يدركه غدًا، والله يا إخوتاه لأصَليَنَ ما أقلَتْنِي جوارحي، ولَأصُومَنَّ له أيام حياتي، ولأبكين له ما حملت الماء عيناي\"، ثم قالت: \" أيكم يأمر عبده بأمر فيحب أن يقصر فيه؟ \".\nولقد قامت- رحمها الله- حتى أقعِدَتْ، وصامت حتى اسودَّت، وبكت حتى عمشت، وكانت تقول: \" علمي بنفسي قَرحَ فؤادي، وكلم قلبي، والله لوددت أن الله لم يخلقني، ولم أك شيئًا مذكورًا \"، وكانت- رحمها الله- تخرج إلى الساحل فتغسل ثياب المرابطين في سبيل الله (١٥١٤) .\nغصنة وعالية:\nكانتا من عابدات البصرة، قال أبو الوليد العبدي: \" ربما رأيت\n_________\n(١٥١٢) \" صفة الصفوة \" (٤/٥٧) .\n(١٥١٣) \"السابق\" (٤/٣٨) .\n(١٥١٤) \" السابق\" (٤/ ٤٠- ٤١) .","vol":"2","page":616},{"text":"غصنة وعالية تقوم إحداهما من الليل، فتقرأ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف في ركعة (١٥١٥) .\nغنضكة:\nوهى من عابدات البصرة، وكانت تصلي عامة الليل، ثم تقول: \" أعوذ بالله من ملائكةٍ غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون \"، فإذا قضت صلاتها قالت: \" هذا الجهد مني، وعليك التكلان \" (١٥١٦) .\nامرأة أبي عمران الجوني:\nمن عابدات البصرة، كانت تقوم من الليل تصلي حتى تعصب ساقيها بالخرق، فيقول لها أبو عمران الجوني: \" دون هذا يا هذه \"، فتقول: \" هذا عند طول القيام في الوقف قليل \"، فيسكت عنها \" (١٥١٧) .\nهنَيْدة:\nعن عامر بن أسلم الباهلي، عن أبيه قال: (كانت لنا جارية في الحي يقال لها: \" هُنيْدَة \"، فكانت تقوم إذا مضى من الليل ثُلثُه أو نصفه، فتوقِظُ ولدَها وزوجَها وخَدَمَها، فتقول لهم: \" قوموا فتوضئوا، وصَلوا، فستغتبِطون بكلامي هذا\"، فكان هذا دَأبَها معهم حتى ماتت، فرأى زوجها في منامه: \" إن كنت تحب أن تَزَوجَها هناك، فاخلفها في أهلها بمثل فعلها، فلم يزل دأبَ الشيخ حتى مات، فأتَى أكبرَ ولدِه في منامه، فقيل له: \" إن كنت تحب أن تُجاوِرَ أبويك في درجتهما من الجنة، فاخلفهما في أهلهما بمثل عَمَلِهما \"، قال: فلم يزل ذلك دأبه حتى مات \"، فكانوا\n_________\n(١٥١٥) \" السابق \" (٤/٤١) .\n(١٥١٦) \" السابق\" (٤/٤٣) .\n(١٥١٧) \" السابق \" (٤/٤٣) .","vol":"2","page":617},{"text":"يُدْعَوْنَ القوَّامين) (١٥١٨) اهـ.\nبريرة:\nوقال ابن العلاء السعدي: (كانت لي ابنة عم يقال لها: \" بريرة \"، تعبدت، وكانت كثيرة القراءة في المصحف، فكلما أتت على آية فيها ذكر النار بكت، فلم تزل تبكي حتى ذهبت عيناها من البكاء، فقال بنو عمها: \" انطلقوا بنا إلى هذه المرأة حتى نعذلها في كثرة البكاء \"، قال: فدخلنا عليها، فقلنا: \" يا بريرة كيف أصبحت؟ \" قالت: \" أصبحنا أضيافًا منيخين بأرض غربة، ننتظر متى نُدْعَى فنجيب\"، فقلنا لها: \" كم هذا البكاء، قد ذهبت عيناكِ منه \"، فقالت: \" إن يكن لعيني عند الله خير، فما يضرهما ما ذهب منهما في الدنيا، وإن كان لهما عند الله شر، فسيزيدهما بكاءً أطول من هذا \"، ثم أعرضت، فقال القوم: \" قوموا بنا، فهي والله في شيء غير ما نحن فيه\" (١٥١٩» .\nشقيقات بشر الحافي:\n(وذكر الخطيب أنه كان لبشر الحافي الزاهد المشهور أخوات ثلاث، وهن: \" مُخًة\"، و\" مضغة \"، و\"زبدة\"، وكلهن عابدات زاهدات مثله وأشد ورعًا أيضًا، ذهبت إحداهن إلى الإمام أحمد فقالت: \" إني ربما طفئ السراج، وأنا أغزل على ضوء القمر، فهل عَلَيَّ عند البيع أن أمَيز هذا من هذا؟ \"، فقال: \" إن كان بينهما فرق، فميزي للمشتري \".\nوقالت له مَرًةً إحداهن: \" ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل، ونحن نغزل فنغزل الطاق، والطاقين، والطاقات، فَخَلصْني من ذلك \"، فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كُله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار (١٥٢٠) .\n_________\n(١٥١٨) \"السابق\" (٤/٣٩١) .\n(١٥١٩) \" إحياء علوم الدين\" (١٥/٢٧٧٧) .\n(١٥٢٠) وفي بعض الروايات: أن الإمام أحمد قال لها: \" من أنتِ عافاك الله؟ \"، =","vol":"2","page":618},{"text":"وَسَألتْهُ عن أنين المريض أفيه شكوى؟ قال: \" لا، إنما هو شكوى إلى الله ﷿ \"، ثم خرجت فقال لابنه عبد الله: \" يا بني اذهب خلفها فاعلم لي مَن هذه المرأة؟ \"، قال عبد الله: فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر، وإذا هي أخته \" مخة \") (١٥٢١) .\nجارية روميهَ:\nوقال عبد الله بن الحسن: (كانت لي جارية رومية، وكنت بها معجبًا، فكانت في بعض الليالي نائمة إلى جنبي، فانتبهت، فالتمستها، فلم أجدها، فقمت أطلبها، فإذا هي ساجدة، وهي تقول: \" بحبك في إلا ما غفرت لي ذنوبي\"، فقلت لها: \" لا تقولي: بحبك لي، ولكن قولي: بحبي لك \"- يعني إرشادًا لها إلى التوسل المشروع بالعمل الصالح- فقالت: \" لا يا مولاي، بحبه لي أخرجني من الشرك إلى الإسلام، وبحبه لي أيقظ عيني، وكثير من خلقه نيام \" (١٥٢٢» .\nسرية:\nوقال أبو هاشم القرشي: (قدمت علينا امرأة من أهل اليمن يقال لها: \" سرية\"، فنزلت في بعض ديارنا، قال: فكنت أسمع لها من الليل أنينًا وشهيقًا، فقلت يوما لخادم لي: \" أشرف على هذه المرأة، ماذا تصنع؟ \"، قال: فأشرف عليها، فما رآها تصنع شيئًا غير أنها لا ترد طرفها عن السماء وهى مستقبلة القبلة، تقول: \" خلقتَ سرية، ثم غذيتها بنعمتك من حال إلى حال، وكل أحوالك لها حسنة، وكل بلائك عندها جميل، وهي\n_________\n= فقالت: \" أخت بشر الحافي\" فبكى﵀- وقال: \" من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها\".\n(١٥٢١) \" البداية والنهاية \" (١٠/٢٩٨)، وانظر: \" أحكام النساء\" ص (١٤٢) .\n(١٥٢٢) \" إحياء علوم الدين \" (١٥/٢٧٧٥ - ٢٧٧٦)، وانظر: \" صفة الصفوة \" (٤/٤٦) .","vol":"2","page":619},{"text":"مع ذلك متعرضة لسخطك بالتوثب على معاصيك فلتة بعد فلتة، أتراها تظن أنك لا ترى سوء فعالها وأنت عليم خبير، وأنت على كل شيء قدير \" (١٥٢٣» .\n\" عفيرة \" العابدة:\nكانت- رحمها الله- لا تضع جنبها إلى الأرض في ليل، وتقول: \" أخاف أن أؤخذ على غِرة وأنا نائمة، وكانت لا تمل من البكاء، فقيل لها: \" أما تسأمين من كثرة البكاء؟ \"، فقالت: \" كيف يسأم إنسان من دوائه وشفائه؟! \" (١٥٢٤) .\nوكانت تقول في مناجاتها: \" عصيتك بكل جارحة مني على حدتها، والله لئن أعنتَ لأطيعنك- ما استطعتُ- بكل جارحة عصيتك بها \" (١٥٢٥) .\nوقدا ابن أخ لها طالت غيبته، فَبُشرتْ به، فبكت، فقيل لها: \" ما هذا البكاء؟! اليوم يوم فرح وسررو \"، فازدادت بكاء، ثمِ قالت: \" والله ما أجد للسرور في قلبي مسكنًا مع ذكر الآخرة، ولقد ذكَرني قدومُه يوم القدوم على الله فمِن بين مسرور ومثبور \" (١٥٢٦) .\nودخل عليها قوم، فقالوا: \" ادعي لنا \"، فقالت: \" لو خرس الخطاءون ما تكلمت عجوزكم، ولكن المحسن أمر المسيء بالدعاء، جعل الله قراكم من نبق الجنة، وجعل الموت مني ومنكم على بال، وحفظ علينا الإيمان إلى الممات، وهو أرحم الراحمين \" (١٥٢٧) .\n_________\n(١٥٢٣) \" السابق\" (١٥/٢٧٧٦) .\n(١٥٢٤) \" صفة الصفوة\" (٤/٣٤) .\n(١٥٢٥) \" السابق \".\n(١٥٢٦) \" السابق \"، وانظر: \" البداية والنهاية\" (١٠/١٧٧) .\n(١٥٢٧) \" صفة الصفوة \" (٤/٣٣) .","vol":"2","page":620},{"text":"وقال أحمد بن علي: (استأذنا على عفيرة، فحجبتنا، فلازمنا الباب، فلما علمت ذلك قامت لتفتح الباب لنا، فسمعتها وهي تقول: \" اللهم إني أعوذ بك ممن جاء يشغلني عن ذكرك \"، ثم فتحت الباب، ودخلنا عليها، فقلنا لها: \" يا أمة الله ادعي لنا \"، فقالت: \" جعل الله قِراكم في بيتي المغفرة \"، ثم قالت لنا: \" مكث عطاء السلمي أربعين سنة، فكان لا ينظر إلى السماء، فحانت منه نظرة، فخر مغشيًا عليه، فأصابه فتق في بطنه، فياليت عفيرة إذا رفعت رأسها لم تعص، وياليتها إذا عصت لم تعد) (١٥٢٨)، وعنها قالت رحمها الله: \" ربما اشهيت أن أنام فلا أقدر عليه، وكيف أنام أو كيف يقدر على النوم، من لا ينام عنه حافظاه ليلًا ونهارًا؟ \" (١٥٢٩) .\nجارية حبشية:\nوقال بعض الصالحين: (خرجت يوما إلى السوق، ومعي جارية حبشية، فاحتبستها في موضع بناحية السوق، وذهبت في بعض حوائجي، وقلت: \" لا تبرحي حتى أنصرف إليك \"، قال: فانصرفت، فلم أجدها في الموضع، فانصرفت إلى منزلي، وأنا شديد الغضب عليها، فلما رأتني عرفت الغضب في وجهي، فقالت: \" يا مولاي لا تعجل علي، إنك أجلستني في موضع لم أر فيه ذاكرًا لله تعالى، فخفت أن يُخسف بذلك الموضع\"، فعجبت لقولها، وقلت لها: \" أنت حرة \"،، فقالت: \" ساء ما صنعت، كنت أخدمك فيكون لي أجران، وأما الآن فقد ذهب عني أحدهما \" (١٥٣٠» .\nعبدة البصرية:\nوهي امرأة عكفت على العبادة، وأفرطت في السهر، وأسرفت في\n_________\n(١٥٢٨) \" إحياء علوم الدين\" (١٥/٢٧٧٦) .\n(١٥٢٩) \" صفة الصفوة\" (٤/٣٣) .\n(١٥٣٠) \" إحياء علوم الدين\" (١٥/٢٧٧٦ - ٢٧٧٧) .","vol":"2","page":621},{"text":"البكاء حتى كف بصرها.\nسمعت قائلا يقول: \" ما أشد العمى على من كان بصيرًا \"! فقالت: \" يا عبد الله، عمى القلب عن الله أشد من عمى العين، وددت أن الله وهب لي كنه محبته، وأنه لم يبق مني جارحة إلّا أخذها \" (١٥٣١) .\nآمنة بنت أبي الورع:\n(كانت آمنة بنت أبي الورع من العابدات الخائفات، وكانت إذا ذكرت النار قالت: \" أدخِلُوا النار، وأكلوا النار، وشربوا من النار، وعاشوا\"، ثم تبكي، وكأنها حبة على مِقْلَى، وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت) (١٥٣٢) .\nوذكر الحافظ ابن الجوزي ﵀:\n(أن امرأة من الصالحات كانت تعجن عجينة، فبلغها- وهي تعجن- موتُ زوجها، فرفعت يدها منه، وقالت: \" هذا طعام قد صار لنا فيه شركاء\"!!\nوأخرى كانت تستصبح بمصباح، فجاءها خبر زوجها، فأطفأت المصباح، وقالت: \" هذا زيت قد صار لنا فيه شركاء \" (١٥٣٣» .\nميمونة:\n(بنت شاقولة الواعظة التي هي للقرآن حافظة، ذكرت يومًا في وعظها أن ثوبها الذي عليها- وأشارت إليه- له في صحبتها تلبسه منذ سبع وأربعين سنة وما تغير، وأنه كان من غزل أمها، قالت: \" والثوب إذا لم يُعْص الله فيه لا يتخرق سريعا \"، وقال ابنها عبد الصمد: كان في دارنا\n_________\n(١٥٣١) \" المرأة العربية\" (٣/٩٧) .\n(١٥٣٢) \" التخويف من النار\" للحافظ ابن رجب ص (٢٣) .\n(١٥٣٣) \"أحكام النساء\" ص (١٤٧) .","vol":"2","page":622},{"text":"حائط يريد أن ينقض فقلت لأمي: \" ألا ندعو البَنَّاءَ ليصلح هذا الجدار؟ \"، فأخذت رقعة، فكتبت فيها شيئًا، ثم أمرتني أن أضعها في موضع من الجدار، فوضعتها، فمكث على ذلك عشرين سنة، فلما توفيت أردت أن أستعلمَ ما كتبت في الرقعة، فحين أخذتها من الجدار سقط، وإذا في الرقعة: (إن الله يمسك السمواتِ والأرضَ أن تزولا) اللهم ممسك السموات والأرض أمسكه) (١٥٣٤) .\nمنيبة:\nوعن أبي عياش القطان قال:\n[كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها: منيبة، وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن رُبما رآها، وتعجب من عبادتها على حداثتها.\nفبينا الحسن ذات يوم جالس، إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت؟ فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: \"يا حبيبتي ما يبكيك؟ \"، قالت له: (يا أبا سعيد الترابُ يُحْثَي على شبابي، ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: \" احفر لابنتي قبرًا واسعا، وكفنها بكفن حسن\"، والله لو كنت أجهز إلى مكة لطال بكائي، كيف وأنا أجهزُ إلى ظلمة القبور ووحشتها، وبيت الظلمة والدود؟)] (١٥٣٥) .\nقال الوضاح بن حسان الأنباري: (حدثني رجل من أهل الكوفة قال: كانت امرأة من التيم مجتهدة في العبادة، فكانت تفطر في كل ثلاثٍ مرة، ولا تخرج من مسجد الحي إلا لحاجة، فقال لها إبراهيم التيمي: \" صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في مسجد الحي\"، ففعلت، فلزمت بيتها، فلم تزدَد إلا خيرًا) (١٥٣٦) .\n_________\n(١٥٣٤) \" البداية والنهاية\" (١١/ ٣٣٣) .\n(١٥٣٥) \"صفة الصفوة\" (٤/٢٧) .\n(١٥٣٦) \"صفة الصفوة\" (٣/١٩٢- ١٩٣) .","vol":"2","page":623},{"text":"عن ابن السماك قال: أذنب غلام امرأة من قريش ذنبًا، فَسَعَتْ إليه بالسوط، فلما قربت منه رمت بالسوط، وقالت: \" ما تَركتِ التقوى أحدًا يَشْفِي غيظَه \" (١٥٣٧) .\nفاطمة بنت نصر العطار:\nكانت من سادات النساء، وهي من سلالة أخت صاحب المخزن، كانت من العابدات المتورعات المخدرات، يقال إنها لم تخرج من منزلها سوى ثلاث مرات وقد أثنى عليها الخليفة وغيره والله أعلم (١٥٣٨) .\nرابعة بنت إسماعيل العدوية:\n(ومن هؤلاء الناسكات رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية، وكانت مضرب المثل في تَدَلُّه القلب واحتراق الكبد حبا لله وإيثارًا لرضاه، وكانت على تواصل صيامها وقيامها، وتتابع زفراتها، وتدفق عبراتها، تستقل كل ذلك في جنب الله، قال يوما شيخ الزهاد سفيان الثوري وهو عندها: \" واحزناه! \" فقالت: \" لا تكذب! بل قل: واقلة حزناه، ولو كنت محزونا لم يتهيأ لك أن تتنفس \".\nومن حديث خادمتها عبدة بنت أبي شوال- وكانت أشبه الناس بها في نسكها وعبادتها-: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في صلاتها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك، وهي فزعة: \" يا نفس كم تنامين؟! يوشك أن تنامي نومة (١٥٣٩) لا تقومين منها إلا بصرخة يوم النشور \") .\nقالت عبدة: (وكان هذا دأبها أمد دهرها حتى ماتت، ولما حضرتها\n_________\n(١٥٣٧) \" السابق\" (٣/١٩٤) .\n(١٥٣٨) \" البداية والنهاية \" (١٢/٢٩٩) .\n(١٥٣٩) بل هي حياة برزخية في نعيم أو عذاب! فكيف يعبر عنها بالنوم؟","vol":"2","page":624},{"text":"الوفاة دعتني، وقالت: \" يا عبدة! لا تؤذني بموتي أحدًا، وكفنيني في جبتي هذه \"- وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون)، ومن قولها: \" ما ظهر من أعمالي فلا أعده شيئا \"، ومن وصاياها \" اكتموا حسناتكم، كما تكتمون سيئاتكم \" (١٥٤٠» .\nعن أزهر بن مروان قال: دخل على رابعة رِياح القيسي، وصالح بن عبد الجليل، وكلاب، فتذاكروا الدنيا، فأقبلوا يذمونها، فقالت رابعة: \" إني لأرى الدنيا بترابيعها في قلوبكم \"، قالوا: \" ومن أين تَوَهمت علينا؟ \" قالت: \" إنكم نظرتم إلى أقرب الأشياء من قلوبكم، فتكلمتم فيه \" (١٥٤١)\n[(قال خالد بن خِداش: سَمعتْ رابعةُ صالحًا المُريَّ يذكر الدنيا في قصصه، فنادته: \" يا صالح، من أحب شيئا أكثر مِنْ ذِكْرِه \".\nوقال محمد بن الحسين البرجلاني: حدثنا بشر بن صالح العَتَكي، قال: استأذن ناس على رابعة، ومعهم سفيان الثوري، فتذاكروا عندها ساعةً، وذكروا شيئا من الدنيا، فلما قاموا، قالت لخادمتها: \" إذا جاء هذا الشيخ وأصحابه، فلا تأذني لهم، فإني رأيتهم يحبون الدنيا \".\nوعن أبي يسار مِسْمَع، قال: (أتيت رابعة، فقالت: جئتني وأنا أطبخ أرزًا، فآثرتُ حديثك على طبيخ الأرز، فرجعتْ إلى القدر، وقد طُبخَت) .\nوعن حماد قال: (دخلت أنا وسلام بن أبي مطيع على رابعة، فأخذ سلام في ذكر الدنيا، فقالت: \" إنما يُذكر شيء هو شيء، أما شيء ليس\n_________\n(١٥٤٠) \"المرأة العربية\" (٣/٩٦ - ٩٧) .\n(١٥٤١) \"صفة الصفوة\" (٤/٢٩) .","vol":"2","page":625},{"text":"بشيء فلا \") (١٥٤٢) .\nوقال أبو سعيد بن الأعرابي: (أما رابعة، فقد حَمَلَ الناسُ عنها حكمة كثيرة، وحكى عنها سفيان وشُعبة وغيرهما ما يَدُل على بطلان ما قيل عنها، وقد تمثلته بهذا:\nولقد جعلتُك في الفؤاد مُحَدثي ... وَأبَحْتُ جسمي مَنْ أرادَ جُلوسي فنسبها بعضهم إلى الحلول بنصف البيت، وإلى الإباحة بتمامه.\nقلت- أي الحافظ الذهبي-: فهذا غلُو وجهل، ولعل مَنْ نسبها إلى ذلك مُباحِيُّ حلولي ليحتجَّ بها على كفره، كاحتجاجهم بخبر: \" كنت سمعه الذي يسمع به \" (١٥٤٣» (١٥٤٤) اهـ.\nقال ابن كثير ﵀:\nوقد (ذكروا لها أحوالًا وأعمالًا صالحة، وصيامَ نهارٍ، وقيامَ ليل، ورؤيت لها منامات صالحة، فالله أعلم) وقال أيضا: (وأثنى عليها أكثر الناس، وتكلم فيها أبو داود السجستاني، واتهمها بالزندقة، فلعله بلغه عنها أمر) (١٥٤٥) اهـ والله أعلم.\nزوجة الملك الصالح نور الدين محمود بن زنكي: عصمت الدين خاتون بنت الأتابك معين الدولة:\nكانت -رحمها الله- كثيرة التهجد، وأحسن النساء في عصرها،\n_________\n(١٥٤٢) \"سير أعلام النبلاء \" (٨/٢٤١-٢٤٢) .\n(١٥٤٣) قطعة من حديث الولاية المشهور، رواه البخاري (١١/٢٩٢-٢٩٣) في الرقاق: باب التواضع، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(١٥٤٥) \"سير أعلام النبلاء\" (٨/٢٤٢ -٢٤٣) .\n(١٥٤٥) \"البداية والنهاية \" (١٠/١٨٦-١٨٧) .","vol":"2","page":626},{"text":"وأعفَهن، وأكبرهن صدقة، و(كانت تكثر القيام في الليل، فنامت ذات ليلة عن وِرْدها، فأصبحت وهي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها، فذكرت نومهَا الذي فوَّت عليها وِردَها، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب \" طبلخانة\" في القلعة وقت السحر، لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل، وأعطى الضارب على الطبلخانة أجرًا جزيلًا، وجراية كثيرة) (١٥٤٦) .\nوقد تزوجت هذه المرأة الصالحة بعد وفاة نور الدين تلميذه صلاح الدين الأيوبي (سنة ٥٧٢ هـ) ﵀ (١٥٤٧) .\nفخربة بنت عثمان البصرية:\nكانت من أسرة عريضة الجاه موفورة الغنى، ولكن ذلك كله لم يطب لها، فخرجت، وتزهدت، وتنسكت، وهجرت الراحة والمنام إلى الصلاة والقيام، وقنعت من العيش برغيف وقدح ماء، فذلك قوتها كل يوم.\nوكانت أشبه الناس برابعة في الوحشة من الدنيا والتدله، هاجرت إلى بيت المقدس وأقامت أربعين عامًا تقف الليل كله بباب المسجد الأقصى تصلي حتى يفتح الباب، فتكون أول داخل وآخر خارج) (١٥٤٨) .\n_________\n(١٥٤٦) \" البداية والنهاية \" (١٢/٣١٧) .\n(١٥٤٧) \" السابق \" (١٢/٢٩٥) .\n(١٥٤٨) \" المرأة العربية \" (٣/٩٨) .","vol":"2","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الخاتمة</span>\n\"نسأل الله حسنها، إذا بلغت الروح المنتهى \"\nإن للأبواب السابقة تعلقًا بقضية \" الحجاب\"، وإن بدا لأول وهلة خلافُ ذلك، سيما إذا لم نضيق مفهوم \" الحجاب \"، ونفهم منه فقط ما يتعلق بستر بدن المرأة. كلا، ليس الحجاب مجرد غطاء لبدن المرأة، إن الحجاب هو عنوان تلك المجموعة الدقيقة من الأحكام الاجتماعية المتعلقة بوضع المرأة في النظام الإسلامي، والتي شرعها الله ﷾ لتكون \" الحصن الحصين\" الذي يحمي المرأة، و\" السياج الواقي \" الذي يعصم المجتمع من الافتتان بها، و\" الإطار المنضبط\" الذي تؤدي المرأة من خلاله دورها العظيم الذي وكلها الله به، واصطفاها له من أجل تحصيل سعادتي الدنيا والآخرة لها ولأمتها كافة، وذلك كله في انسجام دقيق من خلال معنى أعم وأشمل هو تحقيق العبودية الخالصة لله رب العالمين.\n(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (١٥٤٩) .\nويغالط هؤلاء المُضِلون المفسدون الذين يتشدقون بأن حجاب المرأة هو هو \" حجاب على العقل، أو سُلَّم إليه.. \" إلى آخر عباراتهم الجوفاء التى قد يسيغها الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، والأدباء الذين هم في كل واد يهيمون، ولكنها لا تجد مساغا عند أحد من العقلاء فضلًا عن العلماء. إن عقولهم هي \"المحجوبة\" عن إدراك حكمة العليم الحكيم من تشريع\n_________\n(١٥٤٩) الذاريات (٥٦) .","vol":"2","page":628},{"text":"\" الحجاب\".. وإن تصوراتهم وأذواقهم وأخلاقهم هي \" الممسوخة\" حيث تجعل العري \" الحيواني\" تقدمًا ورقيًا، والستر \" الإنساني تخلفًا ورجعية! ولقد رأينا- فيما تقدم- كيف تأثرت المرأة المسلمة بهذه التشريعات الربانية الحكيمة، ومارست دورها العظيم على أكمل وجه- من خلال \"الحجاب \" بمفهومه الشامل، فكان أن أثرت في الأمة أجمل التأثير وأحسنه.\nلقد اعتزت بالإسلام واعتز الإسلام بها، حتى صار بين أيدينا تاريخ مجيد حافل بسيرتها العطرة بوصفها أما وزوجة وابنة، وعالمة فقيهة محدثة، وعابدة خاشعة قانتة، فبان للجميع ما الذي كان يخفيه الحجاب، وماذا كان يدور خلف الخدور.\nإنها الثمرات المباركة التي جنتها الأمة من وراء الحجاب..\nإنه الشرف العزيز الذي صانه الحجاب..\nوإن هؤلاء هن \" خريجات مدرسة الحجاب\" قبل أن تعرف الدنيا مدرسة، وقبل أن يطرق سمعها \" حقوقُ المرأة وتكريمها \"، وإنما كان ذلك الوثوب إلى المجد، وكانت تلك النهضة إلى علياء السمو، يوم أدرك المسلمون الأوائل عِظم مكانة المرأة، وخطورة دورها:\nفأدوا إليها حق التربية والتهذيب \"من وراء حجاب \".\nوحفظوا لها حق التعليم النافع \" في إطار الحجاب \".\nفكان ما رأينا من نماذج مشرفة لا يأتي عليها الحصر.\nواليوم:\n(يريد نساؤنا أن ينهضن، فهن يبتغين الوسائل، ويتلمسن الخطى،","vol":"2","page":629},{"text":"وما لهن لا ينهضن؟ ومن ذا يذودهن عما شرع الله لهن من الحقوق؟ وهل هن إلا منابت حُماتِنا، وأساةُ جراحنا، وبناة نهضتنا، ومنار دعوتنا، ومثار قوتنا؟ وهل نحن وإيَّاهن إلا كجناحي النَّسْر الصاعد، إذا هِيض أحدُهما خُفِض الآخر، فيصبح لا يجد في الأرض مقعدًا، ولا في السماء مصعدًا؟ لينهض النساء ما شئن أن ينهضن- ففي نهوضهن نهوضنا وبلوغ غايتنا-، ولكن ليحذر الآخذون بيدها، والداعون إلى نهضتها التواءَ القصد، والتباس الطريق، والتنكب عن صراط الله المستقيم، وشرعه القويم، فينالها الزلل، وتلجَّ بها العثرات، حتى يقول قوم: \" لقد كان ما كانت فيه خيرًا وأبقى \".\nألا وإن من التواء القصد، وضلال الطريق، أن يتخذ نساؤنا المرأة الغربية مثالًا يحتذينه، ويُمْعِنَّ في التشبه به.\nونحن لا نَكْذِبُ المرأة الغربية، فليست جديرة بأن تكون مثلا أعلى يحتذى، فهي أولًا كافرة أو لا دين لها، وهي ثانيا هائمة لا خلق لها، إلا أن تهتدي بنور الإسلام، وتستضيء بأخلاقه وأحكامه، ولا يشفع لها أن يقال: \" هي كاتبة حاسبة، وصانعة بارعة، وباحثة قديرة \"، فإنها لم تزد أن دعمت حياة \" المادة\"، وزادتها نوطا جديدًا.\nولا يخدعنا ما يدعيه مقلدة الأجنبي وعساكره الفكريون من أن المرأة الأوربية حظيت بتكريم حقيقي، فإنها إنما أعطيت مظاهر كاذبة تُستغل من ورائها كلُعبة للهو بها هنا وهناك، وغطى القوم ذلك بما أسموه تحريرا ورقيا.\nإن وضع المرأة عند الأجانب ليس إلا مظهرًا خاليا من القيم الرفيعة الصادقة، مثلها في ذلك مثل التقليد الذي جرى عليه الحاكم البريطاني حين يأمر باعتقال شخص، فيرسل إليه كتابا يختمه بهذا التوقيع: (خادمكم المطيع فلان) هكذا يُذَيلُ الحاكم خطابه الذي يعتقل به سيده المطاع!!.","vol":"2","page":630},{"text":"ولا شك أنه لو لم يكن لهذه الوضعية المعكوسة للمرأة ما يؤيدها من قوة السلاح وبهارج المادة والدعاية المتعصبة التي ألبستها عند مقلدتهم في ديارنا لبوس الحق، لو لم يكن لها ذلك لكانت سواد وجه لأي قوم اختاروها وسلكوا طريقها، ولكن هكذا يَضِل من اغتر، وغاب عن طريق الله وهداه.\nلكل ذلك نناشد نساءنا أن يسدلن الحجب بينهن وبين نساء أوروبة، ففي أمهاتنا الأوليات فضل وغَناء، أولئك اللواتي نَسْتَن عن طيب أعراقهن، وكرم أخلاقهن، وتلك دماؤهن تترقرق بين جوانحنا، وأعطاف قلوبنا، ولا نزال نَحِن إلى أمجادهن، لأن لنا في المجد نسبا عريقًا، وطريقًا عميقًا، فأما ما نحن فيه من مظاهر النوء بالواجب، والنكول عن الجِدّ، فإنما هو صدأ عارض وغشاء مستحدث ألقاه علينا تطاول الأمد، وتتابع الحادثات، وما أصابنا في سبيل ذلك من فداحة الظلم، وذل الإسار الذي فرضته علينا الأيدي الأوربية \" الرحيمة\" التي تمسح شعث الكلب، وتدمي قلوب الشعوب!\nفيا أيتها الأخت المسلمة:\nلقد حق لك أن تتيهي، وتفاخري نساء العالمين بما أسداه الإسلام إليك من تكريم، وما رفع عنك عن ظلم ومهانة.\nفاحذري أن تبدلي نعمة الله كفرا، أو أن تستبدلي الذي هو أدني بالذي هو خير.\nوأنت أيتها الأم الرؤوم (١٥٥٠):\nليس ذاك الذي بين يديك بالطفل الذي يبقى أمد الحياة طفلًا، بل\n_________\n(١٥٥٠) الرؤوم: العطوف.","vol":"2","page":631},{"text":"هو سر الوجود يذاع عنك، وصفحة الحياة تنشر عن أثرك، وهو أدل عليك من أسارير (١٥٥١) وجهك، وبيان لسانك.\nليست هذه البَضْعةُ (١٥٥٢) المتحركة باللعبة الملْهِية بل هي العالَم الأكبر، يضطرب كاضطرابه، ويتخايل في مخايله، فانظري على أي حالة تريدين أن يكون الكون.\nليس ذلك الدارج بين عينيك بالصبي الخَلي (١٥٥٣) بل هو خبيئة الدهر وعُدَّتُه.\nوربما ضُم معاطفُ ثوبك على رجل الدنيا وواحدها، وما ينبئك لعل هناك مُلْكًا يترقب سيفه، أو عرشًا يطمئن لقدميه، أو أمة متعثرة تنتظر النَصَفة من وَضَح رأيه، وفيض بيانه) (١٥٥٤) .\nإن تلك المنزلة التي أعدكِ الله لها هي تلك التي وصفها بعضهم بحق فقال: \" إن المرأة التي تهز المهد بيمينها، تهز العالم بيسراها\".\n* * *\nليست المرأة بالخَلْق الضعيف النفس، فإن من احتمل ما احتملته في ظلمات التاريخ، وعَسْف الأب، وصَلَف الزوج، إلى وَقر الحمل، وألم المخاض، وسُهْد الأمومة- راضيًا مطمئنا- لا يكون ضعيف النفس.\n_________\n(١٥٥١) أسارير: واحدها أسرار، والأسرار واحدها سِرَرْ -كعنب- خطوط الجبهة والكف.\n(١٥٥٢) البضعة: القطعة من اللحم.\n(١٥٥٣) الخَلَى: مقصورة: الرطْب من النبات، والخلِي: \" الفارغ.\n(١٥٥٤) \" المرأة العربية\" بتصرف (١/٧-١٥) .","vol":"2","page":632},{"text":"وليست بالخلق الحقير، فإن من وكَلَه الله بابتناء الشعوب، وإنشاء الأمم لا يكون حقيرا.\nألا إنما المرأة دعامة المجتمع، لا يزال ناهضا مكينًا ما نهضت به، فإن هي وَهَنت دونه، وتخاذلت عنه، واستهانت بالفضيلة، وأغرقت في الترف، تهاوت عَمَدهُ، وتَصَدعت جوانبه، وانبت نظامه، وانفصمت عراه، وكان حقا على الله أن يُديل من الأمة، ويبدلها، (وما ربك بظلام للعبيد) (١٥٥٥) .\nوالآن أيتها الأخت المسلمة:\n- فمن أجل \" عودة الحجاب \" تصفحنا تاريخ\" المعركة بين الحجاب والسفور \" أولا.\n- ومن أجل \" عودة الحجاب\" كانت هذه الوقفة مع \" المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية\" ثانيًا.\n- ومن أجل \" عودة الحجاب \" نواصل المسيرة المباركة إن شاء الله مع القسم الثالث: \" الأدلة\".\nاللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا الإسلام حتى نلقاك عليه، ولا تحرمنا خير ما عندك، بسوء ما عندنا، واجعلنا هادين مهديين، غير ضالين ولا مضلين، سِلْما لأوليائك، حربًا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادى بعداوتك من عاداك، ربنا اغفر لي، ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، وصلِّ اللهم على عبدك ونبيك ورسولك محمدٍ، وعلى آله\n_________\n(١٥٥٥) فصلت (٤٦) .","vol":"2","page":633},{"text":"وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إِلى يوم الدين، آمين، والحمد لله رب العالمين.\nالثلاثاء ١٧ من ذي القعدة ١٤٠٤ هـ\nالموافق ١٤ من أغسطس ١٩٨٤م\nوكان الفراغ من إعداد الطبعة الخامسة في ليلة الأحد ٩ من ربيع الثاني ١٤١١ هـ، الموافق ٢٨ من أكتوبر ١٩٩٠م.","vol":"2","page":634},{"text":"أدلة الحجاب\nبحث جامع لفضائل الحجاب وأدلة وجوبه والرد على من أباح السفور\nالدكتور محمد أحمد إسماعيل المقدم\nعفا الله عنه\nدار القمة لتوزيع الكتاب والشريط والسي دي\nدار الإيمان إسكندرية","vol":"3","page":null},{"text":"أدلة الحجاب","vol":"3","page":null},{"text":"أدلة الحجاب\nبحث جامع لفضائل الحجاب وأدلة وجوبه والرد على من أباح السفور\nتأليف\nالدكتور محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم\nدار القمة لتوزيع الكتاب والشريط والسي دي فاكس: ٥٤٥٧٧٦٩ ت: ٥٢٢٢٠٠٢\nدار الإيمان للطبع والنشر والتوزيع إسكندرية ت: ٥٤٥٧٧٦٩","vol":"3","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>مقدمة هذه الطبعة</span>\nالحمد لله كما ينبغي لجلاله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله.\nأما بعد:\nفلا تزال قضية \"الحجاب والسفور\" تستقطب اهتمام المصنفين منذ فَتح بابَها \"قاسم أمين \" حتى اليوم، ولا تزال المطابع تقذف بالجديد من الإصدارات حول هذا الموضوع بين مؤيد ومُعارض، والجديد في هذا\n\"الجديد\" أن بعض المصنفين من داخل الصف الإسلامي خاضوا فيه بأسلوب\nينتهي إلي موافقة \"قاسم أمين \" في القول بإباحة السفور، وإن سلكوا-\nلإثبات ذلك- مسلكا يتنزه عن المقاصد الرديئة التي تلطخ بها \"قاسم أمين \" وشيعته من بعده، لكنه لم يسلم- في الوقت نفسه - من بعض التحفظات:\nأولها: أن بعض المصنفين طوعت لهم أنفسهم استعمال مصطلحات \"دخيلة\" على الوسط العلمي، لم يعهد إطلاقها إلا في سياق الخطاب\nالعالماني الذي درج على وصف المتشرعين بالتطرف، والتشدد، والغلو، والتعصب.\nالثاني: ضعف الملكة الفقهية، وغياب \"الحِسِّ \" الفقهي عند ربط حكم الحجاب بواقع المجتمعات الإسلامية المعاصر:\nفهذا أحدهم يضيق ذرعًا بإعمال فقهاء المذاهب المتأخرين قاعدة \"سد الذرائع \" في هذه المسألة، قائلًا: \".. حتى اشترطوا ذلك الشرط العجيب الذي لم يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة، ألا وهو: شرط أمن الفتنة\" اهـ.\nوهذا أحدهم يبالغ في إهمال قاعدة \"سد الذرائع \" إلى حد القول بإباحة كشف الوجه والكفين من المرأة الجميلة، ولو خُشيت الفتنة، باعتبار السفور حقا مشروعًا لها.\n- أ-","vol":"3","page":null},{"text":"كما أنهم لا يراعون عواقب مذهبهم حيث إن هناك كما هائلا ممن يضقن بالحجاب الشرعي من ضعيفات الإيمان، يتربصن في انتظار الإشارة \"الصفراء\" التي تبيح لهن المرور إلى مرحلة السفور لتضيء في إثرها الإشارة \"الخضراء\" فينطلقن زرافات ووحدانًا إلى التبرج والتهتك في أبشع صوره، كما حدث في بعض البلاد الإسلامية، والتاريخ يعيد نفسه، والسفور مطية الفجور.\nالثالث: أن هذه المصنفات موجهة أساسًا إلى المنقبات، وليس إلي المتبرجات، وتكاد تنحصر غايتها في حمل المنقبة على السفور، وليس هداية المتبرجة إلى الحجاب.\nالرابع. إهمال بعض أدلة المخالف، والإعراض عنها، وبخاصة فقه بعض الآيات القرآنية المتعلقة بالحجاب رغم وضوح دلالتها على وجوب الحجاب الكامل.\nالخامس: التركيز على نسبة القول بوجوب النقاب إلى المعاصرين\nمن العلماء والدعاة وطلبة العلم، والانبساط في نقدهم ووصفهم بالتشدد والغلو والتعصب مع حجب أسماء الأئمة السابقين الذين نصروا هذا المذهب وتبنوه، بحيث يخيل للقاصر في العلم أن هذا مذهب مُحْدَث ليس من السلف ولا الأئمة من قال به، وأنه من بنات أفكار \"المتطرفين\"\nالسادس: غلبة ملامح \"الغرور العلمي \" على المصنفين الذين يشتطون في دمغ مخالفيهم بأوصاف كريهة منفرة، ويسرفون في تحقيرهم، وطرحهم أرضًا الواحد تلو الآخر، وكأن الترجيح بين الآراء يعتمد على كم الشتائم والازدراء والتعالي على المخالف، ولو كان من العلماء العاملين، والهداة المهتدين، غافلين عن أنهم بهذا المسلك يقدمون لطلاب العلم أسوة تُحتذى، وأنموذجًا يقتدى به، ونحن لا ننكر أن في المسألة خلافا قديما، ولكن الذي ننكره هو الحيدة عن \"أخلاقيات الخلاف \" التي التزمها الأئمة\n- ب -","vol":"3","page":null},{"text":"المهديون في كل عصر ومصر.\nالسابع: أن بعضهم يعمد إلى المختلفين في المسالة فيقسمهم إلى طرفين ووسط، بحيث يحتكر لرأيه منذ البداية الوسطية والاعتدال، ومن خالفه إما غال مُفْرِط، وإما جافٍ مُفَرِّط.\nإن ظاهرة \"القسمة الثلاثية\" هذه تعني التحكم بالعاطفة في قضايا الخلاف الفقهي السائغ الذي لا يجوز فيه رمي المخالف بالبدعة والضلالة والتشدد.. إلخ، كما أنها تعني مصادرة آراء المخالفين منذ البداية، لأن صاحب هذا المسلك- وبهذا الأسلوب العاطفي- يبدو وكأنه يسوق الناس بعصاه لتبني مذهبه \"المحتَّم \"، فهو يقول: \"ليس لكم أن تبيحوا التبرج لأنه تفريط وجفاء، وليس لكم أن توجبوا النقاب لأن القول بالوجوب إفراط وتشدد، وغلو وتعصب، وبما أن \"كلا طرفي قصد الأمور ذميم \"، إذن فلا مناص لكم من السبيل الأوحد الذي يحتكر الوسطية والاعتدال، والذي لا بديل له ألا وهو القول بإباحة السفور\".\n* وهاك أمثلة لظاهرة \"القَسمة الثلاثية\" تشي بها عناوين بعض الكتب:\nالأول: \"الرد المفحم على من خالف العلماء، وتشدد، وتعصب، وألزم المرأة أن تستر وجهها وكفيها، وأوجب، ولم يقنع بقولهم: إنه سنة ومستحب (١) .\nالثاني: \"النقاب للمرأة: بين القول ببدعيته، والقول بوجوبه \"\nالثالث: الحجاب بين الإفراط والتفريط.\n_________\n(١) ومفهوم هذا العنوان إخراج كل مخالف- في القديم والحديث- من زمرة العلماء، ويؤخذ منه رمي العلماء القائلين بوجوب الحجاب الكامل بالتشدد، والتعصب، كابن تيمية وابن القيم وعشرات غيرهما، ويفهم من نسبة \"الإلزام\" إليهم أنهم يتكلمون بالظن\nوما تهوى أنفسهم، ولا يبنون مذهبهم على أدلة القرآن والسنة.\n-ج-","vol":"3","page":null},{"text":"ويبقى في هذه العجالة تنبيهان:\nالأول: وهي مسألة دقيقة لا يتفطن إليها من \"يحتار\" بين الأقوال والأدلة المتعارضة في المسألة؟ وينزعج من الخلاف فيها، وهي أن مسائل الفقه ليست كلها على درجة واحدة من الوضوح والحسم في حكمها، فالألفاظ منها واضح الدلالة كالظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم، ومنها غير\nواضح الدلالة كالمتشابه، والمجمل، والمشكل، والخفي، وأنه لا يشترط أن يقوم دليل قطعي على كل مسألة، بل أغلب مسائل الفقه ظنية، وإن الاجتهاد كما يجري في \"ثبوت النص \" كذلك يجري في \"دلالته \"، وأن المسائل الفقهية الخلافية يتم الترجيح فيها بالنظر في مجموع الأدلة، وليس في طائفة منها، وأن ضعف الدليل لا يستلزم ضعف المدلول، بمعنى أن صاحب المذهب الراجح قد يكون في ضمن أدلته دليل ضعيف من حيث ثبوته، أو من حيث دلالته، دون أن يقدح هذا في ترجيح مذهبه بالنظر إلى مجموع الأدلة التي استند إليها.\n\nالثاني: أننا يجب أن نتلقى الحكم الشرعي الراجح بصدور منثسرحة، وتسليم مطلق، وثقة كاملة بأن شريعة الله فيها صلاحنا وخيرنا، وأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأنه لا تخلو عبادة من مشقة معتادة، ومجاهدة للنفس، غير أن هذه المشقة إذا زادت وتضاعفت وصارت فوق الاحتمال، فهنا تأتي الرخصة الشرعية رفعًا للحرج، ودفعًا للعنت، وتيسيرًا على المكلفين، وأن على الباحث في المسألة أن يفرق بين \"الحكم الشرعي\" الأصلي الذي نستنبطه من الأدلة بتجرد، ونزاهة، وبين \"الفتوى\" التي تعتمد على المواءمة بين الحكم الشرعي وظروف المستفتي الخاصة أو الطارئة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nالإسكندرية في السبت ٢٨ صفر ١٤٢٣ هـ\nالموافق ١١ مايو ٢٠٠٢م\n-د-","vol":"3","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>مقدمة الطبعة الأولى</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله، نحمده! ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)\n[آل عمران: ١٠٢] .\n(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: ١] .\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١» [الأحزاب: ٧٥- ٧١] .\nأما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nمن نافلة القول أن نربط بين \"عودة الحجاب \" إلى وجوه المسلمات وبين الصحوة الإسلامية الناهضة التي أشرق بنورها كثير من البلاد الإسلامية ومنها \"مصر\"، فقد فرضت قضية \"حكم النقاب \" نفسها في واقعنا الفكري المعاصر بعد أن خُيِّل إلى الجميع أن مثل هذه المفاهيم، بل \"التقاليد\" (١) -\n_________\n(١) راجع \"معركة الحجاب والسفور\" للمؤلف (٩٦ ١-١٩٧) هامش رقم (٣٩٦) .","vol":"3","page":5},{"text":"في زعمهم - قد ولَّت إلى غير رجعة.\nأجل! حدث هذا في أعقاب الصحوة الإسلامية القائمة على الأصالة، والاقتباس من منابع ديننا الحنيف الذي حملت رسالته، وحفظت أمانتَه هذه الأمةُ طيلة اثنى عشر قرنا من الزمان- قبل طروء الغزو الفكري- فكان أن امتزجت به مشاعرها، وجرت في سبيله دماؤها، وأصبح هو حياتها وفكرها، ومبدأها ومعادها، ونبض قلوبها.\nلقد تتابعت الحملات العسكرية ثم الفكرية للقضاء على هذا الدين وأهله، وخُيل إلى أعداء الإسلام أن الأمة مجتمعة قد استجابت لجهودهم، وأزمعت أن تُوَدعِّ الإسلام نهائيُّا إلى غير رجعة.\nوإذا بالطائفة الظاهرة المنصورة من علماء الأمة الربانيين يتصدَّوْنَ عن وَعي واقتدار في كل عصر ومِصر لأعداء الإسلام، ويبشرون الذين تسرب اليأس إلى قلوبهم بقوله تعالى: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧])\nوتوله ﷿ (سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: ٧] وقوله سبحانهْ: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [الشورى: ٢٨]، وقوله جل وعلا: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف: ٢١] .\nويوبخون أعداء الله بقوله جل وعز: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا) [الكهف: ١٠٢] . وإذا بشباب في ريعان الصبا، وفتياتٍ في عمر الورود ينسابون من كل حدب وصوب، ينضمون إلى ركب الإيمان، ينادون بالعودة إلى كتاب الله وتحكيم شرعه، حاملين أنفسَهم وأنفاسَهم وأموالهم وأوقاتهم وزهرات شبابهم على أكفهم، باذلين ذلك كله في سبيل إعلاء كلمة الله، متحملين العذاب، والاضطهاد، والتشريد، والتنكيل، واثقين بوعد الله\nموقنين أن الشهداء والأسرى والمعذبين معالم على طريق النصر والتمكين.","vol":"3","page":6},{"text":"لقد تجاوبت الآفاق بأصداء دعائهم: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) [آل عمران: ١٩٣]، حين رددها شباب تركيا، والباكستان، وأفغانستان، ومصر، وجزيرة العرب، والشام، والمغرب، والسودان، وسائر الديار الإسلامية، بل في أعماق أوربة وأمريكا، وراحوا ينهلون من كتاب الله سبحانه، وسنة رسول الله ﷺ، وقد وجهوا قلوبهم ووجوههم من جديد- بعد حيرة واغتراب- شطر البيت العتيق،\nوولوْا ظهورَهم (لِلْقُلَّيْس) (١) قبلةِ الضرار التي أقامها \"أبرهة\" (٢) روسيا، و\"أبرهة، أمريكا في \"موسكو\" و\"واشنطن \"، والتي قام على سدانتها، وتسيير الوفود نحوها \" آباءُ رِغال \" (٣) عصرنا.\nلقد وَلَّوْها ظهورهم عملًا بقوله ﷾: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: ١٥٠] .\nلقد أذهلت الصحوة الإسلامية أعداء الإسلام، فأخذوا يرقصون رقصة الموت التي يحاول فيها الذبيح باستماتة كأنه يحارب معركته الأخيرة، وما هي إلا \"صحوة الموت \" الزؤام أمام \"صحوة البعث \"\n_________\n(١) القُلَّيْس: اسم كنيسة بناها بصنعاء \"أبرهة الأشرم\" لم يُرَ مثلُها بشيء من الأرض، وأراد أن يصرف إليها حَجّ العرب. (البداية والنهاية) للحافظ ابن كثير (١٧٠/ ٢)، والإشارة هنا إلى \"الكرملين \" و\"الكونجرس \" وغيرهما. \"\n(٢) أبرهة الحبشي ملك اليمن، وهو الذي قاد أصحاب الفيل لهدم الكعبة.\n(٣) أبو رغال: هو الرجل الذي بعثته ثقيف مع أبرهة ليدله على طريق مكة كي يهدم البيت الحرام، فلما أنزله بالمغمس- موضع قرب مكة في طريق الطائف- مات أبو رِغال هنالك، فرجمت قبره العربُ، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمُغَمس، وفيه قال جرير:\nإذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجمكم لقبر أبي رغال\nانظر \"البداية والنهاية \" للحافظ ابن كثير (٢/ ١٧١)، و\"الأعلام\" للزركلي (٥/ ١٩٨) .","vol":"3","page":7},{"text":"الإسلامي المرتقب (١) .\n_________\n(١) ومن مظاهر ذلك تصريحات لساستهم تعكس هذا الرعب والفزع من \"عودة الإسلام \" من جديد! يقول \"حاييم هبرتزوج\" السفير اليهودي السابق لدى \"الأمم المتحدة\":\n(إن ظهور حركة اليقظة الإسلامية بهذه الصورة المفاجئة المذهلة قد أظهر بوضوح\nأن جميع البعثات الدبلوماسية، وقبل هؤلاء جميعًا وكالة الاستخبارات الأمريكية كانت تغط في سبات عميق) اهـ. من صحيفة الـ \"جيروزالم بوست \" الصهيونية- بتاريخ (٢٥/ ٩/ ١٩٧٨ م) - نقلًا عن \"الاتجاهات الفكرية المعاصرة\" للدكتور على جريشة هامش ص (١١) .\nوهذا راديو إسرائيل يبث في تعليق سياسي: (إن عودة الروح الدينية للظهور\nمن جديد في المنطقة يشكل تهديدا مباشرا لمستقبل إسرائيل، ولمستقبل الحضارة\nالغربية بأسرها) اهـ. بصوت معلق إذاعة إسرائيل للشئون السياسية الساعة العاشرة والربع مساء يوم (٥/٩/١٩٧٨ م) نقلًا عن \"الاتجاهات الفكرية المعاصرة\" هامش ص (١٢) .\nوهذا \"ابن جوريون \" يرتجف قائلًا:\n(نحن لا نخشى الاشتراكيات، ولا الثوريات، ولا الدِيمقراطيات في المنطقة، نحن فقط نحشى الإسلام، هذا المارد الذي نام طويلا، وبدأ يتململ من جديد اهـ. - نقلا عن \"أجنحة المكر الثلاثة\" للأستاذ عبد الرحمن حبنكة ص (١٣١) .\nوقال أيضا في \"الكنيست \": اصبروا، فلن يكون هناك سلام لإسرائيل ما دام العرب تحت قيادة الرجعيين، إن الشرط الأساسي للسلام هو أن يقوم في البلدان العربية حكومات ديمقراطية تقدمية متحررة من التقاليد الإسلامية اهـ.\nانظر \"القسم الأول\" ص (٨٢) .\nوهذا \"شعيا بومان \"- كاتب يهودي - يصيح في هَلَع وفَزَع:\nإن على أوربة أن تظل خائفة من الإسلام، ذلك الدينً الذي ظهر في مكة لم يضعف من الناحية العددية، بل هو في ازدياد واتساع، ثم إن الإسلام ليس دينًا فحسب، بل إن من أهم أركانه الجهاد، وهذا ما يجب أن تتنبه له أوربا جيدا)\nاهـ. من \"أجنحة المكر الثلاثة\" ص (١٣١) .\nومن الجدير بالذكر أن أحد أعضاء الكنيست اليهودي علق على أحداث الانتفاضة الإسلامية في فلسطين مؤخرَا بقوله: =","vol":"3","page":8},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إننا نواجه نوعًا جديدا من البشر لم يكن موجودًا من قبل، رجال يقبلون على الموت بقدر ما نريد نحن الحياة اهـ.\nانظر \"الاعتصام\" عدد جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ - فبراير ١٩٨٨ م ص (١٢) .\nويقول المنصِّر \"لورنس براون \": (لقد كنا نخوف بشعوب مختلفة، ولكننا بعد\nالاختبار نجد مبررًا لمثل هذه المخاوف، لقد كنا نُخَوَّف من قبل بالخطر اليهودي، وبالخطر الأصفر، وبالخطر البلشفي، إلا أن هذا التخوف كله لم يتفق كما تخيلناه، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا فكل مضطهد لهم عدونا\nالألد، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفر فهنالك دول ديمقراطية\nكبرى تقاومها، ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي) اهـ. من \"أجنحة المكر الثلاثة\" ص (٦٧) .\nوجاء في صحيفة (أحرونوت) الإسرائيلية:\n(إن على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة هامة هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي أننا نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عاما، ويجب أن يبقى\nالإسلام بعيدَا عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب أن لا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل، وبأي أسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية قي المنطقة المحيطة بنا) اهـ.\nمن صحيفة (أحرنوت) اليهودية بتاريخ (١٨/٣/ ١٩٧٨م) نقلًا عن \"الاتجاهات الفكرية المعاصرة\" هامش ص (١٢) .\nويقول المستشرق شاتلي \"\nإذا أردتم أن تغزوا الإسلام، وتخضدوا شوكته، وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة لها، والتي كانت السبب الأول والرئيسي لاعتزاز المسلمين وشموخهم، وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم، عليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية بإماتة روح\nالاعتزاز بماضيهم وكتابهم القرآن، وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر ثقافتكم وتاريخكم، ونشر روح الإباحية، وتوفير عوامل الهدم المعنوي، وحتى =","vol":"3","page":9},{"text":"وما أكثر الإرهاصات التي تبشر باقتراب الوعد الحق الذي وعد الله عباده المؤمنين في قوله ﵎: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩]) .\nفعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا\nيذهبُ الليلُ والنهار حتى تُعْبَد اللات والعزى\"، قالت: قلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩]) أن ذلك تام، قال: \"إنه سيكون من ذلك ما شاء الله \" (١) الحديث \"\nومما يوضح هذه البشارة:\nما رواه شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n\"إن الله زَوَىَ (٢) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ\nمُلْكها ما زويَ لي منها\" (٣) الحديث.\n_________\n= لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج البسطاء لكفانا ذلك؛ لأن الشجرة يجب\nأن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها اهـ.\nمن \"غزو العالم الإسلامي \" للمستشرق \"شاتلي \" ص ٢٦٤) - نقلا عن \"أجنحة المكر الثلاثة\".\n(١) رواه مسلم رقم (٢٩٠٧) في \"الفتن\" باب \"لا تقوم الساعة حتى تعبد دَوْس ذا الخلصة\" (٨/ ١٨٢)، والحاكم (٤/ ٤٤٦، ٤٤٧، ٥٤٩)، وفال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه اهـ.\nقال الألباني ﵀: (في هذا الحديث بيان أن الظهور المذكور قي الآية لم يتحقق بتمامه، وإنما يتحقق في المستقبل، ومما لا شك فيه أن دائرة الظهور اتسعت بعد وفاته ﷺ في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولا يكون التمام إلا بسيطرة\nوالإسلام على جميع الكرة الأرضية، وسيتحقق - هذا قطعا لإخبار رسول الله ﷺ بذلك) اهـ. من \"تحذير الساجد\" ص (١٧٣) .\n(٢) أي: جمع وضم.\n(٣) رواه مسلم (٨/ ١٧١)، رقم (٢٨٨٩) في الفتن، باب \"هلاك هذه الأمة =","vol":"3","page":10},{"text":"وما رواه جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ أنَه قال: \"لَيَبلُغَن هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار، ولا ترك الله بيتَ مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدينَ، بِعِز عزيز، أو بِذلِّ ذليل، عِزّا يعز الله به الإسلام، وذلّا يذل به الكفر\" (١) .\nإن واقع الصحوة الإسلامية العالمية اليوم يبشر بأنها أخذت تقترب شيئًا فشيئًا من الموعد المرتقب الذي بَشر به رسول الله ﷺ في قوله: \"ثم تكون خلافة على منهاج النبوة \" (٢) .\n_________\n= بعضهم ببعض، وأبو داود رقم (٤٢٥٢) في الفتن \"باب ذكر الفتن ودلائلها. والترمذي رقم (٢١٧٦) في الفتن، باب \"ما جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثا في أمته \"، وابن ماجه في الفتن باب (ما يكون من الفتن، رقم (٤٠١٦) .\nوالأمام أحمد (٥/ ٢٧٨، ٢٨٤) من حديث ثوبان ﵁.\nوالإمام أحمد أيضا من حديث شداد بن أوس ﵁ (٤/ ١٢٣) .\n(١) رواه من حديث تميم الداري ﵁ مرفوعا الإمام اْحمد (٤/ ١٠٣)، ورواه أيضا عن المقداد بن الأسود ﵁ مرفوعًا (٦/ ٤) ولفظه: \"لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل، إما يعزهم الله ﷿ فيجعلهم من أهلها، أو يذلهم فيدينون لها\"، والحاكم (٤/ ٤٣٠- ٤٣١)، قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي، وهو على شرط مسلم وحده.\nو(المَدَرُ): المدن والحَضَر، و(الوَبَرُ): صوف الإبل والأرانب ونحوها\n(٢) جزء من حديث رواه الإمام أحمد (٤/٢٧٣) .\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ١٨٩): (رواه أحمد والبزار أتم منه،\nوالطبراني ببعضه في \"الأوسط \" ورجاله ثقات) اهـ.\nعن حذيفة ﵁ مرفوعًا: \"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون،\nثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت \".","vol":"3","page":11},{"text":"وآية ذلك أنك ترى الشباب يترقى رويدا رويدا ليصل إلى \"منهاج النبوة\" فها هم يقيمون دعوتهم على أصل الأصول في دعوة الأنبياء والمرسلين ألا وهو توحيد الله سبحانه، والبراءة من الشرك، وتحرير ولائهم لله ورسوله والمؤمنين، ومنابذة أعداء \"لا إله إلا الله \" والبراءة منهم، والدعوة إلى التوحيد، ونشر عقيدة \"أهل السنة والجماعة\"، كل ذلك يحتل مساحة شاسعة من خريطة دعوتهم، أليس هذا هو جوهر \"منهاج النبوة\" ولبه وقطب رحاه؟\nوها هم يحيون الدعوة إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة في كل ما يعرض لهم من قضايا ومشكلات.\nوها هم يجددون الدعوة إلى نبذ الفرقة والاختلاف، والاعتصام بحبل الله والائتلاف بالتمسك بالسنة، والبراءة من البدعة.\nوها هم ينفضون الغبار عن تراثهم، ويُحْيُونَ مفاهيم السلف الصالح ﵃، ويجتهدون في أن يترقَوْا، إلى منهج السلف الصالح، وأن \"يَتَسَامَوْا\"، إلى أخلاقهم وعبادتهم! وجهادهم، وأن \"يتقدموا \" إلى تصوراتهم التي تلقوها من مشكاة النبوة الخاتمة دونما كدر ولا دَخَن.\nأليست هذه أهم خصائص \"منهاج النبوة\"؟!\nلقد أوْلى الإسلام المرأة اهتماما بليغا، وَبَوَّأها مكانة سامقة، وكرَّمها أعظم تكريم، وكيف تفاعلت بهذا كُلّه، فمارست دَوْرَها العظيم، وخلَّفت لنا تاريخًا حافلًا بسيرتها العطرة كأم وزوجة وابنة، وكمؤمنة مجاهدة صابرة، وكعالمة فقيهة محدثة، وكعابدة خاشعة قانتة، حتى بان للجميع ما الذي كان يخفيه الحجاب، وماذا كان يدور خلف الخدور؟\nإنها الثمرات المباركات التي جنتها الأمة من وراء الحجاب، إنه الشرف العزيز الذي صانه الحجاب، وإن هؤلاء هُنَّ خريجات \"مدرسة الحجاب\" قبل أن تعرف الدنيا مدرسة، وقبل أن يطرق سمعها \"حقوق المرأة وتكريمها\".","vol":"3","page":12},{"text":"لقد كان من القضايا التي واجهت الصحوة الإسلامية \"قضية المرأة\" تلك القضية ذات الارتباط الوثيق بالنظام الاجتماعي في الإسلام، والتي يتفرع عنها مسائل تعليمها، وعملها، وحجابها..\nوحول هذا الأخير نشأ الجدل، وثارت التساؤلات ما بين مخلص حائر يبحث عن الحق، وبين مغرض مجادل في الحق بعد ما تبين.\nمن هنا احتدم الجدال حول \"حكم تغطية المرأة وجهها وكفيها عن الرجال الأجانب عنها. وهل ذلك فرض أم فضل؟ \".\nفمن قائل: إن النقاب بدعة تركية، أو مملوكية، أو فارسية إيرانية.\nومن قائل: إنه رجعية جاهلية.\nومن قائل إنه بدعة وتنطع يأباه دين الإسلام ... إلخ.\nبل ذهب بعض المضلين إلى الإفتاء بأن العلماء مجمعون على بدعيته، و\"براءة\" الإسلام منه!!\nلقد راجت هذه القضية في توقيت لافت للنظر، من حيث اقترانه بأحداث سياسية جذرية، وتحركات فكرية عَلمانية، وحملات قمع محمومة، وإجراءات تعسفية (١) حاول الساسة من خلالها إخفاء هزيمتهم النفسية أمام الصحوة الإسلامية الجارفة، وخنق هذه الدعوة الناشئة، ووأدها في مهدها.\n_________\n(١) ووصل الأمر في تركيا- مثلًا- إلى حَدِّ أن الحكومة هناك لم تكتف بمطاردة المحجبات داخل تركيا، حتى (تقدم السفير التركي في ألمانيا الغربية بطلب إلى الحكومة الألمانية يطلب فيه منع الطالبات التركيات الدارسات في ألمانيا من ارتداء الحجاب، غير أن رد وزارة الخارجية الألمانية كان بمثابة صفعة قوية إذ أجابت بأن ألمانيا دولة علمانية، ولذا فهي لا تتدخل في الشئون الدينية للطلاب) اهـ.\nمن (المختار الإسلامي) - العدد (٥٨) - السنة الثامنة- ربيع أول ١٤٠٨ اهـ، نوفمبر ١٩٨٧ م.","vol":"3","page":13},{"text":"وكانت كل هذه الأحداث والتحركات والحملات والإجراءات تصب في مجرى العداء والخصومة للإسلام وللعاملين من أجله، ذلك المجرى الخبيث الذي أصبح من السمات الثابتة لخارطة الوقائع على طول القرن الحالي، والذي ازداد اندفاعه النكِد في العهود القريبة.\nإذ طفت على السطح \"فقاقيع \" المتغربين، واعتلت المنابرَ الإعلامية وجوه مشبوهة، وألسنة مسعورة سبق اختيارها بدقة وعناية، ثم دُفع بها إلى حلبة الإعلام لتؤدي دورها المرسوم سلفا خدمة للعديد من تيارات التدخل الدولي، أو التبعية المحلية، ولتسعى سعيا حثيثا دائبا لتقليص مساحة هيمنة الإسلام على الحياة وتخطيطه لها، وتفريغه من مضمونه الرباني الشمولي.\nمن هنا كان لزاما أن تُواجَهَ هذه الحملاتُ الخبيثة، وأن تُفْضَحَ هذه المؤمرات، وَتكشَفَ أبعادُ قضية \"تحرير المرأة، وخلفياتها لوضعها تحت منظار الفحص، وتعرية جذور وفروع هذا النبت الخبيث.\nوقد تقدم بيان ذلك في كتاب \"معركة الحجاب والسفور\".\nوالآن: جاء دور التفنيد والرد وبيان الأدلة وكشف الشبهات:\nلقد حرَّر لفيف من الكُتَّاب كثيرَا من المصنفات المطوَّلة، والرسائل المختصرة، حول \"حكم كشفَ الوجه والكفين من المرأة\"، وركز بعضهم على جانب من جوانب أدلته دون سائرها، فكان كلا منها على حدة، لا يَشفي من القارئ المعاصر غُلةَ الصدى (١)، فتجاسر المقصر المذنب، المتعرض لما لا يطيق، وتطفَّل على مائدة أولئك الأفاضل، وحاول جهده أن يجمع من كتبهم ورسائلهم مجموعا يؤلف بينها، ويلم شعثها، ويجمع شتاتها، - ويستوعب ذكر أدلتها، ويدفع شُبَه المخالفين لها، في صحيفة\n_________\n(١) الصدى: العطش.","vol":"3","page":14},{"text":"كاملة، ورقيمة حافلة.\nفشرعت منذ سنوات طوال أحاول الإنجاز والإتمام، لكن يعوقني القصور والتقصير، فظللت بين إقدام وإحجام، حتى مَن الكريم المتعال بإخراج كتابين، الأول: \"معركة الحجاب والسفور\"، والثاني: \"المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية\"، وهما كالتوطئة والتمهيد، لهذا الثالث المقصود.\nثم جمعت- حسبما تمكنت، وقدر ما تَحَصَّلتُ- آيات بينات، وأحاديثَ شريفات، وأخبارَا نيرات في موضوع البحث، مع تفسيرها الذي حرَّره العلماء الفحول، وشرحِها الذي حبَّره أئمة المنقول، وأذعن له جمهورهم بالتلقي والقبول، ضاما إلى ذلكّ من مقالات أهل العلم المتقدمين منهم والمتأخرين ما وقفت عليه، جامعا لأشتات هذه الأبواب المتفرقة في الدواوين.\nغير أن هذا المجموع مع كونه شَذَرَمَذَرَ، لفقده الترتيبَ المتقن والتهذيبَ المستحسن، لم يُوفّ بالمقصود، لكنني حاولت من باب \"سَددوا، وقاربوا\"، فا لا يُدْرَكُ كُلُّه لا يُتْرَك جلّه.\nولم أرَ في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمامِ","vol":"3","page":15},{"text":"هذا، وقد رتبتُ الكتاب على مقدمة، وستة أبواب، وخاتمة:\nالباب الأول:\nالفصل الأول: فتنة المرأة.\nالفصل الثاني: احتياطات الإسلام لسد ذرائع الفتنة بالمرأة.\nالباب الثاني:\nالفصل الأول: معنى الحجاب ودرجاته.\nالفصل الثاني: تاريخ الحجاب.\nالباب الثالث:\nالفصل الأول: فضائل الحجاب.\nالفصل الثاني: مثالب التبرج.\nالباب الرابع:\nالفصل الأول: شروط الحجاب الشرعي.\nالفصل الثاني: أين نحن من الحجاب الشرعي.\nالباب الخامس: أدلة وجوب ستر الوجه والكفين:\nالفصل الأول: أدله القرآن الكريم.\nالفصل الثاني: الأحاديث النبوية المتعلقة بحكم الحجاب.\nالباب السادس:\nالفصل الأول: شبهات وجوابها.\nالفصل الثاني: نصوص علماء المذاهب الأربعة في حكم الحجاب","vol":"3","page":16},{"text":"والله ﷾ أسأل أن يجعله نورا لإخواني المسلمين، ونارا على أعداء الدين، وصلى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.\nالإسكندرية في/ الأحد ١٥ جمادى الآخرة ١٤٠٩ هـ\nالموافق ٢٢ يناير ١٩٨٩ م.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>الباب الأول</span>\nالفصل الأول:\nفتنه المرأة.\nالفصل الثاني:\nاحتياطات الإسلام لسد منابع الفتنة بالمرأة","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>الفصل الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>فتنة المرأة</span>\nإن المرأة المسلمة لقيت عناية فائقة من الإسلام بما يصون عفتها، ويجعلها عزيزة الجانب، سامية المكانة، وإن الضوابط التي فرضها عليها في ملبسها، وزينتها وعلاقتها بالرجال لم تكن إلا لِسَدِّ ذريعة الفساد، وتجفيف منابع الافتتان بها، فإذا هي تنكبت تلك المحجة، وانحرفت عن هذا السبيل، وحطمت تلك الحواجز، وتعدت تلك الضوابط، فثارت على البيت والولد، وانكشفت في المجامع والأندية، وانغمرت في اللهو واللعب، وراحت تعلن عن نفسها بشقاشق القول، وفضول اللسان، فهنالك الويل والوبال، والفتنة والدمار، والداء العضال.\nلقد كان الإشفاق من وبال ذلك الداء أشد ما خامر قلب رسول الله ﷺ، وفي سبيله ألقى على السابقين الأولين من المسلمين كلمته الخالدة-: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه \" (١)، ليبين لنا كيف أن الافتتان بالمرأة قد يؤدي إلى إحباط عمل مِن أفضل ما يتقرب به إلى الله ﷿، وهو\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ١٥) - طبعة المكتبة السلفية- في بدء الوحي، والإيمان، والعتق، وفضائل أصحاب النبي ﷺ، والنكاح، والأيمان والنذور، والحيل، ومسلم رقم (١٩٠٧) في الإمارة، وأبو داود رقم (٢٢٠١) في الطلاق، والترمذي رقم (١٦٤٧) في فضائل الجهاد، والنسائي (١/ ٥٩-٦٠) في الطهارة، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"3","page":21},{"text":"الهجرة إلى الله سبحانه ورسوله ﷺ.\nوقد أشار القرآن الكريم إلى خطر الفتنة بالمرأة، فقال ﷾: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [آل عمران: ١٤]، فقدَّم سبحانه النساء لعراقتهن في هذا الباب؛ ولأن أكثر الرجال إنما دخل عليهم الخلل من قِبل هذه الشهوة، ولعله لأجل ذلك أيضا قدم ﷾ المرأة على الرجل في قوله جل وعلا: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢]،.\nوقال ﷾ حاكيا عن عزيز مصر: (قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) [يوسف: ٢٨]،.\nوحذر رسول الله ﷺ من فتنة المرأة، ونصح لأمته قي هذا الباب أعظم النصح.\nفعن أسامة بن زيد ﵄ قال قال رسول الله ﷺ:\n\"ما تركتُ بعدي فتنةً هي أَضَر على الرجالِ من النساء \" (١) .\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان \" (٢) .\n_________\n(١) رواه البخاري (٩/ ٤١) في النكاح: باب ما يُتَقَّى من شؤم المرأة، ومسلم رقم (٢٧٤٠) في الذكر والدعاء: باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وبيان الفتنة في النساء، والترمذي في الأدب: رقم (٢٧٨٥) باب ما جاء في التحذير من فتنة النساء، وقال: - \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(٢) رواه الترمذي رقم (١١٧٣) في الرضاع: باب رقم (١٨)، وقال: \" حسن غريب\"، وقد رمز السيوطي له بالصحة، وقال المناوي: (رواه عنه أيضا باللفظ\nالمذكور الطبراني، وزاد: \" وإنها أقرب ما تكون من الله وهي في قعر بيتها\" قال\nالهيثمي: رجا له موثقون، ورواه أيضَا ابن حبان (رقم ٣٢٩- موارد) عنه) =","vol":"3","page":22},{"text":"قال الطيبي: والمعنى المتبادر أنها ما دامت في خِدرها لم يطمع الشيطان فيها، وفي إغواء الناس، فإذا خرجت طمع، وأطمع لأنها حبائله، وأعظم فخوخه (١) .\nقوله: \"فيستشرفها الشيطان \" أصل الاستشراف: وضع الكف فوق الحاجب، ورفع الرأس للنظر.\nقال المنذري: أي ينتصب ويرفع بصره إليها، ويَهمُّ بها؛ لأنها قد تعاطت سببًا من أسباب تسلطه عليها، وهو خروجها من بيتها (٢) اهـ.\nوعنه ﵁ قال: \"إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته، وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عَبَدَت امرأة رَبها مثلَ أن تعبده في بيتها\" (٣) .\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلِفُكم فيها، فناظِر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أولَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء\" (٤) .\n_________\n= اهـ. من \"فيض القدير\" (٦/ ٢٦٧) .\n(١) \"فيض القدير\" (٦/ ٢٦٦) .\n(٢) وعلق الألباني قائلًا: \"هذا في شيطان الجن، فما بالك في شيطان الإنس، لاسيما شياطين إنس هذا العصر الذي نحن فيه، فإنه أضر على المرأة من ألف شيطان؛ لأن أغلب شبان هذا الزمان لا مروءة عندهم، ولا دين، ولا شرف، ولا إنسانية، يتعرضون للنساء بشكل مفجع، وهيئة تدل على خساسة ودناءة وانحطاط، فعلى ولاة الأمر- إن كانوا مسلمين- أن يؤدبوا هؤلاء الفسقة الشررة، والوحوش الضارية\" اهـ من \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/ ١٣٨) . رواه الطبراني في \"الكبير\" وقال الهيثمي في \"المجمع \": \"رجاله ثقات \" (٢/ ٣٥)، وقال المنذري: \"إسناده حسن \" ووافقه الألباني.\nرواه مسلم رقم (٢٧٤٢) في الذكر، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، والترمذي =","vol":"3","page":23},{"text":"وقد أوغل نساء بني إسرائيل في المعاصي، وتَفَنَّنَّ في فتنة الرجال، ومن مظاهر ذلك:\nما أخبر به ﷺ في قوله: \"كانت أمرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتما من ذهب، مُغَلَّفًا بطين، ثم حشته مِسكا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين، فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا\" (١) .\nوفي رواية. \"فكانت إذا مرت بالمجلس حركته، فنفخ ريحه \".\nوروى عروة عن عائشة ﵂ قالت: \"كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلًا من خشب يتشرفن للرجال في المسجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسُلِّطت عليهن الحيضة\" (٢) .\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: \"كان الرجال والنساء من بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة إذا كان لها خليل تلبس القالَبين (٣) تطوّل بهما لخليلها، فألقى الله عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: أخرجوهن من حيث أخرجهن الله\" (٤) .\n_________\n= رقم (٢١٩٢) في جملة حديث طويل في الفتن، باب: ما جاء ما أخبر النبي ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة، وابن ماجة رقم (٤٠٠٠) في الفتن، باب: فتنة النساء.\n(١) أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٠ ٤، ٤٦، ٦٨)، وأخرجه النسائي مختصرًا في الزينة: (٨/ ١٥١، ١٩٠)، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع الصغير، (٤/ ١٥٩) رقم (٤٣٤٠) .\n(٢) قال الحافظ ﵀: أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح وهذا- وإن كان موقوفًا- حكمه حكم الرفع لأنه لا يقال بالرأي، وروى عبد الرزاق نحوه بإسناد صحيح عن ابن مسعود اهـ- نقله عنه في \"الفتح الرباني \" (٥/ ٢٠٢) .\n(٣) القالبين: بفتح اللام وكسرها نعل من خشب كالقبقاب.\n(٤) رواه الطبراني في \"الكبير،، ورجاله رجال الصحيح \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٣٥) .","vol":"3","page":24},{"text":"وقد عاقبهن الله ﷿ على إحداث التبرج والزينة.\nفعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت فيما روته عنها عمرة بنت عبد الرحمن: \"لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما مُنِعَهُ نساءُ بنى إسرائيل \" (١)\nقيل لعمرة: أوَ مُنِعْنَ؟ قالت: نعم.\nوجاء في كتبهم ما يشر إلى هذا العقاب، فقد جاء في الأصحاح الثالث من سفر أشعيا: \"إن الله سيعاقب بنات صِهيون على تبرجهن، والمباهات برنين خلاخيلهن باْن ينزع عنهن زينة الخلاخيل، والضفائر، والأهلة، وا لحِلَق، والأساور، والبراقع، والعصائب \".\nوقد نبأ النبي ﷺ بوقوع بعض نساء أمته في نفس الكبيرة، وبشرهن بأسوء مصير، فقال ﷺ: \"صِنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا\" (٢)\nوقد يقع الافتتان بالمرأة من وجه آخر، إذا خلبت لُبَّ الرجل،\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ٤٠٦) في الأذان: باب انتظار الناس قيام الإمام العالم، ومسلم رقم (٤٤٥) في الصلاة، بابْ خروج النساء إلى المساجد، و\"الموطأ\" (١/١٩٨) في القبلة، باب: ما جاء في خروج النساء إلى المساجد، وأبو داود\nرقم (٥٦٩) في الصلاة، باب: التشديد في خروج النساء إلى المساجد، وانظر: \"سنن الترمذي\" (٢/ ٤٢٠)، وكذا رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٦/\n٩١،١٩٣،٢٣٥) .\n(قال الكرماني: فإن قلت: من أين علمت عائشة ﵂ هذه الملازمة، والحكم بالمنع وعدمه ليس إلا لله تعالى قلت: مما شاهدت من القواعد الدينية المقتضية لحسم مواد الفساد. اهـ. نقلًا عن \"الفتح الرباني\" (٥/ ٢٠٢) .\n(٢) أخرجه مسلم رقم (٢١٢٨) في الجنة: باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء.","vol":"3","page":25},{"text":"وسحرت عقله، وزينت له ترك الواجب، أو فعل المحرم.\nعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ: \"ما رأيت من ناقصات عقلٍ ولا دين أغلبَ لذي لُبّ منكن \" (١) الحديث.\nولذا قال الشاعر:\nيَصْرَعْن ذا اللُّبِّ حتى لاحِراك به ... وَهُنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا\nومن هنا قال الله ﵎: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) [التغابن: ١٤، ١٥]،.\n_________\n(١) رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمر ﵄ رقم (٤٦٧٩) في السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، وهو قطعه من حديث رواه مسلم رقم (٧٩) في الإيمان باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وابن ماجه رقم (٤٠٠٣) في الفتن: باب بيان فتنة النساء.\n. وأخرج البخاري نحوه (٣/ ٣٨١) ضمن حديث طويل عن أبي سعيد الخدري ﵁ بلفظ: \"ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُب الرجل الحازم من إحداكُنَ يا معشر النساء\" في الزكاة: باب الزكاة على الأقارب، وفيْ الحيض: باب ترك الحائض الصوم، وفي العيدين: باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، وفي الصوم: باب الحائض تترك الصوم والصلاة، وفي الشهادات: باب شهادة النساء.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>احتياطات الإسلام لسد ذرائع الفتنة بالمرأة</span>\nمن حكمة الله ﷾ أن ركب في الإنسان شهوة الفرج تركيبا قويا، وجعل لها عليه سلطانَا شديدَا، فإذا ثارت كانت أشد الشهوات عصيانًا على العقل، فلا تقبل منه صرفَا ولا عدلا، إلا من تحجزه التقوى، ويعصمه الله ﷿ بتوفيقه.\nوالدليل على شدة هذا الميل أن الإنسان يحتمل بكل الرضا مشاق وتكاليف الزوجية وتربية الأولاد، والكد والتعب من أجلهم، بحيث صار الإنسان مسوقا عن طريق تسليط هذه الشهوة إلى التناسل وعمارة الدنيا ليقضي الله أمرًا كان مفعولا.\nإن المرأة من طبعها استهواءُ الرجل، والسيطرة على مشاعره، وامتلاك حسه ولبه، وفي سبيل إغوائه، ولفت نظره إليها قد تصنع من ألوان الفتن ما يجر إلى المنكر.\nوالإسلام يقدر ما رُكب في طبيعة النوعين من التجاذب الذي يؤدي إلى الافتتان والفساد، فإذا تُرِك الناس لدواعي أهوائهم فسدت الأعراض، وفثست الإباحية.\nوالله ﷾ عليم بخلقه سواء منهم الرجل أو المرأة أو الشيطان، قال جل وعلا: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: ١٤]، وقد نبهنا سبحانه إلى أن غاية الشيطان في هذا الباب أن يوقع النوعين في حضيض الفحشاء، لكنه يسلك في تزيينها، والإغراء بها مسلك التدرج والاستدراج عن طريق خطوات يقود بعضها إلى بعض،","vol":"3","page":27},{"text":"أولها النظرة، ثم النظرة تولد خطرة تطرق القلب، فإن دفعها العبد استراح مما بعدها، وإن لم يدافعها قويت، فصارت وسوسة، فكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها، وإلا قويت، وصارت شهوة، فإن عالجها، وإلا صارت إرادة، فإن عالجها، وإلا صارت عزيمة، ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها، وأقترن بها الفعل ولابد) (١) .\nولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء من أوله أيسر وأهون من استفراغه بعد حصوله إن ساعد القدر، وأعان التوفيق.\nومن هنا قال العليم الخبير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [النور: ٢١]، ولما أراد الله ﷿ أن ينهانا عن الفاحشة لم يقل: (ولا تزنوا)، ولكن قال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) [الإسراء: ٣٢]، فهذا أبلغ؟ لأنه نهى عن مجرد الدنو منه عن طريق ذرائعه ومقدماته، وقال سبحانه: (تِلْكَ حُدُودُ الله فَلَا تَقْرَبُوهَا) [البقرة: ١٨٧]، فا بالك بمن يتخطاها؟!\nومن أجل ذلك كله كان (الحفاظ على العرض) أحد المقاصد الأساسية العليا للشريعة الإسلامية، والتي تدور حولها جملة كبيرة من الأحكام، مَنْ تأمَّلَها وجد أنها كُلَّها تقود إلى هدفٍ واحد وهو: \"منع وقع فاحشة الزنا\"؛\n- تعظيمًا لحرمات الله.\n- وصيانة للأعراض.\n- ومحافظة على النسل.\n- وتطهيرا للمجتمع من الرذيلة.\nواتخذت الشريعة في ذلك اتجاهين:\nالأول: اتجاه وقائي يمنع وقوع الفاحشة عن طريق سد المنافذ المؤدية إليها سدًّا محكمَا.\n_________\n(١) \"التبيان في أقسام القرآن \" ص (٣٠٤) .","vol":"3","page":28},{"text":"والثاني: اتجاه علاجي عن طريق فتح أبواب التعفف والحصانة على مصاريعها، وشق الطرق المعبدة الموصلة إلى ما أحَلَّه الله.\nوهذا نفصله فيما يلي إن شاء الله تعالى.\nأولًا- الإجراءات الوقائية:\nتحريم الزنا وبيان أنه خراب للدنيا والدين\nأجمعت الشرائع السماوية على تحريم الزنا، واعتبرته من أكبر الآثام، وأعظم الجرائم التي تدنس النفس البشرية، وتحول بينها وبس سعادتها وكمالها، ووضعت له أقصى عقوبة في باب العقوبات وأشنعها، وهي الرجم بالحجارة حتى الموت، وتوعدت فاعليها بالعقوبات العاجلة، والعذاب الأليم في الآخرة، واتفقت المذاهب الأخلاقية علي تحريم الزنا واستقبحته، وحكمت عليه بالشناعة القبيحة، وجعلته قب عداد الجرائم الكبرى، قال ﷾: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) [الإسراء: ٣٢]،\nوالقرآن الكريم يجعل الزنا قرين الشرك والقتل قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠» [الفرقان: ٦٨ - ٧١] عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في صلاة الكسوف:\n\"يا أمة محمد، والله إنه لا احَدَ أَغْيَرُ مِنَ الله، يَزْنِي عَبْدَه، أو تزني أَمَتُهُ، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحِكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرا\"، ثم رفع يديه\nفقال: \"اللهم هل بلغت\" (١) .\n_________\n(١) رواه البخاري رقم (١٠٤٤)، كتاب الكسوف: باب الصدقة في الكسوف =","vol":"3","page":29},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولّا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن \" (١) .\nوعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان على رأسه كالظلَّة، فإذا أقلع رجع إليه \" (٢) .\nوعن ابن عباس ﵄، قال رسول ﷺ: \" إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله \" (٣) .\nوعن ابن عمر ﵄، قال رسول ﷺ: \"لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوْا\" (٤) .\n_________\n= \"فتح الباري \" (٢/ ٦١٥)، ومسلم في كتاب الكسوف \"شرح النووي \" (٦/٢٠١)\n(١) رواه البخاري (٥/ ١٤٣) في الظالم: باب النهبى بغير إذن صاحبه، وفي الأشربة في فاتحته، وفي الحدود: باب الزنا وشرب الخمر، وفي المحاربين: باب إثم الزناة، ومسلم رقم (٥٧) في الإيمان: باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن التلبس بالمعصية، وأبو داود رقم (٤٦٨٩) في السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، والترمذي رقم (٢٦٢٧) في الإيمان: باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن، والنسائي (٨/ ٦٤) في السرقة: باب تعظيم السرقة.\n(٢) رواه بنحوه أبو داود رقم (٤٦٩٠) في السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، والترمذي رقم (٢٦٢٧) في الإيمان: باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن، وصححه الحاكم (١/١٢٢)، ووافقه الذهبي.\n(٣) رواه الحاكم (٢/ ٣٧)، وقال: \"صحيح الإسناد\"، ووافقه الذهبي، \"ورواه الطبراني، وأبو يعلى بإسناد جيد، انظر: \"الترغيب \" (٣/١٩٤)، \"مجمع الزوائد\" (٤/١١٨) .\n(٤) قطعة من حديث رواه ابن ماجه رقم (٤٠١٩) في الفتن: باب العقوبات (٢/ ٤٨٩)، وأبو نعيم في الحلية\" (٨/٣٣ -٣٣٤)، والحاكم (٤/٥٤٠) وقال:\nصحيح الإسناد ووافقه الذهبي وحسنه الألباني لشواهده في \"الصحيحة\"\nرقم (١٠٦)","vol":"3","page":30},{"text":"وعن بريدة مرفوعا: \"ما ظهرت فاحشة في قوم قط إلا سلط الله ﷿ عليهم الموت \" (١) .\nوبلغ التنفير من هذه الفاحشة وأهلها أن أم جرَيْج العابد دعت على\nابنها أن يعاقبه الله بأن \"لا يموت حتى يرى وجوه المياميس \" (٢) كما جاء في الحديث، وقد ابتلي بذلك﵀- في قصة معروفة، والشاهد منها أن مجرد وقوع العين على هؤلاء الفواحش عقوبة وشر.\nولقد جعل الله ﷾ التعفف عن الزنا، والتصون منه من صفات المؤمنين المفلحين، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧» [المؤمنون: ١ - ٨]،.\nوفي قصة يوسف ﵇ أبلغ دليل على فضيلة العفة وحسن عاقبتها.\nوفي السنة أحاديث كثيرة صحيحة في هذا المعنى:\nففي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:\nفعَدَّ منهم رجلًا \"دعته امرأة ذاتُ مَنْصب وجمال، فقال: إنى أخاف\nالله \" (٣)\n_________\n(١) قطعة من حديث رواه الحاكم (٢/ ١٢٦)، والبيهقي (٣/ ٣٤٦)، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي.\n(٢) انظر نص الحديث في البخاري (٣/ ٩٤) في كتاب العمل في الصلاة: باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة، وفي المظالم، والأنبياء، ومسلم في \" صحيحه، كتاب البر والصلةْ باب تقديم الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها.\n(٣) جزء من حديث ش رواه البخاري (٢/١٦٨) في الأذان: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة. وفي الزكاة، وفي الرقاق، وفي المحاربين، ومسلم رقم (١٠٣١) =","vol":"3","page":31},{"text":"وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال رسول الله ﷺ: \"من يضمنْ لي ما بين رجليه، وما بين لَحْيَيهِ أضمنْ له الجنة\" (١) .\nوفي حديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم صخرة وهم في الغار، فلم يجدوا بُدًّا من التوسل إلى الله بصالح أعمالهم، فاستشفع أحدهم ببره لوالديه، واستشفع الثاني برده أجر عامل كان تركه عنده، فنماه له أضعافًا مضاعفة، واستشفع الثالث بأنه كانت له ابنة عمِّ يهواها، فما زال يراودها عن نفسها، حتى ألمّ بها قحط، فراودها، فخضعت له، فلما تمكن منها، قالت له: اتق الله، ولا تفضَّ الخاتمْ إلا بحقه، فإذا هو يرتعد من خشية الله، وينصرف عنها، ويترك لها الذهب الذي أعطاها ابتغاء وجه الله، فأزال الله الصخرة عن فم الغار بفضل أعمالهم الصالحة (٢) .\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: كان فيمن كان قبلكم رجل اسمه الكِفْل، وكان لا ينزع عن شيء\"- وفي رواية: \" كان الكفْل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتى امرأة علم بها حاجه، فأعطاها عطاءً كثيرًا\"- وفي رواية: \"ستين دينارًا- فلما أرادها على نفسها- ارتعدت، وبكت، فقال؟ ما يُبكيك؟ قالت: لأن هذا عمل ما عمِلته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنتِ هذا من مخافة الله؟ فأنا\n_________\n= في الزكاة: باب فضل إخفاء الصدقة، والموطأ (٢/ ٩٥٢، ٩٥٣) في الشعر: باب ما جاء في المتحابين في الله، والترمذي رقم (٢٣٩٢) في الزهد: باب ما جاء\nفي الحب في الله، والنسائي (٨/ ٢٢٢-٢٢٣) في القضاء: باب الإمام العادل.\n(١) رواه البخاري (١١/ ٣١٤) في الرقاق: باب حفظ اللسان، وفي المحاربين: باب فضل من ترك الفواحش، والترمذي رقم (٢٤١٠) في الزهد باب ما جاء في حفظ اللسان\n(٢) انظر نص الحديث في \"صحيح البخاري، (٦/٥٨٤) في الأنبياء: باب حديث الغار، وفي البيوع، وفي الإجارة، وفي الحرث والمزارعة، وفي الأدب، ومسلم رقم (٢٧٤٣) في الذكر: باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، وأبو داود رقم\n(٣٣٨٧) في البيوع: باب في الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه.","vol":"3","page":32},{"text":"أحرى، اذهبي فَلَك ما أعطيتُكِ، ووالله لا أعصيه أبدا، فمات مِن ليلته، فأصبح مكتوب على بابه: إن الله تعالى قد غفر للكفل، فعجب الناس من ذلك، حتى أوحى الله تعالى إلى نبي زمانهم بشأنه \" (١) .\nوقد شدد الله ﷿ عقوبة الزاني الأثيم المادية والمعنوية، فالعقوبة المادية: العذابّ الأليم بالجلد أو الرجم، والمعنوية: أن لا نرأف به، ولا نشفق عليه حتى يبرأ من جريرته، ويتوب منها، قال تعالى:\n(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢» [النور: ٢، ٣]،.\nوقد زادت السنة الشريفة وهي الوحي الثاني بعد القرآن على الحكم بجلد الزاني البكر والزانية البكر مائه جلدة أن يغربا عامًا.\nوعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"خذوا عنى، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر، جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم (٢)، ويؤخذ منه أن زنا الثيب أقبح من زنا البكر بدليل اختلاف حديهما.\nقال أبن القيم ﵀:\nوخَصَّ سبحانه حَدّ الزنا من بين سائر الحدود بثلاث خصائص:\n_________\n(١) رواه بنحوه الترمذي رقم (٢٤٩٨) في صفة القيامة، باب رقم (٤٩)، ورواه ابن حبان رقم (٢٤٥٣- موارد)، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن \" وهو عند الحاكم (٤/ ٢٥٤-٢٥٥)، وصححه ووافقه الذهبي.\n(٢) رواه مسلم رقم (١٦٩٠) في الحدود: باب حد الزنا، وأخرجه أحمد (٥/ ٣١٨)، وأبو داود رقم (٤٤١٥) في الحدود: باب في الرجم، والترمذي رقم (١٤٣٤) في الحدود: باب ما جاء في الرجم على الثيب، والطبري رقم (٨٨٠٦)، (٨٨٠٧)، والبيهقي (٨/ ٢١٠) .","vol":"3","page":33},{"text":"أحدهما: القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه فقد جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة (١) .\nالثاني: أنه نهى عباده عن أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم.\nالثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حَدُّهما بمشهد من المؤمنين، فلا يكون\nفي خلوة حيث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد، وحكمة الزجر (٢) اهـ.\nويعذب الزناة في قبورهم إلى يوم القيامة على النحو الذي جاء في حديث رؤيا النبي ﷺ التي رأى فيها صورا من عذاب القبر، فقد ذكر ﷺ أنه جاءه جبريل وميكائيل، قال: \"فانطلقنا فأتينا على مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوْا- أي صاحوا من شدة حره- فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء هم الزناة والزواني \" يعني من الرجال والنساء، فهذا عذابهم في القبر إلى يوم القيامة\n_________\n(١) أجمع العلماء سلفًا وخلفا على أن الزاني المحصن يرجم لا محالة، وذهب جمهورهم إلى أن الواجب في حد الزاني المحصن هو الرجم فحسب، ومن هؤلاء الأئمة الأربعة، وذهب البعض إلى الجمع بين الرجم، والجلد، منهم علي ﵁، والحسن البصري، وإسحق بن راهويه، وداود، والظاهرية، واْجمع العلماء سلفَا وخلفا على وجوب الجلد على الزانيين غير المحصنين، ولم يعرف في ذلك مخالف، أما التغريب عاما وهو النفي من مكان الجريمة إلى مكان آخر، فقد اختلف فيه الفقهاء:\nفذهب الجمهور إلى الجمع بينهما: الجلد، والتغريب، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك والأوزاعي بالجمع بينهما بالنسبة إلى الرجال الأحرار، ولا نفي على النساء، وذهب أبو حنيفة ومن تابعه إلى عدم الجمع بين الجلد والنفي.\nانظر: \"الحدود في الإسلام، للعلامة الدكتور محمد أبو شهبة ص (١٥٠: ٢٠١) .\n(٢) \" الجواب الكافي لمن سال عن الدواء الشافي \" ص (١٤٤) بتصرف.","vol":"3","page":34},{"text":"نسأل الله العافية، وفي رواية: \"فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نارا، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة \" وفي نهاية الحديث: \"والذي رأيته في الثقب فهم الزناة\" (١) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يلج الناسُ به النار، فقال: \"الأجوفان الفم والفرج \" (٢) .\nوعن أبي بَرزة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n\"إن أكثر ما أخاف عليكم شهوات الغَيّ، وبطونكم، وفروجكم، ومُضِلات الفتن\" (٣) .\nوالزنا له مراتب، فهو بأجنبية لا زوج لها عظيم، وأعظم منه بأجنبية\nلها زوج، وأقبح منه: زوجة الجار:\nعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: قا! ل رسول الله ﷺ لأصحابه: \"ما تقولون في الزنا؟ \" قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال ﷺ لأصحابه: \"لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من\n_________\n(١) رواه من حديث حمرة بن جندب ﵁ البخاري (١٢/ ٤٥٧-٤٥٨) في التعبير: باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، وفي صفة الصلاة: باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، وكذا في التهجد، والجنائز، والبيوع، والجهاد، وبدء الخلق،\nوا لأنبياء، وتفسير سورة براءة، والأدب، ومسلم رقم (٢٢٧٥) في الرؤيا: باب رؤية النبي ﷺ والترمذي رقم (٢٢٩٤) في الرؤيا: باب ما جاء فى رؤيا النبي ﷺ الميزان والدلو.\n(٢) رواه الترمذي رقم (٢٠٠٤) كتاب البر: باب ما جاء في حسن الخلق، وقال: هذا حديث صحيح غريب (٤/ ٣٦٣) وابن ماجه رقم (٤٣١٥) في الزهد: باب ذكر الذنوب (٢/ ٥٦١) والإمام أحمد (٢/ ٢٩١، ٣٩٢، ٤٤٢) .\n(٣) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٤٢٠، ٤٢٣)، وكذا رواه البزار والطبراني في معاجمه الثلاثة","vol":"3","page":35},{"text":"أن يزني بامرأة جاره \" (١) .\nوعن ابن مسعود ﵁ قال؟ سألت رسول الله ﷺ: \"أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أيّ؟ قال: \"أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك \"، قلت: ثم أيّ؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك \" (٢)، الحديث.\nوعن بريدة ﵁ مرفوعًا: \" حُرمَةُ نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، ما من رجل من القاعدين يخلف وجلا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى\"، ثم التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: \"فما ظنكم؟ \" وزاد النسائي قوله: \"أترون يدع له من حسناته شيئًا؟ \" (٣) .\nثم إن زنا الشيخ- لكمال عقله- أقبح من زنا الشاب:\nفعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، ومَلِك كذاب، وعائل مستكبر\" (٤) .\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد (٦/ ٨)، والبخاري فى (الأدب المفرد\" رقم (١٠٣)، وقال المنذري (٣/١٩٥)، والهيثمي (٨/ ١٦٨): (رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط \" ورجاله ثقات) اهـ.\n(٢) رواه البخاري (٨/ ١٣) في تفسير سورة البقرة: باب قول الله تعالى: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٢٢]، وفي تفسير سورة الفرقان، وفي الأدب، وفي المحاربين وفي الديات، وفي التوحيد، ومسلم رقم (٨٦) في الإيمان. باب الشرك أعظم الذنوب، والترمذي رقم (٣١٨١) و(٣١٨٢) في التفسير: باب ومن سورة الفرقان، والنسائي (٧/ ٨٩- ٩٠) في تحريم الدم: باب ذكر أعظم الذنب، وأبو داود رقم (٢٣١٠) في الطلاق: باب في تعظيم الزنا.\n(٣) رواه مسلم رقم (١٨٩٧) في الأمارة: باب حرمة نساء المجاهدين وإثم من خان فيهم، وأبو داود رقم (٢٤٩٦) في الجهاد: باب حرمة نساء المجاهدين على القاعدين، والنسائي (٦/ ٥٠ - ٥١) في الجهاد: باب من خان غازيًا في أهله.\n(٤) رواه مسلم رقم (١٠٧) في الإيمان: باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن =","vol":"3","page":36},{"text":"ومن مفاسد الزنا وعواقبه الوخيمة:\nأنه يعمي القلب، ويَطْمس نوره، وأنه يُحَقِّر النفسَ، ويقمعها، ويُسْقِطُ كرامة الإنسان عند الله وعند خلقه، وأنه يؤثر في نقصان العقل، وأنه يمحق بركة العمر، ويضعف في القلب تعظيم الله، ويوجب الفقر، ويكسو صاحبه سواد الوجه، وثوب المقت بين الناس، ومن خاصيته أيضًا أنه يشتت القلب، ويمرضه، ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك، ويقربه من الشيطان.\nفليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدة الزنا، ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها، ولو بلغ العبدَ أن امرأة من نسائه قُتِلَتْ لكان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زَنَت.\nوبما أن الجزاء من جنس العمل، فقد ينتقم الله من الزاني بأن يسلط على عرضه من لا يتقي الله فينال منه، كما فعل هو بعرض غيره، قال الشاعر:\nيا هاتكًا حرمَ الرجال وتابعا ... طرقَ الفساد فأنت غير مكرمِ\nمن يَزْنِ في قوم بألفي دِرْهَم ... في أهلهِ يُزْنَى بربع الدرهم\nإن الزنا دَيْن أذا استقرضته ... كان الوفا من أهل بيتك فاعلم (١)\nوقد وصف بعضهم آثار هذه الفاحشة المدمرة فقال:\n\"عارُه يهدِمُ البيوتَ الرفيعة، ويطأطئ الرؤوسَ العالية، وُيسَوِّدُ الوجوهَ البيض، ويصبغ بأسودَ من القارِ أنصع العمائم بياضًا، ويُخْرِسُ الألسنةَ البليغة، وَيُبَدّلُ أشجع الناس من شجاعتهم جبنا لا يدانيه جبن، ويهوى\n_________\n= بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف، والنسائي (٦/ ٨٦) في الزكاة: باب الفقير المحتال.\n(١) موارد الظمآن لدروس الزمان \" (٣/ ٤٧٣)، وانظر: \"السلسلة الصحيحة\" رقم (٣٧٠) .","vol":"3","page":37},{"text":"بأطول الناس أعناقا، وأسماهم مقامًا، وأعرقهم عِزا إلى هاوية من الذل والازدراء والحقارة ليس لها من قرار.\nوهو أقدر أنواع العار على نزع ثوب الجاه مهما اتسع، ونباهة الذكر مهما بعدت، وإلباس ثوب من الخمول ينبو بالعيون عن أن تلفت إلى من كان في بيوتهم لفتة احترام، وهو- أي الزنا- لطخة سوداء إذا لحقت تاريخ أسرة غمرت كل صحائفه البيض، وتركت العيون لا ترى منها إلا سوادًا حالكًا.\nوهو الذنب الظلوم الذي إن كان في قوم لا يقتصر على شَيْن مَنْ قارفته من نسائهم، بل يمتد شينه إلى من سواها منهم، فيشينهن جميعا شينا يترّك لهن من الأثر في أعين الناظرين ما يقضي على مستقبلهم النسوي، وهو العار الذي يطول عمره طولا، فقاتله الله من ذنب، وقاتل فاعليه \" (١) . وقال ابن القيم ﵀:\nومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار عل أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس، وإن حملت من الزنا: فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل، وإن أبقته حملته على الزوج فأدخلت على أهلها وأهله أجنبيًا ليس منهم، فورثهم وليس منهم، ورآهم، وخلا بهم، وانتسب إليهم وليس منهم، وأما زنا الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضًا، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضها للتلف والفساد، ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين \" (٢) .\nعود لى بدء\nيعتبر إصلاح القلب، وتطهيره، وتعميره بتقوى الله ﷿ ومراقبته\n_________\n(١) السابق (٣/ ٤٥٤- ٤٥٥)\n(٢) انظر \"روضة المحبين ونزهة المشتاقين\" ص (٣٥٢- ٣٦٣)","vol":"3","page":38},{"text":"أعظم رادع عن المعاصي، ولهذا قال رسول الله ﷺ: \"لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه \" (١) الحديث، وقال ﷺ: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب \" (٢) .\nومن هنا كانت التربية الإيمانية، والتوجيه الواعي، ولزوم الجماعة الصالحة، واجتناب صحبة الفاسقين والبطالين، من وسائل الإسلام في محاربة الرذيلة، واستئصال شأفتها.\nغير أن الشريعة المطهرة لم تكلنا فقط إلى الضمائر التي قد تهن، والنفوس التي قد تضعف، ولكنها حددت إجراءات ترد هذه الضمائر إلى الاستقامة إذا نزعت إلى التمرد، ولم ترتدع بوازع الإيمان والتقوى، وتروض هذه النفوس إذا استشرفت للفتن، وتعيدها إلى الجادة، وقد ذكرنا طرفا من هذه الإجراءات، ونردف بجملة أخرى من الإجراءات الوقائية ضد الفاحشة، فمن ذلك:\nأن الله سبحانه منع الزواج ممن عُرف- أو عرفت- بالفاحشة إذا لم يتب\nفقال سبحانه: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣» [النور: ٣]، أخذَا بالحيطة؛ إذ من اعتاد الفاحشة لا يأمن أن يعاودها.\nحرَّم البذاء، ومنع الفحش في القول، وكره التلفظ بالسوء:\nقال ﷿: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) [النساء: ١٤٨]،\n_________\n(١) رواه عن أنس بن مالك ﵁ الإمام أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٩٨)، وتتمته: \"ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه \".\n(٢) رواه البخاري (١/ ١٥٣)، ومسلم (١٥٩٩)، وابن ماجه (٣٩٨٤)، من حديث النعمان بن بشير ﵄.","vol":"3","page":39},{"text":"وقال: ليس المؤمن بالطعَّان، ولا باللعان، ولا الفاحش ولا البذيء\" (١) .\n* وحرم أن يُظَنَّ بمؤمن سوء.\nوأوجب على المؤمن إذا سمع عن أخيه سوءًا أن يظن به البراء من الإثم، والطهارة من السوء كما هو طاهر وبريء، قال الله تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣» [النور: ١٢ - ١٤]، والقصد من وراء هذا عدم السماح للفاحشة أن تظهر، ولو على ألسنة المتكلمين، أو في أذهان السامعين تركيزا للطهارة وتثبيتَا لها في جو البلاد والعباد، وفي هذا من معنى محاربة الفاحشة- بالوقاية مالا يخفى على عاقل.\n* وحرم قذف المؤمن أو المؤمنة بالفاحشة، ووضع لذلك عقوبة زاجرة:\n(الجلد ثمانين جلدهّ)، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: ٤، ٥]\nوعليه فمن قذف امرأة مؤمنة عفيفة اْو مؤمنًا عفيفَا بكلمة الفاحشة،\n_________\n(١) رواه من حديث ابن مسعود ﵁ الترمذي رقم (١٩٧٨) في البر: باب ما جاء في اللعنة، وقال: \"حديث حسن غريب\"، ورواه الإمام أحمد رقم (٣٨٣٩)، وا بن حبان رقم (٤٨- موارد)، والبخاري في الأدب المفرد\" رقم (٣١٢)، والحاكم\nفي \" المستدرك \" (١/ ١٢)، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٢) وعلى هذا فمن حدثك أن فلانًا أو فلانة فعل كذا، وجب عليك أن ترد عليه قائلًا: هل تستطيع أن تأتي بأربعة شهداء؟ وإلا فهذا إفك مبين.","vol":"3","page":40},{"text":"وجب عليه أن يحضر أربعة شهود على صحة ما قاله، أو يجلد حدا على ظهره ثمانين جلدة، مع إسقاط عدالته حتى يتوب توبة نصوحا.\nوحرم مجرد حب إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد:\nقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور: ١٩]، يردُّ على من يتصاغر هذا الأمر، ويقول في نفسه: كيف تعظم العقوبة لمجرد حب الفاحشة وظهورها وإن لم يعمل على ظهورها؟\nفنبه إلى أن مجرد حب الفاحشة عمل على إيجادها وانتشارها، وإن الفاحشة البغيضة يجب أن تطارد من القلوب والنفوس قبل أن تطارد من العضلات والحركات.\nومن إجراءات الإسلام في هذا الشأن تحريم التحدث بما يكون بين الزوجين متعلقا بالوقاع ونحوه (٢) .\n* حظر على الرجل أن يغيب عن زوجه مدة طويلة.\nقال تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧» [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٨]،\nفإذا حلف الرجل ألا يطأ زوجته أربعة أشهر فأكثر كان موليا، فإما أن يرجع في تلك المدة فيطؤها، ويكفر عن يمينه، وإلا تطلق منه بمجرد مضي المدة حتى لا تتضرر الزوجة.\nومن أعظم التدابير الوقائية في هذا الباب:\nفرض الحجاب على النساء، واعتبار قرارهن في البيت هو الأصل\n_________\n(١) انظر دور الصحافة في إشاعة الفاحشة في \"معركة الحجاب والسفور\" ص (١٣٥ – ١٤٢)\n(٢) انظر: المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية\" للمؤلف ص (١٦٩) .","vol":"3","page":41},{"text":"الأصيل في دائرة عملهن، قال ﷺ: \"والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسئولة عن رعيتها\" (١)، وما عداه استثناء، ثم إن هي خرجت تخرج محجوبة، لا تخالط الرجال، وبشروط أخرى جِماعها: حمايتها، وحماية المجتمع من الافتتان بها.\n* عن ابن مسعود ﵁ قال: \"إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس، فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتِهِ، وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها\" (٢) .\n* ومن ذلك أيضَا:\nتحريم التبرج، وإظهار الزينة، والتجمل للفت نظر الأجانب، قال تعالى: (وَقَرن فِي بيُوتكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرجَّ الجاهِلِيَّةِ اَلأُولَى) [الأحزاب: ٣٣] .\nء ومنها!: تشريع الاستئذان:\nفقد حرم الله ﷿ الدخول إلى البيوت إلا بعد الإذن، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا\n_________\n(١) قطعة من حديث رواه عن عبد الله بن عمر ﵄ البخاري (١٣/ ١١٩) في الأحكام في باب وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وفي الجمعة،\nوالاستقراض، والعتق، والوصايا، والنكاح ومسلم رقم (١٨٢٩) في الإمارة: باب فضيلة الإمام العادل، والترمذي رقم (١٧٠٥) في الجهاد باب ما جاء في الإمام، وأبو داود رقم (٢٩٢٨) في الإمارة: باب ما يلزمه الإمام من حق الرعية.\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":42},{"text":"حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) [النور: ٢٧-٢٨] .\nووضحت السنَّة الهدف من الاستئذان، وهو خشية أن تقع عين آثمة على عورة غافلة، فتلد تلك النظرة الخاطفه فاحشة فاضحة، لا قِبَلَ بتحملها.\nفعن سهل بن سعد ﵁ قال رسول الله ﷺ: \"إنما جعل الاستئذان\nمن أجل البصر\".\nوعنه ﵁ قال: اطَّلع رجل من ثقب في حجرة النبي ﷺ، ومعه مِدْرَى- مشط كبير من حديد - يحك به رأسه، فقال النبي ﷺ: \"لو علمت أنك تنظر، لطعنت به عينيك، إنما جُعِل الإذن من أجل البصر\" (١) .\nوهذا المسلك يدل على مبلغ عناية الإسلام بصيانة البيوت، وحفظها من النظر إلى ما فيها، فقد يقع البصر على شيء يكره أهل البيت اطلاع أحد عليه، ولولا الاستئذان لتعرضت البيوت إلى انكشاف العورات.\n* وهده طريقة النبي ﷺ في الاستئذان:\n* عق عبد الله بن بُسْر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا\nأتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ع ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر؟ فيقول: \"السلام عليكم.. السلام عليكم \" (٢) ذلك أن الدُّور لم يكن عليها يومئذ ستور) .\n_________\n(٩) رواه البخاري (١٢/ ٢٥٣) في الديات: باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له، وفي اللباس، والاستئذان، ومسلم رقم (٢١٥٦) في الآداب: باب تحريم النظر في بيت غيره، والترمذي رقم (٢٧١٠) في الاستئذان: باب من اطلع\nفي بيت قوم بغير إذنهم، والنسائي (٧/ ٦٠- ٦١) في القسامة: باب في العقول.\n(٢) رواه أبو داود رقم (٥١٨٦) في الأدب: باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان وفيه بقية بن الوليد، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، لكنه صرح هدا الحديث بالتحديث","vol":"3","page":43},{"text":"وهذا ما صنعه الصحابة رضوان الله عليهم:\nفقد ثبت أِن عمر ﵁ قال لأُبي بن كعب ﵁: ما منعك أن تأتينا؟، فقال: أتيت فسلمت على بابك ثلاث مرات، فلم تردَّ عليّ، فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ: \"إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له، فليرجع \" (١) .\n* ولابد أن يُعَين المستأذِنُ اسمه، ليؤذن له أم لا، فربما يكون شخصا غير مرغوب فيه، أو ربما يكون أهل البيت على حالة لا تخول لهم استقبال الزائرين، فعن جابر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فدققت الباب، فقال: \"من ذا؟ \" فقلت: أنا، فقال: \"أنا، أنا؟! \" كأنه كرهها (٢) .\n- وتبلغ عناية الإسلام بأدب الاستئذان آفاقًا لا تُطاول، ودرجة من الخلق الكريم، الذي لم تعرف الدنيا له مثيلًا، فلم يخول للابن أن يدخل على أمه أو أخته دون استئذان.\nرُوي في حديث عطاء بن يسار أن رجلا قال للنبي ﷺ: أسْتَأذِنُ على أمي؟ فقال: \"نعم \"، فقال: إني معها في البيت؟ فقال رسول الله ﷺ: \"استأذن عليها\"، فقال الرجل: إني خادمها، فقال رسول الله ﷺ: \"استأذن عليها، أتحب أن تراها عُريانة؟ \"، قال: لا، قال: \"فاستأذن\n_________\n(١) رواه البخاري (١١/ ٢٩) في الاستئذان: باب التسليم والاستئذان ثلاثا، وفي البيوع والاعتصام، ومسلم رقم (٢١٥٣) في الآداب: باب الاستئذان، والموطأ (٢/ ٩٦٣- ٩٦٤) في الاستئذان: باب الاستئذان، وأبو داود أرقام (٥١٨٠:\n٥١٨٤) في الأدب: باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، والترمذي رقم (٢٦٩١) في الاستئذان والآداب: باب ما جاء في الاستئذان ثلاثَا.\n(٢) رواه بنحوه البخاري (١١/ ٣٧) في الاستئذان: باب إذا قال: من ذا؟ قال: أنا، ومسلم رقم (٢١٥٥) في الآداب: باب كراهة قول المستأذن أنا إذا قيل: من هذا؟ وأبو داود رقم (٥١٨٧) في الأدب: باب الرجل يستأذن بالدقِّ، والترمذي رقم (١٧١٢) في الاستئذان: باب ما جاء في التسليم قبل الاستئذان.","vol":"3","page":44},{"text":"عليها\" (١) .\nفهذه الآداب تبرز لنا مدى عناية الإسلام بحرمة البيوت، وكيف أعطاها التشريع الإلهي من القداسة ما يجعلها في مأمن من الشكوك والريب، وفي حصانة من جراثيم الفساد، وعوامل الانهيار (٢) .\n* ومنها الأمر بغض البصر:\nقال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) [النور: ٣٠، ٣١] الآيتان.\nفالله سبحانه يعلم مدى تأثير النظرة المحرمة في القلب، وما تحدثه من تحويل النفس إلى بركان، وما تحركه من الاندفاع نحو المرأة، والواقع يصدق ذلك، فكم من نظرة محرمة أودت بصاحبها إلى الوقوع في المعصية، وفتنةِ الرجل بالمرأة، وفتنةِ المرأة بالرجل.\nوقد قرن الله ﷿ الأمر بغض البصر بالأمر بحفظ الفرج لأن غض البصر هو السبيل لحفظ الفرج (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) .\n_________\n(١) رواه في \"الموطأ\" في الاستئذان: باب الاستئذان، وإسناده منقطع، فإن عطاء بن يسار لم يدرك النبي ﷺ، وقال ابن عبد البر: \"مرسل صحيح، ولا أعلمه يستند من وجه صحيح ولا صالح اهـ من \"الموطأ\" ص (٥٩٧) ط. الشعب.\n(٢) وانظر: \"الأدب الضائع \" للمؤلف.","vol":"3","page":45},{"text":"وقد تقع النظرة الخائنة دون أن يراها أحد، ومن ثم جاء ختام الآية بعلم الله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فقال ﷿: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) .\nوقال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) [غافر ١٩]\n،قال ابن عباس ﵄: \"هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء أو تمر به، فإذا غَفَلوا لَحَظَ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غَفَلوا لَحَظ، فإذا فطنوا غَضَّ \"، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود لو اطَّلع على فرجها وأن لو قدر عليها فزنى بها (١) .\nوقال سفيان الثوري: الرجل يَكون في المجلس في القوم يسترق النظر إلى المرأة تمر بهم، فإن رأوه ينظر إليها اتَّقاهم فلم ينظر، وإن غَفَلوا نظر، هذا خائنة الأعين (وَمَا تخفِى ألصُدُورُ) قال: ما يجد في نفسه من الشهوة (٢) .\nوعنه رحمه الله تعالى أنه قال في قوله تعالى: (يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ) وهي النظرة بعد النظرة (٣) .\nفإن النظرة، الأولى تكون وليدة المفاجأة فلا مؤاخذة عليها، وإذا وقعت\n_________\n(١) \"رواه ابن أبي حاتم، كذا في \"الصارم المشهور\" للتويجري ص (٢١)،\n(٢) رواه أبو نعيم في \"الحلية\" عن محمد بن يزيد بن خُنَيس عنه. المصدر السابق، وقد قال الشيخ حمود التويجري حفظه الله تعالى:\nوقد تضاءلت خائنة الأعين في زماننا، ولم تبق إلا عند الذين تستتر نساؤهم من المسلمين، وأما الذين فتنوا بتقليد طوائف الإفرنج والتزيّ بزيهم، فقد عُدمت فيهم خائنةُ الأعين، وحَل محلها تسريح النظر في محاسن النساء الأجنبيات، والتمتع بالنظر إليهن، ومضاحكتهن ومجالستهن، والتحدث معهن في الخلوة وغير الخلوة اهـ. من السابق \" ص (٢١، ٢٢)\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٥/ ٣٠٣) .","vol":"3","page":46},{"text":"فعلى الناظر ألا يُعْقِبَها بأخرى، وعليه أن يُحَوّلَ بصره إلى الأرض، أو إلى جهة أخرى.\nفعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة\" (١) .\nوعن جرير بن عبد الله قال: \"سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري \" (٢) .\nوعلى من يرى رجلًا يترصد امرأة لينظر إليها أن ينصحه، ويرشده إلى غض البصر.\nفعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: \"كان الفضل ابن عباس رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر\" (٣) .\nومنها تحريم مس الأجنبية ومصافحتها:\nوإذا كان الإسلام يطارد الحرام أنى وجد، ويترصد المنكر حيثما كان ليقضي عليه، فلمس المرأة باليد يحرك كوامن النفس، ويفتح أبواب الفساد، ويسهل مهمة الشيطان، من أجل ذلك توعد الله من يفعل ذلك بصارم عقابه، وشديد عذابه.\n_________\n(١) رواه الترمذي رقم (٢٧٧٧) في الأدب: باب ما جاء في نظر الفجأة، وأبو داود رقم (٢١٤٩) في النكاح: باب ما يؤمر به من غض البصر، والإمام أحمد (٣/\n٣٥٣، ٣٥٧)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب اهـ.\n(٢) رواه مسلم رقم (٢١٥٩) في الآداب: باب نظر الفجأة، وأبو داود رقم (٤٨ ١ ٢) قي النكاح: باب ما يؤمر من غض البصر، والترمذي رقم (٢٧٧٧! في الأدب: باب ما جاء في نظر الفجأة.\n(٣) يأتي تخريجه إن شاء الله ص (٤١٨) .","vol":"3","page":47},{"text":"* فعن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: \"لأن يطعن في\nرأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له \" (١)، وإذا كان هذا في مجرد المس إذا كان بغير شهوة، فما بالك بما فوقه؟!\n* وعن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ: \"كُتبَ على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجْلُ زناها الخطا، والقلب يهوي ويتمنى، وَيُصَدقُ ذلك الفرجُ ويكذبه\" (٢) والشاهد قوله ﷺ: \"واليد زناها البطش \" وهو المس باليد بأن يمس امرأة أجنبية بيده.\nومن تساهل في مصافحة النساء، واحتج بطهارة قلبه، وسلامة نيته،\nوأنه لا يتأثر بذلك، فإنه ينادي على نفسه بنقص الرجولة، وهو كذاب في دعواه طهارة قلبه وسلامة نيته، وهذا أطهر ولد آدم ﷺ وأخوفهم لله، وأرعاهم لحدوده، يقول وهو المعصوم: \"لا أمس أيدي النساء\" (٣)، ويقول: \"إني لا أصافح النساء\" (٤)، ويمتنع من ذلك حتى في وقت البيعة الذي يقتضي عادة المصافحة، فكيف يباح لغيره من الرجال مصافحة النساء مع أن الشهوة فيهم غالبة، والفتنة غير مأمونة، والشيطان يجري منهم مجرى الدم؟! كيف وقد قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ\n_________\n(١) \"رواه الطبراني والبيهقي، ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح كذا قال المنذري في \"الترغيب \" (٣/ ٦٦) .\n(٢) رواه مسلم في كتاب القدر: باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، \"شرح النووي\" (١٦/٢٠٦)، والإمام أحمد (٢/٣١٧، ٤٣١)\n(٣) رواه الطبراني في \"الأوسط، عن عقيلة بنت عبيد، كما في صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ١٢٣) رقم (٧٠٥٤) .\n(٤) رواه عن أميمة بنت رقيقة \"الموطأ\" (٢/ ٩٨٢) في البيعة: باب ما جاء في البيعة، والنسائي (٧/ ١٤٩) في البيعة، باب: بيعة النساء، وابن ماجه رقم (٢٨٧٤) في الجهاد: باب البيعة، والإمام أحمد (٦/٣٥٧)، وصححه الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" (٨/١٢٢)","vol":"3","page":48},{"text":"حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (٢١» [الأحزاب ٢١] .\nوعن عائشة ﵂: \"وما مستا يَدُ رسولِ الله ﷺ يَدَ امرأة إلا امرأة يملكها\" (١) أي يملك نكاحها.\n* ومن ذلك تحريم الخلوة بالأجنبية:\nوحقيقة الخلوة أن ينفرد رجل بامرأة في غيبة عن أعين الناس.\nإن الخلوة بالأجنبية من أعظم الذرائع، وأقرب الطرق إلى اقتراف الفاحشة الكبرى.\nوقد صرح القرطبي رحمه الله تعالى بأن الخلوة بغير محرم من الكبائر،\n_________\n(١) رواه البخاري (٨/ ٥٠٤) في تفسير سورة الممتحنة، باب: إذا جاءك المؤمنات مهاجرات، وفي الطلاق، وفي الأحكام، ومسلم رقم (١٨٦٦) في الإمارة: باب كيفية بيعة النساء، والترمذي رقم (٣٣٠٣) التفسير، باب: ومن سورة الممتحنة.\nتنبيه تمس الحاجة إليه:\nيتعلق بتهاون بعض الناس بهذا الحكم - وهو تحريم مصافحة الأجنبية - بزعم أنهم يستحيون من إحراج من يمد يده للمصافحة غافلين عن أن هذا عجز وليس حياءً، قال القرطبي ﵀ فيما نقله عنه المناوي في \"الفيض\":\n(وقد كان المصطفى ﷺ يأخذ نفسه بالحياء، وبأمر به، ويحث عليه، ومع ذلك\nفلا يمنعه الحياء من حق يقوله، أو أمر ديني يفعله، تمسكًا بقوله في الحديث الآتي:\n\"إن الله لا يستحي من الحق \" رواه النسائي وابن ماجه عن خزيمة بن ثابت ﵁ وهذا هو نهاية الحياء، وكماله، وحسنه، واعتداله، فإن من فرطّ عليه الحياء حتى منعه من الحق، فقد ترك الحياء من الخالق، واستحيا من الخلق، ومن كان هكذا حُرم منافع الحياء، واتصف بالنفاق والرياء.\nوالحياء من الله هو الأصل والأساس، فإن الله أحق أن يستحيي منه، فليُحفظ\nهذا الأصل، فإنه نافع اهـ. (١/ ٤٨٧) . وانظر رسالة \"أدلة تحريم مصافحة\nالأجنبية \" للمؤلف.","vol":"3","page":49},{"text":"ومن أفعال الجاهلية (١) .\nوقال مجاهد في قوله تعالى: (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعرُوفٍ) [الممتحنة:\n١٢]،: لا تخلو المرأة بالرجال، ذكره البغوي في تفسيره، وذكره أيضًا عن سعيد بن المسيب، والكلبي، وعبد الرحمن بن زيد أنهم قالوا: لا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر إلا مع ذي محرم.\nإن خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية مدرجة الهلاك، وداعية الإثم والفجور، وكيف لا يكون ذلك، والفرصة سانحة، وقد مهدت الخلوة للغريزة ألن تستيقظ؟\nوإذ كان الفعل يمر بمراحل ثلاث:\n* مرحلة النزوع والرغبة في الفعل.\n* ثم مرحلة الوجدان، فيجد الشخص، ويعزم علي الفعل.\n* ثم تأتي المرحلة الثالثة والأخيرة، وهي مرحلة التنفيذ.\nأما في هذا الباب، فالكائن البشري حين تتقد فيه نار الشهوة، ويستيقظ\nفيه الحيوان، تراه يندفع إلى الفعل إن لم تحجزه التقوى والخوف من الله ﷾.\nومن ثم رأينا القرآن الكريم ينهى عن الاقتراب من أسباب الزنى، فيعالج\nهذه الجريمة الخلقية بحجز النفس عن أسبابها، فيقول تعالى: (وَلَا تَقربُوأ الزِّنَى) الآية [الإسراء: ٣٢]،، بينما يعالج جريمة القتل بتوجيه النهي إلى الفعل نفسه، وهو جريمة بشعة؟ إذ ليس بعد الشرك بالله أعظم ولا أكبر من القتل،- ولكن النفس بطبيعتها تأباه وتنكره، قال ﷿: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء: ٣٣])،.\nوهذا يرينا إلى أيِّ حَد يسد الإسلام على هذه الجريمة كل منفذ، ويحجز النفس عن أسبابها.\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن \" (١٨/ ٧٤) .","vol":"3","page":50},{"text":"وقد نهى رسول الله ﷺ عن الخلوة بالأجنبية، وشدَّد في ذلك، والأحاديث في ذلك كثيرة منها:\nحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: \"لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم \" (١) الحديث.\nومنها: حديث عامر بن ربيعة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان \" (٢) الحديث، وهذا يعم جميع الرجال ولو كانوا صالحين أو مسنين، وجميع النساء ولو كن صالحات أو عجائز.\nومنها: حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان \" (٣) .\nوعن عمرو بن العاص ﵁ قال: \"إن رسول الله ﷺ نهانا أن ندخل على المُغِيبات\" (٤) .\nوعنه ﵁ قال: \"نهانا رسول الله ﷺ أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن (٥) .\n_________\n(١) رواه البخاري (٤/ ٨٦) في الحج: باب حج النساء، وفي الجهاد: باب كتابة الإمام الناس، وفي النكاح: باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، ومسلم رقم (١٣٤١) في الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره.\n(٢) رواه الإمام أحمد (٦/ ٤٤٦)، ورواه عن عمر ﵁ الترمذي رقم (٢١٦٥) في الفتن: باب ما جاء في لزوم الجماعة، والحاكم (١/ ١١٤- ١١٥) وقال: (صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(٣) رواه الإمام أحمد في \"لمسند\" (٣/ ٣٣٩) .\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٣/٣٩٧)، (٤/ ١٩٦، ٢٠٥) .\n(٥) رواه الترمذي رقم (٢٧٨٠) في الأدب: باب ما جاء في النهي عن الدخول على النساء، وقال: \"حسن صحيح\"، والإمام أحمد في (المسند) (٤/ ٢٠٣) .","vol":"3","page":51},{"text":"وقال ﷺ: \"لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان \" (١) .\nوعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"لا تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم \" (٢) .\nوقد تكون القرابة إلى المرأة أو زوجها سبيلًا إلى سهولة الدخول عليها أو الخلوة بها، كابن العم وابن الخال مثلا، ولذلك حذرنا النبي ﷺ من ذلك لأنه من مداخل الشيطان، ومسارب الفساد.\nفعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إياكم والدخول على. النساء\"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: \"الحمو الموت \" (٣)، والحمو هو قريب الزوج الذي لا يحل للمرأة، فبيَّن النبي ﷺ أنه يفسد الحياة الزوجية كما يفسد الموت البدن.\nوقد حكى الإجماعَ كل تحريم الخلوة بالأجنبية غير واحد من العلماء منهم النووي، وابن حجر العسقلاني.\nقال النووي ﵀: وكذا لو كان معهما من لا يستحيا منه لِصِغَره كابن سنتين، وثلاث، ونحو ذلك، فإن وجوده كالعدم، وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام (٤) اهـ.\n_________\n(١) رواه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مسلم رقم (٢١٧٣) في السلام: باب تحريم الخلوة بالأجنبية.\nيقال: امرأة مُغِيبة: إذا كان زوجها غائبا.\n(٢) رواه الترمذي وقم (١١٧٢) في الرضاع؟ باب رقم (١٧)، وقال: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه \" (٣/ ٤٧٥) .\n(٣) رواه البخاري (٩/ ٢٤٢) في النكاح: باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، ومسلم رقم (٢١٧٢) في السلام: باب تحريم الخلوة بأجنبية والدخول عليها، والترمذي رقم (١١٧١) في الرضاع: باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات.\n(٤) \"شرح النووي على صحيح مسلم (٩/١٠٩) .","vol":"3","page":52},{"text":"قال الأبي ﵀: لا تعرض المرأة نفسها بالخلوة مع أحد، وإن قل الزمن، لعدم الأمن لا سيما مع فساد الزمن، والمرأة فتنة إلا فيما جُبلت عليه النفوس من النفرة من محارم النسب (١) اهـ.\nلا يأمنن على النساء أخ أخًا ... مافي الرجال على النساء أمين\nإن الأمين وإن تعفف جهده ... لابد أن بنظرة سيخون\n* ومن ذلك: أنه حَرَّم سفر المرأة بغير محرم:\nفإن المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد تقي- نفسها، لضعفها ونقصها، ولا يغار عليها مثل محارمها، الذين يرون أن النيل منها نيل من شرفهم وعرضهم، وسفرها بدون محرم يعرضها إلى الخلوة بالرجال ومحادثتهم، وقد يطمع فيها من في قلبه مرض، وربما سهل خداع المرأة، وربما يعتريها مرض، وإذا سلمت من كل هذا فلن تسلم من القيل والقال إذا سافرت بدون محرم يصونها ويرعاها.\nعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب، يقول: \"لا يخلون وجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم \" (٢)، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجَّة،\n_________\n(١) \"إكمال إكمال المعلم\" (٣/٤٣٦) .\n(٢) هكذا مطلقا، والعمل على هذا الحديث عند أكثر العلماء، قال النووي ﵀: كل ما يسمى سفرًا تنهي عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يومَا أو بريدًا أو غير ذلك لرواية ابن عباس ﵄ المطلقة: \"لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرما، وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرًا اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: قد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات اهـ.\nوقال النووي أيضًا: ليس المراد من التحديد- أي الوارد في بعض الروايات- ظاهره بل كل ما يسمى سفرًا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع، فلا يعمل بمفهومه اهـ.","vol":"3","page":53},{"text":"وإني اكْتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا؟ قال: \"انطلق فَحُجَّ مع امرأتك \" (١) .\nقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: النساء لحم على وَضَم (٢) إلا\nما ذُبَّ عنه، كُلُّ أحدٍ يشتهيهن وهن لا مدفع عندهن، بل ربما كان الأمر إلى التخلي والاسترسال أقرب من الاعتصام، فحض الله عليهن بالحجاب، وقطع الكلام، ومباعدة الأشباح، إلا مع من يستبيحها وهو الزوج، أو يمنع منها وهم أولو المحرمية، ولما لم يكن بدٌّ من تصرفهن أذن لهن فيه بشرط صحبة من يحميهن، وذلك في مكان المخالفة وهو السفر مقر الخلوة، ومعدن الوحدة (٣) اهـ.\nوقال النووي ﵀: المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كبيرة، وقد قالوا: \"لكل ساقطة لاقطة\"، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطتهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته وحيائه (٣) اهـ.\nفتبُّا لهؤلاء المستغربين، وسحقا سحقًا لعبيد المدنية الزائفة الذين أطلقوا لبناتهم ونسائهم العنان يسافرن دون محرم، ويخلون بالرجال الأجانب، مُدَّعين أن الظروف تغيرت، وأن ما اكتسبته المرأة من التعليم، وما أخذته من الحرية يجعلها موضع ثقة أبيها وزوجها، فما هذا إلا فكر خبيث دَلَفَ إلينا ليفسد حياتنا، وما هي إلا حجج واهية ينطق بها الشيطان على ألسنة هؤلاء الذين انعدمت عندهم غيرة الرجولة والشهامة فضلًا عن كرامة المسلم ونخوته.\n_________\nوانظر: \"إكمال الإكمال، للأبي (٣/ ٤٣٦) .\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) وَضَم: الوضم ما وقيت به اللحم عن الأرض من خشب وحصير اهـ. من \"مختار القاموس\" ص (٦٦١) .\n(٣) نقله عنهما الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في \"الرد القوي \" ص (٢٥٠- ٢٥١)","vol":"3","page":54},{"text":"ومَثَل الذين يتهاونون في الخلوة والاختلاط الآثم بدعوى أنهم رُبّوا على الاستجابة لنداء الفضيلة ورعاية الخُلُق، مَثَلُ قوم وضعوا كمية من البارود بجانب نار متوقدة، ثم ادعوا أن الانفجار لا يكون لأن على البارود تحذيرًا من الاشتعال والاحتراق.. إن هذا خيال بعيد عن الواقع، ومغالطهْ للنفس، وطبيعة الحياة وأحداثها (١) .\n* ومنها تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة:\nفمن المعلوم أن من دواعي فتنة الرجل بالمرأة، ونزوعه إليها ما يشم منها من الطيب الذي يفوح شذاه فيجر إلى الفتنة، ويكون رسولًا من نفس شريرة إلى نفوس أخرى شريرة.\nقال ﷺ: \"أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية\" (٢)، وقال رسول الله ﷺ: \"كل عين زانية، وإن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا، يعني زانية\" (٣)، وقال ﷺ: \"إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا\" (٤) .\n_________\n(١) \"تحريم الخلوة بالأجنبية الفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن لطفي الصباغ حفظه الله ص (٢٩- ٣٠)، وانظر رسالة (يا بنتي ويا ابني) للشيخ علي الطنطاوي ﵀.\n(٢) رواه من حديث أبي موسى ﵁ الإمام أحمد (٤/ ٤١٤)، والنسائي (٨/ ١٥٣) في الزينة، باب ما يكره للنساء من الطيب، والحاكم (٢/ ٣٩٦)، وقال: (صحيح\nالإسناد، ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي، وانظر \"فيض القدير\" (٣/ ١٤٧) .\n(٣) رواه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الترمذي- رقم (٢٧٨٧) في الأدب: باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة- واللفظ له، وأبو داود رقم (٤١٧٤)، (٤١٧٥) في الترجل: باب في المرأة تتطيب للخروج، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح \".\n(٤) رواه من حديث زينب امرأة ابن مسعود ﵄ مسلم رقم (٤٤٣) - واللفظ له - في الصلاة: باب خروج النساء إلى المساجد، والنسائي (٨/ ١٥٤) في الزينة: باب النهي للمرأة أن تشهد الصلاة إذا أصابت بخورًا.","vol":"3","page":55},{"text":"ولا ضير على المرأة أن تستعطر في بيتها ولزوجها، بشرط أن لا تغشى به مجالس الرجال؟ لأن الطيب من ألطف وسائل المخابرة والمراسلة، والحياء الإسلامي يبلغ من رقة الإحساس أن لا يحتمل حتى هذا العامل اللطيف الخفي.\nخرجت امرأة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ متطيبة، فوجد ريحَها، فعلاها بالدرة، ثم قال: \"تخرجن متطيبات، فيجد الرجل ريحكن؟ وإنما قلوب الرجال عند أنوفهم، اخرجن تَفِلات \" (١) .\n* ومنها تحريم الخضوع بالقول:\nفقد يكون صوت المرأة رخيمًا، يحرك النفوس المريضة، فيجرها إلى التفكير في المعصية، أو يوقعها ويوقع بها في بلية العشق، قال بشار:\nيا قومِ أُذْني لبعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ ... والأذْنُ تَعْشَقُ قبلَ العينِ أحيانا\nومن هنا نهيت المرأة عن مخاطبة الأجانب بكلام فيه ترخيم كما تخاطب زوجها، وأمرت أن تتحرى الصوت الجاد العاري عن أسباب الفتنة، ولم يخول لها الإسلام إذا نابها شيء في الصلاة أن تسبح كالرجال، بل عليها أن تصفق، وهي في الحج لا ترفع صوتها بالتلبية، ولا يشرع لها أن تؤذن للصلاة في المسجد، ولا أن تؤم الرجال.\nوقد سدَّ الإسلام على المرأة كل سبيل للتسيب في هذا الباب حينما جعل أمهات المؤمنين \" محلا للقدوة، فلم يبق هناك عذر لمعتذر، قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب: ٣٢])،\nوقال ﷺ: \"والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام \" (٢) .\nوفي رواية: \"والأذن تزني، وزناهما السمع \".\n_________\n(١) المصنف للإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني (٤/ ٣٧٠) .\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":56},{"text":"ومن أعظم وسائل الإسلام لتجفيف منابع الفتنة بالمرأة:\n* تحريم الاختلاط المستهتر:\nتعريف الاختلاط المستهتر: هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعًا يؤدي إلى ريبة، أو: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد.\nوقد حذر القرآن الكريم من هذا الاختلاط كما في قوله تعالى:\n(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: ٣٣])، فخير حجاب للمرأة بيتها، وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣])، إلى غير ذلك من الآيات.\n* وقال ﷺ: \"المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها\" (١) .\nوعن أبي أسيد مالك بن ربيعة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول- وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق: \"استأخِرن، فليس لكن أن تَحْقُقْنَ (٢) الطريق، عليكن بحافات الطريق \"، فكانت المرأة تلصَقُ بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به (٣) . وقد أفرد ﷺ في المسجد بابا خاصا للنساء يدخلن ويخرجن منه، لا يخالطهن\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تحققن: أي تذهبن في حاق الطريق، وهو الوسط.\n(٣) رواه أبو داود رقم (٥٢٧٢) في الأدب: باب في مشي النساء مع الرجال في الطريق (٤/ ٣٦٩)، وسكت عنه المنذري، وله شاهد عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: \"ليس للنساء وسط الطريق \" رواه ابن حبان في \"صحيحه \" رقم (١٩٦٩)\nموارد.","vol":"3","page":57},{"text":"ولا يشاركهن فيه الرجال:\nفعن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"لو تركنا- هذا الباب للنساء؟ \" قال نافع: فلم يدخل منه ابنُ عمر حتى مات (١) .\nوعن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: \"كان عمر بن الخطاب\n﵁ ينهى أن يُدْخَلَ المسجدُ من باب النساء\" (٢) .\nومن ذلك: تشريعه للرجال إمامًا ومؤتمين أن لا يخرجوا فور التسليم\nمن الصلاة إذا كان في الصفوف الأخيرة بالمسجد نساء، حتى يخرجن، وينصرفن إلى دورهن قبل الرجال، لكي لا يحصل الاختلاط بين الجنسين- ولو بدون قصد- إذا خرجوا جميعا.\nقال أبو داود في \"سننه\": (باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة) ثم ساق حديث أم سلمة ﵂ قالت: \"كان رسول الله\nﷺ إذا سلم مكث قليلا، وكانوا يرون أن ذلك كيما يَنفُذَ النساء قبل\nالرجال \" (٣) .\nورواه البخاري أيضًا وفيه: قال ابن شهاب: (فنُرى والله أعلم- لكي\nينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن مَن انصرف من القوم) (٤) أي\nالرجال.\n_________\n١١) رواه أبو داود رقم (٥٧١) في الصلاة: باب التشديد في خروج النساء إلى المساجد، وفي رواية عن نافع قال: قال عمر، قال الجزري: \"وهو أصح \"، وقال الألباني: \"صحيح على شرط الشيخين\" اهـ من: هامش \"المرأة المسلمة للبنا\" ص (١٥-١٦) .\n(٢) رواه أبو داود رقم (٤٦٤)، في الصلاة، وإسناده منقطع.\n(٣) رواه أبو داود رقم (١٠٤٠) في الصلاة: باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة (١/ ٢٧٣) .\n(٤) رواه البخاري (٢/ ٣٨٩) - فتح) رقم (٨٤٩) .","vol":"3","page":58},{"text":"* وعن أم سلمة ﵂ قالت: \"كان يسلم فينصرفُ النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أّن ينصرف رسول الله ﷺ) .\nوروي النسائي: \"أن النساء كن إذا سلمن قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومَن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال \" (٢) .\nقال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث ... كراهة مخالطة الرجال للنساء\nفي الطرقات فضلًا عن البيوت) اهـ (٣) .\n* وعن أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، فقال: \"قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي \" (٤) .\n* وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتُهن خير لهن\" (٥) .\n* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها\" (٦)، وهذا\n_________\n(١) السابق رقم (٨٥٠) .\n(٢) عزاه الحافظ ابن حجر إلى النسائي- \"فتح الباري\" (٢/٣٣٦) .\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٢) .\n(٤) عزاه الحافظ في \"الفتح \" إلى الإمام أحمد والطبراني، وقال: \"وإسناد أحمد حسن \"، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود (٢/٣٥٠)، وقد رواه أيضَا في صحيحيهما ابن خزيمة (٣/ ٩٤)، وابن حبان (٣٢٨- موارد) .\n(٥) رواه أبو داود رقم (٥٦٧) في الصلاة: باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، والإمام أحمد (٢/ ٧٦) .\n(٦) رواه مسلم رقم (٤٤٠) في الصلاة: باب تسوية الصفوف وإقامتها، وأبو داود =","vol":"3","page":59},{"text":"كله في حالة العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه.\n* وعن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس ﵄ قيل له: أشهدت العيد مع النبي ﷺ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغَر ما شهدتُه، حتى أتى العَلَم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن، وذكَرهن، وأمرهن بالصدقة (١) الحديث.\nقال الحافظ ابن حجر: قوله: \"ثم أتى النساء\" يشعر بأن النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم، قوله: \"ومعه بلال \" فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم أن لا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهدٍ ونحوه؟ لأن بلالا كان خادم النبي ﷺ، ومتولي قبض الصدقة، وأما ابن عباس فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب صغره اهـ (٢) .\n* وعن ابن عباس ﵄ قال: \"شهدت الفطر مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ يصلونها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد، خرج النبي ﷺ كأني أنظر إليه حين يُجَلِّس بيده، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء\" (٣) الحديث.\nوفي رواية مسلم: \" يُجَلِّس الرجال بيده\" وذلك كي لا يختلطوا بالنساء.\n_________\n= رقم (٦٧٨) في الصلاة: باب صف النساء وكراهية التأخر عن الصف الأول، والترمذي رقم (٢٢٤) في الصلاة: باب ما جاء في فضل الصف الأول، والنسائي (٢/٩٣) في الإمامة: باب ذكر خير صفوف النساء، وشر صفوف\nالرجال.\n(١) رواه البخاري رقم (٩٧٧) في العيدين: باب العَلَم الذي بالمصلى.\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٤٠) .\n(٣) رواه البخاري رقم (٩٧٩) في العيدين: باب موعظة الإمام النساء يوم العيد، ومسلم رقم (٨٨٤) في العيدين في فاتحته.","vol":"3","page":60},{"text":"* ولقد حرصت الصحابيات علي عدم الاختلاط حتى في أشد المساجد زحاما، وفي أشد الأوقات زحامًا، في موسم الحج بالمسجد الحرام: (فعن ابن جريج قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساءَ الطوافَ مع الرجال، قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟) أي غير مختلطات بهن (قال: قلت: أَبَعْدَ الحجاب أو قبلُ؟ قال: أي لَعمري، لقد أدركتهُ بعد الحجاب، قال: قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يَكُنَّ يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف. حَجْرَةً) بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها راء أي ناحية، يقال: نزل فلان حجرة من الناس أي معتزلا، وفي رواية: \"حجزة\" بالزاي يعني مجوزًا بينها وبين الرجال بثوب (من الرجال، لا تخالطهم، فقالت امرأة: \"انطلقي نستلم يا أم المؤمنين \"، قالت: \" انطلقي عنكِ \"، وأبت، يخرجن متنكرات بالليل، فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن) أي وقفن حتى يدخلن حال كون الرجال مخرجين منه (حتى يدخلن، وأخْرِج الرجال) (١) .\nودخلت على عائشة ﵂ مولاة لها، فقالت لها: يا أم المؤمنين، طفت بالبيت سبعا، واستلمت الركن مرتين أو ثلاثًا، فقالت لها عائشة ﵂: \"لا آجركِ الله، لا آجركِ الله، تدافعين الرجال؟! ألا كبرتِ ومررتِ؟! \" (٢) .\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلا معهن فضربه بالدرة (٣) .\n_________\n(١) رواه البخاري رقم (١٦١٨) كتاب الحج: باب طواف النساء مع الرجال.\n(٢) رواه الإمام الشافعي في (مسنده\" ص (١٢٧) ط. دار الكتب العلمية- لبنان.\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦١) .","vol":"3","page":61},{"text":"ولقد حط الله عن النساء الجمعة، والجماعة، والجهاد، وجعل جهادهن لا شوكة فيه، وهو الحج المبرور.\nوكان النبي ﷺ قد أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: \"تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعْتَدي عند ابنِ أُمِّ مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، ولا يراك \" (١) .\nإلى أمثلة أخرى كثيرة كلها تؤكد حرص الإسلام على وضع وتثبيت حواجز الأسلاك الشائكة بين الرجال والنساء الأجنبيات.\nومن صور الاختلاط المنهي عنه:\n١- اختلاط الأولاد الذكور والإناث- ولو كانوا إخوة- بعد التمييز\nفي المضاجع، فقد أمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع.\nفعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال رسول الله ﷺ: \"مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع \" (٢) .\n٢- اتخاذ الخدم الرجال، واختلاطهم بالنساء، وحصول الخلوة بهن، رُوِي في بعض الآثار أن فاطمة ﵍ لما ناوَلَت أحَدَ ابنَيْها بلالًا أو أنسًا قال: \"رأيت كفًا\" يعني أنه لم يَرَ وجهًا (٣)، وقد كان أنس ﵁ خادمًا خاصُّا للنبي ﷺ، وكان يعيش عنده كأحد أهله.\n٣- اتخاذ الخادمات اللائي يبقين بدون محارم، ْ وقد تحصل بهن الخلوة. ٤- السماح للخطيبين بالمصاحبة والمخالطة التي تجر إلى الخلوة، ثم إلى\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٥)، أبو داود (٢٢٨٤)، والنسائي (٢/ ٧٤- ٧٥)، والبيهقي (٧/ ٤٣٢)، وأحمد (٦/٤١٢) .\n(٢) رواه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أبو داود رقم\n(٤٩٥، ٤٩٦) في الصلاة: باب متى يؤمر الغلام بالصلاة؟\n(٣) \"تكملة فتح القدير\" (٨/٩٨) .","vol":"3","page":62},{"text":"ما لا تحمد عقباه، فيقع العبث بأعراض الناس بحجة التعارف ومدارسة بعضهم بعضًا.\n٥- استقبال المرأة أقارب زوجها الأجانب، وأصدقاءه- في حال غيابه ومجالستهم.\n٦- الاختلاط في دور التعليم كالمدارس، والجامعات، والمعاهد، والدروس الخصوصية\n٧- الاختلاط في الوظائف، والأندية، والمواصلات، والأسواق، والمستشفيات، والزيارات بين الجيران، والأعراس، والحفلات.\n٨- الخلوة في أي مكان ولو بصفة مؤقتة كالمصاعد، والمكاتب، والعيادات، وغيرها.\nفيا أولياء النساء والبنات والأزواج:\nاحذروا: \"الخلوة، والاختلاط المستهتر، والتبرج \"، فإنها والزنى رفيقان لا يفترقان وصنوان لا ينفصمان غالبا.\nواعلموا: أن الستر والصيانة هما أعظم عون على العفاف والحصانة، وأن احترام القيود التي شرعها الإسلام في علاقة الجنسين هو صمام الأمن من الفتنة والعار، والفضيحة والخزي.\nاحذروا أجهزة الفساد السمعية منها والبصرية التي تغزوكم في عقر داركم، وهي تدعو نساءكم وأبناءكم إلى الافتتان، وتضعف منهم الإيمان، وقد قيل: \"حسبك من شَر سماعه\"، فكيف برؤيته؟!!\nصونوا بناتكم وزوجاتكم، ولا تتهاونوا فتعرضوهن للأجانب فـ:\nإن الرجال الناظرين إلى النساء ... مثل السباع تطوف باللحمان\nإن لم تصن تلك اللحومَ أسودُها ... أُكلت بلا عِوّض ولا أثمَانِ\nإن الأعراض إذا لم تصن بهذه الحصون والقلاع، ولم تحصن بالأسوار والسدود، فستسقط لا محالة- أمام هذه الهجمة الشرسة، ويقع","vol":"3","page":63},{"text":"المحظور، ولا ينفع حينئذ بكاء ولا ندم، والتبعة كل التبعة، واللوم أولًا وأخيرا على ولي البنت الذي ألقى الحبل على غاربه، وأرخى لابنته العنان، فيداه أوكتا، وفوه نفخ:\nنَعَبَ الغراب بما كرهـ ... ـتَ، ولا إزالة للقدرْ\nتبكي وأنت قتلتها! ... اصبر، وإلا فانتحر\nآخر:\nأتبكي على لبنى وأنت قتلتها ... لقد ذهبت لبنى فما أنت صانع (١)؟!\n* * *\nفتش عن الثغرة\nإن جعبة الباحثين والدارسين لظاهرة الاختلاط حافلة بالمآسي المخزية، والفضائح المشينة، التي تمثل صفعة قوية في وجه كل من يجادل في الحق بعد ما تبين.\nوإن الإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي شاع فيها الاختلاط ناطقة بل صارخة بخطر الاختلاط على الدنيا والدين، \"لخصها العلامة أحمد وفيق باشا العثماني الذي كان سريع الخاطر، حاضر الجواب، عندما (سأله بعض عُشَرائه من رجال السياسة في أوربة، في مجلس بإحدى تلك العواصم قائلًا:\n\"لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن من غير أن يخالطن الرجال، ويغشين مجامعهن؟ \".\nفأجابه في الحال قائلًا:\n\"لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجَهن\".\n_________\n(١) انظر: \"صون المكرمات برعاية البنات\" بقلم جاسم الفهيد الدوسري- حفظه الله، ص (٥٢) .","vol":"3","page":64},{"text":"وكاد هذا الجواب كصب ماء بارد على رأس هذا السائل، فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر) (١)\nولما وقعت فتنة الاختلاط بالجامعة المصريه، كان ما كان من حوادث يندى لها الجبين، ولما سئل \"طه حسين \" عن رأيه في هذا، قال: \"لابد من ضحايا\"!! ولكنه لم يبين. \"بماذا\" تكون التضحية؟ و\"في سبيل ماذا\" لابد من ضحايا (٢)؟\nوأي ثمرة يمكن أن تكون أغلى وأثمن من أعراض المسلمين؟!!\nوالآن نستطيع- بكل قوة - أن نجزم بحقيقة لا مراء فيها، وهى أنك إذا وقفت على جريمةٍ فيها نُهِشَ العِرضُ، وذُبح العفافُ، وأُهْدِرَ الشرفُ، ثم فتشت عن الخيوط الأولى التي نسجت هذه الجريمة، وَسَهَّلت سبيلها، فإنك حاتمًا ستجد أن هناك ثغرةً حصلت في الأسلاك الشائكة التي وضعتها الشريعة الإسلامية بين الرجال والنساء، ومن خلال هذه الثغرة. . . دخل الشيطان!!\nوصدقِ الله العظيم: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) [النساء: ٢٧ - ٢٨]) .\n***\nثانيا: التدابير الإيجابية\nبينا فيما مضى كيف أن الإسلام \"يطارد\" أسباب الفتنة حتى يقضي عليها، ويتتبع ذرائع المعصية، حتى يسد منافذها، ومنابع الفساد حتى\n_________\n(١) \"الفتن\" للشيخ أحمد عز الدين البيانوني ﵀ - ص (٢١٤) . (٢) \"المرأة المسلمة\" لوهبى غاوجي الألباني ص (٢٤١)،","vol":"3","page":65},{"text":"يجففها، ووسائل الفوضى حتى يجتثها من جذورها.\nيبقى أن ننبه إلى أنه في مقابل ذلك فتح للنكاح أبوابه على مصاريعها، وقضى على العقبات التي تعترضه بكل قوة، وهاك بعض وسائله في ذلك: علم س بالضرورة من دين الإسلام الترغيب في الزواج المشروع والحث عليه، وأنه من سنن الهدى، وجادة الإسلام.\nودلت نصوص الشريعة على النهي عن التبتل والرهبانية (١)، وأنها مولود مبتدع في الديانة النصرانية شدَّد الله النكير على فعلتها، فليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، وحديث الرهط نص في ذلك كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس ﵁ (٢)، ولهذا قَرَنَ في حديث آخر بين الأمر بالزواج، والنهي عن الرهبانية، وذلك فيما رواه أبو أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى\" (٣)\nوذكر الذهبي في \"السير\": أن طاوسا ﵀ قال: \"لا يتم نسك\n_________\n(١) راجع \"المرأة بين تكريم الإسلام، وإهانة الجاهلية\" ص (١٦١- ١٦٣) .\n(٢) ونص الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ: فلما أخبروا كأنهم تقالوها، قالوا: فأين نحن من رسول الله ﷺ؟ وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟\nقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء، ولا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم، فقال: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني \".\nوالحديث رواه البخاري (٥/٩) في النكاح: باب الترغيب في النكاح، ومسلم رقم (١٤٠١) فيه: باب استحباب النكاح، والنسائي (٦/٦٠) في النكاح أيضا باب النهي عن التبتل.\n(٣) رواه البيهقي، وساقه الحافظ قي \"الفتح \" (٩/ ١٣)، وسكت عليه.","vol":"3","page":66},{"text":"الشاب حتى يتزوج \"، وقال لإبراهيم بن ميسرة: تزوج أو لأقولن لك ما قال عمر ابن الخطاب ﵁ لأبي الزوائد: \"ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور\" اهـ (١)\nوقال المرُّوذي قال أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل- ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي ﷺ تزوج أربع عشرة، ومات عن تسع، ولو تزوج بشر بن الحارث لتم أمره، ولو ترك الناس النكاح لم يكن غزو ولا حج، ولا كذا ولا كذا، وقد كان النبي ﷺ يصبح وما عندهم شيء، ومات عن تسع، وكان يختار النكاح ويحث عليه، ونهى عن التبتل، فمن رغب عن سنة النبي ﷺ فهو على غير الحق\nويعقوب في حزنه قد تزوج وَوُلِدَ له.\nوالنبي ﷺ قال: \"حببَ إلي النساء\" (٢)\nقلت له: فإن إيراهيم بن أدهم يحكى عنه أنه قال: \"لَروعة صاحب العيال \"، فما قدرت أن أتم الحديث (٣)، حتى صاح بي وقال: وقعنا في بنيات الطريق، انظر- عافاك الله - ما كان عليه نبينا محمد ﷺ وأصحابه، ثم قال: لبكاء الصبي بين يدي أبيه يطب منه خبزا أفضل من\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (٥/٤٧ – ٤٨) .\nوإنما أراد أمير المؤمنين ﵁ أن يثير حفيظته ليسعى إلى التزوج، إذ رأى أبا الزوائد، وقد تقدمت به السن، ولم يتزوج، وانظره في \"الفتح\" (٩/ ١٣)، و\"الإحياء\" (٢/ ٢٣)، و\"المحلى\" (٩/ ٤٤)، و\"موسوعة فقه عمر ﵁\" (٦٤٣) .\n(٢) رواه من حديث أنس بن مالك ﵁ النسائي (٧/ ٦١) في عشرة النساء: باب حب النساء، بلفظ: \"حُببَ إلي الطيبُ، والنساء، وجعلَ قرةُ عيني في الصلاة\"، وكذا رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥)، والحاكم (٢/\n١٦٠)، والبيهقي، وغيرهم، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه\nالذهبي وقال الحافظ العراقي، \"إسناده جيد\"، وقال ابن حجر: \"حسن\".\n(٣) تتمته كما في \"الإحياء\": (أفضل من جميع ما أنا فيه) اهـ.","vol":"3","page":67},{"text":"كذا وكذا، أنى يلحق المتعبد المتعزبُ المتزوجَ؟! انتهى كلامه (١) .\nوعن عثمان بن خالد قال: قال شداد بن أوس: (زَوِّجوني فإن رسول الله ﷺ أوصاني أن لا ألقى الله عزبًا\" (٢) .\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: \"لو لم يبق من أجلي سوى عشرة أيام أعلم أني أموت بعدهن، ولي طَول النكاح فيهن لتزوجت مخافة الفتنة\" (٣) .\n* إن جمهور فقهاء الإسلام يقررون أن النكاح سنة مؤكدة، وقال بعض الفقهاء من السلف وغيرهم: \"إنه واجب\"، بناء على الأوامر الإلهية، والخطابات النبوية الكثيرة، وقد اتفقوا جميعَا على أن من خاف العنت أو الزنا على نفسه وجب عليه أن يبادر إلى النكاح ليقي نفسه من الحرام، وإن لم يستطع فعليه بالصوم يكثر منه، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه لى وجاء\" (٤) .\nوحسب شبابنا لفهم هذه الأهمية أن العلماء بينوا أن النكاح أفضل عن التفرغ للعبادة.\nولو سأل سائل فقال: \"إني رجل مستطيع النكاح، ولا أخاف على\n_________\n(١) \"روضة المحيين\" لابن القيم ص (٢١٤) .\n(٢) \"تلبيس إبليس\" طبعة المدني، ص (٤١٤) .\n(٣) انظر: \"الإحياء\" (١/ ٦٨٥) .\n(٤) رواه البخاري (٤/١٤٢) في الصوم: باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، وفي النكاح: باب قول النبي ﷺ: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، وباب من\nلم يستطع الباءة فليصم، ومسلم رقم (١٤٠٠) في النكاح: باب استحباب النكاح\nلمن تاقت إليه نفسه، وأبو داود رقم (٢٠٤٦) في النكاح: باب التحريض على النكاح، والترمذي رقم (١٠٨١)، في النكاح؟ باب ما جاء في فضل التزويج والحث عليه، والنسائي (٤/ ١٦٩) في الصوم: باب فضل الصيام، (٦/٥٦،\n٥٧) في النكاح: باب الحث على النكاح.","vol":"3","page":68},{"text":"نفسي الحرام لو لم أتزوج، وأريد أن أظل عزبا ليكفيني أقل مال وعمل لكسب معيشتي، وسأشغل وقّتي كله بالعبادات النافلة من صلاة وصوم وذكر وقرآن.. إلخ\" لقال العلماء لهذا الرجل \"الزواج مع أداء العبادات المفروضة والسننْ الراتبة أفضل \" (١)\nومن تشريعات الإسلام في هذا الباب:\n* الترخيص لمن لم يقدر على نكاح الحرائر أن ينكح الإماء، قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء: ٢٥])،\n* ومنها: وجوب تعاون المسلمين على تزويج عزابهم من نساء ورجال حتى لا يبقى في القرية أو الحي عَزَبٌ تخشى فتنته، قال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: ٣٢])، والأيامى جمع أيم، وهو من ليس متزوجًا من ذكر أو أنثى، فالرجل أيّم، والمرأة أيّم إذا لم يكن لها زوج.\nقال ابن مسعود ﵁:\"التمسوا الغنى في النكاح \"، وتلا هذه الآية، وقال عمر ﵁: \"عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح، وقد قال الله تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (٢) .\nوبين هذا المعنى قولُ النبي ﷺ: \"حق على الله عونُ من نكح التماس العفافِ عما حَرمَ الله. (٣) .\nوقوله ﷺ: \"ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله،\n_________\n(١) راجع \"المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية ص (١٦١ – ١٧٣)، (٢٣٤- ٢٣٥)، (٢٥٩)\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/٢٤١)\n(٣) رواه من حديث أبي هريرة ﵁ ابن عدي وابن منيع والديلمي أفاده المناوي في الفيض (٣/ ٩٣) وحسَّنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٣/٩٣)","vol":"3","page":69},{"text":"والمكاتَب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف \" (١) .\nوحرص رسول الله ﷺ على تيسير النكاح وتذليل عقباته، فمن ذلك قوله ﷺ \"خير النكاح أيسره \" (٢) .\nوقوله ﷺ: \"خير الصداق أيسره\" (٣) .\n* ومنها: أَمْرُ مَنْ لم يجد النكاح بالاستعفاف:\nقال ﷿: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: ٣٣]) .\n* * *\n_________\n(١) رواه الترمذي رقم (١٦٥٥) في فضائل الجهاد: باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب وعون الله وإياهم، وحسنه، والنسائي (٦/ ٦١) في النكاح: باب معونة\nالله الناكح الذي يريد العفاف، ورواه أيضَا الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في \"صحيحه\"، والحاكم وصححه.\n(٢) رواه أبو داود رقم (٢١١٧) في النكاح: باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات، وابن حِبان، والحاكم (٢/ ١٨٢)، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٣) انظر تخريجه في \"المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية\" ص (١٨٠) .","vol":"3","page":70},{"text":"وبعد\nفهكذا نظم الإسلام الحياة الاجتماعية للناس تنظيما دقيقا، ووضع لهم التشريعات التي تكفل سعادتهم واستقامتهم، وقد تبين لنا من هذا الباب كيف أن الشريعة الإلهية عندما تحرم شيئا فإنها لا تكتفي بتحريمه فحسب،\nبل إنها تنادي في الوقت ذاته بتحريم كل ما يرغب الناس في إتيانه، أو يهيئ لهم فرصه، أو ما يكرههم عليه من الأسباب والدواعي.\nفها هي الشريعة المطهرة عندما تحرم الجريمة تحرم معها أسبابها وذرائعها ووسائلها، حتى تستوقف المرء على مسافة بعيدة قبل أن يفضي إلى حدود الجريمة الأصلية.\nولا ترتضي الشريعة المحكمة حين تحرم شيئًا من الجرائم أن تلقي في روع الناس أن العقوبة قد وجدت لمجرد التنكيل بهم، ومحاسبتهم فقط، بل تشعرهم بأنها ناصحة لهم، ومصْلِحَة لمفاسدهم، ومُذَلِّلَةٌ لمشاكلهم، فتستخدم كل ما يؤثر فيهم من التدابير الوقائية الممكنة، وكذا الإجراءات العلاجية التي توصد باب الفتنة، وتعين على اجتناب الموبقات.\nوقد بان لك موقع الحجاب الشرعي من هذه الإجراءات، وكيف أن فرضيته تتواءم مع مقاصد الشريعة التي منها: المحافظة على النسل والعرض.\n* * *","vol":"3","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>الباب الثاني</span>\nالفصل الأول:\nمعنى الحجاب ودرجاته\nالفصل الثاني:\nتاريخ الحجاب","vol":"3","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الفصل الأول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>معنى الحجاب ودرجاته</span>\n* معنى الحجاب:\nأولًا- في اللغة (١):\nالحَجْب والحِجاب: المنع من الوصول، يقال: حَجَبَهُ أي: مَنَعَه حَجْبًا وحجابًا، ومنه قيل للستر الذي يحول بين شيئين: حجاب؛ لأنه يمنع الرؤية بينهما، وسمي حجاب المرأة حجابا؟ لأنه يمنع المشاهدة، وقيل للبواب: حاجب؛ لأنه يمنع من الدخول عليه إلا بإذنه خشية الأذى يصيبه، وفي الحديث: \"قال بنو قصي: فينا الحجابة\" يعنون حجابة الكعبة، وهي سدانتها، وتولي حفظها، أو هم الذين بأيديهم مفاتيحها، وكل شيء منع شيئًا فقد حجبه كما تحجب الإخوة الأمَّ عن فريضتها، فإنهم يحجبون الأم عن الثلُثِ إلى السُّدُسِ.\nوالحاجبان من الرأس لكونهما كالحاجبين للعينين في الذَبِّ عنهما، واحتجب الملِكُ عن الناس، وتحجَّب: إذا اكتن من وراء حجاب، ومادة الحجاب وردت في ثمانية مواضع من القرآن الكريم، ومعناها فيها جميعا يدور بين الستر والمنع:\nومنه قوله تعالى: (حَتَى تَوَارَتْ بِاَلحجَابِ) [ص: ٣٢]، أي: احتجبت، وتوارت بالجبل أو الأفق، ومنه قوله ﷿: (وَبَيْنَهُمَا جِجَابٌ)\n_________\n(١) انظر \"المصباح المنير\" ص (١٣١)، \"لسان العرب\" (١/ ٢٨٩)، \"تاج اللغة\" (١/ ٤١)، \"إصلاح الوجوه والنظائر\" ص (١١٧)، \"المفردات \" للراغب الأصبهاني ص (١٥٥) .","vol":"3","page":75},{"text":"[الأعراف: ٤٦]، أي: سور، ومنه قوله تعالى: (وَمَا كاَنَ لِبَشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ الله إلا وحيا أَؤ مِن وَرَاء جِجَاب) [الشورى: ٥١]، أي من حيث لا يراه، وكذا في قوله سبحانه: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) [المطففين: ١٥])، أي: مستورون، فلا يَرَوْنَهُ.\nولم يذكر لفظ الحجاب في موضوع بحثنا- وهو ستر النساء عن الرجال- إلا في موضعين، أحدهما: قوله ﷿: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا [مريم: ١٧])، وثانيهما في قوله جل وعلا: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب: ٥٣])، أي: ساتر يحول بينكم وبين رؤيتهن.\nومن استعمال الحجاب في المعاني قولهم: العجز حجاب بين الإنسان ومراده، والمعصية حجاب بين العبد وربه، وجمع حجاب حجُب، مثل كتاب كتب.\nثانياَ - في الشرع:\nوردت عدة تعريفات شرعية للحجاب، يدور أغلبها حول جانب معين منه، غير جامع لكل أركانه ومقوماته، مثل قول بعضهم:\n(هو ساتر يستر الجسم فلا يشف، ولا يصف) (١) .\nوقول البعض الآخر:\n(هو حجب المرأة المسلمة من غير القواعد من النساء عن أنظار الرجال غير المحارم لها) (٢) .\nوالذي يساعد على وضع تعريف جامع للحجاب هو معرفة الغرض منه، وكما أسلفنا القول فإن الحجاب أحد التدابير الوقائية التيَ شرعت من أجل منع وقوع الفتنة بين الرجال والنساء من جهة الشهوة.\n_________\n(١) \" إعداد المرأة المسلمة\" ص (١٠٦) .\n(٢) فصل الخطاب \" للشيخ أبي بكر الجزائري ص (٢٦)، وقال حفظه الله: (بعض العوام يطلقون لفظ \"الحجاب\" على الحرز يكتب للمنع من العين أو الجان، وهو ادعاء باطل، وعمل لا يجوز) اهـ.","vol":"3","page":76},{"text":"ْإذن فالحجاب لفظ ينتظم جملة من الأحكام الشرعية الاجتماعية المتعلقة بوضع المرأة في المجتمع الإسلامي من حيث علاقتها بمن لا يحل لها أن تظهر زينتها أمامهم.\nوقد بَيَّنا جملة صالحة من هذه الأحكام في الفصل السابق بحيث نستطيع الآن أن ندرك موقع الحجاب بالنسبة لمقاصد الشريعة العليا خاصة ما يتعلق بحفظ العرض.\n* معنى السفور (١):\nيقال: سفرت الريحُ الغيمَ عن وجه السماء سَفْرًا، فانسفر، فرَّقته فتفرق، وسُمىَ السفَرُ سَفَرًا لأنه يُسفِرُ عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيًا منها. . .\nوإذا ألقت المرأة نقابها قيل: سفرت فهي سافرٌ بغير هاء، قال أبو منصور: وسفرت المرأة وجهها إذا كشفت النقاب عن وجهها، تَسْفِرُ سُفورًا فهي سافرة.\nوبهذا يعرف أن السفور لغة هو كشف الوجه، وقد خرج السفور اليوم عن معناه في أصل اللغة، وتحول إلى التبرج الفاحش والاختلاط المزري بالأجانب.\nمن صور الحجاب:\nللحجاب صور متعددة يمكن أن تحتجب بها المرأة عن الأجنبي، فقد يكون الحائط مثلًا، أو الستارة السميكة، أو الباب حجابَا بينهما، وقد تغطي المرأة وجهها:\n* بالنقاب: وهو القناع الذي تضعه المرأة على مارن أنفها بحيث يُظْهِرُ\n_________\n(١) \"لسان العرب\" (٦/ ٣٣- ٣٧) باختصار.","vol":"3","page":77},{"text":"عينيها ومحاجرهما (١)، وهو ما يسمى باللفام، فإن كان لا يظهر منه إلا عيناها فقط سمي برقعا أو سمي بالوصوصة.\nوسمي النقاب نقابا لوجود نقبين في مواجهة العينين لمعرفة الطريق، قال الشاعر وهو يصور النقاب، وقد صنع من وجه المرأة هلالا به العينان؟\nسفرن بدورًا وانتقبن أهلة\n* أو بالخمار، ويسمى أيضا: النَّصِيف، وهو ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كُلِّها، وير نصيفًا؟ لأنه نَصَف بين الناس وبينها فحجز أبصارهم عنها، وقيل: نصيف المرأة معجرها، والمعجر: ثوب تلفه المرأة فوق رأسها، ثم تتجلبب فوقه بجلبابها، والاعتجار: أن يلف المعجر على الرأس، ويرد طرفه على الوجه، وقال ابن حجر في تعريف الخمر: ومنه خمار المرأة؟ لأنه يستر وجهها) اهـ (٢) .\nدرجات الحجاب\nللحجاب الشرعي المأمور به ثلاث درجات بعضها فوق بعض في الاحتجاب والاستتار، دل عليها الكتابُ والسنة:\nالأولى: حجاب الأشخاص في البيوت بالجدر والخدر، وأمثالها، بحيث\nلا يرى الرجال شيئا من أشخاصهن ولا لباسهن ولا زينتهن الظاهرة ولا الباطنة ولا شيئا من جسدهن من الوجه والكفين وسائر البدن، وقد أمر\n_________\n(١) محجر العين: هو ما دار بالعين من العظم الذي هو أسفل الجفن، وهو يظهر من نقاب المرأة، فكل ما بدا من النقاب محجر. \"لسان العرب \" (٢/٢٩٥)\n(٢) وبهذا يعلم أن الحجاب والنقاب ليسا شيئين مختلفين، بل الأول أعم من الثاني، وبهذا أيضا يتبين خطأ السؤال الشائع في هذا الزمان متعلقا بحكم كشف الوجه، وهو: أيهما الفرض الواجب: الحجاب أم النقاب، ويعنون بالحجاب كشف الوجه، فالأصح أن يقال: الحجاب أم السفور، أو: النقاب أم السفور؟ والله أعلم.","vol":"3","page":78},{"text":"الله ﷿ بهذه الدرجة (١) من الحجاب فقال (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب: ٥٣]) وِقال ﷾: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: ٣٣])،. ويرشح هذه الدرجة أحاديث تحبب إلى المرأة القرار في البيت، وعدمَ الخروج حتى إلى صلاة الجماعة مع رسول الله ﷺ، فإن قرارها في بيتها أرجى لها في الأجر عند الله تعالى.\nالثانية: خروجهن من البيوت مستورات، ومن أدلتها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الآية [الأحزاب: ٥٩]،.\nالثالثة: خروجهن مستورات الأبدان من الرأس إلى القدم، مع كشف الوجه واليدين عند أمن الفتنة عند بعض الأئمة (٢) .\nواتفق جمهور علماء المذاهب في هذا الزمان على وجوب تغطية الوجه والكفين من المرأة سدُّا لذرائع الفساد، وعوارض الفتن، فلم يبق يشرع إلا الدرجتان الأولى والثانية.\n* * *\n_________\n(١) انظر \"جواهر القرآن \" لمفتي عموم باكستان العلامة محمد شفيع، و\"أحكام الحجاب في القرآن \" للشيخ المفسر الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي.\n(٢) ويعد بعض العلماء الدرجة الثالثة من الحجاب هي \"الحجاب الداخلي \" الذي يحدد ما تظهره المرأة داخل البيت لمن يدخل عليها- بعد الاستئناس والاستئذان بشروطه وآدابه- من المحارم وغيرهم الذين ورد استثناؤهم في سورة النور، وانظر \"أحكام الحجاب في القرآن\" ص (٩- ٢٠)","vol":"3","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>تاريخ الحجاب</span>\nتعتبر قضية \"الحجاب\" جزءا من مقومات المرأة، مرتبطًا بأوائل وجودها، إذ كانت بدايته مع الأبوين في الجنة حيث أسكنهما الله تعالى، يأكلان منها حيث شاءا إلا شجرة واحدة فوسوس لهما الشيطان حتى أكلا منها، قال تعالى: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٢٢]، ثم أهْبِطا إلى الأرض، وبدءا حياة جديدة، فأنزل الله عليهما اللباس مرة أخرى.\nكما قال تعالى:\n(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦])،.\nوقد حذر الله ﷿ بني آدم من فتنة الشيطان في موضوع هذا اللباس خصوصًا حتى لا يعيد معهم الكرَّة، فقال جل وعلا:\n(يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) [الأعراف: ٢٧]،.\nفماذا عن التطورات التاريخية لحجاب المرأة عند الأمم المختلفة، ونخص منها أهل الكتاب وعرب الجاهلية؟\nالحجاب عند أهل الكتاب\nمن الأوهام الشائعة خاصة عند الغربيين أن حجاب النساء نظام ابتدعه الإسلام، وأنه لم يكن له وجود قبل الإسلام لا في جزيرة العرب، ولا في","vol":"3","page":81},{"text":"غيرها، وكادت المرأة المحجبة عندهم أن تكون مرادفة للمرأة المسلمة، أو المرأة التركية (١) التي كانت تمثل الإسلام في نظرهم من خلال \"تركيا\" دار الخلافة، وهذا الوهم مما يبين مدى جهلهم لا بحقائق الإسلام نفسه فحسب، بل أيضا بحقائق التاريخ، ونصوص كتبهم الدينية التي يتداولونها، ويتعصبون لها، ولا يكلفون أنفسهم عناء قراءتها ومراجعتها، ونخص بالذكر التوراة، والإنجيل.\nفمن يقرأ كتبهم يعلم بغير عناء كبير في البحث أن حجاب المرأة كان معروفا بين العبرانيين، من عهد إبراهيم ﵇، وظل معروفًا بينهم في أيام أنبيائهم جميعا، إلى ما بعد ظهور النصرانية (٢) .\nوقد تكررت الإشارة إلى البرقع في غير كتاب من كتب العهدين القديم والجديد (٣): ففي الأصحاح الرابع والعشرين من \"سفر التكوين\" عن\n_________\n(١) اشتهر الحجاب في تركيا لا لأنه \"تقليد\" تركي كما يزعم المغالطون أو الواهمون، وإنما كمظهر من مظاهر تمسك التركيات بالإسلام، فالحجاب في تركيا كان إسلاميّا فحسب، والترك لم يعرفوه إلا من خلال إسلامهم؟ لأنهم أخذوه عن الشعوب التي تعلموا منها الإسلام، الذي يفرض على المرأة الحجاب، ومن ثم\nكان الحجاب- بصورة من الصور- أصلا مرعيُّا في العالم الإسلامي كله- وليس في تركيا وحدها- خلال قرون متطاولة من الزمان.\nانظر: \"واقعنا المعاصر للأستاذ \"محمد قطب \" ص (١٥٧) .\nوليس العجب من ترويج الكتاب الغربيين لهذه الفِرية أمثال أرنولد توينبي\" صاحب كتاب \"مدخل تاريخي للدين\"، وذلك لأن هؤلاء الغربيين جميعا كانت،\nلهم مهمة معروفة عندما كتبوا هذا في حق الأتراك، ولكن العجب من أناس يدعون العلم والمعرفة وهم مقلدة لهؤلاء الغربيين حتى في أكاذيبهم الصارخة مثل دعواهم أن الحجاب بدعة تركية (!) .\n(٢) وهنا نسأل: هل يحتمل عند \"توينبي\" وأذنابه أن يكون الأتراك هم الذين كتبوا لليهود والنصارى كتابهم المقدس عندهم؟\n(٣) أنظر: \"المرأة في القرآن\" لعباس محمود العقاد، الفصل السادس ص (٨٧)، وما بعدها.","vol":"3","page":82},{"text":"\"رفقة\" أنها رفعت عينيها، فرأت إسحاق، فنزلت عن الجمل، وقالت للعبد: \"من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي \"، فقال العبد: \"هو سيدي \"، فأخذت البرقع، وتغطت.\nوفي الأصحاح الثامن والثلاثين من \"سفر التكوين \" أيضًا: أن ثامار مضت، وقعدت في بيت أبيها، ولما طال الزمن، خلعت عنها ثياب ترمُّلِها، وتغطت ببرقع، وتلففت.\nوفي النشيد الخامس من أناشيد سليمان تقول المرأة أخبرني يا من تحبه نفسى أين ترعى عند الظهيرة؟ ولماذا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك؟.\nوفي الأصحاح الثالث من \"سِفر أشْعِيا\": إن الله سيعاقب بنات صِهْيْونَ على تبرجهن والمباهات برنين خلاخيلهن بأن ينزع عنهن زينة الخلاخيل والضفائر والأهِلَّة والحِلَق والأساور والبراقع والعصائب (١) .\nويقول \"بُولس\" في رسالته \"كورنثوس \" الأولى: (إن النقاب شرف للمرأة)، وكانت المرأة عندهم تضع البرقع على وجهها حين تلتقي بالغرباء، وتخلعه حين تتروي في الدار بلباس الحداد.\nوكانت الكنيسة في القرون الوسطى تخصص جانبا منها للنساء حتى لا يختلطن بالرجال.\nقال الكونت \"هنري دي كاستري\":\nربما كان الإنجيل أكثر تدقيقًا في التشديد- يعني في الحجاب- ولكنه لا يعمل به إلا قوم خصَّهم الله بمواهب الكمال، اهـ من كتاب \"الإسلام خواطر وسوانح \" اهـ (٢) .\n_________\n(١) ولعل من مظاهر هذه العقوبة منعهن من المساجد لما أحدثن الزينة كما في حديث عائشة ﵂ المتقدم ص (٢٢) .\n(٢) \"المرأة العصرية وصفاتها المنافية للإسلام \" للشيخ محمد الزمزمي الغماري ص (٨) .","vol":"3","page":83},{"text":"(وفي يوم من الأيام حكمت الكنيسة الأرثوذوكسية بحرمان المرأة حقها\nفي المجتمع، فحظرت عليها حضور المآدب والحفلات، وألزمتها الحجاب صامتة صابرة،، لا شأن لها إلا الطاعة للزوج، والقيام بالغزل والنسيج، وطهي الطعام، وإذا خرجت من بيتها خرجت مستورة الجسم من قمة رأسها إلى أخمص قدمها) (١) .\nولعله لهذا بقيت آثار البرقع والحجاب عند أهل الكتاب حتى يومنا هذا، وذلك واضح في زي راهبات النصارى، ودخول النصرانيات الكنيسة، وقد غطين رؤوسهن بساتر، بل هن حتى اليوم في حفلات أعراسهن يغطين وجوههن بنقاب شفاف فلعله من بقايا دينهم.\nالحجاب عند عرب الجاهلية\nنبين في هذا الفصل- إن شاء الله- أن العرب عرفوا في جاهليتهم حجاب القرار في البيت، وئقاب الوجه، ولعل هذا من بقايا الحنيفية السمحة التي تلقاها عرب الجاهلية عن ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما تلقوا منها الختان والعقيقة وغيرهما، كما عرفوا سفور الوجه الذي كان أغلب حالات فتيات العرب، وعرفوا هيئات مختلفة من التبرج الذي وصفه الله ﷿ بأنه \"تيرج الجاهلية الأولى\"، وذلك في قوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) [الأحزاب: ٣٣]؛ فقد كانت المرأة تلبس درعًا من اللؤلؤ، فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال (٢) .\nوفي أقصى الطرف الآخر كان هناك طائفة من العرب عرفوا التكشف الفاضح حيث كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويُسَوِّغون ذلك بقولهم: \"لا\n_________\n(١) \"حقوق المرأة في الإسلام\" - من رسائل الجزائري ص (٧) (٢) (٢) \"تفسير غرائب القرآن \" للنيسابوري (٢٢/ ١٠) - حاشية الطبرى","vol":"3","page":84},{"text":"نطوف في ثياب عصينا الله فيها\" (١) !، بل افتروا على الله الكذب حيث قالوا في تسويغ تلك الفاحشة: (وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) [الأعراف: ٢٨]،.\nوفي \"صحيح مسلم\"، (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافًا؟ تجعله على فرجها وتقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله\nفنزلت هذه الآية: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (٣) الآية [الأعراف: ٣١]،.\nوكان من لباس نساء الجاهلية المهلهل والهفاف، وهما دقيقا الخيط، رقيقا النسيج، أما ما كَثُف حَوْكُه، وضوعفت حواشيه فيدعى بالصفيق والشبيع والحصيف.. ومن لباسها الدثار، وهو جلباب شامل، والنطاق وهو ثوب تشده المرأهْ إلى وسطها، وترخي نصفه الأعلى على نصفه الأسفل (٤) .\nوقد سجلت لنا آثارهم الأدبية وأشعارهم على وجه الخصوص الحالة الاجتماعية للمرأة الجاهلية، وهذا ما نفصِّله فيما يلي إن شاء الله.\nأولا: حجاب الجدر\nعرف العرب حجاب الجدر، وهو قرار المرأة في بيتها،- فمن ذلك قول\n_________\n(١) انظر \"تفسير القرآن العظيم \" لابن كثير (٣/٣٩٨) ط. دار الشعب.\n(٢) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (١٨/ ١٦٢) .\n(٣) وهذه الضلالة الجاهلية المشار إليها أبطلها رسول الله ﷺ سنة تسع حين أذن مؤذنه في الناس يوم النحر بمنى: \"ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان \" رواه البخاري وغيره.\n(٤) \"المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها\" (١/ ١١٠- ١١١) بتصرف.","vol":"3","page":85},{"text":"بعضهم:\nما كان أغناني عن حُب مَن ... مِن دونه الأستار والحجبُ\nومنه أيضًا قول امرئ القيس:\nوَبَيْضَةِ خِدر لا يُرَام خِباؤها ... تَمَتَّعْتُ! مِنْ لَهْوٍ بها غَيْر مُعْجلٍ\nيقول: وَرُبَّ امرأة كالبيض في سلامتها أو في الصون والستر أو في صفاء اللون ونقائه ملازمة خِدرَها غير خَرَّاجةٍ وَلا ولاجَة انتفعت باللهو فيها على تمكث وتلبث لم أعجل عنها، ولم أشغل عنها بغيرها (١) . وامتدح العرب المرأة التي تقر في بيتها، ولا تخرج منه، فقال بعضهم في ذلك:\nمن كان حربًا للنسا ... ءِ فإنني سلم لهنه\nفإذا عثرن دعونني ... وإذا عثرت دعوتهنه\nوإذا برزن لمحفل ... فقصارهن ملاحهنه\nفقوله: قصارهن يعني المقصورات منهم في بيوتهن اللاتي لا يخرجن منها إلا نادرًا، كما أوضح ذلك كثير عزة في قوله:\nوأنتِ التي حببتِ كل قصيرة ... إليَّ وما تدري بذاك القصائر\nعنيت قصيرات الحَجال ولم أرد ... قصار الخطا شر النساء البحاتر\nوالحجال جمع حجلة، وهي البيت الذي يزين للعروس، فمعنى قصيرات الحجال: المقصورات في حجالهن، البحاتر: جمع بُحْتُر وهو القصير المجتمع الخَلْق.\nوذكر بعضهم أن رجلًا سمع آخر قال: لقد أجاد الأعشى في قوله:\nغراءُ فرعاء مصقول عوارضها ...\nتمشي الهوينا كما يمشى الوَجِي الوَحِلُ (٢)\n_________\n(١) شرح المعلقات السبع للزوزني ص (١٥)\n(٢) الوَجِي: من يشتكي ألما في قدمه، والوَحِلْ الذي يتوحل في الطين.","vol":"3","page":86},{"text":"كان مشيتها من بيت جارتها ...\nمر السحابة لا ريث ولا عجلُ\nليست كمن يكره الجيران طلعتها ...\nولا تراها لسر الجار تختتل\nفقال له: قاتلك الله، تستحسن غير الحسن، هذه الموصوفة خرَّاجة وَلاجة، والخراجة الولاجة لا خير فيها، ولا ملاحة لها، فهلا قال كما قال أبو قيس بن الأسلت:\nوتكسل عن جاراتها فيزرنها ... وتعتل من إتيانهن فَتُعْذَرُ (١)\nومن امتداح العرب المرأة القارَّة فِى بيتها قول امرئ القيس:\nويضحى فتيتُ المسكِ فوق فراشها ...\nنؤومَ الضُّحى لم تنتطِقْ عن تَفَضُّلِ (٢)\nفهو يذكر ترف هذه المرأة، وأن لها من يكفيها، فقال \"نؤوم الضحى\" أي أنها تنام إلى وقت الضحى، وأن فتيت المسك - وهو ما تفتت من المسك عن جلدها فوق الفراش- يبقى إلى الضحى، وهي لا تنتطق أي لا تلبس النطاق في وسطها لِتَخْدُمَ، ولكنها في بيتها متفضلة.\nبل كان من الجاهليات من توصف بأنها غاية في التستر والانجماع عن الأجانب، ولزوم الأخلاق الفاضلة، ألم تسمع قول الشَّنْفَرى يمتدح زوجته أميمة:\nلقد أعجبتني لا سَقُوطًا قِناعُهاِ ...\nإذا ما مشت، ولا بذات تَلَفّتِ (٣)\n_________\n(١) \"أضواء البيان \" (٧/٦٨٧- ٦٨٨) .\n(٢) انظر \"شرح المعلقات \" للزوزني ص (٢٣) .\n(٣) يقول: إنها عفيفة ستيرة رزينة في مِشيتها، لا تتعمد إسقاط نقابها أمام الأجانب لاحتشامها، وحيائها، ولا تكثر من التلفت كما تفعل ذوات الريبة من النساء.","vol":"3","page":87},{"text":"تبيتُ بُعَيْد النوم تُهدى غَبُوقَها ...\nلجاراتها إذا الهديةُ قَلَّتِ (١)\nتُحِل بمنجاةٍ من اللؤم بيتَها ...\nإذا ما بُيوت بِالمَذَمَّةِ حُلَّتِ (٢)\nكأنَّ لها في الأرض نِسْبًا تَقُصُهُ ...\nعلى أُمِّها، وإن تكَلّمكَ تَبْلِتِ (٣)\nأمَيْمَةُ لا يُخزي نَثَاها حليلَها ...\nإذا ذُكرَ النسوانُ عَفَّتْ وَجَلَّتِ (٤)\nإذا هو أمسى آبَ قرَّة عينِه ...\nمآبَ السعيدِ، لم يَسَلْ: أين ظَلَّتِ (٥)\nثانيا: حجاب البدن والوجه\nأما حجاب الوجه فقد كان معروفًا عندهم أيضا:\nفمما يذكر في كتب التاريخ والأدب (أن النابغة أحد فحول الشعر لجاهلي (٦) قد مرت به امرأة النعمان المسماة بالمتجردة في مجلس، فسقط\n_________\n(١) وهي كريمة سخية تجود بالهدية على جاراتها في وقت يعز فيه الإهداء.\n(٢) وهي حريصة على سمعتها، وسمعة بيتها، فهي تصونه عن كل ما يُخِل، فالذمُّ لا يلحقها.\n(٣) وهى من شدة حيائها إذا مشت تُطْرِقُ بصرها في الأرض، ولا ترفعه، حتى يظن من رآها أنها تبحث عن شيء ضاع منها، فهي تتبع أثره، وإن كَلَّمت غريبًا، فإنها تكلمه بما تحتاج، ولا تطيل حديثها معه.\n(٤) لذا فإذا ذكرت أفعالها وأخبارها، لم تَسُوْ حليلها لحسن مذهبها وعفتها.\n(٥) وإذا عاد زوجها آخر النهار وجد ما يَسُرُّه منها، ولم يحتج إلى سؤالها: أين كانت؟ لأنها لا تبرح بيتها.\nوانظر \"المفضليات\" بشرح التبريزي (١/ ٥١٥- ٥١٨)\n(٦) النابغة: زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني، شاعر جاهلي من الحجاز، كان عند النعمان بن المنذر- من ملوك الحيرة- وقد شبب بامرأته بهذا البيت المشهور به =","vol":"3","page":88},{"text":"نَصِيفها- أي برقعها- الذي كانت قد تقنعت به، فسترت وجهها بذراعيها، وانحنت على الأرض ترفع النصيف بيدها الأخرى، فطلب النعمان من النابغة أن يصف هذه الحادثة في قصيدة، فعمل القصيدة التي مطلعها:\nأمن أل مية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود\nإلى أن قال:\nسَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ، وَاتَقَتْنَا بِالْيَدِ) (١)\nومما يدل على أنهم عرفوا البرقع قول أحدهم:\nإن لم أقاتل فألبسوني برقعًا ... وفتخات في اليدين أربعا\nوفي قصيدته التي مطلعها:\nأفاطِمُ قَبل بَيْنِكِ وَدّعيني ... ومنعَك ما سألتُك أنْ تبيني\nقال محصن بن ثعلبة الشاعر الجاهلي الملقب ب \"المثقب العبدي\":\nوثقبن الوصاوص بالعيون\nوالوصاوص: البراقع.\nوكانت بعض نساء العرب لا يسفرن عن وجوههن إلا لخطب عظيم يلم بهن، ولهذا قال رؤبة الحميري عاشق \"ليلى الأخيلية\" من قصيدة يمدحها بها، ويثني عليها بالتبرقع غالبا، مع جمالها، ويشير فيها إلى أن إسفارها عن وجهها تارة رابه إذ لعله لخطب ألمَّ بها:\nوكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... وقد رابني منها الغداةَ سفورها (٢)\nوقال ربيع بن زياد العبسي يرثي مالك بن زهير:\nمن كان مسرورًا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهارِ\n_________\n= من قصيدة له، فأراد النعمان قتله، فهرب إلى الغسانيين بالشام، ثم رجع إلى النعمان \"الأعلام \" للزركلي ص (٥٤)،\n(١) نقلًا من \"الإسلام وتيارات الجاهلية\" لآدم عبد الله الألوري ص (١٥١-١٥٢) .\n(٢) \"زاد المسلم بحاشية فتح المنعم \" (١/٣٨٣) .","vol":"3","page":89},{"text":"تجد النساء حواسرًا يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار\nفد كن يخبأن الوجوه تسترًا ... فاليوم حين برزن لِلنظار (١)\nوكانت المرأة في حالة الحرب، إذا اشتملت عليها الوقائع، أو دارت على فريقها الدوائر، وارتقبت من وراء ذلك ذل السباء وعار الإسار، تظهر سافرة حاسرة حتى تلتبس بالإماء، وفي هذا الموطن يقول مُهَلْهِلُ بن ربيعة:\nقربا مربط المشهر مني ... سوف تبدو لنا ذواتُ الحجال (٢)\nوقال سبرة بن عمر الفقعسى يْعَيِّرُ أعداءه بكشف وجوه نسائهم في الحرب:\nونسوتكم في الرَّوْعِ بادٍ وجوهُها ... يُخَلْنَ إماءً، والإماء حرائر\nوهو صريح فيْ أنْ ستر الوجوه وكشفها كان هو الفارق بين الحرائر\nوالإماء.\nوقالي عمرو بن معد يكرب يحكي احتدام حرب من حروبه التي كانت قبل الإسلام:\nوبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى\nأي إنها! التجأت لشدة الحرب، وشغلها بالجليل من الأمر إلى كشف وجهها، فظهرت كالبدر، ومعناه أنها كانت تحتجب في عامة أحوالها.\n(وهذه حرت الفجار تنشب بين قريش وهوازن بسبب تعرض شباب\nمن كنانة لامرأة من غمار الناس، راودوها على كشف وجهها، فنادت:\n\"يا آل عامر\" فلبتها سيوف بني عامر) (٣) .\nوكان بين نساء الجاهلية من تستر وجهها لِكَلَف أصابه، وفي نحو ذلك ما نقل أبو زيد في نوادره عن أعرابي قيل له:\n_________\n(١) \"المرأة العربية\" (١/١٠٧) .\n(٢) المشهر: فرس مهلهل والحجال- جمع حجلة- ستور العروس\n(٣) المرأة العربية (١/ ٢٨) .","vol":"3","page":90},{"text":"\"ما تقول في نساء بني فلان؟ \" فقال: \"بَرْقِعْ وانظر\"، يريد بذلك أن عيونهن خير ما فيهن.\nوشبيه ذلك ما حَدَّثَ الراغب (أن أسديًّا قبيح الوجه خطب امرأة قبيحة، فقيل لها: إنه قبيح وقد تعمَّم لك، فقالت: إن كان تَعَمَّم لنا، فإنا قد تبرقعنا له) (١) .\nوهذا أعرابي تضايقه البراقع لأنها تحول بينه وبين الحسان، وتخدعه في غير الحسان، فيقول:\nجؤى الله البراقع من ثياب ... عن الفتيان شرًا ما بقينا\nيوارين الحِسانَ فلا نراها ... ويسترن القباح فتزدهينا (٢)\nثالثا: سفور الوجه\nوبين أيدينا أمثلة سائرة مما أرسله العرب تنبئنا أن كشف القناع كان أغلب حالات فتيات العرب (٣) وأمثلها بهن، فمن ذلك قولهم: \"تَرَكَ الخِداعَ مَن كَشَفَ القِناع \"، يريدون أن الفتاة لا تستر وجهها إلا لشر تؤثر أن تستره، وقولهم فيمن لا يستر عيبه:\n\"كذات الشيب ليس لها خمار\"، فهم لا يرون الخِمار لزامًا إلا لذات الشيب، فإن خليقا بها أن تواريه (٤) .\nولم يكن لحجاب الانتقاب بين نساء العرب نظام شامل، ولا هيئة\n_________\n(١) \"المرأة العربية\" (١/ ١٠٤- ١٠٥) .\n(٢) \"فتح المنعم حاشية زاد المسلم\" (١/٣٨٣) .\n(٣) ومن ثَمَ قال العلامة محمد بن جزي الكلبي ﵀: كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء. اهـ من \"التسهيل\" (٣/ ١٤٤) .\nوقال العلامة أبو حيان ﵀: كان دأب الجاهلية أن تخرج المرأة الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار)، وقال أيضَا: الذي كان يبدو منهن في الجاهلية\nهو الوجه. اهـ من \"البحر المحيط \" (٧/ ٢٥٠) .\n(٤) \"المرأة العربية\" (١/ ١٠٥) .","vol":"3","page":91},{"text":"واحدة، ففي القبيلة الواحدة ترى \"الْبَرْزَةَ\" وهي التي تجلس إلى الرجال، وتجاذبهم الحديث سافرة غير محجوبة، و\"المحتشمة\" كما قدمنا، وهي التي ترخي قناعها إذا خرجت من بيتها، فلا تطرحه حتى تعود.\nقال الفراء: \"كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قُدَّامَها فأُمِرن بالاستتار\" اهـ (١) .\nومنهن \"سقوط القناع \" وهي التي لا تكاد تنتقب ثقة بنفسها، وإدلالَا بحسنها، أو سيرًا على سجيتها.\nوفي مثلها يقول المسيِّب بن علس:\nإذا تستبيك بأصلتيّ ناعم ... قامت لتفننه بغير قناع\nتستبيك: تغلبك على نفسك حتى تكون سبيًا لها، والأصلتي: الخد الحسن.\nوقال المرقش الأصغر:\nأرتك بذات الضال منهما معاصما ...\nوخدّا أسيلًا كالوذيلة ناعما\nذات الضال: موضع، والوذيلة: المرأة، ومعنى ذلك أنها لم تتحرج بما يخفى معاصمها، أو يحجب وجهها.\nوإلى هذه يشير عمر بن أبي ربيعة في قوله:\nفلما توافقنا وسلمت أقبلت ... وجوهٌ زهاها الحسن أن تتقنَّعا\nزهاها الحسن: استخفها، يقول: إن هذه الوجوه استخفها الحُسن عن\nأن تتقنَّع.\nوقال الأصمعي: وقد تُلْقي المرأةُ خِمارَها لحسنها وهي على عفة، وأنشد\nفي ذلك قول أبي النجم في إحدى أراجيزه:\nمِن كُلَ غراء سَقْوطِ البرقع ... بَلْهَاءَ لم تَحْفَظْ ولم تُضَيِّع\n_________\n(١) نقله عنه الحافظ في \"الفتح \" (٨/٣٤٧) .","vol":"3","page":92},{"text":"غراء: من الغُرَّةَ وهي بياض الوجه، والبلهاء الغافلة عن الشر، الحسنهَ الظن بالناس (١) .\nوكان من شيمة نساء العرب تطويلُ الثياب، وجَرُّ الذيول كما اشتهر في أشعار أهل الجاهلية منهم كامرئ القيس الذي قال في معلقته:\nخرجتُ بها تمشي تَجُرُّ وراءنا ... على أثَرَيْنا ذَيلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ\nوالمرط الكساء من صوف أو خز أو غيرهما، والمرَحل - بالحاء المهملة - المنقوش بنقوش تشبه رحال الإبل.\nوكذلك اشتهر في أشعار العرب بعد الإسلام، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي الشاعر المفلق المتهالك قي مدح النساء:\nكتِبَ القتلُ والقِتالُ علينا ... وعلى الغانياتِ جَزُ الذّيُولِ (٣)\n* * *\n_________\n(١) \"المرأة العربية\" (١/ ١٠٣- ١٠٤) بتصرف.\n(٢) \"زاد المسلم بحاشية فتح المنعم \" (١/٣٨٣) .","vol":"3","page":93},{"text":"٩٤","vol":"3","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>الباب الثالث</span>\nالفصل الأول:\nفضائل الحجاب\nالفصل الثاني:\nمثالب التبرج","vol":"3","page":95},{"text":"٩٦","vol":"3","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>الفصل الأول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>فضائل الحجاب</span>\nأولًا: الحجاب طاعة لله ﷿ وطاعة لرسول الله ﷺ: أوجب الله تعالى طاعته وطاعة رسوله ﷺ فقال:\n(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) [الأحزاب: ٣٦، ٣٧])\nوقال ﷿: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) [النساء: ٦٥])\nوقد أمر الله ﷾ النساء بالحجاب فقال ﷿:\n(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور: ٣١])،.\nوقال سبحانه: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: ٣٣])،\nوقال ﵎: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣])،\nوقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩])،.\nوقال رسول الله ﷺ: \"المرأة عورة\" (١) يعني أنه يجب سترها.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":97},{"text":"وعن عقبة بن عامر ﵁: أنه سأل النبي ﷺ عن أختٍ له نذرت أن\nتحج حافية غير مختمرة، فقال: \"مروها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام \" (١) .\nقال الخطابي ﵀: أما أمره إياها بالاختمار، فلأن النذر لم ينعقد\nفيه؛ لأن ذلك معصية، والنساء مأمورات بالاختمار والاستتار. اهـ (٢) . ثانيَا: الحجاب إيمان\nوالله ﷾ لم يخاطب بالحجاب إلا المؤمنات، فقد قال سبحانه: (وَقُل لِلِمُؤمِنَاتِ) وقال ﷿: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) .\nودخل نسوة من بني تميم على أم المؤمنين عائشة ﵂، عليهن ثياب رقاق، فقالت: إن كنتن مؤمنات، فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات، فتمتعن به\" (٣)، وأدْخِلت امرأة عروس عليها ﵂، وعليها خِمار قبطي معصفر، فقالت أم المؤمنين ﵂: \" لم تؤمن بسورة النور امرأة تلبس هذا\" (٣) .\nثالثا: الحجاب طهارة\nبَيَّن الله سبحانه الحكمة من تشريع الحجاب، وأجملها قي قوله تعالى:\n«وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣]»، فنص سبحانه على أن الحجاب طهارة لقلوب المؤمنين والمؤمنات.\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/١٤٥)، سنن أبي داود (٣/ ٢٣٣) رقم (٣٢٩٣)، سنن ابن ماجه (١/ ٦٥٤)، سنن الترمذي (٤/١١٦)، وحسنه، سنن النسائي (٧/٢٠)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل \" (٨/٢١٨) رقم (٢٥٩٢) .\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٧٦) .\n(٣) \"تفسير القرطبي\" (١٤/ ٢٤٤) .","vol":"3","page":98},{"text":"وبيان ذلك أنه إذا لم تر العين لم يشته القلب، أما إذا رأت العين فقد يشتهي القلب، وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر؛ لأن الرؤية سبب التعلق والفتنة، فكان الحجاب أطهر للقلب، وأنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية والعصمة \"\nرابعا: الحجاب عفة\nرغَب الإسلام في التعفف (١)، وعظَّم شأنه، وكان ﷺ يأمر به، وَيَحُثُّ عليه، ففي الحديث أن هرقل سأل أبا سفيان: ماذا يأمركم؟ - يعني رسول الله ﷺ - ففال: قلت: يقول \"اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة\" (٢) .\nوكان من دعائه ﷺ: \"أسألك الهدى والتقى والعفة\" (٣)، وفي لفظ آخر: \"إني أسألك الهدى والتقى والعفاف \" (٤) الحديث.\nوالعفة صفة من صفات الحور العين التي أشار إليها قوله تعالى: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) [الرحمن: ٧٢])، وقوله ﷿: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) [ص: ٥٢])، وقوله جل وعلا: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) [الصافات: ٤٨])\nفقوله جل وعلا: (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) يعني: أنهن عفيفات لا ينظرن إلى\n_________\n(١) العفة: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف: المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، انظر: \"المفردات \" للراغب (ص ٥٠٧) .\n(٢) جزء من حديث طويل رواه البخاري (١/٤٣) في كتاب بدء الوحي وغيره، ومسلم في كتاب الجهاد، والإمام أحمد (١/ ٢٦٢- ٢٦٣) .\n(٣) رواه الإمام أحمد (١/ ٣٨٩، ٤٣٤، ٤٤٣) .\n(٤) رواه مسلم في كتاب الذكر، والترمذي في الدعوات، وابن ماجه في الدعاء، والإمام أحمد (١/٤١١، ٤١٦، ٤٣٧) .","vol":"3","page":99},{"text":"غير أزواجهن، (عِينٌ) أي: حسان الأعين، جميلات المظهر، عفيفات تقيات نقيات.\nفقد جعل سبحانه عفتهن قرينة حجابهن وقرارهن في خيامهن، وامتدحهن بالعفة مع الجمال، فأعظم ما تكون العفة إذا ما اقترنت بالجمال، وقد وصف بهما يوسف ﵇ في قول امرأة العزيز: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) [يوسف: ٣٢])،.\nومن إعظام الإسلام لأمر العفاف أن شرط في إباحة الزواج من الكتابيات كونهن محصنات أي عفائف، كما أن العفة في القرآن خلق المؤمنات وسجية المحجبات.\nوقد جعل الله ﷿ الحجاب عنوان عفة المرأة عن التهمة الموجبة للتأذي:\n* فقال الله ﷿: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ) الإدناء (أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) بأنهن عفائف (فَلَا يُؤْذَيْنَ) فلا يتعرض لهن الفساق بأذى من قول أو فعل، وذلك لأن التي تبالغ في التستر حتى تحجب وجهها لا يُطمع فيها أنها تكشف عورتها.\nوالآية دليل على وجود أذية إن لم يحتجبن، وذلك لأنهن إذا لم يحتجبن ربما ظُنَّ أنهن غير عفيفات، وقوله تعالى: (فَلَا يُؤْذَيْنَ) [الأحزاب: ٥٩]، نص على أن في معرفة محاسن المرأة إيذاءً لها ولذويها بالفتنة والشر.\nوقال ﷾: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) رخص لهن في وضع الجلابيب، ورفع الإثم عنهن في ذلك، ثم عقبه ببيان المستحب فقال ﷿: (وأن يستعففن) باستبقاء الجلابيب (خير لهن والله سمِيع","vol":"3","page":100},{"text":"عليمٌ) [النور: ٦٠] فحرض القواعد العجائزْ على الاستعفاف، وأوضح أنه خير لهن وإن لم يتبرجن.\nفظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب ولو من العجائز (١)، فوجب أن يكون التحجب الكامل والاستعفاف عن إظهار الزينة خيرًا للشابات من باب أولى، وأبعد لهن عن أسباب الفتنة، فظهر بذلك أن الحجاب عفة ونقاء وصيانة.\nخامسا: الحجاب ستر\nعن يعلى بن شداد بن أوس ﵁ قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تعالى\nحَيِيٌّ ستير، يحب الحياء والستر\" (٢) الحديث.\nوقد امتن الله ﷾ على الأبوين بنعمة الستر فقال ﷿:\n(إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨» [طه: ١١٨]، وقال سبحانه ممتنًا على عباده: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) الآية [الأعراف: ٢٦]،\nقال عبد الرحمن بن أسلم:، يتقى الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى) .\nولذلك تجد وظيفة اللباس عند من لا يتقون الله ولا يستحيون منه كعامة\n_________\n(١) وذلك لأن النفس الأبية لا ترضى بالدون، وقد عاب الله ﷿ قومًا استبدلوا طعاما بطعامِ أدنى منه، فنعى ذلك عليهم فقال عز من قائل: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) [البقرة: ٦١]؛ لأن ذلك دليل\nعلى وضاعة النفس وقلة قيمتها.\n(٢) رواه أبو داود رقم (٤٠١٢) و(٤٠١٣) في الحمام: باب النهي عن التعري، والنسائي (١/ ٢٠٠) في الغسل: باب الاستتار عند الاغتسال، ورواه الإمام أحمد\nفي \"المسند\" (٤/٢٤٤) .\n(٣) قال في \"الدر المنثور\": أخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٧٦) .","vol":"3","page":101},{"text":"الغربيين مثلًا، لا يتجاوز غرض الزينة والرياش، وأما المؤمنون المتقون فإنهم يحرصون على اللباس؟ أولَا لستر العورات التي يستحيا من إظهارها، ثم بعد ذلك لهم سعة في إباحة الزينة والتجمل.\nإن الذنوب معايب يُبْتعدُ عنها، ويُستتر منها، والعورات كذلك معايب يجب أن تستر، ويبتعد عما يحرم منها، وكأن المكثرين من الخطايا هم الذين لا يبالون بما يبدو من عوراتهم، ومن هنا ترى المؤمنين المبتعدين عن الذنوب بعيدين عن إظهار العورات.\nوجوب ستر العورات\nقال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: ٣١] .\nوقال جل وعلا: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [النور: ٣٠، ٣١]، ويدخل في حفظ الفروج حفظها عن التكشف، وعن أن يُنظر إليها. وعن جابر بن صخر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنا نُهينا أن تُري عوراتنا \" (١) .\nحب الستر من أخلاق الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام\n* فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن موسى كان رجلًا حَييًّا سِتِّيرًا، لايرى من جلده شيء، استحياءً منه \" (٢) الحديث.\n_________\n(١) رواه الحاكم (٣/ ٢٢٢- ٢٢٣)، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٧٦) .\n(٢) رواه البخاري (١/ ٤٥٩) في الغسل: باب من اغتسل عريانا وحده، وفي =","vol":"3","page":102},{"text":"وكان من دعاء رسول الله ﷺ: \"اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي \" (١) الحديث، وفي لفظ: \"اللهم استر عورتي \".\n* وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال ﷺ: \"احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينُك \"، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: \"إن استطعت أن لايرينها أحد فلا يَرينها\"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: \"فالله ﵎ أحق أن يُستحيا منه من الناس \" (٢) .\nفيستحب ستر العورة حتى في حال الخلوة - وقيل يجب؛ تأدبا مع الله ﷾، لقوله ﷺ: \"فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه من الناس \".\nوعن سعيد بن يزيد ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ: أوصني فقال: \"أوصيك أن تستحيي من الله تعالى كما تستحيي من الرجل الصالح من\n_________\n= الأنبياء: باب حديث الخضر مع موسى ﵉، وفي تفسير سورة\nالأحزاب، والترمذي (٣٢١٩) في التفسير- سورة الأحزاب، والإمام أحمد (٢/٥١٥) .\n(١) جزء من حديث رواه عن ابن عمر ﵄ أبو داود في \"الأدب \" (٤/ ٣١٨- ٣١٩) رقم (٥٠٧٤)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٤٠) ص (١٥)، والحاكم في \"الدعاء\" (١/٥١٧)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن ماجه في \"الدعاء\" (٢/١٢٧٣) – ١٢٧٤) رقم (٣٨٧١)، وابن حبان في \"صحيحه \" رقم (٢٣٥٦) موارد، وصححه النووي في \" الأذكار\" ص (٦٦)، وحسنه الحافظ ابن حجر كما في \"الفتوحات الربانية \" (١/ ١٠٨) .\n(٢) رواه أبو داود رقم (٤٠١٧)، في الحمام: باب ما جاء في التعري، والترمذي (٢٦٧٠) و(٢٧٩٥) في الأدب: باب ما جاء في حفظ العورة، وابن ماجه،\nوذكره البخاري تعليقا بصيغهّ الجزم (١/٢٦٦) في الغسل: باب من اغتسل\nعريانا وحده في خلوة فالتستر أفضل، وقال الحافظ في \"الفتح \": وإسناده إلى بهز صحيح اهـ، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم","vol":"3","page":103},{"text":"قومك \" (١) .\n* وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا: \"لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة \" (٢) الحديث.\nبل ندبتنا الشريعة إلى الستر حتى عن أعين الجن الذين يَرَوْننا ولا نراهم.\n* فعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ: \"ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضع أحدهم ثوبه أن يقول: بسم الله \" (٣)، وعن علي ﵁ بلفظ: \"إذا دخل أحدهم الخلاء\" (٤) .\nوكل ما تقدم من الأدلة في حق الرجال فهو ينتظم النساء أيضًا لقوله ﷺ: \"النساء شقائق الرجال \" (٥) .\nوقد وردت أدلة خاصة تفيد أن المرأة كلها عورة بالنسبة للأجنبي، فيجب ستر ما يصدق عليه اسم العورة:\n* منها: ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في \"الزهد\" ص (٤٦)، والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" ص (٥٠)، وغيرهما.\n(٢) رواه مسلم رقم (٣٣٨) في الحيض: باب تحريم النظر إلى العورات، وأبو داود رقم (٤٠١٨) في الحمام: باب ما جاء في التعري، والترمذي رقم (٢٧٩٤) في الأدب: باب ما جاء في كراهية مباشرة الرجل الرجل، والمرأة المرأة.\n(٣) أخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" ص (٨) رقم (٢٠) - وانظر: \"إرواء الغليل \" (١/ ٨٩) .\n(٤) أخرجه الترمذي رقم (٦٠٦) (٢/٥٠٣ - ٥٠٤) في الصلاة: باب ما ذكر من التسمية عند دخول الخلاء، وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؟ وإسناده ليس بذاك القوي\" اهـ. وابن ماجه (١/ ١٢٧- ١٢٨) .\n(٥) رواه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أبو داود رقم (٢٣٦) في الطهارة: باب في الرجل يجد البلة فى منامه، والترمذي رقم (١١٣) في الطهارة. باب ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللًا، ولا- يذكر احتلاما.","vol":"3","page":104},{"text":"\"المرأة عورة\" (١) الحديث.\n* وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال. قال النبي ﷺ: \"لا تباشر المرأةُ المرأة فتنعتها لزوجها، كأنه ينظر- إليها\" (٢)\nالحديث يفيد أنه لم يبق للرجال سبيل إلى معرفة الأجنبيات من النساء لشدة حرصهن على الستر إلا من طريق الصفة أو الاغتفال ونحو ذلك، ولهذا قال \"كأنه ينظر إليها\".\nوعدَّ رسول الله ﷺ النساء اللاتي لا يسترن زينتهن ضمن أهل النار:\n* فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \"صنفان من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا\" (٣) .\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات\" (٤) .\n* * *\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) رواه الإمام أحمد (١/ ٣٨٧)، والبخاري (٩/٢٥٠) في النكاح: باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها، وأبو داود رقم (٢١٥٠) في النكاح: باب ما يؤمر به من غض البصر، والترمذي رقم (٢٧٩٣) في الأدب: باب مما جاء في كراهية مباشرة الرجل الرجل والمرأة المرأة، وقال \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(٣) تقدم تخريجه\n(٤) انظر تخريجه ص (١٣٥)","vol":"3","page":105},{"text":"نماذج من حرص الصحابة ﵃\nعلى ستر النساء\nرُوي أن امرأة خرجت متزينة في عهد أمير المؤمنين عمر ﵁، أذن لها زوجها في البروز، فَأُخْبرَ بها عمر ﵁، فطلبها، فلم يقدر عليها، فقام خطيبا، فقال: َ \"هذه الخارجة، وهذا المرسلها لو قدرت عليهما لشترت (١) بهما\"، ثم قال: \"تخرج المرأة إلى أبيها يكيد بنفسه (٢)، وإلى أخيها يكيد بنفسه، فإذا أخرجت فلتلبس معاوزها\" (٣) .\nورُوي أنه ﵁ سمع نائحة، فأتاها، فضربها بالدرة حتى وقع خمارها عن رأسها، فقيل: \"يا أمير المؤمنين، المرأهّ المرأة قد وقع خمارها\"، فقال: \"إنها لا حُرْمَةَ لها\" (٤) .\nوالشاهد جزع الصحابة ﵃ لما انحسر الخمار عن رأسها.\nولما دخل الثوار المتمردون على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ليقتلوه حاولت زوجته نائلة بنت الفرافصة أن تستره بشعرها، فقال لها أمير المؤمنين ﵁: \"خذي خمارك، فلَعمري لَدخولُهم عليَّ أعظم من حُرْمَة شعرك \" (٥) .\n_________\n(١) شترت به تشتيرًا: إذا سمعت به، ونددت، وأسمعته القبيح، وكان حقيقة التشتير إبراز مساوئ الرجل، وإظهار ما بطن منها، من الشتر: وهو انقلاب في الجفن الأسفل؛ لأنه بروز ما حقه أن يبطن، وهو عيب- انظر \"الفائق \" (٢/ ٢٢٠)، و\"غريب الحديث\" (١/١٠٥) .\n(٢) يكيد بنفسه: أي يسوق سياق الموت.\n(٣) المعاوز: الخلقان: واحدهما: معوز، من الإعواز، وهو الفقر والحاجة- انظر: \"الفائق \" للزمخشري (٢/ ٢٢٠)، \"غريب الحديث \" للخطابي (٢/١٠٥- ١٥٥)، و\"مصنف عبد الرزاق \" (٤/٣٧١- ٣٧٢) . (٤) الجامع لأحكام القرآن \" للقرطبي (١٨/ ٧٥) و\"الزواجر\" للهيثمي (٥) كذا (!) ولعله (ما دخولهم عليَّ)، أو يكون المقصود بالسياق الاستفهام =","vol":"3","page":106},{"text":"نماذج من حرض الصحابيات ﵅ على الستر\nقالت عائشة ﵂ - في قصة الإفك: \"فلما أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، فرجعت إلى المعسكر، وما فيه من داع ولا مجيب، قد انطلق الناس، فتلفعت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني، إذ مر بي صفوان ابن المعطل السلمي، وكان قد تخلف عن المعسكر لبعض حاجاته، فلم يبت مع الناس فرأى سوادي، فأقبل حتى وقف عليَّ، فعرفني حين رآني، وكان قد رآني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي\" (١) .\nوالشاهد منه مبادرتها ﵂ إلى تغطية وجهها حرصا على الستر، إقامة لحدود الله ﷿.\n* وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت: \"رأيت حفصة بنت عبد الرحمن ابن أبي بكر دخلت على عائشة ﵂ وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور (٢)؟! ثم دعت بخمار فكستها) (٣)، وفي رواية الموطأ \"وكستها خمارا كثيفا\" (٤) .\n* ودخل عليها﵂- نسوة من نساء أهل الشام، فقالت: لعلكن من الكُورة (٥) التي يدخل نساؤها الحمامات؟ قلن: نعم، قالت:\n_________\n= الإنكاري، والله أعلم.\n(١) انظر تخريجه ص (؟؟؟) .\n(٢) تشير﵂- إلى قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) [النور: ٣١]\n(٣) انظر تخريجه ص (؟؟؟) .\n(٤) \"الموطأ\" للإمام مالك (٣/ ١٠٣) .\n(٥) الكورة اسم يقع على جهة من الأرض مخصوصة كالشام والعراق وفلسطين، =","vol":"3","page":107},{"text":"أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب \" (١) .\nوعن أم سلمة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: \"أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها، خرق الله ﷿ عنها ستره \" (٢)، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل.\n* وعن أنس ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ فاطمة بعبدِ قد وهبه لها، قال: وعلىَ فاطمة ﵂ ثوب، إذا قَنَعت به رأسها، لم يبلغ رجليها، و، اذا غطت به رجليها، لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: \"إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغُلامُكِ \" (٣) .\nوَيُرْوَى عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت \"يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع النساء أن يُطْرحَ على المرأة الثوبُ فيصفها\"، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ألا أريك شيئًا رأيته بالحبشة؟ \"، فدعت بجرائد رطبة، فحتتها، ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة: \"ما أحسن هذا وأجمله تُعرف به المرأة من الرجل (٤) فإذا مت أنا فاغسليني أنت وعليّ ولا يدخل عَلَيَّ أحدٌ، فلما تُوُفِّيت غسلها علي وأسماء\n_________\n= ونحو ذلك اهـ من \"جامع الأصول\" (٧/ ٣٣٩) .\n(١) رواه أبو داود رقم (٤٠٠٩) و(٤٠١٠) في الحمام في فاتحته، والترمذي رقم (٢٨٠٣) و(٢٨٠٤) في الأدب: باب ما جاء في دخول الحمام، وقال: \"هذا حديث حسن\".\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه أبو داود (٤/ ٦٢) رقم (٤١٠٦) كتاب اللباس: باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته، وعنه البيهقي (٧/ ٩٥)، وصححه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٢٠٦) .\n(٤) وفي رواية أنها قالت لها: \"سترك الله كلما ستريني\"، انظر: \"سير أعلام النبلاء، (٢/ ١٢٩، ١٣٢)، و\"المستدرك\" (٣/١٦٢) .","vol":"3","page":108},{"text":"﵄\" (١) .\nوالشاهد منه أن فاطمة ﵍ استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة، فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح.\n* ومثله ما جاء عن نافع وغيره أن الرجال والنساء كانوا يخرجون بهم سواء، فلما ماتت زينب بنت جحش ﵂ أمر عمر ﵁ مناديا فنادى: \"ألا لا يخرج على زينب إلا ذو رحم من أهلها\"، فقالت بنت عميس: \"يا أمير المؤمنين ألا أريك شيئًا رأيت الحبشة تصنعه لنسائهم؟ \"، فَجَعَلَتْ نعشًا، وغَشَّتْة ثوبها، فلما نظر إليه قال: \"ما أحسن هذا! ما أستر هذا\" فأمر مناديًا أن اخرجوا على أمكم \" (٢) .\n* وعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ: \"من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة\"، فقالت أم سلمة ﵂: كيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: \"يرخين شبرا\"، قالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: \"فيرخين ذراعا، ولا يزدن عليه\" (٣) .\n* وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵄:\nألا أُريك امرأة من أهل الجنة: قلت: بلى، قال هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ، فقالت: إني أصْرعُ، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: \"إن\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٤٣)، والسياق له، والبيهقي (٤/ ٣٤- ٣٥)، وفي سنده جهالة، قال ابن التركماني: \"في سنده من يحتاج إلى كشف حاله\" اهـ.\n(٢) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٧٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٢/٢١٣) .\n(٣) رواه الترمذى رقم (١٧٣١) في اللباس: باب ما جاء في جر ذيول النساء، وقال: \"حسن صحيح\"، والنسائي (٨/ ٢٠٩) في الزينة: باب ذيول النساء، وأبو داود رقم (٤١١٩) في اللباس: باب في قدر الذيل، وفي روايته قال: \"رخص رسول الله ﷺ لأمهات المؤمنين في الذيل شبرا، فاستزدنه، فزادهن شبرًا، فكُن يُرْسِلنَ إلينا، فنذرع لهن ذراعا، والشاهد في هذه الرواية قوله: \"فاستزدنه \" مما يدل على شدة حرصهن على الستر.","vol":"3","page":109},{"text":"شئت صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله ﷿ أن يعافيك \"، قالت أصبر، قالت: فإني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها (١) . والشاهد فيه حرصها على الستر حتى في حال العذر، ففي رواية البزار من وجه آخر عن ابن عباس ﵄ في نحو هذه القصة أنها قالت \"إني أخاف الخبيث أن يجردني \" الحديث.\n* وعن امرأة من الأنصار قالت: دخلت على أم سلمة ﵂، فدخل عليها رسول الله ﷺ وكأنه غضبان، فاستترت بكم درعي، فتكلم بكلام لم أفهمه، فقلت: يا أم المؤمنين كأني رأيت رسول الله ﷺ غضبان؟ قالت: نعم أوَ ما سمعتيه؟ قالت: وما قال؟ قالت: قال: \"إن السوء إذا فشا في الأرض فلم يُتناه عنه أنزل الله ﷿ بأسه على أهل الأرض \"، قالت: قلت: يا رسول الله! وفيهم الصالحون؟ قال: \"نعم، وفيهم الصالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يقبضهم الله ﷿ إلى مغفرته ورحمته، أو إلى \"رحمته ومغفرته \" (٢) والشاهد قولها: \"فاستترت بكم درعي \".\n* وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فذكرت له امرأة أخطبها، فقال: \"اذهب فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما\"، فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتُها إلى أبويها، وأخبرتهما بقول النبي ﷺ، فكأنهما كرها ذلك، قال: فسَمعتْ ذلك المرأةُ، وهي في خدرها، فقالت: إن كان\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠/ ١١٩)، رقم (٥٦٥٢) في المرض: باب فضل من يصرع من الريح، وقولها: \"إني أتكشف \"، قال الحافظ: \"المراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر\" اهـ (١٠/١١٥) .\n(٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ٤١٨)، وقال في \"الفتح الرباني\" (أورده الهيثمي، وقال: \"رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح\" اهـ قلت:\nهو السند الأول من طريق يزيد بن هارون، ورواه أيضا الطبراني في \"الكبير\"، وأبو نعيم في \"الحلية\") اهـ (١٩/١٧٥) .","vol":"3","page":110},{"text":"رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر، وإلا فأنشُدك\"، كأنها أعظمت ذلك، قال: فنظرتُ إليها فتزوجتُها، فَذَكَر من موافقتها\" (١)، وموضع الشاهد منه واضح.\n* وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل \"، فخطبتُ جاريةً فكنتُ أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوُّجها، فتزوجتها \" (٢) .\nوالشاهد قوله ﷺ: \"فإن استطاع\" إلخ؛ لأنه يبرز حرص المرأة المسلمة على الستر، حتى ليشق على من أراد رؤيتها أن يراها إلا بعناء واستغفال واختباء.\n* وعن محمد بن مسلمة ﵁ قال: \"خطبت امرأةً، فجعلت أتخبأ لها، حتى نظرت إليها في نَخْل لها، فقيل له: أتفعل هذا، وأنت صاحب رسول الله ﷺ؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا ألقى الله في قلب امرئٍ خِطبة امرأة، فلا بأس أن ينظر إليها\" (٣)، ولو كانت هذه المرأة متكشفة\n_________\n(١) روى شطره الأول: الترمذي رقم (١٠٨٧)، وحسَّنه في النكاح: باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، والنسائي - واللفظ له – (٦/ ٦٩- ٧٠) في النكاح: باب ما جاء في النظر قبل التزويج، وصححه ابن حبان (١٢٣٦- موارد)،- ورواه بطوله ابن ماجه رقم (١٨٨٨) (١/ ٥٧٥) والإمام أحمد (٤/ ٢٤٥) -، وقال في \"الفتح الرباني\": \"وصححه ابن حبان والحاكم، وأقره الذهبي \" اهـ. (١٦/ ١٥٤) .\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٨٢) في النكاح: باب الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها، والإمام أحمد (٣/ ٣٣٤، ٣٦٠)، والحاكم (٢/ ١٦٥)، وقال: \"صحيح على شرط مسلم \"، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في \"الفتح \" (٩/ ٨٧): \"سنده حسن \" اهـ، وقال في \"بلوغ المرام\": (رجاله ثقات) اهـ.\n(٣) رواه سعيد بن منصور في \"سننه \" رقم (١٥٩)، وابن ماجه (١٨٨٦) (١/ ٥٧٤)، والإمام أحمد (٤/ ٢٢٥)، وإسناده ضعيف فيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعنه، وقواه الألباني بطرقه في \"الصحيحة\" رقم (٩٨) .","vol":"3","page":111},{"text":"معروضة كنساء هذا الزمان- إلا من رحم ربك لما احتاج إلى الاختباء وفي رواية عن سهل بن أبي حثمة قال \"رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجَّار- وهو السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه - لها ببصره طردَا شديدًا فقلت- أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ؟!، فقال: فذكر الحديث\".\n* وعن عاصم الأحول قال: \"كنَّا ندخل على حفصة بنت سيرين، وقد جعلت الجلباب هكذا، وتنقبت به، فنقول لها: رَحِمَكِ الله، قال الله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) هو الجلباب، قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ)، فتقول: هو إثبات الحجاب \" (١) .\n(ولما كان العلامة الكاساني في حلب طلبت منه زوجته الفقيهة فاطمة بنت السمرقندي الرجوع إلى بلاده، فلما همَّ بذلك استدعاه الملك العادل نور الدين، وسأله أن يقيم بحلب، فعرفه أنه لا يقدر على مخالفة زوجه، إذ هي بنت شيخه، فأرسل الملك إلى فاطمة خادما بحيث لا تحتجب منه، ويخاطبها عن الملك في ذلك، فلم تأذن للخادم، وأرسلت إلى زوجها تقول له:! أبَعُدَ عهدُك بالفقه إلى هذا الحدِّ؟ أما تعلم أنه لا يحل أن ينظر إلىَّ هذا الخادم؟ وأي فرق بينه وبين الرجال في عدم جواز النظر؟ فأرسل إليها الملك امرأة لتكلمها في هذا) (٢) .\n_________\n(١) أخرجه البيهقي (٧/ ٩٣) .\n(٢) (كذا في \"الجواهر المضيئة\" بدائع الصنائع للكاساني) اهـ - ذكره في \"رؤية دينية في ضوء العصر\" ص (١٤) .","vol":"3","page":112},{"text":"سادسا الحجاب حياء\n* الحياء مشتق من الحياة، والغيث يسمى حيا- بالقصر - لأن به حياةَ الأرض والنبات والدواب، وكذلك سميت بالحياء حياة الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه فهو ميت في الدنيا، شقي في الآخرة، وحقيقته أنه خُلُق يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق.\n* وبين الذنوب وبين قلة الحياء، وعدم الغيرة تلازم من الطرفين، وكل منهما يستدعي الآخر، ويطلبه حثيثا (١) .\n* والحياء من أبرز الصفات التي تنأى بالمرء عن الرذائل، وتحجزه عن السقوط إلى سفاسف الأخلاق، وحمأة الذنوب، كما أن الحياء من أقوى البواعث عل الفضائل وارتياد معالي الأمور:\n* عن أبي السَّوَّار العدوي حسان بن حريث قال: سمعت عمران بن حصين ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"الحياء لا يأتي إلا بخير\"، وفي رواية قال: \" الحياء خير كله \"، أو قال: \"الحياء كله خير\" شك الراوي (٢) .\n* ولعظيم أثره جعله الإسلام في طليعة خصائصه الأخلاقية:\nيُروَى عن زيد بن طلحة أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء\" (٣) .\n_________\n(١) انظر: \"الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص (٧٢)، و\"مدارج السالكين\" (٢/ ٢٥٩) .\n(٢) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٣٧) في الأدب: باب الحياء، ومسلم رقم (٣٧) في الحياء: باب بيان عدد شعب الإيمان، وأبو داود رقم (٤٧٩٦) في الأدب: باب الحياء.\n(٣) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٠٥) في حسن الخلق: باب ما جاء في الحياء مرسلا، ووصله ابن ماجة رقم (٤١٨١) و(٤١٨٢) بسندين ضعيفين.","vol":"3","page":113},{"text":"* وَبَيِّن ﷺ أن الحياء لم يزل مستحسنا في شرائع الأنبياء الأولين، وأنه\nلم يُرفع، ولم ينسخ في جملة ما نسخ الله من شرائعهم، فعن أبي مسعود البدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت \" (١) .\n* والحياء نوعان:\nأولهما: نفسي، وهو الذي خلقه الله تعالى في جميع النفوس، كحياء كل شخص من كشف عورته والوقاع بين الناس، والآخر: إيماني، وهو خصلة تمنع المؤمن من ارتكاب المعاَصي خوفًا من الله تعالى، وهذا القسم من الحياء فضيلة يكتسبها المؤمن، ويتحلى بها، وهي أمُّ كل الفضائل الأخرى.\nفلذلك وجب على المسلمين أن يُعوِّدُوا بناتهم على الحياء، والتخلق بهذا الخلق الذي اختاره الله تعالى لدينه القويم، لأن عدم الحياء علامة لزوال الإيمان، ولا يخفى ما يتولد عن ذلك من العواقب الوخيمة (٢) .\n* عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"الحياءُ والإيمانُ\nقرِنا جميعًا، فإذا رُفِعَ أحَدُهُما رُفِعَ الآخر\" (٣) .\n* وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار\" (٤) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٤٠) في الأدب: باب إذا لم تستح فاصنع ما شئت، وفي الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل، وأبو داود رقم (٤٧٩٧) في الأدب: باب\nما جاء في الحياء، وابن ماجة رقم (٤١٨٣) في الزهد: باب الحياء.\n(٢) \" حجاب المرأة العفة والأمانة والحياء\" تأليف السيد عبد الله جمال الدين أفندي ص (١٥) .\n! ٣) رواه الحاكم في (المستدرك) (١/ ٢٢)، وقال هذا حديث صحيح على شرطهما \" وأقره الذهبي.\n(٤) أخرجه الترمذي رفي (٢٠١٠) في البر والصلة باب ما جاء في الحياء، وقال =","vol":"3","page":114},{"text":"عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مرَّ على رجل من الأنصار، وهو يَعِظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ: \"دعْهُ فإن الحياء من الإيمان \" (١) .\n_________\n* والحياء من أخلاق الملائكة ﵈:\n* فعن عائشة ﵂ قالت: \"لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت، فأخذ رداءه رويدا، وانتعل رويدًا، وفتح الباب رويدًا، فخرج، ثم أجافه رويدًا\" الحديث، وفيه أنه ﷺ قال لها: \"فإن جبريل أتاني حين رأيتِ، فناداني، فأخفاه منك، فأجبتُه، فأخفيتُه منكِ، ولم يكن ليدخل عليك، وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم \" الحديث (٢) .\nوالشاهد منه أن جبريل ﵇ استحيا أن يدخل عليها، وقد وضعت ثيابها ﵂، فنادى رسول الله ﷺ دون أن يدخل.\n* وكانت شدة الحياء من أخلاق رسول الله ﷺ، وهو المثل الأعلى لكل مسلم ومسلمة.\n_________\n= الترمذي: \"حسن صحيح \".\n(١) رواه البخاري (١/٩٣) في الإيمان: باب الحياء من الإيمان، وفي الأدب: باب الحياء، ومسلم رقم (٣٦) في الإيمان: باب بيان عدد شعب الإيمان، والترمذي رقم (٢٦١٨) في الإيمان: باب ما جاء أن الحياء من الإيمان، وأبو داود رقم (٤٧٩٥) في الأدب: باب في الحياء، والنسائي (٨/١٢١) في الإيمان: باب الحياء، وابن ماجة رقم (٥٨) في المقدمة: باب في الإيمان.\n(٢) أخرجه مسلم (٣/١٤) واللفظ له، والنسائي (١/ ٢٨٦)، (٢/ ١٦٠- ١٦١)، والإمام أحمد (٦/ ٢٢١)، وانظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٢/١٩٦) .","vol":"3","page":115},{"text":"فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: \"كان رسول الله ﷺ أشدَّ حياءَ\nمن العذراء في خِدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه \" (١) .\n* وعن عائشة ﵂ قالت: سألت امرأة النبي ﷺ كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: فذكرت أنه علمها كيف تغتسل ثم تأخذ فرصة من مسك فتطهر بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: \"تطهري بها سبحان الله \"، واستتر، وأشار إلينا سفيان بن عيينة- أحد رواة الحديث- بيده على وجهه، قال: قالت عائشة: واجتذبتها إليَّ، وعرفت ما أراد النبي ﷺ فقلت: تتبعي بها أثر الدم (٢) .\nولهذا؛ تأدب أصحابه ﵃ بهذا الخلق الإيماني، واختص بعضهم بمزية ظاهرة فيه، منهم أميرُ البررة، وقتيلُ الفجرة عثمان بن عفان ﵁.\n* عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \"الحياء من الإيمان، وأحيى أمتي عثمان \" (٣) .\nومن فضائله ﵁ ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول\nالله ﷺ قال لها: \"يا عائشة ألا أستحيي من رجل والله إن الملائكة لتستحيي منه \"؟ (٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٣٨) في الأدب: باب الحياء، وفي الأنبياء: باب صفة النبي ﷺ، ومسلم رقم (٢٣٢٠) في فضائل النبي ﷺ: باب كثرة حيائه ﷺ، والخِدْر: بالكسر سِتر يمد للجارية في ناحية البيت، راجع (تاج العروس) للزبيدي (٣/١٧٠) .\n(٢) رواه مسلم (٤/ ١٣-١٥) بشرح النووي.\n(٣) رواه ابن عساكر- وانظر (سلسلة الأحاديث الصحيحة) رقم (١٨٢٨) (٤/٤٤٢)، وابن ماجه المقدمة باب رقم (١١)، والإمام أحمد (١/٧٤)، (٣/١٨٤،\n٢٨١) .\n(٤) رواه الأمام أحمد في (المسند) (٦/ ٦٢)، وروى نحوه مسلم رقم (٢٤٠١) في فضائل الصحابة: باب من فضائل عثمان ﵁","vol":"3","page":116},{"text":"* وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: \"إني لأدخل البيت المظلم أغتسل فيه من الجنابة، فأحني فيه صلبي حياء من ربي \" (١) .\nوكذلك كان حال نساء الصحابة ﵅، فلقد جاءت فاطمة بنت عتبة ﵂ تبايع رسول الله ﷺ، فاخذ عليها: (أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ) الآية، فوضعت يدها على رأسها حياءً، فأعجبه ما رأي منها، فقالت عائشة ﵂: \"أقِرِّي أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا\"، قالت: \"فنعم إذَا\"، فبايعها بالآية (٢) .\nالنقاب حارس الحياء\nإن الوجه المصون بالحياء، كالجوهر المكنون في الوعاء، ولن تتزين امرأة بزينة هي أحمدُ ولا أجملُ من برقع الحياء، قال رسول الله ﷺ: \"وما كان الحياء في شيء إلا زانه\" (٣) .\nولقد أبرز القرآن الكريم خلق الحياء في ابنتي الرجل الصالح، اللتين انحدرتا من بيت كريم، كله عفة وطهارة، وحسن تربية، وآية ذلك ما حكى القرآن من صيانتهما وحيائهما.\nفعن عمر بن الخطاب ﵁ في تفسير قوله تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) [القصص: ٢٥] .\nقال: \"ليست بِسَلفع (٤) من النساء خراجة ولَّاجة، ولكن جاءت\n_________\n(١) (المستطرف) (١/ ١١٣) ..\n(٢) رواه الإمام أحمد في (المسند) (٦/ ١٥١) .\n(٣) عجز حديث عن أنس ﵁ الترمذي رقم (١٩٧٥) في البر والصلة: باب ما جاء في الفحش والتفحش، وحسنه، وابن ماجة رقم (٤١٨٥) في الزهد: باب الحياء، والإمام أحمد (٣/ ١٦٥)، والبخاري في الأدب المفرد\" (٢/ ٦٠١) .\n(٤) امرأة سلفع: سليطة جريئة، قال في لسان العرب):","vol":"3","page":117},{"text":"مستترة، قد وضعت كم دِرْعها على وجهها استحياء\" (١)\nورواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن أبي إسحق عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر ﵁: \"جاءت تمشي على استحياء، قائلةً بثوبها على وجهها، ليست بسَلْفَع من النساء ولَّاجة خَرَاجة\" (٢) .\n* وعن عائشة ﵂ قالت: \"كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي ﵁ واضعة ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر ﵁، والله ما دخلتُهُ إلا مشدودة عَلَيَّ ثيابي حياءَ من عمر ﵁ \" (٣) .\n* وروى البخاري في صحيحه بسنده عن فاطمة ﵍ أن رسول الله ﷺ جاءها وعليًّا ﵁ وقد أخذا مضاجعهما\" الحديث، وفيه في رواية على بن أعبد: \"فجلس عند رأسها فأدخلت رأسها في اللفاع،\n_________\n= \"وفي الحديث: شرهن السلفعة البلقعة: البذية الفحاشة القليلة الحياء، ورجل سلفع: قليل الحياء، وفي حديث أم الدرداء: \"شر نسائكم السلفعة\" هي الجريئة على الرجال، وأكثر ما يوصف به المؤنث، وهو بلا هاء أكثر، ومنه حديث ابن عباس ﵄ في قوله تعالى (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) قال: ليست بسلفع \" اهـ مختصرا (١٠/٣٥ - ٣٦) .\n(١) أخرجه الفريابي، وابن أبي شيبة في \"المصنف \"، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه عن عمر بن الخطاب ﵁ اهـ كل من \"الدر\nالمنثور\" (٥/ ١٢٤) .\n(٢) ذكره ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم، وقال: \"هذا إسناد صحيح \" اهـ من تفسير القرآن العظيم \" (٦/٢٣٨)، وقال ابن كثير في تفسير الاَية: \"أي تمشي مشي الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه قال: \"كانت مستترة بكم ذراعها \" اهـ (٦/ ٢٣٨)، وانظر: \" المستدرك، (٢/ ٤٠٧) .\n(٣) \"السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين \" ص (٩١)، وقد روى نحوه الحاكم (٤/ ٧) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه \"، وسكت عنه الذهبي.","vol":"3","page":118},{"text":"حياءً من أبيها\" الحديث (١) .\n* والحادثة التالية- إن صحت- تجسد قيمة الحياء:\nعن فرج بن فضالة عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده قال جاءت امرأة إلى النبي ﷺ يقال لها أم خلاد وهي منتقبة تسأل عن ابنها وهو مقتول فقال لها بعض أصحاب النبي ﷺ: جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟! فقالت: إن أرزأ ابني فلن أرزأ حيائي، فقال رسول الله ﷺ: \"ابنك له أجر شهيدين \"، قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: \"لأنه قتله أهل الكتاب\" (٢) .\n* ومما يؤكد ارتباط تغطية الوجه بشدة الحياء ما ثبت:\nعن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سُلَيم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل عل المرأة من غسل إذا احتلمت؟، قال النبي ﷺ: \"إذا رأت الماء\"، فغطَّت أم سلمة (٣) - تعني وجهها - وقالت: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟، قال: \"نعم، تربت يمينك، ففيم يشبهها ولدها\"؟ (٤) .\nومما يذكر في كتب التاريخ والأدب أن النابغة أحد فحول الشعر الجاهلي قد مرت به امرأة النعمان في مجلس فسقط نصيفها (أي برقعها)\n_________\n(١) (فتح الباري) (١١/ ١٢٥) .\n(٢) رواه أبو داود (٣/ ٥- ٦) رقم (٢٤٨٨) في الجهاد: باب فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم، وفي إسناده عبد الخبير بن ثابت قال البخاري: (روى عن فرج ابن فضالة، حديثه ليس بالقائم، فرج عنده مناكير)، وقال أبو حاتم الرازي: \"عبد الخبير حديثه ليس بالقائم، منكر الحديث\". انظر \"مختصر المنذري\" (٣/ ٣٥٩) .\n(٣) قال الحافظ: \"في مسلم من حديث أنس أن ذلك وقع لعائشة أيضًا، ويمكن الجمع بأنهما كانتا حاضرتين) \" اهـ من \"الفتح\" (١/٢٧٧) .\n(٤) رواه البخاري رقم (١٣٠)، في العلم: باب الحياء في العلم - وانظر \"الفتح\" (١/٢٧٦) .","vol":"3","page":119},{"text":"الذي كانت قد تقنعت به فسترت وجهها بذراعيها وانحنت على الأرض ترفع النصيف بيدها الأخرى، فطلب النعمان من النابغة أن يصف هذه الحادثة في قصيدة فعمل القصيدة التي مطلعها.\nأمن آل مية رائح ومغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود\nإلى أن قال:\nسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد (١)\nإن التجرد من خلق الحياء مدرجة الهلاك، والسقوط من درك إلى درك\nإلى أن يصبح الإنسان صفيق الوجه، وينزع منه خلق الإسلام، فيجترئ على المخالفات، ولا يبالي بالمحرمات، وهناك تلازم بين ستر ما أوجب الله ستره، وبين التقوى، كلاهما لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه، وذاك يستر عورات الجسم ويزينه، وهما متلازمان:\nفمن شعور التقوى لله والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح التكشف والحياء منه.\nقال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) الآية [الأعراف: ٢٦]،\nقال الشاعر:\nإذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى ... تقلب عريانًا وإن كان كاسيا\nوخير خصال المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصيا\nإن مسارعة آدم وحواء إلى ستر عوراتهما بأوراق الشجر دليل على أن الحياء عنصر أصيل مركوز في فطرة الإنسان، فعليه أن يهتم به، ويحافظ عليه، ويصونه من أن يثلم، ففي صيانته، وسلامته سلامة للفطرة عن أن تمسخ أو تحرف، لأن في انحرافها مسخا وتشويها لآدميته، ولأن الحياء شعبة من شعب الإيمان، فمن تمسك به فقد تحصن ضد الشيطان، وأغلق\n_________\n(١) تقدم ص (٨٩) .","vol":"3","page":120},{"text":"في وجهه بابا منيعَا، لو قدر له أن يدخل منه، لنال صاحبَه شر عظيم، والعياذ بالله.\nإذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فاصنع ما تشاء\nفلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء\nسابعا: الحجاب يناسب الغيرة\nإن الحجاب يتناسب مع الغيرة التي جبل عليها الإنسان السويُّ، والغيرة غريزة تستمد قوتها من الروح، والتحرر عن القيود غريزة تستمد قوتها من الشهوة، فهذه تغري بالسفور، وتلك تبعث على الاحتجاب.\nإن المدنية الغربية انحازت إلى الطبيعة الأولى، وقررت أن لا تحرم المنتسبين إليها التمتع بسفور النساء، واختلاط الجنسين، وضحَّتْ بالطبيعة الثانية في سبيل ذلك، فالرجل الغربي يخالط نساء الناس، ويجالسهن متهتكات، مقابل التنازل عن غيرته على زوجته وأخته وبنته، فيخالطهن غيره، ويجالسهن.\nإن القضاء على الغيرة بلغ عند مدنية الغرب إلى أن اعتبرتها من النقائص، بالرغم من أن الإنسان يشعر بفطرته أنها فضيلة، وتواضع كتابها وشعراؤها على تغيير هذه الفطرة.\nومن الدليل على كون السفوريين يتكلفون إسكات صوت الغيرة في قلوبهم، وإماتتها مقابل ما يتمتعون به من الاختلاط بنساء غير نسائهم، أن مقلدتهم من المسلمين لا يسمحون بالدخول على نسائهم إلا لمن يسمح لهم بالدخول على نسائه، فلو قصدوا بالسفور الذي يدعون له إلى تحرير المرأة من أسر الاحتجاب كما يدعونه، لما حافظوا على شرط المعاوضة في سفور نسائهم عند أي رجل من معارفهم (١) .\n_________\n١١) انظر: \"قولي في المرأة\" ص (٢٥- ٢٧) .","vol":"3","page":121},{"text":"* وفي السطور التالية نتوقف قليلا لنفصل معنى الغيرة وفضيلتها، وبيان ارتباطها الوثيق بقضية صيانة المرأة وحفظ العرض، فنقول بتوفيق الله وحده:\nإن من آثار تكريم الإسلام للمرأة ما غرسه في نفوس المسلمين من الغيرة، ويُقْصَدُ بالغيرة تلك العاطفة التي تدفع الرجل لصيانة المرأة عن كل مُحرم وشين، وعار.\nقال النحاس: \"الغيرة هي أن يحمي الرجل زوجته وغيرها من قرابته، ويمنع أن يدخل عليهن، أو يراهن غيرُ مَحْرَم \" (١) .\n* ويَعُدُّ الإسلام الدفاع عن العرض، والغيرة على الحريم جهادا يبذل من أجله الدم، ويضحى في سبيله بالنفس، ويجازي فاعله بدرجة الشهيد في الجنة.\n* فعن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من قُتِلَ دُونَ ماله فهو شهيد، ومَنْ قُتِلَ دون دَمِهِ فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد\" ومن قتل دون أهله فهو شهيد\" (٢) .\nبل يعد الإسلام الغيرة من صميم أخلاق الإيمان، فمن لا غيرة له لا إيمان له، ولهذا كان رسول الله ﷺ أغير الخلق على الأمة:\n* فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلًا\nمع امرأتي لضربته بالسيف غيرَ مُصْفِح (٣)، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ،\n_________\n(١) \"زاد المسلم\" (٥/ ١٥٨) .\n(٢) رواه الترمذي رقم (١٤١٨)، (١٤٢١) في الديات: باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، وأبو داود رقم (٤٧٧٢) في السنة: بابْ في قتال اللصوص، والنسائي (٧/ ١١٥، ١١٦) في تحريم الدم: باب من قتل دون ماله، وابن ماجة رقم (٢٥٨٠) في الحدود: باب من قتل دون ماله فهو شهيد، وأحمد في \"المسند\" رقم (١٦٢٨)، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n(٣) ضربه بالسيف غير مصفح: إذا ضربه بحدِّه، وفربه صَفْحًا: إذا ضربه بعرضه.","vol":"3","page":122},{"text":"فقال: \"تعجبون من غيرة سعد؟ والله، لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها، وما بطن \" الحديث (١) .\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غيرة الله: أن يأتي المؤمنُ ما حَرمَ الله عليه \" (٢) .\n* وإن من ضروب الغيرة المحمودة: أنفةَ المحبِّ وحميته أن يشاركه في محبوبه غيره، ومن هنا كانت الغيرة نوعَا من أنواع الأثرة، لابد منه لحياطة الشرف، وصيانة العرض، وكانت أيضا مثار الحمية والحفيظة فيمن لا حمية له ولا حفيظة.\nوضد الغيور الدَّيُّوث، وهو الذي يقر الخبث في أهله، أو يشتغل بالقيادة، وقال العلماء أيضًا: (الديوث الذي لا غيرة له على أهل\nبيته) (٣)، وفي المحكم: (الديوث الذي يُدخل الرجال على حرمه بحيث يراهم) (٤)، وقد ورد الوعيد الشديد في حقه:\n* فعن عبد الله بن \"عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا ينظر الله ﷿ إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجِّلة، والدَّيُّوث \" الحديث (٥) .\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢/ ١٨١) في الحدود: باب من رأى مع امرأته رجلا فقتله، وفي التوحيد، ورواه تعليقَا في النكاح: باب الغيرة، ومسلم رقم (١٤٩٩) في اللعان: في فاتحته.\n(٢) رواه البخاري (٩/ ٢٣٠) في النكاح: باب الغيرة، ومسلم برقم (٢٧٦١) في التوبة: باب غيرة الله تعالى، وتحريم الفواحش، والترمذي رقم (١١٦٨) في الرضاع: باب ما جاء في الغيرة.\n(٣) \"النهاية لما غريب الحديث\" (٢/١٤٧) .\n(٤) \"الزواجر\" للهيثمي (٢/٥٢) .\n(٥) أخرجه النسائي (١/ ٣٥٧) واللفظ له، والإمام أحمد (٢/ ١٣٤)، وابن خزيمة في (التوحيد) (٢٣٥)، وابن حبان (٥٦)، وصححه العلامة أحمد شاكر رقم (٦١٨٠) (٩/٣٤) .","vol":"3","page":123},{"text":"إن الغيرة على حرمة العفة ركن العروبة، وقوام أخلاقها في الجاهلية والإسلام، لأنها طبيعة الفطرة البشرية الصافية النقية، ولأنها طبيعة النفس الحرة الأبية.\nلقد رأينا هذا الخلق يستقر في نفوس الجاهليين الذي تذوقوا معاني تلك الفضائل، وتحلوا بها، فإذا هم يغارون على عِرض جيرانهم من هوى أنفسهم ذاتهم، استمع معي إلى. عنترة يقول مفتخرا بنفسه:\nوأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها\nوقول حاتم الطائي:\nإذا ما بت اختل عرس جاري ... ليخفيني الظلام فلا خفيت\nأأفضح جارتي وأخون جاري ... فلا والله أفعل ما حييت\nوفي عصر الإسلام يقول مسكين الدرامي:\nناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القِدْرُ\nما ضر جاري إذ أجاوره ... أن لا يكون لبيته ستر\nأعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواريَ جارتي الخِدر\nويقول آخر في جارته أيضًا:\nولم أكن طلابا أحاديث سرها ... ولا عالمًا إذا ما مرت أي جنس ثيابها\nوربما قامت الحروب غيرة على المرأة، وحمية لشوفها، واستجابة لاستغاثتها واستنجادها: فقد (تدافعت أشراف العرب في مساق عامتهم\nيوم الفِجار (١) قريش وهوازن وكان من أمر ذلك أن شبابًا من كِنانة أطافوا بامرأة من غِمار الناس في سوق عُكاظ، فأعجبهم ما رأوْا من حسنها، وسألوها أن تُسْفِرَ لهم عن وجهها، فأبت ذلك عليهم، فاخذوا يُعْنِتُونَها (٢)\n_________\n(١) حروب الفِجار: حروب نشبت بين العرب في الجاهلية في سوق عكاظ وهي أربع، وإنما دعيت بهذا الاسم لأن العرب أباحوا فيها حرمة الأشهر الحرم فقاتلوا، فكان ذلك منهم فِجارَا أي تفاجرَا.\n(٢) أعنته: شق عليه.","vol":"3","page":124},{"text":"ويسخرون بها، وهنالك نادت: يا آل عامر!، فَلَبَّتْها سيوف بني عامر، ووقف بنو كنانة يدرأون عن فتيانهم، وهاجت هَوَازِن لعامر، واغتمرت قريش في كنانة (١)، وهنالك تفجرت الدماء، وتناثرت الأشلاء (٢)، ولولا حكمة بدرت من حرب بن أمية يومئذ لكان الخطب أفدحَ، والمصاب أطَمَّ، فقد وقف بين القوم فحسم ضغينتهم، واحتمل ديات قتلاهم) (٣) . نماذج من غيرة الصحابة ﵃\nفهذا عمر بن الخطاب ﵁ كان شديد الغيرة على النساء، فهو الذي أشار على الرسول ﷺ بحجب نسائه، فوافقه القرآن فعن أنس ﵁ قال عمر ﵁: قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب (٤) .\n* عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيتني دخلت الجنة، الحديث وفيه: \"ورأيت قصرا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟، فقال: لعمر فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيرتك \"، وفي رواية أبي هريرة ﵁: \"فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرته، فولَّيت مُدْبِرا\" فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟ (٥) .\n* وعن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة ﵁: أنه دخل على أبي سعيد\n_________\n(١) عامر بطن من بطون هوازن، وقريش فرع من فروع كنانة.\n(٢) الأشلاء- جمع شلو- قطع اللحم.\n(٣) \"العقد الفريد\" (٣/١٠٩)، وانظر \"المرأة العربية\" (١/ ٢٧- ٢٨) .\n(٤) رواه البخاري (٨/ ٣٨٧) رقم (٤٧٩٠) في التفسير: باب (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) الآية.\n(٥) رواه البخاري (٧/ ٥٠) في فضائل الصحابة: باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁ رقم (٣٦٧٩)، (٣٦٨٠)، وقال السفاريني: (أي كيف أغار على دخولك قصرًا أنت السبب في حصوله لي؟ بل وأنت أولى بالمؤمنين من أنفسهم\" اهـ من (شرح ثلاثيات المسند\" (٢/٢١) .","vol":"3","page":125},{"text":"الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت، فالتفت، فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إليَّ أن اجلس، فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟، فقلت: نعم، فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعُرس، قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يومًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة\" فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به - وأصابته غيرة - فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل، فإذا بحية عظيمة مُنْطَوِية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يُدْرى أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ، وذكرنا ذلك له، وقلنا: ادْعُ الله يحييه لنا، فقال: \"استغفروا لصاحبكم\"، ثم قال: \"إن بالمدينة جنّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا، فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان (١) . والشاهد منه قول الرواي: \"وأصابته غيرة\".\n* وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: \"ألا تستحيون ألا تغارون: أن يخرج نساؤكم؟! فإنه بلغني أن نساءكم يخرجن في الأسواق يزاحمن العُلوج (٢)، أما تغارون؟ إنه لا خير فيمن لا يغار\" (٣) .\n_________\n(١) رواه مسلم (١٤/ ٢٣٤- ٢٣٥) بشرح النووي، كتاب قتل الحيات وغيرها، وانظر \"المرقاة\" (٤/٣٤٣٠)\n(٢) انظر: (المسند) بتحقيق أحمد شاكر (٢/ ٢٥٥)، وصححه، (والعلوج: جمع عِلْج، وهو الرجل من كفار العجم، أو الضخم القوي) اهـ من \"الفتح الرباني، (١٧/٣٠٣) .\n(٣) هذه الزيادة في \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٢٧) .","vol":"3","page":126},{"text":"* وذكر أبو عمر في \"التمهيد\" أن عمر ﵁ لما خطب عاتكة بنت زيد شرطتْ عليه ألا يضربها، ولا يمنعها من الحق، ولا من الصلاة في المسجد النبوي، ثم شرطت ذلك على الزبير، فتحيَّل عليها أن كمن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء، فلما مَرَّت به ضرب على عَجيزتها؟ فلما رجعت قالت:\n\"إنا لله! فسد الناس! \"، فلم تخرج بعد (١) .\n* ويروى أن ابن مسعود ﵁ قال: \"إن الله ليغار للمسلم، فَلْيَغَرْ\" (٢)\nولما دخل الخوارج المفسدون على أمير البررة، وقتيل الفجرة عثمان بن عفان ﵁ ليقتلوه، حاولت زوجه الوفية نائلة بنت الفرافصة ﵂ أن تستر أمير المؤمنين بشعرها، فقال لها: \"خذي خمارَكِ، فلعمري لدخولهم على أعظم من حرمة شعرك\" (٣) .\nأحداث صنعتها الغيرة\n* ذكر الحافظ ابن كثير﵀ - في حوادث سنة ست وثمانين ومائتين: قال في المنتظم: ومن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة أن امرأة تقدمت إلى قاضي الري (٤)، فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار، فأنكره، فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا؟، فلما صمَّموا علي ذلك قال الزوج: \"لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدَّعيه، فأقرَّ بما ادعَتْ ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها، فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه، وأنه إنما أقر ليصون\n_________\n(١) \"الإصابة (٨/ ١٢)، وانظر: أسد الغابة (٦/ ١٨٥) .\n(٢) \"أخبار النساء\" ص (٨٢) .\n(٣) \"أعلام النساء\" لكحالة (٥/ ١٥٠)، و\"الدر المنثور في طبقات ربات الخدور\" ص (٥١٧) .\n(٤) سماه السمعاني: موسي بن إسحق الأنصار الخطمي.","vol":"3","page":127},{"text":"وجهها عن النظر: هو في حِل من صداقي عليه في الدنيا والآخرة اهـ (١)، زاد الحافظ السمعاني في \"الأنساب\": فقال القاضي وقد أعجب بغيرتهما: يُكْتَبُ هذا في مكارم الأخلاق اهـ.\n* ويذكر بعض المؤرخين في حسنات الحجاج بن يوسف الثقفي:\nأن امرأة مسلمة سُبيت في الهند، فنادت: (واحَجَّاجاه) واتصل به ذلك، فجعل يقول: (لبيكِ)، وأنفق سبعة ملايين من الدراهم حتى أنقذ المرأة) (٢)\n* وهذه امرأة شريفة أسرها الروم، لا تربطها بالخليفة (المعتصم بالله) رابطة سوى أخوة الإسلام، تستنجد به لما عذبها صاحب عمورية، وتطلقها صيحة يسجل التاريخ دويها الضخم: \"وامعتصماه\"، وما إن بلغت المعتصم هذه الندبة- وكان يأخذ لنفسه شيئًا من الراحة - حتى قالها بملء جوارحه: (لبيكِ)، وانطلق لتوه إلى القتال، وانطلقت معه جحافل المسلمين، وقد ملأت الغيرة لكرامة المرأة نفس كل جندي إباءً وحماسا، فأنزلوا بالعدو شر هزيمة، واقتحموا قلاعه في أعماق بلاده حتى أتوا عمورية، وهدموا قلاعها، وانتهوا إلى تلك الأسيرة، وفكوا عقالها، وقال لها المعتصم: (اشهدي لي عند جَدك المصطفى ﷺ أني جئت لخلاصك) (٣)\n* (وفي القرن السابع الهجري حين ضرب التفرق أطنابه بين المسلمين\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (١١/ ٨١) ..\n(٢) \"معجم البلدان \" لياقوت الحموي (٨/ ٣٨١) .\n(٣) \"شبهات حول العصر العباسي \" للدكتور مؤيد فاضل ملا رشيد ص (٨٣)،\nونضيف: أليس من حقنا أن نصم آذان حكامنا اليوم بقول الشاعر المعاصر:\nرب (وامعتصماه) انطلقت ... ملء أفواه الصبايا اليتم\nصادفت أسماعهم لكنها ... لم تصادف نخوة المعتصمَ\nلا يُلام الذئب في عدوانه ... إن يكُ الراعي عدوَّ الغنم","vol":"3","page":128},{"text":"حتى أضعفهم، واحتل الصليبيون قسمًا من بلادهم، وطمعوا في المزيد، واستعانوا ببعضهم على بعض، حتى أوشكوا أن يحتلوا مصر، فكر حاكم مصر الفاطمي آنذاك المدعو \"العاضد لدين الله \" أن يستعين بوالي الشام \"نور الدين زنكي \"، ولكنْ كيف وملك الشام لا يعترف بالخليفة الفاطمي في مصر، ولا يؤمن بشرعية خلافته، وحكمه إنما يدين بالاعتراف للخلافة العباسية في بغداد، وبينها وبين الفاطميين أشد الخصام؟\nلقد وجد الحل بواسطة المرأة والغيرة على كرامتها، وهكذا أرسل العاضد إلى نور الدين زنكي رسالة استنجاد أرفقها بأبلغ نداء: أرفقها بخصلة من شعور نساء بيت خلافته في القاهرة، وكان أن بلغ التأثير مداه في قلب نور الدين، فسرت حمية الغيرة والنخوة قي جند الشام وأهله، فبذلوا- لإنقاذ مصر من الصليبيين- فلذات أكبادهم بقيادة أسد الدين شيركوه، ويوسف بن أيوب \"صلاح الدين الأيوبي\".\nوهكذا صنعت المرأة بخَصلة شعرها حدثًا غيَّر مجرى التاريخ، وقلب الأحداث رأسا على عقب، إلى أن كان يوم حطين الذي غسل الأرض المقدسة من العار، وأرغم جحافل الصليبيين على حمل عصا الرحيل والتسيار) (١) .\nإن حياة الغيرة التي يحياها المجتمع المسلم، والتي يسموا بها فوق النجوم رفعة، ويرتقي بها إلى أعلى المنازل فضلًا وطهرا، يقابلها في المجتمعات الكافرة قي الشرق والغرب حياة الدياثة (٢) والخباثة، والقذارة والحقارة، واللوثة والنجاسة، والذلة والمهانة، التي قد تترفع عنها بعض الحيوانات حيث تغار فحولها على إناثها، ويقاتل الفحل دون أنثاه كل فحل يعرض لها حتى تصير إلى الغالب، وتأمل معي القصة التالية:\n_________\n(١) \"ماذا عن المرأة؟ \" ص (٢٥- ٢٦)، وانظر: \"البداية والنهاية\" (١٢/ ٢٥٥) .\n(٢) راجع \"المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية\" ص (٤٦- ٤٧) .","vol":"3","page":129},{"text":"عن عمرو بن ميمون الأودي ﵁ قال: \"رأيت في الجاهلية قرْدة اجتمع عليها قرَدةٌ قد زنت، فرجموها، فرجمتها معهم\" (١) .\nفاستقباح الزنا، والغيرة على العرض فطر الله سبحانه عليه هذا الحيوان البهيم الذي لا عقل له!\nوالغيرة علي الحريم رمز الإسلام، ومن فقدها من أبناء البلاد الإسلامية، فإنما فقدها بعد اندماجه في أمم لا يغارون على نسائهم، ولا يرون أي بأس في مخاصرة زوجاتهم لرجال آخرين، في مرأى منهم ومشهد اهـ (٢) .\nلقد وقع الشقاق الواسع بيننا وبين الأوربيين في الغيرة، يقول الدكتور نور الدين عثر حفظه الله: (إن أوربا لم تقدس العفة في يوم من الأيام، بل لم تحافظ على الطهر العذري، وحسبنا من المقياس الخلقي في موقفهم من المرأة أن لا نجد في لغتهم كلمة تعبر عن كرامة المحافظة والاستقامة في السلوك \"الغريزي\" أعني كلمة \"العرض\" هذه الكلمة الجامعة لمعاني الفضيلة \"الغريزية\"، وحمية المؤمن في الغيرة عليه والدفاع عنه) اهـ (٣) .\nإن الأوربيين يستهجنون هذه المعاني، ولا يستسيغونها، بل هم ينددون\nبهذه ا! لفطرة الإنسانية العالية، ويحاربونها بمختلف الأساليب، ويرمون من خلال قصصهم وأدبهم أن يهبطوا بالإنسان السامَي إلى مستوى الحيوانية السافلة.\nقال رفاعة الطهطاوي في مجلة \"روضة المدارس \" التي كان يرأس تحريرها: (من محاسن الإسلام أن الله ﷾ قد أودع في قلب الرجل الغيرة على نسائه، حتى جعل ﷾ بدن الحرة عورة\n_________\n(١) رواه البخاري (٧/ ١٩١) في مناقب الأنصار: باب القسامة في الجاهلية.\n(٢) \"الفتن\" للبيانوني ص (٢١٣- ٢١٤) .\n(٣) \"ماذا عن المرأة؟ \"، للدكتور نور الدين عثر ص (٢٢- ٢٣) .","vol":"3","page":130},{"text":"بالنسبة للآخرين، فلا يحل لها كشفه عليه، ولا يحل له نظرها أيضًا، فلذلك كانت نساء الإسلام مصوناتٍ في بيوتهن، سيدات على غيرِهن.. ومن العادة أيضا العامة لسائر المسلمين، أنه لا يليق أن يسأل الإنسان عن حال زوجته، وإن كان هذا يُعَدُّ في بلاد الإفرنج من اللطافة والظرافة، لفقدهم الغيرة) اهـ (١) .\nعود على بدء\nإن الحجاب بمعناه الواسع يتناسب مع الغيرة المحمودة، وإن التبرج والاختلاط والخلوة المحرمة، وسائر أسباب الافتتان بالمرأة إنما تنتج عن عدم الغيرة وضعف الحمية.\nولو أن المرأة التزمت درجة الحجاب المثلي وقرَّت في بيتها، ولو أنها إذا احتاجت للخروج فخرجت، حجبت كل بدنها عن الأجانب، لما كان لهذه الفتن مكان في حياتنا.\nولو أننا تأملنا الواقع من حولنا لأدركنا أن بداية الفتتة إنما هي النظرة المحرمة على حد قول القائل:\nنظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء\nفلو أسدل الحجاب علي وجه المرأة أيضا إذن لأخمدت الفتنة من أصلها، (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) [الأحزاب: ٢٥]،.\nولقد سبق أن بَيَّنا أن من الغيرة المحمودة أنفةَ المحب، وحميته أن يشاركه\nفي محبوبه غيره، فإذا كان النظر المحرم إلى وجه المرأة وغيره هو \"زنا العين \" بنص حديث رسول الله ﷺ، لم نحتج إلى إثبات أن هذا النظر نوع من المشاركة فيما ينبغىِ أن يستأثر به الزوج، أو المحارم لأمن الفتنة من جانبهم.\n_________\n(١) نقله عنه الدكتور السيد أحمد فرج في \"المؤامرة على المرأة المسلمة\"، ص (١٤١) .","vol":"3","page":131},{"text":"ومن هنا يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: \"ألا تستحيون؟ ألا تغارون؟ يترك أحدكم امرأته بين الرجال تنظر إليهم، وينظرون إليها\" (١) .\nوأخيرَا قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: وبالجملة، فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء\nفي الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغرائز البشرية وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول:\nقلت اسمحوا لي أن أفوز ... بنظرة ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم\nأترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك، ولقد صدق من قال:\nوما عجب أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عُجابُ (٢)\n* * *\n_________\n(١) \"الزواجر\" للهيثمي (٢/ ٤٦) .\n(٢) \"أضواء البيان\" (٦/ ٦٠٢) .","vol":"3","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>مثالب التبرج</span>\nالتبرج لغة:\nهو إبداء المرأة زينتها، وإظهار وجهها، ومحاسن جيدها للرجال، وكل\nما تستدعي به شهوتهم حتى التكسر والتبختر في مشيتها، ما لم يكن ذلك للزوج (١) .\nالتبرج شرعا:\nهو إظهار الزينة، وإبراز المرأة لمحاسنها، وقيل: هو التبختر والتكسر في المشية (٢) .\nوقيل: (هو كل زينة أو تجمل تقصد المرأة بإظهاره أن تحلو في أعين الأجانب، حتى القناع الذي تستتر به المرأة إن انتخب من الألوان البارقة، والشكل الجذاب لكي تلذ به أعين الناظرين، فهو من مظاهر تبرج الجاهلية أيضا) (٣) .\nوفيما يلي نوضح مثالب التبرج وخطره على الدين والدنيا:\nأولا: التبرج معصية لله ورسوله ﷺ:\nومن يعص الله ورسوله فإنه لايضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئَا، قال\n_________\n(١) \"لسان العرب\" (٣/ ٣٣)، و\"القاموس المحيط\" (١/ ١٨٧)، \"المعجم الوسيط \" (١/ ٤٦)، ويأتي - بإذن الله - زيادة بيان لمعنى التبرج، فانظر ص (٢٧٧)، (٣٢٤) .\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٤)\n(٣) \"الحجاب\" للمودودي ﵀ ص (١٣٢)","vol":"3","page":133},{"text":"رسول الله ﷺ: \"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى\" فقالوا: يا رسول الله من يأبى؟ قال: \"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى\" (١) .\nواعلم- رحمك الله - أن كل آية أو حديث اشتملت، أو اشتمل على الزجر عن معصية الله ﷿، ومعصية رسوله ﷺ يصلح أن يستدل به هنا، غير أننا- اختصارًا- نورد فيما يلي ما جاء في النهي عن معصية التبرج بخصوصها، فمن ذلك:\nما رواه أبو حريز مولى أمير المؤمنين معاوية ﵁ قال: \"خطب الناسَ معاوية ﵁ بحمص، فذكر في خطبته أن رسول الله ﷺ حَرَّمَ سبعة أشياء، وإني أبلغكم ذلك، وأنهاكم عنه، منهن النوح، والشعر، والتصاوير، والتبرج، وجلود السباع، والذهب، والحرير\" (٢) .\nوعن ابن مسعود ﵁ أن نبي الله ﷺ \"كان يكره عشر خصال\" وذكر منها: \"والتبرج بالزينة لغير مَحَلها\" (٣) .\nقال السيوطي ﵀: والتبرج بالزينة: أي إظهارهما للناس الأجانب، وهو المذموم، فأما الزوج فلا، وهو معنى قوله \"لغير محلها\" اهـ (٤) .\nثانيا: التبرج كبيرة موبقة:\nجاءت أميمة بنت رُقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال: \"أبايعكِ على أن لا تُشركي بالله، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي وَلدَكِ، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تتبرجي تبرج الجاهلية\n_________\n(١) رواه من حديث أبي هريرة ﵁ البخاري (١٣/ ٢٦٣) في الاعتصام: باب الاقتداء بسن رسول الله ﷺ.\n(٢) رواه الإمام أحمد في \"مسنده \" (٤/ ١٠١) .\n(٣) رواه النسائي في \"سننه\" (٨/ ١٤١) .\n(٤) وكذا ذكره السندي في حاشيته - انظر: \"سنن النسائي\" (٨/ ١٤١- ١٤٢) .","vol":"3","page":134},{"text":"الأولى\" (١) .\nفتأمل كيف قرن رسول الله ﷺ التبرج الجاهلي بأكبر الكبائر المهلكة.\nثالثًا: التبرج يجلب اللعن والطرد من رحمة الله:\nعن عبد الله بن عمرو ﵄: قال رسول الله ﷺ: \"سيكون في آخر أمتي نساءٌ كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخْت، العنوهن فإنهن ملعونات\" (٢) .\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سيكون في آخِر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرجال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يَخدِمْنكم نساءُ الأمم قبلكم \" (٣) .\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٩٦)، وقال العلامة أحمد شاكر ﵀: \"إسناده صحيح\"، وذكر أن الحديث نقله الحافظ ابن كثير في \"تفسيره \" (٨/ ٣٢٧\n- ٣٢٨) عن المسند، وقال: \"هذا إسناد صحيح\"، ثم نسبه للترمذي والنسائي\nوابن ماجة. اهـ من \"تحقيق المسند\" (١١/ ١٥) حديث رقم (٦٨٥٠) .\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" ص (٢٣٢)، وصححه الألباني في \"الحجاب\" ص (٥٦)، ونقل السيوطي عن ابن عبد البر قوله (أراد ﷺ النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف، ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة) اهـ من \"تنوير الحوالك\" (٣/ ١٠٣)، وانظر: \"نيل\nالأوطار\" (٢/ ١٣١) .\n(٣) رواه الأمام أحمد في \"مسنده\" رقم (٧٠٨٣)، قال العلامة أحمد شاكر ﵀: (إسناده صحيح) (١٢/ ٣٦)، والحاكم في (المستدرك) (٤/ ٤٣٦)، وقال: (صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، وقال الهيثمي في \"المجمع\": (رواه\nأحمد والطبراني في الثلاثة، ورجال أحمد رجال الصحيح) اهـ (٥/ ١٣٧)\nوقوله \"كأسنمة البخت\" هو جمع \"سنام\" وهو أعلى ظهر البعير، و\"البخت\" بضم الباء وسكون الخاء: جمال طوال الأعناق، والعِجاف: جمع عجفاء، =","vol":"3","page":135},{"text":"رابعًا: التبرج من صفات أهل النار:\nعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \"صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات\nعاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخْت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا\" (١) .\nوعن عمارة بن خزيمة قال: بينما نحن مع عمرو بن العاص ﵁ في حج\nأو عمرة، فإذا نحن بامرأة عليها حبائر (٢) لها، وخواتيم، وقد بسطت يدها على الهودج، فقال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في هذا الشّعْب إذ قال: \"انظروا: هل ترون شيئًا\"؟، فقلنا: نرى غربانَا فيها غراب أعصمَ (٣)؛ أحمرُ\n_________\n= وهي المهزولة، وانظر: \"الفتح الرباني\" (١٣/ ٣٠٢) .\n(١) رواه مسلم في \"صحيحه\" رقم (٢١٢٨) في الجنة: باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء.\nقال النووي ﵀: (قيل: معنى كاسيات أي من نعمة الله عاريات من شكرها، وقيل: معناه تستر بعض بدنها، وتكشف بعضه إظهارًا لجمالها ونحوه، وقيل: تلبس ثوبًا رقيقا يصف لون بدنها وهو المختار، ومعنى مائلات: عن طاعة\nالله وما يلزمهن حفظه، مميلات أي: يعَلِّمْنَ غيرهن فعلهن المذموم، وقيل: يمشين متبخرات مميلات لأكتافهن، وقيل: مائلات يمتشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا، ومميلات: يمشطن غيرهن تلك المشطة، ومعنى رؤوسهن كأسنمة البخت أي: يكبرنها، ويعظمنها بلف عمامة أو- نحوها، والله أعلم) اهـ من \"المجموع شرح المهذب \" (٤/ ٣٠٧)، وانظر: (القسم الأول) ص (١٧١) .\n(٢) حبائر ثياب جديدهّ، وثوب حبير أي جديد – انظر: (الصحاح) للجوهري (٢/٦٢٠) .\n(٣) الأعصم: هو الأبيض الجناحين، وقيل الأبيض الرجلين، وقيل: هو أحمر المنقار والرجلين، انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٣/ ٢٤٩) .\nوفي الحديث كناية عن قلة من يدخل الجنة من النساء، لأن هذا الوصف في الغربان قليل، ونظير ذلك قوله ﷺ في خطبة الكسوف: \"رأيت النار\" ورأيت أكثر أهلها النساء متفق عليه، وفي الصحيحين أيضا من حديث أسامة بن زيد رضي =","vol":"3","page":136},{"text":"المنقارِ والرجلين، فقال رسول الله ﷺ: \" لا يدخل الجنة من النساءِ إلا منْ كان منهن مثل هذا الغراب في الغِربان \" (١) .\nخامسًا: التبرج سواد وظلمة يوم القيامة:\nقال الإمام الترمذي ﵀: حدثنا علي بن خَشْرم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة بنت سعد- وكانت خادمًا للنبي ﷺ - قالت: قال رسول الله ﷺ: \"مَثَلُ الرافلة في الزينة في غيرِ أهلها، كَمَثَل ظُلمَةٍ يوم القيامة، لا نُورَ لها\" (٢) .\nقوله: الرافلة: قال في \"النهاية\": الرافلة: هي التي تَرْفُلُ فِى ثوبها، أي تتبختر، والرفل: الذيل، ورفل إزاره: إذا أسبله، وتبختر فيه اهـ.\n_________\n= الله عنهما: \"وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء\"، وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن أقل ساكني الجنة النساء\"، وانظر: \"التذكرة\" للقرطبي (١/ ٣٦٩)، و\"الجنة والنار\" للأشقر ص (٨٣- ٨٤) .\n(١) رواه الأمام أحمد (٤/١٩٧، ٢٠٥)، والحاكم (٤/٦٠٢)، وقال: \"صحيح على شرط مسلم \"، ووافقه الذهبي، وزاد الألباني في تخريجه: أبا يعلى، وابن عساكر، وابن قتيبة في \" إصلاح الغلط؟ وقال: (وهذا سند صحيح، وقول الحاكم:\n\"صحيح على شرط مسلم \" خطأ، وافقه الذهبي عليه، فإن أبا جعفر اسمه عمير بن يزيد لم يخرج مسلم له شيئا) اهـ. من الصحيحة\" رقم (١٨٥٠) (٤/٤٤٦)، وقال التويجري حفظه الله: \"والظاهر أن عمرو بن العاص ﵁ إنما حَدَّث به قصد الإنكار على المرأة المبدية لزينتها بين الرجال الأجانب\" اهـ من \"الصارم المشهور\" ص (١٤) .\n(٢) رواه في \"سننه\" رقم (١١٦٧)، كتاب الرضاع: باب ما جاء في كراهية خروج النساء في الزينة، وقال: (هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عُبيدة يضعف في الحديث من قبل حفظه، وهو صدوق، وقد رواه بعضهم عن موسى بن عبيدة، ولم يرفعه) اهـ (٣/ ٤٧٠)، وضعفه الألباني في \"الضعيفة\" رقم (١٨٠٠)","vol":"3","page":137},{"text":"وقوله: \"في الزينة\": أي في ثياب الزينة، قوله: \"في غير أهلها\" أي بين من يحرم نظره إليها، قوله: \"كمثل ظلمة يوم القيامة\" أي تكون يوم القيامة كأنها ظلمة، قوله: \"لا نور لها\" الضمير للمرأة، قال الديلمي: يريد المتبرجة بالزينة لغير زوجها اهـ (١) .\nوقال في الفردوس: والرَّفْلُ التمايل في المشي مع جَر ذيل، يريد أنها تأتي يوم القيامة سوداء مظلمة كأنها متجسدة من ظلمة اهـ (٢) .\nقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: ذكره الترمذي، وضعفه، ولكن المعنى صحيح؛ فإن اللذة في المعصية عذاب، والراحة نصب، والشبَعَ جوع، والبركة مَحَق، والنور ظلمة، والطيب نتن، وعكسه الطاعات، فخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ودم الشهيد اللون لون دم، والعَرْفُ عرف مِسْك اهـ (٣) .\nسادسَا: التبرج نفاق:\nفعن أبي أذينة الصدفي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"خير نسائكم الوَدُودُ الوَلودُ، المواتية، المواسية، إذا اتقَينَ الله، وَشر نسائكم المتَبَرجاتُ المتُخَيلاتُ، وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مِثلُ الغرابِ الأعصم \" (٤) .\nسابعًا: التبرج فاحشة:\nفإن المرأة عورة، وكشف العورة فاحشة ومقت، قال تعالى: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨» [الأعراف: ٢٨]،.\n_________\n(١) (تحفة الأحوذي) (٤/ ٣٢٩) .\n(٢) نقله المناوي في \"الفيض\" (٥/٥٠٧) .\n(٣) \"عارضة الأحوذي\" (٥/ ١١٣- ١١٤) .\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن\" (٧/ ٨٢)، ورواه عن ابن مسعود ﵁ أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٧٦)، وانظر \"السلسلة الصحيحة\" رقم (١٨٤٩)، (٦٣٢) .","vol":"3","page":138},{"text":"والشيطان هو الذي يأمر بهذه الفاحشة: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) [البقرة: ٢٦٨]،\nوالمتبرجة جرثومة خبيثة ضارة تنشر الفاحشة في المجتمع الإسلامي، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩» [النور: ١٩]\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية\" (١) .\nثامنًا: التبرج تهتك وفضيحة:\nعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها، فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله ﷿\" (٢) .\nومثل ذلك ما ثبت عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: قال رسول الله: \"ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه، فمات عاصيًا، وأمةٌ أو عبد آبق من سيده فمات، وامرأة غاب عنها زوجها، وقد كفاها مؤنة الدنيا،\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) رواه الإمام أحمد (٦/ ١٩٩، ٢٦٧)، والحاكم في \"المستدرك \" (٤/ ٢٨٨)، وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي، وابن ماجه (٢/٤٠٩) رقم (٣٨١٢) .\nقال المناوي ﵀: قوله ﷺ: \"وضعت ثيابها في غير بيت زوجها) كناية عن تكشفها للأجانب، وعدم تسترها منهم \"فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله ﷿\" لأنه تعالى أنزل لباسا ليوارين به سواءتهن وهو لباس التقوى، وإذا لم يتقين الله، وكشفن سواءتهن، هتكن الستر بينهن وبين الله تعالى، وكما هتكت نفسها ولم تصن وجهها، وخانت زوجها يهتك الله سترها، والجزاء من جنس العمل، واهتك خرق الستر عما وراءه، والهتيكة الفضيحة اهـ.","vol":"3","page":139},{"text":"فتبرجت بعده، فلا تسأل عنهم \" (١) .\nتاسعَا: التبرج سنة إبليسية:\nالمعركة مع الشيطان معركة جدية، وأصيلة، ومستمرة، وضارية، لأنه عدو عنيد يصر على ملاحقة الإنسان في كل حال، وعلى إتيانه من كل صوب وجهة، كما وصفه الله تعالى في قوله: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧» [الأعراف: ١٦، ١٧]، ولا عاصم لبني آدم من الشيطان إلا التقوى والإيمان والذكر، والاستعلاء على الشهوات، وإخضاع الهوى لهدى الله ﵎.\nومن استعراض ما حدث لآدم ﵇ مع عدوه إبليس نرى أن\nالحياء من التعري وانكشاف السوءة شيء مركوز؟ في طبع الإنسان وفطرته إذ يقول الله سبحانه: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا) [الأعراف: ٢٠]،. وقال ﷿: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٢٢]،.\nوقال عز من قائل: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) [طه: ١٢١] .\nلقد نسي آدم، وأخطأ، وتاب، وأستغفر، فقبل الله توبته، وغفر له، وانتهى أمر تلك الخطيئة الأولى، ولم يبق منها إلا رصيد التجربة الذي يعين\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \" الأدب المفرد\" (٥٩٠)، وابن حبان (٥٠)، والحاكم (١/ ١٩)، والإمام أحمد (٦/١٩)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" رقم (٨٩)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وفيه أن هذه المرأة الخائنة احتاجت إلى غياب زوجها حتى تتبرج، فما عسانا نقول في نساء اليوم اللائي لا يحتجن إلى ذلك، بل يرتكبن أقبح أنواع التبرج وعلى مرأى ومسمع، بل وإقرار ورضَا من أزواجهن؟!","vol":"3","page":140},{"text":"ابن آدم في صراعه الطويل المدى مع الشيطان الذي يأتيه من مواطن! الضعف فيه، فيغويه، ويمنيه، ويوسوس له حتى يستجيب فيقع في المحظور.\nإن قصة آدم وحواء مع إبليس تكشف لنا مدى حرص عدو الله على كشف السوءات، وهتك الأستار، وإشاعة الفاحشة، وأن هذا هدف مقصود له.\nومن ثم حذرنا الله ﷿ عن هذه الفتنة خاصة، فقال. جل وعلا: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧» [الأعراف: ٢٧]،.\nومن هنا فإن إبليس هو رائد الدعوة إلى كشف العورات، وهو مؤسس الدعوة إلى التبرج بدرجاته المتفاوتة، بل هو الزعيم الأول لشياطين الإنس والجن الداعين إلى (تحرير) المرأة عن قيد الستر والصيانة والعفاف.\nومن ثم قال الله ﵎: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦» [فاطر: ٦]،.\nعاشرًا: التبرج من سنن اليهود والنصارى:\n(وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤» [المائدة: ٦٤]،.\nلقد اتفق مخططوا الدولة الصهْيُونية العالمية التي تريد أن تسيطر على\nالعالم في (بروتوكولات حكماء صهيون) على أن من السبل التي يجب اتباعها لإخضاع من يسمونهم (الجوييم) أو (الأمميين) - حربَ الأخلاق، وتقويض نظام الأسرة بشتى الوسائل الممكنة، ووجدوا أن الأسباب المدمرة للأسرة تتركز في كل ألوان الإغراء بالفواحش، وإثارة الشهوات. وهكذا غَدَوْا يصنعون: عن طريق الأفلام الماجنة التي توزعها في العالم (دور صهيونية)، وعن طريق الأزياء الخليعة التي تنشرها دور الأزياء","vol":"3","page":141},{"text":"الصهيونية؟ وكذا المجلات والقصص ونحوها\nولليهود باع كبير في هذا المجال، عرفوا به في كل عصر ومصر (١)\nوها هو ذا ناصحنا الأمين رسول الله ﷺ يحذرنا أولا من فتنة النساء (٢)\nفي حديث أسامة ﵁ قال ﷺ: \"ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء\" (٢)\nثم ها هو يخص فتنة النساء بالتحذير، ويبين لنا أنها كانت أول ما فتن به\nبنو إسرائيل، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله ﷿ مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أولَ فتنة بني إسرائيل كانت في النساء\" (٣) .\nوقد شرع الله لهن الستر، وأمَرَهُنَّ بالصيانة، فقلن (سمعنا وعصينا)،\nكما كانت عادة الأمة المغضوب عليها.\nويشرح لنا رسول الله ﷺ جانبًا من فتنة نساء بني إسرائيل وإلحاحهن\nعلى التحيل لبث هذه الفتنة فيما روراه عنه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب (٤)، وخاتما من ذهب، مُغَلفا بطين، ثم حَشَته مِسكا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين؟ فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا\" (٥)\nوَيُروَى عن عائشة ﵂ قالت: بينا رسول الله ﷺ جالس في\n_________\n(١) انظر: \"المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية\" ص (٢٩) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) وذلك لتبدو طويلة، تماما كما يفعل بعض النساء اليوم من لبس ما بـ (الكعب العالي) وللغرض نفسه.\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":142},{"text":"المسجد، إذ دخلت امرأة مُزَيَّنة، ترفل (١) في زينة لها في المسجد، فقال النبي ﷺ: \"يا أيها الناس انهوا نساءكم عن لبس الزينة، والتبختر في المسجد، فإن بني إسرائيل لم يلعنوا حتى لبست نساؤهم الزينة وتبخترن في المساجد\" (٢) . وقد حكت كتبهم أن الله ﷾ عاقب بنات صهيون على تبرجهن، ففي الأصحاح الثالث من سِفْر أشْعِيا: (إن الله سيعاقب بنات صهيون علي تبرجهن والمباهات برنين خلاخيلهن بأن ينزع عنهن زينة الخلاخيل والضفائر والأهِلةِ والحِلَقِ والأساور والبراقع والعصائب وفي سفر أشعيا: (وقضى الله على بنات صهيون إذ يتشامخن ويمشين ممدودات الأعناق، غامزات لعيونهن، وخاطرات في سيرهن، يخشخشن بأرجلهن أن يعري عورتهن، وينزع في ذلك اليوم زينة الخلاخيل، والأساور، والبراقع) .\nوقد كان نساء العجم من اليهود أو النصارى الذين يعيشون مع المسلمين يحرصن على هذا التبرج، قال سعيد بن أبي الحسن للحسن البصري أخيه: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) الآية (٣)\nضعف الأمة مرض التبرج أحد أعراضه\nوقد ظلت فتنة التبرج تطل برأسها حينًا بعد حين خلال أحقاب التاريخ الإسلامي، ولكنها ما كانت تستشري إلا في حالة ضعف الأمة\n_________\n(١) ترفل: من رفل في ثيابه، إذا أطالها وجرها متبخترا.\n(٢) رواه ابن ماجه في الفتن: باب فتنة النساء، وقال البوصيري في \"الزوائد\": هذا إسناد ضعيف، داود بن مدرك لا يُعرف، وموسى بن عبيدة ضعيف اهـ (٣/٢٤١) .\n(٣) \"فتح الباري \" (١١/ ٩) .","vol":"3","page":143},{"text":"وانهزامها، مثال ذلك: الغزو العسكري الكافر وأقرب مثال أمامنا الحملة الفرنسية (١)، ومثال آخر: الغزو الفكري من الداخل على يد أعداء الأمة المسلمة من أمثال \"أتاتورك\"، و\"عبد الناصر\"، و\"السادات \"، وسائر الطواغيت من الساسة والمفكرين (٢) .\nولا يزال أهل الكتاب خاصة اليهود يحرضون المرأة على التهتك والتبرج، فيهود الدونمة أول من حاول نزع الحجاب قي الولايات الإسلامية غير العربية، (من ذلك ما حدث في مدينة \"سالونيك \" مقر تجمعهم في عام ١٩١٤م من تنظيمهم لحفل ليلي، وقد استدعوا بعض النساء اليهوديات يحملن أسماء إسلامية ليقمن بتمزيق الحجاب على خشبة المسرح أمام الناس، ولكن الحكومة منعت هذا الحفل لئلا تثير عواطف المسلمين) (٣) .\nوقد وقفت الأصابع الصليبية والصّهْيُوْنِيَّة تحرك عملاءها من وراء ستار، وأحيانًا عيانًا بيانًا: ْ-\n* فهذان القسيسان اللاهوتيان (دنلوب) و(كرومر) يناهضان الإسلام مناهضة متواصلة تحت ستار الاحتلال الإنكليزي لمصر.\n* وهذا (مرقص فهمي) القبطي يدعو صراحة إلى القضاء على الحجاب\nالإسلامي.\n* وهذا (الدوق داركير) يهاجم الحجاب.\n* وهذه الأميرة (نازلي) ترعى دعوة السفور، وتبثها في المجتمع المصري\nمن خلال صالونها المشهور.\n* وهذا (جرجي نقولا باز) يؤلف كتابين تأييدًا لدعوة السفور التي\n_________\n(١) راجع \"معركه الحجاب والسفور\" ص (٨٩) .\n(٢) وقد أشبعنا الكلام في تاريخ هذه المؤامرات في \"السابق\".\n(٣) \"التبرج والاحتساب عليه\" لعبيد بن عبد العزيز ص (٤٤) .","vol":"3","page":144},{"text":"تبناها (قاسم أمين) .\n* وهذا (لويس عوض) يحرض على التبرج والتحرر من قيود الدين الإسلامي، إلى آخر تلك القائمة السوداء في كل عصر ومصر: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢» [التوبة: ٣٢]،.\nومع تحذير الرسول ﷺ من التشبه بالكفار، وسلوك سبلهم خاصة في مجال المرأة إلا أن أغلب المسلمين خالفوا هذا التحذير، وتحققت نبوءة رسول الله ﷺ: \"لتتبعن سَنن مَن كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَب لتبعتموهم \"، قيل: اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن\"؟ (١) .\nفما أشبه هؤلاء اللاتي أطعن اليهود والنصارى، وَعَصَيْنَ الله ورسوله بهؤلاء اليهود المغضوب عليهم الذين قابلوا أمر الله بقولهم: (سمعنا وعصينا)، وما أبعدهن عن سبيل المؤمنات اللاتي قلن حين سمعنِ أمر الله: (سمعنا وأطعنا)، قال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥» [النساء: ١١٥] .\nحادي عشر التبرج جاهلية منتنة:\nقال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) [الأحزاب: ٣٣] .\nوقد وصف النبي ﷺ دعوى الجاهلية بأنها منتنة أي خبيثة، وأمرنا بنبذها، وقد جاء في صفته ﷺ أنه (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧]،.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في \"معركة الحجاب والسفور\" ط. الثالثة ص (١٤) .","vol":"3","page":145},{"text":"وقد تبرأ رسول الله ﷺ من كل من يدعو بدعوى الجاهلية، فقال: \"ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية، (١) .\nوعن ابن عباس ﵄ قال ﷺ: \"أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطَّلِبُ دمِ امرئ بغير حق ليهريق دمه \" (٢) .\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: وسنة الجاهلية اسم جنس يعم جميع ما كان أهل الجاهلية يعتمدونه اهـ.\nودعوي الجاهلية شقيقة تبرج الجاهلية، كلاهما منتن خبيث، أبغضه الله تعالى، وحرَمه علينا رسول الله ﷺ، وقد قال ﷺ في الأولى: \"ما بال دعوى الجاهلية؟ دَعوها فإنها منتنة\" (٣)، فوجب أن نقول في الأخرى: \"دعوها فإنها منتنة\"، بل ضعوها حيث وضعها رسول الله ﷺ لمَّا قال؟ \"ألا إنَّ كُلَّ شيء من أمرِ الجاهلية تحت قَدَمي موضوع \" (٤) .\nفلا يجوز لأي مسلمة بحال أن ترفع ما وضعه رسول الله ﷺ، أو تعَظِّمَ\n_________\n(١) رواه من حديث ابن مسعود ﵁ البخاري (٣/ ١٩٨) في الجنائز: باب ليس منا من ضرب الخدود، ومسلم رقم (١٠٣) في الإيمان: باب تحريم ضرب الخدود، والترمذي رقم (٩٩٩) في الجنائز: باب ما جاء في النهي عن ضرب الخدود، والنسائي (٤/ ٢٠) في الجنائز: باب ضرب الخدود.\n(٢) رواه البخاري في \"الديات\" باب، من طلب دم امرئ بغير حق (١٢/ ٢١٩) ط. السلفية - حديث رقم (٦٨٨٢) .\n(٣) قطعة من حديث رواه عن جابر ﵁ البخاري (٦/ ٦٣١) في المناقب: باب ما ينهى من دعوى الجاهلية، وفي تفسير سورة المنافقون (٨/ ٥١٦-١٥١٧)، ومسلم رقم (٢٥٨٤) في البر والصلة: باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، والترمذي رقم (٢٣١٢) في تفسير سورة المنافقون.\n(٤) رواه أبو داود في المناسك: باب صفة حجة النبي ﷺ رقم (١٩٠٥)، والترمذي في التفسير، وابن ماجة في المناسك، والدارمي في المناسك، والإمام أحمد (٢/ ١٠٣) (٥/ ٧٣) .","vol":"3","page":146},{"text":"ما حَقره من أمر الجاهلية سواء في ذلك: ربا الجاهلية أو تبرج الجاهلية، أو دعوى الجاهلية، أو حكم الجاهلية، أو ظن الجاهلية، أو حمية الجاهلية، أو سنة الجاهلية.\nثانِى عشر: التبرج انتكاس، وتخلف، وانحطاط:\nمن استعراض ما حدث لآدم ﵇ مع عدوه إبليس نرى أن الحياء من التعري وانكشاف السوءة شيء مركوز في طبع الإنسان وفطرته، إذ يقول الله سبحانه: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا) [الأعراف: ٢٠] .\nويقول ﷿: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] .\nويقول سبحانه: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) [الأعراف: ٢٧]،.\nوكل هذه الآيات توحي بأهمية هذه المسألة وعمقها في الفطرة البشرية، فاللباس، وستر العورة ة زينة للإنسان، وستر لعوراته الجسدية، كما أن التقوى لباس وستر لعوراته النفسية.\nوالفطرة السليمة تنفر من انكشاف سوءاتهما الجسدية والنفسية، وتحرص على سترها ومواراتها، والذين يحاولون تعرية الجسم من اللباس، وتعرية النفس من التقوى ومن الحياء من الله، ثم من الناس.\nوالذين يطلقون ألسنتهم، وأقلامهم، وأجهزة التوجيه والإعلام كلها لتأصيل هذه المحاولة - في شتى الصور والأساليب الخبيثة - هم الذين يريدون سلب الإنسان خصائص فطرته، وخصائص إنسانيته، التي بها صار إنسانًا متميزَا عن الحيوان (١) .\nقال ﵎: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ\n_________\n(١) \"اللباس والزينة في الشريعة الإسلامية\" ص (١٦- ١٧)،","vol":"3","page":147},{"text":"مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠» [الإسراء: ٧٠]،.\nإن العري فطرة حيوانية، ولم تزل الحيوانات في انكشاف منذ خلقت، لم يتغير حالها يومًا، بعكس الإنسان الذي يصح أن نَصِفَهُ بأنه (حيوان مستور) . وهذه الفطرة الحيوانية لا يميل الإنسان إليها إلا وهو يرتكس إلى مرتبة أدنى من مرتبة الإنسان،\nإن رؤية العُرْي والتكشف جمالًا هو انتكاس في الذوق البشري قطعَا، ومؤشر واضح يبين انتشار التخلف في المجتمع البشري.\nوحتى هؤلاء الذين يتشدقون بالتقدم المزعوم، يقولون:\nإن الإنسان بدأ حياته على طريقة الحيوان عاريَا من كل ستر إلا شعره،\nثم رأى أن يستر جسمه بأوراق الشجر، ثم بجلود الحيوانات، ثم جعل يترقى في مدارج الحضارة حتى اكتشف الإبرة، وابتدع وسيلة الحياكة، فاستكمل ستر جسمه.\nوهكذا كانت نزعة التستر وليدة التقدم المدني، فكل زيادة في هذا التقدم كانت مؤدية إلى زيادة في توكيد الحشمة، وكل خلل في كمال الستر عنوان التخلف والرجعية.\nوآية ذلك أن المتخلفين في أواسط أفريقيا عراة، حين تشرق حضارة الإسلام في هذه المناطق، يكون أول مظاهر هذه الحضارة اكتساء العراة، وانتشالهم من وهدة التخلف، والتسامي بهم إلى مستوى (الحضارة) بمفهومها الإسلامي الذي يستهدف استنقاذ خصائص الإنسان وإبرازها. قال الشيخ (مصطفى صبري) ﵀: لا خلاف في أن السفور حالة بداوة وبداية في الإنسان، والاحتجاب طرأ عليه بعد تكامله بوازع ديني أو خلقي يَزَعُهُ عن الفوضى في المناسبات الجنسية الطبيعية، ويسد ذرائعها، ويكون حاجزًا بين الذكور والإناث....\nثم إن الاحتجاب كما يكون تقييدًا للفوضى في المناسبات الجنسية","vol":"3","page":148},{"text":"الطبيعية، ويضاد الطبيعة من هذه الحيثية، فهو يتناسب مع الغيرة التي جُبل عليها الإنسان، ويوافق الطبيعة من ناحيته الأخرى، إلا أن الغيرة غريزة تستمد قوتها من الروح، والتحرر عن القيود في المناسبة الجنسية غريزة تستمد قوتها من الشهوة الجسمانية، فهذه تغري بالسفور، وتلك تبعث على الاحتجاب، وبين هاتين الغريزتين تجافِ، وتحارب يجريان في داخل الإنسان اهـ (١) .\nثالث عشر: التبرج باب شر مستطير:\nوذلك لأن من يتأمل نصوص الشرع، وعِبَر التاريخ يتيقن مفاسد التبرج وأضراره على الدين والدنيا، لا سيما إذا إنضم إليه الاختلاط المستهتر. فمن هذه العواقب الوخيمة: تسابق المتبرجات في مجال الزينة المحرمة لأجل لفت الأنظار إليهن، مما يجعل المرأة كالسلعة المهينة الحقيرة المعروضة لكل من شاء أن ينظر إليها\nومنها: الإعراض عن الزواج، وشيوع الفواحش، وسيطرة الشهوات. ومنها: انعدام الغيرة، واضمحلال الحياء.\nومنها كثرة الجرائم.\nومنها: فساد أخلاق الرجال خاصة الشباب، خاصة المراهقين، ودفعهم إلى الفواحش المحرمة بأنواعها.\nومنها: تحطيم الروابط الأسرية، وانعدام الثقة بين أفرادها، وتفشي الطلاق.\nومنها: المتاجرة بالمرأة، كوسيلة دعاية، أو ترفيه في مجالات التجارة وغيرها.\nومنها: الإساءة إلى المرأة نفسها، والإعلان عن سوء نيتها، وخبث طويتها، مما يعرضها لأذية الأشرار والسفهاء.\n_________\n(١) \"قولي في المرأة، للشيخ مصطفى صبري ﵀ ص (٢٤- ٢٥) .","vol":"3","page":149},{"text":"ومنها: انتشار الأمراض: قال ﷺ: \"لم تظهر الفاحشة في قوم قط؛ حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوْا\" (١) .\nومنها: تسهيل معصية الزنا بالعين، قال ﷺ: \"العينان زناهما النظر\" (٢)، وتعسير طاعة غض البصر التي أُمِرنا بها إرضاء لله سبحانه. ومنها: استحقاق نزول العقوبات العامة التي هي قطعًا أخطر عاقبة من القنابل الذرية، والهزات الأرضية، قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦» [الإسراء: ١٦]، وقال ﷺ: \"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعذاب \" (٣) .\n* * *\n_________\n(١) جزء من حديث طويل رواه عن ابن عمر ﵄ ابن ماجة (٤٠١٩)، وأبو نعيم في (الحلية) (٨/ ٣٣٣- ٣٣٤)، والحاكم (٤/٥٤٠)، وقال صحيح\nالإسناد، ووافقه الذهبي.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) رواه أبو داود في الملاحم، والترمذي في الفتن، وابن ماجة فيه أيضًا، والإمام أحمد (١/ ٥، ٧) .","vol":"3","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>الباب الرابع</span>\nالفصل الأول:\nشروط الحجاب الشرعي\nالفصل الثاني:\nأين نحن من الحجاب الشرعي","vol":"3","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>الفصل الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>شروط الحجاب الشرعي</span>\nإذا تتبعت الآيات القرآنية، والسنة المحمدية، والآثار السلفية في هذا الموضوع، تبين لك أن المرأة إذا خرجت من دارها وجب عليها أن لا تُظْهرَ شيئا من زينتها، وأن تستر جميع بدنها بأي نوع أو زي من اللباس، ما اجتمعت (١) فيه الشروط الآتية.\nالأول: استيعاب جميع بدن المرأة (على الراجح) .\nالثاني: أن لا يكون زينة في نفسه.\nالثالث: أن يكون صفيقًا لا يشف.\nالرابع: أن يكون فضفاضا غير ضيق.\nالخامس: أن لا يكون مبخرًا مطيبا.\nالسادس: أن لا يشبه لباس الرجل.\nالسابع: أن لا يشبه لباس الكافرات.\nالثامن: أن لا يكون لباس شهرة (٢) .\n_________\n(١) فإذا تخلف منها شرط واحد لم يُعَدَّ الحجابُ شرعيا، غير أنه يراعى الخلاف الفقهي في الشرط الأول فقط، وأما سائر الشروط فقد اختصرتها من كلام العلامة الألباني في \"حجاب المرأة المسلمة\"، وكأنه أول من ضبط شروط الحجاب هذا الضبط، فجزاه الله خيرَا، ورحمه رحمة واسعة.\n(٢) الشروط من السادس إلى الثامن تحرم على المرأة مطلقَا سواء داخل بيتها أو خارجه.","vol":"3","page":153},{"text":"الشرط الأول\nاستيعاب جميع البدن\nوهو موضوع البحث في هذا القسم، وسوف نفصل أدلته من القرآن والسنة والاعتبار في الباب الخامس إن شاء الله، وكذا سنعرض لمناقشة الشبهات التي استدل بها المخالفون والرد عليها في الباب السادس إن شاء الله تعالى.\nالشرط الثاني\nألا يكون زينة في نفسه\nومن أدلة ذلك:\nقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) الآية [النور: ٣١]،، لأنه بعمومه يشمل الثياب الظاهرة إذا كانت مزينة تلفت أنظار الرجال إليها، ويشهد لذلك قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) [الأحزاب: ٣٣]،.\nوقوله ﷺ: \"ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه، ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها، قد كفاها مؤونة الدنيا، فتبرجت بعده فلا تسأل عنهم \" (١) .\nو(التبرج: هو أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها وما يجب عليها ستره مما تَستدعي به شهوة الرجل) (٢) .\nقال العلامة (الألباني): (والمقصود من الأمر بالجلباب إئما هو ستر زينة\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) راجع ص (١٣٣) .","vol":"3","page":154},{"text":"المرأة، فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة، وهذا كما ترى بَيِّن لا يخفى، ولذلك قال الإمام (الذهبي) في كتاب (الكبائر) (١): (ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب، وتطييبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت، ولبسها الصباغات والأزر الحريرية والأقبية القصار، مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها، وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه، ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة، ولهذه الأفعال التي قد غلبت على أكثر النساء، قال عنهن النبي ﷺ: \"اطلعت على النار، فرأيت أكثر أهلها النساء\") اهـ (٢) .\nقلت: ولقد بلغ الإسلام في التحذير من التبرج إلى درجة أنه قرنه بالشرك والزنى والسرقة وغيرها من المحرمات، وذلك حين بايع النبي ﷺ النساء على أن لا يفعلن ذلك، فقال عبد الله بن عمرو ﵄: جاءت أمَيمة بنت رُقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال: \"أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى\" (٣) .\n_________\n(١) الكبائر ص (١٠٢) .\n(٢) انظر ص (١٣٦) .\n(٣) تقدم تخريجه، وقد قال الآلوسي في \"روح المعاني \": (ثم اعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن ويستترن به إذا خرجن من بيوتهن، ووهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان، وفيه من النقوش الذهبية والفضية ما يبهر العيون، وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك ومشيهن به بين الأجانب من قلة الغيرة، وقد عمت البلوى بذلك.\nومثله ما عمت به البلوى أيضًا من عدم احتجاب أكثر النساء من إخوان بعولتهن، وعدم مبالاة بعولتهن بذلك، وكثيرا ما يأمرونهن به، وقد تحتجب المرأة منهم بعد الدخول أيامًا إلى أن يعطوها شيئَا من الحلي ونحوه فتبدولهم، =","vol":"3","page":155},{"text":"الشرط الثالث\nأن يكون صفيقا فلا يشف\nأما الصفيق فلأن الستر لا يتحقق إلا به، وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة، وفي ذلك يقول ﷺ: \"سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات، وعلى رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات \" (١)، زاد في حديث آخر: \"لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا\" (٢) .\nقال ابن عبد البر:، أراد ﷺ النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة) (٣) .\nوعن دحية الكلبي ﵁ قال؟ أتي النبي ﷺ بَقَبَاطِيّ (٤)، فأعطاني قُبْطِيَّة، وقال: \"اصْدَعْها صَدْعين (٥)، فاقطع أحدهما قميصا، وأعط الآخر امرأتك تختمر به\"، فلما أدبر قال: \"وأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوبا لا\n_________\n= ولا تحتجب منهم بعد، وكل ذلك مما لم يأذن به الله تعالى ورسوله ﷺ، وأمثال ذلك كثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) اهـ (٦/ ٥٦) . انظر (حجاب المرأة المسلمة) للألباني ص (٥٥- ٥٦) .\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"تنوير الحوالك \" (٣/ ١٠٣) .\n(٤) القباطي: بفتح القاف، وكسر الطاء المهملة، وتحتية مشددة؛ وجمع قبطية، وهي ثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء، كأنه منسوب إلى القبط، وهم أهل مصر، وضم القاف من تغيير النسب، وهذا في الثياب، فأما في الناس فقِبطي بالكسر، انظر: (النهاية) (٤/ ٦) .\n(٥) أي: نصفين، وانظر: (معالم السنن \" للخطابي (٦/٦٢) .","vol":"3","page":156},{"text":"يَصِفُها\" (١) .\nوعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت: رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن\nأبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها وقالت: \" أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟! ثم دعت بخمار فكستها\" (٢)\nوعن هشام بن عروة: أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوةٍ من ثياب مروية وقوهية (٣) رقاق عتاق بعدما كف بصرها، قال فلمستها بيدها ثم قالت: \"أف، ردوا عليه كسوته \"، قال: فشق ذلك عليه\"، وقال: \"يا أمة إنه لا يشف \"، قالت: \"إنها إن لم تشف فإنها تصف\" (٤) .\nوعن عبد الله بن أبي سلمة: أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الناس القباطي، ثم قال: \"لا تدرعها نساؤكم\"، فقال رجل: \"يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي، فأقبلت في البيت، وأدبرت، فلم أره يشف \"، فقال عمر: \"إن لم يشف فإنه يصف\" (٥) .\n_________\n(١) رواه أبو داود (٦/ ٦٤)، حديث رقم (٤١١٦) في اللباس: باب في لبس القباطي للنساء، والبيهقي في \"السنن \" (٢/ ٢٣٤)، وقال المنذري: في إسناده عبد الله بن لهيعة، ولا يحتج بحديثه، وقد تابع ابن لهيعة على روايته هذه ابو العباس يحيى بن أيوب المصري، وفيه مقال، وقد احتج به مسلم، واستشهد به البخاري اهـ نقلًا\nمن \"عون المعبود\" (١١/١٧٥)\n(٢) أخرجه ابن سعد (٨/ ٤٩- ٥٠)، ومالك (٣/ ١٠٣) بنحوه، والبيهقي (٢/ ٢٣٥) ومداره على أم علقمة مرجانة، ذكرها ابن حبان في (الثقات) (١/ ٢٣٦)،\nوقال الذهبي: (لا تعرف)، قال الألباني: فمثلها لا يحتج بها، وإنما يستشهد بروايتها. اهـ من (الحجاب) ص (٥٧) .\n(٣) مروية: ثياب مشهورة بالعراق منسوبة إلى \"مرو\" قرية بالكوفة، و\"قوهية\" من نسيج \"قوهستان\" ناحية بخراسان كما في \"الأنساب للسمعاني \" (١٠/٢٦٨) .\n(٤) أخرجه ابن سعد (٨/ ١٨٤)، وصحح الألباني إسناده إلي المنذر.\n(٥) رواه البيهقي في \"السنن\" (٢/ ٢٣٤- ٢٣٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" =","vol":"3","page":157},{"text":"قال الألباني ﵀: وفي هذا الأثر والذي قبله إشارة إلى أن كون الثوب يشف أو يصف كان من المقرر عندهم أنه لا يجوز، وأن الذي يشف شر من الذي يصف، ولذلك قالت عائشة ﵂: \"إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر\" (١)، وقالت شميسة: \"دخلت على عائشة ﵂ وعليها ثياب من هذه السَّيد (٢) الصفاق (٣) من درع وخمار ونقبة (٤) قد لونت بشيء من عصفر\" (٥) .\nمن أجل ذلك كله قال العلماء: (ويحب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة. . . من ثوب صفيق أو جلد أو رق (٦)، فإن ستر بما يظهر فيه لون البشرة من ثوب رقيق لم يجز فيه لأن الستر لا يحصل بذلك) (٧) .\nوقد عقد ابن حجر الهيتمي في \"الزواجر\" بابَا خاصُّا في لبس المرأة ثوبًا رقيقا يصف بشرتها وأنه من الكبائر، ثم استدل بحديث صنفان من أهل\n_________\n= (١٩٥/٨) بنحوه، ومعنى قوله \"إن لم يشف فإنه يصف\": أي: إن لم ير ما وراءه، فإنه يصف خلفها لرقته اهـ من \"الفائق في غريب الحديث \" (٣/١٥٣)، وقال مالك ﵀: بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ نهى النساء أنه يلبسن القباطي، قال: وإن كانت لا تشف، فإنها تصف، قال مالك: معنى تصف: أي تلصق بالجلد) اهـ من \"المنتقى\" للباجي (٧/ ٢٢٤) .\n(١) رواه البيهقي معلقًا، فقال: روينا عن عائشة أنها سئلت عن الخمار، فقالت، فذكره (٢/ ٢٣٥) .\n(٢) كذا بالأصل، ولعلها: \"سيراء\" انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/٩٥) .\n(٣) ثوب صفيق: متين بَين الصفاقة، وثوب صفيق وسفيق: جيد النسيج، كذا في (لسان العرب) وفي (القاموس): (وثوب صفيق ضد السخيف) (٣/ ٢٦٢)، والسخيف: هو القليل الغزل.\n(٤) ثوب كالإزار يُشد كما تشد السراويل، كذا في (القاموس) (١/١٣٨) .\n(٥) أخرجه ابن سعد (٨/٤٨)، وصحح الألباني إسناده إلى شميسة. اهـ من (الحجاب) ص (٥٨) .\n(٦) بفتح الراء أو كسرها: جلد رقيق يُكتب فيه،\n(٧) انظر (المهذب) (٣/ ١٧٦) بشرح المجموع طبعة الشيخ زكريا على يوسف ﵀.","vol":"3","page":158},{"text":"النار لم أرهما\" الحديث، ثم قال: \" وذكر هذا من الكبائر ظاهر لما فيه من الوعيد الشديد، لم أر من صرح بذلك، إلا أنه معلوم بالأولى مما مر في تشبههن بالرجال \" اهـ (١) .\nالشرط الرابع\nأن يكون فضفاضا غير ضيق فيصف شيئا من جسمها\nوذلك لأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة، ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع! وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة، فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه، ويصوره في أعين الرجال، وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما لا يخفى، فوجب أن يكون واسعا.\nوقد قال أسامة بن زيد - ﵄ -: كساني رسول الله ﷺ قُبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال: \"مالك لا تلبس القبطية\"؟ قلت: \"كسوتها امرأتي \"، فقال: \"مُرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها\" (٢) .\nفقد أمر ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية الثخينة كلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب -؛ ليمنع بها وصف بدنها (٣)، والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول.\n_________\n(١) \"الزواجر\" (١/ ١٥٦- ١٥٧)، وانظر الأحاديث في ذلك ص (١٥٧) .\n(٢) أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة\" (١/ ٤٤١)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/٢٠٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١/١٦٠)، والبيهقي (٢/ ٢٣٤)،\nوابن سعد في \"الطبقات\" (٤/٦٤- ٦٥)، ونقل في (الفتح الرباني) عن الهيثمي قوله وفيه عبد الله بن عقيل وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات\" اهـ (١٧/٣٠١)\n(٣) وذلك لأن الثوب - وإن كان ثخينا - قد يصف الجسم إذا كان من طبيعته الليونة والانثناء على الجسد، كبعض الثياب الحريرية والجوخ المعروفة في هذا العصر.","vol":"3","page":159},{"text":"قال العلامة الألباني: (ومما يحسن إيراده هنا استئناسا ما روي عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: \"يا أسماء إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء أن يُطرح على المرأة الثوب فيصفها\"، قالت أسماء: \"يا ابنة رسول الله ﷺ ألا أريكِ. شيئًا رأيتُه بالحبشة\"؟ فدعت بجرائد رطبة، فحتتها، ثم طرحت عليه ثوبًا، فقالت فاطمة: \"ما أحسن هذا وأجمله تُعْرَفُ به المرأة عن الرجل فإذا مت أنا فاغسليني أنتِ وعلي، ولا يدخل عَلَيَّ أحدٌ\"، فلما توفيت غسلها علي وأسماء ﵃ (١) .\nقال العلامة الألباني: فانظر إلى فاطمة بضعة النبي ﷺ كيف استقبحت\nأن يصف الثوب المرأة وهي ميتة، فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح، فليتأمل في هذا مسلمات هذا العصر اللاتي يلبسن من هذه الثياب الضيقة، ثم ليستغفرن الله تعالى، \"وليتبن إليه، وليذكرن قوله ﷺ: \"الحياءُ والإيمان قُرِنا جميعا، فإذا رُفِعَ-أحدُهما رُفع الآخر\" (٢» اهـ (٣) .\nالشرط الخامس\nأن لا يكون مبخرا مطيبا\nوذلك لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن؟ منها:\nما رواه أبو موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية\" (٤) .\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) (حجاب المرأة المسلمة) ص (٦٣) .\n(٤) تقدم تخريجه، وانظر شرحه قي: \"فيض القدير\" (٣/١٤٧) .","vol":"3","page":160},{"text":"وعن زينب الثقفية أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيبا\" (١) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيما أمرأة أصابت بخورا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة\" (٢) .\nوعن موسى بن يسار عن أبي هريرة ﵁: أن امرأة مرت به تعصف ريحها، فقال: يا أمة الجبار، المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبتِ؟ قال!: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل\" (٣) .\nقال الألباني ﵀: ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث على ما ذكرنا العمومُ الذي فيها، فإن الاستعطار والتطيب كما يستعمل في البدن، يستعمل في الثوب أيضَا لا سيما وفي الحديث الثالث ذكر البخور، فإنه بالثياب أكثر استعمالًا وأخص.\nوسبب المنع منه واضح وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة، وقد اْلحق به العلماء ما في معناه، كحسن الملبس، والحلي الذي يظهر، والزينة\n_________\n(١) رواه مسلم رقم (٤٤٣) في \"الصلاة،: باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة (٤/ ١٦٣- نووي)، ورواه النسائي (٨/\n١٥٤- ١٥٥) في الزينة: باب النهي للمرأة أن تشهد الصلاة أذا أصابت بخورًا.\n(٢) رواه مسلم رقم (٤٤٤) في الصلاة: باب خروج النساء إلى المساجد، وأبو داود رقم (٤١٧٥) في الترجل: باب في رد الطيب، والنسائي (٨/ ١٥٤ في الزينة:\nباب في النهي للمرأة أن تشهد الصلاة إذا أصابت من البخور.\n(٣) أخرجه البيهقي (٣/ ١٣٣- ٢٤٦)، وعزاه المنذري لابن خزيمة في \"صحيحه \"، انظر: الترغيب \" (٣/ ٩٤)، وأخرج نحوه أبو داود رقم (٤١٧٤) في الترجل:\nباب في رد الطيب.\nقال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله العمري، ولا\nيُحتج بحديثه اهـ انظر \"عون المعبود\" (١١/ ٢٣١) .","vol":"3","page":161},{"text":"الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال (١) .\nوقال ابن دقيق العيد: وفي حرمة التطيب علي مريدة الخروج إلى المسجد\nلما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال، وأُلْحِقَ به حسن الملبس، والحلي الظاهر اهـ (٢) .\nقلت: فإذا كان ذلك حرامًا على مريدة المسجد فما يكون الحكم علي مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة، وأكبر إثمَا، وقد ذكر الهيتمي في \"الزواجر\" أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر، ولو أذن لها زوجها (٣) .\nثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات، وإنما خص بالذكر العشاء الآخرة في الحديث الثالث لأن الفتنة وقتها أشد، فلا يتوهمن منه أن خروجها في غير هذا الوقت جائز) (٤) .\nوقال ابن الملك: والأظهر أنها خصت بالنهي لأنها وقت الظلمة وخلو الطريق، والعطر يهيج الشهوة، فلا تأمن المرأة في ذلك الوقت من كمال الفتنة، بخلاف الصبح والمغرب، فإنهما وقتان فاضحان، وقد تقدم أن مَس الطيب يمنع المرأة من حضور المسجد مطلقًا اهـ (٥) .\nالشرط السادس\nأن يشبه لباس الرجل\nوذلك لما ثبت من الأحاديث التي تتوعد المرأة إذا تشبهت بالرجل في\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٠٧) .\n(٢) نقله عنه المناوي في \"فيض القدير\" (٣/١٣٧) .\n(٣) \" الزواجر\" (٢/ ٣٧) .\n(٤) \"حجاب المرأة المسلمة\" ص (٦٥) .\n(٥) نقله عنه القاري في \"المرقاة\" (٢/٧١) .","vol":"3","page":162},{"text":"لباس أو غيره باللعن والطرد من رحمة الله، ومنها:\nما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال\" (١) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: \"لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسَةَ المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل \" (٢) .\nوعن ابن عباس ﵄ قال: \"لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمرجلاتِ من النساء، وقال: \"أخرجوهم من بيوتكم \" قال: فأخرج النبي ﷺ فلانًا، وأخرج عمر فلانًا (٣) . وفي لفظ: \"لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال\". وعن عبد الله بن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديُّوث \" (٤) .\nوعن ابن أبي مليكة- واسمه عبد الله بن عبيد الله- قال: قيل لعائشة\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد (٢/ ١٩٩- ٢٠٠)، وأبو نعيم في \"الحليه \" (٣/ ٣٢١)، وصححه الألباني في \"الحجاب \"- ص (٦٦- ٦٧) .\n(٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٠٩٨) في اللباس: باب لباس النساء، وابن ماجة (١/٥٨٨)، والحاكم (٤/ ١٩٤)، والإمام أحمد (٢/٣٢٥)، وقال الحاكم: \"صحيح\"\nعلى شرط مسلم\"، وأقره الذهبي، وصححه النووي في \"المجموع\".\n(٣) أخرجه البخاري (١٠/ ٣٤٦) في اللباس: باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت، وفي المحاربين: باب نفي أهل المعاصي والمخنثين، وأبو داود رقم\n(٤٩٣٠) في الأدب: باب في الحكم في المخنثين، والترمذي رقم (٢٧٨٥)\nو(٢٧٨٦) في الأدب، باب ما جاء في المتشبهات بالرجال من النساء، والدارمي (٢/٢٨٠- ٢٨١)، والإمام أحمد رقم (١٩٨٢، ٢٠٠٦، ٢١٢٣)، وابن ماجه\n(١/٥٨٩) .\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":163},{"text":"﵂: إن المرأة تلبس النعل؟ فقالت: \"قد لعن رسول الله ﷺ الرَّجُلَةَ من النساء\" (١) .\nوفي هذه الأحاديث دلالهّ واضحة على تحريم تشبه النساء بالرجال، وعلى العكس، وهي عامة تشمل اللباس وغيره إلا الحديث الأول، فهو نص في اللباس وحده.\nوقد قال أبو داود في \"مسائل الإمام أحمد\": سمعت أحمد سئل عن الرجل يُلْبِسُ جاريته القرطق: قال: لا يلبسها من زي الرجال، لا يشبهها بالرجال (٢) .\nوقد عد الهيتمي ﵀ هذه المعصية من كبائر الذنوب، فقال: (عد هذا من الكبائر واضح لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة وما فيها من الوعيد الشديد، والذي رأيته لأئمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان: أحدهما: أنه حرام، وصححه النووي، بل صَوبه، وثانيهما: أنه مكروه، وصححه الرافعي في موضع، والصحيح، بل الصواب: ما قاله النووي من الحرمة، بل ما قدمته من أن ذلك كبيرة، ثم رأيت بعض المتكلمين على الكبائر عَده منها، وهو ظاهر) (٣) .\nوقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس، وقال\n_________\n(١) أخرجه أبو داود رقم (٤٠٩٩) في اللباس: باب لباس النساء، وفيه عنعنة ابن جريج، ويشهد له حديث أبي هريرة السابق، وقد صححه النووي ﵀ في \"المجموع \" (٤/٣٠٧) .\n(٢) \"مسائل الإمام أحمد\" للإمام أبي داود ص (٢٦١) (باب في اللباس) والقُرْطَقُ هو القَباء، ومنه حديث الخوارج في أبي داود في كتاب السنة باب رقم (٢٨): (كأني انظر إليه حبشي عليه قريطق) مصغرا، وانظر: (النهاية في غريب الحديث) (٤/\n٤٢) .\n(٣) \"الزواجر عن اقتراف الكبائر\" (١/ ١٥٥) .","vol":"3","page":164},{"text":"الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها، لا التشبه في أمور الخير.\nقال: والحكمة في لعن من تشبه: إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: \"المغيرات خلق الله\" اهـ (١) .\nفثبت مما تقدم أنه لا يجوز للمرأة أن يكون زيها مشابهًا لزي الرجل،\nفلا يحل لها أن تلبس رداءَه وإزاره ونحو ذلك، كما تفعله بعض بنات المسلمين في هذا العصر من لبسهن ما يعرف ب (الجاكيت) و(البنطلون)، وإن كان هذا في الواقع أستر لهن من ثيابهن الأخرى الأجنبية، فاعتبروا يا أولى الأبصار!.\nالشرط السابع\nأن لا يشبه لباس الكافرات\nوذلك لما ثبت من أن مخالفة الكفار، وترك التشبه بهم من المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، ولما يترتب على التشبه بالكفار من آثار سيئة على عقيدهّ المسلمين وسلوكياتهم (٢) .\n_________\n(١) نقله عنه الحافظ في الفتح\" (١٠/ ٣٤٥)، والحديث المشار إليه رواه البخاري (٨/٤٩٨- فتح)، (١٠/٣٨٤، ٣٩٠، ٣٩١، ٣٩٣)، ومسلم رقم (٢١٢٥) في اللباس (١٤/١٠٥ - ١٠٧- نووي)، وأبو داود رقم (٤١٦٩) في الترجل، والترمذي رقم (٢٧٨٣) في الأدب، والنسائي (٨/ ١٤٦) فِى الزينة، وابن ماجه (١/٦٤٠)، والدارمي (٢/ ٢٧٩)، والإمام أحمد (١/ ٤٣٣، ٤٥٤)، وابن حبان (٧/٤١٦) .\n(٢) وانظر تفصيل ذلك في \"اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم\"، الذي =","vol":"3","page":165},{"text":"ومما ينبغي أن يعلم أن أدلة هذه القاعدة الجليلة كثيرة جدا في الكتاب\nوالسنة:\nفمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩» [الحشر: ١٩]،.\nومنها قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨» [الجاثية: ١٨]،\nيخبر تعالى أنه جعل رسوله ﷺ على شريعة من الأمر شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في \"الذين لا يعلمون\" كل من خالف شريعته، و\"أهواؤهم \" ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه: اتباع لما يهوونه، ولذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين لهم في بعض أمورهم، ويسرون بذلك، ويودون أن لو بذلوا مالا عظيمًا ليحصل ذلك.\nوقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦» [الحديد: ١٦]،.\nقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: فقوله: \"ولا يكونوا\" نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي اهـ (١) .\nقال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية اهـ (٢) .\n_________\n= هو من نفائس شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، ويجدر بكل مؤمن\nفي هذا الزمان أن يتدارسه بإتقان.\n(١) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" ص (٤٣) .\n(٢) \"تفسير القرآن العظيم\" (٤/ ٣١٠) .","vol":"3","page":166},{"text":"وفي الباب آيات أخر كثيرة وفيما ذكرنا كفاية.\nفتيين من هذه الآيات أن ترك هدي الكفار، والتشبه بهم في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي أسسها، وجاء بها القرآن الكريم، وقد قام ﷺ ببيان ذلك وتفصيله للأمة، وحققته في أمور كثيرة من فروع الشريعة فعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ: \"ليس منا من عمل سنة غيرنا\" (١)، حتى عرف ذلك اليهود الذين كانوا في مدينة النبي ﷺ، وشعروا أنه ﷺ يتحرى أن يخالفهم في- كل شئونهم الخاصة بهم، فقالوا: \"ما يريد هذا الرجلُ أن يَدَعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه \" (٢) .\nوهذا لا ينحصر في باب واحد من أبواب الشريعة المطهرة كالصلاة مثلا، وإنما تعداها إلى غيرها من العبادات، والآداب، والعادات، وسوف نقتصر هنا على إيراد ماله علاقة بموضوعنا إن شاء الله تعالى: فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:\"بعثت\nبين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم\" (٣) .\n_________\n(١) عزاه السيوطي إلى الديلمي في \"مسند الفردوس\"، وعزاه الألباني إلى الطبراني في \"الكبير\"، وحسنه في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٣١٥) (٥/ ١٠٢)، وانظر شرحه\nفي \"فيض القدير\" (٥/ ٣٨٦- ٣٨٧) .\n(٢) قطعة من حديث رواه مسلم رقم (٣٠٢) في الحيض: باب جواز غسل الحائض رأس زوجها، وأبو داود رقم (٢٥٨) في الطهارة، ورقم (٢١٦٥) في النكاح، والترمذي رقم (٢٩٨١) في التفسير، والنسائي (١/ ١٥٢) في الطهارة.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد (رقم ٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧)، وعلق البخاري في \"صحيحه\" بعضه (٦/ ١١٥)، وأخرج القطعة الأخيرة منه أبو داود (٢/ ١٧٣) وقال شيخ الإسلام في \"الاقتضاء\": \"إسناده جيد\" اهـ (٣٩)، وصححه\nالعراقي في \"المغني\" (١/ ٣٤٢)، وحسنه الحافظ في (الفتح) (١٠/ ٢٨٢)، وذكر =","vol":"3","page":167},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ عليَ ثوبين معصفرين فقال: \"إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها\" (١) .\nوعن علي ﵁ رفعه: \"إياكم ولبوس الرهبان، فإنه من تَزَيا بهم أو تشبه، فليس مني \" (٢) .\nوعن أبي أمامة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ علي مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: \"يا معشر الأنصار حَمروا أو صَفروا، وخالفوا أهل الكتاب \"، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون، ولا يأتزرون، فقال رسول الله ﷺ: \"تسرولوا، وائتزروا، وخالفوا أهل الكتاب\"، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون، ولا ينتعلون، قال: فقال النبي ﷺ: \"فتخففوا، وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب\"، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم (٣)، ويوفرون سبالهم (٤)، فقال ﷺ: \"قصوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب\" (٥) .\n_________\n= في \"بلوغ المرام\" أن ابن حبان صححه (٤/٢٣٩ - سبل السلام) .\n(١) أخرجه مسلم (٦/ ١٤٤)، والنسائي (٢/ ٢٩٨)، والحاكم (٤/ ١٩٠)، والإمام أحمد (٢/١٦٢، ١٦٤، ١٩٣، ٢٠٧، ٢١١)، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\".\n(٢) قال الحافظ في \"الفتح\": أخرجه الطبراني في \"الأوسط \" بسند لا بأس به. اهـ (١٠/ ٢٨٤) .\n(٣) العثانين: جمع عثنون، وهي اللحية.\n(٤) السبال: جمع سَبَلة، وهي الشارب.\n(٥) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٢٦٤) من طريق القاسم قال: سمعت أبا أمامة به، قال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٣١): \"رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح خلا القاسم، وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر\" اهـ، والحديث حسنه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٢٩١) وقال: \"وأخرج الطبراني نحوه من حديث أنس\"، =","vol":"3","page":168},{"text":"وفي كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى عتبة بن فرقد ﵁: \".. وإياك والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير.. \" (١) .\nالشرط الثامن\nأن لا يكون لباس شهرة\nوذلك لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لبس ثوب شهرة فى الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارًا\" (٢) .\nولباس الشهرة هو كل ثوب يقصد به الاشتهار بين الناس، سواء كان الثوب نفيسَا يلبسه تفاخرًا بالدنيا وزينتها، أو خسيسا يلبسه إظهارًا للزهد والرياء، وقال ابن الأثير: (الشهرة ظهور الشيء، والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفه لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم، ويختال عليهم بالعجب والتكبر) (٣) .\nوقوله ﷺ في هذا الحديث \"ألبسه الله ثوب مذلة\"\n_________\n= وذكر الهيثمي له شاهدَا من رواية جابر بن عبد الله ﵄ عند الطبراني، قال في آخره: \"وخالفوا أولياء الشيطان بكل ما استطعتم\".\n(١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" رقم (٩٢) بتحقيق العلامة أحمد شاكر ﵀ (١/ ١٩٤)، وقال: \"إسناده صحيح\".\n(٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٠٢٩) في اللباس: باب في لبس الشهرة، وابن ماجة (٢/ ٣٧٨- ٣٧٩) رقم (٣٦٦٨)، (٣٦٦٩) في اللباس: باب من لبس شهرة من الثياب، وحسنه المنذري في \"الترغيب\" (٣/ ١١٢)، وابن مفلح في \"الآداب\" كما\nفي \"غذاء الألباب\" (٢/ ١٣٨)، وقال الشوكاني: \"رجال إسناده ثقات\" اهـ من\n\"نيل الأوطار\" (٢/ ١٢٥)، وقال في \"بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني\":\n\"وسنده صحيح \" اهـ (١٧/ ٢٨٩)، وحسنه الألباني في \"الحجاب\" ص (١١٠) .\n(٣) نقله عن الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٢/١٢٦) .","vol":"3","page":169},{"text":"قال ابن رسلان: لأنه لبس الشهرة في الدنيا ليعز، ويفتخر على غيره، ويلبسه الله يوم القيامة ثوبًا يشتهر بمذلته واحتقاره بينهم عقوبة له، والعقوبة من جنس العمل. اهـ (١) .\nوقال المناوي: \"ثم تلهب فيه النار\" عقوبة له بنقيض فعله، والجزاء من جنس العمل، فأذله الله كما عاقب من أطال ثوبه خيلاء بأن خسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة اهـ (٢) .\nتنبيهات.\n* الأول: ليس هذا الحديث مختصَّا بنفيس الثياب، بل قد يحصل ذلك ممن يلبس ثوبَا يخالف ملبوس الفقراء من الناس، ليراه الناس فيتعجبوا\nمن لباسه، ويعتقدوه، وإذا كان اللبس لقصد الاشتهار في الناس، فلا\nفرق بين رفيع الثياب ووضيعها، والموافق لملبوس الناس والمخالف، لأن التحريم يدور مع الاشتهار، والمعتبر القصد، وإن لم يطابق الواقع) (٣)،\nلقوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\" (٤) .\n* الثاني: لعل الحكمة في تحريم أو كراهة لباس الشهرة؛ أنه يزري بصاحبه، وينقص مروءته.\nوفي \"الغنية\" للشيخ عبد القادر ﵀: (من اللباس المنزَّه عنه كل لبسة يكون بها مشتهرًا بين الناس، كالخروج عن عادة بلده وعشيرته\n_________\n(١) نقله عنه في \"نيل الأوطار\" (٢/١٢٦) .\n(٢) \"فيض القدير\" (٦/ ٢١٩) .\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٢٦)، وراجع- لزاما - \"مجموع الفتاوى\" (٢٢/ ١٣٧- ١٣٩) .\n(٤) رواه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ البخاري (١/ ١٥) في بدء الوحي، والإيمان، والعتق، وغيرها، ومسلم رقم (١٩٠٧) في الإمارة، وأبو داود رقم (٢٢٠١) في الطلاق، والترمذي رقم (١٦٤٧) في فضائل، الجهاد، والنسائي (١/٩٥ -٦٠) في الطهارة: باب النية في الوضوء.","vol":"3","page":170},{"text":"فينبغي أن يلبس مما يلبسون لئلا يشار إليه بالأصابع، ويكون ذلك سببا إلى حملهم علي غيبته، فيشركهم في إثم الغيبة له) اهـ (١) .\nومن فعل ذلك خيلاء حرم كما هو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀،\nأما لغير ذلك فقد رأي الإمام أحمد رجلًا لابسًا بردا مخططًا بياضًا\nوسوادًا، فقال: \"ضع هذا، والبس لباس أهل بلدك \"، وقال: \"ليس هو بحرام، ولو كنت بمكة أو المدينة لم أعب عليك \"، يعني: لأنه لباسهم هناك (٢) .\n* الثالث: إذا تقرر أن المعتبر في الشهرة القصد والنية، فلا بأس حينئذ:\n١- بلبس المنخفض من الثياب كسرًا لسورة النفس الأمارة بالسوء التي\nلا يؤمن عليها من التكبر إن لبست غالي الثياب، وتواضعَا لله ﷿، واحتسابا للثواب الموعود علي ذلك، فعن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يخيِّره من أي حُلَلِ الإيمان شاء يلبَسها\" (٣) .\n٢- ولا بأس أيضًا بلبس الغالي من الثياب التي تحل شرعًا عند الأمن\nعلي النفس من التسامي المشوب بنوع عن التكبر، إذا نوى بذلك تحصيل مطالب دينية صالحة:\nأ- كإظهار نعمة الله عليه، والتحدث بها امتثالا لقوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١» [الضحى: ١١]، وليجمع بين الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن، بالشكر عليها، ولموافقة ما يحبه الله، قال\n_________\n(١)، (٢) \"غذاء الألباب بشرح منظومة الآداب\" للسفاريني (٢/١٣٨ - ١٣٩) .\n(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٨٣) في صفة القيامة: باب رقم (٤٠)، وقال: \"هذا حديث حسن\"، ورواه الحاكم في \"المستدرك \" (٤/ ١٨٤)، وصححه، ووافقه الذهبي، ورمز له السيوطى بالصحة، وانظر شرحه في \"فيض القدير\" (٦/١٠١) .","vol":"3","page":171},{"text":"رسول الله ﷺ: \"إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده\" (١) .\nوعن أبي الأحوص عن أبيه مالك بن نضلة ﵁ قال: أتيت رسول الله\nﷺ وعلي ثوبَ دُون فقال لي: \"ألَك مال\"؟، قلت: نعم، قال: \"من أيّ المال\"؟، قلت: من كل المال قد أعطاني الله: من الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والرقيق، قال: \"فإذا آتاك الله مالًا فَلْيُر أثَر نعمةِ الله عليك وكرامتِهِ \" (٢) .\nوعن ابن عباس ﵄ قال: \"كُلْ ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سَرَف، ومخيلَة\" (٣) .\nب- أو ليتعرف على غناه الفقراءُ، فيقصدونه لطلب الزكاة والصدقات وقضاء الحاجات.\nج- أو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند من لا يلتفت إلا إلى ذوي الهيئات كلنا هو الغالب على عوام زماننا، وبعض خواصِّه (٤) .\n٣- يتميز العلماء بلباس خاص (٥) حتى يستدل عليهم المستفتي وطالب العلم.\n* الرابع: يدندن بعض ذوي الأغراض بدعوى أن التزام الحجاب فيه خروج عما ألفه المجتمع، واعتاده، وقد يشتبه الأمر على البعض فيتساءل:\n_________\n(١) أخرجه- من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- الترمذي (٢٨١٩) في الأدب: باب ما جاء أن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته علي عبده، وقال:\n\"هذا حديث حسن\" – وانظر \"تحفة الأحوذي\" (٨/١٠٦ - ١٠٧) .\n(٢) أخرجه النسائي (٨/ ١٩٦) في الزينة: باب ذكر ما يستحب من لبس الثياب، وما يكره منها، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٧٣) واللفظ له.\n(٣) أخرجه البخاري تعليقا (١٠/ ٢٦٥) في اللباس: في فاتحته، وقال الحافظ: \"وصله ابن أبي شيبة في مصنفه، والدينوري في المجالسة، اهـ.\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٢٥) .\n(٥) انظر ص (٢٠٢)","vol":"3","page":172},{"text":"وهل يكون الحجاب حينئذ لباس شهرة؟\nولإزالة هذا التوهم نقول بتوفيق الله:\nأولًا: إن هذا الأمر - أعني كون الحجاب نفسه لباس شهرة- محتمل في حالة واحدة فقط وهي: (مجتمع التزم نساؤه بكل شروط الحجاب، وشذت شرذمة منهن، فالتزمت كل شروط الحجاب ما عدا الشرط الأخير، وهو أن لا يكون لباس شهرة)، وإلا فإن شروط الحجاب السابق ذكرها، والواجب توافرها مجتمعةً لا تتناقض.\nثانيًا: أما في مجتمع شاع فيه السفور والتبرج والتهتك، ثم التزمت فئة قليلة من نسائه بزيِّ يستوفي كل شروط الحجاب، غير أنهن قصدن من وراء ذلك الشهرة أو التكبر والتفاخر، ولم يقصدن طاعة الله سبحانه، وطاعة رسوله ﷺ فلهؤلاء النسوة حظ من الوعيد الوارد فيمن لبس ثوب شهرة؟ لأن المدار في اعتبار الثوب ثوبَ شهرة من عدمه إنما هو على النية والقصد، فالواجب هنا تصحيح النية، وتوجيهها خالصة لله ﷿، لا مطالبة هؤلاء النسوة بخلع الحجاب موافقة للمجتمع الفاسد (١) .\nمثال ذلك: رجل هاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، لا يقصد وجه\nالله ﷿، وإنما هاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، هل نكلفه بالبقاء فى دار الكفر، أم نأمره بتصحيح النية، ونذكره بقوله ﷺ: \"إنما الإعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى \" الحديث (٢) .\nفأين يا عباد الله من يلبس الثوب ليباهي به الناس، ويختال عليهم، ويشار إليه فيهم بالبنان عِزُّا وتعظيمًا، ويخالف زجر رسول الله ﷺ عن لباس الشهرة، أين هذا من نساء مسلمات عفيفات، يتجشمن المشاق\n_________\n(١) بل من الواجب أيضًا دعوة المتبرجات إلى اتباع سبيل المؤمنات، وتغيير هذا العرف الفاسد حتى يعود موافقَا للشرع المطهر.\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":173},{"text":"لاستمساكهن بحبل الله المتين، ويعانين من أذى السفهاء وأعوان الشياطين، ويقاسين الغربة في أوطانهن وبين الأهلين؟!\nثالثا: أن الشرع - وإن اعتبر موافقة لباس أهل البلدة، وعَدَّ مخالفتهم شهرة- إلا أن هذا مشروط بأن يكونوا مستقيمين على طاعة الله ورسوله ﷺ، أما إذا فسدت فطرتهم، وانحرفوا عن الجادة، بحيث صار المعروف عندهم منكرًا، والمنكر معروفَا، فليس ذلك العرف الكاذب مسوغا لأن نجاريهم في ضلالهم بحجة عدم الاشتهار (١) .\nفإن واجبنا حينئذ ألا نقصد الاشتهار، بل نقصد التمسك بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) الآية [المائدة: ١٠٥]، أما الزعم بان مخالفة أزياء قوم قد أسرفوا في محاكاة المشركين رجالا ونساءً ولم يرفعوا بآيات الله تعالى، وأحاديث رسول الله ﷺ رأسًا، هو من الشهرة لشذوذه عما ألفه المجتمع، فهذا من أعجب الأشياء! إذ كيف يكون التمسك بالآيات القرآنية والنصوص النبوية شذوذًا؟!\nوهل يستقيم أن يكون اتباع سبيل الإفرنج المجرمين في التبرج والسفور استقامة واعتدالًا، واتباع سبيل المؤمنين في التستر والصيانة شذوذَا واعوجاجا، وقد قال رسول الله ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ\" (٢)، وإذا كان الأمر كذلك فأين تقع الأحاديث الشريفة التالية\n_________\n(١) وقد أشار إلى هذا المعنى سَيّد العُبادِ في زمانه محمد بن واسع ﵀ لما دخل على بلال بن أبي بردة أمير البصرة، وكان ثوبه إلي نصف ساقيه، فقال له بلال: ما\nهذه الشهرة يا ابن واسع؟، فقال له ابن واسع: أنتم شهرتمونا، هكذا كان لباس\nمن مضى، وإنما أننم طوَّلتم ذيولكم، فصارت السنة بينكم بدعة وشهرة اهـ، وقد عزاها ابن الحاج ﵀ في \"المدخل\" (١/ ١٣١) إلى الإمام أبي بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي في كتابه \"سراج الملوك والخفاء\"، وراجع ص (٤٠٣) .\n(٢) رواه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ البخاري تعليقا بصيغة الجزم (٤/ ٤١٦) في البيوع: باب النجش، ووصلة في الصلح (٥/ ٢٢١)، ومسلم =","vol":"3","page":174},{"text":"موقعها؟ وهي.\n* ما رواه أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: \"بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء\" (١) .\n* وما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن عنده يقول: \"طوبى للغرباء\"، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: \"ناس صالحون في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم \" (٢) .\n* وما رواه أنس بن مالك ﵁: قال رسول الله ﷺ: \"يأتي علي الناس زمان، الصابر فيه على دينه، كالقابض على الجمر\" (٣) .\nأين تقع هذه النصوص موقعها من الترغيب، إن لم يكن التمسك بالكتاب والسنة هو المتعين؟!\n* * *\n_________\n= رقم (١٧١٨) في الأقضية، وأبو داود في السنة (٢/ ٥٠٦)، وابن ماجه رقم (١٤) في المقدمة.\n(١) رواه مسلم رقم (١٤٥) في الإيمان: باب بيان أن الإسلام بدأ غريبَا.\n(٢) رواه ابن المبارك في \"الزهد\" رقم (٧٧٥)، والإمام أحمد (٢/ ١٧٧، ٢٢٢)، قال الألباني ﵀: إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات من رجال \"الصحيح\" غير ابن لهيعة، وهو ثقة صحيح الحديث إذا روى عنه أحد العبادلة، ومنهم عبد الله بن المبارك، وهذا الحديث من روايته عنه كما ترى اهـ من \"الصحيحة\" رقم (١٦١٩) .\n(٣) رواه الترمذي رقم (٢٢٦١) في الفتن. باب رقم (٧٣)، وفي سنده عمر بن شاكر البصري، وهو ضعيف، وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه \"،\nوله شواهد يتقوى بها، ذكرها الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" رقم (٩٥٧) .","vol":"3","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>أين نحن من الحجاب الشرعي</span>\nأيها الأب الرحيم..\nأيها الزوج الغيور..\nأيتها الأم الرءوم..\nأيتها الأخت المسلمة!\nإن المسلم الغيور لو نظر إلى أحوال المسلمين والمسلمات اليوم، فسوف يندى جبينه خجلًا، ويقشعر بدنه أسفًا وحزنًا، وينخلع قلبه كمدا وغيظًا..\nيكفيك أن تخرج من بيتك إلي أقرب طريق، أو متجر، أو وظيفة فترى بعينيك، وتسمع بأذنيك، إذًا.\nلهالك الأمر، واستهوتك أحزان ... فالعين باكية، والقلب حَرَّانُ\nفتجري دماء الغيرة في عروقك، وتصرخ مع الصارخ:\nلمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان\nسوف ترى المرأة الكاسية العارية المتبرجة، هي وزوجها، وقد وضع ذراعه في ذراعها، ومشى إلى جوارها في الطريق فرحًا بفضيحتها، فخورا\nبعريها، مسرورًا بزينتها، مبهورا بمساحيقها وألوانها.\nوترى أباها قد أهمل تربيتها على - كتب ربها، وسنة نبيه ﷺ، ورأى حالها المزرية، فغض منها الطرف، وتركها سادرة في غيها، تمرح وتلعب مع شيطانها، فلا يزجرها ولا ينهاها، متوهما أن هذا من حقها وترى أمها- بئست القدوة- وقد تبرجت مثلها، وأغرتها بالسفور، وحرضتها على التبرج والفجور، وزجرتها عن التستر والتحجب حتى يأتيها (نصيبُها)","vol":"3","page":177},{"text":"بفاسق مثلها.\nتراهم جميعا، وقد نزعوا برقع الحياء نزعا، وأجابوا واعظ الإيمان في قلوبهم قائلين: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) .\nوبينما كانت الصحابيات ﵅ يستزدن (١) رسول الله ﷺ في طول ثيابهن، ترى هؤلاء النسوة قد قَصَّرن ثيابهن، وقصرن، وزين لهن الشيطان سوء عملهن فزعمن التبرج تقدمَا وتحررًا، وكلما ازداد تقلص الثوب عن بدن المتبرجة كلما كانت أحرى بوصف التقدم والتحرر، وأبرأ من التخلف والرجعية.\nيُقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حَسَنًا ما ليس بالحسَنِ\nفأين الفطرة الآدمية؟ أين الحياء والغيرة؟ أين الإحساس والشعور؟ توارت كلها عن العين، وصارت أثرا بعد عين:\nلِحَد الركبتين تشمرينا ... بربك: أي نهر تعبرينا\nكأن الثوب ظل في صباح ... يزبد تقلصا حينا فحينا\nتظنين الرجال بلا شعور ... لأنكِ ربما لا تشعرينا (٢)\nولو أنك عَرَّجْتَ إلى البحر، واقتربت قليلا من الشاطئ لشاهدت الوحوش البشرية، والبهائم الآدمية في أوضاع مزرية يندى لها الجبين، كأنهم- في عريهم الفاضح- وحوش الغابات، وحيوانات الأدغال (٣) !\n_________\n(١) كما تقدم ص (١٠٩) .\n(٢) \"فقه النظر في الإسلام\" ص (١٧٠) .\n(٣) اعلم أنه لا يحل للمرأة أن تظهر شيئًا من بدنها أمام الرجال الأجانب؛ لأنها\nكلها عورة، كذا لا يحل لها أن تظهر ما بين السرة والركبة ولو للنساء المسلمات،\nولهذا جاءت الأحاديث الصحيحة بمنع النساء من دخول الحمامات العامة مطلقا: فعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام \"\nرواه النسائي، والترمذي، وَحَسنه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.\nوفي حديث أبي أيوب ﵁ بلفظ: \"ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم =","vol":"3","page":178},{"text":"ففي البحر سوءات وفي البر مثلها ...\nفيا ضيعة الأخلاق في البر والبحر (١)\nآخر:\nهل رأيتَ الجموعَ محتشداتِ ... فوق شَط الخِضَمِّ أو سابحاتِ\nورأيتَ الحِسانَ يَمشينَ زَهْوا ... مُقبلات يَتهْنَ أو مُدْبِرات\nضَلَلَتْهنَّ قُدْوَةْ الوالداتِ ... ومِنَ الوالدِين سوءُ أناِة\nومن الزوجِ غَضُّ طَرْفٍ لِضَعْف ... أو طِباع في نفسِهِ فاسدات\nوانغماس الشقيقِ في شَهَواتٍ لا يُبالًي بمنهجِ الأخَوات\nفاطَرَحْن الحِشْمَةَ يَحْسَبَنْهَا مِنْ ... بالياتِ الأمُورِ والعادات\nحالةٌ تَجْرحُ الفضيلةَ حقا ... ولها تَدْمَى نَفْسُ ذِي النَّخَوات\nأيها البحرُ طهر القومَ واغسل ... ما تراهُ منهم منَ المنكرات (٢)\nالتبرج المقنع\nلئن كنا عرضنا آنفًا لصور من التبرج الصريح، فإننا نعرض فيما يلي إن شاء الله - لصور محدثة من التبرج لم يتعرض لها المصنفون قبل هذا العصر، لا لانعدامها، ولكن لأن أحدًا لم يكن ليجرؤ على تسمية المعاصي بغير\n_________\n= فلا يدخل الحمام\" رواه ابن حبان في \"صحيحه\"، والحاكم، وقال: \"صحيح\nالإسناد\".\nوعن أبي المليح الهذَلي أن نساءً من أهل \"حمص\" أو من أهل \"الشام\" دخلن على عائشة ﵂، فقالت: \" أنتن اللاتي يدخلن نساؤكن الحمامات؟! سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها، إلا هتكت الستر بينها وبين ربها \" رواه الترمذي وحسنه، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: \"صحيح علي شرطهما\".\nوعلى أساس هذه الأحاديث فلا ينبغي التردد في تحريم ارتياد شواطئ الاصطياف، والحمامات المنتشرة في النوادي، بقياس الأولى، وذلك لما يجري في هذه الأماكن الموبوءة من أحوال يَرْفَضُ جبين القلم عرقًا من الخجالة بتسطيرها.\n(١)، (٢) \"قولي في المرأة\" ص (٢٩- ٣٠) بتصرف.","vol":"3","page":179},{"text":"اسمها، فيسمى التبرج حجابا شرعيُّا! لقد كانت هذه الصور من التبرج تُدْرَج في مصنفات العلماء تحت اسم الفسوق، والعصيان، والتبرج الذي يضاهي تبرج الجاهلية الأولى، أما اليوم فقد انعكس الحال، واضطربت المفاهيم.\nلقد جهد أعداء الصحوة الإسلامية لوأدها في مهدها بالبطش والتنكيل، وأبى الله سبحانه إلا أن يتم نوره، ويظهر كلمته، فصار كيدهم هباءَ منثورَا.\nفرأوا أن يتعاملوا معها بطريقة خبيثة ترمي إلى الانحراف بها عن طريقها الرباني، فراحوا يروجون صورًا مبتدعة للحجاب على أنها (حل وسط) ترضي به المسلمةُ رَبها- زعموا-، وفي ذات الوقت تساير مجتمعها، وتحافظ على (أناقتها) ! وكان أن قذفت (بيوت الأزياء) التي أشفقت من بوار تجارتها المحرمة بنماذج ممسوخة من الأزياء تحت اسم (الحجاب العصري) الذي قوبل في البداية بتحفظ واستنكار.\nوكانت ظاهرة (الحجاب الشرعي) قد بدأت تفرض نفسها على واقع المجتمع، حتى صارت تشكل قوة اجتماعية ضاغطة أحرجت طائفة من المتبرجات، اللائي هرولن نحو (الحل الوسط) تخلصا من ذلك الحرج الاجتماعي، وبمرور الوقت تفشت ظاهرة (التبرج المقنع) المسمى بـ (الحجاب العصري) أو (حجاب التبرج) بإزاء ظاهرة (الحجاب الشرعي) .\nفما صفات حجاب التبرج؟ (١)\n* الأولى: أنه يكشف عورات مجمعا على تحريم كشفها:\nفبينما كان أول شروط الحجاب الشرعي أن يكون ساترا لبدن المرأة،\n_________\n(١) انظر: \"تبرج الحجاب\" للشيخ محمد حسان وفقه الله.","vol":"3","page":180},{"text":"رأينا حجاب التبرج يكشف الوجه المنمص الحاجبين، وقد اختفى تحت قناع من الألوان الزاهية، وتلطخ وجهها بمساحيق متنوعة كأنها الطيف في تعددها، أما الحلي بأنواعها فقد برزت من الأذنين، وربما ظهر العنق، وجزء من الشعر، والقدمان، وربما تجاوزتهما، وترى صاحبته وقد ارتدت (عَينة) ترمز إلى الخمار، وقد خرجت مزينة مزخرفة، وترى في الخمار ما شئت من الألوان الصارخة كالأحمر والأصفر، وربما زادت على هذا الخمار ما يزيده زينة علي زينة فتضع شريطًا ذهبيًّا أو فضيًّا أو مزركشا، وقد التف على أعلى الخمار كأنه تاج، ثم تزعم صاحبة هذه الزينة الصارخة أنها محجبة، أي حجاب هذا الذي تزعمين؟!\nإن هذا خمار الخداع والتزييف، حجاب الزينة والفتنة، إنه حجاب عارِ متبرج فوق رأس فارغ خاوِ من العلم، والتقوى، والورع، والخوف، والاستحياء من الله ﵎.\nوكم ذا بمصر من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكا!\n* الثانية: أنه زينة في نفسه:\nفترى هؤلاء الكاسيات العاريات صواحب (حجاب التبرج) يتفنن في فتنة الناس بألوان ثيابهن، ويضفن إلى ذلك ما شئن من الزوائد التي تزيدهن فتنة كالحلي وغيرها، وكأن القرآن الذي نزل فيه قول الله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) الآية وقوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) الآية وقوله ﷿: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) الآية، إنما نزل علي قوم آخرين غير نساء المسلمين، وكأن الحق فيها على غيرنا وَجَبَ، وكأن هؤلاء الكاسيات العاريات يعاندن رب العزة، ويقلن بلسان الحال: \"سمعنا وعصينا\" تمامًا كما استقبلت أمة الغضب واللعنة أوامر الله ﷿.","vol":"3","page":181},{"text":"الثالثة: أنه شفاف، يظهر ما يجب ستره من العورات، فلا يحجب رؤية، ولا يمنع نظرا.\nالرابعة: أنه ضيق يصف العورات:\nفتراه التصق بها، حتى يتحققَ في صاحبته قول النبي ﷺ: \"ونساء كاسيات عاريات، مائلات مملات\" الحديث.\nالخامسة: أنه يكون معطرًا:\nفربما خرجت صاحبة هذا الحجاب المشئوم، فإذا بها ترسل سهام الشيطان إلى قلوب الرجال عبر تلك العطور الخبيثة فتلفت الأنظار، وتشيع الفاحشة في المؤمنين\nالسادسة والسابعة: أنه أحيانًا يشبه ملابس الرجال:\nفتراهن يرتدين السروالات الضيقة، وأحيانَا يشبه ملابس الكافرات اللائي يتتبعن (الموضات) شبرًا بشبر، وذارعًا بذراع.\nالثامنة: أنه لباس شهرة وتفاخر:\nفترى صاحبته تتفنن في تطبيق قاعدة: (خالف تعرف)، وكأن بين هؤلاء الكاسيات العاريات سباقًا حادا في عرض أزياء مستتر فهذه تلبس الحجاب الفاقع، وهذه تلبس الثوب الضيق الذي يكاد يشل حركتها، ثم تضع حول خصرها هذا (الحزام) الذهبي أو الفضي اللامع فإذا تلبست ببعض هذه الأفعال الشنيعة، أو كلها، تم توقيع العقد مع الشيطان للخروج إلى الشوارع بهذه الحال من التبرج والتهتك تحت ستار (الحجاب) المزعوم!\nويظن البعض أنهن متدينات، وهن يحسبن في أنفسهن أنهن خير البنات والزوجات، وما هن إلا كما وصفهن الشاعر محمد عبد المطلب، وصدق","vol":"3","page":182},{"text":"في قوله:\nإنْ يَنْتَسِبْنَ إلى الحِجَاب ... فَإنه نَسَبُ الدَخيل\nأهي التي فرض الحجا ... ب لصونها شرع الرسول؟\nجُعِلَ الحجابُ مُعاذَها ... من ذلك الداءِ الوبيل (١)\nتقول الداعية الفاضلة نعمت صدقي رحمها الله:\n(ولو أن المتبرجة تأملت بعين بصيرتها، ولو كان لها قلب يعي، لوجدت أنها- باصطناعها هذا الجمال المزور، ومبالغتها في التزين- لن تكتسب في الحقيقة جمالا ولا محاسن، بل إنها تمسخ وجهها، وتخفي ما حباها الله به من الجمال الفطري، بقناع من الأصباغ الزاهية، التي تختلف وتشذ عن الطبيعة، ينبو عنها الذوق السليم، وهي لا تأبه لذلك، ولا تفطن لما صنعت لوجهها من التشويه والتقبيح، فإن الله تعالي لم يخلق جفونًا زرقاء لامعة، ولا سوداء قاتمة، إلا في القردة والكلاب، ولا شفاهًا حمراء قانية، كأنها ولغت في الدم المسفوح، ولا خدودًا مضطرمة متوهجة الاحمرار، ولا حواجب هلاليه لامعة تذكر بما يتخيلون ويصفون في الأساطير من حواجب الشيطان، وأظافر مدببة حمراء كأنها مخالب حيوان كاسر مخضبة بدماء فريسته، فبالله هل هذا جمال أم دمامة وبشاعة؟!\nقل للجميلةِ أرسلَتْ أظفارَها ...\nإني لخوفٍ كدتُ أمضي هاربا\nإن المخالبَ للوحوشِ نخالُها ...\nفمتى رأينا للظباءِ مخالبا\nبالأمسِ أنتِ قصصتِ شعرَكِ غيلة ...\nونقلتِ عن وضع الطبيعة حاجبا\nوغدًا نراك نقلتِ ثغرَكِ لِلقَفا ...\nوأزحتِ أنفَكِ رغم أنفِكِ جانبا\n_________\n(١) راجع القصيدة في \"معركة الحجاب والسفور\" ص (١٦٠- ١٦١) .","vol":"3","page":183},{"text":"من علَّمَ الحسناءَ أنَّ جمالَها ...\nفي أنْ تخالفَ خَلْقَهَا وَتُجانبا؟) (١)\nوبعد\nفيا صاحبة (حجاب التبرج) ! حذارِ أن تصدقي أن حجابك هو الذي أمر به القرآن السنة، وإياك أن تنخدعي بمن يبارك عملك هذا، ويكتمك النصيحة، ولا تغتري بأنك أحسن حالًا من صاحبات التبرج الصارخ فإنه لا أسوة في الشر، والنار دركات بعضها أسفل من بعض.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"انظروا إلى من هو أسفل منكم في الدنيا، وفوقكم في الدين، فذلك أجدر أن لا تزدروا (٢) نعمة الله عليكم \" (٣) .\nوعن الزهري أن عمر بن الخطاب ﵁ تلا هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠» [فصلت: ٣٠]، قال: \"استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا (٤) روغان الثعالب \" (٥) .\n_________\n(١) \"التبرج\" ص (٣٠-٣١) .\n(٢) الازدراء: الاحتقار، والعيب، والانتقاص.\n(٣) هذه الروايج ذكرها رزين، وأصل الحديث رواه - بلفظ آخر - البخاري (١١/٣٣٠) في الرقاق، ومسلم رقم (٢٩٦٣) في الزهد، والترمذي رقم (٢٥١٥) في القيامة، قال الحافظ في \"الفتح\": (وقد وقع في نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: \"خصلتان من كانت فيه كتبه الله صابرا شاكرا: من نظر في دنياه\nإلي من هو دونه، فحمد الله على ما فضله به عليه، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه، فاقتدى به\") اهـ (١١/ ٣٣٠ - السلفية)، والحديث ضعفه المناوي فى \"الفيض\" (٣/ ٢٤٤)، والألباني في \"الضعيفة\" رقم (١٩٢٤) (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨) .\n(٤) راغ الثعلب روغانًا: مال، وحاد عن الشيء، وذهب ها هنا، وها هنا.\n(٥) أخرجه الإمام أحمد في \"الزهد\" ص (١١٥)، وابن المبارك فيه ص (١١٠) رقم =","vol":"3","page":184},{"text":"وَعن الحسن ﵀ أنه قال: (إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوما في طاعة الله فبغاك (١)، وبغاك، فرآك مداوما، مَلَّكَ وَرَفضَكَ، وإذا كنت مرة هكذا، ومرة هكذا، طمع فيك (٢) .\nومسك الختام ما ختم الله ﷿ به الآيات الآمرة بالحجاب في قوله جل وعلا: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: ٣١]،.\nالحجاب مسؤولية من؟\nأولًا: المرأة المسلمة:\nمادامت عاقلة مكلفة، وقد خاطبها القرآن بالحجاب، ونَوَّعَ أساليب الخطاب: فتارة يأمرها على لسان رسوله ﷺ، كما في قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) الآية.\nوقوله ﷿: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الآية\nوخاطبهن شخص أمهات المؤمنين ﵅، فقال جل وعلا: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) .\nفالمرأة مسئولة- أمام الله - عن الحجاب ليس لها أن تتخلى عنه، ولو رضي وليها بالتبرج أو أمرها به، وحثها عليه.\nقال الله تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤»\n_________\n= (٣٢٥)، ومن طريقه أخرجه الطبري (٢٤/ ٦٦) .\n(١) فبغاك، وبغاك: أي طلبك مرة بعد مرة.\n(٢) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" ص (٧) رقم (٢٠) .","vol":"3","page":185},{"text":"[الإسراء: ١٣، ١٤]، وقال تعالى: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور: ٢١] .\nوعن علي ﵁: قال رسول الله ﷺ: \"لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف\" (١) .\n* ثانيًا: ولي المرأة:\nسواء أكان أبًا أو ابنا أو أخا، أو زوجًا، أو غيره.\nقال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: ٣٤]\nوليس المقصود بالقوامة - كما يظن بعض الجهلة - ظلم المرأة، والاستبداد بها، والاستعلاء عليها، وإنما هي المبالغة بالقيام على رعاية المرأة والإنفاق عليها، وإعطائها حقوقها، والحفاظ علي عرضها وعفافها، قال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم: ٦]، (٢) .\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهله، وهو مسئول عن رعيته \" الحديث (٣) .\nوعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لا يسترعي الله ﵎ عبدًا رعية قَلَّتْ أو كثرت إلا سأله الله ﵎ عنها يوم القيامة، أقام فيهم أمر الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣/ ١٣٠- فتح)، ومسلم واللفظ له (٦/١٥)، وأبو داود رقم (٢٦٢٥)، والنسائي (٢/ ١٨٧)، وأحمد (١/ ٩٤)، وانظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" أرقام (١٧٩، ١٨٠، ١٨١)\n(٢) انظر: \"معركة الحجاب والسفور\" ص (٢١٠)\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":186},{"text":"﵎ أم أضاعه، حتى يسأله عن أهل بيته خاصة\" (١) .\nوعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله سائل كلَّ راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيَّع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته\" (٢) .\nولا شك أن أحوال أغلب النساء اليوم تعكس مدى تفريط الرجال\nفي أداء حق هذه الرعاية التي جعلها الله واجبا حتمًا في أعناقهم، ومن هنا شدَّد العلماء النكير على هؤلاء المفرطين، ورتبوا علي ذلك أحكامَا، وأصدروا فتاوى.\nومن ذلك ما قاله الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى: (أما خروج النساء متبرجات بذلك اللباس الضيق القصير الذي يحدد العورة، فقد أجمع علماء المسلمين على منعه، ونصوص الكتاب والسنة طافحة به، فيحرم علي كل مسلم أن يترك ابنته، أو زوجته، أو أخته تخرج إلا وعليها الدروع السابغة مع طول الذيول لأجل الستر.\nوكل من ترك زوجته تخرج بادية الأطراف على صفة تبرج الجاهلية الأولى، فهو آثم شرعًا، عليه وزر ذلك، وعلى المرأة أيضًا، لقوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) الآية، ولقوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) إلى آخر الآية.\nولا تصح أيضًا إمامة رجل ترك امرأة له عليها ولاية تخرج متبرجة ذلك التبرج، وكذا لا تصح شهادته، ولا يجوز إعطاؤه شيئا من الزكاة الواجبة ولو كان فقيرا مظهرًا للشكوى، كما في فتاوى المالكية لسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي إقليما.\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٥)، (٥/ ٢٥) .\n(٢) عزاه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١٦٣٦) إلى النسائي في \"عشرة النساء\" والضياء في \"المختارة\"، وابن حبان في \"صحيحه\"، وابن عدي في \"الكامل\".","vol":"3","page":187},{"text":"وقد أشار إلى ذلك أخونا الشيخ محمد العاقب - ﵀ - دفين فاس\nفي نظمه لهذه الفتاوى بقوله:\nمن تركَ الزوجة عمدًا تخرجُ ... بادية أطرافها تبرج\nفلا إمامةَ ولا شهادة ... له وإن جرت بذاك العادة\nولا له قسط من الزكاة ولو فقيرا مظهر الشكاة (١)\nيعني ولو كان فقيرا مظهر الشكوى للأغنياء من شدة فقره.\n* ثالثًا: الحاكم:\n(فإن واجب الخليفة أو الحاكم المسلم حراسة الدين، وسياسة الدنيا بالدين، وإن أحد حقوق الإنسان المسلم صيانة عرضه، الأمر الذي لا يتم إلا بمراعاة التدابير الشرعية في هذا الباب.\nوعن عثمان بن عفان ﵁ قال: \"ما يَزَعُ الناس السلطانُ أكثر مما يَزَعُهُم القرآنُ\") (٢) .\n(وإن حفظ حدود الحجاب الشرعي بين الرجال والنساء، وتعليم ذلك، والترغيب فيه، ومعاقبة المنحرفين والمنحرفات عن هذه الحدود، وتعزير الداعين إلى ما يضاده، ونفيهم؛ حماية للبلاد والعباد من شرورهم، وتسخير أجهزة التعليم والإعلام لنصرة دين الله تعالى، وترسيخ هذه المفاهيم الإسلامية من أهم ما يناط بالحكام الذين استرعاهم الله هذه\nالأمة) (٣) .\n* * *\n_________\n(١) \"زاد المسلم\" (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣) .\n(٢) راجع \"المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية\" ص (٢٣) .\n(٣) وقد تقدم تفصيل ذلك في \"السابق\" ص (٢٣-٢٦)، (٣٢-٣٨) وانظر: \"معركة الحجاب والسفور\" ص (٢٠٠ -٢٠٣)","vol":"3","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>الباب الخامس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>أدلة وجوب ستر الوجه والكفين</span>\nالفصل الأول:\nأدلة القرآن الكريم\nالفصل الثاني:\nأدله السنة الشريفة","vol":"3","page":189},{"text":"ص ١٩٠","vol":"3","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>الفصل الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>أدلة القرآن الكريم</span>\nالدليل الأول\nقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩» [الأحزاب: ٥٩]،.\n* قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ):\nقال ﵀ في تأويل هذه الآية:\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ): لا تتشبهن بالإماء في لباسهن، إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن، لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به.\nفقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن، فلا يبدين منهن إلا\nعينًا واحدة.\nذكر من قال ذلك:\nحدثني علي، قال: ثنا أبو صالح (١) قال: ثني معاوية، عن علي (٢)، عن\n_________\n(١) أبو صالح المصري عبد الله بن صالح فيه ضعف \"التقريب\" (١/٤٢٣) .\n(٢) هو علي بن أبي طلحة، تكلم فيه بعض الأئمة، ولم يسمح من ابن عباس، بل =","vol":"3","page":191},{"text":"ابن عباس، قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عَبيدةَ (١) في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) فلبسها عندنا ابن عون، قال: ولبسها عندنا محمد، قال محمد: ولبسها عندي عبيدة، قال ابن عون: بردائه، فتقنع به، فغطى أنفه، وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبًا من حاجبه أو على الحاجب.\nحدثني يعقوب، قال. ثنا هُشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ)\n_________\n= لم يره، وقد قيل إن بينهما مجاهدا، انظر هامش ص (٢٠٩) .\n(١) رجال هذا الإسناد جبال في الثقة والضبط، فابن جرير هو الحافظ الطائر الصيت، المفسر المشهور، ويعقوب هو ابن إبراهيم الدورقي ثقة، وابن عُلَيَّة هو إسماعيل بن علية إمام كبير ثقة، وابن عون هو عبد الله بن عون المزني أحد الأعلام ثقة ثبت، ومحمد هو ابن سيرين أحد الأعلام التابعين، وعَبيدة هو السلماني إمام ثقة زاهد، وهو من أعلام التابعين الكبار، ومخضرم ثقة ثبت، قال الحافظ في \"التهذيب\": (كان \"شريح\" القاضي إذا أشكل عليه شيء من أمر دينه سأله، ورجع إليه) اهـ (٧/ ٨٤)، قال الإمام الذهبي: (عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الكوفي الفقيه العَلَمَ، كاد أن يكون صحابيّا، أسلم زمن الفتح باليمن، وأخذ العلم عن علي وابن مسعود ﵄، قال الشعبي: (كان يوازي شريحًا في القضاء)، وقال العجلي: عبيدة أحد أصحاب عبد الله بن مسعود الذين يقرءون، ويفتون الناس \"، وقال ابن سيرين: (ما رأيت رجلا أشد توقيًا من عبيدة)، وكان مكثرًا عنه) انظر: \"تذكرة الحفاظ \" (١/ ٥٠)، وإذا تقرر لديك أن عبيدة السلماني من كبار التابعين، وأنه آمن في حياة النبي ﷺ، وأنه نزل المدينة\nفي زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ولم يزل بها حتى مات، لعلمت حينئذ أنه يفسر ما كان سائدًا في المجتمع الذي كان يمثله أجلة الصحابة رضي الله =","vol":"3","page":192},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) قال: فقال بثوبه، فغطى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.\nوقال آخرون: بل أمِرْنَ أن يشددن جلابيبهن على جباههن.\nذكر من قال ذلك:\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي،\nعن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) إلى قوله: (وَكَانَ الله غَفورا رَحِيما) قال: كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب: أن تقنع (١)، وتشدَّهُ على جبينها. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) وقد كانت المملوكة إذا مرَّت تناولوها بالإيذاء، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال. ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يتجلببن فيُعلم أنهن حرائر، فلا يعرض لهنَّ فاسق بأذى من قول ولا ريبة. . .\n_________\n= عنهم، وأكابر الأمة الذين عليهم مدار هذا الدين.\n(١) اعلم أن (التقنع يطلق على تغطية الوجه، وبهذا التفسير تتوافق هذه الرواية لما قبلها، ومعلوم أن التوفيق بين القولين في كلام العقلاء واجب مهما أمكن، وأن ضرب أحدهما بالآخر لا يجوز، ومن العجيب أن ابن جرير نقل قول ابن عباس هذا في سياق من لا يقول بستر الوجه، ولم يلتفت إلى الروايات التي توضح معنى التقنع في هذه الرواية) اهـ من كلام الشيخ أبي هشام الأنصاري - نقلا عن \"مجلة الجامعة السلفية\".","vol":"3","page":193},{"text":"وقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) يقول تعالى ذكره: إدناؤهن جلابيبهن إذا أدنينها عليهن أقرب وأحرى أن يعرفن ممن مررن به، ويعلموا أنهن لسن بإماء، فيتنكبوا عن أذاهنَّ بقول مكروه، أو تعرض بريبة (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) بهنَّ أن يعاقبهن بعد توبتهن بإدناء الجلابيب عليهن) اهـ (١) .\n* قول الإمام أبي بكر أحمد بن علِى الرازي الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ):\nقال رحمه الله تعالى:\n(حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبي خيثم، عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) خرج نساء من الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها.\nقال أبو بكر: في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن.\nوفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) ظاهره أنه أراد الحرائر، وكذا روي في التفسير لئلا يكن مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس (٢) والوجه، فجعل الستر فرقا يعرف به الحرائر من الإماء، وقد روي عن عمر أنه كان يضرب الإماء، ويقول: \"اكشفن رؤوسكن، ولا تشبهن بالحرائر\" اهـ (٣) .\n_________\n(١) \"جامع البيان عن تاويل آي القرآن\" (٢٢/ ٤٥- ٤٧) .\n(٢) رُوي من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها، فاختبأت مولاة لهم، فقال النبي ﷺ: \"حاضت\"؟، فقالوا: نعم، فشق لها من عمامته، فقال: \"اختمري بهذا\" رواه ابن ماجه وابن أبي شيبة.\n(٣) \"أحكام القرآن\" (٣/٣٧١- ٣٧٢) .","vol":"3","page":194},{"text":"* قول الإمام الفقيه عماد الدين بن محمد الطبري المعروف بـ \"إلكيا الهراس\" (١) (ت ٥٠٤ هـ)\nقال ﵀ في تفسيره:\n(قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الآية- الجلباب: هو الرداء، فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن، ولم يوجب على الإماء ذلك) اهـ (٢) .\n* قول الإمام محيي السنة أبو الحسين البغوي (ت ٥١٦ هـ) في \"معالم التنزيل\":\nاكتفى ﵀ في تفسير الإدناء بقول ابن عباس وعبيدة السلماني ولم يلتفت إلى قول آخر، كأنه لم يره شيئًا مذكورًا، وكذا فعل \"الخازن\" ﵀ (٣) .\n* قول أبي القاسم محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري الملقب بـ \"جار الله\" (٤) (ت ٥٣٨ هـ):\n_________\n(١) إلكيا: كلمة فارسية بمعنى الكبير القدر المقدم بين الناس و\"إلكيا الهراس، هو علي بن محمد بن علي، وكنيته أبو الحسن الملقب بعماد الدين، ولد في سنة\n(٤٥٠ هـ)، وتفقه على إمام الحرمين، وهو من أجل تلاميذه بعد الغزالي، ومن مصنفاته: \"شفاء المسترشدين في مباحث المجتهدين\"، وهو من أجود كتب الخلافيات، وكتاب في أصول الفقه.\nانظر ترجمته في (طبقات الشافعية) (٧/ ٢٣١- ٢٣٤)، والبداية والنهاية\" (١٢/\n١٧٢)، و\"شذرات الذهب\" (٨/٤)، و\"فيات الأعيان\" (٢/ ٤٨٨)، و\"النجوم\nالزاهرة\" (٥/ ٢٠١) .\n(٢) \"تفسير إلكيا الهراس الطبري\" (٤/ ٣٥٤) .\n(٣) \"لباب التأويل في معاني التَنزيل\" (٥/ ٢٢٧)\n(٤) لقب بهذا لأنه جاور في مكة مدة من الزمان، كان من أكبر رؤوس الاعتزال في عصره، وكان حنفي المذهب، وقد كشف الزمخشري في تفسيره \"الكشاف\" =","vol":"3","page":195},{"text":"قال- عفا الله عنه- في تفسيره:\nومعنى (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة أدني ثوبك على وجهك، وذلك أن النساء كن في أول الإسلام على هجّيراهن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار، لا فصل بين الحرة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة (١) يتعرضون إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة، يقولون: حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليُحتَشَمن ويُهَبن، فلا يطمع فيهن طامع، وذلك في قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) أي: أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يُتعرض لهن، ولا يَلْقَين ما يكرهن.\nفإن قلت: ما معنى (مِن) في (مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ)؟\nقلت: هو للتبعيض، إلا أن معنى التبعيض محتمل وجهين:\nأحدهما: أن يتجلببن ببعض ما لهن من الجلابيب، والمراد أن لا تكون الحرة متبذلة في درع وخمار كالأمة والماهنة، ولها جلبابان فصاعدًا في بيتها.\nوالثاني: أن ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله كل وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة.\n_________\n= النقاب عن وجوه إعجاز القرآن الكريم، وأبدع في بيان نكتها ما شاء الله أن يبدع، حتى عُدَّ كل من كتب في التفسير بعده - من الناحية البلاغية - عالة عليه، غير أنه انتُقدَ عليه أشياء، أشدها محاولته تطبيق آيات القرآن على مذهبه الاعتزالي، ووقوعه في أهل السنة والجماعة بعبارات فاحشة، وقد انتصر لأهل السنة الشيخ أحمد بن محمد بن منصور المنير الإسكندري المالكي (ت ٦٨٠ هـ) وتعقب اعتزاليات الزمخشري تعقبا حثيثا في كتابه \"الانتصاف\"\n(١) الشاطر: من أعيى أهله ومؤدبه خبثا ومكرًا - مولدة، كما في القاموس وشرحه.","vol":"3","page":196},{"text":"وعن ابن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن ذلك، فقال: أن تضع رداءها فوق الحاجب، ثم تديره حتى تضعه على أنفها، وعن السدي: أن تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين، وعن الكسائي: يتقنغن بملاحفهن منضمة عليهن، أراد بالانضمام معنى الإدناء اهـ (١) .\n* قول القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ):\nقال رحمه الله تعالى في تفسيره:\nالمسألة الثانية: اختلف الناس في الجلباب على ألفاظ متقاربة، عمادها أنه الثوب الذي يُستر به البدن، لكنهم نوَّعوه ههنا، فقد قيل: إنه الرداء، وقيل: إنه القناع.\nالمسألة الثالثة: قوله تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ) قيل: معناه تغطي به رأسها فوق خمارها، وقيل: تغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى.\nالمسألة الرابعة: والذي أوقعهم في تنويعه أنهم رأوا الستر والحجاب مما تقدم بيانه واستقرت معرفته، جاءت هذه الزيادة عليه، واقترنت به القرينة التي بعده وهي مما تبينه، وهو قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ)،\nوالظاهر أن ذلك يسلب المعرفة عند كثرة الاستتار، فدلَّ، وهي:\nالمسألة الخامسة: على أنه أراد تمييزهن عن الإماء اللاتي يمشين حاسرات، أو بقناع مفرد، يعترضهن الرجال فيتكشفن، ويكلمونهن؛ فإذا تجلببت، وتسترت، كان ذلك حجابًا بينها وبين المتعرض بالكلام، والاعتماد بالإذاية، وقد قيل- وهي:\nالمسألة السادسة: إن المراد بذلك المنافقون.\n_________\n(١) \"الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل\" (٣/ ٢٧٤) .","vol":"3","page":197},{"text":"قال قتادة: كانت الأمة إذا مرت تناولها المنافقون بالإذاية، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء؛ لئلا يلحقهن مثل تلك الإذاية.\nوقد روي أن عمر بن الخطاب كان يضرب الإماء على التستر وكثرة\nالتحجب، ويقول: \"أتتشبهْن بالحرائر\"؟ وذلك من ترتيب أوضاع الشريعة بين اهـ (١) .\n* قول الإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي الحنبلي (ت ٥٩٧ هـ):\nقال رحمه الله تعالى في \"تفسيره\":\nسبب نزولها أن الفساق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإذا رأوْا المرأة عليها قناع تركوها، وقالوا: هذه حرة، وإذا رأوها بغير قناع، قالوا: أمة، فآذَوْها، فنزلت هذه الآية، قاله السدي.\nقوله تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) قال ابن قتيبة: يلبس\nالأردية، وقال غيره: يغطين رؤوسهن ووجوههن ليُعْلَمَ أنهن حرائر (ذَلِكَ أَدْنَى) أي: أحرى وأقرب (أَن يُعْرَفْنَ) أنهن حرائر (فَلَا يُؤْذَيْنَ) اهـ (٢) . قول الإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن الرازي (ت ٦٠٦ هـ) (٣)\nقال في \"تفسيره الكبير\":\nوكان في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفات يتبعهن الزناة، وتقِع التهم، فأمر الله الحرائر بالتجلبب، وقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٥٨٥- ١٥٨٧) .\n(٢) \"زاد المسير في علم التفسير\" (٦/٤٢٢) .\n(٣) انظر ترجمته في \"البداية والنهاية\" (١٣/ ٥٥ – ٥٦)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢١/ ٥٠٠)، \"لسان الميزان\" (٤/ ٤٢٦ - ٤٢٩) .","vol":"3","page":198},{"text":"يُؤْذَيْنَ) قيل: يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن، ويمكن أن يقال: المراد أنهن لا يزنين، لأن من تستر وجهها - مع أنه ليس بعورة (١) لا يُطْمَعُ فيها أنها تكشف عورتها، فُيعرفن أنهن مستورات، لا يمكن طلب الزنا منهن اهـ (٢) .\n* قول الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (ت ٦٧١ هـ):\nقال رحمه الله تعالى في \"تفسيره\":\nلما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن اهـ.\nوقال أيضا: قوله تعالى: (مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الجلابيب: جمع جلباب، وهو ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء؟ وقد قيل: إنه القناع، والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن، وفي صحيح مسلم عن أم عطية قالت: قلت: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب؟، قال: \"لتلبسها أختها من جلبابها\" اهـ.\nوحكى ﵀ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال:\n\"ما يمنع المرأة المسلمة إذا كانت لها حاجة أن تخرج في أطمارها (٣)، أو أطمار جارتها مستخفية، لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها\"؟.\n_________\n(١) يأتي إن شاء الله بيان أنه ليس بعورة أي: في الصلاة، لا مطلقا، بل الأمر بحجاب الوجه في هذه الآية دليل على أن الوجه عورة في باب النظر، والله أعلم،\nوانظر ص (٢٤٤- ٢٥٠) .\n(٢) \"مفاتيح الغيب\" (٦/ ٥٩١) .\n(٣) الأطمار جمع طِمر - بكسر الطاء، وسكون الميم- وهو الثوب الخلق.","vol":"3","page":199},{"text":"وقال القرطبي ﵀ أيضَا:\nقوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) أي الحرائر، حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عُرِفن لم يقابَلْن بأدنى من المعارضة مراقبةً لرتبة الحرية، فتنقطع الأطماع عنهن، وليس المعنى أن تُعرف المرأة حتى تُعْلَمَ من هي (١)، وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة قد تقنعت ضربها بالدرة، محافظة على زي الحرائر.\nوقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء، وهذا كما أن أصحاب رسول الله ﷺ منعوا النساءَ المساجدَ بعد وفاة رسول الله ﷺ مع قوله: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\"، حتى قالت عائشة ﵂: \"لو عاش رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا لمنعهن من الخروج كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل\"، (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الأمر المشروع. اهـ (٢) .\n* قول الإمام القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي الشافعي (ت ٦٩١ هـ):\nقال ﵀ في \"تفسيره\":\n(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا\nبرزن لحاجة، و(مِن) للتبعيض، فإن المرأة ترخي بعض جلبابها، وتتلفع ببعض (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) يُمَيَّزنَ عن الإماء والقينات (فَلَا يُؤْذَيْنَ) فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لما سلف (رَحِيمًا) بعباده حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئيات منها. اهـ (٣) .\n_________\n(١) وانظر أيضا تفسير الثعالبي المالكيّ (ت ٨٧٥ هـ)، الموسوم بـ \"الجواهر الحسان في تفسير القرآن\" (٣/٢٣٧) .\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٤/ ٢٤٣ - ٢٤٤) .\n(٣) \"أنوار التنزيل، وأسرار التأويل\" (٢/ ٢٨٠) .","vol":"3","page":200},{"text":"قول العلامة أحمد بن محمد شهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩ هـ): قال ﵀ في \"حاشيته على تفسير البيضاوي\" شارحا الفقرة السابقة\nمنه\nقوله: (مِن) للتبعيض ... إلخ - وقد قال في \"الكشاف\": إنه يحتمل وجهين:\nأن يتجلببن ببعض ما لهن من الجلابيب، فيكون البعض واحدَا منها،\nأو يكون المراد ببعض جزءًا منه بأن ترْخِيَ بعض الجلباب، وفضلَه على وجهها فتتقنَّع به، والتجلبب على الأول لبس الحجاب على البدن كله، وعلى هذا التقنع بستر الرأس والوجه، مع إرخاء الباقي على بقية البدن، وقوله (يُدْنِينَ) يحتمل أن يكون مقول القول، وهو خبر بمعنى الأمر (١)، أو جواب الأمر على حَدِّ: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) الآية [إبراهيم: ٣١] .\nوالجلباب إزار واسع يُلْتَحَفُ به، فما قيل: إن النظم (عَلَيْهِنَّ) دون \"على وجوههن\"، وقد فسره بستر وجوههن وأبدانهن به، فكيف يصح الحمل على التبعيض حينئذ، إذ لا يصح لفظ \"البعض\" في موضع \"مِنْ\" إلا أن يبقى بعض من الجلباب غير مستعمل في الوجه والبدن، ليس بشيء، لأن قوله: (عَلَيْهِنَّ) إما على تقدير مضاف أي على رؤوسهن، أو وجوههن، أو على أنه مفهوم منه - وإن لم يقّدَّر-، وأما قوله: \"وأبدانهن\" فبيان للواقع؛ لأنها إذا أرخت على الوجه بعضَه بقي باقيه على البدن، لكن المأمور به ضم بعض منه لأن به الصيانة، قوله: \"عن الإماء والقينات \" إما من عطف أحد المترادفين أو المراد بالقينات البغايا، وأما إرادة المغنية فلا وجه له، وقوله: \"يميزن\" فالمراد بالمعرفة التمييز مجازا لأنه المقصود، ولو\n_________\n(١) وعليه تكون صيغة المضارع هنا للأمر، وظاهر الأمر الوجوب، بل إن الأمر إذا ورد بصيغة المضارع فإنه يكون آكد في الدلالهَ على الوجوب.","vol":"3","page":201},{"text":"أبقى على معناه صح.\nقال السبكي في \"طبقاته\": واستنبط أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن، وإن لم يفعله السلف، لأن فيه تمييزًا لهم حتى يعرفوا فيُعمل بأقوالهم (١) .\nقوله: \"لما سلف\": ليس المراد به أمر التجلبب قبل نزول هذه الآية حتى يقال إنه لا ذنب قبل الورود في الشرع، فهو مبني علي الاعتزال والقبح العقلي، بل المراد: ما سلف من ذنوبكم المنهيِّ عنها مطلقا، فيغفرها إن شاء، ولو سلم إرادته فالنهي عنه معلوم من آية الحجاب التزامَا، وقيل: المراد لما عسى يصدر من الإخلال في التستر) اهـ (٢) .\n* قول الإمام عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي (ت ٧٠١ هـ):\nقال ﵀ في تفسيره\":\n(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة: أدني ثوبك على وجهك (٣)، و(مِن) للتبعيض، أي: ترخي بعض جلبابها وفضله على\n_________\n(١) وقد أنكر هذا الاستنباط العلامة صديق حسن خان ﵀، ونقل عن علماء السلف المنع منه – انظر \"فتح البيان في مقاصد القرآن\" له (٧/٤١٣ - ٤١٤)، وانظر ص (١٦٣) من هذا القسم.\n(٢) \"عناية القاضي، وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي\".\n(٣) (وهذا الذي نقله النسفي في تفسيره يدل دلالة ظاهرة على أن المرأة المسلمة في المجتمعات الإسلامية تستر وجهها، وكان الإدناء للثوب عندما ينقشع عن وجه المرأة متعارفًا عليه بين المسلمين حتى مضت هذه الصورة مثالَا يحتذى) اهـ من تعليق الشيخ عبد العزيز بن خلف \"نظرات في كتاب حجاب المرأة المسلمة للألباني\" هامش ص (٥١) .","vol":"3","page":202},{"text":"وجهها اهـ (١) .\nتنبيه: تحتجب الأمة إذا خيف بها الفتنة:\nقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀ رحمة واسعة:\nوكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها، وتحتجب، ووجب غض البصر عنها ومنها، وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء، ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بها أمر الحرائر، والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم يفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء، واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد، فلم يُجْعَلْ عليهن احتجاب، واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة، فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأنْ يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى، وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها، وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز إبداء الزينة الخفية له، فالخطاب خرج عامُّا على العادة، فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره، فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة، وجب المنع من ذلك كما لو كانت في غير ذلك. اهـ (٢) .\nوزعم نفاة الحكمة والتعليل والقياس أن الشريعة قد فرقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين، وأيدوا ذلك بأمور: منها أن الشارع حرم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا كانت حرة، وجوزه إلى الأمة الشابة البارعة الجمال، وقد انبرى الإمام المحقق شمس الدين محمد\n_________\n(١) \"مدارك التنزيل، وحقائق التأويل\" (٣/٧٩) .\n(٢) \"تفسير سورة النور\" ص (٨٦) .","vol":"3","page":203},{"text":"ابن أبي بكر ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، للرد عليهم وتتبع ما استدلوا به، وكان مما قال ﵀ في الرد على الشبهة السابقة: وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع، فأين حرَّم الله هذا، وأباح هذا؟ والله ﷾ إنما قال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) [النور: ٣٠]، ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب.\nوإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن، فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس، وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟\nفهذا غلط محض على الشريعة، وأكَّد هذا الغلطَ أن بعض الفقهاء سمع قولهم: \"إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبًا كالبطن والظهر والساق\"، فظن أن ما يظهر غالبًا حكمه حكم وجه الرجل، وهذا إنما هو في الصلاة، لا النظر، فإن العورة عورتان: عورة في الصلاة، وعورة النظر، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، والله أعلم (١) اهـ.\nوما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام المحقق ابن القيم عليهما الرحمة من احتجاب الحسان من الإماء، وبروز غير الحسان، قد نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فنقل ابن منصور عنه أنه قال: \"لا تنتقب الأمة\"، ونقل ابن منصور عنه أيضًا، وأبو حامد الخَفَّاف أنه قال: \"تنتقب\n_________\n(١) \"القياس في الشرع الإسلامي\" ص (٦٩) .","vol":"3","page":204},{"text":"الجميلة\" (١) اهـ.\n* قول العلامة محمد بن أحمد بن جَزي الكلبي المالكي (ت ٧٤١): قال ﵀ في \"تفسيره\":\nكان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن، ويُفَهمَ الفرقُ بين الحرائر والإماء.\nوالجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها، وقيل: أن تغطي نصف وجهها (٢) .\n(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) أي ذلك أقرب إلى أن يعرف الحرائر من الإماء، فإذا عرف أن المرأة حرة لم تعارض بما تعارض به الأمة، وليس المعنى أن تعرف المرأة من هي، إنما المراد أن يفرق بينهما وبين الأمة لأنه كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء، وربما تعرض لهن السفهاء (٣) أهـ.\n* قول الإمام النحوي المفسر أثير الدين أبي عبد الله محمد بن يوسف ابن علي أبن حيان الأندلسي الشهير بأبي حيان (ت ٧٤٥ ص):\nقال ﵀ في \"تفسيره\":\n... وقال السدي: (تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين \"، وكذا عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة) (٤) . وقال أيضا ﵀: والظاهر أن قوله: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) يشمل\n_________\n(١) \"الصارم المشهور\" ص (٧٤) .\n(٢) ونسبه القرطبي إلى الحسن \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٤/ ٢٤٣) . (٣) \"التسهيل لعلوم التنزيل\" (٣/ ١٤٤) .\n(٤) \"البحر المحيط \" (٧/ ٢٥٠) .","vol":"3","page":205},{"text":"الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح (١)، و(مِن) في (جَلَابِيبِهِنَّ) للتبعيض، و(عَلَيْهِنَّ) شامل لجميع أجسادهن، أو: (عَلَيْهِنَّ) على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه، (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) لتسترهن بالعفة، فلا يتعرض لهن، ولا\nيلقين ما يكرهن، لأن المرأة إذا كانت غاية في التستر والانضمام لم يُقْدَمْ عليها بخلاف المتبرجة، فإنها مطموع فيها. اهـ.\nفصل\nفي بيان الدليل على صحة التفريق بين الحرائر\nوالإماء في الحجاب\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\nوالحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانِت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه: أن الحرة تحتجب، والأمة تبرز\" (٢) أهـ، وقال ﵀\nتعالى: قولة: (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ\n_________\n(١) يتضح من هذا أن الإمام أبا حيان ﵀ يذهب إلى التسوية بين الحرائر والإماء في حكم الجلباب الشامل للوجه والكفين، بناء على عدم وجود دليل\n. يفرق بينهما في الحكم، ومنه يتبين مرجوحية ما ذهب إليه فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ من الاستدلال بقول أبي حيان: \"فيحتاج إخراجهن\nمن عموم النساء إلى دليل واضح\" على صحة مذهبه في التسوية يبن الحرائر والإماء - لا في وجوب الحجاب الكامل كما هو مذهب أبي حيان صاحب هذا النص بل في التسوية بينهما في السفور.\n(٢) \"تفسير سورة النور\" ص (٥٦)","vol":"3","page":206},{"text":"جَلَابِيبِهِنَّ) الآية:\nدليل على أن الحجاب إنما أُمِر به الحرائر دون الإماء؟ لأنه خص أزواجه وبناته، ولم يقل: وما ملكت يمينك وإمائك وإماء أزواجك وبناتك؟ ثم قال (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) والإماء لم يدخلن في نساء المؤمنين كما لم يدخل في قوله (نِسَائِهِنَّ) ما ملكت أيمانهن حتى عُطف عليه في آيتي النور والأحزاب (١)، وهذا قد يقال إنما ينبني على قول من يخص ما ملكت اليمين بالإناث، وإلا فمن قال: هي فيهما أو في الذكور ففيه نظر. وأيضَا فقوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) وقوله: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ\nنِسَائِهِمْ) [المجادلة: ٢] إنما أريد به الممهورات دون المملوكات، فكذلك هذا، فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن؛ فهذا مع ما في الصحيح من أنه لما اصطفى صفية بنت حيي، وقالوا إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، دل على أن الحجاب كان مختصُّا بالحرائر.\nوفي الحديث دليل على أن أمومة المؤمنين لأزواجه دون سراريه، والقرآن ما يدل إلا على ذلك، لأنه قال: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، وقال: (وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا\nأَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا)، وهذا أيضًا دليل ثالث من الآية؛ لأن الضمير في قوله: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ) عائد إلى أزواجه فليس للمملوكات ذكر في الخطاب،\nلكن إباحة سراريه من بعده فيه نظر (٢) ٠ اهـ.\n_________\n(١) وهما قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) إلى قوله تعالى: (أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) [النور: ٣١]، وكذا قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ) إلى قوله ﷿: (وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ)\n(الأحزاب: ٥٥)\n(٢) \"مجموع الفتاوى\" (١٥/٤٤٨ -٤٤٩)، وفيما ذكره رد على استبعاد العلامة الألباني تخصيص قوله تعالى: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) بالحرائر دون الإماء، كما جاء\nفي \"حجاب المرأة المسلمة\" ص (٤٤-٤٧)، مع تصحيحه لما ورد عن عمر ﵁\nمن التفريق كما يأتي إن شاء الله.","vol":"3","page":207},{"text":"فصل\n* ذكر الآثار الواردة عن عمر بن الخطاب ﵁ في التفريق بين الحرائر والإماء في التقنع بالجلباب (١):\nروى عبد الرزاق في \"مصنفه\" أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس أن عمر ﵁ ضرب أمة لآل أنس رآها متقنعة، فقال: \"اكشفي رأسك (٢)، لا تشبهي بالحرائر\".\nوروى ابن جّريج عن عطاء أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى الإماء\nعن الجلابيب أن يتشبهن بالحرائر، قال ابن جريج عن نافع: إن صفية بنت أبي عبيد حدثته، قالت: خرجت امرأة مختمرة متجلببة، فقال عمر: من هذه المرأة؟ فقيل له: جارية لفلان، رجل من بيته، فأرسل إلى حفصة، فقال: ما حملك على أن تخمري هذه الأمة، وتجلببيها، حتى هممت أن أقع بها، ولا أحسبها إلا من المحصنات؟! لا تشبهوا الإماء بالمحصنات. انتهى. ورواه البيهقي، وقال؟ \"الاَثار بذلك عن عمر صحيحه\" انتهى.\nروى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\": حدثنا علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك، قال: دَخَلت على عمر بن الخطاب أمَة قد كان يعرفها لبعض المهاجرين، أو الأنصار، وعليها جلباب متقنعة به فسألها: عتِقْتِ؟ قالت: لا، قال: فما بال الجلباب؟! ضعيه على رأسك، إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين، فتلكأت فقام إليها بذلك بالدرة،\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)، \"المحلى\" لابن حزم (٣/ ٢١٨)، \"إرواء الغليل\" للألباني (٦/ ٢٠٣ – ٢٠٤) حيث صححوا هذه الآثار في التفريق بين حجاب الحرائر والإماء.\n(٢) الظاهر- بضميمة الآثار الآتية عن الفاروق ﵁ أنه عبر هنا عن الجزء بالكل، وأن مقصوده: \"اكشفي وجهك\"، والله أعلم","vol":"3","page":208},{"text":"فضرب بها رأسها حتى ألقته.\nوروى محمد بن الحسن في كتاب \"الآثار\": أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد ابن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب كان يضرب الإماء أن يتقنعن، ويقول: لا تتشبهن بالحرائر. انتهى.\n* قول الإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل عماد الدين ابن عمر بن كثير القرشي الشافعي (ت ٧٧٤ هـ):\nقال في \"تفسيره الجليل\":\nيقول الله تعالى آمرًا رسوله ﷺ تسليما أن يأمر النساء المؤمنات - خاصة أزواجه وبناته لشرفهن - بان يدنين عليهن من جلابيبهن، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء.\nوالجلباب: هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغير واحد، وهو بمنزلة الإزار اليوم.\nقال الجوهري: الجلباب: الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلًا لها:\nتمشي النسور إليه وَهْيَ لاهية ... مَشْيَ العَذَارى عليهن الجلابيبُ\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: \"أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدةً\" (١) .\n_________\n(١) رواية علي بن طلحة عن ابن عباس منقطعة، قال الحافظ ابن حجر: \"روى عن ابن عباس ولم يسمع منه، بينهما مجاهد\"، وقال دحيم: \"لم يسمع التفسير من ابن عباس\"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: \"روى عن ابن عباس، ولم يره) -\nله عند مسلم حديث واحد في ذكر العزل، وروى له الباقون حديثا آخر في الفرائض، قال الحافظ ابن حجر: \"قلت ونقل البخاري من تفسيره رواية =","vol":"3","page":209},{"text":"وقال محمد بن سيرين: \"سألت عبيدة السلماني عن قول الله تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى (١) . اهـ (٢) .\n* وقد فسر الإمام جلال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد المحَلِّي ﵀ (ت ٨٦٤ هـ) الآية بقوله:\n(مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي: يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة (ذَلِكَ أَدْنَى) أقرب إلى (أَنْ يُعْرَفْنَ) بأنهن حرائر (فَلَا يُؤْذَيْنَ) بالتعرض لهن، بخلاف الإماء، فلا يغطين وجوههن، فكان المنافقون يتعرضون لهن، (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لما سلف منهن لترك الستر (رَحِيمًا) بهن إذ سترهن. اهـ (٣) .\nوقال السيوطي ﵀:\nهذه آية الحجاب في حق سائر النساء ففيها وجوب ستر الرأس والوجه\n_________\n= معاوية بن صالح عنه عن ابن عباس شيئا في التراجم وغيرها، ولكنه لا يسميه، يقول: قال ابن عباس أو يذكر عن ابن عباس \" اهـ، ويفهم من صيغة الجزم احتجاج الإمام البخاري بهذه الرواية - أعني رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ - في مواضع عديدة من كتاب التفسير حيث أوردها\nمعلقه، وإن كانت ليست على شرطه في الجامع الصحيح، ووصلها ابن حجر في\n\"الفتح\"، فانظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤)، (٨/٧٦)، (٨/ ١١٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٣٩ -٣٤٠) .\n(١) أورد هذا الأثر السيوطي في \"الدرر المنثور\" (٥/ ٢٢١) وقال: أخرجه الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين. اهـ.\n(٢) تفسير القرآن العظيم\" (٦/ ٤٧٠) .\n(٣) \"قرة العينين على تفسير الجلالين\" ص (٥٦٠)","vol":"3","page":210},{"text":"عليهن\" (١) اهـ.\nوقال الإمام الخطيب الشربيني ﵀ في تفسيره:\n\" (يُدْنِينَ) يقربن (عَلَيْهِنَّ) أي على وجوههن وجميع أبدانهن، فلا يدعن شيئًا منها مكشوفًا\" (٢)، أهـ.\nوقال أيضَا:\nقال ابن عادل: ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا يزنين، لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة أي في الصلاة لا يُطمع فيها أنها تكشف عورتها فبفرض أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن \" (٣) ٠ اهـ. * وقال الشيخ أبو السعود محمد بن محمد العمادي (ت ٩٥١ هـ) في \"تفسيره\":\nأي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعية من الدواعي (٤) . أهـ.\n* وقال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي (ت ١١٣٧ هـ) ﵀ في \"تفسيره\":\nوالمعنى يغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة، ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والأبدان كالاماء حتى لا يتعرض لهن السفهاء ظنُّا بأنهن إماء.\nونقل عن أنس ﵁ قال: \"مرت لعمر بن الخطاب ﵁ جارية متقنعة\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٤/١٠٦)، \"الإكليل\" على هامش \"جامع البيان\" ص (٣٣٤) .\n(٢) \"السراج المنير\" (٣/٢٧١) .\n(٣) السابق (٣/ ٣٧٢) .\n(٤) \"إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم\" (٧/ ١١٥) .","vol":"3","page":211},{"text":"فعلاها بالدرة، وقال: يالكاع (١) تتشبهين بالحرائر ألقي القناع\" (٢) . اهـ.\n* قال العلامة الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في \"تفسيره\":\nقال الواحدي: قال المفسرون: يغطين وجوههن ورءوسهن إلا عينَا واحدة، فيعلم أنهن حرائر لا يعرض لهن بأذى.\nإلى أن قال ﵀: \"وليس المراد بقوله (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد أن يعرفن أنهن حرائر لا إماء لأنهن قد لبسن لبسة تختص بالحرائر (٣) . اهـ\n* وقال الشيخ السيد محمد عثمان ابن السيد محمد أبي بكر ابن السيد عبد الله الميرغني المحجوب المكي (ت ١٢٦٨ هـ) في \"تفسيره\":\n(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) أي يرخين على وجوههن وسائر أجسادهن ما يسترهن من الملاآات والثوب الساتر (٤) . اهـ.\n* وقال العلامة أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي (ت ١٢٧٠ هـ) في \" تفسيره\":\nوالإدناء: التقريب، يقال: أدناني، أي قربني، وضمن معنى الإرخاء\nأو السدل، ولذا عُدِّيَ بـ \"على\"، على ما يظهر لي، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل. وقال أيضًا ﵀:\n_________\n(١) لكاع: كلمة تقال لمن يُستَحقَرُ به مثل العبد والأمهَ والخامل والقليل العقل، مثل قولك: يا خسيس. اهـ من \"فتح البيان\" لصديق حسن خان (٧/ ٤١٥) .\n(٢) \"روخ البيان\" (٧/ ٢٤٠) .\n(٣) \"فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير\" (٤/ ٣٠٤- ٣٠٥) .\n(٤) \"تفسير الميرغني \" (٢/ ٩٣) .","vol":"3","page":212},{"text":"والظاهر أن المراد بعليهن: على جميع أجسادهن، وقيل: على رؤوسهن أو على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه. وقال أيضًا. وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه. تغطي وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة، وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة قالت: \"لما نزلت هذه الآية (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها\" (١) .\nوأخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت: \"رحم الله تعالى نساء الأنصار، لما نزلت (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ) الآية، شققن مروطهن، فاعتجرن بها، فصلين خلف رسول الله ﷺ كأنما على رؤوسهن الغربان (٢) . اهـ.\n* وقال نعمةُ الله بنُ محمود الخجواني:\nيدنين يُغطين (عَلَيْهِنَّ) أي على أيدهن وأرجلهن وعلى جميع معاطفهن (مِن) فواضل (جَلَابِيبِهِنَّ) وملاحفهن بحيث لا يبدو من مفاصلهن وأعضائهن شيء سوى العينين، بل عين واحدة (٣) . اهـ.\n* وقال الشيخ عبد العزيز بن أحمد الدميري:\nيدنين يرخين الرداء سترا ... للوجه والرأس يعم الصدرا (٤)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ١٨٢) بإسناد صحيح، وأورده في \"الدر\" (٥/ ٢٢١) برواية عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبي داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أم سلمة بلفظ: \"من أكسية سود يلبسنها\"، والغربان؟ جمع غراب، شبهت الأكسية في سوادها بالغربان\n(٢) \"روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني\" (٢٢/٨٨-٩٠) .\n(٣) \"الفواتح الإلهية\" (٢/١٦٣) نقلا عن \"مجلة الجامعة السلفية\".\n(٤) \"التيسير في علوم التفسير\" ص (٩١) نقلَا عن \"مجلة الجامعة السلفية\".","vol":"3","page":213},{"text":"* وقال المهايمي:\n(يُدْنِينَ) أي يقربن تقريب تغطية (عَلَيْهِنَّ) أي على وجوههن\nوأبدانهن (١) . اهـ.\n* وقال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢ هـ) - ﵀ - في \"تفسيره\":\nفَأمِرنَ - يعني الحرائر- أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء، بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويُهبن فلا يطمع فيهن طامع.\nوقال أيضا: وأخرج - يعنى ابن أبي حاتم - عن يونس بن يزيد أنه سأل الزهري: هل على الوليدة خمار، متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة، وتنهى عن الجلباب، لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر المحصنات (٢) .\n* قال علامة القصيم الشيخ أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ في \"تفسيره\":\n(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الآية: هذه الآية هي التي تسمى آية الحجاب، فأمر الله نبيه أن يأمر النساء عموما، ويبدأ بزوجاته وبناته لأنهن آكد من غيرهن، ولأن الآمر لغيره ينبغي أن يبدأ بأهله قبل غيرهم كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) أن (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه، أى يغطين بها وجوههن وصدورهن.\n_________\n(١) \"تبصير الرحمن\" (٢/ ١٦٤) نقلأ عن \"مجلة الجامعة السلفية\"\n(٢) \"محاسن التأويل\" (١٣/٤٩٠٨ - ٤٩٠٩)","vol":"3","page":214},{"text":"ثم ذكر حكمة ذلك فقال: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) دل على وجود أذية إن لم يحتجبن، وذلك لأنهن إذا لم يحتجبن ربما ظُنَّ أنهن غير عفيفات\nفيتعرض لهن من في قلبه مرض فيؤذيهن، وربما استهين بهن، وظُنَّ أنهن إماء فتهاون بهن من يريد الشر، فالاحتجاب حاسم لمطامع الطامعين فيهن.\n(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) حيث غفر لكم ما سلف، ورحمكم بأن بين لكم الأحكام، وأوضح الحلال والحرام، فهذا سد للباب من جهتهن، وأما من جهة أهل الشر فتوعدهم بقوله: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي مرض: شك أو شهوة (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) أي المخوفون المرهبون الأعداء المتحدثون بكثرتهم وقوتهم وضعف المسلمين.\nولم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه ليعم ذلك كل ما توحي به أنفسهم إليهم، وتوسوس به، وتدعو إليه من الشر من التعريض بسب الإسلام وأهله، والإرجاف بالمسلمين وتوهين قواهم، والتعرض للمؤمنات بالسوء والفاحشة، وغير ذلك من المعاصي الصادرة من أمثال هؤلاء (ِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) أي نأمرك بعقوبتهم وقتالهم ونسلطك عليهم ثم إذا فعلنا ذلك لا طاقة لهم بك وليس لهم قوة ولا امتناع، ولهذا قال: (ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (١) \"، اهـ.\n* قول العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ):\nقال ﵀:\nومن الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) فقد قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ\n_________\n(١) \"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان\" (٦/ ١٢٢) .","vol":"3","page":215},{"text":"جَلَابِيبِهِنَّ) أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها، وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس، وعَبيدة السلماني وغيرهم.\nفإن قيل: لفظ الآية الكريمة وهو قوله: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) لا يستلزم معناه ستر الوجة لغة، ولم يرد نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسرين إنه يستلزمه معارَض بقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه.\nفالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين، فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب كما ترى.\nومن الأدلة على ذلك أيضَا هو ما قدمنا في سورة النور (١) في الكلام على قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) من أن استقراء القرآن يدل على أن معنى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصح تفسير (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالوجه والكفين كما تقدم إيضاحه، وأعلم أن قول من قال: \"إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) قال: وقد دل قوله: (أَنْ يُعْرَفْنَ) على أنهن سافرات كاشفات عن وجوههن لأن التي تستر وجهها لا تعرف \" باطل، وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منْعًا باتا لأن قوله:\n_________\n(١) انظر ص (٣٠٣) وما بعدها","vol":"3","page":216},{"text":"(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) صريح في منع ذلك، وإيضاحه: أن الإشارة في قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن، وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن لا يمكن بأي حال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب منافٍ لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه كما لا يخفى.\nوقوله في الآية الكريمة: (لِأَزْوَاجِكَ) دليل أيضا على أن المعرفة المذكورة\nفي الآية ليست بكشف الوجوه، لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين.\nوالحاصل: أن القول المذكور تدل على بطلانه أدلة متعددة:\nالأول: سياق الآية كما أوضحناه آنفا.\nالثاني: قوله (لِأَزْوَاجِكَ) كما أوضحناه أيضًا.\nالثالث: أن عامة المفسرين من الصحابة فمن بعدهم فسروا الآية مع بيانهم سبب نزولها، بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإماء، ولا يتعرضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميزا عن زي الإماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق بالأذى، ظنا منهم أنهن إماء، فأمر الله نبيه ﷺ أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك، ورآهن الفساق علموا أنهن حرائر، ومعرفتهن بأنهن حرائر لا إماء هو مبنى قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) فهي معرفة بالصفة لا بالشخص، وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن كما ترى، فقوله:\n(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) لأن إدناءهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر فهو أدنى وأقرب لأن يعْرفن: أي يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرضون للإماء.\nوهذا هو الذي فسر به أهل العلم بالتفسيرِ هذه الآية، وهو واضح،","vol":"3","page":217},{"text":"وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز (١) بل هو حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في عموم قوله: (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) في قوله تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) إلى قوله: (وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) .\nومما يدل على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض، قوله تعالى: (َّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) الآية، وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى:\nحافظ للفرج راض بالتقى ... ليس ممن قلبه فيه مرض\nوفي الجملة: فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهن الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإماء لازم، وله أسباب أخر ليس منها إدناء الجلابيب. اهـ (٢) .\n* ونقل العلامة أبو الأعلى المودودي (ت ١٣٩٩ هـ) رحمه الله تعالى جملة من أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية ثم قال رحمة الله عليه:\n\"ويتضح من هذه الأقوال جميعا أنه من لدن عصر الصحابة الميمون إلى القرن الثامن للهجرة، حمل جميع أهل العلم هذه الآية على مفهوم واحد، هو الذي قد فهمناه من كلماتها، وإذا راجعنا بعد ذلك الأحاديث النبوية والآثار، علمنا منها أيضا أن النساء قد شرعن يلبسن النقاب على العموم\n_________\n(١) وقد شنع بعضهم بذلك، وزعم أن لازم هذا التفسير: أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين.\nانظر: \"المحلى\" (٣/ ٢١٩)، \"الحجاب\" للألباني ص (٤٤-٤٥)، وهذا الاستنباط ليس بلازم أصلًا، لأن سياق الآيات يرده صراحة كما هو واضح أعلى والله أعلم.\n(٢) \"أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن\" (٦/ ٦! هـ) .","vol":"3","page":218},{"text":"بعد نزول هذه الآية على العهد النبوي، وكن لا يخرجن سافرات، فقد جاء في سنن أبي داود والترمذي والموطأ للإمام مالك وغيرها من كتب الأحاديث أن كان النبي ﷺ قد أمر أن \"المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين\"، و\"نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب\" وهذا صريح الدلالة على أن النساء في عهد النبوة قد تعودن الانتقاب ولبس القفازين عامة، فنهين عنه في الإحرام، ولم يكن المقصود بهذا الحكم أن تُعْرَضَ الوجوه في موسم الحج عرضا، بل كان المقصود في الحقيقة أن لا يكون القناع جزءا من هيئة الإحرام المتواضعة، كما يكون جزءًا من لباسهن عادة، فقد ورد في الأحاديث الأخرى تصريح بأن أزواج النبي ﷺ وعامة المسلمات كنَّ يخفين وجوههن عن الأجانب في حالة إحرامهن أيضا، ففي سنن أبي داود عن عائشة ﵂ قالت: \"كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذَوْا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه\" (١)، وفي الموطأ للإمام مالك عن فاطمة بنت المنذر قالت: \"كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، فلا تنكره علينا\" (٢) .\nوقد ورد في \"فتح الباري\" عن عائشة ﵂: \"تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها\" (٣) .\nوكل من تأمل كلمات الآية وما فسرها به أهل التفسير في جميع الأزمان بالاتفاق، وما تعامل عليه الناس على عهد النبي ﷺ، لم ير في الأمر مجالا\n_________\n(١) رواه أبو داود رقم (١٨٣٣)، في الحج: باب في المحرمة تغطي وجهها (٢/١٦٧) .\n(٢) الموطأ- باب تخمير المحرم وجهه، ص (٢١٧) ط. الشعب، بدون قولها: \"فلا تنكره علينا\".\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" - كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب (٣/ ٤٧٤) ط السلفية.","vol":"3","page":219},{"text":"للجحود بأن المرأة قد أمرها الشرع الإسلامي بستر وجهها عن الأجانب، ما زال العمل جاريا عليه منذ عهد النبي ﷺ إلى هذا اليوم (١) . اهـ. وقال ﵀ في \"تفسير سورة الأحزاب\":\nوالجلباب في اللغة العربية: الملحفة والملاءة واللباس الواسع، والإدناء يعني: التقريب واللف، فإن أضيف إليه حرف الجر \"على\" قُصد به الإِرخاء والإِسدال من فوق.\nوبعض المترجمين والمفسرين في هذه الأيام غلبهم الذوق الغربي، فترجموا هذا اللفظ بمعنى الالتفاف؟ لكي يتلافوا حكم ستر الوجه، لكن الله لو أراد ما ذكره هؤلاء السادة لقال: \"يدنين إليهن\"، فإن من يعرف اللغة العربية لا يمكن أن يسلم بأن (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ) تعني: أن يتلففن أنفسهن فحسب، هذا بالإضافة إلى قوله: (جَلَابِيبِهِنَّ) يحول أكثر وأكثر دون استخراج هذا المعنى.\n(ومِنْ) هنا للتبعيض يعني جزءَا أو بعضا من جلابيبهن، ولو التفت المرأة بالجلباب لالتفت به كله طبعًا لا ببعضه، أو بطرف منه، ومن ثم تعني الآية صراحة أن يتغطى النساء تمامًا، ويلففن أنفسهن بجلابيبهن ثم يسدلن عليهن من فوق بعضا منها أو طرفها، وهو ما يعرف عامة باسم النقاب. هذا ما قاله أكابر المفسرين في أقرب عهد بزمن الرسالة وصاحبها ﷺ، فقد روى ابن جرير وابن المنذر أن محمد بن سيرين ﵀ سأل عبيدة السلماني عن معنى هذه الآية،- وكان عبيدة قد أسلم في زمن النبي ﷺ ولم يأت إليه، وجاء المدينة في عهد عمر ﵁، وعاش فيها، ويعتبر نظيرا للقاضي شريح في الفقه والقضاء - فكان جوابه أن أمسك بردائه وتغطى به، حتى لم يظهر من رأسه ووجهه إلا عين واحدة.\n_________\n(١) \"الحجاب\" ص (٣٠٢ - ٣٠٣)","vol":"3","page":220},{"text":"وقد فسرها ابن عباس ﵄ أيضا بما يقارب هذا إلى حد كبير، وما ثقله عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه يقول فيه: \"أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة\"، وهذا ما قاله قتادة والسدي أيضًا في تفسير هذه الآية.\nويتفق أكابر المفسرين الذين ظهروا في تاريخ الإسلام بعد عصر الصحابة والتابعين على تفسير الآية بهذا المعنى\" اهـ.\n* ثم قال ﵀ في تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ):\nالمراد بقوله (يُعْرَفْنَ) أن كل من يراهن في هذا اللباس الوقور المحتشم\nغير المزين يعرف أنهن شريفات حرائر، لا أوباش متهتكات متبذلات فيطمع أي مستهتر خليع في أن ينال منهن مراده.\nوالمقصود من قوله: (فَلَا يُؤْذَيْنَ) لا يتعرض لهن أحد بأذى.\nونحن نتوقف هنا قليلا، ونحاول أن نفهم معًا أي روح لقانون الاجتماع الإسلامي يعبر عنها هذا الأمر القرآني؟ وما هو غرضه ومقصوده الذي ذكره رب العالمين بنفسه؟\nلقد أمر الله النساء في الآية رقم (٣١) من سورة النور ألا يبدين زينتهن\nإلا لأشخاص معينين ذُكِروا في هذه الآية: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)، فإذا قرأنا هذا الأمر متصلًا مع الآية التي بين أيدينا من سورة الأحزاب، ظهر لنا في وضوح أن الأمر الصادر إلى النساء في هذه الآية أن يدنين عليهن من جلابيبهن يعني: إخفاء الزينة عن غير المحارم، ولا يتحقق هذا الغرض طبعًا إلا إذا كان الجلباب غير مزين ولا منقوش في ذاته، وإلا ضاع هذا الغرض بارتداء جلباب مزين منقوش لافت للنظر.","vol":"3","page":221},{"text":"وفوق هذا أن الله ﵎ لا يأمر النساء بإرخاء الجلباب وإخفاء الزينة فحسب، بل يأمرهن كذلك أن يسدلن على أنفسهن - يعني من أعلى - طرفًا من جلابيبهن، وأي إنسان عاقل لا يمكن أن يفهم من هذا القول شيئَا سوى أنه يقصد ضرب النقاب أو التنقب؛ حتى يختفي الوجه أيضا إلى جانب إخفاء زينة الجسم واللباس، ثم يذكر رب العالمين ذاته علة هذا الأمر فيقول: إن هذه أمثل طريقة لأن يعرف نساء المسلمين فلا يؤذين.\nويظهر من هذا تلقائيًّا أن هذا الأمر صادر إلى النسوة اللاتي لا يتلذذن بمعاكسة الرجال لهن، وحملقتهن في وجوههن وأجسامهن، ورغبتهم فيهن، بل يتألمن ويتأذين، واللاتي لا يردن جعل أنفسهن في عداد نجوم المجتمع الداعرات، بل يردن أن يعرفن بأنهن مصابيح البيوت العفيفات التقيات، هؤلاء الشريفات الطيبات يقول الله لهن: إن كنتن تردن أن تعرفن بهذه الصفة فعلًا، وإن كان اهتمام الرجال بكن، ورغبتهم فيكن لا يلذ لكن حقيقة، بل يؤذيكن، ويؤلمكن، فليس السبيل إلى ذلك أن تخرجن من بيوتكن متزينات كعروس ليلة زفافها، وتظهرن جمالكن وحسنكن براقًا\nأخاذا كأحسن ما يكون أمام الأعين الطامعة الجائعة، بل إن أفضل سبيل لهذا الغرض أن تخرجن خافيات زينتكن كلها في جلباب مسدل غير مزين، وتضربن النقاب على وجوهكن، وتمشين بطريقة لا يلفت نظر الناس فيها إليكن شيء حتى ولا صوت حليكن.\nإن المرأة التي تتزين وتتهيأ قبل خروجها، ولا تخرج قدمها من منزلها قبل أن تكون قد وضعت أصنافا وألوانا من المساحيق والخطوط بين أحمر وأزرق وأسود وأبيض، لا يمكن أن يكون غرضها من هذا سوى أنها تريد أن تلفت إليها نظر الرجال، وتدعوهم هي نفسها إلى الالتفات إليها، والاهتمام بها، والرغبة فيها، فإن قالت بعد ذلك إن النظرات الجائعة العطشى تؤذيها، وتضايقها، وإن ادعت أنها لا تريد أن تُعرف بأنها \"سيدة","vol":"3","page":222},{"text":"مجتمع \" و\"امرأة محبوبة مرغوب فيها\"، بل تحب أن تكون ربة بيت شريفة\nمحترمة، فليس ذلك منها غير خداع ومكر.\nإن قول الإِنسان لا يحدد نيته، بل إن نيته الحقيقية هي التي تختار، وتحدد\nشكل عمله، ومن ثم فالمرأة التي تجعل نفسها شيئًا لافتًا للنظر، ثم تمشي أمام الرجال، يفضح فعلها هذا الدوافع التي تكمن خلفه، والمحركات التي تعمل\nوراءه، ولهذا يتوقع طلاب الفتنة منها نفس ما يتوقعونه من امرأة من هذا\nالصنف، فالقرآن يقول للنساء: هيهات هيهات أن تكُنَّ مصابيح البيوت النيرات، ونجوم المجتمع الداعرات في وقت واحد، فلكي تكن مصابيح البيوت اتركن تلك المناهج والطرق والأساليب التي تناسب نجوم المجتمع،\nواسلكن أسلوب الحياة الذي يساعدكن في أن تصبحن مصابيح البيوت، إن الرأي الشخصي لأي إنسان - سواء كان مطابقا للقرآن أم مخالفا،\nوسواء أراد قبول هدي القرآن منهج عمل، وقاعدة سلوك أم لم يرد - إن\nكان لا يريد بحال أن يرتكب جريمة عدم الأمانة في التفسير، فلا يمكن أن\nيخطئ في فهم مراد القرآن وقصده، وما لم يكن منافقًا فسوف يُسَلم بأن\nمراد القرآن هو ما ذكرنا آنفًا، فإن خالف بعد ذلك فسوف يخالف بعد أن\nيعترف بأنه يعمل على خلاف القرآن، أو أنه يفهم هدي القرآن فهمًا أعوج\nخاطئا \" (١) اهـ\n* وقال فضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري - حفظه الله تعالى -: \"قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) .\nهذه الآية من سورة الأحزاب، وهي متأخرة في التلاوة عن الآيتين\nقبلها (٢) أبطلت دعوى الخصوصية في الحجاب؛ حيث أشركت في\n_________\n(١) \"تفسير سورة الأحزاب \" ص: (١٦١- ١٦٣)، (١٦٥ - ١٦٧) .\n(٢) يعني قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) الآية، وقوله =","vol":"3","page":223},{"text":"الخطاب نساء المؤمنين باللفظ الصريح، وهي تطالب المؤمنات إذا خرجن من بيوتهن لحاجة استدعت ذلك أن يغطين وجوههن، ويسترن محاسنهن.\nأما التعليل في الآية فهو يشير إلى المجتمع الإسلامي في تلك الأيام،\nوأنه كان مخلخلًا مهزوزًا؛ لوجود أغلبية فيه من المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات، وحُكم الرسول ﷺ لم يستقر بعد، والأمن لم يستتب، بدليل أن المنافقين كان منهم من يتعرض للجواري في الشوارع،\nويغازلهن لإيقاعهن في الريبة، فمن باب الوقاية العاجلة أمر الله تعالى النبي ﷺ أن يقول آمرا أزواجه وبناته ونساء المؤمنين به إذا خرجت إحداهن لحاجتها أن تغطي رأسها ووجهها، لتُعرف أنها حرة، وليست جارية تخدم البيوت، فلا يتعرض لها أولئك المنافقون بالكلام المريب والمغازلة الفاتنة، والمقصود من الكلام أن هذه الآية مؤكدة لفرضية\nالحجاب، ومقررة له.\nودعاة السفور يقولون إن هذه الآية لم تأمر بتغطية الوجه، وإنما أمرت بتغطية الرأس فقط، وهو فهم باطل؛ إذ الجلباب هو ما تضعه المرأة على رأسها، فكيف يقال لها: أدني الجلباب من رأسك تغطية (١) .\nوإنما تدنيه عن رأسها لتغطي به وجهها، هذا هو المعقول والمفهوم من العرب، ثم مجرد تغطية الرأس لا تمنع من المغازلة المخوفة، وإنما يمنع منها تغطية الوجه بالمرة، أما كاشفة الوجه فإن النظر إليها ومنها يسَهلُ المكالمة، فالمغازلة، كما قال الشاعر الحكيم:\nنظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء\". (٢)\n_________\n= ﷿: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) الآية إلى قوله تعالى: (وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .\n(١) كذا في الأصل، ولعله: (فكيف يقال لها: \"أدنى الجلباب من رأسك\" وهو يغطيه؟) يريد أنه يكون حينئذ تحصيل حاصل، والله أعلم.\n(٢) \"فصل الخطاب في المرأة والحجاب\" (ص: ٣٨ - ٣٩) .","vol":"3","page":224},{"text":"* وقال الدكتور محمد محمود حجازي في تفسيره:\n(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) فيسترن أجسادهن كلها حتى وجوههن إلا\nما به ترى الطريق (١) اهـ.\n* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف:\n\"والمفهوم من الجلباب أنه لا ينحصر باسم ولا بجنس ولا بلون، وإنما هو كل ثوب تشتمل به المرأة لستر مواضع الزينة من ثابت ومنقول، وإذا عرفنا المقصود منه، زال الحرج في وصفه ومسماه.\nفقوله ﵎: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) (٢) يدل على تخصيص الوجه لأن الوجه عنوان المعرفة فهو نص على وجوب ستر الوجه.\nوقوله تعالى: (فَلَا يُؤْذَيْنَ) هو نص على أن في معرفة محاسن المرأة إيذاء\nلها ولغيرها بالفتنة والشر، ولذلك حرم الله تعالى عليها أن تخرج من بدنها ما تعرف به محاسنها أيا كانت\" (٣) اهـ.\n* وقال حفظه الله تعالى (٢):\n\"الجلباب\" أكمل من ضرب الخمار لأنه يحيط ببدن المرأة كلها، ويستر جميع ما يعلو بدنها من الزينة، أو ما يصف جسمها، لأن لبس الثياب التي تصف حجم المرأة حرام عليها استعمالها بحضرة الرجال الأجانب ...\n_________\n(١) \"التفسير الواضح (٢٢/ ٢٧)\n(٢) وقال فضيلته معلقا على هذا الموضع: (لو لم يكن من الأدلة الشرعية على منع كشف الوجه إلا هذا النص من الله تعالى لكفى به حكمَا موجبَا، لأن الوجه هو العنوان من المرأة لمعرفتها من الناحية المحذورة، والله تعالى أمر المرأة بأن تعمل على حجب ما يدل على معرفتها من بدنها، وهذا الأمر يقتضي الوجوب، ولا يوجد\nأي دليل ينقله من الوجوب إلى الاستحباب أو الخيار) اهـ من هامش ص: ٤٨.\n(٣) \"نظرات في حجاب المرأة المسلمة\" (ص: ٤٨ - ٤٩) .\n(٤) \"السابق\" (ص: ٥٢) .","vol":"3","page":225},{"text":"ص ٢٢٦ فارغة","vol":"3","page":226},{"text":"في البيوت.\nوهذه الآية الكريمة تستدعي التأمل وإدارة الفكر من وجوه:\nالأول: أن الله تعالى لم يقل: \"يتجلببن\" وإنما قال: (يُدْنِينَ) ومعلوم أن الإدناء ليس هو نفس التجلبب، بل هو أمر زائد على التجلبب، فلا يحصل الامتثال بهذا الأمر بمجرد التجلبب، بل لابد من الإِتيان بقدر زائد عليه يصح أن يطلق عليه كلمة الإِدناء.\nالثاني: أن الإِدناء لا يطلق على لبس الثياب، ثم إنه لا يتعدى بعلى، بل يتعدى باللام، ومِن، وإلى فتعديته هنا بعلى لتضمينه معنى فعل آخر، وهو الإِرخاء، والإِرخاء يكون من فوق، فالمعنى: يرخين شيئا من جلابيبهن من فوق رؤوسهن على وجوههن.\nأما قولنا: على وجوههن، فلأن الجلباب لابد أن يقع على عضو عند الإِرخاء، ومعلوم بالبداهة أن ذلك العضو لا يكون إلا الوجه وأما أن يكون على الجبهة فقط فمعلوم أن هذا القدر القليل من عطف الثوب لا يسمى إِرخاء، ويؤيد هذا المعنى - أي: أن المراد بالإِدناء هو الإِرخاء، لا مجرد، التجلبب - أيضًا، أن الله أتى بكلمة (مِن) التبعيضية قبل الجلابيب، فمقتضاه أن الإِدناء يكون بجزء من الجلباب مع أن التجلبب يطلق على مجموع هيئة لبسه.\nالثالث: أن الضمير في (يُدْنِينَ) يرجع إلى ثلاث طوائف جمعاء: إلى أزواج النبي ﷺ وإلى بناته، وإلى نساء المؤمنين، وقد أجمعوا على أن ستر الوجه والكفين كان واجبا على أزواجه ﷺ، فإذا دل هذا الفعل على وجوب ستر الوجه والكفين في حق طائفة منها؛ فلم لا يدل نفس ذلك الفعل على نفس ذلك الوجوب في حق طائفتين أخريين؟!\nالرابع: أن الله أمر أمهات المؤمنين بالتستر الكامل في آية الحجاب، ولم يستثن عضوًا من عضو، فلو كان المراد بإدناء الجلباب مجرد تغطية الرأس","vol":"3","page":227},{"text":"من غير أن يشمل الوجه والكفين لكان كلامه تعالى عبثا في حق أمهات المؤمنين إذ من العجائب أن يؤمر أولًا بالتستر الكامل حتى الوجه والكفين، ثم يؤمر بتغطية الرأس فقط، مع بقاء الآية الأولى محكمة غير منسوخة.\nوياليت شعري أي حاجة مست إلى الأمر بستر الرأس بعد الأمر بستر جميع الأعضاء؟!\nالخامس: أن أساليب الرواة وإن اختلفت في بيان سبب نزول هذه\nالآية، لكنهم متفقون على أن من أهداف هذا الأمر تمييز الحرائر من الأِماء\nبالزي.\nفعلينا أن نرجع في معرفة ذلك إلى تقاليد العرب في ذلك الزمان وقبله، ويبدو من إشعار الشعراء الجاهليين أن الحرائر والشريفات كن محتجبات الوجوه في الجاهلية أيضا، وحجاب الوجوه – وإن يكن عامًّا - لكنه كان هو الزي الفارق بين الحرة والأمة.\nثم ساق فضيلته شواهد شعرية لتأييد أن ستر الوجوه وكشفها كان هو الفارق بين الحرة والأمة في زمن الجاهلية (١)، إلى أن قال حفظه الله: وبعد معرفة هذا القدر من تقاليد نساء الجاهلية يسهل علينا فهم معنى الآية، وأن الله تعالى أمر المؤمنات بالتزام الزي الذي كان قد تقرر عندهم أنه زي الحرة، وليس بزي الأمة، ومعلوم أن ذلك الزي كان هو ستر الوجه بالجلباب.\nالسادس: أن الروايات التي وردت في بيان سبب نزول هذه الآية إما ساكتة عن بيان الزي الذي يفرق بين الحرة والأمة، وإما صريحة جازمة فيه\n_________\n(١) وقد تقدم ذكر جملة صالحة منها في فصل تاريخ الحجاب في الجاهلية، فراجع ص (٨٤) .","vol":"3","page":228},{"text":"فالرواية التي فيها، الصراحة ببيان الزي هى ما رواه أبن سعد عن محمد ابن كعب القرظى قال: كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المسلمين يؤذيهن، فإذا قيل له، قال: \"كنت أحسبها أمة\"، فأمرهن الله أن يخالفن لفي الإماء، ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها، يقول: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ)، يقول ذلك أحرى أن يعرفن (١) ويقرب منها الرواية التي رواها ابن جرير، ونقلها فضيلة الدكتور الهلالي فإن فيها تفسير (يُدْنِينَ) بكلمة: يتقنعن، والتقنع يطلق على تغطية الوجه، ومنه مقنع الكندي، سمى مقنعا لأنه كان لا يخرج إلا وعلى وعلى وجهه ستر (٢) .\nومنه ما قال أحمد بن أبي يعقوب في \"تاريخه\": وكانت العرب تحضر سوق عكاظ وعلى وجهها البراقع، فيفال: إن أول عربى كشف قناعه ظريف ابن غنم العنبري (٣) .\nومنه المثل السائر: ألقى عن وجهه قناع الحياء.\nفالروايات التي تبين سبب النزول تصرح أيضًا بان الفرق بين الحرة والأمة إنما كان بستر الوجه وكشفه.\nوأما استدلالاهم بما تقرر في كتب الفقه من أن الأمة لا تستر رأسها\nفليس بناهض:\nأما أولا: فلأن الله تعالى إنما رد المسلمين إلى التقاليد التي كانت متقررة\nفي مجتمع العرب، ولم يردهم إلى ما تقرر في هذا الشرع، فإن ما تقرر فيه،\nلم يتقرر إلا بعد نزول هذه الآية.\nوأما ثانيا: فلأن كشف الرأس للإِماء ليس بمتفق عليه (٤) .\n_________\n(١) \"طبقات ابن سعد\" (٨/١٧٦، ١٧٧) .\n(٢) انظر: \"الأغاني\" ترجمه مقنع (١٧/٦٠) .\n(٣) \"تاريخ اليعقوبي\" ط. أوربة (٢/ ٣١٥) .\n(٤) \"تفسير ابن كثير\" (٥/٥١٦)، و\"تفسير سورة النور\" لابن تيمية =","vol":"3","page":229},{"text":"وأَما ما قاله فضيلة الدكتور من أن عمر ﵁ كان يضرب الإِماء على ستر الرأس فليس بصحيح، بل الصحيح أنه كاد يضربهن على ستر الوجه وهاك لفظ الرواية: قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية متنقبة، فعلاها بالدرة، وقال: يالكاع تتشبهين بالحرائر؟ ألقي القناع (١) .\nوالعجب من فضيلة الدكتور أنه كيف رضي أن يستدل به على جواز كشف الوجوه للحرائر؟!\nالسابع؟ أنا لو سلمنا - على سبيل التنزل - أن مجرد ستر الرأس يكفي لتمييز الحرة من الأمة، فلا شك أن ستر الوجه مع ستر الرأس أوْلى في إِعطاء هذا التمييز، وفي تأدية هذا الغرض، فسبب النزول على تقدير صحة\nما فهمه منه فضيلة الدكتور لا يقتضي نفي ستر الرأس ولا ينافي وجوبه.\nالثامن أن سبب النزول ينص على أن الله تعالى دَرَأَ- بأمر إِدناء الجلباب-\nمفسدة من المفاسد، وهي التعرض للنساء، ولكن هناك مفاسد أخرى أكبر منها، وذلك أن المرأة- ولو كانت فاجرة- إذا تعرض لها أحد في الطريق بالتغزل، أو بإلقاء الكلمات تثور الحمية والغيرة فيها، وتستشيط غضبًا، إلا التي ترامت في وقاحتها وفجورها إلى النهاية، قلما يظفر الرجل بجدوى في\nمطلوبه بمثل هذا التعرض، ولا يجتني من عمله هذا إلا شوك الذل\nوالهوان\nولكن إذا خرجت المرأة سافرة الوجه فلا غرو أن يلتقي نظرها بنظر أحد من الرجال، ومعروف أن التقاء النظرين يحدث انجذابا في القلبين قلما يصبر أحدهما عن الآخر، ويقع كل واحد منهما فريسة لصاحبه\nبسهولة تامة، ولذلك ورد \"أن النظر سهم من سهام إبليس مسموم \" (٢) . وقال الشاعر:\n_________\n= ص (١٧)، و\"المحلى\" (٣/ ٢٨١) .\n(١) \"فتح البيان\" للنواب صديق حسن خان (٧/٣١٦)\n(٢) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٥/٨٧) .","vol":"3","page":230},{"text":"كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر\nوقال آخر:\nيصرعن ذا اللب حتى لاحراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا\nوليست هذه المفاسد متخيلة مفروضة، بل قد ابتلي بها المجتمع البشري في\nالعالم كله، وكل ذلك من عواقب هذا السفور.\nفإذا كانت هناك مفاسد أخرى بجنب المفسدة التي نزلت لدرئها الآية الكريمة فهل من حكمة الحكيم الخبير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما يتطور إليه المجتمع بفضل السفور، هل من حكمته أن يدرأ مفسدة واحدة صغيرة، ويترك مفاسد أخرى كبيرة مفتحة الأبواب، يدرؤها مع أنها من قبيلها وأشد منها؟\nفالصحيح أن مفسدة واحدة صغيرة - وهي التعرض للنساء في الطرقات - لما ظهرت واقتضت أمرًا من أوامر الله يسد به بابها أمر الله بأمر يكفي لسد باب هذه المفسدة، ولسد أبواب المفاسد الأخرى التي هي أكبر من أختها، فأمر بستر الرأس والوجه حتى ينقطع السبيل.\nولعل قائلًا يقول: إن الأمر إذا كان كذلك؛ فلم لم ينبه الله تعالى على\nتلك الأغراض النبيلة التي تكمن وراء هذا الأمر؟ ولم اقتصر على الإشارة إلى تلك الأَغراض في آية الحجاب بقوله: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) فلم يحتج إلى الإِعادة، ويالها من كلمة جامعة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة من أغراض هذا الباب إلا أحصتها في طيها، ثم إن قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) يشير إلى هذه الأغراض أيضًا، قال الرازي: \"قيل: يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن، ويمكن أن يقال: المراد أنهن\nلا يزنين، لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أن تكشف عورتها\" (١) اهـ.\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" (٦/ ٧٩٩) .","vol":"3","page":231},{"text":"التاسع: أن أعمال أمهات المؤمنين، وأعمال نساء المسلمين ترشدنا إلى\nما هو الصحيح في معنى إدناء الجلباب، لأن الخطاب كان موجها إليهن مباشرة، وكان الله مهيمنَا عليهن، والرسول قيما ورقيبًا على أعمالهن، فلا نحسب أن الرسول ﷺ أقر الصحابة والصحابيات على عمل لم يوجبه الله، مع أنه كان قد جاء لرفع الأواصر والأغلال، وكان عزيزَا عليه ما عنتوا، وقد أعطت الروايات عن أعمالهن تفصيلًا لا يحوم حوله شك، ولا ريب بأنهن كن يسترن الوجوه إيمانا بكتاب الله، وتصديقًا بتنزيله (١) .\nالعاشر: أن من تصدى من الصحابة والتابعين وعلماء أهل التأويل لتفسير إدناء الجلباب فسره بستر الوجوه، إلا بعض أقوال شاذة، وهاك شيئا من تلك النصوص ...\nثم سرد فضيلته جملة كبيرة من النقول عن جماهير المفسرين، وقد تقدم نقل أقوالهم آنفا.\nثم قال حفظه الله معقبًا: هذه هي أقوال أعلام هذه الأمة من لدن أفضل القرون إلى القرن الرابع عشر الذي نعيش فيه، يعرف منها أن من تصدى لتفسير إدناء الجلباب فقد فسره بتغطية الوجه، ولو كان ممن يقول بجواز كشفه، ولا يُعْرَف أحد خالف هذا التفسير صريحا، وإنما يستأنس بأقوال بعضهم أنه لا يرى تغطية الوجه جزءًا من إدناء الجلباب، وهاك نصوص هولاء:\nقال مجاهد: يتجلببن (٢) .\nوقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها (٣) .\nوقال سعيد بن جبير: يسدلن عليهن (٤) .\n_________\n(١) وقد سردنا فيما مضى النصوص التي تقرر هذه الدعوى بما لا مجال للكلام فيه.\n(٢)، (٣) \"تفسير ابن كثير\" (٥/٥١٦) .\n(٤) \"روح المعاني\" للآلوسي (٢٢/ ٨٣) .","vol":"3","page":232},{"text":"وقال ابن قتيبة: يلبسن الأردية (١) .\nوهذه الأقوال كما ترى ليست صريحة في نفي ستر الوجه، فإن التجلبب، وسدل الجلباب ولبس الأردية لا ينافي تغطية الوجه، على أن التجلبب كان له طريق معروف في نساء المسلمين، وهو لبسها مع تغطية الوجه، فمن يدعي حمل هذه الأقوال على خلاف المعروف فليأت عليه بدليل.\nثم هذا الوجه العاشر من الوجوه التي أشرنا إليها في بداية الكلام على هذه الآية، فتلك عشرة كاملة، ولدينا مزيد.\nالحادي عشر: أن قوله (يُدْنِينَ) صيغه مضارع للأمر، ومعلوم أن الأمر للوجوب، وأنه إذا ورد بصيغة المضارع يكون آكد في الدلالة على الوجوب.\nوإذا تعين بعشرة وجوه أن المراد بإدناء الجلباب هو تغطية الوجه، تعين\nأنه واجب نطق به كتاب الله، فلا مناص عن الالتزام به.\nوفي ختام البحث على معنى هذه الآية لا أرى بأسًا أن أتكلم حول ما\nقاله فضيلة الدكتور في الإدناء.\nإن فضيلة الدكتور نقل عن ابن جرير اختلاف أهل التأويل في\nالإدناء: أهو تغطية الوجه، أم شد الجلباب على الجبهة؟ ثم رجح الأخير، بل صرح بأنه هو المتعين لخمسة أمور. . .\nأقول: قد عرفت مما قدمنا أن هذا التقسيم لا يبتني على أساس متين،\nفكل ما يتفرع عليه فهو مثله.\nقال فضيلة الدكتور: (الأول: ما تقدم من النصوص التي يفسر بها كتاب الله ومن رويت عنه - وهو النبي وأصحابه - أعلم بكتاب الله) اهـ\nأقول:\n_________\n(١) \"زاد المسير في علم التفسير\" (٦/ ٤٢٢) .","vol":"3","page":233},{"text":"سينكشف الغطاء عن تلك النصوص وعن عمل النبي ﷺ وأصحابه\nوأمته، فاصطبروا.\nقال: (الثاني: أقوال العلماء السابقة (١) لا تتمشى مع القول بوجوب\nستر الوجه والكفين بوجه، ولا يقدر أحد أن يقول أن أولئك كانوا يجهلون معنى هذه الآية، ويتواطئون على خلاف ما دلت عليه) اهـ\nأقول:\nلا يغرن أحدًا إجماعُ العلماء أو شبه إجماعهم على إخراج الكفين والوجه عن العورة، فمدار الحجاب ليس هو العورة، بل إنما أمر الحجاب لأنه أزكى وأطهر لقلوب المؤمنين والمؤمنات، ولو صح أن موقفهم وأقوالهم لا تتمشى مع القول بوجوب ستر الوجه والكفين، فلا شك أنهم أو كثير منهم ناقضوا أنفسهم حيث صرحوا بالوجوب، ولا يقدر أحد أن يقول إن أولئك كانوا يجهلون معنى التناقض، وفضيلة الدكتور ينقل عن بعضهم التصريح بأن الوجه والكفين ليسا بعورة، والتصريح بأن سترهما واجب، وأن سبب الوجوب هو خوف الفتنة، ومع ذلك يقول فضيلته \"إن أقوالهم لا تتمشى مع القول بالوجوب\"، ولا أدرى أي شيء يمنع عن التمشي بعد هذا كله؟\nثم ليعلم أن الصحابة والأمة المسلمة التي التزمت نساؤها بستر الوجوه بعد نزول آيتي النور والأحزاب – كما سنورد مدللًا - وكذلك أكابر الصحابة والتابعين وفطاحل العلماء المفسرين الذين فسروا إدناء الجلباب بستر الوجوه، لا يقدر أحد أن يقول إنهم كانوا يجهلون لغة العرب، أو كانوا يجهلون أنهم يمتثلون ويفسرون أمرَا من أوامر الله، وأن الأمر\nللوجوب.\n_________\n(١) يشير فضيلة الدكتور الهلالي - رحمه الله تعالى - إلى تنصيص كثير من العلماء على\nإخراج الوجه والكفين من حدود العورة.","vol":"3","page":234},{"text":"قال: (الثالث: أن إدناء الجلابيب غير صريح في تغطية الوجه، ولا\nسيما إذا عرفت سبب نزولها، والتعليل الذي هو في آخر الآية وهو قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) اهـ.\nأقول:\nقد عرفت أن إدناء الجلابيب لا يصلح لمعنى غير تغطية الوجه، ولا\nسيما إذا عرفت سبب نزولها والبيئة التي نزلت فيها، وعرفت معنى التعليل الذي هو في آخر هذه الآية، وفي آية الحجاب.\nقال: (الرابع: كثرة القائلين بالثاني حتى ابن عباس، إلخ) اهـ.\nأقول:\nأولًا: الكتاب والسنة هما العيار على الناس، والناس ليسوا عيارا على الكتاب والسنة.\nثانيًا: قد عرفت – وستعرف - حقيقة الكثرة والقلة في الجانبين، فليس القائلون بالسفور إلا نزرا يسيرًا في جنب هذه الأمة الزاخرة المتدفقة بأسرها.\nقال: (الخامس: أن هذه الآية مفسرة في القرآن نفسه، وأولى ما فُسر به القرآنُ، القرآنُ. . . الخ) اهـ.\nأقول:\nنعم، هذه الآية يفسرها قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)، وقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، وأما تفسيرها بقوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فتفسير لجزء من مدلولها، ولناحية من نواحي معناهِا الواسعة الأرجاء، فلا يصح الاقتصار عليه، وقد قدمنا ما في الاستدلال بهذه الآية على جواز كشف الوجه (١)، فلا حاجة إلى الإعادة.\n_________\n(١) انظر (٢٩٩)، (٣١٤) .","vol":"3","page":235},{"text":"وإذا كانت في القرآن عدة آيات تصلح لتفسير آية منه فليس لنا أن نفسرها ببعضها، ونهمل بعضا آخر فلا نراعيها، على أن التأسيس معلوم الأولوية كل التأكيد (١) .\nفإذا قلنا: إن آية النور بيان لجزء (٢) من آداب النساء في المجتمع\n_________\n(١) وذلك لأن اللفظ إذا احتمل أكثر من معنى، رجح تقديم محتمل اللفظ الراجح على المحتمل المرجوح: كالتأسيس، فإنه يقدم على التوكيد، مثال ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الآية، فكلمة (وَصَدُّوا) هنا يحتمل أن يكون لازمة مثل قوله تعالى: (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) وعليه يكون معنى الصدود الكفر، فتكون كالتوكيد لقوله تعالى: (كَفَرُوا)، ويحتمل\nأن تكون متعدية، وحينئذ يدل قوله تعالى: (كَفَرُوا) على كفرهم في أنفسهم،\nوقوله: (وَصَدُّوا) على أنهم حملوا غيرهم على الكفر، وصدوه عن الحق، فهنا يترجح القول الأخير لأن فيه تأسيسَا لمعنى جديد، خلاف القول الأول الذي يقتضي التكرار والتوكيد.\nونظير ذلك قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧» إن حملنا الحياة\nالطيبة في هذه الآية على الحياة الدنيا كان ذلك تأسيسًا، وإن حملناها على حياة الجنة تكرر ذلك مع قوله بعده: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ) الآية، لأن حياة الجنة الطيبة هي أجرهم الذي يجزونه، قال أبو حيان في \"البحر المحيط\": (والظاهر من قوله تعالى: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) إن ذلك في الدنيا، وهو قول الجمهور،\nويدل عليه قوله: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ) يعني في الآخرة) اهـ.\nومثال ذلك أيضًا قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، وقوله ﷿: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)، قيل: تكرار اللفظ فيهما توكيد، وكونه للتأسيس أرجح\nلما ذكرنا، فتحمل الآلاء في كل موضع على ما تقدم قبل ذلك التكذيب، فلا يتكرر منها لفظ، وكذا يقال في سورة المرسلات، فيحمل على المكذبين بما ذكر قبل كل لفظ، والله تعالى أعلم.\n(٢) إنما يسوغ هذا الجمع بناء على التسليم الجدلى بصحة ما ذهبوا إليه من آية النور تفيد جواز السفور، ومع ذلك فإنها - طبقَا لما فهمته الصحابيات ﵅ -\nلا تفيد ذلك كما سيأتي إن شاء الله.","vol":"3","page":236},{"text":"الإِسلامي، وآية الأحزاب بيان لجزء آخر منها، يكون ذلك أوفق بلطائف التنزيل وببلاغة كلام الله تعالى وإعجازه\" اهـ.\n* وقال العلامة عبد العزيز بن باز - ﵀ - في تفسير الآية:\n\"والجلابيب جميع جلباب، والجلباب هو ما تضعه المرأة على رأسها للتحجب، والتستر به، أمر الله سبحانه جميع النساء بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك حتى لا يُعرفن بالعفة فلا يُفتتن، ولا يَفْتِنَّ غيرَهن فيؤذيهن\" (١) اهـ.\n* * *\n_________\n(١) رسالة تبحث في مسائل السفور والحجاب \" ص: (٦) .","vol":"3","page":237},{"text":"فصل في بيان معنى الحجاب\nتقدمت عبارات المفسرين في تحديد المقصود من الجلباب، وقد جمعها الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" سبعة أقوال: (المقنعة، والخمار أو أعرض منه، والثوب الواسع يكون دون الرداء، والإِزار، والملحفة، والملاءة، والقميص) (١) اهـ.\nوأرجحها ما ذهب إليه كثير من المحققين، ألا وهو أنه الجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله ﷺ هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه.\nذكره ابن حزم في \"المحلى\" (٢)، وصححه القرطبي في تفسيره (٣) .\nوقال ابن الأثير: (الجلباب: الملحفة والإِزار الذي تتغطى به المرأة) (٤) اهـ.\nوقال البغوي: (هو المُلاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار) (٥) اهـ.\nوقال ابن كثير: (هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإِزار اليوم) (٦) اهـ.\nقال الألباني: (ولعله العباءة التي تستعملها اليوم نساء نجد والعراق ونحوهما) (٧) . اهـ.\nوقال الشيخ أنور الكشميري: (والجلباب رداء ساتر من القرن إلى\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٥) .\n(٢) \"المحلى\" (٣/٢١٧) .\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٤/٢٤٣) .\n(٤) \"جامع الأصول\" (٦/ ١٥٢) .\n(٥) \"معالم التنزيل\".\n(٦) \"تفسير القرآن العظيم\" (٣/٥١٨) .\n(٧) \"حجاب المرأة المسلمة\" (ص: ٣٨) .","vol":"3","page":238},{"text":"القدم) (١) . اهـ.\nوقال الشيخ إبراهيم الشوري، والشيخ محمد الشيباوي: (والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن، وكل امرأة أعرف بما يستر جسمها، ولا تحتاج إلى تعليم في ذلك) (٢) اهـ.\nوقال الشيخ عبد العزيز بن خلف: (والمفهوم من الجلباب لا ينحصر\nباسم ولا بجنس ولا بلون، وإنما هو كل ثوب تشتمل به المرأة لستر مواضع الزينة من ثابت ومنقول، وإذا عرفنا المقصود منه زال الحرج في وصفه ومسماه) (٣) اهـ.\nحكم لبس الجلباب\nروى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق (٤)، والحُيَّض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها\".\nقال الحافظ ابن حجر: (وفيه امتناع خروج المرأة بغير جلباب) (٥) اهـ. وقال البدر العيني: (ومنها - أي من فوائد الحديث - امتناع خروج النساء بدون الجلاليب) (٦) اهـ.\nقال العلامة الألباني معلقًا على عبارة الكشميري (٧) ﵀:\n_________\n(١) \"فيض الباري\" (١/ ٣٨٨) .\n(٢) \"تيسير التفسير\" \"العشر الثامن من القرآن\" (ص:٤٦) .\n(٣) (نظرات في كتاب حجاب المرأة المسلمة) (ص: ٤٨) .\n(٤) العواتق. جمع عاتق، وهي الشابة أول ما تدرك.\n(٥) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٥) .\n(٦) \"عمدة القارئ\" (٣/ ٣٠٥)\n(٧) \"فيض الباري\" (١/٣٨٨)","vol":"3","page":239},{"text":"\"الجلباب لستر زينة المرأة عن الأجانب، فسواء خرجت إليهم، أو دخلوا عليها فلابد على كل حال من أن تتجلبب (١)، ويؤيد هذا ما قاله\nقيس بن زيد: إن رسول الله ﷺ طلق حفصة بنت عمر. . فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها فتجلببت، فقال رسول الله ﷺ \"إن جبريل أتاني فقال لي أرجع. حفصة فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة\" (٢)، وقد صح عن عائشة أنها كانت إذا صلت تجلببت، فدل على أن الجلباب ليس خاصا بالخروج\" (٣) اهـ.\nفتوى العلامة الألباني في وجوب الجلباب:\nقال رحمه الله تعالى:\n\" ... الحق الذي يقتضيه العمل بما في آيتي النور والأحزاب أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من دارها أن تختمر، وتلبس الجلباب على الخمار، لأنه كما قلنا سابقًا أستر لها، وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها، وهذا أمر يطلبه الشارع. . .، وهذا الذي ذكرته هو الذي فسر به السلف آية الإِدناء، ففي \"الدر\" (٥/ ٢٢٢): (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) قال: يسدلن عليهن\nمن جلابيبهن، وهو القناع فوق الخمار، ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها\"، (٤) اهـ.\n_________\n(١) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٣١٠) .\n(٢) أخرجه ابن سعد (٨/ ٥٨)، قال الألباني: (الحديث مرسل، وأخرجه الحاكم \" (٤/ ١٥)، وذكر له شاهدا من حديث أنس، فيتقوى به إن شاء الله تعالى) اهـ من\n\"حجاب المرأة المسلمة\" هـ (ص: ٤٠) .\n(٣) \"حجاب المرأة المسلمة\" هامش (ص: ٤٠) .\n(٤) \"حجاب المرأة المسلمة\" هامش (ص: ٣٩ – ٤٠)","vol":"3","page":240},{"text":"وقال ﵀ في موضع آخر:\n\"الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة، ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع، وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البَشَرة فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه، ويصوره في أعين الرجال، وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما\nلا يخفى، فوجب أن يكون واسعًا، وقد قال أسامة بن زيد ﵄: كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال: مالك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي،\nفقال: \"مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها\" (١) .\nفقد أمره ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب - ليمنع بها وصف بدنها، والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول \" (٢) اهـ.\nوقد صرح الحديث بأن القبطية كانت \"كثيفة\" أي: ثخينة غليظة، كما صرح بالمحذور الذي خشيه النبي ﷺ من هذه القبطية فقال: \"إني أخاف أن تصف حجم عظامها\".\nفمن هنا جزم الشيخ﵀ - بأن الحديث وارد على الثياب الكثيفة التي تصف حجم الجسم من ليونتها، ولو كانت غير رقيقة، ولا يمكن حمله على الثياب الرقيقة الشفافة التي لا تستر لون البشرة، ومن ثم استنكر الشيخ على بعض الشافعية قوله: ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار، وتتخذ جلبابًا كثيفًا فوق ثيابها ليتجافى عنها، ولا يتبين حجم أعضائها (٣)، فقال معلقا:\n(والقول بالاستحباب فقط ينافي ظاهر الأمر فإنه للوجوب كما تقدم،\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) \"حجاب المرأة المسلمة\" (ص: ٦٠) .\n(٣) ذكره الرافعي في \"شرحه \" (٤/ ٩٢، ١٠٥ بشرح المهذب) .","vol":"3","page":241},{"text":"وعبارة الإمام الشافعي ﵁ في \"الأم\" قريب مما ذهبنا إليه، فقد قال (١/٧٨): \"وإن صلى في قميص يشف عنه لم تجزه الصلاة. . فإن صلى في قميص يصفه، ولم يشف كرهت له، ولا يتبين أن عليه إعادة الصلاة، والمرأة في ذلك أشد حالًا من الرجل إذا صلت في درع وخمار يصفها الدرع، وأحب إلي أن لا تصلي إلا في جلباب فوق ذلك، وتجافيه عنها لئلا\nيصفها الدرع\".\nوقد قالت عائشة ﵂: \"لابد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلى فيها: درع، وجلباب، وخمار، وكانت عائشة تحل إزارها فتجلببُ به \" (١) .\nوإنما كانت تفعل ذلك لئلا يصفها شيء من ثيابها، وقولها \"لابد\" دليل\nفي وجوب ذلك، وفي معناه قول ابن عمر ﵄: إذا صلت المرأة، فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة (٢) .\nوهذا يؤيد ما سبق أن ذهبنا إليه من وجوب الجمع بين الخمار والجلباب على المرأة إذا خرجت) (٣) اهـ.\nفصل\nمناقشة ما ذهب إليه فضيلة الشيخ الألباني في تفسير آية الإدناء\n* قال ﵀:\n\"لا دلالة في الآية على، أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره، بل غاية ما\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد (٨/٤٨ - ٤٩)، وصحح الألباني إسناده على شرط مسلم\n(الحجاب) هـ (ص: ٦٢) .\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، وصحح سنده الألباني في \"الحجاب\" (ص: ٦٢) .\n(٣) \"حجاب المرأة المسلمة\" (ص: ٦١- ٦٢) .","vol":"3","page":242},{"text":"فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها، وهذا كما ترى أمر مطلق، فيحتمل أن يكود الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى (١) - وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، فعليه يشمل الوجه\nوقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين، وساق أقوالهم في ذلك ابن جرير في تفسيره، والسيوطي في \"الدر المنثور\"، ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور\nالأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تقييد الإِدناء هنا بما عدا الوجه توفيقًا بين الآيتين.\nالأخر: أن السنة تبين القرآن، فتخصص عمومه، وتقيد مطلقه، وقد دلت النصوص الكثيرة منها على أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تفسير هذه الآية على ضوئها، وتقييدها بها.\nفثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره، وهو مذهب أكثر العلماء كما قال ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٨٩)، ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد، كما في \"المجموع\" (٣/ ١٦٩)، وحكاه الطحاوي في \"شرح المعاني \" (٢/ ٩) عن صاحي أبي حنيفة أيضا، وجزم في \"المهمات\"\nمن كتب الشافعية أنه الصواب، كما ذكره الشيخ الشربيني في \"الإقناع \" (٢/١١٠) .\nلكن ينبغي تقييد هذا بما إذا يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) وإلا وجب ستر ذلك، لاسيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن\n_________\n(١) يعني لذلك قوله تعالى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الآية","vol":"3","page":243},{"text":"بأنواع من الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم بل عاقل ذو غيرة في تحريمه اهـ (١) .\nوأنت ترى من كلام فضيلته أنه صرح بأن القول الأول الذي حكاه\n\"أشبه\" بالصواب، وذكر أن مرجع هذا الشبه\" إلى أمرين:\nالأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضا.\nوهذا حق، ولكن لو طبقناه على آيات الحجاب مجتمعة لعلمنا أن آيات\nسورتي النور والأحزاب متضافرة على إثبات عموم الإدناء لسائر البدن، وقد تقدمت الإشارة إلى أن التأسيس معلوم الأولوية على التوكيد إذا دار الأمر بينهما، فلو سلمنا أن آية (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) تفيد إباحة السفور، فإن آية الإِدناء تؤسس حكمًا جديدا، وتقدم بيان ذلك في الكلام الذي نقلناه عن الشيخ أبي هشام الأنصاري فراجعه (٢) .\nوالأمر الثاني: الذي ذكره الشيخ هو دعوى أن النصوص الكثيرة من\nالسنه دلت على أن الوجه لا يجب ستره.\nويجاب عنها بأن هذه النصوص المشار إليها محتملة، وليست صريحة في\nإباحة السفور، والد ليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، ويأتي بيان ذلك مفصلا أن شاء الله تعالى (٣) .\nثم خلص فضيلته من الأمرين السابقين إلى أن الوجه ليس بعورة، فقال\n﵀: فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره ثم قال: وهو مذهب أكثر العلماء. . . إلخ.\nوالجواب: أن هذا صحيح، ولا تعارض- بحمد الله- بين ما ذهب\n_________\n(١) \"حجاب المرأة المسلمة\" (ص: ٤٠ -٤٢) ويأتي مزيد بيان في تفسير الآيات المشار إليها إن شاء الله.\n(٢) راجع ص: (٢٣٦) .\n(٣) انظر ص: (٣٩١) وما بعدها، ص (٤٢٦ – ٤٢٩)","vol":"3","page":244},{"text":"إليه أكثر العلماء من أن الوجه ليس بعورة، وبين إفتاء بعضهم بوجوب ستره أمام الأجانب، لأن حدود العورة ليست هي حدود الحجاب، فإذا قيل: إن وجه المرأة ليس بعورة، فهذا المذهب إنما هو في الصلاة إذا لم تكن المرأة بحضرة الرجال الأجانب، وأما بالنسبة لنظر الأجنبي إليها فجميع بدنها عورة لابد من ستره عن الأجنبي مصداقًا لقوله ﷺ: \"المرأة عورة\" (١) .\nولهذا غالبًا ما تجد تصريح العلماء بأن الوجه والكفين ليسا بعورة إنما يكون عند الكلام على شرط ستر العورة في أبواب \"شروط صحة\nالصلاة\".\nقال الشافعي﵀- في \"باب كيف لبس الثياب في الصلاة \" (٢): (وكل المرأة عورة، إلا كفيها ووجهها) اهـ.\nوقال أيضا: (وعلى المرأة أن تغطي في الصلاة كل ما عدا كفيها ووجهها) اهـ.\nوقال الشهاب: (وما ذكره - أي البيضاوي - من الفرق بين العورة في الصلاة وغيرها مذهب الشافعي ﵀) (٣) اهـ.\nوقال الشيخ محمد عليش ﵀: (والعورة من الحرة جميع بدنها سوى وجهها وكفيها، وهذا بالنسبة للصلاة. . .) (٤) اهـ.\nوقال الإمام موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى في باب \"صفة الصلاة\": (وقال الأوزاعي والشافعي: جميع المرأة إلا وجهها وكفيها، وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة) (٥) اهـ.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) \"الأم\" (١/٧٧) .\n(٣) \"عناية القاضي\" (٦/ ٣٧٣)، وانظر: \"روح المعاني\" للآلوسي (١٨/١٤١) .\n(٤) \"منح الجليل على مختصر العلامة خليل\" (١/١٣٣) .\n(٥) \"المغني\" (١/١٠١) .","vol":"3","page":245},{"text":"ونقل عنه الشيخ محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي قوله: (أجمعوا على أن للمرأة كشف وجهها في الصلاة) (١) اهـ.\nوبعد أن صحح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ليس للمرأة أن تبدي الوجه واليدين والقدمين للأجانب، قال: (وأما ستر ذلك في الصلاة، فلا يجب باتفاق المسلمين، بل يجوز لها كشف الوجه بالإجماع) (٢) اهـ.\nوقال الشيخ مصطفى الرحيباني: (لا خلاف في المذهب أنه يجوز للمرأة الحرة كشف وجهها في الصلاة - ذكره في المغني وغيره) (٣) ٠ اهـ.\nوقال المرداوي ﵀: (قال الزركشي: \"أطلق الإمام أحمد القول بأن جميعها عورة، وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة\"، وقال بعضهم: الوجه عورة، وإنما كشف في الصلاة للحاجة، قال الشيخ تقي الدين: والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر، إذ لم يجز النظر إليه) (٤) اهـ.\nوقال الشيخ العلامة فقيه الحنابلة في وقته منصور بن إدريس البهوتي (٥): (والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها، لقول النبي ﷺ: \"المرأة عورة\" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ: \"أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ \"، قال: \"إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها\" رواه أبو داود، وصحح عبد الحق وغيره أنه موقوف على أم سلمة \"إلا وجهها\".\n_________\n(١) \"بذل المجهود لحل سنن أبي داود\" (٤/ ٣٠١) .\n(٢) \"حجاب المرأة المسلمة ولباسها في الصلاة\" ص (٦)\n(٣) \"مطالب أوى النهى في شرح غاية المنتهى\" (١/٣٣٠) .\n(٤) \"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف\" (١/٤٥٢) .\n(٥) \"كشاف القناع عن متن الإقناع\" (١/٢٤٣) .","vol":"3","page":246},{"text":"ولا خلاف في المذهب أنه يجوز للمرأة الحرة كشف وجهها في الصلاة،\nذكره في المغني وغيره \"قال جمع: وكفيها\" واختاره المجد، وجزم به في\nالعمدة والوجيز، لقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) .\nقال ابن عباس وعائشة \"وجهها وكفيها\" رواه البيهقي، وفيه ضعف،\nوخالفهما ابن مسعود، وهما - أي الكفان والوجه من الحرة البالغة -\nعورة خارجها، أي: الصلاة باعتبار النظر كبقية بدنها لما تقدم من قوله\nﷺ \"المرأة عورة\") اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\n(اختلفت عبارة أصحابنا في وجه الحرة في الصلاة، فقال بعضهم: ليس\nبعورة وقال بعضهم: عورة، وإنما رخص في كشفه في الصلاة للحاجة،\nوالتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر، إذ لم يجز\nالنظر إليه)\nوقال أيضًا: (فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا\nولا عكسا) (١) اهـ.\nوقال المحقق أبو النجا شرف الدين موسى الحجاوي المقدسي:\n(والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها إلا وجهها،\nقال جمع: وكفيها، وهما والوجه عورة خارجها باعتبار النظر كبقية\nبدنها) (٢) اهـ.\nوقال: (ويكره أن يصلي في ثوب فيه صورة، وأن يصلى الرجل ملثمًا،\nوالمرأة منتقبة، إلا أن تكون في مكان، وهناك أجانب لا يحترزون عن\nالنظر إليها، فلا يجوز لها رفع النقاب) (٣) اهـ.\n_________\n(١) نقله عنه التويجري في \"الصارم المشهور\" ص: ٧٢- ٧٣.\n(٢) \"الإقناع\" (١/ ٨٨) .\n(٣) \"الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع\" (١٨٥) باب ستر العورة وبيانها.","vol":"3","page":247},{"text":"قال الشيخ الإمام عبد القادر بن عمر الشيباني الحنبلي: \"والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة، حتى ظفرها وشعرها \"إلا وجهها\"، والوجه والكفان\nمن الحرة البالغة عورة خارج الصلاة باعتبار، والنظر كبقية بدنها\" (١) اهـ.\nوقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀: \"العورة عورتان: عورة\nفي الصلاة، وعورة في النظر، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك\" (٢) اهـ.\nأما احتجاج فضيلة الشيخ ناصر الدين الألباني بما ذكره \"الشربيني\" في \"الإِقناع\" فمردود بما تقدم بيانه من أن مدار الحجاب ليس هو العورة، بل مردود بما ذكره الشربيني نفسه في تفسيره المسمى \"السراج المنير\" حين نقل قول ابن عادل: (ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا يزنين، لأن تستر وجهها مع أنه ليس بعورة- أي: في الصلاة - لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها) (٣) اهـ.\nبل هذا الشربيني نفسه يصرح بترجيح تحريم النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها (٤)، فتراه ينقل عن السبكي قوله: \"إن الأقرب إلى صنع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر لا في الصلاة\" اهـ.\nوقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا):\n\"والمستثنى هو الوجه والكفان لأنهما ليستا من العورة، والأظهر أن\nهذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة، لا يحل لغير الزوج\nوالمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة\" (٥) اهـ.\n_________\n(١) (نيل المآرب بشرح دليل الطالب) (١/ ٣٩) .\n(٢) \"القياس في الشرع الإسلامي\" ص: ٦٩.\n(٣) \"السراج المنير\" (٣/ ٢٧١)، وانظر أيضَا كلام الشربيني المذكور ص: (؟؟؟)\n(٤) \"مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج\" (٣/١٢٩) .\n(٥) \"عناية القاضي وكفاية الراضي\" (٦/ ٣٧٣) .","vol":"3","page":248},{"text":"قال الشهاب في شرحه: ومذهب الشافعي ﵀ كما في الروض وغيرها أن جميع بدن المرأة عورة حتى الوجه والكف مطلقًا، وقيل: يحل النظر إلى الوجه والكف إن لم يخف فتنة، وعلى الأول: هما عورة إلا في الصلاة، فلا تبطل صلاتها بكشفها\" (١) اهـ.\nوقال الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني ﵀: \"ويباح كشف وجهها حيثا لم يأت دليل بتغطيته، والمراد كشفه عند الصلاة بحيث لا يراها أجنبي، فهذه عورتها في الصلاة، وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة كما يأتي تحقيقه\" (٢) اهـ.\nوقال المودودي رحمه الله تعالى: \"وأدعى إلى العجب أن هؤلاء الذين يبيحون للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها للأجانب يستدلون على ذلك بأن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة، مع أن الفرق كبير جدا بين الحجاب وستر العورة، فالعورة مالا يجوز كشفه حتى للمحارم من الرجال، وأما الحجاب فهو شيء فوق ستر العورة، وهو ما حيل به بين النساء والأجانب من الرجال \" (٣) اهـ.\nوقال فضيلة الشيخ أبو هشام عبد الله الأنصاري: (لا يغرن أحدًا إجماعُ العلماء أو شبه إِجماعهم على إخراج الوجه والكفين عن العورة،\nفمدار الحجاب ليس هو العورة، بل إنما أمر بالحجاب لأنه أزكى وأطهر لقلوب المؤمنين والمؤمنات، ولو صح أن موقفهم وأقوالهم لا تتمشى مع القول بوجوب ستر الوجه والكفين، فلا شك أنهم أو كثير منهم تناقضوا أنفسُهم حيث صرحوا بالوجوب، ولا يقدر أحد أن يقول: إن أولئك كانوا يجهلون معنى التناقض) (٤) اهـ.\n_________\n(١) السابق.\n(٢) \"سبل السلام\" (١/ ١٧٦) .\n(٣) \"تفسير سورة النور\" ص: ١٥٨.\n(٤) \"مجلة الجامعة السلفية - ذو القعدة ١٣٩٨هـ، ص: ٦٩.","vol":"3","page":249},{"text":"وقال الدكتور محمد محمود حجازي: \"وعورة المرأة في الصلاة كل بدنها إلى وجهها وكعبيها (١)، وهي كلها عورة بالنسبة للرجال الأجانب، وبعضهم يقول: كلها إلا الوجه والكفين ما لم تخف الفتنة\" (٢) اهـ. وقال الشيخ محمد على الصابوني: \"الأمر بالجلباب إنما جاء بعد أن استقر أمر الشريعة على وجوب \"ستر العورة\"، فلابد أن يكون الستر المأمور به هنا زائدَا على ما يجب من ستر العورة، ولهذا اتفقت عبارات\nالمفسرين- على اختلاف ألفاظها- على أن المراد بالجلباب: الرداء الذي تستر به المرأة جميع بدنها فوق الثياب، ... وليس المراد ستر العورة كما\nظن بعض الناس\" (٣) اهـ.\nفهذا القدر من النقول عن أهل العلم كاف لإثبات الفرق بين حدود العورة وحدود الحجاب.\nوعليه فلا يصح ما أيَّد به البعض إباحته للسفور من إِجماع العلماء أو شبه إجماعهم على إِخراج الوجه والكفين من العورة، فتدبر ذاك، والله سبحانه يتولى هداك.\n_________\n(١) كذا بالأصل، ولعل ما يقتضيه السياق: (إلا وجهها وكفيها) .\n(٢) \"التفسير الواضح \" (١٨/ ٦٦) .\n(٣) \"روائع البيان \" (٢/ ٣٧٨) .","vol":"3","page":250},{"text":"الدليل الثاني\nآية الحجاب\nوهي قوله تعالى مخاطبًا الصحابة ﵃ في شأن أمهات المؤمنين ﵅: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [الأحزاب: ٥٣] .\nهذه هي آية الحجاب، نزلت في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وهي نعم بإطلاقها حجاب جميع الأعضاء بما فيها الوجه والكفان، لا تستثني عضوًا من عضو.\nوهذا المعنى هو الذي يشهد له عمل أمهات المؤمنين، ولم يختلف العلماء في تعيين هذا المعنى حتى نطيل الكلام في تحقيقه، وإنما يقول من يظن أن الوجه والكفين خارجان عن الحجاب: \"إن هذه الآية مختصة بأمهات المؤمنين\"، وهذه الناحية هي التي تقتضي البحث والتنقيب في هذه الآية. * قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى:\n(وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) يقول: وإذا سألتم أزواج رسول الله ﷺ، ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) يقول تعالى ذكره:\nسؤالكم إياهنَ المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها، التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون","vol":"3","page":251},{"text":"للشيطان عليكم وعليهن سبيل \" (١) اهـ.\n* وقال العلامة أبو بكر الجصاص الحنفي - رحمه الله تعالى -:\n\"قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) قد تضمن\nحظْر رؤية أزواج النبي ﷺ، وَبَيَّن به أن ذلك أَطهر لقلوبهم وقلوبهن؛ لأن نظر بعضهم إلى بعض ربما حدث عنه الميلُ والشهوة، فقطع الله بالحجاب الذي أوجبه هذا السبب، قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) يعني: بما بَيَّنَ في هذه الآية من إِيجاب الاستئذان، وترك الإطالة للحديث عنده، والحجاب بينه وبين نسائه، وهذا الحكم وإن نزل خاصًّا في النبي ﷺ وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره، إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به، إلا ما خصه الله به دون أمته\" (٢) اهـ.\nولعله يشير إلى قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الآية، وغيرها من الآيات العديدة في الأمر باتباعه ﷺ، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.\n* وقا! ل الإمام القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المالكي:\n\"المسألة الثالثة عشرة- قوله: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) وفي المتاع أربعة أقوال: الأول: عارية، الثاني: حاجة، الثالث: فتوى، الرابع: صحف القرآن، وهذا يدل على أن الله أذن فى مساءلتهن\nمن وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها، والمرأة كلها عورة، بدنها وصوتُها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة، كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يَعِنُّ، وَيَعْرِضُ\n_________\n(١) \"جامع البيان\" (٢٢/٣٩) .\n(٢) \"أحكام القرآن\" (٣/٣٦٩ – ٣٧٠) .","vol":"3","page":252},{"text":"عندها.\nالمسألة الرابعة عشرة - قوله: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)\nالمعنى: أن ذلك أنفى للرِّيبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية، وهذا يدل\nعلى أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له، فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله، وأحصن لنفسه، وأتم لعصمته\" اهـ (١) .\n* وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي﵀ -:\n\"واختلف في المتاع، فقيل:- ما يتمتع به من العواري (٢)، وقيل: فتوى، وقيل: صحف القرآن، والصواب أنه عام في جميع ما يمكن أن يطلب من المواعين، وسائر المرافق للدين والدنيا\".\nوقال أيضًا: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض، أو مسألة يُستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنتة أصول الشريعة من أن المرأة\nعورة، بدنُها وصوتُها، كما تقدم، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها، أو داءٍ يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعيَّن\nعندها \" (٣) اهـ.\nومما يؤيد عموم آية الحجاب وأنها ليست خاصة بأمهات المؤمنين ﵅ قوله تعالى بعدها: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥) [الأحزاب: ٥٥] .\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" (٣/٥٧٨ – ٥٧٩) .\n(٢) العواري: جمع عارية، ما تداولوه بينهم.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن \" (١٤/٢٢٧) .","vol":"3","page":253},{"text":"* قال الحافظ ابن كثير﵀:\n\"لما أمر الله النساء بالحجاب عن الأجانب بَيَّن أن هؤلاء الأقارب لا\nيجب الاحتجاب عنهم كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) الآية\" (١) اهـ.\n* وقال النسفي في تفسيره:\n\"لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله أو نحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ \"، فنزل: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ) أي: النساء المؤمنات (وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) أي: لا إِثم عليهن في أن لا يحتجبن من هؤلاء\" (٢) اهـ.\n* وقال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي ﵀:\n(وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا) الماعون وغيره (فَاسْأَلُوهُنَّ) أي: المتاع (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) من خلف ستر، ويقال خارج الباب (ذَلِكُمْ) أي سؤال المتاع من وراء الحجاب (أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) أي: أكثر تطهيرًا من الخواطر النفسانية، والخيالات الشيطانية، فإن كل واحد من الرجل والمرأة إذا لم ير الآخر لم يقع في قلبه شيء.\nقال في \"كشف الأسرار\": نقلهم عن مألوف العادة إلى معروف الشريعة ومفروض العبادة، وبيَّن أن البشر بشر، وإن كانوا من الصحابة وأزواج النبي ﵇، فلا يأمن أحد على نفسه من الرجال والنساء، ولهذا شدد الأمر في الشريعة بأن لا يخلو رجل بامرأة ليس بينهما محرمية، كما\n_________\n(١) \"تفسير القرآن العظيم\" (٣/ ٥٠٤)\n(٢) \"مدارك التنزيل، وحقائق التأويل\"","vol":"3","page":254},{"text":"قال ﵇: \"لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان \"، وكان عمر ﵁ يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة، وكان يذكره كثيرا، ويود أن ينزل فيه، وكان يقول: \"لو أطاع فيكن ما رأتكن عين \" اهـ.\nوقال أيضُا: \"وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال (١) اهـ، يعني قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا) الآية.\n* وقال الإمام محمد بن على بن محمد الشوكاني﵀-: \"والإِشارة بقوله (ذَلِكُمْ) إلى سؤال المتاع من وراء حجاب، وقيل:\nالإشارة إلى جميع ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن، وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول وسؤال المتاع، والأول أولى، واسم الإِشارة مبتدأ، وخبره (أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) أي أكثر تطهيرًا لها من الريبة، وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال.\nوفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من\nلا تحلُّ له، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه\".\nوفي تفسير قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ) قال: (وَلَا نِسَائِهِنَّ) هذه الإضافة تقتضي أن يكون المراد بالنساء المؤمنات، لأن الكافرات غير مأمونات على العورات، والنساء كلهن عورة\" اهـ (٢) .\n* وقال السيوطي- رحمه الله تعالى-:\n(هذه آية الحجاب التي أمِر بها أمهات المؤمنين بعد أن كان النساء لا يحتجبن) (٣) اهـ.\n_________\n(١) \"روح البيان، (٧/ ٢١٥) .\n(٢) \"فتح القدير\" (٤/ ٢٩٨) .\n(٣) (الإكليل في استنباط التنزيل\" (ص: ١٧٩) .","vol":"3","page":255},{"text":"* وقال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله تعالى -: \"قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها\nأن يقول بعض العلماء في الآية قولًا وتكون في نفس الآية قرينة تدل على\nعدم صحة ذلك القول، وذكرنا له أمثلة في الترجمة، وأمثلة كثيرة في الكتاب لم تذكر في الترجمة، ومن أمثلته التي ذكرنا في الترجمة هذه الآية الكريمة فقد قلنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك:\nومن أمثلته قول كثير من الناس: إن آية الحجاب أعني قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) خاص بأزواج النبي ﷺ فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبي ﷺ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن، وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعم معلولها، وإليه أشار في مراقي السعود\" بقوله:\nوقد تخصصُ وقد تعمم ... لأصلها لكنها لا تخرم\nانتهى محل الغرض من كلامنا في الترجمة المذكورة – وبما ذكرنا تعلم أن\nفي هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء لا خاصٌّ بأزواجه ﷺ، وإن كان أصل اللفظ خاصا بهن،\nلأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه.\nومسلك العلة الذي دل على أن قوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) هو علة قوله تعالى: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، وضابط هذا المسلك المنطبق عن جزئياته: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علةً لذلك الحكم، لكان الكلام معيبا عند العارفين، وَعَرف","vol":"3","page":256},{"text":"صاحب \"مراقي السعود\" دلالة الإِيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء والإِشارة والإيماء والتنبيه بقوله:\nدلالة والإيماء والتنبيهِ ... في الفن تقصد لذى ذويهِ\nأن يقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير عله يَعِبْهُ من فَطِنْ\nوعَرَّفَ أيضَا الِإيماء والتنبيه في مسالك العلة بقوله.\nوالثالث الإيما اقتران الوصفِ ... بالحكم ملفوظين دون خلفِ\nوذلك الوصف أو النظير ... قِرانه لغيرها نصير\nفقوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) لو لم يكن علة لقوله\nتعالى: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) لكان الكلام معيبَا غير منتظم عند الفطن العارف.\nوإذا علمت أن قوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) هو علة قوله: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) وعلمت أن حكم العلة عام، فاعلم أن\nالعلة قد تعمم معلولها، وقد تخصصه كما ذكرنا في بيت \"مراقي السعود\"، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علته، وإذا كان حكم هذه الآية عامَّا بدلالة القرينة القرآنية، فاعلم أن الحجاب واجب بدلالة القرآن على جميع النساء (١) اهـ.\nخطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة\nودلالة ذلك على عموم حكم الجلباب\n* قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى:\nوعن الأدلة على أن حكم آية الحجاب عام، هو ما تقرر في الأصول من\nأن خطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة، ولا يختص الحكم بذلك\n_________\n(١) \"أضواء البيان\" (٦/ ٥٨٤) .","vol":"3","page":257},{"text":"الواحد المخاطَب؛ لأن خطاب النبي ﷺ لواحدٍ من أمته يعم حكمه جميع الأمة، لاستوائهم في أحكام التكليف، إلا بدليل خاص يجب الرجوع\nإليه، وخلافُ أهلِ الأصول في خطاب الواحد هل هو من صيغ العموم الدالة على عموم الحكم؟ خلاف في حال، لا خلاف حقيقي، فخطاب\nالواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم، أن خطاب الواحد لا يعم؛ لأن اللفظ الواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم، ولكن أهل هذا القول موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، ولكن\nبدليل آخر غير خطاب الواحد وذلك الدليل بالنص والقياس.\nأما القياس- فظاهر، لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي- والنص كقوله ﷺ: \"إني لا أُصَافحُ النسَاءِ، وما قَولي لامرأةٍ واحدة إلا كقَولي لمائةِ امرأة\".\nوأشار إلى ذلك في \"مراقي السعود\" بقوله:\nخطابُ واحدٍ لغير الحنبلِ ... من غير رَعي النصِ والقيسِ الجلي\nوبهذه القاعدة الأصولية (١) التي ذكرنا تعلم أن حكم آية الحجاب عام، وإن كان لفظها خاصّا بأزواجه ﷺ، لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه أو من غيرهن كقوله لمائة امرأة كما رأيت إيضاحه قريبًا (٢) اهـ.\nوقال الشنقيطي ﵀ أيضا: وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة عل احتجاب\nجميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب علمت أن القرآن دل على الحجاب. ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه ﷺ، فلا شك أنهن خير\n_________\n(١) وممن صحح هذه القاعدة العلامة الألباني، ونقل عن بعض المحققين ما يؤيد أنها الحق، ويلزم من ذلك تعميم آية الحجاب خلافا لمذهبه، انظر \"تمام المنة في التعليق على فقه السنة\" ص ٤١-٤٢.\n(٢) أضواء البيان، (٦/٥٨٩ - ٥٨١) بتصرف","vol":"3","page":258},{"text":"أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامة وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين- كالدعاة للسفور\nوالتبرج والاختلاط اليوم- من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاشٌّ لأمة محمد ﷺ مريضُ القلب كما ترى (١) اهـ.\n* وقال الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية السابق في تفسيره:\n(وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ) إذا طلبتم من نسائه ﷺ (مَتَاعًا) شيئًا يُتمتع به الماعون ونحوه، ومثله العلم والفتيا (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) أي سِتر بينكم وبينهن (ذَلِكُمْ) أي السؤال من وراء حجاب (أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) من الريب وخواطر السوء، وكان نزول آية الحجاب في شهر ذي القعدة من السنةَ الخامسة من الهجرة، وحكم نساء المؤمنين في ذلك\nحكم نسائه ﷺ (٢) اهـ.\n* وقال الأستاذ محمد أديب كلكل:\n\"ومن الأدلة على وجوب ستر الوجه واليدين من المرأة قوله ﷾ حيث أمرنا إذا سألنا النساء متاعًا أن نطلبه من وراء حجاب، فقال سبحانه: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) فلو لم يكن ستر الوجه أمرًا مطلوبَا لم يكن لطلب الحاجة من وراء حجاب أي معنى، وقد قرر الله ﷿ أن الحجاب أطهر لقلوب الجميع، فلا يقل أحد غير ما قال الله ﷿ \".\nإلى أن قال: \"فإن قال قائل: إن هذه الآية خاصة بأمهات المؤمنين وقد\n_________\n(١) \"السابق\" (٦/ ٥٩٢) .\n(٢) \"صفوة البيان لمعاني القرآن\" (٢/١٩٠) .","vol":"3","page":259},{"text":"نزلت بحقهن، قلت: إنها وإن كانت خاصة بنساء النبي ﷺ من جهة السبب، فهي عامة من جهة الأحكام، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأكثر آيات القرآن ذوات أسباب في نزولها بلا خلاف\nبين العلماء، فإذا حصرنا أحكامها ضمن دائرة أسبابها فما هو حظنا منها إذن؟ وبذلك نكون قد عطلنا آيات الله، وأبطلنا أحكامها جملة وتفصيلًا، وهل أنزل القرآن ليطبق في عصر دون عصر وفي زمن دون أزمان؟\nفادعاء أنها خاصة بنساء النبي ﷺ إضافة إلى ما ذكرته لا ينهض حجة\nلأن الاستثناء في آية (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ) عام، وهو فرع من الأصل وهو الحجاب، فدعوى تخصيص الأصل يستلزم تخصيص الفرع، وهو غير مسلم لما علم تعميمه، فهل يقال لامرأة أباح الله لها أن تظهر على أبيها وابنها وأخيها: إن الله لم يوجب عليك التحجب عن غيرهم؟! فقصر الله ﷿ ظهور المرأة على محارمها فقط بقوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ ...) الآية، أما غيرهم من الأجانب فإنه يجب عليها الاحتجاب عنهم بداهة بمقتضى مفهوم الآية\" (١) اهـ.\n* يقول الشيخ سعيد الجابي ﵀ في كتابه \"كشف النقاب\":\n\"فقوله ﷿: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) يدفع هذا- أي دعوى التخصيص - لأنه قد أشير إليه بغير ما يدعيه أهل التخصيص من أن الحجاب لأجل تميزهن عن غيرهن، ورفعهن على من سواهن، بل بيَّن سبحانه أن الباعث للحجاب هو تطهير قلوب الفريقين، وإذا كانت نساء النبي ﷺ المطهراتُ من السفاح، المحرماتُ علينا بالنكاح، الموصوفات بأنهن أمهات المؤمنين قد أمرن بالحجاب طهارة لقلوبهن وقلوب أبنائهن المحرم عليهم نكاحُهن، فما نقول في غيرهن المحللات لنا بالنكاح، المتطلع\n_________\n(١) \"فقه النظر في الإسلام\" (ص: ٤٠- ٤٣) .","vol":"3","page":260},{"text":"لهن أهل السفاح، هل يجوز لهن أن يكن سافرات غير منتقبات! وبارزات غير محجبات.؟!\nومما يدفع دعوى الاختصاص: قول العربي العالم بلغته أكثر منا على\nأثر نزول آية الحجاب: \"نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب،\nلئن مات محمد لأتزوجن فلانة، فنزل: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) .\nومما يدفع دعوى الاختصاص: إشراك الله ﷿ أزواج النبي ﷺ وبناته ونساء المؤمنين في حكم واحد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) فبطلت دعوى التخصيص.\nوإذا كان الأمر كذلك، فكل ما ثبت لنسائه ﵇ ثبت لغيرهن،\nوكل ما ثبت لغيرهن ثبت لهن، ولقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن الأمر يقتضي العموم، وأن سياق الآية يفيده ويقتضيه\" (١) اهـ.\n*وقال الأستاذ محمد أديب كلكل:\n\"وأما قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) إنما يعني توجيههن وتربيتهن توجيهَا ساميًا، وتربية عالية بأنهن لسن كأحد من النساء في المكانة والمنزلة والرفعة والحرمة، إنه أسلوب في التربية لا يختلف عن قولك لولدِ نجيب مثلا: \"يا بني لست كأحد من عامة الأولاد حتى تطوف في الشوارع، وتأتي بما لا يليق من الحركات، فعليك بالأدب واللياقة\"، فقولك هذا لا يعني أن سائر الأولاد يُحْمَدُ فيهم طواف الشوارع، وإتيان الحركات السيئة، ولا يطلب منهم الأدب واللياقة، بل المراد بمثل قولك هذا تحديد معيار لمحاسن الأخلاق وفضائلها، كي يتطلع\n_________\n(١) السابق.","vol":"3","page":261},{"text":"ويصبو إليها كل ولد يريد أن يعيش كنجباء الأولاد فيسعى في بلوغها\nوالحصول عليها، إن القرآن قد اختار هذا الأسلوب وهذه الطريقة في مخاطبة نساء النبي ﷺ لضبطهن بضابطة على وجه خاص حتى يكن أسوة لسائر النساء، وتتبع طريقتهن وعاداتهن في بيوت عامة المسلمين.\nفقوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣» إنها وصايا ربانية وأوامر إلهية، فأي منها لا يتصل بعامة النساء المسلمات؟ وهل النساء المسلمات لا يجب عليهن أن يتقين الله تعالى، أو قد أبيح لهن أن يخضعن بالقول، ويكلمن الرجال كلاما يغريهم ويشوقهم؟ أو يجوز لهن أن يتبرجن تبرج الجاهلية؟ ثم هل ينبغي لهن أن يتركن الصلاة ويمنعن الزكاة، ويعرضن عن طاعة الله ورسوله؟ وهل يريد الله أن يتركهن في الرجس؟\nفإذا كانت هذه الأوامر والإِرشادات عامة لجميع المسلمات فما المبرر لتخصيص ما ورد في سياق مخاطبة أمهات المؤمنين من قرار في البيوت وملازمة للحجاب، وعدم مخالطة الأجانب بهن خاصة؟ إن التوجيه الرباني، والتربية الإِلهية لكل النساء عامة بشخص أمهات المؤمنين من باب\n\"إياك أعني، واسمعي يا جارة\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ وهبي سليمان غاوجي الألباني:\n\"للحجاب الشرعي المأمور به ثلاث درجات بعضها فوق بعض في الاحتجاب والاستتار، دل عليها الكتاب والسنة، الأولى: حجاب\n_________\n(١) السابق.","vol":"3","page":262},{"text":"الأشخاص في البيوت بالجدر والخدر وأمثالها بحيث لا يرى الرجال شيئا من أشخاصهن ولا لباسهن ولا زينتهن الظاهرة ولا الباطنة، ولا شيئا من جسدهن من الوجه والكفين وسائر البدن.\nوقد أمر الله تعالى بهذه الدرجة من الحجاب فقال: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) إذ إن هذا يدل على أن سؤال أي شيء منهن يكون من خلف ستر يستر الرجال عن النساء والنساء عن الرجال، وما ذكر من سبب نزول الآية يقرر هذا الأمر ويؤكده، وأمر بها في قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) .\nقال محمد بن سيرين: نُبِّئْتُ أنه قيل لسودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ: مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت، واعتمرت، وأمرني الله تعالى أن أقرَّ في بيتي، فو الله لا أخرج من بيتي حتى أموت، قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها، حتى خرجت جنازتها، وهذا الحكم عام قد استثنى منه الخروج للحاجة، قال ﷺ: \"أُذِنَ لكن في الخروج لحاجتكن\" رواه البخاري، ويرشح هذه الدرجةَ أحاديثُ تحبب إلى المرأة القرار في البيت، وعدم الخروج حتى إلى صلاة الجماعة مع رسول الله ﷺ، فإن قرارها في بيتها أرجى لها في الأجر عند الله تعالى\" (١) . اهـ\n* وقال الشيخ أبو هشام عبد الله الأنصاري:\n\"إن الأمر بالحجاب في هذه الآية لا يختص بأمهات المؤمنين، وإن كان ضمير النسوة يرجع إليهن لأجل أنهن هن المذكورات في السياق؛ ولأنهن الأسوة والقدوة لنساء المسلمين في جميع نواحي الحياة، ومعلوم أن التخصيص بالذكر لا يوجب التخصيص بالحكم، والدليل على عدم الاختصاص من وجوه:\n_________\n(١) \"المرأة المسلمة\" (ص: ١٩٧- ١٩٨) .","vol":"3","page":263},{"text":"الأول: تقرر في أصول الشريعة أن خطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة حتى يرد دليل على التخصيص، وليس! هناك أي دليل على تخصيص حكم الحجاب بأمهات المؤمنين، كما ستعرف.\nالثاني: أن سياق الآية هو العموم،- وإن كان المورد خاصا- فقوله تعالى: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) ليس معناه أنهم يدخلون بيوت غير النبي من غير أن يؤذن لهم، ثم قوله، (إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) إلى قوله: (وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) ليس معناه أنهم لا يتأدبون بهذه الآداب، ولا يراعونها إلا مع النبي ﷺ، فإذا كان سياق الآية هو العموم، وتخصيص النبي ﷺ بالذكر إنما لأجل أن ما عرض له هو المورد والسبب في نزولها، ولأجل أنه هو القدوة للمسلمين، فكيف يسوغ لنا أن نتحرر عن جزء من آداب هذه الآية قائلين إنه مختص بالنبي ﷺ وأزواجه؟!\nالثالث: أن الله تعالى بين حكمة الحجاب وعلته فقال: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)، وهذه العلة عامة إذ ليس أحد من المسلمين يقول إن غير أزواج النبي لا حاجة إلى تزكية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن، وعموم علة الحجاب وحكمته دليل على عموم حكم الحجاب لجميع نساء المسلمين.\nالرابع: دليل الأولوية! وهو أن أمهات المؤمنين كن أطهر نساء الدنيا قلوبا، وأعظمهن قدرا في قلوب المؤمنين، ومع ذلك أمرن بالحجاب طلبًا لتزكية قلوب الطرفين؛ فغيرهن من النساء أولى بهذا الأمر.\nالخامس: أن آية إدناء الجلباب تتمة وتفسير لآية الحجاب، وتلك عامة لنساء المؤمنين نصًّا، فلابد وأن تكون آية الحجاب كذلك.\nالسادس: أن نساء المسلمين التزمن بالحجاب كما التزمت أمهات\nالمؤمنين\" اهـ.","vol":"3","page":264},{"text":"إلى أن قال فضيلته:\n\"هذا؛ وإنك لو تصفحت نصوص العلماء لا تكاد تجد أحدًا يقول بتخصيص الحجاب بأمهات المؤمنين، والحجاب الذي جعله من جعله خاصًّا بهن هو قدر زائد على الحجاب المعروف الذي نحن في بحثه، ويتضح ذلك بالتأمل في نصوصهم.\nقال القاضي عياض: \"فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة، ولا في غيرها، ولا يجوز لهن إظهار شخوصهن- وإن كن مستترات- إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج للبراز. . وقد كن إذا قعدن للناس جلسن من وراء الحجاب، وإذا خرجن حجبن وسترن أشخاصهن كما جاء في حديث حفصة يوم وفاة عمر، ولما توفيت زينب جعلوا لها قبة فوق نعشها تستر شخصها\". انتهى، انظر: \"صحيح مسلم مع شرحه للنووي \" (٢/ ٢١٥)؛ \"فتح الباري\" (٨/ ٥٣٠) .\nفالذي يراه القاضي مختصًّا بهن هو عدم جواز كشف الوجه والكفين لهن مهما اشتدت الحاجة إلى ذلك، وعدم إبراز شخوصهن وإن كن مستترات، وأصرح من كلام القاضي ما قاله من المفسرين البغوي وغيره.\nفال البغوي: \"فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة رسول الله ﷺ منتقبة كانت أو غير منتقبة\" (انظر: \"تفسير البغوي\" على هامش \"الخازن\" (٥/ ٢٢٤) .\nومعلوم أن اختصاص هذا القدر الزائد على الحجاب بأمهات المؤمنين\nلا ينافي عموم الحجاب لعامة النساء (١)، على أن المحققين رَدُّوا على القاضي\n_________\n(١) قال الشيخ شمس الدين الرملي الشهير بالشافعي الصغيرَ ﵀- في كتابه \"نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج\":\n(وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء - أي منع الولاة لهن يعني من =","vol":"3","page":265},{"text":"عياض ما ادعاه، وأثبتوا أن هذا الاشتداد في الحجاب لم يقع رأسًا (١) اهـ.\n_________\n= الخروج سافرات- معار ض لما حكاه القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة، وعلى الرجال غض البصر عنهن للآية، وحكاه المصنف- أي النووي عليه الرحمة- في شرح مسلم، وأقره عليه.\nودعوى بعضهم عدم التعارض في ذلك، \"إذ منعهن من ذلك ليس لكون الستر\nواجبا عليهن في ذاته، بل لأن فيه مصلحة عامة، وفي تركه إخلال بالمروءة\"\nمردودة، إذ ظاهر كلامهما أن الستر واجب لذاته، فلا يتأتى هذا الجمع، وكلام القاضي ضعيف، وحيث قيل بالجواز كُرِه، وقيل: خلاف الأولى، وحيث قيل بالتحريم- وهو الراجح- حرم النظر إلى المنقبة التي لا يبين منها غير عينيها ومحاجرها، كما بحثه الأذرعي، ولا سيما إذا كانت جميلة، فكم في المحاجر من خناجر) اهـ (٦/ ١٨٧) .\nمع أن الحافظ ابن حجر ﵀ نقل عن القاضي عياض ما يشعر بأنه يستدل بآية الإدناء على حجاب جميع البدن، قال الحافظ ﵀ في شرح حديث\nالخثعمية: (وفي الحديث منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر، قال عياض:\n\"وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة\"، قال: \"وعندي أن فعله إذ غطى وجه الفضل أبلغ من القول\" ثم قال: \"ولعل الفضل لم ينظر نظرَا يُنكَر، بل خشي عليه أن يئول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب\" اهـ من\n\"الفتح\" (١١/١٢)، ولا شك أن هذا الاحتمال الأخير ضعيف، لأن حجة الوادع التي وقعت فيها تلك القصة كانت في السنة العاشرة من الهجرة، وآيات الحجاب نزلت قبل ذلك في السنة الخامسة من الهجرة، والله أعلم.\n(١) قال الحافظ رحمه الله تعالى: (وفي الحديث من الفوائد: مشروعية الحجاب لأمهات المؤمنين، قال عياض: \"فرض الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا في غيرها، ولا إظهار شخوصهن- وإن كن مستترات- إلا ما دعت إليه الضرورة من براز\"، ثم استدل بما في \"الموطأ\" أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يُرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها\" انتهى، وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن،\nوقد كنَّ بعد النبي ﷺ يحججن، ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون =","vol":"3","page":266},{"text":"* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف حفظه الله:\n\"لم يرد في آية \"النور\" وآية \"الحجاب\" أي تخصيص لأزواج النبي ﷺ\nبما قضت به من الأحكام، فهي أحكام عامة للمسلمات من أمة محمد ﷺ إلى يوم القيامة، وإن من الزعم الباطل أن يقال: إن آية الحجاب\nخاصة بأزواج النبي ﷺ، كما أن ما ورد عن الأحكام على لسان رسول الله ﷺ في باب التستر ومنع ما يدعو إلى الفتنة وصيانة المرأة المسلمة من بذل زينتها وشرفها وكرامتها للرجال الأجانب عنها، عام لكل مسلمة إلى يوم القيامة، وأما مسارعة أمهات المؤمنين إلى العمل بالشرائع الدينية، فهذا لا يدل على أنه خاص بهن، لأنهن القدوة الحسنة لكل مسلمة إلى يوم القيامة، وأثر الفعل في الاقتداء وامتثال الأحكام أعظم من القول فقط،\nوهذا ملموس.\nومثله ما وقع في عمرة الحديبية فيما ثبت في رواية البخاري قال: \"لما تم صلح الحديبية أمر رسول الله ﷺ أصحابه، فقال: \"قوموا، فانحروا، ثم احلقوا\"، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت\nأم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى\n_________\n= منهن الحديث، وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص وقد تقدم في الحج قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: \"أقبل الحجاب أو بعده؟ \" قال: \"قد أدركت ذلك بعد الحجاب\" اهـ. وقال الحافظ أيضا: (والحاصل أن عمر ﵁ وقع في قلبه النفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي، حتى صرح بقوله\n﵊: \"أحجب نساءك\"، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلًا، ولو كن مستترات فبالغ ذلك، فمنع منه، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعا للمشقة، ورفعًا للحرج، اهـ من \"فتح الباري\" (٨/ ٣٩١)، وانظر نص الحديث المشار إليه في \"الفتح\" (٨/ ٣٨٨) رقم (٤٨٩٥) .","vol":"3","page":267},{"text":"تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلق، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمّا\" اهـ.\nفمثل هذه القصة فيها امتثال للأمر، واقتداء بالقدوة الحسنة، لأن الأمر الذي يلازمه فعل يكون كذلك، فهو أقوى في مسارعة المسلم للأخذ به من الأمر وحده، وهكذا كان حال النساء المسلمات في زمن التنزيل لما نزل أمر الله بالحجاب، كانت أول من سارع للأخذ به أمهات المؤمنين ليقوى به جانبا الأخذ بالتشريع لظهورهن أمام سائر المسلمين بصورة ما أراده الله تعالى من المؤمنات في تنزيله ﷿\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي ﵀ بعد أن ذكر آيتي سورة الأحزاب (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) الآية، (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) الآية:\n\"فإن قيل: الآيتان الأخيرتان سياقهما وظاهرهما الخصوص بأزواج\nالنبي ﷺ، قيل: كلا، بل الأصل في كل شريعة وآية أنه يدخل تحتها كل فرد من الأمة ما لم يخرجه دليل، ولا دليل على اختصاصهن بذلك، إذ كل مؤمنة منهية عن الخضوع بالقول للرجال، والتبرج الجاهلي بإبداء زينتها، كما أمرت بالقرار في البيت، وترك الخروج منه إلا لمصلحة، وكذا كل مؤمن مأمور بحسن الأدب مع المؤمنات إذا سألهن حاجة أو متاعَا أن يكون من وراء حجاب، وأن لا يخرق عليها الحجاب، ولا يأمرها بتركه، ولا يقرها على معصية إذا ائتمرت لأمره، فإذا خالفت فلا إثم على من سألها من المتقين، وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إنه قد أُذنَ لَكُنَ أن\nتخرجن لحوائجكن\" رواه البخاري\" (٢) اهـ.\n_________\n(١) \"نظرات في كتاب حجاب المرأة المسلمة\" هامش (ص: ٩٢ – ٩٣) .\n(٢) \"تيسير الوحيين\" (١/ ١٤٤- ١٤٥) .","vol":"3","page":268},{"text":"* وقال الشيخ أبو بكر الجزائري- حفظه الله -:\n(فهذه الآية الكريمة تعرف بآية الحجاب، إذ هي أول آية نزلت في شأنه،\nوعلى أثرها حَجَبَ رسول الله ﷺ نساءه، وحجب المؤمنون نساءهم، وهي نص في فرض الحجاب، إذ قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) قطعي الدلالة في ذلك، ومن عجيب القول أن يقال إن هذه الآية نزلت في نساء النبي ﷺ فهي خاصة بهن دون باقي نساء المؤمنين، إذ لو كان الأمر كما قيل لما حجب أصحاب رسول الله ﷺ نساءهم، ولما كان لإذن رسول الله ﷺ للخاطب أن ينظر لمن يخطبها معنى أبدا.\nوفوق ذلك أن نساء النبي ﷺ جعلهن الله تعالى أمهات المؤمنين، إذ قال الله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فنكاحهن محرم على التأبيد كنكاح الأمهات، فأي معنى إذا لحجبهن وحجابهن إذا كان الحكم مقصورًا عليهن، ومن هنا كان الحكم عاما يشمل كل مؤمنة إلى يوم القيامة، وكان من باب قياس الأولى، فتحريم الله تعالى التأفيف للوالدين يدل على تحريم ضربهما من باب أولى، وهذا الذي دلت عليه نصوص الشريعة، وعمل به المسلمون) (١) اهـ.\nتنبيه\nلم يتعرض فضيلة الشيخ ناصر الدين الألباني لمناقشة استدلال هذه الكثرة من العلماء بآية \"الحجاب\" في كتابه \"حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة\" وكأنه﵀- ذهب إلى تخصيص الوجوب بأمهات المؤمنين، وعدم تعميم الحكم على سائر المسلمات، مع أن هذا \"العموم\" لازم من كلامه﵀ -، فقد أستشهد بحديث أم عطية ﵂\n_________\n(١) \"فصل الخطاب في المرأة والحجاب\" (ص: ٣٤- ٣٥) .","vol":"3","page":269},{"text":"لإثبات أن الأمر بإخراج النساء إلى صلاة العيد إنما وقع بعد نزول الحجاب، ونص الحديث المشار إليه:\n\"لما قدم رسول الله ﷺ المدينة (١) جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم عليهن، فرددن السلام، فقال: \"أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكن\"، فقلن: مرحبًا برسول الله ﷺ، وبرسوله، فقال: \"تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا. تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصين في معروف؟ \" فقلن: \"نعم\"، فمد عمر يده من خارج الباب، ومددن أيديهن من داخل، ثم قال: \"اللهم اشهد\"، وأمرنا (وفي رواية: فأمرنا) أن نخرج في العيدين العتق والحيض، ونهينا عن اتباع الجنائز، ولا جمعة علينا، فسألته عن البهتان، وعن قوله: (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)؟ قال: هي النياحة\" (٢) ...\nثم قال الشيخ: ووجه الاستشهاد به إنما يتبين إذا تذكرنا أن آية بيعة النساء (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا. . .) إنما نزلت يوم الفتح كما قال مقاتل (الدر ٦/ ٢٠٩)، ونزلت بعد آية\nالامتحان كما أخرجه ابن مردويه عن جابر (الدر ٦/ ٢١١)، وفي البخاري عن المسور أن آية الامتحان نزلت في يوم الحديبية، وكان ذلك سنة ست على الصحيح كما قال ابن القيم في \"الزاد\"، وآية الحجاب إنما نزلت سنة ثلاث وقيل: خمس حين بنى ﷺ بزينب بنت جحش، كما في ترجمتها في \"الإصابة\".\n_________\n(١) تعني من الحديبية وليس قدومه مهاجرا منه مكة كما قد يتبادر إلى الذهن- أفاده الشيخ في حاشية. ص: ٢٦.\n(٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٤٠٨- ٤٠٩)، والبيهقي (٣/١٨٤)، والضياء المقدسي في \"المختارة\" (١/١٠٤- ١٠٥/١)، وحسن إسناده الذهبي في \"مختصر البيهقي\" (١٣٣/ ١)] اهـ. من هامش \"حجاب المرأة المسلمة\" ص: ٢٦ مختصرا.","vol":"3","page":270},{"text":"فثبت من ذلك أن أمر النساء بالخروج إلى العيد إنما كان بعد فرض\n\nالحجاب، ويؤيده أن في حديث عمر أنه لم يدخل على النساء، وإنما بايعهن من وراء الباب، وفي هذه القصة أبلغهن أمر النبي ﷺ النساء بأن يخرجن للعيد، وكان ذلك في السنة السادسة عقب رجوعه ﷺ من الحديبية، بعد نزول آية الامتحان والبيعة كما تقدم\" (١) اهـ.\nوالشاهد منه قول الشيخ ﵀: \"بعد فرض الحجاب\" مشيرًا إلى آية الحجاب (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا) الآية، ثم دعم كلامه بقوله: \"ويؤيده أن في حديث عمر أنه لم يدخل على النساء، وإنما بايعهن من وراء الباب\" فيلزم من هذا أن الشيخ يستدل بعموم آية الحجاب في حق سائر النساء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(٩) \"حجاب المرأة المسلمة\" هامش (ص ٢٥- ٢٦) .","vol":"3","page":271},{"text":"الدليل الثالث\n(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣» [الأحزاب: ٣٢، ٣٣] .\nومحل الشاهد منه قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)\n* قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري- رحمه الله تعالى-:\n\"قيل إن التبرج في هذا الوضع التبختر والتكسر\".\nثم روى بسنده عن قتادة قال: \"أي إذا خرجتن من بيوتكن؛ قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج، يعني بذلك الجاهلية الأولى، فنهاهن الله عن ذلك.\nحدثني يعقوب، قال ثنا ابن علية، قال: سمعت ابن أبي نُجيح، يقول في قوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) قال: التبختر، وقيل: إن التبرج هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها للرجال \" (١) .\n* وقال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى:\nوقوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) روى هشام عن محمد بن سيرين قال: قيل لسودة بنت زمعة: ألا تخرجين كما تخرج أخواتك؟ قالت: والله لقد حججت واعتمرت ثم أمرني الله أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج، خرجت حتى أخرجوا جنازتها.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٢/٤) .","vol":"3","page":272},{"text":"وقيل: إن معنى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) كن أهل وقار وهدوء وسكينة، يقال: وقر فلان في منزله يقر وقورًا إذا هدأ فيه واطمأن به، وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت منهيات عن الخروج.\nوقوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) روى ابن أبي نجيح عن مجاهد (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) قال: كانت المرأة تتمشى بينِ أيدي القوم، فذلك تبرج الجاهلية، وقال سعيد عن قتادة (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) يعني إذا خرجتن من بيوتكن، قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج فنهاهن الله عن ذلك، وقيل: هو إظهار المحاسن للرجال، وقيل: في الجاهلية الأولى ما قبل الإِسلام، والجاهلية الثانية حال من عمل في الإسلام بعمل أولئك.\nفهذه الأمور كلها مما أدب الله تعالى به نساء النبي ﷺ صيانة لهن،\nوسائر النساء المؤمنين مرادات بها (١) اهـ.\n* وقال القاضي أبو بكر ابن العربي ﵀:\n\"قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) يعني اسكنَّ فيها، ولا تتحركن، ولا تبرحن منها، حتى إنه رُوي- ولم يصح (٢) - أن النبي ﷺ لما انصرف من حجة الوداع قال لأزواجه: \"هذه، ثم ظهور الحصر\"؛ إشارة إلى ما يلزم المرأة من لزوم بيتها، والانكفاف عن الخروج منه، إلا لضرورة.\nوقد دخلت نَيّفًا على ألف قرية من برية، فما رأيت نساءٌ أصون عيالًا،\nولا أعف نساء من نساء نابلس التي رُمِي فيها الخليل ﵇ بالنار، فإني أقمت فيها أشهرًا، فما رأيت امرأة في طريق نهارا إلا يوم الجمعة، فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهن، فإذا قُضيت الصلاة، وانقلبن\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" (٣/٣٥٩ - ٣٦٠) .\n(٢) ولكن صححه الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٤/٨٨)، وانظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ٧٧) حديث رقم (٦٨٨٥) .","vol":"3","page":273},{"text":"إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدةٍ منهن إلى الجمعة الأخرى، وسائر القرى تُرى نساؤها متبرجات بزينة وعُطلة، متفرقات في كل فتنة وعُضْلة، وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشْهِدْنَ فيه\" (١) اهـ.\n* وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي﵀ -:\nمعنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ\nفقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة، على ما تقدم في غير موضع، فأمر الله تعالى نساء النبي ﷺ بملازمة بيوتهن، وخاطبهن بذلك تشريفا لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (٢) \" اهـ.\nوقال ابن عطية ﵀: \"والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها، فأمِرْن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهى ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرَة عندهم، وكان أمر النساء دون حجاب، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه، وليس المعنى أن ثَمَّ جاهلية أخرى (٣)، وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة قبل الإِسلام، فقالوا: جاهلي في الشعراء، وقال ابن عباس في البخاري: سمعت أبي في الجاهلية يقول\" (٤) إلي غير هذا\" (٤) اهـ.\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٥٣٥ - ١٥٣٧) .\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٤ / ١٧٩- ١٨٠) .\n(٣) انظر نقد العلامة الألباني لمصطلح \"جاهلية القرن العشرين\" في \"حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه\" تصنيف الأستاذ محمد إبراهيم الشيباني (١/ ٣٩١- ٣٩٤) .\n(٤) \"الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٨٠) .","vol":"3","page":274},{"text":"قال القرطبي معلقَا: قلت: وهذا قول حسن، ويُعْترضُ بأن العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب، وأن التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة، وهي المراد بالجاهلية الأولى، وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المِشية على تغنيج وتكسير وإظهارِ المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا بجوز شرعَا، وذلك يشمل الأقوال كلَها ويعمُّها فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل وتستر تام، والله الموفق\" (١) اهـ.\nوقال القرطبي أيضا.\n\"لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإِماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إِليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسول الله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن\" (٢) اهـ.\n* قال الإمام أبو حيان:\n\"كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار\".\nوقال أيضا: \"الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه\"\nونقل أبو حيان أيضَا عن الليث أنه قال: (تبرجت المرأة: أبدت محاسنها من وجهها وجسدها) . اهـ.\nونقل عن مقاتل في تفسير التبرج: (تلف الخمار على وجهها، ولا تشده) (٣) . اهـ.\nونقل الحافظ في \"الفتح\" عن الفراء قوله: (كانوا في الجاهلية تسدل\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٤/١٨٠)\n(٢) \"السابق\" (١٤/ ٢٤٣)\n(٣) \"البحر المحيط\" (٧/ ٢٣٠)","vol":"3","page":275},{"text":"المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قدامها، فأمِرْنَ بالاستتار) (١) اهـ.\nوقال الإمام أبو حيان أيضَا:\n\"وكان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإِماء، وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن، ويفهم الفرق بين الحرائر والإِماء\" (٢) اهـ.\n* وقد ذكر العلامة محمد أنور الكشميري الديوبندي رحمه الله تعالى الآيات التي لها تعلق بأنواع الحجب المأمور بها فقال:\n\"ومنها: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ...) إلخ، والخطاب فيها- وإن كان خاصّا- إلا أن الحكم عام، ثم الخروج عند الحوائج ليس من تبرج الجاهلية الأولى في شيء، إنما تبرجهن أن يخرجن كالرجال بالوقاحة، وعدم تستر\" (٣) اهـ.\nونقل عن الحافظ تقسيمه الحجاب بأن منه ما يكون بإدناء النقاب عند الخروج، واسمه حجاب الوجوه، والثاني اسمه حجاب الأشخاص) (٤)\nيعني: القرار في البيوت، والله أعلم.\n* وقال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي:\n\" (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ...) والمعنى: الزمن يا نساء النبي بيوتكن، واثبتن\nفي مساكنكن، والخطاب- وإن كان لنساء النبي- فقد دخل فيه غيرهن\" (٥) اهـ.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٨/٣٤٧) .\n(٢) \"البحر المحيط\" (٧/ ٢٥٠) .\n(٣)، (٤) \"فيض الباري\" (١/ ٢٥٤) .\n(٥) \"روح المعاني\" (٧/١٧٠) .","vol":"3","page":276},{"text":"\" وقال الراغب الأصفهاني:\n\"ثوب مُبرَّج صُوّرتْ عليه بروج، فاعتبر حُسْنُهُ، فقيل: تبرجت المرأة، أي تشبهت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها أي قصرها، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) وقوله تعالى: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ)، والبرج سعة العين وحسنها تشبيهَا بالبرج في الأمرين\" (١) اهـ.\n* وقال الشوكاني ﵀:\nويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإِسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل، فيكون المعنى: ولا تبرجن أيها المسلمات بعد إِسلامكن تبرجًا مثل تبرج أهل الجاهلية التي كنتن عليها، وكان عليها من قبلكن، أي: لا تحدثن بأفعالكن وأقوالكن جاهلية تشبه الجاهلية التي كانت من قبل\" (٢) اهـ.\n* وقال الألوسي ﵀:\n\"والمراد على جميع القراءات أمرهن رضي الله تعالى عنهن بملازمة البيوت وهو أمر مطلوب من سائر النساء، أخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: \"إن المرأة عورة، فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها\".\nوأخرج البزار عن أنس قال: جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى؟ فقال ﵊:\n\"من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى\"\n_________\n(١) \"المفردات\" (ص: ٥٤) .\n(٢) \"فتح القدير\" (٤/ ٢٧٨) .","vol":"3","page":277},{"text":"وقد يحرم عليهن الخروج بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته، وخروجهن ولو إلى المسجد وقد استعطرن وتزين إذا تحققت الفتنة، أما إذا ظنت فهو حرام غير كبيرة، وما يجوز من الخروج كالخروج للحج وزيارة الوالدين وعيادة المريض، وتعزية الأموات من الأقارب ونحو ذلك، فإنما يجوز بشروط مذكورة في محلها\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ أحمد مصطفى المراغي﵀-:\n\" (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) أي: الزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة، وهو أمر لهن ولسائر النساء\" (٢) اهـ.\n* وقال المودودي - ﵀ -:\n\"إن مقام المرأة ومستقرها هو البيت، وما وضعت عنهن واجبات خارج البيت إلا ليلازمن البيوت بالسكينة والوقار ويقمن بواجبات الحياة العائلية، أما إن كان بهن حاجة إلى الخروج فيجوز لهن أن يخرجن من البيوت بشرط أن يراعين جانب العفة والحياء، فلا يكون في لباسهن بريق أو زخرفة أو جاذبية تجذب إليهن الأنظار، ولا في نفوسهن من حرص على إظهار زينتهن، فيكشفن تارة عن وجوههن، وأخرى عن أيديهن، ولا في مشيتهن شيء يستهوي القلوب، ولا يلبسن كذلك من الحلي ما يحلو وسواسه في المسامع ولا يرفعن أصواتهن بقصد أن يسمعها الناس، نعم يجوز لهن التكلم في حاجتهن، ولكنه يحب أن لا يكون في كلامهن لين وخضوع ولا في لهجتهن عذوبة وتشويق، كل هذه الضوابط والحدود - إن راعتها النساء - جاز لهن أن يخرجن لحوائجهن\" (٣) اهـ.\n_________\n(١) \"روح المعاني\" (٢٢/ ٦) .\n(٢) (تقسير المراغي\" (٢٢/ ٦) .\n(٣) \"الحجاب\" (ص: ٣١٣) .","vol":"3","page":278},{"text":"* وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق﵀-:\n\" (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) الزمنها فلا تخرجن لغير حاجة شرعية، ومثلهن\nفي ذلك سائر نساء المؤمنين\". اهـ.\nوقال أيضا: \"ومما يباح خروجهن لأجله الحج، والصلاة في المسجد، وزيارة الوالدين، وعيادة المريض، وتعزية الأقارب، والعلاج ونحو ذلك بشروطه التي منها التستر وعدم التبذل\" (١) . اهـ.\n* وقال العلامة عبد العزيز بن باز ﵀:\n\"نهى سبحانه في هذه الآيات نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين وهن من خيرِ النساء وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال، وهو تليين القول وترقيقه؛ لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا ويظن أنهن يوافقنه على ذلك، وأمر بلزومهن البيوت، ونهاهن عن تبرج الجاهلية، وهو إظهار الزينة والمحاسن كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق ونحو ذلك من الزينة لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا.\nوإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن، وإيمانهن، وطهارتهن، فغيرهن أولى وأولى بالتحذير، والإنكار، والخوف عليهن من أسباب الفتنة عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن، ويدل على عموم الحكم لهن ولغيرهن قوله سبحانه في هذه الآية (وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فإن هذه الأوامر أحكام عامة لنساء النبي ﷺ وغيرهن\" (٢) . اهـ.\n_________\n(١) \"صفوة البيان لمعاني القرآن\" (٢/١٨٣)\n(٢) \"رسالة في الحجاب والسفور\" (ص: ١٣ ١٤)","vol":"3","page":279},{"text":"* وقال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله:\n\"في هذه الآية الكريمة دلالات كبرى كلها تؤكد حكم الحجاب، وتقرره، وهي كالتالي:\n١- منع المؤمنة من ترقيق قولها وتلينه إذا تكلمت مع أجنبي عنها ليس محرمًا لها.\n٢- تقدير وجود مرض الشهوة في قلوب بعض المؤمنين، وهو علة نهي المرأة عن ترقيق قولها إذا قالت.\n٣- وجود تحديد العبارة والتكلم على قدر الحاجة، بحيث لا تزيد المرأة إذا تكلمت مع أجنبي في كلامها ما ليس بضروري للإفهام، فلا يجوز منها إطناب ولا استطراد، بَل يجب أن تكون كلماتها على قدر حاجتها في خطابها.\n٤- لزوم المرأة المسلمة بيتها وهو مقر عملها الطبيعي، فلا تخرج إلا لحاجة ماسه إذ البيت هو محل تربية أولادها، وخدمة زوجها، وعبادة ربها بالصلاة، والزكاة، وذكر الله وما والاه.\n٥- تحريم التبرج، وهو خروج المرأة المسلمة من بيتها كاشفة من (١) وجهها، مظهرة لمحاسنها غير خجلة ولا محتشمة حيية.\nإن هذه الدلالات الخمس من هذه الآية في خطاب أمهات المؤمنين ﵅ كل واحدة منها دالة بفحواها على فرضية الحجاب، وتَحتُّمِه على المرأة المسلمة، غير أن المبطلين (٢) لم يروا ذلك، فقالوا في هذه الآية والتي قبلها: \"إنها نزلت في نساء النبي ﷺ وهي خاصة بهن ولا تعلق لها بغيرهن من نساء المؤمنين وبناتهم\"، وهو قول مضحك عجيب. . . وهاتان الآيتان مثلهما مثل إقسام الله تعالى لرسوله ﷺ بأنه لو أشرك\n_________\n(١) كذا بالأصل، ولعله (عن) .\n(٢) لعل فضيلته يقصد بالمبطلين دعاة التحرر من الحجاب بالكلية، لا العلماء الفضلاء المخالفين في حكم كشف الوجه والكفين عن اجتهاد مخلص.","vol":"3","page":280},{"text":"لحبط عمله، وكان من الخاسرين في آية الزمر، مع العلم أن رسول الله ﷺ معصوم لا يتأتى منه الشرك ولا غيره من الذنوب، ولكن الكلام من باب \"إياك أعني، واسمعي يا جارة\"، وعليه فإذا كان الرسول على جلالته لو أشرك لحبط علمه، وخسر فغيره من باب أولى، كما أن الحجاب لو فرض على نساء النبي وهن أمهات المؤمنين كان على غيرهن من باب أولى. ويبدو أنه لما كان الحجاب مخالفا لما كان عليه العرب في جاهليتهم، ولم يشرع تدريجا، وشيئًا فشيئا حتى بالقوة، إذ لا يمكن فيه التدريج، فلما شرع دفعة واحدة كان أمرا عظيما، فبدأ الله تعالى فيه بنساء رسول الله ﷺ حتى لا يقال- وما أكثر من يقول يومئذ، والمدينة مليئة بالنفاق والمنافقين-: انظروا كيف ألزم نساء الناس البيوت والحجاب، وترك نساءه وبناته غاديات رائحات ينعمن بالحياة. . . إلى آخر ما يقول ذوو القلوب المرضى في كل زمان ومكان، فلما فرضه على نساء رسوله ﷺ لم يبق مجال لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَرْغَبَ بنفسها عن نساء الرسول ﷺ فترى السفور لها، ولا تراه لأزواج الرسول ﷺ وبناته، وهذا يعرف عند علماء الأصول بالقياس الجلي، ومن باب أولى كتحريم\nضرب الأبوين قياسا على تحريم التأفيف في قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (١) اهـ.\n* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف ﵀:\n\"قد قرن الله تعالى هذا التوجيه بالتقوى حيث لا تلتزم بتلك الصفات المحمودة المشروعة إلا من تخشى الله تعالى وتنقيه من كل النساء، وهذا السياق قيل لنساء النبي ﷺ، فهل يقول أحد من المسلمين: إن الحكم خاص بأزواج النبي ﷺ فقط؟! وأن للنساء المؤمنات أن يخالفنه؟ هذا لا\n_________\n(١) \"فصل الخطاب في المرأة الحجاب\" (ص: ٣٥- ٣٨) .","vol":"3","page":281},{"text":"يقول به أحد، والحكم لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.\n... وهذا كله ظاهر، لأن هذه كلَّها أحكام وآداب وتوجيه من الله\nﷻ لتحتفظ المرأة المسلمة بكرامتها وحصانتها، ولقطع دابر الوسائل التي تقرب إلى الفتنة والشر، وهذا سبيل من كان يرجو الله واليوم الآخر.\nوأما أزواج النبي ﷺ، فمضمون الآيات مخاطبتهن تعظيمَا وإكبارَا لهن،\nمع أن الحق استبعاد الفتنة معهن من أصحابه ﷺ، لأنهن لسن كأحد من النساء بالفضل وعظيم القدر، لا بما يدعو إلى الفتنة والشر من بدن المرأة ومواضيع الزينة منها، فلا ريب أنهن وسائر المسلمات المؤمنات سواء، لأن الجميع في باب واحد من عدم العصمة، وحينما نقول: \"إن الجميع في باب واحد من عدم العصمة\"، نقول ذلك لعموم أنه لا عصمة لأحد بعد محمد ﷺ، غير أنهن أتقى النساء، لأنهن أزواج رسول الله ﷺ، وقد شهد الله لهن بأنهن الطيبات وأنهن المبرآت، فعلى أزواجه وبناته ومن تبعهن من المسلمات المؤمنات رضوان الله تعالى ورحمته وبركاته\" (١) اهـ.\n* وقال الدكتور السيد محمد علي نمر:\n\"ولأمر ما أضاف الله البيت إلى المرأة لكثرة ملازمتها له، حيث يقول سبحانه: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) فالبيوت للأزواج، ولكنها أضيفت إلى المرأة لما تقوم به من دور عظيم فيه\" (٢) .\nيا أختُ سابغة البرا ... قع في الأباطح والوعورْ\nقَرِّي فديتُك حيث لا ... تؤذيكِ لافحة الهجير\nودعي الجنوحَ إلى السفو ... رِ، وخَففي ألمَ العشير\nالنمر لو لزم الشرى ... من كان يطمع في النمور؟\n_________\n(١) \"نظرات في حجاب المرأة المسلمة\" (ص: ٩٤- ٩٥) . (٢) \"إعداد المرأة المسلمة\" (ص: ٥٩) .","vol":"3","page":282},{"text":"والطير تأخذها شبا ... كُ الصَّيْدِ في ترك الوكور (١)\nالدليل الرابع\nقوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١» [النور: ٣١] .\nفي هاتين الآيتين الكريمتين ثلاثة مواضع استُدلَّ بها على وجوب الحجاب:\nالأول: قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) .\nفقد صح عن ابن مسعود وغيره تفسير الزينة بالثياب الظاهرة من المرأة، وأما من قال: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الوجه والكفان فقد بنى مذهبه:\n١- إما على آثار عن ابن عباس ﵄، منها صحيح (٢) ومنها ضعيف.\n٢- وإما على أساس الترجيح بالإِلزام الفقهي، بناءَ على أن عورة المرأة\nفي الصلاة: البدن كله ما عدا الوجه والكفين، وأن إحرامها في الوجه والكفين، قالوا: فيلزم من ذلك إباحة إظهارهما.\nومما يلفت النظر أن كثيرَا من المفسرين وقعوا في بعض التناقض حيث\n_________\n(١) \"فقه النظر في الإسلام\" (ص: ١٨٨) .\n(٢) قوله ﵁: \"الكف ورقعة الوجه \" رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/٢٨٣) .","vol":"3","page":283},{"text":"التزموا في سائر آيات الحجاب القول بوجوبه على سائر النساء، ثم ذهبوا في هذا الموضع بالذات إلى ترجيح المذهب المنسوب إلى ابن عباس ﵄ وغيره، واحتجوا بهذا الإلزام الفقهي غير اللازم لوجود الفرق بين داخل الصلاة، وخارجها.\nوقد رجح بعضهم جواز كشف الوجه والكفين لأن الحاجة قد تمس إلى إظهارهما كالخِطبة والشهادة والتطبيب إلخ، والجواب أنه يرخص لها ذلك في حدود حاجتها، والله أعلم.\nأما الموضع الثاني: فقوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)، أما الثالث: فقوله ﷿: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) .\nتحقيق الآثار المنسوبة إلى ابن عباس ﵄ والآثار المسندة إلى أبن مسعود ﵁ في تفسير قوله تعالى:\n(إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)\nقال فضيلة الشيخ عبد القادر بن حبيب السندي المدرس بمعهد الحرم المكي الشريف أثناء نقده لأئر: \"إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه\" (١) .\nوليس هناك حديث صحيح مرفوع في هذا المعنى إلا ما جاء عن عبد الله\nابن عباس رضي الله تعالى عنهما في أثر أخرجه الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره (٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣) .\nقال الإمام ابن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال ثنا مروان، قال\n_________\n(١) انظر تحقيقه ص (٣٧٠ - ٣٧١) .\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/١١٩) .\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/١٨٢- ١٨٣)، (٧/٨٦) .","vol":"3","page":284},{"text":"ثنا مسلم الملائي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) قال: الكحل والخاتم.\nقلت: إسناده ضعيف جدًّا، بل هو منكر.\nقال الإمام الذهبي: مسلم بن كيسان أبو عبد الله الضبي الكوفي الملائي الأعور عن أنس وإبراهيم النخعي، وقال الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي في ترجمة مسلم بن كيسان الملائي روى عن سعيد بن جبير- وهو يروي في هذا الإسناد عن سعيد بن جبير (١) .\nثم قال الإمام الذهبي فى ترجمته: \"عن الثوري ووكيع بن الجراح بن مليح، قال الفلاس: متروك الحديث، وقال أحمد: لا يكتب حديثه، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال يحيى أيضَا: زعموا أنه اختلط، وقال يحيى القطان: حدثني حفص بن غياث قال: قلت لمسلم الملائي: عمن سمعت هذا؟ قال- عن إبراهيم عن علقمة، قلنا: علقمة عمن؟ قال: عن عبد الله، قلنا: عبد الله عمن؟ قال: عن عائشة-، وقال النسائي: متروك الحديث\" (٢) اهـ.\n\"وقلت: هذا الإسناد ساقط لا يصلح للمتابعات والشواهد كما لا يخفى على أهل هذا الفن الشريف.\nوقال الإمام الحافظ البيهقي في \"السنن الكبرى\": \"أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا حفص بن غياث عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: ما في الكف والوجه\" (٣) اهـ.\n_________\n(١) \"تهذيب الكمال \" (٧/ ٦٦٣) .\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ١٠٦) .\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٢٥)، (٧/ ٨٥٢)، وقال الشيخ منصور بن إدريس البهوتي ﵀: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) قال ابن عباس=","vol":"3","page":285},{"text":"قلت: إسناده مظلم ضعيف لضعف راويين هما أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال الإمام الذهبي. أحمد بن عبد الجبار العطاردي روى عن أبي بكر بن عياش وطبقته، ضعفه غير واحد، قال ابن عدي: رأيتهم مجمعين على ضعفه ولا أرى له حديثَا منكرا، إنما ضعفوه لأنه لم يلق الذين يحدث عنهم، وقال مطين: كان يكذب، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابنه عبد الرحمن: كتبت عنه وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه، وقال ابن عدي: كان ابن عقدة لا يحدث عنه، وذكر أن عنده قِمَطْرًا على أنه كان لا يتورع أن يحدث عن كل أحد، مات سنة ٢٧٢ هـ (١) .\nوقال الحافظ في التقريب: ضعيف (٢) .\nوكذا يوجد في هذا الإِسناد- عند الإمام البيهقي- عبد الله بن مسلم بن\nهرمز المكي عن مجاهد وغيره، قال الحافظ الذهبي: ضعفه ابن معين،. وقال: وكان يرفع أشياء، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن المديني: كان ضعيفا (مرتين) عندنا، وقال أيضا: ضعيف، وكذا ضعفه النسائي (٣)، وقال الحافظ في \"التقريب\": ضعيف (٤) .\nقلت: هذان الإسنادان ساء حالهما إلى حد بعيد لا يحتج بهما ولا يكتبان، وهنا أسانيد أخرى لا تقل درجتها في الضعف والنكارة، وبذلك يمكن أن يقال إن هذه النسبة غير صحيحة إلى عبد الله بن عباس ﵄ (٥) .\n_________\n= وعائشة: وجهها وكفيها. رواه البيهقي، وفيه ضعف، وخالفهما ابن مسعود. اهـ من \"كشف القناع\" (١/٢٤٣) .\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ١١٢ - ١١٣) .\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (١/ ١٩) .\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٥٠٣) .\n(٤) \"تقريب التهذيب\" (١/ ٤٥٠)\n(٥) في هذا التعميم نظر، فقد صحت بعض آثار عن ابن عباس ﵄ في هذا المعنى، منها ما تقدم ص (٢٨٣)","vol":"3","page":286},{"text":"ولو صح الإِسناد إليه لما كان فيه حجة عند علماء أهل الحديث فكيف\nفي هذه الحال، وقد صحت الأسانيد إلى ابن عم المصطفى ﷺ، وإلى غيره من الصحابة ﵃ عكس هذا المعنى الذي رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" والبيهقي في \"سننه\" وكذا ابن أبي حاتم في \"تفسيره\"، وزد على ذلك ما ثبت بأسانيد صحيحة عن رسول الله ﷺ كما سوف يأتي مفصلا من أمره ﷺ بالحجاب والستر.\n* وإليكم أولا ما جاء عن بعض الصحابة ﵃، ومنهم\nعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره إذ قال رحمه الله تعالى: حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال أخبرني الثوري، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: الثياب (١) .\nقلت: إسناده في غاية الصحة وأورد هذا الأثر الإمام ابن كثير في تفسيره (٢) .\nثم ساق الإمام ابن جرير الطبري إسنادَا آخر بقوله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي\nالأحوص، عن عبد الله مثله - قلت: إسناده في غاية الصحة.\nوقال الإمام السيوطي: أخرج ابن جرير الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في \"سننه\" عن ابن عباس ﵄ في قوله: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان وكحل العينين، ثم قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: \"فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها، ثم لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن\" الآية.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ١١٩)، وقد رواه ابن أبي شيبة، والحاكم من طريقه، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في\n\"التلخيص\".\n(٢) \"تفسير القرآن العظيم\" (٢/٢٨٣) .","vol":"3","page":287},{"text":"ثم قال ﵁: \"والزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها، وقلادتها وسوارها، وأما خلخالها، ومعضدها، ونحرها، وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها (١) \" قلت: رواية ابن عباس ﵄ هذه قد اطلعت على إسنادها عند ابن جرير الطبري في تفسيره ورجالها كلهم ثقات إلا أنها منقطعة؛ لأن فيها على بن أبي طلحة المتوفى سنة ١٤٣ هـ يروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- ولم يلقه والواسطة بينهما هو مجاهد بن جبر المكي - وهو إمام كبير ثقة ثبت كما لا يخفى على أحد - وقد احتج بهذه الرواية - أعني رواية على بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- البخاري في \"الجامع الصحيح \" (٢)؛ إذ أوردها في مواضع عديدة من كتاب التفسير معلقة وإن كانت ليست على شرطه في \"الجامع الصحيح\" - قال ذلك الحافظ في \"التهذيب\" (٣) .\nوقال الإمام المزي في \"تهذيب الكمال\" مشيرَا إلى رواية التفسير هذه \"في ترجمة على بن أبي طلحة: \"هو مرسل عن ابن عباس، وبينهما مجاهد (٤) \"، واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في \"تفسيره\" (٥)، والإمام القرطبي في تفسيره (٦)، وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة فكانت قوية ومحتجُّا بها عند علماء التفسير وغيرهم، وإن ظاهر القرآن والسنة وأثار الصحابة والتابعين تؤيدها\nفليعتمد عليها ويستأنس بها\". (٧) اهـ من \"رسالة الحجاب\" للسندي.\n_________\n(١) \"الدر المنثور\" (٥/ ٤٢) .\n(٢) انظر مثلا: \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤، ٧٦، ١١٤) .\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٤٠) .\n(٤) \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٤٨٠) .\n(٥) \"محاسن التأويل\" (٤/ ٤٩٠٩) .\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٤/ ٢٤٣) .\n(٧) \"رسالة الحجاب في الكتاب والسنة\" (ص: ٢١ ٢٦) .","vol":"3","page":288},{"text":"ولو أن فضيلته اقتصر على قوله: \"يُستأنس بها\" لكان أقرب من قوله: \"فليعتمد عليها\" لما في الكلام الذي أسلفه في رواية على بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄.\nما أجاب به العلماء عن قول\nابن عباس ﵄\n* أولَا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\nوالسلف تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم.\nقال: وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين، زينةَ ظاهرة وزينة غير ظاهرة، وجوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم، وأما\nالباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم.\nوقبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجال وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله ﷿ آية الحجاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش ﵂ فأرخى النبي ﷺ الستر ومنع أنسَا أن ينظر.\nولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي\nمن أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها.\nفلما أمر الله أن لا يُسئلن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته\nونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ والجلباب هو المُلاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة: الأزار، هو الأزار","vol":"3","page":289},{"text":"الكبير الذي، يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى عَبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب \" فكن النساء ينتقبن\" وفي الصحيح \"إن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين\"، فإذا كنَّ مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهر للأجانب، فما بقي يَحِلُّ للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة\nفابن مسعود ذكر آخر الأمرين؛ وابن عباس ذكر أول الأمرين\" (١) اهـ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.\nثانيا: قال العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:\n\"وأما ما يروى عن ابن عباس ﵄ أنه فسر \"إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا\" بالوجه والكفين فهو محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب، وأما بعد ذلك فقد أوجب الله عليهن ستر الجميع كما سبق في الآيات الكريمات من سورة الأحزاب وغيرها، ويدل على أن ابن عباس أراد ذلك ما رواه على بن أبي طلحة عنه أنه قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة.\nوقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق وهو الحق الذي لا ريب فيه، ومعلوم ما يترتب على ظهور\n_________\n(١) \"حجاب المرأة ولباسها في الصلاة\" ص: ١٣ – ١٧، \"مجموع الفتاوى\" (٢٢/ ١١٠)، ويتضح من هذا أن شيخ الإسلام يذهب إلى وقوع النسخ في مراحل تشريع الحجاب قال ﵀: (وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان ليس لها\nأن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين بخلاف ما كان قبل النسخ بل لا تبدي إلا الثياب) اهـ، وقال أيضَا رحمه الله تعالى: (وأما وجهها ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب لم تُنه عن أَبدائه للنساء ولا لذوى المحارم) اهـ.\nمن \"مجموع الفتاوى\" (٢٢/ ١١٧ - ١١٨) .","vol":"3","page":290},{"text":"الوجه والكفين من الفساد والفتنة، وقد تقدم قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ولم يستثن شيئا وهي آية محكمة، فوجب الأخذ بها والتعويل عليها وحمل ما سواها عليها، والحكم فيها عام في نساء النبي ﷺ وغيرهن من نساء المؤمنين وتقدم من سورة النور ما يرشد إلى ذلك\" (١) اهـ.\nوهذا الجمع أولى لما ورد عن ابن عباس أيضًا من قوله: تدني الجلباب\nإلى وجهها ولا تضرب به. قال روح في حديثه: قلت: وما (لا تضرب به)؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار لي ما على خدها من الجلباب قال: \"تعطفه وتضرب به على وجهها كما هو مسدول على وجهها\". رواه أبو داود في كتاب المسائل قال: حدثنا أحمد - يعني ابن محمد بن حنبل - قال حدثنا يحيى وروح عن ابن جريج قال أخبرنا عطاء قال أخبرنا أبو الشعثاء أن ابن عباس ﵄ قال: فذكر الحديث – وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\nوقول ابن مسعود ﵁ ومن وافقه هو الصحيح في تفسير هذه الآية لاعتضاده بآية سورة الأحزاب وهي قولة تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) .\n* قال الإمام أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي ﵀: \"قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) أي لا يُظهِرنها لغير محرم، وزينتهن\nعلى ضربين: خفية كالسوارين والقرطين والدملج والقلائد ونحو ذلك،\nوظاهرة وهي المشار إليها بقوله: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وفيه سبعة أقوال: أحدها: أنها الثياب، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود، وفي لفظ آخر\nقال. هو الرداء.\n_________\n(١) \"رسالة في الحجاب والسفور\" ص: ١٩.","vol":"3","page":291},{"text":"والثاني: أنها الكف والخاتم والوجه.\nوالثالث: الكُحل والخاتم، رواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس.\nوالرابع: القُلبان، وهما السواران والخاتم والكحل، قاله المسور بن مخرمة.\nوالخامس: الكحل والخاتم والخضاب، قاله مجاهد.\nوالسادس: الخاتم والسِّوار، قاله الحسن.\nوالسابع: الوجه والكفان، قاله الضحاك.\nقال القاضي أبو يعلى: والقول الأول أشبه، وقد نص عليه أحمد فقال:\nالزينة الظاهرة: الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظفر.\nويفيد هذا تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير عذر، فإن كان لعذر\nمثل أن يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها، فإنه ينظر في الحالين إلى وجهها خاصة، فأما النظر إليها لغير عذر فلا يجوز لشهوة ولا لغيرها، وسواء في\nذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن فإن قيل: فلم لا تبطل الصلاة فالجواب: أن في تغطيته مشقة فعفي عنه\" (١) اهـ.\n* قال ابن عطية:\n\"ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي (٢)، وأن تجتهد\nفي الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة\nحركة فيما لابد منه ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه\" (٣) اهـ.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" (٦/ ٣١) .\n(٢) كذا، ولعله: \"بألا تبدي وجهها\" كما يظهر من السياق، ومن تعقيب القرطبي ﵀.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٢/ ٢٢٩) .","vol":"3","page":292},{"text":"ثم عقب القرطبي ﵀ قائلًا:\n\"قلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما (١)، يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ وساق حديث أسماء (٢) مستدلا به، إلى أن قال ﵀: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزًا أو مُقَبَّحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها\" (٣) اهـ.\n* وقال البيضاوي رحمه الله تعالى في تفسيره:\n(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) كالحلي والثياب والأصباغ فضلا عن مواضعها\nلمن لا يحل أن تبدي له (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجَا.\nوقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف (٤)، أو ما يعم المحاسن\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام ألقرآن\" (١٢/ ٢٢٩) .\n(٢) وقد تعقب الألباني هذا الاستدلال من القرطبي بقوله: (قلت: وفي هذا التعقيب نظر أيضا، لأنه وإنا كان الغالب على الوجه والكفين ظهورهما بحكم الواقع، فإنما ذلك بقصد من المكلف، والآية حسب فهمنا إنما أفادت استثناء ما ظهر دون قصد، فكيف يسوغ حينئذ جعله دليلًا شاملا لما ظهر بالقصد؟ فتأمل) اهـ من\n\"حجاب المرأة المسلمة\" (ص: ٢٤) .\n(٣) انظر الجواب عنه (ص: ٣٣٦) .\n(٤) ونظيره قوله تعالى: (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) والمراد بها الجنة، لأنها مكان الرحمة، وكذلك: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) والمراد مواضع الصلاة، قال الزمخشري: (وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر فإنه ما نهى عن الزينة إلا لملابستها تلك المواقع فكان إبداء المواقع نفسها متمكنا في الحظر ثابت القدم في الحرمة) اهـ.","vol":"3","page":293},{"text":"الخلقية والتزيينية، والمستثنى هو الوجه والكفان لأنهما ليستا من العورة، والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة\" اهـ.\n* قال الشهاب في \"شرحه\":\n\"ومذهب الشافعي - ﵀ - كما في \"الروضة\" وغيرها أن جميع بدن المرأة عورة حتى الوجه والكف مطلقَا، وقيل: يحل النظر إلى الوجه والكف إن لم يخف فتنة، وعلى الأول: هما عورة إلا في الصلاة، فلا تبطل صلاتها بكشفهما\".\nوقال أيضَا: قوله: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي: بلا إظهار كأن كشفته الريح، والاستثناء عن الحكم الثابت بطريق الإشارة، وهو المؤاخذة به في دار الجزاء، وفي حكمه ما لزم إظهاره لتحمل شهادة ومعالجة طبيب.\nوقال أيضًا: \"قوله: \"وقيل المراد بالزينة مواضعها\" وفي نسخة: مواقعها، وهو بمعناه، وهذا ما ارتضاه الزمخشري، وهو على مذهب أبي حنيفة ﵀، وجعله كناية عما ذكر كنقي الجيب وهو مجاز من ذكر الحال وإرادة المحل، وقيل: إنه بتقدير مضاف كما ذكره المصنف ﵀. وفي \"الانتصاف\": قوله: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ) الآية يحقق أن إبداء الزينة مقصود بالنهي، ولو حمل على ما ذكر لزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع التزيين، وهو باطل لأن بدن الحرة جميعه عورة يعني عند\nالشافعي ومالك، وأما إبداء الزينة وحدها فلا خلاف في جوازه، إذ لا يحرم نظر سوار امرأة يباع في يد رجل، وأما كونه تنكسر به قلوب الفقراء فلا وجه له ولذا مرضه المصنف لمخالفته مذهبه وفيه نظر، والزينية نسبة إلى الزينة وفي نسخة \"التزيينية\"، وقوله \"والمستثنى\" أي على هذا القول وهو قول أبي حنيفة ﵀، والقدمان والذراعان فى رواية (قوله: بدن الحرة","vol":"3","page":294},{"text":"عورة) كما في الحديث: \"المرأةُ عورة مستورة\" رواه الترمذي عن ابن مسعود ﵁، لكن ليس فيه لفظ مستورة، وما ذكره من الفرق بين العورة في الصلاة وغيرها مذهب الشافعي ﵀، وفيه كلام في ابن الهمام فراجعه \" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ العلامة محمد بن أحمد بن جزي الكلبي ﵀:\n(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) نهى عن إظهار الزينة بالجملة\nثم استثنى الظاهر منها، وهو ما لابد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك، فقيل: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) يعني الثياب فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها، وقيل: الثياب والوجه والكفان، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة وزاد أبو حنيفة\nالقدمين\" (٢) اهـ.\n* وقال الحافظ ابن كثير ﵀:\n\"هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات.\nوقال ﵀. وقال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي:\nولا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، وقال ابن مسعود: كالرداء والثياب يعني على ما كان يتعاناه (٣) نساء العرب، من المِقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكن إخفاؤه ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه، وقال بقول ابن مسعود: الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء\n_________\n(١) \"عناية القاضي وكفاية الراضي\" (٦/ ٣٧٣) .\n(٢) \"التسهيل لعلوم التنزيل\" (٣/ ٦٤) .\n(٣) أي يأخذن أنفسهن به.","vol":"3","page":295},{"text":"وإبراهيم االنخعي وغيرهم\" (١) اهـ.\n* وقال السيوطي ﵀:\n(وَلَا يُبْدِينَ) يظهرن (زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وهو الوجه والكفان فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين، والثاني: يحرم لأنه مظنة الفتنة، ورجح حسمًا للباب\" (٢) اهـ.\n_________\n\"تفسير القرآن العظيم\" (٦/ ٤٦- ٤٧)، قال الشيخ الأنصاري معلقا على عبارة ابن كثير ﵀ هذه:\n(والمقصود أن فيها الدلالة على أن ستر جميع الجسد كان قد صار ديدن نساء الصحابة والتابعين ونساء المسلمين.\nفهذا رسول الله ﷺ نزلت عليه آيات الحجاب فقام بتعليمها وتعليم تأويلها وحكمتها، هاهم أولئك الصحابة كافة الأنصار منهم والمهاجرون تعلموا منه\nمعنى تلك الآيات، ثم رجعوا إلى بيوتهم فعلموهم أزواجهم وبناتهم وأخواتهم ونساء بيوتهم، وهاهن الصحابيات الطاهرات سمعن هذه الآية وتعملنها من رسول الله ﷺ أو ممن تعلم من رسول الله ﷺ فشققن مروطهن وغطين وجوههن، وجعلن النقاب جزءًا أو لباسَا من ألبستهن، وهذا هو الذي صار ديدن نساء العرب ونساء المسلمين كافة، لا زمن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين فقط، بل حكى الشوكاني عن ابن رسلان اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق (نيل الأوطار ٦/ ٢٤٥) . ولم يكن فعلهم وفعل نسائهم هذا تطوعَا، ولا التزاما من قبل أنفسهن بما لم يلزمه الله ورسوله، كما يزعمه الله ورسوله، كما يزعمه الزاعمون، بل فعلوا كل ذلك - كما أخبرتنا الصديقة بنت الصديق- إيمانا بكتاب الله وتصديقًا بتنزيله، وامتثالَا بأوامر الله وتناهيًا عن نواهيه، ولم يكن يخفى عليهم أن أوامر الله للوجوب ونواهيه للتحريم، وأن نساءهم بتغطيه وجوههن يمتثلن أمر الحجاب\nوأمر إدناء الجلباب، ويتناهين عن إبداء الزينة، وأنهن ممثلات للمجتمع الذي يريد الله ثم يريد رسوله إقامته، وبعد هذا كله لا أدري كيف يشك شاك في وجود\nستر الوجوه وحرمة إبدائها؟ وماذا ومن ذا بعد الله ورسوله والصحابة والمؤمنين حتى يعتمد عليه؟ اهـ \"من مجلة الجامعة السلفية\".\n_________\n(٢) \"تفسير الجلالين\" (٢/ ٥٤) .","vol":"3","page":296},{"text":"وروى ابن أبي حاتم والسيوطي في \"الدر\" عن سعيد بن جبير موقوفا أنه قال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) يعني: ولا يضعن الجلباب وهو القناع من فوق الخمار (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ) الآية قال: فهو محرم\" (١) اهـ.\n* وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي رحمه الله تعالى:\nقال أحمد: ولا تبدي زينتها إلا لمن في الآية، ونقل أبو طالب: \"ظفرها عورة، فإذا خرجت فلا تبين شيئًا ولا خفها فإنه يصف القدم\" وأحبُّ إليَّ أن تجعل لكمها زرَا عند يدها. واختار القاضي قول من قال: المراد بما ظهر من الزينة: الثياب لقول ابن مسعود وغيره، لا قول من فسرها ببعض الحلي أو ببعضها فإنه الخفية، قال: وقد نص عليه أحمد فقال: الزينة الظاهرة الثياب وكل شيء منها عورة حتى الظفر (٢) اهـ.\n* وقال العلامة الكشميري ﵀:\nفإن قلت: وإذا جاز كشف هذه الأعضاء مطلقا فما معنى التخصيص والاستثناء؟ قلت: ومن ادعى أن القرآن رغبهن في كشفها؟ ولكن\nالسياق في إبداء الزينة عند من يباح له ضرورة، أما من لا ضرورة فيهم فالسنة فيهم كما ذكرها في آية أخرى وهي إدناء الجلباب لأن ذلك أستر لها، وإن جاز لها كشفها أيضا إلا أنه لما كان قد ينجر إلى الفتن حرض القرآن بسترها في عامة الأحوال (٣) اهـ.\nوقال أيضَا ﵀: وإنما قلت: إن كشف الوجه جائز لولا الفتنة\nلحديث فضل بن عباس وشابة في الحج فصرف ﷺ وجهه عنها وقال: \"خشيت أن يقع بينهما شيطان\" (٤) فافهم وتشكر (٤) اهـ.\n_________\n(١) نقله الخجندي في \"حبل الشرع المتين\" (ص: ٢٣٤) .\n(٢) \"الفروع\" (١/ ٦٠١) .\n(٣)، (٤) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٤)، وانظره (٤/٣٠٨)، وسيأتي الجواب عن حديث الفضل (ص: ٣٨١) إِن شاء الله.","vol":"3","page":297},{"text":"* وقال الألوسي ﵀:\nومذهب الشافعي عليه الرحمة كما في \"الزواجر\": أن الوجه والكفين ظهرهما وبطنهما إلى الكوعين عورة في النظر من المرأة ولو أمة على الأصح، وإن كانا ليسا عورة من الحرة في الصلاة. . . وذهب بعض الشافعية إلى حل النظر إلى الوجه والكف إن أمنت الفتنة، وليس بمعول عليه عندهم، وفسر بعض أجلتهم ما ظهر بالوجه والكفين بعد أن ساق الآية دليلا على أن عورة الحرة ما سواهما، وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة، وأنت تعلم أن إباحة إبداء الوجه والكفين حسبما تقتضيه الآية عندهم مع القول بحرمة النظر إليهما مطلقَا في غاية البعد، فتأمل (١) .\nواعلم؛ أنه إذا كان المراد النهي عن إبداء مواقع الزينة، وقيل بعمومها الوجه والكفين والتزم القول بكونهما عورة وحرمة إبدائهما لغير من\nاستثنى بعد يجوز أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)\nمن الحكم الثابت بطريق الإشارة وهو المؤاخذة في دار الجزاء، ويكون المعنى: أن ما ظهر منها من غير إظهار كان كشفته الريح مثلًا فهن غير\nمؤاخذات به في دار الجزاء، وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة ومعالجة طبيب، وروى الطبراني، والحاكم وصححه، وابن المنذر،\nوجمع آخرون، عن ابن مسعود أن \"ما ظهر\": الثياب والجلباب، وفي\n_________\n(١) قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:\n(إن الله تعالى أمر المؤمنات بحفظ فروجهن، والأمر بحفظ الفروج أمر به، وبما يكون وسيلة إليه، ولا يرتاب عاقل أن وسائله تغطية الوجه لأن كشفه سبب للنظر إليها وتأمل محاسنها والتلذذ بذلك، وبالتالي إلى الوصول والاتصال، وفي الحديث: (العينان تزنيان، وزناهما النظر) إلى أن قال ﷺ: \"والفرج يصدق كل ذلك\nأو يكذبه \"، فإذا كان الوجه من وسائل حفظ الفرج كان مأمورا به لأن الوسائل\nلها أحكام المقاصد) اهـ من \"رسالة الحجاب\" (ص: ٦) .","vol":"3","page":298},{"text":"رواية الاقتصار على الثياب، وعليها اقتصر أيضَا الإمام أحمد، وقد جاء إطلاق الزينة عليها في قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) على ما في البحر\" (١) اهـ.\n* قال الشيخ أبو هشام الأنصاري:\n(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) .\nوهذه أول آية من الثلاث حسب ترتيب القرآن، يستأنس من بعض الروايات أنها نزلت قبل آية إدناء الجلابيب، بينما يستأنس من بعض الروايات الأخرى أنها نزلت بعدها، وعلى كلا التقديرين لها محمل صحيح فلا تعنينا هذه الناحية من البحث.\nوهذه الآية تأمر المؤمنات بإخفاء الزينة كلها سواء أردنا بالزينة الزينة الخلقية من الوجه والعينين، والأنف والشفتين، والشعر والخدين،\nوالأذنين والصدغين، وغيرها من جسد المرأة وأعضائها، أو أردنا الزينة\nالمكتسبة، من السوار والخاتم، والخضاب والكحل، والفتخ والقلب،\nوالدملج والقرط، والإكليل والثوب المبرقش وغيرها.\nإن هذه الآية تأمر بإخفاء هذه الزين كلها لا تستثني منها زينة من زينة (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، و(مَا ظَهَرَ مِنْهَا) مبهم لم يفسره الكتاب والسنة\nبل تركاه على إبهامه، وقام الصحابة والتابعون والعلماء المفسرون برفع هذا الإبهام، ولا شك أنهم لو أجمعوا على شيء لكان فيه غنى وكفاية، ولكان ذلك رافعا للإبهام، والنزاع معا، ولكن شاء الله أن لا يرتفع هذا الإِبهام رحمة بهذه الأمة، فاضطربت أقوالهم وتخالفت، حتى استحقت أن نتركها على حالها ونرجع إلى الله ورسوله، فلما رجعنا إلى الله ورسوله وجدنا الإِبهام باقيا على حاله، وستعرف أن بقاءه خير، ولنبحث الآن عن ناحية أخرى.\n_________\n(١) \"روح المعاني\" (٨/ ١٤١) .","vol":"3","page":299},{"text":"إن الله تعالى حينما نهى إبداء الزينة أسند الفعل إلى النساء، وجاء به متعديَا، لكنه حينما استثنى لم يقل \"إلا ما أظهرن منها\"، بل قال: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فعدل الفعل عن التعدي إلى اللزوم ولم يسنده إلى النساء،\nومقتضى هذا أن المرأة مأمورة بإخفاء الزينة مطلقا، وليست مخيرة في إبداء شيء منها، نعم! إنها إذا التزمت بالإخفاء، وتقيدت به، ثم ظهر من تلك الزينة شيء من غير أن تقصر وتفرط في الإخفاء، ومن غير أن تقصد وتتعمد الإِبداء، فإنها لا تعاتب عليه ولا تؤاخذ به عند الله، هذا هو المفهوم من سياق هذه الآية، وهذا الذي يقتضيه نظم الكلام.\nومن هنا يعرف أن كل زينة يمكن للمرأة إخفاؤها فهي مأمورة بإخفائها، سواء كان الوجه والكفان أو الكحل والخاتم والسواران، وأنها لو قصرت في إخفاء مثل هذه الزينة، وكشفتها تعمدًا تؤاخذ عليها، وأن كل زينة لا يمكن إخفاؤها- مثل الثياب الظاهرة- أو يمكن إخفاؤها\nولكنها انكشفت من غير أن تتعمد المرأة لكشفها أو تشعر بانكشافها، فإنها\nلا تؤاخذ عليها، ولا تستحق عتابًا ما، كما أنها لا تؤاخذ ولا تعاتب إذا كشفتها عمدا- لأجل حاجة أو مصلحة ألجأتها إلى كشفها، فكأن المرأة لم تباشر ولم تتعمد كشفها، وإنما الحاجة أو المصلحة هي التي كشفتها، فلا\nعتاب على المرأة، فقوله تعالى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) في معنى قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)\nوالحاصل أن الزينة نوعان، نوع يمكن إخفاؤها، فالمرأة مأمورة بإخفاء هذا النوع من الزينة مهما كانت، ونوع لا يمكن إخفاؤها، أو يمكن ولكنها تنكشف من غير أن تتعمد المرأة كشفها، أو تعتري حاجه تلجئ المرأة إلى إبدائهما، فهذا النوع هو المراد بقوله تعالى: (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) والمرأة لا تؤاخذ على ظهور هذا النوع من زينتها، ولما كان هذا النوع من الزينة يختلف باختلاف الظروف والحاجات والمصالح، ولا يمكن تحديدها بحد معين لا يقبل الزيادة والنقصان تركها الله ورسوله على إبهامها تيسيرا","vol":"3","page":300},{"text":"لهذه الأمة واجتنابَا عن التضييق عليها.\nويضرب لذلك مثلا بالثياب الظاهرة، أو ما انكشفت من أعضائها لأجل تيار الهواء من غير قصد منها، والنظر إلى المخطوبة قبل النكاح، أو كشف المرأة بعض أعضائها أمام الطبيب لدفع الحرج، أو كشفها للوجه والكفين أمام الشاهد، هذه وأمثالها من الصور، التي تلتجئ المرأة فيها إلى كشف أعضائها التي أمرت بسترها إجماعَا، ولا عتاب عليها في تلك\nالصور، فإن كل ذلك مما ظهر من زينتها من غير أن تبديها بخيارها.\nومن هنا يظهر أن تحديد (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) في الوجه والكفين أو الخاتم والسوارين أو الكحل والخضاب وأمثالها لا يصح، بل الصحيح هو تركه على إبهامه وعمومه، وأنه شامل لجميع جسد المرأة حسب الحاجة والظروف، وأن الذين حددوه في مقدار معين فقد وقعوا في التفريط، ولكنهم بجنب هذا التفريط وقعوا في الإفراط، فإنهم أباحوا لها أن تبدي هذا القدر مطلقا، سواء دعت الحاجة إلى كشفها أم لا، مع أن الله لم يخيرهن في إبداء شيء من الزينة، وإنما عفا عنهن ما ظهر منها بنفسها.\nوإذا تحقق معنى هذه الآية فليكن على ذكر من القارئ الكريم أن قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ) مضارع في معنى النهي، والنهي للتحريم، وإذا وقع النهي بصيغة المضارع يكون آكد في التحريم، فالآية صريحة في أن إبداء الزينة حرام على المرأة، فهي دليل على وجوب الحجاب، وأن الوجه والكفين داخلان فيه.\nوالذين يستدلون بهذه الآية على جواز كشف الوجه والكفين لم أر لهم شيئا يروي الغليل ويشفي العليل، وإنما جل ما يتوكئون عليه هو صرف الآية عن معناها المنصوص إلى غيره مستدلا بقول ابن عباس وأصحابه، وقول ابن عباس يأبى عما ينحلون إليه.\nوذلك لأن ابن عباس وعدة من أصحابه فسروا إدناء الجلباب بتغطية الوجه، ولم يكن يخفى عليهم أنهم يفسرون أمرا من أوامر الله تعالى، وأن","vol":"3","page":301},{"text":"أمره تعالى للوجوب، وأن الله أوجب ذلك لإقامة التمييز بين الحرة والأمة، فلا يمكن صرفه عن الوجوب إلى الاستحباب، وإلا يفوت الغرض المطلوب والهدف المنشود، فهل يا ترى أنهم تناقضوا أنفسهم فقالوا بوجوب ستر الوجه، وقالوا بجواز كشفها مطلقَا؟ لا، بل يستأنس من قول ابن عباس أنه يرى جواز الكشف لأجِل الضرورة، فقد روى ابن جرير عنه في قوله: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)؛ قال: والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم، فهذا تظهره في بيتها لمن دخل من الناس عليها \"تفسير ابن جرير\" (١٨/٨٣، ٨٤) .\nفابن عباس لا يفتي بجواز كشف الوجه واليدين مطلقًا، وإنما يفتي بجواز كشفهما عند من دخل عليها في البيت، ثم المراد بالداخلين في البيت إما أن يكون حق أقاربها من ليس بمحرم لها، مثل أبناء عمها وعمتها وخالها وخالتها ومثل أحمائها، فإن هؤلاء يكثر دخولهم في البيت، فابن عباس يرى في التستر عنهم مشقة وحرجا، ويستنبط جواز كشف الوجه والكفين أمامهم من قوله: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فكأن المرأة ليست هي التي أبدت الزينة أمامهم بل المشقة هي التي أظهرتها، وإما أن يكون المراد بالداخل في البيت كل من دخل في البيت مطلقَا بعد الإذن، وبالجملة فتقييد الجواز بالبيت يفيد أن ابن عباس يرى اشتغال المرأة بمهنتها في بيتها، من الحوائج التي تبيح لها كشف الوجه أما الأجانب، فهو يرى الجواز في حالة خاصة، وهو ينبئ عن\nعدم الجواز في عامة الأحوال، فانظر أين قوله هذا من الذين يميلون إلى السفور، ويزعمون أن ابن عباس هو إمامهم في هذا (١) اهـ.\n* أما العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي فقد قال بعد أن ذكر ما أثر عن السلف في تفسير قوله تعالى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا):\n_________\n(١) \"مجلة الجامعة السلفية\" عدد مايو، يونيو ١٩٧٨م.","vol":"3","page":302},{"text":"\"وقد رأيت في هذه النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال كما ذكرنا:\nالأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليها برؤية شيء من بدنها كقول ابن مسعود ﵁، ومن وافقه: إنها ظاهر الثياب، لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهى ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.\nوهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.\nالقول الثاني: أن المراد بالزينة، ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم برؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل ونحو ذلك، لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملامس له من البدن كما لا يخفى.\nالقول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها لقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان- وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم.\nوإذا عرفت هذا فاعلم؛ أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول (١)، وقدمنا أيضا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع، لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في\n_________\n(١) \"أضواء البيان\" (١/١٠ - ١٢)","vol":"3","page":303},{"text":"الترجمة (١)\nوإذا عرفت ذلك فاعلم؛ أن هذين النوعين من أنواع البيان اللذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية التي نحن بصددها.\nأما الأول منها: فبيانه أن قول من قال في معنى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلَا، توجد في الآية\nقرينهّ تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي والحلل، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.\nوأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادَا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) وقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) وقوله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا) وقوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) وقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) الآية وقوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) الآية وقوله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية، وقوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ)\nالآية، وقوله تعالى: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ)، وقوله تعالى عن قوم موسى: (وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) الآية وقوله\n_________\n(١) \"السابق\" (١/ ١٥- ١٦) .","vol":"3","page":304},{"text":"تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)\nفلفظ الزينة فى هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب كقول\nالشاعر:\nيأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطِلن فهن خيرُ عواطلِ\nوبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر.\nوإذا علمت أن المراد بالزينة فى القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة وأن من فسرها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين: فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر\nالثياب، وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة كالكحل والخضاب ونحو ذلك.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له:\nأظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود ﵁ أن الزينة الظاهرة: هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر، لأنه هو أحوط الأقوال وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء، ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها كما هو معلوم والجاري على قواعد الشرع الكريم هو تمام المحافظة والابتعاد عن الوقوع فيما لا ينبغي (١) اهـ.\n_________\n(١) \"انظر \"أضواء البيان\" (٦/١٩٢ - ٢٠٢) .","vol":"3","page":305},{"text":"* وقال الشيخ أبو الأعلى المودودي ﵀ رحمة واسعة:\n\"وأما قوله تعالى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فقد جعلت البيانات المختلفة في كتب التفسير مفهوم هذه الآية مغلقا إلى حد عظيم، وإلا فإن هذه الآية واضحة جدا لا خفاء فيها ولا إبهام، فإذا قيل في الجملة الأولى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) أي: لا يظهرن محاسن ملابسهن وحليهن ووجوههن وأيديهن وسائر أعضاء أجسادهن، استثنى من هذا الحكم العام بكلمة (إلا) في جملة (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي: ما كان ظاهرا لا يمكن إخفاؤه أو هو ظهر بدون قصد الإِظهار من هذه الزينة، وهذه الجملة تدل على أن النساء لا يجوز لهن أن يتعمدن إظهار هذه الزينة، غير أن ما ظهر منها بدون قصد منهن- كأن يخف الرداء لهبوب الريح وتنكشف بعض الزينة مثلا - أو ما كان ظاهرا بنفسه لا يمكن إخفاؤه، كالرداء التي تجلل به النساء ملابسهن، لأنه لا يمكن إخفاؤه وهو مما يستجلب النظر لكونه على بدن المرأة على كل حال- فلا مؤاخذة عليه من الله تعالى.\nوهذا هو المعنى الذي بينه عبد الله بن مسعود، والحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي لهذه الآية، وعلى العكس من ذلك قال غيرهم من المفسرين: إن معنى مَا ظَهَرَ مِنهَا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية، ثم هم يدخلون فيه وجه المرأة وكفيها بكل ما عليها من الزينة، أي أنه يصح عندهم أن تزين المرأة وجهها بالكحل والمسحق والصبغ ويديها بالحناء والخاتم والحلق والأسورة ثم تمشي في الناس كاشفة وجهها وكفيها وهذا المعنى للآية مروي عن عبد الله بن عباس ﵄\nوتلامذته، وإليه ذهبت طائفة كبيرة من فقهاء الحنفية.\nوأما نحن فنكاد نعجز عن أن نفهم بأي قاعدة من قواعد اللغة يجوز أن يكون معنى (مَا ظَهَرَ): \"ما يظهره الإنسانُ\" فإن الفرق بين \"أن يظهر الشيء بنفسه\" و\"أن يظهره الإنسان بقصده\" واضح لا يكاد يخفى على","vol":"3","page":306},{"text":"أحد، والظاهر من الآية أن القرآن ينهى عن إبداء الزينة ويرخص فيما إذا ظهرت من غير قصد، فالتوسع في هذه الرخصة إلى حد \"إظهارها عمدا\" مخالف للقرآن، ومخالف للروايات التي يثبت بها أن النساء في عهد النبي ﷺ ما كن يبرزن إن الأجانب سافرات الوجوه، وأن الأمر بالحجاب كان شاملًا للوجه، وكان النقاب قد جعل جزءًا من لباس النساء إلا في\nالإِحرام.\nوأدعى إلى العجب أن هؤلاء الذي يبيحون للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها للأجانب يستدلون على ذلك بأن الوجه والكفين من المرأة ليسا\nبعورة مع أن الفرق كبير جدًّا بين الحجاب وستر العورة، فالعورة ما لا\nيجوز كشفه حتى للمحارم من الرجال، وأما الحجاب فهو شيء فوق ستر العورة وهو ما حيل به بين النساء والأجانب من الرجال، وإن موضوع\nالبحث في هذه الآية هو الحجاب لا ستر العورة\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي ﵀:\nوزينة الوجه هي أكبر الزينة التي نهين عن إبدائها لأجنبي وكشفها، كما\nأمر الرجال أن يغضوا أبصارهم عنها وعن كل محرم، ولهذا ما أحد ينظر إلى شيء من المرأة قبل وجهها لما جعل الله عليه الناس من تفضيل زينته وحسنه على كل زينة فيها، والله لم يخاطب الناس إلا بما يعقلون بفطرتهم، وما جرت به عادتهم ودلت عليه لغتهم، وليس من المعقول ولا من حكمة الله ولا دينه الذي أنزله رحمة وهداية وصيانة للأعراض والفضائل، وسياجا لها أن يحرم الزنا ووسائله، ويعظم عقوبته، ثم يبيح للنساء أن يكشفن وجوههن بين الرجال الأجانب، ويسفرن بها، ويتبرجن في الطرقات، لا مرية أن هذا أكبر دواعي الزنا وأسبابه، وهتك الأعراض،\n_________\n(١) \"تفسير سورة النور\" (ص: ١٥٧- ١٥٨) .","vol":"3","page":307},{"text":"والضرر بالرجال الذين جبلهم على الميل إلى زينة وجه المرأة وحسنه والمغالاة في المهر لأجله\" (١) اهـ محل الغرض منه.\n* وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀:\n\"إن الله تعالى نهى عن إبداء الزينة مطلقا إلا ما ظهر منها، وهي التي\nلابد أن تظهر كظاهر الثياب، ولذلك قال: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، لم\nيقل: إلا ما أظهرن منها، ثم نهى مرة أخرى عن إبداء الزينة إلا لمن استثناهم فدل هذا على أن الزينة الثانية غير الزينة الأولى، فالزينة الأولى هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد، ولا يمكن إخفاؤها، والزينة الثانية هي الزينة الباطنة التي يتزين بها، ولو كانت هذه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن للتعميم في الأولى والاستثناء في الثانية فائدة معلومة.\n٤- أن الله تعالى يرخص بإبداء الزينة الباطنة للتابعين غير أولى الإربة\nمن الرجال، وهم الخدم الذين لا شهوة لهم، وللطفل الصغير الذي لم يبلغ الشهوة، ولم يطلع على عورات النساء، فدل هذا على أمرين:\nأحدهما: أن إبداء الزينة الباطنة لا يحل لأحد من الأجانب إلا لهذين الصنفين.\nالثاني: أن علة الحكم ومداره على خوف الفتنة بالمرأة والتعلق بها، ولا ريب أن الوجه مجمع الحسن وموضع الفتنة، فيكون ستره واجبَا لئلا يفتتن به أولو الإربة من الرجال، (٢) اهـ.\n* وقال الدكتور محمد فؤاد البرازي- حفظه الله-:\nلو كان المعنى بـ (مَا ظَهَرَ) الوجه والكفين، بمعنى أن العادة فيهما أنهما لا يُستران. بل يبرزان، لكان الملائم مقامًا في التعبير أن يكون: \"إلا\n_________\n(١) \"تيسير الوحيين\" (١/ ١٤٢- ١٤٣) .\n(٢) \"رسالة الحجاب\" (ص: ٨- ٩) .","vol":"3","page":308},{"text":"الظاهر منها\"، وإنما قال النص: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فأشار إلى حصول ذلك عفوًا، ودون قصد حيث أسند الظهور إلى الشيء، لا إلى فاعله\" (١) .\nوقال أيضًا: ولا نرتاب في أن بعض السلف الذين فسروا: (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالوجه والكفين يشترطون مع ذلك أمن الفتنة، وإلا فهل يجيز واحد منهم لامرأة كشف وجهها - في مثل هذا الزمان أمام الرجال، وفيهم الفسقة لصوص الأعراض الذين يتشببون بمحاسن النساء، ويذرعون الطرقات بحثَا عنهن، والفتنة في هذا غالبة، إن لم نقل متحققة\" (٢) اهـ.\n* وقال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله تعالى:\nقوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) الآية،\nإن دلالة هذه الآية على الحجاب قوية إذ تضمنت الأمر بغض، البصر وحفظ الفرج، فحفظ الفرج لا يتم إلا بغض البصر، وغض البصر لا يتم إلا بالحجاب التام، وتقدم لنا في هذا الباب أن غض البصر يتأتى لأحد الجنسين وكلاهما مأمور به إذا لم يكن هنا اختلاط، أو مع الاختلاط فلا يتأتى، وليس في إمكان أي مؤمن أو مؤمنة أن يطيع ربه في هذا الأمر بحال.\nومن هنا كان مدلول كلمة الحجاب ليس هو أن تغطي المرأة محاسنها فحسب، بل مدلوله الحق هو أن يكون هناك حاجب وحاجز يحول دون اختلاط النساء بالرجال والرجال بالنساء، وعندئذ يمكن غض البصر وحفظ الفرج، ولما كان خروج المرأة ضروريا لما يطرأ لها من أمور تستدعي\n_________\n(١) \"حجاب المرأة في الأسلام\" ص: ٢٠) - طبعة مجلس إشاعهَ العلوم بالجامعة النظامية - حيدر آباد - الهند.\n(٢) \"السابق\" (ص: ٢٥) .","vol":"3","page":309},{"text":"خروجها، أذن لها في الخروج ولكن غير مبدية لزينتها بل ساترة لها إلا ما لا يمكن ستره كعين تبصر بها، أو كف تتناول به أو ثياب عليها، وهذا معنى الاستثناء في الآية (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وبه فسره غير واحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم\" (١) اهـ.\nالدليل الخامس\nقوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) .\nوهذا يتضمن أمر النساء بتغطية وجوههن ورقابهن، وبيان ذلك أن المرأة إذا كانت مأمورة بسدل الخمار من رأسها على جيبها لتستر صدرها فهي مأمورة ضمنًا بستر ما بين الرأس والصدر وهما الوجه والرقبة، وإنما لم يُذكر هاهنا للعلم بأن سدل الخمار إلى أن يضرب على الجيب لابد أن يغطيهما.\nقد يطلق الاختمار لغة على تغطية الوجه\nقال بعضهم في وصف امرأة بالجمال وهي مخمرة وجهها:\nقل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقي المذهب\nنور الخمار ونور خدك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهبَ\n* قال الألباني:\nفقد وصفها - يعني المليحة - بأن خمارها كان على وجهها أيضا (٢) اهـ.\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\nالخمر التي تغطى الرأس والوجة والعنق، والجلابيب التي تسدل من\n_________\n(١) \"فصل الخطاب في المرأة والحجاب \" (ص، ٥٠- ٥١) . (٢) \"حجاب المرأة المسلمة\" هامش (ص: ٣٣)","vol":"3","page":310},{"text":"فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان (١) اهـ.\n* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف حفظه الله:\nقال تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) قد أمر الله ﵎ المرأة بعدم إبداء شيء من زينتها إلا ما ظهر منها عن غير قصد الفتنة، ثم أراد - جل ذكره - أن يعلمها كيف تحيط مواضع الزينة بلف الخمار الذي تضعه على رأسها فقال: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ) يعني من الرأس وأعالي الوجه (عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يعني الصدور حتى تكون بذلك قد حفظت الرأس وما حوى، والصدر وما تحته، وما بين ذلك من الرقبة وما حولها، لتضمن المرأة بذلك ستر الزينة الأصلية والفرعية، فمن استثنى شيئًا من تلك المنطقة المحرمة بنص القرآن العزيز، فعليه الدليل الذي يخصص هذا، ويحدد المستثنى، وهذا غير ممكن قطعًا، لأنه يحتاج إلى نص صريح من القرآن العزيز، أو من السنة المطهرة، وأنَّى لأولئك الذي قد استثنوا الوجه من تلك المنطقة بالأمور الظنية أن يأتوا بالدليل القطعي؟ ويشهد لما قلناه من تحريم خروج الزينة الأصلية والمنقولة فعل رسول الله ﷺ بزوجته صفية، وفعل أمهات المؤمنين، وفعل نساء المؤمنات في عهد رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية، وآية الأحزاب، من الستر الكامل بالخمر والجلابيب (٢) اهـ.\n_________\n(١) نقله عنه في \"السابق\" (ص:) ٧١.\n(٢) \"نظرات في حجاب المرأة المسلمة (ص: ٤٤- ٤٥)، وقال الشيخ أيضَا:\nوالقاعدة الأساسية في تفسير ألفاظ القرآن العزيز، وتطبيق ما أراده الله منها، فيما يختص بالرجال، مقيد بأفعال النبي ﷺ وأقواله، وما كان من اختصاص النساء. فإن من فعل أزواج النبي ﷺ وبناته، لأنهن أعلى مستوى في الاقتداء لنساء المؤمنين إلى يوم القيامة. اهـ، وانظر أيضا كتابه ع: (٧٠-٧١)، (٧٧- ٧٩) .","vol":"3","page":311},{"text":"* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف أيضا:\n\"قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) صريح في إدناء الخمار من\nالرأس إلى الصدر، لأن الوجه من الرأس الذي يجب تخميره عقلا وشرعًا وعرفا، ولا يوجد أي دليل يدل على إخراج الوجه من مسمى الرأس في لغة العرب، كما لم يأت نص على إخراجه أو استثنائه بمنطوق القرآن والسنة ولا بمفهومهما، واستثناء بعضهم له، ونفيهم بأنه غير مقصود في عموم التخمير مردود بالمفهوم الشرعي واللغوي ومغمور بأقوال بقية علماء السلف والخلف، كما هو مردود بقاعدتين اصطلح عليهما رجال الفقه في السنة.\nالأولى: أن حجة الأثبات مقدمة على حجة النفي.\nوالثانية: أنه إذا تعارض مبيح وحاظر قدم الحاظر على المبيح.\nالموضع الثالث: آية الحجاب في سورة الأحزاب فهي صريحة في تخمير الوجه لأنه - عنوان المعرفة\". اهـ (١)\n* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:\n\"قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فإن الخمار ما تخمر به المرأة رأسها وتغطية بها كالغدقة (٢)، فإذا كانت مأمورة بأن تضرب بالخمار على\nجيبها كانت مأمورة بستر وجهها إما لأنه من لازم ذلك أو بالقياس، فإنه إذا وجب ستر النحر والصدر كان وجوب ستر الوجه من باب أولى لأنه موضع الجمال والفتنة، فإن الناس الذين يتطلبون جمال الصورة لا يسألون إلا عن الوجه، فإذا كان جميلًا لم ينظروا إلى ما سواه نظرا ذا أهمية، ولذلك إذا قالوا: \"فلانة جميلة\" لم يفهم من هذا الكلام إلا جمال الوجه،\n_________\n(١) \"نظرات\" هامش (ص: ١٥) .\n(٢) كذا بالأصل!","vol":"3","page":312},{"text":"فتبين أن الوجه هو موضع الجمال طلبَا وخبرا، فإذا كان كذلك فكيف يفهم أن هذه الشريعة الحكيمة تأمر بستر الصدر والنحر، ثم ترخص في كشف الوجه\" اهـ (١) .\n\" وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:\n\"قال البخاري ﵀ في \"صحيحه\": باب \"وليضربن بخمرهن على جيوبهن\" وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي، عن يونس، قال ابن شهاب\nعن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: \"يرحم الله نساء المهاجرات\nالأول، لما أنزل الله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شققن مروطهن فاختمرن بها\" (٢) .\nحدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن\nصفية بنت شيبة أن عائشة ﵂ كانت تقول: \"لما نزلت هذه الآية (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي\nفاختمرن به\" اهـ. من صحيح البخارى.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀ في \"الفتح\" في شرح هذا الحديث: \"قوله: (فاختمرن) أي غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع، قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار\".\nوقال الحافظ أيضَا في كتاب (الأشربة) في أثناء تعريف الخَمر: ومنه خمار\n_________\n(١) \"رسالة الحجاب\" (ص: ٧-٨) .\n(٢) قال الشيخ محمود بن أحمد العيني في \"عمدة القاري\" (١٠/ ٩٢): (قوله: \"نساء المهاجرات\" أي: النساء المهاجرات، قوله: \"مروطهن\" جميع مِرْط بكسر الميم، وهو الإزار، وقوله: \"فاختمرن بها\" أي: غطين وجوههن بالمروط التي شققنها) اهـ.","vol":"3","page":313},{"text":"المرأة لأنه يستر وجهها\" اهـ.\n* قال الشنقيطي ﵀ في حديث عائشه هذا:\n\"وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يقتضي ستر\nوجوههن، وأنهن شققن أزُرَهن فاختمرن أي سترن وجوههن بها امتثالًا لأمر الله في قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) المقتضي ستر\nوجوههن.\nوبهذا يتحقق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة ﵂ على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله في كتابه، ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) إلا من النبي ﷺ لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، والله جل وعلا يقول: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن\" اهـ من \"أضواء البيان\".\nوقد روي ابن أبي حاتم من حديث صفية بنت شيبة قالت: بينما نحن عند عائشة قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: \"إن لنساء قريش لفضلًا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة\nالنور: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرطِها المرحل فاعتجرت به تصديقا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات (١)\n_________\n(١) قال محمد بن الحسن: لا يكون الاعتجار إلا مع تنقب، وهو أن يلف بعض =","vol":"3","page":314},{"text":"كأن على رؤوسهن الغِرْبان\"\nومعنى معتجرات: مختمرات كما جاء موضحَا في رواية البخاري المذكورة أنفًا، والاعتجار: هو لَف الخمار على الرأس مع تغطية الوجه. قال ابن الأثير: \"وفي حديث عُبيد الله بن عدي بن الخيار: جاء وهو معتجر بعمامته ما يَرى وحشي منه إلا عينيه ورجليه، الاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه وَيرُدّ طرَفَها على وجهه ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه\" اهـ.\n* قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:\n\"فترى عائشة ﵂ مع علمها وفهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنها ما رأت أشدَّ منهن تصديقًا بكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل، وهو دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزيله (١)، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى.\nفالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيمانا بتنزيله، ومعنى هذا\n_________\n= العمامة على رأسه، وطرفا منه يجعله شبه المعجر للنساء وهو أن يلفه حول وجهه اهـ. من \"المبسوط\" (١/ ٣١)\n(١) وقال الشيخ أبو هشام الأنصاري:\n(ومن الطرائف أن بعضهم استدل بقوله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) على أن الوجه ليس بداخل في الحجاب، لأن الله تعالى لم يأمر فيه بستر الوجه، أقول:\nنعم إن الله لم يأمر هنا بستره، ولكنه لم يأمر هنا بستر الرأس والعنق والعضدين\nأيضا، فهل يجوز لهما كشف هذه الأعضاء؟ فما هو جوابكم فهو جوابنا) . اهـ\nمن \"مجلة الجامعة السلفية\" عدد مايو، ويونيو ١٩٧٨.","vol":"3","page":315},{"text":"ثابت في الصحيح كما تقدم عن البخاري، وهذا من أعظم الأدلة\nوأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى\" (١) اهـ.\nالدليل السادس\nقوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)\n* وقال الشيخ أبو بكر الجزائري:\nقوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) إن دلالة هذه الآية على الحجاب الكامل أظهر وأقوى من الآيات السابقة، وذلك لأن إثارة الفتنة بسماع صوت الخلخال في الرجل إذا ضربت المرأة برجلها وهي تمشي أقل بكثير من فتنة النظر إلى وجهها وسماع حديثها، فإذا حرم الله تعالى بهذه الآية على المرأة أن تضرب الأرض برجلها خشية أن يسمع صوت حليها فيفتن به سامعه كان تحريم النظر إلى وجهها- وهو محط محاسنها- أولى وأشد حرمة\" (٢) اهـ.\n* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:\n\"قوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) يعني: لا تضرب المرأة برجلها فيعلم ما تخفيه من الخلاخيل ونحوها مما تتحلى به للرجل، فإذا كانت المرأة منهية عن الضرب بالأرجل خوفا من افتتان الرجل بما يسمع من صوت خلخالها ونحوه فكيف بكشف الوجه.\nفأيما أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالا بقدم المرأة لا يدري ما هي وما جمالها لا يدري أشابة هي أم عجوز، ولا يدري أشوهاء هي أم حسناء، أيما أعظم فتنة هذا أو أن ينظر إلى وجه سافر جميل ممتلئ شبابَا\n_________\n(١) \"أضواء البيان\" (٦/٥٩٥)\n(٣) \"فصل الخطاب\" (ص: ٤١)","vol":"3","page":316},{"text":"ونضارة وحسنا وجمالا وتجميلا بما يجلب الفتنة، ويدعوا إلى النظر إليها؟ إنَّ كل إنسان له إربة في النساء ليعلم أي الفتنتين أعظم وأحق بالستر والإِخفاء\" (١) .\n* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف:\nقوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) يؤخذ من هذا أن الله تعالى حرَّم على المرأة ما يدعو إلى الفتنة، حتى بالحركة والصوت، وهذا غاية في تأديب المسلمة، ومبالغة في حفظ كرامتها، ودفع الشر عنها، فلو كان شيء أخفى من هذا لذكره جل شأنه توجيهَا للمرأة المسلمة وتعليمًا لها، فما أكرمها على الله حيث تمتثل أوامره، وتعمل بأحكامه، وما أنقصها وأفسدها لما وهبها حينما تخالف أمره، ومن هذه النبذة يظهر لنا ملموسًا - كما يظهر للناس جميعًا - أن المرأة حينما تكون متحجبة ساترة لمواضع زينتها، فإن جِبلة الرجل تتوق إلى النظر لأدنى شيء يبدو منها، فهي قد احتفظت بنور يعترفه كل أحد تحت هذه الحجب.\nبخلاف المرأة السافرة التي قد بذلت مواهبها الأصليه والمكتسبة للناظرين، فكل مبذول ممتهن، وقد نزع الله تعالى منها النور الذي يهبه لمن أطاعه واتقاه، فلو علمت المرأة السافرة والمتبرجة، ومن بذلت نفسها ممتهنة للسوقة والأنذال ما تحت هذا الخمار من النور والكرامة لسارعت إليه، فسبحان من له في خلقه شؤون!.\nفالله ﷾ أدَّب من أطاعه من النساء، ووجههن أكمل توجيه، وعلمهن من العلم النافع ما يكنَّ به عضوا نافعًا في المجتمعات\nالإنسانية، وأما صالحة كريمة. . .\n_________\n(١) \"رسالة الحجاب\" (٩ – ١٠) .","vol":"3","page":317},{"text":"ومن أجل ذلك جاء القرآن العزيز بتوجيهها التوجيه الذي يحبه الله ويرضاه، فبدأها في هذه الآية بأعلى ما فيها وأفضله، وهو الرأس، وختمهما بأسفل ما فيها وأدناه، وهي الأرجل، فيؤخذ من هذا أن المرأة عورة، حرام عليها أن يظهر من بدنها أي شيء يراه الرجال الأجانب منها، حتى ما وضعته على سبيل التجمل، سواء في ذلك ما كان ظاهرًا أو خفيا من الرأس حتى القدم\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀:\nقوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) وهذا يدل\nعلى أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أيضا، وإلا استطاعت إحداهن أن تبدي ما تخفي من الزينة، وهي الخلاخيل، ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرجل، ولكنها كانت لا تستطيع ذلك، لأنه مخالفة للشرع مكشوفة، ومثل هذه المخالفة لم تكن معهودة في عصر الرسالة، ولذلك كانت إحداهن تحتال بالضرب بالرجل لتُعْلِم الرجال ما تخفي من الزينة، فنهاهن الله عن ذلك\" (٢) اهـ.\nونقل عن ابن حزم ﵀ قوله بأن هذا نص على أن الرجلين\nوالساقين مما يخفى، ولا يحل إبداؤه.\nولا ريب أن الفتنة المتوقعة من كشف الوجه أعظم بكثير وأشد ضراوة\nمن فتنة كشف القدمين أو الضرب بالأرجل، والله أعلم.\nالدليل السابع\nقوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ\n_________\n(١) \"نظرات في حجاب المرأة المسلمة\" (ص: ٤٥- ٤٧) . (٢) \"حجاب المرأة المسلمة\" (ص ٣٦)","vol":"3","page":318},{"text":"سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور: ٦٠]\n* قال شيخ المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري - رحمه الله تعالى -:\nيقول تعالى ذكره: واللواتي قد قعدن عن الولد من الكبر من النساء،\nفلا يحضن، ولا يلدن، واحدتهن قاعد (اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) يقول:\nاللاتي قد يئسن من البعولة فلا يطمعن في الأزواج (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) يقول: فليس عليهن حرج، ولا إثم أن يضعن ثيابهن، يعني جلابيبهن، وهي القناع الذي يكون فوق الخمار، والرداء الذي يكون فوق الثياب، لا حرج عليهن أن يضعن ذلك عند المحارم من\nالرجال، وغير المحارم من الغرباء، غير متبرجات بزينة.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكر من قال ذلك\nحدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﵄ قوله: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا)\nوهي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار، وتضع عنها\nالجلباب، ما لم تتبرج لما يكره الله، وهو قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) .\nثم قال: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) حُدّثتُ عن الحسين، قال: سمعت\nأبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ): يعني الجلباب، وهو القناع، وهذا للكبيرة التي قعدت عن الولد، فلا يضرها أن لا تتجلبب فوق الخمار، وأما كل امرأة مسلمة حُرَّة، فعليها إذا بلغت المحيض أن تدني الجلباب على الخمار، وقال الله في سورة الأحزاب: (نَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) اهـ.","vol":"3","page":319},{"text":"ثم روى بإسناده عن مجاهد قال: (ثِيَابَهُنَّ): جلابيبهن، وقال ابن زيد: وضع الخمار، وقال ابن مسعود: الجلباب أو الرداء أو الملحفة، إلى أن قال ﵀: وقوله: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) يقول: وإن تعففن عن وضع جلابيبهن وأرديتهن، فيلبسنها خير لهن من أن يضعنها، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ثم ذكر بسنده عن مجاهد قال: أن\nيلبسن الجلابيب، وعن الشعبي قال: ترك ذلك، يعني ترك وضع الثياب\" (١) اهـ.\n* وقال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى:\nوقوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) الآية قال\nابن مسعود ومجاهد: والقواعد اللاتي لا يرجون نكاحا هي اللاتي لا يردنه، وثيابهن: جلابيبهن، وقال إبراهيم وابن جبير: الرداء، وقال الحسن: الجلباب والمنطق، وعن جابر بن زيد: يضعن الخمار والرداء.\nقال أبو بكر: لا خلاف في أن شعر العجوز عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليه كشعر الشابة، وأنها إن صلت مكشوفة الرأس كانت كالشابة في فساد صلاتها، فغير جائز أن يكون المراد وضع الخمار بحضرة الأجنبي.\nفإن قيل: إنما أباح الله تعالى لها بهذه الآية أن تضع خمارها في الخلوة بحيث لا يراها أحد، قيل له: فإذا لا معنى لتخصيص القواعد بذلك إذ كان للشابة أن تفعل ذلك في خلوة، وفي ذلك دليل على أنه إنما أباح للعجوز وضع ردائها بين يدي الرجال بعد أن تكون مغطاة الرأس، وأباح لها بذلك كشف وجهها ويدها لأنها لا تشتهي، وقال تعالى: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) فأباح لها وضع الجلباب، وأخبر أن الاستعفاف\nبأن لا تضع ثيابها أيضًا بين يدي الرجال خير لها\" (٢) اهـ.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" (١٨/ ١٦٥- ١٦٧) .\n(٢) \"أحكام القرآن\" (٣/ ٣٣٣- ٣٣٤) .","vol":"3","page":320},{"text":"* وقال الإمام الفقيه عماد الدين الطبري المعروف بإلكيا الهراس ﵀:\nقوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) الآية: عني به الكبيرة السن، وجوز لها أن تضع الرداء واللحاف أو الخمار، قال ابن عباس: المراد به الجلباب من فوق الخمار، ومعلوم أنه غير مجوز لها أن تكشف من بدنها عورة لأنه إن كان حالة الخلوة بنفسها فالعجوز والشابة سواء، وإن كان بين الناس فالواجب حمله على الجلباب وما فوق الخمار لا\nنفس الخمار لأن من شأن الجلباب أن يبلغ مع الستر النهاية، ومع الخمار\nقد ينكشف من رؤوسهن وأعناقهن بعض التكشف، فأبان الله تعالى أن هذا التحرز ليس وجوبه عليهن كوجوبه على الشابات لأنه ليس في النظر إليهن من خوف الافتتان كما في النظر إلى الشابة، ولذلك قال في آخره: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) (١) اهـ.\n* ونقل الإمام محيي السنة البغوي ﵀ في تفسيره \"القواعد\" عن ربيعة الرأي قال: هُنَّ العُجَّز اللاتي إذا رآهن الرجال استقذروهن، فأما من كانت فيها بقيهَ من جمال، وهي محل الشهوة، فلا تدخل في هذه الآية (٢) اهـ.\n* وقال أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي في \"تفسيره\":\n\"قوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ. . .) الآية، والمراد بالثياب: الثياب\nالظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) غير مظهرات زينة، يريد الزينة الخفية التي أرادها في قوله: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا\n_________\n(١) \"تفسير إلكيا الهراس الطبري\".\n(٢) \"معالم التنزيل\".","vol":"3","page":321},{"text":"احتجن إليه، والاستعفاف من الوضع خير لهن، لما ذكر الجائز عقبه بالمستحب بعثَا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها كقوله: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) (١) اهـ.\n* وقال الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري المالكي رحمه الله تعَالى:\nقوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) الآية: قرر الزمخشري هذه الآية على ظاهرها، ويظهر لي - والله أعلم - أن قوله تعالى: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ)\nمن باب \"على لاحب لا يهتدى بمناره\" (٢) أي: لا منار فيه فيهتدى به، وكذلك المراد هنا: والقواعد من النساء اللاتي لا زينة لهن فيتبرجن بها لأن\nالكلام فيمن هي بهذه المثابة، وكأن الغرض من ذلك أن هؤلاء استعفافهن عن وضع الثياب خير لهن فما ظنك بذوات الزينة من الثياب؟.\n_________\n(١) \"الكشاف\" (٣/٧٦) .\n(٢) قال الإمام جمال الدين محمد بن نباته المصري:\nعلى لاحب لايهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\nيصف قفرا، لا أعلام فيه، وقوله \"لا يُهتدى بمناره\" يعني ليس فيه منار يهتدى\nبه، لا أن فيه منارا إلا أنه لا يهدي، والعود: الجمل البالغ تمام سنة، وسافه:\nإذا شمه، وجرجرا: إذا حن، وعادة الإبل أن تشم الأرض التي لا تعرفها،\nفتحن لعلمها ببعد المسافة اهـ. من \"سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون\" ص: ١٨٦.\nونظيره قول عبيد بن وهب العبسي، وقيل: زهير:\nبأرض فضاء لا يسد وصيدها ... عليَّ ومعروفي بها غير منكر\nأي لا يسد بابها علي، يعني: ليست فيها أبواب حتى تسد، على حد قول الآخر:\nولا ترى الضب بها ينجحر. اهـ من \"أضواء البيان\" (٤/٤٢) .\nومثله في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ) كأنهم قالوا:\nولا تأويل للأحلام الباطلة، فنكون به عالمين. اهـ من \"محاسن التأويل\" للقاسمي (٩/ ٣٥٤٦ - ٣٥٤٧) .","vol":"3","page":322},{"text":"وأبلغ ما في ذلك أنه جعل عدم وضع الثياب في حق القواعد من الاستعفاف إيذانًا بأن وضع الثياب لا مدخل له في العفة، هذا في القواعد\nفكيف بالكواعب؟ والله أعلم\" (١) اهـ.\n* قال الإِمام البيهقي في \"سننه\":\nباب ما جاء في القواعد من النساء:\nأخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأ أبو بكر بن داسه، ثنا أبو داود، ثنا\nأحمد بن محمد المروزي، ثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد\nالنحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) الآية فنسخ واستثنى من ذلك (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) الآية (٢) اهـ.\n* وقال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى:\nقوله تعالى: (أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) أي: عند الرجال، ويعني بالثياب: الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار، هذا المراد بالثياب لا جميع الثياب (٣)، (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) أي من غير أن يردن بوضع الحجاب أن تُرى زينتهن، والتبرج: إظهار المرأة محاسنها، (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ) فلا يضعن تلك الثياب (خَيْرٌ لَهُنَّ) .\nوقال ابن قتيبة: والعرب تقول: امرأة وأضع إذا كبرت فوضعت الخمار، ولا يكون هذا إلا في الهرمة، قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه\nالآية دلالة على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال،\nوأما شعرها فيحرم النظر إليه كشعر الشابة\" اهـ.\n_________\n(١) \"الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال\" بهامش \"الكشاف\" (٣/ ٧٦) .\n(٢) \"السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٩٣) .\n(٣) لأنه من باب إطلاق الكل، وإرادة الجزء.","vol":"3","page":323},{"text":"* وقال الرازي في \"تفسيره\":\nلا شبهة أنه تعالى لم يأذن في أن يضعن ثيابهن أجمع لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب هنا الجلباب والبرد والقناع الذي فوق الخمار، وروى عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ (أن يضعن جلابيبهن) وعن السدي عن شيوخه: أن يضعن خمرهن عن\nرؤوسهن، وعن بعضهم أنه قرأ (أن يضعن من ثيابهن) وإنما خصهن الله تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن، وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب، ولذلك قال: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) وإنما جعل ذلك أفضل من حيث هو أبعد من المظنة، وذلك يقتضي أن عند المظنة يلزمهن أن لا يضعن ذلك كما يلزم مثله في الشابة\" (١) اهـ.\n* وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي ﵀:\nقوله تعالى: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) أي: غير مظهرات ولا معترضات بالزينة لينظر إليهن، فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق.\nوالتبرج: التكشف والظهور للعيون، ومنه بروج مشيدة، وبروج السماء والأسوار؛ أي: لا حائل دونها يسترها، وقيل لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين ما تقولين في الخضاب والصباغ والتمائم والقرطين والخلخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء،\nقصتكن قصة امرأة واحدة أحل الله لكُنَّ الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن مُحرما\" (٢) (٣) اهـ.\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" (٦/ ٣٠٧) .\n(٢) رواه ابن أبي حاتم - كذا في \"تفسير القرآن العظيم\" (٦/ ٩١) .\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٢/ ٣٠٩- ٣١١) .","vol":"3","page":324},{"text":"وعن عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا، وتنقبت به، فنقول لها: رحمك الله، قال الله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ): هو الجلباب، قال: فتقول لنا: \"أي شيء بعد ذلك؟ \" فنقول: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) فتقول: \"هو إثبات الحجاب\" (١) .\n* وقال الشيخ إسماعيل حقي رحمه الله تعالى:\n\" (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ) عند الرجال (ثِيَابَهُنَّ) أي: الثياب الظاهرة كالجلباب والإزار فوق الثياب والقناع فوق الخمار\" (٢) .\nوقال أيضَا ﵀. \"اعلم أن العجوز إذا كانت حيث لا تشتهى جاز النظر إليها لأمن الشهوة، وفيه إشارة إلى أن الأمور إذا خرجت عن معرض الفتنة، وسكنت نائرة الآفات سهل الأمر وارتفعت الصعوبة وأبيحت الرخص، ولكن التقوى فوق أمر الفتوى كلما أشار إليه قوله تعالى: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) وفي الحديث: \"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذرَا مما به بأس\" (٣) .\n_________\n(٩) تقدم تخريجه، وحفصة هي أم الهذيل الأنصارية البصرية التابعية أخت محمد بن\nسيرين، قال ابن معين: \"ثقة حجة\"، وقال إياس بن معاوية: \"ما أدركت أحدًا أفضله عن حفصة\" وذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/٤٠٩ -٤١٠) .\n(٢) \"روح البيان\" (٦/ ١٧٨) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٢٤٥١)، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه،\nوابن ماجه (٤٢١٥)، والحاكم (٤/٣١٩) وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي\n(٥/٣٣٥) عن عطية السعدي ﵁ مرفوعَا، وفيه عبد الله بن يزيد الدمشقي، قال فيه الجوزجاني: \"روى عنه ابن عقيل أحاديث منكرة\".\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٨٢- ٨٣) .","vol":"3","page":325},{"text":"قال ابن سيرين: ما غشيت امرأة قط لا في يقظة ولا في نوم غير أم عبد الله، وإني لأرى المرأة في المنام فأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري (١)، قال بعضهم: \"ليت عقلي في اليقظة كعقل ابن سيرين في المنام\" (٢) اهـ.\n* وقال علامة القصيم عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى:\n(فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ) أي: حرج وإثم (أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) أي: الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه الذي قال الله فيه للنساء (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فهؤلاء يجوز لهن أن يكشفن وجوههن لأمن المحذور منها وعليها.\nولما كان نفي الحرج عنهن في وضع الثياب ربما تُوهم منه جواز استعمالها لكل شيء دفع هذا الاحتراز بقوله: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) أى: غير مظهرات للناس زينة من تجمل بثياب ظاهرة وتستر وجهها، ومن ضرب الأرض ليعلم ما تخفي من زينتها لأن مجرد الزينة على الأنثى ولو مع تسترها ولو كانت لا تشتهى يفتن فيها ويوقع الناظر إليها في الحرج (٣) اهـ.\n* قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي ﵀:\n\"وأظهر الأقوال في قوله: (أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) أنه وضع ما يكون فوق الخمار والقميص من الجلابيب التي تكون فوق الخمار والثياب، فقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها ولا الإخلال بشيء من التستر بحضرة الأجانب\" (٤) اهـ.\n_________\n(١) ومثله قول بعضهم في مدح عفيف:\nإن هَم في حُلْم بفاحشة ... زجرته عفته فينتبهُ\n(٢) \"روح البيان\" (٦/ ١٧٨) .\n(٣) \"تيسير الكريم الرحمن\" (٥/٢١٨) .\n(٤) \"أضواء البيان\" (٦/ ٥٩١) .","vol":"3","page":326},{"text":"* وقال العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:\nيخبر سبحانه أن القواعد من النساء وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا لا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن عن وجوههن وأيديهن إذا كن غير متبرجات بزينة.\nفعلم بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ثوبها عن وجهها ويديها وغير ذلك من زينتها، وأن عليها جناحا في ذلك ولو كانت عجوزا، لأن كل ساقطة لها لاقطة (١)، ولأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة ولو كانت عجوزًا فكيف يكون الحال بالشابة والجميلة إذا تبرجت؟ لا شك أن إثمها أعظم والجناح عليها أشد، والفتنة بها أكبر.\nوشرط سبحانه في حق العجوز أن لا تكون ممن يرجو النكاح، وما\nذاك،- والله أعلم- إلا لأن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج طمعًا في الأزواج، فنهيت عن وضع ثيابها عن محاسنها صيانة لها ولغيرها من الفتنة، ثم ختم الآية سبحانه بتحريض القواعد على الاستعفاف\nوأوضح أنه خير لهن، وإن لم يتبرجن، فظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب ولو من العجائز وأنه خير لهن من وضح الثياب فوجب أن يكون التحجب والاستعفاف عن إظهار الزينة خيرًا للشابات من باب أولى،\nوأبعد لهن عن أسباب الفتنة\" (٢) اهـ.\n* وقال التويجري ﵀:\nومفهوم الآية الكريمة أن من لم تيأس من النكاح بعد وهي التي قد بقي فيها بقية من جمال وشهوة للرجال فليست من القواعد، ولا يجوز لها وضع\n_________\n(١) وقالوا في هذا المعنى:\nلكل ساقطة في الحي لاقطة ... وكل كاسدة يومًا لها سوق (٢) \"رسالة الحجاب والسفور\" (ص: ٦-٨) .","vol":"3","page":327},{"text":"شيء من ثيابها عند الرجال الأجانب، لأن افتتانهم بها وافتتانها بهم غير مأمون\" (١) اهـ.\n***\n_________\n(١) \"الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور\" (ص: ٦٣) .","vol":"3","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بحكم الحجاب</span>\nوقد جمعتها في ثلاثه أقسام:\nالقسم الأول: أحاديث استنبط منها العلماء وجوب الحجاب على المسلمات عامة.\nالقسم الثاني: أحاديث تبين حجاب أمهات المؤمنين، ومنها أحاديث استنبط منها بعض العلماء ما يفيد عموم الحجاب لسائر المؤمنات.\nالقسم الثالث: أحاديث تفيد مشروعية الحجاب الكامل لسائر نساء الأمة المحمدية، أو تفيد شيوعه فى نساء الصدر الأول، أو تفيد منع الرجال من النظر إلى الأجنبيات، ونبين فيها محاولة بعض العلماء استنباط\nوجوب الحجاب الكامل لسائر المسلمات من بعض هذه الأحاديث.\nالقسم الأول\n١- عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"المرْأَةُ عَوَرَة\" (١) .\n* قال الشيخ حمود التويجري حفظه الله:\n\"وهذا الحديث دال على أن جميع أجزاء المرأة عورة في حق الرجال الأجانب، وسواء في ذلك وجهها وغيره من أعضائها، وقد نقل\nأبو طالب عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: ظُفر المرأة عورة، فإذا خرجت من بيتها فلا تُبِنْ منها شيئَا ولا خُفَّها، فإن الخُفَّ يصفُ القدم،\n_________\n(١) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":329},{"text":"وأحبُّ إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها حتى لا يبين منها شيء\" اهـ.\nوقد تقدم ذكر ما نقله شيخ الإِسلام ابن تيميه عن الإمام أحمد أنه قال:\nكل شيء منها عورة حتى ظفرها، قال شيخ الإسلام: \"وهو قول مالك\" (١) اهـ.\nعن أبي الأحوص عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها\" (٢) .\n* قال الشنقيطي رحمه الله تعالى:\nوقد ذكر هذا الحديث صاحب مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون، وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلة، وما جاء فيه من كون المرأة عورة: يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما\nيصدق عليه اسم العورة، ومما يؤيد ذلك: الهيثمي أيضا في مجمع الزوائد\nعن ابن مسعود قال: \"إنما النساء عودة، وإن المرأة لتخرج عن بيتها وما بها من بأس فيستشرفها الشيطان فيقول: \"إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته،\nوإن المرأة لتلبس ثيابهما فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا أو أشهد\nجنازة أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها\" ثم\nقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات اهـ منه ومثله له حكم الرفع إذ\nلا مجال للرأي فيه (٣) .\n٢- عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"لا تَنْتقِب المرأةُ المحرِمَةُ، ولا تَلْبَسُ القُفازَينِ\" (٤) .\n_________\n(١) \"الصارم المشهور\" (ص: ٩٦)، \"الرد القوي\" (ص: ٢٤٥) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) \"أضواء البيان\" (٦/ ٥٩٦) .\n(٤) أخرجه البخاري (٤/٦٣) رقم (١٨٣٨) في جزاء الصيد: باب ما ينهى من =","vol":"3","page":330},{"text":"* قال الشيخ أبو هشام عبد الله الأنصاري:\nهذا الحديث أحسن دليل على ما وقع من التغير والتطور في ألبسة النساء بعد نزول الحجاب والأمر بإدناء الجلباب، وأن النقاب كان قد صار من ألبسة النساء بحيث لم يَكُنَّ يخرجن إلا به، وليس معنى النهي عن الانتقاب للمحرمة أنها لا تستر وجهها،. . .، وإنما المراد أنها لا تتخذ النقاب\nلباسا على حدة من ألبستها، وإنما تستر وجهها بجزء من لباسها\" (١) اهـ.\n* قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀:\nوالمسألة الرابعة عشرة: قوله في حديث ابن عمر: \"ولا تَنَتقِب الَمرأةُ\" وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئًا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال، ويعرضون عنها\" (٢) اهـ.\n* وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀:\nوهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي\nلم يُحْرِمْنَ وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن (٣) .\nوقال شيخ الإسلام أيضًا: ووجه المرأة في الإِحرام فيه قولان في مذهب\n_________\n= الطيب للمحرم والمحرمة، والموطأ (١/ ٣٢٤) في الحج: باب ما ينهى عنه من لبس الثياب في الإِحرام والترمذي رقم (٨٣٣) في الحج: باب ما جاء فيما لا\nيجوز للمحرم لبسه، وقال: \"حسن صحيح\"، وأبو داود رقم (١٨٢٥، ١٨٢٦)\nفي المناسك: باب ما يلبس المحرم، والنسائي (٥/ ١٣٥) في الحج، باب النهي أن تلبس المحرمة القفازين، والإمام أحمد (٢/ ١١٩) .\n(١) \"إبراز الحق والصواب في مسألة السفور والحجاب\" - الحلقة الخامسة - مجلة الجامعة السلفيه.\n(٢) \"عارضة الأحوذي\" (٤/ ٥٦) .\n(٣) \"مجموع الفتاوى\" (١٥/٣٧٠ – ٣٧) .","vol":"3","page":331},{"text":"أحمد وغيره، قيل: إنه كرأس الرجل فلا يغطى، وقيل: إنه كبدنه فلا يغطى بالنقاب والبُرْقُع ونحو ذلك مما صنع على قدره؛ وهذا هو الصحيح فإن النبي ﷺ لم ينه إلا عن القفازين والنقاب.\nوكن النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال من غير وضع\nما يجافيها عن الوجه، فعلم أن وجهها كبدن الرجل، وذلك أن المرأة كلها عورة، فلها أن تغطي وجهها ويديها (١) لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرجل لا يلبس السراويل ويلبس الإِزار\" (٢) اهـ.\n* وقال الإمام العلامة المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في \"تهذيب السَنن\":\n\"وأما نهيه ﷺ في حديث ابن عمر ﵄ المرأة أن تنتقب وأن تلبس القفازين فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه، فيحرم عليها فيه ما وضع وفُصِّل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع ولا يحرم عليها ستره بالمِقْنَعة والجِلباب ونحوهما، وهذا أصح القولين، فإن النبي ﷺ سوى بين وجهها ويديها، ومنعها من القفازين والنقاب، ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصَّل على قدرهما وهما القفازان، فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه، وليس عن النبي ﷺ حرف واحد، في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهي عن النقاب، وهو كالنهي عن القفازين، فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء، وهذا واضح بحمد الله\" (٣) اهـ.\nوفال أيضًا في \"إعلام الموقعين\" في نفس الحديث:\n\"ونساؤه ﷺ أعلم الأمة بهذه المسألة، وقد كن يَسْدُلن على وجوههن\n_________\n(١) يعني في حال الإحرام.\n(٢) \"مجموع الفتاوى\" (٢٠/ ١٢٠) .\n(٣) \"تهذيب سنن أبي داود\" (٥/ ٢٨٢- ٢٨٣) بهامش \"عون المعبود\".","vol":"3","page":332},{"text":"إذا حاذاهن الركبان فإذا جاوزوهن كشفن وجوههن - ورَوى وكيع، عن شعبة، عن يزيدَ الرِّشْك، عن معاذة العدوية قالت: سألتُ عائشة ﵂ ما تلبسُ المحرمة؟ فقالت: لا تنتقب ولا تتلثم وتسدل الثوبَ على وجهها\" (١) .\nثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى قول الذين يمنعون المحرمة من تغطية وجهها ورد عليهم إلى أن قال: فكيف يحرم ستر الوجه في حق المرأة مع أمر الله لها أن تدني عليها جلبابها، لئلا تُعرف ويفْتَتَن بصورتها\" (٢) اهـ. وذكر الإمام ابن القيم أيضا في \"بدائع الفوائد\" سؤالَا في كشف المرأة وجهها في حال الإِحرام وجوابا لابن عقيل في ذلك، ثم تعقبه بالرد فقال: سبب هذا السؤال والجواب خفاءُ بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة\nفي الإِحرام، فإن النبي ﷺ لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النصُّ بالنهي عن النقاب خاصة، كما جاء بالنهي عن القفازين، وجاء بالنهي عن القميص والسراويل.\nومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء، لم يُرِد أنها تكون مكشوفة لا\nتستر ألبتة بل قد أجمع الناسُ على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودِرْعها، وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإِزار، مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد، وكيف يُزاد على موجَب النص\nويُفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملا جهارًا؟ فأي نص اقتضى هذا أو مفهومِ أو عموم أو قياس أو مصلحة؟\n_________\n(١) وعن عائشة ﵂ قالت: \"تلبس المحرمة من الثياب ما شاءت إلا ثوبَا مسه زعفران أو ورس، ولا تتبرقع، ولا تتلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت \". رواه البيهقي (٥/ ٤٧)، وغيره، انظر: \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود (ص: ١٠٨-١١٠) .\n(٢) انظر: \"إعلام الموقعين عن رب العالمين\" (١/ ٢٢٢ -٢٢٣، ٢٧٦)، \"بدائع\nالفوائد\" (٣/ ١٤١-١٤٣) .","vol":"3","page":333},{"text":"بل وجه المرأة كبدن الرجل، يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب والبُرقع، بل وكيدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليدين كالقُفَّاز، وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم يُنْه عنه البتة، ومن\nقال: إن وجهها كرأس المحرم فليس معه بذلك نص ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرِم، لما جعل الله بينهما من الفرق.\nوقول من قال من السلف: \"إحرام المرأة في وجهها\"، إنما أراد به هذا المعنى، أي لا يلزمها اجتناب اللباس كما يَلزم الرجل، بل يلزمها اجتناب النقاب، فيكون وجهها كبدن الرجل.\nولو قدر أنه أراد وجوبَ كشفه فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك وأراد به وجوب كشف الوجه ولا سبيل إلى واحد من\nالأمرين. وقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: \"كنا إذا مَرَّ بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها\"، ولم تكن إحداهن تتخذ عودا\nتجعله بين وجهها وبين الجلباب\" (١)، كما قاله بعض الفقهاء، ولا يُعْرَفْ هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين البتة، لا عملا ولا\nفتوى، ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإِحرام، ولا يكونَ ظاهرًا\nمشهورًا بينهن يعرفه الخاص والعام.\nومن آثر الإِنصاف، وسلك سبيل العلم والعدل، تبين له راجح المذهب من مرجوحها، وفاسدها من صحيحها، والله الموفق والهادي\" (٢) اهـ.\n* ونقل الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" عن ابن المنذر أنه قال:\nأجمعوا على أن المرأة المحرمة تلبس المخيطَ كله والخِفافَ، وأن لها أن تغطي رأسها وتستُر شعرها إلا وجهها، فتسدل عليه الثوب سدلًا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال الأجانب، ولا تخمره، إلا ما روي عن فاطمة\n_________\n(١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٥/ ٧١) .\n(٢) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ١٧٤- ١٧٥) .","vol":"3","page":334},{"text":"بنت المنذر قالت: \" كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر\n﵂ تعني جدتها \"\nقال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلا، كما جاء عن عائشة ﵂ قالت: \"كنا مع رسول الله ﷺ إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات فإذا جاوزونا رفعناه\" (١) اهـ.\n* قال العلامة الصنعاني في حاشيته على \"شرح العمدة\" بعد ما ذكر الحديث \"لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين\".\nقال: قوله: بوجهها وكفيها، أقول: فلا يُلبس ما فصل وقطع وخيط لأجل الوجه كالنقاب، ولأجل اليدين كالقفازين، لا لأن المراد أنها لا تغطي وجهها وكفيها كما توهم، فإنه يجب سترهما، لكن بغير النقاب والقفازين\" (٢) اهـ.\n٣- عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من جَر ثَوبَه خُيلاَءَ لم يَنظر الله إليه يوم القِيامَةِ\" فقالتْ أمُّ سَلَمة ﵂:\nفكيف يَصْنَعُ النسَاء بذُيولهن؟ قال: \"يُرخِينَ شبرَا\" فقالت: \"إذًا تنكَشِف أقَدامهن \" قال: \"فيرخينَه ذِرَاعا لا يزِدن عليه\" (٣) .\nوقال الترمذي: وفي الحديث رخصة للنساء في جَرِّ الإزار لأنه يكون أستَرَ لهن\".\nوقال البيهقي: في هذا دليل على وجوب ستر قدميها.\nوفي رواية لأحمد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/٤٧٥)، وانظر ص ٣١٩ الحاشية رقم (١) .\n(٢) \"العدة شرح العمدة بحاشية الصنعاني\" (٣/ ٤٧٦) .\n(٣) رواه أبو داود رقم (٤١١٧)، والترمذي (٤/ ٢٢٣)، والنسائي (٨/٢٠٩)،\nوالإمام أحمد (٢/ ٥، ٥٥) وعبد الرزاق (١١/ ٨٢)، وأبو عوانة (٥/ ٤٨٢)،\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح \".","vol":"3","page":335},{"text":"رخص للنساء أن يُرْخين شبرًا، فقلن: يا رسول الله إذًا تنكشف أقدامُنا، فقال: \"ذِرَاعا ولا يَزِدنَ عليه\" (١) .\nْوفي رواية له أخرى عن ابن عمر ﵄ أن نساء النبي ﷺ سألنه عن الذيل، فقال: \"اجعلنَه شِبرَا\" فقلن: شبرا لا يَسْتُرُ من عَورَةِ، فقال: \"اجعلْنَه ذرَاعَا\" فكانت إحداهن إذا أرادت أن تتخذ درعا أرخت ذراعَا فجعلته ذيلا (٢) .\n* قال التويجري:\nوفي هذا الحديث والحديثين بعده دليل على أن المرأة كلها عورة في حق الرجال الأجانب، ولهذا لما رخص النبي ﷺ للنساء في إِرخاء ذيولهن شبرًا، قلن له:\nإنَ شبرا لا يستر من عورة، والعورة ها هنا القدم، كما هو واضح من باقي الروايات عن ابن عمر وأم سلمة ﵃.\nوقد أقر النبي ﷺ النساء على جعل القدمين من العورة وإذا كان الأمر هكذا القدمين فكيف بما فوقهما من سائر أجزاء البدن ولا سيما الوجه الذي هو مجمع محاسن المرأة؟ وأعظم عا يَفْتَتِنُ به الرجال ويتنافسون في تحصيله إن كان حسنا.\nومن المعلوم أن العشق الذي أضنى كثيرا من الناس وقتل كثيرا منهم إنما\nكان بالنظر إلى الوجوه الحسنة، لا إلى الأقدام وأطراف الأيدي ولا إلى الحلي والثياب، وإذا كان قدم المرأة عورة يجب سترها، فوجهُها أولى أن يُسْتَر والله أعلم (٣) .\n_________\n(١) انظر: سنن النسائي (٨/٢٠٩)، وابن ماجه (٣٥٨٠)، وأحمد (٦/٢٩٣، ٣٠٩)، وابن أبي شيبة (٨/ ٢٢٠)، والدارمي (٢٦٤٧)، وابن حبان (١٤٥١ - موارد)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٣/٣٥٨، ٣٨٤، ٤١٦، ٤١٧) .\n_________\n(٢) \"المسند\" (٢/٩٠) .\n(٣) \"الصارم المشهور\" (ص: ٩٧ – ٩٨) .","vol":"3","page":336},{"text":"* وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀:\nهذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة، وأنه أمر معلوم عند\nنساء الصحابة ﵃، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب، فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه، وما هو أولى منه بالحكم، وحكمة\nالشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة، ويرخص في كشف ما هو أعظم منه فتنة، فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه (١) اهـ.\n٤- عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إياكم والدخولَ\nعلى النساءِ\" فقال رجل من الأنصَارِ: \"يا رسُولَ الله! أفرأيتَ الحَمُو؟ \"، قال: \"الحَمُو الموتُ\" (٢) .\n* قال الشنقيطي رحمه الله تعالى:\nفهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي ﷺ بالتحذير الشديد من الدخول على النساء فهو دليل واضح على منع الدخول عليهن وسؤالهن متاعًا إلا من وراء حجاب، ِ لأن من سألها متاعَا لا من وراء حجاب فقد\nدخل عليها، والنبي ﷺ حذّره من الدخول عليها، ولما سأله الأنصاري\nعن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرمَا لزوجته كأخيه وابن أخيه وعمه وابن عمه ونحو ذلك - قال له ﷺ: \"الحَمو الموتُ\" فسمى ﷺ\nدخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها باسم الموت، ولا شك\nأن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير، لأن الموت هو أفظع حادث\nيأتي على الإنسان في الدنيا، كما قال الشاعر:\n_________\n(١) \"الحجاب\" (ص: ١٨) .\n(٢) رواه البخاري (٩/٢٤٢) في النكاح: باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة، ومسلم رقم (٢١٧٢) في السلام: باب تحريم الخلوة\nبالأجنبية والدخول عليها، والترمذي رقم (١١٧١) في الرضاع: باب ما جاء في\nكراهية الدخول على المغيبات، والإمام أحمد (٤/ ١٤٩، ١٥٣) .","vol":"3","page":337},{"text":"والموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبلة\nوالجبلة: الخلق - ومنه قوله تعالى: (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ) [الشعراء: ١٨٤]\nفتحذيره ﷺ هذا التحذير البالغ من دخول الرجال على النساء،\nوتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح\nنبوي على أن قوله تعالى: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) عام في جميع النساء كما ترى، إذ لو كان حكمه خاصا بأزواجه ﷺ، لما حذَّر الرجال هذا\nالتحذير البالغ العام من الدخول على النساء.\nوظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا\nشديدا بانفراده، كما قدمنا أن مسلما ﵀ أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها فدل على أن كليهما حرام\" (١) اهـ.\n* وقال ابن حجر في \"فتح الباري\" في شرح الحديث المذكور:\nإياكم والدخولَ بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحذر عنه كما قيل: إياك والأسد، وقوله: إياكم، مفعول لفعل مضمر تقديره: اتقوا.\nوتقدير الكلام: اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن\nيدخلن عليكم، ووقع في رواية ابن وهب بلفظ: لا تدخلوا على النساء،\nوتضمن منع الدخول منعَ الخلوة بها بطريق الأولى\" (٢) اهـ.\n* وقال الشيخ عبد القادر السندي:\nالحديث فيه دلالة واضحة على أنه لا يجوز دخول الأجنبي على\n_________\n(١) \"أضواء البيان\" (٦/ ٥٩٢ - ٥٩٣) .\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٢) .","vol":"3","page":338},{"text":"الأجنبية، وكذا قريب الزوج من أخ وعم ونحو ذلك، وفي رواية لمسلم في \"الصحيح\" عن أبي الطاهر عن ابن وهب قال: سمعت الليث يقول:\n\"الحمو أخو الزوج وما أشبه من أقارب الزوج وابن العم ونحوه\"، وفي\nالحديث تغليظ شديد وتنبيه خطير من الدخول على النساء.\n* وقال الإمام ابن الأثير في \"النهاية\":\nلا يخلون رجل بأجنبية، وإن قيل حموها، ألا حموها الموت، أحد الأحماء أقارب الزوج، والمعنى فيه: أنه إذا كان رأيه في أخي الزوج وما شابهه وهو قريب فكيف بالغريب؟ أي: فلتمت، ولا تفعل ذلك، وهذه الكلمة تقولها العرب كما تقول الأسد: الموت، والسلطان: النار، أي لقاؤهما مثل الموت والنار، يعني أن خلوة ابن عم الزوج معها أشد من خلوة غيرها من الغرباء\nلأنه ربما حَسَّنَ لها أشياء، وحملها على أمور تثقل على الزوج من التماس ما\nليس في وسعه أو سوء عشرة أو غير ذلك\".\nقلت: إذا كان الوجه والكفان ليستا من العورة والزينة وجاز كشفهما\nأمام الأجانب فلماذا هذا التشديد في هذه الأحاديث الصحيحة، ولماذا\nهذا التناقض بين تلك الأحاديث وقد سبق أن قلت: إن تلك الأحاديث غير صحيحة فلا يجوز أن يقال إنها متعارضة مع هذه\nالأحاديث الصحيحة التي فيها التغليظ الشديد والتحريم الموثق، فلو\nكانت تلك الأحاديث والآثار التي يستدل بها بعض الناس على جواز\nكشف الوجه والكفين صحيحة الإسناد لكانت شاذة غير محفوظة في\nأنظار أهل الحديث، فكيف وهي ضعيفة منكرة، فلا يحتج بها بحال من\nالأحوال فلا ينبغي أن يقال بعد هذا النقل إن الوجه والكفين ليستا من\nالعورة والزينة استنادًا على قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الذي\nسبق بيانه من ناحية الإسناد\" (١) اهـ.\n_________\n(١) \"رسالة الحجاب\" (ص: ٣٣ - ٣٥) .","vol":"3","page":339},{"text":"* وقال البوطي:\nفلولا أن المرأة بمجموعها عورة بالنسبة للأجانب من الرجال، لما أطلق\nالنبي ﷺ النهي عن دخولهم عليهن إذا النهي يشمل مختلف ما عليه المرأة\nمن حالات، وما دامت بادية الوجه كما هو شأن كل امرأة في بيتها، ولقد\nانسحب الحكم كما نرى حتى على أخي الزوج فلا يجوز له هو الآخر أن\nيدخل على امرأة أخيه، ولو كان الوجه غير عورة لاستثنى - تسهيلَا للأحماء - أن تكون المرأة ساترة لما عدا الوجه والكفين من أجزاء\nجسمها\" (١) اهـ.\n٥- عن عائشة ﵂: أن أفلح أخا أبي القعَيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب، قالت: \"فَأبَيْتُ أن\nآذنَ له، فلما جَاءَ رسولُ الله ﷺ أخبرتُه بالذي صَنَعْتُ، فأمرني أن آذنَ له\" (٢) .\nوفي رواية أنه قال لها: \"أتحتجبين مني، وأنا عمك؟ \".\nوفي ثالثة: فقلت: لا آذن له حتى أستأذن رسول الله ﷺ، فإن أخا\nأبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس\".\nورواية: \"وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة\".\nوقال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حَرموا من الرضاع ما يحرم\n_________\n(١) \"إلى كل فتاة تؤمن بالله\" (ص: ٤٠- ٤١) .\n(٢) هي رواية أنه ﷺ قال لها: \"ائذني له، فإنه عمك، تربت يمينك\" وفي رواية: \"صدق وأفلح، ائذني له\".\nوالحديث رواه البخاري (٨/ ٣٩٢) كتاب التفسير: باب إن تبدوا شيئا أو تخفوه. . . وفي الشهادات، وفي النكاح، ومسلم رقم (١٤٤٤) في الرضاع:\nباب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، والموطأ (٢/٦٠١، ٦٠٢) في الرضاع:\nباب رضاعة الصغير، والترمذي رقم (١١٤٧) في الرضاع، وأبو داود رقم (٢٠٥٥) في النكاح، والنسائي (٦/ ٩٩) في النكاح.","vol":"3","page":340},{"text":"من النسب\"، وفي رواية مسلم: فقال النبي ﷺ: \"لا تحتَجِبِي منه، فإنه يحَرُمُ من الرضَاعِ ما يحَرُمُ من النسَبِ\".\n* قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث:\n\"وفيه وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب\" (١) اهـ.\nوالشاهد فيه واضح، وهو أن الحافظ عمم حكم الوجوب على سائر النساء.\n٦- عن الزهري عن نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كانَ لإحداكن مَكُاتب، وكانَ عندَه ما\nيؤدّي، فلتَحتَجِب منه\" (٢) .\n* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:\n\"وجه الدلالة من هذا الحديث - يعني على وجوب الحجاب - أنه يقتضي\nأنَّ كشف السيدة وجهها لعبدها جائز ما دام في ملكها، فإذا خرج منه، وجب عليها الاحتجاب لأنه صار أجنبيا، فدل على وجوب احتجاب\nالمرأة عن الرجل الأجنبى\" (٣) اهـ.\nوروى الطحاوي بإسناده عن ابن شهاب أن نبهان مولى أم سلمة حدثه\n_________\n(١) \"فتح الباري \" (٩/ ٥٦) .\n(٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٢١) رقم (٣٩٢٨)، والترمذي رقم (١٢٦١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورع، وقالوا:\nلا يعتق المكاتب، وإن كان عنده ما يؤدي حتى يؤدي اهـ. وأخرجه وابن ماجه (٢٥٢٠)، والحاكم (٢/ ٢١٩)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وابن حبان (١٤١٢)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٧)، وأشار إلى جهالة نبهان، ثم قال: قال الشافعي: لم أر من رضيت من أهل العلم يثبت هذا الحديث. اهـ، والإمام أحمد (٦/٢٨٩، ٣٠٨، ٣١١)، وانظر الكلام في نبهان مولى أم سلمة (ص: ٣٤٦) .\n(٣) \"رسالة الحجاب\" (ص: ١٩) .","vol":"3","page":341},{"text":"أنه بينا هو يسير مع أم سلمة زوج النبي ﷺ في طريق مكة، وقد بقي من كتابته ألفا درهم، قال: فكنت كلما أدخل عليها وأراها، فقالت: وهي تسير: \"ماذا بقي عليك من كتابتك يا نبهان؟ \"، قلت: \"ألفا درهم\"، قالت: \"فهما عندك؟ \"، فقلت: \"نعم\"، فقالت: \"ادفع ما بقي عليك من كتابك إلى محمد بن عبد الله بن أمية، فإني قد أعنته بها في نكاحه، وعليك السلام\"، ثم ألقت دوني الحجاب فبكيت، وقلت: \"والله لا أعطيه إياها أبدًا\"، قالت: \"إنك والله يا بني لن تراني أبدًا، إن رسول الله ﷺ عهد إلينا أنا إذا كان عند مُكاتب إحداكن وفاء بما بقي عليه من كتابته؛ فاضربوا دونه حجاب\".\nثم قال الطحاوي ﵀: ومما يستخرج من هذا الحديث من الأحكام مما يدخل فيه مع أزواج النبي ﷺ مَن سواهن من الناس. . . إلخ\" (١) اهـ.\nوعن سليمان بن يسار قال: استأذنت على عائشة ﵂، فقالت: من هذا؟ فقلت: سليمان، قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك؟ قال: قلت: عشر أواق، قالت: ادخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم (٢) .\n***\n_________\n(١) \"مشكل الآثار\" (١/ ١٢١) .\n(٢) رواه البيهقى (٧/ ٩٥)، وصححه الألباني في إرواء الغليل\" (٦/١٨٣) وقال\nالبيهقي عقبه: \"وروينا عن القاسم بن محمد أنه قال: إن كانت أمهات المؤمنين يكون لبعضهن المكاتب، فتكشف له الحجاب ما بقي عليه درهم، فإذا قضى أرخته دونه\".","vol":"3","page":342},{"text":"القسم الثاني\nحجاب أمهات المؤمنين\nانعقد الإجماع على وجوب الحجاب الكامل في حق أمهات المؤمنين، وذلك أمتثالَا لأمر الله تعالى في آية الحجاب، وبيت الأحاديث ذلك، وهاك بعضا منها:\n١- عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث الإفك قالت: \"فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه (١) حين عرفني، فخمرت. (وفي رواية: فسترت وجهي عنه بجلبابي\" (٢) الحديث.\n_________\n(١) تعني قوله: \"إنا لله، وإنا إليه راجعون\".\n(٢) جزء من حديث الإفك الطويل، رواه البخاري (٥/ ٣٢٠) في الشهادات، والجهاد، والمغازي، وفي تفسير سورة يوسف، والنور، والإيمان والنذور، والاعتصام، والتوحيد، ومسلم رقم (٢٧٧٠) في التوبة: باب حديث الإفك، والترمذي رقم (٣١٧٩) في التفسير: سورة النور، والنسائي (١/ ١٦٣ - ١٦٤) في الطهارة باب بدء التيمم، وما خمرت الصديقة بنت الصديق وجهها إلا لأنه عورة وزينة ينبغي إخفاؤها.\nقال الشيخ عبد العزيز بن خلف ﵀: (وهذا أيضًا من أدلة الوجوب لتخميرها وجهها بالجلباب، لأنه لم يرد أن ستره خاص بهن بأي لفظ في القرآن ولا في السنة، ولأن الحجاب غير الإِدناء، وهو ظاهر) اهـ من (نظرات في حجاب المرأة المسلمة\" (ص: ٩٦) .","vol":"3","page":343},{"text":"٢- وعن عكرمة قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول، وقد بلغه أن - عائشة ﵂ احتجبت من الحسين بن علي ﵄. . .، فقال: \"إن رؤيته لها لحل\".\nوعن عمر بن دينار عن أبي جعفر قال: كان الحسن والحسين لا يريان أمهات المؤمنين. .، فقال ابن عباس: \"إن رؤيتهما لهن تَحِلُّ\" (١) .\n٣- وعن يزيد بن بابنوس قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة ﵂ فاستأذنا عليها، فألقت إلينا وسادة، وجذبت إليها الحجاب، فقال صاحبي: ما تقولين في العراك. . . الحديث.\n٤- وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قلت لعائشة: إنما فاقنا عروة (٢) بدخوله عليكِ كما أراد، قالت: \"وأنت إذا أردت فاجلس من وراء حجاب فسلني عما أحببت، فإنا لم نجد أحدً بعد النبي ﷺ أولى لنا من أبيك. . . \" الحديث (٣) .\nوالشاهد منه قولها ﵂: \"فاجلس من وراء حجاب\" امتثالا لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) .\n٥- عن صفية بنت شيبة قالت: حدثتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت: \"يا رسول الله! يرجع الناس بِنُسُكَين، وأرجع بنسك واحد؟ \"، فأمر بي أخي عبد الرحمن فأعمرني من التنعيم، وأردفني خلفه على البعير في ليلة حارة، فجعلت أحسر عن خماري، فتناولني بشيء في يده، فقلت: \"هل ترى من أحد؟ (٤) .\n_________\n(١) \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ١٧٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٢٣٢)\n(٢) عروة هو: ابن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر، فعائشة ﵂ خالته، ولهذا كان يدخل عليها.\n(٣) الطبقات الكبرى\" (٨/ ٢١١) .\n(٤) رواه الطيالسي في \"مسنده\".","vol":"3","page":344},{"text":"٦- عن أم سنان الأسلمية قالت: لما نزلنا المدينة لم ندخل حتى دخلنا مع صفية منزلها، وسمع بها نساء المهاجرين والأنصار، فدخلن، فرأيت\nأربعًا من أزواج النبي ﷺ منتقبات: زينب بنت جحش، وحفصة، وعائشة، وجويرية. . . الحديث (١) .\n٧- وعن أم معبد بنت خليف قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجَّا بنساء النبي ﷺ، فرأيت على هوادجهن الطيالسة الخضر، وهن حجرة من الناس، يسير أمامهن ابن عفان على راحلته، يصيح إذا دنا منهن أحد: \"إليك، إليك\"، وابن عوف من ورائهن يفعل مثل ذلك، فنزلن بقرية قريبًا من منزلي، اعتزلن الناس، وقد ستروا عليهن الشجر عن كل ناحية، فدخلت عليهن وهن ثمان جميعًا (٢) .\nوقد تقدم خبر اتخاذ النعش لأم المؤمنين زينت ﵂ وتغشيته بثوب، واستحسان أمير المؤمنين عمر ﵁ هذه السنة (٣) .\n٨- عن أنس بن مالك ﵁: أن أم سُلَيم صنعت حيسا (٤)، وأرسلت\nبه إلى رسول الله ﷺ بمناسبة زواجه من زينب بنت جحش ﵂، فدعا رسول الله ﷺ أصحابه وجلسوا يأكلون ويتحدثون، ورسول الله ﷺ جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط إلى أن خرجوا (٥) .\n_________\n(١) \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ١٢٦) .\n(٢) \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ٢٠٩) .\n(٣) انظر: ص (١٠٢) .\n(٤) الحَيس: نوع من الحلوى.\n(٥) رواه مسلم وغيره، وقال الدكتور البوطى: (لا يقال إن هذا قد يكون حكما خاصَا بزوجات الرسول ﵊ لأن الفرق بين زوجات النبي ﷺ وسائر نساء المسلمات فيما يتعلق بالحجاب، إنما هو فارق زمني فقط، ذلك أن مشروعية الحجاب تمت في حق نسائه ﵊ أولا، ثم إنها عمت سائر النساء بعد حين) اهـ. من \"إلى كل فتاة تؤمن بالله\" ص (٤١-٤٢) .","vol":"3","page":345},{"text":"٩- عن عائشة ﵂ قالت: رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو\" (١) .\n١٠- قال الإمام الترمذي: حدثنا سويد نا عبد الله بن يونس بن زيد، عن ابن شهاب، عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدثه أن أم سلمة حدَّثته أنها كانت عند رسول الله ﷺ، وعندها ميمونة، فأقبل ابنُ أم مكتوم، وذلك بعد أن أُمِرنا بالحجاب، فقال النبي ﷺ: \"احتَجبَا منهُ\"، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يُبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ: \"أفعميَاوانِ أنتما؟ ألستُما تبصِرَانه؟ \" (٢) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩/ ٢٤٨)، ومسلم (٣/ ٢٢)، والنسائي (١/ ٢٣٦)، والبيهقي (٧/ ٩٢)، وأحمد (٦/ ٨٤- ٨٥) .\n(٢) رواه أبو داود رقم (٤١١٢) (٤/٣٦١) في اللباس: باب في - قوله ﷿: - (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ)، والترمذي رقم (٢٧٧٩) (٥/١٠٢) في الأدب: باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، والإمام أحمد (٦/ ٢٩٦)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ١٢٦- ١٢٧)، وابن حبان (١٤٥٧، ١٩٦٨)، والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ١١٥ - ١١٦)، والبيهقي (٧/ ٩١ -٩٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٩/ ٣٤) .\nوقال النووي ﵀: (وهذا الحديث حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة) اهـ من \"شرح النووي\" (١٠/ ٩٧)، ونبهان هو المخزومي مولى أم سلمة، قال الحافظ ابن حجر: (أخرجه أصحاب السنن من رواية الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عنها، وإسناده قوي، وأكثر ما عُللَ به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان، وليست بعلة قادحة، فإن من يعرفه الزهري، ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحْه أحد، لا تُرَدّ روايته) اهـ من \"الفتح\" (٩/٢٤٨)، وقال في موضع آخر: (حديث مختلف في صحته) اهـ. \"الفتح\" (١/ ٦٥٤)، وقال في \"تلخيص الحبير\": (ليس في إسناده سوى نبهان مولى أم سلمة، شيخ الزهري، وقد وُثق) اهـ (٣/١٤٨)، ولعله يعني توثيق ابن حبان له، كما صرح به في \"التهذيب\" (١٠/ ١٤٦)، وقد وثقه الحافظ الذهبي في \"الكاشف\"، وضعفه =","vol":"3","page":346},{"text":"١١- وعن أنس ﵁ في قصة زواج رسول الله ﷺ من صفية\n﵂: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو مما ملكت يمينه، فقالوا إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملك يمينه، فلما ارتحل وطَّأ لها خلفه، ومد الحجاب بينها وبين الناس (١) .\nوفي رواية أخرى عن أنس ﵁ أيضا قال:\n\"فلما قُرب البعير لرسول الله ﷺ ليخرج، وضع رسول الله رجله لصفية لتضع قدمها على فخذه، فأبت ووضعت ركبتها على فخذه، وسترها رسول الله ﷺ وحملها وراءه، وجعل رداءه على ظهرها ووجهها، ثم شده من تحت رجلها وتحمَّل بها وجعلها بمنزلة نسائه\"، اهـ.\n* قال الشيخ عبد العزيز بن خلف حفظه الله:\nوهذا الحديث من أدلة الوجوب أيضا، لأنه من فعله ﷺ بيده الكريمة، فهو عمل كامل، حيث إنه ﷺ ستر جسمها كله، وهذا هو الحق الذي يجب اتباعه، فهو القدوة الحسنة، ولو لم يكن دليل من النصوص الشرعية على وجوب ستر المسلمة وجهها وجميع بدنها ومقاطع لحمها إلا هذا الحديث الصحيح، لكفى به موجبًا وموجهَا إلى أكمل الصفات\" (٢) اهـ.\n_________\n= الألباني في \"تخريج فقه السيرة\" ص (٤٤-٤٥)، و\"إرواء الغليل\" رقم (١٨٠٦) (٦/ ٢١٠)، وانظر لزاما: \"عمدة القاري\" (٢٠/٢١٦ - ٢١٧)، فإن صح الحديث، فإن قول الترمذي: (باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال)، يفيد عموم حكم الحجاب لجميع نساء هذه الأمة، وأنه ليس خاصا بأمهات المؤمنين، والخطاب - وإن توجه إليهن - فغيرهن تبع لهن ﵅.\n(١) رواه البخاري في عدة مواضع في الصلاة، والأذان، وصلاة الخوف، والجهاد، والأنبياء، والغازي، ومسلم رقم (١٣٦٥) في النكاح: باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها، وفي المغازي باب غزوة خيبر، والنسائي (٦/ ١٣١-١٣٤) في النكاح باب البناء في السفر.\n(٢) \"نظرات في حجاب المرأة المسلمة\" (ص ٩٧) .","vol":"3","page":347},{"text":"* وقال الشيخ أبو هشام الأنصاري في معرض رَدِّه على من احتج بقصة صفية ﵂ على أن الحجاب خاص بنساء النبي ﷺ: \"قلت: إن قصة صفية هذه لا تدل على اختصاص الحجاب بأمهات المؤمنين، بل على عكس من ذلك تدل عل عمومه لهن ولنساء المسلمين، لأن السياق يصرح تمام التصريح بان الصحابة كانوا مترددين في أمر صفية أنها مملوكة سُرية أو حرة متزوجة؟ وأنهم كانوا على جزم صارم بان النبي ﷺ لو حجبها فهي أمارة على أنه أعتقها وتزوجها، ولم يكن جزمهم هذا إلا لأنهم كانوا يعرفون أن الحجاب مختص بالحرائر، وأنه أكبر ميزة وأعظم فارق في معرفة الحرة من المملوكة (١)، فإذا حجبها فلابد وأن تكون حرة، والحرة لا تصلح أن تكون سُرِّيَّة فهي إذن من أزواجه وأمهات المؤمنين.\nفالصحابة ﵃ إنما جعلوا الحجاب أمارة على العتق والتزويج، لأن صفية كانت سبيًا مملوكة، نعم لو كانت من الحرائر المؤمنات من قبل، ثم جعلوا الحجاب أمارة على كونها من أمهات المؤمنين لكان في ذلك دليل على اختصاص الحجاب بهن، وأما إذ ليس فليس.\nثم ليعلم أن التزوج والعتق ليسا من خصائصهن، فالحجاب الذي جعلوه أمارة على العتق والتزوج كيف يكون مختصا بهن؟ ثم إن القصة لا تدل على أكثر من أن أمهات المؤمنين كن محتجبات، ولا يلزم من كونهن محتجبات اختصاصهن بالحجاب\" (٢) اهـ.\n***\n_________\n(١) انظر ص: (٢٠٦) .\n(٢) \"مجلة الجامعة السلفية\".","vol":"3","page":348},{"text":"القسم الثالث\n١- عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: \"يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شققن مروطهن فاختمرن بها\" (١) .\nوروى ابن أبي حاتم هذا الحديث من طريق صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: \"إن لنساء قريش لفضلَا، وإني والله ما رأيت أفضل من\nنساء الأنصار أشد تصديقًا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) انقلب رجالهن إليهن، يتلون عليهن ما أنزل الله عليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان\" (٢) .\nوأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: \"رحم الله نساء الأنصار، لما نزلت (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها، وصلين خلف رسول الله ﷺ كأنما على رؤوسهن الغربان\" (٣) .\nولا يتأتى تشبيههن بالغربان إلا مع سترهن وجوههن بفضول أكسيتهن (٤) .\n_________\n(١) رواه البخاري رقم (٤٧٥٨) في التفسير: باب (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٤٧) .\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٩٠) .\n(٣) \"فتح القدير\" للشوكاني (٤/ ٣٠٧) .\n(٤) \"إلى كل فتاة تؤمن بالله \" ص: ٤١.","vol":"3","page":349},{"text":"والاعتجار: هو الاختمار.\nقال الحافظ: \"قوله: \"فاختمرن\" أي: غطين وجوههن\" اهـ (١) .\nوتفسير الاختمار بتغطية الوجه هو الصحيح، لما مضى (٢) من التفصيل عن أعمالهن.\n***\n٢- عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: \"كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذَوْا بنا سَدَلَتْ إحدانا جلبابها\nمن رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه\" (٣) .\nوهذان الحديثان (٤) صريحان في شمول الحجاب للوجوه، بل يفيدان أن تغطية الوجوه كان هو المقصود بأمر الحجاب، والحديث الأخير حكمه عام لجميع نساء المؤمنين، فإن المراد بضمائر جمع المتكلم ليست أمهات المؤمنين فحسب كما يزعمه الزاعمون، والدليل على ذلك أن عائشة ﵂ هي التي روت هذا الحديث، وهي التي كانت تفتي: بأن المرأة المحرمة تسدل جلبابها من فوق رأسها على وجهها.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٤٧) .\n(١) انظر ص: (٣١٠) .\n(٣) أخرجه الإمام أحمد (٦/٣٠)، وأبو داود رقم (١٨٣٣) في الحج: باب في المحرمة تغطي وجهها (٢/١٦٧)، وابن ماجه (٢٩٣٥)، والبيهقي (٥/٤٨)، والدارقطني (٢٨٦، ٢٨٧)، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وتكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم في جماعة غير محتج به، وقال الحافظ في التلخيص (٢/ ٢٩٢): \". . . أخرجه ابن خزيمة، وقال: في القلب من يزيد بن أبي زياد، ولكن ورد من وجه آخر، ثم أخرج من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر - وهي جدتها - نحوه، وصححه الحاكم. اهـ.\nالإشارة إلى هذا الحديث، وإلى الذي قبله، وهو حديث الإفك، وفيه قولها ﵂: (وكان يراني قبل الحجاب)، وقولها: (فخمرت وجهي بجلبابي) .","vol":"3","page":350},{"text":"وروى مالك في الموطأ ما يفيد أن تغطية الوجوه في الإِحرام كان عامًّا في النساء، لا في زمن الصحابة فقط، بل فيما بعدهم أيضَا، فقد روى عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق فلا تنكره علينا (١) .\nوهذا العموم هو الذي فهمه العلماء في حديث عائشة.\nقال في \"عون المعبود\" في قولها: \"يمرون بنا\": أي علينا معشر النساء (٢) .\nوقال الشوكاني في \"النيل\": واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة\nإذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها أن تسدل ثوبها من فوق رأسها على وجهها، لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره مطلقَا كالعورة، لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافيا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم، وظاهر الحديث خلافه، لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان التجافي شرطًا لبينه ﷺ \".\nوقال ابن المنذر: \"أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط والخفاف، وأن لها\nأن تغطي رأسها لا وجهها فتسدل الثوب سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال\" (٣) انتهى.\nوالمقصود من نقل كلام الشوكاني وابن المنذر أن العلماء لا يرون هذه الضمائر راجعة إلى أزواج النبي ﷺ خاصة\" (٤) اهـ.\n٣- وعن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: \"كنا نغطي وجوهَنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في\n_________\n(١) الموطأ\" (١/٣٢٨)، كتاب الحج: باب تخمير المحرم وجهه.\n(٢) \"عون المعبود\" (٥/ ١٠٢، ١٠٤، ١٠٥) .\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٧٧) .\n(٤) \"مجلة الجامعة السلفية\" عدد أكتوبر ١٩٧٨م.","vol":"3","page":351},{"text":"الإِحرام\" (١)\n٤- وعن فاطمة بنت المنذر فى رحمها الله قالت: \"كنا نخمر وجوهنا، ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر ﵄\" (٢) .\nوفي تعبير أسماء ﵂ بصيغة الجمع في قولها: \"كنا نغطي وجوهنا من الرجال \" دليل على أن عمل النساء في زمن الصحابة رضي الله\nعنهم كان على تغطية الوجوه من الرجال الأجانب والله أعلم، أما حديث\nفاطمة بنت المنذر فيفيد أن تغطية الوجه في الإِحرام كان عامًّا في النساء لا في زمن الصحابة فقط بل فيما بعدهم أيضًا.\n٥- عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:\n\"إذا خَطَبَ أحدُكُم المرأةَ، فإن استطَاعَ أن يَنظُرَ إلى ما يدعُوه إلى نِكَاحِها\nفليَفعَل \" فخطبت جارية فكنت أتخبَّأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، وتزوجتُها (٣) .\n٦- وعن محمد بن مسلمة ﵁ قال: خطبتُ امرأةُ فجعلتُ أتخبأ لها حتى نظرتُ إليها في نَخل لها، فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا أَلقى الله في قلب\nامرِئ خطبَة امرأة فلا بأس أن ينظُرَ إليها\" (٤) .\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٤٥٤)، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين،، ووافقه الذهبي، وهو صحيح على شرط مسلم وحده.\n(٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (١/ ٣٢٨) في الحج: باب تخمير المحرم وجهه، والحاكم (١/ ٤٥٤)، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٣٣٤)، (٣/٣٦٠)، وأبو داود رقم (٢٠٨٢) في النكاح باب الرجل ينظر إلى المرأة، وهو يريد تزويجها، والحاكم (٢/ ١٦٥)،\nوقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في \"بلوغ المرام\": رجاله ثقات، وقال في \"الفتح\" وسنده حسن، وله شاهد من حديث محمد بن مسلمة اهـ (٩/٨٧)\n(٤) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١/١٤٦) رقم (٥١٩)، وابن ماجه (١٨٨٦) =","vol":"3","page":352},{"text":"٧- وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فذكرتُ له امرأة أخطُبُها فقال:\"اذهَبْ فانظُر إليها فإنه أجْدَر أن يؤدَمَ بينَكما\" فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها، وأخبرتُهما بقول النبي ﷺ فكأنهما كرِها ذلك، قال: فَسَمِعت ذلك المرأةُ وهي في خِدْرِها، فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر، وإلا فأنشدُك، كأنها أعظمت ذلك، قال: فنظرت إليها فتزوجتها، فذكر من موافقتها (١) .\n* قال التويجري:\n\"وفي هذا الحديث والحديثين قبله دليل على مشروعية احتجاب النساء\nمن الرجال الأجانب، ولهذا أنكروا على محمد بن مسلمة لما أخبرهم أنه تخبأ لمخطوبته حتى نظر إليها وهي لا تشعر، فأخبرهم أن النبي ﷺ قد رخَّص في ذلك للخاطب.\nوكذلك المغيرة بن شعبة ﵁ لما طلب النظر إلى المخطوبة كَرِه ذلك\n_________\n= والطحاوي (٢/ ٨)، والبيهقي، والطيالسي (١١٨٦)، والإمام أحمد (٤/ ٢٢٥)، والحاكم (٣/٤٣٤)، وقال: هذا حديث غريب، وإبراهيم بن صرمة ليس من شرط هذا الكتاب، وقال الذهبي في \"التخليص\": ضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم: شيخ. اهـ، والحديث رواه ابن حبان في \"الزوائد\" (١٢٣٥) .\n(١) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١/١٤٥) رقم (٥١٦)، والترمذي (٣/ ٣٩٧) رقم (١٠٨٧) في النكاح: باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، وحسَّنه، والنسائي (٦/ ٦٩) في النكاح، باب إباحة النظر قبل التزويج، والدارمي (٢/ ١٣٤)، وابن ماجه (١٨٨٨)، والطحاوي (٢/٨)، وابن الجارود في \"المنتقى\" ص:\n٣١٢، والدارقطني (٣/ ٢٥٢)، والبيهقي (٧/ ٨٤)، والإمام أحمد (٤/١٤٤)، (٤/ ٢٤٥)، عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة، وأخرجه عن ثابت عن أنس ﵁، قال: (أراد المغيرة أن يتزوج. . .) الحديث وابن ماجه\n(١٨٨٧)، وابن حبان (١٢٣٦ - موارد)، والدارقطني (٣/٢٥٣)، والحاكم (٢/١٦٥)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في \"الزوائد\": هذا إسناد صحيح، رجال ثقات. اهـ (١/١١٨) .","vol":"3","page":353},{"text":"والداها، وأعظمت ذلك المرأة وشددت على المغيرة ثم مكنته من النظر إليها طاعة لأمر رسول الله ﷺ.\nوفي هذه الأحاديث أيضا بيان ما كان عليه نساء الصحابة ﵃ من المبالغة في التستر من الرجال الأجانب، ولهذا لم يتمكن جابر ومحمد بن مسلمة ﵄ من النظر إلى المخطوبة إلا من طريق الاختباء والاغتفال، وكذلك المغيرة لم يتمكن من النظر إلى مخطوبته إلا بعد إذنها له في النظر إليها\" (١) اهـ.\nوكذلك يشهد لهذا المعنى قوله ﷺ في حديث جابر ﵁: \"فإن استطَاعَ أن يَنطرَ إلى ما يَدعُوه إلى نِكَاحِهَا فَليَفعَل\".\n* وقال الشيخ أبو هشام ا! لأنصاري معلقا على حديث المغيرة ﵁:\nوهذا الحادث يدل أيضَا على أن النساء كن قائمات بالتستر بحيث لم يكن الرجل يقدر على أن يراهن إلا بالحيل والتصرفات، أو إلا أن يسمحن له بالرؤية، ولو كن يخرجن سافرات الوجوه، كاشفات الخدين، مكتحلات العينين، مخضوبات الكفين لم يكن الرجال يحتاجون إلى تجشم هذه المشقات في رؤيتهن \". اهـ.\nوقال معلقًا على قول جابر ﵁ في آخر حديثه: فخطبت امرأة من بني سلمة فكنت أختبئ تحت الكرب حتى رأيت منها بعض ما دعاني إِليها\n(المحلى لابن حزم (١١/٢٢٠) .\nوفي هذا الحديث دليل من وجهين:\nالأول: أن قوله ﷺ: \"فإن استطاع أن ينظر. . . إلخ\" يدل على أن النظر\nإلى النساء لم يكن سهلَا، بل كان لابد لها من حيل وتصرفات، ولو كانت النساء يخرجن سافرات الوجوه في ذلك الزمان لم يكن لاشتراط الاستطاعة\n_________\n(١) \"الصارم المشهور\" (ص: ٩٤- ٩٥) .","vol":"3","page":354},{"text":"في النظر إليهن معنى.\nوالثاني: ما فعله جابر من الاختباء تحت الكرب دليل على أن النساء لم يكن يتركن الحجاب إلا إذا علمن أنهن في أمن من نظر الرجال.\nوقال في حديث محمد بن مسلمة ﵁:\nوهذا الحادث مثل حادث جابر في الدلالة على، المطلوب، مع مزيد الدلالة على أن النظر إلى المرأة الأجنبية كان من أسباب التعجب والنكران\nعند أوائل هذه الأمة\" (١) اهـ.\n* * *\n٨- وعن موسى بن يزيد الأنصاري عن أبي حميد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا خَطَبَ أحدُكم امرأةَ، فلا جُنَاحَ عليه أن يَنظُرَ إليها إذا\nكان أنما يَنظر إليها لخِطبته، وأن كانت لا تعلَمُ\" (٢) .\n! قال الشيخ أبو هشام الأنصاري حفظه الله:\nإن رفع الجناح عن إظهار التزين في هذه الحالة المخصوصة لأجل هذه المصلحة الخاصة دليل على أن في إظهار التزين في عامة الأحوال جناحًا وإثما.\nوالدليل على تغاير حكم الخطبة عن حكم عامة الأحوال أن الخاطب أبيح له النظر إلى المخطوبة، بل هو مأمور بذلك أمر حض وإرشاد، أو أمر\nاستحباب وندب، بينما هو مأمور بغض البصر عن الأجنبيات، وحرم\nعليه النظر إليهن إلا النظرة الأولى أو نظرة الفجأة التي تصدر منه من غير\n_________\n(١) \"مجلة الجامعة السلفية\" عدد نوفمبر، ديسمبر ١٩٧٨.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٤٢٤)، وفي \"مجمع الزوائد\": (رواه الطبراني في \"الأوسط\" و\"الكبير\") (٤/٢٧٦)، وقال: \"ورجال أحمد رجال الصحيح\" اهـ، وسكت عليه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/١٤٧) .","vol":"3","page":355},{"text":"تعمد وقصد، والذين لهم إلمام بقواعد الشريعة يعرفون جيدًا أن تقييد إِباحة الشيء أو جوازه أو رخصته بحالة خاصة دليل على تحريمه في الأصل كما أن ما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للحاجة أو المصلحة الراجحة (انظر زاد المعاد ١/٢٢٤) فجواز أو إباحة إظهار التزين - الذي يعده البعض كشف الوجه - للمخطوبة دليل على تحريم إظهار تلك الزينة في عامة الأحوال.\nوصنيع الفقهاء والمحدثين يرشد إلى ما قلنا: فإن عامتهم بوبوا على أحاديث الخطبة بباب جواز النظر إلى الخطوبة وأمثاله، فتقييدهم النظر إلى المخطوبة بالجواز يشعر بأن النظر إلى غير المخطوبة غير جائز عندهم (١) .\n* قال الشيخ أبو محمد المقدسي في \"المغني\":\n\"لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها. . .، ولا بأس بالنظر إليها بإذنها وغير إذنها لأن النبي ﷺ أمرنا بالنظر وأطلق. . .\nولا يجوز له الخلوة بها لأنها محرمة ولم يَرد الشرعُ بغير النظر فبقيت الخلوة على التحريم ولأنه لا يُؤمَن مع الخلوة مواقعة المحظور. . .، ولا ينظر إليها نظرة تلذذ وشهوة ولا لريبة، قال أحمد في رواية صالح: ينظر إلى الوجه ولا يكون عن طريق لذة، وله أن يردد النظر إليها ويتأمل محاسنها لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك\" (٢) اهـ كلامه ملخصًا.\nوقيَّد الحجاوي والفُتُوحي وغيرهما جواز النظر بما إذا غلب على ظنه إجابته، قال الجراعيُ: متى غلب على ظنه عدم إجابته لم يجز، كمن ينظر إلى امرأة جليلة يخطبها مع علمه أنه لا يُجاب إلى ذلك\" اهـ.\n_________\n(١) \"مجلة الجامعة السلفية\" نوفمبر، ديسمبر ١٩٧٨\n(٢) \"المغني\" (٦/ ٥٥٢ - ٥٥٣) مختصرا، وفي المسألة تفصيل يراجع في \"السلسلة الصحيحة\" حديث رقم (٩٥) إلى (٩٩) .","vol":"3","page":356},{"text":"وكما أن الأحاديث التي ذُكرت آنفًا قد دلت بمنطوقها على جواز نظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، فكذلك هي دالة بمفهومها على أنه لا يجوز النظرُ إلى غيرها من سائر الأجنبيات - ويوضح ذلك قوله في حديث أبي حُميد ﵁: إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة، فدل على أنه لا يجوز النظر إلى الأجنبية لغير خاطب.\nوأيضا فوضع البأس والجُناح على الخاطب إذا نظر إلى مخطوبته يدل على أنه لا يجوز النظر لغير خاطب، وأن عليهْ في نظره إلى الأجنبية بأسا وجناحَا، والله أعلم.\nوقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى في \"الجامع\" نحو حديث المغيرة بن\nشعبة ﵁ فقد عقد بابًا إذ قال: (باب النظر إلى المرأة قبل التزويج) .\nوقال الحافظ في \"الفتح\":\nقال الجمهور: لا بأس أن ينظر الخاطب إلى الخطوبة، قالوا: ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها (١) .\n* قال السندي:\n\"وأما المفهوم المخالف لهذا الحديث فإنه لا يجوز لغير الخاطب أن ينظر\nإليها ولا يتحقق ذلك إلا إذا كانت المرأة محجبة وأما في حالة كشف الوجه\nوالكفين فلا معنى لهذا الحديث بالمفهوم، فهذا أيضَا دليل على عدم جواز\nكشف الوجه والكفين\" (٢) اهـ.\nوسياق حديث محمد بن مسلمة وفيه قوله ﷺ: \"إذا ألقَى الله ﷿ في قلب امرئ خِطبَةَ امرأة فلا بأس أن ينظُرَ إليها\" فهذا الإذن بهذا السياق يدل على تحريم النظر إلى الوجه والكفين لغير الخاطب.\n_________\n(١) راجع الخلاف في هذا في \"الفتح\" (٩/٨٧ -٨٨) .\n(٢) \"رسالة الحجاب\" ص (٤٢ - ٤٣) .","vol":"3","page":357},{"text":"٩- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تُباشِرِ المرأةُ المرأة، فَتنعَتها لزوجِها، كأنه يَنظُرُ إليها\" (١) .\n* قال القسطلاني ﵀:\n\"قال الطيبي رحمه الله تعالى: المعنى به فى الحديث النظر مع المس، فتنظر إلى ظاهرها من الوجه والكفين، وتجس باطنها باللمس\" (٢) اهـ.\n* قال الشيخ حمود التويجري حفظه الله:\n\"وفي نهيه ﷺ المرأة أن تباشر المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها دليل\nعلى مشروعية احتجاب النساء عن الرجال الأجانب، وأنه لم يبق للرجال\nسبيل إلى معرفة الأجنبيات من النساء إلا من طريق الصفة أو الاغتفال ونحوِ ذلك، ولهذا قال: \"كأنه ينظُرُ إليها\" فدلَّ على أن نظر الرجال إلى\nالأجنبيات ممتنع في الغالب من أجل احتجابهن عنهم، ولو كان السفور جائزًا لما كان الرجال يحتاجون أن تُنْعَتَ لهم الأجنبيات من النساء بل كانوا يستغنون بنظرهم إليهن كما هو معروف في البلدان التي قد فشا فيها\nالتبرج والسفور\" (٣) اهـ.\n* * *\n١٠- وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: \"سألت رسول الله ﷺ عن\n_________\n(١) رواه البخاري (٩/ ٢٥٠) في النكاح: باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها،\nوأبو داود رقم (٢١٥٠) في النكاح: باب ما يؤمر به من غض البصر، والترمذي رقم (٢٧٩٣) في الأدب: باب ما جاء في كراهية مباشرة الرجل الرجل، والمرأة\nالمرأة.\n(٢) \"إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري\" (٩/ ٢٣٧) .\n(٣) \"الصارم المشهور\" ص (٩٥) .","vol":"3","page":358},{"text":"نظر الفُجَاءَةِ فأمرني أن أصرف بصري\" (١) .\n* وقال التويجري:\n\"ويستفاد من هذا الحديث أن نساء المؤمنين في زمن رسول الله ﷺ كن\nيستترن عن الرجال الأجانب ويغطين وجوههن عنهم، وإنما كان يقع النظر عليهن فجأة في بعض الأحيان، وأيضَا لو كُنَّ يكشفن وجوههن عند الرجال الأجانب لكان في صرف البصر عنهن مشقة عظيمة. ولاسيما إذا كثرت النساءُ حول الرجل، لأنه إذا صرف بصره عن واحدة فلا بد أن\nينظر إلى أخرى أو أكثر، وأمَّا إذا كن يغطين وجوههن كما يفيده ظاهر\nالحديث، فإنه لا يبقى على الناظر مشقة في صرف النظر، لأن ذلك إنما\nيكون بغتة في بعض الأحيان والله أعلم\" (٢) .\n_________\n(١) رواه مسلم رقم (٢١٥٩) في الآداب: باب نظر الفجأة، وأبو داود رقم (٢١٤٨) في النكاح: باب ما يؤمر من غض البصر، والترمذي رقم (٢٧٧٧) في\nالأدب: باب ما جاء في نظرة الفجأة.\n(٢) \"الصارم المشهور\" ص (٩٢)، وقال الشيخ أبو هشام الأنصاري في معرض الرد\nعلى من استدل بهذا الحديث على إباحة السفور: (هذا لا يتم به الاستدلال، فإنه\nغاية ما فيه إمكان وقوع النظر على الأجنبيات، وهذا لا يستلزم جواز كشف الوجوه والأيدي أمام الأجانب، وإيضاح ذلك أن المرأة كثيرَا ما تكشف وجهها\nوكفيها ظنًّا منها أنها بمأمن من نظر الأجنبي بينما تكون هي بمرأى منه، مثلَا تمر في طريق خالية من الرجال فتكشف وجهها ويكون رجل عند باب غرفته أو شباكها أو في شرفة أو على سقف أو في ناحية أخرى يراها وهى لا تشعر به\nكذلك ربما تضطر المرأة إلى كشف بعض جسدها لأمر ما، كما أنها ربما ينكشف\nبعض أعضائها من غير خيار منها أو من غير أن تشعر بانكشافه - وقد أسلفنا\nبعض هذا - وربما تكون المرأة غير مسلمة أو مسلمة اجترأت على هتك أوامر الله وكشفت بعض أعضائها تعمدَا - وقد عمت به البلوى في هذا الزمان - فالسبيل في هذه الصور وأمثالها أن يؤمر الرجل بغض البصر، وليس من مقتضيات هذا أن\nيجوز للمرأة كشف وجهها من غير عذر أو حاجة أو مصلحه) اهـ من \"مجلة =","vol":"3","page":359},{"text":"١١- عن فاطمة بنت قيس ﵂: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة \"وفي رواية أخرى: ثلاث طلقات\" وهو غائب، فجاءت\nرسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: \"تِلكَ امرأة يغشاها أصحَابي (١)، اعتَدِّي عند ابن أم مكتُوم فإنه رجل\nأعمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عندَه\".\nوفي رواية: \"انتَقِلي إلى أم شريكٍ، وأم شريك امرأة غنية من الأنصارِ،\nعظيمةُ النفقَةِ فى سبيلِ اللهِ، ينزلُ عليها الضيفَانِ، فإني أكره أن يَسقُطَ\nخمارُك أو ينكشفَ الثوبُ عن سَاقَيكِ، فيرى القومُ منك بعضَ ما تكرهين، ولكن انتقِلي إلى ابنِ عمك عبدِ الله ابن أم مكتومِ الأعمى - وهو من البطن\nالتي هي منه - فإنك إذا وَضَعتِ خمارَك لم يَرَك\"، فانتقلتُ إليه، فلما انقضت عدتي سمعتُ نداء المنادي ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله ﷺ، فلما قضى صلاته جلس على المنبر\nفقال: \"إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميمَا\nالداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. . .\" الحديث (٢) .\n_________\n= الجامعة السلفية\" عدد (نوفمبر وديسمبر ١٩٧٨) .\n(١) قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي - ﵀ - في \"عارضة الأحوذي\":\n(قوله لها: \"تلك امرأة يغشاها أصحابي\" قيل في ذلك وجهان:\nأحدهما: أن ذلك قبل نزول الحجاب، وهو ضعيف، لأن مغيب عليّ إلى اليمن حين سافر معه زوج فاطمة كان بعد نزول الحجاب بمدة.\nالثاني: وهو الصحيح: أن أم شريك كانت مبجلة رجلة، فكان المهاجرون والأنصار يداخلونها بجلالتها ورجولتها، فلم يكن ذلك موضع تحصين لكثرة\nالداخل فيه والخارج، وعسر التحفظ فيه، فنقلها منه إلى دار امرأة لها زوج\nأعمى، فتكون فى حصانة من الرجال، وفي ستر من ضراوة الرجل المختص بذلك المنزل) اهـ (٥/١٤٦) .\n(٢) أخرجه مسلم (٤/١٩٦) - واللفظ له -، وأبو داود (٢٢٨٤)، والنسائي (٢/ =","vol":"3","page":360},{"text":"وفي قوله ﷺ: \"فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك\" وفي رواية: \"فإني أكره\nأن يسقط منك خمارك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين\" دليل على أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها - فضلا عن غيره - عند البصير من الرجال\nالأجانب، وذلك لأن الخمار عام لمسمى الرأس والوجه لغة وشرعَا (١)،\nويشهد لهذا ما حكيناه سابقًا من قول الحافظ ابن حجر في تعريف الخمر:\nومنه الخِمار لأنه يغطي وجه المرأة.\nوقول القاضي أبي علي التنوخي فيما ينسب إليه:\nقل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقي المذهب\nنور الخمار، ونور خدك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهب\nوهذا الحديث ينبغي أن يفهم في ضوء قوله ﷺ: \"المرأة عَورَةُ\".\nوإذ! كان النظر إلى وجوه النساء أعظم فتنة من النظر إلى رؤوسهن، فبعيد أن تأتي الشريعة الكاملة بإيجاب ستر الرؤوس، وإباحة كشف الوجوه، وقوله \"لم يرك\" ظاهر في إرادة جميع ما يبدو منها من وجه ورأس ورقبة، وليس في الحديث ما يدل على وجوب ستر الرأس وحده دون الوجه.\n***\n١٢- عن عائشة ﵂ قالت. خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب (٢) لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها\n_________\n= ٧٤ – ٧٥)، والطحاوي (٢/٣٨)، والبيهقيّ (٧/٤٣٢)، وأحمد (٦/٤١٢)،\nوانظر: \"العدة شرح العمدة بحاشية الصنعاني\" (٤/٢٤٠ -٢٤١) .\n(١) انظر ص (٢٨٥)، وانظر: \"نظرات في حجاب المرأة المسلمة\" ص (٧٢ - ٧٣)، و\"الصارم المشهور\" ص (٧٧ - ٧٨) .\n(٢) وجاء في كتاب الطهارة في البخاري أنه كان قبل الحجاب والجواب كما ذكره\nالحافظ ابن حجر ﵀: أن (المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني، =","vol":"3","page":361},{"text":"عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف\nتخرجين، قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفى يده عَرْق - هو العظم إذا أخذ منه معظم اللحم- فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: \"إنه أُذِنَ لَكن أن تخرُجنَ لحاجَتِكُن\" (١) .\n* قال الشيخ أبو هشام الأنصاري حفظه الله:\n\"ومقتضى هذا أن سودة لولا طولُ قَدّها لخفيت على الناس، وأن عمر لم يكن عرفها لكونها كاشفة الوجه، بل لطول قدمها وهيئتها التي تميزها عن غيرها، وفي هذا الحديث دليل أيضا أن الحجاب لم يكن مختصُّا بأمهات المؤمنين، وذلك لأن سياق الحديث يدل على أن عمر لم يكن يحب أن تعرف أشخاص أمهات المؤمنين، ولو كان الحجاب مختصُّا بهن لكان أول دليل عليهن، وأول فارق وأعظم هيئة تميزهن عن غيرهن، ولعرفهن كل أحد، وعرف أعيانهن في معظم الأحوال\" (٢) اهـ.\nواعلم؛ أن غاية ما يؤخذ من هذا الحديث بانفراده هو اشتراك أمهات\n_________\n= والحاصل أن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع أجانب على الحريم النبوي، حتى صرح بقوله له ﵊: \"احجب نساءك\"، وأكّد ذلك، إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلا - ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك، فمنِع منه، وأذِن لهن في الخروج لحاجتهن، دفعا للمشقة، ورفعا للحرج) .\n(١) رواه البخاري (١/ ٣٠٠) في الوضوء: باب خروجِ النساء إلى البراز وفي التفسير: في تفسير سورة الأحزاب: باب قوله (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)، وفي الاستئذان، باب آية الحجاب، ومسلم رقم (٢١٧٠) في السلام: باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان\n(٢) \"مجلة الجامعة السلفية\".","vol":"3","page":362},{"text":"المؤمنين مع سائر النساء في \"مشروعية الحجاب\"، وهذا موضع اتفاق مع المخالف، فإنه يستدل به على عموم هذه المشروعية، أما الوجوب ذاته فلا يستدل عليه بهذا الحديث بانفراده، وإنما بما سبق من الأدلة الكثيرة على عموم آية الحجاب، وعدم تخصيصها بأمهات المؤمنين، والله أعلم.\n١٣- عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قبرنا مع رسول الله ﷺ، فلما رجعنا، وحاذينا بابه إذ هو بامرأة لا نظنه عرفها، فقال ﷺ: \"يا فاطمة من أين جئتِ؟ \"، قالت: جئت من عند أهل الميت، رَحِمتُ إليهم مَيتهم، وَعَزَّيتهم. . . (١) الحديث.\nفقد ظن الصحابة ﵃ أن النبي ﷺ لم يعرف هذه المرأة التي مرت من عنده، لأنها كانت مستترة، ولكنه عرفها، وقال لها: \"يا فاطمة\" كما عرف عائشة ﵂ وسط الناس وهي منتقبة (٢) .\n***\n(١) رواه الإمام أحمد (٢/ ١٦٩)، والبيهقي في السنن (٤/ ٦٠)، وفي الدلائل (١/١٩٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٧٣)، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين،\nولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\n(٢) وذلك - فيما يروى - حينما جاءت عائشة ﵂ لتنظر إلى صفية ﵂ أول ما قدمت المدينة، (فتنكّرت، وتنقبت، فنظر رسول الله ﷺ إلى عينيها، فعرفها) الحديث رواه ابن ماجة، وله شاهد مرسل عن عطاء بن يسار ذكره ابن سعد.","vol":"3","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>الباب السادس</span>\nالفصل الأول:\nشبهات وجوابها\nالفصل الثاني:\nالمذاهب الفقهية في حكم كشف الوجه والكفين","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>الفصل الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>شبهات وجوابها</span>\nلعل فيما تقدم من الأدلة الواضحة على وجوب الحجاب كفاية وبلاغًا\nلمن صدق الله ﷿ في طلب الحق، وصدق مع نفسه.\nغير أنه بقيت بعض النصوص استدل بها المبيحون للسفور، نحاول فيما\nيلي - إن شاء الله - رفع الغشاوة عنها، ودفع الشبه فيها، مع حسن الظن\nبالمخالفين الذين بنوا عليها مذهبهم.\nغير أن هناك فريقَا من الذين في قلوبهم مرض، ممن هو على شعبة من النفاق في إيمانه بالله، تعرفهم في لحن القول، استغلوا هذه الشبهات\nليبرروا بها دعوتهم إلى ما يسمُّى بـ \"تحرير المرأة \" (١) .\nإن الغرض مرض، وصاحب الغرض الخبيث يستطيع أن يقحم في كل سطر مما ذكره شبهًا وإشكالات يتعلق بها في إثبات عكس ما تقدم تحقيقه، ليتخذ السفور سلمَا إلى مآربه الأبليسية، وان كان يعلم من نفسه أنه كاذب\n_________\n(١) فلا تغتر - أخي - بالمجادلات الواقعة من هؤلاء المغرضين من دعاة ما يسمى بـ (تحرير المرأة، فكلها خيالات مختلة، وعلل معتلة، وما تمسكوا به من الأدلة النقلية فهو إما اعتماد على نص ضعيف أو مكذوب، وإما خبر متشابه لا يدل على المطلوب، وأما ما تمسكوا به من الأدلة العقلية فهو كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وإما يتصرفون في النقل بما يوافق أهواءهم فيحذفون ما عليهم، ويثبتون ما لهم، وإما لقصور عن فهم عبارات\nالعلماء مما لم يريدوه، وإما بالتقصير في النظر والحكم بالظن الكاذب، والتمسك بالأمور المتشابهة الخفية، والإعراض عن الأشياء الواضحة الجلية، وليس هذا طريق العلماء القاصدين لإيضاح الدين، وإرشاد المسلمين، بل هو السمة المميزة لأولئك المضلين على اختلاف أمصارهم","vol":"3","page":367},{"text":"في دعواه.\n(وصناعة التأويل في الكلام والتلاعب بالألفاظ ليست عسيرة، أتقنها بنو إسرائيل من قبل لنيل عَرَض من الدنيا قليل، ويتقنها كثير من المحامين اليوم لجمع مزيد من البضاعة نفسها، كما يتقنها كثير من المشتغلين\nببضاعة العلم الشرعي ليتجملوا بذلك أمام من يملكون – في الظاهر - رعايتهم ودفعهم في سلم المناصب الدنيوية الفانية) (١) .\nيقول الإمام الشاطبي في \"الموافقاتَ\" بعد أن أستَعرض صورا ونماذج من حيل المبطلين في التلاعب بنصوص، الأدلة، والتحايل على قواعد الأحكام:\n\"ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحدًا من المختلفين في الأحكام يعجز عن الاستدلال على مذهب بظواهر من الأدلة وقد مَرَّ من\nذلك أمثلة بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل\nالفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة. . . \" (٢) اهـ.\nولكن ليس معنى هذا أن الطالب لمعرفة الحق يضيع بين تلبيس المخادعين ونصيحة العلماء الصادقين، فإن الصادق في طلب الحق لا يعدم أن يجد دلائل الحق في محكمات النصوص الواضحة النيرة، فإن تاه\nعن معرفة هذه النصوص لم يعدم أن يجد دلائله فيما اجتمع عليه السلف الصالح خلال القرون الماضية.\nيقول الإمام الشاطبي – ﵀ – معلقا على الفقرة السابقة:\n\"فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه\nالأولون، وما كانوا عليه من العمل فهو أحرى بالصواب، وأقوم في\n_________\n(١) \"إلى كل فتاة تؤمن بالله\" ص (٥٥ – ٥٦) .\n(٢) \"الموافقات\" (٣/٧٦ - ٧٧) بتصرف.","vol":"3","page":368},{"text":"العلم والعمل\" (١) اهـ.\nفإن لم يعلم شيئَا عن. أخبار السلف؛ لم يعدم أن يجد دلائله في استقامة العالم الذي يفتيه، وحسن سيره وسيرته بين الناس، وثباته أمام مزالق الفتن والأهواء، فإن عدم من حقائق إسلامه ما يبصره بشيء من هذا كله، فإن بلاءه من نفسه قبل أن يكون من مكيدة المخادعين، أو مكر الضالين المضلين، إذ لا يكون مسلما حقُّا إلا بعد أن يكون على شيء من البصيرة\nبدينه، بحيث تشير له - ولو من بُعْدٍ - إلى معالم الحق، وتحذره - ولو في الجملة - من مهاوي الضلال، فإن على الحق نورًا.\nتدور شُبه المغرضين حول أقوالٍ لا رصيد لها من المعنى الذي يمكن أن\nيتقبله العقل السليم، لأنها من نوع ما يسميه علماء المنطق بالسفسطة التي\nلها شكل الحجة، وليست لها حقيقتها (٢) .\nوهي أقوال يراد بها إخضاع النفس، أكثر مما يراد بها إقناع العقل.\nهذا فيما يتعلق بالمغرضين من أعداء الدين الذين يتخذون السفور\nذريعة لمقاصدهم السيئة، أما الفريق الآخر الذي يبيح السفور بناءً على اجتهاد فقهي مخلص في طلب الحق، فأغلب ما تعلقوا به:\n- إما أحاديث ضعيفة، لا تثبت عند أهل العلم بالحديث.\n- وإما وقائع أحوال لا عموم لها.\n- وإما نصوص يفهم منها إباحة السفور لكنها كانت قبل نزول الحجاب.\n- وإما نصوص يفهم منها حصول السفور في حالة من حالات الترخيص فيه مثل الخِطبة، والشهادة، والتطبيب، وغيرها، وهذه في الحقيقة تؤيد أن الأصل منع السفور، وإلا لما كان لهذه الاستئناءات\n_________\n(١) السابق.\n(٢) انظر الجواب عن بعضها في صفحة (٤٠٨-٤٥٦) .","vol":"3","page":369},{"text":"معنى (١) .\n- وإما نصوص غير صريحة يطرقها الاحتمال، فيسقط بها الاستدلال. وقد تقدم الجواب عن بعض الشبهات (٢)، وهذا أوان الشروع في الجواب عما تبقى من شبهات الفريقين، فنقول بتوفيق الله وحده:\nالشبهة الأولى\n* ما أخرجه أبو داود في \"سننه\" باب: فيما تبدي المرأة من زينتها، قال:\nحدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني، قالا: أخبرنا الوليد، عن سعيد بن بَشير، عن قتادة، عن خالد- قال يعقوب: ابن درَيك - عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ، وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يَصلُح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا\"، وأشار إلى وجهه وكفيه (٣) .\nقالوا: فهذا نص صريح في أنه يجوز للمرأة كشفُ وجهها وكفيها عند الرجال الأجانب.\n_________\n(١) انظر \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٥٥٩) .\n(٢) مثل: دعوى إجماع العلماء على إخراج الوجه والكفين من العورة، انظر جوابها في صفحة (٢٤٤ - ٢٥٠) .\nومثل دعوى خصوصية آيات الحجاب بأمهات المؤمنين ﵅، وقد تقدم\nجوابها ص (٢٥٦) وما بعدها.\n(٣) رواه أبو داود في \"سننه\" رقم (٤١٠٤)، في اللباس: باب فيما تبدي المرأة من زينتها، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" من هذا الوجه في موضعين: (٢/ ٢٢٦)، (٧/ ٨٦) .","vol":"3","page":370},{"text":"جواب هذه الشبهة\nالأصل أنه لا يُتكلف الجوابُ عن الحديث حتى يصح، والضعيفُ يكفي في رَدِّه كونُه ضعيفا، فمن باب (أثبت العرش، ثم انقش) نناقش:\n* أولا: إسنادَ الحديث:\nفي الحديث علل قادحة:\nالعلة الأول: انقطاع سنده، كما صَرَّح بذلك الأمام أبو داود ﵀ نفسه، فقد قال عقب روايته الحديث:\nهذا مُرْسَل، خالد بن دُرَيْك لم يدرك عائشة. (١)\nوكذا قال أبو حاتم الرازي (٢)، وعبد الحق في \"أحكامه\" (٣) .\nوقال ابن معين: مشهور، وقال مرة: ثقة، وقال النسائي. ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، في أتباع التابعين (٤) .\nوقال الحافظ ابن حجر في \"التقريب\": ثقة يرسل (٥) .\nالعلة الثانية: أن في سنده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن البصري (٦)،\n_________\n(١) \"السابق\".\n(٢) ذكره الحافظ ابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" (٣/ ٢٩٤) .\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٨٧) .\n(٤) \"السابق\" (٣/ ٨٦-٨٧) .\n(٥) \"تقريب التهذيب\" (١/ ٢١٢)،\n(٦) وفي ترجمته في \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٨-١٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ٣٠٤- ٣٠٥) ما حاصله: [قال أبو مسهر: \"لم يكن في بلدنا أحد أحفظ منه، وهو منكر الحديث\"، وقال أبو حاتم: \"محله الصدق\"، وقال أبو أحمد الحاكم: \"ليس بالقوي\"، وقال بقيهَ: سألت شعبة عن سعيد بن بشير، فقال: \"ذاك صدوق اللسان\"، وقال ابن عيينة: \"حدثنا سعيد بن بشير، وكان حافظا\"، وقال دحيم:\n\"يوثقونه، كان حافظا\"، وأما ابن مهدي فروى عنه، ثم ترك، وقال أبو زرعة:\n\"لا يحتج به، ومحله الصدق\"، وقال البخاري: \"يتكلمون في حفظه\"، وقال ابن =","vol":"3","page":371},{"text":"قال الحافظ: \"ضعيف\" (١) .\nالعلة الثالثة: أن فيه قتادة، وهو مدلس، وقد عنعنه، كما أن فيه الوليدَ ابنَ مسلم، قال الحافظ: \"ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية\" (٢)، وقد عنعنه.\nوالحديث رواه أبو داود في \"المراسيل\" عن محمد بشار، عن أبي داود، عن هشام الدستوائي، عن قتادة مرسلا: \"إن الجارية إذا حاضت، لم يصلع أنه يُرى منها إلا وجهُها ويداها إلى المفصل\".\n* ثانيا: فرض صحة الحديث:\nوعلى فرض صحة الحديث، أو تقويته بشواهده، فبماذا أجاب عنه العلماء القائلون بتحريم السفور؟\nلقد اختلفت أجوبتهم عنه:\n١- فمنهم من حمله على أنه كان قبل الأمر بالحجاب:\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\nوالسلف تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين:\n_________\n= معين والنسائي: \"ضعيف\"، وقال سعيد بن عبد العزيز: \"كان حاطب ليل\"، وقال علي بن المديني: \"كان ضعيفا\"، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: \"منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات\"، وقال ابن عدي: \"له عند أهل دمشق تصانيف، ولا أرى بما يرويه بأسا، ولعله يهم في الشيء بعد الشيء، ويغلط، والغالب على حديثه الاستقامة، والغالب عليه الصدق\"، وقال الساجي: \"حَدث عن قتادة بمناكير\": وقال ابن حبان: \"كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه\" وقال أبو بكر\nالبزار: (هو عندنا صالح ليس به بأس\"] اهـ.\n(١) \"تقريب التهذيب\" (١/ ٢٩٢) .\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٢/ ٣٣٦) .","vol":"3","page":372},{"text":"فقال ابن مسعود: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخضاب.\nثم بين ﵀ أن تشريع الحجاب مر بمرحلتين:\nأولاهما تغطية البدن ما عدا الوجه والكفين.\nوالأخرى: حجاب جميع البدن بما في ذلك الوجه والكفان.\nثم قال رحمه الله تعالى ما نصه: \"فإذا كُنَّ مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أُمِرَت ألا تظهرها للأجانب، فما بقي يَحِل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول\nالأمرين\" (١) اهـ.\nإلى أن قال شيخ الإسلام: وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين بخلاف ما كان قبل النسخ بل لا تبدي إلا الثياب \" (٢) اهـ.\n* وقال الإمام ابن قدامة ﵀ - في معرض الرد على من أباح النظر إلى الوجه والكفين محتجًا بحديث أسماء ﵂:\nوأما حديث أسماء فيحمل على أنه كان قبل نزول آية الحجاب، فنحمله عليه (٣) .\n* وقال القاري في شرح هذا الحديث:\nقولها \"وعليها ثياب رِقَاق\" بكسر الراء جمع رقيق، ولعل هذا كان قبل الحجاب (٤) .\n_________\n(١) \"مجموع الفتاوى\" (٢٢/١١٠-١١٢) بتصرف.\n(٢) \"السابق\" (٢٢/١١٧ - ١١٨) .\n(٣) \"المغني\" (٦/٥٥٩) .\n(٤) مرقاة المفاتيح\" (٤/٤٣٨) .","vol":"3","page":373},{"text":"وقد ضعف الشنقيطي - رحمه الله تعالى – الحديث، ثم قال:\n\"مع أنه مردود بما ذكرنا من الأدلة على عموم الحجاب، ومع أنه لو قدر ثبوته قد يحمل على أنه كان قبل الأمر بالحجاب\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي:\n\"لو قدرَ أن حديث عائشة صحيح، فهو محمول على أنه كان قبل الأمر بالحجاب، وبناءً على هذا يكون منسوخا، لا يجوز العمل به\" (٢) اهـ.\n* وقال الشيخ محمد علي الصابوني في \"روائع البيان\":\nويحتمل أنه كان قبل آيات الحجاب، ثم نسخ بها (٣) .\n* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:\nثم على تقدير الصحة - أي صحة حديثه عائشة ﵂ - يحمل على ما قبل الحجاب، لأن نصوص الحجاب ناقلة عن الأصل فتقدم عليه (٤) .\n_________\n(١) \"أضواء البيان\" (٦/٥٩٧) .\n(٢) \"يا فتاة الإسلام\" ص (٢٥٧) .\n(٣) \"روائع البيان\" (٢/١٥٧) .\n(٤) \"رسالة الحجاب\" ص (٣٠) .\nواعلم أنه هناك جملة من الأحاديث والآثار يفهم منها كشف الوجه واليدين أو اليدين فقط، وعادة العلماء الموجبين للحجاب أن يجيبوا عنها بقولهم (هذا كان قبل الأمر بالحجاب) \" ومن أمثلة ذلك:\nأ- حديث عائشة هذا الذي نحن بصدده.\nب- عن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَت علي خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص الأسلمية، وكانت عند عثمان بن مظعون ﵁،\nقالت: فرأى رسول الله ﷺ بذاذة هيئتها، فقال لي: \"يا عائشة ما أبذ هيئة خويلة! \"، فقالت: فقلت: يا رسول الله امرأة لها زوج يصوم النهار، ويقوم =","vol":"3","page":374},{"text":"٢- ومن العلماء من ذهب إلى وجوب تأويل حديث عائشة ﵂ إن صَحَّ:\nإذا ثبت لدينا دليل واحد يفيد تحريم كشف الوجه والكفين؛ ثم فرضنا جدلًا ثبوت حديث عائشة ﵂ الذي يبيح كشفهما؛ وافترضنا أيضا تكافؤ الدليلين من حيث الثبوت؛ وعلمنا أن الأصل في الدليل\n_________\n= الليل، فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها، وأضاعتها. . . الحديث، وقد تقدم في القسم الثاني ص ١٧٢، وانظر \"الفتح الرباني\" (١٧/٣٠٤) .\nج- عن أبي جحيفة أن رسول الله ﷺ آخى بين سلمان وبين أبي الدرداء، فقال: فجاءه سلمان يزوره فإذا أم الدرداء متبذلة (أي لابسة ثياب المهنة، وتاركة للبس ثياب الزينة)، فقال: ما شأنك يا أم الدرداء؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء يقوم الليل، ويصوم النهار، وليس له في شيء من الدنيا حاجة. . . الحديث، رواه البخاري (٤/ ٢٤٦-٢٤٧)، والترمذي (٣/ ٢٩٠)، والبيهقي (٤/ ٣٧٦)، والمؤاخاة كانت في أوائل الهجرة، وانتهت بعد آية التوريث، وآية التوريث نزلت قبل الحجاب.\nد- ما رواه البيهقي في قصة توبة أبي لبابة وقال \"حديث صحيح\"، وفيه قول أم سلمة ﵂: أفلا أبشره يا رسول الله بذلك؟ قال: \"بلى إن شئتِ\" قالت: فقمتُ على باب حجرتي، فقلت - وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب - يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك.\nهـ- وعن أنس ﵁ قال: \"لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ، وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوّب عليه بحَجَفَة له. . . ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر ﵄ وأم سُليم وأنهما لمُشَمرتان أرى خَذمَ سُوقِهما - يعني الخلاخيل - تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم)، رواه البخاري في المغازي، باب إذا همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما \"فتح الباري\" (٧/ ٤١٨)، وفي الجهاد، باب (عزو النساء وقتالهن مع الرجال، وباب المجن ومن يتترس بترس صاحبه، وفي فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب أبي طلحة، ومسلم رقم (١٨١١) في الجهاد، باب غزوة النساء مع الرجال.\nمجوب عليه بحَجَفَةْ أي ساتر له، قاطع بينه وبين الناس، مترس عليه بترس، تنقزان: أي تثبان، والمقصود تحملان القرب، وتقفزان بها وثبا.","vol":"3","page":375},{"text":"الشرعي الإعمال لا الإهمال؛ وأن الواجبَ - عند التعارض - أن لا يصار إلى ترجيح أحد الدليلين إلا عند تعذر الجمع بينهما، لأن إعمال الدليلين\nمعا أولى من إلغاء أحدهما؛ إذن يتعين محاولة الجمع بينهما (١)، وهذا ما\nفعله فريق من العلماء:\n* قال ابن رسلان في حديث عائشة ﵂:\n\"والحديث مقيد بالحاجة إلى رؤية الوجه والكفين كالخطبة ونحوها (٢)،\nويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن\n_________\n(١) لا يتَصَوَّرُ أن تأمر الآية والأحاديث الصحيحة المؤمنين بغض الأبصار، في حين نجد في هذا الحديث تصريحًا بإباحة النظر إن الوجه والكفين مِمّا يوجب تأويل\nالحديث - على فرض ثبوته- لأن فيه قرينةَ تدل على قابليته للتأويل، أو التقييد\nبالحاجة أو الضرورة، ألا وهي قوله: \"لا يصلح أن يُرى منها\"، ومعلوم معارضة\nلفظه \"يُرى\" للنصوص الآمرة بغض البصر، وهذا بخلاف ما لو قال: (لا يصلح\nأن يظهر منها إلا وجهها وكفيها)، بل إنه إذا أباح الكشف بلا قيد فقد أوقع\nالمسلمين في حرج شديد حين يطلق الكشف، وبأمر بالغض، والشريعة منزهة عن ذلك الحرج (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨) ولأنه يحول دون\nأطهرية قلوب المؤمنين بكثرة المشاهد، ومحاولات الغض، خاصة في زماننا، وهذا بخلاف نظرة الفجأة إلى ما قد يظهر من النساء بدون قصد إظهار، فذلك قليل نادر في المجتمع الإسلامي.\nوعلى فرض جواز كشف الوجه واليدين بلا تقييد بحاجة أو ضرورة، مع الأمر\nبغض البصر، فما هو واجب المرأة المسلمة إذا عاشت بين قوم رَقّ دينهم، وذهب ورعهم، فلا يرتدعون عن النظر المحرم إلى وجهها، هل تعينهم على هذا الفسق،\nوتشارك في هذه الفتنة أم أنه يجب عليها حينئذٍ منع هذا المنكر، إما بقرارها في بيتها، وإما بالخروج عند الحاجة متسترة محجبة درءًا للفتنة وسدُّا للذريعة؟!\n_________\n(٢) ومثلها: النظر للمداواة، وللشهادة لها أو عليها، والنظر للمعاملة من بيع أو رهن أو إجارة، أو تعليم، ويشترط لجواز ذلك فقْدُ جنس، ومحرم صالح، وتعذره من وراء حجاب، ووجود مانع خلوة، ويشترط في النظر للتزويج أن يكون بعد العزم على التزوج، ورجاء الإجابة.","vol":"3","page":376},{"text":"سافرات الوجوه، لاسيما عند كثرة الفساق (١) اهـ.\n* وقال الشيخ خليل أحمد السهارنفوري:\n\"ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لاسيما عند كثرة الفساد وظهوره\" (٢) اهـ.\n* وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي:\n\"لو ثبت أن حديث عائشة صحيح - مع العلم بأنه لم يثبت - فحينئذِ كشف المرأة وجهها لرجل أجني مقيد ذلك بالحاجة، والضرورة، لا مطلقا\" (٣) اهـ.\nومقصودهم - والله أعلم - أن المرأة إذا بلغت لم يحل أن يظهر من بدنها شيء لأنها كلها عورة، إلا أن تحتاج أو تضطر لكشف وجهها وكفيها فيحل لها ذلك حينئذ بقدره.\nأو: أن المرأة إذا بلغت حل لها أن تظهر وجهها وكفيها ما لم تُخَفْ الفتنه\nبهما، فإن خيفت الفتنة فعليها ستر ذلك.\nفإذا قيل: بل يتعين الترجيح لأن التكلف في الجمع بينهما غير خافٍ\nعلى من تأمله.\nقلنا: نحن أسعد بهذا المسلك منكم؛ إذ إن أدلة وجوب ستر الوجه والكفين ناقلة عن الأصل، وأدلة جواز كشفه مبقية على الأصل، والناقل عن الأصل مُقَدَّم كما هو معروف عند الأصوليين، وذلك لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه، فإذا وجد الدليل الناقل عن الأصل دل ذلك على طروء الحكم على الأصل وتغييره إياه.\n_________\n(١) نقله عنه الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٦/١٣٠) .\n(٢) \"بذل المجهود في حل أبي داود\" (١٦/١٦٤)\n(٣) \"يا فتاة الإسلام\" ص (٢٥٨)، بهذا السياق.","vol":"3","page":377},{"text":"ولذلك نقول: إن مع الناقل زيادةَ علم، وهو إثبات تغيير الحكم الأصلي، والمثبِت مقدم على النافي، وهذا الوجه إجمالي ثابت حتى على تقدير تكافؤ الأدلة ثبوتَا ودلالة (١) .\n* فوائد:\nالأولى: أكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن الأصل، على الخبر المبقي على البراءة الأصلية، وإليه الإشارة بقول صاحب \"مراقي السعود\" في مبحث الترجيح باعتبار المدلول:\nوناقل ومثبت والآمر ... بعد النواهي ثم هذا الآخر\nعلى أباحة. . . إلخ\nلأن معنى قوله: (وناقل) أن الخبر الناقل عن البراءة الأصلية مقدم على\n_________\n(١) رسالة الحجاب للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص ٢٨) .\nويحسن أن ندعم هذا الكلام بقول محدث الشام ﵀ في معرض الرد على من استدل بقول جابر بن عبد الله عن النساء في صلاة العيد: (فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن) على إباحة الذهب المحلق للنساء، فقال حفظه الله في أثناء الرد: [لو فرضنا أنه جاء في حديث أو أحاديث\nالتصريح بذلك - أي إباحة المحلق - فينبغي أن يحمل ذلك على الأصل الأول، وهو الإباحة، ثم طرأ عليها ما أخرجها من هذا الأصل إلى التحريم بدليل أحاديث التحريم، فإن مثل هذه الأحاديث لا تصدر من الشارع في الغالب إلا لرفع ذلك الأصل وهو الإباحة في الأمور التي نص على تحريمها، ولذلك يقول علماء \"أصول الفقه\": (إذا تعارض حاظر ومبيح قدم الحاظر)، وفي هذه الحالة\nلا يلزمنا أن نثبت تأخر النص المحرم على النص المبيح، لأن النص المحرم يتضمن\nفي الواقع الإشارة إلى رفع ما تضمنه النص المبيح كما هو ظاهر] اهـ. من\n\"حجاب المرأة المسلمة\" هامش ص (٢٧) .\nوهو كما ترى يحمل في طياته الرد على من قال: \"أين دليل التراخي الزمني بين الحاظر والمبيح الذي هو أحد شروط النسخ؟ \"، وانظر أيضَا: \"إرواء الغليل\" (١/١٤٩) .","vol":"3","page":378},{"text":"الخبر المبقي عليها، وعزاه في شرحه المسمى \"نشر البنود، للجمهور، وهو المشهور عند أهل الأصول\" (١) اهـ.\nواستدل الجمهور لمذهبهم بما يأتي:\nأولًا: أن الحديث المبقي للبراءة لا يستفاد منه فائدة جديدة، وذلك لأنه\nلا يفيد أكثر مما استفيد من البراءة الأصلية، أما الحديث الرافع للبراءة فيستفاد منه فائدة جديدة.\nثانيا: أن الخبر الناقل عند ترجيحه يُقَدَّرُ متأخرا، وعليه فيكون ناسخا\nللخبر المبقي للبراءة الأصلية، والخبر المبقي لها لم ينسخ البراءة الأصلية،\nوإنما هو مُقَرِّر لها، وبذلك يتحقق النسخ مرة واحدة.\nأما لو جعل لخبر المبقي للبراءة هو الراجح فسيقدر متأخرَا فيكلون ناسخا للناقل للبراءة، والناقل قد نسخ البراءة الأصلية لأنه غير مقرر لها فيلزم من ذلك النسخ مرتين، والنسخ خلاف الأصل، فالخبر الناقل مقلل له، وعليه يكون راجحا (٢) .\nالفائدة الثانية:\nذهب جماعة من أهل الأصول إلى أنه إِذا تعارض خبران، وكان أحدهما دالا على الوجوب، والآخر دالا على الإباحة، ففي هذه الحالة يقدم الدال على الوجوب، وذلك لأن العمل به مقَدم للاحتياط في الخروج من عهدة\nالطلب، ثم الدال على الإباحة - ويشمل غير الواجب - فيدخل فيه المسنون والمندوب لاشتراك الجميع على عدم العقاب على ترك الفعل (٣) .\n_________\n(١) \"أضواء البيان\" (٥/٦٥٧ - ٦٥٨) .\n(٢) انظر: \"شرح الأسنوي\" (٣/١٧٨)، و\"أصول الفقه\" للشيخ محمد أبو النور زهير (٤/٢١٣) .\n(٣) \"أضواء البيان\" (٥/٦٥٨)، وانظر: \"حاشية السعد\" (٢/٣١٢) .","vol":"3","page":379},{"text":"الفائدة الثالثة:\nأن المسلمة إن عملت بقول من أوجب ستر الوجه والكفين فأدت ذلك على سبيل الوجوب برئت ذمتها عند القائلين بأنه فرض وعند القائلين بأنه فضل كليهما، ولو أسفرت عن وجهها وكشفت كفيها، ولم تسترهما على سبيل الوجوب تبقى مطالَبَة بواجب على قول جمع كبير من العلماء، والنبي ﷺ يقول: \"دع ما يَريبُك إلى ما لا يَرِيبُك\" (١)، ويقول: \"فمن اتقَى الشُبُهاتِ فقد استبرَأ لدِينِه وعِرْضِهِ\" (٢) .\n* ثالثًا: متن الحديث:\nقد عرفتَ ضعف هذا الحديث من حيث السند، أما من حيث معانيه وألفاظهُ فهو معارض للأدلة المتوافرة على وجوب الحجاب سواء في ذلك عموم آيات الحجاب، أو فعل النبي ﷺ وقوله وتقريره، فهل يسوغ أن يؤخذ بظاهرِ حديثْ هذا حاله فيكون مخصصًا لكل ما ورد من عموم ألفاظ القرآن وما صح من فعل النبي ﷺ مع صفية، وتقريره لفعل سودة ﵄؟\nأضف إلى ذلك مخالفة لفظه: \"لا يصلح أن يرى منها\" لحديث جرير بن\n_________\n(١) وتتمته \"فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة\" أخرجه الترمذي عن الحسن بن\nعلي ﵄ رقم (٢٥١٨) في صفة القيامة، باب رقم (٦٠) وقال:\n(حسن صحيح)، والنسائي (٨/٣٢٧ - ٣٢٨) بدون التتمة في الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات، والإمام أحمد في مسنده (١/٢٠٠)، (٣/١١٢ -\n١٥٣)، وصححه ابن حبان (٥١٢)، والحاكم (٢/١٣) ووافقه الذهبي،\nوأخرج النسائي هذه الجملة في آخر حديث طويل (٨/ ٢٣٠) في القضاة، باب الحكم باتفاق أهل العلم، وقال: (هذا الحديث جيد جيد) .\n(٢) قطعة من حديث رواه البخاري (١/١٥٣) في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، وفي البيوع: باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات، ومسلم\n(١٥٩٩) في المساقاة: باب لعن آكل الربا وموكله.","vol":"3","page":380},{"text":"عبد الله ﵁ قال: \"سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن\nأصرف بصري\" (١) . وقد كان إسلام جرير ﵁ في رمضان سنة عشر من\nالهجرة (٢) .\nكما أنه مخالف لحال أمهات المؤمنين ونسائهم، وقد قال رسول الله\nﷺ: \"مَنْ عَمِلَ عملا ليسَ عليه أمرُنا فهو رَدٌّ\" (٣) .\nوعن عائشة ﵂ قالت \"كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ مُحرِمات، فإذا حاذَوْنا سَدَلت إحدانا جلبابَها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه\" (٤) .\nوعنها ﵂ قالت: \"تَسدُل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها\" (٥) .\nروى ابن أبي خيثمة من طريق إسماعيل بن خالد عن أمه، قالت: كنا ندخل على أم المؤمنين يوم التروية، فقلت لها: \"يا أم المؤمنين! هنا امرأة\nتأبى أن تغطي وجهها وهي محرمة\"، فرفعت عائشة خمارها من صدرها،\nفغطت به وجهها (٦) - أي وجه المرأة المشار إليها.\nوعن أم سلمة ﵂ قالت: \"كنا نكون مع رسول الله ﷺ ونحن مُحرمات فيمر بنا الراكب فتَسدُل المرأة الثوب من فوق رأسها على وجهها\" (٧) .\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) أي قبل وفاة النبي ﷺ بخمسة أشهر.\n(٣) أخرجه مسلم (١٧١٨) (١٨) بهذا اللفظ، وقد اتفقا على إخراجه بلفظ: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ) .\n(٤) سبق تخريجه.\n(٥) سبق تخريجه.\n(٦) انظر \"تلخيص الحبير\" (٢/ ٢٩٢) .\n(٧) انظر: ص (٣٥٠) .","vol":"3","page":381},{"text":"وعن فاطمة بنت المنذر قالت: \"كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن\nمع أسماء ﵂\" (١) .\nفلو كان لهن سعة من السفور؛ ولو كان حديث عائشة صحيحَا ومعمولًا به؛ لما كان النساء يلتزمن تغطية الوجوه، ولاسيما في حالة الإحرام.\nوحديث عائشة ﵂ أيضًا مخالف لما ثبت عن أسماء ﵂ نفسها:\nفقد قالت أسماء ﵂: \"كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا\nنمتشط قبل ذلك في الإحرام\" (٢) .\nو(عمل من نسب إليه الحديث بخلافه حتى عند الرخصة دليل على ضعف الحديث أو على الأقل نسخه) (٣) .\n* قال الشيخ عبد العزيز بن خلف:\nفتمسك أسماء بهذا يرد على من أخذ بحديث عائشة أن أسماء قد أمرها\nالنبي ﷺ بأن لا تكشف إلا وجهها وكفيها (٤) اهـ.\n* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:\nوأيضًا فإن أسماء رضي الله تعالى عنها كان لها حين هجرة النبي ﷺ\nسبع وعشرون سنة، فهي كبيرة السن فيبعد أن تدخل على النبي ﷺ\nوعليها ثياب رقاق تصف منها ما سوى الوجه والكفين، فلابد على تقدير الصحة من أن يحمل على ما قبل الحجاب، لأن نصوص الحجاب ناقلة عن\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) \"فصل الخطاب\" ص (٨٨) .\n(٤) \"نظرات في حجاب المرأة المسلمة\" ص (٥٤) .","vol":"3","page":382},{"text":"الأصل فتقدم عليه (١) اهـ.\n* قال الشيخ عبد العزيز بن خلف:\n\"هذا الحديث - يقصد حديث عائشة ﵂ - لا يصح العمل به، لأنه ضعيف هو وطرقه، وأيضا فغير سائغ أن تدخل أسماء بنت أبي\nبكر الصديق ﵄ على رسول الله ﷺ بثياب رقاق تصف بَشرَتها، وذلك بالمدينة بعد أن نزل الحجاب، إلا أن يكون ذلك في مكة وقبل الهجرة، وقبل نزول الحجاب، وإذا كان كذلك، فلا يلتفت إليه،\nوليس بحجة\" (٢) اهـ.\n_________\n(١) \"رسالة الحجاب\" ص (٣٠)، وإذا كان رسول الله ﷺ يهتم بستر المرأة المسلمة منذ أوائل مراحل الدعوة بمكة، وأمر ابنته زينب بتخمير نحرها، فهل يخفى ذلك\nعلى المسلمات، بما فيهن أسماء بنت أبي بكر ﵄، وهى التي كان\nيتردد ﷺ، على بيت أبيها صباح مساء.\nروى البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: لم أعقل أبوي إلا\nوهما يَدينان الدين، ولم يمر عليهما يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيا. . . الحديث - انظر \"فتح الباري\" (١٠/٦٧١-٦٧٢) .\nوعن الحارث بن الحارث الغامدي، قال: قلت لأبي ونحن بمنى: ما هذه\nالجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فنزلنا - وفي\nرواية: فتشرفنا - فإذا رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به،\nوهم يردون عليه قوله، ويؤذونه، حتى انتصف النهار، وتصدّع عنه الناس،\nوأقبلت امرأة قد بدا نحرها تبكي، تحمل قدحًا فيه ماء، ومنديلا، فتناوله منها، وشرب، وتوضأ، ثم رفع رأسه، فقال: \"يا بنية! خمري عليك نحركِ، ولا تخافي\nعلى أبيك غلبة ولا ذلا\"، قلت: من هذه؟ قالوا: هذه زينب ابنته.\nقال الألباني: أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\"، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" اهـ. من \"حجاب المرأة المسلمة\" ص (٣٥-٣٦) .\n(٢) \"نظرات في حجاب المرأة المسلمه\" ص (٦٦-٦٧) .","vol":"3","page":383},{"text":"* وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي:\nإن أسماء ﵂ عندها من التقوى، والخشية لله، والورع،\nوالحياء، ما يمنعها أن تدخل على رسول الله ﷺ، وعليها ثياب رقاق (١) .\nوعن محمد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة ﵂: ماذا تصلي\nفيه المرأة من الثياب؟ قالت: \"تصلي في الخمار والدرع السابغ إذا غيب\nظهور قدميها\" (٢) .\nوفي رواية أبي داود عن أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ: أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس لها إزار؟ قال: \"إذا كان الدرع سابغَا يغطي ظهور قدميها\" (٣) .\nفإذا عدَّ القدمين عورة، وأذن لها في الإسبال كي لا تنكشف القدمان،\nوأمر بعدم الضرب بالأرجل حتى لا يسمع صوت الخلاخل، أو تظهر\nالزينة الخفية، فإن أمره بتغطية الوجه الذي هو مجمع الحُسْن والفتنة أولى.\nفهذا من باب \"التنبيه بالأدنى على ما فوقه، وما هو أولى منه بالحكم\"،\nوحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة، ويرخص كشف ما هو أعظم منه فتنة، فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه.\nوأخيرًا: فإن هذا الحديث لو سلمنا صلاحيته للاحتجاج فهو حجة على\nأهل السفور، وذلك لأن هذا نص يقضي بأن المرأة إذا بلغت المحيض لا\nيجوز لها أن تكشف غير الوجه والكفين أمام أحدٍ كائنًا من كان، أبا أو\n_________\n(١) \"يا فتاة الإسلام\" ص (٢٥٨) .\n(٢) رواه مالك في \"الموطأ\" كتاب صلاة الجمعة (٨)، باب الرخصة في صلاة المرأة في\nالدرع والخمار (١٠)، رقم (٣٧)، موقوفا على أم سلمة ﵂.\n(٣) \"سنن أبي داود\" - كتاب الصلاة (٢)، باب في كم تصلي المرأة (٨٣)، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٥٠) كتاب الصلاة، وقال: (هذا حديث صحيح\nعلى شرط البخاري، ولم يخرجاه) اهـ، ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":384},{"text":"أخا أو ابنَا، أو عما، أو غيرهم، ومعلوم أن الله قد أذن للمرأة في إبداء\nالزينة أمام المحارم، ومنع عنه أمام الأجانب، فما هي الزينة التي تبديها\nأمام المحارم، ولا تبديها أمام الأجانب؟\nوبتعبير آخر: لما جاز لها كشف وجهها وكفيها أمام الأجانب، ولم يجز لها كشف شيء من أعضائها سوى الوجه والكفين أمام المحارم فأي فرق\nيبقى بين المحارم والأجانب؟ مع أن القرآن ينص على الفرق بينهما في\nصراحة باتة، فتفكر!، ولو قيل: إن هذا نص يجري فيه التخصيص من\nنصوص أخرى، قلنا: فما لناحية الحجاب والسفور لا يجري فيها التخصيص بالنصوص؟! \" (١) .\nالشبهة الثانية\n* وهي ما رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢)، قال رحمه الله تعالى:\nحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج\nقال:. . . قالت عائشة ﵂: دخلت عَلَيَّ ابنةُ أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل النبي ﷺ، فأعرض، فقالت عائشة: يا\nرسول الله إنها ابنة أخي وجارية، فقال: \"إذا عركت (٣) المرأة لم يحل لها أن\nتظهر إلا وجهها، وإلا ما دون هذا\"، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكفِّ مثل قبضة أخرى.\nوالحسين هو سُنَيْد بن داود المِصيصي المحتسب، قال الحافظ في\n\"التقريب\": ضعيف مع إمامته ومعرفته، لكونه كان يُلَقَّن حجاج بن محمد\n_________\n(١) \"مسالة السفور والحجاب\" لأبي هشام الأنصاري - مجلة الجامعة السلفية، ص (٧٧)، عدد نوفمبر، ديسمبر ١٩٧٨م.\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ١١٩)، وانظر: \"الدر المنثور\" (٥/ ٤٢) .\n(٣) عركت: حاضت.","vol":"3","page":385},{"text":"شيخَه\" (١) اهـ.\nوقال الذهبي في \"الميزان\": حافظ له تفسير، وله ما يُنكَر، وقال: صدقه\nأبو حاتم، وقال أبو داود: لم يكن بذلك، وقال النسائي: الحسين بن داود ليس بثقة\" (٢) اهـ.\nكما أن هذا الحديث معضل، لأن بين ابن جريج وعائشة رضي الله\nعنها مفاوز، فقد توفي ابن جريج بعد المائة والخمسين، ولم يدرك عائشة\n﵂.\nونقل الذهبي في \"الميزان\" عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قوله:\n\"قال أبي: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها، يعني قوله: أخبِرت، وحُدثت عن فلان\" (٣) !\nوقال الحافظ في \"التهذيب\": \"وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن\nجريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت، جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت فحسبك به،. . . وقال جعفر بن عبد الواحد عن يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقًا، فإذا قال: حدثني، فهو سماع، وإذا\nقال: أخبرني، فهو قراءة، وإذا قال: \"قال\" فهو شبه الريح\" (٤) .\nوقال الدارقطني: \"تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح مثل إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (١/ ٣٣٥) .\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٢٣٦)، وانظر ترجمته أيضَا في \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٤٤)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ٣٢٦)، و\"تاريخ بغداد\" (٨/ ٤٢-٤٤)، و\"طبقات المفسرين\" (١/٢٠٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٠/٦٢٧) .\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٦٥٩) رقم (٥٢٢٧) .\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٤٠٤) .","vol":"3","page":386},{"text":"عبيدة وغيرهما\" (١) .\nوقال الإمام صلاح الدين العلائي: \"يكثر من التدليس\" (٢) .\nواعلم؛ أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون شاهدا لحديث عائشة السابق وذلك لتخالف متن الحديثين، ولإعضال هذا الحديث كما أشرنا (٣) .\nالشبهة الثالثة\n* ما أخرجه البيهقي في \"سننه\" من طريق محمد بن رمح، ثنا ابن لَهِيعة،\nعن عياض بن عبد الله أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصاري يخبر\nعن أبيه أظنه عن أسماء ابنة عميس أنها قالت: \"دخل رسول الله ﷺ على عائشة بنت أبي بكر ﵄، وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر\n﵃، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله ﷺ قام فخرج، فقالت عائشة ﵂: تَنَحَّي فقد رأى رسول الله ﷺ أمرًا كرهه، فتنحت، فدخل رسول الله ﷺ فسألته عائشة\n﵂: لم قام؟ قال: \"أو لم تَرَ إلى هيئتها؟! إنه ليس للمرأة\n_________\n(١) \"السابق\" (٦/ ٤٠٥) .\n(٢) \"جامع التحصيل في أحكام المراسيل\" ص (١٠٨) رقم (٣٣) .\n(٣) وقد تعقب العلامة الألباني الشيخ أبا الأعلى المودودي ﵀ في تقويته هذا الحديث بمرسل قتادة، ثم احتجاجه بهما على أن المرأة عورة كلها إلا الوجه\nواليدين على جميع الناس حتى على الأب والأخ وسائر المحارم!\nغير أن مدار المساجلة كان حول لفظ لم أعثر عليه في مظانه من تفسير ابن جرير،\nوكلا الشيخين لم يعزه إلى موضعه فيه، واللفظ المشار إليه: عن ابن جريج قال: \"خرجت لابن أخي عبد الله بن الطفيل مزينة، فكرهه النبي ﷺ، فقلت: إنه ابن أخي يا رسول الله، فقال: \"إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها إلا ما دون هذا\"، وقبض على ذراع نفسه\"، وبين الألباني ﵀ مخالفة لفظ الحديث لنص القرآن (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) الآية، وفيها: (أَوْ بَنِي =","vol":"3","page":387},{"text":"المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا\"، وأخذ بكميه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صُدْغَيْهِ حتى لم يَبْدُ إلا\nوجهه.\nقال البيهقي: إسناده ضعيف (١) .\nوعياض بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر هو الفهري (٢)، من رجال\nمسلم، قال أبو حاتم: \"ليس بالقوي\"، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الساجي: \"روى عنه ابن وهب أحاديث فيها نظر\"، وقال يحيى بن\nمعين: \"ضعيف الحديث\"، وقال ابن شاهين: \"في الثقات\"، وقال أبو صالح: \"ثبت له بالمدينة شأن كبير، في حديثه شيء\"، وقال البخاري: \"منكر الحديث\"، وقال الحافظ في \"التقريب\": \"فيه لين\" (٣) .\nلكن علة هذا الحديث ابن لَهِيعة، واسمه عبد الله الحضرمي أبو\nعبد الرحمن المصري القاضي وهو ثقة فاضل، لكنه كان يحدث من كتبه\nفاحترقت، فحدث من حفظه فخلط (٤) .\nقال الهيثمي: \"وفيه ابن لهِيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح\" (٥) .\nوقال في موضع آخر: \"ابن لَهِيعة حديثه حسن، وفيه ضعف\" (٦) .\n_________\n= إِخْوَانِهِنَّ) ثم قال: (فهي - أي الآية - صريحة الدلالة على جواز إبداء المرأة\nزينتها لابن أخيها، فكان الحديث منكرَا من هذه الجهة أيضًا) اهـ من \"حجاب المرأة المسلمة\" هامش ص (١٨) .\n(١) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٨٦) .\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٠١) .\n(٣) \"تقريب التهذيب\" (٢/٩٦) .\n(٤) فمن حدث عنه قبل احتراق كتبه كالعبادلة وغيرهم فحديثه قوي، ومن روى عنه بعد احتراق كتبه فحديثه ضعيف، إلا أن يجبره وجه آخر.\n(٥) \"مجمع الزوائد\" (٥/ ١٣٧)، وقال: \"رواه الطبراني في الكبير، والأوسط) اهـ.\n(٦) \"السابق\" (٥/١٣٧) .","vol":"3","page":388},{"text":"وقال الإمام أبو محمد عبد الرحمن الرازي ابن الإمام أبي حاتم الرازي\nبعدما ساق سندين في كل منهما ابن لهيعة: \"قلت لأبي: فأيهما أصح؟ قال: لا يضبط عندي، جميعا ضعيفين\" (١) .\nوقال الجوزجاني: \"لا يوقف على حديثه، ولا ينبغي أن يحتج به، ولا يغتر بروايته، وقال ابن حبان: سبرت أخباره، فرأيته يدلس على أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم\" (٢) .\nوقال الألباني: \"ضعيف من قبل حفظه\" (٣) .\nوقال أيضًا. \"وبعض المتأخرين يحسن حديثه، وبعضهم يصححه\" اهـ.\nثم قال: والذي لا شك فيه أن حديثه في المتابعات والشواهد لا ينزل\nعن رتبة الحسن، وهذا منها\" (٤) اهـ.\n_________\n(١) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (١/ ٤٨٢) .\n(٢) \"الضعفاء الصغير\" ص (٦٦)، \"الضعفاء والمتركون\" ص (٩٥) .\n(٣) \"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة\" رقما (٣١٩)، (٤٦١) .\n(٤) \"حجاب المرأة المسلمة\" ص (٢٥) .\nومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن فضيلة الشيخ الألباني يخالف كلا من ابن عباس ﵄ ومَنْ وافقه مِن الصحابة، ومن بعدهم كالبيهقي والقرطبي\nممن استدلوا بقوله تعالى (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) على أن المراد: الوجه والكفان،\nانظر كتابه (ص ٣٣)، ورجح فضيلته أن الآية تستثني ما ظهر منها بدون قصد، فلا يسوغ أن تُجعل دليلَا شاملا لما ظهر منها بالقصد (ص ٢٤)، فحديث عائشة ﵂ عند أبي داود هو الأصل الذي بنى عليه الشيخ مذهبه، وإذا كان هذا الأصل ضعيفَا في سنده ومعناه كما تقدم، ولا تقوم به حجة، فإن الفرع الذي ساقه لتقويته أولى بالطرح، ومن المعلوم أن من أباح السفور من العلماء إنما استدل مع حديث عائشة وأسماء بثلاثة أدلة:\nأولها: أن الوجه والكفين ليسا من العورة في الصلاة والحج.\nوالثاني: تفسير قوله تعالى (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالوجه والكفين.\nوكلاهما يبطل الشيخ الألباني الاستدلال به على إباحة السفور، انظر \"حجاب\nالمرأة المسلمة\" (ص ٣٣) . =","vol":"3","page":389},{"text":"وبعض من صحح أحاديث ابن لَهِيعة إنما صححها من رواية العبادلة (١)\nعنه.\nومع تضعيف الإمام البيهقي ﵀ هذا الحديثَ، فإنه- إلى جانب\nذلك - أعرض عن الاستشهاد به لتقوية حديث عائشة ﵂، مع\nأنه- دون غيره من المحدثين - أخرجهما معًا في سننه، فكأنه ﵀ لم\nيَعُدَّهُ صالحا في المتابعات والشواهد (٢) .\nأما احتجاجه ﵀ بما رُوِيَ عن ابن عباس ﵄، فقد تقدم الجواب عنه في تفسير قوله تعالى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (٣) وبيان ضعفه سندا.\nفعلى هذا يكون تفسير (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالوجه والكفين محتاجًا إلى\nدليل صحيح، ودليلهم الذي بنوا عليه مذهبهم الحديث المرسل المروي عن عائشة رضي، الله عنها، فكيف يكون مجرد قولهم دليلا على صحة الحديث؟ وقد صح عن ابن مسعود ﵁ تفسير (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالثياب، وإذا صح ما رُوي عن ابن عباس (٤) ﵄ يكون قول صَحابي\n_________\n= والثالث: دعوى جريان عمل النساء به، وهذه فيها نظر، انظر ص (٤٧٥)، وكذا جواب الشبهات من الرابعة إلى الثامنة، وكذا العاشرة، والحادية عشرة.\n(١) والبعض يضيف إلى العبادلة آخرين حدثوا عنه قبل احتراق كتبه، ليس منهم محمد بن رمح راوي هذا الحديث عنه.\n(٢) بل لما أراد ﵀ تقوية حديث عائشة ﵂ عدل عن هذا الحديث إلى تقويته بالآثار الواردة عن بعض الصحابة ﵃، فقال عقب روايته: \"مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة ﵃ في بيان ما أباح الله\nمن الزينة الظاهرة، فصار القول بذلك قويًّا، والله الموفق\" اهـ. من \"السنن\nالكبرى\" (٢/ ٢٢٦)، وانظر: \"النقد البناء لحديث أسماء\" فإنه بحث متين.\n(٣) راجع (ص ٢٨٤-٢٨٩) .\n(٤) وقد صحح الألباني تفسير ابن عباس ﵄ للآية، بأن المقصود: =","vol":"3","page":390},{"text":"خالفه صاحبي آخر، فوجب أن نختار أقرب القولين إلى الكتاب والسنة.\nواعلم؛ أن من حسَّن حديث عائشة ﵂ الذي رواه عنها\nخالد بن دريك، إنما حسنه - رغم انقطاعه - باعتبار حديث أسماء بنت\nعميس - هذا رغم ضعفه - شاهدا موصولًا له.\nولو سلمنا بتحسين الحديثين، لكان الجواب عن حديث أسماء هذا\nكالجواب عن حديث عائشة ﵂، تماما كما تقدم (١)، والعلم\nعند الله تعالى.\nالشبهة الرابعة\nحديث السفعاء الخدين\n* ذهب بعض الفضلاء إلى تحسين حديث أسماء السابق، وبعد أن صلح\nعنده الاحتجاج به قال: \"وقد جرى العمل عليه عند النساء في عهد النبي ﷺ حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته ﷺ وهو لا ينكر\nذلك، عليهن\" اهـ.\nوهذا السياق لا يصح جملة وتفصيلا، بل ذهب بعض العلماء إلى القول\nبأن: \"سياق هذا بأسلوب الجزم فيه افتئات في حق النبي ﷺ وحق النساء\nالمؤمنات ﵅، لأن الأدلة التي كانت هي السند في سياقه لا تحمل أمورا قطعية، وإنما تضمنت احتمالات ضعيفة لا تقوم بها حجة على ما قاله، لأن مثل ذلك يحتاج إلى أدلة قطعية ومتواترة، ولا شيء من هذا\n_________\n= \"الكف، ورقعة الوجه\"، وهو في \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٤/ ٢٨٣)، وقال الألباني: \"وروى نحوه عن ابن عمر بسند صحيح أيضَا\" اهـ، وانظر: \"تمام المنة\nفي التعليق على فقه السنة\" (ص ١٦٠ – ١٦١)\n(١) راجع (ص ٣٧٢-٣٨٤) .","vol":"3","page":391},{"text":"كله\" (١) اهـ.\nومن هذه الأدلة التي استدل بها فضيلته على هذه الدعوى:\n* ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم\nقام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ\nالناس، وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء (٢) فوعظهن، وذكَرهن، فقال:\n\"تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم\"، فتكلمت امرأة من سطة النساء (٣) سفعاء الخدين (٤)، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: \"لأنكن تكثرن الشكاية،\nوتكفرن العشير\"، قال: فجعلن يتصدقن من حُليّهن، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن (٥) .\nقال: وقول جابر في هذا الحديث: سفعاء الخدين، يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت محتجبة لما رأى خديها، ولما علم بأنها\nسفعاء الخدين.\nوالجواب\n*أولا:\nأن الحديث ليس فيه حجة لإثبات ما أورده من أجله.\n_________\n(١) \"نظرات في حجاب المرأة المسلمة\" (ص ٦٧-٦٨) .\n(٢) وفي رواية النسائي: (ومضى إلى النساء ومعه بلال) قال القاري في \"المرقاة\": ولا\nيلزم منه رؤيته لهن اهـ (٢/٢٥٥) .\n(٣) أي جالسة وسطهن.\n(٤) أي فيهما تغير وسواد.\n(٥) أخرجه البخاري في خمسة عشر موضعًا، ومسلم في العيدين، والنسائي،\nوالدارمي، والبيهقي، والإمام أحمد في مسنده بإسنادٍ صححه السندي.","vol":"3","page":392},{"text":"* قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:\n\"وأجيب عن حديث جابر هذا بأنه ليس فيه ما يدل على أن النبي ﷺ\nرآها كاشفة عن وجهها، وأقرها على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن\nجابرا رأى وجهها، وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصدًا، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال، كما قال نابغة ذبيان:\nسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليدِ\nفعلى المحتج بحديث جابر المذكور أن يثبت أنه ﷺ رآها سافرة، وأقرها\nعلى ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك\" اهـ (١) .\n* وقال الشيخ حمود بن عبد الله التويجري حفظه الله تعالى:\n\"وأما حديث جابر ﵁ فليس فيه أن النبي ﷺ رأى تلك المرأة سافرة\nبوجهها، وأقرها على ذلك، حتى يكون فيه حجة لأهل السفور، وغاية ما\nفيه أن جابرًا رأى وجه تلك المرأة، فلعل جلبابها انحسر عن وجهها\nبغير قصد منها، فرآه جابر، وأخبر عن صفته، ومن ادعى أن النبي ﷺ قد رآها كما رآها جابر، وأقرها فعليه الدليل\" (٢) اهـ.\n* وقال الأستاذ درويش مصطفى حسن حفظه الله:\n\"إن هذه المرأة كانت مبدية وجهها وهي في وسط النساء، وفي مصلاهن\nيوم العيد، ولا حرج عليها في ذلك، أما وقد سمعت رسول الله ﷺ حين\nأتاهن يخبرهن بأن أكثر النساء حطب جهنم، نسيت كل شيء، ولم تهتم إلا بأمر واحد دون ما عداه، وهو معرفة سبب هذا الأمر الخطير، فهمَّت\nتسأل رسول الله ﷺ، وتغافلت حينا عن تغطية وجهها دون أن تقصد،\n_________\n(١) \"أضواء البيان\" (٦/٥٩٧) .\n(٢) \"الصارم المشهور\" ص (١١٧ - ١١٨) .","vol":"3","page":393},{"text":"فوقع نظر جابر - راوي الحديث - على حالتها تلك، فأخبر بهذا الوصف\nالذي رآه، لكي تعرف به هذه المرأة من غير أن يقصد النظر إليها\" (١) اهـ.\n* ثانيًا:\nأنه قد روى هذه القصة المذكورة من الصحابة غير جابر ﵁،\nولم يذكروا كشف المرأة المذكورة عن وجهها، وقد ذكر مسلم \"صحيحه\"\nممن رواها - غير جابر - أبا سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر رضي\nالله عنهم، وذكره غيره عن غيرهم، ولم يقل أحد ممن روى القصة غير\nجابر إنه رأى خدي تلك المرأة السفعاء الخدين (٢) .\n* قال الشيخ حمود التويجري حفظه الله:\n\"ومما يدل على أن جابرًا ﵁ قد انفرد برؤية وجه المرأة التي خاطبت\nالنبي ﷺ أن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وأبا سعيد\nالخدري ﵃ رَوَوْا خطبة النبي ﷺ وموعظته للنساء، ولم يذكر\nواحد منهم ما ذكره جابر ﵁ من سفور تلك المرأة وصفة خديها.\nفأما حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فرواه الإمام أحمد في \"مسنده\"،\nوالحاكم في \"مستدركه\"، وقال: \"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\"، ووافقه\nالذهبي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا معشر النساء تصدقن ولو من\nحُلِيكُن فإنكن أكثر أهل جهنم\"، فقالت امرأة ليست من عِليَةِ النساء: وبم يا رسول الله نحن أكثر أهل جهنم؟ قال: \"إنكن يكثِرنَ اللعن وتكفرن العشير (٣) \".\n_________\n(١) \"فصل الخطاب في مسألة الحجاب والنقاب\" (ص ٩٥) .\n(٢) (فلعل هذا كان لقبَا للمرأة، أو أن الراوي كان يعرفها قبل الحجاب) اهـ. من\n\"حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة\" لمكية نواب مرزا - رسالة ماجستير جامعة أم القرى (ص ٥٤) .\n(٣) أي الزوج، أي يجحدن إحسان أزواجهن.","vol":"3","page":394},{"text":"فوصف ابن مسعود ﵁ المرأة التي خاطبت النبي ﷺ بأنها ليست من علية النساء، أي ليست من أشرافهن، ولم يذكر عنها سفورًا ولا صفة الخدين.\nوأما حديث عبد الله بن عمر ﵄ فرواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة أن رسول الله ﷺ قال: \"يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار\"، فقالت امرأة منهن جَزْلَة: وما لنا يا رسول الله؟ قال: \"تكثرن اللعن، وتكفرن العشير\"،\nفوصف المرأة بأنها كانت جزلة، ولم يذكر ما رواه جابر من سَفْع خَدَّيها.\nقال ابن الأثير: امرأة جزلة أي تامةُ الخَلْق، ويجوز أن تكون ذات كلام جزل أي: قوي شديد.\nوقال النووي: جزلة بفتح الجيم وإسكان الزاي، أي ذات عقل ورأي، قال ابن درَيد: الجزالة العقلُ والوقار.\nوأما حديث ابن عباس ﵄، فرواه الإمام أحمد والشيخان وأهل السنن إلا الترمذي، وفيه: فقالت امرأة واحدة لم يُجِبْهُ غيرها منهن:\nنعم يا نبي الله، لا يُدرى حينئذٍ من هي، قال: فتصدقن. . .\" الحديث.\nقال النووي ﵀ في قوله \"لا يدري حينئد من هي\": معناه لكثرة النساء، واشتمالهن بثيابهن لا يدرى من هي؟ اهـ.\nفهذا ابن عباس ﵄ لم يذكر عن تلك المرأة سفورًا، ولا عن غيرها من النسوة اللاتي شهدن صلاة العيد مع النبي ﷺ، وكان شهودُ\nابن عباس ﵄ لصلاة العيد في آخر حياة النبي ﷺ.\nوأما حديث أبي هريرة ﵁ فرواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي،\nوقال: \"حديث حسن صحيح\"، وفيه. \"فقالت امرأة منهن: ولم ذلك يا رسول الله؟ . . .\" الحديث.\nوأما حديث أبي سعيد ﵁، فأخرجاه في الصحيحين وفيه: \"فقلن:\nوبم يا رسول الله؟ . . .\" الحديث.","vol":"3","page":395},{"text":"فهؤلاء خمسة من الصحابة ﵃، ذكروا نحو ما ذكره جابر\n﵁، من موعظة النبي ﷺ للنساء، وسؤالهن له عن السبب في كونهن أكثر\nأهل النار، ولم يذكر واحد منهم سفورًا، لا عن تلك المرأة التي خاطبت النبي ﷺ ولا عن غيرها، وهذا يقوي القول بأن جابرا ﵁ قد انفرد\nبرؤية وجه تلك المرأة، ورؤيته لوجهها لا حجة فيه لأهل التبرج والسفور،\nلأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه رآها سافرة بوجهها، وأقرها على ذلك\" (١) .\n* ثالثًا:\n* قال الإمام النووي ﵀ في شرح حديث جابر هذا عند مسلم:\nوقوله: \"فقامت امرأة من سطة النساء\" هكذا هو في النسخ سِطة بكسر السين، وبفتح الطاء المخففة، وفي بعض النسخ: واسطة النساء، قال القاضي: \"معناه: من خيارهن، والوسط: العدل والخيار\"، قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغيَّر في كتاب مسلم، وأن صوابه: من سفلة النساء، وكذا رواه ابن أبي شيبة في \"مسنده\"، والنسائي في \"سننه\"،\nوفي رواية لابن أبي شيبة: (امرأة ليست من علية النساء)، وهذا ضد التفسير الأول، ويعضده قوله بعده: \"سفعاء الخدين \" وهذا كلام القاضي، وهذا الذي ادَّعَوْه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها من خيار النساء كما فسَّره به هو، بل المراد: امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن، قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: يقال وسطت القوم أوسطهم وسطًا وسطة أي توسطتهم \" (٢) اهـ.\n* قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي، ﵀:\nوهذا التفسير الأخير هو الصحيح، فليس في حديث جابر ثناء: ألبتة على\n_________\n(١) \"الصارم المشهور\" (ص ١١٨-١٢٢) بتصرف،\n(٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٦/١٧٥) .","vol":"3","page":396},{"text":"سفعاء الخدين المذكورة، ويحتمل أن جابرا ذكر سُفْعَةَ خديها ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها (١)، لأن سُفْعة الخدين قبح في النساء، قال النووي: \"سفعاء الخدين: أي فيهما تغير وسواد\"، وقال الجوهري في \"صحاحه\": والسُّفْعَة في الوجه سواد في خدي المرأة الشاحبة، ويقال للحمامة سفعاء، لما في عنقها من السُّفْعة، قال حميد بن ثور:\nمن الورق سفعاء العلاطين باكرت ... فروع أشاء مطلع الشمس أسحما\nقال مقيده عفا الله عنه، وغفر له:\nالسُّفْعَةَ في الخدين من المعاني المشهورة في كلام العرب أنها سوادٌ وتغير فى الوجه من مرض أو مصيبة أو سفر شديد، ومن ذلك قول متمم بن نُويرة التميمي يبكي أخاه مالكا:\nتقول ابنةُ العمري مالَكَ بعد ما ... أراك خضيبا ناعم البال أروعا\nفقلت لها طولُ الأسى إذ سألتِني ... ولَوْعَةُ وَجْد تترك الخدَّ أسفعا\nومعلوم أن من السُّفْعَة ما هو طبيعي كما في الصقور، فقد يكون في خَدَّيِ الصقر سواد طبيعي، ومنه قول زهير بن أبي سَلْمى:\nأهوى لها أسفعُ الخدين مطرق ... ريش القوادم لم تنصب له الشبك\nوالمقصود أن السفعة في الخدين إشارة إلى قبح الوجه، وبعض أهل العلم يقول: إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها، لها حكم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا\" (٢) اهـ.\n_________\n(١) وقيل إنه لم يرها، ولكنه تكلم عنها بوصفها السائد الذي لا يتوقف على رؤيتها كما مر ذلك قريبا، يؤيد ذلك أنه من المعاني الشهيرة في كلام العرب بصفته تغيرَا وسوادًا في الوجه من مرض أو مصيبة.\n(٢) \"أضواء البيان\" (٦/٥٩٧ – ٥٩٩)، ومما يؤيده أن الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى أشار إلى استثناء القواعد، من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا من قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) الآية، فحكى ﵀ عن ابن عباس ﵄ قوله: (فنسخ، واستثنى من ذلك (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ =","vol":"3","page":397},{"text":"* رابعا:\nأن هذه المرأة ربما تكون من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، فلا تثريب عليها في كشف وجهها على النحو المذكور، ولا يمنع ذلك من وجوب الحجاب على غيرها، قال تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠» [النور: ٦٠] .\nيؤيد ذلك أن الراوي وصفها بأنها سفعاء الخدين، أي فيهما تغير وسواد فهي من الجنس المعذور في السفور حيث لم يكن بها داع من دواعي الفتنه. ويؤيده أيضَا ما تعارف عليه النساء غالبا من أن المرأة التي تجرؤ على سؤال الرجال هي أكبرهن سنا، والعلم عند الله تعالى (١) .\n* خامسا:\nأن هذا الحديث ليس فيه ما يدل على أن هذه القصة كانت قبل الحجاب أو بعده، فيحتمل أنها كانت قبل أمر الله تعالى النساء أن يضربن يخمرهن على جيوبهن، وأن يدنين عليهن من جلابيبهن.\n\" قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:\nإما أن تكون هذه المرأة من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحا فكشف وجهها مباح، ولا يمنع وجوب الحجاب على غيرها، أو يكون قبل نزول آية الحجاب، فإنها كانت في سورة الأحزاب سنة خمس أو ست من الهجرة، وصلاة العيد شرعت في السنة الثانية من الهجرة (٢) .\n_________\n= اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) الآية)، ثم قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: \"وفي معنى ذلك الشوهاء التي لا تشتهى) اهـ. من المغني \" (٦/ ٥٦٠) .\n(١) انظر: \"الصارم المشهور\" ص ١٢٢، \"نظرات\" ص ٦٨، \"رسالة الحجاب\" (ص ٣٢)، \"فصل الخطاب\" ص ٩٦، \"الحجاب\" للسندي (ص ٤٤ – ٤٥)\n(٢) \"رسالة الحجاب\" ص ٣٢، ولا يمتنع أن تشرع في السنة الثانية وتخرج النساء =","vol":"3","page":398},{"text":"وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ﵀:\n\"من المعروف والمتقرر أن أحاديث رسول الله ﷺ لا تتعارض، ولا تتضارب، ولا يرد بعضها بعضا، لأنها من عند الله كما قال الرسول ﷺ: \"أوتيت القرآن ومثله معه\"، ولكن إذا حصل تعارض بين أحاديث الرسول فحينئذ لابد من سلوك طريق الجمع، فنقول: إذا ثبت أن رسول الله ﷺ رأى المرأة سفعاء الخدين وأقرها، وأنها لم تكن من القواعد (١)، فالجمع هو أن حديث جابر كان قبل الأمر بالحجاب، فيكون منسوخًا بالأدلة التي ذكرناها، وهي أكثر من أربعين دليلًا، ومن ترك الدليل، ضل السبيل، وليس على قوله تعويل\" (٢) اهـ.\n* وقال الشيخ عبد الله بن جار الله ﵀:\n\"هذا وإن أدلة وجوب الحجاب ناقلة عن الأصل، وأدلة جواز كشفه مبقية على الأصل، والناقل عن الأصل مقدم كما هو معروف عند الأصوليين، لأن مع الناقل زيادة علم، وهو إثبات تغيير الحكم الأصلي\" (٣) اهـ.\n_________\n= إليها قبل أمر الرسول ﷺ بذلك لو قلنا إنه كان في السنة السادسة، أما استدلال محدث الشام ﵀ بقوله ﷺ \"لتلبسها أختها من جلبابها\" على أن المرأة السفعاء الخدين كانت مجلببة محجبة مما يؤيد أن الحادثة بعد نزول آية\nالإدناء، فلا يمنع أن النساء كن يلبسن الجلباب أولا، ثم نزل الأمر بمجرد\nالإدناء، بل هو ظاهر الآية كما يفهم من إضافة الجلباب إليهن في قوله (مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) أي الموجودة بالفعل (راجع ص ٢١٣) .\n(١) وأنها لم تكن أَمَة، وقد جاء في المسند: (أنها كانت من سفلة النساء)، وأخرجه مسلم وأبو داود والدرامي.\n(٢) \"يا فتاة الإسلام\" (ص ٢٦٢-٢٦٣) .\n(٣) \"مسئولية المرأة المسلمة\" ص ٥٨، وراجع ص (٣٧٨) .","vol":"3","page":399},{"text":"* وقال الشيخ عبد العزيز بن [راشد] النجدي ﵀:\n\"وأما حديث جابر فليس فيه أنه كان بعد نزول آيات الحجاب حتى يصلح دليلًا لما ذهب إليه مَن جوَّز كشف وجه المرأة، ولم يوجب حجبه عن الأجنبي منها باجتهاد وحسن نية، ولو علم ما جَرَّ على المسلمين وغيرهم من الإباحية والشر لما أفتى بذلك ولو ضرب بالسياط ما لم يشرف على\nالهلاك، ولو طَلَب منه أو من مقلديه زائروه وأصدقاؤه أن يُحْضرَ إليهم\nزوجته أو أخته أو إحدى محارمه فيْ مجلسهم عنده كاشفات الوَجوه أو محتجبات لَعَدَّ ذلك استخفافًا بحقه ودينه وسخرية منهم له، ولتسبب عن\nذلك هَجره إياهم، ومقاطعتهُ لهم مادام عنده حياءُ الإسلام، والإيمان بالكتاب.\nيعلم ما ذكرنا قطعًا، ويجزم بحرمته وضرره على الرجال من لفت نظره\nسفورُ النساء في الطرقات، والمجامع كالمواصلات والمحاكم والمستشفيات إذ أول ما يُطْمِعُه فيهن كشفُ وجوههن، وما إليها من عنق وشعر وصدر\nتابعٌ للوجه في السفور والحجاب فعليك بالاحتياط لنفسك وعرضك لعلك تنجو من هذا الليل والفتن الجارفة، ولا تقولن: إذا أمِنَت الفتنه عند\nالأجنبي منها جاز لها كشفُه ولو نظر إليها، فإن الفتن لا تؤمن على أحد مادامت الشهوة تجري في دمه، ويطمع في تفريغها ما لم يكن معصومًا من\nقِبل الله بالنبوة أو تأييد إلهي، فإن لم يفتتن الناظر والمنظور بالوقوع في الفاحشة، فلن يُؤمَنَ عليها تعلقُ قلب أحدِهما بالثاني، والوقاية خير من\nالعلاج\" (١) اهـ.\nالشبهة الخامسة\n* عن ابن عباس ﵄ قيل له: شهدت العيدَ مع النبي ﷺ؟\n_________\n(١) \"أصول السيرة المحمدية\" (ص ١٦٧) .","vol":"3","page":400},{"text":"قال: نعم، ولولا مكاني من الصغَر ما شهدته، حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلىَّ، فنزل نبي الله ﷺ كأني أنظر إليه حين يُجَلِّس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم، ثم أتى النساء ومعه بلال، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) فتلا هذه الآية\nحتى فرغ منها، ثم قال حين فرغ منها: \"أأنتن على ذلك؟ \" فقالت امرأة\nواحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله، ثم قال: \"هلم لكنَّ فداكن أبي وأمي\"، فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه، وفي رواية: فجعلن يلقين الفتخ والخواتم في ثوب بلال، ثم انطلق هو وبلال إلى بيته\" (١) .\nقال ابن حزم: \"فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله ﷺ رأى أيديهن\nفصحَّ أن اليَدَ من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره\" (٢) اهـ.\nوالجواب:\nأنه ليس في الحديث ذكر الوجه بحال، فأين فيه ما يدل على أن وجه المرأة ليس بعورة؟\nوفي الحديث ذكر الأيدي ولكن ليس فيه تمرير بأنها كانت مكشوفة\nحتى يتم الاستدلال به على أن يد المرأة ليست بعورة.\nغاية ما فيه أن ابن عباس ﵄ رآهن يهوين بأيديهن (٣)، ولم\nيذكر حسرهن عن أيديهن، وإذا كان الحديث محتملًا لكل من الأمرين لم يصح الاستدلال به على أن يد المرأة ليست بعورة، فإن الدليل إذا طرقه\nالاحتمال سقط به الاستدلال، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ٥٣٩ - ٥٤١)، وأبو داود (١/١٧٤)، والبيهقي في \"سننه\"\n(٣/ ٣٠٧)، والنسائي (١/ ٢٢٧)، والإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٣٣١) .\n(٢) \"المحلى\" (٣/٢١٧) .\n(٣) ولعل صغر سنه المنوه به في صدر الحديث يقضي بأن يغتفر له حضور موعظة النساء.","vol":"3","page":401},{"text":"الشبهة السادسة\n* عن عائشة ﵂ قالت: أومت – وفي لفظ: أومأت - امرأة\nمن وراء ستر، بيدها كتاب إلى رسول الله ﷺ، فقبض رسول الله ﷺ\nيده، فقال: \"ما أدري أيد رجل أم يد امرأة؟ \" قالت: بل امرأة - وفي لفظ: بل يد امرأة -، قال: \"لو كنتِ امرأة لغيرت أظفارك\" - يعني بالحناء\" (١) .\n* والجواب عنه من وجهين:\nأولاَ: أن في إسناده مطيعَ بن ميمون العنبري، قال في \"التقريب\": لين الحديث (٢)، وقال في \"التهذيب\": روى عن صفية بنت عصمة. . . قال ابن عدي: له حديثان غير محفوظين، قلت: أحدهما في اختضاب النساء بالحناء\" والآخر في الترجل والزينة، قال: وذكر له ثالثًا، وقال: وهما جميعا غير محفوظ \" (٣) اهـ.\nوفيه أيضا: صفية بنت عصمة، قال س الحافظ في \"التقريب\": لا تعرف (٤)، وقال المناوي: \"رمز المصنف - أي السيوطي - لحسنه، ظاهر سكوته عليه أن مخرجه أحمد أخرجه وأقره، والأمر بخلافه فقد قال في \"العلل\": حديث منكر، وفي \"الميزان\": وعن ابن عدي أنه غير محفوظ، وقال في المعارضة: أحاديث الحناء كلها ضعيفة أو مجهولة\" (٥) اهـ.\nوقد ضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\" (٦) .\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٢٦٢)، وأبو داود في الترجل رقم (٤١٤٨) باب في\nالخضاب للنساء، والنسائي (٨/ ١٤٢) في الزينة باب الخضاب للنساء.\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٢/ ٢٥٥) .\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٨٣) .\n(٤) \"التقريب \" (٢/٦٠٣) .\n(٥) \"فيض القدير\" (٥/ ٣٣٠) .\n(٦) \"ضعيف الجامع الصغير\" (٥/ ٤٩) رقم (٤٨٤٦)","vol":"3","page":402},{"text":"ثانيا: وعلى فرض! صحته، ليس فيه دليل على إباحة السفور بل هو مختص بذكر اليد.\n*وعن عائشة ﵂ أن هند ابنة عتبة قالت: يا نبي الله بايعني، قال: \"لا أبايعك حتى تغيري كفيك، كأنهما كفا سَبُع\" (١) .\n* والجواب عنه كسابقه، مع أن هذا ليس فيه ما يفيد أن كفيها كانتا مكشوفتين، وفي سنده غبطة بنت عمرو المجاشعية البصرية، وعمتها، وجدتها، ثلاثتهن مجهولات.\nأما غبطة: فقد ذكرها الحافظ في \"لسان الميزان\" (٢) في (فصل في النساء المجهولات) وقال في \"التقريب\": \"مقبولة\" (٣)، يعني إذا توبعت، وإلا فلَيّنة.\nوأما عمتها أم الحسن: فقال في \"التقريب\": \"لا يعرف حالها\" (٤)،\nوأما جدتها: فقال الذهبي في \"الميزان\": أم الحسن عن جدتها عن عائشة، لا يدرى من هاتان (٥) .\nالشبهة السابعة\n* عن سهل بن سعد (٦) ﵁ \"أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ، فقالت:\nيا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعَّد النظر إليها وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقصد منها شيئًا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه رقم (٤١٤٧) في الترجل، باب في الخضاب للنساء،\nوالحديث ضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٦/ ٥٧)، رقم (٦١٨٢) وذكر أنه ضمنه \"السلسلة الضعيفة\" رقم (٤٤٦٦) .\n(٢) \"لسان الميزان\" (٧/ ٥٢٨) .\n(٣) \"التقريب\" (٢/ ٦٠٨) .\n(٤) \"السابق\" (٢/ ٦٢٠) .\n(٥) \"ميزان الاعتدال\" (٤/٦١٢) .\n(٦) كان عمره حينئذ خمسة عشر عاما.","vol":"3","page":403},{"text":"جلست. . .\" الحديث (١) .\n* والجواب من وجوه:\nأحدها: ليس في الحديث أنها كانت سافرة الوجه، ونظر النبي ﷺ إليها\nلا يدل على سفورها، لأن تصويب النظر لا يفيد رؤية الوجه، فيمكن أن\nيكون نظرة إليها لمعرفة نبلها وشرفها وكرامتها، فإن هيئة الإنسان قد تدل على ذلك،\nالثاني: ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي من أنه \"يحتمل أن ذلك قبل الحجاب، أو بعده لكنها كانت متلفعة (٢) .\nوسياق الحديث يبعد ما قال سيما الأخير، بل إنه يشير إلى وقوع ذلك\nفي أوائل الهجرة، لأن الفقر كان قد تخفف كثيرًا بعد بني قينقاع والنضير\nوقريظة، ومعلوم أن نزول الحجاب كان عقب قريظة، وفي الحديث إشارة\nإلى شدة فقر الرجل الذي تزوجها حتى أنه لم يكن يملك خاتما من حديد.\nالثالث: أن النبي ﷺ معصوم، ولا يقاس عليه غيره من البشر (٣) .\nالرابع: أنه ثبت في صحيح السنة أنه يباح للرجل أن ينظر إلى وجه المرأة\nلقصد الخطبة، ويباح لها النظر إليه وكشف وجهها له، وعليه فلا حجة في\nالحديث على إباحة كشف الوجه لأجنبي غير خاطِب، ومن استدل به على ذلك فقد حمل الحديث على غير مَحْمله، والله أعلم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٩/ ٣٤)، ومسلم (٤/ ١٤٣)، والنسائي (٢/ ٨٦)، والبيهقي\n(٧/ ٨٤) - وترجم له: (باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها) .\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/١١٨) .\n(٣) قال الحافظ ابن حجر: والذي تحرر عندنا أنه ﷺ كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره اهـ \"الفتح\" (٩/٢١٠) .\nوانظر \"مجلة الجامعة السلفية\" عدد نوفمبر، وديسمبر ١٩٧٨م ص ٧٤، ٧٦.","vol":"3","page":404},{"text":"الشبهة الثامنة\nحديث سبيعة بنت الحارث ﵂\n* عن سُبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها\nفي حجة الوداع، وكان بدريًّا، فوضعت حملها قبل أن ينقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تعلَّت (١) من نفاسها، وقد اكتحلت واختضبت وتهيأت، فقال لها: أربَعي (١) على نفسك - أو نحو\nهذا - لعلك تريدين النكاح؟ إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك.\nقالت: فأتيت النبي ﷺ، فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك،\nفقال: \"قد حللتِ حين وضعت\" (٣) .\nقال الألباني: \"أخرجه الإمام أحمد من طريقين عنها، أحدهما صحيح،\nوالآخر حسن، وأصله في \"الصحيحين\" وغيرهما، وفي روايتهما: \"تجملت\nللخطاب\"، وفيها أن أبا السنابل كان خطبها فأبت أن تنكحه.\nوالحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينان على الأقل، وإلا لما جاز لسبيعة ﵂ أن تظهر ذلك أمام أبي السنابل لاسيما وكان قد خطبها فلم\nترضه\" (٤) اهـ.\n_________\n(١) أي خرجت من نفاسها، وسلمت.\n(٢) أي: ارفقي.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٤٣٢)، والبخاري في (٩/٤١٤)، ومسلم رقم\n(١٤٨٥)، والترمذي رقم (١١٩٣)، والنسائي (٦/١٩٠) كلهم في كتاب\nالطلاق.\n(٤) \"حجاب المرأة المسلمة\" هامش (ص ٣٢) .","vol":"3","page":405},{"text":"* والجواب بمعونة الملك الوهاب:\nأولا: ليس في الحديث دليل على أنها كانت سافرة الوجه حين رآها\nأبو السنابل بل غاية ما فيه أنه رأى خضاب يديها وكحل عينيها، ورؤية ذلك لا يستلزم رؤية الوجه.\n* قال الشيخ عبد العزيز بن خلف:\n\"والمستمسك من الحديث هو أنه عرف منها أنها كانت مكتحلة\nومخضبة، وله أن يعرف أنها كانت مكتحلة حين تكون قد لوت الجلباب\nعلى وجهها، وأخرجت عينا كما وصف ابن عباس ﵄ فعل\nالمؤمنات بعد نزول آية إدناء الجلابيب\" (١) اهـ.\nوقد أشار الألباني في الحاشية إلى هذا الاحتمال بقوله: \"والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة،\nوكذلك الوجه أو العينان على الأقل\" اهـ.\nثانيًا: قال الحافظ ابن حجر في الفوائد المستنبطة من قصة سبيعة: وفيه\nجواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها، لأن في رواية الزهري التي فى المغازي: \"فقال: ما لي أراك تجملت للخُطَّاب؟ \"، وفي رواية ابن\nإسْحاق: \"فتهيأت للنكاح، واختَضبت\"، وفي رواية معمر عن الزهري\nعند أحمد: \"فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت\"، وفي رواية الأسود: \"فتطيبت وتعطرت\" (٢) اهـ.\nويتضح من هذا أن إظهار زينتها إنما كان للخُطَّاب، وعليه ينبغي حمل\nهذه الروايات، وقد سبق ذكر جملة من النصوص في الترخيص في نظر\nالخاطب إلى المخطوبة بإذنها، أو بغير إذنها، فعلم أبو السنابل بخضابها\nواكتحالها، وقال لها: \"ما لي أراك تجملت للخطاب\"، وكان قد نظر إليها\n_________\n(١) \"نظرات في حجاب المرأة المسلمة\" (ص ٧٥)، وانظر (ص ١٨١) .\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/٣٧٩) .","vol":"3","page":406},{"text":"مريدا خطبتها لكنها أبت أن تنكحه.\nجاء في رواية البخاري أنه كان ممن خطبها، فأبت أن تنكحه، فقال لها\nما قال، ولذا قال ﷺ: \"كذب (١) أبو السنابل\" رواه أحمد، وفي رواية\nالموطأ: فخطبها رجلان أحدهما شاب، وكهل، فحطت إلى الشاب، فقال الكهل: \"لم تحلي\"، وكان أهلها غَيَبًا فرجا أن يؤثروه بها\" (٢) اهـ.\nفأين في الحديث جواز كشف الوجه والكفين لغير الخاطب؟\nثالثا: أما استدلال محدث الشام بقصة سبيعة على أن الكفين لم يكونا عورة في عرف نساء الصحابة: فيرده ما سبق ذكره (٣) مرارًا امن أدلة الكتاب والسنة وأقوال العلماء على أن عرفهن الغالب كان الاستتار\nالكامل عن الرجال، ويرده كذلك قول سبيعة نفسها في رواية أخرى: \"فلما قال لي ذلك - أي أبو السنابل - جمعتُ عَلَيَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك. . . الحديث\".\nفقولها: \"جمعت علي ثيابي\" يوحى بأنها خرجت عن حال التزين المذكورة، وإذا ضممنا إليها قولها: \"حين أمسيت\" فهمنا عن سلوكها ﵂ حرصها الشديد على الاستتار عن الأجانب ليس فقط بالحجاب بل أيضا بظلام الليل.\n_________\n(١) وقد يراد بالكذب الخطأ في الفتوى، وهو في كلام أهل الحجاز كثير، أو يراد به ظاهره من جهة أنه كان عالمَا بالقصة وأفتى بخلافه، وهذا بعيد، قال الحافظ: \"وفيه أن المفتي إذا كان له ميل إلى الشيء لا ينبغي له أن يفتي فيه لئلا يحمله الميلُ\nإليه على ترجيح ما هو مرجوح كما وقع لأبي السنابل حيث أفتى سبيعة أنها لا\nتحل بالوضع لكونه كان خطبها فمنعته، ورجا إذا قبلت ذلك منه وانتظرت مُضي المدة حضر أهلها فرغبوها في زواجه دون غيره \" اهـ (٩/ ٤٧٥) .\n(٢) \"الموطأ\" (٢/ ٥٨٩- ٥٩٠) في الطلاق، باب عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا، ومعنى (حطّت إلى الشاب): مالت إليه، ونزلت بقلبها نحوه. و(غَيَبًا) بفتح الياء جمع غائب \"جامع الأصول\" (٨/١٠٨) .\n(٣) انظر ص (٤٥٠)، (٤٧٤)","vol":"3","page":407},{"text":"قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:\n\"وفيه مباشرة المرأة السؤال عما ينزل بها، ولو كان مما يستحي النساء\nمن مثله، لكنْ خروجُها من منزلها ليلا، ليكون أستر لها كما فعلت سبيعة\" (١) اهـ.\nالشبهة التاسعة\n* احتج المبيحون للسفور بنصوص وردت في الأمر بغض البصر على أن هذا يلزم منه أن تكون وجوه النساء مكشوفة، وإلا فعن ماذا يُغَض البصر إذا كانت النساء مستورات الوجوه؟\nوذلك مثل قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠» [النور: ٣٠] . وقوله ﷺ: \"يا علي لا تُتْبع النظرةَ النظرةَ، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة\" (٢) .\nوفي حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: \"سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري\" (٣) .\nفاستنبطوا من الآية القرآنية الآمرة بغض البصر أن في المرأة شيئا مكشوفًا، ثم أثبتوا- باجتهادهم- أن هذا الشيء المكشوف هو الوجه والكفان، ثم استشهدوا لذلك بالأحاديث التي فيها أيضًا أمر بغض البصر.\n* والجواب بمعونة الملك الوهاب:\nأن هذا الأمر بغض البصر أمر من الله ﷾، وأمر من\n_________\n(١) فتح الباري\" (٩/ ٣٧٩) .\n(٢) تقدم تخريجه (ص ٤٧) .\n(٣) تقدم تخريجه (ص ٤٧) .","vol":"3","page":408},{"text":"رسول الله ﷺ يقضي بوجوب التزامه طاعة لله ﷿ ولرسوله ﷺ، أما كونه يقضي بأن هناك شيئًا مكشوفا للأجانب من المرأة المسلمة هو الوجه والكفان، فهذا قول غير صحيح يرده النقل والعقل، ويأباه الواقع، وبيان ذلك من وجوه:\nالوجه الأول: أن المدينة المنورة في زمن التنزيل كان فيها نساء اليهود والسبايا والإماء، ونحوهن، وربما بقي النساء غير المسلمات في المجتمع الإسلامي سافراتٍ كاشفات الوجوه، فأُمِروا بغض البصر عنهن.\nوغاية ما في الأمر بغض البصر إمكان وقوع النظر على الأجنبيات، وهذا لا يستلزم جواز كشف الوجوه والأيدي أمام الأجانب.\nقال البخاري رحمه الله تعالى: قال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن\nنساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن؟ قال: اصرف بصرك عنهن،\nيقول الله ﷿: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) قال قتادة: عما لا يحل لهم (١) .\nوالأمر بالحجاب منذ اللحظة الأولى لم يتوجه لغير المؤمنات، لأنهن مظنة الاستجابة لأمر الله ﷿، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)، [سورة الأحزاب: ٣٦] الآية، وقال جل وعلا: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١» [النور: ٥١] .\nوقال سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الآية [سورة الأحزاب: ٥٩]، ولم يقل (ونساء أهل المدينة) .\nوقال ﵎: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) الآية، وقال\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب الاستئذان رقم ٧٩ – \"فتح الباري\" (١١/٩) .","vol":"3","page":409},{"text":"سبحانه: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) الآية، ولم يقل (وقل لنساء المدينة)، لكن الأمر توجه لمن شرفهن الله تعالى بالإيمان مطلقا.\nوالقرآن اليوم يخاطبنا كما خاطب رسولَ الله ﷺ وأصحابه ﵃ من قبل، فنحن اليوم أيضا لا نخاطب الكوافر والفواسق بستر الوجه وإنما نخاطب المؤمنين والمؤمنات، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب،\nوإذا كانت المرأة غير مسلمة، أو مسلمة اجترأت على هتك أوامر الله، وتعمدت كشف زينتها - وهذا ما عمت به البلوى في زماننا - فالواجب هنا - على الأقل – أن يؤمر الرجل بغض البصر، مع العلم بأن هذا لا\nيقتضي أن ما فعلته هذه المرأة من كشف الوجه وغيره تجيزه الشريعة بغير عذر أو مصلحة.\nالثاني: أن الله ﵎ أمر بغض البصر، لأن المرأة - وإن تحفظت غاية التحفظ، وبالغت في الاستتار عن الناس - فلابد أن يبدو بعض أطرافها في بعض الأحيان كما هو معلوم بالمشاهدة من اللاتي يبالغن في التحجب والتستر، فلهذا أمر الرجال بغض البصر عما يبدو منهن في بعض الأحوال.\nوهذا الأمر بالغض لا يستلزم أنها تكشف ذلك عمدا وقصدا، فكم من\nامرأة تحرك الريح ثيابها، أو تقع فيسقط الخمار عن وجهها من غير قصد\nمنها فيراها بعض الناس على تلك الحال، كما قال النابغة الذبياني:\nسَقَط النصِيف ولم تُرِدْ إِسقاطه ... فَتَنَاوَلَتْهُ، وأتَّقَتْنا بالْيَدِ\nأي تناولته بيدٍ، واتقتنا فسترت وجهها باليد الأخرى.\nومن هنا قال تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ولم يقل (إلا ما أظهرنه) لأن \"أظهر\" في معنى التعمد، بخلاف \"ظهر\" أي من غير قصد منها فهذا مَعفُوٌّ عنه، لا ما تظهره هي بقصد، فعليها حرج في تعمد\nذلك، وكثيرا ما يصادف الرجل المرأة وهي غافلة، فيرى وجهها أو غيره","vol":"3","page":410},{"text":"من أطرافها، فأمره الشارع حينئدِ بصرف بصره عنها كما في حديث جرير\nابن عبد الله ﵁، قال: (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري) (١) فهذا هو موقع نظر الفجأة.\nوفي سؤال جرير عن نظر الفجأة دليل على مشروعية استتار النساء عن\nالرجال الأجانب وتغطية وجوههن عنهم، وإلا لكان سؤاله عن نظر الفجأة لغوًا لا معنى له، ولا فائدة من ذكره.\nالثالث: عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج في آخر حجة حجها، وبعث معهن\nعثمان بن عفان ﵁، وعبد الرحمن بن عوف ﵁،\nقال: فكان عثمان ينادي: ألا لا يدنوا إليهن أحد، ولا ينظر إليهن أحد، وهن في الهوادجِ على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشِّعب، وكان عثمان وعبد الرحمن بذنَب الشعب، فلم يصعد إليهن أحد (٢) .\nومن المقطوع به أن أمهات المؤمنين كن يحتجبن حجابًا شاملا جميع\nالبدن بغير استثناء، ومع هذا قال عثمان ﵁: \"ولا ينظر إليهن أحد\"\nيعني إلى شخوصهن لا إلى وجوههن لأنها مستورة بالإجماع، ومع ذلك نهى\nعن النظر إلى شخوصهن تعظيمًا لحرمتهن، وإكبارًا وإجلالًا لهن، وذلك\nلشدة احترام الصحابة رضوان الله عليهم أمهات المؤمنين ﵅. ويستفاد من هذا أن مِنْ حِفظ حرمة المؤمنة المحجبة غضَّ البصر عنها -\nوإن تنقبت -، خاصة وأن جمالها قد يعرف، وينظر إليها -لجمالها وهي\nمختمرة، وذلك لمعرفة قوامها أو نحوه، وقد يعرف وضاءتها وحسنها من مجرد رؤية بنانها كما هو معلوم، ولذلك فسَّر ابن مسعود ﵁ قوله تعالى:\n(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بأن الزينة هى الملاءة فوق\n_________\n(١) تقدم تخريجه (ص ٤٧)\n(٢) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٨/١٥٢)","vol":"3","page":411},{"text":"الثياب، ومما يوضح أن الحسن قد يعرف مع الاحتجاب الكامل قول الشاعر:\nطافَتْ أُمامَةُ بالركبانِ آونَةً ... يا حُسْنَها مِن قوام ما وَمنْتَقِبا\nفقد بالغ في وصف حسن قوامها مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفا، وهو يصفها بهذا الحسن أيضا مع كونها منتقبة.\nومن ثم قال العلماء: إنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى بدن المرأة نظر شهوة ولو كانت مستورة، لأن ذلك مدعاة إلى الافتتان بها كما لا يخفى،\nووقوعه فيما سماه النبي ﷺ: \"زنا العين\"، قال ﷺ: \"والعينان تزنيان، وزناهما النظر\" (١) .\nولا مخرج من ذلك إلا غض البصر عنها ولو كانت محجبة، لأنه إذا نظر إليها نظر شهوة - ولو كانت محجبة - لكان حرامًا عليه كما تقدم.\nالرابع: أنه قد تعرض للمرأة المحجبة ضرورات بل حاجات تدعوها إلى\nكشف وجهها، ويرخص لها في ذلك مثل نظر القاضي إلى المرأة عند الشهادة، والنظر إلى المرأة المشتبه فيها عند تحقيق الجرائم، ونظر الطبيب\nالمعالج إلى المرأة بشروطه، والنظر إلى المراد خطبتها، وهذا كله يكون بقدر\nالحاجة فقط لا يجوز له أن يتعداها، فإن دعته نفسه إلى الزيادة عن قدر\nالحاجة فهو مأمور بغض البصر عنها، والله أعلم.\nالخامس: أن اعتبار أمر الله تعالى المؤمنين بغض الأبصار دليلا على أن\nوجوه المسلمات كانت مكشوفة للأجانب مجرد وهم وظن، بدليل ترتيب\nآيات الحجاب حسب نزولها، وذلك لأن الأمر بالحجاب الكامل الذي جاء في قوله ﷿: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) الآية [الأحزاب: ٣٣] .\nوقوله ﷾: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه، انظر \"شرح النووي\" (٦/ ٢٠٦)","vol":"3","page":412},{"text":"ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [الأحزاب: ٥٣] .\nوقوله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩» [الأحزاب: ٥٩]، كل هذه الأوامر بالحجاب إنما نزلت في\nسورة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة النبوية، وشاع الحجاب بعدها في المجتمع المسلم بعد نزولها، وقبل الأمر بغض البصر، الذي نزل في سورة النور التي نزلت في السنة السادسة من الهجرة (١) .\nومما يدل على ذلك أيضا قول أم المؤمنين عائشة ﵂ فى قصة الإفك:\n\"بينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت - وفي رواية: فسترت - وجهي بجلبابي\" (٢) .\nفهذا الحديث يؤكد أن الأمر بغض البصر الوارد في سورة النور متأخر\nعن الأمر بالحجاب الذي ورد في سورة الأحزاب التي نزلت في السنة\nالخامسة، ثم جاء الأمر بغض البصر في السنة السادسة بعد عام من شيوع الحجاب وامتثال المجتمع الإسلامي للأمر بالحجاب حتى صار هو\nالقاعدة.\nومن هنا يتضح أن استنباط البعض من الأمر بغض البصر أن وجوه النساء كانت سافرة غير صحيح، بدليل أن الأمر بالحجاب نزل أولَا،\nوامتثله نساء المؤمنين، ثم نزل في السنة التي تليها الأمر بغض البصر،\n_________\n(١) أنظر \"عمدة القاري\" للعيني (٢٠/ ٢٢٣) .\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":413},{"text":"ولعّل الحكمة في ذلك أن الأمر بغض البصر مع بقاء الوجوه سافرة قد يشق على بعض النفوس، ولكنه مع الحجاب أيسر، ومن ثم فإن الأمر بغض البصر نزل تأكيدًا للحجاب القائم فعلًا، أي أنه - أي إطلاق البصر - لا يجوز للمرأة الأجنبية، وإن كانت محجبة سدّا للذرائع، ودرءًا\nللفتنة، فتناولت الشريعة الحكيمة إخماد الفتنة وسد ذريعتها من الجانبين:\nمن جانب المرأة حيث كلفتها بالحجاب، ثم من جانب الرجل حيث كلفته بغض البصر.\nولقد صار الحجاب بعد نزول الأمر بغض البصر في سورة النور أصلا\nمن أصول النظام الاجتماعي في الدولة المسلمة، واستمر عليه المسلمون\nقرونا مديدة، ولم يستطع أحد أن يشكك في وجوب التزامه، ولم يطالب\nأحد ببتر جزء من هذا الحجاب خوفًا من تفريغ آية غض البصر من\nمضمونها، أو تعطيلها عن مجال عملها، تالله إنها لشبهة أوْهَى من بيت العنكبوت يغني فسادها عن إفسادها.\nالسادس: سلمنا جدلا أن الأمر بغض البصر يُشِعر بأن هناك شيئًا مكشوفًا من المرأة هو الوجه، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الأمر بغض البصر يفيد تحريم النظر إلي وجه الأجنبية، ينتج أن النظر إلى الوجه المكشوف حرام.\nفلننتقل إلى السؤال التالي:\nكيف يكون الحكم لو شاع الفسق، وعاشت المرأة في مجتمع لا يتورع رجاله عن النظر إلى وجهها بشهوة، وأرادت هي أن لا تتسبب في حدوث هذا المنكر؟\nوالجواب لا يخرج عن أحد احتمالات:\nالأول: أن تلزم المرأة بيتها، ولا تغادره أبدًا، ولا يخفى ما فيه من مشقة\nلبعض النساء.\nوالثاني: أنها إذا خرجت لحاجتها تكلف كل من تمر عليه من الرجال","vol":"3","page":414},{"text":"بأن يغمض عينيه، حتى لا تتسبب بسفورها في معصية النظر المحرمة، ولا يخفى ما فيه.\nوالثالث: أنها إذا خرجت لحاجتها تغطي هي وجهها منعا لحدوث هذا المنكر الغالب على الظن وقوعه، ولا يخفى أن هذا أيسرها، والله أعلم.\nومن هنا قال بعض العلماء:\nنعم، من تحققت من نظر أجنبي لها يلزم ستر وجهها عنه، وإلا كانت معينة له على حرام، فتأثم (١) .\nالسابع: أن الأمر بغض البصر مطلق، فيشمل كل ما ينبغي أن يُغَضَّ\nالبصر عنه، قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ولم يبين\nالشيء الذي يُغَض عنه البصر، فدل على أن هذا الأمر مطلق فيشمل كل ما\nينبغي غض البصر عنه، سواء أكان ذلك عن المسلمة المحجبة حتى في حالة\nاحتجابها لشدة حرمتها، ودرءًا للفتنة، أو حينما يظهر شيء من بدنها عفوا\nمن غير قصد، أو يقصد عند الضرورة أو الحاجة الشرعية، وسواء كان\nغض البصر عن الإماء المسلمات السافرات، أو عن نساء أهل الكتاب والسبايا اللائي لا يتحجبن، درءًا للفتنة بهن كذلك.\nومما ينبغي أن نلتفت إليه أن من مقاصد الأمر بغض البصر: أن لا\nينظر الرجل إلى عورة الرجل، وكذلك ألا تنظر المرأة إلى عورة المرأة.\nجاء في تفسير قوله تعالى (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) أن حفظ الفروج قسمان:\nأحدهما: حفظها عن أي شيء محرم سواء المباشرة كالزنا واللواط وإتيان\nالزوجة في الدبر أو المحيض وما إلى ذلك، فيكون موافقا لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧»\n_________\n(١) \"حواشي الشرواني والعبادي\" (٦/ ١٩٣) .","vol":"3","page":415},{"text":"[المؤمنون: ٥ - ٧]، وقال ﷺ: \"إنا نُهينا أن تُرى عوراتنا\" (١) .\nوأما الثاني: فأن يحفظوها عن أن تنكشف للناس، وقد بين رسول الله\nﷺ ذلك حينما سأله معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: \"احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك\"، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: \"إن\nاستطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها\"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟\nقال: \"فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه من الناس\" (٢) .\nوعن أبي سعيد الخدري مرفوعا. \"لا ينظر الرجل الى عورة الرجل، ولا\nالمرأة إلى عورة المرأة، ولا يفْضِي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا\nتفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد\" (٣) .\nوبين ﷺ عورة الرجل الى ينبغي غض البصر عنها في قوله ﷺ: \"الفخذ عورة\" (٤) .\nوقوله لجرهد الأسلمي ﵁: \"غط فخذك، فإن الفخذ عورة\" (٥) .\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٣/٢٢٢ - ٢٢٣)، وعنه البيهقي في الشعب، وابن أبي حاتم في \"العلل\" (٢/٢٧٦) منْ حديث جبار بن صخر ﵁.\n(٢) أخرجه أصحاب السنن الأربعة، والبيهقي وغيرهما، وصححه الحاكم والذهبي.\n(٣) أخرجه مسلم (١/ ١٨٣)، والإمام أحمد (٣/ ٦٣)، والترمذي (٢/١٣٠) وقال:\n\"حسن غريب صحيح\"، والبيهقي (٧/٩٨)، ولابن ماجة النصف الأول منه (٦٦١) .\n(٤) رواه من حديث ابن عباس ﵄ الترمذي رقم (٢٧٩٦) في الأدب:\nباب ما جاء أن الفخذ عورة، وفيه أبو يحيى القتات، وهو ضعيف.\n(٥) رواه البخاري في \"صحيحه\" تعليقَا (١/٥٧٠)، وضعفه في تاريخه للاضطراب في سنده، ورواه أبو داود رقم (١٠١٤) في الحمام: باب النهي عن التعري، والترمذي رقم (٢٧٩٩) في الأدب: باب ما جاء أن الفخذ عورة، وحسنه،\nوابن حبان، وصححه، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/٤٧٨)، وقال البخاري: =","vol":"3","page":416},{"text":"وقوله ﷺ: \"ما بين السرة والركبة عورة\" (١) .\nفإذا تبين لك أن هذه المقاصد كلها تندرج تحت الأمر بغض البصر تبين لك فساد قول السفوريين، وجواب تساؤلهم:\nما معنى الأمر بغض البصر إذا لم تكن وجوه النساء مكشوفة؟\nوالعلم عند الله ﷾.\nالشبهة العاشرة\n* وهي ما رواه عبد الله بن عباس ﵄ قال: أردف رسول الله ﷺ الفضل بن عباس ﵄ يوم النحر خلْفه على\nعَجُزِ راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئَا، فوقف النبي ﷺ للناس\nيُفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنُها، فالتفت النبي ﷺ والفضل ينظر إليها،\nفأخلف (٢) بيده فأخذ بذقن الفضل، فعدَّل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدْرَكَت أبي شيخا كبيرَا لا\nيستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال:\n\"نعم\" (٣) .\nوفي رواية لعلي بن أبي طالب قال: ولوى عنق الفضل، فقال له\n_________\n= \"حديث أنس أسند، وحديث جَرْهَد أحوط، حتى نخرج من اختلافهم\" اهـ.\nوانظر \"إرواء الغليل\" (١/ ٢٩٨) .\n(١) أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\"، وأبو داود في سننه، والدارقطني في \"سننه\"، من\nحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا.\n(٢) أي أدار وجه الفضل عنها بيده الشريفة من خلف الفضل.\n(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٤٢٢)، (٤/ ٨٠)، (١١/١٠) واللفظ له، ومسلم (٤/١٠١)، وأبو داود (١/٢٨٦)، والنسائي (٢/ ٥)، وابن ماجه (٢/٣١٤)،\nومالك (١/٣٠٩) .","vol":"3","page":417},{"text":"العباس: يا رسول الله لمَ لويت عنق ابن عمك؟ قال: \"رأيت شابًّا وشابة\nفلم آمن الشيطان عليهمَا\" (١) .\n* تنوعت أجوبة العلماء عن هذا الحديث نذكر بعضها فيما يلي إن شاء الله:\n* قال الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي:\nقلت: لا حجة في الحديث للذين يقولون بجواز كشف الوجه والكفين\nلأنه ﷺ أنكر على الفضل بن عباس إنكارًا باتا بأن لوى عنقه وصرفه إلى\nجهة أخرى، وكان في هذا الصنيع من رسول الله ﷺ إنكار واضح لأنه\nأنكر باليد (٢) .\nوقال الحافظ في \"الفتح\" مشيرًا إلى هذا الحديث:\n\"ويقرب ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن\nجبير عن ابن عباس ﵄ قال: \"كنت رديف النبي ﷺ وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي ﷺ برأسي فيلويه، فكان\nيلبي حتى رمى جمرة العقبة\" ثم قال الحافظ: فعلى قول الشابة: إن أبي،\nلعلها أرادت جدها لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ﷺ ليسمع كلامها، ويراها رجاء أن يتزوجها (٣) .\nثم قال الحافظ وفي الحديث: منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر،\n_________\n(١) رواه الترمذي رقم (٨٨٥) في الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف وقال:\n(حسن صحيح)، وأبو داود رقم (١٧٣٥) في المناسك: باب الصلاة بجمع، والإمام أحمد (١/ ٧٦) .\n(٢) \"رسالة الحجاب\" (ص ٣٥) .\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٨٢) .","vol":"3","page":418},{"text":"وقال عياض: \"وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة، قال:\nوعندي أن فعله ﷺ غطى وجه الفضل أبلغ من القول، ثم قال: لعل\nالفضل لم ينظر نظرا ينكر، بل خشي عليه أن يئول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب\" اهـ.\nثم قال الحافظ: روى أحمد وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عباس أن\nالنبي ﷺ قال للفضل حين غطى وجهه: \"هذا يوم مَن ملك فيه سمعه\nوبصره، ولسانه غفر له\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ صالح بن فوزان أثناء رده على الدكتور يوسف القرضاوي:\nوأما استدلال المؤلف على جواز نظر الرجل الأجنبي إلى وجه المرأة\nبحديث الفضل بن العباس ونظره إلى الخثعمية وصرف النبي ﷺ وجه الفضل عنها، فهذا من غرائب الاستدلال لأن الحديث يدل على خلاف\nما يقول لأن الرسول ﷺ لم يقر الفضل على ذلك، بل صرف وجهه، وكيف يمنعه من شيء مباح! (٢)\nقال النووي ﵀ عند ذكره لفوائد هذا الحديث: \"منها تحريم النظر\nإلى الأجنبية، ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه\" (٣) .\nوقال العلامة ابن القيم: \"وهذا منع وإنكار بالفعل، فلو كان النظر جائزًا لأقره عليه\" (٤) اهـ.\nوقال الدكتور البوطي معلقًا على نفس الحديث: \"قالوا: فلولا أن وجهها عورة لا يجوز نظر الرجل الأجنبي إليه لما فعل رسول الله ﷺ ذلك\n_________\n(١) \"السابق\" (٤/ ٧٠) .\n(٢) \"الإعلام\" ص (٦٩) .\n(٣) \"شرح النووي لصحيح مسلم\" (٩/٩٨) .\n(٤) \"روضة المحبين\" (ص ١٠٢) .","vol":"3","page":419},{"text":"بالفضل، أما المرأة ذاتها فقد كان عذرها في كشفه أنها كانت محرمة بالحج\" (١) اهـ.\n* وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الحديث:\nقالوا: فالإخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت كاشفة\nعن وجهها.\nوأجيب عن ذلك أيضَا من وجهين:\nالأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها وأن النبي ﷺ رآها كاشفة عنه، وأقرها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء، ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها وأنه ﷺ أقرها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها.\nإلى أن قال ﵀: ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت\nلجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها، ومما يوضح هذا أن عبد الله ابن عباس ﵄ الذي روى عنه هذا الحديث لم يكن حاضرا وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه لما قدمنا من أن النبي ﷺ قَدَّمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله (٢)، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، واطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدا لاحتمال أن يكون رأى وجهها وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها\nمن غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها.\n_________\n(١) \"إلى كل فتاة تؤمن بالله\" (ص ٤٠) .\n(٢) ثبت في \"الصحيحين\" و\"المسند\" و\"السنن\".","vol":"3","page":420},{"text":"فإن قيل: قوله إنها وضيئة، وترتيِبه على ذلك بالفاء قوله: \"فطفق الفضل ينظر إليها\"، وقوله: \"وأعجبه حسنها\" فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها وينظر إليه لإعجابه بحسنه.\nفالجواب: أن تلك القرائن لا تستلزم استلزاما لا ينفك أنها كانت كاشفة، وأن النبي ﷺ رآها وأقرها لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن\nجمال المرأة قد يعرف وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة وذلك لحسن قدِّها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما هو معلوم، ولذلك فسر ابن مسعود، (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالملاءة فوق الثياب كما تقدم.\nومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب قول الشاعر:\nطافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا\nفقد بالغ في حسن قوامها مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفَا.\nالوجه الثاني: أن المرأة محرمة، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها\nكشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها (١)، وعليها ستره عن الرجال في الإحرام كما هو معروف عن أزواج النبي ﷺ\nوغيرهن، ولم يقل أحد إن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل\nابن عباس ﵄ (٢)، والفضل منعه النبي ﷺ من النظر إليها،\n_________\n(١) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٤/ ٥٦) المسألتان الرابعة عشرة، والخامسة عشرة.\n(٢) الذين شاهدوا قصة الفضل والخثعمية لم يذكروا حسن المرأة ووضاءتها ولم يذكروا أنها كانت كاشفة عن وجهها - كما في حديث علي بن أبي طالب، وفيه قول العباس (يا رسول الله لمَ لويت عنق ابن عمك؟) وكذا حديث جابر في صحيح مسلم في الحج وفيه (فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظُعُن يَجرين فطفق\nالفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على =","vol":"3","page":421},{"text":"وبذلك يعْلم أنها محرمة لم ينظر إليها فكشفها عن وجهها إذًا لإحرامها لا\nلجواز السفور (١) .\nفإن قيل: كونها مع الحجاج مظنة أن يرى الرجال وجهها إن كانت سافرة لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى\nوجهها من الرجال.\nفالجواب: أن الغالب على أصحاب النبي ﷺ الورع وعدم النظر إلى\nالنساء، فلا مانع عقلًا ولا شرعًا ولا عادة من كونها لم ينظر إليها أحد\nمنهم، ولو نظر إليها لحكى كما حكى نظر الفضل إليها، ويفهم من صرف\nالنبي ﷺ بصر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهي سافرة كما ترى، وقد دلت الأدلة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم.\nوبالجملة فإن النصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب مع أن الوجه هو أصل الجمال،\nوالنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغرائز البشرية وداعٍ إلى الفتنة والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول:\nقلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم\nأترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك؟ ولقد صدق من قال:\nوما عجب أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عجيب (٢)\n_________\n= وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر) .\n(١) وقد استدل ابن بطال بحديث الخثعمية على أن ستر وجه المرأة ليس بفرض، ثم\nقال: (لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه الغرباء)، غير أن الحافظ تعقبه بقوله: (وفي استدلاله بقصة الخثعمية لِما ادعاه نظر، لأنها\nكانت محرمة) اهـ من \"الفتح\" (١١/ ١٢) .\n(٢) \"أضواء البيان\" (٦/٥٩٩ - ٦٠٢) .","vol":"3","page":422},{"text":"* وقد قال الألباني في هذا الحديث:\nوالحديث يدل على ما دل عليه الذيَ قبله من أن الوجه ليس بعورة،\nلأنه كما قال ابن حزم: لو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرَّها على كشفه\nبحضرة الناس ولأمرها أن تسبل عليه من فوق؛ ولو كان وجهها مغطى ما\nعرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء (١) .\n* قال الشيخ حمود التويجري:\nوأما قول ابن حزم: \"لو كان وجهها مغطى ما عرف ابنُ عباس أحسناءُ\nهي أم شوهاء\" فجوابه: أن يقال: إن عبد الله بن عباس لم يشهد قصة\nالخثعمية (٢) ولم يَرَ وجهها، وإنما حدثه بحديثها أخوه الفضل بن عباس ﵄.\nثم قال: وإن كان الفضل قد رأى وجهها فرؤيته له لا تدل على أنها كانت مستديمة لكشفه، ولا أن النبي ﷺ قد رآها سافرة بوجهها وأقرها\nعلى ذلك، وكثيرًا ما ينكشف وجه التحجبة بغير قصد منها، إما بسبب اشتغال بشيء أو بسبب ريح شديدة أو لغير ذلك من الأسباب فيرى\nوجهها من كان حاضرَا عندها، وهذا أولى ما حُملت عليه قصة الخثعمية،\nوالله أعلم (٣) اهـ.\n* وقريب من هذه الأجوبة ما أجاب به فضيلة الشيخ عبد العزيز بن\nراشد النجدي حيث قال ﵀:\n_________\n(١) \"حجاب المرأة المسلمة\" هامش (ص ٢٧) .\n(٢) وقد أشار الحافظ في \"الفتح\" إلى احتمال شهود ابن عباس القصة، فقال:\n(ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره ابن\nعباس، فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة، وتارة عما شاهده) إلخ، (٤/٨٠) .\n(٣) \"الصارم المشهور\" (ص ١٣٩- ١٤٠) .","vol":"3","page":423},{"text":"قلت: أما حديث ابن عباس فليس فيه أن الخثعمية كانت كاشفة وجهها نصا، ومن زعم ذلك فقد أقحم فيه ما ليس في لفظه، وإنما فيه أنها وضيئة وحسناء، والوضاءة والحسن: البياض والجمال مطلقا وهو لا يختص\nبعضو دون آخر، كما يصدق هذا النعت والوصف على كل عضو على\nانفراده من أعضائها، ومن الجائز أن الفضل لما رأى بياض وجمال بعض\nما بدا منها، بغلبته لها واضطرارها لإظهاره، كسائر النساء إذا ركبن\nالدواب أعجبه لشدة بياضه وحسنه.\nوقال ﵀: ويحتمل أنها كانت كاشفة وجهها أمام الناس، فسكت عنها النبي كسكوته عن الكلام مع الفضل، مكتفيًا بتحويل وجهه عن\nالنظر إليها لقربه منه، ولم ينكر عليها لحداثة عهدها بالإسلام، كما سكت\nعن المرأة التي بايعت على الإسلام وشرط عليها ألا تنوح على ميت،\nفقالت: فلانة أسعدتني، وأنا أريد أن أجزيها، فما قال لها شيئَا، ولا أنكر عليها ولا أبى عن مبايعتها لعلمه أنها إذا تمكن الإيمان من قلبها لابد أن\nتنقاد لأوامره، وتنتهي عن نواهيه، وتُحرم النياحة.\nوقال: \"واحتمال آخر قريب هو أن البدويات ومن لم يتعودن ركوب الدواب ولا الأسفار إلا قليلا، يعرض لهن ما يضطرهن إلى كشف بعض ما وجب ستره عليهن، وما اعتدن أن يحجبنه عن الأجنبي\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ أبو هشام الأنصاري حفظه الله:\n\"هذا هو النص الذي كثيرًا ما يتوكأ عليه من يتصدى لشق ستور النساء\nمن علماء هذا الزمان، يتوكأ عليه لإقامة الحجة على جواز السفور، مع أن\nهذا الاستدلال لا يتمشى على طريقة الفقهاء المحدثين، فهي واقعة حال لا\nعموم لها، يتطرق إليها من الاحتمالات ما لا يتركها كمصدر للدليل،\n_________\n(١) \"أصول السيرة المحمدية\" (ص ١٦٥ -١٦٦)","vol":"3","page":424},{"text":"فمعلوم أن كشفها عن وجهها كان لأجل الإحرام (١) لا لجواز السفور، ثم\nيحتمل أن تلك المرأة كانت راكبة فكانت تحتاج إلى كشف وجهها للتثبت\nعلى راحلتها والتمكن عن ظهرها وزمامها، أو التجأت إلى ذلك لازدحام الحجيج وإيابهم وذهابهم فكان ما انكشف منها من قبيل (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، أو تعمدت من كشف وجهها أن يراها النبي ﷺ شابة وضيئة حسناء فلعله يميل إلى التزوج بها، أو كشفت وجهها لأنها علمت أنها بمأمن من نظر الرجال.\nويستأنس لذلك أن الراوي ذكر نظر الفضل إليها ولم يذكر نظر أحد\nغيره إليها، فلو نظر إليها أحد غيره، لحكى ذلك كما حكى نظر الفضل\nإليها، ولما صرف النبي ﷺ وجه الفضل عنها لم يبق أحد ينظر إليها حتى\nتحتاج إلى ستر الوجه وتؤمر به.\nويفهم من صرف نظر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهي سافرة، وأن وجه المرأة هو مصدر الفتن ومزلة\nالأقدام، فمن شاء فليفتح بابها، ومن شاء فليغلق.\n_________\n(١) والدفع بأن المرأة كانت محرمة فيه نظر، وذلك بالنظر إلى ما تقدم تحقيقه (ص\n٣٠٣ - ٣٠٦) من أن المرأة لا تمنع من تغطية الوجه والكفين، وأن الذي تمنع منه\nهو النقاب والقفازان، واختلف في المكان الذي وقعت فيه الحادثة، ففي رواية\nابن عباس ﵄ عند البخاري: (ثم أردف الفضل من مزدلفة إلى منى)، فأفاد أنها كانت محرمة، لكن يرد عليه ما أشرنا إليه آنفَا، وفي قصة أخرى\nرواها علي ﵁ التصريح بأنها وقعت في منى عند المنحر، وبعد رمي جمرة العقبة\nكما في \"المسند\" (١/٧٥ - ٧٦)، ومع ذلك يجيب عنها من يرى كشف الوجه\nوالكفين حال الإحرام بقولهم: لو صح أنه وقع عند المنحر، فلا يلزم منه أنها\nتحللت، حتى لو كانت قد رمت جمرة العقبة، وحتى لو كانت قد نحرت، فقد رفع\nرسول الله ﷺ الحرج عمَن قدم أو أخر شيئَا من أعمال يوم النحر، والله أعلم.\nوانظر \"فتح الباري\" (٤/ ٨٠-٨٤) .","vol":"3","page":425},{"text":"والحاصل أن كل ما قدمنا من النصوص الدالة على وجوب الحجاب من الكتاب والسنة هي أصول وقوانين كلية، وهذه واقعة عين، وقد علمت ما فيها من الاحتمالات، فهي لا تصلح لمقاومة تلك النصوص، ولا يترك القانون الكلي في مقابلة واقعة عين مثل هذه\" (١) اهـ.\nالشبهة الحادية عشرة\n* عن عائشة ﵂ قالت: \"كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر مُتَلَفِّعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين\nيقضين الصلاة، لا يعرفُهن أحد عن الغَلَس\".\nوفي رواية: ثم ينقلبن إلى بيوتهن، وما يُعْرَفن من تغليس رسول الله ﷺ\nبالصلاة، وفي رواية للبخاري: أن رسول الله ﷺ كان يصلي الصبح\nبِغَلَسٍ، فينصرفن نساء المؤمنين، لا يُعْرَفْنَ من الغلس، ولا يعرف بعضهن بعضا (٢) .\nقال الأصمعي: التلفع: أن تشتمل بالثوب حتى تجلل به جسدك، وقال\nالجوهري: تلفعت المرأة بمرطها أي تلحفت به، وكذا قال ابن الأثير،\nوزاد: وتغطت، قال: واللفاعُ: الثوب يُتغطى به، قال الجوهري: وتلفع\nالرجل بالثوب والشجرُ بالورق إذا اشتمل به وتغطى.\n_________\n(١) \"مجلة الجامعة السلفية\"، وانظر هامش (ص ٤٠٩- ٤١٠) .\n(٢) رواه البخاري (٢/٦٥) في مواقيت الصلاة: باب وقت الفجر، وفي الصلاة في\nالثياب: باب في كم تصلي المرأة من الثياب، وفي صفة الصلاة: باب خروج\nالنساء إلى المساجد بالليل والغلس، وباب سرعة انصراف النساء من الصبح،\nوقلة مقامهن في المسجد، ومسلم رقم (٦٤٥) في المساجد: باب استحباب\nالتكبير بالصبح في أول وقتها، والموطأ (١/ ٥) في وقوت الصلاة: باب وقوت\nالصلاة، وأبو داود رقم (٤٢٣) في الصلاة: باب وقت الصبح، والترمذي رقم\n(١٥٣) في الصلاة: باب في التغليس في الفجر، والنسائي (١/٢٧١)\nالمواقيت: باب التغليس في الحضر","vol":"3","page":426},{"text":"* قال التويجري:\n\"وهذا الحديث يدل على أن نساء الصحابة كن يغطين وجوههن، ويستترن عن نظر الرجال الأجانب، حتى إنهن من شدة مبالغتهن في التستر\nوتغطية الوجوه لا يَعْرِفُ بعضهُن بعضَا، ولو كُنَ يكشفن وجوههن لعرف\nبعضهُن بعضا كما كان الرجال يعرفُ بَعضهم بعضَا، قال أبو بَرْزَة ﵁: \"وكان - يعني النبي ﷺ - ينفتل من صلاة الغداة حين يعرفُ الرجل جليسه\" (١) .\nقال الداودي في قوله \"ما يعرفن من الغَلَس\" معناه: لا يعرفْن أنساء أم\nرجال؟ أي لا يظهر للرائي إلا الأشباح خاصَّة.\nوقيل: لا يُعْرَفُ أعيانهن، فلا يُفَرَّقُ بين خديجة وزينب - قال النووي: وهذا ضعيف لأن المتلفعة في النهار لا يُعْرف عينُها فلا يبقى في الكلام فائدة (٢)\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ٣٣) في مواقيت الصلاة: باب وقت العصر، وباب القراءة\nفي الفجر، ومسلم رقم (٦٤٧) في المساجد: باب استحباب التبكير بالصبح في\nأول وقتها، وأبو داود رقم (٣٩٨) في الصلاة: باب وقت صلاة النبي ﷺ\nوالنسائي (١/ ٢٤٦) في المواقيت: باب أول وقت الظهر، وباب ما يستحب من\nتأخير العشاء.\n(٢) قال العيني ﵀ بعد حكاية كلام النووي: (ورُدَّ بأن المعرفة إنما تتعلق\nبالأعيان، فلو كان المراد غيرها لنفى الرؤية بالعلم، وقال بعضهم: \"وما ذكره\nمن أن المتلفعة بالنهار لا يعرف عينها فيه نظر، لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة\nالأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مغطى\" انتهى، قلت: هذا غير موجه، لأن\nالرائي من أين يعرف هيئة كل امرأة حين كن مغطيات، والرجل لا يعرف هيئة\nامرأته إذا كانت بين المغطيات إلا بدليل من الخارج، وقال الباجي: \"وهذا يدل\nعلى أنهن كن سافرات إذ لو كن منقبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهن لا\nالغلس\" قوله \"من الغلس \" كلمة \"من\" ابتدائية، ويجوز أن تكون تعليلية،\nوالغَلس بفتحتين: آخر الليل، ولا مخالفة بين هذا الحديث وبين حديث أبي =","vol":"3","page":427},{"text":"وقول النووي هذا مع ما تقدم عن أئمة اللغة في تفسير التلفع يؤيد ما ذكرتُه من مبالغة نساء الصحابة ﵃ في التستر وتغطية وجوههن عن الرجال الأجانب، ويؤيد هذا ما تقدم (١) عن عائشة ﵂ أنها ذكرت نساء الأنصار وفضلهن، وأنهن لما أنزلت سورة النور (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) قامت كل امرأة منهن إلى مِرْطها فاعتجرت به،\nفأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجراتِ كان على رؤوسهن الغربان، رواه\nابن أبي حاتم - وقد تقدم تفسير الاعتجار وأنه لف الخمار على الرأس مع تغطية الوجه\" (٢) اهـ.\n* قال بدر الدين العيني ﵀:\nثم عدم معرفتهن يحتمل أن يكون لبقاء ظلمة من الليل، أو لتغطيتهن بالمروط غاية التغطي، وقيل: معنى \"ما يعرفهن أحد\" يعني ما يعرف أعيانهن، وهذا بعيد، والأوجه فيه أن يقال: \"ما يعرفهن أحد\" أي: نساء هم أم رجال، وإنما يظهر للرائي الأشباح خاصة\" (٣) اهـ.\nوقال في موضع آخر: \"قوله \"متلفعات\" حال، أي متلحفات من التلفع، وهو شد اللفاع، وهو ما يغطي الوجه، ويتلحف به\" (٤) اهـ.\n* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف:\n\"وهذا الحديث أيضَا ليس فيه دلالة على كشف الوجه مطلقًا، وحينما\n_________\n= برزة الذي مضى من أنه كان ينصرف حين يعرف الرجل جليسه، لأنه إخبار\nعن رؤية جليسه، وهذا إخبار عن رؤية النساء من البعد) اهـ. من \"عمدة القاري\nشرح صحيح البخاري\" (٦/ ٧٤- ٧٥) .\n(١) انظر ص (٣١٤) .\n(٢) \"الصارم المشهور\" ص (٨٥-٨٧) .\n(٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٩٠) .\n(٤) \"السابق\" (٦/ ٧٤) .","vol":"3","page":428},{"text":"تكون المرأة في ظلمة لا تعرف فيها، فلا جناح عليها في كشف وجهها،\nلأن المقصود من لزوم التخمير هو عدم تمييز محاسن الوجه، وهذا\nظاهر\" (١) اهـ.\nالشبهة الثانية عشرة\n* قول بعضهم: \"إن الدين يسر\" وإباحة السفور مصلحة تقتضيها مشقة\nالتزام الحجاب في عصرنا.\nوالجواب من وجوه:\nأولا:\nتقرير خاصة اليسير ورفع الحرج في الدين عن المسلمين بأدلة القرآن والسنة:\nقال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨] .\nوقال سبحانه: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨» [النساء: ٢٧، ٢٨] .\nوقال ﷿: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥] .\nوقال جل وعلا: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] .\nوقال ﵎ في وصف رسول الله ﷺ: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ (٢) حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(١) \"نظرات في حجاب المرأة المسلمة\" (ص ٧٢) .\n(٢) أي يشق عليه، ويعنته، ويحرجه كل أمر يشق على أمته، ويعنتها، أو يحرجها، وهو حريص على أمته، حريص على جلب المصالح لها، ودفع المفاسد والمساوئ\nعنها، وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم ﷺ تسليما كثيرًا.","vol":"3","page":429},{"text":"رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨» [التوبة: ١٢٨]\nوقال في صفته في التوراة والإنجيل: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) [الأعراف: ١٥٧] .\nفهذه الآيات صريحة في التزام مبدأ التخفيف والتيسير على الناس في\nأحكام الشرع، قال الشاطبي رحمه الله تعالى: إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع (١) .\n* أما السنة القولية:\nفمنها: قوله ﷺ: \"بعثت بالحنيفية السمحة\" (٢) .\nوقوله ﷺ: \"إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدينَ أحد إلا غلبه،\nفسددوا وقاربوا، وأبشروا\" (٣) .\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ ومعاذًا إلى\nاليمن، فقال: \"ادعُوا الناسَ، وبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا\" (٤) .\n_________\n(١) الموافقات (١/٣٤٠) .\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٦٦) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله\nعنهما، ومن حديث أبي أمامة ﵁، والديلمي في \"مسند الفردوس\" من حديث\nعائشة ﵂ - انظر \"كشف الخفا\" ص (٢٥١) .\n(٣) رواه البخاري (١/ ١١٦) في الإيمان: باب الدين يسر، وفي الرقاق (١١/\n٣٠٠)، باب القصد في المداومة على العمل، والنسائي (٨/١٢١ - ١٢٢) في\nالإيمان، باب الدين يسر.\n(٤) رواه البخاري (٧/٦٥٧ – ٦٥٨) في المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى\nاليمن، وفي الجهاد، وفي الأدب، والأحكام، والأحكام، ومسلم رقم (١٧٣٣) في الجهاد،\nباب الأمر بالتيسير وترك التنفير، وفي الأشربة، وأبو داود رقم (٣٦٨٤) في\nالأشربة باب النهي عن المسكر، والنسائي (٨/٢٩٨، ٢٩٩، ٣٠٠) في\nالأشربة، باب تحريك كل شراب أسكر.","vol":"3","page":430},{"text":"وقال للصحابة في حادثة الأعرابي الذي بال في المسجد: \"إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين\" (١) .\nوقال ﷺ: \"بشروا، ولا تنفروا، ويسروا، ولا تعسروا\" (٢) .\nوقال ﷺ: \"خير دينكم أيسره\" (٣) .\n* وأما سنته الفعلية ﷺ:\nفـ \"ما خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن\nإثما، فإن كان إثما، كان أبعدَ الناس منه\" (٤) الحديث.\nأضف إلى ذلك ما ثبت من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به، ثم إجماع علماء الأمة على عدم وقوع المشقة غير المألوفة في التكاليف\nالشرعية.\nوالحاصل: أن الشارع لا يقصد أبدًا إعنات المكلفين أو تكليفهم ما لا\n_________\n(١) البخاري (١/٣٨٦) في الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، وأبو داود رقم (٣٨٠) في الطهارة، باب الأرض يصيبها البول، والترمذي رقم\n(١٤٧) في الطهارة، باب ما جاء في البول يصيب الأرض، والنسائي (١/٤٨،\n٤٩) في الطهارة، باب ترك التوقيت في الماء.\n(٢) رواه البخاري (١/١٩٦) في العلم من حديث أنس ﵁، ومسلم رقم (١٧٣٢) في الجهاد، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، وأبو داود رقم (٤٨٣٥) في الأدب، باب في كراهية المراء.\n(٣) رواه الإمام أحمد، والبخاري في \"الأدب المفرد\" والطبراني في \"الكبير\" عن محجن\nابن الأدرع، والطبراني في \"الكبير\" أيضا عن عمران بن حصين، وفي\n\"الأوسط\"، وابن عدي، والضياء عن أنس، قال الزين العراقي: \"سنده جيد\"، ورمز له السيوطي بالصحة - انظر \"فيض القدير\" (٣/ ٤٨٦) .\n(٤) رواه البخاري (١٠/٥٤١) في الأنبياء، باب صفة النبي ﷺ، وفي الأدب،\nوالحدود، والمحاربين، ومسلم (رقم ٢٣٢٧) في الفضائل، باب مباعدته ﷺ\nللآثام، والموطأ (٢/٩٠٣) في حسن الخلق، باب ما جاء في حسن الخلق،\nوأبو داود رقم (٤٧٨٥) في الأدب، باب في التجاوز في الأمر.","vol":"3","page":431},{"text":"تطيقه أنفسهم، فكل ما ثبت أنه تكليف من الله للعباد فهو داخل في مقدورهم وطاقتهم.\nثانيا:\nأما دعوى أن إباحة السفور مصلحة معتبرة نظرَا لمشقة التزام الحجاب\nخصوصا في البلاد التي شاع فيها التبرج والانحلال، وحتى لا يرمى\nالإسلام بالتشدد، والمسلمون بالتطرف.\nفنبين فيما يلي - إن شاء الله - ضوابط المصلحة الشرعية، وعلاقة\nالتكليف بالمشقة.\nيقول الوضعيون: (حيثما وجدت المصلحة فثم وجه الله)، إما الأصوليون فيصدق على منهجهم أنه (حيثما وجد الشرع فثمة مصلحة العباد) .\nوحتى نفرق بين المنهجين، ونميز بين من أسلم وجهه لله، ومن أسلم\nنفسه للهوى نحدد ما هي:\nضوابط المصلحة الشرعية\nالأول: اندراجها في مقاصد الشرع - وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال -، فكل ما يحفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول أو بعضها فهو مفسدة.\nالثاني: عدم معارضتها للقرآن الكريم، وذلك لأن معرفة مقاصد\nالشريعة إنما تم استنادًا إلى الأحكام الشرعية المنبثقة من أدلتها التفصيلية،\nوالأدلة كلها راجعة إلى الكتاب، فلو عارضت المصلحة كتاب الله لاستلزم\nذلك أن يعارض المدلول دليله، وهو باطل.\nقال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) [المائدة: ٤٩]، وقال جل وعلا: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ","vol":"3","page":432},{"text":"إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [النساء: ٥٩] الآية.\nالثالث: عدم معارضتها للسنة، وإلا اعتبرت رأيا مذموما، وقد تواتر عن الصحابة ﵃ تواصيهم باجتناب الرأي في الدين.\nقال عمر ﵁: \"إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن:\nأعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واسْتَحْيَوْا حين سُئِلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم.\nالرابع: عدم معارضتها القياسَ الصحيح\".\nالخامس: عدم تفويتها مصلحة أهم منها، أو مساوية لها.\nوإذا أحسنا تطبيق هذه الضوابط لى مسألتنا فلن نشك أن هذه\n\"المصلحة\" الموهومة غير معتبرة لمنافاتها هذه الضوابط.\nثالثًا:\nفإذا كان لابد للمصلحة من أن تنضبط بكل ما ذكرنا، فما معنى قولهم\nإذن: المشقة تجلب التيسير؟\nوقولهم: تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان؟ (١)\nوالجواب: أنه ليس بين هاتين القاعدتين وبين الضوابط آنفة الذكر أي\nتعارض، بل هما منسجمتان معها موافقتان لها.\nأما الأولى وهي أن:\n\"المشقة تجلب التيسير\"\nفمعناها أن المشقة التي قد يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي سبب\nشرعي صحيح للتخفيف فيه بوجهٍ ما.\nلكن ينبغي أن لا تفهم هذه القاعدة على وجه يتناقض مع الضوابط السابقة للمصلحة، فلابد للتخفيف أن لا يكون مخالفًا لكتاب ولا سنة ولا\n_________\n(١) ويأتي - بإذن الله - توضيح هذه القاعدة ص (٤٤٢) .","vol":"3","page":433},{"text":"قياس صحيح ولا مصلحة راجحة.\nومن المصالح ما نص على حكمه الكتاب والسنة، كالعبادات والعقود\nوالمعاملات، وهذا القسم لم يقتصر نص الشارع فيه على العزائم فقط، بل ما من حكم أحكام العبادات والمعاملات إلا وقد شرع إلى جانبه سبل التيسير فيه:\nكالصلاة شرعت أركانها وأحكامها الأساسية، وشرع إلى جانبها أحكام ميسرة لأدائها عند لحوق المشقة كالجمع والقصر والصلاة من جلوس، وكالصوم شرع إلى جانب أحكامه الأساسية رخصة الفطر بالسفر\nوالمرض، وكالطهارة من النجاسات في الصلاة شرع معها رخصة العفو\nعما يشق الاحتراز منه، وحرم الله ﷿ أخذ مال الغير، وأرخص\nللمضطر أن يأخذ قدر ضرورته منه.\nوأوجب الله ﷾ الحجاب على المرأة، ثم نهى عن النظر إلى\nالأجنبية، وأرخص في كشف الوجه والنظر إليه عند الخطبة، والعلاج،\nوالتقاضي، والتعليم، والمعاملة، والإشهاد.\nإذن فليس في التيسير الذي شرعه الله ﷾ في مقابلة عزائم أحكامه ما يخل بالوفاق مع ضوابط المصلحة، ومعلوم أنه لا يجوز\nالاستزادة في التخفيف على ما ورد به النص، كأن يقال: إن مشقة الحرب بالنسبة للجنود تقتضي وضع الصلاة عنهم أو تأخيرها إلى القضاء فيما\nبعد أو كأن يقال: إن مشقة التحرز عن الربا في هذا العصر تقتضي جواز التعامل به أو كأن يقال: إن مشقة التزام الحجاب في بعض المجتمعات\nتقتضي أن يباح للمرأة التبرج مثلا بدعوى عموم البلوى به\nقال ابن نجيم: المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما\nمع النص بخلافه، فلا يجوز التخفيف بالمشقة (١) .\n_________\n(١) \"الأشباه والنظائر\" (١/١١٧)، \"رسائل ابن عابدين\" (٢/١٢٠) .","vol":"3","page":434},{"text":"ومما ينبغي توضيحه أن المشقة نوعان:\nالأول: مشقة معتادة مألوفة: وهي التي يستطيع الإنسان تحملها دون\nإلحاق ضرر به، فهذه المشقة غير مرفوعة عنا، ولا تنفك عنها العبادة\nغالبا، لأن كل عمل في الحياة لا يخلو عن مشقة، بل إن معنى التكليف -\nوهو (طلب ما فيه كلفة ومشقة) - لا يتحقق إلا بها، غير أنها محتملة تتلاءم\nمع طاقة الإنسان العادية، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] .\n* قال ابن القيم رحمه الله تعالى:\n\"إن كانت المشقة مشقة تعب، فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب،\nولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة (١) .\nورُبَّ حكم شرعي جُلُّ مصلحته مرتبط بما فيه من المشقة والجهد\nكالقصاص والحدود، فمثل هذه المشقة لا أثر لها في التيسير والتخفيف،\nوإنما المشقة التي أنيط بها ذلك هو ما كان فوق الحد المعتاد بسبب طارئ\".\n* قال العز بن عبد السلام ﵀:\nالمشاق ضربان: أحدهما مشقة لا تنفك العبادة عنها، كمشقة الوضوء والغسل في شدة السبرات (٢)، وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد،\nولاسيما صلاة الفجر، وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار،\nوكمشقة الحج التي لا انفكاك عنها غالبًا، وكمشقة الاجتهاد في طلب\nالعلم والرحلة فيه، وكذلك المشقة في رجم الزناة، وإقامة الحدود على\nالجناة، ولاسيما في حق الآباء والأمهات والبنين والبنات، فإن في ذلك\nمشقة عظيمة على مقيم هذه العقوبات بما يجده من الرقة والمرحمة بها\n_________\n(١) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١١٢)\n(٢) السبرات: جمع سبرة وهي شدة البرد.","vol":"3","page":435},{"text":"للسراق والزناة والجناة من الأجانب والأقارب والبنين والبنات.\nثم قال ﵀:\n\"فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات، ولا في\nتخفيفها، لأنها لو أثرت لفاتت مصالح العبادات والطاعات، في جميع\nالأوقات، أو في غالب الأوقات، ولفات ما رتب عليها من المثوبات\nالباقيات، مادامت السماوات والأرض (١) .\nوهذه المشقة - وإن كانت سببَا للثواب والأجر - إلا أنها ليست هي المقصودة أصلا للشارع من الأفعال التي كلفنا بها (٢)، وأنما المقصود هو المصالح المترتبة عليها.\nالشبهة الثالثة عشرة\nهل يلحق إظهار الوجه بما يكشف بدعوى\nعموم البلوى بكشفه؟\n* أجاب عن هذا الشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي ﵀ فقال:\n_________\n(١) \"قواعد الأحكام في مصالح الأنام\" (٢/٧) .\n(٢) وعليه فلا ينبغي أن نقصد في أعمالنا المشقات ونتحرى الاستزادة منها، ظانين أن وراء ذلك الأجر العظيم، وأن الثواب على قدر المشقة، فهذا يخالف قصد الشارع، فمن ترك طريقًا معبدَا إلى المسجد، وسلك طريقا آخر فيه عقبات يبتغي بذلك زيادة الأجر، فقد أخطأ القصد، ولا ثواب له، قال ﷺ: \"هلك المتنطعون\" قالها ثلاثًا، أخرجه مسلم رقم (٢٦٧٠) في العلم، باب \"هلك المتنطعون\"، وأبو داود رقم (٤٦٠٨) في السنة، باب في لزوم السنة.\nوقال ﷺ: \"اكفلوا من الأعمال ما تطيقون\" رواه البخاري في الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، ومسلم في الصلاة رقم (٧٨٢)، والنسائي (٣/\n٢١٨) في صلاة الليل، باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل.","vol":"3","page":436},{"text":"\"لا يصح هذا لأمور:\nأولًا: أنه لا حاجة تدفع إلى كشفه كالمذكورات، ويمكنها أن تحجب ما\nسوى العينين في طريقها دائمًا كما تشهد التجارب عند كل من أوجب ستره، كما أنها مستغنية عن إبدائه.\nثانيا: أنه أزين شيء في المرأة، وأجمل ما يدعو إليها، ويغري بها، وهذا معترف به عند جميع الناس ممن يدين بالحجاب، ومن لا يدين به.\nثالثا: أن كشفه أكبر مثير لشهوة الناظرين إليه من الرجال ما لم يكونوا من محارمها، كما أذن النبي ﷺ أن ينظر إليه منها، لأن حسنه يحمل على الرغبة فيها، كما يمنع قبحه عنها، وإن إدامة النظر إليه هي بريد الزنا،\nوانتهاك الأعراض، ووسيلة إلى اختلاط الأنساب وفشو الفواحش، وما\nينتج عنه من أمراض وسفك دماء عند ذوي الغيرة.\nرابعا: أن من حكمة التشريع الإلهي وكذلك البشري العمل على تقليل\nالشر بمنع وسائله، وتكثير الخير بتقريب أسبابه وتسهيلها على طالبيه.\nخامسا: أنه قد لُمِس وشوهد عيانا أن الفجور المتفشي في الأمم اليوم، وقبل الأيام الحاضرة، أول أساس له كشف وجوه النساء عند غير\nمحارمهن، وذلك أنه إذا كشفته زال عنها الحياء، الذى هو أكبر حصن\nعليها لعفتها، وسياج عن الرجال إليها، وحينئذ تجترئ على مخاطبة\nالرجال، وتأنس من الدنو من فلان وعلان، ويطمع فيها كل فاجر يتمكن\nمن الاتصال بها للين حديثها، وارتفاع الخفر عنها كما تيقن هذا من لم\nيغلب هواه على عقله ودينه وفطرته، ويصدقه التجارب عند جميع أجناس\nالبشر في كل زمان\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف:\n_________\n(١) \"أصول السيرة المحمدية\" (ص ١٦٣-١٦٤) .","vol":"3","page":437},{"text":"\"وعلى هذا فلم يكن هذا التقليد (١) الذي يخالف السنة مبيحًا لما ثبت من\nالمنهيات الشرعية، وأخذت به الأمة الإسلامية، فالبلوى لها حكمها،\nوالمجتمعات لها أحكامها، لأن البلوى لا تبيح محرما في نفس الأمر، كما\nلا تبيحه عادات المجتمعات، ولا ينقلب الحرام مباحًا بتغير الزمان\nوالمكان.\nإن الفتنة هي قاعدة من قواعد التحريم، فلو قلنا بانتفاء الفتنة عمن\nكانت في \"لندن\" مثلا، بحيث إن السفور هو العادة المتبعة، وربما تنتفي\nالفتنة غالبًا، فهل يقال: إن هذا السفور مباح للمرأة المسلمة؟\nنقول: لا يكون السفور مباحًا، لأنه لا يجوز لها أن تكشف وجهها للرجال الأجانب لعموم النص، ولو انتفت الفتنة غالبا رغم أنه قد\nيكون من الصعب عليها أن تكون غير سافرة هناك، وربما كان التستر شهرة تلفت أنظار المجتمع بأسره، وكل ذلك لا يكون عذرا لإبداء وجهها\" (٢) اهـ.\nالشبهة الرابعة عشرة\nهل إباحة السفور من الرفق بالنساء؟\n* استدل بعضهم - إلى جانب الأحاديث المشيرة إلى يسر الإسلام وسماحته – بقوله ﷺ: \"استوصوا بالنساء خيرا\" (٣)، وقوله ﷺ: \"رفقًا\n_________\n(١) يقصد هنا - كما يعلم من السياق - ما عمت به البلوى من حلق الرجال لحاهم تقليدا للإفرنج،\n(٢) \"نظرات في كتاب حجاب المرأة المسلمة\" للألباني (ص ٣٥ - ٣٦) .\n(٣) رواه البخاري (٩/ ١٦٠- ١٦١) في النكاح، باب المداراة مع النساء، وفي\nالأنبياء، وفي الأدب، والرقاق، ومسلم رقم (١٤٦٨) في الرضاع، باب الوصية\nبالنساء، والترمذي رقم (١١٨٨) في الطلاق، باب ما جاء في مداراة النساء.","vol":"3","page":438},{"text":"بالقوارير\" (١)، على أن هذه النصوص تقتضي إباحة السفور لهن.\n* وجواب ذلك أن وصيته ﷺ بالنساء خيرًا حق لا ريب فيه، ولكن\nالسؤال: هل السفور من الخير الذي أوصى به النبي ﷺ؟\nإن النصوص الواردة في الوصية بالنساء خيرًا في جملتها تأتي بحسن العشرة، وإلزامهن بالخير لهن في أمري الدين والدنيا بأسلوب الرفق\nوحسن الخلق وما إلى ذلك.\nفالحق الذي يصح به اتباع وصيته ﷺ هو اتباع هديه القائم بنفسه، وفي\nأهله وبناته ونساء المؤمنين من الأقوال والأفعال، ومن خالف ذلك فإنه لم يعمل بوصيته ﷺ.\nأما قوله ﷺ: \"رفقا بالقوارير\" (٢) فهو يعني أمهات المؤمنين ومن خالطهن من نساء الصحابة ﵃ وعنهن، وأما قياس السافرات عليهن في هذا الخطاب فهو خطأ، وليس من الحق في شيء.\nويؤخذ من وصفه ﷺ النساء بالقوارير أن ذلك كقوله ﷺ: \"فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها\" (٣) .\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، رقم (٦١٤٩)، عن أنس بن مالك ﵁ قال: أتى النبي ﷺ على بعض\nنسائه - ومعهن أم سُليم فقال: \"ويحك يا أنجشة، رويدك سوقَا بالقوارير\". وسبب ورود الحديث أن أنجشة كان يحدو بالنساء يسوق بهن في سفر، وكان\nحسن الصوت، فاشتد بهن في السياق، فخاف عليهن النبي ﷺ من حث السير\nبسرعة السقوط أو التألم من كثرة الحركة والاضطراب الناشئ عن السرعة، أو\nخاف عليهن الفتنة من سماع النشيد، فلهذا قال له: \"رويدك ارفق بالقوارير\" يعني\nالنساء، شبههن بالقوارير لرقتهن وضعفهن عن الحركة، انظر \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٢) .\n(٣) تتمة الحديث الذي سبق تخريجه آنفا برقم (١)، وهذه رواية مسلم عن أبي هريرة ﵁، انظر \"شرح النووي\" (١٠/ ٥٧) .","vol":"3","page":439},{"text":"وفي رواية هشام عن قتادة: \"رويدك سوقك، ولا تكسر القوارير\" قال\nأبو قلابة: يعني ضعفة النساء، قيل في تفسيره: شبههن بالقوارير لسرعة\nانقلابهن عن الرضا، وقلة دوامهن على الوفاء، كالقوارير يسرع إليها\nالكسر، ولا تقبل الجبر، وقد استعملت الشعراء ذلك، قال بشار:\nارفق بعمرو إذا حركت نسبته ... فإنه عربي من قوارير (١)\nوالمقصود أن من أراد تقويم الزجاجة كسرها، ومن هذا الوجه جاءت وصيته ﷺ بالنساء خيرَا، وباستعمال الرفق بهن في كل أمر يُطلب منهن الاستقامة عليه، وهذا من أهداف حسن العشرة.\nومعلوم أن غالب النساء ضعيفات بالخير، قويات بالشر والفتنة،\nفالرجل قائم على المرأة مسؤول عنها بالمعنى الكامل في جميع أوجه الخير،\nوإلزامها بلوازم الإسلام، وما يجب لها، وعليها، من إيصال النفع، ودفع الشر.\nوهذا كله داخل تحت قوله ﷺ: \"لتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا\" أو \"لتقصرنه على الحق قصرًا\" (٢) .\nوالأطر معناه العطف، أي: تعطفونه، وتردونه، والقصر: معناه الحبس أي يحبس عن فعل الشر، هكذا قال العلماء.\nفكل من لا يمتثل الحق، ويأخذ الواجبات الشرعية فإنه ظالم يجب\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦١) .\n(٢) جزء من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أخرجه أبو داود رقم (٤٣٣٦) في\nالملاحم، باب الأمر والنهي، والترمذي رقم (٣٠٥٠) في أبواب تفسير القرآن باب (٤٨) من تفسير سورة المائدة وحسنه، ورواه ابن ماجة رقم (٤٠٠٦) في\nالفتن، باب الأمر بالمعروف، والطبري (١٠/ ٤٩١)، وفي سنده عند الجميع\nانقطاع لأن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه كما نص عليه غير\nواحد، وفي الباب عن أبي موسى عند الطبراني، قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/\n٢٦٩): \"ورجاله رجال الصحيح\" اهـ،","vol":"3","page":440},{"text":"وجوبًا شرعيا على من خاطبهم الخبر الأخذ على أيديهم ما أمكن، لا\nيكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nإذا تبين هذا، فإننا نقول:\nإن استجابة المرأهٌ للحق، أو عدم استجابتها ليس شرطًا في تحريم السفور أو إباحته، وإنما ذلك يبنى على أمرين:\nالأول: أن السفور شر عام للمرأة والرجل، سواء في ذلك من رضي أو\nمن كره، ولا يمكن لفرد مسلم أن يقول: \"إنه من الخير\"، وإذا كان الأمر\nكذلك، فإنه يجب علينا وجوبا شرعيا محاربة الشر أيًّا كان مصدره، سواء\nتغلبنا عليه بمحاربتنا إياه أو لا، وعلى قدر المراتب التي أقامها ﷺ\nكأساس لمن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر في قوله ﷺ: \"من رأى\nمنكم منكرَا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الأيمان\" (١) .\nالثاني: أن النزاع في إثبات الواجب إنما يكون في الدعوة إلى ما هو الحق\nالذي شرعه الله ﵎ وشرعه نبينا ﷺ، وعليه السلف الصالح، وامتثلته المرأة المؤمنة في عهده ﷺ، وهم القدوة الحسنة في الاتباع.\n***\n_________\n(١) رواه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مسلم رقم (٤٩) في الإيمان باب كون\nالنهي عن المنكر من الإيمان، والترمذي رقم (٢١٧٣) في الفتن، باب ما جاء في تغيير المنكر باليد، وأبو داود رقم (١١٤٠) في صلاة العيدين، باب الخطبة يوم العيد، ورقم (٤٣٤٠) في الملاحم، باب الأمر والنهي، والنسائي (٨/١١١) في الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان، وأخرجه ابن ماجه رقم (٤٠١٣) في الفتن، باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.","vol":"3","page":441},{"text":"الشبهة الخامسة عشرة\nالفهم المغلوط لقاعدة:\n\"تبدل الأحكام بتبدل الأزمان\"\nأولا: تقرر عند أهل العلم أن \"الحكم الشرعي\" لا يتبدل مهما تبدلت\nالأزمان، وتغيرت الأعراف اللهم إلا عن طريق النسخ، وقد أُغْلِق بابُه بعد تكامل هذا الشرع الحنيف بانتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى. وقاعدة \"تبدل الأحكام بتبدل الأزمان\" مبنية على قاعدة فقهية أخرى وهي أن \"العادة مُحَكَّمة\" أي أن عرف الناس مُحَكَّم في الأحكام الشرعية، وقد فهم القوم من ذلك أنه مادامت أعرافهم متطورة بتطور الأزمان؛ فلابد أن تكون الأحكام الشرعية كذلك.\nولا ريب أن هذا الكلام إذا كان مقبولا على ظاهره، لاقتضى أن يكون مصير شرعية الأحكام كلها رهنًا بيد عادات الناس وأعرافهم، وهذا لا يمكن أن يقول به مسلم، لكن تحقيق المراد من هذه القاعدة:\nأن ما تعارف عليه الناس، وأصبح عرفًا لهم:\n(١) إما أن يكون هو بعينه حكما شرعيّا أيضا، بأن أوجده الشرع، أو كان موجودًا فيهم فدعا إليه وأكَّده، مثال ذلك: الطهارة عند النجس والحدث عند القيام إلى الصلاة، وستر العورة فيها، وحجب المرأة زينتها عن الأجانب، والقصاص في الجنايات، والحدود في الزنا والسرقة والخمر وما شابه ذلك، فهذه كلها أمور تعَدُّ من أعراف المسلمين وعاداتهم، وهي في نفس الوقت أحكام شرعية يستوجب فعلها الثواب، وتركها العقابَ؛ سواء منها ما كان متعارفًا قبل الإسلام ثم جاء الحكم الشرعي مؤيدا ومحسِّنًا له، كحكم القسامة والدية والطواف بالبيت، وما كان غير معروف قبل ذلك وإنما أوجده الإسلام نفسه كأحكام الطهارة","vol":"3","page":442},{"text":"والصلاة والزكاة وغيرها\nفهذه الصورة من الأعراف لا يجوز أن يدخلها التبديل والتغيير مهما تبدلت الأزمنة، وتطورت العادات والأحوال، لأنها بحد ذاتها أحكام شرعية ثبتت بأدلة باقية ما بقيت الدنيا، وليست هذه الصورة هي المعنية بقول الفقهاء: \"العادة محَكمة\".\n(٢) وإما أن لا يكون حكما شرعيًا، ولكن تعلق به الحكم الشرعي بأن كان مناطًا له، مثال ذلك: ما يتعارفه الناس من وسائل التعبير وأساليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه من الأعمال المخلة بالمروءة، والآداب، وما تفرضه سنة الخلق والحياة في الإنسان مما لا دخل للإرادة والتكليف فيه كاختلاف عادات الأقطار في سن البلوغ، وفترة الحيض والنفاس.\nفهذه الأمثلة أمور ليست بحد ذاتها أحكامًا شرعية كالأمثلة السابقة في النوع الأول، ولكنها متعلق ومناط لها، وهذه الصورة من العرف هي المقصودة من قول الفقهاء (العادة مُحَكَمة)، فالأحكام المبنية على العرف والعادة هي التي تتغير بتغير العادة، وهنا فقط يصح أن يقال: (لا يُنكَر تبدلُ الأحكام بتبدل الأزمان)، وهذا لا يعد نسخا للشريعة، لأن الحكم باق، وإنما لم تتوافر له شروط التطبيق، فطُبِّق غيره، يوضحه أن العادة إذا تغيرت فمعنى ذلك أن حالة جديدة قد طرأت تستلزم تطبيق حكم آخر، أو: أن الحكم الأصلي باقٍ، ولكن تغير العادة استلزم توافر شروط معينة لتطبيقه.\nمثال ذلك: \"ما ذهب إليه أبو حنيفة من الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، فلم يشترط تزكية الشهود فيما عدا الحدود والقصاص لغلبة الصلاح على الناس وتعاملهم بالصدق، ولكن لما كثر الكذب في زمان أبي يوسف ومحمد صار في الأخذ بظاهر العدالة مفسدة وضياع للحقوق، فقالا بلزوم تزكية الشهود، وقال الفقهاء عن هذا الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه:","vol":"3","page":443},{"text":"\"إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان\"، ومثله أيضا سقوط خيار الرؤية برؤية ظاهر البيت وبعض حُجَرِه، وهذا ما أفتى به أئمة الحنفية لأن الحُجَر كانت تبنى على نمط واحد، ولكن لما تغيرت عادة الناس في البناء أفتى متأخروهم بعدم سقوط خيار الرؤية إلا برؤية جميع حجر البيت\" (١) اهـ.\nوإذا تحرر المعنى المراد من قولهم: \"العادة محكمة\"، علمت أنها لا تستلزم تغيير الأحكام بتغير الأزمان، وعندئذ يصبح قول من قال: (تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان) إما كلامًا باطلًا لا صحة له إن حمل على ظاهره كما قد يفهمه كثير من الناس، وإما كلامَا متجوزا فيه محمولا على غير ظاهره، وذلك بأن يقصد به الأحكام المرتبطة من أصلها بما قد يتبدل ويتغير من أعراف الناس ومصالحهم التي لم يُقْضَ فيها بحكم مبرم، كتلك الأمثلة التي مر ذكرها، ولكن ينبغي أن يعلم أن دوران تلك الأحكام مع مناطاتها لا يمكن أن يعتبر تبدلًا أو تغييرًا حقيقيًّا لها، بل هذا الذي يظهر في مظهر التغيير منه إنما هو ممارسة حقيقية له كما مر بيانه (٢) .\nبيان علاقة هذه القاعدة بأحكام الحجاب\nمما تقدم يتضح أنه لا يصح احتجاج أعداء الحجاب بهذه القاعدة على استباحة التبرج الذي حَرمه الله تعالى، ورسوله ﷺ.\nوهذه القاعدة ونظائرها هي كل ما يحفظه أولئك المفتونون بالحياة الغربية من قواعد الشريعة الإسلامية وأصولها، وإنما يتعلقون بها في مجال التخفيف والتسهيل والسير مع مقتضيات التحلل من الواجبات فقط، ولكنهم يتناسون هذه القاعدة تماما عندما يقتضيهم الأمر عكس ذلك.\n_________\n(١) \"الوجيز في أصول الفقه\" ص٢٥٨ - ٢٥٩، وانظر: \"الموافقات\" (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤، و\"الأشباه والنظائر\" للسيوطي (ص ٨٣ - ٨٤) .\n(٢) \"ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية\" (ص٢٩١) .","vol":"3","page":444},{"text":"بل نستطيع أن نقول أيضا إنه لا يصح احتجاج من يبيح السفور اعتمادا على نفس القاعدة، لأنه لا يستطيع منصف ناصح للأمة - ممن يرى إباحة كشف وجه المرأة - أن يعثر على مثالٍ تتجلى فيه ضرورة تبدل الأحكام بتبدل الأزمان؛ مثل ضرورة القول بوجوب ستر المرأة وجهها عن الأجانب عنها، نظرًا لمقتضيات الزمان الذي نعيشه، ونظرا لما تكاثر فيه من المنزلقات التي تستوجب مزيدَا من الحذر في السير، والتبصر بمواقع الأقدام، ريثما يهيئ الله ﷿ للمسلمين مجتمعهم الإسلامي المنشود. وهذا نفس ما قرره العلماء اعتمادَا على التطبيق الصحيح لهذه القاعدة:\nقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، وعفا عنه:\n\"وكان قد أذن رسول الله ﷺ للنساء في حضور المسجد، والصواب الآن المنع، إلا العجائز، بل استُصْوِبَ ذلك في زمان الصحابة، حتى قالت عائشة ﵂: \"لو علم النبي ﷺ ما أحدثت النساء بعده لمنعهن عن الخروج\"، ولما قال ابن عمر قال رسول الله ﷺ: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\"، فقال بعض ولده: \"بلى والله لنمنعهن\" فضربه، وغضب عليه، وقال: تسمعني أقول قال رسول الله ﷺ: \"لا تمنعوا\" فتقول: بلى، وإنما استجرأ على المخالفة لعلمه بتغير الزمان، وإنما غضب عليه لإطلاقه اللفظ بالمخالفة ظاهرا من غير إظهار العذر\" (١) .\nوجاء في \"المنتقى\": \"تمنع الشابة عن كشف وجهها لئلا يؤدي إلى الفتنة،\nوفي زماننا المنع واجب، بل فرضٌ لغلبة الفساد\" (٢) اهـ.\nوقد شرط المالكية، والحنفية، وبعض الشافعية (٣) لجواز كشف المرأة\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (١/٧٢٨) .\n(٢) نقله في \"اللباس والزينة في الشريعة الإسلامية\" ص (١٤١) .\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لأبي بكر بن العربي (٣/ ١٣٥٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/٢٨٩) و\"الدر المختار) في باب الحظر والإباحة من \"حاشية ابن\nعابدين\" (٥/٢٤٤) .","vol":"3","page":445},{"text":"وجهها: أن لا يكون ذلك في حالة تثير الفتنة بأن تكون مزينة أو بارزة الجمال، وأن لا تظهر أمام فساق يغلب على الظن أنهم لا يغضون من أبصارهم، كما أمر الله تعالى، بل ينقادون لدوافع أهوائهم وشهواتهم، فإن فُقِدَ أحد الشرطين كان عليها أن تستر وجهها درءًا للفتنة بالنسبة للحالة الأولى، وإزالة للمنكر الذي تسببت به في الحالة الثانية، وإنما يكون إزالة المنكر في مثل هذه الحال بأن تمنع الفساق من النظر إليها، أو بأن لا تخرج من بيتها إلى هؤلاء الناس، أو بأن تحجب وجهها عنهم، وهو أيسر الأسباب الثلاثة\nإذًا إذا تغير حال الناس، وعم الفسق وطم، بحيث تعلم المرأة أن حولها مَن قد ينظر إليها النظر المحرم الذي نهى الله تعالى عنه، باْن يتْبعَ النظرةَ النظرةَ، ولا تستطيع أن تزيل هذا المنكر إلا بحجب وجهها عنه، وعلى هذه الحالة يحمل ما نَقله الخطيب الشربيني عن إمام الحرمين من اتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه (١) .\nوقد صرح بهذا القيد القرطبي فيما نقله عن ابن خويز منداد من أئمة المالكية: \"أن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك\" (٢)، وكذا في \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي.\nوقال صاحب \"الدر المختار\" من الحنفية: \"وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة، ولا يجوز النظر إليه بشهوة (٣)، وكذا في \"الهدية العلائية\".\n* قال الشيخ أحمد عز الدين البيانوني ﵀ في كتابه \"الفتن\": \"قول الأئمة: \"عند خوف الفتنة\" إنما يعلم في ناظر خاص، وأما بالنظر\n_________\n(١) \"مغني المحتاج\" (٣/ ١٢٩) .\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٢٨)\n(٣) \"الدر المختار\" على هامش ابن عابدين (١/٢٨٤)","vol":"3","page":446},{"text":"إلى جماهير الناس الذين تبرز المرأة سافرة أمامهم، فلا يتصور عدم خوف الفتنة منهم جميعا، فيتحتم المنع من السفور أمامهم على هذا التعليل، وبهذا يظهر مذهب أبي حنيفة وأصحابه في المسألة\" (١) اهـ.\n* قال الأستاذ محمد أديب كلكل في كتابه \"فقه النظر في الإسلام\":\nوإذا علمت المرأة بأن أحدًا من الرجال ينظر إليها، وجب عليها ستر وجهها لئلا توقع غيرها في الإثم، وتعرضه للفتنة وإثارة الشهوة، وفي عصرنا هدا لا يقول بجواز كشف الوجه والكفين إلا مكابر ومُنْكِر للحقائق والوقائع، وعليه اتفاق الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين، لأن الفتنة أمرها محقق لا تحتاج إلى إيراد حجة، أو إقامة برهان، أو تقديم دليل، أو يجادل\nفي أن القطبين السالب والموجب إذا تقاربا لا يلتقيان أو لا يتجاذبان. وحتى يوجد المجتمع المسلم الكامل الذي قد تربى تربية إسلامية صحيحة، وسرت حقائق الإيمان في دمه وعروقه، واستنار فؤاده بنور اليقين، فأشرق على جوارحه سلوكا طيبًا، ونفعًا عامًا؛ حينئذٍ نبحث في خلاف الفقهاء رحمهم الله تعالى في جواز كشف الوجه واليدين، وإلى أن يتم ذلك، ويتحقق نقول:\n\"إن ستر الوجه واليدين من المرأة في عصرنا هذا واجب اتفاقا لأن\nالفتنة قائمة لا محالة، وسدا لذرائع الفتنة المحققة\".\n* قال القرطبي في تفسيره:\n\"وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء، وهذا كما أن أصحاب رسول الله ﷺ منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله ﷺ مع قوله \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\"، حتى قالت عائشة ﵂: \"لو عاش رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا لمنعهن من\n_________\n(١) \"الفتن\" (ص ٢١٠) .","vol":"3","page":447},{"text":"الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل\" (١) اهـ.\nفما الذي أحدثته النساء في زمن عائشة ﵂ بالنسبة لما عليه المرأة اليوم من تهتك وانحلال، وسفور وفجور، وتكشف فاضح، وإغراء لعين حتى منعت من المسجد؟؟ أفلا يكون هذا دليلًا كافيَا بمفرده على وجوب الستر الكامل في عصرنا هذا؟ وأن لا يكون هناك تحدث وكتابة عن غيره حتى تشرق الأرض بنور ربها، ويعمها الهدى والرشاد، ويسود فيها حكم الله؟ \" (٢) اهـ.\n* وقال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي:\n\"وهكذا، فقد ثبت الإجماع عند جميع الأئمة - سواء من يرى منهم أن وجه المرأة عورة كالحنابلة، ومن يرى منهم أنه غير عورة كالحنفية والمالكية - أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها عند خوف الفتنة بأن كان مِن حولها مَن ينظر إليها بشهوة، ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم بأن الفتنة مأمونة اليوم، وأنه لا يوجد في الشوارع من ينظر إلى وجوه النساء بشهوة؟ \" (٣) اهـ.\nالشبهة السادسة عشرة\nنساء خيرات كن سافرات\n* احتج دعاة السفور بأن في شهيرات النساء المسلمات على اختلاف طبقاتهن كثيرًا ممن لم يضربن على وجوههن الحجاب، رغم ما عرفن به من الاختلاط بالرجال.\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٤/ ٢٤٤) .\n(٢) \"فقه النظر في الإسلام\" (ص ٣٧-٣٨) .\n(٣) \"إلى كل فتاة تؤمن بالله\" (ص ٤٥) .","vol":"3","page":448},{"text":"ولقد عمد المروجون لهذه الشبهة إلى التاريخ وكتب التراجم، يفتشون في طولها وعرضها، وينقبون فيها بحثا عن مثل هؤلاء النساء، حتى ظفروا بضالتهم المنشودة، ودرتهم المفقودة، فالتقطوا أسماء عدد من النساء لم يكنَّ يبالين- فيما نقلته الأخبار عنهن- أن يظهرن سافرات أمام الرجال، واْن يلتقين معهم في ندوات أدبية وعلمية دونما تحرز أو تحرج.\n* وجواب هذا من وجوه:\nالأول: أن نسألهم: قد علمنا الأدلة الشرعية التي عليها تبنى الأحكام\nمن كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، فضمن أي مصدر من مصادر التشريع تندرج مثل هذه الأخبار، خاصة وأن أغلبها وقع بعد زمن التشريع وانقطاع الوحي؟\nالثاني: فإذا علم أن حكم الإسلام إنما يؤخذ من نص ثابت كتاب الله تعالى، أو حديث صحيح من سنة رسول الله ﷺ، أو قياس صحيح عليهما، أو إجماع التقى عليه أئمة المسلمين وعلماؤهم، لم يصح حينئذ الاستدلال بالتصرفات الفردية عن آحاد الناس، أو ما يسميه الأصوليون بـ \"وقائع الأحوال\" (١) .\nفإذا كانت هذه الوقائع الفردية من آحاد الناس لا تعتبر دليلا شرعيًّا\n_________\n(١) وقائع الأحوال، وقضايا الأعيان هي عبارة عن مواقف فردية وقعت في عصر التشريع، على خلاف مقتضى أدلة العموم، كقول رسول الله ﷺ لأبي بردة وقد أراد أن يضحي بعناق: \"تجزئك، ولا تجزئ أحدًا بعدك\" وكاعتباره شهادة خزيمة بمنزلة شاهدين، فهذه وأمثالها لا يقام عليها أحكام عامة، لأنها وردت متأثرة بأسباب استثنائية خاصة، فبقيت محصورة في نطاق الحال الذي ظهرت فيه، ولم يجز أن يمتد لها ذيل من التشريع العام المتجاوز لطبيعة تلك الحال، ومن أبرز قرائن وقائع الأحوال أنها تأتي معارضة لعموم حكم كلي لا شبهة فيه من أجل سبب استثنائي لو نقبت عنه لاكتشفته.","vol":"3","page":449},{"text":"لأي حكم شرعي حتى لو كان أصحابها من الصحابة (١) رضوان الله عليهم أو التابعين من بعدهم، فكيف بمن دونهم؟\nبل المقطوع به عند المسلمين جميعًا أن تصرفاتهم هي التي توزن - صحة وبطلانًا - بميزان الحكم الإسلامي، وليس الحكم الإسلامي هو الذي يوزن بتصرفاتهم، ووقائع أحوالهم، وصدق القائل: \"لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله\".\nالثالث: ولو كان لتصرفات آحاد الصحابة أو التابعين مثلًا قوةُ الدليل الشرعي دون حاجة إلى الاعتماد على دليل آخر، لبطل أن يكونوا معرضين للخطأ والعصيان، ولوجب أن يكونوا معصومين مثل رسول الله ﷺ، وليس هذا لأحد إلا للأنبياء عليهم وعلى خاتمهم الصلاة والسلام، أما من عداهم فحق عليهم قول رسول الله ﷺ: \"كل بني آدم خطاء\" (٢)،\nوإلا فما بالنا لا نقول – مثلًا - بحل شرب الخمر، وقد وجِد فيمن سلف في القرون الخيرية من شربها؟\nالرابع: وما بال هؤلاء الدعاة إلى السفور قد عمدوا إلى كتب التاريخ والتراجم فجمعوا أسماء مثل هؤلاء النسوة من شتى الطبقات والعصور، وقد علموا أنه كان إلى جانب كل واحدة منهن سواد عظيم، وجمع غفير، من النساء المتحجبات الساترات لزينتهن عن الأجانب من الرجال؟ فلماذا لم يعتبر بهذه الجمهرة العظيمة، ولم يجعلها حجة بدلًا من حال أولئك القلة الشاذة المستثناة؟\nأما علموا أن \"الاستثناء\" يؤيد القاعدة، ولا ينقضها؟ وأن ندرة هذه\n_________\n(١) هناك فرق بين \"قول الصحابي\" وبين \"واقعة حال له\" فتنبه.\n(٢) صدر حديث رواه الترمذي رقم (٢٥٠١) في صفة القيامة، باب المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه، وأخرجه ابن ماجة رقم (٤٢٥١) في الزهد، باب ذكر التوبة، والدرامي (٢/٣٠٣) في الرقاق، باب في التوبة، والإمام أحمد (٣/١٩٨)، كلهم عن أنس بن مالك ﵁، وتتمته: \"وخير الخطائين التوابون\".","vol":"3","page":450},{"text":"الحفنة المبعثرة في هامش التاريخ الإسلامي، أقوى دليل على صحة قول:\nالإمام أبي حامد الغزالي ﵀:\n\"لم تزل الرجال على مرّ الأزمان تكشف الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، أو يمنعن من الخروج\" (١)،\n* والإمام ابن رسلان ﵀:\n\"اتفق المسلمون على منع النساء من الخروج سافرات\" (٢) .\n* وشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀:\n\"إن النساء كن يخرجن إلى المساجد والأسفار منتقبات لئلا يراهن\nالرجال\" (٣) .\nولماذا لم يحتج بمواقف نساء السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان في تمسكهم بالحجاب الكامل (٤)، واعتباره أصلًا راسخًا من أصول البنية الاجتماعية؟!\nالشبهة السابعة عشرة\n(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)\n* يشيع أعداء الإسلام حول الحجاب أراجيف ينطق بها الشيطان على ألسنتهم، مثل قولهم: إن الحجاب يُسَهِّل عملية إخفاء الشخصية، وقد يتستر وراءه بعض النساء اللواتي يقترفن الفواحش، ويتعاطين المآثم،\n(ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (١/٧٢٩) .\n(٢) نقله عنه في \"عون المعبود\" (٤/١٠٦) .\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/٢٤٨) .\n(٤) وقد مر بك أمثلة من ذلك، فانظر ص (١٠٧) .","vol":"3","page":451},{"text":"اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة: ٣٠] .\n* إنه قول بوار لا يصدر إلا ممن أكلهم الهوى، وأعجزهم البيان، فغفلوا عن حرمة أحق الذي أنزله علام الغيوب، ونسوا أن الله ﷾ يحكم ولا معقب لحكمه، ويقضي ولا راد لقضائه (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣] .\nفما حكم الله به عدل، وما أخبر به صدق (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) [الأنعام: ١١٥] .\nفقد حكم سبحانه بوجوب النقاب أو استحبابه على الأقل، وأخبر أنه أزكى وأطهر لقلوب المؤمنين والمؤمنات.\nفحينما يأتي مرضى القلوب ويشغبون بهذه الأراجيف، فلا يمكن بأي حال أن يسوقنا هذا التخوف المحتمل من سوء استخدام النقاب إلى التخلي عن حكم الله ﷿، وكل عاقل يفهم من سلوك المرأة التي تبالغ في ستر نفسها حتى أنها لا تبدي وجهًا ولا كفّا، فضلًا عن سائر بدنها أن هذا دليل الاستعفاف والصيانة، قال تعالى بعد الأمر بالحجاب: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) قال أبو حيان: \"لتسترهن بالعفة، فلا يُتعرض لهن، ولا يَلقين ما يكرهن، لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يُقْدَمْ عليها بخلاف المتبرجة، فإنها مطموع فيها\" (١) اهـ.\nوكل عاقل أيضا يعلم أن تبرج المرأة وإظهارها زينتها، يشعر بوقاحتها، وقلة حيائها، وهوانها على نفسها، ومن ثم فهي الأوْلى أن يساء بها الظن بقرينة مسلكها الوخيم حيث تعرض زينتها كالسلعة، فتجر على نفسها وصمة خبث النية، وفساد الطوية، وطمع الذئاب البشرية، ومن أوقع نفسه مواقع التهمة، فلا يلومن مَن أساء به الظن.\nإن هؤلاء المنافقين مرضى القلوب فساق هذا الزمان الذين يتشدقون بأن\n_________\n(١) \"البحر المحيط\" (٧/ ٢٥٠) .","vol":"3","page":452},{"text":"الحجاب يمكن أن يكون وسيلة لإخفاء هوية البغي يجب أن يؤدبوا ويعزروا أشد التأديب وأعنف التعزير، لأنه لهم نصيبَا وافرَا من قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨» [الأحزاب: ٥٨] .\nولقد كان إخوانهم من منافقي المدينة أفقه منهم وأعقل حينما كانوا يتجرءون على السافرة، فإذا أخِذوا في ذلك قالوا - تخفيفًا لجريمتهم - حَسِبناها أمَةَ، لأنهم فهموا من المبالغة في التستر أن صاحبتها عفيفة محصنة.\nواليوم انعكس الحال، وانقلبت المفاهيم رأسًا على عقب، بفضل أنصار المرأة ومحرريها، فصارت التي تحتجب مستعبدة، وصارت المتبرجة امرأة حرة متحررة، لقد شرع الله ﷾ حكمه في مثل هؤلاء المنافقين فقال مباشرة بعد الأمر بإدناء الجلابيب: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢» [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢]\nثم إن من المتواتر لدى الكافة أن المسلمة التي تتحجب في هذا الزمان تذوق الويلات من الأجهزة الحكومية، والإدارات الجامعية، والحملات الإعلامية، والسفاهات من المنافقين في كل مكان، ثم هي تصبر على هذا كله ابتغاء وجه الله تعالى، ولا يفعل هذا إلا مؤمنة صادقة رباها القرآن والسنة، فإذا حاولت فاسقة مستهترة ساقطة أن تتجلبب بجلباب الحياء، وتواري عن الأعين زلتها بارتداء شعار العفاف ورمز الصيانة، وتستر عن الناس آفتها وفجورها بمظهر الحَصان الرزان فما ذنب الحجاب إذن؟\nإن الاستثناء يؤيد القاعدة ولا ينقضها كما هو معلوم لكل ذي عقل،\nمع أن نفس هذه المجتمعات التي يروج فيها هذه الأراجيف، قد بلغت من","vol":"3","page":453},{"text":"الانحدار والتردي في مهاوي التبرج والفسوق والعصيان ما يغني الفاسقات عن التستر، ولا يحوجهن إلى التواري عن الأعين.\nوإذا كان بعض المنافقين يتشدقون بأن في هذا خطرًا على ما يسمونه (الأمن) فليخبرونا بالله كيف يهتز الأمن ويتزلزل بسبب المنقبات مع أنه لم يتزلزل مرة واحدة بسبب السافرات والمتبرجات؟\nهب أن رجلًا انتحل شخصية قائد عسكري كبير، وارتدى بَزَّته، وتحايل بذلك، واستغل هذا الثوب فيما لا يباح له كيف تكون عقوبته؟ وهل يصلح سلوكه - في نظركم - مبررًا للمطالبة بإلغاء الزي المميز للعسكريين مثلا خشية أن يسيءَ أحَد استعماله؟\nوما يقال عن البزة العسكرَية، يقال عن \"لباس الفتوة، وزي الرياضة،\nفإذا وجد في المجتمع الجندي الذي يخون، والفتى الذي يسيء، والرياضي الذي يذنب، هل يقول عاقل إن على الأمة أن تحارب شعار العسكر، ولباس الفتوة، وزي الرياضة،. . . لخيانات ظهرت، وإساءات تكررت؟ فإذا كان الجواب: \"لا\" فلماذا يقف أعداء الإسلام من الحجاب هذا الموقف المعادي، ولماذا يثيرون حوله الشائعات الباطلة المغرضة؟ \" (١) .\nإن الهدف البعيد من وراء هذه الأراجيف الكاذبة هو تنفير المسلمات\nمن الحجاب الذي فرضه الله ﷿، وترسيخ روح الاشمئزاز والكراهية من التجلبب به، والتحصن بعفافه، حتى إذا خلعن الحجاب ظهرن في المجتمع بأقبح ما تظهر به امرأة في تهتكها وانحلالها.\nإن الإسلام كما يأمر المرأة بالحجاب، يأمرها أن تكون ذات خلق ودين، إنه يربي مَنْ تحت الحجاب قبل أن يسدل عليها الجلباب، ويقول لها: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: ٢٦]، حتى تصل إلى قمة الطهر والكمال، قبل أن تصل إلى قمة الستر والاحتجاب، فإذا اقتصرت امرأة\n_________\n(١) \"إلى كل أب غيور يؤمن بالله\" د. عبد الله ناصح علوان (ص ٤٤) .","vol":"3","page":454},{"text":"على أحدهما دون الآخر، تكون كمن يمشي على رجل واحدة، أو يطير بجناح واحد.\nإن التصدي لهؤلاء المستهترات - إن وجدن - أن تصدر قوانين صارمة بتشديد العقاب على كل من تسول له نفسه استغلال الحجاب لتسهيل الجرائم وإشباع الأهواء، فمثل هذا التشديد جائز شرعًا في شريعة الله الغراء التي حرصت على صيانة النفس، ووقاية العرض، وجعلتهما فوق كل اعتبار، وإذا كان التخوف من سوء استغلال الحجاب مخطرة محتملة، إلا أن المخطرة في التبرج والسفور بنشر الفاحشة وفتح ذرائعها مقطوع بها لدى كل عاقل.\nويدلي بعضهم بحجة مقلوبة فيقول: إن عفة الفتاة حقيقة كامنة في ذاتها، وليست غطاء، يلقى ويُسدل على جسمها، وكم من فتاة محتجبة عن الرجال في ظاهر، وهي فاجرة في سلوكها، وكم من فتاة حاسرة الرأس سافرة) الوجه لا يعرف السوء سبيلَا إلى نفسها أو سلوكها؟\n* قال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في دفع هذه الشبهة:\n\"إن هذا صحيح، فما كان للثياب أن تنسج لصاحبها عفة مفقودة، ولا\nأن تخلق له استقامة معدومة، وربَّ فاجرة سترت فجورها بمظهر سترها، ولكن من هذا الذي فى زعم أن الله ﷾ إنما شرع الحجاب لجسم المرأة ليخلق الطهارة نفسها أو العفة في أخلاقها؟\nومن هذا الذي زعم أن الحجاب إنما شرعه الله ليكون إعلانا بأن كل\nمن لم تلتزمه فهي فاجرة تنحط في وادي الغواية؟\nإن من حكمة الله ﷿ في تشريع الحجاب وفرضه على المرأة المحافظة على عفة الرجال الذين تقع أبصارهم عليها، وليس فقط حفاظا على عفتها من الأعين التي تراها، ولئن كانت تشترك معهم هي الأخرى في هذه الفائدة في كثير من الأحيان، فإن فائدتهم من ذلك أعظم وأخطر، وإلا","vol":"3","page":455},{"text":"فهل يقول عاقل - تحت سلطان هذه الحجة المقلوبة - إن للفتاة أن تتجرد أمام الرجال مادامت ليست في شك من قوة أخلاقها وصدق استقامتها؟! إن بلاء الرجال بما تقع عليه أبصارهم من فتنة المتبرجات هو المشكلة التي أحوجت المجتمع إلى حل، فتكفل به شرع الله على أفضل وجه، وبلاء الرجال إذا لم يجد في سبيله هذا الحل الإلهي، ما من ريب سيتجاوز بالسوء إلى النساء أيضًا، ولا يغني عن الأمر شيئًا أن تعتصم المتبرجة عندئذ باستقامة في سلوكها أو عفة في نفسها، فإن في ضرام ذلك البلاء الهائج في نفوسهم ما قد يتغلب على كل استقامة، ويقضي على كل عفة قد تتصف بها المرأة المتبرجة التي تعرض فنون التبرج والفتنة أمامهم\" (١) اهـ.\n***\n_________\n(١) \"إلى كل فتاة تؤمن بالله\" (ص ٨٢-٨٣) بتصرف، ومن الجدير بالذكر أن البوطي أشعري خَلَفي، وله مواقف من السلفية تناولها العلماء بالرد والإبطال، نسأل الله ﷿ أن يلهمه رشده، وأن يوفقه إلى اتباع منهج أهل السنة والجماعة.","vol":"3","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>المذاهب الفقهية في حكم\nكشف الوجه والكفين</span>\nمن المناسب قبل أن نشرع في سرد نُقُول علماء المذاهب الأربعة المتبوعة﵏ - أن ننبه إلى أن واجب المسلم أن يأخذ بالدليل مع وافر الحرمة والتقدير لأئمة الفقه والحديث، في القديم والحديث، ولا لوم في الانتساب المذهبي المجرد من العصبية، هذا هو المذهب الحق، والقول الصدق، وله مخالفة إمامه إلى إمام آخر، حجته في تلك المسألة أقوى، بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له، لا كمن تمذهب لإمام، فإذا لاح له ما يوافق هواه عمل به من أي مذهب كان، محتجًّا بأن الخلاف في الفروع يتسامح فيه على الإطلاق، ومتجاهلًا أنه:\nليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظ من النظر\nونظرية \"جواز التعبد بالخلاف\" التي يتبناها في زماننا عوام فسدت فطرتهم بفعل التربية المعوجة ماِ هي إلا صدى لقول سلفهم: \"من قلد عالمًا لقي الله سالما\"، مع فارق وهو أن الأولين كانوا يلزمون مذهبًا واحدَا لا يحيدون عنه، أما هؤلاء فقد تركوا الحبل على الغارب، وأطلقوا لأهوائهم العِنان حتى تظفر بمرادها في زلة عالم، أو رخصة متكلفة، أو قول شاذ ملفق دون أي اعتبار لمخالفة العالم غير المعصوم لقول المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤» .\nلقد وصف لنا رسول الله ﷺ دواءَ داءِ الفرقة والاختلاف في قوله:\n\"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافَا كثيرَا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء","vol":"3","page":457},{"text":"الراشدين المهديين\". . . الحديث، فالسنة تجمع المتفرقين، وتُوحّدُ المختلفين.\nولقد جعل الله ﷿ الإجماع حجة معصومة من الضلال، فلا يصح أن نجعل ما يضاده وهو الاختلاف حجة أيضًا، بل علينا أن نردد مع ابن مسعود ﵁ قوله \"الخلاف شر\".\nوما أحسن قول حافظ المغرب الإمام أبي عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى:\n\"الاختلاف ليس بحجةِ عند أحدٍ علمتُه من فقهاء الأمة إلا مَنْ لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله\" (١) اهـ.\nوشتان بين أن يقع اختلاف بين العلماء المخلصين في طلب الحق، المجتهدين في تحري الأدلة، الدائرين في حالتي الصواب والخطأ بين مضاعفة الأجر مع الشكر، وبين الأجر الواحد مع العذر، وبين من يتتبع الزلات، ويتحكم بالتشهي، ويرجح بالهوى، فيئول حاله إلى البطالة، ورقة الدين، ونقص العبودية.\nومع أن دائرة الخلاف في القضية التي نحن بصددها قد ضاقت جدًّا في زماننا كما سيتبين لك عما قليل إن شاء الله تعالى، إلا أنه لزم التحذير من \"بدعة التعبد بالخلاف مطلقا\" لشيوع استدلال \"أنصار البدعة\" بها في قضايا أشد خطورة مما نحن بصدده، والله المستعان.\n* أولا: المذهب الحنفي:\nالأصل في المذهب الحنفي أنه يجوز للمرأة كشف وجهها وكفيها (٢) عند\n_________\n(١) \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/١٠٩) .\n(٢) بل جاء في متون المذهب (وبدن المرأة الحرة عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها) انظر: \"اللباب في شرح الكتاب\" (١/٦٢) \"تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق\" للزيلعي (١/٩٦)، واعلم أن القدمين عورة داخل الصلاة وخارجها =","vol":"3","page":458},{"text":"أمن الفتنة (١)، لكن المتأخرين منعوا ذلك لا لأنهما عورة، لكن لانتشار الفساد، وغلبة الظن بحصول الفتنة، فضلا عن تحققها، وهاك بعض نصوصهم:\n* قال الكاساني ﵀:\n\"فلا يجوز النظر من الأجنبي إلى الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إلا الوجه والكفين، لقوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) إلا أن االنظر إلى مواضع الزينة الظاهرة، وهي الوجه والكفان، رخص بقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، والمراد من الزينة مواضعها، ومواضع الزينة الظاهرة: الوجه والكفان، ولأنها تحتاج\" إلى البيع والشراء، والأخذ والعطاء، ولا يمكنها ذلك – عادةً - إلا بكشف الوجه والكفين، فيحل لها الكشف، وهذا قول أبي حنيفة ﵁\nوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يحل النظر إلى مواضع الزينة منها من غير شهوة، وأما عن شهوة فلا، لقوله ﷺ: \"العينان تزنيان\"، وليس زنى\n_________\n= في الأصح لحديث أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ: \"أتصلي في درع وخمار وعليها إزار؟ \"، فقال ﷺ: \"إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها\" أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي، وانظر: \"الدين الخالص\" للشيخ محمود خطاب السبكي (٢/١٠٤) .\nوما يؤديه أيضَا قول أم سلمة رضي \"الله عنها: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال ﷺ: \"يرخين شبرا\"، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: \"فيرخينه ذراعَا لا يزدن عليه \"أخرجه الترمذي، وقال: \"حسن صحيح\"، قال البيهقي: (وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها)، واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) وجوب ستر القدمين، قال الإمام ابن حزم ﵀: (هذا نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل إبداؤه) اهـ من المحلى\" (٣/٢١٦) .\nانظر \"الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان\" (١/٥٨) .","vol":"3","page":459},{"text":"العين إلا النظر عن شهوة،. . والأفضل للشاب غض البصر عن وجه الأجنبية، وكذا الشابة؛ لما فيه من خوف حدوث الشهوة، والوقوع في الفتنة، ويؤيده المروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال في قوله تعالى (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أنه الرداء والثياب، فكان غض البصر، وترك النظر أزكى وأطهر\" (١) اهـ.\n* وقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى في كلام له حول النظر إلى الأجنبيات:\n\". . فدل أنه لا يباح النظر إلى شيء من بدنها، ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة، وعامة محاسنها في وجهها، فخوف الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء\".\nإلى أن قال ﵀: \"ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس (٢) ﵃ فقد جاءت الأخبار في الرخصه بالنظر إلى وجهها وكفها (٣) . . \" إلى أن قال: \"وهذا كله إذا لم يكن النظر عن شهوة، فإن كان يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحل له النظر إلى شيء منها\" (٣) اهـ.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع\" (٥/ ١٢٣)، وانظر \"تبيين الحقائق\" للزيلعي (٦/١٧) .\n(٢) يشير هنا إلى ما روى عنهما ﵄ في تفسير قوله تعالى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بأنها الكحل والخاتم، وقد تقدم بيان الراجح في تفسيرها (ص ٢٦٣)، وقد بين الإمام أكمل الدين محمد البابرتي الحنفي في \"شرح العناية على الهداية\" أن دلالة قولهما على الوجه والكفين غير واضح قال: (إذ الظاهر أن موضع الكحل\nهو العين، لا الوجه كله، وكذا موضع الخاتم هو الإصبع، لا الكف كله، والمدّعى جواز النظر إلى وجه الأجنبية كله، وإلى كفيها بالكلية) اهـ (١٠/ ٢٤) .\n(٣) \"المبسوط\" (١٠/ ١٥٢ - ١٥٣) .","vol":"3","page":460},{"text":"* وقال الإمام أبو بكر الجصاص في تفسير قوله تعالى (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ):\n\"في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها من الأجنبي، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الريب فيهن\" (١) اهـ.\n* وجاء في \"الدر المختار\":\n\"يعزر المولى عبده، والزوج زوجته على تركها الزينة، أو كلمه ليسمعها أجنبي، أو كشفت وجهها لغير محرم\" (٢) اهـ.\nوجاء فيه كذلك قول الطحطاوي:\n\"وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين رجال، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة كمسه وإن أمن الشهوة لأنه أغلظ\" (٣) .\n* وقال ابن عابدين في شرحه:\n\"المعنى: تمنع من الكشف لخوف أن يرى الرجال وجهها فتقع الفتنة،\nلأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة\" (٣) اهـ.\n* ونقل ابن عابدين عن صاحب \"المحيط\" قوله:\n\". . . ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة، لأنها منهية عن تغطيته لحق النسك لولا ذلك، وإلا لم يكن لهذا الإرخاء فائدة\" (٤) اهـ.\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" (٣/ ٤٥٨) .\n(٢) \"هامش رد المحتار\" (٣/ ٢٦١) .\n(٣) \"رد المحتار على الدر المختار\" (١/ ٢٧٢) .\n(٤) السابق (٢/ ١٨٩) .","vol":"3","page":461},{"text":"* وقال الإمام محمد أنور الكشميري ثم الديوبندي ﵀:\n\"ومنها - أي من آيات الحجاب -: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) قيل: الزينة\nهي الوجه والكفان، فيجوز الكشف عند الأمن عن الفتنة على المذهب، وأفتى المتأخرون بسترها لسوء حال الناس. .\nإلى أن قال: \"ومنها: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) إلخ، والخطاب فيها وإن كان خاصًا إلا أن الحكم عام\" (١) اهـ.\n* وقال العلامة ابن نجيم - المتوفى سنة سبعين وتسعمائة - ﵀:\nوفي فتاوى قاضيخان (٢):\n\"ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة\"، وهو يدل على أن هذا الإرخاء عند الإمكان، ووجودِ الأجانب واجب عليها\" (٣) اهـ.\nوقال أيضًا:\n\"قال مشايخنا: تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة\" (٤) اهـ.\n* وفي الهدية العلائية\":\n\"وينظر من الأجنبية ولو كافرة إلى وجهها وكفيها فقط للضرورة، قيل: والقدم والذراع والمرفق إذا آجرت نفسها للخبز ونحوه من الطبخ وغسل\nالثياب، لأنه يبدو منها عادة، وتمنع الشابة من كشف وجهها خوف\n_________\n(١) \"فيض الباري على صحيح البخاري\" (١/ ٢٥٤) .\n(٢) وهو الشيخ العلامة محمود الأوزجندي ﵀.\n(٣) \"البحر الرائق شرح كنز الدقائق\" (٢/٣٨١) .\n(٤) \"السابق\" (١/٢٨٤) .","vol":"3","page":462},{"text":"الفتنة\" (١) اهـ.\n* وفي \"الهدية العلائية\" أيضًا:\n\"والنظر إلى ملاءة الأجنبية بشهوة حرام، أما بدونها فلا بأس، ولو إلى جسدها المستور بثياب لا تصف، ولا يظهر حجمها\" (٢) اهـ.\n* وفي \"المنتقى\":\n\"تمنع الشابة من كشف\" وجهها لئلا يؤدي إلى الفتنة، وفي زماننا المنع واجب، بل فرض لغلبة الفساد\" (٣) اهـ.\n* ونقل البيانوني في \"الفتن\" عن الجرداني ﵀ قوله:\n\"وعورة المرأة بالنسبة لنظر الأجنبي إليها جميع بدنها\" يدون استثناء شيء منه أصلا، ولو كانت عجوزًا شوهاء، فيحرم على الرجل أن ينظر إلى شيء منها، ولو بغير شهوة. . ويجب أن تستتر عنه، وهذا هو المعتمد (٤) اهـ.\n* ونقل الأستاذ درويش مصطفى حسن عن بعض علماء الأحناف قولهم:\n\"فحل النظر مقيد بعدم الشهوة، وإلا فحرام، وهذا زمانهم، أما في زماننا فمنع من الشابة أي فمنع نظر الوجه من الشابة، ولو من غير شهوة\" (٥) .\n* وقال الشيخ أحمد عز الدين البيانوني ﵀:\n_________\n(١) نقلا عن: \"فقه النظر في الإسلام\" للشيخ محمد أديب كلكل (ص ٣٦) .\n(٢) نقلأ عن: \"السابق\" (ص ٦٣) .\n(٣) نقلًا عن \"اللباس والزينة في الشريعة الإسلامية\" (ص ١٤١) .\n(٤) \"الفتن\" ص ١٩٦ - ١٩٧.\n(٥) \"فصل الخطاب\" (ص ٥٥) .","vol":"3","page":463},{"text":"\"قول الأئمة \"عند خوف الفتنة\" (١) إنما يُعلم في ناظر خاص، وأما بالنظر\nإلى جماهير الناس الذين تبرز المرأة سافرة أمامهم؛ فلا يتصور عدم خوف الفتنة منهم جميعَا، فيتحتم المنع من السفور أمامهم على هذا التعليل، وبهذا يظهر مذهب اْبي حنيفة وأصحابه في المسألة\" (٢) اهـ.\n* ثانيَا: المذهب المالكي:\n* قال العلامة صالح عبد السميع الآبى الأزهري المالكي:\n\"وعورة الحرة مع رجل أجني مسلم جميع جسدها عدا الوجه والكفين ظهرًا وبطنا، فالوجه والكفان ليسا عورة، فيجوز لها كشفهما للأجنبي، وله نظرهما إن لم تخش الفتنة، فإن خيفت الفتنة: فقال ابن مرزوق: مشهور المذهب وجوب سترهما، وقال عياض: لا يجب سترهما، ويجب غض البصر عن الرؤية، وأما الأجنبي الكافر فجميع جسدها حتى وجهها وكفيها عورة بالنسبة له\" (٣) اهـ.\n* ويقول الشيخ أحمد الدردير في \"أقرب المسالك إلى مذهب مالك\":\n\"وعورة المرأة مع رجل أجنبي عنها جميع البدن غير الوجه والكفين، وأما هما فليس بعورة، وإن وجب عليها سترهما لخوف الفتنة\" (٤) .\n_________\n(١) يعني قول السرخسي: (حرمة النظر لخوف الفتنة - يعني: لا لكونه عورة -، وخوف الفتنة في النظر إلى وجهها - وعامة محاسنها في وجهها - أكثر منه إلى سائر الأعضاء) اهـ من \"المبسوط \" (١٠/ ١٥٢) .\n(٢) \"الفتن\" ص (١٩٧) .\n(٣) \"جواهر الإكليل في شرح مختصر العلامة الشيخ خليل في مذهب الإمام مالك إمام دار التنزيل\" (١/٤١)، وانظر: \"شرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل\" للشيخ محمد عليش (١/٣٣)، و\"إكمال إكمال المعلم\" للآبي (٥/٤٣٠) .\n(٤) نقلًا عن \"مجلة الجامعة السلفية\" مقالة الشيخ الأنصاري.","vol":"3","page":464},{"text":"وحكى الشيخ أحمد الصاوي قولين في وجوب ستر الوجه في تلك الصورة:\nالأول: الوجوب، وهو مشهور المذهب.\nوالثاني: وجوب غض البصر على الرجل، وهو قول عياض (١) .\n* وقال القاضي عياض ﵀:\n\"فرض الحجاب مما اختصصن به أزواج النبي ﷺ فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن، وأن يكن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. . . \" إلخ (٢) اهـ.\n* قال ابن بطال:\n\"وفيه - أي حديث المرأة الحثعمية - دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضَا لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه الغرباء، وأن قوله (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) على الوجوب في غير الوجه\" (٣) اهـ.\n* قال ابن رسلان ﵀:\n\"وهذا - أي جواز نظر الأجنبية - عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه، أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة، ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع\n_________\n(١) نقلا عن \"مجلة الجامعة السلفية\" مقالة الشيخ الأنصاري.\n(٢) نقله عنه في \"الفتح، وتعقبه الحافظ بقوله: (وليس فيما ذكره دليل على ما ادَّعاه) اهـ انظر: \"فتح الباري\"، (٨/٣٩١) .\n(٣) نقله عنه الحافظ في \"الفتح\" (١١/١٢) .","vol":"3","page":465},{"text":"النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لاسيما عند كثرة الفساق\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي المالكي:\n\"وإن كانت أجنبية جاز أن يرى الرجل من المتجالة الوجه والكفين، ولا يجوز أن يرى ذلك من الشابة إلا لعذر من شهادة، أو معالجة، أو خِطبة\" (٢) اهـ.\n* قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى:\n\"والمرأة كلها عورة بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة، أو لحاجة كالشهادة، أو داء يكون ببدنها\" (٣) اهـ.\nوقال أيضا:\n\"قوله في حديث ابن عمر: \"ولا تنتقب المرأة\" وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئَا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتُعْرِضُ عن الرجال، ويُعْرِضون عنها\" (٤) اهـ.\n* وذكر القرطبي في تفسيره:\n\"أن ابن خويز منداد من علماء المالكية قال: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك، وإن كاتَ عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها\" (٥) اهـ.\n_________\n(١) نقله عنه الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٣٠) .\n(٢) \"قوانين الأحكام الشرعية، ومسائل الفروع الفقهية\" ص ٤٨٤ الباب التاسع عشر، وانظر: \"أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك\" للشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر البغدادي (١/ ١٨٤) .\n(٣) \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٥٧٨) .\n(٤) \"عارضة الأحوذي\" (٤/٥٦) المسألة الرابعة عشرة.\n(٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٢/٢٢٨) .","vol":"3","page":466},{"text":"* قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المعروف بالحطاب المالكي:\n\"واعلم أنه إن خشي من المرأة الفتنة يجب عليها ستر الوجه والكفين، قاله القاضي عبد الوهاب ونقله عنه الشيخ أحمد زروق في \"شرح الرسالة\" وهو ظاهر التوضيح هذا ما يجب عليها\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ محمد عرفة الدسوقي ﵀:\n\"قوله: \"كستر وجه الحرة ويديها\" فإنه يجب إذا خيفت الفتنة بكشفها\" (٢) اهـ.\nوقال أيضَا:\n\"متى أرادت - يعني المحرمة - الستر عن أعين الرجال جاز لها ذلك مطلقًا، عَلِمَت أو ظنت الفتنة بها أم لا، نعم إذا علمت أو ظنت الفتنة بها كان سترها واجبًا\" (٣) اهـ.\n* ثالثًا: المذهب الشافعي:\nفي كشف وجه المرأة وكفيها والنظر إلى ذلك - عند الشافعية - ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن يخاف الفتنة، أو ما يدعو إلى الاختلاء بها لجماع أو مقدماته، فالنظر والكشف في هذه الحالة حرام بالإجماع كما قاله الإمام. الحالة الثانية: أن ينظر إليهما بشهوة، وهي قصد التلذذ بالنظر المجرد،\n_________\n(١) \"مواهب الجليل لشرح مختصر خليل\" (١/٤٩٩) .\n(٢) \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (١/٢١٤)، والمقصود: وإن لم يكن الوجه والكفان عورة في أصل المذهب كما يقتضيه السياق.\n(٣) \"السابق\" (٤/٥٤-٥٥) .","vol":"3","page":467},{"text":"وأمن الفتنة، فيحرم مطلقا، وعلى المرأة ستر وجهها وكفيها من رؤوس الأصابع إلى المعصم ظهرَا وبطنَا.\nالحالة الثالثة: أن تنتفي الفتنة، وتؤمن الشهوة؛ ففي هذه الحالة قولان: الأول: لا يجوز، ولو من غير مشتهاة، أو خوف فتنة على الصحيح،\nوهو قول النووي ﵀ في \"المنهاج\"، والإصطخري، وأبي علي الطبري، واختاره الشيخ أبو محمد، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والروياني، وغيرهم، ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه، وبأن النظر محرك للشهوة، ومظنة للفتنة، وقد قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، واللائق بمحاسن الشريعة سد باب الذرائع إلى المحرم، والإعراض عن تفاصيل الأحوال، أي بشهوة أو بغير شهوة، كما قالوه في الخلوة مع الأجنبية (١) .\n* قال العلامة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى:\n\"إن الأقرب إلى صنع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر، لا\nفي الصلاة\" اهـ.\nالثاني: لا يحرم عند أمن الفتنة وعدم الشهوة، لقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وهو مفسَّر بالوجه والكفين، ونسبه\nالإمام للجمهور، والشيخان النووي، والرافعي للأكثرين.\nقال في \"المهمات\":\n\"إنه الصواب لكون الأكثرين عليه، وهو قول الرافعى\".\n* قال البلقيني:\n\"الترجيح بقوة المدرك والدليل فإن نظرت لقوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(١) قال العلامة شمس الدين الرملي الشهير بالشافعي الصغير في \"نهاية المجتاج إلى شرح المنهاج\" معلقا: (وبه اندفع القول بأنه غير عورة) اهـ. (٦/١٨٧)","vol":"3","page":468},{"text":"يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، ولقاعدة سد الذرائع إلى المحرم رجحت الحرمة وإذا نظرت لقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) رجحت جواز النظر، والفتوى والمذهب على ما جاء في المنهاج من الحرمة مطلقًا، وهو القول الأول، وهو الراجح\" (١) اهـ.\n* وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى:\n\"فإذا خرجت - أي المرأة - فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال، ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة، كوجه المرأة في حقه، بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، فإن لم تكن فتنة فلا، إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء، لأمروا بالتنقب، أو منعن من الخروج إلا لضرورة\" (٢) اهـ.\nورجح الغزالي أيضًا في \"الإحياء\" أن كشف وجه المرأة للأجنبي حرام، وأن نهي الأجنبية عنه واجب.\n* قال الزبيدي ﵀:\n\"قوله لها في تلك الحالة: لا تكشفي وجهك أي استري وجهك واجب\nأو مباح أو حرام لا يخلو من أحد الثلاثة فإن قلتم: إنه واجب، فهو الغرض المطلوب لأن الكشف معصية، والنهي عن المعصية حق\" (٣) اهـ.\n_________\n(١) \"فقه النظر في الإسلام ص ٣٤ -٣٦ وانظر: \"روضة الطالبين\" (٧/٢١)، و\"مغني المحتاج إلى معرفة معاني المنهاج\" (٣/ ١٢٨)، \"نهاية المحتاج\" (٢/٨)، (٦/١٨٧)، \"السراج الوهاج\" (ص ٥٢)، \"إعانة الطالبين\" (١/١١٣)، \"فتح\nالوهاب\" (١/ ٤٨) .\n(٢) \"إحياء علوم الدين\" المجلد الأول (ص ٧٢٨ - ٧٢٩) .\n(٣) \"إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين\" (٧/ ١٧) للعلامة السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى.","vol":"3","page":469},{"text":"* قال العلامة محمد الشربيني الخطيب الشافعي ﵀:\n(وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء: أي منع الولاة لهن معارَض بما حكاه القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة، وعلى الرجال غض البصر عنهن للآية، وحكاه المصنف عنه في شرح مسلم، وأقره عليه.\nوقال بعض المتأخرين: \"إنه لا تعارض في ذلك، بل منعهن من ذلك،\nلا لأن الستر واجب عليهن في ذاته، بل لأن فيه مصلحة عامة، وفي تركه إخلال بالمروءة\".\nوظاهر كلام الشيخين أن الستر واجب لذاته، فلا يتأتى هذا الجمع، وكلام القاضي ضعيف، وحيث قيل بالجواز كره، وقيل: خلاف الأولى، وحيث قيل بالتحريم - وهو الراجح - هل يحرم النظر إلى المنتقبة التي لا يتبين منها غير عينيها ومحاجرها أم لا؟\n* قال الأذرعي:\n\"لم أر فيه نصّا، والظاهر أنه لا فرق، لاسيما إذا كانت جميلة، فكم من المحاجر من خناجر\" اهـ، وهو ظاهر) (١) اهـ.\n* وقال الخطيب الشربيني أيضا:\n\"ويكره أن يصلي في ثوب فيه صورة، وأن يصلي الرجل ملثما، والمرأة منتقبة، إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها، فلا يجوز لها رفع النقاب\" (٢) .\n* وفي حواشي الشرواني والعبادي:\n\"من تحققت من نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه، وإلا كانت\n_________\n(١) \"مغني المحتاج\" (٣/١٢٩) .\n(٢) \"الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع\" ص ١٨٥.","vol":"3","page":470},{"text":"معينه له على حرام، فتأثم\" (١) اهـ،\n* رابعا: المذهب الحنبلي:\nنقل العلامة ابن مفلح عن شيخ الإسلام قوله:\n\"وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز\" (٢) اهـ. وتقدم مثله عن تلميذه الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀ (٣) .\n* وقال العلامة ابن مفلح ﵀:\n\"قال أحمد: ولا تبدي زينتها إلا لمن في الآية، ونقل أبو طالب: \"ظفرها عورة، فإذا خرجت فلا تبين شيئًا، ولا خفها، فإنه يصف القدم، وأحب إليَّ أن تجعل لكمها زرُّا عند يدها\"، اختار القاضي قول من قال: المراد بـ \"ما ظهر\" من الزينة: الثياب، لقول ابن مسعود وغيره، لا قول من فسرها ببعض الحلي، أو ببعضها، فإنها الخفية، قال: وقد نص عليه أحمد فقال: الزينة الظاهرة الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظفر\" (٤) اهـ.\nوقال العلامة ابن مفلح أيضَا:\n\"نقل أبو طالب: ظفر المرأة عورة، فإذا خرجت فلا يبين منها شيء، ولا خفها، فإن الخف يصف القدم، وَأحَبُّ إليَّ أن تجعل لكمها زرَّا عند يدها لا يبين منها شيء\" (٥) اهـ.\n* قال الإمام ابن قدامة ﵀:\n\"لا يختلف المذهب في أنه يجوز للمرأة كشف وجهها في الصلاة، وأنه\n_________\n(١) \"حواشي الشرواني والعبادي\" (٦/ ١٩٣) \"\n(٢) الآداب الشرعية والمنح المرعية\" (١/ ٣١٦) .\n(٣) انظر (ص ١٩٣) .\n(٤) \"الفروع\" (١/٦٠١) .\n(٥) \"السابق\" (٥/١٥٤) .","vol":"3","page":471},{"text":"ليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها، وفي الكفين روايتان\".\nإلى أن قال: \"وقال بعض أصحابنا: المرأة كلها عورة، لأنه قد روى في حديث عن النبي ﷺ: \"المرأة عورة\" رواه الترمذي، وقال. \"حديث حسن صحيح\"، لكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة، وأبيح النظر إليه لأجل الخطبة لأنه مجمع المحاسن، وهذا قول أبي بكر الحارث بن هشام (١)، قال: المرأة كلها عورة حتى ظفرها\".\nوقال: \"فأما الكفان فقد ذكرنا فيهما روايتين: إحداهما: لا يجب سترهما لما ذكرنا (٢)، والثانية: يجب، لقول النبي ﷺ: \"المرأة عورة\"، وهذا عام إلا ما خصه الدليل، وقولُ ابن عباس: \"الوجه والكفان\" قد روى أبو حفص عن عبد الله بن مسعود خلافه قال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: الثياب، ولا يجب كشف الكفين في الإحرام، إنما يحرم أن تلبس فيهما شيئَا مصنوعا على قدرهما، كما يحرم على الرجل لبس السراويل، والذي يستر به عورته\" (٣) اهـ.\n_________\n(١) وظاهره وجوب تغطية كل بدنها حتى في الصلاة بما في ذلك الوجه والكفان، ولهذا علق حافظ المغرب الإمام أبو عمر بن عبد البر - ﵀- عليه قائلًا: (قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم، لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها، وتباشر الأرض به، وأجمعوا على أنها لا تصلي منتقبة، ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة، وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة، وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه.\nوأما النظر للشهوة، فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة، فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة، وقد روى نحو قول أبي بكر بن عبد الرحمن عن أحمد بن حنبل) اهـ من \"التمهيد\" (٦/ ٣٦٥) .\nيشير إلى استدلال من لم يوجب سترهما بقول ابن عباس ﵄ في (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الوجه والكفان، وبنهي المحرمة عن لبس القفازين والنقاب، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والاعطاء.\n(٣) \"المغني\" (١/٦٠١- ٦٠٢)","vol":"3","page":472},{"text":"* وقال العلامة علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي ﵀:\n(قوله: \"والحرة كلها عورة، حتى ظفرها وشعرها إلا الوجه\" والصحيح\nمن المذهب: أن الوجه ليس بعورة، وعليه الأصحاب، وحكاه القاضي إجماعا، وعنه: الوجه عورة أيضًا، قال الزركشي: \"أطلق الإمام أحمد القول بأن جميعها عورة، وهو محمول على ما عدا الوجه، أو على غير الصلاة\" اهـ، وقال بعضهم: الوجه عورة، وإنما كشف في الصلاة للحاجة.\nقال الشيخ تقي الدين: \"والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر، إذ لم يجز النظر إليه\") (١) اهـ.\n* وقال المحقق أبو النجا شرف الدين موسى الحجاوي المقدسي ﵀:\n\"والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها إلا وجهها،\nقال جمع: وكفيها، وهما والوجه عورة خارجها باعتبار النظر كبقية بدنها\" (٢) اهـ.\n* وقال العلامة منصور بن إدريس البهوتي ﵀:\n\"ولا خلاف في المذهب أنه يجوز للمرأة الحرة كشف وجهها في الصلاة، ذكره في المغني وغيره، \"قال جمع: وكفيها\" واختاره المجد، وجزم به في العمدة، والوجيز، لقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال ابن عباس وعائشة: \"وجهها وكفيها\" رواه البيهقي، وفيه ضعف،\n_________\n(١) \"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل\" (١/٤٥٢) .\n(٢) \"الإقناع\" (١/٨٨) .","vol":"3","page":473},{"text":"وخالفهما ابن مسعود، وهما - أي الكفان والوجه - من الحرة البالغة عورة خارجها - أي الصلاة - باعتبار النظر كبقية بدنها، لما تقدم من قوله ﷺ:\n\" المرأة عورة\" (١) اهـ.\n* وقال الشيخ مصطفى السيوطي الرحيباني ﵀:\n\"والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها. . إلا وجهها، لا خلاف في المذهب أنه يجوز للمرأة الحرة كشف وجهها في الصلاة، ذكره في المغني\" وغيره\" (٢) اهـ.\nوقال الشيخ عبد القادر بن عمر الشيباني ﵀:\n\"والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها \"إلا وجهها\" والوجه والكفان من الحرة البالغة عورة خارج الصلاة باعتبار النظر كبقية بدنها\" (٣) اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>تنبيهات</span>\nالأول: نستطيع أن نخلص مما تقدم بأن علماء المذاهب الأربعة يكادون يتفقون على وجوب تغطية المرأة جميع بدنها عن الأجانب، سواء منهم من يرى أن الوجه والكفين عورة، ومن يرى أنهما غير عورة لكنه يوجب تغطيتهما في هذا الزمان لفساد أكثر الناس، ورقة دينهم، وعدم تورعهم عن النظر المحرم إلى وجه المرأة الذي هو مجمع المحاسن، ومعيار الجمال، ومصباح البدن (٤) .\n_________\n(١) \"كشاف القناع على متن الإقناع\" (١/٢٤٣) .\n(٢) \"مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى للشيخ المرعي الكرمى\" (١/٣٣٠)\n(٣) \"نيل المآرب بشرح دليل الطالب\" (١/٣٩) .\n(٤) انظر: \"إلى كل فتاة تؤمن بالله\" (ص ٤٤ - ٤٦)، \"نظرات في كتاب الحلال والحرام في الإسلام للشيخ عبد الحميد طهماز (ص ٣٤-٣٥)، \"فقه النظر في =","vol":"3","page":474},{"text":"الثاني أجمع العلماء على مشروعية احتجاب النساء عن الرجال الأجالب فقد نقل الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" عن ابن المنذر أنه قال \"أجمعوا على أن المرأة المحرمة تلبس المخيط كله، والخفاف، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها إلا وجهها، فتسدل عليه الثوب سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الأجانب\" اهـ. وهذا يقتضي أن غير المحرمة مثل المحرمة فيما ذكر، بل أولى\" (١) اهـ. وفيه دليل واضح، وكشف فاضح لجهل من ادعى أن النقاب بدعة لا أصل لها في الإسلام (٢)\nالثالث: أنه رغم الخلاف القديم بين الفقهاء في هذه المسألة إلا أنه بقي خلافًا نظريًّا إلى حَد بعيد، حيث ظل احتجاب النساء هو الأصل في الهيئة الاجتماعية خلال مراحل التاريخ الإسلامي، وفيما يلي نُقُول عن بعض الأئمة تؤكد أن التزام الحجاب كان أحد معالم \"سبيل المؤمنين\" في شتى العصور:\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\n\"كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ أن الحرة تحتجب، والأمة تبرز\" (٣) اهـ.\n* ونقل الإمام ابن رسلان ﵀:\nاتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات (٤) اهـ.\n_________\n= الإسلام\" (ص ٣٧-٣٨)\n(١) \"الرد القوي\" للتويجري (ص٢٤٨- ٢٤٩)\n(٢) انظر: \"الرد العلمي على كتاب تذكير الأصحاب بتحريم النقاب\" للمؤلف\n(٣) انظر ص (٢٠٦)\n(٤) انظر ص (٤٥٠)","vol":"3","page":475},{"text":"* وقال أبو حامد الغزالي ﵀:\n\"لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات\" (١) اهـ.\n* وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀:\n\"إن العمل استمر على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال\" (٢) اهـ.\nالرابع: ما هي الحالات التي يرخص فيها بالسفور أمام الأجنبي؟\nنظرًا لأن الشرع الحنيف إنما حرم السفور سدًّا لذريعة الفتنة، ونظرَا للقاعدة الفقهية التي تنص على أن: ما مُنعَ سدًّا للذريعة ابِيحَ للمصلحة الراجحة، فقد رفع الله الحرج عن المرأة حيث احتاجت إلى كشف وجهها، وكذا عن الرجل إذا طرأت حاجة إلى النظر إليه، فمن هذه الحالات:\nأولا: عند الخِطبة، وقد تقدمت الأدلة في ذلك (٣) .\nثانيا: عند التداوي إذا فقدت طبيبة تداويها، بشرط عدم الخلوة، وقصر النظر على موضع الحاجة، وتحري الطبيب العدل الثقة (٤) .\nثالثا: عند تعليمها العلم الواجب إذا افتقدت امرأة تعلمها، وكذا محرما صالحًا، وأن يتعذر التعليم من وراء حجاب، وإلا لم يحل لها الكشف، ولا له النظر، وأن تؤمن الفتنة من الجانبين.\nرابعا: عند التقاضي، والشهادة، وزاد بعضهم: المعاملة التي قد تستوجب الشهادة.\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (٤/٧٢٩) .\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٨) .\n(٣) راجع (ص (٣٥٢) وما بعدها.\n(٤) انظر: \"شرح السنة\" (٩/٢٣) .","vol":"3","page":476},{"text":"* قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى:\nللمفتي والقاضي والشاهد أن ينظر إلى وجه المرأة إذا كلمتهم في الفتوى والقضاء والشهادة، فأما القاضي والشاهد فلابد من كشف وجهها له لِيَعْلَمَ على من يَقضي، وعلى من شَهد، إذ العلم بالمقضي عليه والمشهود عليه شرط، فأما المفتي فلا ينظر إليها إلا إذا كانت سافرة بسبب أو كان ذلك مما يتعلق بالتقوى، ومن العلماء من قال: ينظر إليها، فإنها مأمورة بسؤاله، وهو مأمور بإجابتها، وكلاهما عورة أباحته الفتوى، فكذلك رؤيتها لأن ذلك يتم بالرؤية\" (١) اهـ.\nخامسا: عند الإكراه، كما في حالة العيش في ظل حكومات \"إرهابية\" جائرة، تسلط جلاوزتها على المنتقبات لإيذائهن، أو اعتقالهن، أو فصلهن من وظائفهن إذا كانت المصدر الوحيد لرزقهن، فإن الأمر إذا ضاق اتسع، والصبر أولى.\nوفي جميع الحالات الاستثنائية الآنفة الذكر، يجب على المرأة أن تجتنب إظهار زينتها كالحلي والأصباغ ونحوها.\nالتنبيه الخامس: اعلم أن الشريعة المحكمة ترمى من وراء تشريع الحجاب إلى منع الفتنة ابتداء من مجرد الاستحسان والتلذذ بالنظر الذي هو زنا العين، وانتهاء بالفاحشة الكبرى، وآية ذلك:\n- أن للمرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والحج إذا أمنت نظر الرجال إليها.\n- وأن لها أن تكشفه في الظلام إذا كانت بحيث لا تُرى، وعليه حُملَ حديث (كن ينصرفن من صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس) . إن احتمل كونهن سافرات.\n- وأن لها أن تكشفه أمام رجل أعمى لا يراها.\n_________\n(١) \"عارضة الأحوذي\" (٤/ ٥٦) .","vol":"3","page":477},{"text":"- وأن لها أن تكشفه إذا كانت عجوزًا قاعدًا لا يُشتَهي مثلها.\n- وأن لها أن تكشفه أمام صبي غير ذي شهوة، وكذا أمام من ذهبت شهوته من الرجال، أو من لا شهوة له منهم أصلا.\n***","vol":"3","page":478},{"text":"الخاتمة\nتذكرة ... ومعذرة\n* أما التذكرة:\nفهي للمؤمنين والمؤمنات، والتائبين والتائبات:\nقال الله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥» [الذاريات: ٥٥]\nوقال رسول الله ﷺ: \"إن الدين النصيحة\" الحديث (١)، وقال ﷺ في صفة المؤمن: \"إن المؤمن خُلِق مُفَتَّنا، تَوابَا نسِيا، إذا ذُكرَ ذَكَرَ\" (٢) .\nفيا أيتها الأخت المسلمة:\nتدبري قول الله تعالى: \" (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦» [الحديد: ١٦]، فهلا كان جوابكِ: \"بلى آن يارب\"؟\nوهلا تدبرت قول رسول الله ﷺ: \"نَحِّ الأذى عن طريق المسلمين\" (٣)؟\nفإذا كانت إماطة الأذى عن الطريق من شُعَبِ الإيمان التي أمر بها رسول الله ﷺ؛ فأيهما أشد أذى: شوكة أو حجر في الطريق، أم فتنة\n_________\n(١) رواه من حديث تميم الداري ﵁ مسلم رقم (٥٥) في الإيمان: باب بيان أن الدين النصيحة، وأبو داود رقم (٤٩٤٤) فى الأدب: باب في النصيحة، والنسائي (٧/ ١٥٦) فى البيعة: باب النصيحة للإمام.\n(٢) رواه من حديث ابن عباس ﵄ الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، وقال الهيثمي: (أحد إسناد الكبير رجاله ثقات) اهـ، من \"فيض القدير\" (٥/\n٤٩١)، وانظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ١٧٢) .\n(٣) رواه من حديث أبي برزة ﵁ أبو يعلى في \"مسنده\"، وابن حبان في \"صحيحه\"، كما في الجامع الصغير\"، وزاد الألباني عزوه إلى ابن أبي شيبة، والضياء.\nانظر: \"صحيح الجامع\" (٦/ ٢٥) .","vol":"3","page":479},{"text":"تفسد القلوب، وتعصف بالعقول، وتشيع الفاحشة؟\nإنه ما من شاب مسلم يبتلي منكِ اليوم بفتنة تصرفه عن ذكر الله، وتصده عن صراطه المستقيم - كان بُوسعكِ أن تجعليه في مأمنٍ منها - إلا أعقبك منها غدًا نكال من الله عظيم.\nيا غافلا يتمادَى ... غدًا عليكَ يُنادَى\nهذا الذي لم يُقَدِّمْ ... قبل الترحُّل زادا\nهذا الذي وعظوه ... وخَوَّفوه المعادا\nفلم يكن لمنادِيه ... طائِعًا منقادا (١)\nبادري إلى طاعة ربك ﷿، ودعي عنكِ انتقادَ الناس ولومَهم،\nفإن حساب الله غدا أشد وأعظم:\nأيها اللائمُ دعني ... لستُ أصغي للملام\nانني أطلب مُلكًا ... نيلُه صعْبُ المرام\nفي جِنانِ الخُلْدِ في الفِرْ ... دَوْسِ في دارِ السلام\nقولي لدعاة الرذيلة، وخونة الفضيلة:\nإليك عني، إليكَ عني ... فلستُ منكَ، ولستَ مني\nترفعي عن طلب مرضاتهم ومداهنتهم، فإن التسامي إلى مرضاة الله أسعد لك وأسلم، عن عروة بن الزبير ﵄ مرفوعا: \"من التمس رضا الله بسخط الناس، ﵁، وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس\" (٢) .\nوإن كنتِ حقا قد رضيتِ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولا وبزوجاته وبناته ونساء المؤمنين أسوة وقدوة:\nفسارعي إلى التوبة، ولا تُسَوِّفي، بل قولي كما قال موسى ﵇: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه: ٨٤] .\n_________\n(١) \"غالية المواعظ \" لأبي البركات نعمان الألوسي (٢/٦٥) .\n(٢) انظر \"تحقيق شرح الطحاوية\" هامش (ص ٢٣٥) .","vol":"3","page":480},{"text":"وقولي كما قال المؤمنون من قبل: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: ٢٨٥] .\nوأما المعذرة\nفهي إلى ربنا ﷿، من:\n- هؤلاء المعرضين الذين سيقولون بلسان حالهم: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) [الشعراء: ١٣٦] .\n- وهؤلاء المغرضين المضلين الذين تمردوا على أهل العلم، وشذوا عن المألوف، وأمروا بالمنكر، ونَهَوْا عن المعروف.\nأعني أصحاب العقلية الورقية التافهة الذين يَتَوَلَّوْنَ اليوم البحث في قضايا المرأة والحجاب، ويقومون بصياغة الشعارات الاجتماعية التي تتمخض كل يوم عن بلية لا لَعًا (١) لها، وفتنة - وقى الله شرها - ممثلة في تلك الفتاوى المضجعة، المحلولة العقال، المبنية على التجري، لا التحري، المؤسسة على الظن، وهو أكذب الحديث، أو الهوى، وهو معبود باطل خبيث، يصدرها قوم لا خلاق لهم من الصحافيين، ومن أسموهم المفكرين، تعج منهم الحقوق إلى الله عجيجا، وتضج منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجا يُنَفِّرون من النقاب لا لأن البحث العلمي أداهم إلى أنه مكروه أو محرم أو بدعة كما يرجفون ولكن لأنه يشمئز منه مقلدوهم من كفار الشرق والغرب.\nفاللهم باعد بين نسائنا وبناتنا وأخواتنا وبينهم كما باعدت بين المشرق\nوالمغرب.\nويا أيها الناظر فيه، الواقف على معانيه:\n_________\n(١) لعا – كعصى - كلمة يراد منها الانتعاش من العثرة، يقال في الدعاء للعاثر: لعًا له، وفي الدعاء عليه: لا لعًا له.","vol":"3","page":481},{"text":"إنْ تجدْ عيبا فَسُدَّ الخَلَلَا ... فجلَّ من لا عيب فيه وعلَا\n***\nفما كان فيه من حق وصواب فمن الله هو المانُّ به، فإن التوفيق بيده،\nوما كان فيه من زلل فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.\nولله دَر الإمام ابن القيم - ﵀ - حيث قال:\nفلك أيها القارئ صفوُهُ، ولمؤلفه كدرُهُ، وهو الذي تجشَم غراسه وَتَعَبَهُ، ولك ثَمَره، وها هو قد استهدف لسهام الراشقين، وأستعذر إلى الله من الزلل والخطأ، ثم إلى عباده المؤمنين (١) .\n***\nوهذا آخر ما قصدت جمعه وترتيبه، وإني أبتهل إلى الله تعالى بأكف الضراعة وأتوسل إليه بحبه نَبِيَّهُ محمدَا ﷺ أن يجعله خالصَا لوجهه الكريم، وسببا للفوز بالرضى والقبول والتكريم، وأن يجعله لنفع عباده الصالين موقوفَا، وعن أهل التحذلق والتنطع مصونًا مصروفا، وأن يرحمني ووالديَّ وسائر المسلمين، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين:\nقرُب الرحِيلُ الى دِيارِ الآخره ... فَاجعَلْ إلهي خيرَ عُمرِي آخِرَهُ\nفلئن رَحمتَ فأنت أكرم رَاحِمٍ ... وَبِحارُ جُودِك يا إلهي زاخِرَه\nآنِسْ مبيتي في القبورِ وَوِحْدَتي ... وارحم عظامي حين تبقى ناخِرَه\nفأنا المُسَيْكِينُ الذي أيَّامُهُ ... وَلَّتْ بِأوْزارٍ غَدَتْ مُتَواتِرَه\nوتَولهُ باللُّطفِ عِنْدَ مَآلِهِ ... يا مَالِكَ الدنيا وَرَبَّ الآخِرَه (٢)\nوصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.\n_________\n(١) \"مفتاح دار السعادة\" (ص ٦٧) ط. الشيخ زكريا علي يوسف ﵀.\n(٢) وهذا الشعر مما يعزى إلى الإمام الشافعي ﵀.","vol":"3","page":482},{"text":"الفهارس","vol":"3","page":483}]}