{"ً":{"ٌ":9257,"ٍ":"اتباع لا ابتداع - قواعد وأسس في السنة والبدعة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["9257/95437.pdf"]},"ّ":"الكتاب: اتباع لا ابتداع. . قواعد وأسس في السنة والبدعة\nالمؤلف: حسام الدين بن موسى عفانه\nالطبعة: الثانية، مصححة ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\n(بيت المقدس - فلسطين)\nعدد الصفحات: ٢٧١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[اتباع لا ابتداع - حسام عفانة]\n\nقواعد وأسس في السنة والبدعة وذكر تقسيمات السنة والبدعة وحكم الابتداع وأسبابه وأسباب انتشار البدع، ثم فصّلت الكلام على أهم البدع المنتشرة في ديارنا كبدع الأذان والصلاة والدعاء والاحتفالات والمواسم المبتدعة وخصصت البدع المتعلقة بالمسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة بشيء من التفصيل. وصدرت الطبعة الأولى في القدس سنة ١٤٢٢هـ ٢٠٠١م.","ٓ":"1.0","ٔ":596,"ٕ":1,"ٖ":1770154928,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"أقوال في الاتباع والابتداع","level":1,"page":4},{"title":"مقدمة الطبعة الثانية","level":1,"page":5},{"title":"مقدمة الطبعة الأولى","level":1,"page":6},{"title":"الفصل الأول قواعد وأسس في السنة والبدعة","level":1,"page":9},{"title":"المبحث الأول الحث على إتباع السنة والتحذير من البدعة وبيان أسباب الابتداع","level":2,"page":10},{"title":"أولا: الآيات الكريمات التي تأمر بالإتباع وتنهى عن الابتداع:","level":3,"page":10},{"title":"ثانيا: الأحاديث النبوية التي تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع:","level":3,"page":13},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة عن السلف في لزوم السنة وذم البدعة:","level":3,"page":16},{"title":"المبحث الثاني تعريف البدعة لغة واصطلاحا","level":2,"page":20},{"title":"أولا: تعريف البدعة لغة:","level":3,"page":20},{"title":"ثانيا: تعريف البدعة اصطلاحا:","level":3,"page":21},{"title":"مناهج العلماء في تعريف البدعة:","level":3,"page":22},{"title":"المنهج الأول في تعريف البدعة:","level":3,"page":22},{"title":"ومن أشهر ما اعتمد هؤلاء العلماء عليه ما يلي:","level":3,"page":24},{"title":"المنهج الثاني في تعريف البدعة:","level":3,"page":27},{"title":"استدل العلماء القائلون بذم البدعة بما يلي:","level":3,"page":29},{"title":"المنهج المختار في تعريف البدعة:","level":3,"page":34},{"title":"المبحث الثالث الأصل في العبادة الاتباع","level":2,"page":43},{"title":"الأدلة من السنة على هذا الأصل","level":3,"page":43},{"title":"الأدلة من آثار الصحابة على هذا الأصل","level":3,"page":46},{"title":"المبحث الرابع لا يجوز إثبات نوع من العبادات لدخوله تحت الدليل العام بل لا بد من دليل خاص","level":2,"page":53},{"title":"المبحث الخامس تقسيم السنة النبوية إلى فعلية وتركية وأثر الجهل بهذا الأصل في الابتداع","level":2,"page":62},{"title":"المبحث السادس تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية","level":2,"page":72},{"title":"الأول: البدعة الحقيقية.","level":3,"page":72},{"title":"الثاني: البدعة الإضافية.","level":3,"page":72},{"title":"المبحث السابع حكم البدعة","level":2,"page":77},{"title":"المبحث الثامن أسباب الابتداع","level":2,"page":83},{"title":"المبحث التاسع أسباب انتشار البدع","level":2,"page":85},{"title":"الفصل الثاني البدع المنتشرة بين الناس في المساجد وغيرها","level":1,"page":86},{"title":"المبحث الأول البدع المتعلقة بالأذان","level":2,"page":87},{"title":"المسألة الأولى: قراءة القرآن قبل الأذان للصلوات الخمس وقبل الأذان للجمعة:","level":3,"page":87},{"title":"المسألة الثانية: الأذان بواسطة شريط مسجل عليه الأذان:","level":3,"page":89},{"title":"المسألة الثالثة: الصلاة على النبي - ﷺ - بعد الأذان بحيث تكون جزءا منه:","level":3,"page":91},{"title":"المسألة الرابعة: الذكر قبل أذان الفجر وقبل أذان العشاء ليلتي الإثنين والجمعة.","level":3,"page":99},{"title":"المسألة الخامسة: قراءة سورة الإخلاص","level":3,"page":103},{"title":"المبحث الثاني البدع المتعلقة بالنية","level":2,"page":104},{"title":"المسألة الأولى: الجهر بالنية:","level":3,"page":104},{"title":"المسألة الثانية: طلب الإمام من المأمومين أن يستحضروا النية:","level":3,"page":115},{"title":"المبحث الثالث ختم الصلاة الجماعي","level":2,"page":117},{"title":"المبحث الرابع بدعة المصافحة بعد الصلاة وقول المصلي للآخر: تقبل الله منا ومنكم","level":2,"page":122},{"title":"المبحث الخامس بدع محدثة في دعاء القنوت","level":2,"page":127},{"title":"تقليب اليدين عند الدعاء","level":3,"page":128},{"title":"ثانيا: مسح الوجه والبدن في دعاء القنوت:","level":3,"page":129},{"title":"المبحث السادس بدع الجمعة","level":2,"page":132},{"title":"المسألة الأولى: الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - قبل أذان الجمعة:","level":3,"page":132},{"title":"المسألة الثانية: نداء المؤذن بين يدي خطيب الجمعة بالحديث النبوي","level":3,"page":134},{"title":"المسألة الثالثة: دعاء المؤذن عند جلوس الخطيب بين الخطبتين:","level":3,"page":137},{"title":"المسألة الرابعة: رفع الخطيب يديه عند الدعاء في الخطبة:","level":3,"page":138},{"title":"المبحث السابع بدع العيدين","level":2,"page":140},{"title":"المسألة الأولى: قول المؤذن عند المناداة لصلاة العيد","level":3,"page":140},{"title":"المسألة الثانية: فرقة التكبير وما تقوم به من أمور مبتدعة:","level":3,"page":148},{"title":"المبحث الثامن بدع الجنائز","level":2,"page":150},{"title":"المسألة الأولى: رفع الصوت بالذكر أثناء تشييع الجنازة:","level":3,"page":154},{"title":"المسألة الثانية: بدعة التلقين بعد الدفن:","level":3,"page":156},{"title":"المسألة الثالثة: قراءة الختمة للأموات:","level":3,"page":162},{"title":"المسألة الرابعة: إحياء ذكرى الأربعين:","level":3,"page":166},{"title":"المسألة الخامسة: بدعة التأبين:","level":3,"page":168},{"title":"المسألة السادسة: وضع جريد النخيل والزهور والورود على القبور:","level":3,"page":171},{"title":"المسألة السابعة: زيارة القبور يومي العيدي:","level":3,"page":177},{"title":"المسألة الثامنة: قراءة القرآن على القبور:","level":3,"page":181},{"title":"المبحث التاسع بدعة الاحتفال بموسم النبي موسى ﵇","level":2,"page":187},{"title":"وصف الاحتفال","level":3,"page":187},{"title":"أولا: أين دفن موسى ﵇؟","level":3,"page":191},{"title":"ثانيا: شد الرحال إلى القبور والمقامات:","level":3,"page":195},{"title":"ثالثا: متى حدث الاحتفال بموسم النبي موسى:","level":3,"page":198},{"title":"المبحث العاشر البدع المتعلقة بالمسجد الأقصى","level":2,"page":200},{"title":"المسألة الأولى: بدعة تسمية المسجد الأقصى حرما:","level":3,"page":200},{"title":"المسألة الثانية: بدع الصوفية في المسجد الأقصى والأناشيد الدينية والفرق المنشدة:","level":3,"page":204},{"title":"المسألة الثالثة: بدعة الطواف بمسجد قبة الصخرة:","level":3,"page":209},{"title":"المسألة الرابعة: بدعة التمسح بالصخرة:","level":3,"page":210},{"title":"خرافات متعلقة بالصخرة","level":3,"page":211},{"title":"المبحث الحادي عشر بدعة الاحتفال بالمولد النبوي","level":2,"page":218},{"title":"الأدلة على بدعيته","level":3,"page":218},{"title":"المبحث الثاني عشر بدعة الاحتفال بعيد الميلاد","level":2,"page":226},{"title":"المبحث الثالث عشر بدعة الاحتفال بالإسراء والمعراج","level":2,"page":233},{"title":"المبحث الرابع عشر بدعة الاحتفال بالهجرة","level":2,"page":239},{"title":"الأدلة على عدم شرعيته","level":3,"page":241},{"title":"المبحث الخامس عشر بدع موسمية أخرى","level":2,"page":243},{"title":"المبحث السادس عشر البدع المتعلقة بقراءة القرآن الكريم","level":2,"page":244},{"title":"المسألة الأولى: ما يتعلق بسورة الفاتحة:","level":3,"page":244},{"title":"قائمة المصادر","level":1,"page":249},{"title":"فهرس المحتويات","level":1,"page":264}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270},"ٜ":{"1":[1,271]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271"],"ٞ":{"4":[1],"5":[2],"6":[3],"9":[4],"10":[5,6],"13":[7],"16":[8],"20":[9,10],"21":[11],"22":[12,13],"24":[14],"27":[15],"29":[16],"34":[17],"43":[18,19],"46":[20],"53":[21],"62":[22],"72":[23,24,25],"77":[26],"83":[27],"85":[28],"86":[29],"87":[30,31],"89":[32],"91":[33],"99":[34],"103":[35],"104":[36,37],"115":[38],"117":[39],"122":[40],"127":[41],"128":[42],"129":[43],"132":[44,45],"134":[46],"137":[47],"138":[48],"140":[49,50],"148":[51],"150":[52],"154":[53],"156":[54],"162":[55],"166":[56],"168":[57],"171":[58],"177":[59],"181":[60],"187":[61,62],"191":[63],"195":[64],"198":[65],"200":[66,67],"204":[68],"209":[69],"210":[70],"211":[71],"218":[72,73],"226":[74],"233":[75],"239":[76],"241":[77],"243":[78],"244":[79,80],"249":[81],"264":[82]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"اتباع لا ابتداع\nتأليف\nالأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه\nأستاذ الفقه والأصول\nكلية الدعوة وأصول الدين\nجامعة القدس","vol":"1","page":1},{"text":"الطبعة الثانية\nمصححة\nبيت المقدس / فلسطين\n١٤٢٥ هـ\n٢٠٠٤ م\n\nطبع هذا الكتاب على نفقة فاعل خير جزاه الله خير الجزاء\n\nصف وتنسيق: حذيفة بن حسام الدين عفانه","vol":"1","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>أقوال في الاتباع والابتداع</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة النور الآية ٦٣.\nوقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ سورة المائدة الآية٣.\nوقال النبي - ﷺ -: ﴿إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة﴾ رواه مسلم.\nوقال النبي - ﷺ -: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ رواه البخاري ومسلم.\nوفي رواية لمسلم: ﴿من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد﴾.\nوقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: ﴿الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة﴾.\nوقال ابن مسعود أيضا: ﴿اتبعوا ولا تتبدعوا فقد كفيتكم﴾.\nوقال الإمام الأوزاعي: ﴿اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفو اعنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم﴾","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة الطبعة الثانية</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٢. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء الآية ١.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآيتان ٧٠ - ٧١.\nأما بعد، فهذه الطبعة الثانية لكتابي اتباع لا ابتداع، وقد قمت بتصحيح الأخطاء التي وقعت في الطبعة الأولى بقدر الوسع رغم ضيق الأوقات، وأرجو الله جل في علاه أن تتاح لي الفرصة مستقبلًا لزيادة موضوعات الكتاب وإلحاق مسائل جديدة به لم أتعرض لها فيما سبق.\nواسأل الله العظيم أن ينفع بهذا الكتاب طلبة العلم وأهله وعامة الناس إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\nكتبه أ. د. حسام الدين بن موسى عفانه\n\nبيت المقدس / أبوديس\nيوم الثلاثاء ٢١ شعبان ١٤٢٥هـ وفق ٥/ ١٠/٢٠٠٤ م","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة الطبعة الأولى</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٢. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء الآية ١.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآيتان ٧٠ - ٧١.\nأما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي، هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوإن تحرير مسائل البدع والابتداع مما ينفع المسلمين في أمر دينهم ودنياهم وهو عون للدعاة والمصلحين على سعيهم للعودة بالناس إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كما فهمها سلف هذه الأمة من الصحابة الكرام والتابعين والأئمة الأعلام.\nوقد رأيت بدعًا كثيرةً منتشرةً بين الناس في بلادنا وخاصة في المساجد حيث إن سكوت أكثر العلماء والمنتسبين للعلم الشرعي عنها جعل الناس يعتقدونها دينًا صحيحًا فرغبت في جمع معظم هذه البدع وبيان وجه بدعيتها ومخالفتها لشرع الله القويم وهدي النبي الكريم - ﷺ - فاستعنت بالله العظيم وسطرت هذه الصفحات في بيان","vol":"1","page":6},{"text":"الأمور المبتدعات والتحذير منها والحث على إتباع السنن والمندوبات فقد صحت الأحاديث بالأمر بالإتباع والنهي عن الابتداع.\nوقد جعلت هذا الكتاب في فصلين:\nالفصل الأول تحدثت فيه عن أصول في السنة والبدعة فبدأت بذكر الآيات الكريمات والأحاديث النبوية والآثار السلفية التي تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع، ثم عرفت البدعة وبينت مناهج العلماء في ذلك واخترت ما اعتقدت أنه الصواب في هذا الباب وبينت أن الأصل الأصيل في باب العبادات هو إتباع النبي - ﷺ - وسقت الأدلة والبراهين على ذلك.\nثم أعقبت ذلك بذكر تقسيمات للسنة وللبدعة ووضحت حكم الابتداع وأسبابه وأسباب انتشار البدع.\nوأما الفصل الثاني فجعلته لبيان البدع المنتشرة واقتصرت فيه على أهمها وأشهرها فبينت البدع المتعلقة بالأذان والنية والصلاة والدعاء والجمعة والعيدين والجنائز والاحتفالات والمواسم المبتدعة وغير ذلك وأعقبت ذلك بالحديث عن البدع المتعلقة بالمسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، وبدع القراءة مما ستراه مفصلًا في هذا الكتاب.\nثم أتبعت ذلك فهارس للآيات والأحاديث والآثار والمصادر وفهرسًا للمحتويات.\nوفي الختام فإني أعلم أن كثيرًا من المنتسبين للعلم الشرعي في هذه البلاد ما اعتادوا سماع مثل هذا الكلام لأنهم تربوا على التقليد وعلى بقاء القديم على قدمه ولأنهم لا يقدرون على مواجهة العوام الذين يعتبرون الحديث عن البدع على أنه دين جديد.","vol":"1","page":7},{"text":"فينبغي أن يُعلم أن العوام لا شأن لهم في مسائل الأحكام وغيرها من مسائل الإسلام فلا عبرة بقولهم ولا يعتد به، ولا يلتفت إليه، ولا يعول عليه.\nوعلى العلماء وطلبة العلم الشرعي أن يبينوا للعامة أحكام الإسلام استنادًا لما في كتاب الله وسنة النبي - ﷺ -، وهذا ما حاولت الوصول إليه في هذا الكتاب فإن أصبت فالفضل لله أولًا وأخيرًا، وأن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان.\nوأخيرًا أسأل الله العظيم رب العرش العظيم، أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفعني به يوم يقوم الناس لرب العالين وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.\nكتبه د. حسام الدين بن موسى عفانه\nأبوديس / القدس\nضحى يوم الخميس الفاتح من صفر الخير ١٤٢٢ هـ\nوفق ٢٦ نيسان ٢٠٠١ م","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول\nقواعد وأسس في السنة والبدعة</span>","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الأول\nالحث على إتباع السنة والتحذير من البدعة\nوبيان أسباب الابتداع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>أولًا: الآيات الكريمات التي تأمر بالإتباع وتنهى عن الابتداع:</span>\n١. قال الله تعالى: (وأن هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١).\nقال القرطبي: [هذه آية عظيمة ... فإنه لما نهى وأمر وحذر هنا عن اتباع غير سبيله فأمر فيها باتباع طريقه] (٢).\nفالصراط المستقيم المذكور في الآية الكريمة هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع والأهواء (٣).\n٢. وقال الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٤).\nقال الراغب الأصفهاني: [والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو قوله] (٥).\nوحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: [سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال\n_________\n(١) سورة الأنعام الآية ١٥٣.\n(٢) تفسير القرطبي ٧/ ١٣٧.\n(٣) انظر الإبداع ص ٩٢ - ٩٣.\n(٤) سورة النور الآية ٦٣.\n(٥) المفردات في غريب القرآن ص ١٥٦.","vol":"1","page":11},{"text":": يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله - ﷺ - فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله - ﷺ - إني سمعت الله يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)] (١).\n٣. وقال الله تعالى: (وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (٢)\n٤. وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٣). فأمر الله ﷾ برد المتنازع فيه إلى قوله ﷻ وإلى قول الرسول - ﷺ -.\n٥. وقال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (٤).\n_________\n(١) الاعتصام ١/ ١٣٢.\n(٢) سورة الحشر الآية ٧.\n(٣) سورة النساء الآية ٥٩.\n(٤) سورة المائدة الآية ٣.","vol":"1","page":12},{"text":"قال الإمام مالك ﵀: [ومن أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله - ﷺ - خان الدين لأن الله تعالى يقول:\n(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا] (١).\nولأن الله ﷾ أخبر بأن الشريعة قد كملت قبل وفاة النبي - ﷺ - فلا يتصور أن يجيء إنسان ويخترع فيها شيئًا لأن الزيادة عليها تعتبر استدراكًا على الله ﷾ وتوحي بأن الشريعة ناقصة وهذا يخالف ما جاء في كتاب الله (٢).\n٦. وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبونَ اللَّهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣).\nقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي: [تنبيه: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله - ﷺ - هي اتباعه - ﷺ - فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر إذ لو كان محبًا له لأطاعه ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة ومنه قول الشاعر:\nلو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع] (٤).\n٧. وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (٥).\n_________\n(١) الاعتصام ٢/ ٥٣.\n(٢) الموسوعة الفقهية ٨/ ٢٣.\n(٣) سورة آل عمران الآية ٣١.\n(٤) أضواء البيان ١/ ٢١٧، وانظر تفسير المنار ٣/ ٢٨٤.\n(٥) سورة الشورى الآية ٢١.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>ثانيًا: الأحاديث النبوية التي تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع:</span>\n١. عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى. ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم (١).\nوفي رواية عند النسائي: [وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار] وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني (٢).\n٢. وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: [خطَّ لنا رسول الله - ﷺ - يومًا خطًا ثم قال: هذا سبيل الله ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» الآية، رواه الدارمي وأحمد والنسائي وقال الألباني: حديث صحيح (٣).\n٣. وعن أبي نجيح العرباض بن سارية - ﵁ - قال: (صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر ثم وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل:\nيا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٤٦٤.\n(٢) سنن النسائي ٣/ ١٨٨ - ١٨٩، صحيح سنن النسائي ١/ ٣٤٦.\n(٣) كتاب السنة ص ١٣، مشكاة المصابيح ١/ ٥٩، سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان ٢/ ٢٤١.","vol":"1","page":14},{"text":"كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح ورواه أحمد وابن حبان، وهو حديث صحيح صححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي (١).\n٤. وعن عائشة ﵄ قالت: (قال رسول الله - ﷺ -: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم (٢).\nوفي رواية لمسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) (٣).\nقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث \" الأعمال بالنيات \" ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء] (٤).\n٥. وعن بلال بن الحارث - ﵁ - قال: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أحيا سنة قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن ابتدع بدعة لا ترضي الله ورسوله فإن له مثل إثم من عمل بها من\n_________\n(١) عون المعبود ١١/ ٢٣٤، تحفة الأحوذي ٧/ ٣٦٥، صحيح ابن حبان ١/ ١٧٨، الفتح الرباني ١/ ١٨٨، المستدرك ١/ ٢٨٨.\n(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ٢٣٠، صحيح مسلم مع شرح النووي ٣/ ٣٧٩.\n(٣) صحيح مسلم مع شرح النووي ٣/ ٣٨٠.\n(٤) جامع العلوم والحكم ص ٨١.","vol":"1","page":15},{"text":"الناس لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئًا) رواه الترمذي وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال البغوي: هذا حديث حسن. وصححه الشيخ الألباني (١).\n٦. وعن أبي شريح الخزاعي قال: (خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: بلى. قال: إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا) رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢).\n٧. وعن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس في حجة الوداع فقال: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه] رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وقال الشيخ الألباني: حسن ... وله أصل في الصحيح (٣).\n٨. وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (قال رسول الله - ﷺ -: إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته) رواه الطبراني وإسناده حسن وصححه الألباني (٤).\n_________\n(١) سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ١٠/ ١٠٦ - ١٠٧، سنن ابن ماجة ١/ ٧٦، شرح السنة ١/ ٢٣٣، صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٤١ - ٤٢.\n(٢) صحيح الترغيب والترهيب ص ٢٠ - ٢١.\n(٣) المصدر السابق ص ٢١، المستدرك ١/ ٢٨٤.\n(٤) المصدر السابق ص ٢٥ - ٢٦.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثالثًا: الآثار الواردة عن السلف في لزوم السنة وذم البدعة:</span>\n١. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: [كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة] رواه البيهقي في المدخل وقال الشيخ الألباني: صحيح الإسناد (١).\n٢. وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: [الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة] رواه الدارمي والبيهقي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني (٢).\n٣. وعنه أيضًا قال: [اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم] رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي ورواه الدارمي (٣).\n٤. وعنه أيضًا قال: [اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلاله] رواه أبو خيثم في كتاب العلم وقال الشيخ الألباني هذا إسناد صحيح (٤).\n٥. وعنه أيضًا قال: [أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول] رواه الدارمي وصححه الحافظ ابن حجر وابن رجب الحنبلي (٥).\n_________\n(١) إصلاح المساجد ص ١٣، وانظر البدعة وأثرها السيئ في الأمة ص ٤٢.\n(٢) الباعث ص ١٣، الأمر بالإتباع ص ٤٨، صحيح الترغيب والترهيب ص ٢١، سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان ٢/ ٢٨٨.\n(٣) مجمع الزوائد ١/ ١٨١، سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان ٢/ ٢٥٨.\n(٤) كتاب العلم ص ١٢٢.\n(٥) سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان ٢/ ١٨٤، الأمر بالإتباع ص ٥٩ - ٦٠.","vol":"1","page":17},{"text":"٦. وعنه أيضًا قال: [تعلموا العلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع وعليكم بالعتيق] رواه الدارمي ومعمر في الجامع وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١).\n٧. وعن حذيفة - ﵁ - قال: [يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا فإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا] رواه البخاري.\nقال الحافظ: [قوله يا معشر القراء: المراد بهم العلماء بالقرآن والسنة العبّاد] (٢).\n٨. وعنه - ﵁ - قال: [كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تتعبدوا بها فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا فاتقوا الله يا معشر القرآء خذوا طريق من كان قبلكم] رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ومحمد بن نصر في السنة، وأبو نعيم وابن عساكر وذكره أبو شامة في الباعث وعزاه لأبي داود وكذلك فعل السيوطي وغيره وقال الشيخ الألباني لم أجده في السنن (٣).\n٩. وقال أبو العالية: [عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا] ذكره ابن الجوزي وذكره السيوطي ورواه معمر في الجامع (٤).\n_________\n(١) سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان ٢/ ١١٥، المصنف لعبد الرزاق ١١/ ٢٥٢، جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٥٢، وانظر الأمر بالإتباع ص ٥٩.\n(٢) صحيح البخاري مع الفتح ١٧/ ١٥.\n(٣) الباعث ص ١٥ - ١٦، الإتباع ص ٦٢، إصلاح المساجد ص ١٢، السلسلة الضعيفة ١/ ٣٧٤.\n(٤) تلبيس إبليس ص ٨، الأمر بالإتباع ص ٤٩، المصنف لعبد الرزاق ١١/ ٣٦٧.","vol":"1","page":18},{"text":"١٠. وقال الأوزاعي: [اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم] ذكره ابن الجوزي والسيوطي (١).\n١١. وقال عمر بن عبد العزيز - ﵁ -: [سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سننًا الأخذ بها تصديق بكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها. من عمل بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا] رواه ابن عبد البر وذكره الشاطبي في الاعتصام وقال إنه كان يعجب مالكًا جدًا (٢).\nقال الشاطبي: [وبحق وكان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولًا حسنة من السنة منها ما نحن فيه لأن قوله: ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها. قطع لمادة الابتداع جملة. وقوله: من عمل بها فهو مهتد. مدح لمتبع السنة وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك، وهو قول الله ﷾\n: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)] (٣).\n١٢. وقال عمر بن عبد العزيز يوصي رجلًا: [أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه - ﷺ - وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته ... فعليك\n_________\n(١) تلبيس إبليس ص ٩، الأمر بالإتباع ص ٤٩.\n(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٨٧، الاعتصام ١/ ٨٧.\n(٣) الاعتصام ١/ ٨٧.","vol":"1","page":19},{"text":"بلزوم سنته فإنها لك بإذن الله عصمة ...] رواه أبو داود، وقال الشيخ الألباني: صحيح مقطوع (١).\n١٣. وعن الفضيل بن عياض ﵀ قال: [اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين] ذكره الشاطبي والسيوطي (٢).\n١٤. وعن عثمان الأزدي قال: [دخلت على ابن عباس ﵄ فقلت له أوصني. فقال: عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع] ذكره الخطيب في الفقيه والمتفقه، والبغوي في شرح السنه، وأبو شامة في الباعث، والسيوطي في الأمر بالاتباع (٣).\n_________\n(١) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ١٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩، صحيح سنن أبي داود ٣/ ٨٧٣.\n(٢) الاعتصام ١/ ٨٣، الأمر بالإتباع ص ١٥٢.\n(٣) الفقيه والمتفقه ١/ ١٧٣، شرح السنة ١/ ٢١٤، الباعث ص ١٥، الأمر بالإتباع ص ٦١","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الثاني\nتعريف البدعة لغة واصطلاحًا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>أولًا: تعريف البدعة لغة:</span>\nقال ابن منظور: بدع الشيء يبدعه بدعًا وابتدعه أنشأه وبدأه ... البديع، والبدع: الشيء الذي يكون أولًا، وفي التنزيل: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) أي ما كنت أول من أرسل وقد أرسل قبلي رسل كثير.\nوالبدعة: الحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال، وأبدع وابتدع وتبدع: أتى ببدعة قال الله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) وبدَّعه نسبه إلى البدعة.\nواستبدعه: عده بديعًا. والبديع المحدث العجيب. والبديع: المبدع وأبدعت الشيء اخترعته لا على مثال. والبديع: من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها ...] (١).\nوقال الراغب الأصفهاني: [الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء ... والبديع يقال للمبدع نحو قوله: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ). وقوله تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) قيل معناه مبدعًا لم يتقدمني رسول ... والبدعة في المذهب إيراد قول لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة] (٢).\n_________\n(١) لسان العرب مادة بدع ١/ ٣٤١ - ٣٤٢.\n(٢) المفردات ص ٣٨ - ٣٩.","vol":"1","page":21},{"text":"وقال أبو البقاء الكفوي: [البدعة كل عمل عُمل على غير مثال سبق فهو بدعة] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>ثانيًا: تعريف البدعة اصطلاحًا:</span>\nاختلفت أنظار العلماء في تعريف البدعة وتحديد مفهومها فمنهم من حصر البدعة في باب العبادات فضيق مفهومها فقصرها على الابتداع في باب العبادات اصطلاحًا.\nومنهم من وسع مفهومها فأطلقها على كل محدث من الأمور وجعلها تنقسم إلى أقسام خمسة: فهي إما واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة (٢).\nوقد سار على أحد هذين المنهجين علماء أجلاء وعلماء أعلام لكل وجهة هو موليها وكل منهم يقصد الوصول إلى ما اعتقد أنه الحق والصواب وكل منهم اجتهد فله أجران إن أصاب وأجر واحد إن خالف قوله الصواب وسأذكر المنهجين وأدلتهما وأبين ما أرى أنه الراجح مع الاستدلال.\n_________\n(١) الكليات ص ٢٢٦.\n(٢) انظر مسالك العلماء في تعريف البدعة في المصادر الآتية: قواعد الأحكام ٢/ ١٧٢، الاعتصام ١/ ٣٧، تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢٢، الباعث ص ١٣، اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٧٠، الأمر بالإتباع ص ٨١، تلبيس إبليس ص ١٦، فتح الباري ٥/ ١٥٦، جامع العلوم والحكم ص ٣٣٥، الفروق ٤/ ٢٠٢، تهذيب الفروق ٤/ ٢١٧، الإبداع ص ٢٦، البدعة ص ١٩٥، إصلاح المساجد ص ١٤، إتقان الصنعة ص ٧، السنة والبدعة ص ١٩٥، السنن والمبتدعات ص ١٥، كلمة علمية هادئة في البدعة وأحكامها ص ١٢، فتاوى العقيدة ص ٦١١، فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٢/ ٣٢١، الموسوعة الفقهية ٨/ ٢١.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>مناهج العلماء في تعريف البدعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المنهج الأول في تعريف البدعة:</span>\nيرى جماعة من أهل العلم منهم الإمام عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء وابن الجوزي وأبو شامة المقدسي والنووي والعيني وابن الأثير والقرافي والحافظ ابن حجر والسيوطي وغيرهم (١) أن البدعة تطلق على كل محدثة لم توجد في كتاب الله ﷾ ولا في سنة رسوله - ﷺ - سواء أكانت في العبادات أم العادات وسواء أكانت محمودة أو مذمومة.\nويرى هؤلاء العلماء أن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة فإن وافقت السنة فهي حسنة محمودة وإن خالفت السنة فهي سيئة مذمومة.\nوبناء على هذا الأساس قالوا إن البدعة تنقسم إلى الأقسام الخمسة فهي إما أن تكون واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة.\nقال الإمام النووي: [البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله - ﷺ - وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة.\nقال الشيخ الإمام - المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته - أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام ﵀ في آخر كتاب القواعد: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فمحرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة وللبدع\n_________\n(١) قواعد الأحكام ٢/ ١٧٢ فما بعدها، فتاوى العز بن عبد السلام ص ٣٢٨، تلبيس إبليس ص ١٦ - ١٧، تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢٢ - ٢٣، الباعث ص ٢٨، الفروق ٤/ ٢٠٢ - ٢٠٥، النهاية ١/ ١٠٦، عمدة القاري ٨/ ٢٤٥، فتح الباري ٥/ ١٥٦ - ١٥٧، الأمر بالإتباع ص ٨٩، الإبداع ص ٣١.","vol":"1","page":23},{"text":"الواجبة أمثلة منها الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله تعالى كلام رسول الله - ﷺ - وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب ولا يتأتى حفظها إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الثاني حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة. الثالث تدوين أصول الدين وأصول الفقه. الرابع الكلام في الجرح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين ولا يتأتى ذلك إلا بما ذكرناه. وللبدع المحرمة أمثلة منها: مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة والرد على هؤلاء من البدع الواجبة. وللبدع المندوبة أمثلة منها إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل ومنها جمع المحافل للاستدلال إن قصد بذلك وجه الله تعالى. وللبدع المكروهة أمثلة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف. وللبدع المباحة أمثلة منها المصافحة عقب الصبح والعصر ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام وقد يختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله - ﷺ - فما بعده وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة هذا آخر كلامه] (١).\n_________\n(١) تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢٢ - ٢٣، وانظر كلام العز بن عبد السلام الذي ذكره النووي في قواعد الأحكام ٢/ ١٧٢ - ١٧٤.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>ومن أشهر ما اعتمد هؤلاء العلماء عليه ما يلي:</span>\n١. قول عمر - ﵁ - الذي رواه الإمام البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد بن عبد القاري أنه قال: [خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله] (١) وقوله أوزاع أي جماعة متفرقون.\nقال الحافظ ابن حجر: [في بعض الروايات نعمت البدعة بزيادة تاء] (٢).\n٢. عن مجاهد قال: [دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة وإذا أناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة ...] رواه البخاري ومسلم (٣).\nوقال ابن أبي شيبة: [حدثنا ابن علية عن الجريري عن الحكم بن الأعرج قال: سألت محمدًا - كذا - عن صلاة الضحى وهو مسند ظهره إلى حجرة النبي - ﷺ -، فقال: بدعة ونعمت البدعة] (٤).\nوقد ذكره الحافظ ابن حجر وعزاه لابن أبي شيبة وفيه: سألت ابن عمر ... الخ. قال الحافظ: إسناده صحيح (٥).\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ١٥٥ - ١٥٦.\n(٢) فتح الباري ٥/ ١٥٦.\n(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٤٣٩، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٣٨١ - ٣٨٢.\n(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤٠٥.\n(٥) فتح الباري ٣/ ٢٩٥.","vol":"1","page":25},{"text":"قلت: ولعل ما في سند ابن أبي شيبة من قوله \" محمدًا \" خطأ من النساخ.\nوقال الحافظ: روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها وما أحدث الناس شيئًا أحب إلي منها] (١).\nوهو في المصنف كما قال الحافظ (٢).\nقالوا إن ابن عمر سمى صلاة الضحى جماعة في المسجد بدعة واستحسنها (٣).\n٣. واحتجوا بالأحاديث التي تفيد انقسام السنة إلى حسنة وسيئة فمن ذلك:\nأ. حديث بلال بن الحارث - ﵁ - قال: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أحيا سنة قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ومن ابتدع بدعة لا ترضي الله ورسوله فإن له مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئًا) رواه الترمذي وحسنه وقد مضى تخريجه.\nب. حديث المنذر بن جرير عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) رواه مسلم (٤).\nج. وفي رواية أخرى لحديث جرير قال: قال رسول - ﷺ -: (من سن سنة خير فاتبع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئًا ومن سن سنة شر\n_________\n(١) فتح الباري ٣/ ٢٩٥.\n(٢) مصنف عبد الرزاق ٣/ ٧٨ - ٧٩.\n(٣) انظر البدعة ص ٢٠٥، البدعة والمصالح المرسلة ص ٩٢، الموسوعة الفقهية ٨/ ٢٢.\n(٤) صحيح مسلم مع شرح النووي ٣/ ٨٤ - ٨٥.","vol":"1","page":26},{"text":"فاتبع عليها كان عليه وزرها ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئًا) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (١).\nد. وعن واثلة بن الأسقع - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك ومن سن سنة سيئة فعليه إثمها حتى تترك ومن مات مرابطًا جرى عليه عمل المرابط حتى يبعث يوم القيامة) رواه الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به كما قال الحافظ المنذري، وقال الشيخ الألباني: حسن (٢).\nقالوا إن هذه الأحاديث تدل على انقسام البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة. بل إن الإمام النووي يرى أن حديث جرير بن عبد الله: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ... الخ) يعتبر تخصيصًا لقوله - ﷺ -: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة (٣).\nكما أنهم قد استدلوا بأدلة أخرى يطول المقام بذكرها.\n_________\n(١) سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ١٠/ ١٠٣.\n(٢) صحيح الترغيب والترهيب ص ٣٠.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٨٦.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المنهج الثاني في تعريف البدعة:</span>\nوذهب جماعة من أهل العلم إلى أن البدعة مخالفة للسنة ومذمومة شرعًا لأنها محدثة لا أصل لها في الشرع وعلى هذا الإمام مالك والبيهقي والطرطوشي وشيخ الإسلام ابن تيمية والزركشي وابن رجب والشُّمَنِي الحنفي وغيرهم، واختاره جماعة من العلماء المعاصرين (١).\nوأساس هذا المنهج هو تعريف البدعة بالمحدث المخالف للسنة الذي جعل دينًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا وعلى هذا مشى الشاطبي في أحد تعريفيه للبدعة حيث قال: [فالبدعة إذا عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه. وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات] (٢).\nوقال الشاطبي: [فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه وإنما قيدت بالدين لأنها فيه تخترع وإليه يضيفها صاحبها وأيضًا فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم.\nولما كانت الطرائق في الدين تنقسم - فمنها ما له أصل في الشريعة ومنها ما ليس له أصل فيها - خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما رسمه الشارع وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع مما هو متعلق\n_________\n(١) الفروق ٤/ ٢٠٢، تهذيب الفروق ٤/ ٢٢٩، الحوادث والبدع ص ٢١، اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٧٠ - ٢٧١، جامع العلوم والحكم ص ٣٣٥، البدع والمصالح المرسلة ص ١٠٣ - ١٠٧.\n(٢) الاعتصام ١/ ٣٧.","vol":"1","page":28},{"text":"بالدين كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين وسائر العلوم الخادمة للشريعة. فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع] (١).\nوقوله [تضاهي الشرعية] أي تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك بل هي مضادة لها من أوجه متعددة:\nمنها وضع الحدود كالناذر للصيام قائمًا لا يقعد ضاحيًا لا يستظل والاختصاص في الانقطاع للعبادة ... ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد واتخاذ يوم ولادة النبي - ﷺ - عيدًا.\nومنها التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته.\nوقوله: [يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى] هو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها.\nوذلك أن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك لأن الله تعالى يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كاف ... وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية] (٢).\n_________\n(١) المصدر السابق ١/ ٣٧.\n(٢) المصدر السابق ١/ ٣٧ - ٤١.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>استدل العلماء القائلون بذم البدعة بما يلي:</span>\nأولًا: إن الله ﷾ قد أكمل هذا الدين قبل وفاة الرسول - ﷺ - فقال ﷾: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ\nدِينًا) (١). فلا يقبل من أي إنسان أن يزيد على الدين أو يخترع فيه شيئًا لأن هذه الزيادة والاختراع تعتبر استدراكًا على الله ﵎ وتوحي بأن الشريعة ناقصة وبأن محمدًا - ﷺ - لم يبلغ الرسالة تبليغًا كاملًا (٢).\nقال الإمام مالك بن أنس: [من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله - ﷺ - خان الرسالة لأن الله يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا (٣).\nولأن الزيادة على الشريعة فيها إظهار الاستظهار على الشارع وهو قلة أدب معه لأن شأن العظماء إذا حددوا شيئًا وقف عنده وعدَّ الخروج عنه قلة أدب (٤).\nثانيًا: قالوا إن الأحاديث الواردة عن الرسول - ﷺ - في البدعة كلها على سبيل الذم، فمن ذلك ما تقدم في حديث جابر قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم، وقد مضى.\n_________\n(١) سورة المائدة الآية ٣.\n(٢) انظر البدعة والمصالح المرسلة ص ١١١.\n(٣) الاعتصام ٢/ ٥٣.\n(٤) تهذيب الفروق ٤/ ٢١٨.","vol":"1","page":30},{"text":"وفي رواية للنسائي: (وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار).\nوكذلك ما جاء في حديث العرباض بن سارية وفيه: (صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر ثم وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وهو حسن صحيح كما سبق.\nقالوا إن قول الرسول - ﷺ -: (كل بدعة) كلية عامة شاملة مسورة بأقوى أدوات الشمول والعموم \" كل \" والذي نطق بهذه الكلية صلوات الله وسلامه عليه يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ بشيء لا يقصد معناه (١).\nقال عبد الله بن عمر: [كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة]\nوقد مضى.\nوقال الإمام أبو حنيفة: [عليك بالأثر وطريقة السلف وإياك وكل محدثة فإنها بدعة] ذكره ابن قدامة المقدسي في ذم التأويل (٢).\n_________\n(١) انظر الإبداع في كمال الشرع ص ١٢.\n(٢) مجلة الحكمة عدد ١١ ص١٥٩.","vol":"1","page":31},{"text":"وقال الإمام أحمد: [أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة] ذكره ابن قدامة المقدسي في ذم التأويل (١).\nوقال ابن رجب الحنبلي: [قوله - ﷺ -: (كل بدعة ضلالة) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه] (٢).\nوقال الحافظ ابن حجر بعد قوله - ﷺ -: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) قال: [هذا قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها، أما منطوقها فكأن يقال، حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان وأنتجتا المطلوب] (٣).\nوأجاب الإمام الشاطبي عندما سئل: [هل كل بدعة حسنت أو قبحت ضلالة لعموم الحديث أم تنقسم على أقسام الشريعة؟ فأجاب: إن قول النبي - ﷺ -: (كل بدعة ضلالة محمول عند العلماء على عمومه لا يستثنى منه شيء ألبتة وليس فيها ما هو حسن أصلًا إذ لا حسن إلا ما حسنه الشرع ولا قبيح إلا ما قبحه الشرع فالعقل لا يحسن ولا يقبح وإنما يقول بتحسين العقل وتقبيحه أهل الضلال] (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) جامع العلوم والحكم ص ٣٣٦.\n(٣) فتح الباري ١٧/ ١١.\n(٤) فتاوى الشاطبي ص ١٨٠ - ١٨١ نقلًا عن مجلة الحكمة عدد ١١ ص ١٦٠.","vol":"1","page":32},{"text":"ثالثًا: واحتجوا بما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (قال رسول الله - ﷺ -: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم وقد سبق.\nوفي رواية لمسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث \" الأعمال بالنيات \" ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء] (١).\nوقال الإمام الشوكاني: (وهذا الحديث من قواعد الدين لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام وتخصيص الرد ببعضها بلا مخصص من عقل ولا نقل فعليك إذا سمعت من يقول هذه بدعة حسنة بالقيام في مقام المنع مسندًا له بهذه الكلية وما يشابهها من نحو قوله - ﷺ -: (كل بدعة ضلالة) طالبًا لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة فإن جاءك به قبلته وإن كاع - أي جبن وهاب - كنت قد ألقمته حجرًا واسترحت من المجادلة. ومن مواطن الاستدلال لهذا الحديث كل فعل أو ترك وقع الاتفاق بينك وبين خصمك على أنه ليس من أمر رسول الله - ﷺ - وخالفك في اقتضائه البطلان أو الفساد متمسكًا بما تقرر في الأصول من أنه لا يقتضي ذلك إلا عدم أمر يؤثر عدمه في العدم كالشرط أو وجود أمر يؤثر وجوده في العدم كالمانع فعليك بمنع هذا التخصيص الذي لا دليل عليه إلا\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم ص ٨١.","vol":"1","page":33},{"text":"مجرد الاصطلاح مسندًا لهذا المنع بما في حديث الباب من العموم المحيط بكل فرد من أفراد الأمور التي ليست من ذلك القبيل قائلًا هذا أمر ليس من أمره وكل أمر ليس من أمره رد فهذا رد وكل رد باطل فهذا باطل فالصلاة مثلًا التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله - ﷺ - أو فعل فيها ما كان يتركه ليست من أمره فتكون باطلة بنفس هذا الدليل سواء كان ذلك الأمر المفعول أو المتروك مانعًا باصطلاح أهل الأصول أو شرطًا أو غيرهما فليكن منك هذا على ذكر] (١).\nرابعًا: واحتجوا بما ورد عن السلف في ذم البدعة وأنهم قد فهموا من الأحاديث الواردة في ذم البدعة الإطلاق والعموم كقول ابن عمر:\n[كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة] وقد مضى.\nوقول ابن مسعود: [اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم] وقد مضى أيضًا.\nوقول حذيفة: [كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تتعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا فاتقوا الله يا معشر القرآء وخذوا طريق من كان قبلكم] وقد مضى أيضًا.\nوقول ابن عباس: [عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع] وقد مضى أيضًا وغير ذلك من الآثار.\nوبناء على ما تقدم فهؤلاء العلماء يرون أن كل بدعة في الدين ضلالة فلا تنقسم البدعة في الدين إلى حسنة وسيئة بل هي قسم واحد وهي البدعة السيئة وأن البدع لا تكون إلا قبيحة مذمومة.\nكما أنهم قد استدلوا بأدلة أخرى يطول المقام بذكرها.\n_________\n(١) نيل الأوطار ٢/ ٨٩.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المنهج المختار في تعريف البدعة:</span>\nبعد إجالة النظر في أقوال العلماء واستعراض أدلتهم التي اعتمدوا عليها مما ذكرته في هذا البحث ومما لم أذكره واطلعت عليه في كتبهم ولم أنقله خشية الإطالة فإني أرجح قول الفريق الثاني من العلماء وهو حصر البدعة في باب العبادات والذي رجح هذا القول عندي ما يلي:\n١. إن القول بأن البدعة في الدين تنقسم إلى حسنة وسيئة مما لا أصل له في الشرع فلا دليل عليه من قول الرسول - ﷺ - فلم يرد لفظ البدعة على لسان رسول الله - ﷺ - إلا على سبيل الذم.\nوأما قول عمر - ﵁ -: (نعمت البدعة هذه) فليس فيه ما يفيد أن لفظ البدعة بمجرده يطلق في الشرع على ما هو حسن وإنما يقصد بقول عمر - ﵁ - البدعة بمعناها اللغوي فهي التي تنقسم إلى حسنة وسيئة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل فعل ابتداء من غير مثال سابق وأما البدعة الشرعية فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي] (١).\nوقال الإمام الشاطبي مجيبًا ومعلقًا على قول عمر نعمت البدعة: [بأن صلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد فقد قام بها النبي - ﷺ - واجتمع الناس خلفه. فخرج أبو داود عن أبي ذر قال: (صمنا مع رسول الله - ﷺ - رمضان فلم يقم شيئًا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل فلما كانت السادسة لم يقم بنا؟ فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة؟ قال، فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٧٦.","vol":"1","page":35},{"text":"قيام ليلة. قال: فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالث جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال، قلت: وما الفلاح؟ قال السحور. ثم لم يقم بنا بقية الشهر) ونحوه في الترمذي وقال فيه: حسن صحيح.\nلكنه - ﷺ - لما خاف افتراضه على الأمة أمسك عن ذلك ففي الصحيح عن عائشة ﵂: (أن النبي - ﷺ - صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس. ثم صلى القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم النبي - ﷺ - فلما أصبح قال: (قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم) وذلك في رمضان وخرجه مالك في الموطأ.\nفتأملوا ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة فإن قيامه أولًا بهم دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقًا لأن زمانه كان زمان وحيٍ وتشريع فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس بالإلزام: فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله - ﷺ - رجع الأمر إلى أصله وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له.\nوإنما لم يقم ذلك أبو بكر - ﵁ - لأحد أمرين: إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم به عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل، ذكره الطرطوشي، وإما لضيق زمانه - ﵁ - عن النظر في هذه الفروع مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح. فلما تمهد الإسلام في زمن عمر - ﵁ - ورأى الناس في المسجد أوزاعًا ... - كما جاء في الخبر - قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره والأمة لا تجتمع على ضلالة.\nوقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي.","vol":"1","page":36},{"text":"فإن قيل: فقد سماها عمر - ﵁ - بدعة وحسنها بقوله: نعمت البدعة هذه وإذا ثبت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.\nفالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها\nرسول الله - ﷺ - واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر - ﵁ - لا أنها بدعة في المعنى فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه؟\nلأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه فقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم)] (١).\nوقال ابن حجر المكي: [وقول عمر - ﵁ - في التراويح نعمت البدعة هي، أراد البدعة اللغوية وهي ما فعل على غير مثال كما قال تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) وليست البدعة شرعًا فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال - ﷺ -] (٢).\n٢. قال الشاطبي: [إن هذا التقسيم - تقسيم البدعة خمسة أقسام - أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثمَّ بدعة وكان العمل داخلًا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها ...] (٣).\n٣. إن قول الرسول - ﷺ -: (كل بدعة ضلالة) عام في كل بدعة أحدثت بعده - ﷺ - للتقرب بها إلى الله ﷿.\n_________\n(١) الاعتصام ١/ ١٩٣ - ١٩٥، وانظر الحوادث والبدع ص ٥١ - ٥٢، الإبداع ص ٧٨ - ٨٠\n(٢) الفتاوى الحديثية ص ٢٨١.\n(٣) الاعتصام ١/ ١٩١ - ١٩٢.","vol":"1","page":37},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة، والجواب: أما أن القول: (أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله - ﷺ - فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ومن نازع في دلالته فهو مراغم - أي مكابر معاند - وأما المعارضات: فالجواب عنها بأحد جوابين.\nإما بأن يقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظًا لا خصوص فيه.\nوإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من هذا العموم فيبقى العموم محفوظًا لا خصوص فيه.\nوإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص وإن كان ذلك العموم اللفظي المعنوي موجبًا للنهي.\nثم المخصص: هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصًا واستنباطًا وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها وقول كثير من العلماء أو العباد أو أكثرهم ونحو ذلك: فليس مما يصلح أن يكون معارضًا لكلام رسول الله - ﷺ - حتى يعارض به.\nومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلدان المسلمين فكيف بعمل طوائف منهم؟ وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا عليهم عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك بل رأوا السنة حجة عليه كما هي حجة على غيرهم مع ما أوتوه من العلم والإيمان فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادة أكثر من اعتادها عامة أو من قيدته العامة أو قوم مترئسون بالجهالة","vol":"1","page":38},{"text":"لم يرسخوا في العلم ولا يعدون من أولي الأمر ولا يصلحون للشورى ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن غير روية أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها: أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين؟\nوالاحتجاج بمثل هذه الحجج والجواب عنها معلوم أنه ليس طريقة أهل العلم لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس حتى من المنتسبين إلى العلم والدين وقد يبدو لذوي العلم والدين فيها مستند آخر من الأدلة الشرعية والله يعلم أن قوله بها وعلمه لها ليس مستندًا آخر من الأدلة الشرعية وإن كان شبهة وإنما هو مستند إلى أمور ليست مأخوذة عن الله ولا عن رسوله من أنواع المستندات التي يستند إليها غير أولي العلم والإيمان وإنما يذكر الحجة الشرعية حجة على غيره ودفعًا لما يناظره.\nوالمجادلة المحمودة: إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل: فنوع من النفاق في العلم والجدل والكلام والعمل. وأيضًا فلا يجوز حمل قوله - ﷺ -: (كل بدعة ضلالة) على البدعة التي نهى عنها بخصوصها لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث، فإن ما نهى عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي قد علم بذلك النهي، أنه قبيح محرم سواء كان بدعة أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر في الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه سواء كان مفعولًا على عهد رسول الله - ﷺ - أو لم يكن وما نهى عنه فهو منكر سواء كان بدعة أو لم يكن: صار وصف البدعة عديم التأثير، لا يدل وجوده على القبح ولا عدمه على الحسن بل يكون قوله: (كل بدعة ضلالة) بمنزلة قوله: (كل عادة ضلالة) أو: (كل ما عليه العرب والعجم فهو ضلالة) ويراد بذلك: أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة.","vol":"1","page":39},{"text":"وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد ليس من نوع التأويل السائغ وفيه من المفاسد أشياء.\nأحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث فإن ما علم أنه منهى عنه بخصوصه فقد علم حكمه بذلك النهي وما لم يعلم يندرج في هذا الحديث فلا يبقى في هذا الحديث فائدة مع كون النبي - ﷺ - كان يخطب به في الجمع ويعده من جوامع الكلم.\nالثاني: أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسمًا عديم التأثير فتعليق الحكم بهذا اللفظ أو المعنى تعليق له بما لا تأثير له كسائر الصفات العديمة التأثير.\nالثالث: أن الخطاب بمثل هذا إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر - وهو كونه منهيًا عنه - كتمان لما يجب بيانه وبيان لما لم يقصد ظاهره فإن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص إذ ليس كل بدعة جاء عنها نهي خاص وليس كل ما جاء فيه نهي خاص بدعة فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض لا يسوغ للمتكلم إلا أن يكون مدلسًا كما لو قال \" الأسود \" وعنى به الفرس أو \" الفرس \" وعنى به الأسود.\nالرابع: أن قوله: (كل بدعة ضلالة وإياكم ومحدثات الأمور) إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على ما لا يكاد يحيط به أحد ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة ومثل هذا لا يجوز بحال.\nالخامس: أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع فإنك لو تأملت البدع التي نهى عنها بأعيانها وما لم ينه عنها بأعيانها وجدت هذا الضرب هو الأكثر واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة. فهذه الوجوه وغيرها توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد لا يجوز حمل الحديث عليه سواء أراد المتأول أن يعضد التأويل بدليل صارف أو لم يعضده فإن على","vol":"1","page":40},{"text":"المتأول بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه من ذلك الحديث ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك. وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث.\nفهذا الجواب عن مقامهم الأول.\nوأما مقامهم الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالًا على قبح الجميع لكن أكثر ما يقال أنه إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة.\nفقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن وهو بدعة إما بأنه ليس ببدعة وإما بأنه مخصوص فقد سلمت دلالة الحديث. وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه. فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة أو أمور يجوز أن تكون حسنة ويجوز أن لا تكون حسنة فلا تصلح المعارضة بها بل يجاب عنها بالجواب المركب. وهو إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة أو يكون مخصوصًا وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم. وإذا عرفت أن الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين فعلى التقديرين الدلالة من الحديث باقية لا ترد بما ذكروا ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله - ﷺ - الكلية وهي قوله: (كل بدعة ضلالة) بسلب عمومها وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل] (١).\n٤. ويضاف إلى ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية أن قول الرسول\n- ﷺ -: (كل بدعة ضلالة) كلية عامة شاملة مسوَّرة بأقوى أدوات الشمول والعموم \" كل \" والذي نطق بهذه الكلية وهو الرسول - ﷺ - يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ إلا بشيء يقصد معناه (٢).\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٧٠ - ٢٧٤.\n(٢) الإبداع في كمال الشرع ص ١٨.","vol":"1","page":41},{"text":"٥. لا تعارض بين قول النبي - ﷺ -: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) رواه مسلم، وبين قوله - ﷺ -: (كل بدعة ضلالة)، فإنه لا يمكن أن يصدر عن الصادق المصدوق قول يكذب قولًا آخر له ولا يمكن أن يتناقض كلام رسول الله - ﷺ - أبدًا وبيان دفع التعارض بين الحديثين أن الرسول - ﷺ - يقول: (من سن في الإسلام) والبدع ليست من الإسلام، ويقول: (حسنة) والبدعة ليست بحسنة وفرق بين السن والابتداع.\nويمكن أن يقال إن معنى قوله - ﷺ -: (من سن) أي من أحيا سنة كانت موجودة فعدمت فأحياها وعلى هذا فيكون \" السن \" إضافيًا نسبيًا كما تكون البدعة إضافية نسبية لمن أحيا سنة بعد أن تركت.\nويمكن أن يقال أيضًا إن سبب ورود الحديث: (من سن) وهو قصة النفر الذين وفدوا على النبي - ﷺ - وكانوا في حالة شديدة من الضيق فدعا النبي - ﷺ - إلى التبرع لهم فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة كادت تثقل يده فوضعها بين يدي الرسول - ﷺ -، فجعل وجه النبي - ﷺ - يتهلل من الفرح والسرور وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فهنا يكون معنى \" السن \" سن العمل تنفيذًا وليس سن العمل تشريعًا فصار معنى (من سن في الإسلام سنة حسنة) من عمل بها تنفيذًا لا تشريعًا لأن التشريع ممنوع (١).\nوأما الجواب عن تسمية ابن عمر لصلاة الضحى جماعةً بدعة فيقال: (إنما أنكر ابن عمر ملازمتها وإظهارها في المسجد وصلاتها جماعةً لا أنها مخالفة للسنة فصلاة الضحى ثابتة في السنة لا شك في ذلك ولا ريب (٢).\n_________\n(١) المصدر السابق ص ١٨ - ٢٠ بتصرف.\n(٢) فتح الباري ٣/ ٢٩٥، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٣٤٣، ٣/ ٣٨٢.","vol":"1","page":42},{"text":"إذا تقرر هذا فإن البدعة هي التعبد لله بما لم يشرعه الله ﷾ ولا جاء به الرسول - ﷺ - ولم يأت عن الخلفاء الراشدين وهذا لا يكون إلا في العقائد والعبادات فالبدعة التي تعد بدعة في الدين هي البدعة في العقيدة أو العبادة قولية أو فعلية كبدعة نفي القدر وبناء المساجد على القبور وإقامة القباب على القبور وقراءة القرآن عندها للأموات والاحتفال بالموالد إحياء لذكرى الصالحين والوجهاء والاستغاثة بغير الله والطواف حول المزارات فهذه وأمثالها كلها ضلال لقول النبي - ﷺ -: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) لكن منها ما هو شرك أكبر يخرج من الإسلام كالاستغاثة بغير الله فيما هو من وراء الأسباب العادية والذبح والنذر لغير الله إلى أمثال ذلك مما هو عبادة مختصة بالله ومنها ما هو ذريعة إلى الشرك كالتوسل إلى الله بجاه الصالحين والحلف بغير الله وقول الشخص ما شاء الله وشئت ولا تنقسم البدع في العبادات إلى الأحكام الخمسة كما زعم بعض الناس لعموم الحديث: (كل بدعة ضلالة)] (١).\nوأما الأمور العادية والدنيوية فالمحدث منها لا يسمى بدعة شرعًا وإن سمي بدعة لغة فلا تعد المحدثات الجديدة بدعًا في الدين مثل الطائرات ووسائل الاتصالات ومكبرات الصوت ... الخ.\nوكذلك ما يعد من الوسائل كتعلم العلوم المختلفة كعلم النحو وكذا طبع المصحف وحفظه بوسائل الحفظ الحديثة كالأشرطة المسجلة والحاسوب ونحوها فهذه الوسائل لها أحكام الغايات والمقاصد فإذا كانت الغايات مشروعة كانت وسائلها المؤدية إليها مشروعة وليست من البدع في شيء.\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٣٢١.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثالث\nالأصل في العبادة الاتباع</span>\nإن الأصل في باب العبادات هو إتباع الرسول - ﷺ - بدون زيادة ولا نقصان فليس لأحد مهما كان أن يزيد في العبادة شيئًا ولا أن ينقص منها شيئًا وقد أمر الرسول - ﷺ - في حديثين صحيحين مشهورين بالالتزام بالعبادة كما فعلها هو ﵊.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الأدلة من السنة على هذا الأصل</span>\nأولهما: قوله - ﷺ -: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهذا بعض حديث رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي قلابة قال: حدثنا مالك - هو ابن الحويرث - ﵁ - قال: (أتينا رسول الله - ﷺ - ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة وكان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رفيقًا فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه. قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) (١).\nفهذا الحديث الصحيح الصريح يقرر هذا الأصل وهو لزوم الاتباع في الصلاة كما كان النبي - ﷺ - يصلي. فنؤدي الصلاة كما وردت عن رسول - ﷺ - بلا زيادة ولا نقصان.\nثانيهما: قول الرسول - ﷺ -: (خذوا عني مناسككم) وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم بألفاظ متقاربة (٢).\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٢٥٢.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٤١٩، سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٥/ ٣١٠، سنن النسائي ٥/ ٢٧٠، سنن ابن ماجة ٢/ ١٠٠٦.","vol":"1","page":44},{"text":"روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا يقول: (رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) (١).\nقال الإمام النووي في شرحه للحديث: (وأما قوله - ﷺ -: (لتأخذوا مناسككم) فهذه اللام لام الأمر ومعناه خذوا مناسككم وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس.\nوهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله - ﷺ -: (صلوا كما رأيتموني أصلي)] (٢).\nولفظ رواية النسائي: (رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي الجمرة وهو على بعيره وهو يقول يا أيها الناس خذوا عني مناسككم فإن لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا) (٣).\nفهذان الحديثان يدلان على أن الأصل في العبادات هو التوقيف على رسول الله - ﷺ - فلا يثبت شيء من العبادات إلا بدليل من الشرع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وجماع الدين أصلان أن لا يعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى:\n(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (٤).\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٤١٩.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٤٢٠.\n(٣) سنن النسائي ٥/ ٢٧٠.\n(٤) سورة الكهف الآية ١١٠.","vol":"1","page":45},{"text":"وذلك تحقيق الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله، ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه.\nوفي الثانية: أن محمدًا هو رسوله المبلغ فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره وقد بين لنا ما نعبد الله به ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة، قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)] (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: [إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان عبادات يصلح بها دينهم وعادت يحتاجون إليها.\nفباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.\nوأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ﷾.\nوذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)] (٢).\nوقال العلامة ابن القيم: [... ولا دين إلا ما شرعه الله فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر.\nوالأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم.\n_________\n(١) العبودية ص ١٧٠ - ١٧١.\n(٢) القواعد النورانية ص ٧٨ - ٧٩.","vol":"1","page":46},{"text":"والفرق بينهما أن الله ﷾ لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله فإن العبادة حقه على عباده وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهو عفو حتى يحرمها.\nولهذا نعى الله ﷾ على المشركين مخالفة هذين الأصلين وهو تحريم ما لم يحرمه والتقرب إليه بما لم يشرعه ...] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الأدلة من آثار الصحابة على هذا الأصل</span>\nومما يؤيد هذا الأصل ويدل عليه وقوف الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف عند ما حدَّ رسول الله - ﷺ - فمن ذلك:\n١. ما ثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ -: (أنه قبل الحجر الأسود وقال: إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت رسول الله - ﷺ - يقبلك) متفق عليه (٢).\nقال الإمام النووي: [وأما قول عمر - ﵁ -: (لقد علمت أنك حجر وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع) فأراد به بيان الحث على الاقتداء برسول الله - ﷺ - في تقبيله ونبه على أنه لولا الاقتداء به لما فعله.\nوإنما قال: (وإنك لا تضر ولا تنفع) لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها رجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها وكان العهد قريبًا بذلك، فخاف عمر - ﵁ - أن يراه بعضهم يقبله ويعتني به فيشتبه عليه فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب ...] (٣).\n_________\n(١) إعلام الموقعين ١/ ٣٤٤.\n(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٢١٧، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٣٩٦.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٣٩٧.","vol":"1","page":47},{"text":"٢. وثبت عن عمر - ﵁ - في حادثة تقبيل الحجر الأسود وما قال فيه أنه قال بعد ذلك: (فما لنا وللرمل؟ إنما كنا راءينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال: شيء صنعه النبي - ﷺ - فلا نحب أن نتركه) رواه البخاري (١).\nومعنى قوله (راءينا) من الرؤية أي أريناهم بذلك أنا أقوياء قاله الحافظ ابن حجر (٢).\nوجاء في رواية أخرى عن عمر - ﵁ - قوله: (فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أظهر الله الإسلام ونفى الكفر وأهله؟ ومع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -) رواه ابن ماجة بنحوه ورواه أحمد (٣).\n٣. وعن يعلى بن أمية قال: (طفت مع عمر بن الخطاب فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر أخذت بيده ليستلم فقال: أما طفت مع رسول الله؟ قلت: بلى. قال: فهل رأيته يستلمه قلت لا؟ قال: فأبعد عنه فإن لك في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني في الأوسط كما قال الهيثمي، ورواه البيهقي أيضًا (٤).\n٤. وفي رواية عند الإمام أحمد أن يعلى بن أمية قال:\n(طفت مع عثمان ...) فذكر نحو الحديث السابق، قال الساعاتي: [فلعل القصة وقعت ليعلى بن أمية مرتين مرة مع عمر ومرة مع عثمان. ورواه أبو يعلى بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح وسند الإمام أحمد فيه راوٍ لم يسمَّ] (٥).\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٢١٧.\n(٢) فتح الباري ٤/ ٢١٧.\n(٣) سنن ابن ماجة ٢/ ٩٨٤، الفتح الرباني ١٢/ ٢٠.\n(٤) مجمع الزوائد ٣/ ٢٤٠، الفتح الرباني ١٢/ ٣٢، سنن البيهقي ٥/ ٧٧.\n(٥) مجمع الزوائد ٣/ ٢٤٠، الفتح الرباني ١٢/ ٣٢.","vol":"1","page":48},{"text":"٥. وعن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنه طاف مع معاوية - ﵁ - بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس: (لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله - ﷺ - يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا. فقال ابن عباس: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فقال معاوية: صدقت) رواه أحمد والترمذي، وقال: (حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن لا يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني) ورواه البخاري تعليقًا (١).\nقال الشيخ الساعاتي معلقًا على كلام ابن عباس ومعاوية ﵃: [يعني - أي معاوية - أنها كلها أركان البيت فلا نستلم البعض ونترك البعض.\nيريد ابن عباس أننا لم نترك استلام الركنين هجرًا للبيت ولكننا رأينا رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك ففعلنا مثله (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فرجع معاوية إلى قول ابن عباس ﵄ حينما ظهر له الدليل وقال صدقت. وهكذا شأن المؤمن إذ ظهر له الحق وكان مخالفًا لرأيه طرح رأيه واتبع الحق والرجوع إلى الحق فضيلة] (٢).\nقال الحافظ ابن حجر: [وأجاب الشافعي عن قول من قال ليس شيء من البيت مهجورًا بأنا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت وكيف يهجره وهو يطوف به؟ ولكن\n_________\n(١) الفتح الرباني ١٢/ ٤١، تحفة الأحوذي ٣/ ٥٠٥، صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٢١٩ - ٢٢٠.\n(٢) الفتح الرباني ١٢/ ٤١.","vol":"1","page":49},{"text":"نتبع السنة فعلًا أو تركًا ولو كان ترك استلامهما هجرًا لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا ولا قائل به] (١).\n٦. وعن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: (كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم) وقد مضى.\n٧. وقد ورد عن نافع أن رجلًا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: [الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله وليس هكذا علمنا رسول الله - ﷺ -، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال] رواه الترمذي والحاكم وقال الحاكم: صحيح الإسناد غريب ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني (٢).\n٨. وورد عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود فنهاه فقال: [يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا ولكن يعذبك على خلاف السنة] رواه البيهقي وعبد الرزاق والخطيب (٣).\n٩. وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: [سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله - ﷺ -. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة.\nفقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله - ﷺ -؟ إني سمعت الله يقول: (فَلْيَحْذَرِ\n_________\n(١) فتح الباري ٤/ ٢٢٠.\n(٢) سنن الترمذي ٥/ ٧٦، المستدرك ٥/ ٣٧٧، صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٥٣.\n(٣) سنن البيهقي ٢/ ٤٦٦، مصنف عبد الرزاق ٣/ ٥٢، الفقيه والمتفقه ١/ ١٤٧.","vol":"1","page":50},{"text":"الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)] ذكره الخطيب البغدادي والشاطبي (١).\n١٠. قال الشيخ الألباني: [روى الطبراني بسند صحيح عن طلحة بن مصرف قال: [زاد ربيع بن خيثم في التشهد وبركاته:\" ومغفرته \"! فقال علقمة نقف حيث عُلِّمنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.\nوعلقمة تلقى هذا الاتباع من أستاذه عبد الله بن مسعود - ﵁ - فقد ثبت عنه أن كان يعلم رجلًا التشهد فلما وصل إلى قوله:\" أشهد أن لا إله الله \" قال الرجل: وحده لا شريك له. فقال عبد الله: هو كذلك ولكن ننتهي إلى ما عُلِّمنا أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح] (٢).\n١١. وعن علي - ﵁ - قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهر خفيه) رواه أبو داود والدارمي وصححه الحافظ ابن حجر والألباني (٣).\nوبناء على هذا الأصل المهم فإنه يشترط في العبادات الاتباع ولا يجوز الابتداع وحتى يكون الاتباع صحيحًا لا بد أن يكون العمل موافقًا للشريعة في الأمور الستة التالية: [الأول: السبب فإذا تعبد الإنسان لله عبادة مقرونة بسبب ليس شرعيًا فهي بدعة مردودة على صاحبها مثال ذلك أن بعض الناس يحيي ليلة السابع والعشرين من رجب بحجة أنها الليلة التي عرج فيها برسول الله - ﷺ - فالتهجد عبادة ولكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لأنه بنى هذه العبادة على سبب لم يثبت شرعًا وهذا الوصف\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه ١/ ١٤٨، الاعتصام ١/ ١٣٢.\n(٢) انظر صفة صلاة النبي - ﷺ - ص ١٤٥ هـ ٢.\n(٣) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ١/ ١٩٢، سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان ٤/ ٢٦٤ التلخيص الحبير ١/ ١٦٠، صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٣.","vol":"1","page":51},{"text":"-موافقة العبادة للشريعة في السبب- أمر مهم يتبين به ابتداع كثير مما يظن أنه من السنة وليس من السنة.\nالثاني: الجنس فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة مثال ذلك أن يضحي رجل بفرس فلا يصح أضحية لأنه خالف الشريعة في الجنس فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام الإبل، البقر، الغنم.\nالثالث: القَدْر فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة فنقول: هذه بدعة غير مقبولة لأنها مخالفة للشرع في القدر ومن باب أولى لو أن الإنسان صلى الظهر مثلًا فصلى خمسًا فإن صلاته لا تصح بالاتفاق.\nالرابع: الكيفية فلو أن رجلًا توضأ فبدأ بغسل رجليه ثم مسح رأسه ثم غسل يديه ثم وجهه فنقول: وضوؤه باطل لأنه مخالف للشرع في الكيفية.\nالخامس: الزمان فلو أن رجلًا ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان وسمعت أن بعض الناس في شهر رمضان يذبحون الغنم تقربًا لله تعالى بالذبح وهذا العمل بدعة على هذا الوجه لأنه ليس هناك شيء يتقرب به إلى الله بالذبح إلا الأضحية والهدي والعقيقة أما الذبح في رمضان مع اعتقاد الأجر على الذبح كالذبح في عيد الأضحى فبدعة وأما الذبح لأجل اللحم فهذا جائز.\nالسادس: المكان فلو أن رجلًا اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد ولو قالت إمرأة أريد أن أعتكف في مصلى البيت فلا يصح اعتكافها لمخالفة الشرع في المكان. ومن الأمثلة لو أن رجلًا أراد أن يطوف فوجد المطاف قد ضاق ووجد ما حوله قد ضاق فصار يطوف من وراء المسجد فلا يصح","vol":"1","page":52},{"text":"طوافه لأن مكان الطواف البيت، قال الله تعالى لإبراهيم الخليل: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)] (١).\nفائدة لطيفة: قال الشيخ تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي: [وجدت بخط الوالد - ﵁ - يقصد والده وهو الإمام علي بن عبد الكافي السبكي -: فكرت عند الاضطجاع في قول المضطجع: باسمك اللهم وضعت جنبي وباسمك أرفعه، فأردت أن أقول: إن شاء الله تعالى، في \" أرفعه \" لقوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ثم قلت في نفسي: إن ذلك لم يرد في الحديث في هذا الذكر المنقول عند النوم ولو كان مشروعًا لذكره النبي - ﷺ - الذي أوتي جوامع الكلم فتطلبت فرقًا بينه وبين كل ما يجريه الإنسان من الأمور المستقبلة المستحب فيها ذكر المشيئة.\nولا يقال: إن \" أرفعه \" حال ليس بمستقبل لأمرين: أحدهما: أن لفظه وإن كان كذلك لكنا نعلم أن رفع جنب المضطجع ليس حال اضطجاعه.\nوالثاني: أن استحباب المشيئة عام فيما ليس بمعلوم الحال أو المضي. وظهر لي أن الأولى الاقتصار على الوارد في الحديث في الذكر عند النوم بغير زيادة وأن ذلك ينبه على القاعدة ويفرق بها بين تقدم الفعل على الجار والمجرور وتأخره عنه فإنك إذا قلت: أرفع جنبي باسم الله كان المعنى بالإخبار الرفع وهو عمدة الكلام وجاء الجار والمجرور بعد ذلك تكملة وإذا قلت: باسم الله أرفع جنبي كان المعنى الإخبار بأن الرفع كائن باسم الله وهو عمدة الكلام.\nفافهم هذا السر اللطيف وتأمله في جميع موارد كلام العربية تجده يظهر لك به شرف كلام المصطفى - ﷺ - وملازمة المحافظة على الأذكار المأثورة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام] (٢).\n_________\n(١) الإبداع في كمال الشرع ص ٢٠ - ٢٣.\n(٢) طبقات الشافعية ١٠/ ٢٨٧.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الرابع\nلا يجوز إثبات نوع من العبادات\nلدخوله تحت الدليل العام بل لا بد من دليل خاص</span>\nوهذه مسألة مهمة ينبغي التنبيه عليها لأن كثيرًا من المبتدعين يزعمون أن الدليل العام يؤيد بدعتهم فمثلًا يقولون إن تلاوة القرآن في المآتم \" الختمة \" تدخل تحت الأدلة العامة التي تحض على قراءة القرآن الكريم. ويقولون مثلًا إن الصلاة على النبي - ﷺ - بعد الأذان - كما يفعله كثير من المؤذنين بحيث أنهم يجعلونها جزءًا من الأذان - مشروعة لأنها داخله تحت عموم قوله تعالى: (يا أيُها الذَينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (١)\nوالجواب على هذه المقولة إنه لا بد من دليل خاص للعبادات حتى تكون صحيحة وموافقة لما جاء به النبي - ﷺ - ولا يكفي الاستدلال بعموم الأدلة وكونها داخلة في هذا العموم فمثلًا لو قال شخص عندما رأى المصلين في المسجد يصلون سنة الفجر أشتاتًا في أنحاء المسجد فقال: يا جماعة هلا اجتمعتم وصلينا سنة الفجر في جماعة لأنه صح في الحديث قول النبي - ﷺ -: (يد الله على الجماعة)، أو لأن النبي - ﷺ - يقول: ... (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس أو سبع وعشرين درجة).\nفاستدلال هذا الرجل بالأدلة العامة لا يقبل ولا يصح ولا يجوز أن تدخل سنة الفجر في هذه العمومات ولو لم يثبت لدينا أن الرسول - ﷺ - قال لا تصلوا سنة الفجر في جماعة. حيث لا يوجد لدينا حديث بهذا المعنى، فصلاة سنة الفجر في جماعة\n_________\n(١) سورة الأحزاب الآية ٥٦.","vol":"1","page":54},{"text":"بدعة وإن كان الشرع قد حث على الجماعة وعلى صلاة الجماعة وأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد (١).\nفقد يكون الفعل طاعة وعبادة في وقت ولا يكون كذلك في وقت آخر قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا. فقد رأى النبي - ﷺ -: (رجلًا قائمًا في الشمس فسأل عنه، فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم فأمره النبي - ﷺ - أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه) فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفى بنذرهما وقد روى أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي - ﷺ - وهو على المنبر فنذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ما دام النبي - ﷺ - يخطب إعظامًا لسماع خطبة النبي - ﷺ - ولم يجعل النبي - ﷺ - ذلك قربة يوفى بنذره مع أن القيام عبادة في مواضع أخرى كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة والبروز للشمس قربة للمحرم فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها وكذلك من تقرب بعبادة نهى عنها بخصوصها كمن صام يوم العيد أو صلى وقت النهي] (٢).\nوقال الحافظ المقدسي - أبو شامة -: [وأما القسم الثاني: الذي يظنه معظم الناس طاعة وقربة إلى الله تعالى وهو بخلاف ذلك أو تركه أفضل من فعله فهذا الذي وضعت هذا الكتاب لأجله وهو ما قد أمر الشرع به في صورة من الصور في زمان مخصوص أو مكان معين كالصوم بالنهار والطواف بالكعبة أو أمر به شخص دون غيره كالذي اختص به النبي - ﷺ - من المباحات والتخفيفات فيقيس الجاهل نفسه عليه فيفعله وهو منهي عن ذلك ويقيس الصور بعضها على بعض ولا يفرق بين الأزمنة والأمكنة ويقع ذلك من بعضهم بسبب الحرص على الآثار من إيقاع العبادات والقرب والطاعات\n_________\n(١) انظر فتاوى الألباني ص ٤٩ - ٥٠.\n(٢) جامع العلوم والحكم ص ٨٢ - ٨٣.","vol":"1","page":55},{"text":"فيحملهم ذلك الحرص على فعلها في أوقات وأماكن نهاهم الشرع عن إيجاد تلك الطاعات فيها.\nومنها ما هو محرم ومنها ما هو مكروه ويورطهم الجهل وتزيين الشيطان في أن يقولوا هذه طاعات قد ثبتت في غير هذه الأوقات فنحن نفعلها أبدًا فإن الله تعالى لا يعاقبنا على طاعة قد أمرنا بها وحثنا عليها وندبنا إلى الاستكثار منها وهذا مثل صلواتهم في الأوقات المكروهة للصلاة وهي خمسة أوقات أو ستة معلومة عند الفقهاء. ثبت نهي الشرع عن الصلاة فيها وكصومهم في الأيام المنهي عن الصوم فيها كصوم يومي العيد ويوم الشك وأيام منى التشريق وكوصالهم في الصيام الذي هو من خصائص المصطفى - ﷺ - وقد اشتد نكيره - ﷺ - على من تعاطى ذلك فهؤلاء وأمثالهم متقربون إلى الله تعالى بما لم يشرعه بل نهى عنه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ).\nوما أحسن ما قال ولي الله أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: ليس لمن ألهم شيئًا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر فإذا سمعه من الأثر عمل به وحمد الله تعالى حين وافق ما في قلبه. وقال أيضًا - ﵀ -: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة.\nوقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب \" الإحياء \": من توجه عليه رد وديعة في الحال فقام وتحرم بالصلاة التي هي أقرب القربات إلى الله تعالى عصى به فلا يكفي في كون الشخص مطيعًا كون فعله من جنس الطاعات ما لم يراع فيه الوقت والشرط والترتيب واغتر بعض الجهال المتعلمين منهم بقوله تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ). وظن أن هذا يقتضي عموم السجود في جميع الأوقات وان كل سجود على الإطلاق يحصل به القرب من الله تعالى وهو قرب الكرامة واعتضد بما جاء قبل ذلك من التعجيب والإنكار في قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى) وغفل عن","vol":"1","page":56},{"text":"أن السجود المقرب إلى الله تعالى هو السجود المأذون فيه وهو المشروع لا كل سجود من حيث الصورة.\nوالإنكار في الآية وقع على من نهى عن الصلاة المأذون فيها وهي المشروعة فتلك لا ينبغي لأحد أن ينهى عنها أما إذا صلى العبد صلاة قد علمنا نهي الشارع عنها فإنه يجب على كل أحد علم به نهيه عنها فإن الشارع هو الذي نهاه وقد ثبت: (أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس) أخرجاه في الصحيح من حديث ابن عمر ﵄.\nوقال عقبة بن عامر: (ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهى أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيّف الشمس للغروب حتى تغرب) أخرجه مسلم.\nوفيه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: (قال رسول الله - ﷺ - إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) زاد بعض الرواة -وليس في كتاب مسلم- (قيل: يا رسول الله: ولا ركعتي الفجر، قال: ولا ركعتي الفجر).\nوفي رواية أن رجلًا قال: (يا رسول الله! أي من ساعات الليل والنهار تأمرني أن لا أصلي فيها؟ فقال: نعم إذا صليت الصبح فأقصر عن الصلاة ...) الحديث، وهو في السنن الكبير.\nوفيه وفي سنن أبي داود عن عائشة ﵂: (أن النبي - ﷺ - كان يصلي بعد العصر وينهى عنها ويواصل وينهى عن الوصال).\nوفي صحيح البخاري وغيره أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان: (ينهى عن الركعتين بعد العصر ويضرب الناس عليهما! وقال ابن عباس: كنت أضرب الناس مع ابن الخطاب ﵄ عليهما).","vol":"1","page":57},{"text":"وقال أيضًا: (كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة فجذبني النبي - ﷺ - وقال: أتصلي الصبح أربع).\nوعن ابن عمر ﵄: (أنه رأى رجلًا يصلي بعد الجمعة ركعتين في مقامه فدفعه). وفي رواية: (أنه أبصر رجلًا يصلي ركعتين في مقامه فدفعه).\nوفي رواية: (أنه أبصر رجلًا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم فحصبه وقال: أتصلي الصبح أربعًا) أخرجهن البيهقي في السنن الكبير.\nوقد جاء في الصحيح هذا اللفظ مرفوعًا من حديث عبد الله بن مالك بن بجينة.\nقال البيهقي: روينا عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه كان إذا رأى رجلًا يصلي وهو يسمع الإقامة ضربه.\nقلت: أيجوز لمسلم أن يسمع هذه الأحاديث والآثار ثم يقول: إن النبي - ﷺ - نهى الناس عن الصلاة من حيث هي صلاة وإن عمر وابن عباس ﵄ داخلان تحت قوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى) وأن يقال لهما جوابًا عن نهيهما: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) فكذلك كل من نهى عما نهى الشرع عنه لا يقال له ذلك ولا يستحسنه من قائله ويسطره متبجحًا به إلا جاهل محرف لكتاب الله تعالى مبدل لكلامه قد سلبه الله تعالى لذة فهم مراده من وحيه وإن كان هذا من أوضح المواضع فكيف مما يدق معانيه وتلطف إشاراته!! ورده على الناهي عن ذلك ممتثلًا بقوله تعالى: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ) يتضمن الرد على رسول الله - ﷺ - فإنه هو الذي نهى وأمرنا بإنكار المنكر والله حسيب من افترى.\nاللهم اجعلنا ممن يدخل في عموم ما روي عن رسولك - ﷺ - مرسلًا ومرفوعًا من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وغيرهما: (يحمل هذا","vol":"1","page":58},{"text":"العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)] (١).\nونقل السيوطي كلام أبي شامة المقدسي في كتابه الأمر بالاتباع وأقره عليه (٢).\nوقال الحافظ تقي الدين بن دقيق العيد: [وقد اختلفت الأحاديث في أعداد ركعات الرواتب فعلًا وقولًا، واختلفت مذاهب الفقهاء في الاختيار لتلك الأعداد والرواتب، والمروي عن مالك: أنه لا توقيت في ذلك. قال ابن القاسم صاحبه: وإنما يوقت في هذا أهل العراق.\nوالحق - والله أعلم - في هذا الباب - أعني ما ورد فيه أحاديث بالنسبة إلى التطوعات والنوافل المرسلة - أن كل حديث صحيح دل على استحباب عدد من هذه الأعداد أو هيئة من الهيئات أو نافلة من النوافل: يعمل به في استحبابه. ثم تختلف مراتب ذلك المستحب. فما كان الدليل دالًا على تأكده - إما بملازمته فعلًا أو بكثرة فعله وإما بقوة دلالة اللفظ على تأكد حكمه وإما بمعاضدة حديث آخر له أو أحاديث فيه - تعلو مرتبته في الاستحباب. وما يقصر عن ذلك كان بعده في المرتبة. وما ورد فيه حديث لا ينتهي إلى الصحة فإذا كان حسنًا عمل به إن لم يعارضه صحيح أقوى منه، وكانت مرتبته ناقصة عن هذه المرتبة الثانية أعني الصحيح الذي لم يدم عليه أو لم يؤكد اللفظ في طلبه. وما كان ضعيفًا لا يدخل في حيز الموضوع فإن أحدث شعارًا في الدين: منع منه. وإن لم يحدث فهو محل نظر يحتمل أن يقال: إنه مستحب لدخوله تحت العمومات المقتضية لفعل الخير واستحباب الصلاة ويحتمل أن يقال: إن هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال والهيئة والفعل\n_________\n(١) الباعث ص ٣٨ - ٤٣.\n(٢) الأمر بالإتباع ص ١٥٣ - ١٦٦.","vol":"1","page":59},{"text":"المخصوص: يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه بخصوصه وهذا أقرب والله أعلم.\nوهاهنا تنبيهات:\nالأولى: أنا حيث قلنا في الحديث الضعيف: إنه يحتمل أن يعمل به لدخوله تحت العمومات فشرطه: أن لا يقوم دليل على المنع منه أخص من تلك العمومات مثاله: الصلاة المذكورة في أول ليلة جمعة من رجب: لم يصح فيه الحديث ولا حسن فمن أراد فعلها - إدراجًا لها تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة والتسبيحات - لم يستقم لأنه قد صح أن النبي - ﷺ -: (نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام) وهذا أخص من العموميات الدالة على فضيلة مطلق الصلاة.\nالثاني: أن هذا الاحتمال الذي قلناه - من جواز إدراجه تحت العمومات - نريد به في الفعل لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة، لأن الحكم باستحبابه على تلك الهيئة الخاصة: يحتاج دليلًا شرعيًا عليه ولا بد، بخلاف ما إذا فعل بناء على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت ولا بتلك الهيئة. فهذا هو الذي قلنا باحتماله.\nالثالث: قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين. ومثاله: ما أحدثته الروافض من عيد ثالث سموه عيد الغدير. وكذلك الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص على شيء مخصوص لم يثبت شرعًا وقريب من ذلك: أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة وجه مخصوص فيريد بعض الناس: أن يحدث فيها أمرًا آخر لم يرد به الشرع زاعمًا أنه يدرجه تحت عموم. فهذا لا يستقيم. لأن الغالب على العبادات التعبد ومأخذها التوقيف. وهذه الصورة: حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه. فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول. ولعل مثال ذلك، ما ورد في رفع اليدين في القنوت فإنه قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقًا فقال بعض الفقهاء:","vol":"1","page":60},{"text":"يرفع اليد في القنوت لأنه دعاء. فيندرج تحت الدليل المقتضي لاستحباب رفع اليد في الدعاء وقال غيره: يكره لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف. والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد في القنوت: كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع: أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء.\n... والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي ذكرناه وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات أو طلب دليل خاص على ذلك الشيء الخاص. وميل المالكية إلى هذا الثاني. وقد ورد عن السلف الصالح ما يؤيده في مواضع ألا ترى أن ابن عمر ﵄ قال في صلاة الضحى: ... (إنها بدعة) لأنه لم يثبت عنده فيها دليل. ولم ير إدراجها تحت عمومات الصلاة لتخصيصها بالوقت المخصوص. وكذلك قال في القنوت الذي كان يفعله الناس في عصره: (إنه بدعة) ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء. وكذلك ما روى الترمذي من قول عبد الله بن مغفل لابنه في الجهر بالبسلمة: (إياك والحدث) ولم ير إدراجه تحت دليل عام وكذلك ما جاء عن ابن مسعود - ﵁ - فيما أخرجه الطبراني في معجمه بسنده عن قيس بن أبي حازم، قال: (ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل ويقول للناس: قولوا كذا وقولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه فأخبروني. قال: فأخبروه. فأتاه ابن مسعود متقنعًا. فقال: من عرفني فقد عرفني. ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود. تعلمون أنكم لأهدى من محمد - ﷺ - وأصحابه يعني أو إنكم لمتعلقون بذنب ضلالة) وفي رواية: (لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - علمًا)، فهذا ابن مسعود أنكر هذا الفعل مع إمكان","vol":"1","page":61},{"text":"إدراجه تحت عموم فضيلة الذكر على أن ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات] (١).\n_________\n(١) إحكام الإحكام ١/ ١٩٩ - ٢٠٢.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الخامس\nتقسيم السنة النبوية إلى فعلية وتركية\nوأثر الجهل بهذا الأصل في الابتداع</span>\nمن المعلوم عند الأصوليين أن السنة النبوية هي: ما ثبت عن الرسول - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير.\nوأفعال الرسول - ﷺ - جزء من السنة النبوية باعتبارها مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي وأفعال الرسول - ﷺ - على أقسام:\nمنها الأفعال الجبلية التي صدرت عن الرسول ﵊ بمقتضى خلقته وجبلته وطبيعته كلباسه وقعوده ونومه فهذه وأمثالها لا يجب على الأمة اتباعها.\nومن الأفعال ما كان خاصًا به - ﷺ - كزواجه أكثر من أربعٍ من النساء فهذه لا تشاركه فيها الأمة بالاتفاق.\nومن الأفعال التي صدرت عنه ما كان بيانًا لمجمل كبيانه للصلاة والصيام والزكاة فهذا بالاتفاق بين أهل العلم يكون البيان تابعًا للمُبَين في الحكم من وجوب أو ندب أو إباحة.\nوالأفعال التي صدرت عن الرسول - ﷺ - وعلمت صفة الفعل فجمهور العلماء على الاقتداء به على تلك الصفة فإن كان الفعل واجبًا فالاقتداء به واجب وإن كان مندوبًا فالاقتداء به مندوب وإن كان مباحًا فالاقتداء به مباحٌ.\nوأما الأفعال التي صدرت عن الرسول - ﷺ - وجهلت صفة حكمها أواجبة هي أو مندوبة أو مباحة فهي محل خلاف عند الأصوليين (١).\n_________\n(١) أصول السرخسي ٢/ ٨٦، كشف الأسرار ٣/ ٢٠٠، حاشية التفتازاني على شرح العضد ٢/ ٢٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، شرح الكوكب المنير ٢/ ١٧٨.","vol":"1","page":63},{"text":"وهناك أفعال تركها الرسول - ﷺ - ولم يفعلها وهذه على نوعين:\nالأول: أفعال تركها الرسول - ﷺ - لعدم توفر الدواعي لفعلها كجمع المصحف وتضمين الصناع ونحوها قال الشاطبي: [أحدهما أن يسكت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقدر لأجله كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله - ﷺ - فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها. وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن رسول الله - ﷺ - ولم تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها. فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعًا بلا إشكال فالقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل] (١).\nوالثاني: أفعال تركها الرسول - ﷺ - مع توفر الدواعي لفعلها ومع ذلك لم يفعلها فدل على أن المشروع فيها هو الترك لا الفعل كترك الأذان للعيدين وتركه صلاة ليلة النصف من شعبان وتركه التلفظ بالنية وتركه أن يقول للمأمومين قبل بدء الصلاة استحضروا النية وغير ذلك.\nقال الشوكاني: [تركه - ﷺ - للشيء كفعله له في التأسي به فيه].\nوقال ابن السمعاني: [إذا ترك الرسول - ﷺ - شيئًا وجب علينا متابعته فيه ألا ترى أنه - ﷺ - لما ُقدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله أمسك الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: إنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه وأذن لهم في أكله وهكذا تركه - ﷺ - لصلاة الليل جماعة خشية أن تكتب على الأمة] (٢).\n_________\n(١) الموافقات ٢/ ٤٠٩.\n(٢) إرشاد الفحول ص ٤٢.","vol":"1","page":64},{"text":"وقال الشاطبي ما ملخصه: [إن سكوت الشارع عن الحكم الخاص أو تركه أمرًا وموجبه المقتضي له قائم وسببه في زمان الوحي موجود ولم يحدد فيه الشارع أمرًا زائدًا على ما كان من الدين فهذا القسم باعتبار خصوصه هو البدعة المذمومة شرعًا لأنه لما كان الموجب لشريعة الحكم موجود ثم لم يشرع كان صريحًا في أن الزائد على ما ثبت هنالك بدعة مخالفة لقصد الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حدّ هنالك بلا زيادة ولا نقصان منه] (١).\nقال الشيخ الألباني: [ومن المقرر عند ذوي التحقيق من أهل العلم أن كل عبادة مزعومة لم يشرعها لنا رسول الله بقوله ولم يتقرب هو بها إلى الله بفعله فهي مخالفة لسنته، لأن السنة على قسمين: سنة فعلية وسنة تركية، فما تركه - ﷺ - من تلك العبادات فمن السنة تركها، ألا ترى مثلًا أن الأذان للعيدين ودفن الميت مع كونه ذكرًا وتعظيمًا لله ﷿ لم يجز التقرب به إلى الله ﷿، وما ذلك إلا لكونه سنة تركها رسول الله - ﷺ - وقد فهم هذا المعنى أصحابه - ﷺ - فكثر عنه التحذير من البدع تحذيرًا عامًا كما هو مذكور في موضعه حتى قال حذيفة بن اليمان - ﵁ -: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تعبدوها) وقال ابن مسعود - ﵁ -: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق)] (٢).\nوقال العلامة القسطلاني: [وتركه - ﷺ - سنة كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين فعله وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله] (٣).\n_________\n(١) الاعتصام ١/ ٣٦١.\n(٢) حجة النبي - ﷺ - ص ١٠٠ - ١٠١.\n(٣) الإبداع ص ٣٦.","vol":"1","page":65},{"text":"وقال ابن النجار الحنبلي: [التأسي برسول الله - ﷺ - فعلك كما فعل لأجل أنه فعل وأما التأسي في الترك فهو أن تترك ما ترك لأجل أنه ترك] (١).\nوقال العلامة ابن القيم: [فصل نقل الصحابة ما تركه - ﷺ - وأما نقلهم لتركه - ﷺ - فهو نوعان وكلاهما سنة. أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: ولم يغسلهم ولم يصل عليهم. وقوله في صلاة العيد: لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء. وقوله في جمعه بين الصلاتين: ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما. ونظائره.\nوالثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حدث به في مجمع أبدًا علم أنه لم يكن وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة أو تركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من الركوع الثانية، وقوله: اللهم اهدنا فيمن هديت. يجهر بها ويقول المأمومون كلهم: آمين. ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة البتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخل به يومًا واحدًا وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف.\nومن هاهنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه - ﷺ - سنة كما أن فعله سنة فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق.\nفإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟\n_________\n(١) شرح الكوكب المنير ٢/ ١٩٦.","vol":"1","page":66},{"text":"فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه ولو صح هذا السؤال وقُبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟\nواستحب لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه. ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر الله واسم رسوله جماعة وفرادى وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أن إحياءهما لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة من أين لكم أن هذا لم ينقل؟] (١).\nوقال الشاطبي: [والثاني أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه] (٢).\nوقال الشاطبي أيضًا: [وتقرير السؤال أن يقال في البدع مثلًا إنها فعل ما سكت الشارع عن فعله أو ترك ما أذن في فعله، أو تقول: فعل ما سكت الشارع عن الأذن فيه أو ترك ما أذن في فعله أو أمر خارج عن ذلك. فالأول كسجود الشكر عند مالك حيث لم يكن ثم دليل على فعله والدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات والاجتماع للدعاء\n_________\n(١) إعلام الموقعين ٢/ ٣٨٩ - ٣٩١.\n(٢) الموافقات ٢/ ٤١٠.","vol":"1","page":67},{"text":"بعد العصر يوم عرفه في غير عرفات والثاني كالصيام مع ترك الكلام ومجاهدة النفس بترك مأكولات معينة والثالث كإيجاب شهرين متتابعين في الظهار لواجد الرقبة. وهذا الثالث مخالف للنص الشرعي فلا يصح بحال فكونه بدعة قبيحة بيّن.\nوأما الضربان الأولان وهما في الحقيقة فعل أو ترك لما سكت الشارع عن فعله أو تركه فمن أين يعلم مخالفتهما لقصد الشارع أو أنهما مما يخالف المشروع؟ وهما لم يتواردا مع المشروع على محل واحد بل هما في المعنى كالمصالح المرسلة والبدع إنما أحدثت لمصالح يدعيها أهلها ويزعمون أنها غير مخالفة لقصد الشارع ولا لوضع الأعمال أما القصد فمسلم بالفرض وأما الفعل فلم يشرع الشارع فعلًا نوقض بهذا العمل المحدث ولا تركًا لشيء فعله هذا المحدث كترك الصلاة وشرب الخمر بل حقيقته أنه أمر مسكوت عنه عند الشارع والمسكوت من الشارع لا يقتضي مخالفة ولا يفهم للشارع قصدًا معينًا دون ضده وخلافه فإذا كان كذلك رجعنا إلى النظر في وجوه المصالح فما وجدنا فيه مصلحة قبلناه إعمالًا للمصالح المرسلة وما وجدنا فيه مفسدة تركناه إعمالًا للمصالح أيضًا وما لم نجد فيه هذا ولا هذا فهو كسائر المباحات إعمالًا للمصالح المرسلة أيضًا.\nفالحاصل أن كل محدثة يفرض ذمها تساوي المحدثة المحمودة في المعنى فما وجه ذم هذه ومدح هذه؟ ولا نص يدل على مدح ولا ذم على الخصوص.\nوتقرير الجواب ما ذكره مالك وأن السكوت عن حكم الفعل أو الترك هنا - إذا وجد المعنى المقتضي للفعل أو الترك إجماع من كل ساكت على أن لا زائد على ما كان. وهو غاية في هذا المعنى قال ابن رشد: الوجه في ذلك أنه لم يره مما شرع في الدين - يعني سجود الشكر - لا فرضًا ولا نفلًا إذ لم يأمر بذلك النبي - ﷺ - ولا فعله ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الوجوه قال: واستدلاله على أن رسول الله - ﷺ - لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان","vol":"1","page":68},{"text":"لنقل، صحيح إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ، قال: وهذا أصل من الأصول ... وهو أصل صحيح إذا اعتبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها ودل على أن وجود المعنى المقتضى مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجودًا قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فبطل (١).\nومن أوضح الأمثلة التي ساقها شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا القسم وهو ما تركه النبي - ﷺ - مع قيام المقتضى له الأذان للعيدين فينبغي تركه وإن كان فيه مصلحة ظاهرة وهي دعوة الناس للصلاة وإعلامهم بها فهو غير مشروع ما دام أن النبي - ﷺ - قد تركه رغم دخوله تحت بعض العمومات كما وضحه شيخ الإسلام بقوله: [الأذان في العيدين فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة فلو لم يكن كونه بدعه دليلًا على كراهته وإلا لقيل هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله فيدخل في العمومات كقوله تعالى: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) وقوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) أو يقاس على الأذان في الجمعة فإن الاستدلال على حسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكبر البدع بل يقال: ترك رسول الله - ﷺ - له مع وجود ما يعتقد مقتضيًا وزوال المانع سنة كما أن فعله سنة.\nفلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنة فليس لأحد أن يزيد في ذلك بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة وأعداد الركعات أو الحج فإن رجلًا لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح لم يكن له ذلك ... وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل\n_________\n(١) الموافقات ٢/ ٤١١ - ٤١٤.","vol":"1","page":69},{"text":"يقال له: كل بدعة ضلالة ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهيًا خاصًا عنها أو أن نعلم ما فيها من المفسدة.\nفهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضى له وزوال المانع لو كان خيرًا، فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتًا على عهد رسول الله - ﷺ - ومع هذا لم يفعله رسول الله - ﷺ - فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس.\nومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدعة بتفريط من الناس تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة واعتذار من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة وكانوا على عهد رسول الله - ﷺ - لا ينفضون حتى يسمعوا أو أكثرهم فيقال له: سبب هذا تفريطك فإن النبي - ﷺ - كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم وأنت تقصد إقامة رياستك وإن قصدت صلاح دينهم فلست تعلمهم ما ينفعهم فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله وتتبع سنة نبيه وقد استقام الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله ﷿ إلا عن عملك لا عن عملهم.\nوهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة) (١).\nإن الجهل بهذا الأصل المهم أوقع كثيرًا من الناس في البدع فانظر إلى البدع التي يفعلها الناس اليوم ترى أن النبي - ﷺ - قد تركها مع أن الدواعي لفعلها كانت موجودة على عهد النبي - ﷺ - فانظر إلى تلفظ كثير من المصلين بالنية فتسمع الواحد منهم يقول بصوت مرتفع: نويت أن أصلي أربع ركعات فرض صلاة الظهر مقتديًا ... الخ ولم يؤثر مثل ذلك عن الرسول - ﷺ - ولا علمه لأحد من أصحابه كما في حديث المسيء\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٧٩ - ٢٨١.","vol":"1","page":70},{"text":"صلاته حيث قال له النبي - ﷺ - إذا قمت إلى الصلاة فكبر .. الخ رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح. ولم يقل قل نويت أن أصلي كذا وكذا فلو كان ذلك مشروعًا لعلمه النبي - ﷺ - لذلك الرجل فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم عند الأصوليين.\nوكذلك قراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت تركه رسول الله - ﷺ - مع قيام المقتضي للفعل وهو الشفقة على الميت وعدم المانع منه فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة.\nوكيف يعقل أن يترك الرسول - ﷺ - شيئًا نافعًا يعود على أمته بالرحمة؟ وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم. فهل يعقل أن يكون هذا بابًا من أبواب الرحمة ويتركه الرسول - ﷺ - طوال حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة؟\nوكذلك الاحتفال بمولده - ﷺ - تركه ولم يفعله وكذا تركه الصحابة الأجلاء مع توفر الدواعي لفعله فإن يوم ميلاده كان يتكرر كل عام ومع ذلك لم يحتفل رسول الله - ﷺ - بمولده ولا أمر أحدًا من الصحابة بالاحتفال بذكرى مولده كما أمرهم بالصلاة والسلام عليه كما هو معروف فدل تركه ذلك على أن الاحتفال بمولده غير مشروع.\nإذ لو كان الاحتفال بالمولد مشروعًا لبينه رسول الله - ﷺ - ولفعله.\nولو كان الاحتفال بمولده - ﷺ - مشروعًا لسبقنا إليه الصحابة ﵃ فوالله لقد كانوا أشد حبًا لرسول الله - ﷺ - وأكثر أدبًا مع رسول الله - ﷺ - من المسلمين الذين يحتفلون بالمولد.\nثم إن بدعة الاحتفال بالمولد حدثت بعد مئات السنين على الإسلام فأين كان المسلمون طوال هذه السنوات الطويلة؟ فقد قيل إن أول من احتفل بالمولد هو صاحب إربل الملك العظيم مظفر الدين كوكبرى الذي توفي سنة ٦٣٠ هجري.","vol":"1","page":71},{"text":"والسؤال أين كان العلماء والعباد والمسلمون طوال ستمائة عام؟ لماذا لم يحتفلوا بالمولد؟ وأين كان أهل القرون الثلاثة الأولى؟ وقد شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالخيرية في قوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم) رواه البخاري ومسلم واللفظ له (١).\nوقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [... فأما ما اتفق السلف على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل] (٢).\nوخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يأتي بعبادة لم يفعلها رسول الله - ﷺ - وأصحابه كما قال حذيفة: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تعبدوها) ومعنى كلام حذيفة - ﵁ - أي لا تتقربوا بها إلى الله ﷿ ذلك لأنها ليست عبادة أنتم تظنونها عبادة ولكن الدليل على أنها ليست عبادة لأنها لو كانت عبادة لجاء بها رسول الله - ﷺ - (٣).\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ١٨٧، صحيح مسلم مع شرح النووي ٦/ ٦٨.\n(٢) فضل علم السلف على الخلف ص ٣١ نقلًا عن البدعة وأثرها السيء ص ١٨.\n(٣) انظر فتاوى الألباني ص ١٨٨.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث السادس\nتقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية</span>\nقسم الإمام الشاطبي البدعة إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الأول: البدعة الحقيقية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الثاني: البدعة الإضافية</span>.\nأما البدعة الحقيقية فهي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل (١).\nفالابتداع في البدعة الحقيقية من جميع وجوهها فهي بدعة محضة ليست فيها جهة تندمج بها في السنة فهي خارجة عن الشرع من كل وجه (٢).\nومن أمثلة البدعة الحقيقية:\n١. اختراع عبادة ما أنزل الله بها من سلطان مثل الطواف بمقامات الأولياء والصالحين كما يزعم الزاعمون.\nفإن الطواف المشروع في الإسلام هو الطواف بالكعبة المعظمة فقط لأنه الذي قامت عليه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فلذا فإن طواف بعض الجهلة من العوام بمسجد قبة الصخرة باطل شرعًا.\nوقد رأيت بعض النساء يطفن بمسجد قبة الصخرة في يوم جمعة من شهر رمضان في إحدى السنوات وهذا منكر عظيم ويبدو أنه وجد منذ عهد بعيد حيث ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن من البدع المحدثة والمنكرة الطواف بالصخرة فقال: [... ثم فيه\n_________\n(١) الاعتصام ١/ ٢٨٦.\n(٢) الإبداع ص٥٥.","vol":"1","page":73},{"text":"أيضًا مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام وتشبيه له بالكعبة ولهذا قد أفضى إلى ما لا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى غير شريعة الإسلام وهو ما قد يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة ...] (١).\n٢. ما زعمه الدجالون من المتصوفة من القول بسقوط التكاليف الشرعية عند الوصول إلى مرتبة معينة من مراتب التصوف فلا تجب عليهم صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج. وتباح لهم المحرمات كالزنا واللواط وشرب الخمر وغيرها (٢).\nوهذا كله من الدجل والخرافات والأباطيل ومن تلبيس إبليس على هؤلاء الضالين المضلين.\n٣. بناء الأضرحة والنصب على القبور كما يشاهد الآن من إقامة نصب للشهداء فيبنون على القبر بناءً مرتفعًا بالحجارة والرخام على أشكال مختلفة ويكتبون عليه الآيات القرآنية بالخط المذهب الجميل ويجعلون حول هذه الأضرحة الهياكل المعدنية على أشكال القباب ونحوها.\nوكل ذلك غير مشروع لما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال: [قال لي علي بن أبي طالب ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ - أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته] رواه مسلم (٣).\n٤. تحريم الحلال أو تحليل الحرام اعتمادًا على شبهات واهية ضعيفة فمن تحريم الحلال ما جاء في الحديث عن عبد الله بن عباس أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: (يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت عليَّ اللحم فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٣٠٩ - ٣١٠.\n(٢) انظر الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة ص ٦٢، ٦٨٦، البدعة ص ٣٢٣.\n(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٣٢.","vol":"1","page":74},{"text":"اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا» (١). رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢).\nومن تحليل الحرام ما يقوله أدعياء العلم من علماء السلاطين من اعتبار فوائد البنوك الربوية من الحلال ضاربين بعرض الحائط النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - الواردة في تحريم الربا (٣).\nوأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان إحدهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي البدعة الإضافية أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء.\nوالفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة (٤).\nوخلاصة قول الإمام الشاطبي في البدعة الإضافية أن الأمر يكون مشروعًا في الأصل وقامت الأدلة على مشروعيته ولكن الكيفية أو الهيئة التي يؤدى بها ليست مشروعة فمن هنا سميت هذه البدعة إضافية لأنها لم تتخلص لأحد الطرفين المخالفة الصريحة\n_________\n(١) سورة المائدة الآيتان ٨٧ - ٨٨.\n(٢) سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٨/ ٣٢٩، صحيح سنن الترمذي ٣/ ٤٦.\n(٣) راجع كتاب د. يوسف القرضاوي \" فوائد البنوك هي الربا الحرام \".\n(٤) انظر الاعتصام ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.","vol":"1","page":75},{"text":"أو الموافقة الصريحة (١).\nومن الأمثلة على البدعة الإضافية ما يلي:\n١. الأذان للعيدين ولصلاة الكسوف فالأذان في أصله مشروع ولكن الأذان للعيدين والكسوف لم يثبت عن الرسول - ﷺ -.\n٢. ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصًا كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات أو بصدقة كذا أو كذا أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك (٢).\n٣. ختم الصلاة على الهيئة المعروفة التي يفعلها كثير من الأئمة فإنه من جهة كونه قرآنًا وذكرًا ودعاءً مشروع ومن جهة ما عرض له من رفع الصوت في المسجد ومن جهة كونه لم يفعله الرسول - ﷺ - غير مشروع (٣).\n٤. الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - بعد الأذان بحيث تجعل جزءً من الأذان كما هو المعهود في كثير من المساجد فمن جهة فالصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - مشروعان ثابتان. ومن جهة أخرى من حيث جعلهما جزءً من الأذان غير مشروعين. ولذا قال الشيخ ابن حجر المكي لما سئل عن الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - بعد الأذان كما يفعله المؤذنون اليوم فأجاب بأن الأصل سنة والكيفية بدعة (٤) كما سيأتي تفصيل كلامه في الفصل الثاني.\n_________\n(١) البدعة ص ٣٢٤.\n(٢) الاعتصام ٢/ ١٢.\n(٣) الإبداع ص ٥٩.\n(٤) الفتاوى الفقهية الكبرى ١/ ١٣١، الإبداع ص ٥٩.","vol":"1","page":76},{"text":"٥. رفع الصوت بالأذكار في الجنازة فالذكر من حيث الأصل مشروع وثابت ولكن باعتبار ما عرض له أنه في الجنازة مخالف لهدي المصطفى - ﷺ - لأن السنة في الجنازة المشي بصمت وسكوت للتفكر في حال الموت.\n٦. تخصيص زمان معين بعبادة معينة والمداومة على ذلك، فإن ذلك بدعة إضافية ومثاله ما ورد عن أبي البختري قال: أخبر رجل ابن مسعود - ﵁ - أن قومًا يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: [كبروا الله كذا وسبحوا الله كذا وكذا واحمدوه كذا وكذا. قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فلما جلسوا أتاه الرجل فأخبره فجاء عبد الله بن مسعود فقال: والذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلمًا أو قد فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - علمًا. فقال عمرو بن عتبة: نستغفر الله. فقال: عليكم الطريق فالزموه ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لتضلن ضلالًا بعيدًا] رواه عبد الرزاق والدارمي بإسناد جيد وهو أثر صحيح بمجموع طرقه (١).\nويظهر أن ابن مسعود أنكر على هؤلاء القوم واعتبر عملهم بدعة مع أن الذي فعلوه ما هو إلا تكبير وتسبيح وتحميد ولكن لما خصوا ذلك بزمان معين بدون دليل شرعي أنكره عليهم.\n_________\n(١) المصنف ٣/ ٢٢١ - ٢٢٢، سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان ٢/ ٢٤٧، الأمر بالإتباع ص ٨٤.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث السابع\nحكم البدعة</span>\nإن البدعة مذمومة شرعًا لأنها إما زيادة في الدين أو نقص منه أو تغيير فيه فهي تقع في دائرة النهي ولا تخرج عنها، قال الشاطبي يرحمه الله في بيان حكم البدعة ما نصه: [... ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة نخرج عنها الثلاثة فيبقى حكم الكراهية وحكم التحريم فاقتضى النظر انقسام البدع إلى القسمين فمنها بدعة محرمة ومنها بدعة مكروهة وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات - وهي - لا تعدو الكراهة والتحريم فالبدع كذلك] (١).\nوليس المقصود بالكراهة في كلام الشاطبي الكراهة التنزيهية وإنما الكراهة التحريمية، لأن الكراهة التنزيهية اصطلاح للمتأخرين لم يعرف عن المتقدمين من السلف فلم يقولوا فيما لا حرج فيه إنه مكروه ولم يكن من شأنهم أن يقولوا فيما لا نص فيه، هذا حلال وهذا حرام لئلا يكونوا ممن قال الله تعالى فيهم: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) (٢).\nقال الشاطبي: [فإذا وجدت في كلامهم - أي السلف - في البدعة أو غيرها \" أكره هذا ولا أحب هذا وهذا مكروه \" وما أشبه ذلك فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه؟] (٣).\n_________\n(١) الاعتصام ٢/ ٣٦ - ٣٧.\n(٢) سورة النحل الآية ١١٦.\n(٣) الاعتصام ٢/ ٥٥.","vol":"1","page":78},{"text":"ويقرر الشاطبي أنه لا يصح أن يراد بالبدعة المكروه تنزيهًا من حيث أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلًا على العفو اللازم فيه ورفع الحرج الثابت في الشريعة فهو إلى الطمع في رحمة الله أقرب وأيضًا فليس عقده الإيماني بمتزحزح لأنه يعتقد المكروه مكروهًا كما يعتقد الحرام حرامًا وإن ارتكبه فهو يخاف الله ويرجوه والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان.\nفكذلك مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل وأن نفسه الأمارة زينت له الدخول فيه ويود لو لم يفعل فلا يزال إذا تذكر منكسر القلب طامعًا في الإقلاع سواء عليه أخذ في أسباب الإقلاع أم لا.\nومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال فإنه يَعُدُ ما دخل فيه حسنًا بل يراه أولى مما حدَّ له الشارع فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه؟ وهو يزعم أن طريقه أهدى سبيلًا ونحلته أولى بالاتباع؟ (١)\nويدل على أن البدعة لا تكون مكروهة تنزيهًا قوله - ﷺ -: (من رغب عن سنتي فليس مني) وقد جاء هذا القول النبوي ردًا على من قال من الصحابة: (أما أنا فأقوم الليل ولا أنام) وعلى من قال: (أما أنا فلا أتزوج النساء) وعلى من قال: (أما أنا أصوم الدهر ولا أفطر) وهذا قد ورد في حديث النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي - ﷺ -\nالذي رواه البخاري ومسلم (٢). فأتى النبي - ﷺ - بهذه العبارة وهي أشد شيء في الإنكار ولم يكن ما التزم به هؤلاء الثلاثة من الصحابة إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر.\nويدل على ذلك أيضًا ما جاء في الحديث أنه ﵊: (رأى رجلًا قائمًا في الشمس فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر ألا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم،\n_________\n(١) الاعتصام ٢/ ٥٦.\n(٢) صحيح البخاري مع الفتح ١١/ ٥، صحيح مسلم مع شرح النووي ٣/ ٥٢٥.","vol":"1","page":79},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -: مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه) رواه البخاري (١).\nقال الإمام مالك: [وقد أمره رسول الله - ﷺ - أن يتم ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية] (٢).\nويدل على ذلك أيضًا ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن قيس بن أبي حازم قال: [دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب بنت المهاجر فرآها لا تكلم، فقال: مالها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة. قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية ...] (٣).\nفتأمل كيف جعل القيام في الشمس وترك الكلام من المعاصي مع أنهما من المباحات ولكن لما أجريت مجرى المشروعات صارت معصية لله عند الإمام مالك كما في الأول وعند أبي بكر - ﵁ - في الثاني.\nفالبدعة معصية لله تعالى لأنها مضادة للشارع الحكيم ومراغمة له حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة وهذا لا يصح أبدًا.\nوكذلك فإن كل بدعة وإن قَلَّت تشريع زائد أو ناقص أو تغيير للأصل الصحيح سواء أكانت البدعة منفردة عن المشروع أو ملحقة بالمشروع فكل ذلك يكون قادحًا في المشروع (٤).\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ١٤/ ٤٠١.\n(٢) الاستذكار ١٥/ ٤٩.\n(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ١٤٨، وقد نسب الشيخ علي محفوظ هذا القول إلى الرسول - ﷺ - وهو خطأ انظر الإبداع ص ١٤٥.\n(٤) انظر الاعتصام ٢/ ٦٠ - ٦١.","vol":"1","page":80},{"text":"وما دامت البدعة معصية فهي محرمة ويؤيد هذا المعنى قوله - ﷺ -: (كل بدعة ضلالة). وكذلك كل ما ورد في ذم البدع مما يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد. وهذا من خصائص المحرم في الشرع، فالبدعة محرمة ولكن وكما هو معلوم فليس جميع المحرمات في رتبة واحدة بل متفاوتة، فقتل النفس بغير حق محرم والكذب محرم ولكن بينهما تفاوت فليس من يقتل بريئًا كمن يكذب، وكذلك فإن البدعة محرمة وهي متفاوتة ومنقسمة إلى صغيرة وكبيرة والكبيرة ليست في درجة واحدة بل متفاوتة أيضًا.\nفأما البدعة الصغيرة فهي البدعة الجزئية الواقعة في الفروع الجزئية بشرط أن تكون مبنية على شبهة تخيل أنها شرع ودين، فإنها إذا كانت كذلك لا يتحقق دخولها تحت الوعيد بالنار الوارد في شأن البدعة وإن دخلت تحت الوصف بالضلال كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة وإن كان داخلًا تحت وصف السرقة بل المتحقق دخول عظائمها وكلياتها كمن سرق نصابًا موجبًا للقطع (١).\nويرى الإمام الشاطبي أن البدعة لا تكون صغيرة إلا إذا توفرت فيها الشروط التالية:\nالشرط الأول: أن لا يداوم عليها فإن الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه، لأن ذلك ناشىء عن الإصرار عليها والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، ولذلك قالوا لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار.\nالشرط الثاني: أن لا يدعو إليها فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك كله عليه فإنه الذي أثارها وسبَّب كثرة وقوعها والعمل بها، فإن الحديث الصحيح قد أثبت أن كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا.\n_________\n(١) الإبداع ص ١٤٧.","vol":"1","page":81},{"text":"الشرط الثالث: أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن وتظهر فيها شعائر الدين لأن إظهارها في مثل تلك الأماكن دعوة للعوام للاقتداء بالمبتدع فإن العوام أتباع كل ناعق لا سيما البدع التي وكل الشيطان بتحسينها للناس والتي للنفوس في تحسينها هوى وإذا اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه لأن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها فعلى حسب كثرة الاتباع يعظم عليه الوزر.\nكما وأن إظهار البدع في الأماكن التي تظهر فيها السنن كالمساجد يؤدي إلى الظن أنها من السنن لأن العوام يظنون ذلك.\nوحكى ابن وضاح قال: [ثوب المؤذن بالمدينة في زمان مالك فأرسل إليه مالك فجاءه فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا. فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئًا لم يكن فيه، قد كان رسول الله - ﷺ - بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه، فكف المؤذن عن ذلك وأقام زمانًا ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر فأرسل إليه مالك فقال له: ما الذي تفعل؟ قال: أردت ان يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له: ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن؟ فقال: إنما نهيتني عن التثويب. فقال له: لا تفعل، فكف زمانًا. ثم جعل يضرب الأبواب. فأرسل إليه مالك فقال: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له مالك: لا تفعل لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه.\nقال ابن وضاح: وكان مالك يكره التثويب - قال - وإنما أحدث هذا بالعراق. قيل لابن وضاح: فهل كان يعمل به بمكة أو المدينة أو مصر أو غيرها من الأمصار؟ فقال: ما سمعته إلا عند بعض الكوفيين والأباضيين.","vol":"1","page":82},{"text":"فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يخف شأنه عند الناظر فيه ببادي الرأي وجعله أمرًا محدثًا وقال في التثويب: إنه ضلال وهو بين لأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ولم يسامح للمؤذن في التنحنح ولا في ضرب الأبواب. لأن ذلك جدير بأن يتخذ سنة كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن مهدي خوف أن يكون حدثًا أحدثه] (١).\nالشرط الرابع: أن لا يستصغرها ولا يستحقرها - وإن فرضناها صغيرة - فإن ذلك استهانة بها والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب لأن الإنسان إذا استعظم هذا الذنب من نفسه صغر هذا الذنب عند الله تعالى وكلما استصغره كبر عند الله تعالى لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وكراهته له وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به واستصغاره يصدر عن الألف به (٢).\nوأخيرًا أذكر ما قاله الشيخ الألباني في حكم البدعة: [يجب أن نعلم أن أصغر بدعة يأتي بها الرجل في الدين هي محرمة بعد تبين كونها بدعة وليس في البدع - كما يتوهم البعض - ما هو في رتبة المكروه فقط] (٣).\n_________\n(١) الاعتصام ٢/ ٦٩ - ٧٠. والتثويب الذي كرهه الإمام مالك هو ما أحدثه بعض المؤذنين بعد النبي - ﷺ - إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح فهذا هو التثويب الذي كرهه أهل العلم، انظر سنن الترمذي مع شرحه التحفة ١/ ٥٠٧، وما قاله الشاطبي في الموضع المذكور أول هذا الهامش.\n(٢) الاعتصام ٢/ ٦٥ - ٧٢.\n(٣) حجة النبي - ﷺ - ص ١٠٣.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الثامن\nأسباب الابتداع</span>\nوقد أرجع الشيخ الألباني أسباب الابتداع إلى عدة أمور:\nالأول: أحاديث ضعيفة لا يجوز الاحتجاج بها ولا نسبتها إلى النبي - ﷺ - ومثل هذا لا يجوز العمل به عندنا على ما بينته في مقدمة \" صفة صلاة النبي - ﷺ - \" وهو مذهب جماعة من أهل العلم كابن تيمية وغيره.\nالثاني: أحاديث موضوعة أو لا أصل لها خفي أمرها على بعض الفقهاء فبنوا عليها أحكامًا هي من صميم البدع ومحدثات الأمور!\nقلت: وهذان السببان يعودان إلى الجهل بالسنة النبوية عامة، والجهل بعلم مصطلح الحديث خاصة فكثير ممن يقعون في البدع لا يفرقون بين ما يصح الاستدلال به من الأحاديث وبين ما لا يصح فلا يعرفون الحديث الصحيح من الضعيف والموضوع. ويأخذون الحديث من أي مصدر كان حتى من كتب الموضوعات، كمثل ذلك الخطيب الذي كان يخطب الجمعة فقال في خطبته: قال النبي - ﷺ - في الحديث الموضوع كذا وكذا ...، ولا يعرف هذا المسكين ما هو الحديث الموضوع؟!\nمع أن أهل العلم متفقون على أنه لا يجوز العمل بالحديث الموضوع لأنه كذب على رسول الله - ﷺ -. ومن المعلوم أن كثيرًا من البدع استندت إلى أحاديث موضوعة متهافتة (١).\nالثالث: اجتهادات واستحسانات صدرت من بعض الفقهاء خاصة المتأخرين منهم لم يدعموها بأي دليل شرعي، بل ساقوها مساق المسلمات من الأمور، حتى صارت\n_________\n(١) انظر البدع الحولية ص ٥١ - ٥٢.","vol":"1","page":84},{"text":"سننًا تتبع! ولا يخفى على المتبصر في دينه أن ذلك مما لا يسوغ اتباعه، إذ لا شرع إلا ما شرعه الله تعالى، وحسب المستحسن - إن كان مجتهدًا - أن يجوز له هو العمل بما استحسنه، وأن لا يؤاخذه الله به، أما أن يتخذ الناس ذلك شريعة وسنة فلا ثم لا. فكيف وبعضها مخالف للسنة العملية ... إلخ.\nرابعًا: عادات وخرافات لا يدل عليها الشرع ولا يشهد لها عقل وإن عمل بها بعض الجهال واتخذوها شرعة لهم ولم يعدموا من يؤيدهم ولو في بعض ذلك ممن يدعي العلم ويتزيا بزيهم (١).\nويضاف إلى ما قاله الشيخ الألباني أن من أسباب البدع أيضًا تحيكم العقل في النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - الواردة في العبادات مع أن العقل لا مدخل له في هذا الباب لأنه لا يستطيع أن يدرك أسرار التشريع في العبادات فلو سأل أعقل الناس نفسه لماذا نصلي المغرب ثلاث ركعات ولماذا نصلي العشاء أربعًا لما وجد جوابًا مقبولًا عقلًا. ولو سأل آخر نفسه لماذا نصلي التراويح جماعة ولا نصلي سنة العشاء جماعة؟ مع أن كلًا منهما سنة.\nولو قلنا لماذا نقرأ القرآن في الصلاة حال القيام ولا نقرأه حال الركوع والسجود؟ والقرآن هو القرآن. فالأصل في هذا الباب أن لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع ولا بد من الوقوف عند موارد النصوص، فإن الله ﷾ جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداه ولم يجعل لها سبيلًا إلى الإدراك في كل مطلوب كما قال الشاطبي (٢).\nويمكن اعتبار أسبابٍ أخرى للبدع فيها مجال للنظر (٣).\n_________\n(١) مناسك الحج والعمرة ص ٤٤ - ٤٥.\n(٢) الاعتصام ٢/ ٣١٨.\n(٣) انظر أسبابًا أخرى للبدع في البدع الحولية ص ٣٧ فما بعدها.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث التاسع\nأسباب انتشار البدع</span>\nيمكن إرجاع انتشار البدع للأسباب الآتية:\n١. سكوت كثير من أهل العلم والمنتسبين للعلم الشرعي كأئمة المساجد وأساتذة العلم الشرعي في الجامعات عن البدع لأنهم كما يزعمون لا يريدون إثارة العامة عليهم. ومن باب المحافظة على القديم وإبقائه على قدمه؟!\n٢. عمل الكثير من أهل العلم والمنتسبين للعلم الشرعي وخاصة في بلادنا بالبدع وتأييدهم لها وعملهم على انتشارها لموافقتها أهوائهم أو مشاربهم الحزبية الضيقة فتقلدهم العامة لثقتها بهم فيقولون قال الشيخ الفلاني قال كذا وكذا وفعل كذا فيحتجون على صحة موقفهم بأقوال المشايخ وأفعالهم مع أنه لا دليل في ذلك ما لم يكن موافقًا للشرع.\n٣. تبني الحكام والمسؤولين للبدع وتشجيعها لموافقتها لأهوائهم ولخدمتها لأغراضهم كما هو مشاهد في حفلات الموالد والهجرة والإسراء والمعراج وغير ذلك من المواسم المنسوبة إلى الدين زورًا وبهتانًا كما سيأتي في الفصل الثاني.\n٤. نظرًا لمضي مدة على انتشار البدع وتناقل الناس لها جيلًا بعد جيل صار مغروسًا في أذهان العامة أن هذه البدع من الدين وصار اعتبار البدع من الدين قضية مسلمة فأصبح من الصعوبة بمكان وقف انتشارها إلا بجهود كبيرة وبتوفيق من الله ﷾ (١).\n_________\n(١) انظر البدع الحولية ص ٧١ - ٧٥.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الفصل الثاني\n\nالبدع المنتشرة بين الناس في المساجد وغيرها</span>","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الأول\nالبدع المتعلقة بالأذان</span>\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>المسألة الأولى: قراءة القرآن قبل الأذان للصلوات الخمس وقبل الأذان للجمعة:</span>\nاعتاد كثير من المؤذنين أن يبثوا قراءة آيات من القرآن الكريم بواسطة آلة التسجيل عبر مكبرات الصوت قبل الأذان للصلاة بوقت يسير كعشر دقائق أو أقل أو أكثر.\nوصارت هذه العادة التزامًا يوميًا بحيث إن المؤذن لو أخل بذلك قوبل بالإنكار من بعض المصلين.\nوهذا الأمر بدعة غير مشروعة مخالفة لهدي المصطفى - ﷺ - فما ثبت عن الرسول - ﷺ - أنه أمر المؤذن أن يقرأ شيئًا من القرآن الكريم قبل الأذان ولا نقل مثل ذلك عن الصحابة والتابعين لهم.\nومن المقرر عند أهل العلم أنه لا يجوز تخصيص عبادة بوقت معين بدون دليل شرعي.\nوقد أجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن سؤال متعلق بحكم قراءة القرآن قبل الأذان ونصه: [ما حكم الإسلام في قراءة القرآن يوم الجمعة قبل صلاة الظهر بمكبرات الصوت. إذا قلت هذا أمر غير وارد يقول لك تريد أن تمنع قراءة القرآن. وما رأيكم في الابتهالات الدينية تسبق أذان الفجر بقليل بمكبرات الصوت إذا قلت هذا أمر ليس له دليل يقول لك هذا عمل خير يوقظ الناس لصلاة الفجر.\nالجواب: لا نعلم دليلًا يدل على وقوع ذلك في عهد الرسول - ﷺ - ولا نعلم أحدًا من الصحابة عمل به وكذلك الابتهالات التي تسبق الأذان للفجر بمكبرات الصوت","vol":"1","page":88},{"text":"فكانت بدعة وكل بدعة ضلالة وقد ثبت أن النبي - ﷺ - قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (١).\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية ٣/ ٣٥٣، وانظر فتاوى إسلامية ١/ ٣٨١.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المسألة الثانية: الأذان بواسطة شريط مُسجَلٌ عليه الأذان:</span>\nبعض المؤذنين وأئمة المساجد يعجبون بأصوات مؤذنين مشهورين فيسجلون أذانهم على شريط ثم عندما يحين وقت الأذان يبثون الأذان بواسطة مكبرات الصوت وهذا أمر مبتدع مخالف لهدي المصطفى - ﷺ - حيث ثبت في الحديث عن مالك بن الحويرث قال: (أتيت الرسول - ﷺ - في نفر من قومي فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيمًا رفيقًا فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: إرجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم) رواه البخاري ومسلم (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا) رواه البخاري ومسلم (٢).\nجاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما يلي:\n[إن الاكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد عند دخول وقت الصلاة بواسطة آلة التسجيل ونحوها ولا يجوز في أداء العبادة ولا يحصل به الأذان المشروع وإنه يجب على المسلمين مباشرة الأذان لكل وقت من أوقات الصلاة في كل مسجد على ما توارثه المسلمون من عهد نبينا ورسولنا محمد - ﷺ - إلى الآن والله الموفق] (٣)\nوأجابت الهيئة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على سؤال يتعلق بالموضوع بقولها:\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٢٥١، صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٣٠٢.\n(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧، صحيح مسلم بشرح النووي٢/ ١١٨.\n(٣) انظر القول المبين ص ١٧٦.","vol":"1","page":90},{"text":"[إنه لا يكفي في الأذان المشروع للصلوات المفروضة أن يُأَذَنَ من الشريط المسجل عليه بل الواجب أن يؤذن المؤذن للصلاة بنفسه لما ثبت من أمره ﵊ بالأذان والأصل في الأمر الوجوب] (١).\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية ٦/ ٦٦ - ٦٧.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المسألة الثالثة: الصلاة على النبي - ﷺ - بعد الأذان بحيث تكون جزءًا منه:</span>\nاعتاد كثير من المؤذنين أن يصلوا على النبي - ﷺ - في أذانهم وصارت الصلاة على النبي - ﷺ - جزءًا من الأذان وهذا الأمر الأصل فيه سنة والكيفية بدعة وبيان ذلك بما يلي:\nإن الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - سنة بعد الأذان لا فرق في ذلك بين مؤذن وغيره ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) رواه مسلم (١).\nومن المعلوم أن ألفاظ الأذان وكلماته توقيفية لا يصح أن يزاد عليها أو ينقص منها شيء وكلمات الأذان تبدأ بقول المؤذن: (الله أكبر، الله أكبر)، وتنتهي بقوله: (لا إله إلا الله) فهذا هو المأثور من لدن رسول الله - ﷺ - وكان عليه الصحابة والتابعون وأهل القرون الثلاثة الأولى المشهود لهم بالخيرية.\nوبناء على ما سبق أقول إن الصلاة والسلام على رسول الله لا يصح أن تجعل جزءًا من ألفاظ الأذان فإن جعلت جزءًا منه كما يفعل كثير من المؤذنين فهي من هذا الوجه وبهذه الكيفية بدعة وإن كان الأصل فيها سنة فالمطلوب من المؤذن بعد انتهاء الأذان أن يصلي ويسلم على النبي - ﷺ - فإن فعل ذلك فقد أصاب السنة. وأما إذا جهر بالصلاة والسلام وجعلها جزءًا من الأذان فقد ابتدع وأحدث حدثًا لم يكن على عهد رسول الله - ﷺ - وأصحابه والسلف الصالح من أئمة المسلمين وقد بين الشيخ علي محفوظ تاريخ هذه البدعة فقال: [ومن البدع المختلف في حسنها وذمها الصلاة والسلام على\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٦٦.","vol":"1","page":92},{"text":"النبي - ﷺ - عقب الأذان جهرًا ما عدا الصبح والجمعة اكتفاء بما يقع قبلهما وما عدا المغرب لضيق وقتها والذي أحدث ذلك هو محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله البرلسي وأمر به في مصر وأعمالها ليلة الجمعة فقط ثم صار ذلك عامًا على يد نجم الدين الطنبدي لسبب مذكور في كتب التاريخ ففي خطط المقريزي: وأما مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم \" الفاطميين \" إلى أن استبد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر وأزال الدولة الفاطمية سنة سبع وستين وخمسمائة وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعي - ﵁ - وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀ فأبطل من الأذان (حي على خير العمل) وصار يؤذن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكة وفيه تربيع التكبير وترجيع الشهادتين فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر وانتشر مذهب أبي حنيفة - ﵁ - في مصر فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنفية بأذان أهل الكوفة وتقام الصلاة أيضًا على رأيهم وما عدا ذلك فعلى ما قلنا إلا أنه في ليلة الجمعة إذا فرغ المؤذنون من التأذين سلموا على رسول الله - ﷺ - وهو شيء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله بن عبد الله البرلسي بعد سنة ستين وسبعمائة فاستمر إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ومتولي الأمر بديار مصر الأمير منطاش القائم بدولة الملك الصالح المنصور أمير حاج المعروف بحاج ابن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول الله - ﷺ - في ليلة الجمعة وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه فقال لهم: أتحبون أن يكون هذا السلام في كل أذان؟ قالوا نعم فبات تلك الليلة، وأصبح متواجدًا يزعم أنه رأى رسول الله في منامه وأنه أمره أن يذهب إلى المحتسب ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله - ﷺ - في كل أذان فمضى إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدي وكان شيخًا جهولًا سيء السيرة في الحسبة والقضاء متهافتًا على الدرهم ولو قاده إلى البلاء، لا","vol":"1","page":93},{"text":"يحتشم من أخذ البرطيل والرشوة ولا يراعي في مؤمن إلًا ولا ذمة. قد ضرى على الآثام وتجسد من أكل الحرام. يرى أن العلم إرخاء العذبة ولبس الجبة ويحسب أن رضاء الله سبحانه في ضرب العباد بالدرقة وولاية الحسبة لم تحمد الناس قط أياديه ولا شكرت أبدًا مساعيه بل جهالاته شائعة وقبائح أفعاله ذائعة. وقال له: رسول الله يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم الصلاة والسلام عليك يا رسول الله كما يفعل في كل ليالي الجمع.\nفأعجب الجاهل هذا القول وجهل أن رسول الله - ﷺ - لا يأمر بعد وفاته إلا بما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته وقد نهى الله ﷾ في كتابه العزيز عن الزيادة في شرعه حيث يقول: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) وقال رسول الله - ﷺ -: (إياكم ومحدثات الأمور) فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة وتمت هذه البدعة واستمرت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام وصارت العامة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذي لا يحل تركه وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون] (١).\n_________\n(١) الإبداع ص ١٧٢ - ١٧٤، وانظر حاشية ابن عابدين ١/ ٣٩٠.","vol":"1","page":94},{"text":"وقال العلامة ملا علي القاري: [... فما يفعله المؤذنون الآن عقب الأذان من الإعلان بالصلاة والسلام مرارًا أصله سنة والكيفية بدعة لأن رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر فيه كراهة سيما في المسجد الحرام لتشويشه على الطائفين والمصلين والمعتكفين] (١).\nوبيَّن الحافظ ابن حجر أن ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ومن الصلاة على النبي - ﷺ - ليس من جملة الأذان لا لغةً ولا شرعًا (٢).\nوقال ابن الحاج: [وكذلك ينبغي أن ينهاهم - أي المؤذنين - عما أحدثوه من صفة الصلاة والتسليم على النبي - ﷺ - عند طلوع الفجر وإن كانت الصلاة والتسليم على النبي - ﷺ - من أكبر العبادات وأجلها فينبغي أن يسلك بها مسلكها فلا توضع إلا في مواضعها التي جعلت لها.\nألا ترى أن قراءة القرآن من أعظم العبادات ومع ذلك لا يجوز للمكلف أن يقرأه في الركوع ولا في السجود ولا في الجلوس أعني الجلوس في الصلاة لأن ذلك ليس بمحل للتلاوة.\nفالصلاة والتسليم على النبي - ﷺ - أحدثوها في أربعة مواضع لم تكن تفعل فيها في عهد من مضى والخير كله في الاتباع لهم ﵃ ... والصلاة والتسليم على النبي - ﷺ - لا يشك مسلم أنها من أكبر العبادات وأجلها وإن كان ذكر الله تعالى والصلاة والسلام على النبي - ﷺ - حسنًا سرًا وعلنًا لكن ليس لنا أن نضع العبادات إلا في مواضعها التي وضعها الشارع فيها ومضى عليها سلف الأمة] (٣).\nوقال الشيخ ابن حجر المكي: [قد أحدث المؤذنون الصلاة والسلام عقب الأذان للفرائض الخمس إلا الصبح ... ولقد استفتي مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام\n_________\n(١) مرقاة المفاتيح ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠.\n(٢) فتح الباري ٢/ ٢٣٢.\n(٣) المدخل ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"1","page":95},{"text":"عليه - ﷺ - بعد الأذان على الكيفية التي يفعلها المؤذنون فأفتوا بأن الأصل سنة والكيفية بدعة وهو ظاهر ...] (١).\nوأشار الشيخ ابن حجر المكي إلى أن الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - قبل الأذان ليست سنة فمن أتى ذلك معتقدًا سنيته في ذلك المحل المخصوص نهي عنه ومنع منه لأنه تشريع بغير دليل ومن شرع بلا دليل يزجر عن ذلك وينهى عنه (٢).\nوسئل الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية عن الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - عقب الأذان؟ فأجاب: [أما الأذان فقد جاء في - الفتاوى - الخانية أنه ليس لغير المكتوبات وأنه خمس عشرة كلمة وآخره عندنا لا إله إلا الله وما يذكر بعده أو قبله كله من المستحدثات المبتدعة ابتدعت للتلحين لا لشيء آخر ولا يقول أحد بجواز هذا التلحين ولا عبرة بقول من قال: إن شيئًا من ذلك بدعة حسنة لأن كل بدعة في العبادات على هذا النحو فهي سيئة ...] (٣).\nوقال الشيخ سيد سابق: [الجهر بالصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - عقب الأذان غير مشروع بل هو محدث مكروه] (٤).\nوأجاب العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية على سؤال حول الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - بعد الأذان فأجاب: [هذا المقام فيه تفصيل فإن كان المؤذن يقول ذلك بخفض صوت فذلك مشروع للمؤذن وغيره ممن يجيب المؤذن لأن النبي - ﷺ - قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى الفقهية ١/ ١٣١.\n(٢) المصدر السابق ١/ ١٣١.\n(٣) الإبداع ص١٧٥.\n(٤) فقه السنة ١/ ١٢٢.","vol":"1","page":96},{"text":"لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) أخرجه مسلم في صحيحه.\nوروى البخاري في صحيحه، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله - ﷺ -: (من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة).\nأما إن كان المؤذن يقول ذلك برفع صوت كالأذان فذلك بدعة لأنه يوهم أنه من الأذان والزيادة في الأذان لا تجوز لأن آخر كلمة: (لا إله إلا الله) فلا يجوز الزيادة على ذلك. ولو كان ذلك خيرًا لسبق إليه السلف الصالح بل لعلمه النبي - ﷺ - أمته وشرعه لهم وقد قال ﵊: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) أخرجه مسلم في صحيحه وأصله في الصحيحين من حديث عائشة ﵂. وأسأل الله سبحانه أن يزيدنا وإياكم وسائر إخواننا في الفقه في دينه وأن يمن علينا جميعًا بالثبات عليه إنه سميع قريب] (١).\nوقال الشيخ محمد عبد السلام الشقيري: [ثم اعلم أن الصلاة على النبي - ﷺ - بعد النداء لم تكن بهذه الكيفية المعلومة الآن قطعًا بل كانت سرًا وباللفظ الوارد الذي علمَّه لهم النبي - ﷺ - حينما سألوه بقولهم: قد علمنا السلام عليك فكيف نصلي؟ فقال لهم - ﷺ - قولوا اللهم صل على محمد) الحديث، فهذه الكيفية مبتدعة محدثة لم يأمر بها رسول الله - ﷺ - ولم تفعل في حياته ولا مرة واحدة. ولم يفعلها بلال في جميع تأذيناته بين يدي النبي - ﷺ - ولا مرة واحدة. ولا أحد من جميع مؤذني النبي - ﷺ - ولم تفعل في عهد الخلفاء الراشدين أصلًا ولا في عصر سائر الصحابة ولا التابعين ولا\n_________\n(١) فتاوى إسلامية ١/ ٢٤٠ - ٢٤١.","vol":"1","page":97},{"text":"تابعي التابعين ولا الأئمة الأربعة المعتبرين، وإنما حدثت في عصر الملك صلاح الدين على يد رجل من الجاهلين المتصوفين وأنكرها بعض أهل العلم العاملين وهي لا تزال تنكرها قلوب العارفين بشرع الأمين حتى يأذن الله بإبطالها وإعادتها إلى أصلها على يد عبد من عباده الصالحين] (١).\nوزعم بعضهم أن الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - بعد الأذان وبالكيفية التي يفعلها المؤذنون ليست بدعة لأنها تدخل في عموم قول الله تعالى:\n(يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (٢).\nوعموم قول النبي - ﷺ -: (من صلى عليَّ مرة صلى الله عليها بها عشرًا) رواه مسلم، فهذا عام يشمل جميع الأوقات ويدخل في عمومه الصلاة والسلام بعد الأذان (٣).\nوالجواب عن ذلك من وجهين:\nالوجه الأول: إنه لا يصح الاستدلال بهذه النصوص العامة وتخصيصها بأفعال عامة الناس الذين ابتدعوا هذه البدعة.\nولا بد من دليل شرعي يخصص هذه العمومات ويقيد المطلق منها ولم يوجد.\nالوجه الثاني: إن هذه الصلاة والتسليم على النبي - ﷺ - ما عرفت إلا في عصور متأخرة وابتدعت على يد بعض الجهلة من العامة فأين كان عنها الصحابة والتابعون وأهل القرون الثلاثة المفضلة.\nفلو كانت مشروعة لسبقونا إليها وكل الخير في اتباع من سلف.\n_________\n(١) السنن والمبتدعات ص ٢٣٤.\n(٢) سورة الأحزاب الآية ٥٦\n(٣) انظر إتقان الصنعة ص ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":98},{"text":"وخلاصة الأمر أن علينا اتباع السنة وهي كما وردت بها الأحاديث وهي الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - بشرط أن لا تجعل جزءًا من الأذان فنقول للمؤذن إذا انتهيت من الأذان فصل على النبي - ﷺ - بعد ذلك ولا تجعلها جزءًا من أذانك.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المسألة الرابعة: الذكر قبل أذان الفجر وقبل أذان العشاء ليلتي الإثنين والجمعة</span>.\nاعتاد بعض المؤذنين على التذكير قبل أذان صلاة الفجر وخاصة في شهر رمضان المبارك ومن هذه الأذكار:\n- أن يتلو المؤذن قول الله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) (١).\n- ومنها قول المؤذن قبل الأذان: سبحان الواحد الأحد سبحان الفرد الصمد، سبحان الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.\nومن الأذكار التي يقولها بعض المؤذنين قبل أذان العشاء ليلة الجمعة: [(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).\nأكرم مثوانا يا رب بحرمة ليلة الجمعة، وأكرم مثوانا ببركة ليلة الجمعة، فاطمة الزهراء هللت وكبرت بنبوءة والدها المصطفى وحق ليلة الجمعة.\nوخلقت لنا عقولًا. وأرسلت لنا رسولًا.\nفمال عبادك يا الله لا يولون جهدًا في الحصول عل ثواب ليلة الجمعة.\nأنزلت لنا القرآن وحيًا واقيًا من لدن حكيم عليم، فما تجاهلت!؟ حتى أنزلت سورة سميتها سورة الجمعة.\nيا رب ... قدس الأقداس سطعت أنوارها من أقصاها.\nنور الأقصى من نور المصطفى فأكثروا يا زوار الأقصى من الصلاة على المصطفى ليلة الجمعة.\nلا حول ولا قوة إلا بك يا الله عند ضعفي إن كنت قد حرمت من دخول المسجد الأقصى في ليلة الجمعة.\n_________\n(١) سورة الإسراء الآية ١١١.","vol":"1","page":100},{"text":"إلهي ومولاي، أنت ربي، أنت حسبي، فأعطني الشهادة في سبيلك بحق حرمة ليلة الجمعة.\nذرفت عيوني دمعًا من خشيتك يا الله فامنحني يا مولاي صبرًا إذا حرمت من ذكرك في أقصاك (١) ليلة الجمعة.\nموسى بشر محبي المصطفى وعيسى هتف في محبي المصطفى فاقسم الله لمحمد أن يكون هو البادي ليلة الجمعة.\nيا مالك الكون إليك المرتجى والمنتهى.\nفاجعل نهايتنا يا الله فاتحة خير بحق حرمة ليلة الجمعة.\nأيها الأقصى منك شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأبشر يا مسجد الله أن لا متسع في جنباتك إلا لمؤمن هتف بحرمة ليلة الجمعة.\nكيف لا أقصد أبوابك يا الله من مكان طهارة الإسلام ومسرى محمد خير الأنام.\nوأنت أنزلت يا مولاي على حبيبي محمد: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) اشفع لنا يا بحر علم الله.\nقصدت باب الرجاء والناس قد رقدوا ... وبت أشكو إلى مولاي ما أجد\nوقلت يا أملي في كل نائبة ... عليك من بكشف الضر اعتمد\nأشكو إليك يا رب أشكو إليك أمورًا ... أنت تعلمها ما لي على حملها صبر ولا جلد\nوقد مددت إليك يدي بالذل سائلة ... يا خير من مدت إليه يد\nفلا تردنها إليك يا رب خائبة ... فبحر جودك يروي كل من يرد].\n_________\n(١) قوله أقصاك بالإضافة إلى كاف المخاطب والمقصود بها الله ﷻ وهي إضافة غير صحيحة لأن المعني يصير أقصاك أي أبعدك.","vol":"1","page":101},{"text":"وغير ذلك من الأذكار، وهذه الأذكار وغيرها كلها من الأمور المبتدعة التي يجب تركها اقتداءً بسنة الرسول - ﷺ -.\nقال ابن الجوزي: [... ومنه أنهم يخلطون أذان الفجر بالتذكير والتسبيح والمواعظ ويجعلون الأذان وسطًا فيختلط، وقد كره العلماء كل ما يضاف إلى الأذان ... وكل ذلك من المنكرات] (١).\nوبيَّن الحافظ ابن حجر أن ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ليس من جملة الأذان لا لغة ولا شرعًا (٢).\nقال في شرح العمدة من كتب الحنابلة: [يكره قول المؤذن قبل الأذان: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) الآية وكذلك إن وصله بعد بذكر لأنه محدث.\nويكره قوله قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ونحو ذلك من المحدثات.\nوفي الإقناع وشرحه من كتبهم أيضًا: وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك في المآذن فليس بمسنون. وما أحد من العلماء قال إنه يستحب بل هو من جملة البدع المكروهة لأنه لم يكن في عهده - ﷺ - ولا عهد أصحابه وليس له أصل فيما كان على عهدهم يردّ إليه فليس لأحد أن يأمر به ولا ينكر على من تركه ولا يعلق استحقاق الرزق به لأنه إعانة على بدعة ولا يلزم فعله ولو شرطه واقف لمخالفته السنة] (٣).\nوقال الشيخ سيد سابق تحت عنوان ما أضيف إلى الأذان وما ليس منه: [الأذان عبادة ومدار الأمر في العبادات على الاتباع فلا يجوز لنا أن نزيد شيئًا في ديننا أو ننقص منه وفي الحديث الصحيح: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)\n_________\n(١) تلبيس إبليس ص١٣٧.\n(٢) فتح الباري ٢/ ٢٣٢.\n(٣) نقلًا عن إصلاح المساجد ص ١٣٣ - ١٣٤.","vol":"1","page":102},{"text":"أي باطل. ونحن نشير إلى أشياء غير مشروعة درج عليها الكثير حتى خيل للبعض أنها من الدين وهي ليست منه في شيء، من ذلك ... التسبيح في الفجر] ثم نقل كلام صاحب الإقناع وشرحه المتقدم (١).\n_________\n(١) فقه السنة ١/ ١٢١ - ١٢٢.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المسألة الخامسة:\nقراءة سورة الإخلاص </span>(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ثلاثًا قبل إقامة الصلاة وكذلك قراءة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) وقراءة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) ثم يدعو المؤذن بقوله: [لأمواتنا ولأمواتكم وللمسلمين الفاتحة] ثم يقرؤها وبعد ذلك يقيم الصلاة. وهذه الصيغة يحافظ عليها بعض المؤذنين خاصة في صلاة الفجر وهي بدعة مخالفة لهدي المصطفى - ﷺ -.\nقال الشيخ القاسمي: [قراءة سورة الإخلاص ثلاثًا قبل إقامة الصلاة إعلانًا بأنه ستقام الصلاة فهي بدعة لا أصل لها ولا حاجة لها] (١).\nوهذه بدعة لأنها لم ترد عن رسول الله - ﷺ - ولا أمر أحدًا من المؤذنين أن يفعلها قبل إقامة الصلاة. ولأن فيها تشويشًا على المصلين في المسجد وقد نهى النبي - ﷺ - عن التشويش على المصلين ولو كان ذلك بقراءة القرآن الكريم كما ورد في الحديث: (أن رسول الله - ﷺ - خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه مالك في الموطأ وروى مثله أبو داود وأحمد والبيهقي وصححه الشيخ الألباني (٢).\n_________\n(١) إصلاح المساجد ص ١٠٥ - ١٠٦.\n(٢) موطأ مالك ١/ ٩٠، المنهل العذب المورود ٧/ ٢٦٢، صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٤٧، وانظر الاستذكار ٤/ ١٦١ - ١٦٢.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الثاني\nالبدع المتعلقة بالنية</span>\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المسألة الأولى: الجهر بالنية:</span>\nاعتاد كثير من المصلين أن يتلفظوا بالنية جاهرين بها فتسمع أحدهم يقول قبل أن يحرم بصلاة الظهر: نويت أصلي أربع ركعات فرض صلاة الظهر جماعة مقتديًا بهذا الإمام مستقبلًا الكعبة الشريفة.\nوهذا التلفظ جهرًا بالنية بدعة سيئة مذمومة مخالفة لهدي الرسول - ﷺ - وتوضيح ذلك بما يلي:\nأولًا: إن النية من عمل القلب وليست من عمل اللسان لذلك فإن كثيرًا من أهل العلم يعرفون النية بأنها عزيمة القلب أو قصد القلب.\nقال الإمام الخطابي: [النية قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له. وقيل عزيمة القلب] (١).\nوقال الإمام القرافي: [هي قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله] (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والنية هي القصد والإرادة والقصد والإرادة محلهما القلب دون اللسان باتفاق العقلاء] (٣).\nوقال العلامة ابن القيم: [النية عمل القلب] (٤).\n_________\n(١) مقاصد المكلفين ص ٢٤.\n(٢) الذخيرة ١/ ٢٤٠، وانظر الأمنية في إدراك النية للقرافي أيضًا ص ١٧.\n(٣) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٣٦.\n(٤) بدائع الفوائد ٣/ ١٩٢ نقلًا عن مقاصد المكلفين ص ٣٠.","vol":"1","page":105},{"text":"وقال أبو إسحاق الشيرازي: [لأن النية هي القصد بالقلب] (١).\nوقال التيمي هي: [وجهة القلب] (٢).\nوقال البيضاوي: [النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالًا أو مآلًا] (٣). وغير ذلك من التعريفات.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والنية محلها القلب باتفاق العلماء فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاقهم] (٤).\nوقال شيخ الإسلام أيضًا: [محل النية القلب دون اللسان باتفاق أئمة المسلمين في جميع العبادات] (٥).\nوقال السيوطي: [محلها القلب في كل موضع] (٦).\nوقال الشيخ أحمد الشويكي الحنبلي: [ومحلها القلب] (٧). وهذا الذي عليه المحققون من العلماء (٨).\nثانيًا: إن الأصل في العبادات التوقيف على رسول الله - ﷺ - كما قررته سابقًا ولم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه تلفظ بالنية وكذلك لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه علَّم أحدًا من\n_________\n(١) المهذب مع المجموع ٣/ ٢٧٦.\n(٢) مقاصد المكلفين ص ٣٠.\n(٣) المرجع السابق ص ٣١.\n(٤) مجموع الفتاوى ١٨/ ٢٦٢.\n(٥) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(٦) الأشباه والنظائر ص ٧٦.\n(٧) التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح ١/ ٢٣٣.\n(٨) انظر فتح الباري ١/ ١٤، مرقاة المفاتيح ١/ ٩٤، الفروع ١/ ١٣٩، الإنصاف ١/ ١٤٢، زاد المعاد ١/ ٢٠١، دليل الفالحين ١/ ٥٤، المواهب اللدنية ١/ ٧٢، الهداية مع شرح فتح القدير ١/ ٢٣٢.","vol":"1","page":106},{"text":"الصحابة التلفظ بالنية ولو كان التلفظ مشروعًا لنقل إلينا كما نقلت إلينا أدق أعمال الصلاة وغيرها.\nقال العلامة ابن القيم: [كان - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة قال: (الله أكبر) ولم يقل شيئًا قبلها ولا تلفظ بالنية البتة ولا قال: أصلي لله صلاة كذا مستقبل الكعبة أربع ركعات إمامًا أو مأمومًا. ولا قال: أداءً ولا قضاءً ولا فرض الوقت وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة. بل ولا عن أحد من أصحابه ولا استحسنه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة] (١).\nوقال العلامة القسطلاني: [وبالجملة فلم ينقل أحد أنه - ﷺ - تلفظ بالنية ولا علم أحدًا من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك بل المنقول عنه في السنن أنه قال:\n[مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم].\nوفي الصحيحين أنه - ﷺ - لما علم المسيء صلاته قال له: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) فلم يأمره بالتلفظ بشيء قبل التكبير] (٢).\nوقال العلامة القسطلاني أيضًا: [... ولقد صلَّى - ﷺ - أكثر من ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أن أصلي صلاة كذا وكذا وتركه - ﷺ - سنة، كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله ...] (٣).\nونقل ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: [ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعلها رسول الله - ﷺ - ولا أحد من أصحابه واحدة منها فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت أداء لله تعالى إمامًا أو مأمومًا\n_________\n(١) زاد المعاد ١/ ٢٠١.\n(٢) المواهب اللدنية ٤/ ٧٢.\n(٣) المصدر السابق ٤/ ٧٣، وانظر مرقاة المفاتيح ١/ ٩٧.","vol":"1","page":107},{"text":"أربع ركعات مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويثني جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ولو مكث أحدهم عمر نوح ﵇ يفتش هل فعل رسول الله - ﷺ - أو أحد من أصحابه شيئًا من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت، فلو كان في هذا خيرٌ لسبقونا إليه ولدلونا عليه فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال] (١).\nكما أنه ثبت أن الرسول - ﷺ - لم يكن يتلفظ بالنية بل كان يبدأ الصلاة بالتكبير كما صح في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين) رواه مسلم (٢).\nوثبت في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - أن الرسول - ﷺ - قال للمسيء صلاته عندما قال له: (علمني يا رسول الله، قال له: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ...) رواه البخاري ومسلم (٣).\nوقال العلامة ملا علي القاري: [وقد ثبت أنه ﵊ قام إلى الصلاة فكبر فلو نطق بشيء آخر لنقلوه. وورد في حديث المسيء صلاته أنه قال له: (إذا\n_________\n(١) إغاثة اللهفان ١/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١٥٩.\n(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٣٨٣، صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٨٢.","vol":"1","page":108},{"text":"قمت إلى الصلاة فكبر) فدل على عدم وجود التلفظ] (١).\nثالثًا: لم يقل أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من العلماء الكبار بالتلفظ بالنية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشرع إذا فعل ذلك معتقدًا أنه من الشرع فهو جاهل ضال ...] (٢).\nوقال شيخ الإسلام أيضًا: [إن التلفظ بالنية لا يجب عند أحد من الأئمة] (٣).\nوقال الشيخ ابن أبي العز الحنفي: [فإنه لم يقل أحد من الأئمة الأربعة لا الشافعي ولا غيره باشتراط التلفظ بالنية وإنما النية محلها القلب باتفاقهم ...] (٤).\nوقال القاضي جمال الدين أبو الربيع سليمان بن عمر الشافعي: [وأما الجهر بها وبالقراءة خلف الإمام ليس من السنة بل مكروه. فإن حصل به تشويش على المصلين فحرام، ومن قال بأن الجهر بلفظ النية من السنة فهو مخطىء ولا يحل له ولا لغيره أن يقول في دين الله تعالى بغير علم.\nومنهم أبو عبد الله محمد بن القاسم التونسي المالكي، قال: النية من أعمال القلوب فالجهر بها بدعة مع ما في ذلك من التشويش على الناس.\nومنهم الشيخ علاء الدين بن العطار عفا الله عنه قال: ورفع الصوت بالنية مع التشويش على المصلين حرام إجماعًا ومع عدمه بدعة قبيحة فإن قصد به الرياء كان حرامًا من وجهين كبيرة من الكبائر والمنكر على من قال بأن ذلك من السنة مصيب ومصوبه مخطئ. ونسبته إلى دين الله اعتقادًا كفر وغير اعتقاد معصية.\n_________\n(١) مرقاة المفاتيح ١/ ٩٥.\n(٢) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢١٨.\n(٣) المصدر السابق ٢٢/ ٢٢١.\n(٤) الإتباع ص ٦٢.","vol":"1","page":109},{"text":"ويجب على كل مؤمن تمكّن من زجره زجره ومنعه وردعه ولم ينقل هذا النقل عن رسول الله - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه ولا عن أحد ممن يقتدى به من علماء الإسلام.\nومنهم الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن الحريري الأنصاري، قال في هذه المسألة: ما كان النبي - ﷺ - ولا أصحابه ﵃ ولا أحد من الأئمة الأربعة ولا علماء المسلمين يفعل مثل ذلك ... فإن زعم الفاعل لذلك أن هذا هو دين الله تعالى فقد كذب على الله تعالى وعلى رسول الله - ﷺ - وأدخل في دين الله ما ليس منه يستتاب بعد التعريف وتزاح عنه الشبهة التي عرضت له فإن تاب وإلا قتل بذلك] (١).\n\nرابعًا: نسب بعض الشافعية وهو أبو عبد الله الزبيري للإمام الشافعي أنه يوجب التلفظ بالنية تعلقًا بأن الشافعي قال في كتاب \" المناسك \" ولا يلزمه إذا أحرم بقلبه أن يذكره بلسانه وليس كالصلاة التي لا تصح إلا بالنطق، فتأول ذلك على وجوب النطق بالنية.\n\nقال الماوردي: [وهذا فاسد وإنما أراد - الشافعي - وجوب النطق بالتكبير ثم مما يوضح فساد هذا القول حجاجًا: أن النية من أعمال القلب فلم تفتقر إلى غيره من الجوارح كما أن القراءة لما كانت من أعمال اللسان لم تفتقر إلى غيره من الجوارح] (٢).\n_________\n(١) مجموعة الرسائل الكبرى ١/ ٢٥٤ - ٢٥٦، وانظر مقاصد المكلفين ص ١٢٣ - ١٢٤.\n(٢) الحاوي الكبير ٢/ ٩١ - ٩٢.","vol":"1","page":110},{"text":"وقال الإمام النووي مخطئًا كلام الزبيري: [قال أصحابنا غلط هذا القائل وليس مراد الشافعي بالنطق في الصلاة هذا بل مراده التكبير] (١).\nخامسًا: قول من قال باستحباب التلفظ بالنية ليساعد اللسان القلب (٢)، لا دليل عليه من الشرع ولم يقل بالاستحباب أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة السابقين بل المنصوص عن الإمامين مالك وأحمد أنه لا يستحب التلفظ بالنية كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).\nوقد سأل أبو داود - في مسائل أحمد - الإمام أحمد فقال: [يقول المصلي قبل التكبير شيئًا؟ قال: لا] (٤).\nويجاب على قولهم باستحباب التلفظ بالنية بوجوه:\nالأول: إن الاستحباب حكم شرعي لا يكون إلا بدليل، ولا دليل. قال الإمام الأذرعي: [ولا دليل للندب] (٥).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولو كان مستحبًا لفعله النبي - ﷺ - ولعظمه المسلمون] (٦).\nوقال شيخ الإسلام أيضًا: [وكل ما يحدث في العبادات المشروعة من الزيادات التي لم يشرعها رسول الله - ﷺ - فهي بدعة بل كان - ﷺ - يداوم في العبادات على تركها،\n_________\n(١) المجموع ٣/ ٢٧٧، وانظر مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٢١، زاد المعاد ١/ ٢٠١، الإتباع ص ٦٢، مقاصد المكلفين ص ١٢٥.\n(٢) مغني المحتاج ١/ ٣٤٣.\n(٣) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٢١، وانظر مقاصد المكلفين ص ١٢٦.\n(٤) مسائل أحمد ص ٣١ نقلًا عن الأمر بالإتباع ص ٢٩٥.\n(٥) مغني المحتاج ١/ ٣٤٣.\n(٦) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٢٢.","vol":"1","page":111},{"text":"ففعلها والمداومة عليها بدعة وضلالة من وجهين: من حيث اعتقاد المعتقد أن ذلك مشروع مستحب أي يكون فعله خير من تركه مع أن النبي - ﷺ - لم يكن يفعله البتة فيبقى حقيقة هذا القول إنما فعلناه أكمل وأفضل مما فعله رسول الله - ﷺ -.\nوقد سأل رجل مالك بن أنس عن الإحرام قبل الميقات فقال: أخاف عليك الفتنة. فقال له السائل: أي فتنة في ذلك؟ وإنما زيادة أميال في طاعة الله ﷿.\nقال: وأي فتنة أعظم من أن تظن في نفسك أنك خصصت بفضل لم يفعله رسول الله - ﷺ -.\nوقد ثبت في الصحيحين أنه قال: (من رغب عن سنتي فليس مني) فأي من ظن أن سنة أفضل من سنتي فرغب عما سنيته معتقدًا أنما رغب فيه أفضل مما رغب عنه فليس مني، لأن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد - ﷺ -) كما في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه كان يخطب بذلك يوم الجمعة.\nفمن قال: إن هدي غير محمد - ﷺ - أفضل من هدي محمد فهو مفتون بل ضال، قال الله تعالى - إجلالًا له وتثبيت حجته على الناس كافة -:\n(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)\nأي: وجيع.\nوهو - ﷺ - قد أمر المسلمين باتباعه، وأن يعتقدوا وجوب ما أوجبه واستحباب ما أحبه وأنه لا أفضل من ذلك فمن لم يعتقد هذا فقد عصى أمره، وفي صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - أنه قال: (هلك المتنطعون - قالها ثلاثًا -) أي المشددون في غير موضع التشديد، وقال أبي بن كعب وابن مسعود: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة] (١).\n_________\n(١) المصدر السابق ٢٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤.","vol":"1","page":112},{"text":"الوجه الثاني: ثبت أنه ﵊ لم يتلفظ بالنية كما سبق وقد ذكرت أدلة ذلك تحت قولي ثانيًا.\nالوجه الثالث: إن المتلفظ بالنية يفعل ويداوم على فعل لم يفعله الرسول - ﷺ - ولم يداوم عليه وهذا بدعة واضحة عند أهل العلم.\nالوجه الرابع: لا مدخل للتلفظ بالنية في حصولها في القلب والتلفظ بها عبث والقصد أمر ضروري لفعل الفاعل:\nلقد ظن القائلون بالاستحباب أن للتلفظ مدخلًا في تحصيل النية بأن يؤكد عزيمة القلب وهذا خطأ فإن القائل - إذا قال نويت صلاة الظهر أو نويت رفع الحدث - إما أن يكون مخبرًا أو منشئًا فإن كان مخبرًا فإما أن يكون إخباره لنفسه أو لغيره وكل ذلك عبث لا فائدة فيه، لأن الإخبار إنما يفيد إذا تضمن تعريف المخبر ما لم يكن عارفًا وهذا محال في إخباره لنفسه، وإن كان إخبارًا لغيره بالنية فهو عبث محض وهو غير مشروع ولا مفيد وهو بمثابة إخباره بسائر أفعاله من صومه وصلاته وحجه وزكاته بل بمنزلة إخباره له عن إيمانه وحبه وبغضه بل قد يكون في هذه الأخبار فائدة وأما إخبار المأمومين أو الإمام بالنية فعبث محض.\nولا يصح أن يكون ذلك إنشاءً فإن اللفظ لا ينشئ وجود النية وإنما إنشاؤها إحضار حقيقتها في القلب لا إنشاء اللفظ الدال عليها.\nوالذي يوجد حقيقتها في القلب العلم الذي يتقدمها ويسبقها فالنية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله لا بد أن ينويه ضرورة كمن قدم بين يديه طعام ليأكله فإذا علم أنه يريد الأكل فلا بد أن ينويه وكذلك الركوب وغيره.\nولو كلف العباد أن يعملوا بغير نية كلفوا ما لا يطيقون فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملًا مشروعًا أو غير مشروع فعلمه سابق إلى قلبه وذلك هو النية وإذا علم الإنسان أنه يريد صلاة أو صومًا أو طهارة فلا بد أن ينويه - إذا علمه - ضرورة وإنما يتصور عدم","vol":"1","page":113},{"text":"النية إذا لم يعلم ما يريد مثل من نسي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتبرد أو من يريد أن يعلّم غيره الوضوء ولم يرد أن يتوضأ لنفسه أو من لا يعلم أن غدًا من رمضان فيصبح ناويًا للصوم وأما الذي يعلم أن غدًا من رمضان وهو يريد الصوم فهذا لا بد أن ينويه ضرورة ولا يحتاج أن يتكلم به (١).\nالوجه الخامس: إن القول بوجوب التلفظ أو استحبابه له آثار سيئة فقد أوقع كثيرًا من الناس في الوسوسة في الصلاة وغيرها.\nقال ابن الجوزي: [واعلم أن الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل العقل وجهل بالشرع، ومعلوم أن من دخل عليه عالم فقام له وقال: نويت أن أنتصب قائمًا تعظيمًا لدخول هذا العالم لأجل علمه مقبلًا عليه بوجهي، سفه في عقله فإن هذا قد تصور في ذهنه منذ رأى العالم، فقيام الإنسان إلى الصلاة ليؤدي الفرض أمر يتصور في النفس في حالة واحدة لا يطول زمانه وإنما يطول زمان نظم هذه الألفاظ والألفاظ لا تلزم والوسواس جهل محض، وإن الموسوس يكلف نفسه أن يحضر في قلبه الظهرية والأدائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة بألفاظها وهو يطالعها وذلك محال، ولو كلف نفسه ذلك في القيام للعالم لتعذر عليه فمن عرف هذا عرف النية] (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [بل التلفظ بالنية نقص في العقل والدين، أما في الدين فلأنه بدعة وأما في العقل فلأنه بمنزلة من يريد يأكل طعامًا فيقول: نويت بوضع يدي في هذا الإناء أني أريد آخذ منه لقمة فأضعها في فمي فأمضغها ثم ابلعها لأشبع. مثل القائل الذي يقول: نويت أصلي فريضة هذه الصلاة المفروضة علي حاضر الوقت أربع ركعات في جماعة أداء لله تعالى، فهذا كله حمق وجهل وذلك أن\n_________\n(١) مقاصد المكلفين ص ١٣٢ - ١٣٣.\n(٢) تلبيس إبليس ص ١٣٨ - ١٣٩.","vol":"1","page":114},{"text":"النية بليغ العلم، فمتى علم العبد ما يفعله كان قد نواه ضرورة، فلا يتصور مع وجود العلم بالعقل أن يفعل بلا نية ولا يمكن مع عدم العلم أن تحصل نية.\nوقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية وتكريرها ليس بمشروع بل من اعتاد ذلك فإنه ينبغي له أن يؤدب تأديبًا يمنعه عن ذلك التعبد بالبدع وإذاء الناس برفع صوته لأنه قد جاء الحديث: (أيها الناس كلكم يناجي ربه فلا يجهرن بعضكم على بعض بالقراءة) فكيف حال من يشوش على الناس بكلامه بغير قراءة؟ بل يقول: نويت أصلي، أصلي فريضة كذا وكذا، في وقت كذا وكذا من الأفعال التي لم يشرعها رسول الله - ﷺ -] (١).\nوقال ابن الحاج: [وما تقدم من أن النية لا يجهر بها فهو عام في الإمام والمأموم والفذ فالجهر بها بدعة على كل حال إذ أنه لم يرو أن النبي - ﷺ - ولا الخلفاء ولا الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين جهروا بها فلم يبق إلا أن يكون الجهر بها بدعة] (٢).\nوهذا الحكم وهو عدم جواز التلفظ بالنية وأنه بدعة يعم جميع العبادات من الطهارة والصلاة والصيام والاعتكاف والحج وغيرها.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٣١ - ٢٣٢.\n(٢) المدخل ٢/ ٢٨٢.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المسألة الثانية: طلب الإمام من المأمومين أن يستحضروا النية:</span>\nاعتاد كثير من أئمة المساجد بعد إقامة الصلاة وقبل أن يكبروا تكبيرة الإحرام أن يقولوا للمصلين استحضروا النية.\nوهذا الأمر باستحضار النية بدعة مخالفة لهدي الرسول - ﷺ - وما فعله - ﷺ - ولا أحد من أصحابه.\nوالنية تكون في قلب الإنسان حاضرة ولا تحتاج إلى استحضار فهي حاصلة في قلبه وتحصيل الحاصل محال.\nفالمصلون حينما تقام الصلاة ويقفون في الصفوف ويسمعون الإمام يأمر بتسوية الصفوف لا شك أن نياتهم حاصلة في قلوبهم فهم يوقنون أنهم سيصلون تلك الصلاة التي أقيمت فمن العبث أن يقال لهم استحضروا النية كما أنه من العبث أن يقال لمن وضع الطعام أمامه ليأكل قيل له استحضر نية الأكل فهذه النية موجودة في القلب ويستقبح القول باستحضارها لأنها حاضرة.\nويضاف إلى ذلك أنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه أمر الصحابة باستحضار النية وكان - ﷺ - يؤمهم في كل يوم خمس مرات وصلى بهم إمامًا آلاف الصلوات فلو وقع ذلك منه - ﷺ - لنقله لنا الصحابة كما نقلوا لنا دقائق الأمور في صفة صلاته وغيرها من الأعمال والثابت أن الرسول - ﷺ - كان يأمر بتسوية الصفوف ثم يكبر تكبيرة الإحرام وقد ورد في ذلك عدة أحاديث منها:\n١. عن أنس - ﵁ - قال: (كان رسول الله - ﷺ - يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول، تراصوا واعتدلوا) رواه البخاري ومسلم (١).\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٣٤٩، صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١١٧.","vol":"1","page":116},{"text":"٢. عن النعمان بن بشير قال: (كان رسول الله - ﷺ - يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يومًا فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف فقال: عباد الله لتسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله وجوهكم) رواه مسلم (١).\n٣. وفي رواية أخرى عن النعمان قال: (كان رسول الله - ﷺ - يسوي يعني صفوفنا إذا قمنا للصلاة فإذا استوينا كبر) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني صحيح (٢).\nومثل ذلك ورد عن الصحابة ﵃ فقد روى مالك بإسناده عن نافع أن عمر ابن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف فإذا جاءوه فأخبروه أن قد استوت كبر.\nوروى مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه انه قال: [كنت مع عثمان ابن عفان فقامت الصلاة وأنا أكلمه في أن يفرض لي فلم أزل أكلمه وهو يسوي الحصباء بنعليه حتى جاءه رجال قد كان وكلهم بتسوية الصفوف فأخبروه أن الصفوف قد استوت، فقال لي: استو في الصف ثم كبر] (٣).\nفهذه الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - والآثار عن الصحابة ﵃ في صفة ما كانوا يفعلون قبل تكبيرة الإحرام من تسوية الصفوف والأمر بها ثم تكبيرة الإحرام ولم ينقل أنهم كانوا يقولون للمصلين استحضروا النية. وهذا واضح الدلالة لكل منصف أن هذا القول بدعة ينبغي تركها.\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١١٧.\n(٢) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٢/ ٢٥٩، صحيح سنن أبي داود ١/ ١٣١.\n(٣) الموطأ ١/ ١٤٦ - ١٤٧، وانظر مصنف عبد الرزاق ٢/ ٤٧، الاستذكار ٦/ ١٨٧، سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٢/ ١٦.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الثالث\nختم الصلاة الجماعي</span>\nاعتاد كثير من أئمة المساجد والمصلين بعد التسليم من صلاة الجماعة أن يستقبل إمام المسجد المصلين ثم يبدؤون بقراءة الأذكار المأثورة وغير المأثورة على هيئة الاجتماع ورفع الصوت.\nفيسبحون ويحمدون ويكبرون ثم يقرؤون بعض السور بشكل جماعي ثم يدعو إمام المسجد وهم يؤمنون على دعائه ثم يختمون ذلك بقراءة الفاتحة لأرواح أموات المسلمين.\nوهذه الهيئة المسماة ختم الصلاة بدعة غير مشروعة ومخالفة لما كان عليه الهدي النبوي كما سأبينه بعد قليل.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [أما دعاء الإمام والمأمومين جميعًا عقيب الصلاة فهو بدعة لم يكن على عهد النبي - ﷺ -] (١).\nوقال الشيخ علي محفوظ: [ومن البدع المكروهة ختم الصلاة على الهيئة المعروفة من رفع الصوت به وفي المسجد والاجتماع له والمواظبة عليه حتى اعتقد العامة أنه من تمام الصلاة وأنه سنة لا بد منها مع أنه مستحب انفرادًا سرًا فهذه الهيئة محدثة لم تعهد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا عن الصحابة وقد اتخذها الناس شعارًا للصلوات المفروضة عقب الجماعة وقد صرح كثير من الفقهاء بأن إحداث الشعار في الدين مكروه ولذا قال الإمام ابن الصلاح بكراهة ما يفعله الناس بعد فراغهم من السعي بين الصفا والمروة من صلاة ركعتين على متسع المروة وكيف يجوز رفع الصوت\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥١٩.","vol":"1","page":118},{"text":"به والله تعالى يقول في كتابه الحكيم: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) والتضرع من الضراعة وهي الذلة والخشوع والاستكانة والخفية بضم الخاء وكسرها الإسرار به فإنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء وانتصابهما على الحال أي ادعوه متضرعين بالدعاء مخفين له مسرين به ثم علل ذلك بقوله: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) في الدعاء بترك ما أمروا به من التضرع والإخفاء كما لا يحب الاعتداء في سائر الأشياء والاعتداء تجاوز الحدود فيها فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء فقد اعتدى والله لا يحب المعتدين ولا يشملهم برحمته وإحسانه وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولًا أوليًا وحسبك في تعيين الإسرار بالدعاء اقترانه بالتضرع في هذه الآية الكريمة فالإخلال به كالإخلال بالتضرع في الدعاء وإن دعاءً لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا إسرار ولا وقار] (١).\nوقال العلامة ابن القيم: [وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه - ﷺ - ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن] (٢).\nوختم الصلاة بهذه الطريقة غير معروف عن الرسول - ﷺ - بل كان هديه - ﷺ - بعد الصلاة كما يلي:\nقال الإمام النووي: [وروينا في صحيح مسلم عن ثوبان - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.\n_________\n(١) الإبداع ص ٢٨٣ - ٢٨٤.\n(٢) زاد المعاد ١/ ٢٥٧.","vol":"1","page":119},{"text":"قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: تقول أستغفر الله أستغفر الله.\nوروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان إذا فرغ من الصلاة وسلَّم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.\nوروينا في صحيح مسلم عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلّم: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.\nقال ابن الزبير: وكان رسول الله - ﷺ - يهلل بهن دبر كل صلاة] (١).\nوقال العلامة ابن القيم: [فصل: فيما كان رسول الله - ﷺ - يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة الانتقال منها وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة بعدها.\nكان إذا سلّم استغفر ثلاثًا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك بل يسرع الانتقال إلى المأمومين. وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره وقال ابن مسعود: رأيت رسول الله - ﷺ - كثيرًا ينصرف عن يساره.\n_________\n(١) الأذكار ص ٥٨.","vol":"1","page":120},{"text":"وقال أنس: أكثر ما رأيت رسول الله - ﷺ - ينصرف عن يمينه والأول في الصحيحين والثاني في مسلم.\nوقال عبد الله بن عمرو: رأيت رسول الله - ﷺ - ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة. ثم كان يقبل على المأمومين بوجهه ولا يخص ناحيةً منهم دون ناحية وكان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس] (١).\nثم ذكر نحو كلام النووي السابق ثم قال: [وندب أمته إلى أن يقولوا في دبر كل صلاة: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين والحمد لله كذلك والله أكبر كذلك. وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.\n\nوفي صفة أخرى: التكبير أربعًا وثلاثين فيتم به المائة.\nوفي صفة أخرى: خمسًا وعشرين تسبيحة ومثلها تحميدة ومثلها تكبيرة ومثلها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.\nوفي صفة أخرى: عشر تسبيحات وعشر تحميدات وعشر تكبيرات] (٢).\nوقال الشيخ علي محفوظ: [وغير خاف عليك أن ختم الصلاة على الحالة المعلومة من البدع الإضافية التي هي مثار الخلاف بين أنصار السنة والبدعة فإنه مشروع باعتبار، غير مشروع باعتبار آخر، فإنك إذا نظرت إليه من جهة كونه قرآنًا وذكرًا ودعاءً وجدته مشروعًا وإذا نظرت إليه من ناحية ما عرض له من الهيئة برفع الصوت، واجتماع المستغفرين، وفي المسجد والمواظبة عليه وجدته غير مشروع فما أكثر التباس\n_________\n(١) زاد المعاد ١/ ٢٩٥ - ٢٩٧.\n(٢) المصدر السابق ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩، وانظر عمل اليوم والليلة ص ١٨٠ فما بعدها.","vol":"1","page":121},{"text":"الباطل بالحق على كثير من الناس اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه إنك رب التوفيق والهداية يا رحمن] (١).\n_________\n(١) الإبداع ص ٢٨٥.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الرابع\nبدعة المصافحة بعد الصلاة\nوقول المصلي للآخر: تقبل الله منا ومنكم</span>\nكثيرٌ من المصلين وبمجرد انتهاء الإمام من التسليم يمدون أيديهم لمن هم على أيمانهم وشمائلهم لمصافحتهم قائلين: تقبل الله منَّا ومنكم.\nوهذه بدعة مخالفة لهدي النبي - ﷺ - وبيان هذا من وجوه:\nالأول: إن المصافحة من السنن المتفق عليها عند لقاء المسلم مع أخيه المسلم.\nفقد روى الإمام البخاري بإسناده عن قتادة قال - ﵁ -: (قلت لأنس - ﵁ - أكانت المصافحة في أصحاب النبي - ﷺ - قال: نعم) (١).\nوجاء في الحديث عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يتفرقا) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢).\nووردت أحاديث أخرى في المصافحة، ويؤخذ من هذه الأحاديث أن المصافحة سنة عند كل لقاء بين مسلمين.\nالثاني: إن ما اعتاده الناس من المصافحة بعد الصلوات لا أصل له في الشرع على هذا الوجه بل هو بدعة لأن المصافحة مشروعة عند القدوم واللقاء ويستثنى من هذا من\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/ ٢٩٤.\n(٢) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ١٤/ ٨٠، سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٧/ ٤٢٩ سنن ابن ماجة ٢/ ١٢٢٠، صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٥٣، السلسلة الصحيحة ٢/ ٤٤.","vol":"1","page":123},{"text":"قدم إلى الصلاة ولم يجتمع بمن يصافحه قبل الصلاة فالمصافحة في حقهما مشروعة حينئذ.\nوما قاله بعض العلماء من أن المصافحة عقب الصلوات بدعة مباحة فقد أجاب عليه الحافظ ابن حجر بقوله: [قلت: وللنظر فيه مجال فإن أصل صلاة النافلة سنة ومع ذلك فقد كره المحققون تخصيص وقت بها دون وقت، ومنهم من أطلق تحريم مثل ذلك كصلاة الرغائب التي لا أصل لها] (١).\nوأجاب على ذلك أيضًا العلامة علي القاري فقال: [إن إتيان السنة في بعض الأوقات لا يسمى بدعة مع أن عمل الناس في الوقتين المذكورين ليس على وجه الاستحباب المشروع فإن محل المصافحة المشروعة أول الملاقاة وقد يكون جماعة يتلاقون من غير مصافحة ويتصاحبون بالكلام ومذاكرة العلم وغيره مدة مديدة ثم إذا صلوا يتصافحون فأين هذا من السنة المشروعة؟ ولهذا صرح بعض علمائنا بأنها مكروهة حينئذ وأنها من البدع المذمومة، نعم لو دخل أحد في المسجد والناس في الصلاة أو على إرادة الشروع فيها فبعد الفراغ لو صافحهم لكن بشرط سبق السلام للمصافحة فهذا من جملة المصافحة المسنونة بلا شبهة] (٢).\nإذا تقرر هذا فأقول إن المصافحة عقب الصلاة بدعة وليس لها دليل من سنة ولا أثر والالتزام بها هدي لم يدل عليه الشرع فيكون بدعة (٣).\nوقد نص على بدعتيها كثير من أهل العلم قال العز بن عبد السلام: [المصافحة عقيب الصبح والعصر من البدع إلا لقادم لم يجتمع بمن يصافحه قبل الصلاة فإن المصافحة مشروعة عند القدوم] (٤).\n_________\n(١) فتح الباري ١٣/ ٢٩٤.\n(٢) مرقاة المفاتيح ٨/ ٤٥٨.\n(٣) معجم المناهي اللفظية ص ٢٠٦.\n(٤) فتاوى العز بن عبد السلام ص ٣٨٩.","vol":"1","page":124},{"text":"وقال التركماني: [وأما المصافحة في الصلاتين بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح فبدعة من البدع التي استوى طرفاها لا أصل لها في الشرع واختار بعض العلماء تركها لأنها زيادة في الدين] (١).\nوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المصافحة عقيب الصلاة هل هي سنة أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة بل هي بدعة] (٢).\nونقل ابن عابدين عن بعض فقهاء الحنفية قوله: [تكره المصافحة بعد أداء الصلاة بكل حال لأن الصحابة ﵃ ما صافحوا بعد أداء الصلاة ولأنها من سنن الروافض] (٣).\nوقال ابن الحاج: [وينبغي ... أن يمنع ما أحدثوه من المصافحة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وبعد صلاة الجمعة بل زاد بعضهم في هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس وذلك كله من البدع وموضع المصافحة في الشرع إنما هو عند لقاء المسلم لأخيه لا في أدبار الصلوات الخمس وذلك كله من البدع فحيث وضعها الشرع نضعها فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى من خلاف السنة] (٤).\nوقال اللكنوي: [إنهم قد اتفقوا على أن هذه المصافحة ليس لها أصل في الشرع ثم اختلفوا في الكراهة والإباحة والأمر إذا دار بين الكراهة والإباحة ينبغي الإفتاء بالمنع فيه لأن دفع مضرّة أولى من جلب مصلحة فكيف لا يكون أولى من فعل أمر مباح على أن المصافحين في زماننا يظنونه أمرًا حسنًا ويشنعون على مانعه تشنيعًا بليغًا ويصرون\n_________\n(١) اللمع في الحوادث والبدع ١/ ٢٨٣.\n(٢) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٣٣٩.\n(٣) حاشية ابن عابدين ٦/ ٣٨١.\n(٤) المدخل ٢/ ٢٢٣.","vol":"1","page":125},{"text":"عليه إصرارًا شديدًا وقد مرّ أن الإصرار على المندوب يبلغه إلى حدّ الكراهة فكيف إصرار البدعة التي لا أصل لها في الشرع وعلى هذا فلا شك في الكراهة وهذا هو غرض من أفتى بالكراهة مع أن الكراهة إنما نقلها من نقلها من عبارات المتقدمين والمفتين فلا يوازيها روايات مثل صاحب \" جمع البركات \" و\" السراج المنير \" و\" مطالب المؤمنين \" من تساهل مصنفيها في تحقيق الروايات أمر مشهود وجمعهم كل رطب ويابس معلوم عند الجمهور والعجب من صاحب \" خزانة الرواية \" حيث قال فيها في عقد اللآلئ، قال ﵇: (صافحوا بعد صلاة الفجر يكتب الله لكم بها عشرًا) وقال ﵊: (صافحوا بعد العصر تؤجروا بالرحمة والغفران) ولم يتفطن أن هذين الحديثين وأمثالهما موضوعان وضعهما المصافحون فإن لله وإنا إليه راجعون] (١).\nالثالث: إن قول المصلي لمن هو على يمينه وشماله عند مصافحته \" تقبل الله \" بدعة أيضًا [ولم نعلم عن أحد من الصحابة أو السلف الصالح ﵃ أنهم كانوا إذا فرغوا من صلاتهم التفت أحدهم عن يمينه وشماله مصافحًا من حوله مباركًا له بقبول الصلاة ولو فعل ذلك أحد منهم لنقل إلينا ولو بسند ضعيف ولنقله لنا أهل العلم الذين خاضوا في كل بحر فغاصوا في أعماقه واستخرجوا منه أحكامه الكثيرة ولم يفرطوا في سنة قولية أو فعلية أو تقريرية أو صفة] (٢).\nالرابع: إن هذه المصافحة وقولهم تقبل الله منا ومنكم تقطع على كثير من المصلين تسبيحهم وذكرهم المشروع ولا ينبغي للمسلم أن يقطع تسبيح أخيه المسلم إلا بسبب شرعي وهذه المصافحة ليست كذلك (٣).\n_________\n(١) القول المبين ص ٢٩٦.\n(٢) القول المبين ص ٢٩٣.\n(٣) المصدر السابق ص ٢٩٦.","vol":"1","page":126},{"text":"الخامس: إن كثيرًا من المصلين الذين يداومون على هذه البدعة يتركون في مقابلها سنة ثابتة عن الرسول - ﷺ - فنراهم يصافحون من حولهم من المصلين ثم بعد ذلك يقومون إلى صلاة السنة البعدية ثم يخرجون من المسجد ويتركون سنة التسبيح والأذكار الواردة بعد الصلوات المفروضات فهؤلاء أساءوا حيث إنهم التزموا البدعة وتركوا السنة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الخامس\nبدع محدثة في دعاء القنوت</span>\nثبت أن النبي - ﷺ - قنت في الفجر بعد الركوع شهرًا ثم ترك القنوت وثبت أنه - ﷺ - كان يقنت في النوازل وترك القنوت عند عدمها وثبت أنه - ﷺ - قنت في الوتر وتركه أحيانًا أخرى (١).\n\nوجاء في الحديث أن النبي علّم دعاء القنوت لابن بنته الحسن بن علي ﵃، قال الحسن - ﵁ -: علمني رسول الله - ﷺ - كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة (٢).\n\nوفي رواية عند البيهقي زيادة: (ولا يعز من عاديت) بعد قوله: (ولا يذل من واليت) (٣). وزاد النسائي في آخر الدعاء: (وصلى الله على النبي محمد) وقال النووي: وإسناده حسن أو صحيح (٤). وقال الترمذي: [هذا حديث حسن لا نعرفه\n_________\n(١) انظر زاد المعاد ١/ ٢٧١ فما بعدها.\n(٢) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/ ٢١١، سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٤/ ٤٦٠ - ٤٦١، سنن النسائي ٣/ ٢٤٨، سنن ابن ماجة ١/ ٣٧٠.\n(٣) سنن البيهقي ٢/ ٢٠٩.\n(٤) سنن النسائي ٣/ ٢٤٨، الخلاصة ١/ ٤٥٥.","vol":"1","page":128},{"text":"إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي واسمه ربيعة بن شيبان. ولا نعرف عن النبي - ﷺ - في القنوت شيئًا أحسن من هذا] وصححه الشيخ الألباني (١).\nوقد أحدث الناس بدعًا كثيرة في القنوت أذكر منها:\n\nأولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-42> تقليب اليدين عند الدعاء </span>وقول المأمومين بعض الكلمات عند دعاء الإمام كقولهم: حق، حق، أشهد، ونحو ذلك.\nوهذا التقليب للكفين لم يرد عن الرسول - ﷺ - في دعاء القنوت لا في قنوت الفجر ولا في قنوت الوتر وإنما ورد تقليب الكفين في دعاء الاستسقاء خاصة ولعل الحكمة في الإشارة بظهر الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقليب الحال كما قيل في تحويل الرداء كما أفاده الشوكاني (٢).\nولم يرد عن الصحابة ﵃ حال القنوت في الصلاة إلا التأمين وأما زيادة هذه الألفاظ نحو: حق، وأشهد فليس لها مستند، بل هي بدعة لأن الدعاء من العبادة والأصل في العبادة التوقيف (٣).\nولو فعله الصحابة ﵃ لنقل إلينا كما نقل أنهم كانوا يؤمنون على دعاء النبي - ﷺ - كما جاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: [قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة يدعو على أحياء من بني سليم ويؤمن من خلفه] رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح كما قال الإمام النووي (٤).\n_________\n(١) سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٤/ ٤٦١، إرواء الغليل ٢/ ١٧٢.\n(٢) نيل الأوطار ٤/ ١٠.\n(٣) انظر السنن والمبتدعات ص ٦٢، القول المبين ص ١٣٢، المسجد في الإسلام ص ٢٤٧\n(٤) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/ ٢٢٤، الخلاصة ١/ ٤٦١.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>ثانيًا: مسح الوجه والبدن في دعاء القنوت:</span>\nإن مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من دعاء القنوت أمر مشهور بين عامة الناس ولكن هذا الأمر مع شهرته وانتشاره وعمل كثير من الناس به لا سند له عن رسول الله - ﷺ - ولا عن السلف الصالح ﵃ وإن قال به بعض الفقهاء.\nقال الإمام النووي ﵀ عند حديثه عن هذه المسألة إن فيها وجهين: الأول أنه يستحب وذكر جماعة من الفقهاء الذين قالوا بذلك ثم قال النووي: والثاني لا يمسح وهذا هو الصحيح صححه البيهقي والرافعي وآخرون من المحققين (١).\nثم ذكر كلام البيهقي التالي وأنقله من سننه ﵀ حيث قال: [فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظ عن أحد من السلف في دعاء القنوت وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة وقد روي عن النبي - ﷺ - حديث ضعيف وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة.\nوأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس، فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف ﵃ من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة وبالله التوفيق] (٢).\nوأقول جزى الله أئمتنا وعلماءنا خيرًا فإنهم وقَّافون عند موارد النصوص فإن الخير كل الخير في الاتباع وإن الشر كل الشر في الابتداع.\nوأما الحديث الذي أشار إليه البيهقي فهو ما رواه أبو داود في سننه بسنده عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس ﵄ أن الرسول - ﷺ - قال: (سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم) قال أبو داود\n_________\n(١) المجموع ٣/ ٥٠١، وانظر روضة الطالبين ١/ ٣٦٠.\n(٢) السنن الكبرى ٢/ ٢١٢.","vol":"1","page":130},{"text":"روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضًا (١).\nوقد علق الشيخ الألباني على هذه الرواية: (فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم) فقال: [وعلى ذلك فهذه الزيادة منكرةٌ ولم أجد لها حتى الآن شاهدًا ...] ثم قال: [... لا يصلح شاهدًا للزيادة حديث ابن عمر مرفوعًا: (كان النبي - ﷺ - إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه) لأن فيه متهمًا بالوضع - أي الكذب - وقال أبو زرعة: حديثٌ منكرٌ أخاف أن لا يكون له أصل] (٢).\nوروى البيهقي بسنده عن علي الباشاني قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الذي إذا دعا مسح وجهه، قال: لم أجد له ثبتًا أي مستندًا (٣).\n[وسئل الإمام مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء، فأنكر ذلك وقال: ما علمت] (٤).\nوقال المروزي: [وأما أحمد بن حنبل، فحدثني أبو داود قال: سمعت أحمد وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ من الوتر، فقال: لم أسمع فيه بشيء. ورأيت أحمد لا يفعله] (٥).\nوأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن سؤال حول مسح الوجه عند الدعاء فقال: [وأما رفع النبي - ﷺ - يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة. وأما مسح وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة] (٦).\n_________\n(١) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/ ٢٥١.\n(٢) السلسلة الصحيحة ٢/ ١٤٦.\n(٣) السنن الكبرى ٢/ ٢١٢.\n(٤) كتاب الوتر للمروزي ص ٢٣٦ نقلًا عن الأجزاء الحديثية ص ٨٣.\n(٥) كتاب الوتر ص ٢٣٦، نقلًا عن الأجزاء الحديثية ص ٨٤.\n(٦) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥١٩.","vol":"1","page":131},{"text":"وقال العز بن عبد السلام: [ولا يمسح وجهه بيديه عقب الدعاء إلا جاهل] (١).\nوأما مسح غير الوجه بعد الدعاء كالصدر فلم يؤثر فيه شيء من حديث أو أثر كما قال د. بكر أبو زيد فقد حقق مسألة مسح الوجه وما يتعلق بها تحقيقًا موسعًا وأجاد فيه وأفاد (٢).\nوقال الإمام النووي: [قلت: لا يستحب مسح غير وجهه قطعًا، بل نص جماعة على كراهته] (٣).\n_________\n(١) فتاوى العز بن عبد السلام ص٣٩٢.\n(٢) الأجزاء الحديثية ص ٤٣ - ١٠٣.\n(٣) روضة الطالبين ١/ ٣٦٠، وانظر الفتح الرباني ٣/ ٣١٦.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث السادس\nبدع الجمعة</span>\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>المسألة الأولى: الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - قبل أذان الجمعة:</span>\nومن البدع ما يفعله المؤذنون من الصلاة والسلام على رسول الله قبل أذان الجمعة الثاني الذي يكون بين يدي الخطيب حيث إن المؤذن يبدأ بقراءة الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (١) وبعد ذلك يشرع في الأذان.\nوهذه بدعة وتشريع بغير دليل ولم ينقل ذلك عن رسول الله - ﷺ - ولا أمر بذلك أحدًا من مؤذنيه ولم يفعله أئمة الهدى من الصحابة والتابعين وقد نص الحافظ ابن حجر العسقلاني بأن ما أحدث قبل أذان الجمعة من الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - ليس من جملة الأذان وليس كذلك لا لغة ولا شرعًا (٢).\nوقال ابن الحاح: [وينبغي له - أي الإمام - أن ينهى المؤذنين عما أحدثوه من أن الإمام إذا خرج على الناس في المسجد يقوم المؤذنون إذ ذاك ويصلون على النبي - ﷺ - ويكررون ذلك مرارًا حتى يصل إلى المنبر وإن كانت الصلاة على النبي - ﷺ - من أجل العبادات] (٣).\n_________\n(١) سورة الأحزاب الآية ٥٦.\n(٢) فتح الباري ٢/ ٢٣٢، وانظر الإبداع ص ١٦٨.\n(٣) المدخل ٢/ ٤٢٤.","vol":"1","page":133},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والسنة في الصلاة على النبي - ﷺ - أن يصلي عليه سرًا كالدعاء، أما رفع الصوت بها قدام بعض الخطباء فمكروهٌ أو محرمٌ اتفاقًا] (١).\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل مؤذن يقول عند دخول الخطيب إلى الجامع: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ...) فقال رجل: هذا بدعة فما يجب عليه؟\nفأجاب: جهر المؤذن بذلك كجهره بالصلاة والترضي عند رقي الخطيب المنبر أو جهره بالدعاء للخطيب والإمام ونحو ذلك لم يكن على عهد رسول الله - ﷺ - وخلفائه الراشدين ولا استحبه أحدٌ من الأئمة، وأشدُ من ذلك الجهر بنحو ذلك في الخطبة وكل ذلك بدعة والله أعلم) (٢).\nوذكر الشيخ ابن حجر المكي أن الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - قبل الأذان ليس من السنة ومن أتى بها معتقدًا بسنيتها في ذلك المحل المخصوص ينهي عنه ويمنع منه\nلأنه تشريع بغير دليل ومن شرع بلا دليل يزجر عن ذلك وينهى عنه (٣).\n_________\n(١) الاختيارات العلمية ص ٤٨.\n(٢) الفتاوى الكبرى ١/ ١٢٩.\n(٣) الفتاوى الكبرى الفقهية ١/ ١٣١.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المسألة الثانية: نداء المؤذن بين يدي خطيب الجمعة بالحديث النبوي: </span>(إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت):\nمن البدع المنتشرة في كثير من المساجد يوم الجمعة أن المؤذن بعد انتهائه من الأذان الثاني - وهو الذي يكون بين يدي الخطيب - ينادي بالحديث عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) وهذا الحديث ثابت وصحيح فقد رواه البخاري ومسلم (١)، ولكن مناداة المؤذن به في كل جمعة بدعة ليس لها مستند من الشرع. فالرسول - ﷺ - لم يأمر أحدًا من مؤذنيه أن ينادي بهذا الحديث بين يديه - ﷺ - ولو فعل ذلك لنقل وكذا لم ينقل عن أئمة الهدى من الصحابة والتابعين.\nوتسمى هذه البدعة وما قبلها الترقية قال الشيخ الألباني عند ذكره لبدع الجمعة:\n[الترقية، وهي تلاوة آية: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ...) ثم حديث (إذا قلت لصاحبك ...) يجهر بذلك المؤذنون عند خروج الخطيب حتى يصل إلى المنبر] (٢).\nقال الشيخ علي محفوظ: [ومن البدع ما يقع عقب هذا الأذان عند المنبر مما يسمى بالترقية وهو تلاوة آية: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ...) ثم حديث: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت) رواه البخاري، ولا شك أنه من البدع المذمومة، ففي الدر المختار أنها بدعةٌ مكروهةٌ تحريمًا عند أبي حنيفة لا عند أبي يوسف ومحمد، وأما التأمين عند الدعاء والترضي عن الصحابة والدعاء للسلطان فمكروهٌ اتفاقًا. وفي البحر: اعلم أن ما تعورف من أن\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٦٥، صحيح مسلم مع شرح النووي ٢/ ٤٥٣.\n(٢) الأجوبة النافعة ص ٦٧.","vol":"1","page":135},{"text":"المرقي للخطيب يقرأ الحديث النبوي وأن المؤذنين يؤمنون عند الدعاء ويدعون للصحابة بالترضي وللسلطان بالنصر إلى غير ذلك فكله حرام على مقتضى مذهب أبي حنيفة ﵀، وأغرب منه أن المرقي ينهى عن الأمر بالمعروف بمقتضى الحديث الذي يقرؤه ثم يقول: أنصتوا رحمكم الله، ولم أرَ نقلًا في وضع هذا المرقي في كتب أئمتنا.\nوفي كتب السادة المالكية: ومن البدع المكروهة التي ابتدعها أهل الشام وهم بنو أمية الترقية وما يقوله المرقي من: صلوا عليه، وآمين، ورضي الله عنهم، فهو مكروه وكذا قوله الحديث عند فراغ المؤذن قبل الخطبة] (١).\nوقال ابن الحاج: [وينهى ... عما أحدثه من ندائه عند إرادة الخطيب الخطبة بقوله للناس: أيها الناس صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت) أنصتوا رحمكم الله] (٢).\nوقد يقول قائل إن ما يقوم به المؤذن من المناداة بهذا الحديث هي من باب تذكير المصلين حتى يكفوا عن الكلام أثناء خطبة الجمعة.\nوالجواب: إن المناداة بهذا الحديث صارت من شعائر صلاة الجمعة، بحيث إن المؤذن يحافظ عليها محافظة شديدة وقد اعتقد أكثر العامة أنه جزء من صلاة الجمعة وأذكر أن أحد خطباء الجمعة أنكر في مستهل خطبة الجمعة على المؤذن مناداته بالحديث بين يدي ذلك الخطيب فما كان من المصلين إلا أن أنكروا على الخطيب اعتراضه مع أن الخطيب هو المصيب والمتبع للسنة والمؤذن هو المخطئ والمبتدع.\nويقال أيضًا إن تذكير المصلين لا يكون باتخاذ هذا الحديث شعارًا ينادى به في كل جمعة والتذكير والتعليم يقوم بهما إمام الجمعة في خطبة الجمعة فإنه إن رأى أحدًا\n_________\n(١) الإبداع ص ١٦٨ - ١٦٩.\n(٢) المدخل ٢/ ٤٢٥.","vol":"1","page":136},{"text":"يتكلم أثناء الخطبة طلب منه السكوت وذكر للناس الحكم الشرعي في الكلام أثناء الخطبة.\nوقد قال جمهور أهل العلم بمنع جميع أنواع الكلام أثناء خطبة الجمعة لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث التي تنهى عن الكلام أثناء الخطبة (١).\nقال الإمام النووي: [قال القاضي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء يجب الإنصات للخطبة ...] (٢).\n_________\n(١) فتح الباري ٣/ ٦٦.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٤٥٣.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المسألة الثالثة: دعاء المؤذن عند جلوس الخطيب بين الخطبتين:</span>\nقال الشيخ القاسمي: [ومن المقرر في الفروع أن الخطيب إذا ارتقى المنبر فلا تبتدأ صلاة ولا يجهر بدعاء وذلك تأهبًا لسماع الخطبة وإجلالًا للمقام، وتخشعًا لهذه العبادة الأسبوعية، وهذا معلوم من موضوع الاحتفال لأداء فريضة الجمعة وقد اتفق الفقهاء على الحظر من الجهر بالذكر أو الاستغفار أو الدعاء أو النداء في تلك الحالة اتفاقًا لا خلاف فيه استدلالًا بما صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت). فأثبت له اللغو بذلك مع أنه ينهى عن منكر فكيف بمن لا يكون قوله كذلك لا جرم أنه أشد منه لغوًا وإثمًا. إذا تحقق ذلك تبين أن ما يقوله بعض المؤذنين يوم الجمعة بين يدي الخطيب إذا جلس من الخطبة الأولى: غفر الله لك ولوالديك ولنا ولوالدينا والحاضرين ... الخ منكر يلزم إنكاره لأنه ذكر غير مشروع في وقت هو وقت الصمت أو التفكر القلبي للاتعاظ فتفريق جمعية قلوب الحاضرين برفع الصوت بذلك والجرأة على الجهر به في هذا الموضوع الرهيب لا يختلف فقيه في نكارته فلذلك يلزم الخطيب ومن قدر على إزالته أن ينهى عنه أسوة كل منكر والله أعلم] (١).\n_________\n(١) إصلاح المساجد ص ٧٠، وانظر الأجوبة النافعة ص ٦٩.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المسألة الرابعة: رفع الخطيب يديه عند الدعاء في الخطبة:</span>\nالدعاء خلال خطبة الجمعة من السنة فيدعو الخطيب للمسلمين والمسلمات ويستغفر لهم (١)، فقد روي في الحديث عن سمرة بن جندب: (أن رسول الله - ﷺ - كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات كل جمعة) رواه الطبراني في الكبير والبزار بإسناد ضعيف كما قال الهيثمي، وقال الحافظ ابن حجر: رواه البزار بإسناد لين (٢).\nولكن رفع الخطيب يديه أثناء الدعاء ليس من السنة بل هو بدعة عند كثير من أهل العلم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة لأن النبي - ﷺ - إنما كان يشير بإصبعه إذا دعا] (٣).\nوقال العلامة ابن القيم: [وكان - ﷺ - يشير بإصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله ﷾ ودعائه] (٤).\nويؤيد ذلك ما جاء في الحديث أن عمارة بن رؤيبة رأى بشر بن مروان رفع يديه في الخطبة فقال: [قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله - ﷺ - ما يزيد أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبِّحة] رواه مسلم (٥).\nقال الإمام النووي: [هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة] (٦).\n_________\n(١) انظر المجموع ٤/ ٥٢١.\n(٢) مجمع الزوائد ٢/ ١٩٠ - ١٩١، سبل السلام ٢/ ٥٧، وانظر إعلاء السنن ٨/ ٧٥.\n(٣) الاختيارات العلمية ص ٤٨.\n(٤) زاد المعاد ١/ ٤٢٨\n(٥) صحيح مسلم بشرح النووي ٦/ ١٦٢.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ١٦٢.","vol":"1","page":139},{"text":"وقال الشيخ خليل السهارنفوري: [وحاصله أن رسول الله - ﷺ - إذا كان يخطب على المنبر ما يشير إلا بإلإصبع السبابة وما يشير بيديه فالإشارة باليدين خلاف السنة فهو مكروه] (١).\nوقال أبو شامة المقدسي: [وأما رفع أيديهم عند الدعاء فبدعة قديمة] (٢).\nوقال جلال الدين السيوطي: [... ورفع أيديهم عند الدعاء فبدعة قبيحة] (٣).\n_________\n(١) بذل المجهود ٦/ ١٠٦.\n(٢) الباعث ص ١٤٢.\n(٣) الأمر بالإتباع ص ٢٤٧.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث السابع\nبدع العيدين</span>\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المسألة الأولى: قول المؤذن عند المناداة لصلاة العيد </span>العبارة التالية: [الصلاة جامعة على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان يا أمة الهادي ﵇] ويكررها ثلاثًا:\nوهذا النداء بدعة، وتوضيح ذلك من وجوه:\nالأول: من المعلوم أن النبي - ﷺ - كان يصلي العيدين بدون أذان ولا إقامة فقد صح في الحديث عن ابن جريح قال أخبرني عطاء عن جابر وابن عباس ﵃ قالا: (لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى) رواه البخاري ومسلم (١).\nوزاد مسلم: [ثم سألته بعد حين فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة].\nوأما المناداة لصلاة العيدين بقولهم: (الصلاة جامعة) فلم تثبت عن النبي - ﷺ - إلا بخبر مرسل وهو ما رواه الشافعي عن الزهري أنه قال: وكان النبي - ﷺ - يأمر في العيدين المؤذن أن يقول: الصلاة جامعة) وذكره البيهقي عن الشافعي أيضًا وهو مرسل ضعيف كما قال النووي (٢).\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ١٠٥، صحيح مسلم مع شرح النووي ٢/ ٤٨٢.\n(٢) الأم ١/ ٢٣٥، معرفة السنن والآثار ٥/ ٦٤، المجموع ٥/ ١٤.","vol":"1","page":141},{"text":"وقال الإمام النووي بعد أن ذكره: [ويغني عن هذا الحديث الضعيف القياس على صلاة الكسوف فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة فيها:\nمنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (لما كسفت الشمس في عهد رسول الله - ﷺ - نودي بالصلاة جامعة) سيوفي رواية: (أن الصلاة جامعة) رواه البخاري ومسلم.\nوعن عائشة ﵂: (أن الشمس خسفت على عهد رسول الله - ﷺ - فبعث مناديًا الصلاة جامعة) رواه البخاري ومسلم.\nويستحب أن يقال الصلاة جامعة لما ذكرناه من القياس على الكسوف ...] (١).\nوقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكره: [وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوت ذلك فيها] (٢).\nوقد أجاب العلماء على هذا الاستحباب بأن الحديث مرسل ضعيف كما ذكره الإمام النووي، وبأنه لم يثبت ذلك من هدي الرسول - ﷺ -.\nقال الإمام مالك إنه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في عيد الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان رسول الله إلى اليوم، قال مالك: [وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا] (٣).\nوقال ابن القيم: [وكان - ﷺ - إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة أنه لا يفعل شيء من ذلك] (٤).\n_________\n(١) المجموع ٥/ ١٤، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٤٨٣.\n(٢) فتح الباري ٣/ ١٠٤.\n(٣) موطأ مالك ١/ ١٦٠.\n(٤) زاد المعاد ١/ ٤٤٢.","vol":"1","page":142},{"text":"وقال الشيخ ابن قدامة: [وقال بعض أصحابنا: ينادى لها: الصلاة جامعة وهو قول الشافعي، وسنة رسول الله - ﷺ - أحق أن تتبع] (١).\nوقال الشيخ محمود خطاب السبكي: [وما روي من أنه - ﷺ - كان يأمر المؤذن أن يقول الصلاة جامعة فهو مرسل عن الزهري ضعيف كما ذكره النووي فلا تقوم به حجة.\nوما قيل من أنه يقال فيها ذلك قياسًا على الكسوف لا يعول عليه لأن محل القياس مسألة لم يعلم فيها نص، وصلاة العيد تكررت منه - ﷺ - في مجمع من الصحابة، ومثل هذا تتوفر الدواعي على نقله تواترًا فلا محل للقياس فيه. وروى مسلم عن عطاء عن جابر قال: (أخبرني جابر أن لا أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا ما بعد يخرج ولا إقامة ولا شيء) وهو بعمومه يشمل نفي قولهم الصلاة جامعة ونحوها] (٢).\nولم يرتض الصنعاني هذا القياس فقال: [وأما القول بأنه يقال في العيد عوضًا عن الأذان \" الصلاة جامعة \" فلم ترد به سنة في صلاة العيدين. قال في الهدى النبوي: وكان - ﷺ - إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة: أي صلاة العيد من غير أذان ولا إقامة ولا قول الصلاة جامعة، والسنة أن لا يفعل شيء من ذلك، وبه يعرف أن قوله في الشرح: ويستحب في الدعاء إلى الصلاة في العيدين وغيرهما مما لا يشرع فيه أذان كالجنازة: الصلاة جامعة، غير صحيح إذ لا دليل على الاستحباب ولو كان مستحبًا لما تركه - ﷺ - والخلفاء الراشدون من بعده، نعم ثبات ذلك في صلاة الكسوف لا غير، ولا يصح فيه القياس، لأن ما وجد سببه في عصره - ﷺ - ولم يفعله ففعله بعد\n_________\n(١) المغني ٢/ ٢٨١.\n(٢) المنهل العذب المورود ٦/ ٣٢٥.","vol":"1","page":143},{"text":"عصره بدعة فلا يصح إثباته بقياس ولا غيره] (١).\nوقال الشيخ الصاوي: [تنبيه لا ينادى الصلاة جامعة أي لا يندب ولا يسن بل مكروه أو خلاف الأولى لعدم ورود ذلك فيها فبالكراهة صرح في التوضيح وقال: ابن ناجي وابن عمر إنه بدعة وما ذكره الخرشي من أنه جائز هنا فغير صواب بل ما ورد ذلك إلا في صلاة الكسوف ومحل كونه مكروهًا أو خلاف الأولى إن اعتقد مطلوبية ذلك وأما مجرد قصد الإعلام فلا بأس به] (٢) وما قاله أخيرًا غير مسلّم.\nونقل الحطاب عن ابن ناجي في شرح الرسالة قوله: [الذي تلقيناه من مشايخنا أن مثل هذا اللفظ بدعة لعدم وروده] (٣).\nويمكن أن يقال إن صلاة الكسوف قد ثبتت المناداة لها بالصلاة جامعة حيث إن الكسوف يحدث فجأة فيحتاج إلى مناداة الناس وتنبيههم إلى الصلاة.\nوأما صلاة العيد فوقتها معلوم والناس يجتمعون لها فلا حاجة فيها لهذا النداء والله أعلم.\n\nالثاني: إن قول المؤذن بأن الصلاة تقام على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بدعة ما أنزل الله بها من سلطان وهذا التقييد للصلاة بأنها على مذهب أبي حنيفة تقييد باطل ما جاء به الشرع فلم يعهد عن أبي حنيفة ولا عن غيره من الأئمة المتبوعين أنهم يقييدون الصلاة بأن تكون على مذهبهم ولا أعتقد أن أبا حنيفة لو كان حيًا يرضى بذلك.\n_________\n(١) سبل السلام ١/ ١٢٣.\n(٢) بلغة السالك ١/ ١٧٥.\n(٣) مواهب الجليل ٢/ ٥٧٠.","vol":"1","page":144},{"text":"والأصل أن الصلاة تكون كما كانت صلاة النبي - ﷺ - القائل: [صلوا كما رأيتموني أصلي] رواه البخاري (١).\nومن المعلوم أن أبا حنيفة وغيره من الأئمة هم أتباع للنبي - ﷺ - وليس النبي - ﷺ - تابعًا لواحد منهم.\nومن العجيب الغريب أنهم يزعمون أن الصلاة على مذهب أبي حنيفة ثم يخالفونه في مسألة مشهورة وهي الجهر بالبسملة في الصلاة وقد صليت أكثر من مرة في مسجد كبير ينادى فيه لصلاة العيد بالعبارة المذكورة ثم صلى إمام المسجد صلاة العيد وخالف مذهب أبي حنيفة فجهر بالبسملة في أربعة مواضع من صلاة العيد قبل قراءة الفاتحة وقبل السورة في الركعة الأولى وكذلك فعل في الركعة الثانية.\nمع أنه من المعلوم أن مذهب أبي حنيفة الإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم في هذه المواضع.\nقال صاحب المختار: [ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويخفيها ثم إن كان إمامًا جهر بالقراءة في الفجر والأوليين من المغرب والعشاء وفي الجمعة والعيدين] (٢).\nالثالث: إن الالتزام بأداء صلاة العيد على مذهب أبي حنيفة والذي ينص على أن التكبيرات الزوائد ثلاث في الأولى بعد تكبيرة الإحرام ثم يقرأ الفاتحة وسورة، وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة ثم يكبر التكبيرات الثلاث الزوائد وتكبيرة للركوع (٣).\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٢٥٢.\n(٢) الاختيار لتعليل المختار ١/ ٥٠.\n(٣) الاختيار لتعليل المختار ١/ ٨٦.","vol":"1","page":145},{"text":"إن هذه الكيفية مرجوحة عند المحققين من العلماء والراجح هو مذهب جمهور أهل العلم أنه يكبر سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية وتكون التكبيرات الزوائد قبل القراءة في الركعتين ويدل على ذلك ما يلي:\n١. عن عائشة ﵂: (أن رسول الله - ﷺ - كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني صحيح (١).\n٢. وعن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: (أن النبي - ﷺ - كبر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة) رواه الترمذي ثم قال: [حديث جد كثير حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي - ﷺ - واسمه عمرو بن عوف المزني، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وهكذا روي عن أبي هريرة أنه صلى بالمدينة نحو هذه الصلاة وهو قول أهل المدينة وبه يقول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق] (٢).\nوصححه الشيخ الألباني (٣).\n٣. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي - ﷺ -: (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما) رواه أبو داود، وقال الإمام النووي: [رواه أبو داود وآخرون بأسانيد حسنة فيصير بمجموعها صحيحًا.\n_________\n(١) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/ ٥، صحيح سنن أبي داود ١/ ٢١٣، إرواء الغليل ٣/ ١٠٧.\n(٢) سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٣/ ٦٥ - ٦٧.\n(٣) صحيح سنن الترمذي ١/ ١٦٦.","vol":"1","page":146},{"text":"قال الترمذي في كتاب العلل: سألت البخاري عنه فقال: هو صحيح) (١) وقال الشيخ الألباني: هو صحيح (٢).\nوغير ذلك من الأحاديث.\nقال ابن القيم: [وكان - ﷺ - يبدأ بالصلاة قبل الخطبة فيصلى ركعتين يكبر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح ... فإذا فرغ من القراءة كبر وركع ثم إذا أكمل الركعة وقام من السجود كبر خمسًا متوالية فإذا أكمل التكبير أخذ في القراءة فيكون التكبير أول ما يبدأ به في الركعتين والقراءة يليها الركوع] (٣).\nوهذا هو مذهب أكثر العلماء فقد نقل عن جماعة من الصحابة كعائشة وعمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وجابر وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر ﵃ ونقل عن غيرهم أيضًا.\nوهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والزهري والمزني والأوزاعي وإسحاق ومكحول والليث (٤).\nوقال الحافظ ابن عبد البر: [وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه كبر في العيدين سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية من طرق حسان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ... ومن حديث جابر ... ومن حديث عائشة ... ومن حديث عمرو بن عوف ... ومن حديث ابن عمر ... ومن حديث أبي واقد الليثي كلها عن النبي - ﷺ - ...] (٥).\n_________\n(١) الخلاصة ٢/ ٨٣١.\n(٢) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/ ٦، صحيح سنن أبي داود ١/ ٢١٣.\n(٣) زاد المعاد ١/ ٤٤٣ - ٤٤٤.\n(٤) المجموع ٥/ ١٦، المغني ٢/ ٢٨٢، فتح المالك ٣/ ٣٤٧، عون المعبود ٤/ ١٠، نيل الأوطار ٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠.\n(٥) فتح المالك ٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧.","vol":"1","page":147},{"text":"وقال الشيخ المباركفوري بعد أن ذكر ما احتج به الحنفية: [... فلا يصلح هذا الحديث للاستدلال وليس في هذا حديث مرفوع صحيح في علمي والله تعالى أعلم ... فالأولى للعمل هو ما ذهب إليه أهل المدينة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم لوجهين:\nالأول: أنه قد جاء فيه أحاديث مرفوعة عديدة وبعضها صالح للاحتجاج والباقية مؤيدة لها.\nوأما ما ذهب إليه أهل الكوفة فلم يرد فيه حديث مرفوع غير حديث أبي موسى الأشعري وقد عرفت أنه لا يصلح للاحتجاج.\nوالوجه الثاني: أنه قد عمل به أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وقد تقدم في كلام الحافظ الحازمي أن أحد الحديثين إذا كان عمل به الخلفاء الراشدون دون الثاني فيكون آكد وأقرب إلى الصحة وأصوب بالأخذ ...] (١). ثم ذكر قول الحنفية ثم قال: [ليس يروى عن النبي - ﷺ - من وجه قوي ولا ضعيف مثل قول هؤلاء ...]. ويضاف إلى ما سبق أن الأخذ بمذهب الحنفية في هذه المسألة يوقع كثيرًا من المصلين في الخطأ أثناء الصلاة وذلك في الركعة الثانية حيث إن الإمام يبدؤها بالقراءة فيقرأ الفاتحة ثم سورة ثم يكبر التكبيرة الأولى من التكبيرات الثلاث الزوائد فيظن كثير من المصلين أنها تكبيرة الركوع فيركعون وعندما يكبر الإمام التكبيرة الثانية من الزوائد يعلمون أنها لم تكن للركوع فيرفعون. فيحدث بسبب ذلك أخطاء في الصلاة وبلبلة في صفوف المصلين.\nوأخيرًا يقال إن الناس معتادون في هذه البلاد على تقليد مذهب الشافعي في جميع الصلوات وأئمة المساجد ملتزمون بهذا التقليد فتراهم في صلاة الفجر يقنتون كما هو مذهب الشافعي فلماذا في صلاة العيد ينتقلون لمذهب أبي حنيفة؟! إنها التقاليد الموروثة منذ زمن الدولة العثمانية.\n_________\n(١) تحفة الأحوذي ٣/ ٧١.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المسألة الثانية: فرقة التكبير وما تقوم به من أمور مبتدعة:</span>\nوتوضيح ذلك أن مجموعة من المؤذنين والقراء يجلسون على شكل حلقة ثم يبدؤون بالتكبير الجماعي ويرددون بعض الأذكار ثم يصيح أحدهم في نهاية كل وصلة تكبير بصوت مرتفع الفاتحة، وهكذا يعيدون الكرة مرة بعد مرة ثم ينقطعون فيتلو أحد القراء آيات من القرآن الكريم ثم يعودون إلى التكبير ويصيح أحدهم الفاتحة وهكذا دواليك وتستمر المجموعة في الزعق والصياح إلى أن يحين موعد الصلاة فيقوم أحدهم وينادي بقوله: [الصلاة جامعة على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان يا أمة الهادي ﵇].\nوهذه الأمور مبتدعة وبيان ذلك فيما يلي:\nإن أصل التكبير مشروع في العيدين وهو من السنن الثابتة عن النبي - ﷺ - وهو نوعان عند أهل العلم.\nالأول: التكبيرات الزوائد في صلاة العيد.\nالثاني: التكبير في غير صلاة العيد وهو قسمان:\nالقسم الأول: التكبير المرسل أو المطلق وهو الذي لا يتقيد بحال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلًا ونهارًا وفي غير ذلك.\nالقسم الثاني: المقيد وهو الذي يقصد الإتيان به في أدبار الصلوات وهو مشروع في عيد الأضحى دون عيد الفطر لأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - (١).\nومن الأحاديث الثابتة في التكبير ما جاء في الحديث عن محمد بن أبي بكر الثقفي قال: (سألت أنسًا ونحن غادون من منى إلى عرفات عن التلبية كيف كنتم تصنعون\n_________\n(١) المجموع ٥/ ٣١ - ٣٢.","vol":"1","page":149},{"text":"مع النبي - ﷺ -؟ قال: كان الملبي يلبي لا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) رواه البخاري (١).\nوعن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: (كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها حتى نخرج الحيض فيكنَّ خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) رواه البخاري ومسلم (٢).\nقال الإمام النووي: [وقولها: (يكبرن مع الناس) دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين وهو مجمع عليه] (٣).\nوقال الإمام البخاري: [باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة وكان عمر - ﵁ - يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه وتلك الأيام جميعًا وكانت ميمونة تكبر يوم النحر وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد] (٤).\nإذا ثبت هذا فإن التكبير في جملته مشروع فأما قراءة القرآن بين كل وصلة من التكبيرات فلم يرد في ذلك أثر وإنما كان الصحابة يقتصرون على التكبير فقط وما كانوا يقولون بعد انتهاء وصلة التكبير (الفاتحة)،\nفإن هذه بدعة فليس هذا المقام محلًا لقراءة الفاتحة وسيأتي تفصيل الكلام على هذه البدعة عند الكلام على البدع المتعلقة بقراءة القرآن الكريم.\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ١١٤ - ١١٥.\n(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ١١٥، صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٤٨٥.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٤٨٥.\n(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ١١٤.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الثامن\nبدع الجنائز</span>\nتشييع الجنازة واتباعها وحضور دفنها من السنن الثابتة عن الرسول - ﷺ - فقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - ﵁ - أن الرسول - ﷺ - قال: (حق المسلم على المسلم خمس، ردُّ السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس) رواه البخاري ومسلم (١)\nوعن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله).\nويقول: (والذي نفسي بيده ما توادَّ اثنان فيفرَّق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما).\nوكان يقول: (للمسلم على المسلم ست يشمته إذا عطس ويعوده إذا مرض وينصحه إذا غاب أو شهد ويسلّم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ويتبعه إذا مات) رواه أحمد بإسناد حسن كما قال الشيخ الألباني (٢)\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة، من عاد مريضًا وشهد جنازة وصام يومًا وراح إلى الجمعة وأعتق رقبة) رواه ابن حبان وقال الشيخ الألباني صحيح (٣)\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٣٥٦، صحيح مسلم بشرح النووي ٥/ ٣١٩ - ٣٢٠.\n(٢) صحيح الترغيب والترهيب ٣/ ٣٦٩.\n(٣) صحيح الترغيب والترهيب ٣/ ٣٦٩.","vol":"1","page":151},{"text":"وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه كان قاعدًا عند ابن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ يقول: إنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها واتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد ومن صلَّى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد).فأرسل ابن عمر خبابًا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة صدق أبو هريرة فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يديه الأرض ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة). رواه مسلم (١).\nوعن ثوبان - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى على جنازة فله قيراط وإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط مثل أحد) رواه مسلم (٢).\nوجاء في الحديث أيضًا عن أبي هريرة - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل: وما القيراطان، قال: مثل الجبلين العظيمين) رواه البخاري ومسلم (٣).\nوينبغي للمسلم الذي يحضر الجنازة عند تشييعها ودفنها، أن يستذكر مصيبة الموت وأن يتعظ ويتفكر في هذا الميت، وأن حال هذا المشيع سيصير إلى مثل ما صار إليه الميت، وهذا التذكر يدفع الإنسان إلى محاسبة النفس والنظر والتفكر في أحواله، فإن كان محسنًا ازداد إحسانًا وإن كان مسيئًا رجع وثاب إلى الرشد، وهذا التفكر والاتعاظ مقصود من حضور الجنائز فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ١٦ - ١٧.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ١٦ - ١٧.\n(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٤٤٠ - ٤٤١، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ١٤ - ١٥.","vol":"1","page":152},{"text":"أن النبي - ﷺ - قال: (عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكّركم الآخرة) رواه أحمد وابن حبان وصححه وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات (١) ١)، وقال الشيخ الألباني: إسناده حسن (٢).\nوقد روي في الحديث: (أنه ﵊، كان إذا اتبع جنازة أكثر الصمت، ورؤي عليه الكآبة وأكثر حديث النفس) رواه وكيع في الزهد وابن المبارك في الزهد أيضًا والطبراني وذكره السيوطي (٣)، وله شاهد صحيح. فعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة فانتهينا إلى القبر فجلس كأن على رؤوسنا الطير) رواه ابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: صحيح (٤)\nوقال الفضيل بن عياض: [كانوا إذا اجتمعوا في جنازة يعرف فيهم ثلاثة أيام]. ورأى عبد الله بن مسعود - ﵁ - رجلًا يضحك في جنازة فقال:\n[أتضحك مع الجنازة! لا أكلمك أبدًا].\nوكره العلماء أن يتكلم أحد في الجنازة ولا بقول القائل: استغفروا لأخيكم، فقد سمع عبد الله بن عمر ﵄ رجلًا في جنازة يصيح ويقول: استغفروا لأخيكم، فقال ابن عمر: لا غفر الله لك.\nوسُئل سفيان بن عيينة عن السكوت في الجنازة وماذا يجيء به؟ قال:\n[تذكر به حال يوم القيامة، ثم تلا قوله تعالى: (وَخَشَعَتْ الأصوات لِلرَّحْمَنِ فلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا)] (٥).\n_________\n(١) الفتح الرباني ١٩/ ١٦٢، صحيح ابن حبان ٧/ ٢٢١، مجمع الزوائد ٣/ ٢٩.\n(٢) أحكام الجنائز ص ٦٧.\n(٣) الزهد لابن المبارك ص ٨٢، مجمع الزوائد ٣/ ٢٩، الأمر بالإتباع ص ٢٥٢.\n(٤) انظر صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٢٥٩، وانظر المشكاة ١٥/ ٥٣٧.\n(٥) سورة طه الآية ١٠٨.","vol":"1","page":153},{"text":"وقال قتادة: [بلغنا أن أبا الدرداء - ﵁ - نظر إلى رجل يضحك في جنازة فقال له: أما كان فيما رأيت من هول الموت ما يُشغلك عن الضحك].\nوكان مطرف يلقى الرجل من خاصة أهله في الجنازة فعسى أن يكون غائبا فما يزيده على السلام ثم يعرض عنه اشتغالًا بما هو فيه.\nذكر هذه الآثار السيوطي (١) ثم قال: [فهذا خوف هؤلاء السادات من الموت فأما اليوم فغالب من تراه يشهد الجنازة يلهون ويضحكون، وما يتكلمون إلا في ميراثه وما خلفه لورثته] (٢).\nوقال الإمام النووي ﵀: [يستحب له - أي الماشي مع الجنازة - أن يكون مشتغلًا بذكر الله تعالى والفكر فيما يلقاه وما يكون مصيره وحاصل ما كان فيه، وأن هذا آخر الدنيا ومصير أهلها، وليحذر كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإن هذا وقت فكر وذكر يقبح فيه الغفلة واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلام بما لا فائدة فيه منهيٌ عنه في جميع الأحوال فكيف هذا الحال.\nواعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف رضوان الله عليهم السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوتًا بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق ولا تغترنّ بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض - ﵁ - ما معناه: الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين] (٣).\n_________\n(١) الأمر بالإتباع ص٢٥٣ - ٢٥٥.\n(٢) الأمر بالإتباع ص ٢٥٥.\n(٣) الأذكار ص ١٣٦ وانظر يسألونك ٣/ ٤١ - ٤٣.","vol":"1","page":154},{"text":"وبعد أن بينت ما هي السنة في تشييع الجنازة أذكر بعض البدع والمخالفات التي تقع في الجنائز وفي ذلك مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسألة الأولى: رفع الصوت بالذكر أثناء تشييع الجنازة:</span>\nكقول أحدهم: وحدوا الله. فيجيبه المشيعون بقولهم: لا إله إلا الله.\nوكقول بعضهم: استغفروا لأخيكم، ونحو ذلك من العبارات وهذه بدعة لأن هذه الأذكار ليس محلها حال تشييع الجنازة وقد كرهها كثير من العلماء.\nذكر أبو شامة المقدسي عن سعيد بن المسيب أنه قال في مرضه: [إياي وحاديهم هذا الذي يحدو لهم يقول: استغفروا لأخيكم] وكرهه الحسن والنخعي وابن جبير وأحمد وإسحاق وقال البيهقي: [وروينا عن سعيد والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي أنهم كرهوا أن يقال في الجنازة استغفروا له غفر الله لكم] (١).\nوقال الشيخ علي محفوظ: [ومن البدع السيئة الجهر بالذكر أو بقراءة القرآن أو البردة أو دلائل الخيرات ونحو ذلك.\nوكل هذا مكروه للإجماع على أن السنة في تشييع الجنازة السكوت وجمع الفكر للتأمل في الموت وأحواله وعليها عمل السلف رضوان الله عليهم] (٢).\nويلحق بهذه البدعة ما تعارف عليه كثير من الناس في زماننا هذا أثناء نقل الميت بسيارة مخصصة لنقل الموتى من قراءة القرآن الكريم بواسطة آلة تسجيل في السيارة مع تركيب جهاز مكبر للصوت وقراءة آيات مخصوصة من القرآن الكريم.\n_________\n(١) الباعث ص ١٥٠، وانظر الأمر بالإتباع ص ٢٥٣ - ٢٥٤، سنن البيهقي ٤/ ٧٤.\n(٢) الإبداع ص ٢٢٢.","vol":"1","page":155},{"text":"كما وأنهم اعتادوا على أن يكتبوا آيات معينة من القرآن الكريم على السيارات الخاصة بنقل الموتى.\nوأما تشييع الجنائز على أنغام الموسيقى الحزينة ورفع الأعلام وحمل أكاليل الورود وحمل صور الميت وحمل بعض الأموات على عربة مدفع فكل ذلك من الأمور الممنوعة شرعًا.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المسألة الثانية: بدعة التلقين بعد الدفن:</span>\nبعد دفن الميت وتسوية القبر عليه يقوم رجل ويلقن الميت بقوله: [كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، الموت باب وكل الناس داخله الموت كأس وكل الناس شاربه واعلم يا عبد الله وابن أمته أنك مت وأن الموت حق وأن دخول القبر حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأن سؤال الملكين حق، فإذا جاءك الملكان الموكلان بك وبالناس أجمعين فلا يزعجاك ولا يرعباك واعلم أنهما خلق من خلق الله كما أنت خلق من خلقه، فإذا سألاك ما ربك، وما قبلتك، وما دينك، وما منهاجك، وما الذي عشت ومت عليه؟ فقل لهما بلسان طلق لبق من غير تلجلج ولا وجل ولا خوف منهما ولا جزع فقل لهما الله ربي حقًا، الله ربي حقًا، الله ربي حقًا، ومحمد نبيي صدقًا، وإبراهيم الخليل أبي وملته ملتي والكعبة قبلتي، وعشت ومت على قول لا إله إلا الله، محمد رسول الله فإذا عادا وسألاك ثانيةً ماذا تقول في الرجل المبعوث فينا وفيكم وفي الخلق أجمعين فاعلم أنهما يعنيان النبي محمد - ﷺ - فقل لهما هو نبينا وشفيعنا ورسولنا محمد أتانا بالحق دين الهدى فاتبعناه وآمنا برسالته وصدقناه آمين آمين آمين، يا مؤنس كل وحيد ويا حاضرًا لست تغيب آنس اللهم وحدته وارحم غربته ولقنه حجته وعرِّفه نبيه.\nاللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيئاته اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله ونقه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس واغسله بالماء والثلج والبرد ووسع مدخله وأكرم نزله اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله وللمسلمين] ثم يقول الملقن للناس: انصرفوا مأجورين والتعزية من السنة يرحمكم الله.","vol":"1","page":157},{"text":"وهذا التلقين مبتدع وليس له سند من السنة عن الرسول - ﷺ - وقد نص على أنه بدعة طائفة من أهل العلم، قال العز بن عبد السلام ﵀: [لم يصح في التلقين شيء وهو بدعة وقوله - ﷺ -: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) محمول على من دنا موته ويئس من حياته] (١).ونُقِل عن الإمام مالك القول بكراهة التلقين بعد الموت (٢).\nوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما التلقين بعد الدفن فلم أجد فيه عن أحمد شيئًا ولا أعلم فيه للأئمة قولًا سوى ما رواه الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت: يقف الرجل ويقول: يا فلان ابن فلان اذكر ما فارقت عليه شهادة أن لا إله إلا الله؟! فقال: ما رأيت أحدًا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء إنسانٌ فقال ذلك، قال: وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه ...] (٣).\nوقال الشيخ المرداوي بعد أن ذكر أن مذهب الحنابلة إثبات التلقين بعد الدفن: [... والنفس تميل إلى عدمه ...] (٤).\nوقال شمس الحق العظيم آبادي: [والتلقين بعد الموت قد جزم كثير أنه حادث] (٥).\nوقال العلامة ابن القيم: [ولم يكن يجلس - أي الرسول - ﷺ - يقرأ عند القبر ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم] (٦).\n_________\n(١) فتاوى العز بن عبد السلام ص ٤٢٧.\n(٢) نقله صاحب كفاية الطالب الرباني نقلًا عن الآيات البينات للألوسي ص ٦٣.\n(٣) المغني ٢/ ٣٧٧.\n(٤) الإنصاف ٢/ ٥٤٩.\n(٥) عون المعبود ٨/ ٢٦٨.\n(٦) زاد المعاد ١/ ٥٢٢.","vol":"1","page":158},{"text":"وقد احتج المثبتون للتلقين بعد الدفن بما روي في الحديث عن جابر بن سعيد الأزدي قال: [دخلت على أبي أمامة وهو في النزع فقال لي: يا أبا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول الله - ﷺ - أن نصنع بموتانا فإنه قال: إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة! فإنه يستوي قاعدًا فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول أرشدني رحمك الله فليقل: اذكر ما خرجت عليه من دار الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول له ما نصنع عند رجل قد لقن حجته؟ فيكون الله حجيجهما دونه] قال الشيخ الألباني: منكر، أخرجه القاضي الخلعي في الفوائد ٥٥/ ٢. قلت - أي الألباني -: [وهذا إسناد ضعيفٌ جدًا لم أعرف أحدًا منهم غير عتبة بن السكن. قال الدارقطني: متروك الحديث. وقال البيهقي: واهٍ منسوبٌ إلى الوضع. والحديث أورده الهيثمي وقال: [رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده جماعة لم أعرفهم]. فالعجب من قول الحافظ في التلخيص بعد أن عزاه للطبراني: وإسناده صالح .... فأنى لهذا الإسناد الصلاح والقوة وفيه هذا الرجل المجهول؟! بل فيه جماعة آخرون مثله في الجهالة ... ثم ذكر الشيخ الألباني أن النووي وابن الصلاح والحافظ العراقي وابن القيم قد ضعفوا الحديث (١).\nوقال العلامة ابن القيم بعد أن ساق الحديث: [فهذا حديث لا يصح رفعه] (٢). وذكر ابن علان قول الحافظ ابن حجر بعد تخريج حديث أبي أمامة: [هذا حديث غريب وسند الحديثين من الطريقين ضعيفٌ جدًا] (٣).\n_________\n(١) السلسلة الضعيفة ٢/ ٦٤ - ٦٥.\n(٢) زاد المعاد ١/ ٥٢٣.\n(٣) الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٤/ ١٩٦.","vol":"1","page":159},{"text":"وقال الصنعاني: [ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله] (١).\nوقال الشيخ الألباني: [واعلم أنه ليس للحديث ما يشهد له، وكل ما ذكره البعض إنما هو أثر موقوف على بعض التابعين الشاميين لا يصلح شاهدًا للمرفوع بل هو يعله وينزل به من الرفع إلى الوقف وفي كلمة ابن القيم السابقة ما يشير إلى ما ذكرته عند التأمل، على أنه شاهد قاصر إذ غاية ما فيه: أنهم كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان قل لا إله إلا الله، قل أشهد أن لا إله إلا الله \" ثلاث مرات \" قل: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد.\nفأين فيه الشهادة على بقية الجمل المذكورة في الحديث مثل \"ابن فلانة \" و\"أرشدني \" وقول الملكين \"ما نصنع عند رجل \" ... وجملة القول أن الحديث منكر عندي إن لم يكن موضوعًا .... ولا يرد هنا ما اشتهر من القول بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال فإن هذا محله فيما ثبت مشروعيته بالكتاب أو السنة الصحيحة، وأما ما ليس كذلك فلا يجوز العمل فيه بالحديث الضعيف لأنه تشريع ولا يجوز ذلك بالحديث الضعيف لأنه لا يفيد إلا الظن المرجوح اتفاقًا فكيف يجوز العمل بمثله؟! فليتنبه لهذا من أراد السلامة في دينه فإن الكثيرين عنه غافلون نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق] (٢).\nوقد احتج المثبتون للتلقين بما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) رواه مسلم (٣).\n_________\n(١) سبل السلام ٢/ ٢٣٤.\n(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ٦٥.\n(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٥١٩.","vol":"1","page":160},{"text":"وهذا الحديث ليس فيه التلقين بعد الموت وبعد الدفن وإنما هو في التلقين عند الاحتضار.\nقال الإمام النووي: [قوله: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) معناه من حضره الموت والمراد ذكروه لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه كما في الحديث: (من كان آخر كلامه لا إله الله دخل الجنة) والأمر بهذا التلقين أمر ندب وأجمع العلماء على هذا التلقين] (١).\nوسبق كلام العز بن عبد السلام أن هذا الحديث محمولٌ على من دنا موته ويئس من حياته.\nوقال صاحب الهداية الحنفي: [ولُقن الشهادتين لقوله - ﷺ -: (لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله) والمراد الذي قرب من الموت] (٢).\nومما يؤيد تفسير الميت بالمحتضر كما ذهب إليه كثير من أهل العلم ما ورد في الحديث عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني (٣).\nومما يؤيد ذلك أيضًا ما جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنه من كان آخر كلمته لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يومًا من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) رواه ابن حبان والبزار وقال محقق صحيح ابن حبان: حديث صحيح (٤).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٥١٩.\n(٢) الهداية ٢/ ٦٨.\n(٣) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٨/ ٢٦٧، المستدرك ٢/ ١٧٥، إرواء الغليل ٣/ ١٤٩\n(٤) صحيح ابن حبان ٧/ ٢٧٢.","vol":"1","page":161},{"text":"والمشروع عند الانتهاء من دفن الميت هو الاستغفار للميت والدعاء له، قال العلامة ابن القيم: [وكان - أي الرسول - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه وسأل له التثبيت وأمرهم أن يسألوا له التثبيت] (١).\nويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عثمان - ﵁ - قال: (كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال النووي إسناده جيد وصححه الألباني أيضًا (٢).\nفيجوز الوقوف عند قبر الميت بعد دفنه وإهالة التراب عليه للاستغفار والدعاء له بل ذلك مستحب كما دل عليه الحديث السابق ولم يرد في بيان صفة الاستغفار والدعاء للميت بعد الدفن حديث يعتمد عليه فيما نعلم وإنما ورد الأمر بمطلق الاستغفار والدعاء له بالتثبيت فيكفي في أمثال هذا الأمر أي صفة استغفار ودعاء له كأن يقول: اللهم اغفر له وثبته على الحق ونحو ذلك (٣).\n_________\n(١) زاد المعاد ١/ ٥٢٢.\n(٢) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٩/ ٣٠، سنن البيهقي ٤/ ٥٦، المستدرك؟؟، المجموع ٥/ ٢٩٢، صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٢٠.\n(٣) فتاوى إسلامية ١/ ٣٠٨.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المسألة الثالثة: قراءة الختمة للأموات:</span>\nمن البدع المنتشرة في أيامنا هذه ما يفعله عامة الناس بعد دفن ميتهم إذ يجلسون بعد صلاة العصر في يوم الوفاة ويومين بعده فيقرؤون السور الأخيرة من القرآن الكريم ابتداءً من سورة الضحى إلى سورة الناس ثم يقرؤون سورة الفاتحة وفواتح سورة البقرة وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة وبعض الآيات الأخرى ثم يأتون ببعض الأذكار ويهللون مئة مرة ونحو ذلك.\nوهنالك بعض المشايخ المتخصصين في القراءة على الأموات الذين يحترفون هذا العمل فيحضرونهم ومعهم مكبرات الصوت فيقرؤون الختمة بأجر متفق عليه وبعد الانتهاء يأكلون ما أعد لهم من طعام أو حلويات ويشربون القهوة والشاي وغيرها، ويفعلون هذه البدعة ثلاثة أيام اعتبارًا من يوم الدفن، ثم يفعلونها ثلاثة أيام خميس تالية ثم في الأربعين وبعضهم يفعلها في ذكرى مرور سنة على وفاة الميت وبعضهم يزيد على ذلك.\nوهذه كلها من البدع المخالفة لهدي الرسول - ﷺ - وبيان ذلك فيما يلي:\nأولًا: لم ينقل عن رسول الله - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم فعل مثل ذلك فهذه الختمة طريقة مبتدعة في قراءة القرآن وفي الذكر.\nثم إن تخصيص هذه الأوقات وهي ثلاثة أيام من يوم الدفن وثلاثة أيام خميس ويوم الأربعين، بهذه الختمة وهذه الأذكار لم يقم عليه دليل من الشرع ولا يصح عند العلماء تخصيص زمان معين بعبادة معينة إلا بدليل شرعي ولا دليل على ذلك.\nثانيًا: إن أهل العلم متفقون على أنه لا يجوز التكسب بالقرآن الكريم وهذا التكسب واضح في الأجور التي تدفع لجماعة المقرئين والذين يحددون الأسعار بناء على حالة","vol":"1","page":163},{"text":"الميت وأهله من حيث الغنى والفقر فهذه الأموال التي يأخذها هؤلاء الذين يتكسبون بالقرآن محرمة عليهم ويدل على ذلك ما يلي:\n١. ما جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: (علمت ناسًا من أهل الصفة القرآن والكتاب فأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا فقلت: ليست بمال وأرمي بها في سبيل الله، لآتين رسول الله - ﷺ - فلأسألنه فأتيته، فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إليَّ قوسًا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله تعالى قال: إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها) رواه أبو داود وابن ماجة والبيهقي وصححه الشيخ الألباني (١).\nوجاء في رواية أخرى عند أبي داود أن النبي - ﷺ - قال: (جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها) (٢).\n٢. وعن عمران بن حصين أنه مرَّ على قارئ يقرأ ثم سأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وحسنه الشيخ الألباني (٣).\n٣. وعن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: (خرج علينا رسول الله - ﷺ - يومًا ونحن نقترئ فقال: الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض وفيكم الأسود\n_________\n(١) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٩/ ٢٠٣، سنن ابن ماجة ٢/ ٧٣٠، سنن البيهقي ٦/ ١٢٥، صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٥٥.\n(٢) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٩/ ٢٠٥.\n(٣) سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٨/ ١٨٩، صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٠.","vol":"1","page":164},{"text":"اقرؤه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوَّم السهم يتعجل أجره ولا يتأجله) رواه أبو داود ولأحمد نحوه، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح (١).\nوقوله يقيمونه كما يقوم السهم أي يبالغون في القراءة كمال المبالغة لأجل الرياء والسمعة والمباهاة والشهرة (٢).\nوهذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على مجرد قراءة القرآن وقد نص أهل العلم على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما الاستئجار لنفس القراءة والإهداء فلا يصح ذلك ... فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق لأن الله تعالى إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه لا ما فعل لأجل عروض الدنيا ... وأما إذا كان لا يقرأ إلا لأجل العروض فلا ثواب لهم على ذلك وإذا لم يكن في ذلك ثواب فلا يصل إلى الميت ...] (٣).\nونقل ابن عابدين عن الفتاوى التاترخانية أن دفع الأجرة للقارئ باطل (٤).\nوذكر ابن عابدين أيضًا عن بعض الحنفية قوله: [يمنع القارئ للدنيا والآخذ والمعطي آثمان] (٥).\nونقل أيضًا عن بعض الحنفية: [وبالجملة الممنوع بيع الثواب ونية القراءة لأجل المال غير صحيحة بل هو رياء لقصده أخذ العوض في الدنيا.\n_________\n(١) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٣/ ٤٢، الفتح الرباني ١٥/ ١٢٦، صحيح سنن أبي داود ١/ ١٥٧.\n(٢) عون المعبود ٣/ ٤٢.\n(٣) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(٤) رسالة شفاء العليل ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين ١/ ١٦٨.\n(٥) المصدر السابق ١/ ١٧٥.","vol":"1","page":165},{"text":"ثم قال: والحاصل أن ما شاع في زماننا من قراءة الأجزاء بالأجرة لا يجوز لأن فيه الأمر بالقراءة وإعطاء الثواب للآمر والقراءة لأجل المال فإذا لم يكن للقارئ ثواب لعدم النية الصحيحة فأنى يصل الثواب إلى المستأجر ولولا الأجرة ما قرأ أحدٌ لأحدٍ في هذا الزمان بل جعلوا القرآن العظيم مكسبًا ووسيلةً إلى جمع الدنيا إنا لله وإنا إليه راجعون ...] (١).\n_________\n(١) المصدر السابق ١/ ١٨٠.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المسألة الرابعة: إحياء ذكرى الأربعين:</span>\nمن البدع المنتشرة في بلادنا وغيرها إحياء ذكرى الأربعين أي أربعون يومًا على موت فلان ففي يوم الأربعين يجددون الأحزان ويعلنون عن ذلك اليوم للملأ وأحيانًا يتم الإعلان بالصحف ويدعون الناس للحضور ويعملون ختمة للميت ثم يتناولون ما لذ وطاب من الطعام، وهذه الأمور من البدع المنكرة.\n[والأصل الأصيل لهذه المآتم أنها من مخترعات قدماء المصريين بل هو من أهم معتقداتهم فقد كانوا إذا مات فيهم أحدٌ دفنوه ثم يعودون إليه بعد أربعين يومًا لينظروا حال جسده فإن كانت الأرض قد أثرت في جسده فأبلته ظنوا أن روحه قد حلت في شيء حقير وذلك لسوء عمله وإذا لم تؤثر الأرض في جسده ظنوا أن روحه قد حلت في شيء عظيم فيصنعون عنده الطعام والشراب اعتقادًا منهم بعودته إلى الحياة مرة أخرى ومما لا شك فيه أن هذا المعتقد باطل من جهة الشرع والعقل] (١).\nوينبغي أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام تجديد الأحزان مرة بعد مرة بل إن بعض العلماء قد كرهوا التعزية بعد ثلاث، قال الإمام النووي: [قال أصحابنا وتكره التعزية بعد الثلاثة لأن المقصود منها تسكين قلب المصاب والغالب سكونه بعد الثلاثة فلا يجدد له الحزن] (٢).\nكما أن أهل الميت يتكلفون إعداد الطعام والشراب لهؤلاء الناس المجتمعين في الأربعين وهذا قد يكلفهم كثيرًا من المال وقد يؤدي ذلك إلى ضياع أموال الأيتام مما هو مخالف للشرع.\nوقد نص كثير من العلماء على بدعية هذه الأربعين وذكرى مرور سنة أو أكثر على وفاة الميت، وقد بين الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية سابقًا بدعية\n_________\n(١) الأربعين والخمسين والذكرى السنوية ص ١٢.\n(٢) المجموع ٥/ ٣٠٦.","vol":"1","page":167},{"text":"ذلك فقال: [إن إقامة مأتم ليلة الأربعين بدعة سيئة مذمومة شرعًا وإن عامة الناس يحرصون على إقامة مأتم ليلة الأربعين فيعلنون عنه في الصحف ويستأجرون القراء ويفد المعزون ولا سند لشيء من ذلك في الشريعة الغراء فلم يكن من هدي النبوة ولا من عمل الصحابة ﵃ ولا من المأثور عن التابعين إقامة هذا المأتم بل لم يكن معروفًا عند جمهور المسلمين وإنما هو أمر استحدث أخيرًا ابتداعًا لا اتباعًا وفيه من الابتداع ما نُهي عنه شرعًا وفيه إضاعة الأموال في غير سبيلها المشروع وفيه مع ذلك تجديد الحزن وتكرير العزاء وهو مكروه شرعًا] (١).\nوقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية جوابًا على سؤال حول أصل الذكرى الأربعينية ما نصه: [الأصل فيها أنها عادة فرعونية كانت لدى الفراعنة قبل الإسلام ثم انتشرت عنهم وسرت في غيرهم وهي بدعة منكرة لا أصل لها في الإسلام يردها ما ثبت من قول النبي - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ)] (٢).\n_________\n(١) فتاوى شرعية ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣ باختصار.\n(٢) فتاوى إسلامية ١/ ٣١٢، وانظر الإبداع ص ٢٣٠.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المسألة الخامسة: بدعة التأبين:</span>\nمن البدع المنتشرة في بلادنا إقامة حفلات التأبين للميت وخاصة إذا كان الميت ذا مكانة رفيعة في المجتمع فيعين يوم للاحتفال بتأبينه وتوزع رقاع الدعوة فإذا حانت ساعة الاحتفال استهله قارئ بتلاوة آيات من الذكر الحكيم وفي أحيان أخرى استهلوه بالوقوف دقيقة لذكرى الميت أو قراءة الفاتحة على روحه، ثم تلقى الكلمات والخطب.\nوهذا الاحتفال بدعة تدور بين الكراهة والحرمة والغالب عليها التحريم لما يقع فيها من المخالفات الشرعية والكذب في وصف حال الميت ومدح الفسقة تاركي الصلاة ووصفهم بأوصاف عظيمة ويزداد الأمر سوءًا عندما يكون المؤبن المادح من المنتسبين للعلم الشرعي المتزيين بزي المشايخ فيذكرون في الميت من الأوصاف جلها من الكذب الصراح وفيها تزوير للحقائق كقولهم إن الأمة قد خسرت بموته خسارة لا تعوض وأن العلم قد تيتم وأنه قد قضى حياته في أعمال البر والتقوى ويعددون من المحاسن ما هو كذب وافتراء محض فالناس يعلمون أن الميت كان على العكس من ذلك فقد كان معلومًا من أمره ترك الصلوات وما دخل المسجد وإلا وهو في النعش (١).\nوذكر الشيخ علي محفوظ أنه لما توفي الخليفة ببغداد أيام الملك الصالح عمل الملك له عزاءً جمع فيه الأكابر والأعيان والقراء والشعراء فأنشد بعض الشعراء في مرثيته:\nمات من كان بعض أجناده الموت ... ومن كان يختشيه القضاء\nفأنكر عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى وأمر بتأديبه وحبسه وأقام بعد التعزير في الحبس زمانًا طويلًا ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه وأمره أن ينظم قصيدة يثني فيها على الله تعالى كفارة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء\n_________\n(١) انظر الإبداع ص ٢٤٢ - ٢٤٣.","vol":"1","page":169},{"text":"بقوله: من كان بعض أجناده الموت، تعظيمًا لشأن هذا الميت، وأن مثله ما كان ينبغي أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتي الأيام بمثل هذا ونحو ذلك.\nوقوله: يختشيه القضاء، يشير إلى أن الله تعالى كان يخاف منه وهذا كفرٌ أو قريبٌ منه، رحم الله الشيخ فهكذا تكون الرجال وهكذا تكون العلماء وحسبك أن الله تعالى وصف الشعراء بقوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) هي أودية الهجاء المحرم ونحوه مما لا يحل قوله] (١).\n\nوالتأبين بدعة سواء كان قبل الدفن حيث يقف المشيعون على المقبرة فيقوم المؤبنون بإلقاء الكلمات أو كان التأبين بعد الدفن مباشرة أو في ذكرى الأربعين أو غير ذلك.\nكما أن افتتاح الاحتفال بالوقوف دقيقة حدادًا على الميت أمر غير جائز شرعًا وقد أجاب العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية عن سؤال يتعلق بالوقوف حدادًا مع الصمت تحيةً للأموات فأجاب: [ما يفعله بعض الناس من الوقوف زمنًا مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء أو تشريفًا وتكريمًا لأرواحهم من المنكرات والبدع المحدثة التي لم تكن في عهد النبي - ﷺ - ولا في عهد أصحابه ولا السلف الصالح ولا تتفق مع آداب التوحيد ولا إخلاص التعظيم لله بل اتبع فيها بعض جهلة المسلمين بدينهم من ابتدعها الكفار وقلدوهم في عاداتهم القبيحة وغلوهم في رؤسائهم ووجهائهم أحياءً وأمواتًا وقد نهى النبي - ﷺ - عن مشابهتهم.\n\nوالذي عرف في الإسلام من حقوق أهله الدعاء لأموات المسلمين والصدقة عنهم وذكر محاسنهم والكف عن مساويهم إلى كثير من الآداب التي بينها الإسلام وحث المسلم\n_________\n(١) الإبداع ص ٢٤٣.","vol":"1","page":170},{"text":"على مراعاتها مع إخوانه أحياءً وأمواتًا وليس منها الوقوف حدادًا مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء بل هذا مما تأباه أصول الإسلام] (١).\n_________\n(١) فتاوى إسلامية ١/ ٣١١.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المسألة السادسة: وضع جريد النخيل والزهور والورود على القبور:</span>\nاعتاد كثير من الناس أن يضعوا جريد النخيل على القبور وخاصة في يومي العيد عند زيارتهم للقبور وبعضهم يضع أكاليل الزهور والورود على القبور في يومي العيد وفي غيرهما كما اعتاد كثير من الناس أن يحملوا أكاليل الورود في الجنازة ثم بعد الدفن توضع على القبر.\nوبعضهم وخاصة من الحكام وأتباعهم يذهبون إلى ما يسمى نصب الجندي المجهول أو نصب زعيم أو كبير فيضعون عليه أكاليل الزهور، وهذه كلها من البدع والمحدثات وبيان ذلك بما يلي:\nإن حمل أكاليل الورود في الجنازات ووضعها على القبر بعد الدفن ما هو إلا تقليد أعمى لغير المسلمين وكذلك وضع الأكاليل على ما يسمى نصب الجندي المجهول أو نصب الشهداء أو قبور الزعماء هو تقليد لغير المسلمين وقد نهينا عن تقليدهم.\nوقد يستدل بعضهم على جواز وضع الجريد على القبور بما جاء في الحديث عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -: (أنه مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة فقالوا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) رواه البخاري ومسلم (١).\nوالاستدلال بهذا الحديث على أن وضع الجريد على القبور مشروع غير مسلم، قال الإمام الخطابي: [وأما غرسه - ﷺ - شق العسيب على القبر وقوله (ولعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ودعائه بالتخفيف عنهما وكأنه - ﷺ - جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٤٦٨، صحيح مسلم مع شرح النووي ١/ ٥٣٢.","vol":"1","page":172},{"text":"عنها وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنىً ليس في اليابس والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه والله أعلم] (١).\nوما قاله الخطابي يدل على أن وضع الجريد على القبر خاص بالنبي - ﷺ - لأن الله ﷾ أعلمه أن الميتين يعذبان في قبرهما ولا أحد بعد رسول الله - ﷺ - يعلم هل الأموات يعذبون في قبورهم أم ينعمون؟ لأنه لا وحي بعد محمد - ﷺ -.\nوقال ابن الحاج: [فالجواب عن قوله ﵊: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) راجع إلى بركة ما وقع من لمسه ﵊ لتلك الجريدة وقد نص على ذلك الإمام الطرطوشي ﵀ في كتاب \" سراج الملوك \" له، لمَّا ذكر هذا الحديث فقال عقبه: وذلك لبركة يده ﵊ وما نقل عن واحد من الصحابة ﵃ فلم يصحبه عمل باقيهم ﵃ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحبًا] (٢).\nوذكر صاحب عون المعبود أن مما يؤيد ما ذهب إليه الخطابي: [ما ذكره مسلم في آخر الكتاب في الحديث الطويل حديث جابر في صاحبي القبر فأحببت بشفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام العودان رطبين] (٣).\nوقال الشيخ أحمد محمد شاكر معقبًا على كلام الخطابي المذكور سابقًا: [وصدق الخطابي وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له وغلوا فيه خصوصًا في بلاد مصر تقليدًا للنصارى حتى صاروا يضعون الزهور على القبور ويتهادونها بينهم فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحيةً لهم ومجاملةً للأحياء وحتى صارت\n_________\n(١) معالم السنن ١/ ١٨.\n(٢) المدخل ٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥.\n(٣) عون المعبود ١/ ٢٥.","vol":"1","page":173},{"text":"عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدةً من بلاد أوروبا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونه الجندي المجهول وضعوا عليها الزهور وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدًا للإفرنج واتباعًا لسنن من قبلهم ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة بل تراهم أنفسهم يصنعون ذلك في قبور موتاهم ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقافًا خيريةً موقوفٌ ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع في القبور وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين ولا مستند لها من الكتاب والسنة ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا] (١).\nوقال الشيخ أحمد محمد شاكر أيضًا: [والصحيح أن وضع الجريدة كان خاصًا بالنبي - ﷺ - وخاصًا بهذين القبرين بدليل أنه - ﷺ - لم يفعلها إلا هذه المرة ولم يفعلها أصحابه لا في حياته ولا بعده وهم أفهم للدين وأحرص على الخير] (٢).\nوقال الشيخ محمود خطاب السبكي: [ولم يثبت أنه ﵊ فعل هذا الوضع على قبر أحد غير هذين فدل ذلك على أنها واقعة حال وشفاعة خاصة وليست سنة عامة ويدل على ذلك أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة غير بريدة ولا سيما الخلفاء الراشدين أنه وضع جريدًا ولا غيره على القبور ولو كان ذلك سنة ما تركه أولئك الأئمة وقد قال - ﷺ -:\n(فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) الحديث رواه المصنف - أي أبو داود - وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والترمذي وقال حديث حسن صحيح.\n_________\n(١) تعليق الشيخ أحمد شاكر على سنن الترمذي ١/ ١٠٣.\n(٢) تعليق الشيخ أحمد شاكر على إحكام الأحكام ١/ ١٠٧.","vol":"1","page":174},{"text":"وحجة بريدة - ﵁ - ليست حجة على غيره كما هو معلوم فما قاله الخطابي ومن ذكر معه هو الأولى ولا سيما أن غالب الناس اعتقد في وضع الجريدة ونحوه اعتقادًا تأباه الشريعة المطهرة كما هو معروف من حالهم ونطقهم] (١). وأثر بريدة الذي أشار إليه السبكي هو ما ذكره البخاري تعليقًا: [وأوصى بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدتان] (٢).\nقال الحافظ ابن حجر: [وقد وصله ابن سعد من طريق مورق العجلي ... وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًا بذينك الرجلين قال ابن رشيد: [ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما فلذلك عقبه بقول ابن عمر إنما يظله عمله] (٣).\nوذكر الإمام العيني أن ابن عمر ﵄ كان يرى أن وضع الجريد على القبرين خاص بهما (٤).\nوقال الشيخ محمد رشيد رضا عن حديث الجريدتين [فإنه واقعة حال في أمرٍ غيبي غير معقول المعنى والظاهر أنه من خصائص النبي - ﷺ -] (٥).\nوقال الشيخ الألباني: [لو كانت النداوة مقصودة بالذات لفهم ذلك السلف الصالح ولعملوا بمقتضاه ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها ولو فعلوا\n_________\n(١) المنهل العذب المورود ١/ ٨٣ - ٨٤.\n(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٤٦٥.\n(٣) فتح الباري ٣/ ٤٦٦.\n(٤) عمدة القاري ٦/ ٢٥٢.\n(٥) تفسير المنار ٨/ ٢٦٤.","vol":"1","page":175},{"text":"لاشتهر ذلك عنهم ثم نقله الثقات إلينا لأنه من الأمور التي تلفت النظر وتستدعي الدواعي نقله فإذ لم ينقل دل على أنه لم يقع وأن التقرب به إلى الله بدعة ...] (١).\nوأجابت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على السؤال المتعلق بوضع الجريد على القبور ونصه: [قال ابن عباس: مرّ النبي - ﷺ - بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله: لم فعلت؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) رواه البخاري.\nفهل يصح لنا الاقتداء بالنبي - ﷺ - في ذلك؟ وهل يجوز وضع ما شابه الجريدة من الأشياء الرطبة الخضراء قياسًا على الجريدة أو يجوز غرس شجرة على القبر لتكون دائمة الخضرة لهذا الغرض؟\nالجواب: إن وضع النبي - ﷺ - الجريدة على القبرين ورجاءه تخفيف العذاب عمن وضعت على قبرهما واقعة عين لا عموم لها في شخصين أطلعه الله على تعذيبهما وأن ذلك خاص برسول الله - ﷺ - وأنه لم يكن منه سنة مطردة في قبور المسلمين وإنما كان مرتين أو ثلاثًا على تقدير تعدد الواقعة لا أكثر ولم يعرف فعل ذلك عن أحد من الصحابة وهم أحرص المسلمين على الاقتداء به - ﷺ - وأحرصهم على نفع المسلمين إلا ما روي عن بريدة الأسلمي: أنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان ولا نعلم أن أحدًا من الصحابة ﵃ وافق بريدة على ذلك، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم] (٢).\n_________\n(١) أحكام الجنائز ص ٢٠١.\n(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧.","vol":"1","page":176},{"text":"ويجب أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام في إكرام الشهداء الذين يستشهدون في سبيل الله إقامة ما يسمى بنصب الشهداء أو نصب الجندي المجهول أو نحو ذلك من المسميات فهذه أمور مبتدعة ووافدة إلى ديار الإسلام.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المسألة السابعة: زيارة القبور يومي العيدي:</span>\nجرت عادة كثير من الناس زيارة القبور يومي العيد ويكون ذلك بعد انتهاء صلاة العيد فيخرجون من المساجد - حيث إنهم يصلون العيد في المساجد والسنة أن تصلى في مصلى العيد وهو غير المسجد - فيذهبون إلى المقابر لزيارتها رجالًا ونساءً ويحملون معهم الحلويات والقهوة والشاي والزهور والورود ويضعون جريد النخل على القبور ويختلط الرجال بالنساء وتنتهك الحرمات ويهان الأموات بالجلوس على القبور وكل ذلك على خلاف السنة النبوية وبيان ذلك فيما يلي:\nإن الأصل في زيارة القبور أنها سنة مشروعة ثابتة عن النبي - ﷺ - فقد ثبت في الحديث عن بريدة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم (١).\nوفي رواية لأبي داود: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها تذكرة) قال الشيخ الألباني: صحيح (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (زوروا القبور فإنها تذكر الموت) رواه مسلم (٣)، وغير ذلك من الأحاديث.\nفزيارة القبور سنة ثابتة ولكن الشارع الحكيم لم يخصص زمانًا معينًا لزيارتها فتخصيص يومي العيد لزيارتها بدعة مكروهة لأنه تخصيص للعبادة بوقت معين بدون دليل شرعي. وقد تكون حرامًا إذا رافقتها الأمور المنكرة التي تقع في أيامنا هذه من خروج النساء متبرجات واختلاطهن بالرجال ويضاف إلى ذلك انتهاك حرمات الأموات من الجلوس على القبور ووطئها بالأقدام.\n_________\n(١) صحيح مسلم مع رشح النووي ٣/ ٤٠.\n(٢) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٩/ ٤١، صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٢٣.\n(٣) صحيح مسلم مع شرح النووي ٣/ ٤٠.","vol":"1","page":178},{"text":"قال ابن الحاج: [ومن عادته الذميمة - أي إبليس - أنه لا يأمر بترك سنة حتى يعوض لهم عنها شيئًا يخيل إليهم أنه قربة عوَّض لهم عن سرعة الأوبة زيارة القبور قبل أن يرجعوا إلى أهليهم يوم العيد وزين لهم ذلك وأراهم أن زيارة القبور من الموتى في ذلك اليوم من باب البر وزيادة الود لهم وأنه من قوة التفجع عليهم إذ فقدهم في مثل هذا العيد.\nوفي زيارة القبور في غير هذا اليوم من البدع المحرمات ما تقدم ذكره في زيارة القبور فكيف به في هذا اليوم الذي فيه النساء يلبسن ويتحلين ابتداء ويتجملن فيه بغاية الزينة مع عدم الخروج فكيف بهن في الخروج في هذا اليوم فتراهن يوم العيد على القبور متكشفات قد خلعن جلباب الحياء عنهن فبدل لهم موضع السنة محرمًا ومكروهًا ...] (١).\nقلت رحم الله ابن الحاج إذا كان هذا ما وصفه في زمانه من أحوال النساء فكيف لو رأى ما يحصل في زماننا من تهتك وعري وانحلال وفساد فإنا لله وإنا إليه راجعون. ويضاف إلى ذلك أن النساء ممنوعات من زيارة القبور على الراجح من أقوال أهل العلم فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لعن الله زائرات القبور) رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حبان وقال محققه إسناده حسن، وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢).\n_________\n(١) المدخل ١/ ٢٨٠.\n(٢) سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٤/ ١٣٦، سنن ابن ماجة ١/ ٥٠٢، الفتح الرباني ٨/ ١٦١، صحيح ابن حبان ٧/ ٤٥٢، إرواء الغليل ٣/ ٢٣٢.","vol":"1","page":179},{"text":"وعن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان وقال محققه إسناده صحيح، وقال الشيخ أحمد شاكر: حسن (١).\nوعن علي - ﵁ - قال: (خرج رسول الله - ﷺ -، فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة، قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات) رواه البيهقي وابن ماجة وفي سنده اختلاف (٢).\nوغير ذلك من الأحاديث التي دلت على تحريم زيارة النساء للقبور، فهذه أحاديث صريحة في معناها، فإن رسول الله - ﷺ - لعن النساء على زيارة القبور، واللعن على الفعل من أول الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [فإن قيل فالنهي عن ذلك منسوخ، كما قال أهل القول الآخر، قيل هذا ليس بجيد، لأن قوله - ﷺ - (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) هذا خطاب للرجال دون النساء فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور، أو متناول لغيرهم بطريق التبع فإن كان مختصًا بهم فلا ذكر للنساء وإن كان متناولًا لغيرهم كان هذا اللفظ عامًا وقوله: (لعن الله زوَّارات القبور) خاص بالنساء دون الرجال، ألا تراه يقول (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)، فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم الله، سواء أكانوا ذكورًا أو إناثًا وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء الزوارات دون الرجال، وإذا كان\n_________\n(١) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٩/ ٤١، سنن الترمذي ٢/ ١٣٦، سنن النسائي ٤/ ٩٥، صحيح ابن حبان ٧/ ٤٥٤.\n(٢) سنن البيهقي ٤/ ٧٧، سنن ابن ماجة ١/ ٥٠٣ وانظر ما قاله في الزوائد عن الحديث.","vol":"1","page":180},{"text":"هذا خاصًا ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة كان متقدمًا على العام عند عامة أهل العلم كذلك لو علم أنه كان بعدها] (١).\nقال الشيخ أحمد محمد شاكر: [وقد تأول بعضهم هذا الحديث في لعن زائرات القبور، فقال الترمذي فيما سيأتي في الجنائز:\" وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا قبل أن يرخص النبي - ﷺ - في زيارة القبور، فلماء رخص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن \" ويشير الترمذي بذلك إلى حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم وأبو داود والنسائي. قال في عون المعبود (ج٣ص٢١٢) \" الأمر للرخصة أو للاستحباب وظاهره الإذن في زيارة القبور للرجال. قال الحافظ في الفتح: واختلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الأذن وهو قول الأكثر ومحله ما إذا أمنت الفتنة، وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة، وقيل: الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور، انتهى \". قال العيني:\" وحاصل الكلام أن زيارة القبور مكروهة للنساء بل حرام في هذا الزمان، ولا سيما نساء مصر، لأن خروجهن على وجه الفساد والفتنة، وإن ما رخصت الزيارة لتذكر أمر الآخرة وللاعتبار بمن مضى وللتزهد في الدنيا انتهى \".\nهذا قول العيني في منتصف القرن التاسع فماذا يقول لو رأى ما رأينا في منتصف القرن الرابع عشر وإنا لله وإنا إليه لراجعون. والقول الصحيح الذي نرضاه تحريم زيارة القبور على النساء مطلقًا فإن النهي ورد خاصًا بهن والإباحة لفظها عام والعام لا ينسخ الخاص، بل الخاص حاكم عليه ومقيد له] (٢).\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٤/ ٣٦١ - ٣٦٠، وانظر يسألونك ٣/ ٤٦ - ٤٧.\n(٢) تعليق الشيخ أحمد محمد شاكر على سنن الترمذي ٢/ ١٣٧ - ١٣٨.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المسألة الثامنةُ: قراءة القرآن على القبور:</span>\nيقصد كثير من الناس القبور لزيارتها في يومي العيد كما سبق ويجلسون حول القبر ومعهم المصاحف فيقرؤون ما تيسر من القرآن الكريم وخاصة سورة \" يس \".\nوقراءة القرآن على القبور من البدع المنتشرة وليست عبادة مشروعة على الصحيح من أقوال أهل العلم حيث إنها لم تثبت عن الرسول - ﷺ - ولا عن الصحابة ﵃.\nقال الشيخ علي محفوظ: [ومن هذا الأصل العظيم تعلم أن أكثر أفعال الناس اليوم من البدع المذمومة كقراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت: تركه النبي - ﷺ - وتركه الصحابة مع قيام المقتضي للفعل وهو الشفقة بالميت وعدم المانع منه، فعلى هذا الأصل المذكور يكون تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة - وكيف يعقل أن يترك الرسول - ﷺ - شيئًا نافعًا يعود على أمته بالرحمة وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم، فهل يعقل أن يكون هذا بابًا من أبواب الرحمة ويتركه الرسول طول حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة مع العلم بأن القرآن الحكيم ما نزل للأموات وإنما نزل للأحياء نزل ليكون ترغيبًا للمطيع وترهيبًا للعاصي، نزل لتهذيب نفوسنا وإصلاح شؤوننا أنزل الله ﷿ القرآن كغيره من الكتب السماوية ليعمل على طريقه العاملون ويهتدي بهديه المهتدون، كما قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَثبيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) فهل سمعتم أن كتابًا من الكتب السماوية قرئ على الأموات أو أخذت عليه الأجور والصدقات، والله يقول لنبيه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ","vol":"1","page":182},{"text":"وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) لهم أن يتصدقوا على موتاهم لكن لا ثمنًا للقرآن] (١).\nومذهب جمهور العلماء على أن القراءة على القبور غير مشروعة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولا يحفظ عن الشافعي في هذه المسألة كلام لأن ذلك كان عنده بدعة وقال مالك ما علمت أحدًا يفعل ذلك فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه] (٢).\nجاء في الشرح الكبير: [وكره قراءة بعده أي بعد موته وعلى قبره لأنه ليس من عمل السلف].\nوقال الدسوقي معلقًا عليه: [قوله لأنه ليس من عمل السلف أي فقد كان عملهم التصدق والدعاء لا القراءة] (٣).\nولم يصح شيء عن النبي - ﷺ - في قراءة القرآن على القبر بخلاف ما ذكره بعض العلماء في الاستدلال على جواز القراءة عند القبر فمما ذكروه:\n١. ما ذكره ابن عابدين عند تعليقه على قول صاحب الدر: قوله \" ويقرأ يس \"\nلما ورد: (من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات) (٤).\nفهذا الحديث موضوع مكذوب على رسول الله - ﷺ - أخرجه الثعلبي في تفسيره من طريق محمد بن أحمد الرياحي ... الخ السند.\n_________\n(١) الإبداع ص ٤٤.\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٣٨٠، وانظر الإنصاف ٢/ ٥٥٧ - ٥٥٨، الفروع ٢/ ٣٠٢.\n(٣) حاشية الدسوقي ١/ ٤٢٣.\n(٤) حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣.","vol":"1","page":183},{"text":"وبين الشيخ الألباني أن هذا الإسناد مظلم هالك مسلسل بالعلل ثم بين حال رواته (١).\nوتكلم على الحديث أيضًا الحافظ السخاوي وقال إنه لا يصح (٢).\n٢. ما روي في الحديث: (من مرَّ بالمقابر فقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات)، فهذا الحديث قال عنه الشيخ الألباني: [موضوع أخرجه أبو محمد الخلال في \" فضائل الإخلاص \" والديلمي في مسند الفردوس ... وذكره السيوطي في ذيل الأحاديث الموضوعة] (٣).\nوقال الشيخ الألباني أيضًا: [وأما حديث (من مرَّ بالمقابر فقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات) فهو حديث باطل موضوع، رواه أبو محمد الخلال في القراءة على القبور والديلمي عن نسخة عبد الله بن أحمد بن عامر عن أبيه عن علي الرضا عن آبائه وهي نسخة موضوعة باطلة لا تنفك عن وضع عبد الله هذا أو وضع أبيه كما قال الذهبي في الميزان وتبعه الحافظ ابن حجر في اللسان ثم السيوطي في ذيل الأحاديث الموضوعة وذكر له\n_________\n(١) سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨.\n(٢) الأجوبة المرضية ١/ ١٧٠.\n(٣) سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣، وانظر الأجوبة المرضية ١/ ١٧٠.","vol":"1","page":184},{"text":"هذا الحديث وتبعه ابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة] (١).\n٣. ما روي في الحديث (من زار قبر والديه كل جمعة فقرأ عندهما يس غفر له بعدد كل آية وحرف).قال الشيخ الألباني: [موضوع رواه ابن عدي وأبو نعيم ... وقال ابن عدي: باطل ليس له أصل بهذا الإسناد ... ولهذا أورده ابن الجوزي في الموضوعات من رواية ابن عدي فأصاب] (٢).\nإذا ثبت هذا فإن المشروع عند زيارة القبور هو السلام على الأموات وتذكر الآخرة والدعاء والاستغفار وأما قراءة القرآن فلا ويدل على ذلك ما ورد عن النبي - ﷺ - في هديه - ﷺ - لزيارة القبور.\nقال العلامة ابن القيم: [فصل في هديه - ﷺ - في زيارة القبور، كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته وشرعها لهم وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية) (٣).وهذا الحديث الذي ذكره ابن القيم رواه مسلم عن بريدة ولفظه: (كان رسول الله - ﷺ - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول - في رواية أبي بكر -: السلام على أهل الديار).\nوفي رواية زهير: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية) (٤).\n_________\n(١) أحكام الجنائز ص ١٩٣.\n(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ٦٦ - ٦٧، وانظر الأجوبة المرضية ١/ ١٧١.\n(٣) زاد المعاد ١/ ٥٢٦.\n(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٣٩.","vol":"1","page":185},{"text":"وصح في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان رسول الله - ﷺ - كلما كان ليلتها من رسول - ﷺ - يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) (١) وغير ذلك من الأحاديث.\nفإن قيل إنه قد ورد عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى إذا دفن أن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها كما ذكره جماعة من أهل العلم في قصة منقولة عن الإمام أحمد (٢).\nقال العلامة ابن القيم: [وقال الخلال في الجامع، كتاب القراءة عند القبور أخبرنا العباس بن محمد الدوري حدثنا يحيى بن معين حدثنا مبشر الحلبي حدثني عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال أبي إذا أنا مت فضعني في اللحد وقل: بسم الله وعلى سنة رسول الله وسُنَّ عليَّ التراب سنًا واقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة فإني سمعت عبد الله بن عمر يقول ذلك، قال عباس الدوري: سألت أحمد ابن حنبل قلت: تحفظ في القراءة على القبر شيئًا؟ فقال: لا وسألت يحيى بن معين فحدثني بهذا الحديث.\nقال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق حدثني علي بن موسى الحداد وكان صدوقًا، قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئًا، قال: نعم، فأخبرني مبشر عن عبد الحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا\n_________\n(١) المصدر السابق ٣/ ٣٥ - ٣٦.\n(٢) المغني ٢/ ٤٢٢، الروح ص ١٠.","vol":"1","page":186},{"text":"دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، فقال له أحمد فارجع وقل للرجل يقرأ] (١).\nقال الشيخ الألباني: [فالجواب عنه من وجوه:\nالأول: أن في ثبوت هذه القصة عن أحمد نظر، لأن شيخ الخلال الحسن بن أحمد الوراق لم أجد له ترجمة فيما عندي الآن من كتب الرجال وكذلك شيخه على بن موسى الحداد لم أعرفه وإن قيل في هذا السند أنه كان صدوقًا فإن الظاهر أن القائل هو الوراق هذا وقد عرفت حاله.\nالثاني: أنه إن ثبت ذلك عنه فإنه أخص مما رواه أبو داود عنه، وينتج من الجمع بين الروايتين عنه أن مذهبه كراهة القراءة عند القبر إلا عند الدفن.\nالثالث: أن السند بهذا الأثر لا يصح عن ابن عمر ولو فرض ثبوته عند أحمد وذلك لأن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج معدود في المجهولين، كما يشعر بذلك قول الذهبي في ترجمته من الميزان: ما روى عنه سوى مبشر هذا، ومن طريقه رواه ابن عساكر ... وأما توثيق ابن حبان إياه فمما لا يعتد به لما اشتهر به من التساهل في التوثيق ولذلك لم يعرج عليه الحافظ في التقريب، حين قال في المترجم: مقبول، يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة ومما يؤيد ما ذكرنا أن الترمذي مع تساهله في التحسين لما أخرج له حديثًا آخر وليس له عنده غيره سكت عليه ولم يحسنه!\nالرابع: أنه لو ثبت سنده عن ابن عمر فهو موقوف لم يرفعه إلى النبي\n- ﷺ - فلا حجة فيه أصلًا] (٢).\n_________\n(١) الروح ص ١٠.\n(٢) أحكام الجنائز ص ١٩٢ - ١٩٣، وانظر السلسلة الضعيفة ١/ ٦٧.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث التاسع\nبدعة الاحتفال بموسم النبي موسى ﵇</span>\nمن البدع القديمة والمتجددة الاحتفال بما يسمى بموسم النبي موسى ويكون ذلك في أواخر فصل الشتاء من كل عام وتستمر الاحتفالات أسبوعًا كاملًا.\nوكانت الاحتفالات في السابق تأخذ صفة الاحتفال الرسمي إذ كان ولاة الدولة العثمانية يشاركون ويشرفون على هذه الاحتفالات ويحافظون على الأمن والنظام كما أن مفتي القدس الذي كانت تعينه الدولة العثمانية كان له دور واضح في هذه الاحتفالات (١).\n\nوسأنقل وصفًا للاحتفال بموسم النبي موسى كتبه من حضر تلك الاحتفالات في عدة أعوام، قال د. كامل العسلي تحت عنوان:<span data-type=\"title\" id=toc-62> وصف الاحتفال</span>ات بموسم النبي موسى في القرن العشرين \": [كان موسم النبي موسى عيدًا شعبيًا عامًا اشترك فيه سكان المدن والقرى في فلسطين وخاصة من مناطق القدس ونابلس والخليل وقرى الجبال وكان هناك برنامج زمني للاحتفالات نظن أنه وضع في جزء منه على الأقل في القرن الأخير بعد أن اشتد التنافس بين أهالي منطقتي نابلس والخليل خاصة في الاشتراك في الاحتفالات وأيهما يكون له مكان السبق والصدارة فيها فتم ترتيب مواعيد لقدوم الزوار ولا نعرف تاريخًا دقيقًا لوضع برنامج الزيارة والمشاركة لمختلف الجهات ولكننا نقول بصورة عامة إن أسبوع موسم النبي موسى كان يحدد وفق عيد الفصح عند المسيحيين الأرثوذكس وكان يأتي في الأسبوع الذي يسبق أسبوع عيد الفصح في كل عام ... ذكرنا هذا لنبين أن موسم النبي موسى يختلف من سنة لأخرى تبعًا لموعد\n_________\n(١) انظر موسم النبي موسى في فلسطين ص ٩٤، ٩٦، ٩٨ - ٩٩.","vol":"1","page":188},{"text":"عيد الفصح المتغير بحيث يبدأ قبل أسبوع واحد من يوم الجمعة الحزينة التي تسبق عيد الفصح بيومين ولو أردنا أن نضع بعد ذلك جدولًا زمنيًا لاحتفالات النبي موسى لقلنا إن الاحتفالات تبدأ يوم الخميس قبل الجمعة الحزينة بثمانية أيام بقدوم موكب أهالي نابلس وفي يوم الجمعة يبدأ الاحتفال الرسمي بزفة العلم من الحرم الشريف!! إلى النبي موسى ويوم الأحد يصل موكب أهل الخليل وقراها ويوم الإثنين تغادر أعلام القدس ونابلس والخليل إلى النبي موسى وتمتد زيارة النبي موسى من يوم الجمعة إلى يوم الخميس التالي أي سبعة أيام وفي يوم الخميس يعود الموكب إلى القدس باحتفال كبير كذلك وفي يوم الجمعة الذي يطلق عليه اسم (جمعة العليمات) تعاد الأعلام إلى أماكنها علم النبي موسى وعلم المسجد الأقصى وعلم النبي داود في احتفالات تقام لذلك خصيصًا وتبدأ الوفود بمغادرة القدس على الأثر] (١).\nثم قال د. العسلي: [موسم النبي موسى كما يصفه الدكتور توفيق كنعان:\nيبدأ الموسم نفسه يوم الجمعة الذي يسبق يوم الجمعة الحزينة عند كنسية الروم الأرثوذكس وينتهي يوم الخميس التالي ويسمى هذا اليوم (جمعة النزلة) بينما يطلق على يوم الجمعة الذي يسبقه اسم (جمعة المناداة) لأن المناداة على الموسم أو الإعلان رسميًا عن أن موسم النبي موسى يبدأ يوم الجمعة التالية تبدأ في هذا اليوم وتسمى ليلة الخميس السابقة لجمعة النزلة (ليلة الوقفة) وكل من ينوي الاشتراك في الموسم يتأهب للأيام القادمة ... تبدأ الزفة بإحضار علم النبي موسى من المكان الذي يحفظ فيه طوال السنة ... وفي هذا المكان يجتمع الوجهاء وكثير من الموظفين ويسلم العلم إلى المفتي على طبق وبعد قراءة الفاتحة ينشر المفتي العلم ثم يثبت في الزانة ... تتحرك الزفة ببطء إلى الحرم الشريف وتدخل إليه من باب الحبس ... وكان يصاحب الزفة زمن الأتراك فرقة موسيقى عسكرية وحرس شرف وبعد صلاة\n_________\n(١) موسم النبي موسى في فلسطين ص١٠١ - ١٠٢.","vol":"1","page":189},{"text":"الظهر تترك الزفة الحرم ... ويمضي المفتي الأكبر وحملة الأعلام وخدام النبي موسى الآخرون قدمًا إلى خارج الحرم ... وفي هذه الأثناء تكون الطريق غاصة بجماهير النظارة وكذلك الشرفات والشبابيك والمقبرة والبساتين الواقعة على طرف الطريق ... وفيه يتجمع الشباب في مجموعات فمنهم من يعزف ومنهم من يرقص أو يغني في الطريق ويحمل الجمهور أعلامًا كثيرة تمثل الأولياء المختلفين في المدينة والقرى المجاورة وكل علم له أتباعه ... وحالما يصبحون على مرمى النظر من مقام النبي موسى يعيدون ترتيب صفوفهم ويرفعون العلم ويبدأ الموكب الرسمي من جديد ويشرعون أولًا في عمل أكوام صغيرة من الحجارة كقناطر - وتسمى أيضًا شواهد لأنها تشهد يوم الدين للذين قاموا بالزيارة - ويقرؤون الفاتحة ويرسل الدرويش الذي يكون على رأس الموكب أحد أتباعه ليعلن قدومهم للدراويش الآخرين الذين سبقوا إلى النبي موسى ويدعى هذا الرسول بالنجاب ويربط الشيخ الذي يرسله منديلًا حول رقبته لا يفكه إلا الشيخ الذي يستقبل في المقام ويركض النجاب إلى المقام مباشرة وهو يضرب طول الوقت على نقارته ... ويقوم أكبر الدراويش سنًا بفك المنديل المربوط حول عنقه وهو يتلو الفاتحة ... أما ترتيب مواكب الزفة فيكون عادة على الوجه التالي:\nيسير حامل العلم أولًا ويتبعه الموسيقيون ويليهم بعض شباب المجموعة يحيطون بقائدهم ويرقصون حسب الإيقاع الذي يحدده وكل رقصة تكون مصحوبة بالغناء يغني قائد المجموعة مقطعًا فيكرره الآخرون ويلوح بسيف أو عصا أو بمنديل في الهواء ويرقص معهم وهكذا يحدد لهم الإيقاع ويكون الموسيقيون أحيانًا كلهم أو بعضهم في الحلقة وفي أثناء الغناء والرقص يصفق أعضاء المجوعة بأيديهم وفق إيقاع ثابت ... ويتقدم هؤلاء ببطء إلى أن يبلغوا المقام وترحب بعض النساء من النظارة بالقادمين بالزغاريد أو بالأغاني القصيرة التي تنتهي بقرقعة حادة بالألسنة ومن الممتع أن","vol":"1","page":190},{"text":"نلاحظ أن الغناء والرقص والتصفيق واستعمال الآلات الموسيقية ومشاركة جميع الطبقات هي اليوم مثل ما كانت عليه قبل آلاف السنين].\nثم ذكر أنواع الرقصات التي كانت تؤدى في الموسم وأسماء الآلات الموسيقية ثم قال: [والإيقاع الذي يحدثه الطبل والكاسات يكون له دائمًا تقريبًا معنى محدد مثل\nالله الله الله حي\nآآآ- آآآ\nدا-يم ... دا-يم\n-آ-آ\nقي-وم قي-وم ... -آ-آ].\nثم ذكر بعض العبارات التي كانت على الأعلام ومنها: [مددك يا سيدي أحمد البدوي. سيدي أحمد الرفاعي ولي الله].\nثم قال: [وباستثناء نساء المدن اللاتي يلزمن الغرف معظم الوقت أو يقفن على الشرفة المكشوفة في الطابق الأول فإن جميع الزائرات الأخريات يشاركن الرجال النشاطات المختلفة ويختلطن بهم باستمرار ... وهكذا ينقضي الأسبوع بالألعاب والأغاني والاحتفالات بصورة ممتعة] (١).\nبعد هذا الوصف الذي كتبه د. توفيق كنعان وهو رجل نصراني يظهر لنا أن هذا الاحتفال في لبه ولحمته وسداه مخالف لدين الله ﷾ ولسنة رسول الله - ﷺ - وأنه ترتكب فيها المخالفات الشرعية الكثيرة باسم الدين وأن الإسلام بريء من\n_________\n(١) موسم النبي موسى ص ١٠١ - ١١٩ بتصرف واختصار.","vol":"1","page":191},{"text":"هذه الاحتفالات التي تنسب إلى الدين زورًا وبهتانًا.\nفالذي يظهر من هذا الوصف أنه كان موسم رقص وطرب واختلاط بين النساء والرجال بل إن النساء كن يرقصن في الحلقات أمام الرجال وأن هذا الموسم كان عليه مسحة من الصوفية المنحرفة.\nولبيان بدعية الاحتفال بموسم النبي موسى لا بد من بيان الأمور التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>أولًا: أين دفن موسى ﵇</span>؟\nقال الإمام البخاري في صحيحه: \" باب وفاة موسى وذكره بعد \" ثم ساق بإسناده إلى أبي هريرة - ﵁ - قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى ﵉ فلما جاءه صكَّه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي رب؟\nثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن. قال: فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال أبو هريرة: فقال رسول الله: لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر] ورواه مسلم أيضًا (١).\nقال الحافظ ابن حجر: [وقوله فيه: (رمية حجر) أي قدر رمية حجر أي أدنني من مكان الأرض المقدسة هذا القدر أو أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القدر وهذا الثاني أظهر وعليه شرح ابن بطال وغيره ... حكى ابن بطال عن غيره أن\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٤٥٠، ٧/ ٢٥١ - ٢٥٢، صحيح مسلم بشرح النووي ٥/ ٥١٢.","vol":"1","page":192},{"text":"الحكمة في أنه لم يطلب دخولها ليعمى قبره لئلا تعبده الجهال من ملته] (١).\nوقال الإمام العيني: [واختلف أهل السير في موضع قبره فقيل بأرض التيه وهارون كذلك ولم يدخل موسى الأرض المقدسة إلا رمية حجر رواه الضحاك عن ابن عباس وقال: لا يعرف قبره ورسول الله - ﷺ - أبهم ذلك بقوله (إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)، ولو أراد بيانه لبيَّن صريحًا وقال ابن عباس لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله.\nوقيل: بباب لد بالبيت المقدس.\nوقيل: قبره بين عالية وعويلة عند كنيسة توماء.\nوقيل: بالوادي في أرض ماء بين بصرى والبلقاء.\nوقيل: قبره بدمشق ذكره ابن عساكر عن كعب الأحبار.\nوالأصح أنه بالتيه قدر رمية حجر من الأرض المقدسة] (٢).\nوقال الحافظ ابن حجر: [وزعم ابن حبان أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبيت المقدس وتعقبه الضياء بأن أرض مدين ليست قريبة من المدينة ولا من بيت المقدس. قال - أي الضياء -: وقد اشتهر عن قبر بأريحاء عنده كثيب أحمر أنه قبر موسى وأريحاء من الأرض المقدسة] (٣). قلت وظاهر حديث أبي هريرة السابق يرد القول المشهور الذي ذكره الضياء لأن أريحا من الأرض المقدسة وظاهر الحديث أنه لم يدخل الأرض المقدسة وإنما سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة.\nقال الحافظ ابن كثير: [وقد زعم بعضهم أن موسى ﵇ هو الذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الأرض المقدسة.\n_________\n(١) فتح الباري ٣/ ٤٥٠.\n(٢) عمدة القاري ١١/ ١٤١.\n(٣) فتح الباري ٧/ ٢٥٢.","vol":"1","page":193},{"text":"وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين، ومما يدل على ذلك قوله: لما اختار الموت: رب أدنني إلى الأرض المقدسة رمية حجر وحانت وفاته ﵇ أحب أن يتقرب إلى الأرض التي هاجر إليها وحث قومه عليها ولكن حال بينهم وبينها القدر، رمية بحجر ولهذا قال سيد البشر ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر: فلو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر] (١).\nوقال مجير الدين الحنبلي: [ومات موسى ولم يعرف أحد من بني إسرائيل أين قبره ولا أين توجه] (٢).\nوقال القسطلاني معلقًا على الحديث السابق: [وهذا ليس صريحًا في الإعلام بقبره الشريف ومن ثم حصل الاختلاف فيه فقيل بالتيه وقيل بباب لد ببيت المقدس أو بدمشق أو بواد بين بصرى والبلقاء أو بمدين بين المدينة وبيت المقدس أو بأريحا وهي من الأرض المقدسة] (٣).\nونقل الشيخ عبد الغني النابلسي عن رسالة لمحمد بن طولون سماها \" تحفة الحبيب فيما ورد في الكثيب \" ذكر فيها أن قبر موسى ﵇ في مسجد القدم قبالة الكثيب الأحمر في دمشق الشام. ونقل عن ابن عساكر أن قبر موسى ﵇ في مسجد القدم ونقل عن ابن جبير أن قبر موسى ﵇ في مسجد القدم.\nونقل عن أبي إسحاق الفزاري الشافعي مثل ذلك وذكر أن له رسالة اسمها: [\n_________\n(١) البداية والنهاية ١/ ٢٩٦.\n(٢) الأنس الجليل ١/ ١٩٩.\n(٣) إرشاد الساري ٢/ ٤٩٤.","vol":"1","page":194},{"text":"تبيين الأمر القديم المروي في تعيين قبر موسى الكليم] جزم فيها بأن قبر موسى في دمشق الشام في مسجد القدم المذكور (١).\nوبعد هذا العرض الموجز لما قاله العلماء في بيان موضع قبر موسى ﵇ يظهر للباحث المنصف أنه لا يعرف على وجه التحديد محل قبر موسى ﵇ وكل ما ذكر في تحديد موضع قبره ظنون ضعيفة ليس لها مستند صحيح ثابت وحديث الصحيحين لا يحدد موضع قبره ﵇، قال الرحالة الهروي: [... والصحيح أن قبره لا يعرف والله أعلم] (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما قبور الأنبياء فالذي اتفق عليه العلماء هو قبر النبي - ﷺ - فإن قبره منقول بالتواتر وكذلك قبر صاحبيه وأما قبر الخليل فأكثر الناس على أن هذا المكان المعروف هو قبره وأنكر ذلك طائفة، وحكي الإنكار عن مالك وأنه\nقال: ليس في الدنيا قبر نبي يعرف إلا قبر نبينا - ﷺ - ...] (٣).\n_________\n(١) الحضرة الأنسية ٢/ ٥٤٦ - ٥٥٠.\n(٢) الإشارات للهروي ص ١٣ نقلًا عن موسم النبي موسى ص ١٩.\n(٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٤٤.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>ثانيًا: شد الرحال إلى القبور والمقامات:</span>\nلو سلمنا جدلًا أن قبر موسى ﵇ معلوم وأنه في المكان المعروف اليوم بمقام النبي موسى فيحرم شد الرحال إليه لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي قال: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول - ﷺ - ومسجد الأقصى] رواه البخاري ومسلم (١).\nقال الحافظ ابن حجر: [قوله: (لا تشد الرحال) بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به] (٢).\nوكذلك فإنه يحرم شرعًا اتخاذ القبور مساجد سواء أكانت قبور أنبياء أو غيرهم فلا يجوز أن تبنى المساجد والمقامات على القبور وتتخذ محلًا للصلاة ومحلًا للزيارة والدعاء وغير ذلك. فقد جاء في الحديث عن عائشة وابن عباس ﵃ أن الرسول - ﷺ - قال: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا. رواه البخاري ومسلم (٣).\nوفي رواية أخرى عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم (٤).\nوثبت في الحديث عن جندب قال: (سمعت النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٣٠٦، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٥١٧.\n(٢) فتح الباري ٣/ ٣٠٦.\n(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٧٨، صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١٨٤ - ١٨٥.\n(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٧٩، صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١٨٤.","vol":"1","page":196},{"text":"وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية معقبًا على هذه الأحاديث: [ولهذا اتفق السلف على أنه لا يستلم قبرًا من قبور الأنبياء وغيرهم ولا يتمسح به ولا يستحب الصلاة عنده ولا قصده للدعاء عنده أو به لأن هذه الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان] (٢).\nوقال شيخ الإسلام أيضًا: [ولا تستحب الصلاة لا الفرض ولا النفل عند قبر نبي أو غيره بإجماع المسلمين بل ينهى عنه وكثير من العلماء يقول هي باطلة لما ورد في ذلك من النصوص وإنما البقاع التي يحبها الله ويحب الصلاة والعبادة فيها هي المساجد التي قال الله تعالى فيها: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاصَالِ) وقال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) وسئل النبي - ﷺ -: (أي البقاع أحب إلى الله؟ قال: المساجد. قيل: فأي البقاع أبغض إلى الله؟ قال: الأسواق). وقال - ﷺ -: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلًا كلما غدا أو راح).وقال - ﷺ -: (إن العبد إذا تطهر فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة كانت خطوتاه إحداهما ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة).\nفدين الإسلام هو اتباع ما بعث الله به رسوله من أنواع المحبوبات واجتناب ما كرهه\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١٨٥.\n(٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٣١.","vol":"1","page":197},{"text":"الله ورسوله من البدع والضلالات وأنواع المنهيات] (١).\nوروى الحافظ ابن وضاح القرطبي بإسناده عن الأعمش قال: [حدثني مروان بن سويد الأسدي قال: خرجت مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من مكة إلى المدينة فلما أصبحنا صلَّى بنا الغداة ثم رأى الناس يذهبون مذهبًا فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله - ﷺ - هم يأتون يصلون فيه. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعًا من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يعتمدها] (٢).\nوذكر رواية أخرى عن المعرور بن سويد قال: [خرجنا حجاجًا مع عمر بن الخطاب فعرض لنا في بعض الطريق مسجد فابتدره الناس يصلون فيه. فقال عمر: ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلَّى فيه رسول الله - ﷺ - فقال عمر: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعًا، فمن عرضت له فيه صلاة فليصل ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض ...] ثم قال ابن وضاح: [وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي - ﷺ - ما عدا قباء وحده. قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها وكذلك فعل غيره ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يَعْدُ فعل سفيان] (٣).\n_________\n(١) المصدر السابق ٢٧/ ٦٢ - ٦٣.\n(٢) البدع والنهي ص ٤٨.\n(٣) المصدر السابق ص ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>ثالثًا: متى حدث الاحتفال بموسم النبي موسى:</span>\nإن موسم النبي موسى أحدث في العصور المتأخرة ولم يكن معروفًا قبل ذلك وإنما ابتدعت هذه البدعة بعد إنشاء المقام في المكان المعروف بالنبي موسى وأول من أقام قبة وبنى مسجدًا في ذلك المكان هو الظاهر بيبرس سنة ٦٦٨ هـ عند عودته من الحج وزيارة بيت المقدس ثم زيد على البناء سنة ٨٧٥ هـ ثم كملت عمارته في سنة ٨٨٥ هـ (١).\nوقد زعم بعض الكاتبين أن السلطان صلاح الدين الأيوبي هو أول من أنشأ موسم النبي موسى لمواجهة التجمعات الصليبية التي كانت تقام في عيد الفصح (٢).\nولكن هذا الزعم ليس عليه دليل صحيح، يقول الدكتور كامل العسلي: [وعلى أية حال فإنه من المهم أن نؤكد أننا لم نجد في الكتب القديمة التي وضعت في العصر ألأيوبي ومنها كتاب العماد الأصفهاني وابن واصل والبهاء بن شداد وأبي شامة المقدسي أي إشارة إلى الموسم ولا إلى علاقة صلاح الدين الأيوبي أو ورثته بالموسم كما أنه ليس في الكتب التي وضعت زمن الأيوبيين ولا في الكتب التي وضعت زمن المماليك أو العثمانيين حسب علمنا ما يشير إلى أن الاحتفال بالنبي موسى كان ذا صبغة سياسية. ومع الأسف فلا توفر لنا المادة التاريخية صورة واضحة مفصلة للاحتفال نستطيع أن نتبين فيها أهدافًا سياسية بل بالعكس فإن القليل الذي وصل إلينا في الكتب يدل على أن طابع الاحتفال كان طابعًا دينيًا وترويحيًا ولا علاقة له بالسياسة.\n_________\n(١) الأنس الجليل ١/ ١٩٩ - ٢٠٠، طبقات الأولياء والصالحين في الأرض المقدسة ٢/ ٦٩ - ٧٠ بلادنا فلسطين ٢/ ٥٧٦.\n(٢) المفصل في تاريخ القدس ص ١٧٦ - ١٧٧، موسم النبي موسى ص ٨٦.","vol":"1","page":199},{"text":"إن أول إشارة لموسم النبي موسى وقعنا عليها في الكتب، وردت في \" إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى \" لشمس الدين السيوطي المتوفى بعد سنة ٨٨٠ هـ ... وقد دون السيوطي كتابه هذا سنة ٨٧٥ هـ والإشارة الثانية وجدناها في مخطوط \" الدر النظيم في أخبار سيدنا موسى الكليم \" لأبي البقاء نجم الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة المتوفى بعد سنة ٩٠١ هـ ... أما الإشارة الثالثة بحسب الترتيب الزمني فنجدها عند مجير الدين الحنبلي الذي يحدد لنا لأول مرة موعد الزيارة ومدتها في كتابه \" الأنس الجليل \" الذي كتبه سنة ٩٠٠ - ٩٠١ هـ ... ويلاحظ أن هؤلاء الكتاب الثلاثة لم يشيروا إلى هدف للزيارة سوى الزيارة والتبرك والأكل والشرب ... إن المقتطفات التي أوردناها هي أهم ما وقعت أيدينا عليه عن تطورات الموسم في عهد المماليك والمعلومات الواردة فيها نزرة وليس فيها كبير غناء ولم نجد في كتابات القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي أية إشارة إليه ومع ذلك فيبدو أن زيارة النبي موسى اكتسبت أهمية متزايدة بعد بناء المقام في القرن السابع/الثالث عشر ووصلت شعبية المقام ذروتها في عصر المماليك في القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري ...] (١).\nوهذا الكلام يؤكد لنا أن موسم النبي موسى أمر مبتدع ليس له أصل صحيح ولا يجوز شرعًا إضفاء أية قدسية عليه فليس له أي مستند لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله - ﷺ -.\n_________\n(١) موسم النبي موسى ص٨٧ - ٨٩.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث العاشر\nالبدع المتعلقة بالمسجد الأقصى</span>\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>المسألة الأولى: بدعة تسمية المسجد الأقصى حرمًا:</span>\nشاعت تسمية المسجد الأقصى المبارك بالحرم عند عامة الناس في ديار فلسطين وعند بعض الكاتبين المعاصرين فنجدهم يطلقون على المسجد الأقصى الحرم أو الحرم الشريف (١).\nوهذه التسمية غير صحيحة لأن المعلوم عند أهل العلم أنه لا يوجد عند المسلمين إلا حرمان وهما حرم مكة وحرم المدينة وهذا باتفاق أهل العلم وعند الشافعية أضافوا ثالثًا وهو وادي وج بالقرب من الطائف وإليك تفصيل ذلك:\nأولًا: قال الله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ نتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًاءَامِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٢).\nوالمقصود بالحرم في هذه الآية الكريمة هو حرم مكة المكرمة (٣).\n_________\n(١) انظر على سبيل المثال الحضرة الأنسية ١/ ٢٨٩، ٤٨٤، ٤٨٥، ٤٩١ وغيرها والعناوين من عمل محقق الكتاب.\n(٢) سورة العنكبوت الآية ٦٧.\n(٣) انظر تفسير القرطبي ١٣/ ٣٠٠.","vol":"1","page":201},{"text":"وقال تعالى: (أو لم يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًاءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ\nيُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (١).\nوالمقصود أيضًا بالحرم في هذه الآية الكريمة هو حرم مكة المكرمة (٢).\nوثبت في الحديث عن عبد الله بن زيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: (أن إبراهيم حرّم مكة ودعا لها وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة) متفق عليه (٣).\nوحرم مكة وحرم المدينة ثابتان بالأدلة الصحيحة واتفق أهل العلم على ذلك وأما وادي وج بالقرب من الطائف فقد اعتبره الشافعية حرمًا وخالفهم بقية العلماء (٤).\nواحتج الشافعية بما ورد في حديث الزبير - ﵁ - قال: (لما أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - من لية حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله - ﷺ - في طرف القرن الأسود حذوها فاستقبل نخبًا ببصره وقال: مرةً وادِيَهٌ ووقف حتى اتقف الناس كلهم ثم قال: إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره لثقيف) رواه أبو داود وأحمد والبيهقي (٥).\n_________\n(١) سورة القصص الآية ٥٧.\n(٢) انظر تفسير القرطبي ١٣/ ٣٦٣.\n(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٢٥٠، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٤٩١.\n(٤) المجموع ٧/ ٤٨٣، زاد المعاد ٣/ ٥٠٨.\n(٥) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٦/ ٩، سنن البيهقي ٥/ ٢٠٠، الفتح الرباني ٢٣/ ٣٠٠.","vol":"1","page":202},{"text":"وقوله: (من لية) هو جبل قرب الطائف، (وطرف القرن) جبل قرب الطائف أيضًا وقوله: (فاستقبل نخبًا) هو واد بالطائف، وقوله: (وقال مرة واديه) أي قال الراوي مرة أخرى واديه أي استقبل وادي الطائف، وقوله: (اتقف) أي حتى وقف الناس وقوله: (وعضاهه) هو كل شجر فيه شوك (١).\nوهذا الحديث ضعيف ضعفه جماعة من أهل العلم.\nقال البخاري: لا يصح. ونحوه قال الأزدي وذكر الخلال أن أحمد ضعّفه، وضعّفه ابن حبان وضعّفه النووي (٢).\nوالراجح من أقوال أهل العلم أن \" وج \" ليس بحرم لضعف الحديث كما سبق.\nوبناءً على ما تقدم لا يصح إطلاق اسم الحرم إلا على الحرمين حرم مكة وحرم المدينة ولا يجوز شرعًا إطلاق اسم الحرم على المسجد الأقصى المبارك ولا على المسجد الإبراهيمي في الخليل وتسميتهما حرمًا بدعة لا أصل لها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وليس ببيت المقدس مكان يسمى حرمًا ولا بتربة الخليل ولا بغير ذلك من البقاع إلا ثلاثة أماكن أحدها: هو حرم باتفاق المسلمين وهو حرم مكة شرفها الله تعالى والثاني حرم عند جمهور العلماء وهو حرم النبي - ﷺ - من عير إلى ثور بريد في بريد فإن هذا حرم عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبي - ﷺ - والثالث \" وج \" وهو واد بالطائف فإن هذا روي فيه حديث رواه أحمد في المسند وليس في الصحاح وهذا حرم عند الشافعي لاعتقاده صحة الحديث وليس حرمًا عند أكثر العلماء وأحمد ضعف الحديث المروي فيه فلم يأخذ به وأما ما سوى هذه الأماكن الثلاثة فليس حرمًا عند\n_________\n(١) عون المعبود ٦/ ٩.\n(٢) المجموع ٧/ ٤٨٠، التلخيص الحبير ٢/ ٢٨٠، الجوهر النقي ٢/ ٢٠٠، زاد المعاد ٣/ ٥٠٨ بذل المجهود ٩/ ٣٧٨.","vol":"1","page":203},{"text":"أحد من علماء المسلمين فإن الحرم ما حرّم الله صيده ونباته ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجًا عن هذه الأماكن الثلاثة] (١).\nوقال شيخ الإسلام أيضًا: [... والأقصى اسم للمسجد كله ولا يسمى هو ولا غيره حرمًا وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة. وفي وادي وج بالطائف نزاع بين العلماء] (٢).\nولم تثبت تسمية المسجد الأقصى حرمًا عن أحد من العلماء المحققين ولما تكلم الإمام بدر الدين الزركشي عن الأحكام المتعلقة بالمسجد الأقصى لم يذكر منها شيئًا في تسميته حرمًا وإنما سماه المسجد الأقصى كما هو شأن بقية العلماء (٣).\nكما أن الشيخ مجير الدين الحنبلي لم يستعمل كلمة الحرم في وصف المسجد الأقصى في كتابه \" الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل \" وكذلك الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه \" الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية \".\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٧/ ١٤ - ١٥.\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٤٣٤.\n(٣) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ١٩١ فما بعدها.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المسألة الثانية: بدع الصوفية في المسجد الأقصى والأناشيد الدينية والفرق المنشدة:</span>\nاعتادت بعض فرق الصوفية القدوم إلى المسجد الأقصى بجماعات كثيرة العدد وهم يعلقون مسابح كبيرة الحجم في رقابهم ويعقدون ما يسمونه مجالس ذكر أو مديح للرسول - ﷺ - وبعض هؤلاء يستعملون الدفوف في إنشادهم داخل المسجد الأقصى.\nكما وأن بعض فرق الإنشاد والتي يسمونها زورًا وبهتانًا - فرق الإنشاد الديني - ينشدون أناشيدهم باستعمال الدفوف مع رفع الأصوات ويردد عوام المصلين معهم ويتحول المسجد الأقصى إلى ما يشبه جوقة غنائية كبيرة.\nوهذه المظاهر تشاهد في المسجد الأقصى عند عقد الاحتفالات التي يسمونها دينية كما في احتفالهم بالإسراء والمعراج والمولد النبوي وذكرى الهجرة وغيرها.\nوهذه الأمور كلها من البدع المخالفة لهدي المصطفى - ﷺ - ولما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأولي العلم والتحقيق.","vol":"1","page":205},{"text":"وتظهر معالم هذه البدع فيما يلي:\nأولًا: أنه لم يثبت أن النبي - ﷺ - قد اتخذ سبحة فضلًا أن يجعلها في رقبته ولا ثبت هذا التعليق عن الصحابة ولا عن التابعين وإنما تعليق السبحات في الأعناق من المبتدعات ومن التشبه برجال الدين من الملل الأخرى.\nقال الشيخ علي محفوظ: [ومن بدعهم - أي الصوفية - وضع السبحة في العنق أو اليد بدون الذكر فهو من فعل المرائين الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ويعرفوا من طريق الوهم والتضليل والطريق إلى الله ﷿ هي متابعة رسول الله - ﷺ - وما سوى ذلك ضلال نعوذ بالله منه] (١).\nثانيًا: إن هذا الإنشاد الديني كما يسمونه لا يجوز فعله في المساجد لأن المساجد لها آدابها وأحكامها التي يجب المحافظة عليها.\nقال السيوطي: [ومن ذلك - أي من البدع - الرقص والغناء في المساجد وضرب الدف أو الرباب أو غير ذلك من آلات الطرب فمن فعل ذلك في المسجد فهو مبتدع ضال مستحق للطرد والضرب لأنه استخف بما أمر الله بتعظيمه.\nقال الله تعالى: (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) أي تعظم (وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ) أي يتلى فيها كتابه وبيوت الله هي المساجد قد أمر الله بتعظيمها وصيانتها عن الأقذار والأوساخ ... والغناء والرقص فمن غنى أو رقص فهو مبتدع ضال مضل مستحق للعقوبة] (٢).\nوإذا كان رفع الصوت بقراءة القرآن منهي عنه في المسجد فما بالك بهذه الأناشيد التي ترافقها الدفوف وما بالك بفعلها قبل صلاة الجمعة بمناسبة الاحتفالات التي يسمونها\n_________\n(١) الإبداع ص ٣٢٤، وانظر السنن والمبتدعات ص ٢٥٦، السلسلة الضعيفة ١/ ١١٧.\n(٢) الأمر بالإتباع ص ٢٧٥.","vol":"1","page":206},{"text":"دينية، حيث يكون المسجد ممتلئًا بالمسلمين الذين ينتظرون صلاة الجمعة فيشوش هؤلاء المنشدون على عباد الله.\nقال الشيخ علي محفوظ: [ومنها إقامة حلقات الذكر المحرف في المساجد أيام المولد مع ارتفاع أصوات المنشدين مع التصفيق الحاد من رئيس الذاكرين (بل الراقصين) وقد يضربون على البازة أو السلامية أثناء الذكر وفي المسجد وكل ذلك غير مشروع بإجماع العلماء ولم يكن على عهد رسول الله - ﷺ - ولا عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين ولا عهد الأئمة الأربعة المجتهدين ﵃ أجمعين] (١).\nكما أن في هذا الإنشاد تشبهًا بالنصارى الذين يفعلون شبهه في كنائسهم.\nثم إن هذا الإنشاد الديني ليس له أصل صحيح يعتمد عليه فليس من جملة القرب الشرعية.\nوقد سئل العز بن عبد السلام عن مثل ذلك: [ما يقول سيدنا في جماعة من أهل الخير والصلاح والورع يجتمعون في وقت فينشد لهم منشد أبياتًا في المحبة وغيرها، فمنهم من يتواجد فيرقص ومنهم من يصيح ويبكي ومنهم من يغشاه شبه الغيبة عن إحساسه فهل يكره لهم هذا العمل أم لا؟ فأجاب:\nالرقص بدعة لا يتعاطاه إلا ناقص العقل ولا يصلح إلا للنساء] (٢).\nونص الفقهاء على أنه لا يجوز شغل المساجد بالغناء والرقص (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي وهو سماع المشركين قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً\n_________\n(١) الإبداع ص ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(٢) فتاوى العز بن عبد السلام ص ٣١٨ - ٣١٩.\n(٣) مجموع الفتاوى ٤/ ١٦.","vol":"1","page":207},{"text":"وَتَصْدِيَةً) قال ابن عباس وابن عمر ﵃ وغيرهما من السلف \" التصدية \" التصفيق باليد والمكاء مثل الصفير فكان المشركون يتخذون هذا عبادة وأما النبي - ﷺ - وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، والاجتماعات الشرعية ولم يجتمع النبي - ﷺ - وأصحابه على استماع غناء قط لا بكف ولا بدف ولا تواجد ولا سقطت بردته بل كل ذلك كذب باتفاق أهل العلم بحديثه.\n\nوكان أصحاب النبي - ﷺ - إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون ومرًّ النبي - ﷺ - بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال له: (مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال: لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا) أي لحسنته لك تحسينًا كما قال النبي - ﷺ -: (زينوا القرآن بأصواتكم) وقال - ﷺ -: (لله أشهد أذنًا أي استماعًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته) وقال - ﷺ - لابن مسعود: (اقرأ عليَّ القرآن فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى انتهيت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) قال: حسبك فإذا عيناه تذرفان من البكاء.\nومثل هذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم كما ذكره الله في القرآن فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) وقال في أهل المعرفة: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الإيمان واقشعرار الجلد ودمع العين فقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ","vol":"1","page":208},{"text":"مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).\nوأما السماع المحدث سماع الكف والدف والقصب فلم تكن الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأكابر من أئمة الدين يجعلون هذا طريقًا إلى الله ﵎ ولا يعدونه من القرب والطاعات بل يعدونه من البدع المذمومة حتى قال الشافعي: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك، ويعلمون أن للشيطان فيه نصيبًا وافرًا ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم] (١).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٩٥ - ٢٩٨.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المسألة الثالثة: بدعة الطواف بمسجد قبة الصخرة:</span>\nبدعة الطواف بالصخرة بدعة قديمة ذكرها عدد من العلماء المتقدمين وما زالت موجودة إلى وقتنا الحاضر وقد شاهدت بأم عيني عندما كنت طالبًا في المدرسة الثانوية الشرعية مجموعة من النسوة يطفن بمسجد الصخرة وكان ذلك في شهر رمضان وفي يوم جمعة.\nوالطواف بالصخرة محرمٌ شرعًا وبدعة منكرةٌ فالإسلام لم يشرع لنا إلا الطواف ببيت الله الحرام بمكة المكرمة فقط وكل طواف بما سواه منكر ومحرم شرعًا.\nقال الشيخ ابن الحاج: [وليحذر مما يفعله بعضهم من هذه البدعة المستهجنة وهو أنهم يطوفون بالصخرة كما يطوفون بالبيت العتيق] (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والعبادات المشروعة في المسجد الأقصى هي من جنس العبادات المشروعة في مسجد النبي - ﷺ - وغيره من سائر المساجد إلا المسجد الحرام فإنه يشرع فيه زيادة على سائر المساجد بالطواف بالكعبة واستلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود وأما مسجد النبي - ﷺ - والمسجد الأقصى وسائر المساجد فليس فيها ما يطاف به ولا فيها ما يتمسح به ولا ما يقبل فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي - ﷺ - ولا بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين ولا بصخرة بيت المقدس ولا بغير هؤلاء كالقبة التي فوق جبل عرفات وأمثالها بل ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة ومن اعتقد أن الطواف بغيرها فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة] (٢).\nووصف السيوطي الطواف بالصخرة بأنه من فعل أهل الضلال (٣).\n_________\n(١) المدخل ٤/ ٢٥٦.\n(٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٠.\n(٣) الأمر بالإتباع ص ١٨٣.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المسألة الرابعة: بدعة التمسح بالصخرة:</span>\nمعلوم أن مسجد قبة الصخرة أقيم على الصخرة التي قيل إن النبي - ﷺ - عرج منها إلى السموات العلى وزعم بعض الناس أنه يوجد على الصخرة أثر قدمه الشريف - ﷺ - (١).\nوهذا الكلام ليس بثابت بل هو من أوهام العوام لأنه لا يعلم على وجه القطع المحل الذي عرج منه النبي - ﷺ - إلى السماء وإنما المعروف أنه عرج به - ﷺ - من المسجد الأقصى والمسجد الأقصى يطلق على كل المكان المعروف (٢).\nكما أن الزعم بوجود أثر قدمه الشريف - ﷺ - على الصخرة ما هو إلا محض كذب وافتراء على رسول الله - ﷺ -.\nوما ساقه الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته حول ذلك (٣) ما هو إلا دجل وخرافات ليس لها أصل علمي صحيح تقوم عليه لا بخبر أحاد ولا بالتواتر كما زعم الشيخ المذكور حيث إنه زعم أن ذلك ثابت بطريق التواتر (٤) بل ذلك مجرد شائعات اكتسبت شهرة عند العامة ولا أصل لكل هذه الخرافات فهي كذب مختلق (٥).\nوقد نص المحققون من العلماء والحفاظ على إنكار صحة آثار القدم النبوية على الأحجار وإن من علامات زيف آثار القدم ما قرره صاحب كتاب الآثار النبوية - أحمد تيمور باشا - حين قابل بين المعروف من تلك الآثار حيث قال: [المعروف الآن من هذه الأحجار سبعة أربعة منها بمصر وواحد بقبة الصخرة ببيت المقدس\n_________\n(١) الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية ١/ ٣٤٧، الأنس الجليل ٢/ ٥٤.\n(٢) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٧٣، زاد المعاد ٣/ ٤٢، بيت المقدس ص ٣٧٥.\n(٣) الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية ١/ ٣٥٥ - ٣٦٧.\n(٤) المصدر السابق ١/ ٣٥٩.\n(٥) التبرك أنواعه وأحكامه ص ٣٥٣.","vol":"1","page":211},{"text":"وواحد بالقسطنطينية وواحد بالطائف وهي حجارة سوداء إلى الزرقة في الغالب عليها آثار أقدام متباينة في الصورة والقدر لا يشبه الواحد منها الآخر] (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وما يذكره بعض الجهال فيها\n- أي في الصخرة - من أن هناك أثر قدم النبي - ﷺ - وأثر عمامته وغير ذلك فكله كذب] (٢).\nوقد روي في فضل الصخرة أحاديث كثيرة وكلها باطلة مكذوبة موضوعة.\nقال العلامة ابن القيم: [وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى والقدم الذي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزوريين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>خرافات متعلقة بالصخرة</span>\nومن هذه الأحاديث:\n١. ما روي عن عبادة - ﵁ - أنه ﵊ قال: (صخرة بيت المقدس على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران تنظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة) ذكره المنهاجي السيوطي ومجير الدين الحنبلي وعبد الغني النابلسي (٤).\nقال العلامة محدث العصر الشيخ الألباني يرحمه الله إنه حديث موضوع ونقل عن الذهبي أن راوي الحديث محمد بن مخلد حدث بالأباطيل ثم ذكر هذا الحديث (٥).\n_________\n(١) المصدر السابق ص ٣٥٣.\n(٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٣، وانظر اقتضاء الصراط المستقيم ص ٣١٧ - ٣١٨.\n(٣) المنار المنيف ص ٨٧.\n(٤) إتحاف الأخصا ١/ ١٣٠، الأنس الجليل ١/ ٣٥٧، الحضرة الأنسية ١/ ٣١٨.\n(٥) السلسلة الضعيفة ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧.","vol":"1","page":212},{"text":"وقال الهثيمي بعد أن ذكر الحديث: [وفيه محمد بن مخلد الرعيني وهذا الحديث من منكراته] (١).\n٢. وما روي عن علي بن أبي طالب عن النبي - ﷺ - قال: (سيدة البقاع بيت المقدس وسيد الصخور صخرة بيت المقدس) ذكره المنهاجي السيوطي ومجير الدين الحنبلي (٢). وهذا الحديث تفوح منه رائحة الكذب.\n٣. وما روي عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال (الأنهار كلها والسحاب والرياح من تحت صخرة بيت المقدس) ذكره مجير الدين الحنبلي وعبد الغني النابلسي (٣).\nوفي رواية أخرى (المياه العذبة والرياح اللواقح من تحت صخرة بيت المقدس) (٤)\n٤. ومن الخرافات العجيبة ما ذكره عبد الغني النابلسي أن الصخرة معلقة في السماء لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض ... الخ (٥) وهذا عين الكذب والافتراء.\n٥. ومن الخرافات ما ذكره عبد الغني النابلسي أيضًا أن النبي - ﷺ - لما صعد إلى السماء من الصخرة ليلة المعراج صعدت الصخرة خلفه فأمسكتها الملائكة فوقفت بين السماء والأرض (٦).\nوهذا كذب ودجل بلا خجل ولا يصدقه إلا من في عقله خبل.\n_________\n(١) مجمع الزوائد ٩/ ٢١٨.\n(٢) إتحاف الأخصا ١/ ١٣٢، الأنس الجليل ١/ ٣٥٧.\n(٣) الأنس الجليل ١/ ٣٥٢، الحضرة الأنسية ١/ ٣١٤.\n(٤) الأنس الجليل ١/ ٣٥٢.\n(٥) الحضرة الأنسية ١/ ٣٢٩ - ٣٣٠.\n(٦) المصدر السابق ١/ ٣٣٢.","vol":"1","page":213},{"text":"قال الشيخ علي محفوظ بعد أن ذكر هذه الخرافة: [وهذا من الأكاذيب المشهورة ولا أصل له في الدين] (١).\n٦. ومن الخرافات أيضًا ما نقله الشيخ عبد الغني النابلسي عن عطاء قال: [وكانت صخرة بيت المقدس طولها في السماء اثني عشر ميلًا ويقال إنه ليس بينها وبين السماء إلا ثمانية عشر ميلًا وكان أهل أريحا يستظلون بظلها وكان عليها ياقوتة تغزل نساء البلقان على ضوئها بالليل. قال: ولم تزل كذلك حتى غلبت عليها الروم بعد أن خربها بختنصر] (٢).\nوهذا عين الكذب والإفتراء المحض. وغير ذلك من الخرافات والأحاديث الباطلة.\nوقد شاعت هذه الأحاديث والأقاويل بين عامة الناس وعند من كتبوا في فضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى مما أثر في نفوس العامة فصاروا يتمسحون بالصخرة أو يقبلونها ويقدسونها وكل ذلك من البدع المنكرة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فصخرة ببيت المقدس لا يسن استلامها ولا تقبيلها باتفاق المسلمين بل ليس للصلاة عندها والدعاء خصوصية على سائر بقاع المسجد والصلاة والدعاء في قبلة المسجد الذي بناه عمر ابن الخطاب للمسلمين أفضل من الصلاة والدعاء عندها] (٣).\nومن المعلوم عند العلماء المحققين أنه لا يشرع تقبيل أي شيء من الجمادات إلا الحجر الأسود لما ثبت في الصحيحين أن عمر - ﵁ - قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يقبلك ما قبلتك) (٤).\n_________\n(١) الإبداع ص ٣٣٠.\n(٢) الحضرة الأنسية ١/ ٣٣٣.\n(٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٢٠٨، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٣٩٦.","vol":"1","page":214},{"text":"وقد سبق أنه لم يثبت شيء في فضل الصخرة على وجه الخصوص وإنما الثابت ما ورد في فضائل المسجد الأقصى فمن ذلك: قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (١).\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول - ﷺ - ومسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم (٢).\nوقد وردت بعض الأحاديث في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى فمن ذلك:\n١. عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن كما قال الهيثمي (٣). ورواه البزار وقال إسناده حسن (٤).\nوذكر المنذري الحديث وقال رواه الطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه وذكر أن البزار قال: إسناده حسن، وعقب المنذر على ذلك بقوله: كذا قال (٥).\n_________\n(١) سورة الإسراء الآية ١.\n(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٣٠٦، صحيح مسلم مع شرح النووي ٣/ ٥١٧.\n(٣) مجمع الزوائد ٤/ ٧.\n(٤) فتح الباري ٤/ ٣٠٩.\n(٥) الترغيب والترهيب ٢/ ١٧٥.","vol":"1","page":215},{"text":"والذي يظهر من كلام الشيخ الألباني على الحديث أنه يميل إلى تضعيفه (١).\nوقال الشيخ صالح آل الشيخ: [وتحسين إسناده عندي مشكل لأن سعيد بن بشير ليس ممن يحتج بحديثه وقد تفرد به] (٢).\nوقال د. صالح الرفاعي: [والخلاصة أن حديث أبي الدرداء حديث حسن إلا قوله: (وفي مسجد بيت المقدس خمسمئة صلاة) فإن هذه الجملة ضعيفة] (٣).\n٢. وعن ميمونة مولاة النبي - ﷺ - قالت: (قلت يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس. قال: أرض المحشر والمنشر إئتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره. قلت أرأيت إن لم نستطع أن أتحمل إليه! قال: فتهدي له زيتًا يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه) رواه ابن ماجة وأحمد والطبراني وغيرهم قال الذهبي: هذا حديث منكر جدًا (٤).\nوتراجع الشيخ الألباني عن تصحيح هذا الحديث حيث كان قد صححه في فضائل الشام ثم قال: [ثم بدا لي أنه غير جيد السند فيه علة تقدح في صحته] (٥).\nوقال الشيخ الألباني في موضع آخر: [وأما حديث إن الصلاة في بيت المقدس بألف صلاة فهو حديث منكر كما قال الذهبي ...] (٦).\n_________\n(١) إرواء الغليل ٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣، تمام المنة ص ٢٩٣.\n(٢) التكميل ص ٤٨ - ٤٩.\n(٣) الأحاديث الواردة في فضائل المدينة ص ٤٠٩.\n(٤) سنن ابن ماجة ١/ ٤٥١، الفتح الرباني ٢٣/ ٢٩٣، ميزان الاعتدال ٢/ ٩٠ نقلًا عن الأحاديث الواردة في فضائل المدينة ص ٤٢٣.\n(٥) انظر فضائل الشام ص ١٥، تحذير الساجد ص ١٩٨.\n(٦) تمام المنة ص ٢٩٤.","vol":"1","page":216},{"text":"٣. وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - (صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة وصلاته في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة) رواه ابن ماجة وقال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف (١). وقال العلامة ابن القيم: [وهو حديث مضطرب \" إن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة \" وهذا محال لأن مسجد رسول الله - ﷺ - أفضل منه والصلاة فيه تفضل على غيره بألف صلاة] (٢).\nوقال الذهبي [هذا منكر جدًا] (٣).\n٤. وعن أبي ذر - ﵁ - قال: (تذاكرنا ونحن عند رسول الله - ﷺ - أيهما أفضل أمسجد رسول الله - ﷺ - أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله - ﷺ -: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه ببيت المقدس خير له من الدنيا جميعًا) رواه الحاكم والطبراني والطحاوي وغيرهم. وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي (٤). وقال الهيثمي: [رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح] (٥). وصححه الشيخ الألباني بل قال عنه إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى (٦).\n_________\n(١) سنن ابن ماجة ١/ ٣٥٣.\n(٢) المنار المنيف ص ٩٢ - ٩٣.\n(٣) ميزان الاعتدال ٤/ ٥٢٠ نقلًا عن المصدر السابق.\n(٤) المستدرك ٥/ ٧١٢.\n(٥) مجمع الزوائد ٤/ ٧.\n(٦) تحذير الساجد ص ١٩٨، تمام المنة ٢٩٤، السلسلة الصحيحة ٦/ ٢/٩٥٤.","vol":"1","page":217},{"text":"وقال د. صالح الرفاعي: [والحديث في إسناده قتادة وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث ... فيخشى أن يكون دلسه لا سيما أن في متنه غرابة كما قال المنذري فالحديث ضعيف الإسناد ولأن قتادة لم يصرح بالتحديث] (١).\nوقد بين الشيخ الألباني أن للحديث طريقان آخران فلذا صححه (٢).\nوقد وردت أحاديث أخرى ضعيفة في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى (٣).\n\nوالذي يظهر لي أن أحسنها حالًا الحديث الأخير حديث أبي ذر ثم الحديث الأول وهو حديث أبي الدرداء وقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: [... وأما في المسجد الأقصى فقد روي أنها بخمسين صلاة وقيل بخمسمائة صلاة وهو الأشبه] (٤).\nوقال ابن القيم: [وقد روي في بيت المقدس التفضيل بخمسمائة وهو أشبه] (٥).\n_________\n(١) الأحاديث الواردة في فضائل المدينة ص ٤٢٢ - ٤٢٣.\n(٢) السلسلة الصحيحة ٦/ ٢/٩٥٤ - ٩٥٥.\n(٣) انظر إعلام الساجد ص ٢٠١ - ٢٠٢، تحذير الساجد ص ١٩٧.\n(٤) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٨.\n(٥) المنار المنيف ص ٩٣.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الحادي عشر\nبدعة الاحتفال بالمولد النبوي</span>\nمن البدع المنتشرة في بلاد العالم الإسلامي وفي بلادنا بدعة الاحتفال بالمولد النبوي بل أصبح يوم المولد النبوي عيدًا رسميًا تعطل فيه الدوائر والمؤسسات الرسمية والمصانع أعمالها ويسمونه عيد المولد النبوي.\nوتقام الاحتفالات وتلقى الخطابات وتعقد حلقات الإنشاد وتقرأ قصة المولد وقد يصاحب ذلك بعض المنكرات كاختلاط الرجال بالنساء وما يتبع ذلك من الرقص والتصفيق والتبرج وعزف الفرق الموسيقية داخل ساحات المسجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الأدلة على بدعيته</span>\nإن هذه الاحتفالات بدعة ولا يجوز فعلها ولا يصح اعتبار المولد عيدًا من أعياد المسلمين ويدل على عدم جواز كل ذلك ما يلي:\nأولًا: إن هذا العمل ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة ولم يفعله السلف الصالح بل ذلك من [البدع المحدثة في الدين لأن الرسول - ﷺ - لم يفعله ولا خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله على الجميع ولا التابعون لهم بالإحسان في القرون المفضلة وهم أعلم الناس بالسنة وأكمل حبًا لرسول الله - ﷺ - ومتابعة لشرعه ممن بعدهم وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود عليه وقال في حديث آخر: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث","vol":"1","page":219},{"text":"البدع والعمل بها وقد قال الله سبحانه في كتابه المبين: (وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وقال ﷿: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وقال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) وقال تعالى: ... (وَالسَّابِقُونَ الاوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالانْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلامَ دِينًا)، والآيات في هذا المعنى كثيرة وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة وأن الرسول ﵊ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله وهذا بلا شك فيه خطر عظيم واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله - ﷺ - والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة] (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن المولد: [فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف ﵃ أحق به منَّا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منَّا وهم على الخير أحرص] (٢).\n_________\n(١) التحذير من البدع ص ٣ - ٤.\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٩٥.","vol":"1","page":220},{"text":"وقال الشيخ تاج الدين الفاكهاني: [لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين] (١).\nوقال الونشريسي تحت عنوان \" التحبيس - الوقف - على إقامة ليلة المولد ليس بمشروع \": [وسئل الأستاذ أبو عبد الله الحفار عن رجل حبس أصل توت على ليلة مولد سيدنا محمد - ﷺ - ثم مات المحبس فأراد ولده أن يتملك أصل التوت المذكور فهل له ذلك أم لا؟\nفأجاب: وقفت على السؤال فوقه - وليلة المولد لم يكن السلف الصالح وهم أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعون لهم يجتمعون فيها للعبادة ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة لأن النبي - ﷺ - لا ُيعظم إلا بالوجه الذي شرع فيه تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله لكن يتقرب إلى الله ﷻ بما شرع، والدليل على أن السلف لم يكونوا يزيدون فيها زيادة على سائر الليالي أنهم اختلفوا فيها، فقيل إنه - ﷺ - ولد في رمضان، وقيل في ربيع، واختلف في أي يوم ولد فيه على أربعة أقوال، فلو كانت تلك الليلة التي ولد في صبيحتها تحدث فيها عبادة بولادة خير الخلق - ﷺ - لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها اختلاف، ولكن لم تشرع زيادة تعظيم ألا ترى أن يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس وأفضل ما يفعل في اليوم الفاضل صومه وقد نهى النبي - ﷺ - عن صوم يوم الجمعة مع عظيم فضله فدل هذا على أنه لا تحدث عبادة في زمان ولا في مكان إلا إن شرعت، وما لم يشرع لم يفعل، إذ لا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها ولو فتح هذا الباب لجاء قوم فقالوا: يوم هجرته إلى المدينة يوم أعز الله فيه الإسلام فيجتمع فيه ويتعبد، ويقول آخرون\n_________\n(١) عمل المولد ص ٢٠ - ٢١ نقلًا عن التبرك أنواعه وأحكامه ص ٣٦٢، وانظر الحاوي ١/ ١٩٠ - ١٩١ فقد نقل كلام الفاكهاني.","vol":"1","page":221},{"text":"الليلة التي أسري به فيها حصل له من الشرف مالا يقدر قدره فتحدث فيها عبادة، فلا يقف ذلك عند حدّ، والخير كله في اتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له فما فعلوا فعلناه وما تركوا تركناه فإذا تقرر هذا ظهر أن الاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوب شرعًا بل يؤمر بتركه ووقوع التحبيس عليه مما يحمل على بقائه واستمراره ما ليس له أصل في الدين فمحوه وإزالته مطلوب شرعًا] (١).\n\nوقال الونشريسي أيضًا: [وسئل سيدي أحمد القباب عما يفعله المعلمون من وقد الشمع في مولد النبي - ﷺ - واجتماع الأولاد للصلاة على النبي - ﷺ - ويقرأ بعض الأولاد ممن هو حسن الصوت عشرًا من القرآن وينشد قصيدة في مدح النبي - ﷺ - ويجتمع الرجال والنساء بهذا السبب ...\nفأجاب بأن قال: جميع ما وصفت من محدثات البدع التي يجب قطعها ومن قام بها أو أعان عليها أو سعى في دوامها فهو ساعٍ في بدعة وضلالة، ويظن بجهله أنه بذلك معظم لرسول الله - ﷺ - قائم بمولده، وهو مخالف سنته مرتكب لمنهيات نهى عنها - ﷺ -، متظاهر بذلك محدث في الدين ما ليس منه، ولو كان معظمًا له حق التعظيم لأطاع أوامره فلم يحدث في دينه ما ليس منه، ولم يتعرض لما حذر الله تعالى منه حيث قال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)] (٢).\n_________\n(١) المعيار المعرب ٧/ ٩٩ - ١٠٠.\n(٢) المعيار المعرب ١٢/ ٤٨ - ٤٩.","vol":"1","page":222},{"text":"ثانيًا: إن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيدًا فيه تشبه بأهل الكتاب فالنصارى يحتفلون بعيد مولد عيسى ﵇ كما يزعمون في نهاية كل عام ميلادي، وكذلك اليهود يحتفلون بأعياد زعموها لأنبيائهم فإذا احتفل المسلمون بعيد المولد النبوي غير المشروع فقد تشبهوا بأهل الكتاب وقد نهينا عن التشبه بهم، قال العلامة ابن القيم: [ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من أحواله] (١).\nثالثًا: إن الاحتفال بالمولد أمر محدث لم تعرفه القرون الأولى الفاضلة وأول من أحدث هذه البدعة أحد خلفاء الدولة الفاطمية من الرافضة وهو المعز لدين الله وذلك سنة ٣٦٢ هـ بالقاهرة فقد أحدث ستة موالد وهي: المولد النبوي ومولد الإمام علي ومولد فاطمة ومولد الحسن والحسين ومولد الخلفية المعاصر وبقيت هذه الموالد إلى أن أبطلها الأفضل أمير الجيوش بن بدر الجمالي سنة ٤٨٨ هـ ثم أعيد الاحتفال بها سنة في خلافة الآمر بأحكام الله سنة ٥٢٤ هـ، وكان أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي بالعراق صاحب إربل الملك أبو سعيد كوكبوري في القرن السابع الهجري (٢).\nوالسؤال أين كان المسلمون خلال عدة قرون عن هذا الاحتفال لو كان مشروعًا؟ وأين كان الصحابة والتابعون وسلف الأمة عن هذا الاحتفال لو كان مشروعًا؟\nوالله لو كان الاحتفال بالمولد النبوي مشروعًا لسبقونا إليه فإنهم أشد حبًا لله ولرسوله - ﷺ - ممن جاء بعدهم وهم أشد إتباعا ممن خلفهم.\n_________\n(١) زاد المعاد ١/ ٥٩.\n(٢) الإبداع ص ٢٥١، التبرك أنواعه وأحكامه ص ٣٦٠ - ٣٦١، وانظر البدع الحولية ص ١٣٧ فما بعدها.","vol":"1","page":223},{"text":"رابعًا: إن يوم مولد النبي - ﷺ - ليس معلومًا على الوجه القطعي فقد اختلف العلماء في تعيين يوم مولده فمنهم من قال ولد يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول وهذا القول هو المشهور.\nوقيل في الثاني منه وقيل في الثامن منه وقيل في العاشر وقيل في السابع عشر منه وقيل في الثامن عشر منه.\nورجح بعض العلماء المحدثين أنه - ﷺ - ولد في التاسع من ربيع الأول وحسب ذلك فلكيًا (١).\nوبناء على هذا الاختلاف فإن جعل الاحتفال بالمولد في الثاني عشر من ربيع الأول لا أصل له من الناحية التاريخية فهو تحكم بدون مستند (٢).\nووقوع هذا الخلاف في يوم مولده يدل على أن الصحابة ﵃ لم يروا أن لذلك اليوم شعارًا خاصًا به لأنهم لو كانوا يعلمون أن لهذا اليوم شعارًا خاصًا لعينوه واهتموا به ولصار معلومًا مشهورًا ولما لم يكن ذلك دل على عدم مشروعية الاحتفال من أصله.\nخامسًا: إن احتفال كثير من المحتفلين بالمولد النبوي يتضمن في الغالب مفاسد ومنكرات عديدة منها:\nأ. إن كثيرًا من القصائد والمدائح التي يُتَغَنى بها في المولد لا تخلو من ألفاظ الشرك وعبارات الغلو في الرسول - ﷺ - كما في قصيدة البوصيري:\nيا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حدوث الحادث العمم\nإن لم تكن آخذًا يوم المعاد يدي ... صفحًا وإلا فقل يا زلة القدم\n_________\n(١) انظر تفصيل ذلك في المواهب اللدنية ١/ ١٤٠ - ١٤٢، شرح الزرقاني على المواهب ١/ ٢٤٦ - ٢٤٨، لطائف المعارف ص ١٨٤ - ١٨٥.\n(٢) انظر فتاوى العقيدة ص ٦٢١.","vol":"1","page":224},{"text":"فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\nفمثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله ﷿ فكيف تكون الدنيا والآخرة من جود النبي - ﷺ -؟ وكيف يكون علم اللوح والقلم من علم النبي - ﷺ -؟ وماذا أبقى هذا الشاعر لله تعالى؟!! (١)\nلا شك أن هذا من الغلو وقد نهى النبي - ﷺ - عن الغلو بقوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري (٢).\nوصح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه النووي والألباني وغيرهم (٣).\nب. ومن البدع القبيحة التي تقع في بعض الاحتفالات بالمولد النبوي قيام الحاضرين تعظيمًا وإكرامًا عند ذكر ولادته - ﷺ - وخروجه إلى الدنيا لأنهم يعتقدون حضور الرسول - ﷺ - لاحتفالهم كما زعموا.\nقال العلامة الشيخ عبد العزيز باز في إبطال هذه البدعة: [ومن ذلك أن بعضهم يظن أن رسول الله - ﷺ - يحضر المولد ولهذا يقومون له محيين ومرحبين وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل فإن الرسول - ﷺ - لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس ولا يحضر اجتماعاتهم بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة كما قال الله تعالى في سورة المؤمنين:\n(ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) وقال النبي - ﷺ -: (أنا أول\n_________\n(١) فتاوى العقيدة ص ٦١٩ - ٦٢٠، التبرك أنواعه وأحكامه ص ٣٦٥ - ٣٦٦.\n(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٠٠.\n(٣) الفتح الرباني ١٢/ ١٦٩، سنن النسائي ٥/ ٢٦٨، سنن ابن ماجة ٢/ ١٠٠٨، صحيح ابن حبان ٩/ ١٨٣، المستدرك ٢/ ١٢٠، المجموع ٨/ ١٧١، السلسلة لصحيحة ٣/ ٢٧٨.","vol":"1","page":225},{"text":"من ينشق عنه القبر يوم القيامة وأنا أول شافع وأول مشفع) عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن النبي - ﷺ - وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به] (١).\n_________\n(١) التحذير من البدع ص ٦.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث الثاني عشر\nبدعة الاحتفال بعيد الميلاد</span>\nمن البدع المنكرة التي انتشرت بين الناس إقامة حفلات عيد الميلاد لأبنائهم وبناتهم فكلما مرّ عام على موعد ولادة الشخص ابنًا كان أو بنتًا أو زوجًا أو زوجة يقيمون له حفلة عيد ميلاد فيصنعون الحلوى وما يسمى بكعكة عيد الميلاد ويضعون عليها الشموع بعدد سنوات العمر التي مضت وينشدون أنشوده مخصوصة لهذا الاحتفال باللغة الإنجليزية، وهي: ...  Happy birth day to you ...\nوهذا الاحتفال بدعةٌ ومنكرٌ وتشبهٌ بالنصارى فإن أصل فكرة عيد الميلاد نبتت من النصارى الذين يحتفلون بعيد ميلاد عيسى ﵇ في كل عام، فتقام له الاحتفالات في الكنائس في أواخر الشهر الأخير من العام الميلادي عند بعض طوائف النصارى وتحتفل طوائف أخرى به في أوائل الشهر الأول من العام ومما يؤسف له أن بعض المسلمين يشاركون في هذه الاحتفالات معهم في كنائسهم، وآخرون من المسلمين يقيمون حفلات الرقص والغناء في هذه الأيام ويتخلل هذه الاحتفالات كثير من المنكرات أقلها اختلاط الرجال بالنساء المتبرجات ويتخللها الرقص وشرب الخمور وأمور أخرى يخجل الإنسان من ذكرها فنسأل الله العفو والعافية.\nوقد حذر العلماء منذ عهد بعيد من مشاركة المسلمين لأهل الكتاب في احتفالاتهم الدينية وشعائرهم ويظهر من استقراء الكتب التي تحدثت عن هذه المسألة أن بعض العوام من المسلمين ممن ضعف إيمانهم وكثر جهلهم بأحكام الإسلام كانوا يشاركون","vol":"1","page":227},{"text":"النصارى احتفالاتهم أو يظهرون مظاهر عيدهم فقد حذر الإمام أبو بكر الطرطوشي المتوفى سنة ٥٣٠ هـ المسلمين من المشاركة في هذه الاحتفالات (١).\n\nوكذلك فعل شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ وتلميذه العلامة ابن القيم والشيخ إدريس التركماني وكذلك فعل جلال الدين السيوطي وغيرهم (٢).\nوقد اتفق أهل العلم على تحريم حضور أعياد أهل الكتاب والتشبه بهم فيها وقد نص على ذلك فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم (٣).\n\nومن نصوص العلماء في ذلك ما يلي:\n١. ما ورد عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم) رواه عبد الرزاق والبيهقي وإسناده صحيح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٤).\n٢. وعن عمر أيضًا أنه قال: (اجتنبوا أعداء الله في دينهم) رواه البيهقي (٥).\n٣. وعن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: (من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم\n_________\n(١) الحوادث والبدع ص ١٥٠.\n(٢) انظر اقتضاء الصراط المستقيم ص ١٨٠ فما بعدها، أحكام أهل الذمة ٢/ ١٥٦، اللمع في الحوادث والبدع ١/ ٢٩٣ فما بعدها، الأمر بالإتباع ص ١٤٤ فما بعدها.\n(٣) انظر أحكام أهل الذمة ٢/ ١٥٦، التشبه المنهي عنه ص ٣٣٥.\n(٤) السنن الكبرى ٩/ ٢٣٤، مصنف عبد الرزاق ١/ ٤١١، اقتضاء الصراط المستقيم ص ١٩٩ أحكام أهل الذمة ٢/ ١٥٦.\n(٥) السنن الكبرى ٩/ ٢٣٤.","vol":"1","page":228},{"text":"ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة) رواه البيهقي (١).\n٤. وقد ورد عن جماعة من التابعين في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) (٢). أن ذلك أعياد المشركين، فقد ورد عن محمد بن سيرين أنه قال في تفسير الزور بأنه الشعانين - وهو عيد للنصارى -.\nوورد عن مجاهد أنه قال: [هو أعياد المشركين ونحوه ورد عن الربيع بن أنس والضحاك وأبي العالية وطاووس] (٣).\n٥. قال أبو القاسم هبة الله بن الحسين الطبري الفقيه الشافعي: [ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكر وزور وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع نعوذ بالله من سخطه] (٤).\n٦. وقال أبو الحسن الآمدي: [لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا. واحتج بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال: الشعانين وأعيادهم (٥).\n٧. وقال الشيخ إدريس التركماني: [ومن قلة التوفيق والسعادة ما يفعله المسلم\n_________\n(١) السنن الكبرى ٩/ ٢٣٤.\n(٢) سورة الفرقان الآية ٧٢.\n(٣) اقتضاء الصراط المستقيم ص ١٨١، تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩.\n(٤) أحكام أهل الذمة ٢/ ١٥٦.\n(٥) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٠١، أحكام أهل الذمة ٢/ ١٥٧.","vol":"1","page":229},{"text":"الخبيث في يوم يعرف بالميلاد فيشتري لأولاده القصب والشمع والقفص ... فيقع في البدع ويخرج عن طريق النبي المختار صلوات الله عليه وسلامه آناء الليل وأطراف النهار وفي فعلته هذه قد تشبه بالكفار ...] (١).\n٨. وقال الشيخ إدريس التركماني أيضًا: [وقد أجمع الأئمة على ما شرط عمر بن الخطاب - ﵁ - وسائر الصحابة أن أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم وشعائرهم في بلاد المسلمين فإذا منعهم الشرع فمن لم ينكر عليهم في إظهار ذلك وشاركهم في شيء من أفعالهم أو ساعدهم بإعارة شيء أو كثر سوادهم حشر معهم] (٢).\n٩. وقال جلال الدين السيوطي: [ومما يفعله كثير من الناس في أيام الشتاء ويزعمون أنه ميلاد عيسى ﵇ فجميع ما يصنع أيضًا في هذه الليالي من المنكرات مثل: إيقاد النيران وإحداث طعام وشراء شمع وغير ذلك فإن اتخاذ هذه المواليد موسمًا هو دين النصارى ليس لذلك أصل في دين الإسلام ولم يكن لهذا الميلاد ذكر في عهد السلف الماضين بل أصله مأخوذ عن النصارى وانضم إليه سبب طبيعي وهو كونه شتاء المناسب لإيقاد النيران] (٣).\nوقال السيوطي أيضًا: [ومن ذلك أعياد اليهود أو غيرهم من الكافرين أو الأعاجم والأعراب الضالين لا ينبغي للمسلم أن يتشبه بهم في شيء من ذلك ولا يوافقهم عليه.\n_________\n(١) اللمع في الحوادث والبدع ١/ ٢٩٣.\n(٢) المصدر السابق ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(٣) الأمر بالإتباع ص ١٤٥.","vol":"1","page":230},{"text":"قال الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الامْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ\nأَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ). وأهواء الذين لا يعلمون هو: ما يهوونه من الباطل فإنه لا ينبغي للعالم أن يتبع الجاهل فيما يفعله من هوى نفسه.\nقال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ). فإذا كان هذا خطابه لنبيه - ﷺ - فكيف حال غيره إذا وافق الجاهلين أو الكافرين وفعل كما يفعلون مما لم يأذن به الله ورسوله!! ويتابعهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم!! وترى اليوم كثيرًا من علماء المسلمين الذين يعلمون العلم الظاهر وهم منسلخون منه في الباطن يصنعون ذلك مع الجاهلين في مواسم الكافرين بالتشبه بالكافرين] (١).\n١٠. وقال السيوطي أيضًا: [واعلم أنه لم يكن على عهد السلف السابقين من المسلمين من يشاركهم في شيء من ذلك فالمؤمن حقًا هو السالك طريق السلف الصالحين المقتفي لآثار نبيه سيد المرسلين المقتدي بمن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه إنه جواد كريم ولا ينظر الرجل إلى كثرة الجاهلين الواقعين في مشابهة الكافرين والعلماء الغافلين وموافقتهم فقد قال السيد الجليل الفضيل بن عياض - ﵁ -: عليك بطريق الهدى وإن قلَّ السالكون واجتنب طريق الردى وإن كثر الهالكون. اللهم اجعلنا من المهتدين المتبعين لآثار سبيل الصالحين ولا تجعلنا من الهالكين المتبعين لآثار سبيل الكافرين الضالين\n_________\n(١) المصدر السابق ص ١٤٦.","vol":"1","page":231},{"text":"بمنك وكرمك إنك جواد كريم] (١).\n١١. وسئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: [عن حكم تهنئة الكفار بعيد الكريسمس؟ وكيف نرد عليهم إذا هنؤونا بها؟ وهل يجوز الذهاب إلى أماكن الحفلات التي يقيمونها بهذه المناسبة؟ وهل يأثم الإنسان إذا فعل شيئًا مما ذكر بغير قصد؟ وإنما فعله إما مجاملةً أو حياءً أو إحراجًا أو غير ذلك من الأسباب؟ وهل يجوز التشبه بهم في ذلك؟\nفأجاب فضيلته بقوله: تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق كما نقل ذلك ابن القيم - يرحمه الله - في كتابه \" أحكام أهل الذمة \" حيث قال: وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل فمن هنأ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه. انتهى كلامه - يرحمه الله -. وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حرامًا وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم لأن فيها إقرارًا لما هم عليه من شعائر الكفر ورضى به لهم وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه لكن يحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنئ بها غيره لأن الله تعالى لا يرضى بذلك كما قال الله تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا. وإذا هنئونا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على\n_________\n(١) المصدر السابق ص ١٥٢.","vol":"1","page":232},{"text":"ذلك لأنها ليست بأعياد لنا ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى لأنها إما مبتدعة في دينهم وإما مشروعة لكن نسخت بدين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا - ﷺ - إلى جميع الخلق وقال فيه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها.\n\nوكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى أو أطباق الطعام أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك لقول النبي - ﷺ -: (من تشبه بقوم فهو منهم) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه \" اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم \": مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء. انتهى كلامه - يرحمه الله - ومن فعل شيئًا من ذلك فهو آثم سواء فعله مجاملةً أو توددًا أو حياءً أو لغير ذلك من الأسباب لأنه من المداهنة في دين الله ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم.\nوالله المسئول أن يعز المسلمين بدينهم ويرزقهم الثبات عليه وينصرهم على أعدائهم إنه قوي عزيز] (١).\n_________\n(١) فتاوى العقيدة ص ٢٤٦ - ٢٤٨.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المبحث الثالث عشر\nبدعة الاحتفال بالإسراء والمعراج</span>\nجرت عادة المسلمين في هذه الديار وغيرها على الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب من كل عام وفي هذا اليوم تعطل الدوائر والمؤسسات والمدارس والجامعات وتقام الاحتفالات في المساجد وقبل بيان بدعية هذه الاحتفالات أقول إن حادثة الإسراء والمعراج حق وصدق لا شك في ذلك ولا ريب وقد ثبت ذلك بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - وأشارت إلى ذلك أول آية من سورة الإسراء حيث يقول الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (١).\nوأما أنه - ﷺ - أسري به في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب فلم يثبت ذلك بسند صحيح فقد اختلف العلماء في وقت الإسراء والمعراج على أقوال كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: [وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث ثم اختلفوا فقيل قبل الهجرة بسنة قاله ابن سعد وغيره وبه جزم النووي وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه وهو مردود فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا يزيد على عشرة أقوال] (٢).\nثم ذكر الحافظ هذه الأقوال وهي:\n١. قبل الهجرة بثمانية أشهر.\n٢. قبل الهجرة بستة أشهر.\n٣. قبل الهجرة بسنة.\n٤. قبل الهجرة بأحد عشر شهرًا.\n_________\n(١) سورة الإسراء آية ١.\n(٢) فتح الباري ٨/ ٢٠١.","vol":"1","page":234},{"text":"٥. قبل الهجرة بسنة وشهرين.\n٦. قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر.\n٧. قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا.\n٨. قبل الهجرة بثلاث سنوات.\n٩. قبل الهجرة بخمس سنوات.\nوكما أنهم اختلفوا في تحديد السنة التي حدثت فيها حادثة الإسراء والمعراج فكذلك اختلفوا في الشهر الذي وقعت فيه، فقيل:\nكان ذلك في السابع والعشرين من رجب. وقيل في شهر رمضان. وقيل في شهر شوال. وقيل في شهر ربيع الأول. وقيل في شهر ربيع الثاني. وقد ذكر هذه الأقوال كلها الحافظ ابن حجر (١).\nوقال الإمام أبو الخطاب ابن دحية: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب. قال الإمام أبو إسحاق الحربي: أسري برسول الله - ﷺ - ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الأول] (٢).\nوقد بحث المسألة أيضًا الإمام القرطبي في تفسيره وذكر الاختلاف الكبير في تحديد وقت الإسراء والمعراج وزاد أنه قد روي أن الإسراء كان بعد مبعثه بخمس سنين (٣).\nوأضاف الحافظ ابن كثير أن من العلماء من يرى أن الإسراء والمعراج وقع قبل الهجرة بستة عشر شهرًا وكان ذلك في شهر ذي القعدة وذكر أن بعض الناس ادعى أن ذلك كان أول ليلة جمعة من شهر رجب وعقب على ذلك بأنه لا أصل (٤).\n_________\n(١) فتح الباري ٨/ ٢٨٠.\n(٢) أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب ص ٥٣ - ٥٤.\n(٣) تفسير القرطبي ١٠/ ٢١٠.\n(٤) البداية والنهاية ٣/ ١٠٧.","vol":"1","page":235},{"text":"وقال العلامة أبو شامة المقدسي: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب] (١)، وهذه العبارة سبقت في كلام ابن دحية.\nوقال الإمام النووي: [وكان الإسراء سنة خمس أو ست من النبوة وقيل سنة اثنتي عشرة منها وقيل بعد سنة وثلاثة أشهر منها وقيل غير ذلك. وكان ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الأول] (٢).\nوقال العلامة ابن القيم ناقلًا عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها ولا على عشرها ولا على عينها بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ليس فيها ما يقطع به ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره] (٣).\nوقال العلامة ابن القيم أيضًا: [ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بلا علم ولا يعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها لا سيما على ليلة القدر ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت وإن كان الإسراء من أعظم فضائله\n_________\n(١) الباعث ص ١١٦.\n(٢) فتاوى الإمام النووي ص ٢٨.\n(٣) زاد المعاد ١/ ٥٧.","vol":"1","page":236},{"text":"ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية بل غار حراء الذي ابتدأ فيه بنزول الوحي وكان يتحراه قبل النبوة لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة مدة مقامه بمكة ولا خص اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها ولا خص المكان الذي ابتدأ فيه بالوحي ولا الزمان بشيء ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من أحواله وقد رأى عمر بن الخطاب - ﵁ - جماعة يتبادرون مكانًا يصلون فيه فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلَّى فيه رسول الله - ﷺ -. فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض] (١) وقد ذكر محققا الكتاب أن أثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وسنده صحيح (٢).\nوقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة ولم يصح شيء من ذلك فروي أن النبي - ﷺ - ولد في أول ليلة منه وأنه بعث في السابع والعشرين منه وقيل في الخامس والعشرين ولا يصح شيء من ذلك وروي بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد أن الإسراء بالنبي - ﷺ - كان في سابع وعشرين من رجب وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره وروي عن قيس بن عباد قال: في اليوم العاشر من رجب] (٣).\nوبعد هذا العرض للأقوال الواردة في وقت حادثة الإسراء والمعراج أقول إنه لم يثبت بحديث صحيح ولا خبر صحيح عن صحابي توقيت هذه الحادثة لا في السابع\n_________\n(١) زاد المعاد ١/ ٥٨ - ٥٩.\n(٢) المصدر السابق ١/ ٥٩.\n(٣) لطائف المعارف ص ٢٣٣.","vol":"1","page":237},{"text":"والعشرين من رجب ولا غيره وبناء على ذلك، فإن تحديد السابع والعشرين من رجب على أنه وقتها غير صحيح وينقصه الدليل الثابت وقد رأينا أن أهل العلم لم يثبتوا تلك الروايات الواردة في تعيين وقت هذه الحادثة وحتى لو سلمنا جدلًا أن وقت حادثة الإسراء والمعراج معلوم لا يجوز للمسلمين الاحتفال بهذه المناسبة لأن ذلك لم يرد عن رسول الله - ﷺ - ولا يجوز لهم أن يعتبروها عيدًا من أعياد المسلمين تتعطل فيه الأعمال وتقام فيه الاحتفالات لأن ذلك زيادة في الدين وشرع لم يأذن به الله.\nقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: [وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي - ﷺ - عند أهل العلم بالحديث ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات فلم يجز لهم أن يحتفلوا بها لأن النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ لم يحتفلوا بها ولم يخصوها بشيء ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا لبينه الرسول - ﷺ - للأمة إما بالقول أو الفعل ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر ولنقله الصحابة ﵃ إلينا فقد نقلوا عن نبيهم - ﷺ - كل شيء تحتاجه الأمة ولم يفرطوا في شيء من الدين بل هم السابقون إلى كل خير فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعًا لكانوا أسبق الناس إليه والنبي - ﷺ - هو أنصح الناس للناس وقد بلَّغ الرسالة غاية البلاغ وأدى الأمانة فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام لم يغفله النبي - ﷺ - ولم يكتمه فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليس من الإسلام في شيء وقد أكمل الله لهذا الأمة دينها وأتم عليها النعمة وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله قال ﷾ في كتابه المبين من سورة المائدة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلامَ دِينًا)، وقال ﷿ في سورة الشورى (أَمْ لَهُمْ","vol":"1","page":238},{"text":"شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وثبت عن رسول الله - ﷺ - في الأحاديث الصحيحة التحذير من البدع والتصريح بأنها ضلالة تنبيهًا للأمة على عظم خطرها وتنفيرًا لهم من اقترافها ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لمسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) وفي صحيح مسلم عن جابر - ﵁ - قال: (كان رسول الله - ﷺ - يقول في خطبته يوم الجمعة: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد - ﷺ - وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)] (١).\nوقال الشيخ علي محفوظ: [ومنها ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها وقد تفنن أهل هذا الزمان بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبًا كثيرة كالاجتماع في المساجد وإيقاد الشموع والمصابيح فيها وعلى المنارات مع الإسراف في ذلك واجتماعهم للذكر والقراءة وتلاوة قصة المعراج وكان ذلك حسنًا لو كان ذكرًا وقراءة وتعليم علم لكنهم يلعبون في دين الله فالذاكر على ما عرفت والقارئ على ما سمعت فيزيد فيه ما ليس منه وينقص منه ما هو فيه وما أحسن سير السلف فإنهم كانوا شديدي المداومة على ما كان عليه الرسول - ﷺ - لا يخرجون عن الثابت قيد شعرة ويعتقدون الخروج عنه ضلالة لا سيما عصر الصحابة ومن بعدهم من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير ﵃ أجمعين] (٢).\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية ٣/ ٤٥.\n(٢) الإبداع ص ٢٧٢.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث الرابع عشر\nبدعة الاحتفال بالهجرة</span>\nومن البدع المحدثة بدعة الاحتفال بذكرى هجرة الرسول - ﷺ - في اليوم الأول من شهر محرم من كل عام حيث يتخذ هذا اليوم عيدًا وعطلةً رسميةً وهو بدعةٌ. وأول من احتفل برأس السنة الهجرية هم الفاطميون في مصر كما اشر إلى ذلك المقريزي حيث قال: [موسم رأس السنة: وكان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أول محرم في كل عام لأنها أول ليالي السنة وابتداء أوقاتها ...] (١).\nومن المعلوم لدى أهل الحديث والسيرة أن النبي - ﷺ - هاجر من مكة إلى المدينة في أوائل شهر ربيع الأول من السنة الثالثة عشرة لبعثته - ﷺ - حيث وصل إلى قباء إحدى ضواحي المدينة النبوية لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول يوم الاثنين كما قال الحافظ ابن كثير (٢).\nوقال العلامة القسطلاني: [وجزم ابن إسحاق أنه خرج أول يوم من ربيع الأول فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يومًا وكذا جزم الأموي في المغازي عن ابن إسحاق فقال: كان مخرجه من مكة بعد العقبة بشهرين وليال. قال: وخرج لهلال ربيع الأول، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول] (٣).\nولم تكن هجرته - ﷺ - في الأول من المحرم كما يظن كثير من الناس وإنما حدث في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - أن اتخذ التاريخ واختار الصحابة - ﵁ - التأريخ بهجرة المصطفى - ﷺ -، قال الإمام البخاري في الصحيح: (باب التاريخ من أين أرخوا؟) ثم\n_________\n(١) الخطط والآثار للمقريزي ١/ ٤٩٠ نقلًا عن البدع الحولية ص ٣٩٧.\n(٢) البداية والنهاية ٣/ ١٨٨.\n(٣) المواهب اللدنية ١/ ٢٨٨، وانظر شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/ ١٠١ - ١٠٢.","vol":"1","page":240},{"text":"روى بسنده عن سهل بن سعد قال: [ما عدّوا من مبعث النبي - ﷺ - ولا من وفاته ما عدُّوا إلا من مقدمه المدينة] وقال الحافظ ابن حجر: [وإنما أخروه - التاريخ - من ربيع الأول إلى المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم فناسب أن يجعل مبتدأ. وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم] (١).\nوبناءً على ما تقدم فإن الأول من المحرم هو بداية السنة الهجرية وليس هو موعد هجرة الرسول - ﷺ - وعلى كلا الحالين لا يجوز اتخاذ الأول من المحرم عيدًا وتخصيصه بنوع من العبادة أو الذكر لأن هذا الأمر بدعة لم يفعلها الرسول - ﷺ - ولم يفعلها أحد من خلفائه ولا من صحابته فلا يصح اتخاذه عيدًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إذ الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي - ﷺ - خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخول المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثال تلك الأيام أعيادًا وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادًا أو اليهود وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه] (٢).\n_________\n(١) فتح الباري ٨/ ٢٧٠.\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٩٤.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الأدلة على عدم شرعيته</span>\nويستدل أيضًا على عدم شرعية الاحتفال بذكرى الهجرة بما يلي:\n١. إن ما جرى في الزمان من الأحداث والوقائع كالهجرة النبوية وليلة الإسراء والمعراج وغزوات النبي - ﷺ - وغيرها من الأحداث العظيمة لا يوجب ذلك أن تتخذ ذكريات هذه المناسبات مواسم وأعيادًا يحتفل بها أو تعظم على غيرها وتخصص ببعض العبادات وذلك لأنها لم تعظم أو تخصص من قبل الشرع.\n٢. من القواعد الشرعية المعروفة أن العبادة توقيفية كما قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الامْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (١).\nوقال نبيه - ﷺ -: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) ولا ريب أن الأعياد والمواسم الدينية من مسائل العبادة وكذا طلب البركة والخير والأجر في زمان معين وليس في الشريعة الإسلامية ما يجيز التبرك أو الاحتفال بتلك المواسم ولذا لم يؤثر ذلك عن رسول الله - ﷺ - ولا عن صحابته ولا عن التابعين لهم بإحسان. ففعل ذلك من البدع التي أحدثها الناس في الدين مع ما فيها من التشبه بأهل الكتاب ومع ما قد تتضمنه من المفاسد.\n٣. إذا كانت إقامة الاحتفالات والأعياد بهذه المناسبات من باب شكر الله تعالى أو تعظيم نبيه - ﷺ - كما يدعي بعضهم، فالجواب على هذا: أن شكر الله تعالى إنما يكون بطاعته وعبادته ﷿ على وفق شرعه ﷾ كما أن تعظيم النبي - ﷺ - واحترامه يكون بطاعته أيضًا ومحبته والصلاة عليه واتباع سنته عليه أفضل الصلاة والسلام وعدم الابتداع في الدين.\n_________\n(١) سورة الجاثية الآية ١٨.","vol":"1","page":242},{"text":"٤. ليس المقصود من الاقتداء بالرسول - ﷺ - والاتعاظ بسيرته والانتفاع بأحداثها وما فيها من دروس وعبر أن يكون ذلك مجرد ذكريات فقط تقام لها الاحتفالات والخطب في أيام محددة من السنة ثم تنسى إنما المطلوب أن يكون النظر في سيرته - ﷺ - والانتفاع بما وقع فيها من أحداث ووقائع شريفة واستخراج الدروس والعبر منها أن يكون ذلك طوال أيام السنة ولياليها على الوجه الشرعي فلا يختص بأوقات محددة] (١).\n_________\n(١) التبرك أنواعه وأحكامه ص ٣٧٩.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الخامس عشر\nبدع موسمية أخرى</span>\nوهنالك بدع موسمية أخرى منتشرة تعطل فيها الأعمال والجامعات والمدارس وفي ذلك تعطيل لمصالح الناس وضرر يعود على طلاب العلم بسبب هذه الأعياد المزعومة كعيد رأس السنة الميلادية وهو اليوم الأول من شهر كانون الثاني من كل عام حيث إنه يوم عيد وعطلة رسمية في كثير من البلاد وكذلك عيد العمال ويقع في اليوم الأول من شهر أيار من كل عام وكذلك عيد الأم في الحادي والعشرين من آذار من كل عام وعيد الاستقلال وعيد الشجرة وعيد الحب الذي هو مظهر من مظاهر الفسق والفجور وغير ذلك من الأعياد، فهذه الأعياد كلها مبتدعة لا يجوز للمسلم أن يحتفل بها أو أن يلقي لها بالًا وقد صح في الحديث قول النبي - ﷺ -: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) وليس الاحتفال بهذه المناسبات من عمله - ﷺ - ولا من عمل أصحابه ﵃ ولا من عمل سلف الأمة بل هو تشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الناس (١). والمسلمون عندهم عيدان شرعيان فقط يحتفل بهما وهما عيد الفطر وعيد الأضحى فقد ورد في الحديث عن أنس - ﵁ - قال: (قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول - ﷺ -: إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا إسناد على شرط مسلم وصححه الشيخ الألباني (٢).\n_________\n(١) انظر فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية ٣/ ٥٩.\n(٢) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٣/ ٣٤١، سنن النسائي ٣/ ١٧٩، الفتح الرباني ٦/ ١١٨ - ١١٩، اقتضاء الصراط المستقيم ص ١٨٤، صحيح سنن أبي داود ١/ ٢١٠.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المبحث السادس عشر\nالبدع المتعلقة بقراءة القرآن الكريم</span>\nوفيه مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المسألة الأولى: ما يتعلق بسورة الفاتحة:</span>\nاعتاد كثير من الناس على قراءة سورة الفاتحة عند الانتهاء من إلقاء درس أو موعظة وعند الانتهاء من قراءة سورة من القرآن فعندما يختم القارئ قراءته يقول للسامعين الفاتحة وكذلك عند عقد الزواج وعند الانتهاء من الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - بعد الأذان وعند المرور بالقرب من المقبرة وعند ختم الصلاة وعند الاتفاق على صفقة بيع أو شراء، وعند إتمام صلح بين متخاصمين يقرؤون الفاتحة وغير ذلك من المواضع.\nولا شك أن سورة الفاتحة هي أعظم سورة في القرآن الكريم وهي السبع المثاني كما قال تعالى: (َوَلَقَدْءَاتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ) (١).\nقال القرطبي: [سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة] (٢).\nوقد ثبت فضل سورة الفاتحة في عدة أحاديث منها:\nعن أبي سعيد بن المعلى - ﵁ - قال: (مرَّ بي النبي - ﷺ - وأنا أصلي فدعاني فلم آته حتى صليت. ثم أتيت فقال: ما منعك أن تأتي؟ فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله (يا أيها الذين آمنوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد. فذهب النبي - ﷺ - ليخرج فذكرته فقال:\n_________\n(١) سورة الحجر الآية ٨٧.\n(٢) تفسير القرطبي ١/ ١١٢.","vol":"1","page":245},{"text":"الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه الإمام البخاري (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ - سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل إلا اليوم، فسلَّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته) رواه مسلم (٢). وغير ذلك من الأحاديث.\n\nوقراءة الفاتحة وغيرها من سور القرآن الكريم عبادة من العبادات والأصل في العبادات التلقي عن رسول الله - ﷺ - ولم ينقل عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقرأ الفاتحة بعد وعظه وإرشاده ولا بعد صلاة الجنازة ولا عند الزواج ولا في المناسبات التي شاع فيها قراءة الفاتحة في زماننا هذا.\nوكل ذلك من الأمور المبتدعة المخالفة لهدي المصطفى - ﷺ -، قال الشيخ محمد رشيد رضا: [فاعلم أن ما اشتهر وعمَّ البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية ولكنه صار بِسُكُوتِ اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة] (٣).\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ٩/ ٤٥٣.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٤١٦ - ٤١٧.\n(٣) تفسير المنار ٨/ ٢٦٨.","vol":"1","page":246},{"text":"وقال الشيخ الألباني: [... ومما سبق تعلم أن قول الناس اليوم في بعض البلاد:\" الفاتحة على روح فلان \" مخالفٌ للسنة المذكورة فهو بدعةٌ بلا شك] (١).\nوقراءة الفاتحة بنية قضاء الحاجات وتفريج الكربات وهلاك الأعداء بدعة لم يأذن بها الدين ... وقراءة الفاتحة عند خطبة الزواج واعتقاد الناس أن قراءتها عهد لا ينقض بدعة واعتقاد فاسد جاهل (٢).\nوأجابت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية برئاسة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن سؤال حول حكم القول: الفاتحة على روح فلان، أو الفاتحة إن الله ييسر لنا ذلك الأمر وبعد ذلك بعد الميلاد يقرأون سورة الفاتحة أو بعد أن يقرأ القرآن وينتهي من قراءته يقول الفاتحة ويقرؤها الحاضرون، وكذلك جرى العرف على قراءة الفاتحة قبل الزواج فما حكم ذلك؟ فأجابت اللجنة:\n[قراءة الفاتحة بعد الدعاء أو بعد قراءة القرآن أو قبل الزواج بدعة لأن ذلك لم يثبت عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من صحابته - ﵁ - وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ)] (٣).\n_________\n(١) أحكام الجنائز ص ٣٣.\n(٢) السنن والمبتدعات ص٢١٧، انظر يسألونك ٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(٣) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية ٢/ ٣٨٤.","vol":"1","page":247},{"text":"المسألة الثانية: ما يتعلق باستماع القرآن الكريم:\nيقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (١).\nفالمطلوب من السامعين للتلاوة الإنصات والتدبر والتفكر في الآيات المتلوة، ولكن كثيرًا من السامعين يخلون بهذا الأدب فتراهم يجلسون أمام قارئ القرآن ويتحدثون فيما بينهم وإذا استمعوا فتسمعهم يقولون للقارئ عند قراءته آية: الله الله. الله يفتح عليك. ما شاء الله. تبارك الله. اللهم صلِ على النبي - ﷺ -، وغير ذلك من الألفاظ وكل هذا من سوء الأدب مع كتاب الله ﷾ ومن الأمور المبتدعة، قال العز بن عبد السلام: [الاستماع للقرآن والتفهم لمعانيه من الآداب المشروعة المحثوث عليها والاشتغال عن ذلك بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع، سوء أدب على الشرع] (٢).\nوقال السيوطي: [يسن الاستماع لقراءة القرآن وترك اللغط والحديث بحضور القرآءة قال الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)] (٣).\nوقد صح في الحديث عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: (اقرأ عليَّ. قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم. فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ\n_________\n(١) سورة الأعراف الآية ٢٠٤.\n(٢) فتاوى العز بن عبد السلام ص ٤٨٥ - ٤٨٦، وانظر التبيان في آداب حملة القرآن ص ٤٩.\n(٣) الإتقان ١/ ١٤٥.","vol":"1","page":248},{"text":"شَهِيدًا) قال: حسبك الآن، فالتفت فإذا عيناه تذرفان) رواه البخاري (١).\nوفي رواية لمسلم قال عبد الله: (فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل) (٢).\nولنا في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة، أما ما يفعله كثير من الناس اليوم في مجال القرآن فهو أمرٌ منكرٌ مبتدع (٣).\nقال الشيخ محمد عبد السلام: [وقولهم لقارئ القرآن السيط: الله الله، كمان، كمان يا أستاذ، هيه هيه، الله يفتح عليك. حرمه الله بقوله: ... (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) والحق أنهم لم يلتذوا بألفاظ القرآن لأنهم لم يفقهوا لها معنى بل ما كانت لذتهم إلا من حسن نغمة القارئ والدليل على ذلك أنه لو قرأ قارئ ليس حسن الصوت، السورة بعينها، التي كانت تتلى عليهم لانفضوا من حوله سابين لاعنين له ولمن جاء به قائلين: جايب لنا فقي حسه زي حس الوابور.\nولقد وصف الله المؤمنين من عباده بأنهم: (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) وقال فيهم أيضًا: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)] (٤).\nتمّ الكتاب بحمد الله تعالى\n_________\n(١) صحيح البخاري مع الفتح ١٠/ ٤٧١.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٤١٣.\n(٣) انظر اللمع في الحوادث والبدع ١/ ٥٧، بدع القرآء ص ٢٢، الإبداع ص ٢٣١.\n(٤) السنن والمبتدعات ص ٢١٩ - ٢٢٠.","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>قائمة المصادر</span>\n١. الإبداع في كمال الشرع وخطر الابتداع / محمد بن صالح العثيمين / ط٢ دار الوطن / الرياض.\n٢. الإبداع في مضار الابتداع / علي محفوظ / دار الاعتصام /القاهرة.\n٣. الاتباع / ابن أبي العز الحنفي / حققه محمد حنيف وعاصم القريوتي / ط٢ السلفية / القاهرة.\n٤. إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة / عبد الله بن الصديق الغماري /عالم الكتب ط٢ سنة ١٤٠٦هـ ١٩٨٦م.\n٥. الإتقان في علوم القرآن / جلال الدين السيوطي.\n٦. الأجزاء الحديثية / د. بكر بن عبد الله أبو زيد / دار العاصمة / الرياض ط١ سنة ١٤١٦هـ ١٩٩٦م.\n٧. الأجوبة المرضية فيما سئل عنه من الأحاديث النبوية / الحافظ شمس الدين السخاوي / حققه محمد إسحاق / دار الراية الرياض ط١ سنة ١٤١٨هـ\n٨. الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة / محمد ناصر الدين الألباني / المكتب الإسلامي ط٢ سنة ١٤٠٠هـ.\n٩. الأحاديث الواردة في فضائل المدينة / د. صالح الرفاعي / ط١ سنة ١٤١٣هـ١٩٩٢م / نشر الجامعة الإسلامية.\n١٠. إحكام الأحكام في أصول الأحكام / سيف الدين أحمد بن علي الآمدي / تعليق عبد الرزاق عفيفي / ط١ الرياض.\n١١. أحكام أهل الذمة / شمس الدين محمد بن أبي بكر بن القيم / حققه طه عبد الرؤف سعد /دار الكتب العلمية /ط١ سنة ١٤١٥هـ ١٩٩٥م.\n١٢.","vol":"1","page":250},{"text":"أحكام الجنائز / محمد ناصر الدين الألباني / ط٢ سنة ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢م / المكتب الإسلامي.\n١٣. الاختيارات العلمية / شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية / مطبعة كردستان العلمية / سنة ١٣٢٩ هـ / القاهرة.\n١٤. الاختيار لتعليل المختار/ عبد الله بن محمود الموصلي الحنفي / تعليق محمود أبو دقيقة / دار المعرفة ط٣ / القاهرة.\n١٥. أداء ما وجب في بيان وضع الوضاعين في رجب / أبو الخطاب بن دحية / حققه زهير الشاويش / تخريج محمد ناصر الدين الألباني / ط١ سنة ١٤١٩هـ ١٩٩٨م / المكتب الإسلامي\n١٦. الأذكار / يحيى بن شرف النووي / بدون معلومات طبع.\n١٧. الأربعين والخمسين والذكرى السنوية / عمرو عبد المنعم / ط١ سنة ١٤١٣هـ ١٩٩٣م / دار الصحابة للتراث.\n١٨. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول / محمد بن علي الشوكاني / دار المعرفة.\n١٩. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل / محمد ناصر الدين الألباني / المكتب الإسلامي / ط ١.\n٢٠. الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / الحافظ ابن عبد البر / تحقيق د. عبد المعطي قلعجي / مؤسسة الرسالة / ط١.\n٢١. الأشباه والنظائر / جلال الدين السيوطي / حققه محمد البغدادي / دار الكتاب العربي / ط٢ سنة ١٤١٤هـ ١٩٩٣م.\n٢٢. إصلاح المساجد من البدع والعوائد / محمد جمال الدين القاسمي / تخريج محمد ناصر الدين الألباني / ط٥ سنة ١٤٠٣هـ ١٩٨٣م.\n٢٣.","vol":"1","page":251},{"text":"أصول السرخسي / أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي / دار المعرفة.\n٢٤. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن / محمد الأمين الشنقيطي / ط١ سنة ١٤١٧هـ ١٩٩٦م / دار الكتب العلمية.\n٢٥. الاعتصام / أبو إسحاق الشاطبي / دار المعرفة.\n٢٦. إعلام الساجد بإحكام المساجد / بدر الدين الزركشي / ط١ سنة ١٤١٦هـ ١٩٩٥م.\n٢٧. إعلام الموقعين عن رب العالمين / شمس الدين محمد بن أبي بكر بن القيم /دار الجيل.\n٢٨. إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان / شمس الدين محمد بن أبي بكر بن القيّم / صححه محمد حامد الفقي / بدون معلومات طبع.\n٢٩. اقتضاء الصراط المستقيم / شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية / مطابع المجد.\n٣٠. الأم / الإمام محمد بن إدريس الشافعي / دار المعرفة.\n٣١. الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع / جلال الدين السيوطي / حققه مشهور سلمان / ط١ سنة ١٤١٠هـ ١٩٩٠م / دار ابن القيم.\n٣٢. الأمنية في إدراك النية / أحمد ابن إدريس القرافي / ط١ دار الكتب العلمية.\n٣٣. الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل / مجير الدين الحنبلي / حققه عدنان أبو تبانة ومحمود الكعابنة / ط١ مكتبة دنديس.\n٣٤. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف / علاء الدين المرداوي / دار إحياء التراث العربي / ط٢.\n٣٥. الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات / نعمان الألوسي / حققه محمد ناصر الدين الألباني / ط٤ سنة ١٤٠٥هـ / المكتب الإسلامي.\n٣٦.","vol":"1","page":252},{"text":"الباعث على إنكار البدع والحوادث / أبو شامة المقدسي / حققه بشير عيون / ط١ سنة ١٤١٢هـ ١٩٩٤م / مكتبة المؤيد.\n٣٧. البداية والنهاية / الحافظ ابن كثير / دار الريان / ط١.\n٣٨. البدع الحولية عبد الله التويجري / ط١ سنة ١٤٢١هـ ٢٠٠٠م / دار ابن حزم\n٣٩. بدع القراء / د. بكر أبو زيد / ط٢ سنة ١٤١٦هـ ١٩٩٥م / دار الصميعي.\n٤٠. البدع والنهي عنها / محمد بن وضاح القرطبي / حققه محمد أحمد دهمان / دار الصفا / القاهرة ط١ سنة ١٤١١هـ ١٩٩٠م\n٤١. البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها / د. عزت علي عطية / دار الكتب الحديثة - القاهرة\n٤٢. البدعة وأثرها السيء في الأمة / سليم الهلالي / ط٤ سنة ١٤٢٠هـ / بدون معلومات طبع.\n٤٣. البدعة والمصالح المرسلة / د. توفيق الواعي / ط١ سنة ١٤٠٤هـ ١٩٨٤م / مكتبة دار التراث / الكويت.\n٤٤. بذل المجهود / خليل السهارنفوري / دار الفكر.\n٤٥. بلادنا فلسطين / مصطفى الدباغ.\n٤٦. بلغة السالك لأقرب المسالك / أحمد الصاوي / دار الفكر.\n٤٧. بيت المقدس وما حوله / د. محمد عثمان شبير / ط١ سنة ١٤٠٧هـ ١٩٨٧م / مكتبة الفلاح.\n٤٨. التبرك أنواعه وأحكامه / د. ناصر الجديع / ط٤ سنة ١٤١٨هـ ١٩٩٧م / مكتبة الرشد.\n٤٩. التبيان في آداب حملة القرآن / يحيى بن شرف النووي / ط١ سنة ١٤٠٣هـ ١٩٨٣م / دار الكتب العلمية.\n٥٠.","vol":"1","page":253},{"text":"تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد / محمد ناصر الدين الألباني / ط٣ المكتب الإسلامي.\n٥١. التحذير من البدع / عبد العزيز بن باز / من مطبوعات إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\n٥٢. تحفة الأحوذي / محمد عبد الرحمن المباركفوري / ط١ سنة ١٤١٠هـ ١٩٩٠م / دار الكتب العلمية.\n٥٣. الترغيب والترهيب / عبد العظيم المنذري / ط٣ سنة ١٣٨٨هـ ١٩٦٨م / دار إحياء التراث العربي.\n٥٤. التشبه المنهي عنه / جميل اللويحق / ط١ سنة ١٤١٩هـ ١٩٩٩م / دار الأندلس.\n٥٥. تعليق الشيخ أحمد شاكر على إحكام الأحكام لابن دقيق العيد / ط٢ سنة ١٤٠٧هـ ١٩٨٧م / عالم الكتب.\n٥٦. تعليق الشيخ أحمد شاكر على سنن الترمذي / دار الكتب العلمية.\n٥٧. تفسير ابن كثير / عماد الدين إسماعيل بن كثير / دار إحياء التراث العربي.\n٥٨. تفسير القرطبي / أبو عبد الله محمد الأنصاري القرطبي / ط٣ دار القلم.\n٥٩. تفسير المنار / محمد رشيد رضا / ط٢ دار المعرفة.\n٦٠. التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل / صالح آل الشيخ / ط١ سنة ١٤١٧هـ ١٩٩٦م / دار العاصمة.\n٦١. تلبيس إبليس / أبو الفرج ابن الجوزي / دار الكتب العلمية.\n٦٢. التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير / الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني / طبعة عبد الله هاشم اليماني المدني.\n٦٣. تمام المنة / محمد ناصر الدين الألباني / المكتبة الإسلامية.\n٦٤.","vol":"1","page":254},{"text":"تهذيب الأسماء واللغات / أبو زكريا محي الدين النووي / دار الكتب العلمية.\n٦٥. تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية / محمد علي حسين / دار المعرفة.\n٦٦. التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح / أحمد بن محمد الشويكي / تحقيق ناصر الميمان / المكتبة المكية / ط١.\n٦٧. جامع العلوم والحكم / الحافظ ابن عبد البر / دار الكتب العلمية.\n٦٨. جامع بيان العلم وفضله / الحافظ ابن عبد البر / دار الكتب العلمية\n٦٩. الجوهر النقي (مطبوع مع سنن البيهقي) / علاء الدين المارديني الشهير بابن التركماني / دار الفكر.\n٧٠. حاشية ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار) / محمد أمين الشهير بابن عابدين / مطبعة مصطفى البابي الحلبي / الطبعة الثانية.\n٧١. حاشية التفتازاني على شرح العضد / سعد الدين التفتازاني / مكتبة الكليات الأزهرية.\n٧٢. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير / شمس الدين محمد عرفه الدسوقي / دار إحياء الكتب العربية.\n٧٣. الحاوي الكبير / أبو الحسن علي بن محمد الماوردي / دار الكتب العلمية / الطبعة الأولى.\n٧٤. حجة النبي - ﷺ - /محمد ناصر الدين الألباني / ط٧ سنة ١٤٠٥هـ ١٩٨٥م / المكتب الإسلامي.\n٧٥. الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية / عبد الغني النابلسي / حققه د. محمد يوسف / نشر قسم إحياء التراث الإسلامي / القدس.\n٧٦.","vol":"1","page":255},{"text":"الحوادث والبدع / أبو بكر الطرطوشي / حققه علي حسن عبد الحميد / ط٢ سنة ١٤١٧هـ ١٩٩٦م / دار ابن الجوزي.\n٧٧. خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام / يحيى بن شرف النووي / حققه حسين الجمل / ط١ مؤسسة الرسالة.\n٧٨. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين / محمد بن علان الصديقي / دار المعرفة.\n٧٩. الذخيرة / شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي / تحقيق د. محمد حجي / دار الغرب الإسلامي / ط١.\n٨٠. رسالة شفاء العليل وبلّ الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل / ضمن رسائل ابن عابدين / محمد أمين الشهير بابن عابدين الحنفي / دار إحياء التراث العربي.\n٨١. الروح / شمس الدين أبو عبد الله ابن القيم / دار الكتب العلمية.\n٨٢. روضة الطالبين / يحيى بن شرف النووي / دار الكتب العلمية.\n٨٣. زاد المعاد في هدي خير العباد / شمس الدين أبو عبد الله ابن القيم / حققه شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط / ط١٢ سنة ١٤٠٦هـ ١٩٨٦م / مؤسسة الرسالة.\n٨٤. الزهد / عبد الله بن المبارك / حققه حبيب الرحمن الأعظمي / دار الكتب العلمية.\n٨٥. سبل السلام / شرح بلوغ المرام / محمد بن إسماعيل الصنعاني / دار إحياء التراث العربي.\n٨٦. سلسلة الأحاديث الصحيحة / محمد ناصر الدين الألباني / الطبعة الثانية / المكتب الإسلامي.\n٨٧.","vol":"1","page":256},{"text":"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة / محمد ناصر الدين الألباني / المكتب الإسلامي /ط٢.\n٨٨. سنن أبي داود / سليمان بن الأشعث السجستاني / دار الكتب العلمية / ط١ / مطبوع مع عون المعبود.\n٨٩. سنن ابن ماجة / أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني / تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي / دار الكتب العلمية.\n٩٠. سنن البيهقي (السنن الكبرى) / أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي / دار الفكر.\n٩١. سنن الترمذي / أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة / تحقيق أحمد محمد شاكر / دار الكتب العلمية.\n٩٢. سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي / ط١ سنة ١٤١٠هـ ١٩٩٠م / دار الكتب العلمية\n٩٣. سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي / ط١سنة ١٤١٨هـ ١٩٩٧م / دار الكتب العلمية.\n٩٤. سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان / نبيل الغمري / ط١ سنة ١٤١٩هـ ١٩٩٩م / دار البشائر الإسلامية.\n٩٥. سنن النسائي / أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي / دار الكتب العلمية.\n٩٦. السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات / محمد عبد السلام الشقيري / درا الكتب العلمية.\n٩٧. السنة والبدعة / عبد الله محفوظ الحضرمي / دار القلم.\n٩٨.","vol":"1","page":257},{"text":"شرح الزرقاني على المواهب اللدنية / محمد الزرقاني / ط١ سنة ١٤١٧ هـ ١٩٩٧م / دار الكتب العلمية.\n٩٩. شرح السنة / الحسين بن مسعود البغوي / حققه شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش / ط٢ سنة ١٤٠٣هـ ١٩٨٣م / المكتب الإسلامي.\n١٠٠. شرح العقيدة الطحاوية / ابن أبي العز الحنفي / تخريج محمد ناصر الدين الألباني / ط٤ سنة ١٣٩١هـ / المكتب الإسلامي.\n١٠١. شرح الكوكب المنير / محمد بن أحمد الفتوحي المعروف بابن النّجار / تحقيق د. محمد الزحيلي ود. نزيه حماد / دار الفكر.\n١٠٢. شرح النووي على صحيح مسلم / أبو زكريا محيي الدين النووي / دار الخير\n١٠٣. صحيح ابن حبان (الإحسان) / علاء الدين علي بن بلبان / تحقيق شعيب الأرناؤوط / مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى.\n١٠٤. صحيح البخاري مع الفتح / محمد بن إسماعيل البخاري / مطبعة مصطفى البابي الحلبي / مطبوع مع شرحه فتح الباري.\n١٠٥. صحيح الترغيب والترهيب / محمد ناصر الدين الألباني / ط٢ سنة ١٤٠٦هـ ١٩٨٦ / المكتب الإسلامي.\n١٠٦. صحيح سنن أبي داود / محمد ناصر الدين الألباني / المكتب الإسلامي / ط١\n١٠٧. صحيح سنن الترمذي / محمد ناصر الدين الألباني / المكتب الإسلامي / ط١\n١٠٨. صحيح مسلم / مسلم بن الحجاج النيسبابوري / دار الخير / الطبعة الأولى / مطبوع مع شرح النووي.\n١٠٩. صفة صلاة النبي - ﷺ - / محمد ناصر الدين الألباني / دار الكتب السلفية.\n١١٠. طبقات الأولياء والصالحين في الأرض المقدسة / د. شكري عراف.\n١١١.","vol":"1","page":258},{"text":"طبقات الشافعية الكبرى / تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي / تحقيق محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو / دار إحياء الكتب العربية.\n١١٢. عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي / أبو بكر بن العربي المالكي / ط١ دار الكتب العلمية.\n١١٣. العبودية / شيخ الإسلام أحمد بن تيمية /ط٤ سنة ١٣٩٧ هـ / المكتب الإسلامي.\n١١٤. عمدة القاري شرح صحيح البخاري / بدر الدين محمود العيني / دار الفكر.\n١١٥. عمل اليوم والليلة / أبو بكر أحمد بن محمد المعروف بابن السني / حققه عبد الرحمن البرني / ط١ سنة ١٤١٨هـ ١٩٩٨م / دار الأرقم.\n١١٦. عون المعبود شرح سنن أبي داود / محمد أشرف بن أمير الصديقي العظيم أبادي / دار الكتب العلمية ط١.\n١١٧. فتاوى إسلامية / عبد العزيز بن عبد الله بن باز ومحمد بن عثيمين وعبد الله بن جبرين / دار الأرقم.\n١١٨. فتاوى الشيخ الألباني ومقارنتها بفتاوى العلماء / عكاشة الطيبي / ط٢ سنة ١٤١٥هـ ١٩٩٥م دار الجيل.\n١١٩. فتاوى الإمام النووي / يحيى بن شرف الدين النووي / حققه عبد القادر عطا / ط٢ سنة ١٤٠٨هـ ١٩٨٨م / مؤسسة الكتب الثقافية.\n١٢٠. الفتاوى الحديثية / أحمد بن شهاب الدين بن حجر الهيتمي المكي / دار المعرفة للطباعة والنشر / بيروت.\n١٢١. فتاوى شرعية وبحوث إسلامية / حسنين محمد مخلوف / ط٥ سنة ١٤٠٥هـ ١٩٨٥م / دار الاعتصام.\n١٢٢.","vol":"1","page":259},{"text":"فتاوى العز بن عبد السلام / حققه محمد كردي / ط١ سنة ١٤١٦هـ ١٩٩٦م / مؤسسة الرسالة.\n١٢٣. فتاوى العقيدة / محمد بن صالح العثيمين / ط١ سنة ١٤١٢هـ ١٩٩٢م / مكتبة السنة.\n١٢٤. الفتاوى الكبرى الفقهية / أحمد بن شهاب الدين بن حجر الهيتمي المكي / دار صادر.\n١٢٥. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء / جمعها أحمد الدويش / ط١ سنة ١٤١٢هـ١٩٩١م / دار عالم الكتب.\n١٢٦. فتح الباري بشرح البخاري / الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني / مطبعة مصطفى البابي الحلبي.\n١٢٧. الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني / أحمد عبد الرحمن البنا / دار إحياء التراث العربي.\n١٢٨. فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر على موطأ الإمام مالك / ترتيب د. مصطفى صميدة / دار الكتب العلمية / الطبعة الأولى.\n١٢٩. فتح المنان / نبيل الغمري / ط١ سنة ١٤١٩ هـ ١٩٩٩م / دار البشائر الإسلامية.\n١٣٠. الفتوحات الربانية على الأذكار النووية / محمد بن علان الصديقي / دار الفكر.\n١٣١. الفروع / شمس الدين محمد بن مفلح / عالم الكتب.\n١٣٢. الفروق / شهاب الدين أحمد القرافي / دار المعرفة.\n١٣٣. فضائل الشام ودمشق / الربعي / تخريج محمد ناصر الدين الألباني / ط٤سنة ١٤٠٣هـ / المكتب الإسلامي.\n١٣٤.","vol":"1","page":260},{"text":"فقه السنة / سيد سابق / دار الكتاب العربي.\n١٣٥. الفقيه والمتفقه / الخطيب البغدادي / دار إحياء السنة النبوية.\n١٣٦. الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة / عبد الرحمن عبد الخالق / ط٤ سنة ١٤١٣هـ ١٩٩٣م دار الحرمين.\n١٣٧. فوائد البنوك هي الربا الحرام / د. يوسف بن عبد الله القرضاوي / ط٢ سنة ١٤١٥هـ ١٩٩٥م المكتب الإسلامي.\n١٣٨. فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت / عبد العلي محمد الأنصاري / المطبعة الأميرية / مطبوع مع المستصفى.\n١٣٩. قواعد الأحكام في مصالح الأنام / العز بن عبد السلام / دار الكتب العلمية.\n١٤٠. القواعد النوارنية / شيخ الإسلام ابن تيمية / حققه عبد السلام شاهين / ط١ سنة ١٤١٤ هـ ١٩٩٤م / دار الكتب العلمية.\n١٤١. القول المبين في أخطاء المصلين / مشهور سلمان / ط٢ سنة ١٤١٣هـ ١٩٩٣م / دار ابن القيم.\n١٤٢. كتاب السنة / ابن أبي عاصم / تخريج محمد ناصر الدين الألباني / ط٢ سنة ١٤٠٥هـ ١٩٨٥م المكتب الإسلامي.\n١٤٣. كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي / علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري / دار الكتاب العربي.\n١٤٤. كلمة علمية هادية في البدعة وأحكامها / وهبي سليمان الألباني / ط١ سنة ١٤١٢هـ ١٩٩١م / دار الإمام مسلم.\n١٤٥. الكليات / أبو البقاء الكفوي / مؤسسة الرسالة / الطبعة الثانية.\n١٤٦. لسان العرب / ابن منظور / تعليق علي شيري / دار إحياء التراث العربي / الطبعة الأولى.\n١٤٧.","vol":"1","page":261},{"text":"لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف / ابن رجب الحنبلي / حققه ياسين السواس / ط١ سنة ١٤١٣هـ ١٩٩٢م / دار ابن كثير.\n١٤٨. اللمع في الحوادث والبدع / إدريس التركماني / حققه صبحي لبيب / سنة ١٤٠٦هـ ١٩٨٦م / دار إحياء الكتب العربية.\n١٤٩. مجلة الحكمة مجلة علمية شرعية تصدر من ليدز - بريطانيا.\n١٥٠. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد / نور الدين علي الهيثمي / دار الكتاب العربي / الطبعة الثالثة.\n١٥١. المجموع شرح المهذب / أبو زكريا محيي الدين النووي / دار الفكر.\n١٥٢. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية / جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد العاصمي النجدي / مؤسسة الرسالة.\n١٥٣. مجموعة الرسائل الكبرى / شيخ الإسلام أحمد بن تيمية / دار إحياء التراث العربي.\n١٥٤. المدخل / محمد بن محمد المالكي المعروف بابن الحاج / دار الكتب العلمية.\n١٥٥. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح / ملا على القاري / حققه صدقي العطار / دار الفكر.\n١٥٦. المستدرك على الصحيحين / أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم / دار المعرفة / الطبعة الأولى.\n١٥٧. المسجد في الإسلام / خير الدين وانيلي / ط١ سنة ١٣٩١هـ ١٩٧١م.\n١٥٨. مشكاة المصابيح / الخطيب التبريزي / حققه محمد ناصر الدين الألباني / ط٣ سنة ١٤٠٥هـ ١٩٨٥م / المكتب الإسلامي.\n١٥٩. مصنف ابن أبي شيبة / عبد الله بن محمد بن أبي شيبة / تحقيق عبد الخالق الأفغاني / الدار السلفية / ط٢.\n١٦٠.","vol":"1","page":262},{"text":"المصنف / عبد الرزاق بن همام الصنعاني / حققه حبيب الرحمن الأعظمي / ط٢ سنة ١٤٠٣هـ ١٩٨٣ م / المكتب الإسلامي.\n١٦١. معالم السنن شرح سنن أبي داود / أبو سليمان الخطابي / دار الكتب العلمية\n١٦٢. معجم البدع / رائد أبو علفة / ط١ سنة ١٤١٧هـ ١٩٩٦م / دار العاصمة.\n١٦٣. معجم المناهي اللفظية / د. بكر بن عبد الله أبو زيد / ط٣ سنة ١٤١٧هـ ١٩٩٦م / دار العاصمة.\n١٦٤. معرفة السنن والآثار / أحمد بن الحسين البيهقي / تحقيق د. عبد المعطي قلعجي / مطابع دار الوفاء /ط١.\n١٦٥. المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء أفريقيا والأندلس والمغرب / أحمد الونشريسي دار الغرب الإسلامي.\n١٦٦. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج / محمد الخطيب الشربيني / دار الكتب العلمية /ط١.\n١٦٧. المغني على مختصر الخرقي / عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي / مطبعة الفجالة الجدبدة.\n١٦٨. المفردات في غريب القرآن / الراغب الأصفهاني / تحقيق محمد سيد كيلاني.\n١٦٩. المفصل في تاريخ القدس / عارف العارف / مكتبة الأندلس.\n١٧٠. مقاصد المكلفين / د. عمر الأشقر.\n١٧١. المنار المنيف / شمس الدين محمد بن أبي بكر بن القيم / تخريج عبد الفتاح أبو غدة / ط٦ سنة ١٤١٤هـ ١٩٩٤م / مكتب المطبوعات الإسلامية.\n١٧٢. مناسك الحج والعمرة / محمد ناصر الدين الألباني / ط٢.\n١٧٣. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود / محمود خطاب السبكي / مؤسسة التاريخ العربي\n١٧٤.","vol":"1","page":263},{"text":"المهذب مع المجموع / أبو إسحاق الشيرازي / دار الفكر.\n١٧٥. الموافقات في أصول الشريعة / أبو إسحاق الشاطبي / دار المعرفة.\n١٧٦. المواهب اللدنية / أحمد بن محمد القسطلاني / حققه صالح الشامي / ط١ سنة ١٤١٢هـ ١٩٩١م المكتب الإسلامي.\n١٧٧. موسم النبي موسى في فلسطين / كامل جميل العسلي / ط١ سنة ١٩٩٠م.\n١٧٨. الموسوعة الفقهية / وزارة الأوقاف الكويتية / طباعة ذات السلاسل / الطبعة الثانية.\n١٧٩. موطأ مالك / الإمام مالك بن أنس / تعليق محمد فؤاد عبد الباقي / دار الحديث / ط٢.\n١٨٠. النهاية في غريب الحديث / ابن الأثير الجزري / دار الفكر.\n١٨١. نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار / محمد بن علي الشوكاني / مطبعة الحلبي\n١٨٢. الهداية مع شرح فتح القديرشرح البداية / برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني / دار إحياء التراث العربي.\n١٨٣. يسألونك / د. حسام الدين بن موسى عفانه / مطبعة بيت المقدس / القدس\nانتهى","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>فهرس المحتويات</span>\nالموضوع ... رقم الصفحة\nأقوال في الاتباع والابتداع ... ٤\nمقدمة الطبعة الثانية ... ٥\nمقدمة الطبعة الأولى ... ٦\nالفصل الأول: قواعد وأسس في السنة والبدعة ... ٩\nالمبحث الأول: الحث على اتباع السنة والتحذير من البدعة وبيان أسباب الابتداع ... ١١\nأولًا: الآيات الكريمات التي تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع ... ١١\nثانيًا: الأحاديث النبوية التي تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع ... ١٤\nثالثًا: الآثار الواردة عن السلف في لزوم السنة وذم البدعة ... ١٧\nالمبحث الثاني: تعريف البدعة لغة واصطلاحًا ... ٢١\nأولًا: تعريف البدعة لغة ... ٢١\nثانيًا: تعريف البدعة اصطلاحًا ... ٢٢\nمناهج العلماء في تعريف البدعة ... ٢٣\nالمنهج الأول في تعريف البدعة ... ٢٣\nأدلة القائلين بالمنهج الأول ... ٢٥\nالمنهج الثاني في تعريف البدعة ... ٢٨\nأدلة القائلين بالمنهج الثاني ... ٣٠\nالمنهج المختار في تعريف البدعة ... ٣٥","vol":"1","page":265},{"text":"المبحث الثالث: الأصل في العبادة الاتباع ... ٤٤\nالأدلة من السنة على هذا الأصل ... ٤٤\nالأدلة من آثار الصحابة على هذا الأصل ... ٤٧\nالمبحث الرابع: لا يجوز إثبات نوع من العبادات لدخوله تحت الدليل العام بل لا بد من دليل خاص ... ٥٤\nالمبحث الخامس: تقسيم السنة النبوية إلى فعلية وتركية وأثر الجهل بهذا الأصل في الابتداع ... ٦٣\nالمبحث السادس: تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية ... ٧٣\nالبدعة الحقيقية ... ٧٣\nالبدعة الإضافية ... ٧٥\nالمبحث السابع: حكم البدعة ... ٧٨\nالمبحث الثامن: أسباب الابتداع ... ٨٤\nالمبحث التاسع: أسباب انتشار البدع ... ٨٦\nالفصل الثاني: البدع المنتشرة بين الناس في المساجد وغيرها ... ٨٧\nالمبحث الأول: البدع المتعلقة بالأذان ... ٨٨\nالمسألة الأولى: قراءة القرآن قبل الأذان للصلوات الخمس وقبل الأذان للجمعة ... ٨٨\nالمسألة الثانية: الأذان بواسطة شريط مسجل عليه الأذان ... ٩٠\nالمسألة الثالثة: الصلاة على النبي - ﷺ - بعد الأذان بحيث تكون جزءً منه ... ٩٢","vol":"1","page":266},{"text":"المسألة الرابعة: الذكر قبل أذان الفجر وقبل أذان العشاء ليلتي الإثنين والجمعة ... ١٠٠\nالمسألة الخامسة: قراءة سورة الإخلاص قبل إقامة الصلاة ... ١٠٤\nالمبحث الثاني: البدع المتعلقة بالنية ... ١٠٥\nالمسألة الأولى: الجهر بالنية ... ١٠٥\nالمسألة الثانية: طلب الإمام من المأمومين أن يستحضروا النية ... ١١٦\nالمبحث الثالث: ختم الصلاة الجماعي ... ١١٨\nالمبحث الرابع: بدعة المصافحة بعد الصلاة وقول المصلي للآخر تقبل الله منا ومنكم ... ١٢٣\nالمبحث الخامس: بدع محدثة في دعاء القنوت ... ١٢٨\nتقليب اليدين عند الدعاء ... ١٢٩\nمسح الوجه والبدن في دعاء القنوت ... ١٣٠\nالمبحث السادس: بدع الجمعة ... ١٣٣\nالمسألة الأولى: الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - قبل أذان الجمعة ... ١٣٣\nالمسألة الثانية: نداء المؤذن بين يدي خطيب الجمعة بحديث الإنصات ... ١٣٥\nالمسألة الثالثة: دعاء المؤذن عند جلوس الخطيب بين الخطبتين ... ١٣٨\nالمسألة الرابعة: رفع الخطيب يديه عند الدعاء في الخطبة ... ١٣٩\nالمبحث السابع: بدع العيدين ... ١٤١\nالمسألة الأولى: قول المؤذن عند المناداة لصلاة العيد (الصلاة جامعة) ... ١٤١\nالمسألة الثانية: فرقة التكبير وما تقوم به من أمور مبتدعة ... ١٤٩","vol":"1","page":267},{"text":"المبحث الثامن: بدع الجنائز ... ١٥١\nالمسألة الأولى: رفع الصوت بالذكر أثناء تشييع الجنازة ... ١٥٥\nالمسألة الثانية: بدعة التلقين بعد الدفن ... ١٥٧\nالمسألة الثالثة: قراءة الختمة للأموات ... ١٦٣\nالمسألة الرابعة: إحياء ذكرى الأربعين ... ١٦٧\nالمسألة الخامسة: بدعة التأبين ... ١٦٩\nالمسألة السادسة: وضع جريد النخيل والزهور والورود على القبور ... ١٧٢\nالمسألة السابعة: زيارة القبور يومي العيد ... ١٧٨\nالمسألة الثامنة: قراءة القرآن على القبور ... ١٨٢\nالمبحث التاسع: بدعة الاحتفال بموسم النبي موسى ﵇ ... ١٨٨\nوصف الاحتفال ... ١٨٨\nأولًا: أين دفن موسى ﵇ ... ١٩٢\nثانيًا: شد الرحال إلى القبور والمقامات ... ١٩٦\nثالثًا: متى حدث الاحتفال بموسم النبي موسى ... ١٩٩\nالمبحث العاشر: البدع المتعلقة بالمسجد الأقصى ... ٢٠١\nالمسألة الأولى: بدعة تسمية المسجد الأقصى حرمًا ... ٢٠١\nالمسألة الثانية: بدع الصوفية في المسجد الأقصى والأناشيد الدينية والفرق المنشدة ... ٢٠٥\nالمسألة الثالثة: بدعة الطواف بمسجد قبة الصخرة ... ٢١٠\nالمسألة الرابعة: بدعة التمسح بالصخرة ... ٢١١\nخرافات متعلقة بالصخرة ... ٢١٢","vol":"1","page":268},{"text":"المبحث الحادي عشر: بدعة الاحتفال بالمولد النبوي ... ٢١٩\nالأدلة على بدعيته ... ٢١٩\nالمبحث الثاني عشر: بدعة الاحتفال بعيد الميلاد ... ٢٢٧\nالمبحث الثالث عشر: بدعة الاحتفال بالإسراء والمعراج ... ٢٣٤\nالمبحث الرابع عشر: بدعة الاحتفال بالهجرة ... ٢٤٠\nالأدلة على عدم شرعيته ... ٢٤٢\nالمبحث الخامس عشر: بدع موسمية أخرى ... ٢٤٤\nالمبحث السادس عشر: البدع المتعلقة بقراءة القرآن الكريم ... ٢٤٥\nالمسألة الأولى: ما يتعلق بسورة الفاتحة ... ٢٤٥\nفهرس المصادر والمراجع ... ٢٥٠\nفهرس المحتويات ... ٢٦٥\nالأعمال العلمية للمؤلف ... ٢٧٠\n\nانتهى\nتمت مراجعة الكتاب وإعداده للطبعة الثانية ضحى يوم الثلاثاء ٢١ شعبان ١٤٢٥هـ وفق ٥/ ١٠/٢٠٠٤ م بيد مؤلفه أ. د. حسام الدين بن موسى عفانه والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":269},{"text":"الأعمال العلمية للمؤلف الأستاذ الدكتور. حسام الدين عفانه\n١. الحقيقة والمجاز في الكتاب والسنة وعلاقتهما بالأحكام الشرعية\n(رسالة الماجستير)\n٢. بيان معاني البديع في أصول الفقه (رسالة الدكتوراه)\n٣. الأدلة الشرعية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية (كتاب)\n٤. أحكام العقيقة في الشريعة الإسلامية (كتاب)\n٥. يسألونك الجزء الأول (كتاب)\n٦. يسألونك الجزء الثاني (كتاب)\n٧. بيع المرابحة للآمر بالشراء على ضوء تجربة شركة بيت المال الفلسطيني العربي\n(كتاب)\n٨. صلاة الغائب دراسة فقهية مقارنة (كتاب)\n٩. يسألونك الجزء الثالث (كتاب)\n١٠. يسألونك الجزء الرابع (كتاب)\n١١. يسألونك الجزء الخامس (كتاب)\n١٢. المفصل في أحكام الأضحية (كتاب)\n١٣. شرح الورقات في أصول الفقه لجلال الدين المحلي (دراسة وتعليق وتحقيق)\n١٤. فهارس مخطوطات مؤسسة إحياء التراث الإسلامي ١٢ جزءًا بالاشتراك\n(صدر الأول منها)\n١٥. الفتاوى الشرعية (١) بالاشتراك (هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي)\n١٦. الفتاوى الشرعية (٢) بالاشتراك (هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي)\n١٧. الشيخ العلامة مرعي الكرمي وكتابه دليل الطالب (بحث)\n١٨.","vol":"1","page":270},{"text":"الزواج المبكر (بحث)\n١٩. الإجهاض (بحث)\n٢٠. مسائل مهمات في فقه الصوم والتراويح والقراءة على الأموات (كتاب)\n٢١. مختصر كتاب جلباب المرأة المسلمة للعلامة المحدث الألباني (كتاب)\n٢٢. اتباع لا ابتداع (كتاب)\n٢٣. بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود للغزي التمرتاشي (دراسة وتعليق وتحقيق)\n٢٤. يسألونك الجزء السادس (كتاب)\n٢٥. رسالة إنقاذ الهالكين للعلامة محمد البركوي (دراسة وتعليق وتحقيق)\n٢٦. الخصال المكفرة للذنوب (يتضمن تحقيق مخطوط للخطيب الشربيني) (كتاب)\n٢٧. أحاديث الطائفة الظاهرة وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين\n(كتاب)\n٢٨. التنجيم (بحث بالاشتراك)\n٢٩. الحسابات الفلكية (بحث بالاشتراك)\n٣٠. يسألونك الجزء السابع (كتاب)\n٣١. المفصل في أحكام العقيقة (كتاب)\n٣٢. يسألونك الجزء الثامن (كتاب)\n٣٣. يسألونك الجزء التاسع (كتاب)\nموقع الدكتور حسام الدين على شبكة الانترنت:  www.yasaloonak.net\nوعنوان البريد الإلكتروني:  yasaloonak.net.fatawa@","vol":"1","page":271}]}