{"ً":{"ٌ":9260,"ٍ":"شرح رياض الصالحين لابن عثيمين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"شروح الحديث/شرح رياض الصالحين - ابن عثيمين - ط مدار الوطن 1-6","files":["00_70259.pdf|الغلاف","01_70259.pdf","02_70260.pdf","03_70261.pdf","04_70262.pdf","05_70263.pdf","06_70264.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شرح رياض الصالحين\nالمؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١هـ)\nالناشر: دار الوطن للنشر، الرياض\nالطبعة: ١٤٢٦ هـ\nعدد الأجزاء: ٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":57,"ٕ":7,"ٖ":1770153781,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة الإمام النووي ﵀","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":6},{"title":"آداب عامة","level":1,"page":8},{"title":"١- باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية","level":2,"page":8},{"title":"٢- باب التوبة","level":2,"page":80},{"title":"٣- باب الصبر","level":2,"page":167},{"title":"٤- باب الصدق","level":2,"page":284},{"title":"٥- باب المراقبة","level":2,"page":319},{"title":"٦- باب التقوى","level":2,"page":508},{"title":"٧- باب اليقين والتوكل","level":2,"page":533},{"title":"٨- باب الاستقامة","level":2,"page":563},{"title":"٩- التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى","level":2,"page":571},{"title":"١٠ـ باب المبادرة إلى الخيرات","level":2,"page":587},{"title":"١١ - باب المجاهدة","level":2,"page":633},{"title":"١٢ - باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر","level":2,"page":720},{"title":"١٣ - باب بيان كثرة طرق الخير","level":2,"page":730},{"title":"١٤ - باب الاقتصاد في الطاعة","level":2,"page":791},{"title":"١٥ - باب المحافظة على الأعمال","level":2,"page":822},{"title":"١٦ - باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها","level":2,"page":830},{"title":"١٧ - باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى","level":2,"page":902},{"title":"١٨ - باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور","level":2,"page":910},{"title":"١٩ - باب فيمن سن سنة حسنة أو سيئة","level":2,"page":920},{"title":"٢٠ - باب في الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة","level":2,"page":929},{"title":"٢١- باب التعاون على البر والتقوى","level":2,"page":953},{"title":"٢٢- باب النصيحة","level":2,"page":964},{"title":"٢٣- باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":984},{"title":"٢٤- باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهي عن منكر وخالف قوله فعله","level":2,"page":1039},{"title":"٢٥- باب الأمر بأداء الأمانة","level":2,"page":1044},{"title":"٢٦- باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم","level":2,"page":1066},{"title":"٢٧- باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم","level":2,"page":1122},{"title":"٢٨ـ باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة","level":2,"page":1201},{"title":"٢٩ - باب قضاء حوائج المسلمين","level":2,"page":1218},{"title":"٣٠ - باب الشفاعة","level":2,"page":1223},{"title":"٣١ - باب الإصلاح بين الناس","level":2,"page":1228},{"title":"٣٢ - باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين","level":2,"page":1239},{"title":"٣٣ - باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين، والإحسان إليهم، والشفقة عليهم، والتواضع معهم، وخفض الجناح لهم","level":2,"page":1275},{"title":"٣٤ - باب الوصية بالنساء","level":2,"page":1310},{"title":"٣٥ - باب حق الزوج على المرأة","level":2,"page":1334},{"title":"٣٦ـ باب النفقة على العيال","level":2,"page":1350},{"title":"٣٧ـ باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد","level":2,"page":1356},{"title":"٣٨ - باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعهم من ارتكاب منهي عنه","level":2,"page":1363},{"title":"٣٩ - باب حق الجار والوصية به","level":2,"page":1371},{"title":"٤٠ - باب بر الوالدين وصلة الأرحام","level":2,"page":1377},{"title":"٤١ - باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم","level":2,"page":1400},{"title":"٤٢ - باب بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه","level":2,"page":1410},{"title":"٤٣ - باب إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ وبيان فضلهم","level":2,"page":1418},{"title":"٤٤ - باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبيهم","level":2,"page":1425},{"title":"٤٥ - باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة","level":2,"page":1436},{"title":"٤٦ - باب فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه","level":2,"page":1450},{"title":"٤٧ - باب علامات حب الله تعالى للعبد والحث على التخلق بها والسعي في تحصيلها","level":2,"page":1463},{"title":"٤٨ - باب التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين","level":2,"page":1468},{"title":"٤٩ - باب إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى","level":2,"page":1471},{"title":"٥٠ - باب الخوف","level":2,"page":1481},{"title":"٥١ - باب الرجاء","level":2,"page":1500},{"title":"٥٢ - باب فضل الرجاء","level":2,"page":1529},{"title":"٥٣ - باب الجمع بين الخوف والرجاء","level":2,"page":1533},{"title":"٥٤ - باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقا إليه","level":2,"page":1538},{"title":"٥٥- باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها، وفضل الفقر","level":2,"page":1550},{"title":"٥٦- باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات","level":2,"page":1578},{"title":"٥٧- باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة","level":2,"page":1582},{"title":"٥٨- باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه","level":2,"page":1590},{"title":"٥٩- باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء","level":2,"page":1591},{"title":"٦٠- باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى","level":2,"page":1595},{"title":"٦١- باب النهي عن البخل والشح","level":2,"page":1606},{"title":"٦٢- باب الإيثار والمواساة","level":2,"page":1612},{"title":"٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستنكار مما يتبرك به","level":2,"page":1622},{"title":"٦٤- باب فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها","level":2,"page":1626},{"title":"٦٥- باب ذكر الموت وقصر الأمل","level":2,"page":1633},{"title":"٦٦- باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر","level":2,"page":1667},{"title":"٦٧- باب كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين","level":2,"page":1673},{"title":"٦٨- باب الورع وترك الشبهات","level":2,"page":1681},{"title":"٦٩- باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقع في حرام وشبهات ونحوها","level":2,"page":1705},{"title":"٧١- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين","level":2,"page":1710},{"title":"٧٢- باب تحريم الكبر والإعجاب","level":2,"page":1731},{"title":"٧٣- باب حسن الخلق","level":2,"page":1752},{"title":"٧٤- باب الحلم والأناة والرفق","level":2,"page":1769},{"title":"٧٥- باب العفو والإعراض عن الجاهلين","level":2,"page":1796},{"title":"٧٦- باب احتمال الأذى","level":2,"page":1807},{"title":"٧٧- باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع والانتصار لدين الله تعالى","level":2,"page":1811},{"title":"٧٨- باب أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم","level":2,"page":1822},{"title":"٧٩- باب الوالي العادل","level":2,"page":1836},{"title":"٨٠- باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية","level":2,"page":1846},{"title":"باب النهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين","level":2,"page":1871},{"title":"باب حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير","level":2,"page":1880},{"title":"باب النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما من الولايات لمن سألها","level":2,"page":1886},{"title":"كتاب الأدب","level":1,"page":1889},{"title":"باب الحياء وفضله والحث على التخلق به","level":2,"page":1889},{"title":"باب حفظ السر","level":2,"page":1902},{"title":"باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد","level":2,"page":1910},{"title":"باب المحافظة على ما اعتاده من الخير","level":2,"page":1921},{"title":"باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء","level":2,"page":1926},{"title":"باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم","level":2,"page":1930},{"title":"باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام واستنصات العالم والواعظ","level":2,"page":1934},{"title":"باب الوعظ والاقتصاد فيه","level":2,"page":1937},{"title":"باب الوقار والسكينة","level":2,"page":1955},{"title":"باب الندب إلى إتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار","level":2,"page":1959},{"title":"باب إكرام الضيف","level":2,"page":1968},{"title":"باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير","level":2,"page":1979},{"title":"باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب","level":2,"page":2007},{"title":"باب الاستخارة والمشاورة","level":2,"page":2023},{"title":"باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها","level":2,"page":2029},{"title":"باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم","level":2,"page":2034},{"title":"كتاب أدب الطعام","level":1,"page":2052},{"title":"باب التسمية في أوله والحمد في آخره","level":2,"page":2052},{"title":"باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه","level":2,"page":2064},{"title":"باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر","level":2,"page":2067},{"title":"باب ما يقوله من دعي إلي طعام فتبعه غيره","level":2,"page":2071},{"title":"باب الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يسيء أكله","level":2,"page":2074},{"title":"باب النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما إذا أكل جماعة إلا","level":2,"page":2081},{"title":"باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع","level":2,"page":2082},{"title":"باب الأمر بالأكل من جانب القصعة والنهي عن الأكل من وسطها","level":2,"page":2085},{"title":"باب كراهية الكل متكئا","level":2,"page":2089},{"title":"باب استحباب الأكل بثلاثة أصابع واستحباب لعق الأصابع وكراهة مسحها قبل","level":2,"page":2092},{"title":"باب أدب الشرب واستحباب النفس ثلاثا خارج الإناء وكراهة التنفس في","level":2,"page":2099},{"title":"باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه","level":2,"page":2106},{"title":"باب كراهة النفخ في الشراب","level":2,"page":2109},{"title":"باب بيان جواز الشرب قائما وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدا","level":2,"page":2112},{"title":"باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا","level":2,"page":2121},{"title":"باب جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة وجواز","level":2,"page":2123},{"title":"كتاب اللباس","level":1,"page":2129},{"title":"باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من","level":2,"page":2129},{"title":"باب استحباب القميص","level":2,"page":2147},{"title":"باب صفة طول القميص والكم والإزرار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء","level":2,"page":2148},{"title":"باب استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعا","level":2,"page":2181},{"title":"باب استحباب التوسط في اللباس ولا يقتصر على ما يزري به","level":2,"page":2182},{"title":"باب تحريم لباس الحرير على الرجال وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه","level":2,"page":2185},{"title":"باب جواز لبس الحرير لمن به حكة","level":2,"page":2190},{"title":"باب النهي عن افتراش جلود النمور والركوب عليها","level":2,"page":2191},{"title":"باب ما يقول إذا لبس ثوبا جديدا","level":2,"page":2192},{"title":"كتاب آداب النوم","level":1,"page":2197},{"title":"باب آداب النوم والاضطجاع والقعود والمجلس والجليس والرؤيا","level":2,"page":2197},{"title":"باب جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا","level":2,"page":2210},{"title":"باب أداب المجلس والجليس","level":2,"page":2213},{"title":"باب الرؤيا وما يتعلق بها","level":2,"page":2234},{"title":"كتاب السلام","level":1,"page":2244},{"title":"باب كيفية السلام","level":2,"page":2263},{"title":"باب آداب السلام","level":2,"page":2269},{"title":"باب استحباب إعادة السلام على من تكرر لقاؤه على قرب بأن","level":2,"page":2272},{"title":"باب استحباب السلام إذا دخل بيته","level":2,"page":2273},{"title":"باب السلام على الصبيان","level":2,"page":2277},{"title":"باب سلام الرجل على زوجته والمرأة من محارمه وعلى أجنبية وأجنبيات","level":2,"page":2278},{"title":"كتاب عيادة المريض وتشييع الميت","level":1,"page":2319},{"title":"باب ما يدعى به للمريض","level":2,"page":2337},{"title":"باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله","level":2,"page":2350},{"title":"باب ما يقوله من أيس من حياته","level":2,"page":2353},{"title":"باب استحباب وصية أهل المريض ومن يخدمه بالإحسان إليه واحتماله والصبر","level":2,"page":2357},{"title":"باب جواز قول المريض أنا وجع أو شديد الوجع أو موعوك","level":2,"page":2360},{"title":"باب تلقين المختصر لا إله إلا الله","level":2,"page":2367},{"title":"باب ما يقوله بعد تغميض الميت","level":2,"page":2372},{"title":"باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت","level":2,"page":2377},{"title":"باب جواز البكاء على الميت بغير ندب ولا نياحة","level":2,"page":2382},{"title":"باب الكف عما يرى من الميت من مكروه","level":2,"page":2387},{"title":"باب الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع النساء الجنائز","level":2,"page":2390},{"title":"باب استحباب تكثير المصلين على الجنازة وجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر","level":2,"page":2394},{"title":"باب ما يقرأ في صلاة الجنازة","level":2,"page":2397},{"title":"باب الإسراع بالجنازة","level":2,"page":2404},{"title":"باب تعجيل قضاء الدين عن الميت والمبادرة إلى تجهيزه إلا أن","level":2,"page":2409},{"title":"باب الموعظة عند القبر","level":2,"page":2413},{"title":"باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة للدعاء له","level":2,"page":2419},{"title":"باب الصدقة عن الميت والدعاء له","level":2,"page":2422},{"title":"باب ثناء الناس على الميت","level":2,"page":2427},{"title":"باب فضل من مات له أولاد صغار","level":2,"page":2432},{"title":"باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم وإظهار الافتقار إلى","level":2,"page":2435},{"title":"كتاب آداب السفر","level":1,"page":2438},{"title":"باب استحباب الخروج يوم الخميس واستحبابه أول النهار","level":2,"page":2438},{"title":"باب استحباب طلب الرفقة وتأميرهم على أنفسهم واحدا يطيعونه/٠","level":2,"page":2442},{"title":"باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السري والرفق","level":2,"page":2445},{"title":"باب استحباب تعجيل المسافر الرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته","level":2,"page":2479},{"title":"باب استحباب القدوم على أهله نهارا وكراهته في الليل لغير حاجة","level":2,"page":2481},{"title":"باب ما يقوله إذا رجع وإذا رأى بلدته","level":2,"page":2482},{"title":"باب استحباب ابتداء القدوم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين","level":2,"page":2483},{"title":"باب تحريم سفر المرأة وحدها","level":2,"page":2485},{"title":"كتاب الفضائل","level":1,"page":2489},{"title":"باب فضل قراءة القرآن","level":2,"page":2489},{"title":"باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان","level":2,"page":2514},{"title":"باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع","level":2,"page":2516},{"title":"باب الحث على سور وآيات مخصوصة","level":2,"page":2527},{"title":"باب استحباب الاجتماع على القراءة","level":2,"page":2554},{"title":"باب فضل الوضوء","level":2,"page":2559},{"title":"باب فضل الصلوات","level":2,"page":2597},{"title":"باب فضل المشي إلى المساجد","level":2,"page":2614},{"title":"باب فضل انتظار الصلاة","level":2,"page":2621},{"title":"باب فضل صلاة الجماعة","level":2,"page":2623},{"title":"باب الحث على حضور الجماعة في الصبح والعشاء","level":2,"page":2635},{"title":"باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبات والنهي الأكيد والوعيد الشديد في","level":2,"page":2639},{"title":"باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها","level":2,"page":2657},{"title":"باب فضل السنن الراتبة مع الفرائض وبيان أقلها وأكملها وما بينهما","level":2,"page":2672},{"title":"باب تأكيد ركعتي سنة الصبح","level":2,"page":2676},{"title":"باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن والحث عليه","level":2,"page":2679},{"title":"باب سنة الظهر","level":2,"page":2683},{"title":"باب سنة العصر","level":2,"page":2685},{"title":"باب سنة المغرب بعدها وقبلها","level":2,"page":2686},{"title":"باب سنة العشاء بعدها وقبلها","level":2,"page":2687},{"title":"باب سنة الجمعة","level":2,"page":2689},{"title":"باب استحباب جعل النوافل في البيت سواء الراتبة وغيرها والأمر بالتحول","level":2,"page":2691},{"title":"باب الحث على صلاة الوتر وبيان أنه سنة مؤكدة وبيان وقته","level":2,"page":2695},{"title":"باب فضل صلاة الضحى وبيان أقلها وأكثرها وأوسطها والحث على المحافظة","level":2,"page":2699},{"title":"باب استحباب ركعتين بعد الوضوء","level":2,"page":2705},{"title":"باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيب والتبكير إليها والدعاء","level":2,"page":2706},{"title":"باب فضل قيام الليل","level":2,"page":2727},{"title":"باب استحباب قيام رمضان وهو التراويح","level":2,"page":2755},{"title":"باب فضل قيام ليلة القدر وبيان أرجى لياليها","level":2,"page":2758},{"title":"باب فضل السواك وخصال الفطرة","level":2,"page":2763},{"title":"باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها","level":2,"page":2774},{"title":"باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به","level":2,"page":2797},{"title":"باب الجود وفعل المعروف والإكثار من الخير في شهر رمضان والزيادة","level":2,"page":2813},{"title":"باب النهي عن تقدم رمضان بصوم بعد نصف شعبان إلا لمن","level":2,"page":2816},{"title":"باب ما يقال عند رؤية الهلال","level":2,"page":2818},{"title":"باب فضل السحور وتأخيره ما لم يخش طلوع الفجر","level":2,"page":2819},{"title":"باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر عليه وما يقوله بعد الإفطار","level":2,"page":2822},{"title":"باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحه عن المخالفات والمشاتمة ونحوها","level":2,"page":2828},{"title":"باب في مسائل من الصوم","level":2,"page":2830},{"title":"باب بيان فضل صوم المحرم وشعبان والأشهر الحرم","level":2,"page":2834},{"title":"باب فضل الصوم وغيره في العشر الأول من ذي الحجة","level":2,"page":2837},{"title":"باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء","level":2,"page":2838},{"title":"باب استحباب صوم ستة أيام من شوال","level":2,"page":2839},{"title":"باب استحباب صوم الاثنين والخميس","level":2,"page":2843},{"title":"باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر","level":2,"page":2844},{"title":"باب فضل من فطر صائما وفضل الصائم الذي يؤكل عنده ودعاء","level":2,"page":2849},{"title":"كتاب الاعتكاف","level":1,"page":2850},{"title":"كتاب الحج","level":1,"page":2852},{"title":"كتاب الجهاد","level":1,"page":2863},{"title":"باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة يغسلون ويصلى عليهم","level":2,"page":2912},{"title":"باب فضل العتق","level":2,"page":2919},{"title":"باب فضل الإحسان إلى المملوك","level":2,"page":2920},{"title":"باب فضل المملوك الذي يؤدي حق الله وحق مواليه","level":2,"page":2921},{"title":"باب فضل العبادة في الهرج وهو الاختلاط والفتن ونحوها","level":2,"page":2922},{"title":"باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي","level":2,"page":2923},{"title":"كتاب حمد الله تعالى وشكره","level":1,"page":2978},{"title":"كتاب الأذكار","level":1,"page":3003},{"title":"باب ذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضطجعا ومحدثا وجنبا وحائضا إلا","level":2,"page":3043},{"title":"باب ما يقوله عند نومه واستيقاظه","level":2,"page":3046},{"title":"باب فضل حلق الذكر والندب إلى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير","level":2,"page":3048},{"title":"باب الذكر عند الصباح والمساء","level":2,"page":3057},{"title":"باب ما يقوله عند النوم","level":2,"page":3070},{"title":"كتاب الدعوات","level":1,"page":3080},{"title":"باب فضل الدعاء","level":2,"page":3080},{"title":"باب الأمر بالدعاء وفضله","level":2,"page":3083},{"title":"باب فضل الدعاء بظهر الغيب","level":2,"page":3117},{"title":"باب في مسائل من الدعاء","level":2,"page":3121},{"title":"باب كرامات الأولياء وفضلهم","level":2,"page":3129},{"title":"كتاب الأمور المنهي عنها","level":1,"page":3164},{"title":"باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان","level":2,"page":3164},{"title":"باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها،","level":2,"page":3190},{"title":"باب ما يباح من الغيبة","level":2,"page":3195},{"title":"باب تحريم النميمة وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد","level":2,"page":3206},{"title":"باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذا","level":2,"page":3210},{"title":"باب ذم ذي الوجهين","level":2,"page":3213},{"title":"باب تحريم الكذب","level":2,"page":3216},{"title":"باب بيان ما يجوز من الكذب","level":2,"page":3242},{"title":"باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه","level":2,"page":3246},{"title":"باب بيان تغليظ تحريم شهادة الزور","level":2,"page":3249},{"title":"باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة","level":2,"page":3252},{"title":"باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين","level":2,"page":3263},{"title":"باب تحريم سب المسلم بغير حق","level":2,"page":3278},{"title":"باب تحريم سب الأموات بغير حق أو مصلحة شرعية","level":2,"page":3290},{"title":"باب النهي عن الإيذاء","level":2,"page":3292},{"title":"باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر","level":2,"page":3296},{"title":"باب تحريم الحسد","level":2,"page":3308},{"title":"باب النهي عن التجسس والتسمع لكلام من يكره استماعه","level":2,"page":3310},{"title":"باب النهي عن سوء الظن بالمسلمين من غير ضرورة","level":2,"page":3316},{"title":"باب تحريم احتقار المسلمين","level":2,"page":3317},{"title":"باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم","level":2,"page":3322},{"title":"باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع","level":2,"page":3324},{"title":"باب النهي عن الغش والخداع","level":2,"page":3327},{"title":"باب تحريم الغدر","level":2,"page":3329},{"title":"باب النهي عن المن بالعطية ونحوها","level":2,"page":3336},{"title":"باب النهي عن الافتخار والبغي","level":2,"page":3338},{"title":"باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في","level":2,"page":3342},{"title":"باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث","level":2,"page":3344},{"title":"باب النهي عن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي","level":2,"page":3347},{"title":"باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حتى النملة ونحوها","level":2,"page":3356},{"title":"باب تحريم مطل الغني بحق طلبه صاحبه","level":2,"page":3358},{"title":"باب كراهية عودة الإنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له","level":2,"page":3362},{"title":"باب تأكيد تحريم مال اليتيم","level":2,"page":3365},{"title":"باب تحريم الرياء","level":2,"page":3389},{"title":"باب ما يتوهم أنه رياء وليس رياء","level":2,"page":3405},{"title":"باب تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية","level":2,"page":3407},{"title":"باب تحريم الخلوة بالأجنبية","level":2,"page":3418},{"title":"باب تحريم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال في لباس وحركة وغير","level":2,"page":3421},{"title":"باب النهي عن التشبه بالشيطان والكفار","level":2,"page":3427},{"title":"باب نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بسواد","level":2,"page":3430},{"title":"باب النهي عن القزع وهو حلق بعض الرأس دون بعض وإباحة","level":2,"page":3432},{"title":"باب كراهية الاستنجاء باليمين ومس الفرج باليمين من غير عذر","level":2,"page":3435},{"title":"باب كراهة المشي في نعل واحدة أو خف واحد لغير عذر","level":2,"page":3437},{"title":"باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم ونحوه سواء","level":2,"page":3440},{"title":"باب النهي عن التكلف وهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه","level":2,"page":3442},{"title":"باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر","level":2,"page":3445},{"title":"باب النهي عن إتيان الكهان والمنجمين والعراف وأصحاب الرمل والطوارق","level":2,"page":3455},{"title":"باب النهي عن التطير","level":2,"page":3464},{"title":"باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو","level":2,"page":3468},{"title":"باب تحريم اتخاذ الكلب إلا لصيد أو ماشية أو زرع","level":2,"page":3479},{"title":"باب كراهية تعليق الجرس في البعير وغيره من الدواب وكراهية استصحاب","level":2,"page":3482},{"title":"باب كراهة ركوب الجلالة","level":2,"page":3485},{"title":"باب النهي عن البصاق في المسجد والأمر بإزالته منه إذا وجد","level":2,"page":3487},{"title":"باب كراهية الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع","level":2,"page":3490},{"title":"باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو غيره","level":2,"page":3497},{"title":"باب كراهية الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب لأنه يجلب النوم فيفوت","level":2,"page":3500},{"title":"باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي","level":2,"page":3501},{"title":"باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي ﷺ والكعبة","level":2,"page":3502},{"title":"باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدا","level":2,"page":3505},{"title":"باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن","level":2,"page":3508},{"title":"باب العفو عن لغو اليمين وأنه لا كفارة فيه وهو ما","level":2,"page":3510},{"title":"باب كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقا","level":2,"page":3512},{"title":"باب كراهة أن يسأل الإنسان بوجه الله ﷿ غير الجنة","level":2,"page":3514},{"title":"باب كراهة سب الحمى","level":2,"page":3518},{"title":"باب النهي عن سب الريح وبيان ما يقال عند هبوبها","level":2,"page":3520},{"title":"باب كراهة سب الديك","level":2,"page":3523},{"title":"باب النهي عن قول الإنسان مطرنا بنوء كذا","level":2,"page":3525},{"title":"باب تحريم قوله لمسلم يا كافر","level":2,"page":3528},{"title":"باب النهي عن الفحش وبذاءة اللسان","level":2,"page":3531},{"title":"باب كراهة التقعير في الكلام والتشدق فيه وتكلف الفصاحة واستعمال ودقائق","level":2,"page":3532},{"title":"باب كراهة قوله خبثت نفسي","level":2,"page":3535},{"title":"باب كراهة تسمية العنب كرما","level":2,"page":3536},{"title":"باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل إلا أن يحتاج إلى","level":2,"page":3539},{"title":"باب كراهة قول الإنسان في الدعاء اللهم اغفر لي إن شئت","level":2,"page":3541},{"title":"باب كراهة قول ما شاء الله وشاء فلان","level":2,"page":3544},{"title":"باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة","level":2,"page":3547},{"title":"باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها إذا دعاها ولم يكن","level":2,"page":3550},{"title":"باب تحريم صوم المرأة تطوعا وزوجها حاضر إلا بإذنه","level":2,"page":3551},{"title":"باب تحريم رفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام","level":2,"page":3553},{"title":"باب كراهة وضع اليد على الخاصرة في الصلاة","level":2,"page":3555},{"title":"باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام ونفسه تتوق إليه أو مع مدافعة","level":2,"page":3556},{"title":"باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة","level":2,"page":3559},{"title":"باب كراهة الالتفاف في الصلاة لغير عذر","level":2,"page":3561},{"title":"باب كراهة شروع المأموم في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة","level":2,"page":3563},{"title":"باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بصلاة من بين","level":2,"page":3565},{"title":"باب تحريم الوصال في الصوم وهو أن يصوم يومين أو أكثر","level":2,"page":3569},{"title":"باب تحريم الجلوس على قبر","level":2,"page":3571},{"title":"باب النهي عن تجصيص القبور والبناء عليها","level":2,"page":3572},{"title":"باب تغليظ تحريم إباق العبد من سيده","level":2,"page":3574},{"title":"باب تحريم الشفاعة في الحدود","level":2,"page":3576},{"title":"باب النهي عن التغوط في طريق الناس وظلهم وموارد الماء ونحوها","level":2,"page":3582},{"title":"باب النهي عن البول ونحوه في الماء الراكد","level":2,"page":3583},{"title":"باب كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده على بعض في الهبة","level":2,"page":3585},{"title":"باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على","level":2,"page":3590},{"title":"باب تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه","level":2,"page":3595},{"title":"باب النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه التي أذن الشرع","level":2,"page":3599},{"title":"باب النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه سواء أكان جادا","level":2,"page":3606},{"title":"باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان إلا بعذر حتى يصلي","level":2,"page":3609},{"title":"باب كراهة رد الريحان لغير عذر","level":2,"page":3611},{"title":"باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب","level":2,"page":3613},{"title":"باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها الوباء فرارا منه وكراهة","level":2,"page":3617},{"title":"باب التغليظ في تحريم السحر","level":2,"page":3624},{"title":"باب النهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خيف وقوعه","level":2,"page":3633},{"title":"باب تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة","level":2,"page":3635},{"title":"باب تحريم لبس الرجل ثوبا مزعفرا","level":2,"page":3638},{"title":"باب النهي عن صمت يوم إلى الليل","level":2,"page":3639},{"title":"باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه وتوليه إلى غير مواليه","level":2,"page":3641},{"title":"باب التحذير من ارتكاب ما نهى الله ﷿ ورسوله صلى","level":2,"page":3648},{"title":"باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهيا عنه","level":2,"page":3654},{"title":"باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهيا عنه","level":2,"page":3657},{"title":"باب المنثورات والملح","level":1,"page":3658},{"title":"باب: أحاديث الدجال وأشراط الساعة وغيرها","level":2,"page":3658},{"title":"كتاب الاستغفار","level":1,"page":3760},{"title":"باب بيان ما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة","level":2,"page":3771}],"ٛ":{"1,7":2,"1,8":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,190":185,"1,191":186,"1,192":187,"1,193":188,"1,194":189,"1,195":190,"1,196":191,"1,197":192,"1,198":193,"1,199":194,"1,200":195,"1,201":196,"1,202":197,"1,203":198,"1,204":199,"1,205":200,"1,206":201,"1,207":202,"1,208":203,"1,209":204,"1,210":205,"1,211":206,"1,212":207,"1,213":208,"1,214":209,"1,215":210,"1,216":211,"1,217":212,"1,218":213,"1,219":214,"1,220":215,"1,221":216,"1,222":217,"1,223":218,"1,224":219,"1,225":220,"1,226":221,"1,227":222,"1,228":223,"1,229":224,"1,230":225,"1,231":226,"1,232":227,"1,233":228,"1,234":229,"1,235":230,"1,236":231,"1,237":232,"1,238":233,"1,239":234,"1,240":235,"1,241":236,"1,242":237,"1,243":238,"1,244":239,"1,245":240,"1,246":241,"1,247":242,"1,248":243,"1,249":244,"1,250":245,"1,251":246,"1,252":247,"1,253":248,"1,254":249,"1,255":250,"1,256":251,"1,257":252,"1,258":253,"1,259":254,"1,260":255,"1,261":256,"1,262":257,"1,263":258,"1,264":259,"1,265":260,"1,266":261,"1,267":262,"1,268":263,"1,269":264,"1,270":265,"1,271":266,"1,272":267,"1,273":268,"1,274":269,"1,275":270,"1,276":271,"1,277":272,"1,278":273,"1,279":274,"1,280":275,"1,281":276,"1,282":277,"1,283":278,"1,284":279,"1,285":280,"1,286":281,"1,287":282,"1,288":283,"1,289":284,"1,290":285,"1,291":286,"1,292":287,"1,293":288,"1,294":289,"1,295":290,"1,296":291,"1,297":292,"1,298":293,"1,299":294,"1,300":295,"1,301":296,"1,302":297,"1,303":298,"1,304":299,"1,305":300,"1,306":301,"1,307":302,"1,308":303,"1,309":304,"1,310":305,"1,311":306,"1,312":307,"1,313":308,"1,314":309,"1,315":310,"1,316":311,"1,317":312,"1,318":313,"1,319":314,"1,320":315,"1,321":316,"1,322":317,"1,323":318,"1,324":319,"1,325":320,"1,326":321,"1,327":322,"1,328":323,"1,329":324,"1,330":325,"1,331":326,"1,332":327,"1,333":328,"1,334":329,"1,335":330,"1,336":331,"1,337":332,"1,338":333,"1,339":334,"1,340":335,"1,341":336,"1,342":337,"1,343":338,"1,344":339,"1,345":340,"1,346":341,"1,347":342,"1,348":343,"1,349":344,"1,350":345,"1,351":346,"1,352":347,"1,353":348,"1,354":349,"1,355":350,"1,356":351,"1,357":352,"1,358":353,"1,359":354,"1,360":355,"1,361":356,"1,362":357,"1,363":358,"1,364":359,"1,365":360,"1,366":361,"1,367":362,"1,368":363,"1,369":364,"1,370":365,"1,371":366,"1,372":367,"1,373":368,"1,374":369,"1,375":370,"1,376":371,"1,377":372,"1,378":373,"1,379":374,"1,380":375,"1,381":376,"1,382":377,"1,383":378,"1,384":379,"1,385":380,"1,386":381,"1,387":382,"1,388":383,"1,389":384,"1,390":385,"1,391":386,"1,392":387,"1,393":388,"1,394":389,"1,395":390,"1,396":391,"1,397":392,"1,398":393,"1,399":394,"1,400":395,"1,401":396,"1,402":397,"1,403":398,"1,404":399,"1,405":400,"1,406":401,"1,407":402,"1,408":403,"1,409":404,"1,410":405,"1,411":406,"1,412":407,"1,413":408,"1,414":409,"1,415":410,"1,416":411,"1,417":412,"1,418":413,"1,419":414,"1,420":415,"1,421":416,"1,422":417,"1,423":418,"1,424":419,"1,425":420,"1,426":421,"1,427":422,"1,428":423,"1,429":424,"1,430":425,"1,431":426,"1,432":427,"1,433":428,"1,434":429,"1,435":430,"1,436":431,"1,437":432,"1,438":433,"1,439":434,"1,440":435,"1,441":436,"1,442":437,"1,443":438,"1,444":439,"1,445":440,"1,446":441,"1,447":442,"1,448":443,"1,449":444,"1,450":445,"1,451":446,"1,452":447,"1,453":448,"1,454":449,"1,455":450,"1,456":451,"1,457":452,"1,458":453,"1,459":454,"1,460":455,"1,461":456,"1,462":457,"1,463":458,"1,464":459,"1,465":460,"1,466":461,"1,467":462,"1,468":463,"1,469":464,"1,470":465,"1,471":466,"1,472":467,"1,473":468,"1,474":469,"1,475":470,"1,476":471,"1,477":472,"1,478":473,"1,479":474,"1,480":475,"1,481":476,"1,482":477,"1,483":478,"1,484":479,"1,485":480,"1,486":481,"1,487":482,"1,488":483,"1,489":484,"1,490":485,"1,491":486,"1,492":487,"1,493":488,"1,494":489,"1,495":490,"1,496":491,"1,497":492,"1,498":493,"1,499":494,"1,500":495,"1,501":496,"1,502":497,"1,503":498,"1,504":499,"1,505":500,"1,506":501,"1,507":502,"1,508":503,"1,509":504,"1,510":505,"1,511":506,"1,512":507,"1,513":508,"1,514":509,"1,515":510,"1,516":511,"1,517":512,"1,518":513,"1,519":514,"1,520":515,"1,521":516,"1,522":517,"1,523":518,"1,524":519,"1,525":520,"1,526":521,"1,527":522,"1,528":523,"1,529":524,"1,530":525,"1,531":526,"1,532":527,"1,533":528,"1,534":529,"1,535":530,"1,536":531,"1,537":532,"1,538":533,"1,539":534,"1,540":535,"1,541":536,"1,542":537,"1,543":538,"1,544":539,"1,545":540,"1,546":541,"1,547":542,"1,548":543,"1,549":544,"1,550":545,"1,551":546,"1,552":547,"1,553":548,"1,554":549,"1,555":550,"1,556":551,"1,557":552,"1,558":553,"1,559":554,"1,560":555,"1,561":556,"1,562":557,"1,563":558,"1,564":559,"1,565":560,"1,566":561,"1,567":562,"1,568":563,"1,569":564,"1,570":565,"1,571":566,"1,572":567,"1,573":568,"1,574":569,"1,575":570,"1,576":571,"1,577":572,"1,578":573,"1,579":574,"1,580":575,"1,581":576,"1,582":577,"1,583":578,"1,584":579,"1,585":580,"1,586":581,"1,587":582,"1,588":583,"1,589":584,"1,590":585,"1,591":586,"2,5":587,"2,6":588,"2,7":589,"2,8":590,"2,9":591,"2,10":592,"2,11":593,"2,12":594,"2,13":595,"2,14":596,"2,15":597,"2,16":598,"2,17":599,"2,18":600,"2,19":601,"2,20":602,"2,21":603,"2,22":604,"2,23":605,"2,24":606,"2,25":607,"2,26":608,"2,27":609,"2,28":610,"2,29":611,"2,30":612,"2,31":613,"2,32":614,"2,33":615,"2,34":616,"2,35":617,"2,36":618,"2,37":619,"2,38":620,"2,39":621,"2,40":622,"2,41":623,"2,42":624,"2,43":625,"2,44":626,"2,45":627,"2,46":628,"2,47":629,"2,48":630,"2,49":631,"2,50":632,"2,51":633,"2,52":634,"2,53":635,"2,54":636,"2,55":637,"2,56":638,"2,57":639,"2,58":640,"2,59":641,"2,60":642,"2,61":643,"2,62":644,"2,63":645,"2,64":646,"2,65":647,"2,66":648,"2,67":649,"2,68":650,"2,69":651,"2,70":652,"2,71":653,"2,72":654,"2,73":655,"2,74":656,"2,75":657,"2,76":658,"2,77":659,"2,78":660,"2,79":661,"2,80":662,"2,81":663,"2,82":664,"2,83":665,"2,84":666,"2,85":667,"2,86":668,"2,87":669,"2,88":670,"2,89":671,"2,90":672,"2,91":673,"2,92":674,"2,93":675,"2,94":676,"2,95":677,"2,96":678,"2,97":679,"2,98":680,"2,99":681,"2,100":682,"2,101":683,"2,102":684,"2,103":685,"2,104":686,"2,105":687,"2,106":688,"2,107":689,"2,108":690,"2,109":691,"2,110":692,"2,111":693,"2,112":694,"2,113":695,"2,114":696,"2,115":697,"2,116":698,"2,117":699,"2,118":700,"2,119":701,"2,120":702,"2,121":703,"2,122":704,"2,123":705,"2,124":706,"2,125":707,"2,126":708,"2,127":709,"2,128":710,"2,129":711,"2,130":712,"2,131":713,"2,132":714,"2,133":715,"2,134":716,"2,135":717,"2,136":718,"2,137":719,"2,138":720,"2,139":721,"2,140":722,"2,141":723,"2,142":724,"2,143":725,"2,144":726,"2,145":727,"2,146":728,"2,147":729,"2,148":730,"2,149":731,"2,150":732,"2,151":733,"2,152":734,"2,153":735,"2,154":736,"2,155":737,"2,156":738,"2,157":739,"2,158":740,"2,159":741,"2,160":742,"2,161":743,"2,162":744,"2,163":745,"2,164":746,"2,165":747,"2,166":748,"2,167":749,"2,168":750,"2,169":751,"2,170":752,"2,171":753,"2,172":754,"2,173":755,"2,174":756,"2,175":757,"2,176":758,"2,177":759,"2,178":760,"2,179":761,"2,180":762,"2,181":763,"2,182":764,"2,183":765,"2,184":766,"2,185":767,"2,186":768,"2,187":769,"2,188":770,"2,189":771,"2,190":772,"2,191":773,"2,192":774,"2,193":775,"2,194":776,"2,195":777,"2,196":778,"2,197":779,"2,198":780,"2,199":781,"2,200":782,"2,201":783,"2,202":784,"2,203":785,"2,204":786,"2,205":787,"2,206":788,"2,207":789,"2,208":790,"2,209":791,"2,210":792,"2,211":793,"2,212":794,"2,213":795,"2,214":796,"2,215":797,"2,216":798,"2,217":799,"2,218":800,"2,219":801,"2,220":802,"2,221":803,"2,222":804,"2,223":805,"2,224":806,"2,225":807,"2,226":808,"2,227":809,"2,228":810,"2,229":811,"2,230":812,"2,231":813,"2,232":814,"2,233":815,"2,234":816,"2,235":817,"2,236":818,"2,237":819,"2,238":820,"2,239":821,"2,240":822,"2,241":823,"2,242":824,"2,243":825,"2,244":826,"2,245":827,"2,246":828,"2,247":829,"2,248":830,"2,249":831,"2,250":832,"2,251":833,"2,252":834,"2,253":835,"2,254":836,"2,255":837,"2,256":838,"2,257":839,"2,258":840,"2,259":841,"2,260":842,"2,261":843,"2,262":844,"2,263":845,"2,264":846,"2,265":847,"2,266":848,"2,267":849,"2,268":850,"2,269":851,"2,270":852,"2,271":853,"2,272":854,"2,273":855,"2,274":856,"2,275":857,"2,276":858,"2,277":859,"2,278":860,"2,279":861,"2,280":862,"2,281":863,"2,282":864,"2,283":865,"2,284":866,"2,285":867,"2,286":868,"2,287":869,"2,288":870,"2,289":871,"2,290":872,"2,291":873,"2,292":874,"2,293":875,"2,294":876,"2,295":877,"2,296":878,"2,297":879,"2,298":880,"2,299":881,"2,300":882,"2,301":883,"2,302":884,"2,303":885,"2,304":886,"2,305":887,"2,306":888,"2,307":889,"2,308":890,"2,309":891,"2,310":892,"2,311":893,"2,312":894,"2,313":895,"2,314":896,"2,315":897,"2,316":898,"2,317":899,"2,318":900,"2,319":901,"2,320":902,"2,321":903,"2,322":904,"2,323":905,"2,324":906,"2,325":907,"2,326":908,"2,327":909,"2,328":910,"2,329":911,"2,330":912,"2,331":913,"2,332":914,"2,333":915,"2,334":916,"2,335":917,"2,336":918,"2,337":919,"2,338":920,"2,339":921,"2,340":922,"2,341":923,"2,342":924,"2,343":925,"2,344":926,"2,345":927,"2,346":928,"2,347":929,"2,348":930,"2,349":931,"2,350":932,"2,351":933,"2,352":934,"2,353":935,"2,354":936,"2,355":937,"2,356":938,"2,357":939,"2,358":940,"2,359":941,"2,360":942,"2,361":943,"2,362":944,"2,363":945,"2,364":946,"2,365":947,"2,366":948,"2,367":949,"2,368":950,"2,369":951,"2,370":952,"2,371":953,"2,372":954,"2,373":955,"2,374":956,"2,375":957,"2,376":958,"2,377":959,"2,378":960,"2,379":961,"2,380":962,"2,381":963,"2,382":964,"2,383":965,"2,384":966,"2,385":967,"2,386":968,"2,387":969,"2,388":970,"2,389":971,"2,390":972,"2,391":973,"2,392":974,"2,393":975,"2,394":976,"2,395":977,"2,396":978,"2,397":979,"2,398":980,"2,399":981,"2,400":982,"2,401":983,"2,402":984,"2,403":985,"2,404":986,"2,405":987,"2,406":988,"2,407":989,"2,408":990,"2,409":991,"2,410":992,"2,411":993,"2,412":994,"2,413":995,"2,414":996,"2,415":997,"2,416":998,"2,417":999,"2,418":1000,"2,419":1001,"2,420":1002,"2,421":1003,"2,422":1004,"2,423":1005,"2,424":1006,"2,425":1007,"2,426":1008,"2,427":1009,"2,428":1010,"2,429":1011,"2,430":1012,"2,431":1013,"2,432":1014,"2,433":1015,"2,434":1016,"2,435":1017,"2,436":1018,"2,437":1019,"2,438":1020,"2,439":1021,"2,440":1022,"2,441":1023,"2,442":1024,"2,443":1025,"2,444":1026,"2,445":1027,"2,446":1028,"2,447":1029,"2,448":1030,"2,449":1031,"2,450":1032,"2,451":1033,"2,452":1034,"2,453":1035,"2,454":1036,"2,455":1037,"2,456":1038,"2,457":1039,"2,458":1040,"2,459":1041,"2,460":1042,"2,461":1043,"2,462":1044,"2,463":1045,"2,464":1046,"2,465":1047,"2,466":1048,"2,467":1049,"2,468":1050,"2,469":1051,"2,470":1052,"2,471":1053,"2,472":1054,"2,473":1055,"2,474":1056,"2,475":1057,"2,476":1058,"2,477":1059,"2,478":1060,"2,479":1061,"2,480":1062,"2,481":1063,"2,482":1064,"2,483":1065,"2,484":1066,"2,485":1067,"2,486":1068,"2,487":1069,"2,488":1070,"2,489":1071,"2,490":1072,"2,491":1073,"2,492":1074,"2,493":1075,"2,494":1076,"2,495":1077,"2,496":1078,"2,497":1079,"2,498":1080,"2,499":1081,"2,500":1082,"2,501":1083,"2,502":1084,"2,503":1085,"2,504":1086,"2,505":1087,"2,506":1088,"2,507":1089,"2,508":1090,"2,509":1091,"2,510":1092,"2,511":1093,"2,512":1094,"2,513":1095,"2,514":1096,"2,515":1097,"2,516":1098,"2,517":1099,"2,518":1100,"2,519":1101,"2,520":1102,"2,521":1103,"2,522":1104,"2,523":1105,"2,524":1106,"2,525":1107,"2,526":1108,"2,527":1109,"2,528":1110,"2,529":1111,"2,530":1112,"2,531":1113,"2,532":1114,"2,533":1115,"2,534":1116,"2,535":1117,"2,536":1118,"2,537":1119,"2,538":1120,"2,539":1121,"2,540":1122,"2,541":1123,"2,542":1124,"2,543":1125,"2,544":1126,"2,545":1127,"2,546":1128,"2,547":1129,"2,548":1130,"2,549":1131,"2,550":1132,"2,551":1133,"2,552":1134,"2,553":1135,"2,554":1136,"2,555":1137,"2,556":1138,"2,557":1139,"2,558":1140,"2,559":1141,"2,560":1142,"2,561":1143,"2,562":1144,"2,563":1145,"2,564":1146,"2,565":1147,"2,566":1148,"2,567":1149,"2,568":1150,"2,569":1151,"2,570":1152,"2,571":1153,"2,572":1154,"2,573":1155,"2,574":1156,"2,575":1157,"2,576":1158,"2,577":1159,"2,578":1160,"2,579":1161,"2,580":1162,"2,581":1163,"2,582":1164,"2,583":1165,"2,584":1166,"2,585":1167,"2,586":1168,"2,587":1169,"2,588":1170,"2,589":1171,"2,590":1172,"2,591":1173,"2,592":1174,"2,593":1175,"2,594":1176,"2,595":1177,"2,596":1178,"2,597":1179,"2,598":1180,"2,599":1181,"2,600":1182,"2,601":1183,"2,602":1184,"2,603":1185,"2,604":1186,"2,605":1187,"2,606":1188,"2,607":1189,"2,608":1190,"2,609":1191,"2,610":1192,"2,611":1193,"2,612":1194,"2,613":1195,"2,614":1196,"2,615":1197,"2,616":1198,"2,617":1199,"2,618":1200,"3,5":1201,"3,6":1202,"3,7":1203,"3,8":1204,"3,9":1205,"3,10":1206,"3,11":1207,"3,12":1208,"3,13":1209,"3,14":1210,"3,15":1211,"3,16":1212,"3,17":1213,"3,18":1214,"3,19":1215,"3,20":1216,"3,21":1217,"3,22":1218,"3,23":1219,"3,24":1220,"3,25":1221,"3,26":1222,"3,27":1223,"3,28":1224,"3,29":1225,"3,30":1226,"3,31":1227,"3,32":1228,"3,33":1229,"3,34":1230,"3,35":1231,"3,36":1232,"3,37":1233,"3,38":1234,"3,39":1235,"3,40":1236,"3,41":1237,"3,42":1238,"3,43":1239,"3,44":1240,"3,45":1241,"3,46":1242,"3,47":1243,"3,48":1244,"3,49":1245,"3,50":1246,"3,51":1247,"3,52":1248,"3,53":1249,"3,54":1250,"3,55":1251,"3,56":1252,"3,57":1253,"3,58":1254,"3,59":1255,"3,60":1256,"3,61":1257,"3,62":1258,"3,63":1259,"3,64":1260,"3,65":1261,"3,66":1262,"3,67":1263,"3,68":1264,"3,69":1265,"3,70":1266,"3,71":1267,"3,72":1268,"3,73":1269,"3,74":1270,"3,75":1271,"3,76":1272,"3,77":1273,"3,78":1274,"3,79":1275,"3,80":1276,"3,81":1277,"3,82":1278,"3,83":1279,"3,84":1280,"3,85":1281,"3,86":1282,"3,87":1283,"3,88":1284,"3,89":1285,"3,90":1286,"3,91":1287,"3,92":1288,"3,93":1289,"3,94":1290,"3,95":1291,"3,96":1292,"3,97":1293,"3,98":1294,"3,99":1295,"3,100":1296,"3,101":1297,"3,102":1298,"3,103":1299,"3,104":1300,"3,105":1301,"3,106":1302,"3,107":1303,"3,108":1304,"3,109":1305,"3,110":1306,"3,111":1307,"3,112":1308,"3,113":1309,"3,114":1310,"3,115":1311,"3,116":1312,"3,117":1313,"3,118":1314,"3,119":1315,"3,120":1316,"3,121":1317,"3,122":1318,"3,123":1319,"3,124":1320,"3,125":1321,"3,126":1322,"3,127":1323,"3,128":1324,"3,129":1325,"3,130":1326,"3,131":1327,"3,132":1328,"3,133":1329,"3,134":1330,"3,135":1331,"3,136":1332,"3,137":1333,"3,138":1334,"3,139":1335,"3,140":1336,"3,141":1337,"3,142":1338,"3,143":1339,"3,144":1340,"3,145":1341,"3,146":1342,"3,147":1343,"3,148":1344,"3,149":1345,"3,150":1346,"3,151":1347,"3,152":1348,"3,153":1349,"3,154":1350,"3,155":1351,"3,156":1352,"3,157":1353,"3,158":1354,"3,159":1355,"3,160":1356,"3,161":1357,"3,162":1358,"3,163":1359,"3,164":1360,"3,165":1361,"3,166":1362,"3,167":1363,"3,168":1364,"3,169":1365,"3,170":1366,"3,171":1367,"3,172":1368,"3,173":1369,"3,174":1370,"3,175":1371,"3,176":1372,"3,177":1373,"3,178":1374,"3,179":1375,"3,180":1376,"3,181":1377,"3,182":1378,"3,183":1379,"3,184":1380,"3,185":1381,"3,186":1382,"3,187":1383,"3,188":1384,"3,189":1385,"3,190":1386,"3,191":1387,"3,192":1388,"3,193":1389,"3,194":1390,"3,195":1391,"3,196":1392,"3,197":1393,"3,198":1394,"3,199":1395,"3,200":1396,"3,201":1397,"3,202":1398,"3,203":1399,"3,204":1400,"3,205":1401,"3,206":1402,"3,207":1403,"3,208":1404,"3,209":1405,"3,210":1406,"3,211":1407,"3,212":1408,"3,213":1409,"3,214":1410,"3,215":1411,"3,216":1412,"3,217":1413,"3,218":1414,"3,219":1415,"3,220":1416,"3,221":1417,"3,222":1418,"3,223":1419,"3,224":1420,"3,225":1421,"3,226":1422,"3,227":1423,"3,228":1424,"3,229":1425,"3,230":1426,"3,231":1427,"3,232":1428,"3,233":1429,"3,234":1430,"3,235":1431,"3,236":1432,"3,237":1433,"3,238":1434,"3,239":1435,"3,240":1436,"3,241":1437,"3,242":1438,"3,243":1439,"3,244":1440,"3,245":1441,"3,246":1442,"3,247":1443,"3,248":1444,"3,249":1445,"3,250":1446,"3,251":1447,"3,252":1448,"3,253":1449,"3,254":1450,"3,255":1451,"3,256":1452,"3,257":1453,"3,258":1454,"3,259":1455,"3,260":1456,"3,261":1457,"3,262":1458,"3,263":1459,"3,264":1460,"3,265":1461,"3,266":1462,"3,267":1463,"3,268":1464,"3,269":1465,"3,270":1466,"3,271":1467,"3,272":1468,"3,273":1469,"3,274":1470,"3,275":1471,"3,276":1472,"3,277":1473,"3,278":1474,"3,279":1475,"3,280":1476,"3,281":1477,"3,282":1478,"3,283":1479,"3,284":1480,"3,285":1481,"3,286":1482,"3,287":1483,"3,288":1484,"3,289":1485,"3,290":1486,"3,291":1487,"3,292":1488,"3,293":1489,"3,294":1490,"3,295":1491,"3,296":1492,"3,297":1493,"3,298":1494,"3,299":1495,"3,300":1496,"3,301":1497,"3,302":1498,"3,303":1499,"3,304":1500,"3,305":1501,"3,306":1502,"3,307":1503,"3,308":1504,"3,309":1505,"3,310":1506,"3,311":1507,"3,312":1508,"3,313":1509,"3,314":1510,"3,315":1511,"3,316":1512,"3,317":1513,"3,318":1514,"3,319":1515,"3,320":1516,"3,321":1517,"3,322":1518,"3,323":1519,"3,324":1520,"3,325":1521,"3,326":1522,"3,327":1523,"3,328":1524,"3,329":1525,"3,330":1526,"3,331":1527,"3,332":1528,"3,333":1529,"3,334":1530,"3,335":1531,"3,336":1532,"3,337":1533,"3,338":1534,"3,339":1535,"3,340":1536,"3,341":1537,"3,342":1538,"3,343":1539,"3,344":1540,"3,345":1541,"3,346":1542,"3,347":1543,"3,348":1544,"3,349":1545,"3,350":1546,"3,351":1547,"3,352":1548,"3,353":1549,"3,354":1550,"3,355":1551,"3,356":1552,"3,357":1553,"3,358":1554,"3,359":1555,"3,360":1556,"3,361":1557,"3,362":1558,"3,363":1559,"3,364":1560,"3,365":1561,"3,366":1562,"3,367":1563,"3,368":1564,"3,369":1565,"3,370":1566,"3,371":1567,"3,372":1568,"3,373":1569,"3,374":1570,"3,375":1571,"3,376":1572,"3,377":1573,"3,378":1574,"3,379":1575,"3,380":1576,"3,381":1577,"3,382":1578,"3,383":1579,"3,384":1580,"3,385":1581,"3,386":1582,"3,387":1583,"3,388":1584,"3,389":1585,"3,390":1586,"3,391":1587,"3,392":1588,"3,393":1589,"3,394":1590,"3,395":1591,"3,396":1592,"3,397":1593,"3,398":1594,"3,399":1595,"3,400":1596,"3,401":1597,"3,402":1598,"3,403":1599,"3,404":1600,"3,405":1601,"3,406":1602,"3,407":1603,"3,408":1604,"3,409":1605,"3,410":1606,"3,411":1607,"3,412":1608,"3,413":1609,"3,414":1610,"3,415":1611,"3,416":1612,"3,417":1613,"3,418":1614,"3,419":1615,"3,420":1616,"3,421":1617,"3,422":1618,"3,423":1619,"3,424":1620,"3,425":1621,"3,426":1622,"3,427":1623,"3,428":1624,"3,429":1625,"3,430":1626,"3,431":1627,"3,432":1628,"3,433":1629,"3,434":1630,"3,435":1631,"3,436":1632,"3,437":1633,"3,438":1634,"3,439":1635,"3,440":1636,"3,441":1637,"3,442":1638,"3,443":1639,"3,444":1640,"3,445":1641,"3,446":1642,"3,447":1643,"3,448":1644,"3,449":1645,"3,450":1646,"3,451":1647,"3,452":1648,"3,453":1649,"3,454":1650,"3,455":1651,"3,456":1652,"3,457":1653,"3,458":1654,"3,459":1655,"3,460":1656,"3,461":1657,"3,462":1658,"3,463":1659,"3,464":1660,"3,465":1661,"3,466":1662,"3,467":1663,"3,468":1664,"3,469":1665,"3,470":1666,"3,471":1667,"3,472":1668,"3,473":1669,"3,474":1670,"3,475":1671,"3,476":1672,"3,477":1673,"3,478":1674,"3,479":1675,"3,480":1676,"3,481":1677,"3,482":1678,"3,483":1679,"3,484":1680,"3,485":1681,"3,486":1682,"3,487":1683,"3,488":1684,"3,489":1685,"3,490":1686,"3,491":1687,"3,492":1688,"3,493":1689,"3,494":1690,"3,495":1691,"3,496":1692,"3,497":1693,"3,498":1694,"3,499":1695,"3,500":1696,"3,501":1697,"3,502":1698,"3,503":1699,"3,504":1700,"3,505":1701,"3,506":1702,"3,507":1703,"3,508":1704,"3,509":1705,"3,510":1706,"3,511":1707,"3,512":1708,"3,513":1709,"3,514":1710,"3,515":1711,"3,516":1712,"3,517":1713,"3,518":1714,"3,519":1715,"3,520":1716,"3,521":1717,"3,522":1718,"3,523":1719,"3,524":1720,"3,525":1721,"3,526":1722,"3,527":1723,"3,528":1724,"3,529":1725,"3,530":1726,"3,531":1727,"3,532":1728,"3,533":1729,"3,534":1730,"3,535":1731,"3,536":1732,"3,537":1733,"3,538":1734,"3,539":1735,"3,540":1736,"3,541":1737,"3,542":1738,"3,543":1739,"3,544":1740,"3,545":1741,"3,546":1742,"3,547":1743,"3,548":1744,"3,549":1745,"3,550":1746,"3,551":1747,"3,552":1748,"3,553":1749,"3,554":1750,"3,555":1751,"3,556":1752,"3,557":1753,"3,558":1754,"3,559":1755,"3,560":1756,"3,561":1757,"3,562":1758,"3,563":1759,"3,564":1760,"3,565":1761,"3,566":1762,"3,567":1763,"3,568":1764,"3,569":1765,"3,570":1766,"3,571":1767,"3,572":1768,"3,573":1769,"3,574":1770,"3,575":1771,"3,576":1772,"3,577":1773,"3,578":1774,"3,579":1775,"3,580":1776,"3,581":1777,"3,582":1778,"3,583":1779,"3,584":1780,"3,585":1781,"3,586":1782,"3,587":1783,"3,588":1784,"3,589":1785,"3,590":1786,"3,591":1787,"3,592":1788,"3,593":1789,"3,594":1790,"3,595":1791,"3,596":1792,"3,597":1793,"3,598":1794,"3,599":1795,"3,600":1796,"3,601":1797,"3,602":1798,"3,603":1799,"3,604":1800,"3,605":1801,"3,606":1802,"3,607":1803,"3,608":1804,"3,609":1805,"3,610":1806,"3,611":1807,"3,612":1808,"3,613":1809,"3,614":1810,"3,615":1811,"3,616":1812,"3,617":1813,"3,618":1814,"3,619":1815,"3,620":1816,"3,621":1817,"3,622":1818,"3,623":1819,"3,624":1820,"3,625":1821,"3,626":1822,"3,627":1823,"3,628":1824,"3,629":1825,"3,630":1826,"3,631":1827,"3,632":1828,"3,633":1829,"3,634":1830,"3,635":1831,"3,636":1832,"3,637":1833,"3,638":1834,"3,639":1835,"3,640":1836,"3,641":1837,"3,642":1838,"3,643":1839,"3,644":1840,"3,645":1841,"3,646":1842,"3,647":1843,"3,648":1844,"3,649":1845,"3,650":1846,"3,651":1847,"3,652":1848,"3,653":1849,"3,654":1850,"3,655":1851,"3,656":1852,"3,657":1853,"3,658":1854,"3,659":1855,"3,660":1856,"3,661":1857,"3,662":1858,"3,663":1859,"3,664":1860,"3,665":1861,"3,666":1862,"3,667":1863,"3,668":1864,"3,669":1865,"3,670":1866,"3,671":1867,"3,672":1868,"3,673":1869,"3,674":1870,"4,5":1871,"4,6":1872,"4,7":1873,"4,8":1874,"4,9":1875,"4,10":1876,"4,11":1877,"4,12":1878,"4,13":1879,"4,14":1880,"4,15":1881,"4,16":1882,"4,17":1883,"4,18":1884,"4,19":1885,"4,20":1886,"4,21":1887,"4,22":1888,"4,23":1889,"4,24":1890,"4,25":1891,"4,26":1892,"4,27":1893,"4,28":1894,"4,29":1895,"4,30":1896,"4,31":1897,"4,32":1898,"4,33":1899,"4,34":1900,"4,35":1901,"4,36":1902,"4,37":1903,"4,38":1904,"4,39":1905,"4,40":1906,"4,41":1907,"4,42":1908,"4,43":1909,"4,44":1910,"4,45":1911,"4,46":1912,"4,47":1913,"4,48":1914,"4,49":1915,"4,50":1916,"4,51":1917,"4,52":1918,"4,53":1919,"4,54":1920,"4,55":1921,"4,56":1922,"4,57":1923,"4,58":1924,"4,59":1925,"4,60":1926,"4,61":1927,"4,62":1928,"4,63":1929,"4,64":1930,"4,65":1931,"4,66":1932,"4,67":1933,"4,68":1934,"4,69":1935,"4,70":1936,"4,71":1937,"4,72":1938,"4,73":1939,"4,74":1940,"4,75":1941,"4,76":1942,"4,77":1943,"4,78":1944,"4,79":1945,"4,80":1946,"4,81":1947,"4,82":1948,"4,83":1949,"4,84":1950,"4,85":1951,"4,86":1952,"4,87":1953,"4,88":1954,"4,89":1955,"4,90":1956,"4,91":1957,"4,92":1958,"4,93":1959,"4,94":1960,"4,95":1961,"4,96":1962,"4,97":1963,"4,98":1964,"4,99":1965,"4,100":1966,"4,101":1967,"4,102":1968,"4,103":1969,"4,104":1970,"4,105":1971,"4,106":1972,"4,107":1973,"4,108":1974,"4,109":1975,"4,110":1976,"4,111":1977,"4,112":1978,"4,113":1979,"4,114":1980,"4,115":1981,"4,116":1982,"4,117":1983,"4,118":1984,"4,119":1985,"4,120":1986,"4,121":1987,"4,122":1988,"4,123":1989,"4,124":1990,"4,126":1991,"4,127":1992,"4,128":1993,"4,129":1994,"4,130":1995,"4,131":1996,"4,132":1997,"4,133":1998,"4,134":1999,"4,135":2000,"4,136":2001,"4,137":2002,"4,138":2003,"4,139":2004,"4,140":2005,"4,141":2006,"4,142":2007,"4,143":2008,"4,144":2009,"4,145":2010,"4,146":2011,"4,147":2012,"4,148":2013,"4,149":2014,"4,150":2015,"4,151":2016,"4,152":2017,"4,153":2018,"4,154":2019,"4,155":2020,"4,156":2021,"4,157":2022,"4,158":2023,"4,159":2024,"4,160":2025,"4,161":2026,"4,162":2027,"4,163":2028,"4,164":2029,"4,165":2030,"4,166":2031,"4,167":2032,"4,168":2033,"4,169":2034,"4,170":2035,"4,171":2036,"4,172":2037,"4,173":2038,"4,174":2039,"4,175":2040,"4,176":2041,"4,177":2042,"4,178":2043,"4,179":2044,"4,180":2045,"4,181":2046,"4,182":2047,"4,183":2048,"4,184":2049,"4,185":2050,"4,186":2051,"4,187":2052,"4,188":2053,"4,189":2054,"4,190":2055,"4,191":2056,"4,192":2057,"4,193":2058,"4,194":2059,"4,195":2060,"4,196":2061,"4,197":2062,"4,198":2063,"4,199":2064,"4,200":2065,"4,201":2066,"4,202":2067,"4,203":2068,"4,204":2069,"4,205":2070,"4,206":2071,"4,207":2072,"4,208":2073,"4,209":2074,"4,210":2075,"4,211":2076,"4,212":2077,"4,213":2078,"4,214":2079,"4,215":2080,"4,216":2081,"4,217":2082,"4,218":2083,"4,219":2084,"4,220":2085,"4,221":2086,"4,222":2087,"4,223":2088,"4,224":2089,"4,225":2090,"4,226":2091,"4,227":2092,"4,228":2093,"4,229":2094,"4,230":2095,"4,231":2096,"4,232":2097,"4,233":2098,"4,234":2099,"4,235":2100,"4,236":2101,"4,237":2102,"4,238":2103,"4,239":2104,"4,240":2105,"4,241":2106,"4,242":2107,"4,243":2108,"4,244":2109,"4,245":2110,"4,246":2111,"4,247":2112,"4,248":2113,"4,249":2114,"4,250":2115,"4,251":2116,"4,252":2117,"4,253":2118,"4,254":2119,"4,255":2120,"4,256":2121,"4,257":2122,"4,258":2123,"4,259":2124,"4,260":2125,"4,261":2126,"4,262":2127,"4,263":2128,"4,264":2129,"4,265":2130,"4,266":2131,"4,267":2132,"4,268":2133,"4,269":2134,"4,270":2135,"4,271":2136,"4,272":2137,"4,273":2138,"4,274":2139,"4,275":2140,"4,276":2141,"4,277":2142,"4,278":2143,"4,279":2144,"4,280":2145,"4,281":2146,"4,282":2147,"4,283":2148,"4,284":2149,"4,285":2150,"4,286":2151,"4,287":2152,"4,288":2153,"4,289":2154,"4,290":2155,"4,291":2156,"4,292":2157,"4,293":2158,"4,294":2159,"4,295":2160,"4,296":2161,"4,297":2162,"4,298":2163,"4,299":2164,"4,300":2165,"4,301":2166,"4,302":2167,"4,303":2168,"4,304":2169,"4,305":2170,"4,306":2171,"4,307":2172,"4,308":2173,"4,309":2174,"4,310":2175,"4,311":2176,"4,312":2177,"4,313":2178,"4,314":2179,"4,315":2180,"4,316":2181,"4,317":2182,"4,318":2183,"4,319":2184,"4,320":2185,"4,321":2186,"4,322":2187,"4,323":2188,"4,324":2189,"4,325":2190,"4,326":2191,"4,327":2192,"4,328":2193,"4,329":2194,"4,330":2195,"4,331":2196,"4,332":2197,"4,333":2198,"4,334":2199,"4,335":2200,"4,336":2201,"4,337":2202,"4,338":2203,"4,339":2204,"4,340":2205,"4,341":2206,"4,342":2207,"4,343":2208,"4,344":2209,"4,345":2210,"4,346":2211,"4,347":2212,"4,348":2213,"4,349":2214,"4,350":2215,"4,351":2216,"4,352":2217,"4,353":2218,"4,354":2219,"4,355":2220,"4,356":2221,"4,357":2222,"4,358":2223,"4,359":2224,"4,360":2225,"4,361":2226,"4,362":2227,"4,363":2228,"4,364":2229,"4,365":2230,"4,366":2231,"4,367":2232,"4,368":2233,"4,369":2234,"4,370":2235,"4,371":2236,"4,372":2237,"4,373":2238,"4,374":2239,"4,375":2240,"4,376":2241,"4,377":2242,"4,378":2243,"4,379":2244,"4,380":2245,"4,381":2246,"4,382":2247,"4,383":2248,"4,384":2249,"4,385":2250,"4,386":2251,"4,387":2252,"4,388":2253,"4,389":2254,"4,390":2255,"4,391":2256,"4,392":2257,"4,393":2258,"4,394":2259,"4,395":2260,"4,396":2261,"4,397":2262,"4,398":2263,"4,399":2264,"4,400":2265,"4,401":2266,"4,402":2267,"4,403":2268,"4,407":2269,"4,408":2270,"4,409":2271,"4,410":2272,"4,411":2273,"4,412":2274,"4,413":2275,"4,414":2276,"4,415":2277,"4,416":2278,"4,417":2279,"4,418":2280,"4,419":2281,"4,420":2282,"4,421":2283,"4,422":2284,"4,423":2285,"4,424":2286,"4,425":2287,"4,426":2288,"4,427":2289,"4,428":2290,"4,429":2291,"4,430":2292,"4,431":2293,"4,432":2294,"4,433":2295,"4,434":2296,"4,435":2297,"4,436":2298,"4,437":2299,"4,438":2300,"4,439":2301,"4,440":2302,"4,441":2303,"4,442":2304,"4,445":2305,"4,446":2306,"4,447":2307,"4,448":2308,"4,449":2309,"4,450":2310,"4,451":2311,"4,452":2312,"4,453":2313,"4,454":2314,"4,455":2315,"4,456":2316,"4,457":2317,"4,458":2318,"4,459":2319,"4,460":2320,"4,461":2321,"4,462":2322,"4,463":2323,"4,464":2324,"4,465":2325,"4,466":2326,"4,467":2327,"4,468":2328,"4,469":2329,"4,470":2330,"4,471":2331,"4,472":2332,"4,473":2333,"4,474":2334,"4,475":2335,"4,476":2336,"4,477":2337,"4,478":2338,"4,479":2339,"4,480":2340,"4,481":2341,"4,482":2342,"4,483":2343,"4,484":2344,"4,485":2345,"4,486":2346,"4,487":2347,"4,488":2348,"4,489":2349,"4,490":2350,"4,491":2351,"4,492":2352,"4,493":2353,"4,494":2354,"4,495":2355,"4,496":2356,"4,497":2357,"4,498":2358,"4,499":2359,"4,500":2360,"4,501":2361,"4,502":2362,"4,503":2363,"4,504":2364,"4,505":2365,"4,506":2366,"4,507":2367,"4,508":2368,"4,509":2369,"4,510":2370,"4,511":2371,"4,512":2372,"4,513":2373,"4,514":2374,"4,515":2375,"4,516":2376,"4,517":2377,"4,518":2378,"4,519":2379,"4,520":2380,"4,521":2381,"4,522":2382,"4,524":2383,"4,525":2384,"4,526":2385,"4,527":2386,"4,528":2387,"4,529":2388,"4,530":2389,"4,531":2390,"4,532":2391,"4,533":2392,"4,534":2393,"4,536":2394,"4,537":2395,"4,538":2396,"4,539":2397,"4,540":2398,"4,541":2399,"4,542":2400,"4,543":2401,"4,544":2402,"4,545":2403,"4,546":2404,"4,547":2405,"4,548":2406,"4,549":2407,"4,550":2408,"4,551":2409,"4,552":2410,"4,553":2411,"4,554":2412,"4,555":2413,"4,556":2414,"4,557":2415,"4,558":2416,"4,559":2417,"4,560":2418,"4,561":2419,"4,562":2420,"4,563":2421,"4,564":2422,"4,565":2423,"4,566":2424,"4,567":2425,"4,568":2426,"4,569":2427,"4,570":2428,"4,571":2429,"4,572":2430,"4,573":2431,"4,574":2432,"4,575":2433,"4,576":2434,"4,577":2435,"4,578":2436,"4,579":2437,"4,580":2438,"4,581":2439,"4,582":2440,"4,583":2441,"4,584":2442,"4,585":2443,"4,586":2444,"4,587":2445,"4,588":2446,"4,589":2447,"4,590":2448,"4,591":2449,"4,592":2450,"4,593":2451,"4,594":2452,"4,595":2453,"4,596":2454,"4,597":2455,"4,598":2456,"4,599":2457,"4,600":2458,"4,601":2459,"4,602":2460,"4,603":2461,"4,604":2462,"4,605":2463,"4,606":2464,"4,607":2465,"4,608":2466,"4,609":2467,"4,610":2468,"4,611":2469,"4,612":2470,"4,613":2471,"4,614":2472,"4,615":2473,"4,616":2474,"4,617":2475,"4,618":2476,"4,619":2477,"4,620":2478,"4,621":2479,"4,622":2480,"4,623":2481,"4,624":2482,"4,625":2483,"4,626":2484,"4,627":2485,"4,628":2486,"4,629":2487,"4,630":2488,"4,631":2489,"4,632":2490,"4,633":2491,"4,634":2492,"4,635":2493,"4,636":2494,"4,637":2495,"4,638":2496,"4,639":2497,"4,640":2498,"4,641":2499,"4,642":2500,"4,643":2501,"4,644":2502,"4,645":2503,"4,646":2504,"4,647":2505,"4,648":2506,"4,649":2507,"4,650":2508,"4,651":2509,"4,652":2510,"4,653":2511,"4,654":2512,"4,655":2513,"4,657":2514,"4,658":2515,"4,659":2516,"4,660":2517,"4,661":2518,"4,662":2519,"4,663":2520,"4,664":2521,"4,665":2522,"4,666":2523,"4,667":2524,"4,668":2525,"4,669":2526,"4,670":2527,"4,673":2528,"4,674":2529,"4,675":2530,"4,676":2531,"4,677":2532,"4,678":2533,"4,679":2534,"4,680":2535,"4,681":2536,"4,682":2537,"4,683":2538,"4,684":2539,"4,685":2540,"4,686":2541,"4,687":2542,"4,688":2543,"4,689":2544,"4,690":2545,"4,695":2546,"4,696":2547,"4,697":2548,"4,700":2549,"4,701":2550,"4,702":2551,"4,703":2552,"4,704":2553,"4,705":2554,"4,706":2555,"4,707":2556,"4,708":2557,"4,709":2558,"5,5":2559,"5,6":2560,"5,7":2561,"5,8":2562,"5,9":2563,"5,10":2564,"5,11":2565,"5,12":2566,"5,13":2567,"5,14":2568,"5,15":2569,"5,16":2570,"5,17":2571,"5,18":2572,"5,19":2573,"5,20":2574,"5,21":2575,"5,22":2576,"5,23":2577,"5,24":2578,"5,25":2579,"5,26":2580,"5,27":2581,"5,28":2582,"5,29":2583,"5,30":2584,"5,31":2585,"5,32":2586,"5,33":2587,"5,34":2588,"5,35":2589,"5,36":2590,"5,37":2591,"5,38":2592,"5,39":2593,"5,40":2594,"5,41":2595,"5,42":2596,"5,43":2597,"5,44":2598,"5,45":2599,"5,46":2600,"5,47":2601,"5,48":2602,"5,49":2603,"5,50":2604,"5,51":2605,"5,52":2606,"5,53":2607,"5,54":2608,"5,55":2609,"5,56":2610,"5,57":2611,"5,58":2612,"5,59":2613,"5,60":2614,"5,61":2615,"5,62":2616,"5,63":2617,"5,64":2618,"5,65":2619,"5,66":2620,"5,67":2621,"5,68":2622,"5,69":2623,"5,70":2624,"5,71":2625,"5,72":2626,"5,73":2627,"5,74":2628,"5,75":2629,"5,76":2630,"5,77":2631,"5,78":2632,"5,79":2633,"5,80":2634,"5,81":2635,"5,82":2636,"5,83":2637,"5,84":2638,"5,85":2639,"5,88":2640,"5,89":2641,"5,90":2642,"5,91":2643,"5,92":2644,"5,93":2645,"5,94":2646,"5,95":2647,"5,96":2648,"5,97":2649,"5,98":2650,"5,99":2651,"5,100":2652,"5,101":2653,"5,102":2654,"5,103":2655,"5,104":2656,"5,105":2657,"5,106":2658,"5,107":2659,"5,108":2660,"5,109":2661,"5,110":2662,"5,111":2663,"5,112":2664,"5,113":2665,"5,114":2666,"5,115":2667,"5,116":2668,"5,117":2669,"5,118":2670,"5,119":2671,"5,120":2672,"5,121":2673,"5,122":2674,"5,123":2675,"5,124":2676,"5,125":2677,"5,126":2678,"5,127":2679,"5,128":2680,"5,129":2681,"5,130":2682,"5,131":2683,"5,132":2684,"5,133":2685,"5,134":2686,"5,135":2687,"5,136":2688,"5,137":2689,"5,138":2690,"5,139":2691,"5,140":2692,"5,141":2693,"5,142":2694,"5,143":2695,"5,147":2696,"5,148":2697,"5,149":2698,"5,150":2699,"5,151":2700,"5,152":2701,"5,153":2702,"5,154":2703,"5,155":2704,"5,156":2705,"5,159":2706,"5,160":2707,"5,161":2708,"5,162":2709,"5,163":2710,"5,164":2711,"5,165":2712,"5,166":2713,"5,167":2714,"5,170":2715,"5,172":2716,"5,173":2717,"5,177":2718,"5,178":2719,"5,179":2720,"5,180":2721,"5,181":2722,"5,182":2723,"5,183":2724,"5,184":2725,"5,185":2726,"5,186":2727,"5,187":2728,"5,188":2729,"5,189":2730,"5,190":2731,"5,191":2732,"5,192":2733,"5,193":2734,"5,194":2735,"5,198":2736,"5,199":2737,"5,200":2738,"5,201":2739,"5,202":2740,"5,203":2741,"5,204":2742,"5,205":2743,"5,206":2744,"5,207":2745,"5,208":2746,"5,209":2747,"5,210":2748,"5,211":2749,"5,212":2750,"5,213":2751,"5,214":2752,"5,215":2753,"5,216":2754,"5,217":2755,"5,218":2756,"5,219":2757,"5,220":2758,"5,221":2759,"5,222":2760,"5,223":2761,"5,224":2762,"5,225":2763,"5,226":2764,"5,227":2765,"5,228":2766,"5,229":2767,"5,230":2768,"5,231":2769,"5,232":2770,"5,233":2771,"5,234":2772,"5,235":2773,"5,236":2774,"5,237":2775,"5,238":2776,"5,239":2777,"5,240":2778,"5,241":2779,"5,242":2780,"5,243":2781,"5,244":2782,"5,245":2783,"5,246":2784,"5,247":2785,"5,248":2786,"5,249":2787,"5,250":2788,"5,251":2789,"5,252":2790,"5,253":2791,"5,254":2792,"5,255":2793,"5,256":2794,"5,257":2795,"5,258":2796,"5,259":2797,"5,260":2798,"5,261":2799,"5,262":2800,"5,263":2801,"5,264":2802,"5,265":2803,"5,266":2804,"5,267":2805,"5,268":2806,"5,269":2807,"5,270":2808,"5,271":2809,"5,272":2810,"5,273":2811,"5,274":2812,"5,275":2813,"5,276":2814,"5,277":2815,"5,278":2816,"5,279":2817,"5,282":2818,"5,283":2819,"5,284":2820,"5,285":2821,"5,286":2822,"5,287":2823,"5,288":2824,"5,289":2825,"5,290":2826,"5,291":2827,"5,292":2828,"5,293":2829,"5,294":2830,"5,295":2831,"5,296":2832,"5,297":2833,"5,298":2834,"5,299":2835,"5,300":2836,"5,301":2837,"5,302":2838,"5,303":2839,"5,304":2840,"5,305":2841,"5,306":2842,"5,307":2843,"5,308":2844,"5,309":2845,"5,310":2846,"5,311":2847,"5,312":2848,"5,313":2849,"5,315":2850,"5,316":2851,"5,317":2852,"5,318":2853,"5,319":2854,"5,320":2855,"5,321":2856,"5,322":2857,"5,323":2858,"5,324":2859,"5,325":2860,"5,326":2861,"5,327":2862,"5,328":2863,"5,337":2864,"5,338":2865,"5,339":2866,"5,340":2867,"5,341":2868,"5,342":2869,"5,343":2870,"5,344":2871,"5,345":2872,"5,346":2873,"5,347":2874,"5,348":2875,"5,349":2876,"5,350":2877,"5,351":2878,"5,352":2879,"5,353":2880,"5,354":2881,"5,355":2882,"5,356":2883,"5,357":2884,"5,358":2885,"5,359":2886,"5,360":2887,"5,361":2888,"5,362":2889,"5,363":2890,"5,364":2891,"5,365":2892,"5,366":2893,"5,367":2894,"5,368":2895,"5,369":2896,"5,370":2897,"5,371":2898,"5,372":2899,"5,373":2900,"5,374":2901,"5,375":2902,"5,376":2903,"5,377":2904,"5,378":2905,"5,379":2906,"5,380":2907,"5,381":2908,"5,382":2909,"5,383":2910,"5,384":2911,"5,385":2912,"5,386":2913,"5,387":2914,"5,388":2915,"5,389":2916,"5,390":2917,"5,391":2918,"5,392":2919,"5,394":2920,"5,398":2921,"5,399":2922,"5,400":2923,"5,401":2924,"5,402":2925,"5,403":2926,"5,404":2927,"5,405":2928,"5,406":2929,"5,407":2930,"5,408":2931,"5,409":2932,"5,410":2933,"5,411":2934,"5,412":2935,"5,413":2936,"5,414":2937,"5,415":2938,"5,416":2939,"5,417":2940,"5,418":2941,"5,419":2942,"5,420":2943,"5,421":2944,"5,422":2945,"5,423":2946,"5,424":2947,"5,425":2948,"5,426":2949,"5,427":2950,"5,428":2951,"5,429":2952,"5,430":2953,"5,431":2954,"5,432":2955,"5,433":2956,"5,434":2957,"5,435":2958,"5,436":2959,"5,437":2960,"5,438":2961,"5,439":2962,"5,440":2963,"5,441":2964,"5,442":2965,"5,443":2966,"5,444":2967,"5,446":2968,"5,447":2969,"5,448":2970,"5,449":2971,"5,450":2972,"5,451":2973,"5,452":2974,"5,453":2975,"5,454":2976,"5,455":2977,"5,456":2978,"5,457":2979,"5,458":2980,"5,459":2981,"5,460":2982,"5,461":2983,"5,462":2984,"5,463":2985,"5,464":2986,"5,465":2987,"5,466":2988,"5,467":2989,"5,468":2990,"5,469":2991,"5,470":2992,"5,471":2993,"5,472":2994,"5,475":2995,"5,476":2996,"5,477":2997,"5,478":2998,"5,479":2999,"5,480":3000,"5,481":3001,"5,482":3002,"5,483":3003,"5,484":3004,"5,485":3005,"5,486":3006,"5,487":3007,"5,488":3008,"5,489":3009,"5,490":3010,"5,491":3011,"5,492":3012,"5,493":3013,"5,494":3014,"5,495":3015,"5,496":3016,"5,497":3017,"5,498":3018,"5,499":3019,"5,500":3020,"5,501":3021,"5,502":3022,"5,503":3023,"5,504":3024,"5,505":3025,"5,506":3026,"5,507":3027,"5,508":3028,"5,509":3029,"5,510":3030,"5,511":3031,"5,512":3032,"5,513":3033,"5,514":3034,"5,515":3035,"5,516":3036,"5,517":3037,"5,518":3038,"5,519":3039,"5,520":3040,"5,521":3041,"5,522":3042,"5,523":3043,"5,524":3044,"5,525":3045,"5,526":3046,"5,527":3047,"5,528":3048,"5,529":3049,"5,530":3050,"5,531":3051,"5,532":3052,"5,533":3053,"5,534":3054,"5,535":3055,"5,536":3056,"5,537":3057,"5,538":3058,"5,539":3059,"5,540":3060,"5,541":3061,"5,542":3062,"5,543":3063,"5,544":3064,"5,545":3065,"5,546":3066,"5,547":3067,"5,548":3068,"5,549":3069,"5,550":3070,"5,551":3071,"5,552":3072,"5,553":3073,"5,554":3074,"5,555":3075,"5,556":3076,"5,557":3077,"5,558":3078,"5,559":3079,"6,7":3080,"6,8":3081,"6,9":3082,"6,10":3083,"6,11":3084,"6,12":3085,"6,13":3086,"6,14":3087,"6,15":3088,"6,16":3089,"6,17":3090,"6,18":3091,"6,19":3092,"6,20":3093,"6,21":3094,"6,22":3095,"6,23":3096,"6,24":3097,"6,25":3098,"6,26":3099,"6,27":3100,"6,28":3101,"6,29":3102,"6,30":3103,"6,31":3104,"6,33":3105,"6,34":3106,"6,35":3107,"6,36":3108,"6,37":3109,"6,38":3110,"6,39":3111,"6,40":3112,"6,41":3113,"6,42":3114,"6,43":3115,"6,44":3116,"6,45":3117,"6,46":3118,"6,47":3119,"6,48":3120,"6,49":3121,"6,50":3122,"6,51":3123,"6,52":3124,"6,53":3125,"6,54":3126,"6,55":3127,"6,56":3128,"6,57":3129,"6,58":3130,"6,59":3131,"6,63":3132,"6,64":3133,"6,65":3134,"6,66":3135,"6,67":3136,"6,68":3137,"6,78":3139,"6,79":3140,"6,80":3141,"6,81":3142,"6,82":3143,"6,83":3144,"6,84":3145,"6,85":3146,"6,86":3147,"6,87":3148,"6,88":3149,"6,89":3150,"6,90":3151,"6,91":3152,"6,92":3153,"6,93":3154,"6,94":3155,"6,95":3156,"6,96":3157,"6,97":3158,"6,98":3159,"6,99":3160,"6,100":3161,"6,101":3162,"6,102":3163,"6,103":3164,"6,104":3165,"6,105":3166,"6,106":3167,"6,107":3168,"6,108":3169,"6,109":3170,"6,110":3171,"6,111":3172,"6,112":3173,"6,113":3174,"6,114":3175,"6,115":3176,"6,116":3177,"6,117":3178,"6,118":3179,"6,119":3180,"6,120":3181,"6,121":3182,"6,122":3183,"6,123":3184,"6,124":3185,"6,125":3186,"6,126":3187,"6,127":3188,"6,128":3189,"6,129":3190,"6,130":3191,"6,131":3192,"6,132":3193,"6,133":3194,"6,134":3195,"6,135":3196,"6,136":3197,"6,137":3198,"6,138":3199,"6,139":3200,"6,140":3201,"6,141":3202,"6,142":3203,"6,143":3204,"6,144":3205,"6,145":3206,"6,146":3207,"6,147":3208,"6,148":3209,"6,149":3210,"6,150":3211,"6,151":3212,"6,152":3213,"6,153":3214,"6,154":3215,"6,155":3216,"6,156":3217,"6,157":3218,"6,158":3219,"6,159":3220,"6,160":3221,"6,161":3222,"6,162":3223,"6,163":3224,"6,164":3225,"6,165":3226,"6,166":3227,"6,167":3228,"6,168":3229,"6,169":3230,"6,170":3231,"6,171":3232,"6,172":3233,"6,173":3234,"6,174":3235,"6,175":3236,"6,176":3237,"6,177":3238,"6,178":3239,"6,179":3240,"6,180":3241,"6,181":3242,"6,182":3243,"6,183":3244,"6,184":3245,"6,185":3246,"6,186":3247,"6,187":3248,"6,188":3249,"6,189":3250,"6,190":3251,"6,191":3252,"6,192":3253,"6,193":3254,"6,194":3255,"6,195":3256,"6,196":3257,"6,198":3258,"6,199":3259,"6,200":3260,"6,201":3261,"6,202":3262,"6,203":3263,"6,204":3264,"6,205":3265,"6,206":3266,"6,207":3267,"6,208":3268,"6,209":3269,"6,210":3270,"6,211":3271,"6,212":3272,"6,213":3273,"6,214":3274,"6,215":3275,"6,216":3276,"6,217":3277,"6,218":3278,"6,219":3279,"6,220":3280,"6,221":3281,"6,222":3282,"6,223":3283,"6,224":3284,"6,225":3285,"6,226":3286,"6,227":3287,"6,228":3288,"6,229":3289,"6,230":3290,"6,231":3291,"6,232":3292,"6,233":3293,"6,234":3294,"6,235":3295,"6,236":3296,"6,237":3297,"6,238":3298,"6,239":3299,"6,240":3300,"6,241":3301,"6,242":3302,"6,243":3303,"6,244":3304,"6,245":3305,"6,246":3306,"6,247":3307,"6,248":3308,"6,249":3309,"6,250":3310,"6,251":3311,"6,252":3312,"6,253":3313,"6,254":3314,"6,255":3315,"6,256":3316,"6,257":3317,"6,258":3318,"6,259":3319,"6,260":3320,"6,261":3321,"6,262":3322,"6,263":3323,"6,264":3324,"6,265":3325,"6,266":3326,"6,267":3327,"6,268":3328,"6,269":3329,"6,270":3330,"6,271":3331,"6,272":3332,"6,273":3333,"6,274":3334,"6,275":3335,"6,276":3336,"6,277":3337,"6,278":3338,"6,279":3339,"6,280":3340,"6,281":3341,"6,283":3342,"6,284":3343,"6,288":3344,"6,289":3345,"6,290":3346,"6,291":3347,"6,292":3348,"6,293":3349,"6,294":3350,"6,295":3351,"6,296":3352,"6,297":3353,"6,298":3354,"6,299":3355,"6,300":3356,"6,301":3357,"6,302":3358,"6,303":3359,"6,304":3360,"6,305":3361,"6,306":3362,"6,307":3363,"6,308":3364,"6,309":3365,"6,310":3366,"6,311":3367,"6,312":3368,"6,313":3369,"6,314":3370,"6,320":3371,"6,321":3372,"6,322":3373,"6,323":3374,"6,324":3375,"6,325":3376,"6,326":3377,"6,327":3378,"6,328":3379,"6,329":3380,"6,330":3381,"6,331":3382,"6,332":3383,"6,333":3384,"6,334":3385,"6,335":3386,"6,336":3387,"6,337":3388,"6,338":3389,"6,339":3390,"6,340":3391,"6,341":3392,"6,342":3393,"6,343":3394,"6,344":3395,"6,345":3396,"6,346":3397,"6,347":3398,"6,348":3399,"6,349":3400,"6,350":3401,"6,351":3402,"6,352":3403,"6,353":3404,"6,354":3405,"6,355":3406,"6,356":3407,"6,357":3408,"6,358":3409,"6,359":3410,"6,360":3411,"6,361":3412,"6,362":3413,"6,363":3414,"6,364":3415,"6,365":3416,"6,366":3417,"6,367":3418,"6,368":3419,"6,369":3420,"6,370":3421,"6,371":3422,"6,372":3423,"6,373":3424,"6,374":3425,"6,375":3426,"6,376":3427,"6,377":3428,"6,378":3429,"6,379":3430,"6,380":3431,"6,381":3432,"6,382":3433,"6,383":3434,"6,384":3435,"6,385":3436,"6,386":3437,"6,387":3438,"6,388":3439,"6,389":3440,"6,390":3441,"6,391":3442,"6,392":3443,"6,393":3444,"6,394":3445,"6,395":3446,"6,396":3447,"6,397":3448,"6,398":3449,"6,399":3450,"6,400":3451,"6,401":3452,"6,402":3453,"6,403":3454,"6,404":3455,"6,405":3456,"6,406":3457,"6,407":3458,"6,408":3459,"6,409":3460,"6,410":3461,"6,411":3462,"6,412":3463,"6,413":3464,"6,414":3465,"6,415":3466,"6,416":3467,"6,417":3468,"6,418":3469,"6,419":3470,"6,420":3471,"6,421":3472,"6,422":3473,"6,423":3474,"6,424":3475,"6,425":3476,"6,426":3477,"6,427":3478,"6,428":3479,"6,429":3480,"6,430":3481,"6,431":3482,"6,432":3483,"6,433":3484,"6,434":3485,"6,435":3486,"6,436":3487,"6,437":3488,"6,438":3489,"6,439":3490,"6,440":3491,"6,441":3492,"6,442":3493,"6,443":3494,"6,444":3495,"6,445":3496,"6,446":3497,"6,447":3498,"6,448":3499,"6,449":3500,"6,450":3501,"6,451":3502,"6,452":3503,"6,453":3504,"6,454":3505,"6,455":3506,"6,456":3507,"6,457":3508,"6,458":3509,"6,459":3510,"6,460":3511,"6,461":3512,"6,462":3513,"6,463":3514,"6,464":3515,"6,465":3516,"6,466":3517,"6,467":3518,"6,468":3519,"6,469":3520,"6,470":3521,"6,471":3522,"6,472":3523,"6,473":3524,"6,474":3525,"6,475":3526,"6,476":3527,"6,477":3528,"6,478":3529,"6,479":3530,"6,480":3531,"6,481":3532,"6,482":3533,"6,483":3534,"6,484":3535,"6,485":3536,"6,486":3537,"6,487":3538,"6,488":3539,"6,489":3540,"6,490":3541,"6,491":3542,"6,492":3543,"6,493":3544,"6,494":3545,"6,495":3546,"6,496":3547,"6,497":3548,"6,498":3549,"6,499":3550,"6,500":3551,"6,501":3552,"6,502":3553,"6,503":3554,"6,504":3555,"6,505":3556,"6,506":3557,"6,507":3558,"6,508":3559,"6,509":3560,"6,510":3561,"6,511":3562,"6,512":3563,"6,513":3564,"6,514":3565,"6,515":3566,"6,516":3567,"6,517":3568,"6,518":3569,"6,519":3570,"6,520":3571,"6,521":3572,"6,522":3573,"6,523":3574,"6,524":3575,"6,525":3576,"6,526":3577,"6,527":3578,"6,528":3579,"6,529":3580,"6,530":3581,"6,531":3582,"6,532":3583,"6,533":3584,"6,534":3585,"6,535":3586,"6,536":3587,"6,537":3588,"6,538":3589,"6,539":3590,"6,540":3591,"6,541":3592,"6,542":3593,"6,543":3594,"6,544":3595,"6,545":3596,"6,546":3597,"6,547":3598,"6,548":3599,"6,549":3600,"6,550":3601,"6,551":3602,"6,552":3603,"6,553":3604,"6,554":3605,"6,555":3606,"6,556":3607,"6,557":3608,"6,558":3609,"6,559":3610,"6,560":3611,"6,561":3612,"6,562":3613,"6,563":3614,"6,564":3615,"6,565":3616,"6,566":3617,"6,567":3618,"6,568":3619,"6,569":3620,"6,570":3621,"6,571":3622,"6,572":3623,"6,573":3624,"6,574":3625,"6,575":3626,"6,576":3627,"6,577":3628,"6,578":3629,"6,579":3630,"6,580":3631,"6,581":3632,"6,582":3633,"6,583":3634,"6,584":3635,"6,585":3636,"6,586":3637,"6,587":3638,"6,588":3639,"6,589":3640,"6,590":3641,"6,591":3642,"6,592":3643,"6,593":3644,"6,594":3645,"6,595":3646,"6,596":3647,"6,597":3648,"6,598":3649,"6,599":3650,"6,600":3651,"6,601":3652,"6,602":3653,"6,603":3654,"6,604":3655,"6,605":3656,"6,606":3657,"6,607":3658,"6,608":3659,"6,609":3660,"6,610":3661,"6,611":3662,"6,612":3663,"6,613":3664,"6,614":3665,"6,615":3666,"6,616":3667,"6,617":3668,"6,618":3669,"6,619":3670,"6,620":3671,"6,621":3672,"6,622":3673,"6,623":3674,"6,624":3675,"6,625":3676,"6,626":3677,"6,627":3678,"6,628":3679,"6,629":3680,"6,630":3681,"6,631":3682,"6,632":3683,"6,633":3684,"6,634":3685,"6,635":3686,"6,636":3687,"6,637":3688,"6,638":3689,"6,639":3690,"6,640":3691,"6,641":3692,"6,642":3693,"6,643":3694,"6,644":3695,"6,645":3696,"6,646":3697,"6,647":3698,"6,648":3699,"6,649":3700,"6,650":3701,"6,651":3702,"6,652":3703,"6,653":3704,"6,654":3705,"6,655":3706,"6,656":3707,"6,657":3708,"6,658":3709,"6,659":3710,"6,660":3711,"6,661":3712,"6,662":3713,"6,663":3714,"6,664":3715,"6,665":3716,"6,666":3717,"6,667":3718,"6,670":3719,"6,671":3720,"6,672":3721,"6,673":3722,"6,674":3723,"6,675":3724,"6,676":3725,"6,677":3726,"6,678":3727,"6,679":3728,"6,680":3729,"6,681":3730,"6,682":3731,"6,683":3732,"6,684":3733,"6,685":3734,"6,686":3735,"6,687":3736,"6,688":3737,"6,689":3738,"6,690":3739,"6,691":3740,"6,692":3741,"6,693":3742,"6,694":3743,"6,695":3744,"6,696":3745,"6,697":3746,"6,698":3747,"6,699":3748,"6,700":3749,"6,701":3750,"6,702":3751,"6,703":3752,"6,704":3753,"6,705":3754,"6,706":3755,"6,707":3756,"6,708":3757,"6,709":3758,"6,710":3759,"6,711":3760,"6,712":3761,"6,713":3762,"6,714":3763,"6,715":3764,"6,716":3765,"6,717":3766,"6,718":3767,"6,719":3768,"6,720":3769,"6,721":3770,"6,722":3771,"6,723":3772,"6,726":3773,"6,727":3774,"6,728":3775,"6,729":3776,"6,730":3777,"6,731":3778,"6,732":3779,"6,733":3780,"6,734":3781,"6,735":3782,"6,736":3783,"6,737":3784},"ٜ":{"1":[7,591],"2":[5,618],"3":[5,674],"4":[5,709],"5":[5,559],"6":[7,737]},"ٝ":[null,"1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","4,646","4,647","4,648","4,649","4,650","4,651","4,652","4,653","4,654","4,655","4,657","4,658","4,659","4,660","4,661","4,662","4,663","4,664","4,665","4,666","4,667","4,668","4,669","4,670","4,673","4,674","4,675","4,676","4,677","4,678","4,679","4,680","4,681","4,682","4,683","4,684","4,685","4,686","4,687","4,688","4,689","4,690","4,695","4,696","4,697","4,700","4,701","4,702","4,703","4,704","4,705","4,706","4,707","4,708","4,709","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,170","5,172","5,173","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,394","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68",null,"6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,283","6,284","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","6,645","6,646","6,647","6,648","6,649","6,650","6,651","6,652","6,653","6,654","6,655","6,656","6,657","6,658","6,659","6,660","6,661","6,662","6,663","6,664","6,665","6,666","6,667","6,670","6,671","6,672","6,673","6,674","6,675","6,676","6,677","6,678","6,679","6,680","6,681","6,682","6,683","6,684","6,685","6,686","6,687","6,688","6,689","6,690","6,691","6,692","6,693","6,694","6,695","6,696","6,697","6,698","6,699","6,700","6,701","6,702","6,703","6,704","6,705","6,706","6,707","6,708","6,709","6,710","6,711","6,712","6,713","6,714","6,715","6,716","6,717","6,718","6,719","6,720","6,721","6,722","6,723","6,726","6,727","6,728","6,729","6,730","6,731","6,732","6,733","6,734","6,735","6,736","6,737"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"6":[3],"8":[4,5],"80":[6],"167":[7],"284":[8],"319":[9],"508":[10],"533":[11],"563":[12],"571":[13],"587":[14],"633":[15],"720":[16],"730":[17],"791":[18],"822":[19],"830":[20],"902":[21],"910":[22],"920":[23],"929":[24],"953":[25],"964":[26],"984":[27],"1039":[28],"1044":[29],"1066":[30],"1122":[31],"1201":[32],"1218":[33],"1223":[34],"1228":[35],"1239":[36],"1275":[37],"1310":[38],"1334":[39],"1350":[40],"1356":[41],"1363":[42],"1371":[43],"1377":[44],"1400":[45],"1410":[46],"1418":[47],"1425":[48],"1436":[49],"1450":[50],"1463":[51],"1468":[52],"1471":[53],"1481":[54],"1500":[55],"1529":[56],"1533":[57],"1538":[58],"1550":[59],"1578":[60],"1582":[61],"1590":[62],"1591":[63],"1595":[64],"1606":[65],"1612":[66],"1622":[67],"1626":[68],"1633":[69],"1667":[70],"1673":[71],"1681":[72],"1705":[73],"1710":[74],"1731":[75],"1752":[76],"1769":[77],"1796":[78],"1807":[79],"1811":[80],"1822":[81],"1836":[82],"1846":[83],"1871":[84],"1880":[85],"1886":[86],"1889":[87,88],"1902":[89],"1910":[90],"1921":[91],"1926":[92],"1930":[93],"1934":[94],"1937":[95],"1955":[96],"1959":[97],"1968":[98],"1979":[99],"2007":[100],"2023":[101],"2029":[102],"2034":[103],"2052":[104,105],"2064":[106],"2067":[107],"2071":[108],"2074":[109],"2081":[110],"2082":[111],"2085":[112],"2089":[113],"2092":[114],"2099":[115],"2106":[116],"2109":[117],"2112":[118],"2121":[119],"2123":[120],"2129":[121,122],"2147":[123],"2148":[124],"2181":[125],"2182":[126],"2185":[127],"2190":[128],"2191":[129],"2192":[130],"2197":[131,132],"2210":[133],"2213":[134],"2234":[135],"2244":[136],"2263":[137],"2269":[138],"2272":[139],"2273":[140],"2277":[141],"2278":[142],"2319":[143],"2337":[144],"2350":[145],"2353":[146],"2357":[147],"2360":[148],"2367":[149],"2372":[150],"2377":[151],"2382":[152],"2387":[153],"2390":[154],"2394":[155],"2397":[156],"2404":[157],"2409":[158],"2413":[159],"2419":[160],"2422":[161],"2427":[162],"2432":[163],"2435":[164],"2438":[165,166],"2442":[167],"2445":[168],"2479":[169],"2481":[170],"2482":[171],"2483":[172],"2485":[173],"2489":[174,175],"2514":[176],"2516":[177],"2527":[178],"2554":[179],"2559":[180],"2597":[181],"2614":[182],"2621":[183],"2623":[184],"2635":[185],"2639":[186],"2657":[187],"2672":[188],"2676":[189],"2679":[190],"2683":[191],"2685":[192],"2686":[193],"2687":[194],"2689":[195],"2691":[196],"2695":[197],"2699":[198],"2705":[199],"2706":[200],"2727":[201],"2755":[202],"2758":[203],"2763":[204],"2774":[205],"2797":[206],"2813":[207],"2816":[208],"2818":[209],"2819":[210],"2822":[211],"2828":[212],"2830":[213],"2834":[214],"2837":[215],"2838":[216],"2839":[217],"2843":[218],"2844":[219],"2849":[220],"2850":[221],"2852":[222],"2863":[223],"2912":[224],"2919":[225],"2920":[226],"2921":[227],"2922":[228],"2923":[229],"2978":[230],"3003":[231],"3043":[232],"3046":[233],"3048":[234],"3057":[235],"3070":[236],"3080":[237,238],"3083":[239],"3117":[240],"3121":[241],"3129":[242],"3164":[243,244],"3190":[245],"3195":[246],"3206":[247],"3210":[248],"3213":[249],"3216":[250],"3242":[251],"3246":[252],"3249":[253],"3252":[254],"3263":[255],"3278":[256],"3290":[257],"3292":[258],"3296":[259],"3308":[260],"3310":[261],"3316":[262],"3317":[263],"3322":[264],"3324":[265],"3327":[266],"3329":[267],"3336":[268],"3338":[269],"3342":[270],"3344":[271],"3347":[272],"3356":[273],"3358":[274],"3362":[275],"3365":[276],"3389":[277],"3405":[278],"3407":[279],"3418":[280],"3421":[281],"3427":[282],"3430":[283],"3432":[284],"3435":[285],"3437":[286],"3440":[287],"3442":[288],"3445":[289],"3455":[290],"3464":[291],"3468":[292],"3479":[293],"3482":[294],"3485":[295],"3487":[296],"3490":[297],"3497":[298],"3500":[299],"3501":[300],"3502":[301],"3505":[302],"3508":[303],"3510":[304],"3512":[305],"3514":[306],"3518":[307],"3520":[308],"3523":[309],"3525":[310],"3528":[311],"3531":[312],"3532":[313],"3535":[314],"3536":[315],"3539":[316],"3541":[317],"3544":[318],"3547":[319],"3550":[320],"3551":[321],"3553":[322],"3555":[323],"3556":[324],"3559":[325],"3561":[326],"3563":[327],"3565":[328],"3569":[329],"3571":[330],"3572":[331],"3574":[332],"3576":[333],"3582":[334],"3583":[335],"3585":[336],"3590":[337],"3595":[338],"3599":[339],"3606":[340],"3609":[341],"3611":[342],"3613":[343],"3617":[344],"3624":[345],"3633":[346],"3635":[347],"3638":[348],"3639":[349],"3641":[350],"3648":[351],"3654":[352],"3657":[353],"3658":[354,355],"3760":[356],"3771":[357]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\n\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلي الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إي يوم الدين وسلم تسلينًا كثيرًا.\n\nأما بعد:\n\nفإن هذا الكتاب يحتوي على تعليقات نافعه لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ تعالي - لجمل كبيرة من الأحاديث الواردة في كتاب: «رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين» للإمام النووي ﵀ تعالي ـ.\nوقد جاءت تلك التعليقات ضمن أحاديث شيخنا اليومية ﵀ تعالي - بعد صلاة العصر في الجامع الكبير بعنيزه. وتكررت طباعتها منذ الطبعة الأولي عام ١٤١٥هـ التي اعتني بها فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الله ابن محمد بن أحمد الطيار جزاه الله خيرا.\n\nوإنفاذًا للقواعد والضوابط والتوجيهات التي قررها وعهد بها إلي اللجنة العلمية فضيلة شيخنا ﵀ تعالي - لإخراج مؤلفاته، تم - ولله الحمد - إعداد هذا الكتاب للنشر ومراجعة محتواه العلمي على أصوله المسموعة المسجلة.\nنسأل الله تعالي أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لعباده، وان يجزي فضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويضاعف له المثوبة والأجر، إنه سميع قريب.\nوصلي الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين.\n\nاللجنة العلمية\nفي مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية\n١٥/٩/١٤٢٤هـ","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة الإمام النووي ﵀</span>\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولى القلوب والأبصار وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفه فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبة وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والأذكار، ووفقهم للدؤوب في طاعته والتأهب لدار القرار ن والحذر مما يسخطه ويوجب دار البوار، والمحافظة على ذلك مع تغاير الأحوال والأطوار.\n\nاحمده أبلغ حمد وأزكاه، وأشمله وأنماه.\nوأشهد أن لا إله إلا الله البر الكريم، الرؤوف الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليليه، الهدي إلي صراط مستقيم، والداعي إلي دين قويم ن صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين، وآل كل وسائر الصالحين.\n\nأما بعد:\n\nفقد قال الله تعالي: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) (الذريات: ٥٦/٥٧) وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة؛ فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام.","vol":"1","page":7},{"text":"فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد؛ قال الله تعالي: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس: ٢٤) والآيات في هذا المعني كثيرة.\nإن لله عبادًا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا\nنظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا\nجعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا\n\nفإذا كان حالها ما وصفته، وحالنا ما خلقنا له، ما قدمته؛ فحق على المكلف أن يذهب بنفه مذهب الأخيار، ويسلك مسلك أولى النهي والأبصار، ويتأهب لما اشر ت إليه، ويهتم بما نبهت عليه.\n\nوأصوب طريق له في ذلك، وأرشد ما يسلكه السالكين: التأدب بما صح عن نبينا سيد الأولين والآخرين، وأكرم السابقين اللاحقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين، وقد فال الله تعالي:) وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: من الآية٢) وقد صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وأنه قال: «من","vol":"1","page":8},{"text":"دل على خير، فله مثل أجر فاعله» وأنه قال: «من دعا إلي هدي كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقصه ذلك من أجورهم شيئًا) وأنه قال لعلي ﵁: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدا خير لك من حمر النعم» .\n\nفرأيت أن أجمع مختصرًا من الأحاديث الصحيحة، مشتملًا على ما يكون طريقًا لصاحبه إلي الآخره، ومحصلًا لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعًا للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين: من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من مقاصد العارفين.\n\nوألتزم فيه أن لا أذكر حديثًا صحيحًا من الواضحات، مضافًا إلي الكتب الصحيحة المشهورات، وأصدر الأبواب من القرآن العزيز بآيات كريمات، وأوشح ما يحتاج إلي ضبط أو شرح معني خفي بنفائس من التنبهات.","vol":"1","page":9},{"text":"وإذا قلت في آخر حديث: «متفق عليه» فمعناه: رواه البخاري ومسلم.\nوأرجو إن تم هذا الكتاب أن يكون سائقًا للمعتني به إلي الخيرات، حاجزًا له عن أنواع القبائح والمهلكات.\n\nوأنا سائل أخًا انتفع بشيء منه أن يدعو لي، ولوالدي، ومشايخي، وسائر أحبابنا، والمسلمين أجمعين، وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة الشارح</span>\n\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: ١٠٢) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: ١» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (ايُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب ٧٠/٧١) .\n\nأما بعد:\nفإن اصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلي الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\n\nفهذه الخطبة الطويلة المفيدة «لكتاب رياض الصالحين» الذي ألفه الشيخ الحافظ النووي ﵀ وهو كتاب جيد ولم يسبق لنا قراءته.\nورأيت أن نبدأ فيه ونسأل الله تعالي أن نتمه على خير؛ لأنه كتاب نافع للقلوب، وللأعمال الظاهرة والمتعلقة بالجوارح؛ لذلك ينبغي أن يعتني","vol":"1","page":11},{"text":"بهذا الكتاب.\nوقد طلب ﵀ ممن انتفع به أن يدعو له ولوالديه ولسائر المسلمين؛ فنسأل الله أن يغفر له ولوالديه ولسائر المسلمين، وأن يجمعنا وإياه وإخواننا المؤمنين في دار كرامته؛ إنه جواد كريم، وأسال الله أن يوفقنا لاتمامه، وأن ينفعنا بهن وأن يغفر لمؤلفه وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خيرًا، والله الموفق.\n\nالشارح\n\nمحمد بن صالح العثيمين","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>١- باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية</span>\n\nقال الله تعالي: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة: ٥) وقال تعالي:) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (الحج: من الآية٣٧) وقال تعالي (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (آل عمران: من الآية٢٩) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ تعالي: «باب الإخلاص وإحضار النية، في جميع الأعمال والأقوال البارز والخفية»:\n«النية» محلها القلب، ولا محل لها في اللسان في جميع الأعمال؛ ولهذا كان من نطق بالنية عند إرادة الصلاة، أو الصوم، أو الحج، أو الوضوء، أو غير ذلك من الأعمال كان مبتدعًا قائلًا في دين الله ما ليس منه؛ لأن النبي صلي الله عليه وسم كان يتوضأ، ويصلي ويتصدق، ويصوم ويحج، ولم يكن ينطق بتالنية، فلم يكن يقول: اللهم إني نويت أن أتوضأ، اللهم إني نويت أن أصلي، اللهم إني نويت أن أتصدق، اللهم إني نويت أن أحج، لم يكن يقول هذا؛ وذلك لأن النية محلها القلب، والله ﷿ يعلم ما في القلب، ولا يخفي عليه شيء؛ كما قال الله تعالي في الآية التي ساقها المؤلف: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ","vol":"1","page":13},{"text":"تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (آل عمران: الآية٢٩) .\nويجب علي الإنسان أن يخلص النية لله سبحانه وتعالي في جميع عباداته، وأن لا ينوى بعباداته إلا وجه الله والدار الآخرة.\n\nوهذا هو الذي أمر الله به في قوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ)، أي مخلصين له العمل، (وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) وينبغي أن يستحضر النية، أي: نية الإخلاص في جميع العبادات.\n\nفينوى مثلًا الوضوء، وأنه توضأ لله، وأنه توضأ أمثالًا لأمر الله.\nفهذه ثلاثة أشياء:\nنية العبادة.\nونية أن تكون لله.\nونية أنه قام بها امتثالًا لأمر الله.\nفهذا أكمل شيء في النية.\nكذلك في الصلاة: تنوي أولًا: الصلاة، وأنها الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء ن أو الفجر، أو ما أشبه ذلك، وتنوي ثانيًا: أنك إنما تصلي لله ﷿ لا لغيره، لا تصلي رياء ولا سمعة، ولا لتمدح على صلاتك، ولا لتنال شيئًا من المال أو الدنيا، ثالثًا: تستحضر أنك تصلي امتثالًا لأمر ربك حيث قال: (أَقِمِ الصَّلاة) (ْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) إلي غير ذلك من الأوامر.\n\nوذكر المؤلف ﵀ عدة آيات كلها تدل على أن النية محلها","vol":"1","page":14},{"text":"القلب، وأن الله - سبحانه وتعالي - عالم بنية العبد، ربما يعمل العبد عملًا يظهر أمام الناس أنه عمل صالح، وهو عمل فاسد أفسدته النية، لأن الله - تعالي - يعلم ما في القلب، ولا يجازى الإنسان يوم القيامة إلا على ما في قلبه، لقول الله تعالي:) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ) (الطارق: ٨-١٠) يعني: يوم تختبر السرائر - القلوب - كقوله:) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (العاديات: ٩-١٠) .\nففي الآخرة: يكون الثواب والعقاب، والعمل والاعتبار بما في القلب.\n\nأما في الدنيا: فالعبرة بما ظهر، فيعامل الناس بظواهر أحوالهم، ولكن هذه الظواهر: إن وافقت ما في البواطن، صلح ظاهره وباطنهن وسريرته وعلانيته، وإن خالفت وصار القلب منطويًا على نية فاسد، نعوذ بالله - فبما أعظم خسارته !! يعمل ويتعب ولكن لا حظ له في هذا العمل؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالي: أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه» .\n\nفالله الله!! أيها الاخوة بإخلاص النية لله سبحانه وتعالي!!\nواعلم: أن الشيطان قد يأتيك عند إرادة عمل الخير، فيقول لك: إنك","vol":"1","page":15},{"text":"إنما تعمل هذا رياء، فيحبط همتك ويثبطك ولكن لا تلتفت إلي هذا، ولا تطعه، بل اعمل ولو قال لك: إنك إنما تعمل رياء أو سمعة؛ لأنك لو سئلت: هل أنت الآن تعمل هذا رياء وسمعة؟: لا!!\nإذن فهذا الوسواس الذي أدخله الشيطان في قلبك، لا تلتفت له، وافعل لخير؛ ولا تقل: إني أرائي وما أشبه ذلك.\n\n* * *\n\n١- وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤس بن غالب القرشي العدوي ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوي فمن كانت هجرته إلي الله ورسوله، فهجرته إلي الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلي ما هاجر إليه»؛ متفق على صحته؛ رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة بن بردزبة الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج ابن مسلم القشيري النيساوي ﵄ في صحيحيهما اللذين هما اصح الكتب المصنفة.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما كان هذا الباب في الإخلاص، إخلاص النية لله ﷿، وأنه ينبغي أن تكون النية مخلصة لله في كل قول، وفي كل فعل، وعلى كل حال، ذكر المؤلف من الآيات ما يتعلق بهذا المعني، وذكر ﵀ من الأحاديث ما يتعلق به أيضًا، وصدر هذا بحديث عمر بن الخطاب الذي قال فيه: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي»:\n\nهاتان الجملتان اختلف العلماء ﵏ فيهما:\nفقال بعض العلماء: إنهما جملتان بمعني واحد، وإن الجملة الثانية تأكيد للجملة الأولي.\nولكن هذا ليس بصحيح، وذلك لأن الأصل في الكلام أن يكون تأسيسا لا توكيدًا، ثم إنهما عند التأمل يتبين أن بينهما فرقًا عظيمًا؛ فالأولي سبب، والثانية نتيجة:\nالأولي: سبب يبين فيها النبي صلي الله عليه وسلم أن كل عمل لابد فيه من نية، فكل عمل يعمله الإنسان وهو عاقل مختار، فلابد فيه من نية، ولا يمكن لأي عاقل مختار أن يعمل عملًا إلا بنية؛ حتى قال بعض العلماء: «لو كلفنا الله عملًا بلا نية، لكان من تكليف ما لا يطاق!» .\nوهذا صحيح؛ كيف تعمل وأنت في عقلك، وأنت مختار غير مكره، كيف تعمل عملًا بلا نية؟ ! هذا مستحيل؛ لأن العمل ناتج عن إرادة","vol":"1","page":17},{"text":"وقدرة، والإرادة هي النية.\nإذن: فالجملة الأولي معناها أنه ما من عامل إلا وله نية، ولكن النيات تختلف اختلافًا عظيمًا، وتتباين تبتينًا بعيدًا كما بين السماء والأرض.\n\nمن الناس من نيته في القمة في أعلي شيء، ومن الناس من نيته في القمامة في أخس شيء وأدني شيء؛ حتى إنك لتري الرجلين يعملان عملًا واحدًا يتفقان في ابتدائه وانتهائه وفي أثنائه، وفي الحركات والسكنات، والأقوال والأفعال، وبينهما كما بين السماء والأرض، وكل ذلك باختلاف النية.\nإذن: الأساس أه ما من عمل إلا بنية، ولكن النيات تختلف وتتابين.\nنتيجة ذلك قال: «وإنما لكل أمري ما نوي»؛ فكل امريء له ما نوي: إن نوي الله والدار الآخر في أعماله الشرعية، حصل له ذلك، وإن نوي الدنيا، قد تحصل وقد لا تحصل.\nقال الله تعالي:) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) (الاسراء: الآية١٨) ما قال: عجلنا له ما يريد؛ بل قال: (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ)، لا ما يشاء هو؛ (لِمَنْ نُرِيدُ) لا لكل إنسان، فقيد المعجل والمعجل له؛ فمن الناس: من يعطي ما يريد من الدنيان ومنهم: من يعطي شيئًا منه، ومنهم: من لا يعطي شيئًا أبدا.\n\nأما: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (الاسراء: ١٩) لابد أن يجني ثمرات هذا العمل الذي أراد به وجه الله والدار الآخرة.","vol":"1","page":18},{"text":"إذن «إنما لكل امري ما نوي» .\nوقوله: «إنما الأعمال بالنيات..إلخ» هذه الجملة والتي قبلها ميزان لكل عمل؛ لكنه ميزان الباطن، وقوله ص فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عها: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ميزان للأعمال الظاهرة.\nولهذا قال أهل العلم: «هذان الحديثان يجمعان الدين كله» حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للباطن، وحديث عائشة: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا» ميزان للظاهر.\nثم ضرب النبي صلي الله عليه وسلم مثلًا يطبق هذا الحديث عليه، قال: «فمن كانت هجرته إلي الله ورسوله، فهجرته إلي الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلي ما هاجر إليه»:\n«الهجرة»: أن ينتقل الإنسان من دار الكفر إلي دار الإسلام. مثل أن يكون رجل في أمريكا - وأمريكا دار كفر - فيسلم، ولا يتمكن من إظهار دينه هناك، فينتقل منها إلي البلاد الإسلامية، فهذه هي الهجرة.\n\nوإذا هاجر الناس، فهم يختلفون في الهجرة.\nالأول: منهم من يهاجر، ويدع بلده إلي الله ورسوله؛ يعني إلي شريعة","vol":"1","page":19},{"text":"الله التي شرعها الله على رسوله صلي الله عليه وسلم هذا هو الذي ينال الخير،، وينال مقصوده؛ ولهذا قال: «فهجرته إلي الله ورسوله»؛ أي فقد أدرك ما نوي.\nالثاني من المهاجرين: هاجر لدنيا يصيبها، يعني: رجل يحب جمع المال، فسمع أن بلاد الإسلام مرتعًا خصبًا يصيبها خصبًا لاكتساب الأموال، فهاجر من بلد الكفر إلي بلد الإسلام؛ من أجل الماء فقط، لا يقصد أن يستقيم دينه، ولا يهتم بدينه، ولكن همه المال.\nالثالث: رجل هاجر من بلد الكفر إلي بلد الإسلام؛ يريد امرأة يتزوجها، قيل له: لا نزوجك إلا في بلاد الإسلام، ولا تسافر بها إلي بلد الكفر، فهاجر من بلده - إلي بلاد الإسلام؛ من أجل أن يتزوج هذه المرأة.\nفمريد الدنيا ومريد المرأة، لم يهاجر إلي الله ورسوله، ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم «فهجرته إلي ما هاجر إليه»، وهنا قال «إلي ما هاجر إليه» ولم يقل «فهجرته إلي دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها» فلماذا؟\n\nقيل: لطول الكلام؛ لأنه إذا قال: فهجرته إلي دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها؛ صار الكلام طويلًا، فقال: «هجرته إلي ما هاجر إليه»\nوقيل: بل لم ينص عليهما؛ احتقارًا لهما، وإعراضًا عن ذكرهما؛ فلأنهما حقيران؛ أي: الدنيا، والزوجة. ونية الهجرة - التي هي من أفضل الأعمال - لإرادة الدنيا والمرأة؛ نية منحطة سافلة، قال: «فهجرته إلي ما هاجر إليه» فلم يذكر ذلك احتقارًا، لأنها نية فاسدة منحطة.","vol":"1","page":20},{"text":"وعلي كل حال، سواء هذا أو الجميع؛ فإن هذا الذي نوي بهجرته الدنيا، أو المرأة التي ينكحها، لا شك أن نية سافلة منحطة هابطة، بخلاف الأول الذي هاجر غلي الله ورسوله صلي الله عليه وسلم.\n\nأقسام الهجرة:\n\nالهجرة تكون للعمل، وتكون للعامل، وتكون للمكان.\nالقسم الأول: هجرة المكان: فأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي، ويكثر فيه الفسوق، وربما يكون بلد كفر إلي بلد لا يوجد فيه ذلك.\nوأعظمه الهجرة من بلد الكفر إلي بلد الإسلام، وقد ذكر أهل العلم إنه يجب علي الإنسان أن يهاجر من بلد الكفر إلي بلد الإسلام إذا كان غير قادر علي إظهار دينه.\n\nوأما إذا كان قادرًا علي إظهار دينه، ولا يعارض إذا أقام شعائر الإسلام؛ فإن الهجرة لا تجب عليه، ولكنها تستحب، وبناء علي ذلك يكون السفر إلي بلد الكف أعظم من البقاء فيه، فإذا كان بلد الكفر الذي كان وطن الإنسان؛ إذا لم يستطع إقامة دينه فيه؛ وجب عليه مغادرته، والهجرة منه.\nفذلك إذا كان الإنسان من أهل الإسلام، ومن بلاد المسلمين؛ فإنه لا يجوز له أن يسافر إلي بلد الكفر؛ لما في ذلك من الخطر على دينه، وعلي أخلاقه، ولما في ذلك من الخطر على دينه، وعلي أخلاقه، ولما في ذلك من إضاعة ماله، ولما في ذلك من تقوية اقتصاد الكفار، ونحن مأمورون بأن نغيظ الكفار بكل ما نستطيع، كما قال","vol":"1","page":21},{"text":"الله تبارك وتعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ١٢٣) وقال تعالي: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (التوبة: من الآية١٢٠) .\n\nفالكافر إيا كان، سواء كان من النصارى، أو من اليهود، أو من الملحدين، وسواء تسمي بالإسلام أم لم يتسم بالإسلام، الكافر عدو لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين جميعًا، مهما تلبس بما تلبس به؛ فإنه عدو!!\nفلا يجوز للإنسان أن يسافر إلي بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة:\nالشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات؛ لأن الكفار يوردون على المسلمين شبهًا في أخلاقهم، وفي كل شيء يوردون الشبهة؛ ليبقي الإنسان شاكا متذبذبا، ومن المعلوم أن الإنسان إذا شك في الأمور التي يجب فيها اليقين؛ فإنه لم يقم بالواجب، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره - الإيمان بهذه - يجب أن يكون يقينًا؛ فإن شك الإنسان في شيء من ذلك فهو كافر.\n\nفالكفار يدخلون علي المسلمين الشك، حتى إن بعض زعمائهم صرح قائلًا: لا تحاولوا أن تخرجوا المسلم من دينه إلي دين النصارى، ولكن يكفي أن تشككوه في دينه؛ لأنكم إذا شككتموه في دينه سلبتموه الدين، وهذا كاف، أنتم أخرجوه من هذه الحظيرة التي فيها الغلبة والعزة والكرامة ويكفي. أما أن تحاولوا أن تدخلوه في دين النصارى - المبني","vol":"1","page":22},{"text":"علي الضلال والسفاهة - فهذا لا يمكن، لأن النصارى ضالون، كما جاء في الحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم، وإن كان دين المسيح ﵊ دين حق، لكنه دين الحق في وقته قل أن ينسخ برسالة النبي صلي الله عليه وسلم فإن الهدي والحق فيما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم.\nالشرط الثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات؛ لأن الإنسان يدفع به الشبهات. الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلي بلاد الكفر انغمس؛ لأنه يجد زهرة الدنيا، هناك شهوات، من خمر، وزني، ولوط. كل إجرام موجود في بلاد الكفر. فإذا ذهب إلي هذه البلاد يخشي عليه أن ينزلق في هذه الأوحال، إلا إذا كان عنده دين يحميه. فلابد أن يكون عند الإنسان دين يحميه من الشهوات.\nالشرط الثالث: أن يكون محتاجًا إلي ذلك؛ مثل أن يكون مريضًا؛ يحتاج إلي السفر إلي بلاد الكفر للاستشفاء، أو يكون محتاجًا إلي علم لا يوجد في بلد الإسلام تخصص فيه؛ فيذهب إلي هناك ويتعلم، أو يكون الإنسان محتاجًا إلي تجارة، يذهب ويتجر ويرجع. المهم أنه لابد أن يكون هناك حاجة ولهذا أري أن الذين يسافرون إلي بلد الكفر من أجل السياحة فقط. أري أنهم آثمون، وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه","vol":"1","page":23},{"text":"حرام عليهم، وإضاعة لمالهم، وسيحاسبون عنه يوم القيامة؛ حين لا يجدون مكانًا يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه، حين لا يجدون إلا أعمالهم، لأن هؤلاء يضيعون أوقاتهم، ويتلفون أموالهم، ويفسدون أخلاقهم، وكذلك ربما يكون معهم عوائلهم، ومن عجب أن هؤلاء يذهبون إلي بلاد الكفر التي لا يسمع فيها صوت مؤذن، ولا ذكر ذاكر، وإنما يسمع فيها أبواق اليهود، ونواقيس النصارى، ثم يبقون فيها مدة هم وأهلوهم وبنوهم وبناتهم، فيحصل في هذا شر كثير، نسأل الله العافية والسلامة.\n\nوهذا من البلاء الذي يحل الله به النكبات التي تأتينا، والتي نحن الآن نعيشها كلها بسبب الذنوب والمعاصي، كما اقل الله تعالي: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى: ٣٠) نحن غافون، نحن آمنون في بلادنا. كأن ربنا غافل عنان كأنه لا يعلم، كأنه لا يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.\nوالناس يعصرون في هذا الحوداث، ولكن قلوبهم قاسية والعياذ بالله! وقد قال الله سبحانه:) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون: ٧٦) أخذناهم بالعذاب، ونزل بهم، ومع ذلك ما استكانوا إلي الله، وما تضرعوا إليه بالدعاء، وما خافوا من سطوته، ولكن قست القلوب - نسأ الله العافية-وماتت؛ حتى أصبحت الحوادث المصيرية تمر على القلب وكأنها ماء بارد، نعوذ بالله من موت القلب وقسوته، وإلا لو كان الناس في","vol":"1","page":24},{"text":"عقل، وفي قلوب حية، ما صاروا علي هذا الوضع الذي نحن عليه الآن، مع أننا في وضع نعتبر أننا في حال حرب مدمرة مهلكة، حرب غازات الأعصاب والجنود وغير ذلك، ومع هذا لا تجد أحدًا حرك ساكنًا إلا أن يشاء الله، هذا لا شك أنه خطأ، إن أناسا في هذه الظروف العصيبة ذهبوا بأهليهم يتنزهون في بلاد الكفر، وفي بلاد الفسق وفي بلاد المجون والعياذ بالله!\n\nوالسفر إلي بلاد الكفر للدعوة يجوز؛ إذا كان له أثر وتأثير هناك فإنه جائز، لأنه سفر لمصلحة، وبلاد الكفر كثير من عوامهم قد عمي عليهم الإسلام، لا يدرون عن الإسلام شيئًا، بل قد ضللوا، وقيل لهم إن الإسلام دين وحشية وهمجية ورعاع، ولا سيما إذا سمع الغرب بمثل هذه الحوادث التي حصلت علي أيدي من يقولون إنهم مسلمون، سيقولون أين الإسلام؟! هذه وحشية!! وحوش ضارية يعدو بعضها علي بعض ويأكل بعضها بعضا، فينفر الناس من الإسلام بسبب أفعال المسلمين، نسأل الله أن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم.\nالقسم الثاني: هجرة العمل، وهي أن يهجر الإنسان ما نهاه الله عنه من المعاصي والفسوق كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه» فتهجر كل ما حرم الله","vol":"1","page":25},{"text":"عليك، سواء كان مما يتعلق بحقوق الله، أو ما يتعلق بحقوق عباد الله؛ فتجهر السبب والشتم والقتل والغش وأكل المال بالباطل وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وكل شيء حرم الله تهجره، حتى لو أن نفسك دعتك إلي هذا وألحت عليك، فاذكر أن الله حرم ذلك حتى تهجره وتبعد عنه.\n\nالقسم الثالث: هجرة العامل، فإن العامل قد تجب هجرته أحيانًا، قال أهل العلم: مثل الرجل المجاهر بالمعصية؛ الذي لا يبالي بها؛ فإنه يشرع هجره إذا كان في هجره فائدة ومصلحة.\nوالمصلحة والفائدة إنه إذا هجر عرف قدر نفسه، ورجع عن المعصية.\nومثال ذلك: رجل معروف بالغش بالبيع والشراء؛ فيهجره الناس، فإذا هجروه تاب من هذا ورجع وندم، ورجل ثان يتعامل بالربا، فيهجره الناس، ولا يسلمون عليه، ولا يكلمونه؛ فإذا عرف هذا خجل من نفسه وعاد إلي صوابه، ورجل ثالث-وهو أعظمهم-لا يصلي؛ فهذا مرتد كافر - والعياذ بالله -؛ يجب أن يهجر؛ فلا يرد ﵇، ولا يسلم عليه، ولا تجاب دعوته حتى إذا عرف نفسه ورجع إلي الله وعاد إلي الإسلام انتفع بذلك.\nأما إذا كان الهجر لا يفيد ولا ينفعن وهو من أجل معصية، لا من أجل كفر، لأن الهجر إذا كان للكفر فإنه يهجر. والكافر المرتد يهجر على كل حال - أفاد أم لم يفد - لكن صاحب المعصية التي دون الكفر إذا لم يكن في هجره مصلحة فإنه لا يحل هجره؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما","vol":"1","page":26},{"text":"الذي يبدأ بالسلام.\nومن المعلوم أن المعاصي التي دون الكفر عند أهل السنة والجماعة لا تخرج من الإيمان.\nفيبقي النظر بعد ذلك؛ هل الهجر مفيد أو لا؟ فإن أفاد، وأوجب أن يدع الإنسان معصيته فإنه يهجر، ودليل ذلك قصة كعب بن مالك - ﵁، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع - ﵃ - الذين تختلفوا عن غزوة تبوك فهجرهم النبي صلي الله عليه وسلم وأمر المسلمين بهجرهم، لكنهم انتفعوا في ذلك انتفاعا عظيمًا ولجأوا إلي الله، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فتابوا وتاب الله عليهم.\nهذه أنواع الهجرة: هجرة المكان، وهجرة العمل، وهجرة العامل.\n\n* **\n\n٢-وعن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم» قالت: يا رسول الله، كيف تخسف بأولهم وآخرهم","vol":"1","page":27},{"text":"وفيهم اسوافهم، ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم» (متفق عليه) هذا لفظ البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف حديث عائشة ﵂- أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبر أنه يغزو جيش الكعبة، الكعبة المشرفة حماها الله وأنقذها من كل شر.\nهذه الكعبة هي بيت الله؛ بناه إبراهيم، وابنه إسماعيل - عليهما الصلاة والسلام - وكانا يرفعان القواعد من البيت ويقولان) رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: من الآية١٢٧)\nهذا البيت أراد ابرهة أن يغزو من اليمن، فغزاه بجيش عظيم في مقدمته فيل عظيم؛ يريد أن يهدم به الكعبة - بيت الله - فلما قرب من الكعبة ووصل إلي مكان يقال له المغمس حرن الفيل، وأبي أن يتقدم، فجعلوا ينهرونه ليتقدم إلي الكعبة فأبي، فإذا صرفوه نحو اليمن هرول وأسرع؛ ولهذا قال الرسول - ﵊ - في غزوة الحديبة لما أن ناقته حزنت، وبركت من غير علة - قال الرسول صلي الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق!» فالنبي - ﵊ - يدافع عن بهيمة،","vol":"1","page":28},{"text":"لأن الظلم لا ينبغي، ولو على البهائم.\n\n«ما خلات القصواء وما ذاك لها بخلق - أي عادة- ولكن حبسها حابس الفيل» وحابس الفيل: هو الرب سبحانه وتعالي، «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطتيهم إياها»\nالمهم أن الكعبة غزيت من قبل اليمن، في جيش عظيم، يقوده هذا الفيل العظيم، ليهدم الكعبة، فلما وصلوا إلي المغمس أبي الفيل أن يمشي، وحرن، فنتهروه، ولكن لا فائدة، فبقوا هناك وانحبسوا، فأرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، والأبابيل: يعني الجماعات الكثيرة من الطيور، وكل طير يحمل حجرًا قد أمسكه برجله، ثم يرسله على الواحد منهم، حتى يضربه مع هامته ويخرج إلي دبره) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (الفيل: ٥) . كأنهم زرع أكلته البهائم، وأندكوا في الأرض، وفي هذا يقول أمية بن الصلت:\n\nحبس الفيل في المغمس حتى ظل يحبو كأنه معقور\n\nفحمي الله ﷿ بيته من كيد هذا الملك الظالم الذي ججاء ليهدم بيت الله، وقد قال الله ﷿،:) وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج: من الآية٢٥)\nفي آخر الزمان يغزو قوم الكعبة، جيش عظيم.\nوقوله: «حتى إذا كانوا بيداء من الأرض» أي بأرض واسعة متسعة، خسف الله بأولهم وآخرهم.\nخسفت بهم الأرض، وساخوا فيها هم وأسواقهم، وكل من معهم.\nوفي هذا دليل على أنهم جيش عظيم؛ لأن معهم اسواقهم؛ للبيع","vol":"1","page":29},{"text":"والشراء وغير ذلك.\nفيخسف الله بأولهم وآخرهم. لما قال الرسول صلي الله عليه وسلم هذا، ورد على خاطر عائشة - ﵂- سؤال، فقالت: يا رسول الله «كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟» أسو أقهم: الذين جاءوا للبيع والشراء؛ ليس لهم قصد سيء في غزو الكعبة، وفيهم أناس ليسوا منهم تبعوهم من غير أن يعلموا بخطتهم، فقال الرسول صلي الله عليه وسلم: «يخسف بأولهم وآخرهم وأسواقهم ومن ليس منهم ثم يبعثون يوم القيامة على نياتهم» كل له ما نوي.\nهذا فرد من أفراد قول الرسول - ﵊ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي» .\nوفي هذا الحديث عبرة: أن من شارك أهل الباطل وأهل البغي والعدوان، فإنه يكون معهم في العقوبة؛ الصالح والطالح، العقوبة إذا وقعت تعم الصالح والطالح، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، والمصلي والمستكبر، ولا تترك أحدًا، ثم يوم القيامة يبعثون علي نياتهم.\n\nيقول الله ﷿:) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ\nاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال: ٢٥) والشاهد من هذا الحديث قول الرسول صلي الله عليه وسلم: «ثم يبعثون علي\nنياتهم» فهو كقوله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي» .","vol":"1","page":30},{"text":"وعن عائشة - ﵂- قالت: قال النبي صلي الله عليه وسلم «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونبة وإذا استفرتم فانفروا» متفق عليه.\nومعناه: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n في هذا الحديث نفي رسول الله صلي الله عليه وسلم الهجرة بعد الفتح، فقال: «لا هجرة» وهذا النفي ليس على عمومه، يعني أن الهجرة لم تبطل بالفتح، بل إنه «وهذا النفي ليس على عمومه، يعني أن الهجرة لم تبطل بالفتح، بل إنه «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها» - كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم - لكن المراد بالنفي هنا نفي الهجرة من مكة كما قاله المؤلف - ﵀-؛ لأن مكة بعد الفتح صارت بلاد إسلام، ولن تعود بعد ذلك بلاد كفر، ولذلك نفي النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم أن تكون هجرة بعد الفتح.\nوكانت مكة تحت سيطرة المشركين، وأخرجوا منها رسول الله صلي الله عليه وسلم، فهاجر صلي الله عليه وسلم بإذن ربه إلي المدينة وبعد ثمان سنوات رجع النبي صلي الله عليه وسلم إلي مكة فاتحًا مظفرًا منصورًا- صلوات الله وسلامه عليه-.\nفصارت مكة كونها بلد كفر النبي صلي الله عليه وسلم صارت بلد إيمان وبلد إسلام، ولم يكن منها هجرة بعد ذلك.","vol":"1","page":31},{"text":"وفي هذا دليل على أن مكة لن تعود بلاد كفر، بل ستبقي بلاد إسلام إلي أن تقوم الساعة، أو إلي أن يشاء الله.\n\nثم قال ﵊: «ولكن جهاد ونية»؛ أي الأمر بعد هذا جها؛ أي يخرج أهل مكة من مكة إلي الجهاد.\nو«النية» أي النية الصالحة للجهاد في سبيل الله، وذاك بان ينوي الإنسان بجهاده، أن تكون كلمة الله هي العليا.\nثم قال ﵊ «وإذا استنفرتم فانفروا» يعني: إذا استنفركم ولي أمركم للجهاد في سبيل الله، فانفروا وجوبًا، وحينئذ يكون الجهاد فرض عين، إذا استنفر الناس للجهاد؛ وجب عليهم أن ينفروا، وألا يتخلف أحد إلا من عذره، لقول الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئا) (التوبة: من الآية٣٨/٣٩)، وهذا أحد المواضع التي يكون فيها الجهاد فرض عين.\n\nالموضع الثاني: إذا حضر بلدة العدو، أي جاء العدو حتى وصل إلي البلد وحصر البلد، صار الجهاد فرض عين، ووجي علي كل أحد أن يقاتل، حتى على النساء والشيوخ القادرين في هذه الحال، لأن هذا قتال دفاع.\nوفرق بين قتال الدفاع وقتال الطلب.\nفيجب في هذا الحال أن ينفر الناس كلهم للدفاع عن بلدهم.","vol":"1","page":32},{"text":"الموضع الثالث: إذا حضر الصف، والتقي الصفان؛ صف الكفار وصف المسلمسن؛ صار الجهاد حينئذ فرض عين، ولا يجوز لأحد أن ينصرف كما قال الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (لأنفال: ١٥، ١٦) .\nوقد جعل النبي صلي الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من السبع الموبقات.\nالموضع الرابع: إذا احتيج إلي الإنسان؛ بأن يكون السلاح لا يعرفه إلا فرد من الأفراد، وكان الناس يحتاجون إلي هذا الرجل؛ لاستعمال هذا السلاح الجديد مثلًا؛ فإنه يتعين عليه أن يجاهد وإن لم يستنفره الإمام وذلك لأنه محتاج إليه.\nففي هذه المواطن الأربعة، يكون الجهاد فرض عين.\nوما سوي ذلك فإنه يكون فرض كفاية.\nقال أهل العلم: ويجب علي المسلمين ان يكون منهم جهاد في العام مرة واحدة، يجاهد أعداء الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، لا لأجل أن يدافعوا عن الوطن من حيث إنه وطن، لأن الدفاع عن الوطن من حيث هو وطن يكون من المؤمن والكافر، حتى الكفار يدافعون عن أوطانهم، لكن","vol":"1","page":33},{"text":"المسلم يدافع عن دين الله، فيدافع عن وطنه؛ لا لأنه وطنه مثلًا، ولكن لأنه بلد إسلامي؛ فيدافع عنه حماية للإسلام الذي حل في هذه البلد.\n\nولذلك يجب علينا في مثل هذه الظروف التي نعيشها اليوم النبي صلي الله عليه وسلم يجب علينا أن نذكر جميع العامة بأن الدعوة إلي تحرير الوطن، وما أشبه ذلك دعوة غير مناسبة، وأنه يجب أن يعبأ الناس تعبئة دينية، ويقال إننا ندافع عن ديننا قبل كل شيء؛ لأن بلدنا بلد دين، بلد إسلام يحتاج إلي حماية ودفاع، فلابد ان ندافع عنها بهذه النية. أما الدفاع بنية الوطنية، أو بنية القومية، فهذا يكون من المؤمن والكافر، ولا ينفع صاحبه يوم القيامة، وإذا قتل وهو يدافع بهذه النية فليس بشهيد؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليري مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» .\nأنتبه إلي هذا القيد «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا» لا لأنه وطنه وإذا كنت تقاتل لوطنك؛ فأنت والكافر سواء، لكن قلت لتكون كلمة الله هي العليا، ممثلة في بلدك؛ لأن بلدك بلد إسلام؛ ففي هذه الحال يكون القتال قتالًا في سبيل الله.\n\nوثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال: «لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله- أي يخرج - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب؛ اللون لون الدم،","vol":"1","page":34},{"text":"والريح ريح المسك» .\nفأنظر كيف اشترط النبي صلي الله عليه وسلم للشهادة أن يكون الإنسان يقاتل في سبيل الله، والقتال في سبيل الله؛ أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.\nفيجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس أن القتال للوطن ليس قتالًا صحيحًا وإنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وأقاتل عن وطني؛ لأنه وطن إسلامي؛ فأحميه من أعدائه وأعداء الإسلام؛ فبهذه النية تكون النية صحيحة والله الموفق.\n\n* * *\n\n٤-وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵄ - قال: كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في غزاة فقال: «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم؛ حبسهم المرض» وفي رواية: «إلا شركوكم في الأجر» رواه مسلم.\nورواه البخاري عن أنس - ﵁ - قال: «رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلي الله عليه وسلم فقال: «إن أقوامًا بالمدينة خلفنا، ما سلكنا عبا، ولا واديا إلا وهم معنا، حبسهم العذر»","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قوله: «في غزاة» أي في غزوة.\nفمعني الحديث أن الإنسان إذا نوي العمل الصالح، ولكنه حبسه عنه حابس فإنه يكتب له أجر ما نوي.\nأما إذا كان يعلمه في حال العذر؛ أي: لما كان قادرًا كان يعلمه، ثم عجز عنه فيما بعد؛ فإنه يكتب له أجر العمل كاملًا، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» . فالمتمني للخير، الحريص عليه؛ إن كان من عادته أنه كان يعلمه، ولكنه حبسه عنه حابس، كتب له أجره كاملًا.\nفمثلًا: إذا كان الإنسان من عادته أن يصلي مع الجماعة في المسجد، ولكنه حبسه حابس، كنوم أو مرض، أو ما أشبهه فإنه يكتب له أجر المصلي مع الجماعة تمامًا من غير نقص.\nوكذلك إذا كان الإنسان من عادته أن يصلي تطوعًا، ولكنه منعه منه مانع، ولم يتمكن منه؛ فإنه يكتب له أجره كاملًا، وكذلك إن كان من عادته أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ثم عجز عن ذلك، ومنعه مانع، فإنه يكتب له الأجر كاملًا.\nوغيره من الأمثلة الكثيرة.","vol":"1","page":36},{"text":"أما إذا كان ليس من عادته أن يفعله؛ فإنه يكتب له أجر النية فقط، دون أجر العمل.\n\nودليل ذلك: أن فقراء الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله سبقنا أهل الدثور بالدرجات العلي، والنعيم المقيم - يعني: أن أهل الأموال سبقوهم بالصدقة والعتق- فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «أفلا أخبركم بشي إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد إلا من عمل مثل ما عملتم!! فقال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين» ففعلوا، فعلم الأغنياء بذلك؛ ففعلوا مثلما فعلوا، فجاء الفقراء إلي الرسول صلي الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا؛ ففعلوا مثله، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» والله ذو الفضل العظيم. ولم يقل لهم: إنكم أدركتم أجر عملهم، ولكن لا شك أن لهم أجر نية العمل.\nولهذا ذكر النبي ﵊ فيمن آتاه الله مالًا؛ فجعل ينفقه في سبل الخير، وكان رجل فقير يقول: لو أن لي مال فلان لعملت مثل عمل فلان، قال النبي صلي الله عليه وسلم: «فهو بنيته النبي صلي الله عليه وسلم فأجرهما سواء» .","vol":"1","page":37},{"text":"أي سواء في اجر النية، أما العمل فإنه لا يكتب له أجره إلا إن كان من عادته أن يعمله.\n\n*وفي هذا الحديث: إشارة إلي من يخرج في سبيل الله، في الغزو، والجهاد في سبيل الله، فإن له أجر ممشاه، ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم: «ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا ولا شعبا إلا وهم معكم» .\nويدل لهذا قوله تعالي: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي\nسَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (التوبة: ١٢٠/١٢١) .\nونظير هذا: أن الرجل إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء، ثم خرج إلي المسجد؛ لا\nيخرجه إلا الصلاة؛ فإنه لا يخطو خطوة إلا رفع الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة.\nوهذا من فضل الله - ﷿ - أن تكون وسائل العمل فيها هذا الأجر الذي بينه\nالرسول صلي الله عليه وسلم. والله الموفق. اهـ.","vol":"1","page":38},{"text":"وعن أبي مغن بن يزيد بن الخنس﵃ - وهو وأبوه وجده صحابيون، قال: كان أبي - يزيد - اخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فاخذتها، فآتيته بهان فقال: والله ما إياك أردت فخاصمته إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: «لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا مغن» رواه البخاري) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي ذكره المؤلف - ﵀ - في قصة معن بن يزيد وأبيه - ﵄ -، أن أباه يزيد أخرج دراهم عند رجل في المسجد ليتصدق بها على الفقراء، فجاء ابنه معن فأخذها، وربما يكون ذلك الرجل الذي وكل فيها لم يعلم أنه ابن يزيد. ويتحمل أنه أعطاه لأنه من المستحقين.\nفبلغ ذلك أباه يزيد، فقال له: «ما إياك أردت - أي ما أردت أن أتصدق بهذه الدراهم عليك - فذهب إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «لك يا يزيد ما نويت، ولك يا معن ما أخذت» .\n\nفقوله ﵊: «لك يا يزيد ما نويت» يدل على أن الأعمال بالنيات، وأن الإنسان إذا نوي الخير حصل له، وإن كان يزيد لم ينو أن يأخذ هذه الدراهم ابنه، لكنه أخذها؛ وابنه من المستحقين؛","vol":"1","page":39},{"text":"فصارت له، ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم: «لك يا معن ما أخذت» .\nففي هذا الحديث: دليل لما ساقه المؤلف من أجله أن الأعمال بالنيات، وأن الإنسان يكتب له أجر ما نوي؛ وإن وقع الأمر على خلاف ما نوي، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة:\nمنها: ما ذكره العلماء ﵏ أن الرجل لو أعطي زكاته شخصًا يظن أنه من أهل الزكاة، فتبين أنه غني وليس من أهل الزكاة فإن زكاته تجزئ، وتكون مقبولة تبرأ به ذمته؛ لأنه نوي أن يعطيها من هو أهل لها، فإذا نوي فله نيته.\nومنها: أن الإنسان لو أراد أن يوقف - مثلًا- بيتلً صغيرًا، فقال: وقفت بيتي الفلاني، وأشار إلي الكبير، لكنه، لكنه خلاف ما نواه بقلبه، فإنه على ما نوي وليس على ما سبق به لسانه.\n\nومنها: لو ان إنسانًا جاهلًا لا يعرف الفرق بين العمرة والحج، فحج مع الناس، فقال لبيك حجًا، وهو يريد عمرة يتمتع بها إلي الحج؛ فإنه له ما نوي، مادام أن قصده يريد العمرة، لكن قال لبيك حجًا مع هؤلاء الناس، فله ما نوي، ولا يضر سبق لسانه بشيء.\nومنها أيضًا: لو قال الإنسان لزوجته: أنت طالق؛ ويريد أنت طالق من قيد لا من نكاح، فله ما نوي، ولا تطلق بذلك زوجته.\nفهذا الحديث له فوائد كثيرة وفروع منشرة في أبواب زوجته.\nومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يتصدق على ابنه، والدليل على هذا أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر بالصدقة وحث عليها، فأرادت زينب","vol":"1","page":40},{"text":"- زوجة عبد الله بن مسعود - ﵂ - أن تتصدق بشيء من مالها، فقال لها زوجها أنا وولدك أحق من تصدقت عليه - لأنه كان فقيرًا﵁ - فقالت: لا حتى اسال النبي صلي الله عليه وسلم فقال: «صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم»\nومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن يعطي الإنسان ولده من الزكاة، بشرط أن لا يكون في ذلك إسقاط لواجب عليه.\n\nيعني مثلًا: لو كان الإنسان عنده زكاة وأراد أن يعطيها ابنه، من أجل أن لا يطالبه بالنفقة؛ فهذا لا يجزي؛ لأنه أراد بإعطائه أن يسقط واجب نفقته.\nأما لو أعطاه ليقضي دينًا عليه؛ مثل أن يكون على الابن حادث، ويعطيه أبوه من الزكاة ما يسدد به هذه الغرامة؛ فإن ذلك لا بأس به، وتجزئه من الزكاة، لأن ولده أقرب الناس إليه؛ وهو الآن لم يقصد بهذا إسقاط واجب عليه، إنما قصد بذلك إبراء ذمة ولده؛ لا الإنفاق عليه، فإذا كان هذا قصده فإن الزكاة تحل له. والله الموفق أ. هـ.\n\n* * *\n\n٦- وعن أبي إسحاق سعد بن أبى وقاص بن أهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب النبي صلي الله عليه وسلم مرة بن كعب بن لوي القرشي الزهري ﵁، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ﵃، قال: «جاءني رسول الله","vol":"1","page":41},{"text":"صلي الله عليه وسلم عام حجة الوداع من وجع اشتد بين فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما تري، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا قلت: فالثلث يا رسول الله، قال: الثلث والثلث كثير - أو كبير- إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تلتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في أمراتكزقال: فقلت: يا رسول الله اخلف بعد أصحابي، قال: إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبنغي به وجه الله؛ إلا أزدت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم أمص لأصحابي هجرتهم، ولا تزدهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة» يرثي له رسول الله صلي الله عليه وسلم أن مات بمكة. (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - ﵀ تعالي - فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص﵁ - أن النبي صلي الله عليه وسلم جاءه يعوده في مرض ألم به، وذلك في مكة، وكان سعد بن أبي وقاص - ﵁ - من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلي المدينة، فتركوا بلدهم لله ﷿، وكان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم أنه يعود المرضي من أصحابه، كما أنه يزور منهم؛ لأن صلي الله عليه وسلم كان","vol":"1","page":42},{"text":"أحسن الناس خلقًا؛ على أنه الإمام المتبوع. صلوات الله وسلامه عليه، كان من أحسن الناس خلقًا، وألينهم بأصحابه، واشدهم تحببا إليهم.\nفجاءه يعوده، فقال: يا رسول الله: «إني قد بلغ بي من الوجع ما تري» أي: اصابه الوجع العظيم الكبير.\n«وأنا ذو مال كثير أوكبير» أي: أن عنده مالًا كبيرًا\n«ولا يرثني إلا ابنة لي» أي: ليس له ورثة بالفرض إلا هذه البنت.\n«أفأتصدق بثلثي مالي» يعني بثلثيه: اثنين من ثلاثة!\n«قال: لا قلت: الشطر يا رسول» أي: بالنصف.\n«قال: لا: قلت: بالثلث قال: الثلث والثلث كثير» .\n\nفقوله: «أفأتصدق» أي أعطيه صدقة؟ فمنع النبي صلي الله عليه وسلم من ذلك؛ لأن سعدًا في تلك الحال كان مريضًا مرضًا يخشي منه الموت، فلذلك منعه الرسول صلي الله عليه وسلم أن يتصدق بأكثر من الثلث.\nلأن المريض مرض الموت المخوف لا يجوز أن يتصدق بأكثر من الثلث، لأن ماله قد تعلق به حق الغير؛ وهم الورثة. أما من كان صحيحًا ليس فيه مرض، أو فيه مرض يسير لا يخشي منه الموت، فله أن يتصدق بما شاء؛ بالثلث، أو بالنصف، أو بالثلثين، أو بماله كله، لا حرج عليه.\nلكن لا ينبغي أن يتصدق بماله كله؛ إلا إن كان عنده شيء يعرف أنه سوف يستغني به عن عباد الله.\nالمهم أن الرسول صلي الله عليه وسلم منعه أن يتصدق بما زاد عن الثلث.\nوقال: «الثلث والثلث كثير - أو كبير» وفي هذا دليل علي أنه إذا","vol":"1","page":43},{"text":"نقص عن الثلث فهو أحسن وأكمل؛ ولهذا قال ابن عباس ﵄: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلي الربع»؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «الثلث والثلث كبير»\nوقال أبو بكر ﵁: «أرضي ما رضيه الله لنفسه» يعني: الخمس، فأوصي بالخمس ﵁.\n\nوبهذا نعرف أن عمل الناس اليوم؛ وكونهم يوصون بالثلث؛ خلاف الأولي، وإن كان هو جائزًا. لكن الأفضل أن يكون أدني من الثلث؛ أما الربع أو الخمس.\nقال فقهاؤنا ﵏ والأفضل أن يوصي بالخمس، لا يزيد عليه؛ اقتداء بأبي بكر الصديق ﵁.\nثم قال الرسول ﵊: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من ان تذرهم عالة يتكففون الناس» .\nأي: كونك تبقي المال ولا تتصدق به؛ حتى إذا مت وورثه الورثة صاروا أغنياء به، هذا خير من أن تذرهم عالة، لا تترك لهم شيئًا «يتكففون الناس» أي: يسألون الناس بأكفهم؛ أعطونا أعطونا.\nوفي هذا دليل على أن الميت إذا خلف مالًا للورثة فإن ذلك خير له.\nلا يظن الإنسان أنه إذا خلف المال، وورث منه قهرًا عليه، أنه لا أجر له في ذلك! لا بل له أجر، حتى إن الرسول - ﵊ - قال: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة...ألخ» لأنك إذا تركت المال للورثة انتفعوا به، وهم أقارب، وإن تصدقت به انتفع به الأباعد،","vol":"1","page":44},{"text":"والصدقة على القريب أفضل علي البعيد، لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة.\n\nثم قال «إنك لن تنفق نفقة بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في في أمرأتك» يقول: لن تنفق نفقة؛ أي: لن تنفق مالًا؛ دراهم أو دنانير أوثيابًا، أو فرشًا أو طعامًا أو غير ذلك تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه.\nالشاهد من هذا قوله: «تبتغي به وجه الله» أي: تقصد به وجه الله ﷿، يعني تقصد به أن تصل إلي الجنة؛ حتى تري وجه الله ﷿.\nلأن أهل الجنة - جعلني الله وإياكم منهم - يرون الله سبحانه وتعالي، وينظرون إليه عيانًا بأبصارهم، كما يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليللة البدر. يعني أنهم يرون ذلك حقا.\n«حتى ما تجعله في في امرأتك» أي: حتى اللقمة التي تطعمها امرأتك تؤجر عليها إذا قصدت بها وجه الله، مع ان الإنفاق على الزوجة أمر واجب، لو لم تنفق لقالت أنفق أو طلق، ومع هذا إذا أنفقت على زوجتك تريد إذا أنفقت على نفسك تبتغي بذلك وجه الله؛ فإن الله يثيبك علي هذا.\n\nثم قال ﵁: «أخلف بعد أصحابي» يعني أو خلف بعد أصحابي، أي: هل أتأخر بعد أصحابي فأموت بمكة. فبين النبي صلي الله عليه وسلم أنه لن يخلف فقال: «إنك لن تخلف» وبين له أنه أو خلف ثم عمل عملًا يبتغي به","vol":"1","page":45},{"text":"وجه الله إلا زادت به عن الله درجة ورفعة.\nيعني: لو فرض أنك خلفت ولم تتمكن من الخروج من مكة، وعملت عملًا تبتغي به وجه الله؛ فإن الله تعالي يزيدك به رفعة ودرجة، رفعة في المقام والمرتبة، ودرجة في المكان.\nفيرفعك الله ﷿ في جنات النعيم درجات. حتى لو علمت بمكة وأنت قد هاجرت منها.\nثم قال النبي صلي الله عليه وسلم: «ولعلك أن تخلف» أن تخلف: هنا غير أن تخلف الأولي «لعلك أن تخلف»: أي تعمر في الدنيا؛ وهذا هو الذي وقع فإن سعد ابن أبي وقاص عمر زمانًا طويلًا، حتى إنه﵁- كما ذكر العلماء، خلف سبعة عشر ذكرًا واثنتي عشر بنتًا.\nوكان في الأول ليس عنده إلا بنت واحدة، ولكن بقي وعمر ورزق أولادًا. سبعة عشر ابنا واثنتي عشرة ابنة.\nقال: «ولعلك أن تخلف» «حتى ينتفع بك أقوامًا ويضر بك آخرون» وهذا الذي حصل، فإن سعدًا - ﵁ - خلف وصار له أثر كبير في الفتوحات الإسلامية، وفتح فتوحات عظيمة كبيرة، فانتفع به أقوام وهم المسلمون، وضربه آخرون وهم الكفار.\nثم قال النبي صلي الله عليه وسلم: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم» سأل الله أن يمضي لأصحابه هجرتهم وذلك بأمرين:\nالأمر الأول: ثباتهم على الإيمان؛ لأنه إذا ثبت الإنسان على الإيمان ثبت على الهجرة.","vol":"1","page":46},{"text":"والأمر الثاني: أن لا يرجع أحدهم منهم إلي مكة بعد أن خرج منها؛ مهاجرًا إلي الله ورسوله.\nلأنك إذا خرجت من البلد مهاجرًا إلي الله ورسوله؛ فهو كالمال الذي تتصدق به. يكون البلد مثل المال الذي تصدق به لا يمكن أن ترجع فيه.\nوهكذا كل شيء تركه الإنسان لله لا يرجع فيه.\nومن ذلك: ما وفق فيه كثير من الناس من إخراج التليفزيون من بيوتهم؛ توبة إلي الله، وابتعادًا عنه، وعما فيه من الشرور. فهؤلاء قالوا هل يمكن أن نعيده إلي البيت؟\n\nنقول: لا، بعد أن أخرجتموه لله لا تعيدوه؛ لأن الإنسان إذا ترك شيئًا لله، وهجر شيئًا لله، فلا يعود فيه. ولهذا سأل النبي - ﵊ - ربه أن يمضي لأصحابه هجرتهم.\nوقوله: «ولا تردهم علي أعقابهم» أي لا تجعلهم ينتكسون عن الإيمان فيرتدون علي أعقابهم؛ لأن الكفر تأخر، والإيمان تقدم، وهذا على عكس ما يقوله الملحدون اليوم؛ حيث يصفون الإسلام بالرجعية، ويقولون إن التقدمية: أن ينسلخ الإنسان من الإسلام، وأن يكون علمانيًا؛ يعني أنه لا يفرق بين الإيمان والكفر - والعياذ بالله - ولا بين الفسوق والطاعة، فالإيمان هو التقدم في الحقيقة.\nالمتقدمون هم المؤمنون، والتقدم يكون بالإيمان، والرده تكون نكوصا لي العقبين؛ كما قال النبي - ﵊ - هنا: «ولا تردهم علي أعقابهم» .","vol":"1","page":47},{"text":"وفي هذا الحديث من الفوائد فوائد عظيمة كثيرة!!\nمنها: أن من هدي الرسول صلي الله عليه وسلم عيادة المرضي، لأنه عاد سعد بن أبي وقاص ﵁، وفي عيادة المرضي فوائد للعائد وفوائد للمعود.\nأما العائد فإنه يؤدي حق أخيه المسلم؛ لأن من حق أخيك المسلم أن تعوده إذا مرض.\n\nومنها: أن الإنسان إذا عاد المريض فإنه لا يزال في مخرفة الجنة، يعني يجني ثمار الجنة حتى يعود.\nومنها: أن في ذلك تذكيرًا للعائد بنعمة الله عليه بالصحة، لأنه إذا رأي هذا المريض، ورأي ما هو فيه من المرض، ثم رجع إلي نفسه، ورأي ما فيها من الصحة والعافية عرف قدر نعمة الله عليه بهذه العافية؛ لأن الشيء إنما يعرف بضده.\nومنها: أن فيها جلبا للمودة والمحبة، فإن الإنسان إذا عاد المريض صارت هذه العيادة في قلب المريض دائمًا، يتذكرها، وكلما ذكرها أحب الذي يعوده، وهذا يظهر كثيرًا فيما إذا برأ المريض، وحصلت منه ملاقاة لك تجده يتشكر منك، وتجد أن قلبه ينشرح بهذا الشيء.\nأما المعود: فإن له فيها فائدة أيضًا، لأنها تؤنسه، وتشرح صدره، ويزول عنه ما فيه من الهم والغم والمرض. وربما يكون العائد موفقًا يذكره بالخير والتوبة والوصية؛ إذا كان يريد أن يوصي بشيء عليه من الديون وغيرها، فيكون في ذلك فائدة كبيرة للمعود.\nولهذا قال العلماء: ينبغي لمن عاد المريض أن ينفس له في أجله؛ أي","vol":"1","page":48},{"text":"يفرحه يقول: ما شاء الله، أنت اليوم في خير وما اشبهه، وليس لأزمًا أن يقول له: أنت طيب مثلًا؛ لأنه قد يكون اشد مرضًا من أمس، لكن يقول أنت اليوم في خير، لأن المؤمن كل أمره خير، إن أصابه ضراء فهو في خير، وإن أصابه سراء فهو في خير، فيقول: اليوم أنت بخير والحمد لله، وما أشبه ذلك مما يدخل عليه السرور.\nوالاجل محتوم، إن كان هذا المرض أجله مات، وإن كان بقي له شيء من الدنيا بقي.\nوينبغي أيضًا أن يذكره التوبة، لكن لا يقول له ذلك بصفة مباشرة؛ لأنه ربما ينزعج، ويقول في نفسه لو أن مرضي غير خطير ما ذكرني بالتوبة.\nلكن يبدأ بذكر الآيات والأحاديث التي فيها الثناء على التائبين ما يتذكر به المريض، وينبغي كذلك أن يذكره الوصية، لا يقول له: أوص فإن أجلك قريب، لو قال هكذا انزعج. بل مثلًا: يذكره بقصص واردة عليه، يقول مثلًاك فلان كان عليه دين، وكان رجلًا حازمًا، وكان يوصي أهله بقضاء دينه، وما أشبه ذلك..من الكلمات التي لا ينزعج بها.\n\nقال أهل العلم: ينبغي أيضًا إذا راي منه تشوفًا إلي أن يقرأ عليه؛ فينبغي أن يقرأ عليه، ينفث عليه بما ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم.\nمثل قوله: «أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» ومثل قوله: «ربنا الله الذي في السماء","vol":"1","page":49},{"text":"تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ» أو يقرأ عليه بسورة الفاتحة؛ لأن سورة الفاتحة رقية يقرأ بها علي المرضي، وعلي الذين لدغتهم العقرب، أو الحية، أو ما أشبه ذلك، فمتي راي العائد من المريض أنه يحب ان يقرأ عليه فليقرأ لئلا يلجيء المريض علي طلب القراءة، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «رأيت مع أمتي سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» وقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتؤؤن ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون»\nفقوله: «لا يسترقون» أي: لا يطلبون أحدًا يقرأ عليهم، فأنت إذا رأيته يتشوق لتقرأ عليه، اقرأ عليه، لئلا تحرجه إلي طلب القراءة.","vol":"1","page":50},{"text":"كذلك أيضًا إذا رأيت أن المريض يحب أن تطيل المقام عنده، فأطل المقام؛ فأنت على خير وعلي أجر، فأطل المقام عنده، وأدخل عليه السرور، ربما يكون في دخول السرور على قلبه سببًا لشفائه؛ لأن سرور المريض وانشراح صدره من أكبر أسباب الشفاء، فإذا رايت أنه يحبك تبقي فابق عنده، وأطل الجلوس عنده حتى تعرف أنه قد مل.\nأما إذا رأيت ان المريض متكلف ولا يحب أنك تبقي، أو يحب أن تذهب عنه حتى يحضر أهله ويأنس بهم فلا تتأخر، اسأل عن حاله ثم انصرف.\nومن فوائده: حسن خلق النبي صلي الله عليه وسلم، ولا شك أن النبي صلي الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا؛ لأن الله تعالي: (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ١/٤) . فأعظم الناس خلقًا وأحسن الناس خلقًا رسول الله صلي الله عليه وسلم.\nولهذا كان يعود أصحابه، ويزورهم، ويسلم عليهم، حتى إنه يمر بالصبيان الصغار فيسلم عليهم، صلوات الله وسلامه عليه.\n\nومن فوائد هذا الحديث: انه ينبغي للإنسان مشاورة أهل العلم، لأن سعد بن أبي وقاص، - ﵁ - استشار النبي صلي الله عليه وسلم حينما أراد أن يتصدق بشيء منماله، فقال: يا رسول الله: «إني ذو مال كثير، ولا يرثني إلا ابنة لي أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا ...» الحديث.\nففيه استشارة أهل العلم والرأي، وكل إنسان بحسبهن فمثلًا إذا كنت تريد أن تقدم على شيء من أمور الدين، فشاور أهل العلم؛ لنهم أعلم بأمور الدين من غيرهم، إذا أردت ان تشتري بيتًا فشاور أصحاب المكاتب","vol":"1","page":51},{"text":"العقارية، إذا أردت أن تشتري سيارة فاستشر المهندسين في السيارات وهكذا.\nولهذا يقال: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار» .\nوالإنسان بلا شك لا ينبغي له أن يكمل نفسه. من ادعي الكمال لنفسه فهو الناقص، بل لابد أن يراجع خصوصًا في الأمور الهامة التي تتعلق بمسائل الأمة؛ فإن الإنسان قد يحمله الحما والعاطفة على فعل شيء هو في نفسه حق ولا باس به، لكن التحدث عنه قد يكون غير مصيب إما في الزمان، أو في المكان أو في الحال.\nولهذا ترك النبي صلي الله عليه وسلم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ خوفًا من الفتنة. فقال لعائشة ﵂: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم ولجعلت بابين بابًا يدخل منه الناس، وبابا يخرجون منه» .\nمن أجل أن يتمكن الناس من دخول بيت الله ﷿، لكن ترك ذلك خوف الفتنة مع كونه مصحلة!!\n\nبل أعظم من ذلك أن الله تعالي نهي أن نسب آلهة المشركين، مع أن آلهة المشركين جديرة بأن تسب وتعاب وينفر منها، لكن لما كان سبها يؤدي إلي سب الرب العظيم المنزه عن كل عيب ونقص، قال الله عز","vol":"1","page":52},{"text":"وجل:) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: ١٠٨) فالمهم إنه ينبغي أن نعلم أن الشيء قد يكون حسنًا في حد ذاته وفي موضوعه، لكن لا يكون حسنًا، ولا يكون من الحكمة، لا من العقل، ولا من النصح، ولا من الأمانة أن يذكر في وقت من الأوقات، أو في مكان من الأماكن، أو في حال من الأحوال، وإن كان هو في نفسه حقا وصدقًا وحقيقة واقعة، ومن ثم كان ينبغي للإنسان أن يستشير ذوي العلم والرأي والنصح في الأمر قبل أن يقدم عليه، حتى لا يكون لديه برهان، لأن الله قال لأشرف خلقه - ﵊- وأسدهم رأيًا، وأبلغهم نصحًا محمد صلي الله عليه وسلم قال:) فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ\n\nفَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه) (آل عمران: من الآية١٥٩) .\nهذا وهو رسول الله صلي الله عليه وسلم أسد الناس رأيًا، وأرجحهم عقلًا، وأبلغهم نصحًا صلوات الله وسلامه عليه.\nوالإنسان ربما تأخذه العطفة فيندفع، ويقول: هذا لله، هذا أنا أفعله، ستصدع بالحقن سأقول: سوف لا تأخذني في الله لومة لائم وما أشبه ذلك من الكلام، ثم تكون العاقبة وخيمة، ثم إن الغالب أن الذي يحكم العاطفة، ويتبع العاطفة، ولا ينظر للعواقب، ولا للنتائج، ولا يقارن بين الأمور، الغالب أنه يحصل علي يديه من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله ﷿، مع أن نيته طيبة، وقصده حسن، لكن لم يحسن أن يتصرف، لأن هناك فرقًا بين حسن النية وحسن التصرف، قد يكون الإنسان حسن","vol":"1","page":53},{"text":"النية، لكنه سيء التصرف، وقد يكون سيء النية، والغالب أن سيء النية يكون سيء التصرف، لكن مع ذلك: قد يحسن التصرف لينال غرضه السيء.\n\nفالإنسان يحمد على حسن نيته، لكن قد لا يحمد علي سوء فعله، إلا أنه إذا علم منه أنه معروف بالنصح والإرشاد النبي صلي الله عليه وسلم فإنه يعذر بسوء تصرفه، ويلتمس له العذر، ولا ينبغي أيضًا أن يتخذ من فعله هذا، الذي لم يكن موافقًا للحكمة- لا ينبغي، بل لا يجوز - أن يتخذ منه قدح في هذا المتصرف، وأن يحمل ما لا يتحمله، ولكن يعذر ويبين له وينصح ويرشد، ويقال: يا أخي هذا كلامك، أو فعلك حسن طيب وصواب في نفسه، لكنه غير صواب في نحله أو في زمانه، أو في مكانه.\nالمهم أن في حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - إشارة إلي أنه ينبغي للإنسان أن يستشير من هو أكمل منه رأيًا، وأكثر منه علما.\nوفيه أيضًا من الفوائد: أنه ينبغي للمستشير ان يذكر الأمر على ما هو عليه حقيقة، وأسبابه، وموانعه وجميع ما يتعلق به، حتى يتيبن للمستشار حقيقة الأمر، ويبني مشورته على هذه الحقيقة، ولهذا قال سعد: «إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة» فقوله: «إني ذو مال» بيان لسبب العطية التي يريد أن يعطيها «ولا يرثني إلا ابنة لي» بيان لانتفاء المانع، يعني لا مانع من أن أعطي كثيرًا لانتفاء الوارث.\n\nوالمستشار، عليه أن يتقي الله - ﷿- فيما أشار فيه، وأن لا تأخذه العطفة في مراعاة المستشير؛ لأن بعض الناس إذا استشاره","vol":"1","page":54},{"text":"الشخص؛ ورأي أنه يميل إلي أحد الأمرين، أو أحد الرأيين ذهب يشير عليه به.\nويقول: أنا أحب أن أوافق الذي يري أنه يناسبه؛ وهذا خطأ عظيم، بل خيانة. والواجب إذا أستشار: أن تقول له ما تري أنه حق، وأنه نافع، سواء أرضاه أم لم يرضه، وأنت إذا فعلت هذا كنت ناصحًا وأديت ما عليك، ثم إن أخذ هـ، وراي أنه صواب قذاك، وإن لم يأخذ به فقد برئت ذمتك، بل خيانة، مع أنك ربما تستنتج شيئًا خطأ، قد تستنتج أنه يريد كذا، وهو لا يريده فتكون خسرانا من وجهين:\nالوجه الأول: من جهة الفهم السيء.\nالوجه الثاني: من جهة القصد السيء.\nوفي قول الرسول ﵊ «لا» دليل علي أنه لا حرج أن يستعمل الإنسان كلمة «لا» وليس فيها شيء.\n\nفالنبي ﵊ استعمل كلمة «لا» ومن ذلك أن جابرًا﵁ - لما أعيا جملة ولحقه النبي ﵊، لأن من عادة الرسول ﵊- لأنه راعي أمته- أنه يمشي في الآخر، لا يمشي قدامهم؛ بل يمشي وراءهم، لأجل أنه إذا احتاج أحد إلي شيء؛ يساعده ﵊، فانظر إلي التواضع وحسن الرعاية.\n«لحق جابرًا - وكان جملة قد اعيا - لا يمشي - فضرب النبي صلي الله عليه وسلم","vol":"1","page":55},{"text":"الجمل، ودعا له، وقال: «بغنيه بأوقية» فقال جابر: لا، ولم ينكر عليه الرسول ﵊ قوله «لا» والنبي ﵊ هنا عند ما قال له سعد: أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا إذن: فلا مانع من كلمة «لا» فإنها ليست سوء أدب وخلق، وكثير من الناس الآن يأنف أن يقول «لا» ويقول بدلًا عنها سلامتك، وهذا طيب أن تدعو له بالسلامة، لكن إذا قلت «لا» فلا عيب عليك.\n\nومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمريض مرضًا مخوفًا أن يعطي أكثر من الثلث إلا إذا أجازه الورثة؛ لأن الورثة تعلق حقهم بالمال لما مرض الرجل، فلا يجوز أن يعطي أكثر من الثلث، لقول النبي صلي الله عليه وسلم في الثلثين: لا، وفي النصف: لا، وقال: «الثلث والثلث كثير» .\nوفيه: دليل على أنه ينبغي أن يكون عطاؤه أقل من الثلث، كما قال ابن عباس ﵄: أن الناس غضوا من الثلث إلي الربع لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «الثلث والثلث كثير» .\nومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان إذا كان مريضًا مرضًا يخشي منه الموت أن يتبرع بأكثر من الثلث من ماله، لا صدقة، ولا مشاركة في بناء مساجد، ولا هبة، ولا غير ذلك. لا يزيد علي الثلث لأن النبي صلي الله عليه وسلم منع سعد بن أبي وقاص أن يتصدق بما زاد عن الثلث.","vol":"1","page":56},{"text":"ومن فوائده: أنه ينبغي أن يغض من الثلث؛ يعني: الربع، الخمس، دون ذلك.. لأن الرسول صلي الله عليه وسلم أشار إلي استحباب الغض من الثلث في قوله «والثلث كثير»؛ وبهذا استدل عبد الله بن عباس - ﵄ - حيث قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلي الربع؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «الثلث والثلث كثير» .\nوالوصية كالعطية، فلا يجوز أن يوصي الإنسان بشيء من ماله بعد موته زائدا على الثلث، فليكن من الثلث فأقل.\nوالأفضل في الوصية أن تكون بخمس المال؛ لأن أبا بكر -﵁ - قال: ارضي بما رضية الله لنفسه: الخمس، فأوصي بالخمس - ﵁ - ومن ثم فقاؤنا﵏ -: يسن أن يوصي بالخمس إن ترك مالًا كثيرًا.\nومن فوائد هذا الحديث أنه: إذا كان مال الإنسان قليلًا، وكان ورثته فقراء؛ فالأفضل أن لا يوصي بشيء، لا قليل، ولا كثير؛ لقوله ﵊: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة» خلافًا لما يظنه بعض العوام أنه لابد من الوصية، فهذا خطأ، والإنسان الذي ماله قليل وورثته فقراء ليس عندهم مال، لا ينبغي له أن يوصي، الأفضل أن لا يوصي.\n\nويظن بعض العامة أنه لم يوص لم يكن له أجر، وليس كذلك، بل إذا ترك المال لورثته فهو مأجور في هذا، وإن كان الورثة سوف يرثونه قهرًا، لكن إذا كان مسترشدًا بهدي النبي صلي الله عليه وسلم، لقوله: «إنك أن تذر ورثتك","vol":"1","page":57},{"text":"أغنياء خير من أن تذرهم عالة» فإن أجره في ذلك أفضل من أن يتصدق عنه بشيء من ماله.\nومن فوائد هذا الحديث: خوف الصحابة المهاجرين من مكة أن يموتوا فيها؛ لأن سعدًا ﵁ قال: «أخلف بعد أصحابي» وهذه الجملة استفاهمية والمعني «أخلف؟» وهذا استفهام توقعي مكروه، يعني أنه لا يحب أن يتخلف فيموت في مكة وقد خرج منها مهاجرًا إلي الله ورسوله، وهكذا كل شيء تركه الإنسان لله لا ينبغي أن يرجع فيه، وقد سبق لنا في شرح الحديث أن من ذلك ما فعله بعض الناس؛ حيث تخلصوا من جهاز التلفزيون لما رأوا من مضاره ومفاسده ما يربو على مصالحه ومنافعه، تركوه لله فكسروه، ثم جاؤوا يسألون: هل يعيدوه مرة ثانية؟ نقول: لا تعده مرة أخري ما دمت قد تخلصت منه ابتغاء وجه الله فلا ترجع فيما تركته لله.\n\nومن فوائد الحديث: ظهور معجزة لرسول الله صلي الله عليه وسلم؛ وهو أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال له: «إنك لن تخلف حتى يضر بك أقوام وينتفع بك آخرون» فإن الأمر وقع كما توقعه النبي صلي الله عليه وسلم، فإن سعدًا - ﵁- بقي إلي خلافة معاوية وعمر طويلًا بعد قول الرسول صلي الله عليه وسلم له، وهذا من آيات النبي صلي الله عليه وسلم؛ أن يخبر عن شيء مستقبل فيقع كما أخبر به ﵊، ولكن هذا ليس خبرا محضًا، بل توقع، لقوله: «لعلك أن تخلف» فلم يجزم، ولكن كان الأمر كما توقعه النبي صلي الله عليه وسلم.\nومن فوائد هذا الحديث: انه ما من إنسان يعمل عملًا يبتغي به وجه الله","vol":"1","page":58},{"text":"إلا ازداد به رفعة ودرجة، حتى وإن كان في مكان لا يحل له البقاء فيه، لأن العمل شيء والبقاء شيء آخر.\nولهذا كان القول الراجح من أقوال العلم: أن الإنسان إذا صلي في أرض مغصوبة فإن صلاته صحيحة، لأن النهي ليس عن الصلاة بل النهي عن الغضب.\nفالنهي منصب على شيء غير الصلاة فتكون صلاته صحيحة في هذا المكان المغضوب، لكنه آثم ببقائه في هذا المكان المغصوب. نعن نعود لو ورد عن الرسول صلي الله عليه وسلم انه قال: «لا تصل في أرض مغصوبة» لقلنا: «إذا صليت في الأرض المغصوبة فصلاتك باطلة، كما نقول: إنك إن صليت في المقبرة والحمام» هذا غير صلاة الجنازة؛ لأنها تجوز حتى في المقبرة.\nومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا أنفق نفقة يبتغي وجه الله فإنه يثاب عليها، حتى النفقات على أهله وعلى زوجته، بل وعلى نفسه؛ إذا ابتغي بها وجه الله أثابه الله عليها.\n\nوفيه إشارة إلي أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر نية التقرب إلي الله في","vol":"1","page":59},{"text":"كل ما ينفق حتى لا يكون له في ذلك أجر. كل شيء تنفقه صغيرًا كان أم كبيرًا، على نفسك أو على أهلك أو على أصحابك أو على أي واحد من الناس؛ إذا ابتغيت به وجه الله أثابك الله على ذلك. وقوله: «لكن البائس سعد بن خولة..» سعد بن خولة - ﵁ - من المهاجرين الذين هاجروا من مكة ولكن الله قدر أن يموت فيها؛ فمات فيها، فرثي له النبي ﵊؛ أي: توجع له أن مات بمكة؛ وقد كانوا يكرهون للمهاجر أن يموت في الأرض التي هاجر منها.\nهذا ما تيسر من الكلام على هذا الحديث، والمؤلف﵀ تعالي- ذكره في باب النية؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال لسعد: «إنك لن تعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة» وقال له: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها» فأشار في هذا الحديث إلي الإخلاص في كون الإنسان يبتغي بعمله وبإنفاق ماله وجه الله؛ حتى ينال على ذلك الأجر وزيادة الدرجات والرفعة عند الله ﷿. والله الموفق\n\n* * *\n٧-وعن أبي هريرة عبد الرحمن بت صخر - ﵁ - قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلي أجسادكم ولا إلي صوركم ولكن ينظر إلي قلوبكم» . (رواه مسلم) .","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تعالي:) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم) (الحجرات: من الآية١٣) .\n\nفالله سبحانه وتعالي لا ينظر إلي العباد إلي أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة، أو صحيحة، أو سقيمة، ولا ينظر إلي الصور، هل هي جميلة أو ذميمة، كل هذا ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلي الأنساب؛ هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلي الأموال، ولا ينظر إلي شيء من هذا أبدا، فليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوي، فمن كان لله أتقي كان من الله أقرب، وكان عند الله أكرم؛ إذا لا تفتخر بمالك، ولا بجمالك، ولا ببدنك، ولا بأولادك، ولا بقصورك، ولا سياراتك، ولا بشيء من هذه الدنيا أبدا إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك فأحمد الله عليه قوله ﵊: «ولكن ينظر إلي قلوبكم» فالقلوب هي التي عليها المدار، وهذا يؤيد الحديث الذي صدر المؤلف به الكتاب؛ «إنما الأعمال بالنيات»\nالقلوب هي التي عليها المدار، كم من إنسان ظاهر عمله أنه صحيح وجيد وصالح، لكن لما بني على خراب صار خرابًا، فالنية هي الأصل، تجد رجلين يصليان في صف واحد، مقتدين بإمام واحد، يكون بين صلاتيهما كما بين المشرق والمغرب؛ لأن القلب مختلف، أحدهما قلبه غافل، بل ربما يكون مرائيا في صلاته- والعياذ بالله - يريد بها الدنيا.","vol":"1","page":61},{"text":"والآخر قلبه حاضر يريد بصلاته وجه الله واتباع سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم.\nفبينهما فرق عظيم، فالعمل على ما في القلب، وعلي ما في القلب يكون الجزاء يوم القيامة؛ كما قال الله تعالي:) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) (الطارق: ٨) (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: ٨/٩) أي: تختبر السرائر لا الظواهر. في الدنيا الحكم بين الناس على الظاهر؛ لقول النبي صلي الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو مما أسمع لكن في الآخرة على ما في السرائر، نسأل الله أن يطهر سرائرنا جميعًا.\nالعلم على ما في السرائر: فإذا كانت السريرة جيدة صحيحة فأبشر بالخير، وإن كانت الأخرى فقدت الخير كله، وقال الله ﷿:) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (العاديات٩/١٠) فالعلم على ما في القلب. وإذا كان الله تعالي في كتابه، وكان رسوله صلي الله عليه وسلم في سنته يؤكدان على إصلاح النية؛ فالواجب على الإنسان أن يصلح نيته، يصلح قلبه، ينظر ما في قلبه من الشك فيزيل هذا الشك إلي اليقين. كيف؟ وذلك بنظره في الآيات:) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران: ١٩٠)","vol":"1","page":62},{"text":"(وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (الجاثية: ٤) إذا ألقي الشيطان في قلبك الشك فانظر في آيات الله. انظر إلي هذا الكون من يدبره انظر كيف تتغير الأحوال، كيف يداول الله الأيام بين الناس، حتى تعلم أن لهذا الكون مدبرًا حكيمًا ﷿.\nالشرك؛ طهر قلبك منه. كيف أطهر قلبي من الشرك؟\nأطهر قلبي؛ بأن أقول لنفسي: إن الناس لا ينفعوني إن عصيت الله ولا\n\nينقذونني من العقاب، وإن أطعت الله لم يجلبوا إلي الثواب.\nفالذي يجلب الثواب ويدفع العقاب هو الله. إذا كان الأمر كذلك فلماذا تشرك بالله﷿- لماذا تنوي بعبادتك أن تتقرب إلي الخلق.\nولهذا من تقرب إلي الخلق بما يتقرب به إلي الله ابتعد عنه، وابتعد عنه الخلق.\nيعني لا يزيده تقربه إلي الخلق بما يقربه إلي الله؛ إلا بعدًا من الله ومن الخلق؛ لن الله إذا رضي عنك أرضي عنك الناس، وإذا سخط عليك أسخط عليك الناس، نعوذ بالله من سخطه وعقابه.\nالمهم يا أخي: عالج القلب دائمًا، كن دائمًا في غسيل للقلب حتى يطهر؛ كما قال الله - ﷿ -:) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم) (المائدة: من الآية٤١) فتطهير القلب أمر مهم جدًا، أسال الله أن يطهر قلبي وقلوبكم، وأن يجعلنا له مخلصين ولرسوله متبعين.","vol":"1","page":63},{"text":"٨- وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري - ﵁- قال: سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ريياه: أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n وفي لفظ للحديث: «ويقاتل ليري مكانة؛ أي ذلك في سبيل الله قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» .\nقوله: «من قاتل لتكون» في هذا إخلاص النية لله - ﷿- وهذا الذي ساق المؤلف الحديث من أجله؛ إخلاص النية.\nفد سئل الرسول صلي الله عليه وسلم عن الذي يقاتل على أحد الوجوه الثلاثة! شجاعة، وحمية، وليري مكانة.\nأما الذي يقاتل شجاعة: فمعناه أنه رجل شجاع، يحب القتال؛ لأن الرجل الشجاع متصف بالشجاعة، والشجاعة لابد لها من ميدان تظهر فيه، فتجد الشجاع يحب أن الله ييسر له قتالًا ويظهر شجاعته، فهو يقاتل لأنه شجاع يحب القتال.\nالثاني: يقاتل حمية: حمية على قوميته، حمية على قبيلته، حمية على وطنه، حمية لأي عصبية كانت.\nالثالث: يقاتل ليري مكانه: أي ليراه الناس ويعرفوا أنه شجاع، فعدل","vol":"1","page":64},{"text":"النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك، وقال كلمة موجزة ميزانًا للقتال فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله عي العليا فهو في سبيل الله» .\nوعدل النبي ﵊ عن ذكر هذه الثلاثة؛ ليكون أعم واشمل؛ لأن الرجل ربما يقاتل من أجل الاستيلاء على الأوطان والبلدان، يقاتل من أجل أن يحصل علي امرأة يسبيها من هؤلاء القوم، والنيات لا حد لها، لكن هذا الميزان الذي ذكره النبي ﵊ ميزان تام وعدل، ومن هنا نعلم أنه يجب ان تعدل اللهجة التي يتفوه بها اليوم كثير من الناس.\nولذلك؛ على الرغم من قوة الدعاية للقومية العربية لم نستفد منها شيئًا، فاليهود استولوا على بلادنا، ونحن تفككنا، دخل في ميزان هذه القومية قوم كفار؛ من النصاري وغير النصاري، وخرج منها قوم مسلمون من غير العرب، فخسرنا ملايين العالم، ملايين الناس؛ من أجل هذه القومية، ودخل فيها قوم لا خير فيهم، قوم إذا دخلوا في شيء كتب عليه الخذلان والخسارة.\nواللهجة الثانية: قوم يقاتلون للوطن، ونحن إذا قاتلنا من أجل","vol":"1","page":65},{"text":"الوطن؛ لم يكن هناك فرق بين قتالنا وبين قتال الكافر عن وطنه. حتى الكافر يقاتل عن وطنه ويدافع عن وطنه.\n\nوالذي يقتل من أجل الدفاع عن الوطن - فقط- ليس بشهيد. ولك الواجب علينا ونحن مسلمون وفي بلد إسلامي- ولله الحمد- ونسأل الله أن يثبتنا علي ذلك، الواجب أن نقاتل من أجل لإسلام في بلادنا، وانتبه للفرق؛ نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، فنحمي الإسلام الذي في بلادنا، ونحمي الإسلام، لو كنا في أقصي الشرق أو الغرب. لو كانت بلادنا في أقصي الشرق أو الغرب قاتلنا من أجل الإسلام في وطنا أو من أجل وطننا لأنه غسلامي؛ ندافع عن الإسلام الذي فيه.\nأما مجرد الوطنية فإنها نية باطلة لا تفيد الإنسان شيئًا، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم والإنسان الذي يقول إنه كافر؛ إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن.\nوالذي يقتل من أجل الدفاع عن الوطن - فقط - ليس بشهيد. ولكن الواجب علينا ونحن مسلمون وفي بلد إسلامي - ولله الحمد- ونسأل الله أن يثبتنا علي ذلك، الواجب أن نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، وانتبه للفرق، نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، فنحمي الإسلام الذي في أقصي الشرق أو الغرب قاتلنا للإسلام وليس لوطننا فقك، فيجب أن تصحح هذه اللهجة، فيقال: نحن نقاتل من أجل الإسلام في وطننا أو من أجل وطننا لأنه إسلامي؛ ندافع عن الإسلام الذي فيه.\nأما مجرد الوطنية فإنها نية باطلة لا تفيد الإنسان شيئًا، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم والإنسان الذي يقول إنه كافر؛ إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن.\nوما يذكر من أن «حب الوطن من الإيمان» وأن ذلك حديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم كذب.\nحب الوطن إن كان لأنه وطن إسلامي فهذا تحبه لأنه إسلامي. ولا فرق بين وطنك الذي هو مسقط رأسك، أو الوطن البعيد من بلاد المسلمين؛ كلها وطن الإسلام يجب أن نحميه.","vol":"1","page":66},{"text":"علي كل حال يجب أن نعلم أن النية الصحيحة هي أن نقاتل من أجل الدفاع عن الإسلام في بلدنا، أو من أجل وطننا لأنه وطن إسلامي، لا لمجرد الوطنية.\nأما قتال الدفاع أي: لو أن أحدًا صال عليك في بيتك، يريد أخذ مالك، أو يريد أن ينتهك عرض أهلك - مثلا- فإنك تقاتله كما أمرك بذلك النبي ﵊، فقد سئل عن الرجل يأتيه الإنسان ويقول له: أعطني مالك؟ قال: «لا تعطه مالك قال: أرأيت إن قتلتله؟ قال: قاتله. قال: أرايت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار!!»؛ لأنه معتد ظالم؛ حتى وإن كان مسلمًا، إذا جاءك المسلم يريد أن يقاتلك من أجل أن يخرجك من بلدك، أو من بيتك فقاتله، فإن قتلته فهو في النار، وإن قتلك فأنت شهيد، ولا تقل كيف أقتل مسلمًا؟ فهو المعتدي، ولو كتفنا أيدينا أمام المعتدين الظالمين الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا دينًا؛ لكان المعتدون لهم السلطة، ولأفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ولذلك نقول: هذه المسألة ليست من باب قتال الطلب.\nقتال الطلب: معلوم أنني لا أذهب أقاتل مسلمًا أطلبه، ولكن أدفع عن نفسي، ومالي، وأهلي، ولو كان مؤمنا؛ مع أنه لا يمكن أبدا أن تكون","vol":"1","page":67},{"text":"شخص معه إيمان يقدم على مسلم يقاتله ليستولي على أهله وماله أبدا.\n\nولهذا قال النبي ﵊: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» لا إيمان لإنسان يقاتل المسلمين إطلاقًا النبي صلي الله عليه وسلم فإذا كان الرجل فاقدًا الإيمان، أو ناقص الإيمان؛ فإنه يجب أن نقاتله دفاعًا عن النفس وجوبًا؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «قاتله» وقال: «إن قتلته فهو في النار» وقال: «وإن قتلك فأنت شهيد» لأنك تقاتل دون مالك، ودون أهلك، ودون نفسك.\nوالحاصل أن هناك قتالين: قتالًا للطلب؛ أذهب أنا أقاتل الناس مثلًا في بلادهم، هذا لا يجوز إلا بشروط معينة.\nمثلًاك قال العلماء: إذا ترك أهل قرية الأذان؛ وهو ليس من أركان الإسلام، وجب على ولي الأمر أن يقاتلهم حتى يؤذنوا؛ لأنهم تركوا شعيرة من شعائر الإسلام.\n\nوإذا تركوا صلاة العيد، وقالوا لا نصليها لا في بيوتنا، ولا في الصحراء؛ يجب أن نقاتلهم، حتى لو فرض أن قومًا قالوا: هل الأذان من أركان الإسلام؟ قلنا: لا، ولكنه من شعائر الإسلام؛ فنقاتلكم حتى تؤذنوا. وإذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين، مثل: قبيلتان بينهما عصبية،","vol":"1","page":68},{"text":"تقاتلا، وجب علينا أن نصلح بينهما، فإن بغت إحداهما علي الأخرى وجب أن نقاتلها، حتى تفيء إلي أمر الله، مع أنها مؤمنة، ولكن هناك فرق بين قتال الدفاع وقتال الطلب، الطلب: ما نطلب، إلا من أباح الشارع قتاله، وأما الدفاع فلابد أن ندافع.\nونرجو منكم أن تنبهوا على هذه المسألة؛ لأننا نري في الجرائد والصحف: الوطن! الوطن! الوطن! وليس فيها ذكر للإسلام، هذا نقص عظيم، يجب أن توجه الأمة غلي النهج والمسلك الصحيح، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يجب ويرضي.\n\n* * *\n٩-وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي - ﵁ - أن النبي صلي الله عليه وسلم: «إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقتال والمقتول في النار» قلت: يا رسول الله، هذا القتال فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قوله: «إذا التقي المسلمان بسيفهما» أي: يريد كل واحد منهما أن يقتل الآخر، فسل عليه السيف، وكذلك لو اشهر عليه السلاح؛ كالبندقية، أو غيرها مما يقتل؛ كحجر ونحوه!","vol":"1","page":69},{"text":"فذكر السيف هنا على سبيل التمثيل، وليس على سبيل التعيين. بل إذا التقي المسلمان بأي وسيلة يكون بها القتل، فقتل أحدهما الآخر فالقاتل والمقتول في النار - والعياذ بالله فقال أبو بكرة للنبي صلي الله عليه وسلم: «هذا القاتل؟» يعني أن كونه في النار واضح؛ لأنه قتل نفسًا مؤمنة متعمدًا؛ والذي يقتل نفسًا مؤمنة متعمدًا بغير حق فإنه في نار جهنم.\nقال الله تعالي:) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: ٩٣) . فأبوبكرة - ﵁- قال للنبي صلي الله عليه وسلم: «هذا القاتل» وهذه الجملة هي ما يعرف في باب المناظرة بالتسليم، يعني: سلمنا أن القاتل في النار، فما بال المقتول؟ كيف يكون في النار وهو المقتول؟\n\nفقال النبي صلي الله عليه وسلم: «لأنه كان حريصا على قتل صاحبه» فهو حريص علي قتل صاحبه؛ ولهذا جاء بآلة القتل ليقتله، ولكن تفوق عليه الآخر فقتله. فيكون هذا - والعياذ بالله - بنية القتل، وعمله السبب الموصل للقتل يكون كأنه قاتل؛ ولهذا قال: «لأنه كان حريصا على قتل صاحبه»\nففي هذا الحديث: دليل على أن الأعمال بالنيات، وأن هذا لما نوي قتل صاحبه، صار كأنه فاعل ذلك، أي كأنه قتل. وبهذا نعرف الفرق بين هذا الحديث وبين قوله صلي الله عليه وسلم: «من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد» . وقوله فيمن أتي ليأخذ","vol":"1","page":70},{"text":"مالك: «إن قتلته فهو في النار، وإن قتلك فأنت شهيد»\nوذلك أن الإنسان الذي يدافع عن ماله، وأهله، ونفسه، وعرضه إنما دافع رجلًا معتديًا صائلًا، لا يندفع إلا بالقتل، فهنا إذا قتل الصائل كان في النار، وإن قتل المدافع كان شهيدًا في الجنة، فهذا هو الفرق بينهما.\nفبهذا علم أن من قتل أخاه مريدًا لقتله فإنه في النار، ومن قتله أخوه، وهو يريد قتل أخيه، لكن عجز، فالمقتول أيضًا في النار. القاتل والمقتول في النار.\n\nوفي هذا الحديث: دليل على عظم القتل، وإنه من أسباب دخول النار والعياذ بالله.\nوفيه: دليل علي أن الصحابة - ﵃- كانوا يوردون على الرسول صلي الله عليه وسلم الشبه فيجيب عنها.\nولهذا لا نجد شيئا من الكتاب والسنة فيه شبهة حقيقة إلا وقد وجد حلها، إما أن تكون حلها بنفس الكتاب والسنة من غير إيراد سؤال، وإما أن يكون بإيراد سؤال يجاب عنه. ومن ذلك أيضًا: أن الرسول صلي الله عليه وسلم لما أخبر بأن الدجال يمكث في الأرض أربعين يومًا؛ اليوم الأول كسنة، والثاني كشهر، والثالث كالأسبوع،","vol":"1","page":71},{"text":"وبقية الأيام كأيامنا، سأله الصحابة فقالوا: يا رسول الله، هذا اليوم الذي كسنه هل تكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: «لا» اقدروا له قدره، ففي هذا أبين دليل على أنه لا يوجد - ولله الحمد- في الكتاب والسنة شيء مشتبه ليس له حل، لكن الذي يوجد: قصور في الأفهام تعجز عن معرفة الحل، أو يقصر الإنسان؛ فلا يطلب، ولا يتأمل، ولا يراجع؛ فيشتبه عليه الأمر.\nأما الواقع: فليس في القرآن والسنة- ولله الحمد - شي مشتبه إلا وجد حله في الكتاب أو السنة؛ إما ابتداء، وإما جوابًا عن سؤال يقع من الصحابة﵃- والله الموفق.\n\n* * *\n١٠- وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتي المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلارفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة، ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلي فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه» (متفق عليه)","vol":"1","page":72},{"text":"وهذا لفظ مسلم، وقوله صلي الله عليه وسلم: «ينهزه» هو بفتح الباء والهاء، وبالزاي: أي يخرجه وينهضه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n إذا صلي الإنسان في المسجد مع الجماعة كانت هذه الصلاة أفضل من الصلاة في بيته أو في سوقه سبعًا وعشرين مرة؛ لأن الصلاة مع الجماعة قيام بما أوجب الله من صلاة الجماعة.\n\nفإن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجماعة فرض عين؛ وأنه يجب علي الإنسان أن يصلي مع الجماعة في المسجد، لأحاديث وردت في ذلك، ولما اشار الله إليه - سبحانه وتعالي- في كتابه حين قال:) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ....) (النساء: من الآية١٠٢) .\nفأوجب الله الجماعة في حال الخوف، فإذا أوجبها في حال الخوف؛ ففي حال الأمن من باب أولى وأحري.\nثم ذكر السبب في ذلك: «بأن الرجل إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء، ثم خرج من بيته إلي المسجد لا ينهزه، أو لا يخرجه إلا الصلاة، لم يحط خطوة إلا رفع الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة»، سواء أقرب مكانه من المسجد أم عد، كل خطوة يحصل بها فائدتان:\nالفائدة الأولي: أن الله يرفعه بها درجة.","vol":"1","page":73},{"text":"والفائدة الثانية: أن الله يحط بها خطيئة، وهذا فضل عظيم. حتى يدخل المسجد؛ فإذا دخل المسجد فصلي ما كتب له، ثم جلس ينتظر الصلاة؛ «فإنه في صلاة ما انتظر الصلاة»؛ وهذه أيضًا نعمة عظيمة؛ لو بقيت منتظرًا للصلاة مدة طويلة، وأنت جالس لا تصلي، بعد أن صليت تحية المسجد، وما شاء الله - فإنه يحسب لك أجر الصلاة.\n\nوهناك أيضًا شيء رابع: أن الملائكة تصلي عليه ما دام في مجلسه الذي صلي فيه، تقول (٠ اللهم صل عليه، اللهم أغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه» وهذا أيضًا فضل عظيم لمن حضر بهذه النية وبهذه الأفعال.\nوالشاهد من هذا الحديث قوله: «ثم خرج من بيته إلي المسجد لا يخرجه إلا الصلاة» فإنه يدل على اعتبار النية في حصول هذا الأجر العظيم.\nأما لو خرج من بيته لا يريد الصلاة، فإنه لا يكتب له هذا الأجر؛ مثل أن يخرج من بيته إلي دكانه؛ ولما أذن ذهب صلي؛ فإنه لا يحصل علي هذا الأجر؛ لأن الأجر إنما يحصل لمن خرج من البيت لا يخرجه إلا الصلاة.\nلكن ربما يكتب له الأجر من حين أن ينطلق من دكانه، أو من مكان بيعه وشرائه إلي أن يصل إلي المسجد؛ ما دام انطلق من هذا المكان وهو على طهارة. والله الموفق.\n\n* * *","vol":"1","page":74},{"text":"١١- وعن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب﵄- عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه- تبارك وتعالي- قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعطيها كتبها الله- تبارك وتعالي- عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات، إلي سبعمائة ضعف، إلي اضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قوله: (٠ إن الله كتب الحسنات والسيئات»؛ كتابته للحسنات والسيئات تشمل معنيين:\nالمعني الأول: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ، فإن الله - تعالي- كتب في اللوح المحفوظ؛ كل شي كما قال الله:) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: ٤٩) وقال تعالي (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) (القمر: ٥٣) فالله - سبحانه وتعالي- كتب السيئات والحسنات في اللوح المحفوظ، إذا عملها العبد فإن الله - تعالي- يكتبها حسب ما تقتضيه حكمته، وحسب ما يقتضيه عدله وفضله.\nفهاتان كتابتان:\n\nكتابة سابقة: لا يعلمها إلا الله - ﷿- فكل واحد منا لا يعلم","vol":"1","page":75},{"text":"ماذا كتب الله له من خير أو شر حتى يقع ذلك الشيء.\nوكتابة لاحقة: إذا عمل الإنسان العمل كتب إذا عمل الإنسان العمل كتب له حسب ما تقتضيه الحكمة، والعدل، والفضل: «ثم بين ذلك» أي: ثم بين النبي صلي الله عليه وسلم ذلك كيف يكتب، فبين أن الإنسان إذا هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله - تعالي - حسنة كاملة.\nمثاله: رجل هم أن يتوضأ ليقرأ القرآن، ثم لم يفعل ذلك وعدل عنه، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة.\nمثال آخر: رجل هم أن يتصدق، وعين المال الذي يريد أن يتصدق به، ثم أمسك ولم يتصدق، فيكتب له بذلك حسنة كاملة. هم أن يصلي ركعتين، فأمسك ولم يصل، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة.\nفإن قال قائل: كيف يكتب له حسنة وهو لم يفعلها؟\nفالجواب علي ذلك: أن يقال إن فضل الله واسع، هذا الهم الذي حدث منه يعتبر حسنة؛ لأن القلب همام؛ إما بخير أو بشر، فإذا هم بالخير فهذه حسنة تكتب له، فإن عملها كتبها الله عشر حسنات إلي سبعمائة ضعف إلي أضعاف كثيرة.\nوهذا التفاوت مبني على الإخلاص والمتابعة؛ فكلما كان الإنسان في عبادته أخلص لله كان أجره أكثر، وكلما كان الإنسان في عبادته أتبع للرسول صلي الله عليه وسلم كانت عبادته أكمل، وثوابه أكثر، فالتفاوت هذا يكون بحسب الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم.\nأما السيئة فقال: «وإن هم بسيئة فلم يتعبها كتبها الله حسنة كاملة»","vol":"1","page":76},{"text":"كرجل هم أن يسرق، ولكن ذكر الله﷿- فأدركه خوف الله فترك السرقة، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة؛ لأنه ترك فعل المعصية لله فأثيب على ذلك كما جاء ذلك مفسرًا في لفظ آخر: «إنما تركها من جراي» أي من أجلي، هم أن يفعل منكرًا كالغيبة مثلًا، ولكنه ذكر أن هذا محرم فتركه لله؛ فإنه يعطي على ذلك حسنة كاملة.\nفإن عمل السيئة كتب سيئة واحدة فقط، لا تزيد، لقوله - تعالي-) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام: ١٦٠) .\nوهذا الحديث فيه: دليل على اعتبار النية؛ وأن النية قد توصل صاحبها إلي اليخير.\n\nوسبق لنا أن الإنسان إذا نوي الشر، وعمل العمل الذي يوصل إلي الشر، ولكنه عجز عنه؛ فإنه يكتب عليه إثم الفاعل؛ كما سبق فيمن التقيا بسيفهما من المسلمين: «إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه» والله الموفق.","vol":"1","page":77},{"text":"١٢- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب﵄ - قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «انطق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلي غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار؛ فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله - تعالي- بصالح أعمالكم.\n\nقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلها أهلا ولا مالا. فناي بي طلب الشجر يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما عبوقهما، فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلها أهلا أو مالا، فلبثت -والقدح علي يدي- أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر- والصبية يتضاغون عند قدمي- فاستيقظا، فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منه.\nقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ىبنة عم، كانت أحب الناس إلي - وفي رواية؛ «كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء» - فأردتها على نفسها، فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار؛ على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها- وفي رواية: «فلما قعدت بين رجليها» - قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.","vol":"1","page":78},{"text":"وقال الثالث: اللهم أستأجرت أجرأء وأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: «يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت: كل ما تري من أجرك: من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزي بي ! فقلت: لا استهزيء بك فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجههك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون» \\ (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قوله: «انطلق ثلاثة نفر» أي: ثلاثة رجال.\n«فآواهم المبيت فدخلوا في غار» يعني: ليبينوا فيهن والغار: هو ما يكون في الجبل مما يدخله الناس يبيتون فيه، أو يتظللون فيه عن الشمس، وما أشبه ذلك. فهم دخلوا حين آواهم المبيت إلي هذا الغار، ولم يستطيعوا أن يزحزهوها؛ لأنها صخرة كبيرة. فرأوا أن يتوسلوا إلي الله - سبحانه وتعالي - بصالح أعمالهم.\nفذكر أحدهم بره التام بوالديه، وذكر الثاني عفته التامة، وذكر الثالث ورعه ونصحه.","vol":"1","page":79},{"text":"أما الأول: يقول إنه كان له أبوان شيخان كبيران «وكنت لا أعبق قبلهما أهلًا ولا مالًا» الأهل: مثل الزوجة والأولاد، والمال: مثل الأرقاء وشبهه.\n\nوكان له غنم، فكان يسرح فيها ثم يرجع في آخر النهار، ويجلب الغنم، ويعطي أبويه- الشيخين الكبيران - ثم يعطي بقية أهله وماله.\nيقول: «فنأي به طلب الشجر ذات يوم» أي: أبعد بي طلب الشجر الذي يرعاه. فرجع، فوجد أبويه قد ناما، فنظر، هل يسقي أهله وما له قبل أبويه، أو ينتظر حتى برق الفجر؛ أي حتى طلع الفجر- وهو ينتظر استيقاظ أبويه-، فلما استيقظا وشربا اللبن أسقي أهله وما له.\nقال: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه» ومعناه: اللهم إن كنت مخلصًا في عملي هذا- فعلته من أجلك- فافرج عنا ما نحن فيه.\nوفي هذا دليل على الإخلاص لله - ﷿- في العمل، وأن الإخلاص عليه مدار كبير في قبول العمل، فتقبل الله منه هذه الوسيلة وانفرجت الصخرة؛ لكن انفراجًا لا يستطيعون الخروج منه.\n\nأما الثاني: فتوسل إلي الله ﷿ - بالعفة التامة؛ وذلك أنه كان له ابنة عم، وكان يحبها حبًا شديدًا كاشد ما يحب الرجال النساء «فأرادها","vol":"1","page":80},{"text":"على نفسها» أي أراداه- والعياذ بالله- بالزنا؛ ليزني بها، ولكنها لم توافق وابت، فألمت بها سنة من السنين، أي: اصابها فقر وحاجةن فاضطرت إلي أن تجود بنفسها في الزنا من أجل الضرورة، وهذا لا يجوز، ولكن على كل حال؛ هذا الذي حصل، فجاءت إليه، فأعطاها مائة وعشرين دينارً، أي: مائة وعشرين جنيهًا؛ من أجل أن تمكنه من نفسها، ففعلت من أجل الحاجة والضرورة، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته على أنه يريد أن يفعل بها، قالت له هذه الكلمة العجيبة العظيمة: «اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه» .\n\nفخوفته بالله﷿- وأشارت إليه إلي إن أراد هذا بالحق فلا مانع عندها، لكن كونه يفض الخاتم بغير حق، هي لا تريده، تري أن هذا من المعاصي؛ ولهذا قالت له: اتق الله، فلما قالت له هذه الكلمة- التي خرجت من أعماق قلبها- دخلت في أعماق قلبه، وقام عها وهي أحب الناس غليه، يعني ما زالت رغبته عنها، ولا كرهها، بل حبها في قلبه، لكن أدركه خوف الله -﷿- فقام عنها وهي أحب الناس إليه، وترك لها الذهب الذي أعطاها - مائة وعشرين دينارًا، ثم قال: «اللهم إن كنت فعلت هذا لأجلك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، إلا أنهم لا يستطيعون الخروج» وهذا من آيات الله؛ لأن الله على كل شيء قدير، لو شاء الله تعالي لانفرجت عنهم بأول مرة.\nولكنه- سبحانه وتعالي- أراد أن يبقي هذه الصخرة؛ حتى يتم لكل واحد منهم ما أراد أن يتوسل به من صالح الأعمال.","vol":"1","page":81},{"text":"وأما الثالث: فتوسل إلي الله - سبحانه وتعالي- بالأمانة والإصلاح والإخلاص في العمل، فإنه يذكر أنه استأجر أجراء على عمل من الأعمال؛ فأعطاهم أجورهم، إلا رجلًا واحدًا ترك اجره فلم يأخذه ز فقام هذا المستأجر فثمر المال، فصار يتكسب به بالبيع والشراء وغير ذلك، حتى نما وصار منه إبل وبقر وغنم ورقيق وأموال عظيمة.\nفجاءه بعد حين، فقال له: يا عبد الله أعطني أجري. فقال لهك كل ما تري فهو لك؛ من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فاقل: لا تستهزيء بي، الأجرة التي لي عندك قليلة، كيف لي كل ما أري من الإبل والبقر والغنم والرقيق؟ لا تستهزيء بي. فقلت: هو لك، فأخذه واستاقه كله ولم يترك له شيئًا.\nاللهم إن كنت فعلت ذلك من أجللك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، وانفتح الباب، فخرجوا يمشون» لأنهم توسلوا إلي الله بصالح أعمالهم التي فعلوها إخلاصًا لله ﷿.\nففي هذا الحديث من الفوائد والعبر: فضيلة بر الوالدين؛ وأنه من الأعمال الصالحة التي تفرج بها الكربات، وتزال بها الظلمات.\n\nوفيه: فضيلة العفة عن الزنا، وأن الإنسان إذا عف عن الزنا- مع قدرته عليه- فإن ذلك من أفضل الأعمال، وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أن هذا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله» .","vol":"1","page":82},{"text":"فهذا الرجل مكنته هذه المرأة التي يحبها من نفسها، فقام خوفًا من الله ﷿، فحصل عنده كمال العفة، فيرجي أن يكون ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nوفي هذا الحديث أيضًا: دليل علي فضل الأمانة وإصلاح العمل للغير، فإن هذا الرجل بإمكانه- لما جاءه الأجير- أن يعطيه أجرته، ويبقي هذا المال له، ولكن لأمانته وثقته وإخلاصه لأخيه ونصحه له؛ أعطاه كل ما أثمر أجره.\nومن فوائد هذا الحديث: بيان قدرة الله - ﷿- حيث إنه تعالي أزاح عنهما الصخرة بإذنه، لم يأت آله تزيلها، ولم يأت رجال يزحزحونها، وإنما هو أمر الله عز وجلن أمر هذه الصخرة أن تنحدر فتنطبق عليهم ثم أمرها أن تنفرج عنهم، والله سبحانه- على كل شيء قدير.\nوفيه من العبر: أن الله تعالي سميع الدعاء؛ فإنه سمع دعاء هؤلاء واستجاب لهم.\n\nوفيه من العبر: أن الإخلاص من أسباب تفريج الكربات؛ لن كل واحد منهم يقول: «اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فأفرج عنا ما نحن فيه» .\nأما الرياء- والعياذ بالله- والذي لا يفعل الأعمال إلا رياء وسمعة، حتى يمدح عند الناس؛ فإن هذا كالزبد يذهب جفاء، لا ينتفع منه صاحبه،","vol":"1","page":83},{"text":"نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص له؛ فالإخلاص هو كل شيء زلا تجعل لأحد من عبادتك نصيبًا، اجعلها كلها لله وحده، ﷿- حتى تكون مقبولة عند الله؛ لأنه ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالي أنه قال: «أنا أغني الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» والله الموفق.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>٢- باب التوبة</span>\n\nقال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالي، لا تتعلق بحق آدمي؛ فلها ثلاثة شروط.\nأحدها: أن يقلع عن المعصية.\nوالثاني: أن يندم على فعلها.\nوالثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدًا. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.\nوإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ منحق صاحبها، فإن كانت مالًا او نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنب، وبقي عليه الباقي. وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة:\nقال الله تعالي:) وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) وقال تعالي:) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (هود: من الآية٣) وقال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) (التحريم: من الآية٨) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف﵀ تعالي - باب التوبة:\nالتوبة لغة: من تاب يتوب، إذا رجع.","vol":"1","page":85},{"text":"وشرعًا: الرجوع من معصية الله تعالي إلي طاعته.\n\nوأعظمها وأوجبها التوبة من الكفر إلي الإيمان، قال الله تعالي:) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨» قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨» قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨» قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨» قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)، ثم يليها التوبة من الكبائر؛ كبائر الذنوب.\nثم المرتبة الثالثة: التوبة من صغائر الذنوب.\nوالواجب علي المرء، أن يتوب إلي الله - سبحانه وتعالي- من كل ذنب.\nوللتوبة شروط ثلاثة: كما قال المؤلف - ﵀-، ولكنها بالتتبع تبلغ إلي خمسة:\nالشرط الأول: الإخلاص لله، بأن يكون قصد الإنسان بتوبته وجه الله﷿- وأن يتوب الله عليه، ويتجاوز عما فعل من المعصية. لا يقصد بذلك مراءاة الناس والتقرب إليهم، ولا يقصد بذلك دفع الأذية من السلطات وولي الأمر.\n\nوإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة، وأن يعفو الله عن ذنوبه.\nالشرط الثاني: الندم على ما فعل من المعصية؛ لأن شعور الإنسان بالندم هو الذي يدل علي انه صادق في التوبة؛ بمعني أن يتحسر على ما سبق منه، وينكسر من أجله، ولا يري أنه في حل منه حتى يتوب منه إلي الله.\nالشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب الذي هو فيه، وهذا من أهم شروطه. والإقلاع عن الذنب: إن كان الذنب ترك واجب؛ فالإقلاع عنه بفعله؛ مثل أن يكون شخص لا يزكي، فأراد أن يتوب إلي الله، فلابد من ان","vol":"1","page":86},{"text":"يخرج الزكاة التي مضت ولم يؤدها. وإذا كان الإنسان مقصرًا في بر الوالدين؛ فإنه يجب عليه أن يقوم ببرهما، وإذا كان مقصرًا في صلة الرحم؛ فإنه يجب عليه أن يصل الرحم.\nوإن كانت المعصية بفعل محرم، فالواجب أن يقلع عنه فورًا، ولا يبقي فيه ولا لحظة.\n\nفإذا كانت من أكل الربا مثلًا، فالواجب أن يتخلص من الربا فورًا، بتركه والبعد عنه، وإخراج ما اكتسبه عن طريق الربا، إذا كانت المعصية بالغش والكذب على الناس وخيانة الأمانة، فالواجب عليه أن يرده إلي صاحبه، أو يستحله منه، وإذا كانت غيبة، فالواجب أن يقلع عن غيبة الناس والتكلم في أعراضهم، أما أن يقول إنه تائب إلي الله وهو مصر على ترك الواجب، أو مصر على فعل المحرم، فإن هذه التوبة غير مقبولة. بل إن هذه التوبة كالاستهزاء بالله ﷿، كيف تتوب إلي الله﷿- وأنت مصر علي معصيته؟!\nلو أنك تعامل بشرا من الناس، تقول أنا تبت إليك وأنا نادم لا أعود، ثم في نيتك وفي قلبك أنك ستعود، وعدت، فإن هذه سخرية بالرجل، فكيف بالله رب العالمين؟!\nفالإنسان التائب حقيقة هو الذي يقلع عن الذنب.\nومن الغريب أن بعض الناس تجلس إليه، وتجده يتأوه من وجود الربا، وهو في نفسه يرابي والعياذ بالله، أو يتأوه من الغيبة وأكل لحوم","vol":"1","page":87},{"text":"الناس؛ وهو من أكثر الناس غيبة- نسأل الله العافية-، أو يتأوه من الكذب وضياع الأمانة في الناس؛ وهو من أكذب الناس وأضيعهم للأمانة!!\n\nعلى كل حال، الإنسان لابد أن يقلع عن الذنب الذي تاب منه، فإن لم يقلع فتوبته مردودة لا تنفعه عند الله ﷿. والإقلاع عن الذنب إما أن يكون إقلاعًا عن ذنب يتعلق في حق الله﷿- فهذا يكفي أن تتوب بينك وبين ربك، ولا ينبغي- بل قد نقول: لا يجوز- أن تحدث الناس بما صنعت من المحرم أو ترك الواجب. لأن هذا بينك وبين الله، فإذا كان الله قد من عليك بالستر، وسترك عن العباد فلا تحدث أحدًا بما صنعت إذا تبت إي الله.\nوقد قال النبي ﵊: «كل أمتي معافي إلا المجاهرين»\nومن المجاهرة، كما جاء في الحديث: «أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا...إلي آخره»\nإلا أن بعض العلماء قال: إذا فعل الإنسان ذنبًا فيه حد، فإنه لا باس أن يذهب إلي الإمام الذي يقيم الحدود- مثل الأمير- ويقول إنه فعل الذنب الفلاني ويريد أن يطهره منه، ومع ذلك فالأفضل أن يستر على نفسه، هذا","vol":"1","page":88},{"text":"هو الأفضل.\nيعني يباح له أن يذهب إلي ولي الأمر إذا فعل معصية فيها حد كالزنا مثلا، فيقول إنه فعل كذا وكذا؛ يطلب إقامة الحد عليه؛ لأن الحد كفارة للذنب.\nأما المعاصي الأخرى فاسترها على نفسك كما سترها الله، وكذلك الزنا وشبهه، استره على نفسك - بالنسبة لغير ولي الأمر- لا تفضح نفسك.\nما دمت أنك قد تبت فيما بينك وبين الله تعالي، فإن الله تعالي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.\nأما إذا كان الذنب بينك وبين الخلق، فإن كان مالًا فلابد أن تؤديه إلي صاحبه، ولا تقبل التوبة إلا بأدائه مثل أن تكون قد سرقت مالًا من شخص وتبت من هذا، فلابد أن توصل المسروق إلي المسروق منه.\nأو جحدت حقًا لشخص؛ كان يكون في ذمتك دين لإنسان وأنكرته، ثم تبت، فلابد أن تذهب إلي صاحب الدين الذي أنكرته، وتقر عنده وتعترف حتى يأخذ حقه. فإن كان قد مات، فإنك تعطيه ورثته، فإن لم تعرفهم، أو غاب عنك هذا الرجل ولم تعرف له مكانًا، فتصدق به عنه تخلصًا منه، والله- سبحانه وتعالي- يعلمه ويعطيه إياه.\n\nأما إذا كانت المعصية التي فعلتها مع البشر ضربًا وما أشبهه، فاذهب إليه ومكنه من أن يضربك مثل ما ضربته؛ إن كان على الظهر فعلي الظهر، وإن كان علي الرأس فعلي الرأس، أو في أي مكان ضربته فليقتص منك؛ لقول الله تعالي سبحانه:) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (الشورى: من الآية٤٠) ولقوله:) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: من الآية١٩٤) .","vol":"1","page":89},{"text":"وإذا كان بقول؛ أي: أذية بالقول، مثل ان تكون قد سببته أمام الناس ووبخته وعيرته، فلابد أن تذهب إليه وتستحل منه بما تتفقان عليه. حتى لو قال لا أسمح لك إلا بكذا وكذا من الدراهم فأعطه.\nالرابع: أن يكون الحق غيبة، يعني أنك تكلمت به في غيبته، وقدحت فيه عند الناس وهو غائب.\nفهذه اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال: لا بد أن تذهب إليه، وتقول له يا فلان إني تكلمت فيك عند الناس، فأرجوك أن تسمح عني وتحللني.\nوقال فيها بعض العلماء؛ لا تذهب إليه، بل فيع التفصيل! فإن كان قد علم بهذه الغيبة فلابد أن تذهب إليه وتستحله. وإن لم يكن علم فلا تذهب إليه، واستغفر له، وتحدث بمحاسنه في المجالس التي كنت تغتابه فيها؛ فإن الحسنات يهذبن السيئات. وهذا القول أصح؛ وهو أن الغيبة إذا كان صاحبها لم يعلم بأنك اغتبته، فإنه يكفي أن تذكره بمحاسنه في المجالس التي اغتبته فيها، وأن تستغفر له، تقول: «اللهم اغفر له» كما جاء في الحديث: «كفارة من اغتبته أن تستغفر له» فلابد في التوبة من أن تصل الحقوق إلي أهلها.\nأما الشرط الرابع: فهو العزم على أن لا تعود في المستقبل؛ بأنك لن","vol":"1","page":90},{"text":"تعود إلي هذا العمل في المستقبل، فإن كنت تنوي ان تعود إليه عندما تسمح لك الفرصة فإن التوبة لا تصح؛ مثل: رجل كان- والعياذ بالله- يستعين بالمال على معصية الله، يشتري به المسكرات، يذهب إلي البلاد يزني- والعياذ بالله- ويسكر. فأصيب بفقر وقال: اللهم إني تبت إليك، وهو كاذب، يقول: تبت إليك، وهو في نيته أنه إذا عادت الأمور إلي مجاريها الأولي فعل فعله الأول.\n\nفهذه توبة عاجز، تبت أم لم تبت لست بقادر على فعل المعصية، لأنه يوجد بعض الناس يصاب بفقر، فيقول: تركت الذنوب، لكن يحدث قلبه أنه عاد إليه ما افتقده لعاد إلي المعصية مرة ثانية، فهذه توبة غير مقبولة؛ لأنها توبة عاجز، وتوبة العاجز لا تنفعه.\nالشرط الخامس: أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة، فإن تاب في زمن لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه التوبة. وذلك علي نوعين:\nالنوع الأول: باعتبار كل إنسان بحسبه.\nالنوع الثاني: باعتبار العموم.\nأما الأول: فلابد أن تكون التوبة قبل حلول الأجل- يعني الموت-، فإن كانت بعد حلول الأجل فإنها لا تنفع التائب؛ لقول الله تعالي) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (النساء: من الآية١٨) هؤلاء ليس لهم توبة!\nوقال تعالي:) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (فَلَمْ يَكُ\n\nيَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي","vol":"1","page":91},{"text":"عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (غافر: ٨٤/٨٥) فالإنسان إذا عاين الموت وحضره الأجل؛ فهذا يعني أنه أيس من الحياة، فتكون توبته في غير محلها! بعد أن أيس من الحياة، وعرف أنه لا بقاء له يذهب فيتوب! هذه توبة اضطرار، فلا تنفعه ولا تقبل منه، لابد أن تكون التوبة سابقة.\nأما النوع الثاني: وهو العموم، فإن الرسول - ﵊- أخبر بأن: «الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» .\nفإذا طلعت الشمس من مغربها لم ينفع أحدًا من توبة. قال الله سبحانه: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا) (الأنعام: من الآية١٥٨) وهذا البعض: هو طلوع الشمس من مغربها كما فسر ذلك النبي صلي الله عليه وسلم.\nإذا فلابد أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة، فإن لم تكن كذلك فلا توبة للإنسان.\n\nثم أختلف العلماء - ﵏- هل تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره أو لا، في هذا ثلاثة أقوال لأهل العلم !!\nمنهم من قال: إنها تصح التوبة من الذنب وإن كان مصرًا على ذنب آخر، فتقبل توبته من هذا الذنب، ويبقي الإثم عليه في الذنب الآخر بكل حال.","vol":"1","page":92},{"text":"ومنهم من قال: لا تقبل التوبة من الذنب مع الإصرار على ذنب آخر.\nومنهم من فصل فقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنها لا تقبل، وإلا قبلت.\nمثال ذلك: رجل تاب من الربا ولكنه- والعياذ بالله- يشرب الخمر ومصر على شرب\nالخمر.\nفهنا من العلماء من قال: إن توبته من الربا لا تقبل، كيف يكون تائبا إلي الله وهو\nمصر علي معصيته؟\nوقال بعض العلماء: بل تقبل؛ لأن الربا شيء وشرب الخمر شيء آخر، وهذا هو\nالذي مشي عليه المؤلف﵀- وقال: إنها تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره عند أهل الحق.\n\nفهذا فيه الخلاف: بعضهم يقول: وبعضهم يقول: لا تقبل. أما إذا كان من الجنس؛ مثل أن يكون الإنسان- والعياذ بالله مبتلي بالزنا، ومبتلي أيضًا بالإطلاع على النساء والنظر إليهن بشهوة وما أشبه ذلك، فهل تقبل توبته من الزنا وهو مصر على النظر إلي النساء شهوة؟ أو بالعكس؟\nهذا فيه أيضًا خلاف؛ فمنهم من يقول: تصح.\nومنهم من يقول: لا تصح التوبة.\nولكن الصحيح في هذه المسألة أن التوبة تصح من ذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يعطي الإنسان اسم التائب علي سبيل الإطلاق، ولا يستحق المدح الذي يمدح به التائبون؛ لأن هذا لم يتب توبة تامة بل توبة ناقصة، تاب من هذا الذنب فيرتفع عنه إثم هذا الذنب لكنه لا يستحق","vol":"1","page":93},{"text":"أن يوصف بالتوبة علي سبيل الإطلاق، بل يقال: هذا توبته ناقصة وقاصرة؛ فهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس؛ أنه لا يعطي الوصف علي سبيل الإطلاق، ولا يحرم من التوبة التي تابها من هذا الذنب.\nقال المؤلف﵀- إن النصوص من الكتاب والسنه تظاهرت وتضافرت على وجوب التوبة من جميع المعاصي، وصدق﵀- فإن الآيات كثيرة في الحث على التوبة وبيان فضلها وأجرها، وكذلك الأحاديث عن النبي صلي الله عليه وسلم.\n\nوقد بين الله تعالي في كتابه أنه - سبحانه- يحب التوابين ويحب المتطهرين، التوابون: الذين يكثرون التوبة إلي الله﷿ -؛ كلما أذنبوا ذنبًا تابوا إلي الله.\nثم ذكر المؤلف من الآيات قول الله تعالي: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (النور: من الآية٣١) هذه الجملة ختم الله بها آيتي وجوب غض البصر، وهي قوله:) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا) إلي) أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: الآية ٣٠/٣١) .\n\nففي هذه الآية دليل على وجوب التوبة من عدم غض البصر وحفظ الفرج؛ لأن غض البصر يعني: قصره وعدم إطلاقه، ولأن ترك غض البصر","vol":"1","page":94},{"text":"وحفظ الفرج؛ كل ذلك من أسباب الهلاك وأسباب الشقاء، وأسباب البلاء. وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر علي الرجال من النساء»، «وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»\nولهذا كان أعداؤنا- أعداء الإسلام- بل أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى والمشركين والشيوعيين وأشباههم وأذنابهم وأتباعهم كل هؤلاء - يحرصون غاية الحرص على أن يفتنوا المسلمين بالنساء، يدعون إلي التبرج، يدعون إلي اختلاط المرأة بالرجل، يدعون إلي التفسخ في الأخلاق، يدعون إلي ذلك بألسنتهم، وأقلامهم، وأعمالهم، - والعياذ بالله؛ لأنهم يعلمون أن الفتنة العظيمة التي ينسي بها الإنسان ربه ودينه إنما تكون في النساء.\nالنساء اللاتي يفتن أصحاب العقول كما قال النبي ﵊: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» .","vol":"1","page":95},{"text":"هل تريد شيئًا أبين من هذا.\n\nأذهب للب الرجل - لعقله - الحازم، فيما بالك بالرجل المهيمن؛ الذي ليس عنده حزم، ولا عزم، ولا دين، ولا رجولة؛ يكون أشد والعياذ بالله.\nلكن الرجل الحازم تذهب النساء عقله- نسأل اله العافية-، وهذا هو الواقع لذلك قال الله تعالي عقب الأمر بغض البصر، قال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) وقوله ﷿: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا) يدل على أنه ينبغي لنا- بل يجب علينا- أن نتواصى بالتوبة، وأن يتفقد بعضنا بعضًا، هل الإنسان تاب من ذنبه أو بقي مصرًا عليه؛ لأنه وجه الخطاب للجميع:: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) (النور: من الآية٣١) وفي قوله تعالي (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) دليل على أن التوبة من أسباب الفلاح، والفلاح- كما قال أهل العلم بالتفسير وباللغة- الفلاح: كلمة جامعة يحصل بها المطلوب ويزول بها المرهوب، فهي كلمة جامعة لخير الدنيا والآخرة.\nوكل إنسان يطلب خير الدنيا والآخرة. ما تجد إنسانًا- حتى الكافر يريد الخير. لكن من الناس من يوفق ومنهم من لا يوفق.\n\nالكافر يريد الخير؛ لكنه يريد خير الدنيا؛ لأنه رجل بهيمي؛ هو شر الدواب عند الله:) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) (لأنفال: من الآية٥٥) شر من كل دابة تدب على الأرض؛ ومع ذلك هو يريد الخير، ويريد الرفاهية، ويريد التنعم بهذا الدنيا، لكنها- أي الدنيا- جنته، والآخرة - والعياذ بالله-","vol":"1","page":96},{"text":"عذابه وناره.\nالمهم أن كل إنسان يريد الفلاح، لكن على حسب الهمة، المؤمن يريد الفلاح في الدنيا والآخرة، والكافر لا يؤمن بالآخرة؛ فهو يريد الفلاح في الدنيا.\nمن أسباب الفلاح التوبة إلي الله - ﷿- كما في الآية: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) أي لتنالوا الفلاح؛ وذلك بحصول المطلوب وزوال المرهوب. والله الموفق.\n\n* * *\n\n١٣- وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «والله إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (رواه البخاري) .\n\n١٤- وعن الأعز بن يسار المزني ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، توبوا إلي الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة» (رواه مسلم) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n تقدم الكلام علي ما ذكره المؤلف﵀- من وجوب التوبة","vol":"1","page":97},{"text":"وشروطها، وما ساقه من الآيات الدالة على وجوبها.\nوهذان الحديثان ذكرهما المؤلف﵀- ليستدل على ذلك بالسنة.\nلأنه كلما تضافرت الأدلة على الشيء قوي، وصار أوكد، وصار أوجب، فذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ أقسم بأنه يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة.\nوهذا هو الرسول ﵊- الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة.\nوفي حديث الأغر بن يسار المزني أنه صلي الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس توبوا إلي الله واستغفروه فإني أتوب إلي الله في اليوم مائة مرة» .\nففي هذين الحديثين دليل على وجوب التوبة، لأن النبي ﵊ أمر بها فقال: «يا أيها الناس توبوا إلي الله» فإذا تاب الإنسان إلي ربه حصل بذلك فائدتين:\n\nالفائدة الأولي: امتثال أمر الله ورسوله؛ وفي امتثال أمر الله ورسوله كل الخير. فعلي امتثال أمر الله ورسوله تدور السعادة في الدنيا والآخرة.\nوالفائدة الثانية: الاقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم. حيث كان صلي الله عليه وسلم يتوب إلي الله في اليوم مائة مرة؛ يعني: يقول: أتوب إلي الله، أتوب إلي الله ...\nوالتوبة لابد فيها من صدق، بحيث إذا تاب الإنسان إلي الله أقلع عن الذنب. أما الإنسان الذي يتوب بلسانه وقلبه منطو على فعل المعصية، أو على ترك الواجب. أو يتوب إلي الله بلسانه، وجوارحه مصرة على فعل","vol":"1","page":98},{"text":"المعصية؛ فإن توبته لا تنفعه، بل إنها أشبه ما تكون بالاستهزاء بالله ﷿!\nكيف تقول أتوب إلي الله من معصية وأنت مصر عليها، أو تقول أتوب إلي الله من معصية وأنت عازم علي فعلها؟\nالإنسان لو عامل بشرا مثله بهذه المعاملة لقال هذا يسخر بي، ويستهزئ بي!! كيف يتنصل من أمر عندي وهو متلبس به؟ ما هذا إلا هزو ولعب، فكيف برب العالمين؟\n\nإن من الناس من يقول إنه تائب من الربا، ولكنه- والعياذ بالله مصر عليه!! يمارس الربا صريحا، ويمارس الربا مخادعة، وقد مر بنا كثيرًا أن الذي يمارس الربا مخادعة أعظم إثما وجرما من الذي يمارس الربا بالصراحة. لأن الذي يمارس الربا بالمخادعة جنى علة نفسه مرتين:\nأولًا: الوقوع في الربا.\n\nوثانيًا: مخادعة الله﷿ - وكان الله- سبحانه وتعالي- لا يعلم. وهذا يوجد كثيرا في الناس اليوم الذين يتعاملون في الربا صريحًا، أمرهم واضح، لكن من الناس من يتعامل في الربا خيانة ومخادعة؛ تجد عنده أموالًا لها سنوات عديدة في الدكان، فيأتي الغني بشخص فقير يوقده للمذبحة والعياذ بالله!! فيأتي إلي صاحب الدكان الذي عنده هذه البضاعة، ويبيعها على الفقير بالدين بيعًا صوريًا. وكل يعلم أنه ليس بيعًا حقيقيًا؛ لأن هذا المشتري - المدين- لا يقلب المال، ولا ينظر إليه، ولا يهمه، بل لو كان أكياسًا من الرمل ويبعث عليه علي أنها رز أو سكر أخذها؛ لأنه لا يهمه؛ الذي يهمه أن يقضي حاجة فيبيعها عليه - مثلًا-","vol":"1","page":99},{"text":"بعشرة آلاف لمدة سنة، وينصرف بدون أن ينقلها من مكانها، ثم يبيعها هذا المدين على صاحب الدكان بتسعة آلاف- مثلًا- فيؤكل هذا الفقير من وجهين: من جهة هذا الذي دينه، ومن جهة صاحب الدكان، ويقولون: إن هذا صحيح. بل يسمونه التصحيح، يقول قائلهم: تعال أصحح عليك، أو أصحح لك كذا وكذا. سبحان الله، هل هذا تصحيح؟ هذا تلطيخ بالذنوب والعياذ بالله!!\n\nولهذا يجب علينا - إذا كنا صادقين مع الله - سبحانه وتعالي- في التوبة- أن نقلع عن الذنوب والمعاصي إقلاعًا حقيقيًا، ونكرها، ونندم علي فعلها؛ حتى تكون التوبة توبة نصوحًا.\nوفي هذين الحديثين: دليل على أن نبينا محمدًا صلي الله عليه وسلم اشد الناس عبادة لله، وهو كذلك، فإنه أخشانا لله، وأتقانا لله، وأعلمنا بالله صلوات الله وسلامه عليه.\nوفيه دليل على أنه ﵊ معلم الخير بمقاله وفعاله.\nفكان يستغفر الله، ويأمر الناس بالاستغفار؛ حتى يتأسوا به امتثالًا للأمر واتباعا للفعل.\nوهذا من كمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه لأمته. فينبغي لنا نحن أيضًا أن نتأسي به، إذا امرنا الناس بأمر أن نكون أول من يمتثل هذا الأمر، وإذا نهيناهم عن شيء أن نكون أول من ينتهي عنه، لأن هذا هو حقيقة الداعي إلي الله، بل هذا حقيقة الدعوة غلي الله ﷿؛ أن تفعل ما تؤمر به، وتترك ما تنهي عنه. كما كان الرسول صلي الله عليه وسلم يأمرنا التوبة وهو -عليه","vol":"1","page":100},{"text":"الصلاة والسلام- يتوب أكثر منا. نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، وأن يهدينا وإياكم صراطًا مستقيمًا. والله الموفق.\n\n* * *\n\n١٥- وعن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري- خادم رسول الله صلي الله عليه وسلم - ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم: سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة» (متفق عليه) .\nوفي رواية لمسلم: «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتي شجرة فاضطجع في ظلها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قوله﵀- «خادم النبي صلي الله عليه وسلم» وذلك أن أنسًا - ﵁- حين قدم النبي ﵊ المدينة أتت به أمة إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وقالت له: هذا أنس ابن مالك يخدمك، فقبل النبي ﵊ ذلك، وصار أنس من خدام النبي ﵊.\nذكر أنس﵁- أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده إذا تاب إليه» من هذا الرجل الذي سقط على راحلته بعد أن أضلها،","vol":"1","page":101},{"text":"وذكر القصة: رجل كان في أرض فلاة، ليس حوله أحد، لا ماء ولا طعام ولا أناس.. ضل بعيره: أي ضاع، فجعل يطلبه فلم يجده، فذهب إلي شجرة ونام تحتها ينتظر الموت! قد أيس من بعيره، وأيس من حياته؛ لأن طعامه وشرابه على بعيره، والبعير قد ضاع، فبينما هو كذلك إذا بناقته عنده قد تعلق خطامها بالشجرة التي هو نائم تحتها. فبأي شيء يقدر هذا الفرح؟ هذا الفرح لا يمكن أن يتصوره أحد إلا من وقع في مثل هذه الحال!! لأنه فرح عظيم، فرح بالحياة بعد الموت، ولهذا أخذ بالخطام فقال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» !! أراد أن يثني على الله فيقول: «اللهم أنت ربي وأنا عبدك» لكن من شدة فرحه أخطأ..فقلب القضية.. وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.\n\nفي هذا الحديث من الفوائد: دليل على فرح الله - ﷿- بالتوبة من عبده إذا تاب إليه، وأنه يحب ذلك- سبحانه وتعالي- محبة عظيمة، ولكن لا لأجل حاجته إلي أعمالنا وتوبتنا؛ فالله غني عنا، ولكن لمحبته سبحانه للكرم؛ فإنه يحب - سبحانه وتعالي- يفرح، ويغضب، ويكره ويحب، لكن هذه الصفات ليست كصفاتنا؛ لأن الله يقول:) ِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) بل هو","vol":"1","page":102},{"text":"فرح يليق بعظمته وجلاله ولا يشبه فرح المخلوقين.\nوفيه: دليل على أن الإنسان إذا أخطأ في قول من الأقوال ولو كان كفرا سبق لسانه إليه؛ فإنه لا يؤاخذ فهذا الرجل قال كلمة كفر؛ لأن قول سبق اللسان لربه: أنت عبدي وأنا ربك هذا كفر لا شك، لكن لما صدر عن خطأ من شدة الفرح - أخطأ ولم يعرف أن يتكلم-صار غير مؤاخذ به، فإذا أخطأ الإنسان في كلمة؛ كلمة كفر؛ فإنه لا يؤاخذ بها، وكذلك غيرها من الكلمات؛ لو سب أحدا على وجه الخطأ بدون قصد، أو طلق زوجته على وجه الخطأ بدون قصد، أو أعتق عبده على وجه الخطأ بدون قصد، فكل هذا لا يترتب عليه شيء؛ لأن الإنسان لم يقصده، فهو كاللغو في اليمين، وقد قال الله تعالي:) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة: من الآية٢٢٥) بخلاف المستهزئ فإن المستهزئ يكفر إذا قال كلمة الكفر، ولو كان مستهزئا؛ لقول الله سبحانه) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة: من الآية٦٥/٦٦)، فالمستهزئ قصد الكلام، وقصد\n\nمعناه؛ لكن على سبيل السخرية والهزء؛ فلذلك كان كافرًا، بخلاف الإنسان الذي لم يقصده؛ فإنه لا يعتبر قوله شيئًا.\nوهذا من رحمة الله - ﷿- والله الموفق.\n\n* * *\n١٦- وعن أبي موسى عبد الله قيس الأشعري﵁- عن النبي ﵊ قال: «إن الله تعالي يبسط يده بالليل مسيء النهار،","vol":"1","page":103},{"text":"ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» رواه مسلم.\n١٧- وعن أبي هريرة - ﵁- قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» (رواه مسلم) .\n١٨- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄- عن النبي ﵊ قال: «إن الله - ﷿ - يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» . (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الثلاثة التي ذكرها المؤلف - ﵀- كلها تتعلق بالتوبة.\nأما حديث أبي موسى فقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسي النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» .\n\nوهذا من كرمه﷿- أنه يقبل التوبة حتى وإن تأخرت فإذا أذنب الإنسان ذنبًا في النهار، فإن الله- تعالي- يقبل توبته ولو تاب في","vol":"1","page":104},{"text":"الليل. إذا أذنب وتاب في النهار فإن الله-تعالي- يقبل توبته بل إنه - تعالي- يبسط يده حتى يتلقى هذه التوبة التي تصدر من عبده المؤمن.\nوفي هذا الحديث: دليل على محبة الله- سبحانه وتعالي- للتوبة، وقد سبق في الحديث السابق - في قصة الرجل الذي أضل راحلته حتى وجدها-: أن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب إليه اشد فرحًا من هذا براحلته.\nومن فوائد حديث أبي موسي: إثبات أن الله -تعالي- له يده، وهو كذلك، بل له يدان جل وعلا- كما قال تعالي:) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: من الآية٦٤)، وهذه اليد التي أثبتها الله لنفسه- بل اليدان- يجب علينا أن نؤمن بهما؛ وأنهما ثابتتان لله.\nولكن لا يجوز أن نتوهم أنها مثل أيدينا؛ لأن الله يقول في كتابه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) وهكذا كل ما مر بك من صفات الله فأثبتها لله﷿- لكن بدون أن تمثلها بصفات المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته ﷿.\nوفي هذا الحديث: أن الله- سبحانه وتعالي- يقبل توبة العبد وإن تأخرت، لكن المبادرة بالتوبة هي الواجب؛ لأن الإنسان لا يدري، فقد يفجأه الموت فيموت قبل أن يتوب. فالواجب المبادرة، لكن مع ذلك، لو تأخرت تاب الله على العبد.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن الشمس إذا طلعت من مغربها، انتهي قبول التوبة. وقد يسأل السائل، يقول: هل الشمس تطلع من مغربها؟ المعروف أن الشمس تطلع من المشرق؟!","vol":"1","page":105},{"text":"فنقول: نعم هذا هو المعروف، وهذا هو المطرد منذ خلق الله الشمس إلي يومنا هذا. لكن في آخر الزمان يأمر الله الشمس أن ترجع من حيث جاءت فتنعكس الدورة، وتطلع من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا كلهم، حتى الكفار اليهود، والنصارى، والبوذيون، والشيوعيون، وغيرهم؛ كلهم يؤمنون. ولكن الذي لم يؤمن قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا ينفعه إيمانه.\n\nكل يتوب أيضًا، لكن الذي لم يتب قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا تقبل توبته؛ لأن هذه آية يشهدها كل أحد، وإذا جاءت الآيات المنذرة لم تنفع التوبة ولم ينفع الإيمان!\nأما حديث أبي هريرة ﵁ في أن الله -سبحانه وتعالي- يقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها فهو كحديث أبي موسى.\nوأما حديث عبد الله بن عمر: «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر» أي: ما لم تصل الروح الحلقوم، فإذا وصلت الروح الحلقوم فلا توبة، وقد بينت النصوص الأخرى أنه إذا حضر الموت توبة؛ لقوله تعالي:) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن) (النساء: من الآية١٨) .\nفعليك يا أخي المسلم أن تبادر بالتوبة إلي الله - ﷿- من الذنوب، وأن تقلع عما كنت متلبسا به من المعاصي، وأن تقوم بما فرطت به من الواجبات، وتسأل الله قبول تتوبتك. والله الموفق.\n\n* * *","vol":"1","page":106},{"text":"١٩- وعن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال﵁اسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، فقلت: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرءا من أصحاب النبي ﵊ فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرا- أو مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئًا؟ قال: نعم: كنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فأجابه رسول الله صلي الله عليه وسلم نحوا من صوته: «هاؤم» فقلت له: ويحك أغضض، قال الإعرابي: المرء يحب القوم ولما يحلق بهم؟ قال النبي صلي الله عليه وسلم: المرء مع من أحب يوم القيامة» فما زال يحثنا حتى ذكر بابا من المغرب مسيرة سفيان- أحد الرواة-: قبل الشام، خلقه الله - تعالي- يوم خلق السماوات والأرض مفتوحًا للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» (رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح) .","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث من أحاديث التوبة التي ساقها المؤلف -﵀- في بيان متي تنقطع التوبة. لكنه يشتمل على فوائد:\nمنها: أن زر بن حبيش أتي إلي صفوان بن عسال﵁- من أجل العلم- يبتغي العلم- فقال له صفوان بن عسال: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يطلب» .\nوهذه فائدة عظيمة تدل على فضيلة العلم، وطلب العلم؛ والمراد به العلم الشرعي، أي: علم ما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم أما علم الدنيا فللدنيا، لكن طلب العلم الذي جاء به النبي صلي الله عليه وسلم هو الذي فيه الثناء والمدح، والحث عليه في القرآن والسنة. وهو نوع من الجهاد في سبيل الله، لأن هذا الدين قام بأمرين:\nقام بالعلم والبيان، وبالسلاح: بالسيف والسنان.\nحتى إن بعض العلماء قال: «إن طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله بالسلاح» لأن حفظ الشريعة إنما يكون بالعلم، والجهاد بالسلاح في سبيل الله مبني على العلم، لا يسير المجاهد، ولا يقاتل، ولا يحجم، ولا يقسم الغنيمة، ولا يحكم بالأسري؛ إلا عن طريق العلم، فالعلم هو كل شيء.\n\nولهذا قال الله ﷿:) ايَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: من الآية١١) ووضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب واحترامًا له، وتعظيمًا له، ولا يرد على هذا أن يقول القائل: أنا لا","vol":"1","page":108},{"text":"أحس بذلك؟ لأنه إذا صح بذلك؟ لأنه إذا صح الخبر عن الرسول صلي الله عليه وسلم فإنه كالمشاهد عيانا.\nأرأيت قوله صلي الله عليه وسلم: «ينزل ربنا- تبارك وتعالي- كل ليلة إلي السماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» .\nنحن لا نسمع هذا الكلام من الله﷿- لكن لما صح عن نبينا صلي الله علي وسلم صار كأننا نسمعه، ولذلك يجب علينا أن نؤمن بما قال الرسول صلي الله عليه وسلم وبما صح عنه مما يذكر في أمور الغيب، وأن نكون متيقنين لها كأنما نشاهدها بأعيننا ونسمعها بآذاننا.\nثم ذكر زر بن حبيش لصفوان بن عسال إنه حك في صدره المسح على الخفين بعد البول والغائط.\n\nيعني أن الله تعالي ذكر في القرآن قوله:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية٦) فيقول إنه حك في صدري؛ أي: صار عندي توقف وشك في المسح على الخفين بعد البول أو الغائط هل هذا جائز أو لا؟\nفبين له صفوان بن عسال﵁- أن ذلك جائز لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمرهم إذا كانوا سفرًا أو مسافرين أن لا ينزعوا خفافهم إلا من جنابة ولكن","vol":"1","page":109},{"text":"من غائط وبول ونوم، فدل هذا على جواز المسح على الخفين، بل إن المسح على الخفين أفضل إذا كان الإنسان لابسا لهما.\nوقد ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة﵁- أنه كان مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر، فتوضأ النبي صلي الله عليه وسلم فأهوي المغيرة لينزع خفيه فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما»\nففي هذا دليل واضح على أن الإنسان الذي عليه جوارب، أو عليه خفان؛ أن الأفضل أن يمسح عليهما ولا يغسل رجليه.\nومنها: أنه ينبغي إذا أشكل على الإنسان شيء أن يسأل ويبحث عمن هو أعلم بهذا الشيء؛ حتى لا يبقي في قلبه حرج مما سمع، لأن بعض الناس يسمع الشيء من الأحكام الشرعية ويكون في نفسه حرج، ويبقي متشككًا مترددًا، لا يسأل أحدًا يزيل عنه هذه الشبهة، وهذا خطأ، بل الإنسان ينبغي له أن يسأل حتى يصل إلي أمر يطمئن إليه ولا يبقي عنده قلق.\nفهذا زر بن حبيش﵀- سأل صفوان بن عسال﵁- عن المسح على الخفين؛ وهل عنده شيء عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في ذلك، فقال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا أو مسافرين ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم.\nفهذا الحديث فيه دليل علي ثبوت المسح على الخفين، وقد تواترت الأحاديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم في ذلك، وأخذ بهذا أهل السنة، حتى إن بعض","vol":"1","page":110},{"text":"أهل العلم، الذين صنفوا في كتب العقائد، ذكروا المسح على الخفين في كتاب العقائد؛ وذلك لأن الرافضة خالفوا في ذلك؛ فلم يثبتوا المسح على الخفين وأنكروه، والعجب أن ممن روي المسح على الخفين علي بن أبي طالب ﵁.\n\nومع ذلك هم ينكرونه ولا يقولون به، فكان المسح على الخفين من شعار أهل السنة ومن الأمور المتوترة عندهم؛ التي ليس عندهم فيها شك عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.\nقال الإمام أحمد: «ليس في قلبي من المسح شك»، أو قال: «شيء فيه أربعون حديثًا عن النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه» ولكن لابد من شروط لجواز المسح علي الخفين:\nالشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة ﵁ حينما أراد أن ينزع خفي النبي صلي الله عليه وسلم قال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما» .\nولا فرق بين أن تكون هذه الطهارة قد غسل فيها الرجل، أو مسح فيها على خف سابق.\nفمثلًا: لو توضأ وضوءًا كاملًا، وغسل رجليه، ثم لبس الجوارب؛ يعني الشراب أو الخفين، فهما لبسهما على طهارة.\n\nكذلك لو كان قد لبس جوارب من قبل ومسح عليهما، ثم احتاج إلي","vol":"1","page":111},{"text":"زيادة جورب ولبسه على الجورب الأول الذي مسحه- وهو علي طهارة-، فإنه يمسح علي الثاني، لكن يكون ابتداء المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني؛ هذا هو القول الصحيح؛ أنه إذا لبس خفا على خف ممسوح فإنه يمسح علي الأعلى، لكن يبني على مدة المسح علي الأول.\nولابد أن تكون الطهارة بالماء، فلو لبسهما علي طهارة تيمم فإنه لا يمسح عليهما؛ مثل رجل مسافر ليس معه ماء، فتيمم ولبس الخفين علي طهارة تيمم، ثم بعد ذلك وجد الماء، وأراد أن يتوضأ، ففي هذه الحال لابد أن يخلع الخفين ويغسل قدميه عند الوضوء، ولا يجوز المسح عليهما في هذه الحال، لأنه لم يلبسهما على طهارة غسل فيها الرجل، فإن التيمم يتعلق بعضوين فقط؛ وهما الوجه والكفان.\n\nالشرط الثاني: أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر، ولهذا قال صفوان بن عسال: «إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم» فإذا صار علي الإنسان جنابة؛ فإنه لا يجزئ أن يمسح على الجوربين أو الخفين، بل لابد من نزعهما وغسل القدمين؛ وذلك لأن الطهارة الكبرى ليس فيها مسح إلا للضرورة في الجبيرة، ولهذا لا يمسح فيها الرأس، بل لابد من غسل الرأس - مع أنه في الحدث الأصغر يمسح؛ لكن الجنابة طهارتها أوكد وحدثها أكبر، فلابد من الغسل، ولا يمسح فيها على الخف؛ لهذا الحديث، ولأن المعني والقياس يقتضي ذلك.\nالشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة التي حددها النبي صلي الله عليه وسلم وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، كما صح ذلك أيضًا من","vol":"1","page":112},{"text":"حديث على بن أبى طالب_ ﵁- في صحيح مسلم قال: «جعل رسول الله صلي الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم» يعني: في المسح علي الخفين:\n\nفإذا انتهت المدة فلا مسح، لابد أن يخلع الجوربين أو الخفين، ثم يغسل القدمين، ولكن إذا انتهت المدة وأنت على طهارة فاستمر على طهارتك، لا تنقض الطهارة، ولكن ذا أردت أن تتوضأ بعد انتهاء المدة فلابد من غسل القدمين.\nثم إن زر بن حبيش سأل صفوان بن عسال: هل سمع من النبي صلي الله عليه وسلم يقول في الهوي شيئًا؟\nالهوي: المحبة والميل، فقال: نعم، ثم ذكر قصة الأعرابي الذي كان جهوري الصوت فجاء ينادي: يا محمد؛ بصوت مرتفع.\nفقيل له: ويحك أتنادي رسول الله صلي الله عليه وسلم بصوت مرتفع؟ والله - ﷿- يقول:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: ٢)، ولكن الأعراب لا يعرفون الآداب كثيرًا؛ لأنهم بعيدون عن المدن وبعيدون عن العلم.\n\nفأجابه النبي صلي الله عليه وسلم بصوت مرتفع كما سأل الأعرابي، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم أكمل الناس هديًا، يعطي كل إنسان بقدر ما يتحمله عقله، فخاطبه النبي","vol":"1","page":113},{"text":"صلي الله عليه وسلم بمثل ما خاطبه به، قال له الأعرابي: «المرء يحب القوم ولما يلحق بهم» يعني: يحب القوم ولكن عمله دون علمهم؛ لا يساويهم في العمل، مع من يكون؟ أيكون معهم أو لا؟\nفقال النبي صلي الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب يوم القيامة» نعمة عظيمة - ولله الحمد- وقد روي أنس بن مالك﵁- هذه القطعة من الحديث، أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال لرجل يحب الله ورسوله: «إنك مع من أحببت» قال أنس: «فأنا أحب رسول الله صلي الله عليه وسلم وأبابكر عمر وأرجو أن أكون معهم» .\nوهكذا أيضًا نحن نشهد الله - ﷿- على محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وصحابته، وأئمة الهدي من بعدهم، ونسأل الله أن يجعلنا معهم.\n\nهذه بشري للإنسان؛ أنه إذا احب قوما صار معهم وإن قصر به عمله؛ يكون معهم في الجنة ويجمعه الله معهم في الحشر، ويشربون من حوض الرسول صلي الله عليه وسلم جميعًا، وهكذا.. كما أن من أحب الكفرة فإنه ربما يكون معهم - والعياذ بالله- لأن محبة الكافرين حرام، وأن يعلم أنهم أعداء له مهما أبدوا من الصداقة والمودة والمحبة؛ فإنهم لن يتقربوا إليك لمصلحتك فهذا شيء بعيد. إن كان","vol":"1","page":114},{"text":"يمكن أن نجمع بين الماء والنار، فيمكن أن نجمع بين محبة الكفار لنا وعداوتهم لنا؛ لأن الله تعالي سماهم أعداء قال:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: من الآية١) وقال ﷿:) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٩٨) .\nفكل كافر فإن الله عدو له، وكل كافر فإنه عدو لنا، وكل كافر فإنه لا يضمر لنا إلا الشر.\nولهذا يجب عليك أن تكره من قلبك كل كاف مهما كان جنسه، ومهما كان تقربه إليك فاعلم أنه عدؤك. قال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: من الآية١)، إذا نأخذ من هذه قاعدة أصلها النبي - ﵊- ألا وهي: «المرء مع من أحب» فعليك يا أخي أن تشد قلبك على محبة الله تعالي، ورسوله، وخلفائه الراشدين، وصحابته الكرام، وأئمة الهدي من بعدهم لتكون معهم.\nنسأل الله أن يحقق لنا ذلك بمنه وكرمه والله الموفق.\n\n* *\n٢٠- وعن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري﵁- أن نبي الله صلي\n\nالله عليه وسلم قال: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن اعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فاتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين","vol":"1","page":115},{"text":"نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلي أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله - تعالي- فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلي أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلي الله تعالي، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فاتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم- أي حكما- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلي أيتها كان أدني فهو له، فقاسوا فوجدوه أدني إلي الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة» (متفق عليه) .\nوفي رواية في الصحيح: «فكان إلي القرية الصالحة أقرب بشبر، فجعل من أهلها» وفي رواية في الصحيح: «فاوحي الله تعالي إلي هذه أن تباعدي، وإلي هذه أن تقربي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلي هذه أقرب بشبر فغفر له» وفي رواية: «فنأي بصدره نحوها» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف﵀- عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري﵁- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم إنه ندم وسال عن أعلم أهل الأرض","vol":"1","page":116},{"text":"يسأله: هل له من توبة؟ فدل على رجل، فإذا هو راهب -يعني عابدًا- ولكن ليس عنده علم، فلما سأله قال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فاستعظم الراهب هذا الذنب وقال: ليس لك توبة! فغضب الرجل وانزعج وقتل الراهب؛ فأتم به مائة نفس، ثم إنه سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقط له: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم! ومن الذي يحول بينه وبين التوبة؟ باب التوبة مفتوح، ولكن اذهب إلي القرية الفلانية؛ فإن فيها قومًا يعبدون الله. والأرض التي كان فيها كأنها- والله أعلم- دار كفر فأمره هذا العالم أن يهاجر بدينه إلي هذه القرية التي يعبد فيها الله- سبحانه وتعالي-، فخرج تائبا نادمًا مهاجرًا بدينه إلي الأرض التي فيها القوم الذين يعبدون الله ﷿. وفي منتصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة العذاب، والمؤمن تقبض روحه ملائكة الرحمة، فاختصموا؛ ملائكة العذاب تقول: إنه تاب وجاء نادمًا تائبًا، فحصل بينهما\n\nخصومة، فبعث الله إليهم ملكًا ليحكم بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلي أيتها كان أقرب فهو له؛ يعني فهو من أهلها. إن كانت أرض الكفر أقرب إليه فملائكة العذاب تقبض روحه، وإن كان إلي بلد الإيمان أقرب فملائكة الرحمة تقبض روحه.\nفقاسوا ما بينهما؛ فإذا البلد التي اتجه إليها- وهي بلد الإيمان -أقرب من البلد التي هاجر منها بنحو شبر - مسافة قريبة - فقبضته ملائكة الرحمة.","vol":"1","page":117},{"text":"ففي هذا دليل علي فوائد كثيرة:\nمنها: أن القاتل إذا قتل إنسانًا عمدًا ثم تاب فإن الله - تعالي- يقبل توبته، ودليل ذلك في كتاب الله قوله تعالي:) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨» إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨» إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨)، يعني ما دون الشرك، فإن الله تعالي يغفره إذا شاء.\nوهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.\n\nوذكر عبد الله بن عباس - ﵄- أن القاتل ليس له توبة؛ لأن الله يقول:) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: ٩٣) .\nولكن ما ذهب إليه الجمهور هو الحق، وما روي عن ابن عباس﵄- فإنه يمكن أن يحمل على أنه ليس توبة بالنسبة للمقتول؛ وذلك لأن القاتل إذا قتل تعلق فيه ثلاثة حقوق:\nالحق الأول: لله، والثاني: للمقتول، والثالث: لأولياء المقتول.\nأما حق الله؛ فلا شك أن الله تعالي يغفره بالتوبة، لقول الله تعالي:) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ) (الزمر: من الآية٥٣) .\nولقوله تعالي: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ و) (الفرقان: من الآية٦٨/٧٠) .","vol":"1","page":118},{"text":"وأما حق المقتول؛ فإن توبة القاتل لا تنفعه ولا تؤدي إليه حقه؛ لأنه مات، ولا يمكن الوصول إلي استحلاله، أو التبرؤ من دمه، فهذا هو الذي يبقي مطالبًا به القاتل ولو تاب، وإذا كان يوم القيامة فالله يفصل بينهما.\nوأما حق أولياء المقتول، فإنها لا تصح توبة القاتل؛ حتى يسلم نفسه إلي أولياء المقتول، ويقر بالقتل، ويقول: أنا القاتل، وأنا بين أيديكم، إن شئتم اقتلوني وإن شئتم خذو الدية، وإن شئتم اسمحوا، فإذا تاب إلي الله، وسلم نفسه لأولياء المقتول- يعني لورثته - فإن توبته تصح، وما بينه وبين المقتول يكون الحكم فيه إلي الله يوم القيامة.\n٢١- وعن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب﵁- من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك - ﵁- يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك: قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله - تعالي- بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب حين تخلفت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوي ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلي الله عليه وسلم","vol":"1","page":119},{"text":"يريد غزوة إلا وري بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلي الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازًا واستقبل عددًا كثيرًا، فجلي للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ\n(يريد بذلك الديوان) قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفي به ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلي الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسي: أنا قادر علي ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمأدي بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلي الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل يتمادي بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلي الله عليه وسلم يحزنني أني لا أري لي أسوة، إلا رجلًا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله تعالي من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله صلي الله عليه وسلم حبسه","vol":"1","page":120},{"text":"برداه، والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل - ﵁-: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما\nعلمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم فبينا هو على ذلك رأي رجلًا مبيضًا يزول به السراب، فقل رسول الله صلي الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة، فإذا هو ابو خيثمة الأنصاري- وهو الذي تصدق بصلع من التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد توجه قافلًا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا، واستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد أظل قادمًا زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقة، وأصبح رسول الله صلي الله عليه وسلم قادمًا، وكأن إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعا وثمانين رجلًا، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلي الله تعالي حتى جئت، فلما سلمت تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي، ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعن ظهرك؟ لرأيت أتي سأخرج من سخطه بعذر؛ لقد أعطيت جدلًا، لكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضي به عني ليوشكن الله","vol":"1","page":121},{"text":"يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد عل فيه إني لأرجو فيه عقبي الله ﷿، والله ما كأن لي من عذر، والله ما كنت قط أقوي ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.\nقال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك» وسار رجال من بني سلمة، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلي الله عليه وسلم فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم؛ لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي؟ قال: فذكروا لي رجلين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال: حين ذكرؤهما لي، ونهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس- أو قال: تغيروا لنا- حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا علي ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلي الله عليه وسلم فاسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه\nبرد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت","vol":"1","page":122},{"text":"نحوه أعرض عني، حتى إذا حال ذلك على من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة؛ وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلي الله عليه وسلم؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة؟ إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا. فقرأته فإذا فيه: أما بعد؛ فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك، فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلي الله عليه وسلم ياتيني، فقال: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امراتك، فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها\nفلا تقربنها، وأرسل إلي صاحبي بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجأءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن هلال ابن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا","vol":"1","page":123},{"text":"يقربنك. فقالت: إنه والله ما به من حركة إلي شيء ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلي يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلي الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: استأذنته فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! فلبث بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عنن كلامنا.\nثم صليت صلاة الفجر صباح ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالي منا، قد ضاقت علة نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفي على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك ابشر، فحخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء فرج. فأذن رسول الله صلي الله عليه وسلم الناس بتوبة الله﷿- علينا حين صلي صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعي ساع من أسلم قبلي وأوفي على الجبل، وكان الصوت أسرع النبي صلي الله عليه وسلم الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمم رسول الله صلي الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لي: لتهنك توبة الله عليك، حتى","vol":"1","page":124},{"text":"دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله﵁- يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيرة، فكأن كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلي الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر\nبخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا. بل من عند الله﷿- وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كان وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منهن فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن نخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم أمسك عليك بغض مالك فهو خير لك، فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت: يا رسول الله إن الله تعالي إنما أنجاني بالصدق، وإن توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله- تعالي-في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم إلي يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله- تعالي- فيما بقي، قال: فنزل الله تعالي:) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) حتى بلغ: (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَت) حتى بلغ:) وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: من الآية١١٧/١١٩) قال\nكعب: والله ما أنعم الله على من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله","vol":"1","page":125},{"text":"صلي الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا: إن الله تعالي قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شر ما قال لأحد، فقال الله تعالي:) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: ٩٥/٩٦) .\nقال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أؤلئك الذين قبل منهم رسول الله صلي الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلي الله عليه وسلم أمرنا حتى قضي الله- تعالي- فيه بذلك؟ قال الله تعالي:) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. متفق عليه.\n\nوفي رواية: «أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.\nوفي رواية: وكان لا يقدم من سفر إلا نهارًا في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلي ركعتين ثم جلس فيه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا حديث كعب بن مالك، في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة.","vol":"1","page":126},{"text":"غزا النبي صلي الله عليه وسلم الروم وهم على دين النصارى حين بلغه أنهم يجمعون له، فغزاهم النبي ﵊، وقام بتبوك عشرين ليلة، ولكنه لم ير كيدًا ولم ير عدوا فرجع. وكانت هذه الغزوة في أيام الحر حين طابت الثمار وصار المنافقون يحبون الدنيا على الآخرة، فتخلف المنافقون عن هذه الغزوة ولجأوا إلي الظل والرطب والتمر، وبعدت عليهم الشقة والعياذ بالله.\nأما المؤمنون الخلص، فإنهم خرجوا مع النبي﵊- ولم يثن عزمهم بعد الشقة ولا طيب الثمار.\n\nإلا أن كعب بن مالك﵁- تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، وهو من المؤمنين الخلص، ولهذا قال: «إنه ما تخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم عن غزوة غزاها قط» كل غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم قد شارك فيها كعب﵁- فهو من المجاهدين في سبيل الله «إلا في غزوة بدر»، فقد تخلف فيها كعب وغيره، لأن النبي صلي الله عليه وسلم - ﵊- خرج من المدينة لا يريد القتال، ولذلك لم يخرج معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا فقط؛ لأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا عيرا لقريش، أي إبل محملة قدمت من الشام تريد مكة وتمر بالمدينة.\nفخرج النبي - عليه الصلاة والسلام_ من أجل أن يستقبل هذه العير ويأخذها، وذلك لأن أهل مكة أخرجوا النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه من ديارهم وأموالهم؛ فلهذا كانت أموالهم غنيمة للنبي﵊- ويحل له أن يخرج ليأخذها، وليس في ذلك عدوان من رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه،","vol":"1","page":127},{"text":"بل هذا أخذ لبعض حقهم.\n\nخرج الرسول صلي الله عليه وسلم في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا ليس معهم إلا سبعون بعيرًا وفرسان فقط؛ وليس معهم عدة والعدد قليل، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد لينقذ الله ما أراد ﷿.\nفسمع ابو سفيان - وهو قائد العير- أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج إليه ليأخذ العير؛ فعدل عن سيره إلي الساحل وأرسل إلي قريش صارخًا يستنجدهم - أي يستغيثهم- ويقول: هلموا أنقذوا العير.\nخرجوا كما قال الله عنهم، خرجوا من ديارهم) ْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه) (لأنفال: من الآية٤٧)\nولما كانوا في أثناء الطريق وعلموا أن العير نجت تراجعوا فيما بينهم وقالوا: العير نجت، فلما لنا وللقتال؟ فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور، ونسقي الخمور، ونطعم الطعام، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا!.\n\nهكذا قالوا، بطرا واستكبارا وفخرا، ولكن- الحمد لله- صارت العرب تتحدث بهم بالهزيمة النكراء التي لم يذق العرب مثلها، لما التقوا بالنبي﵊- وزكان ذلك في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، في اليوم السابع عشر منه، التقوا فأوحي الله ﷿ إلي الملائكة:) أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا","vol":"1","page":128},{"text":"الرُّعْبَ) (الأنفال: من الآية١٢)، انظر! في الآية تثبيت للمؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، فما أقرب النصر في هذه الحال؟! رعب في قلوب الأعداء، وثبات في قلوب المؤمنين.\nفثبت الله المؤمنين ثباتًا عظيمًا، وأنزل في قلوبهم الذين كفروا الرعب.\nقال الله سبحانه) َ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (لأنفال: من الآية١٢)، أي: كل مفصل، واضربوا فالأمر ميسر لكم.\nفجعل المسلمون- ولله الحمد- يجلدون فيهم؛ فقتلوا سبعين رجلًا واسروا سبعين رجلًا، والذين قتلوا ليسوا من أطرفهم، الذين قتلوا كلهم من صناديهم وكبرائهم، وأخذ منهم أربعة وعشرون رجلًا يسحبون سحبًا وألقوا في قليب من قلب بدر، سحبوا حتى ألقوا في القليب جثثًا هامدة، ووقف عليهم النبي - عليه الصلاة والسلام_ وقال لهم: يا فلان ابن فلان، يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. فقالوا: يا رسول الله، كيف تكلم أناسًا قد جيفوا؟ قال: «والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون»؛ لأنهم موتي، وهذه - ولله الحمد- نعمة، علينا أن نشكر الله ﷿ عليها كلما ذكرناها.","vol":"1","page":129},{"text":"نصر الله نبيه، وسمي الله هذا اليوم) عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) (لأنفال: من الآية٤١) .\n\nهذا اليوم فرق الله فيه الحق والباطل تفريقًا عظيمًا. وانظر إلي قدرة الله ﷿ في هذا اليوم، انتصر ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلًا على نحو ألف رجل أكمل منهم عدة وأقوي، وهؤلاء ليس معهم إلا عد قليل من الإبل والخيل، لكن نصر الله ﷿ إذا نزل لقوم لم يقم أمامهم أحد، وإلي هذا أشار الله بقوله) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) (آل عمران: من الآية١٢٣)، ولما كان المسلمون حين فتحوا مكة وخرجوا باثني عشر ألفًا وأمامهم هوزان وثقيف؛ فأعجب المسلمون بكثرتهم وقالوا: لن نغلب اليوم عن قلة، فغلبهم ثلاثة آلاف وخمس مائة رجل. غلبوا اثني عشر ألف رجل بقيادة النبي صلي الله عليه وسلم، لنهم أعجبوا بكثرتهم، قالوا: لن نغلب اليوم عن قله، فأراهم الله ﷿ أن كثرتهم لن تنفعهم.\nقال الله تعالي:) وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (التوبة: من الآية٢٥) .\nأترون ماذا حصل لأهل بدر؟\nاطلع الله عليهم وقال لهم: اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم.\n\nكل معصية تقع منهم فإنها مغفورة، لأن الثمن مقدم.\nفهذه الغزوة صارت سببًا لكل خير، حتى إن حاطب بن أبي بلتعة","vol":"1","page":130},{"text":"- ﵁- لما حصل منه ما حصل في كتابه لأهل مكة عندما أراد النبي ﵊ أن يغزوهم غزوة الفتح كتب هو﵁- إلي أهل مكة يخبرهم، ولكن الله أطلع نبيه علي ذلكز أرسل حاطب بن أبي بلتعة بن علي أبي طالب وواحدًا معه حتى لحقوها في روضة تسمي روضة خاخ، فأمسكوها وقالوا لها: أين الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، فقالوا لها: أين الكتاب؟ والله ما كبنا ولا كبنا، أين الكتاب؟ لتخرجنه أو لننزعن ثيابك؟ فلما رأت ذلك لأخرجته، فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلي قريش، فأخذوه.\nوالحمد لله أنه لم يصل إلي قريش، فصار في هذا نعمة من الله على المسلمين وعلى حاطب، لأن الذي أراد ما حصل من نعمة الله.\nفلما ردوا الكتاب إلي النبي صلي الله عليه وسلم قال له: «يا حاطب، ما هذا»؟ فاعتذر.\nفقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال له النبي ﵊: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» .\nوكان حاطب من أهل بدر ﵁.","vol":"1","page":131},{"text":"فالمهم أن هذه تخلف عنها كعب، لكنها ليست في أول الأمر، إلا في ثاني الحال؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يخرج لقتال، وإنما خرج للعير، ولكن الله جمع بيته وبين عدوه على غير ميعاد، وكانت غزاة مباركة ولله الحمد. ثم ذكر بيعته النبي صلي الله عليه وسلم ليلة العقبة في مني، حيث بايعوا النبي صلي الله عليه وسلم على الإسلام وقال: إنني لا أحب أن يكون لي بدلها بدر.\nيعني هي أحب إليه من غزوة؛ لأنها بيعة عظيمة.\nلكن يقول: كانت بدر أذكر في الناس منها، أي أكثر ذكرًا، لأن الغزوة اشتهرت بخلاف البيعة.\nعلي كل حال﵁- يسلي نفسه بأنه إن فاتته بدر فقد حصلت له بيعة العقبة، فرضي الله عن كعب وعن جميع الصحابة.\n\nيقول ﵁: «إني لم أكن قط اقوي ولا ايسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة» - أي: غزوة تبوك- كان قوي البدن، ياسر الحال، حتى إنه كان عنده راحلتان في تلك الغزوة، وما جمع راحلتين في غزوة قبلها أبدًا، وقد استعد وتجهز﵁- وكان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة وري بغيرها، أي: أظهر خلاف ما يريد، وهذا من حكمته وحنكته في الحرب، لأن لو أظهر وجهه تبين ذلك لعدوه، فربما يستعد له أكثر، وربما يذهب عن مكانة الذي قصده النبي صلي الله عليه وسلم فيه.\nفكان مثلًا إذا أراد أن يخرج إلي الجنوب وري وكأنه يريد أن يخرج إلي الشمال، أو لا أراد أن يخرج إلي الشرق وري وكأنه يريد أن يخرج إلي الغرب حتى لا يطلع العدو على أسراره. إلا في غزوة تبوك، فإن النبي صلي الله عليه وسلم","vol":"1","page":132},{"text":"بين امرها ووضحها وجلاها لأصحابه؛ وذلك لأمور:\nأولًا: إنها كانت في شدة الحر حين طابت الثمار، والنفوس مجبولة عللا الركون إلي الكسل وإلي الرخاء.\nثانيا: أن المدى بعيد من المدينة إلي تبوك، ففيها مفاوز ورمال وعطش وشمس.\nثالثًا: أن العدو كثير وهم الروم، اجتمعوا في عدد هائل حسب نا بلغ النبي صلي الله عليه وسلم، فلذلك جلي امرها وأوضح أمر الغزاة، وأخبر أنه خارج إلي المسلمون مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يتخلف إلا من خذله الله بالنفاق، وثلاثة رجال فقط هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، ﵃. هؤلاء من المؤمنين الخلص، لكن تخلفوا لأمر أراده الله ﷿. أما غيرهم ممن تخلف فإنهم منافقون منغمسون في النفاق، نسأل الله العافية. فخرج النبي - ﵊- بأصحابه- وهم كثير- إلي جهة تبوك حتى نزل بها، ولكن الله تعالي لم يجمع بينه وبين عدوه، بل بقي عشرين يومًا في ذلك المكان، ثم انصرف علي غير حرب.\nيقول كعب بن مالك ﵁: «إن الرسول صلي الله عليه وسلم تجهز هو والمسلمون وخرجوا من المدينة.\nأما هو - ﵁- فتأخر وجعل يغدو كل صباح يرحل راحلته ويقول: ألحق بهم، ولكنه لا يفعل شيئًا، ثم يفعل كل يوم، حتى تمادي به الأمر ولم يدرك.","vol":"1","page":133},{"text":"وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا لم يبادر بالعمل الصالح فإنه- حري أن يحرم إياه، كما قال الله سبحانه) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام: ١١٠) فالإنسان إذا علم الحق ولم يقبله ويذعن له من أول وهلة، فإن ذلك قد يفوته ويحرم إياه- والعياذ بالله- كما أن الإنسان إذا لم يصبر علي المصيبة من أول الأمر فإنه يحرم أجرها، لقول النبي ﵊: «إنما الصبر عند الصدمة الأولي» .\nفعليك- يا أخي - أن تبادر بالأعمال الصالحة، ولا تتأخر فتتمادي بك الأيام ثم تعجز وتكسل ويغلب عليك الشيطان والهوى فتتأخر، فها هو﵁- كل يوم يقول: أخرج، ولكن تمادي به الأمر ولم يخرج.\n\nيقول: فكان يحز في نفسه أنه إذا خرج إلي سوق المدينة وإذا المدينة ليس فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصارن إلا رجل مغموس في النفاق- والعياذ بالله- قد غمسه نفاقة فلم يخرج، أو رجل معذور عذره الله ﷿. فكان يعتب علي نفسه: كيف لا يبقي في المدينة إلا هؤلاء وأقعد معهم. ورسول الله صلي الله عليه وسلم لم يذكره ولم يسأل عنه حتى وصل إلي تبوك.\nفبينما هو جالس وأصحابه في تبوك سأل عنه، فقال رسول الله أين","vol":"1","page":134},{"text":"كعب بن مالك؟ فتكلم فيه رجل من بني سلمه وغمزه، ولكن دافع عنه معاذ ابن جبل - ﵁- فسكت النبي صلي الله عليه وسلم ولم يجب بشيء، لا على الذي غمزه ولا على الذي رد.\nفبينما هو كذلك إذ رأي رجلًا مبيضًا، يعنني بياضًا يزول به السراب من بعيد، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «كن ابا خيثمة الأنصاري» فكان ابا خيثمة.\nوهذا إما من فراسة النبي - ﵊- وإما من قوة نظره صلي الله عليه وسلم.\nولا شك انه من أقوي الرجال نظرا وسمعا ونطقا وفي كل شيء.\n\nوأعطي قوة ثلاثين رجلًا بالنسبة للنساء﵊- وكذلك أعطي قوة في غير ذلك، صلوات ربي وسلامه عليه.\nوأبو خثيمة هذا هو الذي تصدق بصاع عندما حث النبي صلي الله عليه وسلم علي الصدقة، فتصدق الناس كل بحسب حاله. فكان الرجل إذا جاء بالصدقة الكثيرة قال المنافقون: هذا مراء ما أكثر الصداقة ابتغاء وجه الله، وإذا جاء الرجل الفقير بالصدقة اليسيرة قالوا: إن الله غني عن صاع هذا.\nانظر- والعياذ بالله- يلمزون المؤمنين من هنا ومن هنا، كما قال الله) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: من الآية٧٩) أي: إذا تصدقوا بما يستطيعون قالوا: إن الله غني عن صاعك.\nوهكذا المنافق شر على المسلمين، فإن رأي أهل البخير لمزهمن وإن رأي المقصرين لمزهم، وهو أخبث عباد الله، فهو في الدرك السفل من النار. والمنافقون في زمننا هذا إذا أرادوا أهل الخير وأهل الدعوة وأهل","vol":"1","page":135},{"text":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا: هؤلاء متزمتون، هؤلاء متشددون، وهؤلاء أصوليون، هؤلاء رجعيون، وما أشبه ذلك من الكلام.\n\nفكل هذا موروث عن المنافقين في عهد الرسول - ﵊- إلي يومنا هذا.\nلا تقولوا ليس عندنا منافقون بل عندنا منافقون ولهم علامات كثيرة!!\nوقد ذكر ابن القيم- رحمه اله- في كتابه «مدارج السالكين» في الجزء الأول صفات كثيرة من صفات المنافقين، كلها مبينة في كتاب الله ﷿ متزمت، هذا بخيل، لله غني عن صدقته. وإذا رأيت رجلًا يلمز المؤمنين من هنا ومن هنا، فاعلم أنه منافق والعياذ بالله) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩» الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩» الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩) فاستفدنا من الحديث فائدتين عظيمتين:\n\nالفائدة الأولي: أن الإنسان لا ينبغي له أن يتأخر عن فعل الخير، بل لابد أن يتقدم ولا يتهاون أو يتكاسل.\nوأذكر حديثًا قاله النبي﵊- في الذين يتقدمون إلي المسجد ولكن لا يتقدمون إلي الصف الأول، بل يكونون في مؤخره. قال «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم","vol":"1","page":136},{"text":"الله) .\nإذا عود الإنسان نفسه على التأخير آخره الله ﷿. فبادر بالأعمال الصالحة من حين أن يأتي طلبها من عند الله ﷿.\nالفائدة الثانية: أن المنافقين يلمزون المؤمنين، إن تصدق المسلمون بكثير قالوا: هؤلاء مراؤون، وإن قللوا بحسب طاقتهم قالوا: إن الله غني عن عملك وغني عن صاعك، كما سبق.\nوقد ثبت عن النبي ﵊: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه- أي: بما يعادل تمرة- كما يربي أحدكم فلوه- أي مهره: الحصان الصغير - حتى تكون مثل الجبل، وهي تمرة أو ما يعادلها.\n\nبل قال الرسول ﵊: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، أي: نصف تمرة، بل قال الله ﷿:) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧/٨)، والله سبحانه وتعالي لا يضيع أجر المحسنين.","vol":"1","page":137},{"text":"يقول ﵁: إنه لما بلغه أن النبي صلي الله عليه وسلم رجع قافلًا من الغزو، بدأ يفكر ماذا يقول لرسول الله صلي الله عليه وسلم إذا رجع؟ يريد أن يتحدث بحديث وإن كان كذباَ، من أجل أن يعذره النبي صلي الله عليه وسلم فيه، وجعل يشاور ذوي الرأي من أهله ماذا يقول، ولكن يقول ﵁: فلما بلغ من الباطل، وعزم على أن يبين للنبي صلي الله عليه وسلم الحق، يقول: فقدم النبي صلي الله عليه وسلم المدينة ودخل المسجد، وكان من عادته وسنته أنه إذا قدم بلده فأول ما يفعل أن يصلي في المسجد ﵊، وهكذا أمر جابرًا﵁- كما سأذكره إن شاء الله، فدخل المسجد وصلي وجلس للناس فجاءه المخلفون الذين تخلفوا من غير عذر من المنافقين، وجعلوا يحلفون له إنهم معذورون، فبايعهم ويستغفر لهم ولكن ذلك لا يفيدهم والعياذ بالله؛ لأن الله قال:) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (التوبة: من الآية٨٠)، فيقول: أما أنا فعزمت أن اصدق النبي - عليه الصلاة والسلام_ وأخبره بالصدق، فدخلت المسجد فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب- أي:\n\nالذي غير راض عني- ثم قال: «تعال» فلما دنوت منه قال لي: «ما خلفك؟» .\nفقال ﵁: يا رسول الله إني لم أتخلف لعذر، وما جمعت راحلتين قبل غزوتي هذه، وإني لو جلست عند أحد من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر، فلقد أوتيت جدلًا- يعني لو أني جلست عند شخص من الملوك لعرفت كيف أتخلص منه لأن الله أعطاني جدلًا- ولكني لا","vol":"1","page":138},{"text":"أحدثك اليوم حديثا ترضي به عني فيوشك أن يسخط الله على في ذلك. ﵁.\nانظر إلي الإيمان! قال: لا يمكن أن أحدثك بالكذب، ولو حدثتك بالكذب، ورضيت عني اليوم، فإنه يوشك أن يسخط الله علي.\nفأخبر النبي صلي الله عليه وسلم بالصدق، فأجله.\nوفي هذا من الفوائد:\nأولًا: أن الله سبحانه وتعالي قد يمن على العبد فيعصمه من المعصية إذا علم من قلبه حسن النية.\nفإن كعبا﵁- لما هم أن يزور على الرسول - ﵊- جلي الله ذلك عن قلبه وأزاحه عن قلبه، وعزم على ان يصدق النبي ﵊.\n\nثانيًا: أنه ينبغي للإنسان إذا قدم بلده، أن يعمد إلي المسجد قبل أن يدخل إلي بيته فيصلي فيه ركعتين، لأن هذه سنة النبي﵊- القولية والفعلية. أما الفعلية: فكما في حديث كعب بن مالك.\nوأما القولية: فإن جابر بن عبد الله - ﵄- حين باع علي النبي صلي الله عليه وسلم جملة في أثناء الطريق واستثني أن يركبه إلي المدينة وأعطاه النبي صلي الله عليه وسلم شرطه، فقدم جابر المدينة وقد قدم النبي صلي الله عليه وسلم قبله فجاء إلي رسول الله","vol":"1","page":139},{"text":"فأمره أن يدخل المسجد ويصلي ركعتين.\nوما أظن أحدًا من الناس اليوم- إلا قليلًا - يعمل هذه السنة، وهذا لجهل الناس بهذا، وإلا فهو سهل والحمد لله.\nوسواء صليت في مسجدك الذي كنت تصلي فيه القريب من بيتك، أو صليت في أدني مسجد من مساجد البلد الذي أنت فيه حصلت السنة.\nثالثًا: أن كعب بن مالك﵁ - رجل قوي الحجة فصيح، ولكن لتقواه وخوفه من الله امتنع أن يكذب، وأخبر النبي صلي الله عليه وسلم الحق.\nرابعًا: أن الإنسان المغضب قد يتسم، فإذا قال قائل: كيف أعرف أن هذا تبسم رضا أو تبسم سخط؟\nقلنا: إن هذا يعرف بالقرائن، كتلون الوجه وتغيره.\n\nفالإنسان يعرف أن هذا الرجل تبسم رضا بما صنع أو تبسم سخطًا عليه.\nخامسًا: أنه يجوز للإنسان أن يسلم قائمًا علي القاعد؛ لأن كعبا سلم وهو قائم، فقال له النبي ﵊: «تعال» .\nسادسًا: أن الكلام عن قرب أبلغ من الكلام عن بعد، فإنه كان بإمكان الرسول صلي الله عليه وسلم أن يكلم كعب بن مالك ولو كان بعيدًا عنه، لكنه أمره أن يدنو","vol":"1","page":140},{"text":"منه؛ لأن هذا أبلغ في الأخذ والرد والمعاتبة، فلذلك قال له الرسول ﵊: «ادن» .\nسابعًا: كمال يقين كعب بن مالك﵁- حيث أنه قال: أنني أستطيع أن اخرج بعذر من الرسول - ﵊- ولكن لا يمكن أن أخرج منه بعذر يعذرني فيه اليوم ثم يغضب الله على فيه غدًا.\n\nثامنًا: إن الله يعلم السر وأخفي، فإن كعبًا خاف أن يسمع الله قوله ومحاورته للرسول﵊- فينزل الله فيه قرآنًا، كما أنزل في قصة المرأة المجادلة التي جاءت إلي الرسول - ﵊- تشكو زوجها حين ظاهر منها، فأنزل الله فيها آية من القرآن:) قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة: ١) .\nيقول كعب: إنه أتي إلي الرسول صلي الله عليه وسلم وصدقه القول وأخبره أنه لا عذر له لا في بدنه ولا في ماله، بل إنه لم يجمع راحلتين في غزوة قبل هذه.\nفقال النبي صلي الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق» ويكفي له فخرًا أن وصفه النبي - ﵊- بالصدق: «أما هذا فقد صدق، فاذهب حتى يقضي الله فيك ما شاء» . فذهب الرجل مستسلمًا لأمر الله ﷿ مؤمنًا بالله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\nفلحقه قوم من بني سلمه من قومه وجعلوا يزينون له أن يرجع عن إقراره، وقالوا له: إنك لم تذنب ذنبًا قبل هذا، يعني مما تخلفت به عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ويكفيك أن ستغفر لك رسول الله صلي الله عليه وسلم وإذا استغفر لك","vol":"1","page":141},{"text":"الرسول صلي الله عليه وسلم غفر الله لك، فارجع كذب نفسك، قل إني معذور، حتى يستغفر لك الرسول - ﵊- فيمن استغفر لهم ممن جاؤوا يعتذرون إليه. فهم أن يفعل ﵁، ولكن الله سبحانه أنقذه وكتب له هذه المنقبة العظيمة التي تتلي في كتاب الله إلي يوم القيامة.\nفسال قونه: هل أحد صنع مثلما صنعت؟ قالوا: نعم، هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قالا مثلما قلت، وقيل لهما مثلما قيل لك.\nيقول: «فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرًا لي فيهما أسوة» .\nأحيانًا يقيض الله للإنسان ما يجعله يدع الشر اقتداء بغيره وتأسيًا به.\nفهو﵁- لما ذكر له هذان الرجلان- وهما من خيار عباد الله من الذين شهدوا بدرًا - فقال: «لي فيهما أسوة فمضيت» أي: لم يرجع إلي النبي ﵊.\nفأمر النبي - ﵊- الناس أن يهجروهم فلا يكلموهم.\n\nفهجرهم المسلمون، ولكنهم بعد ذلك صاروا يمشون وكأنهم بلا عقول، قد ذهلوا، وتنكرت لهم الأرض فما هي بالأرض التي كانوا يعرفونها؛ لأنهم يمشون إن سلموا لا يرد ﵈، وإن قابلهم أحد لم يبدأهم بالسلام. وحتى النبي﵊- وهو أحسن الناس خلقًا- لا يسلم ﵈ العادي.\nيقول كعب: كنت أحضر واسلم على النبي صلي الله عليه وسلم فلا أدري: أحرك شفتيه برد السلام أم لا.\nهذا وهو النبي ﵊، وما ظنك برجل يهجر في هذا","vol":"1","page":142},{"text":"المجتمع الإسلامي الذي هو خير القرون؟ إنها ستضيق عليه الأرض، وفعلًا ضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وبقوا علي هذه الحال مدة خمسين يومًا، أي: شهرًا كاملًا وعشرين يومًا. والناس قد هجروهم فلا يسلمون عليهم. ولا يردون السلام إذا سلموا. وكأنهم في الناس لإبل جرب لا يقربهم أحد.\nفضاقت عليهم الأمور وصعبت عليهم الأحوال، وفروا إلي الله ﷿، ولكن مع ذلك لم يكن كعب بن مالك يدع الصلاة مع الجماعة.\n\nفكان يحضر ويسلم على تانبي - ﵊- ولكن في آخر الأمر ربما يتخلف عن الصلوات لما يجد في نفسه من الضيق والحرج؛ لأنه يخجل أن يأتي إلي قوم يصلي معهم وهم لا يكلمونه أبدًا، لا بكلمة طيبة ولا بكلمة تأنيب، فتركوهم بالكلية، فضاقت عليهم الأرض، وبقوا علي هذه الحالة خمسين ليلة تامة، ولما تمت لهم أربعون ليلة أرسل إليهم النبي﵊- أن يعتزلوا نساءهم. إلي هذا الحد، فرق بينهم وبين نسائهم.\nوما ظنك برجل مثل كعب بن مالك وهو شاب يعزل عن امرأته؟ أمر عظيم،: «إن النبي صلي الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك» قال: أطلقها أم ماذا؟ لأنه لو قال طلقها لطلقها بكل سهولة؛ طاعة الله ورسوله، فسأل قال: أطلقها أم ماذا؟ فقال له رسول الرسول: إن الرسول - ﵊- يأمرك ان تعتزل أهلك. وبقي على ظاهر اللفظ. حتى الصحابي الذي أرسل ما","vol":"1","page":143},{"text":"حرف النص، لا معني ولا لفظًا، قال هكذا، قال: ولا أدري.\n\nوهذا من أدب الصحابة ﵃، ما قال: أظن أنه يريد أن تطلقها، ولا: أظن انه يريد أن لا تطلقها! ما قال شيئًا، بل قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال هذا. فقال كعب لزوجته الحقي بأهلك. فلحقت بأهلها.\n«فأما صاحباي فاستكانا في بيوتهما يبكيان» لأنهما لا يستطيعان أن يمشيا في السواق، والناس قد هجروهم لا يلتفت إليهم أحد، ولا يسلم عليهم أحد، وإذا سلموا لا يرد ﵈، فعجزوا عن تحمل هذه الحال، فبقيا في بيوتهما يبكيان.\nيقول: «وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم» اشبهم: أقواهم واجلدهم: أصبرهم. لأنه أشب منهم أصغر منهم سنًا، فكان يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين، ويطوف بأسواق المدينة لا يكلمه أحد، لا يكلمه أحد؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمر بهجرهم، وكان الصحابة﵃- أطوع الناس لرسول الله صلي الله عليه وسلم.\nيقول: «وكنت آتي المسجد فاصلي واسلم على النبي صلي الله عليه وسلم وهو جالس للناس بعد الصلاة فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا» .\n\nأي: ما يرد عليه ردًا يسمع، هذا مع أن النبي صلي الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، ولكن امتثالًا لما أوحي الله إليه أن يهجر هؤلاء القوم هجرهم.\nويقول: كنت اصلي واسارق النبي صلي الله عليه وسلم النظر، يعني: أنظر إليه أحيانًا وأنا اصلي، فإذا قبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت إليه أعرض عني.\nكل هذا من شدة الهجر.","vol":"1","page":144},{"text":"يقول: «فبينما أنا أمشي ذات يوم في أسواق المدينة وطال على جفوة الناس، تسورت حائطًا لأبي قتادة ﵁» تسوره: دخله من فوق الجدار من دون الباب، وكأن الباب مغلق. والعلم عند الله.\nيقول: «فسلمت عليه، فوالله ما رد على السلام» وهو ابن عمه وأحب الناس إليه، ومع ذلك لم يرد ﵇، مع أن الرجل كان مجفيا من الناس منبوذًا، لا يكلم ولا يسلم عليه ولا يرد ﵇، ومع ذلك لم يعطف عليه ابن عمه أبو قتادة.\nكل هذا طاعة لله ورسوله؛ لأن الصحابة - ﵃- لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يحابون أحدًا في دين الله ولو كان أقرب الناس إليهم، فقال له: أنشدك الله، هل تعلم أني احب الله ورسوله؟ فلم يرد عليه.\n\nمرتين يناشده مناشدة هل يعلم أنه يحب الله ورسوله أم لا؟ وأبوقتادة يدري، ويعلم أن كعب بن مالك يحب الله ورسوله.\nفلما رد عليه الثالثة وقال: أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟\nفقال: الله ورسوله أعلم.\nلم يكلمه، فلم يقل: نعم؟ ولا قال: لا.\nيقول: ففاضت عيناي، أي: بكي﵁- أن رجلًا- ابن عمه- أحب الناس إليه لا يكلمه مع هذه المناشدة العظيمة.\nمع أنها- أيضًا- مسالة تعبديه، لأن قوله أنشدك الله هل تعلم أني أحب","vol":"1","page":145},{"text":"الله ورسوله؟ طلب شهادة، ومع ذلك لم يشهد له، مع أنه يعلم أنه يحب الله ورسوله؛ ففاضت عيناه.\nوتسور البستان أي: خرج إلي السوق، فبينما هو يمشي إذا برجل نبطي من أنباط الشام- والنبطي الذي ليس بعربي ولا بعجمي، وسموا بذلك لأنهم كانوا يخرجون في البراري يستنبطون الماء- يقول: من يدلني على كعب بن مالك!\nانظر إلي أهل الشر ينتهزون الفرص!\nفعندما قال: من يدلني علي كعب بن مالك؟ قلت: أنا هو، فأعطاني الورقة، وكنت كاتبًا؛ لأن الكتاب في ذلك العهد قليلون جدًا.\n\nيقول: «فقرأت الكتاب، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك جفاك- يعني الرسول ﵊، وكان هذا الملك: ملك غسان كافرًا-وإنك لست بدار هوان ولا مضيعة، يعني: تعال إلينا نواسك بأموالنا، وربما نواسيك بملكنا.\nولكن الرجل رجل مؤمن بالله تعالي ورسوله، ومحب لله ورسوله صلي الله عليه وسلم.\nقال: وهذه من البلاء، يعني: هذا من الامتحان. وصد ﵁، رجل مجفو لا يكلم، مهجور منبوذ حتى من أقرب الناس إليه، لو كان في قلبه ضعف إيمان لا نتهز الفرصة بدعوة هذا الملك وذهب إليه، لكن عنده إيمان راسخ.","vol":"1","page":146},{"text":"يقول: قلت: هذه من البلاء. ثم ذهب إلي التنور فسجره فيه: يعني أوقدها بالتنور.\nوإنما أوقدها في التنور ولم يجعلها معه لئلا توسوس له نفسه بعد لك ان يذهب إلي هذا الملك، فأتلفها حتى ييأس منها ولا يحاول ان يجعلها حجة يذهب بها إلي هذا الملك. ثم بقي علي ذلك مدة.\nففي هذه القطعة من الحديث: دليل على جواز التخلف عن الجماعة إذا كان الإنسان مهجورًا منبوذا وعجزت نفسه أن تتحمل هذا كما فعل صاحبا كعب بن مالك ﵃.\n\nلأنه لا شك أنه من الضيق والحرج أن يأتي الإنسان إلي المسجد مع الجماعة لا يسلم عليه، ولا يرد سلامه، ومهجور ومنبوذ، هذا تضيق به نفسه ذرعًا ولا يستطيع، وهذا عذر كما قاله العلماء.\nومن فوائد هذا الحديث: شدة امتثال الصحابة لأمر النبي صلي الله عليه وسلم ودليل ذلك ما جري لأبي قتادة - ﵁- مع كعب بن مالك ﵁.\nومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب التحرز من أصحاب الشر وأهل السوء الذين ينتهزون الضعف في الإنسان والفرص في إضاعته وهلاكه.\nفإن هذا الملك- ملك غسان- انتهز الفرصة في كعب بن مالك﵁- يدعوه إلي الضلال لعله يرجع عن دينه إلي دين هذا الملك بسبب هذا الضيق.\nومن فوائد الحديث: قوة كعب بن مالك﵁- في دين الله وأنه من المؤمنين الخلص، وليس ممن قال الله فيهم) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ","vol":"1","page":147},{"text":"آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) (العنكبوت: من الآية١٠)، فبعض الناس- والعياذ بالله- يقول: آمنا بالله، ولكن إيمانه ضعيف، إذا أوذي في الله ارتد- والعياذ بالله- وفسق وترك الطاعة، وكعب بن مالك ﵁ أوذي في الله إيذاء أيما أيما أيذاء، لكنه صبر واحتسب وانتظر الفرج، ففرج الله له تفريجًا لم يكن لأحد غيره وصاحبيه، أنزل الله فيهم ثناء عليهم آيات تتلي إلي يوم القيامة.\nنحن نقرأ قصتهم في القرآن في صلاتنا! وهذا فضل عظيم النبي صلي الله عليه وسلم قصتهم تقرأ في الصلاة، في الصلوات الخمس، في صلاة النافلة، سرا وعلنا.\nومن فوائد هذا الحديث أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا رأي فتنة أو خوف فتنة أن يتلف هذا الذي يكون سببًا لفتنة.\nفإن كعبًا لما خاف على نفسه أن تميل فيما بعد إلي هذا الملك ويتخذ هذه الورقة وثيقة، حرقها ﵁.\nومن ذلك: - أيضًا ما جري لسيلمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- حينما عرضت عليه الخيل الصافنات الجياد في وقت العصر، فغفل وذهل- بما عرض عليه- عن الصلاة حتى غابت الشمس، فلما غابت الشمس وهو لم يصل العصر دعا بهذه الخيل الصافنات الجياد فجعل يضرب أعناقها وسوقها، يعني: جعل يقتلها ويعقرها انتقامًا من نفسه لنفسه، لأنه انتقم من نفسه التي لهت بهذه الصافنات الجياد عن ذكر الله) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢» فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢» رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (صّ: ٣٢/٣٣) . فالمهم أنك إذا رأيت شيئًا من","vol":"1","page":148},{"text":"مالك يصدك عن ذكر الله فأبعده عنك بأي وسيله تكون، حتى لا يكون سببًا لإلهائك عن ذكر الله.\n\nفإن الذي يلهي عن ذكر الله خسارة، كما قال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون: ٩) .\nيقول ﵁: «فلما تمت لنا أربعون ليلة» يعني شهر وعشرة أيام، وكان الوحي قد استلبث فلم ينزل كل هذه المدة، وهذه من حكمة الله ﷿ في الأمور الكبيرة العظيمة، يستلبث الوحي ولا ينزل، كما في هذه القصة، وكما في قصة الإفك حين انقطع الوحي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.\nوهذا من حكمة الله ﷿ حتى يتشوف الناس غلي الوحي ويتشوفوا إليه: ماذا سينزل رب العالمين ﷿؟ فبقي الوحي أربعين ليلة ما نزل، فلما تمت أربعون ليلة أرسل النبي صلي الله عليه وسلم إلي كعب وصاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع - ﵃- أن يعتزلوا نساءهم.\n\nوجاءت زوجة هلال بن أمية إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وأخبرته بأنه في حاجة إليها لتخدمه؛ لأنه ليس له خادم، فأذن لها النبي صلي الله عليه وسلم بشرط أن لا يقربها، فقالت: «إنه والله ما به من حركة إلي شيء» يعني أنه ليس له شهوة في النساء، وأنه يبكي﵁- منذ أمر النبي صلي الله عليه وسلم بهجرهم إلي يومه هذا، أربعون يومًا يبكي؛ لأنه ما يدري ماذا تكون النهاية.\nيقول ﵁: «فلما مضي عشر ليال بعد هذا، وكنت ذات يوم اصلي الصبح على سطح بيت من بيوتنا» لأنه كما مر كانوا﵃-","vol":"1","page":149},{"text":"قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، واستنكروا الأرض، واستنكروا الناس، يأتون إلي المسجد لا يكلمهم أحد، وإن سلموا لم يرد عليهم، وإن مر بهم أحد لم يسلم عليهم، ضاقت عليهم الأرض. فصار ذات يوم يصلي الصبح في بيته على سطحه. يقول: «فسمعت صارخًا يقول وهو على سلع- وهو جبل معروف في المدينة- أوفي عليه وصاح بأعلى صوته يقول: «يا كعب بن مالك أشر يا كعب بن مالك» !\n\nيقول: «فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء فرج» وركب فارس من المسجد يؤم كعب بن مالك ليبشره، وذهب مبشرون غلي هلال بن أمية ومرارة بن الربيع يبشرونها بتوبة الله عليهما. فأنظر إلي فرح المسلمين بعضهم مع بعض، كل يذهب يسعي ويركض من جهة.\nيقول: فجاء الصارخ، وجاء صاحب الفرس، فكانت البشري للصارخ؛ لأن الصوت أسرع من الفرس، يقول: فأعطيته ثوبي الإزار والرداء، وليس يملك غيرهما، لكن استعار من أهله أو من جيرانه ثوبين فلبسهما، وأعطي ثوبيه هذا الذي بشره.\nأعطاه كل ما يملك، لا يملك غير الثوبين. لكنها والله بشري عظيمة، بشري من الله سبحانه وتعالي عظيمة، أن ينزل الله توبتهم ويمن عليهم بالتوبة.\nثم نزل متوجها إلي الرسول صلي الله عليه وسلم في المسجد، وإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم وجزاه الله عن أمته خيرًا- قد بشر الناس بعد صلاة الصبح بأن الله أنزل توبته","vol":"1","page":150},{"text":"علي هؤلاء الثلاثة؛ لأنه يحب من أصحابه وأمته ان يتوبوا ويرجعوا إلي الله.\nيقول: فذهبت أتأمم رسول الله صلي الله عليه وسلم يعني أقصده، فجعل الناس يلاقونني أفواجًا، يعني جماعات، يهنئونه بتوبة الله عليه. ﵁.\n\nهؤلاء القوم يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم، فلم يحسدوهم على ما أنعم اله به عليهم من إنزال القرآن العظيم بتوبتهم، بل جعلوا يهنئونهم حتى دخل المسجد.\nوفي هذه القطعة من الحديث فوائد:\nأولًا: شدة هجر النبي - ﵊- لهؤلاء الثلاثة، حتى إنه أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، والتفريق بين الرجل وامرأته أمره عظيم.\nثانيًا: وفيه أن أقول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك؛ ليس بطلاق، لأن كعب بن مالك﵁- فرق بين قوله: ألحقي بأهلك، وبين الطلاق، فإذا قال الرجل لامرأته الحقي بأهلك ولم ينو الطلاق، فليس بطلاق.\nأما إذا نوي الطلاق فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (٠ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوي...» الحديث.\nفإذا نوي الإنسان بهذه الكلمة وأمثالها الطلاق فله ما نوي.\nثالثًا: شدة امتثال الصحابة﵃- لأمر النبي صلي الله عليه وسلم لأنه﵁- ما تردد، ولا قال: لعلي أراجع الرسول ﵊، أو قال للرسول الذي أرسله النبي صلي الله عليه وسلم: ارجع إليه لعله يسمح،","vol":"1","page":151},{"text":"بل وافق بكل شيء.\n\nرابعًا: أن النبي صلي الله عليه وسلم كان رحيما بأمته، فإنه بعد ان أمرهم باعتزال النساء رخص لهلال بن أمية، لأنه يحتاج لخدمة امرأته.\nخامسًا: جواز حكاية الحال عند الاستفتاء أو الشهادة أو ما أشبه ذلك، وإن كان المحكي عنه قد لا يحب أن يطلع عليه الناس، لأن امرأة هلال بن أمية ذكرت من حاله أنه ليس فيه حاجة إلي شيء من النساء.\nسادسًا: أن الإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال وهجره الناس، وصار يتأذي من مشاهدتهم ولا يتحمل، فإنه له أن يتخلف عن صلاة الجماعة، وإن هذا عذر؛ لأنه إذا جاء إلي المسجد في هذه الحال سوف يكون متشوشًا غير مطمئن في صلاته؛ ولهذا صلي كعب بن مالك﵁- صلاة الفجر على ظهر بيت من بيوته، وسبق لنا ذكر هذه الفائدة في قصة هلال بن أمية ومرارة بن الربيع.\nسابعًا: حرص الصحابة - ﵃- علي التسابق إلي لبشرى؛ لأن البشري فيها إدخال السرور على المسلم. وإدخال السرور على المسلم مما يقرب إلي الله ﷿؛ لأنه إحسان والله- سبحانه وتعالي- يحب المحسنين ولا يضيع أجرهم.\n\nفلذلك ينبغي لك إذا رأيت من أخيك شيئا يسره، كأن يكون خبرًا سارًا أو رؤيا سارة أو ما أشبه ذلك، أن تبشره بذلك، لأنك تدخل السرور عليه.\nثامنًا: أنه ينبغي مكافأة من بشرك بهديه تكون مناسبة للحال، لأن كعب بن مالك﵁- أعطي الذي بشره ثوبيه، وهذا نظير ما صح","vol":"1","page":152},{"text":"به الخبر عن عبد الله بن عباس﵄- وكان يأمر الناس إذا حجوا أن يتمتعوا بالعمرة إلي الحج، يعني ان يأتوا بالعمرة ويحلوا منها ثم يحرموا بالحج في يوم التروية، وكان عمر بن الخطاب﵁- ينهي عن المتعة؛ لأنه يحب ان يعتمر الناس في وقت، وأن يحجوا في وقت، حتى يكون البيت دائمًا معمورًا بالزوار، ما بين معتمرين وحجاج، فعل هذا اجتهادًا منه﵁- وهو من الاجتهاد المغفور، وإلا فلا شك أن سنة الرسول - ﵊ - أولي.\nالمهم أن رجلًا استفتي عبد الله بن عباس في هذه المسألة، فأمره أن يتمتع وأن يحرم بالعمرة ويحل منها.\n\nفرأي هذا الرجل في المنام شخصا يقول له: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأخبر بذلك عبد الله بن عباس الذي أفتاه، ففرح بذاك ابن عباس وأمره أن يبقي حتى يعطيه من عطائه، يعني يعطيه هديه على ما بشره به من هذه الريا التي تدل على صواب ما أفتاه به عبد الله بن عباس ﵄.\nوالمهم أن من بشرك بشيء فأقل الأحوال أن تدعو له بالبشارة، أو تهدي له ما تيسر، وكل إنسان بقدر حالة.\nيقول ﵁: حتى دخلت المسجد وإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه، فقام إلي كعب طلحة بن عبيد الله - ﵁- فصاحفه وهناه بتوبة الله عليه.\nيقول: والله ما قام إلي أحد من المهاجرين رجل غير طلحة، فكان لا","vol":"1","page":153},{"text":"ينساها له، حيث قام ولاقاه وصافحه وهنأه، حتى وقف على النبي صلي الله عليه وسلم وإذا وجهه تبرق أساريره؛ لأنه﵊- سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا الله ورسوله، وأخبروا بالصدق عن إيمان، وحصل عليهم ما جري من الأمر العظيم، من هجر الناس لهم خمسين يومًا، حتى نسائهم بعد الأربعين أمر الرسول﵊- أن يعتزلوهن.\n\nثم قال له النبي صلي الله عليه وسلم: «أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك» .\nوصدق النبي صلي الله عليه وسلم خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه هو ذلك اليوم، لأن الله أنزل توبته عليه وعلي صاحبيه في قرآن يتلي، تكلم به رب العالمين ﷿ وأنزله على محمد صلي الله عليه وسلم محفوظًا بواسطة جبريل، ومحفوظا إلي يوم القيامة، ولا يوجد أحد سوى الأنبياء أو من ذكرهم الله في القرآن حفظت قصته كما حفظت قصة كعب بن مالك وصاحبيه ﵃.\nبقيت هذه القصة تتلي في كتاب في المحاريب وعلى المنابر وفي كل مكان، ومن قرأ هذه القصة فله بكل حرف عشر حسنات، فهذا اليوم لا شك أنه خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه.\nفقال كعب: إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله، أي: يتخلي عنه ويجعله صدقة إلي الله ورسوله شأنه وتدبيره. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» فأمسكه رضي","vol":"1","page":154},{"text":"الله عنه.\nففي هذه القطعة من الحديث فوائد:\nأولًا: فيها دليل على أن من السنة إذا أتي الإنسان ما يسره ان يهنأ به ويبشره به، سواء كان خير دين أو خير دنيا.\n\nولهذا بشرت الملائكة إبراهيم ﵇ بغلام حليم وبغلام عليم، الغلام الحليم: إسماعيل. والغلام العليم: إسحاق. بشرت الملائكة إبراهيم بهذين الغلامين.\nثانيًا: إنه لا بأس بالقيام إلي الرجل لمصافتحه وتهنئته بما يسره.\nوالقيام إلي الرجل لا باس به قد جاءت به السنة، وكذلك القيام للرجل وأنت باق في مكانك لا تتحرك إليه، فهذا أيضًا لا بأس به إذا أعتاده الناس، لأنه لم يرد النهي عنه؛ وإنما النهي والتحذير من الذي يقام له لا من القائم، فإن من يقام له قال فيه النبي ﵊: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوا مقعده من النار» .\nقال أهل العلم: والقيام ثلاثة أقسام:\nالأول: قيام إلي الرجل.\nالثاني: قيام للرجل.","vol":"1","page":155},{"text":"والثالث: قيام على الرجل.\nفالقيام إلي الرجل: لا باس به، وقد جاءت به السنة أمرا وإقرارًا وفعلًا أيضًا.\n\nأما الأمر: فإن النبي صلي الله عليه وسلم لما أقبل سعد بن معاذ ﵁ عند تحكيمه في بني قريظة، قال النبي ﵊: «قوموا إلي سيدكم» وكان سعد بن معاذ ﵁ قد أصيب في غزوة الأحزاب في أكحله، والأكحل عرق في الإبهام إذا انفجر مات الإنسان، أصيب به﵁- فدعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه في بني قريظة، وكانوا حلفاء للأوس، وخانوا عهد النبي - ﵊- وصاروا مع الأحزاب على رسول الله صلي الله عليه وسلم. فلما طعن سعد قال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني ببني قريظة، وكان من علو منزلته عند رسول الله صلي الله عليه وسلم أن أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يضرب له خباء في المسجد- أي خيمة صغيرة- لأجل أن يعوده من قريب فكان يعوده من قريب.\nولما حصلت غزوة بني قريظة ورضوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يحضر سعد إلي بني قريظة، فجاء راكبا على حمار؛ لأنه قد أنهكه الجرح، فلما أقبل قال النبي ﵊: «قوموا إلي سيدكم» فقاموا فأنزلوه، فقال النبي﵊ - له: إن هؤلاء","vol":"1","page":156},{"text":"- يعني اليهود- من بني قريظة حكموك. فقال ﵁: حكمي نافذ فيهم؟\nقال نعم! وأقروا هم به، وقالوا: نعم حكمك نافذ، قال: وفيمن ها هنا - يشير إلي الرسول﵊- والصحابة - قالوا: نعم، فقال: أحكم فيهم أن تقتل مقاتلهم، وتسبي ذريتهم ونساؤهم، وتغنم أموالهم، حكم صارم، قال النبي ﵊: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات» ﵁.\nفنفذ النبي صلي الله عليه وسلم حكمه، وقتل منهم سبعمائة رجل، وسبي نساءهم وذرياتهم، وغنم أموالهم.\nالشاهد قوله: «قوموا إلي سيدكم» هذا فعل أمر، ولما دخل كعب ابن مالك المسجد قام إليه طلحة بن عبيد الله والنبي صلي الله عليه وسلم يشاهد ولم ينكر عليه.\n\nولما قدم وفد ثقيف إلي الرسول﵊- بالجعرانة بعد الغزوة قام لهم- أو قام إليهم - ﵊، فالقيام إلي الجل لا بأس به.\nالثاني: القيام للرجل: وهذا أيضا لا بأس به، لا سيما إذا اعتاد الناس ذلك وصار الداخل إذا لم تقم له يعد ذلك امتهانًا له، فإن ذلك لا بأس به، وإن كان الأولي تركه كما في السنة، لكن إذا عتاده الناس فلا حرج فيه.\nالثالث: القيام عليه: كأن يكون جالسًا، ويقوم واحد على رأسه تعظيما له، فهذا منهي عنه.","vol":"1","page":157},{"text":"قال النبي ﵊: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا» .\nحتى إنه في الصلاة إذا صار الإمام لا يستطيع القيام وصلي جالسا فإن المأموين يصلون جلوسا، ولو كانوا يقدرون على القيام، لئلا يشبهوا الأعاجم الذين يقومون على ملوكهم» .\n\nفالقيام على الرجل منهي عنه، اللهم إلا إذا دعت الحاجة إلي ذلك، كأن يخاف على الرجل أن يتعدي عليه أحد فلا بأس أن يقوم عليه القائم، وكذلك إذا قام عليه الرجل إكرامًا له في حال يقصد فيه إكرامه وإهانة وكذلك إذا قام عليه الرجل إكرامًا له في حال يقصد إكرامه وإهانة العدو، مثل ما حصل من المغيرة بن شعبة﵁- في صلح الحديبية حينما كانت قريش تراسل النبي صلي الله عليه وسلم للمفاوضة فيما بينهم، كان المغيرة بن شعبة﵁- واقفا على رأس رسول الله وبيده السيف تعظيمًا لرسول الله صلي الله عليه وسلم وإهانة لرسل الكفار الذين يأتون للمفاوضة.","vol":"1","page":158},{"text":"وفي هذا دليل على أنه ينبغي لنا- نحن المسلمين- أن نغيظ الكفار بالقول وبالفعل؛ لأنا هكذا أمرنا، قال الله سبحانه:) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التوبة: من الآية٧٣) وقال الله تعالي:) وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) (التوبة: من الآية١٢٠)، ومن المؤسف أن منا من يدخل عليهم السرور والفرح، وربما يشاركهم في أعيادهم الكفرية التي لا يرضاها الله بل يسخط عليها، والتي يخشي أن ينزل العذاب عليهم وهم يلعبون بهذه الأعياد. يوجد من الناس - والعياذ بالله من لا قدر للدين عنده، كما قال ابن القيم﵀- في كتابه «أحكام أهل الذمة»: «من ليس عنده قدر للدين يشاركهم في الأعياد ويهنئهم» . وكيف يدخل السرور على أعداء الله وأعدائك؟! ادخل عليهم ما يحزنهم ويغيظهم ويدخل عليهم أشد ما يكون من الضيق، هكذا أمرنا؛ لأنهم أعداء لنا وأعداء لله ولدينه وللملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.\n\nالمهم أن المغيرة بن شعبة وقف على رأس رسول الله صلي الله عليه وسلم وبيده السيف تعظيمًا له حتى إنه في أثناء تلك المراسلة فعل الصحابة شيئا لا يفعلونه في العادة، كان ﵊ إذا تنخم نخامته تلقوا نخامته بأيديهم بالراحة، ثم يمسحون بها وجوههم وصدوره مع إنهم ما كانوا يفعلون هذا، لكن لأجل إذا ذهب رسول الكفار بين لهم حال الصحابة﵃- مع نبيهم ﵊.\nولذلك لما رجع رسول قريش إلي قريش قال: والله لقد دخلت على","vol":"1","page":159},{"text":"الملوك وكسري وقيصر والنجاشي فلم أر أحدًا يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمدًا، ﵃ وأرضاهم، وجزاهم الله عنا خيرًا.\nالمهم أن القيام على الرجل إذا كان المقصود به حفظ الرجل، أو كان المقصود به إغاظة العدو، فإن هذا لا باس به ولا حرج فيهن وإلا فهو منهي عنه.\nثالثًا: إن من أنعم الله عليه بنعمة فإن من السنة ان يتصدق بشيء من ماله، فإن النبي صلي الله عليه وسلم أقر كعب بن مالك على أن يتصدق بشيء من ماله توبة إلي الله ﷿ لما حصل له من الأمر العظيم الذي كان فخرًا له إلي يوم القيامة.\n\nثم ذكر كعب بن مالك ان من توبته ان لا يحدث بحديث كذب بعد إذ نجاه الله تعالي بالصدق، ومازال كذلك ما حدث بحديث كذب أبدًا بعد أن تاب الله عليه، فكان - ﵁- مضرب المثل في الصدق، حتى إن الله أنزل فيه وفي صاحبيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩)، أنزل الله تعالي الآيات في بيان منته عليهم بالتوبة من قوله تعالي: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) (التوبة: من الآية١١٧) ففي هذه الآية أكد الله سبحانه وتعالي توبته على النبي والمهاجرين والأنصار، أكدها بقوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّه) .\n\nفأما النبي فهو محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم خاتم النبيين الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما المهاجرون فهم الذين هاجروا من بلادهم من","vol":"1","page":160},{"text":"مكة إلي المدينة، هاجروا إلي الله، فجمعوا في ذلك بين الهجرة ومفارقة الوطن ومفارقة الديار وبين نصرة النبي صلي الله عليه وسلم؛ لأنهم إنما هاجروا إلي الله ورسوله، فالمهاجرون جمعوا بين الهجرة والنصرة.\nأما الأنصار فهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، أهل المدينة﵃- الذين أووا النبي صلي الله عليه وسلم ونصروه ومنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. وقدم الله المهاجرين لأنهم أفضل من الأنصار، لجمعهم بين الهجرة والنصرة.\n\nوقوله: (ِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) وذلك في الخروج معه إلي غزوة تبوك، إلي بلاد بعيدة، والناس في اشد ما يكونون من الحر، والناس في أطيب ما يكونون لو بقوا في ديارهم، لأن الوقت وقت قيظ، والوقت وقت طيب الثمار وحسن الظلال، ولكنهم - ﵃- خرجوا في هذه الساعة الحرجة في ساعة العسرة) ِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) فإن بعضهم كاد أن يتخلف بدون عذر فيزيغ قلبه، ولكن الله ﷿ من عليهم بالاستقامة حتى خرجوا مع النبي صلي الله عليه وسلم.\nوقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) أكد ذلك مرة أخري (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) شملهم بالرأفة والرحمة، والرأفة أرق من الرحمة؛ لأنها رحمة ألطف وأعظم من الرحمة العامة.\nثم قال: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) .\nوالثلاثة: هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، هؤلاء هم الثلاثة الذين خلفوا ﵃، وخلفوا: أي خلف البت","vol":"1","page":161},{"text":"في أمرهم، وليس المراد عن الغزوة، بل خلفهم الرسول﵊- لكي ينظر في أمرهم ماذا يكون حكم الله تعالي فيهم.\n\nوقوله: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) ضاقت عليهم الأرض مع سعتها، والرحب هو السعة، والمعني ان الأرض علي سعتها ضاقت بهم. حتى قال كعب بن مالك: «لقد تنكرت لي الأرض حتى قلت: لا أدري، هل أنا في المدينة أو غيرها» من شدة الضيق عليهم، ﵃.\n(وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُم) نفس الإنسان ضاقت عليه فهي لا تتحمل أن تبقي النبي صلي الله عليه وسلم ولكنهم صبروا﵃- حتى فرج الله عليهم.\nوقوله (وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْه) (التوبة: من الآية١١٨)، الظن هنا بمعني اليقين، أي أيقنوا انه لا ملجأ من الله، أي: أنه لا أحد ينفعهم، ولا ملجأ من الله إلا إلي الله، فالله بيده كل شي ﷿.\n\nوقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: من الآية١١٨» ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تاب عليهم لينالوا مراتب التوبة التي لا ينالها إلا من وفق، لا ينالها إلا أحباب الله، كما قال الله تعالي:) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: من الآية٢٢٢) .\nأما أولئك الذين اعتذروا من المنافقين إلي الرسول﵊- واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلي الله، فإن الله أنزل فيهم شر ما أنزل في بشر فقال: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) فلا تلومونهم (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْس) نعوذ بالله رجس، الخمر رجس، القذر الذي يخرج من دبر الإنسان رجس، روث الحمير رجس، هؤلاء مثلهم. (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (التوبة: من الآية٩٥)،","vol":"1","page":162},{"text":"بئس المأوى، والعياذ بالله، إنهم ينقلون من الدنيا إلي جهنم، نسأل الله العافية، نار حامية تطلع على الأفئدة، مؤصدة عليهم في عمد ممددة.\n(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) لأنكم لا تعلمون سرائرهم ولا يبدو لكم إلا الظواهر (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) لو رضي الناس عنك كلهم والله لم يرض عنك فإنه لا ينفعك إلا رضا الله ﷿؛ لأن الله إذا رضي عنك أرضي عنك الناس وأمال قلوبهم إليك، كما جاء في الحديث: «إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: أني أحب فلانًا فأحبه» يعين الله الرجل له فيحبه جبريل، «ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض» فيكون مقبولًا لدي أهل الأرض.\nكما قال الله ﷿:) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (مريم: ٩٦) .\nلكن إذا التمس الإنسان رضا الناس بسخط الله فالأمر بالعكس، يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس.\n\nولهذا لما تولي معاوية﵁- الخلافة كتبت له عائشة - ﵂- قالت: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: «من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله","vol":"1","page":163},{"text":"الله إلي الناس» وما أكثر الذين يطلبون رضا الناس بسخط الخالق ﷿- والعياذ بالله_.\nهؤلاء هم في سخط الله ولو رضي عنهم الناس، فلا ينفعهم رضا الناس قال الله تعالي هنا: (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: من الآية٩٦)، حتى لو رضي عنهم النبي صلي الله عليه وسلم - اشرف الخلق_ ما نفعهم؛ لأن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين.\nوفي هذه الآية تحذير من الفسق، وهو ارتكاب المعاصي التي أعظمها الكفر، وكل فسق فإنه ينقص من رضا الله عن الإنسان بحسبه، لأن الحكم المعلق بالوصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه، ويقوي بقوته ويضعف بضعفه. والفسق سبب من أسباب عدم رضا الله (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) والفسق أنواع كثيرة ومراتب عظيمة. فعقوق الوالدين من الفسوق، وقطيعة الرحم من الفسوق، والكذب من الفسوق، فكل معصية من الفسوق.\nلكن صغائر الذنوب تكفرها حسنات الأعمال إذا اصلح الإنسان الحسنات، كما قال الله\nتعالي:) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (الاسراء: ٧٨) .","vol":"1","page":164},{"text":"وقال ﷿:) إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: من الآية١١٤)، فإذا فعل الإنسان حسنة أذهبت السيئة إذا كانت صغيرة، أما الكبائر فلا ينفع فيها إلا التوبة.\n\nعلي كل حال: الفسق من أسباب انتفاء رضا الله عن العبد، والطاعة من أسباب الرضا، فالتزم طاعة الله إن كنت تريد رضاه، وإن كنت تريد رضا الناس فأرض الله، إذا رضي الله عنك كفاك مؤنة الناس وأرضي الناس عنك، وإن أسخطت الله برضا الناس فأبشر بسخط الناس مع سخط الله، والعياذ بالله. وذكر﵁ - أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج من المدينة في يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج في يوم الخميس، ولكن ذلك ليس بدائم، أحيانًا يخرج يوم السبت، كما خرج في آخر سفره سافرها في حجة الوداع، وربما يخرج في أيام أخر، لكن غالب ما يخرج فيه هو يوم الخميس.\nوذكر أن النبي صلي الله عليه وسلم عاد إلي المدينة ضحي، وأنه دخل المسجد فصلي فيه ركعتين، وكان هذا من سنته صلي الله عليه وسلم أنه إذا قدم بلده لم يبدأ بشيء قبل المسجد.\nوهاتان الركعتان تشمل كل الوقت، حتى أوقات النهي؛ لأنها صلاة سببية، فليس عنها نهي، في أي وقت وجد سببها حل فعلها.\nفينبغي إذا قدم الإنسان إلي بلده أن يبدأ قبل كل شي بالمسجد. وقد تقدم ذكر ذلك.","vol":"1","page":165},{"text":"٢٢- وعن أبي نجيد- بضم النون وفتح الجيم- عمران بن الحصين الخزاعي﵄ - أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلي الله عليه وسلم وهي حبلي من الزني، فقالت: يا نبي الله، أصبت حدًا فأقمه علي، فدعا نبي الله صلي الله عليه وسلم وليها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني» ففعل، فأمر بها نبي الله صلي الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلي عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالي؟!» (رواه مسلم) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف﵀ تعالي- فيما نقله عن عمران بن حصين رضي الله تعالي عنه: إن امرأة جاءت إلي النبي صلي الله عليه وسلم «وهي حبلي من الزنا» يعني حاملًا قد زنت، ﵂.\n«فقالت: يا رسول الله إني قد أصبت حدا فاقمه علي» أي: أصبت شيئًا يوجب الحد فأقمه علي، فدعا النبي صلي الله عليه وسلم وليها وأمره أن يحسن إليها فإذا وضعت فليأت بها إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم، فلما وضعت أتي بها وليها إلي النبي صلي الله عليه وسلم، «فأمر بها فشدت عليها ثيابها» أي: لفت ثيابها وربطت لئلا تنكشف «ثم أمر بها فرجمت» أي: بالحجارة: وهي ليست كبيرة ولا صغيرة، حتى ماتت، ثم صلي عليها النبي صلي الله عليه وسلم ودعا لها دعاء الميت: «فال له عمر:","vol":"1","page":166},{"text":"تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت» أي: والزنى من كبائر الذنوب، فقال: «لقد تأبت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم» يعيني: توبة واسعة لو قسمت علي سبعين كلهم مذنب لوسعتهم ونفعتهم، «وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ﷿» أي: هل وجدت أفضل من هذه الحال، امرأة جاءت فجادت بنفسها؛ يعني: سلمت نفسها من أجل التقرب إلي الله - ﷿- والخلوص من إثم الزنى. ما هناك أفضل من هذا؟!\nففي هذا الحديث دليل علي فوائد كثيرة:\n\nمنها: أن الزاني إذا زني وهو محصن- يعني قد تزوج- فإنه يجب أن يرجم وجوبًا؛ وقد كان هذا في كتاب الله﷿- آية قرأها المسلمون وحفظوها ووعوها ونفذوها، رجم النبي صلي الله عليه وسلم ورجم الخلفاء من بعده، ولكن الله بحكمته نسخها من القرآن لفظًا وأبقي حكمها في هذه الأمة. فإذا زني المحصن- وهو الذي د تزوج - فإنه يرجم حتى يموت. يوقف في مكان واسع، ويجتمع الناس، ويأخذون من الحصي يرمونه به حتى يموت.\nوهذه من حكمه الله ﷿، أي: أنه لم يأمر الشرع بأن يقتل بالسيف وينتهي أمرهن بل يرجم بهذه الحجارة حتى يتعذب ويذوق ألم العذاب في مقابل ما وجده من لذة الحرام؛ لأن هذا الزني تلذذ جميع جسده بالحرام، فكان من الحكمة أن ينال هذا الجسد من العذاب بقدر ما نال من اللذة.\nولهذا قال العلماء ﵏: إنه لا يجوز أن يرجم بالحجارة الكبيرة؛ لأن الحجارة الكبيرة تجهز عليه ويموت سريعًا فيستريح، ولا","vol":"1","page":167},{"text":"بالصغيرة جدًا لأن هذه تؤذيه وتطيل موته، ولكن بحصي متوسط حتى يذوق اللم ثم يموت.\n\nفإذا قال قائل: أليس قد قال النبي صلي الله عليه وسلم: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح»، والقتلة بالسيف أريح للمرجوم من الرجم بالحجارة؟\nقلنا: بلي قد قاله الرسول ﵊، لكن إحسان القتلة يكون بموافقتها للشرع، فالرجم إحسان لأنه موافق للشرع، ولذلك لو أن رجلًا جانيا جنى على شخص فقتله عمدًا وعزر به قبل ان يقتله فإننا نعزر بهذا الجاني إذا أردنا قتله قبل أن نقتله.\nمثلًا: لو أن رجلًا جانيا قتل شخصًا فقطع- مثلًا- يديه، ثم رجليه، ثم لسانه، ثم رأسه. فإننا لا نقتل الجاني بالسيف!! بل نقطع يديه، ثم رجليه، ثم لسانه، ثم نقطع رأسه مثلما فعل، ويعتبر هذا إحسانًا في القتلة، لأن إحسان القتلة أن يكون موافقًا للشرع علي أي وجه كان.\nوفي هذا الحديث دليل على جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنى، من أجل تطهيره بالحد لا من أجل فضحه نفسه.\nفالإنسان الذي يتحدث عن نفسه أنه زني، عند الإمام أو نائبه؛ من أجل إقامة الحد عليه، هذا لا يلام ولا يذم.","vol":"1","page":168},{"text":"وأما الإنسان الذي يخبر عن نفسه بأنه زني، يخبر بذلك عامة الناس؛ فهذا فاضح نفسه وهو من غير المعافين؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم يقول: «كل أمتي معافي إلا المجاهرين. قالوا: من المجاهرون؟ قال: الذي يفعل الذنب ثم يستره الله عليه ثم يصبح يتحدث به» .\nإذا قام قائل هل الأفضل للإنسان إذا زني أن يذهب إلي القاضي ليقر عنده، فيقام عليه الحد، أو الأفضل أن يستر نفسه؟ فالجواب عن هذا أن في ذلك تفصيلًا.\nقد يكون الإنسان تاب توبة نصوحًا، وندم، وعرف من نفسه أنه لن يعود فهذا الأفضل أن لا يذهب ولا يخبر عن نفسه، بل يجعل الأمر سرا بينه وبين الله، ومن تاب تاب الله عليه.\nواما من خاف أن لا تكون توبته نصوحا، وخاف أن يعود ويرجع إلي الذنب مرة أخري؛ فهذا الأفضل في حقه ان يذهب إلي ولي الأمر، أو إلي القاضي أو غيره، ليقر عنده فيقام عليه الحد.\n\n* * *\n\n٢٣- وعن ابن عباس -﵄- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «لو أن لابن آدم ملء واد مالًا: لأحب أن له إليه مثله ولا يملا عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» . (متفق عليه) .","vol":"1","page":169},{"text":"٢٤-وعن أبي هريرة﵁- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال «يضحك الله- سبحانه وتعالي-إلي رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد» (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في بيان التوبة، وأن من تاب تاب الله عليه مهما عظم ذنبه؛ لأن الله تعالي قال في كتابه:) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا» إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان: ٦٨/٧٠) .\n\nفالحديث الأول عن عبد الله بن عباس﵄- ومعناه: أن ابن آدم لن يشبع من المال، ولو كان له واد واحد «لا بتغي» أي طلب أن يكون ل وديان، ولا يملأ غلا التراب؛ وذلك إذا مات ودفن وترك الدنيا وما فيها؛ حينئذ يقتنع؛ لأنها فاتنة، ولكن مع ذلك حث الرسول صلي الله عليه وسلم على التوبة؛ لأن الغالب أن الذي يكون عنده طمع في المال؛ أنه لا يحترز من الأشياء المحرمة من الكسب المحرم.","vol":"1","page":170},{"text":"ولكن دواء ذلك بالتوبة إلي الله ولهذا قال: «ويتوب الله علي من تاب» فمن تاب من سيئاته- ولو كانت هذه السيئات مما يتعلق بالمال -فإن الله يتوب عليه.\nأما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة﵁- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «يضحك الله إلي رجلين.. الحديث» .\nفضحك الله إلي هذين الرجلين؛ لأنه كان بينهما تمام العداوة في الدنيا؛ حتى إن أحدهما قتل الآخر، فقلب الله هذه العدواة التي في قلب كل واحد منهم، وأوال ما في نفوسهما من الغل، لأن أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد؛ كما قال الله-تعالي- في وصفهم) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر: ٤٧) .\nفهذه وجه العجب من الله﷿- لهذين الرجلين أنه كان بينهما تمام العداوة، ثم إن الله-تعالي- من على هذا القاتل الذي كان كافرًا فتاب، فتاب الله عليه.\nففيه دليل: على أن الكافر إذا تاب من كفره-ولو كان قد قتل أحدًا من المسلمين-فإن الله- تعالي- يتوب عليه؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>٣- باب الصبر</span>\n\nقال الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) (آل عمران: من الآية٢٠٠» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) (آل عمران: من الآية٢٠٠) وقال تعالي:) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: ١٥٥) وقال تعالي:) إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية١٠» إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية١٠) وقال تعالي:) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) وقال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: ١٥٣) وقال تعالي:) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين) (محمد: من الآية٣١) والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n الصبر في اللغة: الحبس.\nوالمراد به في الشرع: حبس النفس على أمور ثلاثة:\nالأول: على طاعة الله.\n\nالثاني: عن محارم الله.\nالثالث: على أقدار الله المؤلفة. هذه أنواع الصبر التي ذكرها أهل العلم.\nالأمر الأول: أن يصبر الإنسان على طاعة الله لأن الطاعة ثقيلة على النفس، وتصعب على الإنسان، وكذلك ربما تكون ثقيلة على البدن بحيث يكون مع الإنسان شيء من العجز والتعب، وكذلك أيضا يكون فيها مشقة من الناحية المالية؛ كمسألة الزكاة ومسالة الحج، فالطاعات فيها شيء من المشقة على النفس والبدن، فتحتاج إلي صبر، وإلي معاناة قال الله","vol":"1","page":172},{"text":"تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: ٢٠٠) .\nالأمر الثاني: الصبر عن محارم الله بكف الإنسان نفسه عما حرم الله عليه، لأن النفس الأمارة بالسوء تدعو إلي السوء، فيصبر الإنسان نفسه، مثل الكذب، والغش في المعاملات، وأكل المال بالباطل بالرب أو غيره، والزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وما أشبه ذلك من المعاصي الكثيرة.\nفيحبس الإنسان نفسه عنها حتى لا يفعلها، وهذا يحتاج أيضًا إلي معاناة، ويحتاج إلي كف النفس والهوى.\n\nأما الأمر الثالث: فهو الصبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأن أقدار الله﷿على الإنسان ملائمة ومؤلمة.\nالملاءمة: تحتاج إلي الشكر، والشكر من الطاعات؛ فالصبر عليه من النوع الأول.\nومؤلمة: بحيث لا تلائم الإنسان تكون مؤلمة؛ فيبتلي الإنسان في بدنه، ويبتلي في ماله بفقده. ويبتلي في أهله، ويبتلي في مجتمعه، وأنواع البلايا كثيرة تحتاج إلي صبر ومعاناة فيصبر الإنسان نفسه عما يحرم عليه من إظهار الجزع باللسان، أو بالقلب، أو بالجوارح لأن الإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات:\nالحالة الأولي: أن يتسخط.\nوالحالة الثانية: أن يصبر.\nوالحالة الثالثة: أن يرضي.\nوالحالة الرابعة: أن يشكر.","vol":"1","page":173},{"text":"هذه أربع حالات تكون للإنسان عندما يصاب بالمصيبة.\nأما الحال الأولي: أن يتسخط إما بقلبه، أو بلسانه، أو بجوارحه.\nالتسخط بالقلب: أن يكون في قلبه- والعياذ بالله- شيء على ربه من السخط والشره على الله- والعياذ بالله- وما أشبه. ويشعر وكأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة.\nوأما السخط باللسان: فأن يدعو بالويل والثبور، يا ويلاه ويا ثبوراه، وأن يسب الدهر فيؤذي الله﷿- وما أشبه ذلك.\n\nوأما التسخط بالجوارح: مثل أن يلطم خده، أو يصقع راسه، أو ينتف شعره، أو\nيشق ثوبه وما أشبه هذا.\nهذه حال السخط، حال الهلعين الذين حرموا الثواب، ولم ينجوا من المصيبة، بل الذين اكتسبوا الإثم فصار عندهم مصيبتان، مصيبة في الدين بالسخط، ومصيبة في الدنيا بما أتاهم مما يؤلمهم.\nأما الحال الثانية: فالصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه، هو يكره المصيبة، ولا يحبها، ولا يحب أن وقعت، لكن يصبر نفسه؛ لا يتحدث باللسان بما يسخط الله، ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله، ولا يكون في قلبه شيء على الله أبدا، فهو صابر لكنه كاره لها.\nوالحال الثالثة: الرضا؛ بأن يكون الإنسان منشرحا صدره بهذه المصيبة، ويرضي بها رضاء تامًا وكأنه لم يصب بها.\nوالحالة الرابعة: الشكر؛ فيشكر الله عليها، وكان النبي ﵊ إذا رأي ما يكره قال: «الحمد لله على كل","vol":"1","page":174},{"text":"حال» .\nفيشكر الله من أجل أن الله يرتب له من الثواب على هذه المعصية أكثر مما أصابه.\nولهذا يذكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في أصبعها، فحمدت الله على ذلك، فقالوا لها: كيف تحمدين الله والأصبع قد أصابه ما أصابه، قالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها. والله الموفق.\nثم ساق المؤلف﵀ تعالي- الآيات التي فيها الحث على الصبر والثناء على فاعليه، فقال: وقول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: ٢٠٠)، فأمر الله المؤمنين بمتضي إيمانهم، وبشرف إيمانهم بهذه الأوامر الأربعة: (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: من الآية٢٠٠) .\nفالصبر عن المعصية، والمصابرة على الطاعة، والمرابطة كثرة الخير وتتابع الخير، والتقوي تعم ذلك كله. (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .\nفاصبروا عن محارم الله: لا تفعلوها، تجنبوها ولا تقربوها.\nومن المعلوم أن الصبر عن المعصية لا يكون إلا حيث دعت إليه النفس، أما الإنسان الذي لم تطرأ على باله المعصية فلا يقال إنه صبر عنها، ولكن إذا دعتك نفسك إلي المعصية فاصبر، واحبس النفس.\nوأما المصابرة فهي على الطاعة؛ لأن الطاعة فيها أمران:","vol":"1","page":175},{"text":"الأمر الأول: فعل يتكلف به الإنسان ويلزم نفسه به.\nوالأمر الثاني: ثقل على النفس، لأن فعل الطاعة كترك المعصية ثقيل على النفوس الأمارة بالسوء.\n\nفلهذا كان الصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ ولهذا قال الله تعالي: (وَصَابِرُوا) كان أحدا يصابرك كما يصابر الإنسان عدوه في القتال والجهاد.\nوأما المرابطة فهي كثرة الخير والاستمرار عليه، ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلي المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» . لأن فيه استمرار في الطاعة وكثرة لفعلها.\nوأما التقوى فإنها تشمل ذلك كله، لأن التقوى اتخاذ ما بقي من عقاب الله، وهذا يكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي.\nوعلي هذا فعطفها على ما سبق من باب عطف العام على الخاص، ثم بين الله- سبحانه وتعالي- أن القيام بهذه الأوامر الأربعة سبب للفلاح فقال: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .\nوالفلاح كلمة جامعة تدور على شيئئن: على حصول المطلوب، وعلى النجاة من المرهوب. فمن اتقي الله﷿- حصل له مطلوبة ونجا من مرهوبه.","vol":"1","page":176},{"text":"وأما الآية الثانية فقال﵀- وقوله تعالي: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: ١٥٥)، هذه الآية فيها قسم من الله﷿ - أن يختبر العباد بهذه الأمور.\nفقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أي: لنختبرنكم.\n(بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) لا الخوف كله بل شيء منه؛ لأن الخوف كله مهلك ومدمر. لكن بشيء منه.\n«الخوف» هو فقد الأمن، وهو أعظم من الجوع، ولهذا قدمه الله عليه، لكن الخائف- والعياذ بالله- لا يستقر لا في بيته ولا في سوقه، والخائف أعظم من الجائع؛ ولهذا بدأ الله به فقال: (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) وأخوف ما نخاف منه ذنوبنا؛ لأن الذنوب سبب لكل الويلات، وسبب للمخاطر، والمخاوف، والعقوبات الدينية، والعقوبات الدنيوية.\n(وَالْجُوعِ) يبتلي بالجوع.\nوالجوع يحمل معنيين:\nالمعني الأول: أن يحدث الله- سبحانه- في العباد وباء؛ هو وباء الجوع، بحيث يأكل الإنسان ولا يشبع، وهذا يمر على الناس، وقد مر بهذه البلاد سنة معروفة عند العامة تسمي سنة الجوع. يأكل الإنسان الشيء الكثير ولكنه لا يشبع- والعياذ بالله- نحدث أن الإنسان يأكل من التمر مخفرًا كاملًا في آن واحد ولا يشبع-والعياذ بالله- ويأكل الخبز الكثير ولا","vol":"1","page":177},{"text":"يشبع لمرض فيه. هذا نوع من الجوع.\nالنوع الثاني من الجوع: الجدب والسنون الممحلة لا يدر فيها ضرع ولا ينمو فيها زرع، هذا من الجوع.\nوقوله (ِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ) يعيني: نقص الاقتصاد، بحيث تصاب الأمة بقلة المادة والفقر، ويتأخر اقتصادها، وترهق حكومتها بالديون التي تأتي نتيجة لأسباب يقدرها الله -﷿- ابتلاء وامتحانًا.\n\nوقوله: (وَالْأَنْفُسِ) أي: الموت؛ بحيث يحل في الناس أوبئة تهلكهم وتقضي عليهم. وهذا أيضًا يحدث كثيرًا ولقد حدثنا أنه حدث في هذه البلاد- أي البلاد النجدية- حدث فيها وباء عظيم تسمي سنته عند العامة (سنة الرحمة) إذا دخل الوباء في البيت لم يبق منهم أحد إلا دفن- والعياذ بالله_، يدخل في البيت فيه عشرة أنفس أو أكثر، فيصاب هذا بمرض، ومن غد الثاني والثالث والرابع، حتى يموتوا عن آخرهم وحدثنا أنه قدم هذا المسجد، مسجد الجامع الكبير بعنيزة- وكان الناس بالأول في قرية صغيرة، ليس فيها ناس كثير كما هو الحال اليوم، يقدم أحيانًا في فرض الصلاة الواحد سبع إلي ثمان جنائز، نعوذ بالله من الأوبئة. هذا أيضًا نقص من الأنفس.\nوقوله: (وَالثَّمَرَاتِ) أيك أن لا يكون هناك جوع، ولكن تنقص الثمرات، تنزع بركتها في الزروع والنخيل وفي الأشجار الأخري، والله - ﷿- يبتلي العباد بهذه الأمور ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.\nفيقابل الناس هذه المصائب بدرجات متنوعة، بالتسخط، أو بالصبر أو بالرضا، او بالشكر كما قلناه فيما سبق. والله الموفق.","vol":"1","page":178},{"text":"الآية الثالثة: قوله تعالي: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية١٠) (يُوَفَّى الصَّابِرُون) أي يعطي الصابرون (أَجْرَهُمْ) أي ثوابهم.\nوقوله (بِغَيْرِ حِسَابٍ) وذلك أن الأعمال الصالحة مضاعفة؛ الحسنة بعشرة أمثالها إلي سبع مائة ضعف إلي أضعاف كثيرة.\nأما الصبر فإن مضاعفته تأتي بغير حساب من عند الله﷿- وهذا لم يقابل بعدد، بل هو أمر معلوم عند الله ولا حساب فيه، لا يقال مثلًا الحسنة بعشرة أمثالها إلي سبع مائة ضعف، بل يقال إنه يوفي أجره بغير حساب. وفي هذه الآية من الترغيب في الصبر ما هو ظاهر. ثم قال المؤلف:\n\nالآية الرابعة: قوله تعالي: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) أي: أن الذي يصبر على أذى الناس ويحتملهم ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه؛ فإن ذلك (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي: من مغزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلي مقابلة ومصابرة. ولا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله﷿- وبسبب طاعته؛ لأن أذية الناس لك لها أسباب متعددة متنوعة. فإذا كان سببها طاعة الله﷿ -، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن الإنسان يثاب على ذلك من وجهين:\nالوجه الأول: من الأذية التي تحصل له.\nوالوجه الثاني: صبره على هذه الطاعة التي أوذي في الله من أجلها.","vol":"1","page":179},{"text":"وفي هذه الآية حث على صبر الإنسان على أذية الناس، ومغفرته لهم ما أساؤوا إليه فيه. ولكن ينبغي أن يعلم أن المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودة على الإطلاق؛ فإن الله تعالي قيد هذا بأن يكون العفو مقرونًا بالإصلاح فقال: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: من الآية٤٠)، أما إذا لم يكن في العفو والمغفرة إصلاح فلا تعف ولا تغفر.\n\nمثال ذلك: لو كان الذي أساء إليك شخصًا معروفًا بالشر والفساد، وأنك لو عفوت عنه لكان في ذلك زيادة في شره.\nففي هذه الحال الأفضل أن لا تعفو عنه، بل تأخذ بحقك من أجل الإصلاح، أما إذا كان الشخص إذا عفوت عنه لم يترتب على العفو عنه مفسدة؛ فإن العفو أفضل لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: من الآية٤٠)، وإذا كان أجرك على الله لكان خيرًا لك من أن يكون ذلك بمعارضة تأخذ من أعمال صاحبك الصالحة.\nالآية الخامسة: قوله تعالي: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: من الآية١٥٣) أمر الله - سبحانه وتعالي- أن نستعين على الأمور بالصبر عليها، لأن الإنسان إذا صبر وانتظر الفرج من الله سهلت عليه الأمور.\nفأنت إذا أصبت بشيء يحتاج إلي الصبر فاصبر وتحمل «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» .\nوأما الصلاة فإنها تعين على الأمور الدينية والدنيوية، حتى إن الرسول","vol":"1","page":180},{"text":"- ﵊- ذكر عنه: «أنه إذا حز به أمر فزع إلي الصلاة» .\nوبين الله في كتابه أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، فإذا استعان الإنسان بالصلاة عل أموره يسر الله له ذلك، لأن الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، فيقف الإنسان فيها بين يدي الله، ويناجيه، ويدعوه، ويتقرب إليه بأنواع القربات التي تكون في هذه الصلاة؛ فكانت سببًا للمعونة.\nقوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) يعني ذلك المعية الخاصة، لأن معية الله- سبحانه وتعالي- تنقسم إلي قسمين:\nمعية عامة شاملة لكل أحد، وهي المذكورة في قوله تعالي: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا\nكُنْتُمْ) (الحديد: من الآية٤)، وفي قوله تعالي: (ِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) (المجادلة: من الآية٧) .\nوهذه المعية العامة شاملة لجميع الخلق، فما من مخلوق إلا والله - تعالي- معه يعلمه، ويحيط به سلطانًا وقدرة وسمعا وبصرا وغير ذلك.\nأما المعية الخاصة فهي المعية التي تقتضي النصر والتأييد؛ وهذه خاصة بالرسل\n\nوأتباعهم، ليست لكل أحد، (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: ١٢٨) (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وما أشبه ذلك من","vol":"1","page":181},{"text":"الآيات الدالة على هذه المعية الخاصة.\nولكن المعيتين كلتيهما لا تدلان على أن الله - سبحانه وتعالي- فوق سماواته على\nعرشه، أمكنتهم، بل هو مع الناس وهو﷿فوق وهو معك. والعرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا. وكل يعلم أن القمر في السماء. فما بلك بالخالق - ﷿- هو وفق كل شيء استوي على عرشه، ومع ذلك هو محيط بكل شيء مع كل أحد. مهما انفردت فإن الله- تعالي- محيط بك؛ علما وقدرة وسلطانا وسمعا وبصرا وغير ذلك.\nوفي قوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) دليل على أن الله يعين الصابر ويؤيده ويكأه حتى يتم له الصبر على ما يحبه الله - ﷿-.\nالآية السادسة: قوله تعالي: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: ٣١) .\n(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ): لنختبركم: فالابتلاء بمعني الاختيار، أو البلوي بمعني الاختيار.\n\nيعني: أن الله اختبر العباد في فرض الجهاد عليهم؛ ليعلم من يصبر ومن لا يصبر؛ ولهذا قال الله- تعالي- في آية أخري: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: من الآية٤) (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) (محمد: ٥) (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) (محمد: ٤/٦) .\nوقوله ﷿: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) قد يتوهم بعض من قصر علمه","vol":"1","page":182},{"text":"أن الله - سبحانه - لا يعلم الشيء حتى قع؛ وهذا غير صحيح؛ فالله - تعالي- يعلم الأشياء قبل وقوعها، كما قال تعالي:) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج: ٧٠) .\nومن أدعي أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه؛ فإنه مكذب لهذه الآية وأمثالها من الآيات الدالة على أن الله- تعالي- قد علم الأشياء قبل أن تقع!!\nلكن العلم الذي في هذه الآية (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) أي: علما يترتب عليه الجزاء.\nوقال بعض أهل العلم: المراد بقوله: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) أي: علم ظهور، يعني حتى يظهر الشيء؛ لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون، وعلمه بعد كونه علم بأنه كان. وفرق بين العلمين.\nفالعلم الأول علم بأنه سيكون، والثاني علم بأنه كان.\nويظهر لك الفرق لو أن شخصًا قال لك: سوف أفعل كذا وكذا غدًا فالآن حصل عندك علم بما أخبر به، ولكن إذا فعله غدا صار عندك علم آخر؛ أي: علم بأن الشيء الذي حدثك انه سيفعله قد فعله فعلًا. فهذان وجهان في تخريج قوله تعالي (حَتَّى نَعْلَمَ) .\nالوجه الأول: أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب، وهذا لا يكون إلا بعد البلوي، بعد أن يبتلي الله العبد ويختبره.","vol":"1","page":183},{"text":"الوجه الثاني: أن المراد به علم الظهور؛ لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون، فإذا صار علمه تعالي به علمًا بما كان.\n\nوقوله: (الْمُجَاهِدِينَ) المجاهد: صار هو الذي بذل جهده جهده إعلاء كلمة الله، فيشمل المجاهد بعلمه، والمجاهد بعلمه: الذي يتعلم العلم ويعلمه وينشره بين الناس، ويجعل هذا وسيلة لتحكيم شريعة الله، هذا مجاهد. والذي يحمل السلاح لقتال الأعداء هو أيضًا مجاهد في سبيل الله، إذا كان المقصود في الجهادين أن تكون كلمة الله هي العليا.\nوقوله: (وَالصَّابِرِينَ) أي: يصبرون على ما كلفوا فيه من الجهاد ويتحملونه ويقومون به.\nوقوله: (وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) أي: نختبرها وتتبين لنا وتظهر لنا ظهورًا يترتب عليه الثواب والعقاب.\nلما ذكر الله هذا الابتلاء قال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، والخطاب للنبي صلي الله عليه وسلم، ولك من يبلغه هذا الخطاب، يعني: بشر يا محمد، وبشر يا من يبلغه هذا الكلام الصابرين الذين يصبرون على هذه البلوى فلا يقابلونها بالتسخط وإنما يقابلونها بالصبر. وأكمل من ذلك أن يقابلونها بالرضا، وأكمل من ذلك أن يقابلونها بالشكر. كما مر علينا أن المصاب بالمصائب من أقدار الله المؤلمة له أربع حالات: تسخط، وصبر، ورضًا، وشكر، وهنا قال:) وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة: ١٥٥/١٥٦) .","vol":"1","page":184},{"text":"وقوله: (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ) إذا أصابتهم مصيبة اعترفوا لله - ﷿- بعموم ملكه، وأنهم ملك لله، ولله أن يفعل في ملكه ما شاء؛ ولهذا قال النبي﵊- لإحدى بناته، قال لها: «إن الله ما أخذ وله ما أعطي» فأنت ملك لربك﷿- يفعل بك ما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالي.\n\nثم قال: (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يعترفون بأنهم لابد أن يرجعوا إلي الله فيجازيهم. أن تسخطوا جازاهم علي سخطهم، وإن صبروا - كما هو شأن هؤلاء القوم- فإن الله تعالي يجازيهم على صبرهم علي هذه المصائب. فيبتلي - ﷿- بالبلاء ويثيب الصابر عليه.\nقال تعالي: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) (البقرة: من الآية١٥٧)، أولئك يعين الصابرين (عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) والصلوات جمع صلاة وهي ثناء الله عليهم في الملأ الأعلى، يثني الله عليهم عند ملائكته.\nوقوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) الذين هداهم الله﷿- عند حلول المصائب فلم يتسخطوا وإنما صبروا على ما أصابهم. وفي هذه الآية دليل على أن صلاة الله﷿- ليست هي رحمته، بل هي أخص وأكمل وأفضل، ومن فسرها من العلماء بأن الصلاة من الله الرحمة، ومن","vol":"1","page":185},{"text":"الملائكة الدعاء، ومن الآدميين الاستغفار؛ فإن هذا لا وجه له، بل الصلاة غير الرحمة؛ لأن الله تعالي عطف الرحمة علي الصلوات، والعطف يقتضي المغايرة. ولأن العلماء مجمعون على أنك يجوز لك أن تقول لأي شخص من المؤمنين: اللهم ارحم فلانًا.\n\nواختلفوا؛ هل يجوز أن تقول: اللهم صل عليه. أو لا يجوز؛ على أقوال ثلاثة:\n-فمنهم من أجازها مطلقًا، ومنهم من منعها مطلقًا، ومنهم من أجازها إذا كانت تبعًا.\nوالصحيح أنها تجوز إذا كانت تبعًا، كما في قوله «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»، أو لم تكن ولكن لها سبب؛ كما قال الله) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) (التوبة: من الآية١٠٣)، فإذا كان لها سبب، ولم تتخذ شعارًا، فإن ذلك لا بأس به. فلا بأس أن تقول: اللهم صل على فلان، فلو جاءك رجل بزكاته وقال لك خذ زكاتي وفرقها على الفقراء، فلك أن تقول: صلي الله عليك، تدعو له بأن يصلي الله عليه كما أمر الله نبيه بذلك.\n\n* * *\n\n٢٥- وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري﵁- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن - أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك.","vol":"1","page":186},{"text":"كل الناس يغدو، فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها» (رواه مسلم) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا الكلام علي الآيات التي ساقها المؤلف﵀ تعالي- في الصبر وثوابه والحث عليه، وبيان محله، ثم شرع ﵀ في بيان الأحاديث الواردة في ذلك.\nفذكر حديث أبي مالك الشعري﵁- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: الطهور شطر الإيمان» الحديث، غلي قوله «والصبر ضياء» فبين النبي صلي الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الصبر ضياء؛ يعني أن يضيء للإنسان، عندما تحتلك الظلمات وتشتد الكربات، فإذا صبر؛ فإن هذا الصبر يكون له ضياء يهديه إلي الحق.\nولهذا ذكر الله﷿- أنه من جملة الأشياء التي يستعان بها، فهو ضياء للإنسان في قلبه، وضياء له في طريقه ومنهاجه وعلمه؛ لأنه كلما سار إلي الله - ﷿- علي طريق الصبر؛ فإن الله تعالي- يزيده هدي وضياء في قلبه ويبصره؛ فلهذا قال النبي ﵊: «الصبر ضياء» .\nأما بقية الحديث؛ فقال ﵊: «الطهور شطر الإيمان» .\nالطهور: يعني بذلك طهارة الإنسان.\nشطر الإيمان: أي نصف الإيمان.","vol":"1","page":187},{"text":"وذلك لأن الإيمان تخلية وتحلية.\nأي: تبرؤ من الشرك والفسوق، تبرؤ من المشركين والفساق بحسب ما معهم من الفسق، فهو تخل.\n\nوهذا هو الطهور؛ أن يتطهر الإنسان طهارة حسيه ومعنوية من كل ما فيه أذي فلهذا جعله النبي ﵊ شطر الإيمان، «وسبحان الله» معناها: تنزيه الله ﷿ عما لا يليق به من العيوب ومماثلة المخلوقات.\nفالله﷿- منزه عن كل عيب في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، لا تجد في أسمائه اسما يشتمل على نقص أو على عيب؛ ولهذا قال تعالي: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (لأعراف: من الآية١٨٠) ولا تجد في صفاته صفة تشتمل على عيب أو نقص؛ ولهذا قال الله (ِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) بعد قوله: (لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) فالله ﷿ له الوصف الأكمل الأعلي من جميع الوجوه، وله أيضًا الكمال المنزه عن كل عيب في أفعاله، كما قال الله تعالي:) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) (الدخان: ٣٨) فليس في خلق الله لعب ولهو وإنما هو خلق مبني على الحكمة.\n\nكذلك أحكامه لا تجد فيها عيبًا ولا نقصًا كما قال الله تعالي:) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين: ٨)، وقال ﷿:) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠) .\nوقوله صلي الله عليه وسلم: «سبحان الله والحمد لله تملآن- أو قال تملأ- ما بين","vol":"1","page":188},{"text":"السماوات والأرض» شك من الرواي: هل قال النبي صلي الله عليه وسلم: تملآن ما بين السموات والأرض، أو قال تملأ ما بين السموات والأرض.\nوالمعني لا يختلف. يعني أن سبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماوات والأرض، وذلك لأن هاتين الكلمتين مشتملتان على تنزيه الله عن كل نقص في قوله «سبحان الله» وعلى وصف الله بكل في قوله: «والحمد لله» .\nفقد جمعت هاتان الكلمتان بين التخلية والتحلية كما يقولون؛ أي بين نفي كل عيب ونقص، وإثبات كل كمال، فسبحان الله فيها نفي النقائص، والحمد لله فيها إثبات الكمالات.\nفالتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه.\nوالله - ﷿- يحمد على كل حال، وكان النبي ﵊ إذا أصابه ما يسر به قال: «الحمد لله على كل حال» ثم إن ها هنا كلمة شاعت أخيرا عند كثير من الناس؛ وهي أقوالهم «الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه» .\nهذا الحمد ناقص !!\nلأن قولك على مكروه سواه تعبير على قلة الصبر، أو - على","vol":"1","page":189},{"text":"الأقل- عدم كمال الصبر، وأنك كاره لهذا الشيء، ولا ينبغي للإنسان أن يعبر هذا التعبير، بل الذي ينبغي له أن يعبر بما كان النبي صلي الله عليه وسلم يعبر به؛ فيقول «الحمد لله على كل حال»، أو يقول: «الحمد لله الذي لا يحمد على كل حال سواه» .\nأما أن يقول: على مكروه سواه، فهذا تعبير واضح على مضادة ما أصابه من الله﷿- وأنه كاره له.\nوأنا لا أقول: إن الإنسان لا يكره ما أصابه من البلاء، فالإنسان بطبيعته يكره ذلك، لكن لا تعلن هذا بلسانك في مقام الثناء على الله، بل عبر كما عبر النبي صلي الله عليه وسلم «الحمد لله على كل حال» .\nقوله صلي الله عليه وسلم: «والصلاة نور» .\n\nفالصلاة نور: نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره، ولهذا تجد أكثر الناس نورًا في الوجوه أكثرهم صلاة، وأخشعهم فيها لله ﷿.\nوكذلك تكون نورًا للإنسان في قلبه؛ تفتح عليه باب المعرفة لله﷿-، وباب المعرفة في أحكام الله، وأفعاله، وأسمائه، وصفاته، وهي نور في قبر الإنسان؛ لأن الصلاة هي عمود الإسلام، إذا قام العمود قام البناء، وإذا لم يقم العمود فلا بناء.\nكذلك نور في حشرة يوم القيامة؛ كما أخبر بذلك الرسول صلي الله عليه وسلم: «أن من حافظ عليه كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان","vol":"1","page":190},{"text":"وقارون وابي بن خلف» .\nفهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها، وأن يحرص عليها، وأن يكثر منها حتى يكثر نوره وعلمه وإيمانه.\nوأما الصبر فقال: «إنه ضياء» فيه نور؛ لكن نور مع حرارة، كما قال الله تعالي) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا) (يونس: من الآية٥) .\n\nفالضوء لابد فيه من حرارة، وهكذا الصبر، لابد فيه من حرارة وتعب، لأن فيه مشقة كبيرة، ولهذا كان أجره بغير حساب.\nفالفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر، أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة؛ لما في ذلك من التعب القلبي والبدني في بعض الأحيان.\nوقوله: «الصدق برهان» .\nالصدقة: بذل المال تقربا إلي الله﷿- فيبذل المال على هذا الوجه للأهل، والفقراء، والمصالح العامة، كبناء المساجد وغيرها؛ برهانًا على إيمان العبد، وذلك أن المال محبوب إلي النفوس، والنفوس شحيحة به، فإذا بذله الإنسان لله، فإن الإنسان لا يبل ما يحب إلا لما هو أحب إليه منه. فيكون في بذل المال لله﷿- دليل على صدق الإيمان وصحته.","vol":"1","page":191},{"text":"ولهذا تجد أكثر الناس إيمانًا بالله﷿- وبإخلافه؛ تجدهم أكثرهم صدقة.\nثم قال النبي ﵊: «والقرآن حجة لك أو عليك» لأن القرآن هو حبل الله المتين، وهو حجة الله على خلقه، فإما أن يكون لك، وذلك فيما إذا توصلت به إلي الله، وقمت بواجب هذا القرآن العظيم من التصديق بالأخبار، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وتعظيم هذا القرآن الكريم واحترامه. ففي هذه الحال يكون حجة لك.\n\nأما إن كان الأمر بالعكس، أهنت القرآن، وهجرته لفظًا ومعني وعملًا، ولم تقم بواجبه؛ فإنه يكون شاهدًا عليك يوم القيامة.\nولم يذكر الرسول صلي الله عليه وسلم مرتبة هاتين المرتبتين!\nيعني: لم يذكر أن القرآن لا لك، ولا عليك؛ لأنه لابد أن يكون إما لك وإما عليك على كل حال. فنسأل الله أن يجعله لنا جميعًا حجة نهتدي به في الدنيا وفي الآخرة؛ إنه جواد كريم.\nقوله: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» .\nأي: كل الناس يبدأ يومه من الغدوة بالعمل، وهذا شيء مشاهد. فإن الله - تعالي- جعل الليل سكنًا وقال) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) (الأنعام: من الآية٦٠)، فهذا النوم الذي يكون في الليل هو وفاة صغري، تهدأ فيه الأعصاب، ويستريح فيه البدن، ويستجد نشاطه للعمل المقبل، ويستريح من العمل الماضي.\nفإذا كان الصباح- وهو الغدوة - سار الناس واتجهوا كل لعمله.","vol":"1","page":192},{"text":"فمنهم من يتجه إلي الخير، وهم المسلمون، ومنهم من يتجه إلي الشر، وهم الكفار والعياذ بالله.\n\nالمسلم أول ما يغدو يتوضأ ويتطهر «والطهور شطر الإيمان» كما في هذا الحديث، ثم يذهب فيصلي، فيبدأ يومه بعبادة الله﷿-؛ بالطهارة، والنقاء، والصلاة، التي هي صلة بين العبد وبين ربه، فيفتتح يومه بهذا العمل الصالح، بل يفتتحه بالتوحيد؛ لأنه يشرع للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يذكر الله﷿- وأن يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران وهي قوله:) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) إلي آخر السورة: ١٩٠-٢٠٠، هذا المسلم هذا الذي يغدو في الحقيقة وهو بائع نفسه، لكن هل باعها بيعًا يعتقها فيه؟!.\nنقول: المسلم باعها بيعا يعتقها فيه؛ ولهذا قال: «فبائع نفسه فمعتقها» هذا قسم.\n«أو موبقها» معناها: بائع نفسه فموبقها. الكافر يغدو إلي العمل الذي فيه الهلاك؛ لأن معني (أوبقها) أهلكها. وذلك أن الكافر يبدأ يومه بمعصية الله، حتى لو بدأ والشرب؛ فإن أكله وشربه يعاقب عليه يوم القيامة، ويحاسب عليه.\nكل لقمة يرفعها الكافر إلي فمه فإنه يعاقب عليها، وكل شربة يبتلعها من الماء فإنه يعاقب عليها، وكل لباس يلبسه فإنه يعاقب عليه.\n\nوالدليل على هذا قوله تعالي:) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، للذين","vol":"1","page":193},{"text":"آمنوا لا غيرهم.\n) خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يعني: ليس عليهم من شوائبها شيء يوم القيامة. فمفهوم الآية الكريمة) قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أنها لغير المؤمنين حرام، وأنها ليست خالصة لهم يوم القيامة، وانهم سيعاقبون عليها.\nوقال الله في سورة المائدة؛ وهي من آخر ما نزل) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) (المائدة: من الآية٩٣) فمفهوم الآية الكريمة: أن على غير المؤمنين جناح فيما طعموه.\nفالكافر من حين ما يصبح- والعياذ بالله- وهو بائع نفسه فيما يهلكها، أما المؤمن فبائع نفسه فيما يعتقها وينجيها من النار. نسأل الله أن يجعلنا جميعًا منهم.\nفي آخر هذا الحديث بين رسول الله صلي الله عليه وسلم أن الناس ينقسمون إلي قسمين:\nقسم يكون القرآن حجة لهم؛ كما قال: «والقرآن حجة لك» .\n\nوقسم يعتنقون أنفسهم بأعمالهم الصالحة.\nوقسم يهلكونها بأعمالهم السيئة. والله الموفق.\n\n* * * *\n٢٦- وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدرى ﵄: أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلي الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين نفد كل شيء أنفق بيديه: «ما","vol":"1","page":194},{"text":"يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله. وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر»\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n كان من خلق الرسول الكريم﵊- أنه لا يسأل شيئًا يجده إلا أعطاه، وما عهد عنه أنه صلي الله عليه وسلم منع سائلًا، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويعيش في بيته عيش الفقراء، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع\nفهو ﵊ أكرم الناس واشجع الناس.\nفلما نفد ما في يده أخبرهم أنه ما من خير يكون عنده فلن يدخره عنهم؛ أي: لا يمكن أن يدخر شيئا عنهم فيمنعهم، ولكن ليس عنده شيء.\nثم حث النبي صلي الله عليه وسلم على الاستعفاف والاستغناء والصبر، فقال: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن الله، ومن يتصبر يصبره الله﷿» .\nهذه ثلاثة أمور:\n\nأولا: من يستغن يغنه الله، أي: من يستغن بما عند الله عما في أيدي الناس؛ يغنه الله ﷿. وأما من يسأل الناس ويحتاج لما عندهم؛ فإنه","vol":"1","page":195},{"text":"سيبقي قلبه فقيرًا - والعياذ بالله- ولا يستغني.\nوالغني غني القلب، فإذا استغني الإنسان بما عند الله عما في أيدي الناس؛ أغناه الله عن الناس، وجعله عزيز النفس بعيدًا عن السؤال.\nثانيًا: من يستعفف يعفه الله، فمن يستعف عما حرم الله عليه من النساء يعفه الله ﷿.\nوالإنسان الذي يتبع نفسه هواها فيما يتعلق بالعفة فإنه يهلك والعياذ بالله؛ لأنه إذا أتبع نفسه هواها وصار يتتبع النساء؛ فإنه يهلك، تزني العين، تزني الأذن، تزني اليد، تزني الرجلن ثم يزني الفرج؛ وهو الفاحشة والعياذ بالله.\nفإذا استعف الإنسان عن هذا المحرم أعفه الله﷿- وحماه وحمي أهله أيضًا.\nثالثًا: من يتصبر يصبره الله، أي يعطيه الله الصبر.\nفإذا تصبرت، وحسبت نفسك عما حرم الله عليم، وصبرت على ما عندك من الحاجة والفقر ولم تلح على الناس بالسؤال فإن الله- تعالي- يصبرك ويعينك على الصبر. وهذا هو الشاهد من الحديث؛ لأنه في باب الصبر.\n\nثم قال النبي صلي الله عليه وسلم «وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر» أي: ما من الله على أحد بعطاء من رزق، أو غيره؛ خيرًا واوسع من الصبر؛ لأم الإنسان إذا كان صبورًا تحمل على كل شيء. إن أصابته الضراء صبر، وإن أعرض له الشيطان بفعل المحرم صبر، وإن خذله الشيطان عن ما أمر الله صبر.","vol":"1","page":196},{"text":"فإذا كان الإنسان قد من الله عليه بالصبر؛ فهذا خير ما يعطاه الإنسان، وأوسع ما يعطاه، ولذلك تجد الإنسان الصبور لو أوذي من قبل الناس، لو سمع منهم ما يكره، لو حصل منهم اعتداء عليه، تجده هادي البال، لا يتصلب، ولا يغضب، لأنه صابر على ما ابتلاه الله به؛ فلذلك تجد قلبه دائمًا مطمئنًا ونفسه مستريحة.\nولهذا قال الرسول صلي الله عليه وسلم «ما أعطي أحد عطاء خيرا واوسع من الصبر» والله الموفق.\n\n***\n\n٢٧- وعن أبي يحيي صهيب بن سنان ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (رواه مسلم) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف﵀- فيما نقله عن صهيب الرومي: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير» أي: إن الرسول ﵊ أظهر العجب على وجه الاستحسان «لأمر المؤمن» أي: لشأنه. فإن شأنه كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن.","vol":"1","page":197},{"text":"ثم فصل الرسول ﵊ هذا الأمر الخير، فقال: «إن أصابته سراء شكر فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خير له» هذه حال المؤمن. وكل إنسان؛ فإنه في قضاء الله وقدره بين أمرين:\nمؤمن وغير مؤمن، فالمؤمن على كل حال ما قدر الله له فهو خير له، إن أصابته الضراء صبر على أقدار الله، وانتظر الفرج من الله، واحتسب الأجر على الله؛ فكان ذلك خيرًا له، فنال بهذا أجر الصائمين.\nوإن اصابته سراء من نعمة دينية؛ كالعلم والعمل الصالح، ونعمة دنيوية؛ كالمال والبنين والأهل شكر الله، وذلك بالقيام بطاعة الله - ﷿.\nفيشكر الله فيكون خيرا له، ويكون عليه نعمتان: نعمة الدين، ونعمة الدنيا.\nنعمة الدنيا بالسراء، ونعمة الدين بالشكر، هذه حال المؤمن، فهو علي خير، سواء أصيب بضراء.\n\nوأما الكافر فهو على شر- والعياذ بالله- إن اصابته الضراء لم يصبرن بل يتضجر، ودعا بالويل والثبور، وسب الدهر، وسب الزمن، بل وسب الله﷿- ونعوذ بالله.\nوإن اصابته سراء لم يشكر الله، فكانت هذه السراء عقابًا عليه في الآخرة، لأن الكافر لا يأكله أكلة، ولا يشرب إلا كان عليه فيها إثم،","vol":"1","page":198},{"text":"وإن كان ليس فيها إثم بالنسبة للمؤمن، لكن على الكافر إثم، كما قال الله تعالي:) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (لأعراف: من الآية٣٢)، هي للذين آمنوا خاصة، وهي خالصة لهم يوم القيامة، أما الذين لا يؤمنون فليست لهم، ويأكلونها حرامًا عليهم، ويعاقبون عليها يوم القيامة.\nفالكافر شر، سواء أصابته الضراء أم السراء، بخلاف المؤمن فإنه على خير.\nوفي هذا الحديث: الحث على الإيمان النبي صلي الله عليه وسلم وأن المؤمن دائمًا في خير ونعمة.\n\nوفيه أيضًا: الحث على الصبر على الضراء، وأن ذلك من خصال المؤمنين. فإذا رأيت نفسك عند إصابة الضراء صابرًا محتسبًا، تنتظر الفرج من الله- سبحانه وتعالي- وتحتسب الأجر على الله؛ فذلك عنوان الإيمان، وإن رأيت العكس فلم نفسك، وعدل مسيرك، وتب إلي الله.\nوفي الحديث أيضًا: الحث على الشكر عند السراء، لأنه إذا شكر الإنسان ربه على نعمة فهذا من توفيق الله له، وهو من أسباب زيادة النعم، كما قال الله تعالي:) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (ابراهيم: ٧) وإذا وفق الله الإنسان للشكر؛ فهذه نعمة تحتاج إلي شكرها مرة ثالثة...وهكذا، لأن الشكر قل من يقوم به، فإذا من الله عليك وأعانك عليه فهذه نعمة.","vol":"1","page":199},{"text":"ولهذا قال بعضهم:\n\nإذا كان شكري نعمة الله نعمة على له في مثلها يجب الشكر\nفكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر\nوصدق - ﵀- فإن الله إذا وفقك للشكر فهذه نعمة تحتاج إلي شكر جديد، فإن شكرن فهي نعمة تحتاج إلي شكر ثان، فإن شكرت فهي نعمة تحتاج إلي شكر ثالث. وهلم جرا.\n\nولكننا- في الحقيقة- في غفلة عن هذا. نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وقلوبكم، ويصلح أعمالنا وأعمالكم؛ إنه جواد كريم.\n\n* * *\n\n٢٨- وعن أنس ﵁ قال: لما ثقل النبي صلي الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة ﵄: واكرب أباه. فقال: «ليس علي أبيك كرب بعد اليوم» . فلما مات قالت: يا ابتاه أجاب رباه دعاه، يا ابتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلي جبريل ننعاهن فلما قالت فاطمة ﵍: يا انس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب؟ (. رواه البخاري) .","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف﵀ تعالي- فيما رواه عن أنس بن مالك﵁- أن فاطمة بنت محمد صلي الله عليه وسلم لما ثقل رسول الله صلي الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه «جعل يتغشاه الكرب» أي: من شدة ما يصيبه جعل يغشي عليه من الكرب؛ لأنه ﵊ يتشدد عليه الوعك والمرض، كأن يوعك كما يوعك الرجلان من الناس.\nوالحكمة في هذا، من أجل أن ينال صلي الله عليه وسلم أعلي درجات الصبر. فإن الصبر منزلة عالية، لا ينال إلا بامتحان واختبار من الله﷿- لأنه لا صبر إلا على مكروه.\n\nفإذا لم يصب الإنسان بشيء يكره فكيف يعرف صبره، ولهذا قال الله تعالي) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين) (محمد: من الآية٣١) فكان النبي صلي الله عليه وسلم يوعك كما يوعك الرجلان من الناس.\nفجعل يتغشاه الكرب، فتقول فاطمة﵂- «وأكرب أباه» تتوجع له من كربه، لأنها امرأة، والمرأة لا تطيق الصبر.\nفقال النبي ﵊: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» لأنه صلي الله عليه وسلم لما انتقل من الدنيا انتقل إلي الرفيق الأعلى، كما كان صلي الله عليه وسلم - وهو يغشاه الموت- يقول «اللهم في الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى وينظر","vol":"1","page":201},{"text":"إلي سقف البيت صلي الله عليه وسلم.\nتوفي الرسول ﵊، فجعلت، ﵂- تندبه، لكنه ندب خفيف، لا يدل على التسخط من قضاء الله وقدره.\nوقولها «أجاب ربا دعاه» لأن الله- سبحانه وتعالي- هو الذي بيده ملكوت كل شيء، آجال الخلق بيده، تصريف الخلق بيده، كل شيء إلي الله، إلي الله المنهي وإليه الرجعي.\n\nفأجاب داعي الله، وهو انه صلي الله عليه وسلم إذا توفي صار كغيره من المؤمنين، يصعد بروحه حتى توقف بين يدي الله﷿- فوق السماء السابعة. فقالت: واأبتاه، أجاب ربا دعاه.\nوقولها: «وا ابتاه جنة الفردوس مأواه» صلي الله عليه وسلم لأنه ﵊ أعلى الخلق منزلة في الجنة، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم «اسألوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو» . ولا شك ان النبي صلي الله عليه وسلم مأواه جنة الفردوس، وجنة الفردوس هي أعلي درجات الجنة، وسقفها الذي فوقها عرش الرب ﷻ، والنبي ﵊ في أعلى الدرجات منها.\nقولها: «يا أبتاه إلي جبريل ننعاه» النعي: هو الإخبار بموت الميت،","vol":"1","page":202},{"text":"وقالت: إننا ننعاه إلي جبريل لأن جبريل هو الذي كان يأتيه بالوحي صباحًا ومساء.\nفإذا فقد النبي ﵊؛ فقد نزول جبريل ﵊ إلي الأرض بالوحي؛ لأن الوحي انقطع بموت النبي صلي الله عليه وسلم.\nثم لما حمل ودفن ﵂: «أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب؟» يعني من شدة وجدها عليه، وحزنها، ومعرفتها بأن الصحابة﵃- قد ملأ قلوبهم محبة الرسول ﵊ فهل طابت؟\nوالجواب: أنها طابت؛ لن هذه ما أراد الله﷿- وهو شرع الله، ولو كان النبي ﵊ يفدي بكل الأرض لفداه الصحابة ﵃.\nلكن الله - سبحانه- هو الذي له الحكم، وغليه المرجع، وكما قال الله تعالي في كتابة: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (الزمر: ٣٠/٣١) .\nالفوائد:\nفي هذا الحديث بيان أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كغيرة من البشر، يمرض ويجوع، ويعطش، ويبرد، ويحتر وجميع الأمور البشرية تعتري النبي صلي الله عليه وسلم، كما قال صلي الله عليه وسلم «إنما أنا بشر مثلكم، أنسي كما تنسون» .","vol":"1","page":203},{"text":"وفيه: رد على هؤلاء القوم الذين يشركون بالرسول صلي الله عليه وسلم؛ يدعون الرسول ﵊، ويستغيثون به وهو في قبره بل إن بعضهم- والعياذ بالله- لا يسأل الله تعالي ويسأل الرسول صلي الله عليه وسلم؛ كأن الذي يجيب هو الرسول ﵊، ولقد ضلوا في دينهم وسفهوا في عقولهم. فإن الرسول صلي الله عليه وسلم لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعا فكيف يملك لغيره؟!\nقال الله تعالي آمرًا نبيه) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) بل هو عبد من عباد الله؛ ولهذا قال (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (الأنعام: من الآية٥٠) .\nوقال الله- سبحانه- له أيضا (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) (إِلَّا بَلاغًا) أي: هذه وظيفتي (مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) (الجالنبي صلي الله عليه وسلم: من الآية٢١/٢٣)، ولما أنزل الله تعالي قوله:) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: ٢١٤)، دعا قرابته صلي الله عليه وسلم وجعل ينادي إلي أن قال: «يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا» إلي هذا الحد!! التي هي بضعة منه والتي يريبه ما رابه يقول لها: لا أغني عنك من الله شيئًا.","vol":"1","page":204},{"text":"فهذا دليل على أن من سواها من باب أولي.\nففيه ضلال هؤلاء الذين يدعون الرسول صلي الله عليه وسلم تجدهم في المسجد النبوي عند الدعاء يتجهون إلي القبر، ويصمدون أمام القبر كصمودهم أمام الله في الصلاة أو اشد.\nوفي هذا الحديث: دليل على أنه لا باس بالندب اليسير إذا لم يكن مؤذيا بالتسخط على الله ﷿، لأن فاطمة ندبت النبي ﵊، لكنه ندب يسير، وليس ينم عن اعتراض على قدر الله ﷿.\n\nوفيه دليل: على أن فاطمة بنت محمد صلي الله عليه وسلم ورضي الله عنها بقيت بعد حياته صلي الله عليه وسلم بقيت فاطمة، ولكن ليس لها ميراث، لا هي، ولا زوجاته، ولا عمه العباس، ولا أحد من عصبته؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي ﵊: «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة» .\nوهذا من حكمة الله - ﷿- لأنهم لو ورثوا لقال من يقول: إن هؤلاء جاءوا بالرسالة يطلبون ملكا يورث من بعدهم؛ ولكن الله - ﷿- منع ذلك.\nفالأنبياء لا يورثون، بل ما يتركونه يكون صدقة يصرف للمستحقين له والله الموفق.","vol":"1","page":205},{"text":"٢٩- وعن أبي زيد اسامة بن زيد حارثة مولى رسول الله صلي الله عليه وسلم وحبه وابن حبه، ﵄، قال: أرسلت بنت النبي صلي الله عليه وسلم: إن ابني قد احتضر فاشهدنا، فأرسل يقري السلام ويقول: «إن الله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي فلتصبر ولتحتسب» فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتيها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال ﵃، فرفع إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم الصبي فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، ففاضت عيناهن فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله تعالي في قلوب عباده» وفي رواية: في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (متفق عليه) .\nومعني: «تقعقع» تتحرك وتضطرب.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - ﵀ تعالي- فيما نقله عن أبي زيد اسامة بن زيد بن حارثة- رضي الله عنهما_، وزيد بن حارثة كان مولي لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وكان عبدًا، فأهدته إليه خديجة﵂- فأعتقه، فصار مولي له، وكان يلقب بحب رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ أي حبيبيه، وابنه أيضًا حب، فأسامة حبه وابن حبه ﵄، ذكر أن إحدي بنات الرسول صلي الله عليه وسلم أرسلت إليه رسولا،","vol":"1","page":206},{"text":"تقول له إن ابنها قد احتضر، أي: حضره الموت. وأنها تطلب من النبي صلي الله عليه وسلم أن يحضر، فبلغ الرسول رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال له النبي صلي الله عليه وسلم «مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي» .\nأمر النبي ﵊ الرجل الذي أرسلته ابنته أن يأمر ابنته- أم هذا الصبي- بهذه الكلمات:\nقال: «فلتصبر» أي: تحتسب الأجر على الله بصبرها؛ لأن من الناس من يصبر ولا يحتسب، يصبر على المعصية ولا يتضجر، لكنه ما يؤمل أجرها على الله فيفوته بذلك خير كثير، لكن إذا صبر واحتسب الأجر على الله، يعني: أراد بصبره أن يثيبه الله ويأجره، فهذا هو الاحتساب «مرها فلتصبر» يعني على هذه المصيبة «ولتحتسب» أجرها على الله ﷿. قوله: «فإن لله ما أخذ وله ما أعطي» هذه الجملة عظيمة؛ إذا كان الشيء كله لله، إن أخذ منك شيئًا فهو ملكه، وإن اعطاك شيئًا فهو ملكه، فكيف تسخط إذا أخذ منك ما يملكه هو؟\nعليك إذا أخذ لله منك شيئا محبوبًا لك؛ أن تقول: هذا لله، له أن يأخذ ما شاء الله، وله أن يعطي ما شاء.\n\nولهذا يسن للإنسان إذا أصيب بمصيبة أن يقول «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» يعني: نحن ملك لله يفعل بنا ما يشاء، وكذلك ما نحبه إذا أخذه من بين أيدينا فهو له﷿- له ما أخذ وله أعطي، حتى الذي يعطيك أنت لا تملكه، هو لله، ولهذا لا يمكن أن تتصرف فيما أعطاك الله إلا على الوجه الذي أذن لك فيه؛ وهذا دليل على أن ملكنا لما يعطينا الله ملك","vol":"1","page":207},{"text":"قاصر، ما نتصرف فيه تصرفا مطلقًا، فلو أراد الإنسان أن يتصرف في ماله تصرفًا مطلقا على وجه لم يأذن به الشرع قلنا له أمسك، لا يمكن؛ لأن المال مال الله، فلا تتصرف فيه إلا على الوجه الذي أذن لك فيه.\nولهذا قال: «ولله ما أخذ وله ما أعطي» فإذا كان لله ما أخذ، فكيف نجزع؟ كيف نتسخط أن يأخذ المالك ما ملك سبحانه وتعالي؟ هذا خلاف المعقول وخلاف المنقول!\nقال: «وكل شيء عنده بأجل مسمي» كل شيء عنده بمقدار، كما قال الله تعالي في القرآن الكريم) وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) (الرعد: من الآية٨) بمقدار في زمانه، ومكانه، وذاته، وصفاته، وكل ما يتعلق به فهو عند الله مقدر.\n\n«بأجل مسمي» أي: معين، فإذا أيقنت بهذا؛ إن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي؛ اقتنعت. وهذه الجملة الأخيرة تعني أن الإنسان لا يمكن أن يغير المكتوب المؤجل لا بتقديم ولا بتأخير، كما قال الله) لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس: من الآية٤٩)، فإذا كان الشيء مقدرًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فلا فائدة من الجزع والتسخط؛ لأنه وإن جزعت أو تسخطت لن تغير شيئًا من المقدور.\nثم إن الرسول أبلغ بنت النبي صلي الله عليه وسلم ما أمره أن يبلغه إياها، ولكنها أرسلت إليه تطلب أن يحضر، فقام ﵊ هو وجماعة من أصحابه، فوصل إليها، فرفع إليه الصبي ونفسه تتقعقع؛ أي تضطرب، تصعد وتنزل، فبكي الرسول ﵊ ودمعت عيناه. فقال","vol":"1","page":208},{"text":"سعد بن عباده وكان معه- هو سيد الحرج- ما هذا؟ ظن أن الرسول صلي الله عليه وسلم بكي جزعًا، فقال النبي ﵊: «هذه رحمة» أي بكت رحمة بالصبي لا جوعًا بالمقدور.\nثم قال ﵊: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» ففي هذا دليل على جواز البكاء رحمة بالمصاب.\n\nإذا رأيت مصابًا في عقله أو بدنه، فبكت رحمة به، فهذا دليل على أن الله تعالي جعل في قلبك رحمة، وإذا جعل الله في قلب الإنسان رحمه كان من الرحماء الذين ﵏ ﷿. نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته.\nففي هذا الحديث دليل على وجوب الصبر؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: «مرها فلتصبر ولتحتسب» .\nوفيه دليل أيضًا على أن هذه الصيغة من العزاء أفضل صيغة، أفضل من قوله بعض الناس: «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك» هذه صيغة أختارها بعض العلماء، لكن الصيغة التي اختارها الرسول ﵊ «اصبر واحتسب، فإن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي» أفضل؛ لأن المصاب إذا سمعها اقتنع أكثر.\n\nوالتعزية في الحقيقة ليست تهنئه كما ظنها بعض العوام، يحتفل بها، وتوضع لها الكراسي، وتوقد لها الشموع، ويحضر لها القراء والأطعمة، بل هي تسلية وتقوية للمصاب أن يصبر، ولهذا لو أن أحدًا لم يصب بالمصيبة، كما لو مات له ابن عم ولم يهتم به؛ فإنه لا يعزي، ولهذا قال","vol":"1","page":209},{"text":"العلماء ﵏ «تسن تعزية المصاب» ولم يقولوا تسن تعزية القريب، لأن القريب ربما لا يصاب بموت قريبه، والبعيد يصاب لقوة صداقة بينهما مثلًا.\nفالتعزية للمصاب لا للقريب. أما الآن- مع الأسف- انقلبت الموازين وصارت التعزية للقريب، حتى وإن كان قد فرح وضرب الطبول لموت قريبه فإنه يعزي، ربما يكون بعض الناس فقيرًا، وبينه وبين ابن عمه في هذه الحال أو يصاب؟ غالبا يفرح، ويقول: الحمد لله الذي خلصني من مشاكلة ورثني ماله! فهذا لا يعزي، هذا يهنأ لو أردنا أن نقول شيئًا.\nوالمهم أنه يجب أن نعلم أن التعازي إنما هي لتقوية المصاب على الصبر وتسليته، فيختار لها من الكلمات أفضل ما يكون وأقرب ما يكون للتعزية، ولا أحسن من الكلمات التي صاغها نبينا صلي الله عليه وسلم. والله الموفق.\n\n* * *\n٣٠- وعن صهيب ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلكا كبر قال للملك: إني قد كبرت فأبعث إلي غلاما أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتي الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتي الساحر ضربه، فشكا ذلك إلي الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حسبني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حسبني الساحر.","vol":"1","page":210},{"text":"فبينما هو علي ذلك إذ أتي علي دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضي الناس، فأتي الراهب فاخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أري وإنك ستبتلي فإن ابتليت فلا تدل علي؛ وكان الغلام يبرئ الأكمة والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله تعالي، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فأمن باله تعالي فشفاه الله، فأتي الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي قال: أو لك غيري؟! قال ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجئ بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمة والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله تعالي، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب؛ فجئ بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبي فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه\nفشقه به حتى وقع شقاه، ثم جئ بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبي فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جئ بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبي، فدفعه إلي نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلي جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه","vol":"1","page":211},{"text":"فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلي الملك فقال له الملك: ما فعل بك بأصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالي، فدفعه إلي نفر من اصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر، فغن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفينهم بما شئت فانكفات بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلي الملك فقال له الملك: ما فعل بأصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالي، فقال الملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به، قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم\n\nقال: بسم رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغة، فوضع يده في صدغه فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك. قد آمن الناس. فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت، واضرم فيها النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم، ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق» (رواه مسلم) .","vol":"1","page":212},{"text":"«ذروه الجبل»: أعلاه، وهي بكسر الذال المعجمة وضمها، و«القرقور» بضم القافين: نوع من السفن، و«الصعيد» هنا: الأرض البارزة، و«الأخدود» الشقوق في الأرض كالنهر الصغير، و«اضرم» أوقد و«انكفات» أي: انقلبت، و«تقاعست) ٩ توقفت وجبنت» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي ذكره المؤلف - ﵀ تعالي- في باب الصبر في قصة عجيبة: وهي أن رجلًا من الملوك فيمن سبق كان عنده ساحر اتخذه الملك بطانة؛ من أجل ان يستخدمه في مصالحه ولو على حساب الدين، لأن هذا الملك لا يهتم إلا بما فيه مصلحته، وهو ملك مستبد قد عبد الناس لنفسه كما سيأتي إن شاء الله تعالي في آخر الحديث.\n\nهذا الساحر لما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر.\nواختار الغلام لأن الغلام أقبل للتعليم، ولأن التعليم للغلام الشاب هو الذي يبقي، ولا ينسي، ولهذا كان التعلم في الصغر خيرا بكثير من التعلم في الكبر، وفي كل خير، لكن التعلم في الصغر فيه فائدتان عظيمتان بل أكثر:\nالفائدة الأولي: أن الشاب في الغالب أسرع حفظًا من الكبير، لأن الشاب فارغ البال ليست عنده مشاكل توجب انشغاله.","vol":"1","page":213},{"text":"وثانيًا: أن ما يحفظه الشاب يبقي، وما يحفظه الكبير ينسي، ولهذا كان من الحكمة الشائعة بين الناس: «إن العلم في الصغر كالنقش في الحجر» لا يزول.\nوفيه فائدة ثالثة: وهي أن الشاب إذا ثقف العلم من أول الأمر صار العلم كالسجية له والطبيعة له، وصار كأنه غريزة قد شب عليه فيشب عليه.\nفهذا الساحر ساحر كبير قد تقدمت به السن وجرب الحياة وعرف الأشياء. فطلب من الملك أن يختار له شابًا غلامًا يعلمه السحر، فبعث إليه غلامًا، فعلمه ما علمه، ولكن الله تعالي قد أراد بهذا الغلام خيرًا\nمر هذا الغلام يومًا من الأيام براهب، فسمع منه فأعجبه كلامه، لأم هذا الراهب- يعني العابد- عابد لله ﷿، لا يتكلم إلا بالخير، وقد يكون راهبًا عالمًا لكن تغلب عليه العبادة فسمي بما يغلب عليه من الرهبانية، فصار هذا الغلام إذا خرج من أهله جلس عند الراهب فتأخر على الساحر، فجعل الساحر يضربه، لماذا تتأخر؟ فشكا الغلام إلي الراهب أمر يتخلص به، قال: إذا ذهبت إلي الساحر وخشيت أن يعاقبك فقل: عن الساحر أخرني؛ حتى تنجو من هذا ومن هذا.\nوكان الراهب- والله أعلم- أمره بذلك- مع أنه كذب - لعله رأي أن المصلحة في هذا تربو على مفسدة الكذب، مع أنه يمكن أن يتأول!!","vol":"1","page":214},{"text":"ففعل، فصار الغلام يأتي إلي الراهب ويسمع منه، ثم يذهب إلي الساحر، فإذا أراد أن يعاقبه على تأخره قال: إن أهلي أخروني، وإذا رجع إلي أهله وتأخر عند الراهب قال: إن الساحر أخرني. فمر ذات يوم بدابة عظيمة، ولم يعين في الحديث ما هذه الدابة، قد حسبت الناس عن التجاوز، فلا يستطيعون أن يتجاوزها، فإذا هذا الغلام أن يخابر: هل الراهب خير له أم الساحر، فأخذ حجرًا، ودعا الله سبحانه وتعالي إن كان أمر الراهب خير له أن يقتل هذا الحجر الدابة، فرمي بالحجر، فقتل الدابة، فمشي الناس.\nفعرف الغلام أن أمر الراهب خير من أمر الساحر، وهذا أمر لا شك فيه؛ لأن الساحر إما معتد ظالم، وإما كافر مشرك، فإن كان يستعين على سحره بالشياطين يتقرب إليهم ويعبدهم ويدعوهم ويستغيث بهم فهو كافر مشرك. وإن كان لا يفعل هذا لكن يعتدي على الناس بأدوية فيها سحر فهذا ظالم معتد.\nأما الراهب، فإن كان يعبد الله على بصيرة فهو مهتد، وإن كان عنده شيء من الجهل والضلال فنيته طيبه، وإن كان عمله سيئًا.\nالمهم أن الغلام أخبر الراهب بما جري فقال له الراهب: أنت اليوم خير مني، وذلك لأن الغلام دعا الله فاستجاب الله له.\n\nوهذا من نعمة الله على العبد، أن الإنسان إذا شك في المر ثم طلب من الله لآية تبين له شأن هذا الأمر فبينه الله له، فإن هذا من نعمة الله عليه.\nومن ثم شرعت الاستخارة، للإنسان إذا هم بالأمر وأشكل عليه: هل","vol":"1","page":215},{"text":"في إقدامه خير أم في إحجامه خير، فإنه يستخير الله، وإذا استخار الله بصدق وإيمان فإن الله تعالي يعطيه ما يستدل به علي أن الخير في الإقدام أو إحجام. إما بشيء يلقيه في قلبه ينشرح صدره لهذا أو لهذا، وإما برؤيا يراها في المنام، وإما بمشورة أحد من الناس، وإما بغير ذلك.\nوكان من كرامات هذا الغلام أنه يبرئ الأكمة والأبرص، يعني أنه يدعو لهم فيبرأون، وهذا من كرامات الله له.\nوليس كقصة عيسي بن مريم يمسح صاحب العاهة فيبرأ، بل هذا يدعو الله فيستجيب الله تعالي دعاءه، فيبرئ بدعائه الأكمة والأبرص.\nوقد اخبر الراهب هذا الغلام بأنه سيبتلي يعني سيكون له محنة واختبار، وطلب منه أن لا يخبر به إن هو ابتلي بشيء.\nوكأن هذا الغلام- والله أعلم- مستجاب الدعوة، إذا دعا الله تعالي قبل منه.\n\nوكان للملك جليس أعمي- لا يبصر- فأتي بهدايا كثيرة لهذا الغلام حينما سمع عنه ما سمع وقال: لك ما هنا أجمع- أي كله- إن أنت شفيتني، فقال، إنما يشفيك الله.\nانظر إلي الإيمان! لم يغتر بنفسه وادعي أنه هو الذي يشفي المرضي، بل قال: إنما يشفيك الله ﷿، وهذا يشبه من بعض الوجوه ما جري لشيخ الإسلام ابن تيميه﵀ عليه-، حينما جئ إليه برجل مصروع قد صرعه الجني، فقرأ عليه شيخ الإسلام ابن تيمي ولكنه لم يخرج، فجعل شيخ الإسلام يضربه على رقبته ضربًا شديدًا، حتى إن يد شيخ","vol":"1","page":216},{"text":"الإسلام أوجعته من الضرب. فتكلم الجني الذي في الرجل وقال له: أخرج كرامة للشيخ، فقال له الشيخ ﵀: لا تخرج كرامة لي ولكن أخرج طاعة لله ولرسوله. لا يريد أن يكون له فضل، بل الفضل لله ﷿ أولًا وآخرا. فخرج الجني. فلما خرج الجني استيقظ الرجل فقال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ لأنه حينما صرع يمكن أنه كان في بيته أو سوقه، قال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ فقالوا: سبحان الله! ألم تحس بالضرب الذي كان يضربك؟ قال: ما أحسست به ولا أوجعني. فأخبروه، فبريء الرجل!\n\nالشاهد أن أهل العلم والإيمان لا ينسبون نعمة الله إليهم، وإنما ينسبونها إلي موليها ﷿ وهو الله.\nوقال له: «فإن أنت آمنت دعوت الله لك» فآمن الرجل، فدعا الغلام ربه أن يشفيه، فشفاه الله، فاصبح مبصرًا.\nفجاء هذا الجليس إلي الملك وجلس عنده على العادة، فسأله الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: وأخبره بالخبر وعذبه تعذيبًا شديدًا، قال: من الذي علمك بهذا الشيء؟ وكان الراهب قد قال له: إنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تخبر عني. ولكن لعله عجز عن الصبر، فأخبر عن الراهب.\nوكان هذا الملك الجبار- والعياذ بالله- لما دلوا على الراهب، جئ بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك ولكنه أبي أن يرجع عن دينه.","vol":"1","page":217},{"text":"فأتوا بالمنشار فشذبوه من مفرق رأسه- من نصف الجسم- فبدأوا بالرأس، ثم الرقبة، ثم الظهر حتى انقسم قسمين - شقين: سقط شق هنا وشق هنا- ولكنه لم يثنه ذلك عن دينه. أبي أن يرجع، ورضي أن يقتل هذه القتلة ولا يرجع عن دينه- ما شاء الله-!! ثم جئ بالرجل الأعمى الذي كان جليسًا عند الملك وآمن بالله، وكفر بالملك، فدعي أن يرجع عن دينه فأبي، ففعل به كما فعل بالراهب، ولم يرده ذلك عن دينه. وهذا يدل على أن الإنسان يجب عليه أن يصبر.\nولكن هل يجب على الإنسان ان يصبر على القتل، أو يجوز أن يقول كلمة الكفر دفعا للإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان وإن شاء أصر وأبي ولو قتل، هذا إذا كان الأمر عائدًا إلي الإنسان بنفسه يعني مثلًا قيل له: اسجد للصنم، فلم يسجد، فقتل، أو سجد دفعًا للإكراه ولم يقتل.\nأما إذا كان الأمر يتعلق بالدين، بمعني أنه لو كفر الكفر، بل يجب أن يصبر ولو قتل، كالجهاد في سبيل الله. المجاهد يقدم على القتل ولو قتل، لأنه يريد أن تكون كلمة الله هي العليا، فإذا كان إمامًا للناس وأجبر على أن يقول كلمة الكفر فإنه لا يجوز أن يقول كلمة الكفر، لا سيما في زمن الفتنة، بل عليه أن يصبر ولو قتل.\n\nومثل ذلك ما وقع للإمام أحمد بن حنبل﵀- حين امتحن","vol":"1","page":218},{"text":"المحنة العظيمة المشهورة، على أن يقول إن القرآن مخلوق وليس كلام الله، فأبي، فأوذي وعزر، حتى إنه يجر بالبغلة بالأسواق-أمام أهل السنة- يجر بالبغلة بالأسواق ويضرب بالسوط حتى يغشي عليهن ولكنه كلما أفاق قال: القرآن كلام ربي غير مخلوق.\nوإنما لم يجز لنفسه ان يقول كلمة الكفر مع الإكراه، لأن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد، فلو قال: القرآن مخلوق، لصار كل الناس يقولون: القرآن مخلوق، وفسد الدين.\nولكنه﵁- جعل نفسه فداء للدين ومع هذا صبر واحتسب، وكانت العاقبة له ولله الحمد. مات الخليفة، ومات الخليفة الثاني الذي بعده، واتي الله بخليفة صالح أكرم الإمام أحمد إكرامًا عظيمًا، فما مات الإمام أحمد حتى أقر الله عينه بأن يقول الحق عاليًا مرتفع الصوت، ويقول الناس الحق معه.\nوخذل أعداؤه الذين كانوا يحدثون الخلفاء عليه. ولله الحمد. وهذا دليل على أن العاقبة للصابرين، وهو كذلك، والله الموفق.\n\nلما قتل الملك الراهب، وقتل جليسه، جئ بالغلام فطلب منه أن يرجع عن دينه إلي دين الملك، ودين الملك دين شرك؛ لأنه- والعياذ بالله - يدعو الناس إلي عبادته وتأليهه.\nفأبي الغلام أن يرجع عن دينه، فدفعه الملك إلي نفر من أصحابه٠ - أي جماعة من الناس- وقال لهم: اذهبوا به إلي جبل كذا وكذا، جبل معروف عندهم شاهق رفيع، وقال لهم إذا بلغوا ذروته: فاطرحوه، يعني علي","vol":"1","page":219},{"text":"الأرض، ليقع راس الجبل فيموت، بعد أن تعرضوا عليه ان يرجع عن دينه، فإن رجع وإلا فاطرحوه.\nفلما بلغوا به قمة الجبل طلبوا منه ان يرجع عن دينه فأبي؛ لأن الإيمان قد وقر في قلبه، ولا يمكن أن يتحول أو يتزحزح، فلما هموا أن يطرحوه قال: «(اللهم اكفنيهم بما شئت» .\nدعوة مضطر مؤمن: «اللهم اكفينهم بما شئت» أي: بالذي تشاء، ولم يعين. فرجف الله بهم الجبل فسقطوا وهلكوا، وجاء الغلام إلي الملك فقال: ما الذي جاء بك؟ أين أصحابك؟ فقال: قد كفانيهم الله ﷿.\nثم دفعه إلي جماعة آخرين، وأمرهم أن يركبوا البحر في قرقور- أي سفينة- فإذا بلغوا لجة البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه، فإن لم يفعل رموه في البحر. فلما توسطوا من البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه- وهو الإيمان بالله﷿- فقال: لا! أبي، ثن قال: «اللهم اكفنيهم بما شئت» فانقلبت السفينة وغرقوا وأنجاه الله. ثم جاء إلي الملك فقال له: أين أصحابك؟ فأخبره بالخبر.\nثم قال له: إنك لست قاتلي حتى تفعل ما آمرك به! قال: وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد، كل أهل البلد تجمعهم في مكان واحد، ثم تصلبني على جذع، ثم تأخذ سهمًا من كنانتي فتضعه في كبد القوس، ثم ترميني به وتقول: بسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني!\nفجمع الملك الناس في صعيد واحد، وصلب الغلام، وأخذ سهما","vol":"1","page":220},{"text":"من كنانته فوضعها في كبد القوس، ثم رماه وقال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فأصابه السهم من صدغه، فوضع يده عليه ومات، فاصبح الناس يقولون: بسم الله رب الغلام. وآمنوا بالله وكفروا بالملك. وهذا هو الذي كان يريده هذا الغلام.\nففي هذه القطعة من الحديث دليل على مسائل:\nثانيًا: قوة إيمان هذا الغلام، وأنه لم يتزحزح عن إيمانه ولم يتحول.\n\nثانيًا: فيه آية من آيات الله، حيث أكرمه الله ﷿ بقبول دعوته، فزلزل الجبل بالقوم الذين يريدون أن يطرحوه من رأس الجبل حتى سقطوا.\nثالثًا: أن الله ﷿ يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، فإذا دعا الإنسان ربه في حال ضرورة موقنًا أن الله يجيبه، فإن الله تعالي يجيبه، حتى الكفار إذا دعوا الله في حال الضرورة أجابهم الله، مع انه يعلم انهم سيرجعون إلي الكفر، إذا غشيهم موج كالظل في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، فإذا نجاهم أشركوا، فينجيهم لأنهم صدقوا في الرجوع إلي الله عند دعائهم، وهو سبحانه يجيب المضطر ولو كان كافرًا.\nرابعًا: أن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامة للمسلمين، فإن هذا الغلام دل الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه، وهو ان يأخذ سهمًا من كنانته ويضعه في كبد القوس ويقول: باسم الله رب الغلام.\nقال شيخ الإسلام: «لأن هذا جهاد في سبيل الله، آمنت أمة وهو لم يفتقد شيئا، لأنه مات وسيموت إن آجلًا أو عاجلًا» .","vol":"1","page":221},{"text":"فأما ما يفعله بعض الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدم بها إلي الكفار ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله.\n\nومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين، كما جاء في الحديث عن النبي ﵊.\nلأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام، لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مائة أو مائتين، لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يسلم الناس، بخلاف قصة الغلام، فإن فيها لإسلام كثير من الناس، فكل من حضر في الصعيد اسلموا، أما أن يموت عشرة أو عشرون أو مائة أو مائتان من العدو، فهذا لا يقتضي أن يسلم، بل ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدره هذا العمل حتى يفتك بالمسلمين اشد فتك، كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين، فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات وقتل ستة أو سبعة أخذوا من جراء ذلك ستين نفرا أو أكثر، فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين، ولا انتفاع للذين فجرت هذه المتفجرات في صفوفهم.\nولهذا تري ان ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار، نري أنه قتل","vol":"1","page":222},{"text":"للنفس بغير حق، وأنه موجب لدخول النار والعياذ بالله، وان صحابه ليس بشهيد. لكن إذا فعل الإنسان هذا متأولا ظانا أنه جائز، فإننا نرجو أن يسلم من الإثم، وأما أن تكتب له الشهادة فلا؛ لأنه لم يسلك طريقة الشهادة، لكنه يسلم من الإثم لأنه متأول، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر.\nفي خاتمة هذا الحديث العظيم الذي فيه العبرة لمن أعتبر، فيها أن الملك الكافر الذي يدعو الناس إلي عبادته، لما آمن الناس وقالوا آمنا بالله رب الغلام، جاءه أهل الشر وأهل الحقد على الإيمان وأهله، وقالوا له: أيها الملك إنه وقع ما كنت تحذر منه، وهو الإيمان بالله، وكان يحذر طاغيًا ظالمًا، فأمر بالأخدود على أفواه السكك فخدت، الأخدود يعني خفر عميق مثل السواقي على أفواه السكك، يعني على أطراف الأزقة والشوارع، وقال لجنوه: من جاء ولم يرجع عن دينه فأقحموه فيها؛ لأنه اضرم فيها النيران_ والعياذ بالله- فكان الناس يأتون ولكنهم لا يرتدون عن دينهم وإيمانهم، فيقحموهم في النار، فكل من لم يرجع عن دينه الحقيقي- وهو الإيمان بالله- قذفوه في النار، ولكنهم إذا قذفوهم في النار واحترقوا بها فإنهم ينتقلون من دار الغرور والبوار إلي دار النعيم والاستقرار، لأن الملائكة تتوفاهم طيبين يقولون:) سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل: من الآية٣٢)، ولا أعظم من هذا الصبر، أن يري الإنسان النار تتأجح فيقحتم فيها خوفا على إيمان وصرا عليه. فجاءت امرأة ومعها صبي رضيع، فلما رأت النيران كأنها تقاعست أن تقتحتم النار هي وطفلها،","vol":"1","page":223},{"text":"فقال لها الطفل: يا أماه اصبري فإنك على الحق، يقوله وهو صغير لا يتكلم، لكن أنطقه الله الذي أنطق كل شيء، وهو كرامة لهذه الأم، أن الله أنطق ابنها من أجل أن تقوي على أن تقتحم النار وتبقي علي إيمانها، لأن تكلم هذا الصبي في المهد آية عظيمة، وقد شهد هذا الصبي بأن أمه على الحق، فصبرت واقتحمت النار، وهذا من آيات الله، وهو دليل على أن الله تعالي) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الزمر: ٦١) .\nومريم بنت عمران﵂- خرجت من أهلها وذهبت مكانا قصيا وهي حامل بابنها عيسي الذي خلقه الله تعالي بكلمة كن فكان) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) (مريم: من الآية٢٣)، يعني الطلق، فوضعت تحت جذع النخلة، وجعل الله تحتها نهرا يمشي، فقيل لها:) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) (مريم: ٢٥)، رطب يقع من فرع النخلة، جنيا لم يتاثر بسقوطه على الأرض، وهذا من آيات الله، لأن من المعروف أن الرطب لو سقطت من يد الإنسان- ولو كان واقفا فقط- تمزقت، لكن هذه الرطب لم تتمرق، مع أنها تسقط من فرع النخلة. ثم عن هذه المرأة امرأة ضعيفة ماخض، لم تلد إلا الآن، ومع ذلك تهز النخلة من جذعها فتهتز النخلة، فهذا أيضا من آيات الله، لأن العادة أن النخلة لا تهتز من الجذع إلا إذا هزها أحد قوي من فرعها، فقيل لها) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنا) (مريم: من الآية٢٦)، ثم أتت به قومها تحمله، هذا الطفل، فصاحوا بها) ايَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) (مريم: من الآية٢٧)، يعني شيئا عظيمًا، لأنهم أيقنوا بأنها زنت","vol":"1","page":224},{"text":"- والعياذ بالله- كيف يأتيها ولد من دون\nزوج؟) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (مريم: ٢٨)، يعني أن أبك ليس امرأ سوء، وكذلك أمك ليست بغيًا، ليست بزانية، فمن آبين جاءك هذا؟ وهذا تعريض لها بالقذف، فأشارت إليه؟ يعني: اسألوه قالوا:) كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) (مريم: من الآية٢٩) فظنوا أنها تسخر بهم، فأنطق الله هذا الصبي) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) - كلام صحيح-) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا» وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) (مريم: ٣٠-٣٣) .\n\nعشر جمل نتكلم بها هذا الصبي الذي في المهد بأبلغ ما يكون من الفصاحة فأنظر إلي قدرة الله ﷿-، حيث ينطق هؤلاء الصبيان بكلام من أفصح الكلام، بكلام يصدر من ذي عقل، كل ذلك دلالة على قدرة الله، وفيه أيضًا إنقاذ لمريم﵂- من التهمة التي قد تلحقها بسبب هذا الحمل بدون زوج. وهكذا أيضًا هذا الطفل مع المرأة التي تقاعست أن تقتحم النار، أكرمها الله إنطاق هذا الطفل من أجل أن تقتحم النار وتبقي عاى إيمانها. وفي هذه القصص وأمثالها دليل على أن الله- سبحانه وتعالي- برحمته ينجي كل مؤمن في مفازته، وكل متق في مفازته، يعني في موطن يكون فيه هلاكه ولكن الله تعالي ينقذه لما سبق له من التقوي، وشاهد ذلك قوله صلي الله عليه وسلم «تعرف إلي الله في الرخاء يعرفك في الشدة» والله الموفق.","vol":"1","page":225},{"text":"٣١- وعن أنس -﵁- قال: مر النبي صلي الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: «أتقي الله واصبري» فقالت إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلي الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلي الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولي» (متفق عليه) .\nوفي رواية لمسلم: «تبكي على صبي لها» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - ﵀ تعالي- فيما نقله عن أنس بن مالك﵁- أن النبي صلي الله عليه وسلم مر بامرأة وهي عند قبر صبي لها قد مات، وكانت تحبه حبًا شديدًا، فلم تملك نفسها أن تخرج إلي قبره لتبكي عنده. فلما رآها النبي صلي الله عليه وسلم أمرها بتقوى الله والصبر.\nقال لها: «اتقي الله واصبري، فقالت له: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي» إليك عني أي: ابعد عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي.\nوهذا يدل على أن المصيبة قد بلغت منها مبلغًا عظيمًا، فانصرف النبي صلي الله عليه وسلم عنها.","vol":"1","page":226},{"text":"ثم قيل لها: إن هذا رسول الله صلي الله عليه وسلم فندمت وجاءت إلي رسول الله، إلي بابه، وليس على الباب بوابون أي: ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه. فأخبرته وقالت: إنني لم أعرفك، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «إنما الصبر عند الصدمة الأولي» .\nالصبر الذي يثاب عليه الإنسان هو أن يصبر عند الصدمة الأولي أول ما تصيبه المصيبة، هذا هو الصبر.\nأما الصبر فيما بعد ذلك، فإن هذا قد يكون تسليا كما تتسلي البهائم. فالصبر حقيقة أن افنسان إذا صدم أول ما يصدم يصبر ويحتسب، ويحسن ان يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها» .\nففي هذا الحديث عدة فوائد:\nأولًا: حسن خلق النبي ﵊ ودعوته إلي الحق وإلي الخير، فإنه لما رأي هذه المرأة تبكي عند القبر أمرها بتقوى الله والصبر.\nولما قالت: «إليك عني» لم ينتقم لنفسه، ولم يضربها، ولم يقمها بالقوة، لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها، ولهذا خرجت من بيتها لتبكي عند هذا القبر.\n\nفإن قال قائل: أليس زيارة القبور حراما على النساء؟ قلنا بلي هي حرام على النساء، بل هي من كبائر الذنوب!! لأن النبي عليه الصلاة","vol":"1","page":227},{"text":"والسلام «لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» .\nلكن هذه لم تخرج للزيارة، وإنما خرجت لما في قبلها من لوعة فراق هذا الصبي والحزن الشديد، لم تملك نفسها أن تأتي؛ ولهذا عذرها النبي ﵊ ولم يقمها بالقوة، ولم يجبرها على أن ترجع إلي بيتها.\nومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان يعذر بالجهل، سواء أكان جهلًا بالحكم الشرعي أم جهلًا بالحال، فإن هذه المرأة قالت للنبي صلي الله عليه وسلم: إليك عني، أي: ابعد عني، مع أنه يأمرها بالخير والتقوي والصبر. ولكنها لم تعرف أن رسول الله صلي الله عليه وسلم فلهذا عذرها النبي ﵊.\nومنها: أنه لا ينبغي للإنسان المسؤول عن حوائج المسلمين أن يجعل على بيته بوابًا يمنع الناس إذا كان الناس يحتاجون إليه. إلا إذا كان الإنسان يخشي من كثرة الناس وإرهاق الناس وإشغال الناس عن شيء يمكنهم أن يتداركوا شغلهم في وقت آخر، فهذا لا بأس به.","vol":"1","page":228},{"text":"وما جعل الاستئذان إلا من أجل النظر، ومن أجل أن الإنسان يتصرف في بيته في إدخال من شاء ومنع من شاء.\nومن فوائده: أن الصبر الذي يحمده فاعله هو الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولي ويصبر الإنسان ويحتسب، ويعلم أن الله ما أخذ وله ما أعطي، وأن كل شيء عنده بأجل مسمي.\nومن فوائد هذا الحديث: أن البكاء عند القبر ينافي الصبر؛ ولهذا قال لها الرسول صلي الله عليه وسلم: «اتقي الله واصبري» .\nويوجد من الناس من يبتلي، فإذا مات له ميت صار يتردد على قبره ويبكي عنده، وهذا ينافي الصبر، بل نقول: إذا شئت ان تنفع الميت فادع الله وأنت في بيتك، ولا حاجة أن تترد على القبر، لأن التردد على القبر يجعل الإنسان يتخيل هذا الميت دائما في ذهنه ولا يغيب عنه، وحينئذ لا ينسي المصيبة أبدا، مع أن الأفضل للإنسان أن يتلهى وأن ينسي المصيبة بقدر ما يستطيع. والله الموفق.\n\n* * *","vol":"1","page":229},{"text":"٣٢- وعن أبي هريرة﵁- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم: «يقول الله تعالي: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» (رواه البخاري) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث يرويه النبي صلي الله عليه وسلم عن الله، ويسمي العلماء﵏- هذا القسم من الحديث: الحديث القدسي؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم رواه عن الله.\nقوله: (صفيه): الصفي: من يصطفيه الإنسان ويختاره ويري أنه ذو صلة منه قوية، من ولد، أو أخ، أو عم، أو أب، أو أم، أو صديق، إذا أخذه الله ﷿ ثم احتسبه الإنسان فليس له جزاء إلا الجنة.\nففي هذا دليل على فضيلة الصبر على قبض الصفي من الدنيا، وأن الله ﷿ يجازي الإنسان إذا احتسب، يجازيه الجنة.\nوفيه: دليل على فضل الله سبحانه وتعالي وكرمه على عباده، فإن الملك ملكه، والأمر أمره، وأنت وصفيك كلاكما لله ﷿، ومع ذلك فإذا قبض الله صفي الإنسان واحتسب، فإن له هذا الجزاء العظيم.\nوفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد: الإشارة إلي أفعال الله، من قوله: «إذا قبضت صفيه» ولا شك أن الله سبحانه وتعالي فعال لما يريد، ولكن يجب علينا أن نعلم أن فعل الله تعالي كله خير، لا ينسب الشر إلي الله أبدًا،","vol":"1","page":230},{"text":"والشر إذا وقع فإنما يقع في المفعولات ولا يقع في الفعل.\n\nفمثلًا إذا قدر الله على الإنسان ما يكره، فلا شك أن ما يكرهه الإنسان بالنسبة إليه شر. لكن الشر في هذا المقدر لا في تقدير الله، لأن الله تعالي لا يقدره إلا لحكمة عظيمة، إما للمقدر عليه وإما لعامة الخلق.\nأحيانًا تكون الحكمة خاصة في المقدر عليه، وأحيانًا في الخلق على سبيل العموم.\nالمقدر عليه إذا قدر الله عليه شرا وصبر واحتسب نال بذلك خيرًا، وإذا قدر الله عليه شرا ورجع إلي ربه بسبب هذا الأمر، لأن الإنسان إذا كان في نعمة دائمًا قد ينسي شكر المنعم ﷿ ولا يلتفت إلي الله، فإذا أصيب بالضراء تذكر ورجع إلي ربه سبحانه وتعالي، ويكون في ذلك فائدة عظيمة.\nأما بالنسبة للآخرين، فإن هذا المقدر على الشخص إذا ضره قد ينتفع به الآخرون.\nولنضرب لذلك مثلا برجل عنده بيت من الطين، أرسل الله مطرًا غزيرًا دائمًا، فإن صاحب هذا البيت يتضرر، لكن المصلحة العامة للناس مصلحة ينتفعون بها، فصار هذا شرًا على شخص وخيرًا للآخرين، ومع ذلك فكونه شرًا لهذا الشخص أمر نسبي، إذا إنه شر من وجه لكنه خير له من وجه آخر. فيتعظ به ويعلم أن الملجأ هو الله ﷿، لا ملجأ إلا إليه، فيستفيد من هذا فائدة أكبر مما حصل له من المضرة.\n\nالمهم أن هذا الحديث ذكره المؤلف ﵀ في باب الصبر، لأن","vol":"1","page":231},{"text":"فيه فائدة عظيمة فيما إذا صبر الإنسان على قبض صفيه، أنه ليس له جزاء إلا الجنة. والله الموفق.\n\n* * *\n٣٣- وعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أنه كلن عذابا يبعثه الله تعالي على من يشاء، فجعله الله تعالي رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع في الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد» (رواه البخاري) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف ﵀ تعالي فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة - ﵂- أنها سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أن الطاعون عذاب أرسله الله سبحانه وتعالي على من يشاء من عباده.\nوالطاعون: قيل: إنه وباء معين. وقيل: إنه كل وباء عام يحل بالأرض فيصيب اهلها ويموت الناس منه.\n\nوسواء كان معينًا أم كل وباء عام مثل الكوليرا وغيرها؛ فإن هذه الطاعون عذاب ارسله الله ﷿. ولكنه رحمة للمؤمنين إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، فإن الله تعالي يكتب له","vol":"1","page":232},{"text":"مثل أجر الشهيد، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف﵁- أنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» .\nإذا وقع الطاعون بأرض فإننا لا نقدم عليها، لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلي التهلكة، ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فرارًا منه، لأنك مهما فررت من قدر الله إذا نزل بالأرض فإن هذا الفرار لن يغني عنك من الله شيئًا، واذكر القصة التي قصها الله علينا في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. قال بعض العلماء في تفسير الآية: إنه نزل في الأرض وباء فخرجوا منها، فقال الله لهم موتوا ثم أحياهم، ليبين لهم أنه لا مفر من قضاء الله إلا الله.\nففي حديث عائشة﵂- دليل على فضل الصبر والاحتساب، وأن الإنسان إذا صبر نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ثم مات به، كتب الله له مثل أجر الشهيد.\nوذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان، سوف يهرب، يخاف من الطاعون. فإذا صبر وبي واحتسب الأجر وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ثم مات به، فإنه يكتب له مثل أجر الشهيد. وهذا من نعمة الله ﷿.","vol":"1","page":233},{"text":"٣٤- وعن أنس﵁- قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إن الله ﷿ قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منها الجنة) ٩ يريد عينيه (رواه البخاري) .\n\nفي هذا الحديث أخبر النبي صلي الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالي أنه قال: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه» يعني عينيه فيعمي، ثم صبر، إلا عوضه الله بهما الجنة. لأن العين محبوبة للإنسان، فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالي وصبر الإنسان واحتسب، فإن الله يعوضه بهما الجنة، والجنة تساوي كل الدنيا، بل قد قال النبي صلي الله عليه وسلم: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها» . أي مقدار متر في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ لأن ما في الآخرة باق لا يفني ولا يزول، والدنيا كلها فانية زائلة، فلهذا كانت هذه المساحة القليلة من الجنة خيرًا من الدنيا وما فيها.\nواعلم أن الله سبحانه وتعالي إذا قبض من الإنسان حاسه من حواسه، فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس الأخرى ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة الني فقدها.\nفالأعمى يمن الله عليه بقوة الإحساس والإدراك، حتى إن بعض الناس إذا كان أعمي تجده في السوق يمشي وكأنه مبصر يحس بالمنعطفات في الأسواق، ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات، حتى أن بعضهم يتفق","vol":"1","page":234},{"text":"مع صاحب السيارة- سيارة الأجرة- يركب معه من أقصي البلد إلي بيته وهو يقول لصاحب السيارة: خذ ذات اليمين، وهكذا حتى يوقفه عند بابه، وصاحب السيارة لا يعرف البيت، لكن هذا يعرف البيت وهو راكب، سبحان الله! فالله ﷿ إذا اقتضت حكمته أن يفقد أحدًا من عباده حاسه من الحواس، فالغالب أن الله تعالي يخلف عليه حاسة قوية وإدراكًا قويا يعوض بعض ما فاته مما أخذه الله منه. والله الموفق.\n\n* * *\n\nوعن عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس﵄- ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلتك بلي، قال: هذه المرأة السوداء. أتت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فأدع الله تعالي لي قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالي ان يعافيك» فقالت: اصبر. فقالت: إني انكشف، فادع الله أن لا اتكشف. فدعا لها (متفق عليه) .\n\nقوله: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة»: يعرض عليه أن يريه امرأة من أهل الجنة. وذلك لأن أهل الجنة ينقسمون غلي قسمين: قسم نشهد لهم بالجنة بأوصافهم، وقسم نشهد لهم بالجنة بأعيانهم.\nأما الذين نشهد لهم بالجنة بأوصافهم فكل مؤمن، كل متق، فإننا","vol":"1","page":235},{"text":"نشهد بأنه من\nأهل الجنة. كما قال الله سبحانه وتعالي في الجنة) أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: من الآية١٣٣) وقال:) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة: ٧/٨) فكل مؤمن متق يعمل الصالحات فإننا نشهد بأنه من أهل الجنة. ولكن لا نقول هو فلان وفلان، لأننا لا ندري ما يختم له، ولا ندري هل باطنه كظاهره، فلذلك لا نشهد له بعينه. فإذا مات رجل مشهود له بالخير قلنا: نرجو أن يكون من أهل الجنة، لكن لا نشهد أنه من أهل الجنة.\nقسم آخر نشهد له بعينه، وهم الذين شهد لهم النبي صلي الله عليه وسلم بأنهم في\n\nالجنة، مثل العشرة المبشرين بالجنة، وهم ابوبكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبوعبيدة عامر بن الجراح، والزبير بن العوام، ﵃.\nومثل ثابت بن قيس بن شماس، ومثل سعد بن معاذ، ومثل عبد الله بن سلام، ومثل بلال بن رباح، وغيرهم، ﵃، ممن عينهم الرسول ﵊، فهؤلاء نشهد لهم بأعيانهم، نقول: نشهد بأن أبا بكر في الجنة، ونشهد بأن عمر في الجنة، ونشهد بأن عثمان في الجنة، نشهد بأن عليا في الجنة، وهكذا.\nومن ذلك هذه المرأة التي قال ابن عباس لتلميذه عطاء بن أبي رباح: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلي! قال: هذه المرأة السوداء» .\nامرأة سوداء لا يؤبه لها في المجتمع، كانت تصرع وتنكشف،","vol":"1","page":236},{"text":"فأخبرت النبي ﵊ وسألته أن يدعو اله لها، فقال لها «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، قالت: اصبر، وإن كانت تتألم وتتأذي من الصرع، لكنها صبرت من أجل أن تكون من أهل الجنة. ولكنها قالت: يا رسول الله إني أتكشف، فأدع الله أن لا أتكشف. فدعا الله أن لا تتكشف، فصارت تصرع ولا تتكشف.\n\nوالصرع- نعوذ بالله منه- نوعان:\nصرع بسبب تشنج الأعصاب: وهذا مرض عضوي يمكن أن يعالج من قبل\nالأطباء الماديين، بإعطاء العقاقير التي تسكنه أو تزيله تمامًا.\nوقسم آخر بسبب الشياطين والجن، يتسلط الجني على الإنسي فيصرعه ويدخل\nفيه، ويضرب به على الأرض، ويغمي عليه من شدة الصرع، ولا يحس، ويتلبس الشيطان أو الجنى بنفس الإنسان ويبدأ يتكلم على لسانه، الذي يسمع الكلام يقول إن الذي يتكلم الإنسي، ولكنه الجني، ولهذا تجد في بعض كلامه الاختلاف، لا يكون ككلامه وهو مستيقظ؛ لأنه يتغير بسبب نطق الجني.\nهذا النوع من الصرع- نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه ومن غيره من الآفات - هذا النوع علاجه بالقراءة من أهل العلم والخير، يقرأون على هذا المصروع.\nفأحيانًا يخاطبهم الجني ويتكلم معهم، ويبين السبب الذي جعله يصرع هذا الإنسي، وأحيانًا يتكلم.\nوقد ثبت صرع الجنى للإنسي بالقرآن، والسنة، والواقع.","vol":"1","page":237},{"text":"ففي القرآن قال الله سبحانه:) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة: من الآية٢٧٥)، وهذا دليل على أن الشيطان يتخبط من المس وهو الصرع.\nوفي السنة: روي الإمام أحمد في مسنده «أن النبي صلي الله عليه وسلم كان في سفر من أسفاره، فمر بامرأة معها صبي يصرع، فأتت به إلي النبي ﵊، وخاطب الجنى وتكلم معه وخرج الجنى. فأعطت أم الصبي الرسول صلي الله عليه وسلم هدية علي ذلك» .\nوكذلك أيضًا كان أهل العلم يخاطبون الجني في المصروع ويتكلمون معه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀، ذكر ابن القيم - وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية - أنه جئ إلي شيخ الإسلام برجل مصروع، فجعل يقرأ عليه ويخاطبه ويقول لها: اتقي الله أخرجي- لأنها امرأة- فتقول له: أريد هذا الرجل وأحبه، فقال لها شيخ الإسلام: لكنه لا يحبك اخرجي، قالت إني أريد أن أحج به. قال هو لا يريد أن تحجي به اخرجي. فأبت، فجعل يقرأ عليها ويضرب الرجل ضربا عظيمًا، حتى إن يد شيخ الإسلام أوجعته من شدة الضرب.\n\nفقالت الجنية: أنا أخرج كرامة للشيخ، قال: لا تخرجي كرامة لي، اخرجي طاعة لله ورسوله. فما زال بها حتى خرجت، ولما خرجت","vol":"1","page":238},{"text":"استيقظ الرجل فقال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ قالوا: سبحان الله ! أما أحسست بالضرب الذي كان يضربك اشد ما يكون؟ قال ما أحسست بالضرب ولا أحسست بشيء. والأمثلة علي هذا كثيرة.\nهذا النوع من الصرع له علاج يدفعه، وله علاج برفعه.\nفهو نوعان:\nأما دفعه: فبأن يحرص الإنسان على الأوراد الشرعية الصباحية والمسائية. وهي\nمعروفة في كتب أهل العلم، منها: آية الكرسي، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.\nومنها سورة الإخلاص والفلق والناس، ومنها أحاديث وردت عن النبي عليه الصلاة\nوالسلام، فليحرص الإنسان عليها صباحًا ومساء، فإن ذلك من أسباب دفع أذية الجن.\nوأما الرفع: فهو إذا وقع بالإنسان فإنه يقرأ عليه آيات من القرآن فيها تخويف وتحذير\nوتذكير واستعاذة بالله ﷿ حتى يخرج.\nالشاهد من هذا الحديث قول النبي صلي الله عليه وسلم لهذه المرأة: «إن شئت\nصبرت ولك الجنة، فقالت: اصبر» ففي هذا دليل على فضيلة الصبر، وأنه سبب لدخول الجنة. واله الموفق.\n\n* * *\n\n٣٦- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كأني أنظر غلي رسول الله صلي الله عليه وسلم يحكي نبينا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فادموه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: «اللهم أغفر","vol":"1","page":239},{"text":"لقومي فإنهم لا يعلمون» (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث يحكي النبي صلي الله عليه وسلم فيه شيئا مما جري للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء كلفهم الله تعالي بالرسالة لأنهم اصل لها، كما قال الله تعالي:) اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: من الآية١٢٤)، فهم أهل لها في التحمل والتبليغ والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر علي ذلك، وكان الرسل - عليهم الصلاة والسلام- يؤذنون بالقول وبالفعل، وربما بلغ الأمر إلي قتلهم، وقد بين الله ذلك في كتابه حيث قال لنبيه صلي الله عليه وسلم:) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) أي: إن استطعت ذلك فافعل (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) ولكن لحكمة اقتضت أن يكذبوك، حتى يتبن الحق من الباطل بعد المصارعة والمجادلة) ى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (الأنعام: من الآية٣٥) .\nحكي نبينا صلي الله عليه وسلم عن نبي من الأنبياء أن قومه ضربوه، ولم يضربوه إلا حيث كذبوه حتى أدموا وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وهذا غاية ما يكون من الصبر، لأن الإنسان","vol":"1","page":240},{"text":"لو ضرب على شيء من الدنيا لاستشاط غضبًا، وانتقم ممن ضربه، وهذا يدعو إلي الله، ولا يتخذ على دعوته أجرًا، مع هذا يضربونه حتى يدموا وجهه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» .\nوهذا الذي حدثنا به رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يحدثنا به عبثًا أو لأجل أن يقطع الوقت علينا بالحديث، وإنما حدثنا بذلك من أجل أن نتخذ منه عبرة نسير عليها، كما قال سبحانه وتعالي:) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية١١١)، والعبرة من هذا أن نصبر على ما نؤذي به من قول أو فعل في سبيل الدعوة إلي الله، وأن نقول متمثلين:\nهل أنت إلا إصبغ دميت وفي سبيل الله ما لقيت\n\nوأن نصبر على ما يصيبنا مما نسمعه أو ينقل إلينا مما يقا فينا بسبب الدعوة إلي الله، وأن نري أن هذا رفعة لدرجاتنا وتكفير لسيئاتنا، فعسي أن يكون في دعوتنا خلل من نقص في الإخلاص أو من كيفية الدعوة وطريقها، فيكون هذا الأذى الذي نسمع، يكون كفارة لما وقع منا، لأن الإنسان مهما عمل فهو ناقص لا يمكن أن يكمل عمله أبدًا، إلا أن يشاء الله، فإذا أصيب وأوذي في سبيل الدعوة إلي الله فإن هذا من باب تكميل دعوته ورفعة درجته، فليصبر وليحتسب ولا ينكص علي عقبيه، لا يقول","vol":"1","page":241},{"text":"لست بملزم، أنا اصابني الأذي، أنا تعبت، بل الواجب الصبر، والدنيا ليست طويلة! أيام ثم تزول، فاصبر حتى يأتي الله بأمره.\nوفي قول عبد الله بن مسعود ﵁: «كأني انظر إلي النبي صلي الله عليه وسلم وهو يحكي لنا» فيه دليل على أن المحدث أو المخبر يخبر بما يؤيد ضبطه للخبر والحديث. وهذا أمر شائع عند الناس، يقول: كأني أنظر إلي فلان وهو يقول لنا كذا وكذا، أي: كأني أنظر إليه الآن، وكأني اسمع كلامه الآن.\nفإذا استعمل الإنسان مثل هذا الأسلوب لتثبيت ما يحدث به فله في ذلك أسوة من السلف الصالح ﵃. والله الموفق.\n\n* * *\n\n٣٧- وعن أبي سعيد وابي هريرة﵄- عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا صب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» (متفق عليه)، «والوصب» المرض\n٣٨- وعن أبي مسعود﵁- قال: دخلت على النبي صلي الله عليه وسلم وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله الله، إني توعك وعكا شديدًا قال: «أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: «أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذي؛ شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته،","vol":"1","page":242},{"text":"وخطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها» (متفق عليه) .\nو«الوعك» مغث الحمي، وقيل: الحمي.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان: حديث أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود - ﵃- فيهما دليل علي أن الإنسان يكفر عنه بما يصيبه من الهم والنصب والغم وغير ذلك، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالي، يبتلي سبحانه وتعالي عبده بالمصائب وتكون تكفيرًا لسيئاته وحطا لذنوبه.\nوالإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يبقي مسرورًا دائمًا، بل هو يومًا يسر ويومًا يحزن، ويومًا يأتيه شيء ويومًا لا يأتيه، فهو مصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه. ومصائب في مجتمعه ومصائب في أهله، ولا تحصي المصائب التي تصيب الإنسان، ولكن المؤمن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خير له.\nفإذا أصبت بالمصيبة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيك أو هذا الألم الذي يأتيك ولو كان شوكة، لا تظن أنه يذهب سدي، بل ستعوض عنه خيرًا منه، ستحط عنك الذنوب كما تحط الشجرة ورقها، وهذا من نعمة الله.\nوإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر والاحتساب، يعني: احتساب","vol":"1","page":243},{"text":"الأجر، كان له مع هذا أجر.\nفالمصائب تكون على وجهين:\nتارة إذا أصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله، فيكون فيها\nفائدتان: تكفير الذنوب؛ وزيادة الحسنات.\nوتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره، ويصيبه ضجر أو ما أشبه ذلك، ويغفل عن\nنية احتساب الأجر والثواب على الله، فيكون في ذلك تكفير لسيئاته، إذا هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه.\n\nفإما أن يربح تكفير السيئات وحط الذنوب بدون أن يحصل له أجر؛ لأنه لم ينو شيئا ولم يصبر ولم يحتسب الأجر. وإما أن يربح شيئين: تكفير السيئات، وحصول الثواب من الله ﷿ كما تقدم.\nولهذا ينبغي للإنسان إذا اصيب ولو بشوكة، فليتذكر احتساب الأجر من الله على هذه المصيبة، حتى يؤجر عليها، مع تكفيرها للذنوب.\nوهذا من نعمة الله سبحانه وتعالي وجوده وكرمه، حيث يبتلي المؤمن ثم يثيبه على هذه البلوى أو يكفر عنه سيئاته.\nفالحمد لله رب العالمين.\n\n* **\n٣٩-وعن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يصب منه» (رواه البخاري) .","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قوله «يصب» قرئت بوجهين: بفتح الصاد (يصب) وكسرها (يصب) وكلاهما صحيح.\nأما «يصب منه» فالمعني أن الله يقدر عليه المصائب حتى يبتليه بها: أيصبر أم يضجر. وأما «يصب منه» فهي أعم، أي: يصاب من الله ومن غيره.\nولكن هذا الحديث المطلق مقيد بالأحاديث الأخرى التي تدل على أن المراد: من يرد الله به خيرًا فيصبر ويحتسب، فيصيب الله منه حتى يبلوه.\nأما إذا لم يصبر فإنه قد يصاب الإنسان ببلايا كثيرة وليس فيه خير، ولم يرد الله به خيرًا.\n\nفالكفار يصابون بمصائب كثيرة، ومع هذا يبقون على كفرهم حتى يموتوا عليه، وهؤلاء بلا شك لم يرد بهم خيرا.\nلكن المراد: من يرد الله به خيرًا فيصيب منه فيصبر منه فيصبر علي هذه المصائب، فإن ذلك من الخير له، لأنه سبق أن المصائب يكفر الله بها الذنوب ويحط بها الخطايا، ومن المعلوم أن تكفير الذنوب والسيئات وحط الخطايا لا شك أنه خير للإنسان، لأن المصائب غاية ما فيها أنها مصائب دنيوية تزول بالأيام، كما مضت الأيام خفت عليك المصيبة، لكن عذاب الآخرة باق- والعياذ بالله- فإذا كفر الله عنك بهذه المصائب صار ذلك خيرًا لك.\n\n* * *","vol":"1","page":245},{"text":"٤٠- وعن أنس﵁- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لابد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (متفق عليه) .\n\nفي هذا الحديث نهي النبي صلي الله عليه وسلم الإنسان أن يتمني الموت لضر نزل به. وذلك أن الإنسان ربما ينزل به ضر يعجز عن التحمل ويتعب؛ فيتمني الموت، يقول: يارب أمتني، سواء قال ذلك بلسانه أو بقبله. فنهي النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به» . فقد يكون هذا خيرا له.\nولكن إذا أصبت بضر فقل: اللهم أعني على الصبر عليه، حتى يعنيك الله فتصبر، ويكون ذلك لك خيرًا.\nأما أن تتمنى الموت فأنت لا تدري، ربما يكون الموت شرًا عليك لا يحصل به راحة، كما قال الشاعر:\nليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء\n\nالإنسان ربما يموت فيموت إلي عقوبة- والعياذ بالله- وإلي عذاب قبر، وإذا بقي قي الدنيا فربما يستعتب ويتوب ويرجع إلي الله فيكون خيرًا له؛ فإذا نزل بك ضر فلا تتمن الموت، وإذا كان الرسول - ﵊- نهي أن يتمني الإنسان للضر الذي نزل به، فكيف بمن","vol":"1","page":246},{"text":"يقتل نفسه إذا نزل به الضر، كما يوجد من بعض الحمقي الذين إذا نزلت بهم المضائق خنقوا أنفسهم أو نحروها أو أكلوا سما أو ما اشبه ذلك، فإن هؤلاء ارتحلوا من عذاب إلي أشد منه، لم يستريحوا، لكن- والعياذ بالله- انتقلوا من عذاب إلي أشد. لأن الذي يقتل نفسه يعذب بما قتل به نفسه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، كما جاء ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم، إن قتل نفسه بحديدة- خنجر أو سكين أو مسمار أو غير ذلك - فإنه يوم القيامة في جهنم يطعن نفسه بهذه الحديدة التي قتل بها نفسه.\nوإن قتل نفسه بسم فإنه يتحساه في نار جهنم، وإن قتل نفسه بالتردي من جبل فإنه ينصب له جبل في جهنم يتردي من أبد الآبدين وهلم جرا!\n\nفأقول: إذا كان النبي﵊- نهي أن يتمني الإنسان الموت للضر الذي نزل به، فإن أعظم من ذلك أن يقتل الإنسان نفسه ويبادر الله بنفسه، نسأل الله العافية.\nولكن الرسول﵊- لما نهي عن شيء، كان من عادته إذا كان له بديل من المباح أن يذكر بديله من المباح كما هي طريقة القرآن، قال الله سبحانه:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) (البقرة: ١٠٤)، فلما نهي الله عن كلمة «راعنا» بين لنا الكلمة المباحة، قال: (وَقُولُوا انْظُرْنَا) .\nولما جيء للنبي﵊- بتمر جيد استنكره وقال: ما","vol":"1","page":247},{"text":"هذا؟ «أكل تمر خيبر هكذا؟» قالوا: لا، والله ي رسول الله، إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا تفعل، لكن بع الجمع بالدراهم، ثم اتبع بالدراهم جنيبًا» يعني تمرًا طيبا. فلما منعه بين له الوجه المباح.\nهنا قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نول به، فإن كان لابد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي» .\n\nفتح لك الباب لكنه باب سليم، لأن تمني الموت يدل على ضجر الإنسان وعدم صبره عل قضاء الله، لكن هذا الدعاء «اللهم أحيني ما كنت الحياة خيرًا وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي» هذا الدعاء وكل الإنسان فيه أمره إلي الله، لأن الإنسان لا يعلم الغيب، فيكل الأمر إلي عالمه ﷿ «أحيني ما علمت الحياة خير لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي» .\nتمني الموت استعجال من الإنسان بأن يقطع الله حياته، وربما يحرمه من خير كثير، ربما يحرمه من التوبة وزيادة الأعمال الصالحة، ولهذا جاء في الحديث: «ما من ميت يموت إلا ندم، فإن كان محسنًا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون استعتب» أي: استعتب من ذنبه","vol":"1","page":248},{"text":"وطلب العتبى، وهي المعذرة.\nفإن قال قائل: كيف يقول «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيرًا لي؟» .\n\nنقول: نعم؛ لأن الله سبحانه يعلم ما سيكون، أما الإنسان فلا يعلم، كما قال الله) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل: من الآية٦٥» وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (لقمان: من الآية٣٤) فأنت لا تدري قد تكون الحياة خيرًا لك، وقد تكون الوفاة خيرًا لك.\nولهذا ينبغي للإنسان إذا دعا لشخص بطول العمر أن يقيد هذا فيقول: أطال الله بقاءك على طاعته، حتى يكون في طول بقائه خير.\nفإن قال قائل: إنه قد جاء تمني الموت من مريم ابنة عمران حيث قالت:) يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) (مريم: من الآية٢٣)، فكيف وقعت فيما فيه النهي؟\nفالجواب عن ذلك أن نقول:\nأولًا: يجب أن نعلم أن شرع من قبلنا إذا ورد شرعنا بخلافه فليس بحجة، لأن شرعنا نسخ كل ما سبقه من الأديان.\n\nثانيًا: أن مريم لم تتمن الموت، لكنها تمنت الموت قبل هذه الفتنة ولو بقيت ألف سنة، المهم أن تموت بلا فتنة، ومثله قول يوسف ﵊ (ِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي","vol":"1","page":249},{"text":"بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: من الآية١٠١) ليس معناه سؤال الله أن يتوفاه، بل هو يسأل أن يتوفاه الله علي الإسلام، وهذا لا باس به، كأن يقول: اللهم توفني على الإسلام وعلى الإيمان وعلى التوحيد والإخلاص، أو توفني وأنت راض عني وما أشبه ذلك.\nفيجب معرفة الفرق بين شخص يتمني الموت من ضيق نزل به، وبين شخص يتمني الموت على صفة معينة يرضاها الله ﷿!.\nفالأول: هو الذي نهي عنه الرسول ﵊.\nوالثاني: جائز\nوإنما نهي النبي - ﵊- عن تمني الموت لضر نزل به؛ لأن من تمني الموت لضر نزل به ليس عنده صبر، الواجب أن يصبر الإنسان علي الضر، وأن يحتسب الأجر من الله ﷿، فإن الضرر الذي يصيبك من هم أو غم أو مرض أو أي شيء مكفر لسيئاتك، فإن احتسبت الأجر كان رفعة لدرجاتك. وهذا الذي ينال الإنسان من الأذى والمرض وغيره لا يدوم، لابد أن ينتهي، فإذا انتهى وأنت تكسب حسنات باحتساب. الأجر على الله ﷿ ويكفر عنك من سيئاتك بسببه؛ صار خيرا لك، كما ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خير له»، فالمؤمن على كل حال","vol":"1","page":250},{"text":"هو خير، في ضراء أو في سراء.\n\n* * *\n\n٤١ - وعن عبد الله خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستضر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري)\nوفي رواية: «وهو متوسد برده، وقد لقينا من المشركين شدة»\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n حديث أبي عبد الله خباب بن الأرت ﵁ يحكي ما وجده المسلمون من الأذية من كفار قريش في مكة، فجاؤوا يشكون إلى النبي ﷺ: «وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة» صلوات الله وسلامه عليه. فبين النبي ﵊ أن من كان قبلنا ابتلي في دينه أعظم مما ابتلي به هؤلاء، يحفر له حفرة ثم يلقى فيها، ثم يؤتي بالمنشار على مفرق رأسه ويشق، يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه، بأمشاط الحديد","vol":"1","page":251},{"text":"يمشط، وهذا تعزير عظيم وأذية عظيمة.\n\nثم أقسم ﵊ أن الله سبحانه سيتم هذا الأمر، يعنى سيتم ما جاء به الرسول ﵊ من دعوة الإسلام، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. أي: فاصبروا وانتظروا الفرج من الله، فإن الله سيتم هذا الأمر. وقد صار الأمر كما أقسم النبي ﵊.\nففي هذا الحديث آية من آيات الله، حيث وقع الأمر مطابقا لما أخبر به النبي ﵊.\nوآية من آيات الرسول ﵊ حيث صدقه الله بما أخبر به، وهذه شهادة له من الله بالرسالة، كما قال الله) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (النساء: ١٦٦) .\nوفيه أيضا دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين. وإذا صبر الإنسان ظفر!!\nفالواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج، ولا يظن أن الأمر ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة، قد يبتلي الله ﷿ المؤمنين بالكفار يؤذونهم وربما يقتلونهم، كما قتل اليهود الأنبياء الذين هم أعظم من الدعاة وأعظم من المسلمين. فليصبر ولينتظر الفرج ولا يمل ولا يضجر، بل يبقى راسيا كالصخرة، والعاقبة للمتقين، والله تعالى مع الصابرين.\nفإذا صبر وثابر وسلك الطرق التي توصل إلى المقصود ولكن بدون","vol":"1","page":252},{"text":"فوضى وبدون استنفار وبدون إثارة، ولكن بطريق منظمة، لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطى ثابتة منظمة ويحصلون مقصودهم.\nأما السطحيون الذين تأخذهم العواطف حتى يثوروا ويستنفروا، فإنه قد يفوتهم شيء كثير، وربما حصل منهم زلة تفسد كل ما بنوا، إن كانوا قد بنوا شيئا.\nلكن المؤمن يصبر ويتئد، ويعمل بتودة ويوطن نفسه، ويخطط تخطيطا منظما يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار، ويفوت عليهم الفرص؛ لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير، يريدون أن يثيروهم، حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم وقالوا: هذا الذي نريد، وحصل بذلك شر كبير.\n\nفالرسول ﵊ قال لأصحابه اصبروا، فمن كان قبلكم - وأنتم أحق بالصبر منه - كان يعمل به هذا العمل ويصبر، فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان، اصبروا حتى يأتي الله بأمره، والعاقبة للمتقين.\nفأنت أيها الإنسان لا تسكت عن الشر، ولكن أعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله، ولا تمل، فالدرب طويل، لا سيما إذا كنت في أول الفتنة، فإن القائمين بها سوف يحاولون - ما استطاعوا - أن يصلوا إلى قمة ما يريدون، فاقطع عليهم السبيل، وكن أطول منهم نفسا وأشد منهم مكرا، فإن هؤلاء الأعداء يمكرون، ويمكر الله، والله خير","vol":"1","page":253},{"text":"الماكرين، والله الموفق.\n\n٤٢ - وعن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم حنين، آثر رسول الله ﷺ ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يؤمئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن رسول الله النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم، فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا (متفق عليه) .\nوقوله: «كالصرف» هو بكسر الصاد المهملة: وهو صبغ أحمر.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي نقله المؤلف﵀- عن عبد الله بن مسعود﵁- أنه «لما كان غزوة حنين» وهي غزوة الطائف التي كانت بعد فتح مكة، غزاهم الرسول صلي الله عليه وسلم وغنم منهم غنائم كثيرة جدًا من إبل، وغنم، ودراهم ودنانير، ثم إن النبي صلي الله عليه وسلم نزل بالجعرانة، وهي محل عند","vol":"1","page":254},{"text":"منتهى الحرم من جهة الطائف، نزل بها\n\nوصار صلي الله عليه وسلم يقسم الغنائم، وقسم في المؤلفة قلوبهم-أي ك في كبائر القبائل- يؤلفهم على الإسلام، وأعطاهم عطاء كثيرًان حتى كان يعطي الواحد منهم مائة من الإبل.\nفقال رجل من القوم: «والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله» نعوذ بالله- يقول هذا القول في قسمة قسمها رسول الله صلي الله عليه وسلم لكن حب الدنيا والشيطان يوقع الإنسان في الهلكة. نسأل الله العافية. هذه الكلمة كلمة كفر، أن ينسب الله ورسوله إلي عدم العدل، وإلي أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يرد بها وجه الله، ولا شك أن النبي صلي الله عليه وسلم أراد بهذه القسمة وجه الله، أراد أن يؤلف كبار القبائل والعشائر من أجل أن يتقوى الإسلام، لأن أسياد القوم إذا ألفوا الإسلام وقوي إيمانهم بذلك حصل منهم خير كثير، وتبعهم على ذلك قبائل وعشائر، واعتز الإسلام بهذا. ولكن الجهل - والعياذ بالله - يوقع صاحبه في الهلكة.\n\nعبد الله بن مسعود ﵁ لما سمع هذه الكلمة تقال في رسول الله ﷺ أخبر بها النبي ﷺ ورفعها إليه. أخبره بأن الرجل يقول كذا وكذا، فتغير وجه الرسول ﷺ حتى كان كالصرف - أي كالذهب - من صفرته وتغيره، ثم قال: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله» وصدق النبي ﵊! إذا كانت قسمة الله ليست عدلا، وقسمة رسوله ليست عدلا، فمن يعدل إذا! ثم قال «يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .\nوالشاهد من الحديث هذه الكلمة، وهي أن الأنبياء - عليهم الصلاة","vol":"1","page":255},{"text":"والسلام - يؤذون ويصبرون، فهذا نبينا ﷺ قيل له هذا الكلام بعد ثماني سنين من هجرته. يعنى ليس في أول، بل بعد ما مكن الله له، وبعدما عرف صدقه وبعدما أظهر الله آيات الرسول في الآفاق وفي أنفسهم، ومع ذلك يقال: هذه القسمة لم يعدل فيها ولم يرد بها وجه الله.\nفإذا كان هذا قول رجل في صحابة النبي ﵊ للنبي ﷺ فلا تستغرب أن يقول الناس في عالم من العلماء: أن هذا العالم فيه كذا وفيه كذا ويصفونه بالعيوب، لأن الشيطان هو الذي يؤز هؤلاء على أن يقدحوا العلماء، لأنهم إذا قدحوا في العلماء سقطت أقوالهم عند الناس ما بقي للناس أحد يقودهم بكتاب الله. ومن يقودهم بكتاب الله إذا لم يثقوا بالعلماء وأقوالهم؟ تقودهم الشياطين وحزب الشيطان، ولذلك كانت غيبة العلماء أعظم بكثير من غيبة غير العلماء، لأن غيبة غير العلماء غيبة شخصية، إن ضرت فإنها لا تضر إلا الذي اغتاب والذي قيلت فيه الغيبة، لكن غيبة العلماء تضر الإسلام كله؛ لأن العلماء حملة لواء الإسلام، فإذا سقطت الثقة بأقوالهم؛ سقط لواء الإسلام، وصار في هذا ضرر على الأمة الإسلامية.\n\nفإذا كانت لحوم الناس بالغيبة لحوم ميتة، فإن لحوم العلماء ميتة مسمومة، لما فيها من الضرر العظيم، فلا تستغرب إذا سمعت أحدا يسب العلماء! وهذا رسول الله ﷺ قيل فيه ما قيل، فاصبر، واحتسب الأجر من الله ﷿، واعلم أن العاقبة للتقوى، فمادام الإنسان في تقوى وعلى نور من الله ﷿ فإن العاقبة له.","vol":"1","page":256},{"text":"وكذلك يوجد بعض الناس يكون له صديق أو قريب يخطئ مرة واحدة فيصفه بالعيب والسب والشتم - والعياذ بالله - في خطيئة واحدة.\nوعلى هذا الذي وصف بالعيب أن يصبر، وأن الأنبياء قد سبوا وأذوا وكذبوا، وقيل إنهم مجانين، وإنهم شعراء، وإنهم كهنة، وإنهم سحرة) فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) (الأنعام: من الآية٣٤) وهكذا يقول الله ﷿.\nففي هذا الحديث: دليل على أن للإمام أن يعطى من يرى في عطيته المصلحة ولو أكثر من غيره، إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام، ليست مصلحة شخصية يحابي من يحب ويمنع من لا يحب، ولكن إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام وزاد في العطاء، فإن ذلك إليه وهو مسؤول أمام الله، ولا يحل لأحد أن يعترض عليه، فإن اعترض عليه فقد ظلم نفسه.\n\nوفيه: أن النبي ﵊ يعتبر بمن مضى من الرسل، ولهذا قال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر، لأن الله تعالي يقول) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب) (يوسف: من الآية١١١) ويقول (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه) (الأنعام: ٩٠)، فأمر الله نبيه ﷺ أن يقتدي بهدي الأنبياء قبله.\nوهكذا ينبغي لنا نحن أن نقتدي بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في الصبر على الأذى، وأن نحتسب الأجر على الله، وأن نعلم أن هذا زيادة في درجاتنا مع الاحتساب، وتكفير لسيئاتنا. والله الموفق.","vol":"1","page":257},{"text":"٤٣ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة» .\nوقال النبي ﷺ: «إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء،) ٍ وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي الله فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n الأمور كلها بيد الله ﷿ وبإرادته، لأن الله تعالى يقول عن نفسه) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج: ١٦)، ويقول إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: من الآية١٨)، فكل الأمور بيد الله.\nوالإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب؛ فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا: إما بماله، أو بأهله، أو بنفسه، أو بأحد ممن يتصل به؛ لأن العقوبة تكفر السيئات، فإذا تعجلت العقوبة وكفر الله بها عن العبد، فإنه يوافي الله وليس عليه ذنب، قد طهرته المصائب والبلايا، حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه، حتى يخرج من الدنيا نقيا من الذنوب، وهذه نعمة؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.","vol":"1","page":258},{"text":"لكن إذا أراد الله بعبده الشر أمهل له واستدرجه وأدر عليه النعم ودفع عنه النقم حتى يبطر - والعياذ بالله - ويفرح فرحا مذموما بما أنعم الله به عليه، وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته فيعاقب بها في الآخرة، نسأل الله العافية. فإذا رأيت شخصا يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدر عليه النعم، فاعلم إنما أراد به شرا؛ لأن الله أخر عنه العقوبة حتى يوافى بها يوم القيامة.\n\nثم ذكر في هذا الحديث: «إن عظم الجزاء من عظم البلاء» يعنى أنه كلما عظم البلاء عظم الجزاء. فالبلاء السهل له أجر يسير، والبلاء الشديد له أجر كبير، لأن الله ﷿ ذو فضل على الناس، إذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها الأجر الكبير، وإذا هانت المصائب هان الأجر.\n«وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخطا فله السخط» .\nوهذه - أيضا - بشرى للمؤمن، إذا ابتلى بالمصيبة فلا يظن أن الله سبحانه يبغضه، بل قد يكون هذا من علامة محبة الله للعبد، يبتليه سبحانه بالمصائب، فإذا رضي الإنسان وصبر واحتسب فله الرضى، وإن سخط فله السخط.\nوفي هذا حث على أن الإنسان يصبر على المصائب حتى يكتب له الرضى من الله ﷿. والله الموفق.","vol":"1","page":259},{"text":"٤٤- وعن أنس ﵁ قال: كان ابن لأبي طلحة ﵁ يشتكي، فخرج أبو طلحة، فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم - وهي أم الصبي ـ: هو أسكن ما كان. فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتي رسول الله ﷺ فأخبره، فقال «أعرستم الليلة؟» قال: نعم، قال: (٠ اللهم بارك لهما؛ فولدت غلاما، فقال: لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي ﷺ، وبعث معه بتمرات، «أمعه شيء؟» قال: نعم، تمرات، فأخذها النبي ﷺ فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي، ثم حنكه وسماه عبد الله. (متفق عليه) .\nوفي رواية للبخاري: قال ابن عيينه: فقال رجل من الأنصار، فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولد.\nوفي رواية لمسلم: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فجاء، فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن","vol":"1","page":260},{"text":"قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعهم؟ قال: لا، فقالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني؟ ! فانطلق حتى أتي رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبره بما كان، فقال رسول الله: «بارك الله في ليلتكما» قال: فحملت، قال: وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم في سفر وهي معه، وكان رسول الله اصلي الله عليه وسلم إذا أتي المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله ﷺ. قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله ﷺ إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى. تقول أم سليم؟ يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقا، وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما، فقالت لي أمي: يا أنس، لا\n\nيرضعه أحد حتى تغدو به رسول الله ﷺ، فلما أصبح احتملته، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ، وذكر تمام الحديث.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n حديث انس بن مالك عن أبي طلحة أنه كان له ابن يشتكي، يعني مريضا، وأبو طلحة كان زوج أم أنس بن مالك ﵃. وكان هذا الصبي يشتكي، فخرج أبو طلحة لبعض حاجاته، فقبض الصبي. يعني مات، فلما رجع سأل أمه عنه فقال: كيف ابني؟ قالت: «هو أسكن ما يكون» وصدقت في قولها، هو أسكن ما يكون؛ لأنه مات، ولا سكون أعظم من الموت. وأبو طلحة ﵁ فهم أنه اسكن ما يكون من","vol":"1","page":261},{"text":"المرض، وأنه في عافية، فقدمت له العشاء فتعشى على أن أبنه برئ وطيب. ثم أصاب منها، يعني جامعها، فلما انتهى قالت له: «واروا الصبي» أي: ادفنوا الصبي؛ فإنه قد مات، فلما أصبح أبو طلحة ﵁ ووارى الصبي وعلم بذلك النبي صلي الله عليه وسلم، وسأل: «هل أعرستم الليلة» فولدت غلاما سماه عبد الله، وكان لهذا الولد تسعة من الولد كلهم يقرأون القرآن ببركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم.\n\nففي هذا الحديث: دليل على قوة صبر أم سليم ﵂ وأن ابنها الذي مات بلغ بها الحال إلى أن تقول لزوجها هذا القول وتوري هذه التورية، وقدمت له العشاء، ونال منها، ثم قالت: ادفنوا الولد.\nوفي هذا دليل على جواز التورية، يعني أن يتكلم الإنسان بكلام تخالف نيته ما في ظاهرة هذا الكلام. فله ظاهر هو المتبادر إلى ذهن المخاطب، وله معنى آخر مرجوح، لكن هو المراد في نية المتكلم، فيظهر خلاف ما يريد.\nوهذا جائز، ولكنه لا ينبغي إلا للحاجة، إذا احتاج الإنسان إليه لمصلحة أو دفع مضرة فليور، وأما مع عدم الحاجة فلا ينبغي أن يوري؛ لأنه إذا ورى وظهر الأمر على خلاف ما يظنه المخاطب نسب هذا الموري إلى الكذب وأساء الظن به، لكن إذا دعت الحاجة فلا بأس.\nومن التورية المفيدة التي يحتاج إليها الإنسان: لو أن شخصا ظالما يأخذ أموال الناس بغير حق، وأودع إنسان عندك مالا قال: هذا مالي عندك","vol":"1","page":262},{"text":"وديعة، أخشى أن يطلع عليه هذا الظالم فيأخذه، فجاء الظالم إليك وسألك: هل عندك مال لفلان؟ فقلت والله ما له عندي شئ.\n\nالمخاطب يظن أن هذا نفي، وأن المعني: ما عندي له شيء. لكن أنت تنوي ب (ما) الذي، أي: الذي عندي له شيء، فيكون هذا الكلام مثبتا لا منفيا. هذا من التورية المباحة، بل قد تكون مطلوبة إذا دعت الحاجة إليها، وإلا ففيما عدا ذلك فلا.\nوفي هذا الحديث: أن النبي صلي الله عليه وسلم لما جاء أنس بن مالك بأخيه من أمه ابن أبي طلحة جاء به إلى النبي ﵊ ومعه تمرات، فأخذه النبي صلي الله عليه وسلم ومضغ التمرات، ثم جعلها في في الصبي، يعني أدخلها فمه وحنكه، أي: أدخل أصبعه وداره في حنكه؛ وذلك تبركا بريق النبي ﵊، ليكون أول ما يصل إلى بطن الصبي ريق الرسول ﵊. وكان الصحابة يفعلون هذا إذا ولد لهم أولاد - بنون أو بنات - جاءوا بهم إلى رسول الله ﷺ وجاءوا بالتمرات معهم من أجل أن يحنكه.\nوهذا التحنيك هل هو لبركة ريق النبي صلي الله عليه وسلم؟ أو من أجل أن يصل طعم التمرات إلى معدة الصبي قبل كل شئ؟\nإن قلنا بالأول صار التحنيك من خصائص الرسول ﵊ فلا يحنك أحد صبيا؛ لأنه لا أحد يتبرك بريقه وعرقه إلا رسول الله ﷺ.\n\nوإن قلنا بالثاني: إنه من اجل التمرات ليكون هو أول ما يصل إلى","vol":"1","page":263},{"text":"معدة الصبي؛ لأنه يكون لها بمنزلة الدباغ، فإننا نقول: كل مولد يحنك.\nوفي هذا الحديث: آية من آيات النبي صلي الله عليه وسلم حيث دعا لهذا الصبي فبارك الله فيه وفي عقبه، وكان له كما ذكرنا تسعة من الولد، كلهم يقرأون القرآن ببركة دعاء النبي ﵊.\nوفيه: أنه يستحب تسمية بعبد الله، فإن التسمية بهذا وبعبد الرحمن أفضل ما يكون، قال النبي صلي الله عليه وسلم «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» .\nوأما ما يروى أن «خير الأسماء ما حمد وعبد» فلا أصل له، وليس حديثا عن رسول الله صلى الله عليه سلم، الحديث الصحيح: أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام» . وحارث وهمام أصدق الأسماء لأنها مطابقة للواقع، فكل واحد من بني آدم فهو حارث يعمل، وكل واحد من بني آدم فهو همام يهم وينوي ويقصد وله إرادة.\n\nقال الله تعالى:) يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (الانشقاق: ٦)، وكل إنسان يعمل، فأصدق الأسماء حارث وهمام؛ لأنه مطابق للواقع، وأحبها إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن.","vol":"1","page":264},{"text":"ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار لأبنائه وبناته أحسن الأسماء؛ لينال بذلك الأجر، وليكون محسنا إلى أبنائه وبناته.\nأما أن تأتي بأسماء غريبة على المجتمع، فإن هذا قد يوجب مضايقات نفسية للأبناء والبنات في المستقبل، ويكون كل هم ينال الولد أو الابن أو البنت من هذا الاسم فعليك إثمه ووباله؛ لأنك أنت المتسبب لمضايقته بهذا الاسم الغريب الذي يشار إليه، ويقال، انظر إلى هذا الاسم، أنظر إلى هذا الاسم !! .\nولهذا ينبغي للإنسان أن يختار أحسن الأسماء.\nويحرم أن يسمي الإنسان بأسماء من خصائص أسماء الكفار، مثل جورج وما أشبه ذلك من الأسماء التي يتلقب بها الكفار؛ لأن هذا من باب التشبه بهم وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم «من تشبه بقوم فهو منهم» .\n\nويجب علينا - نحن المسلمين - أن نكره الكفار كرها عظيما، وأن نعاديهم، وأن نعلم أنهم أعداء لنا مهما تزينوا لنا وتقربوا لنا، فهم أعداؤنا حقا، وأعداء الله ﷿، وأعداء الملائكة، وأعداء الأنبياء، وأعداء الصالحين، فهم أعداء ولو تلبسوا بالصداقة أو زعموا أنهم أصدقاء، فإنهم والله الأعداء، فيجب أن نعاديهم، ولا فرق بين الكفار الذين لهم شأن وقيمة في العالم أو الكفار الذين ليس لهم شأن، حتى الخدم والخادمات،","vol":"1","page":265},{"text":"يجب أن نكره أن يكون في بلدنا خادم أو خادمة من غير المسلمين، ولا سيما وأن نبينا محمدا ﷺ يقول «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب» ويقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما»، ويقول في مرض موته، في آخر حياته وهو يودع الأمة: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» .\nوبعض الناس الآن - نسأل الله العافية - يخير بين العامل مسلم وعامل كافر فيختار الكافر! قلوب زائغة ضالة، ليست إلى الحق مائلة، يختارون الكفار!! يزين لهم الشيطان أعمالهم، ويقولون كذبا وزورا وبهتانا: إن الكافر أخلص في عمله من المسلم! أعوذ بالله! .\n\nيقولون: أن الكافر لا يصلى، بل يستغل وقت الصلاة في العمل، ولا يطلب الذهاب إلى العمرة أو الحج، ولا يصوم، وهو دائما في عمل.\nولا يهمهم هذا الشيء مع أن خالق الأرض والسموات يقول:) وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) (البقرة: من الآية٢٢١)، فيجب عليكم أيها الإخوة أن تناصحوا إخوانكم الذين اغتروا وزين لهم الشيطان جلب الكفار إلى بلادنا خدما وعمالا وما أشبه ذلك، يجب أن يعلموا أن في ذلك إعانة للكفار","vol":"1","page":266},{"text":"على المسلمين؛ لأن هؤلاء الكفار يؤدون ضرائب لحكوماتهم لتقويتها على المسلمين.\nوالشواهد على هذا كثيرة، فالواجب علينا أن نتجنب الكفار، بقدر ما نستطيع، فلا نتسمى بأسمائهم، ولا نوادهم، ولا نحترمهم، ولا نبدأهم بالسلام، ولا نفسح لهم الطريق، لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول: «لاتبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» .\n\nأين نحن من هذه التعليمات!؟ أين نحن من كلام الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى؟ لماذا لا نحذر إذا كثر فينا الخبث من الهلاك؟ استيقظ النبي ﵊ ذات ليلة محمرا وجهه فقال «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب» إنذار وتحذير، ويل للعرب حملة لواء الإسلام من شر قد اقترب «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث» .\nالخبث العملي والخبث البشري، فإذا كثر الخبث في أعمالنا فنحن عرضة للهلاك، وإذا كثر البشر النجس في بلادنا فنحن عرضة للهلاك، والواقع شاهد بهذا، نسأل الله أن يحمي بلادنا من أعدائنا الظاهرين","vol":"1","page":267},{"text":"والباطنين، وأن يكبت المنافقين والكفار، ويجعل كيدهم في نحورهم، إنه جواد كريم.\nقول أم سليم ﵂ «أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت ثم طلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، فقالت فاحتسب ابنك» يعني أن الأولاد عندنا عارية، وهم ملك لله ﷿ متى شاء أخذهم، فضربت له هذا المثل من أجل أن يقتنع ويحتسب الأجر عند الله ﷾.\n\nوهذا يدل على ذكائها ﵂ وعلى أنها امرأة عاقلة صابرة محتسبة، وإلا فإن الأم كالأب ينالها من الحزن على ولدها مثل ما ينال الأب، وربما تكون أشد حزنا؛ لضعفها وعدم صبرها.\nوفي هذا الحديث بركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم حيث كان له تسعة من الولد كلهم يقرأون القرآن، ببركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم.\nوفيه - أيضا - كرامة لأبي طلحة ﵁؛ لأن أبا طلحة كان قد خرج مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر وكانت معه أم سليم بعد ان حملت، فلما رجع النبي صلي الله عليه وسلم من السفر أتاها المخاض، أي: جاءها الطلق قبل أن يصلوا إلى المدينة، وكان النبي صلي الله عليه وسلم: «لا يحب أن يطرق أهله طروقا» أي: لا يحب أن يدخل عليهم ليلا دون أن يخبرهم بالقدوم. فدعا أبو طلحة ﵁ ربه وقال: اللهم إنك تعلم أنني أحب أن لا يخرج النبي صلي الله عليه وسلم مخرجا إلا وأنا معه ولا يرجع مرجعا إلا وأنا معه، وقد أصابني ما ترى - يناجي ربه ﷾ تقول أم سليم: «فما وجدت الذي كنت أجده من قبل» يعني هان","vol":"1","page":268},{"text":"عليها الطلق، ولا كأنها تطلق.\nقالت أم سليم لزوجها أبي طلحة: انطلق، فانطلق، ودخل المدينة مع رسول الله ﷺ، ولما وصلوا إلى المدينة وضعت. ففي هذا كرامة لأبي طلحة ﵁ حيث خفف الله الطلق على امرأته بدعائه، ثم لما وضعت قالت أم سليم لابنها أنس بن مالك - وهو أخو هذا الحمل الذي ولد، أخوه من أمه - قالت: احتمله إلى رسول الله ﷺ ومعهم نمر، فيأخذ النبي صلي الله عليه وسلم التمرة فيمضغها بفمه ثم يحنك بها الصبي، لأن في ذلك فائدتين:\nالفائدة الأولى: بركة ريق النبي صلي الله عليه وسلم وكان الصحابة ﵃ يتبركون بريق النبي صلي الله عليه وسلم وبعرقه، حتى كان من عادتهم أنه إذا كان في الصباح وصلى الفجر أتوا بآنية فيها ماء فغمس النبي صلي الله عليه وسلم يديه في الماء، وعرك يديه في الماء، فيأتي الصبيان بهذا الماء ثم ينطلقون به إلى أهليهم يتبركون بأثر النبي صلي الله عليه وسلم.\nوكان الصحابة ﵃ إذا توضأ النبي ﵊ كادوا يقتتلون على وضوئه، أي: فضل الماء، يتبركون به، وكذلك من عرقه وشعره.\n\nحتى كان عند أم سلمة - إحدى زوجات الرسول ﵊ وإحدى أمهات المؤمنين - عندها جلجل من فضة، أي مثل «الطابوق) فيه شعرات النبي صلي الله عليه وسلم يستشفون بها، أي يأتون بشعرتين أو ثلاثة","vol":"1","page":269},{"text":"فيضعونه في الماء ثم يحركونها من أجل أن يتبركوا بهذا الماء، لكن هذا خاص بالنبي ﵊.\nالفائدة الثانية من التمر الذي كان الرسول ﷺ يحنكه الصبيان: أن التمر فيه خير وبركة، وفيه فائدة للمعدة، فإذا كان أول ما يصل إلى معدته من التمر كان ذلك خيرا للمعدة.\nفحنكه الرسول ﵊ ودعا له بالبركة.\nوالشاهد من هذا الحديث: أن أم سليم قالت لأبي طلحة: احتسب ابنك، يعنى: أصبر على ما أصابك من فقده، واحتسب الأجر على الله. والله الموفق.\n٤٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه)\n«والصرعة» بضم الصاد وفتح الراء، وأصله عند العرب: من يصرع الناس كثيرا.\n\n٤٦ - وعن سليمان بن صرد ﵁ قال: كنت جالسا مع النبي صلي الله عليه وسلم، ورجلان يستبان، وأحدهما قد أحمر وجهه، وانتفخت أوداجه. فقال رسول الله ﷺ: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من","vol":"1","page":270},{"text":"الشيطان الرجيم، ذهب منه ما يجد» فقالوا له: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «تعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان اللذان ذكرهما المؤلف في الغضب، والغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، فيستشيط غضبا، ويحتمي جسده، وتنتفح أوداجه، ويحمر وجهه، ويتكلم بكلام لا يعقله أحيانا، ويتصرف تصرفا لا يعقله أيضا.\nولهذا جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أوصني قال: «لا تغضب» .\nوبين النبي ﵊ في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره المؤلف ﵀ أن الشديد ليس بالصرعة فقال: «ليس الشديد بالصرعة» أي: ليس القوي في الصرعة الذي يكثر صرع الناس فيطرحهم ويغلبهم في المصارعة، هذا يقال عنه عند الناس إنه شديد وقوي، لكن النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ليس هذا الشديد حقيقة، «إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» أي: القوي حقيقة هو الذي يصرع نفسه إذا صارعته وغضب ملكها وتحكم فيها، لأن هذه هي القوة الحقيقة، قوة داخلية","vol":"1","page":271},{"text":"معنوية يتغلب بها الإنسان على الشيطان، لأن الشيطان هو الذي يلقي الجمرة في قلبك من أجل أن تغضب.\nففي هذا الحديث الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، وأن لا يسترسل فيه، لأنه يندم بعده، كثيرا ما يغضب الإنسان فيطلق امرأته، وربما تكون هذه الطلقة آخر تطليقة!\n\nكثيرا ما يغضب الإنسان فيتلف ماله، إما بالحرق أو بالتكسير. كثيرا ما يغضب على ابنه حتى يضربه، وربما مات بضربه. وكذلك يغضب على زوجته مثلا فيضربها ضربا مبرحا، وما أشبه ذلك من الأشياء الكثيرة التي تحدث للإنسان عند الغضب؛ ولهذا نهي النبي صلي الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان لأن الغضب يمنع القاضي من تصور المسألة، ثم من تطبيق الحكم الشرعي عليها، فيهلك ويحكم بين الناس بغير الحق.\nوكذلك ذكر المؤلف ﵀ حديث سليمان ﵁ في رجلين أسبا عند الرسول ﷺ، فغضب أحدهما حتى انتفخت أوداجه واحمر وجهه، فقال النبي ﷺ «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» أعوذ بالله أي: أعتصم به.\nمن الشيطان الرجيم: لأن ما أصابه من الشيطان، وعلى هذا فيقول: المشروع للإنسان إذا غضب أن يحبس نفسه وأن يصبر، وأن يتعوذ بالله من","vol":"1","page":272},{"text":"الشيطان الرجيم، يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتوضأ، فإن الوضوء يطفئ الغضب، وإن كان قائما فليقعد، وغن كان قاعدا فليضطجع، وإن خاف خرج من المكان الذي هو فيه، حتى لا ينفذ غضبه فيندم بعد ذلك. والله الموفق.\n٤٧ - وعن معاذ بن انس ﵁ أن النبي ﷺ قال: من كظم غيظا، وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله ﷾ على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء» رواه أبو داود، والترميذي وقال: حديث حسن.\n٤٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال للنبي ﷺ: أوصني، قال: «لا تغضب» فردد مرارا، قال «لا تغضب» ١٥٧) (رواه البخاري) .\n٤٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة» (رواه الترميذي وقال: حديث حسن صحيح) .","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في باب الصبر تدل على فضيلة الصبر.\n\nأما الحديث الأول: حديث معاذ بن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله ﷾ على رؤوس الخلائق يوم القيامة»\nالغيظ: هو الغضب الشديد، والإنسان الغاضب هو الذي يتصور نفسه أنه قادر على أن ينفذ؛ لأن من لا يستطيع لا يغضب، ولكنه يحزن، ولهذا يوصف الله بالغضب ولا يوصف بالحزن؛ لأن الحزن نقص، والغضب في محله كمال؛ فإذا اغتاظ الإنسان من شخص وهو قادر على أن يفتك به، ولكنه ترك ذلك ابتغاء وجه الله، وصبر على ما حصل له من أسباب الغيظ؛ فله هذا الثواب العظيم أنه يدعى على رؤوس الخلائق يوم القيامة ويخير من أي الحور شاء.\nوأما حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، أوصني. قال: «لا تغضب» فردد مررا فقال: «لا تغضب» فقد سبق الكلام عليه.\n\nوالحديث الثالث فهو أيضا دليل على أن الإنسان إذا صبر واحتسب الأجر عند الله كفر الله عنه سيئاته، وإذا أصيب الإنسان ببلاء في نفسه أو ولده أو ماله، ثم صبر على ذلك، فإن الله ﷾ لا يزال يبتليه بهذا حتى لا يكون عليه خطيئة. ففيه دليل على أن المصائب في النفس والولد والمال تكون كفارة للإنسان، حتى يمشي على الأرض وليس عليه","vol":"1","page":274},{"text":"خطيئة، ولكن هذا إذا صبر.\nأما إذا تسخط فإن من تسخط فله السخط. والله الموفق.\n٥٠ - وعن ابن عباس ﵄ قال: عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدينهم عمر ﵁، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ﵁ ومشاورته، كهولا كانوا أو شبابا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، فاستأذن، فأذن له عمر. فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر ﵁ حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩)، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافا عند كتاب الله تعالى» (رواه البخاري) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ما زال المؤلف ﵀ يأتي بالأحاديث الدالة على الصبر وكظم الغيظ، فذكر هذا الحديث عن ابن عباس ﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁ أمير المؤمنين، وثالث رجل في هذه الأمة","vol":"1","page":275},{"text":"الإسلامية، بعد نبيها ﷺ وبعد الخليفة الأول، فعمر هو الخليفة الثاني.\n\nوكان قد اشتهر بالعدل بين الرعية، وبالتواضع للحق، حتى أن المرأة ربما تذكره بالآية في كتاب الله فيقف عندها ولا يتجاوزها، فقد قدم عليه عيينة بن حصن - وكان من كبار قومه - فقال له: هيه يا ابن الخطاب. هذه كلمة استنكار وتلوم. وقال له: إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل.\nانظر إلى هذا الرجل يتكلم عن هذا الخليفة المشهور بالعدل بهذا الكلام، مع أن عمر كما قال ابن عباس ﵁ (٠ كان جلساؤه القراء» القراء من أصحاب رسول الله ﷺ هم جلساؤه، سواء كانوا شيوخا أو كهولا أو شبابا، يشاورهم ويدينهم، وهكذا ينبغي لكل أمير أو خليفة أن يكون جلساؤه الصالحين؛ لأنه أن قيض له جلساء غير صالحين؛ هلك وأهلك الأمة، وإن يسر الله له جلساء صالحين نفع الله به الأمة. فالواجب على ولي الأمر أن يختار من الجلساء أهل العلم والإيمان. وكان الصحابة ﵃ القراء منهم هم أهل العلم، لأنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل.\nلما قال الرجل هذا الكلام لعمر: إنك لا تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، غضب ﵁ غضبا حتى كاد يوقع به، أي: يضر به أو يبطش به.\n\nولكن ابن أخي عيينة الحر بن قيس قال له: يا أمير","vol":"1","page":276},{"text":"المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩)، وإن هذا من الجاهلين.\nفوقف عمر ولم يتجاوزها؛ لأنه كان وقافا عند كتاب الله ﵁ وأرضاه - فوقف، وما ضرب الرجل وما بطش به؛ لأجل الآية التي تليت عليه.\nوانظر إلى أدب الصحابة ﵃ عند كتاب الله؛ لا يتجاوزونه، إذا قيل لهم هذا قول الله وقفوا، مهما كان.\nفقوله تعالى (خذ العفو) أي: خذ ما عفا من الناس وما تيسر، ولا تطلب حقك كله؛ لأنه لا يحصل لك، فخذ منهم ما عفا وسهل.\nوقوله: (وأمر بالعرف) أي: اأمر بما عرفه الشرع وعرفه الناس، ولا تأمر بمنكر، ولا بغير العرف، لأن الأمور ثلاثة أقسام:\n١ - منكر يجب النهي عنه.\n٢ - وعرف يؤمر به.\n٣ - وما ليس بهذا ولا بهذا فإنه يسكت عنه.\nولكن على سبيل النصيحة ينبغي للإنسان ألا يقول إلا قولا فيه خير، لقول النبي ﷺ (٠ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خير أو ليصمت» .","vol":"1","page":277},{"text":"وأما لقوله: (وأعرض عن الجاهلين) فالمعني: أن من جهل عليك وتطاول عليك فأعرض عنه لاسيما إذا كان إعراضك ليس ذلا وخنوعا.\nمثل عمر بن الخطاب إعراضه ليس ذلا ولا خنوعا، فهو قادر على أن يبطش بالرجل الذي تكلم، لكن امتثل هذا الأمر واعرض عن الجاهلين.\nوالجهل له معنيان:\nأحدهما: عدم العلم بالشيء.\nوالثاني: السفه والتطاول، ومنه قول الشاعر الجاهلي:\nألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين\n\nأي لا يسفه علينا أحد ويتطاول علينا فنكون أشد منه، لكن هذا شعر جاهلي!! أما الأدب الإسلامي فإن الله تعالي يقول:) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: ٣٤)، سبحان الله!! إنسان بينك وبينه عداوة أساء إليك، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا دفعت بالتي هي أحسن ففورا يأتيك الثواب والجزاء: أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، وقوله (ولى حميم) أي قريب صديق في غاية ما يكون من الصداقة والقرب، والذي يقول هو الله ﷿ مقلب القلوب، ما من قلب من قلوب بني آدم إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن ﷿ يصرفه كيف يشاء\nفهذا الذي كان عدوا لك ودافعته بالتي هي أحسن، فإنه ينقلب بدل العداوة صداقة (وكأنه ولي حميم) .\nفالحاصل أن هذه الآية الكريمة) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ","vol":"1","page":278},{"text":"الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩)، لما تليت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وقف ولم يبطش بالرجل، ولم يأخذه على جهله.\nفينبغي لنا إذا حصلت مثل هذه الأمور، كالغضب والغيظ، أن نتذكر كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ من أجل أن نسير على هديهما، حتى لا نضل، فإن من تمسك بهدي الله فإن الله يقول:) فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) (طه: من الآية١٢٣)، والله الموفق.\n٥١ - وعن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا قال: تودون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» (متفق عليه) .\n«والأثرة» الانفراد بالشيء عمن له فيه حق.\n٥٢ - وعن أبي يحي أسيد بن خضير ﵁ أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (متفق عليه) .","vol":"1","page":279},{"text":"«وأسيد» بضم الهمزة. «وحضير» بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وحديث أسيد بن حضير ﵁ ذكرهما المؤلف في باب الصبر لأنهما يدلان على ذلك.\n\nأما حديث عبد الله بن مسعود فأخبر ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إنها ستكون بعدي أثرة) والأثرة يعني: الاستئثار بالشيء عمن له فيه حق.\nيريد بذلك ﷺ أنه سيستولي على المسلمين ولاة يستأثرون بأموال المسلمين يصرفونها كما شاؤوا ويمنعون المسلمين حقهم فيها.\nوهذه أثرة وظلم الولاة، أن يستأثروا بالأموال التي للمسلمين فيها الحق، ويستأثروا بها لأنفسهم عن المسلمين. ولكن قالوا: ما تأمرنا؟\nقال: «تودون الحق الذي عليكم» يعني: لا يمنعكم استئثارهم بالمال عليكم أن تمنعوا ما يجب عليكم نحوهم من السمع والطاعة وعدم الإثارة وعدم التشويش عليهم، بل اصبروا واسمعوا وأطيعوا ولا تنازعوا الأمر الذي أعطاهم الله «وتسألون الله الذي لكم» أي: اسألوا الحق الذي لكم من الله، أي: اسألوا الله أن يهديهم حتى يؤدوكم الحق الذي عليهم لكم، وهذا من حكمة النبي صلي الله عليه وسلم؛ فإنه ﵊ علم أن النفوس","vol":"1","page":280},{"text":"شحيحة، وأنها لن تصبر على من يستأثر عليهم بحقوقهم، ولكنه ﵊ أرشد إلى أمر قد يكون فيه الخير، وذلك بأن نؤدي ما علينا نحوهم من السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر وغير ذلك، ونسأل الله الذي لنا، وذلك إذا قلنا: اللهم اهدهم حتى يعطونا حقنا، كان في هذا خير من جهتين.\n\nوفيه دليل على نبوة الرسول ﷺ؛ لأنه أخبر بأمر وقع، فإن الخلفاء والأمراء منذ عهد بعيد كانوا يستأثرون المال، فنجدهم يأكلون إسرافا، ويشربون إسرافا، ويلبسون إسرافا، ويسكنون ويركبون إسرافا، وقد استأثروا بمال الناس لمصالح أنفسهم الخاصة، ولكن هذا لا يعني أن ننزع يدا من طاعة، أو أن ننابذهم، بل نسأل الله الذي لنا، ونقوم بالحق الذي علينا.\nوفيه - أيضا - استعمال الحكمة في الأمور التي قد تقتضي الإثارة، فإنه لا شك أن استئثار الولاة بالمال دون الرعية يوجب أن تثور الرعية وتطالب بحقها، ولكن الرسول ﵊ أمر بالصبر على هذا، وأن نقوم بما يجب علينا، ونسأل الله الذي لنا.\nأما حديث أسيد بن حضير ﵁ فهو كحديث عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلي الله عليه وسلم «إنها ستكون أثرة» ولكنه قال: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض» .\nيعني: اصبروا ولا تنابذوا الولاة أمرهم حتى تلقوني على الحوض، يعني أنكم إذا صبرتم فإن من جزاء الله لكم على صبركم أن يسقيكم من","vol":"1","page":281},{"text":"حوضه، حوض النبي صلي الله عليه وسلم، اللهم اجعلنا جميعا ممن يرده ويشرب منه.\n\nهذا الحوض الذي يكون في يوم القيامة في مكان وزمان أحوج ما يكون الناس إليه؛ لأنه في ذلك المكان وفي ذلك الزمان، في يوم الآخرة، يحصل على الناس من الهم والغم والكرب والعرق والحر ما يجعلهم في أشد الضرورة إلى الماء، فيردون حوض النبي صلي الله عليه وسلم، حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر، يصب عليه ميزابان من الكوثر، وهو نهر في الجنة أعطية النبي صلي الله عليه وسلم، يصبان عليه ماء، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، وفيه أوان كنجوم السماء في اللمعان والحسن والكثرة، من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبدا. اللهم اجعلنا ممن يشرب منه.\nفأرشده النبي ﵊ إلى أن يصبروا ولو وجدوا الأثرة، فإن صبرهم على ظلم الولاة من أسباب الورد على الحوض والشرب منه.\n\nوفي هذين الحديثين: حث على الصبر على استئثار ولاة الأمور في حقوق الرعية، ولكن يجب أن نعلم أن الناس كما يكونون يولى عليهم، إذا أساؤوا فيما بينهم وبين الله فإن الله يسلط عليهم ولاتهم، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام: ١٢٩)، فإذا صلحت الرعية يسر الله لهم ولاة صالحين، وإذا كانوا بالعكس كان الأمر بالعكس.\nـ ويذكر أن رجلا من الخوارج جاء إلى على بن أبي طالب - رضي الله","vol":"1","page":282},{"text":"عنه - وقال له: يا على، ما بال الناس انتقضوا عليك ولم ينتقضوا على أبي بكر وعمر؟\nفقال له: إن رجال أبي بكر وعمر ﵄ أنا وأمثالي، أما أنا فكان رجالي أنت وأمثالك، أي: ممن لا خير فيه؛ فصار سببا في تسلط الناس وتفرقهم على على بن أبي طالب ﵁ وخروجهم عليه، حتى قتلوه ﵁.\nـ ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع مقالة الناس فيه، فجمع أشراف الناس ووجهاءهم وكلمهم - وأظنه عبد الملك بن مروان - وقال لهم: أيها الناس، أتريدون أن نكون لكم مثل أبي بكر وعمر؟\n\nوقالوا: نعم! فال إذا كنتم تريدون ذلك فكونوا لنا مثل رجال أبي بكر وعمر!! فالله ﷾ حكيم، يولي على الناس من يكون بحسب أعمالهم، إن أساؤوا فإنه يساء إليهم، وإن أحسنوا أحسن إليهم.\nولكن مع ذلك لاشك أن صلاح الراعي هو الأصل، وأنه إذا صلح الراعي صلحت، لأن الراعي له سلطة يستطيع أن يعدل من مال، وأن يؤدب من عال وجار. والله الموفق.\n٥٣ - وعن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى ﵄ أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام فيهم فقال: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا","vol":"1","page":283},{"text":"الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» .\nثم قام النبي صلي الله عليه وسلم: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم كان في بعض غزواته، فانتظر حتى مالت الشمس، أي: زالت الشمس، وذلك من أجل تقبل البرودة ويكثر الظل وينشط الناس، فانتظر حتى مالت الشمس قام فيهم خطيبا.\nوكان ﷺ يخطب الناس خطبا دائمة ثابتة كخطبة يوم الجمعة النبي صلي الله عليه وسلم وخطبا عارضة إذا دعت الحاجة إليها قام فخطب ﵊ وهذه كثيرة جدا، فقال في جملة ما قال: «لا تتمنوا لقاء العدو» .\nأي: لا ينبغي للإنسان أن يتمنى لقاء العدو ويقول: اللهم ألقني عدوي !\n«واسألوا الله العافية» قل: اللهم عافنا.\n«فإذا لقيتموهم» وابتليتم بذلك «فاصبروا»، هذا هو الشاهد من الحديث، أي: اصبروا على مقاتلتهم واستعينوا بالله ﷿، وقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا.","vol":"1","page":284},{"text":"«واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» نسأل الله من فضله!\n\nفالجنة تحت ظلال السيوف التي يحملها المجاهد في سبيل الله؛ لأن المجاهد في سبيل الله إذا قتل صار من أهل الجنة النبي صلي الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٦٩ ـ١٧١)\nوالشهيد إذا قتل في سبيل الله فإنه لا يحس بالطعنة أو بالضربة، كأنها ليست بشيء، ما يحس إلا أن روحه تخرج من الدنيا إلى نعيم دائم أبدا، نسألك اللهم من فضلك.\nولهذا قال الرسول ﷺ: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» .\nوكان من الصحابة ﵃ أنس بن النصير، قال: «أني لأجد ريح الجنة دون أحد» .\nانظر كيف فتح الله مشامة حتى شم ريح الجنة حقيقة دون أحد، ثم قاتل حتى قتل ﵁ فوجد فيه بضع وثمانون ضربة ما بين سيف، ورمح، وسهم، وغير ذلك؛ فقتل شهيدا ﵁؛ ولهذا قال ﵊: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» .","vol":"1","page":285},{"text":"ثم قال ﵊: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أهزمهم وانصرنا عليهم» وهذا دعاء ينبغي للمجاهد أن يدعو به إذا لقي العدو.\nفهنا توسل النبي﵊- بالآيات الشرعية والآيات الكونية.\nتوسل بإنزال الكتاب وهو القرآن الكريم، ـو يشمل كل كتاب، ويكون المراد به الجنس، أي: منزل الكتب على محمد وعلى غيره.\n«ومجري السحاب»: هذه آية كونية، فالسحاب المسخر بين السماء والأرض لا يجريه إلا الله ﷿، لو اجتمعت الأمم كلها بجميع السماء والأرض لا يجريه إلا الله ﷿، لو اجتمعت الأمم كلها بجميع آلاتها ومعداتها على أن تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلي ذلك سبيلًا، وإنما تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلي ذلك سبيلًا، وإنما يجزيه من إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون.\n\n«وهازم الأحزاب»: فإن الله ﷿ وحده هو الذي يهزم الأحزاب.\nومن ذلك: أن الله هزم الأحزاب في غزوة الأحزاب، والتي قد تجمع فيها أكثر من عشرة آلاف مقاتل حول المدينة ليقاتلوا الرسول ﵊، ولكن الله تعالي:) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا) (الأحزاب: من الآية٢٥)، فأرسل عليهم ريحا وجنودًا زلزلت بهم وكفأت قدروهم وأسقطت خيامهم، وصار لا يستقر لهم قرار، ريح شديدة باردة شرقية حتى ما بقوا وانصرفوا.\nقال الله ﷿: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) (الأحزاب: من الآية٢٥) فالله ﷿ هو هازم الأحزاب، ليست","vol":"1","page":286},{"text":"قوة الإنسان هي التي تهزم، بل القوة سبب قد تنفع وقد لا تنفع، لكننا مأمورون بفعل السبب المباح، لكن الهازم حقيقة هو الله ﷿.\nففي هذا الحديث عدة فوائد:\n\nمنها: أن لا يتمني الإنسان لفاء العدو، وهذا غير تمني الشهادة! تمني الشهادة جائز وليس منهيا عنه، بل قد يكون مأمورًا به، أما تمني لقاء العدو، فلا تتمناه؛ لأن الرسول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم قال: «لا تتمنوا لقاء العدو» .\nومنها: أن يسأل الإنسان الله العافية، لأن العافية والسلامة لا يعدلها شيء، فلا تتمن الحروب ولا المقاتلة، واسأل الله العافية والنصر لدينه، ولكن إذا لقيت العدو، فاصبر.\nومنها: أن الإنسان إذا لقي العدو فإن الواجب عليه أن يصبر، قال الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لأنفال: ٤٥/٤٦) .\n\nومنها: أنه ينبغي لأمير الجيش أو السرية أن يرفق بهم، وأن لا يبدأ القتال إلا في الوقت المناسب، سواء كان مناسبًا من الناحية اليومية أو من الناحية الفصلية. فمثلًا في أيام الصيف لا ينبغي أن يتحرى القتال فيه؛ لأن فيه مشقة. وفي أيام البرد الشديد لا يتحر ذلك أيضًا؛ لأن في ذلك مشقة، لكن إذا أمكن أن يكون بين بين، بأن يكون في الربيع أو في الخريف، فهذا أحسن ما يكون.","vol":"1","page":287},{"text":"ومنها - أيضًا- أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم ولنصرنا عليهم» .\nومنها: الدعاء على الأعداء بالهزيمة؛ لأنهم أعداؤك وأعداء الله، فإن الكافر ليس عدوًا لك وحدك، بل هو عدو لك ولربك ولأنبيائه ولملائكته ولرسله ولكل مؤمن. فالكافر عدو لكل مؤمن. وعدو لكل رسول، وعدو لكل نبي، وعدو لكل ملك، فهو عدو، فينبغي لك أن تسأل الله دائمًا أن يخذل الأعداء من الكفار، وأن يهزمهم، وأن ينصرنا عليهم والله الموفق.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>٤- باب الصدق</span>\n\nقال الله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩)، وقال تعالي: (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات) (الأحزاب: من الآية٣٥) وقال تعالي: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) (محمد: من الآية٢١) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ تعالي: باب الصدق.\nالصدق: معناه مطابقة الخبر للواقع، هذا في الأصل.\nويكون في الإخبار، فإذا أخبرت بشيء وكان خبرك مطابقًا للواقع قيل: إنه صدق، مثل أن تقول عن هذا اليوم: اليوم يوم الأحد، فهذا خبر صدق؛ لأن اليوم يوم الأحد.\nوإذا قلت: اليوم يوم الاثنين، فهذا خبر كذب.\nفالخبر إن طابق الواقع فهو صدق، وإن خالف الواقع فهو كذب. وكما يكون الصدق في الأقوال يكون أيضًا في الأفعال.\nفالصدق في الأفعال: هو أن يكون الإنسان باطنه موافقًا لظاهره، بحيث إذا عمل عملًا يكون موافقًا لما في قلبه.\nفالمرائي مثلا ليس بصادق؛ لأنه يظهر للناس أنه من العابدين وليس كذلك.\nوالمشرك مع الله ليس بصادق؛ لأنه يظهر أنه موحد وليس كذلك.\nوالمنافق ليس بصادق، لأنه يظهر الإيمان وليس بمؤمن.","vol":"1","page":289},{"text":"والمبتدع ليس بصادق، لأنه يظهر الاتباع للرسول﵊- وليس بمتبع.\nالمهم أن الصدق مطابقة الخبر للواقع، وهو من سمات المؤمنين وعكسه الكذب، وهو من سمات المنافقين، نعوذ بالله.\nثم ذكر آيات في ذلك:\nفقال: وقول الله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩) .\nهذه الآية نزلت بعد ذكر قصة الثلاثة الذين خلفوا، وقد تخلفوا عن غزوة تبوك، ومنهم: كعب بن مالك، وقد تقدم حديثه.\nوكان هؤلاء الثلاثة حين رجع النبي صلي الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وكانوا قد تخلفوا عنها بلا عذر، واخبروا النبي - ﵊بأنهم لا عذر لهم، فخلفهم، أي: تركهم.\n\nفمعني: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) أي: تركوا، فلم يبت في شأنهم؛ لأن المنافقين لما قدم الرسول﵊- من غزوة تبوك جاؤوا إليه يعتذرون إليه ويحلفون بالله إنهم معذورون، وفيهم أنزل الله هذه الآية (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: ٩٦) .\nأما هؤلاء الثلاثة فصدقوا الرسول ﵊، وأخبروه","vol":"1","page":290},{"text":"بالصدق بأنهم تخلفوا بلا عذر.\nفأرجأهم النبي - ﵊- خمسين ليلة،) حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) (التوبة: من الآية١١٨) ثم انزل الله توبته عليهم.\nثم قال بعد ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩)، فأمر الله تعالي المؤمنين بان يتقوا الله، وأن يكونوا مع الصادقين لا مع الكاذبين.\nوقال الله تعالي: (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات) (الأحزاب: من الآية٣٥) هذه في جملة الآية الطويلة التي ذكرها الله في سورة الأحزاب، وهي، (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات) إلي إن قال: (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات) إلي أن قال: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب: من الآية٣٥) .\nفذكر الله الصادقين والصادقات في مقام الثناء، وفي بيان ما لهم من الأجر العظيم.\nوقال تعالي: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) أي: لو عاملوا الله بالصدق لكان خيرًا لهم، ولكن عاملوا الله بالكذب فنافقوا وأظهروا خلاف ما في قلوبهم، وعاملوا النبي صلي الله عليه وسلم بالكذب، فأظهروا أنهم متبعون له وهم مخالفون له. فلو صدقوا الله بقلوبهم وأعمالهم وأقوالهم لكان خيرًا لهم، ولكنهم كذبوا الله فكان شرا لهم.\n\nوقال الله: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) (الأحزاب: من الآية٢٤) فقال: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ) .","vol":"1","page":291},{"text":"فدل ذلك على أن الصدق أمره عظيم، وأنه محل للجزاء من الله ﷾.\nإذن علينا أن نصدق، وعلينا أن نكون صادقين، وعلينا أن نكون صرحاء، وعلينا أن لا نخفي الأمر عن غيرنا مداهنة أو مراءاة.\nكثير من الناس إذا حدث عن شيء فعله وكان لا يرضيه كذب وقال: ما فعلت.\nلماذا؟ لا تستح من الخلق وتبارز الخالق بالكذب؟ ! قل الصدق ولا يهمنك أحد، وأنت إذا عودت نفسك الصدق فإنك في المستقبل سوف تصلح حالك، أما إذا أخبرت بالكذب وصرت تكتم عن الناس وتكذب عليهم، فإنك سوف تستمر في غيك، ولكن إذا صدقت فإنك سوف تعدل مسيرتك ومنهاجك.\nفعليك بالصدق فيما لك وفيما عليك؛ حتى تكون مع الصادقين الذين أمرك الله أن تكون معهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩) .\n\n٥٤ - عن ابن مسعود ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى","vol":"1","page":292},{"text":"النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب عقده المؤلف ﵀ للصدق فقال: باب الصدق، وذكر آيات سبق الكلام عليها، أما الأحاديث فقال: عن بن مسعود ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة. . .»\n\nقوله: عليكم بالصدق» .. . أي: ألزموا الصدق، والصدق: مطابقة الخير للواقع، يعني: أن تخبر بشيء فيكون الخبر مطابقا للواقع، مثال ذلك: إذا قلت لمن سألك: أي يوم هذا؟ فقلت اليوم يوم الأربعاء (وهو يوم الأربعاء فعلا) فهذا صدق، ولو قلت يوم الثلاثاء لكان كذبا، فالصدق مطابقة الخبر للواقع، وقد سبق في حديث كعب بن مالك ﵁ وصاحبيه ما يدل على فضيلة الصدق وحسن عاقبته، وأن الصادق هو الذي له العاقبة، والكاذب هو الذي يكون عمله هباء. ولهذا يذكر أن بعض العامة قال: إن الكذب ينجي، فقال له أخوه الصدق أنجي وأنجي. وهذا صحيح.\nواعلم أن الخبر يكون بالسان ويكون بالأركان.\nوأما باللسان فهو القول، وأما بالأركان فهو الفعل، ولكن كيف يكون","vol":"1","page":293},{"text":"الكذب بالفعل؟ ! إذا فعل الإنسان خلاف ما يبطن فهذا قد كذب بفعله، فالمنافق مثلا كاذب لأنه يظهر للناس أنه مؤمن، يصلي مع الناس ويصوم مع الناس، ويتصدق ولكنه بخيل. وربما يحج، فمن رأى أفعاله حكم عليه بالصلاح، ولكن هذه الأفعال لا تنبئ عما في الباطن، فهي كذب.\nولهذا نقول: الصدق يكون بالسان، ومتى طابقت أعمال الجوارح ما في القلب فهي صدق بالأفعال.\n\nثم بين النبي ﵊ عندما أمر بالصدق - عاقبته فقال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة» .\nالبر كثرة الخير، ومنه أسماء الله: «البر» أي كثير الخير والإحسان ﷿.\nفالبر يعني كثرة الخير، وهو من نتائج الصدق، وقوله: «يهدي إلى الجنة» فصاحب البر - نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم - يهديه بره إلى الجنة، والجنة غاية كل مطلب، ولهذا يؤمر الإنسان أن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: ١٨٥) .\nوقوله: «إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا» وفي رواية: «ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا» .\nوالصديق في المرتبة الثانية من مراتب الخلق من الذين أنعم الله عليهم كما قال الله سبحانه: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ","vol":"1","page":294},{"text":"مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (النساء: ٦٩)، فالرجل الذي يتحرى الصدق يكتب عند الله صديقا، ومعلوم أن الصديقية درجة عظيمة لا ينالها إلا أفذاذ من الناس، وتكون في الرجال وتكون في النساء، قال الله تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) (المائدة: ٧٥) .\n\nوأفضل الصديقين على الإطلاق أصدقهم، هو أبو بكر ﵁: عبد الله بن أبي قحافة، الذي استجاب للنبي صلي الله عليه وسلم حين دعاه إلى الإسلام، ولم يحصل عنده أي تردد وأي توقف، بمجرد ما دعاه الرسول ﷺ إلى الإسلام أسلم، وصدق النبي صلي الله عليه وسلم حين كذبه قومه، وصدقه حين تحدث عن الإسراء والمعراج وكذبه الناس وقالوا: كيف تذهب يا محمد من مكة إلى بيت المقدس وترجع في ليلة واحدة ثم تقول: إنك صعدت السماء؟ هذا لا يمكن. ثم ذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له: أما تسمع ما يقول صاحبك؟ قال: ماذا قال؟ قالوا: إنه قال كذا وكذا ! قال: «إن كان قد قال ذلك فقد صدق»، فمنذ ذلك اليوم سمي الصديق، ﵁.\nوأما الكذب قال النبي صلي الله عليه وسلم «وإياكم والكذب»\n«إياكم» للتحذير، أي: أحذروا الكذب، والكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل.\nفإذا قال لك قائل: ما اليوم؟ فقلت يوم الخميس، أو يوم الثلاثاء (وهو يوم الأربعاء) فهذا كذب؛ لأنه لا يطابق الواقع؛ لأن اليوم يوم الأربعاء.","vol":"1","page":295},{"text":"والمنافق كاذب؛ لأن ظاهره يدل على أنه مسلم وهو كافر، فهو كاذب بفعله.\n\nوقوله: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور» الفجور: الخروج عن طاعة الله؛ لأن الإنسان يفسق ويتعدى طوره ويخرج عن طاعة الله إلى معصيته، وأعظم الفجور الكفر - والعياذ بالله ـ؛ فإن الكفر فجرة، كما قال الله: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) (عبس: ٤٢)، وقال تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) (المطففين: ٧ - ١١)، وقال تعالى: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (الانفطار: ١٤) .\nفالكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار نعوذ بالله منها.\nوقوله: «وإن الرجل ليكذب» وفي لفظ «لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» الكذب من الأمور المحرمة، بل قال بعض العلماء: إنه من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول ﷺ توعده بأنه يكتب عند الله كذابا.\n\nومن أعظم الكذب: ما يفعله بعض الناس اليوم، يأتي بالمقالة كاذبا يعلم أنها كذب، لكن من أجل أن يضحك الناس، وقد جاء في الحديث الوعيد على هذا، فقال الرسول ﵊: «ويل للذي يحدث","vol":"1","page":296},{"text":"فيكذب ليضحك القوم، ويل له، ويل له»، وهذا وعيد على أمر سهل عند كثير من الناس.\nفالكذب كله حرام، وكله يهدي إلى الفجور، ولا يستثنى منه شيء.\nورد في الحديث، أنه يستثنى من ذلك ثلاثة أشياء: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث المرأة زوجها وحديثه إياها.\nولكن بعض أهل العلم قال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث التورية وليس الكذب الصريح.\nوقال التورية قد تسمى كذبا، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتين منهن في ذات الله تعالى قوله (إِنِّي سَقِيمٌ) (الصافات: ٨٩) وقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) (الانبياء: ٦٣) وواحدة في شأن سارة. . .» الحديث، وهو لم يكذب، وإنما ورى تورية هو فيها صادق.\n\nوسواء كان هذا أو هذا؛ فإن الكذب لا يجوز إلا في هذه الثلاث على","vol":"1","page":297},{"text":"رأي كثير من أهل العلم، وبعض العلماء يقول: الكذب لا يجوز مطلقا: لا مزحا، ولا جدا، ولا إذا تضمن أكل مال أو لا.\nوأشد شيء من الكذب أن يكذب ويحلف ليأكل أموال الناس بالباطل، مثل أن يدعي عليه بحق ثابت فينكر ويقول: والله ما لك علي حق، أو يدعي ما ليس له فيقول: لي عندك كذا وكذا، وهو كاذب، فهذا إذا حلف على دعواه وكذب؛ فإن ذلك هو اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم، ثم تغمسه في النار والعياذ بالله.\nوثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر؛ لقي الله وهو عليه غضبان»، فالحاصل أن الكذب حرام، ولا يجوز للإنسان أن يكذب مطلقا، لا هازلا ولا جادا، إلا في المسائل الثلاث، على خلاف بين العلماء في معنى الحديث السابق.\n٥٥ - عن أبي محمد الحسن بن على بن أبي طالب، ﵄، قال: حفظت من رسول الله ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.","vol":"1","page":298},{"text":"قوله: «يريبك» هو بفتح الياء وضمها؛ ومعناه: اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا تشك فيه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قوله: «دع» أي: اترك. «ما لا يريبك) بفتح الياء، أي: إلى الشيء الذي لا ريب فيه.\nوهذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية، وهو حديث جامع مهم، وهو باب من أبواب الورع والاحتياط.\nوقد سلك أهل العلم ﵏ في أبواب الفقه هذا المسلك، وهو الأخذ بجانب الاحتياط، وذكروا لذلك أشياء كثيرة.\nمنها: إنسان أصابه ثوبه نجاسة، ولا يدري هل في مقدم الثوب أو في مؤخره، إن غسل المقدم عنده ريبة لاحتمال أن تكون في مؤخرة الثوب! فما هو الاحتياط؟\nالاحتياط أن يغسل مقدمه ومؤخره، حتى تزول ريبته ويطمئن.\nومنها: لو شك الإنسان في صلاته: هل صلى ركعتين أو ثلاث ركعات، ولم يترجح عنده شيء؟ فهنا، إن أخذ بركعتين صار عنده ريبه فلعله نقص، وإن أخذ بالثلاث صار عنده ريبه، فلعله لم ينقص، لكن يبقى قلقا؛ فهنا يعمل بما لا ريبة فيه فيعمل بالأقل، فإذا شك هل هي ثلاث أو","vol":"1","page":299},{"text":"أربع، فيجعلها ثلاثا، وهكذا.\nفهذا الحديث أصل من أصول الفقه، أن الشيء الذي تشك فيه اتركه إلى شيء لا شك فيه.\n\nثم إن فيه تربية نفسية، وهي أن الإنسان يكون في طمأنينة ليس قلق، لأن كثيرا من الناس إذا أخذ ما يشك فيه يكون عنده قلق إذا كان حي القلب، فهو دائما يفكر: لعلي فعلت. . . لعلي تركت، فإذا قطع الشك باليقين زال عنه ذلك.\nقال النبي صلي الله عليه وسلم: «فإن الصدق طمأنينة» وهذا وجه الشاهد من هذا الحديث لهذا الباب (باب الصدق) .\nفالصدق طمأنينة، لا يندم صاحبه أبدا، ولا يقول: ليتني وليتني؛ لأن الصدق منجاة، والصادقون ينجيهم الله بصدقهم، وتجد الصادق دائما مطمئنا؛ لأنه لا يتأسف على شيء حصل أو شيء يحصل في المستقبل؛ لأنه قد صدق، و«من صدق نجا» .\nأما الكذب، فبين النبي ﵊ أنه ريبة، ولهذا تجد أول من يرتاب في الكاذب نفسه، فيرتاب الكاذب: هل يصدقه الناس أو لا يصدقونه؟\nولهذا تجد الكاذب إذا أخبرك بالخبر قام يحلف بالله أنه صدق؛ لئلا يرتاب في خبره، مع أنه محل ريبة.\nتجد المنافقين مثلا يحلفون بالله ما قالوا: ولكنهم في ريبة، قال الله تعالى (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)","vol":"1","page":300},{"text":"(التوبة: ٧٤) .\n\nفالكذب لا شك أنه ريبة وقلق للإنسان، ويرتاب الإنسان: هل علم الناس بكذبه أم لم يعلموا؟ فلا يزال في شك واضطراب.\nفنأخذ من هذا الحديث أنه يجب على الإنسان أن يدع الكذب إلى الصدق؛ لأن الكذب ريبة، والصدق طمأنينة، وقد قال النبي ﵊: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»: والله الموفق.\n٥٦ - عن أبي سفيان صخر بن حرب ﵁ في حديثه الطويل في قصة هرقل، قال هرقل: فماذا يأمركم - يعني النبي صلي الله عليه وسلم - قال أبو سفيان: قلت: يقول: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق، والعفاف، والصلة» (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي سفيان صخر بن حرب ﵁ وكان أبو سفيان مشركا لم يسلم إلا متأخرا فيما بين صلح الحديبية وفتح مكة. وصلح الحديبية كان في السنة السادسة من الهجرة، وفتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة.","vol":"1","page":301},{"text":"قدم أبو سفيان ومعه جماعة من قريش إلى هرقل في الشام، وهرقل كان ملك النصارى في ذلك الوقت النبي صلي الله عليه وسلم وكان قد قرأ في التوراة والإنجيل وعرف الكتب السابقة، وكان ملكا ذكيا، فلما سمع بأبي سفيان ومن معه وهم قادمون من الحجاز دعا بهم، وجعل يسألهم عن حال النبي صلي الله عليه وسلم وعن نسبه، وعن أصحابه، وعن توقيرهم له، وعن وفائه ﷺ وكلما ذكر شيئا أخبروه عرف أنه النبي الذي أخبرت به الكتب السابقة، ولكنه - والعياذ بالله - شح بملكه فلم يسلم للحكمة التي أرادها الله ﷿.\nلكن سأل أبا سفيان عما كان يأمرهم به النبي صلي الله عليه وسلم فأخبره بأنه يأمرهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، فلا يعبدوا غير الله، لا ملكا ولا رسولا، ولا شجرا ولا حجرا، ولا شمسا ولا قمرا، ولا غير ذلك، فالعباد ة لله وحده، وهذا الذي جاء به الرسول ﷺ قد جاءت به الرسل كلهم، جاؤوا بهذا التوحيد قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء: ٢٥) .\n\nوقال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: ٣٦)، أي: اعبدوا الله واجتنبوا الشرك.\nوهذه دعوة الرسل، فجاء النبي صلي الله عليه وسلم بما جاءت به الأنبياء من قبله بعبادة الله وحده لا شريك له.\nويقول: «اتركوا ما كان عليه آباؤكم» انظر كيف الصدع بالحق! كل ما كان آباؤهم من عبادة الأصنام أمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بتركه.\nوأما ما كان عليه آباؤهم من الأخلاق الفاضلة؛ فإنه لم يأمرهم بتركه.","vol":"1","page":302},{"text":"كما قال الله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) فقال سبحانه مكذبا لهم: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) (لأعراف: ٢٨) .\nفالحاصل أن الرسول ﵊ أمر أمته الذين باشر دعوتهم أن يدعوا ما كان عليه آباؤهم من الإشراك بالله.\n\nوقوله: «وكان يأمرنا بالصلاة» الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وبها يتميز المؤمن من الكافر، فهي العهد الذي بيننا وبين المشركين والكافرين، كما قال النبي ﵊: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركه فقد كفر» أي: كفر كفرا مخرجا عن الملة؛ لأن الرسول ﵊ قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة»، وهذا حد فاصل بين المؤمنين وبين الكافرين.\nولقد أبعد النجعة من قال من العلماء: إن المراد بالكفر الأصغر، كالذي في قوله ﷺ: «اثنتان في الناس هما بهم كفر»؛ لأنه من تدبر الحديث علم أن هذا تأويل خاطئ، وأن الصواب المتعين أن المراد بالكفر هنا الكفر الأكبر المخرج عن الملة؛ لأن الفاصل بين شيئين، بين","vol":"1","page":303},{"text":"الإيمان والكفر، لابد أن يميز أحدهما من الآخر، وإلا لما صلح أن يكون فاصلا، كالحدود التي بين أرضين إحداهما لزيد والأخرى لعمرو، فإن هذه الحدود فاصلة لا تدخل أرض زيد في أرض عمرو ولا أرض عمرو في أرض زيد. وكذلك الصلاة حد فاصل، من كان خارجا منها فليس دخلا فيما وراءها.\nإذا الصلاة من بين سائر الأعمال إذا تركها الإنسان فهو كافر، لو ترك الإنسان صيام رمضان وصار يأكل ويشرب بالنهار ولا يبالي لم نقل إنه كافر. لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر، ولو ترك الزكاة وصار لا يزكي، يجمع الأموال ولا يزكي، لم نقل إنه كافر، لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر. ولو لم يحج مع قدرته على الحج لم نقل إنه كافر، لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر.\nقال عبد الله بن شقيق ﵀، وهو من التابعين، وهو مشهور: «كان أصحاب محمد صلى الله ﵊ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» .\nإذا الصلاة التي كان الرسول ﵊ ت يأمر بها، إذا تركها الإنسان فهو كما لو ترك التوحيد، أي: يكون كافر مشركا والعياذ بالله. وإلى هذا يشير حديث جابر الذي رواه مسلم عن جابر عن النبي صلي الله عليه وسلم","vol":"1","page":304},{"text":"أنه قال: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة» .\nوقوله: «وكان يأمرنا بالصدق» وهذا هو الشاهد من الحديث، كان النبي ﵊ يأمر أمته بالصدق، وهذا كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩) .\n\nوالصدق خلق فاضل، ينقسم إلى قسمين:\nصدق مع الله، وصدق مع عباد الله، وكلاهما من الأخلاق الفاضلة. وضد الصدق الكذب، وهو الإخبار بخلاف الواقع، والكذب ذميم من أخلاق المنافقين، كما قال الرسول ﵊: «آية المنافق ثلاث» وذكر منها: «إذا حدث كذب» وبعض الناس - والعياذ بالله - مبتلى بهذا المرض، فلا يستأنس ولا ينشرح صدره إلا بالكذب، يكذب دائما، إن حدثك بحديث إذا هو كاذب، إن جلس في المجلس جعل يفتعل الأفاعيل ليضحك بها الناس، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم «ويل لمن حدث فكذب ليضحك بها القوم. . . ويل له، ثم ويل له، ثم ويل له» ثلاث مرات.\nوقوله «العفاف» أي: العفة، والعفة نوعان: عفة نوعان: عفة عن شهوة الفرج، وعفة عن شهوة البطن.\nأما العفة الأولى: فهي أن يبتعد الإنسان عما حرم عليه من الزنى ووسائله وذرائعه؛ لأن الله ﷿ يقول: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً","vol":"1","page":305},{"text":"وَسَاءَ سَبِيلًا) (الاسراء: ٣٢) .\n\nوأوجب على الزاني أن يجلد مائة جلدة، ويطرد عن البلد سنة كاملة إن كان لم يتزوج من قبل، أما إذا كان قد تزوج وجامع زوجته وزنى بعد ذلك فإنه يرجم رجما بالحجارة حتى يموت، كل هذا ردعا للناس عن أن يقعوا في هذه الفاحشة؛ لأنها تفسد الأخلاق والأديان والأنساب، وتوجب أمراضا عظيمة ظهرت أثارها في هذا الزمان لما كثرت فاحشة الزنى والعياذ بالله.\nومنع الله كل ما يوصل إلى الزنا ويكون ذريعة له، فمنع المرأة أن تخرج متبرجة فقال: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب: ٣٣)، فأفضل مكان للمرأة أن تبقي في بيتها ولا تخرج إلا إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ذلك، فلتخرج كما أمرها الرسول ﵊ تفلة، أي: غير متطيبة ولا متبرجة.\nوكذلك أمر باحتجاب المرأة - إذا خرجت - عن كل رجل ليس من محارمها، والحجاب الشرعي هو أن تغطي المرأة جميع ما يكون النظر إليه ذريعة إلى الفاحشة، وأهمه الوجه، فإن الوجه يجب حجبه عن الرجال الأجانب أكثر مما يجب حجب الرأس وحجب الذراع وحجب القدم. ولا","vol":"1","page":306},{"text":"عبرة بقول من يقول: إنه يجوز كشف الوجه؛ لأن قوله هذا فيه شيء من التناقض.\n\nكيف يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، ويجب عليها عند هذا القائل أن تستر قدميها؟ أيهما أعظم فتنة وأيهما أقرب إلى الزنى: أن تكشف المرأة وجهها أو تكشف قدميها؟ كل إنسان عاقل يفهم ما يقول، يقول: إن الأقرب إلى الزنى والفتنة أن تكشف وجهها.\nومن ذلك أيضا: ألا تخرج المرأة متطيبة، فإن خرجت متطيبة فقد أتت بوسيلة الفتنة منها وبها، فيفتن الناس بها، وهي تفتتن أيضا حيث تمشي في الأسواق وهي متطيبة. نسأل الله العافية. ولا يجوز لأحد أن يمكن أهله من ذلك أبدا، وعليه أن يتفقدهم، سواء كانت الزوجة أو البنت، أو الأخت، أو الأم، او غير ذلك، ولا يجوز لأحد ان يمكن أهله من الخروج على غير الوجه الشرعي.\nأما النوع الثاني من العفاف: فهو العفاف عن شهوة البطن، أي: عما في أيدي الناس، كما قال تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) (البقرة: ٢٧٣)، يعني: من التعفف عن سؤال الناس، بحيث لا يسأل الإنسان أحد شيئا، لأن السؤال مذلة، والسائل يده دنيا، سفلى، والمعطي يده عليا، فلا يجوز أن تسأل أحدا إلا ما لابد منه، كما لو كان الإنسان مضطرا أو محتاجا حاجة شبه ضرورية، فحينئذ لا باس أن يسأل. أما بدون حاجة ملحة أو ضرورة فإن السؤال محرم، وقد وردت أحاديث في التحذير منه، حتى أخبر النبي ﵊ أن السائل يأتي","vol":"1","page":307},{"text":"يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم - والعياذ بالله - قد ظهر منه العظم أمام الناس في هذا المقام العظيم المشهود.\nثم إن الصحابة ﵃ بايعوا النبي صلي الله عليه وسلم على أن لا يسألوا الناس شيئا، حتى كان سوط أحدهم يسقط من على راحلته ولا يقول لأحد: ناولني السوط، بل ينزل ويأخذ السوط.\n\nوالإنسان الذي أكرمه الله بالغنى والتعفف لا يعرف قدر السؤال إلا إذا ذل أمام المخلوق، كيف تمد يدك إلى مخلوق وتقول له أعطني وأنت مثله؟ «وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» .\nأما الخامس، قوله: «الصلة»\nوالصلة أن تصل ما أمر الله به أن يوصل من الأقارب الأدنى فالأدنى، وأعلاهم الوالدان، فإن صلة الوالدين بر وصلة. والأقارب لهم من الصلة بقدر ما لهم من القرب، فأخوك أوكد صلة من عمك، وعمك أشد صلة من عم أبيك، وعلى هذا فقس الأدنى فالأدنى.\nوالصلة جاءت في الكتاب والسنة غير مقيدة، وكل ما جاء في الكتاب والسنة غير مقيد فإنه يحمل على العرف، فما جرى العرف على أنه صلة فهو صلة، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان والأماكن. مثلا إذا كان قريبك مستغنيا عنك وصحيح البدن وتسمع عنه أنه لا يحتاج إلى شيء، فهذا صلته لو تحددت بشهر أو شهر ونصف وما أشبه ذلك فإن هذه صلة بعرفنا، وذلك لأن الناس - والحمد لله - قد استغنى بعضهم عن بعض، وكل واحد منهم لا يجد على الآخر، لكن لو كان هذا","vol":"1","page":308},{"text":"الرجل قريبا جدا كالأب، والأم، والأخ، والعم؛ فإنه يحتاج إلى صلة أكثر، وكذلك لو كان فقيرا فإنه يحتاج إلى صلة أكثر، وكذلك لو مرض فإنه يحتاج إلى صلة اكثر. وهكذا.\nالمهم أن الصلة لما جاءت في القرآن غير مقيدة فإنه يتبع في ذلك العرف، ويختلف هذا باختلاف الأمور التي ذكرنا: القرب، وحال الشخص، والزمان، والمكان، وما جرت العادة بأنه صلة فهو صلة؛ وما جرت العادة بأنه قطيعة فهو قطيعة.\nوقد وردت النصوص الكثيرة في فضل صلة الرحم والتحذير من قطيعتها.\n\n٥٧ - عن أبي ثابت، وقيل: أبي سعيد، وقيل: أبي الوليد سهل بن حنيف، وهو بدري، ﵁، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (رواه مسلم)\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث ذكره المؤلف ﵀ في باب الصدق، والشاهد منه قوله: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق» . والشهادة مرتبة عالية بعد الصديقية، كما قال الله سبحانه: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ","vol":"1","page":309},{"text":"أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (النساء: ٦٩)، وهي أنواع كثيرة:\nمنها: الشهادة بأحكام الله ﷿ على عباد الله، وهذه شهادة العلماء التي قال الله فيها: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) (آل عمران: ١٨) .\n\nوقد ذهب كثير من العلماء في تفسير قوله: (وَالشُّهَدَاءِ) إلى أنهم العلماء ولا شك أن العلماء شهداء، فيشهدون بأن الله تعالى أرسل رسوله محمد ﷺ بالهدى ودين الحق، ويشهدون على الأمة بأنها بلغت شريعة الله، ويشهدون في أحكام الله: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا واجب، وهذا مستحب، وهذا مكره، ولا يعرف هذا إلا أهل العلم؛ لذلك كانوا شهداء.\nومن الشهداء أيضا: من يصاب بالطعن والبطن والحرق والغرق: المطعون والمبطون والحريق والغريق وما أشبههم.\nومن الشهداء: الذين قتلوا في سبيل الله.\nومن الشهداء: الذين يقتلون دون أموالهم ودون أنفسهم، كما قال النبي ﵊ حينما سأله رجل وقال: «أرأيت يا رسول الله إن جاءني رجل يطلب مالي - أي عنوة - قال: «لا تعطيه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال قاتله، قال أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار - لأنه معتد ظالم - قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته؟","vol":"1","page":310},{"text":"قال هو في النار»\nوقال النبي ﵊: «من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد» .\n\nومن الشهداء أيضا: من قتل ظلما، كأن يعتدي عليه إنسان فيقتله غيلة - ظلما - فهذا شهيد.\nولكن أعلى الشهداء هم الذين يقتلون في سبيل الله؛ كما قال تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران ١٦٩ ـ١٧١)، هؤلاء الشهداء في الآية وهم: الذين قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، فما قاتلوا لحظوظ أنفسهم، وما قاتلوا لأموالهم، وإنما قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، كما قال لك النبي ﵊ حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» .\nهذا الميزان ميزان عدل، لا يخيس ميزان وضعه النبي صلي الله عليه وسلم يزن الإنسان به عمله.","vol":"1","page":311},{"text":"فمن قاتل لهذه الكلمة فهو في سبيل الله، إن قتلت فأنت شهيد، وإن غنمت فأنت سعيد، كما قال الله سبحانه: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) إما الشهادة وإما الظفر والنصر. (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا) التوبة: ٥٢)، أي: إما أن الله يعذبكم، ويقينا شركم، كما فعل الله تعالى بالأحزاب الذين تجمعوا على المدينة يريدون قتل الرسول ﵊، فأرسل الله عليهم ريحا وجنودا وألقى في قلوبهم الرعب، (أَوْ بِأَيْدِينَا) كما حصل في بدر، فإن الله عذب المشركين بأيدي الرسول ﷺ وأصحابه، هذا الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا هو الشهيد.\nفإذا سال الإنسان ربه وقال: اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك - ولا تكون الشهادة إلا بالقتال؛ لتكون كلمة الله هي العليا - فإن الله تعالى إذا علم منه صدق القول والنية أنزله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه.\nبقي علينا الذي يقاتل دفاعا عن بلده: هل هو في سبيل الله أو لا؟\n\nنقول: إن كنت تقاتل دفاعا عن بلدك لأنها بلد إسلامي فتريد أن تحميها من أجل أنها بلد إسلامي فهذا في سبيل الله، لأنك قاتلت لتكون كلمة الله هي العليا.\nإما إذا قاتلت من أجل أنها وطن فقط فهذا ليس في سبيل الله؛ لأن الميزان الذي وضعه النبي ﵊ لا ينطبق عليه من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، وما سوى ذلك فليس في سبيل الله، ولهذا يجب أن نصحح للإنسان نيته في القتال للدفاع عن بلده، بأن","vol":"1","page":312},{"text":"ينوي بذلك بأن يقاتل عن هذا البلد لأنه بلد إسلامية فيريد أن يحفظ الإسلام الذي فيه، وبهذا إذا قتل شهيدا له أجر الشهداء، وإذا غنم صار سعيدا وربح، إما ربح الدنيا وإما ربح الآخرة، وقد وتقدم الكلام على هذه المسألة. والله الموفق.\n\n٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «غزا نبي من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها، ولا أحد بنى بيوتا لم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها. فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت - يعنى النار - لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فليبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعها فجاءت النار فأكلتها، فلم تحل الغنائم قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» (متفق عليه) .","vol":"1","page":313},{"text":"«الخلفات» بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام: جمع خلفة، وهي الناقة الحامل.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي نقله المؤلف فيه آيات عظيمة، فإن النبي صلي الله عليه وسلم حدث عن نبي من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أنه غزا قوما أمر بجهادهم، لكنه ﵊ منع كل إنسان عقد على امرأة ولم يدخل بها، وكل إنسان بنى بيتا ولم يرفع سقفه، وكل إنسان اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها. وذلك لأن هؤلاء يكونون مشغولين بما أهمهم، فالرجل المتزوج مشغول بزوجته التي لم يدخل بها، فهو في شوق إليها، وكذلك الرجل الذي رفع بيتًا ولم يسقفه، هو ايضًا مشتغل بهذا البيت الذي يريد ان يسكنه هو وأهله، وكذلك صاحب الخلفات والغنم مشغول بها ينتظر أولادها.\nوالجهاد ينبغي أن يكون الإنسان فيه متفرغًا، ليس له هم إلا الجهاد، ولهذا قال الله سبحانه:) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) (الشرح: ٧) أي: إذا فرغت من شؤون الدنيا بحيث لا تنشغل بها فانصب للعبادة.\nوقال النبي ﵊: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» .","vol":"1","page":314},{"text":"فدل على أنه ينبغي للإنسان إذا أراد طاعة أن يفرغ قلبه وبدنه لها، حتى يأتيها وهو مشتاق إليها، وحتى يؤديها على مهل وطمأنينة وإنشراح صدر.\n\nثم إنه غزا، فنزل بالقوم بعد صلاة العصر، وقد أقبل الليل، وخاف إن أظلم الليل أن لا يكون هناك انتصار، فجعل يخاطب الشمس يقول: أنت مأمورة وأنا مأمور. لكن أمر الشمس أمر كوني وأما أمره فأمر شرعي.\nفهو مأمور بالجهاد والشمس مأمورة أن تسير حيث أمرها الله ﷿، قال الله:) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (يّصلي الله عليه وسلم: ٣٨) منذ خلقها الله ﷿ وهي سائرة حيث أمرت لا تتقدم ولا تتأخر ولا تنزل ولا ترتفع.\nقال: «اللهم فاحبسها عنا» فحبس الله الشمس ولم تغب في وقتها، حتى غزا هذا النبي وغنم غنائم كثيرة، ولما غنم الغنائم وكانت الغنائم في الأمم السابقة لا تحل للغزاة، بل حل الغنائم من خصائص هذه الأمة ولله الحمد، أما الأمم السابقة فكانوا يجمعون الغنائم فتنزل عليها مار من السماء فتحرقها، فجمعت الغنائم فلم تنزل النار ولم تأكلها، فقال هذا النبي: فيكم الغلول.\n\nثم أمر من كل قبيلة أن يتقدم واحد يبايعه على أنه لا غلول، فلما بايعوه على أنه لا غلول لزقت يد أحد منهم بيد النبي ﵊، فلما لزقت قال: فيكم الغلول- أي: القبيلة هذه- ثم أمر بأن يبايعه كل واحد على حده من هذه القبيلة، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة منهم، فقال:","vol":"1","page":315},{"text":"فيكم الغلول: فجاؤوا به. والغلول هو السرقة من الغنيمة، بأن تخفي شيئا منها، فإذا هم قد اخفوا مثل راس الثور من الذهب، فلما جيء به ووضع مع الغنائم أكلتها النار- سبحان الله- وهذه من آيات الله ﷿.\nففي هذا الحديث دليل على فوائد عديدة:\nمنها: أن الجهاد مشروع في الأمم السابقة كما هو مشروع في هذه الأمة، وقد دل علي هذا كتاب الله في قوله:) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا) (آل عمران: من الآية١٤٦)، وكذلك قصة طالوت وجالوت وداود - ﵊- في سورة البقرة، الآيات ٢٤٦/٢٥٢.\n\nومنها أيضًا من الفوائد: دليل على عظمة الله ﷿، وأنه هو مدبر الكون، وأنه- سبحانه وتعالي- يجري الأمور على غير طبائعها، أما لتأييد الرسول، وأما لدفع شر عنه، وإما لمصلحة في الإسلام.\nالمهم أن آيات الأنبياء فيها تأييد لهم بأي وجه كانت. وذلك لأن الشمس حسب طبيعتها التي خلقها الله عليها تجري دائما ولا تقف ولا تتقدم ولا تتأخر إلا بأمر الله، لكن الله هنا أمرها أن تنحس، فطال وقت ما بين صلاة العصر إلي الغروب، حتى فتح الله على يد النبي صلي الله عليه وسلم.\nوفي هذا رد على أهل الطبيعة الذين يقولون إن الأفلاك لا تتغير؟! سبحان الله من الذي خلق الأفلاك؟ الله ﷿، فالذي خلقها قادر على تغييرها، ولكن هم يرون أن هذه الأفلاك تجري بحسب الطبيعة ولا أحد يتصرف فيها والعياذ بالله؛ لأنهم ينكرون الخالق.","vol":"1","page":316},{"text":"وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الأفلاك تتغير بأمر الله؛ فهذا النبي دعا الله ووقفت الشمس، ومحمد رسول الله ﷺ طلب منه المشركون أن يريهم آية تدل على صدقة فأشار ﷺ إلى القمر فانشق شقتين وهم يشاهدون، شقة على الصفا وشقة على المروة.\n\nوفي هذا يقول الله ﷿: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) (القمر ١، ٢) .\nقالوا: هذا محمد سحرنا والقمر لم ينشق، بل محمد سحرنا، أفسد نظرنا وعيوننا، لأن الكافر - والعياذ بالله - الذي حقت عليه كلمة الله لا يؤمن، كما قال الله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) (وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) (يونس: ٩٦، ٩٧) . نسأل الله لنا ولكم العافية، وأن يهدي قلوبنا.\nالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ويصرفها كيف يشاء. فالذي حقت عليه كلمة العذاب لا يؤمن أبدا ولو جئته بكل آية، ولهذا طلبوا من الرسول ﷺ آية، وأراهم هذه الآية العجيبة، التي لم يقدر أحد عليها، وقالوا:) اسِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) (القمر ٢، ٣) .\n\nوفي هذا الحديث من الفوائد: بيان نعمة الله على هذه الأمة، حيث أحل لها المغانم التي تنغمها من الكفار - وكانت حراما على من سبقا - لأن هذه الغنائم فيها خير كثير على الأمة الإسلامية، تساعد على الجهاد وتعينها عليه.","vol":"1","page":317},{"text":"فهم يغنمون من الكفار أموالا يقاتلون بها مرة أخرى، وهذا من فضل الله، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي. . . وذكر منها: وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي»\nوفي الحديث أيضا من آيات الله أن الذين غلوا لزقت أيديهم بأيدي النبي، وهذا خلاف العادة، ولكن الله على كل شيء قدير؛ لأن العادة إذا صافحت اليد يدا أخرى أنها تنطلق، ولكن الذين غلوا لم تنطلق أيديهم، أمسكوا بيد النبي، فهذه علامة، فالنبي لا يعلم الغيب.\nومن فوائد الحديث: أن الأنبياء لا يعلمون الغيب - وهو واضح - إلا ما أطلعهم الله عليه، أما هم فلا يعلمون الغيب.\nوشواهد كثيرة فيما جرى لنبينا محمد ﵊، حيث يخفى أشياء كثيرة، كما قال الله: (قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (التحريم: ٣)، أما هو فلا يعلم الغيب.\nوأصحابه - رضوان الله عنهم - يكونون معه يخفون عليه، فكان معه ذات يوم أبو هريرة ﵁ وكان عليه جنابة، فانخنس ليغتسل، فقال له عندما رجع من غسل الجنابة: «أين كنت يا أبا هريرة؟»، إذا فالرسول","vol":"1","page":318},{"text":"﵊ لا يعلم الغيب، ولا أحد من الخلق يعلم الغيب، كما قال الله ﷿: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (الجن ٢٦، ٢٧) .\nوفي هذا الحديث أيضا دليل على قدرة الله من جهة أن هذه النار لا يدرى من اين جاءت، بل تنزل من السماء، لا هي من أشجار الأرض، ولا من حطب الأرض، بل من السماء يأمرها الله فتنزل فتأكل هذه الغنيمة التي جمعت. والله الموفق.\n٥٩ - عن أبي خالد حكيم بن حزام، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» (متفق عليه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n «البيعان» أي: البائع والمشتري، وأطلق عليهما أسم البيع من باب التغليب، كما يقال: القمران: للشمس والقمر، والعمران: لأبي بكر وعمر، فالبيعان يعني: البائع والمشتري.\nوقوله: «بالخيار» أي: كل منهما يختار ما يريد ما لم يتفرقا، أي:","vol":"1","page":319},{"text":"ما دام في مكان العقد لم يتفرقا فإنهما بالخيار.\nومثاله: رجل باع على آخر سيارة بعشرة آلاف، فما داما في مكان العقد ولم يتفرقا فهما بالخيار، إن شاء البائع فسخ البيع، وإن شاء المشتري فسخ البيع، وذلك من نعمة الله ﷾ وتوسيعه على العباد، لأن الإنسان إذا كانت السلعة عند غيره صارت غالية في نفسه يحب أن يحصل عليها بكل وسيلة، فإذا حصلت له فربما تزول رغبته عنها لأنه أدركها النبي صلي الله عليه وسلم فجعل الشارع له الخيار لأجل أن يتروى ويتزود بالتأني والنظر.\n\nفما دام الرجلان - البائع والمشتري - لم يتفرقا فهما بالخيار وإن طال الوقت، حتى بقيا عشر ساعات، فلو باع عليه السلعة في أول النهار وبقيا مصطحبين إلى الظهر فهما بالخيار؛ لعموم قوله ﷺ: «ما لم يتفرقا» وفي حديث ابن عمر: «أو يخير أحدهما الآخر» أي: أو يقول أحدهما للآخر: الخيار لك وحدك، فحينئذ يكون الخيار له وحده، والثاني لا خيار له. أو يقولا جميعا: لا خيار بيننا.\nفالصور أربع:\n١ - إما يثبت الخيار لهما، وذلك عند البيع المطلق الذي ليس فيه شرط، يكون الخيار لهما - للبائع والمشتري - وكل منهما له الحق أن","vol":"1","page":320},{"text":"يفسخ العقد.\n٢ - وإما أن يتبايعا على أن لا يكون الخيار لواحد منهما، وحينئذ يلزم البيع لمجرد العقد ولا خيار لأحد.\n٣ - وإما أن يتبايعا أن الخيار للبائع وحده دون المشتري، وهنا يكون الخيار للبائع، والمشتري لا خيار له.\n\n٤ - وإما أن يتبايعا على أن الخيار للمشتري والبائع لا خيار له، وحينئذ يكون الخيار للمشتري، وليس للبائع خيار. وذلك لأن الخيار حق للبائع والمشتري فإذا رضينا بإسقاطه أو رضي أحدهما دون الآخر، فالحق لهما لا يعدوهما، وقد قال النبي ﵊: «المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرما حلالا أو أحل حراما» .\nوقول النبي ﵊: (ما لم يتفرقا» لم يبين التفرق، ولكن المراد التفرق بالبدن، يعني ما لم يتفرق أحدهما عن الآخر، فإن تفرقا بطل الخيار ولزم البيع.\nقال النبي صلي الله عليه وسلم: «فإن صدقا وبيتا بورك لهما في بيعهما» وهذا هو الشاهد من الحديث في الباب؛ لأن الباب باب الصدق.\n\nقوله: «فإن صدقا وبينا بورك في بيعهما» . «إن صدقا» فيما يصفان السلعة به من الصفات المرغوبة، «وبينا» فيما يصفان به السلعة من","vol":"1","page":321},{"text":"الصفات المكروهة. فمثلا لو باع عليه هذه السيارة وقال: هذه السيارة جديدة صنع عام كذا، ونظيفة وفيها كذا وكذا، ويمدحها بما ليس فيها، نقولا: هذا كذب فيما قال: وإذا باعه السيارة وفيها عيب ولم يخبره بالعيب نقول: هذا كتم ولم يبين. والبركة في الصدق والبيان. فالفرق بين الصدق والبيان أن الصدق فيما يكون مرغوبًا من الصفات، والبيان فيما يكون مكروها من الصفات، فكتمان العيب هذا ضد البيان، ووصف السلعة بما ليس فيها هذا ضد الصدق.\nومثال آخر: باع عليه شاة ويقول: هذه الشاة لبنها كثير، وفيها كذا وكذا في اللبن، وهو يكذب، فهذا ضد الصدق؛ لأنه وصف السلعة بصفات مطلوبة مرغوبة، أما لو باع عليه الشاة وفيها مرض غير بين لكنه كتمه، نقول: هذا لم يبين. وإذا وصفها بما ليس فيها من الصفات المطلوبة فهذا قد كذب ولم يصدق، فالبيان إذا للصفات المكروهة، والصدق للصفات المطلوبة، إذا وصفها بما ليس فيها من الصفات المطلوبة فهذا قد كذب ولم يصدق، وإذا كتم ما فيها من الصفات المكروهة فهذا كتم ولم يبين.\n\nومن هذا ما يفعله بعض الناس الآن - نسأل الله العافية- يجعل الطيب من المال فوق والرديء أسفل، فهذا لم يبين ولم يصدق أيضًا، لم يبين لأنه ما بين التمر المعيب، ولم يصدق لأنه أظهر التمر بمظهر طيب وليس كذلك.\nومن هذا ما يفعله بعض الذين يبيعون السيارات، يبيعونها في المعارض، والبائع يعلم علم اليقين أن فيها عيبًا، لكن يكتمه ويقول","vol":"1","page":322},{"text":"للمشتري: ابصر بكل عيب فيها، فيبصر المشتري. لكن لو عين له العيب وحدده له ما اشتراها، وإنما يلبسون على الناس ويقولون لهم: فيها كل عيب ولم لأبع إليك إلا الإطارات أو مصابيح الإنارة، وهو يكذب ويدري ان فيها عيبًا لكن لا يخبر المشتري، وهذا حرام على الدلال (صاحب المعرض) وصاحب السيارة، فعليهما أن يبينا للمشتري ويقولا له: فيها العيب كذا وكذا ويخبرانه في الشراء.\nأما إذا كان لا يعلم العيب فلا بأس أن يبيعها، ويشترط أنه بريء من كل عيب.","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>٥- باب المراقبة</span>\n\nقال الله تعالي: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء: ٢١٨/٢١٩) وقال الله تعالي (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) (الحديد: من الآية٤) وقال تعالي: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران: ٥) وقال تعالي: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ١٤وقال تعالي: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر: ١٩)، والآيات في الباب كثيرة معلومة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف﵀ - باب الصدق، وذكر الآيات والأحاديث الواردة في ذلك أعقب هذا بباب المراقبة. المراقبة لها وجهان:\nالوجه الأول: أن تراقب الله ﷿.\nوالوجه الثاني: أن الله تعالي رقيب عليك كما قال تعالي:) وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) (الأحزاب: من الآية٥٢) .\nأما مراقبتك لله فأن تعلم أن الله- تعالي- يعلم كل ما تقوم به من أقوال وأفعال واعتقادات، كما قال الله تعالي: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء: ٢١٧/٢١٩)، يراك حين تقوم، أي: في الليل حين يقوم الإنسان في مكان خال لا يطلع عليه أحد، فالله سبحانه وتعالي يراه. حتى ولو كان في أعظم ظلمة وأحلك ظلمة؛ فإن الله تعالي يراه.\nوقوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء: ٢١٩) أي: وأنت تتقلب في الذين","vol":"1","page":324},{"text":"يسجدون في هذه الساعة، يعني تقلبك فيهم، أي: معهم، فإن الله- سبحانه وتعالي- يري الإنسان حين قيامه وحين سجوده.\nوذكر القيام والسجود؛ لأن القيام في الصلاة أشرف من السجود بذكره، والسجود أفضل من القيام بهيئته.\nأما كون القيام أفضل من السجود بذكره؟ فلأن الذكر المشروع في القيام هو قراءة القرآن، والقرآن افضل الكلام.\nأما السجود فهو أشرف من القيام بهيئته؛ لأن الإنسان الساجد أقرب ما يكون من ربه ﷿، كما ثبت ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» .\n\nولهذا أمرنا أن نكثر من الدعاء في السجود، كذلك من مراقبتك لله، أتعلم أن الله يسمعك، فأي قول تقوله؛ فإن الله تعالي يسمعك؛ كما قال الله:) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف: ٨٠)، بلي: يعني نسمع ذلك.\nومع هذا فإن الذي تتكلم به - خيرا كان أم سرا، معلنًا أم ميسرًا- فإنه يكتب لك أو عليك؛ كما قال الله تبارك وتعالي:) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: ١٨) فراقب هذا الأمر، وإياك أن تخرج من لسانك قولًا تحاسب عليه يوم القيامة، اجعل دائما لسانك يقول الحق أو يصمت، كما قال النبي ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر،","vol":"1","page":325},{"text":"فليقل خيرًا أو ليصمت» .\nالثالث: أن تراقب الله في سرك وفي قلبك، انظر ماذا في قلبك من الشرك بالله والرياء، والانحرافات، والحقد على المؤمنين، وبغضاء، وكراهية، ومحبة للكافرين، وما اشبه ذلك من الأشياء التي لا يرضاها الله ﷿؟\n\nراقب قلبك، تفقده دائمًا؛ فإن الله يقول:) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه) (قّ: من الآية١٦)، قبل أن ينطق به.\nفراقب الله في هذه المواضع الثلاثة، في فعلك، وفي قولك، وفي سريرتك، وفي قلبك، حتى تتم لك المراقبة، ولهذا لما سئل النبي صلي الله عليه وسلم عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .\nاعبد الله كانك تراه، كأنك تشاهده رأي عين، فإن لم تكن تراه فانزل إلي المرتبة الثانية: «فإنه يراك» .\nفالأول: عبادة رغبة وطمع، أن تعبد الله كأنك تراه، والثاني: عبادة رهبة وخوف، ولهذا قال: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .\nفلابد أن تراقب ربك، وأن تعلم أن الله رقيب عليك، أي شيء تقوله، أو تفعله، أو تضمره في سرك فالله تعالي عليم به، وقد ذكر المؤلف﵀- من الآيات ما يدل علي هذا، فبدأ بالآية التي ذكرناها؛ وهي قوله- تعالي- لنبيه محمد النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم:) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ","vol":"1","page":326},{"text":"تَقُومُ) (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الشعراء: ٢١٧-٢٢٠) .\n\nالآية الثانية التي ساقها المؤلف﵀ تعالي- في باب المراقبة: قوله تعالي: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) (الحديد: من الآية٤) الضمير (هو) يعود على الله، أي: الله سبحانه وتعالي مع عباده أينما كانوا: في بر أو بحر، أو جو، أو في ظلمة، أوفي ضياء. وفي أي حال هو معكم أينما كنتم. وهذا يدل على كمال إحاطته ﷿ بنا علما وقدرة وسلطانا وتدبيرا وغير ذلك. ولا نعني أنه سبحانه وتعالي معنا في نفس المكان الذي نحن فيه؛ لأن الله فوق كل سيء، كما قال الله تعالي: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (الطالب: ـه: ٥)، وقال (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (الأنعام: من الآية١٨) وقال تعالي: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) (الملك: من الآية١٦) وقال: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة: من الآية٢٥٥) وقال (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (الأعلى: ١)، إلي غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أنه فوق كل شيء، لكنه ﷿ ليس كمثله شيء في جميع نعوته وصفاته، وهو على دنوه، قريب في علوه جل وعلا، كما قال الله تعالي:) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ\nإِذَا دَعَانِ) (البقرة: من الآية١٨٦)، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في الأرض، لأننا لو توهمنا هذا، لكان فيه إبطال لعلو الله سبحانه وتعالي. وأيضًا فإن الله سبحانه لا يسعه شيء من مخلوقاته:) وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (البقرة: من الآية٢٥٥) .\nالكرسي محيط بالسماوات والأرض كلها، والكرسي هو موضع قدي الرحمن ﷿، والعرش أعظم وأعظم وأعظم، كما جاء في الحديث: «إن السموات السبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في","vol":"1","page":327},{"text":"فلاة من الأرض» .\nحلقة كحلقة المغفر صغيرة في فلاة من الأرض، أي مكان متسع، نسبة هذه الحلقة إلي الأرض ليست بشيء.\nقال: «زإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة»، فما بالك بالخالق جل وعلا! الخالق - سبحانه وتعالي- لا يمكن أن يكون في الأرض، لأنه - سبحانه وتعالي- أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته) وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم) (الحديد: من الآية٤) .\n\nواعلم أن المعية التي أضافها الله إلي نفسه تنقسم بحسب السياق والقرائن. فتارة يكون مقتضاها الإحاطة بالخلق علما وقدرة وسلطانا وتدبيرًا وغير ذلك، مثل هذه الآية: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم) ومثل قوله تعالي:) مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) (المجادلة: من الآية٧) .\nوتارة يكون المراد بها التهديد والإنذار، كما في قوله تعالي: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) (النساء: ١٠٨)، فإن هذا تهديد وإنذار لهم أن يبينوا ما لا يرضي من القول يكتمونه عن الناس، يظنون أن الله لا يعلم،","vol":"1","page":328},{"text":"والله- سبحانه - عليم بكل شيء.\n\nوتارة يراد بها النصر والتأييد والتثبيت وما أشبه ذلك، مثل قوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: ١٢٨)، وكما في قوله تعالي: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد: ٣٥)، والآيات في هذا كثيرة.\nوهذا القسم الثالث من أقسام المعية تارة يضاف إلي المخلوق بالوصف، وتارة يضاف إلي المخلوق بالعين.\nفقوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: ١٢٨)، هذا مضاف إلي المخلوق بالوصف، فأي إنسان يكون كذلك فالله معه.\nوتارة يكون مضافًا إلي المخلوق بعين الشخص، مثل قوله تعالي: (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: من الآية٤٠)، فهذا مضاف إلي الشخص بعينه، وهي للرسول - ﵊- وأبي بكر - ﵁- وهما في الغار، لما قال أبو بكر للرسول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلي قدميه لأبصرنا، لأن قريشًا كانت تطلب الرسول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم وابا بكر﵁- بكل جد! ما من جبل إلا صعدت عليه، وما من واد إلا هبطت فيه، وما من فلاة إلا بحثت، وجعلت لمن يأتي بالرسول﵊- وأبي بكر مائتي بعير، مائة للرسول، ومائة لأبي بكر، وتعب الناس وهم يطلبونها، ولكن الله معها. حتى وقفوا على الغار، يقول ابو بكر: لو نظر أحدهم إلي قدميه لأبصرنا، فيقول له الرسول عليه","vol":"1","page":329},{"text":"الصلاة والسلام: «لا تحزن إن الله معنا، فما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»\n\nوالله ظننا لا يغلبهما أحد، ولا يقدر عليهما أحد. وفعلا هذا الذي حصل؛ ما رأوهما عدم المانع، فلم هناك عش كما يقولون ولا حمامة وقعت على الغار، ولا شجرة نبتت على فم الغار، وما كان إلا عناية الله ﷿؛ لأن الله معهما.\nوكما في قوله - سبحانه - لموسى وهارون، لما أمر الله موسى وأرسله إلى فرعون هو وهارون: (قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه ٤٥، ٤٦) .\nالله أكبر: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) إذا كان الله معهما هل يمكن أن يضرهما فرعون وجنوده؟ لا يمكن، فهذه معية خاصة مقيدة بالعين: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) .\nالمهم أنه يجب علينا أن نؤمن بأن الله ﷾ مع الخلق، لكنه فوق عرشه ولا يساميه أحد في صفاته، ولا يدانيه أحد في صفاته، ولا يمكن أن تورد على ذهنك أو على غيرك كيف يكون الله معنا وهو في السماء؟\n\nنقول: الله ﷿ لا يقاس بخلقه، مع أن العلو والمعية لا منافاة بينهما حتى في المخلوق. فلو سألنا سائل: اين موضع القمر؟ لقلنا: في السماء، كما قال الله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) (نوح: ١٦)، وإذا قال: أين موضع النجوم؟ قلنا في السماء، واللغة العربية يقول المتكلمون فيها: ما زلنا نسير والقمر معنا، وما زلنا نسير القمر والنجم معنا! مع ان القمر في السماء","vol":"1","page":330},{"text":"والنجم في السماء، لكن هو معنا، لأنه ما غاب عنا. فالله - تعالى - وهو على عرشه - سبحانه - فوق جميع الخلق.\nوتقتضي هذه الآية بالنسبة للأمر المسلكي المنهجي بأنك إذا آمنت بأن الله معك، فإنك تتقيه وتراقبه؛ لأنه لا يخفى عليه ﷿ حالك مهما كنت، لو كنت في بيت مظلم ليس فيه أحد ولا حولك أحد فإن الله تعالى معك، لكن ليس في نفس المكان، وإنما محيط بك ﷿ لا يخفى عليه شيء من أمرك. فتراقب الله، وتخاف الله، وتقوم بطاعته، وتترك مناهيه. والله الموفق.) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ...)\nالآية الثالثة التي ساقها المؤلف رحمه الله تعالى - في باب المراقبة قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران: ٥)، (شَيْءٌ) نكرة في سياق النفي في قوله: (لا يَخْفَى) فتعم كل شيء، فكل شيء لا يخفي على الله في الأرض ولا في السماء، وقد فصل الله هذا في قوله ﵎: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: ٥٩) .\nقال العلماء: إذا كانت الأوراق الساقطة يعلمها؛ فكيف بالأوراق النامية التي ينبتها ويخلقها؛ فهو بها أعلم ﷿.\nأما قوله: (وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ) . (حَبَّةٍ): نكرة في سياق النفي المؤكد بمن. إذا يشمل كل ورقة صغيرة كانت أو كبيرة.\nولنفرض أن حبة صغيرة منغمسة في طين البحر، فهي في خمس","vol":"1","page":331},{"text":"ظلمات:\nالظلمة الأولي: ظلمة الطين المنغمسة فيه.\nالثانية: ظلمة الماء في البحر.\nالثالثة: ظلمة الليل.\nالرابعة: ظلمة السحاب المتراكم.\n\nالخامسة: ظلمة المطر النازل.\nخمس ظلمات فوق هذه الحبة الصغيرة؛ والله ﷿ يعلمها.\nوقوله:) اوَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) مكتوب، مبين، بين، ظاهر، معلوم عند رب العالمين ﷿.\nإذا من كان هذا سعة علمه فعلي المؤمن أن يراقب الله سبحانه وتعالي، وأن يخشاه في السر كما يخشاه في العلانية، لأن خشية الله في السر أقوي في الإخلاص، لأنه ليس عندك أحد؛ لأن خشية الله في العلانية ربما يقع في قلبك الرياء ومراءاة الناس.\nفاحرص- يا أخي المسلم- على مراقبة الله﷿ - وأن تقوم بطاعته امتثالًا لأمره واجتنابا لنهيه، ونسأل الله العون على ذلك؛ لأن الله إذا لم يعنا، فإننا مخذولون؛ كما قال تعالي: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥) فإذا وفق العبد للهداية والاستعانة في إطار الشريعة فهذا هو الذي أنعم الله عليه.","vol":"1","page":332},{"text":") إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة: ٥/٦)، لابد أن تكون العبادة في نفس هذا الصراط المستقيم، وإلا كانت ضررًا على العبد. فهذه ثلاثة أمور، هي منهج الذين أنعم الله عليهم، ولهذا قال) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (: ٦) (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦/٧) .\nالآية الرابعة التي ذكرها المؤلف﵀ تعالي- في باب المراقبة: قوله تعالي: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ١٤)، وهذه الآية ختم الله بها ما ذكره من عقوبة عاد (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) ١٠) (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ) (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ٧-١٤)، فبين، ﷿- أنه بالمرصاد لكل طاغية، وأن كل طاغية فإن الله تعالي يقصم ظهره ويبيده ولا يبقي له باقية.\nفعاد إرم ذات العماد، ذات البيوت العظيمة المبنية على العمد القوية، أعطاهم الله شديدة النبي صلي الله عليه وسلم فاستكبروا في الأرض وقالوا: من اشد منا قوة؟ ! فقال الله ﷿:)؟ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة) (فصلت: من الآية١٥)، فبين الله - ﷿- أنه هو اشد منهم قوة، واستدل لذلك بدليل عقلي، وهو أن الله هو الذي خلقهم، ولهذا قال:) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ) (فصلت: من الآية١٥)؛ ولم يقل: «أو لم يروا أن الله هو اشد منهم قوة» قال (الَّذِي خَلَقَهُمْ)؛ لنه من المعلوم بالعقل علما ضروريا أن الخالق اقوي من المخلوق، فالذي خلقهم هو اشد منهم قوة:) وَكَانُوا بِآياتِنَا","vol":"1","page":333},{"text":"يَجْحَدُونَ) (فصلت: من الآية١٥)، فأصابهم الله - سبحانه وتعالي - بالقحط الشديد، وأمسكت السماء ماءها فجعلوا يستقون، أي: ينتظرون أن الله يغيثهم، فأرسل الله عليهم الريح العقيم في صباح يوم من الأيام، أقبلت ريح عظيمة تحمل من الرمال والأتربة ما صار كأنه سحاب مركوم.\n\n) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) (الاحقاف: من الآية٢٤)، حكمة من الله ﷿، لم تأتهم الريح هكذا، وإنما جاءتهم وهم يؤملون أنها غيث ليكون وقعها اشد، شيء أقبل فظنوه ريحا تسقيهم فإذا هو ريح تدمرهم، فكون العذاب يأتي في حال يتأمل فيها الإنسان كشف الضرر يكون أعظم وأعظم.\nمثل ما لو منيت شخصًا بدراهم ثم سحبتها منه صار اشد وأعظم:) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) (الاحقاف: من الآية٢٤)، لأنهم كانون يتحدون نبيهم النبي صلي الله عليه وسلم يقولون: إن كان عندك عذاب فأت به إن كنت صادقًا، فجاءتهم) رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ» تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) والعياذ باللههاجت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، لأنها بدأت من الصباح وانتهت بالغروب، فصارت سبع ليال وثمانية أيام حسومًا متتابعة قاطعة لدابرهم تحسمهم حسمًا، حتى إنها تحمل الواحد منهم إلي عنان السماء، ثم ترمي به، فصاروا كأنهم أعجاز نخل خاوية، أي: مثل أصول النخل الخاوية ملتوين على ظهورهم- والعياذ بالله - كهيئة السجود؛ لأنهم يريدون أن يتخلصوا من هذه الريح بعد أن تحملهم وتضرب بهم الأرض، ولكن لم ينفعهم هذا.","vol":"1","page":334},{"text":"قال الله تعالي:) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ) (فصلت: ١٦) والعياذ بالله.\nأما) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (الفجر: ٩)، فهم أيضًا عندهم عتو وطغيان وتحد لنبيهم، حتى قالوا له:) كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) (هود: من الآية٦٢)، أي كنا نرجوك ونظنك عاقلًا، أما الآن فأنت سفيه؛ لأنه ما من رسول أرسل إلا قال له قومه: ساحر أو مجنون، كما قال الله:) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (الذريات: ٥٢) .\nفانظرهم ثلاثة أيام:) فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) (هود: من الآية٦٥)، فلما تمت الثلاثة- والعياذ بالله- ارتجفت بهم الأرض، وصيح بهم؛ فاصبحوا كهشيم المحتظر، أي: مثل سعف النخل إذا طالت عليه المدة صار كأنه هشيم محترق من الشمس والهواء، صاروا كهشيم المحتظر وماتوا عن آخرهم.\n\nأما فرعون - وما أدراك ما فرعون- فهو ذلك الرجل الجبار المتكبر، الذي طغي وأنكر الله﷿ - وقال لموسى: ما رب العالمين؟ وقال لقومه: ما لكم من إله غيرينعوذ بالله، وقال لهامان وزيره:) ابْنِ لِي صَرْحًا) يعني: بناء عاليا (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) يقوله تهكما-والعياذ بالله- (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) (غافر: ٣٦، ٣٧) .","vol":"1","page":335},{"text":"وكذب في قوله: وإني لأظنه كاذبا؛ لأنه يعلم أنه صادق، كما قال الله تعالي في مناظر مع موسي، قال له موسي:) لَقَدْ عَلِمْت) يا فرعون) مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) (الاسراء: من الآية١٠٢)، ما أنكر، مقال: علمتبل سكت، والسكوت في مقام التحدي والمناظرة يدل على الانقطاع وعدم الجواب.\nوقال الله تعالي عنه وعن قومه:) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (النمل: من الآية١٤) .\nفهم- والعياذ بالله- فرعون وجنوده- يعلمون أن موسي صادق، لكنهم مستكبرون جاحدون. ماذا حصل لهم؟\n\nحصل لهم- والعياذ بالله- هزائم، أعظمها الهزيمة التي حصلت للسحرة\nجمع جميع السحرة في بلاده باتفاق مع موسى﵊- وموسى هو الذي عين الموعد أمام فرعون، مع ان موسى أمام فرعون يعتبر ضعيفًا لولا أن الله نصره وأيده.\nقال لهم موسى:) مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً) (طه: من الآية٥٩)، يوم الزينة يوم العيد، لأن الناس يتزينون فيه ويلبسون الزينة. وقوله:) وَأَنْ يُحْشَرَ) يجمع (النَّاسُ ضُحىً) لا في الليل في الخفاء. فجمع فرعون جميع من عنده من عظماء السحرة وكبرائهم، واجتمعوا بموسى﵊- وألقوا حبالهم وعصيهم. الحبال معروفة، والعصا معروفة، ألقوها في الأرض فصارت الأرض كلها ثعابين- حيات - تمشي،","vol":"1","page":336},{"text":"أرهبت الناس كلهم، حتى موسى أوجف في نفسه خيفةّفأيده الله وقال له:) لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى) (٦٨ (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) (طه: ٦٨/٦٩) .\n\nفالقي ما في يمينه وهي العصا، عصا واحدة فقط؛ فإذا هي تلقف ما يأفكون، كل الحبال والعصي أكلتها هذه العصا، سبحان الله العظيموأنت تعجب: أين ذهبت العصا؟ ليست كبيرة حتى تأكل كل هذا، لكن الله ﷿ على كل شيء قدير، فالتهمت الحبال والعصي، وكأن السحرة أعلم الناس بالسحر بلا شك، فعرفوا أن الذي حصل لموسى وعصاه ليس بسحر، وأنه آية من آيات الله ﷿، فألقي السحرة ساجدين.\nوانظر إلي كلمة (ألقي) كأن هذه السجود جاء اندفاعًا بلا شعور، ما قال: سجدواألقوا ساجدين، كأنهم من شدة ما رأوا اندفعوا بدون شعور ولا اختبار؛ حتى سجدوا مؤمنين بالله ورسوله.\n(قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) فتوعدهم فرعون واتهمهم وهو الذي جاء بهم، فقال: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) (طه: من الآية٧١)، سبحان الله! علمهم السحر وأنت الذي أتيت بهم؟! سبحان الله! لكن المكابرة تجعل المرء يتكلم بلا عقل.\n\nقال:) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ) أقطع اليد اليمني والرجل اليسري.) وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى) (طه: من الآية٧١)، ما الذي قالوا له؟\n) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَات) ما يمكن أن نقدمك على ما رأينا من البينات! أنت كذاب لست برب، الرب رب موسى وهارون.","vol":"1","page":337},{"text":") قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ) (طه: من الآية٧٢) انظر إلي الإيمان إذا دخل القلوب! رخصت عليهم الدنيا كلها (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض) أي: افعل ما تريد) إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) إذا قضيت علينا أن نفارق الدنيا (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) لأنه قد أكرهمم لكي يأتوا ويقابلوا موسى (وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه: من الآية٧٣)، فالإيمان إذا دخل القلب، واليقين إذا دخل القلب لا يفتنه شيء، وإلا فإن السحرة جنود فرعون، كانوا في أول النهار سحرة كفرة، وفي آخر النهار مؤمنين برره، يتحدون فرعون لما دخل في قلبهم من الإيمان، فهذه هزيمة نكراء لفرعون، لكن مع ذلك ما زال في طغيانه.\nوفي النهاية جمع الناس على أنه سيقضي على موسى فحرج موسى في قومه هربًا منه متجهًا بأمر الله إلي البحر الأحمر ويسمي «بحر القلزم» متجهًا إليه مشرقًا، فتكون مصر خلفه غربًا، فلما وصل إلي البحر وإذا فرعون بجنوده العظيمة وجحافله القوية خلفهم والبحر أمامهم،) قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) البحر أمامنا وفرعون وجنوده خلفنا، اين نفر؟ (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء: ٦٢)، اللهم صل وسلم عليه، هكذا يقين الرسل- عليهم الصلاة والسلام- في المقامات الحرجة الصعبة، تجد عندهم من اليقين ما يجعل الأمر العسير- بل الذي يظن أنه متعذر- أمرا يسيرا سهلا (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) فلما فوض الأمر إلي الله - سبحانه وتعالي- أوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر الأحمر. فضرب البحر بعصاة ضربة واحدة فانفلق البحر اثني عشر طريقًا؛ لأن بني إسرائيل كانوا","vol":"1","page":338},{"text":"اثنتي عشرة قبيلة، اثني عشر سبطًا، والسبط بمعني القبيلة عند العرب.\n\nفضربهن وبلحظة يبس) فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى) (طه: من الآية٧٧)، فعبر موسى بقومه في أمن وأمان؛ الماء بين هذه الطرق مثل الجبال كأنه جبل واقف، الماء جوهر سيال، لكنه بأمر الله صار واقفا كالجبال.\nحتى إن بعض العلماء قال: إن الله- سبحانه وتعالي - جعل في كل طود من هذه المياه، جعل فيها فرجا حتى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلي بعض؛ لئلا يظنوا أن أصحابهم قد غرقوا وهلكوا، من أجل أن يطمئنوا.\nفلما انتهي موسى وقومه خارجين دخل فرعون وقومه، فلما تكاملوا أمر الله البحر أن يعود على حاله فانطبق عليهم، وكان بنو إسرائيل من شدة خوفهم من فرعون وقع في نفوسهم أن فرعون لم يغرق، فأظهر الله جسد فرعون على سطح الماء، قال:) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) (يونس: من الآية٩٢)، حتى يشاهدوه بأعينهم، واطمانوا أن الرجل قد هلك.\nفتأمل هؤلاء الأمم الثلاث الذين هم في غاية الطغيان، كيف أخذهم الله﷿- وكان لهم بالمرصاد، وكيف أهلكوا بمثل ما يفتخرون به.\nفقوم عاد قالوا: من اشد منا قوة؛ فأهلكوا بالريح، وهي أصلًا لطيفة وسهلة.\n\nوقوم صالح: أهلكوا بالرجفة والصيحة.\nوفرعون أهلك بالماء والغرق، وكان يفتخر بالماء، يقول لقومه: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ","vol":"1","page":339},{"text":"هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) يعني موسى (وَلا يَكَادُ يُبِينُ) (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) (الزخرف: ٥١-٥٣)، فأغرقه الله تعالي بالماء.\nفهذه جملة ما تشير إليه هذه الآية الكريمة: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ١٤) .\nالآية الخامسة: قوله ﷿: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر: ١٩)، يعلم يعني الله ﷿ (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ) وخائنة الأعين خيانتها. فالخائنة هنا مصدر كالعاقبة والعافية وما أشبهها.\nويجوز أن تكون اسم فاعل على أنها من خان يخون؛ فيكون من باب إضافة الصفة إلي موصوفها.\nعلى كل حال هذه مسألة نحوية ما تهم هنا، المهم أن للأعين خيانة، وذلك أن الإنسان ينظر إلي الشيء ولا تظن أنه ينظر إليه نظرًا محرمًا، ولكن الله ﷿ يعلم أنه ينظر نظرًا محرمًا.\n\nكذلك ينظر إلي الشخص نظر كراهية، والشخص المنظور لا يدري أن هذا نظر كراهية، ولكن الله تعالي يعلم أنه ينظر نظر كراهية، كذلك ينظر الشخص إلي شيء محرم ولا يدري الإنسان الذي يري هذا الناظر أنه ينظر إلي الشيء نظر إنكار رضا، ولكن الله سبحانه هو يعلم ذلك- فهو- سبحانه وتعالي_ يعلم خائنة الأعين.\nويعلم أيضًا ما تخفي الصدور أي: القلوب؛ لأن القلوب في الصدور، والقلوب هي التي يكون بها الفهم، ويكون","vol":"1","page":340},{"text":"بها التدبير، كما قال الله:) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) (الحج: من الآية٤٦) (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: من الآية٤٦) .\nسبحان الله! كأن هذه الآية تنزل على حال الناس اليوم، بل حال الناس في القديم. يعني: هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟\nهذه مسألة أشكلت على كثير من النظار الذين ينظرون إلي الأمور نظرة مادية لا يرجعون فيها إلي قول الله تعالي وقول رسوله صلي الله عليه وسلم.\nوإلا فالحقيقة أن الأمر فيها واضح أن العقل في القلب، وأن القلب في الصدر) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) وقال (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: من الآية٤٦) ولم يقل القلوب التي في الأدمغة قال (الَّتِي فِي الصُّدُورِ)، فالأمر فيه واضح جدًا أن العقل يكون في القلب، ويؤيد هذا قول النبي صلي الله عليه وسلم.: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب» .\nفما بالك بأمر شهد به كتاب الله، والله تعالي هو الخالق العالم بكل شيء، وشهدت به سنة الرسول صلي الله عليه وسلم!\nإن الواجب علينا إزاء ذلك أن نطرح كل قول يخالف كتاب الله تعالي","vol":"1","page":341},{"text":"وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وأن نجعله تحت أقدامنا، وأن لا نرفع به رأسًا.\n\nإذا: القلب هو محل العقل ولاشك، ولكن الدماغ محل التصور، ثم إذا تصورها وجهزها بعث بها إلي القلب، ثم القلب يأمر أو ينهي النبي صلي الله عليه وسلم فكأن الدماغ (سكرتير) يجهز الأشياء ثم يدفعها إلي القلب، ثم القلب يوجه، يأمر أو ينهي، وهذا ليس بغريب) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذريات: ٢١)، وفي هذا الجسم أشياء غريبة تحار فيها العقول، فليس بغريب أن الله- سبحانه وتعالي- يجعل التصور في الرأس، فيتصور الدماغ وينظم الأشياء، حتى إذا لم يبق إلا الأوامر أرسلها إلي القلب، ثم القلب يحرك، يأمر أو ينهي.\nلأن النبي﵊- قال: (٠ إذا صلحت صلح الجسد» فلولا أن الأمر للقلب ما كان إذا صلح صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد كله.\nإذًا: فالقلوب هي محل العقل والتدبير للشخص، ولكن لا شك أن لها اتصالا بالدماغ، ولهذا إذا اختل الدماغ فسد التفكير وفسد العقل! فهذا مرتبط بهذا، لكن العقل المدبر في القلب، والقلب في الصدر) وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: من الآية٤٦) .\n\n* * *","vol":"1","page":342},{"text":"٦٠- وأما الأحاديث: فالأول: عن عمر بن الخطاب﵁- قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله صلي الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يري عليه ار السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلي النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلي ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد ان لا إله الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا يسأله ويصدقه! قال: أخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت: قال فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها باعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن تري الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطق فلبتث مليًا، ثم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (رواه مسلم) .\n\nومعني «تلد الأمة ربتها» أي: سيدتها ومعناه: أن تكثر السراري","vol":"1","page":343},{"text":"حتى تلد الأمة السرية بنتا لسيدها، وبنت السيد في معني السيد، وقيل غير ذلك. «والعالة» الفقراء وقوله: «مليا» أي: زمان طويلًا، وكان ذلك ثلاثا.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - ﵀- حديث عمر بن الخطاب﵁ - هذا الحديث العظيم، الذي قال فيه النبي صلي الله عليه وسلم لعمر في آخره: «أتدري من السائل» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» إذا ديننا في هذا الحديث؛ لأنه مشتمل على كل الدين، على الإسلام، والإيمان، والإحسان.\nقوله: «بينما» هذه ظرف تدل عل المفاجأة، ولهذا تأتي بعدها «إذا» المفيدة للمفأجاة، وكان الصحابة﵃- يجلسون عند النبي صلي الله عليه وسلم كثيرًا، لأن الرسول - ﵊- لا يغيب عن أصحابه أو أهله:\nإما في البيت: في شؤون بيته- صلوات الله وسلامه عليه- يحلب الشاة ويرقع\nالثوب ويخصف النعل.\nوإما مع أصحابه في المسجد، وإما ذاهبا إلي عيادة مريض، أو زيارة قريب، أو\n\nغير ذلك من الأمور التي لا يمضي منها لحظة إلا وهو في طاعة الله ﵊، قد حفظ الوقت، وليس مثلنا نضيع الأوقات. والغريب أن أغلي شيء عند الإنسان هو الوقت، وهو أرخص شيء عند الإنسان، قال الله:) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)","vol":"1","page":344},{"text":"(لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (المؤمنون: ٩٩، ١٠٠)، حتى لا يضيع على الوقت. ما يقول: لعلي أتمتع في المال، أو أتمتع بالزوجة، أو أتمتع في المركوب، أو أتمتع في القصور، بل يقول: لعلي اعمل صالحا فيما تركت.\nمضي على الوقت وما استفدت منه، فالوقت هو أغلي شيء، لكن هو أرخص شيء عندنا الآن، نمضي أوقاتنا كثيرة بغير فائدة، بل نمضي أوقاتنا كثرية فيما يضر، ولست أتحدث عن رجل واحد، بل عن عموم المسلمين. اليوم- مع الأسف الشديد- أنهم في سهو ولهو وغفلة، ليسوا جادين في أمور دينهم، أكثرهم في غفلة وفي ترف، ينظرون ما يترف به أبدانهم وإن أتلفوا أديانهم. فالرسول - ﵊- كان دائما في المصالح الخاصة أو العامة، ﵊.\n\nفبينما الصحابة عنده جلوس، إذا طلع عليهم رجل «شديد بياض الثياب النبي صلي الله عليه وسلم شديد سواد الشعر، لا يري عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد» وهذا غريب! ليس مسافرا حتى نقول إنه غريب عن البلد، ولا يعرف فنقول إنه من أهل البلد.\nفتعجبوا منه، ثم هذا الرجل الذي جاء نظيفًا: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، أي: شاب لا يري عليه اثر السفر، لأن المسافر- لا سيما في ذلك الوقت- يكون أشعث أغبر؛ لأنهم يمشون على الإبل، أو على الإقدام، والأرض غير مسفلتة، كلها غبار، لكن هذا لا يري عليه اثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فهو غريب ليس بغريب!","vol":"1","page":345},{"text":"حتى جاء وجلس إلي النبي﵊- وهذا الرجل هو جبريل﵊- أحد الملائكة العظام، بل هو أفضل الملائكة فيما نعلم؛ لشرف عمله؛ لأنه يقوم بحمل الوحي من الله إلي الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو ملك عظيم، رآه النبي صلي الله عليه وسلم على صورته التي خلق عليها مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء.\n\n_ مرة في الأرض وهو في غار حراء، رآه وله ستمائة جناح، قد سد الأفق - كل الأفق - أمام الرسول - ﵊- لا يري السماء من فوق، لأن هذا الملك قد سد الأفق؛ لأنه له ستمائة جناح.\nسبحان الله!! لأن الله يقول في الملائكة:) جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ) (فاطر: من الآية١)، لهم أجنحة يطيرون بها طيرانًا سريعًا.\nوالمرة الثانية عند سدرة المنهي. قال الله تبارك وتعالي:) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)\n(لنجم: ٤) (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (لنجم: ٤/٩) .\nهذا في الأرض، دنا جبريل من فوق فتدلي، أي: قرب إلي محمد صلي الله عليه وسلم فأوحي إلي عبده- الرسول ﵊- ما أوحاه من وحي الله الذي حمله إياه.\nأما الثانية: فقال:) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) (لنجم: ١٣/١٤)،\nفهذا جبريل. ولكن الله جعل للملائكة قدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم الأصلية، فها هو قد جاء في صورها هذا الرجل.\n\nقوله: «حتى جلس إلي النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلي ركبتيه» أي أسند","vol":"1","page":346},{"text":"ركبتي جبريل إلي ركبتي النبي صلي الله عليه: «ووضع كفيه علي فخذيه» قال العلماء: وضع كفيه على فخذي نفسه، لا علي فخذي النبي صلي الله عليه وسلم، وذلك من كمال الأدب في جلسة المتعلم أمام المعلم، بأن يجلس بأدب واستعداد لما يسمع، واستماع لما يقال من الحديث.\nجلس هذه الجلسة ثم قال: «يا محمد أخبرني عن الإسلام» - ولم يقل: يا رسول الله أخبرني- كصنيع أهل البادية الأعراب؛ لأن الأعراب إذا جاؤوا إلي النبي صلي الله عليه وسلم يقولون: يا محمد.\nأما الذين سمعوا أدب الله ﷿ لهم فإنهم لا يقولون: يا محمد، وإنما يقولون: يا رسول الله، لأن الله تعالي قال في كتابه:) لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) (النور: من الآية٦٣)، وهذا يشمل دعاءه عند النداء باسمه، ويشمل دعاءه إذا أمر أو نهي، فلا نجعل أمره كأمر الناس: إن شئنا امتثلنا وإن شئنا تركنا، ولا نجعل نهيه كنهي الناس: إن شئنا تركنا وإن شئنا فعلنا.\n\nكذلك عندما ندعوه، لا ندعوه كدعاء بعضنا بعضا فنقول: يا فلان يا فلان، مثلما تنادي صاحبك، وإنما تقول: يا رسول الله، لكن الأعراب- لبعدهم عن العلم وجهل أكثرهم- إذا جاؤوا ينادونه باسمهن فيقولون: يا محمد.\nقال: «أخبرني عن الإسلام» أي: ما هو الإسلام؟ قال النبي صلي الله عليه وسلم: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» .\nهذا الركن الأول: تشهد بلسانك نطقًا، وبقلبك إقرارًا: أن لا إله إلا","vol":"1","page":347},{"text":"الله، يعني: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالي.\nوألوهية الله فرع عن ربوبيته؛ لأن من تاله لله أقر بالربوبية، إذ إن المعبود لابد أن يكون ربًا، ولابد أن يكون أيضًا كامل الصفات، ولهذا تجد الذين ينكرون صفات الله﷿- عندهم نقص عظيم في العبودية، لنهم يعبدون من لا شيء.\nفالرب لابد أن يكون كامل الصفات، حتى يعبد بمقتضي هذه الصفات، ولهذا قال الله تعالي:) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (لأعراف: من الآية١٨٠)، «أدعوه» أي: تعبدوا له وتوسلوا بأسمائه إلي مطلوبكم. فالدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.\nالمهم أنه قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله»، فلا له من الخلق، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا شمس، ولا قمر ولا سجود ولا حجر، ولا بر، ولا بحر، ولا ولي، ولا صديق، ولا شهيد،، ولا إله إلا الله وحده.\nوهذه الكلمة أرسل الله بها جميع الرسل، فقال الله تعالي:) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء: ٢٥) وقال تعالي:) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: من الآية٣٦) أي: ابتعدوا عن الشرك.\nفهذه الكلمة إذا حققها الإنسان وقالها من قلبه ملتزمًا بما تقضيه من الإيمان والعمل الصالح، فإنه يدخل الجنة بها، قال النبي صلي الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل","vol":"1","page":348},{"text":"الجنة»، جعلنا الله وإياكم منهم.\nوقوله: «وأن محمدًا رسول الله» أي: تشهد بأن محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي رسول الله، ولم يذكر من سواه من الرسل؛ لأنه نسخ جميع الأديان كل ما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم فإنه ناسخ لما قبله من الأديان.\n\nفكل الأديان باطلة ببعثه الرسول ﵊، فدين اليهود باطل، ودين النصاري باطل غير مقبول عند الله؛ لقول الله تعالي:) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: ٨٥) .\nيتعبون في عبادتهم التي ابتدعوها تعبا عظيمًا، وينصبون نصبا عظيمًا، وكل هذا هباء لا ينفعهم بشيء، لن تقبل منهم.\nوقوله: (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فلو ربحوا في الدنيا ما ربحوا في الآخرة؛ لأن أديانهم باطلة، فالذين يدعون الآن من النصارى أنهم ينتسبون إلي عيسي بن مريم - ﵊- هم كذابون، والمسيح بريء منهم، ولو جاء المسيح لقاتلهم، وسنزل في آخر الزمان ولا يقبل إلا الإسلام. فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية فلا يقبلها من أحد، لا يقبل إلا الإسلام.\nوقوله: «وأن محمدًا رسول الله» أي: إلي الخلق كافة، كما قال الله:","vol":"1","page":349},{"text":") تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان: ١)، للعالمين كلهم.\n\nوقال الله تعالي:) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (لأعراف: ١٥٨)، فهو رسول إلي جميع الخلق.\nوقد أقسم صلي الله عليه وسلم: «أنه لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار» .\nولذلك نحن نؤمن ونعتقد بأن جميع النصارى واليهود وغيرهم من الكفرة كلهم من أصحاب النار، لأن هذه شهادة النبي ﵊، والجنة حرام عليهم، لأنهم كفرة أعداء لله تعالي ولرسله عليهم الصلاة والسلام، أعداء لإبراهيم، ولنوح، ولمحمد، ولموسى، ولعيسى، ولجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.\nوقوله: «أن تشهد أن لا إله إلا الله» مع قوله: «وأن محمدًا رسول الله» هذان جمعا شرطي العبادة، وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم؛ لأن من قال: لا إله إلا الله أخلص لله، ومن شهد أن محمدًا رسول الله","vol":"1","page":350},{"text":"اتبع رسول الله ولم يتبع سواه.\nولهذا عد هذان ركنا واحدا من أركان الإسلام، لأنهما يعودان إلى شئ واحد، وهو تصحيح العبادات، لان العبادات لا تصح إلا بمقتضى هاتين الشهادتين: شهادة أن لا اله إلا الله التي يكون بها الإخلاص، وان محمد رسول الله التي يكون بها الاتباع.\n\nوقوله: «وان محمدا رسول الله» يجب أن تشهد بلسانك، مقرا بقلبك، أن محمدا رسول اله، أرسله إلى العالمين جميعا رحمة بالعالمين، كما قال الله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧) وأن تؤمن بان خاتم النبيين، كما قال الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب: من الآية٤٠) فلا نبي بعده، ومن ادعى النبوة بعده فهو كافر كاذب، ومن صدقه فهو كافر. ويلزم من هذه الشهادة أن تتبعه في شرعيته وسنته، وأن لا تبتدع في دينه ما ليس منهن ولهذا نقول: أن أصحاب البدع الذين يبتدعون في شريعة الرسول ﷺ ما ليس منها انهم لم يحققوا شهادة: شهادة أن محمدا رسول الله! حتى وأن قالوا أننا نحبه ونعظمه، فانهم لو أحبوه تمام المحبة وعظموه تمام التعظيم ما تقدموا بين يديه، ولا ادخلوا في شريعته ما ليس منها. فالبدعة مضمونها حقيقة القد لرسول الله ﷺ كأنما يقول هذا المبتدع: أن الرسول ﷺ لم يكمل الدين ولا الشريعة، لان هناك دينا وشريعة ما جاء بها! ثم في البدعة محذور\nآخر، وهو عظيم جدا، وهو انه يتضمن تكذيب","vol":"1","page":351},{"text":"قول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (المائدة: من الآية٣) لان الله تعالى إذا كان اكمل الدين، فمعناه انه لا دين بعدما جاء به الرسول ﵊، وهؤلاء المبتدعون شرعوا في دين الله ما ليس منه، من تسبيحات وتهليلات وحركات وغير ذلك، فهم في الحقيقة مكذبون لمضمون قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (المائدة: من الآية٣) وكذلك قادحون برسول الله ﷺ متهمون إياه بأنه لم يكمل الشريعة للبشر، وحاشاه من ذلك. ومن شهادة أن محمدا رسول الله أن تصدقه فيما اخبره به، فكل ما صح عنه وجب عليك أن تصدق به، وأن لا تعارض هذا بعقلك وتقديراتك وتصوراتك، لأنك لو لم تؤمن لا بما صدق به عقلك لم تكن مؤمنا حقيقة، بل متبعا لهواك ولا أخذا بهداك، الذي يؤمن بالرسول عليه الصلاة والسلام_ حقا يقول فيما صح عنه من الأخبار: سمعنا وأمنا وصدقنا. إما أن يقول: كيف كذا؟ كيف يكون كذا؟ وهذا غير مؤمنا حقيقة، ولذلك يخشى على أولئك القوم الذين يحكمون عقولهم فيما اخبر به الرسول ﵊، لانهم أن كانوا لا يقبلون إلا بما\nشهدت به عقولهم_ وعقولهم لا شك إنها قاصرة_ فانهم لم يؤمنوا حقا برسول الله ﷺ ولم يشهدوا انه رسول الله ﷺ على وجه الحقيقة، عندهم من ضعف هذه الشهادة بمقدار ما عندهم من التشكك فيما اخبر به. كذلك من تحقيق شهادة: «أن محمدا رسول الله» إلا تغلو فيه وتنزله بمنزلة اكبر من المنزلة التي أنزله الله إياها، مثل أولئك الذين يعتقدون أن","vol":"1","page":352},{"text":"الرسول ﷺ يكشف الضر، حتى انهم عند قبره يسألون النبي صلي الله عليه وسلم مباشرة أن يكشف الضر عنهم، وان يجلب النفع لهم. هذا غلو في الرسول - ﵊ - وشرك بالله ﷿!! لا يقدر أحد علي ذلك إلا الله سبحانه وتعالي. والنبي صلي اله عليه وسلم بعده موته لا يملك لنفسه شيئا أبدا. حتى الصحابة لما أصابهم القحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه_واستسقوا في مسجد الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ ما جاءوا إلى القبر يسألون الرسول أو يقولون ادع لنا اله أو اشفع لنا عند الله حتى ينزل الغيث. قال عمر يدعو الله: «اللهم أنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلي الله عليه وسلم فتسقينا، وأنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقينا»\n\nثم أمر العباس أن يقوم ويدعوا الله تعالي بإنزال الغيث. لماذا؟ لان النبي صلي الله عليه وسلم ميت لا عمل له بعد موته، هو الذي قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله الآمن ثلاث: الآمن صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . فالنبي صلي الله عليه وسلم بنفسه لا يملك شيئا، لا يملك أن يدعو لك وهو في قبره أبدا. فمن أنزله فوق منزلته التي أنزله الله فانه لم يحقق شهادة\n«أن محمدا","vol":"1","page":353},{"text":"رسول الله» بل شهد أن محمدا رب مع الله نعوذ بالله، لان معني كونه رسولا انه عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، نحن في صلاتنا كل يوم نقول: «اشهد أن لا اله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله» . فهو عبد كغيره من العباد مبوب، والله هو المعبود ﷿ وهو الرب. إذا نقول لهؤلاء الذين نجدهم يغلون برسول الله صلي الله عليه وسلم وينزلونه فوق منزلته التي أنزله الله، نقول لهم: أنكم لم تحققوا لا شهادة أن لا اله إلا الله، ولا شهادة أن محمدا رسول الله. فالمهم أن هاتين الشهادتين عليهما مدار عظيم، كل الإسلام فهو عليهما. لذلك لو أراد الإنسان أن يتكلم علي ما يتعلق بهما منطوقا ومفهوما ومضمونا وإشارة لاستغرق أياما! ولكن نحن أشرنا إشارة إلى ما يتعلق بهما، ونسأل الله تعالي أن يجعلنا وإياكم ممن يحققهما عقيدة، وقولا، وفعلا،\nالركن الثاني: أقام الصلاة: الصلاة سميت صلاة لأنها صلة بين العبد وبين الله، فان الإنسان إذا قام يصلي فانه يناجي ربه ويحاوره، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن أبي هريرة_ ﵁ - عن النبي صلي الله عليه وسلم أن الله ﷾ قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سال، فإذا قال: «الحمد لله رب العالمين) قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال:","vol":"1","page":354},{"text":"(الرحمن الرحيم) قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال، (ملك يوم الدين) قال مجدني عبدي، فإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سال، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير الغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سال» . فتأمل محاورة ومناجاة بين الإنسان وبين ربه، ومع ذلك فالكثير منا في هذه المناجاة معرض بقلبه، تجده يتجول يمينا وشمالا، مع انه يناجي من يعلم ما في الصدور ﷿. وهذا من جهلنا وغفلتنا. فالواجب علينا_ ونسأل الله أن يعيننا عليه_ أن تكون قلوبنا حاضرة في حال الصلاة حتى تبرا ذ متنا وحتى ننتفع بها، لان الفوائد المترتبة علي الصلاة إنما تكون علي صلاة كاملة،\nولهذا كلنا يقرا قول الله ﷿: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: من الآية٤٥ ومع ذلك يأتي الإنسان ويصلي فلا يجد في قلبه إنكارا لمنكر، أو عرفا لمعروف زائدا عما سبق حين دخوله في الصلاة. يعني لا يتحرك القلب ولا يستفيد، لان الصلاة ناقصة، هذه الصلاة هي اعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. وقد فرضها الله_ عز وجل_ علي نبيه محمد صلي الله عليه وسلم بدون واسطة من الله إلى الرسول، وفرضها عليه في اعلي مكان وصله بشر، وفرضها عليه في","vol":"1","page":355},{"text":"أشرف ليلة كانت لرسول الله صلي الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج، وفرضها عليه خمسين صلاة في اليوم، فهذه أربعة أمور:\nأولا: لم يكن فرضها كفرض الزكاة والصيام والحج، بل هو من الله تعالى مباشرة إلى الرسول ﵊.\nثانيا: من ناحية المكانة فهو في اعلي مكان وصل إليه البشر، تفرض علي النبي صلي الله عليه وسلم وهو في الأرض.\nثالثا: من ناحية الزمان في اشرف ليلة كانت لرسول الله صلي الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج.\nرابعا: في الكمية: لم تفرض صلاة واحدة، بل خمسون صلاة، مما يدل علي محبة الله لها، وانه يحب من عبده أن يكون مشغولا بها. ولكن الله جعل لكل شئ سببا، لما نزل الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ مسلما أتمر الله قانعا بفريضة الله، ومر بموسى_ عليه الصلاة والسلام_ وسأله موسى: ماذا فرض الله علي أمتك؟ قال: «خمسين صلاة في اليوم والليلة»، قال: أن أمتك لا تطيق ذلك، إنني جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل اشد المعالجة اذهب إلى ربك وأساله أن يخفف علي أمتك! فذهب إلى الله، وجعل يتردد بين موسى_ عليه الصلاة والسلام_ وبين الله_ عز وجل_ حتى جعلها الله خمسا، لكن الله بمنه وكرمه _","vol":"1","page":356},{"text":"وله الحمد والفضل - قال: هي خمس بالفعل، وخمسون في الميزان، وليس هذا من باب قبيل الحسنة بعشر أمثالها، بل من باب قبيل الفعل الواحد يجزئ عن خمسين فعلا، فهذه خمس صلوات عن خمسين صلاة، فكأنما صلينا خمسين صلاة، كل صلاة الوحدة بعشر أمثالها لأنه لو كان هذا من باب مضاعفة الحسنات لم يكن هناك فرق بين الصلوات وغيرها، لكن هذه خاصة، صل خمس كأنما صليت خمسين صلاة، قال: هي حمس في الفعل وخمسون في الميزان، وهذا يدل علي عظم هذه الصلوات، ولهذا فرضها\n\nالله_ سبحانه وتعالى_ علي عباده في اليوم والليلة. خمس مرات لابد منها. لابد أن تكون مع الله خمس مرات تناجيه في اليوم والليلة. ولو أن أحدا من الناس حصل علي مقابلة بينه وبين الملك خمس مرات باليوم لعد ذلك من مناقبه ولفرح بذلك وقال: كل يوم أجالس الملك خمس مرات! فأنت تناجي ملك الملوك_ عز وجل_ في اليوم خمس مرات علي الأقل، فلماذا ل اتفرح بهذا؟ احمد الله علي هذه النعمة وأقم الصلاة. وقول النبي صلي الله عليه وسلم: «وتقيم الصلاة» يعني: تأتى بها قويمة تامة بشروطها وأركانها وواجباتها.\nفمن أهم شروطها: الوقت: لقول الله سبحانه: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (النساء: من الآية١٠٣) وإذا كانت الصلوات خمسا فأوقاتها خمسة لغير أهل الأعذار، وثلاثة","vol":"1","page":357},{"text":"لأهل الأعذار الذين يجوز لهم الجمع، فالظهر والعصر يكون وقتاهما وقتا واحدا إذا جاز الجمع. والغرب والعشاء يكون وقتاهما وقت واحد إذا جاز الجمع. هذان وقتان. والفجر وقت واحد، ولهذا فصلها الله ﷿: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) (الإسراء: من الآية٧٨)، ولم يقل: لدلوك الشمس إلى طلوع الفجر! بل قال: (إلى غسق الليل) وغسق الليل يكون عند منتصفه، لان اشد ما يكون ظلمة في الليل منتصف الليل، لان منتصف الليل هو ابعد ما تكون الشمس عن النقطة التي فيها هذا المنتصف، ولهذا كان القول الراجح أن الأوقات خمسة كما يلي:\n\n١_ الفجر من طلوع الفجر الثاني_ وهو البياض المعترض في الأفق_ إلى أن تطلع الشمس.\n\nوهنا انبه فأقول: أن تقويم أم القرى فيه تقديم خمس دقائق في آذان الفجر علي مدار السنة، فالذي يصلي أول ما يؤذن يعتبر انه صلي قبل الوقت، وهذا شئ اختبرناه في الحساب الفلكي، واختبرناه إضافي الرؤية. فلذلك لا يعتمد هذا بالنسبة لآذان الفجر، لأنه مقدم، وهذه مسالة خطيرة جدا، لو تكبر للإحرام فقط قبل أن يدخل الوقت ما صحت صلاتك وما صارت فريضة. وقد حدثني انس كثيرون ممن يعيشون في البر وليس حولهم أنوار، انهم لا يشاهدون الفجر ال بعد هذا التقويم بثلث ساعة، أي: عشرين دقيقة أو ربع ساعة أحيانا، لكن التقاويم الأخرى الفلكية التي","vol":"1","page":358},{"text":"بالحساب بينها وبين هذا التقويم خمس دقائق. علي كل حال: وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني_ وهو البياض المعترض_ إلى طلوع الشمس.\n٢_ الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شئ مثله، لكن بعد أن تخصم ظل الزوال، لان الشمس خصوصا في أيام الشتاء يكون لها ظل نحو الشمال، هذا ليس بعبرة، بل العبرة انك تنظر إلى الظل مادام ينقص فالشمس لم تزل، فإذا بدا يزيد ادني زيادة فان الشمس قد زالت، فاجعل علامة علي ابتداء زيادة الظل: فإذا صار ظل الشيء كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.\n\n٣_ ووقت العصر إلى أن تصفر الشمس والضرورة إلى غروبها.\n٤_ ووقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو يختلف، أحيانا يكون بين الغروب وبين مغيب الشفق ساعة وربع، واحيانا يكون ساعة واثنتين وثلاثين دقيقة، ولذلك وقت العشاء عند الناس الآن لا باس به، واحدة ونصف (١،٣٠) غروبي.\n٥_ وقت العشاء من خروج وقت المغرب إلى منتصف الليل. بمعني انك تقدر ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ثم تنصفه. فالنصف هو منتهى صلاة العشاء. ويترتب علي هذا فائدة عظيمة: لو طهرت المرأة من الحيض في الثلث الأخير من الليل فليس عليها صلاة العشاء ولا المغرب، لأنها طهرت بعد الوقت.","vol":"1","page":359},{"text":"وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي_ عليه الصلاة والسلام_ قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل» . وليس عن رسول الله صلي الله عليه وسلم حديث علي أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر أبدا. ولهذا فان القول الراجح إلى نصف الليل، والآية الكريمة تدل علي هذا، لأنه فصل الفجر عن الأوقات الأربعة (أقم الصلاة لدلوك الشمس) أي: زوالها (إلى غسق الليل) جمع الله بينها لأنها ليس بينها فاصل، فمن ساعة خروج الظهر يدخل العصر، ومن ساعة خروج العصر يدخل المغرب، ومن ساعة خروج المغرب يدخل العشاء، إما الفجر فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (الإسراء: من الآية٧٨) فالفجر لا تتصل بصلاة لا قبلها ولا بعدها، لان بينها وبين الظهر نصف النهار الأول، وبينهما وبين صلاة العشاء نصف الليل الآخر. واعلم أن\n\nالصلاة قبل دخول الوقت لا تقبل حتى ولو كبر المصلي تكبيرة الإحرام ثم دخل الوقت بعد التكبيرة مباشرة، فإنها لا تقبل علي إنها فريضة، لان الشي الموقت بوقت لا يصح قبل وقته، كما لو أراد الإنسان أن يصوم قبل رمضان ولو بيوم واحد فانه لا يجزئه عن رمضان، كذلك لو كبر تكبيرة الإحرام قبل دخول الوقت فان الصلاة لا تقبل منه علي إنها فريضة، لكن أن كان جاهلا لا يدري صارت نافلة ووجب عليه إعادتها","vol":"1","page":360},{"text":"فريضة. إما إذا صلاها بعد الوقت فلا يخلو من حالين:\nا_ إما أن يكون معذورا بجهل، أو نسيان، أو نوم، فهذا تقبل منه.\n_ الجهل: مثل أن لا يعرف أن الوقت قد دخل وقد خرج، فهذا لا شئ عليه، فانه يصلي الصلاة متي علم وتقبل منه، لأنه معذور.\n_ النسيان: مثل أن يكون الإنسان اشتغل بشغل عظيم اشغله وألهاه حتى خرج الوقت، فان هذا يصليها ولو بعد خروج الوقت، والنوم كذلك، فلو أن شخصا نام علي انه سيقوم عند الآذان، ولكن صار نومه ثقيلا فلم يسمع الآذان، ولم يسمع المنبه الذي وضعه عند رأسه حتى خرج الوقت، فانه يصلي إذا استيقظ، لقول الرسول ﵊: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك»\n\nب_ فأما الحلة الثانية: فان يؤخر الصلاة عن وقتها عمدا بدون عذر، فاتفق العلماء علي انه آثم وعاص لله تعالى ورسوله صلي الله عليه وسلم.\nوقال بعض العلماء: انه يكفر بذلك كفرا مخرجا عن الملة، نسأل الله العافية!، فالعلماء متفقون علي انه لو آخر الصلاة عن وقتها بلا عذر فانه آثم عاص، ولكن منهم من قال انه يكفر، ولكن الجمهور_ وهو الصحيح_ انه لا يكفر، ولكن اختلفوا فيما لو صلاها في هذه الحال، يعني: بعد أن أخرجها عب وقتها عمدا بلا عذر ثم صلي، فمنهم من قال: إنها تقبل_ أي","vol":"1","page":361},{"text":"صلاته_ لأنه عاد إلى رشده وصوابه ولانه إذا كان الناسي تقبل منه الصلاة بعد الوقت فالمتعمد كذلك. ولكن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة إنها لا تقبل منه إذا آخرها عن وقتها عمدا ولو صلي ألف مرة، وذلك لقول النبي ﵊: «من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد»، يعني مردود غير مقبول عند الله، وإذا كان مردودا فلن يقبل، وهذا الذي اخرج الصلاة عمدا عن وقتها إذا صلاها فقد صلاها علي غير أمر الله ورسوله، فلا تقبل منه. واما المعذور فهو معذور، ولهذا أمره الشارع أن يصليها إذا ذال عذره، إما من ليس بمعذور فانه لو بقي يصلي كل دهره فإنها ل اتقبل منه هذه الصلاة التي أخرجها عن وقتها بلا عذر، ولكن عليه أن يتوب إلى الله ويستقيم، ويكثر من العمل الصالح والاستغفار «ومن تاب\n\nتاب الله عليه» .\nالشرط الثاني من أقام الصلاة: الطهارة، فانه لا تقبل صلاة بغير طهور. قال النبي ﵊: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا احدث حتى يتوضأ» . فلابد أن يقوم الإنسان بالطهارة علي الوجه الذي أمر به، فان احدث حدثا اصغر مثل: البول والغائط والريح والنوم واكل لحم الإبل فانه يتوضأ.","vol":"1","page":362},{"text":"وفروض الوضوء كما يلي: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، كما أمر الله بذلك في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية٦)\nومن الرأس: الأذان، ومن الوجه: المضمضة والاستنشاق في الفم والأنف، فلابد في الوضوء من تطهير هذه الأعضاء الأربعة، غسل في ثلاثة ومسح في واحد.\n\nوأما الاستنجاء، أو الاستجمار: فهو اذالة النجاسة، ولا علاقة له بالوضوء، فلو أن الإنسان با ل أو تغوط واستنجي ثم ذهب لشغله، ثم دخل الوقت، فانه يتوضأ بتطهيره الأعضاء الأربعة، ولا حاجة لان يستنجي، لان الاستنجاء إزالة نجاسة، متي أزيلت فانه لا يعاد الغسل مرة ثانية، إلا إذا رجعت مرة ثانية.\nوالصحيح: انه لو نسي أن يستجمر استجمارا شرعيا ثم توضأ، فان وضوءه صحيح، لأنه هناك ليس علاقة بين الاستنجاء وبين الوضوء أما إذا كان محدثا حدثا اكبر مثل الجنابة فعليه أن يغتسل، فيعمم جميع بدنه بالماء لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: من الآية٦) ومن ذلك: المضمضة والاستنشاق، لأنهما داخلان في الوجه، فيجب تطهيرهما كما يجب تطهير الجبهة والخد واللحية. والغسل الواجب الذي يكفي أن تعم جميع بدنك بالماء، سواء بدأت","vol":"1","page":363},{"text":"بالرأس أو بالصدر أو بالظهر أو بأسفل البدن، أو انغمست في بركة وخرجت منها بنية الغسل. والوضوء في الغسل سنة وليس بواجب، ويسن أن يتوضأ قبل أن يغتسل، وإذا اغتسل فلا حاجة إلى الوضوء مرة ثانية، لأنه لم يثبت عن النبي_ عليه الصلاة والسلام_ انه توضا بعد اغتساله فإذا لم يجد الماء، أو كان مريضا يخشي من استعمال الماء، أو كان برد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء، فانه يتيمم، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ\nوَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: ٦) فبين الله حال السفر والمرض انه يتيمم فيهما إذا لم يجد الماء في السفر. إما خوف البرد فدليله قصة عمرو بن العاص ﵁: «أن النبي صلي الله عليه وسلم أرسله في سرية فأجنب، فتيمم وصلي بأصحابه إماما. فلما رجعوا إلى النبي صلي الله عليه وسلم قال له: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: نعم يا رسول الله! ذكرت قول الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: من الآية٢٩) فخفت البرد فتيممت صعيدا طيبا فصليت» . فاقره النبي صلي الله علي وسلم علي ذلك ولم يأمره بالإعادة، لان من خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالبا أو قاطعا، إما مجرد","vol":"1","page":364},{"text":"الوهم فهذا ليس بشيء. واعلم أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء، ولا تنتقص إلا بما تنتقص به طهارة الماء، أو بزوال العذر المبيح للتيمم، فمن تيمم لعدم وجود الماء ثم وجده فانه لابد أن يتطهر بالماء، لان الله تعالى إنما جعل\nالتراب طهارة إذا عدم الماء. وفي الحديث الذي أخرجه أهل السنن عن أبي هريرة، عن النبي صلي الله علي وسلم انه قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم_ أو قال طهور المسلم_ وان لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فان ذلك خير» . وفي صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، في قصة الرجل الذي اعتزل فلم يصل مع النبي صلي الله عليه وسلم فسأله فقال: «ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد فانه يكفيك. ثم حضر الماء فأعطي النبي صلي الله عليه وسلم هذا الرجل ماء وقال: أفرغه علي نفسك» أي: اغتسل به. فدل هذا علي انه إذا وجد الماء بطل التيمم، وهذه_ لله الحمد_ قاعدة حتى عند العامة، يقولون: «إذا حضر الماء بطل التيمم» . إما إذا لم يحضر الماء ولم يذل العذر، فانه يقوم مقام طهارة الماء ولا يبطل بخروج الوقت، فلو تيمم الإنسان وهو مسافر وليس عنده ماء وتيمم","vol":"1","page":365},{"text":"لصلاة الظهر مثلا، وبقي لم يحدث إلى العشاء فانه لا يلزمه إعادة التيمم، لا ن التيمم ل ايبطل بخروج الوقت، لأنه طهارة شرعية، كما قال الله في القران الكريم: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ\nاللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ْ) (المائدة: من الآية٦) فبين الله أن طهارة التيمم طهارة. وقال الرسول صلي الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» بفتح الطاء، أي أنها تطهر: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» . وفي حديث آخر: «فعنده مسجده وطهوره» . يعني: فليتطهر وليصل هذا من الأشياء المهمة في إقامة الصلاة: المحافظة علي الطهارة. واعلم أن من المحافظة علي الطهارة: إزالة النجاسة من ثوبك وبدنك، ومصلاك الذي تصلي عليه. فلابد م الطهارة في هذه المواضع الثلاث: البدن، والثوب، والمصلي.\n\n١ - أما الثوب فدليله: أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر النساء اللاتي يصلين في ثيابهن وهن يحضن بهذه الثياب أن تزيل المرأة الدم الذي أصابها من الحيض من ثوبها، تحكه بظفرها ثم تقرصه بإصبعيها الإبهام والسبابة ثم تغسله، ولما صلي ذات يوم بأصحابه وعليه نعال خلع نعليه فخلع الناس نعالهم،","vol":"1","page":366},{"text":"فلم سلم سألهم لماذا خلعوا نعالهم! قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: «أن جبريل أتاني فاخبرني أن فيهما قذرا» فدل هذا علي انه لابد من اجتناب النجاسة في الملبوس.\n٢_ أما المكان: فدليله أن أعرابيا جاء فبال في طائفة من المسجد، أي: في طرف من مسجد النبي صلي الله عليه وسلم لكنه أعرابي_ والأعراب الغالب عليهم الجهل_ فصاح به الناس وزجروه، ولكن الرسول صلي الله عليه وسلم بحكمته نهاهم وقال: اتركوه. فلما قضي بوله دعاه النبي صلي الله عليه وسلم وقال له: «أن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القران» فقال الأعرابي: «اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحد»، لان الصحابة زجروه، وأما النبي_ عليه الصلاة والسلام_ فكلمه بلطف، فظن أن الرحمة ضيقة لا تتسع للجميع، وقال: «اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحد» ويذكر أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال له: «لقد حجرت واسعا يا أخا العرب» (،) وأمر النبي - عليه الصلاة والسلام_ أن يصب علي البول ذنوب من ماء، مثل الدلو، لتطهر الأرض.","vol":"1","page":367},{"text":"٣_ وأما طهارة البدن: فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس_ رضي الله عنهما_ أن الرسول صلي الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: «انهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وفي رواية: لا يستبري من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» والعياذ بالله. فدل هذا: علي انه لابد التنزه من البول. وهكذا بقية النجاسات، ولكن لو فرض أن الإنسان في البر وتنجس ثوبه وليس معه ما يغسله به، فهل يتيمم من اجل صلاته في هذا الثوب؟ لا يتيمم، وكذلك لو اصب بدنه نجاسة رجلها ويده أو ساقه أو ذراعه وهو في البر وليس عنه ما يغسله، فانه لا يتيمم، لان التيمم إنما هو في طهارة الحدث فقط، أما النجاسة فلا يتيمم لها، لان النجاسة عين قذرة تطهيرها بإزالتها أن أمكن فذلك، وان لم يمكن تبقي حتى يمكن إزالتها. والله اعلم.\nأحكام المسح علي الخفين والجبيرة:\nسبق أن الطهارة تتعلق بأربعة أعضاء من البدن، وهي: الوجه، واليدان، الرأس، والرجلان، فأما الوجه فيغسل، وأما اليدان فتغسلان، وأما الرأي فيمسح، وأما الرجلان فتغسلان أو تمسحان. اثنان غسل، وواحد يمسح، وواحد يغسل أو يمسح!","vol":"1","page":368},{"text":"أما الوجه فلا يمكن أن يمسح إلا إذا كان هناك جبيرة، أي: لزقة علي جرح أو ما شابه ذلك. فلو أن إنسانا غطي وجهه بشيء من سموم الشمس أو غيره فانه لا يمسح عليه، بل يزيل القطاء ويغسل الوجه. إلا إذا كان هناك ضرورة فانه يمسح ما غطي به وجهه علي سبيل البدل من الغسل. وأما اليدان فكذلك لا تمسحان، بل لا بد م غسلهما الا اذا كان هناك ضرورة، مثل أن يكون فيهما حساسية يضرها الماء وجعل عليها لفافة، أو لبس قفازين من اجل لا يأتيهما الماء، فلا باس أن يمسح مسح جبيرة للضرورة. وأما الرأس فيمسح، وطهارته أخف من غيره ولهذا لو كان علي راس المرأة حناء ملبد عليه، ألبد المحرم رأسه في حال إحرامه كما فعل النبي_ عليه الصلاة والسلام_ فانه يمسح هذا الملبد ولا حاجة لان يزيله. أما الرجلان فتغسلان وتمسحان، ولهذا جاء القران الكريم علي وجهين في قراءة قوله تعالى: «وارجلكم» بالفتح والكسر. ففي قراءة (وارجلكم) وفي قراءة (وارجلكم) . أما قراءة الكسر (ارجلكم) فهي عطفا علي قوله: (وامسحوا برؤوسكم) أي: وامسحوا بأرجلكم. وأما النصب (وارجلكم) فهي عطفا علي قوله تعالى: (اغسلوا وجوهكم) يعني: واغسلوا أرجلكم.","vol":"1","page":369},{"text":"ولكن متي تمسح الرجل؟ تمسح الرجل\n\nإذا لبس عليها الإنسان جوارب أو خفين.\nالجوارب: ما كان من القطن أو الصوف أو نحوه.\nوالخفان: ما كان من الجلد أو شبهه، يمسح عليهما، لكن بشروط أربعة.\nالشرط الأول: الطهارة: أي طهارة الخفين أو الجوربين، فلو كانا من جلد نجس فانه لا يصح المسح عليهما، لان النجس خبيث لا يتطهر مهما مسحته وغسلته. أما إذا كانتا متنجستين، فمن المعلوم أن الإنسان لا يصلي فيهما، فلا يمسح عليهما.\nالشرط الثاني: أن يلبسهما علي طهارة بالماء: فان لبسهما علي تيمم فانه لا يمسح عليهما. فلوان شخصا مسافرا لبس الجوارب علي طهارة تيمم ثم قدم البلد فانه لا يمسح عليهما، لأنه لبسهما علي طهارة تيمم، وطهارة التيمم إنما تتعلق بأوجه والكفين، ولا علاقة لها بالرجلين. وعلي هذا يكون الشرط مأخوذ من قول النبي صلي الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة: «إني أدخلتهما طاهرتين» .\nالشرط الثالث: أن يكونا في الحدث الأصغر: أي: في الوضوء، أما","vol":"1","page":370},{"text":"الغسل فلا تسمح فيه الخفان ولا الجوارب، بل لابد من خلعهما وغسل الرجلين، فلو كان علي الإنسان جنابة فانه لا يمكن أن يمسح علي خفيه.\n\nالشرط الرابع: أن يكون في المدة المحددة شرعا: وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث، أما ما قبل المسح الأول فلا يحسب من المدة. فلو فرضان شخصا لبسها علي طهارة في صباح اليوم الثلاثاء، وبقي إلى صلي العشاء في طهارته، ثم نام في ليلة الأربعاء، ولما قام لصلاة الفجر مسح، فيوم الثلاثاء: لا يحسب عليه، لأنه قبل المسح، بل يحسب عليه من فجر يوم الأربعاء، لان حديث علي بن أبي طالب_ رضي الله عنه_ قاغل: «جعل رسول الله صلي الله عليه وسلم ثلاث أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم» .\nوقال صفوان بن عسال: «كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا إلا ننزع خناقنا ثلاث أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (،) فالعبرة بالمسح لا باللبس، ولا بالحدث بعد اللبس. فيتم المقيم يوم وليلة، أي: أربعا وعشرين ساعة، ويتم المسافر","vol":"1","page":371},{"text":"ثلاثة أيام بلياليهن، أي: اثنتين وسبعين ساعة، فان مسح الإنسان وهو مقيم وسافر قبل أن تتم المدة، فانه يتمم مسح مسافر ثلاثة أيام.\n\nمثلا: لو لبس اليوم لصلاة الفجر ومسح لصلاة الظهر، ثم سافر بعد الظهر، فانه يتمم ثلاثة أيام، يمسح ثلاثة أيام\n\nولو كان بالعكس: مسح وهو مسافر ثم أقام، فانه يتمم مسح مقيم، لان العبرة بالنهاية لا بالبداية، العبرة في السفر أو الإقامة بالنهاية لا بالبداية. وهذا هو الذي رجع إليه الإمام احمد_ رحمه الله_ وكان بالأول يقول: أن الإنسان إذا مسح مقيما ثم سافر أتم مسح مقيم، لكنه رجع عن هذه لرواية وقال: لنه يتمم مسح مسافر. ولا تستغرب أن العالم يرجع عن قوله، لان الحق يجب أن يتبع، فمتي تبين للإنسان الحق وجب عليه اتباعه، فالإمام احمد_ رحمه الله_ أحيانا يروي عنه في المسالة الواحدة اكثر من أربعة أقوال أو خمسة إلى سبعة أقوال في مسالة واحدة. وهو رجل واحد، أحيانا يصرح بأنه رجع وأحيانا لا يصرح، أن صرح بأنه رجع عن قوله الأول فانه لا يجوز أن ينسب إليه القول الذي رجع عنه، ولا يجوز أن ينسب له الا مقيدا، فيقال: قالبه أولا ثم رجع، أما إذا لم يصرح بالجوع فانه يجب أن تسحب الأقوال كلها عنه، فيقال: له قولان، أو له ثلاث أقوال، أو أربعة أقوال. والإمام احمد تكثر الرواية عنه، لأنه اثري يأخذ بالآثار، والذي يأخذ بالآثار ليس تأتيه الآثار دفعة واحدة حتى يحيط بها مرة واحدة ويستقر علي قوله منها، لكن الآثار تتجدد، ينقل له حديث","vol":"1","page":372},{"text":"اليوم،\nوينقل له حديث في اليوم الثاني، وهكذا. واعلم أن الإنسان إذا تمت المدة وهو علي طهارة فانه لا تنتقص طهارته، لكن أن انتقضت فلا بد من خلع الخفين وغل القدمين، لكن مجرد تمام المدة لا ينقص الوضوء. كذلك أيضا إذا خلعها بعد المسح وهو علي طهارة، فإنها لا تنتقص طهارته، بل يبقي علي طهارته، فإذا أراد أن يتوضأ فلابد من أن يغسل قدميه بعد أن نزع. والقاعدة في هذا حتى لا تشتبه: انه متي نزع الممسوح فانه ل ايعاد ليمسح، بل لابد من غسل الرجل ثم إعادته إذا اراد الوضوء.\n\nالشرط الثالث: استقبال القبلة: فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، لان الله تعالى أمر به وكرر الأمر به. قال تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة: من الآية١٥٠)، أي: جهته. وكان النبي_ عليه الصلاة والسلام_ أول ما قدم المدينة كان يصلي إلى بيت المقدس، فيجعل الكعبة خلف ظهره والشام قبل وجهه، ولكن بعد ذلك ترقب أن الله ﷾ - يشرع له خلاف ذلك، فجعل يقلب وجهه في السماء ينتظر متي ينزل عليه جبريل بالوحي في استقبال بيت الله الحرام، كما قال الله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ أيولينك قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (البقرة: من الآية١٤٤)، فأمره الله","vol":"1","page":373},{"text":"_ عز وجل_ أن يستقبل المسجد الحرام، أي: جهته. إلا انه يستثني من ذلك ثلاث مسائل:\nالمسالة الأولى: إذا عاجزا كمريض وجهه إلى غير القبلة، ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة، فان استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحال، لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية ١٦) وقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية٢٨٦) وقول النبي صلي الله عليه مسلم: «إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم»\nالمسالة الثانية: إذا كان في شدة الخوف، كانسان هارب من عدو، أو هارب من سبع، أو هارب من نار، أو هارب من واد يغرقه! المهم انه في شدة خوف، فهنا يصلي حيث كان وجهه. ودليل ذلك قوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٣٩)، فان قوله: (فان خفتم) عام يشمل أي خوف. وقوله: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة: من الآية٢٣٩) علي أن أي ذكر تركه الإنسان من اجل الخوف فلا حرج عليه فيه، ومن ذلك الآيتين الكريمتين والحديث النبوي في أن الوجوب معاق بالاستطاعة","vol":"1","page":374},{"text":"المسالة الثالثة: في النافلة في السفر، سواء كان علي طائرة، أو علي سيارة، أو علي بعير، فانه يصلي حيث كان وجهه في صلاة النفل، مثل الوتر وصلاة الليل والضحي ومل أشبه ذلك. والمسافر ينبغي له أن تنفل بجميع النوافل كالمقيم سواء إلا في الرواتب، كراتبه الظهر والمغرب والعشاء، فالسنة تركها، وماعدا ذلك من النوافل فانه باقي علي مشروعيته للمسافر، كما هو مشروع للمقيم. فإذا أراد ان يتنفل وهو مسافر علي طائرته، أو علي بعيره، أو علي حماره، فليتنفل حيث كان وجهه، لان ذلك هو الثابت في الصحيحين عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.\nفهذه ثلاث مسائل لا يجب فيها استقبال القبلة! أما الجاهل فيجب عليه استقبال القبلة، لكن إذا اجتهد وتحري ثم تبين له الخطأ بعد الاجتهاد، فانه لا أعاده عليه، ولا نقول انه يسقط عنه الاستقبال، بل يجب عليه الاستقبال ويتحري بقدر استطاعته، فإذا تحري بقدر استطاعته ثم تبين له الخطأ، فانه لا يعد صلاته، ودليل ذلك أن الصحابة الذين لم يعلموا بتحويل القبلة إلى الكعبة، كانوا يصلون ذات يوم صلاة الفجر في مسجد قباء، فجاءهم رجل فقال: أن النبي صلي الله عليه وسلم انزل عليه قران وأمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فاستداروا، بعد أن كانت الكعبة","vol":"1","page":375},{"text":"وراءهم جعلوها أمامهم، فاستداروا وبقوا في صلاتهم وهذا في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ولم يكن إنكار له، فيكون ذلك مشروعا، فإذا أخطأ الإنسان في القبلة جاهلا فانه ليس عليه اعادة، ولكن اذا تبين ولو في أثناء الصلاة وجب عليه أن يستقيم إلى القبلة، فجاءه إنسان وقال له: القبلة عن يمينك أو يسارك، وجب عليه أن يستدير علي اليمين أو علي اليسار دون أن يستأنف الصلاة، لأنه في الأول كان عن اجتهاد وعن وجه شرعي فلا يبطل. فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، إلا في\n\nالمواضع الثلاث التي ذكرناها، وإلا إذا أخطأ الإنسان بعد الاجتهاد والتحري.\nوهنا مسالة: يجب علي من نزل علي شخص ضيفا واراد أن يتنفل أن يسال صاحب البيت عن القبلة، فإذا اخبره اتجه إليها، لان بعض الناس تأخذه العزة بالإثم، ويمنعه الحياء_ وهو حياء في غير محله_ عن السؤال عن القبلة. فبعض الناس يستحي من السؤال حتى لا يقول الناس لا يعرف! لا يضر، فليقولوا ما يقولونه، بل أسال عن القبلة حتى يخبرك صاحب البيت. وأحيانا بعض الناس تأخذه العزة بالإثم أو الحياء، ويتجه بناء علي ظنه إلى جهة ما يتبين له إنها ليست القبلة، وفي هذه الحال وجب عليه أن يعيد الصلاة، لأنه استند إلي غير مستند شرعي. والمستند إلى غير مستند شرعي لا تقبل عبادته، لقول النبي صلي الله علي وسلم: «من","vol":"1","page":376},{"text":"عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد» .\nالشرط الرابع: فان الصلاة لا تصح إلا بنيه، لقول النبي صلي الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوي» الحديث. وقد دلت الآيات الكريمة علي اعتبار النية في العبادات، مثل قوله تعالى في وصف النبي صلي الله وسلم وأصحابه: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) (الفتح: من الآية٢٩) والآيات في هذا كثيرة، وقال: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (النساء: من الآية١٠٠) فالنية شرط من شرط صحة الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، وهي_ في الحقيقة_ ليست بالأمر الصعب، كل إنسان عاقل مختار يفعل فعلا فانه قد نواه. فلا تحتاج إلى تعب ولا علي نطق محلها القلب: «إنما الأعمال بالنيات» . ولان النبي صلي الله عليه وسلم لم ينطق بالنية، ولا أمر أمته بالنطق بها، ولا فعلها أحد من أصحابه فأقراه علي ذلك، فالنطق بالنية بدعة، هذا هو القول الراجح، لأنك كأنما تشاهد الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ وأصحابه يصلون ليس فيهم أحد نطق قال: اللهم إني نويت أن اصلي. وما اظرف قصة ذكرها لي بعض الناس_ عليه رحمة الله_ قال لي: أن","vol":"1","page":377},{"text":"شخصا في المسجد الحرام_ قديما_ أراد أن يصلي، فأقيمت الصلاة فقال: اللهم إني نويت أن اصلي الظهر ارع ركعات لله تعالى خلف إمام المجد الحرام. لما أراد أن يكبر قال له الرجل إلى جواره: اصبر بقي عليك! قال: ما الباقي؟ قال له: قل في اليوم الفلاني وفي التاريخ الفلاني من الشهر والسنة حتى لا تضيع، هذه وثيقة. فتعجب الرجل! والحقيقة انه محل التعجب، هل أنت تعلم الله_ عز وجل_ بما تريد؟ الله يعلم ما توسوس به نفسك. هل تعلم الله بعدد الركعات والأوقات؟ لا داعي له، الله يعلم هذا. فالنية محلها القلب. ولكن كما نعلم أن الصلوات تنقسم إلى أقسام: نفل مطل، ونفل معين، وفريضة.\nالفرائض خمس: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. إذا جئت إلى المسجد في وقت الفجر، فماذا تريد أن تصلي؟ أتريد أن تصلي المغرب؟! لا، بل الفجر. جئت وكبرت وأنت ناوي الصلاة، لكن غاب عن ذهنك إنها الفجر.\n\nوهناك مسالة: إذا جئت وكبرت، وغاب عن ذهنك أي صلاة هي، وهذا يقع كثيرا، لا سيما إذا جاء بسرعة يخشى أن تفوته الركعة، فمثلا جئت وحضرت وكبرت ولكنك لم تستحضر انك تريد الفجر. فهنا لا حاجة، ووقوع هذه الصلاة في وقتها دليل علي انه إنما أردت هذه الصلاة. ولهذا لو سالك أي واحد: هل أردت الظهر أو العصر او المغرب او","vol":"1","page":378},{"text":"العشاء؟ لقت: أبدا، ما أردت لا الفجر. إذا لا حاجة إلى أن انوي إنها الفجر، صحيح أن نويتها الفجر اكمل، لكن أحيانا يغيب عن الذهن التعيين، فنقول: يعينها الوقت. إذا الفرائض يكون تعيينها علي وجهين:\nالوجه الأول: أن يعينها بعينها بقلبه انه نوي الظهر مثلا، وهذا واضح.\nالوجه الثاني: الوقت، فما دمت تصلى الصلاة في هذا الوقت فهي هي الصلاة.\nهذا الوجه الثاني إنما يكون في الصلاة المؤداة في وقتها، أما لو فرض أن علي إنسان صلوات مقضية، كما لو كان نام يوما كاملا عن الظهر والعصر والمغرب، فهنا إذا أراد أن يقضي لابد يعينها بعينها، لأنه لا وقت لها. النوافل المعنية، مثل الوتر وركعتي الضحى والرواتب للصلوات الخمس، فهذه لابد أن تعينها بالاسم، لكن بالقلب لا بالسان، فإذا أردت أن تصلي الوتر مثلا وكبرت ولكن ما نويت الوتر، وفي أثناء الصلاة نويتها الوتر، فهذا لا يصح، لان المتر نفل معين، والنوافل والمعينة لابد أن تعين بعينها. إذا أراد الإنسان أن ينتقل في أثناء الصلاة من نية إلى نية، هل هذا","vol":"1","page":379},{"text":"ممكن؟ ننظر، الانتقال من معين إلى معين، أو من مطلق إلى معين لا يصح.\nمثال المطلق: إنسان قام يصلي صلاة نافلة مطلقة، وفي أثناء الصلاة ذكر انه لم راتبة الفجر، فنواها لرابة الفجر. نقول: لا تصح لراتبة الفجر، لأنه انتقال من مطلق إلى معين، والمعين لابد أن تنويه من أوله، فراتبة الفجر من التكبير إلى التسليم. ومثال معين إلى معين: رجل قام يصلي العصر، وفي أثناء صلاته ذظر انه لم يصل الظهر، أو انه صلاها بغير وضوء، فقال: الآن نويتها للظهر، فهل تصح للظهر أم لا؟ هنا لا تصح للظهر، لانه من معين إلى معين، ولا تصح أيضا صلاة العصر التي أبتدأ، لأنه قطعها بانتقا له إلى الظهر. اذ لا تصح ظهرا ولا عصرا، فهي لا تصح عصرا لأنه قطعها، ولا ظهرا لأنه لم يبتدئها ظهرا، وصلاة الظهر من تكبيرة الإحرام إلى السلام. أما الانتقال من معين إلى مطلق فانه يصح ولا باس، مثل إنسان شرع في صلاة الفريضة، ثم لما شرع ذكر انه علي ميعاد لا يمكنه أن يتأخر فيه، فنواها نفلا، فإنها تصح إذا كان الوقت متسعا ولم يفوت الجماعة. هذان شرطان: الشرط الأول: إذا كان ألقت متسعا، والثاني: إذا لم يفوت الجماعة. فمثلا إذا كان في صلاة جماعة فلا يمكن أن يحولها إلى نفل مطلق، لان هذا يستلزم أن يدع صلاة الجماعة. إذا كان الوقت ضيقا\n\nفلا يصح أن يحولها إلى نفل مطلق، لان صلاة","vol":"1","page":380},{"text":"الفريضة اذا ضاق وقتها لا يتحمل الوقت سواها، لكن الوقت في سعة والجماعة قد فاتته، نقول: لا باس أن تحولها إلى نفل مطلق وتسلم من ركعتين وتذهب إلى وعدك، ثم بعد ذلك تعود إلى فريضتك، فصار الانتقال ثلاثا:\n\n١_ من مطلق إلى معين: لا يصح المعين ويبقي المطلق صحيحا.\n٢_ من معين إلى معين: يبطل الأول ولا ينعقد الثاني.\n٣_ من معين إلى مطلق: يصح ويبقي المعين عليه.\nنية الإمامة والإتمام: الجماعة تحتاج إلى إمام ومأموم، واقلها اثنان: إمام ومأموم. وكلما كان اكثر فهو احب إلى الله، ولابد من نية المأموم والإتمام، وهذا شئ متفق عليه، يعني إذا دخلت في جماعة فلابد أن تنوي الإتمام بامامك الذي دخلت معه. ولكن_ كما قلنا_ النية لا تحتاج إلى كبير عمل، لان من أتى إلى المسجد فانه قد نوي أن يتم. أما الإمام فقد اختلف العلماء_ رحمهم الله_ هل يجب أن ينوي أن يكون أو لا يجب؟! فقال بعض أهل العلم: لابد أن ينوي انه الإمام، وعلي هذا لو جاء رجلان ووجدا رجل يصلي ونويا أن يكون الرجل إماما لهما، فصفا خلفه وهولا يدري بهما، لكن هم نويا انه إمام لهما وصارا يتابعانه، فمن قال","vol":"1","page":381},{"text":"انه لابد للإمام أن ينوي الإمامة قال: أن صلاة الرجلين لا تصح، وذلك لان الإمام لم ينوي الإمامة. ومن قال انه لا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة قال: أن صلاة هذين الرجلين صحيحة، لأنهما ائتما به.\nفالأول: هو المشهور من مذهب الإمام احمد ﵀.\nوالثاني: هو مذهب الإمام مالك ﵀، واستدل بان النبي صلي الله عليه وسلم صلي ذات ليلة في رمضان وحده، فدخل أناس المسجد فصلوا خلفه، والنبي صلي الله عليه وسلم كان أول ما دخل الصلاة لم ينو أن يكون إماما. واستدلوا كذلك بان ابن العباس_ رضي الله عنهما_ بات عند النبي صلي الله عليه وسلم_ ذات ليلة، فلما قام النبي صلي الله عليه وسلم يصلي من الليل قام يصلي وحده، فقام ابن عباس فتوضأ ودخل معه في الصلاة. ولكن لا شك أن هذا الثاني ليس في دلالة، لان النبي صلي الله عليه وسلم نوي الإمامة، لكن نواها في أثناء الصلاة، ولا باس بان ينويها في أثناء الصلاة. وعلي كل حال الاحتياط في هذه المسالة أن نقول: انه إذا جاء رجلان إلى شخص يصلي فلينبهاه علي انه إمام لهما، فان سكت فقد اقرهما، وان رفض وأشار بيده أن لا تصليا خلفي فلا يصليا خلفه. هذا هو الاحوط والأولى.","vol":"1","page":382},{"text":"ثانيا: هل يشترط أن تتساوى صلاة الإمام مع صلاة المأموم في جنس المشروعية؟ بمعني: هل يصلي الفريضة خلف من يصلي النافلة، أو أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة؟ ننظر في هذا: أما الإنسان الذي يصلي نافلة خلف من يصلي فريضة فلا باس بهذا، لان السنة قد دلت علي ذلك، فان الرسول صلي الله عليه وسلم انفتل من صلاة الفجر ذات يوم في مسجد الخيف بمني، فوجد رجلين لم يصليا، فقال: ما منعكما أن تصليا في القوم؟ قالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا_ يحتمل انهما صليا في رحالهما لظنهما انهما لا يدركان صلاة الجماعة، أو لغير ذلك من الأسباب_ فقال: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» . «فإنها» أي: الثانية، لان الأولى حصلت بها الفريضة وانتهت وبرئت الذمة. إذا إذا كان المأموم هو الذي يصلي النافلة والأمام هو الذي يصلي الفريضة فلا باس بذلك، كما دلت عليه هذه السنة.","vol":"1","page":383},{"text":"أما العكس: إذا كان الإمام يصلي النافلة والمأموم يصلي الفريضة، واقرب مثال لذلك في أيام رمضان، إذا دخل الإنسان وقد فاتته صلاة العشاء ووجد الناس يصلون صلاة التراويح، فهل يدخل معهم بنية العشاء أو يصلي الفريضة وحده ثم يصلي التراويح؟ هذا محل خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: لا يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة، لان الفريضة اعلي من صلاة الإمام. ومنهم من قال: بل يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة، لان السنة وردت بذلك، وهي أن معاذ بن جبل_ رضي الله عنه_ كان يصلي مع النبي_ صلي الله عليه وسلم_ صلاة العشاء، ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. فهي له نافلة ولهم فريضة، ولم ينكر عليه النبي صلي الله عليه وسلم. فان قال قائل: لعل النبي صلي الله عليه وسلم لم يعلم؟ فالجواب عن ذلك أن نقول: أن كان قد علم فقد تم الاستدلال، لان معاذ بن جبل_ رضي الله عنه_ قد شكي إلى الرسول_ عليه الصلة والسلام_ في كونه يطول صلاة العشاء، فالظاهر_ والله اعلم_ أن النبي صلي الله عليه وسلم_ اخبر بكل القضية وبكل القصة. وإذا قدر أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم_ لم يعلم أن معاذا معه، ثم يذهب إلى قومه ويصلي بهم، فان رب الرسول صلي الله\nعليه وسلم قد علم، وهو الله جلا وعلا، لا يخفي عليه شي في الأرض ولا في السماء، وإذا كان الله قد علم ولم ينزل علي نبيها نكارا لهذا العمل دل هذا علي جوازه، لان الله تعالى لا يقر عباده علي","vol":"1","page":384},{"text":"شئ غير مشروع لهم إطلاقا. فتم الاستدلال حئينذ علي كل تقدير. إذا فالصحيح انه يجوز أن يصلي الإنسان صلاة الفريضة خلف من يصلي صلاة النافلة، والقياس الذي ذكر استدلالا علي المنع قياس في مقابلة النص فيكون مطروحا فاسدا لا يعتبر. إذن إذا أتيت في أيام رمضان والناس يصلون صلاة التراويح ولم تصل العشاء فادخل معهم بنية صلاة العشاء، ثم أن كنت قد دخلت معهم في أول ركعة، فإذا سلم الإمام فصل ركعتين لتتم الأربع، وان كنت قد دخلت في الثانية فصل إذا سلم الإمام ثلاث ركعات. وهذا منصوص الإمام احمد_ رحمه الله تعالى_ مع أن مذهبه خلاف ذلك، لكن منصوصه الذي نص عليه وهو شخصيا أن هذا جائز.\nإذن تلخص الآتي: من صلي فريضة خلف من يصلي فريضة جائز.\nمن صلى فريضة خلف من يصلي نافلة فيها خلاف.\nمن صلي نافلة خلف من يصلي فريضة جائز قولا واحدا.\n\nالمثالة الثالثة: في جنس الصلاة، هل يشترط أن تتفق صلاة الإمام والمأموم في نوع الصلاة؟ أي: ظهر مع ظهر، وعصر مع عصر، وهكذا، أم لا؟\nج_ في هذا أيضا خلاف، فمن العلماء من قال: يجب أن تتفق الصلاتان، فيصلي الظهر خلف من يصلي الظهر، ويصلي العصر خلف من يصلي العصر، ويصلي المغرب خلف من يصلي المغرب، ويصلي العشاء","vol":"1","page":385},{"text":"خلف من يصلي العشاء، ويصلي الفجر خلف من يصلي الفجر، وهكذا لان النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به قلا تختلفوا عليه» ومن العلماء من قال: لا يشترط، فيجوز أن تصلي العصر خلف من يصلي الظهر، أو الظهر خلف من يصلي العصر، أو العصر خلف من يصلي العشاء، لان الإتمام في هذه الحال لا يتأثر، وإذا جاز أن يصلي الفريضة خلف النافلة مع اختلاف الحكم، فكذلك اختلاف الاسم لا يضر، وهذا القول اصح. فإذا قال قائل: حضرت لصلاة العشاء بعد أن إذن، ولما أقيمت الصلاة تذكرت أنني صليت الظهر بغير وضوء، فكيف اصلي الظهر خلف من يصلي العشاء؟ نقول له: ادخل مع الإمام وصلي الظهر، أنت نيتك الظهر والإمام نيته العشاء ولا يضر، «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي» وأما قول النبي صلي الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه»، فليس معناه فلا تختلفوا عليه في النية، لأنه فصل وبين فقال: «فإذا كبر فكبروا،\nوإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا» أي: تابعوه ولا تسبقوه، وكلام النبي صلي الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضا. وهذا البحث يفرع عليه بحث آخر: إذا اتفقت الصلاتان في العدد والهيئة فلا إشكال في هذا، مثل ظهر خلف عصر. العدد واحد والهيئة","vol":"1","page":386},{"text":"واحدة، هذا لا إشكال فيه. لكن إذا اختلفت الصلاتان، بان كانت صلاة المأموم ركعتين والإمام أربعا، أو بالعكس، أو المأموم ثلاثا والإمام أربعا، أو بالعكس. فنقول: أن كانت صلاة المأموم اكثر فلا إشكال، مثل رجل دخل المسجد يصلي المغرب، ولما أقيمت الصلاة ذكر انه صلي العصر بلا وضوء، فهنا صار عليه صلاة العصر. نقول: ادخل مع الإمام بنية صلاة العصر، وإذا سلم الإمام فانك تأتى بواحدة لتتم لك الأربع. وهذا لا إشكال فيه. أما إذا كانت صلاة الإمام اكثر من صلاة المأموم فهذا نقول: أن دخل المأموم في الركعة الثانية فما بعدها فلا إشكال، وان دخل في الركعة الأولى فحيئنذ يأتي الإشكال، ولنمثل: إذا جئت والإمام يصلي العشاء، وهذا يقع كثيرا في أيام الجمع. يأتي الإنسان من البيت والمسجد جامع للمطر أو ما أشبه ذلك، فإذا جاء وجدهم يصلون العشاء، لكن وجدهم يصلون في الركعتين الأخيرتين، نقول: ادخل معهم\nبنية المغرب، صل الركعتين، وإذا سلم الإمام تأتى بركعة ولا إشكال. وإذا جئت ووجدهم يصلون العشاء الآخرة لكنهم في الركعة الثانية، نقول: أدخل معهم بنية المغرب وسلم مع الإمام ولا يضر، ما ذدت ولا نقصت، هذا أيضا لا إشكال فيه، وعند بعض الناس فيه إشكال: يقول: إذا دخلت معه في الركعة الثانية ثم جلست في الركعة التي هي للإمام الثانية، وهي لك الأولى، فتكون جلست في الأولى للتشهد.","vol":"1","page":387},{"text":"نقول: هذا لا يضر، الست إذا دخلت مع الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية فالإمام سوف يجلس للتشهد وهي لك الأولى؟ هذا نفسه ولا إشكال، وإنما الإشكال إذا جئت إلى المسجد ووجدهم يصلون العشاء وهم في الركعة الأولى ودخلت معهم في الركعة الأولى، حيئنذ ستصلي ثلاثا مع الإمام والإمام سيقوم للرابعة، فماذا تصنع؟ أن قمت معه زدت ركعة، صليت أربعا والمغرب ثلاثا لا أربع، وان جلست تخلفت عن الإمام، فماذا تصنع؟ نقول: اجلس، وإذا كنت تريد أن تجمع فانو مفارقة الإمام وأقرا التحيات وسلم، ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، لأنك يمكن أن تدركه. أما إذا كنت لا تنوي الجمع، أو ممن لا يحق له الجمع، فانك في هذه الحال مخير، أنشئت فاجلس للتشهد وانتظر\nالإمام حتى يكمل الركعة ويتشهد وتسلم معه، وان شئت فانو الانفراد وتشهد وسلم. هذا الذي ذكرناه هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_. ونية الانفراد هنا للضرورة، لان الإنسان لا يمكن أن يزيد في المغرب علي ثلاث، فالجلوس لضرورة شرعية، ولا باس بهذا. ومما يدخل في قوله: «وتقيم الصلاة» أركان الصلاة، والأركان هي الأعمال القولية والفعلية التي لا تصح الصلاة إلا بها، ولا تقوم إلا بها. فمن ذلك: تكبيرة الإحرام: أن يقول الإنسان عند الدخول في","vol":"1","page":388},{"text":"الصلاة: «الله اكبر» لا يمكن أن تنعقد الصلاة فلو نسي الإنسان تكبيرة الإحرام، جاء ووقف في الصف ثم نسي وشرع في القراءة وصلي فصلاته غير صحيحة وغير منعقدة إطلاقا، لان تكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة إلا بها، قال النبي صلي الله عليه وسلم لرجل علمه كيف يصلي، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فاسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر» فلابد من التكبير، وكان النبي صلي الله عليه وسلم مداوما علي ذلك. ومن ذلك أيضا: قراءة الفاتحة: فان قراءة الفاتحة ركن لا تصح الصلاة إلا به، لقوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزمل: من الآية٢٠)،\nوهذا أمر. وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم هذا المبهم في قوله: (ما تيسر) وان هذا هو الفاتحة، فقال صلي الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب» وقال: «من صلي صلاة لم يقرا فيها بأم القران فهي خداج» أي: فاسدة غير صحيحة. فقراءة الفاتحة ركن علي كل مصل: الإمام، والمأموم، والمنفرد، لان النصوص الواردة في ذلك عامة لم تستثن شيئا، وإذا لم يستثني الله تعالى ورسوله شيئا فان الواجب الحكم بالعموم، لأنه لو كان هناك مستثني","vol":"1","page":389},{"text":"لبينه الله ورسوله، كما قال الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل: من الآية٨٩) ولم يرد عن النبي صلي الله عليه وسلم حديث صحيح صريح في سقوط الفاتحة عن المأموم، لا في السرية والجهرية، لكن الفرق بين السرية والجهرية، أن الجهرية لا تقرا فيها إلا الفاتحة، وتسكت وتسمع لقراءة إمامك. أما السرية فتقرا الفاتحة وغيرها حتى يركع الإمام، لكن دلت السنة علي انه يستثني من ذلك ما إذا جاء الإنسان والإمام راكع، فانه إذا جاء والإمام راكع تسقط عنه قراءة الفاتحة، ودليل ذلك ما أخرجه البخاري عن آبي بكرة_ رضي الله عنه_ انه دخل والنبي صلي الله\nعليه وسلم راكع في المسجد، فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، قلما سلم النبي صلي الله عليه وسلم قال: «أبكم الذي ركع دون الصف ثم مشي إلى الصف؟!» قال أبو بكرة: أنا يا رسول الله! قال: «زادك الله حرصا ولا تعد» (،) لان النبي صلي الله عليه وسلم علم أن الذي دفع أبا بكرة لسرعته والركوع قبل بان يصل إلى الصف هو الحرص علي إدراك الركعة، فقال له: «زادك الله حرصا ولا تعد» أي: لا تعد لمثل هذا العمل فتركع قبل الدخول في الصف وتسرع، قال النبي صلي الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» .","vol":"1","page":390},{"text":"ولم يأمره النبي صلي الله عليه وسلم بقضاء الركعة التي أسرع لإدراكها، ولو كان لم يدركها لأمره النبي صلي الله عليه وسلم بقضائها، لان النبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة، لأنه مبلغ، والبلغ يبلغ متي احتيج الي التبليغ، فإذا كان الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ لم يقل له انك لم تدرك الركعة علم انه قد أدركها، وفي هذه الحال تسقط عنه الفاتحة. وهناك تعليل أيضا مع الدليل، وهو أن الفاتحة إنما تجب مع القيام، والقيام في هذه الحال قد سقط من اجل متابعة الإمام، فإذا سقط القيام سقط الذكر الواجب فيه. فصار الدليل والتعليل يدلان علي أن من جاء والإمام راكع فانه يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم ولا يقرا، بل يركع، لكن أن كبر للركوع مرة ثانية فهو افضل، وان لم يكبر فلا حرج، وتكفيه التكبيرة الأولى. ويجب أن يقرا الإنسان الفاتحة وهو قائم، وأما ما يفعله بعض الناس إذا قام الإمام للركعة الثانية مثلا، تجده يجلس ولا يقوم مع الإمام وهو يقرا الفاتحة، فتجده يجلس إلى أن يصل نصف الفاتحة، ثم يقوم وهو قادر علي القيام: نقول لهذا الرجل: أن قراتك للفاتحة غير صحيحة، لان الفاتحة يجب أن تقرا في حال القيام، وأنت\nقادر علي القيام وقد قرأت بعضها وأنت قاعد، فلا تصح هذه القراءة. أما ما زاد عن الفاتحة فهو سنة في الركعة الأولى والثانية، وأما في الركعة الثالثة في المغرب، أو في الثالثة والرابعة في الظهر والعصر والعشاء فليس بسنة، فالسنة الاقتصار فيما بعد الركعتين علي الفاتحة، وان قرا","vol":"1","page":391},{"text":"احيانا في العصر والظهر شيئا زائدا عن الفاتحة فلا باس به، لكن الأصل الاقتصار علي الفاتحة في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول أن كانت رباعية، أو الركعة الثالثة أن كانت ثلاثية. ومن أركان الصلاة: الركوع، وهو الانحناء تعظيما لله ﷿، لأنك تستحضر انك واقف بين يدي الله، فتنحني تعظيما له ﷿، ولها قال النبي ﵊: «أما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿» (،) أي: قولوا سبحان ربي العظيم، لان الركوع تعظيم بالفعل، وقول: «سبحان ربي العظيم» تعظيم بالقول، فيجتمع التعظيمان بالإضافة إلى التعظيم الأصلي وهو تعظيم القلب لله، لأنك لا تنحني هكذا إلا لله تعظيما له، فيجتمع في الركوع ثلاثة تعظيمات:\n١_ تعظيم القلب.\n٢_ تعظيم الجوارح.\n٣_ تعظيم اللسان.\nفالقلب: تستشعر انك ركعت لله، واللسان: تقول سبحان ربي العظيم، والجوارح: تحني ظهرك. والواجب في الركوع الانحناء بحيث يتمكن الإنسان من مس ركبتيه بيديه. فالانحناء اليسير لا ينفع، فلابد من أن تعصر ظهرك حتى تتمكن من","vol":"1","page":392},{"text":"مس ركبتيه بيديه. وقال بعض العلماء: أن الواجب أن يكون إلى الركوع التام اقرب منه إلى القيام التام والمؤدي متقارب. المهم انه لابد من هصر الظهر. ومما ينبغي في الركوع أن يكون الإنسان مستوي الظهر لا محدودبا، وان يكون رأسه محاذيا لظهره، ولن يضع يديه علي ركبتيه مفرجتي الأصابع، وان يجافي عضديه عن جنبيه، ويقول سبحان ربي العظيم، يكررها ويقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» ويقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح» . ومن أركان الصلاة: السجود، قال الله ﷿: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) (الحج: من الآية٧٧) وقال النبي صلي الله عليه وسلم «أمرت أن نسجد علي سبعة اعظم: علي الجبهة_ وأشار بيده إلى انفه_ واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين»، فالسجود لابد منه، لأنه ركن لا تتم الصلاة إلا به. ويقول في سجوده «سبحان ربي الأعلى»\n. وتأمل الحكمة انك في الركوع انك تقول: «سبحان ربي العظيم» لان الهيئة هيئة تعظيم، وفي السجود","vol":"1","page":393},{"text":"تقول: «سبحان ربي الأعلى» لان الهيئة هيئة نزول. فالإنسان نزل اعلي أفي جسده_ وهو الوجه - إلى اسفل ما في جسده_ وهو القدمين_ فتري في السجود أن الجبهة والقدمين في مكان واحد، وهذا غاية ما يكون في التنزيه، ولهذا تقول: «سبحان ربي الأعلى» أي أنزه ربي الأعلى الذي هو فوق كل شئ عن كل سفل ونزول. أما أنا فمنزل رأسي واشرف أعضائي إلى محل القدمين ومداسها، فتقول: «سبحان ربي العلي» تكررها ما شاء الله، ثلاثا أو اكثر حسب الحال، وتقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» (،) وتقول «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» وتكثر من الدعاء بما شئت من أمور الدين ومن أمور الدنيا، لان النبي صلي الله عليه مسلم يقول: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» (،) وقال ﵊: «اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (،) فاكثر من الدعاء بما شئت، من سؤال الجنة، والتعوذ من النار، وسؤال علم نافع، وعمل صالح، وإيمان راسخ، وهكذا. وسؤال بيت جميل، وامرأة صالحة، وولد صالح، وسيارة، وما\nشئت من خير الدين والدنيا، لان الدعاء عبادة ولو في أمور الدنيا، قال","vol":"1","page":394},{"text":"الله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: من الآية٦٠)، قال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقرة: من الآية١٨٦) وفي هذه الآية العصيبة ينبغي أن نطيل السجود، وان نكثر من الدعاء بان يأخذ الله علي أيدي الظالمين المعتدين، ونلح ولا نستبطئ الإجابة، لان الله حكيم قد لا يستجيب الدعوة بأول مرة أو ثانية أو ثالثة، من اجل أن يعرف الناس شدة افتقارهم إلى الله فيزدادوا دعاء، والله_ سبحانه وتعالى_ احكم الحاكمين_ حكمته بالغة لا نستطيع أن نصل إلى معرفتها، ولكن علينا أن نفعل ما امرنا به من كثرة الدعاء. ويسجد الإنسان بعد الرفع من الركوع، ويسجد علي ركبتيه أولا ثم كفيه، ثم جبهته وانفه، ولا يسجد علي اليدين أولا، لان النبي صلي الله عليه وسلم نهي عن ذلك فقال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك البعير» (،) وبروك البعير يكون علي اليدين أولا كما هو مشاهد، كل من شاهد البعير إذا بركت يجد إنها تقدم يديها، فلا تقدم اليدين، والرسول_ عليه الصلاة والسلام_ نهي عن ذلك، لان\n\nتشبه بني آدم بالحيوان - ولا سيما في الصلاة_ أمر غير مرغوب فيه.","vol":"1","page":395},{"text":"ولم يذكر الله تعالى تشبيه بني آدم بالحيوان إلا في مقام الذم. استمع إلى قول الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) (لأعراف: من الآية١٧٥الي١٧٦)، وقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ) (الجمعة: من الآية٥)، وقال النبي صلي الله عليه وسلم: «العائد في هبته كالبيقئ ثم يعود في قيئه» (،) وقال صلي الله عليه وسلم: «الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا» . فأنت تري تشبيه بني آدم بالحيوان لم يكن إلا في مقام الذم، ولهذا نهي المصلي أن يبرك كما يبرك البعير فيقدم يديه! بل قدم الركبتين إلا إذا كان هناك عذر، كرجل كبير يشق عليه أن ينزل الركبتين أولا، فلا حرج أو\nإنسان مريض، أو إنسان في ركبتيه أذى، وما أشبه ذلك. ولا بد أن يكون السجود علي الأعضاء السبعة: الجبهة، والأنف تبع لها، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين. فهذه سبعة امرنا أن نسجد","vol":"1","page":396},{"text":"عليهما كما قال الرسول ﵊، والذي امرنا ربنا_ عز وجل_ فنقول: سمعا وطاعة، ونسجد علي الأعضاء السبعة في جميع السجود، فما دمنا ساجد ينفلا يجوز أن نرفع شيئا من هذه الأعضاء، بل لابد أن تبقي هذه الأعضاء ما دمنا ساجدين. وفي حال السجود ينبغي للإنسان أن يضم قدميه بعضها إلى بعض ولا يفرج. أما الركبتان فلم يرد فيهما شئ، فتبقي علي ما هي عليه علي الطبيعة. وأما اليدان فتكونان علي حذو المنكبين، أي: الكتفين، أو تقدمهما قليلا حتى تسجد بينهما، فلها صفتان: الصفة الأولى أن تردها حتى تكون علي حذاء الكتف، والصفة الثانية: أن تقدمها قليلا حتى تكون علي حذاء الجبهة، كلتاهما وردتا عن الرسول ﵊. وينبغي أن تجافي عضديك عن جنبيك، وان ترفع ظهرك. ألا إذا كنت في الصف وخفت أن يتأذى جارك من مجافاة العضدين فلا تؤذي جارك، لأنه لا ينبغي أن تفعل سنة يتأذى بها أخوك المسلم وتشوش عليه. وقد رأيت بعض الاخوة الذين يحبون أن\nيطبقوا السنة ويمتدون في حال السجود امتدادا طويلا، حتى تكاد تقول انهم منبطحون، وهذا لا شك انه خلاف السنة، وهو بدعة. بل السنة أن ترفع ظهرك وان تعلو فيه. وهذه الصفة التي أشرت إليها من بعض الاخوة كما إنها خلاف السنة ففيها إرهاق عظيم للبدن، لان التحمل في هذه الحال يكون علي الجبهة والأنف، وتجد الإنسان يضجر من أطال السجود.","vol":"1","page":397},{"text":"ففيها مخالفة السنة وتعذيب البدن، فلهذا ينبغي إذا رأيتم أحدا يسجد علي هذه الكيفية أن ترشدوه إلى الحق، وتقولوا له: هذا ليس بسنة. وينبغي في حال السجود أيضا أن يكون الإنسان خاشعا لله - عز وجل_ مستحضرا علو الله ﷾، لأنك سوف تقول: سبحان ربي الأعلى، أي تنزيها له بعلوه_ عز وجل_ عن كل سفل ونزول، ونحن نعتقد بان الله عال بذاته فوق جميع مخلوقاته، كما قال الله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (الأعلى: ١)، واثبات علو الله في القران والسنة اكثر من أن يحضر. والإنسان إذا دعا يرفع يديه إلى السماء إلى الله ﷿، وفي السماء فوق كل شئ، وقد ذكر الله أن استوي علي عرشه في سبع آيات من القران، والعرش اعلي المخلوقات، والله فوق العرش جلا وعلا. ومن أركان الصلاة: الطمأنينة، أي:\nالاستقرار والسكون في أركان الصلاة، فيطمئن في القيام، وفي الركوع، وفي القيام بعد الركوع، وفي السجود، وفي الجلوس بين السجدتين، وفي بقية أركان الصلاة، وذلك لما أخرج الشيطان_ البخاري ومسلم_ من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلا جاء فدخل المسجد فصلي، ثم سلم علي النبي صلي الله عليه وسلم فرد ﵇ وقال: «ارجع فصل فانك لم تصل» يعني: لم تصلي صلاة تجزئك. فرجع الرجل فصلي، ثم جاء فسلم علي النبي صلي الله عليه وسلم فرد عليه","vol":"1","page":398},{"text":"وقال: «ارجع فصل فانك لم تصل» فرجع وصلي ولكن كصلاته الأولى، ثم جاء إلى النبي صلي الله وسلم عليه، فرد عليه وقال: «ارجع فصل فانك لم تصل» فقال: والذي بعثك بالحق لا احسن غير هذا فعلمني. وهذه هي الفائدة من كون النبي صلي الله عليه وسلم لم يعلمه لأول مرة، برده حتى صلي ثلاث مرات، من اجل أن يكون متشوفا للعلم، مشتاقا إليه، حتى يأتيه العلم ويكون كالمطر النازل علي ارض يابسة تقبل الماء، ولهذا اقسم بأنه لا يحسن غير هذا، وطلب من النبي صلي الله عليه وسلم أن يعلمه. ومن المعلوم أن النبي صلي الله عليه وسلم سوف يعلمه، لكن فرق بين المطلوب والمجلوب، إذا كان هو الذي طلب أن يعلم\nصار اشد تمسكا وحفظا لما يلقي إليه. وتأمل قسمة بالذي بعث النبي صلي الله عليه وسلم بالحق. فقال: «والذي بعثك بالحق» وما قال «والله!) لاجل أن يكون معترفا غاية الاعتراف بان ما يقوله النبي صلي الله عليه وسلم حق. فقال له النبي ﵊: «إذا قمت للصلاة فاسبغ الوضوء» أي: توضا وضوءا كاملا، «ثم استقبل القبلة فكبر» أي: قل: الله اكبر، وهذه تكبيرة الإحرام. «ثم أقرا ما تيسر معك من القران» وقد بينت السنة انه لابد من قراءة الفاتحة. «ثم اركع حتى تطمئن راكعا» أي: لا تسرع، بل اطمئن واستقر. «ثم ارفع حتى تطمئن قائما» أي: إذا رفعت من الركوع اطمئن كما كنت في الركوع، ولهذا من السنة أن يكون الركوع، ولهذا من السنة أن يكون الركوع والقيام بعد الركوع متساويين أو متقاربين. «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» أي: تطمئن وتستقر. «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا» وهذه الجلسة بين","vol":"1","page":399},{"text":"السجدتين. «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» هذا هو السجود الثاني. قال: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» أي: افعل هذه الأركان: القيام، والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والسجدة الثانية، في جميع الصلاة.\nالشاهد من هذا قوله: «حتى تطمئن» وقوله فيما قبل: «انك لم تصل» فدل هذا علي انه من لا يطمئن في صلاته في صلاة له. ولا فرق في هذا بين الركوع والقيام بعد الركوع، والسجود والجلوس بين السجدتين، كلها لابد أن يطمئن الإنسان فيها. قال بعض العلماء والطمئنية أن يستقر بقدر ما يقول الذكر الواجب في الركن، ففي الركوع بقدر ما تقول: «سبحان ربي الأعلى»، وفي الجلوس بين السجدتين بقدر ما تقول: «رب اغفر لي»، في القيام بعد الركوع بقدر ما تقول: «ربنا ولك الحمد»، فهكذا. ولكن الذي يظهر من السنة أن الطمأنينة أمر فوق ذلك، لأن كون الطمأنينة بمقدار أن تقول «سبحان ربي العظيم» في الركوع لا يظهر لها أثر، لان الإنسان إذا قال: الله اكبر، سبحان ربي العظيم، ثم يرفع، أين الطمأنينة؟ فالظاهر انه لابد من استقرار بحيث يقال: هذا الرجل مطمئن. وعجبا لابن آدم كيف يلعب به الشيطان!! هو واقف بين يدي الله - عز وجل_ يناجي الله ويتقرب إليه بكلامه وبإثناء عليه وبالدعاء، ثم كأنه ملحوق في صلاته، كان عدوا لاحق له، فتراه يهرب من الصلاة، لماذا؟","vol":"1","page":400},{"text":"أنت لو وقفت بين يدي ملك من ملوك الدنيا يناجيك ويخاطبك، لو بقت معه ساعتين\nتكلمه لوجدت ذلك سهلا، تقف علي قدميك، ولا تنتقل من ركوع إلى سجود، والي جلوس، وتفرح أن هذا الملك يكلمك ولو جلس معك مدة طويلة، فكيف وأنت تناجي ربك الذي خلقك، ورزقك، وأمدك، واعدك، تناجيه وتهرب هذا الهروب؟! لكن الشيطان عدو للإنسان، والعاقل الحازم المؤمن هو الذي يتخذ الشيطان عدوا، كما قال الله تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر: ٦) . فالواجب علي الإنسان أن يطمئن في صلاته طمأنينة تظهر عليه في جميع أفعال الصلاة، وكذلك أقوالها. مسالة: ما حكم من لم يقم الصلاة؟ الجواب عن ذلك أن نقول: أما من لم يقمها علي وجه الكمال، يعني انه أخل ببعض الأشياء المكملة للصلاة، فان هذا محروم من الأجر الذي يحصل له بإكمال، لكنه ليس بإثم، فمثلا: لو اقتصر علي «سبحان ربي العظيم» في الركوع مع الطمأنينة لكان كافيا، لكنه محروم من زيادة الأجر في التسبيح. وأما من لم يقمها أصلا، يعني انه تركها بالكلية، فهذا كافر مرتد عن الإسلام كفرا مخرجا عن الملة، يخرج من عداد المسلمين في الدنيا، ويكن في عداد الكافرين في الآخرة، اخبر النبي\nصلي الله عليه وسلم انه يحشر مع فرعون وهامان، وقارون، وأبي خلف، وهؤلاء رؤوس الكفرة يحشر معهم.","vol":"1","page":401},{"text":"والعياذ بالله أما في الدنيا فانه كافر مرتد يجب علي ولي الأمر أن يدعوه للصلاة، فان صلي فذاك، وان لم يصل قتله قتل ردة والعياذ بالله، وإذا قتل قتل ردة حمل في سيارة بعيدا عن البلد، وحفر له حفرة ورمس فيها حتى لا يتأذى الناس برائحته ولا يتأذى أهله وأصحابه بمشاهدته، فلا حرمة له لو ابقي علي وجه الأرض هكذا، ولهذا لا نغسله، ولا نكفنه، ولا نصلي عليه، ولا ندنيه من مساجد المسلمين للصلاة عليه، لأنه كافر مرتد. فإذا قال قائل: ما هذا الكلام؟ أهذا جزاف أم تحامل أم عاطفة؟ قلنا: ليس جزافا، ولا تحاملا، ولا عاطفة، ولكننا نقول بمقتضى دلالة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلي الله عليه وسلم وكلام أصحاب رسوله ﵃. أما كلام الله: فقد قال الله تعالى في سورة التوبة عن المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (التوبة: من الآية١١) وان لم يكن؟ فليس أخوانا لنا في الدين، وإذا لم يكونوا أخوانا لنا في الدين فهم كفرة، لان كل مؤمن ولو كان عاصيا اكبر معصية لكنها لا\nتخرج من الإسلام فهو أخ لنا، إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فمن المعلوم أن قتال المسلم كفر، لكن لا يخرج من الملة، لان النبي صلي الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (،) ومع ذلك افن هذا المقاتل لأخيه أخ لنا، ولا يخرج من دائرة،","vol":"1","page":402},{"text":"الإيمان، لقول الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: من الآية٩) إذا الطائفتان المقتتلتان اخوة لنا مع إنها معصية عظيمة. فإذا قال الله في المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (التوبة: من الآية١١)، إذا إذا لم يقوموا بهذه الأعمال فلسوا باخوة لنا، هذا من القران أما من السنة: فاستمع إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر ابن عبد الله_ رضي الله عنهما_ أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: «بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة» (،) والبينية تقتضي\n\nالتمييز والتفريق، وان كل واحد غير الآخر، «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» فإذا تركها صار غير مسلم، صار مشركا أو كافرا. وما رواه أهل السنن عن بريدة بن الحصيب_ رضي الله عنه_ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، العهد الذي بيننا وبين الكفار أي: الشيء الفاصل الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، صار منهم وليس منا.","vol":"1","page":403},{"text":"وهذا نص في الموضوع! أما ما قاله الصحابة ﵃: فاستمع إلى ما قاله عبد الله بن شقيق_ وهو من التابعين المشهورين_ قال ﵀: «كان أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» . وقد نقل إجماع الصحابة علي كفر تارك الصلاة إسحاق بن راهويه الإمام المشهور ﵀، وبعض أهل العلم. وإذا قدر أن فيهم من خالف فان جمهورهم_ أهل الفتوى منهم_ يقولون انه كافر. هذه أدلة من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلي الله عليه وسلم وكلام الصحابة ﵃. وقال عمر بن الخطاب ﵁ وناهيك به: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة» ولا نافية للجنس، تنفي الكثير والقليل، والذي لاحظ له لا قليل ولا كثير في الإسلام ما هو إلا كفر، إذن فمن ترك الصلاة فهو كافر. ويترب علي ترك الصلاة أمور دنيوية وأمور أخروية: الأمور الدنيوية: أولا: انه يدعي إلى الصلاة، فان صلي وإلا قتل، وهذا واجب علي ولاة الأمور وجوبا، وهم إذا فرطوا في هذا فسوف يسألهم الله تعالى إذا","vol":"1","page":404},{"text":"وقفوا بين يديه، لان كل مسلم ارتد عن الإسلام فانه يدعي إليه، فان رجع وإلا قتل. قال الرسول صلي الله عليه وسلم: «من بدل\nدينه فاقتلوه» ثانيا: لا يزوج إذا خطب، وان زوج فالعقد باطل، والمرأة لا تحل له أن يطأها، وهو يطأ أجنبية والعياذ بالله، لان العقد غير صحيح، لقوله تعالى: (؟ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (الممتحنة: من الآية١٠) ثالثا: انه لا ولاية له علي أولاده، ولا علي أخواته، ولا علي أحد من الناس، لان الكافر لا يمكن أن يكون وليا علي مسلم أبدا، حتى بنته لا يزوجها. ولو فرضنا واحدا بعدما تزوج، وكبر وصار له بنات، لا يصلي والعياذ بالله، فانه لا يمكن أن يزوج بنته. ولكن إذا قال قائل: هذا مشكل، يوجد أناس عندهم بنات وهم لا يصلون، كيف نعمل؟ نقول: في مثل هذا الحال إذا كان لا يمكن التخلص من أن يعقد النكاح للبنات فان الزوج يجعل أخاها أو عمها مثلا أو أحدا من عصابتها الأقرب فالأقرب، حسب ترتيب الولاية، يعقد له بالسر عن أبيها حتى","vol":"1","page":405},{"text":"يتزوج امرأة بعقد صحيح، أما عقد أبيها لها وهو مرتد كافر فلا يصح، ولو يعقد ألف مرة فليس بشيء. رابعا: لو ترك الصلاة في أثناء زواجه انفسخ نكاحه، ومثاله: رجل تزوج أمراه وهي تصلي وهو يصلي، وبعد ذلك ترك\nالصلاة، فإننا نقول: يجب التفريق بينه وبين المرأة وجوبا حتى يصلي، فإذا فرقنا بينهما واعتدت فانه لا يمكن أن يرجع إليها، أما قبل انتهاء العدة، فانه إذا اسلم ورجع إلى الإسلام وصلي فهي زوجته، أما إذا انتهت العدة فقد انفصلت منه، ولا تحل له إلا بعقد جديد علي قول جمهور أهل العلم، وبعضهم يقول: إنها إذا انتهت من العدة ملكت نفسها، ولكن لو اسلم أرادت أن ترجع إليه فلا باس بدون عقد، وهذا القول هو الراجح، دلالة السنة عليه، لكن فائدة العدة هو إنها قبل العدة إذا اسلم لا خيار لها، وأما بعد العدة فلها الخيار إذا اسلم، أن شاءت رجعت إليه، وان شاءت لم ترجع. خامسا: ومن ذلك أيضا انه لا ولاية له علي أحد ممن يتولاه لو كان مسلما، لان من شروط الولاية العدالة، والكافر ليس بعدل، فلا يكون تارك الصلاة وليا علي أحد من عباد الله المسلمين أبدا، حتى لو كانت ابنته فانه لا يزوجها، لأنه ليس له ولاية عليها. سادسا: ومن ذلك أيضا انه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلي عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإنما يخرج به إلى البر ويحفر له حفرة يرمس فيها رمسا لا قبرا، لأنه ليس له رحمة.","vol":"1","page":406},{"text":"ولا يحل لاحد يموت عنده شخص وهو يعرف انه لا يصلي أن يغسله أو\nيكفنه أو يقدمه للمسلمين يصلون عليه، لأنه يكون بذلك غاشا للمسلمين، فان الله تعالى قال لنبيه_ عليه الصلاة والسلام_ في حق المنافقين، وهم كفار لكن يظهرون الإسلام، قال: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ) (التوبة: من الآية٨٤) فدل هذا علي أن الكفر مانع من الصلاة، ومن القيام علي القبر بعد الدفن. وقال الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) ويسال بعض الناس عن الرجل المتهم بترك الصلاة يقدم للصلاة عليه بعد موته وأنت شاك هل هو يصلي أولا؟ فنقول: إذا كان هذا الشك مبنيا علي اصل فانك إذا أردت أن تدعوا له تقول: اللهم أن كان مؤمنا فاغفر له وارحمه» فتقيده، وبهذا تسلم من شره. وأما الأمور الأخروية المترتبة علي ترك الصلاة فمنها:\nالعذاب الذي في قبره، كما يعذب الكافر واشد.\nانه يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف.\nانه يدخل النار فيخلد فيها ابد الآبدين.\nوذهب بعض العلماء إلى انه لا يكفر كفرا خارجا عن الملة، واستدلوا ببعض النصوص، ولكن هذه النصوص لا تخرجه عن أحوال خمسة.","vol":"1","page":407},{"text":"أما انه ليس فيها دلالة أصلا علي هذه المسالة، مثل قول بعضهم: أن هذا يعارضه قول الله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨) ومن جملته تارك الصلاة. فنقول: أن تارك الصلاة في ظاهر حديث جابر الذي رواه مسلم انه مشرك وان كان لا يسجد للصنم، لكنه أتبع لهواه، وقد قال الله: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) (الجاثية: من الآية٢٣) ثم علي فرض أن مفهوم الآية أن ما دون الشرك تحت المشئية، فان هذا المفهوم خص بالأحاديث الدالة علي أن تارك الصلاة كافر، وإذا كان المنطوق_ وهو اقوي دلالة من المفهوم_ يخصص عمومه بما دل علي التخصيص، فما بالك بالمفهوم؟ أو استدلوا بأحاديث مقيدة بما لا يمكن لمن اتصف به أن يدع الصلاة. مثل قول النبي صلي الله عليه وسلم: «أن الله قد حرم علي النار من قال لا الاه إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (،) فان قوله: «يبتغي بذلك وجه الله»، تمنع منعا باتا أن\n\nيدع الإنسان الصلاة، لان من قال لا اله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، فلابد أن يعمل عملا لما يبتغيه وهو وجه الله. واعظم عمل يحصل به رضا الله_ عز وجل_ هو الصلاة. فهذا الحديث ليس فيه دليل علي أن تارك الصلاة لا يفكر. لأنه مقيد بقيد يمتنع معه غاية الامتناع أن يدع الإنسان الصلاة.","vol":"1","page":408},{"text":"٣_ أو مقيد بحال يعذر فيها من ترك الصلاة، مثل حديث حذيفة الذي أخرجه بعض أهل السنن في قوم لا يعرفون من الإسلام إلا قول لا الاه إلا الله، وهذا في وقت اندراس الإسلام، وصار لا يعلم عن شئ منه إلا قول لا الاه إلا الله فإنها تنجيهم من النار، لانهم مذودون بعدم العلم بفرائض الإسلام، ونحن نقول بهذا، لو أن قوما في بادية بعيدون عن المدن، وبعيدون عن العلم، لا يفهمون من الإسلام إلا «لا الاه إلا الله» وماتوا علي ذلك فليسوا كفارا.\n٤_ واستدلوا بأحاديث عامة، وهذه الأحاديث من قواعد أصول الفقه أن العام يخصص بالخاص، فالأحاديث العامة الدالة علي أن من قال لا اله إلا الله فهو في الجنة، وما أشبه ذلك، نقول: هذه مقيدة أو مخصوصة بأحاديث كفر تارك الصلاة.","vol":"1","page":409},{"text":"٥_ واستدلوا بأحاديث ضعيفة لا تقاوم الأحاديث الصحيحة الدالة علي كفر تارك الصلاة، فضلا عن أن تعارضها، فهي لا تعارض ولا تقاوم الأحاديث الدالة علي كفر تارك الصلاة. ثم أن بعضهم لم يتيسر له إقامة الدليل علي أن تارك الصلاة لا يكفر قال: انه يحمل قوله صلي الله عليه وسلم: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، علي الكفر الأصغر والشرك الأصغر، فيكون بمعني قول ابن عباس ﵄: «كفر دون كفر» فيقال: ما الذي يوجب لنا أن نحمل الحديث علي ذلك، لان الكفر إذا أطلق ولم يوجد له معارض فهو الكفر الحقيقي الأكبر. كيف وقد قال الرسول ﵊: «بين الرجل وبين الكفر والشرك»، فجعل هنا حدا فاصلا «بين» والبينية تقتضي المتباينين منفصلان بعضهما عن بعض، وان المراد بالكفر الكفر الأكبر. وحيئذ تكون أدلة القول بكفر تارك الصلاة موجبة لا معارض لها ولا مقاوم لها، والواجب علي العبد المؤمن إذا دل كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم علي حكم من الأحكام أن يقول به، لأننا نحن ليس بمشرعين، بل المشرع الله، ما قاله تعالى وما قاله رسوله صلي الله عليه وسلم فهو الشرع، نأخذ به ونحكم بمقتضاه،\n\nونؤمن به سواء وافق أهواءنا أم خالفها، فلا بد أن نأخذ بما دل عليه الشرع.","vol":"1","page":410},{"text":"واعلم أن كل خلاف يقع بين الأمة إذا كان الحامل عليه حسن القصد مع بذل الجهد في التحري، لا يلام عليه ولا يضلل، لأنه مجتهد، وقال النبي ﵊: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فاخطا، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله اجر» . وليس من حق الإنسان أن يقدح في أخيه إذا خالفه في الرأي بمقتضي الدليل عنده. أما من عاند واصر بعد قيام الحجة عليه فهذا هو الذي يلام. وبهذا التقرير نعرف انه يجب الحذر التام من التهاون بالصلاة، وانه يجب علي من رأي شخصا متهاونا فيها أن ينصحه بعزيمة وجد، لعل الله أن يهديه علي يده فينال بذلك خيرا كثيرا. وقوله: «إيتاء الزكاة»: إيتاء بمعني إعطاء، وإتيان بمعني مجيء، وأتى بمعني جاء، وأتى بمعني أعطى، فإيتاء الزكاة يعني إعطائها لمن عين الله سبحانه أن يعطوا إياها، والزكاة مأخوذة من الزكاة، وهو الطهارة والنماء، لان الذكي يطهر نفسه من البخل، وينمي ماله بالزكاة قال الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً","vol":"1","page":411},{"text":"تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: من الآية١٠٣) والزكاة تعريفها: نصيب مقدرا شرعا من المال مخصوص لطائفة مخصوصة. «نصيب من المال» وليس كل\nالمال، بل أموال معينه بينها الرسول ﵊، وبعضها مبين في القران. وليس كل هذه الأجناس من المال تجب فيه الزكاة، بل لابد من شروط. والزكاة جزء بسيط يؤدي بها الإنسان ركنا من أركان الإسلام، يطهر بها نفسه من البخل والرذيلة، ويطهر بها صفحات كتابه من الخطايا، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»، وافضل الصدقات الزكاة، فدرهم تخرجه في زكاتك افضل من درهم تخرجه طوعا، لان الله تعالى قال في الحديث القدسي: «وما تقرب إلى عبدي بشي احب إلى مما افترضته عليه»، وركعة من صلاة مفروضة افضل من ركعة من صلاة تطوع، فالفرائض افضل من التطوع. ففي الصلاة تكفير الخطايا، وفيها الإحسان إلى الخلق، لان المزكي يحسن إلى المدفوع إليه الزكاة فيدخل في عداد المحسنين الذين يدخلون","vol":"1","page":412},{"text":"في محبة الله، كما قال الله تعالى: (؟ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: من الآية١٩٥) وفي الزكاة أيضا: تأليف بين الناس، لان الفقراء إذا أعطاهم الأغنياء من الزكاة، ذهب ما في نفوسهم من الحقد علي الأغنياء، أما إذا منعهم الأغنياء ولم يتفضلوا علهم بشيء صار في نفوسهم\nأحقاد علي الأغنياء. وفي الزكاة أيضا إغناء للفقراء عن التسلط، لان الفقير إذا قدر أن الغني لا يعطيه شيئا فانه يخشى منه أن يتسلط وان يكسر الأبواب وينهب الأموال، لأنه لابد أن يعيش، لابد أن يأكل ويشرب، فإذا كان لا يعطي شيئا فان الجوع والعطش والعري يدفعه علي أن يتسلط علي الناس بالسرقة والنهب وغير ذلك. وفي الزكاة أيضا: جلب للخيرات من السماء، فانه قد ورد في الحديث: «ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء» . فإذا أدى الناس زكاة أموالهم انزل الله لهم بركات من السماء والأرض، وحصل في هذا نزول المطر ونبات الأرض وشبع المواشئ وسقي الناس بهذا الماء الذي ينزل من السماء، وغير ذلك من المصالح الكثيرة.","vol":"1","page":413},{"text":"وفي الزكاة أيضا: أعانه للمجاهدين في سبيل الله، لان من أصناف الزكاة الجهاد في سبيل الله، كما قال الله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة: من الآية٦٠) وفي الزكاة تحرير الرقيق من الرق، فان الإنسان يجوز له أن يشتري عبدا مملوكا من الزكاة فيعتقه، لان الله قال: (؟ وَفِي الرِّقَابِ) (التوبة: من الآية٦٠) وفي الزكاة أيضا: فك اذمم من الديون. كم من إنسان ابتلي بتراكم الديون عليه فتؤدي عنه من الزكاة، فيحصل في هذا خير كثير، فكاك لذمته ورد حق لمن له الحق. وفي الزكاة أيضا: إعانة المسافرين الذين تنقطع بهم السبل، فيضيع ماله الذي أتى به معه ولا يجد ما يوصله إلى بلده، فهذا يعطي من الزكاة مل يوصله إلى بلده ولو كان غنيا في بلده. المهم أن الزكاة فيها مصالح كثيرة، ولهذا صارت ركنا من أركان الإسلام. واختلف العلماء فيما لو تهاون الإنسان بها: هل يكفر كما يكفر بالتهاون بالصلاة أو لا؟ والصحيح انه لا يكفر، ودليل ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحي له صفائح من نار فاحمي عليها في نار جهنم، فيكوي بها جنبه\nوجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد فيري سبيله: أما إلى","vol":"1","page":414},{"text":"الجنة وأما إلى النار»، فان هذا الحديث يدل علي انه لا يكفر، لأنه لو كان كافرا بترك الزكاة لم يكن له سبيل إلى الجنة، والحديث يقول: ثم يري سبيله: أما إلى الجنة وأما إلى النار» وعن الإمام احمد_ رحمه الله_ رواية انه يكفر إذا بخل بالزكاة، قال: لأنها ركن من أركان الإسلام، وإذا فات ركن من أركان البيت سقط البيت. ولكن الصحيح انه: لا يكفر، إلا انه علي خطر عظيم_ والعياذ بالله_ وفيه هذا الوعيد الشديد. مسالة في الأموال الزكوية: لان الأموال ليست كلها فيها زكاة، بل منها ما فيه الزكاة ومنها ما لا زكاة فيه، فالزكاة واجبة في أمور: أولا: الذهب والفضة: فتجب الزكاة فيهما علي أي حال كانا، سواء كانت نقودا كالدراهم والدنانير، أو تبرا كالقطع من الذهب والفضة، أو حليا يلبس أو يستعار، أو غير ذلك. فهذا المعدن_ وهو الذهب والفضة_ فيه الزكاة علي كل حال، لكن بشرط أن يبلغ النصاب لمدة سنة كاملة. والنصاب من الذهب: خمسة وثمانون جراما، والنصاب من الفضة ستة وخمسون ريالا سعوديا، وهي خمس مائة وخمسة وتسعون جراما. فمن\nعنده من الذهب أو الفضة هذا المقدار ملك النصاب، فإذا استمر ذلك إلى تمام السنة ففيه الزكاة، وان نقص فلا زكاة فيه.","vol":"1","page":415},{"text":"لو كان عنده ثمانون جراما فلا زكاة عليه، او كان عنده خمس مائة وتسعون جراما من الفضة فلا زكاة عليه. واختلف العلماء: هل يكمل نصاب الذهب بالفضة أو لا؟ يعني لو ملك نصف نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة، فهل يكمل بعضها ببعض ونقول انه ملك نصابا فتجب عليها الزكاة أو لا؟ الصحيح تنه لا يكمل الذهب من الفضة ولا الفضة من الذهب، فكل واحد مستقل بنفسه، كما انه لا يكمل البر من الشعير، أو الشعير من البر، فكذلك لا يكمل الذهب بالفضة، ولا الفضة بالذهب، فلو كان عند الإنسان نصف نصاب من الذهب، ونصف نصاب من الفضة، فلا زكاة عليه. ويلحق بالذهب والفضة ما جري مجري الذهب والفضة، وهي العملة النقدية، من ورق أو نحاس أو غيره، فان هذه فيها الزكاة إذا بلغت نصابا بأحد النقدين، بالذهب أو بالفضة، فان لم تبلغ فلا زكاة. فمثلا: إذا كان عند الإنسان ثلاثمائة من الريالات الورقية، لكنها لا تبلغ نصابا من الفضة، فلا زكاة عليه، لان هذه مربوطة بالفضة. وأما الجواهر الثمينة من غير الذهب والفضة، مثل اللؤلؤ والمرجان والمعادن\nالأخرى، كالألماس وشبهه، فهذه ليس فيها زكاة ولو كثر ما عند الإنسان منها، إلا ما اعد للتجارة ففيه الزكاة من أي صنف كان، أما ما لا يعد للتجارة فلا زكاة فيه، إلا الذهب والفضة. الصنف الثاني مما تجب فيه الزكاة: بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر","vol":"1","page":416},{"text":"والغنم، ففيها الزكاة، لكن بشرط أن تبلغ نصابا، واقل نصاب في الإبل خمس، واقل نصاب في البقر ثلاثون، واقل نصاب في الغنم أربعون. والبهيمة ليست كغيرها من الأموال إذا بلغت النصاب، فما ذاد فبحسبانه، لا بل هي مرتبة. ففي أربعين من الغنم شاة أيضا حتى تبلغ مائة واحدي وعشرين فيكون فيها شاتان. فالوقص ما بين النصابين ليس فيه زكاة، فمن أربعين إلى مائة وعشرين كلها ليس فيها إلا شاة واحدة. ومن مائة وو احدي وعشرين إلى مائتين فيه شاتان. وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، وفي ثلاثمائة وتسع وتسعين ثلاث شياه، وفي أربعمائة: أربع شياه. وكذلك الإبل: من أربع وعشرين فاقل زكاتها من الغنم علي كل خمس شاة، ومن الخمس وعشرين فما فوق زكاتها من الإبل، لكنها باسنان مختلفة. وبهيمة الأنعام يشترط لوجوب الزكاة فيها أن تبلغ النصاب، وان تكون سائمة، والسائمة الراعية التي ترعي في البر ولا تعلف، أما\nالسنة كلها وأما اكثر السنة. فإذا كان عند الإنسان أربعون شاة تسرح وترعي كل السنة ففيها زكاة، وإذا كانت تسرح وترعي ثمانية اشهر ففيها الزكاة، ومثلها سبع اشهر، وإذا كانت ستة اشهر ترعي وستة اشهر تعلف فليس فيها زكاة، وإذا كانت تعلف","vol":"1","page":417},{"text":"كل السنة فليس فيها زكاة، لأنه يشترط أن تكون سائمة، أما السنة كلها أو أكثرها. ولكن إذا كان الإنسان متاجرا في الغنم مثلا وليس يبقيها للتنمية والنسل، وإنما يشتري البهيمة اليوم ويبيعها غدا يطلب الربح، فهذا عليه الزكاة، ولم لم يكن عنده إلا واحدة إذا بلغت نصابا في الفضة، لان عروض التجارة فيها الزكاة بكل حال، ونصابها مقدر بنصاب الذهب أو الفضة، والغالب أن الاحظ للفقراء هو الفضة في زماننا، لان الذهب غال. الثالث من الأموال الزكوية: الخارج من الأرض من حبوب وثمار، مثل التمر، والبر، والأرز، والشعير، وما أشبهها. وهذا لابد فيه من بلوغ النصاب وهو ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلي الله عليه وسلم. ويعرفه الذين يأخذون الزكاة من الفلاحين. فإذا كان عند الإنسان نخل يثمر، وبلغت ثماره نصابا وجب عليه الزكاة، ويجب عليه أن يخرج من متوسط الثمر، لا من الطيب فيظلم، ولا من الردئ فيظلم، وإنما يكون من\nالوسط. وإذا باع الإنسان ثمره فانه يزكي من الثمن، ومقدار الزكاة في الخارج من الأرض العشر، أن كان يشرب سيحا بدون مكائن أو مواتير فان فيه العشر كاملا، واحد من عشرة. فإذا كان عنده مثلا عشرة آلاف كيلو فالواجب عليه ألف كيلو. أما إذا كان يستخرج الماء بوسيلة، كالمواتير والمكائن وشبهها، فان عليه نصف العشر، ففي عشر آلاف كيلو خمسمائة فقط، وذلك لان الذي","vol":"1","page":418},{"text":"يسقي بمؤونة يغرم فيه الفلاح اكثر من الذي يسقي بلا مؤونة. فكان من حكمة الله_ عز وجل_ ورحمته أن خفف الزكاة علي هذا الذي يسقيه بالمؤونة والتعب. أما الربع من أصناف الزكاة فهو عروض التجارة: وعرض التجارة: كل ما أعده الإنسان للتجارة، من عقارات وأقمشة واواني وسيارات وغيرها، فليس لها شئ معين، فكل ما عرضته للتجارة، يعني ملكته من اجل أن تنتظر فيه الكسب، فانه عروض تجارة يجب عليك أن تزكيه. ومقدار الزكاة فيه ربع العشر كالذهب والفضة، أي: واحد في الأربعين. وفي المائة اثنان ونصف. وإذا كان لديك مال واردت أن تعرف مقدار الزكاة فالمسالة سهلة، اقسم المال علي اربين والخارج بالقسمة هو الزكاة. فإذا كان عند الإنسان أربعون ألفا من الدراهم، فزكاتها ألف درهم، وفي مائة وعشرين\nألف ريال، وهلم جرا، المهم إذا أردت حساب زكاتك من المال فاقسم المال علي أربعين، فاخارج بالقسمة هو الزكاة. وسمي عروض التجارة عروضا، لأنه ليس بثابت، بل يعرض ويزول، فكل شئ يعرض ويزول يسمي عرضا، كما قال الله تعالى: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (النساء: من الآية٩٤) والآمال التجارية هكذا عند التجار، يشتري الإنسان السلعة لا يريد عينها، وإنما يريد ما وراءها من كسب، ولهذا تجده يشتريها في الصباح","vol":"1","page":419},{"text":"وتكسبه في آخر النهار فيبيعها، فعروض التجارة إذن كل ما أعده الإنسان للاتجار فبه زكاة. وكيفية زكاة العروض انه إذا جاء وقت الزكاة في مال تقوم كل ما عندك من هذه العروض وتخرج ربع عشر قيمتها، حتى وان كنت لم تشترها إلا أخيرا. مثال ذلك: تحل زكاته في شهر رجب، واشتري سلعة في شهر ربيع، فنقول له: إذا جاء شهر رجب فقدر قيمتها بما تساوي واخرج زكاتها. فإذا قال: انها لم تتم عندي سنة؟ قلنا: لا عبرة في عروض التجارة بالسنة! عروض التجارة مبنية علي القيمة، والقيمة لها سنة عندك، فتقدرها بما تساوي وقت الوجوب، سواء كانت اكثر مما اشتريتها به أم اقل. فإذا قدر انك اشتريتها بعشرة آلاف ريال وكانت عند وجوب الزكاة تساوي\nثمانية آلاف ريال فالزكاة علي ثمانية. وإذا اشتريتها بثمانية وكانت تساوي عند وجوب الزكاة عشرة، فالزكاة علي العشرة. وإذا كنت لا تدري هل ستكسب أو لا تكسب فالمعتبر راس المال، فاعتبر راس المال. مصارف الزكاة: تصرف الزكاة علي الذين عينهم الله بحكمته، فقال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) (التوبة: من الآية٦٠) أي: لابد أن","vol":"1","page":420},{"text":"تكون الزكاة في هذه الاصناف (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: من الآية٦٠) فالفقراء والمساكين: هم الذين لا يجدون كفايتهم وكفاية عوائلهم لمدة سنة. مثاله: رجل موظف براتب شهري قدره أربعة آلاف ريال، لكن عنده عائلة يصرف ستة آلاف ريال، فهذا يكون فقيرا، لأنه لا يجد ما يكفيه. فنعطيه أربعة وعشرين ألفا من الزكاة من اجل أن نكمل نفقته. ورجل آخر راتبه ستة آلاف في الشهر، لكنه عنده عائلة كبيرة، والمؤنة شديدة لا يكفيه لا يكفيه الا اثنا عشر ألفا، فنعطيه من الزكاة اثنين وسبعين ألفا. يقول العلماء: يعطيه ما يكفيه لمدة\nسنة. ولا نعطيه اكثر من كفاية سنة، لأنه علي مدار السنة تأتى زكاة جديدة تسد حاجته، فلهذا قدرها العلماء بالسنة. فإذا قال قائل: أيهما اشد حاجة: الفقير أو المسكين؟ قال العلماء: إنما يبدأ بالأهم فألاهم، والله تعالى قد بدا بالفقير، فيكون الفقير اشد حاجة من المسكين. الثالث: العاملون عليها: أي: الذين ولاهم رئيس الدولة أمر الزكاة يأخذونها من أهلها وينفقونها في مستحقها، بالعمل لا بالحاجة. فإذا قال ولي الأمر: هؤلاء الواحد منهم إذا عمل بالشهر فراتبه ألف ريال، فنعطيهم علي ألف ريال من الزكاة، وذلك لانهم يتصرفون في الزكاة لمصلحة الزكاة فأعطوا منها. لكن إذا احب ولي الأمر أن يعطيهم من","vol":"1","page":421},{"text":"بيت مال المسلمين المال العام ليوفر الزكاة لمستحقيها فلا باس. الرابع: لا مؤلفة قلوبهم: وهم الذين يؤلفون علي الإسلام، يكون رجلا آمن حديثا ويحتاج أن نقوي إيمانه، فنعطيه من الزكاة من اجل إن يالف الاسلام ويحب المسلمين ويتقوي، ويعرف إن دين الإسلام دين صلة ودين رابطة. ثانيا: ومن التأليف أن نعطي شخصا للتخلص من شره، حتى يزول ما في قلبه من الحقد علي المسلمين والعداوة. واختلف العلماء: هل يشترط في المؤلفة قلوبهم أن يكون لهم سيادة\nوشرف في قومهم أو لا يشترط؟ والصحيح انه لا يشترط، حتى لو أعطيت فردا من الناس لتؤلفه علي الاسلام كفي. أما إذا أعطيت فردا منه الناس من اجل أن تدفع شره فهذا لا يجوز، لان الواحد من الناس ترفعه إلى ولاة الأمور ويأخذون حقك منه. الخامس: (وَفِي الرِّقَابِ) (البقرة: من الآية١٧٧): ذكر العلماء إنها تشمل ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن تشتري عبدا فتعتقه. النوع الثاني: أن تساعد مكاتبا في مكاتبته، والمكاتب هو العبد الذي اشتري نفسه من سيده. الثالث: أن تفك بها أسيرا مسلما عند الكفار أو عند غيرهم، حتى لو اختطف مسلم عند أناس ظلمة ولم يفكوه إلا بفداء من الزكاة فلا باس. السادس: قوله: (وَالْغَارِمِينَ) (التوبة: من الآية٦٠): والغارم: هو الذي يكون في ذمته","vol":"1","page":422},{"text":"دين لا يستطيع وفاءه، أو يكون في ذمته دين لمصلحة عامة وان كان يستطيع وفاءه، ولهذا قال العلماء: أن الغرم نوعان: النوع الأول: الغارم لغيره. والثاني: الغارم لنفسه. الغارم لغيره: هو الذي يغرم مالا لإصلاح ذات البين، مثل أن يكون بين قبيلتين نزاع ومشاجرة ومخاصمة ومعاداة وبغضاء، فيقوم رجل من أهل الخير فيصلح بين القبيلتين علي مال يلتزم به ذمته، فهنا يكون غارما لكن ليس\nلنفسه، بل لمصلحة عامة، وهي الإصلاح بين هاتين القبيلتين. قال العلماء: فيعطي هذا الرجل ما يوفي به من العزم وان كان غنيا، لان هذا ليس لنفسه، بل لمصلحة الغير. فلو قدر أن رجلا عنده مائة ألف فاصلح بين قبيلتين بعشرة آلاف ريال يستطيع أن يوفيها من ماله، لكن نقول لا يلزمه، بل نعطيه من الزكاة ما يدفع به هذا الغرم، لان ذلك لمصلحة الغير، ولان هذا يفتح باب الإصلاح للناس، لأننا لو لم نعن هذا الرجل ونعطه ما غرم، لتكاسل الناس عن الإصلاح بين الفئات المتناحرة أو المتعادية، فإذا أعطينا من غرم فيكون هذا تنشيط له. أما النوع الثاني: فهو الغارم لنفسه، مثل رجل استأجر بيتا بخمسة آلاف ريال وليس عنده ما يدفع به الاجار. هو نفسه في أكله وشربه ولباسه ليس محتاجا، لكن يحتاج إلى وفاء الدين الذي لزمه بالاستئجار للبيت، فنعطي هذا الرجل أجرة البيت من","vol":"1","page":423},{"text":"الزكاة، لأنه من الغارمين. كذلك إنسان أصيب بجائحة اجتاحت ماله، مثل الحريق أو الغرق أو ما أشبه ذلك، وقد لحقه في هذا دين، فنعطيه ما يسدد دينه، لأنه غير قادر علي الوفاء. هذا النوع من الغرم يشترط فيه أن يكون الغارم عاجزا عن وفاء الدين، فان كان قادرا، فانه لا يعطي، ولكن هل يجوز أن\nيذهب الإنسان لمن له الدين ويقول له: هذا الطلب الذي لك علي فلان خذه، وينويه من الزكاة؟ الجواب: نعم يجوز، وليس بشرط أن تعطي الغارم ليعطي الدائن، بل لو ذهبت للطالب منذ أول الأمر وقلت له: يا فلان بلغني انك تطلب من فلان عشرة آلاف ريال، قال نعم، واثبت ذلك، فتعطيه إياها، ولا حاجة لإخبار المدين، وذلك لان المقصود هنا إبراء الذمة، وهو حاصل سواء أخبرته أم لم تخبره. وتأمل التع (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) (التوبة: من الآية٦٠) كل هذه الثلاث معطوفة علي قوله (لِلْفُقَرَاءِ) (البقرة: من الآية٢٧٣) باللام (وَفِي الرِّقَابِ) (التوبة: من الآية٦٠) ولم يقل وللرقاب، بل قال (وَفِي) (التوبة: من الآية٦٠) الدالة علي الظرفية، يعني انك إذا صرفت الزكاة في هذه الجهات يجوز وان لم تعط صاحبه. (وَالْغَارِمِينَ) (التوبة: من الآية٦٠) معطوفة علي (وَفِي الرِّقَابِ) (التوبة: من الآية٦٠) فيه من دخول في، أي: وفي الغارمين، فلا حاجة لان تملك الغارم ليعطي الدين، بل يكفي أن تذهب وتعطي الدائن ليبرئ المدين. فإذا قال قائل: هل الأحسن أن اذهب إلى الدائن\nوأوفيه، أو أعطي","vol":"1","page":424},{"text":"الغريم لكي يوفي بنفسه؟ نقول: في هذا تفصيل: إذا كنت تخشى انك لو أعطيت الغريم لم يوف، بل آكل الدراهم وترك الدين علي ما هو عليه فهنا لا تعط الغريم، بل أعط الدائن، لأنك لو أعطيت الغارم سينفق الأموال في أمور غير مهمة وترك الدين، وبعض الناس لا يهتمون بالدين الذي عليهم، فإذا كنت تعلم أن المدين (الغارم) لو أعطيته لأفسد المال وبقت ذمته مشغولة، فلا تعطه وأعط الدائن، أما إذا كان الغريم صاحب عقل ودين، ولا يمكن أن يرضي ببقاء ذمته مشغولة، ويغلب علي ظني كثيرا أنني إذا أعطيته سوف يذهب فورا إلى الدائن ويقضي من دينه، فهنا نعطي الغريم، نقول: خذ هذه الدراهم أوف بها عن نفسك، لان هذا استر له واحسن، ولكن يجب علينا إذا كنا نوزع الزكاة أن نحذر من حيلة بعض الناس! بعض الناس يقدم لك كشفا بالدين عليه، وتوفي ما شاء الله أن توفي، وبعد سنة يقدم لك نفس الكشف ولا يخصم الذي أوفي عنه، فانتبه لهذا، لان بعض الناس_ والعياذ بالله_ لا يهمه حلال ولا حرام، المهم اكتساب المال، فيأتي بالقائمة الأولى التي قد قضي نصفها ويعرضها عليك، فانبه لذلك. وقد قدم لنا من هذا النوع أشياء، وذهبنا نسلم الدائن بناء علي الكشف الذي\nقدم، فقال الدائن: انه قد اوفاني. وهذه مشكلة، لكن الإنسان يتحرز، وهو إذا اتقي الله ما استطاع، ثم تبين فيما بعد أن الذي اخذ الزكاة","vol":"1","page":425},{"text":"ليس أهلا لها فان ذمته تبرا، وهذه من نعمة الله. يعني لو أعطيت زكاتك شخصا ثم تبين لك انه ليس من أهل الزكاة رغم انك اجتهدت فلا شئ عليك، وزكاتك مقبولة. السابع قوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة: من الآية٦٠): والجهاد في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، هكذا حدده النبي صلي الله عليه وسلم حينما سئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليري مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، وهذه كلمة جامعة مانعة. وقد تقدم الكلام علي هذا. تنبيه: يجوز قتل المسلم الظالم في الحرب وان كان مسلما. فإذا قال قائل: وان كان مكرها؟ الجواب: أن شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ قال: إذا قاتل المسلمون مع التتار فانهم يقاتلون وان كانوا مسلمين، ولو كانوا مكرهين. فان كانوا صادقين بأنهم مكرهون فان لهم اجر الشهيد، لانهم قتلوا ظلما من الذي اكرههم، لان الظلم علي الذي اكرههم. وان كانوا غير صادقين، بل هم مختارون طائعون،\nفهذا ما أصابهم","vol":"1","page":426},{"text":"وهم الذين جروه علي أنفسهم. وقد قال: - رحمه الله_ في تعليل ذلك: انه لا يعلم المكره من غير المكره، لان ذلك محلة القلب، فالاختيار والكراهة محلها القلب، فلا يعلم المطره من غيره، فيقتل المكره دفاعا عن الحق وحسابه علي الله. نعم، لو فرض انه اسر وهو مسلم حقيقة فانه لا يجوز قتله، أما في ميدان القتال فانه يقتل. وقد ذكرها ﵀ في الفتاوى في كتاب الجهاد ج ص (٥٤٤_٥٥٣) . وقوله ﷾: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة: من الآية٦٠) يشمل إعطاء الزكاة للمجاهدين أنفسهم، وشراء الأسلحة لهم. فشراء الأسلحة من الزكاة جائز من اجل الجهاد في سبيل الله. قال أهل العلم: ومن ذلك: أن يتفرغ شخص لطلب العلم وهو قادر علي التكسب، لكنه تفرغ من اجل أن يطلب العلم، فانه يعطي من الزكاة مقدار حاجته، لان طلب العلم جهاد في سبيل الله. أما من تفرغ للعبادة فلا يعطي من الزكاة، بل يقال اكتسب. وبهذا عرفنا شرف العلم علي العبادة. فلو جاء رجلان أحدهما دين طيب ويقول: أنا أستطيع أن أتكسب لكن احب أن أتفرغ للعبادة من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القران فأعطوني من الزكاة واكفوني العمل! نقول: لا نعطيك بل اكتسب. وجاء\nرجل آخر قال: أنا أريد أن أتفرغ لطلب العلم وأنا قادر علي التكسب، لكن أن ذهبت أتكسب لم اطلب العلم فأعطوني ما يكفيني من","vol":"1","page":427},{"text":"اجل أن أتفرغ لطلب العلم، قلنا: نعطيك ما يكفيك لطلب العلم، وهذا دليل علي شرف العلم وطلبه. الثامن: (ابْنِ السَّبِيلِ) (التوبة: من الآية٦٠): وهو الصنف الثامن من أصناف أهل الزكاة. وابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر ونفدت نفقته، فلم يكن معه ما يوصله إلى بلده. وليس هذا من باب الفقراء والمساكين، لأنه غني في بلده، لكن قصرت به النفقة في أثناء السفر، فيعطي ما يوصله إلى بلده ولو كان غنيا. وسمي ابن سبيل لمصاحبته للسفر، كما يقال ابن الماء في طير الماء الذي يألف الماء فيقع عليه. هؤلاء ثمانية أصناف لا يجوز صرف الزكاة في غيرهم، فلا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المساجد، ولا في إصلاح الطرق، ولا في بناء المدارس، ولا غيرها طرق الخير، لان الله ذكر هذه الأصناف بصيغة محصورة فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) (التوبة: من الآية٦٠) و(إِنَّمَا) (التوبة: من الآية٦٠) تفيد الحصر، وهو إثبات الحكم في الذكور ونفيه عما سواه، ولو قلنا بجواز صرف الزكاة في جميع وجوه الخير لفاتت فائدة الحصر، ولكن بناء\nالمساجد وإصلاح الطرق وبناء المدارس وما أشبهها تفعل من طرق أخرى، من طرق البر والصدقات والتبرعات. هذا هو الركن الثالث من أركان الإسلام الذي ذكره النبي صلي الله عليه وسلم لجبريل_ عليه الصلاة والسلام_ في حديثه الطويل!","vol":"1","page":428},{"text":"أما الرابع فقد قال: «وصوم رمضان»: ورمضان شهر بين شعبان وشوال، وسمي رمضان بهذا الاسم، قيل: لأنه عند أول تسمية الشهور صلدف انه كان في شدة الرمضاء والحر فسمي رمضان. وقيل: لأنه تطفا به حرارة الذنوب، لان الذنوب حارة: و«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» والمهم أن هذا الشهر معلوم للمسلمين، ذكره الله_ سبحانه وتعالى_ باسمه في كتابه فقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (البقرة: من الآية١٨٥)، ولم يذكر الله اسما لشهر من الشهور سوي هذا الشهر. وصيام رمضان ركن من أركان الإسلام لا يتم الإسلام إلا به، ولكنه لا يجب إلا علي من تمت فيه الشروط الآتية. أن يكون مسلما، وان يكمن بالغا، وعاقلا، قادرا، مقيما، سالما من الموانع. هذه ستة شروط. - فان كان صغيرا لم يجب عليه الصوم، أن كان مجنونا لم يجب عليه الصوم، أن كان كافرا لم يجب عليه الصوم، أن كان\n\nعاجزا فعلي قسمين:\nأ_ أن كان عجزه يرجي زواله كالمرض الطارئ افطر، ثم قضي أياما بعدد ما فطر","vol":"1","page":429},{"text":"ب_ وان كان عجزا لا يرجي زواله كالكبر والأمراض التي لا يرجي برؤها فانه يطعم عن كل يوم مسكينا. - و«مقيما» ضده المسافر، فالمسافر ليس عليه صوم، ولكنه يقضي من أيام آخر. «سالما من الموانع» احترازا من الحائض والنفساء، فانهما لا يجب عليهما الصوم، بل ولا يجوز أن تصوما، ولكنهما تقضيان. وصوم رمضان يكمن بعدد أيامه، أما تسعة وعشرين، وأما ثلاثين حسب رؤية الهلال، لان النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتماه فافطروا، فان غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين») عدة شعبان أن كان في أول الشهر، وعدة رمضان أن كان في آخر الشهر. الركن الخامس: «حج البيت» وهو بيت الله سبحانه وتعالى_ أي: قصده لأداء المناسك التي بينها الله سبحانه في كتابه وعلي لسان رسوله صلي الله عليه وسلم. فحج البيت أحد أركان الإسلام، ومن حج البيت العمرة، فان النبي صلي الله عليه وسلم سماها حجا اصغر. ولكن له شروط، منها البلوغ، والعقل،","vol":"1","page":430},{"text":"والإسلام، والحرية، والاستطاعة، خمسة شروط! فإذا اختل شرط واحد منها فانه لا يجب. ولكن العجز عن الحج أن كان بالمال فانه لا يجب عليه، لا بنفسه ولا بنائبه. وان كان بالبدن: فان كان عجزا\nيرجي زواله انتظر حتى يعافيه الله ويزول المانع، وان كان لا يرجي زواله كالكبر، فانه يلزمه أن ينيب عنه من يأتي بالحج، لان امرأة سالت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت: «أن أبي أدركته فريضة الله علي عباده شيخا لا يثبت علي الراحة، أف أحج عنه» قال: «نعم» . فاقرها النبي ﷺ. على إنها سمت هذا فريضة مع انه لا يستطيع، لكنه قادر بماله، فقال النبي ﵊: «حجي عنه» ! هذه خمسة أركان هي أركان الإسلام: شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. فقال جبريل للنبي ﷺ لما اخبره بذلك، قال له: «صدقت» . قال عمر: «فعجبنا له يسأله ويصدقه لان الذي صدق الشخص بقوله يعني أن عنده علما من ذلك. فعجبنا كيف يسأله ثم يقول صدقت. والسائل إذا","vol":"1","page":431},{"text":"أجيب يقول فهمت، لا يقول صدقت، لكن جبريل_ عليه الصلاة والسلام_ عنده علم من هذا، ولهذا قال: «صدقت» . وقوله: «اخبرني عن الإيمان» الإيمان محله القلب، الإسلام محله الجوارح ولهذا نقول: الإسلام عمل ظاهري والإيمان أمر باطني، فهو في القلب.\nفالإيمان: هو اعتقاد الإنسان للشيء اعتقادا جازما به لا يتطرق إليه الشك ولا الاحتمال، بل يؤمن به كما يؤمن بالشمس في رابعة النهار لا يمطرى فيه، فهو إقرار جازم لا يلحقه شك بموجب لقبول ما جاء في شرع الله، والإذعان له إذعانا تاما. فقال له: «الإيمان أن تؤمن بالله) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (البقرة: من الآية١٨٥)، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» هذه ستة أركان هي أركان الإيمان: قوله: «أن تؤمن بالله»: أي: تؤمن بان الله سبحانه موجود، حي، عليم، قادر، انه ﷾ رب العالمين، لا رب سواه، وأن له الملك المطلق، وله الحمد المطلق، وإليه يرجع الأمر كله، وانه سبحانه هو المستحق للعبادة لا يستحقها أحد سواه، ﷾، وانه هو الذي عليه التكلان، ومنه النصر والتوفيق، وانه متصف بكل صفات الكمال على وجه لا يماثل صفات المخلوقين، لأنه ﷾: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: من الآية١١) إذا تؤمن بوجود الله، وبربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، لا بد","vol":"1","page":432},{"text":"من هذا، فمن أنكر وجود الله فهو كافر، - العياذة بالله-\nمخلد في النار، ومن تردد في ذلك أو شك فهو كافر، لأنه لا بد في الإيمان من الجزم بان الله حي، عليم، قادر، موجود. ومن شك في ربو بيته فانه كافر. ومن أشرك معه أحد في ربو بيته فهو كافر، ومن قال أن الأولياء يدبرون الكون ولهم تصرف في الكون ودعاهم واستغاث بهم وانتصر بهم فانه كافر والعياذ بالله، لأنه لم يؤمن بالله. ومن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله فهو كافر، لأنه لم يؤمن بانفراده بالألوهية. فمن سجد للشمس أو القمر، أو للشجر، أو للنهر، أو للبحر، أو للجبال، أو للملك، أو لنبي من الأنبياء، أو لولي من الأولياء، فهو كافرا كفرا مخرجا عن الملة، لأنه أشرك بالله معه غيره. وكذلك من أنكر على وجه التكذيب شيئا مما وصف الله به نفسه فانه كافر، لأنه مكذب لله تعالى ورسوله ﷺ. فإذا أنكر صفة من صفات الله على وجه التكذيب فهو كافر، لتكذيبه لما جاء في الكتاب والسنة. فإذا قال مثلا: أن الله لم يستو على العرش ولا ينزل إلى السماء الدنيا فهو كافر. وإذا أنكرها على وجه التأويل فانه ينظر: هل تأويله سائغ يمكن أن يكون محل للاجتهاد أو لا، فان كان سائغا فانه لا يكفر، لكنه يفسق، لخروجه عن منهج\nأهل السنة والجماعة. وأما إذا كان ليس له مسوغ، فان إنكار التأويل الذي لا مسوغ له","vol":"1","page":433},{"text":"كإنكار التكذيب، فيكون أيضا كافرا- والعياذ بالله-. وإذا آمنت بالله على الوجه الصحيح، فانك سوف تقوم بطاعته ممتثلا أمره مجتنبا نهيه، لان الذي يؤمن بالله علي الوجه الصحيح، لابد أن يقع في قلبه تعظيم الله علي الإطلاق، ولابد أن يقع في قلبه محبة الله علي الإطلاق، فإذا احب الله حبا مطلقا لا يساوي أي حب، وإذا عظم تعظيما مطلقا لا يساويه أي تعظيم، فانه بذلك يقوم بأوامر الله وينتهي عما نهي الله عنه. كذلك يجب عليك_ من جملة الإيمان بالله_ أن تؤمن بان الله فوق كل شئ، علي عرشه استوي، والعرش فوق المخلوقات كلها، وهو اعظم المخلوقات التي نعلمها، لأنه جاء في الأثر: «أن السماوات السبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض» السماوات السبع علي سعتها والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة بالنسبة للأرض. الق حلقة من حلق المغفر في فلاة من الأرض وانظر نسبة هذه الحلقة بالنسبة للفلاة ماذا تكون؟ لا شئ! وهذه الحلقة بالنسبة للفلاة؟ ليست بشيء. وفي بقية الأثر: «وان فضل العرش علي الكرسي كفضل الفلاة علي هذه\nالحلقة» . إذا الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. فانظر","vol":"1","page":434},{"text":"إلى عظم هذا العرش، ولهذا وصفه الله بالعظيم، كما قال: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (التوبة: من الآية١٢٩)، وقال: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) (البروج: ١٥)، فوصفه الله بالمجد والعظمة، وكذلك بالكرم. فهذا العرش استوي الله تعالى فوقه، فالله فوق العرش، والعرش فوق جميع المخلوقات، والكرسي_ وهو صغير بالنسبة للعرش_ وسع السماوات والأرض، كما قال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ) (البقرة: من الآية٢٥٥)، فيجب عليك أن تؤمن بان الله تعالى فوق كل شئ، وان جميع الأشياء ليست بالنسبة إلى الله شيئا، فالله تعالى اعظم واجل من أن يحيط به العقل أو الفكر، بل حتى البصر إذا راء الله_ والله ﷾ يراه المؤمنون في الجنة_ لا يمكن أن يدركوه أو يحيطوا به، كما قال الله: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) (الأنعام: من الآية١٠٣)، فشان الله اعظم شان واجل شان، فلا بد أن تؤمن بالله_ سبحانه وتعالى_ علي هذا الوجه العظيم حتى يوجب لك أن تعبده حق عبادته. ومن الإيمان بالله: أن تؤمن بان الله تعالى قد أحط بكل شي علما،\nوانه يعلم خائنه الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض من قليل وكثير، وجليل ودقيق (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران: ٥) . وك١لك تؤمن بان الله تعالى علي كل شئ قدير، وانه إذا أراد شيئا إنما يقول له كن فيكون، مهما كان هذا الأمر. وانظر إلى بعث الناس وخلق الناس، الناس ملايين لا يحصيهم إلا الله_ عز وجل_ وقد قال الله","vol":"1","page":435},{"text":"تعالى: (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (لقمان: من الآية٢٨)، كل الخلائق خلقهم وبعثهم كنفس واحدة. وقال الله ﷿ في البعث: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) (النازعات: ١٤، ١٣)، وتري شيئا من آيات الله في حياتك اليومية، فان الإنسان إذا نام فقد توفاه الله، كما قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) (الأنعام: من الآية٦٠)، لكنها ليست وفاة تامة تفارق فيه الروح الجسد مفارقة تامة، لكن مفارقة لها نوع اتصال بالبدن، ثم يبعث الله النائم من نومه فيحس بأنه قد حي حياة جديدة، وكان اثر هذا يظهر قبل أن توجد هذه الأنوار الكهربائية، لما كان الناس إذا\nغشيهم الليل أحسوا بالظلمة وأحسوا بالوحشة وأحسوا بالسكون، فإذا انبلج الصبح أحسوا بالأسفار، والنور والانشراح، فيجدون لذة لأدبار الليل وإقبال النهار. أما اليوم فقد أصبحت الليالي كأنها النهار، فلا نجد اللذة التي كنا نجدها من قبل، ولكن مع ذلك يحس الإنسان بأنه إذا استيقظ من نومه فكأنما استيقظ إلى حياة جديدة، وهذه من رحمة الله وحكمته. وكذلك نؤمن بان الله سميع بصير، يسمع كل ما نقول وان كان خفيا، قال الله ﵎: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف: ٨٠)، وقال الله ﷿: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (طه: من الآية٧)، أي: اخفي من السر، وهو ما يكنه الإنسان في نفسه، كما قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) (قّ: من الآية١٦)، أي: ما تحدث به","vol":"1","page":436},{"text":"نفسه يعلمه الله وان كان لم يظهر للعباد. وهو_ عز وجل_ بصير، يبصر دبيب النمل الأسود علي الصخرة السوداء في ظلمة الليل، لا يخفي عليه. فإذا آمنت بعلم الله، وقدرته، وسمعه، وبصره، أوجب لك ذلك تراعي ربك_ عز وجل_ وان لا تسمعه إلا ما يرضي\nبه، وان لا تفعل إلا ما يرضي به، لأنك إن تكلمت سمعك، وان فعلت أراك الله، فأنت تخشى ربك، وتخاف من ربك إن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك، وكذلك تخشى من ربك إن تسمعه ما لا يرضاه، وان تسكت عما أمرك به، كذلك إذا آمنت بتمام قدرة الله فانك تسأله كل ما تريده مما لا يكون فيه اعتداء في الدعاء. ولا تقل إن هذا بعيد، وان هذا شي لا يمكن! كل شي ممكن علي قدرة الله. فها هو موسى_ عليه الصلاة والسلام_ لما وصل إلى البحر الأحمر هاربا من فرعون وقومه، أمره الله إن يضرب البحر بعصاه، فضربه، فانفلق اثني عشر طريقا، كان الماء بين هذه الطرق كالجبال. وفي لحظة يبس البحر وصار يمشون عليه كأنما يمشون علي صحراء لم يصبها الماء أبدا بقدرة الله ﷾. ويذكر إن سعد بن أبي وقاص_ رضي الله عنه_ لما كان يفتح بلاد فارس ووصل إلى دجلة_ النهر المعروف في العراق_ عبر الفرس النهر مشرقين وكسروا الجسور واغرقوا السفن لئلا يعبر إليهم المسلمون، فاستشار_ رضي الله عنه_ الصحابة، وفي النهاية قرروا إن يعبروا النهر، فعبروا النهر","vol":"1","page":437},{"text":"يمشون علي سطح الماء بخيلهم وابلهم ورجلهم لم يمسهم سوء! فمن الذي امسك هذا النهر حتى صار كالصفاء، كالحجر يسير\nعليه الجند من غير إن يغرقوا؟ انه هو الله_ عز وجل_ الذي علي كل شئ قدير. وكذلك جري للعلاء بن الحضرمي - رضي الله عنه_ حينما غزا البحرين واعترض لهم البحر، دعا الله_ سبحانه وتعالى_ فعبروا علي سطح الماء من غير أن يمسهم سوء. وآيات الله كثيرة، فكل ما اخبره الله به في كتابه أو اخبر به رسوله_ عليه الصلاة والسلام_ أو شاهده الناس من خوارق العادات فان الإيمان به من الإيمان بالله، لأنه إيمان بقدرة الله ﷾. ومن الإيمان بالله_ سبحانه وتعالى_ إن تعلم انه يراك، فان لم تكن تراه فانه يراك، إن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك. وهذه مسالة يغفل عنها كثير من الناس، تجده يتعبد لله وكان العبادة أمر عادي يفعله علي سبيل العادة، لا يفعلها كأنه يشاهد ربه ﷿، وهذا نقص في الإيمان ونقص في العمل. ومن الإيمان بالله: إن تؤمن بان الحكم لله العلي الكبير! الحكم الكوني والشرعي كله لله لا حاكم إلا الله_ سبحانه وتعالى_وبيده كل شئ، كما قال الله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ\nبِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: ٢٦) . فكم من ملك سلب ملكه بين عشية وضحاها، وكم من إنسان عادي","vol":"1","page":438},{"text":"صار ملكا بين عشية وضحاها، لان الأمر بيد الله. وكم من إنسان عزيز يري انه غالب لكل أحد، فيكون أذل عباد الله بين عشية وضحاها! وما من إنسان ذليل يكون عزيزا بين عشية وضحاها، لان الملك والحكم لله ﷾. وكذلك الحكم الشرعي لله، ليس لاحد، فالله تعالي هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، وليس أحد من الخلق له الفصل في ذلك. فالإيجاب والتحليل والتحريم لله، ولهذا نهي الله عباده إن يصفوا شيئا بالحلال والحرام بدون إذن، فقال الله ﵎: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النحل: ١١٧، ١١٦) . فالحاصل إن الإيمان بالله بابه واسع جدا، ولو ذهب الإنسان يتكلم عليه لبقي أياما كثيرة، ولكن الإشارة تغني عن طويل العبارة. وقوله صلي الله عليه وسلم: «وملائكته»: والملائكة: هم عالم غيبي، خلقهم\nالله_ سبحانه وتعالى_ من نور، وجعل لهم أعمالا خاصة، كل منهم يعمل بما أمره الله به، وقد قال الله في ملائكة النار: (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: من الآية٦)، فهم ليس عندهم استكبار عن الأمر ولا عجز عنه، يفعلون ما أمروا به ويقدرون عليه، بخلاف البشر، فالبشر قد يستكبرون عن الأمر، وقد يعجزون عنه، أما الملائكة فخلقوا لتنفيذ أمر الله، سواء في العبادات المتعلقة بهم أو في مصالح الخلق.","vol":"1","page":439},{"text":"فمثلا جبريل عليه الصلاة والسلام_ اشرف الملائكة_ موكل بالوحي، ينزل به من الله علي رسله وأنبيائه، فهو موكل بإشراف شئ ينتفع به الخلق والعباد، وهو ذو قوة، أمين مطاع بين الملائكة، ولهذا كان اشرف الملائكة. كما إن محمد صلي الله عليه وسلم اشرف الرسل قال الله ﷾: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) (لنجم: ٦، ٥)، يعني علم النبي صلي الله عليه وسلم القران (شَدِيدُ الْقُوَى) أي ذو القوة الشديدة وهو جبريل، (ذُو مِرَّةٍ) أي ذو هيئة حسنة (فَاسْتَوَى) أي: كمل وعلا) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) . وقال ﷿: (إِنَّهُ\nلَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) أي: جبريل) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (التكوير: ٢١، ٢٠) ومن هؤلاء أيضا من وكلوا بمصالح الخلق من جهة أخرى في حياة الأرض والنبات، مثل ميكائيل_ عليه الصلاة والسلام_ فان ميكائيل موكل بالقطر_ المطر_ والنبات، وفيهما حياة الأبدان، حياة الناس وحياة البهائم. فالأول جبريل موكل بما فيه حياة القلوب وهو الحي وميكائيل موكل بما فيه حياة الأبدان وهو القطر والنبات. ومنهم اسرافيل_ عليه الصلاة والسلام_ وهو أحد حملة العرش العظام، وهو موكل بالنفخ في الصور، وهو قرن عظيم دائرته ما بين السماء والأرض، ينفخ فيه اسرافيل. فان سمعه الناس سمعوا صوتا لا عهد لكم به، صوتا مزعجا، فيفزعون ثم يصقعون، أي يموتون من شدة هذا الصوت، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ","vol":"1","page":440},{"text":"أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (الزمر: من الآية٦٨)، تتطاير الأرواح من هذا القرن، من هذا الصور، ثم ترجع كل روح إلى بدنها الذي تعمره في الدنيا، لا تخطئه شعرة بأمر الله ﷿. فكل هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة! فجبريل موكل بما فيه حياة القلوب، وميكائيل بما فيه حياة النبات والأرض، واسرافيل بما فيه\nحياة الأبدان. ولهذا كان النبي صلي الله عليه وسلم يثني علي الله بربو بيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة في افتتاح صلاة الليل، فكان يقول في افتتاح صلاة الليل بدل «سبحانك اللهم وبحمدك»، يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك قيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» . ومنهم من وكل بقبض الأرواح وهو ملك الموت، وله أعوان يساعدونه علي ذلك، وينزلون بالكفن والحنوط للروح التي تخرج من الجسد إن كان من أهل الإيمان_ جعلنا الله منهم_ فانهم ينزلون بكفن من","vol":"1","page":441},{"text":"الجنة وحنوط من الجنة، وان كانوا من أهل النبران نزلوا بحنوط من النار وكفن من النار، ثم يجلسون عند المحتضر الذي حضر اجله ويخرجون روحه حتى تبلغ الحلقوم، فإذا بلغت الحلقوم استلها ملك الموت ثم أعطاها إياها فوضعوها في الحنوط والكفن، فالملائكة تكفن وتحنط الروح، والشر يكفنون ويحنطون البدن، فانظر إلى عناية الله بالآدمي، ملائكة يكفنون روحه، وبشر يكفنون بدنه، ولهذا قال الله ﷿: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ\nرُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام: من الآية٦١)، لا يفرطون في حفظها: ولا يفرطون فيها. وملك الموت أعطاه الله تعالى قدرة علي قبض الأرواح في مشارق الأرض ومغاربها، يقبضها ولو ماتوا في لحظة واحدة، لو فرض إن جماعة أصابهم حادث وماتوا في إن واحد، فان ملك الموت يقبض أرواحهم في إن واحد. ولا تستغرب، لان الملائكة لا يقاسون بالبشر، لان الله أعطاهم قدرة عظيمة اشد من الجن. فالجن اقوي من البشر، والملائكة اقوي من الجن. وانظر إلى قصة سليمان_ عليه الصلاة والسلام_ حيث قال: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ) (النمل: من الآية٣٩) عفريت يعني قوي شديد (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (النمل: من الآية٣٩) وكان سليمان عادة يقوم من مقامه في ساعة معينة، ف (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ","vol":"1","page":442},{"text":"الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) (النمل: من الآية٤٠)، والثاني أسرع من الأول، أي: مدة بصرك ما ترده إلا وقد جاءك (فَلَمَّا رَآهُ)\n(النمل: من الآية٤٠) حالا رآه (مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) (النمل: من الآية٤٠) قال العلماء: إن هذا الذي عنده علم من الكتاب دعا الله باسمه الأعظم، فحملت الملائكة العرش من اليمن إلى الشام في هذه اللحظة. إذا فالملائكة اقوي من الجن. فلا تستغرب إن يموت الناس في مشارق الأرض ومغاربها وان يقبض أرواحهم ملك واحد، كما قال الله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة: ١١) إذا قال الله لهذا الملك اقبض روح كل من مات، هل يمكن إن يقول لا؟ لا يمكن! لانهم لا يعصون الله ما أمرهم، ولهذا لما قال الله للقلم اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، والقلم جماد، كتب ما هو قائم إلى يوم القيامة، فالله_ عز وجل_ إذا أمر بأمر لا يمكن إن يعصي إلا المردة من الجن أو من بني آدم، أما الملائكة فلا يعصون الله؟! وهؤلاء أربعة من الملائكة. والملك الخامس مالك، الموكل بالنار، وهو خازنها، وقد ذكره الله في قوله عن أهل النار: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) (الزخرف: ٧٧)، يعني: ليمتنا ويهلكنا ويرحنا مما نحن فيه! قال: أنكم ماكثون!","vol":"1","page":443},{"text":"السادس: خازن الجنة: وورد في بعض الآثار إن اسمه (رضوان) وهذا وكل بالجنة كما إن مالكا وكل بالنار. فمن علمنا اسمه من الملائكة آمنا به باسمه، ومن لم نعلم باسمه آمنا به علي سبيل الإجمال، آمنا بعمله الذي نعلمه وبوصفه وبكل ما جاء به الكتاب والسنة من أوصاف هؤلاء الملائكة. مسالة: قلنا إن الملائكة عالم غيبي، فعل يمكن إن يروا؟ الجواب: نعم قد يرون، أما علي صورتهم التي خلقوا عليها، واما علي صورة من أراد الله إن) أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (لأنفال: من الآية١٢) يكون علي صورته! فجبريل رآه النبي صلي الله عليه وسلم علي صورته التي خلقه الله عليها في موضعين، في الأرض وفي السماء: في الأرض عند قار حراء قرب مكة، وفي السماء عند سدرة المنتهي، كما قال الله (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) (لنجم: ١٤، ١٣)، رآه وله ستمائة جناح قد سد الأفق، أي: ملا الأفق كله وله ستمائة جناح، ولا يعلم قدرة الأجنحة إلا الله ﷿، لكن إذا كان الشي عاليا سد الأفق\nفمعناه انه واسع جدا. هذا الذي رآه النبي صلي الله عليه وسلم علي صورته مرتين، أحيانا يأتيه بصورة إنسان كما في حديث عمر_ رضي الله عنه_ الذي معنا في قصة جبريل، فقد جاءه بصورة رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يري عليه اثر السفر، ولا يعرفه الصحابة، والله علي كل شئ قدير، قد أعطاهم الله ﷾ ذلك إن يتصوروا بصور البشر، أما باختيارهم واما باختيار","vol":"1","page":444},{"text":"الله، الله يأمرهم إن يكونوا علي هذه الصورة فالله اعلم. إنما هذه حال الملائكة_ عليهم الصلاة والسلام_ وتفاصيل ما ورد فيهم مذكور في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، لكن علينا إن نؤمن بهؤلاء الملائكة وانهم أقوياء أشداء، قال الله لهم في غزوة بدر: (أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (لأنفال: من الآية١٢)، فكانوا يقاتلون مع الصحابة في بدر، فيري الكافر يسقط مضروبا بالسيف علي رأسه ولا يدري من الذي قتله، والذي قتله هم الملائكة، لان الله قال لهم: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا\nمِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال: ١٣، ١٢) فعلينا إن نؤمن بهم، من علمناه بعينه آمنا به بعينه، وإلا فبالإجمال. وان نؤمن بمن جاء عنهم من عبادات وأعمال علي وفق ما جاء في الكتاب والسنة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، ومن أنكرهم، أو كذب بهم، أو قال: انهم لا وجود لهم، أو قال: أهم هم قوي الخير، والشياطين هم قوي الشر، فقد كفر كفرا مخرجا عن الملة، لانه مكذب لله تعالى ورسوله صلي الله عليه وسلم وإجماع المسلمين. وقد ضل قوم غاية الضلال حيث أنكروا إن يكون هنالك ملائكة_ والعياذ بالله_ وقالوا: إن الملائكة عبارة عن قوي الخير وليس هناك شئ يسمي عالم الملائكة. وهؤلاء إن قالوا ذلك متاولين فان الواجب إن نبين لهم إن هذا تأويل باطل، بل تحريف، وان قالوا غيره متاولين فانهم كفار، مكذبون لما","vol":"1","page":445},{"text":"جاء به الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة من وجود الملائكة، والله قادر غلي إن يخلق عالما كاملا لا يحس به البشر عن طريق حواسهم المعتادة، فها هم الجن وجودن ولا إشكال في وجودهم، ومع ذلك لا تدركهم حواسنا\nالظاهرة كما تدرك الأشياء الظاهرة. ولله تعالى في خلقه شؤون. وقوله: (وَكُتُبِهِ) وهو الركن الثالث، والكتب جمع كتاب، والمراد به الكتاب الذي أنزله الله علي الرسل. فكل رسول له كتاب، كما قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) (الشورى: من الآية١٧)، وقال: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: من الآية٢٥) . لكن من لا كتب ما لا نعلمه ومنها ما لا نعلمه! فالتوراة، وهي الكتاب الذي انزل الله علي موسى_ عليه الصلاة والسلام_ معلوم، والإنجيل، وهو الكتاب الذي أنزله الله علي عيسى_ عليه الصلاة والسلام_ معلوم، وصحف إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ مذكورة في القران، وزبور داود_ عليه الصلاة والسلام_ مذكور في القران، وصحف موسى_ عليه الصلاة والسلام_ إن كانت غير التوراة مذكورة في القران أيضا. فما ذكر الله اسمه في القران وجب الإيمان به بعينه واسمه، وما لم يذكر فانه يؤمن به إجمالا. فنؤمن بان الله انزل علي موسى_ عليه الصلاة والسلام_ كتابا هو التوراة، وعلي عيسي كتابا هو الإنجيل، وعلي داود\nعليه الصلاة والسلام_ كتابا هو","vol":"1","page":446},{"text":"الزبور، وعلي إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ صحفا، هكذا نقول. ولا يعني ذلك إن ما وجد عند النصارى اليوم هو الذي نزل علي عيسي، لان الأناجيل الموجودة عند النصارى اليوم محرفة ومغيرة ومبدلة، لعب بها قساوسة النصارى فزادوا فيها ونقصوا وحرفوا، ولهذا تجدها تنقسم إلى أربعة أقسام أو خمسة، ومع ذلك فان الكتاب الذي نزل علي عيسي كتاب واحد، لكن الله تعالى إنما تكفل بحفظ الكتاب الكريم الذي نزل علي محمد صلي الله عليه وسلم، لانه لا نبي بعده، يبين للناس ما هو الصحيح، وما هو المحرف. أما الكتب السابقة فإنها لم تخل من التحريف، لانه سيبعث أنبياء يبينون فيها الحق ويبينون فيها المحرف، وهذا هو السر في إن الله تكفل بحفظ القران دون غيره من الكتب، من اجل إن يعلم الناس حاجتهم إلى الأنبياء إذا وجدوا الكتب محرفة، فتاتي الأنبياء وتبين الحق. فالمهم إن نؤمن بان الكتاب الذي نزل علي النبي المعين حق من عند الله، لا علي إن الكتاب الذي في أيدي اتباعه اليوم هو الكتاب الذي نزل، بل قطعا انه محرف ومغير ومبدل. ومن الإيمان بالكتب إن تؤمن بان كل خبر جاء فيها فهو حق، كما إن كل خبر في القران فهو حق، لان\nالأخبار التي جاءت في الكتب التي نزلت علي الأنبياء من عند الله فهو حق، يعني كل حكم لم يحرف ولم يغير فهو حق، لان جميع أحكام الله التي الزم الله بها عباده كلها حق، لكن هل هي بقيت إلى الآن غير محرفة؟ هذا السؤال بينا الجواب عليه بأنها غير","vol":"1","page":447},{"text":"مامونة، بل مغيرة ومحرفة ومبدلة. ولكن هل علينا إن نعمل بالأحكام التي جاءت بها الكتب السابقة؟ نقول: أما ما قصة الله علينا من هذه الكتب، فأننا نعمل به ما لم يرد شرعنا بخلافه. مثاله قوله تعالى عن التوراة:) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: من الآية٤٥)، هذه مكتوبة في التوراة ونقلها الله_ عز وجل_ لنا في القران، لكن الله، ﷿، لم يقصها علينا إلا من اجل إن نعتبر ونعمل بها، كما قال الله: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية١١١)، وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ\nهَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: من الآية٩٠)، فما قصة الله علينا وما نقه لنا من الكتب السابقة فهو شرع لنا، لان الله لم يذكره عبثا، إلا إذا ورد شرعنا بخلافه، فإذا ورد شرعنا بخلافه صار ناسخا لها. كما إن من الآيات الشرعية النازلة في شرعنا ما يكون منسوخا بآيات أخرى، فكذلك ما ذكره الله عن الكتب السابقة نقلا فانه قد ينسخ بهذه الشريعة. أما ما جاء في كتبهم فأننا لا نصدقه ولا نكذبه، كما أمر بذلك النبي_ عليه الصلاة والسلام_ فيما إذا حدثنا بنو اسرائل ان لا نصدقهم ولا نكذبهم، لأننا ربما نصدقهم بالباطل وربما نكذبهم بحق، فنقول: آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إليكم، ولا نصدقهم ولا نكذبهم إذا كان لم يشهد","vol":"1","page":448},{"text":"شرعنا بصحته ولا بكذبه. فان شهد بصحته أو بكذبه عملنا ما تقتضيه هذه الشهادة، إن شهد بصحته صدقناه، وان شهد بكذبه كبناه. ومن ذلك ما ينسب في أخبار بني إسرائيل إلى أخبار بعض الأنبياء_ عليهم الصلاة والسلام_ كما ذكر عن داود انه أعجبته امرأة رجل من جنده وطلب من الجندي إن يذهب إلى العدو ويقاتل لعله يقتل فيأخذ امرأته من بعده! وانه أرسل الجندي فبعث الله إليه جماعة من الائكة يختصمون إليه فقال\nأحد الخصمين: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) (صّ: من الآية٢٤، ٢٣) ضربه الله لداود حيث كان عنده من النساء ما يبلغ تسعا وتسعين امرأة، فحاول إن يأخذ امرأة هذا الجندي ليكون بها المائة! فهذه القصة كذب واضح، لان داود_ عليه الصلاة والسلام_ نبي من الأنبياء، ولا يمكن إن يتحيل هذه الحيلة، بل لو إن غير نبي ما فعل هذا وهو عاقل فكيف وهو نبي؟! فمثل هذه القصة التي جاءت عن بني إسرائيل نقول إنها كذب، لانها","vol":"1","page":449},{"text":"لا تليق بالنبي، ولا تليق بأي عاقل، فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. الخلاصة: إن ما جاء في كتبهم ينقسم إلى قسمين رئيسيين: أولا: ما قصة الله علينا في القران أو قصة علينا رسول الله صلي الله عليه وسلم فهذا مقبول صحيح.\nوالثاني: ما نقلوه هم، فهذا لا يخلوا من ثلاث حالات: الحالة الأولى: إن يشهد شرعنا بكذبه، فيجب علينا إن نكذبه ونرده. والثانية: ما شهد شرعنا بصدقه فنصدقه ونقبله لشهادة شرعنا به. والثالث: ما ليس هذا ولا هذا، فيجب علينا إن نتوقف، لانهم لا يؤمنون، ويحصل في خبرهم الكذب والتغيير والزيادة والنقص. قوله: (وَرُسُلِهِ) هذا هو الركن الرابع. الرسل هم البشر الذين أرسلهم الله ﷾ إلى الخلق وجعلهم واسطة بينه وبين عباده في تبيلغ شرائعه، وهو بشر خلقوا من أب وأم، إلا عيسي ابن مريم_ عليه الصلاة والسلام_ فان الله خلقه من أم بلا أب. أرسلهم الله ﷾ رحمة بالعباد واقامة بالحجة عليهم، كما قال الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) إلى قوله: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: من الآية (١٦٣_١٦٥) . وهم عدد كثير، أولهم نوح وأخرهم محمد صلي الله عليه مسلم ودليل ذلك قوله تعالى: (َّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ\nبَعْدِهِ) (النساء: من الآية١٦٣) وقد صح","vol":"1","page":450},{"text":"في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة: «إن الناس يوم القيامة يأتون آل نوح فيقولون له: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض» . أما دليل كون النبي_ عليه الصلاة والسلام_ آخر الرسل فهو قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب: من الآية٤٠) وصح عنه صلي الله عليه وسلم انه قال: «أنا خاتم النبيين» . فعلينا إن نؤمن بان جميع الرسل الذين أرسلهم الله صادقون فيما ابلغوا به عن الله وفي رسالتهم. - علينا إن نؤمن بأسماء من عينت أسماؤهم لنا ومن لم تعين أسماؤهم لنا، فأننا نؤمن بهم علي سبيل الإجمال. - علينا أيضا إن نؤمن إن ما من أمة إلا أرسل الله إليها رسولا لتقوم عليهم الحجة، كما قال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: من الآية٣٦)، وقال تعالى: (ً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر: من الآية٢٤) وعلينا إن نصدق بكل ما أخبرت به الرسل إذا صح عنهم من جهة النقل","vol":"1","page":451},{"text":"ونعلم انه الحق. وعلينا\nإن نتبع خاتمهم محمد صلي الله عليه وسلم، لانه هو الذي فرض علينا اتباعه، قال الله تعالى:) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (لأعراف: من الآية١٥٨)، فامرنا الله تعالى باتباعه. وقال تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: من الآية٣١)، أما ما سواه من الرسل فأننا نتبعهم إذا ورد شرعنا بالأمر باتباعهم، مثل قوله علبه الصلاة والسلام: «افضل الصلاة صلاة أخي داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وافضل الصيام صيام أخي داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما» (،) فهذا حكاية لتعبد داود وتهجده في الليل، وكذلك صيامه، من اجل إن نتبعه فيه. أما إذا لم يرد شرعنا بالأمر باتباعه فقد اختلف العلماء_ رحمهم الله_ هل شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بالأمر بخلافه، أو انه ليس بشرع لنا حتى يرد شرعنا\nبالأمر باتباعه؟ والصحيح إن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد شرعنا بخلافه، لأنه تعالى لما ذكر الأنبياء والرسل قال لنبيه صلي الله عليه وسلم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: من الآية٩٠)، فأمر الله نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم إن يقتدي بهدي","vol":"1","page":452},{"text":"من سبقه وقال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية١١١)، وهذه آخر سورة يوسف التي قص الله تعالى علينا قصته مطولة من اجل إن نعتبر بما فيها. ولهذا اخذ العلماء_ رحمهم الله_ من سورة يوسف فوائد كثيرة، في أحكام شرعية في القضاء وغيره، واخذوا منها: العمل بالقرائن عند الحكم، لقوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (يوسف: الاية٢٧، ٢٦)، فقالوا: هذه قرينة، لأنه إذا كان القميص قد من قبل فالرجل هو الذي طلبها فقدت قميصه، وإذا كان من دبر_ من الخلف_ فهي التي طلبته وقدت قميصه حتى انقد، فهذه قرينة ثبت بها الحكم، والعلماء\nاعتمدوا هذه القرينة وان كان في السنة ما يدل علي الحكم بالقرائن في غير هذه المسالة. لكن القول الراجح في «شرع من قبلنا ما لم يرد شرعنا بخلافه»، وللرسل_ عليهم الصلاة والسلام_ علينا: إن نحبهم، وان نعظمهم بما يستحقون، وان نشهد بأنهم في الطبقة العليا من طبقات أهل الخير والصلاح، كما قال الله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء: ٦٩) . أما الركن الخامس فهو: «الإيمان باليوم الآخر» .","vol":"1","page":453},{"text":"واليوم الآخر: هو يوم القيامة، وسمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده. فالإنسان له مراحل أربع: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة يوم القيامة، وهي أخر المراحل، ولهذا سمي اليوم الآخر، يسكن فيه الناس، أما في الجنة نسأل الله إن يجعلنا منهم، واما في النار_ والعياذ بالله_ فهذا هو المصير. والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ في كتاب «العقيدة الواسطية» وهو كتاب مختصر في عقيدة أهل\n\nالسنة والجماعة، من احسن ما كتبه شيخ الإسلام_ رحمه الله_ في جمعه ووضوحه وعدم الاستطرادات الكثيرة. يقول ﵀: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما اخبر به النبي صلي الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت» - فمن ذلك: فتنة القبر: إذا دفن الميت أتاه ملكان يجلسانه ويسألانه ثلاثة أسئلة، يقولان: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك!؟\nفيثبت الله الذين أمنوا بالقول الثابت - اسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد، فينادي منادي من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة والبسوه من الجنة وافتحوا له باب إلى الجنة. ويفسح له في قبره مد البصر ويأتيه من الجنة روحها، ويشاهد فيها ما يشاهد من النعيم.","vol":"1","page":454},{"text":"وأما المنافق_ والعياذ بالله_ أو الكافر، فيقول: هات هات.. لا ادري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، لان الإيمان لم يصل إلى قلبه، إنما هو بلسانه فقطن فهو يسمع ولا يدري ما المعنى، لا ويفتح عليه في قبره. هذه فتنة عظيمة جدان ولهذا امرنا النبي_ عليه الصلاة والسلام_ أن نستعيذ بالله منها في كل صلاة «اللهم أني أعوذ بك من عذاب القبر، وعذاب النار» - ومن ذلك أيضا أن نؤمن بنعيم القبر وعذاب القبر. نعيم القبر لمن يستحق النعيم من المؤمنين، وعذاب القبر لمن يستحق العذاب، وقد جاء ذلك في القران والسنة، واجمع عليه أهل السنة والجماعة. - ففي كتاب الله يقول ﵎: (كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ\nادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل: ٣٢) ويقول الله ﷾ في آخر سورة الواقعة: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) (الواقعة: ٨٩) يقول هذا في حال ذكر المحتضر إذا جاءه الموت. إذا كان من المقربين فله روح وريحان وجنة نعيم في نفس اليوم. أما عذاب القبر فاستمع إلى قول الله ﷿: (وَلَوْ تَرَى إِذِ","vol":"1","page":455},{"text":"الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) (الأنعام: من الآية٩٣) أي: سكرات الموت (وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ) مادين أيديهم لهذا المحتضر من الكفار (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) وكأنهم شحيحون بأنفسهم، لأنها تبشر_ والعياذ بالله_ بالعذاب، فتهرب في البدن وتتفرق ويشح بها الإنسان، فيقال: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام: من الآية٩٣)، أي: اليوم يوم موتهم عند احتضارهم.\nوقال الله سبحانه في آل عمران: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر: ٤٦) فقال: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) هذا قبل قيام الساعة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) . ولكن يجب علينا أن نعلم أن هذا النعيم والعذاب أمر غيبي لا نطلع عليه، لأننا لو اطلعنا عليه ما دفنا أمواتنا، لان الإنسان لا يمكن أن يقدم ميته لعذاب يسمعه، يفزع، لان الكافر أو المنافق إذا عجز عن الإجابة يضرب بمرزبة_ قطعة من الحديد مثل المطرقة_ من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شئ إلا الإنسان قال النبي ﷺ: «ولو سمعها الإنسان لصعق» .\nوقال النبي صلى الله عليه ومسلم: «لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر»، ولكن من نعمة الله أننا لا نعلم به حسا، بل نؤمن به غيبا ولا","vol":"1","page":456},{"text":"ندركه حسا. كذلك لو كان عذاب القبر شهادة وحسا لكان فيه فضيحة! إذا مررت بقبر إنسان وسمعته يعذب ويصيح ففيه فضيحة له. ثالثا: ولو أن شهادة يحس لكان هذا قلقا علي أهله وذويه، فلا ينامون في الليل وهم يسمعون صاحبهم يصيح ليلا ونهارا من العذاب، لكن من رحمة الله_ سبحانه وتعالى_ أن الله جعله غيبا لا يعلم عنه، فلا يأتي شخص ويقول: أننا لو حفرنا القبر بعد يومين لم نجد أثرا للعذاب؟ نقول: لان هذا أمر غيبي، علي أن الله تعالى قد يطلع علي هذا الغيب من شاء من عباده، فربما يطلع عليه، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي صلي الله عليه وسلم مر بقبرين في المدينة وقال: انهما ليعذبان وما يعذبان في كبيرة، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، فاطلع الله نبيه علي هذين القبرين انهما يعذبان فالحاصل انه يجب علينا أن نؤمن بفتنة القبر، وهي سؤال الملكين عن ربه ودينه ونبيه، وان نؤمن بنعيم القبر لو عذابه، _\nومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: أن يؤمن الإنسان بما يكون في نفس اليوم الآخر، وذلك انه إذا نفخ في الصور النفخة الثانية قام الناس في قبورهم لله رب العالمين حفاة ليس عليهم نعال، وعراة ليس عليهم ثياب،","vol":"1","page":457},{"text":"وغرلا ليس مختونين، وبهما ليس معهم مال، كل الناس حتى الأنبياء والرسل يبعثون هكذا، كما قال الله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (الأنبياء: من الآية١٠٤)، فكما أن الإنسان يخرج من بطن أمه هكذا عاريا غير منتعل، غير مختون، ليس معه مال، فكذلك يخرج من بطن الأرض يوم القيامة علي هذه الصفة، يقومون لرب العالمين الرجال والنساء، والصغار والكبار، والكفار والمؤمنون، كلهم علي هذا الوصف حفاة غرلا بهما، ولا ينظر بعضهم إلى بعض، لأنه قد دهاهم من الأمر ما يشغلهم عن نظر بعضهم إلى بعض، فالأمر اعظم من أن ينظر بعض الناس إلى بعض. ربما تكون المرأة إلى جنب الرجل ولا ينظر إليها ولا تنظر إليه، كما قال اله ﷿: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) (وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) (وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس: ٣٣_٣٧) . ومن\nالإيمان باليوم الآخر: أن تؤمن بان الله_ سبحانه وتعالى_ يبسط هذه الأرض ويمدها كما يمد الأديم أي الجلد، لان أرضنا اليوم كرة مستديرة منبعجة بعض الشيء من الجنوب والشمال، لكنها مستديرة كما يفيد قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (١_٣)، معناه إنها لا تمد إلا إذا انشقت السماء، وذلك يوم القيامة، فتبسط الأرض كما كما يبسط الجلد المدبوغ، ليس فيها أودية ولا أشجار ولأبناء ولا جبال، يذرها الرب_ عز وجل_ قاعا صفصفا لا تري فيها عوجا ولا أمتا، يحشر الناس عليها علي الوصف المذكور أنفا، وتطوي السماوات، يطويها الرب_ عز وجل_ بيمينه، وتدني الشمس من","vol":"1","page":458},{"text":"الخلق حتى تكون فوق رؤوسهم بقر ميل، أم مسافة وأما ميل المكحلة وأيا كان في قريبا من الرؤوس، لكننا نؤمن بان من الناس من يسلم من حرها، وهو الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنه السبع الذين ذكرهم الرسول في نسق واحد، فقال ﵊: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشا في طاعة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه،\nورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: أني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» الإمام العادل: هو الذي عدل في رعيته، ولا عدل اقوم ولا أوجب من أن يحكم فيهم شريعة الله، هذا راس العدل، لان الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ) (النحل: من الآية٩٠)، فمن حكم شعبه بغير شريعة الله فانه ما عدل، بل هو كافر والعياذ بالله، لان الله قال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: من الآية٤٤) فإذا وضع هذا الحاكم قوانين تخالف الشريعة وهو يعلم إنها تخالف الشريعة، لكنه عدل عنها وقال: أنا لا اعدل عن القانون، فانه كافر وان صلي، ولو تصدق، ولو صام، ولو حج، ولو ذكر الله تعالى، ولو شهد للرسول_ عليه الصلاة والسلام_ بالرسالة، فانه كافر مخلد في جهنم","vol":"1","page":459},{"text":"يوم القيامة ولا يجوز أن يتولى عن شعب مسلم إذا قدر الشعب علي إزاحته عن الحكم. فاهم العدل في الإمام أن يحكم في الناس بشريعة الله. ومن العدل أن يسوي بين الفقير والغني، وبين العدو والولي، وبين القريب والبعيد، حتى العدو يسوي بينه وبين\nالولي في مسالة الحكم، حتى أن العلماء ﵏ قالوا: لو دخل علي القاضي رجلان أحدهما كافر والثاني مسلم، حرم عليه أن يميز المسلم بشيء، فيدخلان جميعا ويجلسان جميعا، فلا يتحدث لواحد دون الآخر، ولا يبش في وجه المسلم ويكشر في وجه الكافر! وهما في مقام الحكم، بل يجب أن يسوي بينهما، مع أن الكافر لا شك انه ليس كالمسلم (أفنجل الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (القلم: ٣٦، ٣٥)، لكن في باب الحكم الناس سواء. ومن العدل: أن يقيم الحدود التي فرضها الله_ عز وجل_ علي كل أحد، حتى علي أولاده وذريته، فان النبي صلي الله عليه وسلم وهو اعدل الأئمة، لما شفع إليه أسامة_ رضي الله عنه_ فيها، فقال له: «أتشفع في حد من حدود الله»؟! أنكر عليه، ثم قام النبي صلي الله عليه وسلم فخطب الناس، فحمد الله واثني عليه ثم قال: «أما بعد.. فإنما اهلك الذين قبلكم انهم كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله_ أي حلف بالله_ لو أن","vol":"1","page":460},{"text":"فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» صلي الله عليه وسلم، فاطمة بنت محمد اشرف النساء! سيدة نساء أهل الجنة، بنت افضل البشر، لو\nسرقت لقطع يدها وهو أبوها. وتأمل «لقطعت يدها» ولم يقل ل أمرت بقطع يدها! فظاهره هو الذي يباشر قطعها لو سرقت. هذا العدل، وبهذا قامت السماوات والأرض. ومن عدل الإمام أن يولي المناصب من هو أهل لها في دينه وفي قوته، فيكون أمينا وقويا، أهلا للأمر الذي ولي عليه. وأركان الولاية اثنان: القوة، والأمانة، قال الله تعالى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ) (النمل: من الآية٣٩) إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: من الآية٢٦) لسليمان: (ِ أَنَا آتِيكَ بِهِ) (النمل: من الآية٣٩) أي: بعرش بلقيس (قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (النمل: من الآية٣٩)، فمن العدل أن لا يولي أحدا منصبا ألا وهو أهل له في قوته وفي أمانته، فان ولي من ليس أهلا ويوجد من هو خير منه فليس بعادل. فالنبي صلي الله عليه وسلم جعل الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وجعله أول هؤلاء السبعة، لان العدل في الرعية صعب جدا، فإذا وفق المرء الذي يوليه الله علي عباده للعدل أن في هذا خيرا كثيرا، وانتفعت الأمة في عصره ومن بعده أيضا، لأنه يكون قدوة صالحة،\nفهذا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.","vol":"1","page":461},{"text":"ثانيا: «سلب نشأ في طاعة الله»: الشاب ما بين الخامس عشرة سنة إلى الثلاثين. ولا شك أن يكون للشباب اتجاهات وأفكار، ولا يستقر علي شئ، لأنه شاب غض، كل شئ يجذبه، وكل شئ يختطفه، ولهذا أمر الرسول صلي الله عليه وسلم في الحرب أن تقتل شيوخ المقاتلين المشركين وسيتبقي شبابهم، لان الشباب إذا عرض عليهم الإسلام ربما يسلمون. فالشاب لما كان في سن الشباب يكون له أفكار وأهواء واتجاهات فكرية وخلقية وسلوكية، صار الذي يمن الله عليه وينشا في طاعته من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وطاعة الله هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه، ولا امتثال للأمر واجتناب للنهي إلا بمعرفة أن هذا أمر وهذا نهي، إذن لا بد من سبق العلم، فيكون هذا الشاب طالبا للعلم، ممتثلا للأمر، مجتنبا للنهي. الثالث: «رجل قلبه معلق بالمساجد»: أي: يحب المساجد. وهل المقصود أماكن السجود؟ أي أن يحب الصلاة، أو المقصود المساجد المخصوصة؟ يحتمل هذا وهذا. هذا رجل قلبه دائما معلق بالمساجد، وهو مشغول في أماكن الصلاة، وفي الصلاة. إذا انتهي من صلاة انتظر الأخرى، وهكذا. وهنا فرق بين قول الإنسان: (\n(اللهم أرحني بالصلاة»، و«اللهم أرحني من الصلاة» . أرحني بالصلاة: هذا خير، أي اجعل الصلاة راحة لقلبي. وأرحني من الصلاة: أي فكني عنها. أعوذ بالله! فهذا الرجل قلبه معلق بالمساجد","vol":"1","page":462},{"text":"دائما، وهو مشغول بأماكن الصلاة وبالصلاة، إذا انتهي من صلاة انتظر الأخرى، وهكذا. الرابع: «رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه» أي: احب بعضهما بعضا لا لشي سوي الله_ عز وجل_ فليس بينهما قرابة ولا صلة مالية، وليس بينهما صداقة طبيعية، إنما احب في الله_ عز وجل_ لأنه راءه عابدا لله مستقيما علي شرعه فاحبه، وإذا كان قريبا أو صديقا وما أشبه ذلك فلا مانع أن يحبه من وجهين: من جهة القرابة والصداقة، ومن الجهة الإيمانية. فهذان تحابا في الله وصارا كالأخوين، لما بينهما من الرابطة الشرعية الدينية، وهي عبادة الله ﷾. «اجتمعا عليه» في الدنيا «وتفرقا عليه» أي: لم يفرق بينهما إلا الموت، يحبه إلى أن مات، هذان يظلهما الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويكونان يوم القيامة علي محبتهما وعلي خلتهما، كما قال الله تعالى: (الإخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: ٦٧)،\nتبقي الصداقة بينهما في الدنيا والآخرة. اللهم أنا نسألك من فضلك. الخامس: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: أني أخاف الله: رجل قادر علي الجماع، دعته امرأة ليجامعها بالزنا_ والعياذ بالله_ ذات منصب وجمال، أي إنها من خمائل معروفة، ليست من سقط النساء بل من الخمائل المعروفة، وهي جميلة، دعته إلى نفسها في مكان خالي لا يطلع عليهما أحد، وهو فيه شهوة، ويحب النساء، لكنه قال: أني أخاف","vol":"1","page":463},{"text":"الله! لم يمنعه من فعل هذا إلا خوف الله ﷿! فانظر إلى هذا الرجل! المقتضي موجود، لأنه قادر علي الجماع، والمرأة جميلة، وهي ذات منصب، والمكان خال، لكن منه مانع اقوي من هذا المقتضي، وهو خوف الله، قال: «أني أخاف الله» ما قال: أني لا اشتهي النساء، وما قال: لست بجميلة، وما قال: أنت من اسافل النساء، وما قال: أن حولنا أحدا، قال: «أني أخاف الله» فهذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وانظر إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم_ عليهم الصلاة والسلام_ عشقته امرأة العزيز ملك مصر، وكانت امرأة ملك علي حال من الجمال والدلال. غلقت الأبواب بينهما وبين الناس: (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) يعني تدعوه إلى نفسها، وكان\nرجلا شابا، وبمقتضي الطبيعة البشرية هم بها وهمت به، ولكن رأي برهان ربه ووقع في قلبه خوف الله فامتنع، فهددته بالسجن فقال: (؟ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (يوسف: ٣٥، ٣٣)، وسجن في ذات الله وامتنع عن الزنا مع قوة أسبابه، لكنه رأي برهان ربه فخاف الله، السادس: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»: وهذا فيه كمال الإخلاص، يخلص لله، لا يريد من الناس أن يطلعوا علي عمل من أعماله، بل يريد أن يكون بينه وبين ربه فقط. ولا","vol":"1","page":464},{"text":"يريد أن يظهر للناس بمظهر المنة علي أحد، لان الذي يعطي إمام الناس تكون له منة علي من أعطاه. فهو يخفي الصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، أي: من شدة إخفائه لو أمكن أن لا تعلم يده الشمال ما أنفقت يده اليمين لفعل، فهذا مخلص غاية الإخلاص وهو بعيد عن المن بالصدقة، يظله\nالله في ظله يوم لا ظل الاظله، ولكن لاحظ أن إخفاء الصدقة افضل_ بلا شك_ إلا انه ربما يعرض لهذا الأفضل ما يجعله مفضولا، مثل أن يكون في إظهار الصدقة تشجيع للناس علي الصدقة، فهنا قد يكون إظهار الصدقة افضل، ولهذا امتدح الله_ سبحانه وتعالى_ الذين ينفقون سرا وعلانية علي حسب ما تقتضيه المصلحة. فالحال لا تخلوا من ثلاث مراتب: أما أن يكون السر انفع، أو الإظهار انفع، فان تساوي الأمران فالسر انفع. السابع: «رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» ذكر الله بلسانه وبقلبه، ليس عنده أحد يرائيه بهذا الذكر، خاليا من الدنيا كلها، قلبه معلق بالله ﷿. فلما ذكر الله بلسانه وبقلبه، وتذكر عظمة الرب_ عز وجل_ اشتاق إلى الله ففاضت عيناه. فهذا أيضا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. هذه الأعمال السبعة قد يوفق الإنسان فيحصل علي واحد منها أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة، هذا ممكن، ولا يناقض بعضه بعضا، فقد يوفق الإنسان فيأخذ من كل واحدة من هذه بنصيب، كما اخبر الرسول ﵊: «أن للجنة أبوابا، من كان من أهل","vol":"1","page":465},{"text":"الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان\nمن أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان» ذكر أربعة! فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما علي من دعي علي واحد من هذه الأبواب من ضرورة_ أي: الذي يدعي من باب واحد سهل_ فهل يدعي أحد من هذه الأبواب كلها؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبو بكر» نسأل الله من فضله. وهذا يعني أن أبا بكر يدعي من كل الأبواب، لأنه صاحب صلاة، وصدقة، وجهاد، وصيام، فكل مسائل الخير قد اخذ منها بنصيب. ﵁ وأرضاه، وألحقنا به في جنات النعيم. وهنا مسالة احب أن انبه عليها، وهي أن بعض الطلبة يظنون أن المراد بالظل «في ظل يوم لا ظل إلا ظله» انه ظل الرب_ عز وجل_ وهذا ظن خاطئ جدا، لا يظنه الأرجل جاهل، وذلك أن من المعلوم أن الناس في الأرض، وان الظل هذا يكون عن الشمس، فلو قدر أن المراد به ظل الرب_ سبحانه وتعالى_ لزم من هذا أن تكون الشمس فوق الله، ليكون حائلا بينها وبين الناس، وهذا شئ مستحيل ولا يمكن، لان الله_ سبحانه وتعالى_ قد ثبت","vol":"1","page":466},{"text":"له العلو المطلق من جميع الجهات، ولكن المراد ظل يخلقه الله في ذلك اليوم يظل من يستحقون أن يظلهم الله في ظله، وإنما أضافه الله إلى نفسه لأنه في ذلك\nاليوم لا يستطيع أحد أن يظلل بفعل مخلوق، فليس هناك بناء ولا شئ يوضع علي الرؤوس، إنما يكون الظل ما خلقه الله لعباده في ذلك اليوم، فلهذا أضافه الله إلى نفسه لاختصاصه به ومما يكون في ذلك اليوم: نشر الدواوين أي: صحائف الأعمال التي كتبت علي المرء في حياته، وذلك لان الله_ سبحانه وتعالى_ وكل بكل إنسان ملكين: أحدهما عن اليمين، والثاني عن الشمال، كما قال الله ﵎: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: ١٦_١٨) . هذان الملكان الكريمان يكتبان كل ما يعلمه المرء من قول أو فعل، أما ما يحدث به نفسه فانه لا يكتب عليه، لان النبي صلي الله عليه وسلم قال: «أن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به» . لكن القول والفعل يكتب علي الإنسان، كاتب الحسنات علي اليمين وكاتب السيئات علي الشمال، فيكتبان كل ما أمرا بكتابته، فإذا كان يوم القيامة الزم كل إنسان هذا الكتاب في عنقه، كما قال الله تعالى (وَكُلَّ","vol":"1","page":467},{"text":"إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ\nطَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) (الإسراء: من الآية١٣) ويخرج له هذا الكتاب فيقال: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) (الإسراء: ١٤)، فيقراه له، ويتبين كل ما عنده. هذا الكتاب المنشور من الناس من يأخذه بيمينه، ومن الناس من يأخذه بشماله من وراء ظهره. أما من يأخذه بيمينه_ أسال الله أن يجعلنا منهم_ فانه يقول للناس (هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ) (الحاقة: من الآية١٩)، يريهم إياه فرحا ومسرورا بما انعم الله به عليه. وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول حزا وقما وهما (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) (الحاقة: من الآية٢٥) . ومما يجب الإيمان به في ذلك اليوم: أن تؤمن بالحساب، بان الله تعالى يحاسب الخلائق، كما قال الله تعالى: (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: من الآية٤٧)، وقال الله تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) (الانشقاق: ٨)، فيحاسب الله الخلائق، ولكن حساب المؤمن حساب يسير ليس فيه مناقشة، يخلو الله ﷾ بعبده المؤمن ويضع عليه ستره، ويقرره بذنوبه، يقول: أتذكر كذا؟ حتى يقول: نعم، ويقر\nبذلك كله، فيقول الله_ عز وجل_ له: «أني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا اغفرها لك اليوم»، وما اكثر الذنوب التي","vol":"1","page":468},{"text":"سترها الله علينا! فإذا كان الإنسان مؤمنا قال الله له: «فأني قد سترتها عليك في الدنيا، وأني اغفرها لك اليوم» الخ. أما الكافر_ والعياذ بالله_ فانه يفضح ويخزي، وينادي علي رؤوس الأشهاد: (هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: من الآية١٨) . ومما يجب الإيمان به مما يكون في يوم القيامة: الحوض المورود لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم وهو حوض يصب عليه ميزابان من الكوثر، وهو النهر الذي أعطيه النبي صلي الله عليه وسلم في الجنة، كما قال الله تعالى (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (الكوثر: ١)، فيصب منه ميزابان علي الحوض الذي يكون في عر صات يوم القيامة. وصفه النبي_ عليه الصلاة والسلام_ بان ماءه اشد بياضا من اللبن، واحلي من العسل، وأطيب من رائحة المسك، وان آنيته كنجوم السماء، وان طوله شهر وعرضه شهر، وان من شرب منه مرة واحدة فانه لا يظمأ بعدها أبدا. هذا الحوض يرده المؤمنون من أمة النبي صلي الله عليه وسلم_ أسال الله أن\nيوردني وإياكم إياه_ يرد المؤمنون يشربون منه، وأما من لم يؤمن بالرسول_ عليه","vol":"1","page":469},{"text":"الصلاة والسلام_ فانه يطرد عنه ولا يشرب منه، نسأل الله العافية. وهذا الحوض الذي جعله الله للنبي_عليه الصلاة والسلام_ هو اعظم حياض الأنبياء، ولكل نبي حوض يرده المؤمنون من أمته، لكنها لا تنسب إلى حوض الرسول صلي الله عليه وسلم لان هذه الأمة يتمثلون ثلثي أهل الجنة، فلا جرم أن يكون حوض النبي_ عليه الصلاة والسلام_ اعظم الحياض وأكبرها وأوسعها أعظمها واشملها. ومما يجب الإيمان به أيضا في ذلك اليوم: الإيمان بالصراط. والصراط جسر منصوب علي جهنم، وهو أدق من الشعر واحد من السيف، يمر الناس عليه علي قدر أعمالهم، من كان مسارعا في الخيرات في الدنيا كان سريعا في المشي علي هذا الصراط، ومن كان متباطئا، ومن كان قد خلط عملا صالحا وآخر سيئا ولم يعف الله عنه فانه ربما يكدس في النار والعياذ بالله! يختلف الناس في المشي عليه، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، ومنهم من يلقي في جهنم. وهذا الصراط لا يمر عليه إلا المؤمنون\nفقط، أما الكافرون فانهم لا يمرون عليه، وذلك أنهم يساقون في عر صات القيامة إلى النار مباشرة، نسأل الله العافية. فإذا عبروا علي الصراط وقفوا علي قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص","vol":"1","page":470},{"text":"من بعضهم لبعض، وهذا القصاص غير القصاص الذي يكون في عر صات يوم القيامة، هذا لقصاص_ والله اعلم_ يراد به أن تتخلى القلوب من الأضغان والأحقاد والغل، حتى يدخلوا الجنة وهم علي اكمل حال، وذلك أن الإنسان وان اقتص له ممن اعتدي عليه فلا بد أن يبقي في قلبه شئ من الغل والحقد علي الذي اعتدي عليه، ولكن أهل الجنة لا يدخلون الجنة حتى يقتص لهم اقتصاصا كاملا، فيدخلونها علي احسن وجه، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، ولكن لا يفتح باب الجنة لأحد قبل الرسول صلي الله عليه وسلم ولهذا يشفع هو بنفسه لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، كما انه شفع للخلائق أن يقضي بينهم ويستريحوا من الهول والكرب والغم الذي أصابهم في عرصات القيامة، وهاتان الشفاعتان خاصتان برسول الله صلي الله عليه وسلم. اعني الشفاعة في أهل الموقف حتى يقضي بينهم، والشفاعة في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة، فيكون له، - صلي الله عليه وسلم_ شفاعتان: إحداهم في نجاة الناس من الكروب\nوالهموم، والثانية في حصول مطلوبهم، وهو فتح باب الجنة فيفتح. فأول من يخل الجنة من الناي رسول الله صلي الله عليه وسلم، قبل كل الناس، وأول من يدخلها من الأمم أمة النبي صلي الله عليه وسلم، أما أهل النار_ والعياذ بالله_ فيساقون إلى النار زمرا، ويدخلونها أمة بعد أمة، (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) والعياذ بالله. الثانية تلعن الأولى وهكذا، ويتبرأ بعضهم من بعض، نسأل الله العافية. فإذا أتوا إلى النار وجدوا أبوبها مفتوحة، حتى يبتغوا بعذابها","vol":"1","page":471},{"text":"والعياذ بالله، وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا) (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (١٦٩، ١٦٨) . فيدخونها ويخلد فيها الكفار ابد الآبدين، إلى ابد لا منتهى له، كما قال الله - ﷿ - في كتابه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وقال ﷾: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا) (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا\nاللَّهَ وَأَطَعْنَا الرسول) (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيل) (رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) (الأحزاب: ٦٨، ٦٤) . وقال ﷾: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) (الجن: من الآية٢٣) !! فهذه ثلاث آيات من كتاب الله_ عز وجل_ كلها فيها التصريح بان أهل النار خالدون فيها أبدا، ولا لأحد بعد كلام الله ﷿. كما أن أهل الجنة خالدون فيها أبدا. فان قال قائل: أن الله تعالى قال في سورة هود: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود: ١٠٨، ١٠٦)، ففي أهل الجنة قال: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يعني غير مقطوع، بل هو دائم. وفي أهل النار قال:\n(إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) فهل هذا يعني أن أهل النار ينقطع عنهم العذاب؟ فالجواب: نقول لا، ولكن لما كان أهل الجنة يتقلبون بنعمة الله بين","vol":"1","page":472},{"text":"الله_ سبحانه وتعالى_ أن أعطاهم لا ينقطع، أما أهل النار فلما كانوا يتقلبون بعدل الله قال: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) فلا معقب لحكمه وقد أراد أن يكون أهل النار في النار، فهو يفعل ما يريد. هذا هو الفرق بين أهل النار وأهل الجنة، فأهل الجنة عطاؤهم غير مجذوذ، وأم أهل النار فانهم يتقلبون بعدل الله، والله ﷾ فعال لما يريد. هذا الكلام فيما تيسر مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر. وقوله: «وان تؤمن بالقدر خيره وشره» هذا الركن السادس. والقدر: هو تقدير الله_ سبحانه وتعالى_ لما يكون يوم القيامة، وذلك أن الله_ سبحانه وتعالى_ خلق القلم فقال له اكتب! قال: ربي وما اكتب؟ قال: اكتب وهو كائن؟ فجري في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطاءه لم يكن ليصيبه، وقد ذكر الله هذا في كتابه إجمالا فقال: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ\nإِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج: ٧٠) وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد: ٢٢)، من قبل أن نبراها أي: من قبل أن نخلقها، أي: من قبل أن نخلق الأرض، ومن قبل أن نخلق أنفسكم، ومن قبل أن نخلق المصيبة. فان الله كتب هذا من قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.","vol":"1","page":473},{"text":"قال أهل العلم: ولا بد للإيمان بالقدر من أن تؤمن بكل مراتبه الأربع: المرتبة الأولى: أن تؤمن بان الله_ سبحانه وتعالى_ عليم بكل شئ، وهذا كثير في الكتب العظيم، يذكر الله عموم علمه بكل شئ، كما قال الله تعالى: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الطلاق: من الآية١٢)، ولقوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: من\nالآية٥٩) . المرتبة الثانية: أن تؤمن بان الله تعالى كتب مقادير كل شئ إلى قيام الساعة، كتبه قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فكل شئ كائن فانه مكتوب قد انتهي منه، جفت الأقلام وطويت الصحف، فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاءك لم يكن ليصيبك، فإذا أصابك شئ لا تقل لو فعلت كذا ما أصابني، إن هذا الشيء مكتوب لابد إن يقع كما كتب ﷾، قلا مفر منه مهما عملت، فالأمر سيكون علي ما وقع لا يتغير أبدا، لان هذا أمر قد كتب. فان قال قائل: ألم يكن قد جاء في الحديث: «من احب إن يبسط له في رزقه، وينسى له في أثره، فليصل رحمه»؟.","vol":"1","page":474},{"text":"فالجواب: بلي قد جاء هذا، ولكن الإنسان الذي قد بسط له في رزقه ونسئ له في أثره من اجل الصلة، قد كتب انه سيصل رحمه، وانه سيبسط له في الرزق، وانه سينسى له في الأثر، لابد إن يكون الآمر هكذا، ولكن الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ قال: «من احب إن يبسط له في رزقه وينسى له في أثره» الحديث، من اجل إن نبادر ونسارع في صلة الرحم، وإلا فهو مكتوب إن الرجل سوف يصل رحمه ويحصل له هذا الثواب، أو انه لن يصل رحمه ويحرم من هذا الثواب، أمر منته، لكن اخبرنا الرسول_ عليه الصلاة والسلام_\nبهذا من اجل إن نحرص علي صلة الرحم. واعلم إن الكتابة في اللوح المحفوظ يعقبها كتابات آخر. منه: إن الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة اشهر أرسل الله إليه ملكا موكلا بالأرحام فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، واجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فيكتب ذلك، وهذه الكتبة غير الكتابة في اللوح المحفوظ، هذه كتابة في مقتبل عمر الإنسان، ولهذا يسميها العلماء: الكتابة العمرة، يعني نسبة العمر. كذلك: هناك كتابة أخرى تكون في كل سنة، وهي في ليلة القدر، فان ليلة القدر يكتب الله فيها ما يكون في تلك السنة، كما قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان: ٤، ٣)، «يفرق» أي: يبين ويفصل، ولهذا سميت ليلة القدر.","vol":"1","page":475},{"text":"المرتبة الثالثة للإيمان بالقدر: إن تؤمن بان كل شئ بمشيئة الله، لا يخرج عن مشيئته شئ، ولا فرق بين إن يكون هذا الواقع مما يختص الله به، كإنزال المطر وإحياء الموتى وما أشبه ذلك، أي مما يعلمه الخلق، كالصلاة والصيام وما أشبهها، فكل هذا بمشيئة الله. قال الله تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ)\n(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير: ٢٩، ٢٨) . وقال الله تعالى:) ِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة: من الآية٢٥٣)، فين الله_ سبحانه وتعالى_ لنا انه لا مشيئة لنا ألا بمشيئة الله، فلا يكون في ملكه ما لا يشاء أبدا، ولهذا اجمع المسلمون علي هذه الكلمة العظيمة: «ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن» . وأما المرتبة الرابعة: فهي الإيمان بان كل شئ مخلوق لله، لقول الله ﵎: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر: ٦٢)، وقال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: من الآية٢) فكل شئ واقع مخلوق لله ﷿، فالإنسان مخلوق لله وعمله مخلوق لله، قال الله عن إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ وهو يخاطب قومه: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: ٩٦)، ففعل العبد مخلوق\nلله، لكن المباشر للفعل هو العبد وليس الله، لكن الله هو الذي خلق هذا الفعل ففعله العبد،","vol":"1","page":476},{"text":"فهو منسوب لله خلقا ومنسوب إلى العبد كسبا وفعلا، فالفاعل هو العبد والكاسب هو العبد، والخالق هو الله. فكل شئ مما يحدث فانه مخلوق لله_ عز وجل_ لكن ما كان من صفات الله فليس بمخلوق، فالقران مثلا أنزله الله علي محمد صلي الله عليه وسلم لكنه ليست بمخلوق. هذه أربع مراتب للإيمان بالقدر! يجب إن تؤمن بها كلها، وإلا فانك لم تؤمن بالقدر. وفائدة الإيمان بالقدر عظيمة جدا، لان الإنسان إذا علم إن الشيء لابد إن يقع كما أمر الله استراح، فإذا أصيب بضراء صبر وقال هذا من عند الله، وان اصب بسراء شكر وقال هذا من عند الله، وقد ثبت عن - النبي ﵊ - انه قال: «عجبت لامر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» لان المؤمن يؤمن بان كل شئ بقضاء الله، فيكون دائما في سرور، ودائما في انشراح، لأنه يعلم إن ما أصابه فانه من الله: إن كان ضراء صبر وانتظر الفرج من الله ولجا إلى الله تعالى في كشف هذه الضراء، وان كان سراء شكر وحمد الله وعلم إن ذلك لم يكن بحوله ولا قوته\nلكن بفضل من الله ورحمة.","vol":"1","page":477},{"text":"وقوله ﵊: «خيره وشره»: الخير ما ينتفع به الإنسان ويلائمه، من علم نافع، ومال واسع طيب، وصحة، وأهل وبنين وما أشبه ذلك. والشر ضد ذلك، من الجهل والفقر والمرض وفقدان الأهل والأولاد وما أشبه هذا. كل هذا من الله ﷾، والخير والشر، فان الله سبحانه يقدر الخير لحكمة ويقدر الشر لحكمة، كما قال الله ﷿: (؟ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء: من الآية٣٥) . فإذا علم الله إن من الخير والحكمة إن يقدر الشر قدره لمل يترتب عليه من المصالح العظيمة، كقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١) . فإذا قال قائل: كيف تجمع بين قول النبي ﵊: «وان تؤمن بالقدر خيره وشره» وقوله صلي الله عليه وسلم: «الشر ليس إليك»، فنفي إن يكون الشر إليه؟ فالجواب علي هذا إن نقول: إن الشر المحض لا يكون بفعل الله أبدا، فالشر المحض الذي ليس فيه خيرا لا حالا ولا مالا لا يمكن إن يوجد في\nفعل الله أبدا، هذا من وجه، لأنه حتى الشر الذي قدره الله شرا لابد إن","vol":"1","page":478},{"text":"يكون له عاقبة حميدة، ويكون شرا علي قوم وخيرا علي آخرين. أرابت لو انزل الله المطر مطرا كثيرا فاغرق زرع إنسان، لكنه نفع الأرض وانتفعت به أمة، لكان هذا خيرا بالنسبة لمن انتفع به، شرا لمن تضرر به، فهو خير من وجه وشر من وجه. ثانيا: حتى الشر الذي يقدره الله علي الإنسان هو خير في الحقيقة، لان إذا صبر واحتسب الأجر من الله نال بذلك أجرا اكثر بأضعاف مضاعفة مما ناله من الشر، وربما يكون سببا للاستقامة ومعرفة قدر نعمة الله علي العبد فتكون العاقبة حميدة. ولهذا ذكر عن بعض العابدات إنها أصيبت في إصبعها أو يدها فانجرحت فصبرت وشكرت الله علي هذا وقالت: «إن حلاوة اجرها آنستم مرارة صبرها» ! ثم نقول: إن الشر في الحقيقة ليس في فعل الله نفسه، بل في مفعولاته، فالمفعولات هي التي فيها خير وشر، أما الفعل نفسه فهو خير، ولهذا قال الله ﷿: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) (الفلق: ٢، ١)، أي: من شر الذي خلقه الله، فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل نفسه، أما فعل الله فهو خير. ويدلك لهذا انه لو كان عندك مريض وقيل\nإن من شفائه إن تكويه بالنار، فكويته بالنار، فالنار مؤلمة بلا شك، لكن فعلك هذا ليس بشر، بل هو خير للمريض، لأنك إنما تنتظر عاقبة حميدة بهذا الكي، كذلك فعل الله للأشياء المكروهة والأشياء التي فيها شر، هي بالنسبة لفعله وإيجاد خير،","vol":"1","page":479},{"text":"لأنه يترتب عليها خير كثير. فان قال قائل: كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) يعني من فضله، هو الذي من عليك بها أولا وأخرا (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) أي: أنت سببها، وإلا فالذي قدرها هو الله، لكن أنت السبب، كما في قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى: ٣٠) . وخلاصة الكلام: إن كل شئ واقع فانه بقدر الله، سواء كان خيرا أم شرا. ثم قال عمر_ رضي الله عنه_ فيما نقله عن جبريل_ عليه الصلاة والسلام_ قال للنبي صلي الله عليه وسلم: «اخبرني عن الإحسان؟ قال: إن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك» . الإحسان: ضد الإساءة، والمراد هنا بالإحسان هنا إحسان العمل، فبين النبي_ عليه الصلاة والسلام_ إن الإحسان إن تعبد الله كأنك تراه، يعني:\nتصلي وكأنك تري الله ﷿، وتزكي وكأنك تراه، وتصوم وكأنك تراه، وتحج وكأنك تراه، تتوضأ وكأنك تراه، وهكذا بقية الأعمال. وكون الإنسان يعبد الله كأنه يراه دليل علي الإخلاص لله_ عز وجل_ وعلي إتقان العمل في متابعة الرسول صلي الله عليه وسلم لان كل من عبد الله علي هذا الوصف فلا بد إن يقع في قلبه من محبة الله وتعظيمهما يحمله علي إتقان","vol":"1","page":480},{"text":"العمل وأحكامه. «فان لم تكن تراه فانه يراك» أي: فان لم تعبد الله علي هذا الوصف فاعبده علي سبيل المراقبة والخوف «فانه يراك» ومعلوم إن عبادة الله علي وجه الطلب اكمل من عبادته علي وجه الهرب! فها هنا مرتبتان: المرتبة الأولى: إن تعبد الله كأنك تراه، وهذه مرتبة الطلب. والثانية: إن تعبد الله وأنت تعلم انه يراك، وهذه مرتبة الهرب، وكلتاهما مرتبتان عظيمتان، لكن الأولى اكمل وافضل. ثم قال جبريل: «اخبرني عن الساعة»، أي: عن قيام الساعة التي يبعث فيها الناس ويجازون فيها علي أعمالهم، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، المسؤول عنها: يعني نفسه ﵊، بأعلم من السائل: يعني جبريل، يعني: انك إذا كنت يا جبريل تجهلها، فأنا\nكذلك أجهلها. فهذان رسولان كريمان أحدهما رسول ملكي، والثاني رسول بشري، وهما اكمل الرسل، ومع ذلك فكل منهما ينفي إن يكون له علم بالساعة، لان علم الساعة عند من بيده إقامتها ﷿، وهو الله ﵎، كما قال الله في آيات متعددة: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) (لأعراف: من الآية١٨٧)، (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) (الأحزاب: من الآية٦٣)، فعلمها عند الله، فمن ادعي علم الساعة فانه كاذب، ومن أين له إن يعلم ورسول الله صلي الله عليه وسلم لا يعلم، وجبريل_ عليه الصلاة والسلام_ لا يعلم، وهما افضل الرسل.","vol":"1","page":481},{"text":"ولكن الساعة لها إمارات، كما قال الله تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمد: من الآية١٨)، أي: علاماتها. ولهذا لما اخبر النبي صلي الله عليه وسلم جبريل إن لا علم له بذلك قال: «فاخبرني عن إماراتها» أي: علاماته الدالة علي قربها. فقال: «إن تلد الأمة ربتها، وان تري الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان» الأول:\n«إن تلد الأمة ربتها» يعني: إن تكون الأمة المملوكة تتطور بها الحال حتى تكون ربة للمماليك الآخرين، وهو كناية عن كثرة الأموال. وكذلك الثاني: «وان تري الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان» الحفاة: الذين ليس لهم نعال من الفقر، والعراة: ليس لهم كسوة من الفقر، العالة: الفقراء. يتطاولون في البنيان: يعني انهم لا يلبثون إلا إن يكونوا أغنياء يتطاولون في البنيان حسا بان يرفعوا بنيانهم إلى السماء، ويتطاولون فيها معني إن يحسنوها ويزينوها ويدخلوا عليها كل ما يكون من مكملاتها، لان لديهم وفرة من المال. وكل هذا وقع، وهناك إمارات أخرى وعلامات أخرى ذكرها أهل العلم في باب الملاحم والفتن وأشرط الساعة وهي كثيرة. ثم انطلق جبريل_ عليه الصلاة والسلام_ ولبثوا ما شاء إن يلبثوا، ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم لعمر ﵁: «أتدرى من السائل؟ قال: الله ورسوله اعلم!» قال: «فانه جبريل آتكم ليعلمكم دينكم» . وفي هذا الحديث من الفوائد:","vol":"1","page":482},{"text":"١_ إلقاء السائل علي الطلبة ليمتحنهم، كما القي النبي عليه الصلاة والسلام_ المسالة علي عمر ﵁. ٢_ وفيه أيضا: جواز قول الإنسان: الله ورسوله\nاعلم، ولا يلزمه إن يقول: الله ثم رسوله اعلم، لان علم الشريعة الذي يصل إلى النبي - عليه الصلاة والسلام_ من علم الله، فعلم الرسول من علم الله_ سبحانه وتعالى_ فصح إن يقال: الله ورسوله اعلم، كما قال الله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (التوبة: من الآية٥٩)، ولم يقل: ثم رسوله، لان الإيتاء هنا إيتاء شرعي، وإيتاء النبي صلي الله عليه وسلم الشرعي من إيتاء الله. فالمسائل الشرعية يجوز إن تقول: الله ورسوله، بدون (ثم) أما المسائل الكونية، كالمشيئة وما أشبهها، فلا تقال: الله ورسوله، بل: الله ثم رسوله، ولهذا لما قال رجل للنبي صلي الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. قال: «اجعلني لله ندا، بل ما شاء الله وحده»، ٣_ وفي هذا دليل علي إن السائل إذا سال عن شئ يعلمه من اجل إن ينتفع الآخرون فانه يكون معلما لهم، لا الذي أجاب: النبي_ عليه الصلاة والسلام_ وجبريل سائل لم يعلم الناس، لكن كان سببا في هذا الجواب الذي ينتفع به الناس. فقال بعض العلماء: انه ينبغي لطالب العلم إذا جلس إذا مع عالم في مجلس إن يسال عن المسائل التي تهم الحاضرين وان كان يعلم حكمها،","vol":"1","page":483},{"text":"من اجل إن ينفع\nالحاضرين ويكون معلما لهم. ٤_ وفي هذا دليل علي بركة العلم، وان العلم ينتفع به السائل والمجيب، كما قال هنا: «يعلمكم دينكم» . ٥_ وفيه أيضا دليلا إن هذا الحديث حديث عظيم يشتمل علي الدين كله، ولهذا قال: «يعلمكم دينكم» لأنه مشتمل علي أصول العقائد وأصول الأعمال. أصول العقائد وأصول الأعمال هي أركان الإسلام الخمسة. والله الموفق. ٦١_ الثاني: عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل، ﵄، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي وقال: حديث حسن. الشرح هذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية للمؤلف ﵀، وفيه إن النبي صلي الله عليه وسلم أوصى بثلاث وصايا عظيمة","vol":"1","page":484},{"text":"الوصية الأولى: قال: «اتق الله حيثما كنت» وتقوي الله هي اجتناب المحارم وفعل الأوامر، هذه هي التقوى! إن تفعل ما أمرك الله به إخلاصا لله، واتباعا لرسول الله صلي الله عليه وسلم وان تترك ما نهي الله عنه امتثالا لنهي الله_ عز وجل_ وتنزهها عن محارم الله، فتقوم بما أوجب الله عليك في اعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة،\nفتاتي بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وتكملها بالمكملات، فمن أخل بشيء من شروط الصلاة أو واجباتها اوأركانها فانه لم يتق الله، بل نقص من تقواه بقدر ما ترك ما أمر الله به في صلاته، وفي الزكاة تقوى الله فيها إن تحصي جميع أموالك التي فيها الزكاة وتخرج زكاتك طيبو بها نفسك من غير بخل ولا تقتير ولا تأخير، فمن لم يفعل فانه لم يتقي الله. وفي الصيام تأتى بالصوم كما أمرت، مجتنبا فيه اللغو والرفث والصخب والغيبة والنميمة، وغير ذلك مما ينقص الصوم ويزيل روح الصوم ومعناه الحقيقي، وهو الصوم عما حرم الله ﷿. وهكذا بقية الواجبات تقوم بها طاعة لله، وامتثالا لأمره، وإخلاصا له، واتباعا لرسوله، وكذلك في المنهيات تترك ما نهي الله عنه، امتثالا لنهي الله_ عز وجل_ حيث نهاك فانته. الوصية الثانية: «اتبع السيئة الحسنة تمحها» أي: إذا عملت سيئة فاتبعها بحسنة، فان الحسنات يذهبن السيئات، ومن الحسنات بعد السيئات إن تتوب إلى الله من السيئات فان التوبة من افضل الحسنات، كما قال الله ﷿: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: من الآية٢٢٢)، وقال الله","vol":"1","page":485},{"text":"تعالى: (وَتُوبُوا\nإِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) . وكذلك الأعمال الصالحة تكفر السيئات، كما قال النبي ﵊: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر» . وقال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» فالحسنات يذهبن السيئات. الوصية الثالثة: «خالق الناس بخلق حسن» ! الوصيتان الأوليتان في معاملة الخالق، والثالثة في معاملة الخلق، إن تعاملهم بخلق حسن تحمد عليه ولا تذم فيه، وذلك بطلاقة الوجه، وصدق القول، وحسن المخاطبة، وغير ذلك من الأخلاق الحسنة. وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضل الخلق الحسن، حتى قال النبي ﵊: «اكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا»، واخبر إن أولى الناس به صلي الله عليه وسلم وأقربهم من منزلة يوم القيامة أحسنهم أخلاقا","vol":"1","page":486},{"text":"فالأخلاق الحسنة مع كونها مسلكا حسنا في المجتمع ويكون صاحبها محبوبا إلى الناس فيها اجر عظيم يناله الإنسان يوم القيامة. فاحفظ هذه الوصايا الثلاثة من النبي صلي الله عليه وسلم لتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق\nالناس بخلق حسن. والله الموفق. ٦٢_ الثالث: عن ابن عباس_ رضي الله عنهما_ قال: كنت خلف النبي صلي الله عليه وسلم يوما فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سالت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم: إن الأمة لو اجتمعت علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا علي إن يضروك بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم إن ما أخطاءك لم يكن ليصيبك، وما أصابك أم يكن ليخطئك، واعلم إن النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وان مع العسر يسرا» .","vol":"1","page":487},{"text":"الشرح قوله: «كنت خلف النبي صلي الله عليه وسلم» أي راكبا معه. قوله: «فقال لي يا غلام ... احفظ الله يحفظك» قال له: يا غلام، لان ابن عباس_ رضي الله عنهما_ كان صغيرا فان النبي صلي الله عليه وسلم توفي وهو قد ناهز الاحتلال، يعني من الخامسة العشرة إلى السادسة عشرة أو اقل. فكان راكبا خلف الرسول صلي الله عليه وسلم فوجه إليه النبي صلي الله عليه وسلم\nهذا النداء: «يا غلام، احفظ الله يحفظك» كلمة جليلة عظيمة، احفظ الله، وذلك بحفظ شرعه ودينه، بان تمتثل لأوامره وتجتب نواهيه، وكذلك بان تتعلم من دينه ومن شريعته_ سبحانه وتعالى_ ما تقوم به عباداتك ومعاملاتك، وتدعوا به إلى الله - عز وجل_ لان كل هذا من حفظ الله، فالله_ سبحانه وتعالى_ نفسه ليس بحاجة إلى أحد حتى يحفظ، ولكن المراد حفظ دينه وشريعته، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) (محمد: من الآية٧)، وليس المعني: تنصرون ذات الله، لان الله_ سبحانه وتعالى_ غني عن كل أحد، ولهذا قال في آية أخرى: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ) (محمد: من الآية٤)، ولا يعجزونه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) (فاطر: من الآية٤٤) . إذا: «احفظ الله يحفظك» جملة تدل علي إن الإنسان كلما حفظ دين الله حفظه الله تعالى في بدنه، وحفظه في ماله وأهله، وفي دينه، وهذه أهم الأشياء، إن يحفظك الله في دينك، وهو إن يسلمك من الزيغ والضلال، لان الإنسان كلما اهتدي زاده الله هدي، كما قال تعالى:\n(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: ١٧)، وكلما ضل_ والعياذ بالله_ فانه","vol":"1","page":488},{"text":"يزداد ضلالا، كما جاء في الحديث: «إن العبد فإذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فان هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه» وان اذنب ثانية انضم إليها نكتة ثانية وثالثة ورابعة، حتى يطبع علي قلبه. نسأل الله العافية. إذا: يحفظك في دينك وفي بدنك ومالك واهلك، أهمها حفظ الدين، نسأل الله تعالى إن يحفظ علينا وعلكم ديننا. وقوله: «احفظ الله تجده تجاهك» وفي لفظ آخر: «تجده أمامك» . احفظ الله أيضا بحفظ شريعته، بالقيام بأمره واجتناب نهيه تجده تجاهك وأمامك، ومعناهما واحد، يعني تجد الله أمامك يدلك علي كل خير ويذود عنك كل شر، ولا سيما إن حفظت الله بالاستعانة به، فان الإنسان إذا استعان بالله وتوكل علي الله كان الله حسبه، أي كافية، ومن كان الله حسبه فانه لا يحتاج إلى أحد بعد الله. قال الله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (لأنفال: ٦٤)، أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين. (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) (لأنفال: من\nالآية٦٢)، فإذا كان الله حسب الإنسان، أي كافية، فانه لن يناله سوء، ولهذا قال: «احفظ الله تجده تجاهك» أو «تجده أمامك» ! والمراد بحفظه حفظ شريعته، ولا سيما بالتوكل عليه والاستعانة به.","vol":"1","page":489},{"text":"ثم قال له: «إذا سالت فأسال الله» أي لا تعتمد علي أحد مخلوق، إذا سالت فأسال الله. مثلا: إنسان فقير ليس عنده مال، يسال الله يقول: اللهم ارزقني، اللهم هيئ لي رزقا. فيأتيه الرزق من حيث لا يحتسب. لكن لو سال الناس فربما يعطونه أو يمنعونه، ولهذا جاء في الحديث: «لان يأخذ أحدكم حبله فيحتطب علي ظهره، خير له من إن يأتي رجلا، أعطاه أو منعه» . فكذلك أنت، إذا سالت فأسال الله، قل: «اللهم ارزقني» اللهم أغنني بفضلك عمن سواك» وما أشبه ذلك من الكلمات التي تتجه بها إلى الله ﷿. وقوله: «إذا استعنت فاستعن بالله» الاستعانة طلب العون، فلا تطلب العون من أي إنسان إلا للضرورة القصوى، ومع ذلك إذا اضطررت إلى الاستعانة بالمخلوق فاجعل ذلك وسيلة وسببا لا ركنا تعتمد عليه! اجعل الركن الأصيل هو الله ﷿، إذا سالت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. وفي هاتين الجملتين دليل علي انه من نقص التوحيد إن\nالإنسان يسال غير الله، ولهذا تكره المسالة لغير الله_ عز وجل_ في قليل أو كثير. لا تسال إلا الله ﷿، ولا تستعن إلا بالله.","vol":"1","page":490},{"text":"والله سبحانه إذا أراد عونك يسر لك العون، سواء كان بأسباب معلومة أو بأسباب غير معلومة. قد يعنيك الله بسبب غير معلوم لك، فيدفع عنك من الشر ما لا طاقة لاحد به، وقد يعنيك الله علي يد أحد من الخلق يسخره لك ويذلله لك حتى يعنيك، ولكن مع ذلك لا يجوز لك_ إذا أعانك الله علي يد أحد_ إن تنسي المسبب وهو الله ﷿، كما يفعله بعض الجهلة الآن من تعلقهم بالسب وضعف اعتمادهم علي الله ﷾ لما حصل عون ظاهر من دول كافرة، وما علموا إن الكفرة هم أعداء لهم إلى يوم القيامة سواء أعانوهم أم لا؟. بل النافع الضار هو الله ﷿ وهذا من تسخيره_ سبحانه وتعالى_ لعباده المؤمنين، كما جاء في الحديث: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» فيجب علينا إن لا ننسي فضل الله الذي سخرهم لنا، ويجب علينا إن ننبه العامة، إذا سمعنا أحدا يركن إليهم ويقول هم الذين نصرونا مائة بالمائة، وهم الأول والآخر، فيجب علينا إن نبين لهم إن هذا خلل في التوحيد. والله اعلم. وقوله: «واعلم إن الأمة لو\nاجتمعت علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك» . فبين النبي_ عليه الصلاة والسلام_ في هذه الجملة إن الأمة لو","vol":"1","page":491},{"text":"اجتمعت كلها علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك! فإذا وقع منهم نفع لك فاعلم انه من الله، لأنه هو الذي كتبه، فلم يقل النبي صلي الله عليه وسلم: لو اجتمعت علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك. بل قال: «لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك» . فالناس بلا شك ينفع بعضهم بعضا، ويعين بعضهم بعضا، ويساعد بعضهم بعضا، لكن كل هذا مما كتبه الله للإنسان، فالفضل لله فيه أولا ﷿، هو الذي سخر لك من ينفعك ويحسن إليك ويزيل كربتك، وكذلك بالعكس، لو اجتمعوا علي إن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. والإيمان بهذا يستلزم إن يكون الإنسان متعلقا بربه ومتكلا عليه لا يهتم بأحد، لأنه يعلم انهم لو اجتمع كل الخلق علي إن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه. وحيئذ يعلق رجاءه بالله ويعتصم به، ولا يهمه الخلق ولو اجتمعوا عليه، ولهذا نجد الناس في سلف هذه الأمة لما اعتمدوا علي الله وتوكلوا عليه لم يضرهم كيد الكائدين ولا حسد الحاسدين: (وَإِنْ تَصْبِرُوا\nوَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (آل عمران: من الآية١٢٠) . ثم قال غليه الصلاة والسلام: «رفعت الأقلام وجفت الصحف» يعني إن ما كتبه الله فقد انتهي، والصحف جفت من المداد، ولم يبقه مراجعة. فما أصابك لم يكن ليخطئك، كما في اللفظ الثاني: «وما أخطاءك لم يكن ليصيبك» .","vol":"1","page":492},{"text":"وفي اللفظ الثاني قال ﵊: «واعلم إن النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وان مع العسر يسرا» . يعني: اعلم علم يقين إن النصر مع الصبر، فإذا صبرت وفعلتما أمرك الله به من وسائل النصر فان الله تعالى ينصرك. والصبر هنا يشمل الصبر علي طاعة الله، وعن معصيته، وعلي أقداره المؤلمة، لان العدو يصيب الإنسان من كل جهة، فقد يشعر الإنسان انه لن يطيق عدوه فيتحسر ويدع الجهاد، وقد يشرع في الجهاد ولكن إذا أصابه الأذى استحسر وتوقف، وقد يستمر ولكنه يصيبه الألم من عدوه، فهذا أيضا يجب إن يصبر عليه. قال الله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) (آل عمران: من الآية١٤٠)، وقال تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا\nتَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: ١٠٤)، فإذا صبر الإنسان وصابر ورابط فان الله ﷾ ينصره. وقوله: «واعلم إن الفرج مع الكرب» . كلما اكتربت الأمور وضاقت فان الفرج قريب، لان الله - عز وجل_ يقول في كتابه: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ الإله مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل: ٦٢)، فكلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج من الله ﷾. وقوله: «إن مع العسر يسرا» فكل عسر بعده يسر، بل إن العسر","vol":"1","page":493},{"text":"محفوف بيسرين، يسر سابق ويسر لاحق. قال الله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح: ٦، ٥)، وقال ابن عباس_ رضي الله عنهما_: «لن يغلب عسر يسرين» . فهذا الحديث الذي أوصى به النبي صلي الله عليه وسلم عبد الله بن عباس_ رضي الله عنهما_ ينبغي للإنسان إن يكون علي ذكر له دائما، وان يعتمد علي هذه الوصايا النافعة التي أوصى بها النبي صلي الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن\nعباس_ رضي الله عنهما_ والله الموفق. ٦٣_ الرابع: عن انس_ رضي الله عنه_ قال: «إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعهدها علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم من الموبقات» الشرح انس بن مالك_ رضي الله عنه_ من المعمرين، فبقي بعد النبي صلي الله عليه وسلم حالي تسعين سنة. فتغيرت الأمور في عهده_ رضي الله عنه_ واختلفت أحوال الناس، وصاروا يتهاونون في بعض الأمور العظيمة في عهد الصحابة ﵃. مثل صلاة الجماعة، فقد كان الصحابة - رضي الله عنهم_ لا يتخلف أحد عنها إلا منافق أو مريض معذور، ولكن الناس تهاونوا بها ولم يكونوا","vol":"1","page":494},{"text":"علي ما كان عليه الصحابة_ رضي الله عنهم_ في عهد النبي صلي الله عليه وسلم. بل إن الناس في عهدنا صاروا يتهاونون بالصلاة نفسها لا بصلاة الجماعة فقط، فلا يصلون، أو يصلون ويتركون، أو يوخرون الصلاة عن وقتها، كل هذه أعمال يسيرة عند بعض الناس، لكنها في عهد النبي صلي الله عليه وسلم والصحابة_ رضي الله عنهم_ كانت تعد من الموبقات. وكذلك أيضا الغش في عهد النبي - عليه الصلاة والسلام_ قال: «من غش فليس مني» . لكن انظر إلى الناس اليوم تجد إن الغش عندهم أهون من\nالأشياء، الأشياء، بل إن بعضهم_ والعياذ بالله_ يعد الغش من الشطارة في البيع والشراء والعقود، ويري إن هذا من باب الحذق والذكاء والدهاء نسأل الله العافية_ مع إن النبي صلي الله عليه وسلم تبرا من الإنسان الذي يغش الناس. ومن ذلك الكذب: والكذب من الأشياء العظيمة في عهد الصحابة_ رضي الله عنهم_ فيرونه من الموبقات، لكن كثيرا من الناس يعده أمرا هينا، فتجده يكذب ولا يبالي بالكذب، مع إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» وربما يكذب في أمور اخطر فيجحد ما يجب عليه الناس، أو يدعي ما","vol":"1","page":495},{"text":"ليس له ويحاكمهم عند القاضي ويحلف علي ذلك، فيكون_ والعياذ بالله_ ممن يلقي الله وهو عليه غضبان. إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي يعدها الصحابة من المهلكات، ولكن الناس اختلفوا فصارت في أعينهم أدق من الشعر، وذلك لأنه كلما قوي الإيمان عظمت المعصية عند الإنسان، وكلما ضعف الإيمان خفت المعصية في قلب الإنسان ورآها أمرا هينا، يتهاون ويتكاسل عن الواجب ولا يبالي، لأنه ضعيف الإيمان. ٦٤_ الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه_ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى\nيغار، وغيرة الله تعالى إن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه» متفق عليه. والغيرة: بفتح الغين واصلها: الأنفة. الشرح قال المؤلف_ رحمه الله تعالى_ فيما نقله عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى إن يأتي المرء ما حرم الله» . قوله: «محارمه» أي: محارم الله. والغيرة صفة حقيقية ثابتة لله_ عز وجل_ ولكنها ليست كغيرتنا، بل","vol":"1","page":496},{"text":"هي اعظم واجل، والله_ سبحانه وتعالى_ بحكمته أوجب علي العباد أشياء، وحرم عليهم أشياء، واحل لهم أشياء. فما أوجبه عليهم فهو خير لهم في دينهم ودنياهم، وفي حاضر هم ومستقبلهم، وما حرمه عليهم فانه شر لهم في دينهم ودنياهم، وحاضر هم ومستقبلهم، فإذا حرم الله علي عباده أشياء فانه_ عز وجل_ يغار إن يأتي الإنسان محارمه، وكيف يأتي الإنسان محارم ربه والله_ سبحانه وتعالى_ إنما حرمها من اجل مصلحة العبد، أما الله_ سبحانه وتعالى_ فلا يضره إن يعصي الإنسان ربه، لكن يغار كيف يعلم الإنسان إن الله سبحانه حكيم، ورحيم، ولا يحرم علي عباده شيئا بخلا منه عليهم به، ولكن من اجل مصلحتهم، ثم يأتي العبد فيتقدم فيعصي الله_ عز وجل_ ولا سيما في\nالزنا_ نسأل الله العافية_ فانه ثبت عن النبي صلي الله عنه وسلم انه قال: «ما أحد أغير من الله إن يزني عبده أو يزني أمته» لان الزنا فاحشة، والزنا طريق سافل سيئ، ومن ثم حرم الله علي عباده الزنا وجميع وسائله، كما قال الله سبحانه: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (الإسراء: ٣٢)، فإذا زني العبد_ والعياذ بالله_ فان الله يغار غيرة اشد واعظم من غيرته علي ما دونه من المحارم. وكذلك أيضا_ ومن باب أولى واشد_ اللواط، وهو إتيان الذكر، فان","vol":"1","page":497},{"text":"هذا اعظم واعظم، ولهذا جعله الله تعالى اشد في الفحش من الزنا. فقال لوط لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) (لأعراف: من الآية٨٠) . قال هنا: (الفاحشة) وفي الزنا قال: (فاحشة) أي: فاحشة من الفواحش، أما اللواط فجعله الفاحشة العظمي نسأل الله العافية. وكذلك أيضا السرقة وشرب الخمر وكل المحارم يغار الله منها، لكن بعض المحارم تكون اشد غيرة من بعض، حسب الجرم، وحسب الضار التي تترتب علي ذلك. وفي هذا الحديث: إثبات الغيرة لله تعالى، وسبيل أهل السنة والجماعة فيه وفي غيره من آيات الصفات\nوأحاديث الصفات انهم يثبتونها لله_ سبحانه وتعالى_ علي الوجه اللائق به، يقولون: إن الله يغار لكن ليس كغيرة المخلوق، وان الله يفرح ولكن ليس كفرح المخلوق، وان الله_ سبحانه وتعالى_ له من الصفات الكاملة ما يليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) . والله الموفق. ٦٥_ السادس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه_ انه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل: ابرص، واقرع، واعمي، أراد الله إن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شئ احب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه قذره، واعطي لونا حسنا. قال: فأي المال احب إليك؟ قال: الإبل_ أو قال البقر_ شك الراوي_ فأعطى ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأقرع فقال: أي شئ احب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه، واعطي شعرا حسنا. قال: فأي المال احب إليك، قال:","vol":"1","page":498},{"text":"البقر، فأعطى بقرة حاملا، وقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شئ احب إليك؟ قال؟ إن يرد الله إلى بصري فابصر الناس. فمسحه،\nفرد اله إليه بصره. قال: فأي المال احب إليك؟ قال: الغنم، فأعطى شاة والدا. فانتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. ثم انه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال. كأني أعرفك، ألم تكن ابرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله!؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا في دعواك فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، ساعة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت اعمي فرد","vol":"1","page":499},{"text":"الله لي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله ﷿. فقال: امسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك، وسخط علي صاحبيك» متفق عليه.\nوالناقة العشراء» بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل. قوله: «انتج» وفي رواية «فنتج» معناه: تولي نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. وقوله: «ولد هذا» هو بتشديد اللام: أي: تولي ولادتها، وهو بمعني انتج في الناقة. فالمولد، والناتج، والقابلة بمعني، لكن هذا للحيوان وهذا لغيره. قوله: «انقطعت بي الحبال» هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: أي الأسباب. وقوله: «لا أجهدك» معناه: لا اشق عليك في رد شئ تأخذه أو تطلبه من مالي. وفي رواية البخاري «لا أحمدك» بالحاء المهملة والميم، ومعناه: لا أحمدك بترك شئ تحتاج إليه، كما قالوا: ليس علي طول الحياة ندم، أي علي فوات طولها. الشرح قوله: «ثلاثة من بني إسرائيل» إسرائيل هو إسحاق بن إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ أخو إسماعيل، ومن ذرية إسرائيل موسى وهارون وعيسي وجميع بني إسرائيل، كلهم من ذرية إسحاق ﵊. وإسماعيل أخو إسحاق، فهم والعرب أبناء اعم، وقد جاءت أخبار","vol":"1","page":500},{"text":"كثيرة عن ابني إسرائيل، وهي ثلاث أقسام: الأول: ما جاء في القران. والثاني: ما جاء في صحيح السنة. والثالث: ما جاء عن أحبارهم وعن علمائهم. فأما الأول والثاني فلا\nشك في انه حق، ولا شك في قبوله، مثل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (البقرة: من الآية٢٤٦) . ومن السنة مثل هذا الحديث الذي رواه آبو هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم وأما ما روي عنهم عن أحبارهم وعلمائهم فان ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما شهد الشرع ببطلانه، فهذا باطل يجب رده، وهذا يقع كثيرا فيما ينقل من الإسرائيليات في تفسير القران، فانه ينقل في تفسير القران كثير من الأخبار الإسرائيلية التي يشهد الشرع ببطلانها. والثاني: ما شهد الشرع بصدقه، فهذا يقبل، لا لأنه من أخبار بني إسرائيل، ولكن لان الشرع شهد بصدقه وانه حق. والثالث: ما لم يكن في الشرع تكذيبه ولا تصديقه، فهذا يتوقف فيه، لا يصدقون ولا يكذبون، لأننا إن صدقناهم فقد يكون باطلا، فنكون قد صدقناهم بباطل، وان كذبناهم فقد يكون حقا، فقد كذبناهم بحق، ولهذا نتوقف فيه، ولكن مع ذلك لا حرج من التحديث به فيما ينفع في ترغيب أو ترهيب. ذكر النبي_ عليه الصلاة والسلام_ في هذا الحديث إن ثلاثة من بني","vol":"1","page":501},{"text":"إسرائيل ابتلاهم الله_\nعز وجل_ بعاهات في أبدانهم، أحدهم ابرص، والثاني اقرع ليس علي رأسه شعر، والثالث اعمي لا يبصر. فأراد الله_ سبحانه وتعالي_ إن يبتليهم ويختبرهم، لان الله سبحانه يبتلي العبد بما شاء ليبلوه هل يصبر أو يضجر إذا كان ابتلاه بضراء، وهل يشكر أو يقتر إذا كان قد ابتلاه بسراء. فبعث الله إليهم ملكا من الملائكة واتاهم يسألهم: أي شئ احب إليهم؟ فبدا بالأبرص فقال: «أي شئ احب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به» لان أهم شئ عند الإنسان إن يكون معافى من العاهات، ولا سيما العاهات المكروهة عند الناس. فمسحه الملك فبرا بإذن الله، وزال عنه البرص، وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. ثم قال له: «أي المال احب إليك؟ قال: الإبل_ أو قال - البقر!» والظاهر انه قال: الإبل، لأنه في قصة الأقرع أعطي البقر، فأعطاه ناقة عشراء، وقال له: بارك الله لك فيها. فذهب عنه الفقر، وذهب عنه العيب البدني، ودعا له الملك بان يبارك الله له في هذه الناقة. ثم أتى الأقرع وقال: «أي شئ احب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس» فمسحه، فأعطى شعرا حسنا. وقيل له: «أي المال احب إليك؟ قال البقر، فأعطى بقرة حاملا،\nوقال له: بارك الله لك فيها أما الأعمى فجاء الملك فقال له: «أي شئ احب إليك؟ قال: إن يرد","vol":"1","page":502},{"text":"الله علي بصري فابصر به الناس»، وتأمل قول الأعمى هذا، فانه لم يسال إلا بصرا يبصر به الناس فقط، أما الأبرص والأقرع فان كل واحد منهما تمني شيئا اكبر من الحاجة، لان الأبرص قال: جلدا حسنا ولونا حسنا، وذاك قال: شعرا حسنا، فليس مجرد جلدا أو شعر أو لون، بل تمنيا شيئا اكبر، أما هذا فان عنده زهدا، لذا لم يسال إلا بصرا يبصر به الناس فقط. ثم أساله: «أي المال احب إليك؟ قال: الغنم» وهذا أيضا من زهده، فلم يتمني الإبل ولا البقر، بل الغنم، ونسبة الغنم للبق والإبل قليلة، فأعطاه شاة والدا وقال: بارك الله لك فيها. فبارك الله_ سبحانه وتعالى_ للأول في ابله، والثاني في بقره، وللثالث في غنمه، وصار لكل واحد منهما واد مما أعطي، للأول واد من الإبل، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم. ثم إن هذا الملك أتى الأبرص في صورته وهيئته، صورته البدنية، وهيئته الرثة، ولباسه لباس الفقير، وقال له: «رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» . فتوسل إليه بذكر حاله انه فقير، وانه ابن سبيل\nأي مسافر، وان الحبال أي الأسباب التي توصله إلى أهله قد انقطعت به، وانه لا بلاغ له إلا بالله ثم به. وقال له: «أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري» لكنه قال: «الحقوق كثيرة» وبخل بذلك، مع إن له واديا من الإبل، لكنه قال: الحقوق كثيرة، وهو فيما يظهر_ والله اعلم_","vol":"1","page":503},{"text":"انه لا يؤدي شيئا منها، لان هذا من أحق ما يكون، لأنه مسافر وفقير وانقطعت به الحبال، ومن أحق ما يكون استحقاقا للمال، ومع ذلك اعتذر له! فذكره بما كان عليه من قبل فقال له: «كأني أعرفك، ألم تكن ابرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله» أي أعطاك المال وأعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، ولكنه قال والعياذ بالله: «إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر» وانكر نعمة الله. فقال له الملك: «إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت» أي: إن كنت كاذبا فيما تقول فصيرك الله إلى ما كنت من الفقر والبرص. والذي يظهر إن الله استجاب دعاء الملك وان كان دعاء مشروطا، لكنه كان كاذبا بلا شك، فإذا تحقق الشرط تحقق المشروط. وأتى القرع فقال له مثلما قال للأبرص، ورد عليه مثلما رد عليه الأبرص، فقال: «إن كنت كاذبا فصيرك الله\nإلى ما كنت عليه» وأتى الأعمى وذكره بنعمة الله عليه: «فقال: كنت اعمي فرد الله إلي بصري» فاقر بنعمة الله عليه «فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله ما أجهدك اليوم بشيء أخذته لله ﷿» . أي: لا أمنعك ولا اشق عليك بالمنع بشيء أخذته لله ﷿. فانظر إلى الشكر والاعتراف بالنعمة. فقال له الملك: «امسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط علي صاحبيك» . وهذا يدل علي إن القصة كانت مشهورة بين الناس، ولهذا قال: «سخط علي صاحبيك»، فامسك ماله وبقي قد انعم الله","vol":"1","page":504},{"text":"عليه بالصبر، وأما الآخران فان الظاهر إن الله ردهما إلي ما كنا عليه من الفقر والعاهة والعياذ بالله. وفي هذا دليل علي إن شكر نعمة الله علي العبد من أسباب بقاء النعم وزيادتها، كما قال الله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: ٧) . وفي قصتهم آيات من آيات الله ﷿: منها: إثبات الملائكة، والملائكة عالم غيبي خلقهم الله - عز وجل_ من نور، وجعل لهم قوة في تنفيذ أمر الله، وجعل لهم إرادة في طاعة الله، فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما\nيؤمرون. ومنها: إن الملائكة قد يكونون علي صورة بني آدم، فان الملك أتى لهؤلاء الثلاث بصورة إنسان. ومنها أيضا: انهم_ أي الملائكة_ يتكيفون بصورة الشص المعين، كما جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى غفي المرة الثانية بصورته وهيئته. ومنها أيضا: انه يجوز الاختبار للإنسان في إن يأتي الشخص علي هيئة معينة ليختبره، فان هذا الملك جاء علي صورة الإنسان المحتاج المصاب بالعاهة ليرق له هؤلاء الثلاثة، مع إن الملك فيما يبدو_ والعلم عند الله_ لا يصاب في الأصل بالعاهات، ولكن الله_ سبحانه وتعالى_ جعلهم يأتون علي هذه الصورة من اجل الاختبار. ومنها: إن الملك مسح الأقرع والأبرص والأعمى مسحة واحدة فأزال الله عيبهم بهذه المسحة، لان الله_ سبحانه وتعالى_ إذا أراد شيئا قال","vol":"1","page":505},{"text":"له كن فيكون، ولو شاء الله لاذهب عنهم العاهة بدون هذا الملك، ولكن الله جعل هذا سببا للابتلاء والامتحان. ومنها: إن الله قد يبارك للإنسان بالمال حتى ينتج منه الشيء الكثير، فان هؤلاء النفر الثلاث صار لواحد واد من الإبل، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم، وهذا من بركة الله ﷿. وقد دعا الملك لكل واحد منهم بالبركة. ومنها: تفاوت بني آدم في شكر\nنعمة الله ونفع عباد الله، فان الأبرص والأقرع وقد أعطاهم الله المال الأهم والأكبر، ولكن جحدا نعمة الله، قالا: إنما ورثنا هذا المال كابرا عن كابر، وهم كذبة في ذلك، فانهم كانوا فقراء أعطاهم الله المال، لكنهم_ والعياذ بالله_ جحدوا نعمة الله وقالوا: هذا من آبائنا وأجدادنا. أما الأعمى فانه شكر نعمة الله واعترف لله بالفضل، ولذاك وفق وهداه الله وقال للملك: «خذ ما شئت ودع ما شئت» ومنها أيضا: إثبات الرضا والسخط لله ﷾، أي انه يرضي علي ما شاء ويسخط علي ما شاء، وهما من الصفات التي يجب إن نثبتها لربنا ﷾، لأنه وصف نفسه بها. ففي القران الكريم: الرضا: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (التوبة: من الآية١٠٠)، وفي القران الكريم: (أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) (المائدة: من الآية٨٠)، وفي القران العظيم الغضب: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) (النساء: من الآية٩٣)، وهذه الصفات وأمثالها يؤمن بها أهل السنة","vol":"1","page":506},{"text":"والجماعة بأنها ثابتة لله علي وجه الحقيقة، لكنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما إن الله_ عز وجل_لا يشبه المخلوقين، فكذلك صفاته لا\nتشبه صفات المخلوقين. ومن فوائد هذا الحديث: إن في بني إسرائيل من العجب والآيات ما جعل النبي صلي الله عليه وسلم ينقل لنا من أخبارهم حتى نتعظ. ومثل هذا الحديث قصة النفر الثلاث الذين لجاءوا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار وعجزوا عن زحزحتها، وتوسل كل واحد منهم إلى الله تعالى بصالح عمله. فالنبي - عليه الصلاة والسلام_ يقص علينا من أنباء بني إسرائيل ما يكون فيه الموعظة والعبرة، فعلينا إن نأخذ من هذا الحديث عبرة بان الإنسان إذا شكر نعمة الله، واعترف لله بالفضل، وادي ما يجب عليه في ماله، فان ذلك من أسباب البقاء والبركة في ماله. والله الموفق. ٦٦_ السابع: عن أبي يعلي شداد بن اوس_ رضي الله عنه_ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمني علي الله»","vol":"1","page":507},{"text":"رواه الترمذي وقال صيح حسن. قال الترمذي وغيره من العلماء: معني: «دان نفسه» أي: حاسبها. الشرح قوله: «الكيس» معناه الإنسان الحازم الذي يغتنم الفرص ويتخذ لنفسه الحيطة حتى لا تفوت عليه الأيام والليالي فيضيع. وقوله: «من دان نفسه» أي: من حاسبها ونظر ما فعل من\nالمأمورات وماذا ترك من المهينات: هل قام بما أمر به، وهل ترك ما نهي عنه، فإذا رأي من نفسه تفريطا في الواجب استدركه إذا أمكن استدراكه، وقام به أو بدله، وإذا راء من نفسه انتهاكا لمحرم اقلع عنه وندم وتاب واستغفر. وقوله: «عمل لما بعد الموت» يعني عمل للآخرة، لان كل ما بعد الموت فانه من الآخرة، وهذا هو الحق والحزم، إن الإنسان يعمل لما بعد الموت، لأنه في هذه الدنيا مارا بها مرورا، والمال هو ما بعد الموت، فاذا فرط ومضت عليه الأيام وأضاعها في غير ما ينفعه في الآخرة فليس بكيس، الكيس هو الذي يعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وصار لا يهتم إلا بأمور الدنيا، فيتبع نفسه هواها في التفريط في الأوامر، ويتبع نفسه هواها في فعل النواهي، ثم يتمني علي الله الأماني فيقول: الله غفور رحيم، وسوف أتوب إلى الله في المستقبل، وسوف اصلح من حالي إذا كبرت، وما أشبه من الأماني الكاذبة التي يمليها الشيطان عليه، فربما","vol":"1","page":508},{"text":"يدركها وربما لا يدركها. ففي هذا الحديث: الحث علي انتهاز الفرص، وعلي إن لا يضيع الإنسان من وقته فرصة إلا فيما يرضي الله_ عز وجل_وان يدع الكسل والتهاون والتمني، فان التمني لا يفيد شيئا، كما\nقال الحسن البصري ﵀: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال» . فعلينا أيها الاخوة إن ننتهز الفرصة في كل ما يقرب إلى الله من فعل الاوامر واجتناب النواهي، حتى إذا قدمنا علي الله كنا علي اكمل ما يكون من حال. نسأل الله إن يعيننا وإياكم علي ذكره وشكره وحسن عبادته. ٦٧_ الثامن: عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ قال: فالرسول الله صلي الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) حديث حسن رواه الترمذي وغيره. الشرح إسلام المرء هو استسلامه لله_ عز وجل_ ظاهرا وباطنا. فأما باطنا فاستسلام العبد لربه بإصلاح عقيدته وإصلاح قلبه، وذلك بان يكون مؤمنا بكل ما يجب الإيمان به علي ما سبق في حديث جبريل.","vol":"1","page":509},{"text":"وأما الاستسلام ظاهرا فهو إصلاح عمله الظاهر، كأقواله بلسانه وأفعاله بجوارحه. والناس يختلفون في الإسلام اختلافا ظاهرا كثيرا، كما إن الناس يختلفون في اشكالهم وصورهم، منهم الطويل ومنهم القصير، ومنهم الضخم ومنهم من دون ذلك، ومنهم القبيح ومنهم الجميل، فيختلفون اختلافا ظاهرا. فكذلك أيضا يختلفون في إسلامهم لله_ عز وجل_ حتى قال الله في كتابه: (لا يَسْتَوِي\nمِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: من الآية١٠) . وإذا كان الناس يختلفون في الإسلام، فان مما يزيد في حسن إسلام المرء إن يدع ما لا يعنيه ولا يهمه لا في دينه ولا في دنياه. فالإنسان المسلم إذا أراد إن يجعل إسلامه حسنا فليدع ما لا يعنيه، فالشيء الذي لا يهمه يتركه. فمثلا: إذا كان هناك عمل وترددت هل تفعل أو لا تفعل؟ انظر هل هو من الأمور الهامة في دينك ودنياك فافعله، وإلا فاتركه، والسلامة اسلم. كذلك أيضا إن لا تدخل في شؤون الناس إذا كان هذا لا يهمك، وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس اليوم، من حرصه علي اطلاعه علي أعراض الناس وأحوالهم، ويجد اثنان يتكلمان فيحاول إن يتقرب منهما حتى يسمع ما يقولان، ويجد شخصا جاء من جهة من الجهات فتراه يبحث وربما يبادر الشخص نفسه ويقول له: من أين جئت؟ وماذا قال لك فلان؟ وماذا قلت له؟ وما أشبه ذلك في أمور لا تعنيه ولا تهمه. فالأمور التي لا تعنيك اتركها، فان هذا من حسن إسلامك، وهو أيضا","vol":"1","page":510},{"text":"فيه راحة للإنسان، فكون الإنسان لا يهمه إلا\nنفسه هذا هو الراحة، أما الذي يتتبع أحوال الناس ماذا قيل؟ وماذا حدث لهم؟ ... فانه سوف يتعب تعبا عظيما، ويفوت علي نفسه خيرا كثيرا، مع انه لا يستفيد شيئا، فاجعل دأبك داب نفسك، وهمك هم نفسك، وانظر إلى ما ينفعك فافعله، والذي لا ينفعك اتركه، وليس من حسن إسلامك إن تبحث عن أشياء لا تهمك. ولو أننا مشينا علي هذا وصار الإنسان دأبه داب نفسه ولا ينظر إلا إلى فعله، لحصل خيرا كثيرا. أما بعض الناس تجده مشغولا بشؤون غيره فيما لا فائدة له فيه، فيضيع أوقاته ويشغل قلبه ويشتت فكره، وتضيع عليه مصالح كثيرة. أما بعض الناس تجده مشغولا بشؤون غيره فيما لا فائدة له فيه، فيضيع أوقاته ويشغل قلبه ويشتت فكره، وتضيع عليه مصالح كثيرة. وتجد الرجل الدؤوب الذي ليس له هم إلا نفسه وما يعنيه، تحده ينتج ويثمر ويحصل، ويكون في راحة فكرية وقلبية وبدنية، ولذا يعد هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلي الله عليه وسلم فإذا أردت شيئا فعلا أو تركا انظر هل يهمك أو لا؟! إن كان لا يهمك اتركه ولا تتعرض له واسترح منه، وأرح قلبك وفكرك وعقلك وبدنك، وان كان يهمك فاشتغل به بحسبه، فعلي كل حال كل إنسان عاقل كما جاء في الحديث السابق: «الكيس من\nدان نفسه وعمل لما بعد الموت» . فكل إنسان عاقل يحرص علي إن يعمل لما بعد الموت، ويحاسب نفسه علي أعمالها. والله الموفق. التاسع: عن عمر_ رضي الله عنه_ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لا يسال الرجل فيما ضرب امرأته» رواه آبو داود وغيره","vol":"1","page":511},{"text":"الشرح تساهل المؤلف - رحمه الله_ في هذا الحديث حيث قال: «رواه آبو داود وغيره»، لان الغير يشمل جميع من خرج الأحاديث، وان كان مثل هذه الصيغة لا يذكر الأعلى، فمثلا إذا قيل: «رواه آبو داود وغبره» فيعني ذلك انه لم يروه البخاري ولا مسلم ولا من هو اعلي من أبي داود، وإنما رواه آبو داود وغيره ممن هو دونه. ومعني الحديث: إن الرجل المتقي الله_ عز وجل_ الذي انتهي به الأمر إلى آخر المراتب الثلاث التي أشار الله إليها في قوله L وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (النساء: من الآية٣٤)، فالضرب آخر المراتب، فقد يضرب الرجل زوجته علي أمر يستحيا من ذكره، فإذا علم تقوي الرجل لله_ عز وجل_ وضرب امرأته فانه لا\n\nيسال، هذا إن صح الحديث، ولكن الحديث ضعيف. أما من كان سيئ العشرة فهذا يسال فيم ضرب امرأته، لأنه ليس عنده من تقوي الله تعالى ما يردعه عن ظلمها وضربها، حيث لا تستحق أن تضرب. والله الموفق","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>٦- باب التقوى</span>\nالتقويم اسم مأخوذ من الوقاية، وهو إن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله. والذي يقيك من عذاب الله هو فعل أوامر الله ﷿، إن تأخذ أوامر الله وان تترك ما نهي عنه. واعلم إن التقوى أحيانا تقترن بالبر، فيقال بر وتقوي كما في قوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: من الآية٢) . وتارة تذكر وحدها، فإذا قرنت بالبر صار البر فعل الأوامر واجتناب النواهي. وإذا أفردت صارت شاملة، تعم فعل الأوامر واجتناب النواهي، وقد ذكر الله_ تعالى_ في كتابه إن الجنة أعدت للمتقين، فأهل التقوى هم أهل الجنة_ جعلنا الله منهم_ ولذلك يجب علي الإنسان إن يتقي الله ﷿، امتثالا لأمره وطلبا لثوابه والنجاة من عقابه. ثم ذكر المؤلف آيات متعددة فقال ﵀: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (آل عمران: من الآية١٠٢) . وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية١٦)، وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى. وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (الأحزاب: ٧٠)، والآيات في الأمر\nبالتقوى كثيرة معلومة، وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: من الآية٣، ٢)، وقال تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (لأنفال: من الآية٢٩)، والآيات في الباب كثيرة ومعلومة.","vol":"1","page":513},{"text":"الشرح قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) فوجه الأمر إلى المؤمنين، إلى المؤمنين، لا المؤمن يحمله إيمانه علي تقوي الله. وقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) وحق التقوى مفسرا بما عقبه المؤلف من قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) بعد هذه الآية أي: إن معني قوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ) إن تتقي الله ما استطعت، لان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. وهذه الآية: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ليست آية يقصد بها التهاون بتقوى الله، ونما يقصد بها الحث علي التقوى بقدر المستطاع، أي: لا تدخر وسعى في تقوي الله، ولك الله لا يكلف الإنسان شيئا لا يستطيعه، كما قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ\nنَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية٢٨٦)، ويستفاد من قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) إن الإنسان إذا لم يستطع القيام بأمر الله علي وجه الكمال، فانه يأتي منه بما قدر عليه، ومن ذلك قول النبي صلي الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «صل قائما فان لم تستطع فقاعدا، فان لم تستطع فعلي جنب»، فرتب النبي صلي الله عليه وسلم الصلاة بحسب الاستطاعة، وبان يصلي قائما، فان لم يستطع فقاعدا، فان لم يستطع فعلي جنب، وهكذا أيضا بقية الأوامر، ومثله الصوم، إذا لم يستطع الإنسان إن يصوم في رمضان، فانه يؤخره (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ","vol":"1","page":514},{"text":"أُخَرَ) (البقرة: من الآية١٨٥)، وفي الحج أيضا: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران: من الآية٩٧) فإذا لم تستطع الوصول إلى البيت فلا حج عليك، لكن إن كنت قادرا بمالك دون بدنك، وجب عليك إن تقيم من يحج ويعتمر عنك، والحاصل إن التقوى كغيرها منوطة بالاستطاعة، فمن لم يستطع شيئا من أوامر الله فانه يعدل علي ما يستطيع، ومن اضطر إلى شئ من محارم الله، حل له ما ينتفع به في دفع الضرورة،\nلقوله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام: من الآية١١٩)، حتى إن الرجل لو اضطر إلى أكل لحم الميتة، أو أكل لحم الخنزير، أو أكل لحم الحمار، أو غير ذلك من المحرمات، فانه يجوز له إن يأكل منه ما تندفع به ضرورته، فهذه هي تقوي الله! إن تفعل أوامر ما استطعت وتجنب نواهيه ما استطعت. وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) فأمر الله تعالى بأمرين، بتقوى الله، وان يقول الإنسان قولا سديدا، أي صوابا. وقد سبق الكلام علي التقوى، وإنها فعل أوامر الله واجتناب نواهيه. أما القول السديد، فهو قول الصواب وهو يشمل كل قول فيه خير سواء كان من ذكر الله، أو من طلب العلم، أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو من الكلام الحسن الذي يستجلب به الإنسان مودة الناس","vol":"1","page":515},{"text":"ومحبتهم، أو غير ذلك، ويجمعه قول النبي صلي الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» (،) وضد ذلك القول غير السديد، وهو القول الذي ليس بصواب، بل خطا أما في\nموضوعه وأما في محله: أما في موضوعه: بان يكون كلاما فاحشا يشتمل علي السب، والشتم، والغيبة، والنميمة، وما أشبه ذلك. أو في محله: أي إن يكون هذا القول في نفسه هو خير، لكن كونه يقال في هذا المكان ليس بخير، لان لكل مقام مقالا، فإذا قلت كلاما هو في نفسه ليس بشر، لكنه يسبب شرا إذا قلته في هذا المحل فلا تقله، لان هذا ليس بقول سديد، ففي هذا الموضوع لا يكون قولا سديد، بل خطا، وان كان ليس حراما بذاته. فمثلا، لو فرض إن شخصا راء إنسانا علي منكر، ونهاه عن المنكر، لكن نهاه في حال لا ينبغي إن يقول له فيها شيئا، أو اغلظ له في القول، أو ما أشبه، لعد هذا قولا غير سديد. فإذا اتقي الإنسان ربه، وقال قولا سديدا، حصل علي فائدتين: (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (الأحزاب: من الآية٧١) فبالتقوى صلاح الإيمان ومغفرة الذنوب، وبالقول السديد صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب. وعلم من هذه الآية إن من لم يتق الله ويقل قولا سديدا، فانه حري بان لا يصلح الله له أعماله، ولا يغفر له ذنبه، ففيه الحث علي تقوي الله وبيان فوائدها. وقال تعالى_ وهي الآية الرابعة_:) (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ\nمَخْرَجًا)","vol":"1","page":516},{"text":"(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) يتق الله بفعل ما أمر به، ويترك ما نهي عنه. يجعل له مخرجا من كل ضيق، فكلما ضاق عليه الشيء وهو متق لله_ عز وجل_ جعل له مخرجا، سواء كان في معيشة، أو في أموال، أو في أولاد، أو في مجتمع، أو غير ذلك. متي كنت متقيا الله فثق إن الله سيجعل لك مخرجا من كل ضيق، واعتمد ذلك، لأنه قول من يقول للشيء كن فيكون (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) وما اكثر الذين اتقوا الله فجعل لهم مخرجا، ومن ذلك قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فنزلت صخرة علي باب الغار فسدته، فأرادوا إن يزيحوها فعجزوا، فتوسل كل واحد منهم بصالح عمله إلى الله ﷿، ففرج الله ﷿ عنهم وزالت الصخرة وجعل الله لهم مخرجا، والأمثلة علي هذا كثيرة! وقوله (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) هذا أيضا فائدة عظيمة، إن الله يرزقك من حيث لا تحتسب، فمثلا لو فرضنا أن رجلا يكتسب المال من طريق محرم، كطريق الغش أو الربا أو ما أشبه ذلك، ونصح في هذا وتركه لله، فان الله سيجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ولكن لا تتعجل، ولا تظن إن الأمر إذا تأخر فلن يكون، ولكن قد يبتلي الله\nالعبد فيؤخر عنه الثواب، ليختبره هل يرجع إلى الذنب أم لا، فمثلا إذا كنت تتعامل بالربا، ووعظك من يعظك من الناس، وتركت ذلك، ولكنك بقيت شهرا أو شهرين وجددت ربحا، فلا تياس،","vol":"1","page":517},{"text":"ولا تقل أين الرزق من حيث لا احتسب، بل انتظر، وسق بوعد الله وسق به، وستجده، ولا تتعجل، ولهذا جاء في الحديث: «يستجاب لأحدكم_ أي إذا دعا_ ما لم يعجل، قالوا: كيف يعجل يا رسول الله؟ قال: يقول دعوت فلم يستجب لي»، فاصبر، واترك ما حرم الله عليك، وانتظر الفرج والرزق من حيث لا تحتسب. الآية الخامسة قوله تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (لأنفال: من الآية٢٩)، هذه ثلاث فوائد عظيمة: الفائدة الأولى: (يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) أي يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، وهذا يدخل فيه العلم، بحيث يفتح الله علي الإنسان من العلوم ما لغا يفتحها لغيره، فان التقوى يحصل بها زيادة الهدي، وزيادة العلم، وزيادة الحظ، ولهذا يذكر عن الشافعي رحمه الله تعالى: شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي\nوقال اعلم بان العلم نور ... ونور الله لا يؤتيه عاصي","vol":"1","page":518},{"text":"ولا شك إن الإنسان كلما اذداد علما، ازداد معرفة، وازداد فرقانا بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، وكذلك يخل فيه ما يفتح الله علي الإنسان من الفهم، لان التقوى سبب لقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم، فانك تري الرجلين يحفظان آية من كتاب الله، يستطيع أحدهما إن يستخرج منها ثلاث أحكام مثلا، ويستطيع الآخر إن يستخرج أربعة، أو خمسة، أو عشرة، أو اكثر من هذا بحسب ما آتاه من الفهم. فالتقوى سبب لزيادة الفهم، ويدخل في ذلك أيضا الفراسة، إن الله يعطي المتقي فراسة يميز بها حتى بين الناس، فبمجرد ما يري الإنسان يعرف انه كاذب أو صادق، أو انه بر أو فاجر، حتى انه ربما يحكم علي الشخص وهو لم يعاشره ولم يعرف عنه شيئا، بسبب ما أعطاه الله من الفراسة. ويدخل في ذلك أيضا: ما يحصل للمتقين من الكرامات التي لا تحصل لغيرهم، ومن ذلك: ما حصل لكثير من الصحابة والتابعين ﵃، فكان عمر بن الخطاب_ رضي الله عنه_ ذات يوم يخطب علي المنبر في المدينة، فسمعوه يقول في أثناء الخطبة: «يا سارية الجبل، يا سارية الجبل»، فتعجبوا من يخاطب وكيف يقول هذا الكلام في أثناء\nالخطبة، فإذا الله_ سبحانه وتعالى_ قد كشف له عن سرية في العراق كان","vol":"1","page":519},{"text":"قائدها سلرية بن زنيم، وكان العدو قد حصرهم، فكشف الله لعمر عن هذه السرية، كأنما يشاهدها راء عين، فقال لقائدها: «يا سارية الجبل» أي: تحصن بالجبل، فسمعه سارية وهو القائد، وهو في العراق، ثم اعتصم بالحبل. هذه من التقوى، لان كرامات الأولياء كلها جزاء لهم علي تقواهم لله ﷿. فالمهم إن من آثار التقوى إن الله_ تعالى_ يجعل للمتقين فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وبين البر والفاجر، وبين أشياء كثيرة لا تحصل إلا للمتقي. الفائدة الثانية: (وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) وتكفير السيئات يكون بالأعمال الصالحة تكفر الأعمال السيئة كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» . وقال النبي صلي الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما»، فالكفارة تكون بالأعمال الصالحة، وهذا يعني إن الإنسان إذا اتقي الله سهل له الأعمال الصالحة التي يكفر الله بها عنه. الفائدة الثالثة: قوله (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) بان يسركم للاستغفار والتوبة، فان هذا من\nنعمة الله علي العبد إن ييسره للاستغفار والتوبة.","vol":"1","page":520},{"text":"ومن البلاء للعبد، إن يظن إن ما كان عليه من الذنوب ليس بذنب، فيصر عليه والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف: ١٠٤، ١٠٣)، فكثي من الناس لا يقلع عن الذنب، لأنه زين له_ والعياذ بالله_ فألفه وصعب عليه إن ينتشل نفسه منه، لكن إذا كان متقيا لله_ عز وجل_ سهل الله له الإقلاع عن الذنوب حتى يغفر له، وربما يغفر الله له بسبب تقواه، فتكون تقواه مكفرة لسيئاته، كما حصل لأهل بدر ﵃، «فان الله اطلع علي أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، فتقع الذنوب منهم مغفورة لما حصل لهم فيها، أي في الغزوة من الأجر العظيم. وقوله: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (لأنفال: من الآية٢٩)، أي: صاحب الفضل العظيم الذي لا يعدله شئ ولا يواذيه شئ، فإذا كان الله موصوفا بهذه الصفة، فاطلب الفضل منه ﷾، وذلك بنقواه والرجوع إليه. والله اعلم. ٦٩_ وأما الأحاديث فالأول: عن أبي هريرة رضي\nالله عنه قال: قيل: يا رسول الله، من اكرم الناس، قال: «اتقاهم» فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله» قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال «فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية","vol":"1","page":521},{"text":"خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» . متفق عليه. و«فقهوا» بضم القاف علي المشهور، وحكي كسرها، أي: اعلموا أحكام الشرع. الشرح قوله: من كرم الناس؟ قال: «اتقاهم» يعني إن اكرم الناس اتقاهم لله ﷿ وهذا الجواب مطابق تماما لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: من الآية١٣)، فالله_ سبحانه وتعالى_ لا ينظر إلى الناس من حيث النسب، ولا من حيث الحسب، ولا من حيث المال، ولا من حيث الجمال، وإنما ينظر سبحانه إلى إلا عمال، فاكرم الناس عنده اتقاهم له، ولهذا يمد أهل التقوى بما يمدهم به من الكرامات الظاهرة أو الباطنة، لانهم هم اكرم خلقه عنده، ففي هذا حث علي تقوي الله ﷿، وانه كلما كان الإنسان اتقي لله فهو اكرم عنده، ولكن الصحابة لا يريدون بهذا السؤال الأكرم عند الله! «قالوا: لسنا عن هذا نسألك» ثم ذكر لهم إن اكرم الخلق يوسف\nابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فانه_ عليه الصلات والسلام_ كان نبيا من سلالة الأنبياء، فكان من اكرم الخلق.","vol":"1","page":522},{"text":"«قالوا: لسنا عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟» معادن العرب يعني أصولهم وأنسابهم! «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» يعني إن اكرم الناس من حيث النسب والمعادن والأصول، هم الخيار في الجاهلية، لكن بشرط إذا فقهوا. فمثلا بنو هاشم من المعروف هم خيار قريش في الإسلام، لكن بشرط إن يفقهوا في دين الله، وان يتعلموا من دين الله، فان لم يكونوا فقهاء فانهم_ وان كانوا من خيار العرب معدنا_ فانهم ليسو اكرم الخلق عند الله، وليسو خيار الخلق. ففي هذا دليل علي إن الإنسان يشرفه بنسبه، لكن بشرط إن يكون ليه فقه في دينه، ولا شك إن النسب له اثر، ولهذا كان بنو هاشم أطيب الناس وأشرفهم نسبا، ومن ثم كان رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي هو اشرف الخلق (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: من الآية١٢٤)، فلولا إن هذا البطن من بني آدم اشرف البطون، ما كان فيه النبي صلي الله عليه وسلم فلا يبعث الرسول صلي الله عليه\nوسلم إلا في اشرف البطون واعلي الأنساب، والشاهد من هذا الحديث قول الرسول صلي الله عليه وسلمان اكرم الخلق اتقاهم لله. فإذا كنت تريد إن تكون كريما عند الله وذا منزلة عنده، فعليك بالتقوى، فكلما كان الإنسان لله اتقي كان عنده اكرم. أسال الله إن يجعلني وإياكم من المتقين.","vol":"1","page":523},{"text":"٧٠_ الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وان الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فان أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» رواه مسلم. الشرح هذا الحديث ساقه المؤلف_ رحمه الله_ لما فيه من أمر النبي صلي الله عليه وسلم بالتقوى، بعد إن ذكر حال الدنيا فقال: «إن الدنيا حلوة خضرة» حلوة في المذاق خضرة في المراي، والشيء إذا كان خضرا حلوا فان العين تطلبه أولا، ثم تطلبه النفس ثانيا، والشيء إذا اجتمع فيه طلب العين وطلب النفس، فانه يوشك للإنسان إن يقع فيه. فالدنيا حلوة في مذاقها، خضرة في مراها، فيغتر الإنسان بها وينهمك فيها ويجعلها اكبر همه، ولكن النبي صلي الله عليه وسلم بين إن الله_ تعالى_ مستخلفنا فيها فينظر كيف نعمل، فقال: «إن الله تعالى\nمستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون» هل تقومون بطاعته، وتنهون النفس عن الهوى، وتقومون بما أوجب الله عليكم، ولا تغترون بالدنيا، أو إن الأمر بالعكس؟ ولهذا قال: «فاتقوا الدنيا» أي: قوموا بما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه، ولا تغرنكم حلاوة الدنيا ونضرتها. كما قال تعالى: (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (لقمان: من الآية٣٣) .","vol":"1","page":524},{"text":"ثم قال: «فاتقوا الدنيا واتقوا النساء»، أي: احذ روهن وهذا يشمل الحذر من المرأة في كيدها مع زوجها، ويشمل أيضا الحذر من النساء وفتنتهن، ولهذا قال: «فان أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» . فافتتنوا في النساء، فضلوا وأضلوا_ والعياذ بالله_ ولذلك نجد أعداءنا وأعداء ديننا_ أعداء شريعة الله عز وجل_ يركزون اليوم علي مسالة النساء، وتبرجهن، واختلاطهن بالرجال، ومشاركتهن للرجال في الأعمال، حتى يصبح الناس كأنهم الحمير، لا يهمهم إلا بطونهم وفروجهم والعياذ بالله، وتصبح النساء وكأنهن دمي، أي صور، لا يهتم الناس إلا بشكل المرأة، كيف يزينوها، وكيف يجملونها، وكيف يأتون لها بالمجملات والمحسنات، وما يتعلق بالشعر، وما يتعلق\nبالجلد، ونتف الشعر، والساق، والذراع، والوجه، وكل شئ، حتى يجعلوا أكبرهم النساء إن تكون المرأة كالصورة من البلاستيك. لا يهمها عبادة ولا يهمها أولاد. ثم إن أعداءنا_ أعداء دين الله، وأعداء شريعته، وأعداء الحياء_ يريدون إن يقحموا المرأة في وظائف الرجال، حتى يضيقوا علي الرجال الخناق، ويجعلوا الشباب يتسكعون في الأسواق، ليس لهم شغل، ويحصل من فراغهم هذا شر كبير وفتنة عظيمة، لان الشباب والفراغ والغني من اعظم المفاسد كما قيل: إن الشباب والفراغ والجد ... مفسدة للمرء أي مفسده","vol":"1","page":525},{"text":"فهم يقحمون النساء الآن بالوظائف الرجالية ويدعون الشباب، ليفسد الشباب وليفسد النساء. أتدرون ماذا يحدث؟ يجدث بتوظيفهن مع الرجال مفسدة الاختلاط، ومفسدة الزنا والفاحشة، سواء في زني العين، أو زني اللسان، أو زني اليد، أو زني الفرج، كل ذلك محتمل إذا كانت المرأة مع الرجل في الوظيفة. وما اكثر الفساد في البلاد التي بتوظف الرجال فيها مع النساء. ثم إن المرأة إذا وظفت، فإنها سوف تنعزل عن بيتها، وعن زوجها، وتصبح الآسرة متفككة، ثم إنها إذا وظفت سوف يحتاج البيت إلى خادم، وحيئذ نستجلب نساء العالم من كل مكان، وعلي كل دين، وعلي كل خلق، ولو كان\nالدين علي غير دين الإسلام، ولو كان الخلق خلقا فاسدا، نستجلب النساء ليكن خدما في البيوت، ونجعل نساءنا تعمل في محل رجالنا، فنعطل رجالنا ونشغل نساءنا، وهذا أيضا فيه مفسدة عظيمة وهي تفكك الأسرة، لان الطفل إذا نشا وليس أمامه إلا الخادم، نسي أمه ونسي أباه، وفقد الطفل تعلقه بهما. ففسدت البيوت، وتشتت الأسر، وحصل في ذلك من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله. ولا شك إن أعداءنا وأذناب أعداءنا_ لأنه يوجد فينا أذناب لهؤلاء الأعداء، درسوا عندهم وتلطخوا بأفكارهم السيئة، ولا أقول انهم غسلوا أدمغتهم، بل أقول انهم لوثوا أدمغتهم بهذه الأفكار الخبيثة المعارضة لدين الإسلام_ وقد يقولون: إن هذا لا يعارض العقيدة، بل نقول انه يهدم العقيدة بان يقول الإنسان بان الله له شريك، أو إن","vol":"1","page":526},{"text":"الله ليس موجودا وما أشبه فحسب، بل هذه المعاصي تهدم العقيدة هدما، لان الإنسان يبقي ويكون كأنه ثور أو حمار، لا يهتم بالعقيدة ولا بالعبادة، لأنه متعلق بالدنيا وزخارفها وبالنساء، وقد جاء في الحديث الصحيح: «ما تركت بعدي الضر علي الرجال من النساء» . ولهذا يجب علينا نحن_ ونحن_ والحمد لله_ أمة مسلمة_ إن نعارض هذه الأفكار، وان نقف ضدها في كل\nمكان وفي كل مناسبة، علما بأنه يوجد عندنا قوم_ لا أكثرهم الله ولا أنالهم مقصودهم_ يريدون هذا الأمر، ويريدون الفتنة والشر لهذا البلد المسلم المسالم المحافظ، لانهم يعلمون إن آخر معقل للمسلمين هو هذه البلاد، التي تشمل مقدسات المسلمين، وقبلة المسلمين، ليفسدوها حتى تفسد الأمة الإسلامية كلها، فكل الأمة الإسلامية ينظرون إلى هذه البلاد ماذا تفعل، فإذا انهدم الحياء والدين في هذه البلاد فسلام عليهم، وسلام علي الدين والحياء. لهذا أقول، يا إخواني، يجب علينا شبابا، وكهولا، وشيوخا، وعلماء، ومتعلمين، إن نعارض هذه الأفكار، وان نقيم الناس كلهم ضدها، حتى لا تسري فينا سريان النار في الهشيم فتحرقنا، نسأل الله تعالى إن يجعل كيد هؤلاء الذين يدبرون مثل هذه الأمور في نحورهم، وان لا يبلغهم منالهم، وان يكبتهم برجال صالحين حتى تخمد فتنتهم، انه جواد كريم.","vol":"1","page":527},{"text":"٧١_ الثالث: عن أبي مسعود ﵁ إن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقول: اللهم أني أسألك الهدي والتقي والعفاف والغني» رواه مسلم الشرح من الأحاديث التي أوردها المصنف_ رحمه الله_ في باب التقوى هذا الحديث: إن النبي ﵊ كان يدعوا الله_ عز\nوجل_ بهذا الدعاء: «اللهم أني أسألك الهدي والتقي والعفاف والغني» . «الهدي» هنا بمعني العلم، والنبي صلي الله عليه وسلم محتاج إلى العلن كغيره من الناس، لان الله ﷾ قال له: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: من الآية١١٤) . وقال الله له: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء: من الآية١١٣)، فهو ﵊ محتاج إلى العلم، فيسال الله الهدي. والهدي إذا ذكر وحده يشمل العلم والتوفيق للحق، أما إذا قرن معه ما يدل علي التوفيق للحق فانه يفسر بمعني العلم، لان الأصل في اللغة العربية إن العطف يقتضي المغايرة، فيكون الهدي له معني، وما بعده مما يدل علي التوفيق له معني آخر. وأما قوله: «والتقي» فالمراد بالتقي هنا: تقوي الله ﷿، فسال","vol":"1","page":528},{"text":"النبي صلي الله عليه مسلم ربه التقي أي: إن يوفقه إلى تقوي الله، لان الله_ عز وجل_ هو الذي بيده مقاليد كل شئ، فإذا وكل العبد إلى نفسه ضاع ولم يحصل علي شئ، فإذا وفقه الله ﷿، ورزقه التقي، صار مستقيما علي تقوي الله ﷿.\nوأما قوله: «العفاف» فالمراد به إن يمن الله عليه بالعفاف والعفة عن كل ما حرم الله عليه، فيكون عطفه علي التقوى من باب عطف الخاص علي العام، إن خصصنا العفاف بالعفاف عن شئ معين، وإلا فهو من باب عطف المترادفين. فالعفاف: إن يعف عن كل ما حرم الله عليه فيما يتعلق بجميع المحارم التي حرمها الله ﷿. وأما «الغني» فالمراد به الغني عما سوي الله، أي: الغني عن الخلق، بحيث لا يفتقر الإنسان إلى أحد سوي ربه ﷿. والإنسان إذا وفقه الله ومن عليه بالاستغناء عن الخلق، صار عزيز النفس غير ذليل، لان الحاجة إلى الخلق ذل ومهانة، والحاجة إلى الله تعالى عز وعبادة، فهو ﵊ يسال الله ﷿ الغني. فينبغي لنا إن نقتدي بالرسول ﵊ في هذا الدعاء، وان نسأل الله الهدي والتقي والعفاف والغني. وفي هذا الحديث دليل علي إن النبي صلي الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وان الذي يملك ذلك هو الله. وفي دليل أيضا علي أبطال من تعلقوا بالأولياء والصالحين في جلب","vol":"1","page":529},{"text":"المنافع ودفع المضار، كما يفعل بعض الجهال الذين يدعون الرسول ﵊ إذا كانوا عند قبره، أو يدعون من يزعمون أهم\nأولياء من دون الله، فان هؤلاء ضالون في دينهم، سفهاء في عقولهم، لان هؤلاء المدعوين هم بأنفسهم لا يملكون لأنفسهم شيئا، قال الله تعالى لنبيه صلي الله عليه وسلم (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) (الأنعام: من الآية٥٠)، وقال له: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) (لأعراف: من الآية١٨٨)، وقال له:) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) (الجن: ٢٢، ٢١) . فالإنسان يجب إن يعلم إن البشر مهما أتوا من الوجاهة عند الله ﷿، ومن النزلة والمرتبة عند الله، فانهم ليسوا بمستحقين إن يدعوا من دون الله، بل انهم_ اعني من لهم جاه عند الله من الأنبياء والصالحين_ يبرؤون تبرؤنا تاما ممن يدعونهم من دون الله ﷿. قال عيسي ﵊ لما قال له الله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ\nلِي بِحَقٍّ) (المائدة: من الآية١١٦)، ليس من حق عيسي ولا غيره إن يقول للناس اتخذوني إلها من دون الله: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) (المائدة: من الآية١١٧، ١١٦) . فالحاصل إنما نسمع عن بعض جهال المسلمين في بعض الأقطار الإسلامية، الذين يأتون إلى قبور من يزعموهم أولياء، فيدعون هؤلاء الأولياء، فان هذا العمل سفه في العقل، وزلال في الدين. وهؤلاء لن","vol":"1","page":530},{"text":"ينفعوا أحدا أبدا، فهم جثث هامدة، هم بانفهم لا يستطيعون الحراك فكيف يتحركون لغيرهم، والله الموفق. ٧٢_ الرابع: عن أبي طريف عدي بن حاتم الطائي ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «من حلف علي يمين ثم راء اتقي الله منها فليأت التقوى رواه مسلم الشرح اليمين هي الحلف بالله ﷿، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، ولا يجوز الحلف بغير الله، لا بالنبي صلي الله عليه وسلم، ولا جبريل ﵊، ولا بأي أحد من الخلق، لقول النبي صلي\nالله عليه وسلم: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» . وقال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» فمن حلف بغير الله فهو آثم، ولا يمين عليه، لأنها يمين غير منعقدة،","vol":"1","page":531},{"text":"لقول النبي صلي الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد» . ولا ينبغي للإنسان إن يكثر من اليمين، فان هذا هو معني قوله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) (المائدة: من الآية٨٩)، علي راء بعض المفسرين، قالوا: واحفظوا إيمانكم: أي لا تكثروا الحلف بالله، وإذا حلفت ينبغي إن تقيد اليمين بالمشيئة، فتقول: والله إن شاء الله، لتستفيد بذلك فائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: إن يتيسر لك ما حلفت عليه. والفائدة الثانية: انك لو حنثت فلا كفارة عليك، فمن حلف علي يمين وقال إنشاء الله لم يحنث، ولو خالف ما حلف عليه، ولكن اليمين التي توجب الكفارة هي اليمين علي شئ مستقبل، أما اليمين علي شئ ماضي فلا كفارة فيها، ولكن إن كان الحالف كاذبا فهو آثم، وان كان صادقا فلا شئ عليه، ومثال هذا لو قال قائل: والله ما فعلت كذا! فهنا ليس عليه كفارة صدق أو كذب، لكن إن كان صادقا انه لم يفعله فهو سالم من الإثم، وان كان كاذبا بان كان قد فعله\nفهو آثم. وأما اليمين التي فيها الكفارة فهي اليمين علي شئ مستقبل، فإذا حلفت علي شئ مستقبل فقلت: والله لا افعل كذا، فهنا نقول: إن فعلته فعليك الكفارة، وان لم تفعله فلا كفارة عليك، والله لا افعل كذا، فهذه يمين","vol":"1","page":532},{"text":"منعقدة، فان فعلته وجبت عليك الكفارة، وان لم تفعله فلا كفارة عليك، ولكن: هل الأفضل إن افعل ما حلفت علي تركه، أو الأفضل إن لا افعل؟ في هذا الحديث بين النبي ﵊: انك إذا حلفت علي يمين، ورأيت غيرها اتقي لله منها، فكفر عن يمينك، وات الذي هو اتقي. فإذا قال قائل: والله لا اكلم فلانا، وهو مسلم، فان التقي لله إن تكلمه، لان هجر المسلم حرام، فكلمه وكفر عن يمينك، لان هذا اتقي لله ولو قلت: والله لا ازور قريبي، فهنا نقول: زيارة القريب صلة رحم، وصلة الرحم واجبة، فصل قريبك، وكفر عن يمينك، لان النبي ﵊ يقول: «فراء غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه فليأت الذي هو خير» وعلي هذا فقس والخلاصة إن نقول: اليمين علي شئ ماض لا يبحث فيها عن الكفارة، لأنه ليس فيها الكفارة، لكن أما إن يكون الحالف سالما أو يكون آثما. فان كان كاذبا فهو آثم، وان كان صادقا فهو سالما. واليمين\nعلي المستقبل هي التي فيها الكفارة، فإذا حلف الإنسان علي شئ مستقبل وخالف ما حلف عليه، وجبت عليه الكفارة، إلا إن يقرن يمينه بمشيئة الله، فيقول إن شاء الله، فهذا لا كفارة عليه ولو خالف. والله الموفق.","vol":"1","page":533},{"text":"٧٣_ الخامس: عن أبي إمامة صدي بن عجلان الباهي ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم» رواه الترمذي، في آخر كتاب الصلاة وقال: حديث حسن صحيح» . الشرح كانت خطب الرسول ﵊ علي قسمين: خطب راتبة وخطب عارضة. فأما الراتبة: فهي خطبة في الجمع والأعياد، فانه صلي الله عليه وسلم كان يخطب الناس في كل جمعة وفي كل عيد، واختلف العلماء_ رحمهم الله_ في خطبة صلاة الكسوف، هل هي راتبة أو عارضة، وسبب اختلافهم: إن الكسوف لم يقع في عهد النبي صلي الله عليه وسلم إلا مرة واحدة، ولما صلي قام فخطب الناس ﵊، فذهب بعض العلماء فذهب بعض العلماء إلى إنها من الخطب الراتبة، وقال: إن الأصل إن ما شرعه النبي صلي الله عليه وسلم فهو ثابت مستقر، ولم يقع الكسوف مرة\nأخرى فيترك النبي صلي الله عليه وسلم الخطبة، حتى نقول إنها من الخطب العارضة. وقال بعض العلماء: بل هي من الخطب العارضة، التي إن كان لها ما","vol":"1","page":534},{"text":"يدعوا إلها خطب وإلا فلا، ولكن الأقرب إنها من الخطب الراتبة، وانه يسن للإنسان إذا صلي صلاة الكسوف إن يقوم فيخطب الناس ويذكرهم ويخوفكم كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم. أما الخطب العارضة فهي التي يخطبها عند الحاجة أليها، مثل خطبته صلي الله عليه وسلم حينما اشترط أهل بريرة_ وهي جارية اشترتها عائشة رضي الله عنها_ فاشترط أهلها إن يكون الولاء لهم، ولكن عائشة_ رضي الله عنها_ لم تقبل بذلك، فأخبرت النبي صلي الله عليه وسلم فقال: «خذيها فاعتقيها، واشترطي لهم الولاء، ثم قام فخطب الناس واخبرهم إن الولاء لمن اعتق» . وكذلك خطبته حين شفع أسامة بن زيد_ رضي الله عنه_ في المرأة المخزومية، التي كانت تستعير المتاع فتجدده، فأمر النبي صلي الله عليه وسلم إن تقطع يدها، فاهم قريشا شانها، فطلبوا من يشفع لها إلى الرسول صلي الله عليه وسلم، فطلبوا من أسامة بن زيد_ رضي الله عنهما_ إن يشفع، فشفع، ولكن النبي صلي الله عليه وسلم قال له: «أتشفع في حد من حدود الله» ثم قال (\n(فخطب الناس واخبرهم بان الذي اهلك من كان قبلنا انهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد» وفي حجة الوداع خطب النبي صلي الله عليه وسلم يوم عرفة، وخطب يوم النحر، ووعظ الناس وذكرهم، وهذه خطبة من الخطب الرواتب التي يسن لقائد","vol":"1","page":535},{"text":"الحجيج إن يخب الناس كما خطبهم النبي صلي الله عليه وسلم. وكان من جملة ما ذكر في خطبته في حجة الوداع، انه قال: «يا أيها الناس اتقوا ربكم» وهذه كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) (النساء: من الآية١)، فأمر الرسول صلي الله عليه وسلم الناس جميعا إن يتقوا ربهم الذي خلقهم، وأمدهم بنعمه، واعدهم لقبول رسالاته، فأمرهم إن يتقوا الله. وقوله: «وصلوا خمسكم» أي: صلوا الصلوات الخمس التي فرضها الله_ عز وجل_ علي رسوله صلي الله عليه وسلم. وقوله: «وصوموا شهركم» أي: شهر رمضان. وقوله: «وأدوا زكاة أموالكم» أي: أعطوها مستحقيها ولا تبخلوا بها. وقوله: «أطيعوا أمراءكم» أي: من جعلهم الله أمراء عليكم، وهذا يشمل أمراء المناطق والبلدان، ويشمل الأمير العام: أي أمير الدولة كلها، فان الواجب علي الرعية طاعتهم في غير معصية\nالله، أما في معصية الله فلا تجوز طاعتهم ولو أمروا بذلك، لان طاعة المخلوق لا تقدم علي طاعة الخالق جل وعلا، ولهذا قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: من الآية٥٩) . فعطف طاعة ولاة الأمور علي طاعة الله تعالى ورسوله صلي الله عليه وسلم وهذا يدل علي إنها تابعة، لان المعطوف تابع للمعطوف عليها مستقل، ولهذا تجد إن الله جل وعلا قال: (اأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) (النساء: من الآية٥٩)، فأتى بالفعل ليتبن بذلك إن طاعة النبي صلي الله عليه وسلم طاعة مستقلة أي: تجب طاعته استقلالا كما تجب طاعة الله، ومع هذا فان طاعته من طاعة الله واجبة، فان النبي صلي الله عليه وسلم","vol":"1","page":536},{"text":"لا يأمر إلا بما يرضي الله، أما غيره من ولاة الأمور فانهم قد يأمرون بغير ما يرضي الله، ولهذا جعل طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله. ولا يجوز للإنسان إن يعصي ولاة الأمور في غير معصية الله ويقول إن هذا ليس بدين، لان بعض الجهال، إذا نظم ولاة الأمور أنظمة لا تخالف الشرع، قال: لا يلزمني إن أقوم بهذه الأنظمة، لأنها ليست بشرع، لأنها لا توجد في كتاب الله\nتعالى، ولا في سنة رسوله صلي الله عليه وسلم، وهذا من جهله، بل نقول: إن امتثال هذه الأنظمة موجود في كتاب الله، موجود في سنة الرسول ﵊، قال الله:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) وورد عن النبي ﵊ في أحاديث كثيرة انه أمر بطاعة ولاة الأمور، ومنها هذا الحديث، فطاعة ولاة الأمور فيما ينظمونه مما لا يخالف أمر الله تعالى ورسوله صلي الله عليه وسلم مما أمر الله به ورسوله صلي الله عليه وسلم. ولو كنا لا نطيع ولاة الأمور إلا بما أمر الله تعالى به ورسوله صلي الله عليه وسلم لم يكن للأمر بطاعتهم فائدة، لان طاعة الله تعالى ورسوله مأمور بها، سواء أمر بها ولاة الأمور أم لم يأمروا بها، فهذه الأمور التي أوصى بها النبي صلي الله عليه وسلم في حجة الوداع: تقوي الله، والصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، وطاعة ولاة الأمور، هذه من الأمور الهامة التي يجب علي الإنسان إن يعتني بها، وان يمتثل أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم فيها، والله اعلم.","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>٧- باب اليقين والتوكل</span>\nقال الله تعالى: (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب: ٢٢)، وقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (آل عمران: ١٧٤، ١٧٣)، وقال تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) (الفرقان: من الآية٥٨)، وقال تعالى:) وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (إبراهيم: من الآية١١)، وقال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران: من الآية١٥٩)، والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة. وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: من الآية٣)، أي: كافية. وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ\nوَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (لأنفال: ٢)، والآيات في فضل التوكل كثيرة معروفة. الشرح جمع المؤلف بين اليقين والتوكل، لان التوكل ثمرة من ثمرات اليقين، فاليقين هو قوة الإيمان والثبات، حتى كان الإنسان يري بعينه ما اخبر الله به رسوله من شدة يقينه، فاليقين هو ثبات وإيمان ليس معه شك بوجه من الوجوه، فيري الغائب الذي اخبر الله_ تعالى_ عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم كأنه حاضر بين يديه، وهو اعلي درجات الإيمان!","vol":"1","page":538},{"text":"هذا اليقين يثمر ثمرات جليلة، منها التوكل علي الله ﷿، والتوكل علي الله اعاتماد الإنسان علي ربه_ عز وجل_ في ظاهره وباطنه، في جلب المنافع ودفع المضار: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: من الآية٣) . ففي هاتين المرتبتين_ اليقين والتوكل_ يحصل للإنسان مقصده في الدنيا والآخرة، ويستريح ويعيش مطمئنا سعيدا، لأنه موقن بكل ما اخبر الله به ورسوله ومتوكل علي الله ﷿. ثم ذكر المؤلف آيات في هذا الباب، منها قوله تعالى: (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ\nوَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) . الأحزاب: طوائف من قبائل متعددة تألبوا علي رسول الله صلي الله عليه وسلم واجتمعوا علي حربه، وتجمع نحو عشرة آلاف مقاتل من قريش وغيرهم، وحاصروا المدينة، ليقضوا علي النبي صلي الله عليه وسلم، وحصل في هذه الغزوة أزمة عظيمة علي أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالي في وصفها: (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) من شدة الخوف (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) الظنون البعيدة) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) فاقسم الناس في هذه الأزمة العصيبة العظيمة إلى قسمين، بينهما الله_ عز وجل_ في هذه الآيات قال: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) . القسم الأول: قال الله عنهم:) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) (الأحزاب: ١٢) المنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، والذين في قلوبهم مرض من المؤمنين وعندهم نقص في يقينهم،","vol":"1","page":539},{"text":"قالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، قالوا: كيف يقول\nمحمد انه سيفتح كسري ويقصر وصنعاء، وهو الآن محاصر من هؤلاء الناس. كيف يمكن هذا؟ فقالوا:) مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) (الأحزاب: من الآية١٢) . أما القسم الثاني: المؤمن، قال الله عنهم:) وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (الأحزاب: من الآية٢٢) وانظر إلى الفرق بين الطائفتين، هؤلاء لما رأوا الأحزاب، ورأوا هذه الشدة، علموا انه سيعقبها نصر وفرج، وقالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فسيكون النصر وستفتح ممالك قيصر وكسري واليمن، وهكذا كان ولله الحمد.\n\nوالشاهد قوله: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (الأحزاب: من الآية٢٢) وهذا غاية اليقين، إن يكون الإنسان عند الشدائد، وعند الكرب، ثابتا مؤمنا موقنا، عكس من كان توكله ويقينه ضعيفا، فانه عند المصائب والكرب ربما ينقلب على وجهه، كما قال الله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) (الحج: من الآية١١) أي على طرف (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج: من الآية١١) .\nكثير من الناس ما دام على عافية فهو مطمئن، ولكن إذا ابتلي_ والعياذ بالله_ انقلب على وجهه، فربما يصل إلى حد الردة والكفر، ويعترض على الله بالقضاء والقدر، ويكره تقدير الله، وبالتالي يكره الله_ والعياذ بالله، لأنه كان في الأول لم يصبه أذى ولا فتنة، ولكنه في الثاني أصابته الفتنة فانقلب على وجهه.","vol":"1","page":540},{"text":"وفي هذه الآيات وأشباهها دليل على انه ينبغي للإنسان إن يخاف، ويوجل، ويخشى من زيغ القلب، ويسال الله دائما الثبات، فانه ما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه كيف يشاء، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه والعياذ بالله.\nفنسال الله مقلب القلوب إن يثبت قلوبنا على طاعته، وإن يرزقنا الاستقامة على دينه والثبات عليه.\nالآية الثانية: قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: ١٧٣) .\n\nهذه الآية نزلت في الصحابة_ رضي الله عنهم_ حيث حصل عليهم ما حصل في غزوة أحد، مما أصابهم من القرح والجروح الشهداء، فقيل لهم: إن أبا سفيان كان قد عزم على الكرة عليكم، وجمع لكم الناس، فندبهم النبي ﵊ إلى ملاقاته ومقابلته، فاستجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ووأصيبوا بهذه النكبة العظيمة، فقتل منهم سبعون رجلا استشهدوا في سبيل الله، وحصل للنبي ﷺ ولغيره من صحابته_ رضي الله عنهم_ ما حصل، ومع هذا استجابوا لله وللرسول.\nقال الله تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظم (ِ١٧٢الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) (آل عمران: من الآية١٧٣)، يعني إن أبا سفيان ومن معه ممن بقي من كبراء قريش جمعوا للنبي ﷺ يريدون استئصاله، ولكن يأبى الله إلا إن يتم نوره.\nقيل للصحابة: اخشوا هؤلاء، ولكنهم ازدادوا إيمانا لان المؤمن","vol":"1","page":541},{"text":"كلما اشتدت به الأزمات ازداد إيمانا بالله، لأنه يؤمن بان النصر مع الصبر وإن الفرج مع الكرب وإن مع العسر يسران ولهذا زادهم إيمانا هذا القول وقالوا: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (حَسْبُنَا) أي كافينا في مهماتنا وملماتنا (وَنِعْمَ الْوَكِيل) انه نعم الكافي جل وعلا فانه نعم المولى ونعم النصير.\nولكنه إنما يكون ناصرا لمن انتصر به واستنصر به، فانه_ عز وجل_ اكرم الاكرمين وأجود الاجودين، فإذا اتجه الإنسان إليه في أموره، أعانه وساعده وتولاه، ولكن البلاء من بني ادم، حيث يكون الإعراض كثيرا في الإنسان، ويعتمد على الأمور المادية دون الأمور المعنوية.\n\nقال تعالى: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) ذهبوا ولكنهم لم يجدوا كيدا، وآبو سفيان ومن معه ولوا على أدبارهم، ولم يكروا على الرسول ﷺ، فكتبت للصحابة رضي الله عنهم_ غزوة من غير قتال. كتبت هذه الرجعة غزوة من غير قتال، قال الله تعالى: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (آل عمران: ١٧٤) .\nثم قال: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٧٥) .\n(يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أي: يخوفكم انتم أولياءه، أي: يلقي في قلوبكم الخوف من أوليائه، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين.\nفالشيطان يأتي إلى المؤمن، يقول: أحذر إن تتكلم في فلان، لأنه ربما يسجنكن وربما يفعل كذا وكذا، فيخوفكن ولكن المؤمن لا يمكن","vol":"1","page":542},{"text":"إن يخاف أولياء الشيطان، لان الله قال: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (النساء: من الآية٧٦) بالنسبة للحق.\n\nفعلى الإنسان إن لا يخاف في الله لومة لائم، وإن لا يخاف إلا الله، ولكن يجب إن يكون سيره على هدى من الله ﷿، فإذا كان سيره على هدى من الله، فلا يخاف أحدا.\nالآية الثالثة: قوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) (الفرقان: من الآية٥٨) وهو الله ﷿، اعتمد عليه في أمورك كلها، دقيقها وجليلها، لان الله_ عز وجل_ إذا لم ييسر لك الأمور لم يتيسر لك، ومن أسباب تيسيره، أن تتوكل عليه، لا سيما إذا داهمتك الأمور، وكثرت الهموم، وازدادت الخطوب، فانه لا ملجأ لك إلا الله ﷿، فعليك بالتوكل عليه والاعتماد عليه حتى يكفيك.\nوفي قوله تعالى: (الَّذِي لا يَمُوتُ) دليل على امتناع الموت على الرب ﷿، قال الله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن: ٢٧)، فالله عز وجل_ لا يموت لكمال حياته، فانه هو الأول الذي ليس قبله شئ، وهو الآخر الذي ليس بعده شئ، ثم انه سبحانه وتعالى_ لا ينام أيضا، لكمال حياته وقيوميته قال الله تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) (البقرة: من الآية٢٥٥) أما الإنس والجن فانهم ينامون ويموتون، وأما الرب_ عز وجل_ فانه لا ينام، لأنه غني عن النوم، أما البشر فانهم في حاجة إلى النوم، لان الأبدان تتعب وتسام وتمل، والنوم راحة عما مضى من التعب، وتجديد نشاط عما","vol":"1","page":543},{"text":"يستقبل من العمل، وأما الله ﷾ فلا تأخذه سنة ولا نوم.\nوقال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: من الآية٣) أي: كافيه، فإذا توكلت على الله كفاك كل شئ، وإذا توكلت على غير الله وكلك الله عليه، ولكنك تخذل ولا تتحقق لك أمورك.\n\nوقال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (: ٢» الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) (لأنفال: من الآية٤) .\nقوله: (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ) أي: إذا ذكرت عظمته وجلاله وسلطانه، خافت القلوب، ووجلتن وتأثر الإنسان، حتى إن بعض السلف إذا تليت عليه آيات الخوف يمرض أياما حتى يعوده الناس، أما نحن فقلوبنا قاسية، نسأل الله إن يلينهان فانه تتلى علينا آيات الخوف وتمر وكأنها شراب بارد، فلا نتأثر بذلك، ولا نتعظ إلا من رحم الله، نسأل الله العافية.\nلكن المؤمن: هو الذي إذا ذكر الله وجل قلبه وخاف.\nكان بعض السلف إذا قيل له: اتق الله ارتعد، حتى يسقط ما في يده. (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (لأنفال: من الآية٢) إذا سمعوا كلام الله_ عز وجل_ ازدادوا إيمانا من وجهين:\nالوجه الأول: التصديق بما اخبر الله به من أمور الغيب الماضية والمستقبلة.\n\nالوجه الثاني: القبول والإذعان لأحكام الله، فيمتثلون ما أمر الله به، فيزداد بذلك إيمانهم وينتهون عما نهى الله عنه، تقربا إليه وخوفا منه،","vol":"1","page":544},{"text":"فيزداد أيمانهم فهم إذا تليت عليهم آياته ازدادوا إيمان من هذين الوجهين.\nوهكذا إذا رأيت من نفسك انك كلما تلوت القران ازددت إيمانا، فان هذا من علامات التوفيق.\nأما إذا كنت تقرا القران ولا تتأثر به، فعليك بمداواة نفسك، لا أقول إن تذهب إلى المستشفى، لتأخذ جرعة من حبوب أو مياه أو غيرها، ولكن عليك بمداواة القلب، فان القلب إذا لم ينتفع بالقران ولم يتعظ به، فانه قلب قاس مريض، نسأل الله العافية.\nفأنت يا أخي طبيب نفسكن لا تذهب إلى الناس، أقرا القران فان رأيت انك تتأثر به إيمان وتصديقا وامتثالا فهنئا لك، فأنت مؤمن، وإلا فعليك بالدواء، داو نفسك من قبل إن يأتيك موت لا حياة بعده، وهو موت القلب، أما موت الجسد فبعده حياة، وبعده بعث وجزاء وحساب.\nوقوله ﷿: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) على ربهم فقط يتوكلون! أي: يفوضون أمورهم كلها إلى مالكهم ومدبرهم خاصة، لا إلى أحد سواه، كما يدل عليه تقديم المعمول على عامله، والجملة معطوفة على الصلة، إشارة إلى الاختصاص والحصر، وانهم لا يتوكلون إلا على الله عز وجلن لان غير الله إذا توكلت عليه، فإنما توكلت على شخص مثلك، ولا يحرص على منفعتك كما تحرص أنت على منفعة نفسك، ولكن اعتمد على الله_عز وجل_ في أمور دينك ودنياك.\n\n(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) .","vol":"1","page":545},{"text":"يقيمون الصلاة: يأتون بها مستقيمة بواجباتها وشروطها وأركانها، ويكملونها بمكملاتها، ومن ذلك إن يصلوها في أوقاتها، ومن ذلك إن يصلوها مع المسلمين في مساجدهم، لان صلاة الجماعة كان لا يختلف عنها إلا منافق أو معذور، قال ابن مسعود رصي الله عنه: «لقد رايتنا_ يعني مع الرسول عليه الصلاة والسلام_ وما يختلف عنها_ أي عن الصلاة_ إلا منافق معلوم النفاق أو مريض، ولقد كان الرجل يؤتي به يهادي بين الرجلين، يعني مريض ويحمله رجلان اثنان، حتى يقام في الصف» لا يثنيهم عن الحضور إلى المساجد حتى المرض ﵃. أما كثير من الناس اليوم، فانهم علي العكس من ذلك، فتراهم يتكاسلون ويتأخرون عن صلاة الجماعة. ولهذا لو قارنت بين الصلوات النهارية وصلاة الفجر، لرأيت فرقا بينا، لان الناس يلحقهم الكسل في صلاة الفجر من نوم، ولا يهتمون بها كثيرا. (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (البقرة: من الآية٣) أي: ينفقون أموالهم في مرضاة الله، وحسب أوامر الله، وفي المحل المناسب. (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) (لأنفال: من الآية٧٤) حقا: توكيد\nللجملة التي قبلها، أي: أحق ذلك حقا. (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال: من الآية٧٤) نسأل الله إن يجعلنا وإياكم منهم بمنه وكرمه،","vol":"1","page":546},{"text":"انه جواد كريم. وأما الأحاديث: ٧٤_ فالأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت انهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي هذه أمتك، ومعهم سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلي الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئا_ وذكروا أشياء_ فخرج عليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: «ما الذي تخوضون فيه؟» فاخبروه فقال: «هم الذين لا يرون، ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلي ربهم يتوكلون» فقام عكاشة بن محصن فقال، ادع الله إن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم)\n) ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله إن يجعلني منهم فقال: «سبقك بها عكاشة» متفق عليه.","vol":"1","page":547},{"text":"«الرهيط» بضم الراء: تصغير رهط، وهم دون عشرة انفس. «والأفق»: الناحية والجانب. «وعكاشة» بضم العين وتشديد الكاف وبتخفيفها والتشديد افصح. الشرح بعدما ساق المؤلف_ رحمه الله تعالى_ الآيات، ذكر هذا الحديث العظيم، الذي اخبر فيه النبي صلي الله عليه وسلم إن الأمم عرضت عليه، أي: أرى الأمم ﵊ وأنبياءهم. يقول: «فرأيت النبي ومعه الرهيط» أي: معه الرهط القليل، ما بين الثلاثة إلى العشرة. «والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» أي: إن الأنبياء_ عليهم الصلاة والسلام_ ليسوا كلهم قد أطاعهم قوهم، بل بعضهم لم يطعه أحد من قومهم، وبعضهم أطاعه الرهط، وبعضهم أطاعه الرجل والرجلان، وانظر إن نوحا ﵊ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يذكرهم بالله، ويدعوهم إلى الله، قال الله تعالى: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (هود: من الآية٤٠)، كل هذه المدة ولم يلق منهم قبولا، بل ولا سلم من شرهم، قال نوح: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا\nأَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) (نوح: ٧)، وكانوا يمرون به ويسخرون منه. يقول: «رفع لي سواد» أي: بشر كثير فيهم جهمة من كثرتهم فظننت انهم أمتي فقيل لي هذا موسى وقومه» لان موسى من اثر الأنبياء اتباعا،","vol":"1","page":548},{"text":"بعث في بني إسرائيل، وانزل الله عليه التوراة التي هي أم الكتب الإسرائيلية. قال: «ثم قيل لي انظر! فنظرت إلى الأفق فإذا سواد عظيم_ وفي لفظ: قد سد الأفق_ فقيل: انظر الأفق الثاني! فنظرت إليه فإذا سواد عظيم، فقيل لي هذه أمتك» فالرسول صلي الله عليه وسلم اكثر الأنبياء تابعا، لأنه منذ بعث إلى يوم القيامة والناس يتبعونه، صلوات الله وسلامه عليه، فكان اكثر الأنبياء تابعا، قد ملا اتباعه ما بين الأفقين. «ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» أي: مع هذه الأمة سبعون ألفا يدخلون الجنة، لا يحاسبون، ولا يعذبون، من الموقف إلى الجنة بدون حساب ولا عذاب! اللهم اجعلنا منهم. وقد ورد إن مع كل واحد من السبعين ألف سبعين ألفا أيضا. «ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك ... قال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلي الله\nعليه وسلم_ يعني لعلهم الصحابة رضي الله عنهم_، وقال آخرون: «لعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئا وذكروا أشياء» وكل أتى بما يظن، فخرج عليهم النبي صلي الله عليه وسلم فسألهم عما يخوضون فيه فاخبروه فقال صلي الله عليه وسلم «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتبون ولا يتطيرون وعلي ربهم يتوكلون» هذا لفظ مسلم وفيه: «لا يرقون» . والمؤلف ﵀ قال: انه متفق عليه، وكان ينبغي إن يبين إن هذا اللفظ لفظ مسلم فقط دون رواية البخاري، وذلك إن قوله: «لا يرقون»","vol":"1","page":549},{"text":"كلمة غير صحيحة، ولا تصح عن النبي علبه الصلاة والسلام، لان معني «لا يرقون» أي لا يقرؤون علي المرضي، وهذا باطل، فان الرسول ﵊ كان يرقي المرضي. وأيضا القراءة علي المرضي إحسان، فكيف يكون انتفاؤها سببا لدخول الجنة بغير حساب ولا عذاب. فالمهم إن هذه اللفظة لفظة شاذة، وخطا لا يجوز اعتمادها، والصواب: «هم الذين لا يسترقون» أي: لا يطلبون من أحد إن يقرا عليهم إذا أصابهم شئ، لانهم معتمدون علي الله، ولان الطلب فيه شئ من الذل، لأنه سؤال الغير، فربما تحرجه ولا يريد إن يقرا، وربما إذا قرا عليك لا يبرا\nالمرض فتتهمه، وما أشبه ذلك، لهذا قال لا يسترقون. قوله: «ولا يكتوون» يعني: لا يطلبون من أحد إن يكويهم إذا مرضوا، لان الكي عذاب بالنار، لا يلجا إليه إلا عند الحاجة. وقوله: «ولا يتطيرون» يعني: لا يتشاءمون لا بمرئي، ولا بمسموع، ولا بمشموم، ولا بمذوق، يعني: لا يتطيرون أبدا. وقد كان العرب في الجاهلية يتطيرون، فإذا طار الطير وذهب نحو اليسار تشاءموا، وإذا رجع تشاءموا، وإذا تقدم نحو الإمام صار لهم نظر آخر، وكذلك نحو اليمين وهكذا. والطيرة محرمة، لا يجوز لاحد إن يتطير لا بطيور، ولا بأيام، ولا بشهور، ولا بغيرها، وتطير العرب فيما سبق بشهر شوال إذا تزوج الإنسان فيه، ويقولون: إن الإنسان إذا تزوج في شهر شوال لم يوفق، فكانت","vol":"1","page":550},{"text":"عائشة ﵂ تقول: «سبحان الله، إن النبي صلي الله عليه وسلم تزوجها في شوال، ودخل بها في شوال، وكانت احب نسائه إليه» كيف يقال إن الذي يتزوج في شوال لا يوفق. وكانوا يتشاءمون بيوم الأربعاء، ويوم الأربعاء يوم كأيام الأسبوع ليس فيه تشاؤم. وكان بعضهم يتشاءم بالوجوه، إذا راء وجها ينكره تشاءم، حتى إن بعضهم إذا فتح دكانه، وكان أول من يأتيه رجل اعور أو اعمي، اغلق دكانه،\nوقال اليوم لا رزق فيه. والتشاؤم، كما انه شرك اصغر، فهو حسرة علي الإنسان، فيتألم من كل شئ يراه، لكن لو اعتمد علي الله وترك هذه الخرافات، لسلم، ولصار عيشه صافيا سعيدا. أما قوله: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فمعناه: انهم يعتمدون علي الله وحده في كل شئ، لا يعتقدون علي غيره، لأنه جل وعلا قال في كتابه: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: من الآية٣)، ومن كان الله حسبه فقد كفي كل شئ. هذا الحديث العظيم فيه صفات من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب. فهذه أربع صفات: لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلي ربهم يتوكلون. والشاهد للباب قوله (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) . فقام عكاشة بن محصن ﵁، فقال: يا رسول الله «ادع الله إن يجعلني منهم»، بادر إلى الخير وسبق إليه، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «أنت منهم»","vol":"1","page":551},{"text":"ولهذا نحن نشهد الآن بان عكاشة بن محصن_ رضي الله عنه_ يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، لان الرسول ﵊ قال له: «أنت منهم» . «فقام رجل آخر فقال: ادع الله إن يجعلني منهم! قال: سبق بها عكاشة» فرده النبي ﵊، لكنه\nرد لطيف، لم يقل لست منهم، بل قال: «سبقك بها عكاشة» . فقيل: لأنه كان يعلم بان هذا الذي قال ادع الله إن يجعلني منهم منافق، والمنافق لا يدخل الجنة، فضلا عن كونه يدخلها بغير حساب ولا عذاب. وقال بعض العلماء: بل قال ذلك من اجل إن لا ينفتح الباب، فيقوم من لا يستحق إن يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ويقول ادع الله إن يجعلني. وعل كل حال، فنحن لا نعلم علما يقينا بان الرسول صلي الله عليه وسلم لم يدع الله له إلا لسبب معين، فالله اعلم. لكننا نستفيد من هذا فائدة، وهو الرد الجميل من رسول الله صلي الله عليه وسلم، لان قوله: «سبقك بها عكاشة» لا يجرحه ولا يحزنه، وسبحان الله، صارت هذه مثلا إلى يومنا هذا، كلما طلب الإنسان شيئا قد سبق به قيل: سبقك بها عكاشة. أورد بعض العلماء إشكالا علي هذا الحديث، وقال: إذا اضطر","vol":"1","page":552},{"text":"الإنسان إلى القراءة، أي إلى إن يطلب من أحد إن يقرا عليه، مثل إن يصاب بعين، أو بسحر، أو أصيب بجن واضطر، هل إذا ذهب يطلب من يقرا عليه، يخرج من استحقاق دخول الجنة بغير حساب ولا عذاب؟ فقال بعض العلماء: نعم هذا ظاهر الحديث، وليعتمد علي الله وليتصبر ويسال الله العافية. وقال بعض العلماء: بل إن هذا\nفيمن استرقي قبل إن يصاب، أي: بان قال: أقرا علي إن لا تصيبني العين، أو إن لا يصيبني السحر أو الجن أو الحمي، فيكون هذا من باب طلب الرقية لامر متوقع لا واقع، وكذلك الكي. فإذا قال إنسان: الذين يكوون غيرهم هل يحرمون من هذا؟ الجواب: لا! لان الرسول صلي الله عليه وسلم يقول: «ولا يكتوون» أي: لا يطلبون من يكويهم، ولم يقل ولا يكوون، وهو ﵊ قد كوي اكحل سعد بن معاذ ﵁، فسعد بن معاذ الاوسي الأنصاري_ رضي الله عنه_ أصيب يوم الخندق في أكحله فانفجر الدم، والأكحل إذا انفجر دمه قضي علي الإنسان، فكواه النبي صلي الله عليه وسلم في العرق حتى وقف الدم، والنبي صلي الله عليه وسلم هو أول من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. فالذين يكوون محسنون، والذين يقرؤون علي الناس محسنون، ولكن الكلام علي الذين يسترقون، أي يطلبون من يقرا عليهم، او","vol":"1","page":553},{"text":"يكتوون، أي: من يطلبون من يكويهم، والله الموفق. ٧٦_ الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم صلي الله عليه وسلم حين القي في النار وقالها محمد صلي الله عليه وسلم حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا\nوقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل» رواه البخاري. وفي رواية له عن ابن عباس ﵄ قال: كان آخر قول إبراهيم صلي الله عليه وسلم حين القي في النار: «حسبي الله ونعم الوكيل» . الشرح وإبراهيم ومحمد_ علهما الصلاة والسلام_ هما خليلان لله ﷿. قال الله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: من الآية١٢٥)، وقال النبي صلي الله عليه وسلم: «إن الله قد اتخذ خليلا كما أتتخذ إبراهيم خليلا» والخليل: معناه الحبيب الذي بلغت محبته الغاية، ولا نعلم إن أحد وصف بهذا الوصف إلا محمدا صلي الله عليه وسلم وإبراهيم، فهما الخليلان. وانك تسمع أحيانا يقول بعض الناس: إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله، وموسى كليم الله.","vol":"1","page":554},{"text":"والذي يقول: إن محمدا حبيب الله في كلامه نظر، لان الخلة ابلغ من المحبة، فإذا قال: محمد حبيب الله، فهذا فيه نوع نقص من حق الرسول ﵊، لان أحباب الله كثيرون، فالمؤمنون يحبهم الله، والمحسنون والمقسطون يحبهم الله، والأحباب كثيرون لله. لكن الخلة لا نعلم إنها ثبتت إلا لمحمد وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وعلي هذا فنقول: الصواب إن يقال: إبراهيم خليل\nالله، ومحمد خليل الله، ومسي كليم الله عليهم الصلاة والسلام. علي إن محمدا صلي الله عليه وسلم قد كلمه الله_ سبحانه وتعالى_ كلاما بدون واسطة، حيث عرج به إلى السماوات السبع. هذه الكلمة: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم حينما القي في النار، وذلك إن إبراهيم ﵊ دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأبوا، وأصروا علي الكفر والشرك. فقام ذات يوم علي أصنامهم فكسرها، وجعلهم جذاذا، إلا كبيرا لهم، فلما رجعوا وجدوا آلهتهم كسرت، فانتقموا_ والعياذ بالله_ لأنفسهم. فقالوا ما نصنع يا إبراهيم؟ (قَالُوا حَرِّقُوهُ) (الأنبياء: من الآية٦٨) انتصارا لآلهتهم (وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) (الأنبياء: من الآية٦٨) فأوقدوا نار عظيمة جدا، ثم رموا إبراهيم في هذه النار. ويقال انهم لعظم النار لم يتمكنوا من القرب منها، وانهم رموا إبراهيم فيها بالمنجنيق من بعد، فلما رموه قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» فما الذي حدث؟","vol":"1","page":555},{"text":"قال الله تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء: ٦٩)، بردا: ضد حر، وسلاما: ضد هلاكا، لان النار حارة ومحرقة\nومهلكة، فأمر الله هذه النار إن تكون بردا وسلاما عليه، فكانت بردا وسلاما. والمفسرون بعضهم ينقل عن بني إسرائيل في هذه القصة، إن الله لما قال (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء: من الآية٦٩) صارت جميع نيران الدنيا بردا! وهذا ليس بصحيح، لان الله وجه الخطاب إلى نار معينة (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا) وعلماء النحو يقولون انه إذا جاء التركيب علي هذا الوجه، صار نكرة مقصودة، أي: لا يشمل كل نار، بل هو للنار التي القي غيها إبراهيم فقط، وهذا هو الصحيح، وبقية نيران الدنيا بقيت علي ما هي عليه. وقال العلماء أيضا: ولما قال الله (كُونِي بَرْدًا) قرن ذلك بقوله: (وَسَلامًا) لأنه لو اكتفي بقوله: (بَرْدًا) لكانت بردا حتى تهلكه، لان كل شئ يمتثل لامر الله ﷿، انظر إلى قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) (فصلت: من الآية١١) فماذا قالتا: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت: من الآية١١)، (قَالَتَا أَتَيْنَا) منفادين لامر الله ﷿. أما الخليل الثاني الذي قال: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ\nالْوَكِيلُ) فهو النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه، حين رجعوا من أحد، قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم، يريدون إن يأتوا إلى المدينة ويقضوا عليكم فقالوا: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) . قال الله تعالى: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (آل عمران: ١٧٤)","vol":"1","page":556},{"text":"فينبغي لكل إنسان راء من الناس جمعا له، أو عدوانا عليه، إن يقول: «حسبنا الله ونعم الوكيل» فإذا قال هكذا كفاه الله شرهم، كما كفي إبراهيم ومحمدا عليهما الصلاة والسلام، فجعل هذه الكلمة دائما علي بالك، إذا رأيت من الناس عدوانا عليك فقل: «حسبي الله ونعم الوكيل» يكفك الله ﷿ شرهم وهمهم. والله الموفق. ٧٩_ السادس عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول اله صلي الله عليه وسلم يقول: «لو إنكم تتوكلون علي الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصا وتروح بطانا» رواه الترمذي، وقال: «حديث حسن» . معناه: تذهب أول النهار خماصا: أي: ضامرة البطون من الجوع وترجع آخر النهار بطانا: أي: ممتلئة البطون. الشرح يقول النبي عليه الصلاة\nوالسلام حاثا أمته علي التوكل «لو إنكم تتوكلون علي الله حق توكله» أي: توكلا حقيقيا، تعتمدون علي الله - ﷿ - اعتمادا تاما في طلب رزقكم وفي غيره «لرزقكم كما يرزق الطير»","vol":"1","page":557},{"text":"الطير رزقها علي الله ﷿، لانها طيور ليس لها مالك، فتطير في الجو، وتغدوا إلى أوكارها، وتستجلب رزق الله ﷿. «تغدوا خماصا» تغدوا: أي تذهب أول النهار، لان الغدوة هي أول النهار. وخماصا يعني: جائعة كما قال الله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: من الآية٣)، مخمصة: يعني مجاعة. «تغدوا خماصا» يعني جائعة: ليس في بطونها شئ، لكنها متوكلة علي ربها ﷿. «وتروح» أي ترجع في آخر النهار، لان الرواح هو آخر النهار. «بطانا» أي ممتلئة البطون، من رزق الله ﷿. ففي هذا دليل علي مسائل: أولا: انه ينبغي للإنسان إن يعتمد علي الله_ تعالى_ حق الاعتماد. ثانيا: انه ما من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها، حتى الطير في جو السماء، لا يمسكه في جو السماء إلا الله، ولا يرزقه إلا الله ﷿. كل دابة في الأرض، من اصغر ما يكون كالذر، أو اكبر ما\nيكون، كالفيلة وأشباهها، فان علي الله رزقها، كما قال الله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا) (هود: من الآية٦)، ولقد ضل ضلالا مبينا من أساء الظن بربه، فقال لا تكثروا الأولاد، تضيق عليكم الأرزاق! كذبوا ورب العرش، فإذا اكثروا من الأولاد اكثر الله في رزقهم، لأنه ما من دابة علي الأرض إلا علي الله رزقها، فرزق أولادك وأطفالك علي الله ﷿، هو الذي يفتح لك أبواب الرزق من اجل إن تنفق عليهم، لكن كثير","vol":"1","page":558},{"text":"من الناس عندهم سوء ظن بالله، ويعتمدون علي الأمور المادية المنظورة، ولا ينظرون إلى المدى البعيد، والي قدرة الله ﷿، وانه هو الذي يرزق ولو كثر الأولاد. اكثر من الأولاد تكثر لك الأرزاق، هذا هو الصحيح. وفي هذا دليل_ أيضا_ علي إن الإنسان إذا توكل علي الله حق التوكل فليفعل الأسباب. ولقد ضل من قال لا افعل السبب، وأنا متوكل، فهذا غير صحيح، المتوكل: هو الذي يفعل الأسباب متوكلا علي الله ﷿، ولهذا قال ﵊: «كما يرزق الطير تغدوا خماصا» تذهب لتطلب الرزق، ليست الطيور تبقي في أوكارها، لكنها تغدوا وتطلب\nالرزق. فأنت إذا توكلت علي الله حق التوكل، فلا بد إن تفعل الأسباب التي شرعها الله لك من طلب الرزق من وجه حلال بالزراعة، أو التجارة، بأي شئ من أسباب الرزق، اطلب الرزق معتمدا علي الله، ييسر الله لك الرزق. ومن فوائد هذا الحديث: إن الطيور وغيرها من مخلوقات الله تعرف الله، كما قال الله تعالى:) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (الإسراء: من الآية٤٤)، يعني: ما من شئ إلا يسبح بحمد الله) (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) . (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: من الآية١٨) .","vol":"1","page":559},{"text":"فالطيور تعرف خالقا ﷿، وتطير تطلب الرزق بما جلبها الله عليه من الفطرة التي تهتدي بها إلى مصالحها، وتغدو إلى أوكارها في آخر النهار بطونها ملا، وهكذا دواليك في كل يوم،\nوالله ﷿ يرزقها وييسر لها الرزق. وانظر إلى حكمة الله، كيف تغدو هذه الطيور إلى محلات بعيدة، وتهتدي بالرجوع إلى أماكنها، لا تخطئها، لان الله_ عز وجل_ أعطي كل شئ خلقه ثم هدي. والله الموفق. ٨٠_ السابع: عن أبي عمارة البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «يا فلان، إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، والجات ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فانك إن مت من ليلتك مت علي الفطرة، وان أصبحت أصبت خيرا» متفق عليه وفي رواية في الصحيحين عن البراء قال: قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضؤك للصلاة، ثم اضطجع علي شقك الأيمن وقل: وذكر نحوه، ثم قال: واجعلهن آخر ما تقول» .","vol":"1","page":560},{"text":"الشرح ثم ذكر المؤلف_ في باب اليقين والتوكل_ حديث البراء ابن عازب ﵄، حيث أوصاه النبي صلي الله عليه وسلم إن يقول عند نومه، إذا أوى إلى فراشه، إن يقول هذا الذكر، الذي يتضمن تفويض الإنسان أمره إلى ربه، وانه معتمد علي الله في ظاهره وباطنه، مفوض\nأمره إليه. وفيه إن النبي صلي الله عليه وسلم أمره إن يضجع إلى الجنب الأيمن، لان ذلك هو الأفضل، وقد ذكر الأطباء إن النوم علي الجني الأيمن افضل للبدن، واصح من النوم علي الجنب الأيسر. وذكر أيضا بعض أرباب السلوك والاستقامة، انه اقرب في استيقاظ الإنسان، لان بالنوم علي الجنب الأيسر ينام القلب، ولا يستيقظ بسرعة، بخلاف النوم علي الجنب الأيمن، فانه يبقي القلب متعلقا، ويكون اقل عمقا في منامه فيستيقظ بسرعة. وفي هذا الحديث: إن النبي صلي الله عليه وسلم أمره إن يجعلهن آخر ما يقول، مع إن هناك ذكرا بل أذكار عند النوم تقال غير هذه، مثلا: التسبيح والتحميد، والتكبير، فانه ينبغي للإنسان إذا نام علي فراشه إن يقول: سبحان الله ثلاث وثلاثين، والحمد لله ثلاث وثلاثين، والله اكبر أربع وثلاثين، هذا من الذكر، لكن حديث البراء_ رضي الله عنه_ يدل علي إن ما أوصاه الرسول صلي الله عليه وسلم به إن يجعلهن آخر ما يقول. وقد اعد البراء بن عازب_ رضي الله عنه_ هذا الحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم، ليتقنه، فقال: «آمنت بكتابك الذي أنزلت ورسولك الذي أرسلت»","vol":"1","page":561},{"text":"فرد عليه النبي ﵊، وقال قل: «ونبيك الذي أرسلت»\nولا تقل: «ورسولك الذي أرسلت» . قال أهل العلم: وذلك لان الرسول يكون من البشر ويكون من الملائكة، كما قال الله عن جبريل:) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) (التكوير: ٢٠، ١٩)، وأما النبي صلي الله عليه وسلم فلا يكون إلا من البشر. فإذا قال: «ورسولك الذي أرسلت» فان اللفظ صالح، لان يكون المراد به جبريل ﵊، لكن إذا قال: «ونبيك الذي أرسلت» اختص بمحمد صلي الله عليه وسلم، هذا من وجه، ومن وجه آخر: انه إذا قال: «ورسولك الذي أرسلت» فان دلالة هذا اللفظ علي النبوة من باب دلالة الالتزام، وأما إذا قال: «نبيك» فانه يدل علي النبوة دلالة مطابقة، ومعلوم إن دلالة المطابقة اقوي من دلالة الالتزام. الشاهد من هذا الحديث قوله: «وفوضت أمري إليك» وقوله: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» فان التوكل: تفويض الإنسان أمره إلى ربه، وانه لا يلجا ولا يطلب منجى من الله إلا إلى الله ﷿، لأنه إذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، فإذا أراد الله بالإنسان شيئا فلا مرد له إلا الله ﷿، يعني: إلا إن يلجا إلى ربك_ سبحانه وتعالى_ بالرجوع\nإليه. فينبغي للإنسان إذا أراد النوم إن ينام علي جنبه الأيمن، وان يقول هذا الذكر، وان يجعله آخر ما يقول. والله الموفق.","vol":"1","page":562},{"text":"٨١_ الثامن: عن أبي بكر الصديق ﵁ عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي رضي الله عنه_ وهو وأبوه وأمه صحابة، رضي الله عنهم_ قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم علي رؤوسنا فقلت: يا رسول الله لو إن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: «ما أظنك يا أبا بكر باثنين علي الله ثالثهما» متفق عليه. الشرح قوله: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» أي: ما ظنك، هل أحد يقدر عليهما أو ينالهما بسوء؟ وهذه القصة كانت حينما هاجر النبي صلي الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وذلك إن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما جهر بالدعوة، ودعا الناس، وتبعوه، وخاف المشركون، وقاموا ضد دعوته، وضايقوه، أذوه بالقول وبالفعل، فأذن الله له بالهجرة من مكة إلى المدينة ولم يصحبه إلا آبو بكر ﵁، والدليل، والخادم، فهاجر بأمر الله، وصحبه آبو بكر ﵁. ولما سمع المشركون بخروجه من مكة، جعلوا لمن جاء به مائتي","vol":"1","page":563},{"text":"بعير، ولمن جاء بابي بكر مائة بعير، وصار الناس يطلبون الرجلين في الجبال، وفي الأودية وفي المغارات، وفي كل مكان، حتى وقفوا علي الغار الذي فيه النبي صلي الله عليه وسلم وأبو بكر، وهو غار ثور الذي اختفيا فيه ثلاث ليال، حتى يبرد عهما الطلب، فقال آبو بكر ﵁: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا، لأننا في الغار تحته، فقال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» وفي كتاب الله انه قال: (ِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: من الآية٤٠)، فيكون قال الأمرين كلاهما، أي: قال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» وقال (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) . فقوله: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» يعني: هل أحد يقدر عليهما بأذية أو غير ذلك؟ والجواب: لا أحد يقدر، لأنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع، ولا مذل لمن اعز ولا معز لمن أذل: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: ٢٦) . وفي هذه القصة: دليل علي كمال توكل\nالنبي صلي الله عليه وسلم علي ربه، وانه معتمد عليه، ومفوض إليه أمره، وهذا هو الشاهد من وضع هذا الحديث في باب اليقين والتوكل. وفيه دليل علي أن قصة نسج العنكبوت غير صحيحة، فما يوجد في بعض التواريخ، أن العنكبوت نسجت علي باب الغار، وانه نبت فيه شجرة، وانه كان علي غصنها حمامة، وان المشركين لما جاءوا إلي الغار","vol":"1","page":564},{"text":"قالوا هذا ليس فيه أحد، فهذه الحمامة علي غصن شجرة علي بابه، وهذه العنكبوت قد عششت علي بابه، كل هذا لا صحة له، لان الذي منع المشركين من رؤية النبي صلي الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر ليست أمورا حسية_ تكون لها ولغيرها_ بل هي أمور معنوية، وآية من آيات الله ﷿، حجب الله أبصار المشركين عن رؤية الرسول ﵊، وصاحبه آبي بكر ﵁، أما لو كان أمور حسية، مثل العنكبوت التي نسجت، والحمامة، والشجرة، فكلها أمور حسية، كل يختفي بها عن غيره، لكن الأمر آية من آيات الله ﷿، فالحاصل أن ما يذكر في كتب التاريخ في هذا لا صحة له، بل الحق الذي لا شك فيه، أن الله - تعالى_ اعمي أعين المشركين عن رؤية النبي صلي الله عليه وسلم وصاحبه_ رضي الله عنه_ في الغار. والله الموفق. ٨٢_ التاسع: عن\nأم المؤمنين أم سلمة، واسمها هند بنت آبي أمية حديقة المخزومية، ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال: بسم الله، توكلت علي الله، اللهم إني أعوز بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو اظلم أو اظلم، أو اجهل أو يجهل علي» حديث صحيح رواه","vol":"1","page":565},{"text":"أبو داود، والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح وهذا لفظ آبي داود. ٨٣_ العاشر: عن انس ﵁ قال: قال رسول اله صلي الله عليه وسلم: «من قال_ يعني إذا خرج من بيته_ بسم الله توكلت علي الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحي عنه الشيطان» رواه أبو داود والترمذي، والنسائي وغيرهم. وقال الترمذي: حديث حسن، زاد أبو داود: «فيقول: _يعني الشيطان - لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟» . الشرح الشاهد من هذا الحديث قوله: «بسم الله توكلت علي الله» فان في هذا دليلا علي أن الإنسان ينبغي له إذا خرج من بيته، أن يقول هذا الذكر، الذي منه التوكل علي الله والاعتصام به، لان الإنسان إذا خرج من بيته فهو عرضة لان يصيبه شئ، أو يعتدي عليه حيوان، من عقرب أو حية أو ما أشبه ذلك، فيقول: (\n(بسم الله توكلت علي الله» وسبق لنا أن التوكل علي الله، والاعتماد عليه من الثقة به وحسن الظن. وقوله: «اللهم أني أعوذ بك أن أضل» أي: أضل في نفسي","vol":"1","page":566},{"text":"«أو أضل» أي: يضلني أحد. «أو أزل» من الزلل: وهو الخطأ. «أو أزل» أي: أحد يتوصل لفعل الخطأ يصدر مني. «أو اظلم» او اظلم غيري. «أو اظلم» يظلمني غيري. «أو اجهل» اسفه. «أو يجهل علي» يسفه علي أحد، ويعتدي علي أحد. فهذا الذكر ينبغي أن يقوله الإنسان إذا خرج من بيته، لما فيه من اللجوء إلي الله ﷾ والاعتصام به. والله والموفق.","vol":"1","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>٨- باب الاستقامة</span>\nقال الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) (هود: من الآية١١٢١)، وقال تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون) َ (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ» نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت: ٣٢، ٣٠)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأحقاف: ٤١، ١٣) . الشرح الاستقامة: هي أن يثبت الإنسان علي شريعة الله_ سبحانه وتعالى_ كما أمر الله، ويتقدمها الإخلاص لله ﷿. ثم ذكر المؤلف عدة آيات في هذا، فذكر قول الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) الخطاب هنا للنبي صلي الله عليه وسلم يكون له ولامته، إلا إذا قام دليل علي انه خاص به قوله تعالى:) أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)\n(وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ) (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) (الشرح: ١_٣)، فان هذا خاص بالنبي صلي الله عليه وسلم. ومثل قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)","vol":"1","page":568},{"text":"(الحجر: ٨٧)، هذا أيضا خاص بالرسول صلي الله عليه وسلم. وأما إذا لم يقل الدليل علي أن الخطاب للخصوصية، فهو له ولامته، وعلي هذه القاعدة يكون قوله:) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) عاما له ولامته، كل واحد يجب عليه أن يستقيم كما أمر، فلا يبدل في دين الله، ولا يزيد فيه ولا ينقص، ولهذا قال في آية أخرى: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (الشورى: من الآية١٥) . الآية الثانية قوله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (فصلت: من الآية٣٠) . (رَبُّنَا اللَّهُ) أي: خالقنا ومالكن ومدبر أمورنا، فنحن نخلص له، (ثُمَّ اسْتَقَامُوا) علي ذلك، علي قولهم ربنا الله، فقاموا بشريعة الله. هؤلاء الذين اتصفوا بهذين الوصفين: (قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ) ملكا بعد ملك (أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا) لا تخافوا: فيما\nتستقبلون من أموركم، ولا تحزنوا علي ما مضي من أموركم، (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) لان كل من قال ربي الله، واستقام علي دين الله، فانه من أهل الجنة، ويقولن لهم أيضا: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) فالملائكة أولياء للذين قالوا ربنا الله ثم","vol":"1","page":569},{"text":"استقاموا في الحياة الدنيا، تسددهم وتساعدهم وتعينهم، وكذلك في الآخرة تتلقاهم الملائكة يوم البعث والحساب (هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (الأنبياء: من الآية١٠٣) فيبشروهم بالخير في مقام الخوف والشدة. قال الله ﷿ (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت: من الآية٣١) (؟لَكُمْ فِيهَا) أي: في الآخرة ما تشتهي أنفسكم، وذلك في نعيم الجنة، لان الجنة فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت: من الآية٣١) أي: تطلبون، بل لهم فوق ذلك: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) (قّ: ٣٥)، لهم زيادة علي ما يدعونه ويطلبونه ويتمنونه. (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت: ٣٢) يعني: أن الجنة نزل لهم وضيافة من\nغفور رحيم. (غَفُورٍ) غفر لهم سيئاتهم (رَحِيمٍ) بهم، رفع لهم درجاتهم، هذا جزاء الذين يقولون ربنا الله ثم يستقيمون. وفي هذا دليل علي أهمية الاستقامة علي دين الله، بان يكون الإنسان ثابتا لا يزيد، ولا ينقص، ولا يبدل، ولا يغير، فأما من غلا في دين الله، أو جفا عنه، أو بدل فانه لم يكن مستقيما علي شريعة الله ﷿، والاستقامة لا بد لها من الاعتدال في كل شئ، حتى يكون الإنسان مستقيما علي شريعة الله ﷿.","vol":"1","page":570},{"text":"٨٥_ وعن آبي عمرو، وقيل: آبي عمرة سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا اسأل عنه أحد غيرك؟ قال: «قل: آمنت بالله، ثم استقم» رواه مسلم. الشرح قوله: «قل لي في الإسلام قولا لا اسأل عنه أحدا غيرك» أي: قل لي قولا لا اسأل عنه أحدا غيرك، فيكون فصلا وحاسما، ولا يحتاج إلي سؤال أحد، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم: «قل: آمنت بالله ثم استقم» . فقوله ﵊: «قل: آمنت» ليس المراد بذلك مجرد القول باللسان، فان من الناس من يقول: آمنت بالله واليوم الآخر، وما هم بمؤمنين. ولكن المراد بذلك قول القلب واللسان أيضا. أي: أن يقول الإنسان\nبلسانه، بعد أن يقر ذلك في قلبه، ويعتقده اعتقادا جازما لا شك فيه، لأنه لا يكفي الإيمان بالقلب، ولا الإيمان باللسان، لا بد من الإيمان بالقلب واللسان، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام_ يقول وهو يدعو الناس إلي الإسلام - يقول: «يا أيها الناس قولوا لا اله إلا الله تفلحوا» فقال: «قولوا» أي: بألسنتكم. كما انه لا بد من القول بالقلب. وقوله: «آمنت بالله» يشمل الإيمان بوجود الله ﷿، وبربو بيته، وبألوهيته، وبأسمائه وبصفاته، وبأحكامه، وبأخباره، وكل ما يأتي من","vol":"1","page":571},{"text":"قبله_ عز وجل_ تؤمن به، فإذا آمنت بذلك فاستقم علي دين الله، ولا تحد عنه يمينا ولا شمالا، لا تقصر ولا تزد. فاستقم علي الدين، واستقم علي شهادة أن لا اله إلا الله وان محمد رسول الله، وذلك بالإخلاص لله ﷿، والمتابعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم، واستقم علي الصلاة، وعلي الزكاة، والصيام والحج، وعلي جميع شريعة الله. وقوله: «قل آمنت بالله ثم» دليل علي أن الاستقامة لا تكون إلا بعد الإيمان، وان من شرط الأعمال الصالحة، أي: من شرط صحتها وقبولها أن تكون مبنية علي الإيمان، فلو أن الإنسان عمل بظاهره علي ما ينبغي، ولكن باطنه\nخراب، وفي شك، أو في اضطراب، أو في إنكار وتكذيب، فان ذلك لا ينفعه، ولهذا اتفق العلماء_ رحمهم الله_ علي أن من شروط صحة العبادة وقبولها، أن يكون الإنسان مؤمنا بالله، أي: معترفا به، وبجميع ما جاء من قبله ﵎. ويستفاد من هذا الحديث: انه ينبغي للإنسان_ إذا قام بعمل_ أن يشعر بأنه قام به لله، وانه يقوم به بالله، وانه يقوم به في الله، لأنه لا يستقيم علي دين الله إلا بعد الإيمان بالله ﷿. فيشعر بأنه يقوم به لله، أي مخلصا، وبالله، أي مستعينا، وفي الله، أي متبعا لشرعه، وهذه مستفادة من قوله ﵎: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فالأول: قيام لله، والثاني: قيام به، والثالث: قيام فيه، أي: في شرعه، ولهذا نقول: أن المراد بالسراط المستقيم_ في الآية الكريمة_ هو شرع الله ﷿","vol":"1","page":572},{"text":"الموصل إليه. والله الموفق. ٨٦_ وعن أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «قاربوا وسددوا، واعلموا انه لن ينجو أحد منكم بعمله» قالوا: ولا انت يا رسول الله؟ قال: «ولا انا الا ان يتغمدني الله برحمة منه وفضل» رواه مسلم. و(\n(المقاربة» القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير. و«السداد»: الاستقامة والإصابة، و«يتغمدني» يلبسني ويسترني. قال العلماء: معني الاستقامة: لزوم طاعة الله تعالى، قالوا: وهي من جوامع الكلم، وهي نظام الأمور، وبالله التوفيق. الشرح هذا الحديث يدل علي أن الاستقامة علي حسب الاستطاعة، وهو قول النبي صلي الله عليه وسلم «قاربوا وسددوا» أي: سددوا علي الإصابة، أي: احرصوا علي أن تكون أعمالكم مصيبة للحق بقدر المستطاع، وذلك لان الإنسان مهما بلغ من التقوى، فانه لابد أن يخطئ، كما جاء في الحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطاءين التوابون»، وقال عليه الصلاة","vol":"1","page":573},{"text":"والسلام: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجا بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» فالإنسان مأمور أن يقارب ويسدد بغدر ما يستطيع. ثم قال ﵊: «واعلموا انه لا ينجوا أحد منكم بعمله» أي: لن ينجوا من النار بعمله. وذلك لان العمل لا يبلغ ما يجب لله_ عز وجل_ من الشكر، وما يجب له علي عباده من الحقوق، ولكن يتغمد الله_ سبحانه وتعالى_ العبد برحمته فيغفر له. فلما قال: «لن ينجوا أحد منكم\nبعمله» قالوا له: ولا أنت؟! قال: «ولا أنا» حتى النبي ﵊ لن ينجو بعمله «إلا أن يتغمدني الله برحمة منه» . فدل ذلك علي أن الإنسان مهما بلغ من المرتبة والولاية، فانه لن ينجو بعمله، حتى النبي ﵊، لولا أن الله من عليه بان غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، ما أنجاه عمله. فان قال قائل: هناك نصوص من الكتاب والسنة تدل علي أن العمل الصالح ينجي من النار ويدخل الجنة، مثل قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: ٩٧)، فكيف يجمع بين هذا وبين الحديث السابق؟","vol":"1","page":574},{"text":"والجواب عن ذلك: أن يقال: يجمع بينهما بان المنفي دخول الإنسان الجنة بالعمل في المقابلة، أما المثبت: فهو أن العمل سبب وليس عوضا. فالعمل_ لا شك_ انه سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، لكنه ليس هو العوض، وليس وحده الذي يدخل به الإنسان الجنة، ولكن فضل الله ورحمته هما السبب في دخول الجنة وهما اللذان يوصلان الإنسان إلى الجنة وينجيانه من النار. وفي هذا الحديث من الفوائد:\n\nأن الإنسان لا يعجب بعمله، مهما عملت من الأعمال الصالحة لا تعجب بعملك، فعملك قليل بالنسبة لحق الله عليك. وفيه أيضا من الفوائد: انه ينبغي علي الإنسان أن يكثر من ذكر الله دائما: «اللهم تغمدني برحمة منك وفضل» لان عملك لن يوصلك إلي مرضاة الله، إلا برحمة الله ﷿. وفي دليل علي حرص الصحابة_ رضي الله عنهم_ علي العلم، ولهذا لما قال: «لن ينجوا أحد منكم بعمله» استفصلوا، هل هذا العموم شامل له أم لا؟ فبين لهم صلي الله عليه وسلم انه شامل له.\nومن تدبر أحوال الصحابة_ رضي الله عنهم_ مع النبي ﷺ. وجد انهم احرص الناس على العلم، وانهم لا يتركون شئيا يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم إلا ابتدروه وسألوا عنه. والله الموفق","vol":"1","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>٩- التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى</span>\nوفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورها\nوتقصير النفس وتهذيبها وحملها على الاستقامة\n\nقال الله تعالى: (إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) (سبأ: من الآية٤٦)، وقال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران: ١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران: ١٩١) وقال تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ (الغاشية: ١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (الغاشية: ١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (الغاشية: ١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) (الغاشية: ٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (الغاشية: ٢١) وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) (محمد: من الآية١٠)، والآيات في الباب كثيرة.\nومن الأحاديث الحديث السابق: «الكيس من دان نفسه» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n التفكر: هو أن الإنسان يعمل فكره في الأمر، حتى يصل فيه إلى نتيجة، وقد أمر الله تعالى_ به - أي بالتفكر_ وحث عليه في كتابه، لما يتوصل إليه الإنسان به من المطالب العالية والإيمان واليقين.\nقال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ) (سبأ: من الآية٤٦) قل يا محمد للناس جميعا: ما أعظكم إلا بواحدة: ما اقدم لكم موعظة إلا بواحدة فقط،","vol":"1","page":576},{"text":"إذا قمتم بها أدركتم المطلوب، ونجوتم من المرهوب، وهي: (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) .\n(تَقُومُوا لِلَّهِ) أي: مخلصين له، فتقومون بطاعة الله_ عز وجل_ على الوجه الذي أمرتم به، مخلصين له، ثم بعد ذلك تتفكروا، فإذا فعلتم ذلك فهذه موعظة، وأي موعظة.\nوفي هذه الآية إشارة إلى انه ينبغي للإنسان إذا قام لله يعمل، أن يتفكر ماذا فعل في هذا العمل: هل قام به على الوجه المطلوب، وهل قصر، وهل زاد وماذا حصل له من هذا العمل من طهارة القلب، وزكاة النفس، وغير ذلك.\nلا يكن كالذي يؤدي أعماله الصالحة وكأنها عادات يفعلها كل يوم، بل تفكر، ماذا حصل لك من هذا العبادة، وماذا أثرت على قلبك وعلى استقامتك.\n\nولنضرب لهذا مثلا بالصلاة، قال الله ﵎: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (البقرة: من الآية٤٥)، وقال: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: من الآية٤٥)، فلنفكر، هل نحن إذا صلينا زدنا طاقة وقوة ونشاطا على الأعمال الصالحة، حتى تكون الصلاة معينة لنا؟ الواقع أن هذا لا يكون إلا نادرا باعتبار أفراد الناس، فانظر ماذا حدث لك من الصلاة، هل صارت معينة لك على طاعة الله تعالى، وعلى المصائب وعلى غيرها.\nكما يذكر عن النبي ﵊: «انه كان إذا حزبه أمر فزع إلى","vol":"1","page":577},{"text":"الصلاة» أي: إذا أهمه وأغمه فزع إلى الصلاة.\nكذلك قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: من الآية٤٥) فانظر في صلاتك، هل أنت إذا صليت وجدت في نفسك كراهية للفحشاء، وكراهية للمنكر، وكراهية المعاصي، أو أن الصلاة لا تفيدك في هذا؟\nإذا عرفت هذه الأمور، عرفت نتائج هذه الأعمال الصالحة، وكنت متعظا بما وعظك به النبي ﷺ.\n\nز مثال آخر في الزكاة وهي: المال الواجب في الأموال الزكوية، يصرفه الإنسان في الجهات التي أمر الله بها، وقد بين الله فوائدها، وقد قال الله لرسوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: من الآية١٠٣) فإذا أديت الزكاة فانظر هل طهرتك هذه الزكاة من الأخلاق الرذيلة، هل طهرتك من الذنوب، وهل زكت مالك؟ هل زكت نفسك؟ !\nكثير من الناس يؤدي الزكاة وكأنها غرم، يؤديه وهو كاره - نسأل الله العافية_ يؤديها وهو لا يشعر بأنها تزكي نفسه، وعلى هذا بقية الأعمال، قم لله ثم تفكر ماذا حصل.\nفهذه موعظة عظيمة إذا اتعظ الإنسان بها، نفعته وصلحت أحواله، نسأل الله أن يصلح لنا الأعمال والأحوال.\nثم ذكر المؤلف_ رحمه الله تعالى - قول الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ","vol":"1","page":578},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِى الألباب (آل عمران: ١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) (آل عمران: من الآية١٩١) .\n\nهذه الآية في أول الآيات العشر التي كان النبي ﷺ يقرؤها كلما استيقظ من صلاة الليل فينبغي للإنسان إذا استيقظ من صلاة الليل أن يقرا من هذه الآية إلى آخر سورة آل عمران: (العشرة الأخيرة من سورة إلا عمران) .\nقوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (البقرة: من الآية١٦٤) يعني في خلقهما من حيث الحجم والكبر والعظمة، وغير ذلك مما أودع الله فيهما، في هذا الخلق آيات ففي النجوم آية من آيات الله، وفي الشمس آية من آيات الله، وكذا القمر، آيات من آيات الله، وكذا الأشجار والبحار والأنهار، وفي كل ما خلق الله في السماوات والأرض آيات عظيمة، تدل على كمال وحدانيته جل وعلا، وعلى كمال قدرتهن وعلى كمال رحمتهن وعلى كمال حكمته، يقول ﷿: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (البقرة: من الآية١٦٤) .\nوجمع السماوات وافرد الأرض، لان السماوات سبع كما ذكره الله في عدة آيات: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) (الطلاق: من الآية١٢) (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (المؤمنون: ٨٦) .\n\nأما الأرض، فان الله تعالى لم يذكرها في القران إلا منفردة، لان المراد","vol":"1","page":579},{"text":"بها الجنس الشامل لجميع الأرضيين، وقد أشار الله في سورة الطلاق إلى أن الأرضيين سبع، فقال: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) (الطلاق: من الآية١٢)، أي: مثلهن في العدد، وليس مثلهن في الخلقة والعظم، بل السماوات اعظم من الأرض بكثير لكنهن مثل السماوات في العدد، وقد جاءت السنة صريحة في ذلك، مثل قول النبي عليه الصلاة السلام: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع ارضين»\n(وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) يكون من وجوه متعد:\nأولا: من جهة أن الليل مظلم والنهار مضي، كما قال الله تعالى: (وجعلنا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) (الإسراء: من الآية١٢) .\nثانيا: اختلافهما في الطول والقصر، أحيانا يطول الليل، وأحيانا يطول النهار، وأحيانا يتساويان كما قال الله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) (الحج: من الآية٦١)، أي: يدخل هذا في هذا مرة فيأخذ منه، وهذا في هذا فيأخذ منهن هذا من اختلاف الليل والنهار.\nثالثا: ومن اختلاف الليل والنهار اختلافهما في الحر والبرودة تارة يكون الجو باردا وتارة يكون حارا.\nرابعا: ومن اختلافهما أيضا، الخصب والجدب، تارة تكون الدنيا","vol":"1","page":580},{"text":"جدبا وقحطا وسنين، وتارة تكون خصبة وربيعا ورخاء.\nخامسا: ومن اختلاف الليل والنهار اختلافهما في الحرب والسلم، تارة تكون حربا وتارة تكون سلما وتارة تكون عزا وتارة تكون ذلة، كما قال الله تعالى: (؟ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: من الآية١٤٠) .\nومن تأمل اختلاف الليل والنهار وجد فيهما من آيات الله_ عز وجل_ ما يبهر العقول.\nوقوله تعالى: (لَآياتٍ) أي: علامات واضحات على وحدانية الله، وكمال قدرته وعزته وعلمه ورحمتهن وغير ذلك من آياته.\n\nوقوله: (؟ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أي: لأصحاب الألباب والألباب جمع لب: وهو العقل، وأولوا الألباب: هم أصحاب العقول وذلك لان العقل لب، والإنسان بلا عقل قشور بلا لب، فالأصل في الإنسان هو العقل، فلهذا نسمي لبا، وأما الإنسان بلا عقل فانه قشور.\nولكن ما المراد بالعقل؟ هل المراد بالعقل الذكاء؟\nالجواب: لا، الذكاء شيء والعقل شيء آخر، رب ذكي نابغ في ذكائه لكنه مجنون في تصرفاتهن فالعقل في الحقيقة هو ما يعقل صاحبه عن سوء التصرف، هذا العقل، وأن لم يكن ذكيا فإذا من الله على الإنسان بالذكاء والعقل تمت عليه النعمة، وقد يكون الإنسان ذكيا وليس بعاقل، أو عاقلا وليس بذكي.\nجميع الكفار_ وأن كانوا أذكياء_ فانهم ليسوا عقلاء، كما قال الله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (الأنفال: ٢٢) .","vol":"1","page":581},{"text":"كل إنسان يتصرف تصرفا سيئا فليس بعاقل، فأولوا الألباب هم أولوا العقول الذين تفكرون في خلق السماوات والأرض وينظرون في الآيات، ويعتبرون بها، ويستدلون بها على على من هي آيات له، هؤلاء هم أصحاب العقول، وهم أصحاب الألباب فاحرص يا أخي على أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، وأن تتدبر ما فيهما من الآيات، وكذلك في الأيام والليالي، وكيف تتغير الأحوال، وكيف تنقلب من حال إلى حال وكل ذلك بيد الله ﷿، وكل ذلك من آياته.\nثم قال تعالى: في وصف أولي الألباب: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) (آل عمران: من الآية١٩١)، أي: يذكرون الله في كل حال قياما وقعودا وعلى جنوبهم،\nوذكر الله_ عز وجل_ نوعان: نوع مطلق في كل وقت، وهو الذي يشرع للإنسان دائما، أوصى النبي ﷺ رجلا قال له: أن شرائع الإسلام كثرت علي، وأني كبير فأوصيني. فقال: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله»\nوقالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل احيانه، أي في كل حين، فذكر الله هنا مطلق لا يتقيد بعدد، بل هو إلى","vol":"1","page":582},{"text":"الإنسان على حسب نشاطه.\nوالنوع الثاني: ذكر مقيد بعدد، أو في حال من الأحوال، وهو كثير، منها أذكار الصلوات في الركوع والسجود وبعد السلام، وأذكار الدخول للمنزل، والخروج منه، وأذكار الدخول للمسجد والخروج منه، وأذكار النوم والاستيقاظ وأذكار الركوب على الدابة وأشياء كثيرة شرعها الله ﷿، لعباده من اجل أن يكونوا دائما على ذكر الله ﷿، فالمهم أن الله شرع لعباده من الأذكار ما يجعلهم إذا حافظوا عليها يذكرون الله، قياما وقعودا وعلى جنوبهم.\nواعلم أن الذكر أيضا يكون على وجهين: ذكر تام: وهو ما تواطأ عليه القلب واللسان.\nوذكر ناقص: وهو ما كان باللسان مع غفلة القلب، واكثر الناس_ نسأل الله أن يعاملنا جميعا بعفوه_ عندهم ذكر الله باللسان مع غفلة القلب، فتجده يذكر الله وقلبه يذهب يمينا وشمالا، في دكانه وسيارته وفي بيعه وشرائه.\n\nلكن هو مأجور على كل حال، ولكن الذكر التام هو الذي يكون ذكرا لله باللسان وبالقلب، يعني انك تذكر الله بلسانكن وتذكر الله بقلبك، فأحيانا يكون الذكر بالقلب انفع للعبد من الذكر المجرد، إذا تفكر الإنسان في نفسه وقلبه، في آيات الله الكونية والشرعية، بقدر ما يستطيع، حصل على خير كثير.\nقال: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ويقولون: (رَبَّنَا مَا","vol":"1","page":583},{"text":"خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) يتفكرون في خلق السماوات والأرض لماذا خلقت؟ وكيف خلقت؟ وما أشبه ذلك، ثم يقولون بقلوبهم وألسنتهم (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) أي: لا بد أن يكون لخلق السماوات والأرض غاية محمودة، يحمد الرب عليها ﷿، ليس لخلق السماوات والأرض باطلا، خلقت ليوجد الناس يأكلون ويشربون ويتمتعون كما تتمتع الأنعام! لا، بل هي مخلوقة لغرض عظيم.\nقال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) .\n\n(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) فالذين يظنون خلق السماوات والأرض باطلا، هم أصحاب النار، قال الله ﵎: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (صّ: ٢٧) .\nفكل من ظن أن الله_ سبحانه تعالى_ خلق هذه الخليقة لتوجد وتفنى فقط، بدون أن يكون هنالك غاية ومرجع، فانه من الذين كفروا (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) .\nفالناس لا بد أن يموتوا، ولا بد أن يحاسبوا، ولا بد أن يبعثوا، ولا بد أن يؤولوا إلى دارين لا ثالث لهما، أما الجنة وأما النار، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة وأن يعيذنا من النار.\nوقوله: (سُبْحَانَكَ) أي: تنزيها لك أن تخلق هذه السماوات والأرض باطلا.\n(فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فيتوسلون إلى الله_ عز وجل_ بما يثنون عليه من صفات الكمال، أن يقيهم عذاب النار، والوقاية من عذاب النار تكون بأمرين:","vol":"1","page":584},{"text":"الأمر الأول: أن يعصمك الله من الذنوب، لان الذنوب هي سبب دخول النار.\n\nالأمر الثاني: أن يمن الله عليك إذا عصيت بالتوبة والإقلاع، لان الإنسان بشر لا بد أن يعصي، ولكن باب التوبة مفتوح ولله الحمد، قال الله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) (الزمر: من الآية٥٣)\nمهما عملت من المعاصي، إذا رجعت إلى الله، وتبت، تاب الله عليك، ولكن إذا كانت المعصية تتعلق بآدمي، فلا بد من الاستبراء من حقه، إما بوفائه أو باستحلاله منه، لأنه حق ادمي لا يغفر، فحق الله يغفره مهما عظم، وحق الآدمي لا بد أن تستبراء منه أما بإبراء أو أداء، بخلاف حق الله.\nومع هذا، لو فرض انك لم تدرك صاحبك ولم تعرفه، أو لم تتمكن من وفائها، لأنها دراهم كثيرة، وليس عندك وفاء، وعلم الله أن نيتك انك صادق في توبتك، فان الله يتحمل عنك يوم القيامة ويرضي صاحبك.\nوقوله تعالى: (LL أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ (الغاشية: ١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (الغاشية: ١٨)\nوَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (الغاشية: ١٩) . وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) (الغاشية: ٢٠) .\n(أَفَلا يَنْظُرُونَ) هذا من باب الحث على النظر في هذه الأمور الأربعة: الأول: (إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) فتتأمل كيف خلقها الله على هذا الجسم الكبير، المتحمل لحمل الأثقال، كما قال تعالى: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) (النحل: من الآية٧) .","vol":"1","page":585},{"text":"هذه الإبل الكبيرة الأجسام القوية زللها الله للعبادة، حتى كان الصبي يقودها إلى ما يريد، مع إنها لو عتت ما استطاع الناس أن يدركوها، ولهذا كان من المشروع أن يقول الإنسان إذا استوى على ظهرها راكبا: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (الزخرف: من الآية١٣) أي: مطيقين، لان قرين الإنسان من كان على مثله وعلى شاكلته، فمعنى المقرن يعني المطيق، أي لسنا مطيقين لها لولا أن سخرها الله ﷿، سخرها الله للعبادة، فمنها ركوبهم ومنها يأكلون، منها يركب ويحمل عليه، ويكون مرنا على ذلك، ومنها ما يؤكل: يأكله الناس وينتفعون به، وكذلك أيضا لهم فيها منافع ومشارب فيتخذون من جلودها بيوتا ومن أصوافها واوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين، إلى غير ذلك من الآيات\n\nالعظيمة التي تحملها هذه الإبل.\nالثاني: (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) هذه السماء العظيمة، رفعها الله - عز وجل_ رفعا عظيما باهرا لا يستطيع أن يناله أحد من الخلق، حتى الجن على قوتهم يقولون: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) (الجن: ٩) يقول الله ﷿: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) (الأنبياء: من الآية٣٢) وفي هذه السماوات العظيمة، كيف رفعها الله تعالى بغير عمد: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) (الرعد: من الآية٢)، أي: ترونها مرفوعة بغير عمد فاعتبروها. وفي هذه السماوات من آيات الله_ عز وجل_الشيء الكثير، فهي","vol":"1","page":586},{"text":"رفعت هذا الرفع العظيم، وفيما بينها وبين الأرض آيات عظيمة من الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحب، وغير ذلك من آيات الله.\nالثالث: (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) هذه الجبال الصم العظيمة الكبيرة، لو أن الخلق اجتمعوا كلهم بقواهم ما كونوا مثلها. الآن تجد المعدات الكبيرة إذا أرادوا أن يردموا شيئا لا يردمون إلا شيئا، يسيرا مع المشقة الشديدة، هذه الجبال الصم يجب أن نتفكر فيها، كيف نصبها الله ﷿؟ نصبها الله ﷿ على حكمة عظيمة، لان الله سبحانه وتعالى_ يجعل في هذه الجبال التي نصبها مصالح عظيمة وكبيرة، منها إنها رواسي ترسي الأرض وتمسكها عن الاضطراب، كما قال الله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) (النحل: من الآية١٥)، أي: أن تضطرب، فلولا أن الله أرساها بهذه الجبال، لكانت مضطربة كالسفينة على ظهر الماء في شدة الأمواج، ولكن الله جعلها بهذه الجبال ساكنة قارة، لا تضطرب ولا تميد بأهلها. هذه الجبال أيضا تقي من رياح شديدة عاصفة في بعض الأماكن، وتقي أيضا من برودة عظيمة تأتى من ناحية القضب، وتقي أيضا من حرارة شديدة وكذلك من سفوحها آية من آيات الله_ عز وجل_ من النبات، والأودية، والمعادن شيء عظيم كثير، فلهذا قال: (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) .\n\nالرابع: (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) فجعلها الله سطحا، وسخرها للعباد، وجعلها ذلولا لا مذللة، بحيث لم تكن تربتها لينة جدا لا يستقرون","vol":"1","page":587},{"text":"عليها، ولا صلبة جدا لا ينتفعون منها، بل جعلها_ سبحانه وتعالى_ رخوة مسطحة مبسوطة، حتى ينتفع الناس على سطحها بما يسر الله_ سبحانه وتعالى_ لهم من الأسباب النافعة.\nوهذه الأرض المسطحة هي أيضا كروية، أي إنها شبه الكرة، مستديرة من كل جانب، إلا إنها مفلطحة من الناحية الشمالية الجنوبية، من ناحية القضبين الشمالي والجنوبي.\nولذلك لو أن أحدا من الناس ركب طائرة متجهة إلى المغرب_ على خط مستقيم_ لكان يخرج إلى المكان الذي أقلعت منه الطائرة، وهذا يدل على إنها مستديرة، لان الإنسان يصل طرفها بطرفها.\n\nويدل على هذا قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (: ١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (: ٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (: ٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) (الانشقاق: ٤)، وهذا يكون يوم القيامة، فقوله: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) يدل على إنها الآن ليست ممدودة، لكنها مسطحة، يعني إنها كالسطح، لأنها لكبر حجمها لا يتبين فيها الانحناء الذي يكون في الكرة، فهذه الأشياء الأربعة: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نصبت وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) (الغاشية: ٢٠) يحثنا الله ﷿ بالنظر فيها بعين البصر، وعين البصيرة، بعين البصر الذي هو الإدراك الحسي ويمين البصيرة التي هي الإدراك العقلي، حتى نستدل بها على ما تدل عليه من آيات الله من قدرة وعلم ورحمة وحكمة وغير ذلك.\n\nوقوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) ولم يكمل المؤلف الآية،","vol":"1","page":588},{"text":"لان هذا ورد في عدة آيات من كتاب الله، ففي عدة آيات يحث الله ﷿ عباده إلى أن يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ومنها قوله تعالى في سورة القتال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (محمد: ١٠) فأمر الله بالسير والسير ينقسم إلى قسمين.\nسير بالقدم وسير بالقلب.\n١_ أما السير بالقدم: بان يسير الإنسان في الأرض على أقدامه، أو على راحلتهن من بعير أو سيارة، أو طائرة، أو غيرها حتى ينظر ماذا حصل للكافرين، وماذا كانت حال الكافرين.\n٢_ وأما السير بالقلب: فهذا يكون بالتأمل والتفكير فيما نقل عن أخبارهم.\nواصح كتاب، واصدق كتاب، وانفع كتاب، نقل أخبار الأولين كتاب الله_عز وجل_، كما قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية١١١) .\nوالقران مملؤ من أخبار الأولين المكذبين للرسل، والمؤيدين للرسل، وبين الله عاقبة هؤلاء وهؤلاء.\n\nولهذا ينبغي للإنسان أن يقرا الآيات التي فيها أخبار من سبق، وأن يسال عن معناها ويستفسر، حتى يكون على بصيرة من الأمر، وكذلك ايضا ما جاءت به السنة من أخبار الماضين، فإنها جاء بالأحاديث الكثيرة النافعة، وهي إذا صحت عن النبي ﵊ فإنها","vol":"1","page":589},{"text":"اصدق منقول من الأخبار.\nثم بعد ذلك ما نقله المؤرخون، ولكن يجب أن تكون مما نقله المؤرخون على حذر، لان غالب كتب التاريخ ليس لها اصل وليس لها إسناد، وإنما هي أخبار تتناقل بين الناس، فيجب الحذر كل الحذر منها، وأن يحرص الإنسان على أن يتتبعها برفق، ثم هذه الأخبار الواردة في غير الكتاب والسنة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n\nالقسم الأول: ما شهد شرعنا ببطلانه، فهذا يجب رده وبيان خطئه وكذبه حتى يكون الناس منه على بصيرة.\nالقسم الثاني: ما أيده القران والسنة، فهذا يقبل بشهادة القران والسنة له بالصحة.\nالقسم الثالث: ما لم يؤيده القران ولا السنة، فهذا يتوقف فيه، لان الأمم السابقة ليس بيننا وبينهم إسناد متصل حتى يمكن أن نعرف صحة ما نقل عنهم، ولكنه ينقل، وتكون أخبار إسرائيلية، ينظر فيها، ولكن يتوقف فيها فلا تقبل ولا ترد هذا هو العدل.\nثم أشار المؤلف_ ﵀، إلى الحديث السابق، وهو قول النبي ﷺ: (٠ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني»\nالكيس: هو الحازم الفطن المتنبه المنتهز للفرص، هو الذي يدين نفسه، أي يحاسبها، فينظر ماذا أهمل من الواجب وماذا فعل من المحرم،","vol":"1","page":590},{"text":"وماذا أتى به من الواجب، وماذا تجنب من المحرم، حتى يصلح نفسه.\nأما العاجز: فهو الذي يتبع نفسه هواها، فما هوت نفسه اخذ به، وما كرهت نفسه لم يأخذ به، سواء وافق شرع الله أم لا.\nهذا هو العاجز، وما اكثر العاجزين اليوم، الذين يتبعون أنفسهم هواها، ولا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة، ولا يهتمون بهذا، نسأل الله لنا ولهم الهداية.\nوقوله: «تمنى على الله الأماني» يعني: يقول سيغفر لي، وسوف استقيم فيما بعد، وسوف أقوم بالواجب فيما بعد، وسوف اترك هذا فيما بعد، أو يقول: الله يهديني، وإذا نصحته قال: اسأل الله لي الهداية، وما أشبه ذلك، هذا عاجز.\n\nوالكيس: هو الذي يعمل بحزم وجد، ويحاسب نفسه، ويكون عنده قوة في أمر الله، وفي دين الله، وفي شرع الله، حتى يتمكن من ضبط نفسه، وإلا فان الله يقول في كتابه: عن زوجة العزيز (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف: من الآية٥٣)، نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته، ويعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.\n\nتم بحمد الله تعالى المجلد الأول ويليه بمشيئة الله ﷿ المجلد الثاني","vol":"1","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>١٠ـ باب المبادرة إلى الخيرات</span>\n\nوحث من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد.\nقال الله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨)\nوقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب المبادرة إلى الخيرات وحث من أقبل على الخير أن يتمه من غير تردد) وهذا العنوان تضمن أمرين:\nالأول: المبادرة والمسارعة إلى الخير.\nوالثاني: أن الإنسان إذا عزم على الشيء - وهو خير - فليمض فيه ولا يتردد.\n\nأما الأول: فهو المبادرة، وضد المبادرة التواني والكسل، وكم من إنسان توانى وكسل؛ ففاته خير كثير، ولهذا قال النبي ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) .\nفالإنسان ينبغي له أن يسارع في الخيرات، كل ذكر له شيء من الخير","vol":"2","page":5},{"text":"بادر إليه، فمن ذلك الصلاة، والصدقة، والصوم، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، إلى غير ذلك من مسائل الخير التي ينبغي المسارعة إليها؛ لأن الإنسان لا يدري، فربما يتوانى في الشيء ولا يقدر عليه بعد ذلك، إما بموت، أو مرض، أو فوات، أو غير هذا، وقد جاء في الحديث عن النبي ﵊: (إذا أراد أحدكم الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة) .\nفقد يعرض له شيءٌ يمنعه من الفعل. فسارع إلى الخير ولا تتوانى.\n\nثم ذكر المؤلف قول الله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات ِ) واستبقوها: يعني اسبقوا إليها، وهو أبلغ من: سابقوا إلى الخيرات، فالاستباق معناه: أن الإنسان يسبق إلي الخير، ويكون من أول الناس في الخير، ومن المسابقة في الصفوف في الصلاة؛ فإن النبي ﷺ قال: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها) وقال في النساء: (وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) .\nورأى النبي ﷺ أقوامًا في مؤخرة المسجد؛ لم يسبقوا ولم يتقدموا، فقال: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ﷿) . فانتهز الفرصة","vol":"2","page":6},{"text":"واسبق إلى الخير.\nوقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ...) (آل عمران: ١٣٣، ١٣٤) . قال: سارعوا إلى المغفرة والجنة.\n\nأما المسارعة إلى المغفرة: فأن يسارع الإنسان إلى ما فيه مغفرة الذنوب؛ من الاستغفار، كقول: أستغفر الله، أو اللهم اغفر لي، أو اللهم إني أستغفرك، وما أشبه ذلك، وكذلك أيضًا: الإسراع إلى ما فيه المغفرة، مثل الوضوء، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، فإن الإنسان إذا توضأ، فأسبغ الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين؛ فإنه تفتح له أبواب الجنة الثمانية؛ ويدخل من أيها شاء، وكذلك إذا توضأ؛ فإن خطاياه تخرج من أعضاء وضوئه؛ مع آخر قطرة من قطر الماء، فهذه من أسباب المغفرة.\nومن أسباب المغفرة أيضًا: الصلوات الخمس كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر،","vol":"2","page":7},{"text":"رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، فليسارع الإنسان إلى أسباب المغفرة.\nالأمر الثاني (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، وهذا يكون بفعل المأمورات، أي: أن تسارع للجنة بالعمل لها، ولا عمل للجنة إلا العمل الصالح، هذا هو الذي يكون سببًا لدخول الجنة، فسارع إليه.\nثم بين الله هذه الجنة؛ بأن عرضها السماوات والأرض، وهذا يدل على سعتها وعظمها، وأنه لا يقدر قدرها إلا الله ﷿. فسارع إلى هذه الجنة بفعل ما يوصلك إليها من الأعمال الصالحة، ثم قال الله ﷿ (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) يعني: هيئت لهم، والذي أعدها لهم هو الله ﷿، كما جاء في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) .\nومن هم المتقون؟ قال تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ","vol":"2","page":8},{"text":"الْعَامِلِينَ) (آل عمران: ١٣٤-١٣٦) .\n\nهؤلاء هم المتقون: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) يعني: يبذلون أموالهم (فِي السَّرَّاءِ) يعني في حال الرخاء، وكثرة المال، والسرور، والانبساط، (وَالضَّرَّاءِ) يعني في حال ضيق العيش والانقباض.\nولكن؛ لم يبين الله ﷾ هنا مقدار، ولكنه بينه في آيات كثيرة، فقال تعالى (وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة: ٢١٩) .\nالعفو: يعني ما زاد عن حاجاتكم وضروراتكم فأنفقوه، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: ٦٧) . فهم ينفقون إنفاقًا ليس فيه إسراف ولا تقتير، وينفقون - أيضًا - العفو، أي: ما عفا وزاد عن حاجاتهم وضروراتهم.\n(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) أي: الذين إذا اغتاظوا - أي اشتد غضبهم - كظموا غيظهم، ولم ينفذوه، وصبروا على هذا الكظم، وهذا الكظم من أشد ما يكون على النفس، كما قال النبي ﷺ: (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) .\n\nالصرعة: يعني يصرع الناس، أي: يغلبهم في المصارعة، فليس هذا هو الشديد، ولكن الشديد: هو الذي يملك نفسه عند الغضب؛","vol":"2","page":9},{"text":"لأن الإنسان إذا غضب ثارت نفسه، فانتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، وصار يحب أن ينتقم، فإذا كظم الغيظ وهدأ، فإن ذلك من أسباب دخول الجنة.\nواعلم أن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم؛ إذا أتاه ما يهزه، ولكن النبي ﷺ أعلمنا بما يطفئ هذه الجمرة، فمن ذلك: أن يتعوذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم، فإذا أحس بالغضب - وأن الغضب سيغلبه - قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومنها: أن يجلس إن كان قائمًا، ويضطجع إن كان قاعدًا، يعني: يضع نفسه، وينزلها من الأعلى إلى الأدنى، فإن كان قائمًا جلس، وإن كان جالسًا اضطجع، ومنها: أن يتوضأ بتطهير أعضائه الأربعة؛ الوجه واليدين والرأس والرجلين، فإن","vol":"2","page":10},{"text":"هذا يطفئ الغضب، فإذا أحسست بالغضب؛ فاستعمل هذا الذي أرشدك إليه النبي ﷺ حتى يزول عنك، وإلا فكم من إنسان أي به غضبه إلى مفارقة أهله فما أكثر الذين يقولون: أنا غضبت على زوجتي فطلقتها ثلاثًا، وربما يغضب ويضرب أولاده ضربًا مبرحًا، وربما يغضب ويكسر أوانيه، أو يشق ثيابه، أو ما أشبه ذلك مما يثيره الغضب، ولهذا قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) مدحهم لأنهم ملكوا أنفسهم عند ثورة الغضب.\n(وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) يعني الذين إذا أساء الناس إليهم عفوا عنهم، فإن من عفا وأصلح فأجره على الله، وقد أطلق الله العفو هنا، ولكنه بين في قوله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) أن العفو لا يكون خيرًا إلا إذا كان فيه إصلاح، فإذا أساء إليك شخص معروف بالإساءة والتمرد والطغيان على عباد الله، فالأفضل ألا تعفو عنه، وأن تأخذ بحقك؛ لأنك إذا عفوت ازداد شره، أما إذا كان الإنسان الذي أخطأ عليك قليل الخطأ، قليل العدوان، لكن الأمر حصل على سبيل الندرة، فهنا الأفضل أن تعفو، ومن ذلك حوادث السيارات التي كثرت، فإن بعض الناس يتسرع، ويعفو عن الجاني الذي حصل منه الحادث، وهذا ليس بالأحسن، الأحسن أن تتأمل وتنظر: هل هذا السائق متهور ومستهتر؛ لا يبالي بعباد الله ولا يبالي بالأنظمة؛ فهذا لا ترحمه، خذ بحقك منه كاملًا،","vol":"2","page":11},{"text":"أما إذا كان إنسانًا معروفًا بالتأني، وخشية الله، والبعد عن أذية الخلق، والتزام النظام، ولكن هذا أمر حصل من فوات الحرص، فالعفو هنا أفضل؛ لأن الله قال (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) فلابد من مراعاة الإصلاح عند العفو.\n\n(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) محبة الله ﷾ للعبد هي غاية كل إنسان؛ فكل إنسان مؤمن غايته أن يحبه الله ﷿، وهي المقصود لكل مؤمن؛ لقول الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: ٣١)، ولم يقل: اتبعوني تصدقوا فيما قلتم، بل عدل عن هذا إلى قوله (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) لأن الشأن - كل الشأن - أن يحبك الله ﷿، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أحبابه.\nوأما المحسنون في قوله: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فالمراد بهم المحسنون في عبادة الله، والمحسنون إلى عباد الله.\nوالمحسنون في عبادة الله؛ بين النبي ﵊ مرتبتهم في قوله حين سأله جبريل عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) يعني: أن تعبد الله ﷾ بقلب حاضر؛ كأنك ترى ربك تريد الوصول إليه، فإن لم تفعل؛ فاعلم أن الله يراك، فاعبده خوفًا وخشية، وهذه المرتبة دون المرتبة الأولى.","vol":"2","page":12},{"text":"فالمرتبة الأولى: أن تعبد الله طلبًا ومحبة وشوقًا.\nوالثانية: أن تعبده هربًا وخوفًا وخشية.\n\nأما الإحسان إلى عباد الله: فأن تعاملهم بما هو أحسن؛ في الكلام، والأفعال، والبذل، وكف الأذى، وغير ذلك، حتى في القول؛ فإنك تعاملهم بالأحسن، قال الله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (النساء: ٨٦)، يعني: إن لم تفعلوا فتردوا بأحسن منها، فلا أقل من أن تردوها؛ ولهذا قال كثير من العلماء: إذا قال المسلم: السلام عليكم ورحمة الله، قل: وعليكم السلام ورحمة الله. هذا أدنى شيء، فإن زدت: (وبركاته) فهو أفضل؛ لأن الله قال: بأحسن منها، فبدأ بالأحسن ثم قال: (أَوْ رُدُّوهَا) كذلك إذا سلم عليك إنسان بصوت واضح بين؛ ترد عليه بصوت واضح بين على الأقل، كثير من الناس - أو بعض الناس - إذا سلمت عليه رد عليك السلام بأنفه، حتى إنك تكاد لا تسمعه في رد السلام، وهذا غلط؛ لأن هذا خلاف ما سلم عليك به، يسلم عليك بصوت واضح ثم ترد بأنفك!! هذا خلاف ما أمر الله به.\nكذلك الإحسان بالفعل؛ مثل معونة الناس ومساعدتهم في أمورهم. فإذا ساعدت إنسانًا فقد أحسنت إليه، مساعدة بالمال، بالصدقة بالهدية، بالهبة وما أشبه ذلك هذا من الإحسان.\nومن الإحسان أيضًا: أنك إذا رأيت أخاك على ذنب؛ أن تبين له ذلك وتنهاه عنه؛ لأن هذا من أعظم الإحسان إليه، قال النبي ﵊: (أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) قالوا: يا رسول الله، هذا المظلوم","vol":"2","page":13},{"text":"فكيف ننصر الظالم؟ قال: (أن تمنعه من الظلم) فإن منعك إياه من الظلم نصر له وإحسان إليه، والمهم أنه ينبغي لك - في معاملة الناس - أن تستحضر هذه الآية (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فتحسن إليهم بقدر ما تستطيع.\n(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذنُوبِهِم) (آل عمران: ١٣٥) .\n(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) الفاحشة: ما يستفحش من الذنوب، وهي كبائر الذنوب، مثل الزنا، شرب الخمر، وقتل النفس وما أشبهها، كل مل يستفحش فهو فاحشة (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بما دون الفاحشة من المعاصي الصغار (ذَكَرُوا اللَّهَ) أي: ذكروا عظمته وذكروا عقابه، ثم ذكروا أيضًا رحمته وقبوله للتوبة وثوابها.\nفهم يذكرون الله من وجهين:\nالوجه الأول: من حيث العظمة، والعقوبة، والسلطان العظيم، فيوجلون ويخجلون ويستغفرون.\n\nوالثاني: من حيث الرحمة وقبول التوبة، فيرغبون في التوبة ويستغفرون الله؛ ولهذا قال: (ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم) ومن أفضل ما يستغفر به سيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت،","vol":"2","page":14},{"text":"أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) .\nقال الله تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله) يعني: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله ﷿ لو أن الأمة كلها من أولها إلى آخرها، والجنة والملائكة اجتمعوا على أن يغفروا لك ذنبًا واحدًا ما غفروه؛ لأنه لا يغفر الذنوب إلا الله ﷿، ولكننا نسأل الله المغفرة، لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وأما أن يكون بيدنا أن نغفر، فلا يغفر الذنوب إلا الله.\n\nقال تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون َ) يعني: لم يستمروا على معاصيهم وظلمهم؛ وهم يعلمون أنها معاصي وظلم، وفي هذا دليل على أن الإصرار مع العلم أمره عظيم، حتى في صغائر الذنوب؛ ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أن الإنسان إذا أصر على الصغيرة صارت كبيرة. ومن ذلك ما يفعله جهلة الناس اليوم من حلق اللحية، تجدهم يحلقون اللحية ويصرون على ذلك، ولا يرونها إلا زينة وجمالًا، والحقيقة أنها شين، وأنها قبح؛ لأن كل شيء ينتج عن المعصية فلا خير فيه، بل هو قبح، وهؤلاء الذين يصرون على هذه المعصية - وإن كانت صغيرة - أخطئوا؛ لأنها بالإصرار تنقلب كبيرة والعياذ بالله؛ لأن الإنسان لا يبالي بما يفعل، تجده كل يوم، كلما أراد أن يخرج إلى السوق، أو إلى عمله؛ يذهب وينظر في المرآة، فإذا وجد شعرة واحدة قد برزت، تجده","vol":"2","page":15},{"text":"يسارع إلى حلقها وإزالتها، نسأل الله العافية، وهذا لا شك أنه معصية للرسول ﵊، وإن الإنسان ليخشى عليه من هذا الذنب أن يتدرج به الشيطان إلى ذنوب أكبر وأعظم.\n\nقال الله تعالى: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) .\nاللهم اجعلنا من هؤلاء العاملين واجعل جزاءنا ذلك يا رب العالمين.\n\n* * *\nوأما الأحاديث:\n٨٧ - فالأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما رواه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بادروا بالأعمال) وبادروا: يعني أسرعوا إليها؛ والمراد الأعمال الصالحة؛ والعمل الصالح ما بني على أمرين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، وهذا تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن","vol":"2","page":16},{"text":"محمد رسول الله، فالعمل الذي ليس بخالص ليس بصالح، لو قام الإنسان يصلي؛ ولكنه يرائي الناس بصلاته، فإن عمله لا يقبل؛ حتى لو أتى بشروط الصلاة، وأركانها، وواجباتها، وسننها، وطمأنينتها، وأصلحها إصلاحًا تامًا في الظاهر، لكنها لا تقبل منه، لأنها خالطها الشرك، والذي يشرك بالله معه غيره لا يقبل الله عمله، كما في الحديث الصحيح؛ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك) يعني إذا أحد شاركني؛ فأنا غني عن شركه، (من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) .\n\nكذلك أيضًا: لو أن الإنسان أخلص في عمله، لكنه أتى ببدعة ما شرعها الرسول ﵊؛ فإن عمله لا يقبل حتى لو كان مخلصًا، حتى لو كان يبكي من الخشوع، فإنه لا ينفعه ذلك؛ لأن البدعة وصفها النبي ﷺ بأنها ضلالة، فقال: (فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) .\nثم قال: (فتنًا كقطع الليل المظلم) أخبر أنه ستوجد فتن كقطع الليل المظلم - نعوذ بالله - يعني أنها مدلهمة مظلمة؛ لا يرى فيها النور والعياذ","vol":"2","page":17},{"text":"بالله، ولا يدري الإنسان أين يذهب؛ يكون حائرًا، ما يدري أين المخرج، أسأل الله أن يعيذنا من الفتن.\nوالفتن منها ما يكون من الشبهات، ومنها ما يكون من الشهوات، ففتن الشبهات: كل فتنة مبنية على الجهل، ومن ذلك ما حصل من أهل البدع الذين ابتدعوا في عقائدهم ما ليس من شريعة الله، أو أهل البدع الذين ابتدعوا في أقوالهم وأفعالهم ما ليس من شريعة الله، فإن الإنسان قد يفتن - والعياذ بالله - فيضل عن الحق بسبب الشبهة.\n\nومن ذلك أيضًا: ما يحصل في المعاملات من الأمور المشتبهة التي هي واضحة في قلب الموقن، مشتبهة في قلب الضال والعياذ بالله، تجده يتعامل معاملة تبين أنها محرمة، لكن لما على قلبه من رين الذنوب - نسأل الله العافية - يشتبه عليه الأمر، فيزين له سوء عمله، ويظنه حسنًا، وقد قال الله في هؤلاء: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا ً) (الكهف: ١٠٣، ١٠٤)، فهؤلاء هم الأخسرون والعياذ بالله.\nوتكون الفتن - أيضًا - من الشهوات، بمعنى أن الإنسان يعرف أن هذا حرام، ولكن لأن نفسه تدعوه إليه فلا يبالي النبي صلي الله عليه وسلم بل يفعل الحرام، ويعلم أن هذا واجب، لكن نفسه تدعوه للكسل فيترك هذا الواجب، هذه فتنة شهوة، يعني فتنة إرادة، ومن ذلك أيضًا - بل من أعظم ما يكون - فتنة شهوة الزنا أو اللواط والعياذ بالله، وهذه من أضر ما يكون على هذه الأمة، قال النبي ﵊: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من","vol":"2","page":18},{"text":"النساء) وقال: (اتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، ولدينا الآن - وفي مجتمعنا - من يدعو إلى هذه الرذيلة - والعياذ بالله - بأساليب ملتوية، يلتوون فيها بأسماء لا تمت إلى ما يقولون بصلة، لكنها وسيلة إلى ما يريدون؛ من تهتك لستر المرأة، وخروجها من بيتها لتشارك الرجل في أعماله، ويحصل بذلك الشر والبلاء، ولكن نسأل الله أن يجعل كيدهم في نحورهم، وأن يسلط حكامنا عليهم؛ بإبعادهم عن كل ما يكون سببًا للشر والفساد في هذه البلاد، ونسأل الله ﷾ أن يوفق لحكامنا بطانة صالحة؛ تدلهم على الخير، وتحثهم عليه.\n\nإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وهي أعظم فتنة، وهناك أناس الآن يحيكون كل حياكة من أجل أن يهدروا كرامة المرأة، من أجل أن يجعلوها كالصورة، كالدمى، مجرد شهوة وزهرة يتمتع بها الفساق والسفلاء من الناس، ينظرون إلى وجهها كل حين وكل ساعة والعياذ بالله، ولكن - بحول الله - أن دعاء المسلمين سوف يحيط بهم، وسوف يكبتهم ويردهم على أعقابهم خائبين، وسوف تكون المرأة السعودية - بل المرأة في كل مكان من بلاد الإسلام - محترمة مصونة، حيث وضعها الله ﷿.","vol":"2","page":19},{"text":"المهم أن الرسول ﵊ حذرنا من هذه الفتن التي هي كقطع الليل المظلم، يصبح الإنسان مؤمنًا ويمسي كافرًا، والعياذ بالله. يوم واحد يرتد عن الإسلام، يخرج من الدين، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا. نسأل الله العافية. لماذا؟ (يبيع دينه بعرض من الدنيا) ولا تظن أن العرض من الدنيا هو المال، كل متاع الدنيا عرض، سواء مال، أو جاه أو رئاسة، أو نساء، أو غير ذلك، كل ما في الدنيا من متاع فإنه عرض، كما قال تعالى: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) (النساء: ٩٤) فما في الدنيا كله عرض.\n\nفهؤلاء الذين يصبحون مؤمنين ويمسون كفارًا، أو يمسون مؤمنين ويصبحون كفارًا، كلهم يبيعون دينهم بعرض من الدنيا، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن. واستعيذوا دائمًا يا أخواني من الفتن، وما أعظم ما أمرنا به نبينا ﵊، حيث قال: (إذا تشهد أحدكم - يعني التشهد الأخير - فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال) نسأل الله أن يثيبنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.\n\n* * *","vol":"2","page":20},{"text":"٨٨ - الثاني: عن أبي سروعة - بكسر السين المهملة وفتحها - عقبة بن الحارث ﵁ قال: صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعًا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، قال: (ذكرت شيئًا من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته) رواه البخاري.\nوفي رواية له: (كنت خلفت في البيت تبرا ً من الصدقة؛ فكرهت أن أبيته) .\n(التبر) قطع ذهب أو فضة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن عقبة بن الحارث ﵁؛ أنه صلى مع النبي ﷺ ذات يوم صلاة العصر، فقام النبي ﷺ حين أنصرف من صلاته مسرعًا؛ يتخطي رقاب الناس على بعض حجرات زوجاته، ثم خرج فرأى الناس قد عجبوا من ذلك، فبين لهم النبي ﷺ سبب هذا، وقال (ذكرت شيئًا من تبر عندنا) يعني مما تحب قسمته (فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته) .\nففي هذا الحديث المبادرة إلى فعل الخير، وألا يتوانى الإنسان عن فعله، وذلك لأن الإنسان لا يدري متى يفاجئه الموت؛ فيفوته الخير، والإنسان ينبغي أن يكون كيسًا، يعمل لما بعد الموت ولا يتهاون، وإذا كان الإنسان في أمور دنياه يكون مسرعًا، وينتهز الفرص، فإن الواجب","vol":"2","page":21},{"text":"عليه في أمور أخراه أن يكون كذلك بل أولى، قال الله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (الأعلى: ١٦-١٩) .\n\nوفي هذا الحديث دليل على أن رسول الله ﷺ أسرع الناس مبادرة إلى الخير، أنه ﵊ محتاج إلى العمل؛ كما أن غيره محتاج إلى العمل؛ ولهذا لما حدث فقال: (إنه لن يدخل الجنة أحد بعمله)، قالوا: لا أنت؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمد ني الله برحمته)، هذا هو النبي ﵊.\nوفي هذا الحديث دليل على جواز تخطي الرقاب بعد السلام من الصلاة، ولا سيما إذا كان لحاجة، وذلك لأن الناس بعد السلام من الصلاة ليسوا في حاجة إلى أن يبقوا في أماكنهم، بل لهم الانصراف، بخلاف تخطي الرقاب قبل الصلاة، فإن ذلك منهي عنه؛ لأنه إيذاء للناس، ولهذا قطع النبي ﷺ خطبته يوم الجمعة حين رأى رجلًا يتخطى الرقاب، فقال له: (أجلس فقد آذيت) .\n\nوفي هذا الحديث دليل على أن رسول الله ﷺ كغيره من البشر ـ","vol":"2","page":22},{"text":"يلحقه النسيان، وأنه ينسى كما ينسى غيره، وإذا كان ﷺ ينسى ما كان معلومًا عنده من قبل، فإنه كذلك من باب أولى يجهل ما لم يكن معلومًا عنده من قبل، كما قال الله له (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) (الأنعام: ٥٠) فأمره الله أن يعلن للملأ أنه ليس عنده خزائن الله؛ وأنه لا يعلم الغيب، وأنه ليس بملك صلوات الله وسلامه عليه.\n\nوفي هذا قطع السبيل على من يلتجئون إلى الرسول ﷺ في مهماتهم وملماتهم، ويدعونه، فإن هؤلاء من أعدائه وليسوا من أوليائه؛ لأنه ﵊ لو كان حيًا لاستتابهم، فإن تابوا وإلا قتلهم؛ لأنهم مشركون، فإن الإنسان لا يجوز أن يدعو غير الله ﷿؛ لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، وهو ﵊ إنما جاء لحماية التوحيد وتحقيق عبادة الله، فالنبي ﷺ لا يعلم الغيب، وينسى ما كان قد علم من قبل، ويحتاج إلى الأكل والشرب واللباس والوقاية من الأعداء، وقد ظاهر - بين درعين في غزوة أحد - يعني لبس درعين - خوفًا من السلاح.\nفهو كغيره من البشر، جميع الأحكام البشرية تلحقه ﵊؛ ولهذا قال الله له: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الكهف: ١١٠)، فتأمل وصفه بأنه بشر مثلكم، لو لم يقل (مِثْلُكُمْ) لكفى، يعني إذا قال: إنما أنا بشر علمنا بطريق القياس أنه بشر كالبشر لكن قال (مِثْلُكُمْ) لا أتميز عليكم بشيءٍ إلا بالوحي، (يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ) الآية.","vol":"2","page":23},{"text":"وفي هذا الحديث أيضًا دليل على شدة الأمانة وعظمها، وأن الإنسان إذا لم يبادر بأدائها فإنها قد تحبسه، ولهذا قال: (فكرهت أن يحبسني)، وإذا كان هذا في الأمانة، فكذلك أيضًا في الدين؛ يجب على الإنسان أن يبادر بقضاء دينه إذا كان حالًا، إلا أن يسمح له صاحب الدين فلا بأس أن يؤخر، أما إذا كان لم يسمح له؛ فإنه يجب عليه المبادرة لأدائه ن حتى إن العلماء ﵏ قالوا: إن فريضة الحج تسقط على من عليه الدين؛ حتى يؤديه؛ لأن الدين أمره عظيم، كان النبي ﵊ قبل أن يفتح الله عليه الفتوح؛ إذا جئ إليه بالرجل سال: (هل عليه دين؟) فإن قالوا: لا، تقدم وصلى عليه، وإن قالوا نعم، سأل: (هل له وفاء؟) فإن قالوا: نعم، تقدم وصلى، وإن قالوا: لا، تأخر ولم يصل. يترك الصلاة على الميت إذا كان عليه دين. فقدم إليه ذات يوم رجل من الأنصار، ليصلي عليه، فخطا خطوات، ثم قال: (هل عليه دين؟) قالوا: نعم يا رسول الله: ثلاثة دنانير وليس لها وفاء، فتأخر وقال: (صلوا على صاحبكم) فعرف ذلك في وجوه القوم، تغيرت وجوههم، كيف لم يصل عليه النبي ﵊؟! فتقدم أبو قتادة ﵁، وقال يا رسول الله، علي\n\nدينه، فتقدم النبي ﷺ فصلى عليه.\nومع الأسف؛ الآن تجد كثيرًا من الناس عليه الدين؛ وهو قادر على","vol":"2","page":24},{"text":"الوفاء، ولكنه يماطل والعياذ بالله، وقد ثبت عن النبي ﵊، أنه قال: (مطل الغني ظلم) وأعلم أن الدين ليس كما يفهمه الناس؛ هو الذي يأخذ سلعة بثمن أكثر من ثمنها، الدين كل ما ثبت في الذمة، فهو دين حتى القرض - السلف - حتى إيجار البيت، حتى أجرة السيارة، أي شيءٍ يثبت في ذمتك فهو دين؛ عليك أن تبادر بوفائه ما دام حالًا.\nوفي هذا الحديث أيضًا دليل على جواز التوكيل في قسم ما يجب على الإنسان قسمته؛ ولهذا قال: (فأمرت بقسمته) فأمر ﵊ أن يقسم، وهذا التوكيل جائز في كل حق تدخله النيابة من حقوق الله؛ كالحج مثلًا، وأداء الزكاة، وحقوق الآدميين؛ كالبيع، والشراء، والرهن، وما أشبهها.\nوخلاصة هذا الحديث: هو المبادرة إلى فعل الخيرات، وعدم التهاون في ذلك، واعلم أنك إذا عودت نفسك على التهاون اعتادت عليه وإذا عودتها على الحزم والفعل والمبادرة اعتادت عليه. وأسال الله - تعالى - أن يعينني وإياكم على ذكره، وشكره، وحسن عبادته.\n\n* * *","vol":"2","page":25},{"text":"٨٩ - الثالث: عن جابر ﵁ قال: قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: (في الجنة) فألقى تمرات كن في يده، ثم قاتل حتى قتل. متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن جابر بن عبد الله ﵁ وعن أبيه، أن رجلًا قال للنبي ﷺ يوم أحد: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت حتى قتلت، قال: (أنت في الجنة)، فألقى تمرات كانت معه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل ﵁، ففي هذا الحديث دليل على مبادرة الصحابة ﵃ إلى الأعمال الصالحة، وأنهم لا يتأخرون فيها، وهذا شانهم؛ ولهذا كانت لهم العزة في الدنيا، وفي الآخرة.\nونظير هذا أن النبي ﷺ خطب الناس يوم عيد، ثم نزل فتقدم إلى النساء فخطبهن، وأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة منهن تأخذ خرصها وخاتمها، وتلقيه في ثوب بلال، يجمعه، حتى أعطاه النبي ﷺ، ولم يتأخرن ﵅ بالصدقة، بل تصدقن حتى من حليهن.\n\nوفي حديث جابر من الفوائد: أن من قتل في سبيل الله؛ فإنه في الجنة، ولكن من هو الذي يقتل في سبيل الله؟ الذي يقتل في سبيل الله: هو","vol":"2","page":26},{"text":"الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا يقاتل حمية ولا شجاعة ولا رياء، وإنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، أما من قاتل حمية؛ مثل الذين يقاتلون من أجل القومية العربية مثلًا، فإن هؤلاء ليسوا شهداء؛ وذلك لأن القتال من أجل القومية العربية ليس في سبيل الله، لأنه حمية.\nوكذلك أيضًا: من يقاتل شجاعة؛ يعني من تحمله شجاعته على القتال لأنه شجاع، والغالب أن الإنسان إذا اتصف بصفة يحب أن يقوم بها، فهذا أيضًا إذا قتل ليس في سبيل الله.\nوكذلك أيضًا: من قاتل مراءاة والعياذ بالله؛ ليرى مكانه، وأنه رجل يقاتل الأعداء الكفار، فإنه ليس في سبيل الله؛ لأن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه؛ أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) .\nوفي هذا دليل على حرص الصحابة ﵃ على معرفة الأمور؛ لأن هذا الرجل سأل النبي ﵊، وكان هذا من عادتهم؛ أنهم لا يفوتون الفرصة حتى يسألوا النبي ﷺ؛ لأنهم يستفيدون من هذا علمًا وعملًا، فإن العالم بالشريعة قد من الله عليه بالعلم، ثم إذا عمل به فهذه منّه أخرى، والصحابة ﵃ كان هذا شأنهم، فيسألون النبي ﷺ عن الحكم الشرعي من أجل أن يعملوا به، بخلاف ما","vol":"2","page":27},{"text":"عليه من الناس اليوم، فإنهم يسألون عن الأحكام الشرعية؛ حتى إذا عملوا بها تركوها، ونبذوها وراء ظهورهم، وكأنهم لا يريدون من العلم لا مجرد المعرفة النظرية، وهذا في الحقيقة خسران مبين؛ لأن من ترك العمل بعد علمه به فإن الجاهل خير منه.\nفإذا قال قائل: لو رأينا رجلًا يقاتلون، ويقولون: نحن نقاتل للإسلام، دفاعًا عن الإسلام، ثم قتل أحد منهم؛ فهل نشهد له بأنه شهيد؟ فالجواب: لا. لا نشهد بأنه شهيد؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما من مكلوم يكلم في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثغب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك) فقوله: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) يدل على أن الأمر يتعلق بالنية المجهولة لنا، المعلومة عند الله، وخطب عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم فقال: أيها الناس، إنكم تقولون: فلان شهيد وفلان شهيد، ولعله أن يكون قد أوقر راحلته؛ يعني قد حملها من الغلول؛ يعني لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا: من مات أو قتل في سبيل الله فهو شهيد، فلا تشهد لشخص بعينه أنه شهيد؛ إلا من شهد له النبي صلى الله عليه سلم فإنك تشهد له، وأما من سوى هذا فقل كلامًا عامًا قل: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، وهذا نرجو أن يكون من الشهداء، وما أشبه ذلك. والله الموفق.\n\n* * *","vol":"2","page":28},{"text":"٩٠ - الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان) متفق عليه.\n(الحلقوم): مجرى النفس. و(المريء): مجرى الطعام والشراب.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث ساقه المؤلف ﵀ في باب المبادرة إلى فعل الخيرات، وعدم التردد في فعلها إذا أقبل عليها. فإن هذا الرجل سأل النبي ﷺ أي الصدقة أفضل؟ وهو لا يريد أي الصدقة أفضل في نوعها، ولا في كميتها، وإنما يريد ما هو الوقت الذي تكون فيه الصدقة أفضل من غيرها، فقال له: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح) يعني صحيح البدن شحيح النفس؛ لأن الإنسان إذا كان صحيحًا كان شحيحًا بالمال؛ لأنه يأمل البقاء، ويخشى الفقر، أما إذا كان مريضًا، فإن الدنيا ترخص عنده، ولا تساوي شيئًا فتهون عليه الصدقة.\n\nقال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء وتخشى الفقر) وفي رواية: (تخشى الفقر وتأمل الغنى)، ولكن الرواية الأولى أحسن، وقوله: (تأمل البقاء) يعني: أنك لكونك صحيحًا تأمل البقاء وطول","vol":"2","page":29},{"text":"الحياة؛ لأن الإنسان الصحيح يستبعد الموت، وإن كان الموت قد يفجأ الإنسان، بخلاف المريض؛ فإنه يتقارب الموت. وقوله: (وتخشى الفقر) يعني: لطول حياتك، فإن الإنسان يخشى الفقر إذا طالت به الحياة؛ لأن ما عنده ينفد، فهذا أفضل ما يكون؛ أن تتصدق في حال صحتك وشحك.\n(ولا تهمل) أي لا تترك الصدقة، (حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا ولفلان كذا) يعني لا تمهل، وتؤخر الصدقة، حتى إذا جاءك الموت وبلغت روحك حلقومك، وعرفت أنك خارج من الدنيا، (قلت: لفلان كذا) يعني صدقة، (ولفلان كذا) يعني صدقة، (وقد كان لفلان) أي قد كان المال لغيرك، (لفلان): يعني للذي يرثك. فإن الإنسان إذا مات انتقل ملكه، ولم يبق له شيء من المال.\nففي هذا الحديث دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يبادر بالصدقة قبل أن يأتيه الموت، وأنه إذا تصدق في حال حضور الأجل، كان ذلك أقل فضلًا مما لو تصدق وهو صحيح شحيح.\nوفي هذا دليل على أن الإنسان إذا تكلم في سياق الموت فإنه يعتبر كلامه إذا لم يذهل، فإن أذهل حتى صار لا يشعر بما يقول فإنه لا عبرة بكلامه، لقوله: (حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان: كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) .\nوفيه دليل على أن الروح تخرج من أسفل البدن، تصعد حتى تصل إلى أعلى البدن، ثم تقبض من هناك، ولهذا قال: (حتى إذا بلغت الحلقوم)، وهذا كقوله تعالى: (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ","vol":"2","page":30},{"text":"تَنْظُرُونَ) (الواقعة: ٨٣-٨٤) فأول ما يموت من الإنسان أسفله، تخرج الروح بأن تصعد في البدن، إلى أن تصل إلى الحلقوم، ثم يقبضها ملك الموت، نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالخير والسعادة. والله الموفق.\n\n* * *\n٩١ - الخامس: عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ أخذ سيفًا يوم أحد فقال: (من يأخذ مني هذا؟ فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا أنا. قال: (فمن يأخذه بحقه؟) فأحجم القوم، فقال أبو دجانة ﵁: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين. رواه مسلم.\nاسم أبي دجانة: سماك بن خرشة. قوله: (أحجم القوم) أي توقفوا. و(فلق به): أي شق، (هام المشركين): أي رؤوسهم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n في هذا الحديث يقول أنس: إن الرسول ﷺ في غزوة أحد؛ وغزوة أحد إحدى الغزوات الكبار التي غزاها رسول الله ﷺ بنفسه، وأحد جبل قرب المدينة، وكان سبب الغزوة: أن قريشًا لما أصيبوا يوم بدر بقتل زعمائهم وكبرائهم؛ أرادوا أن يأخذوا بالثار من النبي ﷺ فجاءوا إلى المدينة يريدون غزو الرسول ﷺ فاستشار النبي ﷺ أصحابه حين علم بقدومهم، فأشار عليه بعضهم بالبقاء في المدينة، وأنهم إذا دخلوا المدينة أمكن أن يرموهم بالنبل وهم متحصنون في البيوت، وأشار بعضهم؛","vol":"2","page":31},{"text":"ولا سيما الشباب منهم والذين لم يحضروا غزوة بدر؛ أشار أن يخرج إليهم، فدخل النبي ﷺ بيته ولبس لامته، يعني لامة الحرب، ثم خرج، وأمر بالخروج إليهم في أحد.\nفالتقوا في أحد، وصف النبي ﷺ أصحابه صفًا مرتبًا من أحسن ما يكون، وجعل الرماة الذين يحسنون الرمي بالنبل - وهم خمسون رجلًا - على الجبل، وأمر عليهم عبد الله بن جبير ﵁ وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم، وابقوا في مكانكم، سواء كانت لنا أو علينا.\nفلما التقى الصفان، انهزم المشركون وولوا الأدبار، وصار المسلمون يجمعون الغنائم، فقال الرماة الذين في الجبل: انزلوا نأخذ الغنائم، ونجمعها. فذكرهم أميرهم بقول النبي ﷺ لهم أن يبقوا في مكانهم، سواء كانت للمسلمين أو عليهم، ولكنهم ﵃ ظنوا أن الأمر قد انتهى؛ لأنهم رأوا المشركين ولوا ولم يبقى إلا نفر قليل، فلما رأى فرسان قريش أن الجبل قد خلا من الرماة؛ كروا على المسلمين من خلفهم، ثم اختلطوا بالمسلمين، فصار ما كان بقدر العزيز الحكيم جل وعلا، واستشهد من المسلمين سبعون رجلًا، ومنهم حمزة بن عبد المطلب ﵁ عم رسول الله ﷺ، أسد الله وأسد رسوله.\n\nفلما أصيب المسلمين بهذه المصيبة العظيمة؛ قالوا: أنى هذا، كيف نهزم ومعنا رسول الله ﷺ ونحن جند الله، وأولئك معهم الشياطين: وهم جنود الشياطين، فقال الله ﷿ لهم: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران: من الآية١٦٥)، أنتم","vol":"2","page":32},{"text":"السبب، لأنكم عصيتم، كما قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) (آل عمران: من الآية١٥٢) يعني حصل ما تكرهون.\nفحصل ما حصل؛ لحكم عظيمة؛ ذكرها الله ﷿ في سورة آل عمران، وتكلم عليها الحافظ ابن القيم ﵀ كلامًا جيدًا لم أر مثله في كتاب (زاد المعاد)؛ في بيان الحكم العظيمة من هذه العزوة.\nالمهم أن الرسول ﵊ أخذ سيفًا، فقال لأصحابه: (من يأخذ مني هذا السيف؟) كلهم قال: نأخذه، رفعوا أيديهم وبسطوها، يقولون: أنا أنا، فقال: (فمن يأخذه بحقه؟)، فأحجم القوم؛ لأنهم يعلمون ما حقه، يخشون أن حقه يكون كبيرًا جدًا لا يستطيعون القيام به، ويخشون أيضًا أن يعجزوا عن القيام به، فيكونون قد أخذوا هذا السيف على العهد من رسول الله ثم لا يوفون به، ولكن الله وفق أبا دجانة ﵁ فقال: أنا آخذه بحقه، فأخذه بحقه؛ وهو أن يضرب به حتى ينكسر، أخذه بحقه ﵁ وقاتل به؛ وفلق به هام المشركين ﵁.\nفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يبادر بالخير، وألا يتأخر، وأن يستعين بالله ﷿، وهو إذا استعان بالله وأحسن به الظن؛ أعانه الله.\nكثير من الناس ربما يستكثر العبادة، أو يرى أنها عظيمة، يستعظمها، فينكص على عقبيه، ولكن يقال للإنسان: استعن بالله، توكل على الله، وإذا استعنت بالله، وتوكلت عليه، ودخلت فيما يرضيه ﷿؛ فأبشر","vol":"2","page":33},{"text":"بالخير وأن الله - تعالى - سيعينك؛ كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: من الآية٣) .\n\nوفي هذا دليل - أيضًا - على حسن رعاية النبي ﷺ لأمته؛ لأنه لم يخص بالسيف أحد من الناس، ولكنه جعل الأمر لعموم الناس، وهكذا ينبغي للإنسان الذي استرعاه الله رعية، ألا يحابي أحدًا، وألا يتصرف تصرفًا يظن أنه محاب فيه، لأنه إذا حابى أحدًا، أو تصرف تصرفًا يظن أنه حابى فيه، حصل من القوم فرقة، وهذا يؤثر على الجماعة. أما لو امتاز أحد من الناس بميزة لا توجد في غيره، ثم خصه الإنسان بشيء، ولكنه يبين للجماعة أنه خصه لهذه الميزة؛ التي لا توجد فيهم؛ فهذا لا بأس به. والله الموفق.\n\n* * *\n٩٢ - السادس: عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك ﵁ فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج. فقال: (اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) سمعته من نبيكم ﷺ. رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن الزبير بن عدي؛ أنهم أتوا إلى أنس بن مالك ﵁؛ خادم رسول الله ﷺ، وكان قد عمر، وبقى إلى حوالي تسعين سنة من الهجرة النبوية، وكان قد أدرك وقته شيء من","vol":"2","page":34},{"text":"الفتن، فجاءوا يشكون إليه ما يجدون من الحجاج بن يوسف الثقفي؛ أحد الأمراء لخلفاء بني أمية، وكان معروفًا بالظلم وسفك الدماء، وكان جبارًا عنيدًا والعياذ بالله.\nوهو الذي حاصر مكة لقتال عبد الله بن الزبير ﵁، وجعل يرمي الكعبة بالمنجنيق؛ حتى هدمها أو هدم شيئًا منها، وكان قد آذى الناس، فجاءوا يشكون إلى أنس بن مالك ﵁، فقال لهم أنس ﵁: اصبروا؛ أمرهم بالصبر على جور ولاة الأمور، وذلك لأن ولاة الأمور قد يسلطون على الناس؛ بسبب ظلم الناس، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام: ١٢٩) .\n\nفإذا رأيت ولاة الأمور قد ظلموا الناس في أموالهم، أو في أبدانهم، أو حالوا بينهم وبين الدعوة إلى الله ﷿، أو ما أشبه ذلك؛ ففكر في حال الناس؛ تجد أن البلاء أساسه من الناس، هم الذين انحرفوا؛ فسلط الله عليهم من سلط من ولاة الأمور، وفي الأثر - وليس بحديث - كما تكونون يولى عليكم.\nويذكر أن بعض خلفاء بني أمية - وأظنه عبد الملك بن مروان - جمع وجهاء الناس؛ لما سمع أن الناس يتكلمون في الولاية، جمع الوجهاء وقال لهم: أيها الناس، أتريدون أن نكون لكم كما كان أبو بكر وعمر؟\nقالوا: بلى نريد ذلك، قال: كونوا كالرجال الذين تولى عليهم أبو بكر وعمر؛ لنكون لكم كأبي بكر وعمر، يعني أن الناس على دين ملوكهم، فإذا ظلم ولاة الأمور الناس؛ فإنه غالبًا يكون بسبب أعمال الناس.","vol":"2","page":35},{"text":"وجاء رجل من الخوارج إلى على بن أبي طالب ﵁ وقال: ما بال الناس انتقضوا عليك ولم ينتقضوا على أبي بكر وعمر، قال: لأن رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورجالي أنت وأمثالك؛ يعني أن الناس إذا ظلموا سلطت عليهم الولاة.\n\nولهذا قال أنس: اصبروا، هذا هو الواجب، الواجب أن يصبر الإنسان، ولكل كربة فرجة، لا تظن أن الأمور تأتي بكل سهولة، الشر ربما يأتي بغتة ويأتي هجمة، ولكنه لن يدال على الخير أبدًا، ولكن علينا أن نصبر، وأن نعالج الأمور بحكمة، لا نستسلم ولا نتهور، نعالج الأمور بحكمة وصبر وتأن، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: ٢٠٠)، إن كنت تريد الفلاح فهذه أسبابه وهذه طرقه؛ أربعة أشياء: (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .\nثم قال أنس بن مالك: فإنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده أشر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم محمد ﷺ. يعني أن الرسول ﷺ قال: (لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده أشر منه) . شر منه في الدين، وهذا الشر ليس شرًا مطلقًا عامًا، بل قد يكون شرًا في بعض المواضع، ويكون خيرًا في مواضع أخرى وهكذا.\nومع هذا؛ فإن الناس كما ازادوا في الرفاهية، وكلما انفتحوا على الناس؛ انفتحت عليهم الشرور، فالرفاهية هي التي تدمر الإنسان؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى الرفاهية وتنعيم جسده؛ غفل عن تنعيم قلبه، وصار","vol":"2","page":36},{"text":"أكبر همه أن ينعم هذا الجسد الذي مآله إلى الديدان والنتن، وهذا هو البلاء، وهذا هو الذي ضر الناس اليوم، لا تكاد تجد أحدًا إلا ويقول: ما قصرنا؟ ما سيارتنا؟ ما فرشنا؟ ما أكلنا؟ حتى الذين يقرءون العلم ويدرسون العلم، بعضهم إنما يدرس لينال رتبة أو مرتبة يتوصل بها إلى نعيم الدنيا. وكأن الإنسان لم يخلق لأمر عظيم، والدنيا ونعيمها إنما هي وسيلة فقط. نسأل الله أن نستعمله وإياكم وسيلة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما معناه: ينبغي على الإنسان أن يستعمل المال كما يستعمل الحمار للركوب، وكما يستعمل بيت الخلاء للغائط.\nفهؤلاء هم الذين يعرفون المال ويعرفون قدره، لا تجعل المال أكبر همك، اركب المال، فإن لم تركب المال ركبك المال، وصار همك هو الدنيا.\n\nولهذا نقول: إن الناس كلما انفتحت عليهم الدنيا، وصاروا ينظرون إليها، فإنهم يخسرون من الآخرة بقدر ما ربحوا من الدنيا، قال النبي ﷺ: (والله ما الفقر أخشى عليكم) يعني ما أخاف عليكم الفقر، فالدنيا ستفتح. (ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوا كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتكم)، وصدق الرسول","vol":"2","page":37},{"text":"﵊، هذا الذي أهلك الناس اليوم، الذي أهلك الناس اليوم التنافس في الدنيا، وكونهم كأنهم إنما خلقوا لها لا أنها خلقت لهم، فاشتغلوا بما خلق لهم عما خلقوا له، وهذا من الانتكاس نسأل الله العافية.\nوفي هذا الحديث وجوب الصبر على ولاة الأمور وإن ظلموا وجاروا، لأنك سوف تقف معهم موقفًا تكون أنت وإياهم على حد سواء؛ عند ملك الملوك، سوف تكون خصمهم يوم القيامة إذا ظلموك، لا تظن أن ما يكون في الدنيا من الظلم سيذهب هباءً أبدًا، حق المخلوق لابد أن يؤخذ يوم القيامة؛ فأنت سوف تقف معهم بين يدي الله ﷿ ليقضي بينكم بالعدل، فاصبر وانتظر الفرج، فيحصل لك بذلك اطمئنان النفس والثبات، وانتظار الفرج عبادة، تتعبد لله به، وإذا انتظرت الفرج من الله فقد قال النبي ﷺ: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا) .\nوفي هذا التحذير من سوء الزمان، وأن الزمان يتغير، ويتغير إلى ما هو أشر. وقد قال النبي ﵊ ذات يوم لأصحابه: (من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا) وأظن أننا - وعيشنا في الدنيا قليل","vol":"2","page":38},{"text":"بالنسبة لمن سبق - نرى اختلافًا كثيرًا. رأينا اختلافًا كثيرًا بين سنين مضت وسنين الوقت الحاضر.\n\nحدثني من أثق به؛ أن هذا المسجد - مسجد الجامع - كان لا يؤذن لصلاة الفجر إلا وقد تم الصف الأول، يأتي الناس إلى المسجد يتهجدون، أين المتهجدون اليوم إلا ما شاء الله؟ . قليل!! تغيرت الأحوال، كنت تجد الواحد منهم كما قال النبي ﵊: (كالطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا) إذا أصبح يقول: اللهم ارزقني، قلبه معلق بالله ﷿ فيرزقه الله، وأما الآن، فأكثر الناس في غفلة عن هذا الشيء، يعتمدون على من سوى الله، ومن تعلق شيئًا وكل إليه.\nنعم في الآونة الأخيرة - والحمد لله - لا شك أن الله ﷾ فتح على الشباب فتحًا؛ أسأل الله تعالى أن يزيدهم من فضله، فتح عليهم وأقبلوا إلى الله، فتجد بين سنواتنا هذه الأخيرة، والسنوات الماضية بالنسبة للشباب فرقًا عظيمًا، قبل نحو عشرين سنة؛ كنت لا تكاد تجد الشباب بالمسجد، أما الآن - ولله الحمد - فأكثر من في المسجد هم الشباب، وهذه نعمة ولله الحمد، يرجو الإنسان لها مستقبلًا زاهرًا، وثقوا أن الشعب إذا صلح فسوف تضطر ولاة أموره إلى الصلاح مهما كان فنحن نرجو لإخواننا في غير هذه البلاد - الذين من الله - عليهم بالصلاح","vol":"2","page":39},{"text":"واستقاموا على الحق - أن يصلح لهم الولاة، ونقول: اصبروا فإن ولاتكم سيصلحون رغمًا عنهم، فإذا صلحت الشعوب؛ صلحت الولاة بالاضطرار.\nنسأل الله أن يصلح للمسلمين ولاة أمورهم وشعوبهم؛ إنه جواد كريم.\n\n* * *\n\n٩٣ - السابع: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بادروا بالأعمال سبعًا هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا أن النبي ﵊ ذكر في أحاديث متعددة؛ ما يدل على أنه من الحزم أن يبادر الإنسان بالأعمال الصالحة، وفي هذا الحديث أشار النبي ﷺ إلى أشياء متعددة، ينبغي للإنسان أن يبادر بالأعمال حذرًا منها. فقال: (بادروا بالأعمال سبعًا): يعني سبعة أشياء كلها محيطة بالإنسان؛ يخشى أن تصيبه، منها الفقر. قال: (هل تنظرون إلا فقرًا منسيًا أو غنى مطغيًا) . الإنسان بين حالتين بالنسبة للرزق: تارة يغنيه الله ﷿ ويمده بالمال، والبنين، والأهل، والقصور، والمراكب، والجاه، وغير ذلك من أمور الغنى، فإذا رأى نفسه في هذه","vol":"2","page":40},{"text":"الحال؛ فإنه يطغى والعياذ بالله، ويزيد ويتكبر، ويستنكف عن عبادة الله، كما قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) (العلق: ٦-٨)، يعني: مها بلغت من الاستغناء والعلو؛ فإن مرجعك إلى الله.\nونحن نشاهد أن الغنى يكون سببًا للفساد والعياذ بالله، تجد الإنسان في حال فقره مخبتًا إلى الله، مبنيًا إليه، منكسر النفس، ليس عنده طغيان، فإذا أمده الله بالمال؛ استكبر - والعياذ بالله - وأطغاه غناه.\n\nأو بالعكس: (فقرًا منسيًا) الفقر: قلة ذات اليد، بحيث لا يكون مع الإنسان مال، فالفقر ينسي الإنسان مصالح كثيرة؛ لأنه يشتغل بطلب الرزق عن أشياء كثيرة تهمه، وهذا شيء مشاهد؛ ولهذا يخشى على الإنسان من هذين الحالين؛ إما الغنى المطغي؛ أو الفقر المنسي. فإذا من الله على العبد بغنى لا يطغي، وبفقر لا ينسي، وكانت حاله وسطًا، وعبادته مستقيمة، وأحواله قويمة، فهذه هي سعادة الدنيا.\nوليست سعادة الدنيا بكثرة المال؛ لأنه قد يطغي؛ ولهذا تأمل قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: ٩٧)، لم يقل: من عمل عملًا صالحًا من ذكر أو أنثى فلنوسعن عليه المال ولنعطينه المال الكثير، قال: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)؛ إما بكثرة المال أو بقلة المال، ويذكر عن النبي ﷺ فيما يرويه عن الله في الحديث القدسي: (إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى، وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده","vol":"2","page":41},{"text":"الفقر) . وهذا هو الواقع، من الناس من يكون الفقر خيرًا له، ومن الناس من يكون الغنى خيرًا له، ولكن الرسول ﵊ حذر من غنى مطغٍ وفقر منسٍ.\n\nالثالث: قال: (أو مرضًا مفسدًا) المرض يفسد على الإنسان أحواله، فالإنسان ما دام في صحة؛ تجد منشرح الصدر، واسع البال، مستأنسًا، لكنه إذا أصيب بالمرض انتكب، وضاقت عليه الأرض، وصار همه نفسه، فتجده بمرضه تفسد عليه أمور كثيرة، لا يستأنس مع الناس، ولا ينبسط إلى أهله؛ لأنه مريض ومتعب في نفسه. فالمرض يفسد على الإنسان أحواله، والإنسان ليس دائمًا يكون في صحة، فالمرض ينتظره كل لحظة. كم من إنسان أصبح نشيطًا صحيحًا وأمسى ضعيفًا مريضًا، بالعكس؛ أمسى صحيحًا نشيطًا، وأصبح مريضًا ضعيفًا. فالإنسان يجب عليه أن يبادر إلى الأعمال الصالحة؛ حذرًا من الأمور.\nالرابع: (أو هرمًا منفدًا) الهرم: يعني الكبر، فالإنسان إذا كبر وطالت به الحياة، فإنه - كما قال الله ﷿ (يرد إلى أرذل العمر) أي إلى أسوئه وآرائه، فتجد هذا الرجل الذي عهدته من أعقل الرجال، يرجع حتى يكون مثل الصبيان، بل هو أردأ من الصبيان؛ لأن الصبي لم يكن قد عقل، فلا يدري عن شيء، لكن هذا قد عقل وفهم الأشياء، ثم رد إلى أرذل العمر، فيكون هذا أشد عليه؛ ولذلك نجد أن الذين يردون إلى أرذل العمر - من كبار","vol":"2","page":42},{"text":"السن - يؤذون أهليهم أشد من إيذاء الصبيان؛ لأنهم كانوا قد عقلوا، وقد استعاذ النبي ﷺ من أن يرد إلى أرذل العمر.\nنسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الرد إلى أرذل العمر؛ لأن الإنسان إذا رد إلى أرذل العمر؛ تعب وأتعب غيره، حتى إن أخص الناس به يتمنى أن يموت؛ لأنه آذاه وأتعبه، وإذا لم يتمن بلسان المقال؛ فربما يتمنى بلسان الحال.\n\nأما الخامس: (فالموت المجهز): يعني أن يموت الإنسان، والموت لا ينذر الإنسان قد يموت الإنسان بدون إنذار، قد يموت على فراشه نائمًا، وقد يموت على كرسيه عاملًا، وقد يموت في طريقه ماشيًا، وإذا مات الإنسان انقطع عمله، كما قال النبي ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو لد صالح يدعو له) فبادر بالعمل قبل الموت المجهز، الذي يجهزك ولا يمهلك.\nالسادس: (أو الدجال فشر غائب ينتظر) الدجال: صيغة مبالغة من الدجل؛ وه الكذب والتمويه، وهو رجل يبعثه الله ﷾ في آخر الزمان، يصل إلى دعوى الربوبية، يدعي أنه رب، فيمكث في فتنته","vol":"2","page":43},{"text":"هذه أربعين يومًا؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع؛ يعني كجمعة. وسائر أيامه كالأيام المعتادة، لكن يعطيه الله ﷿ من القدرات ما لم يعط غيره، حتى إنه يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، ويأمر الأرض فتجدب، والسماء فتقحط: تمنع المطر، ومعه جنة ونار، لكنها مموهة؛ جنته نار، وناره جنة.\n\nهذا الرجل أعور العين، كأن عينه عنبة طافية، مكتوب بين عينيه (كافر) كاف. فاء. راء. يقرؤه كل مؤمن؛ الكاتب وغير الكاتب، ولا يقرؤه المنافق ولا الكافر - ولو كان قارئًا كاتبًا - وهذا من آيات الله.\nهذا الرجل يرسل الله عليه عيسى ابن مريم عليه الصلاة السلام، فينزل من السماء فيقتله. كما جاء في بعض الأحاديث بباب لدّ في فلسطين حتى يقضي عليه.\nفالحاصل أن الدجال شر غائب ينتظر؛ لأن فتنته عظيمة؛ ولهذا نحن في صلاتنا - في كل صلاة - نقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. خصمها، لأنها أعظم فتنة تكون في حياة الإنسان.\nالسابع: (أو الساعة) يعني قيام الساعة الذي فيه الموت العام،","vol":"2","page":44},{"text":"والساعة أدهى وأمر كما قال الله ﷿: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر: ٤٦) .\nفهذه سبع حذر منها النبي ﵊، وأمرنا أن نبادر بالأعمال هذه السبع، فبادر يا أخي المسلم بأعمالك الصالحة قبل أن يفوتك الأوان، فأنت الآن في نشاط، وفي قوة، وفي قدرة، لكن قد يأتي عليك زمان لا تستطيع ولا تقدر على العمل الصالح، فبادر وعود نفسك، وأنت إذا عودت نفسك العمل الصالح إعتادته، وسهل علينا وانقادت له، وإذا عودت نفسك الكسل والإهمال؛ عجزت عن القيام بالعمل الصالح، نسأل الله أن يعينني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.\n* * *\n٩٤ - الثامن: عنه أن رسول ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه) قال عمر ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يؤمئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁، فأعطاه إياها، وقال: (امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك) فسار على شيئًا، ثم وقف ولم يلتفت؛ فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) رواه مسلم.","vol":"2","page":45},{"text":"(فتساورت) هو بالسين المهملة: أي وثبت متطلعًا.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله)، وفي لفظ: (ويحبه الله ورسوله) يوم خيبر: يعني يوم غزوة خيبر، وخيبر حصون ومزارع كانت لليهود؛ تبعد عن المدينة نحو مائة ميل نحو الشمال الغربي، فتحها النبي ﵊ كما هو معروف في السير، وكان الذين يعملون فيها اليهود، فصالحهم النبي ﵊ على أن يبقوا فيها مزارعين بالنصف؛ لهم نصف الثمرة، وللمسلمين نصف الثمرة، وبقوا على ذلك حتى أجلاهم عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، أجلاهم إلى الشام وإلى أذرعات.\n\nقال النبي ﵊: (لأعطينه الراية رجلًا يحب الله ورسوله) الراية: هي ما يسمى عندنا العلم، يحمله القائد من أجل أن يهتدي به الجيش وراءه، فقال: (لأعطينه الراية رجلًا يحب الله ورسوله) وقوله: (رجلًا) نكرة لا يعلم من هو، قال عمر بن الخطاب: فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، رجاء أن يصيبه ما قاله النبي ﵊، فتسورت لها وبات الناس تلك الليلة يخوضون ويدوكون، كل منهم يرجو أن يعطاها، فلما أصبحوا قال النبي ﷺ: أين علي بن أبي طالب؟ ابن","vol":"2","page":46},{"text":"عمه قالوا: يا رسول الله، إنه يشتكي عينيه، يعني عنده وجع في عينيه، فدعا به، فجاء، فبصق في عينيه؛ فبرأ كأن لم يكن به وجع في الحال، والله على كل شيء قدير، ثم أعطاه الراية، وقال له: (امش ولا تلتفت حتى يفتح الله) .\nففعل ﵁ فلما مشى قليلًا وقف، ولكنه لم يلتفت؛ لأن النبي ﷺ قال له: لا تلتفت، فصرخ بأعلى صوته: يا رسول الله، على ماذا أقاتلهم؟ بدون التفات؛ لأن الرسول ﷺ قال لا تلتفت؛ قال: (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)؛ هذه الكلمة كلمة عظيمة، ولو وزنت بها السماوات والأرض لرجعت بالسماوات والأرض، هذه الكلمة يدخل بها الإنسان من الكفر الإسلام، فهي باب الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، (فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) يعني إذا قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فإنهم لا يقاتلون، منعوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، أي بحق لا إله إلا الله؛ أي بالحقوق التابعة لها؛ لأن لا إله إلا الله ليست مجرد لفظ يقوله الإنسان بلسانه، بل لها شروط ولها أمور لابد أن تتم، ولهذا قيل لبعض السلف: إن النبي ﷺ قال: (مفتاح الجنة لا إله إلا الله)؟ فقال نعم، مفتاح الجنة لا إله إلا الله، لكن لابد من عمل؛ لأن المفتاح يحتاج إلى أسنان، وقد صدق ﵀: المفتاح يحتاج إلى\n\nأسنان، لو جئت بمفتاح بدون أسنان ما فتح لك.\nإذن: قول الرسول ﵊: (إلا بحقها) يشمل كل شيء","vol":"2","page":47},{"text":"يكفر به الإنسان مع قول لا إله إلا الله، فإن من كفر وإن كان يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكنه أتى بمكفر؛ فإن هذه الكلمة لا تنفعه.\nولهذا كان المنافقون يذكرون الله، يقولون: لا إله إلا الله، وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، هيئتهم وشكلهم كأنهم أكمل المؤمنين إيمانًا، ويأتون للرسول ﷺ يقولون له: نشهد إنك لرسول الله، الكلام مؤكد بثلاث مؤكدات (نشهد) و(إن) و(اللام) في (نَشْهَدُ إِنَّك لَرَسُولُ َاللَّهُ) فقال رب العزة والجلال الذي يعلم ما في الصدور: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون: ١)، أعطاهم شهادة بشهادة، يشهد إن المنافقون لكاذبون، وأكد الله ﷿ كذب هؤلاء في قولهم: نشهد إنك لرسول الله، بثلاثة مؤكدات، فليس كل من قال لا إله إلا الله؛ يعصم دمه وماله؛ لأن النبي ﷺ استثنى فقال: (إلا بحقها) .\n\nولما منع الزكاة من منعها من العرب بعد وفاة النبي ﷺ، واستعد أبو بكر ﵁ لقتالهم، تكلم معه من تكلم من الصحابة، وقالوا: كيف تقاتلهم وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ قال ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، الزكاة حق المال، وقد قال النبي ﷺ: (إلا بحقها) فقاتلهم ﵁ على ذلك، وانتصر ولله الحمد.\nفالحاصل: أنه ليس كل من قال لا إله إلا الله، فإنه يمنع دمه وماله، ولكن لابد من حق، ولذلك قال العلماء ﵏: لو أن قرية من القرى تركوا الأذان والإقامة؛ فإنهم لا يكفرون، ولكن يقاتلون، وتستباح دمائهم حتى يؤذنوا ويقيموا، مع أن الأذان والإقامة ليسا من أركان","vol":"2","page":48},{"text":"الإسلام، لكنها من حقوق الإسلام، قالوا: ولو تركوا صلاة العيد مثلًا، مع أن صلاة العيد ليست من الفرائض الخمس، لو تركوا صلاة العيد وجب قتالهم، يقاتلون بالسيف والرصاص حتى يصلوا العيد، مع أن صلاة العيد فرض كفاية، أو سنة عند بعض العلماء، أو فرض عين على القول الراجح، لكن الكلام على أن القتال قد يجوز مع إسلام المقاتلين؛ ليذعنوا لشعائر الإسلام الظاهرة؛ ولهذا قال هنا: (إلا بحقها) .\n\nوفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز للإنسان أن يقول: لأفعلن كذا في المستقبل، وإن لم يقل: إن شاء الله. ولكن يجب أن نعلم الفرق بين شخص يخبر عما في نفسه، وشخص يخبر أنه سيفعل، يعني يريد الفعل.\nأما الأول فلا بأس أن يقول سأفعل بدون إن شاء الله؛ لأنه إنما يخبر عما في نفسه، وأما الثاني: الذي يريد أنه يفعل؛ أي يوقع الفعل فعلًا.\nفهذا لا يقل إلا مقيدًا بالمشيئة، قال تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه ُ) (الكهف: ٢٣-٢٤)، فهناك فرق بين من يخبر عما في نفسه، وبين من يقول إنني سأفعل غدًا. غدًا ليس إليك، ربما تموت قبل غد، وربما تبقى، ولكن يكون هناك موانع وصوارف، وربما تبقى ويصرف الله همتك عنه، كما يقع كثيرًا، كثيرًا ما يريد الإنسان أن يفعل فعلًا غدًا أو آخر النهار، ثم يصرف الله همته.\nولهذا قيل لبعض الأعراب - والأعراب سبحان الله عندهم أحيانًا جواب فطري - قيل له: بم عرفت ربك؟ فأجاب قائلًا: الأثر يدل على المسير، والبعير تدل على البعير. فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج،","vol":"2","page":49},{"text":"وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ - الله أكبر - أعرابي لا يعرف؛ لكنه استدل بعقله، فهذه الأمور العظيمة ألا تدل على خالق يخلقها ويدبرها؟ بلى والله.\nوسئل آخر: بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الههم؛ فكيف هذا؟ يعزم الإنسان على شيء ثم تنتقض عزيمته بدون أي سبب ظاهر، إذن: من الذي نقضها؟ الذي نقض العزيمة هو الذي أودعها أولًا، وهو الله ﷿، وصرف الههم؛ حيث يهم الإنسان بالشيء - وربما يبدأ به فعلًا - ثم ينصرف.\nإذن نقول: إن في هذا الحديث دليل على أن الإنسان له أن يقول سأفعل كذا؛ إخبارًا عما في نفسه، لا جزمًا بأن يفعل، لأن المستقبل له الله، لكن إذا أخبرت عما في نفسك فلا حرج. والله الموفق.","vol":"2","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>١١ - باب المجاهدة</span>\n\nقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: ٦٩) . وقال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين ُ) (الحجر: ٩٩) . وقال تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) (المزمل: ٨)، أي انقطع إليه. وقال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧)، وقال تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) (المزمل: ٢٠)، وقال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٧٣)، والآيات في الباب كثيرة معلومة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب المجاهدة) المجاهدة تعني مجاهدة الإنسان نفسه ومجاهدة غيره، فأما مجاهدة الإنسان نفسه فإنها من أشق الأشياء، ولا تتم مجاهدة الغير إلا بمجاهدة النفس أولًا، ومجاهدة النفس تكون بأن يجاهد الإنسان نفسه على شيئين، على فعل الطاعات، وعلى ترك المعاصي؛ لأن فعل الطاعات ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه، وترك المعاصي كذلك ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه، فتحتاج النفس إلى مجاهدة لا سيما مع قلة الرغبة في الخير، فإن الإنسان يعاني من نفسه معاناةً شديدة؛ ليحملها على فعل الخير.\nومن أهم ما يكون من هذا مجاهدة النفس على الإخلاص لله ﷿ في العبادة؛ فإن الإخلاص، أمره عظيم وشاق جدًا، حتى إن بعض","vol":"2","page":51},{"text":"السلف يقول: (ما جاهدت نفسي على شيءٍ مجاهدتها على الإخلاص ولهذا كان جزاء المخلصين أن من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه حرمه الله على النار.\n\nلكن متى يكون هذا الأمر؟ إن هذا الأمر شديد جدًا، فالمجاهدة على الإخلاص لله من أشق ما يكون على النفوس؛ لأن النفوس لها حظوظ؛ ولأن الإنسان يحب أن يكون مرموقًا عند الناس، ويحب أن يكون محترمًا بين الناس، ويحب أن يقال: إن هذا رجل عابد، هذا رجل فيه كذا وكذا من خصال الخير، فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب، ويحمله على مراءاة الناس. وقد قال النبي ﷺ (من سمع سمّع الله به، ومن راءَى راءى الله به) . يعني أظهر أمره للناس حتى ينكشف والعياذ بالله.\nكذلك أيضًا مما يجاهد الإنسان نفسه عليه: فعل الطاعات الشاقة مثل الصوم، فإن الصوم من أشق الطاعات على النفوس؛ لأن فيه ترك المألوف من طعام وشراب ونكاح، فتجده يكون شاقًا على الناس إلا من يسره الله عليه وخفف عنه. تجد بعض الناس مثلًا إذا دخل رمضان كأنما وضع على ظهره جبل - والعياذ بالله - لأنه يستثقل الصوم ويرى أنه شاق، حتى إن بعضهم يجعل حظ يومه النوم، وحظ ليله السهر في أمر لا خير له فيه؛ كل ذلك من أجل مشقة هذه العبادة عليه.","vol":"2","page":52},{"text":"كذلك أيضًا من الأشياء التي تحتاج إلى مجاهدة، مجاهدة الإنسان نفسه على الصلاة مع الجماعة؛ كثير من الناس يسهل عليه أن يصلي في بيته، لكن يشق عليه أن يصلي مع الجماعة في المسجد، فتجده مع نفسه في جهاد، يقول: أصبر، أؤدي هذا الشغل، أو أفعل كذا، أو أفعل كذا، حتى.. سوف.. فتفوته صلاة الجماعة، وثقل صلاة الجماعة على الإنسان يدل على أن في قلب الإنسان نفاقًا، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: (أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا) وهذا يحتاج إلى المجاهدة.\nأما مجاهدة النفس علي ترك المحرم؛ فما أكثر المحرمات التي يشق علي بعض الناس تركها، فتجد البعض يعتاد على فعل المحرم ويشق عليه تركه، ولنضرب لهذا مثلين.\nالمثل الأول: الدخان، فإن كثيرًا من الناس ابتلي بشرب الدخان، وأول ما خرج الدخان اختلف العلماء فيه؛ منهم من قال: إنه حلال، ومنهم من قال: إنه حرام، ومنهم من قال: إنه مكروه، ومنهم من ألحقه بالخمر حتى أوجب الحد على شاربه، ولكن بعد أنه مضت الأيام تبين تبينًا لا شك فيه أنه حرام؛ لأن الأطباء أجمعوا على أنه مضر بالصحة، وأنه سبب لأمراض مستعصية تؤدي بالإنسان إلى الموت، ولهذا تجد بعض","vol":"2","page":53},{"text":"المدخنين يموت وهو يكلمك، ويموت وهو على الفراش، وإذا حمل أدنى شيء انقطع قلبه ومات، وهذا يدل على أنه ضار، والشيء الضار محرم على الإنسان؛ لأن الله يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: من الآية٢٩)، ويشق على بعض المبتلين بهذا الدخان أن يدعه، مع أنه لو عود نفسه على تركه شيئًا فشيئًا، وأبتعد عن الذين يشربونه لسهل عليه الأمر، وصار يكره شم رائحته، لكن المسألة تحتاج إلى عزيمة قوية وإيمان صادق.\nالمثل الثاني: مما يشق على كثير من الناس، وقد ابتلى به الكثير: حلق اللحى، فإن حلق اللحية محرم، لأن الرسول ﷺ قال: (خالفوا المجوس. خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) . كثير من الناس قد غلبته نفسه فصار يحلق لحيته، ولا أدرى ماذا يجني من حلق اللحية؟ لا يجني إلا معاصي تتراكم عليه حتى تضعف إيمانه والعياذ بالله، لأن من مذهب أهل السنة والجماعة أن المعاصي تنقص الإيمان، فيكسب حالق اللحية معاصي تنقص إيمانه، مع أنه لا يزيد نشاطه ولا صحته، ولا تندفع عنه بذلك الأمراض، ولكن ابتلي بهذا الشيء وصار شاقًا عليه، فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه على فعل الأوامر وعلى ترك النواهي، حتى يكون من المجاهدين في الله ﷿ وقد قال الله تعالى في جزائهم:","vol":"2","page":54},{"text":"(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين َ) (العنكبوت: ٦٩) .\nأما مجاهدة الغير فإنها تنقسم إلى قسمين: قسم بالعلم والبيان، وقسم بالسلاح.\n\nأما من مجاهدته بالعلم والبيان فهو الذي يتسمى بالإسلام وليس من المسلمين؛ مثل المنافقين وأهل البدع المكفرة وما أشبه ذلك، فإن هؤلاء لا يمكن أن نجاهدهم بالسلاح؛ لأنهم يتظاهرون بالإسلام وأنهم معنا، ولكننا نجاهدهم بالعلم والبيان، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة: ٧٣)، فجاهد الكفار يكون بالسلاح، وجهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان.\nولهذا كان الرسول -﵊ يعلم بأن في أصحابه منافقين، ويعلمهم بأعيانهم، ولكنه لا يقتلهم، واستؤذن في قتلهم فقال: (لا يتحدث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه)، فكذلك الذين ينضوون تحت لواء الإسلام من أهل البدع لا نقاتلهم بالسلاح، لكننا نقاتلهم بالعلم والبيان.\n\nولهذا كان واجبًا على شباب الأمة الإسلامية أن يتعلموا العلم على وجه راسخ ثابت، لا على وجه سطحي كما يوجد في كثير من بيوت العلم، حيث يتعلمون علمًا سطحيًا لا يرسخ بالذهن، علمًا يقصد به","vol":"2","page":55},{"text":"الإنسان أن يحصل على بطاقة أو شهادة فقط، ولكن العلم الحقيقي هو العلم الذي يرسخ في القلب، ويكون كالملكة للإنسان، حتى إن الإنسان الذي يوفق لهذا النوع من العلم؛ تجده لا تكاد تأتيه مسألة من المسائل إلا عرف كيف يخرجها على الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الصحيح، فلابد من علم راسخ.\n\nوالناس اليوم في عصرنا محتاجون إلى هذا النوع من العلم؛ لأن البدع بدأ يفشو ظلامها في بلدنا هذه؛ بعد أن كانت نزيهة منها، لكن نظرًا لانفتاحنا على الناس، وانفتاح الناس علينا، وذهاب بعضنا إلى بلاد أخرى، ومجيء آخرين إلى بلادنا ليسوا على عقيدة سليمة؛ بدأت البدع تظهر ويفشو ظلامها. وهذه البدع تحتاج إلى نور من العلم يضيء الطريق حتى لا يصيب بلادنا ما أصاب غيرها من البدع المنكرة العظيمة التي قد تصل إلى الكفر - والعياذ بالله ـ. فلابد من مجاهدة أهل البدع وأهل النفاق بالعلم والبيان، وبيان بطلان ما هم عليه؛ بالأدلة المقنعة من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الهدى من بعدهم.\nأما النوع الثاني من جهاد الغير: فهو الجهاد بالسلاح، وهذا في جهاد الأعداء الذين يظهرون العداوة للإسلام ويصرحون بذلك؛ مثل اليهود والنصارى الذين يسمون بالمسيحيين، والمسيح منهم بريء ﵊، المسيح لو أنه خرج لقاتلهم وهم ينتسبون إليه، يقول الله ﷿: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ","vol":"2","page":56},{"text":"دُونِ اللَّهِ) (المائدة: ١١٦)، فماذا كان جواب عيسى؟: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة: ١١٦، ١١٧) .\n\nفعيسى بن مريم قال لهم ما أمرهم الله به: اعبدوا الله ربي وربكم، ولكنهم كانوا يعبدون عيسى، ويعبدون مريم، ويعبدون الله ويقولون إن الله ثالث ثلاثة، إذن؛ كيف يصح أن ينتسب هؤلاء إلى عيسى وهو يتبرأ منهم أمام الله ﷿.\nفاليهود والنصارى والمشركين من البوذيين وغيرهم، والشيوعيين، كل هؤلاء أعداء للمسلمين؛ يجب على المسلمين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، ولكن مع الأسف، فالمسلمون اليوم في ضعف شديد، وفي هوان وذل، يقاتل بعضهم بعضًا أكثر مما يقاتلون أعداءهم، هم فيما بينهم يتقاتلون أكثر مما يتقاتلون مع أعدائهم، ولهذا سلط الأعداء علينا، وصرنا كالكرة بأيديهم؛ يتقاذفونها حيث يشاءون.\nفلهذا يجب على المسلمين أن ينتبهوا لهذا الأمر، وأن يعدوا العدة؛ لأن الله تعالى قال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (لأنفال: ٦٠) وقال ﷿: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا","vol":"2","page":57},{"text":"الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: ٢٩) .\n\n(يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) أي: يبذلون الجزية لنا (عَنْ يَدٍ) فيها قولان للعلماء: (عَنْ يَدٍ) يعني عن قوة منا علينا، أو (عَنْ يَدٍ) يعني عن واحدة من أيديهم، بحيث يمدها هو بنفسه - اليهودي أو النصراني - ولهذا قال العلماء: لو أرسل بها خادمه لم نأخذها حتى يأتي بنفسه ويسلمها للمسؤول من المسلمين. وتصوروا؛ كيف يريد الله منا؟ وكيف يكون الإسلام في هذه العزة؟ تضرب عليهم الجزية، ويأتون بها هم بأنفسهم، ولو كان أكبر واحد منهم يأتي بها حتى يسلمها إلى المسؤول في الدولة الإسلامية عن يد وهو صاغر أيضًا، لا يأتي بأبهة وبجنود وبقوم وبحشم، لا. بل يأتي وهو صاغر.\nثم إذا قال قائل: كيف تكون تعاليم الإسلام هكذا؟ أليست هذه عصبية؟ قلنا: عصبية لمن؟ هل المسلمون يريدون عصبية لهم يستطيلون بها على الناس؟ .. أبدًا فالمسلمون أحسن الناس أخلاقًا، لكنهم يريدون أن تكون كلمة الخالق الذي خلقهم وخلق هؤلاء هي العليا، ولا يمكن أن تكون هي العليا حتى يكون المسلمون هم الأعلون، ولكن متى يكون المسلمون هم الأعلون؟ يكونون كذلك إذا تمسكوا بدين الله حقًا ظاهرًا وباطنًا، وعرفوا أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.\n\nأما أن يذلوا عن دين الله، ثم يذلوا أمام أعداء الله، ثم يصيروا أذنابًا لأعداء الله، فأين العزة إذن؟ .. لا يمكن أن تكون بهذا عزة أبدًا.\nالإسلام دين حق، دين علو، قال الله ﷿: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى","vol":"2","page":58},{"text":"السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) (محمد: ٣٥)، أي شيء تريدون بعد؟ .. أنتم الأعلون، والله معكم؛ كيف تدعون إلى السلم؟ كيف تهنون؟ ولكن نظرًا لتأخرنا في ديننا، تأخرنا وكنا على العكس من ذلك، كان الناس في عهد السلف الصالح يمشي المسلم وهو يرى أنه هو المستحق لأرض الله، لأن الله قال في كتابه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥)، فهو يرى أنه صاحب الأرض.\nأما الآن فبالعكس - مع الأسف الشديد - ولهذا نحن نحث أبناءنا وشبابنا على أن يفقهوا الدين حقيقة، يتمسكوا به حقيقة، وأن يحذروا أعداء الله ﷿ وأن يعلموا أنه لا يمكن لعدو الله وعدوهم أن يسعى في مصلحتهم إطلاقًا، بل لا يسعى إلا لمصلحة نفسه، وتدمير المسلمين ومن ورائهم الإسلام. فنسأل الله تعالى أن يعزنا بدينه وأن يعز دينه بنا، وأن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره، وأن يهيئ للأمة الإسلامية قادة خير يقودونها لما فيه صلاحها وسعادتها في دينها ودنياها.\n\n* * *\nوأما الأحاديث:\nفالأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني","vol":"2","page":59},{"text":"لأعيذنه) رواه البخاري.\n(آذنته): أعلمته بأني محارب له: (استعاذني) روي بالنون وبالباء.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف ﵀ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) والمعاداة هي المباعدة، وهي ضد الموالاة، والولي بينه الله ﷿ في قوله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُواْ يتَقُونَ) (يونس: ٦٢-٦٣)، هؤلاء هم أولياء الله، (الَّذِينَ آمَنُوا) أي حققوا الإيمان في قلوبهم بكل ما يجب الإيمان به، (وكَانُواْ يتَقُونَ) أي حققوا العمل الصالح بجوارحهم، فاتقوا جميع المحارم من ترك الوجبات، أو فعل المحرمات، فهم جمعوا بين صلاح الباطن بالإيمان، وصلاح الظاهر بالتقوى، هؤلاء هم أولياء الله.\nوليست ولاية الله ﷾ تأتي بالدعوى، كما يفعله بعض الدجالين الذين يموهون على العامة بأنهم أولياء لله وهم أعداء والعياذ بالله، فتجد في بعض البلاد الإسلامية أناسًا يموهون للعامة؛ يقولون: نحن أولياء، ثم يفعل من العبادات الظاهرة ما يموه به على العامة وهو من أعداء الله، لكنه يتخذ من هذه الدعوة وسيلة إلى جمع المال، وإلى إكرام الناس له، وإلى تقربهم إليه وما أشبه ذلك.","vol":"2","page":60},{"text":"وعندنا - ولله الحمد - ضابط بينه الله ﷿، وتعريف بين للأولياء (الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُواْ يتَقُونَ) هؤلاء هم أولياء الله، فالذي يعادي أولياء الله يقول الله ﷿: (فقد آذنته بالحرب)، يعني أعلنت عليه الحرب. فالذي يعادي أولياء الله محارب لله ﷿ نسأل الله العافية، ومن حارب الله فهو مهزوم مخذول لا تقوم له قائمة.\nثم قال ﷾: (وما تَقربَ إلى عبدي بشَيءٍ أَحبَ إليَّ ممّا افتَرضتُ عليه)، يعني أن الله يقول: ما تقرب إلي الإنسان بشيء أحب إلي مما افترضه عليه، يعني أن الفرائض أحب إلى الله من النوافل، فالصلوات الخمس مثلًا أحب إلى الله من قيام الليل، وأحب إلى الله من النوافل، وصيام رمضان أحب إلى الله من صيام الاثنين والخميس، والأيام الست من شوال، وما أشبهها. كل الفرائض أحب إلى الله من النوافل.\n\nووجه ذلك أن الفرائض وكدها الله ﷿ فألزم بها العباد، وهذا دليل على شدة محبته لها ﷿، فلما كان يحبها حبًا شديدًا ألزم بها العباد، وأما النوافل فالإنسان حر؛ إن شاء تنفل وزاد خيرًا، وإن شاء لم يتنفل، لكن الفرائض أحب إلى الله وأوكد، والغريب أن الشيطان يأتي الناس، فتجدهم في النوافل يحسنونها تمامًا؛ تجده مثلًا في صلاة الليل يخشع ولا يتحرك، ولا يذهب قلبه يمينًا ولا شمالًا، لكن إذا جاءت الفرائض فالحركة كثيرة، والوساوس كثيرة، والهواجس بعيدة، وهذا من تزيين الشيطان، فإذا كنت تزين النافلة؛ فالفريضة أحق بالتزيين، فأحسن الفريضة لأنها أحب إلى الله ﷿ من النوافل.","vol":"2","page":61},{"text":"(وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه) اللهم نسألك من فضلك. النوافل تقرب إلى الله وهي تكمل الفرائض، فإذا أكثر الإنسان من النوافل مع قيامه بالفرائض، نال محبة الله، فيحبه الله، وإذا أحبه فكما يقول الله ﷿ (كنت سمعه الذي سمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) يعني أنه يكون مسددًا له في هذه الأعضاء الأربعة؛ في السمع، يسدده في سمعه فلا يسمع إلا ما يرضي الله. كذلك أيضًا بصره، فلا ينظر إلا إلي ما يحب الله النظر إليه، ولا ينظر إلي المحرم، ولا ينظر نظرًا محرمًا؛ ويده؛ فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله، لأن الله يسدده، وكذلك رجله؛ فلا يمشي إلا إلى ما يرضي الله، لأن الله يسدده، فلا يسعى إلا إلى ما فيه الخير، وهذا يعني قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) .\n\nوليس المعنى أن الله يكون نفس السمع، ونفس البصر، ونفس اليد، ونفس الرجل - حاشا لله - فهذا محال، فإن هذه أعضاء وأبعاض لشخص مخلوق لا يمكن أن تكون هي الخالق، ولأن الله تعالى أثبت في هذا الحديث في قوله: (وأن سألني أعطيته، ولئن استعاذ ني لأعيذنه) فأثبت سائلًا ومسؤولًا، وعائذًا ومعوذًا به، وهذا غير هذا. ولكن المعنى أنه يسدد الإنسان في سمعه وبصره وبطشه ومشيه.\nوفي قول ﷾ في هذا الحديث القدسي: (وإن سألني أعطيته) دليل على أن هذا الولي الذي تقرب إلى الله تعالى بالفرائض ثم","vol":"2","page":62},{"text":"بالنوافل إذا سأل الله أعطاه، فكان مجاب الدعوة، وهذا الإطلاق يقيد بالأحاديث الأخرى الدالة على أنه يعطي السائل سؤاله ما لم يسال إثمًا أو قطيعة رحم، فإن سال إثمًا فإنه لا يجاب، لكن الغالب أن الولي لا يسأل الإثم، لأن الولي هو المؤمن التقي، والمؤمن التقي لا يسأل إثمًا ولا قطيعة رحم.\n(ولئن استعاذ ني لأعيذنه) يعني لئن اعتصم بي ولجأ إلى من شر كل ذي شر لأعيذنه، فيحصل له بإعطائه مسئوله وإعاذته مما يتعوذ منه المطلوب، ويزول عنه الموهوب.\nوفي هذا الحديث عدة فوائد:\n\nأولًا: إثبات الولاية له ﷿ وولاية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة، وهي السلطة على جميع العباد، والتصرف فيهم بما أراد. كل إنسان؛ فإن الذي يتولى أموره وتدبيره وتصريفه هو الله ﷿، ومن ذلك قوله ﵎ (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) (الأنعام: ٦١، ٦٢)، فهذه ولاية عامة تشمل جميع الخلق، والولاية العامة تكون بغير سبب من الإنسان، ويتولى الله الإنسان، شاء أم أبى، وبغير سبب منه.\nأما الولاية الخاصة: مثل قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) (البقرة: ٢٥٧)، والولاية الخاصة تكون بسبب من الإنسان، فهو الذي يتعرض لولاية الله حتى يكون الله وليًا له: (الَّذِينَ آمَنُوا","vol":"2","page":63},{"text":"وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس: ٦٣) .\nومن فوائد هذا الحديث:\nفضيلة أولياء الله، وأن ﷾ يعادي من عاداهم، بل يكون حربًا عليهم ﷿.\n\nومن فوائد هذا الحديث:\nأن الأعمال الواجبة من صلاة، وصدقة، وصوم، وحج، وجهاد، وعلم، وغير ذلك؛ افضل من الأعمال المستحبة؛ لأن الله تعالى قال: (ما تقرب إلى عبدي بشيء احب إلى مما افترضت عليه) .\nومن فوائده:\nإثبات المحبة لله ﷿، وأن الله تعالى يحب الأعمال بعضها أكثر من بعض، كما أنه يحب الأشخاص بعضهم أكثر من بعض، فالله ﷿ يحب العاملين بطاعته ويحب الطاعة، وتتفاوت محبته ﷾ على حسب ما تقتضيه حكمته.\nومن فوائد هذا الحديث:\nأن الإنسان إذا تقرب إلى الله بالنوافل مع القيام بالواجبات فإنه يكون بذلك معانًا في جميع أموره؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه..) الخ.\nوفيه: دليل أيضًا على أن من أراد أن يحبه الله فأمر سهل عليه إذا سهله عليه، يقوم بالواجبات ويكثر من التطوع بالعبادات، فبذلك ينال محبة الله، وينال ولاية الله.","vol":"2","page":64},{"text":"ومن فوائد هذا الحديث:\nإثبات عطاء الله ﷿، وإجابة دعوته لوليه، لقوله: (إن سألني أعطيته، ولئن استعاذ ني لأعيذنه)\n\nوأتى به المؤلف في باب المجاهدة؛ لأن النفس تحتاج إلى جهاد في القيام بالواجبات، ثم بفعل المستحبات، نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\n\n* * *\n\n٩٧ - الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما رواه عن ابن عباس ﵄: إن النبي ﷺ قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ)، يعني أن هذين الجنسين من النعم مغبون فيهما كثير من الناس، أي مغلوب فيهما، وهما الصحة والفراغ، وذلك أن الإنسان إذا كان صحيحًا كان قادرًا على ما أمره الله به أن يفعله، وكان قادرًا على ما نهاه الله عنه أن يتركه لأنه صحيح البدن، منشرح الصدر، مطمئن القلب، كذلك الفراغ إذا كان عنده ما يؤويه وما يكفيه من مؤنة فهو متفرغ.","vol":"2","page":65},{"text":"فإذا كان الإنسان فارغًا صحيحًا فإنه يغبن كثيرًا في هذا، لأن كثيرًا من أوقاتنا تضيع بلا فائدة ونحن في صحة وعافية وفراغ، ومع ذلك تضيع علينا كثيرًا، ولكننا لا نعرف هذا الغبن في الدنيا، إنما يعرف الإنسان الغبن إذا حضره أجله، وإذا كان يوم القيامة، والدليل على ذلك قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ (المؤمنون: ١٠٠)، وقال ﷿ في سورة المنافقون: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِين َ) (المنافقون: ١٠)، وقال الله ﷿: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: ١١) .\nالواقع أن هذه الأوقات الكثيرة تذهب علينا سدىً، لا تنفع منها، ولا ننفع أحدًا من عباد الله، ولا نندم على هذا إلا إذا حضر الأجل؛ يتمنى الإنسان أن يعطى فرصة ولو دقيقة واحدة لأجل أن يستعتب، ولكن لا يحصل ذلك.\nثم إن الإنسان قد لا تفوته هاتان النعمتان: الصحة والفراغ بالموت، بل قد تفوته قبل أن يموت، قد يمرض ويعجز عن القيام بما أوجب الله عليه، وقد يمرض ويكون ضيق الصدر لا يشرح صدره ويتعب، وقد ينشغل بطلب النفقة له ولعياله حتى تفوته كثير من الطاعات.\nولهذا ينبغي للإنسان العاقل أن ينتهز فرصة الصحة والفراغ بطاعة الله ﷿ بقدر ما يستطيع، إن كان قارئًا للقرآن فليكثر من قراءة القرآن، وإن كان لا يعرف القراءة يكثر من ذكر الله ﷿، وإذا كان لا يمكنه؛","vol":"2","page":66},{"text":"يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو يبذل لإخوانه كل ما يستطيع من معونة وإحسان، فكل هذه خيرات كثيرة تذهب علينا سدىً، فالإنسان العاقل هو الذي ينتهز الفرص؛ فرصة الصحة، وفرصة الفراغ.\n\nوفي هذا دليل على أن نعم الله تتفاوت، وأن بعضها أكثر من بعض، وأكبر نعمة ينعم الله تعالى بها على العبد: نعمة الإسلام، ونعمة الإسلام التي أضل الله عنها كثيرًا من الناس، قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) (المائدة: ٣)، فإذا وجد الإنسان أن الله قد أنعم عليه بالإسلام وشرح الله صدره له؛ فإن هذه أكبر النعم.\nثم ثانيًا: نعمة العقل، فإن الإنسان إذا رأى مبتلى في عقله لا يحسن التصرف، وربما يسيء إلى نفسه وإلى أهله؛ حمد الله على هذه النعمة؛ فإنها نعمة عظيمة.\nثالثًا: نعمة الأمن في الأوطان، فإنها من أكبر النعم، ونضرب لكم مثلًا بما سبق عن آبائنا وأجدادنا من المخاوف العظيمة في هذه البلاد، حتى إننا نسمع أنهم كانوا إذا خرج الواحد منهم إلى صلاة الفجر؛ لا يخرج إلا مصطحبًا سلاحه؛ لأنه يخشى أن يعتدي عليه أحد، ثم نضرب مثلًا في حرب الخليج التي مضت في العام الماضي؛ كيف كان الناس خائفين! أصبح الناس يغلقون شبابيكهم بالشمع خوفًا من شيء متوهم أن يرسل عليهم، وصار الناس في قلق عظيم، فنعمة الأمن لا يشابهها نعمة غير نعمة الإسلام والعقل.\nرابعًا: كذلك مما أنعم الله به علينا - ولا سيما في هذه البلاد - رغد","vol":"2","page":67},{"text":"العيش؛ يأتينا من كل مكان، فنحن في خير عظيم ولله الحمد؛ البيوت مليئة من الأرزاق، ويقدم من الأرزاق للواحد ما يكفي اثنين أو ثلاثة أو أكثر، هذه أيضًا من النعم. فعلينا أن نشكر الله ﷾ على هذه النعم العظيمة، وأن نقوم بطاعة الله حتى يمن علينا بزيادة النعم؛ لأن الله تعالى يقول: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: ٧) .\n\n* * *\n\n٩٨ - الرابع: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا!) متفق عليه هذا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ثم ذكر المؤلف - رحمة الله تعالى - ما نقله عن عائشة ﵂ في باب المجاهدة، وقد سبق لنا: أن من جملة المجاهدة مجاهدة الإنسان","vol":"2","page":68},{"text":"نفسه وحمل إياها على عبادة الله، والصبر على ذلك. ذكر المؤلف ﵀ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت: يا رسول الله لم تصنع ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: (أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا)، فعائشة ﵂ من أعلم الناس بحال النبي ﷺ فيما يصنعه في السر؛ أي في بيته، وكذلك نساؤه ﵅ هن أعلم الناس بما يصنعه في بيته.\n\nولهذا كان كبار الصحابة يأتون إلى نساء النبي ﷺ يسألونهن عما كان يصنع في بيته، فكان ﷺ يقوم من الليل يعني في الصلاة تهجدًا. وقد قال الله تعالى في سورة المزمل: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) (المزمل: ٢٠) .\nفكان يقوم ﵊ أحيانًا أكثر الليل، وأحيانًا نصف الليل، وأحيانًا ثلث الليل؛ لأنه ﵊ يعطي نفسه حقها من الراحة مع القيام التام بعبادة ربه - صلوات الله وسلامه عليه ـ، فكان يقوم أدنى من ثلثي الليل - يعني فوق النصف، ودون الثلثين -ونصفه وثلثه؛ حسب نشاطه ﵊؛ وكان يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر من طول القيام؛ أي يتحجر الدم فيها وتنشق.\nوقد قام معه شباب من الصحابة ﵃ ولكنهم تعبوا فابن مسعود ﵁ يقول: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فقام طويلًا حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بما هممت يا أبا عبد الرحمن؟","vol":"2","page":69},{"text":"قال: هممت أن أقعد وأدعه، أي يجلس؛ لعجزه عن أن يصبر كما صبر النبي ﷺ، وحذيفة بن اليمان ﵁ قام معه ذات ليلة فقرأ النبي ﷺ البقرة والنساء وآل عمران، الجميع خمسة أجزاء وربع تقريبًا، ويقول حذيفة: كلما أتت آية رحمة سأل، وكلما أتت آية تسبيح سبح، وكلما أتت آية وعيد تعوذ، وهو معروف ﵊ أنه يرتل القراءة.\nخمسة أجزاء وربع، مع السؤال عند آيات الرحمة، والتعوذ عند آيات الوعيد، والتسبيح عن آيات التسبيح؛ فماذا يكون القيام؟ يكون طويلًا، وهكذا كان النبي ﵊ يقرأ في الليل.\nوإذا أطال القراءة أطال الركوع والسجود أيضًا، فكان يطيل القراءة والركوع والسجود.\n\nفإذا كان يقوم ﵊ مثلًا في ليلة من ليالي الشتاء وهي اثنتا عشرة ساعة، يقوم أدنى من ثلثي الليل؛ فلنقل إنه ﷺ يقوم سبع ساعات تقريبًا وهو يصلي ﵊ في الليل الطويل. تصور ماذا يكون حاله ﵊؟ ومع هذا فقد صبر نفسه، وجاهد نفسه، وقال: (أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا) .","vol":"2","page":70},{"text":"وفي هذا دليل على أن الشكر هو القيام بطاعة الله، وأن الإنسان كلما أزداد في طاعة ربه ﷿ فقد ازداد شكرًا لله ﷿؛ وليس الشكر بأن يقول الإنسان بلسانه: أشكر الله، أحمد الله؛ فهذا شكر باللسان، لكن الكلام هنا على الشكر الفعلي الذي يكون بالفعل بأن يقوم الإنسان بطاعة الله بقدر ما يستطيع.\nوفي هذا دليل على أن النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ كل ما تقدم من ذنبه فقد غفر الله له،،كل ما تأخر فقد غفر الله له، وقد خرج من الدنيا - صلوات الله وسلامه عليه - سالمًا من كل ذنب؛ لأنه مغفور له.\n\nوقد يخص الله أقوامًا فيغفر لهم ذنوبهم بأعمال صالحة قاموا بها مثل أهل بدر. فأهل بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، منهم حاطب بن أبي بلتعة ﵁، فإن النبي ﷺ قال لعمر في قصة مشهورة: (أما علمت أن الله أطلع على أهل بدر فقال: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم) . وهذا من خصائص أهل بدر؛ أن الله غفر لهم ما يفعلون من الذنوب.\nوإلا فإن حاطبًا ﵁ فعل ذنبًا عظيمًا، وذلك أن الرسول ﵊ لما أراد أن يغزو قريشًا حين نقضت العهد الذي بينه وبينهم في صلح الحديبية، أرسل حاطب ﵁ رسالة خطية إلى أهل مكة، يخبرهم أن الرسول ﷺ قادم عليهم، فأخبر النبي ﷺ بذلك عن طريق الوحي، فأرسل علي بن أبي طالب ورجلًا معه في إثر المرأة فأدركوها في روضة خاخ - روضة معروفة في طريق مكة - فلما أدركوها","vol":"2","page":71},{"text":"أوقفوها وقالوا لها: أخرجي الكتاب الذي معك لأهل مكة، قالت: ما معي كتاب، قالوا: لابد أن تخرجي الكتاب الذي معك، فإما أن تخرجيه وإما أن نفتشك حتى ما تحت الثياب، فلما عرفت عزيمتهم أخرجت الكتاب من خفها، فإذا فيه خطاب من حاطب ﵁ إلى أهل مكة يخبرهم، فرجعوا به إلى الرسول ﵊ فاستأذن عمر ﵁ وكان من أقوى الناس في دين الله - النبي ﷺ أن يقتل حاطبًا، قال: إن الرجل نافق، كتب بأسرارنا إلى أعدائنا قال: (أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وكان منهم ﵁ وإلا فهذه جريمة كبيرة.\n\nولهذا يجب على ولي الأمر إذا أدرك جاسوسًا يكتب إلى أعدائنا بأخبارنا أن يقتله ولو كان مسلمًا؛ لأنه عاث في الأرض فسادًا، فقتل الجاسوس ولو كان مسلمًا واجب على ولي الأمر لعظم فساده، ولكن هذا منع منه مانع؛ وهو أنه كان من أهل بدر، ولهذا لم يقل الرسول ﵊ أما علمت أنه مسلم؟ بل قال: (أما علمت أن اطلع الله على أهل بدر ...) .\nففي هذا دليل على أن من خصائص الرسول ﵊ أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا قد يقع - كما قلت - لبعض","vol":"2","page":72},{"text":"الصحابة كأهل بدر. قال بعض العلماء: واعلم أن من خصائص الرسول ﵊ أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبناءً عليه: فكل حديث يأتي بأن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإنه حديث ضعيف، لأن هذا من خصائص الرسول، أما (غفر له ما تقدم من ذنبه)، فهذا كثير، لكن (ما تأخر)، هذا ليس إلا للرسول ﷺ فقط، وهو من خصائصه، وهذه قاعدة عامة نافعة لطالب العلم؛ أنه إذا أتاك حديث فيه أن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فاعلم أن قوله (ما تأخر) ضعيف لا يصح؛ لأن هذا من خصائص محمدٍ - صلوات الله وسلامه عليه.\n\nوفي هذا دليل أيضًا على فضيلة قيام الليل، وطول القيام، وقد أثنى الله على من يقوم الليل ويطيلون، فقال ﷿ (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) (السجدة: ١٦)، يعني تبتعد عن الفرش، (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا) أي: إذا نظروا إلى ذنوبهم خافوا (وَطَمَعًا) أي: إذا نظروا إلى فضل الله طمعوا في فضله، (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: ١٦، ١٧)، أسال الله أن يجعلني وإياكم منهم.\nوتتجافي جنوبهم عن المضاجع، ليس بالسهر على التلفزيون، أو على لعب الورق أو على أعراض الناس، أو ما أشبه ذلك، ولكنهم يدعون الله، ويعبدونه ﷿ خوفًا وطمعًا (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أين هذا","vol":"2","page":73},{"text":"الذي أخفى لهم؟ جاء في الحديث القدسي ما يبين ذلك حيث قال الله ﷿: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، جعلني الله وإياكم من ساكني هذه الجنان، إنه جواد كريم.\n\n٩٩ - الخامس: عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر) متفق عليه.\nوالمراد: العشر الأواخر من شهر رمضان. (والمئزر): الإزار، كناية عن اعتزال النساء، وقيل: المراد تشميره للعبادة. يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي تشمرت، وتفرغت له.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ في حال رسول الله ﷺ في العشر الأواخر من رمضان: إنه إذا دخل العشر شد المئزر، وأحيا ليله، وجد في العبادة، وشمر ﵊.\nوقد سبق في الحديث السابق: أنه ﷺ كان يقوم في الليل حتى تتفطر","vol":"2","page":74},{"text":"قدماه، وأنه يقوم من الليل أكثر من النصف، أو النصف، أو الثلث، أما في ليالي العشر من رمضان؛ فإنه يقوم الليل كله، أي يحيي ليله كله ﵊ بالعبادة، لكن بالفطور بعد غروب الشمس، والعشاء، وصلاة العشاء، والأشياء التي يرى ﵊ أنها قربى إلى الله ﷿ وليس معناه أن كل الليل في صلاة؛ بدليل أن صفية بنت حيي بن أخطب كانت تأتي إليه ﵊ فيحدثها بعد صلاة العشاء، ولكن كل ما كان يفعله ﵊ في تلك الليالي، فإنه قربى إلى الله ﷿؛ إما صلاة، أو تهيؤ لصلاة، أو غير ذلك.\n\nوفي هذا دليل على أن الرسول ﷺ كان يحيي العشر الأواخر من رمضان كلها، ولكنه لا يحيي ليلة سواها؛ أي أنه لم يقم ليلة حتى الصباح إلا في العشر الأواخر من رمضان، وذلك تحريًا لليلة القدر، وهي ليلة تكون في العشر الأواخر من رمضان، ولا سيما في السبع الأواخر منه، فهذه الليلة يقدر الله ﷾ فيها ما يكون في تلك السنة، وهي كما قال الله تعالى: (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر: ٣)، فكان يحييها، (ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه) .\nثم ذكر المؤلف ﵀ معنى قوله: (شد المئزر) فمنهم من قال: إنه كناية عن ترك النساء؛ لأنه يكون معتكفًا، والمعتكف لا يباح له","vol":"2","page":75},{"text":"النساء، كما قال تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد ِ) (البقرة: ١٨٧)، ومنهم من قال: بل هو كناية عن الجد والتشمير في العمل، وكلا الأمرين صحيح، فإن الرسول ﵊ كان لا يأتي أهله في العشر الأواخر من رمضان لأنه معتكف، وكان أيضًا يشد المئزر، ويجتهد، ويشمر - صلوات الله وسلامه عليه - وهذا من أنواع المجاهدة. فالإنسان يجب أن يجاهد نفسه في الأوقات الفاضلة حتى يستوعبها في طاعة الله.\n\n* * *\n١٠٠ - السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. أحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، ما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) . رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) .\nالمؤمن القوي: يعني في إيمانه، وليس المراد القوي في بدنه؛ لأن قوة","vol":"2","page":76},{"text":"البدن قد تكون ضررًا على الإنسان إذا استعمل هذه القوة في معصية الله، فقوة البدن ليست محمودة ولا مذمومة في ذاتها، إن كان الإنسان استعمل هذه القوة فيما ينفعه في الدنيا والآخرة صارت محمودة وإن استعان بهذه القوة على معصية الله صارت مذمومة.\nلكن القوة في قوله ﷺ: (المؤمن القوي)، تعني قوة الإيمان، لأن كلمة القوى تعود إلى الوصف السابق وهو الإيمان، كما تقول: الرجل القوي، أي في رجولته، كذلك المؤمن القوي يعني في إيمانه؛ لأن المؤمن القوي في إيمانه تحمله قوة إيمانه على أن يقوم بما أوجب الله عليه، وعلى أن يزيد من النوافل ما شاء الله، والضعيف الإيمان يكون إيمانه ضعيفًا لا يحمله على فعل الواجبات، وترك المحرمات فيقصر كثيرًا.\n\nوقوله: (خير) يعني خير من المؤمن الضعيف، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ثم قال ﵊: (وفي كل خير) يعني المؤمن القوي والمؤمن الضعيف كل منهما فيه خير، وإنما قال: (وفي كل خير) لئلا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لا شك.\nوهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز، وهو أن يتكلم الإنسان كلامًا يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين، ومثال ذلك في القرآن قوله ﵎: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: ١٠)، لما كان قوله: (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ","vol":"2","page":77},{"text":"بَعْدُ وَقَاتَلُوا) يوهم أن الآخرين ليس لهم حظ من هذا، قال: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) .\nومن ذلك قوله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) (الأنبياء: ٧٩)، لما كان هذا يوهم أن داود عنده نقص، قال تعالى: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) .\nومن ذلك قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (النساء: ٩٥)، فهنا قال النبي ﷺ: (وفي كل خير) أي المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، لكن القوي خير وأحب إلى الله.\n\nثم قال ﵊: (احرص على ما ينفعك) هذه وصية من الرسول ﵊ لأمته، وهي وصية جامعة مانعة (احرص على ما ينفعك) يعني أجتهد في تحصيله ومباشرته، وضد الذي ينفع الذي فيه ضرر، وما لا ينفع فيه ولا ضرر، وذلك لأن الأفعال تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ينفع الإنسان، وقسم يضره، وقسم لا ينفع ولا يضر.\nفالإنسان العاقل الذي يقبل وصية ﷺ هو الذي يحرص على ما ينفعه، وما أكثر الذين يضيعون أوقاتهم اليوم في غير فائدة، بل في مضرة على أنفسهم وعلى دينهم، وعلى هذا فيجدر بنا أن نقول لمثل هؤلاء: إنكم لم تعملوا بوصية النبي ﷺ؛ إما جهلًا منكم وإما تهاونًا، لكن المؤمن","vol":"2","page":78},{"text":"العاقل الحازم هو الذي يقبل هذه النصيحة، ويحرص على ما ينفعه في دينه ودنياه.\nوهذا حديث عظيم ينبغي للإنسان أن يجعله نبراسًا له في عمله الديني والدنيوي، لأن النبي ﷺ قال: (احرص على ما ينفعك) وهذه الكلمة كلمة جامعة عامة، (على ما ينفعك) أي على كل شيء ينفعك سواء في الدين أو في الدنيا، فإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا فقدم منفعة الدين؛ لأن الدين إذا صلح صلحت الدنيا، أما الدنيا إذا صلحت مع فساد الدين فإنها تفسد.\nوفي قوله: (احرص على ما ينفعك) إشارة إلى أنه تعارضت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى، فإننا نقدم المنفعة العليا؛ لأن المنفعة العليا فيها المنفعة التي دونها وزيادة، فتدخل في قوله (احرص على ما ينفعك) .\nفإذا اجتمع صلة أخ وصلة عم كلاهما سواء في الحاجة، وأنت لا يمكنك أن تصل الرجلين جميعًا، فهنا تقدم صلة الأخ لأنها أفضل وأنفع، وكذلك أيضًا لو أنك بين مسجدين كلاهما في البعد سواء لكن أحدهما أكثر جماعة فإننا نقدم الأكثر جماعة لأنه الأفضل، فقوله (على ما ينفعك) يشير إلى أنه اجتمعت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى فإنها تقدم الأعلى.\n\nوبالعكس إذا كان الإنسان لابد أن يرتكب منهيًا عنه من أمرين منهي عنهما وكان أحدهما أشد، فإنه يرتكب الأخف، فالمناهي يقدم الأخف منها، والأوامر يقدم الأعلى منها.","vol":"2","page":79},{"text":"وقوله ﵊: (واستعن بالله): ما أروع هذه الكلمة بعد قوله (احرص على ما ينفعك) لأن الإنسان إذا كان عاقلًا ذكيًا فإنه يتتبع المنافع ويأخذ بالأنفع ويجتهد، ويحرص، وربما تغره نفسه حتى يعتمد على نفسه وينسى الاستعانة بالله، وهذا يقع لكثير من الناس، حيث يعجب بنفسه ولا يذكر الله ﷿ ويستعين به، فإذا رأى من نفسه قوة على الأعمال وحرصًا على النافع وفعلًا له، أعجب بنفسه ونسى الاستعانة بالله، ولهذا قال: (أحرص على ما ينفعك واستعن بالله) أي لا تنس الاستعانة بالله ولو على الشيء اليسير، وفي الحديث: (ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع) يعني حتى الشيء اليسير لا تنس الاستعانة بالله ﷿، حتى ولو أردت أن تتوضأ أو تصلى أو تذهب يمينًا أو شمالًا أو تضع شيئًا فاستحضر أنك مستعين بالله ﷿، وأنه لولا عون الله ما حصل لك هذا الشيء.\n\nثم قال: (ولا تعجز) يعني استمر في العمل ولا تعجز وتتأخر، وتقول: إن المدى طويل والشغل كثير، فما دمت صممت في أول الأمر أن هذا هو الأنفع لك واستعنت بالله وشرعت فيه فلا تعجز.\nوهذا الحديث في الحقيقة يحتاج إلى مجلدات يتكلم عليه فيها الإنسان؛ لأن له من الصور والمسائل ما لا يحصى، منها مثلًا طالب العلم","vol":"2","page":80},{"text":"الذي يشرع في كتاب يرى أن فيه منفعة ومصلحة له، ثم بعد أسبوع أو شهر يمل، وينتقل إلى كتاب آخر، هذا نقول عنه: إنه استعان بالله وحرص على ما ينفعه ولكنه عجز، كيف عجز؟ بكونه لم يستمر، لأن معنى قوله: (لا تعجز) أي لا تترك العمل؛ بل ما دمت دخلت فيه على أنه نافع فاستمر فيه، ولذا تجد هذا الرجل يمضي عليه الوقت ولم يحصل شيئًا؛ لأنه أحيانًا يقرأ في هذا، وأحيانًا في هذا.\nحتى في المسألة الجزئية؛ تجد بعض طلبة العلم مثلًا يريد أن يرجع مسألة من المسائل في كتاب، ثم يتصفح الكتاب، يبحث عن هذه المسألة، فيعرض له أثناء تصفح الكتاب مسألة أخرى يقف عندها، ثم مسألة ثانية، فيقف عندها، ثم ثالثة، فيقف، ثم يضيع الأصل الذي فتح الكتاب من أجله، فيضيع عليه الوقت، وهذا ما يقع كثيرًا في مثل فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تجد الإنسان يطالعها ليأخذ مسألة، ثم تمر مسألة أخرى تعجبه وهكذا، وهذا ليس بصحيح؛ بل الصحيح أن تنظر الأصل الذي فتحت الكتاب من أجله.\nكذلك أيضًا في تراجم الصحابة، في الإصابة - مثلًا - لابن حجر ﵀ حين يبحث الطالب عن ترجمة صحابي من الصحابة، ثم يفتح الكتاب من أجل أن يصل إلى ترجمته، فتعرض له ترجمة صحابي آخر، فيقف عندها ويقرؤها، ثم يفتح الكتاب، يجد صحابيًا آخر، ثم هكذا يضيع عليه الوقت ولا يحصل الترجمة التي من أجلها فتح الكتاب، وهذا فيه ضياع للوقت.","vol":"2","page":81},{"text":"ولهذا كان من هدي الرسول ﵊ أن يبدأ بالأهم الذي تحرك من أجله، ولذلك لما دعا عتبان بن مالك الرسول ﷺ، قال له: أريد أن تأتي لتصلي في بيتي؛ لأتخذ من المكان الذي صليت فيه مصلى لي، فخرج النبي ﵊ ومعه نفر من أصحابه، فلما وصلوا، إلي بيت عتبان واستأذنوا ودخلوا، وإذا عتبان قد صنع لهم طعامًا، ولكن الرسول ﵊ لم يبدأ بالطعام، بل قال: (أين المكان الذي تريد أن نصلي فيه؟) فأراه إياه، فصلى، ثم جلس للطعام، فهذه دليل على أن الإنسان يبدأ بالأهم، وبالذي تحرك من أجله؛ من أجل ألا يضيع عمله سدى.\nفقول الرسول ﷺ (لا تعجز) أي لا تكسل وتتأخر في العمل إذا شرعت فيه، بل استمر؛ لأنك إذا تركت ثم شرعت في عمل آخر، ثم تركت ثم شرعت ثم تركت، ما تم لك عمل.\n\nثم قال ﵊: (فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا) ويعني بعد أن تحرص وتبذل الجهد، وتستعين بالله، وتستمر، ثم يخرج الأمر على خلاف ما تريد، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا لأن هذا أمر فوق إرادتك، أنت فعلت الذي تؤمر به، ولكن الله ﷿ غالب على أمره (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا","vol":"2","page":82},{"text":"يَعْلَمُونَ) (يوسف: ٢١)، ونضرب مثالًا لذلك: إذا سافر رجل يريد العمرة، ولكنه في أثناء الطريق تعطلت السيارة، ثم رجع فقال: لو أني أخذت السيارة والأخرى لكان أحسن، ولما حصل على التعطل، نقول: لا تقل هكذا؛ لأنك أنت بذلت الجهد، ولو كان الله ﷿ أراد أن تبلغ العمرة ليسر لك الأمر، ولكن الله لم يرد ذلك.\nفالإنسان إذا بذل ما يستطيع مما أمر ببذله، وأخلفت الأمور؛ فحينئذ يفوض الأمر إلى الله؛ لأنه فعل ما يقدر عليه، ولهذا قال: (إن أصابك شيء) يعني بعد بذل الجهد والاستعانة بالله ﷿ (فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا كَذا) .\n\nوجزى الله عنا نبينا خير الجزاء؛ فقد بين لنا الحكمة من ذلك، حيث قال: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) أي تفتح عليك الوساوس والأحزان والندم والهموم، حتى تقول: لو أني فعلت لكان كذا. فلا تقل هكذا، والأمر انتهى، ولا يمكن أن يتغير عما وقع، وهذا أمر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وسيكون على هذا الوضع مهما عملت.\nولهذا قال (ولكن قل: قدر الله) أي هذا قدر الله، أي تقدير الله وقضاؤه، وما شاء الله ﷿ فعله (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (هود: ١٠٧)، لا أحد يمنعه أن يفعل في ملكه ما يشاء، ما شاء فعل ﷿.\n\nولكن يجب أن نعلم أنه ﷾ لا يفعل شيئًا إلا لحكمة خفيت علينا أو ظهرت لنا، والدليل على هذا قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا","vol":"2","page":83},{"text":"أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الإنسان: ٣٠)، فبين أن مشيئته مقرونة بالحكمة والعلم، وكم من شيء كره الإنسان وقوعه، فصار في العاقبة خيرًا له، كما قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: ٢١٦)، ولقد جرت حوادث كثيرة تدل على هذه الآية، من ذلك: قبل عدة سنوات أقلعت طائرة من الرياض متجهة إلى جدة، وفيها ركاب كثيرون، يزيدون عن ثلاثمائة راكب، وكان أحد الركاب الذين سجلوا في هذه الطائرة في قاعة الانتظار، فغلبته عيناه حتى نام، وأعلن عن إقلاع الطائرة، وذهب الركاب وركبوا، فإذا بالرجل يستيقظ بعد أن أغلق الباب، فندم ندامة شديدة؛ كيف فاتته الطائرة؟ ثم إن الله قدر بحكمته أن تحترق الطائرة وركابها. فسبحان الله! كيف نجا هذا الرجل؟ كره أنه فاتته الطائرة، ولكن كان ذلك خيرًا له.\n\nفأنت إذا بذلت الجهد، واستعنت بالله، وصار الأمر على خلاف ما تريد، لا تندم، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو، فقد انتهى الأمر وراح، وعليك أن تسلم الأمر للجبار ﷿ قل: قدر الله وما شاء فعل.\nووالله، لو أننا سرنا على هدي هذا الحديث لاسترحنا كثيرًا، لكن تجد الإنسان منا؛ أولًا: لا يحرص على ما ينفعه، بل تمضي أوقاته ليلًا ونهارًا بدون فائدة، تضع عليه سدي. ثانيًا إذا قدر أنه اجتهد في أمر ينفعه، ثم فات الأمر، ولم يكن على ما توقع، تجده يندم، ويقول: ليتني","vol":"2","page":84},{"text":"ما فعلت كذا، ولو أني فعلت كذا لكان كذا، وهذا ليس بصحيح، فأنت أدّ ما عليك، ثم بعد هذا فوض الأمر لله ﷿.\nفإذا قال قائل: كيف احتج بالقدر؟ كيف أقول: قدر الله وما شاء فعل؟\n\nوالجواب أن نقول: نعم؛ هذا احتجاج بالقدر، ولكن الاحتجاج بالقدر في موضعه لا بأس به، ولهذا قال الله لنبيه ﷺ: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) (الأنعام: ١٠٦، ١٠٧)، فبين له أن شركهم بمشيئته، والاحتجاج بالقدر على الاستمرار في المعصية هذا حرام لا يجوز، لأن الله قال: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) (الأنعام: ١٤٨)، لكن الاحتجاج بالقدر في موضعه هذا لا بأس به، فإن النبي ﵊ دخل ذات ليلة على عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد ﵊ فوجدهما نائمين، فقال لهما: (ما منعكما أن تقوما؟) يعني تقوما تتهجدان، فقال علي: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله؛ لو شاء أن نقوم لقمنا، فخرج النبي ﵊ وهو يضرب على فخذيه، ويقول: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (الكهف: ٥٤) .\nهذا جدال لكن احتجاج علي بن أبي طالب في محله؛ لأن النائم","vol":"2","page":85},{"text":"ليس عليه حرج، فهو لم يترك القيام وهو مستيقظ، قال رسول الله ﷺ: (رفع القلم عن ثلاثة) ولا يبعد أن الرسول ﵊ أراد أن يختبر على بن أبي طالب: ماذا يقول في الجواب؟ وسواء كان ذلك أم لم يكن. فاحتجاج علي بالقدر هنا حجة وذلك لأنه أمر ليس باختياره؛ هل النائم يستطيع أن يستيقظ إذا لم يوقظه الله؟ ... لا إذن هو حجة.\nفالاحتجاج بالقدر ممنوع إذا أراد الإنسان أن يستمر على المعصية ليدفع اللوم عن نفسه، نقول مثلًا: يا فلان، صل مع الجماعة، فيقول: والله لو هداني الله لصليت، فهذا ليس بصحيح. يقال لآخر: اقلع عن حلق اللحية، يقول: لو هداني الله لأقلعت، واقلع عن الدخان، يقول لو هداني الله لأقلعت، فهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يحتج بالقدر ليستمر في المعصية والمخالفة.\nلكن إن وقع الإنسان في خطأ وتاب إلى الله، وأناب إلى الله وندم وقال: إن هذا الشيء مقدر على، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه؛ نقول هذا صحيح، إن تاب واحتج بالقدر فليس هناك مانع.\n\n* * *","vol":"2","page":86},{"text":"١٠١ - السابع: عنه أن رسول الله ﷺ قال: (حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره) متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم: (حفت) بدل (حجبت) وهو بمعناه، أي بينه وبينها هذا الحجاب: فإذا فعله دخلها.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حفت النار بالشهوات)، وفي لفظ: (حجبت)، (وحفت الجنة بالمكاره) وفي لفظ: (حجبت الجنة بالمكاره) يعني أحيطت بها، فالنار قد أحيطت بالشهوات، والجنة قد أحيطت بالمكاره. والشهوات: هي ما تميل إليه النفس، من غير تعقل، ولا تبصر، ولا مراعاة لدين، ولا مراعاة لمروءة.\nفالزنى - والعياذ بالله - شهوة الفرج، تميل إليها النفس كثيرًا، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب، فإنه سيكون سببًا لدخوله النار.\nوكذلك شرب الخمر، تهواه النفس وتميل إليه، ولهذا جعل الشارع له عقوبة رادعة بالجلد، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب وشرب الخمر أداه ذلك إلى النار - والعياذ بالله.","vol":"2","page":87},{"text":"وكذلك حب المال؛ شهوة من شهوات النفس، فإذا سرق الإنسان بدافع شهوة حب جمع المال، فلرغبة أن يستولي على المال الذي ترغبه نفسه، فإذا سرق فقد هتك هذا الحجاب؛ فيصل إلى النار - والعياذ بالله.\nومن ذلك الغش من أجل أن يزيد ثمن السلعة، هذا تهواه النفس، فيفعله الإنسان، فيهتك الحجاب الذي بينه وبين النار، فيدخل النار.\nالاستطالة على الناس، والعلو عليهم، والترفع عليهم، كل إنسان يحب هذا، وتهواه النفس، فإذا فعله الإنسان فقد هتك الحجاب الذي بينه وبين النار، فيصل إلى النار - والعياذ بالله.\nولكن ما دواء هذه الشهوة التي تميل إليها النفس الأمارة بالسوء؟ دواؤها ما بعدها، قال: (وحفت الجنة بالمكاره) أو حجبت بالمكاره، يعني أحيطت بما تكرهه النفوس؛ لأن الباطل محبوب للنفس الأمارة بالسوء، والحق مكروه لها، فإذا تجاوز الإنسان هذا المكروه وأكره نفسه الأمارة بالسوء على فعل الواجبات وعلى ترك المحرمات، فحينئذ يصل إلى الجنة.\n\nولهذا تجد الإنسان يستثقل الصلوات مثلًا، ولا سيما في أيام الشتاء وأيام البرد، ولا سيما إذا كان في الإنسان نوم كثير، بعد تعب وجهد، فتجد الصلاة ثقيلة عليه، ويكره أن يقوم ويترك الفراش اللين الدافئ، ولكن إن هو كسر هذا الحاجب، وقام بهذا المكروه؛ وصل إلى الجنة.\nوكذلك النفس الأمارة بالسوء، تدعو صاحبها إلى الزنى شهوة وتحبه النفس الأمارة بالسوء، لكن إذا عقلها صاحبها وأكرهها على","vol":"2","page":88},{"text":"تجنب هذه الشهوة، فهذا كره له؛ ولكن هو الذي يوصله إلى الجنة؛ لأن الجنة حفت بالمكاره.\n\nوأيضًا، الجهاد في سبيل الله، مكروه إلى النفس (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢١٦)، مكروه للنفس فإذا كسر الإنسان هذا الحجاب، كان ذلك سببًا لدخول الجنة، واستمع إلى قوله الله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٦٩، ١٧١)، فإذا كسر الإنسان هذا المكروه وصل إلى الجنة.\n\nكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شديد على النفوس، شاق عليها، وكل إنسان يتهاون فيه ويكرهه، يقول: ما على بالناس؟ أتعب نفسي معهم، وأتعبهم معي؟! ولكنه إذا كسر هذا المكروه، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر؛ فإن هذا سبب لدخول الجنة.. وهلم جرًا، كل الأشياء التي أمر الله بها مكروهة للنفوس، لكن أكره نفسك عليها حتى تدخل الجنة.\nفاجتناب المحرمات مكروه إلى النفوس، وشديد عليها، لا سيما مع قوة الداعي، فإذا أكرهت نفسك على ترك هذه المحرمات، فهذا من أسباب دخول الجنة، فلو أن رجلًا شابًا أعزب، في بلاد كفر وحرية فيها","vol":"2","page":89},{"text":"يفعل الإنسان ما شاء، وأمامه من النساء الجميلات فتيات شابات، وهو شاب أعزب، فلا شك أنه سيعاني مشقة عظيمة في ترك الزنى؛ لأنه متيسر له، وأسبابه كثيرة، لكن إذا أكره نفسه على تركها، صار هذا سببًا لدخول الجنة.\n\nواستمع إلى قول النبي ﵊ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، أي يوم القيامة حيث تدنو الشمس الحارة العظيمة، التي نحس بحرارتها الآن، وبيننا وبينها مئات السنين، هذه الشمس تدنو يوم القيامة، حتى تكون على رؤوس الخلائق بمقدار ميل قال بعض العلماء: الميل: المكحلة، وميل المكحلة صغير أصغر من الإصبع، وقال بعضهم: ميل المسافة، وأيا كان الميل فالشمس قريبة من الرؤوس، لكن هناك أناس يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله - أسال الله أن يجعلني وإياكم ممن يظله الله.\nيظلهم الله: يعني يخلق لهم ما يظلهم يوم لا ظل إلا ظله، وليس في ذلك اليوم بناء، ولا شجر، ولا جبال تظلل، وليس هناك إلا ظل رب العالمين، أسال الله رب العالمين أن يظلني وإياكم به، هذا الظل يظل الله فيه من يشاء من عباده، ومنهم هؤلاء السبعة الذين ذكرهم الرسول ﵊ في قوله: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام","vol":"2","page":90},{"text":"عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال)، وهذا هو الشاهد، فالمرأة ذات منصب؛ يعني شريفة، ليست دنيئة، ذات جمال، والجمال يدعو النفس إلى التطلع إلى المرأة، والاتصال بها (فقال إني أخاف الله)؛ ولم يقل ما في شهوة، أو حولنا أناس وأخاف منهم أن يكشفونا، بل قال: إني أخاف الله. فالرجل شاب وفيه شهوة، وأسباب الزنى قائمة، والموانع معدومة، ولكن هناك مانع واحد وهو خوف الله ﷿ فقال: أني أخاف الله، فكان هذا من الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله.\n\nوالمهم أن النار حجبت بالشهوات، والجنة حجبت بالمكاره، فجاهد نفسك على ما يحب الله وإن كرهت، واعلم علم إنسان مجرب أنك إذا أكرهت نفسك على طاعة الله؛ أحببت الطاعة وألفتها، وصرت - بعد ما كنت تكرهها - تأبى نفسك أن تتخلف عن الطاعة إذا أردت أن تتخلف عنها.\nونحن نجد بعض الناس يكره أن يصلي مع الجماعة، ويثقل عليه ذلك عندما يبدأ في فعله، لكن إذا به بعد فترة تكون الصلاة مع الجماعة قرة عينه، ولو تأمره ألا يصلي لا يطيعك، فأنت عود نفسك وأكرهها أول الأمر، وستلين لك فيما بعد وتنقاد. أسأل الله أن يعينني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.\n\n* * *","vol":"2","page":91},{"text":"١٠٢ - الثامن: عن أبي عبد الله حذيفة بن اليمان، ﵄ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء: فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: (سبحان ربي العظيم) فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك","vol":"2","page":92},{"text":"الحمد) ثم قام قيامًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: (سبحان ربي الأعلى) فكان سجوده قريبًا من قيامه) رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ ذات ليلة - يعني في ليلة من الليالي، وكان النبي ﷺ أحيانًا يصلي معه بعض أصحابه، فمره صلى معه حذيفة، ومرة صلى معه ابن مسعود ﵁، ومرة صلى معه ابن عباس ﵄، وكان النبي ﵊ يصلي في الليل وحده، لأن صلاة الليل لا تشرع فيها الجماعة إلا في رمضان، لكن لا بأس أن تقام الجماعة فيها أحيانًا كما في هذا الحديث، يقول فافتتح سورة البقرة، فقلت يركع عند المائة، فقرأ السورة كاملة، فظن حذيفة أنه يركع بها؛ أي","vol":"2","page":93},{"text":"أنه إذا أكمل سورة البقرة ركع، ولكنه مضى ﷺ فقرأ سورة النساء كاملة، فقال حذيفة يركع بها، ولكنه مضى فقرأ سورة آل عمران كاملة في ركعة واحدة، يقرأ مترسلًا غير مستعجل، إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بآية سؤال سأل، وإذا مر بآية تعوّذ تعوذ.\nفجمع ﵊ بين القراءة، وبين الذكر، وبين الدعاء، وبين التفكر؛ لأن الذي يسأل عند السؤال، ويتعوّذ عن التعوذ، ويسبح عن التسبيح، لا شك أنه يتأمل قراءته ويتفكر فيها، فيكون هذا القيام روضة من رياض الذكر؛ قراءة وتسبيحًا ودعاءً وتفكرًا، والنبي ﵊ في هذا كله لم يركع. فهذه السور الثلاث: البقرة والنساء وآل عمران أكثر من خمسة أجزاء وربع، إذا كان الإنسان يقرؤها بترسل ويستعين عند فتح الوعيد ويسأل عن آية الرحمة، ويسبح عند آية التسبيح، كم تكون المدة؟ لا شك أنها تكون طويلة، ولهذا كان ﵊ يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر.\nحتى إن ابن مسعود - وهو شاب - لما صلى معه ليلة من الليالي، يقول: أطال النبي ﷺ القيام حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بم هممت قال: هممت أن أجلس وأدعه، عجز أن يصبر من طول القيام.\n\nثم أن النبي ﵊ ركع بعد أن أتم السور الثلاث فقال: سبحان ربي العظيم، وأطال الركوع نحوًا من قيامه، ثم رفع من ركوعه، وأطال القيام بعد الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، حتى كان قيامه نحو من ركوعه، ثم سجد ﷺ فقال: سبحان ربي الأعلى، وأطال السجود، حتى كان سجوده نحوًا من قيامه.\nوهكذا كان ﵊ يصلي فيجعل الصلاة متناسبة؛ إذا أطال القيام؛ أطال الركوع، والسجود، والقيام الذي بعد الركوع والجلوس الذي بين السجدتين، وإذا خفف القراءة؛ خفف الركوع والسجود والقيام؛ من أجل أن تكون الصلاة متناسبة، وهذا فعله صلوات الله وسلامه عليه - في الفرض وفي النفل أيضًا، فكان ﷺ يجعل صلاته متناسبة.\n\nوفي هذا الحديث عدة فوائد:\nالفائدة الأولى: وهي التي ساق المؤلف الحديث من أجلها، أن النبي ﷺ كان يعمل عمل المجاهد الذي يجاهد نفسه على الطاعة؛ لأنه يعمل هذا العمل الشاق؛ كل هذه ابتغاء وجه الله ورضوانه، كما قال الله تعالى في وصف النبي ﷺ وصحبه (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) (الفتح: من الآية٢٩) .\nومنها: جواز إقامة الجماعة في صلاة الليل، لكن هذا ليس دائمًا، إنما يفعل أحيانًا في غير رمضان، أما في رمضان فإن من السنة أن يقوم الناس في جماعة.\n\nومنها: أنه ينبغي للإنسان في صلاة الليل إذا مر بآية رحمة أن يقف ويسأل، مثل لو مر بذكر الجنة يقف ويقول: اللهم اجعلني من أهلها،","vol":"2","page":94},{"text":"اللهم إني أسألك الجنة، وإذا مر وعيد يقف، يقول: أعوذ بالله من ذلك، أعوذ بالله من النار ن وإذا مر بآية تسبيح، يعني تعظيم لله ﷾؛ يقف ويسبح الله ويعظمه؛ هذا في صلاة الليل، أما صلاة الفريضة فلا بأس أن يفعل هذا، ولكنه ليس بسنة، إن فعله فإنه لا ينهي عنه، وإن تركه فإنه لا يؤمر به، بخلاف صلاة الليل، فإن الأفضل أن يفعل ذلك، أي يتعوذ عند آية الوعيد، ويسأل، عند آية الرحمة، ويسبح عند آية التسبيح.\nومن فوائد الحديث: جواز تقديم السور بعضها على بعض، فإن النبي ﷺ قدم سورة النساء على سورة آل عمران، والترتيب أن سورة آل عمران مقدمة على سورة النساء، ولكن هذا - والله أعلم - كان قبل السنة الأخيرة، فإن السنة الأخيرة كان النبي ﷺ يقدم سورة آل عمران على سورة النساء؛ ولهذا رتبها الصحابة ﵃ على هذا الترتيب، أي أن آل عمران قبل سورة النساء، وكان النبي ﵊ يقرن بين البقرة وآل عمران؛ في مثل قوله ﵊: (اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة) فالمهم أن الترتيب في الأخير كان تقديم سورة آل عمران على سورة النساء.","vol":"2","page":95},{"text":"ومن فوائد هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ كان يسبح ويكرر التسبيح؛ لأن حذيفة قال: كان يقول: سبحان ربي العظيم، وكان يطيل، ويقول سبحان ربي الأعلى، وذكر أنه يطيل، ولم يذكر شيئًا أخر، فدل هذا على أنك مهما كررت من التسبيح في الركوع والسجود فإنه سنة، ولكن مع هذا كان النبي ﵊ يقول في ركوعه وفي سجوده، ويكثر من هذا القول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)، وكان يقول أيضًا: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) فكل ما ورد عن النبي ﷺ من ذكر ودعاء؛ فإنه يسن للإنسان أن يقوله في صلاته. نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم اتباع رسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا، وأن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم.\n\n* * *\n١٠٣ - التاسع: عن ابن مسعود ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ليلة فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء! قيل وما هممت به؟ قال هممت أن أجلس وأدعه. متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن عبد الله بن مسعود ﵁ وكان ﵁ أحد الذين يخدمون رسول الله ﷺ، صاحب","vol":"2","page":96},{"text":"وسادته وسواكه ﵁ فصلى مع النبي ﷺ ذات ليلة فقام النبي ﷺ، فأطال القيام، وقد سبق من حديث عائشة: أنه كان ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه. أو حتى تتورم. تتفطر أحيانًا، وتتورم أحيانًا من طول القيام.\nوصح من حديث حذيفة: أنه قرأ في ركعة واحدة بثلاث سور من طوال السور؛ البقرة والنساء وآل عمران.\nوكذلك ابن مسعود ﵁: صلى معه ذات ليلة، فأطال النبي ﷺ القيام، فهم بأمر سوءٍ؛ يعني بأمر ليس يسر المرء فعله، قالوا: بم هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه، يعني أجلس وأدعه قائمًا؛ لأن ابن مسعود تعب وأعيا، مع أنه شاب، والنبي ﵊ لم يتعب لأنه ﵊ كان أشد الناس عبادة لله ﷿ وأتقاهم لله، ففي هذا دليل على أنه من السنة أن يقوم الإنسان في الليل، ويطيل القيام، وأنه إذا فعل ذلك فهو مقتدٍ برسول الله ﷺ.\n\nولكن، أعلم أنك إذا أطلت القيام؛ فإن السنة أن تطيل الركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والقيام بعد الركوع، فإن من سنة الرسول ﵊ أنه كان يجعل صلاته متناسبة؛ إذا أطال القيام أطال بقية الأركان، وإذا خفف القيام خفف بقية الأركان، هذا هو","vol":"2","page":97},{"text":"السنة.\n\n* * *\n١٠٤ - العاشر: عن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله؛ فيرجع اثنان، ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله) متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n إذا مات الإنسان تبعه المشيعون له؛ فيتبعه أهله يشيعونه إلى المقبرة، وما اعجب الحياة الدنيا، وما أخسها، وما أدناها، يتولى دفنك من أنت أحب الناس إليه، يدفنوك، ويبعدونك عنهم، ولو أنهم أعطوا أجرة على أن تبقى جسدًا بينهم ما رضوا بذلك، فأقرب الناس إليك، ومن أنت أحب الناس إليهم؛ هم الذين يتولون دفنك؛ يتبعونك، ويشيعونك.\n\nويتبعه ماله: أي عبيده وخدمه المماليك له، وهذا يمثل الرجل الغني الذي له عبيد وخدم مماليك، يتبعونه، ويتبعه عمله معه، فيرجع اثنان، ويدعونه وحده، ولكن يبقى معه عمله، نسأل الله أن يجعل عملنا وإياكم صالحًا؛ فيبقى عمله عنده أنيسه في قبره ينفرد به إلى يوم القيامة.\nوفي هذا الحديث دليل على أن الدنيا تزول، كل زينة الحياة الدنيا ترجع ولا تبقى معك في قبرك، المال والبنون زينة الحياة الدنيا ترجع،","vol":"2","page":98},{"text":"من الذي يبقى؟ .. العمل فقط، فعليك يا أخي أن تحرص على مراعاة هذا الصاحب الذي يبقى ولا ينصرف مع من ينصرف، وعليك أن تجتهد حتى يكون عملك عملًا صالحًا يؤنسك في قبرك إذا انفردت به عن الأحباب والأهل والأولاد.\nومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة؛ لأن كثرة العمل يوجب مجاهدة النفس، فإن الإنسان يجاهد نفسه على الأعمال الصالحة التي تبقى بعد موته نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة والعافية، وأن يتولانا وإياكم بعنايته ورعايته. إنه جواد كريم.\n\n* * *\n١٠٥ - الحادي عشر: عن ابن مسعود ﵁: قال: قال النبي ﷺ (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعليه، والنار ذلك) . رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث يتضمن ترغيبًا وترهيبًا يتضمن ترغيبًا في الجملة الأولى، وهي قوله ﷺ: (الجنة أقرب إلى أحدكم من سراك نعله)، وشراك النعل هو السير الذي يكون على ظهر القدم، وهو قريب من الإنسان جدًا، ويضرب به المثل في القرب، وذلك لأنه قد يتكلم الإنسان بالكلمة","vol":"2","page":99},{"text":"الواحدة من رضوان الله ﷿ لا يظن أنها تبلغ ما بلغت، فإذا هي توصله إلى جنة النعيم.\nومع ذلك فإن الحديث أعم من هذا؛ فإن كثرة الطاعات، واجتناب المحرمات، من أسباب دخول الجنة، وهو يسير على من يسره الله عليه، فأنت تجد المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام يصلي براحة، وطمأنينة، وانشراح صدر، ومحبة للصلاة، ويزكي كذلك، ويصوم كذلك، ويحج كذلك، ويفعل الخير كذلك، فهو يسير عليه، سهل قريب منه، وتجده يتجنب ما حرمه الله عليه من الأقوال والأفعال، وهو يسير عليه.\nوأما - والعياذ بالله - من قد ضاق بالإسلام ذرعًا، وصار الإسلام ثقيلًا عليه فإنه يستثقل الطاعات، ويستثقل اجتناب المحرمات، ولا تصير الجنة أقرب إليه من شرك نعله.\n\nوكذلك النار، وهي الجملة الثانية في الحديث، وهي التي فيها التحذير، يقول النبي ﵊ (والنار مثل ذلك) أي أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، فإن الإنسان ربما يتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالًا، وهي من سخط الله، فيهوي بها في النار كذا وكذا من السنين وهو لا يدري. وما أكثر الكلمات التي يتكلم بها الإنسان غير مبال بها، وغير مهتم بمدلولها، فترديه في نار جهنم، نسأل الله العافية.\nألم تروا إلى قصة المنافقين الذين كانوا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، حيث كانوا يتحدثون فيما بينهم، يقولون: ما رأينا مثل قرائنًا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب السنًا، ولا أجبن عند اللقاء؛ يعنون بذلك النبي ﷺ","vol":"2","page":100},{"text":"وأصحابه، يعني أنهم واسعو البطون من كثرة الأكل، وليس لهم هم إلا الأكل. ولا أكذب ألسنًا؛ يعني أنهم يتكلمون بالكذب. ولا أجبن عند اللقاء؛ أي أنهم يخافون لقاء العدو، ولا يثبتون بل يفرون ويهربون. هكذا يقول المنافقون في الرسول ﷺ وأصحابه.\n\nوإذا تأملت وجدت أن هذا ينطبق على المنافقين تمامًا، لا على المؤمنين، فالمنافقون من أشد الناس حرصًا على الحياة، والمنافقون من أكذب الناس ألسنًا، والمنافقون من أجبن الناس عند اللقاء. فهذا الوصف حقيقته في هؤلاء المنافقين.\nومع ذلك يقول الله ﷿: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)، يعني ما كنا نقصد الكلام، إنما هو خوض في الكلام ولعب؛ فقال الله ﷿: (قُلْ)، يعني: قل يا محمد (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين َ) (التوبة: ٦٥، ٦٦)، فبين الله ﷿ أن هؤلاء كفروا بعد إيمانهم باستهزائهم بالله وآياته ورسوله، ولهذا يجب على الإنسان أن يقيد منطقة، وأن يحفظ لسانه حتى لا يزل فيهلك، نسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق، والسلامة من الآثم.\n\n* * *","vol":"2","page":101},{"text":"١٠٦ - الثاني عشر: عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله ﷺ، ومن أهل الصفة ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: (سلني)، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (أو غير ذلك؟) قلت: هو ذاك، قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقل عن ربيعه بن كعب الأسلميّ ﵁ وكان خادمًا لرسول الله ﷺ، ومن أهل الصفة. والذين يخدمون النبي ﷺ من الأحرار عدد، منهم ربيعه بن كعب، ومنهم ابن مسعود، ولهم الشرف بخدمة رسول الله ﷺ، وكان من أهل الصفة؛ وأهل الصفة رجال مهاجرون، هاجروا إلى المدينة، وليس لهم مأوى، فوطنهم النبي ﵊ في صفة في المسجد النبوي، وكانوا أحيانًا يبلغون الثمانين، وأحيانًا دون ذلك، وكان الصحابة ﵃ يأتونهم بالطعام واللبن وغيره، مما يتصدقون به عليهم.\n\nفكان ربيعة بن كعب ﵁ يخدم النبي ﷺ، وكان يأتيه بوضوئه وحاجته. الوضوء بالفتح: الماء الذي يتوضأ به، والضوء بالضم: فعل الوضوء، وأما الحاجة فلم يبينها، ولكن المراد: كل ما يحتاجه النبي ﵊ يأتي به إليه.","vol":"2","page":102},{"text":"فقال له ذات يوم: (سلني)، يعني: اسأل، من أجل أن يكافئه النبي ﵊ على خدمته إياه؛ لأن النبي ﷺ أكرم الخلق، وكان يقول: (من صنع إليكم معروفًا فكافئوه)، فأراد أن يكافئه، فقال له: (سلني) يعني اسأل ما بدا لك، وقد يتوقع الإنسان أن هذا الرجل سيسأل مالًا، ولكن همته كانت عالية؛ قال: أسألك مرافقتك في الجنة، يعني كأنه يقول: كما كنت مرفقًا لك في الدنيا، أسألك مرافقتك في الجنة، قال: (أو غير ذلك؟) يعني أو تسأل غير ذلك مما يمكن أن أقوم به؟ قال: هو ذاك، يعني: لا أسال إلا ذاك، قال النبي ﷺ: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) .\n\nوهذا هو الشاهد؛ أن الرسول ﷺ قال: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، وكثرة السجود تستلزم كثرة الركوع، وكثرة الركوع تستلزم كثرة القيام؛ لأن كل صلاة في كل ركعة منها وسجودان، فإذا كثر السجود كثر الركوع وكثر القيام، وذكر السجود دون غيره، لأن السجود أفضل هيئة للمصلي، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وإن كان المصلى قريبًا من الله؛ قائمًا كان، أو راكعًا، أو ساجدًا، أو قاعدًا، لكن أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد.\nوفي هذا دليل على فضل السجود، واختلف أهل العلم هل الأفضل","vol":"2","page":103},{"text":"إطالة القيام أم إطالة الركوع والسجود؟ فمنهم من قال: الأفضل إطالة القيام، ومنهم من قال: الأفضل إطالة الركوع والسجود، والصحيح أن الأفضل أن تكون الصلاة متناسبة، وإلا فإن القيام بلا شك أطول من الركوع والسجود في حد ذاته، لكن ينبغي إذا أطال القيام أن يطيل الركوع والسجود، وإذا قصر القيام أن يقصر الركوع والسجود.\nوفي هذا دليل على أن الصلاة مهما أكثرت منها فهو خير إلا أنه يستثنى من ذلك أوقات النهي، وأوقات النهي هي: من صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس مقدر رمح، وعند قيامها في منتصف النهار حتى تزول، ومن صلاة العصر إلى الغروب، فإن هذه الأوقات الثلاثة لا يجوز للإنسان أن يصلي فيها صلاة تطوع، إلا إذا كان لها سبب، كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وما أشبه ذلك.\nوفي الحديث دليل على جواز استخدام الرجل الحر، وأن ذلك لا يعد من المسألة المذمومة، فلو أنك قلت لشخص من الناس ممن يقومون بخدمتك: أعطني كذا، وأعطني كذا، فلا بأس، وكذلك لو قلت لصاحب المنزل: أعطيني ماء، صب لي فنجن قهوة، أو ما أشبه ذلك، فلا بأس، لأن هذا لا يعد من السؤال المذموم، بل هذا من تمام الضيافة، وقد جرب العادة بمثله.\nوفيه دليل أيضًا على أن الرسول ﷺ لا يملك أن يدخل أحدًا الجنة، ولهذا لم يضمن لهذا الرجل أن يعطيه مطلوبه، ولكنه قال له: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) فإذا قام بكثرة السجود التي أوصاه بها رسول الله","vol":"2","page":104},{"text":"ﷺ، فإنه حري بأن يكون مرافقًا للرسول ﷺ في الجنة. والله الموفق.\n* * *\n\n١٠٧ - الثالث عشر: عن أبي عبد الله - ويقال: أبو عبد الرحمن - ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة) . رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عليك بكثرة السجود)، وعليك: يعني الزم كثرة السجود، (فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة)، وهذا كالحديث السابق، حديث ربيعه بن كعب الأسلمي، أنه قال للنبي ﷺ: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) ففيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من السجود، وقد سبق لنا أم كثرة السجود تستلزم كثرة الركوع، وكثرة القيام والقعود؛ لأن كل ركعة فيها سجودان، وفيها ركوع واحد، ولا يمكن أن تسجد في الركعة الواحدة ثلاث سجدات أو أربعًا، إذن كثرة السجود تستلزم كثرة الركوع والقيام والقعود.\n\nثم بين النبي ﷺ: ماذا يحصل للإنسان من الأجر فيما إذا سجد؛ وهو","vol":"2","page":105},{"text":"أنه يحصل له فائدتان عظيمتان:\nالفائدة الأولى: أن الله يرفعه بها درجة، يعني منزلة عنده وفي قلوب الناس، وكذلك في عملك الصالح؛ يرفعك الله به درجة.\nوالفائدة الثانية: يحط عنك بها خطيئة، والإنسان يحصل له الكمال بزوال ما يكره، وحصول ما يحب، فرفع الدرجات مما يحبه الإنسان، والخطايا مما يكره الإنسان، فإذا رفع له درجة وحط عنه بها خطيئة؛ فقد حصل على مطلوبه، ونجا من مرهوبه.\n* * *\n١٠٨ - الرابع عشر: عن أبي صفوان عبد الله بن بشر الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن.\n(بسر) بضم الباء، وبالسين المهملة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n أما حديث عبد الله بن بسر، قول النبي ﷺ: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) لأن الإنسان كلما طال عمره في طاعة الله زاد قربًا إلى الله وزاد رفعة في الآخرة؛ لأن كل عمل يعمله فيما زاد فيه عمره فهو يقربه إلى ربه ﷿ فخير الناس من وفق لهذين الأمرين.","vol":"2","page":106},{"text":"أما طول العمر فإنه من الله، وليس للإنسان فيه تصرف؛ لأن الأعمار بيد الله ﷿، وأما حسن العمل؛ فإن بإمكان الإنسان أن يحسن عمله؛ لأن الله تعالى جعل له عقلًا، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وبين المحجة، وأقام الحجة، فكل إنسان يستطيع أن يعمل عملًا صالحًا، على أن الإنسان إذا عمل عملًا صالحًا؛ فإن النبي ﷺ أخبر أن بعض الأعمال الصالحة سبب لطول العمر، وذلك مثل صلة الرحم؛ قال النبي ﵊: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)، وصلة الرحم من أسباب طول العمر، فإذا كان خير الناس من طال عمره وحسن عمله؛ فإنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائمًا أن يجعله ممن طال عمره وحسن عمله، من أجل أن يكون من خير الناس.\n\nوفي هذا دليل على أن مجرد طول العمر ليس خيرًا للإنسان إلا إذا أحسن عمله؛ لأنه أحيانًا يكون طول العمر شرًا للإنسان وضررًا عليه، كما قال الله ﵎: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (آل عمران: ١٧٨)، فهؤلاء الكفار يملى الله لهم - أي يمدهم بالرزق والعافية وطول العمر والبنين والزوجات، لا لخير لهم ولكنه شر لهم - والعياذ بالله لأنهم سوف يزدادون بذلك إثمًا.","vol":"2","page":107},{"text":"ومن ثم كره بعض العلماء أن يدعى للإنسان بطول البقاء، قال: لا تقل: أطال الله بقاءك إلا مقيدًا؛ قل أطال الله بقاءك على طاعته؛ لأن طول البقاء قد يكون شرًا للإنسان. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن طال عمره وحسن عمله، وحسنت خاتمته وعافيته، إنه جواد كريم.\n\n* * *\n\n١٠٩ - الخامس عشر: عن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر ﵁ عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد أنكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، أني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركين، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى، أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) إلى آخرها. متفق عليه.\nقوله: (ليرين الله) رؤى بضم الياء وكسر الراء؛ أي: ليظهرن الله ذلك","vol":"2","page":108},{"text":"للناس، وروي بفتحهما، معناه ظاهر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أنس بين مالك ﵁ عن عمه أنس بن النضر ﵁ أن أنسأ لم يكن مع الرسول ﷺ يعني أنس بن النضر - في بدر، وذلك لأن غزوة بدر خرج إليها النبي ﷺ وهو لا يريد القتال، وإنما يريد عير قريش وليس معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، معهم سبعون بعيرًا وفرسان يتعاقبون عليها، وقد تخلف عنها كثير من الصحابة لأنها ليست غزوة، ولم يدع إليها أحد؛ وإنما خرج إليها الخفاف من الناس.\nقال أنس بن النضر للنبي ﵊ يبين له أنه لم يكن معه في أول قتال قاتل فيه المشركين، وقال: لئن أدركت قتالًا ليرين الله ما أصنع.\n\nفلما كانت أحد، وهي بعد غزوة بدر بسنة وشهر، خرج الناس وقاتلوا مع النبي ﷺ، وصارت الدائرة في أول النهار للمسلمين، ولكن، لما تخلف الرماة عن الموقع الذي جعلهم النبي ﷺ فيه، ونزلوا من الجبل؛ كر فرسان المشركين على المسلمين من خلفهم، واختلطوا بهم، وانكشف المسلمون، وصارت الهزيمة. لما انكشف المسلمون تقدم أنس بن النضر ﵁ وقال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء) يعني أصحابه، (وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء)، يعني أصحابه، (وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء) يعني المشركين.\nثم تقدم ﵁ فاستقبله سعد بن معاذ، فسأله إلي أين؟","vol":"2","page":109},{"text":"قال: يا سعد، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، وهذا وجدان حقيقي، ليس تخيلًا أو توهمًا، ولكن من كرامة الله لهذا الرجل شم رائحة الجنة قبل أن يستشهد ﵁ من أجل أن يقدم ولا يحجم، فتقدم فقاتل، فقتل ﵁ استشهد، ووجد فيه بضع وثمانون، ما بين ضربة بسيف، أو برمح، أو بسهم، حتى إنه قد تمزق جلده، فلم يعرفه أحد إلا أخته، لم تعرفه إلا ببنانه ﵁.\n\nفكان المسلمون يرون أن الله قد أنزل فيه وفي أشباهه هذه الآية: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: ٢٣)، ولا شك أن هذا وأمثاله ﵃ يدخلون دخولًا أوليًا في هذه الآية، فإنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، حيث قال أنس: والله ليرين الله ما أصنع، ففعل، فصنع صنعًا لا يصنعه أحد إلا من منْ الله عليه بمثله حتى استشهد.\nففي هذا الحديث دليل شاهد للباب، وهو مجاهدة الإنسان نفسه على طاعة الله، فإن أنس بن النضر جاهد نفسه هذا الجهاد العظيم، حتى تقدم يقاتل أعداء الله بعد أن انكشف المسلمون وصارت الهزيمة حتى قتل شهيدً ﵁ والله الموفق.\n\n* * *\n\n١١٠ - السادس عشر: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مراء وجاء رجل أخر فتصدق بصاع فقالوا: إن","vol":"2","page":110},{"text":"الله لغني عن صاع هذا! فنزلت: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: ٧٩) . متفق عليه.\n(نحامل) بضم النون، وبالحاء المهملة: أي يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة، ويتصدق بها.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - نقلًا عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة: يعني الآية التي فيها الحث على الصدقة، والصدقة هي: أن يتبرع الإنسان بماله للفقراء ابتغاء وجه الله، وسميت صدقة لأن بذل المال لله ﷿ دليل على صدق الإيمان بالله، فإن المال من الأمور المحبوبة للنفوس، قال الله تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (الفجر: ٢٠)، جمًا: أي كثيرًا عظيمًا، وحيث إن المحبوب لا يبذل إلا لمن هو أحب منه، فإذا بذله الإنسان ابتغاء وجه الله؛ كان ذلك دليلًا على صدق الإيمان.\n\nفلما نزلت هذه الآية جعل الصحابة ﵃ يبادرون ويسارعون في بذل الصدقات إلى رسول الله ﷺ، وهذه هي عادتهم ﵃ أنهم إذا نزلت الآيات بالأوامر بادروها وامتثلوها، وإذا نزلت بالنواهي بادروا بتركها، ولهذا لما نزلت آية الخمر التي فيها تحريم","vol":"2","page":111},{"text":"الخمر، وبلغت قومًا من الأنصار، وكان الخمر بين أيديهم يشربون قبل أن يحرم، فمن حين ما سمعوا الخبر أقلعوا عن الخمر، ثم خرجوا بالأواني يصبونها في الأسواق حتى جرت الأسواق في الخمر.\nوهذا هو الواجب على كل مؤمن؛ إذا بلغه عن الله تعالى ورسوله ﷺ شيء أن يبادر بما يجب عليه؛ من امتثال هذا الأمر، أو اجتناب هذا النهي.\nوالمهم هنا أن الصحابة ﵃ بدءوا يأتون بالصدقة، كل واحد يحمل بقدرته من الصدقة إلى رسول الله ﷺ، فجاء رجل بصدقة كثيرة، وجاء رجل بصدقة قليلة، فكان المنافقون إذا جاء الرجل بالصدقة الكثيرة؛ قالوا: هذا مراءٍ، ما قصد به وجه الله. وإذا جاء الرجل بالصدقة القليلة قالوا: إن الله غني عنه، وجاء رجل بصاع، قالوا: إن الله غني عن صاعك هذا.\n\nوهؤلاء هم المنافقون، والمنافقون هم الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، ويظهرون الشماتة بالمؤمنين دائمًا، جعلوا أكبر همهم وأعذب مقال لهم، وألذ مقال على أسماعهم؛ أن يسمعوا ويقولوا ما فيه سب المسلمين والمؤمنين - والعياذ بالله - لأنهم منافقون، وهم العدو، كما قال الله ﷿ فاحذرهم المنافق الذي يظهر لك خلاف ما يبطن.\nفهؤلاء صاروا إذا جاء رجل بكثير، قالوا: هذا مراءٍ، وإن جاء بقليل، قالوا: إن الله غني عن صاعك ولا ينفعك، فأنزل الله ﷿: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا","vol":"2","page":112},{"text":"يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: ٧٩) ويلمزون: يعني يعيبون، والمطوعين: هم المتطوعين المتصدقين، (وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُم)، هذه معطوفة على قوله: (الْمُطَّوِّعِينَ) يعني ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم، فهم يلمزون هؤلاء وهؤلاء، (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فهم سخروا بالمؤمنين فسخر الله منهم، والعياذ بالله.\n\nففي هذا دليل على حرص الصحابة على استباق الخير، ومجاهدتهم أنفسهم على ذلك، أيضًا على أن الله ﷿ يدافع عن المؤمنين، وأنظر كيف أنزل الله آية في كتاب الله، مدافعة عن المؤمنين الذين كان هؤلاء المنافقين يلمزونهم.\nوفيه دليل على شدة العداوة من المنافقين للمؤمنين، وأن المؤمنين لا يسلمون منهم؛ إن عملوا كثيرًا سبوهم، وإن عملوا قليلًا سبوهم، ولكن الأمر ليس إليهم، بل الله ﷿ ولهذا سخر الله منهم، وتوعدهم بالعذاب الأليم في قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .\nأما حكم المسألة هذه؛ فإن الله تعالى قال في كتابه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧-٨)، القليل والكثير من الخير سيراه الإنسان، ويجازى به، والقليل والكثير من الشر سيراه الإنسان، ويجازى عليه، وصح عن النبي ﷺ: (أن الإنسان إذا تصدق بعدل تمرة) أي بما يعادلها (من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله تعالى يأخذها بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم","vol":"2","page":113},{"text":"فلوه، حتى تكون مثل الجبل) .\n\nوقارن بين حبة من التمر وبين الجبل؛ لا نسبة، الجبل أعظم بكثير، فالله ﷾ يجزي الإنسان على ما عمل من خير قل أو كثر، ولكن، احرص على أن تكون نيتك خالصة لله، واحرص على أن تكون متبعًا في ذلك رسول ﷺ.\n* * *\n١١١ - السابع عشر: عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعه بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر جندب بن جنادة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن الله ﵎ أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته: فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته: فإستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا: فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد في ملكي شيئًا، يا عبادي لو","vol":"2","page":114},{"text":"أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم، قاموا في صعيد، واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد\n\nغير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) قال سعيد: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. رواه مسلم وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي ذر الغفاري ﵁ في باب المجاهدة، عن النبي ﷺ أنه قال فيما يرويه عن ربه ﵎ يعني أن الرسول ﵊ حدث عن الله أنه قال ... إلى آخره، وهذا يسمى عند أهل العلم بالحديث القدسي، أو الحديث الإلهي، أما ما كان من حديث النبي ﷺ، فإنه يسمى بالحديث النبوي.\nوهذا الحديث القدسي يقول الله تعالى فيه: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي)، أي ألا أظلم أحدًا، لا بزيادة سيئات لم يعملها، ولا","vol":"2","page":115},{"text":"بنقص حسنات عملها، بل هو ﷾ حكم، عدل، محسن، فحكمه وثوابه لعباده دائر بين أمرين: بين فضل وعدل، فضل لمن عمل الحسنات، وعدل لمن عمل السيئات، وليس هناك شيء ثالث وهو الظلم.\n\nأما الحسنات فإنه ﷾ يجازي الحسنة بعشر أمثالها، من يعمل حسنة يثاب بعشر حسنات، أما السيئة فبسيئة واحدة فقط، قال الله تعالى في سورة الأنعام - وهي مكية: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام: ١٦٠)، ولا يظلمون بنقص ثواب الحسنات، ولا يظلمون بزيادة جزاء السيئات، بل ربنا ﷿ يقول: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) (طه: ١١٢)، ظلمًا بزيادة في سيئاته، ولا هضمًا بنقص من حسناته.\nوفي قوله تعالى: (إني حرمت الظلم على نفسي) دليل على أنه - جل وعلا - يحرم على نفسه، ويوجب على نفسه، فمما أوجب على نفسه: الرحمة، قال تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة) (الأنعام: ٥٤)، ومما حرم على نفسه: الظلم، وذلك لأنه فعال لما يريد، يحكم بما يشاء، فكما أنه يوجب على عباده ويحرم عليهم؛ يوجب على نفسه ويحرم عليها - جل وعلا ـ، لأن له الحكم التام المطلق.\n\nوقوله تعالى: (وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) أي لا يظلم بعضكم بعضًا، والجعل هنا هو الجعل الشرعي، وذلك لأن الجعل الذي أضافه الله إلى نفسه: إما أن يكون كونيًا مثل قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا","vol":"2","page":116},{"text":"النَّهَارَ مَعَاشًا) (النبأ: ١٠، ١١)، وإما أن يكون شرعيًا مثل قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ) (المائدة: ١٠٣)، ما جعل: أي ما شرع، وإلا فقد جعل ذلك كونًا، لأن العرب كانوا يفعلون هذا، ومثل هذا الحديث: (جعلته بينكم محرمًا) أي جعلته جعلًا شرعيًا لا كونيًا، لأن الظلم يقع.\nوقوله: (جعلته بينكم محرمًا)، الظلم بالنسبة للعباد فيما بينهم يكون في ثلاثة أشياء بينها رسول الله ﷺ في قوله وهو يخطب الناس في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فأشهد) . فهذه ثلاثة أشياء: الدماء، والأموال، والأعراض.\n\nفالظلم فيما بين البشر حرام في الدماء، فلا يجوز لأحد أن يتعدى على دم أحد، ولا على دم تفوت به النفس وهو القتل، ولا على دم يحصل به النقص، كدم الجروح، وكسر العظام، وما أشبهها، كل هذا حرام لا يجوز.\nوأعلم أن كسر عظم الميت ككسره حيًا، كما جاء ذلك عن النبي ﵊، فالميت محترم لا يجوز أن يؤخذ من أعضائه","vol":"2","page":117},{"text":"شيء، ولا أن يكسر من أعضائه شيء، لأنه أمانة وسوف يبعث بكامله يوم القيامة، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن تأخذ منه شيئًا.\nولهذا نص فقهاء الحنابلة ﵏ على أنه لا يجوز أن يؤخذ من الميت شيء من أعضائه، ولو أوصى به، وذلك لأن الميت محترم، كما أن الحي محترم. كسر عظم الميت ككسره حيًا، فإن أخذنا من الميت عضوًا، أو كسرنا منه عظمًا، كان ذلك جناية عليه، وكل اعتداءً عليه، وكنا آثمين بذلك.\n\nوالميت نفسه لا يستطيع أن يتبرع بشيء من أعضائه، لأن أعضاءه أمانة عنده، أمانة لا يحل له أن يفرط فيها، ولهذا قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، فسرها عمرو بن العاص ﵁ بالإنسان إذا كان عليه جنابة، وكان في البرد، وخاف أن اغتسل أن يتضرر، جعل عمرو بن العاص هذا داخلًا في الآية، وذلك حين كان عمرو بن العاص ﵁ في سرية، وأجنب، وكانت الليلة باردة فتيمم، وصلى بأصحابه، فلما رجعوا إلى الرسول ﵊ وبلغه الخبر، قال: (يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب) - يعني لم تغتسل ـ؟ قال: يا رسول الله، إني ذكرت قول الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: ٢٩)، وخفت البرد فتيممت، فضحك النبي ﷺ، وأقره على فعله وعلى استدلاله بالآية، ولم يقل: إن الآية لا تدل على هذا.","vol":"2","page":118},{"text":"فإذن كل شيء يضر أبداننا، أو يفوت منها شيئًا، فإنه لا يحل لنا أن نفعله، لقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) . فما حرم علينا أن نتناول الدخان وغيره من الأشياء الضارة إلا من أجل حماية البدن، فالبدن محترم. فقول الرسول ﷺ: (دماءكم)، يشمل الدم الذي يهلك به الإنسان وهو القتل، والدم الذي بدون ذلك، وهو الجرح، أو كسر العظم، أو ما أشبه ذلك.\nأما قوله ﷺ: (وأموالكم) فإن الأموال قد حرم الله ﷾ على بعضنا أن يأخذ من مال أخيه بغير حق، بأي نوع من الأنواع؛ سواء أخذه غصبًا بأن يأخذ بالقوة، أو أخذه سرقة، أو اختطافًا، أو خيانة، أو غشًا، أو كذبًا، بأي نوع من هذه الأنواع يأخذه، فإنه حرام عليه.\nوعلى هذا فالذين يبيعون على الناس بالغش - ولا سيما أهل الخضار - فإن كل مالٍ، بل كل قرش يدخل عليهم من زيادة في الثمن بسبب الغش؛ فإنه حرام، فالذين يغشون في البيع أو في الشراء يرتكبون محظورين:\nالمحظور الأول: العدوان على إخوانهم المسلمين بأخذ أموالهم بغير حق.\n\nالمحظور الثاني: أنهم ينالون تبرؤ النبي ﷺ منهم، وبئس البضاعة بضاعة يلتحق فيها صاحبها بالبراءة من رسول الله ﷺ قال النبي ﷺ فيما صح عنه: (من غشنا فليس منا) .","vol":"2","page":119},{"text":"ومن ذلك ما يفعله بعض الجيران، حيث تجده يدخل المراسيم على جاره من أجل أن تزيد أرضه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن (من اقتطع من الأرض شبر بغير حق، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين) يكون يوم القيامة من سبع ارضين، في عنقه طرق من سبع أرضين - والعياذ بالله - يحمله في يوم المحشر. وهذا من الظلم.\nومن الظلم أيضًا: أن يكون لشخص على شخص دراهم، ثم ينكر الذي عليه الحق، ويقول: ليس لك عندي شيء، فهذا من أكل المال بالباطل، حتى لو فرض أنه تحاكم إلى القاضي مع خصمه، وغلبه عند القاضي، فإنه لا يغلبه عند الله، قال النبي ﵊ (إنكم تختصمون إلى، لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فاقضي له، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه؛ فإنما أقتطع له جمرة من نار، فليستقل أو ليستكثر) فلا تظن أنك إن غلبت خصمك عند القاضي، وكنت مبطلًا، تسلم بهذا في الآخرة أبدًا؛ لأن القاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع ولا يعلم الغيب، ولكن علام الغيوب - جل وعلا - هو الذي يحاسبك يوم القيامة.","vol":"2","page":120},{"text":"وكذلك أيضًا من أكل الأموال: أن يدعي شخص على آخر ما ليس له، ويقيم على ذلك البينة بالشهادة الزور، ويحكم له بذلك، فإن هذا من أكل المال بالباطل، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكنها كلها محرمة إذا لم تكن بحق ولهذا قال ﷿ (فلا تظالموا) .\nأما الأعراض فهي أيضًا حرام، فلا يحل للإنسان أن يقع في عرض أخيه، فيغتابه في المجلس أو يسبه، فإن ذلك من كبائر الذنوب. قال الله ﷿: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) (الحجرات: ١٢) أنظر للترتيب: أجتنبوا كثيرًا من الظن، فإن ظن الإنسان بأخيه شيئًا تجسس عليه، ولهذا قال: (وَلا تَجَسَّسُوا)، فإذا تجسس صار يغتابه، ولهذا قال في الثالثة: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) . ثم قال تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)؟ الجواب: لا. لا يجب، بل يكره، ولهذا قال: (فَكَرِهْتُمُوهُ)، قال بعض المفسرين: إذا كان يوم القيامة، فإنه يؤتي بالرجل الذي اغتابه الشخص، يمثل له بصورة إنسان ميت، ثم يقال له: كل من لحمه، ويكره على ذلك، وهو يكرهه، لكن يكره على هذا عقوبة له، والعياذ بالله.\n\nفالغيبة - وهي انتهاك عرض أخيك - محرمة، وقد روى أبو داود أن النبي ﷺ مر ليلة عرج به بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، يعني يكرون الوجوه والصدور بهذه الأظفار التي من النحاس، فقال: (يا جبريل، من هؤلاء؟) قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم","vol":"2","page":121},{"text":"الناس ويفعلون في أعراضهم. نعوذ بالله.\n\nثم أن الإنسان إذا انتهك عرض أخيه، فإن أخاه يأخذ في الآخرة من حسناته، ولهذا يذكر أن بعض السلف قيل له: إن فلان يغتابك، فقال: مؤكدًا؟ قال: نعم، اغتابك، فصنع هدية له، ثم بعث بها إليه، فاستغرب الرجل! كيف يغتابه، ويرسل له هدية؟ قال: نعن إنك أهديت إلي حسنات، والحسنات تبقى، وأن أهديت إليك هدية تذهب في الدنيا، فهذه مكافأة على هديتك لي، انظر فقه السلف ﵃.\nفالحاصل أن الغيبة حرام، ومن كبائر الذنوب، ولا سيما إذا كانت الغيبة في ولاة الأمور من الأمراء أو العلماء، فإن غيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس، لأن غيبة العلماء تقلل من شأن العلم الذي في صدورهم، والذي يعلمونه الناس، فلا يقبل الناس ما يأتون به من العلم، وهذا ضرر على الدين، وغيبة الأمراء تقلل من هيبة الناس لهم؛ فيتمردون عليهم وإذا تمرد الناس على الأمراء فلا تسأل عن الفوضى:\nلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم\nولا سراة إذا جهالهم سادوا\nفنسأل الله أن يحمينا وإياكم مما يغضبه، إنه جواد كريم.\nثم قال الله تعالى: (يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدني أهدكم)، ضال يعني: تائهًا، أي لا يعرف الحق، ضال يعني: غاويًا لا","vol":"2","page":122},{"text":"يقبل الحق، فالناس في الضلال قسمان:\nقسم تائه: لا يعرف الحق. من النصارى، فإن النصارى ضالون، تائهون، لا يعرفون الحق إلا بعد أن بعث النبي ﷺ، فإنهم عرفوا الحق لكنهم استكبروا عنه، فلم يكن بينهم وبين اليهود فرق في أنهم علموا الحق ولم يتبعوه.\nوقسم غاو: أي اختار الغي على الرشد بعد أن علم بالرشد، وهؤلاء مثل اليهود، فإن اليهود عرفوا الحق ولكنهم لم يقبلوا، بل ردوه.\n\nومن ذلك قوله ﵎: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (فصلت: ١٧)، هداهم الله، وبين لهم، ودلهم، لكنهم استحبوا العمى على الهدى، واستحبوا الغي على الرشد، فالناس كلهم ضالون إلا من هدى الله.\nلكن؛ ما هي هداية القسم الأول، وهو الضال الذي لم يعرف الحق؟ هداية القسم الأول: أن يبين الله لهم الحق ويدلهم عليه، وهذه الهداية حق على الله، حق على الله أوجبه الله على نفسه، فكل الخلق قد هداهم الله بهذا المعنى، يعني بمعنى البيان، قال الله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل: ١٢)، وقال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ) (البقرة: ١٨٥)، هدى للناس عمومًا.\nولكن الهداية الثانية، هي هداية التوفيق لقبول الحق، هذه هي التي يختص الله بها من يشاء من عباده، فالهداية هديتان هداية بيان الحق، وهذه عامة لكل أحد، وقد أوجبها الله على نفسه، وبين لعباده الحق من","vol":"2","page":123},{"text":"الباطل، وهداية توفيق لقبول الحق والعمل به، تصديقًا للخبر وقيامًا بالطلب، وهذه خاصة يختص الله بها من يشاء من عباده.\nوالناس في هذا الباب ينقسمون إلى أقسام:\n\nالقسم الأول: من هدي الهدايتين، أي علمه الله ووفقه للحق وقبوله.\nوالقسم الثاني: من حرم الهدايتين، فليس عنده علم، وليس له عبادة.\nوالقسم الثالث: من هدي بالدلالة والإرشاد، ولكنه لم يهد هداية التوفيق، وهذا شر الأقسام، والعياذ بالله.\nوالمهم أن الله ﷿ يقول: (كلكم ضال)، أي كلكم لا يعرف الحق. أو كلكم لا يقبل الحق، إلا من هديته (فاستهدوني أهدكم) يعني: اطلبوا الهداية مني، فإذا طلبتموها؛ فإنني أجيبكم وأهديكم إلى الحق، ولهذا جاء الجواب في: (استهدوني أهدكم)، وكأنه جواب شرط، ليتحقق المشروط عند وجود الشرط، ودليل هذا أن الفعل جزم (استهدوني أهدكم)، فمتى طلبت الهداية من الله بصدق وافتقار إليه، وإلحاح، فإن الله يهديك.\nولكن أكثرنا معرض عن هذا، فأكثرنا قائم بالعبادة، لكن على العادة، وعلى ما يفعل الناس، كأننا لسنا مفتقرين إلى الله ﷾ في طلب الهداية، فالذي يليق بنا: أن نسأل الله دائمًا الهداية، والإنسان في كل صلاة يقول: رب اغفر لي، ارحمني واهدني بل إنه في كل صلاة: يقول على سبيل الركنية: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ","vol":"2","page":124},{"text":"أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) (الفاتحة: ٧)، ولكن أين القلوب الواعية؟ ! إن أكثر المصلين يقرأ هذه الآية، وتمر عليه مر الطيف، أي مر الغيم الذي يجري بدون ماء، وبدون شيء، ولا ينتبه لها.\nوالذي يليق بنا أن نتنبه، وأن نعلم أننا مفتقرون إلى الله ﷿ في الهداية، سواء الهداية العلمية، أو الهداية العملية، أي هداية الإرشاد والدلالة - أو هداية التوفيق، فلابد أن نسأل الله دائمًا الهداية.\n\n(فاستهدوني أهدكم) وربما تشمل هذه الجملة الطريق الحسي، كما تشمل الطريق المعنوي، فالهداية للطريق المعنوي: هي الهداية إلى دين الله، والهداية للطريق الحسي: كأن تكون في أرضه قد ضللت الطريق وضعت، فمن تسأل؟ فإنك تسأل الله الهداية، ولهذا قال الله عن موسى ﷺ: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (القصص: ٢٢)، أي السبيل المستوي الموصل للمقصود بدون تعب، وقد جرب هذا، فإن الإنسان إذا ضاع في البر فإنه يلجأ إلى الله تعالى ويقول: رب أهدني سواء السبيل، أو عسى ربي أن يهديني سواء السبيل،، وذلك لأننا محتاجون إلى الله في الهدايتين؛ هداية الطريق الحسي، كما أننا محتاجون إلى الله في الهداية إلى الطريق المعنوي. نسأل الله أن يهدينا جميعًا الهداية فيمن هدى.\nثم قال ﷺ فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فإستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم)، هاتان الجملتان الخاصتان بالجوع والعرى ذكرهما","vol":"2","page":125},{"text":"الله ﷿ بعد أن ذكر الهداية، لأن في الهداية غذاء القلب بالعلم والإيمان، والجوارح بالعمل الصالح.\nأما الطعام والشراب والكسوة فهي غذاء البدن، لأن البدن لا يستقيم إلا بالطعام، ولا يستتر إلا بالكسوة، ولهذا قال: (يا عبادي، لكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم) وصدق ربنا ﷿ كلنا جائع إلا من أطعمه الله، ولولا أن الله تعالى يسر لنا ما يكون به طعامنا لهلكنا، يقول الله تعالى مبينًا ذلك في سورة الواقعة: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) .\n\nوالجواب: بل أنت - يا ربنا - الذي زرعته، لأن الله يقول: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) (الواقعة: ٦٥، ٦٧)، وتأمل كيف قال تعالى: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا)، ولم يقل: لو نشاء ما أنبتناه، لأنه إذا نبت وشاهده الناس؛ تعلقت به قلوبهم، فإذا جعل حطامًا بعد أن تعلقت به القلوب؛ صار ذلك أشد نكاية، ولهذا قال تعالى (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا)، ولم يقل لو نشاء ما أنبتناه.\nوقال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) (الواقعة: ٦٩)، يعني: من السحاب، (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ)؛ لأن الماء الذي نشرب من السحاب، ينزله الله ﷿ على الأرض فيسلكه ينابيع، يدخله في الأرض، ويجري فيما تحت الأرض كالأنهار، ثم يستخرج بالأدوات التي سخرها الله ﷿ في كل وقت بحسبه، وهذا من حكمة الله ﷿ أن استودع الماء في بطون الأرض، ولو بقى على ظهر","vol":"2","page":126},{"text":"الأرض لفسد، وأفسد الهواء وأهلك المواشي، بل وأهلك الآدميين من رائحته ونتنه، ولكن الله ﷿ بحكمته ورحمته جعل هذه الأرض تشربه وتسلكه ينابيع فيها، حتى تأتي حاجة الناس إليه؛ فيحفرونه، فيصلون إليه.\nوالذي أنزله هو الله ﷿، ولو اجتمع الناس كلهم على أن ينزلوا قطرة من السماء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولكن الله ﷿ هو الذي ينزله بقدرته ورحمته، إذن، نحن لا نطمع شيئًا من طعام، أو مأكول، ولا من مشروب؛ إلا بالله ﷿ ولهذا قال: (كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم) .\n\nواستطعام الله ﷿ يكون بالقول وبالفعل؛ بالقول: بأن تسأل الله ﷿ أن يطعمنا وأن يرزقنا، وأما بالفعل، فله جهتان:\nالجهة الأولى: العمل الصالح، فإن العمل الصالح سبب لكثرة الأرزاق وسعتها، قال الله ﷿: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: ٩٦)، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (المائدة: ٦٥، ٦٦)، (مِنْ فَوْقِهِمْ): أي من ثمار الأشجار، (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ): أي من ثمار الزروع، فالمهم أن هذا من أسباب إطعام الله.\nالجهة الثانية من جهة الاستطعام الفعلي: أن نحرث الأرض، ونحفر","vol":"2","page":127},{"text":"الآبار، ونستخرج المياه، ونزرع الحبوب، ونغرس الأشجار، وما أشبه ذلك.\n\nفالاستطعام يكون بالقول، ويكون بالفعل، والفعل له جهتان: الجهة الأولى: العمل الصالح، والجهة الثانية: الأسباب الحسية المادية كالحرث، وحفر الآبار، وما أشبه ذلك.\nوقوله - جل ذكره ـ: (فاستطعموني أطعمكم) هذا جواب شرط مقدر، أو جواب الأمر الذي كان في الشرط، يعني أنك إذا استطعمت الله فإن الله يطعمك، ولكن استطعام الله ﷿ يحتاج إلى أمر مهم، وهو حسن الظن بالله - جل وعلا ـ، أي أن تحسن الظن بربك أنك إذا استطعمته أطعمك، أما أن تدعو الله وأنت غافل لاهٍ، أو تفعل الأسباب وأنت معتمد على قوتك لا على ربك؛ فإنك قد تكون مخذولًا، والعياذ بالله، لكن استطعم الله وحده وأخلص له وحده في ذلك.\n(يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم)، كلكم عار إلا من كسوته، ذلك لأن الإنسان يخرج من بطن أمه ليس عليه ثياب، بل يخرج مجردًا؛ لا ثياب، ولا شعر يكسوه، كما يكون في الحيوان، وهذا من حكمة الله ﷿.\n\nفمن حكمته تعالى: أن جعلنا نخرج بادية أبشارنا، بادية جلودنا، حتى نعرف أننا محتاجون إلى كسوة تستر عورتنا حسًا، كما أننا محتاجون إلى عمل صالح يستر عورتنا معنى، لأن التقوى لباس، كما قال تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف: ٢٦)، فأنت انظر في نفسك تجد أنك","vol":"2","page":128},{"text":"محتاج إلى الكسوة الحسية لأنك عار، كذلك أيضًا محتاج إلى الكسوة المعنوية - وهي العمل الصالح - حتى لا تكون عاريًا، ولهذا ذكر بعض العابرين للرؤيا أن الإنسان إذا رأى نفسه في المنام عاريًا فإنه يحتاج إلى كثرة الاستغفار، لأن هذا دليل على نقصان تقواه، فإن التقوى لباس.\n\nوعلى كل حال؛ فنحن عراة إلا كسوة الله ﷿ وقد سخر الله لنا من الكسوة ما نكسو به أبداننا - ولله الحمد - من أصناف اللباس المتنوعة، لا سيما في البلاد الغنية التي ابتلاها الله ﷿ بالمال، فإن المال - في الحقيقة - فتنة يخشى على الأمة منه، كما قال محمد ﷺ: (والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا، فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم؛ فتهلككم كما أهلكتهم) فالمال ابتلاء وبلوى، تحتاج إلى صبر على أداء ما يجب فيه، وإلى شكر على ما يجب له.\nوعلى كل حال، أقول: إن الله ﷾ من علينا باللباس، ولولا أن الله يسره لنا ما تيسر، ولو أنك نظرت في الخلق في وقتك الآن، وتأملت لوجدت - كما سمعنا - من يبتون عراة، ليس على أبدانهم ما يسترهم، ربما يسترون السوءة بالأشجار ونحوها، وليس عليهم ما يسترهم دون ذلك، فمن الذي سترك ومن عليك؟ هو الله، ولهذا قال ﷿ (يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم) .\n\nونقول في قوله: (استكسوني أكسكم) كما قلنا في قوله: (استطعموني","vol":"2","page":129},{"text":"أطعمكم)، يعني أن الاستكساء يكون بالقول، ويكون بالفعل؛ أما الذي بالقول: فبأن تسال الله ﷿ أن يكسوك، وإذا سالت الله أن يكسو بدنك حسيًا، فسأل الله أن يكسو عورتك المعنوية بالتوفيق إلى طاعته.\nوأما الاستكساء بالفعل فعلى وجهين:\nالوجه الأول: بالأعمال الصالحة، والوجه الثاني: بفعل الأسباب الحسية التي تكون بها الكسوة؛ من إحداث المعامل، والمصانع، وغير ذلك.\nوفي الربط بن الطعام والكسوة والهداية مناسبة؛ لأن الطعام في الحقيقة كسوة البدن باطنًا، لأن الجوع والعطش معناه خلو المعدة من الطعام والشراب، وهذا تعرٍّ لها، والكسوة ستر البدن ظاهرًا، والهداية الستر المهم المقصود وهو ستر القلوب والنفوس من عيوب الذنوب.\n\nثم قال تعالى: (يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم) هذا أيضًا من تمام نعمة الله على العبد، إنه - جل وعلا - يعرض عليه أن يستغفر إلى الله ويتوب إليه، مع أنه يقول: (إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا)، أي جميع الذنوب، من الشرك بالله، والكفر، والكبائر، والصغائر، كلها يغفرها الله، ولكن بعد أن يستغفر الإنسان ربه، ولهذا قال: (فاستغفروني أغفر لكم)،، أي اطلبوا منى المغفرة حتى أغفر لكم.\nولكن طلب المغفرة ليس مجرد أن يقول الإنسان: اللهم اغفر لي، بل لابد من توبة صادقة يتوب بها الإنسان إلى الله ﷿.","vol":"2","page":130},{"text":"والتوبة الصادقة هي التي تجمع خمسة شروط:\nالشرط الأول: أن يكون الإنسان مخلصًا فيها لله ﷿ لا يحمله على التوبة مراءاة الناس، ولا تسميعهم، ولا أن يتقرب إليهم بشيء، وإنما يقصد بالتوبة الرجوع إلى الله حقيقة، والإخلاص شرط في كل عمل، ومن جملة الأعمال الصالحة: التوبة إلى الله ﷿، كما قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: ٣١) .\n\nالشرط الثاني: أن يندم الإنسان على ما وقع منه من الذنب، يعني أن يحزن، ويتأسف، ويعرف أنه ارتكب خطأ حتى يندم عليه، أما أن يكون ارتكاب الخطأ وعدمه عنده على حد سواء؛ فهذه ليست بتوبة، بل لابد من أن يندم بقلبه ندمًا يتمنى أنه لم يقع منه هذا الذنب.\nالشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب فلا توبة مع الإصرار على الذنوب، كما قال تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران: ١٣٥)، أما أن بقول إنه تائب من الذنب وهو مصر عليه، فإنه كاذب مستهزئ بالله ﷿، فمثلًا لو قال: أتوب إلى الله من الغيبة، ولكنه كلما جلس مجلسًا اغتاب عباد الله؛ فإنه كاذب في توبته، ولو قال أتوب إلى الله من الربا ولكنه مصر عليه؛ يبيع بالربا ويشتري بالربا، فهو كاذب في توبته، ولو قال: أتوب إلى الله من استماع الأغاني، ولكنه مصر على ذلك، فهو كاذب في توبته، ولو قال: أتوب إلى الله من معصية الرسول ﷺ في إعفاء اللحية، وكان يحلقها، وهو يقول أتوب إلى الله من حلقها: فإنه كاذب، وهكذا جميع المعاصي إذا كان الإنسان مصرًا عليها فإن دعواه","vol":"2","page":131},{"text":"التوبة كذب، ولا تقبل توبته.\nومن التخلي عن الذنب والإقلاع عنه: أن يرد المظالم إلى أهلها إذا كانت المعصية في حقوق العباد، فإن كانت في أخذ مال فليرد المال إلى من أخذه منه، فإن كان قد مات فليرده إلى ورثته، فإن تعذر عليه أن يعرف الورثة، أو نسى الرجل، أو ذهب الرجل إلى مكان لا يمكن العثور عليه، مثل أن يكون أجنبيًا، فيرجع إلى بلده، ولا يدري أين هو، ففي هذه الحال يخرج ما عليه صدقة ينويها لصاحب المال الذي يطلبه.\nوإذا كان الذنب في غيبة، وكان المغتاب قد علم أن هذا الرجل قد اغتابه، فلابد أن يذهب إلى المغتاب ويتحلل منه، وينبغي للمغتاب إذا جاءه أخوه يعتذر إليه أن يقبل، وأن يسامح عنه، فإذا جاء إليك أخوك معتذرًا مقرًا بالذنب، فاعف عنه واصفح (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة: ١٣)، ولكن إذا لم يقبل أن يتسامح عن غيبته إلا بشيء من المال؛ فأعطه من المال حتى يقتنع ويحللك.\nكذلك إذا كانت المعصية مسابة بينك وبين أحد حتى ضربته مثلًا، فإن التوبة من ذلك أن تذهب إليه وتستسمح منه، وتقول: ها أنا أمامك اضربني كما ضربتك، حتى يصفح عنك، المهم أن من الإقلاع عن المعصية إذا كانت لآدمي أن تحلل منه، سواء كانت مظلمة مال، أو بدن، أو عرض.\n\nالشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل، فإن تاب وأقلع عن الذنب، لكن في قلبه أنه حانت الفرصة عاد إلى ذنبه، فإن ذلك لا","vol":"2","page":132},{"text":"يقبل منه، فهذه توبة لا عب، فلابد أن يعزم، فإذا عزم قدر أنه نفسه سولت له بعد ذلك، وفعل المعصية، فإن ذلك لا ينقص التوبة السابقة، لكن يحتاج إلى توبة جديدة من الذنب مرة ثانية.\nالشرط الخامس: أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، فإن فات الأوان لم تنفع التوبة، ويفوت الأوان إذا حضر الإنسان الموت. فإذا حضره الموت فلا توبة ولو تاب لم ينفعه، لقوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (النساء: ١٨)، الآن لا فائدة فيها، ولهذا لما أغرق فرعون (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: ٩٠) فقيل له (آلْآنَ)، يعني أتقول هذا الآن (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس: ٩١)، فات الأوان، ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر بالتوبة، لأنه لا يدري متى يفجؤه الموت، كم من إنسان مات بغتة وفجأة، فليتب إلى الله قبل أن يفوت الأوان.\n\nأما الثاني الذي يفوت به أوان التوبة: إذا طلعت الشمس من مغربها، فإن النبي ﵊ أخبر أن الشمس إذا غابت سجدت تحت عرش الرحمن ﷿، واستأذنت الله، فإن أذن لها استمرت في سيرها، وإلا قيل: أرجعي من حيث جئت، فترجع بإذن الله وأمره،","vol":"2","page":133},{"text":"فتطلع على الناس من المغرب، فحينئذ يؤمن جميع الناس، يتوبون ويرجعون إلى الله، ولكن ذلك لا ينفعهم، قال الله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) يعني عند الموت، (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) يعني يوم القيامة للحساب، (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) يعني طلوع الشمس من مغربها، (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) (الأنعام: ١٥٨) .\nهذه خمسة شروط للتوبة، لا تقبل إلا بها، فعليك يا أخي أن تبادر بالتوبة إلى الله، والرجوع إليه، مادمت في زمن الإمهال، قبل ألا يحصل لك ذلك، واعلم أنك إذا تبت إلى الله توبة نصوحًا؛ فإن الله يتوب عليك، وربما يرفعك إلى منزلة أعلى من منزلتك، أنظر إلى أبيك أدم، حيث نهاه الله عن الأكل من الشجرة، فعصى ربه بوسوسة الشيطان له، قال الله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (طه: ١٢١، ١٢٢)، لما تاب نال الاجتباء. واجتباه الله، وصار في منزلة أعلى من قبل أن يعصي ربه، لأن المعصية أحدثت له خجلًا وحياء من الله، وأنابه إليه، ورجوعًا إليه، فصارت حاله أعلى حالًا من قبل.\n\nواعلم أن الله اشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل كان على راحلته وعليها طعامه وشرابه في أرض فلاة، لا أحد فيها، فأضاع الناقة، وطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فإذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، قد جاء الله بها، فأخذ بخطامها، وقال من شدة الفرح: (اللهم","vol":"2","page":134},{"text":"أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، أراد أن يقول: اللهم أنت ربي، وأنا عبدك، ولكن أخطأ من شدة الفرح، لأن الإنسان إذا أشتد فرحه لا يدري ما يقول، كما أنه إذا اشتد غضبه لا يدري ما يقول، فالله بتوبة عبده المؤمن أشد فرحًا من فرح هذا بناقته. نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، ويرزقنا الإنابة إليه.\nوقوله جل ذكره: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني)، يعني أنه ﵎ غني عن العباد، ولا ينتفع بطاعتهم ولا تضره معصيتهم، فإنه ﷿ قال في كتابه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذريات: ٥٦، ٥٨)، فالله ﷿ لا ينتفع بأحد، ولا يتضرر بأحد لأنه غني عن الخلق - جل وعلا ـ، وإنما خلق الخلق لحكمة أرادها ﵎ خلقهم لعبادته، ثم إنه وعد الطائعين بالثواب، وتوعد العاصين بالعقاب، وحكمة منه؛ لأته خلق الجنة والنار، وقال: لكل منكما على ملؤها، فالنار لابد أن تكلأ، والجنة لابد أن تملأ كما قال ﷿: (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود: ١١٩)، إذن فالله تعالى لن ينفعه طاعة الطائعين، ولن تضره معصية العاصين، ولن يبلغ أحد ضرره مهما كان.\n\nولهذا قال فيما بعد هذه الجملة: (لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم","vol":"2","page":135},{"text":"كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد في ملكي شيئًا) . لو أن أول الخلق وأخرهم وأنسكم وجنهم كانوا متقين، على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملك الله من شيئًا، لأن الملك ملكه، لا للطائعين ولا للعاصين.\nكذلك أيضًا يقول - جل وعلا ـ: (يا عبادي، لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) لو كان العباد كلهم من جن وأنس، وأولهم وأخرهم، لو كانوا كلهم فجارًا وعلى أفجر قلب رجل، فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيئًا، قال الله تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (الزمر: ٧)، فالله - جل وعلا - لا ينقص ملكه بمعصية العصاة، ولا يزيد بطاعة الطائعين، هو ملك الله على كل حال.\nففي هذه الجمل الثلاث دليل على غنى الله ﷾، وكمال سلطانه، وأنه لا يتضرر بأحد ولا ينتفع بأحد؛ لأنه غني عن كل أحد.\n\nثم قال تعالى: (يا عبادي لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، هذه الجملة تدل على سعة ملك الله ﷿ وعلى كمال غناه ﵎ لو أن الأولين والآخرين، والأنس والجن، قاموا كلهم في صعيد واحد، فسألوا الله ما تبلغه نفوسهم، من أس مسألة وإن عظمت، فأعطي الله كل إنسان ما سأل، بل أعطي الله كل سائل ما سأل، فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيئًا؛ لأن الله جواد، واجد، عظيم الغني، واسع العطاء ﷿.","vol":"2","page":136},{"text":"(إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) . أغمس المخيط في البحر، وانظر؛ ماذا ينقص البحر؟ إنه لا ينقص البحر شيئًا، ولا يأخذ المخيط من البحر شيئًا يمكن أن ينسب إليه، وذلك لأنه ﷿ واسع الغنى، جواد، ماجد، كريم ﷾.\n(يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها، لكم، ثم أوفيكم إياها)، ومعنى (إنما هي أعمالكم) أي الشأن كله أن الإنسان بعمله - يحصى الله أعماله، ثم إذا كان يوم القيامة وفاه إياها. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧، ٨)، (فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)؛ لأنه هو الذي أخطأ، وهو الذي منع نفسه الخير، أما إذا وجد خير فليحمد الله؛ لأن الله تعالى هو الذي من عليه أولًا وأخرًا، من عليه أولًا بالعمل، ثم من عليه ثانيًا بالجزاء الوافر (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) (الأنعام: ١٦٠) .\n\nفهذا الحديث حديث عظيم، تناوله العلماء بالشرح واستنباط الفوائد والأحكام منه، وممن أفرد له مؤلفًا: شيخ الإسلام أبن تيمية ﵀، فإنه شرح هذا الحديث في كتاب مستقل، فعلى الإنسان أن يتدبر هذا الحديث ويتأمله، ولا سيما الجملة الأخيرة منه، وهي أن الإنسان يجزى بعمله، إن خير فخير، وإن شرًا فشر، وهذا هو وجه وضع المؤلف لهذا الحديث في باب المجاهدة، أن الإنسان ينبغي له أن يجاهد نفسه، وأن يعمل الخير حتى يجد ما عند الله خيرًا وأعظم أجرًا. والله الموفق.","vol":"2","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>١٢ - باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر</span>\nقال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) (فاطر: ٣٧)، قال ابن عباس والمحققون: معناه: أو لم نعمركم سنين سنة؟ ويؤيده الحديث الذي سنذكره إن شاء الله تعالى. وقيل: معناه: ثماني عشرة سنة. وقيل: أربعين سنة. قاله الحسن والكلبي ومسروق، ونقل عن ابن عباس أيضًا. ونقلوا: أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة: وقيل هو البلوغ.\n\nوقوله تعالى: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) قال ابن عباس والجمهور: هو النبي ﷺ. وقيل الشيب، وقاله عكرمة، وابن عيينة، وغيرهما. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: (باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر) . اعلم أن المدار على آخر العمر، كما قال النبي ﷺ: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، ولهذا كان من الدعاء المأثور: اللهم اجعل خير عمري آخره،خير عملي خواتمه، وصح عن النبي - عليه الصلاة","vol":"2","page":138},{"text":"والسلام: أن (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا اله دخل الجنة) .\nفالذي ينبغي للإنسان كلما طال به العمر؛ أن يكثر من الأعمال الصالحة، كما أنه ينبغي للشباب أيضًا أن يكثر من الأعمال الصالحة؛ لأن الإنسان لا يدري متى يموت، قد يموت في شبابه، وقد يؤخر موته، لكن لا شك أن من تقدم به السن فهو إلى الموت أقرب من الشاب؛ لأنه أنهى العمر.\nثم ساق المؤلف قول الله تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) (ما): نكرة موصوفة؛ أي أو لم نعمركم عمرًا يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير، وهذا العمر اختلف المفسرين فيه، فقيل: هو ستون سنة، وقيل ثمانية عشر سنة، وقيل أربعون سنة، وقيل البلوغ. والآية عامة، عمروا عمرًا لهم فيه فرصة يتذكر فيه من يتذكر، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، فقد يكون الإنسان يتذكر في أقل من ثمانية عشر سنة، وقد لا يتذكر إلا بعد ذلك، حسب ما يأتيه من النذر والآيات، وما يكون حوله من البيئة الصالحة، أو غير الصالحة.\nالمهم أنه يقال لهم توبيخًا: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) وفي هذا دليل على أنه كلما طال بالإنسان العمر، كان أولى بالتذكر.\nوأما قوله تعالى: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) فالصحيح أن المراد بالنذير:","vol":"2","page":139},{"text":"النبي، وهو اسم جنس يشمل رسول الله ﷺ، ويشمل الرسل الذين من قبله، كلهم نذر - عليهم الصلاة والسلام.\n\nفالواجب على الإنسان أن يحرص في آخر عمره على الإكثار من طاعة الله، ولا سيما ما أوجب الله عليه، وأن يكثر من الاستغفار والحمد، كما قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر: ١٣) . هذه السورة يقال أنها آخر سورة نزلت على النبي ﷺ، وفيها قصة عجيبة.\nنسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة والعاقبة، وأن يجعل خير أعمارنا أواخرها، خير أعمالنا خواتيمها.\n\n* * *\n١١٢ - وأما الأحاديث فالأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة) رواه البخاري.\nقال العلماء: معناه: لم يترك له عذرًا إذ أمهله هذه المدة. يقال: أعذر الرجل: إذا بلغ الغاية في العذر.","vol":"2","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أعذر الله تعالى إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة) . والمعنى أن الله ﷿ إذا عمر الإنسان حتى بلغ ستين سنة فقد أقام عليه الحجة، ونفى عنه العذر؛ لأن ستين سنة يبقى الله الإنسان إليها؛ يعرف من آيات الله ما يعرف، ولاسيما إذا كان ناشئًا في بلد إسلامي، لا شك أن هذا يؤدي إلى قطع حجته إذا لاقى الله ﷿ لأنه لا عذر له، فلو أنه مثلًا قصر في عمره إلى خمس عشرة سنة، أو عشرين سنة، لكان قد يكون له عذر في أنه لم يتمهل ولم يتدبر الآيات، ولكنه إذا أبقاه إلى ستين سنة، فإنه لا عذر له، قد قامت عليه الحجة، مع أن الحجة تقوم على الإنسان من حين أن يبلغ، فإنه يدخل في التكليف ولا يعذر بالجهل، فإن الواجب على المرء أن يتعلم من شريعة الله ما يحتاج إليه، مثلًا: إذا أراد أن يتوضأ لابد أن يعرف كيف يتوضأ، إذا أراد أن يصلي لابد أن يعرف كيف يصلي، إذا صار عنده مال لابد أن يعرف ما مقدار النصاب، وما مقدار الواجب، وما أشبه ذلك، إذا أراد أن يصوم، لابد أن يعرف كيف يصوم، وما هي المفطرات، وإذا أراد أن يحج أو\nيعتمر يجب أن يعرف كيف يحج، وكيف يعتمر، وما هي محظورات الإحرام، إذا كان من الباعة الذين يبيعون ويشترون بالذهب مثلًا، لابد أن يعرف الربا، وأقسام الربا، وما الواجب في بيع الذهب بالذهب، أو بيع الذهب بالفضة، وهكذا إذا","vol":"2","page":141},{"text":"كان ممن يبيع الطعام، لابد أن يعرف كيف يبيع الطعام، ولابد أن يعرف ما هو الغش الذي يمكن أن يكون، وهكذا.\nوالمهم أن الإنسان إذا بلغ لستين سنة فقد قامت عليه الحجة التامة، وليس له عذر، وكل إنسان بحسبه، كل إنسان يجب عليه أن يتعلم من الشريعة ما يحتاج، إليه، في الصلاة والزكاة والصيام والحج والبيوع والأوقاف وغيرها، حسب ما يحتاج إليه.\nوفي هذا الحديث دليل على أن الله ﷾ له الحجة على عباده وذلك أن الله أعطاهم عقولًا، وأعطاهم أفهامًا، وأرسل إليهم رسلًا، وجعل من الرسالات ما هو خالد إلي يوم القيامة، وهي رسالة النبي ﷺ فإن الرسالات السابقة محدودة، حيث إن نبي يبعث إلى قومه خاصة، ومحدودة في الزمن؛ حيث أن كل رسول يأتي بنسخ ما قبله، إذا كانت الأمة التي أرسل إليها الرسولان واحدة.\nأما هذه الأمة فقد أرسل الله إليها محمدًا ﷺ، وجعله خاتم الأنبياء، وجعل آيته العظيمة الباقية هذا القرآن العظيم، فإن آيات الأنبياء تموت بموتهم، ولا تبقى بعد موتهم إلا ذكرى، أما محمد ﷺ فإن آيته هذا القرآن العظيم، باقية إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) (العنكبوت: ٥٠، ٥١)، فالكتاب كاف عن كل آية لمن تدبره، وتعقله، وعرف معانيه، وانتفع بأخباره، واتعظ بقصصه، فإنه يغني عن كل شيء من الآيات.","vol":"2","page":142},{"text":"لكن الذي يجعلنا نحس بهذا الآيات العظيمة، أننا لا نقرأ القرآن على وجه نتدبره، ونتعظ بما فيه. كثير من المسلمين - إن لم يكن أكثر المسلمين - يتلون الكتاب للتبرك والأجر فقط، ولكن الذي يجب أن يكون هو أن نقرأ القرآن لنتدبره ونتعظ بما فيه، (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ)، هذا الأجر (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) هذه هي الثمرة، (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ: ٢٩) . والله الموفق.\n\n* * *\n١١٣ - الثاني عن أبن عباس ﵄ قال: كان عمر ﵁ يدخلني مع أشياع بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! فقال عمر: إنه من حيث علمتم! فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) (النصر: ١)؟ فقال بعضهم: امرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذلك تقول يا أبن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) وذلك علامة أجلك: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر: ٣) فقال عمر ﵁ ما أعلم منها إلا ما تقول. رواه البخاري.","vol":"2","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عبد الله بن عباس﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁كان يدخله في أشياخ بدر وكان من سيره عمر وهديه ﵁ أنه يشاور الناس ذوي الرأي فيما يشكل عليه، كما قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران: ١٥٩)، والشورى الشرعية ليست تكوين مجلس للشورى حتى يكون مشاركًا في الحكم، ولكن الشورى الشرعية أن ولي الأمر إذا أشكل عليه أمر من الأمور، جمع الناس له من ذوي الرأي والأمانة من أجل أن يستشيرهم في القضية الواقعة، فكان من هدي عمر ﵁ ومن سنته المشكورة، وسعيه الحميد أنه يشاور الناس، يجمعهم ليستشيرهم في الأمور الشرعية، والأمور السياسية، وغير ذلك، وكان يدخل مع أشياخ بدر، أي مع كبار الصحابة ﵃ عبد الله بن عباس، وكان صغير السن بالنسبة لهؤلاء، فوجدوا في أنفسهم: كيف يدخ عبد الله بن عباس - رضي اله عنهما - مع أشياخ القوم ولهم أبناء مثله ولا يدخلهم.\n\nفأراد عمرـ ﵁ أن يريهم مكانة عبد الله بن عباس ﵄ من العلم والذكاء والفطنة، فجمعهم ودعاه، فعرض عليهم هذه السورة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، فانقسموا إلى قسمين لما سألهم عنها ما تقولون فيها؟ قسم سكت، وقسم قال: إن الله أمرنا إذا جاء النصر والفتح، أن نستغفر لذنوبنا، وأن نحمده","vol":"2","page":144},{"text":"ونسبح بحمده، ولكن عمر ﵁ أراد أن يعرف ما مغزى هذه السورة، ولم يرد أن يعرف معناها التركيبي من حيث الألفاظ والكلمات.\nفسال ابن عباس ﵄ قال: ما تقول في هذه السورة؟ قال: هو أجل رسول الله ﷺ، يعني علامة قرب أجله، أعطاه الله آية: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) يعني فتح مكة، فإن ذلك علامة أجلك؛ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) فقال: ما أعلم فيها إلا ما علمت، وظهر بذلك فضل عبد الله بن عباس ﵄.\n\nوفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يفطن لمغزى الآيات الكريمة، فإن المعنى الظاهر الذي يفهم من الكلمات والتركيبات؛ هذا أمر قد يكون سهلًا، لكن مغزى الآيات الذي أراده الله تعالى هو الذي قد يخفي على كثير من الناس، ويحتاج إلى فهم يؤتيه الله تعالى من يشاء.\n\nوقوله ﵎: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)، أي سبح الله مصحوبًا بالحمد، فالباء هنا للمصاحبة، وذلك لأنه إذا كان التسبيح مصحوبًا بالحمد فإنه به يتحقق الكمال، لأن الكمال لا يتحقق إلا بانتقاء العيوب، وثبوت صفات الكمال، فانتفاء العيوب مأخوذ من قوله: (فَسَبِّحْ) لأن التسبيح معناه التنزيه عن كل نقص وعيب، وثبوت الكمالات مأخوذ من قوله: (بِحَمْدِ) لأن الحمد هو وصف المحمود بالصفات الكاملة، وليس هو الثناء كما هو مشهور عند كثير من العلماء، إذا قالوا: الحمد هو الثناء على الله بالجميل، وبعضهم يقول: بالجميل الاختياري وما أشبه ذلك، والدليل على ذلك الحديث القدسي، حديث أبي هريرة ﵁ أن","vol":"2","page":145},{"text":"النبي ﷺ قال: (إن الله قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي تصفين، يعني الفاتحة، فإذا قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال: أثنى على عبدي) . ففرق بين الحمد والثناء.\nوالمهم أن الإنسان إذا جمع بين التسبيح والحمد، فقد جمع بين إثبات الكمال لله ونفى النقائض عنه.\n\nأما قوله: (وَاسْتَغْفِرْهُ)، فمعناه: أطلب منه المغفرة، والمغفرة هي التجاوز عن الذنب والستر، يعني: المغفرة تجمع بين الستر الذنب والتجاوز عنه، وذلك من مدلول اشتقاقها، فإنها مأخوذة من المغفر؛ وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب ليقي السهام، فهو واق وساتر.\nوأما قوله: (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)، ففيه أن الله ﷿ موصوف بكثرة التوبة، لقوله: (تَوَّابًا) وهي صيغة مبالغة، لكثرة من يتوب؛ فيتوب الله عليه.\nوالله ﷿ ت تواب على عبده توبة سابقة لتوبته، وتوبة لاحقه لها، كما قال الله تعالى: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) (التوبة: ١١٨)، فالتوبة السابقة: أن يوفق الله العبد للتوبة، والتوبة اللاحقة: أن يقبل الله منه التوبة إذا تاب إليه.","vol":"2","page":146},{"text":"وللتوبة شروط خمسة سبق ذكرها.\nالأول: الإخلاص لله ﷿ في التوبة.\nوالثاني: الندم على ما حصل منه من الذنب.\nوالثالث: الإقلاع عنه في الحال.\nوالخامس: أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه.\n\nوينبغي للإنسان أن يكثر من هذا الذكر في الركوع والسجود: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي) . فإنه جامع بين الذكر والدعاء، وكان النبي ﷺ يكثر أن يقوله في ركوعه وسجوده بعد نزول هذه السورة. والله الموفق.","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>١٣ - باب بيان كثرة طرق الخير</span>\nقال الله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم) (البقرة: ٢١٥)، وقال تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (البقرة: ١٩٧)، وقال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧)، وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ) (الجاثية: ١٥)، والآيات في الباب كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال مؤلف - رحمه الله تعالى ـ: (باب بيان كثرة طرق الخير)، الخير له طرق كثيرة وهذا من فضل الله ﷿ على عباده من أجل أن تتنوع لهم الفضائل والأجور، والثواب الكثير، وأصول هذه الطرق ثلاثة: إما جهد بدني، وإما بذل مالي، وإما مركب من هذا وهذا، هذه أصول طرق الخير. أما الجهد البدني فهو أعمال البدن؛ مثل الصلاة، والصيام، والجهاد، وما أشبه ذلك، وأما البذل المالي فمثل الزكوات، والصدقات، والنفقات، وما أشبه ذلك، وأما المركب فمثل الجهاد فسبيل الله بالسلاح؛ فإنه يكون بالمال ويكون بالنفس، ولكن أنواع هذه الأصول كثيرة جدًا، من أجل أن تتنوع للعباد الطاعات، حتى لا يملوا. لو كان الخير طريقًا واحد لمل الناس من ذلك وسئموا، ولما حصل الابتلاء، ولكن إذا تنوع كان ذلك أرفق بالناس، وأشد في الابتلاء.\nقال الله تعالى في هذا الباب: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨)، وقال","vol":"2","page":148},{"text":"تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (الأنبياء: ٩٠)، وهذا يدل على أن الخيرات ليست خيرًا واحدًا، بل طرق كثيرة.\nثم ذكر المؤلف آيات تشير إلى الخير له طرق، قال تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (البقرة: ١٩٧)، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم) (البقرة: ٢١٥)، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧)، والآيات في هذا كثيرة، تدل على أن الخيرات ليست صنفًا واحدًا، أو فردًا واحدًا، أو جنسًا واحدًا.\nويدل لما قلنا أن من الناس من تجده يألف الصلاة، فتجده كثير الصلوات، ومنهم من يألف قراءة القرآن، فتجده كثيرًا يقرأ القرآن، ومنهم من يألف الذكر، والتسبيح، والتحميد، وما أشبه ذلك، فتجده يفعل ذلك كثيرًا، ومنهم الكريم الطليق اليد الذي يحب بذل المال فتجده دائمًا يتصدق، ودائمًا ينفق على أهله ويوسع عليهم في غير إسراف.\n\nومنهم من يرغب العلم وطلب العلم، الذي هو في وقتنا هذا قد يكون أفضل أعمال البدن؛ لأن الناس في الوقت الحاضر، في عصرنا، هذا محتاجون إلى العلم الشرعي، لغلبة الجهل، وكثرة المتعالمين الذين يدعون أنهم علماء، وليس عندهم من العلم إلا بضاعة مزجاة، فنحن في حاجة إلى طلبة علم، يكون عندهم علم راسخ ثابت مبني على الكتاب والسنة، من أجل أن يردوا هذه الفوضى التي أصبحت منتشرة في القرى والبلدان والمدن؛ كل إنسان عنده حديث أو حديثان عن رسول الله ﷺ يتصدى للفتيا، ويتهاون بها، وكأنه شيخ الإسلام ابن تيمية، أو الإمام","vol":"2","page":149},{"text":"أحمد أو الإمام الشافعي، أو غيرهم من الأئمة، وهذا بنذر بخطر عظيم؛ إن لم يتدارك الله الأمة بعلماء راسخين، عندهم علم قوي وحجة قوية.\nولهذا نرى أن طلب العلم اليوم أفضل الأعمال المتعدية للخلق، أفضل من الصدقة، وأفضل من الجهاد، بل هو جهاد في الحقيقة، لأن الله ﷾ جعله عديلًا للجهاد في سبيل الله، وليس الجهاد الذي يشوبه ما يشوبه من الشبهات، ويشك الناس في صدق نية المجاهدين، لا، الجهاد الحقيقي الذي تعلم علم اليقين أن المجاهدين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، فتجدهم مثلًا يطبقون هذا المبدأ في أنفسهم قبل أن يجاهدوا غيرهم، فالجهاد الحقيقي في سبيل الله: الذي يقاتل فيه المقاتلون لتكون كلمة الله هي العيا يعادله طلب العلم الشرعي، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً)، يعني ما كانوا ليذهبوا إلى الجهاد جميعًا، (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) يعني وقعدت طائفة، وإنما قعدوا (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: ١٢٢)، فجعل الله طلب العلم معادلًا للجهاد في سبيل الله، الجهاد الحق الذي يعلم بقرائن الأحوال وحال المجاهدين أنهم يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا.\nفالمهم أن طرق الخير كثيرة، وأفضلها فيما أرى - بعد الفرائض التي فرضها الله - هو طلب العلم الشرعي، لأننا اليوم في ضرورة إليه، لقد سمعنا وجاءنا استفتاء عن شخص يقول: من صلى في مساجد البلد الفلاني فإنها لا تصح صلاته، لأن الذين تبرعوا لهذه المساجد فيهم كذا،","vol":"2","page":150},{"text":"وكذا ومن صلى على حسب الأذان، فإنه لا تصح صلاته. لماذا؟! لأنه مبني على توقيت وليس على رؤية الشمس، والرسول ﷺ يقول: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر)، أما الآن؛ الأوقات مكتوبة في أوراق، والناس يمشون عليها، هؤلاء كلهم لا تصح صلاتهم، يعني كل المسلمين - على زعمه - لا تصح صلاتهم، وهذه بلبلة.\n\nوالمشكلة أن مثل هذا، يقال: إنه رجل عنده شيء من العلم، لكنه علم الأوراق الذي يعطى الإنسان فيه بطاقة تشهد بأنه متخرج من كذا وكذا، ثم يقول: أنا من، أنا،،!! فالحاصل أنه لابد للأمة الإسلامية من علماء راسخين في العلم، أما أن تبقى الأمور هكذا فوضى، فإنهم على خطر عظيم، ولا يستقيم للناس دين، ولا تطمئن قلوبهم، ويصير كل واحدٍ تحت شجرة يفتي، وكل واحد تحت سقف يفتي، وكل واحد على قمة جبل يفتي، وهذا ليس صحيح، لابد من علماء عندهم علم راسخ ثابت، مبني على الكتاب والسنة، وعلى العقل والحكمة. والله الموفق.\n\n* * *","vol":"2","page":151},{"text":"وأما الأحاديث فكثيرة جدًا وهي غير منحصرة فنذكر، ومنها طرفًا منها:\n١١٧ - الأول: عن أبى ذر جندب بن جنادة ﵁ قال: قلت يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: (الإيمان بالله، والجهاد في سبيله) قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: (أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا)، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق) . قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة على نفسك) متفق عليه.\n\n(الصانع) بالصاد المهملة، هذا هو المشهور، وروي: (ضائعًا) بالمعجمة أي ذا ضياع من فقر أو عيال، ونحو ذلك، و(الأخرق): الذي لا يتقن ما يحاول فعله.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب كثرة الخير، فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أنه سال النبي ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: (الإيمان بالله والجهاد في سبيله) والصحابة ﵃ يسألون النبي ﷺ عن أفضل الأعمال من أجل أن يقوموا بها، وليسوا كمن بعدهم، فإن من بعدهم ربما يسألون عن أفضل الأعمال، ولكن لا يعملون. أما الصحابة فإنهم يعملون، فهذا ابن مسعود - رضي اله عنه - سأل النبي ﷺ:","vol":"2","page":152},{"text":"أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) . قلت ثم أي؟ قال (بر الوالدين) . قلت ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) .\n\nوهذا أيضًا أبو ذر يسأل النبي ﷺ عن أفضل الأعمال؛ فبين له النبي ﷺ أن أفضل الأعمال إيمان بالله، وجهاد في سبيله، ثم سأله عن الرقاب: أي الرقاب أفضل؟ والمراد بالرقاب: المماليك، يعني: ما هو الأفضل في إعتاق الرقاب؟ فقال: (أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا) وأنفسها عند أهلها يعني: أحبها عن أهلها، وأكثرها ثمنًا: أي أغلاها ثمنًا، فيجتمع في هذه الرقبة النفاسة، وكثرة الثمن، ومثل هذا لا يبذله إلا الإنسان عنده قوة وإيمان.\nومثال ذلك: إذا كان عند رجل عبيد ومنهم واحد يحبه؛ لأنه قائم بأعماله، ولأنه خفيف النفس، ونافع لسيده، وهو كذلك أيضًا أغلى العبيد عنده ثمنًا، فإذا سألا أيما أفضل؟ أعتق هذا، أو ما بعده، أو ما دونه؟ قلنا أن تعتق هذا، لأن هذا أنفس الرقاب عندك، وأغلاها ثمنًا، وقد قال النبي ﷺ في الرقاب: أغلاها ثمنًا، أنفسها عند أهلها. وهذا كقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: ٩٢) .\nوكان ابن عمر ﵄ إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، اتباعًا لهذا الآية.\n\nوجاء أبو طلحة ﵁ حين نزلت هذه الآية: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ","vol":"2","page":153},{"text":"حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن الله أنزل قوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وأن أحب مالي إلى بيرحاء، وبيرحاء بستان نظيف قريب من مسجد النبي ﷺ، كان النبي ﷺ يأتني إليه، ويشرب من ماء فيه طيب عذب، وهذا يكون غالبًا عند صاحبه، فقال أبو طلحة: وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإني أجعلها صدقة لله ورسوله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال النبي ﷺ: (بخ. بخ) . يعني يتعجب ويقول: (مال رابح، مال رابح) ثم قال: (أرى أن تجعلها في الأقربين)، فقسمها أبو طلحة في قرابته، والشاهد أن الصحابة يتبادرون الخيرات.\nثم سأله أبو ذر: إن لم يجد، يعني رقبة بهذا المعني، أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنًا؟ قال: (تعين صانعًا أو تصنع لأخرق)، يعني: تصنع لإنسان معروفًا، أو تعين أخرق، ما يعرف، فتساعده وتعينه، فهذا أيضًا صدقة ومن الأعمال الصالحة.\nقال: فإن لم أفعل؟ قال: (تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة منك على نفسك) وهذا أدنى ما يكون؛ أن يكف الإنسان شره عن غيره، فيسلم الناس منه، والله الموفق.\n\n* * *","vol":"2","page":154},{"text":"١١٨ - الثاني: عن أبي ذر أيضًا ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقه، وكل تهليله صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) رواه مسلم. (السلامى) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في باب كثرة طرق الخيرات، فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة) السلامى هي العظام، أو مفاصل العظام، يعني أنه يصبح كل يوم على كل واحد من الناس صدقة في كل عضو من أعضائه، في كل مفصل من مفاصله، قالوا: والبدن فيه ثلاثمائة وستون مفصلًا، ما بين صغير وكبير، فيصبح على كل إنسان كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة.\n\nولكن هذا الصدقات ليست صدقات مالية، بل هي عامة، كل أبواب الخير صدقة، كل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، حتى إن النبي ﷺ قال: (إنك إذا أعنت الرجل في دابته وحملته عليها أو رفعت له","vol":"2","page":155},{"text":"عليها متعة فهو صدقة) كل شيء صدقة، قراءة القرآن صدقة، طلب العلم صدقة، وحينئذ تكثر الصدقات، ويمكن أن يأتي الإنسان بما عليه من الصدقات، وهي ثلاثمائة وستون صدقة.\nثم قال: (ويجزى من ذلك)، يعني: عن ذلك (ركعتان يركعهما من الضحى) يعني أنك صليت من الضحى ركعتين؛ أجزأت عن كل الصدقات التي عليك، وهذا من تيسير الله ﷿ على العباد.\nوفي الحديث دليل على أن الصدقة تطلق على ما ليس بمال.\nوفيه أيضًا دليل على أن ركعتي الضحى سنة، سنة كل يوم، لأنه إذا كان كل يوم عليك صدقة على كل عضو من أعضائك، وكانت الركعتان تجزي، فهذا يقضي أن صلاة الضحى سنة كل يوم، من أجل أن تقضي الصدقات التي عليك.\n\nقال أهل العلم: وسنة الضحى يبتدئ وقتها مع ارتفاع الشمس قدر رمح، يعني حوالي ربع إلى ثلث ساعة بعد الطلوع، إلى قبيل الزوال، أي إلى قبل الزوال بعشر دقائق، كل هذا وقت لصلاة الضحى، في أي وقت فيه تصلى ركعتي الضحى، ما بين ارتفاع الشمس قدر رمح إلى وقت الزوال، فإنه يجزي لكن الأفضل أن تكون في آخر الوقت، لقول النبي","vol":"2","page":156},{"text":"ﷺ: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، يعني حين تقوم الفصال من الرمضاء لشدة حرارتها؛ ولهذا قال العلماء: إن تأخير ركعتي الضحى إلى آخر الوقت أفضل من تقديمها، كما كان النبي ﷺ يستحب أن تؤخر صلاة العشاء إلى آخر الوقت، إلا مع المشقة.\nفالحاصل أن الإنسان قد فتح الله له أبواب طرق الخير كثيرة، وكل شيء يفعله الإنسان من هذه الطرق، فإن الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. والله الموفق.\n\n* * *\n١١٩ - الثالث: عنه قال: قال النبي ﷺ: (عرضت علي أعمال أمتي، حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن) رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها) عرضت علي: يعني بلغت عنها، وبينت لي، والذي بينها له هو الله ﷿ لأن الله ﷾ هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، فعرض الله ﷿ على نبينا محمد ﷺ المحاسن والمساوئ من أعمال الأمة، فوجد من","vol":"2","page":157},{"text":"محاسنها: الأذى يماط عن الطريق، ويماط: يعني يزال، والأذى ما يؤذي المارة؛ من شوك، وأعواد، وأحجار، وزجاج، وأرواث، وغير ذلك. كل ما يؤذي فإماطته من محاسن الأعمال.\nوقد بين النبي ﵊ أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فهو من محاسن الأعمال، وفيه ثواب الصدقة، وبين النبي ﷺ: أن (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فإذا وجدت في الطريق أذى فأماطته؛ فإن ذلك من محاسن أعمالك، وهو صدقة لك، وهو من خصال الإيمان وشعب الإيمان.\n\nوإذا كان هذا من المحاسن ومن الصدقات، فإن وضع الأذى في طريق المسلمين من مساوئ الأعمال، فهؤلاء الناس الذين يلقون القشور في الأسواق، في ممرات الناس؛ لاشك أنهم إذا آذوا المسلمين فإنهم مأزورون، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (الأحزاب: ٥٨) قال العلماء: لو زلق به حيوان أو إنسان فانكسر، فعلى من وضعه ضمانه، يضمنه بالدية أو بما دون الدية إذ كان لا يحتمل الدية، المهم أن هذا من أذية المسلمين.\nومن ذلك أيضًا ما يفعله بعض الناس من إراقة المياه في الأسواق","vol":"2","page":158},{"text":"فتؤذي الناس، وربما السيارات من عندها، فتفسد على الإنسان ثيابه، وربما يكون فيها فساد لا شك للإسفلت؛ لأن الإسفلت كلما أتى عليه الماء وتكرر؛ فإنه يذوب ويفسد.\n\nفالمهم أننا - مع الأسف الشديد ونحن أمة مسلمة - لا تبالي بهذه الأمور، وكأنها لا شيء، يلقى الإنسان الأذى في الأسواق، ولا يهتم بذلك، يكسر الزجاجات في الأسواق، ولا يهتم بذلك، الأعواد يلقيها؛ لا يهتم بذلك، حجر يضعه لا يهتم بذلك، إذن يستحب لنا كلما رأينا ما يؤذي أن نزيله عن الطريق؛ لأن ذلك صدقة، ومن محاسن الأعمال.\nثم قال: (ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن) النخاعة يعني النخامة، وسميت بذلك لأنها تخرج من النخاع، النخامة تكون في المسجد لا تدفن؛ لأن المسجد في عهد الرسول ﷺ مفروش بالحصباء، بالحصى الصغار، فالنخامة تدفن في التراب، أما عندنا الآن فليس هناك تراب، ولكن إذا وجدت فإنها تحك بالمنديل حتى تذهب، واعلم أن النخامة في المسجد حرام، فمن تنخع في المسجد فقد أثم، لقول النبي ﷺ: (البصاق في المسجد خطيئة) فأثبت النبي ﷺ أنها خطيئة وكفارتها دفنها، يعني إذا فعلها الإنسان وأراد أن يتوب فليدفنها، لكن في عهدنا: فليحكها بمنديل أو نحوه حتى تزول.\nوإذا كانت هذه النخاعة، فما بالك بما هو أعظم منها، مثل ما كان فيما مضى، حيث يدخل الإنسان المسجد بحذائه ولم يقلبها ويفتش فيها، ويكون فيها الروث الذي ينزل إلى المسجد، فيتلوث به فأنت اعتبر","vol":"2","page":159},{"text":"بالنخامة، ما هو مثلها في أذية المسجد، أو أعظم منها ومن ذلك أيضًا أن بعض الناس تكون معه المناديل الخفيفة، ثم يتنخع فيها ويرمي بها في أرض المسجد، هذا أذى، ولا شك أن النفوس تتقزز إذا رأت مثل ذلك، فكيف إذا كان ذلك في بيت من بيوت الله، فإذا تنخعت في منديل، فضعه في جيبك، حتى تخرج فترمي به فيما أعد لذلك، على ألا تؤذي به أحدًا. والله الموفق.\n\n* * *\n\n١٢٠ - الرابع: عنه: أن ناسًا قالوا يا رسول الله: ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: (أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحه صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة) قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم.\n\n(الدثور) بالثاء المثلثة: الأموال، وأحدها دثر.","vol":"2","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يعني استأثروا بالأجور وأخذوها عنا، وأهل الدثور: يعني أهل الأموال؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم؛ يعني: فنحن وهم سواء في الصلاة وفي الصيام، ولكنهم يفضلوننا بالتصدق بفضول أموالهم، أي بما أعطاهم الله تعالى من فضل المال؛ يعني: ولا نتصدق.\nوهذا كما جاء في الحديث الآخر عن فقراء المهاجرين، قالوا: ويعتقون ولا نعتق. فانظر إلى الهمم العالية من الصحابة ﵃؛ يغبطون إخوانهم بما أنعم الله عليهم من الأموال التي يتصدقون بها ويعتقون منها، وليسوا يقولون: عندهم فضول أموال؛ يركبون بها المراكب الفخمة، ويسكنون القصور المشيدة، ويلبسون الثياب الجميلة؛ ذلك لأنهم قوم يريدون ما هو خير وأبقى، وهو الآخرة، قال الله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى: ١٦، ١٧)، وقال الله تعالى لنبيه صلى اله عليه وسلم: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى: ٤) .\nفهم اشتكوا إلى الرسول ﵊ شكوى غبطة، لا شكوى حسد، ولا اعتراض على الله ﷿ ولكن يطلبون فضلًا يتميزون به عمن أغناهم الله؛ فتصدقوا بفضول أموالهم.\n\nفقال النبي ﷺ: (أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟!) يعني إذا","vol":"2","page":161},{"text":"فاتتكم الصدقة بالمال، فهناك الصدقة بالأعمال الصالحة: (إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة)، وقد سبق الكلام على الأربع الأولى فيما سبق.\nأما قوله ﷺ: (أمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة) فإن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أفضل الصدقات؛ لأن هذا هو الذي فضل الله به هذه الأمة على غيرها، فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: ١١٠)، ولكن لابد للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من شروط:\nالشرط الأول: أن يكون الأمر والناهي عالمًا بحكم الشرع، فإن كان جاهلًا فإنه لا يجوز أن يتكلم؛ لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يأمر بما يعتقد الناس أنه شرع الله - وليس له أن يتكلم في شرع الله بما لا يعلم؛ لأن الله حرم ذلك بنص القرآن، فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) .\nفمن منكرات الأمور: أن يتكلم الإنسان عن شيء يقول إنه معروف، وهولا يدري أنه معروف، أو يقول: إنه منكر، وهو لا يدري أنه منكر.\nالشرط الثاني: أن يكون عالمًا بأن المخاطب قد ترك المأمور أو فعل المحظور، فإن كان لا يدري ' فإنه لا يجوز له أن يفعل؛ لأنه حينئذ يكون","vol":"2","page":162},{"text":"قد قفا ما ليس له به علم، وقد قال الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (الإسراء: ٣٦) .\n\nيوجد بعض الناس الذين عندهم غيرة، وحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ يتسرع فينكر من غير أن يعلم الحال التي عليها المخاطب. فمثلًا يجد إنسانًا معه امرأة في السوق، فيتكلم في ذلك مع الرجل: لماذا تمشي مع المرأة؟ وهو لا يدري أنه محرم لها. هذا خطأ عظيم، إذا كنت في شك فسأله قبل أن تتكلم. أما إذا لم تكن هناك قرائن توجب الشك في هذا الرجل فلا تتكلم. ما أكثر الناس الذين يصطحبون نساءهم في الأسواق. وانظر إلى حال النبي - عليه الصلاة السلام - كيف يعامل الناس في هذه المسألة.\nدخل رجل يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فجلس، فقال له النبي ﷺ: (أصليت؟) قال: لا. قال: (قم فصل ركعتين وتجوز فيهما) . ما قال له: لماذا تقعد؟ لأن الإنسان إذا دخل المسجد ينهى أن يجلس قبل أن يصلي ركعتين، ففي أي وقت تدخل المسجد، في الصباح، في المساء، بعد العصر، بعد المغرب، بعد الفجر؛ لا تجلس حتى تصلي ركعتين، فهذا الرجل جاء وجلس، لكن هناك احتمال أنه صلى قبل أن يجلس، والنبي ﷺ لم يره، ولهذا قال له: (أصليت؟) قال: لا. قال: (قم فصل","vol":"2","page":163},{"text":"ركعتين وتجوز فيهما) يعني خفف. فهنا لم يأمره أن يقوم فيصلي حتى سأله، وهذه هي الحكمة.\nالشرط الثالث: من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ألا يترتب على النهي عن المنكر ما هو أنكر منه، فإن ترتب على ذلك ما هو أنكر منه فإنه لا يجوز، من باب درء أعلى المفسدتين بأدناهما\n\nفلو فرض أن شخصًا وجدناه على منكر كأن يشرب الدخان مثلًا، ولو نهيناه عن شرب الدخان ذهب يشرب الخمر، فإننا لا ننهاه؛ إذ كنا نعلم أن هذا الرجل سيقدم على ما هو أعظم؛ فإننا لا ننهاه عن شرب الدخان عندئذ. لماذا؟ لأن شرب الدخان أهون من شرب الخمر، ودليل هذه المسألة قول الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: ١٠٨)، فسب آلهة المشركين مصلحة مشروعة، لكن إذا ترتب عليها سب الله ﷿ وهو أهل للثناء والمجد، فإنه ينهى عنه. لهذا قال الرسول ﵊: (لعن الله من لعن والديه)، وقال ﷺ: (من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: (نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) .\nفالحاصل: أنه لابد ألا يتضمن الإنكار ما هو أنكر من المنكر؛ درءًا","vol":"2","page":164},{"text":"لأعلى المفسدتين بأدناهما.\n\nثم إنه يجب على الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر أن ينوي بهذا إصلاح الخلق. لا الانتصار عليهم، لأن من الناس من يأمر بالمعروف أو ينهي عن المنكر لينفذ سلطته وينتصر لنفسه، وهذا نقص كبير. قد يحصل فيه خير من جهة درء المنكر وفعل المعرف، ولكنه نقص كبير فأنت إذا أمرت بالمعروف، أو نهيت عن المنكر، فانو بقلبك أنك تريد إصلاح الخلق، لا أنك تتسلط عليهم، وتنتصر عليهم، حتى تؤجر، ويجعل الله في أمرك ونهيك بركة. والله المستعان.\nثم قال النبي ﷺ: (وفي بضع أحدكم صدقة) يعني أن الرجل إذا أتى امرأته، فإن ذلك صدقة، قالوا يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟) يعني لو زنى ووضع الشهوة في الحرام، هل يكون عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: (فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) والحمد لله. ومعنى ذلك: أن الرجل إذا استغنى بالحلال عن الحرام، كان له بهذا الاستغناء أجر.\nومن ذلك أيضًا: إذا أكل الإنسان طعامًا، فإنه ينال شهوته بالأكل والشرب، ومع ذلك - لكونه يستغني به عن الحرام - فإنه يكتب له به أجر.\n\nولهذا قال النبي ﵊ لسعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في فم","vol":"2","page":165},{"text":"امرأتك)، مع أن ما يجعله الإنسان في فم امرأته أمر لابد منه، إذ إن المرأة تقول: أنفق علي أو طلقني، وتخصمه في ذلك، تغلبه إذا لم ينفق، مع قدرته على الإنفاق، فلها الحق في أن تفسخ النكاح. ومع ذلك إذا أنفق عليها ينبغي بذلك وجه الله، فإن الله تعالى يؤجره على ذلك.\nوفي حديث أبي ذر ﵁ تنبيه على ما يسميه الفقهاء قياس العكس: وهو إثبات نقص حكم الأصل في ضد الأصل لمفارقة العلة فهنا العلة في كون الإنسان يؤخر إذا أتى أهله، هو أنه وضع شهوته في حلال، نقيض هذه العلة: إذا وضع شهوته في حرام، فإنه يعاقب على ذلك، وهذا هو ما يسمى عند العلماء بقياس العكس، لأن القياس أنواع قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه، وقياس عكس. والله الموفق.\n\n١٢٣ - السابع: عنه عن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح) متفق عليه.\n(النزل): القوت والرزق وما يهيأ للضيف.\n\n١٢٤ - الثامن: عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (يا نساء المسلمات لا تحقرن","vol":"2","page":166},{"text":"جارة لجارتها ولو فرسن شاة) متفق عليه.\nقال الجوهري: الفرسن من البعير: كالحافر من الدابة، قال: ربما استعير في الشاة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديثان اللذان نقلهما المؤلف ﵀ عن أبي هريرة رضي اله عنه - عن النبي ﷺ.\nأما الأول: فهو أنه ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح)، غدا: يعني ذهب غدوة، أي ذهب أول النهار، وذلك مثل أن يذهب إلى المسجد لصلاة الفجر. (أو راح): الرواح يطلق على بعد الزوال، مثل الذهاب إلى صلاة الظهر أو العصر، وقد يطلق الرواح على مجرد الذهاب، كما في قول النبي ﵊ في حديث أبي هريرة: (من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى..) إلى آخر الحديث فإن معنى راح في الساعة الأولى: أي ذهب إلى المسجد في الساعة الأولى، لكن إذا ذكرت الغدوة مع الرواح، صارت الغدوة أو النهار، والرواح آخر النهار.\nوظاهر الحديث أن من غدا إلى المسجد أو راح، سواء غداء للصلاة،","vol":"2","page":167},{"text":"أو لطلب علم، أو لغير ذلك من مقاصد الخير، أن الله يكتب له الجنة نزلًا، والنزل: ما يقدم للضيف من طعام ونحوه على وجه الإكرام، أي أن الله تعالى يعد لهذا الرجل الذي ذهب إلى المسجد صباحًا أو مساءً، يعد له في الجنة نزلًا إكرامًا له.\nففي هذا الحديث إثبات هذا الجزاء العظيم لمن ذهب إلى المسجد أو النهار أو آخره. وفيه بيان فضل الله ﷿ على العبد، حيث يعطيه على مثل هذه الأعمال اليسيرة هذا الثواب الجزيل.\nوأما حديثه الثاني: فهو قول النبي ﷺ: (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)، يعني أن الرسول ﵊ في هذا الحديث حث على الهدية للجار ولو شيئًا قليلًا، قال: (ولو فرسن شاة) الفرسن ما يكون في ظلف الشاة، وهو شيء بسيط زهيد كأن النبي ﵊ يقول: لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو قل.\n\nوقد جاء عنه ﵊ أنه قال: (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) . حتى المرق إذا أعطيته جيرانك هدية، فإنك تثاب على ذلك. كذلك أيضًا: (لا تحقرن شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) فإن هذا من المعروف. إذا لم تلق أخاك بوجه عبوس مكفهر، بل بوجه منطلق منشرح، فإن هذا من الخير ومن المعروف، لأن أخاك إذا واجهته بهذه المواجهة يدخل عليه السرور ويفرح، وكل شيء يدخل","vol":"2","page":168},{"text":"السرور على أخيك المسلم؛ فإنه خير وأجر، كل شيء تغيظ به الكافر فإنه خير وأجر. قال الله تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِح) (التوبة: ١٢٠) .\n\n* * *\n١٢٥ - التاسع عنه عن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه.\n(البضع) من ثلاثة إلى تسعة بكسر الباء وقد تفتح. (والشعبة): القطعة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث بين فيه الرسول ﵊ أن الإيمان ليس خصلة واحدة، أو شعبة واحدة، ولكنه شعب كثيرة؛ بضع وسبعون، يعني من ثلاث وسبعين إلى تسع وسبعين، أو بضع وستون شعبة، ولكن أفضها كلمة واحدة: وهي لا إله إلا الله، هذه الكلمة لو وزنت بها السماوات والأرض لرجحت بها، لأنها كلمة الإخلاص، وكلمة التوحيد، الكلمة التي سأل الله أن يختم لي ولكم بها، من كانت آخر كلامه من الدنيا دخل","vol":"2","page":169},{"text":"الجنة. هذه الكلمة هي أفضل شعب الإيمان، (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، يعني إزالة الأذى عن الطريق، وهو كل ما يؤذي المارين، من حجر، أو شوك، أو زجاج، أو خرق، أو غير ذلك، كل ما يؤذي المارين إذا أزلته فإن ذلك من الإيمان.\n(والحياء شعبة من الإيمان) وفي حديث آخر: (الحياء من الإيمان) . والحياء: حالة نفسية تعتري الإنسان عند فعل ما يخجل منه، وهي صفة حميدة كانت خلق النبي ﵊ فكان من خلقه ﵊ الحياء، حتى أنه كان أكثر حياء من العذراء في خدرها ﵊ إلا أنه لا يستحي من الحق.\nفالحياء صفة محمودة، لكن الحق لا يستحي منه، فإن الله يقول: (وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) (الأحزاب: ٥٣)، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) (البقرة: ٢٦) الحق لا يستحي منه، ولكن ما سوى الحق فإن من الأخلاق الحميدة أن تكون حييًا، ضد ذلك من لا يستحي، فلا يبالي بما فعل، ولا يبالي بما قال. ولهذا جاء في الحديث: (إن مما أردك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) . والله الموفق.\n\n* * *","vol":"2","page":170},{"text":"١٢٦ - العاشر: عنه أن رسول الله ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه، حتى رقى فسقى الكلب، فشكر له، فغفر له قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرًا فقال في كل كبدٍ رطبةٍ أجر) متفق عليه.\nوفي رواية للبخاري: (فشكر الله له، فغفر له، فأدخله الجنة) .\n\nوفي روايى لهما: (بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاسقت له به، فسقته فغفر لها به) .\n(الموق): الخف. و(يطيف) يدور حول (ركية) وهي البئر.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمة الله تعالى - في باب كثرة طرق الخيرات هذه القصة الغريبة التي رواها أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، أنه بينا رجل يمشي في الطريق مسافرًا، أصابه العطش، فنزل بئرًا فشرب منها، وانتهى عطشه، فلما خرج، وإذا بكلب يأكل الثرى من العطش، يعني: يأكل الطين المبتل الرطب، يأكله من العطش، من أجل أن يمص ما فيه من","vol":"2","page":171},{"text":"الماء، من شدة عطشه، فقال الرجل: والله لقد أصاب الكلب من العطش ما أصابني، أو بلغ بهذا الكلب من العطش ما يلغي بي، ثم نزل البئر وملأ خفه ماء. الخف: ما يلبس على الرجل من جلود ونحوها، فملأه ماء فأمسكه بفيه، وجعل يصعد بيديه، حتى صعد من البئر، فسقى الكلب، فلما سقى الكلب شكر الله له ذلك العمل، وغفر له، وأدخله الجنة بسببه.\n\nوهذا مصداق قول النبي ﵊: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)، عمل يسير شكر الله به عامل هذا العمل، وغفر له الذنوب، وأدخله الجنة.\nولما حدث ﷺ الصحابة بهذا الحديث، وكانوا ﵃أشد الناس حرصًا على العلم، لا من أجل أن يعلموا فقط، لكن من أجل أن يعلموا فيعملوا. سألوا النبي ﵊ قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: (في كل ذات كبدٍ رطبةٍ أجر)؛ لأن هذا كلب من البهائم، فكيف يكون لهذا الرجل الذي سقاه هذا الأجر العظيم؟ هل لنا في البهائم من أجر؟ قال: (في كل ذات كبد رطبة أجر) الكبد الرطبة تحتاج إلى الماء؛ لأنه لولا الماء ليبست وهلك الحيوان.","vol":"2","page":172},{"text":"إذن نأخذ من هذه قاعدة، وهي أن الرسول ﵊ إذا قص علينا قصة من بني إسرائيل فذلك من أجل أن نعتبر بها، وأن نأخذ منها عبرة، وهذا كما قال الله ﷿: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: ١١١) .\n\nوفي رواية أخرى، ولعلها قصة أخرى، أن امرأة بغيًا من بغايا بني إسرائيل، يعني أنها تمارس الزنى - والعياذ بالله - رأت كلبًا يطوف بركية، يعني يدور عليها عطشان، لكن لا يمكن أن يصل إلى الماء؛ لأنها ركية بئر، فنزعت موقها - يعني الخف الذي تلبسه - استقت له به من هذا البئر، فغفر الله لها.\n\nفدل هذا على أن البهائم فيها أجر. كل بهيمة أحسنت لها بسقي، أو إطعام، أو وقاية من حر، أو وقاية من برد، سواء كانت لك أو لغيرك من بني آدم، أو كانت من السوائب، فإن لك في ذلك أجرًا عند الله ﷿ هذا وهن بهائم؛ فكيف بالآدميين؟ إذا أحسنت إلى الآدميين كان أشد وأكثر أجرًا. ولهذا قال النبي ﵊ (من سقى مسلمًا على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم)، يعني لو كان ولدك الصغير وقف عند البرادة يقول لك: أريد ماء، وأسقيته وهو ظمآن، فقد سقيت مسلمًا على ظمأ، فإن الله يسقيك من الرحيق المختوم. أجر كثير، ولله الحمد، غنائم","vol":"2","page":173},{"text":"ولكن أين القابل لهذه الغنائم؟ أين الذي يخلص النية، ويحتسب الأجر على الله ﷿؟ فأوصيك يا أخي ونفسي لأن تحرص دائمًا على اغتنام الأعمال بالنية الصالحة حتى تكون لك عند الله ذخرًا يوم القيامة، فكم من عمل صغيرًا أصبح بالنية كبيرًا! وكم من عمل كبير أصبح بالغفلة صغيرًا!\n\n* * *\n١٢٧ - الحادي عشر: عنه عن النبي ﷺ قال: (لقد أريت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة","vol":"2","page":174},{"text":"قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين) . رواه مسلم.\nوفي رواية: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة) .\nوفي رواية لهما: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لقد أريت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين) . وفي الرواية الأخرى: أنه دخل الجنة، وغفر الله له بسبب غصن أزاله عن طريق المسلمين، وسواء كان هذا الغصن من فوق، يؤذيهم من عند رؤوسهم، أو من أسفل يؤذيهم من جهة أرجلهم. المهم أنه غصن شوك يؤذي المسلمين فأزاله عن الطريق، أبعده ونحاه، فشكر الله له ذلك، وأدخله الجنة، مع أن هذا الغصن إذا آذى المسلمين فإنما يؤذيهم في أبدانهم، ومع ذلك غفر الله لهذا الرجل، وأدخله الجنة. ففيه دليل على فضيلة إزالة الأذى عن الطريق، وأنه سبب لدخول الجنة.\n\nوفيه أيضًا دليل على أن الجنة موجودة الآن؛ لأن النبي ﷺ رأى هذا الرجل يتقلب فيها، وهذا أمر دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الجنة موجودة الآن، ولهذا قال الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣)، أعدت: يعني هيئت. وهذا دليل على أنها موجودة الآن، كما أن النار أيضًا موجودة الآن، ولا تفنيان أبدًا. خلقهما الله ﷿ للبقاء، لا فناء لهما، ومن دخلهما لا يفنى أيضًا، فمن كان من أهل الجنة بقى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبد الآبدين. ومن كان من أهل النار من الكفار دخلها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا الآبدين.\nوهذا الحديث دليل على أن من أزال عن المسلمين الأذى فله هذا الثواب العظيم في أمر حسيً، فكيف بالأمر المعنوي؟ هناك بعض الناس - والعياذ بالله - أهل شر وبلاء، وأفكار خبيثة، وأخلاق سيئة، يصدون الناس","vol":"2","page":175},{"text":"عن دين الله، فإزالة هؤلاء عن طريق المسلمين أفضل بكثير وأعظم أجرًا عند الله. فإذا أزيل أذى هؤلاء، إذا كانوا أصحاب أفكار خبيثة سيئة إلحادية، يرد عليها، وتبطل أفكارهم.\n\nفإن لم يجد ذلك شيئًا قطعت أعناقهم، لأن الله يقول في كتابه العزيز: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣)، و(أو) هنا قال بعض العلماء: إنها للتنويع، يعني أنهم يقتلون ويصلبون وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وينفوا من الأرض حسب جريمتهم.\n\nوقال بعض أهل العلم: بل إن (أو) هنا للتخيير، أي أن ولي الأمر مخير: أن شاء قتلهم وصلبهم، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن شاء نفاهم من الأرض، حسب ما يرى فيه المصلحة، وهذا القول قول جيد جدًا؛ اعني أن تكون (أو) هنا للتخيير لأنه ربما يكون هذا الإنسان جرمه ظاهر سهل، ولكنه على المدى البعيد يكون صعبًا، ويكون مضلًا للأمة. فهنا مثلًا هل نقول لولي الأمر أن جرم هذا الإنسان سهل. أنفه من الأرض، أطرده يكفي، أو اقطع يده اليمنى ورجله اليسرى يكفي، قد يقول لا يكفي؛ هذا أمر يخشى منه في المستقبل، هذا لا يكفي المسلمين شره إلا أن أقتله؛ نقول: نعم لك ذلك. فكون (أو) هنا للتخيير أقرب للصواب من كونها تنزل على حسب الجريمة.\nوالواجب على ولاة الأمور أن يزيلوا الأذى عن طريق المسلمين، أي","vol":"2","page":176},{"text":"أن يزيلوا كل داعية إلى شر، أو إلى إلحاد، أو إلى مجون، أو إلى فسوق بحيث يمنع من نشر ما يريد من أي شيء كان من الشر والفساد، وهذا هو الواجب.\n\nولكن لا شك أن ولاة الأمور الذين ولاهم الله على المسلمين في بعضهم تقصير، وفي بعضهم تهاون. يتهاونون بالأمر في أوله حتى ينمو ويزداد، وحينئذ يعجزون عن صده. فالواجب أن يقابل الشر من أول أمره بقطع دابره، حتى لا ينتشر ولا يضل الناس به.\nالمهم أن إزالة الأذى عن الطريق، والطريق الحسي، طريق الأقدام، والطريق المعنوي، طريق القلوب، والعمل على إزالة الأذى عن هذا الطريق كله مما يقرب إلى الله. وإزالة الأذى عن طريق القلوب، والعمل الصالح أعظم أجرًا، وأشد إلحاحًا من إزالة الأذى عن طريق الأقدام. والله الموفق.\n\n* * *\n١٢٨ - الثاني عشر: عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا) رواه مسلم.","vol":"2","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n في هذا الحديث دليل على أن الحضور إلى الجمعة بعد أن يحسن الإنسان وضوءه، ثم يستمع إلى الخطيب وهو يخطب، وينصت، فإنه يغفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وفضل ثلاثة أيام، وهذا عمل يسير ليس فيه مشقة على الإنسان؛ أن يتوضأ ويحضر إلى الجمعة ن وينصت لخطبة الإمام حتى يفرغ.\nوقوله في هذا الحديث (من توضأ) لا يعارض ما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فإن هذا الحديث الثاني فيه زيادة على الحديث الأول، فيؤخذ بها. كما أنه أيضًا أصح منه. فإنه أخرجه الأئمة السبعة، وهذا لم يخرجه إلا مسلم، فيجب أولًا على من أراد حضور الجمعة أن يغتسل وجوبًا، فإن لم يفعل كان آثمًا، ولكن الجمعة تصح، لأن هذا الغسل ليس عن جنابة حتى نقول أن الجمعة لا تصح؛ بل هو غسل واجب كغيره من الوجبات، إذا تركه الإنسان أثم وإن فعله أثيب.\n\nويدل على أنه ليس شرطًا لصحة الصلاة وإنما هو واجب؛ أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ دخل ذات يوم وأمير المؤمنين","vol":"2","page":178},{"text":"عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال أمير المؤمنين عمر: لماذا تأخرت؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت، يعني كأنه شغل ﵁ ولم يتمكن من الحضور مبتكرًا. فقال عمر - وهو على المنبر والناس يسمعون - قال الأمير المؤمنين عثمان: والوضوء أيضًا، وقد قال النبي ﷺ: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) يعني كيف تقتصر على الوضوء؛ وقد قال النبي ﷺ: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فأمر من أتى الجمعة بالاغتسال؟! ولكن لم يقل له اذهب فاغتسل، لأنه لو ذهب واغتسل، فربما تفوته الجمعة التي من أجلها وجب الغسل فيضيع الأصل إلى الفرع.\nفالحاصل أن هذا الحديث الذي ساقه المؤلف، وإن كان يدل على عدم وجوب الاغتسال؛ لكن هناك أحاديث أخرى تدل على وجوب الاغتسال.\nوفي هذا الحديث دليل على فضيلة الاستماع إلى الخطبة، والإنصات، والاستماع: أن يرعاها سمعه، والإنصات: ألا يتكلم، هذا الفرق بينهما. فيستمع الإنسان ويتابع بسمعه كلام الخطيب، ولا يتكلم. وقد ثبت عن النبي ﵊: أن (من يتكلم يوم الجمعة والأمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارًا) والحمار أبلد الحيوانات،","vol":"2","page":179},{"text":"يحمل أسفارًا - يعني كتبًا - ولكنه لا ينتفع بالكتب إذا حملها؟ ووجه الشبه بينهما أن هذا الذي حضر لم ينتفع بالخطبة لأنه تكلم، وقال ﷺ: (والذي يقول له: أنصت - يعني يسكته - فقد لغا) ومعنى لغا أي فاته أجر الجمعة، فالمسألة خطيرة.\nولهذا قال هنا: (ومن مس الحصى فقد لغا) وقد كان في عهد الرسول ﷺ يفرش المسجد بالحصبة، وهي الحصى الصغار مثل العدس، أو أكبر قليلًا، أو أقل، يفرش بها الفرش التي نفرشها الآن، فكان بعض الناس ربما يعبث بالحصى، يحركها بيده، أو يمسحها بيده، أو ما أشبه ذلك، فقال ﷺ (من مس الحصى فقد لغا) لأن مس الحصى يلهيه عن الاستماع للخطبة، ومن لغا فلا جمعة له، يعني يحرم ثواب الجمعة التي فضلت بها هذه الأمة على غيرها.\nوإذا كان هذا في مس الحصى، فكذلك أيضًا الذي يعبث بغير مس الحصى، الذي يعبث بتحريك القلم، أو الساعة، أو المروحة التي يحركها ويلفها دون حاجة، أو الذي يعبث بالسواك، يريد أن يتسوك والإمام يخطب إلا لحاجة، كأن يأتيه النوم أو النعاس؛ فأخذ يتسوك ليطرد النعاس عنه؛ فهذا لا بأس به، لأنه لمصلحة استماع الخطبة، وقد سئلنا عن الرجل يكتب ما يستمعه في الخطبة؛ لأن بعض الناس ينسى فيقول: أنا كلما مرت","vol":"2","page":180},{"text":"على جملة مفيدة أكتبها، هل يجوز أم لا؟ فالظاهر أنه لا يجوز، لأن هذا إذا اشتغل بالكتابة تلهى عما يأتي بعدها، لأن الإنسان ليس له قلبان. فإذا كان يشتغل بالكتابة تلهى عما يقوله الخطيب أثناء كتابته لما سبق، ولكن الحمد لله، الآن قد جعل الله للناس ما يرحهم، حيث جاءت هذه المسجلات. فبإمكانك أن تحضر المسجل تسجل الخطبة في راحة، وتستمع إليها في بيتك، أو في سيارتك، على أي وضع كنت. والله الموفق.\n\n* * *\n\n١٢٩ - الثالث عشر: عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن، فغسل وجهه، وخرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع أخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع أخر قطر الماء حتى يخرج نقيًا من الذنوب) رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ في فضائل الوضوء الذي أمر الله به في كتابه، في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: ٦) .","vol":"2","page":181},{"text":"هذا الوضوء تطهر فيه الأعضاء الأربعة؛ الوجه، اليدان، والرأس، والرجلان، وهذا التطهير يكون تطهيرًا حسيًا، ويكون تطهيرًا معنويًا. أما كونه تطهيرًا حسيًا فظاهر؛ لأن الإنسان يغسل وجهه، ويديه، ورجليه، ويمسح الرأس، وكان الرأس بصدد أن يغسل كما تغسل بقية الأعضاء، ولكن الله خفف في الرأس؛ ولأن الرأس يكون فيه الشعر، والرأس هو أعلى البدن، فلو غسل الرأس ولا سيما إذا كان فيه الشعر؛ لكان في هذه مشقة على الناس، ولا سيما في أيام الشتاء، ولكن من رحمة الله ﷿ أن جعل فرض الرأس المسح فقط، فإذا توضأ الإنسان لا شك أنه يطهر أعضاء الوضوء تطهيرًا حسيًا، وهو يدل على كمال الإسلام؛ حيث فرض على معتنقيه أن يطهروا هذه الأعضاء التي هي غالبًا ظاهرة بارزة.\nأما الطهارة المعنوية، وهي التي ينبغي أن يقصدها المسلم، فهي تطهيره من الذنوب، فإذا غسل وجهه، خرجت كل خطايا نظر إليها بعينه، وذكر العين - والله أعلم - إنما هو على سبيل التمثيل، وإلا فالأنف قد يخطئ، والفم قد يخطئ؛ فقد يتكلم الإنسان بكلام حرام، وقد يشم أشياء ليس له حق يشمها، ولكن ذكر العين؛ لأن أكثر ما يكون الخطأ في النظر.\nفلذلك إذا غسل الإنسان وجهه بالوضوء خرجت خطايا عينيه، فإذا غسل يديه خرجت خطايا يديه، فإذا غسل رجليه خرجت خطايا رجليه، حتى يكون نقيًا من الذنوب. ولهذا قال الله تعالى حين ذكر الوضوء","vol":"2","page":182},{"text":"والغسل والتيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ)، يعني ظاهرًا وباطنًا، حسًا ومعنى، (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: ٦)، فينبغي للإنسان إذا توضأ أن يستشعر هذا المعنى، أي أن وضوءه يكون تكفيرًا لخطيئاته، حتى يكون بهذا الوضوء محتسبًا الأجر على الله ﷿ والله الموفق.\n\n* * *\n\n١٣٠ - الرابع عشر: عنه عن رسول الله ﷺ قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.\n١٣١ - الخامس عشر: عنه قال: قال رسول ﷺ: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟) قالوا بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط) رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) يعني أن الصلوات","vol":"2","page":183},{"text":"الخمس تكفر الخطايا ما بين صلاة الفجر إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، ومن العشاء إلى الفجر، هذه تكفر ما بينها من الخطايا. فإذا عمل الإنسان سيئة وأتقن هذه الصلوات الخمس، فإنها تمحو الخطايا، لكن قال: (إذا اجتنبت الكبائر) يعني إذا اجتنبت كبائر الذنوب.\nوكبائر الذنوب هي: كل ذنب رتب عليه الشارع عقوبة خاصة، فكل ذنب لعن النبي ﷺ فاعله فهو من كبائر الذنوب، كل شيء فيه حد في الدنيا كالزنى، أو وعيد في الآخرة كأكل الربا، أو فيه نفي إيمان، مثل (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، أو فيه براءة منه، مثل (من غشنا فليس منا)، أو ما أشبه ذلك فهو من كبائر الذنوب.\n\nواختلف العلماء ﵏ في قوله ﷺ: (إذا اجتنبت الكبائر) هل معني الحديث أن الصغائر تكفر إذا اجتنبت الكبائر، وأنها لا تكفر إلا بشرطين هما: الصلوات الخمس، واجتناب الكبائر؟ أو أن معنى الحديث أنها كفارة لما بينهن إلا الكبائر فلا تكفرها، وعلى هذا فيكون لتكفير السيئات الصغائر شرط واحد، وهو إقامة هذه الصلوات الخمس، أو الجمعة إلى الجمعة، أو رمضان إلى رمضان، وهذا هو المتبادر - والله","vol":"2","page":184},{"text":"أعلم - أن المعنى: أن الصلوات الخمس تكفر ما بينها إلا الكبائر فلا تكفرها، وكذلك الجمعة إلى الجمعة، وكذلك رمضان إلى رمضان، وذلك لأن الكبائر لابد لها من توبة خاصة، فإذا لم يتب توبة خاصة فإن الأعمال الصالحة لا تكفرها، بل لابد من توبة خاصة.\nأما حديث أبي هريرة الثاني، فهو أن النبي ﵊ عرض على أصحابه عرضًا، يعلم النبي ﷺ ماذا سيقولون في جوابه، ولكن هذا من حسن تعليمه ﵊، أنه أحيانًا يعرض المسائل عرضًا، حتى ينتبه الإنسان لذلك، ويعرف ماذا سيلقى إليه، قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟) يعرض عليهم هل يخبرهم، ومن المعلوم أنهم سيقولون: نعم يا رسول الله أخبرنا، ولكنه ﵊ اتخذ هذه الصيغة وهذا الأسلوب من أجل أن ينتبهوا إلى ما سيلقى إليهم، قالوا: بلى يا رسول الله، يعني أخبرنا فإننا نود أن تخبرنا بما ترفع به الدرجات وتمحا به الخطايا، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) هذه ثلاثة أشياء:\nأولًا: إسباغ الوضوء على المكاره، يعني إتمام الوضوء في أيام الشتاء؛ لأن أيام الشتاء يكون الماء فيها باردًا. وإتمام الوضوء يعني إسباغه، فيكون فيه مشقة على النفس، فإذا أسبغ الإنسان وضوءه مع هذه المشقة، دل هذا على كمال الإيمان، فيرفع الله بذلك درجات العبد ويحط عنه خطيئته.\n\nثانيًا: كثرة الخطا إلى المساجد، يعني أن يقصد الإنسان المساجد، حيث شرع له إتيانهن، وذلك في الصلوات الخمس، ولو بعد المسجد فإنه كلما بعد المسجد عن البيت ازدادت حسنات الإنسان، فإن الإنسان إذا توضأ في بيته وأسبغ الوضوء، ثم خرج منه إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة واحدة إلا رفع الله له بها درجة، وحط","vol":"2","page":185},{"text":"عنه بها خطيئة.\nثالثًا: انتظار الصلاة بعد الصلاة، يعني أن الإنسان من شدة شوقه إلى الصلوات، كلما فرغ من صلاة، فقلبه متعلق بالصلاة الأخرى ينتظرها، فإن هذا يدل على إيمانه ومحبته وشوقه لهذه الصلوات العظيمة، التي قال عنها رسول الله ﷺ (وجعلت قرة عيني في الصلاة) . فإذا كان ينتظر الصلاة بعد الصلاة، فإن هذا مما يرفع الله به الدرجات، ويكفر به الخطايا.\nوقوله ﷺ: (فذلكم الرباط) أصل الرباط: الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها، وهذا من أعظم الإعمال، فلذلك شبه به ما ذكر من الأفعال الصالحة والعبادة في هذا الحديث، أي أن المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله.","vol":"2","page":186},{"text":"وقيل: إن الرباط هاهنا اسم لما يربط به الشيء، والمعنى: أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي وتكفه عنها.\nهذان الحديثان ذكرهما المؤلف في باب كثرة طرق الخير؛ لأن هذه طرق متعددة من الخير؛ الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، كثرة الخطا إلى المساجد، إسباغ الوضوء على المكاره، انتظار الصلاة بعد الصلاة. والله الموفق.\n\n* * *\n١٣٢ - السادس عشر: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.\n(البردان) الصبح والعصر.\n١٣٣ - السابع عشر: عنه قال: قال رسول ﷺ: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا) رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من صلى البردين دخل الجنة) .","vol":"2","page":187},{"text":"البردان: هما صلاة الفجر وصلاة العصر، وذلك لأن صلاة الفجر تقع في أبرد ما يكون من الليل، وصلاة العصر تقع في أبرد ما يكون من النهار بعد الزوال، من صلاهما دخل الجنة، يعني أن المحافظة على هاتين الصلاتين وإقامتهما من أسباب دخول الجنة.\n\nوقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر) هذا فيه تشبيه الرؤيا بالرؤيا، وليس المعنى تشبيه المرئي بالمرئي، لأن الله ليس كمثله شيء، ولكنكم ترونه رؤية حقيقية مؤكدة كما يرى الإنسان القمر ليلة البدر، وإلا فإن الله ﷿ أجل وأعظم من أن يشابهه شيء من مخلوقاته.\nثم قال النبي ﷺ في آخر هذا الحديث: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) يعني بالتي قبل الطلوع الشمس: الفجر، والتي قبل غروبها: العصر، فهاتان الصلاتان هما أفضل الصلوات، وأفضلها صلاة العصر؛ لأنها هي الصلاة الوسطى التي قال الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: ٢٣٨) . فإنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال في غزوة الأحزاب: (ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)،","vol":"2","page":188},{"text":"وهذا نص صريح من رسول الله ﷺ أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.\n\nوقوله ﵊: (من صلى البردين) المراد صلاهما على الوجه الذي أمر به، ذلك بأن يأتي بهما في الوقت، وإذا كان من أصحاب الجماعة كالرجال فليأت بهما مع الجماعة، لأن الجماعة واجبة، ولا يحل لرجل أن يدع صلاة الجماعة في المسجد وهو قادر عليها.\nأما حديثه الثاني: فهو أن النبي ﷺ قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا) يعني أن الإنسان إذا كان من عادته أن يعمل عملًا صالحًا، ثم مرض فلم يقدر عليه، فإنه يكتب له الأجر كاملًا. والحمد لله على نعمه.\nإذا كنت مثلًا من عادتك أن تصلي مع الجماعة، ثم مرضت ولم تستطيع أن تصلي مع الجماعة، فكأنك مصل مع الجماعة، يكتب لك سبع وعشرون درجة، ولو سافرت وكان من عادتك وأنت مقيم في البلد أن تصلي نوافل، وأن تقرأ قرآنًا، وأن تسبح وتهلل وتكبر، ولكنك لما سافرت انشغلت بالسفر عن هذا، فإنه يكتب لك ما كنت تعمله في البلد مقيمًا، مثلًا لو سافرت وصليت وحدك في البر ليس معك أحد، فإنه يكتب لك صلاة الجماعة كاملًا إذا كنت في حال الإقامة تصلي مع الجماعة.\n\nوفي هذا تنبيه على أنه ينبغي للعاقل ما دام في حال الصحة والفراغ، أن يحرص على الأعمال الصالحة، حتى إذا عجز عنها لمرض أو شغل كتبت له كاملة. اغتنم الصحة، اغتنم الفراغ، اعمل صالحًا، حتى إذا شغلت عنه بمرض أو غيره كتب لك كاملًا، ولله الحمد. ولهذا قال ابن","vol":"2","page":189},{"text":"عمر: (خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)، هكذا جاء في حديث ابن عمر، أما من قوله، وإما من قول النبي ﵊، أن الإنسان ينبغي له في حال الصحة أن يغتنم الفرصة، حتى إذا مرض كتب له عمله في الصحة، وأن يحرص - ما دام مقيمًا - على كثرة الأعمال الصالحة، حتى إذا سافر كتب له ما كان يعمل في الإقامة. نسأل الله أن يخلص لنا ولكم النية، ويصلح لنا لكم العمل.\n\n* * *\n١٣٤ - الثامن عشر: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (كل معروف صدقة) رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية حذيفة ﵁.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله في باب كثرة طرق الخيرات، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ قال: (كل معروف صدقة) .\n\nالمعروف: ما عرف في الشرع حسنه إن كان مما يتعبد به لله، وإن كان","vol":"2","page":190},{"text":"مما يتعامل به الناس فهو مما تعارف الناس على حسنه، وهذا الحديث (كل معروف) يشمل هذا وهذا، فكل عمل تتعبد به إلى الله فإنه صدقة، كما ورد في حديث سابق: (كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة) .\n\nوأما ما يتعارف عليه الناس على حسنه مما يتعلق بالمعاملة بين الناس فهو معروف، مثل الإحسان إلى الخلق بالمال، أو بالجاه، أو بغير ذلك من أنواع الإحسان. ومن ذلك: أن تلقى أخاك بوجه طلق لا بوجه عبوس، وأن تلين له القول، وأن تدخل عليه السرور؛ ولهذا قال العلماء ﵏ إن من الخير: إذا عاد الإنسان مريضًا، أن يدخل عليه السرور ويقول: أنت في عافية، وإن كان الأمر على خلاف ما قال، بأن كان مرضه شديدًا، يقول ذلك ناويًا أنه في عافية أحسن ممن هو دونه، لأن إدخال السرور على المريض سبب للشفاء. ولهذا تجد أن الإنسان إذا كان مريضًا مرضًا عاديًا صغيرًا، إذا قال له الإنسان إن هذا شيء يسير هين لا يضر سر بذلك ونسى المرض، ونسيان المرض سبب لشفائه، وكون الإنسان يعلق قلبه بالمرض فذلك سبب لبقائه. وأضرب لكم مثلًا لذلك برجل فيه جرح، تجد أنه تلهى بحاجة أخرى لا يحس بألم الجرح، لكن إذا تفرغ تذكر هذا الجرح وآلمه.\nانظر مثلًا إلى الحمالين الذين يحملون الأشياء على السيارات","vol":"2","page":191},{"text":"وينزلونها، أحيانًا يسقط على قدمه شيء فيجرحه، ولكنه ما دام يحمل لا يشعر به ولا يحس به، فإذا فرغ أحس به وتألم.\nإذن فغفلة المريض عن المرض، وإدخال السرور عليه، تأميله بأن الله ﷿ سيشفيه، فهذا خير ينسيه المرض، وربما كان سببًا للشفاء.\nإذن كل معروف صدقة. لو أن أحد إلى جنبك ورأيته محترًا يتصبب العرق من جنبيه، فروحت عليه بالمروحة، فإنه لك صدقة، لأنه معروف. لو قابلت الضيوف بالانبساط وتعجيل الضيافة لهم وما أشبه ذلك فهذا صدقة.\nانظر إلى إبراهيم ﵊ لما جاءته الملائكة ضيوفًا ماذا صنعه؟ قالوا: سلامًا. قال: سلام. قال العلماء: وقول إبراهيم سلامٌ ابلغ من قول الملائكة سلامًا، لأن قول الملائكة سلامًا يعني نسلم سلامًا، وهو جملة فعلية تدل على التجدد والحدوث. وقول إبراهيم: سلامٌ جملة اسمية تدل على الثبوت والاستمرار فهو أبلغ. وماذا صنع ﵊؟ راغ إلى أهله فجاء بعجل سمين.\n(فراغ): قال العلماء: معناه انصرف مسرعًا بخفية، وهذا من حسن الضيافة، ذهب مسرعًا لئلا يمنعوه، أو يقولوا: انتظر ما نريد شيئًا (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦)، وفي الآية الأخرى: (بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) (هود: ٦٩) .\n\nحنيذ يعني مشويًا، ومعلوم أن اللحم المشوي أطعم من اللحم المطبوخ، لأن طعمه يكون باقيًا فيه (فَجَاءَ بِعِجْلٍ) والعلماء يقولون: إن","vol":"2","page":192},{"text":"العجل من أفضل أنواع اللحم، لأن للحمه لينًا وطعمًا. ثم قال تعالى: (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) ما وضعه في مكان بعيد وقال لهم اذهبوا إلى مكان الطعام وإنما قربه إليهم.\nثم قال: (أَلا تَأْكُلُونَ) ولم يقل لهم: كلوا. و(ألا) أداة عرض يعني عرض عليهم الأكل ولم يأمرهم.\nولكن الملائكة لم يأكلوا، فهم لا يأكلون، ليس لهم أجواف، بل خلقهم الله من نور جسرًا واحدًا: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (الأنبياء: ٢٠)، دائمًا يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فلم يأكلوا لهذا السبب.\n\n(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) لأنهم لم يأكلوا، يقولون: أنه من عادة العرب أن الضيف إذا لم يأكل فقد تأبط شرًا، ولهذا فمن عادتنا إلى الآن أنه إذا جاء الضيف ولم يأكل قالوا: مالح، يعني ذق من طعامنا، فإذا لم يمالح قالوا إن هذا الرجل قد نوى بنا شرًا. فنكرهم إبراهيم ﵊ وأوجس منهم خيفة (قَالُوا لا تَخَفْ) ثم بينوا له الأمر (قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) (الذريات: ٢٨) وكان قد كبر، وكانت امرأته قد كبرت. (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ) لما سمعت البشرى (فِي صَرَّةٍ) أي في صيحة (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) عجبًا، (وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)، يعني أألد وأنا عجوز عقيم؟ قالت الملائكة: (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ) الرب ﷿ يفعل ما يشاء إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون.\nثم قال تعالى: (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيم ُ) (الذريات: ٣٠)، وهنا قدم الحكيم على العليم، وفي آيات كثيرة يقدم العليم على الحكيم، والسبب","vol":"2","page":193},{"text":"أن هذه المسألة، أي كونها تلد وهي عجوز خرجت عن نظائرها، ما لها نظير إلا نادرًا ن فبدأ بالحكيم الدال على الحكمة، يعني أن الله حكيم أن تلدي وأنت عجوز.\n\nالمهم أن إبراهيم - عليه الصلاة السلام - قد ضرب المثل في حسن الضيافة، وحسن الضيافة من المعروف، وكل معروف صدقة، فاصنع للناس خيرًا ومعروفًا، واعلم أن هذه صدقة تثاب عليها ثواب الصدقة. والله الموفق.\n* * *\n١٣٥ - التاسع عشر: عنه قال: قال رسول ﷺ: (ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة) . رواه مسلم.\nوفي رواية له: (فلا يغرس المسلم غرسًا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة) .\nوفي رواية له: (لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة) وروياه جميعًا من رواية أنس رضي","vol":"2","page":194},{"text":"الله عنه.\nقوله (يرزؤه) أي ينقصه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب كثرة طرق الخيرات ما نقله عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ ذكر فيمن غرس غرسًا، فأكل من شيء، من إنسان، أو حيوان، أو طير، أو غير ذلك، أو نقصه أو سرق منه، فإنه له بذلك صدقة. ففي هذا الحديث حث على الزرع، وعلى الغرس، وأن الزرع والغرس فيه الخير الكثير، فيه مصلحة في الدين، ومصلحة في الدنيا.\n\nأما مصلحة الدنيا: فما يحصل فيه من إنتاج، ومصلحة الغرس والزرع ليست كمصلحة الدراهم والنقود، لأن الزرع والغرس ينفع نفس الزارع والغارس، وينفع البلد كله، كل الناس ينتفعون منه، بشراء الثمر، وشراء الحب، والأكل منه، ويكون في هذا نمو للمجتمع وكثرة لخيراته، بخلاف الدراهم التي تودع في الصناديق ولا ينتفع بها أحد.\nأما المنافع الدينية: فإنه إن أكل منه طير؛ عصفور، أو حمامه، أو دجاجة، أو غيرها ولو حبة واحدة، فإنه له صدقة، سواء شاء ذلك أو لم يشأ، حتى لو فرض أن الإنسان حين زرع أو حين غرس لم يكن بباله هذا","vol":"2","page":195},{"text":"الأمر، فإنه إذا أكل منه صار له صدقة، وأعجب من ذلك لو سرق منه سارق، كما لو جاء شخص مثلًا إلى نخل وسرق منه تمرًا، فإن لصاحبه في ذلك أجرًا، مع أنه لو علم بهذا السارق لرفعه إلى المحكمة، ومع ذلك فإن الله تعالى يكتب له بهذه السرقة صدقة إلى يوم القيامة!\nكذلك أيضًا إذا أكل من هذا الزرع دواب الأرض وهوامها كان لصاحبه صدقة. ففي هذا الحديث دلاله واضحة على حث النبي ﵊ على الزرع وعلى الغرس، لما فيه من المصلحة الدينية والمصالح الدنيوية.\n\nوفيه دليل على كثرة طرق الخير، وأن ما انتفع به الناس من الخير، فإن لصاحبه أجرًا وله فيه الخير، سواء نوى أو لم ينو، وهذا كقوله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء: ١١٤)، فذكر الله ﷾ أن هذه الأشياء فيها خير، سواء نويت أو لم تنو، من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فهو خير ومعروف، نوى أم لم ينو، فإن نوى بذلك ابتغاء وجه الله فإن الله يقول: (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) .\nوفي هذا دليل على أن المصالح والمنافع إذا انتفع الناس بها كانت خيرًا لصاحبها وأجرًا وإن لم ينو، فإن نوى زاد خيرًا على خير، وآتاه الله تعالى من فضله أجرًا عظيمًا. أسأل الله العظيم أن يمن علي وعليكم بالإخلاص والمتابعة لرسول ﷺ إنه جواد كريم.","vol":"2","page":196},{"text":"١٣٦ - العشرون: عنه قال: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ رسول الله ﷺ فقال لهم: (إنه قد بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟) فقالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال: (بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم) رواه مسلم.\nوفي رواية: (إن بكل خطوة درجة) رواه مسلم. ورواه البخاري أيضًا بمعناه من رواية أنس ﵁.\nو(بنو سلمة) بكسر اللام: قبيلة معروفة من الأنصار ﵃، (وآثارهم) خطاهم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - ما نقله عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أراد بنو سلمة أن يقربوا من المسجد، ينتقلوا من ديارهم وأحيائهم حتى يكونوا قرب مسجد النبي ﷺ، من أجل أن يدركوا الصلوات معه ويتلقوا من عمله، فبلغ ذلك النبي ﷺ فسألهم، قال: (إنه قد بلغني أنكم تريدون أن تنقلوا قرب المسجد) قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك. فقال رسول الله ﷺ: (دياركم تكتب آثاركم) قالها مرتين، وبين لهم أن لهم بكل خطوة حسنة أو درجة.\n\nففي هذا الحديث دليل على أنه إذا مشى الإنسان إلى المسجد، فإنه لا","vol":"2","page":197},{"text":"يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة، وقد جاء ذلك مفسرًا في حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج من بيته إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا كتب الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة) فسيكتب شيئين الأول: أنه يرفع له بها درجة. والثاني: أنه يحط بها عنه خطيئة. هذا إذا توضأ في بيته وأسبغ الوضوء سواء كان ذلك قليلًا - يعني سواء كانت الخطوات قليلة - أم كثيرة، فإنه يكتب له بكل خطوة شيئان: يرفع بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة.\nوفي هذا الحديث دليل على أنه نقل للإنسان شيء عن أحد، فإنه يثبت قبل أن يحكم بالشيء، ولهذا سأل النبي ﷺ بني سلمة قبل أن يقول لهم شيئًا، قال: بلغني أنكم تريدون كذا وكذا. قالوا: نعم. فيؤخذ منه أنه ينبغي للإنسان إذا نقل له شيء عن أحدٍ أن يثبت قبل أن يحكم بمقتضى الشيء الذي نقل له، حتى يكون إنسانًا رزينًا ثقيلًا معتبرًا، أما كونه يصدق بكل ما نقل، فإنه يفوته بذلك الشيء الكثير، ويحصل له ضرر، بل الإنسان ينبغي عليه أن يثبت.\n\nوفي هذا الحديث أيضًا دليل على كثرة طرق الخيرات، وأن منها المشي إلى المساجد، وهو كما سبق مما يرفع الله به الدرجات، ويحط به الخطايا، فإن كثرة الخطايا إلى المساجد سبب لمغفرة الذنوب، وتكفير","vol":"2","page":198},{"text":"السيئات، ورفعه الدرجات. والله الموفق.\n\n* * *\n١٣٧ - الحادي والعشرون: عن أبي المنذر أبي بن كعب ﵁ قال: كان رجل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، فقيل له، أو فقلت له اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ: (قد جمع الله لك ذلك كله) رواه مسلم.\nوفي رواية: (إن لك ما احتسبت) .\n(الرمضاء): الأرض التي أصابها الحر الشديد.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث يتعلق بما قبله من الأحاديث الدالة على كثرة طرق الخير، وأن طرق الخير كثيرة، ومنها الذهاب إلى المساجد، وكذلك الرجوع منها، إذا احتسب الإنسان ذلك عند الله تعالى، فهذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ في قصة الرجل الذي كان له بيت بعيد عن المسجد، وكان يأتي إلى المسجد من بيته من بعد، يحتسب الأجر على","vol":"2","page":199},{"text":"الله، قادمًا إلى المسجد وراجعًا منه. فقال له بعض الناس: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء والرمضاء، يعني في الليل حين الظلام، في صلاة العشاء وصلاة الفجر، أو في الرمضاء، أي في أيام الحر الشديد، ولا سيما في الحجاز، فإن جوها حار. فقال ﵁: ما يسرني أن بيتي إلى جنب المسجد؛ يعني أنه مسرور بأن بيته بعيد عن المسجد، يأتي إلى المسجد بخطى، ويرجع منه بخطى، وأنه لا يسره أن يكون بيته قريبًا من المسجد، لأنه لو كان قريبًا لم تكتب له تلك الخطى، وبين أنه يحتسب أجره على الله ﷿، قادمًا إلى المسجد وراجعًا منه، فقال النبي ﷺ (إن له ما احتسب) .\n\nففي هذا دليل على أن كثرة الخطى إلى المساجد من طرق الخير، وأن الإنسان إذا احتسب الأجر على الله كتب الله له الأجر حال مجيئه إلى المسجد وحال رجوعه منه.\nولا شك أن للنية أثرًا كبيرًا في صحة الأعمال، وأثرًا كبيرًا في ثوابها، وكم من شخصين يصليان جميعًا بعضهما إلى جنب بعض، ومع ذلك يكون بينهما في الثواب مثل ما بين السماء والأرض، وذلك بصلاح النية وحسن العمل، فكلما كان الإنسان أصدق إخلاصًا لله وأقوى اتباعًا لرسول الله ﷺ كان أكثر أجرًا، وأعظم أجرًا عند الله ﷿. والله الموفق.\n* * *","vol":"2","page":200},{"text":"١٣٩ - الثالث والعشرون: عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) متفق عليه.\nوفي رواية لهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث في بيان من طرق الخيرات، لأن طرق الخيرات - ولله الحمد - كثيرة، شرعها الله لعباده ليصلوا بها إلى غاية المقاصد، فمن ذلك الصدقة، فإن الصدقة كما صح عن النبي ﷺ: (تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) يعني كما لو أنك صببت ماءٍ على النار انطفأت، فكذلك الصدقة تطفئ الخطيئة.\nثم ذكر المؤلف هذا الحديث الذي بين فيه أن الله ﷾","vol":"2","page":201},{"text":"سيكلم كل إنسان على حدة يوم القيامة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (الانشقاق: ٦)، يعني سوف تلاقي ربك ويحاسبك على هذا الكدح، أي الكد والتعب الذي عملت، ولكن بشرى للمؤمن، كما قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٢٢٣)، الحمد لله. المؤمن إذا لاقى ربه فإنه على خير.\n\nولهذا قال النبي ﷺ هنا في الحديث: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) يعني بكلمة الله يوم القيامة بدون مترجم، يكلم الله كل عبد مؤمن، فيقرره بذنوبه، يقول له: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فإذا أقر بها وظن أنه قد هلك، قال: (إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) فكم من ذنوب علينا سترها الله ﷿ لا يعلمها إلا هو، فإذا كان يوم القيامة أتم علينا النعمة بمغفرتها وعدم العقوبة علينا. ولله الحمد.\nثم قال: (فينظر أيمن منه) يعني عن يمينه (فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشام منه) أي عن يساره (فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه) . قال النبي ﵊: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) يعني ولو بنصف تمرة أو قل. أتق النار بهذا.","vol":"2","page":202},{"text":"ففي هذا الحديث دليل على كلام الله ﷿، وأنه ﷾ يتكلم بكلام مسموع مفهوم، لا يحتاج إلى ترجمة، يعرفه المخاطب به.\nوفيه دليل على أن الصدقة ولو قلت تنجي من النار، لقوله: (اتقوا النار ولو شق تمرة) .\nقال: (فإن لم يجد فبكلمة طيبة) يعني إن لم يجد شق تمرة فليتق النار بكلمة طيبة.\n\nوالكلمة الطيبة تشمل قراءة القرآن، فإن أطيب الكلمات القرآن الكريم. وتشمل التسبيح التهليل، وكذلك تشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتشمل تعليم العلم وتعلم العلم، وتشمل كذلك كل ما يتقرب به الإنسان إلى ربه من القول، يعني إذا لم تجد شق تمرة فإنك تتقي النار ولو بكلمة طيبة. فهذا من طرق الخير وبيان كثرتها ويسرها، فالحمد لله أن شق التمرة تنجي من النار، وأن الكلمة الطيبة تنجب من النار. نسأل الله أن يجنبنا وإياكم من النار.\n\n* * *\n١٤٠ - الرابع والعشرين: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم.","vol":"2","page":203},{"text":"والأكلة بفتح الهمزة هي الغدوة أو العشوة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) وفسر المؤلف ﵀ الأكلة بأنها الغدوة أو العشوة، أي الغداء أو العشاء.\nففي هذا دليل على أن رضا الله ﷿ قد ينال بأدنى سبب، قد ينال بهذا السبب اليسير ولله الحمد. يرضى الله عن الإنسان إذا انتهى من الأكل قال: الحمد لله، وإذا انتهى من الشرب قال: الحمد لله؛ وذلك أن للأكل والشرب آدابًا فعلية وآدابًا قولية.\nأما الآداب الفعلية: فإن يأكل باليمين ويشرب باليمين، ولا يحل له أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله، فإن هذا حرام على القول الراجح؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، وأكل رجل بشماله عنده فقال: (كل بيمينك) قال: لا أستطيع، فقال: (لا استطعت)، فما استطاع الرجل بعد ذلك أن يرفع يده اليمنى إلى فمه؛ عوقب والعياذ بالله.\nوأما الآداب القولية: فإن يسمي عند الأكل، يقول: باسم الله،","vol":"2","page":204},{"text":"والصحيح أن التسمية عند الأكل أو الشرب واجبة، وأن الإنسان يأثم إذا لم يسم الله عند أكله أو شربه، لأنه إذا لم يفعل، إذا لم يسم عند الأكل والشرب، فإن الشيطان يأكل معه ويشرب معه.\n\nولهذا يجب على الإنسان إذا أراد يأكل أن يسمي الله، وإذا نسى أن يسمي في أول الطعام ثم ذكر في أثنائه فليقل: باسم الله أوله وآخره، وإذا نسى أحد أن يسمي فذكره؛ لأن النبي ﷺ ذكر عمر بن أبي سلمة وهو ربيبه بن زوجته أم سلمة ﵂، حينما تقدم للأكل فأكل، فقال له النبي ﷺ: (يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) وهذا فيه دليل على أن التسمية - إذا كانوا جماعة - تكون من كل واحد، فكل واحد يسمي، ولا يكفي أن يسمي واحد عن الجميع، بل كل إنسان يسمي لنفسه.\nأما عند الانتهاء فمن الآداب أن يحمد الله ﷿ على هذه النعمة حيث يسر له هذا الأكل، مع أنه لا أحد يستطيع أن ييسره، كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة: ٦٣، ٦٤)، (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) (الواقعة (٨٦، ٩٦) لولا أن الله ﷿ نمى هذا الزرع حتى كمل، وتيسر حتى وصل بين يديك، لعجزت عنه.\n\nوكذلك الماء، لولا أن الله يسره فأنزله من المزن وسلكه ينابيع في","vol":"2","page":205},{"text":"الأرض حتى استخرجته لما حصل لك هذا، ولهذا قال في الزرع: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) (الواقعة: ٦٥)، وقال في الماء: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ) (الواقعة: ٧٠)، فلهذا كان من شكر نعمة الله عليك بهذا الأكل والشرب أن تحمد الله إذا انتهيت من الشرب أو من الأكل، ويكون هذا سببًا لرضا الله عنك.\nقوله (الأكلة) فسرها المؤلف بأنها الغدوة أو العشوة، ليست الأكلة اللقمة، ليس كلما أكلت لقمة قلت: الحمد لله، أو كلما أكلت تمرة قلت: الحمد لله، السنة أن تقول إذا انتهيت نهائيًا. وذكر أن الإمام أحمد ﵀ كان يأكل ويحمد على كل لقمة، فقيل له في ذلك فقال: أكل وحمد خير من أكل وسكوت، ولكن لا شك أن خير الهدي هدي محمد ﷺ، وأن الإنسان إذا حمد الله في آخر أكله أو آخر شربه كفى، ولكن إن رأى مصلحة مثلًا في الحمد؛ يذكر غيره أو ما أشبه ذلك، فأرجو ألا يكون في هذا بأس، كما فعله الإمام أحمد ﵀. والله الموفق.\n\n* * *\n١٤١ - الخامس والعشرون: عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم صدقة) قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: (يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق) قال:: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: (يعين ذا الحاجة الملهوف) قال: أرأيت إن لم يستطع قال: (يأمر بالمعروف أو الخير) قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: (يمسك عن الشر فإنها صدقة) متفق عليه.","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف ﵀ عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم صدقة) وقد مر علينا مثل هذا التعبير من رسول الله ﷺ، بل أعم منه، حيث قال: (على كل سلامي من الناس صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس)، والسلامى هي مفاصل العظام، وهذا يدل على أن لله ﷿ علينا صدقة كل يوم، هذه الصدقة متنوعة؛ إما أن تكون تسبيحة، أو تكبيرة، أو تهليلة، أو أمر بمعروف، أو نهيًا عن منكر، أو أن تعين الملهوف، المهم أن طرق الخيرات كثيرة. ولكن النفس الأمارة بالسوء تثبط الإنسان عن الخير، وإذا هم بشيء فتحت له بابًا غيره، ثم إذا هم به فتحت له بابًا آخر حتى يضيع عليه الوقت، ويخسر وقته ولا يستفيد منه شيئًا.\nولهذا ينبغي للإنسان أن يبادر ويسارع في الخير، كلما فتح له باب من الخير فليسارع إليه؛ لقوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات) (المائدة: ٤٨)، ولأن الإنسان إذا انفتح له باب الخير أول مرة ولم يفعل فإنه يوشك أن يؤخره الله ﷿. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)، فالمهم أنه ينبغي للإنسان العاقل الحازم المؤمن أن ينتهز سبل الخير، وأن يحرص غاية الحرص على أن يأخذ من","vol":"2","page":207},{"text":"كل باب منها بنصيب حتى، يكون ممن سارع في الخيرات، وجنى ثمرات هذه الأعمال الصالحة، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه جواد كريم.","vol":"2","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>١٤ - باب الاقتصاد في الطاعة</span>\n\nقال الله تعالى: (طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: ١، ٢)، وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف - رحمة الله - في باب السابق كثرة طرق الخير، بين في هذا الباب أنه ينبغي للإنسان أن يقتصد في الطاعة، فقال: (باب اقتصاد في الطاعة) والاقتصاد: هو أن يكون الإنسان وسطًا بين الغلو والتفريط، لأن هذا هو المطلوب من الإنسان في جميع أحواله؛ أن يكون دائرًا بين الغلو والتفريط، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: ٦٧) .\nوهكذا الطاعة ينبغي أن تقتصد فيها، بل يجب عليك أن تقتصد فيها؛ فلا تكلف نفسك ما لا تطيق، لأن النبي ﷺ لما بلغه خبر الثلاثة الذين قال أحدهم: إني لا أتزوج النساء، وقال الثاني: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أقوم ولا أنام، خطب ﵊ وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، وإني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فتبرأ النبي ﷺ ممن رغب عن سنته، وكلف نفسه","vol":"2","page":209},{"text":"ما لا تطيق.\n\nثم استشهد المؤلف بقوله تعالى: (طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: ١، ٢)، (طه) هذه حرفان من حروف الهجاء، أحدهما طاء والثاني هاء، وليست اسمًا من أسماء النبي ﷺ كما زعمه بعضهم، بل هي من الحروف الهجائية التي ابتدأ الله بها بعض السور الكريمة من كتابه العزيز، وهي حروف ليس لها معنى؛ لأن القرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية لا تجعل للحروف الهجائية معنى، بل لا يكون لها معنى إلا إذا ركبت وكانت كلمة.\nولكن لها مغزى عظيم، هذا المغزى العظيم هو التحدي الظاهر لهؤلاء المكذبين للرسول ﵊، وهؤلاء المكذبون للرسول ﷺ عجزوا أن يأتوا بشيء مثل القرآن؛ لا سورة ولا بعشرة سور ولا بآية، ومع هذا فإن هذا القرآن الذي أعجزهم لم يأت بحروف غريبة لم يكونوا يعرفونها، بل أتى بالحروف التي يركبون منها كلامهم.\nولهذا لا تكاد تجد سورة ابتدئت بهذه الحروف إلا وجدت بعدها ذكر القرآن، في سورة البقرة: (آلم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ)، وفي سورة آل عمران (آلم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، وفي سورة الأعراف (المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) وفي سورة يونس (آلر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) . وهكذا نجد بعد كل حروف هجائية في بداية السورة يأتي ذكر القرآن، إشارة إلى أن هذا القرآن كان من هذه الحروف التي يتركب منها كلام العرب، ومع ذلك أعجز","vol":"2","page":210},{"text":"العرب، هذا هو الصحيح في المراد من هذه الحروف الهجائية.\nوقوله ﷿: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) يعني ما أنزل الله على النبي ﷺ هذا القرآن لينال الشقاء به، ولكن لينال السعادة والخير والفلاح في الدنيا والآخرة، كما قال الله سبحانه تعالى في هذه السورة نفسها (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (طه: ١٢٣، ١٢٧)، (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) ولكن لتسعد في الدنيا والآخرة؛ ولهذا لما كانت الأمة الإسلامية أمة القرآن تتمسك به وتهتدي بهديه، صارت لها الكرامة والعزة والرفعة على جميع الأمم، ففتحوا مشارق الأرض ومغاربها، ولما تخلفت عن العمل بهذا القرآن\n\nتخلف عنها من العزة والنصر والكرامة بقدر ما تخلفت به من العمل بهذا القرآن.\nثم ساق المؤلف آية أخرى، وهي قول الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥)، يعني أن الله يريد بنا فيما شرع لنا التيسير، وهذه الآية نزلت في آيات الصيام حتى لا يظن الظان أنه ألزم الناس به للمشقة والتعب، فبين الله تعالى أنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، ولهذا من سافر لم يجب عليه الصوم، ويقضي من أيام أخر، ومن مرض لم يجب عليه الصوم، ويقضي من أيام أخر، هذا من التيسير (يُرِيدُ","vol":"2","page":211},{"text":"اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) .\nولهذا كان هذا الدين الإسلامي - ولله الحمد - دين السماحة واليسر والخير والسهولة، أسأل الله أن يرزقني وإياكم التمسك به والوفاة عليه وملاقاة ربنا عليه.\n\n* * *\n\n١٤٢ـ وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة قال: (من هذه؟) قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها، قال: (مه)، عليكم بما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا) وكان أجب الذين إليه ما داوم صاحبه عليه. متفق عليه.\n\n(ومه) كلمة نهي وزجر، ومعنى (لا يمل الله) أي: لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم، وبعاملكم معاملة المال حتى تملوا فتتركوا، فينبغي لكم أن تأخذوا مل تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عائشة ﵂ في باب الاقتصاد في الطاعة، أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، فقال: (من هذه؟) قالت: فلانة، وذكرت من صلاتها، يعني أنها تصلي كثيرًا، فقال النبي ﷺ: (مه) ومه: يعني أمر بالكف، فهي عند النحويين","vol":"2","page":212},{"text":"اسم فعل بمعنى اكفف، وصه: بمعنى أسكت.\nفالمعنى أن الرسول ﵊ أمر هذه المرأة أن تكف عن عملها الكثير، الذي قد يشق عليها وتعجز عنه في المستقبل فلا نديمه، ثم أمر النبي - ﵊- أن نأخذ من العمل بما نطيق، فقال: (عليكم بما تطيقون) يعني لا تكلفوا أنفسكم وتجهدوها، فإن الإنسان إذا أجهد نفسه، وكلف نفسه، ملت وكلت، ثم انحسرت وانقطعت.\n\nوذكرت عائشة أن النبي ﷺ كان أحب الدين إليه أدومه، أي: ما دام عليه صاحبه، يعني أن يعمل وأن قل إذا داومت عليه كان أحسن لك، لأنك تفعل العمل براحة، وتتركه وأنت ترغب فيه، لا تتركه وأنت تمل منه.\nولهذا قال النبي ﵊: فو الله لا يمل الله حتى تملوا) يعني أن الله ﷿ يعطيكم من الثواب بقدر عملكم، مهما داومتم من العمل فإن الله تعالى يثيبكم عليه.\nوهذا الملل الذي يفهم من ظاهر الحديث أن الله يتصف به، ليس كمللنا نحن، لأن مللنا نحن ملل تعب وكسل، وأما ملل الله ﷿ فإنه صفة يختص به جل وعلا، والله ﷾ لا يلحقه تعب ولا يلحقه كسل، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) (قّ: ٣٨) هذه السماوات العظيمة والأرض وما بينهما خلقها الله تعالى في ستة أيام: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، قال (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) يعني ما تعبنا بخلقها","vol":"2","page":213},{"text":"في هذه المدة الوجيزة مع عظمها.\nففي هذا الحديث فوائد، منها: أن الإنسان ينبغي له إذا رأى عند أهله أحد أن يسأل: من هو؟ لأنه قد يكون هذا الداخل على الأهل ممن لا يرغب في دخوله، فإن من النساء من تأتي إلى أهل البيت تحدثهم بأحاديث يأثمون بها من الغيبة وغيرها، وربما تدخل امرأة - بحسن نية أو غير حسن نية - تسال مثلًا عن البيت؛ عما يفعل الزوج، وعما يفعل الابن، عما يفعل أخوك، ثم إذا ذكرت ما يفعل قالت: هذا يسير، كيف ما يعطيكم إلا كذا؟ كيف ما يعطيكم إلا هذه الثياب؟ إلا هذا الطعام؟ وما أشبه ذلك، حتى تفسد المرأة على زوجها، فلذلك ينبغي للإنسان إذا وجد عند أهله أحد أن يسأل عنهم: من هؤلاء؟ كما سأل النبي ﵊ عائشة عن المرأة التي عندها.\n\nوفيه أيضًا أنه ينبغي للإنسان أن لا يجهد نفسه بالطاعة وكثرة العمل، فإنه إذا فعل هذا مل، ثم ترك، وكونه يبقى على العمل ولو قليلًا مستمرًا عليه أفضل، وقد بلغ النبي ﷺ أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، قال ذلك رغبة في الخير، فبلغ ذلك النبي ﵊، فقال له: (أنت الذي قلت ذلك؟) قال: نعم يا رسول الله، قال: (إنك لا تطيق ذلك) ثم أمره أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فقال: إني لا أطيق أكثر من ذلك، فأمره أن يصوم يومًا ويفطر يومين، فقال: أطيق أكثر من ذلك، فقال: (صم يومًا وأفطر يومًا) قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: (لا أكثر من ذلك هذا صيام داود) .","vol":"2","page":214},{"text":"وكبر عبد الله بن عمرو وصار يشق عليه أن يصوم يومًا ويترك يومًا، فقال: ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ، ثم صار يصوم خمسة عشرًا يومًا سردًا، ويفطر خمسة عشر يومًا سردًا.\nففي هذا دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يعمل العبادة على وجه مقتصد، لا غلو ولا تفريط، حتى يتمكن من الاستمرار عليها، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. والله الموفق.\n\n* * *\n\n١٤٣ - وعن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ، يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ قد غفر له تقدم من ذنبه وما تأخر؟! قال أحدهم: أما أنا فاصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) متفق عليه.","vol":"2","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عائشة ﵂ في باب الاقتصاد في العبادة: أن ثلاثة نفر جاءوا إلى بيوت النبي ﷺ يسألون زوجاته عن عمله الذي يعمله في بيته، وذلك لأن عمل النبي ﷺ إما ظاهر يعرفه الناس كلهم؛ كالذي يفعله في المسجد أو في السوق أو في مجتمعاته مع أصحابه، فهذا ظاهر يعرفه غالب الصحابة الذين في المدينة، وإما أن يكون سرًا لا يعرفه إلا من في بيته، أو من كانوا من خدمه مثل عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك وغيرهما ﵃.\nفجاء هؤلاء النفر الثلاثة إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألونهم كيف كانت عبادته في السر، يعني في بيته، فأخبروا بذلك، فكأنهم تقالوها، لأن النبي ﵊ كان يصوم ويفطر، وكان يقوم ويرقد، وكان يتزوج النساء ﵊ ويستمتع بهن، فكأنهم تقالوا هذا العمل، لأن معهم نشاطًا ﵃ على حب الخير، ولكن النشاط ليس مقياسًا، المقياس ما جاء به الشرع.\n\nفجاء النبي ﷺ فقال: أنتم قلتم كذا وكذا، قالوا: نعم، لأن أحدهم قال: أصلي الليل أبدًا ولا أرقد، والثاني قال: أصوم النهار أبدًا ولا أفطر، والثالث قال: أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فأقروا على أنفسهم بأنهم قالوا ذلك.\nولا شك أن هذا الذي قالوا خلاف الشرع، لأن هذا فيه إشقاقًا على النفس وإتعابًا لها؛ يبقى الإنسان لا يرقد أبدًا كل الدهر يصلي! هذا لا شك","vol":"2","page":216},{"text":"أنه مشق على النفس ومتعب لها، وأنه داع إلى الملل، وبالتالي إلى كرهة العبادة، لأن الإنسان إذا مل الشيء كرهه.\nكذلك الذي قال: أصوم أبدًا؛ يبقى صيفًا وشتاءً صائمًا! هذا لا شك أنه مشقة.\nوالثالث قال: أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا، هذا أيضًا يشق على الإنسان، لاسيما الشباب يشق عليه أن يدع النكاح. ثم إن التبتل وعدم النكاح منهي عنه، قال عثمان بن مظعون: كان النبي ﷺ ينهانا عن التبتل، ولو إذن لنا لاختصينا.\n\nفالمهم أن هذه العبادة التي أرادها هؤلاء ﵃ كانت شاقة، وهي خلاف السنة، ولكن النبي ﵊ سألهم واستقرهم: هل قالوا ذلك؟ قالوا: نعم، قال: (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) يعني من رغب عن طريقي واتخذ عبادة أشد، فإنه ليس مني.\nففي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يقتصد في العبادة، بل ينبغي له أن يقتصد في جميع أموره، لأنه إن قصر فاته خير كثير، وإن شدد فإنه سوف يكل ويعجز ويرجع، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون في أعماله كلها","vol":"2","page":217},{"text":"مقتصدًا.\nولهذا جاء في الحديث: (إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى) والمنبت الذي يمشي ليلًا ونهارًا دائمًا، هذا لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، بل يتعب ظهره، وبالتالي يعجز ويتعب ويحسر ويقعد.\n\nفالاقتصاد في العبادة من سنن النبي ﷺ، فلا ينبغي لك أيها العبد أن تشق على نفسك، وأمش رويدًا رويَدًا، كما سبق الحديث أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، فعليك بالراحة، ولا تقتصر ولا تزد، فإن خير الهدي هدي النبي ﷺ. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من متبعي هديه الذين يمشون على طريقته وسنته.\n\n* * *\n١٤٤ - وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثًا. رواه مسلم.\nالمتنطعون: المتعمقون المتشددون في غير مواضع التشديد.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما تقله عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (هلك المتنطعون. هلك المتنطعون. هلك المتنطعون) الهلاك: ضد البقاء، يعني أنهم تلفوا وخسروا،","vol":"2","page":218},{"text":"والمتنطعون: هم المتشددون في أمورهم الدينية والدنيوية، ولهذا جاء في الحديث: (لا تشددوا فيشدد الله عليكم) .\nوانظر إلى قصة بني إسرائيل حين قتلوا قتيلًا فادرؤوا فيه وتنازعوا حتى كادت الفتنة أن تثور بينهم، فقال لهم موسى ﵊: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرة: ٦٧)، يعني وتأخذوا جزءًا منها فتضربوا به القتيل، فيخبركم من الذي قتله، فقالوا له (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) يعني: تقول لنا اذبحوا بقرة واضربوا ببعضها القتيل ثم يخبركم عن قتله؟ ولو أنهم استسلموا وسلموا لأمر الله وذبحوا أي بقرة كانت لحصل مقصودهم، لكنهم تعنتوا فهلكوا، قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ ثم قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟ ثم قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي وما عملها؟ وبعد أن شدد عليهم ذبحوها وما كادوا يفعلون.\nكذلك أيضًا من التشديد في العبادة، أن يشدد الإنسان على نفسه في الصلاة أو في الصوم أو في غير ذلك مما يسره الله عليه، فإنه إذا شدد على نفسه فيما يسره الله فهو هالك. ومن ذلك ما يفعله بعض المرضى ولا سيما في رمضان حي يكون الله قد اباح له الفطر وهو مريض ويحتاج إلي الأكل والشرب، ولكنه يشدد على نفسه فيبقى صائمًا فهذا أيضًا نقول إنه ينطبق عليه الحديث: هلك المتنطعون.","vol":"2","page":219},{"text":"ومن ذلك ما يفعله بعض الطلبة المجتهدين في باب التوحيد؛ حيث تجدهم إذا مرت بهم الآيات والأحاديث في صفات الرب ﷿ جعلوا ينقبون عنها، ويسألون أسئلة ما كلفوا بها، ولا درج عليها سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى من بعدهم، فتجد الواحد ينقب عن أشياء ليست من الأمور التي كلف بها تنطعًا وتشقًا، فنحن نقول لهؤلاء: إن كان يسعكم ما وسع الصحابة ﵃ فأمسكوا، وإن لم يسعكم فلا وسع الله عليكم، وثقوا بأنكم ستقعون في شدة وفي حرج وفي قلق.\nمثال ذلك: يقول بعض الناس: إن الله ﷿ له أصابع، كما جاء في الحديث الصحيح: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) فيأتي هذا المتنطع فيبحث: هذه الأصابع كم عددها؟ وهل لها أنامل؟ وكم أناملها؟ وما أشبه ذلك.\nكذلك مثلًا: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى الثلث الآخر)، يقول: كيف ينزل؟ كيف ينزل في ثلث الليل وثلث الليل يدور على الأرض كلها؟ معنى هذا أنه نازل دائمًا، وما أشبه ذلك الكلام الذي لا يؤجرون عليه، ولا يحمدون عليه، بل هم إلى الإثم أقرب منهم","vol":"2","page":220},{"text":"إلى السلامة وهم إلى الذم أقرب منهم إلى المدح.\n\nهذه المسائل التي يكلف بها الإنسان، وهي من مسائل الغيب، ولم يسال عنها من هو خير منه، وأحرص منه على معرفة الله بأسمائه وصفاته، يجب عليه أن يمسك عنها، وأن يقول: سمعنا وأطعنا وصدقنا وآمنا، أما أن يبحث أشياء هي مسائل الغيب، فإن هذا لا شك أنه من التنطع.\nومن ذلك أيضًا ما يفعله بعض الطلبة من إدخال الاحتمالات العقلية في الدلائل اللفظية؛ فتجده يقول: يحتمل كذا ويحتمل كذا، حتى تضيع فائدة النص، وحتى يبقى النص كله مرجوجًا لا يستفاد منه. هذا غلط. خذ بظاهر النصوص ودع عنك هذه الاحتمالات العقلية، فإننا لو سلطنا الاحتمالات العقلية على الأدلة اللفظية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما بقى لنا حديث واحد أو آية واحدة يستدل بها الإنسان، ولأورد عليها كل شيء، وقد تكون هذه الأمور العقلية وهميات وخيالات من الشيطان، يلقيها في قلب الإنسان حتى يزعزع عقيدته وإيمانه والعياذ بالله.\nومن ذلك أيضًا ما يفعله بعض المتشددين في الوضوء، حيث تجده مثلًا يتوضأ ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر، وهو في عافية من ذلك. يذكر أن ابن عباس ﵄ كان يتوضأ، فإذا وجهه الأرض التي تحته ليس فيها إلا نقط من الماء، من قلة ما يستعمل من الماء، وبعض الناس تجده يشدد في الماء فيشدد الله عليه، فإنه إذا استرسل مع هذه الوساوس ما كفاه أربع ولا خمس ولا ست ولا أكثر من","vol":"2","page":221},{"text":"ذلك، فيسترسل مع الشيطان حتى يخرج عن طوره، حتى يقول: هل أحد عاقل يتصرف هذا التصرف.\nأيضًا في الاغتسال من الجنابة، تجده يتعب تعبًا عظيمًا عند الاغتسال، في إدخال الماء في أذنيه، وفي إدخال الماء في منخريه، وكل هذا داخل في قول الرسول ﵊: (هلك المتنطعون. هلك المتنطعون. هلك المتنطعون) . فكل من شدد على نفسه في أمر قد وسع الله له فيه فإنه يدخل في هذا الحديث. والله الموفق.\n\n* * *\n١٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الذين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا ابشروا، استعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة) رواه البخاري.\n\nوفي رواية له: (سددوا وقاربوا اغدوا وروحوا، وشيءٍ من الدلجة القصد القَصد تبلغوا) .\nقوله: (الذين) هو مرفوع على ما لم يسم فاعله. وروي منصوبًا، وروي: (لن يشاد الدين أحد) وقوله ﷺ: (إلا غلبه) أي: غلبه الدين، وعجز ذلك المشاد عن مقاومة الدين لكثرة طرقه. (والغدوة) سير أول النهار، (والروحة): آخر النهار. (والدلجة): آخر الليل. وهذا استعارة وتمثيل،","vol":"2","page":222},{"text":"ومعناه: استعينوا على طاعة الله ﷿ بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم، بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون، وتبلغون مقصود كم، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها، فيصل المقصود بغير تعب. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف ﵀ في باب القصد في العبادة حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ: (إن الدين يسر) يعني: الدين الذي بعث به الله محمد ﷺ، والذي يدين به العباد ربهم ويتعبدون له به يسر، كما قال ﷿ (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥)، وقال تعالى حين ذكره أمره بالوضوء والغسل من الجنابة والتيمم - عند العدم أو المرض - قال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) (المائدة: ٦)، وقال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (الحج: ٧٨) .\nفالنصوص كلها تدل على أن هذا الدين يسر، وهو كذلك.\nولو تفكر الإنسان في العبادات اليومية لوجد الصلاة خمس صلوات ميسرة موزعة في أوقات، يتقدمها الطهر؛ طهر للبدن وطهر للقلب، فيتوضأ الإنسان عند كل صلاة، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فيطهر بدنه أولًا ثم قلبه بالتوحيد ثانيًا، ثم يصلي.\nولو تفكرت أيضًا في الزكاة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام،","vol":"2","page":223},{"text":"تجد أنها سهلة، فأولًا لا تجب إلا في الأموال النامية، أو ما في حكمها، ولا تجب في كل مال، بل في الأموال النامية التي تنمو وتزيد كالتجارة، أو ما في حكمها كالذهب والفضة وإن كان لا يزيد، أما ما يستعمله الإنسان في بيته، وفي مركوبه، فقد قال النبي ﵊: (ليس على المؤمن في عبده ولا فرسه صدقة)، جميع أواني البيت وفرش البيت والخدم الذين في البيت، والسيارات وغيرها مما يستعمله الإنسان لخاصة نفسه، فإنه ليس فيه زكاة، فهذا يسر.\nثم الزكاة الواجبة يسيرة جدًا، فهي ربع العشر، يعني واحد من أربعين، وهذا أيضًا يسير، ثم إذا أديت الزكاة فإنها لن تنقص مالك، كما قال النبي ﵊: (ما نقصت صدقة من مال)، بل تجعل فيه البركة وتنميه وتزكيه وتطهره.\nوانظر إلى الصوم أيضًا، ليس كل السنة ولا نصف السنة ولا ربع السنة، بل شهر واحد من أثنى عشر شهرًا، ومع ذلك فهو ميسر، إذا مرضت فأفطر، وإذا سافرت فأفطر، وإذا كنت لا تستطيع الصوم في كل دهرك فأطعم عن كل يوم مسكينًا.\n\nأنظر إلى الحج أيضًا ميسر، قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ","vol":"2","page":224},{"text":"اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران: ٩٧) ومن لم يستطع: إن كان غنيًا بماله أناب من يحج عنه، وإن كان غير غني بماله ولا بدنه سقط عنه الحج.\nفالحاصل أن الدين يسر، يسر في أصل التشريع، ويسر فيما إذا طرأ ما يوجب الحاجة إلى التيسير، قال النبي ﵊ لعمران بن حصين: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) فالدين يسر.\nثم قال النبي ﷺ: (ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه) يعني: لن يطلب أحد التشدد في الدين إلا غلب وهزم، وكل ومل وتعب، ثم استحسر فترك، هذا معنى قوله: (لن يشاد الدين أحدا إلا غلبه) يعني أنك إذا شددت الدين وطلبت الشدة، فسوف يغلبك الدين، وسوف تهلك، كما قال النبي ﷺ في الحديث السابق: (هلك المتنطعون) .\n\nثم قال ﵊: (فسددوا وقاربوا ابشروا)، سدد أي افعل الشيء على وجه السداد والإصابة، فإن لم يتيسر فقارب، ولهذا قال: (وقاربوا)، والواو هنا بمعنى (أو)، يعني سددوا إن أمكن، وإن لم يمكن فالمقاربة. (وابشروا) يعني ابشروا أنكم إذا سددتم أصبتم، أو قاربتم، فابشروا بالثواب الجزيل والخير والمعونة من الله ﷿، وهذا يستعمله النبي ﵊ كثيرًا يبشر أصحابه بما يسرهم،","vol":"2","page":225},{"text":"ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على إدخال السرور على إخوانه ما استطاع، بالبشارة والبشاشة وغير ذلك.\n\nومن ذلك أن النبي ﵊ لما حدث أصحابه بأن الله تعالى يقول يوم القيامة: (يا آدم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) فاشتد ذلك على الصحابة وقالوا: يا رسول الله، آينا ذلك الواحد؟ قال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا، ومنك رجل. ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبرنا، فقال: ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود) .\nوهكذا ينبغي للإنسان أن يستعمل البشرى لإخوانه ما استطاع. ولكن أحيانًا يكون الإنذار خيرًا لأخيه المسلم، فقد يكون أخوك المسلم في جانب تفريط في واجب، أو انتهاك لمحرم، فيكون من المصلحة أن تنذره وتخوفه. فالإنسان ينبغي له أن يستعمل الحكمة، ولكن يغلب جانب البشري، فلو جاءك رجل مثلًا وقال: إنه أسرف على نفسه، وفعل معاصي كبيرة، وسأل هل له من توبة؟ فينبغي لك أن تقول: نعم أبشر، إذا تبت تاب","vol":"2","page":226},{"text":"الله عليك، فتدخل عليه السرور، وتدخل عليه الأمل حتى لا ييأس من رحمة الله ﷿.\n\nالحاصل أن الرسول ﵊ قال: (سددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القَصد تبلغوا) يعني معناه: استعينوا في أطراف النهار؛ وأوله وآخره، وشيء من الليل (والقصد القصد تبلغوا) هذا يحتمل أن الرسول ﷺ أراد أن يضرب مثلًا للسفر المعنوي بالسفر الحسي، فإن الإنسان المسافر حسًا يبتغي له أن يكون سيرة في أول النهار وفي آخر النهار وفي شيء من الليل، لأن ذلك هو الوقت المريح للراحلة وللمسافر، ويحتمل أنه أراد بذلك أن أول النهار وآخره محل التسبيح، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الأحزاب: ٤١، ٤٢)، وكذلك الليل محل للقيام.\nوعلى كل حال فالرسول ﵊ أمرنا أن لا نجعل أوقاتنا كلها دأبًا في العبادة، لأن ذلك يؤدي إلى الملل والاستحسار والتعب والترك في النهاية. أعانني الله وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.\n\n* * *\n١٤٦ - وعن أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: (ما هذا الحبل؟) قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي ﷺ: (حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد) متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ دخل المسجد يعني المسجد النبوي - فإذا حبل ممدود بين ساريتين، أي بين عمودين، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا حبل لزينب تربطه، فإذا تعبت من الصلاة تعلقت به من أجل أن تنشط، فقال النبي ﷺ: (حلوه) يعني أخروه وأزيلوه. ثم قال: (ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر","vol":"2","page":227},{"text":"فليرقد) .\n\nففي هذا دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يتعمق وأن يتنطع في العبادة، أن يكلف نفسه ما لا تطيق، بل يصلي ما دام نشيطًا، فإذا تعب فليرقد ولينم، لأنه إذا صلى مع التعب تشوش فكره وسئم ومل وربما كره العبادة، وربما ذهب ليدعو لنفسه فإذا به يدعو عليها، فلو سجد وأصابه النعاس ربما أراد أن يقول: رب اغفر لي، قال: رب لا تغفر لي، لأنه نائم، فلهذا أمر النبي ﵊ بحل هذا الحبل، وأمرنا أن يصلي الإنسان نشاطه، فإذا تعب فليرقد.\nوهذا وإن ورد في الصلاة فإنه يشمل جميع الأعمال، فلا تكلف نفسك ما لا تطيق، بل عامل نفسك بالرفق واللين، ولا تتعجل الأمور، الأمور ربما تتأخر لحكمة يريدها الله ﷿، لا تقل أنا أريد أن أتعب","vol":"2","page":228},{"text":"نفسي، بل انتظر وأعط نفسك حقها، ثم بعد ذلك يحصل لك المقصود.\nومن ذلك أيضًا ما يفعله بعض الطلبة، حيث تجده مثلًا يطالع في دروسه وهو نعسان، فيتعب نفسه ولا يحصل شيئًا، لأن الذي يراجع وهو نعسان لا يستفيد، وإن ظن أنه يستفيد فإنه لا يستفيد شيئًا أبدًا؛ ولهذا ينبغي على الإنسان إذا أصابه النعاس وهو يراجع كتبًا - سواء كتبًا منهجية أو غير ذلك - ينبغي له أن يغلق الكتاب، وأن ينام ويستريح.\n\nوهذا يعم جميع الأوقات، حتى لو فرض أن الإنسان أصابه النعاس بعد صلاة العصر وأراد أن يرقد ويستريح فلا حرج، أو بعد صلاة الفجر وأراد أن يرقد ويستريح فلا حرج، كلما أتاك النوم فنم، وكلما صرت نشيطًا فاعمل (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح: ٧، ٨، كل الأمور اجعلها بالتيسير، إلا ما فرض الله عليك فلابد أن يكون في الوقت المحدد له، وأما الأمور التطوعية فالأمر فيها واسع، لا تتعب نفسك في شيء. نسأل الله أن يعيني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.\n\n* * *\n١٤٧ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلي وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه) متفق عليه.","vol":"2","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب عنه النوم) النعاس هو فترة في الحواس يكون نتيجة غلبة النوم، فلا يستطيع الإنسان معه أن يتحكم في حواسه، ولذلك أرشد النبي ﷺ من غلب عليه النعاس وهو يصلي أن ينصرف من صلاته، ولا يصلي وهو ناعس، ثم علل ذلك بقول: فإن أحدهم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسيب نفسه بدل أن يقول: اللهم اغفر لي ذنبي أو ما أذنبت، يذهب يسب نفسه بهذا الذنب الذي أراد أن يستغفر الله منه، وكذلك ربما أراد أن يسال الله الجنة فيسأله النار، وربما أراد أن يسال الهداية فيسأل ربه الضلالة وهكذا، لهذا أمره النبي ﷺ أن يرقد.\nومن حكم ذلك أن الإنسان لنفسه عليه حق، فإذا أجبر نفسه على فعل العبادة مع المشقة فإنه يكون قد ظلم نفسه، فأنت يا أخي لا تفرط فتقصر، ولا تفرط فتزيد.\nويؤخذ من هذا الحديث أنه لا ينبغي للإنسان أن يحمل نفسه ويشق عليها في العبادة، وإنما يأخذ ما يطيق. والله الموفق.\n\n* * *","vol":"2","page":230},{"text":"١٤٨ - وعن أبي عبد الله جابر بن سمرة ﵄ قال: كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا) رواه مسلم.\nقوله: (قصدًا) أي بين الطول والقصر.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n حديث جابر بن سمرة ﵄، قال إنه صلى مع النبي ﷺ، والظاهر أنه يريد الجمعة، فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا، والقصد معناه التوسط، الذي ليس فيه تخفيف مخل ولا تثقيل ممل، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) أي علامة على فقهه ودليل عليه، ويؤخذ من هذا الحديث أنه لا ينبغي للإنسان أن يجمل نفسه ويشق عليها في العبادة، وإنما يأخذ ما يطيق. والله الموفق.\n\n* * *\n\n١٤٩ - وعن أبي جحبفة وهب بن عبد الله ﵁ قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة فقال: ما شأنك: قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال له: نم، فنام. ثم ذهب يقوم","vol":"2","page":231},{"text":"فقال له: نم فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن. فصلينا جميعًا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: (صدق سلمان) . رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما رواه عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله، أن النبي ﷺ آخى بين سلمان وأبي الدرداء ﵄ جميعًا، آخى بينهما: أي عقد بينهما عقد أخوة، وذلك أن المهاجرين حين قدموا المدينة آخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، فكان المهاجرون في هذا العقد للأنصار بمنزلة الأخوة، حتى إنهم كانوا يتوارثون بهذا العقد، حتى أنزل الله ﷿: (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (الأنفال: ٧٥) .\nفجاء سلمان ذات يوم ودخل على دار أخيه أبي الدرداء ﵁، فوجد امرأته أن الدرداء متبذلة، يعني ليست عليها ثياب المرأة ذات الزوج، بل عليها ثياب ليست جميلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء ليس له شيء من الدنيا، يعني أنه معرض عن الدنيا، وعن الأهل، وعن الأكل، وعن كل شيء.","vol":"2","page":232},{"text":"ثم إن أبا الدرداء لما جاء صنع لسلمان طعامًا، فقدمه إليه وقال: كل فإني صائم، فقال له: كل وأفطر ولا تصم، لأنه علم من حاله بواسطة كلام زوجته أنه يصوم دائمًا، وأنه معرض عن الدنيا وعن الأكل وغيره، فأكل ثم نام، فقام ليصلي، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم قام ليصلي، فقال: نم ولما كان آخر الليل قام سلمان ﵁ وصليا جميعًا.\nوقوله صليا جميعًا: ظاهره أنهما صليا جماعة، ويحتمل أنهما صليا جميعًا في الزمن وكل يصلي وحده. وهذه المسألة - أعني الصلاة جماعة في صلاة الليل - جائزة، لكن لا تفعل دائمًا، وإنما تفعل أحيانًا، فقد صلى النبي ﷺ صلاة الليل جماعة مع ابن عباس ﵄، ومع حذيفة بن اليمان، ومع عبد الله بن مسعود، ولكن العلماء يقولون: إن هذا يفعل أحيانًا لا دائمًا.\nثم قال له سلمان: (إن لنفسك عليك حقًا، وأن لأهلك عليك حقًا، وإن لربك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه) وهذا القول الذي قاله سلمان هو القول الذي قاله النبي ﵊ لعمر بن العاص ﵄.\n\nففي هذا دليل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يكلف نفسه بالصيام والقيام، وإنما يصلي ويقوم على وجه يحصل به الخير، ويزول به التعب والمشقة والعناء. والله الموفق.\n\n* * *","vol":"2","page":233},{"text":"١٥١ - وعن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب، أحد كتاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكر ﵁ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قلت نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. قال أبو بكر ﵁: فو الله لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: (وما ذاك؟) قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسبنا كثيرًا. فقال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظة ساعة وساعة) ثلاث مرات، رواه مسلم.\n\nقوله: ربعي) بكسر الراء. (والأسيدي) بضم الهمزة وفتح السين وبعدها ياء مكسورة مشددة وقوله: (عافسنا) هو بالعين والسين المهملتين، أي عالجنا ولا عبنا. (والضيعات): المعايش.","vol":"2","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن حنظلة الكاتب، أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ، إنه قال: لقيني أبو بكر ﵁ فقلت: نافق حنظلة، يعني نفسه، ومعنى نافق: يعني صار من المنافقين، قال ذلك ظنًا منه ﵁ أن ما فعله نفاق، فقال أبو بكر: وما ذاك؟ فقال ﵁: نكون عند رسول الله ﷺ يذكر بالجنة والنار حتى كأنا رأى عين، يعني كأنما نرى الجنة والنار رأى عين من قوة اليقين، حيث يخبرهم بذلك ﷺ، وما أخبر به النبي ﷺ فإنه كالمشاهد، بل قد يكون أعظم؛ لأنه خبر من اصدق الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وأعلم الخلق بالله.\n\nفإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، يعني لهونا معهم ونسينا ما كنا عليه عند النبي ﷺ فقال أبو بكر عن نفسه أنه يصيبه كذلك، ثم ذهبا إلى النبي ﷺ، فلما وصلا إليه قال حنظلة: نافق حنظلة يا رسول الله، قال: وما ذاك؟ فأخبره بأنهم إذا كانوا عند النبي ﷺ فحدثهم عن الجنة والنار، أخذهم من اليقين ما يجعلهم كأنهم يرونهما رأي العين، ولكن إذا خرجوا عافسوا الأهل والأولاد والضيعات وتلهوا بهم نسوا كثيرًا.\nفقال النبي ﵊: (والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم) أي من شدة اليقين تصافحكم إكرامًا لكم وتثبيتًا لكم؛ لأنه كلما","vol":"2","page":235},{"text":"زاد يقين العيد، فإن الله ﷾ يثبته ويقويه، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: ١٧)، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ساعة وساعة. ساعة وساعة) يعني ساعة للرب ﷿، وساعة مع الأهل والأولاد، وساعة للنفس حتى يعطي الإنسان لنفسه راحتها، ويعطي ذوي الحقوق حقوقهم.\n\nوهذا من عدل الشريعة الإسلامية وكمالها، أن الله ﷿ له حق فيعطي حقه ﷿، وكذلك للنفس حق فتعطى حقها، وللأهل حق فيعطون حقوقهم، وللزوار والضيوف حق فيعطون حقوقهم، حتى يقوم الإنسان بجميع الحقوق التي عليه على وجه الراحة، ويتعبد لله ﷿ براحة، لأن الإنسان إذا أثقل على نفسه وشدد عليها مل وتعب، وأضاع حقوقًا كثيرة.\nوهذا كما يكون في العبادة وفي حقوق النفس والأهل والضيف، يكون كذلك أيضًا في العلوم، فإذا طلب الإنسان العلم ورأى في نفسه مللًا في مراجعة كتاب ما، فلينتقل إلى كتاب آخر، وإذا رأى من نفسه مللًا من دراسة فن معين، فإنه ينتقل إلى دراسة فن آخر، وهكذا يريح نفسه، ويحصل علمًا كثيرًا. أما إذا أكره نفسه على الشيء حصل له من الملل والتعب ما يجعله يسأم وينصرف، إلا ما شاء الله؛ فإن بعض الناس يكره نفسه على المراجعة والمطالعة والبحث مع التعب، ثم يأخذ عليه ويكون هذا دأبا له، ويكون ديدنًا له، حتى إنه إذا فقد هذا الشيء ضاق صدره، والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم.","vol":"2","page":236},{"text":"١٥٢ـ وعن أبن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسال عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ولا يصوم، فقال النبي ﷺ: (مروه فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه) رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في باب الاقتصاد في العبادة هذا الحديث؛ الذي نذر فيه رجل يقال له أبو إسرائيل؛ أن يقوم في الشمس ولا يقعد، وأن يصمت ولا يتكلم، وأن يصوم، وكان النبي ﷺ يخطب، فرأى هذا الرجل قائمًا في الشمس، فسأل عنه فأخبر عن قصته، فقال النبي ﷺ: (مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه) .\nوهذا النذر كان قد تضمن أشياء محبوبة إلى الله ﷿، وأشياء غير محبوبة، أما المحبوبة إلى الله فهي الصوم؛ لأن الصوم عبادة، وقد قال النبي ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه)، وأما وقوفه قائمًا في الشمس من غير أن يستظل، وكونه لا يتكلم؛ فهذا غير محبوب إلى الله ﷿، فلهذا أمر النبي ﷺ هذا الرجل أن يترك ما نذر.\n\nوليعلم أن النذر اصله مكروه، بل قال بعض العلماء: أنه محرم، وأنه لا يجوز للإنسان أن ينذر؛ لأن الإنسان إذا نذر كلف نفسه ما لم يكلفه الله،","vol":"2","page":237},{"text":"ولهذا نهى النبي ﷺ عن النذر وقال (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)، ولكن إذا قدر أن الإنسان نذر فالنذر أقسام: قسم حكمه حكم اليمين، وقسم آخر نذر معصية، وقسم ثالث نذر طاعة.\nأما الذي حكمه حكم اليمين، فهو الذي قصد الإنسان به تأكيد الشيء؛ نفيًا أو إثباتًا أو تصديقًا أو تأكيدًا، ومثاله: إذا قيل للرجل أخبرتنا بكذا وكذا ولكنك لم تصدق، فقال: إن كنت كاذبًا فلله على نذر أن أصوم سنة، فلا شك أن غرضه من ذلك أن يؤكد قوله ليصدقه الناس، هذا حكمه حكم اليمين؛ لأنه قصد بذلك تأكيد ما قال، وكذلك أيضًا إذا قصد الحث؛ مثل أن يقول: إن لم افعل كذا فلله على نذر أن أصوم سنة، فهذا أيضًا قصد الحث وأن يفعل ما ذكر، حكمه حكم اليمين أيضًا، ودليل هذا قول النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وهذا نوى اليمين فله ما نوى.\n\nأما القسم الثاني: فهو المحرم فالمحرم إذا نذره الإنسان يحرم عليه الوفاء به، مثل أن يقول: لله عليه نذر أن يشرب الخمر، فهذا نذر محرم، فلا يحل له أن يشرب الخمر، ولكن عليه كفارة يمين على القول الراجح،","vol":"2","page":238},{"text":"وإن كان بعض العلماء قال: إنه لا شيء عليه، لأنه غير منعقد، ولكن الصحيح أنه نذر منعقد، ولكن لا يجوز الوفاء به، ومثل ذلك أن تقول المرأة: لله عليها نذر أن تصوم أيام حيضها؛ فهذا حرام، ولا يجوز أن تصوم أيام الحيض، وعليها كفارة يمين.\nأما القسم الثالث: فهو نذر الطاعة، أن ينذر الإنسان نذر طاعة، مثل أن يقول: لله على نذر أن أصوم الأيام البيض؛ وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فيلزمه أن يوفي بنذره، لقول النبي ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه)، أو يقول: لله علي نذر أن اصلي ركعتين في الضحى، فيلزمه أن يوفي بنذره لأنه طاعة، وقد قال النبي ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) .\nفإن اشتمل نذره على طاعة وغير طاعة؛ وجب أن يوفي بالطاعة، وغير الطاعة لا يوفي، ويكفر كفارة يمين، مثل قصة الرجل، حيث نذر أن يقوم في الشمس، وألا يستظل، وألا يتكلم، وأن يصوم، فأمره النبي ﷺ أن يصوم لأنه طاعة، ولكنه قال في القيام، وعدم الاستظلال، وعدم الكلام؛ مروه فليستظل وليقعد وليتكلم، وكثير من الناس اليوم إذا استبعد الأمر أو أشفق عليه ينذر؛ فمثلًا: إذا مرض له إنسان؛ قال: لله علي نذر إن شفى الله مريضي لأفعلن كذا وكذا، فهذا منهي عنه، إما نهي كراهة أو نهي تحريم، اسأل الله العافية لمريضك بدون نذر، لكن لو فرضنا أنه نذر؛ إن شفي الله مريضه أن يفعل كذا وكذا فشفاه الله، وجب عليه أن يوفي بالنذر. والله الموفق.","vol":"2","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>١٥ - باب المحافظة على الأعمال</span>\n\nقال الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) (الحديد: ١٦)، وقال تعالى: (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد: ٢٧)، وقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) (النحل: ٩٢)، وقال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: ٩٩) .\nوأما الأحاديث؛ فمنها حديث عائشة: وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه وقد سبق في الباب قبله.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀: باب المحافظة على الأعمال: يعني الأعمال الصالحة.\n\nلما ذكر ﵀ باب الاقتصاد في الطاعة، وأن الإنسان لا ينبغي أن يشق على نفسه في العبادة وإنما يكون متمشيًا على هدى النبي ﷺ أعقبه بهذا الباب الذي فيه المحافظة على الطاعة، وذلك أن كثيرًا من الناس ربما يكون نشيطًا مقبلًا على الخير فيجتهد، ولكنه بعد ذلك يفتر ثم يتقاعس ويتهاون.\nوهذا يجري كثيرًا للشباب، لأن الشاب يكون عنده اندفاع قوي أو","vol":"2","page":240},{"text":"تأخر شديد؛ إذ إن غالب تصرفات الشباب إنما تكون مبنية على العاطفة دون التعقل، فتجد الواحد منهم يندفع ويشتد في العبادة، ثم يعجز أو يتكاسل فيتأخر، ولهذا ينبغي للإنسان - كما نبه المؤلف ﵀ أن يكون مقتصدًا في الطاعة غير منجرف، وأن يكون محافظًا عليها لأن المحافظة على الطاعة دليل على الرغبة فيها، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، فإذا حافظ الإنسان على عبادته واستمر عليها؛ كان هذا دليلًا على محبته وعلى رغبته في الخير.\n\nوقد ذكر المؤلف عدة آيات، منها قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) (النحل: ٩٢)، امرأة تغزل، فغزلت غزلًا جيدًا قويًا متينًا، ثم بعد ذلك ذهبت تنقضه أنكاثًا، حتى لم يبق منه شيء، كذلك بعض الناس يشتد في العبادة ويزيد، ثم بعد ذلك ينقضها فيدعها.\nوكذلك ذكر ﵀ عن بني إسرائيل قول الله ﷿: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) أي ما استمروا عليها ولا رعوها، ولكنهم أهملوها، وقال تعالى: (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) (الحديد: ١٦)، يعني طال عليهم الأمد - أي الزمن - بالأعمال، فقست قلوبهم وتركوا الأعمال والعياذ بالله، فالمهم أن الإنسان ينبغي له أن يحافظ على العمل، وألا يتكاسل وألا يدعه، بل يستمر على ما هو عليه.","vol":"2","page":241},{"text":"وإذا كان هذا في العبادة فهو أيضًا في أمور العادة، فينبغي ألا يكون للإنسان كل ساعة وجهة، وكل ساعة فكر، بل يستمر ويبقى على ما هو عليه ما لم يتبين الخطأ، فإن تبين الخطأ فلا يقر الإنسان نفسه على خطأ لكن ما دام الأمر لم يتبين فيه الخطأ؛ فإن بقاءه على ما هو عليه أحسن، وأدل على ثباته، وعلى أنه رجل لا يخطو خطوة إلا عرف أين يضع قدمه وأين ينزع قدمه.\nوبعض الناس لا يهتم بأمور العادة، فتجد كل يوم له فكر، وكل يوم له نظر، وهذا يفوت عليه الوقت ولا يستقر نفسه على شيء، ولهذا يروى عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: من بورك له في شيء فليلزمه، كلمة عظيمة، يعني إذا بورك لك في شيء، أي شيء يكون؛ فالزمه ولا تخرج عنه مرة هنا ومره هنا، فيضيع عليك الوقت ولا تبني شيئًا، نسأل الله أن يثنتنا وإياكم على الحق، وأن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره.\n\n* * *\n١٥٣ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل) رواه مسلم.","vol":"2","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقضاه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، يعني فكأنما صلاه في ليلته.\nهذا فيه دليل على أن الإنسان ينبغي له إذا كان يعتاد شيئًا من العبادة أن يحافظ عليها، ولو بعد ذهاب وقتها.\nوالحزب معناه: هو الجزء من الشيء، ومنه أحزاب القرآن، ومنه أيضًا الأحزاب من الناس، يعني الطوائف منهم، فإذا كان الإنسان لديه عادة يصليها في الليل؛ ولكنه نام عنها، أو عن شيء منها فقتضاه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ فكأنما صلاه في ليلته، ولكن إذا كان يوتر في الليل؛ فإنه إذا قضاه في النهر لا يوتر، ولكنه يشفع الوتر، أي يزيده ركعة، فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث ركعات فليقض أربعة، وإذا كان من عادته أن يوتر بخمس فليقض ستًا، وإذا كان من عادته أن يوتر بسبع فليقض ثماني وهكذا.\nودليل ذلك حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا غلبه نوم أو وجع من الليل؛ صلى من النهار تنتي عشرة ركعة، والقضاء فيما","vol":"2","page":243},{"text":"بين صلاة الفجر وصلاة الظهر مقيد بأحاديث تدل على أن صلاة الفجر لا صلاة بعدها حتى تطلع الشمس، ولا بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، فيقيد عموم هذا الحديث الذي ذكره المؤلف بخصوص الحديث الذي ذكرناه، وأن القضاء يكون من بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، وقد يقال بأنه لا يقيد، لأن القضاء متى ذكره الإنسان قضاه، لعموم قول النبي ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، ولا كفارة لها إلا ذلك) .\n\nويؤخذ من الحديث الذي ذكره المؤلف أنه ينبغي للإنسان المداومة على فعل الخير، وألا يدع ما نسيه إذا كان يمكن قضاؤه، أما ما لا يمكن قضاؤه فإنه إذا نسيه سقط، مثل سنة دخول المسجد التي تسمى تحية المسجد، إذا دخل الإنسان المسجد، ونسى وجلس وطالت المدة؛ فإنه لا يقضيها؛ لأن هذه الصلاة سنة مقيدة بسبب، فإذا تأخرت عنه سقطت سنتها، وهكذا كل ما قيد بسبب؛ فإنه إذا زال سببه لا يقضى، إلا أن يكون واجبًا من الواجبات؛ كالصلاة المفروضة، وأما ما قيد بوقت فإنه يقضى إذا فات؛ كالسنن الرواتب؛ لو نسيها الإنسان حتى خرج الوقت فإنه يقضيها بعد الوقت، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ.\nوكذلك لو فات الإنسان صيام ثلاثة أيام من الشهر - الأيام البيض - فإنه يقضيها بعد ذلك، وإن كان صيام ثلاثة أيام من الشهر واسعًا؛ فتجوز","vol":"2","page":244},{"text":"في أول الشهر وفي وسطه وفي آخره، لكن الأفضل في الأيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. والله الموفق.\n\n* * *\n١٥٤ - وعن عبد الله بن عمر بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل) متفق عليه.\n\n١٥٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال له: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل) ساق المؤلف هذا الحديث في باب الاستقامة على الطاعة ودوامها، وأن الإنسان لا يقطعها.\nوقد وصى النبي ﵊ عبد الله بن عمرو ألا يكون مثل","vol":"2","page":245},{"text":"فلان ويحتمل هذا الإبهام أن يكون من النبي ﵊ وأن النبي ﷺ أحب ألا يذكر اسم الرجل، ويحتمل أنه من عبد الله بن عمرو أبهمه لئلا يطلع عليه الرواة، ويحتمل أنه من الراوى بعد عبد الله بن عمرو.\nوآيًا كان ففيه دليل على أن المهم من الأمور والقضايا القضية نفسها دون ذكر الأشخاص، ولهذا كان من هدي النبي ﷺ أنه إذا أراد أن ينهي عن شيء فإنه لا يذكر الأشخاص، وإنما يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا وما أشبه ذلك.\n\nوترك ذكر اسم الشخص فيه فائدتان عظيمتان:\n\nالفائدة الأولى: الستر على هذا الشخص.\nالفائدة الثانية: أن هذا الشخص ربما تتغير حاله؛ فلا يستحق الحكم الذي يحكم عليه في الوقت الحاضر؛ لأن القلوب بيد الله، فمثلًا: هب أنني رأيت رجلًا على فسق، فإذا ذكرت اسمه، فقلت لشخص: لا تكن مثل فلان؛ يسرق أو يزني أو يشرب الخمر، أو ما أشبه ذلك، فربما تتغير حال هذا الرجل، ويستقيم، ويعبد الله، فلا يستحق الحكم الذي ذكرته من قبل، فهذا كان الإبهام في هذه الأمور أولى وأحسن، لما فيه من ستر، ولما فيه من الإحتياط إذا تغيرت حال الشخص.\nوفي قوله ﵊ (كان يقوم من الليل فترك قيام الليل) التحذير من كون الإنسان يعمل العمل الصالح ثم يدعه، فإن هذا قد ينبئ عن رغبة عن الخير، وكراهة له، وهذا خطر عظيم، وإن كان الإنسان قد يترك الشيء لعذر، فإذا تركه لعذر، فإن كان مما يمكن قضاؤه قضاه وإن","vol":"2","page":246},{"text":"كان مما لا يمكن قضاؤه فإن الله - تعالى - يعفو عنه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا، وكذلك إذا تركه لعذر فإنه يقضه.\n\nوفي حديث عائشة الذي ساقه المؤلف؛ أن النبي ﷺ كان إذا ترك القيام الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، لأنه ﷺ كان يوتر بإحدى عشر ركعة، فإذا قضي الليل ولم يوتر لنوم أو شبهه؛ فإنه يقضي هذه الصلاة، لكن لما فات وقت الوتر صار المشروع أن يجعله شفعًا، بناء على ذلك: فمن كان يوتر بثلاث ونام عن وتره فليصل في النهار أربعًا، وإذا كان يوتر بخمس فليصل ستًا، وإن كان يوتر بسبع فليصل ثماني، وإن كان يوتر بتسع فليصل عشرًا، وإن كان يوتر بإحدى عشرة ركعة فليصل اثنتي عشرة ركعة، كما كان النبي ﷺ يفعله.\nوفي هذا دليل على فائدة مهمة وهي: أن العبادة المؤقتة إذا فاتت عن وقتها لعذر فإنها تقضى، أما العبادة المربوطة بسبب؛ فإنه إذا زال سببها لا تقضى، ومن ذلك سنة الوضوء مثلًا؛ إذا توضأ الإنسان فإن من السنة أن يصلي ركعتين، فإذا نسى ولم يذكر إلا بعد مدة طويلة سقطت عنه، وكذلك إذا دخل المسجد وجلس ناسيًا، ولم يذكر إلا بعد مدة طويلة فإن تحية المسجد تسقط عنه؛ لأن المقرون بسبب لابد أن يكون مواليًا للسبب، فإن فصل بينهما سقط، والله الموفق.","vol":"2","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>١٦ - باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها</span>\n\nقال الله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: ٧) وقال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم: ٣، ٤) وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران: ٣١)، وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: ٢١) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها، السنة: يراد بها سنة الرسول ﷺ، وهي طريقته التي كان عليها في عباداته وأخلاقه ومعاملاته، فهي أقواله ﷺ وأفعاله وإقراراته، هذه هي السنة. ويطلق الفقهاء السنة على العمل الذي يترجح فعله على تركه، وهو الذي يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه.\nولا شك أن الرسول ﵊ بعثه الله - تعالى - بالهدى ودين الحق. والهدى: هو العلم النافع ودين الحق: هو العمل الصالح، فلابد من علم، ولابد من عمل، ولا يمكن أن يحافظ الإنسان على سنة الرسول ﷺ إلا بعد أن يعلمها، وعليه فيكون الأمر بالمحافظة على السنة أمرًا بالعلم وطلب العلم.\nوطلب العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فرض عين، وفرض كفاية، وسنة.","vol":"2","page":248},{"text":"أما فرض العين: فهو علم ما تتوقف العبادة عليه. يعني العلم الذي لا يسع المسلم جهله، مثل العلم بالوضوء، بالصلاة، بالزكاة، بالصيام، بالحج، وما أشبه ذلك، فالذي لا يسع المسلم جهله؛ فإن تعلمه يكون فرض عين. ولهذا نوجب على هذا الشخص أن يتعلم أحكام الزكاة لأنه ذو مال، ولا نوجب على الآخر أن يتعلم أحكام الزكاة لأنه ليس ذا مال.\nكذلك الحج: نوجب على هذا أن يتعلم أحكام الحج لأنه سوف يحج، ولا نوجب على الآخر أن يتعلمها؛ لأنه ليس بحاج.\n\nأما فرض كفاية: فهو العلم الذي تحفظ به الشريعة، يعني هو العلم الذي لو ترك لضاعت الشريعة، فهذا فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فإذا قدر أن واحدًا في البلد قد قام بالواجب في هذا الأمر وتعلم، وصار يفتي ويدرس، ويعلم الناس، صار طلب العلم في حق غيره سنة وهو القسم الثالث.\nإذن طالب العلم يدور أجره بين أجر السنة، وأجر فرض الكفاية، وأجر فرض العين. والمهم أنه لا يمكن أن نحافظ على السنة وآدابها إلا بعد معرفة السنة وآدابها.\nثم ذكر المؤلف من كتاب الله ﷿، منها قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: ٣١)، هذه الآية يسمها بعض العلماء آية المحنة، أي آية الامتحان، لأن الله - تعالى - امتحن قومًا ادعوا أنهم يحبون الله، قالوا: نحن نحب الله، دعوى يسيرة، لكت على المدعي البينة، قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) فمن ادعى محبة","vol":"2","page":249},{"text":"الله، وهو لا يتبع الرسول ﵊ فليس صادقًا. بل هو كاذب، فعلامة محبة الله ﷾ أن تتبع رسوله ﷺ.\n\nواعلم أنه بقدر تخلفك عن متابعة الرسول ﷺ يكون نقص محبتك لله، وما نتيجة متابعة الرسول ﷺ؟ جاء ذلك في الآية نفسها (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وهذه الثمرة؛ أن الله يحبك، لا أن تدعي محبة الله. فإذا أحبك الله؛ فإنه لن يحبك إلا إذا أتيت ما يحب، فليس الشان أن يقول القائل: أنا أحب الله، ولكن الشأن كل الشأن أن يكون الله ﷿ يحبه. نسأل الله ﷿ أن يجعلنا وإياكم من أحبابه. وهذا هو الشأن.\nوإذا أحب الله الشخص، يسر الله له أمور دينه ودنياه، ورد في الحديث: (أن الله إذا أحب شخصًا نادى جبريل: أني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماوات: أن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماوات، ثم يوضع له القبول في الأرض) فيحبه أهل الأرض، ويقبلونه، ويكون إمامًا لهم، إذًا محبة الله هي الغاية، ولكنها غاية لمن كان متبعًا للرسول ﷺ غاية كمن كان يحب الرسول ﷺ فمن اتبع الرسول ﷺ أحبه الله.\nوذكر المؤلف قوله تعالى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: ٧) وهذه الآية في سياق قسمة الفيء؛ يعني المال الذي","vol":"2","page":250},{"text":"يؤخذ من الكفار. يقول الله ﷿: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ) يعني ما أعطاكم من المال فخذوه ولا تردوه، (وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) أي لا تأخذوه.\nولهذا بعث الرسول ﵊ عمر بن الخطاب ﵁ على الصدقة في سنة من السنوات، فلما رجع أعطاه فقال: يا رسول الله تصدق به على من هو أفقر مني، فقال النبي ﷺ: (ما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) فما أعطانا الرسول ﷺ فإننا نأخذه، وما نهانا عنه فإننا لا نأخذه.\nوهذه الآية - وإن كانت في سياق قسمة الفيء - فإنها كذلك بالنسبة للأحكام الشرعية، فما أحله النبي ﷺ لنا فإننا نقبله ونعمل به على أنه حلال، وما نهانا عنه فإننا ننتهي عنه، ونتركه ولا نتعرض له، فهي وإن كانت في سياق الفيء فهي عامة تشمل هذا وهذا.\n\nثم ذكر أيضًا قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) يعني بالأسوة: القدوة. والحسنة: ضد السيئة، والنبي ﵊ هو أسوتنا وقدوتنا، ولنا فيه أسوة حسنة، وكل شيء تتأسى فيه برسول الله ﷺ فإنه خير وحسن.\nويشمل قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)","vol":"2","page":251},{"text":"معنيين:\nالمعنى الأول: هو أن كل ما يفعله فهو حسن، فالتأسي به حسن.\nالثاني: أننا مأمورون بأن نتأسى به أسوة حسنة، لا نزيد على ما شرع ولا ننقص عنه، لأن الزيادة أو النقص ضد الحسن، ولكننا مأمورون بأن نتأسى به وكل شيء نتأسى به فيه فإنه حسن.\n\nوأخذ العلماء من هذه الآية أن أفعال النبي ﷺ حجة يحتج بها ويقتدى به فيها، إلا ما قام الدليل على أنه خاص به، فما قام الدليل على أنه خاص به فهو مختص به، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) إلى أن قال (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (الأحزاب: ٥٠)، فما كان من خصائصه فهو من خصائصه.\nومن ذلك أيضًا: الوصال في الصوم، أي أن يسدد الإنسان صوم يومين بلا فطر، فإن النبي ﷺ نهى عنه، قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل، يعني فكيف تنهانا؟ فقال: (إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقي) وفي لفظ: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) يعني يطعمه الله ويسقيه بما","vol":"2","page":252},{"text":"يمده به من ذكره، وتعلق قلبه به حتى ينسى الأكل والشرب ولا يطلبه. ونحن نعلم الآن أن الرجل لو شغل بأمر من أمور الدنيا نسى الأكل والشرب حتى أن الشعراء يتمثلون بهذا بقولهم:\n\nلها أحاديث من ذكراك تشغلها\n\nعن الشراب وتلهيها عن الزاد\n\nيعني أن أحاديثها بك إذا قامت تتحدث؛ ألهاها ذلك عن الشراب وعن الزاد.\nفالنبي ﵊ لقوة تعلقه بربه، إذا قام من الليل يتهجد، فإن الله - تعالى - يعطيه قوة بما يحصل له من الذكر، تكفيه عن الأكل والشرب. أما نحن فلسنا كهيئته، ولهذا منع الوصال، وبين أنه من خصائصه ﷺ.\n* * *\nوذكر المؤلف قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: ٦٥) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف رحمه الله تعالى - فيما ساقه من الآيات الدالة على المحافظة على السنة وآدابها قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما) هذه الآية لها صلة بما قبلها وهي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا","vol":"2","page":253},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء: ٥٩)، فأمر الله - تعالى - بطاعته، وبطاعة رسوله وأولي الأمر منا.\nوأولو الأمر: يشمل العلماء والأمراء، لأن العلماء ولاة أمورنا في بيان دين الله، والأمراء ولاة أمرنا في تنفيذ شريعة الله ن ولا يستقيم العلماء إلا بالأمراء، ولا الأمراء إلا بالعلماء. فالأمراء عليهم أن يرجعوا إلى العلماء ليستبينوا منهم شريعة الله. والعلماء عليهم أن ينصحوا الأمراء، وأن يخوفوهم بالله، وأن يعظوهم حتى يطبقوا شريعة الله في عباد الله ﷿.\nثم قال: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) يعني: إن اختلفتم في شيء من الأشياء، فليس قول بعضكم حجة على الآخر، ولكن هناك حكم الله ﷿ ورسوله ﷺ فعليكم بالرجوع إلى حكم الله - تعالى - وحكم رسوله ﷺ أما الرجوع إلى الله فهو الرجوع إلي كتابه، القرآن العظيم، أما الرجوع إلي رسول الله ﷺ فهو الرجوع إلى سنته ﷺ إن كان حيًا بمراجعه شخصيًا، وإن كان ميتًا فبمراجتة ما صح من سنته ﷺ، (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر) وهذا حث على الرجوع إلى الله - تعالى ورسوله ﷺ وأن الرجوع إلى الله ورسوله من مقتضيات الإيمان.\n\n(ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) يعني أحسن عاقبة، فالرجوع إلى الله ورسوله خير للأمة وأحسن عاقبة، مهما ظن الظان أن الرجوع إلى الكتاب والسنة يشكل أمرًا قد يعجز الناس، وقد لا يطيقون ذلك، فهذا ظن خاطئ","vol":"2","page":254},{"text":"لا قيمة له، فبعض الناس يظنون أن الرجوع إلى الإسلام الذي كان في صدر هذه الأمة لا يتناسب مع الوقت الحاضر والعياذ بالله، ولم يعلم هؤلاء أن الإسلام حاكم وليس محكومًا عليه، وأن الإسلام لا يتغير باختلاف الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص، الإسلام هو الإسلام، فإن كنا نؤمن بالله واليوم الأخر؛ فلنرجع إلى الكتاب والسنة (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي: أحسن مآلًا وعافية.\nثم قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) (النساء: ٦٠)، والاستفهام هذا للتعجب ح يعني ألا تتعجب من قوم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل عليك، وبما أنزل من قبلك، ولكنهم لا يريدون التحاكم إلى الله ورسوله، إنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت؛ وهو كل ما خالف شريعة الله.\n\nومن هؤلاء القوم ما ابتلى الله به المسلمين من بعض الحكام الذين يريدون أن يرجعوا في الحكم بين الناس إلى قوانين ضالة بعيدة عن الشريعة، وضعها فلان وفلان من كفار، لا يعلمون عن الإسلام شيئًا، هم أيضًا في عصر قد تختلف العصور عنه، وفي أمة قد تختلف عنها الأمم الأخرى.\nلكن - مع الأسف - إن بعض الذين استعمروهم الكفار من البلاد الإسلامية، أخذوا هذه القوانين، وصاروا يطبقونها على الشعب الإسلامي، غير مبالين بمخالفتها لكتاب الله - تعالى - وسنة رسوله صلى اله عليه وسلم وهم","vol":"2","page":255},{"text":"يزعمون أنهم آمنوا بالله ورسوله، كيف ذلك؟ وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، أمروا أمرًا من الله أن يكفروا بالطاغوت، ومع ذلك يريدون أن يكون التحاكم إلى الطاغوت، (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا) (النساء: ٦٠)، يريد الشيطان أن يضلهم عن دين الله ضلالًا بعيدًا ليس قريبًا، لأن من حكم غير شريعة الله فقد ضل أعظم الضلال، وأبعد الضلال.\nقال الله ﷿: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (النساء: ٦١)، أي إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله؛؛ وهو القرآن، وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا، ولم يقل: رأيتهم لأجل أن يبين أه هؤلاء منافقين، فأظهر في وضع الإضمار لهذه الفائدة. ولأجل أن يشمل هؤلاء وغيرهم من المنافقين، فإن المنافق - والعياذ بالله - إذا دعي إلى الله ورسوله أعرض وصد.\n\n(فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا)، يعني كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة وكشفت عوراتهم واطلع عليها، ثم جاءوك يحلفون بالله وهم كاذبون: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) يعني ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق بين الشريعة وبين القوانين الوضعية، ولا يمكن أن يكون هناك توفيق بين حكم الله وحكم الطاغوت أبدًا، حكم الطاغوت لو فرض أنه وافق حكم الله؛ لكان حكمًا لله لا للطاغوت؛ ولهذا ما في القوانين الوضعية من المسائل","vol":"2","page":256},{"text":"النافعة، فإنها سبق إليها الشرع الإسلامي.\nولهذا قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) (النساء: ٦٣)، يعني: هؤلاء هم الذين يعلم الله ما في قلوبهم، وإن أظهروا للناس أنهم يؤمنون بالله، وأنهم يريدون الإحسان والتوفيق بين الأحكام الشرعية والأحكام القانونية، هؤلاء هم الذين يعلم الله ما في قلوبهم، وماذا أرادوا لأمتهم (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) وهذا الأمر بالإعراض عنهم تهديد لهم (وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) أي قل لهم قولًا بليغًا يبلغ إلى أنفسهم ليتعظوا به.\nثم قال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) يعني ما أرسلنا الرسل لتقرأ أقوالهم ويتركون، بل ما أرسلت الرسل إلا ليطاعوا، وإلا فلا فائدة من إرسالهم.\n\nالرسالة معناها ومقتضاها أن الرسول يطاع: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا","vol":"2","page":257},{"text":"رَحِيمًا) يعني لو أنهم إذا ظلموا أنفسهم بما أضمروه في نفوسهم من الباطن، جاءوك فاستغفروا الله: يعني طلبوا من الله المغفرة، واستغفرت لهم أنت؛ لوجدوا الله توابًا رحيمًا، ولكنهم - والعياذ بالله - بقوا على نفاقهم وعلى عنادهم.\nوهذه الآية استدل بها دعاة القبور الذين يدعون القبور ويستغفرونها حيث قالوا: لأن الله قال لنبيه ﵊: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) فأنت إذا أذنبت، فأذهب إلى قبر النبي ﵊، واستغفر الله ليستغفر لك الرسول.\n\nولكن هؤلاء ضلوا ضلالًا بعيدًا؛ لأن الآية صريحة قال: (إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ولم يقل: إذا ظلموا أنفسهم جاءوك، فهي تتحدث عن شيء مضى وانقضى، يقول: لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بما أحدثوا، ثم جاءوك في حياتك، واستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله توبًا رحيما، أما بعد موت الرسول ﵊؛ فإنه لا يمكن أن يستغفر الرسول ﷺ لأحد؛ لأنه انقطع عمله، كما قال الرسول ﵊: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فعمل النبي ﷺ نفسه بعد موته لا يمكن، لكنه ﷺ يكتب له أجر كل ما عملته الأمة، فكل ما عملنا من خير وعمل صالح من فرائض ونوافل، فإنه يكتب أجره للرسول ﵊؛ لأنه هو الذي علمنا، فهذا داخل في قوله: (أو علم ينتفع به) .\nالحاصل أنه لا دلالة في هذه الآية على ما زعمه هؤلاء الداعون لقبر النبي ﵊.\nثم ذكر المؤلف - رحمه اله - قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) هذه الآية ذكرها الله ﷿ عقب قوله تعالى: (وَمَا","vol":"2","page":258},{"text":"أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) وهذه الآية فيها إقسام من الله ﷿ بربوبيته لمحمد ﷺ، الدالة على عنايته به ﷺ عناية خاصة، وذلك لأن الربوبية هنا ربوبية خاصة.\n\nولله ﷿ على خلقه ربوبيتان: ربوبية عامة لكل أحد، مثل قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢)، وربوبية خاصة لمن اختصه من عباده مثل هذه الآية: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) . وقد اجتمع النوعان في قوله - تعالى - عن سحرة آل فرعون: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (الأعراف: ١٢٢)، فرب العالمين عامة، ورب موسى وهارون خاصة.\nوالربوبية الخاصة تقتضي عناية خاصة من الله ﷿، فاقسم - سبحانه وبحمده - بربوبيته لعبده محمد ﷺ فسمًا مؤكدًا بلا في قوله: (فَلا وَرَبِّكَ) و(لا) هذه يراد بها التوكيد ولو قال: فوربك لا يؤمنون؛ لتم الكلام، ولكنه أتي بلا للتوكيد، كقوله تعالى: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (القيامة: ١)، ليس المراد النفي أن الله لا يقسم بيوم القيامة، بل المراد التوكيد، فهي هنا للتوكيد والتنبيه.\n(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي يجعلونك حكمًا فيما حصل بينهم من النزاع؛ لأن معنى (شجر) أي حصل من النزاع (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) يجعلوك أنت الحكم فيما حصل بينهم من النزاع، في أمور الدين، وفي أمور الدنيا.","vol":"2","page":259},{"text":"ففي أمور الدين: لو تنازع رجلان في حكم مسألة شرعية؛ فقال أحدهما: هي حرام، وقال الثاني: هي حلال، فالتحاكم إلى الرسول ﵊؛ فلا يؤمن أحد منهما - أي من المتشاجرين - إلا إذا حكم رسول الله ﷺ.\nولو تنازع الناس في أمر دنيوي بينهم، كما حصل بين الزبير بن العوام ﵁ وجاره الأنصاري، حين تحاكما إلى رسول الله ﷺ في ماء الوادي، فحكم بينهما، فهذا تحاكم في أمور الدنيا، المهم أنه لا يؤمن أحد حتى يكون تحاكمه في أمور الدين والدنيا إلى رسول الله ﷺ.\n\nثم إن الإيمان المنفي هنا، إن الإنسان لا يرضى بحكم الرسول ﷺ مطلقًا، فهو نفى للإيمان من أصله، لأن من لا يرضى بحكم الرسول ﷺ مطلقًا كافر، - والعياذ بالله - خارج عن الإسلام، وإن كان عدم الرضا بالحكم في مسألة خاصة، وعصى فيها، فإنها - إذا لم تكن مكفرة - فإنه لا يكفر.\nوقوله ﷿: (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) لو قال قائل: كيف يكون تحكيم الرسول ﷺ بعد موته؟ فالجواب أن نقول: يكون تحكيمه بعد موته بتحكيم سنته ﷺ.\nفالشيء الأول: (لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) .\nوالشيء الثاني: (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ)، يعني أن الإنسان قد يحكم الكتاب والسنة، ولكن يكون في قلبه حرج، يعني ما يطمئن أو ما يرضى إلا رغمًا عنه، فلابد من أن لا يجد الإنسان في نفسه","vol":"2","page":260},{"text":"حرجًا مما قضى الله ورسوله.\nالشيء الثالث: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أي ينقادوا انقيادًا تامًا، ليس فيه تأخر ولا تقهقر، فهذه شروط ثلاثة لا يتم الإيمان إلا بها.\nأولًا: تحكيم الرسول ﷺ.\n\nوالثاني: أن لا يجد الإنسان في نفسه حرجًا مما قضاه الرسول ﷺ.\nوالثالث: أن يسلم تسليمًا تامًا بالغًا.\nوبناءً على هذا نقول: إن الذين يحكمون القوانين الآن، ويتركون وراءهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما هم بمؤمنين؛ ليسوا بمؤمنين، لقول الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ولقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: ٤٤)، وهؤلاء المحكمون للقوانين لا يحكمونها في قضية معينة خالفوا فيها الكتاب والسنة، لهوى أو لظلم، ولكنهم استبدلوا الدين بهذا القانون، وجعلوا هذا القانون يحل محل شريعة الله، وهذا كفر؛ حتى لو صلوا وصاموا وتصدقوا وحجوا، فهم كفار ما داموا عدلوا عن حكم الله - وهم يعلمون بحكم الله - وإلى هذه القوانين المخالفة لحكم الله.\n(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: ٦٥)، فلا تستغرب إذا قلنا: إن من استبدل شريعة الله بغيرها من القوانين فإنه يكفر ولو صام وصلى؛ لأن الكفر ببعض الكتاب كفر بالكتاب كله، فالشرع لا يتبعض، إما تؤمن به جميعًا، وإما أن تكفر به جميعًا، وإذا آمنت ببعض","vol":"2","page":261},{"text":"وكفرت ببعض، فأنت كافر بالجميع، لأن حالك تقول: إنك لا تؤمن إلا بما لا يخالف هواك. وأما ما خالف هواك فلا تؤمن به. هذا هو الكفر. فأنت بذلك اتبعت الهوى، واتخذت هواك إلهًا من دون الله.\n\nفالحاصل أن المسألة خطيرة جدًا، من أخطر ما يكون بالنسبة لحكام المسلمين اليوم، فإنهم قد وضعوا قوانين تخالف الشريعة وهم يعرفون الشريعة، ولكن وضعوها - والعياذ بالله - تبعًا لأعداء الله من الكفرة الذين سنوا هذه القوانين ومشى الناس عليها، والعجب أنه لقصور علم هؤلاء وضعف دينهم، أنهم يعلمون أن واضع القانون هو فلان بن فلان من الكفار، في عصر قد اختلفت العصور عنه من مئات السنين، ثم هو في مكان يختلف عن مكان الأمة الإسلامية، ثم هو في شعب يختلف عن شعوب الأمة الإسلامية، ومع ذلك يفرضون هذه القوانين على الأمة الإسلامية، ولا يرجعون إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسول الله ﷺ، فأين الإسلام؟ وأين الإيمان؟ وأين التصديق برسالة محمد ﷺ وأنه رسول إلى الناس كافة؟ وأين التصديق بعموم رسالته وأنها عامة في كل شيء؟.\nكثير من الجهلة يظنون أن الشريعة خاصة بالعبادة التي بينك وبين الله ﷿ فقط، أو في الأحوال الشخصية من نكاح وميراث وشبهه، ولكنهم أخطئوا في هذا الظن، فالشريعة عامة في كل شيء، وإذا شئت أن يتبين لك هذا؛ فسال ما هي أطول آية في كتاب الله؟ سيقال لك إن أطول آية هي: آيه الدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ....) (البقرة: ٢٨٢) كلها في المعاملات، فكيف نقول إن الشرع الإسلامي خاص","vol":"2","page":262},{"text":"بالعبادة أو بالأحوال الشخصية. هذا جهل وضلال، إن كان عن عمد فهو ضلال واستكبار، وإن كان عن جهل فهو قصور، والواجب أن يتعلم الإنسان ويعرف، نسأل الله لنا ولهم الهداية.\nالمهم أن الإنسان لا يمكن أن يؤمن إلا بثلاثة شروط:\nالأول: تحكيم النبي ﷺ.\nوالثاني: ألا يجد في صدره حرجًا ولا يطيق صدره بما قضى النبي ﵊.\nوالثالث: أن يسلم تسليمًا، وينقاد انقيادًا تامًا. فبهذه الشروط الثلاثة يكون مؤمنًا، وإن لم تتم فإنه إما خالي من الإيمان مطلقًا، وإما ناقص الإيمان، والله الموفق.\n\n* * *\n\nوقال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ثم ينقل المؤلف - رحمه الله تعالى - في سياق الآيات في باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) من يطع الرسول محمد صلى اله عليه وسلم فقد أطاع الله.\nوالطاعة: موافقة الأمر، سواء كان ذلك في فعل المأمور أو ترك المحذور، فإذا قيل طاعة ومعصية فالطاعة لفعل المأمور والمعصية لفعل المحذور.\nأما إذا قيل: طاعة على سبيل الإطلاق، فإنها تشمل الأوامر والنواهي،","vol":"2","page":263},{"text":"يعني أن امتثال الأوامر طاعة واجتناب النواهي طاعة، فالذي يطيع النبي ﷺ في أمره ونهيه، أي إذا أمره امتثل، وإذا نهاه اجتنب، فإنه يكون مطيعًا لله ﷿، هذا منطوق الآية، ومفهومها: أن من يعص الرسول فقد عصى الله.\n\nوفي هذه الآية دليل على أن ما ثبت في السنة، فإنه كالذي ثبت في القرآن، أي أنه من شريعة الله ويجب التمسك به، ولا يجوز لأحد أن يفرق بين الكتاب والسنة، ولقد أخبر النبي ﵊ محذرًا؛ حينما قال: (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من عندي فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)، يعني إنه يحذر من أنه ربما يأتي زمان على الناس يقولون: لا نتبع إلا ما في القرآن، أما ما في السنة فلا تأخذ به.\nوهذا أمر قد وقع، فوجد من الملاحدة من يقول: لا نقبل السنة، لا نقبل إلا القرآن، والحقيقة لأنهم كذبة، فإنهم لم يقبلوا لا السنة ولا القرآن، لأن القرآن يدل على وجوب اتباع السنة، وأن ما جاء في السنة كالذي جاء في القرآن، ولكنهم يموهون على العامة، ويقولون: إن السنة ما دامت ليست قرآنًا يتلى ويتواتر بين المسلمين، فإن ما فيها قابل للشك، وقابل للنسيان، وقابل للوهم وما أشبه ذلك. والله الموفق.\n\n* * *","vol":"2","page":264},{"text":"وقال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: ٦٣)، وهذا تحذير من الله ﷿ للذين يخالفون عن أمر الرسول ﷺ، يعني يرغبون عن أمره فيخالفونه، ولهذا لم يقل: يخالفون أمره، وإنما قال: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي يرغبون عنه فيخالفونه، حذرهم من أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك والعياذ بالله.\nأي أنه إذا رد شيئًا من كلام الرسول ﵊، فربما يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ويهلك لبس هلاكًا بدنيًا، بل هلاكًا دينيًا. والهلاك الديني أشد من الهلاك البدني مثآل كل حي، طالت به الحياة أم قصرت، لكن الهلاك الديني خسارة في الدنيا والآخرة والعياذ بالله.\n\nوقوله (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يعني أنهم يعاقبون قبل أن تحل بهم الفتنة تسأل الله العافية، ففي هذا دليل على وجوب قبول أمر النبي ﷺ، وأن الذي يخالف عنه مهدد بهذه العقوبة (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .\n\n* * *","vol":"2","page":265},{"text":"وقال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما ذكره من الآيات التي صدر بها باب المحافظة على اتباع السنة وآدابها قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) والخطاب هنا للنبي ﷺ أخبره الله ﷿ أنه يهدي إلى صراط مستقيم؛ يعني يدل إليه ويبينه للناس، والصراط المستقيم بينه الله في قوله: (صِرَاطِ اللَّهِ) يعني الصراط الذي نصبه الله - تعالى - لعباده، هو شريعته، وأضافه الله إلى نفسه، لأنه هو الذي نصبه، لأنه يوصل إليه، كما أنه أضافه في سورة الفاتحة إلى الذين أنعم الله عليهم، لأنهم هم الذين يسلكونه.\n\nفالنبي ﵊ يهدي الناس إلى الصراط، ويدلهم عليه، ويدعوهم إليه، ويرغبهم في سلوكه، ويحذرهم من مخالفته، وهكذا من خلفه في أمته من العلماء الربانيين، فإنهم يدعون إلى الصراط المستقيم، صراط الله العزيز الحكيم.\nفإذا قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وبين قوله تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) (القصص: ٥٦)، فإن هذه الآية نزلت حين اغتم النبي ﷺ لعمه أبي طالب، وكان عمه أبو طالب مشركًا، ولكنه كان يدافع عنه، ويرفع منزلته، ويذب عنه، ويقول فيه المدائح والقصائد العظيمة، ولكنه حرم خير الإسلام والعياذ بالله، ومات على الكفر.\nقال أهل العلم: الجمع بينهما أن الآية التي وفيها إثبات الهداية يراد بها","vol":"2","page":266},{"text":"هداية الدلالة، يعني أنك تدل الخلق، وليس كل من دل على الصراط اهتدى، وأما الهداية التي نفى الله عن رسوله ﵊ حيث قال: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) فهي هداية التوفيق، لا أحد يستطيع أن يوفق أحد للحق، ولو كان أباه، أو أبنه أو عمه، أو أمه، أو خاله، أو جدته، أبدًا، من يضلل الله فلا هدي له.\n\nولكن علينا أن ندعو عباد الله إلى دين الله، وأن نرغبهم فيه، وأن نبينه لهم، ثم إن اهتدوا فلنا ولهم، وإن لم يهتدوا فلنا وعليهم، قال الله تعالى: (طسَمَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ١-٣)، يعني لعلك تهلك نفسك بالهم والغم، إذا لم يكونوا مؤمنين، فلا تفعل، إن الهداية بيد الله، بل أدّ ما عليك وقد برئت ذمتك، والله الموفق.\n\n* * *\n\nوقال الله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ختم المؤلف الآيات بقوله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) (الأحزاب: ٣٤)، والخطاب لزوجات النبي ﷺ الطاهرات المطهرات الطيبات، هؤلاء النسوة هن أطهر زوجات على وجه الأرض منذ خلق أدم.\nوقد حاول المنافقون أن يدنسوا فراش رسول الله ﷺ، وذلك في قصة الإفك؛ التي نسجوا خيوطها ورموا بها الصديقة بنت الصديق رضي الله","vol":"2","page":267},{"text":"عنها، حيث اتهموها بما هي بريئة منه، فأنزل الله في براءتها عشر آيات من كتابه تتلى إلى يوم القيامة، فقال تعالى: (نَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ) إلى قوله تعالى: (تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: ١١)، فنساء النبي ﵊ يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة ما يتلى، يتلوه النبي ﵊ ويتلونه هن أيضًا، فيقول ﷿: اذكرن هذا، اذكرن ما يتلى في البيوت، والتزمن بالسنة، وقمن بما يجب، لأن الذي يتلى في بيته الكتاب والحكمة، لا شك أنه قد حصل على خير كثير، وعلم غزير، وأنه مسئول عن هذا العلم، فكل من آتاه الله علمًا وحكمة، فإنه مسئول عنه أكثر ممن جهل، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى العلم والحكمة. إنه جواد كريم.\n\n* * *\n\n١٥٦ـ فالأول عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن","vol":"2","page":268},{"text":"النبي ﷺ قال: (دعوني ما تركتكم) قاله النبي ﵊؛ لأن بعض الصحابة من حرصهم على العلم ومعرفة السنة، كانوا يسألون النبي ﷺ عن أشياء قد لا تكون حرامًا فتحرم من أجل مسألتهم، أو قد لا تكون واجبة، فتجب من أجل مسألتهم، فلهذا أمرهم النبي ﷺ أن يدعوه، أن يتركوا ما تركه ما دام لم يأمرهم ولم ينههم، فليحمدوا الله على العافية.\nثم علل ذلك بقوله: (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم) يعني أن الذين من قبلنا أكثروا المسائل على الأنبياء، فشدد عليهم كما شددوا على أنفسهم، ثم اختلفوا على أنبيائهم أيضًا، فليتهم لما سألوا فأجيبوا قاموا بما يلزمهم، ولكنهم اختلفوا على الأنبياء.\n\nوالاختلاف على الإنسان يعني مخالفته، وهنا مثال جاء به القرآن مصدقًا لقول النبي ﷺ هذا، اختلف بنو إسرائيل في قتيل قتل بينهم، فادعت كل قبيلة أن الأخرى هي التي قتلته، وادارءوا فيها، وتنازعوا فيها، ورفعوا الأمر إلى نبيهم موسى ﵊، فقال لهم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرة: ٦٧)، اذبحوا بقرة وخذوا عضوًا من أعضائها واضربوا به القتيل وسيخبركم القتيل من الذي قتله.\nفقالوا له: (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) أي: أتضحك علينا؟ وما صلة البقرة برجل قتل؟ وكيف يحيا القتيل بعد موته؟ وهذا من جبروت بين إسرائيل وعنادهم، ورجوعهم إلى العقول دون النص، هؤلاء رجعوا إلى عقولهم الوهمية دون النص، ولو أخذوا بالنص لسلموا من هذا (قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) لأن الذي يسخر بالناس جاهل معتد عليهم، والجهل","vol":"2","page":269},{"text":"هنا بمعنى العدوان، أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.\n\nفلما رأوا أنه صادق، وهو صادق ﵊: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ) لو أنهم أخذوا أي بقرة من السوق وذبحوها لحصل المقصود، لكن تعنتوا، وتشددوا فشدد الله عليهم (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ)؛ لا فارض: يعني لا طاعن في السن كبيرة، ولا بكر: يعني صغيرة (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) (البقرة: ٦٨)، أمرهم أن يفعلوا، وهذا تأكيد للأمر السابق: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) لكنهم أبوا، (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا) عرفنا سنها فأخبرنا ما هو لونها، (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) (البقرة: ٦٩)، شدد عليهم مرة ثانية، لو ذبحوا أي بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك لكفى، لكن تشددوا فشدد عليهم. من يجد بقرة على هذه الصفة؟ صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، لونها جميل صاف بين.\nومع ذلك ما امتثلوا: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ) يعني ما عملها؟ (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا) ليس فيها عيب: (قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) أعوذ بالله من الضلال، وتحكم العقول على النصوص، الآن جئت بالحق، وقبل ما جاء بالحق!! لكن أهواءهم وعقولهم أنكرت ذلك. (قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) يعني ما قاربوا أن يفعلوا، ولكن بالإلحاح والمساءلات فعلوا.","vol":"2","page":270},{"text":"ثم أخذوا جزءًا منها. فضربوا به القتيل فأحياه الله ثم قال: الذي قتلني فلان وانتهت المشكلة. المهم أن كثرة السؤال للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قد تسبب شدة الأمر على الأمة.\n\nومن ذلك ما وقع للنبي ﵊ في قضية الأقرع بن حابس. الأقرع بن حابس من بني تميم. قال النبي ﷺ: (إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا) فرض الحج مرة، وحيث لم يطلب منا أن نكرر فيكفي مرة واحدة، فقال الأقرع: أفي كل عام يا رسول الله؟ فهذا السؤال في غير محله. قال: (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من قبلكم: كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم) .\nهذا أيضًا من التشديد، ففي عهد الني ﷺ لا ينبغي أن يسأل عن شيء مسكوت عنه، ولهذا قال: (دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم) أما في عهدنا، وبعد انقطاع الوحي بموت النبي ﷺ فسأل، اسأل عن كل شيء تحتاج إليه؛ لأن الأمر مستقر الآن، وليس هناك زيادة ولا نقص، أما في عهد التشريع فيمكن أن يزاد ويمكن أن ينقص، وبعض العوام يفهم من قوله تعالى: (لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة: من الآية١٠١)، وقوله ﷺ: (دعوني ما تركتكم ...) يفهم من ذلك فهمًا خاطئًا فتجده يفعل الحرام، ويترك","vol":"2","page":271},{"text":"الواجب ولا يسأل، حتى إن بعضهم يقال له: هذا حرام، اسأل العلماء، فيقول لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم، وهذا لا يجوز.\nفالواجب على الإنسان أن يتفقه في دين الله. قال النبي ﵊: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) .\nثم قال ﷺ: (وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم) فعمم في النهي وخص في الأمر.\nأما في النهي فقال: (ما نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه) . فأي شيء ينهانا عنه الرسول ﵊ فإننا نتجنبه، وذلك لأن المنهي عنه متروك، فالنهي أمر بالترك ليس فيه مشقة. كل إنسان يستطيع أن يترك وليس عليه مشقة ولا ضرر، فما نهانا عنه فإننا نتجنبه، إلا أن هذا مقيد بالضرورة، فإذا اضطر الإنسان إلى شيءٍ محرم، وكان لا يجد سواه، وتندفع به ضرورته، فإنه حلال لقول الله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه) (الأنعام: من الآية١١٩)، ولقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ...) إلى قوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: ٣) .\nفيكون قول الرسول ﷺ: (ما نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه) يكون مقيدًا بحال الضرورة، يعني أنه وجدت ضرورة إلى شيءٍ محرم صار هذا","vol":"2","page":272},{"text":"المحرم حلالًا بشرطين:\nالشرط الأول: أن لا تندفع ضرورته بسواه.\n\nالشرط الثاني: أن يكون مزيلًا للضرورة. وبهذين القيدين نعرف أنه لا ضرورة إلى دواء محرم، يعني لو كان هناك ولكنه محرم، فإنه لا ضرورة إليه.\nفلو قال قائل: أنا أريد أن أشرب دمًا أستشفي به، كما يدعي بعض الناس أنه إذا شرب من دم الذئب شفي من بعد الأمراض، نقول: هذا لا يجوز.\nأولًا: لأن الإنسان ربما يشفى بغير هذا المحرم؛ إما من الله، وإما بدعاء، وإما بقراءة، وإما بدواء آخر مباح\nوثانيًا: أنه ليس يقينًا أنه إذا تداوى بالدواء يشفى، فما أكثر الذين يتداوون ولا يشفون، بخلاف من كان جائعًا وليس عنده إلا ميتة، أو لحم خنزير، أو لحم حمار، فإنه يجوز أن يؤكل في هذه الحالة؛ لأننا نعلم أن ضرورته تندفع بذلك، بخلاف الدواء.\nوأما قوله ﵊: (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) . فهذا يوافق قول الله ﷿: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية١٦)، يعني إذا أمرنا بأمر، فإننا نأتي منه ما استطعنا، وما لا نستطيعه يسقط عنا، مثلًا: أمرنا بأن نصلي الفرض قيامًا، فإذا لم نستطع صلينا جلوسًا، فإذا لم نستطع صلينا على جنب، كما قال ﷺ لعمر بن حصين: (صل","vol":"2","page":273},{"text":"قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا ن فإن لم تستطع فعلى جنب) .\nوتأمل قوله: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) بخلاف النهي، لأن الأمر فعل وإيجاب، قد يكون شاقًا على النفس ولا يستطيع الإنسان أن يقوم به، فلهذا قيده بقوله: (فأتوا منه ما استطعتم)، مع ذلك فإن هذا الأمر مقيد بقيد آخر، وهو ألا يوجد مانع يمنع، فإذا وجد مانع يمنع، فهذا يدخل في قوله: (فأتوا منه ما استطعتم) . ولهذا قال العلماء: لا واجب مع عجز، ولا محرم مع الضرورة. والشاهد من هذا الحديث قول النبي ﷺ: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) فإن هذا يدخل في المحافظة على السنة وآدابها.\n\nوأما ما سكت عنه النبي ﷺ فهو عفو، وهذا من رحمة الله. فالأشياء إما مأمور بها، أو منهي عنها، أو مسكوت عنها، فما سكت الله ورسوله فإنه عفو لا يلزمنا فعله ولا تركه، والله الموفق.\n\n* * *\n١٥٧ـ الثاني: عن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: (أوصيكم بتقوى الله. والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها","vol":"2","page":274},{"text":"بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح.\n(النواجذ) بالذال المعجمة: الأنياب، وقيل الأضراس.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله في باب الأمور بالمحافظة على السنة وآدابها، عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منا القلوب وذرفت منها العيون) وهذا من دأبه ﷺ أنه كان يعظ الناس بالمواعظ أحيانًا على وجهٍ راتب، كما في يوم الجمعة، خطب يوم الجمعة، وخطب العيدين. وأحيانًا على وجهٍ عارض، إذا وجد سبب يقضي الموعظة، قام ﵊ فوعظ الناس.\nومن ذلك موعظته ﷺ بعد صلاة الكسوف، فإنه خطب ووعظ موعظة عظيمة بليغة، من أحب أن يرجع إليها فعليه بكتاب زاد المعاد لابن القيم ﵀.\nأما هنا فيقول: (وعظنا موعظة بليغة، وجلت منا القلوب، وذرفت منها العيون) . وجلت: يعني خافت. وذرفت العيون من البكاء، فأثرت فيهم تأثيرًا بالغًا، حتى قالوا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا؛","vol":"2","page":275},{"text":"لأن المودع إذا أراد المغادرة، فإنه يعظ من خلفه بالمواعظ البليغة التي تكون ذكرى لهم فلا ينسونها، ولهذا تجد الإنسان إذا وعظ عند فراقه لسفر أو غيره، فإن الموعظة تمكث في قلب الموعوظ وتبقى، لهذا قالوا: كأنها موعظة مودع فأوصنا.\nفقال ﷺ: (أوصيكم بتقوى الله) وهذه الوصية التي أوصى بها الله ﷿ عباده، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) (النساء: من الآية١٣١)، والتقوى كلمة جامعة من أجمع الكلمات الشرعية، ومعناها: أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله، ولا يكون هذا إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي، ولا يكون فعل الأوامر واجتناب النواهي إلا بعلم الأوامر والنواهي. إذاَ فلابد من علم، ولابد من عمل، فإذا اجتمع للإنسان العلم والعمل، نال بذلك خشية الله، وحصلت له التقوى.\nفتقوى الله إذن: أن يتخذ الإنسان وقاية من عذابه، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولا وصول إلى ذلك إلا بالعلم. وليس المراد بالعلم أن يكون الإنسان بحرًا في العلم، بل المراد به العلم بما يعين عليه من أوامر الله. والناس يختلفون في ذلك: فمثلًا من عنده مال يجب أن يعلم أحكام الزكاة، ومن قدر على الحج وجب عليه أن يعلم أحكام الحج، وغيرهم لا يجب عليهم، فعلوم الشريعة فرض كفاية إلا ما تعين على العبد فعله، فإن علمه يكون فرض عين.\nقال ﷺ: (والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي) . السمع","vol":"2","page":276},{"text":"والطاعة، يعني لولى الأمر (وإن تأمر عليكم عبد حبشي)، سواء كانت إمرته عامة، كالرئيس الأعلى في الدولة، أو خاصة كأمير بلدة، أو أمير قبيلة وما أشبه ذلك. وقد أخطأ من ظن أن المراد بقوله: (وإن تأمر عليكم عبد حبشي) أن المراد بهم الأمراء الذين دون الولي الأعظم الذي يسميه الفقهاء الإمام الأعظم، لأن الإمارة في الشرع تشمل الإمارة العظمى، وهي الإمامة وما دونها؛ كإمارة البلدان، والمقاطعات والقبائل وما أشبه ذلك. ودليل هذا أن المسلمين منذ تولى عمر بن الخطاب ﵁ يسمون الخليفة (أمير المؤمنين) فيجعلونه أميرًا. وهذا لا شك فيه، ثم يسمى أيضًا إمامًا، لأنه السلطان الأعظم، ويسمى سلطانًا. لكن الذي عليه الصحابة أنهم يسمونه (أمير المؤمنين) .\n\nوقوله: (وإن تأمر عليكم عبد حبشي) يعني حتى ولو لم يكن من العرب، لو كان من الحبشة، وتولى، وجعل الله له السلطة، فإن الواجب السمع والطاعة له، لأنه صار أميرًا، ولو قلنا بعدم السمع والطاعة له، لأصبح الناس فوضى، كلٌ يعتدي على الآخر، وكلٌ يضيع حقوق الآخرين، وقوله: (والسمع والطاعة) هذا الإطلاق مقيد بما قيده به النبي ﷺ حيث قال: (إنما الطاعة في المعروف) ثلاث مرات، يعني فيما يقره الشرع، وأما ما ينكره الشرع، فلا طاعة لأحد فيه حتى لو كان الأب أو","vol":"2","page":277},{"text":"الأم أو الأمير العام أو الخاص، فإنه لا طاعة له.\nفمثلًا لو أمر ولي الأمر بأن لا يصلي الجنود، قلنا: لا سمع ولا طاعة، لأن الصلاة فريضة، فرضها الله على العباد وعليك أنت أيضًا، أنت أول من يصلي، وأنت أول من تفرض عليه الصلاة، فلا سمع ولا طاعة.\nولو أمرهم بشيء محرم، كحلق اللحى مثلًا. قلنا: لا سمع ولا طاعة، نحن لا نطيعك، إنما نطيع النبي ﷺ الذي قال: (اعفوا اللحى، وحفّوا الشوارب) .\n\nوهكذا كل ما أمر به ولي الأمر، إذا كان معصية لله، فإنه لا سمع له ولا طاعة، يجب أن يعصى علنًا ولا يهتم به، أن من عصى الله وأمر العباد بمعصية الله، فإنه لا حق له في السمع والطاعة. لكن يجب أن يطاع في غير هذا. يعني ليس معنى ذلك أنه إذا أمر بمعصية تسقط طاعته مطلقًا. لا. إنما تسقط طاعته في هذا الأمر المعين الذي هو معصية لله. أما ما سوى ذلك، فإنه تجب طاعته، وقد ظن بعض الناس أنه لا تجب طاعة ولي الأمر إلا فيما أمر الله به، وهذا خطأ، لأن ما أمر الله به فإنه يجب علينا أن ننفذه ونفعله، سواء أمرنا به ولي الأمر أم لا.\n\nفالأحوال ثلاثة: إما أن يكون ما أمر به ولي الأمر مأمورًا به شرعًا، كما لو أمر بالصلاة مع الجماعة مثلًا، فهذا يجب امتثاله لأمر الله ورسوله ولأمر","vol":"2","page":278},{"text":"ولي الأمر. وأما أن يأمر ولي الأمر بمعصية الله، من ترك واجب أو فعل محرم، فهنا لا طاعة له ولا سمع. وأما أن يأمر الناس بما ليس فيه أمر شرعي ولا معصية شرعية، فهذا تجب طاعته فيه، لأن الله قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) فطاعة ولي الأمر في غير معصية طاعة لله ولرسوله. والله الموفق.\nثم قال ﷺ: (فإنه من يعش منكم، فسيرى اختلافًا كثيرًا) يعني أن من يعش منكم ويمد له في عمره، فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ اختلافًا كثيرًا في الولاية، واختلافًا كثيرًا في الرأي، واختلافًا كثيرًا في العمل، واختلافًا كثيرًا في حال الناس عمومًا، وفي حال بعض الأفراد خصوصًا، وهذا الذي وقع؛ فإن الصحابة ﵃ لم ينقرضوا حتى حصلت الفتن العظيمة في مقتل عثمان ﵁، وعلي بن أبي طالب ﵁، وقبلها مقتل عمر بن الخطاب ﵁، وغير ذلك من الفتن المعروفة في كتب التاريخ.\n\nوالذي يجب علينا - نحن إزاء هذه الفتن، أن نمسك عما شجر بين الصحابة ﵃، وألا نخوض فيه، وألا نتكلم فيه؛ لأنه كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀: هذه دماء طهر الله سيوفنا منها، فيجب أن نطهر ألسنتنا منها، وصدق ﵁، فما فائدتنا أن ننبش عما جرى بين علي بن أبي طالب وعائشة ﵄، أو بين علي ومعاوية ﵄ من الحروب التي مضت وانقضت، ذكر هذه الحروب وتذكرها لا يفيدنا إلا ضلالًا؛ لأننا في هذه الحال نحقد على بعض","vol":"2","page":279},{"text":"الصحابة، ونغلو في بعض، كما فعلت الرافضة حين غلوا في آل البيت، فزعموا أنهم يوالون آل البيت، وبالله العظيم إن آل البيت لبرآء من غلوهم، وأول من تبرأ من غلوهم علي بن أبي طالب ﵁، فإن السبئية أتباع عبد الله بن سبأ، وهو أول من سن الرفض في هذه الأمة، وكان يهوديًا، أظهر الإسلام ليفسد الإسلام، كما قال شيخ الإسلام أبن تيمية ﵀ وهو العلم الذي قد سبر حال القوم وعرفها، قال: إن عبد الله بن سبأ يهودي دخل في الإسلام ليفسده، كما دخل بولس في دين النصارى ليفسده، هذا الرجل - أعني عبد الله بن سبأ - عليه من الله ما تولاه - تظاهر بأنه يحب آل البيت،\nوبأنه يدافع عنهم، ويدافع عن علي بن أبي طالب، حتى أنه قام بين يدي علي بن أبي طالب يقول له: أنت الله حقًا، قاتله الله، لكن علي بن أبي طالب ﵁ أمر بالأخدود؛ يعني بالحفر فحفرت، ثم ملئت حطبًا، ثم دعا بأتباع هذا الرجل ثم أوقد فيهم النار، أحرقهم بالنار؛ لأن ذنبهم عظيم والعياذ بالله، ويقال: إن عبد الله بن سبأ أفلت منه وهرب إلى مصر. والله أعلم.\nقال ابن عباس ﵄ حينما بلغه الخبر: إن علي بن أبي طالب أصاب في قتلهم، لقول النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه) وهؤلاء بدلوا دينهم؛ ولكن لو كنت إياه لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تعذبوا بعذاب الله) فبلغ ذلك علي بن أبي طالب فقال: ما أسقط ابن أم الفضل","vol":"2","page":280},{"text":"على الهنات يعني: العيب، كأنه ﵁ صوب ما قال عبد الله بن عباس ﵃.\n\nإنني أقول: إن من مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن نسكت عما شجر بين الصحابة، فلا نتكلم فيه، نعرض بقلوبنا وألسنتنا عما جرى بينهم، ونقول: كلهم مجتهدون، المصيب منهم له أجران، والمخطئ منهم له أجر واحد، تلك أمة قد خلت، لما ما كسبت، ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون، لو قرأ إنسان التاريخ حول هذه الأمور؛ لوجد العجب العجاب، وجد من ينتصر لبي أمية، ويقدح في علي بن أبي طالب وآل النبي، ووجد من يغلو في علي بن أبي طالب وآل النبي ويقدح قدحًا عظيمًا في بني أمية؛ لأن التاريخ يخضع للسياسة.\nلذا يجب علينا - نحن - فيما يتعلق بالتاريخ ألا نتعجل في الحكم، لأن التاريخ يكون فيه كذب، ويكون فيه هوى وتغيير للحقائق، ينشر غير ما يكون، ويحذف ما يكون، كل هذا تبعًا للسياسة، ولكن - على كل حال - ما جرى بين الصحابة ﵃ يجب علينا أن نكف عنه. كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، حتى لا يكون في قلوبنا غل على أحد منهم. نحبهم كلهم، ونسأل الله أن يميتنا على حبهم، نحبهم كلهم ونقول: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.\n\nقال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق ـ: (وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا) وهذا هو الذي وقع. ولكن هل هذه الجملة تنزل","vol":"2","page":281},{"text":"على كل زمان، بمعنى أن من عاش من الناس فسوف يرى التغير، أو أن هذا خاص بمن خاطبهم الرسول ﵊؟ . نقول: إنه ينطبق على كل زمن، فالذين عمروا منا يجدون الاختلاف العظيم بين أول حياتهم وآخر حياتهم، فمن عاش ومد له في العمر؛ رأى التغير العظيم في الناس، رأى التغير لأنه كما قال الرسول ﵊: (من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا) قد وقع، وحصل خلاف بين الأمة في السياسة، وفي العقيدة، وفي الأفعال، والأحكام العملية، ثم إن الرسول ﷺ حث عند هذا الاختلاف على لزوم سنة واحدة فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) .\nفالرسول ﷺ أمرنا - عندما نرى هذا الاختلاف - أن نلزم سنته، فقال: (عليكم بسنتي) يعني ألزموها. وكلمة: عليكم، يقول علماء النحو: أنها جار ومجرور محول إلى فعل الأمر، يعني: ألزموا سنتي.\nوسنته ﵊ هي: طريقته التي يمشي عليها، عقيدة، وخلقًا، وعملًا، وعبادةً وغير ذلك، نلزم سنته، ونجعل التحاكم إليها، كما قال الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: ٦٥)، فسنة النبي ﵊ هي سبيل النجاة لمن أراد الله نجاته من الخلافات والبدع، وهي - ولله الحمد - موجودة في كتب أهل العلم الذين ألفوا في السنة، مثل الصحيحين للبخاري ومسلم، والسنن والمسانيد وغيرها مما ألفه أهل العلم وحفظوا به سنة رسول الله ﷺ.","vol":"2","page":282},{"text":"وقوله: (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) . الخلفاء جمع خليفة: وهم الذين خلفوا النبي ﷺ في أمته علمًا وعملًا ودعوة وسياسة، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين الأربعة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، وألحقنا بهم في جنات النعيم، هؤلاء الخلفاء الأربعة ومن بعدهم من خلفاء الأمة، الذين خلفوا النبي ﷺ في أمته، هم الذين أمرنا باتباع سنتهم، ولكن ليعلم أن سنة هؤلاء الخلفاء تأتي بعد سنة الرسول ﵊، فلو تعارضت سنة خليفة من الخلفاء مع سنة محمد ﷺ، فإن الحكم لسنة محمد ﷺ لا لغيرها؛ لأنها - أعني سنة الخلفاء -تابعة لسنة النبي ﷺ.\nأقول هذا؛ لأنه قد جرى نقاش بين طالبين من طلبة العلم في صلاة التراويح، أحدهما يقول: السنة أن تكون ثلاثًا وعشرون ركعة. والثاني يقول: السنة أن تكون ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة. فقال الأول للثاني: هذه سنة الخليفة عمر بن الخطاب أنها ثلاث وعشرون، يريد أن يعارض بهذا سنة الرسول ﷺ فقال الآخر: سنة النبي ﷺ مقدمة، هذا إن صح عن عمر أنها ثلاث وعشرون، ومع أن الذي صح عن عمر بأصح إسناد، رواه مالك في الموطأ أنه أمر تميمًا الداري وأبي بن كعب أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة لا ثلاث وعشرون، هذا الذي صح عنه ﵁. على كل حال لا يمكن أن نعارض سنة الرسول ﵊ بسنة أحد من الناس، لا الخلفاء ولا غيرهم، وما خالف سنة الرسول ﷺ من أقوال الخلفاء، فإنه يعتذر عنه ولا يحتج به، ولا يجعل حجة على سنة","vol":"2","page":283},{"text":"الرسول صلى اله عليه وسلم.\n\nالمهم أن سنة الخلفاء الراشدين تأتي بعد سنة الرسول ﷺ. قال ابن عباس ﵄: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!! هذا وهما أبو بكر وعمر فكيف بمن عارض قول الرسول ﷺ بقول من دون أبى بكر وعمر بمراحل.\nيوجد بعض الناس إذا قيل له: هذه هي السنة، قال: لكن قال العالم الفلاني كذا وكذا، من المقلدين المتعصبين. أما من احتج بقول عالم وهو لا يدري عن السنة فهذا لا بأس به، لأن التقليد لمن لا يعلم بنفسه جائز ولا بأس به.\nثم قال النبي ﷺ: (تمسكوا بها) أي تمسكوا بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، (عضوا عليها بالنواجذ) والنواجذ: أقصى الأضراس، وهو كناية عن شدة التمسك، فإذا تمسك الإنسان بيديه بالشيء وعض عليه بأقصى أسنانه، فإنه يكون ذلك أشد تمسكًا مما لو أمسكه بيد واحدة، أو بيدين بدون عض، فهذا يدل على أن النبي ﷺ أمرنا أن نمسك أشد التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده ﵊.\n\nثم قال النبي ﷺ بعد أن أمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وحث علة التمسك بها، والعض عليها بالنواجذ، قال: (وإياكم ومحدثان الأمور) . يعني أحذركم من محدثات الأمور، أي من الأمور المحدثة، وهذه الإضافة من باب إضافة الصفة إلى موصوفها،","vol":"2","page":284},{"text":"والأمور المحدثة يعني بها صلوات الله وسلامه عليه: المحدثات في دين الله. وذلك لن الأصل قيما يدين به الإنسان ربه، ويتقرب به إليه، والأصل فيه المنع والتحريم، حتى يقوم دليل على أنه مشروع.\nولهذا أنكر الله ﷿ على من يحللون ويحرمون بأهوائهم؛ فقال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) (النحل: من الآية١١٦)، وأنكر على من شرع في دينه ما لم يأذن به؛ فقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (الشورى: من الآية٢١)، وقال (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس: من الآية٥٩) .\nأما الأمور العادية وأمور الدنيا، فهذه لا ينكر على محدثاتها إلا إذا كان قد نص على تحريمه، أو كان داخلًا في قاعدة عامة تدل على التحريم، فمثلًا السيارات والدبابات وما أشبهها، لا نقول إن هذه محدثة لم توجد في عهد الرسول ﷺ، فلا يجوز استعمالها، لأن هذه من الأمور الدنيوية، الثياب وأنواعها، لا نقول لا تلبس إلا ما كان يلبسه الصحابة، البس ما شئت مما أحل الله لك؛ لأن الأصل الحل، إلا ما نص الشرع على تحريمه، كتحريم الحرير والذهب على الرجال، وتحريم ما فيه الصورة وما أشبه ذلك.\nفقوله صلوات الله وسلامه عليه: (وإياكم ومحدثان الأمور) يعني في دين الله، وفيما يتعبد به الإنسان لربه، ثم قال: (فإن كل بدعة ضلالة) يعني أن كل بدعة في دين الله فهي ضلالة، وإن ظن صاحبها أنها خير، وأنها هدى، فإنها ضلالة لا تزيده من الله إلا بعدًا.","vol":"2","page":285},{"text":"وقوله صلوات الله وسلامه عليه: (كل بدعة ضلالة) يشمل ما كان مبتدعًا في أصله، وما كان مبتدعًا في وصفه. فمثلًا: لو أن أحد أراد أن يذكر الله بأذكار معينة بصفتها أو عددها، بدون سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ، فإنا ننكر عليه ولا ننكر أصل الذكر، ولكن ننكر ترتيبه على صفة معينة بدون دليل.\nفإن قال قائل: ما تقولون في قول عمر ﵁ حين أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري ﵄ أن يقوما بالناس في رمضان في تراويحهم، وأن يجتمع الناس على إمام واحد بعد أن كانوا أوزاعًا، فخرج ذات ليلة والناس خلف إمامهم فقال: (نعمت البدعة هذه) فأثنى عليها ووصفها بأنها بدعة، والرسول ﵊ يقول: (كل بدعة ضلالة) .\nقلنا: إن هذه البدعة ليست بدعة مبتدأة، لكنها بدعة نسبية، وذلك لأن النبي ﷺ صلى بأصحابه ثلاث ليال أو أربع ليال في رمضان، يقوم بهم، ثم تخلف في الثالثة أو الرابعة، وقال: (إني خشيت أن تفرض عليكم) فصار الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان سنة سنها النبي ﷺ، ولكن تركها خزفًا من أن تفرض علينا.\n\nثم بقيت الحال ما هي عليه، يصلي الرجلان والثلاثة والواحد","vol":"2","page":286},{"text":"على حده؛ في خلافة أبي بكر وفي أول خلافة عمر ﵄ جمع الناس على إمام واحد، فصار هذا الجمع بدعة بالنسبة لتركه في آخر حياة الرسول ﵊، وفي عهد أبي بكر، وفي أوا خلافة عمر ﵄، فهذه بدعة نسبية، وإن شئت فقل: إنها بدعة إضافية، يعني بالنسبة لترك الناس لها هذه المدة آخر حياة الرسول ﷺ، وخلافة أبي بكر وأول خلافة عمر. ثم أنه بعد ذلك استؤنفت هذه الصلاة، وإلا فلا شك أن قول الرسول ﷺ: (كل بدعة ضلالة) عام، وهو صادر من أفصح الخلق وأنصح الخلق ﵊ وهو كلام واضحة، كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها، فإنها ضلالة. والله الموفق.\n\n* * *\n١٦٠ـ الخامس: عن أبي عبد الله النعمان بن بشير ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) متفق عليه.\n\nوفي رواية لمسلم: (كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يومًا، فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلًا باديًا صدره فقال: (عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) .","vol":"2","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمة الله تعالى، فيما نقله عن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم) .\nالجملة الأولى: مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ بالقسم المقدر، واللام، ونون التوكيد، (أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، يعني إن لم ننسو الصفوف؛ خالف الله بين وجوهكم، وهذا الجملة أيضًا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: بالقسم، واللام، والنون.\nواختلف العلماء ﵏ في معنى مخالفة الوجه. فقال بعضهم: إن المعنى أن الله يخالف بين وجوههم مخالفة حسية، بحيث يلوي الرقية، حتى يكون وجه هذا مخالفًا لوجه هذا، والله على كل شيء قدير، فهو ﷿ قلب بعض بني أدم قردة، قال لهم: كونوا قردة، فكانوا قردة، فهو قادر على أن يلوي رقبة لإنسان حتى يكون وجهه من عند ظهره، وهذه عقوبة حسية.\n\nوقال بعض العلماء: بل المراد بالمخالفة: المخالفة المعنوية، يعني مخالفة القلوب؛ لأن القلب له اتجاه، فإذا اتفقت القلوب على وجهة واحدة حصل في هذا الخير الكثير، وإذا اختلفت تفرقت الأمة. فالمراد بالمخالفة مخالفة القلوب، وهذا التفسير أصح؛ لأنه قد ورد في بعض الألفاظ: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) . وفي رواية: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) .","vol":"2","page":288},{"text":"وعلى هذا فيكون المراد بقوله: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، أي بين وجهات نظركم، وذلك باختلاف القلوب. وعلى كل حال، ففي هذا دليل على وجوب تسوية الصفوف، وأنه يجب على المأمومين أن تسوى صفوفهم، وأنهم إن لم يفعلوا ذلك، فقد عرضوا أنفسهم لعقوبة الله والعياذ بالله.\nوهذا القول - أعني وجوب تسوية الصف - هو الصحيح، والواجب على الأئمة أن ينظروا في الصف، فإذا وجدوا فيه اعوجاجًا أو تقدمًا أو تأخرًا، نبهوا على ذلك، وكان النبي ﷺ أحيانًا -يمشي على الصفوف يسويها بيده الكريمة ﵊، من أول الصف لآخره، ولما كثر الناس في زمن الخلفاء، أمر عمر بين الخطاب ﵁ رجلًا يسوي الصفوف إذا أقيمت الصلاة، فإذا جاء وقال إنها قد سويت كبر للصلاة، وكذلك فعل عثمان ﵁، وكل رجلًا يسوي صفوف الناس، فإذا جاء وقال قد استوت كبر. وهذا يدل على اعتناء النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بتسوية الصف.\nولكن مع الأسف الآن نجد أن المأمومين لا يبالون بالتسوية، يتقدم إنسان ويتأخر إنسان ولا يبالي، وربما يكون مستويًا مع أخيه في أول الركعة، ثم عند السجود يحصل من الاندفاع تقدم أو تأخر، ولا يساوون الصف في الركعة الثانية، بل يبقون على ما هو عليه، وهذا خطأٌ، فالمهم أنه يجب تسوية الصف.\nفإذا قال قائل: إذا كان هناك إمام ومأموم فقط، فهل يتقدم الإمام","vol":"2","page":289},{"text":"قليلًا، أو يسوي المأموم؟\n\nفالجواب: أنه يساوي المأموم؛ لأنه إذا كان إمام ومأموم، فالصف واحد، لا يمكن أن يكون المأمون خلف الإمام وحده، بل هم صف واحد، والصف الواحد يسوى فيه خلافًا لما قال بعض أهل العلم إنه يتقدم الإمام قليلًا؛ لأن هذا لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، وهو أن يسوي بين الإمام والمأموم إذا كانا اثنين.\nثم قال في رواية: (كان النبي ﷺ يسوي صفوفنا كأنما يسوي بها القداح) .\nوالقداح: هي ريش السهم، كانوا يسوونها تمامًا، بحيث لا يتقدم شيء على شيء، مثل مشط البندق، يكون مستويًا، فكان يسوي الصفوف كأنما يسوي بها القداح، حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه، يعني فهمنا وعرفنا أن التسوية لابد منها، خرج ذات يوم فرأى رجلًا باديًا صدره، فقال: (عباد الله، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، فدل هذا على سبب قول الرسول ﷺ: (لتسون صفوفكم)، لأن سببه أنه رأى رجلًا باديًا صدره فقط، يعني ظاهرًا صدره قليلًا من على الصف، فدل ذلك على أن من هدي النبي ﷺ أنه يتفقد الصف، وأنه يتوعد من تقدم على الصف بهذا الوعيد: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) .\n\nفعلينا أن نبين هذه المسألة لأئمة المساجد، وكذلك للمأمومين حتى ينتبهوا لهذا الأمر ويعتنوا بشأن تسوية الصف، ولا يحصل تهاون بين الناس. والله الموفق\n\n* * *","vol":"2","page":290},{"text":"١٦١ـ السادس: عن أبي موسى ﵁ قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فلما حدث رسول الله ﷺ بشأنهم قال: (إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم) متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف في باب الحث على اتباع السنة وآدابها هذا الحديث؛ الذي وقع في عهد النبي ﷺ، أن قومًا احترق عليهم بيتهم في الليل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم) .\nهذه النار التي خلقها الله ﷿ وأنشأ شجرها، امتن الله بها على عباده؛ فقال ﷾: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ) (الواقعة: ٧١-٧٢)، والجواب؛ بل أنت يا ربنا الذي أنشأتها: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) (الواقعة: ٧٣) تذكرة يتذكر بها الإنسان جهنم، فإن هذه النار جزء من ستين جزءًا من نار جهنم، كل نار الدنيا الشديدة الحرارة والخفيفة، كلها جزء من ستين جزءًا من نار جهنم، أعاذني الله وإياكم منها.\nفجعلها الله تذكرة؛ حتى إن بعض السلف كان إذا هم بمعصية ذهب إلى النار، ووضع إصبعه عليها؛ يعني يقول لنفسه: اذكري هذه الحرارة؛ حتى لا تتجرأ نفسه على المعصية التي هي سبب لدخول النار نسأل الله","vol":"2","page":291},{"text":"العافية.\n\nومن هذا يقول تعالى: (وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) يعني جعلناها متاعًا للمسافرين وغيرهم من المحتاجين إليها، يتمتعون بها، ويستدفئون بها في الشتاء، ويسخنون بها مياههم، ويطبخون عليها أطعمتهم، فهي مصلحة، ولكن قد تكون مضرة؛ كما قال النبي ﷺ في الحديث: (إن هذه النار عدوٌ لكم) فهي عدو إذا لم يحسن الإنسان ضبطها وقيدها، وصارت عدوًا إذا فرط فيها أو تعدى، فرط فيها بأن لم يبعد ما تكون سببًا لاشتغاله، أو تعدى فيها بأن أوقدها حول ما يشتعل سريعًا، كالبنزين والغاز وما أشبه ذلك، فإنها تكون عدوًا للإنسان.\nوفي هذا دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يتخذ الاحتياط في الأمور التي يخشى شرها، ولهذا أمر الإنسان عند النوم أن يطفئ النار ولا يقول هذه سهلة أنا آمن من ذلك، ربما يظن هذا الظن ولكن يحدث مالا يخطر على باله.\nومن ذلك أيضًا صمامات الغاز التي حدثت في عصرنا الحاضر، فصمامات الغاز يجب على الإنسان أن يتفقدها؛ لئلا يكون فيها شيء من التسريب؛ فتملأ الجو من الغز، فإذا أشعل النار احترق المكان كله.\n\nومن ذلك أيضًا أفياش الكهرباء، ينبغي على الإنسان أن يكون حريصًا عليها ومتفقدًا لها، وأن يكون الذي يركبها شخصًا عارفًا مهندسًا؛ حتى لا تركب على وجه الخطأ؛ فيحصل بذلك الاحتراق، إما احتراقًا كليًا للبيت كله أو لجزء منه. المهم أن الإنسان يجب عليه الاحتراز من كل ما يخشى","vol":"2","page":292},{"text":"ضرره.\nوإذا كان هذا في نار الدنيا، فكذلك يجب أن يحترس مما يكون سببًا لعذاب النار في الآخرة، من أسباب المعاصي، ووسائلها، وذرائعها ولهذا قال أهل العلم ﵏: إن الوسائل لها أحكام المقاصد، وأن الذرائع يجب أن تسد إذا كانت ذريعة إلى محرم، خشية من الوقوع في الهلاك. والله الموفق.\n\n* * *\n\n١٦٢ـ السابع: عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا. وأصاب طائفة منا أخرى، أنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) متفق عليه.\n(فقه) بضم القاف على المشهور، وقيل بكسرها، أي صار فقيهًا.","vol":"2","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي موسى الأشعري ﵁ في هذا المثل الذي ضربه النبي ﷺ فقال (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا) الغيث: يعني المطر، فكانت هذه الأرض ثلاثة أقسام: قسم رياض: قبلت الماء، وأنبتت العشب الكثير والزرع، فانتفع الناس بها، وقسم آخر قيعان: أمسكت الماء وانتفع الناس به فاسقوا مه ورووا منه، والقسم الثالث: أرض سبخة: ابتلعت الماء ولم تنبت الكلأ.\n\nفهكذا الناس بالنسبة لما بعث الله به النبي ﷺ من العلم والهدى، منهم من فقه في دين الله، فعلم وعلم، وانتفع الناس بعلمه. وانتفع هو بعلمه، وهذا كمثل الأرض لتي أنبتت العشب والكلأ فأمل الناس منها، وأكلت منها مواشيه.\nوالقسم الثاني: في قوم حملوا الهدى، ولكن لم يفقهوا في هذا الهدى شيئًا، بمعنى أنهم كانوا رواة للعلم والحديث، لكن ليس عندهم فقه، فهؤلاء مثلهم مثل الأرض التي حفظت الماء، واستقى الناس منه، وشربوا منه، لكن الأرض نفسها لم تنبت شيئًا؛ لأن هؤلاء يروون أحاديث وينقلونها، ولكن ليس عندهم فيها فقه وفهم.\nوالقسم الثالث: من لم يرفع بما جاء به النبي ﷺ من العلم والهدى رأسًا، وأعرض عنه، ولم يبال به، فهذا لم ينتفع بما جاء به النبي عليه","vol":"2","page":294},{"text":"الصلاة والسلام، ولم ينفع غيره، فمثله كمثل الأرض التي بلعت الماء ولم تنبت شيئًا.\n\nوفي هذا الحديث دليل على أن من فقه في دين الله، وعلم من سنة رسول الله ﷺ ما يعلم فإنه خير الأقسام، لأنه علم وفقه لينتفع وينفع الناس، ويليه من علم ولكن لم يفقه، يعني روى الحديث وحمله لكن لم يفقه منه شيئًا، وإنما هو رواية فقط، يأتي في المرتبة الثانية في الفضل بالنسبة لأهل العلم والإيمان.\nوالقسم الثالث: لا خير له، رجل أصابه من العلم والهدى الذي جاء به النبي ﵊، ولكنه لم يرفع به رأسًا ولم ينتفع به، ولم يعلمه الناس، فكان - والعياذ بالله - كمثل الأرض السبخة التي ابتلعت الماء ولم تنبت شيئًا للناس، ولم يبق الماء على سطحها حتى ينتفع الناس به.\n\nوفي هذا الحديث دليل على حسن تعليم الرسول ﵊، ذلك بضرب الأمثال لأن ضرب الأمثال الحسية يقرب المعاني العقلية أي: ما يدرك بالعقل يقربه ما يرك بالحس، وهذا مشاهد؛ فإن كثيرًا من الناس لا يفهم، فإذا ضربت له مثلًا محسوسًا فهم وانتفع، ولهذا قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: ٤٣) وقال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) (الروم: ٥٨) فضرب الأمثال من أحسن طرق التعليم ووسائل العلم. والله الموفق.","vol":"2","page":295},{"text":"١٦٣ـ الثامن: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي) رواه مسلم.\n(الجنادب): نحو الجراد والفراش، هذا هو المعروف الذي يقع في النار، و(الحجز): جمع حجزة، وهي معقد الإزار والسراويل.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن جابر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا) أراد النبي ﵊ بهذا المثل أن يبين حاله مع أمته ﵊، وذكر أن هذه الحال كحال رجل في برية، أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها. والجنادب: نزع من الجراد، أما الفراش فمعروف، (يقعن فيها) لأن هذه هي عادة الفراش والجنادب والحشرات الصغيرة، إذا أوقد إنسان نارًا في البر؛ فإنها تأوي إلى هذا الضوء. قال: (وأنا آخذ بحجزكم) يعني لأمنعكم من الوقوع فيها، ولكنكم تفلتون من يدي.\n\nففي هذا دليل على حرص النبي ﷺ جزاه الله عنا خيرًا - على حماية أمته من النار، وأنه يأخذ بحجزها ويشدها حتى لا تقع في هذه النار، ولكننا نفلت من ذلك، ونسأل الله أن يعاملنا بعفوه. فالإنسان ينبغي له أن ينقاد لسنة النبي ﷺ، وأن يكون لها طوعًا؛ لأن","vol":"2","page":296},{"text":"الرسول ﷺ إنما يدل على الخير واتقاء الشر، كالذي يأخذ بحجزة غيره، يأخذ بها حتى لا يقع في النار، لأن الرسول ﵊ كما وصفه الله في كتابه: (لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: ١٢٨)، صلوات الله وسلامه عليه.\nومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان - بل يجب - أن يتبع سنة الرسول ﷺ في كل ما أمر به، وفي كل ما نهى عنه، وفي كل ما فعله، وفي كل ما تركه، يلتزم بذلك، ويعتقد أنه الإمام المتبوع صلوات الله وسلامه عليه، لكن من المعلوم أن من الشريعة ما هو واجب يأثم الإنسان بتركه، وما هو محرم يأثم بفعله، ومنها ما هو مستحب؛ إن فعله فهو خير وأجر، وأن تركه فلا أثم عليه. وكذلك من الشريعة ما هو مكروه كراهة تنزيه؛ إن تركه الإنسان فهو خير له، وإن فعله فلا حرج عليه، لكن المهم أن تلتزم بالسنة عمومًا، وأن تعتقد أن أمامك ومتبوعك هو محمد ﷺ وأنه ليس هناك سبيل إلى النجاة إلا باتباعه، والسير في طريقه، والتمسك بهديه.\nومن فوائد هذا الحديث: بيان عظم حق النبي ﷺ على أمته، وأنه كان لا يألو جهدًا في منعها وصدها عن كل ما يضرها في دينها ودنياها، كما يكون صاحب النار التي أوقدها وجعل الجنادب والفراش تقع فيها وهو يأخذ بها.\n\nوبناءً على ذلك، فإذا رأيت نهي النبي ﷺ عن شيء؛ فأعلم أن فعله شر، ولا تقل هل هو للكراهة أم هو للتحريم، اترك ما نهى عنه، سواء كان","vol":"2","page":297},{"text":"للكراهة أو للتحريم، ولا تعرض نفسك للمساءلة لأن الأصل في نهي الرسول ﷺ أنه للتحريم، إلا إذا قام دليل على أنه للكراهة التنزيهية.\nوكذلك إذا أمر بشيءٍ، فلا تقل هذا واجب أو غير واجب، افعل ما أمر به، فهو خير لك، إن كان واجبًا فقد أبرأت ذمتك، وحصلت على الأجر، وإن كان مستحبًا فقد حصلت على الأجر، وكنت متبعًا تمام الاتباع للرسول ﷺ، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم إتباعه ظاهرًا وباطنًا.\n\n* * *\n١٦٤ـ التاسع: عنه أن رسول الله ﷺ، أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: (إنكم لا تدرون في آيه البركة) رواه مسلم.\nوفي رواية له: (إذا وقعت لقمة أحدكم. فيأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة) .\n\nوفي رواية له: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى فليأكلها، ولا يدعها للشيطان) .","vol":"2","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ في آداب من آداب الأكل، منها: إن الإنسان إذا فرغ من أكله فإنه يلعق أصابعه ويلعق الصفحة، يعني يلحسها حتى لا يبقى فيها أثر الطعام، فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة، فهذان أدبان:\nالأول: لعق الصفحة، والثاني: لعق الأصابع، والنبي ﵊ لا يأمر أمته بشيء إلا وفيه الخير والبركة.\n\nولهذا قال الأطباء: إن في لعق الأصابع من بعد الطعام فائدة؛ وهو تيسير الهضم؛ لأن الأنامل فيها مادة - بإذن الله - تفرزها عند اللعق بعد الطعام تيسر الهضم، ونحن نقول: هذا من باب معرفة حكمة الشرع فيما يأمر به، وإلا فالأصل أننا نلعقها امتثالًا لأمر النبي ﷺ، كثير من الناس لا يفهمون هذه السنة، تجده ينتهي من الطعام وحافته التي حوله كلها طعام، تجده أيضًا يذهب ويغسل دون أن يلعق أصابعه، والنبي ﵊ نهى أن يمسح الإنسان يديه بالمنديل حتى يلعقها وينظفها من الطعام، ثم بعد ذلك يمسح بالمنديل، ثم بعد ذلك يغسلها إذا شاء.\nكذلك أيضًا من آداب الأكل: أن الإنسان إذا سقطت لقمه على الأرض فإنه لا يدعها؛ لأن الشيطان يحضر للإنسان في جميع شؤونه، كل شؤونك من أكل، وشرب، وجماع، أي شيء يحضر الشيطان، فإذا لم تسم الله عند الأكل شاركك في الأكل، وصار يأكل معك؛ ولهذا تنزع البركة من الطعام إذا بم تسم عليه، وإذا سميت الله على الطعام، ثم سقطت","vol":"2","page":299},{"text":"اللقمة من يدك فإن الشيطان يأخذها، ولكن لا يأخذها ونحن ننظر، لأن هذا شيء غيبي لا نشاهده، ولكننا علمناه بخبر الصادق المصدوق ﵊ يأخذ الشيطان فيأكلها، وإن بقيت أمامنا حسيًا، لكنه يأكلها غيبًا، هذه من الأمور الغيبية التي يجب أن نصدق بها.\n\nولكن رسول الله ﷺ دلنا على الخير فقال: (فليأخذها وليمط ما بها من أذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان) خذها وأمط ما بها من أذى - من تراب أو عيدان أو غير ذلك - ثم كلها ولا تدعها للشيطان. والإنسان إذا فعل هذا امتثالًا لأمر النبي ﷺ وتواضعًا لله ﷿ وحرمانًا للشيطان من أكلها؛ حصل على هذه الفوائد الثلاثة: الامتثال لأمر النبي ﷺ، والتواضع، وحرمان الشيطان من أكلها. هذه فوائد ثلاث، ومع ذلك فإن أكثر الناس إذا سقطت اللقمة على السفرة أو على سماط نظيف تركها، وهذا خلاف السنة.\nوفي هذا الحديث من الفوائد: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكل طعامًا فيه أذى، لأن نفسك عندك أمانة، لا تأكل شيئًا فيه أذى، من عيدان أو شوك أو ما أشبه ذلك، وعليه فإننا نذكر الذين يأكلون السمك أن يحتاطوا لأنفسهم، لأن السمك لها عظام دقيقة مثل الإبر، إذا لم يحترز الإنسان منها، فربما تخل إلى بطنه وتجرح معدته أو أمعاءه وهو لا يشعر، لهذا ينبغي للإنسان أن يراعي نفسه، وأن يكون لها أحسن راع، فصلوات الله وسلامه على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n\n* * *","vol":"2","page":300},{"text":"١٦٥ - العاشر: عن أبن عباس، ﵄، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: (يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلًا (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: ١٠٤)، ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﷺ، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال؛ فأقول: يا رب أصحابي؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) إلى قوله (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة: ١١٧-١١٨) فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) متفق عليه.\n(غرلًا): أي غير مختونين.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبن عباس ﵄ قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا؛ وكان من عادة النبي ﷺ، بل من هدي النبي ﵊، أنه كان يخطب أصحابه الخطب الراتبة والخطب العارضة.\nأما الخطب الراتبة: فمثل خطبة الجمعة، خطبة العيد، خطبة الاستسقاء، خطبة الكسوف. هذه خطب راتبة، كلما وجد سببها خطب عليه الصلاة السلام؛ في الجمعة يخطب خطبتين قبل الصلاة، وفي العيد","vol":"2","page":301},{"text":"خطبة واحدة بعد الصلاة، وكذلك في الاستسقاء، وفي كسوف خطبة واحدة بعد الصلاة.\nأما الخطب العارضة: فإنها تكون إذا وجد سبب عارض؛ فيقوم النبي ﵊ خطيبًا يخطب الناس.\nفمن ذلك: أن رجلًا بعثه النبي ﵊ عاملًا على الصدقة يأخذها من أهلها، فرجع إلى المدينة ومعه أبل فقال: هذه لكم وهذه أهديت إلى. فخطب النبي ﵊، وقال: (ما بال أحدكم نستعمله على العمل، فيرجع ويقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟) .\nوصدق النبي ﵊، أنه لم يهد لهذا العمل الذي هو تابع للدولة إلا من أجل أنه عامل، لو كانوا يريدون أن يهدوا إليه لشخصه، لأهدوا إليه في بيت أبيه وأمه.\n\nومن هذا الحديث نعرف عظمة الرشوة، وأنها من عظائم الأمور التي أدت إلى أن يقوم النبي ﵊ خطيبًا يخطب في الناس، ويحذرهم من هذا العمل؛ لأنه إذا فشا في قوم الرشوة هلكوا، وصار كل واحد منهم لا يقول الحق، ولا يحكم بالحق، ولا يقوم بالعدل إلا إذا رشي والعياذ بالله.","vol":"2","page":302},{"text":"والرشوة ملعون آخذها، وملعون معطيها، إلا إذا كان الآخذ يمنع حق الناس إلا برشوة، فحينئذ تكون اللعنة على هذا الآخذ لا على المعطي؛ لأن المعطي إنما يريد أن يعطي لأخذ حقه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بدفع الرشوة، فهو معذور. كما يوجد - والعياذ بالله - الآن في بعض المسئولين في الدول الإسلامية؛ من لا يمكن أن يقضي مصالح الناس إلا بهذه الرشوة والعياذ بالله، فيكون آكلًا للمال بالباطل، معرضًا نفسه للعنة. نسأل الله العافية.\nوالواجب على من ولاه الله عملًا أن يقوم به بالعدل، وأن يقوم بالواجب فيه بحسب المستطاع.\n\nومن ذلك أيضًا: أن بريرة وهي أمة لجماعة من الأنصار، كاتبها أهلها على تسع أوراق من الفضة، فجاءت إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ تستعينها؛ تطلب منها العون لتقضي كتابتها، فقالت: إن شاء أهلك أن أعدها لهم، يعني أنقدها نقدًا، ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، يعني أسيادها، فقالت لهم ذلك. فقالوا: لا. الولاء لنا. فرجعت بريرة إلى عائشة ﵂ وأخبرتها بأن أهلها قالوا: لابد أن يكون الولاء لنا. فقال النبي ﵊: (خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق) فأخذتها واشترطت الولاء لهم، ثم خطب الناس ﵊ وقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة","vol":"2","page":303},{"text":"شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق) .\nومن ذلك أيضًا: أن امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع، تقول للناس: أعيروني شيئًا، فيعيرونها المتاع؛ القدر والقربة وما أشبه ذلك من متاع البيت، ثم بعد ذلك تقول: ما أعرتموني شيئًا!! تجحد ذلك، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها؛ لأنها سارقة، هذه سرقة، فاهتمت قريش لهذا الأمر؛ كيف تقطع يد مخزومية من بني مخزوم، من كبار قبائل العرب، فطلبوا من يشفع إلى النبي ﵊، فأرسلوا أسامة بن زيد بن حارثة ﵄؛ لأن النبي ﷺ كان يحبه ويحب أباه، فكلم النبي ﷺ في شأن تلك المرأة يشفع لها، فقال النبي عليه الصلاة السلام: (أتشفع في حد من حدود الله؟) يقول منكرًا عليه، لأن حدود الله ليس فيها شفاعة، فإذا وصلت للسلطان فلعن الله الشافع والمشفع له.\n\nثم قام في الناس يخطب، فقال: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه. وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) . وأخبر أن هذا هو الذي أهلك الأمم السابقة. ثم قال ﵊: (وايم الله - يعني أحلف بالله - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) فهل هذه","vol":"2","page":304},{"text":"المخزومية أفضل أم فاطمة بنت محمد؟ فاطمة أفضل منها، ومع ذلك يقول ﵊: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها) .\nفهذه من الخطب العارضة، فكان - صلوات الله وسلامه عليه - من هديه أنه يخطب الناس لأمور راتبة ولأمور عارضة، وسبق لنا حديث العرباض بن سارية قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون.\nوالخلاصة: أنه يستفاد من هذا الحديث أنه ينبغي للإنسان من قاض، أو مفتٍ، أو عالم، أو داعية، أن يخطب الناس في الأمور العارضة التي يحتاجون فيها إلى بيان الحق، وفي الأمور الراتبة، مثل الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف كما مر، وهذا من هدي رسول الله ﷺ وحسن تبليغه، لأن الشيء إذا جاء في وقته عند حاجته صار له قبول أكثر.\n\nوقد نقل المؤلف - رحمة الله - عن أبن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قام فيهم خطيبًا، وهذه من خطبه العارضة ﷺ، فقد قام فيهم خطيبًا وقال: (إنكم محشورون يوم القيامة حفاة عراة غرلًا) . محشورون: يعنى مجمعون في صعيد واحد النبي صلي الله عليه وسلم ليس فيه جبال، وليس فيه أودية، ولا بناء، ولا أشجار، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، يعني لو دعاهم داع لأسمعهم جميعًا؛ لأنه ليس هناك ما يحول بينهم وبين إسماعهم وينفذهم البصر أي يدركهم جميعًا.\n(حفاة عراة غرلًا) وفي رواية: (بهمًا) .\nحفاة: ليس عليهم نعال، ولا خفاف، ولا يقوون به أرجلهم.","vol":"2","page":305},{"text":"عراة: ليس عليهم كسوة، بادية أبشارهم.\nغزلًا: يعني غير مختونين.\nوالختان هو: قطع الجلدة التي تكون على الحشفة، وتقطع من أجل تمام الطهارة كما سنبينه إن شاء الله.\nبهمًا: قال العلماء بهمًا: أي ليس معهم مال، فيكون الإنسان مجردًا من كل شيء، ثم استدل لذلك بقوله تعالى (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: من الآية١٠٤)، يعني أن الله يحشرهم كما بدأهم أول خلق، يخرجون من بطون الأرض كما خرجوا من بطون أمهاتهم، حفاة عراة غرلًا؛ (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) . ثم قال ﷿: (وَعْدًا عَلَيْنَا) أي مؤكدًا، أكده الله على نفسه، لأن هذا المقام يقضي التوكيد، فإن من البشر من كذب بالحشر والعياذ بالله، وقال: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (المؤمنون: ٣٧)، فقال ﷿: (وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) .\n\nحدث النبي ﵊ بهذا الحديث، فقالت عائشة ﵂: واسوءتاه. الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال النبي ﷺ: (يا عائشة، الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك) الأمر عظيم، ما ينظر أحد لأحد (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ","vol":"2","page":306},{"text":"مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس: ٣٤-٣٧) .\nحتى الرسل ﵊ عند عبور الصراط فدعاؤهم: اللهم سلم، اللهم سلم، لا يدري أحد أينجو أم لا. الأمر عظيم. ولهذا قال النبي ﵊: (الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك) ثم قال: (ألا وأن أول من يكسى إبراهيم) إبراهيم الخليل ﵊، هو أول مي يكسى يوم القيامة.\nوهذه الخصيصة - أنه يكون أول من يكسى لا تدل على التفضيل المطلق، وأنه أفضل من محمد ﵊، لأن محمد ﷺ أفضل الأنبياء والرسل، سيد ولد أدم يوم القيامة، لا يؤذن لأحد يشفع للخلائق يوم القيامة إلا محمد ﵊ كما في قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (الإسراء: من الآية٧٩)، لكن قد يخص الله بعض الأنبياء بشيء لا يخص به الآخر، مثل قوله تعالى: (يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي) (الأعراف: ١٤٤) .\nفالرسالات كانت موجودة في غيره، لكن في وقته كان هو الرسول لبني إسرائيل، كذلك أيضًا قد يخص الله أحد من الأنبياء أو غيرهم بخصيصة يتميز بها عن غيره، ولا يوجب ذلك الفضل المطلق.\n\n(ألا وإن أول من يكسى إبراهيم) ﵊، ولا يقال: لماذا كان أول من يكسى، لأن الفضائل لا يسأل عنها، كما قال الله تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد: من الآية٢١)، لا يسأل عنها؛ لأن الإنسان قد يصل فيها إلى نتيجة وقد لا يصل، فكما أن الله","vol":"2","page":307},{"text":"تعالى - فضل بني أدم بعضهم على بعض في الرزق، وفي كمال الأخلاق والآداب، وكذلك فضل بعضهم على بعض في العلم، وكذلك في البدن والفكر وغير ذلك، فالله - تعالى ـيؤتي فضله من يشاء.\nوفي هذا الحديث دليل على أن الناس يكسون بعد أن يخرجون حفاة عراة غرلًا. ولكن بأي طريق يكسون؟ الله أعلم بذلك، ليس هناك خياطون، ولا هناك ثياب تفصل ولا شيء، فالله أعلم بكيفية ذلك. الذي خلقهم هو الذي يكسوهم ﷾، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الحديث.\nوفي هذا الحديث إشارة إلى الختان، في قوله: (غرلًا) فالأغرل هو الذي بقيت عليه جلدة الحشفة؛ أي لم يختن. والختان اختلف العلماء في وجوبه، فمنهم من قال: إنه واجب على الذكور والإناث، وأنه يجب أن تختن البنت كما يختن الولد.\n\nومن العلماء من قال: أنه لا يجب الختان لا على الرجال ولا على النساء، وأن الختان من الفطرة المستحبة، وليس من الفطرة الواجبة.\nومنهم من توسط بين القولين فقال: الختان واجب في حق الذكور، وسنة في حق النساء، وهذا القول أوسط الأقوال وأعدلها، فإنه واجب في حق الرجال، لأن الرجل إذا بقيت هذه الجلدة فوق حشفته، فإنها ستكون مجمعًا للبول، فيكون في ذلك تلويث للرجل، وربما يحدث إثر هذا التهابات فيما بين الجلدة والحشفة، ويتضرر الإنسان. فالصحيح أن الختان واجب على الذكور، وسنة في حق الإناث، وهو أعدل الأقوال","vol":"2","page":308},{"text":"وأحسنها.\n\nثم ذكر النبي ﷺ أنه يؤتي برجال من أمته فيؤخذ بهم ذات الشمال، أي إلى طريق أهل النار والعياذ بالله. فيقول النبي ﷺ: (أصحابي) أي يشفع إلى - الله ﷾ فيهم، فيقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) فيقول النبي ﷺ كما قال العبد الصالح؛ يعني به عيسى بن مريم؛ حين يقول يوم القيامة إذا قال الله تعالى له: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) كما يزعم النصارى الذين يقولون: أنهم متبعون له: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) (المائدة: ١١٦) لأن الألوهية ليست حقًا لأحد إلا الله رب العالمين.\nثم يقول: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة: ١١٦-١١٧) .\nفإذا قيل للنبي ﷺ يوم القيامة إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، قال كما قال عيسى بن مريم: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) .\nثم يقال للرسول ﵊: (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) فيقول النبي ﵊: (سحقًا سُحقًا) .\n\nقوله: (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) تمسك به الرافضة الذين قالوا: إن الصحابة كلهم ارتدوا عن الإسلام والعياذ بالله،","vol":"2","page":309},{"text":"ومنهم أبو بكر، عمر، وعثمان ﵃. أما على وآل البيت ﵃ فهم لم يرتدوا على زعمهم.\nولا شك أنهم في هذا كاذبون، وأن الخلفاء الأربعة كلهم لم يحصل منهم ردة ب'جماع المسلمين، وكذلك عامة أصحاب النبي ﵊ لم يحصل منهم ردة بالإجماع المسلمين، إلا قومًا من الأعراب كانوا حديثي عهد بالإسلام لما مات النبي ﵊ افتتنوا، وارتدوا على أدبارهم، ومنعوا الزكاة، حتى قاتلهم الخليفة الراشد أبو بكر ﵁، وعاد أكثرهم إلى الإسلام.\nولكن الرافضة من شدة حنقهم وبغضهم لأصحاب النبي ﷺ تمسكوا بظاهر هذا الحديث.\nأما أهل السنة والجماعة فقالوا: إن هذا الحديث عام يراد به الخاص، وما أكثر العام الذي يراد به الخاص. فقوله: (أصحابي) يعني ليسوا كلهم، بل الذين ارتدوا على أدبارهم، لأن هكذا قيل للرسول ﵊: (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) . ومعلوم أن الخلفاء الراشدين، عامة أصحاب النبي ﵊، لم يرتدوا بالإجماع، ولو قدر أنهم ارتدوا لم يبق لنا ثقة بالشريعة. ولهذا كان الطعن في الصحابة يتضمن الطعن في شريعة الله، وستضمن الطعن في رسول الله ﷺ، ويتضمن الطعن بالله رب العالمين.\nالذين يطعنون في الصحابة تضمن طعنهم أربعة محاذير ومنكرات عظيمة والعياذ بالله: الطعن في الصحابة، والطعن في الشريعة، والطعن","vol":"2","page":310},{"text":"في النبي ﷺ، والطعن في رب العالمين ﵎، لكنهم قوم لا يفقهون (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون) (البقرة: من الآية١٧١) .\n\nأما كونه طعنًا في الشريعة: فلأن الذين نقلوا إلينا الشريعة هم الصحابة، وإذا كانوا مرتدين، والشريعة جاءت من طريقهم، فإنها لا تقبل لأن الكافر لا يقبل خبره، بل الفاسق أيضًا؛ كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: ٦) .\nوأما كونه طعنًا برسول الله ﷺ: فيقل: إذا كان أصحاب النبي بهذه المثابة من الكفر والفسوق، فهو طعن بالرسول ﷺ، لأن القرين على دين قرينه، وكل إنسان يعاب بقرينه إذا كان قرينه سيئًا؛ يقال: فلان ليس فيه خير؛ لأن قرناءه فلان وفلان وفلانٌ من أهل الشر. فالطعن في الأصحاب طعن بالمصاحب.\nوأما كونه بالله رب العالمين فظاهر جدًا: أن يجعل أفضل الرسالات وأعمها وأحسنها على يد هذا الرجل الذي هؤلاء أصحابه، وأيضًا أن يجعل أصحاب هذا النبي الذي هو أفضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه - مثل هؤلاء الأصحاب الذين زعمت الرافضة أنهم ارتدوا على أدبارهم. ولهذا نعتقد أن هذه فرية عظيمة على الصحابة ﵃، وعدوان على الله ورسوله وشريعة الله؛ ولا شك أننا نكن الحب لجميع أصحاب النبي ﷺ، ولآل النبي ﷺ المؤمنين، ونرى أن لآله المؤمنين حقين: حق الإيمان، وحق قربهم من رسول الله ﷺ، قال تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: من الآية٢٣)، يعني إلا أن تودوا","vol":"2","page":311},{"text":"قرابتي على أحد التفاسير. والتفسير الآخر لقوله تعالى: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أي إلا أن تودوني لقرابتي منكم.\n\nوعلى كل حال، فهذا الحديث ليس فيع مطمع للرافضة في القدح في أصحاب النبي ﷺ، لأنه لا يصدق إ لا على من ارتدوا، أما من بقوا على الإسلام، وأجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ فإنهم لا يدخلون في هذا الحديث، ويقال: إن الذي خصص هذا الحديث إجماع المسلمين على أن الصحابة ﵃ لم يرتدوا، وإنما ارتدت طائفة قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁، ورجع أكثرهم إلى الإسلام. والله الموفق.\n\n* * *\n١٦٦ - الحادي عشر: عن أبي سعيد عبد الله بن مغفل ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الخذف وقال: (إنه لا يقتل الصيد، ولا يتكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السن) متفق عليه.\nوفي رواية: أن قريبًا لابن مغفل حذف؛ فنهاه وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف وقال: (إنها لا تصيد صيدًا) ثم عاد فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه، ثم عدت تحذف!؟ لا أكلمك أبدًا.","vol":"2","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عبد الله بن مغفلٍ ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الحذف، وقال: (إنه يقتل صيدًا) وفي لفظ: (لا يصيد صيدًا) (ولا ينكأ عدوًا، وإنما يفقأ العين ويكسر) .\nوالحذف: قال العلماء: معناه أن يضع الإنسان حصاه بين السبابة والإبهام، فيضع على الإبهام حصاة يدفعها بالسبابة، أو يضع على السبابة ويدفعها بالإبهام. وفد نهى عنه النبي ﷺ وعلل ذلك بأنه يفقأ العين وكسر السن إذا أصابه، (ولا يصيد الصيد) لأنه ليس له نفوذ (ولا ينكأ العدو) يعني لا يدفع العدو؛ لأن العدو إنما ينكأ بالسهام لا بهذه الحصاة الصغيرة.\nثم إن قريبًا له خرج بخذف، فنهاه عن الخذف وقال: أخبرتك أن النبي ﷺ نهى عن الخذف، ثم إنه رآه مرة ثانية يخذف فقال له: (أخبرتك أن النبي ﷺ نهى عن الخذف، فجعلت تخذف!! لا أكلمك أبدًا) فهجره؛ لأنه خالف نهي النبي ﷺ.\n\nوهذا كما فعل عبد بن عمر في أحد أبنائه، حين حدث أبن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) . فقال أحد أبنائه وهو بلال بن عبد الله بن عمر: (والله لنمنعهن)؛ لأن النساء تغيرت بعد عهد النبي ﷺ، والناس تغيروا، فقال بلال: (والله لنمنعهن) . فأقبل عليه أبوه عبد الله ابن عمر، وجعل يسبه سبًا عظيمًا، ما سبه مثله قط، وقال: أحدثك عن","vol":"2","page":313},{"text":"رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهن.\nثم هجره حتى مات، لم يكلمه، فدل هذا على عظم تعظيم السلف الصالح لأتباع السنة.\nفهذا عبد الله بن مغفل أقسم أن لا يكلم قريبه؛ لأنه حذف، وقد نهى النبي ﷺ عن الخذف، وهكذا يجب على كل مؤمن أن يعظم سنة النبي ﵊.\nولكن إذا قال قائل: هل مثل الأمر يوجب الهجر وقد نهى النبي ﷺ عن هجر المؤمن فوق ثلاث؟ .\nفالجواب عن هذا: أن هذين الصحابيين - وأمثالهما ممن فعل مثل فعلهما - فعلا ذلك من باب التعزير، ورأيا في هذا تعزير لهذين الرجلين، وإلا فالأصل أن المؤمن إذا فعل ذنبًا وتاب منه، فإنه يغفر له ما سلف، حتى الكفار إذا تابوا غفر الله لهم ما سبق.\n\nقال الله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (الأنفال: من الآية٣٨) كل ما مضى.\nولكن نظرًا لأن هذين الصحابيين ﵄، أرادا أن يعزرا من خالف أمر النبي ﵊، إما بقوله وما بفعله، ولو عن اجتهاد لأن بلال بن عبد الله بن عمر، إنما قال ذلك عن اجتهادٍ، لكن لا","vol":"2","page":314},{"text":"ينبغي للإنسان أن يعارض قول الرسول هذه المعارضة الظاهرة، ولو أنه قال مثلًا: لعل النبي ﷺ أذن لهن في زمن كانت النيات فيه سليمة، والأعمال مستقيمة، وتغيرت الأحوال بعد ذلك، وأتى بالكلام على هذا الوجه، لكان أهون.\nولهذا قالت عائشة ﵂ وهي فقيهة ـ: لو رأى النبي ﷺ ما صنع النساء من بعده لمنعهن - يعني من المساجد ـكما منعت بنو إسرائيل نساءها. ولكن على كل حال ما فعله عبد الله بن مغفل، وعبد الله بن عمر ﵄، يدل على تعظيم السنة، وأن الإنسان يجب أن يقول في حكم الله ورسوله: سمعنا وأطعنا. والله الموفق.\n\n* * *\n١٦٧ - وعن عباس بن ربيعة قال: (رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يقبل الحجر - يعني الأسود - ويقول: (إني أعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ عن عمر بن الخطاب ﵁ في باب الأمر باتباع السنة وآدابها، فقد كان ﵁ يطوف بالكعبة، فقبل الحجر الأسود، والحجر كما نعلم حجر من الأرض","vol":"2","page":315},{"text":"جعل في هذا الركن.\nوشرع الله ﷾ لعباده أن يقبلوه؛ لكمال الذل والعبودية، ولهذا قال عمر ﵁ حين قبله (إني لأعلم حجر أنك لا تضر ولا تنفع) . وصدق ﵁، فإن الأحجار لا تضر ولا تنفع. الضرر والنفع بيد الله ﷿ كما قال تعالى: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ (المؤمنون: ٨٨-٨٩) .\n\nولكن بين ﵁ أن تقبيله إياه لمجرد اتباع النبي ﷺ، فقال (ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) يعني فأنا أقبلك اتباعًا للسنة، لا رجاء للنفع، أو خوف الضرر؛ ولكن لأن النبي ﷺ فعل ذلك. ولهذا لا يشرع أن يقبل شيء من الكعبة المشرفة إلا الحجر الأسود فقط، أما الركن اليماني فيستلم - يعني يمسح ولا يقبل. والحجر الأسود أفضل شيء أن يمسحه بيده اليمني ويقبله، فإن لم يمكن استلمه وقبل يده، فإن","vol":"2","page":316},{"text":"لم يمكن أشار إليه بشيء معه أو بيده، ولكن لا يقبل ما أشار به، لأن هذا الذي أشار به لم يمس الحجر حتى يقبله.\nأما الركن اليماني فليس فيه إلا استلام فقط، ويكون الاستلام باليد اليمنى. ونرى بعض الجهال الذين لا يدرون لماذا استلموا هذا الحجر يستلم باليد اليسرى، واليد اليسرى كما قال أهل العلم: لا تستعمل إلا في الأذى، في القذر والنجاسات وما أشبهها، أما أن تعظم بها شعائر الله فلا.\n\nثم أن بقية الأركان: الركن الشامي، والعراقي، يعني الشمالي الشرقي والشمالي الغربي، هذان الركنان لا يقبلان ولا يمسحان، وذلك لأنهما ليس على قواعد إبراهيم ﵊، وذلك أن قريشًا لما أرادوا بناء الكعبة، قالوا: لن نبنها إلا بمال طيب، لا نبتها بأموال الربا، وانظر كيف عظم الله بيته حتى على أيدي الكفار، فجمعوا المال الطيب، فلم يكف لبنائها على قواعد إبراهيم، ثم فكروا من أي جانب ينقصوها. قالوا ننقصها من الشمال؛ لأن الجانب اليماني الجنوبي فيه الحجر الأسود، ولا يمكن أن ننقصها من جانب الحجر الأسود، فتقصوها من هناك، قلم تكن على قواعد إبراهيم عليه الصلاة السلام، لذلك لم يقبل النبي ﵊ ولم يمسح الركن الشمالي الشرقي ولا الركن الشمالي الغربي.\nولما طاف معاوية ﵁ ذات سنة، وكان معه عبد الله بن عباس ﵄، جعل معاوية يمسح الأركان الأربعة؛ الحجر الأسود، والركن اليماني، والشمالي، والغربي، فقال له ابن عباس: كيف","vol":"2","page":317},{"text":"تمسح الركنين الشماليين، والنبي ﵊ لم يمسح إلا الركن اليماني والحجر الأسود.؟ فقال معاوية: إنه ليس شيء من البيت مهجورًا. يعني البيت لا يهجر، كله يحترم ويعظم، فقال ابن عباس ﵄ وهو أفقه من معاوية قال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) (الأحزاب: من الآية٢١)، وما رأيت النبي ﷺ يمسح إلا الركنين اليمانيين، يعني ركن الحجر الأسود والركن اليماني، فقال له معاوية: صدقت ورجع إلى قوله. لأن الخلفاء فيما سبق - وإن كانوا كالملوك في الأبهة والعظمة - لكنهم كانوا يرجعون إلى الحق، ولهذا رجع معاوية ﵁ إلى الحق، وقال له: صدقت، وترك مسح الركنين الشمالي الشرقي والشمالي الغربي.\n\nوهذا الحديث الذي ذكره المؤلف عن عمر ﵁ دليل على جهالة اؤلئك القوم الذين نشاهدهم، يقف أحدهم عن الركن اليماني فيمسحه بيده، ويكون معه طفل فد حمله، فيمسح الطفل بيده يتبرك بالركن، وكذلك لو تيسر له لمسح على الحجر الأسود، مسح الطفل للبركة، وهذا لا شك أنه بدعة، وأنه نوع من الشرك الأصغر؛ لأن هؤلاء جعلوا ما ليس سببًا سَببًا، والقاعدة: أن كل أحد يجعل شيئًا سببًا لشيء بدون إذن من الشارع فإنه يكون مبتدعًا، ولهذا يجب على من رأى أحدًا","vol":"2","page":318},{"text":"يفعل هذا أن ينصحه، يقول له: (هذا غير مشروع، هذا بدعة) حتى لا يظن الناس أن الأحجار تنفع أو تضر، ثم تتعلق قلوبهم بها في شيء أكبر وأعظم من هذا.\nوقد بين أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه لا يفعل ذلك إلا اتباعًا لسنة النبي ﷺ، وإلا فإنه يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، وفي هذا دليل على أن كمال التعبد أن ينقاد الإنسان لله ﷿، سواء عرف السبب والحكمة في المشروعية أم لم يعرف. فعلى المؤمن إذا قيل له أفعل؛ أن يقول: سمعنا وأطعنا، وإن عرفت الحكمة فهو نور على نور، وإن لم تعرف فالحكمة أمر الله - تعالى ورسوله ﷺ.\n\nولهذا قال الله في كتابه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب: من الآية٣٦) . وسئلت عائشة ﵂ لماذا تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة، فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، كأنها ﵂ تقول: إن وظيفة المؤمن أن يعمل بالشرع، سواء عرف الحكمة أم لم يعرفها، وهذا هو الصواب.\nنسأل الله أن يرزقنا وإياكم اتباع سنة النبي ﷺ، وأن يتوفانا عليها، وأن يحشرنا في زمرته، إنه جواد كريم.","vol":"2","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>١٧ - باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى</span>\nوما يقوله من دعي إلى ذلك وأمر بمعروف أو نهى عن منكر\n\nقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: ٦٥) .\n\nوقال الله تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور: ٥١) .\nوفيه من الأحاديث حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب قبله وغيره من الأحاديث فيه.\n١٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)","vol":"2","page":320},{"text":"(البقرة: من الآية٢٨٤)، أشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الإعمال ما نطيق: الصلاة والجهاد والصيام والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم؛ أنزل الله تعالى في أثرها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ٢٨٥)، فلما","vol":"2","page":321},{"text":"فعلوا ذلك نسخها\n\nالله تعالى؛ فأنزل ﷿: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال: نعم (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قال: نعم (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) قال: نعم (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة: ٢٨٦)، قال: نعم) رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀: (باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى ...) ثم ذكر آيتين سبق الكلام عليهما، منهما قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) (النساء: ٦٥) .\n\nثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن الصحابة ﵃ لما نزل الله على نبيه هذه الآية (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) (البقرة: ٢٨٤)، كبر ذلك عليهم وشق عليهم ذلك؛ لأن ما في النفس من الحديث أمر لا ساحل له، فالشيطان يأتي الإنسان ويحدثه في نفسه بأشياء منكرة عظيمة، منها ما يتعلق بالنفس، ومنها ما يتعلق بالمال، أشياء كثيرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان، الله ﷿ يقول: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) (البقرة: ٢٨٤) فإذا كان كذلك؛ هلك الناس.\n\nفجاء الصحابة، ﵃ إلى النبي ﷺ، فجثوا على ركبهم، وقد فعلوا ذلك من شدة الأمر. فالإنسان إذا نزل به أمر شديد يجثو على ركبتيه، وقالوا: يا رسول الله؛ إن الله تعالى أمرنا بنا نطيق؛ الصلاة، والجهاد، والصيام، والصدقة، فنصلي، ونجاهد، ونتصدق، ونصوم. لكنه أنزل هذه الآية: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) (البقرة: ٢٨٤) وهذه شديدة عليهم لا أحد يطيق أن يمنع نفسه عما تحدثه به من الأمور التي لو حوسب عليها لهلك.\nفقال النبي ﵊: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا) أهل الكتابين هم اليهود والنصارى. فاليهود كتابهم التوراة، وهي أشرف الكتب المنزلة بعد القرآن. والنصارى كتابهم الإنجيل وهو متم للتوراة. واليهود والنصارى عصوا أنبياءهم وقالوا: سمعنا وعصينا، فهل تريدون أن تكونوا مثلهم؟ (ولكن قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) . هكذا يجب على المسلم إذا سمع أمر الله ورسوله أن يقول: (سمعنا وأطعنا) ويمتثل بقدر ما يستطيع، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وكثير من الناس اليوم يأتي إليك يقول: إن الرسول ﷺ أمر بكذا، هل هو واجب أو سنة؟ والواجب أنه إذا أمرك فافعل؛ إن كان واجبًا فقد أبرأت الذمة، وحصلت خيرًا، وإن كان مستحبًا فقد حصلت خيرًا أيضًا. أما أن تقول: أهو واجب أو مستحب؟! وتتوقف عن العمل حتى تعرف، فهذا لا يمون إلا من إنسان كسول لا يحب الخير","vol":"2","page":322},{"text":"ولا الزيادة فيه. أما الإنسان الذي يحب الزيادة في الخير، فهو إذا علم أمر الله ورسوله قال: سمعنا وأطعنا ثم فعل، ولا يسال أهو واجب أو مستحب، إلا إذا خالف، فحينئذ يسأل، ويقول: أنا فعلت كذا وقد أمر النبي صلى\n\nالله عليه وسلم بكذا فهل على من إثم؟ ولهذا لم نعهد ولم نعلم أن الصحابة ﵃ كانوا إذا أمرهم الرسول ﷺ بأمر قالوا: يا رسول الله؛ أعلى سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب؟ ما سمعنا بهذا، كانوا يقولون: سمعنا وأطعنا ويمتثلون.\nفأنت افعل وليس عليك من كونه مستحبًا أو واجبًا، ولا يستطيع الإنسان أن يقول إن هذا الأمر مستحب أو واجب إلا بدليل، والحجة أن يقول لك المفتي: هكذا أمر الرسول ﵊.\nونحن نجد ابن عمر ﵄ لما حدث ابنه بلالًا قال: إن الرسول ﷺ قال: (لا تمنعوا نساءكم المساجد) وقد تغيرت الحال بعد وفاة النبي ﵊، قال بلال: (والله لنمنعهن) فسبه عبد الله بن عمر سبًا شديدًا، لماذا يقول: والله لنمنعهن والرسول يقول لا تمنعونهن ثم إنه هجره حتى مات.\n\nوهذا يدل على شدة تعظيم الصحابة ﵃ لأمر الله تعالى ورسوله ﷺ، أما نحن فنقول: هل هذا الأمر واجب أم مستحب، هذا النهي للتحريم أم للكراهة، لكن إذا وقع الأمر فلك أن تسأل حينئذ هل","vol":"2","page":323},{"text":"أثمت بذلك أم لا؟ لأجل أنه قيل لك: أنك آثم تجدد توبتك، وإذا قيل إنك غير آثم يستريح قلبك، أما حين يوجه الأمر فلا تسأل عن الاستحباب أو الوجوب، كما أدب الصحابة مع الرسول ﵊، يفعلون ما أمر، ويتركون ما عنه نهى وزجر.\nلكن مع ذلك نحن نبشركم بحديث فيه قال النبي ﵊: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) . الحمد لله، رفع الحرج، كل ما حدثت به نفسك، لكنك ما ركنت إليه، ولا عملت، ولا تكلمت، فهو معفو عنه، حتى ولو كان أكبر من الجبال. فاللهم لك الحمد.\n\nحتى إن الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله، نجد في نفوسنا ما نحب أن نكون حمَمَةً - يعني فحمة محترقة - ولا نتكلم به قال: (ذاك صريح الإيمان) يعني ذاك هو الإيمان الخالص؛ لأن الشيطان لا يلقي مثل هذه الوساوس في قلب خرب، في قلب فيه شك، إنما يتسلط الشيطان أعاذنا الله منه على قلبٍ مؤمن خالص ليفسده.\nولما قيل: إن اليهود إذا دخلوا في الصلاة لا يوسوسون، قال: وما","vol":"2","page":324},{"text":"يصنع الشيطان بقلب خرب. فاليهود كفار، قلوبهم خربة، فالشيطان لا يوسوس لهم عند صلاتهم، لأنها باطلة من أساسها، إنما الشيطان يوسوس للمسلم الذي صلاته صحيحة مقبولة، ليفسدها، فيأتي للؤمن صريح الإيمان ليفسد هذا الإيمان الصريح، ولكن - والحمد لله - من أعطاه الله تعالى طب القلوب والأبدان، محمد ﷺ وصف لنا لهذا طبًا ودواءً، فأرشد إلى الاستعاذة بالله والانتهاء، فإذا أحسن الإنسان بشي من هذه الوساوس الشيطانية، فإنه يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولينته ويعرض عنها ولا يلتفت إليها، ويمضي فيما هو عليه، فإذا رأى الشيطان أنه لا سبيل إلى فساد هذا القلب المؤمن الخالص، نكص على عقبيه ورجع.\n\nثم إنهم لما قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، ولانت لها نفوسهم، وذلت لها ألسنتهم أنزل الله بعدها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) (البقرة ٢٨٥) يعني: والمؤمنون آمنوا (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ٢٨٥)، فبين الله ﷿ في هذه الآية الثناء على رسوله ﵌، وعلى المؤمنين؛ لأنهم قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.","vol":"2","page":325},{"text":"ثم أنزل الله (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: ٢٨٦)، فالذي ليس في وسع الإنسان لا يكلفه الله به، ولا عرج عليه فيه، مثل الوسواس التي تهجم على القلب، ولكن الإنسان إذا لم يركن إليها، ولم يصدق بها، ولم يرفع بها رأسًا فإنها لا تضره، لأن هذه ليست داخلة في وسعه، والله ﷿ يقول: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة ٢٨٦) .\n\nفقد يحدث الشيطان الإنسان في نفسه عن أمور فظيعة عظيمة، ولكن الإنسان إذا أعرض عنها واستعاذ بالله من الشيطان ومنها، زالت عنه (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال نعم. يعني قال الله نعم لا أؤخذكم إن نسيتم أو أخطأتم (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قال: نعم، ولهذا قال الله تعالى في وصف رسوله محمد ﷺ: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: ١٥٧)، (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) قال الله نعم.\nولهذا لا يكلف الله تعالى في شرعه ما لا يطيقه الإنسان، بل إذا عجز عن الشيء انتقل إلى بدله إذا كان له بدل، أو سقط عنه إن لم يكن له بدل، أما أن يكلف ما لا طاقة له فإن الله تعالى قال هنا: نعم، يعني لا أحملكم ما لا طاقة لكم به (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة: ٢٨٦) . قال الله: نعم.\n(وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا) هذه ثلاث كلمات، كل كلمة لها معنى، (وَاعْفُ عَنَّا) يعني تقصيرنا في الواجب (وَاغْفِرْ لَنَا) يعني انتهاكنا","vol":"2","page":326},{"text":"للمحرم (وَارْحَمْنَا) يعني وفقنا للعمل الصالح. فالإنسان إما أن يترك واجبًا أو يفعل محرمًا، فإن ترك الواجب فإنه يقول: اعف عنا، أي اعف عنا ما قصرنا فيه من الواجب، وإن فعل المحرم، فإنه يقول: اغفر لنا، يعني ما اقترفنا من الذنوب، أو يطلب تثبيتًا وتأييدًا على الخير في قوله (وَارْحَمْنَا) .\n(أَنْتَ مَوْلانَا) أي متولي أمورنا في الدنيا والآخرة، فتولنا في الدنيا وانصرنا على القوم الكافرين (فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) قد يتبادر للإنسان أن المراد أعداؤنا من الكفار، ولكنه أعم حتى أنه يتناول الانتصار على الشيطان؛ لأن الشيطان رأس الكافرين.\nإذًا نستفيد من هذه الآيات الكريمة الأخيرة أن الله ﷾ لا يحملنا ما لا طاقة لنا به، ولا يكلفنا إلا وسعنا، وأن الوساوس التي تجول في صدورنا إذا لم نركن إليها، ولم نطمئن إليها، ولم نأخذ بها، فإنها لا تضر، والله الموفق.","vol":"2","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>١٨ - باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور</span>\n\nقال المؤلف - رحمه الله تعالى - (باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور) والبدع هي الأشياء التي يبتدعها الإنسان، هذا هو معناها في اللغة العربية، ومنه قوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة: ١١٧)، أي خالقها على غير مثال سبق، يعني لم يسبق لهما نظير، بل ابتدعهما وأنشأهما أولًا.\nوالبدعة في الشرع كل من تعبد لله ﷾ بغير ما شرع عقيدة أو قولًا أو فعلًا، فمن تعبد لله بغير ما شرعه الله من عقيدة أو قول أو فعل فهو مبتدع.\nفإذا أحدث الإنسان عقيدة في أسماء الله وصفاته مثلًا فهو مبتدع، أو قال قولًا لم يشرعه الله ورسوله فهو مبتدع، أو فعل لم يشرعه الله ورسوله فهو مبتدع.\nوليعلم أن الإنسان المبتدع يقع في محاذير كثيرة:\n\nأولًا: أن ما ابتدعه فهو ضلال بنص القرآن والسنة، وذلك أن ما جاء به النبي ﷺ فهو الحق، وقد قال الله تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) (يونس: ٣٢)، هذا دليل القرآن. ودليل السنة قوله ﷺ: (كل بدعة ضلالة)، ومعلوم أن المؤمن لا يختار أن يتبع طريق الضالين الذين يتبرأ منهم المصلي في كل صلاة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ","vol":"2","page":328},{"text":"عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦، ٧) .\nثانيًا: أن في البدعة خروجًا عن اتباع النبي ﷺ، وقد قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران: ٣١)، فمن ابتدع بدعة يتعبد لله بها فقد خرج عن اتباع النبي ﷺ، لأن النبي ﷺ لم يشرعها، فيكون خارجًا عن شرعة الله فيما ابتدعه.\n\nثالثًا: أن البدعة التي ابتدعها تنافي تحقيق شهادة أن محمد رسول الله؛ لأن من حقق شهادة أن محمدًا رسول الله فإنه لا يخرج عن التعبد بما جاء به، بل يلتزم شريعته ولا يتجاوزها ولا يقصر عنها، فمن قصر في الشريعة أو زاد فيها قصر في ابتاعه، إما بنقص أو زيادة، وحينئذ لا يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله.\nرابعًا: أن مضمون البدعة الطعن في الإسلام، فإن الذي يبتدع تتضمن بدعته أن الإسلام لم يكمل، أنه كمل الإسلام بهذه البدعة، وقد قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) (المائدة: ٣)، فيقال لهذا المبتدع: أنت الآن أتيت بشريعة غير التي كمل عليها الإسلام، وهذا يتضمن الطعن في الإسلام وإن لم يكن الطعن فيه باللسان، لكن الطعن فيه هنا بالفعل، أين رسول الله ﷺ، ثم أين الصحابة عن هذه العبادة التي ابتدعها؟ أهم جهل منها؟ أم في تقصير عنها؟ إذًا فهذا يكون طعنًا في الشريعة الإسلامية.\n\nخامسًا: أنه يتضمن الطعن في رسول الله ﷺ، وذلك لأن هذه البدعة التي زعمت أنها عبادة أما أن يكون الرسول ﷺ لم يعلم بها، وحينئذ يكون","vol":"2","page":329},{"text":"جاهلًا، وإما أن يكون قد علم بها ولكنه كتمها، وحينئذ يكون كاتمًا للرسالة أو بعضها، وهذا خطير جدًا.\nسادسًا: أن البدعة تتضمن تفريق الأمة الإسلامية؛ لأن الأمة الإسلامية إذا فتح الباب لها في البدع صار هذا يبتدع شيئًا، وهذا يبتدع شيئًا، وهذا يبتدع شيئًا، كما هو الواقع الآن، فتكون الأمة الإسلامية كل حزب منها بما لديه فرح كما قال تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم: ٣٢)، كل حزب يقول الحق معي، والضلال مع الآخر، وقد قال الله تعالى لنبيه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُون َ) (الأنعام: ١٥٩، ١٦٠) .\n\nفإذا صار الناس يبتدعون تفرقوا، وصار كل واحد يقول الحق معي، وفلان ضال مقصر، ويرميه بالكذب والبهتان وسوء القصد وما أشبه ذلك.\nونضرب لهذا مثلًا بأولئك الذين ابتدعوا عيد ميلاد الرسول ﵊، وصاروا يحتفلون بما يدعون أنه اليوم الذي ولد فيه، وهو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، أتدرون ماذا يقولون لمن لا يفعل هذه البدعة؟ يقولون هؤلاء يبغضون الرسول ويكرهونه، لهذا لم يفرحوا بمولده، ولم يقيموا له احتفالًا، وما أشبه ذلك، فتجدهم يرمون أهل الحق بما هم أحق به منهم.\nوالحقيقة أن المبتدع بدعته تتضمن أنه يبغض الرسول ﷺ وإن كان يدعي أنه يحبه؛ لأنه إذا ابتدع هذه البدعة والرسول ﵊","vol":"2","page":330},{"text":"لم يشرعها للأمة، فهو كما قلت سابقًا إما جاهل وإما كاتم.\nسابعًا: أن البدعة إذا انتشرت في الأمة اضمحلت السنة، لأن الناس يعملون؛ فإما بخير وإما بشر، ولهذا قال بعض السلف: ما ابتدع قوم بدعة إلا أضاعوا من السنة مثلها، يعني أو أشد. فالبدع تؤدي إلى نسيان السنن واضمحلالها بين الأمة الإسلامية.\n\nوقد يبتدع بعض الناس بدعة بنية حسنة، لكن يكون أحسن في قصده وأساء في فعله، ولا مانع أن يكون القصد حسنًا والفعل سيئًا، ولكن يجب على من علم أنه فعله سيئ أن يرجع عن فعله، وأن يتبع السنة التي جاء بها رسول الله ﷺ.\nثامنًا: من المفاسد أيضًا: أن المبتدع لا يحكم الكتاب والسنة؛ لأنه يرجع إلى هواه، يحكم هواه، وقد قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (النساء: ٥٩) (إِلَى اللَّهِ) أي كتابه ﷿، (وَالرَّسُولِ) أي إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه، والله الموفق.\n\n١٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه.","vol":"2","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n أما حديث عائشة هذا فهو نصف العلم؛ لأن الأعمال إما ظاهرة وإما باطنة، فالأعمال الباطنة ميزانها حديث عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وميزان الأعمال الظاهرة حديث عائشة هذا: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود على صاحبه غير مقبول منه.\nوقول: (أمرنا) المراد به ديننا وشرعنا، قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى: ٥٢)، فأمر الله المراد به في هذا الحديث شرع الله، من أحدث فيه ما ليس منه فهو رد، وفي هذا دليل واضح على أن العبادة إذا لم نعلم أنها من دين الله فهي مردودة، ويستفاد من هذا أنه لابد من العلم؛ لأن العبادة مشتملة على الشروط والأركان، أو غلبة الظن إذا كان يكفي عن العلم، كما في بعض الأشياء، مثلًا الصلاة إذا شككت في عددها وغلب على ظنك عدد فابن على ما غلب على ظنك، الطواف بالبيت سبعة أشواط، وإذا غلب على ظنك عدد فابن على ما غلب على ظنك، كذلك الطهارة إذا غلب على ظنك أنك أسبغت الوضوء كفى.\n\nفالمهم أنه لابد من العلم أو الظن إذا دلت النصوص على كفايته وإلا فالعبادة مردودة. وإذا كانت العبادة مردودة فإنه يحرم على الإنسان أن","vol":"2","page":332},{"text":"يتعبد لله بها؛ لأنه إذا تعبد لله بعبادة لا يرضاها ولم يشرعها لعباده صار كالمستهزئ بالله والعياذ بالله.\nحتى إن بعض العلماء قال: إن الإنسان إذا صلى محدثًا متعمدًا خرج من الإسلام؛ لأنه مستهزئ، بخلاف الناسي فإنه لا إثم عليه ويعيد.\nوفي اللفظ الثاني: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) وهو أشد من الأول؛ لأنه قوله: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا) يعني لابد أن نعلم بأن كل عمل عملناه عليه أمر الله ورسوله وإلا فهو مردود، وهو يشمل العبادات ويشمل المعاملات، ولهذا لو باع الإنسان بيعًا فاسدًا، أو رهن رهنًا فاسدًا، أو أوقف وقفًا فاسدًا، فكله غير صحيح ومردود على صاحبه ولا ينفذ، والله أعلم.\n\n* * *\n١٧٠ - وعن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ: إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: (صبحكم ومساكم) ويقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين) ويقرن بين إصبعيه؛ السبابة والوسطى، ويقول: (أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإلي وعلي) رواه مسلم.","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن جابر بن عبد الله ﵄ في باب التحذير من البدع، قال: كان النبي ﷺ: (إذا خطب) يعني يوم الجمعة، (احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه) وإنما كان يفعل هذا لأنه أقوى في التأثير على السامع، فكان ﷺ يكون على هذه الحال للمصلحة، وإلا فإنه من المعلوم أنه ﷺ كان أحسن الناس خلقًا وألينهم عريكة، لكن لكل مقام مقال، فالخطبة ينبغي أن تحرك القلوب، وتؤثر في النفوس، وذلك في موضوعها، وفي كيفية أدائها.\nوكان ﷺ يقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين) ويقرن بين السبابة والوسطى، يعني بين الإصبعين، السبابة وهي التي بين الوسطى والإبهام، والوسطى، وأنت إذا قرنت بينهما وجدتهما متجاورين، ووجدت أنه ليس بينهما إلا فرق يسير، ليس بين الوسطى والسبابة إلا فرق يسير مقدار الظفر أو نصف الظفر، وتسمى السبابة لأن الإنسان إذا أراد أن يسب أحد أشار إليه بها، وتسمى السبابه أيضًا لأن الإنسان عند الإشارة إلى تعظيم الله ﷿ يرفعها، ويشير بها إلى السماء، والمعنى أن أجل الدنيا قريب وأنه ليس ببعيد، وهذا كما فعل ﷺ ذات يوم حيث خطب الناس في آخر النهار، والشمس على رؤوس النخل، فقال: (إنه لم يبق من ديناكم إلا مثل ما بقي من هذا اليوم) .","vol":"2","page":334},{"text":"فإذا كان الأمر كذلك والنبي ﷺ الآن مات له ألف وأربعمائة سنة ولم تقم القيامة دل هذا على أن الدنيا طويلة الأمد، ولكن ما يقدره بعض الجيولوجيين من عمر الدنيا الماضي بملايين الملايين فهذا خرص، لا يصدق ولا يكذب، فهو كأخبار بني إسرائيل؛ لأنه ليس لدينا علم من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ في مقدار ما مضى من الدنيا، ولا في مقدار ما بقى منها على وجه التحديد، وإنما هو كما ضرب النبي ﷺ هذه الأمثال، والشيء الذي ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة وهو من أخبار ما مضى، فإنه ليس مقبولًا، وإنما ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما شهد الشرع بصدقه، فهذا يقبل لشهادة الشرع به.\nالقسم الثاني: ما شهد الشرع بكذبه، فهذا يرد لشهادة الشرع بكذبه.\nالقسم الثالث: ما ليس فيه هذا ولا هذا، فهذا يتوقف فيه، إما أن يكون حقًا، وإما أن يكون باطلًا، ويدل لهذا قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) (إبراهيم: ٩) فإذا حصر الله جل وعلا العلم في نفسه فإنه لا يتلقى علم هؤلاء إلا من وحيه ﷿، لا يعلمهم إلا الله، فأي أحد يدعي شيئًا فيما مضى مما يتعلق بالبشرية أو بطبيعة الأرض أو الأفلاك أو غيرها فإننا لا نصدقه ولا نكذبه، بل نقسم ما أخبره به إلى الأقسام الثلاثة السابقة.","vol":"2","page":335},{"text":"أما المستقبل فالمستقبل ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما أخبر الشرع بوقوعه، فهذا لابد أن يقع مثل أخبار يأجوج ومأجوج، وأخبار الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵊ أشبه ذلك، مما ثبت في الكتاب والسنة.\nالقسم الثاني: ما لم يرد به كتاب ولا سنة، فهذا القول فيه من التخمين والظن، بل لا يجوز لأحد أن يصدقه فيما يستقبل؛ لأنه من علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله ﷿.\n\nثم يقول: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)، وقد سبق الكلام على هذه الجمل.\nثم يقول: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه) كما قال ربه ﷿: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (الأحزاب: ٦) فهو أولى بك من نفسك، وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم ﵊، ثم يقول: (من ترك مالًا فلأهله) يعني من ترك من الأموات مالًا فلأهله؛ يرثونه حسب ما جاء في كتاب الله وسنة الرسول ﷺ. (ومن ترك دينًا أو ضياعًا)، يعني أولادًا صغارًا يضيعون (فإلي وعلي)، يعني فأمرهم إلي، أنا وليهم، والدين علي أنا أقضيه، هكذا كان ﷺ حين فتح الله عليه.\n\nأما قبل ذلك فكان يؤتي بالرجل ليصلي عليه فيسأل: (هل عليه دين؟) إن قالوا: نعم وليس له وفاء ترك الصلاة عليه، فجيء إليه في يوم من الأيام برجل من الأنصار فتقدم ليصلي عليه، ثم سأل عليه دين؟ قالوا: نعم","vol":"2","page":336},{"text":"ثلاثة دنانير، فتأخر وقال: (صلوا على صاحبكم) فعرف ذلك في وجوه القوم. ثم قام أبو قتادة ﵁ وقال: (صل عليه يا رسول الله وعلي دينه، فالتزمهما أبو قتادة ﵁، فتقدم النبي ﷺ فصلى.\nوفي هذا دليل على عظم الدين وأنه لا ينبغي للإنسان أن يستدين إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، لا يستدين لا لزواج، ولا لبناء بيت، ولا لكماليات في البيت، كل هذا من السفه، يقول الله ﷿ (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النور: ٣٣)، هذا في النكاح فما بالك بما هو دونه بكثير.\nوكثير من الجهال يستدين ليشتري مثلًا فراشًا للدرج، أو فراشًا للساحة، أو بابًا ينفتح بالكهرباء أو ما أشبه ذلك، مع أنه فقير، ويأخذه بالدين فهو إن اشترى شيئًا بثمن مؤجل فهو دين؛ لأن الدين عند العلماء كل ما ثبت في الذمة من ثمن بيع أو قرض أو أجرة أو غير ذلك، فإياكم والديون احذروها فإنها تهلككم، إلا شيئًا ضروريًا فهذا شيء آخر، لكن ما دمت في غنى فلا تستدن.\nوكثير من الناس يستدين مثلًا أربعين ألفًا، فإذا حل الأجل قال: ليس عندي شيء، فيستدين للأربعين ألفًا التي عليه ستين ألفًا، ثم يستدين السنة التالية، ثم تتراكم عليه الديون الكثيرة من حيث لا يشعر، والله الموفق.","vol":"2","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>١٩ - باب فيمن سن سنة حسنة أو سيئة</span>\n\nقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: ٧٤) وقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (الأنبياء: ٧٣) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه اله تعالى - هذا الباب (باب فيمن سن سنة حسنة أو سنة سيئة) ليبين أن من الأشياء ما يكون أصله ثابتًا، فإذا فعله الإنسان وكان أول من يفعله كان كمن سنه وصار له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة.\nوقد سبق لنا أن الدين الإسلامي ولله الحمد كامل، لا يحتاج إلى تكميل، ولا إلى بدع؛ لأن الله تعالى قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) (المائدة: ٣) .\nثم استشهد المؤلف بآيتين من كتاب الله، أولاهما: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: ٧٤)، هذا من جملة ما يدعو به عباد الرحمن، الذين ذكر الله أوصافهم في آخر سورة الفرقان (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) إلى أن قال (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) (الفرقان: ٦٣، ٧٤) .\n\n(هَبْ لَنَا) يعني أعطنا، و(الأزواج) جمع زوج، وهو صالح للذكر","vol":"2","page":338},{"text":"والأنثى، والزوج الذكر يسمى زوجًا ولهذا تجد في الأحاديث: عن عائشة زوج النبي ﷺ، وهذه هي اللغة الفصحى أن المرأة تسمى زوجًا، لكن أهل الفرائض ﵏ جعلوا للرجل زوج وللمرأة زوجة، من أجل التفريق عند قسمة المواريث، أما في اللغة العربية فالزوج صالح للذكر والأنثى.\nفهذا الدعاء (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) كما هو صالح للرجال صالح للنساء أيضًا.\n(قُرَّةَ أَعْيُنٍ) في المرأة أنك إذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك وفي ولدك، وإذا بحثت عنها وجدتها قانتة لله (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (النساء: ٣٤)، فهذه تسر زوجها.\nوكذلك أيضًا الذرية إذا جعلهم الله تعالى قرة عين للإنسان، يطيعونه إذا أمر، وينتهون عما نهاهم عنه، ويسرونه في كل مناسبة، ويصلحون فهذا من قرة الأعين للمتقين.\nوالجملة الأخيرة: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) هي الشاهد لهذا الباب، يعني اجعلنا للمتقين أئمة، يقتدى بنا المتقون في أفعالنا وأقوالنا، فيما نفعل وفيما نترك، فإن المؤمن ولا سيما أهل العلم يقتدى بهم؛ بأقوالهم وأفعالهم، ولهذا تجد العامة إذا أمرتهم بشيء أو نهيتهم عن شيء، قالوا: هذا فلان يفعل كذا وكذا، ممن جعلوه إمامًا لهم.\nوالأئمة تشمل الأئمة في الدين الذي هو العبادة الخاصة بالإنسان،","vol":"2","page":339},{"text":"والأئمة في الدعوة، وفي التعليم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شعائر الدين وشرائعه، اجعلنا للمتقين إمامًا في كل شيء.\n\nأما الآية الثانية فقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (الأنبياء: ٧٣)، أي صيرناهم أئمة علماء يهدون الناس، أي يدلونهم على دين الله بأمر الله ﷿، ولكن ليت المؤلف ذكر آخر الآية؛ لأن الله بين أنه جعلهم أئمة بسبب (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤)، لما صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله، وصبروا على أقدار الله؛ صبروا على طاعة الله ففعلوا ما أمر، وصبروا عن معصية الله فتركوا ما نهى عنه، وصبروا على أقدار الله التي تأتيهم من أجل دعوتهم إلى الحق وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر؛ لأن الإنسان إذا نصب نفسه داعية للحق آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، فلابد أن يصيبه من الأذى ما يصيبه، لأن أكثر الذين يكرهون الحق سوف يكونون أعداء له فليصبر، وكذلك أقدار الله التي تأتي بدون هذا أيضًا يصبرون عليها.\n(وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) يوقنون بما أخبرهم الله به، ويوقنون بالجزاء الذي يحصل لهم في فعل الأوامر، وترك النواهي، وفي الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أنهم يعملون وهم يوقنون بالجزاء، وهذه نقطة ينبغي لنا أن ننتبه لها، أن نعمل ونحن نوقن بالجزاء، كثير من الناس يعملون، يصلون ويصومون ويتصدقون بناء على أن هذا أمر الله، وهذا طيب ولا شك أنه خير، لكن ينبغي أن تدرك وأن تستحضر بأنك","vol":"2","page":340},{"text":"إنما تفعل هذا رجاء الثواب وخوف العقاب، حتى تكون موقنًا بالآخرة.\nوقد أخذ شيخ الإسلام ﵀ من هذه الآية عبارة طيبة، فقال: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين) أخذها من قوله تعالى: (لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤)، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. أسأل الله أن يجعلني وإياكم أئمة في دين الله، هداة لعباد الله مهتدين، إنه جواد كريم.\n\n* * *\n١٧١ - عن أبي عمرو، جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار، أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر: فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة: فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب: فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) إلى آخر الآية: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: ١)، والآية الأخرى التي في آخر الحشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر: ١٨) تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة) فجاء، رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة؛ فقال رسول الله ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام\n\nسنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن","vol":"2","page":341},{"text":"ينقص من أوزارهم شيء) . رواه مسلم.\nقوله (مجتابى النمار) هو بالجيم وبعد الألف باء موحده، والنمار: جمع نمرة، وهي: كساء من صوف مخطط، زمعنى (مجتابيها) أي: لابسيها قد خرقوها في رؤوسهم (والجوب): القطع ومنه قوله تعالى: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (الفجر: ٩)، أي: نحتوه وقطعوه. وقوله (تمعر) هو بالعين المهملة، أي تغير، وقوله: (رأيت كومين) بفتح الكاف وضمها؛ أي صبريتين. وقوله: (كأنه مذهبة) هو بالذال المعجمة، وفتح الهاء والباء الموحدة. قاله القاضي عياض وغيره. وصحفه بعضهم فقال: (مدهنة) بدال مهملة وضم الهاء والنون، وكذا ضبطه الحميدي، والصحيح المشهور هو الأول. والمراد به على الوجهين: الصفاء والاستنارة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في باب من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها حديث جرير بن عبد اله البجلي ﵁، وهو حديث عظيم يتبين منه حرص النبي ﷺ وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه عليه، فبينما هم مع رسول الله ﷺ في أول النهار إذا جاء قوم عامتهم من مضر أو كلهم من مضر مجتابي النمار، مقلدي السيوف ﵃، يعني أن الإنسان ليس عليه إلا ثوبه قد اجتباه يستر به","vol":"2","page":342},{"text":"عورته، وقد ربطه على رقبته، ومعهم السيوف استعدادًا لما يؤمرون به من الجهاد ﵃.\nفتمعر وجه النبي ﷺ يعني تغير وتلون لما رأى فيهم من الحاجة، وهم من مضر، من أشرف قبائل العرب، وقد بلغت بهم الحاجة إلى هذا الحال، ثم دخل بيته ﵊، ثم خرج، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى، ثم خطب الناس ﵊، فحمد الله ﷺ كما هي عادته، ثم قرا قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: ١)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر: ١٨) .\n\nثم حث على الصدقة، فقال: (تصدق رجل بديناره، وتصدق بدرهمه، تصدق بثوبه، تصدق بصاع بره، تصدق بصاع تمره، حتى ذكر ولو شق تمرة) وكان الصحابة ﵃ أحرص الناس على الخير، وأسرعهم إليه، وأشدهم مسابقة، فخرجوا إلى بيوتهم فجاءوا بالصدقات، حتى جاء رجل بصرة معه في يده كادت تعجز يده عن حملها، بل قد عجزت من فضة ثم وضعها بين يدي الرسول ﵊.\nثم رأى جرير كومين من الطعام والثياب وغيرها قد جمع في المسجد، فصار وج النبي ﵊ بعد أن تعمر، صار يتهلل كأنه مذهبة، يعني من شدة بريقه ولمعانه وسروره ﵊ لما حصل من هذه المسابقة التي فيها سد حاجة هؤلاء الفقراء، ثم قال ﷺ:","vol":"2","page":343},{"text":"(من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة قوليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) .\n\nوالمراد بالسنة في قوله ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة) ابتدأ العمل بسنة، وليس من أحدث؛ لأن من أحدث في الإسلام ما ليس منه فهو رد وليس بحسن، لكن المراد بمن سنها أي صار أول من عمل بها؛ كهذا الرجل الذي جاء بالصرة ﵁، فدل هذا على أن الإنسان إذا وفق لسن سنة في الإسلام سواء إليها أو أحياها بعد أن أميتت.\nوذلك لأن السنة في الإسلام ثلاثة أقسام:\nسنة سيئة: وهي البدعة، فهي سيئة وإن استحسنها من سنها لقول النبي ﷺ: (كل بدعة ضلالة) .\nوسنة حسنة: وهي على نوعين:\nالنوع الأول: أن تكون السنة مشروعة ثم يترك العمل بها ثم يجدها من يجددها، مثل قيام رمضان بإمام، فإن النبي ﷺ شرع لأمته في أول الأمر الصلاة بإمام في قيام رمضان، ثم تخلف خشية أن تفرض على الأمة، ثم ترك الأمر في آخر حياة النبي ﷺ، وفي عهد أبي بكر ﵁ وفي أو خلافة عمر، ثم رأى عمر ﵁ أن يجمع الناس على إمام واحد ففعل، فهو ﵁ قد سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه أحيا","vol":"2","page":344},{"text":"سنة كانت قد تركت.\n\nوالنوع الثاني: من السنن الحسنة أن يكون الإنسان أول من يبادر إليها، مثل حال الرجل الذي بادر بالصدقة حتى تتابع الناس ووافقوه على ما فعل.\nفالحاصل أن من سن في الإسلام سنة حسنة، ولا سنة حسنة إلا ما جاء به الشرع فله أجره وأجر من عمل بها من بعده.\nوقد أخذ هذا الحديث أولئك القوم الذين يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيبتدعون أذكارًا ويبتدعون صلوات ما أنزل الله بها من سلطان، ثم يقولون: هذه سنة حسنة، نقول: لا، كل بدعة ضلالة وكلها سيئة، وليس في البدع من حسن، لكن المراد في الحديث من سابق إليها وأسرع، كما هو ظاهر السبب في الحديث، أو من أحياها بعد أن أميتت فهذا له أجرها وأجر من عمل بها.\n\nوفي هذا الحديث الترغيب في فعل السنن التي أميتت وتركت وهجرت، فإنه يكتب لمن أحياها أجرها وأجر من عمل بها، وفيه التحذير من السنن السيئة، وأن من سن سنة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، حتى لو كانت في أول الأمر سهلة ثم توسعت، فإن عليه وزر هذا التوسع، مثل لو أن أحدًا من الناس رخص لأحد في شيء من المباح الذي يكون ذريعة واضحة إلى المحرم وقريبًا، فإنه إذا توسع الأمر بسبب ما أفتى به الناس فإن عليه الوزر ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، نعم لو كان الشيء مباحًا ولا يخشى منه أن يكون ذريعة إلى محرم، فلا","vol":"2","page":345},{"text":"بأس للإنسان أن يبينه للناس، كما لو كان الناس يظنون أن هذا الشيء محرم وليس بمحرم، ثم يبينه للناس من أجل أن يتبين الحق، ولكن لا يخشى عاقبته، فهذا لا باس به، أما شيء تخشى عاقبته، فإنه يكون عليه وزره ووزر من عمل به. والله أعلم.","vol":"2","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>٢٠ - باب في الدلالة على خير\nوالدعاء إلى هدى أو ضلالة</span>\n\nقال تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) (الحج: ٦٧)، وقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ) (النحل: ١٢٥) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى: (باب في الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة) الدلالة على الخير هي أن يبين الإنسان للناس الخير الذي ينتفعون به في أمور دينهم ودنياهم، ومن دل على خير فهو كفاعله، أما الدعوة إليه فهي أخص من الدلالة؛ لأن الإنسان قد يدل فيبين ولا يدعو، فإذا دعا كان هذا أكمل وأفضل، والإنسان مأمور بالدعوة إلى الخير أي: الدعوة إلى ﷿، كما قال تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) وآخر الآية: (إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ) (الحج: ٦٧) .\nوقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: ١٢٥)، وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: ١٠٤، ١٠٥) .\n\nفهذه الآيات وأمثالها كلها تدل على أن الإنسان ينبغي له أن يكون داعيًا إلى الله ولكن لا يمكن أن تتم الدعوة إلا بعلم الإنسان بما يدعو","vol":"2","page":347},{"text":"إليه؛ لأن الجاهل قد يدعو إلى شيء يظنه حقًا وهو باطل، وقد ينهى عن شيء يظنه باطلًا وهو حق، فلابد من العلم أولًا فيتعلم الإنسان ما يدعو إليه.\nوسواء كان عالمًا متبحرًا فاهمًا في جميع أبواب العلم، أو كان عالمًا في نفس المسألة التي يدعو إليها، فليس بشرط أن يكون الإنسان عالمًا متبحرًا في كل شيء، بل لنفرض أنك تريد أن تدعو الناس إلى أقام الصلاة، فإذا فقهت أحكام الصلاة وعرفتها جيدًا فادع إليها ولو كنت لا تعرف غيرها من أبواب العلم؛ لقول النبي ﷺ: (بلغوا عني ولو آية) .\n\nولكن لا يجوز أن تدعو بلا علم ابدًا؛ لأن ذلك فيه خطر؛ خطر عليك أنت، خطر على غيرك، أما خطره عليك فلأن الله حرم عليك أن تقول على الله ما لا تعلم، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣)، وقال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم) (الإسراء: ٣٦)، أي لا تتبع ما ليس لك به علم، فإنك مسئول عن ذلك، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (الإسراء: ٣٦) .\nولابد أيضًا من أن يكون الإنسان حكيمًا في دعوته، ينزل الأشياء في منازلها، ويضعها في مواضعها، فيدعو الإنسان المقبل إلى الله ﷿","vol":"2","page":348},{"text":"بما يناسبه، ويدعو الإنسان الجاهل بما يناسبه، كل أناس لهم دعوة خاصة حسب ما يليق بحالهم، ودليل هذا أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب)، فأعلمه بحالهم من أجل أن يستعد لهم وأن ينزلهم منزلتهم؛ لأنهم إذا كانوا أهل كتاب صار عندهم من الجدل بنا عندهم من العلم ما ليس عند غيرهم، فالمشركين جهال ضلال لكن أهل الكتاب عندهم علم، يحتاجون إلى استعداد تام، وأيضًا يجابهون بما يليق بهم؛ لأنهم يرون أنفسهم أهل كتاب وأهل علم - فيحتاج الأمر إلى أن يراعوا في كيفية الدعوة، ولهذا قال له: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب) .\n\nولنضرب لهذا مثلًا واقعيًا: لو أن رجلًا جاهلًا تكلم وهو يصلي، يظن أن الكلام لا يضر، فهذا لا نوبخه ولا ننهره ولا نشدد عليه، بل نقول له إذا فرغ من صلاته: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، لكن لو علمنا أن شخصًا يعلم أم الكلام في الصلاة حرام ويبطلها، لكنه إنسان مستهتر والعياذ بالله؛ يتكلم ولا يبالي فهذا نخاطبه بما يليق به ونشدد عليه وننهره، فكل مقام مقال.\nولهذا قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) والحكمة أن تضع الأشياء في مواضعها، وتنزل الناس في منازلهم، فلا تخاطب الناس","vol":"2","page":349},{"text":"بخطاب واحد، ولا تدعوهم بكيفية واحدة، بل أجعل لكل إنسان ما يليق به.\nفلابد أن يكون الإنسان على علم بحال من يدعوه؛ لأن المدعو له حالات: إما أن يكون جاهلًا، أو معاندًا مستكبرًا، أو يكون قابلًا للحق ولكنه قد خفي عليه مجتهدًا متأولًا، فلكل إنسان ما يليق به.\nثم ذكر المؤلف قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وسبيل الله هي دينه وشريعته التي شرعها الله لعباده، وأضافها إلى نفسه لسببين:\nالسبب الأول: أنه هو الذي وضعها ﷿ للعباد، ودلهم عليها.\nالسبب الثاني: أنها موصلة إليه، فلا شيء يوصل إلى الله إلا سبيل الله التي شرعها لعباده على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم.\n\nوقوله: (بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ) الحكمة قال العلماء: إنها من الأحكام وهو الإتقان، إتقان الشيء أن يضعه الإنسان في موضعه فهي وضع الأشياء في مواضعها، وأما الموعظة فهي التذكير المقرون بالترغيب أو الترهيب، فإذا كان الإنسان معه شيء من الأعراض فإنه يوعظ وينصح، فإن لم يفد فيه ذلك فيقول تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فإذا كان الإنسان عنده شيء من المجادلة فيجادل، والمجادلة بالتي هي أحسن أي من حيث المشافهة، فلا تشدد عليه ولا تخفف عنه، انظر ما هو أحسن، بالتي هي أحسن أيضًا من حيث الأسلوب، والإقناع، وذكر الأدلة التي يمكن أن يقتنع بها؛ لأن من الناس من يقتنع بالأدلة الشرعية أكثر مما يقتنع","vol":"2","page":350},{"text":"بالأدلة العقلية، وهذا هو الذي عنده إيمان قوي.\nومن الناس من يكون بالعكس لا يقتنع بالأدلة الشرعية إلا إذا ثبت ذلك عنده بالأدلة العقلية، فتجده يعتمد على الأدلة العقلية أكثر مما يعتمد على الأدلة الشرعية، بل ولا يقتنع بالأدلة الشرعية إي حيث تؤيدها عنده الأدلة العقلية، وهذا النوع من الناس يخشى عليه من الزيغ والعياذ بالله؛ إذا كان لا يقبل الحق إلا بما عقله بعقله الفاسد فهذا خطر عليه، ولهذا كان أقوى الناس إيمانًا أعظمهم إذعانًا للشرع أي: للكتاب والسنة، فإذا رأيت من نفسك الإذعان للكتاب والسنة والقبول والاقتياد؛ فهذا يبشر بخير، وإذ رأيت من نفسك القلق من الأحكام الشرعية إلا حيث تكون مؤيدة عنك بالأدلة العقلية؛ فاعلم أن في قلبك مرضًا؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) يعني: لا يمكن أن يختاروا شيئًا سوى ما قضاه الله ورسوله، (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا) (الأحزاب: ٣٦) .\n\nوقوله: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) جاء في آية العنكبوت (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (العنكبوت: ٤٦)، فهؤلاء لا تلينوا معهم إذا كانوا ظالمين، فقاتلوهم بالسيف حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وعلى هذا فتكون المراتب أربعة: الحكمة، الموعظة، المجادلة بالتي هي أحسن، المجادلة بالسيوف لمن كان ظالمًا، والله الموفق.\n* * *","vol":"2","page":351},{"text":"وقال تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (آل عمران: ١٠٤) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - ﵀ - في باب الدلالة على الخير، قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤)، وهذا أمر من الله - ﷿ - بأن يكون منا هذه الأمة، والامة بمعنى الطائفة، وترد الأمة في القرآن الكريم على أربعة معان: أمة بمعنى الطائفة، وأمة بمعنى الملة، أمة بمعنى السنين، وأمة بمعنى القدوة، فمن الطائفة هذه الآية (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) أي طائفة (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ.....) (آل عمران: ١٠٤) إلى آخره.\nوالأمة بمعنى الملة مثل قوله تعالى (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (المؤمنون: ٥٢) أي دينكم دين واحد.\nوالأمة بمعنى السنين مثل قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) (يوسف: ٤٥) أي بعد زمن.\nوالأمة بمعنى القدوة والإمام مثل قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا) (النحل: ١٢٠)\n\nفقوله هنا (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) اللام في قوله للأمر (وَلْتَكُنْ)، \" ومن\" في قوله: (مِنْكُمْ) فيها قولان لأهل العلم: منهم من قال إنها للتبعيض، ومنهم من قال إنها لبيان الجنس، فعلى القول الأول يكون الأمر هنا أمرًا كفائيًا، أي أنه إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين؛ لأنه قال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ) يعني بعض منكم يدعون إلى الخير،","vol":"2","page":352},{"text":"وعلى القول الثاني يكون الأمر امرًا عينينًا، وهو أنه يجب على كل واحد أن يكرس جهوده لهذا الأمر.. يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.\nالدعوة إلى الخير تشمل كل شيء فيه مصلحة للناس في معاشهم ومعادهم؛ لأن الخير كما يكون في عمل الآخرة يكون في عمل الدنيا، كما قال الله تعالى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) (البقرة: ٢٠١)\nوما ينفع الناس من الأمور الدنيوية فهو خير، ولهذا سمى الله - ﷾- المال خيرًا، فقال (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات: ٨)\n\nوقوله:: (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: ١٠٤)، المعروف ما عرفه الشرع وأقره، المنكر ما أنكره ونهى عنه، فإذا يكون الأمر بالمعروف هو الأمر بطاعة الله، والنهي عن المنكر هو النهي عن معصية الله، فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.\nلكن لابد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شروط هي:\nالشرط الأول: أن يكون الآمر أنه الناهي عالمًا بأن هذا معروف يأمر به، وهذا منكر ينهى عنه، وهذا، لم يكن عالمًا فإنه لا يجوز أن يأمر أو ينهى، لقوله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (الاسراء: ٣٦)، والتحريم والتحليل لا يكون بحسب العاطفة؛ لأنه لو كان بحسب العاطفة والهوى لوجدنا من الناس من يكره كل شيء يستغربه، حتى لو حصل شيء ينفع الناس وهو مستغرب له قال هذا منكر، ومن الناس من هو بالعكس يتهاون ويرى أن كل شيء معروف،","vol":"2","page":353},{"text":"فالمعروف والمنكر أمرهما إلى الشارع.\nكذلك أول ما ظهرت مكبرات الصوت أنكرها بعض الناس، وقال: إن هذا منكر، كيف نؤدي الصلاة أو الخطبة بهذه الأبواق التي تشبه بوق اليهود؟ ومن العلماء المحققين كشيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ قال: إن هذه من نعمة الله؛ أن الله يسَّر لعباده ما يوصل أصوات الحق إلى الخلق، وأن مثل هذه كمثل نظارات العين، فالعين إذا ضعف النظر تحتاج إلى تقوية بلبس النظارات، فهل نقول لا تلبس النظارات؛ لأنها تقوي النظر وتكبر الصغير؟ لا، لا نقول هكذا.\nفالحاصل أالمعروف والمنكر أمرهما إلى الله تعالى ورسوله ﷺ، لا إلى ذوق الإنسان، أو هوى الإنسان، أو فكر الإنسان.\nإذًا لا بد أيكون الإنسان عالمًا بأن هذا معروف وأن هذا منكر، هذا معروف يأمر به، وهذا منكر ينهى عنه، ولكن ما الطريق إلى معرفة ذلك؟ الطريق إلى معرفة ذلك الكتاب والسنة فقط، وإجماع الأمة، أو القياس الصحيح، وإجماع الأمة والقياس الصحيح كلاهما مستند إلى الكتاب والسنة، ولولا الكتاب والسنة ما عرفنا أن الإجماع حُجة، وأن القياس حُجة.\n\nالشرط الثاني: أن يعلم بوقوع المنكر من الشخص المدعو، أو بتركه للمعروف، فإن كان لا يعلم فإنه يرجم الناس بالغيب، مثلا ذلك: لو أن رجلًا دخل المسجد وجلس، فإن الذي تقتضيه الحكمة أن يسأله: لماذا جلس ولم يصل؟ ولا ينهاه أو يزجره، بدليل أن النبي صلة الله عليه وسلم كان يخطب","vol":"2","page":354},{"text":"الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس، فقال له: \" أصليت\" قال: لا، قال: \" قم فصل ركعتين\"، فلم يزجره حين ترك الصلاة؛ لأنه يحتمل أن يكون صلى والنبي ﵊ لم يره.\nكذلك أيضًا إذا رأيت شخصًا يأكل في نهار رمضان أو يشرب في نهار رمضان فلا تزجره، بل اسأله ربما يكون له عذر في ترك الصيام. قل له لماذا لم تصم؟ فقد يكون مسافرًا، وقد يكون مريضًا مرضًا يحتاج معه إلى شرب الماء بكثرة؛ مثل أوجاع الكلى تحتاج إلى شرب ماء كثير، ولو كان الإنسان صحيحًا فيما يظهر للناس، فالمهم أنه لابد أن تعرف أنه ترك المعروف حتى تأمره به، ولا بد أيضًا أن تعرف انه وقع في المنكر حتى تنهاه عنه؛ لأنه قد لا يكون واقعًا في المنكر وأنت تظنه واقعًا.\n\nمثال ذلك: إذا رأيت رجلًا في سيارة ومعه امرأة فهناك احتمال أن المرأة أجنبية منه، وهناك احتمال أن تكون المرأة من محارمه، أو أنها زوجته. إذًا لا تنكر عليه حتى تعلم أنه فعل منكرًا، وذلك بقرائن الأحوال، لو فرضن امثلًا أن الإنسان رأى ريبة من هذا الشخص لكونه أهلًا لسوء الظن، ورأى حركات، والإنسان العاقل البصير يعرف، فهذا ربما نقول: يتوجه ويسأله: من هذه المرأة التي معك؟ أو لماذا تحمل امرأة في سيارتك ليست من محارمك؟ ولكن ليس لك لمجرد أن ترى رجلًا يمشي مع امرأة أو حاملًا امرأة في سيارته تنكر عليه وأنت لا تدري هل هذا منكر أم لا.","vol":"2","page":355},{"text":"وعلى كل حال خلو المرأة بالسيارة وهو غير محرم منكر، لكن لا تدري لعل هذه المرأة من محارمه.\nفالمهم أنه لابد من العلم بأن هذا معروف وأن هذا منكر، ولابد من العلم أن هذا ترك المعروف أو فعل المنكر.\nالشرط الثالث: أن لا يتحول المنكر إذا نهى عنه إلى ما هو أنكر منه وأعظم. مثال ذلك: لو رأين اشخصًا يشرب الدخان، وشرب الدخان حرام لا شك ومنكر يجب إنكاره، لكننا لو أنكرنا عليه لتحول إلى شرب الخمر، يعني أنه ذهب إلى الخمارين وشرب الخمر فهنا لا ننهاه عن منكره الأول؛ لأن منكره الأول أهون، وارتكاب أهون المفسدتين واجب إذا كان لابد من ارتكاب العليا.\n\nودليلُ هذا الشرط قول الله ﷿: فسبُ آلهة المشركين من الأمور المطلوبة شرعًا، ويجب علينا أن نسب آلهة المشركين، وأن نسب أعياد الكفار، وأن نحذر منها، وأن لا نرضى بها، وأن نبصر إخواننا الجهال السفهاء بأنه لا يجوز مشاركة الكفار في أعيادهم؛ لأن الرضا بالكفر يخشى أن يوقع صاحبه في الكفر والعياذ بالله، هل ترضى أن شعائر الكفر تقام وتشارك فيها؟ لا يرضى بهذا أحد من المسلمين، لهذا قال ابن القيم - ﵀- وهو من تلاميذ شيخ الإسلام البارزين: إن الذي يشارك هؤلاء في أعيادهم ويهنئهم فيها، إن لم يكن أتى الكفر فإنه قد فعل محرمًا بلا شك، وصدق ﵀، ولهذا يجب علينا أن نحذر إخواننا المسلمين","vol":"2","page":356},{"text":"من مشاركة الكفار في أعيادهم، لأن مشاركتهم في أعيادهم أو تهنئتهم فيها، مثل قول: عيد مبارك، أو هنأك الله بالعيد وما أشبه ذلك، لا شك أنه رضًا بشعائر الكفر والعياذ بالله.\nأقول: إن شب آلهة المشركين وشعائر المشركين وغيرهم من الكفار الكتابيين أمر مطلوب شرعًا، ولكن إذا كان يؤذى إلى شيء أعظم منه نكرًا فإنه يُنهى عنهن يقول الله ﷿ (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) يعني الأصنام لا تسبوها (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: ١٠٨) يعني عدوانًا منهم بغير علم، أما أنتم إذا سببتم آلهة المشركين فإنه بعدل وعلم، لكن سبهم لإلهكم عدوان بلا علم، فأنتم لا تسبوهم فيسبوا الله.\nإذًا نأخذ من هذه الآيات الكريمة أنه إذا كان نهي الإنسان عن منكر ما يوقع الناس فيما هو أنكر منه، فإن الواجب الصمت، حتى يأتي اليوم الذي يتمكن فيه من النهي عن المنكر ليتحول المنكر إلى معروف.\n\nويُذكر أن شيخ الإسلام ابن تيميه﵀- مرّ في الشام ومعه صاحب له على قوم من التتار- والتتار أمة معروفة تسلطت على المسلمين في سنة من السنوات، وحصل بهم فتنة كبيرة عظيمة - وهم يشربون الخمر فسكت وما نهاهم، فقال له صاحبه: لماذا لم تنه عن هذا المنكر؟ قال له: إن نهيناهم عن هذا الشيء ذهبوا يفسدون نساء المسلمين بالزنا، ويستبيحون أموالهم، وربما يقتلونهم، وشرب الخمر أهون، وهذا من","vol":"2","page":357},{"text":"فقه ﵀ ورضي عنه، فإذا كان الإنسان يخشى أن يزول المنكر ويتحول إلى ما هو أنكر منه؛ فإن الواجب الصمت.\nومن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وليس من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان أول فاعل للمعروف وأول منتهٍ عن المنكر- بمعنى أنه لا يأمر بالمعروف ثم لا يفعله، أو لا ينه عن المنكر ثم يقع فيه؛ لأن هذا داخل في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٢-٣)، وفي الحديث الصحيح: \" إنه يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه\"، يعني أمعاءه، وتندلق: ينعى تتفجر: \" فيدور عليها كما يدور الحمار على رحاه، فيجتمع إليه أهل النار ويقولون له: ما لك يا فلان ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر. فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وكنت أنهاكم عن المنكر وآتيه \"\n\nفمن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان أول ممتثل للأمر، وأول منتهٍ عن النهي.\nوذكر أن ابن الجوزي﵀- الواعظ المشهور وهو من أصحاب","vol":"2","page":358},{"text":"الإمام أحمد - ﵀ - يعني ممن يقلدون الإمام أحمد، وكان واعظًا مشهورًا بالوعظ يوضع له كرسي يوم الجمعة ويلقي المواعظ، ويحضره مئات الآلاف، وكان من شدة تأثيره على القلوب أن بعض الحاضرين يصعق ويموت، من شدة تأثيره على القلوب، فجاءه ذات يوم عبد رقيق، فقال له: يا سيدي، إن سيدي يتعبني، ويشق علي ويأمرني بأشياء ما أطيقها، فلعلك تعظ الناس وتحثهم على العتق فيُعتقني، فقال: نعم أفعل فبقي جمعة أو جمعتين أو ما شاء الله ولم يتكلم عن العتق بشيء، فجاء إليه العبد، وقال له: يا سيدي أنا قلت لك تكلم عن العتق منذ زمن، ولم تتكلم إلى الآن، قال: نعم، لأني لست أملك عبدًا فأعتقه، ولا أحب أن أحث على العتق وأنا لم أعتق- سبحان الله- فلما منّ الله عليّ بعبد وأعتقته صار لي مجال أن أتكلم في العتق، ثم تكلم يومًا من الأيام عن العتق فأثر ذلك نفوس الناس فأعتق الرجل عبده.\nفالحاصل أن هذا من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الداعين إلى الخير الآمرين بالمعروف والناهيين عن المنكر، إنه جواد كريم.\n* * *","vol":"2","page":359},{"text":"١٧٤- وعن أبي هريرة﵁- أن رسول الله ﷺ قال: \" من دعا إلى هُدى كان لهُ من الأجر مثل أجوز من تبعهُ لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعهُ لا ينقصُ ذلك من آثامهم شيئًا\" رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة﵁ - أن النبي ﷺ قال: \"من دعا إلى هدى؛ كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا\" من دعا إلى هدى: يعني بيّنه للناس ودعاهم إليه، مثل أن يبين للناس أن ركعتي الضحى سنة، وأنه ينبغي للإنسان أن يصلي ركعتين في الضحى، ثم تبعه الناس وصاروا يصلون الضحى، فإن له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا؛ لأن فضل الله واسع.\nأو قال للناس مثلًا: اجعلوا أخر صلاتكم بالليل وترًا، ولا تناموا إلا على وتر إلا من طمع أن يقوم من آخر الليل فليجعل وتره في آخر الليل، فتبعه ناس على ذلك فإن له مثل أجرهم يعني كلما أوتر واحد هداه الله على يده؛ فله مثل أجره، وكذلك بقية الأعمال الصالحة.\n\n\" من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\"، أي إذا دعا إلى وزر وإلى ما فيه الإثم، مثل أن يدعو","vol":"2","page":360},{"text":"الناس إلى لهو أو باطل أو غناء أو ربا أو غير ذلك من المحارم، فإن كل إنسان تأثر بدعوته فإنه يُكتب له مثل أوزارهم؛ لأنه دعا إلى الوزر، والعياذ بالله.\nوأعلم أن الدعوة إلى الهدي والدعوة إلى الوزر تكون بالقول؛ كما لو قال أفعل كذا أفعل كذا، وتكون بالفعل خصوصًا من الذي يُقتدي به من الناس، فإنه إذا كان يُقتدي به ثم فعل شيئًا فكأنه دعا الناس إلى فعله، ولهذا يحتجون بفعله ويقولون فعل فلان كذا وهو جائز، أو ترك كذا وهو جائز.\nفالمهم أن من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من تبعه، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه مثل وزر من تبعه.\nوفي هذا دليلٌ على أن المتسبب كالمباشر، فهذا الذي دعا إلى الهدى تسبب فكان له مثل أجر من فعله، والذي دعا إلى السوء أو إلى الوزر تسبب فكان عليه مثل وزر من اتبعه.\nوقد أخذ العلماء الفقهاء﵏- من ذلك قاعدة: بأن السبب كالمباشرة، لكن إذا اجتمع سببٌ ومباشرة أحالوا الضمان على المباشرة؛ لأنه أمس بالإتلاف، والله أعلم.\n\n١٧٥- وعن أبي العباس سهل بن سعدٍ الساعدي﵁- أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: \" لاُعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله في يديه، يحبُ الله ورسوله، ويحبه الله ورسولهُ\" فبات الناسُ يدوكُون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما","vol":"2","page":361},{"text":"أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ: \" كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: \"أين على بن أبي طالب؟ \" فقيل: يا رسول الله هو يشتكي عينيه قال: \" فأرسلوا إليه\" فأتى به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا لهُ، فبرأ حتى كان لم يكن به وجع فأعطاهُ الرايةُ، فقال على﵁-: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: \" انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يحبُ عليهم من حق الله تعالى فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمرِ النعم\" متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قوله ﷺ: \" لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسولهُ\" هذا يتضمن بشرى عامة، وبشرى خاصة، أما العامة فهي قوله: \" يفتح اله على يديه\" وأما الخاصة فهي قوله: \" يجب الله ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولُه\".\nوخيبر مزارع وحصون لليهود، كانت نحو مائة ميل في الشمال الغربي من المدينة، وسكنها اليهود كما سكن طائفة منهم المدينة نفسها؛ لأن اليهود يقرؤون في التوراة أنه سيُبعث نبي، وسيكون مهاجره إلى المدينة، وتسمى في العهد القديم يثرب، لكنه نهى عن تسميتها يثرب، وأنه سيهاجر إلى المدينة وسيقاتل وينتصر على أعدائه، فعلموا أن هذا حق،","vol":"2","page":362},{"text":"وذهبوا إلى المدينة وسكنوها، وسكنوا خيبر، وكانوا يظنون أن هذا النبي سيكون من بني إسرائيل، فلما بُعث من بني إسماعيل من العرب حسدوهم، وكفروا به، والعياذ بالله، بعد أن كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه) (البقرة: ٨٩) وقالوا ليس هذا هو النبي الذي بُشرنا به.\nوحصل منهم ما حصل من العهد مع النبي ﵊، ثم الخيانة، وكانوا في المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكلهم عاهد النبي صلى الله ﵊، ولكنهم نقضوا العهد كلهم.\n\nفهزمهم الله- والحمد لله- على يد النبي ﷺ وكان آخرهم بني قريظة الذين حكم فيهم سعد بن معاذ﵁- بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى نساؤهم وذريتهم، وتغنم أموالهم، وكانوا سبعمائة، فأمر النبي صلى الله عليه وسل بقتلهم فحصدوهم عن آخرهم فهكذا اليهود أهل غدر وخيانة ونقض للعهود، منذ بُعث فيهم موسى ﵊ إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، هم أغدر الناس بالعهد، وأخونهم بالأمانة، ولذلك لا يوثق منهم أبدًا؛ لا صرفًا ولا عدلًا، ومن وثق بهم، أو وثق منهم. فإنه في الحقيقة لم يعرف سيرتهم منذ عهد قديم.\nقوله صلي الله عليه وسلم: \" لأعطين الراية رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه اللهُ ورسولُه\" هاتان منقبتان عظيمتان.","vol":"2","page":363},{"text":"الأولى: أن يفتح الله على يديه؛ لأن من فتح الله على يديه نال خيرًا كثيرًا، فإنه إذا هدى الله به رجلًا واحدًا، كان خيرًا له من حمر النعم: يعني من الإبل الحمر وإنما خص الإبل الحمر؛ لأنها أغلى الأموال عند العرب.\n\nالثانية: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وفي ذلك فضل لعلى بن أبي طالب - ﵁- لأن الناس في تلك الليلة جعلوا يدوكون يعني يخوضون ويتكلمون من هذا الرجل؟\nفلما أصبح النبي ﷺ قال: \" أين علي بن أبي طالب؟ \" فقيل: هو يشتكي عينيه، يعني أن عينيه تؤلمه ويشتكيها، فدعا به فأتي به، فبصق في عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع، وهذه من آيات الله ﷿ فليس هناك قطرة ولا كي وإنما هو ريق النبي ﷺ ودعاؤه.\nوفي هذا الحديث دليلٌ على أنه يجوز للناس أن يتحدثوا في الأمر ليتفرسوا فيمن يصيبه؛ لأن الصحابة صاروا في تلك الليلة يدوكون ليلتهم: من يحصل هذا؟ وكل واحد يقول: لعله أنا.\nوفيه أيضًا دليلٌ على أن الإنسان قد يهبه الله تعالى من الفضائل ما لم يخطر له على بال، فعلي ليس حاضرًا وربما لا يكون عنده علم بأصل المسألة ومع ذلك جعل الله له هذه المنقبة ففي هذا دليلٌ على أن الإنسان قد يحرم الشيء مع ترقبه له، وقد يُعطى الشيء مع عدم خطورته على باله.\n\n\" فأعطاه الراية\" الراية يعني العلم الذي يكون علمًا على القوم في","vol":"2","page":364},{"text":"حال الجهاد، لأن الناس في الجهاد يقسمون هؤلاء إلى جانب وهؤلاء إلى جانب، وهذه القبيلة وهذه القبيلة، أو هذا الجنس من الناس كالمهاجرين مثلًا والأنصار، كل له راية أي: علم يدل عليه.\nفقال علي ﵁ \" يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا\" يعني أقاتلهم حتى يكونوا مسلمين أم ماذا فقال له النبي ﷺ: \" انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم\" ومل يقل له قاتلهم حتى يكونوا مثلنا، وذلك لأن الكفار لا يقاتلون على الإسلام ويرغمون عليه، وإنما يقاتلون ليذلوا لأحكام الإسلام فيعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أو يدخلوا في الإسلام.\n\nوقد اختلف العلماء - ﵏ - هل هذا خاص بأهل الكتاب أي مقاتلتهم حتى يعطوا الجزية- أو أنه عام لجميع الكفار؟ فأكثر العلماء يقولون: إن الذي يقاتل حتى يعطي الجزية أو يسلم هم أهل الكتاب اليهود والنصارى، وأما غيرهم فيقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام، واستدلوا بقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: ٢٩) .\n\nوالصحيح أنه عام، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسمل أخذ الجزية من مجوس","vol":"2","page":365},{"text":"هجر، وهم ليسوا أهل كتاب كما أخرجه البخاري، ودليلٌ آخر: حديث بريدة بن الحصيب الذي أخرجه مسلم، أن النبي ﷺ كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه ومن معه من المسلمين خيرًا وذر في الحديث ا، هـ يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية فإن أبوا يقاتلهم والصحيح أن هذا عام. ولذلك لم يقل النبي ﷺ لعلي حين سأله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، نعم قاتلهم حتى يكونوا مثلنا، وإنما أرشده أن يفعل ما أمره به، وأن يمشي على رسله، حتى ينزل بساحتهم.\nقوله: \" على رسلك\" أي لا تمسي عجلًا فتتعب أنت، ويتعب الجيش، ويتعب من معك، ولكن على رسلك حتى تنزل بساحتهم أي يجانبهم، قوله ﷺ: \" ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه\" فأمره ﷺ بأمرين:\n\nالأمر الأول: الدعوة إلى الإسلام: بان يقل لهم: أسلموا إذا كانوا يعرفون معنى الإسلام ويكفي ذلك، وإن كانوا لا يعرفونه، فإنه يبين لهم أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، أن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.\nالأمر الثاني: قال: \" وأخبرهم بما يحب عليهم من حق الله تعالى فيه\"","vol":"2","page":366},{"text":"وهو السمع والطاعة لأوامر الله ورسوله، لأجل أن يكون الداخل في الإسلام داخلًا على بصيرة، لأن بعض الناس يدخل في الإسلام على أنه دين ولكن لا يدري ما هو ثم إذ بينت له الشرائع ارتد والعياذ بالله، فصار كفره والثاني أعظم من كفره الأول؛ لأن الردة لا يُقر عليها صاحبها، بل يقال له: إما أن ترجع لما خرجت منه، وإما أن نقتلك.\n\nولهذا ينبغي لنا في هذا العصر لما كثر الكفار بيننا من نصارى وبوذيين ومشركين وغيرهم، إذا دعوناهم إلى الإسلام أن نبين لهم الإسلام أولًا، ونشرحه شرحًا يتبين فيه الأمر، حتى يدخلوا على بصيرة، لا تكتفي بقولنا: اسلموا فقط لأنهم لا يعرفون ما يجب عليهم من حق الله تعالى في الإسلام فإذا دخلوا على بصيرة صار لنا العذر فيما بعد إذا ارتدوا أن نطلب منهم الرجوع إلى الإسلام أو نقتلهم، أما إن بين لهم إجمالًا هكذا، فإنها دعوة قاصرة، والدليل على هذا حديث سهل بن سعد - ﵁ - الذي نشرحه.\nوفي الحديث، في قوله ﷺ: \" فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم\" يهديه: أي يوفقه بسببك إلى الإسلام فإنه خير لك من حمر النعم يعني من الإبل الحمر، وذلك لأن الإبل الحمر عند الغرب كانت من أنفس الأموال، إن لم تكن أنفس الأموال، ففعل ﵁ ونزل بساحتهم، ودعاهم إلى الإسلام ولكنهم لم يسلموا.\n\nثم في النهاية كانت الغلبة - ولله الحمد - وللمسلمين، ففتح الله على يدي علي بن أبي طالب﵁- والقصة مشهورة في كتب المغازي","vol":"2","page":367},{"text":"والسير، ولكن الشهاد من هذا الحديث: أنه أمرهم أن يدعوهم إلى الإسلام، وأن يخبرهم بما يحب عليهم من حق الله تعالى فيه.\nوفي هذا الحديث من الفوائد:\nظهور آية من آيات النبي ﷺ وهي أنه لما بصق في عيني على بن أبي طالب ﵁ برىء حتى كأن لم يكن به وجع.\nوفيه أيضًا آية أخرى: وهي قوله\" يفتح الله علي يديه\" وهي خبر غيبي، ومع ذلك فتح الله علي يديه.\nوفيه أيضًا من الفوائد: أنه ينبغي نصب الرايات في الجهاد، وهي الأعلام، وأن يُجعل لكل قوم راية معينة يعرفون بها كما سبقت الإشارة إليه.\nوفيه أيضًا من الفوائد: تحري الإنسان للخير والسبق إليه لأن الصحابة جعلوا في تل الليلة يدوكون ليلتهم، يدوكون ليلتهم، يدوكون ليلتهم يعني يدوكون في ليلتهم، في منصوبة على الظرفية، يعني انهم يبحثون من يكون.\n\nوفيه أيضًا: أن الإنسان قد يعطى الشيء من غير أن يخطر له على بال، وأنه يحرم من كان متوقعًا أن يناله هذا الشيء، لأن علي بن أبي طالب﵁ - كان مريضًا في عينيه، ولا أظن أنه يخطر بباله أن رسول الله ﷺ سيعطيه الراية، ومع ذلك أدركها وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء والله الموفق.\n* * *","vol":"2","page":368},{"text":"١٧٦- وعن أنس - ﵁- أن فتى من اسلم قال: يا رسول الله إني أريد الغزو وليس معي ما اتجهز به؟ قال: \" أئت فلانًا فإنه قد كان تجهز فمرض\" فقال: يا فلانةُ أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسى منه شيئًا، فواالله لا تحبسين منه شيئًا فيبارك لك فيه \" رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي ذكره المؤلف فيه الدلالة على الخير، فإن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسم ليطلب منه أن يتجهز إلى الغزو، فأرشده النبي صلى الله عليه وسمل ودله على رجل كان قد تجهز براحلته وما يلزمه لسفره ولكنه مرض، فلم يتمكن من الخروج إلى الجهاد، فجاء الرجل إلى صاحبه الذي كان قد تجهز فأخبره بما قال النبي صلى الله عليه وسمل، فقال لامرأته: أخرجي ما تجهزت به ولا تحبسي منه شيئًا، فو الله لا تحبسين منه شيئًا فيُبارك لنا فيه.\n\nففي هذا دليلٌ على أن الإنسان إذا دلّ أحدًا على الخير فإنه يثاب على ذلك، وقد سبق أن \" من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله\".\nوفيه دليلٌ أيضًا على أن من أراد عملًا صالحًا فحبسه عنه مرض، فإنه ينبغي أن يدفع ما بذله لهذا العمل الصالح إلى من يقوم به حتى يكتب له","vol":"2","page":369},{"text":"الأجر كاملًا؛ لأن الإنسان إذا مرض وقد أراد العمل وتجهز له، ولكن حال بينه وبين العمل مرضه، فإنه يكتب له الأجر كاملًا ولله الحمد، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (النساء: ١٠٠) .\nوفيه دليلٌ أيضًا من كلام الصاحبة - ﵃ - أن الإنسان إذا بذل الشيء في الخير فإن الأفضل أن ينفذه، فمثلًا لو أردت أن تتصدق بمال، وعزلت المال الذي تريد أن تتصدق به أو تبذله في مسجد، أو في جمعية خيرية أو ما أشبه ذلك، فلك الخيار أن ترجع عما فعلت؛ لأنه ما دام الشيء لم يبلغ محله فهو بيدك، ولكن الأفضل أن تنفذه وألا ترجع فيما أردت من أجل أن تكون من السباقين إلى الخير، والله الموفق.","vol":"2","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>٢١- باب التعاون على البر والتقوى</span>\n\nقال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: ٢)، وقال تعالى: (وَالْعَصْرِ) (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ١-٣)\nقال الإمام الشافعي - ﵀ - كلامًا معناه: إن الناس - أو أكثرهم - في غفلة عن تدبر هذه السورة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى-: \"باب التعاون على البر والتقوى\" التعاون معناه: التساعد، وأن يعين الناس بعضهم بعضًا على البر والتقوى فالبر: فعل الخير، والتقوى: اتقاء الشر وذلك أن الناس يعملون على وجهين: على ما فيه الخير، وعلى ما فيه الشر، فأما ما فيه الخير فالتعاون عليه أن تساعد صاحبك على هذا الفعل وتيسر له الأمر؛ سواء كان هذا مما يتعلق بك أو مما يتعلق بغيرك، وأما الشر فالتعاون فيه بأن تحذر منه، وأن تمنع منه ما استطعت، وأن تشير على من أراد أن يفعله بتركه وهكذا، فالبر فعل الخير، والتعاون عليه والتساعد على فعله، وتيسيره للناس، والتقوى اتقاء الشر والتعاون عليه بأن تحول بين الناس وبين فعل الشر وأن تحذرهم منه؛ حتى تكون الأمة أمة واحدة.\nوالأمر في قوله (وتَعَاوَنُوا) أمر أيجاب فيما يجب، واستحباب فيما يستحب، وكذلك في التقوى أمر إيجاب فيما يحرم، وأمر استحباب فيما","vol":"2","page":371},{"text":"يكره.\nوأما الدليل الثاني في التعاون على البر والتقوى، فهو ما ذكره المؤلف - ﵀- من سياق سورة العصر، حيث قال الله تعالى: فأقسم الله (وَالْعَصْرِ) (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر فأقسم الله - تعالى- بالعصر الذي هو الزمن، والناس فيه منهم من يملؤه خيرًا ومنهم من يملؤه شرًا، فاقسم بالعصر لمناسبة المقسم به للمقسم عليه، وهو من أعمال العباد فقال (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) الإنسان عام؛ يشمل كل إنسان، من مؤمن وكافر، وعدل وفاسق، وذكر وأنثى، كل الإنسان في خسر، خاسر كل عمله، خسران عليه، تعبٌ في الدنيا وعدم فائدة في الآخرة، إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر) فأصلحوا أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح، وأصلحوا غيرهم بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر.\n\nفالإيمان: هو الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، مما أخبر به الله ورسوله، وقد بينه الرسول ﷺ في قوله: \" الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسلهن واليوم الآخر، والقدر خيره وشره\" ستة أركان.\nوأما عمل الصالحات، فهو كل ما يقرب إلى الله، ولا يكون العمل","vol":"2","page":372},{"text":"صالحًا إلا بشرطين، هما: الإخلاص لله ﷿ والمتابعة لرسول ﷺ.\nالإخلاص لله: بمعنى ألا تقصد بعملك مراءاة عباد الله، لا تقصد إلا وجه الله والدار الآخرة.\nوأما المتابعة: فهي المتابعة للرسول ﷺ بحيث لا تأت ببدعة؛ لأن البدعة وإن أخلص الإنسان فيها مردودة \" من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\"،، والعبادة التي فيها الاتباع ولكن فيها رياء مردودة ايضًا، لقوله تعالى: \" أنا أغنى الشركاء عن الشرك، ومن عمل عملًا أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه\" وهو حديث قدسي.\nوأما قوله: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) يعني أن بعضهم يوصي بعضهم بالحق، وهو ما جاءت به الرسل (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر) لأن النفس تحتاج إلى صبر لفعل الطاعات وترك المحرمات، وأقدار الله المؤلمة.\n\nقال الإمام الشافعي﵀-: لو لم ينزل الله على عباده سورة غير هذه السورة لكفتهم؛ لأنها جامعة مانعة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المؤمنين العاملين الصالحين، المتواصين بالحق، المتواصين بالصبر. إنه سميع قريب.\n* * *","vol":"2","page":373},{"text":"١٧٧- عن أبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: \" من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله بخيرٍ فقد غزا \" متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - ﵀ - في باب التعاون على البر والتقوى ما ثبت عن النبي ﷺ في قوله: \" من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا\" وهذا من التعاون على البر والتقوى، فإذا جهز الإنسان غازيًا، يعني براحلته ومتاعه وسلاحه، ثلاثة أشياء: الراحلة، والمتاع، والسلاح، إذا جهزه بذلك فقد غزا، أي كتب له أجر الغازي، لأنه أعانه على الخير.\nوكذلك من خلفه في أهله بخير فقد غزا، يعني لو أن الغازي أراد أن يغزو ولكنه أشكل عليه أهله من يكون عند حاجاتهم، فانتدب رجلًا من المسلمين وقال: أخلفني في أهلي بخير، فإن هذا الذي خلفه يكون له أجر الغازي؛ لأنه أعانه.\nإذن فإعانة الغازي تكون على وجهين:\nالأول: أن يعينه في رحله، ومتاعه، وسلاحه.\nوالثاني: أن يعينه في كونه خلفًا عنه في أهله؛ لأن هذا من أكبر","vol":"2","page":374},{"text":"العون، فإن كثيرًا من الناس يشكل عليه من يكون عند أهله يقوم بحاجتهم، فإذا قام هذا الرجل بحاجة أهله وخلفه فيهم بخير فقد غزا.\nومن ذلك ما جرى لعلي بن أبي طالب - ﵁- حين خلفه رسول الله ﷺ في أهله في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، اتدعني مع النساء والصبيان، فاق لله: \" أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي\" يعني أن أخلفك في أهلي، كما خلف موسى هارون في قومه، حينما ذهب إلى ميقات ربه.\nويؤخذ من مثال الغازي أن كل من أعان شخصًا في طاعة الله فله مثل أجره، فإذا أعنت طالب علم في شراء الكتب له، أو تأمين السكن، أو النفقة، أو ما أشبه ذلك، فإن لكل أجرًا مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيئًا، وهكذا - أيضًا لو أعنت مصليًا على تسهيل مهمته في صلاته في مكانه وثيابه، أو في وضوئه، أو في أي شيء فإنه يكتب لك في ذلك أجر.\n\nفالقاعدة العامة: أن من أعان شخصًا في طاعة من طاعة الله كان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيئًا، والله الموفق.\n* * *","vol":"2","page":375},{"text":"١٧٩- وعن ابن عباس - ﵄- أن رسول الله ﷺ لقي ركبًا بالروحاء فقال (من القوم) \" قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: \" رسول الله\" فرفعت إليه امرأةٌ صبيًا فقالت: ألهذا حجٌ! قال: \" نعم ولك أجرٌ\" رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى- فيما نقله عن عبد الله بن عباس ﵄، أن النبي ﷺ ملقي ركبًا بالروحاء والروحاء مكان بين مكة والمدينة، وكان هذا في حجة الوداع، فقال لهم: \" من القوم؟ \" قالوا: المسلمون، فقالوا: فمن أنت؟ قال: \" أنا رسول الله ﷺ\" فرفعت إليه امرأة صبيًا فقالت: لهذا حج؟ قال \" نعم ولك أجر\" ففي هذا الحديث من الفوائد ما ساقه المؤلف من أجله، وهو أن من أعان شخصًا على طاعة فله أجر؛ لأن هذه المرأة سوف تقوم برعاية ولدها إذا أحرم، وفي الطواف، وفي السعي، وفي الوقوف، وكل شيء، قال: له حج ولك أجر.\nوهذا كالذي سبق فيمن جهز غازيًا أو خلفه في أهله فإنه يكون له أجر الغازي.\n\nوفي هذا الحديث من الفوائد أن الإنسان ينبغي له أن يسأل عما يجهله إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن الرسول ﷺ سأل: \"من القوم؟ \" يخشى أن يكونوا من العدو فيخونوا أو ويغدروا، أما إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك فلا","vol":"2","page":376},{"text":"حاجة أن تسأل عن الشخص، فتقول: من أنت؟ لأن هذا قد يكون داخلًا فيما لا يعنيك، و\" من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\" لكن إذا دعت الحاجة فاسأل حتى تكون على بينة من الأمر وعلى بصيرة.\nوفي هذا الحديث دليلٌ على أن وصف الإنسان نفسه بالصفات الحميدة إذا لم يقصد الفخر وإنما يقصد التعريف لا بأس به؛ لأن هؤلاء الصحابة لما سئلوا: من أنتم؟ قالوا: مسلمون، والإسلام لا شك أنه وصف مدح، لكن إذا أخبر الإنسان به عن نفسه، فقال: أنا مسلم، أنا مؤمن، وما أشبه ذلك لمجرد الخبر لا من أجل الافتخار فإن ذلك لا بأس به، وكذلك لو قاله على سبيل التحدث بنعمة الله فلو قال: الحمد لله الذي جعلني من المسلمين، وما أشبه ذلك فإنه لا بأس به، بل يكون محمودًا إذا لم يحصل فيه محظور.\nومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا وصف نفسه بصفة هي فيه بدون فخر، فإنه لا يعدُ هذا من باب مدح النفس وتزكية النفس الذي نهى عنه في قوله: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (لنجم: ٣٢) .\nوفيه دليلٌ أيضًا على أن الإنسان ينبغي له أن يغتنم وجود العالم؛ لأن هؤلاء القوم لما أخبرهم رسول الله ﷺ أنه رسول الله، جعلوا يسألونه، فينبغي للإنسان أن يغتنم فرصة وجود العالم من أجل أن يسأله عما يشكل","vol":"2","page":377},{"text":"عليه.\nومن فوائده أيضًا: أن الصبي إذا حج به وليه فله أجر، والحج يكون للصبي لا للولي، وقد اشتهر عند عامة الناس أن الصبي يكون حجة لوالديه، وهذا لا أصل له، بل حج الصبي له، لقول النبي ﷺ، لما قالت المرأة؟ ألهذا حج؟ قال: \" نعم ولك أجر\"، فالحج له، وليعلم أن الصبي بل كل من دون البلوغ يكتب له الأجر ولا يكتب عليه الوزر.\nواستدل بعض العلماء بقوله: \" نعم له حج\" أنه إذا أحرم الصبي لزمه جميع لوازم الحج؛ فيلزمه الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الجمرات، فليعل ما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه يُفعل عنه، إلا الطواف والسعى فإنه يطاف ويُسعي به.\nوقال بعض أهل العلم: لا بأس أن يتحلل الصبي ولو بدون سبب؛ لأنه قد رفع عنه القلم، وليس بمكلف، ولا يُقال: إن نفل الحج كفرضه، لا يجوز الخروج منه، وهذا الصبي متنفل فلا يجوز له أن يخرج، لأن أصل الصبي من غير المكلفين، فلا نلزمه بشيء وهو غير مكلف، وهذا مذهب أبي حنيفة - ﵀- أن الصبي لا يلزم بإتمام الحج، ولا بواجبات الحج، ولا باجتناب محظوراته، وأن ما جاء منه قُبل، وما تخلف لا يسأل عنه، وهذا يقع كثيرًا من الناس الآن، حيث يحرمون بصبيانهم، ثم يتعب الصبي ويأبى أن يكمل ويخلع إحرامه، فعلى مذهب جمهور العلماء لا بد أن نلزمه بالإتمام، وعلى مذهب أبي حنيفة وهو الذي مال إليه صاحب الفروع ﵀، من أصحاب الإمام أحمد﵀- ومن تلاميذ شيخ","vol":"2","page":378},{"text":"الإسلام ابن تيميه﵀- أنه لا يلزم لأنه ليس أهلًا للتكليف.\nوفي هذا الحديث أيضًا ما يدل على أن الصبي وإن كان غير مميز فإنه يصح منه الحج، ولكن كيف تصح نيته وهو غير مميز، قال العلماء: ينوي عنه وليه بقلبه أنه أدخله في الإحرام، ويفعل وليه كل ما يعجز عنه.\n\nوفي هذه المناسبة نودٌّ أن نبين هل يجب على من دخل في الحج أن ينوي الطواف بنية مستقلة، والسعي بنية مستقلة، والرمي كذلك، أو لا يشترك؟\nهذا المسألة فيها خلاف بين العلماء، من العلماء من قال: إذا أحرم الإنسان بالحج وطاف وسعى على النية الأولى، يعني لم يجدد نيته عند الطواف ولا عند السعي، فإن حجه صحيح، قال تعليلًا لقوله: إن الطواف والسعي والوقوف والرمي والمبيت كلها أجزاء من عبادة فتكفي النية الأولى، كما أن الإنسان إذا صلى ونوى عند الدخول في الصلاة أنه دخل في الصلاة، فإنه لا يلزمه أن ينوي الركوع ولا السجود ولا القيام ولا القعود؛ لأنها أجزاء من العبادة، فكذلك الحج.\nوهذا القول ينبغي أن يؤتى به عند الضرورة، يعني لو جاءك مُستفتٍ يقول: أنا دخلت المسجد الحرام وطفت، وفي تلك الساعة لم تكن عندي نية، فهنا ينبغي أن يفتي بأنه لا شيء عليه، وأن طوافه صحيح، أما عند السعة فينبغي أن يقال: إنك إذا نويت أحسن، وهو على كل حال لابد أن ينوي الطواف، ولكن أحيانًا يغيب عن ذهنه أنه طواف الركن، أو طواف التطوع، وما أشبه ذلك، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":379},{"text":"١٨٠- وعن أبي موسى الأشعري - ﵁- عن النبي ﷺ أنه قال \" الخازن المسلم الأمينُ الذي ينفذ ما أمره به فيعطيه كاملًا موفرا، طيبة به نفسهُ فيدفعه إلى الذي أمر له به أحدُ المتصدقين\" متفق عليه.\nوفي رواية: \" الذي يُعطي ما أمر به\" وضبطوا \" المتصدقين\" بفتح القاف مع كسر النون على التثنية، وعكسه على الجمع، وكلاهما صحيحٌ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فما نقله عن أبي موسى الأشعري﵁- أن النبي ﷺ قال: \" الخازنُ المسلمُ الأمينُ الذي ينفذُ ما أمر به، فيعطيه كاملًا موفرًا، طيبةً به نفسه فيدفعُه إلى الذي أُمر به أحدُ المتصدقين\" متفق عليه.\nالخازن مبتدأ، وأحد المتصدقين خبر، يعني أن الخازن الذي جمع هذه الأوصاف الأربعة: المسلم، الأمين، الذي ينفذ ما أمر به، طيبة بها نفسه.\nفهو مسلم احترازًا من الكافر، فالخازن إذا كان كافرًا وإن كان أمينًا وينفذ ما أُمر به ليس له أجر؛ لأن الكفار لا أجر لهم في الآخرة فيما عملوا من الخير، قال الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) (الفرقان: ٢٣)، وقال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ","vol":"2","page":380},{"text":"وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢١٧)، أما إذا عمل خيرًا ثم أسلم فإنه يسلم على ما أسلف من خير ويعطى أجره.\nالوصف الثاني: الأمين يعني الذي أدى ما ائتمن عليه، فحفظ المال، ولم يفسده، ولم يفرط فيه، ولم يعتد فيه.\nالوصف الثالث: الذي ينفذ ما أمر به يعني يفعله؛ لأن من الناس من يكون أمينًا لكنه متكاسل، فهذا أمين ومنفذ يفعل ما أمر به، فيجمع بين القوة والأمانة.\nالوصف الرابع: أن تكون طيبة به نفسه، إذا نفذ وأعطى ما أمر به أعطاه وهو طيبة به نفسه، يعني لا يمن على المعطى، أو يظهر أن له فضلًا عليه بل يعطيه طيبة به نفسه، فهذا يكون أحد المتصدقين مع أنه لم يدفع من ماله فلسًا واحدًا.\n\nمثال ذلك: رجل عنده مال، وكان - أمين صندوق للمال- مسلمًا أمينًا، ينفذ ما أمره به، ويعطيه صاحبه طيبة به نفسه، فإذا قال له صاحب الصندوق: يا فلان أعطِ هذا الفقير عشرة آلاف ريال، فأعطاه على الوصف الذي قال النبي صلي الله عليه وسلم فإنه يكون كالذي تصدق بعشرى آلاف ريال من غير أن ينقص من أجر المتصدق شيئًا، ولكنه فضل من الله ﷿.\nففي هذا الحديث دليلٌ على فضل الأمانة، وعلى فضل التنفيذ فيما وُكل فيه وعدم التفريط فيه، ودليلٌ على أن التعاون على البر والتقوى يكتب لمن أعان مثل ما يكتب لمن فعل، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، والله الموفق.","vol":"2","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>٢٢- باب النصيحة</span>\n\nقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةَ) (الحجرات: ١٠)، وقال تعالى إخبارًا عن نوح ﷺ: (وَأَنْصَحُ لَكُمْ) (لأعراف: ٦٢)، وعن هود ﷺ: (وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (لأعراف: ٦٨) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى-: \" باب النصيحة\" النصيحة: هي بذل النصح للغير، والنصح معناه أن الشخص يحب لأخيه الخير، ويدعوه إليه، ويبينه له، ويرغبه فيه، وقد جعل النبي ﷺ الدين النصحية، فقال \" الدين النصيحة \" ثلاث مرات، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: \" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم\" وضد النصيحة المكر والغش والخيانة والخديعة.\nثم صدر المؤلف هذا الباب بثلاث آيات.\nالآية الأولى: قوله تعالى: ِ (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةَ) (الحجرات: ١٠)، مثل أي: إذا تحقق فيهم الأخوة واتصفوا بها، فإنه لابد أن تكون هذه الأخوة مثمرة للنصيحة.\nوالواجب على المؤمنين أن يكونوا كما قال الله ﷿:: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةَ) وهم إخوة في الدين، والأخوة في الدين أقوى من الأخوة","vol":"2","page":382},{"text":"في النسب، بل إن الأخوة في النسب مع عدم الدين ليست بشيء، ولهذا قال الله - ﷿ - لنوح لما قال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) قال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (هود: ٤٥، ٤٦) .\nأما المؤمنون فإنهم وإن تباعدت أقطارهم وتباينت لغاتهم، فإنهم إخوة مهما كان، والأخ لابد أن يكون ناصحًا لأخيه، مبديًا له الخير، مبينًا ذلك له، داعيًا له.\nأما الآية الثانية: فهي قول نوح، وهو أول الرسل، يقول لقومه حين دعاهم إلى الله تعالى (وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (لأعراف: ٦٢)، يعني لست بغاش لكم، ولا خادع، ولا غادر، ولكني ناصح.\nأما الآية الثالثة: فقول الله تعالى عن هود: (وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (لأعراف: ٦٨) .\nوعلى كل حال يجب على المرء أن يكون لإخوانه ناصحًا مبديًا لهم الخير، داعيًا لهم إليه، حتى يحقق بذلك الأخوة الإيمانية، والله الموفق.\nوأما الأحاديث: ١٨١- فالأول عن أبي رقية تميم بن أوسٍ الدارس﵁- أن النبي ﷺ قال: \" الدين النصيحةُ\" قلنا: لمن؟ قال: \" لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم\" رواه مسلم.","vol":"2","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى - في باب النصيحة ثلاثة أحاديث: الحديث الأول عن تميم بن أوس الداري ﵁، أن النبي ﷺ قال \" الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة\" كررها ثلاثًا ﷺ لأجل أن ينتبه المخاطب والسامع حتى تتلقى ما يقوله النبي ﷺ بانتباه. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: \" لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم\" خمسة أشياء هي محل النصيحة.\nوالنصيحة لله﷿- تكون بالإخلاص لله تعالى، والتعبد له محبة وتعظيمًا؛ لأن الله ﷿ يتعبد له العبد محبة، فيقوم بأوامره طلبًا للوصول إلى محبته ﷿، وتعظيمًا فينتهي عن محارمه خوفًا منه ﷾.\nومن النصيحة لله: أن يكون الإنسان دائمًا ذاكرًا لربه بقلبه ولسانه وجوارحه، أما القلب فإنه لا حدود لذكره، والإنسان يستطيع أن يذكر الله بقلبه على كل حال، وفي كل ما يشاء، وفي كل ما يسمع؛ لأن في كل شيء لله تعالى آية تدل على وحدانيته وعظمته وسلطانه، فيفكر في خلق السماوات والأرض، ويفكر في الليل والنهار، ويفكر في آيات الله من الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وغير ذلك، فيحدث هذا ذكرًا لله ﷿ في قلبه.\nومن النصيحة لله أن تكون غيرته لله فيغار لله ﷿ إذا انتهكت محارمه، كما كان النبي ﷺ هكذا، فإنه ﵊ كان لا ينتقم","vol":"2","page":384},{"text":"لنفسه أبدًا، مهما قال الناس فيه، لا ينتقم لنفسه، ولكنه إذا انتهكت محارم الله صار أشد الناس انتقامًا ممن ينتهك حرمات الله تعالى، فيغار الإنسان على ربه؛ فلا يسمع أحدًا يسب الله أو يشتم الله أو يتسهزىء بالله إلا غار من ذلك وأنكر عليه حتى ولو رفع أمره لولي الأمر؛ لأن هذا من النصيحة لله ﷿.؟\n\nومن النصيحة لله: أن يدب عن دين الله تعالى الذي شرعه لعباده، فيبطل كيد الكائدين، ويرد على الملحدين الذين يعرضون الدين وكأنه قيود تقيد الناس عن حرياتهم، والحقيقة أن الدين قيود حرية؛ لأن الإنسان يتقيد لله ﷿، وبالله، وفي دين الله، ومن لم يتقيد بهذا تقيد للشيطان؛ وفي خطوات الشيطان، لأن النفس همامه دائمًا، فلا تسكن نفس أحد أبدًا، بل لابد أن تكون لهما همم في أي شيء: إما في خير، وإما شر.\nوما أحسن قول ابن القيم ﵀ في النونية، حيث قال:\nهربوا من الرق الذي خلقوا له\nوبلوا برق النفس والشيطان\nهربوا من الرق الذي خلقوا له وهو عبادة الله، قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦)\n، ولكنهم هربوا من هذا الرق الذي هو كمال الحرية وكمال السعادة إلى رق النفس والشيطان","vol":"2","page":385},{"text":"والنفس- نعوذ بالله من شرها- تسترق الإنسان وتملي عليه الهوى فيكون خاضعًا لهواها، وإذا غلب الهوى؛ زال العقل، وكما قال الشاعر:\nسُكرانِ: سُكر هوى وسُكر مدامة\nفمتى إفاقة من به سكران\n\nيصف شخصًا يشرب الخمر والعياذ بالله، فيقول: إنه فيه سكران، سكر الهوى وسكر المدامة، فمتى إفاقة من به سكران؟ وواضح أن هذا لا ترجى له إفاقة.\nفالحاصل أن الإنسان يتعبد لله ﷿ لا للنفس ولا للشيطان، حتى يتحرر من القيود التي تضره ولا تنفعه.\nومن النصيحة لله ﷿: أن يكون باثًا دين الله في عباد الله؛ لأن هذا مقام الرسل كلهم، فهم دُعاة إلى الله يدعون الناس إلى الله ﷿، كما قال الله تعالى عنهم: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةَُ) (النحل: ٣٦)، وقوله تعالى: (فَمِنْهُمْ) أي من الأمة التي بعث فيها الرسول. نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم.\nثم قال ﷺ: \"ولكتابه\" يعني أيضًا من الدين النصيحة لكتاب الله ﷿، وهذا يشما كتاب الله الذي نزل على محمد ﷺ، والذي أُنزل من قبل، والنصيحة لهذه الكتب بتصديق أخبارها، أي أن ما أخبرت به يجب أن نصدقه.\nأما بالنسبة للقرآن فظاهر؛ لأن القرآن- ولله الحمد- نُقل بالتواتر من","vol":"2","page":386},{"text":"عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا وإلى أن يرفعه الله ﷿ في آخر الزمان، يقرؤه الصغير والكبير، وأما الكتب السابقة فإنها قد حرفت وغيرت وبدّلت، لكن ما صحّ منها فإنه يجب تصديق خبره واعتقاد صحة حكمه، لكننا لسنا متعبدين بأحكام الكتب السابقة إلا بدليل من شرعنا.\nومن النصيحة لكتاب الله: أن يدافع الإنسان عنه، يدافع من حرفه تحريفًا لفظيًّا، أو تحريفًا معنويًّا، أو من زعم أن فيه نقصًا، أو أن فيه زيادة، فالرافضة مثلًا يدّعون أن القرآن فيه نقص، وأن القرآن الذي نزل على محمد أكثر من هذا الموجود بين أيدي المسلمين. فخالفوا بذلك إجماع المسلمين، والقرآن - ولله الحمد- لم ينقص منه شيء، ومن زعم أنه قد نقص منه شيء؛ فقد كذّب قوله تعالى: \" (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩)، فالله ﷿ تكفل بحفظه، ومن ادعى أنه قد نقص حرفًا واحدًا اختزل منه؛ فقد كذّب الله ﷿، فعليه أن يتوب ويرجع إلى الله من هذه الردة.\n\nومن النصيحة لكتاب الله: أن ينشر الإنسان معناه بين المسلمين؛ المعني الصحيح الموافق لظاهره، بحيث لا يكون فيه تحريف ولا تغيير، فإذا جلس مجلسًا فإن من الخير والنصيحة لكتاب الله أن يأتي بأية من كتاب الله ﷿ يبينها للناس، ويوضح معناها، ولا سيما الآيات التي تكثر قراءتها بين المسلمين؛ مثل الفاتحة، فإن الفاتحة ركن من أركان الصلاة في كل ركعة؛ للإمام والمأموم والمنفرد، فيحتاج الناس إلى معرفتها، فإذا فسرها بين يدي الناس وبيّنها لهم؛ فإن هذا من النصيحة لكتاب الله ﷿.","vol":"2","page":387},{"text":"ومن النصيحة لكتاب الله: أن تؤمن بأن الله تعالى تكلم بهذا القرآن حقيقة، وأنه كلامه ﷿؛ الحرف والمعنى، ليس الكلام الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، بل إنه كلام الله لفظًا ومعنىً تكلم به وتلقاه منه جبريل ﵇، ثم نزل به على محمد ﷺ، وقد قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٢، ١٩٥)، وتأمل كيف قال: (عَلَى قَلْبِكَ) مع أن الرسول ﷺ يسمعه بأذنيه، ولكن الأذن إن لم يصل مسموعها إلى القلب؛ فإنه لا يستقر في النفس، فلا يستقر في النفس إلا ما وصل إلى القلب عن طريق الأذن، أو عن طريق الرؤيا بالعين، أو المس باليد، أو الشم بالأنف، أو الذوق بالفم، فالمهم القرار وهو القلب، ولهذا قال (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) وعلى هذا فليس من النصيحة أن يقول القائل: إن هذا القرآن عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، أو أن يقول: إنه خلق من مخلوقات الله، أو ما أشبه ذلك، بل من النصيحة أن تؤمن بأنه كلام الله\n\nحقا: اللفظ والمعنى.\nومن النصيحة لكتاب الله ﷿ أن يقوم الإنسان باحترام هذا القرآن العظيم، فمن ذلك أن لا يمس القرآن إلا وهو طاهر من الحدثين: الأصغر والأكبر، لقول النبي ﷺ: \" لا يمسّ القرآن إلا طاهر\" أو من وراء حائل؛ لأن من مس من وراء حائل فإنه لم يمسه في الواقع، وينبغي لا على","vol":"2","page":388},{"text":"سبيل الوجوب أن لا يقرأ القرآن ولو عن ظهر قلب إلا متطهرًا؛ لأن هذا من احترام القرآن.\nومن النصيحة لكتاب الله ﷿: أن لا تضعه في موضع يمتهن فيه، ويكون وضعه فيه امتهانًا له، كمحل القاذورات وما أشبه ذلك، ولهذا يجب الحذر مما يصنعه بعض الصبيان إذا انتهوا من الدروس في مدارسهم، ألقوا مقرراتهم والتي من بينها الأجزاء من المصحف في الطرقات أو في الزبالة أو ما أشبه ذلك، والعياذ بالله.\nوأما وضع المصحف على الأرض الطاهرة الطيبة، فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه؛ لأن هذا ليس فيه امتهان للقرآن، ولا إهانة له، وهو يقع كثيرًا من الناس إذا كان يصلي ويقرأ من المصحف وأراد السجود يضعه بين يديه، فهذا لا يعد امتهانًا ولا إهانة للمصحف فلا بأس به، والله اعلم.\n\nوأما الثالثة فقال النبي ﷺ: \" ولرسوله\" والنصيحة لرسول الله ﷺ تتضمن أشياء:\nالأول: الإيمان التام برسالته، وأن الله تعالى أرسله إلى جميع الخلق: عربهم وعجمهم، بل إنسهم وجِنّهم، قال الله تعالى (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) (النساء: ٧٩)، وقال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان: ١)، والآيات في هذا كثيرة، فتؤمن بأن محمدًا رسول الله إلى جميع الخلق من جن وإنس.\nومن النصيحة لرسول الله ﷺ: تصديق خبره، وأنه صادق مصدوق صادق فيما يخبر به، مصدوق فيما أخبر به من الوحي، فما كذب ولا كذَّب","vol":"2","page":389},{"text":"ﷺ.\nومن النصيحة لرسول الله ﷺ: صدق الاتباع له، بحيث لا تتجاوز شريعته ولا تنقص عنها، فتجعله إمامك في جميع العبادات، فإن الرسول ﷺ هو إمام هذه الأمة وهو متبوعها، ولا يحل لأحد أن يتبع سواه، إلا من كان واسطة بينه وبين الرسول، بحيث يكون عنده من علم السنة ما ليس عندك، فحينئذ لا حرج أن تتبع هذا الرجل بشرط أن تكون معتقدًا بأنه واسطة بينك وبين الشريعة، لا أنه مستقل؛ لا أحد يستقل بالتشريع إلا الرسول ﷺ بأمر الله، أما من سواه فهو مبلّغ عن الرسول ﷺ، كما قال الرسول ﷺ \" بلغوا عني ولو آية\".\n\nومن النصيحة لرسول الله ﷺ: الذب عن شريعته وحمايتها، فالذب عنها بأن لا ينتقصها أحد، والذب عنها بأن لا يزيد فيها أحد ما ليس منها، فتحارب أهل البدع القولية والفعلية والعقدية؛ لأن البدع كلها باب واحد كلها حقل واحد، كلها ضلالة، كما قال الرسول ﷺ: \" كل بدعة ضلالة\" لا يستثنى من هذا بدعة قولية ولا فعليه ولا عقدية، كل ما خالف هدي النبي صلى الله علي وسلم وما جاء به في العقيدة أو في القول أو في العمل فهو بدعة، فمن النصيحة لرسول الله ﷺ أن تحارب أهل البدع بمثل ما يحاربون به السنة؛ إن حاربوا بالقول فبالقول، وإن حاربوا بالفعل فبالفعل، جزاء","vol":"2","page":390},{"text":"وفاقأً؛ لأن هذا من النصيحة لرسول الله ﷺ.\nومن النصيحة للنبي ﷺ احترام أصحابه وتعظيمهم ومحبتهم؛ لأن صحب الإنسان لا شك أنهم خاصته من الناس وأخص الناس به، ولهذا كان الصحابة﵃- خير القرون؛ لأنهم أصحاب رسول الله ﷺ، فمن سبّ الصحابة أو أبغضهم، أو لمزهم، أو أشار إلى شي يبهتهم فيه، فإنه لم ينصح للرسول ﷺ، وإن زعم أنه ناصح للرسول فهو كاذب، كيف تسب أصحاب الرسول ﷺ وتبغضهم وأنت تحب الرسول ﷺ وتنصح له؟ وقد جاء عن النبي ﷺ \" المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل\" فإذا كان أصحاب الرسول ﷺ يسبهم الساب المفترى الكذاب فإنه في الحقيقة قد سبّ الرسول ﷺ، ولم ينصح له، بل هو في الحقيقة قدح في الشريعة؛ لأن حملة الشريعة إلينا هم الصحابة ﵃، فإذا كانوا أهلًا للسبّ والقدح لم يوثق بالشريعة؛ لأن نقلتها أهل ذم وقدح، بل إن سبّ الصحابة ﵃- سبّ لله ﷿- نسأل الله العافية- وقدح في حكمته أن يختار لنبيه ﷺ ولحمل دينه من هم أهلٌ للذم والقدح، إذًا من النصيحة للرسول صلى الله\n\nعليه وسلم محبة أصحابه واحترامهم وتعظيمهم، فهذا من الدين.\nالرابع: قال \" ولأئمة المسلمين\" الأئمة جمع إمام، والمراد بالإمام","vol":"2","page":391},{"text":"من يقتدي به ويؤتمر بأمره، وينقسم إلى قسمين: إمامة في الدين، وإمامة في السلطة.\nفالإمامة في الدين: هي بيدي العلماء، فالعلماء هم أئمة الدين الذين يقودون الناس لكتاب الله، ويهدونهم إليه، ويدلونهم على شريعة الله، قال الله ﵎ في دعاء عباد الرحمن (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: ٧٤)، هم ما سألوا الله إمامة السلطة والإمارة، بل سألوا الله إمامة الدين؛ لأن عباد الرحمن لا يريدون السلطة على الناس ولا يطلبون الإمارة، بل قد قال الرسول ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة﵁ - \" لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها\" لكنهم يسألون إمامة الدين، التي قالهم الله عنها: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤) فقال: (ائِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) .\nوالنصح لآئمة المسلمين في الدين والعلم، وهو أن يحرص الإنسان على تلقي ما عندهم من العلم، فإنهم الواسطة بين الرسول ﷺ وبين أمته، فيحرص على تلقى العلم منهم بكل وسيلة، وقد كثرت الوسائل في وقتنا ولله الحمد من كتابة وتسجيل وتلقّ وغير ذلك، فليحرص على تلقي العلم","vol":"2","page":392},{"text":"من العلماء، وليكن تلقيه على وجه التأني لا على وجه التسرع؛ لأن الإنسان إذا تسرع في تلقي العلم فربما يتلقاه على غير ما ألقاه إليه شيخه وقد أدب الله النبي ﷺ هذا الأدب، فقال تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (القيامة: ١٦-١٩)، لأن النبي صلى الله وعليه وسلم كان يبادر جبريل ﵇ إذا ألقى عليه القرآن فيقرأ، فقال الله تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) يعني لا تحرك اللسان- ولا سرًا - حتى ينتهي جبريل من القراءة، ثم بعد ذلك اقرأه.\n\n(فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: ١٨-١٩)، تكفل الربّ ﷿ ببيانه يعني أنك لن تنساه، مع أن المتوقع أن الإنسان إذا سكت حتى ينتهي الملقي من إلقائه ربما ينسى بعض الجمل، لكن قال الله ﷿: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) .\nومن النصح أيضًا لعلماء المسلمين: أن لا يتتبع الإنسان عوراتهم وزلاتهم وما يخطئون فيه؛ لأنهم غير معصومين، قد يزلون وقد يخطئون، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولا سيما من يتلقى العلم فإنه لا يجب أن يكون أبلغ الناس في تحمل الأخطاء التي يخطئ بها شيخه، وينهه عليها، فكم من إنسان انتفع من تلاميذه؛ ينبهونه على بعض الشيء؛ على الخطأ العلمي، أو على الخطأ العملي، وعلى أخطاء كثيرة؛ لأن الإنسان بشر.\nلكن الشيء المهم أن لا يكون حريصًا على تلقي الزلات، فإنه جاء في الحديث: \" يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه؛ لا تؤذوا","vol":"2","page":393},{"text":"المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه فضحه الله ولو في بيت أمه\"، هذا وهم مسلمون عمامة فيكف بالعلماء.\n\nإن الذين يلتقطون زلات العلماء ليشيعوها ليسوا مسيئين للعلماء شخصيًا وحسب، بل مسيئون للعلماء شخصيًا، ومسيئون إلي علمهم الذي يحملونه، ومسيئون إلي شريعة التي تتلقى من جهتهم؛ لأن العلماء إذا لم يثق الناس فيهم، وإذ اطلعوا على عوراتهم التي قد لا تكون عورات إلا على حسب نظر هذا المغرض، فإنه تقل ثقتهم بالعلماء وبما عندهم من العلم، فيكون في هذا جناية على الشرع الذي يحملونه من سنة الرسول ﵊.\nلذلك من نصيحتك لأئمة المسلمين من أهل العلم أن تدافع عن عوراتهم، وأن تسترها ما استطعت، وأن لا تسكت إذا سمعت شيئًا بل نبّه العالم، وابحث معه واسأله، ربما ينقل عنه أشياء غير صحيحة، وقد نُقل عنا وعن غيرنا أشياء غير صحيحة، لكن الناس- نسأل الله العافية- إذا كان لهم هوى وأحبوا شيئًا وعرفوا أحدًا من أهل العلم يقبل الناسُ قوله، نسبوه لهذا العالم، ثم إذا سألت نفس الذي نسب إليه القول، قال أبدًا ما قلت كذا، وقد يخطئ السائل مثلًا في صيغة السؤال، فيجب العالم على قدر","vol":"2","page":394},{"text":"السؤال ويفهمه السائل على حسب ما في نفسه هو، فيحصل الخطأ وقد يجيب العالم بالصواب بعد فهم السؤال لكن يفهمه السائل على غير وجهه فيخطئ في النقل.\n\nوعلى كل حال من النصيحة لأئمة المسلمين في العلم والدين أن لا يتتبع الإنسان عوراتهم، بل يلتمس العذر لهم، اتصل وقل سمعت عنك كذا وكذا هل هذا صحيح فإذا قال: نعم، قل: أظن أن هذا خطأٌ غلط حتى يبين لك وربما يشرح شيئًا لا تعرفه وتظن أنه أخطأ فيه، وربما قد خفي عليه شيء فتنبهه أنت، وتكون مشكورًا على هذا، وقد قال أول إمام في الدين والسلطة في هذه الأمة بعد الرسول ﷺ، وأبو بكر ﵁، حيث خطب أول خطبة، قال للناس وهو يخاطبهم يتحدث عن نفسه: إن اعوججت فأقيموني. وذلك لأن الإنسان بشر.\nفقوّم أخاك ولا سيما أهل العلم، لأن العالم خطره عظيم، الخطر الزللي، والخطر الرفيع، لأن كلمة الخطر تكون للعلو والنزول، فهو خطره عظيم، إن أصاب هدى الله على يده خلقًا كثيرًا، وإن أخطأ ضلّ على يد خلق كثير فزلة العالم من أعظم الزلات.\nولهذا أقول: يجب أن نحمي أعراض علمائنا، وأن ندافع عنهم، وأن نلتمس العذر لأخطائه من ولا يمنع هذا أن نتصل بهم، وأن نسألهم، وأن نبحث معهم، وأن نناقشهم حتى نكون مخلصين ناصحين لأئمة المسلمين.\n\nالنوع الثاني من أئمة المسلمين: أئمة السلطة وهم الأمراء، والأمراء في الغالب أكثر خطأ من العلماء؛ لأنه لسطته قد تأخذه العزة بالإثم","vol":"2","page":395},{"text":"فيريد أن يفرض سلطته على الصواب والخطأ، فالغالب من أئمة المسلمين في السلطة وهم الأمراء أن الخطأ فيهم أكثر من العلماء إلا ما شاء الله.\nوالنصيحة لهم هي أن نكف عن مساوئهم، وأن لا ننشرها بين الناس، وأن نبذل لهم النصيحة ما استطعنا، بالمباشرة إذا كنا نستطيع أن نباشرهم أو بالكتابة إذا كنا لا نستطيع، أو بالاتصال بمن يتصل بهم إذا كانا لا نستطيع الكتابة؛ لأنه أحيانًا لا يستطيع الإنسان الكتابة لهم، ولو كتب لم تصل إلى المسؤول، فيتصل بأحدٍ يتصل بالمسؤول وينبهه، فهذا من النصح.\nأما نشر مساوئهم فليس فيه عدوان شخصي عليهم فقط، بل هو عدوان شخصي عليهم وعلى الأمة جميعًا؛ لأن الأمة إذا امتلأت صدورها من الحقد على وُلاة أمورها عصت الولاة، ونابذتهم، وحينئذ تحصل الفوضى، ويسود الخوف، ويزول الأمن، فإذا بقيت هيبة ولاة الأمور في الصدور صار لهم هيبة، وحميت أوامرهم ونظمهم التي لا تخالف الشريعة.\nفالمهم أن أئمة المسلمين تشمل النوعين، أئمة الدين وهم العلماء، وأئمة السلطان وهم الأمراء، وإن شئت فقل أئمة البيان، وأئمة السلطان، وأئمة البيان وهم العلماء الذين يبيّنون للناس، وأئمة السطان وهم الأمراء الذين ينفذون شريعة الله بقوة السلطان، إذًا أئمة المسلمين سواء أئمة العلم والبيان، أو أئمة القوة والسلطان يجب علينا أن نناصحهم، وأن نحرص على بذل النصيحة لهم، في الدفاع عنهم وستر معايبهم، وعلى أن نكون معهم إذا أخطئوا في بيان ذلك الخطأ لهم بيننا وبينهم؛ لأنه ربما نعتقد أن","vol":"2","page":396},{"text":"هذا العالم مخطئ أو أن هذا الأمير مخطئ وإذا ناقشناه تبين لنا أنه غير مخطئ، كما يقع هذا كثيرًا.\nكذلك أيضًا ربما تنقل لنا هذه الأشياء عن العالم أو عن الأمير على غير وجهها، وإما لسوء القصد من الناقل؛ لأن بعض الناس- والعياذ بالله - يحب تشهير السوء بالعلماء وبالأمراء، فيكون سيىء القصد ينقل عليهم ما لم يقولوه، وينسب إليهم ما لم يفعلوه، فإذا سمعنا عن عالم أو عن أمير ما نرى أنه خطأً فلابد من تمام النصيحة مناقشته، وبيان الأمر وتبيُّنه حتى نكون على بصيرة.\n\nأما آخر الحديث فيقول: \" وعامتهم\" يعني النصح لعامة المسلمين، وقدم الأئمة على العامة؛ لأن الأئمة إذا صلحوا صلحت العامة؛ فإذا صلح الأمراء صلحت العامة، وإذا صلح العلماء صلحت العامة، لذلك بدأ بهم، وليُعلم أن أئمة المسلمين لا يّراد بهم الآئمة الذين لهم الإمامة العظمى، ولكن يُراد به ما هو أعم، فكل من له إمرة ولو في مدرسة فإنه يعتبر من أئمة المسلمين، إذا نوصح وصلح، صلح من تحت يده.\nوالنصيحة لعامة المسلمين بأن تحب لهم ما تجبُ لنفسك، وأن ترشدهم إلى الخير، وأن تهديهم إلى الحق إذا ضلوا عنه، وأن تذكرهم به إذا نسوه، وأن تجعلهم لك بمنزلة الأخوة؛ لأن الرسول ﷺ قال: \" المسلم أخو المسلم\"، وقال: \" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُ بعضه","vol":"2","page":397},{"text":"بعضًا \"، وقال: \" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى\"، فأنت إذا أحسست بألم في أطرف شيء من أعضائك، فإن هذا الألم يسري على جميع البدن، كذلك ينبغي أن تكون للمسلمين هكذا، إذا اشتكى أحد من المسلمين فكأنما الأمر يرجع إليك أنت.\n\nوليُعلم أن النصيحة هي مخاطبة الإنسان سرًا بينك وبينه؛ لأنك إذا نصحته سرًا بينك وبينه أثرت في نفسه، وعلم أنك ناصح، لكن إذا تكلمت أمام الناس عليه؛ فإنه قد تأخذه العزة بالإثم فلا يقبل النصيحة، وقد يظن أنك إنما تريد الانتقام منه وتوبيخه ووحطّ منزلته بين الناس فلا يقبل، لكن إذا كانت النصيحة بينك وبينه صار لها ميزانٌ كبير عنده وقيمة، وقبل ذلك، والله المسؤول أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.\n* * *\n١٨٢- الثاني: عن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: \" بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم\" متفقٌ عليه.","vol":"2","page":398},{"text":"١٨٣- الثالث: عن أنس - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: \" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبٌ لنفسه\" متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ - عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم؛ هذه ثلاثة أشياء: حق محض لله، وحق للآدمي محض، وحق مشترك، أما الحق المحض لله؛ فهو قوله\" أقام الصلاة\".\nومعني \" إقام الصلاة \" أن يأتي بها الإنسان مستقيمة على الوجه المطلوب، فيحافظ عليها في أوقاتها، ويقوم بأركانها وواجباتها وشروطها، ويتمم ذلك بمستحباتها.\nومن هذا بالنسبة للرجال إقامة الصلاة في المساجد مع الجماعة، فإن هذا من إقامة الصلاة، ومن تخلف عن الجماعة بلا عذر فهو آثم، بل هو عند بعض العلماء - كشيخ الإسلام ابن تيميه - ﵀ - إذا صلى بدون عذر مع غير الجماعة؛ فصلاته باطلة مردودة عليه، لا تقبل منه، ولكن الجمهور هو على أنها تصح مع الإثم، وهذا هو الصحيح، فمن ترك صلاة الجماعة بلا عذر؛ فصلاته صحيحة ولكنه آثم، وهذا هو القول الراجح","vol":"2","page":399},{"text":"وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد﵀ - وهو الذي عليه جمهور من قالوا بوجوب صلاة الجماعة.\nومن إقامة الصلاة: الخشوع فيها، والخشوع هو حضور القلب وتأمله بما يقوله المصلي وما يفعله، وهو أمر مهم؛ لأن الصلاة بلا خشوع كالجسد بلا روح، فأنت إذا صليت وقلبك يدور في كل وادٍ فإنك تصلي حركات بدنيه فقط، فإذا كان قلبك حاضرًا تشعر كأنك بين يدي الله ﷿، تناجيه بكلامه، وتتقرب إليه بذكره ودعائه، فهذا هو لبُّ الصلاة روحها.\n\nوأما قوله: \" إيتاء الزكاة\" يعني: إعطاءها لمستحقها، وهذه جامعة بين حق الله وحق العباد، أما كونها حقًا لله فلأن الله فرض على عباده الزكاة وجعلها من أركان الإسلام، وأما كونها حقًا للآدمي فلما فيها من قضاء حوائج المحتاجين، وغير ذلك من المصالح المعلومة في معرفة أهل الزكاة.\nوأما قوله: \" النصح لكل مسلم\" فهذا هو الشاهد من الحديث للباب، أي: أن ينصح لكل مسلم: قريب أو بعيد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى.\nوكيفية النصح لكل مسلم هي ما ذكره في حديث أنس﵁-: \" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" هذه هي النصيحة أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك، بحث يسرك ما يسرهم، ويسوءك ما يسوؤهم، وتعاملهم بما تحب أن يعاملوك به، وهذا الباب واسع كبير جدًا.\nفنفى النبي ﵊ الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه في كل شيء، ونفي الإيمان قال العلماء: المراد به نفي الإيمان","vol":"2","page":400},{"text":"الكامل، يعني لا يكمل إيمانك حتى تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وليس المراد انتفاء الإيمان بالكلية.\n\nويذكر أن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ حين بايع النبي ﵊ على النصح لكل مسلم، أنه اشترى فرسًا من شخص بدراهم، فلما اشتراه وذهب به وجد أنه يساوي أكثر، فرجع إلى البائع وقال له: إن فرسك يساوي أكثر، فأعطاه ما يرى أنها قيمته، فانصرف وجرّب الفرس فإذا به يجده يساوي أكثر مما أعطاه أخيرًا، فرجع إليه وقال له: إن فرسك يساوي أكثر فأعطاه ما يرى أنها قيمته، وكذلك مرة ثالثة حتى بلغ من مائتي درهم إلى ثمان مائة درهم؛ لأنه بايع الرسول صلى الله عليه وسمل على النصح لكل مسلم، وإذا بايع النبي ﷺ أحد على شيء لا يختص به فهو عام لجميع الناس، كل الناس مبايعون الرسول ﵊ على النصح لكل مسلم؛ بل على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، والمبايعة هنا بمعنى المعاهدة؛ لأن المبايعة تطلق على البيع والشراء، وتطلق على المعاهدة تطلق على البيع والشراء، وتطلق على المعاهدة، كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) (الفتح: ١٠)، وسميت مبايعة؛ أن كلًاّ من المتبايعين يمدُ باعه إلى الآخر، يعني يده من أجل أن يمسك بيد الآخر، ويقول:\n\nبايعتك على كذا وكذا، والله الموفق.","vol":"2","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>٢٣- باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\n\nقال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤)، وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: ١١٠)، وقال تعالي:) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر) (التوبة: ٧١)، وقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: ٧٨-٧٩) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى-: \" باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\" فالمعروف كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات القولية والفعلية، الظاهرة، والباطنة، والمنكر: كل ما أنكره الشرع ومنعه من أنواع المعاصي؛ من الكفر، والفسوق، والعصيان، والكذب، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب وفرض كفاية، إذا قام به من يكفي حصل المقصود، وإذا لم يقم به من يكفي؛ وجب على جميع المسلمين، كما قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ","vol":"2","page":402},{"text":"بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فبدأ بالدعوة إلى الخير، ثم ثّنى بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذلك لأن الدعوة إلى الخير قبل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير هي بيان الخير للناس، بأن يدعوهم إلى الصلاة وإلى الزكاة، وإلى الحج، وإلى الصيام، وإلى بر الوالدين، وإلى صلة الأرحام، وما أشبه ذلك، ثم بعد هذا يأتي دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيأمر ويقول: صّل، إما على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، بأن يمسك برجل متهاون بالصلاة فيقول له: صلِّ.\n\nوهناك مرحلة ثالثة وهي التغيير الذي قال فيه الرسول ﵊: \" من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده\" ولم يقل فلينه عنه؛ لأن هذه مرحلة فوق النهي، \" فإن لم يستطع فبلسانه\" وإن لم يستطع فبقلبه\" اللسان هو مرحلة النهي عن المنكر الثانية، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يتكلم فإنه ينكر بقلبه، بكراهته وبغضه لهذا المنكر.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى أمور:\nالأمر الأول: أن يكون الإنسان عالمًا بالمعروف والمنكر، فإن لم يكن عالمًا بالمعروف فإنه لا يجوز أن يأمر به، لأنه يأمر بماذا؟ قد يأمر بأمر يظنه معروفًا وهو منكر ولا يدري، فلابد أن يكون عالمًا أن هذا من المعروف","vol":"2","page":403},{"text":"الذي شرعه الله ورسوله، ولابد أن يكون عالمًا بالمنكر، أي: عالمًا بأن هذا منكر، فإن لم يكن عالمًا بذلك؛ فلا ينه عنه؛ لأنه قد ينهى عن شيء هو معروف فيترك المعروف بسببه، أو ينهى عن شيء وهو مباح فيضيق على عباد الله، بمنعهم مما أباح الله لهم، فلابد أن يكون عالمًا بأن هذا منكر، وقد يتسرع كثير من إخواننا الغيورين، فينهون عن أمور مباحة يظنونها منكرًا فيضيقون على عباد الله.\n\nفالواجب أن لا تأمر بشيء إلا وأنت تدري أنه معروف، وأن لا تنه عن شيء إلا وأنت تدري أنه منكر.\nالأمر الثاني: أن تعلم بأن هذا الرجل تارك للمعروف أو فاعل للمنكر، ولا تأخذ الناس بالتهمة أو بالظن، فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: ١٢)، فإذا رأيت شخصًا لا يصلي معك في المسجد، فلا يلزم من ذلك أنه لا يصلي في مسجد آخر؛ بل قد يصلي في مسجد آخر، وقد يكون معذورًا، فلا تذهب من أجل أن تنكر عليه حتى تعلم أنه يتخلف بلا عذر.\nنعم لا بأس أن تذهب وتسأله، وتقول: يا فلان، نحن نفقدك في المسجد، لا بأس عليك، أما أن تنكر أو أشد من ذلك أن تتكلم فيه في المجالس، فهذا لا يجوز؛ لأنك لا تدري؛ ربما أنه يصلي في مسجد آخر، أو يكون معذورًا.\nولهذا كان النبي ﵊ يستفهم أولًا قبل أن يأمر، فإنه ثبت في صحيح مسلم أن رجلًا دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب،","vol":"2","page":404},{"text":"فجلس ولم يصل تحية المسجد، فقال النبي ﷺ: \" أصليت؟ \" قال: لا، قال: \" قم فصل ركعتين\"، ولم يأمره أن يصلي ركعتين حتى سأله: هل صلى أم لا؟ مع أن ظاهر الحال أنه رجلٌ دخل وجلس ولم يصل، ولكن الرسول ﵊ خاف أن يكون قد صلى وهو لم يشعر به، فقال: \" أصليت؟ \" فقال: لا، قال \" قم فصل ركعتين\".\nكذلك في المنكر لا يجوز أن تنكر على شخص إلا إذا علمت أنه وقع في المنكر، فإذا رأيت امرأة مع شخص في سيارة مثلًا، فإنه لا يجوز أن تتكلم عليه أو علي المرأة؛ لأنه ربما تكون هذه المرأة من محارمه؛ زوجة، أو أم، أو أخت، أو ما أشبه ذلك، حتى تعلم أنه قد أركب معه امرأة ليست من محارمه، أو وجدت شبهة قوية، وأمثال هذا كثيرٌ. المهم أنه لابُد من علم الإنسان بأن هذا معروف ليأمر به، أو منكر لينهى عنه، ولا بد أن يعلم أيضًا أن الذي وجّه إليه الأمر أو النهي قد وقع في أمر يحتاج إلى أمر فيه أو نهي عنه.\n\nثم أن الذي ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون رفيقًا بأمره في نهيه؛ لأنه إذا كان رفيقًا أعطاه الله ﷾ ما لا يعطي على العنف، كما قال النبي ﵊: \" إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف\" فأنت إذا عنَّفت على من تنصح ربما ينفر،","vol":"2","page":405},{"text":"وتأخذه العزة بالإثم، ولا ينقاد لك، ولكن إذا جئته بالتي هي أحسن فإنه ينتفع.\nويُذكر - قديمًا - أن رجلًا من أهل الحسبة- يعني من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر- مرّ على شخص يستخرج الماء من البئر على إبله عند أذان المغرب، وكان من عادة هؤلاء العمال أن يحدوا بالإبل، يعني يُنشدون شعرًا من أجل أن تخف الإبل؛ لأن الإبل تطرب لنشيد الشعر، فجاء هذا الرجل ومعه غيره، وتكلم بكلام قبيح على العامل الذي كان متعبًا من العمل وضاقت عليه نفسه فضرب الرجل بعصا طويلة متينة كانت معه- فشرد الرجل وذهب إلى المسجد والتقى بالشيخ- عالم من العلماء من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب﵀- وقال: إني فعلت كذا وكذا، وإن الرجل ضربني بالعصا، فلما كان من اليوم الثاني ذهب الشيخ بنفسه إلى المكان قبل غروب الشمس، وتوضأ ووضع مشلحه على خشبه حول البئر، ثم أذن المغرب فوقف كأنه يريد أن يأخذ المشلح، فقال له: يا فلان ... يا أخي جزاك الله خيرًا، أنت تطلب الخير في العمل هذا، وأنت على خير، لكن الآن أذن للمغرب، لو أنك تذهب وتصلي المغرب وترجع ما فاتك شيء، وقال له كلامًا هينًا، فقال له: جزاك الله خيرًا، مرّ علىّ أمس رجل جلف قام ينتهرني، وقال لي كلامًا سيئًا أغضبني، وما ملكت نفسي حتى ضربته بالعصا، قال:\n\nالأمر لا يحتاج إلى ضرب، أنت عاقل، ثم تكلم معه بكلام لين، فأسند العصا التي يضرب بها الإبل ثم ذهب يصلي بانقياد ورضا.","vol":"2","page":406},{"text":"وكان هذا لأن الأول عامله بالعنف، والثاني عامله بالرفق، ونحن وإن لم تحصل هذه القضية فلدينا كلام الرسول ﷺ، يقول: \" إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف\" ويقول ﷺ: \" ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما ينزع من شيء إلا شانه\" فعلى الآمر أن يحرص على أن يكون أمره ونهيه رفيقًا.\nالشرط الثالث: أن لا يزول المنكر إلى ما هو أعظم منه، فإن كان هذا المنكر لو نهينا عنه، زال إلى ما هو أعظم منه، فإنه لا يجوز أن ننهى عنه، درءًا لكبرى المفسدتين بصغريهما؛ لأنه إذا تعارض عندنا مفسدتان وكان إحداهما أكبر من الأخرى؛ فإننا نتقي الكبرى بالصغرى.\nمثال ذلك: لو أن رجلًا يشرب الدخان أمامك فأردت أن تنهاه وتقيمه من المجلس، ولكنك تعرف أنك لو فعلت لذهب يجلس مع السكارى، ومعلوم أن شرب الخمر أعظم من شرب الدخان، فهنا لا ننهاه؛ بل نعالجه بالتي هي أحسن لئلا يؤول الأمر إلى ما هو أنكر وأعظم.\n\nويُذكر أن شيخ الإسلام ابن تيميه﵀ عليه- مرّ بقوم في الشام من التتار ووجدهم يشربون الخمر، وكان معه صاحب له، فمرّ بهم شيخ الإسلام ولم ينههم، فقال له صاحبه: لماذا لم تنهمم؟ قال: لو نهيناهم لذهبوا يهتكون أعراض المسلمين وينهبون أموالهم، وهذا أعظم من","vol":"2","page":407},{"text":"شربهم الخمر، فتركهم مخافة أن يفعلوا ما هو أنكر وأعظم، وهذا لا شك أنه من فقهه ﵀.\nالشرط الرابع: اختلف العلماء﵏- هل يشترط أن يكون الآمر والناهي فاعلًا لما أمر به، تاركًا لما نهى عنه أو لا؟ والصحيح أنه لا يشترط، وأنه إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ولم كان لا يفعل المعروف ولا يتجنب المنكر، فإن ذنبه عليه، لكن يجب أن يأمر وينهى، لأنه إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفعل المأمور ولا يترك المحظور، لأضاف ذنبًا إلى ذنبه، لذا فإنه يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإن كان يفعل المنكر ويترك المعروف.\nولكن في الغالب بمقتضى الطبيعة الفطرية أن الإنسان لا يأمر الناس بشيء لا يفعله، بل يستحي، ويخجل، ولا ينهى الناس عن شيء يفعله. لكن الواجب أن يأمر بما أمر به الشرع وإن كان لا يفعله وأن ينهي عما نهي عنه الشرع، وأن كان لا يتجنبه؛ لأن كل واحد منهم واجب منفصل عن الآخر، وهما متلازمين.\nثم إنه ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقصد بذلك إصلاح الخلق وإقامة شرع الله، لا أن يقصد الانتقام من العاصي، أو الانتصار لنفسه، فإنه إذا نوى هذه النية لم ينزل الله البركة فلي أمره ولا نهيه؛ بل يكون كالطبيب يريد معالجة الناس ودفع البلاء عنهم، فينوى بأمره ونهيه أولًا: إقامة شرع الله، وثانيًا: إصلاح عباد الله، حتى يكون مصلحًا وصالحًا، نسأل الله أن يجعلنا من الهُداة المهتدين المصلحين إنه جواد كريم.","vol":"2","page":408},{"text":"وفي ختام الآية يقول الله ﷿: (؟وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (وَأُولَئِكَ) المشار إليهم تلك الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والمفلح هو الذي فاز بمطلوبه ونجا من مرهوبه.\n\nوهنا قال: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وهذه الجملة تفيد عند أهل العلم باللغة العربية الحصر، أي أن الفلاح إنما يكون لهؤلاء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير.\nثم قال الله ﷿ بعدها: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات) (آل عمران: ١٠٥)، والنهي عن التفرق بعد ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدل على أن ترك الأمر بالمعروق والنهي عن المنكر سب للتفرق، وذلك أن الناس إذا كانت لهم مشارب متعددة مختلفة تفرقوا، فهذا يعمل طاعة، وهذا يعمل معصية، وهذا يسكر، وهذا يصلي، وما أشبه ذلك، فتتفرق الأمة، ويكون لكل طائفة مشرب، ولهذا قال: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا) .\n\nإذن لا يجمع الأمة إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو أن الأمة أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، وتحاكمت إلى الكتاب والسنة، ما تفرقت أبدًا، ولحصل لهم الأمن، ولكان لهم أمن من أشد من كل أمن. كما قال الله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: ٨٢)، الدول الكبرى والصغرى- الآن- كلها تكرس جهودًا كبيرةً جبارة لحفظ الأمن، ولكنّ كثيرًا من المسلمين غفلوا عن هذه الآية، الأمن التام موجود في هاتين الكلمتين: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا","vol":"2","page":409},{"text":"إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) إذا تحقق الإيمان في الشعب، ولم يلبس إيمانه بظلم فحينئذ يحصل له الأمن.\nوأضرب مثلًا قريبًا للأفهام بعيدًا في الأزمان، في صدر هذه الأمة المباركة كان أكبر مسؤول فيها ينام وحده في المسجد، ويمشي في السوق وحده، لا يخاف إلا الله، عمر بن الخطاب﵁ - يكوم الحصبة في المسجد وينام عليها، ليس عنده حارس ولا يحتاج لأحد يحرسه؛ لا في السوق ولا في بيته ولا في المسجد؛ لأن الإيمان الخالص الذي لم يلبس بظلم، إي لم يخلط بظلم كان في ذلك الوقت، فكان الناس آمنين.\nثم ذهب عهد الخلفاء الراشدين وجاء عهد بني أمية، وصار في أمراء بني أمية من حاد عن سبيل الخلفاء الراشدين، فحصل الاضطراب، وحصلت الفتن، وقامت الخوارج، وحصل الشر.\nثم جاء عهد عمر بن عبد العزيز﵀- فاستتب الأمن، وأصبح الناس يسافرون ويذهبون ويجيئون وهم آمنون، ولكن الله - ﷿- من حكمته لم يُمد له في الخلافة، فكانت خلافته سنتين وأشهرا. فالمهم أن الأمن كل الأمن ليس بكثرة الجنود، ولا بقوة السلاح، ولا بقوة الملاحظة والمراقبة، ولكن الأمن في هذين الأمرين فقط (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) . (الأنعام) .","vol":"2","page":410},{"text":"ثم ذكر المؤلف - ﵀ - في سياق الآيات قول الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٧١)، المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، كل واحد يتولى الثاني، ينصره ويساعده، وأنظر إلى هذه الآية في المؤمنين حيث قال (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وفي المنافقين قال (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (التوبة: ٦٧) وليسوا أولياء لبعض؛ بل المؤمن هو ولي أخيه، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.\nوفي هذه الآية دليلٌ على أن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست خاصة بالرجال، بل حتى النساء عليهن أن يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر، ولكن في حقول النساء، ليس في مجامع الرجال وفي أسواق الرجال، لكن في حقول النساء ومجتمعات النساء؛ في أيام العرس، وفي أيام الدراسة، وما أشبه ذلك، إذا رأت المرأة منكرًا تنهى عنه، وإذا رأت تفريطًا في واجب تأمر به؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مؤمن ومؤمنه (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٧١)، نسأل الله أن يعمنا وإياكم برحمته ومغفرته.\n\n* * *","vol":"2","page":411},{"text":"ذكر ﵀ هذه الآية: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (المائدة: ٧٨)، اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله والعياذ بالله، ولا يستحقه إلا من فعل كبيرة من كبائر الذنوب.\n\nوبنو إسرائيل هم بنو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فإسرائيل هذه لقب ليعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إبراهيم له ولدان: إسماعيل وإسحاق، إسماعيل هو الولد الأكبر وهو الذي أمره الله بذبحه، ثم منّ الله عليهما جميعًا برفع هذا الأمر ونسخه، وفداه الله ﷿ بذبح عظيم، وأما إسحاق فهو الولد الثاني إبراهيم وهو من زوجته، وأما إسماعيل فهو من سريته هاجر﵂- فبنو إسرائيل هم من نسل يعقوب بن إسحاق، وأرسل الله إليهم الرسل الكثيرة، وكان منهم المعتدون الذين يقتلون الأنبياء بغير حق، والعياذ بالله.\nوكانوا أيضًا لا ينهون عن منكر فعلوه، بل يرى بعضهم المنكر ولا ينهى عنه، وقصة القرية التي كانت حاضرة البحر مشهورة معلومة في القرآن الكريم، وهم قوم من اليهود حرّم الله عليهم الصيد من البحر يوم السبت، فكان في يوم السبت تأتي الحيتان شرعًا على وجه الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فطال عليهم الأمد، فقالوا: لابد أن نتخذ حيلة نتوصل بها إلى الصيد فقالوا: نضع شِباكًا في البحر، فإذا جاءت الحيتان يوم السبت مسكتها الشباك، فإذا كان يوم الأحد أخذناها","vol":"2","page":412},{"text":"ففعلوا ذلك، فكان منهم قومٌ يعظمون وينهون عن هذا المنكر، وقوم ساكتون، وقوم فاعلون، فعاقبهم الله ﷿ وقال: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين)، فكانوا - والعياذ بالله- قردة، بنو آدم انقلبوا قردة خاسئين أذلة.\n\nوالشاهد من هذا أن فيهم قومًا لم يعطموا ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم من النهي عن المنكر، فكانوا ممن دخلوا في هذه اللعنة، ولهذا قال) (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (المائدة: ٧٨)، وداود متأخر عن موسى بكثيرة وعيسي بن مريم كذلك، فهذان النسيان الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه، وقد حكى الله ذلك عنهما مقرًا ذلك، فصار من لا يتناهى عن المنكر من الملعونين، والعياذ بالله.\nوفي ذلك دليلٌ على وجوب النهي عن المنكر، وعلى أن تركه سبب للعن والطرد عن رحمة الله.\n* * *\nوقال تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: ٢٩)، وقال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) (الحجر: ٩٤)، وقال تعالى: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (لأعراف: ١٦٥)، والآيات في الباب كثيرة معلومة.","vol":"2","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ثم قال المؤلف - ﵀ - فيما ساقه من الآيات: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر) (الكهف: ٢٩)، الحق من الله ﷿، من الرب الذي خلق الخلق، والذي له الحق في أن، يوجب على عباده ما شاء، الحق منه فيجب علينا قبوله.\n(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر) هذه الجملة ليست للتخيير، وأن الإنسان مخير إن شاء آمن وإن شاء كفر، ولكنها للتهديد، والدليل على هذا آخر الآية، وهو قوله: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) (الكهف: ٢٩)، فمن شاء فليؤمن؛ فله الثواب الجزيل، ومن شاء فليكفر؛ فعليه العقاب الأليم، ويكون من الظالمين كما قال تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: ٢٥٤)، ففي هذا تهديد لمن لم يؤمن بالله ﷿، وأن الحق بينٌ وظاهرٌ جاء به محمد ﵊ من رب العالمين، فمن اهتدى فقد وفق، نسأل الله لنا الهداية، ومن ضلّ - والعياذ بالله- فقد خُزي، والله المستعان.\nثم قال المؤلف- رحمه الله تعالى - فيما ذكره من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ساق- رحمه الله تعالى - قوله ﷿ (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: ٩٤)، والخطاب هنا للنبي ﷺ، وليعلم أن الخطاب الموجه للرسول ﷺ ينقسم إلى قسمين:\nقسم خاص به وقسم له ولأمته، والأصل أنه له ولأمته؛ لأن لأمته","vol":"2","page":414},{"text":"أسوة حسنة فيه ﵊، لكن إذا وجدت قرينة تدل على أن الخطاب للرسول ﵊ كان خاصًا به، مثل قوله تعالى (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (الشرح: ١)، ومثل قوله تعالى: (والضُّحَى) (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) (الضحى: ١-٣)، فهذا خاص بالرسول ﵊.\n\nأما القسم القاني: فمثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكٌَ) (التحريم: ١)، فهذا له ولأمته، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ) (الطلاق: ١)، فهذا له ولأمته، (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (المائدة: ٦٧)، فهذا له ولأمته، لقوله ﷺ: \" بلغوا عني\".\nفهنا يقول الله ﷿ لرسوله (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)، (الحجر: ٩٤) يعني أظهر ما تؤمر به وبيّنه، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وهذا له ولأمته، كل الأمة يجب عليها أن تصدع بما أمرها الله به؛ تأمر به الناس، وأن تصدع بما نهى الله عنه؛ تنهي عنه الناس؛ لأن النهي عن الشيء أمر بتركه) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: ٩٤) يعني لا تهتم بهم، في حالهم ولا فيما يأتي من أذاهم، يعني لا تحزن لعدم إيمانهم كما قال الله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) (الكهف: ٦) .\n\n(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٣) يعني لعلك مهلك","vol":"2","page":415},{"text":"نفسك إذا لم يؤمنوا بك، يعني لا تبالي بهم؛ بل أعرض عنهم فيما يحصل منهم من أذى، فإن العاقبة لك، وفعلًا صارت العاقبة للرسول ﵊، صبر وظفر.\nفإنه ﵊ خرج من مكة مهاجرًا مختفيا، يخشى على نفسه، قد جعلت قريش لمن يأتي به وبصاحبه أبي بكر مائتين من الإبل، عن كل واحد مائة، ولكن الله تعالى أنجاهما، وبعد مضي سنوات قليلة رجع النبي ﵊ فاتحًا مكة ظافرًا مظفرًا، كانت له المنة على الملأ من قريش، حتى وقف على باب الكعبة يقول: \" يا معشر قريش، ما ترون إني فاعل بكم؟ \" كلهم تحته أذلة، قالوا: خيرًا. أخ كريم وابن أخ كريم، قال: \" فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء. فمن عليهم ﵊ بعد أن كان قادرًا عليهم.\nفالحاصل: أن قوله (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) يشمل أمرين: أعرض عن المشركين لا تهتم بحالهم إذا لم يؤمنوا ولا تحزن عليهم، وأعرض عن المشركين فيما يحصل لك من أذى، فإنه سوف تكون العاقبة لك، وهذا هو الواقع، ولهذا قال بعد الآية نفسها: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ) (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا","vol":"2","page":416},{"text":"يَقُولُونَ) (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: ٩٥-٩٩)\nوتأمل كيف أمر الله تعالى بتسبيحه بحمده بعد أن قال: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) (الحجر٩٧) لأن المقام هنا مقام يحتاج إلى تنزيه الربّ ﷿ وحمده، من هذه الضائقة التي تصيب النبي ﵊ من قريش، يعني نزهه عن كل ما لا يليق به، واعلم أن الذي أجراه الله جل وعلا فهو في غاية الحكمة، هو كذلك، فإنه صار في غاية الحكمة وفي غاية الرحمة التي يُحمد عليهما ﷿.\nثم قال في آخر ما ساقه من الآيات: قال الله ﷿: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (لأعراف: ١٦٥)، هذه هي قصة القرية التي أشرنا إليها من قبل، وهي قرية على البحر حرّم الله عليهم أن يصطادوا السمك يوم السبت وإبتلاهم ﷿ فصار السمك السبت يأتي بكثرة شُرعًا على سطح الماء، وفي غير يوم السبت لا يأتي، فطال عليهم الأمد فقالوا: كيف نترك هذا السمك، فتحيلوا بحيلة لم تنفعهم شيئًا، فوضعوا شبكًا في يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان يوم السبت وقعن في هذا الشبك، فإذا صار يوم الأحد أخذوا هذه الحيتان.\n\nفكان النكال من الله - ﷿- أن قال لهم (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) قال لهم قولًا قدريًا: كونوا قردة خاسئين، فأصبحوا قردة، ولو قال: كونوا حميرًا لكن قال: كونوا قردة؛ لأن القرد أشبه ما يكون","vol":"2","page":417},{"text":"بالإنسان، وفعلهم الخبيث أشبه بالحلال لأنه حيلة، فالذي يراهم ظاهريًا يقول ما صادوا يوم السبت، بل وضعوا الشبك يوم الجمعة وأخذوها يوم الأحد فصورة ذلك صورة حلال لكنه حرام، فصارت العقوبة مناسبة تمامًا للعمل.\nوفي هذا قاعدة ذكرها الله - ﷿- في كتابه أن الجزاء من جنس العمل، فقال: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ) (العنكبوت: ٤٠)، كل إنسان يؤخذ بمثل جريمته، فهؤلاء قبل لهم كونوا قردة خاسئين فأصبحوا قردة يتعاوون والعياذ بالله في الآسواق.\nوعلى الجانب الآخر قال تعالى: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) (لأعراف: ١٦٥) وهم انقسموا ثلاثة أقسام: قسم فعل الحيلة، وقسم سكت، وقسم نهى، وكان الذين سكتوا يقولون للذين ينهون عن السوء (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) (لأعراف: ١٦٤)، يعني اتركوهم، هؤلاء مُهلكون، لا تعظوهم، لا تنفع فيهم الموعظة (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (لأعراف: ١٦٤)، قالوا يعني دعونا نستفيد فائدتين المعذرة إلى الله بأن يكون لنا عذر عند الله ﷿، ولعلهم يتقون، كما قال الله تعالى في فرعون: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: ٤٤)، فهنا قال (؟لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ولكن سكت الله ﷿ عن هذه الطائفة الثالثة.\n\nقال الله تعالى (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (لأعراف: ١٦٥)، فاختلف العلماء: هل الطائفة الساكتة أخذت بالعذاب أم أنها نجت؟ والذي ينبغي علينا أن نسكت كما","vol":"2","page":418},{"text":"سكت الله، نقول: أما التي نهت فقد نجت، وأما التي وقعت في الحرام فقط هلكت وأخذت بالعذاب، وأما الساكتة فقط سكت الله عنها ويسعنا ما في كتاب الله ﷿.\n* * *\n١٨٦- الرابع: عن أبي الوليد عُبادة بن الصامت﵁- قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسرِ، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهلهُ إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لؤمة لائم\" متفق عليه.\n\" المنشط والمكره بفتح ميمهما: أي في السهلِ والصعبِ. \" والأثرةُ\": الاختصاص بالمشترك، وقد سبق بيانها. \" بواحا\" بفتح الباء الموحدة بعدها واوٌ ثم ألفٌ ثم حاءٌ مهملةٌ: أي ظاهرًا لا يحتملُ تاويلًا.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال رحمه الله تعالى فيما نقله عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: بايعنا رسول الله صلى الله علي وسلم، أو \" بايعنا\" رسول الله صلى الله على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا. (بايعنا) أي بايع الصحابة ﵃ الرسول ﷺ على السمع والطاعة، يعني لمن ولاه","vol":"2","page":419},{"text":"الله الأمر؛ لأن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) .\nوقد سبق لنا بيان من هم أولو الأمر، وذكرنا أنهم طائفتان: العلماء والأمراء، لكن العلماء أولياء أمر في العلم والبيان، وأما الأمراء فهم أولياء أمر في التنفيذ والسطان.\n\nيقول: بايعناه على السمع والطاعة، ويستثنى من هذا معصية الله ﷿ فلا يبايع عليها أحد؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولهذا قال أبو بكر﵁حين تولى الخلافة: \" أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم\" فإذا أمر ولي الأمر بمعصية من المعاصي فإنه لا يجوز لأحد أن يسمع له أو يطيع؛ لأن ملك الملوك رب العالمين ﷿، لا يمكن أن يُعصى ﷾ لطاعة من هو مملوك مربوب؛ أن كل من سوى الله فإنهم مملوكون لله ﷿، فكيف يقدم الإنسان طاعتهم على طاعة الله؟ إذا يستثنى من قوله السمع والطاعة ما دلت عليه النصوص من أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nوقوله: \" في العسر واليسر\" يعني سواء كنا معسرين في المال أو كنا مؤسرين، يجب علينا جمعيًا أغنيائنا وفقرائنا أن نطيع وُلاة أمورنا ونسمع لهم، وكذلك في منشطنا ومكرهنا، يعني سواء كنا كارهين لذلك لكونهم أمروا بما لا نهواه ولا نريده، أو كنا نشيطين في ذلك، لكونهم أمروا بما يلائمنا ويوافقنا. المهم أن نسمع ونطيع في كل حال إلا ما استثني مما","vol":"2","page":420},{"text":"سبق.\n\nقال: \" وأثرة علينا\" أثرة يعني استئثارًا علينا، يعني لو كان وُلاة الأمر يستأثرون على الرعية بالمال أو غيره، مما يرفهون به أنفسهم ويحرمون من ولاهم الله عليهم، فإنه يجب علينا السمع والطاعة، لا نقول: أنتم أكلتم الأموال، وأفسدتموها، وبذرتموها فلا نطيعكم؛ بل نقول: سمعًا وطاعة لله رب العالمين ولو كان لكم استئثار علينا، ولو كنا نحن لا نسكن إلا الأكواخ، ولا نفترش إلا الخلق من الفرش، وأنتم تسكنون القصور، وتتمتعون بأفضل الفرش، لا يهمنا هذا؛ لأن هذا كله متاع الدنيا وستزولون عنه، أو يزول عنكم، أما هذا أو هذا، أما نخن فعلينا السمع والطاعة، ولو وجدنا من يستأثر علينا من وُلاة الأمور.\nوقد قال النبي ﵊ في حديث آخر: \" اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك \" واعلم أنك سوف تقتص يوم القيامة من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئات من ظلمهم، ثم طرح عليه ثم طرح في النار والعياذ بالله. فالأمر مضبوط ومحكم لا يضيع على الله شيء.\n\nثم قال: \" وألا ننازع الأمر أهله\" يعني لا ننازع وُلاة الأمور ما ولاهم الله علينا، لنأخذ الإمرة منهم، فإن هذه المنازعة توجب شرًا كثيرًا، وفتنًا","vol":"2","page":421},{"text":"عظيمة وتفرقا بين المسلمين، ولم يدمر الأمة الإسلامية إلا منازعة الأمر أهله، من عهد عثمان﵁- إلى يومنا هذا، ما أفسد الناس إلا منازعة الأمر أهله.\nقال: \" إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان\" ثلاثة شروط، إذا رأينا هذا وتمت الشروط الثلاثة فحينئذ ننازع الأمر أهله، ونحاول إزالتهم عن ولاية الأمر، لكن بشروط:\nالأول: أن تروا، فلابد من علم، أما مجرد الظن، فلا يجوز الخروج على الأئمة.\nالثاني: أن نعلم كفرًا لا فسقًا. الفسوق، مهما فسق وُلاة الأمور لا يجوز الخروج عليهم؛ لو شربوا الخمر، لو زنوا، لو ظلموا الناس، لا يجوز الخروج عليهم، لكن إذا رأينا كفرًا صريحًا يكون بواحًا.\nالثالث: الكفر البواح: وهذا معناه الكفر الصريح، البواح الشيء البين الظاهر، فأما ما يحتمل التأويل فلا يجوز الخروج عليهم، يعني لو قدرنا أنهم فعلوا شيئًا نرى أنه كفر، لكن فيه احتمال أنه ليس بكفر، فإنه لا يجوز أن ننازعهم أو نخرج عليهم، ونولهم ما تولوا.\n\nلكن إذا كان بواحًا صريحًا، مثل: لو أن وليًا من وُلاة الأمور قال لشعبه: إن الخمر حلال. اشربوا ما شئتم، وإن اللواط حلال، تلوطوا بمن شئتم، وإن الزنى حلال ازنوا بمن شئتم، فهذا كفر بواح ليس فيه إشكال، هذا يجب على الرعية أن يزيلوه بكل وسيلة ولو بالقتل؛ لأن هذا كفر بواح.","vol":"2","page":422},{"text":"الشرط الرابع: عندكم فيه من الله برهان، يعني عندنا دليل قاطع على أن هذا كفر، فإن كان الدليل ضعيفًا في ثبوته، أو ضعيفًا في دلالته، فإنه لا يجوز الخروج عليهم؛ لأن الخروج فيه شر كثير جدًا ومفاسد عظيمة.\nوإذا رأينا هذا مثلًا فلا يتجوز المنازعة حتى يكون لدينا قدرة على إزاحته، فإن لم يكن لدينا قدرة فلا تجوز المنازعة؛ لأنه ربما إذا نازعنا وليس عندنا قدرة يقضي على البقية الصالحة، وتتم سيطرته.\nفهذه الشروط شروط للجواز أو للوجوب - وجوب الخروج على ولي الأمر- لكن بشرط أن يكون لدينا قدرة، فإن لم يكن لدينا قدرة، فلا يجوز الخروج؛ لأن هذا من إلقاء النفس في التهلكة. أي فائدة إذا خرجنا على هذا الولي الذي رأينا عنده كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، ونحن لا نخرج إليه إلا بسكين المطبخ، وهو معه الدبابات والرشاشات أي فائدة؟ لا فائدة، ومعنى هذا أننا خرجنا لنقتل أنفسنا، نعم لابد أن نتحيل بكل حيلة على القضاء عليه وعلى حكمه، لكن بالشروط الأربعة التي ذكرها النبي ﵊: أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان. فهذا دليلٌ على احترام حق ولاة الأمور، وأنه يجب على الناس طاعتهم في اليسر والعسر، والمنشط والمكره والأثرة التي يستأثرون بها، ولكن بقي أن نقول: فما حق الناس على ولاة الأمر؟\n\nحق الناس على ولاة الأمر أن يعدلوا فيهم، وأن يتقوا الله تعالى فيهم، وأن لا يشقوا عليهم، وأن لا يولوا عليهم من يجدون خيرًا منه، فإن النبي ﷺ قال: \" اللهم من ولي من أمر امتي شيئًا فشقّ عليهم فاشقق","vol":"2","page":423},{"text":"عليه\". دعاء من الرسول ﵊: أمن ولي من أمور المسلمين شيئًا صغيرًا كان أم كبيرًا وشق عليهم، قال: \" فاشقق عليه\"، وما ظنك بشخص شقّ الله عليه والعياذ بالله، إنه سوق يخسر وينحط، وأخبر النبي صلى الله ﵊ أمة: \" ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة\"\nإن من ولّى أحدًا من المسلمين على عصابة وفيهم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين؛ لأنه يجب أن يولي على الأمور أهلها بدون أي مراعاة، يُنظر لمصلحة العباد فيولي عليهم من هو أولى بهم.\nوالولايات تختلف، فإمام المسجد مثلًا أولى الناس بهم من هو أقرأ لكتاب الله، والأمور الأخرى كالجهاد أولى الناس بها من هو أعلم بالجهاد، وهلم جرّا. المهم أنه يجب على ولي المسلمين أن يولي على المسلمين خيراهم، ولا يجوز أن يولى على الناس أحدًا وفيهم من هو خير منه؛ لأن هذا خيانة.\n\nوكذلك أخبر النبي ﵊ أنه: \" ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة\" والعياذ بالله.","vol":"2","page":424},{"text":"فولاة الأمور عليهم حقوق عظيمة لمن ولاهم الله عليهم، كما على المولى عليهم حقوقًا عظيمة يجب عليهم أن يقوموا بها لولاة الأمر، فلا يعصونهم حتى وإن استأثر وُلاة الأمور بشيء، فإن الجواب لهم السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر، إلا إذا كان ذلك في معصية الله، يعني لو أمروا بمعصية الله، فإنه لا يجوز أن يأمروا بمعصية الله، ولا يجوز لأحد أن يطيعهم في معصية الله.\nوأما قول بعض الناس من السفهاء: إنه لا تجب علينا طاعة وُلاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة، فهذا خطأ، وهذا غلط، وهذا ليس من الشرع في شيء، بل هذا من مذهب الخوارج، الذين يريدون من وُلاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء، وهذا لم يحصل منذ زمن فقد تغيرت الأمور.\nويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع أن الناس يتكلمون فيه وفي خلافته، فجمع أشراف الناس ووجهاءهم وتكلم فيهم، وقال لهم: إنكم تريدون منا أن نكون مثل أبي بكر وعمر؟ قالوا: نعم: أنت خليفة وهم خلفاء، قال: كونوا أنتم مثل رجال أبي بكر وعمر؛ نكن نحن مثل أبي بكر وعمر، وهذا جواب عظيم، فالناس إذا تغيروا لابد أن يغير الله وُلاتهم، كما تكونون يولى عليكم. أما أن يريد الناس من الولاة أن يكونوا مثل الخلفاء وهم أبعد ما يكونون عن رجال الخلفاء، هذا غير صحيح، الله حكيم ﷿ (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام: ١٢٩) .\nوذكروا أن رجلًا من الخوارج الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب","vol":"2","page":425},{"text":"جاء إلى عليّ، فقال له: يا عليّ، ما بال الناس قد تغيروا عليك ولم يتغيروا على أبي بكر وعمر، قال: لأن رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورجالي أنت وأمثالك، وهذا كلام جيد، يعني أنك لا خير فيك، فلذلك تغير الناس علينا، لكن في عهد أبي بكر وعمر رجالهم مثل علي بن أبي طالب وعثمان ابن عفان وغيرهم من الصحابة الفضلاء، فلم يتغيروا على وُلاتهم.\n\nوكذلك أيضًا يجب على الرعية أن ينصحوا لولي الأمر، ولا يكذبوا عليه، ولا يخدعوه، ولا يغشوه، ومع الأسف أن الناس اليوم عندهم كذب وتحايل على أنظمة الدولة، ورشاوى وغير ذلك مما لا يليق بالعاقل فضلًا عن المسلم، إذا كانت الدول الكافرة تعاقب من يأخذ الرشوة ولو كان من أكبر الناس، فالذي يعاقب من يأخذ الرشوة هو الله ﷿، نحن نؤمن بالله وما جاء على لسان رسوله ﷺ، فقد قال النبي ﷺ: \" لعن الراشي والمرتشي\" وعقوبة الله أشد من عقوبة الآدميين.\nوكذلك تجد الكذب والدجل من الناس على الحكومة، مثل أن يأتي المزارع ويدخل زرع غيره باسمه وهو كاذب، ولكن من أجل مصلحة من أجل أن يأكل بها، أحيانًا قد تكون الدولة قد استلمت الحب، ولم يبق إلا الدراهم عند الدولة، فيأتي الإنسان يبيعه على آخر، يبيع دراهم بدراهم مع","vol":"2","page":426},{"text":"التفاضل ومع تأخير القبض، إلى غير ذلك من المعاصي التي يرتكبها الشعب، ثم يريدون من وُلاتهم أن يكونوا مثل أبي بكر وعمر ﵄، فهذا ليس بصحيح.\n\nفولاة الأمور عليهم حقوق يجب عليهم النصح بقدر ما يستطيعون لله ﷿ ولمن ولاهم الله عليهم، والشعب أيضًا يجب عليهم حقوق عظيمة لولاة الأمور، يجب عليهم أن يقوموا بها.\nومن الأمور التي يهملها كثير من الناس انهم لا يحترمون أعراض وُلاة الأمور، تجد فاكهة مجالسهم - نسأل اله العافية وأن يتوب علينا وعليهم - أن يتكلموا في أعراض وُلاة الأمور، ولو كان هذا الكلام مجديًا وتصلح به الحال لقنا لا بأس وهذا طيب، لكن هذا لا يجدي، ولا تصلح به الحال، وإنما يوغر الصدور على وُلاة الأمور، سواء كانوا من العلماء أو من الأمراء.\nتجد الآن بعض الناس إذا جلس في المجلس لا يجد أُنسه إلا إذا تعرض لعالم من العلماء، أو وزير من الوزراء، أو أمير من الأمراء، أو من فوقه ليتكلم في عرضه، وهذا غير صحيح، ولو كان هذا الكلام يجدي لكنا أول من يشجع عليه، ولقلنا لا بأس، المنكر يجب أن يزال، والخطأ يجب أن يصحح، لكنه لا يجدي، إنما يوغر الصدور ويكره وُلاة الأمور إلى الناس، ويكره العلماء إلى الناس، ولا يحصل فيه فائدة.\nوقد قال النبي ﵊ كلمة جامعة مانعة- جزاه الله عن","vol":"2","page":427},{"text":"أمته خيرًا-: \" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\" والعجب أن بعض الناس لو أردت أن تتكلم في شخص عادي من الناس قالوا: لا تغتبه، هذا حرام، ولا يرضى أن يتكلم أحد في عرض أحد عنده، لكن لو تكلمت في واحد من وُلاة الأمور فإنه يرى أن هذا لا بأس به!!\nوهذه مسألة مرض به كثير من الناس، وأنا أعتبرها مرضًا- نسأل الله أن يعافينا وإياكم من هذا الذي ابتُلي به كثير من الناس.\nولو أن الناس كفوا ألسنتهم ونصحوا لولاة أمورهم، ولا أقول: اسكت على الخطأ، لكن اكتب لوُلاة الأمور، اكتب كتابًا إن وصل فهذا هو المطلوب، وإذا انتفعوا به فهذا أحسن، وإذا لم ينتفعوا به فالإثم عليهم، إذا كان خطأ صحيحًا، وإذا لم يصل إليهم فالإثم على من منعه عنهم.\nقوله ﵁ فيما بايعوا عليه النبي ﷺ: \" وأن نقول بالحق أينما كنا\" يعني أن نقوم بالحق الذي هو دين الإسلام وشرائعه العظام أينما كنا، يعني في أي مكان؛ سواء في البلد، أو في البر، أو في البحر، أو في أي مكان؛ سواء في بلاد الكفر، أو في بلاد الإسلام، نقوم بالحق أينما كنا.\n\nقوله: \" لا نخاف في الله لومة لائم\" يعني لا يهمنا إذا لامنا أحد في دين الله؛ لأننا نقوم بالحق.\nفمثلًا لو أراد الإنسان أن يطبق سنة يستنكرها العامة، فإن هذا","vol":"2","page":428},{"text":"الاستنكار لا يمنع الإنسان من أن يقوم بهذه السنة، ولنضرب لهذا مثلًا: تسوية الصفوف في صلاة الجماعة؛ أكثر العوام يستنكر إذا قال الإمام استووا، وجعل ينظر إليهم، ويقول: تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، أو تأخر الإمام عن الدخول في الصلاة حتى تستوي الصفوف، يستنكرون هذا، ويغضبون منه، حتى إن بعضهم قيل له مرة من المرات: يا فلان تأخر إنك متقدم، فقال من شدة الغضب: إن شئت خرجت من المسجد كله وتركته لك، نعوذ بالله، فمثل هذا الإمام لا ينبغي له أن تأخذه لومة لائم في الله، بل يصبر ويمرن الناس على السنة، والناس إذا تمرنوا على السنة أخذوا عليها وهانت عليهم، لكن إذا رأي أن هؤلاء العوام جفاة جدًا، ففي هذه الحال ينبغي أن يعلمهم أولًا، حتى تستقر نفوسهم، وتألف السنة إذا طبقت، فيحصل بذلك الخير.\n\nومن ذلك أيضًا: أن العامة يستنكرون سجود السهو بعد السلام، ومعلوم أن السنة وردت به إذا كان السهو عن زيادة، أو عن شك مترجح به أحد الطرفين، فإنه يُسجد بعد السلام لا قبل السلام، هذه هي السنة حتى إن شيخ الإسلام ابن تيميه﵀- قال: إنه يجب أن يسجد بعد السلام إذا كان السجود بعد السلام، وقبل السلام إذا كان السجود قبله، يعني لم يجعل هذا على سبيل الأفضلية؛ بل على سبيل الوجوب.\nسجد أحد الأئمة بعد السلام لسهو سهاه في صلاته؛ زاد أو شك شكًا مترجحًا فيه وبنى على الراجح، فسجد بعد السلام، فلما سجد بعد السلام ثار عليه العامة ما هذا الدين الجديد؟ هذا غلط، قال رجلٌ من الناس:","vol":"2","page":429},{"text":"فقلت لهم: هذا حديث الرسول ﵊، سلم الرسول ﵊ من ركعتين ثم أخبروه فأكل صلاته ثم سلم ثم سجد للسهو بعد السلام، قالوا: أبدا، ولا نقبل، قيل: من ترضون من العلماء؟ قالوا: نرضى فلانًا وفلانًا؟ فلما ذهبوا إليه قال لهم: هذا صحيح، وهذا هو السنة، فبعض الأئمة يأنف أن يسجد بعد السلام وهو يعلم أن السنة أن السجود بعد السلام خوفًا من ألسنة العامة، وهذا خلاف ما بايع النبي ﵊ أصحابه عليه، قم بالحق ولا تخف في الله لومة لائم.\n\nكذلك أيضًا فيما يتعلق الصدق في المعاملة؛ بعض الناس إذا أخبر الإنسان بما عليه الأمر بحسب الواقع، قالوا، هذه وساوس، وليس بلازم أن أعلم الناس بكل شيء، مثلًا عيب في السلعة، قالوا: هذا سهل والناس يرضونه، والواجب أن الإنسان يتقي الله ﷿ ويقوم بالعدل ويقوم باللازم، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولكن كما قلت أولًا: إذا كان عند عامة جفاة، فالأحسن أن يبلغهم الشرع قبل أن يطبق، من أجل أن تهدأ نفوسهم، وإذا طُبق الشرع بعد ذلك إذا هم قد حصل عنده معلم منه، فلم يحصل منهم نفور.\n* * *\n١٨٧- الخامس عن النعمان بن بشيرٍ ﵄ عن النبي صلى الله لعيه وسلم قال: \" مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا،","vol":"2","page":430},{"text":"فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا \" رواه البخاري\".\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن النعمان بن بشير الإنصاري ﵄، في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن النبي ﷺ أنه قال: \" مثل القائم في حدود الله والواقع فيها\" القائم فيها يعني الذي استقام على دين الله فقام بالواجب، وترك المحرم، والواقع فيها أي في حدود الله، أي الفاعل للمحرم أو التارك للواجب، كمثل قوم استهوا على سفينة يعني ضربوا سهمًا، وهو ما يسمى بالقرعة، أيهم يكون الأعلى؟ \"فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء\" يعني إذا طلبوا الماء ليشربوا منه \" مروا على من فوقهم\" يعني الذين في أعلاها؛ لأن الماء لا يقدر عليه إلا من فوق، \" فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا\" يعني لو نخرق خرقًا في مكاننا نستقي منه، حتى لا نؤذي من فوقنا، هكذا قدروا وأرادوا.\nقال النبي ﵊: \" فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا\" لأنهم إذا خرقوا خرقًا في أسفل السفينة دخل الماء، ثم أغرق","vol":"2","page":431},{"text":"السفينة \" وإن أخذوا على أيديهم\" ومنعوهم من ذلك \" نجوا ونجوا جميعًا\"، يعني نجا هؤلاء وهؤلاء.\nوهذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسمل هو من الأمثال التي لها مغزّى عظيم ومعنى عال، فالناس ف يدين الله كالذين في سفينة في لجة النهر، فهم تتقاذفهم الأمواج، ولابد أن يكون بعضهم إذا كانوا كثيرين في الأسفل وبعضهم في أعلى، حتى تتوازن حمولة السفينة وقد لا يضيق بعضهم بعض، وفيه أن هذه السفينة المشتركة بين هؤلاء القوم إذا أراد أحد منهم أن يخربها فإنه لابد أن يمسكوا على يديه، وأن يأخذوا على يديه لينجوا جميعًا، فإن لم يفعلوا هلكوا جميعًا، هكذا دين الله، إذا أخذ العقلاء وأهل العلم والدين على الجهال والسفهاء نجوا جميعًا وإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، كما قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال: ٢٥) .\n\nوفي هذا المثل دليلٌ على أنه ينبغي لمعلم الناس ا، يضرب لهم الأمثال، ليقرب لهم المعقول بصورة المحسوس، قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: ٤٣)، وكم من إنسان تشح له المعنى شرحًا كثيرًا وتردده عليه فلا يفهم، فإذا ضربت له مثلًا بشيء محسوس يفهمه ويعرفه.\nوانظر إلى المثل العجيب الذي ضربه النبي ﷺ لرجل من الأعراب،","vol":"2","page":432},{"text":"صاحب بادية إبل جاء إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله، إن زوجتي ولدت غلامًا أسود- يعني وأنا أبيض والمرأة بيضاء. من أين جاءنا هذا الأسود؟ فقال النبي ﷺ: \" هل لك من إبل؟ قال: نعم قال: \" ما ألوانها؟ \" قال: حمر. قال: \" هل فيها من أورق؟ \" يعني أسود ببياض. قال: نعم. قال\" من أين جاءها ذلك؟ \" قال: لعله نزعه عرق، يعني ربما يكون له أجداد أو جدات سابقة لونها هكذا، فنزعة هذا العرق، قال: \" فابنك هذا لعله نزعه عرق\"، لعل واحدًا من أجداده أو جداته أو أخواله أو آبائه لونه أسود فجاء الولد عليه، فاقتنع الأعرابي تمام الاقتناع، لو جاءه النبي ﵊ يشرح له شرحًا فهو اعرابي لا يعرف، لكن أتاه بمثال من حياته التي يعيشها، فانطلق وهو مقتنع.\nوهكذا ينبغي لطالب العلم، بل ينبغي للمعلم أن يقرب المعاني المعقولة لأذهان الناس بضرب الأمثال المحسوسة، كما فعل النبي ﷺ.\nوفي هذا الحديث إثبات القرعة وأنها جائزة. وقد وردت الآيات والأحاديث بالقرعة في موضعين من كتاب الله، في ستة مواضع من سنة الرسول ﷺ، أما الموضعان من كتاب الله فالموضع الأول في سورة آل عمران: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (آل عمران: ٤٤)، والموضع الثاني في سورة الصافات","vol":"2","page":433},{"text":"(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (الصافات: ١٣٩-١٤٤) .\nيونس ﵇ أحد الأنبياء ركب مع قوم في سفينة فضاقت به، وقالوا: إن بقينا كلنا على طهرها هلكنا وغرقت، لابد أن ننزل بعضنا في البحر. فمن ننزل؟ أول راكب، أم أكبر راكب، أم أكبر بدنًا؟ فعملوا قرعة، فصارت القرعة على جماعة منهم يونس، أو هو وحده؛ لأن الآية تقول (نساهم وكان من: إذا معه ناس، نزلوهم، والذين معه الله أعلم بهم لا نعرف ماذا صار لهم.\n\nأما هو فالتقمه حوت عظيم، أي ابتلعه بلعًا دون أن يعلكه فصار في بطن الحوت، فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فلفظه الحوت على سيف البحر، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين (يقطين) قال العلماء: إنها قرع النجد. قَرع النجد لين وأوراقه لينة كالإبريسم، ومن خصائصه أنه لا يقع عليه الذباب فأنبت الله عليه شجرة من يقطين حتى ترعرع بعد أن بقي في بطن الحوت، ثم أنجاه الله ﷿.\nوالقرعة من الأمور المشروعة الثابتة بالكتاب والسنة وقد ذكر أبن رجب ﵀ في كتابه القواعد الفقهية، قاعدة في الأشياء التي تستعمل فيها القرعة، من أول الفقه إلى آخره.\n* * *","vol":"2","page":434},{"text":"١٨٨-السادس: عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة رضية الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: \" إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برى، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع\" قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: \" لا، ما أقاموا فيكم الصلاة\" رواه مسلم.\n\nمعناه: من كره بقلبه ولم يستطع إنكارا بيد ولا لسان فقد برى من الإثم، وأدى وظيفتهُ، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بفعلهم وتابعهم، فهو العاصي.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n في هذا الحديث الذي ذكره المؤلف، أخبر ﵊ \" أنه يستعمل علينا أمراء\" يعني يولون علينا من قبل ولي الأمر\" فتعرفون وتنكرون\" يعني أنهم لا يقيمون حدود الله، ولا يستقيمون على أمر الله، تعرف منهم وتنكر، وهم أمراء لولي الأمر الذي له البيعة، فمن كره فقد برىء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع يعني أنه يهلك كما هلكوا. ثم سألوا النبي ﷺ: ألا نقاتلهم؟ قال: \" لا، ما أقاموا فيكم الصلاة\".\nفدلّ هذا على أ، هم - أي الأمراء- إذا رأينا منهم ما ننكر، فإننا نكره ذلك، وننكر عليهم، فإن اهتدوا فلنا ولهم، وإن لم يهتدوا فلنا وعليهم،","vol":"2","page":435},{"text":"وأنه لا يجوز أن نقاتل الأمراء الذين نرى منهم المنكر؛ لأن مقاتلتهم فيها شر كثير، ويفوت بها خيرا كثير؛ لأنهم إذا قوتلوا أو نوبذوا لم يزدهم ذلك إلا شر، فإنهم أمراء يرون أنفسهم فوق الناس، فإذا نابذهم الناس أو قاتلوهم؛ ازداد شرهم، إلا أن النبي ﷺ شرط ذلك بشرط، قال: \" ما أقاموا فيكم الصلاة\" فدل على أنه إذا لم يقيموا الصلاة فإننا نقاتلهم.\nوفي هذا الحديث دليلٌ على أن ترك الصلاة كفر، وذلك لأنه لا يجوز قتال وُلاة الأمور إلا إذا رأينا كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، فإذا إذن لنا النبي ﷺ أن نقاتلهم إذا لم يقيموا الصلاة، دل ذلك على أن ترك الصلاة كفر بواح عندنا فيه من الله برهان.\nوهذا هو القول الحق؛ أن تارك الصلاة تركًا مطلقًا، لا يصلي مع الجماعة ولا في بيته كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ولم يرد عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة في الجنة، أو أنه مؤمن، أو أنه ناج من النار، أو ما أشبه ذلك.\n\nفالواجب إبقاء النصوص على عمومها في كفر تارك الصلاة. ولم يأت أحدٌ بحجة تدل على أنه لا يكفر إلا حُججًا لا تنفع؛ لأنها تنقسم إلى خمسة أقسام:\n١- إما أنه ليس فيها دليلٌ أصلًا.\n٢- وإما أنها مقيدة بوصف لا يمكن معه ترك الصلاة.\n٣- وإما أنها مقيدة بحال يعذر فيه من ترك الصلاة.\n٤- وإما أنها عامة خُصت بنصوص كفر ترك الصلاة.\n٥- وإما أنها ضعيفة.","vol":"2","page":436},{"text":"فهذه خمسة أقسام لا تخلو أدلة من قال إنه لا يكفر منها أبدًا.\nفالصواب الذي لا شك فيه عدي: أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة وأنه أشد كفرًا من اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى يُقرون على دينهم، وأما هو فلا يُقر؛ لأنه مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قُتل.\n* * *\n١٨٩- السادس: عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعًا يقولُ: لا إله إلا الله\" ويل للعرب من شرً قد أٌقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه\" وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحُون؟ قال: \" نعم إذا كثر الخبثُ\" متفقٌ عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ - فيما نقله عن أم المؤمنين زينب بنت جحش﵂- أن النبي ﷺ محمرًا وجهُه يقول: \" لا إله إلا الله ويلٌ للعرب من شر قد اقترب\" دخل عليها بهذه الصفة، متغير اللون، محمر الوجه يقول: لا أله إلا الله\" تحقيقًا للتوحيد وتثبيتًا له؛ لأن التوحيد هو القاعدة التي تبنى عليها جميع الشريعة. قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦)، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا","vol":"2","page":437},{"text":"مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء: ٢٥) .\nفتوحيد الله بالعبادة، والمحبة، والتعظيم، والإنابة، والتوكل، والاستعانة، والخشية، وغير ذلك، هو أساس الملة.\nولهذا قال النبي ﵊: \" لا إله إلا الله \" في هذه الحال التي كان فيها فزعًا متغير اللون، تثبيتًا للتوحيد وتطمينًا للقلوب. ثم حذر العرب فقال: \" ويل للعرب من شر قد اقترب\" وهم حاملو لواء الإسلام فالله تعالى بعث محمدًا ﷺ في الأميين، في العرب: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الجمعة: ٢-٣)، فبين النبي عليهال صلاة والسلام هذا الوعيد للعرب؛ لأنهم حاملوا لواء الإسلام.\nوقوله: \" من شر قد اقترب\" الشرّ هو الذي يحصل بيأجوج ومأجوج، ولهذا فسره بذلك فقال: \" فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه \" وأشار بالسبابة والإبهام، يعني انه جزء ضعيف ومع ذلك فإنه يهدّد العرب.\n\nفالعرب الذين حملوا لواء الإسلام من عهد الرسول ﵊ إلى يومنا هذا، مُهددون من قبل يأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض، كما حكى تعالى عن ذي القرنين أنه قيل له: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض) فهم أهل الشر وأهل الفساد. ثم قالت زينب: \" يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \" نعم إذا كثُر الخبث\" الصالح لا يهلك","vol":"2","page":438},{"text":"وإنما هو سالمٌ ناج، لكن إذا كثر الخبث هلك الصالحون؛ لقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال: ٢٥)، والخبث هنا يُراد به شيئان:\nالأول: الأعمال الخبيثة.\nوالثاني: البشر الخبيث.\nفإذا كثرت الأعمال الخبيثة السيئ في المجتمع ولو كانوا مسلمين، فإنهم عرضوا أنفسهم للهلاك. وإذا كُثر فيه الكفار فقد عرضوا أنفسهم للهلاك أيضًا. ولهذا حذّر النبي ﵊ من بقاء اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب، حذر من ذلك فقال: \" أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب\"\nوقال في مرض موته: \" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب\"\n\nوقال في آخر حياته: \" لئن عشتُ لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب\"\nوقال: \" لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها","vol":"2","page":439},{"text":"إلا مسلمًا\" هكذا صحّ عنه ﵊. ومع الأسف الشديد الآن تجد الناس كأنما يتسابقون إلى جلب اليهود والنصارى والوثنيين إلى بلادنا للعمالة، ويدعي بعضهم أنهم أحسن من المسلمين. نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.\nهكذا يلعب الشيطان بعقول بعض الناس حتى يفضل الكافر على المؤمن، والله ﷿ يقول: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة: ٢٢١) .\nفالحذر الحذر من استجلاب اليهود النصارى والوثنيين من البوذيين وغيرهم إلى هذه الجزيرة؛ لأنها جزيرة إسلام، منها بدأ وإليها يعود، فكيف نجعل هؤلاء الخبث بين أظهرنا وفي أولادنا، وفي أهلنا، وفي مجتمعنا. هذا مؤذنٌ بالهلاك ولابد.\nولهذا من تأمل أخوالنا اليوم وقارن بينها وبين أحوالنا بالأمس، وجد الفرق الكبير، ولولا الناشئة الطيبة التي من الله عليها بالالتزام، والتي نسأل الله أن يثبتها عليه، لولا هذا لرأيت شرًا كثيرًا ولكن لعل الله أن يرحمنا بعفوه، ثم بهؤلاء الشباب الصالح الذين لهم نهضة طيبة آدام الله عليهم","vol":"2","page":440},{"text":"فضله، وأعاذنا وإياهم من الشيطان الرجيم.\n* * *\n١٩٠- السابع: عن أبي سعيد الخدري﵁- عن النبي ﷺ قال\" إياكم والجلوس في الطرقاتِ\" فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بدٌ؛ نتحدث فيهاّ! فقال رسول اله ﷺ: \" فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حقٌ الطريق يا رسول الله قال: \" غضٌ البصر، وكف الأذى، وردُّ السلام والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكرِ\" متفقٌ عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - ﵀ - فيما نقله عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: \" إياكم والجلوس في الطرقات\" هذه الصيغة صيغة تحذير، يعني أحذركم من الجلوس على الطرقات، وذلك لأن الجلوس على الطرقات يؤدي إلى كشف عورات الناس؛ الذاهب والراجع، وإلى النظر فيما معهم من الأغراض التي قد تكون خاصة مما لا يحبون أن يطلع عليها أحد، وبما يفضي أيضًا إلى الكلام والغيبة فيمن يمر، إذا مرَّ من عندهم أحد أخذوا يتكلمون في عرضه.","vol":"2","page":441},{"text":"المهم أن الجلوس على الطرقات يؤدي إلى مفاسد، ولكن لما قال\" إياكم والجلوس في الطرقات\" وحذرهم. قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بدّ، يعني أننا نجلس نتحدث، ويأنس بعضنا ببعض، ويألف بعضنا بعضًا، ويحصل في ذلك خير.\nفلما رأى النبي ﵊ أنهم مصّممون على الجلوس قال: \" فإن أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه\" ولم يشدّد عليهم ﵊، ولم يمنعهم من هذه المجالس التي يتحدث بعضهم فيها إلى بعض، ويألف بعضهم بعضًا، ويأنس بعضهم ببعض، ولم يشق عليهم في هذا، وكان ﵊ من صفته أنه بالمؤمنين رؤوف رحيم فقال: \" إن أبيتم إلا المجلس\" يعني إلا الجلوس \" فاعطوا الطريق حقه \" قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال \" غض البصر، وكفٌ الأذى، وردُ السلام، والأمرُ بالمعروف، والنهي عن المنكر\" خمسة أشياء:\nأولًا: غض البصر: أن تغضوا أبصاركم عمن يمر، سواء كان رجلًا أو امرأة، لأن المرأة يجب أن يغض الإنسان من بصره عنها. والرجل كذلك، تغض المرأة البصر عنه، لا تُحد البصر فيه حتى تعرف ما معه. وكان الناس في السابق يأتي الرجل بأغراض البيت يوميًا فيحملها في يده، ثم إذا مرّ بهؤلاء شاهدوها وقالوا: ما الذي معه؟ وما أشبه ذلك، وكانوا إلى قوت غير بعيد إذا مرّ الرجل ومعه اللحم لأهل بيته صاروا يتحدثون: فلان قد أتى اليوم بلحم لأهله، فلان أتي بكذا، فلان أتى بكذا، فلهذا أمر النبي ﷺ أصحابه بغض البصر.","vol":"2","page":442},{"text":"ثانيًا: كف الأذى: أي كفّ الأذى القولي والفعلي.\nأما الأذى القولي فبأن يتكلموا على الإنسان إذ مرّ، أو يتحدثوا فيه بعد ذلك بالغيبة والنميمة.\nوالأذى الفعلي: بان يضايقوه في الطريق، بحيث يملؤون الطريق حتى يؤذوا المارة، ولا يحصل المرور إلا بتعب ومشقة.\nثالثًا: ردُ السلام: إذا سلم أحد فردوا ﵇، هذا من حق الطريق؛ لأن السنة أن المار يسلم على الجالس، فإذا كانت السنة أن يسلم المار على الجالس فإذا سلم فردوا السلام.\nرابعًا: الأمر المعروف: فالمعروف هو كلّ ما أمر الله تعالى به أو أمر به رسول الله ﷺ فإنك تأمر به، فإذا رأيتم أحدًا مقصرًا سواء كان من المارين أو من غيرهم فأمروه بالمعروف، وحثوه على الخير ورغبوه فيه.\nخامسًا: النهي عن المنكر: فإذا رأيتم أحدًا مرّ وهو يفعل المنكر، مثل أن يمرّ وهو يشرب الدخان أو ما أشبه ذلك من المنكرات، فأنهوه عن ذلك، فهذا حق الطريق.\nففي هذا الحديث يُحذر النبي ﷺ المسلمين من الجلوس على الطرقات، فإن كان لابد من ذلك، فإنه يجب أن يعطى الطريق حقَّه.\n\nوحق الطريق خمسة أمور؛ بينها النبي ﵊ وهي: \" غضُّ البصر، وكف الأذى، وردُ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر \". هذه حقوق الطريق لمن كان جالسًا فيه كما بينها النبي ﷺ، والله الموفق.\n* * *","vol":"2","page":443},{"text":"١٩١- الثامن: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجلٍ، فنزعهُ فطرحهُ وقال: \" يعمدُ أحدكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلها في يدهّ\" فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله ﷺ: \" خذ خاتمك؛ انتفع به قال: لا والله لا آخذهُ أبدًا وقد طرحه رسول الله ﷺ. رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n أتى المؤلف﵀ - بهذا الحديث في باب: \" الأمر المعروف والنهي عن المنكر\"؛ لأن فيه تغيير المنكر باليد، فإن لباس الرجل الذهب محرم ومنكر، كما قال النبي ﵊ في الذهب والحرير، أنهما أُحلا لنساء أمتي وحُرما على ذكروها.\nفلا يجوز للرجل أن يلبس خاتمًا من ذهب، ولا أن يلبس قلادة من ذهب، ولا أن يلبس ثيابًا فيها أزرّةٌ من ذهب، ولا غير ذلك، يجب أن يتجنب الذهب كله، وذلك أن الذهب إنما يلبسه من يحتاج إلى الزينة والتجمل، كالمرأة تتجمل لزوجها حتى يرغب فيها. قال الله ﷿: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (الزخرف: ١٨)، يعني النساء. فالنساء ينشأن في الحلية ويرُبين عليها (فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) أي عييّة لا تفُصح.\nعلى كل حال: الذهب يحتاج إليه الناس للتجمل للأزواج، والرجل","vol":"2","page":444},{"text":"ليس بحاجة إلى ذلك. الرجل يتجملُ له ولا يتجملُ لغيره، اللهم إلا الرجل فيما بينه وبين زوجه، كل يتجمل للآخر، لما في ذلك من الألفة، ولكن مهما كان، فإن الرجل لا يجوز له أن يلبس الذهب بأي حال من الأحوال.\nوأما لباس الفضة فلا بأس به، فيجوز أن يلبس الرجل خاتمًا من فضة، ولكن بشرط أن لا يكون هناك عقيدة في ذلك، كما يفعله بعض الناس الذين اعتادوا عادات النصارى في مسألة \" الدّبلة\"، التي يلبسها البعض عند الزواج.\n\nيقولون عن الدبلة: إن النصارى إذا أراد الرجل مهم أن يتزوج، جاء إليه القسيس وأخذ الخاتم ووضعه في أصابعه: إصبع بعد إصبع، حتى ينتهي إلى ما يريد ثم يقول: هذا الرباط بينك وبين زوجتك، فإذا لبس الرجل هذه الدبلة معتقدًا ذلك فهو تشبه بالنصارى، مصحوب بعقيدة باطلة، فلا يجوز حينئذ للرجل أن يلبس هذه الدبلة.\nأما لو لبس خاتمًا عاديًا بغير عقيدة، فإن هذا لا بأس به.\nوليس التختم من الأمور المستحبة؛ بل هو من الأمور التي إذا دعت الحاجة إليها فعلت وإلا فلا تفعل، بدليل أن الرسول ﵊ كان لا يلبس الخاتم لكنه لما قيل له: إن الملوك والرؤساء لا يقبلون الكتاب إلا بختم، اتخذ خاتمًا نقش في فصِّه: \" محمد رسول الله \" حتى إذا انتهى من الكتاب ختمه بهذا الخاتم.\nوفي هذا الحديث دليلٌ على استعمال الشدة في تغيير المنكر إذا دعت","vol":"2","page":445},{"text":"الحاجة إلى ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يقل له: إن الذهب حرام فلا تلبسه، أو فاخلعه؛ بل هو بنفسه خلعه وطرحه في الأرض.\n\nومعلوم أن هناك فرقًا بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين تغيير المنكر؛ لأن تغيير المنكر يكون من ذي سلطة قادر، مثل الأمير من جعل له تغييره، ومثل الرجل في أهل بيته، والمرأة في بيتها وما شابه ذلك. فهذا له السلطة أن يغير بيده، فإذا لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.\nأما الأمر فهو واجب بكلّ حال، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجب بكل حال؛ لأنه ليس فيه تغيير، بل فيه أمر بالخير ونهي عن الشر، وفيه أيضًا دعوة إلى الخير والمعروف وإلى ترك المنكر، فهذه ثلاث مراتب: دعوة، وأمر ونهي، وتغيير. ن، يعظهم ويذكرهم ويدعوهم إلى الهدى.\nوأما الأمر: فإن يأمر أمرًا موجهًا إلى شخص معين، أو إلى طائفة معينة. يا فلان احرص على الصلاة، واترك الكذب، اترك الغيبة، وما أشبه ذلك.\nأما التغيير: فإن يغير هذا الشيء، يزيله من المنكر إلى المعروف، كما صنع النبي ﷺ حين نزع الخاتم من صاحبه نزعًا، وطرحه على الأرض طرحًا.","vol":"2","page":446},{"text":"وفيه أيضًا دليلٌ على جواز إتلاف ما يكون به المنكر؛ لأن الرسول ﵊ طرحه لما نزعه من يده ولم يقل له: خذه وأعطه أهلك مثلًا، ولهذا كان من فقه هذا الرجل أنه لما قيل له: خذ خاتمك، قال: لا آخذ خاتمًا طرحه النبي ﷺ؛ لأنه فهم أن هذا من باب التعزيز وإتلافه عليه؛ لأنه حصلت به المعصية، والشيء الذي تحصل به المعصية أو ترك الواجب، لا حرج على الإنسان أن يتلفه انتقامًا من نفسه بنفسه، كما فعل نبي الله سليمان ﵊، حين عُرضت عليه الخيل الجياد، ولهى بها حتى غربت الشمس فاشتغل بها عن صلاة العصر ففاتته، ثم دعا بها ﵊ وجعل يضربها، يعقرها ويقطع أعناقها، كما قال تعالى: (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (صّ: ٣٣)، أتلقها انتقامًا من نفسه، لرضا الله ﷿.\nفإذا رأى الإنسان أن شيئًا من ماله ألهاه عن طاعة الله، وأراد أن يتلفه أنتقامًا من نفسه وتعزيزًا لها، فإن ذلك لا بأس به.\n\nوفي هذا الحديث دليلٌ على أن لبس الذهب موجب للعذاب بالنار والعياذ بالله؛ لقوله ﵊: \" يعمد أحدكم على جمرة من نار فيضعها في يده\" فإن الرسول ﷺ جعل هذا جمرة من نار، يعني يعذب بها يوم القيامة، وهو عذاب جزئي أي على بعض البدن، على الجزء الذي حصلت به المخالفة. ونظير قوله ﷺ فيمن جرّ ثوبه أسفل الكعبين","vol":"2","page":447},{"text":"قال: \" ما أسفل من الكعبين ففي النار\" ونظيره أيضًا حين قصر الصحابة في غسل أرجلهم، فقال النبي ﷺ: \" ويلٌ للأعقاب من النار\"\nفهذه ثلاثة نصوص من السنة كلها فيه إثبات أن العذاب بالنار قد يكون على جزء معين من البدن.\nوفي القرآن أيضًا من ذلك كقوله تعالى: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) (التوبة: ٣٥)، ومواضع معينة، فالعذاب كما يكون عامًا على جميع البدن، قد يكون خاصًا ببعض أجزائه وهو ما حصلت به المخالفة.\n\nومن فوائد هذا الحديث أيضًا: بيان كمال صدق الصحابة ﵃ في إيمانهم، فإن هذا الرجل لما قيل له: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا آخذ خاتمًا طرحه النبي ﵊، وذلك من كمال إيمانه ﵁. ولو كان ضعيف الإيمان، لأخذه وانتفع به؛ ببيعٍ أو بإعطائه أهله أو ما أشبه ذلك.\nومن فوائد هذا الحديث أيضًا: أن الإنسان يستعمل الحكمة في تغيير المنكر، فهذا الرجل استعمل معه النبي صلى الله ﵊ شيئًا من","vol":"2","page":448},{"text":"الشدة. لكن الأعرابي الذي بال في المسجد لم يستعلم معه النبي ﵊ الشدة، ولعل ذلك لأن هذا الذي لبس خاتم الذهب علم النبي ﵊ أنه كان عالمًا بالحكم ولكنه متساهل، بخلاف الأعرابي، فإنه كان جاهلًا لا يعرف، جاء ووجد هذه الفسحة في المسجد، فجعل يبول، يحسب نفسه أنه في البر!! ولما قال إليه الناس يزجرونه نهاهم النبي ﷺ عن ذلك.\nوكذلك استعمل النبي ﷺ اللين مع معاوية بن الحكم السلمي﵁ - حين تكلم في الصلاة، وكذلك مع الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، فلكلّ مقام مقال.\nفعليك- يا أخي المسلم - أن تستعمل الحكمة في كل ما تفعل وكل ما تقول، فإن الله تعالى يقول في كتابه: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (البقرة: ٢٦٩)، نسأل الله أن يجعلنا ممن أوتي الحكمة ونال بها خيرًا كثيرًا.\n* * *\n١٩٣- العاشر: عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" والذي نفسي بيده، لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجابُ لكم\" رواه الترمذي، وقال: حديثٌ","vol":"2","page":449},{"text":"حسنٌ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قوله ﵊: \" والذي نفسي بيده\" هذا قسم، يقسم فيه النبي ﷺ بالله؛ لأنه هو الذي أنفُس العباد بيده جل وعلا، يهديها إن شاء، ويضلها إن شاء، ويميتها إن شاء، ويبقيها إن شاء، فالأنفس بيد الله هدايةً وضلالة، وإحياءً وإماتة، كما قال الله ﵎: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس: ٧، ٨)، فالأنفس بيد الله وحده، ولهذا أقسم النبي ﷺ، وكان يقسم كثيرًا بهذا القسم: (والذي نفسي بيده) وأحيانًا يقول: \" (والذي نفس محمد بيده)؛ لأن نفس محمد ﷺ أطيبُ الأنفس، فأقسم بها لكونها أطيب الأنفس.\nثم ذكر المقسم عليه، وهو أن نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يعمنا الله بعقاب من عنده حتى ندعوه فلا يستجيب لنا. نسأل الله العافية.\nوقد سبق لنا عدة أحاديث كلها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحذير من عدمه، فالواجب علينا جميعًا أن نأمر بالمعروف، فإذا رأينا أخًا لنا قد قصّر في واجب أمرناه به وحذرناه من المخالفة، وإذا رأينا أخًا لنا قد أتى منكرًا نهيناه عنه وحذرناه من ذلك، حتى نكون أمة واحدة؛ لأننا إذا تفرقنا وصار كل واحد منا له مشرب؛","vol":"2","page":450},{"text":"حصل بيننا من النزاع والفرقة والاختلاف ما يحصل، فإذا اجتمعنا كلنا على الحق؛ حصل لنا الخير والسعادة والفلاح.\nوفي هذا الحديث دليلٌ على جواز القسم دون أن يُطلب من الإنسان أن يقسم، ولكن هذا لا ينبغي إلا في الأمور التي لها أهمية ولها شأن، فهذه يقسم عليها الإنسان، أما الشيء الذي ليس له أهمية ولا شأن، فلا ينبغي أن تحلف عليه إلا إذا استحلفت للتوكيد فلا بأس.\nفهذا دليلٌ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فرض، وهو من أهم واجبات الدين وفروضه، حتى إن بعض العلماء عدّه ركنًا سادسًا من أركان الإسلام. والصحيح أنه ليس ركنًا سادسًا، لكنه من أهم الواجبات وأفرض الفروض. والأمة إذ لم تقم بهذا الواجب، فإنها سوف تتفرق بها الأهواء، وسيكون كل قوم لهم منهاج يسيرون عليه، لكنهم إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، اتفق منهاجهم وصاروا أمة واحدة كما أمرهم الله بذلك: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: ١١٠)، (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: ١٠٤-١٠٥) .\n\nولكن على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يلاحظ مسألة مهمة، وهي أن يكون قصده بذلك إصلاح أخيه، لا الانتقام منه والاستئثار عليه؛ لأنه ربما إذا قصد الانتقام منه والاستئثار عليه يُعجب بنفسه","vol":"2","page":451},{"text":"وبعمله، ويحقر أخاه، وربما يستبعد أن يرحمه الله، ويقول: هذا بعيدٌ من رحمة الله، ثم ذلك يحبط عمله. كما جاء ذلك في الحديث الذي صحّ عن النبي ﷺ، أن رجلًا قال لرجل آخر مسرف على نفسه: \" والله لا يغفر الله لفلان\" فقال الله ﷿: \" من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرتُ له، وأحبطت عملك.\nفانظر إلى هذا الرجل؛ تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته، هلك كلّ عمله وسعيه؛ لأنه حمله إعجابه بنفسهن وإحتفاره لأخيه، واستبعاده رحمة الله على أن يقول هذه المقالة، فحصل بذلك أن أوبقت هذه الكلمة دنياه وآخرته.\n\nفالمهم أنه يجب على الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يستحضر هذا المعنى، أن يكون قصده الانتصار لنفسه أو الانتقام من أخيه، بل يكون كالطبيب المخلف قصده دواء هذا المربض، الذي مرض بالمنكر فيعمل على أن يعالجه معالجة تقيه شر هذا المنكر، أو ترك واجبًا فيعالجه معالجةً تحمله على فعل الواجب. وإذا علم الله من نيته الإخلاص، جعل في سعيه بركة، وهدى به من شاء من عباده، فحصل على خير كثير، وحصل منه خير عظيم، والله الموفق.\n\n* * *","vol":"2","page":452},{"text":"١٩٤- الحادي عشر: عن أبي سعيد الخدري - ﵁- عن النبي ﷺ قال: \" أفضلُ الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطان جائرٍ\" رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسنٌ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - ﵀- فيما نقله عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطان جائر\".\nفللسطان بطانتان: بطانة السوء، وبطانة الخير.\nبطانة السوء: تنظر ماذا يريد السلطان، ثم تزينه له وتقول: هذا هو الحق، هذا هو الطيب، وأحسنت وأفدت، ولو كان - والعياذ بالله - من أجور ما يكون، تفعل ذلك مداهنة للسلاطين وطلبًا للدنيا.\n\nأما بطانة الحق: فإنها تنظر ما يرضي الله تعالى ورسوله ﷺ، وتدل الحاكم عليه، هذه هي الباطنة الحسنة.\nوكلمة الباطل عند سلطان جائر، هذه - والعياذ بالله- ضد الجهاد.\nوكلمة الباطل عند سلطان جائر، تكون بأن ينظر المتكلم ماذا يريد السلطان فيتكلم به عنده ويزينه له.\nوقول كلمة الحق عند سلطان جائر من أعظم الجهاد. وقال: \" عند","vol":"2","page":453},{"text":"سلطان جائر\" لأن السلطان العادل، كلمة الحق عنده لا تضر قائلها؛ لأنه يقبل، أما الجائر فقد ينتقم من صاحبها ويؤذيه.\nفالآن عندنا أربع أحوال:\n١- كلمة حق عند سلطان عادل، وهذه سهلة.\n٢- كلمة باطل عند سلطان عادل، وهذه خطيرة؛ لأنك قد تفتن السلطان العادل بكلمتك، بما تزينه له من الزخارف.\n٣- كلمة حق عند سلطان جائر، وهذه أفضل الجهاد.\n٤- كلمة باطل عند سلطان جائر، وهذه أقبح ما يكون.\nفهذه أقسام أربعة، لكن أفضلها كلمة الحق عند السلطان الجائر.\nنسأل الله أن يجعلنا ممن يقول الحق ظاهرًا وباطنًا على نفسه وعلى غيره.\n* * *\n\n١٩٧- الرابع عشر:: عن أبي بكر الصديق - ﵁- قال: يا أيها الناسُ أنكم لتقرؤون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمَْ) (المائدة: ١٠٥)، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه\" رواه أبو داود والترمذي، والنسائي بأسانيد صحيحة.","vol":"2","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى-فيما نقله عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: إما بعد أيها الناس، فإنكم تقرؤون هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمَْ) (المائدة: ١٠٥)، وهذه الآية ظاهرها أن الإنسان إذا اهتدى بنفسه فإنه لا يضره ضلالُ الناس؛ لأنه استقام بنفسه، فإذا استقام بنفسه فشأن غيره على الله ﷿. فقد يفسرها بعض الناس ويفهم منها معنى فاسدًا، يظن أن هذا هو المراد بالآية الكريمة وليس كذلك، فإن الله اشترط لكون من ضلّ لا يضرنا أن نهتدي فقال: (لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمَْ) .\n\nومن الاهتداء: أن نأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فإذا كان هذا من الاهتداء، فلابد أن نسلم من الضرر، وذلك بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال ﵁: وإني سمعت النبي ﷺ يقول: \" إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أو فلم يأخذوا على يد الظالم، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده\" يعني أنهم يضرهم من ضلّ إذا كانوا يرون الضال ولا يأمرونه بالمعروف، ولا ينهونه عن المنكر، فإنه يوشك أن يعمهم الله بالعقاب؛ الفاعل والغافل، الفاعل للمنكر، والغافل الذي لم ينه عن المنكر.\nوفي هذا دليلٌ على أنه يجب على الإنسان العناية بفهم كتاب الله ﷿، حتى لا يفهمه على غير ما أراد الله، وأن الناس قد يظنون المعنى على خلاف ما أراد الله في كتابه، فيضلوا بتفسير القرآن، ولهذا جاء في","vol":"2","page":455},{"text":"الحديث الوعيد على من قال في القرآن برأيه، أي فسره بما يرى ويهوى، لا بمقتضى اللغة العربية والشريعة الإسلامية، فإذا فسر الإنسان القرآن بهواه ورأيه فليتبوأ مقعده من النار.\nأما من فسره بمقتضى اللغة العربية، وهو ممن يعرف اللغة العربية، فهذا لا إثم عليه؛ إن القرآن نزل باللسان العربي، فيفسر بما يدل عليه. وكذلك إذا كانت الكلمات قد نقلت من المعنى اللغوى إلى المعنى الشرعي، وفسرها بمعناها الشرعي فلا حرج عليه.\nفالمهم أنه يجب على الإنسان أن يكون فاهمًا لمراد الله ﷿ في كتابه، وكذلك لمراد النبي ﷺ في سنته، حتى لا يفسرهما إلا بما أراد الله ورسوله، والله الموفق.","vol":"2","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>٢٤- باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهي عن منكر وخالف قوله فِعله</span>\n\nقال الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٤٤)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٢، ٣)، وقال تعالى إخبارًا عن شُعيب ﷺ: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) (هود: ٨٨) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى-: باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف فعله قوله\" لما كان الباب الذي قبله في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان المناسب ذكر هذا الباب في تغليظ عقوبة من أمر بمعروف ولم يفعله، أو نهى عن منكر وفعله - والعياذ بالله - وذلك أن من هذه حالة، لا يكون صادقًا في أمره ونهيه؛ لأنه لو كان صادقًا في أمره، معتقدًا أن ما أمر به معروف، وأنه نافع؛ لكان هو أول من يفعله لو كان عاقلًا. وكذلك لو نهى عن منكر وهو يعتقد أنه ضار، وأن فعله إثم؛ لكان أول من يتركه لو كان عاقلًا. فإذا أمر بمعروف ولم يفعله، أو نهى عن منكر وفعله؛ علم أن قوله هذا ليس مبنيًا على عقيدة والعياذ بالله.\nولهذا أنكر الله على فعل ذلك فقال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ","vol":"2","page":457},{"text":"بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٤٤) والاستفهام هنا للإنكار، يعني: كيف تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم فلا تفعلونه، وأنتم تتلون الكتاب وتعرفون البر من غير البر (أَفَلا تَعْقِلُونَ؟) هذا الاستفهام للتوبيخ؛ يقول لهم: كيف يقع منكم هذا الشيء؟ أين عقولكم لو كنتم صادقين؟\n\nمثال ذلك: رجل يأمر الناس بترك الربا، ولكنه يتعامل به أو يفعل ما هو أعظم منه فهو يقول للناس مثلًا: لا تأخذوا الربا في معاملات البنوك، ثم يذهب هو فيأخذ الربا بالحيلة والمكر والخداع، ولم يعلم أن ما وقع هو فيه من الحيلة والمكر والخداع أكبر ذنبًا، وأعظم إثمًا، ممن أتى الأمر على وجهه.\nولهذا قال أيوب السختياني﵀ - في أهل الحيل والمكر: \" أنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون\" وصدق ﵀.\nكذلك أيضًا رجل يأمر الناس بالصلاة، ولكنه هو نفسه لا يصلي!! فيكيف يكون هذا؟ كيف تأمر بالصلاة، وترى أنها معروف، ثم لا تصلي؟ هل هذا من العقل؟ ليس من العقل فضلًا أن يكون من الدين، فهو مخالف للعقل، وسفه في الدين نسأل الله العافية.\n* * *","vol":"2","page":458},{"text":"وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٢-٣)\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) خاطبهم بالإيمان؛ لأن مقتضى الإيمان ألا يفعل الإنسان هذا، وألا يقول ما لا يفعل، ثم وبخهم بقوله: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) ثم بيّن أن هذا الفعل مكروه عند الله، مبغضٌ عنده أشد البعض، فقال: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) والمقت: قال العلماء: هو أشد البغض، فالله تعالى يبغض الرجل الذي هذه حاله؛ يقول ما لا يفعل، ويبين الله ﷿ لعباده أن ذلك مما يبغضه من أجل أن يبتعدوا عنه؛ لأن المؤمن حقًا يبتعد عما نهى الله عنه.\nوقال عن شعيب: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْه) (هود: ٨٨)، يعني انه يقول لقومه: لا يمكن أن أنهاكم عن الشرط، وأنهاكم عن نقص المكيال والميزان وأنا أفعله، لا يمكن أبدًا؛ لأن الرسل ﵈ هم أنصح الخلق للخلق، وهم أشد الناس تعظيمًا لله، وامتثالًا لأمره واجتنابًا لنهيه، فلا يمكن أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه فيفعله.\n\nوفي هذا دليلٌ على أن الإنسان الذي يفعل ما ينهى عنه، أو يترك ما أمر به مخالف لطريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم لا يمكن أن يخالفوا الناس إلى ما ينهونهم عنه. وستأتي الأحاديث إن شاء الله في بيان عقوبة من ترك ما أمر به، أو فعل ما نهى عنه، والله الموفق.\n* * *","vol":"2","page":459},{"text":"١٩٨- وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة﵄ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: \" يؤتى بالرجل يوم القيامة فليقي في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدورُ الحمارُ في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك؟ ألم تك تأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت أمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه\" متفق عليه.\nقولهُ\" تندلقُ\" هو بالدلٍ المهملة، ومعناه تخرجُ و\" الأقتابُ \": الأمعاءُ، واحدُها قتب.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث فيه التحذير الشديد من الرجل الذي يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، والعياذ بالله.\n\nيقول: \" يؤتى بالرجل يوم القيامة\" أي تأتي به الملائكة، فيلقى في النار إلقاء، لا يدخلها برفق، ولكنه يلقى فيها كما يلقى الحجر في اليمّ، وتندلق أقتاب بطنه، يعني أمعاءه، الأقتاب: جمع قتب وهو المعني، ومعنى تندلق: تخرج من بطنه من شدة الإلقاء- والعياذ بالله.\n\" فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا\" وهذا التشبيه للتقبيح، شبهه بالحمار الذي يدور على الرحا، وصفة ذلك: أنه في المطاحن القديمة قبل أن توجد هذه المعدات الجديدة، كان يُجعل حجران كبيران وينقشان فيما بينهما أي ينقران، ويوضع للأعلى منها فتحة تدخل منها الحبوب، وفيها","vol":"2","page":460},{"text":"خشبة تربط بمتن الحمار، ثم يستدير على الرحا، وفي استدارته تطحنُ الرحا.\nفهذا الرجل الذي يلقى في النار يدور على أمعائه- والعياذ بالله - كما يدور الحمار على رجاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون له: ما لك؟ أي شيء جاء بك إلى هنا، وأنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول مقرًا على نفسه: \" كنت آمر بالمعروف ولا آتيه\" يقول للناس \" صلوا ولا يصلي. ويقول لهم: زكوا أموالكم ولا يزكى. ويقول: بروا الوالدين، ولا يبر والديه، وهكذا يأمر بالمعروف ولكنه لا يأتيه.\n\n\" وأنهى عن المنكر وآتيه\" يقول للناس: لا تغتابوا الناس، لا تأكلوا الربا، لا تغشوا في البيع، لا تسيئوا العشرة، لا تسيئوا الجيرة، وما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة التي ينهى عنها، ولكنه يأتيها والعياذ بالله، يبيع بالربا، ويغش، ويسيء العشرة، ويسئ إلى الجيران وغير هذا، فهو بذلك يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه - نسأل الله العافية- فيعذب هذا العذاب ويخزى هذا الخزي.\nفالواجب على المرء أن يبدأ بنفسه فيأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر؛ لأن أعظم الناس حقًا عليك بعد رسول الله ﷺ نفسك.\nابدأ بنفسٍك فانهها عن غيها\nفإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nابدأ بها ثم حاول نصح إخوانك، وأمرهم بالمعروف، وانههم عن المنكر، لتكون صالحًا مصلحًا. نسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصالحين المصلحين، إنه جواد كريم.","vol":"2","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>٢٥- باب الأمر بأداء الأمانة</span>\n\nقال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨)\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ -: باب الأمر بأداء الأمانة.\n\nالأمانة: تطلق على معان متعددة، منها ما ائتمنه الله على عباده من العبادات التي كلفهم بها، فإنها أمانة اتئمن الله عليها العباد.\nومنها: الأمانة المالية، وهي الودائع التي تعطى للإنسان ليحفظها لأهلها، وكذلك الأموال الأخرى التي تكون بيد الإنسان، لمصلحته أو مصلحة مالكها، وذلك أن الأمانة التي بيد الإنسان؛ إما أن تكون لمصلحة مالكها، أو لمصلحة من هي بيده، أو لمصلحتهما جميعًا.\nفأما الأول: فالوديعة؛ الوديعة تجعلها عند شخص، تقول مثلًا: هذه ساعتي عندك احفظها لي، أو هذه دراهم احفظها لي وما أشبه هذا، فهذه وديعة بقيت عنده لمصلحة مالكها.\nوأما التي لمصلحة من هي بيده: فالعارية يعطيك شخص شيئًا يعيرك إياه من إناء، أو فراش، أو ساعة، أو سيارة، فهذه بقيت في يدك لمصلحتك.\nأما التي لمصلحة مالكها ومن هي بيده: فالعينُ المستأجرة، فهذه مصلحتها للجميع؛ استأجرت مني سيارة، وأخذتها، فأنت تنتفع بها في قضاء حاجتك، وأنا أنتفع بالأجرة. وكذلك البيت والدكان وما أشبه ذلك. كل هذه من الأمانات.","vol":"2","page":462},{"text":"ومن الأمانة أيضًا: أمانة الولاية وهي أعظمها مسؤولية، الولاية العامة والولايات الخاصة، فالسلطان مثلًا الرئيس الأعلى في الدولة، أمين على الأمة كلها، على مصالحها الدينية ومصالحها الدنيوية، على أموالها التي تكون في بيت الماس، لا يبذرها، ولا ينفقها في غير مصلحة المسلمين وما أشبه ذلك.\nوهناك أمانات أخرى دونها، كأمانة الوزير مثلًا في وزارته، وأمانة الأمير في منطقته، وأمانة القاضي في عمله، وأمانة الإنسان في أهله، المهم أن الأمانة باب واسعٌ جدًا وأصلها أمران:\nأمانة في حقوق الله: وهى أمانة العبد في عبادات الله ﷿.\nوأمانة في حقوق البشر\" وهي كثيرة جدًا، وقد أشرنا إلى شيء منها، وكلها يؤمر الإنسان بأدائها: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، تأمل هذه الصيغة (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ) صيغة قوة وسلطان لم يقل: أدوا الأمانة، ولم يقل: إني آمركم ولكن قال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ) بأمركم بألوهيته العظيمة، يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، فأقام الخطاب مقام الغائب تعظيمًا لهذا المقام ولهذا الأمر، وهذا كقول السلطان - ولله المثل الأعلى - إن الأمير يأمركم، أن الملك يأمركم، فذها أبلغ وأقوى من قوله: إني آمركم كما قال ذلك علماء البلاغة.\n(أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ومن لازم الأمر بأداء الأمانة إلى أهلها الأمر بأداء الأمانة إلى أهلها؛ الأمر بحفظها؛ لأنه لا يمكن أداؤها إلى أهلها إلا بحفظها. وحفظها إلا يتعدى فيها ولا يفرك، بل يحفظها حفظًا تامًا ليس فيه تعدّ ولا تفريط، حتى","vol":"2","page":463},{"text":"يؤديها إلى أهلها.\n\nوأداء الأمانة من علامات الإيمان: فكلما وجدت الإنسان أمينًا فيما يؤتمن عليه، مؤديًا له على الوجه الأكمل؛ فاعلم أنه قوي الإيمان. وكلما وجدته خائنًا؛ فاعمل أنه ضعيف الإيمان.\nومن الأمانات: ما يكون بين الرجل وصاحبه من الأمور الخاصة التي لا يحب أن يطلع عليها أحد، فإنه لا يجوز لصاحبه أن يخبر بها، فلو استأمنك على حديث حدثك به، وقال لك: هذا أمانة، فإنه لا يحلّ لك أن تخبر به أحدًا من الناس، ولو كان أقرب الناس إليك. سواء أوصاك بأن لا تخبر به أحدًا، أو عُلم من قرائن الأحوال أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد. ولهذا قال العلماء: إذا حدثك الرجل بحديث والتفت فهذه أمانة، لماذا؟ لأنه كونه يلتفت، فإنه يخشى بذلك أن يسمع أحدٌ، إذًا فهو لا يحب أن يطلع عليه أحد، فإذا ائتمنك الإنسان على حديث، فإنه لا يجوز لك أن تفشيه.\nومن ذلك أيضًا: ما يكون بين الرجل وزوجته من الأشياء الخاصة، فإن شر الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة، الجل يفضي على امرأته وتفضي إليه، ثم يتحدث بما جرى بينهما، فلا يجوز للإنسان أن يتحدث بما جرى بينه وبين زوجته.\n\nوكثيرٌ من الشباب السفهاء يتفكهون في المجالس بذكر تلك الخصوصيات، يقول الواحد منهم: فعلت بامرأتي كذا وكذا، من الأمور التي لا تحب هي أن يطلع عليها أحد. وكذلك كل إنسان عاقل له ذوقٌ","vol":"2","page":464},{"text":"سليم، لا يحب أن يطلع أحد علي ما جرى بينه وبين زوجته.\nإذًا علينا أن نحافظ على الأمانات، وأول شيء أن نحافظ على الأمانات التي بيننا وبين ربنا، لأن حقّ ربنا أعظم الحقوق علينا، ثم بعد ذلك ما يكون من حقوق الخلق الأولى فالأولى.\n(إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) فأثنى الله ﷿ على ما يعظنا به من الأوامر التي يريد منا فعلها، والنواهي التي يريد منا تركها، ثم ختم الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: ٥٨)، سميعًا لما تقولون، بصيرًا بما تفعلون، وختم الآية بهذين الاسمين الكريمين المتضمنين لشامل سمع الله وبصره يقتضي التهديد، فهو يهدد ﷿ من لم يقم بأداء الأمانات إلى أهلها، والله الموفق.\n\nوقال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب: ٧٢)\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف﵀ - قوله تعالى:: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) عرض الله الأمانة وهي التكليف والإلزام بما يجب، على السموات والأرض والجبال، ولكنها أبت أن تحملها لما فيها من المشقة، ولما تخشى هذه الثلاثة - الأرض والجبال والسموات - من إضاعتها.","vol":"2","page":465},{"text":"فإن قال قائل: كيف يعرض الله الأمانة على السموات والأرض والجبال، وهي جماد ليس لها عقل ولا تشعر.\nفالجواب: أن كلّ جماد فهو بالنسبة لله ﷿ عاقل يفهم ويمتثل. أرأيت إلى قوله تعالى فيما أخبر به النبي ﷺ: \" إن الله تعالى لما خلق القلم قال له \" اكتب\". فخاطب الله القلم وهو جماد، وردّ عليه القلم قال: \" وماذا اكتب؟ \" لأن الأمر مجمل، ولا يمكن الامتثال للأمر المجمل إلا ببيانه، قال \" اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة\" فكتب القلب بأمر الله ما هو كائن إلى يوم القيامة. هذا أمر وتكليف وإلزام.\nفهنا بين الله ﷿ أنه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبت أن تحملها.\nوقال تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت: ١١)\n\n، فخاطبها بالأمر وقال: ائتيا طوعًا أو كرهًا، فقالتا: أتين طائعين. ففهمت السموات والأرض خطاب الله، وامتثلتا وقالتا: أتينا طائعين، وعصاه بني آدم يقولون: سمعنا وعصينا. وفضله به على كثير ممن خلق تفصيلا. والرسل الذين أرسلهم الله ﷿ للإنسان. ويبينوا لهم الحق من","vol":"2","page":466},{"text":"الضلال، فلم يبق لهم عذر، ولكن مع ذلك وصف الإنسان بأنه مظلوم جهول، فاختلف العلماء هل \" الإنسان\" هنا عام، أم خاصّ بالكافر، فقال بعض العلماء: إنه خاص بالكافر، فهو الظلوم الجهول. أما المؤمن فهو ذو عدل وعلم وحكمة ورشد. وقال بعض العلماء: بل هو عام والمراد الإنسان بحسب طبيعته، أما المؤمن فإن اله من عليه بالهداية، فيكون مستثنى من هذا، وإيًا كان فمن قام بالأمانة انتفى عنه وصف الظلم والجهالة التي في قول الله تعالى (وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب: ٧٢)\nفنسأل الله أن يعيننا وإياكم على أداء ما حملناه، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، إنه جواد كريم.\n* * *\n١٨٩- عن أبي هريرة﵁- أن رسول الله صلى الله عليه وسمل قال: \" آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\" متفقٌ عليه.\n\nوفي رواية: \" وإن صام وصلى وزعم انهُ مسلمٌ\".\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n الآية: يعني العلامة، كما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ) (الشعراء: ١٩٧)، يعني أو لم يكن لهم علامة على صدق ما جاء به","vol":"2","page":467},{"text":"النبي ﷺ، وصحة وشريعته، وأن هذا القرآن حق: (أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ) ويعلمون انه هو الذي بشّر به عيسى ﵊، وكذلك قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (يّس: ٤١) آية يعنى علامة. فعلامة المنافق ثلاث.\nوالمنافق هو الذي يسرٌ الشر ويظهر الخير. ومن ذلك: أن يسر الكفر ويظهر الإسلام. وأصله مأخوذ من نافقاء اليربوع. اليربوع- الذي نسميه الجربوع- يحفر له جحرًا في الأرض ويفتح له بابًا ثم يحفر في أقصى الجُحر خرقًا للخروج، لكنه خرق خفي لا يعلم به، بحيث إذا حجره أحد من عند الباب، ضرب هذا الخرق الذي في الأسفل برأسه ثم هرب منه. فالمنافق يظهر الخير ويبطن الشر، يظهر الخير ويبطن الكفر.\nوقد برز النفاق في عهد النبي ﷺ بعد غزوة بدر، لما قُتلك صناديد قريش في بدر، وصارت الغلبة للمسلمين، ظهر النفاق، فأظهر هؤلاء المنافقون أنهم مسلمون وهم كفار، كما قال الله تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة: ١٤)، وقال الله تعالى (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة: ١٥)، وقال عنهم أيضًا: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه) يؤكد كلامهم بالشهادة و\"بأن\" و\" اللام\" فقال الله تعالى: (؟ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون: ١) .\nفشهد شهادة اقوى منها بأنهم لطاذبون في قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) في أن محمدًا رسول الله، ولهذا استدرك فقال: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ","vol":"2","page":468},{"text":"لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) .\n\nوالمنافق له علامات، يعرها الذي أعطاه الله تعالى فراسة ونورًا في قلبه، يعرف المنافق من تتبع أحواله.\nوهناك علامات ظاهرة لا تحتاج إلى فراسة؛ منها هذه الثلاث التي بينها النبي ﷺ: \" إذا حدث كذب\" يقول مثلًا: فلأن فعل كذا وكذا، فإذا بحثت وجدته كذب، وهذا الشخص لم يفعل شيئًا، فإذا رأيت الإنسان يكذب؛ فاعمل أن في قلبه شعبة من النفاق.\nالثاني: \" إذا وعد أخلف\" يعدك ولكن يخلف، يقول لك مثلًا: سآتي إليك في الساعة السابعة صباحًا ولكن لا يأتي، أو يقول: سآتي إليك غدًا بعد صلاة الظهر ولكن لا يأتي.؟ يقول: أعطيك كذا وكذا، ولا يعطيك، فهو كما قال النبي ﷺ: \" إذا وعد أخلف \"، والمؤمن إذا وعد وفى، كما قال الله تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) (البقرة: ١٧٧)، لكن المنافق يعدك ويغرك، فإذا وجدت الرجل يغدر كثيرًا بما يعد، ولا يفي، فاعلم أن في قلبه شعبة من النفاق والعياذ بالله.\n\nالثالث: \" إذا اؤتمن خان\" وهذا الشاهد من هذا الحديث للباب. فالمنافق إذا ائتمنته على مال خانك، وإذا ائتمنته على سر بينك وبينه خانك، وإذا ائتمنته على أهلك خانك، وإذا ائتمنته على بيع أو شراء خانك. كلما ائتمنته على شيء يخونك والعياذ بالله، يدلّ ذلك على أن في قلبه شعبة من النفاق.","vol":"2","page":469},{"text":"وأخبر النبي ﷺ بهذا الخبر لأمرين:\nالأمر الأول: أن نحذر من هذه الصفات الذميمة؛ لأنها من علامات النفاق، ويخشى أن يكون هذا النفاق العملي مؤديًا إلى نفاق في الاعتقاد والعياذ بالله، فيكون الإنسان منافقًا نفاقًا اعتقاديًا فيخرج من الإسلام وهو لا يشعر فأخبرنا الرسول ﵊ لنحذر من ذلك.\nالأمر الثاني: لنحذر من يتصف بهذه الصفات، ونعلم أنه منافق يخدعنا ويلعب بنا، ويغرنا بحلاوة لفظه وحسن قوله، فلا نثق به ولا نعتمد عليه في شيء؛ لأنه منافق والعياذ بالله، وعكس ذلك يكون من علامات الإيمان. فالمؤمن إذا وعد أوفى. والمؤمن إذا ائتمن أدى الامانة على وجهها، وكذلك إذا حدّث كان صادقًا في حديثه مخبرًا بما هو الواقع فعلًا.\nومن الأسف فإن قومًا من السفهاء عندنا إذا وعدته بوعد يقول: \" وعد انجليزي ام وعد عربي\" يعني أن الإنجليز هم الذين يوفون بالوعد، فهذا بلا شك سفه وغرور بهؤلاء الكفرة، والإنجليز فيهم مسلمون ومؤمنون ولكن جملتهم كفار، ووفاؤهم بالوعد لا يبتغون به وجه الله، لكن يبتغون به أن يحسنوا صورتهم عند الناس ليغتر الناس بهم.\nوالمؤمن في الحقيقة هو الذي يفي تمامًا فيمن أوفي بالوعد؛ فهو مؤمن، ومن أخلف الوعد؛ كان فيه من خصال النفاق.\nنسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النفاق العملي والعقدي، أنه جواد كريمٌ.\n* * *","vol":"2","page":470},{"text":"٢٠٠-وعن حذيفة بن اليمان﵁- قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما، وأنا انتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعملوا من القرآن، وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: \" ينام الرجل النومة فتقبض الأمانةُ من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومةً، فتقبض الأمانةُ من قلبهِ فيظلُ أثرها مثل المجلِ، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراهُ منتبرا وليس فيه شيءُ\" ثم أخذ حصاة فدحرجه على رجلهِ\" فيصبح الناسُ يتبايعون، فلا يكادُ أحدٌ يؤدي الأمانة حتى يقالَ: إن في بني فُلانٍ رجُلًا أمينًا، حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمانٍ، ولقد أتى علي زمانٌ وما أُبالي أيكم بايعتُ: لئن كان مسلمًا ليردنه على دينهُ، ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه على ساعيه، وأما اليوم فما كنتُ أُبايع منك إلا فُلانًا وفُلانًا \" متفق عليه.\nقوله: \" جذر\" بفتحِ الجيمِ وإسكان الذالِ المعجمةِ: وهو أصلُ الشيء. و\"الوكت\" بالتاء المثناة من فوقُ: الأثر اليسيرُ، \" والمجلُ\" بفتح الميم وإسكان الجيم، وهو تنفظ في اليد ونحوها من أثرِ عمل وغيره. قوله: \" منتبرا\" مُرتفعًا قوله: \" ساعيه\" الوالي عليه.","vol":"2","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن حذيفة بن اليمان﵁ - قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر، وكان النبي ﷺ يحدث أصحابه أحيانًا بما يراه مناسبًا، والنبي ﵊ إذا حدث بشيء، فإنه حديث له وللأمة إلى يوم القيامة. وحذيفة بن اليمان﵁- يُقال له: صاحب السر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسمل حدثه عن قوم من المنافقين، علهم النبي ﷺ فأخبر بهم حذيفة، وكانوا نحو ثلاثة عشر رجلًا، سماهم بأسماءهم.\n\nوكان عمر بن الخطاب﵁ - لشدة خوفه من الله، يلتقى بحذيفة فيقول: أنشدك الله هل سماني لك رسول الله ﷺ مع من سمى من المنافقين؟ هذا وهو عمر بن الخطاب ﵁، الذي هو أفضل هذه الأمة بعد نبيها وأبي بكر بضي الله عنهم أجمعين، فهو الثاني بعد الرسول ﵊ في هذه الأمة، وله من اليقين والمقامات العظيمة ما هو معلوم، حتى قال النبي ﵊: \" إن يكن فيكم محدثون فعمر\" يعني إن كان فيكم أحد ملهم للصواب فهو عمر، يمدحه ويثني عليه لموافقته للصواب، وإيمانه ﵁ معروف مشهور ومع ذلك يقول: \" أنشدك الله هل سماني لك رسول الله مع من سماهم من المنافقين؟ فيقول حذيفة: لا. ولا أزكي بعدك أحدًا.","vol":"2","page":472},{"text":"فذكر ﵁ ما حدثه به النبي ﷺ من نزع الأمانة من قلوب الرجال، فقوله ﷺ: \"إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال\" يعني في أصلها، ثم أنزل عليهم من القرآن والسنة ما يثبت ويؤيد هذا الأصل، فجاء القرآن والسنة مؤيدًا الفطرة التي فطر الناس عليها، وعلموا من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فازدادوا بذلك إيمانًا وثباتًا وأداءً للأمانة.\nولكن أخبر بالحديث الثاني أن هذه الأمانة سوف تنزع من قلوب الرجال والعياذ بالله، تنزع فيصبح الناس يتحدثون أن في بني فلان رجلًا أمينًا، يعني أنك لا تكاد تجد في القبيلة رجلًا واحدًا أمينًا، والباقي كلهم على خيانة، لم يؤدوا الأمانة.\nولقد شاهد الناس اليوم مصداق هذا الحديث عن رسول الله ﷺ فإنك تستعرض الناس رجلًا رجلًا حتى تبلغ إلى حدّ المائة أو المئات، لا تجد الرجل الأمين الذي أدى الأمانة كما ينبغي في حق الله ولا في حقِّ الناس.\n\nقد تجد رجلًا أمينًا في حق الله، ويؤدي الصلاة، ويؤدى الزكاة، ويصوم، يحج، يذكر الله كثيرًا، يسبح، لكنه في المال ليس أمينًا، إن وكل إليه عملٌ حكومي فرط وصار لا يأتي للدوام إلا متأخرًا، ويخرج قبل انتهاء الوقت، ويضيع الأيام الكثيرة في أشغاله الخاصة، ولا يبالي، مع أنك تجده في مقدمة الناس في المساجد، وفي الصدقات، وفي الصيام، وفي الحج، لكنه ليس أمينًا من جهة أخرى.\nكذلك تجد الرجل أمينًا في عبادة الله، يقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة ويصوم، ويحج، ويتصدق، لكنه ليس أمينًا في وظيفته، يعرف أنه لا يجوز","vol":"2","page":473},{"text":"للموظف أن يتاجر أو يفتح محل تجارة، ولكنه لا يبالي، ويفتح محل تجارة، إما باسمه صريحًا، أو باسم مستعار، وإما برجل أجنبي يجعله في هذا الدكان وما أشبه ذلك. فيكذب، ويخون الدولة، ويأكل المال بالباطل، ويكون هذا المال الذي يكسبه من كسب حرام مانعًا من إجابة دعوته، والعياذ بالله.\n\nقال النبي ﵊: \" إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: ١٧٢)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون: ٥١)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، اشعث أغبر يمدُ يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذي بالحرام، فإني يستجاب لذلك\".\nيقول النبي ﷺ: \" أني يستجاب لذلك\" بعيد أن يستجيب الله لهذا الرجل، الذي هو أشعث أغبر، يمد يديه للسماء: يا رب يا رب، ومع ذلك يبعد أن الله يستجيب له؛ لأنه يأكل الحرام. هذا الذي يكون موظفًا بمقتضى عقد الوظيفة فإنه يمنع من مزاولة التجارة، ثم يزاول التجارة، فكلُ كسب كسبه من هذه التجارة فهو حرام عليه، سحت والعياذ بالله ولا يبالي، نقول لمثل هذا: أنت الآن بالخيار؛ إن شئت أن تبقي على الوظيفة","vol":"2","page":474},{"text":"فاترك التجارة، وأن رأيت أن التجارة أنسب لك وأكثر فائدة فاترك الوظيفة.\nأمران لا يجتمعان حسب العهد الذي بينك وبين الدولة، أنت تعرف أن الدولة تمنع من مزاولة التجارة فلماذا تتاجر؟\nقال الله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا) (الاسراء: ٣٤)، يتعلل بعض الناس فيقول: كيف تمنعوني من التجارة وهناك وزراء يتاجرون بالأراضي وعندهم شركات كبيرة، فنقول: إذا ضلّ الناس لم يكن ضلالهم هدى، وإذا كانوا هم ضالين ظالمين بما صنعوا فلا تضل أنت، فإذا قال مثلًا: هذه النظم جاءت من تحت أيديهم، هم الذين شرعوها فكيف يخالفونها؟ نقول: حسابهم على الله، سيكونون هم أول من يحزن ويتحسر على ما صنع يوم القيامة، حيث لا مال عندهم يفدون به أنفسهم، ولا خدم ولا حراس يحجزون عنهم، ولا نسب ولا قرابة تنفعهم. فأنت لا تتخذ من مخالفات الناس دليلًا وسلمًا لمعصية الله، ولكن عليك بالوفاء بما عاهدت غيرك عليه، وإن كان غيرك يخالف ذلك فليس لك أن تخالفه أنت.\nنسأل الله لنا ولكم الهداية، وأن يجعلنا وإياكم من الأمناء المؤدين للأمانة في حق الله وحق عباده.\n* * *\n٢٠١-وعن حذيفة، وأبي هريرة﵄ - قالا: قال رسول الله ﷺ \" يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنةُ، فيأتُون آدم صلواتُ الله عليه، فيقولُون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقولُ: وهل","vol":"2","page":475},{"text":"أخرجكم من الجنة إلا خطيئةُ أبيكم! لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى إبني إبراهيم خليل الله، قال: فيأتون إبراهيم فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلًا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليما، فيأتون موسى فيقول: لست بصاحب ذلك؛ اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدًا ﷺ، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانةُ والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرقِ\" قلتُ: بأبي وأمي، أي شيءٍ كمر البرقِ؟ قال: \" ألم تروا كيف يمرُ ويرجعُ في طرفة عين؟ ثم كمر الريح ثم كمر الطيرِ، وشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائماٌ على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمالُ العبادِ حتى يجيء الرجلُ لا يستطيع السير إلا زحفا، وفي حافتي الصراط كلاليبُ معلقةٌ مأمورةٌ بأخذ من أمرت به، فمخدوشٌ ناجٍ ونكردسٌ في النار\" والذي\n\nنفسُ أبي هريرة بيدهِ إنّ قعر جهنم لسبعون خريفًا\" رواه مسلم.\nقوله: \" وراء وراء\" هو بالفتح فيهما وقيل: بالضم بلا تنوين ومعناه: لست بتلك الدرجة الرفيعة، وهي كلمةٌ تذكرُ على سبيل التواضُعِ. وقد بسطت معناها في شرح صحيح مسلم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ - فيما نقله عن حذيفة وأبي هريرة ﵄ في حديث الشفاعة. وذلك أن النبي صلى الله عيه وسلم وعده ربهُ أن يبعثه مقامًا","vol":"2","page":476},{"text":"محمودًا فقال جل وعلا: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (الاسراء: ٧٩)، وإذا جاءت \"عسى\" من الله فهي واجبة، بخلاف \"عسى\" من الخلق، فإنها للترجي. فإذا قلت: عسى الله أن يهديني، عسى الله أن يغفر لي، عسي الله أن يرحمني، فهذا رجاء. أما إذا قال الله \" عسى\" فهذا وعد لذلك قالوا: \" عسى من الله واجبة\" مثل قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) (النساء: ٩٩)، وقوله (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه) (المائدة: ٥٢)، وما أشبه ذلك.\n\nفالله ﷿ وعد نبيه ﷺ أن يبعثه مقامًا محمودًا، أي مقامًا يحمد فيه الأولون والآخرون، وذل من عدة أوجه: منها حديث الشفاعة، فإن الناس يُبعثون يوم القيامة حفاة عراة غرلًا، حفاة ليس عليهم نعال، وعرأة ليس عليهم ثياب وغرلًا أي غير مختونين، يعني أن الجلدة التي تقطع في الختان للطهارة تعود يوم القيامة كما قال تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (الانبياء: ١٠٤) .\nفيجمع الله الخلائق، والشمس فوقهم قدر ميل، أهوال عظيمة، يشاهدون الجبال تمر مرّ السحاب، تكون هباءً منثورًا، فيلحقهم من الهمّ والغمّ ما لا يطيقون، فيقول بعضهم لبعض: ألا تطلبون من يشفع لنا عند الله، فيذهبون إلى آدم فيطلبونه للشفاعة، فيذكر خطيئته التي وقعت منه.\nوالخطيئة التي وقعت منه هي أن الله ﷾ قال له ولزوجه حين أسكنهما الجنة: (وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: ٣٥)، شجرة عيَّنها الله ﷿ وليس لنا في معرفة","vol":"2","page":477},{"text":"نوعها كبير فائدة، ولهذا فنحن لا نعرف نوع هذه الشجرة؛ هل هي من شجر الزيتون، أم من الحنطة، أم من العنب، أم من النخل، لا ندري، فالواجب أن نبهمها كما ابهمها الله ﷿، ولو كان لن في تعيينها فائدة لعينها الله ﷿.\nفقال ﷿ لآدم وحواء: وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: ٣٥)، فأتاهما الشيطان فوسوس لهما، ودلاهما بغرور، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، وهكذا يفعل في بني آدم، يغرهم ويغريهم ويوسوس لهم ويقسم إني ناصح وهو كذوب.\nفيذكر خطيئته هو وزوجته أنه أكل من هذه الشجرة، فأمرهم الله ﷿ أن يهبطا من الجنة الي الأرض؛ فهبطا إلى الأرض وكانت منهم هذه الذرية التي منها الأنبياء والرسل والشهداء والصالحون، ثم يعتذر بهذا العذر، وفي هذا الحديث - أعني حديث الشفاعة- أن آدم يعتذر بأكله من الشجرة دليلٌ على أن القصة التي رويت عن أبن عباس أن حواء حملت فجاءها الشيطان فقال: سمي الولد عبد الحارث أو لأجعلن له قرن إيل فيخرج من بطنك فيشقه فأبيا أن يطيعا، وجاءهم في المرة الثانية، فأبيا أن يطيعا، فجاءهما في المرة الثالثة فأدركهما حبّ الولد فسمياه عبد الحارث. وجعل ذلك تفسيرًا لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (لأعراف: ١٨٩-١٩٠)،","vol":"2","page":478},{"text":"فإن هذه القصة قصة مكذوبة ليست بصحيحة، من وجوه:\n\nالأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن رسول الله ﷺ، وهذه القصة من الأخبار التي لا تتلقى إلا عن طريق الوحي.\nالثاني: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء.\nالثالث: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية، ولو وقع منه الشرك لكان اعتذاره به أقوى وأولى وأحرى. فهذه الوجوه وغيرها تدل على أنه لا يجوز أن يعتقد أن آدم وحواء يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال.\nيعتذر آدم عن الشفاعة فيأتي الناس نوحًا ﵇ وهو أول رسول أرسله الله إلى الأرض، فيخاطبه الناس بهذه المنقبه فيقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى الأرض اشفع لنا عند ربك فيعتذر؛ لأنه سأل ربه ما ليس له به علم وذلك حين قال: (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود: من الآية٤٥) .\n\nوكان لنوح ولد كافر به. والده رسول ولكنه كفر بالرسول والعياذ بالله؛ لأن النسب لا ينفع الإنسان. فابن العالم لا يأتي عالمًا، بل قد يكون","vol":"2","page":479},{"text":"جاهلًا، وكذلك ابن العابد لا يأتي عابدأً، وقد يكون فاسقًا فاجرًا، ابن الرسول لا يكون مؤمنًا بل هذا ابن نوح ﵇ أحد أبنائه كان كافرًا كان أبوه يقول: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) (هود: ٤٢) فيجيبه قائلًا: (سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود: ٤٣) .\nغرق الولد مع الكافرين- والعياذ بالله - وكان نوحٌ قد قال ربي إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين.\n\nفيعتذر نوح بأنه سأل ما ليس له به علم، والشافع لا يكون بينه وبين المشفوع إليه جفوة؛ بل لا بد أن يكون بينهما صلى قوية لا يخدشها شئ مع أن نوحًا ﵊ غفر الله له، وآدم غفر الله له، اجتباه ربُه فتاب عليه، فغفر الله له، ولكن لكمال مرتبتهم وعلو مقامهم، جعلوا هذا الذنب الذي غفر لهم جعلوه مانعًا من الشفاعة، كل هذا تعظيمًا لله ﷿ وحياء منه، وخجلًا منه.\nثم يأتون إلى إبراهيم خليل الله ﷿ ﵊، فيعتذر ويقول: إنه كذب في ذات الله ثلاث كذبات، وهذه الكذبات التي كذبها ليست كذبًا في الواقع؛ لأنه ﵊ قد تأوّل فيها، والتأول ليس بكذب، لكن لشدة لله ﷿، رأى أن هذا مانع للشفاعة أي من أن يتقدم للشفاعة لأحد.\n\nثم يأتون موسى ﵊ ويقولون له: إن الله كلمك، وكتب لك التوراة بيده، فيعتذر بأنه قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها، وذلك أن","vol":"2","page":480},{"text":"موسى ﵊ كان من أشد الرجال وأقواهم، فمرّ ذات يوم برجلين يقتتلان، هذا من شيعته، يعني من بني إسرائيل، وهذا من عدوه يعني من آل فرعون من القبط، فاستغاثة الذي من شيعته على الذي عدوّه، يعني طلب منه أن يغيثه وأن يعينه على هذا الرجل، فوكزه موسى إي وكز الذي من عدوه فقضى عليه، أي هلك ومات بوكزة واحدة؛ لأنه كان قويًا شديدًا ﵊. فقال (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) (القصص: ١٥)\nوفي الصباح وجد صاحبه الذي كان بالأمس وجده يتنازع مع شخص آخر، قال تعالى (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (القصص: ١٨)\n\n، يعني بالأمس كنت تنازع رجلًا واليوم تنازع آخر، فهم موسى أن يبطش بالذي هو عدو لهما فقال الإسرائيلي (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) (القصص: ١٩) وكان الناس يتحسسون من الذي قتل الرجل بالأمس؟ ففطن لذلك الفرعوني، فأخبر الناس أن موسى قاتله، فالشاهد من ذلك أن موسى ﵇ يعتذر إلى الخلق يوم القيامة؛ لأنه قتلك نفسًا لم يؤمر بقتلها.\nثم يذهبون إلى عيسى ﵊ ويقولون له: أنت كلمة الله وروحه.\nكلمة الله: يعني إنك خُلقت بكلمة الله.\nوروحه: أي أنك روح من أرواح الله ﷿ التي خلقها، فيعتذر ولكنه لا يذكر ذنبًا، أو لا يذكر شيئًا يعتذر به، فيحيلهم إلى النبي ﷺ","vol":"2","page":481},{"text":"فيقول: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسمل فيقوم فيؤذن له، فيشفع. فيشفع في الناس حتى يُقضى بينهم.\nوفي هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀: أنّ الأمانة والرحم تقفان على جانبي الصراط.\n\nوالصراط: جسر ممدود على متن جهنم. واختلف العلماء في هذا الجسر، هل هو جسر واسع أو هو جسر ضيق، ففي بعض الروايات أنه أدق من الشعر وأحدُ من السيف، ولكن الناس يعبرون عليه، والله على كل شيء قدير. وفي بعض الروايات ما يدل على أنه طريق دخض ومزلة.\nوعلى هذا الجسر كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن الناس من يخطف فيلقى في النار، ومنهم من يمر سريعًا كلمح البرق، ومنهم من يمر كركاب الإبل أو كالريح حسب درجاتهم وأعمالهم، تجرى بهم أعمالهم، كل من كان في هذه الدنيا أسرع إلى التزام صراط الله ﷿ واتباع شريعته، كان على هذا الصراط أسرع مرورًا، ومن كان متباطئًا عن الشرع في الدنيا، كان سيره هناك بطيئًا، ودعا الرسل يومئذ: \" اللهم سلّم سلّم\" كلٌّ يخاف على نفسه؛ لأن الأمر ليس بهين، الأمر شديد. الناس فيه أشد ما يكونون خوفا ًووجلًا حتى يعبر هذا الصراط إلى الجنة.","vol":"2","page":482},{"text":"ومن الناس من يكردس في نار جهنم ويعذب على حسب عمله.\n\nأما الكفار الخلص فإنهم لا يصعدون على هذا الصراط ولا يمرون عليه، بل يذهب بهم إلى جهنم قبل أن يصعدوا هذا الصراط، ويذهبون إلى جهنم وردًا، إنما يصعده المؤمنون فقط، لكن من كان له ذنوب لم تغفر فإنه قد يقع في نار جهنم، ويعذب بحسب أعماله، والله أعلم.","vol":"2","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>٢٦- باب تحريم الظلم والأمر بردّ المظالم</span>\n\nقال الله تعالى (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاع) (غافر: ١٨) وقال تعالى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) (الحج: ٧١) .\nوأما الأحاديثُ فمنها حديث أبي ذر ﵁ المتقدمُ في آخر باب المجاهدة.\n٢٠٣- وعن جابر - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: أتقوا الظلم فإن الظلم؛ ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم\" رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى-: \"باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم\" يعني إلى أهلها. هذا الباب يشتمل على أمرين:\nالأمر الأول: تحريم الظلم\nوالأمر الثاني: وجوب ردّ المظالم.\n\nواعلم أن الظلم هو النقص، قال الله تعالى (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) (الكهف: ٣٣)، يعني لم تنقص منه شيئًا، والنقص إما أن يكون بالتجرؤ على ما لا يجوز للإنسان، وإما بالتفريط فيما يجب عليه. وحينئذٍ يدور الظلم على هذين الأمرين، إما ترك واجب، وإما فعل محرم.","vol":"2","page":484},{"text":"والظلم نوعان: ظلم يتعلق بحق الله ﷿، وظلم يتعلق بحق العباد، فاعظم الظلم هو المتعلق بحق الله تعالى والإشراك به، فإن النبي صلى الله عليه وسمل سئل: أي الذنب أعظم؟ فقال: \" أن تجعل لله ندًا وهو خلقك ويليه الظلم في الكبائر، ثم الظلم في الصغائر.\nأما في حقوق عباد الله فالظلم يدور على ثلاثة أشياء، بينها النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع، فقال: \" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا\" الظلم في النفس هو الظلم في الدماء، بأن يعتدي الإنسان على غيره، بسفك الدماء أو الجروح أو ما أشبه ذلك، والظلم في الأموال بأن يعتدي الإنسان ويظلم غيره في الأموال، إما بعدم بذل الواجب، وإما بإتيان محرم، وإما بان يمتنع من واجب عليه، وإما بأن يفعل شيئًا محرمًا في مال غيره.\nوأما الظلم في الأعراض فيشمل الاعتداء على الغير بالزنا، واللواط، والقذف، وما أشبه ذلك.\nوكل الظلم بأنواعه محرم، ولن يجد الظالم من ينصره أما الله تعالى قال الله تعالى (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) أي أنه يوم القيامة لا يجد الظالم حميمًا إي صديقًا ينجيه من عذاب الله، ولا يجد شفيعًا يشفع له","vol":"2","page":485},{"text":"فيُطاع؛ لأنه منبوذ بظلمه وغشمه وعدوانه، فالظالم لن يجد من ينصره يوم القيامة، وقال تعالى (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (البقرة: ٢٧٠)، يعني لا يجدون انصارًا ينصرونهم ويخرجونهم من عذاب الله ﷾ في ذلك اليوم.\nثم ذكر المؤلف -﵀ - حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - أن النبي ﷺ \" قال: \"اتقوا الظلم\" اتقوا: يعني احذروا، والظلم هو كما سبق يكون في حق الله، ويكون في حق العباد، فقوله ﷺ: \" اتقوا الظلم \" أي: لا تظلموا أحدًا، لا أنفسكم ولا أنفسكم ولا يغركم، \" فإن الظلم ظلمات يوم القيامة\" ويوم القيامة ليس هناك نور إلا من أنار الله تعالى له، وأما من لم يجعل الله له نوارًا فما له من نور، والإنسان إن كان مسلمًا فله نور بقدر إسلامه، ولكن إن كان ظالمًا فقد من هذا النور بمقدار ما حصل من الظلم، لقوله ﷺ: \" اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة\".\nومن الظلم: مطل الغني يعني أن لا يوفى الإنسان ما عليه وهو غني به لقوله ﷺ: \" مطل الغني ظُلم \" وما أكثر الذين يماطلون في حقوق الناس، يأتي عليه صاحب الحق فيقول: يا فلان أعطني حقي فيقول: غدًا، فيأتيه من غدٍ فيقول: بعد غدٍ وهكذا، فإن هذا الظلم يكون ظلمات يوم القيامة على صاحبه.","vol":"2","page":486},{"text":"\" وأتقوا الشحَّ\" الحرص على المال\" فإنه أهلك من كان قبلكم\" لأن الحرص على المال- نسأل الله السلامة- يوجب للإنسان أن يكسب المال من أي وجه كان، من حلال أو حرام؛ بل قال النبي ﵊: \" حملهم\" إي حمل من كان قبلنا\" على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم\" يسفك الشحيح الدماء إذا لم يتوصل إلى طمعه إلا بالدماء، كما هو الواقع عند أهل الشحّ، يقطعون الطريق على المسلمين، ويقتلون الرجل، ويأخذون متاعه، ويأخذون بعيره، وكذلك أيضًا يعتدون على الناس في داخل البلاد، يقتلونهم ويهتكون حجب بيوتهم، فيأخذون المال بالقوة والغلبة.\nفحذّر النبي ﷺ من أمرين: من الظلم ومن الشحّ. فالظلم هو الاعتداء على الغير، والشح هو الطمع فيما عند الغير. فكل ذلك محرم، ولهاذ قال الله تعالى في كتابه: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩)، فدلت الآية على أن من لم يوق شح نفسه فلا فلاح له. المفلح من وقاه الله شحّ نفسه. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الظلم، وأن يقينا شح أنفسنا وشرورها.\n* * *\n\n٢٠٤- وعن أبي هريرة ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: \" لتؤدون الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء\" رواه مسلم.","vol":"2","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n في هذا الحديث أقسم النبي ﷺ وهو الصادق المصدق بغير قسم. أقسم أن الحقوق ستؤدى على أهلها يوم القيامة، ولا يضيع لأحد حقٌ، الحق الذي لك إن لم تستوفه في الدنيا استوفيته في الآخرة ولابد، حتى إنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.\nالجلحاء: التي ليس لها قرن.\nوالقرناء: التي لها قرن. والغالب أن التي لها اقرن إذا ناطحت الجلحاء التي ليس لها قرن تؤذيها أكثر، فإذا كان يوم القيامة قضى الله بين هاتين الشاتين، واقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.\nهذا وهي بهائم لا يعقلن ولا يفهمن؛ لكن الله ﷿ حكم عدل، أراد أن يُري عباده كمال عدله حتى في البهائم العجم، فكيف ببني آدم!!\nوفي هذا الحديث دليلٌ على أن البهائم تُحشر يوم القيامة وهو كذلك، وتحشر الدوابّ، وكل ما فيه روح يحشر يوم القيامة، قال الله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) (الأنعام: ٣٨)، أمم كثيرة، أمة الذر، أمة الطيور، أمة السباع، أمة الحيّات وهكذا (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: ٣٨) .\n\nوكل شيء مكتوب، حتى أعمال البهائم والحشرات مكتوبة في اللوح المحفوظ (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)، وقال تعالى: (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ) (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) (التكوير: ٤-٥)، يحشر يوم القيامة كل شيء، يقضى الله تعالى بينهم بحكمه وعدله، وهو السميع","vol":"2","page":488},{"text":"العليم، يقتص من البهائم بعضها مع بعض، ومن الآدميين بعضهم مع بعض، ومن الجن بعضهم مع بعض، ومن الجن والإنس بعضهم مع بعض، لأن الإنس قد يعتدون على الجن، والجن قد يعتدون على الإنس، فمن عدوان الجن على الإنس الشيء الكثير، من عدوان الإنس على الجن أن يستجمر الإنسان بالعظم؛ لأن النبي ﷺ نهى أن نستنجي بالعظام وقال: \" إنها زاد إخوانكم من الجن \" الجن يجدون العظام، فإذا استجمر أحد بها فقد اعتدى عليهم وكدرها عليهم، ويخشى أن يؤذوه إذا أذاهم بها.\nعلى كل حال ففي يوم القيامة يُقتص للمظلوم من الظالم، ويؤخذ من حسنات الظالم إلا إذا نفدت حسناته؛ فيؤخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه. قال النبي ﵊: \" من تعدون المفلس فيكم\" - أي الذي ليس عنده شيء- قالوا: المفلس من لا درهم عنده ولا متاع. قال: \" المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات مثل الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء، وإلا أخذ من سيئاتهم فطُرحت عليه، ثم طرح في النار \".\nلابد أن يقتص للمظلوم من الظالم، ولكن إذا أخذ المظلوم بحقه في الدنيا، فدعا على الظالم بقدر مظلمته، واستجاب الله دعاءه فيه، فقد","vol":"2","page":489},{"text":"اقتص لنفسه قبل أن يموت، لأن النبي ﷺ قال لمعاذ: \" واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب \"\nفإذا دعا المظلوم على ظالمه في الدنيا واستجيب لدعائه فقد اقتصّ منه في الدنيا، أما إذا سكت فلم يدع عليه ولم يعفف عنه فإنه يتقصّ له منه يوم القيامة، والله المستعان.\n* * *\n٢٠٥- وعن ابن عمر﵄- قال: كنا نتحدث عن حجة الوداع، والنبي ﷺ بين أظهرنا، ولا ندري ما حجةُ الوداع، حتى حمد الله رسول الله ﷺ، وأثني عليه، ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره، وقال: \" ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمتهُ: أنذرهُ نوح والنبيون من بعده، وإنه إن يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم، إن ربكم ليس بأعور، وإنه أعور عين اليمنى، كان عينه عنبةٌ طافيةٌ. ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، إلا هل بلغت؟ \" قالوا: نعم، قال: \" اللهم أشهد - ثلاثًا - ويلكم، أو ويحكم، انظروا: لا ترجعُوا: بعدي كفارًا يضربُ بعضكم رقاب بعضٍ\" رواه البخاري. وروى مسلم بعضه.","vol":"2","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى- فيما نقله عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا نقول والنبي ﷺ حي: ما حجة الوداع، ولا ندري ما حجة الوداع، وحجة الوداع هي الحجة التي حجها النبي ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة، وودعّ الناس فيها وقال: \" لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا \" ولم يحجّ النبيُّ ﷺ بعد الهجرة إلا هذه المرة فقط، وقد ذُكر أنه حجّ قبل الهجرة مرتين، ولكن الظاهر- والله أعمل - أنه حج أكثر؛ لأنه كان هناك في مكة، وكان يخرج في الموسم يدعو الناس والقبائل إلى دين الله ﷿ فيبعد أنه يخرج ولا يحجّ، وعلى كل حال الذي همنا أنه ﷺ حجّ في آخر عمره في السنة العاشرة من الهجرة، ولم يحج قبلها بعد هجرته، وذلك لأن مكة كانت بأيدي المشركين إلى السنة الثامنة، ثم خرج بعد ذلك إلى الطائف، وغزا ثقيفًا وحصلت غزوة الطائف المشهورة، ثم رجع بعد هذا ونزل في الجعرانة، وأتي بعمرة ليلًا، ولم يطلع عليه كثير من الناس، ثم عاد إلى المدينة. هذا في السنة الثامنة.\n\nوفي السنة التاسعة كانت الوفود تردُ إلى النبي ﷺ من كل ناحية، فبقي في المدينة، ليتلقى الوفود، حتى لا يثقل عليهم بطلبه، حتى إذا جاء","vol":"2","page":491},{"text":"الوفود إلى المدينة وجدوا النبي صلي ﷺ ولم يتعبوا في طلبه ويحلقونه يمينًا وشمالًا، فلم يحجّ في السنة التاسعة لتلقي الوفود. هذا من وجه.\nومن وجه آخر: في السنة التاسعة حجَّ مع المسلمين المشركون؛ لأنهم لم يمنعوا من دخول مكة، ثم منعوا من دخول مكة، وانزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة: ٢٨)، وأذن مؤذن رسول الله ﷺ بأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وكان أمير الناس في تكل الحجة- أعني حجة سنة تسع- أبا بكر ﵁- ثم أردفه النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب، وأعلن النبي ﷺ أنه سيحج، وقدم المدينة بشرٌ كثير يقدّرون بنحو مائة ألف، والمسلمون كلهم مائه وأربعة وعشرون ألفًا، أي لم يتخلف عن المسلمين إلا القليل، فحجوا مع النبي ﷺ هذه الحجة التي سميت\" حجة الوداع\"؛ لأن النبي ﷺ ودّع الناس فيها بقوله: \" لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا\" فصار الأمر كذلك، فإنه تُوفي بعد رجوعه من المدينة في ربيع الأول، أي بعد حجه. فمضي محرم وصفر وأثنا عشر يومًا من ربيع الأول صلوات الله وسلامه عليه.\n\nكان ﷺ في حجة الوداع يخطب الناس. فخطبهم في عرفة، وخطبهم في منى، فذكر المسيح الدجال، وعظّم من شأنه، وحذر منه تحذيرًا بالغًا، وفعل ذلك أيضًا في المدينة، ذكر الدجال وحذر منه، وبالغ في شأنه، حتى قال الصحابة: كنا نظنُّ أنه في أفراخ النخل أي قد جاء ودخل، من شدة قول النبي ﷺ فيه، ثم أخبر ﵊ أنه ما من نبي إلا","vol":"2","page":492},{"text":"أنذره قومه، فكل الأنبياء ينذرون قومهم من الدجال، يخوفونهم ويعظمون شأنه عندهم.\nوإنما كانوا ينذرون قومهم الدجال مع أن الله يعلم أنه لن يكون إلا في آخر الدنيا، من أجل الاهتمام به، وبيان خطورته، وأن جميع الملل تحذر منه، لأن هذا الدجال- وقانا الله وإياكم فتنته وأمثاله- يأتي إلى الناس، يدعوهم إلى أن يعبدوه، ويقول: أنا ربكم، وإن شئتم أريتكم أني ربكم، فيأمر السماء يقول لها: أمطري فتُمطر، ويأمر الأرض فيقول لها: أنبتي فتنبت، أما إذا عصوا أمر الأرض فأمحلت، والسماء فقحطت، وأصبح الناس ممحلين. هذا لا شك أنه خطر عظيم، لاسيما في البادية التي لا يتعرف إلا الماء والمرعى، فيتبعه أناسٌ كثيرون إى من عصم الله.\nومع هذا فله علامات بينة تدل على أنه كذاب.\n\nمنها: أنه مكتوب بين عينيه كافر (ك. ف. ر.) يقرؤها المؤمن فقط وإن كان لا يعرف القراءة، ويعجز عنها الكافر وإن كان يقرأ؛ لأن هذه الكتابة ليست كتابة عادية، إنما هي كتابة إلهية من الله ﷿.\nومن علاماته: أنه أعور العين اليمنى: والرب ﷿ ليس بأعور، الرب ﷿ كامل الصفات، ليس في صفاته نقص بوجه من الوجوه. أما هذا فإنه أعور، عينه اليمنى كأنها عنبة طافية. وهذه علامة حسية واضحة","vol":"2","page":493},{"text":"كل يعرفها.\nفإن قال قائل: إذا كان فيه هذه العلامة الظاهرة الحسية فكيف يفتتن الناس به؟\nنقول: إن الله قال في كتابه: (وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) (يونس: ١٠١)، الذين أضلهم الله لا تنفعهم علامات الضلال تحذيرًا، ولا علامات الهدى تبشيرًا، ولا يستفيدون وإن كانت العلامات ظاهرة.\nثم بين الرسول ﷺ أن هذه العلامات لا تخفى على أحد، وبين في حديث آخر أنه إن خرج والنبي ﷺ فيهم فهو حجيجه دونهم، يحجه النبي ﷺ ويكشف زيغه وضلاله قال: \" وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيجُ نفسه، والله خليفتي على كلّ مسلم \" فوكّل الله ﷿.\n\nفالحاصل أن الرسول ﵊ حذر من الدجال تحذيرًا بالغًا، وأخبر أن الدجال الأكبر يخرج في آخر الزمان، ويبقى في الأرض أربعين يومًا فقط، ولكن اليوم الأول كسنة \" اثنا عشر شهرًا\"\nتبقى الشمس في أوج السماء ستة أشهر من المشرق إلى المغرب ما تغيب هذه الفترة الطويلة، وتبقى غائبة ليلًا ستة اشهر، هذا أول يوم. واليوم الثاني كشهر، والثالث كجمعة، وبقية الأيام سبعة وثلاثون يومًا كسائر الأيام، ولما حدث النبي ﷺ الصحابة بهذا الحديث، لم يستشكلوا كيف تبقى الشمس سنة كاملة لا تدور على الأرض، وهي تدور عليها في كل أربع","vol":"2","page":494},{"text":"وعشرين ساعة، فقدرة الله فوق ذلك، والله على شيء قدير.\nوالصحابة لا يسألون في الغالب عن المسائل الكونية والقدرية؛ لأنهم يعلمون قدرة الله ﷿، لكن يسألون عن الأمور التي تهمهم، وهي الأمور الشرعية، فلما حدثهم بأن اليوم الأول الذي كسنة: قالوا: يا رسول الله اليوم الذي كسنة. هل تكفينا فيه صلاة واحدة؟ قال: \" لا، اقدروا له قدره\" يعني قدروا ما بين الصلاتين وصلوا.\nفمثلًا إذا طلع الصبح نصلى الصبح، وإذا مضى الوقت ما بين الصبح والزوال صلينا الظهر، حتى لو كانت الشمس في أول المشرق، وهي تكون أول المشرق؛ لأنها تبقى ستة أشهر كاملة، فيقدرون له قدره، إذًا نصلي في اليوم الأول صلاة سنة، والصيام نصوم شهرًا، ونقدر للصوم، والزكاة كذلك، وهذا ربما يلغز بها فيقال: \" مال لم يمض عليه إلا يوم وجبت فيه الزكاة\".\nكذلك اليوم الثاني نقدّر فيه صلاة شهر، والثالث صلاة أسبوع، والرابع تعود الأيام كما هي، وفي إلهام الله للصحابة أن يسألوا هذا السؤال عبرة؛ لأنه يوجد الآن في شمالي الأرض وجنوبي الأرض، أناسٌ تغيب عنهم الشمس ستة أشهر، لولا هذا الحديث لأشكل على الناس، كيف يصلي هؤلاء، وكيف يصومون، لكن الآن نطبّق هذا الحديث على حال هؤلاء فنقول: هؤلاء الذين تكون الشمس عندهم ستة أشهر كاملة يقدرون للصلاة وقتها، كما أرشد النبي ﷺ الصحابة في أيام الدجال.\n* * *","vol":"2","page":495},{"text":"٢٠٦- وعن عائشة ﵂ - أن رسول الله ﷺ قال: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه ُمن سبع أرضين\" متفق عليه.\n\n٥/٢٠٧- وعن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن الله ليملي للظالم فإذا أخذهُ لم يفلتهُ ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة) (هود: ١٠٢) متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف﵀ - عن عائشة - ﵂ - أن النبي ﷺ قال: \"من ظلم من الأرض قيد شبر طُوقه يوم القيامة من سبع أرضين\" هذا الحديث يتناول نوعًا من أنواع الظلم وهو الظلم في الأرضي. وظلم الأراضى من أكبر الكبائر؛ لأن النبي ﷺ \" لعن من غير منار الأرض\".\nقال العلماء: منار الأرض حدودها؛ لأنه مأخوذ من \" المنور\" وهو العلامة، فإذا غير إنسان من هذه الأرض، بأن أدخل شيئًا من هذه الأرض إلى أرض غيره، فإنه ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسل م.\nواللعنة: الطرد والإبعاد عن رحمة الله.\n\nوثمة عقوبة أخرى، وهو ما ذكره في هذا الحديث؛ أنه إذا ظلم قيد","vol":"2","page":496},{"text":"شبر طُوقه يوم القيامة من سبع أرضين؛ لأن الأرضين سبع، كما جاءت به السنة صريحًا، وكما ذكره الله تعالى في القرآن إشارة في قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) (الطلاق: ١٢)، ومعلوم أن المماثلة هنا ليست في الكيفية؛ لأن بين السماء والأرض من الفرق كما بينهما من المسافة، السماء أكبر بكثير من الأرض، وأوسع، وأعظم. قال الله تعالى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍَ) (الذريات: ٤٧) أي بقوة، وقال تعالى (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) (النبأ: ١٢) أي قوية.\nفالإنسان إذا ظلم قيد شبر من الأرض فإنه يطوق من سبع أرضين يوم القيامة، أي يجعل له طوقًا في عنقه والعياذ بالله، يحمله أمام الناس أمام العالم، يخزي به يوم القيامة، ويتعب به. وقوله: \" قيد شبر من الأرض\" ليس هذا على سبيل القيد، بل هو على سبيل المبالغة، يعني فإن ظلم ما دونه طُوقه أيضًا، لكن العرب يذكرون مثل هذا للمبالغة، يعني ولو كان شيئًا قليلًا قيد شبر فإنه سيطوقه يوم القيامة.\nوفي هذا الحديث دليلٌ على أن من ملك الأرض ملك قعرها إلى الأرض السابعة، فليس لأحد أن يضع نفقًا تحت أرضك إلا بإذنك، يعني لو فرض أن لك أرضًا مسافتها ثلاثة أمتار بين أرضين لجارك، فاراد جارك أن يفتح نفقًا بين أرضيه ويمر من تحت أرضك، فليس له الحق في ذلك؛ لأنك تملك الأرض وما تحتها إلى ألأرض السابعة، كما أن الهواء لك إلى السماء، فلا أحد يستطيع أن يبني على أرضك سقفًا إلا بإذنك. ولهذا قال العلماء: الهواء تابع للقرار، والقرار ثابت إلى الأرض السابعة، فالإنسان","vol":"2","page":497},{"text":"له من فوق ومن تحت، لا أحد عليه يتجرأ.\nقال أهل العلم: ولو كان عند جارك شجرة، فامتدت أغصانها إلى أرضك، وصار الغصن على أرضك، فإن الجار يلويه عن أرضك، فإن لم يمكن ليه فإنه يقطع، إلا بإذن منك وإقرار؛ لأن الهواء لك وهو تابع للقرار.\n\nأما حديث أبي موسى الأشعري﵁ - فقد قال النبي ﷺ: \" إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته\" يملي له: يعني يُمهل له حتى يتمادى في ظلمه والعياذ بالله، فلا يعالجه العقوبة، وهذا من البلاء نسأل الله أن يعيذنا وإياكم. فمن الاستدراج أن يملى للإنسان في ظلمه، فلا يعاق له سريعًا حتى تتكدس عليه المظالم، فإذا أخذه الله لم يفلته، أخذه أخذ عزيز مقتدر. ثم قرأ النبي ﷺ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود: ١٠٢) .\nفعلى الإنسان الظالم أن لا يغتر بنفسه ولا بإملاء الله له، فإن ذلك مصيبة فوق مصيبته؛ لأن الإنسان إذا عوقب بالظلم عادلًا، فربما يتذكر ويتعظ ويدع الظلم، لكن إذا أملي له واكتسب آثامًا أو ازداد ظلمًا، ازدادت عقوبته والعياذ بالله فيؤخذ على غرة، حتى إذا أخذه الله لم يفلته، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاعتبار بآياته وأن يعيذنا وإياكم من ظلم أنفسنا ومن ظلم غيرنا، إنه جواد كريم.\n* * *","vol":"2","page":498},{"text":"٢٠٨-وعن معاذ - ﵁- قال: بعثنى رسول الله ﷺ فقال: \" إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعُوا لذلك، فاعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلةٍ فإنهم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردٌ على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\" متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله من حديث معاذ بن جبل﵁ - قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وكانت بعثته إياه في ربيع من السنة العاشرة من الهجرة، بعثه ﷺ إلى اليمن، وكانوا أهل كتاب، وقال له: \" إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب\" أخبره بحالهم لكي يكون مستعدًا لهم؛ لأن الذي يجادل أهل الكتاب لابد أن يكون عنده من الحجة أكثر وأقوى مما عنده للمشرك؛ لأن المشرك جاهل، والذي أوتي الكتاب عنده علم، وأيضًا أعلمه بحالهم، لينزلهم منزلتهم، فيجادلهم بالتي هي أحسن.\nثم وجّهه ﵊ إلى أول ما يدعوهم إليه: التوحيد والرسالة، قال له: \" ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله\" أن يشهدوا أن لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق الله ﷾، فهو","vol":"2","page":499},{"text":"المستحق للعبادة، وما عداه فلا يستحق للعبادة، بل عبادته باطلة، كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (لقمان: ٣٠) .\n\" وأني رسول الله \"، يعني مرسلهُ الذي أرسله إلى الإنس والجن، وختم به الرسالات، فيمن لم يؤمن به فإنه من أهل النار.\nثم قال له: \" فإن هم أجابوك لذلك\" يعني شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله \" فاعلهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة\" وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، لا يجب شيء من الصلوات اليومية إ لا هذه الخمس، فالسنن الرواتب ليست بواجبة، والوتر ليس بواجب، وصلاة الضحى ليست بواجبة، وأما صلاة العيد والكسوف فإن الراجح هو القول بوجوبهما، وذلك أمر عارض له سببٌ يختص به.\n\nثم قال له: \" فن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُ في فقرائهم\" وهذه هي الزكاة، الزكاة صدقة واجبة في المال تؤخذ من الغني وترد في الفقير. الغني هنا من يملك نصابًا زكويًا، وليس الغني هنا الذي يملك المال الكثير، بل من يملك نصابًا فهو الغني، ولو لم يكن عنده إلا نصابٌ واحد، فإنه غني. وقوله: \" تردٌ في فقرائهم\" أي تصرف في فقراء البلد؛ لأن فقراء البلد أحق من تصرف إليهم صدقات أهل البلد.\nولهذا يخطئ قوم يرسلون صدقاتهم إلى بلاد بعيدة، وفي بلادهم من","vol":"2","page":500},{"text":"هو محتاج، فإن ذلك حرامٌ عليهم، لأن النبي ﷺ قال: \" تؤخذ من أغنيائهم فتردٌ إلى فقرائهم\" ولأن الأقربين أولى بالمعروف، ولأن الأقربين يعرفون المال الذي عندك، ويعرفون أنك غني، فإذا لم ينتفعوا بمالك فإنه سيقع في قلوبهم من العداوة والبغضاء، ما تكون أنت السبب فيه، ربما إذا رأوا أنك تخرج صدقة إلى بلاد بعيدة وهم محتاجون، ربما يعتدون عليك، ويفسدون أموالك، ولهذا كان من الحكمة أنه ما دام في أهل بلدك من هو في حاجة أن لا تصرف صدقتك إلى غيره.\n\nثم قال له ﷺ\" فإن هم أطاعوا لذلك\" يعني انقادوا ووافقوا، \" فإياك وكرائم أموالهم\" يعني لا تأخذ من أموالهم الطيب، ولكن خذ المتوسط ولا تظلم ولا تُظلم \" واتق دعوة المظلوم\" يعني انك إذا أخذت من نفائس أموالهم، فإنك ظالم لهم، وربما يدعون عليك، فاتق دعوتهم\" فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\" تصعد إلى الله تعالى، ويستجيبها، هذا هو الشاهد من هذا الحديث في الباب الذي ذكره المؤلف فيه، أن الإنسان يجب عليه أن يتقي دعوة المظلوم.\nويُستفاد من هذا الحديث فوائد كثيرة، منها ما يتعلق بهذا الباب، ومنها ما يتعلق بغيره، فينبغي أن يعلم أولًا أن الكتاب والسنة نزلا ليحكما بين الناس فيما اختلفوا فيه، والأحكام الشرعية من الألفاظ، مما دلت عليه منطوقًا ومفهومًا وإشارة. والله ﷾ يفضل بعض الناس على بعض في فهم كتابه وسنة رسوله ﷺ. ولهذا لما سأل أبو جُحيفة على بن أبي طالب ﵁: هل عهد إليكم رسولُ اله ﷺ شيئًا؟ قال: لا؟ إلا","vol":"2","page":501},{"text":"فهما يؤتيه الله تعالى من شاء في كتابه وما في هذه الصحيفة، وبين له ما في تلك الصحيفة فقال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلمٌ بكافر\" الشاهد قوله: \" إلا فهما يؤتيه من شاء في كتاب الله \".\nفالناس يختلفون، والذي ينبغي لطالب العلم خاصة، أن يحرص على استنباط الفوائد والأحكام من نصوص الكتاب والسنة؛ لأنها هي المورد المعين، فاستنباط الأحكام منها بمنزلة الرجل يردُ على الماء فيستقي منه في إنائه فمقلّ ومستكثر.\nوهذا الحديث العظيم الذي بين فيه معاذ بن جبل ﵁ بماذا بعثه النبي صلى الله عليه وسمل إلى أهل اليمن فيه فوائد كثيرة منها:\n\nاولًا: وجوب بعث الدعاة إلى الله، وهاذ من خصائص ولي الأمر، يجب على ولي أمر المسلمين أن يبعث الدعاة إلى الله في كل مكان، كل مكان يحتاج إلي الدعوة، فإن على ولي أمر المسلمين أن يبعث من يدعو الناس إلى دين الله ﷿؛ لأن هذا دأب النبي ﷺ وهديه أن يبعث الرسل يدعون إلى الله ﷿.\nومنها: أنه ينبغي أن يُذكر للمبعوث حال المبعوث إليه، حتى يتأهب لهم، وينزلهم منازلهم، لئلا يأتيهم على غرة، فيوردون عليه من الشبهات ما ينقطع به، ويكون في هذا مضرة عظيمة على الدعوة. فينبغي على الداعي أن يكون على أُهبة واستعداد لما يلقيه إليه المدعوون، حتى لا يأتيه الأمر على غلة، فيعجز وينقطع، وحينئذٍ يكون في ذلك ضررٌ على الدعوة.\nومنها: أن أول ما يدعى إليه الناس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا","vol":"2","page":502},{"text":"رسول الله وذلك قبل كل شيء. لا تقل للكفار مثلًا إذا أتيت لتدعوهم: اتركوا الخمر اتركوا الزنا، اتركوا الربا، هذا غلط، أصلِ الأصل أولًا، ثم فرع الفروع، فأول ما تدعو: أن تدعوا إلى التوحيد والرسالة؛ أن يشهدوا أن لا إليه إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم بعد ذلك عليك ببقية أركان الدين الأهم فالأهم.\n\nومنها: أنه إذا كان المدعو فاهمًا للخطاب، فإنه لا يحتاج إلى شرح، فإنه قال: \" أن تدعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله\" ولم يشرحها لهم؛ لأنهم يعرفون معناها، لسانهم لسانٌ عربي، لكن لو كنا نخاطب بذلك من لا يعرف المعنى، وجب أن نفهمه المعنى؛ لأنه إذا لم يفهم المعنى لم يستفد من اللفظ، ولهذا لم يرسل الله تعالى رسولًا إلا بلسان قومه ولغتهم حتى يبين لهم، فمثلًا إذا كنا نخاطب شخصًا لا يعرف معنى لا إليه ألا الله، فلابد أن نشرحها له، ونقول: معنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله كلٌ ما عبد من دون الله، فهو باطل، كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ) (لقمان: ٣٠)\nكذلك أيضًا: \" أن محمدًا رسول الله \" لا يكفي أن يقولها الإنسان بلسانه أو يسمعها بأذنه، دون أن يفقهها بقلبه، فبين له معنى أن محمدًا رسول الله، فيقال مثلًا: محمد هو ذلك الرجل الذي بعثه الله ﷿ من بني هاشم، بعثه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، أرسله بالهدى ودين الحق، فبين للناس كلّ خير، ودعاهم إليه، وبين لهم كل شر وحذرهم منه، وهو رسول الله الذي يجب أن يصدق فيما أخبر، ويُطاع","vol":"2","page":503},{"text":"فيما أمر، ويترك ما عنه نهى وزجر.\nويبين له أيضًا بأنه رسول وليس برب، وليس بكذاب، بل هو عبدٌ لا يُعبد، ورسول لا يكذّب صلوات الله وسلامه عليه.\nويبين له أيضًا أن هاتين الشهادتين هما مفتاح الإسلام، ولهذا لا تصح أي عبادة إلا بشاهدة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله.\nومن فوائد هذا الحديث: أن أهم شيء بعد الشهادتين هو الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قال: \" فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة.\n\nومن فوائده: أن الوتر ليس بواجب؛ لأن النبي صلى الله عليه لم يذكره، ولم يذكر إلا خمس صلوات فقط، وهذا القول هو القول الراجح من أقوال أهل العلم. ومن العلماء من قال: إن الوتر واجب، ومنهم من فصّل وقال: من كان له وردٌ من الليل وقيام من الليل، فالوتر عليه واجب، ومن لا فلا. والصحيح أنه ليس بواجب مطلقًا؛ لأنه لو كان واجبًا لبينه الرسول ﷺ.\nومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة واجبة، وهي فرض من فروض الإسلام، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، والثاني بعد الشهادتين.\nولهذا قال: \" أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم\".\nومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة واجبةٌ في المال لا في الذمة. لكن الصحيح أنها واجبة في المال، ولها تعلق بالذمة، ويتفرع على هذا فوائد منها:","vol":"2","page":504},{"text":"لو قلنا: إنها واجبة في الذمة لسقطت الزكاة على من عليه دين؛ لأن محل الدين الذمة، وإذا قلنا: محل الزكاة الذمة، وكان عليه ألف وبيده ألف، ولم تجب عليه الزكاة؛ لأن الحقين تعارضا. والصحيح أنها واجبة في المال لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) (التوبة: ١٠٣)، وقال في هذا الحديث: \" أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم\" لكن لها تعلق الذمة، بمعنى أنها إذا وجبت وفرط والإنسان فيها فإنه يضمن، فلها تعلق بالذمة.\nومن فوائد هذا الحديث أيضًا: أن الزكاة لا تجب على الفقير، لقوله: \" من أغنيائهم فترد في فقرائهم\" ولكن من هو الغني؟ أهو الذي يملك ملايين؟ الغني في هذا الباب هو الذي يملك نصابًا. إذا ملك الإنسان نصابًا فهو غني تجب عليه الزكاة، وإن كان فقيرًا من وجه آخر، لكنه غني من حيث وجوب الزكاة عليه.\n\nومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة تصرف في فقراء البلد؛ لقوله: فتردّ في فقرائهم\" ولا تُخرج عن البلد إلا لسبب، أما ما دام في البلد مستحقون فإنهم أولى من غيرهم. وقد حرم بعض العلماء إخراج الزكاة عن البلد إذا كان فيهم مستحقون، واستدل بهذا الحديث، وبأن فقراء البلد تتعلق أنفسُهم بما عند أغنيائهم، وبأن الأغنياء إذا صرفوها إلى خارج البلد ربما يتعدي الفقراء عليهم ويقولون: حرمتمونا من حقّنا، فيتسلطون عليهم بالنهب والإفساد، ولا شك أنه من الخطأ أن يخرج الإنسان زكاة ماله إلى البلاد البعيدة، مع وجود مستحق في بلده؛ لأن الأقرب أولى","vol":"2","page":505},{"text":"بالمعروف. والمراد بالصدقة في هذا الحديث هي الزكاة، وهي بذل النصيب الذي أوجبه الله تعالى في الأموال الزكوية.\nوسميت صدقة لأن بذل المال دليلٌ على صدق باذله، فإن المال محبوب إلى النفوس، كما قال الله تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (الفجر: ٢٠)، والإنسان لا يبذل المحبوب إلا لما هو أحب منه، فإذا كان هذا الرجل أو المرأة بذل المال مع حبه له، دلّ ذلك على أنه يحب ما عند الله أكثر من حبه لماله، وهو دليلّ على صدق الإيمان، وفي قوله: \" تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم\" دليلٌ على أن لولي الأمر أن يأخذ الزكاة من أهلها ويصرفها في مصارفها، وأنه إذا فعل ذلك برئت الذمة.\nولكن لو قال قائل: أنا لا آمن أن يتلاعب بها من ياخذها ثم يصرفها في غير مصرفها، نقول له: أنت إذا أديت ما عليك؛ فقد برئت ذمتك سواء صُرفت في مصارفها أم لم تصرف، لكن قال الإمام أحمد: إذا رأى أن الإمام لا يصرفها في مصرفها، فلا يعطه إلا إذا طلب منه ذلك، وألزمه به، وحينئذ تبرأ ذمته، وبناء على هذا فلا بأس أن يخفي الإنسان شيئًا من ماله إذا كان الذي يأخذها لا يصرفها في مصارفها، لأجل أن يؤدي هو نفسه الزكاة الواجبة عليه.\n\nوإذا قدر أن ولي الأمر أخذ أكثر مما يجب، فإن ذلك ظلم لا يحل لولي الأمر، أما صاحب المال فعليه السمع والطاعة، لقول النبي ﷺ:","vol":"2","page":506},{"text":"\" اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك\".\nوإذا قدر أن ولي الأمر أخذ دون الواجب، وجب على صاحب المال أن يخرج البقية، ولا يقول إنه أخذ مني وبرئت الذمة؛ لأنه إذا كانت الزكاة ألفا وأخذ ثمانمائه أن تكمل المائتين فتخرجها.\nومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز صرف الزكاة في صنف واحد من أصناف الزكاة، وأصناف ثمانية: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فإذا أداه المزكي إلى صنف من هذه الأصناف أجزأ، بل إذا أداها إلى فرد في نوع من هذه الأنواع أجزأ. مثل لو أعطى مُزكٍّ زكاته كلها فقيرًا واحدًا فلا حرج، فلو قدر مثلًا أن شخصًا عليه مائة ألف ريال دينًا، وزكاتك مائة ألف ريال وقضيت دينه كله فإن ذمتك تبرأ بهذا.\n\nوعليه فيكون معني قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) الآية (التوبة: ٦٠)، بيان المصارف فقط، ولا يجب أن تعطي كل الأصناف الثمانية، ولا يجب أن تعطي ثلاثة من كل صنف، بل إذا أديتها لواحد من صنف واحد أجزأ ذلك كما في هذا الحديث.\nويُستفاد منه أن الزكاة تصرف في بلدها أي في بلد المال، وقد سبق ذكر ذلك وبيان انه لا يجوز أن تخرج الزكاة عن البلد الذي فيه المال، إلا","vol":"2","page":507},{"text":"إذا كان هناك مصلحة أوحاجة أكثر، وأما ما دام فيه مستحقون فلا يخرجها، بل يؤد الزكاة في نفس البلد.\nوفي الحديث أيضًا دليلٌ على تحريم الظلم، وأنه لا يجوز للساعي على الزكاة أن يأخذ اكثر من الواجب، ولهذا حذر النبي ﷺ معاذًا، فقال له: \" إياك وكرائم أموالهم\" والكرائم جمع كريمة وهي الحسنة المرغوبة.\nوفيه دليلٌ على أن دعوة المظلوم مستجابة؛ لقوله: \" فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\".\nوفيه دليلٌ على أنه يجب على الإنسان أن يتقي الظلم ويخاف من دعوة المظلوم؛ لأن الرسول ﷺ أمر بذلك، قال: \" اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\".\n\n* * *\n٢١٠- وعن أبي هريرة - ﵁- عن النبي ﷺ قال: \" من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو من شيٍ، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عمل صالحٌ أخذ منهُ بقدر مظلمتهِ، وإن لم يكن لهُ حسناتٌ أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه\" رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - ﵀ - فيما نقله عن أبي هريرة﵁ - أن النبي ﷺ قال: \" من كان عنده مظلمة لأخيه؛ من عرضه أو من شيء؛","vol":"2","page":508},{"text":"فليتحلله منه اليوم- يعني في الدنيا - قبل ألا يكون دينار ولا درهم\"، وذلك يوم القيامة، فإنه في الدنيا يمكن أن يتحلل الإنسان من المظالم التي عليه بأدائها إلى أهلها، أو استحلالهم منها، لكن في الآخرة ليس هناك شيء إلا الأعمال الصالحة، فإذا كان يوم القيامة أقتص من الظالم للمظلوم من حسناته؛ يؤخذ من حسناته التي هي رأس ماله في ذلك اليوم، فإن بقي منه شيء وإلا أخذ من سيئات المظلوم وحملت على الظالم والعياذ بالله، فازداد بذلك سيئات إلى سيئاته.\n\nوظاهر هذا الحديث أنه يجب على الإنسان أن يتحلل من ظلم أخيه حتى في العرض، سواء علم أم لم يعلم، وذلك كأن المظالم إما أن تكون بالنفس، أو بالمال، أو بالعرض؛ لقول النبي ﷺ: \" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم\".\nفإن كانت بالنفس مثل أن يكون قد جني عليه، أو ضربه حتى جرحه، أو قطع عضوًا من أعضائه، أو قتل له قتيلًا، فإنه يتحلل منه بأن يمكن صاحب الحق من القصاص، أو من بذل الدية إذا لم يكن القصاص.\nأما إن كانت في المال فإنه يعطيه ماله، إذا كان عنده مال لأحد، فالواجب أن يعطيه صاحبه، فإن غاب عنه ولم يعرف مكانه وأيس منه فإنه يتصدق به عنه، والله ﷾ يعلم ويؤدي إلى صاحب الحق حقه، وإن كان قد مات أي صاحب الحق، فإنه يوصله إلى ورثته؛ لأن المال بعد","vol":"2","page":509},{"text":"الموت ينتقل إلى الورثة، فلابد أن يسلمه للورثة، فإن لم يعلمهم بأن جهلهم ولم يدر عنهم تصدق به عنهم، والله تعالى يعلمهم ويعطيهم حقهم.\n\nأما إن كانت في العرض مثل أن يكون قد سب شخصًا في مجلس أو أغتابه، فلابد أن يتحلل منه إذا كان قد علم بإنه سبّه، فيذهب إليه ويقول: إنا فعلت كذا وفعلت كذا، وأنا جئتك معتذرًا، فإن عذره فهذا من نعمة الله على الجميع؛ لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى: ٤٠)، وإن لم يعف فليعطه مالًا، ليشبعه من المال حتى يحلله، فإن أبى فإن الله تعالى إذا علم أن توبة الظالم توبة حقيقية، فإنه ﷾ يرضي المظلوم يوم القيامة.\nوقال بعض العلماء في مسألة العرض: أن كان المظلوم لم يعلم فلا حاجة أن يعلمه، مثل أن يكون قد سبه في مجلس من المجالس، وتاب فإنه لا حاجة أن يعلمه، ولكن يستغفر له ويدعو له، ويثني عليه بالخير في المجالس التي كان يسبه فيها، وبذلك يتحلل منه.\nألا إن الأمر خطير، وحقوق الناس لابد أن تعطى لهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة.\n* * *","vol":"2","page":510},{"text":"٢١١- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - عن النبي ﷺ قال: \" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجرُ من هجر ما نهى الله عنهُ\" متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ - فيما رواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: \" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه\".\nوالمسلم يطلق على معانٍ كثيرة: منها المستسلم، المستسلم لغيره يُقال له مسلم، ومنه على أحد التفسيرين قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) (الحجرات: ١٤)، أي قولوا: استسلمنا، ولم نقاتلكم، والقول الثاني في الآية: إن المراد بالإسلام الإسلامُ لله ﷿ وهو الصحيح.\nوالمعني الثاني يطلق الإسلام على الأصول الخمسة التي بينها النبي ﷺ لجبريل حين سأله عن الإسلام، فقال: \" أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.","vol":"2","page":511},{"text":"ويطلق الإسلام على السلامة، يعني أن يسلم الناس من شر الإنسان، فيقال: أسلم بمعنى دخل في السلم أي المسالمة للناس، بحيث لا يؤذي الناس، ومنه هذا الحديث: \" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\".\n\nسلم المسلمون من لسانه فلا يسبهم، ولا يلعنهم، ولا يغتابهم، ولا ينم بينهم، ولا يسعى بينهم بأي نوع من أنواع الشر والفساد، فهو قد كفّ لسانه، وكف اللسان من أشد ما يكون على الإنسان، وهو من الأمور التي تصعب على المرء وربما يستسهل إطلاق لسانه.\nولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: \" أفلا أخبرك بملاك ذلك كله\"؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: \" كفّ عليك هذا\" قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، يعني هل نؤاخذ بالكلام؟ فقال: \" ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم- أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم\".\nفاللسان من أشد الجوارح خطرًا على الإنسان، ولهذا إذا أصبح الإنسان فإن الجوارح: اليدين والرجلين والعينين، كل الجوارح تكفر اللسان، وكذلك إيضًا الفرج، لأن الفرج فيه شهوة النكاح، واللسان فيه","vol":"2","page":512},{"text":"شهوة الكلام، وقل من سلم من هاتين الشهوتين.\n\nفالمسلم من سمل المسلمون من لسانه أي كف عنهم؛ لا يذكرهم إلا بخير، ولا يسب، ولا يغتاب، ولا ينم، ولا يحرش بين الناس، فهو رجلٌ مسالم، إذا سمع السوء حفظ لسانه، وليس كما يفعل بعض الناس- والعياذ بالله- إذا سمع السوء في أخيه المسلم طار به فرحًا، وطار به في البلاد نشرًا- والعياذ بالله- فإن هذا ليس بمسلم.\nالثاني: من سلم المسلمون من يده، فلا يعتدي عليهم بالضرب، أو الجرح، أو أخذ المال، أو ما أشبه ذلك، قد كف يده لا يأخذ إلا ما يستحقه شرعًا، ولا يعتدي على أحد، فإذا اجتمع للإنسان سلامة الناس من يده ومن لسانه، فهذا هو المسلم.\nوعلم من هذا الحديث أن من لم يسلم الناس من لسانه أو يده، فليس بمسلم، فمن كان ليس لهم همٌ إلا القيل والقال في عباد الله، وأكل لحومهم وأعراضهم، فهذا ليس بمسلم، وذلك من كان ليس لهم همٌ إلا الاعتداء على الناس بالضرب، وأخذ المال، وغير ذلك مما يتعلق باليد، فإنه ليس بمسلم.\n\nهكذا أخبر النبي ﵊، وليس إخبار النبي ﷺ لمجرد أن نعلم به فقط، بل لنعلم به ونعمل به، وإلا فما الفائدة من كلام لا يعمل به، إذا فاحرص إن كنت تريد الإسلام حقًا على أن يسلم الناس من لسانك ويدك، حتى تكون مسلمًا حقًا، أسال الله تعالى أن يكفنا ويكف عنا، ويعافنا ويعفو عنا، إنه جواد كريم.\n* * *","vol":"2","page":513},{"text":"٢١٣- وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث﵁- عن النبي صلى الله عليه وسل مقال: \" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض: السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرم: ثلاثةٌ متوالياتٌ: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجبُ مُضرَ الذي بين جمادى وشعبان، أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم \" فسكت حتى ظننا أنهُ سيسميه بغير اسمه، قال أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى: قال \" فأي بلد هذا؟: قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنهُ سيسميه بغر اسمه قال: \" اليس بالبلدة\"؟ قلنا بلى. قال \" فيُ يوم هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: \" أليس يوم النحر؟ \" قلنا: بلى قال: \" فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، إلا فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، إلا ليبلغ الشهاد الغائب، فلعل بعض من يلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه\" ثم قال إلا هل بلغتُ، ألا هل بلغتُ؟ قلنا نعم. قال: \" اللهم اشهد\" متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁، أن النبي ﷺ خطبهم يوم النحر، وذلك في حجة الوداع، فأخبرهم ﵊ أن الزمان قد استدار كهيئته يوم","vol":"2","page":514},{"text":"خلق الله السموات والأرض، يعني أن الزمان وإن كان قد غير وبدل فيه لما كانوا يفعلون في الجاهلية، حين كانوا يفعلون النسيء فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ولكن صادق في تلك السنة أن النسيء صار موافقًا لما شرعه الله ﷿ في الأشهر الحرم.\nثم بين ﵊ أن عدة الشهور اثنا عشر شهرًا، هي: المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الثاني، وجمادي الأولى، وجمادي الثانية، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة، هذه هي الأشهر الاثنا عشر شهرًا، التي جعلها الله أشهرًا لعباده منذ خلق السموات والأرض، كانو في الجاهلية يحلون المحرم، ويحرمون صفر.\n\nوبين ﵊، أن هذه الاثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاثة متوالية وواحد منفرد، الثلاثة المتوالية هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، جعلها الله تعالى أشهرا محرمة، يحرم فيها القتال، ولا يعتدي فيها أحد على أحد، لأن هذه الأشهر هي أشهر سير الناس إلى حج بيت الله الحرام، فجعلها الله ﷿ محرمة لئلا يفع القتال في هذه الأشهر والناس سائرون إلى بيت الله الحرام، وهذه من حكمة الله ﷿.\nوالصحيح أن القتال ما زال محرمًا، وأنه لم ينسخ إلى الآن، وأنه يحرم ابتداء القتال فيها.\nيقول النبي ﵊: \" ورجب مضر الذي بين جمادى","vol":"2","page":515},{"text":"وشعبان\" وهو الشهر الرابع، وكانوا في الجاهلية يؤدون العمرة فيه فيجعلون شهر رجب للعمرة، والأشهر الثلاثة للحج، فصار هذا الشهر محرمًا يحرم فيه القتال، كما يحرم في ذي القعدة وذي الحجة والمحرم.\nإذًا الأشهر السنوية التي جعلها الله لعبادة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، كما في القرآن الكريم: ذو القعدة، وذو الحجة، المحرم، ورجب.\nثم سألهم النبي ﵊: أي شهر هذا؟ وأي بلد لهذا؟ وأي يوم هذا؟ سألهم عن ذلك من أجل استحضار هممهم، وانتباههم؛ لأن الأمر أمرٌ عظيمٌ فسألهم: \" أي شهر هذا؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم؛ أنهم استبعدوا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسمل عن الشهر وهو معروف أنه ذو الحجة، ولكن من أدبهم ﵃ أنهم لم يقولوا: هذا شهر ذي الحجة؛ لأن الأمر معلوم، بل من أدبهم أنهم قالوا: الله ورسوله أعلم.\nثم سكت لأجل أن الإنسان إذا تلم ثم سكت انتبه الناس: ما الذي أسكته؟ وهذه طريقة متبعة في الإلقاء، أن الإنسان إذا رأى من الناس الذين حوله عدم إنصات يسكت حتى ينتبهوا؛ لأن الكلام إذا كان مسترسلًا فقد يحصل للسامع غفلة، لكم إذا توقف فإنهم سينتبهون لماذا وقف؟\nوسكت النبي ﵊، يقول أبو بكر: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، ثم قال: أليس ذا الحجة؟ \" قالوا: بلى، ثم قال ﵊: \" إي بلد هذا؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، هم يعلمون أنه مكة، لكن لأدبهم واحترامهم لرسول الله ﷺ لم يقولوا: هذا شيء معلوم يا","vol":"2","page":516},{"text":"رسول الله. كيف تسأل عنه؟ بل قالوا: الله ورسوله أعلم.\n\nثم سكت حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: \" اليس البلدة؟ \" والبلدة أسم من أسماء مكة. قالوا: بلى. ثم قال: \"أي يوم هذا؟ \" قالوا الله ورسوله أعلم، مثل ما قالوا في الأول، قال: \" اليس يوم النحر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، وهم يعلمون أن مكة حرام، وأن شهر ذي الحجة حرام، وأن يوم النحر حرامٌ، يعني كلها حرم محترمة.\nفقال ﵊: \" إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا\" فأكد ﵊ تحريم هذه الثلاثة: الدماء والأموال والأعراض، فكلها محرمة، والدماء تشمل النفوس وما دونها، والأموال تشمل القليل والكثير، والأعراض تشمل الزنا واللواط والقذف، وربما تشمل الغيبة والسب والشتم. فهذه الأشياء الثلاثة حرامٌ على المسلم أن ينتهكها من أخيه المسلم.\nفلا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاثة: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.\n\nالأموال أيضًا حرام، فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ","vol":"2","page":517},{"text":"إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (النساء: ٢٩) .\nوالأعراض أيضًا محترمة، لا يحل للمسلم أن يغتاب أخاه أو أن يقذفه، بل إن القاذف إذا قذف شخصًا عفيفًا بعيدًا عن التهمة وقال: يا زانٍ، أو أنت زانٍ، أو أنت لوطي، أو ما اشبه ذلك، فإما أن يأتي بأربعة شهداء يشهدون على الزنا صريحًا، وإلا فإن هذا القاذف يعاقب بثلاث عقوبات:\nالعقوبة الأولى: أن يجلد ثمانين جلدة.\nوالعقوبة الثانية: ألا تقبل له شهادة أبدًا كلما شهد عند القاضي ترد شهادته، سواء شهد بالأموال، أو شهد بالدماء، أو شهد برؤية الهلال، أو شهد بأي شيء آخر، يرفض القاضي شهادته ويردها.\nالعقوبة الثالثة: الفسق، أن يكون فاسقًا بعد أن كان عدلًا، فلا يزوج ابنته ولا أخته ولا يتقدم إمامًا في المسلمين عند كثير من العلماء، ولا يولى أي ولاية؛ لأنه صار فاسقًا، هذه عقوبة من يرمي شخصًا بالزنا أو اللواط.\nإلا أن يأتي بأربعة شهداء، قال الله تعالى L َوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النور: ١٣)، حتى لو فرض أن هذا الرجل من أصدق الناس ولم يأتِ بأربعة شهداء، فإنه يجلد ثمانين جلدة، ولهذا شهد أربعة من الرجال على رجل بأنه زنى عند عمر بن الخطاب، فجاء بهم عمر فسألهم، قال للأول: تشهد أنه زنى؟ قال: نعم، قال: تشهد أنك رأيت ذكره في فرجها غائبًا كما يغيب المرواد في المكحلة؟ قال: نعم، فجاء بالثاني، قال: نعم، فجاء بالثالث: قال: نعم، فجاء","vol":"2","page":518},{"text":"بالرابع فتوقف، فقال: أنا لا أشهد بالزنا، لكني رأيت أمرًا منكرًا، قال: رأيت رجلًا على امرأة يتحرك كتحرك المجامع لكن لا أشهد، فجلد الثلاثة الأولين على ثمانين جلدة؛ لأنه تبين أنهم كذبة وأطلق الرابع.\n\nفالأعراض من أشد الأشياء حرمة، ولهذا كما سمعتم قال الله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) (النور: ٤) هذه هي العقوبة الأولى (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) (النور: ٤) وهذه هي الثانية، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: ٤) وهذه هي الثالثة (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: ٥)، يعني لا يكونون فساقًا، لكن بشرط التوبة والإصلاح، لا يكفي أن يقول: أنا تائب حتى ننظر هل الرجل أصلح أو لم يصلح؟\nوعلى هذا فإنه جدير بمن كانت هذه حاله أن يؤكده النبي ﷺ في هذه الخطبة العظيمة، في مشهد الصحابة، في يوم النحر في منى، يقو ﵊: \" إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا\".\n\nثم قال: \" ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" لأن المسلمين لو صاروا يضرب بعضهم رقاب بعض صاروا كفارًا؛ لأنه لا يستحل دم المسلم إلا الكافر، فالمسلم لا يمكن أن يشهر السلاح على أخيه، لكن لا أحد يشهر السلاح على المسلم إلا الكافر، ولهذا وصف النبي صلى الله ﵊ المسلمين إذا اقتتلوا بأنهم كفارًا فقال: \" ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض\".","vol":"2","page":519},{"text":"وهذه المسألة بحسب النصوص فيها تفصيل؛ إن قاتل المسلم مستحلًا لقتله بغير إذن شرعي فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة وإن قاتله بتأويل، أو لقصد رئاسة، أو لقصد سلطان فهذا لا يكفر كفر ردة، ولكنه كفر دون كفر، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: ٩، ١٠)، هذا هو الجمع بين هذه الآية وبين الحديث، فيقال: إن تقاتل المسلمون مستحلًا كل واحد دم أخيه؛ فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، وإن كان لرئاسة أو عصبية أو حمية أو ما اشبه ذلك، فإنه لا يكفر كفر ردة، بل يكون كفره كفرًا دون كفر، وعليه أن يتوب ويستغفر.\n\nثم قال ﵊: \" إلا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ \" يسأل الصحابة ﵃. قالوا: نعم، أي بلغت، فتأمل كيف يقرر النبي ﵊ أنه بلغ في المواطن العظيمة الكثيرة الجمع، في عرفة خطبهم ﵊، قال: \" ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس، يقول اللهم أشهد عليهم أنني بلغتهم، وكذلك أشهد ربه على أنه بلغ أمته وأقروا بذلك في يوم النحر.\nونحن نشهد ونشهد الله وملائكته ومن سمعنا من خلقه أن النبي ﷺ بلغ البلاغ المبين، وأنه بلغ الأمانة وأدى الرسالة ونصح الأمة، فما ترك خيرًا إلا ودلّ أمته عليه، ولا شرًا إلا وحذرهم منه، وأنه ترك أمته على","vol":"2","page":520},{"text":"المحجة البيضاء، وأنه ما بقي شيء من أمور الدين أو الدنيا تحتاجه الأمة إلا بينه ﵊، ولكن الخطأ ممن يبلغهُ الخبر، فهو الذي قد يكون قاصرًا في فهمه، وقد يكون له نية سيئة فيحرم الصواب، قد يكون هناك أسباب أخرى، وإلا فالرسول ﵊ بلغ بلاغًا تامًا كاملًا. جزاه الله عن أمته خير الجزاء.\n\nوالصحابة ﵃ بلغوا جميع ما سمعوه منه ﵊ ولم يكتموا من سنته شيئًا، وبلغوا ما جاء به من الوحي، ولم يكتموا منه شيئًا، فجاءت الشرعية- ولله الحمد - كاملة من كل وجه، بلغها النبي ﷺ عن ربه، ثم بلغها الصحابة ﵃ عن نبيهم، ثم التابعون عمن قبلهم، هكذا إلى يومنا هذا، ولله الحمد والمنة.\nثم أمر ﵊ أن يبلغ الشاهد الغائب، يعني يبلغ من شهده وسمع خطبته باقي الأمة، وأخبر ﵊ أنه ربما يكون مبلغ أوعى للحديث من سامع، وهذه الوصية من الرسول ﵊، وصية لمن حضر في ذلك اليوم، ووصية لمن سمع حديثه على يوم القيامة، فعلينا إذا سمعنا حديثًا عن الرسول ﵊ أن نبلغه إلى الأمة.\nونحن محملون بأن نبلغ، ومنهيون بأن نكون كاليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، وقد وصفهم الله بإبشع وصف، فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) (الجمعة: ٥)، فالحمار إذا حمل أسفارًا - يعني كتابً - فإنه لا ينتفع منها، إذا كان الحمار","vol":"2","page":521},{"text":"يحمل أسفارًا لا ينتفع منها؛ فالذي يحمل القرآن أو السنة ولا ينتفع منها كمثل الحمار يحمل أسفارًا. نسأل الله أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.\nويُستفاد من هذا الحديث تحذير النبي ﵊ أمته من قتال بعضهم بعضًا، ولكن مع الأسف أنه قوع بينهم السيف، وصارت الفتن منذ عهد عثمان بن عفان ﵁ إلى يومنا هذا، وما زالت الفتن قائمة بني الناس، فأحيانًا تشتعل اشتعالًا واسعًا، وأحيانًا تكون في مناطق معينة نسأل الله العافية.\n\nولكن الواجب على المسلم أن يتقى دم أخيه ما أتستطاع، نعم إذا بلى الإنسان بنفسه وصيل عليه، ضد نفسه أو ماله أو حرمته، فله أن يدافع عن نفسه، ولكن بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتله، فإن قتله فالصائل في النار، وإن قُتل المدافع فهو شهيد، كما جاء ذلك عن النبي ﷺ.\nوفي هذا الحديث تحذيرٌ من أعراض المسلمين، وأنه لا يجوز للمسلم أن ينتهك عرض أخيه، لا صادق ولا كاذبًا؛ لأنه إن كان صادقًا فقد اغتابه، وإن كان كاذبًا فقد بهته، وأنت إذا رأيت من أخيك شيئًا تنتقده فيه في عباداته أو في أخلاقه أو في معاملاته، فعليك بنصيحته، فهذه من حقوقه عليك، وتنصحه فيما بينك وبينه مشافهة أو مكاتبة، وبهذا تبرأ ذمتك.\nلكن هنا شيء لابد منه؛ وهو أنك إذا أردت أن تناصحه بالمكاتبة","vol":"2","page":522},{"text":"فلابد أن تذكر اسمك، ولا تخف ولا تكن جبانًا، اذكر وقل: من فلان إلى أخيه فلان بن فلان ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ... فأنا انتقد عليك كذا وكذا وكذا، من أجل أنه إذا عرف اسمك دعاك أو أتي إليك وناقشك في الأمر. أما أن تكون جبانًا، وترمي من رواء جدار، فهذا لا يليق بالمسلم، ليس هذا بنصح؛ لأنك ستبقى حاملًا عليه في قلبك فيما تراه أنه أخطأ فيه، وهو سيبقى ويستمر على ما هو فيه؛ لأن الذي كتب له بالنصيحة ليس أماه حتى يشرح له وجهة نظره، ويستفسر منه عن وجهة نظره هو الآخر، فيبقى الشر على ما هو عليه، الخطأ على ما هو عليه.\nلكن إذا كتب اسمه كان مشكورًا على هذا وكان بإمكان المكتوب إليه المنصوح أن يخاطبه، وأن يبين له ما عنده، حتى يقتنع أحد الرجلين بما عند الآخر.\n* * *\n٢١٦- وعن عمر بن الخطاب﵁- قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفرٌ من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلانٌ شهيدٌ، وفلانٌ شهيدٌ، حتى مروا على رجل فقالوا: فلانٌ شهيدٌ. فقال النبي ﷺ: \" كلا إني رأيتهُ في النار في بُردةٍ غلها - أو عباءة\" رواه مسلم.\n٢١٧- وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي﵁ - عن رسول الله ﷺ","vol":"2","page":523},{"text":"أنه قام فيهم، فذكر لهم إن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، أريت أن قتلتُ في سبيل الله، تكفرُ عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ: \" نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابرٌ محتسبٌ مقبلٌ غير مدبر\" ثم قال رسول الله ﷺ: \" كيف قلت؟ \" قال: أرابت إن قتلتُ في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ: \" نعم وأنت صابرٌ محتسبٌ، مقبلٌ غير مدبرٍ إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك\" رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف -﵀ - في بيان فضيلة الجهاد في سبيل الله والشهادة، فالجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، كما أخبر بذلك النبي ﷺ والشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين، وكذلك إذا غلّ الإنسان شيئًا مما غنمه يعني أخفاه وجحده، ففي الحديث الأول أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ يوم خيبر أقبلوا - يعني على النبي ﷺ - وهم يقولون: فلان شهيد، فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال النبي ﷺ: \" كلا ... \" الحديث.\nوالبردة نوع من الثياب، العباءة معروفة، غلها: يعني كتمها، غنمها من أموال الكفار وقت القتال، فكتمها يريد أن يختص بها لنفسه، فعُذب بها في نار جهنم، وانتفت عنه هذه الصفة العظيمة وهي الشهادة؛ لأن النبي ﷺ قال: \" كلا\"، يعني ليس بشهيد؛ لأنه غلّ هذا الشيء البسيط، فأحبط","vol":"2","page":524},{"text":"جهاده، نسأل الله العافية، وصار في النار، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: ١٦١)، ففي هذا دليلٌ على أنه لا ينبغي لنا أن نحكم على شخص بأنه شهيد، وإن قُتل في معركة بين المسلمين والكفار، لا نقول: فلان شهيد لاحتمال أن يكون غل شيئًا من الغنائم أو الفيء، ولو غلّ قرشًا واحدًا، أو مسمارًا زال عنه اسم الشهادة، وكذلك لاحتمال أن تكون نيته غير صواب، بأن ينوي بذلك الحمية أو أن يُرى مكانُه.\nولهذا سئل النبي ﵊ عن الرجل يُقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانُه. أي ذلك في سبيل الله؟ قال: \" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله \"، والنية أمر باطنى في القلب لا يعلمه إلا الله.\n\nولهذا قال النبي ﵊: \" ما من مكلوم يكلم في سبيل الله \"، أي ما من مجروح يجرح في سبيل الله، \" والله أعلم بمن يكلم في سبيله\"، انتبه لهذه القضية جيدًا، قد نظن أنه يقاتل في سبيل الله ونحن لا نعلم، والله أعمل بمن يكلم في سبيله، \" إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثغب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك\".\nولهذا ترجم البخاري ﵀ في صحيحه قال: باب لا يُقال فلان","vol":"2","page":525},{"text":"شهيد، يعني لا تعين وتقول فلان شهيد إلا إذا عينه الرسول ﵊، أو ذكر عند الرسول ﷺ وأقره، فحينئذ يحكم بشهادته بعينه، وإلا فلا تشهد لشخص بعينه.\nونحن الآن في عصرنا هذا أصبح لقب الشهادة سهلًا ويسيرًا، كل يُعطى هذا الوسام، حتى لو قتل ونحن نعلم أنه قتل حمية وعصبية، ونعلم عن حاله بأنه ليس بذاك الرجل المؤمن، مع ذلك يقولون: فلان شهيد، استشهد فلان.\n\nوقد نهى عمر ﵁ أن يقال: فلان شهيد، قال: إنكم تقولن: فلان شهيد، فلان قُتل في سبيل الله، ولعله يكون كذا وكذا، يعني غلّ، ولكن قولوا: من قتل في سبل الله أو مات فهو شهيد. عمم، أما قول فلان شهيد، وإن كان في المعركة يتشحط بدمه، فلا تقل شهيدًا، علمه عند الله، قد يكون في قلبه شيء لا نعلمه. ثم نحن شهدنا أو لم نشهد، أن كان شهيدًا عند الله فهو شهيد وإن لم نقل إنه شهيد، وإن لم يكن شهيدًا عند الله فليس بشهيد وإن قلنا إنه شهيد، وإذا نقول: نرجو أن يكون فلان شهيدًا، أو نقول عمومًا: من قتل في سبيل الله فهو شهيد وما أشبه ذلك.\nأما الحديث الثاني ففيه دليلٌ على أن الشهادة إذا قاتل الإنسان في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر فإن ذلك يكفر عنه خطيئاته وسيئاته إلا الدّين، إذا كان عليه دين فإنه لا يسقط بالشهادة؛ لأنه حق آدمي، وحق الآدمي لابد من وفائه.","vol":"2","page":526},{"text":"وفي هذا دليلٌ على عظم الدين، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يتساهل به، ومع الأسف أننا في عصرنا الآن يتساهل الكثير منا في الدين، فتجد البعض يشترى الشيء وهو ليس في حاجة إليه، بل هو من الأمور الكمالية، يشتريه في ذمته بالتقسيط أو ما أشبه ذلك، ولا يهمه هذا الأمر.\nوقد تجد إنسانًا فقيرًا يشترى سيارة بثمانين ألفًا أو يزيد، وهو يمكنه أن يشتري سيارة بعشرين ألفًا، كل هذا من قلة الفقه في الدين، وضعف اليقين، احرص على ألا تأخذ شيئًا بالتقسيط، وإن دعتك الضرورة إلى ذلك فاقتصر على أقل ما يمكن لك، الاقتصار عليه بعيدًا عن الدين. نسأل الله أن يحمينا وإياكم مما يغضبه، وأن يقضي عنا وعنكم دينه ودين عباده.\n\n٢١٨- وعن أبي هريرة - ﵁- أن رسول الله ﷺ قال: \" أتدرون ما المفلسُ؟ \" قالوا\": المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: \" إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتهُ قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار\" رواه مسلم.","vol":"2","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف- رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة - ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"أتدرون ما المفلس؟ \" الاستفهام هنا للاستعلام الذي يراد به الإخبار؛ لأن المستفهم تارة يستفهم عن جهل ولا يدري فيسأل غيره، وتارة يستفهم لتنبيه المخاطب لما يلقى إليه، أو لتقرير الحكم، فمثال الثاني قول النبي ﷺ وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: \" أينقص إذا جفّ؟ \" يعني الرطب، قالوا: \" نعم\" فنهى عن ذلك.\nأما في هذا الحديث فسيخبر الصحابة عن أمر لا يعلمونه، أو لا يعلمون مراد النبي صلى الله عليه وسمل به، قال: أتدرون من المفلس؟، قالوا يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم عنده ولا متاع، يعين ليس عنده نقود ولا عنده متاع، أي: أعيان من المال، أي أن المفلس يعني الفقير، وهذا هو المعروف من المفلس بين الناس، فإذا قالوا: من المفلس؟ يعني الذي ليس عنده نقود، ولا عنده متاع، بل هو فقير.\n\nفقال النبي ﷺ: \" المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة\"، وفي رواية: \" من يأتي بحسان مثل الجبال\" أي يأتي بحسنات عظيمة، فهو عنده ثروة من الحسنات لكنه يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال","vol":"2","page":528},{"text":"هذا، وسفك دم هذا، أي اعتدى على الناس بأنواع الاعتداء، والناس يريدون أخذ حقهم، ما لا يأخذونه في الدنيا يأخذونه في الآخرة، فيقتص لهم منه؛ فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته بالعدل والقصاص بالحق، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار، والعياذ بالله.\nتنقضي حسناته، ثواب الصلاة ينتهي، وثواب الزكاة ينتهي، وثواب الصيام ينتهي، كل ما عنده من حسنات ينتهي، فيؤخذ من سيئاتهم ويطرح عليه، ثم يطرح في النار، العياذ بالله..\nوصدق النبي ﷺ فإن هذا هو المفلس حقًا، أما مفلس الدنيا فإن الدنيا تأتي وتذهب، ربما يكون الإنسان فقيرًا فيمسي غنيًا، أو بالعكس، لكن الإفلاس كل الإفلاس أن يفلس الإنسان من حسناته التي تعب عليها، وكانت أمامه يوم القيامة يشاهدها، ثم تؤخذ منه لفلان وفلان.\nوفي هذا تحذير من العدوان على الخلق، وأنه يجب على الإنسان أن يؤدي ما للناس في حياته قبل مماته، حتى يكون القصاص في الدنيا مما يستطيع، أما في الآخرة فليس هناك درهم ولا دينارٌ حتي يفدي نفسه، ليس فيه إلا الحسنات، يقول الرسول ﷺ: \" فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم ثم طرح عليه وطرح في النار\"\nولكن هذا الحديث لا يعني أنه يخلد في النار، بل يعذب بقدر ما حصل عليه من سيئات الغير التي طرحت عليه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة؛ لأن المؤمن لا يخلد في النار، ولكن النار حرها شديد، لا يصبر","vol":"2","page":529},{"text":"الإنسان على النار ولو للحظة واحدة، هذا على نار الدنيا فضلًا عن نار الآخرة، أجار الله وإياكم منها.\n* * *\n٢١٩- وعن أم سلمة﵄- أن رسول الله ﷺ قال: \" إنما أنا بشرٌ، وإنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمعُ، فمن قضيت له بحقٌ أخيه فإنما أقطعُ لهُ قطعة من النارِ\" متفق عليه.\n\" ألحن\" أي: أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - ﵀ - باب تحريم الظلم ووجوب رد المظالم إلى أهلها عن أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ قال: \" إنما أنا بشرٌ مثلكم، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أو يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار\".\nففي هذا الحديث دليلٌ على أن الرسول ﷺ بشر مثلنا، ليس ملاكًا من الملائكة، بل هو بشر يعتريه ما يعتري البشر بمقتضى الطبيعة البشرية، فهو","vol":"2","page":530},{"text":"ﷺ يجوع ويعطش، ويبرد ويحتر، وينام ويستيقظ، ويأكل ويشرب، ويذكر وينسى، ويعلم ويجهل بعض الشي كالبشر تمامًا، يقول ﷺ \" إنما أنا بشرٌ مثلكم\".\nوهكذا أمره الله ﷿ أن يعلن للملأ فيقول: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الكهف: ١١٠)، فلست إلها يُعبد، ولا ربًا ينفع ويضر، بل ﵊ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا.\n\nوبهذا تنقطع جميع شيه الذين يتعلقون بالرسول ﷺ ممن يدعونهُ، أو يعبدونه، أو يؤملونه لكشف الضر، أو يؤملونه لجلب الخير، فإنه ﵊ لا يملك ذلك (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) (إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) (الجن: ٢١-٢٣) لو أراد الله أن يصيبني بسوء ما أجارني منه أحد؛ إلا بلاغًا من الله ورسالاته.\nوفي قوله: \" إنما أنا بشر مثلكم\" تمهيد لقوله \" وإنكم تختصمون إلي\" يعني فإذا كنت بشرًا مثلكم فإني لا أعلم من المحق منكم ومن المبطل \" تختصمون إلي\": يعني تتحاكمون إلى في الحصومة، فيكون بعضكم ألحن من البعض الآخر في الحجة، أي أفصح وأقوى كلامًا، يقال: فلان حجيج وفلان ذو جدل، يقوى على غيره في الحجة، كما قال الله تعالى: (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) (صّ: ٢٣) أي غلبني في الخطاب والمخاصمة، فهكذا هنا ألحن يعني أبين وأفصح وأظهر.\nوهذا مشاهد، فقد تجد اثنين يتحاكمان إلي القاضي؛ أحدهما يكون","vol":"2","page":531},{"text":"عنده لسان وعنده بيان وحجة وقوة جدل، والثاني دون ذلك وإن كان الحق معه، فيحكم القاضي للأول، ولهذا قال: \" وإنما أٌقضي بنحو ما أسمع\" وفي قوله: \" أقضي بنحو ما أسمع\" فسحة كبيرة للقضاة، وأنهم لا يكلفون بشيء غاب عنهم، بل يقضون حسب البيانات التي بين أيديهم، فإن أخطئوا فلهم أجر، وأن أصابوا فلهم أجران، ولا يكلفون ما وراء ذلك، بل ولا يحل لهم أن يحكموا بخلاف الظاهر؛ لأنهم لو حكموا بخلاف الظاهر لأدى ذلك إلى الفوضى، وأدى ذلك إلى الاشتباه وإلى التهمة، ولقيل القاضي يحكم بخلاف الظاهر لسبب من الأسباب.\nلهذا كان الواجب على القاضي أن يحكم بالظاهر، والباطن يتولاه الله ﷿، فلو ادّعى شخص على آخر بمائة ريال وأتى المدعي بشهود اثنين، فعلى القاضي أن يحكم بثبوت المائة في ذمة المدعى عليه، وإن كان يشتبه في الشهود، إلا أنه في حال الاشتباه يجب أن يتحرى، لكن إذا لم يوجد قدح ظاهر فإنه يجب عليه أن يحكم، وإن غلب على ظنه أن الأمر بخلاف ذلك، لقوله: \" إنما أقضي بنحو ما أسمع\".\n\nولكن النبي ﷺ توعد من قُضي له بغير حق فقال: \" فمن قضيت له بحق اخيه فإنما أقطع له قطعة من النار\" يعني أن حُكم الحاكم لا يبيح الحرام، فلو أن الحاكم حكم للمبطل بمقتضى ظاهر الدعوى، فإن ذلك لا يحل له ما حكم له به، بل إنه يزداد إثمًا، لأنه توصل إلى الباطل بطريق باطلة، فيكون أعظم ممن أخذه بغير هذه الطريق.\nوفي هذا الحديث التحذير الشديد من حكم الحاكم بغير ما بين يديه","vol":"2","page":532},{"text":"من الوثائق، مهما كان الأمر، ولو كان أقرب قريب لك، وأختلق العلماء ﵏: هل يجوز للحاكم أن يحكم بعمله أم لا؟ فقيل: لا يجوز؛ لأنه قال: \" فأقضي له بنحو ما أسمع\" ولأنه لو قضى بعلمه لأدى ذلك إلى التهمة؛ لأن العلم ليس شيئًا ظاهرًا يعرفه الناس حتى يحكم له به، وقال بعض العلماء: بل يحكم بعلمه، وقال آخرون: بل يتوقف إذا وصلت البينة إلى ما يخالف علمه.\nوالأصح أنه لا يحكم بعلمه إلا في مسائل خاصة، ومثال ذلك إذا حكم بعلمه بمقتضى حجة المتخاصمين في مجلس الحكم، فمثلًا إذا تحاكم شخصان فأقر أحدهما بالحق، ثم مع المداولة والأخذ والرد أنكر ما أقرّ به أولًا، فهنا للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لأنه علمه في مجلس الحكم.\n\nومثال آخر: إذا كان مشتهرًا، مثل أن يشتهر أن هذا المُلك وقف عام للمسلمين، أو يشتهر أنه ملك فلان، ويشتهر ذلك بين الناس، فهنا له أن يحكم بعلمه؛ لأن التهمة في هذه الحال منتفية، ولا يتهم القاضي بشيء، ولا يمكن أن يتجرأ أحد للحكم بعلمه وهو خاطئ بناء على أنه أمر مشهور.\nوالقول الصحيح في هذا هو التفصيل، وإلا فإن الواجب أن يكون القضاء على حسب الظاهر لا على حسب علم القاضي.\nولكن إذا جاء الشيء على خلاف علمه تحول المسألة إلى قاضٍ آخر، ويكون هو شاهدًا من الشهود، مثل أن يدعي شخص على آخر بمائة ريال","vol":"2","page":533},{"text":"فينكر المدعى عليه والقاضي عنده علم بثبوت المائة على المدعى عليه، فلا يحكم هنا بعلمه ولا يحكم بخلاف علمه، بل يقول: أحولها على قاضٍ آخر وأنا لك أيها المدعي شاهد، فتحول القضية على قاضٍ آخر، ثم يكون القاضي هذا شهادًا، فيحكم بيمين المدعى وشهادة القاضي.\n* * *\n٢٢٠- وعن ابن عمر - ﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: \" لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا\" رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب تحريم الظلم ووجوب التحلل منه، قال فيما نقله عن عبد الله بن عمر - ﵄- أن رسول الله ﷺ قال: \" لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا\" \" لا يزال المؤمن في فسحة\": أي في سعة من دينه، \" ما لم يصب دمًا حرامًا\" يعني ما لم يقتل مؤمنًا أو ذميًا أو معاهدةً أو مستأمنًا، فهذه هي الدماء المحرمة، هي أربعة أصناف: دم المسلم، ودم الذمي، ودم المعاهد، ودم المستأمن، وأشدها وأعظمها دم المؤمن، أما الكافر الحربي فهذا دمه غير حرام، فإذا أصاب الإنسان دمًا حرامًا فإنه يضيق عليه دينه، أي أن صدره يضيق به حتى يخرج منه والعياذ بالله ويموت كافرًا.","vol":"2","page":534},{"text":"وهذا هو السر في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: ٩٣)، فهذه خمس عقوبات والعياذ بالله: جهنم، خالدًا فيها وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا، لمن قتل مؤمنًا متعمدًا؛ لأنه إذا قتل مؤمنًا متعمدًا فقد أصاب دمًا حرامًا، فيضيق عليه دينه، ويضيق به صدره، حتى ينسلخ من دينه بالكلية، ويكون من أهل النار المخلدين فيها.\nوفي هذا دليلٌ على أن إصابة الدم بالحرام من كبائر الذنوب، ولا شك في هذا، فإن قتل النفس التي حرم الله بغير حق من كبائر الذنوب.\nولكن إذا تاب الإنسان من هذا القتل فهل تصح توبته؟\nجمهور العلماء على أن توبته تصح؛ لعموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) (الفرقان: ٦٨-٧١)، فهنا نص على أن من تاب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وآمن وعمل عملًا صالحًا، فغن الله يتوب عليه.\nوقال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: ٥٣) .\nولكن بماذا تكون التوبة؟ قتل المؤمن عمدًا يتعلق به ثلاثة حقوق: الحق الأول: حق الله، الحق الثاني: حق المقتول، الحق الثالث: حق","vol":"2","page":535},{"text":"أولياء المقتول.\nأما حق الله: فإذا تاب منه تاب اله عليه ولا شك في هذا.\n\nوأما حق المقتول: فالمقتول حقه عنده، وهو قد قتل الآن ولا يمكن التحلل منه في الدنيا، ولكن هل توبته تقتضي أن يتحمل الله عنه حق المقتول فيؤديه عنه أم لابد من أخذه بالاقتصاص منه يوم القيامة.\nهذا محل نظر؛ فمن العلماء من قال: إن حق المقتول لا يسقط بالتوبة؛ لأن من شروط التوبة رد المظالم إلى أهلها، والمقتول لا يمكن رد مظلمته إليه لأنه قتل، فلا بد أن يقتص من قاتله يوم القيامة، ولكن ظاهر الآيات الكريمة التي ذكرناها في سورة الفرقان يقتضي أن الله يتوب على توبة تامة، وأن الله جل وعلا من كرمه ولطفه وإحسانه إذا علم من عبده صدق التوبة فإنه يتحمل عنه حق أخيه المقتول.\nأما الحق الثالث فهو حق أولياء المقتول، وهذا لابد من التخلص منه، لأنه يمكن للإنسان أن يتخلص منه، وذلك بأن يسلم نفسه إليهم ويقول لهم: أنا قتلت صاحبكم فافعلوا ما شئتم، وحينئذ يخيرون بين أمور أربعة: إما أن يعفوا عنه مجانًا، وإما أن يقتلوه قصاصًا، وأما أن يأخذوا الدية منه، وإما أن يصالحوه مصالحة على أقل من الدية أو على الدية، وهذا جائز بالاتفاق.\n\nفإن لم يسقط حقهم إلا بأكثر من الدية؛ ففيه خلاف بين أهل العلم، منهم من يقول: لا بأس أن يصالحوا على أكثر من الدية؛ لأن الحق لهم، فإن شاءوا قالوا: نقتل، وإن شاءوا قالوا: لا نعفو إلا بعشر ديات، وهذا","vol":"2","page":536},{"text":"هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، أنه يجوز المصالحة عن القصاص بأكثر من الدية، التعليل هو ما ذكرنا من أن الحق لهم، أي لأولياء المقتول، فلهم أن يمتنعوا عن إسقاطه إلا بما تطيب به نفوسهم من المال.\nإذن نقول: توبة القاتل عمدًا تصح للآية التي ذكرناها من سورة الفرقان، وهي خاصة في القتل، وللآية الثانية العامة: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) (الزمر: ٥٣) . حق الله يسقط- بلا شك - بالتوبة، وحق المقتول قيل: إنه يسقط ويتحمله الله ﷿ عمن تاب يوم القيامة، وقيل: لا يسقط، والأقرب: أنه يسقط، وأن الله جل وعلا يتحمل عنه، أما حق أولياء المقتول فلا بد منه، فيسلم نفسه لآبناء المقتول وهم ورثته ويقول لهم: الآن افعلوا ما شئتم.\nوهذا الحديث يدل على عظم قتل النفس، وأنه من أكبر الكبائر والعياذ بالله، وأن القاتل عمدًا يخشى أن يسلب دينه.\n* * *\n\n٢٢١-وعن خولة بنت عامرٍ الأنصارية، وهي امرأة حمزة﵁- قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: \" إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة\" رواه البخاري\".","vol":"2","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - ﵀ - فيما نقله عن خولة زوجة حمزة بن عبد المطلب ﵁، أن النبي صلى الله عليه وسمل قال: \" إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة\" هذا أيضًا مما يدل على تحريم الظلم في الأموال الذي خو خلاف العدل.\nوفي قوله: \" يتخوضون\" دليلٌ على أنهم يتصرفون تصرفًا طائشًا غير مبني على أصول شرعية، فيفسدون الأموال ببذلها فيما يضر، مثل من يبذل أمواله في الدخان، أو في المخدرات، أو ف شرب الخمور، أو ما أشبه ذلك، وكذلك أيضًا يتخوضون فيها بالسرقات، والغصب، وما أشبه ذلك، وكذلك يتخوضون فيها بالدعاوى بالباطلة، كأن يدّعي ما ليس له وهو كاذب، وما أشبه ذلك.\nفالمهم أن كل من يتصرف تصرفًا غير شرعي في المال- سواء ماله أو مال غيره- فإن له النار -والعياذ بالله- يوم القيامة إلا أن يتوب، فيرد المظالم إلى أهلها، ويتوب مما يبذل ماله فيه من الحرام؛ كالدخان والخمر وما أشبه ذلك، فإنه ممن تاب الله عليه، لقول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي","vol":"2","page":538},{"text":"لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا\n\nوَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الزمر: ٥٣-٥٩) .\nوفي هذا الحديث تحذير من بذل المال في غير ما ينفع والتخوض فيه؛ لأن المال جعله الله قيامًا للناس تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، فإذا بذله في غير مصلحة كان من المتخوضين في مال الله بغير حق.","vol":"2","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>٢٧- باب تعظيم حُرمات المُسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم</span>\nقال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠) وقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢)، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨)، وقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: \" باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم\" فالمسلم له حق على أخيه المسلم، بل له حقوق متعددة، بيَّنها النبي ﷺ في مواضع كثيرة:\n\nمنها: إذا لقيه فليسلم عليه، يلقي ﵇، يقول: السلام عليكم، ولا يحل له أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.\nولكن لك أن تهجره لمدة ثلاثة أيام، إذا رأيت في هذا مصلحة، ولك أن تهجره أكثر إذا رأيته على معصية أصرّ عليها ولم يتب منها، فرأيت أن هجره يحمله على التوبة، ولهذا كان القول الصحيح في الهجر أنهم رخصوا فيه خلال ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فينظر فيه للمصلحة؛ إن كان فيه خيرٌ فليفعل، وإلا فلا، حتى لو جاهر بالمعصية، فإذا لم يكن في هجره مصلحة فلا تهجره.","vol":"2","page":540},{"text":"ثم ساق المؤلف عدة آيات منها قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠)، ومن يعظم حرماته: أي ما جعله محترمًا من الأماكن أو الأزمان أو الأشخاص، فالذي يعظم حرمات الله فهو خيرٌ له عند ربه، ومن كان يكره أو يشق عليه تعظيم هذا المكان كالحرمين مثلًا والمساجد، أو الزمان كالأشهر الحرم \" ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب\" وما أشبه ذلك، فليحمل على نفسه وليكرهها على التعظيم.\nومن ذلك تعظيم إخوانه المسلمين، وتنزيلهم منزلتهم، فإن المسلم لا يحل له أن يحقر أخاه المسلم، قال النبي ﵊: \" بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم\".\n\" بحسب\" الباء هنا زائدة والمعنى: حسبه من الشر أن يحقر أخاه المسلم بقلبه، أو أن يعتدي فيوق ذلك بلسانه أو بيده على أخيه المسلم، فإن ذلك حسبه من الإثم والعياذ بالله، وكذلك أيضًا تعظيم ما حرمه الله ﷿ في المعاهدات التي تكون بين المسلمين وبين الكفار، فإنه لا يحل لأحد أن ينقض عهدًا بينه وبين غيره من الكفار.\nولكن المعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الذين أتموا عهدهم فهؤلاء نتمم عهدهم","vol":"2","page":541},{"text":"القسم الثاني: الذين خانوا أو نقضوا، قال الله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ٧)، فهؤلاء ينتقض عهدهم كما فعلت قريش في الصلح الذي جرى بينها وبين النبي ﷺ في الحديبية، فإنهم وضعوا الحرب بينهم عشر سنين، ولكن قريشًا نقضوا العهد، فهؤلاء ينتقض عهدهم، ولا يكون بيننا وبينهم عهد، وهؤلاء قال الله فيهم: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ) (التوبة: ١٣) .\nوالقسم الثالث: من لم ينقض العهد لكن نخاف منه أن ينتقض العهد، فهؤلاء نبلغهم بأن لا عهد بيننا وبينهم، كما قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال: ٥٨) .\nفهذه من حرمات الله ﷿، وكل الله من زمان أو مكان أو إيمان فهو من حرمات الله ﷿ فإن الواجب على المسلم أن يحترمه، ولهذا قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه) (الحج: ٣٠)، وقال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢) .\nالشعائر: العبادات الظاهرة سواء كانت كبيرة أم صغيرة؛ مثل الطواف بالبيت، والسعى بين الصفا والمروة، والأذان والإقامة، وغيرها من شعائر الإسلام فإنها إذا عظمها الإنسان كان ذلك دليلًا على تقواه، فإن التقوى هي التي تحمل العبد على تعظيم الشعائر. أما ألاية الثالثة فهي قوله تعالي: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)","vol":"2","page":542},{"text":"(الحجر: ٨٨) وفي الاية الأخروي:) لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥)، والمعني تذلل لهم لهم في المقال والفعال؛ لأن الؤمن مع أخيه رحيم به، شفيق به، كما قال تعالي في وصف النبي صلي الله عليه وسلم ومن معه:) أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: ٢٩) .\nوفي قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨)، دليلٌ على أن الإنسان مأمور بالتواضع لإخوانه وإن كان رفيع المنزلة، كما يرتفع الطير بجناحه، فإنه وإن كان رفيع المنزلة فليخفض جناحه وليتذلل وليتواضع لإخوانه. وليعلم أن من تواضع لله رفعه الله ﷿، والإنسان ربما يقول لو تواضعت للفقير وكلمت الفقير، أو تواضعت للصغير وكلمته أو ما أشبه ذلك، فربما يكون في هذا وضع لي، وتنزيل من رتبتي، ولكن هذا من وساوس الشيطان، فالشيطان يدخل على الإنسان في كل شيء، قال تعالى عنه: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (لأعراف: ١٦-١٧) .\n\nفالشيطان يأتي الإنسان ويقول له: كيف تتواضع لهذا الفقير؟ كيف تتواضع لهذا الصغير؟ كيف تكلم فلانًا؟ كيف تمشي مع فلان؟ ولكن من تواضع لله رفعه الله ﷿، حتى وإن كان عالمًا أو كبيرًا أو غنيًا، فإنه ينبغي أن يتواضع لمن كان مؤمنًا، أما من كان كافرًا فإن الإنسان لا يجوز له أن يخفض جناحه له، لكن يجب عليه أن يخضع للحق بدعوته إلى الدين، ولا يستنكف عنه ويستكبر فلا يدعوه، بل يدعوه ولكن بعزة وكرامة، ودون","vol":"2","page":543},{"text":"إهانة له، فهذا معنى قوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) .\nوفي الآية الثانية: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥)، فهذه وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هينًا لينًا بالقول وبالفعل؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس، وهذه الألفة والمودة أمرٌ مطلوب للشرع، ولهذا نهى النبي ﵊ عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء، مثل البيع على بيع المسلم، والسوم على سوم المسلم، وغير ذلك مما هو معروف لكثير من الناس، والله الموفق.\n* * *\n\nوقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢)\n٢٢٢- وعن أبي مُوسى - ﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: \" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\" وشبك بين أصابعه، متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق ذكر عدة آيات في بيان تعظيم حرمات المسلمين، والرفق بهم، والإحسان إليهم، ومن جملة الآيات التي فيها بيان تعظيم حرمة المسلم","vol":"2","page":544},{"text":"قوله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢)، بين الله في هذه الآية أن من قتل نفسًا بغير نفسه أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن حرمة المسلمين واحدة، ومن انتهك حرمة شخص من المسلمين، فكأنما انتهك حرمة جميع المسلمين، كما أن من كذب رسولًا واحدًا من الرسل، فكأنما كذب جميع الرسل. ولهذا أقرأ قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء: ١٠٥)، مع أنهم لم يكذبوا إلا واحدًا، فإنه لم يُبعث رسولٌ قبل نوح، وما بعد نوح لم يدركه قومه، لكن من كذب رسولًا واحدًا فكأنما كذّب جميع الرسل، ومن قتل نفسًا محرمة، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن حرمة المسلمين واحدة، ومن أحياها أي سعى في إحيائها وإنقاذها من هلكة؛ فكأنما أحيا الناس جميعًا.\n\nوإحياؤها وإنقاذها من الهلكة تارة يكوم من هلكة لا قبل للإنسان بها فتكون من الله، مثل أن يشبّ حريق في بيت رجل، فتحاول إنقاذه، فهذا إحياء للنفس.\nوأما القسم الثاني فهم ما للإنسان فيه قبلٌ، مثل أن يحاول رجل العدوان على شخص ليقتله، فتحول بينه وبينه وتحميه من القتل، فأنت الآن أحييت نفسًا. ومن فعل ذلك فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأن إحياء شخص مسلم كإحياء جميع الناس.\nوقوله ﷿: (بِغَيْرِ نَفْسٍ) يستفاد منه أن من قتل نفسًا بنفس فهو معذور ولا حرج عليه. قال الله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ","vol":"2","page":545},{"text":"بِالنَّفْسِ) (المائدة: ٤٥)، فإذا قتل نفسًا بحق أي بنفس أخرى فلا لوم عليه ولا إثم، ويرث القاتل من المقتول إذا قتله بحق، ولا يرث القاتل من المقتول إذا قتله بغير حق.\nولنضرب لهذا مثلًا بثلاثة أخوة قتل الكبير منهم الصغير عمدًا، فالذي يرث الصغير أخوه الأوسط، وأخوه الكبير لا يرثه؛ لأنه قتله بغير حق ثم طاب الأوساط بدم أخيه الصغير، فقتل أخاه الكبير قصاصًا، فهل يرث الأوسط من أخيه الكبير وهو قاتله؟ نعم يرث؛ لأنه قتله بحق. والكبير الذي قتل الصغير لا يرث؛ لأنه قتله بغير حق.\n\nفالقتل بحق لا لوم فيه وليس له أثر؛ لأنه قصاص، والله تعالى يقول: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ١٧٩) .\nوقوله ﷿: (أَوْ فَسَادٍ) والفساد في الأرض ليس معناه أن يسلط الإنسان الحفار فيهدم بيتًا ولو كان ذلك بغير حق. فهذا وإن كان فسادًا، لكن لا يحل به دم مسلم، والفساد في الأرض إنما يكون بنشر الأفكار السيئة، أو العقائد الخبيثة، أو قطع الطريق، أو ترويج المخدرات أو ما أشبه ذلك، هذا هو الفساد في الأرض. فمن أفسد في الأرض على هذا الوجه فهدمه هدر حلال، يُقتل لأنه ساع في الأرض بالفساد؛ بل إن الله تعالى قال في نفس السورة: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ٌ) (المائدة: ٣٣)، على حسب جريمتهم، إن كانت كبيرة فبالقتل، وإن كانت دونها فبالصلب، وإن كانت دونها فبقطع","vol":"2","page":546},{"text":"أيديهم وأرجلهم من خلاف تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى،، وإن كان دون ذلك فبأن ينفوا من الأرض، إما بالحبس مدى الحياة. كما قال بذلك بعض أهل العلم، وإما بالطرد عن المدن كما قاله آخرون، لكن إذا كان لا يندفع شرهم بطردهم من المدن حبسوا إلى الموت.\n\nفالحاصل: أن من قتل نفسًا لإفسادها في الأرض فلا لومه عليه؛ بل إن قتل النفس التي تسعى للإفساد في الأرض واجب، وقتل النفس بالنفس مباح إلا على رأى الإمام مالك ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية، فإن قتل الغيلة واجب فيه القصاص، يعني من غافل شخصًا فقتله فإنه يُقتل حتى ولو عفا أولياء المقتول؛ لأن الغيلة شر وفساد، لا يمكن التخلص منها.\nمثلًا يجيء إنسانا لشخص أثناء نومه فيقتله، فهذا يقتل على كل حال، حتى ولو قال أولياء المقتول: عفونا عنه ولا نبغي شيئًا، هذا رأي الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو القول الحق، أنه إذا قتل إنسان غيلة فلابد من قتل القاتل، ولا خيار لأولياء المقتول في ذلك:\nفالحاصل إن الله بين في هذه الآية أن قتل نفس واحدة بغير نفس أو فساد في الأرض كقتل جميع الناس، وإحياء نفس واحدة كإحياء جميع الناس، وهذا يدل على عظم القتل، ولو أن إنسانًا أحصى كم قتل من بني آدم بغير حق لم يقدر، ومع ذلك فكل نفس تقتل فعلى ابن آدم الأول الذي قتل أخاه كِفل منها، وعليه من إثمه نصيب.\n\nوابن آدم الذي قتل أخاه، قتله حسدًا، حيث كان أول ما جاء آدم من الأبناء اثنين من بني آدم، وقد قربا قربانًا، قربة إلى الله، فتقبل الله من واحد","vol":"2","page":547},{"text":"ولم يتقبل من الآخر، فقال الثني الذي لم يتقبل منه لأخيه: لأقتلنك، لماذا يتقبل الله منك ولا يتقبل مني؟ حسده على فضل الله تعالى عليه، فقال له ربه: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: ٢٧)، يعني اتق الله ويقبل الله منك، كلن من توعد أخاه بالقتل فليس بمتقٍ لله. وفي النهاية قتله والعياذ بالله (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة: ٣٠)، خسر- والعياذ بالله- بهذه الفعلة الشنيعة التي أقدم عليها.\nويقال: إنه بقي يحمل أخاه الذي قتله أربعين يومًا على ظهره، ما يدرى ماذا يفعل به، لأن القبور لم تعرف في ذلك لوقت، فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض، يعني بأظفاره ليريه كيف يواري سوأة أخيه، وقيل إن غرابين أقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر أحدهما للثاني فدفنه، فاقتدى به هذا القاتل ودفن أخاه، وهذا من العجائب ا، تكن الغربان هي التي علمت بني آدم الدفن.\n\nفالحاصل: أن كل نفس تقتل بغير حق؛ فعلى القاتل الأول من إثمها نصيب والعياذ بالله. وهكذا أيضًا من سنّ القتل بعد أمن الناس وصار يغتال الناس وما أشبه ذلك، وتجرأ الناس على هذا من أجل فعله، فإن عليه من الإثم نصيبًا؛ لأنه هو الذي كان سببًا في انتهاك هذا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من دُعاة الخير وفاعليه. إنه جواد كريم.\n* * *","vol":"2","page":548},{"text":"٢٢٣-وعن ابي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ من مر في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا، ومعه نبلٌ فيمسك، وليقبض على نصالها بكفه أن يُصيب أحدا من المسلمين منها بشيء\" متفق عليه.\n٢٢٥- وعن أبي هريرة﵁ - قال: \" قبل النبي صلى الله عليه وسمل الحسن بن علي ﵄، وعندهُ الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر اليه رسول الله ﷺ فقال: \" من لا يرحم لا يرحم\" متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - ﵀ - جملة من أحاديث الرفق بالمسلمين، منها حديث أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: \" من مرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك، أو ليقبض على نصالها بكفه\".\nالنبل: السهام التي يُرمى بها، وأطرافها تكون دائمًا دقيقة تنفذ فيما تصيبه من المرمي، فإذا أمسك الإنسان بها وقى الناس شرها. وإذا تركها هكذا فربما تؤذي أحدًا من الناس، ربما يأتي أحدٌ بسرعة فتخدشه، أو يمرّ الرجل الذي يمسك بها وهي مفتوحة غير ممسكة فتخدشهم أيضًا.","vol":"2","page":549},{"text":"ومثل ذلك أيضًا العصيّ، إذا كان معك عصّا فامسكها طولًا، يعني اجعل رأسها إلى السماء ولا تجعلها عرضًا؛ لأنك إذا جعلتها عرضًا آذيت الناس الذين وراءك، ربما تؤذى الذين أمامك. ومثله الشمسية أيضًا؛ إذا كان معك شمسية وأنت في السوق فارفعها، لئلا تؤذي الناس.\nفكل شيء يؤذي المسلمين أو يُخشى من أذيته فإنه يتجنبه الإنسان؛ لأن أذية المسلمين ليست بالهينة. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (الأحزاب: ٥٨) .\nومن الأحاديث التي ذكرها المصنف حديث أبي هريرة﵁ - أن النبي ﷺ قبل الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان عنده الأقرع بن، والحسن بن على بن أبي طال هو ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ فجده من أمه رسول الله ﷺ، وأبوه على بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ يحبُ الحسن والحسين؛ لأنهما سبطاه، يفضل الحسن على الحسين، لأن الحسن قال فيه النبي ﷺ: \" إن ابني هذا سيد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين\" فكان الأمر كما قال النبي ﷺ لما حصلت الفتنة في زمن معاوية، وآلت الخلافة إلى الحسن بعد أبيه على بن أبي طالب ﵁، تنازل عنها - ﵁ - لمعاوية بن أبي سفيان حقنًا لدماء المسلمين؛ لأنه يعلم أن في الناس أشرارًا، وأنهم ربما","vol":"2","page":550},{"text":"يأتون إليه ويغرونه كما فعلوا بأخيه الحسين بن علي ﵃، غرّه أهل العراق وحصل ما حصل من المقتلة العظيمة في كربلاء وقُتل الحسين.\n\nأما الحسن ﵁ فإنه تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، فصار ذلك مصداقًا لقول النبي ﷺ: \" ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين\".\nكان عند النبي ﷺ الأقرع بن حابس من زعماء بني تميم، والغالب أن أهل البادية وأشباههم يكون يهم جفاء، فقبل النبي ﷺ الحسن، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلتُ واحدًا منهم، أعوذ بالله من قلب قاسٍ لا يقبلهم ولو كانوا صغارًا، فنظر إليه النبي ﷺ وقال: \" من لا يرحم لا يُرحم\" يعني أن الذي لا يرحم عباد الله لا يرحمه الله، ويُفهم من هذا أن من رحم عباد الله ﵀، وهو كذلك فقد قال النبي ﷺ \" الراحمون يرحمهم الرحمن\"\n\nففي هذا دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل الرحمة في معاملة الصغار ونحوهم، وأنه ينبغي للإنسان أن يقبّل للإنسان أن يقبل أبناءه، وأبناء بناته، وأبناء أبنائه، يقبلهم رحمة بهم، واقتداءً برسل الله ﷺ، أما ما يفعله بعض الناس من الجفاء والغلظة بالنسبة للصبيان، فتجده لا يمكن صبيه من أن يحضر على مجلسه، لا أن يمكِّن صبيه من أن يطلب منه شيئًا، وإذا رآه","vol":"2","page":551},{"text":"عند الرجال انتهره، فهذا خلاف السنة وخلاف الرحمة.\nكان النبي عيه الصلاة والسلام يصلي بالناس إحدى صلاتي العشي، إما العصر وإما الظهر، فجاءته بنت بنته \" أمامة\"، فكان النبي ﷺ يحملها وهو يصلي بالناس؛ إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها. فأين هذا الخلق من أخلاقنا اليوم؟ الآن لو يجد الإنسان صبيه في المسجد أخرجه فضلًا عن كونه يحمله في الصلاة.\nوكان النبي ﷺ يومًا من الأيام ساجدًا فجاءه الحسن أو الحسين فركب عليه - أي جعله راحلة له- فأطال النبي صلى الله عليه السجود، فلما سلم قال: \" إن أبني أرتحلني وإني كرهت أن أقٌوم حتى يقضي نهمته\".\nوكان صلى الله عليه وسم ليخطب الناس يومًا على المنبر، فأقبل الحسن والحسين وعليهما ثوبان جديدان يعثران بهما، فنزل النبي ﷺ وحملهما بين يديه وقال: صدق الله (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: ١٥)\n، نظرت إليى هذين الصبيين يعثران فلم أصبر\" يعني فما طابت نفسه حتى نزل وحملهما.\nففي هذا كله وأمثاله دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يرحم الصغار، ويلطف بهم، وأن ذلك سبب لرحمة الله ﷿، نسأل الله أن يعمنا","vol":"2","page":552},{"text":"وإياكم برحمته ولطفه وإحسانه.\n* * *\n٢٢٦- وعن عائشة - ﵂ - قالت: قدم ناسٌ من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: \" أتقبلون صبيانكم؟ فقال: \" نعم\" قالوا: لكنا والله ما نقبل فقال رسول الله ﷺ: \" أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة؟ \" متفق عليه.\n٢٢٧- وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال أن رسول الله ﷺ: \" من لا يرحم لا يرحم الناس لا يرحمه الله \" متفق عليه.\n\n٢٢٨- وعن أبي هُريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: \" إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه، فليطول ما شاء \" متفق عليه وفي رواية: \" وذا الحاجة\".\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عائشة﵄ - قالت: جاء قوم من الأعراب إلى النبي ﷺ فسألوا: هل تقبلون صبيانكم؟ قال النبي ﷺ: \"نعم\". الأعراب كما نعلم جميعًا جفاة، وعندهم غلظة وشدة ولا سيما رعاة الإبل منهم، فإن عندهم من الغلظة والشدة ما يجعل","vol":"2","page":553},{"text":"قلوبهم كالحجارة. نسأل الله العافية. قالوا: إنا لسنا نقبل صبياننا، فقال النبي ﵊: \" أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة\"؟ يعني لا أملك لكم شيئًا إذا نزع الله الرحمة من قلوبكم.\n\nوفي هذا دليلٌ على تقبيل الصبيان شفقة عليهم ورقة لهم ورحمة بهم. وفيه دليلٌ على أن الله تعالى قد أنزل في قلب الإنسان الرحمة، وإذا أنزل الله في قلب الإنسان الرجمة فإنه يرحم غيره، وإذا رحم غيره ﵀ ﷿، كم في الحديث الثاني حديث عائشة - ﵂ - أن النبي ﷺ قال: \" من لا يرحم لا يرحمه الله \" نسأل الله العافية.\nالذي لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿، والمراد بالناس: الناس الذين هم أهل للرحمة كالمؤمنين وأهل الذمة ومن شبابههم، وأما الكفار الحربيون فإنهم لا يُرحمون، بل يقتلون لأن الله تعالى قال في وصف النبي ﷺ وأصحابه (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: ٢٩)، وقال تعالى للنبي ﷺ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة: ٧٣) .\nذكر الله تعالى هذه الآية في سورتين من القرآن الكريم بهذا اللفظ نفسه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ذكرها الله في سورة اللتوبة وفي سورة التحريم، وقال تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) (التوبة: ١٢٠) .\nوكذلك أيضًا رحمة الدواب والبهائم فإنها من علامات رحمة الله عزّ","vol":"2","page":554},{"text":"وجلّ للإنسان؛ لأنه إذا رق قلب المرء رحم كل شيء ذي روح، وإذا رحم كل شيء ذي روح ﵀. قيل: يا رسول الله؛ ألنا في البهائم أجر؟ قال: \" نعم، في كل ذات كبد رطبة أجر\"\nومن الشفقة والرحمة بالمؤمنين أنه إذا كان الإنسان إمامًا لهم، فإنه لا ينبغي له أن يطيل عليهم في الصلاة. ولهذا قال النبي ﵊: \" إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف، فإن من ورائه السقيم والضعيف وذا الحاجة والكبير\" يعني من ورائه أهل الأعذار الذين يحتاجون إلى التخفيف، والمراد بالتخفيف ما وافق سنة النبي ﷺ، هذا هو التخفيف وليس المراد بالتخفيف ما وافق أهواء الناس، حتى صار الإمام يركض في صلاته ولا يظمئن. قال أنس بن مالك ﵁: ما صليت وراء إمام قطّ أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ، ومع ذلك فكأن يقرأ في فجر الجمعة\" آلم تنزيل\" السجدة كاملة في الركعة الأولى. و(هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ) (الانسان: ١) كاملة في الركعة الثانية، وكان يقرأ بسورة الدخان في المغرب، ويقرأ فيها بالمرسلات، ويقرأ فيها بالطور، ربما قرأ فيها بالأعراف، ومع هذا فهي خفيفة، قال أنس ﵁: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ.","vol":"2","page":555},{"text":"وليس هذا الحديث حجة للذين يريدون من الأئمة أن يخففوا تخفيفًا ينقص الأجر ويخالف السنة. ثم أعلم أنه قد يكون التخفيف عارضًا طارئًا، مثل ما كان النبي ﷺ يفعل، كان يدخل في الصلاة وهو يريد أن يطيل فيها، فيسمع بكاء الصبي فيوجز مخافة أن تفتتن أمه. فإذا حصل طارئ يوجب أن يخفف الإنسان صلاته فليخفف، لكن على وجه لا يخف بالواجب.\nفالتخفيف نوعان:\nتخفيف دائم: وهو ما وافق سنة النبي ﷺ. وتخفيف طارئ يكون أخفّ، وهو ما دعت إليه الحاجة، وهو أيضًا من السنة، فإن النبي صلى الله عليه ولسم كان إذا سمع بكاء الصبي خفف الصلاة حتى لا تفتتن أمه، والمهم أنه ينبغي للإنسان مراعاة أحوال الناس ورحمتهم.\n* * *\n٢٢٩- وعن عائشة - ﵂ - قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل. وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناسُ فيُفرض عليهم\" متفقٌ عليه","vol":"2","page":556},{"text":"٢٣٠- وعنهما ﵂ قالت: نهاهم النبي ﷺ عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيتُ يُطعمُني ربي ويسقينى \" متفق عليه.\nمعناهُ يجعلُ في قوة من أكل وشرب.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عائشة - ﵂ - في باب الرفق بالمسلمين والشفقة عليهم، قالت عائشة - ﵂ -: \" إن كان النبي ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يفعله؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم\". قولها: \" إن كان\" \" إن\" هذه مخففة من الثقيلة، وأصلها \" إنّ\"، ويقول النحويون: إن اسمها محذوف ويسمونه ضمير الشأن، وجملة (كان ليدع) خيرها. فالجملة هنا ثبوتية وليست سلبية. والمعنى أن النبي ﷺ كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله، لئلا يعمل به الناس، فيفرض عليهم، فيشق عليهم.\n\nومن ذلك ما فعله في رمضان ﵊. صلى في رمضان ذات ليلة، فعلم به أُناسٌ من الصحابة، فاجتمعوا إليه وصلوا معه، وفي الليلة الثانية صلوا أكثر، وفي الثالثة أكثر وأكثر، ثم ترك الصلاة في المسجد، فقال ﵊: \" أما بعد، فإنه لم يخف علىّ","vol":"2","page":557},{"text":"مكانكم\" يعني ما جرى منهم من الاجتماع \" ولكني كرهت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها \" فترك هذا القيام جماعة خوفًا من أن يفرض على الأمة وهذا من شفقته ﷺ، وكان يقول: لولا أن أشق على أمتي لفعلت كذا وكذا، أو لآمرت بكذا وكذا، مثل قوله: \" لولا أن أشق على أمتي لأمرته بالسواك عند كل صلاة.\nومثله قوله ﷺ حين تأخر في صلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل، فقال: \" إنه لوقتها\" يعني آخر الوقت. ثم قال: \" لولا أن أشق على أمتي\" فهو ﵊ كان يدع العمل ويدع الأمر بالعمل؛ خوفًا من أن يشق على الأمة.\n\nومن ذلك أيضًا ما روته عائشة ﵂ - أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم، يعني نهى الصحابة عن الوصال. والوصال يعني أن يصل الإنسان يومين فأكثر في الصيام من غير فطر، يعني يصوم الليل والنهار يومين أو ثلاثة أو أكثر، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، ولكنهم ﵃ فهموا أنه نهاهم رحمة بهم لا كراهة للعمل، فواصلوا ثم واصلوا حتى هل شهر شوال، فقال ﷺ: \" لو تأخر الهلال لزدتكم\" يعني لأبقيتكم","vol":"2","page":558},{"text":"تواصلون، قال ذلك تنكيلًا لهم، حتى يعرفوا ألم الجوع والعطش، ويكفوا عن الوصال من أنفسهم.\nالحاصل أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم. فقالوا: إنك تواصل ونحن نقتدي بك. فقال: \" إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقينى\" يعني أنه ﵊ ليس كالأمة، بل هو يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، ومعنى ذلك أنه ﵊ يتهجد بالليل، ويخلو بالله ﷿ بذكره، وقراءة كلامه، وغير ذلك مما يغنيه عن الأكل والشرب، لأن الإنسان إذا اشتغل بالشيء نسي الأكل والشرب، خصوصًا إذا كان الشيء مما يحبه ويرضاه، ولهذا قال الشاعر في محبوبته:\nلها أحاديث من ذكراك تشعلها\nعن الشراب وتلهيها عن الزاد\nيعني أنها إذا قعدت تتحدث عن هذا الرجل تكثر من ذكره حتى يلهيها ذلك عن الطعام والشراب، وهو أمر واقع واضح. حتى إن الإنسان قد يكون في الأشغال يشتغل بها، فيلهو عن الأكل والشرب، مثل طالب العلم الذي يكون منهومًا بالعلم شغوفًا به، ربما يبقى ي مكتبته يطالع من الصباح إلى المساء، فينسى الأكل والشرب، ينسى الغداء والعشاء، وربما ينسي النوم، وكذلك طالب الدنيا منهوم لا يشبع، ربما يبقى في دفاتره وحساباته فينشغل عن الأكل والشرب.\nويذكر أن رجلًا غنيًا كان يشتغل بحساباته وبكتاباته وماله وله زوجة، وكان له جار فقير متزوج، وكانوا يشعرون بأن هذا الجار الفقير يعاشر","vol":"2","page":559},{"text":"زوجته المعروف، فغارت زوجة الغني؛ لأن الغني غافل عنها، فقالت له: ألا تنظر إلى جارنا يعاشر زوجته بالمعروف، ويستأنس مع أهله، ففطن الرجل الغني لهذا، فدعا الرجل الفقير وقال له: إنك رجلٌ فقيرٌ تحتاج على المال، وأنا سأعطيك مالًا تتجر به، فأعطاه المال يتجر به، فانشغل به الفقير عن اهله، وصال لا يعاشرهم ولا يؤنسهم، فصار مثل التاجر.\n\nفالإنسان إذا انشغل بالشيء المحبوب إليه أنساه كلّ شيء، ولهذا قال النبي ﵊: \" إني ابيت عند ربي يطعمني ويسقين\" فلست كهيئتكم، وما زعمه بعض أهل العلم من أن المراد بالإطعام والإسقاء، الإطعام من الجنة والإسقاء من الجنة فليس بصحيح؛ لأنه لو طعم طعامًا حسيًا وشرب شرابًا حسيًا، لم يكن واصلًا، وإنما المراد بالطعام والسقي ما يشتغل به ﷺ من ذكر الله بقلبه ولسانه وجوارحه.\nوالحاصل: أن النبي ﷺ كان يواصل وينهى أمته على الوصال رحمة بهم، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n* * *\n٢٣١- وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي - ﵁ قال- قال: رسول الله صلى الله عليه وسل: \" إني لأقوم إلى الصلاة، وأريدُ أن أُطول فيها فأسمع بُكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه\" رواه البخاري.","vol":"2","page":560},{"text":"٢٣٢- وعن جُندب بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ \" من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذكته بشيء يُدركهُ، ثم يكفه على وجهه في نار جهنم \" رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب الرفق بالمسلمين فيما نقله عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري﵁ - عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: \" إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه\" هذا الحديث من النماذج التي تدل على رحمة النبي ﷺ بأمته، كما وصفه الله تعالى به في قوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: ١٢٨)\n، فهو يدخل في صلاة الجماعة يريد أن يطيل فيها، والمراد الإطالة النسبية، ليست الإطالة الزائدة عما كان يفعله من قبل، فإذا سمع بكاء الصبي أوجز وخفف مخافة أن يشق على أمه؛ لأن أمه إذا سمعت بكاءه فإنه يشق عليها أن تسمع بكاء ابنها، وربما يشغلها كثيرًا عن الصلاة، فيخفف عليها الصلاة والسلام لأجل ذلك.\nففي هذا الحديث فوائد منها:\nأولًا: رحمة النبي ﷺ بأمته وشفقته عليها.\nثانيًا: جواز حضور النساء إلى المساجد ليصلين مع الجماعة، وهذا","vol":"2","page":561},{"text":"ما لم تخرج المرأة على وجه لا يجوز، مثل أن تخرج متعطرة أو متبرجه، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ مقال: \" إيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا صلاة العشاء\".\nثالثًا: جواز إدخال الصبيان المسجد، هذا إذا كان صبيها معها، وإن كان خارج المسجد قريبًا منه فليس فيه دلالة، لكنه يصعب أن تسمع المرآة بكاء صبيها في البيت وهي في المسجد، فالظاهر أن صبيانهن كانوا معهن فيكون فيه دليلٌ على جواز إدخال الصبيان المساجد، لكن بشرط أن لا يحصل منهم أذية لا على المسجد ولا على المصلين، فإن كان يخشى منهم أذية على المسجد كتلويثه بالبول والنجاسة؛ فإنهم يمنعون، وكذلك إذا كان يخشى منهم التشويش على الناس بالصراخ والركض والجلبة، فإنهم يمنعون أيضًا. أما إذا لم يكن منهم بأس؛ فإنه لا بأس أن يؤتى بهم إلى المساجد.\nوأما حديث \" جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم\" فهو ضعيف.\n\nرابعًا: أنه يجوز للمصلى أن يسمع ما حوله ولا يلزمه أن يسدّ أذنيه، بل له أن يسمع، لكن إن كان ما حوله يشوش عليه إذا سمعه فلا يصلينَّ","vol":"2","page":562},{"text":"حوله وإنما يبعد، كما لو أراد الإنسان أن يصلى في المسجد وحوله حلقة ذكر أو حلقة قرآن، ويخشي أن يشوشوا عليه إذا دنا منهم، فليبعد، وأما إذ لم يشوشوا فلا بأس أن يسمع بخلاف الاستماع فإن المصلي لا يستمع إلا إلى قراءة إمامه.\nوعلى هذا إذا كنت تصلي وجاء القارئ يقرأ حديثًا أو موعظة، فلا تشد سمعك إليه، لا تستمع؛ لأن هذا غير مشروع، ولا تجعل تركيزك معه، أما إذا سمعته ولكنك ماضٍ في صلاتك لم تهتم به ولم تلتفت إليه فلا بأس.\nخامسًا: ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز للمصلي أن يغير نيته من تطويل إلى تخفيف أو بالعكس، إذا وُجد سبب لذلك؛ لأن النبي ﷺ كان يدخل في الصلاة يريد أن يطيلها فيخفف.\nفإذا دخل الإنسان في صلاته وهو يريد أن يطيل، ثم جاءه شخص وقال له: عند الباب ضيوف أو ما أشبه ذلك؛ فلا بأس أن يخفف ليذهب إلى ضيوفه كما كان الرسول ﵊ يفعل هذا.\nسادسًا: ومن فوائد هذا الحديث:\n\nأنه لا حرج على الإنسان إذا شق عليه بكاء ابنه أو ما يؤذي ابنه من ألمٍ أو شبهه؛ لأن هذا من الأمور الفطرية الطبيعية، فإن كل إنسان يشق عليه أن يسمع بكاء أبنه؛ بل إن من الناس من يشق عليه أن يسمع بكاء الصبي مطلقًا حتى ولو لم يكن أبناء له رحمة بالصبيان، ولا شك أن الرحمة بالصبيان ومراعاتهم واتقاء ما يؤذيهم من أسباب الرحمة، كما قال النبي ﷺ من","vol":"2","page":563},{"text":"قبل: \" من لا يرحم الناس لا يرحمه الله \" و\" الراحمون يرحمه الرحمن\" و\" إنما يرحم الله من عباده الرحماء\" وأشباه هذه الأحاديث، فكون الإنسان يشق عليه بكاء الصبيان رحمة لهم، لا شك أن هذا من الخلق المحمود؛ لأنه رحمة بهؤلاء الصغار الذين هم أهل للرحمة، الله الموفق.\nثم ذكر المؤلف - ﵀ - حديث جندب بن عبد الله - ﵁- أن النبي ﷺ قال: \" من صلى الفجر فهو في ذمة الله \" الفجر هي الصلاة الأولى عند بعض العلماء. وعند بعض العلماء أن الصلاة الأولى هي صلاة الظهر، لكن الأصح أن الصلاة الأولي هي صلاة الفجر، والثانية: الظهر، والثالثة: العصر، وهي الوسطى، والرابعة: المغرب، والخامسة: العشاء..\nوصلاة الفجر تأتي وكثيرٌ من الناس نيام، ولهذا يتكاسل عنها المنافقون، كما قال النبي ﷺ: \" أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لاتوهما ولو حبوا\"\nوهي وصلاة العصر أفضل الصلوات الخمس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسمل: \" من صلى البردين دخل الجنة\".\nوالبردان هما: الفجر والعصر؛ لأن الفجر براد الليل، والعصر براد","vol":"2","page":564},{"text":"النهار، وقوله: \" من صلى الفجر\" ظاهره من صلى في جماعة أو غير جماعة.\nوقوله: \" فهو في ذمة الله \" أي في عهده، يعني أنه دخل في عهد الله فكأنه معاهد لله ﷿ أن لا يصيبه أحد بسوء، ولهذا قال ﵊: \" فلا يطلبنكم الله في ذمته بشيء\" يعني لا يترك عهد على من صلى الفجر؛ لأنه في ذمة الله وفي عهده، فإياكم أن يطلبكم الله تعالى من ذمته بشيء، \" فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في النار\".\n\nففي هذا دليلٌ على أنه يجب احترام المسلمين الذين صدقوا إسلامهم بصلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن، فالمنافقون لا يشهدون الجماعة، ولا يصلون الفجر أبدًا؛ لأنهم إنما يصلون مراءاة للناس، فإذا لم يكن الناس ينتبهون لهم، فإنهم لا يصلون.\nوالفجر في عهد النبي ﷺ ليست كالفجر في يومنا هذا، بل كان الليل في عهد النبي ﷺ ليلًا حالكًا لا يُرى الناس فيه، فيأتي الإنسان ويذهب وهو لا يُعرف، لكن ليلنا الآن - ولله الحمد - كنهارنا بما أنعم الله علينا به من هذه الإضاءة بالكهرباء، لكنها في عهد النبي ﷺ لظلمتها ومشقتها؛ كان المنافقون لا يصلون الفجر والعشاء جماعة. والحاصل أن هذا الحديث يدل على وجوب احترام المسلمين الذين برهنوا على إسلامهم بصلاة الفجر، وإنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم.","vol":"2","page":565},{"text":"٢٣٣- وعن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: \" المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه: كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة؛ من كرب يوم القيامة، من ستر مسلمًا؛ ستره الله يوم القيامة\" متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي صلى الله عليه وسمل قال: \" المسلم أخو المسلم\" يعني في الدين، كما قال الله ﵎: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران: م١٠٣) وقال الله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) (الأحزاب: ٥) وهذه الأخوة هي أوثق الأخوات، أوثق من أخوة النسب، فإن أخوة النسب قد يتخلف مقتضاها، فيكون أخوك من النسب عدوًا لك كارهًا لك، وذلك يكون في الدنيا وفي الآخرة. قال الله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: ٦٧) .\nأما أخوة الدين فإنها أخوة ثابتة راسخة في الدنيا وفي الآخرة، تنفع الإنسان في حياته وبعد مماته، لكن هذه الأخوة لا يترتب عليها ما يترتب على أخوة النسب من التوارث ووجوب النفقة وما أشبه ذلك.\nثم قال: \" لا يظلمه ولا يسلمه\" لا يظلمه لا في ماله، ولا في بدنه، ولا","vol":"2","page":566},{"text":"في عرضه، ولا في أهله، يعني لا يظلمه بأي نوع من الظلم \" ولا يسلمه يعني لا يسلمه لمن يظلمه، فهو يدافع عنه ويحميه من شره، فهو جامع بين أمرين:\n\nالأمر الأول: أنه لا يظلمه.\nوالأمر الثاني: أنه لا يسلمه لمن يظلمه بل يدافع عنه.\nولهذا قال العلماء - ﵏ -: يجب على الإنسان أن يدافع عن أخيه فعرضه وبدنه وماله. في عرضه: يعني إذا سمع أحدًا يسبه ويغتابه، يحب عليه أن يدافع عنه. وكذلك أيضًا في بدنه: إذا أراد أحد أن يعتدي على أخيك المسلم وأنت قادر على دفعه، وجب عليك أن تدافع عنه، وكذلك في ماله: لو أراد أحد أن يأخذ ماله، فإنه يجب عليك أن تدافع عنه.\nثم قال ﵊: \" والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه\" يعني أنك إذا كنت في حاجة أخيك تقضيها وتساعده عليها؛ فإن الله تعالى يساعدك في حاجتك ويعينك عليها جزاءً وفاقًا.\nويُفهم من ذلك أن الإنسان إذا ظلم أخاه؛ فإن أخوته ناقصة، وإذا أسلمه إلى من يظلمه؛ فإن أخوته ناقصة، وإذا أسلمه إلي من يظلمه، فإن أخوفه ناقصة، وإذا لم يكن في حاجته، فإن هذا يفوته الخير العظيم، وهو كون الله تعالى في حاجته.\n\nثم قال: \" ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة\" الكرب ما يضيق على الإنسان ويشق عليه، ويجد له في نفسه همًا وعمًا، فإذا فرجت عن أخيك هذه الكربة؛ فرج الله عنك كربة","vol":"2","page":567},{"text":"من كرب يوم القيامة.\nوتفريج الكربات يكون في أمور متعددة: إن كانت كربة مالية؛ فبإعطائه المال الذي تزول به الكربة، وإن كانت كربة معنوية؛ فبالحرص على رد معنويته ورد اعتباره حتى تزول عنه الكربة، وإذا كامن كربة هم وغم؛ فبأن توسع عليه وتنفس له، وتبين له أن الأمور لا تدوم، وأن دوام الحال من المحال، وتبين له ما في هذا من الأجر والثواب العظيم، حتى تهون عليه الكربة.\n\" ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة\" من ستر يعني: غطى عيبه ولم يبينه، فإن الله يستره في الدنيا والآخرة، وهذا ليس على إطلاقه فهناك نصوص تدل على أنه غير مطلق، فالستر قد يكون مأمورًا به محمودًا، وقد يكون حرامًا، فإذا رأينا شخصًا على معصية، وهو رجلٌ شرير منهمك في المعاصي، لا يزيده الستر إلا طغيانًا؛ فإننا لا نستره، بل نبلغ عنه حتى يُردع ردعًا يحصل به المقصود. أما إذا لم تبدر مه بوادر سيئة، ولكن حصلت منه هفوة، فإن من المستحب أن تستره ولا تبينه لأحد، لا للجهات المسؤولة ولا لغيرها، فإذا سترته ستر الله عليك في الدنيا والآخرة.\nومن ذلك أيضًا أن تستر عنه العيب الخلقي، إذا كان فيه عيب في خلقته كجروح مؤثرة في جلده أو برص أو بهق أو ما أشبه ذلك، وهو يتستر ويحب ألا يطلع عليه الناس فإنك تستره، إذا سترته سترك الله في الدنيا والآخرة. وكذلك إذا كان سيئ الخلق لكنه يتظاهر للناس بأنه حسن الخلق","vol":"2","page":568},{"text":"وواسع الصدر، وأنت تعرف عنه خلاف ذلك، فاستره. فمن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة فالستر كما قلت بالنسبة للأعمال السيئة التي يقوم بها الإنسان ينقسم إلى قسمين:\n\nقسم يكون من شخص منهمك في المعاصي مستهتر، فهذا لا نستر عليه.\nوقسم آخر حصل منه هفوة، فهذا هو الذي نستر عليه. أما الأمور الأخرى فالستر فيها أكمل وأفضل، الله المستعان.\n* * *\n٢٣٤- وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسمل: \" المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذلهُ. كل المسلم على المسلم حرامٌ: عرضه وماله ودمهُ، التقوى هاهنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم\" رواه الترمذي وقال: حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: \" المسلم أخو المسلم\" وقد تقدم الكلام على هذه الجملة. وأن هذه الأخوة أخوة الإيمان، وأنها أقوى رابطة وأوثق من أخوة النسب، وبينا وجه ذلك فيما سبق.","vol":"2","page":569},{"text":"وبين هنا في هذا الحديث أنه \" لا يظلمه ولا يخونه ولا يكذبه\" لا يخونه يعني لا يغدر به في محل الائتمان، إذا ائتمنه على شيء، أو على مال، أو على سر، أو على غير ذلك فإنه لا يخونه، والخيانة هي الغدر بالشخص في موضع الائتمان، ولا يجوز لأحد أن يخون أخاه المسلم حتى وإن خانه.\n\nيعني وإن خانك أخوك المسلم فلا تخنه، لقول النبي صلى الله عليه وسمل: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك\" فلو فرضنا أن شخصًا خانك في مال؛ بان أقرضته مالًا أي سلفته، ثم أنكر بعد ذلك وقال: لم تقرضني شيئًا؛ فإنه لا يحل لكل أن تخونه فتقترض منه ثم تنكره، بل أد إليه أمانته وأسال الله الحق الذي لك؛ لقول ﵊: \" لا تخن من خانك\".\nكذلك أيضًا \" لا يكذبه\" أي لا يحدثه بكذب، والكذب حرام، وكلما كان آثاره أسوأ كان أشد إثمًا. وليس في الكذب شيء حلالًا، وأما من ادعاه بعض العامة حيث يقولون: إن الكذب نوعان: أسود وأبيض، فالحرم هو الأسود، والحلال هو الأبيض، فجوابه: أن الكذب كله أسود، ليس فيه شيء أبيض، لكن يتضاعف إثمه بحس ما يترتب عليه، فإذا كان يترتب عليه أكل مال المسلم، أو غررٌ على مسلم، صار اشد إثمًا، وإذا كان لا يترتب عليه أي شيء من الأضرار، فإنه أخف ولكنه حرام.\nلكن ورد عن النبي ﷺ \" إنه رخص في الكذب عند الإصلاح بين","vol":"2","page":570},{"text":"الناس وفي الحرب، وفي حديث الرجل امرأته. وحديثها إياه\"\nولكن كثيرًا من العلماء قال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث ليس الكذب الصريح، وإنما هو التورية، والتورية تسمى كذبًا، كما قال إبراهيم ﵊ حين يأتي الناس له يوم القيامة ليشفع لهم: إنه كذب ثلاث كذبات، وهو لم يكذب ولكنه ورى تورية، يعني أظهر للمخاطب شيئًا غير الذي يريده نهو، فبعض العملاء يقول: إن هذا الحديث الذي فيه أن الكذب يجوز في هذه الأشياء الثلاثة، يراد به كذب التورية لا الكذب الصريح، وعلى هذا فلا يستثنى من الكذب شيء، وكل الكذب حرام، ثم أعلم الكذب يحار فيه الإنسان ويعجز عنه معالجته كما قيل:\nلي حيلة في من ينمُّ وليس في الكذاب حيلة\nمن كان يخلق ما يقولُ فحيلتي فيه قليله\nالذي ينمُّ والذي يلقي النميمة بين الناس، لي فيه حيلة أي يمكن أن احتال واتخلص منه ومن شره، لكن الذي يكذب يقول فعلت وفعلت وهو كاذب. ليس في فيه حيلة إذا كان يخلق ما يقول وما شاء قاله، فهذا مشكل ليس لي فيه حيلة، ولهذا قال هنا: \" ولا يكذبه\".\nوفي لفظ \" ولا يحقره\" يعني لا يحتقره ولا يستصغره، حتى وإن كان اكبر منه سنًا، وإن كان أكثر منه مالًا، وإن كان أغزر منه عالمًا فلا يحقره.","vol":"2","page":571},{"text":"واحتقار الناس من الكبر- والعياذ بالله - قال النبي ﷺ: \" الكبر بطر الحق، وغمط الناس\" بطر الحق يعني ردّه، وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم فالمسلم يرى أخاه بعين الإكبار ويحترمه ويعظمه، والعامة يقولون: احترام الناس يحترمونك، يعني من راي الناي يعني الاحتقار وأوه بعين الاحتقار ظن ومن رآهم بين الإكثار والإجلال، راوه بعين والإجلال، وهذا شيء مشاهد.\nولهذا تجد الرجل المتواضع اللين الهين محترمًا عند الناس كلهم، لا أحد يكرهه، ولا أحد يسبه والإنسان الشامخ بأنفه المستكبر المحتقر لغيره، تجده مكروهًا مذمومًا عند الناس، ولولا حاجة الناس إليه إذا كانو يحتاجون غليه ما كلمه أحد؛ لأنهم يحتقرونه.\nثم قال ﵊: \" التقوى ها هنا\" أشار إلى صدره ثلاث مرات، يعني أن التقوى في القلب فإذا اتقى القلب؛ أتقت الجوارح، وهذا كقوله ﷺ: \" ألا وإن ف الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب\" فإذا كان في قلب الإنسان تقوى لله ﷿ وخوفٌ منه وخشيه له، استقامت أعماله الظاهرة؛ لأن الأعمال الظاهرة تتبع القلب.\n\nوقد مثل بعض العلماء ومنهم أبو هريرة رضي الله عن بالقلب بالملك","vol":"2","page":572},{"text":"المطاع مع جنوده، فالملك المطاع مع جنوده إذا أمرهم بشيء أطاعوه، ولكن بعض العلماء قال: إن هذا المثال أنقص من قول النبي ﷺ: \" إذا صلحت صلح الجسد كله\" وذلك لأن الملك مع جنوده وإن كان مطاعًا فإنهم لا يصلحون بصلاحه، لكن القلب إذا صلح صلح الجسد، وإذا اتقي اتقى الجسد.\nواعلم أن من الناس من يجادل بالباطل بهذا الحديث، فإذا أمرته بمعروف، أو نهيته عن منكر، قال، التقوى هاهنا تقول له: لا تحلق لحيتك فحلق اللحية حرام، وحلق اللحية من طريقة المجوس والمشركين، وإعفاء اللحية من هدي النبيين والمرسلين وأولياء الله الصالحين. إذا قلت له هذا قال: التقوى هاهنا. التقوى ها هنا. نقول له: كذبت وإنه ليس في قلبك تقوى، لو كان في قلبك تقوى لاتقيت الله؛ لأن القلب إذا اتقى اتقت الجوارح، وإذا انهمك في معصية الله انهمكت الجوارح.\nوفي قوله: \"التقوى ها هنا \" وإشارته على صدره دليلٌ على أن العقل في القلب الذي في الصدر، وهذا هو المطابق للقرآن تمامًا، قال الله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: ٤٦)، فقال: (قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)، ثم قال (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) .\nوليس القلب هو الخ كما يظنه بعض الجهال، فالعقل في القلب. ولكن المخ لا شك أن له اثرًا في أعمال العبد، في حركاته، وفي سكناته، لكنهم قالوا: إن المخ مثل الخادم، يهيئ الأشياء ويطبخها، ثم يبعث بها","vol":"2","page":573},{"text":"إلي القلب، ثم يصدر القلب الأوامر على المخ من اجل أن المخ يدبر الأعصاب وبقية الجسم، فيكون هذا المخ خادمًا للقلب عند تصدير الأشياء إليه واستصدارها منه فالأشياء تمر من القلب ذاهبة وآتيه إلى المخ، والمخ هو الذي يحرك البدن، ولذلك إذا اختل المخ اختل كل شيء.\n\nثم قال ﷺ \" بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم\" يعني لو لم يكن من الشر للمسلم إلا أن يحقر أخاه ويستصغره ويستذله، لكان كافيًا في الإثم والعياذ بالله، في هذا التحليل أعظم زاجر من احتقار أخيك المسلم، وأن الواجب عليك أن تحترمه وتعظم بما فيه من الإسلام والإيمان.\nثم قال ﷺ: \" كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه\": \" كل المسلم على المسلم حرام، دمه \"فلا يعتدي على المسلم بقتل أو جرح او غير ذلك \" وماله\" فلا يؤخذ ماله، ولا غصبًا، ولا سرقة، ولا خيانة، ولا دعوى ما ليس له، ولا غير ذلك بأي طريق، فلا يحل لك أن تأخذ مال أخيك بغير حق فإنه حرامٌ عليك.\n\" وعرضه\" بأن لا تنتهك عرضه، وتتكلم فيه بين الناس، سواء كنت صادقًا فيما تقول أو كاذبًا؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن الغيبة فقال: \" ذكرك أخاك بما يكره\" قالوا: يا رسول الله، أريت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته\"","vol":"2","page":574},{"text":"فالواجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله وعرضه ودمه كما قال ﷺ \": \" كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه\".\n* * *\n\n٢٣٥- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ \" لا تحاسدوا، ولا تجاسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يحقره، ولا يخذلهُ، التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه\" رواه مسلم.\n\" النجش \" أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه، ولا رغبة له في شرائها بل يقصد أن يغر غيره وهذا حرامٌ\" والتدابر \" أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة﵁ - أن النبي ﷺ قال: \" لا تحاسدوا \" أي لا يحسد بعضكم بعضًا. والحسد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره هذا الحسد، ومثاله أن تكره أن الله أنعم على هذا الرجل بالمال، أو البنين، أو بالزوجة، أو بالعلم أو بالعبادة، أو بغير ذلك من النعم سواء تمنيت أن تزول أن لم تتمن.\nوإن كان بعض العلماء يقول: إن الحسد أن يتمنى زوال نعمة الله على","vol":"2","page":575},{"text":"غيره، ولكن هذا أخبث وأشده، وإلا فمجرد كراهة الإنسان أن ينعم الله على الشخص فهو حسد، والحسد، من خصال اليهود، فمن حسد فهو متشبه بهم والعياذ بالله، قال الله تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) (البقرة: ١٠٩) وقال تعالى فيهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (النساء: ٥٤)، ولا فرق بين أن تكره ما أنعم الله على غير ليعود هذا الشيء إليك، أو ليرتفع عن أخيك وإن لم يعد إليك.\nوأعلم أن في الحسد مفاسد كثيرة:\nمنها: أنه تشبه باليهود أخبث عباد الله وأخس عباد الله، الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.\n\nومنها: أن فيه دليلًا على خبث نفس الحاسد، وأنه لا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لأن من أحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لم يحسد الناس على شيء؛ بل يفرح إذا أنعم الله عليه غيره بنعمة ويقول: اللهم آتني مثلها، كما قال الله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: ٣٢) .\nومنها: أن فيه إعتراضًا على قدر الله ﷿ وقضائه، وإلا فمن الذي أنعم على هذا الرجل؟ الله ﷿، فإذا كرهت ذلك فقد كرهت قضاء الله وقدره، ومعلوم أن الإنسان إذا كره قضاء الله وقدره فإنه على خطر في دينه - نسأل الله العافية-؛ لأنه يريد أن يزاحم ربّ الأرباب جلّ وعلا في تدبيره","vol":"2","page":576},{"text":"وتقديره.\nومن مفاسد الحسد: أنه كلما أنعم الله على عباده نعمة؛ التهبت نار الحسد في قلبه فصار دائمًا في حسده وفي غم، لأن نعم الله على العباد لا تحصى، وهو رجلٌ خبيث كلما أنعم اله على عبده نعمة على ذلك الحسد في قلبه حتى يحرقه.\n\nومن مفاسد الحسد: انه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب كما قال ﷺ: \" إياكم والحسد، فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب\"\nومن مفاسده: أنه يعرقل الإنسان على السعي في الأشياء النافعة؛ لأنه دائمًا يفكر ويكون في غم؛ كيف جاء هذا الرجل مالٌ؟ كيف جاءهم علم؟ كيف جاءه ولد؟ كيف جاءه زوجة ما أشبه ذلك، فتجده دائمًا منحسرًا منطويًا على نفسه، ليس له هم إلا تتبع نعم الله على العباد واغتمامه بها، نسأل الله العافية.\nومن مفاسد الحسد: أنه ينبئ عن نفس شريرة ضيقة، لا تحب الخير وإنما هي نفس أنانية تريد أن يكون كل شيء لها.\nومن مفاسد الحسد أيضًا: أنه لا يمكن أن يغير شيء مما قضاه الله ﷿ ابدأً، مهما عملت، ومهما كرهت. ومهما سعيت لإخوانك في إزالة نعم الله عليهم، فإنك لا تستطيع شيئًا.\nومن مفاسده: أنه ربما يتدرج بالإنسان إلى أن يصل إلى درجة","vol":"2","page":577},{"text":"الذي يحسد الناس، لأن العائن نفسه شريرة حاسدة حاقدة، فإذا رأى ما يعجبه انطلق من هذه النفس الخبيثة مثل السهم حتى يصيب بالعين، فالإنسان إذا حسد وصار فيه نوع من الحسد، فإنه يترقى به الأمر حتى يكون من أهل العيون الذين يؤذون الناس بأينهم، ولا شك أن العائن عليه من الوبال والنقمة بقدر ما ضرّ العباد. إن ضرهم بأموالهم فعليه من ذلك إثم أو بأبدانهم أو بمجتمعهم، ولهذا ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى تضمين العائن كل ما أتلف، يعني إذا عان أحدًا وأتلف شيئًا من ماله أو أولاده أو غيرهم، فإنه يضمن، كما أنهم قالوا: إن من اشتهر بذلك، فإنه يجب أن يُحبس إلا أن يتوب، يحبس أتقاء شره، لأنه يؤذى الناس ويضرهم فيحبس كفًا لشره.\nومن مفاسد الحسد: انه يؤدي إلى تفرق المسلمين؛ لأن الحاسد مكروه عند الناس مبغض، والإنسان الطيب القلب الذي يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، تجده محبوبًا من الناس، الكل يحبه، ولهذا دائمًا نقول: والله فلان هذا طيب ما في قلبه حسد، وفلان رجلٌ خبيثٌ حسود وحقود وما أشبه ذلك.\n\nفهذه عشر مفاسد كلها في الحسد، وبهذا نعرف حكمة النبي صلى الله عليه وسل حيث قال: \" لا تحاسدوا\" أي لا يحسد بعضكم بعضًا، فإن قال قائل: ربما يجد الإنسان في نفسه إنه يحب أن يتقدم على غيره في الخير، فهل هذا من الحسد؟ فالجواب: أن ذلك ليس من الحسد؛ بل هذا من التنافس في الخيرات، قال الله تعالى: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (الصافات: ٦١) فإذا","vol":"2","page":578},{"text":"أحب الإنسان أن يتقدم على غيره في الخير، فها ليس من الحسد في شيء الحسد أن يكره الخير لغيره.\nواعلم أن للحسد علامات: منها أن الحاسد يحب دائمًا أن يخفي فضائل غيره، فإذا كان إنسان ذا مال، ينفق ماله في الخير من صدقات وبناء مساجد، وإصلاح طرق، وشراء كتب يوقفها على طلبة العلم وغير ذلك فتجد هذا الرجل الحسود إذا تحدث الناس على هذا المحسن يسكت وكأنه لم يسمع شيئًا، هذا لا شك إن عنده حسدًا؛ لأن الذي يحب الخير يحب نشر الخير للغير، فإذا رأيت الرجل إذا تكلم عن أهل الخير بإنصاف وأثنى عليهم وقال: هذا فيه خيرٌ وهذا محسن، هذا كريم، فهذا يدل على طيب قلبه وسلامته من الحسد. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الحسد، ومن منكرات الأخلاق والأعمال.\n\nأما قوله: \" ولا تناجشوا\" فالنجش هو أن يزيد في السلعة على أخيه وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد أن يضرّ المشتري، أو ينفع البائع، أو الأمرين جميعأً.\nمثال ذلك: عرضت سلعة في السوق فصار الناس يتزايدون فيها، فقام رجل فجعل يزيد فيها وهو لا يريد الشراء، تسام بمائة فقال بمائة وعشرة وهو لا يريد أن يشترى، ولكنه يريد أن يزيد الثمن على المشترى، أو يريد أن ينفع البائع فيزيد الثمن له أو الأمرين جميعًا، فهذا حرامٌ ولا يجوز لما فيه من العدوان. أما إذا زاد الإنسان في الثمن عن رغبة في السلعة، ولكن لما ارتفعت قيمتها تركها فهذا لا بأس به، فإن كثيرًا من الناس يزيد في","vol":"2","page":579},{"text":"السلعة؛ لأنه يرى أنها رخيصة، فإذا زادت قيمتها تركها، فهذا ليس عليه بأس. كما أن من الناس من يزيد في السلعة يريدها ويزيد في ثمنها حتى تخرج عن قيمتها كثيرًا.\nفالناس على زيادتهم في السلعة على ثلاث أقسام:\nالقسم الأول: نجش وهو حرام.\nالثاني: يزيد فيها لأنه يرى أنها رخيصة، وأنها ستكسبه، وليس له قصد في عين السلعة ولا يريدها بعينها، لكن لما رأي أنها رخيصة وأنها ستكسبه جعل يزيد، فلما ارتفعت قيمتها تركها، فهذا لا بأس به.\nالثالث: أن يكون له غرض في السلعة، يريد أن يشتري هذه السلعة، فيزيد حتى يطيب خاطره ويظفر بها، فهذا أيضًا لا بأس به.\nوقوله ﷺ: \" ولا تباغضوا\" أي لا يبغض بعضكم بعضًا، وهذا بالنسبة للمؤمنين بعضهم مع بعض، فلا يجوز للإنسان أن يُبغض أخاه أي: يكرهه في قلبه؛ أنه أخوه، ولكن لو كان هذا الأخ من العصاة الفسقة، فإنه يجوز لك أن تبغضه من أجل فسقه، ولا تبغضه بغضًا مطلقًا، لكن أبغضه على ما فيه من المعصية، وأحبه على ما فيه من الإيمان.\nومن المعلوم أننا لو وجدنا رجلًا مسلمًا يشرب الخمر، ويشرب الدخان، ويجر ثوبه خيلاء، فإننا لا نبغضه كما نبغض الكافر، فمن أبغضه كما يبغض الكافر انقلب على وجهه، كيف تسوي بين مؤمن عاصٍ فاسق، وبين الكافر؟ هذا خطأ عظيم. ربما بعض الناس يكره المؤمن الذي عنده هذا الفسق أكثر مما يكره الكافر، وهذا - والعياذ بالله - من انقلاب","vol":"2","page":580},{"text":"الفطرة فالمؤمن مهما كان خيرٌ من الكافر.\nفأنت أبغضه على ما فيه من المعصية وأحبه على ما معه من الإيمان فإن قلت: كيف يجتمع حب وكراهية في شيء واحد؟\n\nفالجواب: أنه يمكن أن وكراهة في شي واحد، أرايت لو أن الطبيب وصف لك دواءًا مرًا منتن الرائحة ولكنه قال: أشربه وسوف تشفى بإذن الله، فإنك لا تحب هذا الدواء على سبيل الإطلاق؛ لأنه مر وخبيث الرائحة، ولكنك تحبه من جهة أنه سبب للشفاء، وتكرهه لما فيه من الرائحة الخبيثة والطعم المر.\nهكذا المؤمن العاصي، لا تكرهه مطلقًا، بل تحبه على ما معه من الإيمان، وتكرهه على ما معه من المعاصي، ثم إن كراهتك إياه لا توجب أن تعرض عن نصيحته، بأن تقول: أنا لا أتحمل أن أواجه هذا الرجل لأني اكره منظره، بل أجبر نفسك واتصل به وانصحهُ، ولعل الله أن ينفعه على يديك ولا تيأس، كم من إنسان استبعدت هدايته فهداه الله ﷿ بمنه وكرمه.\nوالأمثلة على هذا كثيرة في قوتنا الحاضر وفيما سبق؛ في وقتنا الحاضر يوجد أُناسٌ فسقة يسر الله لهم من يدعوهم إلى الحق فاهتدوا، وصاروا أحسن من الذي دعاهم، وفيما سبق من الزمان أمثلة كثيرة، فهذا خالد بن الوليد ﵁ كان سيفًا مسلولًا على المسلمين، ومواقفه في أُحد مشهورة حيث كرّ هو وفرسان من قريش على المسلمين من عند الجبل، وحصل ما حصل من الهزيمة، ثم هداه الله تعالى. وعمر بن","vol":"2","page":581},{"text":"الخطاب ﵁ كان من أكره الناس لما جاء به الرسول ﵊ فهداه الله وكان من أولياء الله، فكان الثاني في هذه الأمة.\nلذلك فلا تيأس، ولا تقل إنني لا أطيق هذا الرجل لا منفطرًا لا مسمعًا، ولا يمكن أن أذهب إليه، بل اذهب ولا تيأس، فالقلوب بيد الله ﷿، نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم.\n\nفإن قال قائل: البغضاء هي انفعال في النفس، والأشياء الانفعالية قد لا يطيقها الإنسان كالحب مثلًا، فالحب لا يملك الإنسان أن يحب شخصًا؛ أو يقلل من محبته، أو أن يزيد في محبته إلا بأسباب، ولهذا قال النبي ﵊ وهو يقسم بين زوجاته: \" اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلومني فيما لا أملك \" يعني في المحبة، ومن المعلوم أن الرسول ﵊ كان يجب عائشة ﵂ أكثر من غيرها من زوجاته، لكن هذا بغير اختيار.\nفإذا قال قائل: الغضب انفعال لا يمكن للإنسان أن يسيطر عليه، فالجواب: الانفعال يحصل بفعل، فأنت مثلًا لا تحب شخصًا إلا لأسباب: إيمانه، نفعه للخلق، حسن خلقه، خدمته لك، أو غيرها من الأشياء الكثيرة، تذكر هذه الأسباب فتحبه، ولا تكره شخصًا إلا لسبب، تذكر الأسباب التي توجب الكراهة فتكرهه، لكن مع ذلك ينبغي للإنسان","vol":"2","page":582},{"text":"أن يعرض عن الأسباب التي توجب البغضاء مع أخيه؛ لأن النبي ﷺ قال: \" لا تباغضوا\"\n\nلكنى أقول: إن البغضاء لها أسباب، والمحبة لها أسباب، فإذا عرضت عن أسباب البغضاء وتناسيتها وغفلت عنها زالت بإذن الله، وهذا هو الذي أراده النبي ﵊ بقوله \" لا تباغضوا\" وهو نظير قوله للرجل الذي قال: يا رسول الله أوصني، قال \" لا تغضب\" قال: أوصني، قال \" لا تغضب\" قال: \" اوصني\" قال: \" لا تغضب\" ردد مرارًا قال: \" لا تغضب\".\nقد يقول الإنسان عن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، كما جاء في الحديث، فلا سبيل اله إلى إخماده، ونقول: بل له سبيل، افعل الأسباب التي تخفف الغضب حتى يزول عنك الغضب.\nقال: \" ولا تدابروا \" فهل المراد ألا يولي بعضكم دبر بعض من التدابر الحسي؟ بمعني مثلًا أن تجلس وتذر الناس وراءك في المجالس. نعم هذا من المدابرة، ومن المدابرة أيضًا المقاطعة في الكلام حين يتكلم أخوك معك وأنت قد صددت عنه، أو إذا تكلم وليت وتركته، فهذا من التدابر وهذا التدابر حسي.\nوهناك تدابر معنوي، هو اختلاف الرأي، بحيث يكون كل واحد منا","vol":"2","page":583},{"text":"له رأى مخالف للآخر، وهذا التدابر في الرأي أيضًا نهي عنه الرسول علي الصلاة والسلام.\nوعندي أن من التدابر ما يفعله بعض الأخوة إذا سلم من الصلاة تقدم على الصف مقدار شبر أو نحوه، فهذا فيه نوع من التدابر، ولهذا شكا إلى بعض الناس هذه الحال، قال بعض الناس إذ سلمنا تقدم قليلًا ثم يحول بيني وبين الإمام، لا سيما إذا كان هناك درس فإنه يحول بينى وبين مشاهدة الإمام، ومعلوم أن الإنسان إذا كان يرى المدرس كان أنبه له وأقرب للفهم والإدراك، فبعض الناس يكره هذا الشيء، لذا أيضًا ينبغي للإنسان أن يكون ذا بصيرة وفطنة فلا تتقدم على إخوانك وتجعلهم وراءك، إذا كان بودك أن تتوسع فقم وتقدم بعيدًا واجلس إذا كنت في الصف الأول، وإن كنت في الصف الثاني تأخر، أما أن تتقدم على الناس وهم وراء ظهرك، فهذا فيه نوع من سوء الأدب. وفيه نوع من التدابر.\nفينبغي في هذه المسألة وفي غيرها أن يتفطن الإنسان لغيره، وأن لا يكون أنانيًا يفعل فقط ما طرأ على باله فعله، دون مراعاة للناس، ودون حذر من فعل ما يُنتقد عليه.\n\nأما الجملة الخامسة فهي قوله: \" ولا يبيع بعضكم على بيع بعض \" لا بيع بعضكم على بيع بعض؛ لأن هذا يؤدي إلى الكراهية والعداوة والبغضاء. ومثال بيع الإنسان على بيع أخيه: أن يذهب لمن اشترى سلعة من شخص بمائة فيقول: أنا أعطيك مثلها بثمانين، أو أعطيك أحسن منها بمائة فيرجع المشتري ويفسخ العقد الأول ويعقد مع الثاني، ففي هذا","vol":"2","page":584},{"text":"عدوان ظاهر على حق البائع الأول، وهذا العدوان يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين.\nمثال ذلك الشراء على شرائه، مثل أن يذهب إلي شخص باع سلعة بمائة فيقول له أنا أشتريها منك بمائة وعشرين، فيذهب البائع ويفسخ العقد ويبيع على الثاني، فهذا أيضًا حرامٌ، لأنه بمعنى البيع على البيع.\nولكن هل هذا خاص في زمن الخيار أو عام؟\nالحديث عام انه لا يحل لك أن تبيع على بيع أخيك سواء في زمن الخيار أولا، وقال بعض العلماء: إنه محمول على ما إذا كان ذلك في زمن الخيار؛ لأنه إذا أنتهي وهن الخيار فإنه لا يستطيع أو يفسد العقل ومثال ذلك: رجل باع عل شخص سيارة بعشرة آلاف ريال، وجعل له الخيار ثلاثة أيام، فذهب شخص إلى المشترى وقال: أنا أعطيك أحسن منها بعشرة آلاف ريال، فأغري المشترى أن يذهب للبائع ويقول: فسخت العقد، أو يذهب شخص إلي البائع ويقول: سمعت أنك بعت سيارتك على فلان بعشرة الآف ريال، أنا أعطيك أحد عشر ألفًا، فيفسخ البيع ويرد ويبيعها على الثاني.\nأما إذا كان بعد انتهاء المدة فقال بعض العلماء: إنه لا بأس، يعني بعد أن باعه وجعل له الخيار ثلاثة أيام وانتهت الأيام الثلاثة، فلا بأس أن يذهب إلى الشخص الذي أشتراها ويقول: أنا أعطيك مثلها بأقل، أو أحسن منها بالثمن الذي اشتريت به، وعللوا ذلك بأنه لا يمكنه حينئذ ان يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار.","vol":"2","page":585},{"text":"ولكن ظاهر الحديث العموم، لأنه وإن كان لا يمكنه أن يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار فإنه قد يحاول أن يوجد مفسدا للعقد، أو على الأقل يندم على شرائه، ويعتقد أن البائع غبنه وانه لعب عليه، فيحدث له بذلك العداوة والبغضاء وهذا مع قرب المدة، أما إذا طالت المدة فلا بأس بها؛ لأنه إذا طالت المدة فإنه من المعتذر أو المتعسر كثيرًا أن يفسخ العقد.\nوالحاصل أن لدينا ثلاث حالات:\nالحال الأول: أن يكون البيع أو الشراء على أخيه في زمن الخيار فلا شك في أنه حرام.\nوالحال الثانية: أن يكون بعد انتهاء زمن الخيار بمدة قريبة، ففيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه حرام.\nوالحال الثالثة: أن يكون بعد زمن بعيد، كشهر أو شهرين أو أكثر فهذا لا بأس به، ولا حرج فيه؛ لأن الناس يتبادلون السلع فيما بينهم على هذا الوجه، وعلى وجوه أخرى.\nومثل ذلك: الإجارة على إجارته مثل أن يذهب شخص إلى آخر استأجر بيتًا من إنسان السنة بألف ريال، قال له أنا عندي لك أحسن منه بثمانمائة ريال، فهذا حرام لأنه عدوان كالبيع على بيعه.\n\nومثل ذلك أيضًا: السوم على سومه، وقد جاء صريحًا فيما رواه مسلم، ويسوم على سومه يعني إذا سام شخص سلعة من آخر، وركن","vol":"2","page":586},{"text":"إليه صاحب السلعة، لم يبق إلا العقد، مثل أن يقول: بعها على بألف فيركن إليه البائع، ولكن لم يتم العقد، بل يجزم أن يبيع عليه، فيأتي إنسان آخر ويقول: \" أنا أعطيك بها ألفًا ومائه، فإن هذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: \" لا يسم على سوم أخيه\".\nومثل ذلك أيضا في النكاح، إذا خطب شخص من آخر فلا يحل لأحد أن يخطب على خطبته؛ لقول النبي ﷺ: \" ولا يخطب على خطبة أخيه\" وكل هذا احترامًا لحقوق المسلمين بعضهم على بعض، فلا يحل للإنسان أن يعتدي على حق إخوانه؛ لا ببيع ولا شراء ولا إجارة ولا سوم ولا نكاح ولا غير ذلك من الحقوق.\n\nبقي الكلام على قوله ﵊: \" التقوى هاهنا ويشير على صدره\" وقد سبق لنا معنى أن التقوى في القلب، فإذا اتقى القلب اتقت الجوارح، وإذا زاغ القلب زاغت الجوارح- والعياذ بالله - قال تعالى (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (المائدة: ١٠٨) .\nواعلم أنه زيغ القلب لا يكون إلا بسبب الإنسان، فإذا كان الإنسان يريد الشر ولا يريد الخير فإنه يزيغ قلبه- والعياذ بالله - ودليل هذا قوله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: ٥)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (لأنفال: ٧٠) .\n\nفإذا علم الله من العبد نية صالحة وإرادة للخير، يسر الله له ذلك وأعانه","vol":"2","page":587},{"text":"عليه، قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧) .\nوقوله ﵊: \" بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم يعني لو لم يكن للإنسان من الشر إلا أن يحقر أخاه الكان كافيًا، وهذا يدل على كثرة إثم من حقره إخوانه المسلمين؛ لأن الواجب على المسلم أن يعظم إخوانه المسلمين ويكبرهم ويعتقد لهم منزلة في قلبه، وأما احتقارهم وازدراؤهم فإن في ذلك من الإثم ما يكفر- نسأل الله السلامة.\nثم قال ﷺ: \" كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه\". يعني أن المسلم حرام على المسلم في هذه الأمور الثلاثة، أي في كل شيء؛ لأن هذه الأمور الثلاثة تتضمن كل شيء؛ الدم: كالقتل والجراح وما أشبهها، والعرض: كالغيبة، والمال: وكأكل المال، وأكل المال له طرق كثيرة؛ منها السرقة، ومنها الغصب- وهو أخذ المال قهرًا - ومنها أن يجحد ما عليه من الدين لغيره، ومنها أن يدعي ما ليس له وغيره ذلك.\nوكل هذه أشياء حرام، ويجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله ودمه وعرضه.\n* * *","vol":"2","page":588},{"text":"٢٣٦- وعن أنس ﵁ - عن النبي صلى الله عليه وسل مقال: \" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" متفق عليه.\n٢٣٧- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: \" أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا \" فقال رجلٌ: فإن ذلك نصره\" رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: \" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" لا يؤمن: يعني لا يكون مؤمنًا حقًا تام الإيمان إلا بهذا الشرط؛ أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، وما يحب لنفسه، من ترك الشر، يعني ويكره لأخيه ما يكره لنفسه، هذا هو المؤمن حقًا، وإذا كان الإنسان يعامل إخوانه هذه المعاملة فإنه لا يمكن أن يغشهم أو يخونهم، أو يكذب عليهم، أو يعتدي عليهم، كما أه لا يحب أن يُفعل به مثل ذلك.\nوهذا الحديث يدل على أن من كره لأخيه ما يحبه لنفسه أو أحب لأخيه ما يكره لنفسه فليس بؤمن، يعني ليس بمؤمن كامل الإيمان.\nويدل على أن ذلك من كبائر الذنوب إذا أحببت لأخيك ما تكره","vol":"2","page":589},{"text":"لنفسك، أو كرهت له ما تحب لنفسك.\n\nوعلى هذا فيجب عليك أخي المسلم أن تربي نفسك على هذا، على أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك حتى تحقق الإيمان، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: \" من احب أن يزحزح عن النار ويُدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب أن يأتي إلى الناس ما يؤتى إليه \" الأول حق الله، والثاني حق العباد، تأتيك المنية وأنت تؤمن باليوم الآخر- نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك- وأن تحب أن يأتي لأخيك ما تحب أن يُؤتى إليك.\nوأما حديث أنس الثاني من قول النبي ﷺ \" انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا \" النصر بمعنى الدفاع عن الغير أي دفع ما يضره، \" انصر أخاك\" أي ادفع ما يضره، سواء كان ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن كان ظالمًا فكيف أنصره؟ ولم يقل: فلا أنصره، بل قال: كيف انصره؟ يعني سأنصره ولكن أخبرني كيف أنصره، قال: \" تمنعه- أو قال تحجزه - من الظلم فإن ذلك نصره\" فإذا رأيت هذا الرجل يريد أن يعتدي على الناس فتمنعه فهذا نصره أي بأن تمنعه، أما إذا كان مظلومًا فنصره أن تدفع عنه المظالم.\n\nوفي هذا دليلٌ على وجوب نصر المظلوم وعلى وجوب نصر الظالم على هذا الوجه الذي ذكره النبي ﷺ.","vol":"2","page":590},{"text":"٢٣٨- وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: \" حق المسلم على المسلم خمسٌ: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس\" متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم: \" حق المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فأنصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه\"\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى - هنا ما نقله عن أبي هريرة ﵁ في بيان حقوق المسلم على أخيه، وحقوق المسلم على أخيه كثيرة، لكن النبي ﷺ أحيانًا يذكر أشياء معينة من أشياء كثيرة عناية بها واحتفاءً بها فمن ذلك ما ذكره أبو هريرة - ﵁ - عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: \"حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام\" يعني إذا سلّم عليك فردّ عليه، وفي الحديث الثاني\" حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه\".\nفهذان أمران: ابتداء السلام المأخوذ من قوله \" إذا لقيته فسلم عليه عليه\"، وردّ السلام المأخوذ من قوله \" رد السلام\"، فابتداء السلام سنة مؤكدة،","vol":"2","page":591},{"text":"وإذا كان الحاصل لتركه الهجُ كان حرامًا فيما زاد على ثلاثة أيام، ما في الثلاثة أيام فأقل فلا بأس أن تهجره، ومن المعلوم أن الإنسان لن يهجر أخاه إلا لسبب، فأجاز النبي ﵊ للمسلم أن يهجر أخاه ثلاثة أيام فأقل؛ لأن الإنسان بشر، فقد يكون في النفوس شيء، ولا يتحمل المرء أن يسلم عليه، أو أن يرد السلام، فرخص له ثلاثة أيام فأقل.\nوابتداء السلام يكون من الصغير على الكبير، ومن الماشي على القاعد، ومن الركاب على الماشي، كل بحسبه وصيغة السلام المشروعة أن يقول السلام عليكم، أو السلام عليكم، كلاهما جائز، والرد أن يقول: عليك السلام أو وعليكم السلام.\nبهذا يتضح لن أن النبي ﷺ بين أن من الحقوق التي للمسلم على أخيه السلام وردًا وابتداءً.\n\nوحكم السلام أن ابتداءه سنةٌ وردّه فرضٌ، فرض عين على من قُصد به، وفرض كفاية إذا قُصد به جماعة، فإنه يجزئ رد أحدهم، والسلام حسنة من الحسنات إذا قام به الإنسان فله عشر أمثاله؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، يعني إذا سلمت علي أخيك وقلت: السلام عليكم فلك عشر حسنات أجرًا باقيًا تجده أحوج ما تكون إليه.\nونحن نعلم أنه لو قيل لشخص: كلما لقيت أحدًا فسلمت عليه فلك بكل تسليمة درهم واحد، لوجدت الإنسان يطلب الناس ليسلم عليهم ابتغاء هذا الدرهم الواحد، مع أن الدرهم الواحد يفني ويزول، والأجر والثواب يبقى وتجده أحوج ما تكون إليه. عاملنا الله وإياكم بعفوه وفضله","vol":"2","page":592},{"text":"وإحسانه إنه جواد كريم.\nفالذي ينبغي لك كلما لقيك أحد من إخوانك المسلمين أن تسلم عليه، أما غير المسلم فلا تسلم عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: \" لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا وجدتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه\" فاليهودي والنصراني والمشرك والملحد والمرتد كالذي لا يصلي، والمبتدع بدعة يكفر بها، كل هؤلاء لا يحل ابتداء السلام عليهم، ولو كانوا أقرب الناس إليك، لكن إذا سلموا فرد عليهم بمثل ما سلموا به، إذا قالوا: أهلًا ومرحبًا، فقل أهلًا ومرحبًا، وإذا قالوا: السلام عليكم قل: وعليكم السلام، وإذا شككت هل هو يقول: السلام عليكم، أو يقول السام عليكم، فقل: وعليكم.\n\nبل إذا لم تتيقن إنه قال: السلام عليكم باللام فقل: وعليكم، وذلك أن اليهود كانوا يمرون بالنبي ﷺ وأصحابه فيسلمون عليه لكن يقولون: السام عليكم يدعمونها، والسام يعني الموت، فقال النبي ﷺ: \" إن اليهود إذا لقوكم قالوا: السام عليكم، فقولوا: وعليكم \" أي: إن كانوا يدعون لنا بالسلام فلعيهم السلام، وإن كانوا يدعون علينا بالموت فعليهم الموت، وهذا من العدل (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء: ٨٦) ولهذا ذكر ابن القيم - ﵀ - في كتابه \" أحكام أهل الذمة\"","vol":"2","page":593},{"text":"أنهم إذا قالوا: السلام عليكم بكلام بين فلك أن تقول: عليكم السلام.\nوأما أهل المعاصي فإن كان في هجرهم فائدة فاهجرهم، والفائدة أن يقلعوا عن معصيتهم، وإن لم يكن في هجرهم فائدة فهجرهم حرام؛ لأنهم من المؤمنين، إذا كانوا من المؤمنين فقد قال النبي ﷺ: \" لا يحل لأحد أن يهجر أخاه المؤمن فوق ثلاث، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام\"، أما إذا كان الهجر مفيدًا، بحيث يرتدعون عن المعصية، وينتهون عنها، فهو مطلوب، إما واجب وإما مستحب.\n\nوأنظر إلى ما حصل من فائدة هجر كعب بن مالك ﵁ وصاحبيه؛ حين تخلفوا عن غزوة تبوك، وماذا حصل لهم من قوة الإيمان والصبر على ما حصل، وانتظر الفرج من الله ﷿ ما نالوا به ما هو أعظم المثوبات، نالوا به كلام رب العالمين، الذي يقرأ في الليل والنهار من كل مسلم حتى في الصلوات. من مِنَ الناس يثني عليه في الصلوات: الفريضة والنافلة؟! (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: ١١٨)، وهذا نص، وإن كانوا لم يذكروا بأسمائهم، لكن","vol":"2","page":594},{"text":"ذكروا بوصف لا ينطبق على من سواهم.\n\nوأما ما ذهب إليه كثير من المفسرين في قوله تعالى: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٩-٢١)، بان هذا هو أبو بكر فهذا ليس كالنص الحاصل لهؤلاء الثلاثة، ولذلك لا نعلم أن أحدًا من الصحابة أثني عليه بهذا النص مثل ما أثني عليه هؤلاء الثلاثة.\nوقد هجرهم النبي ﵊ أربعين ليلة لا يكلمهم، وقال للناس: لا تكلموهم، فلا يكلمهم أحد، وبعد تمام الأربعين أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، ولما جاء الرسول صلى إلى كعب بن مالك - الرسول الذي أرسله النبي ﷺ بأن يعتزل امرأته - قال له كعب: أأطلقها - يعني فأنا مستعد- أم ماذا؟ قال الرسول: لا أدري، إن النبي ﷺ أمرك أن تعتزل امرأتك ولا أدري، فانظر كيف كان هذا الامتثال العظيم مع هذه المحنة العظيمة التي لا ترد على قلب فينجو منها إلا من عصمه الله ﷿.\n\nفالحاصل أن هجره إذا كان ينفع في تقليل المعصية أو التوبة منها فإنه مطلوب؛ إما على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاستحباب، أما إذا كان لا ينفع وإنما يزيد العاصي عتوًا ونفورًا من أهل الخير فلا تهجره؛ لأن الإنسان مهما كان عنده من المعاصي وهو مسلم فهو مؤمن، لكنه ناقص الإيمان.\nأما الحق الثاني فهو عيادة المرض: المريض إذا مرض وانقطع في بيته فإن له حقًا على إخوانه المسلمين أن يعودوه ويذكروه ما ينبغي أن يذكروه به، من التوبة، والوصية، وكثرة الذكر، والاستغفار، وقراءة القرآن،","vol":"2","page":595},{"text":"وغير ذلك من الأعمال الصالحة، وكذلك يدعون له بالشفاء؛ مثل أن يقولوا: لا بأس طهور إن شاء الله، وما اشبه ذلك.\nوعيادة المريض فرض كفاية، لابد أن يعود المسلمون أخاهم، وإذا عاده واحد منهم حصلت به الكفاية، وقد تكون فرض عين إذا كان المريض من الأقارب، وعدت عيادته من الصلة، فإن صلى الأرحام وأجبة فتكون فرض عين.\nواعلم أن العلماء - ﵏ - ذكروا لعيادة المريض آدابًا منها: ألا يكثر العائد لمريض محادثته بالسؤال عن حاله وعن نومه وأكله وشربه وما أشبه ذلك، إلا إذا كان يأنس بهذا ويُسر به، أما إذا كان يتضجر ولا يحب أن يكثر أحد الكلام معه كما هو حال بعض المرضي، فإنك لا تتبع مع الكلام ولا تضجره بالمساءلات.\nلذلك قالوا: ينبغي أن لا يكثر المقام عنده ويطيل؛ لأنه قد يكون له حاجة مع أهله أو في نفسه، ولا يحب أن يطيل الجلوس عنده أحد، لكن إذا علمت أنه يستأنس بهذا ويفرح، فإنك تنظر ما فيه المصلحة.\nوقالوا: ينبغي أيضًا أن لا يزورة في الأوقات التي يكون الغالب فيها النوم والراحة؛ كالقيلولة والليل وما اشبه هذا؛ لأن ذلك يضجره وينكد عليه، بل يكون بكره وعشيا حسب ما تقتضيه الحال.\nقالوا: ولا ينبغي ايضًا أن يكثر من عيادته، بحيث يأتيه صباحًا ومساءً، إذا اقتضت الحاجة لذلك.\n\nوالحاصل: أن العائد للمريض ينبغي أن يراعى المصلحة في كل ما","vol":"2","page":596},{"text":"يكون مع المريض وفي كل ما يترك، ثم إنه إذا كان المرض مما يُعلم أنه له دواء معينًا فينبغي أن تذكر له هذا الدواء؛ لأن الدواء مباح بل هو سنة إذا رُجي نفعه وغلب على الظن؛ لأن النبي ﷺ قال: \" تداووا ولا تداووا بحرام \"\nوكذلك ينبغي أن يسأله كيف يصلى؟ لأن كثيرًا من المرضى يجهل هل يصلى بالماء أو بالتيمم؟ هل يصلى كل صلاة في وقتها أو يجمع؟ لأن هذا أمر مهم قد يخفى على بعض المرضى.\nحتى إن بعض المرضى يظنون أنه إذا جاز لهم الجمع؛ جاز لهم القصر وهم في بلادهم، وهذه من الأشياء التي يجب التنبه لها، نعم إذا كان المريض مسافرًا إلى مستشفى في غير بلده، فله أن يقصر ويجمع، أما إذا كان في بلده فلا يقصر، لكن إن شق عليه أن يصلى كل صلاة في وقتها؛ فله الجمع ولو كان في بلده، لكنه جمع بلا قصر؛ أن الجمع والقصر لا يتلازمان؛ قد يشرع القصر دون الجمع، وقد يشرع الجميع دون القصر، وقد يشرعان جميعًا، فالمسافر الذي يشق عليه أن يصلى كل صلاة في وقتها بحيث يكون قد جدّ بِه السير يُشرع له الجمع والقصر، والمسافر المقيم يشرع له القصر دون الجمع، وإن جمع فلا بأس، المقيم الذي يشق عليه الصلاة في كل وقت يشرع له الجمع دون القصر.\n\nأما الحق الثالث فهو: اتباع الجنائز وتشييعها، فإن من حق المسلم","vol":"2","page":597},{"text":"على أخيه أن يتبع جنازته من بيته إلى المصلى- سواء في المسجد أو في مكان آخر - إلى المقبرة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" من شهد الجنازة حتى يُصلى عليها؛ فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن؛ فله قيراطان\" قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ قال: مثل الجبلين العظيمين\" وفي رواية: \" أصغرهما مثل أُحد \" وهذا فضل عظيم وأجر كبير.\nولما بلغ عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا الحديث قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة، ثم صار بعد ذلك لا يرى جنازة إلا تبعها ﵁؛ لأن هذه غنيمة؛ غنيمة أن يحصل الإنسان مثل الجبلين العظيمين في عمل يسير، هذا الأجر متى يلقاه؟ يلقاه في يوم هو أحوج ما يكون إليه؛ في يوم ليس عنده درهم، ولا دينار ولا متاع، ولا قرابة، ولا زوجة تنفعه يوم القيامة الإ العمل الصالح، فهو إذا تبع الجنازة حتى يصلى عليها، ثم حتى تدفن، فله قيراطان مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد.\nوينبغي لمن أتبع أن يكون خاشعًا، مفكرًا في مآله، يقول لنفسه: يا نفسي أنت مآلك كمآل هذا الذي فوق أعناقنا، عن قريب أو بعيد وربما يكون عن قريب، ويتذكر هذا الرحيل، يتذكر إلى حفرته ويدفنه ويتخلى عنه، وأقرب الناس عليك الذي يحملك إلى مدفنك ثم ينصرف","vol":"2","page":598},{"text":"عنك ويدعك في هذا اللحد وحيدًا بأعمالك، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال العلماء: يكره للإنسان المتبع للجنازة: أن يتحدث في شيء من أمور الدنيا. أو أن يتبسم ويضحك.\nوكذلك أيضًا إذا وصلت إلى المقبرة، جلست تنتظر دفنها، فينبغي أن تفكر في مآلك، وأمك سوف يُنتظر دفنكم كما انتظر دفن هذا الرجل، وإذا كان حولك أناس وحدثتهم بما حدث به النبي ﷺ أصحابه، حينما خرج في جنازة رجل من الأنصار، فانتهي إلى القبر ولما يلحد، فجلس ﵊ وحوله أصحابه، وفي يده مخصرة- أي عود - ينكت بها الأرض، يعتبر ﵊ ويفكر ويحدث أصحابه بما يكون عند الاحتضار وعند الدفن، حتى يكون جامعًا بين الموعظة وبين تشييع الجنازة.\n\nولكن ليست هذه الموعظة كما يفعله بعض إخواننا الآن في بعض المحلات؛ حيث يقوم الرجل خطيبًا يعظ الناس، فإن هذا ليس معروفًا في عهد النبي ﵊، ولا عهد أصحابه، لكن لما جلس النبي ﷺ ينتظر لحد هذا الميت وجلس أصحابه حدثهم حديث المجالس بما ينفعهم وبما يناسب.\nوكذلك كان ﵊ حاضرًا دفن احدى بناته، وكان","vol":"2","page":599},{"text":"على شفير القبر وعيناه تدمعان، فقال ﵊: \" ما منكم من أحد وقد كتب مقعدة من الجنة ومقعده من النار \" قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على ما كتب لنا؟ قال: \" لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له، اما أهل السعادة فيسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة \" ثم قرأ قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل: ٥-١٠) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل السعادة الذين يسروا لليسرى وجنبوا العسرى.\n\nفإذا شرعوا في الدفن فينبغي للإنسان أن يشارك في الدفن؛ بأن يحثو بيديه ثلاث حثيات ثم ينصرف، وإن شاء شارك إلى انتهاء الدفن، فإذا فرغوا من دفنه وقف عليه، وإذا كان مطاعًا كالعالم قال للناس استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبت فإنه الآن يسأل، فإن النبي صلي الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم وأسالوا له التثبيت فإنه الآن يسأل، الآن حين فُرغ من دفنه وانتهى الناس منه وسلموه لعالم الآخرة يأتيه عالم الآخرة؛ يأتيه ملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيجيب","vol":"2","page":600},{"text":"المؤمن قائلًا: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يجيب بهذا الجواب.\nأما غير المؤمن المرتاب الشاك، فيقول ها - ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، يعنى: لم يصل الإيمان إلى قلبه والعياذ بالله، فينبغي لك أن تقف بعد أنتهاء الدفن وتقول: اللهم اغفر له، اللهم ثبته، اللهم اغفر له. الله ثبته، الله اغفر له، الله ثبته؛ لأن النبي ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثًا. فتدعو ثلاثًا ثم تنصرف ولا حاجة إلى إطالة الوقوف.\n\nوإذا انصرف الناس عن الميت حتى أنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه، يسمع قرع النعال، أي ضربه بالأرض وهم ينصرفون عنه، جاءه ملكان، فأجلساه وسألاه عن ربه ودينه ونبيه، ويجلسانه في القبر وإن كان القبر ضيقًا لكنه يجلس، كما أن النائم الآن يرى نفسه أنه قائم، وأنه ماشٍ وأنه قاعد، وهو ملتحف في فراشة لم يتحرك منه، لأن أحوال البرزخ أبلغ من أحوال الدنيا وأعظم، ففيه أشياء لا تنطبق على أحوال الدنيا، فها هو الميت المؤمن يفسح له في قبره مد البصر والمقبرة كلها ليست بشيء، فهي ليست مل البصر،، لكن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، وواجبنا فيما جاء في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ من أمور الآخرة، أن نقول: سمعنا وصدقنا، وآمنا، وكل من عند ربنا والله على كل شيء قدير.","vol":"2","page":601},{"text":"الحق الرابع: إجابة الدعوة: فمن حق المسلم على أخيه إذا دعاه أن يجيبه، والأجابة إلى الدعوة مشروعة بلا خلاف بين العلماء فيما نعلم، إذا كان الداعي مسلمًا، ولم يكن مجاهرًا بالمعصية، ولم تكن الدعوة مشتملة على معصية لا يستطيع إزالتها، ولكنها لا تجب عند جمهور العلماء إلا في دعوة العرس؛ إذا دعاه الزوج أول مرة في اليوم الأول فإن الأجابة واجبة إذا عينه بالشروط السابقة التي ذكرناها.\nفإن كان الداعي غير مسلم فلا تجب الإجابة، بل ولا تشرع الإجابة إلا إذا كان في ذلك مصلحة، فإذا كان في ذلك مصلحة كرجاء إسلامه والتأليف فلا بأس بإجابة غير المسلم؛ لأن النبي ﷺ أجاب دعوة يهودي دعاه في المدينة.\nوإن الداعي مسلمًا مجاهرًا بالمعصية كحلق اللحية مثلًا، أو شرب الدخان علنًا في الأسواق، أو غير ذلك من المحرمات، فإن أجابته ليست بواجبة، ولكن إن كان في إجابته مصلحة أجابه، وإن كان ليست في إجابته مصلحة نظرت؛ فإن كان في عدم إجابته مصلحة بحيث إذا رأى نفسه أنه قد هُجر، وأن الناس لا يجيبون دعوته تاب وأناب، فلا تجب دعوته لعل الله يهديه، وإن كان لا فائدة من ذلك فأنت بالخيار؛ إن شئت فأجب، وإن شئت فلا تجب.\n\nوإذا كان في الدعوة منكر فإن كان الإنسان قادرًا على التغيير وجبت عليه الإجابة من وجهين:\nالوجه الأول: إزالة المنكر.","vol":"2","page":602},{"text":"والوجه الثاني: إجابة دعوة أخيه إذا كان في العرس، وكان ذلك في أول يوم.\nوأما إذا كان هناك منكر في الدعوة لا تستطيع تغييره كما لو كان في الدعوة شر دخان، أو شيشه، أو كان هناك أعانِ محرمة، فإنه لا يجوز لك أن تجيب.\nقال أهل العلم: إلا إذا كان المنكر في محل آخر، وأنت تجيب إلى محل ليس فيه منكر، وكان الداعي من أٌقاربك الذين لو تركت إجابتهم لعد ذلك قطيعة، فلا بأس بالإجابة في هذه الحال، وإن كان الهجر يترتب عليه ترك هذه المعصية فاهجره، يعني مثلًا لو دعاك قريبك وأنت تعلم أنه سيكون في الدعوة محرم، وقبل بذلك فأجب، وأما إن أصر على وجود المحرم فلا تجب؛ لأن حضور المحرم ولو مع كراهة الإنسان له بقلبه يكون فيه الإنسان مشاركًا للفعل لقول الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء: ١٤٠) هذا حكم إجابة الدعوة.\nوالحق الخامس: تشميت العاطس: يعني أن من حقوق المسلم على المسلم أن يشمته إذا عطس، هكذا في الرواية الأولى التى أخرجها البخاري ومسلم، وفي الرواية الثانية التى أخرجها مسلم: \" إذا عطس فحمد الله فشمته\" فقيد ذلك بما إذا حمد الله.\n\nفإذا عطس الرجل وحمد الله وسمعته فشمته، يعني قل: يرحمك الله،","vol":"2","page":603},{"text":"فإذا قلت يرحمك الله، وجب عليه أن يقول: يهديكم الله ويصلح الكم، هكذا جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه يقول في الجواب: \" يهديكم الله ويصلح بالكم\".\nلكن هل تشميت العاطس إذا حمد فرض عين أو فرض كفاية؟ يعني: هل يكفي واحد من الجماعة إذا شمته عن الجماعة، أم لا بد على كل من سمعه أن يشمته؟ والجواب: أنه ذهب بعض العلماء على أن التشميت فرض كفاية؛ فإذا كنا جماعة وعطس رجل وقال الحمد لله، فقال أحدنا له: يرحمك الله كفى.\nوقال بعض العلماء: بل تشميته فرض عين على كل من سمعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسم قال: \" كان حقًا على كل من سمعه أن يقول يرحمك الله \" وظاهر هذا أنه فرض عين، فعلى هذا كل من سمعه يقول له: يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم، ويكفى منه ردّ واحدٌ على الجميع، إذا نواه للجميع كفى.\n\nفإن عطس ولم يحمد الله فلا تقل: يرحمك الله، تعزيزًا له على عدم حمده لله ﷿، يعني كما أنه لم يحمد الله فاحرمه هذا الدعاء، فلا تقل له: يرحمك الله، ثم هل تذكره وتقول: قل الحمد لله أو لا تذكره؟ والجواب: من المعلوم أنه يحتمل أنه قد ترك الحمد تهاونًا، ويحتمل أنه تركه نسيانًا، فإن كان تركه نسيانًا فذكره وقل له: احمد الله، وإن كان تركه","vol":"2","page":604},{"text":"تهاونًا فلا تذكره، ولكن أين إلى العلم بذلك؟ وكيف أعلم أنه نسيان أو انه تهاون؟ ظاهر الحديث \" فحمد الله \" أنه إذا لم يحمد الله لا تشمته ولا تذكره مطلقًا.\nولكن يمكنك فيما بعد أن تعلمه وتقول له: إن الإنسان إذا عطس فإنه يحمد الله على هذا العطاس؛ لأن العطاس من الله، والتثاؤب من الشيطان، العطاس دليلٌ على نشاط جسم الإنسان، ولهذا يجد الإنسان راحة بعد العطاس.\n\nثم إن التشميت بقول: يرحمك الله مقيد بثلاث؛ إذا شمته ثلاث مرات يعني عطس فحمد الله، فقلت يرحمك الله ثم عطس فحمد الله فقلت، يرحمك الله، ثم عطس فحمد الله فقلت: يرحمك الله، ثم عطس الرابعة فقل: عافاك الله، إنك مزكوم، تدعو له بالعافية وتبين له أنه مزكوم لئلا يقول: لماذا لا تقول يرحمك الله كنا كنت بالأول تقول يرحمك الله، فيتبين العلة حين تقول: إنك مزكوم.\nوفي هذا تنبيه له على أن يحاول الاحتراز مما يزيد الزكام، وإلا فإن الزكام في الغالب لا دواء له إذا أصاب الإنسان، وإنه لا يذهب عنه حتى ينتهي منه، لكن من أسباب تخفيف هذا الزكام عدم التعرض للهواء البارد، وعدم شرب الماء البارد، وعدم التعرض للبراد بعد الدفء، والإنسان طبيب نفسه.\nثم إن ما يقوله بعض العامة إذا قلت له: يرحمك الله، يحث يقول: يهدينا ويهديكم الله، فهذا ليس بصحيح؛ لأن الرجل دعا لك أنت فقال:","vol":"2","page":605},{"text":"يرحمك الله، فكيف تقول: يهدينا ويهديكم الله، فتدعو لنفسك قبله، نعم لو قال: يرحمنا ويرحمك الله، فقل: يهدينا ويهديكم الله، لكنه قال: يرحمك الله كما أمر، فأنت اجبه كما أمرت؛ فقل يهديكم الله ويصلح بالكم.\n\nوذكر أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي ﵊ - يعني يتكلفون العطاس من أجل أن يقول لهم: يرحمكم الله، لأنهم يعلمون أنه نبي وأن دعاه بالرحمة قد ينفعهم، ولكنه لا ينفعهم؛ لأن الكفار لو دعوت لهم بالرحمة لا ينفعهم ذلك، بل لا يحل لك أن تدعو لهم بالرحمة إذا ماتوا ولا بالمغفرة، لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) .\nفإن قيل: اليس إبراهيم استغفر لأبيه، وإبراهيم على الحنيفية وعلى التوحيد؟ هذا الجواب يتضح في قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: ١١٤) .\nفهذه الحقوق التي بينها النبي ﷺ كلها إذا قام بها الناس بعضهم مع بعض، حصل بذلك الألفة والمودة وزال ما في القلوب والنفوس من الضغائن والأحقاد.","vol":"2","page":606},{"text":"٢٣٩- وعن أبي عُمارة البراء بن عازب﵄قال: \" أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، وأمرنا بعبادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهنا عن خواتيم أو تختم بالذهب، وعن شر بالفضة، وعن المياثر الحر، وعن القسي وعن لبس الحرير والإستبراق والديباج\" متفق عليه.\nوفي رواية: وإنشاد الصالة في السبع الأول.\n\" المياثر \" بياء مثناة قبل الألف، وثاء مثلثة بعدها، وهي جمع ميثرة، هي شيءُ يتخذُ من حرير ويحشى قطنًا أو غيره، ويجعل في السرج وكور البعير يجلس عليه الراكبُ.\n\" القسى\" بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة: وهي ثياب تنسج من حرير وكتانٍ مختلطين.\n\" وإنشاد الضالة\" تعريفُها.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - ﵀ - في بيان حقوق المسلم على أخيه حديث البراء بن عازب ﵄، أن النبي ﷺ \" أمرنا بسبع، ونهانا عن سبع\" وقد تقدم الكلام على خمسة من هذه الآمور التي أمر بها رسول الله ﷺ في هذا الحديث، تقدم الكلام عليها في الحديث السابق فلا حاجة إلى","vol":"2","page":607},{"text":"إعادتها، وفي هذا الحديث من الزيادة على ما سبق قوله \" نصر المظلوم\"\nالحق السادس من حقوق المسلم على أخيه المسلم \" نصر المظلوم\": يعني دفع الظلم عنه؛ سواء كان ظلمه في المال، أو في العرض، أو في النفس، فيجب علي المسلم أن ينصر أخاه المسلم، ولقد قال الرسول ﵊: \" أنصر أخاك ظالمًا او مظلومًا \" قالوا: يا رسول الله، هذا المظلوم - يعني ندفع عنه الظلم - فكيف نصر الظالم؟ قال: \" تمنعه من الظلم، فذلك نصره\"؛ لأن الظالم قد غلبته نفسه حتى ظلم؛ فتنصره أنت على نفسه حتى تمنعه من الظلم.\n\nفإذا رأيت شخصًا يظلم جاره بالإساءة إليه وعدم المبالاة به، فإنه يجب عليك أن تنصر هذا وهذا: الظالم والمظلوم، فتذهب إلى الظالم الجار، الذي أخل بحقوق جاره وتنصحه وتبين له ما في إساءة الجوار من الإثم والعقوبة، وما حسن الجوار والمثوبة، وتكرر عليه حتى يهديه الله فيرتدع، وتنصر المظلوم الجار وتقول له: أنا سوف انصح جارك وسوف أكلمه، فإن هداه الله فهذا هو المطلوب، وإن لم يهتد فأخبرني، حتى نكون أنا وأنت عند القاضي أو الحاكم سواء، نتعاون على دفع ظلم هذا الظالم.\nوكذلك إذا وجدت شخصًا جحد لأخيه حقًا تدري أنه جحده، أن أخيه عليه هذا الحق، فتذهب إلى هذا الظالم الذي جحد حق أخيه","vol":"2","page":608},{"text":"وتنصحه، وتبين له وتنصحه وتبين له ما في أكل المال بالباطل من العقوبة، وأنه لا خير في أكل المال بالباطل، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو شر، حتى يؤدى ما عليه. وتذهب إلى صاحب الحق وتقول له: أنا معك وأصبرها نحن ننصحه، ها نحن نوبخه وهكذا بقية المظالم تنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. والظالم نصرك إياه أن تمنعه عن الظلم.\nالحق السابع: \" إبرار القسم\" يعني إذا أقسم عليك أخوك بشيء فبره ووافقه علي ما حلف عليه، فإذا حلف قال: والله لتفعلن كذا وكذا، فإن من حقه عليك أن تبر بيمينه وأن توافقه، إلا إذا كان في ذلك ضرر عليك، مثل لو حلف عليك أن تخبر عما في بيتك من الأشياء التي لا تحب أن يطلع عليه أحد فلا تخبره؛ لأنه معتدٍ، لكونه يطلب منك أن تبين له ما كان سرًا عندك، وإذا كان معتديًا فإن المعتدي جزاؤه أن يُترك ولا يوافق على اعتدائه.\nلكن إذا لم يكن عدوان وحلف عليك فإن من حقه أن تبر بيمينه، وتعطيه ما حلف عليه، إلا إذا كان معصية، فإذا كان معصية فلا تجبه، مثل لو أقسم عليك أن تعطيه دراهم يشتري بها دخان، فهذا لا يلزمك، بل لا يجوز لك أن توافقه؛ لأنك تعينه على الإثم والعدوان.\n\nأو كان في ذلك ضرر عليك كما مثلنا بمن حلف عليك أن تخبره بما في سر البيت من الأمور التي لا تحب أن يطلع عليها أحد، أو حلف عليك بشي يضرك، مثل أن يحلف عليك بشيء يضرك إذا وافقته عليه، كأن يقول أبوك مثلًا: الله لا تحج البيت، والحج واجب عليك، فإنك لا","vol":"2","page":609},{"text":"تعطيه، لأن في هذا تركًا للواجب، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أو حلف عليك أن لا تزور أمك التي قد طلقها، وصار بينه وبينها مشاكل فكرها، فقال لك: والله لا تذهب إلى أمك، فلا تطعه وذلك لأنه آثم بكونه يحول بينك وبين صلة الرحم، صلة الرحم واجبة، وبر الوالدين واجب فلا تطعه.\nومن ذلك أيضًا إذا حلف أن لا تزور أحدًا من إخوانك أو أعمالك أو أقاربك فلا تطعه، ولا تبر بيمينه ولو كان أباك، لأن صلة الرحم واجبة، ولا يحل له أن يحلف مثل هذا الحلف، وصلى الرحم إذا قام بها الإنسان فإن الله تعالى يصله، فقد تعهد الله للرحم ان يصل من وصلها، وأن يقطع من قطعها، فإذا انتفت الموانع فإن الأولى أن تبرّ بهن.\nوها هنا مسألة وهي أنه ربما يحلف وهو تحلف أنت، هذا يقع كثيرًا في الضيف إذا نزل عليك، قال: والله ما تذبح لي، فتحلف أنت وتقول: والله لأذبح لك فهنا من الذي يبرّ الأول أم الثاني؟ يبر الأول؛ لأن حقه ثابت ونقول للثاني صاحب البيت الذي حلف أن يذبح، نقول: لا تذبح وكفر عن يمينك؛ لأن الأول أحق بالبر وأسبق.\nوهاهنا مسألة يحب أن يُتفطن لها أيضًا في هذا الأمر، وهي أن بعض السفهاء إذا نزل به ضيف، طلق الصيف أن لا يذبح له؛ قال: عليّ الطلاق من امرأتي أو نسائي إن كان له أكثر من امرأة أن لا تذبح لي، فيقول صاحب البيت: وأنا على الطلاق أن أذبح لك، وهذا خطأ عظيم، قال النبي ﵊: \" من كان حالفًا فليحلف بالله أو","vol":"2","page":610},{"text":"ليصمت \" أما الطلاق فلا، ما ذنب المرأة حتى تطلقها؟! وهو من الخطأ العظيم.\n\nوأقول لكم إن المفتين اليوم - وأنا منهم - نفتي بأن الإنسان إذا أراد بذلك التهديد أو التأكيد فإنه لا طلاق، وعليه كفارة يمين، يعني أن حكمه حكم اليمين، ولكني أقول لكم: إن أكثر أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة على أن هذا طلاق، وعلى أنه إذا لم يف بما قال طلقت امرأته، فالمسألة خطيرة، ولا تظنوا أن الناس إذا أفتوا بالأمر السهل أن المسألة سهلة، بل هي خطيرة جدًا، إذا كان أصحاب المذاهب الأربعة: المالكي، والشافعي، والحنفي، والحنبلي، كلهم يرون أن مثل هذا يكون طلاقًا، وأنه إذا طلق أن لا تذبح وذبحت طلقت زوجته، وإذا طلقت أن تذبح ولم تذبح طلقت زوجتك، وهذه المذاهب الأربعة ليست بهينة، والخلاف في هذا ليس بهين، فلا تستهينوا بهذا الأمر، فهو خطير جدًا.\nوأنت الآن مثلًا إذا رجعت إلى زوجتك وكانت هذه آخر طلقة، فأنت تطؤها على المذاهب الأربعة وطئًا حرامًا. وعلى القول أنه يمين تكفر عن يمينك وتحل لك، فالمسألة خطيرة للغاية، لذلك يجب علينا أن نتناهي عنها، وأن لا نقول إذا حصل أذهب لابن باز أو لابن عثيمين أو الثاني أو الثالث فهذا لا ينفعك، فهناك علماء إجلاء أكبر منهم يرون أن هذا طلاق،","vol":"2","page":611},{"text":"وأنه إذا كان آخر طلقة، فإن المرأة تبين بها، ولا تحل لزوجها إلا بعد زوج آخر.\nأقول هذا من أجل ان لا تتهاونوا في هذا الأمر فهذا الأمر خطير جدًا، فمن كان حالفاُ فليحلف بالله، ويقول: والله.\nثم إني أشير عليكم بأمر مهم؛ أنك إذا حلفت على يمين فقل إن شاء الله ولو لم يسمعها صاحبك، قل إن شاء الله وإن لم يسمعها صاحبك؛ لأنك إذا قلت إن شاء الله يسر الله لك الأمر حتى تبر بيمينك، وإذا قدر انه ما حصل الذي تريد فلا كفارة عليك، وهذه فائدة عظيمة.\n\nفلو قلت لواحد مثلًا: والله ما تذبح لى، ثم قلت بينك وبين نفسك: إن شاء الله، ثم ذبح فلا عليك شيء ولا عليك كفارة يمين، وكذلك أيضًا بالعكس، لو قلت: والله لأذبح ثم قلت بينك وبين نفسك: إن شاء الله، ولم يسمع صاحبك، فإنه إذا لم تذبح فليس عليك كفارة؛ لقول النبي ﷺ \" من حلف علي يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث \" وهذه فائدة عظيمة اجعلها على لسانك دائمًا، اجعل الاستثناء بإن شاء الله على لسانك دائمًا حتى يكون فيه فائدتان:\nالفائدة الأولى: أن تُيسر لك الأمور.","vol":"2","page":612},{"text":"والفائدة الثانية: أنك إذا حنثت فلا تلزم الكفارة.\nأما السبع التي نهى عنها ﵊ في حديث البراء، فمنها التختم بالذهب، والتختم بالذهب خاص بالرجال، فالرجل لا يحل له أن يلبس الذهب وأن يتختم بالذهب، ولا أن يلبس سوارًا من ذهب، ولا أن يلبس خرصًا من ذهب، ولا أن يلبي على رأسه شيئًاُ من الذهب، كل الذهب حرام على الرجل؛ لأن النبي ﷺ قال في رجل رأي عليه خاتمًا من ذهب، قال: \" يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في أصبعه أو قال في يده\" ثم نزع النبي ﷺ الخاتم فرمي به، فلما انصرف النبي ﷺ قالوا للرجل: خذ خاتمك، انتفع به، قال: لا والله لا آخذ خاتمًا طرحه النبي ﷺ وقال ﵊ في حديث على بن أبي طالب: \" إن هذين حرام على ذكور امتى حلٌ إناثهم\".\nوأما تختم المرأة بالذهب فلا بأس به ولا حرج فيه، فيجوز لهن التختم بالذهب والتسور به، وأن يلبسن ما شئن منه، إلا إذا بلغ حد الإسراف، فإن الإسراف لا يحل؛ لقول الله تعالى (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (لأعراف: ٣١) .\n\nوقد حكى بعض العلماء إجماع أهل العلم على جواز لباس المرأة","vol":"2","page":613},{"text":"للخاتم والسوار ونحوهما، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن الذهب المحلق للنساء فهي أحاديث إما ضعيفة، وإما شاذه تُرك العمل بها، وتواترت الأحاديث الكثيرة التي فيها إقرار النبي ﷺ النساء على لبس المحلق من الإسورة وكذلك من الخواتم.\nولكن يجب على المرآة إذا كان عندها ما يبلغ النصاب من الحلي من الذهب أداء زكاته، بان تقومه كل سنة بما يساويه وتخرج منه ربع العشر؛ لأن النبي ﷺ رأى امرأة وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من الذهب، يعني سوارين غليظين، فقال: \" أتؤدين زكاة هذا؟ \" قالت: \" لا. قال: \" أيسرك أن يسورك الله بها سوارين من نار يوم القيامة \" فخلعتهما وأعطتهما النبي صلى الله علي وسلم وقالت: هما لله ورسوله.\nونهي أيضا في هذا الحديث \" عن الشرب في آنية الفضة\" يعني نهانا عن أن نشرب في آنية الفضة، سواء كان الشرب ماءً أو لبنًا أو مرقًا أو غير ذلك، وسواء كان الشارب رجلًا أم امرأة؛ لأن التحريم الأواني من الذهب والفضة شامل للرجال والنساء، ولا فرق بين الفضة الخالصة وبين المموه بالفضة، كل ذلك حرام.\n\nوأما آنية الذهب فهي أشد وأشد، وقد ثبت النهي عنهما عن النبي ﷺ حيث قال: \"لا تشربوا في آنية الذهب، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم","vol":"2","page":614},{"text":"في الدنيا ولكم في الآخرة\"\nأما المياثر الحمر: فهي مثل المخدة، يجعل في حشوها قطن ويجعل علي هذا القطن خرقة من الحرير، وتربط في سرج الفرس او في كور البعير من أجل أن يجلس عليها الراكب فيستريح.\nوكذلك القسي وغيرها، فإنها كلها من أنواع الحرير، وهي حرامٌ علي الرجال؛ لأنه لا يجوز للرجل أن يلبس الحرير، ولا أن يجلس عليه، ولا أن يفترشه، ولا أن يلتحفه.\nوأما المرأة فيجوز لها لبس الحرير؛ لأنها محتاجة إلى الزينة والتجمل كما قال الله تعالى (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (الزخرف: ١٨)، يعني: أو من يرفه في الحلية وهو في الخصام غير مبين كمن ليس كذلك وهم الرجال، فالرجال لا يرفهون في الحلية ولا ينشئون فيها؛ لأنهم مستغنون ببطولتهم ورجولتهم عن التزين والتجمل بهذه الأشياء.\n\nوأما افتراش المرأة للحرير والتحافها به وجلوسها عليه، فقد اختلف فيه العلماء، منهم من منع وحرم واستدل بعموم هذا الحديث؛ وأن الرسول ﵊ نهي عن المياثر الحمر وشبهها، وقال: إن المرأة يباح لها أن تلبس الحرير لاحتياجها إليه، أما أن تفترشه فلا حاجة","vol":"2","page":615},{"text":"لها إلى أن تفترش الحرير، وهذا القول اقرب من القول بالحل مطلقًا أي يحلّ الحرير للنساء مطلقًا؛ لأن الحكم يدور مع علته وجواد وعدمًا.\nبقي الكلام علي قوله: \" وإنشاد الضالة\" يعني مما أمرهم به إنشاد الضالة، يعني أن الإنسان إذا وجد ضالة وجب عليه إنشادها، أي طلب من هي له، والضالة هي ما ضاع من البهائم، وقد قسم العلماء ﵏ الضالة إلى قسمين:\nالأول: قسم يمتنع من الذئاب ونحوها من صغار السباع، فهذا لا يجوز التقاطه ولا إيواؤه، ومن آوى ضالة فهو ضال مثل الإبل، أو ما يمتنع بطيرانه مثل الطيور كالصقور والحمام وشبهها، أو ما يمتنع بعدوه كالظباء ونحوها.\nفالذي يمتنع من صغار السباع كالذئاب وشبهها ثلاثة أنواع: ما يمتنع من السباع لكبر جثته وقوته مثل الإبل، وما يمتنع من السباع لطيرانه كالصقور والحمام، وما يمتنع من السباع لعدوه وسرعة سعيه كالظباء.\nفهذا لا يجوز للإنسان أن يلتقطها، ولا يجوز له أن يؤويها بل يطردها من إبله، ويطردها من حمامه، إذا أوت إلى حمامه؛ فإن النبي ﷺ سُئل عن ضالة الإبل فقال: \" ما لك ولها؛ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها \" معها سقاؤها: يعني بطنها تملؤه ماءً،","vol":"2","page":616},{"text":"وحذاؤها: يعني خفها تمشي عليه، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها.\nفلا يجوز لك أن تؤوي هذه الضالة ولا أن تلتقطها، ولو كنت تريد الخير، اللهم إلا إذا كنت في أرض فيها قطاع طريق تخشى أن يأخذوها ويضيعوها على صاحبها، فلا بأس أن تأخذها حينئذ، أو إذا كنت تعرف صاحبها فتأخذها لتردها عليه، فهذا لا بأس به.\nالثاني: ما لا يمتنع من صغار السباع، يعني الذي يعجز أن يفك نفسه مثل الغنم أو الماعز أو الشياه أو ما أشبه ذلك، فإنك تأخذها كما قال النبي ﵊: \" هي لك أو لآخيك أو للذئب\"\n، ولكن يجب عليك أن تبحث عن صاحبها وقوله (هي لك) يعني إن لم تجد صاحبها، يعني صاحبها إذا عرفته، \" أو للذئب\" إذا لم يجدها أحد أكلها الذئب.\nفهذه تُؤخذ ويُبحث عن صاحبها، فإذا تمت السنة ولم يُوجد صاحبها فهي لمن وجدها.\nوإنشاد الضالة له معنيان:\n\nالمعني الأول: ما ذكرنا وهذا واجب على الإنسان.\nالمعني الثاني: منهيٌ عنه وذلك مثل ما يقع في المساجد، وهو أن يطلب الإنسان الضالة فيه، مثل أن يقول: من رأى كذا وكذا؟ أو: يا أيها","vol":"2","page":617},{"text":"الناس قد ضاعت لي كذا وكذا فمن وجدها؟\nفهذا لا يجوز في المسجد، وهو محرم، لأن المساجد لم تبن لهذا، قال النبي ﵊: \" إذا سمعتم أحدًا ينشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبن لهذا\"\nفنحن مأمورون أن ندعوا الله عليه، فنقول: لا ردها الله عليه، فنقول: لا ردها الله عليك، كما أننا إذا سمعنا شخصًا يبيع ويشترى في المسجد فإننا نقول: لا أربح الله تجارتك؛ لأن المساجد لم تُبن للبيع أو الشراء.\nفهذه الأوامر التي أمر بها النبي ﷺ كلها خير، والنواهي التي نهى عنها كلها شر؛ لأن قاعدة شريعته ﷺ تأمر بالمصالح وتنهى عن المفاسد، وإذا اجتمع في الشيء مفسدة ومصلحة؛ غُلب الأقوى منها والأكثر، فإن كان الأكثر المصلحة غُلبت، وإن كانت المفسدة غُلبت، وإن تساوى الأمران غلبت المفسدة؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، الله الموفق.\n\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"2","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>٢٨ـ باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة</span>\n\nقال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النور: من الآية١٩] .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀: باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها.\nالعورة هنا هي العورة المعنوية؛ لأن العورة نوعان: عورة حسية، وعورة معنوية.\nفالعورة الحسية: هي ما يحرم النظر إليه؛ كالقبل والدبر وما أشبه ذلك مما هو معروف في الفقه.\nوالعورة المعنوية: وهي العيب والسوء الخلقي أو العملي.\nولا شك أن الإنسان كما وصفه الله ﷿ في قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب: ٧٢] .\nفالإنسان موصوف بهذين الوصفين: الظلم والجهل؛ فإما أن يرتكب الخطأ عن عمد؛ فيكون ظالما، وإما أن يرتكب الخطأ عن جهل؛ فيكون جهولًا، هذه حال الإنسان إلا من عصم الله ﷿ ووفقه للعلم والعدل، فإنه يمشي بالحق ويهدي إلى الحق.","vol":"3","page":5},{"text":"وإذا كان الإنسان من طبيعته التقصير والنقص والعيب؛ فإن الواجب على المسلم نحو أخيه أن يستر عورته ولا يشيعها إلا من ضرورة. فإذا دعت الضرورة إلى ذلك فلابد منه، لكن بدون ضرورة فالأولى والأفضل أن يستر عورة أخيه؛ لأن الإنسان بشر ربما يخطئ عن شهوة - يعني عن إرادة سيئة - أو عن شبهة، حيث يشتبه عليه الحق فيقول بالباطل أو يعمل به، والمؤمن مأمور بأن يستر عورة أخيه.\nهب أنك رأيت رجلًا على كذب وغش في البيع والشراء؛ فلا تفش ذلك بين الناس؛ بل أنصحه واستر عليه، فإن توفق واهتدى وترك ما هو عليه؛ كان ذلك هو المراد، وإلا وجب عليك أن تبين أمره للناس؛ لئلا يغتروا به.\n\nوهب أنك وجدت إنسانًا مبتلى بالنظر إلى النساء، ولا يغض بصره، فاستر عليه، وانصحه وبين له أن هذا سهم من سهام إبليس؛ لأن النظر - والعياذ بالله - سهم من سهام إبليس يصيب به قلب العبد، فإن كان عنده مناعة، اعتصم بالله من هذا السهم الذي ألقاه الشيطان في قلبه، وإن لم يكن عنده مناعة؛ أصابه السهم، وتدرج به إلى أن يصل إلى الفحشاء والمنكر والعياذ بالله يكون أشد عذابًا.\nفما دام الستر ممكنا، ولم يكن في الكشف عن عورة أخيك مصلحة راجحة أو ضرورة ملحة، فاستر عليه ولا تفضحه.\nثم أستدل المؤلف ﵀ بقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النور: من الآية١٩] .","vol":"3","page":6},{"text":"ولمحبة شيوع الفاحشة في الذين آمنوا معنيان:\nالمعنى الأول: أن يحب شيوع الفاحشة في المجتمع المسلم، ومن ذلك من يبثون الأفلام الخليعة، والصحف الخبيثة الداعرة، فإن هؤلاء - لا شك - يحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم، ويريدون أن يفتتن المسلم في دينه بسبب ما يشاع من هذه المجلات، والأفلام الخليعة الفاسدة، أو ما أشبه ذلك.\n\nوكذلك تمكين هؤلاء مع القدرة على منعهم، داخل في محبة (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) [النور: ١٩]، فالذي يقدر على منع هذه المجلات وهذه الأفلام الخليعة، ويمكن من شيوعها في المجتمع المسلم، فهو ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي عذاب مؤلم في الدنيا والآخرة.\nونقول: إنه يحب على كل مسلم أن يحذر من هذه الصحف وأن يتجنبها، وألا يدخلها في البيت، لما فيها من الفساد: فساد الخلق ويتبعه فساد الدين؛ لأن الأخلاق إذا فسدت؛ فسدت الأديان، نسأل الله العافية.\n\nالمعنى الثاني: أن يحب أن تشيع الفاحشة في شخص معين، وليس في المجتمع الإسلامي كله، فهذا أيضا له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، مثل أن يحب أن تشيع الفاحشة في زيد من الناس لسبب ما، فهذا أيضا له عذاب أليم في الدنيا الآخرة، لاسيما فيمن نزلت الآية في سياق الدفع عنه، وهي أم المؤمنين عائشة ﵂؛ لأن هذه الآية في سياق آيات","vol":"3","page":7},{"text":"الإفك، والإفك هو الكذب الذي افتراه من يكرهون النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومن يحبون أن يتدنس فراشه، ومن يحبون أن يعير بأهله من المنافقين وأمثالهم.\nوقضية الإفك مشهورة، وهي أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرا؛ أقرع بين نسائه، وذلك من عدله عليه الصلاة السلام، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فأقرع بين نسائه ذات سفرة؛ فخرج السهم لعائشة فخرج بها.\n\nوفي أثناء رجوعهم عرّسوا في أرض، يعني ناموا في آخر الليل، فلما ناموا احتاجت عائشة ﵂ أن تبرز لتقضي حاجتها، فأمر النبي ﷺ بالرحيل في آخر الليل، فجاء القوم فحملوا هودجها ولم يشعروا أنها ليست فيه؛ لأنها كانت صغيرة لم يأخذها اللحم، فقد تزوجها النبي ﷺ ولها ست سنين، ودخل عليها ولها تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة، فحملوا الهودج وظنوا أنها فيه ثم ساروا.\nولما رجعت؛ لم تجد القوم في مكانهم، ولكن من عقلها وذكائها لم تذهب يمينًا وشمالًا تطلبهم؛ بل بقيت في مكانها وقالت: سيفقدونني ويرجعون إلى مكاني.\nولما طلعت الشمس إذا برجل يقال له صفوان بن المعطل، وكان من قوم إذا ناموا لم يستيقظوا، كما هو حال بعض الناس الذين إذا ناموا لا","vol":"3","page":8},{"text":"يستيقظون، حتى ولو علت الأصوات من حوله. فكان صفوان من جملة هؤلاء القوم، فكان إذا نام؛ تعمق في النوم فلا يمكن أن يستيقظ إلا إذا أيقظه الله ﷿ كأنه ميت.\n\nفلما استيقظ وجاء وإذا أم المؤمنين عائشة ﵂ وحدها في مكان في البر - وكان يعرفها قبل أن ينزل الحجاب - فما كان منه إلا أن أناخ بعيره ولم يكلمها بكلمة، لم يقل لها: ما الذي أقعدك؟ أو لماذا؟\nوالسبب في أنه لم يتكلم هو احترامه لفراش رسول الله ﷺ، لا يريد أن يتكلم مع أهله بغيبته ﵁، فأناخ البعير ووضع يده على ركبة البعير ولم يقل اركبي ولا تكلم بشيء، فركبت ثم ذهب بالبعير يقودها، ولم يكن يسوقها حتى لا ينظر إليها ﵁.\nولما أقبل على القوم ضحى وقد ارتفع النهار؛ فرح المنافقون أعظم فرح أن يجدوا مدخلًا للطعن في رسول الله ﷺ، فاتهموا الرجل بالعفاف الرزان الطاهرة النقية فراش رسول الله ﷺ، اتهموه بها وصاروا يشيعون الفاحشة بأن هذا الرجل فعل ما فعل، وسقط في ذلك أيضا ثلاثة من الصحابة الخلَص وقعوا فيما وقع فيه المنافقون، وهم: مسطح بن أثاثة بن خالة أبي بكر، وحسان بن ثابت ﵄، وحمنة بنت جحش.\n\nفصارت ضجة، وصار الناس يتكلمون: ما هذا؟ وكيف يكون؟ من مشتبه عليه الأمر، ومن منكر غاية الإنكار. وقالوا: لا يمكن أن يتدنس فراش رسول الله ﷺ لأنه أطهر الفراش على وجه الأرض.\nوأراد الله بعزته وقدرته وحكمته لما وصل النبي ﷺ المدينة أن تمرض","vol":"3","page":9},{"text":"عائشة ﵂ وبقيت حبيسة البيت لا تخرج، وكان النبي ﷺ من عادته إذا عادها في مرضها سأل وتكلم وتحفَّى. أما في ذلك الوقت فكان ﵊ لا يتكلم، يأتي ويدخل ويقول: «كيف تيكم؟» أي كيف هذه، ثم ينصرف، وقد استنكرت ذلك منه ﵂، ولكنها ما كان يخطر ببالها أن أحدا يتكلم في عرضها بما فيه دنس فراش رسول الله ﷺ.\nفقد أشاع المنافقون هذه الفرية على الصديقة بنت الصديق عائشة ﵂ فراش رسول الله ﷺ لا كراهة لذاتها؛ ولكن كراهة لرسول الله ﷺ، وبغضًا له، ومحبة في إيذائه وأن يدنس فراشه قاتلهم الله أنى يؤفكون.\nولكن الله تعالى أنزل في هذه القصة عشر آيات من القرآن ابتدأها بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ١١]، والذي تولى كبره هو رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ المنافق، فإنه هو الذي كان يشيع الخبر.\nلكنه خبيث لا يشيعه بلفظ صريح فيقول مثلًا إن فلانًا زنى بفلانة، لكنه يشيع ذلك بالتعريض والتلميح؛ كأن يقول: يذكر، يقال، يقولون: وما أشبه ذلك لأن المنافقين جبناء يتسترون ولا يصرحون بما في نفوسهم، فيقول ﷿: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) [النور: ١١ ـ١٢] .\n\nوفي هذا توبيخ من الله ﷿ للذين تكلموا في هذا الأمر، يقول: لولا إذا سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا، وذلك أن أم","vol":"3","page":10},{"text":"المؤمنين أمهم فكيف يظنون ما لا يليق بها ﵂، وكان الواجب عليهم لما سمعوا هذا الخبر؛ أن ظنوا بأنفسهم خيرًا وتبرؤوا منه وممن قاله.\n(لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [النور: ١٣]، يعني هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء يشهدون على هذا الأمر.\n(فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ولو صدقوا، ولهذا لو أن شخصا شاهد إنسانا يزني، وجاء إلى القاضي وقال أنا أشهد أن فلانا يزني، قلنا: هات أربعة شهداء، فإذا لم يأت بأربعة شهداء؛ جلدناه ثمانين جلدة، فإن جاء برجل ثان معه؛ جلدناهم كل واحد ثمانين جلدة، وثالث أيضا نجلد كل واحد ثمانين جلدة.\n\nفمثلًا لو جاءنا ثلاثة يشهدون بأنهم رأوا فلانا يزني بفلانة، ولم يثبت ذلك، فإننا نجلد كل واحد ثمانين جلدة، ولهذا قال الله تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ١٣ - ١٤] .\nلولا الفضل والرحمة من الله؛ لأصابكم فيما أفضتم فيه العقاب المذكور، وفي قوله: (أَفَضْتُمْ فِيهِ) دليل على أن الحديث انتشر وفاض واستفاض واشتهر؛ لأنه أمر جلل عظيم خطير، وقد جرت العادة بأن الأمور الكبيرة تنتشر بسرعة وتملأ البيوت، وتملأ الأفواه والآذان (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ","vol":"3","page":11},{"text":"تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [النور: ١٤، ١٥] .\n(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) من غير روِيهّ، ومن غير بينة، ومن غير يقين، (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) لأنه قذف لأطهر امرأة على وجه الأرض، هي وصاحباتها زوجات رسول الله ﷺ، فالأمر صعب وعظيم.\nوفي ذلك أيضا تدنيس لرسول الله ﷺ؛ لأن الله تعالى يقول: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) [النور: ٢٦] .\nفإذا كانت عائشة أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ يحصل منها هذا الأمر - وحاشاها منه - فإن ذلك يدل على خبث زوجها والعياذ بالله؛ لأن الخبيثات للخبيثين، ولكنها ﵂ طيبة وزوجها طيب، فزوجها محمد رسول الله ﷺ، وهي الصديقة بنت الصديق ﵂ وعن أبيها.\n\nولهذا يقول تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ) [النور: ١٥]، ثم قال تعالى: (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) يعني: هلا إذ سمعتموه (قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) [النور: ١٦]، وهذا هو الواجب عليك؛ أن تنزه الله أن يقع مثل هذا من زوج النبي ﷺ، ولهذا قال: (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) .\nوتأمل كيف جاءت هذه الكلمة التي تتضمن تنزيه الله ﷿، إذ أنه لا يليق بحكمة الله ورحمته وفضله وإحسانه أن يقع مثل هذا من زوج رسول","vol":"3","page":12},{"text":"الله ﷺ، ثم قال تعالى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [النور: ١٧]، يعني لا تعودا لمثل هذا أبدًا إن كنتم مؤمنين.\nثم قال تعالى: (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النور: ١٨] .\n\nوالحمد لله على بيانه، ولهذا أجمع العلماء على أن من رمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بما جاء في حديث الإفك؛ فإنه كافر مرتد، كافر كالذي يسجد للصنم، فإن تاب وأكذب نفسه؛ وإلا قتل كافرًا؛ لأنه كذب القرآن مع أن الصحيح أن من رمى زوجه من زوجات الرسول ﷺ بمثل هذا فإنه كافر؛ لأنه منتقص لرسول الله ﷺ، كل من رمى زوجة من زوجات الرسول بما برّأ الله منه عائشة؛ فإنه يكون كافر مرتدًا، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل بالسيف، وألقيت جيفته في حفرة من الأرض، بدون تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة؛ لأن الأمر خطير.\nثم قال ﷿: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [النور: ١٩، ٢٠] .\n\nوسبق أن أشرنا إلى أن ثلاثة من الصحابة الخُلّص تورطوا في هذه القضية، وهم: حسان بن ثابت ﵁، ومسطح بن أثاثة، وهو ابن خالة أبي بكر، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، وزينب بنت جحش زوج الرسول ﷺ وضرة عائشة، ومع ذلك حماها الله، لكن أختها تورطت، ولما أنزل الله براءتها؛ أمر النبي ﷺ أن يُحدّ الثلاثة حد القذف، فجلد كل واحد ثمانين جلدة.","vol":"3","page":13},{"text":"أما المنافقون فلم يقم النبي ﷺ عليهم الحد، واختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: لأن المنافق لا يصرحون وإنما يقولون: يُقال، أو يذكر أو سمعنا، أو ما أشبه ذلك.\nوقيل: لأن المنافق ليس أهلًا للتطهير، فالحد طهرة للمحدود، وهؤلاء المنافقون ليسوا بأهل للتطهير، ولهذا لم يجلدهم الرسول ﵊؛ لأن لو جلدهم؛ لطهرهم من موبق هذا الشي، لكنهم ليسوا أهلًا للتطهير، فهم في الدرك الأسفل من النار، فتركهم وذنوبهم، فليس فيهم خير، وقيل غير ذلك.\nوعلى كل حال فإن هذه القصة قصة عظيمة، فيها عِبر كثيرة، والله الموفق.\n\n* * *\n\n١/٢٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله تعالى يوم القيامة» .\nالستر يعني الإخفاء، وقد سبق لنا أن الستر ليس محمودًا على كل حال، وليس مذمومًا على كل حال، فهو نوعان:","vol":"3","page":14},{"text":"النوع الأول: ستر الإنسان الستير، الذي لم تجر منه فاحشة، ولا ينبغي منه عدوان إلا نادرًا، فهذا ينبغي أن يستر وينصح ويبين له أنه على خطأ، وهذا الستر محمود.\nوالنوع الثاني: ستر شخص مستهتر متهاون في الأمور معتدٍ على عباد الله شرير، فهذا لا يستر؛ بل المشروع أن يبين أمره لولاة الأمر حتى يردعوه عما هو عليه، وحتى يكون نكالًا لغيره.\nفالستر يتبع المصالح؛ فإذا كانت المصلحة في الستر؛ فهو أولى، وإن كانت المصلحة في الكشف فهو أولى، وإن تردد الإنسان بين هذا وهذا؛ فالستر أولى، والله الموفق.\n* * *\n٢/٢٤١ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا كذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين» . يعني بـ «كل الأمة»","vol":"3","page":15},{"text":"أمة الإجابة الذين استجابوا للرسول ﷺ.\nمعافى: يعني قد عافاهم الله ﷿.\nإلا المجاهرين: والمجاهرون هم الذين يجاهرون بمعصية الله ﷿، وهم ينقسمون إلى قسمين:\nالأول: أن يعمل المعصية وهو مجاهر بها، فيعملها أمام الناس، وهم ينظرون إليه، هذا لا شك أنه ليس بعافية؛ لأنه جر على نفسه الويل، وجره على غيره أيضا.\n\nأما جره على نفسه: فلأنه ظلم نفسه حيث عصى الله ورسوله، وكل إنسان يعصي الله ورسوله؛ فإنه ظالم لنفسه، قال الله تعالى: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [البقرة: ٥٧]، والنفس أمانة عندك يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها، وكما أنه لو كان لك ماشية فإنك تتخير لها المراعي الطيبة، وتبعدها عن المراعي الخبيثة الضارة، فكذلك نفسك، يجب عليك أن تتحرى لها المراتع الطيبة، وهي الأعمال الصالحة، وأن تبعدها عن المراتع الخبيثة، وهي الأعمال السيئة.\nوأما جره على غيره: فلأن الناس إذا رأوه قد عمل المعصية؛ هانت في نفوسهم، وفعلوا مثله، وصار - والعياذ بالله - من الأئمة الذين يدعون إلى النار، كما قال الله تعالى عن آل فرعون: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ) [القصص: ٤١] .\nوقال النبي ﵊: «من سن في الإسلام سنة سيئة؛","vol":"3","page":16},{"text":"فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» .\n\nفهذا نوع من المجاهرة، ولم يذكره النبي ﷺ؛ لأنه واضح، لكنه ذكر أمرًا آخر قد يخفى على بعض الناس فقال: ومن المجاهرة أن يعمل الإنسان العمل السيئ في الليل فيستره الله عليه، وكذلك في بيته فيستره الله عليه ولا يُطلع عليه أحدًا، ولو تاب فيما بينه وبين ربه؛ لكان خيرًا له، ولكنه إذا قام في الصباح واختلط بالناس قال: عملت البارحة كذا، وعملت كذا، وعملت كذا، فهذا ليس معافى، هذا والعياذ بالله قد ستر الله عليه فأصبح يفضح نفسه.\nوهذا الذي يفعله بعض الناس أيضًا يكون له سببان:\nالسبب الأول: أن يكون الإنسان غافلًا سليمًا لا يهتم بشيء، فتجده يعمل السيئة ثم يتحدث بها عن طهارة قلب.\nوالسبب الثاني: أن يتحدث بالمعاصي تبجحًا واستهتارًا بعظمة الخالق، - والعياذ بالله - فيصبحون يتحدثون بالمعاصي متبجحين بها كأنما نالوا غنيمة، فهؤلاء والعياذ بالله شر الأقسام.\nويوجد من الناس من يفعل هذا مع أصحابه، يعني أنه يتحدث به مع أصحابه فيحدثهم بأمر خفي لا ينبغي أن يذكر لأحد، لكنه لا يهتم بهذا الأمر فهذا ليس من المعافين؛ لأنه من المجاهرين.\n\nوالحاصل أنه ينبغي للإنسان أن يتستر بستر الله ﷿، وأن يحمد","vol":"3","page":17},{"text":"الله على العافية، وأن يتوب فيما بينه وبين ربه من المعاصي التي قام بها، وإذا تاب إلى الله وأناب إلى الله؛ ستره الله في الدنيا والآخرة، والله الموفق.\n\n* * *\n\n٣/٢٤٢ - وعنه عن النبي ﷺ قال: «إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر» متفق عليه.\nالتثريب: التوبيخ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب» .\nوالأمة: هي المملوكة التي تباع وتشترى، فإذا زنت يقول ﵊: فليجلدها الحد، وحد الأمة نصف حد الحرة، كما قال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥] .\nوالحرة إذا كانت بكرًا وزنت تجلد مائة جلدة وتغرب سنة، والأمة نصف ذلك يعني خمسين جلدة، وأما تغريبها؛ ففي ذلك قولان للعلماء:\n\nمنهم من: قال تغرب نصف سنة.\nومنهم من قال: إنها لا تغرب؛ لأنه قد تعلق بها حق السيد.","vol":"3","page":18},{"text":"ثم إن زنت المرة الثانية؛ فليجلدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت يعني في الثالثة أو الرابعة؛ فليبعها ولو بحبل من شعر، يعني ولا يبقيها؛ لأنه لا خير فيها.\nففي هذا دليل على أن السيد يقيم الحد على مملوكه، وأما غير السيد؛ فلا يقيم الحد.\nوإنما يتولى إقامة الحد الإمام، أو نائب الإمام حتى الأب لا يملك إقامة الحد على ابنه؛ لأن هذا موكول للإمام أو نائبه، وفي قوله «فليبعها ولو بحبل من شعر» وإذا قال قائل: وإذا باعها فما الفائدة إذا كانت قد ألفت الزنا والعياذ بالله؟ نقول: لأنه إذا تغيرت بها الأحوال؛ فربما تتغير حالها، وأيضا إذا باعها؛ فسوف يخبر المشتري بأنها أمة تزني. وسوف يكون المشتري شديدًا عليها حتى يمنعها من ذلك.\n\n* * *\n\n٤/٢٤٣ - وعنه قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب خمرًا قال: «اضربوه» قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله قال: «لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان» رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف - رحمة الله - عن أبي هريرة ﵁ قال «أتي النبي ﷺ برجل قد شرب خمرًا» .","vol":"3","page":19},{"text":"والخمر: كل ما أسكر، ومعنى الإسكار أن يغيب العقل من شدة اللذة؛ لأن غيبوبة العقل أحيانًا تكون بدواء كالبنج، فهذا ليس بسكر، وأحيانًا تكون بإغماء، وأحيانًا تكون بسكر، وهو تغطية العقل بلذة وطرب، ولهذا تجد السكران - والعياذ بالله - يتخيل نفسه وكأنه ملك من الملوك، كما قال الشاعر:\nونشربها فتتركنا ملوكا........................\nوكما قال حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ حين جاءه النبي ﷺ وقد ثمل من السكر قبل أن تحرم الخمر فعلمه في ذلك، فقال له حمزة: هل أنتم إلا عبيد أبي، يقول للرسول ﵊ وهو ﵁ من أشد الناس تعظيمًا للرسول، لكنه سكران.\nوالحاصل أن السكر تغطية للعقل على وجه اللذة والطرب.\nولذلك فلما جاء إلى النبي ﷺ هذا الشارب للخمر قال: «اضربوه» .\n\nفقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، ومنا الضارب بسوطه، ومنا الضارب بنعله، ولم يحدد لهم النبي ﷺ عددا معينًا، فلما انصرف بعضهم قال له رجل: أخزاك الله، فقال النبي ﷺ: «لا تعينوا عليه الشيطان»؛ لأن الخزي معناه العار والذل، فأنت إذا قلت لرجل: أخزاك الله؛ فإنك قد دعوت الله عليه بما يذله ويفضحه، فتعين عليه الشيطان.\nوفي هذا الحديث دليل على أن عقوبة الخمر ليس لها حد معين، ولهذا لم يحد لهم النبي ﷺ حدًا، ولم يعدها عدًا، كل يضرب بما تيسر، من يضرب بيده، ومن يضرب بطرف ثوبه، ومن يضرب بعصاه، ومن","vol":"3","page":20},{"text":"يضرب بنعله، لم يحد فيها حدًا، وبقي الأمر كذلك.\nوفي عهد أبي بكر صارت تقدر بنحو أربعين، وفي عهد عمر كثر الناس الذين دخلوا في الإسلام، ومنهم من دخل عن غير رغبة، فكثر شرب الخمر في عهد عمر ﵁، فلما رأى الناس قد أكثروا منها استشار الصحابة فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أخف الحدود ثمانون وهو حد القذف، فرفع عمر ﵁ عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين جلدة.\n\nففي هذا دليل على أن الإنسان إذا فعل ذنبًا وعوقب عليه في الدنيا؛ فإنه لا ينبغي لنا أن ندعو عليه بالخزي والعار؛ بل نسأل الله له الهداية، ونسأل الله له المغفرة، والله الموفق.","vol":"3","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>٢٩ - باب قضاء حوائج المسلمين</span>\n\nقال الله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: ٧٧] .\n١/٢٤٤ - وعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. من كان في حاجة أخيه؛ كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة؛ فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا؛ ستره الله يوم القيامة» متفق عليه.\n\n٢/٢٤٥ وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسرٍ؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهل الله له طريقًا إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه» رواه مسلم.","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب قضاء حوائج المسلمين.\nالحوائج: ما يحتاجه الإنسان ليكمل به أموره، وأما الضروريات؛ فهي ما يضطر إليه الإنسان ليدفع به ضرره، ودفع الضرورات واجب؛ فإنه يجب على الإنسان إذا رأى أخاه في ضرورة أن يدفع ضرورته؛ فإذا رآه في ضرورة إلى الطعام أو إلى الشراب أو إلى التدفئة، أو إلى التبردة؛ وجب عليه أن يقضي حاجته، ووجب عليه أن يزيل ضرورته ويرفعها.\n\nحتى إن أهل العلم يقولون: لو اضطر الإنسان إلى طعام في يد شخص أو إلى شرابه، والشخص الذي بيده الطعام أو الشراب لم يضطر إليه ومنعه بعد طلبه، ومات، فإنه يضمنه؛ لأنه فرط في إنقاذ أخيه من هلكة.\nأما إذا كان الأمر حاجيًّا وليس ضروريًا، فإن الأفضل أن تعين أخاك على حاجته، وأن تيسرها له ما لم تكن الحاجة في مضرته، فإن كانت الحاجة في مضرته فلا تعنه؛ لأن الله يقول؛ (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢] .\n\nفلو فرض أن شخصًا احتاج إلى شرب دخان، وطلب منك أن تعينه بدفع القيمة له أو شرائه له أو ما أشبه ذلك؛ فإنه لا يحل لك أن تعينه ولو كان محتاجًا، حتى لو رأيته ضائقًا يريد أن يشرب الدخان فلا تعنه؛ لقول الله تعالى: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) حتى لو كان أباك؛ فإنك لا تعنه على هذا، حتى لو غضب عليك إذا لم تأت به فليغضب؛ لأنه غضب في","vol":"3","page":23},{"text":"غير موضع الغضب؛ بل إنك إذا امتنعت من أن تأتي لأبيك بما يضره؛ فإنك تكون بارًّا به، ولا تكون عاقًا له؛ لأن هذا هو الإحسان؛ فأعظم الإحسان أن تمنع أباك مما يضره، قال النبي ﵊: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قالوا: يا رسول الله: كيف ننصره الظالم؟ قال: «تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه» .\nوعلى هذا فقول المؤلف في باب قضاء حوائج المسلمين يريد بذلك الحوائج المباحة، فإنه ينبغي لك أن تعين أخاك عليها، فإن الله في عونك ما كنت في عون أخيك.\n\nثم ذكر المؤلف أحاديث مر الكلام عليها فلا حاجة إلى إعادتها، إلا أن فيها بعض الجمل تحتاج إلى كلام؛ منها قوله: «من يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة» فإذا رأيت معسرًا، ويسرت عليه الأمر يسر الله عليك في الدنيا والآخرة، مثل أن ترى شخصًا ليس بيده ما يشتري لأهله من طعام وشراب، لكن ليس عنده ضرورة، فأنت إذا يسرت عليه؛ يسر الله عليك في الدنيا والآخرة.\nومن ذلك أيضًا إذا كنت تطلب شخصًا معسرًا؛ فإنه يجب عليك أن تيسر عليه وجوبًا؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة: ٢٨٠]، وقد قال العلماء ﵏: من كان له غريم معسر؛ فإنه يحرم عليه أن يطلب منه الدين، أو أن يطالبه به، أو أن يرفع أمره إلى","vol":"3","page":24},{"text":"الحاكم؛ بل يجب عليه إنظاره.\nويجد بعض الناس والعياذ بالله ممن لا يخافون الله، ولا يرحمون عباد الله، من يطالبون المعسرين، ويضيقون عليهم، ويرفعونهم إلى الجهة المسؤولة فيحبسون ويؤذون ويمنعون من أهلهم ومن ديارهم، كل هذا بسبب الظلم، وإن كان الواجب على القاضي إذا ثبت عنده إعسار الشخص، فواجب عليه أن يرفع الظلم عنه، وأن يقول لغرمائه: ليس لكم شيء.\n\nثم إن بعض الناس والعياذ بالله إذا كان لهم غريم معسر يحتال عليه بأن يداينه مرة أخرى بِربًا، فيقول مثلًا: اشتر مني السلعة الفلانية بزيادة على ثمنها وأوفني، أو يتفق مع شخص ثالث يقول: اذهب تديّن من فلان وأوفني، وهكذا حتى يصبح هذا المسكين بين يدي هذين الظالمين كالكرة بين يدي الصبي يلعب بها والعياذ بالله.\nوالحاصل إذا رأيتم شخصًا يطلب معسرًا أن تبينوا له أنه آثم، وأن ذلك حرام عليه؛ وأنه يجب عليه إنظاره؛ لقول الله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة: ٢٨٠]، وأنه إذا ضيق على أخيه المسلم، فإنه يوشك أن يضيق الله عليه في الدنيا أو في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة معًا، ويوشك أن يعجل له بالعقوبة، ومن العقوبة أن يستمر في مطالبة هذا المعسر وهو معسر؛ لأنه كلما طالبه ازداد إثمًا.\nوعلى العكس من ذلك؛ فإنه يوجد بعض الناس والعياذ بالله يماطلون بالحقوق التي عليهم، مع قدرتهم على وفائهم، فتجده يأتيه صاحب الحق","vol":"3","page":25},{"text":"فيقول: غدًا، وإذا أتاه في غد قال: بعد غدٍ؛ وهكذا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَطْل الغنيِّ ظلم» .\n\nوإذا كان ظلمًا؛ فإن أي ساعة أو لحظة تمضي وهو قادر على وفاء دينه؛ فإنه لا يزداد بها إلا إثمًا، نسأل الله لنا ولك السلامة والعافية.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>٣٠ - باب الشفاعة</span>\n\nقال الله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: ٨٥] .\n١/٢٤٦ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجةٍ أقبل على جلسائه فقال: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب» متفق عليه.\nوفي رواية: «ما شاء» .\n٢/ ٢٤٧ - وعن بن عباس ﵄ في قصة بريرة وزوجها. قال: قال لها النبي ﷺ: «لو راجعتِهِ؟» قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: «إنما أشفع» قالت: لا حاجة لي فيه» رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب الشفاعة.\nوالشفاعة: هي التوسط للغير؛ لجلب منفعة أو دفع مضرة.\nمثال الأول: أن تتوسط لشخص عند آخر في أن يساعده في أمر من الأمور\nومثال الثاني: أن تشفع لشخص عند آخر في أن يسامحه ويعفو عن","vol":"3","page":27},{"text":"مظلمته، حتى يندفع عنه الضرر.\n\nومثال ذلك في أيام الآخرة؛ أن النبي ﷺ يشفع في أهل الموقف ليُقضى بينهم، حين يصيبهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فهذه شفاعة في دفع مضرة.\nومثالها في جلب منفعة؛ أن النبي ﷺ يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.\nوالمراد بالشفاعة في كلام المؤلف: الشفاعة في الدنيا؛ وهي أن يشفع الإنسان لشخص عند آخر؛ يتوسط له بجب المنفعة له أو دفع المضرة عنه.\nوالشفاعة أقسام:\nالقسم الأول: شفاعة محرمة لا تجوز، وهي أن يشفع لشخص وجب عليه الحدّ بعد أن يصل إلى الإمام، فإن هذه الشفاعة محرمة لا تجوز؛ مثال ذلك: رجل وجب عليه حدّ في قطع يده في السرقة، فلما وصلت إلى الإمام أو نائب الإمام؛ أراد إنسان أن يشفع لهذا السارق ألا تقطع يده، فهذا حرام أنكره النبي ﵊ إنكارًا عظيمًا.\n\nوذلك حينما أمر النبي ﵌ أن تقطع يد المرأة المخزومية، امرأة من بني مخزوم من أشراف قبائل العرب، كانت تستعير الشيء ثم تجحده، أي تستعيره لتنتفع به ثم تنكر بعد ذلك أنها استعارت شيئًا، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها؛ فاهتمت لذلك قريش، قالوا: امرأة من بني مخزوم وتقطع يدها؟ هذا عار كبير، من يشفع لنا إلى رسول الله ﷺ، فرأوا أن أقرب الناس لذلك أسامة بن زيد بن الحارثة.","vol":"3","page":28},{"text":"وأسامة بن زيد مولى رسول الله ﷺ؛ لأن زيد بن حارثة عبدٌ أهدته إلى رسول الله ﷺ خديجة، ثم أعتقه وكان يحبه ﵊، ويحب ابنه أسامة، فذهب أسامة إلى النبي ﷺ يشفع لهذه المرأة ألا تقطع يدها، فقال النبي ﵊: «أتشفع في حد من حدود الله؟»\nقال ذلك إنكارًا عليه، ثم قام فخطب الناس وقال: «أيها الناس؛ إنما أهلك من كان قبلكم؛ أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله - يعني أقسم بالله - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها» .\n\nوهذه المرأة المخزومية دون فاطمة شرفًا ونسبًا، ومع ذلك فإنه ﷺ قال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها» لسدّ باب الشفاعة والوساطة في الحدود إذا بلغت الإمام.\nوقال ﵊: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضادِّ الله في أمره» .\nوقال صلى اله عليه وسلم: «إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلعن الله الشافع والمشفع» .\nولما سرق رداء صفوان بن أمية وكان قد توسده في المسجد، فجاء","vol":"3","page":29},{"text":"رجل فسرقه، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يد السارق - انظر ماذا سرق؟ سرق رداء، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يده - فقال: يا رسول الله؛ أنا لا أريد ردائي، يعني أنه رحم هذا السارق وشفع فيه ألا تقطع يده، فقال النبي ﷺ: «هلاّ كان ذلك قبل أن تأتيني به» .\nيعني لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به، لكان ذلك لك، لكن إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلابد من تنفيذها، وتحرم فيها الشفاعة.\n\nالقسم الثاني: أن يشفع في شيء محرم، مثل أن يشفع لإنسان معتدٍ على أخيه، أعرف مثلًا أن هذا الرجل يريد أن يخطب امرأة مخطوبة من قبل، والمرأة المخطوبة لا يحل لأحد خطبتها، فذهب رجل ثان إلى شخص وقال: يا فلان أحب أن تشفع لي عند والد هذه المرأة يزوجنيها، وهو يعلم أنها مخطوبة، فهنا لا يحل له أن يشفع؛ لأن هذه شفاعة في محرم.\nوالشفاعة في المحرم تعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢] .\nومن ذلك أيضًا أن يأتي رجل لشخص فيقول: يا فلان؛ أنا أريد أن أشتري دخانًا من فلان وقد سُمْتُه بكذا وكذا، وأبى عليّ إلا بكذا وكذا أكثر مما سمتُه به، فأرجوك أن تشفع لي عنده ليبيعه عليّ بهذا السعر الرخيص،","vol":"3","page":30},{"text":"فهنا لا تجوز الشفاعة؛ لأن هذه إعانة على الإثم والعدوان.\n\nالقسم الثالث: الشفاعة في شيء مباح فهذه لا بأس بها، ويكون للإنسان فيها أجر، مثل أن يأتي شخص لآخر فيسوم منه بيتًا ويقول له هذا الثمن قليل، فيذهب السائم إلى شخص ثالث، ويقول: يا فلان اشفع لي عند صاحب البيت لعله يبيعه عليّ، فيذهب ويشفع له، فهذا جائز؛ بل هو مأجور على ذلك، ولهذا كان النبي ﷺ إذا أتاه صاحب حاجة يلتفت إلى أصحابه ويقول: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» أو «ما أحب» . فهنا يأمر ﵊ أصحابه بأن يشفعوا لصاحب الحاجة.\nومثل ذلك أيضًا لو وجب لك حق على شخص، ورأيت أنك إذا تنازلت عنه هكذا ربما استخفّ بك في المستقبل وانتهك حرمتك، فهنا لا حرج أن تقول مثلًا لبعض الناس: اشفعوا له عندي؛ حتى تظهر أنت بمظهر القوي ولا تجبن أمامه ويحصل المقصود.\nفالحاصل أن الشفاعة في غير أمر محرم من الإحسان إلى الغير كما قال تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: ٨٥] .","vol":"3","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>٣١ - باب الإصلاح بين الناس</span>\nقال الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس) [النساء: ١١٤]، وقال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨]، وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال: الآية١]، وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: ١٠]\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب الإصلاح بين الناس.\nالإصلاح بين الناس: هو أن يكون بين شخصين معاداة وبغضاء، فيأتي رجل موفق فيصلح بينهما، ويزيل ما بينهما من العداوة والبغضاء، وكلما كان الرجلان أقرب صلة بعضهما من بعض؛ فإن الصلح بينهما أوكد، يعني أن الصلح بين الأب وابنه أفضل من الصلح بين الرجل وصاحبه، والصلح بين الأخ وأخيه أفضل من الصلح بين العم وابن أخيه، وهكذا كلما كانت القطيعة أعظم؛ كان الصلح بين المتابغضين وبين المتقاطعين أكمل وأفضل وأوكد.\n\nواعلم أن الصلح بين الناس من أفضل الأعمال الصالحة، قال الله ﷿ (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي إلا نجوى من أمر بصدقة.\nوالنجوى: الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه، فأكثر المناجاة بين","vol":"3","page":32},{"text":"الناس لا خير فيها إلا من أمر بصدقة أو معروف.\nوالمعروف: كل ما أمر به الشرع، يعني: أمر بخير.\nأو إصلاح بين الناس: بين الرجل وصاحبه مفسدة، فيأتي شخص موفّق فيصلح بينهما، ويزيل ما بين الرجل وصاحبه من العداوة والبغضاء.\nثم قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ١١٤]، فبين سبحانه في هذه الآية أن الخير حاصل فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فهذا خير حاصل لا شك فيه، أما الثواب فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) .\nفأنت يا أخي المسلم إذا رأيت بين شخصين عداوة وبغضاء وكراهة، فاحرص على أن تسعى بينهما بالصلح حتى لو خسرت شيئًا من مالك فإنه مخلوف عليك.\n\nثم اعلم أن الصلح يجوز فيه التورية أي أن تقول لشخص: إن فلانًا لم يتكلم فيك بشيء، إن فلانًا يحب أهل الخير وما أشبه ذلك، أو تقول: فلان يحبك إن كنت من أهل الخير، وتضمر في نفسك جملة «إن كنت من أهل الخير» لأجل أن تخرج من الكذب.\nوقال الله ﷿: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨]، هذه جملة عامة «الصلح خير» في جميع الأمور.\nثم قال تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ) [النساء: ١٢٨]، إشارة إلى أن","vol":"3","page":33},{"text":"الإنسان ينبغي له عند الإصلاح أن يتنازل عما في نفسه، وأن لا يتبع نفسه؛ لأنه إذا اتبع نفسه فإن النفس شحيحة، ربما يريد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملًا، وإذا أراد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملًا؛ فإن الصلح يتعذر؛ لأنك إذا أردت أن تأخذ بحقك كاملًا وأراد صاحبك أن يأخذ بحقه كاملًا؛ لم يكن إصلاحًا.\nلكن إذا تنازل كل واحد منكما عما يريد وغلب شحّ نفسه؛ فإنه يحصل الخير ويحصل الصلح، وهذا هو الفائدة من قوله تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) بعد قوله: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)، وقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: ٩]، فأمر الله ﷿ بالإصلاح بين المتقاتلين من المؤمنين.\nوالحاصل أن الإصلاح كله خير، فعليك يا أخي المسلم إذا رأيت شخصين متنازعين متباغضين متعاديين؛ أن تصلح بينهما؛ لتنال الخير الكثير، وابتغ في ذلك وجه الله وإصلاح عباد الله حتى يحصل لك الخير الكثير كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ١١٤] .\nأسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصالحين المصلحين.\n\n* * *\n\n١/٢٤٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقه، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى","vol":"3","page":34},{"text":"عن الطريق صدقة» متفق عليه.\nومعنى «تعدل بينهما»: تصلح بينهما بالعدلِ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا ما ذكره المؤلف من الآية الكريمة الدالة على فضيلة الإصلاح بين الناس، ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس»، والسُلامى هي العظام والمفاصل؛ يعني كل يوم تطلع الشمس؛ فعلى كل مفصل من مفاصلك صدقة.\nقال العلماء من أهل الفقه والحديث: وعدد السلامى في كل إنسان ثلاثمائة وستون عضوًا أو مفصلًا، فعلى كل واحد من الناس أن يتصدق كل يوم تطلع فيه الشمس بثلاثمائة وستين صدقة، ولكن الصدقة لا تختص بالمال؛ بل كل ما يقرب إلى الله فهو صدقة بالمعنى العام؛ لأن فعله يدل على صدق صاحبه في طلب رضوان الله ﷿.\n\nثم بيّن ﷺ هذه الصدقة فقال: «تعدل بين اثنين صدقة» يعني رجلان يتخاصمان إليك فتعدل بينهما؛ تحكم بينهما بالعدل، وكل ما وافق الشرع فهو عدل، وكل ما خالف الشرع فهو ظلم وجور.\nوعلى هذا فنقول: هذه القوانين التي يحكم بها بعض الناس وهي مخالفة لشريعة الله ليست عدلًا؛ بل هي جور وظلم وباطل، ومن حكم بها","vol":"3","page":35},{"text":"معتقدًا أنها مثل حكم الله أو أحسن منه؛ فإنه كافر مرتد عن دين الله؛ لأنه كذب قول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: ٥٠]، يعني لا أحد أحسن من الله حكمًا، لكن لا يفهم هذا إلا من يوقن، أما الذي أعمى الله بصيرته، فإنه لا يدري بل قد يزين له سوء عمله فيراه حسنًا والعياذ بالله.\nومن العدل بين اثنين: العدل بينهما بالصلح، لأن الحاكم بين الاثنين سواء أكان منصوبًا من قبل ولي الآمر، أو غير منصوب قد لا يتبين له وجه الصواب مع أحد الطرفين، فإذا لم يتبين له، فلا سبيل له إلا الإصلاح، فيصلح بينهما بقدر ما يستطيع.\nوقد سبق لنا أنه لا صلح مع المشاحة، يعني أن الإنسان إذا أراد أن يعامل أخاه بالمشاحة، فإنه لا يمكن الصلح، كما قال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) [النساء: ١٢٨] يشير إلى أن الصلح ينبغي للإنسان أن يبعد فيه عن الشحّ، وأن لا يطالب بكامل حقه؛ لأنه إن طالب بكامل حقه، طالب الآخر بكامل حقه ولم يحصل بينهما صلح؛ بل لابد أن يتنازل كل واحد منهم عن بعض حقه.\nفإذا لم يكن الحكم بين الناس بالحق، بل اشتبه على الإنسان إما من حيث الدليل، أو من حيث حال المتخاصمين، فليس هناك إلا السعي بينهما بالصلح.\nقال ﵊: «تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعًا صدقة» .","vol":"3","page":36},{"text":"هذا أيضًا من الصدقات؛ أن تعين الرجل في دابته فتحمله عليها إذا كان لا يستطيع أن لا يركبها بنفسه، أو تحمل له عليها متاعه، تساعده على حمل المتاع على الدابة فهذا صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة؛ يعني إذا رأيت ما يؤلم المشاة فأمطته أي: أزلته فهذه صدقة، سواء كان حجرًا، أم زجاجًا، أم قشر بطيخ، أم ثيابًا يلتوي بعضها على بعض، أو ما أشبه ذلك.\n\nوالحاصل أن كل ما يؤذي أَزِلْه عن الطريق، فإنك بذلك تكون متصدقًا، وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق صدقة؛ فإن إلقاء الأذى في الطريق سيئة.\nومن ذلك من يلقون قمامتهم في وسط الشارع، أو يتركون المياه تجري في الأسواق فتؤذي الناس، مع أن في ترك المياه مفسدة أخرى، وهي استنفاد الماء؛ لأن الماء مخزون في الأرض، قال الله تعالى: (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر: ٢٢]، والمخزون ينفد.\nولهذا نرى أن الذي يترك المياه ويسرف في صرفها ولا يبالي في ضياعها مسيء إلى كل الأمة؛ لأن الماء مشترك، فإذا أسأت في تصريفه وأنفقته ولم تبال به كنت مسرفًا، والله لا يحب المسرفين، وكنت مسيئًا لتهديد الأمة قي نقص مائها أو زواله، وهذا ضرر عام.\nوالحاصل أن الذين يلقون في الأسواق ومسار الناس ما يؤذيهم هم مسيئون، والذين يزيلون ذلك هم متصدقون.\n«وتميط الأذى عن الطريق صدقة، والكلمة الطيبة صدقة»، وهذه - ولله الحمد - من أعم ما يكون. الكلمة الطيبة تنقسم إلى قسمين: طيبة بذاتها، طيبة بغاياتها.","vol":"3","page":37},{"text":"أما الطيبة بذاتها فالذكر: لا إله إلا الله، الله أكبر، الحمد لله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الذكر قراءة القرآن.\nوأما الكلمة الطيبة في غايتها فهي الكلمة المباحة كالتحدث مع الناس، إذا قصدت بهذا إيناسهم وإدخال السرور عليهم، فإن هذا الكلام وإن لم يكن طيبًا بذاته لكنه طيب في غاياته، في إدخال السرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك مما يقربك إلى الله ﷿، فالكلمة الطيبة صدقة وهذا من أعم ما يكون.\nثم قال «وفي كل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة» .\nكل خطوة: خطوة - بالفتح - يعني خطوة واحد تخطوها إلى الصلاة ففيها صدقة. عد الخطى من بيتك إلى المسجد تجدها كثيرة ومع ذلك كل خطوة فهي صدقة لك، إذا خرجت من بيتك مسبغًا الوضوء، لا يخرجك من بيتك إلى المسجد إلا الصلاة، فإن كل خطوة صدقة، وكل خطوة تخطوها يرفع الله لك بها درجة، ويحط عنك بها خطيئة. وهذا فضل عظيم.\nأسبغ الوضوء في بيتك، واخرج إلى المسجد، لا يخرجك إلا الصلاة، وأبشر بثلاث فوائد:\nالأولى: صدقة، والثانية: رفع درجة، والثالثة: حطّ خطيئة.\nكل هذا من نعم الله ﷿، والله الموفق.\n\n* * *\n٢/٢٤٩ - وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا» متفق عليه.\nوفي رواية مسلم زيادة، قالت «ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: تعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي ذكره المؤلف حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂، أن النبي ﷺ قال: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا","vol":"3","page":38},{"text":"أو يقول خيرًا» فالإنسان إذا قصد الإصلاح بين الناس وقال للشخص: إن فلانًا يثني عليك ويمدحك ويدعو لك وما أشبه ذلك من الكلمات، فإن ذلك لا بأس به.\nوقد اختلف العلماء في هذه المسألة، هل المراد أن يكذب الإنسان كذبًا صريحًا، أو أن المراد أن يوري، بمعنى أن يظهر للمخاطب غير الواقع، لكنه له وجه صحيح، كأن يعني بقوله مثلًا: فلان يثني عليك أي: على جنسك وأمثالك من المسلمين، فإن كل إنسان يثني على المسلمين من غير تخصيص.\n\nأو يريد بقوله: إنه يدعو لك؛ أنه من عباد الله، والإنسان يدعو لكل عبد صالح في كل صلاة، كما قال النبي ﷺ: «إنكم إذا قلتم ذلك» - يعني قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - «فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض» .","vol":"3","page":39},{"text":"وقال بعضهم: إن التورية تعد كذبًا؛ لأنها خلاف الواقع، وإن كان المتكلم قد نوى بها معنى صحيحًا، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ: «إن إبراهيم ﵊ يعتذر عن الشفاعة بأنه كذب ثلاث كذبات في ذات الله» وهو لم يكذب ﵊، لكنه ورّى.\nوعلى كل حال فالإنسان المصلح ينبغي له أن يتحرز من الكذب، وإذا كان ولابد فليتأول؛ ليكون بذلك موريًا، والإنسان إذا كان موريًا فلا إثم عليه فيما بينه وبين الله، والتورية جائزة عند المصلحة.\nأما اللفظ الثاني ففيه زيادة عن الإصلاح بين الناس، وهو الكذب في الحرب.\nوالكذب في الحرب هو أيضًا نوع من التورية مثل أن يقول للعدو: إن ورائي جنودًا عظيمة وما أشبه ذلك من الأشياء التي يرهب بها الأعداء.\nوتنقسم التورية في الحرب إلى قسمين:\n\nقسم في اللفظ، وقسم في الفعل. مثل ما فعل القعقاع بن عمرو ﵁ في إحدى الغزوات؛ فإنه أراد أن يرهب العدو فصار يأتي بالجيش في الصباح، ثم يغادر المكان، ثم يأتي به في صباح يوم آخر وكأنه مدد جديد جاء ليساعد المحاربين المجاهدين، فيتوهم العدو أن هذا مدد","vol":"3","page":40},{"text":"جديد جاء ليساعد المحاربين المجاهدين، فيتوهم العدو أن هذا مدد جديد فيرهب ويخاف، وهذا جائز للمصلحة.\nأما المسألة الثالثة فهي أن يحدث الرجل زوجته وتحدث المرأة زوجها، وهذا أيضًا من باب التورية، مثل أن يقول لها: إنك من أحب الناس إليّ، وإني أرغب في مثلك، وما أشبه ذلك من الكلمات التي توجب الألفة والمحبة بينهما.\nولكن مع هذا لا ينبغي فيما بين الزوجين أن يكثر الإنسان من هذا الأمر؛ لأن المرأة إذا عثرت على شيء يخالف ما حدثها به، فإنه ربما تنعكس الحال وتكرهه أكثر مما كان يتوقع، وكذلك المرأة مع الرجل.\n\n* * *\n\n٣/٢٥٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: «أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟» فقال أنا يا رسول الله فله أي ذلك أحب)، متفق عليه.\nمعنى «يستوضعه»: يسأله أن يضع عنه بعض دينه. «ويسترفقه»: يسأله الرفق. «والمتألي»: الحالف.","vol":"3","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث ذكره المؤلف ﵀ في بيان الصلح بين اثنين متنازعين فإذا رأى شخص رجلين يتنازعان في شيء وأصلح بينهما، فله أسوة برسول الله ﷺ، وقد فعل خيرًا كثيرًا، كما سبق الكلام فيه على قول الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ١١٤] .\n\nفالنبي ﷺ لما سمع نزاع رجلين وقد علت أصواتهما، خرج إليهما ﷺ لينظر ماذا عندهما، وفيه دليل على أنه لا حرج على الإنسان أن يتدخل في النزاع بين اثنين، إذا لم يكن ذلك سرًا بينهما؛ لأن هذين الرجلين قد أعلنا ذلك، وكانا يتكلمان بصوت مرتفع، أما لو كان الأمر بين اثنين على وجه السر والإخفاء؛ فلا يجوز للإنسان أن يتدخل بينهما؛ لأن في ذلك إحراجًا لهما، فإن إخفاءهما للشيء يدل على أنهما لا يحبان أن يطلع عليه أحد من الناس، فإذا أقحمت نفسك في الدخول بينهما؛ أحرجتهما وضيقت عليهما، وربما تأخذهما العزة بالإثم فلا يصطلحان.\nوالمهم أنه ينبغي للإنسان أن يكون أداة خير، وأن يحرص على الإصلاح بين الناس وإزالة العداوة والضغائن حتى ينال خيرًا كثيرًا، والله الموفق.","vol":"3","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>٣٢ - باب فضل ضعفة المسلمين\nوالفقراء والخاملين</span>\n\nقال الله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَوةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) (الكهف: ٢٨) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال رحمه الله تعالى: باب فضل ضعفاء المسلمين وفقرائهم والخاملين منهم.\n\nالمراد بهذا الباب: تسلية من قدّر الله عليه أن يكون ضعيفًا في بدنه، أو ضعيفًا في عقله، أو ضعيفًا في ماله، أو ضعيفًا في جاهه أو غير ذلك مما يعدّه الناس ضعفًا؛ فإن الله ﷾ قد يجعل الإنسان ضعيفًا من وجه لكنه قوي عند الله ﷿، يحبه الله ويكرمه، وينزله المنازل العالية، وهذا هو المهم.\nالمهم أن تكون قويًا عند الله ﷿، وجيهًا عنده، ذا شرف يكرمك الله به.\nثم ذكر قول الله تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ في قوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَوة وَالْعَشِيّ) [الكهف: ٢٨] . اصبر نفسك أي: احبسها مع هؤلاء القوم الذين يدعون الله بالغداة: أول النهار والعشي: آخر النهار، والمراد بالدعاء هنا: دعاء المسألة ودعاء العبادة.","vol":"3","page":43},{"text":"فإن دعاء المسألة يعتبر دعاء؛ كقوله تعالى في الحديث القدسي: «من يدعوني فأستجيب له» .\nوقال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠] .\nودعاء عبادة، وهو أن يتعبد الإنسان لربه بما شرعه؛ لأن العابد يدعو بلسان الحال، ولسان المقال.\n\nفالصلاة مثلًا عبادة تشتمل على قراءة القرآن، وذكر الله، وتسبيحه، ودعائه أيضًا، والصوم عبادة وإن كان في جوهره ليس فيه دعاء، لكن الإنسان لم يصم إلا رجاء ثواب الله، وخوف عقاب الله، فهو دعاء بلسان الحال.\nوقد تكون العبادة دعاءً محضًا يدعو الإنسان ربه بدعاء فيكون عابدًا له، وإن كان مجرد دعاء؛ لأن الدعاء يعني افتقار الإنسان إلى الله، وإحسان ظنه به، ورجاءه، والخوف من عقابه.\nفقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ)، يدعون ربهم: أي يسألونه حاجاتهم، ويعبدونه؛ لأن العابد داعٍ بلسان الحال، بالغداة: أول النهار، والعشي: آخر النهار، ولعل المراد بذلك: يدعون ربهم دائمًا، لكنهم يخصون الغداة والعشي بدعائه الخاص، (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) يعني لا يريدون عرضًا من الدنيا، إنما يريدون وجه الله ﷿.","vol":"3","page":44},{"text":"(وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) يعني لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم؛ بل كن دائمًا ناظرًا إليهم، وكن معهم في دعائهم وعبادتهم وغير ذلك، وهذا كقوله تعالى: (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه: ١٣١) فقوله تعالى: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) يعني: اجعل عينيك دائمًا فيهم.\nوهنا قال: (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: لا تنظر إلى أهل الدنيا وما متعوا به من النعيم، ومن المراكب، والملابس، والمساكن، وغير ذلك.\nفكل هذا زهرة الدنيا، والزهرة آخر مآلها الذبول واليبس والزوال، وهي أسرع أوراق الشجرة ذبولًا وزوالًا، ولهذا قال: زهرة، وهي زهرة حسنة في رونقها وجمالها وريحها - إن كانت ذات ريح - لكنها سريعة الذبول، وهكذا الدنيا، زهرة تذبل سريعًا، نسأل الله أن يجعل لنا حظًا ونصيبًا في الآخرة.\n\nيقول (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)، أي: رزق الله بالطاعة، كما قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه: ١٣٢)\nوكان النبي ﷺ إذا رأى شيئًا يعجبه من الدنيا قال «اللهم إن العيش عيش الآخرة» كلمتان عظيمتان، فالإنسان إذا نظر إلى الدنيا ربما تعجبه","vol":"3","page":45},{"text":"فيلهو عن طاعة الله، فينبغي أن يذكر نعيم الآخرة عند ذلك، ويقارن بينه وبين هذا النعيم الدنيوي الزائل، ثم يوطن نفسه ويرغبها في هذا النعيم الأخروي الذي لا ينقطع، ويقول: «اللهم إن العيش عيش الآخرة» .\nوصدق الرسول ﷺ فعيش الدنيا مهما كان زائل، ومهما كان فمحفوف بالحزن، ومحفوف بالآفات، ومحفوف بالنقص، وكما يقول الشاعر في شعره الحكيم:\nلا طيب للعيش ما دامت منغصةً لذاته بادكارِ الموت والهم\nوالعيش مآله أحد أمرين:\nإما الهرم حتى يعود الإنسان إلى سن الطفولة، والضعف البدني مع الضعف العقلي، ويكون عالة حتى على أهله.\n\nوإما الموت، فكيف يطيب العيش للإنسان العاقل؟ ولولا أنه يؤمل ما في الآخرة؛ وما يرجوه من ثواب الآخرة، لكانت حياته عبثًا.\nومهما يكن من أمر فقد أمر الله نبيه ﷺ أن يصبر نفسه مع هؤلاء الذين يدعون الله بالغداة والعشي يريدون وجهه، والآية ليس فيها أمر بالضعفاء خاصة، وإن كان سبب النزول هكذا، لكن العبرة بالعموم. الذين يدعون الله ويعبدونه سواء أكانوا ضعفاء أم أقوياء، فقراء أم أغنياء كن معهم دائمًا.\nلكن الغالب أن الملأ والأشراف يكونون أبعد عن الدين من الضعفاء","vol":"3","page":46},{"text":"والمستضعفين، ولهذا فالذين يكذبون الرسل هم الملأ، قال الملأ من قوم صالح: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) [االأعراف: ٧٥]، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم مع أهل الحق ودعاة الحق وأنصاره إنه جواد كريم.\n\n* * *\n١/٢٥٢ - عن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ألا أخبركم يأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لا بره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتلٍ جواظٍ مستكبر» متفق عليه.\n\n«العتل»: الغليظ الجافي: «والجواظ» بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة: هو الجموع المنوع، وقيل: الضخم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن حارثة بن وهب ﵁ في باب ضعفاء المسلمين وأذلاءهم أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره» يعني هذه من علامات أهل الجنة؛ أن الإنسان يكون ضعيفًا متضعفًا، أي: لا يهتم بمنصبه أو جاهه، أو يسعى إلى علو المنازل في الدنيا، ولكنه ضعيف في","vol":"3","page":47},{"text":"نفسه متضعف، يميل إلى الخمول وإلى عدم الظهور؛ لأنه يرى أن المهم أن يكون له جاه عند الله ﷿، لا أن يكون شريفًا في قومه أو ذا عظمة فيهم، ولكن يرى أن الأهم كله أن يكون عند الله ﷾ ذا منزلة كبيرة عالية.\n\nولذلك تجد أهل الآخرة لا يهتمون بما يفوتهم من الدنيا؛ إن جاءهم من الدنيا شيء قبلوه، وإن فاتهم شيء لم يهتموا به؛ لأنهم يرون أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الأمور بيد الله، وإن تغيير الحال من المحال، وأنه لا يمكن رفع ما وقع ولا دفع ما قدر إلا بالأسباب الشرعية التي جعلها الله تعالى سببًا.\nوقوله: «لو أقسم على الله لأبره» يعني لو حلف على شيء ليسره الله له أمره، حتى يحقق له ما حلف عليه، وهذا كثيرًا ما يقع؛ أن يحلف الإنسان على شيء ثقة بالله ﷿، ورجاء لثوابه فيبر الله قسمه، وأما الحالف على الله تعاليًا وتحجرًا لرحمته، فإن هذا يخذل، والعياذ بالله.\nوهاهنا مثلان:\nالمثل الأول: أن الربيع بنت النضر ﵄ وهي من الأنصار، كسرت ثنية جارية من الأنصار، فرفعوا الأمر إلى رسول الله ﷺ فأمر النبي ﷺ أن تكسر ثنية الربيع، لقول الله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس) إلى قوله: (وَالسِّنَّ بِالسِّنّ) [المائدة: ٤٥] فقال أخوها أنس بن النضر: والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع، فقال «يا أنس كتاب الله القصاص» فقال: والله لا تكسر ثنية الربيع.\nأقسم بهذا ليس ذلك ردًا لحكم الله ورسوله، ولكنه يحاول بقدر ما","vol":"3","page":48},{"text":"يستطيع أن يتكلم مع أهلها حتى يعفوا ويأخذوا الدية، أو يعفوا مجانًا، كأنه واثق من موافقتهم، لا ردًا لحكم الله ورسوله، فيسر الله ﷾؛ فعفى أهل الجارية عن القصاص، فقال النبي ﷺ: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» .\nوهنا لا شك أن الحامل لأنس بن النضر هو قوة رجائه بالله ﷿، وأن الله سييسر من الأسباب ما يمنع كسر ثنية أخته الربيع.\n\nأما المثل الثاني: الذي أقسم على الله تأليًا وتعارضًا وترفعًا فإن الله يخيب آماله، ومثال ذلك الرجل الذي كان مطيعًا لله ﷿ عابدًا، يمر على رجل عاص، كلما مر عليه وجده على المعصية، فقال: والله لا يغفر الله لفلان، حمله على ذلك الإعجاب بنفسه، والتحجر بفضل الله ورحمته، واستبعاد رحمة الله ﷿ من عباده.\nفقال الله تعالى «من ذا الذي يتألى علي - أي يحلف على - ألا أغفر لفلان. قد غفرت له، وأحبطت عملك»، فانظر الفرق بين هذا وهذا.\nفقول الرسول ﷺ: «إن من عباد الله» «من» هنا للتبعيض، «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» وذلك فيمن أقسم على الله ثقة به، ورجاء لما عند الله ﷿.","vol":"3","page":49},{"text":"ثم قال ﷺ: «ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر»؛ هذه علامات أهل النار.\n«عتل»: يعني أنه غليظ جاف، قلبه حجر والعياذ بالله؛ كالحجارة أو أشد قسوة. «جواظ مستكبر» الجواظ فيه تفاسير متعددة، قيل إنه الجموع المنوع، يعني الذي يجمع المال ويمنع ما يجب فيه.\n\nوالظاهر أن الجواظ هو الرجل الذي لا يصبر، فجواظ يعني جزوع لا يصبرعلى شيء، ويرى أنه في قمة أعلى من أن يمسه شيء.\nومن ذلك قصة الرجل الذي كان مع الرسول ﷺ في غزوة، وكان شجاعًا لا يدع شاذة ولا فاذة للعدو إلا قضى عليها، فقال النبي ﷺ: «إن هذا من أهل النار»، فعظم ذلك على الصحابة، وقالوا: كيف يكون هذا من أهل النار وهو بهذه المثابة؟ ثم قال رجل: والله لألزمنه يعني لأ لازمه حتى أنظر ماذا يكون حاله، فلزمه فأصاب هذا الرجل الشجاع سهم من العدو. فعجز عن الصبر وجزع ثم أخذ بذبابة سيفه فوضعه في صدره ثم اتكأ عليه حتى خرج السيف من ظهره والعياذ بالله، فقتل نفسه. فجاء الرجل للرسول ﷺ فقال: يا رسول الله أشهد أنك لرسول الله، قال «ويم؟» قال: لأن الرجل الذي قلت إنه من أهل النار، فعل كذا وكذا، فقال النبي ﷺ: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار» . فانظر إلى هذا الرجل جزع وعجز أن يتحمل فقتل","vol":"3","page":50},{"text":"نفسه.\n\nفالجواظ هو الجزوع الذي لا يصبر، دائمًاُ في أنين وحزن وهمّ وغمّ، معترضًا على القضاء والقدر، لا يخضع له، ولا يرضى بالله ربًا.\nوأما المستكبر فهو الذي جمع بين وصفين: غمط الناس، وبطر الحق؛ لأن النبي ﷺ قال «الكبر بطر الحق، وغمط الناس» وبطر الحق: يعني رده، وغمط الناس: يعني احتفارهم، فهو في نفسه عال على الحق، وعال على الخلق، لا يلين للحق ولا يرحم الخلق والعياذ بالله.\nفهذه علامات أهل النار. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار، وأن يدخلنا وإياكم الجنة. إنه جواد كريم.\n\n* * *\n\n٢/٢٥٣ - وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: مر رجل على النبي ﷺ، فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله ﷺ، ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ: «ما رأيك في هذا» فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله ﷺ: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» متفق عليه.","vol":"3","page":51},{"text":"قوله «حري»: هو بفتح الحاء وكسر الراء وتشديد الياء: أي حقيق. وقوله: «شفع» بفتح الفاء.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال: مر رجل عند رسول الله ﷺ، فقال لرجل: «ما تقول في هذا؟» قال: رجل من أشراف الناس، حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، ثم مر رجل آخر، فسأل عنه فقال: هذا رجل من ضعفاء المسلمين، حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله.\nفهذان رجلان أحدهما من أشراف القوم، وممن له كلمة فيهم، وممن يجاب إذا خطب، ويسمع إذا قال، والثاني بالعكس، رجل من ضعفاء الناس ليس له قيمة، إن خطب فلا يجاب، وإن شفع فلا يشفع، وإن قال فلا يسمع.\nفقال النبي ﷺ: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» أي: خير عند الله ﷿ من ملء الأرض من مثل هذا الرجل الذي له شرف وجاه في قومه؛ لأن الله ﷾ ليس ينظر إلى الشرف، والجاه، والنسب، والمال، والصورة، واللباس، والمركوب، والمسكون، وإنما ينظر إلى القلب والعمل، فإذا صلح القلب فيما بينه وبين الله ﷿، وأناب إلى الله، وصار ذاكرًا لله تعالى خائفًا منه، مخبتًا إليه، عاملًا بما يرضي الله ﷿، فهذا هو الكريم عند الله، وهذا هو الوجيه عنده، وهذا هو الذي لو","vol":"3","page":52},{"text":"أقسم على الله لأبره.\n\nفيؤخذ من هذا فائدة عظيمة وهي أن الرجل قد يكون ذا منزلة عالية في الدنيا، ولكنه ليس له قدر عند الله، وقد يكون في الدنيا ذا مرتبة منحطة وليس له قيمة عند الناس وهو عند الله خير من كثير ممن سواه - نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الوجهاء عنده، وأن يجعل لنا ولكم عنده منزلة عالية، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.\n\n* * *\n\n٣/٢٥٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «احتجت الجنة النار فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها» رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: «احتجت الجنة والنار» يعني: تحاجا فيما بينهما، كل واحدة تدلي بحجتها، وهذا من الأمور الغيبية\nالتي يجب علينا أن نؤمن بها حتى وإن استبعدتها العقول وقال الإنسان: كيف تتحاج الجنة","vol":"3","page":53},{"text":"والنار وهما جمادان؟!\n\nفإننا نقول إن الله ﷾ على كل شيء قدير، وقد أخبر الله ﷾ أن الأرض يوم القيامة تحدث أخبارها بما أوحى الله إليها به، فإذا أمر الله شيئًا بشيء؛ فإن هذا المأمور سيستجيب على كل حال، الأيدي يوم القيامة والألسن والأرجل والجلود كلها تشهد، مع أنها جماد، وتشهد على صاحبها مع أنها أقرب الناس إليه؛ لأن الله ﷾ على كل شيءِ قدير.\nفالجنة احتجت على النار، والنار احتجت على الجنة. النار احتجت بأن فيها الجبارين والمتكبرين.\nالجبارون أصحاب الغلظة والقسوة، والمتكبرون أصحاب الترفع والعلو، والذين يغمطون الناس ويردون الحق، كما قال النبي ﷺ في الكبر: «إنه بطر الحق وغمط الناس» .\nفأهل الجبروت وأهل الكبرياء هم أهل النار والعياذ بالله، وربما يكون صاحب النار لين الجانب للناس، حسن الأخلاق، لكنه جبار بالنسبة للحق، مستكبر عن الحق، فلا ينفعه لينه وعطفه على الناس، بل هو موصوف بالجبروت والكبرياء ولو كان لين الجانب للناس؛ لأنه تجبر واستكبر عن الحق.\n\nأما الجنة فقالت: إن فيها ضعفاء الناس وفقراء الناس. فهم في","vol":"3","page":54},{"text":"الغالب الذين يلينون للحق وينقادون له، وأما أهل الكبرياء والجبروت؛ ففي الغالب أنهم لا ينقادون.\nفقضى الله ﷿ بينهما فقال: «إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء» وقال للنار: «إنك النار عذابي أعذب بك من أشاء» إنك الجنة رحمتي: يعني أنها الدار التي نشأت من رحمة الله، وليست رحمته التي هي صفته؛ لأن رحمته التي هي صفته وصف قائم به، لكن الرحمة هنا مخلوق، أنت رحمتي يعني خلقتك برحمتي، أرحم بك من أشاء.\nوقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء كقوله تعالى: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ) [العنكبوت: ٢١] فأهل الجنة هم أهل رحمة الله - نسأل الله أن يجعلني وإياك منهم - وأهل النار هم أهل عذاب الله.\n\nثم قال ﷿: «ولكليكما عليَّ ملؤها» تكفل ﷿ وأوجب على نفسه أن يملأ الجنة ويملأ النار، وفضل الله ﷾ ورحمته أوسع من غضبه، فإنه إذا كان يوم القيامة ألقى من يلقى في النار، وهي تقول هل من مزيد، يعني أعطوني. أعطوني. زيدوا. فيضع الله عليها رجله، وفي لفظ عليها قدمه، فينزوي بعضها على بعض، ينضم بعضها إلى بعض من أثر وضع الرب ﷿ عليها قدمه، وتقول: قط قط، يعني: كفاية كفاية، وهذا ملؤها.\nأما الجنة فإن الجنة واسعة، عرضها السَّمَوَاتِ والأرض يدخلها أهلها ويبقى فيها فضل زائد على أهلها، فينشى الله تعالى لها أقوامًا فيدخلهم الجنة بفضله ورحمته؛ لأن الله تكفل لها بملئها.","vol":"3","page":55},{"text":"ففي هذا دليل على أن الفقراء والضعفاء هم أهل الجنة؛ لأنهم في الغالب هم الذين ينقادون للحق، وأن الجبارين المتكبرين هم أهل النار والعياذ بالله؛ لأنهم مستكبرون على الحق وجبارون. لا تلين قلوبهم لذكر الله، ولا لعباد الله. نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية.\n\n* * *\n٤/٢٥٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة» ذكر المؤلف هذا الحديث في باب المستضعفين والفقراء من المسلمين، وذلك لأن الغالب أن السمنة إنما تأتي من البطنة أي: من كثرة الأكل، وكثرة الأكل تدل على كثرة المال والغنى، والغالب على الأغنياء البطر والأشر وكفر النعمة، حتى إنهم يوم القيامة يكونون بهذه المثابة، يؤتى بالرجل العظيم السمين يعني كثير اللحم والشحم.\nعظيم كبير الجسم لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة، والبعوضة معروفة من أشد الحيوانات امتهانًا وأهونها وأضعفها، وجناحها كذلك.","vol":"3","page":56},{"text":"وفي هذا الحديث إثبات الوزن يوم القيامة، وقد دل على ذلك كتاب الله ﷿، قال الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الانبياء: ٤٧) .\n\nوقال جل وعلا: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: ٧، ٨] . وقال النبي ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» .\nفالوزن يوم القيامة وزن عدل ليس فيه ظلم، يجازى فيه الإنسان على حسب ما عنده من الحسنات والسيئات. قال أهل العلم: فمن رجحت حسناته على سيئاته فهو من أهل الجنة، ومن رجحت سيئات على حسناته استحق أن يعذب في النار، ومن تساوت حسناته وسيئاته كان من أهل االأعراف، الذين يكونون بين الجنة والنار لمدة، على حسب ما يشاء الله ﷿، وفي النهاية يدخلون الجنة.\nثم إن الوزن حسي بميزان له كفتان، توضع في إحداهما السيئات وفي الأخرى الحسنات، وتثقل الحسنات، وتخف السيئات إذا كانت الحسنات أكثر، والعكس بالعكس.","vol":"3","page":57},{"text":"ثم ما الذي يوزن؟ ظاهر هذا الحديث أن الذي يوزن الإنسان، وأنه يخف ويثقل بحسب أعماله.\nوقال بعض العلماء: بل الذي يوزن صحائف الأعمال، توضع صحائف السيئات في كفة، وصحائف الحسنات في كفة، وما رجح فالعمل عليه.\n\nوقيل: بل الذي يوزن العمل؛ لأن الله تعالى قال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة: ٧]، فجعل الوزن للعمل، وقال تعالى: (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا) (الانبياء: ٤٧)، وقال النبي ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، فقوله ﷺ: كلمتان ثقيلتان في الميزان يدل على أن الذي يوزن هو العمل، وهذا هو ظاهر القرآن الكريم وظاهر السنة، وربما يوزن هذا وهذا، أي توزن الأعمال وتوزن صحائف الأعمال.\nوفي هذا الحديث التحذير من كون الإنسان لا يهتم إلا بنفسه أي بتنعيم جسده، والذي ينبغي للعاقل أن يهتم بتنعيم قلبه، ونعيم قلب الإنسان بالفطرة وهي التزام دين الله ﷿، وإذا نعم القلب نعم البدن ولا عكس.","vol":"3","page":58},{"text":"قد ينعم البدن ويؤتى الإنسان من الدنيا ما يؤتى من زهرتها، ولكن قلبه في جحيم والعياذ بالله.\n\nوإذا شئت أن تتبين هذا فاقرأ قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: ٩٧]، لم يقل فلننعمن أبدانهم، بل قال: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة) ً وذلك بما يجعل الله في قلوبهم من الأنس، وانشراح الصدر، وطمأنينة القلب وغير ذلك، حتى إن بعض السلف قال: لو يعلم الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف: يعني من انشراح الصدر، ونور القلب والطمأنينة والسكون.\nأسأل الله أن يشرح قلبي وقلوبكم للإسلام، وينورها بالعلم والإيمان إنه جواد كريم.\n\n* * *\n٥/٢٥٦ - وعنه أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد - أو شابًا - ففقدها رسول الله ﷺ، فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات. قال: «أفلا كنتم آذنتموني» فكأنهم صغروا أمرها، أو أمره فقال: «دلوني على قبره» فدلوه فصلى عليها، ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم» متفق عليه) .","vol":"3","page":59},{"text":"قوله «تقم» هو بفتح التاء وضم القاف: أي تكنس. «والقمامة» الكناسة. «وآذنتموني» بمد الهمزة: أي أعلمتموني.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن امرأة سوداء كان تقم المسجد أو شابًاّ، وأكثر الروايات على أنها امرأة سوداء، يعني ليست من نساء العرب كانت تقم المسجد: يعني تنظفه وتزيل القمامة، فماتت في الليل فصغر الصحابة ﵃ شأنها، وقالوا: لا حاجة إلى أن نخبر النبي ﷺ في هذا الليل، ثم خرجوا بها فدفنوها، ففقدها النبي ﷺ فقالوا: إنها ماتت فقال: «أفلا كنتم آذنتموني» يعني أعلمتموني حين ماتت، ثم قال: «دلوني على قبرها» فدلوه، فصلى عليها، ثم قال ﷺ: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم» .\nففي هذا الحديث عدة فوائد:\nمنها أن النبي ﷺ إنما يعظم الناس بحسب أعمالهم، وما قاموا به من طاعة الله وعبادته.\n\nومن الفوائد جواز تولي المرأة لتنظيف المسجد، وأنه لا يحجر ذلك على الرجال فقط؛ بل كل من احتسب ونظف المسجد فله أجره؛ سواء باشرته المرأة، أو استأجرت من يقم المسجد على حسابها.\nومن فوائد هذا الحديث: مشروعية تنظيف المساجد، وإزالة القمامة عنها، وقد قال النبي ﷺ: «عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها","vol":"3","page":60},{"text":"الرجل من المسجد»، القذاة: الشيء الصغير، يخرجه الرجل من المسجد فإنه يؤجر عليه.\nوفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب، فالمساجد بيوت الله ينبغي العناية بها وتنظيفها، ولكن لا ينبغي زخرفتها وتنقيشها بما يوجب أن يلهو المصلون بما فيها من الزخرفة، فإن النبي ﷺ قال: «لتزخرفنها - يعني المساجد - كما زخرفها اليهود والنصارى» .\nومن فوائد هذا الحديث أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ولهذا قال: «دلوني على قبرها» فإذا كان لا يعلم الشيء المحسوس فالغائب من باب أولى، فهو ﷺ لا يعلم الغيب، وقد قال الله له: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (الأنعام: ٥٠) وقال له: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (االأعراف: ١٨٨) .\nومن فوائد هذا الحديث مشروعية الصلاة على القبر لمن لم يصل عليه قبل الدفن؛ لأن النبي ﷺ خرج فصلى على القبر حيث لم يصلّ عليها قبل الدفن، ولكن هذا مشروع لمن مات في عهدك وفي عصرك، أما من مات","vol":"3","page":61},{"text":"سابقًا فلا يشرع أن يصلي عليه، ولهذا لا يشرع لنا أن نصلي على النبي ﷺ على قبره، أو على قبر أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو غيرهم من الصحابة، أو غيرهم من العلماء والأئمة.\n\nوإنما تشرع الصلاة لمن مات في عهدك، فمثلًا إذا مات إنسان قبل ثلاثين سنة وعمرك ثلاثون سنة؛ فإنك لا تصلي عليه صلاة الميت؛ لأنه مات قبل أن تخلق وقبل أن تكون من أهل الصلاة، أما من مات وأنت قد كنت من أهل الصلاة، من قريب أو أحد تحب أن تصلي عليه فلا بأس.\nفلو فرض أن رجلًا مات قبل سنة أو سنتين، وأحببت أن تصلي على قبره وأنت لم تصل عليه من قبل فلا بأس.\nومن فوائد هذا الحديث: حسن رعاية النبي ﷺ لأمته، وأنه كان يتفقدهم ويسأل عنهم، فلا يشتغل بالكبير عن الصغير؛ كل ما يهم المسلمين فإنه يسأل عنه ﷺ.\nومن فوائد هذا الحديث جواز سؤال المرء ما لا تكون به منّة في الغالب؛ لأن الرسول ﷺ قال: «دلوني على قبرها» وهذا سؤال، لكن مثل هذا السؤال ليس فيه منّة، بخلاف سؤال المال فإن سؤال المال محرم، يعني لا يجوز أن تسأل شخصًا مالًا وتقول أعطني عشرة ريالات أو مائة ريال، إلا عند الضرورة.\nأما سؤال غير المال مما لا يكون فيه منّة في الغالب؛ فإن هذا لا بأس به، ولعل هذا مخصص لما كان الرسول ﷺ يبايع أصحابه عليه حيث كان يبايعهم ألا يسألوا الناس شيئًا.","vol":"3","page":62},{"text":"وربما يؤخذ من هذا الحديث جواز إعادة الصلاة على الجنازة، لمن صلى عليها من فبل إذا وجد جماعة؛ لأن الظاهر أن الذين خرجوا مع النبي ﷺ صلوا معه، وعلى هذا فتشرع إعادة صلاة الجماعة إذا صلى عليها جماعة آخرون مرة ثانية.\nوإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وقالوا: كما أن صلاة الفريضة تعاد إذا صليتها ثم أدركتها مع جماعة أخرى، فكذلك صلاة الجنازة، وبناءً على ذلك لو أن أحدًا صلى على جنازة في المسجد، ثم خرجوا بها للمقبرة، ثم قام أناس يصلون عليها جماعة؛ فإنه لا حرج ولا كراهة في أن تدخل مع الجماعة الآخرين فتعيد الصلاة؛ لأن إعادة الصلاة هنا لها سبب ليست مجرد تكرار بل لها سبب، وهو وجود الجماعة الأخرى.\nفإذا قال قائل: إذا صليت على القبر فأين أقف؟ فالجواب أنك تقف وراءه تجعله بينك وبين القبلة، كما هو الشأن فيما إذا صليت عليه قبل الدفن.\n\n* * *\n٦/٢٥٧ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» رواه مسلم.\n\n٧/٢٥٨ - وعن أسامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن","vol":"3","page":63},{"text":"أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار. وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء» متفق عليه.\n«والجد» بفتح الجيم: الحظ والغنى، وقوله: «محبوسون» أي: لم يؤذن لهم بعد في دخول الجنة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» . وأشعث من صفات الشعر، وشعره أشعث يعني ليس له ما يدهن به الشعر، ولا ما يرجله، وليس يهتم بمظهره، وأغبر يعني أغبر اللون، أغبر الثياب، وذلك لشدة فقره.\nمدفوع بالأبواب: يعني ليس له جاه، إذا جاء إلى الناس يستأذن لا يأذنون له، بل يدفعونه بالباب؛ لأنه ليس له قيمة عند الناس لكن له قيمة عند رب العالمين، لو أقسم على الله لأبره، لو قال: والله لا يكون كذا لم يكن، والله ليكونن كذا لكان. لو أقسم على الله لأبره، لكرمه عند الله ﷿ ومنزلته.\n\nفبأي شيء يحصل هذا؟ فربما يكون رجل أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله ما أبره، ورب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو","vol":"3","page":64},{"text":"أقسم على الله لأبره. فما هو الميزان؟\nالميزان تقوى الله ﷿، كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣]، فمن كان أتقى لله فهو أكرم عند الله، ييسر الله له الأمر، يجيب دعاءه، ويكشف ضره، ويبر قسمه.\nوهذا الذي أقسم على الله لن يقسم بظلم لأحد، ولن يجترئ على الله في ملكه، ولكنه يقسم على الله فيما يرضي الله ثقة بالله ﷿، أو في أمور مباحة ثقة بالله ﷿.\nوقد مر علينا في قصة الربيع بنت النضر وأخيها أنس بن النضر؛ فإن الربيع كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى الرسول ﷺ، فأمر النبي ﷺ أن تكسر ثنية الربيع؛ لأنها كسرت ثنية الجارية الأنثى، فقال أخوها أنس: يا رسول الله، تكسر ثنية الربيع؟ قال: «نعم، كتاب الله القصاص، السن بالسن» قال: والله لا تكسر ثنية الربيع. قال ذلك ثقة بالله ﷿، ورجاءً لتيسيره وتسهيله.\n\nفأقسم هذا القسم، ليس ردًا لحكم الرسول، ولكن ثقة بالله ﷿، فهدى الله أهل الجارية ورضوا بالدية أو عفوا فقال النبي ﷺ: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره»؛ لأنه يقسم على الله في شيء يرضاه الله ﷿، إحسانًا في ظنه بالله ﷿.","vol":"3","page":65},{"text":"أما من أقسم على الله تأليًا على الله، واستكبارًا على عباد الله، وإعجابًا بنفسه فهذا لا يبر الله قسمه؛ لأنه ظالم ومن ذلك قصة الرجل العابد الذي كان يمر برجل مسرف على نفسه، فقال: والله لا يغفر الله لفلان، أقسم أن الله لا يغفر له، لماذا يقسم؟ هل المغفرة بيده؟ هل الرحمة بيده؟ فقال الله جل وعلا: «من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان؟» استفهام وإنكار «فإني قد غفرت له وأحبطت عملك»؛ نتيجة سيئة والعياذ بالله، لم يبر الله بقسمه، بل أحبط عمله، لأنه قال ذلك إعجابًا بعمله، وإعجابًا بنفسه، واستكبارًا على عباد الله ﷿.\nأما حديث أسامة بن زيد، فهو أن النبي ﷺ يقول: «قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين»، يعني أكثرهم؛ أكثر ما يدخل الجنة الفقراء؛ لأن الفقراْء في الغالب أقرب إلى العبادة والخشية لله من الأغنياء (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) [العلق: ٦، ٧]، والغني يرى أنه مستغن بماله، فهو أقل تعبدًا من الفقير، وإن كان من الأغنياء من يعبد الله أكثر من الفقراء، لكن الغالب، «وأصحاب الجد محبوسون» يعني أصحاب الحظ والغنى محبوسون لم يدخلوا الجنة بعد؛ الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء «غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار» .","vol":"3","page":66},{"text":"فقسم الرسول ﷺ الناس إلى أقسام ثلاثة:\nأهل النار دخلوا النار - أعاذنا الله وإياكم منها ـ، والفقراء دخلوا الجنة، والأغنياء من المؤمنين موقوفون محبوسون، إلى أن يشاء الله،\n\nأما أهل النار فأخبر الرسول ﷺ وهو الصادق المصدوق أن عامة من دخلها النساء؛ أكثر من يدخل النار النساء؛ لأنهن أصحاب فتنة، ولهذا قال لهن الرسول ﷺ يوم عيد من الأعياد: «يا معشر النساء، تصدقن، ولو من حليكن فإنكن أكثر أهل النار» قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: «لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير» .\n«تكثرن اللعن»: أي السب والشتم؛ فلسانهن سليط، وكيدهن عظيم.\n«وتكفرن العشير»: أي المعاشر وهو الزوج، لو أحسن إليها الدهر كله، ثم رأت سيئة واحدة قالت: ما رأيت خيرًا قط، تكفرن النعمة ولا تقر بها.\nوفي هذا الحديث دليل على أنه يجب على الإنسان أن يحترز من فتنة الغنى، فإن الغنى قد يطغي، وقد يؤدي بصاحبه إلى الأشر، والبطر، ورد الحق، وغمط الناس، فاحذر نعمتين: الغنى والصحة. والفراغ أيضًا سبب للفتنة، فهذه الثلاث: الغنى والصحة. والفراغ، مما يغبن فيها كثير من الناس، «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»،","vol":"3","page":67},{"text":"والفراغ في الغالب يأتي من الغنى؛ لأن الغنى منكف عن كل شيء ومتفرغ، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من فتنة المحيا والممات وفتنة المسح الدجال.\n\n* * *\n\n٨/٢٥٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي؛ فاقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلى فقالت: يا جريج، فقال: أي رب أمي وصلاتي؛ فاقبل على صلاته، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج فقال: أي رب أمي وصلاتي؛ فاقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. فتذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لاففتننه، فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها فوقع عليها. فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك، قال: أين الصبي؟ فجاؤوا به فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غلام من أبوك؟ قال فلان الراعي، فاقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب. قال: لا،\n\nأعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا.\nوبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة،","vol":"3","page":68},{"text":"فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع، فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بأصبعه السبابة في فيه، فجعل يمصها. قال: ومروا بجارية هم يضربونها، ويقولون: زنيت سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل: فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع ونظر إليها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهنالك تراجعا الحديث فقالت: مر رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله فقلت، اللهم لا تجعلني مثله، ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها، ويقولون: زنيت سرقت، فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت: اللهم اجعلني مثلها؟ ! قال: إن ذلك الرجل كان جبارًا فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها زنيت، ولم تزن، وسرقت، ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها» متفق عليه.\n\n«والمومسات» بضم الميم الأولى وإسكان الواو وكسر الميم الثانية وبالسين المهملة، وهن الزواني. والمومسة: الزانية. وقوله: «دابة فارهة» بالفاء: أي حاذقة نفيسة. «والشارة» بالشين المعجمة وتخفيف الراء: وهي الجمال الظاهر في الهيئة والملبس. ومعنى «تراجعا الحديث» أي: حدثت الصبي وحدثها، والله أعلم.","vol":"3","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن نبينا ﷺ أنه قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة» .\nأولًا: عيسى بن مريم ﷺ، وعيسى بن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل، بل آخر الأنبياء قبل محمد ﷺ، فإنه لم يكن بينه وبين النبي ﷺ نبي، كما قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف: ٦]، فليس بين محمد ﷺ وبين عيسى بن مريم نبي.\n\nوأما ما يذكر عند المؤرخين من وجود أنبياء في العرب كخالد بن سنان وغيره، فهذا كذب ولا صحة له.\nوعيسى بن مريم كان آية من آيات الله ﷿، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) [المؤمنون: ٥٠] كان آية في منشئه، وآية في وضعه.\nأما في منشئه فإن أمه مريم ﵂ حملت به من غير أب، حيث أرسل الله ﷿ جبريل إليها فتمثل لها بشرًا سويا، ونفخ في فرجها فحملت بعيسى ﷺ. والله على كل شيء قدير، فالقادر على أن يخلق الولد من المني قادر على أن يخلقه من هذه النفخة، كما قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: ٥٩] .\nلا يستعصي على قدرة الله شيء، إذا أراد شيئًا قال له: كن فكان، فحملت وولدت، وقيل: إنه لم يبق في بطنها كما تبقى الأجنة، ولكنها","vol":"3","page":70},{"text":"حملته وشب سريعًا، ثم وضعته.\nوكان آية في وضعه، فجاءها المخاض إلى جذع النخلة، فقالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) [مريم: ٢٣] هي لم تتمن الموت لكنها تمنت أنه لم يأتها هذا الشيء حتى الموت (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) [مريم: ٢٤]، أي: عين تمشي تحت النخلة.\nثم قال: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) [مريم: ٢٥]، تهز الجذع وهي امرأة قد أتاها المخاض، فتتساقط من هزها الرطب، رطبًا جنيا لا يفسد إذا وقع على الأرض، وهذا خلاف العادة؛ فالعادة أن المرأة عند النفاس تكون ضعيفة، والعادة عند هز النخلة ألا تهز من أسفل، بل تهز من فوق، لأنها جذع لا تهتز لو هزها الإنسان، والعادة أيضًا أن الرطب إذا سقط؛ فإنه يسقط على الأرض ويتمزق، لكن الله قال: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) [مريم: ٢٥، ٢٦]، الله أكبر! فذلك من آيات الله ﷿. فالله على كل شيء قدير.\n\nولما وضعت الولد أتت به قومها تحمله، تحمل طفلًا وهي لم تتزوج، فقالوا لها يعرضونها بالبغاء، قالوا: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [مريم: ٢٨]، يعني كأنهم يقولون: من أين جاءك الزنى - نسأل الله العافية - وأبوك ليس امرأ سوء وأمك ليست بغية؟ وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا زنى فقد يبتلى نسله بالزنى والعياذ بالله، كما جاء في الحديث في الأثر: «من زنى زنى أهله» .\nفهؤلاء قالوا: ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا، فألهمها الله","vol":"3","page":71},{"text":"﷿ فأشارت إلى الطفل، أشارت إليه فكأنهم سخروا بها، قالوا: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) [مريم: ٢٩]، هذا غير معقول!\n\nولكنه التفت إليهم وقال هذا الكلام البليغ العجيب. قال: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم: ٣٠ ـ٣٣] سبع جمل - والله أكبر - من طفل في المهد.\nولكن لا تتعجب فإن قدرة الله فوق كل شيء، أليست جلودنا وأيدينا وأرجلنا وألسنتنا يوم القيامة تشهد علينا بما فعلنا؟ بلى. تشهد.\nأليست الأرض تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها؟ بلى. الأرض تشهد بما عملت عليها من قول أو فعل (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) [الزلزلة: ٤، ٥] .\nإذا هذا كلام عيسى بن مريم، تكلم بهذه الكلمات العظيمة، سبع جمل وهو في المهد.\n\nأما الثاني: فهو صاحب جريج، وجريج رجل عابد، انعزل عن الناس، والعزلة خير إذا كان في الخلطة شر، أما إذا لم يكن في الخلطة شر؛ فالاختلاط بالناس أفضل، قال النبي ﷺ: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على","vol":"3","page":72},{"text":"أذاهم» .\nلكن إذا كانت الخلطة ضررًا عليك في دينك، فانجُ بدينك، كما قال النبي ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر» يعني يفر بدينه من الفتن.\nفهنا جريج انعزل عن الناس، وبنى صومعة - يعني مكانًا يتعبد فيه لله ﷿ فجاءته أمه ذات يوم وهو يصلي فنادته، فقال في نفسه: أي ربي أمي وصلاتي هل أجيب أمي وأقطع الصلاة، أو استمر في صلاتي؟ فمضى في صلاته.\nوجاءته مرة ثانية، وقالت له مثل الأولى، فقال مثل ما قال، ثم استمر في صلاته، فجاءته مرة ثالثة فدعته، فقال مثل ما قال ثم استمر في صلاته، فأدركها الغضب، وقالت «اللهم لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات» أي الزواني؛ حتى ينظر في وجوه الزواني والعياذ بالله.\n\nوالإنسان إذا نظر في وجوه الزواني افتتن؛ لأن نظر الرجل إلى المرأة فتنة. فكيف إذا كانت والعياذ بالله زانية بغية؟ ! فأشد فتنة؛ لأنه ينظر إليها على أنها تمكنه من نفسها فيفتتن.\nويستفاد من هذه الجملة من هذا الحديث أن الوالدين إذا نادياك وأنت تصلي، فإن الواجب إجابتهما، لكن بشرط ألا تكون الصلاة فريضة، فإن","vol":"3","page":73},{"text":"كانت فريضة فلا يجوز أن تجيبهما، لكن إذا كانت نافلة فأجبهما.\nإلا إذا كانا ممن يقدرون الأمور قدرها، وأنهما إذا علما أنك في صلاة عذراك فهنا أشر إليهما بأنك في صلاة؛ إما بالنحنحة، أو بقول: سبحان الله، أو برفع صوتك في آية تقرؤها، أو دعاء تدعو به، حتى يشعر المنادي بأنك في صلاة، فإذا علمت أن هذين الأبوين: الأم والأب عندهما مرونة؛ يعذرانك إذا كنت تصلي ألا تجيب؛ فنبههم على أنك تصلي.\nفمثلًا إذا جاءك أبوك وأنت تصلي سنة الفجر، قال: يا فلان؛ وأنت تصلي، فإن كان أبوك رجلًا مرنًا يعذرك فتنحنح له، أو قل: سبحان الله، أو ارفع صوتك بالقراءة أو بالدعاء أو بالذكر الذي أنت فيه، حتى يعذرك.\nوإن كان من الآخرين الذين لا يعذرون، ويريدون أن يكون قوله هو الأعلى فاقطع صلاتك وكلمهم، وكذلك يقال في الأم.\nأما الفريضة فلا تقطعها لأحد، إلا عند الضرورة، كما لو رأيت شخصًا تخشى أن يقع في هلكة؛ في بئر، أو في بحر أو في نار، فهنا اقطع صلاتك للضرورة، وأما لغير ذلك فلا يجوز قطع الفريضة.\nويستفاد من هذه القطعة أن دعاء الوالد إذا كان بحق؛ فإنه حريّ بالإجابة، فدعاء الوالد على ولده إذا كان بحق؛ فهو حري أن يجيبه الله، ولهذا ينبغي لك أن تحترس غاية الاحتراس من دعاء الوالدين، حتى لا تعرض نفسك لقبول الله دعاءهما فتخسر.\nوفي الحديث أيضًا دليل على أن الشفقة التي أودعها الله في الوالدين،","vol":"3","page":74},{"text":"قد يوجد ما يرفع هذه الشفقة؛ لأن هذه الدعوة عظيمة من هذه المرأة؛ أن تدعو على ولدها أن لا يموت حتى ينظر في وجوه المومسات، لكن شدة الغضب والعياذ بالله أوجب لها أن تدعو بهذا الدعاء.\n\nوفي قصته من الفوائد غير ما سبق أن الإنسان إذا تعرف إلى الله تعالى في الرخاء؛ عرفه في الشدة، فإن هذا الرجل كان عابدًا يتعبد لله ﷿، فلما وقع في الشدة العظيمة، أنجاه الله منها. لما جاء إليه هؤلاء الذين كادوا له هذا الكيد العظيم، ذهبت هذه المرأة إلى جريج لتفتنه ولكنه لم يلتفت إليها، فإذا راعي غنم يرعاها ثم يأوي إلى صومعة هذا الرجل، فذهبت إلى الراعي فزنى بها والعياذ بالله، فحملت منه.\nثم قالوا: إن هذا الولد ولد زنى من جريج - رموه بهذه الفاحشة العظيمة - فأقبلوا عليه يضربونه وأخرجوه من صومعته وهدموها، فطلب منهم أن يأتوا بالغلام الذي من الراعي، فلما أتوا به، ضرب في بطنه، وقال: من أبوك؟ - وهو في المهد - فقال: أبي فلان، يعني ذلك الراعي.\nفأقبلوا إلى جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا له: هل تريد أن نبني لك صومعتك من ذهب؟ لأنهم هدموها ظلمًا، قال: لا، ردوها على ما كانت عليه من الطين، فبنوها له.\nففي هذه القصة أن هذا الصبي تكلم وهو في المهد، وقال: إن أباه فلان الراعي، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن ولد الزنى يلحق الزاني؛ لأن جريجًا قال: من أبوك؟ قال: لأبي فلان الراعي، وقد قصها","vol":"3","page":75},{"text":"النبي ﷺ علينا للعبرة، فإذا لم ينازع الزاني في الولد واستلحق الولد فإنه يلحقه، وإلى هذا ذهب طائفة يسيرة من أهل العلم.\nوأكثر العلماء على أن ولد الزنى لا يلحق الزاني؛ لقوله النبي ﷺ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» لكن الذين قالوا بلحوقه قالوا هذا إذا كان له منازع كصاحب الفراش، فإن الولد لصاحب الفراش، وأما إذا لم يكن له منازع واستلحقه فإنه يلحقه؛ لأنه ولده قدرًا، فإن هذا الولد لا شك أنه خلق من ماء الزاني فهو ولده قدرًا، ولم يكن له أب شرعي ينازعه، وعلى هذا فيلحق به.\nقالوا: وهذا أولى من ضياع نسب هذا الولد؛ لأنه إذا لم يكن له أب ضاع نسبه، وصار ينسب إلى أمه.\nوفي هذا الحديث دليل على صبر هذا الرجل - جريج - حيث إنه لم ينتقم لنفسه، ولم يكلفهم شططًا فيبنون له صومعته من ذهب، وإنما رضي بما كان رضي به أولًا من القناعة وأن تبني من الطين.\n\nوأما الثالث الذي تكلم في المهد، فهو هذا الصبي الذي مع أمه يرضع، فمر رجل على فرس فارهة وعلى شارة حسنة، وهو من أكابر القوم وأشرافهم، فقالت أم الصبي: اللهم اجعل ابني هذا مثله، فترك الصبي الثدي وأقبل على أمه بعد أن نظر إلى هذا الرجل، فقال: اللهم لا تجعلني","vol":"3","page":76},{"text":"مثله.\nوحكى النبي ﷺ ارتضاع هذا الطفل من ثدي أمه بأن وضع إصبعه السبابة في فمه يمص، تحقيقًا للأمر ﷺ.\nفقال اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبلوا بجارية؛ امرأة يضربونها ويقولون لها: زنيت، سرقت؛ وهي تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقالت المرأة أم الصبي وهي ترضعه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فأطلق الثدي، ونظر إليها، وقال: اللهم اجعلني مثلها.\nفتراجع الحديث مع أمه؛ طفل قام يتكلم معها، قالت: إني مررت أو مرّ بي هذا الرجل ذو الهيئة الحسنة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت أنت: اللهم لا تجعلني مثله، فقال: نعم؛ هذا رجل كان جبارًا عنيدًا فسألت الله ألا يجعلني مثله.\n\nأما المرأة فإنهم يقولون: زنيت وسرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقلت: اللهم اجعلني مثلها. أي اجعلني طاهرًا من الزنى والسرقة مفوضًا أمري إلى الله، في قولها: حسبي الله ونعم الوكيل.\nوفي هذا آية من آيات الله؛ أن يكون هذا الصبي يشعر وينظر ويتأمل ويفكر، وعنده شيء من العلم؛ يقول: هذا كان جبارًا عنيدًا. وهو طفل، وقال لهذه المرأة: اللهم اجعلني مثلها علم أنها مظلومة وأنها بريئة مما اتهمت به، وعلم أنها فوضت أمرها إلى الله ﷿، فهذا أيضًا من آيات الله أن يكون عند هذا الصبي شيء من العلم.\nوالحاصل أن الله ﷾ على كل شيء قدير، فقد يحصل من","vol":"3","page":77},{"text":"الأمور المخالفة للعادة ما يكون آية من آياته إما تأييدًا لرسوله أو تأييدًا لأحد من أوليائه.","vol":"3","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>٣٣ - باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين، والإحسان إليهم، والشفقة عليهم، والتواضع معهم، وخفض الجناح لهم</span>\n\nفال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨]، وقال تعالى: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب ملاطفة اليتامى والضعفة والبنات، ونحوهم ممن هم محل الشفقة والرحمة؛ وذلك أن دين الإسلام دين الرحمة والعطف والإحسان، وقد حث الله ﷿ على الإحسان في عدة آيات من كتابه، وبين ﷾ أنه يحب المحسنين، والذين هم في حاجة إلى الإحسان يكون الإحسان إليهم أفضل وأكمل؛ فمنهم اليتامى.\nواليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه؛ سواء كان ذكر أو أنثى، ولا عبرة بوفاة الأم، يعني أن اليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه وإن كان له أم، وأما من ماتت أمه، وأبوه موجود فليس بيتيم، خلافًا لما يفهمه عوام الناس؛ حيث يظنون أن اليتيم هو الذي ماتت أمه وليس كذلك، بل اليتيم هو الذي مات أبوه.\nويسمى يتيمًا هو الانفراد؛ لأن هذا الصغير انفرد عن","vol":"3","page":79},{"text":"كاسب، وهو صغير لا يستطيع الكسب.\n\nوقد أوصى الله ﷾ في عدة آيات باليتامى، وجعل لهم حقًا خاصًا؛ لأن اليتيم قد انكسر قلبه بموت أبيه، فهو محل للعطف والرحمة قال الله ﷿: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) [النساء: ٩] .\nوكذلك البنات والنساء محل العطف والشفقة والرحمة؛ لأنهن ضعيفات. ضعيفات في العقل، وفي العزيمة، وفي كل شيء فالرجال أقوى من النساء في الأبدان والعقول والأفكار والعزيمة وغير ذلك، ولهذا قال الله ﷿: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: ٣٤] .\nوكذلك أيضًا المنكسرون؛ يعني الذين أصابهم شيء فانكسروا من أجله، وليس هو كسر العظم بل كسر القلب، يعني مثلًا أصابته جائحة اجتاحت ماله، أو مات أهله أو مات صديق له فانكسر قلبه، والمهم أن المنكسر ينبغي ملاطفته، ولهذا شرعت تعزية من مات له ميت إذا أصيب بموته؛ يُعزّى ويلاطف ويبين له أن هذا أمر الله، وأن الله ﷾ إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون وما أشبه ذلك.\n\nوكذلك ينبغي خفض الجناح لهم ولين الجانب، قال الله تعالى (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨]، اخفض جناحك يعني تطامن لهم وتهاون لهم، وقال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ) يعني حتى لو شمخت نفسك وارتفعت في الهواء كما يرتفع الطير فاخفض جناحك، ولو كان عندك من","vol":"3","page":80},{"text":"المال ولك من الجاه والرئاسة ما يجعلك تتعالى على الخلق، وتطير كما يطير الطير في الجو فاخفض الجناح، اخفض الجناح حتى يكونوا فوقك، (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهذا أمر للرسول ﵊ وهو أمر للأمة كلها.\n\nفيجب على الإنسان أن يكون لين الجانب لإخوانه المؤمنين، ويجب عليه أيضًا أنه كلما رأى إنسانًا أتبع لرسول الله ﷺ فليخفض له جناحه أكثر؛ لأن المتبع للرسول ﵊ أهل لأن يتواضع له، وأن يكرم، وأن يعزز، لا لأنه فلان بن فلان لكن لأنه اتبع الرسول ﵊، كل من اتبع الرسول ﵊ فهو حبيبنا؛ وهو أخونا، وهو صديقنا، وهو صاحبنا، وكل من كان أبعد عن اتباع الرسول فإننا نبتعد عنه بقدر ابتعاده عن اتباع الرسول، هكذا المؤمن يجب أن يكون خافضًا جناحه لكل من اتبع الرسول ﵊، اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.\nوقال الله تعالى لرسوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨]، فاصبر نفسك: احبسها مع هؤلاء القوم السادة الكرماء الشرفاء، الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي: يعني صباحًا ومساءً، لا رياء ولا سمعة، ولكنهم يريدون وجهه. يريدون وجه الله ﷿ في دعائهم له وعبادتهم له وذكرهم له وتسبيحهم له.\n\n(وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨]، يعني لا","vol":"3","page":81},{"text":"تبعد عنهم، لا تعد دائمًا عنهم عيناك: أي لا تتجاوز عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا. مثلًا إذا كان هناك رجلان؛ أحدهما مقبل على طاعة الله يدعو ربه بالغداة والعشي، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم، ويحسن إلى الناس، وآخر غني كبير عنده أموال وقصور وسيارات وخدم، أيهم أحق أن نصبر أنفسنا معه؟ الأول أحق أن نصبر أنفسنا معه، وأن نجالسه، وأن نخالطه وأن لا نتعداه نريد زينة الحياة الدنيا.\nالحياة كلها عرض زائل، وما فيها من النعيم أو من السرور فإنه محفوف بالأحزان والتنكيد، ما من فرح في الدنيا إلا ويتلوه ترح وحزن. قال- أظنه- ابن مسعود ﵁ ما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ حزنًا وترحًا، وصدق ﵁: لو لم يكن من ذلك إلا أنهم سيموتون تباعًا واحدًا بعد الثاني، كلما مات واحد حزنوا عليه، فتتحول هذه الأفراح والمسرات إلى أحزان وأتراح فالدنيا كلها ليست بشيء.\nإذًا لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، بل كن معهم وكن ناصرًا لهم، ولا يهمنك ما متعنا به أحدًا من الدنيا، وهذا كقوله ﷿: (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه: ١٣١، ١٣٢]، أسأل الله أن يحسن لي ولكم العافية، وأن يجعل العاقبة لنا ولإخواننا المسلمين حميدة.","vol":"3","page":82},{"text":"وقال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى: ٩، ١٠] .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما ساقه من الآيات الكريمة في باب الحنو على الفقراء واليتامى والمساكين وما أشبههم، قال: وقول الله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: ٦، ١١]، الخطاب في قوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ) للنبي ﷺ. يقرر الله تعالى في هذه الآيات أن الرسول ﷺ كان يتيمًا، فإنه ﵊ عاش من غير أم ولا أب، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات هو في السنة الثامنة من عمره ﷺ، ثم كفله عمه أبو طالب. فكان يتيمًا وكان ﷺ يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط، يعني على شيء يسير من الدراهم؛ لأنه ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم، فكل الأنبياء الذين أرسلوا أول أمرهم كانوا رعاة غنم، من أجل أن يعرقوا ويتمرنوا على الرعاية وحسن الولاية، واختار الله لهم أن تكون رعيتهم غنمًا؛ لأن راعي الغنم يكون عليه السكينة والرأفة والرحمة؛ لأنه يرعى مواشي ضعيفة بخلاف رعاة الإبل،\n\nرعاة الإبل أكثر ما يكون فيهم الجفاء والغلظة؛ لأن الإبل كذلك غليظة قوية جبارة.\nفنشأ ﷺ يتيمًا، ثم إن الله ﷾ أكرمه فيسر له زوجة صالحة، وهي أم المؤمنين خديجة ﵂؛ تزوجها وله خمس وعشرون من العمر ولها أربعون سنة، وكانت حكيمة عاقلة صالحة، رزقه","vol":"3","page":83},{"text":"الله أولاده كلهم من بنين وبنات إلا إبراهيم فإنه من كان سريته مارية القبطية، المهم أن الله يسرها له وقامت بشئونه، ولم يتزوج سواها ﷺ حتى ماتت.\nأكرمه الله ﷿ بالنبوة فكان أول ما بدىء بالوحي أن يرى الرؤيا في المنام، فإذا رأى الرؤيا في المنام جاءت مثل فلق الصبح في يومها بينة واضحة؛ لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فدعا إلى الله وبشر وأنذر وتبعه الناس، وكان هذا اليتيم الذي يرعى الغنم كان إمامًا لأمه هي أعظم الأمم، وكان راعيًا لهم ﵊ راعيًا للبشر ولهذه الأمة العظيمة.\nقال: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) [الضحى: ٦]، آواك الله بعد يتمك، ويسر لك من يقوم بشئونك حتى ترعرعت، وكبرت، ومنّ الله عليك بالرسالة العظمى.\n\n(وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى) [الضحى: ٧] وجدك ضالًا: يعني غير عالم، كما قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) [العنكبوت: ٤٨] وقال تعالى: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء: ١١٣]، وقال الله تعالى: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ) [الشورى: ٥٢]، ولكن صار بهذا الكتاب العظيم عالمًا كامل الإيمان ﵊، وجدك ضالًا أي غير عالم ولكنه هداك. بماذا هداه؟ هداه الله بالقرآن.\n(وَوَجَدَكَ عَائِلًا) يعني فقيرًا (فَأَغْنَى) أغناك، وفتح الله عليك الفتوح","vol":"3","page":84},{"text":"حتى كان يقسم ويعطي الناس، وقد أعطى ذات يوم رجلًا غنمًا بين جبلين، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ﵊.\nثم تأملوا قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) ما قال فآواك بل قال: (فَآوَى) (وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى) ولم يقل فهداك (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) ولم يقل فأغناك. لماذا؟ لمناسبتين؛ إحداهما لفظية، والثانية معنوية.\nأما اللفظية: فلأجل تناسب رؤوس الآيات كقوله تعالى: (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: ١ ـ٥] كل آخر الآيات ألفات، فقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) [الضحى: ٦]، لو قال فآواك اختلف اللفظ، ووجدك ضالًا فهداك اختلف اللفظ، ووجدك عائلًا فأغناك اختلف اللفظ، لكن جعل الآيات كلها على فواصل حرف واحد.\nالمناسبة الثانية معنوية: وهي أعظم، (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) هل آواه الله وحده أو آواه وآوى أمته؟ والجواب: الثاني، آواه الله وآوى على يديه أمما لا يحصيهم إلا الله ﷿، ووجدك ضالًا فهدى. هل هداه وحده؟ لا؛ هدى به أمما عظيمة إلى يوم القيامة، ووجدك عائلًا فأغنى. هل أغناه الله وحده؟ لا؛ أغناه الله وأغنى به. كم حصل للأمة الإسلامية من الفتوحات العظيمة. (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) [الفتح: ٢٠]، فأغناهم الله ﷿ بمحمد ﷺ.\n\nإذًا ألم يجدك يتيمًا فآواك وآوى بك، ووجدك ضالًا فهداك وهدى","vol":"3","page":85},{"text":"بك ووجدك عائلًا فأغناك وأغنى بك، هكذا حال الرسول ﵊.\nثم قال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) اذكر نفسك حين كنت يتيمًا، فلا تقهر اليتيم، بل سهل أمره؛ إذا صاح فسكته، إذا غضب فأرضه، إذا تعب فخفف عليه، وهكذا.\n(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) السائل: يظهر من سياق الآيات أنه سائل المال الذي يقول أعطني مالًا، فلا تنهره لأنه قال: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى)، فلما أغناك لا تنهر السائل. تذكر حالك حينما كنت فقيرًا، فلا تنهر السائل.\nويحتمل أن يُراد بالسائل سائل المال وسائل العلم، حتى الذي يسأل العلم لا تنهره. بل الذي يسأل العلم القه بانشراح صدر؛ لأنه لولا أنه محتاج ولولا أن عنده خوف الله ﷿ ما جاء يسأل، فلا تنهر اللهم إلا من تعنت فهذا لا حرج أن تنهره.\nلو كنت تخبره ثم يقول لكل شيء: لماذا هذا حرام؟ ولماذا هذا حلال؟ لماذا حرم الله الربا وأحل البيع؟ لماذا حرم الله الأم من الرضاع؟ وأشياء كثيرة من قبيل هذا. فهذا الذي يتعنت انهره ولا حرج أن تغضب عليه.\n\nكما فعل الرسول ﵊ حين تشاجر رجل من الأنصار والزبير بن العوام، في الوادي حيث يأتي السيل، وكان الزبير ﵁ حائطه قبل حائط الأنصاري فتنازعا؛ الأنصاري يقول للزبير: لا تحبس","vol":"3","page":86},{"text":"الماء عني والزبير يقول: أنا أعلى فأنا أحق، فتشاجرا وتخاصما عند الرسول ﵊ فقال النبي ﷺ: «اسق يا زبير ثم أرسله إلى جارك»، وهذا حكم. فقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله! كلمة لكن الغضب حمله عليها والعياذ بالله، والزبير بن العوام بن صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول ﵊. قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله، فغضب الرسول ﷺ وقال: «اسق يا زبير حتى يصل إلى الجدر ثم أرسله إلى جارك»\nفالحاصل أن السائل للعلم لا تنهره، بل تلقه بصدر رحب وعلّمه حتى يفهم، خصوصًا في وقتنا الآن، فكثير من الناس الآن يسألك وقلبه ليس معك. تجيبه بالسؤال ثم يفهمه خطأ ثم يذهب يقول للناس: أفتاني العالم الفلاني بكذا وكذا، ولهذا ينبغي ألا تطلق الإنسان الذي يسألك حتى تعرف أنه عرف.\n\n(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) نعمة الله عليك حدث بها، قل الحمد لله؛ رزقني الله علمًا رزقني الله مالًا، ورزقني الله ولدًا وما أشبه ذلك.","vol":"3","page":87},{"text":"والتحدث بنعمة الله نوعان: تحديث باللسان، وتحديث بالأركان.\nتحديث باللسان: كأن تقول: أنعم الله علي؛ كنت فقيرًا فأغناي الله، كنت جاهلًا فعلمني الله، وما أشبه ذلك.\nوالتحديث بالأركان: أن ترى أثر نعمة الله عليك، فإن كنت غنيًا فلا تلبس ثياب الفقراء بل البس ثيابًا تليق بك، وكذلك في المنزل، وكذلك في المركوب، في كل شيء دع الناس يعرفون نعمة الله عليك، فإن هذا من التحديث بنعمة الله ﷿، ومن التحديث بنعمة الله ﷿ إذا كنت قد أعطاك الله علمًا أن تحدث الناس به تعلم الناس؛ لأن الناس محتاجون. وفقني الله والمسلمين لما يحب ويرضى.\n\n* * *\n\nوقال تعالى (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الماعون: ١ـ٣]\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في سياق الآيات التي فيها الحث على الرفق باليتامى ونحوهم من الضعفاء، قال: وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) .\n(أَرَأَيْت) يقول العلماء: إن معناها أخبرني، يعني أخبرني عن حال هذا الرجل وماذا تكون. والدين: الجزاء؛ يعني يكذب بالجزاء وباليوم الآخر ولا يصدق به، وعلامة ذلك أنه يدع اليتيم يعني يدفعه بعنف وشدة ولا يرحمه.\n(وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) أي: لا يحث الناس على طعام المسكين، وهو بنفسه لا يفعله أيضًا، ولا يطعم المساكين، فحال هذا","vol":"3","page":88},{"text":"والعياذ بالله أسوأ حال؛ لأنه لو كان يؤمن بيوم الدين حقيقة لرحم من أوصى الله برحمتهم، وحض على طعام المسكين.\nوفي سورة الفجر يقول الله تعالى: (كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الفجر: ١٧، ١٨]، وهذه أبلغ مما في سورة الماعون لأنه قال: (لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) وإكرامه أكثر من الوقوف بدون إكرام ولا إهانة، فاليتيم يجب أن يكرم.\n\nوتأمل قوله: (بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) فالمسكين حظه الإطعام ودفع حاجته، أما اليتيم فالإكرام. فإن كان غنيًا فإنه يكرمه ليتمه ولا يطعم لغناه، وإن كان فقيرًا - أي اليتيم - فإنه يكرم ليتمه ويطعم لفقره، ولكن أكثر الناس لا يبالون بهذا الشيء.\nواعلم أن الرفق بالضعفاء واليتامى والصغار يجعل في القلب رحمة ولينًا وعطفًا وإنابة إلى ﷿، لا يدركها إلا من جرب ذلك، فالذي ينبغي لك أن ترحم الصغار وترحم الأيتام وترحم الفقراء، حتى يكون في قلبك العطف والحنان والرحمة و«إنما يرحم الله من عباده الرحماء» .\nنسأل الله أن يعمنا والمسلمين برحمته وفضله إنه كريم جواد.\n\n* * *","vol":"3","page":89},{"text":"١/٢٦٠ وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فانزل الله تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: ٥٢] رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال:\n«كنا مع النبي ﷺ ستة نفر» وهذا في أول الإسلام في مكة؛ لأن سعيد بن أبي وقاص ﵁ من السابقين إلى الإسلام؛ أسلم وأسلم معه جماعة.\n\nومن المعلوم أن من أول الناس إسلامًا أبا بكر ﵁، بعد خديجة وورقة بن نوفل، وكان هؤلاء النفر ستة منهم ابن مسعود ﵁، وكان راعي غنم فقيرًا، وكذلك بلال بن أبي رباح وكان عبدًا مملوكًا، وكانوا مع الرسول ﵊؛ يجلسون إليه ويستمعون له وينتفعون بما عنده، وكان المشركون العظماء في أنفسهم، يجلسون إلى النبي ﷺ فقالوا له: اطرد عنا هؤلاء، قالوا هذا احتقارًا لهؤلاء الذين يجلسون مع النبي ﷺ.\nفوقع في نفس النبي ﷺ ما وقع، وفكر في الأمر، فأنزل الله تعالى:","vol":"3","page":90},{"text":"(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه) [الأنعام: ٥٢]، نهاه الله ﷿ أن يطرد هؤلاء وإن كانوا فقراء، وإن لم يكن لهم قيمة في المجتمع، لكن لهم قيمة عند الله؛ لأنهم يدعون الله بالغداة والعشي، يعني صباحًا ومساءً، يدعونه دعاء مسألة فيسألونه رضوانه والجنة، ويستعيذون به من النار.\n\nويدعونه دعاء عبادة فيعبدون الله، وعبادة الله تشتمل على الدعاء، ففي الصلاة مثلًا يقول الإنسان: رب اغفر لي، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وما أشبه ذلك، ثم إن العابد أيضًا إنما يعبد لنيل رضا الله ﷿.\nوفي قوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) تنبيه على الإخلاص وأن الإخلاص له أثر كبير في قبول الأعمال ورفعة العمال عند الله ﷿، فكلما كان الإنسان في عمله أخلص؛ كان أرضى لله وأكثر لثوابه، وكم من إنسان يصلي وإلى جانبه آخر يصلي معه الصلاة، ويكون بينهما من الرفعة عند الله والثواب والجزاء كما بين السماء والأرض، وذلك لإخلاص النية عند أحدهما دون الآخر.\nفالواجب على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على إخلاص نيته لله في عبادته، وألا يقصد بعبادته شيئًا من أمور الدنيا؛ لا يقصد إلا رضا الله وثوابه حتى ينال بذلك الرفعة في الدنيا والآخرة.\nقال الله تعالى في آخر الآية: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ) يعني ليس عليك شيء منهم ولا عليهم","vol":"3","page":91},{"text":"شيء منك، حساب الجميع على الله، وكل يجازى بعمله.\n\n(فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام ٥٢]، الفاء هذه التي في (فتكون) تعود على قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ) لا على قوله: (مَا عَلَيْك)، فعندنا هنا في الآية فاءان: الفاء الأولى (فَتَطْرُدَهُمْ) وهذه مرتبة على قوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، و(فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) مرتبة على قوله: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ) يعني فإن طردتهم فإنك من الظالمين.\nويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان ينبغي له أن يكون جليسه من أهل الخير الذين يدعون الله صباحًا ومساءً يريدون وجهه، وألا يهتم بالجلوس مع الأكابر، والأشراف، والأمراء، والوزراء، والحكام؛ بل لا ينبغي أن يجلس إلى هؤلاء إلا أن يكون في ذلك مصلحة، فإذا كان في ذلك مصلحة؛ مثل أن يريد أن يأمرهم بمعروف، أو ينهاهم عن منكر، أو يبين لهم ما خفي عليهم من حال الأمة، فهذا طيب وفيه خير.\n\nأما مجرد الأنس بمجالستهم، ونيل الجاه بأنه جلس مع الأكابر، أو مع الوزراء، أو مع الأمراء، أو مع ولاة الأمور، فهذا غرض لا يحمد عليه العبد، إنما يحمد على الجلوس مع من كان أتقى لله؛ من غني وفقير، وحقير وشريف. فالمدار كله على رضا الله ﷿، وعلى محبة من أحب الله.\nوقد ذاق طعم الإيمان من والى من والاه الله، وعادى من عاداه الله، وأحب في الله، وأبغض في الله، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك، وأن","vol":"3","page":92},{"text":"يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\n* * *\n\n٢/٢٦١ - وعن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني وهو من أهل بيعة الرضوان ﵁، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ، فأخبره فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك» فأتاهم فقال: يا إخوتاه آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. رواه مسلم.\n\nقوله «مأخذها» أي: لم تستوف حقها منه. وقوله: «يا أخي» روي بفتح الهمزة وكسر الخاء وتخفيف الياء، وروي بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياء.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله في قضية الضعفاء والمساكين، وأنه تجب ملاطفتهم والرفق بهم والإحسان إليهم، أن أبا سفيان مر بسلمان وصهيب وبلال، وهؤلاء الثلاثة كلهم من الموالي، صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، فمر بهم فقالوا: ما","vol":"3","page":93},{"text":"فعلت أسيافنا بعدو الله ما فعلت يعني: يريدون أنهم لم يشفوا أنفسهم مما فعل بهم أسيادهم من قريش، الذين كانوا يعذبونهم ويؤذونهم في دين الله ﷿، فكأن أبا بكر ﵁ لامهم على ذلك، وقال: أتقولون لسيد قريش مثل هذا الكلام.\nثم إن أبا بكر أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال له: «لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك»، يعني أغضبت هؤلاء النفر - مع أنهم من الموالي وليسوا بشيء في عداد الناس وأشرافهم - لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فذهب أبو بكر ﵁ إلى هؤلاء النفر وسألهم: آغضبتكم؟ فقالوا: لا، قال: يا إخوتاه، آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أبا بكر.\n\nفدل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يترفع على الفقراء والمساكين ومن ليس لهم قيمة في المجتمع؛ لأن القيمة الحقيقية هي قيمة الإنسان عند الله، كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣]، والذي ينبغي للإنسان أن يخفض جناحه للمؤمنين ولو كانوا غير ذي جاه؛ لأن هذا هو الذي أمر الله به نبيه ﷺ حيث قال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] .\nوفي هذا دليل على ورع أبي بكر ﵁، وعلى حرصه على إبراء ذمته، وأن الإنسان ينبغي له - بل يجب عليه - إذا اعتدى على أحد بقول أو فعل أو بأخذه مال أو سب أو شتم أن يستحله في الدنيا؛ قبل أن يأخذ ذلك منه في الآخرة؛ لأن الإنسان إذا لم يأخذ حقه في الدنيا فإنه يأخذه يوم القيامة، ويأخذ من أشرف شيء وأعز شيء على الإنسان يأخذه","vol":"3","page":94},{"text":"من الحسنات؛ من الأعمال الصالحة التي هو في حاجة إليها في ذلك المكان.\n\nقال النبي ﵊: «ماذا تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: من ليس له درهم ولا دينار، أو قالوا: ولا متاع. فقال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار» .\n\n* * *","vol":"3","page":95},{"text":"٥/٢٦٤ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف» متفق عليه.\nوفي رواية في «الصحيحين» «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا وكافل اليتيم هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى، يعني بالأصبع السبابة والوسطى؛ والأصبع السبابة هي التي بين الوسطى والإبهام، وتسمى السبابة لأن الإنسان يشير بها عند السب، فإذا سب شخصًا قال هذا وأشار بها.\nوتسمى السباحة لأن الإنسان يشير بها أيضًا عند التسبيح، ولهذا يشير الإنسان بها في صلاته إذا جلس بين السجدتين ودعا: رب اغفر لي وارحمني؛ كلما دعا رفعها، يشير إلى الله ﷿؛ لأن الله في السماء","vol":"3","page":96},{"text":"جل وعلا، وكذلك أيضًا يشير بها في التشهد إذا دعا: السلام عليك أيها النبي السلام علينا، اللهم صل على محمد، اللهم بارك على محمد، في كل جملة دعائية يشير بها إشارة إلى علو الله تعالى وتوحيده.\nوفرج بينهما ﵊ يعني: قارن بينهما وفرج، يعني أن كافل اليتيم مع النبي ﵊ في الجنة قريب منه، وفي هذا حث على كفالة اليتم، وكفالة اليتيم هي القيام بما يصلحه في دينه ودنياه؛ بما يصلحه في دينه من التربية والتوجيه والتعليم وما أشبه ذلك، وما يصلحه في دنياه من الطعام والشراب والمسكن.\nواليتيم حده البلوغ، فإذا بلغ الصبي؛ زال عنه اليتم، وإذا كان قبل البلوغ فهو يتيم؛ هذا إن مات أبوه، وأما إذا ماتت أمه دون أبيه فإنه ليس بيتيم.\nوكذلك الحديث الذي بعده فيه أيضًا ثواب من قام بشئون اليتيم وإصلاحه.\n\nأما الحديث الثالث: فإن الرسول ﵊ يقول: «ليس المسكين الذي ترده التمرة التمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف» . يعني المسكين؛ ليس (الشحاذ) الذي (يشحذ) الناس، ترده اللقمة واللقمتان: يعني إذا أعطيته لقمة أو لقمتين أو تمرة أو تمرتين ردته، بل المسكين حقيقة هو الذي يتعفف كما قال تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) [البقرة: ٢٧٣]، هذا هو المسكين حقيقة؛ لا يسأل فيُعطى ولا يتفطن له فيعطى. كما يقول العامة: عاف كاف، ما","vol":"3","page":97},{"text":"يدرى عنه، هذا هو المسكين الذي ينبغي للناس تفقده وإصلاح حاله، والحنو عليه، والعطف عليه.\nوفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للمسكين أن يصبر وأن ينتظر الفرج من الله، وأن لا يتكفف الناس أعطوه أو منعوه؛ لأن الإنسان إذا علق قلبه بالخلق وكل إليهم، كما جاء في الحديث: «من تعلق شيئًا وكل إليه» وإذا وكلت إلى الخلق نسيت الخالق، بل اجعل أمرك إلى الله ﷿، وعلق رجاءك وخوفك وتوكلك واعتمادك على الله ﷾ فإنه يكفيك، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) [الطلاق: ٣]، كل ما أمر الله ﷿ به فهو بالغك، لا يمنعه شيء ولا يرده شيء.\n\nفالمسكين يجب عليه الصبر، ويجب عليه أن يمتنع عن سؤال الناس لا يسأل إلا عند الضرورة القصوى؛ إذا حلت له الميتة حل له السؤال، أما قبل ذلك مادام يمكنه أن يتعفف ولو أن يأكل كسرة من خبز أو شقًا من تمرة فلا يسأل، ولا يزال الإنسان يسأل الناس، ثم يسأل الناس، ثم يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم، والعياذ بالله؛ لأنه قد قشر وجهه للناس في الدنيا، ولهذا ذم أولئك القوم الذين يترددون على الناس يسألونهم وهم أغنياء؛ الذين إذا ماتوا وجد عندهم الآلاف، توجد عندهم الآلاف من الذهب والفضة والدراهم القديمة والأوراق.","vol":"3","page":98},{"text":"وهم إذا رأيتهم قلت: هؤلاء أفقر الناس، ثم يؤذون الناس بالسؤال، أو يسألون الناس وليس عندهم شيء لكن يريدون أن يجعلوا بيوتهم كبيوت الأغنياء وسياراتهم كسيارات الأغنياء، ولباسهم كلباس الأغنياء فهذا سفه، «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» اقتنع بما أعطاك الله؛ إن كنت فقيرًا فعلى حسب حالك، وإن كنت غنيًا فعلى حسب حالك.\nأما أن تقلد الأغنياء وتقول: أنا أريد سيارة فخمة، وأريد بيتًا فارهًا، وأريد فرشًا، ثم تذهب تسأل الناس سواء سألتهم مباشرة قبل أن تشتري هذه الأشياء التي أردت، أو تشتريها ثم تذهب تقول: أنا علي دين وما أشبه ذلك فكل هذا خطأ عظيم، اقتصر على ما عندك، وعلى ما أعطاك ربك ﷿، واسأل الله أن يرزقك رزقًا لا يطغيك، رزقًا يغنيك عن الخلق وكفى. نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسلامة.\n\n* * *\n\n٦/٢٦٥ - وعنه عن النبي ﷺ: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر» متفق عليه.","vol":"3","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب: باب الرفق باليتامى والمستضعفين والفقراء ونحوهم، قول رسول الله ﷺ: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر»، والساعي عليهم هو الذي يقوم بمصالحهم ومؤنتهم وما يلزمهم.\n\nوالأرامل هم الذين لا عائل لهم سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، والمساكين هم الفقراء؛ ومن هذا قيام الإنسان على عائلته وسعيه عليهم، على العائلة الذين لا يكتسبون، فإن الساعي عليهم والقائم بمئونتهم ساع على أرملة ومساكين، فيكون مستحقًا لهذا الوعد ويكون كالمجاهد في سبيل الله، أو كالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذين لا يفطر.\nوفي هذا دليل على جهل أولئك القوم الذين يذهبون يمينًا وشمالًا ويدعون عوائلهم في بيوتهم مع النساء، ولا يكون لهم عائل فيضيعون؛ لأنهم يحتاجون إلى الإنفاق ويحتاجون إلى الرعاية وإلى غير ذلك، وتجدهم يذهبون يتجولون في القرى وربما في المدن أيضًا، بدون أن يكون هناك ضرورة، ولكن شيء في نفوسهم، يظنون أن هذا أفضل من البقاء في أهليهم بتأديبهم وتربيتهم.\nوهذا ظن خطأ، فإن بقاءهم في أهلهم، وتوجيه أولادهم من ذكور وإناث، وزوجاتهم ومن يتعلق بهم أفضل من كونهم يخرجون يزعمون أنهم يرشدون الناس وهم يتركون عوائلهم الذين هم أحق من غيرهم","vol":"3","page":100},{"text":"بنصيحتهم وإرشادهم، ولهذا قال الله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، فبدأ بعشيرته الأقربين قبل كل أحد.\n\nأما الذي يذهب إلى الدعوة إلى الله يومًا أو يومين أو ما أشبه ذلك، وهو عائد إلى أهله عن قرب فهذا لا يضره، وهو على خير - لكن كلامنا في قوم يذهبون أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، أو سنة - عن عوائلهم؛ يتركونهم للأهواء والرياح تعصف بهم، فهؤلاء لا شك أن هذا من قصور فقهم في دين الله ﷿.\nوقد قال النبي عليه الصلاة: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» فالفقيه في الدين هو الذي يعرف الأمور، ويحسب لها، ويعرف كيف تؤتى البيوت من أبوابها، حتى يقوم بما يجب عليه.\n\n* * *\n\n٧/٢٦٦ - وعنه عن النبي ﷺ قال: «شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» رواه مسلم.\nوفي رواية في «الصحيحين» عن أبي هريرة من قوله: «بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء» .","vol":"3","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» .\n\nقوله ﵊: «شر الطعام طعام الوليمة» يحتمل أن يكون المراد بالوليمة هنا وليمة العرس، ويحتمل أن يكون أعم، وأن المراد بالوليمة كل ما دعي إلى الاجتماع إليه من عرس أو غيره، وسيأتي بيان ذلك في الأحكام إن شاء الله.\nثم فسر هذه الوليمة التي طعامها شر الطعام وهي التي يدعى إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها، يعني يدعى إليها الأغنياء، والغني لا يحرص على الحضور إذا دعي؛ لأنه مستغن بماله، ويمنع منها الفقراء؛ والفقير؛ هو الذي إذا دعي أجاب، فهذه الوليمة ليست وليمة مقربة إلى الله؛ لأنه لا يدعى إليها من هم أحق بها وهم الفقراء؛ بل يدعى إليها الأغنياء.\nأما الوليمة من حيث هي - ولا سيما وليمة العرس - فإنها سنة مؤكدة، قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة» فأمره بالوليمة","vol":"3","page":102},{"text":"قال: «ولو بشاة» يعني ولو بشيء قليل، والشاة قليلة بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف ﵁؛ لأنه من الأغنياء.\nوقوله ﵊: «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» يدل على أن إجابة دعوة الوليمة واجبة؛ لأنه لا شيء يكون معصية بتركه إلا وهو واجب، ولكن لا بد فيها من شروط:\nالشرط الأول: أن يكون الداعي مسلمًا؛ فإن لم يكن مسلما ً لم تجب الإجابة، ولكن تجوز الإجابة لا سيما إذا كان في هذا مصلحة، يعني لو دعاك كافر إلى وليمة عرس فلا بأس أن تجيب، لا سيما إن كان في ذلك مصلحة كتأليفه إلى الإسلام، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن يهوديًا دعاه في المدينة، فأجابه، وجعل له خبزًا من شعير وإهالة سنخة؛ يعني ودكًا قديمًا متغيرًا.\nوأما اشتراط العدالة: يعني اشتراط أن يكون الداعي عدلًا فليس بشرط، فتجوز إجابة دعوة الفاسق إذا دعاك مثل أن يدعوك إنسان قليل الصلاة مع الجماعة، أو حليق اللحية، أو شارب دخان، فأجبه كما تجيب من كان سالمًا من ذلك.\nلكن إن كان عدم الإجابة يفضي إلى مصلحة بحيث يخجل هذا الداعي ويترك المعصية التي كان يعتادها حيث الناس لا يجيبون دعوته، فلا تجب دعوته من أجل مصلحته، أما إذا كان لا يستفيد سواء أجبته أو لم","vol":"3","page":103},{"text":"تجبه، فأجب الدعوة لأنه مسلم.\n\nالشرط الثاني: أن يكون ماله حلالًا؛ فإن كان ماله حرامًا كالذي يكتسب المال بالربا؛ فإنه لا تجب إجابته لأن ماله حرام، والذي ماله حرام ينبغي للإنسان أن يتورع عن أكل ماله، ولكنه ليس بحرام، يعني لا يحرم عليك أن تأكل من مال من كسبه حرام؛ لأن النبي ﷺ أكل من طعام اليهود وهم يأكلون الربا؛ يأخذونه ويتعاملون به. لكن الورع أن لا تأكل ممن ماله حرام.\nأما إذا كان في ماله حرام يعني ماله مختلط؛ يتجر تجارة حلالًا ويكتسب كسبًا محرمًا؛ فلا بأس من إجابته، ولا تتورع عن ماله؛ لأنه لا يسلم كثير من الناس اليوم من أن يكون في ماله حرام، فمن الناس من يغش فيكتسب من حرام، ومنهم من يرابي في بعض الأشياء، ومنهم الموظفون، وكثير من الموظفين لا يقومون بواجب الوظيفة، فتجده يتأخر عن الدوام، أو يتقدم فيخرج قبل وقت انتهاء الدوام، وهذا ليس راتبه حلالًا؛ بل إنه يأكل من الحرام بقدر ما نقص من عمل الوظيفة؛ لأنه ملتزم بالعقد مع الحكومة مثلًا أنه يقوم بوظيفته من كذا إلى كذا، فلو فتشت الناس اليوم لوجدت كثيرًا منهم يكون في ماله دخن من الحرام.\n\nالشرط الثالث: ألا يكون في الدعوة منكر؛ فإن كان في الدعوة منكر فإنه لا تجب الإجابة، مثل لو علمت أنهم سيأتون بمغنين، أو عندهم (شيش) يشربها الحاضرون، أو عندهم شراب دخان فلا تجب إلا إذا كنت قادرًا على تغيير هذا المنكر، فإنه يجب عليك الحضور لسببين:","vol":"3","page":104},{"text":"السبب الأول: إزالة المنكر.\nالسبب الثاني: إجابة الدعوة.\nأما إذا كنت ستحضر ولكن لا تستطيع تغيير المنكر؛ فإن حضورك حرام.\nالشرط الرابع: أن يعين المدعو، ومعنى يعينه أن يقول: يا فلان أدعوك إلى حضورك وليمة العرس. فإن لم يعينه بأن دعا دعوة عامة في مجلس فقال: يا جماعة عندنا حفل زواج ووليمة عرس فاحضروا، فإنه لا يجب عليك أن تحضر؛ لأنه دعا دعوة عامة ولم ينص عليك.\nفلابد أن يعينه فإن لم يعينه فإنها لا تجب، ثم إنه ينبغي للإنسان أن يجيب كل دعوة؛ لأن من حق المسلم على أخيه أن يجيب دعوته، إلا إذا كان في امتناعه مصلحة راجحة فليتبع المصلحة.\n\n* * *\n\n٨/٢٦٧ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» وضم أصابعه» رواه مسلم.\n«جاريتين» أي: بنتين.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n أما هذا الحديث ففيه فضل عول الإنسان للبنات، وذلك أن البنت قاصرة ضعيفة مهينة، والغالب أن أهلها لا يأبهون بها، ولا يهتمون بها،","vol":"3","page":105},{"text":"فلذلك قال النبي ﷺ: «من عال جاريتين حتى تبلغا؛ جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» وضم إصبعيه: السبابة والوسطى، والمعنى أنه يكون رفيقًا لرسول الله ﷺ في الجنة إذا عال الجارتين؛ يعني الأنثيين من بنات أو أخوات أو غيرهما، أي أنه يكون مع النبي ﷺ في الجنة، وقرن بين إصبعيه ﵊.\nوالعول في الغالب يكون بالقيام بمئونة البدن؛ من الكسوة والطعام والشراب والسكن والفراش ونحو ذلك، وكذلك يكون في غذاء الروح؛ بالتعليم والتهذيب والتوجيه والأمر بالخير والنهي عن الشر وما إلى ذلك.\nويؤخذ من هذا الحديث ومما قبله أيضًا أنه ينبغي للإنسان أن يهتم بالأمور التي تقربه إلى الله لا بالأمور الشكليات، أو مراعاة ما ينفع في الدنيا فقط، بل يلاحظ هذا ويلاحظ ما ينفع في الآخرة أكثر وأكثر.\n\nوقوله: «حتى تبلغا» يعني حتى تصلا إلى سن البلوغ؛ وهو خمس عشرة سنة، أو غير ذلك من علامات البلوغ في المرأة كأن تحيض ولو قبل خمس عشرة سنة، أو نبتت لها العانة أو احتلمت،\n\n* * *\n٩/٢٦٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: دخلت على امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ علينا، فأخبرته فقال: «من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار» متفق عليه.","vol":"3","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - عن عائشة ﵂ قصة عجيبة غريبة، قالت: دخلت عليّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل. وذلك لأنها فقيرة. قالت: فلم تجد عندي إلا تمرة واحدة - بيت من بيوت النبي ﵊ لا يوجد فيه إلا تمرة واحدة! - قالت: فأعطينها إياها فقسمتها بين ابنتيها نصفين، وأعطت واحدة نصف التمرة، وأعطت الأخرى نصف التمرة الآخر، ولم تأكل منها شيئًا.\n\nفدخل النبي ﷺ على عائشة فأخبرته لأنها قصة غريبة عجيبة، فقال النبي ﷺ: «من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له سترًا من النار» وقوله ﷺ: «من ابتلي»: ليس المراد به هنا بلوى الشر، لكن المراد: من قدر له، كما قال الله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: ٣٥] يعني من قدر له ابنتان فأحسن إليهما كن له سترًا من النار يوم القيامة، يعني أن الله تعالى يحجبه عن النار بإحسانه إلى البنات؛ لأن البنت ضعيفة لا تستطيع التكسب، والذي يكتسب هو الرجل، قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: ٣٤] .\n\nفالذي ينفق على العائلة ويكتسب هو الرجل، أما المرأة فإنما شأنها","vol":"3","page":107},{"text":"في البيت، تقيمه وتصلحه لزوجها وتؤدب أولادها، وليست المرأة للوظائف والتكسب إلا عند الغرب الكفرة ومن على شاكلتهم، ممن اغتر بهم فقلدهم وجعل المرأة مثل الرجل في الاكتساب وفي التجارة وفي المكاتب، حتى صار الناس يختلطون بعضهم ببعض، وكلما كانت المرأة أجمل؛ كانت أحظى بالوظيفة الراقية عند الغرب ومن شابههم ومن شاكلهم!\nونحن ولله الحمد في بلادنا هذه - نسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة - قد منعت الحكومة حسب ما قرأنا من كتاباتها أن يتوظف النساء لا في القطاع العام ولا في القطاع الخاص إلا فيما يتعلق بالنساء ونسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة؛ مثل مدارس البنات وشبهها. لكن نسأل الله الثبات، وأن يزيدها من فضله، وأن يمنعها مما عليه الأمم اليوم من هذا الاختلاط الضار.\nومما ورد في هذا الحديث من العبر:\n\nأولًا: بيت من بيوت رسول الله ﷺ ومن أشرف بيوته، فيه أحب نسائه إليه، لا يوجد به إلا تمرة واحدة، ونحن الآن في بلدنا هذا يقدم للإنسان عند الأكل أربعة أصناف شتى، فلماذا فتحن علينا الدنيا وأغلقت عليهم؟ ! ألكوننا أحب إلى الله منهم؟ ! لا والله، هم أحب إلى الله منا، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء، ونحن ابتلينا بهذه النعم، فصارت هذه النعم عند كثير من الناس اليوم سببًا للشر والفساد والأشر والبطر، حتى فسقوا والعياذ بالله، ويخشى علينا من عقوبة الله ﷿ بسبب أن كثيرًا منا بطروا هذه","vol":"3","page":108},{"text":"النعم وكفروها، وجعلوها عونًا على معاصي الله ﷾ نسأل الله السلامة ـ.\nثانيًا: وفيه أيضًا ما كان عليه الصحابة ﵃ من الإيثار، فإن عائشة ليس عندها إلا تمرة ومع ذلك آثرت بها هذه المسكينة، ونحن الآن عندنا أموال كثيرة ويأتي السائل ونرده.\n\nلكن بلاءنا في الحقيقة في رد السائل هو أن كثيرًا من السائلين كاذبون؛ يسأل وهو أغنى من المسؤول، وكم من إنسان سأل ويسأل الناس ويلحف في المسألة فإذا مات وجدت عنده دراهم الفضة والذهب الأحمر والأوراق الكثيرة من النقود! وهذا هو الذي يجعل الإنسان لا يتشجع على إعطاء كل سائل، من أجل الكذب والخداع، حيث يظهرون بمظهر العجزة وبمظهر المعتوهين والفقراء وهم كاذبون.\nثالثًا: وفي هذا الحديث أيضًا من العبر أن الصحابة ﵃ يوجد فيهم الفقير كما يوجد فيهم الغني، قال الله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) [الزخرف: ٣٢]، ولولا هذا التفاوت ما اتخذ بعضنا بعضًا سخريًا، ولو كنا على حد سواء واحتاج الإنسان منا مثلًا لعمل ما كالبناء، فجاء إلى الآخر فقال: أريدك أن تبني لي بيتًا، فقال: لا أبني، أنا مثلك، أنا غني، فإذا أردنا أن نصنع بابًا، قال الآخر: لا أصنع، أنا غني مثلك؛ فهذا التفاوت جعل الناس يخدم بعضهم بعضًا:","vol":"3","page":109},{"text":"الناس للناس من بدو وحاضرة ... بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم\nحتى التاجر الغني صاحب المليارات يخدم الفقير. كيف؟ ! يورد الأطعمة والأشربة والأكسية ومواد البناء وغيرها، يجلبها للفقير فينتفع بها، فكل الناس بعضهم يحتاج لبعض، ويخدم بعضهم بعضًا؛ ذلك حكمة من الله ﷿.\nرابعًا: وفي هذا الحديث أيضًا دليل على فضل من أحسن إلى البنات بالمال، والكسوة، وطيب الخاطر، ومراعاة أنفسهن؛ لأنهن عاجزات قاصرات.\nخامسًا: وفيه ما أشرنا إليه أولًا من أن الذي يكلف بالنفقة وينفق هم الرجال، أما النساء فللبيوت ولمصالح البيوت، وكذلك للمصالح التي لا يقوم بها إلا النساء كمدارس البنات.\nأما أن يجعلن موظفات مع الرجال في مكتب واحد، أو سكرتيرات كما يوجد في كثير من بلاد المسلمين، فإن هذا لا شك خطأ عظيم، وشر عظيم، وقد قال النبي ﵊: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»؛ لأن أولها قريب من الرجال فصار شرًا، وآخرها بعيد عن الرجال فصار خيرًا. فانظر","vol":"3","page":110},{"text":"كيف نُدب للمرأة أن تتأخر وتبتعد عن الإمام، كل ذلك من أجل البعد عن الرجال، نسأل الله أن يحمينا وإخواننا المسلمين من أسباب سخطه وعقابه.\n\n* * *\n\n١٠/٢٦٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال: «إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» رواه مسلم.\n١١/٢٧٠ - وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد.\nومعنى: «أحرج»: ألحق الحرج، وهو الإثم بمن ضيع حقهما، وأحذر من ذلك تحذيرًا بليغًا، وأزجر عنه زجرا أكيدًا.\n١٢/٢٧١ - وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص ﵄ قال: رأى سعد أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي ﷺ: «هل تنصرون وترزقون إلا","vol":"3","page":111},{"text":"بضعفائكم» رواه البخاري هكذا مرسلًا، فإن مصعب بن سعد تابعي، ورواه الحافظ أبو بكر البرقاني في صحيحه متصلًا عن مصعب عن أبيه ﵁.\n١٣/٢٧٢ - وعن أبي الدرداء عويمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ابغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم» رواه أبو داود بإسناد جيد.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث كلها تدل على مضمون ما سبق من الرفق بالضعفاء واليتامى والبنات وما أشبه ذلك، وفي حديث عائشة الأول قصة كحديثها السابق، لكن الحديث السابق أن عائشة ﵂ أعطتها تمرة واحد فشقتها بين ابنتيها.\nأما هذا الحديث فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت إحدى البنتين واحدة، والثانية التمرة الأخرى، ثم رفعت الثالثة إلى فيها لتأكلها، فاستطعمتاها - يعني أن البنتين نظرتا إلى التمرة التي رفعتها الأم - فلم تطعمها الأم بل شقتها بينهما نصفين، فأكلت كل بنت تمرة ونصفًا والأم لم تأكل شيئًا. فذكرت ذلك للرسول ﷺ وأخبرته بما صنعت المرأة، فقال: «أن الله أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» يعني: لأنها لما","vol":"3","page":112},{"text":"رحمتهما هذه الرحمة العظيمة أوجب الله لها بذلك الجنة.\nفدل ذلك على أن ملاطفة الصبيان والرحمة بهم من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار. نسأل الله أن يكتب لنا ولكم ذلك.\n\nوفي الأحاديث الثلاثة التالية لهذا الحديث ما يدل على أن الضعفاء سبب للنصر وسبب للرزق، فإذا حنَّ عليهم الإنسان وعطف عليهم وآتاهم مما آتاه الله ﷿؛ كان ذلك سببًا للنصر على الأعداء، وكان سببًا للرزق؛ لأن الله تعالى أخبر أنه إذا أنفق الإنسان لربه نفقة فإن الله تعالى يخلفها عليه. قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩]، يخلفه: أي يأتي بخلفه وبدله.","vol":"3","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>٣٤ - باب الوصية بالنساء</span>\nقال الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ١٩]، وقال تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: ١٢٩] .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب الوصية بالنساء، يعني الوصية على أن يرفق بهن الإنسان وأن يتقي الله فيهن؛ لأنهن قاصرات يحتجن إلى من يجبرهن ويكلمهن، كما قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: ٣٤] .\nثم استدل المؤلف - رحمه الله تعالى - بقول الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) يعني: عاشروا النساء بالمعروف.\nوالمعاشرة: معناها المصاحبة والمعاملة؛ فيعاملها الإنسان بالمعروف ويصاحبها كذلك.\nوالمعروف: ما عرفه الشرع وأقره واطرد به العرف، والعبرة بما أقره الشرع، فإذا أقر الشرع شيئًا فهو المعروف، وإذا أنكر شيئًا فهو المنكر ولو عرفه الناس.\nوقال تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُم) [النساء: ١٢٩]، وهذا الخطاب لمن كان عنده زوجتان فاكثر، يبين الله","vol":"3","page":114},{"text":"﷿ أن الإنسان لا يستطيع أن يعدل بين النساء ولو حرص؛ لأن هناك أشياء تكون بغير اختيار الإنسان؛ كالمودة والميل وما أشبه ذلك، مما يكون في القلب.\n\nأما ما يكون بالبدن فإنه يمكن العدل فيه؛ كالعدل في النفقة، والعدل في المعاملة بأن يقسم لهذه ليلتها وهذه ليلتها، والكسوة، وغير ذلك فهذا ممكن، لكن ما في القلب لا يمكن أن يعدل الإنسان فيه؛ لأنه بغير اختياره.\nولهذا قال الله تعالى: (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا) أي تذروا المرأة إذا التي ملتم عنها (كَالْمُعَلَّقَةِ) بين السماء والأرض، ليس لها قرار؛ لأن المرأة إذا رأت أن زوجها مال مع ضرتها تعبت تعبًا عظيمًا، واشتغل قلبها، فصارت كالمعلقة بين السماء والأرض ليس لها قرار.\nثم قال: (فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) يعني إن تسلكوا سبيل الإصلاح وتقوى الله ﷿؛ فإن الله كان غفورًا رحيمًا: يعني يغفر لكم ما لا تستطيعونه، ولكنه يؤاخذكم بما تستطيعون.\nوهاتان الآيتان وغيرهما من نصوص الكتاب والسنة كلها تدل على الرفق بالمرأة وملاحظتها ومعاشرتها بالتي هي أحسن، وأن الإنسان لا يطلب منها حقه كاملًا؛ لأنها لا يمكن أن تأتي به على وجه الكمال فليعف وليصفح.\n\n* * *","vol":"3","page":115},{"text":"١/٢٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء» متفق عليه.\nوفي رواية في «الصحيحين» (المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها، استمتعت وفيها عوج» .\nوفي رواية لمسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها» .\nقوله: «عوج» هو بفتح العين والواو.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ في معاشرة النساء أن النبي ﷺ قال: «استوصوا بالنساء خيرًا» يعني: اقبلوا هذه الوصية التي أوصيكم بها، وذلك أن تفعلوا خيرًا مع النساء؛ لأن النساء قاصرات في العقول، وقاصرات في الدين، وقاصرات في التفكير،","vol":"3","page":116},{"text":"وقاصرات في جميع شئونهن، فإنهن خلقن من ضلع.\n\nوذلك أن آدم ﵊ خلقه الله من غير أب ولا أم، بل خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، ولما أراد الله تعالى أن يبث من هذه الخليقة، خلق منه زوجه، فخلقها من ضلعه الأعوج، فخلقت من الضلع الأعوج، والضلع الأعوج إن استمتعت به استمتعت به وفيه العوج، وإن ذهبت تقيمه انكسر.\nفهذه المرأة أيضًا إن استمتع بها الإنسان استمتع بها على عوج، فيرضى بما تيسر، وإن أراد أن تستقيم فإنها لن تستقيم، ولن يتمكن من ذلك، فهي وإن استقامت في دينها فلن تستقيم فيما تقتضيه طبيعتها، ولا تكون لزوجها على ما يريد في كل شيء، بل لابد من مخالفة، ولابد من تقصير، مع القصور الذي فيها.\nفهي قاصرة بمقتضى جبلتها وطبيعتها، ومقصرة أيضًا، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها، يعني معناه أنك إن حاولت أن تستقيم لك على ما تريد فلا يمكن ذلك، وحينئذ تسأم منها وتطلقها، فكسرها طلاقها.\nوفي هذا توجيه من رسول الله ﷺ إلى معاشرة الإنسان لأهله، وأنه ينبغي أن يأخذ منهم العفو ما تيسر، كما قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) يعني ما عفى وسهل من أخلاق الناس (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: ١٩٩] .\n\nولا يمكن أن تجد امرأة مهما كان الأمر سالمة من العيب مائة بالمائة،","vol":"3","page":117},{"text":"أو مواتية للزوج مائة بالمائة، ولكن كما أرشد النبي ﵊ استمتع بها على ما فيها من العوج.\nوأيضًا إن كرهت منها خلقًا رضيت منها خلقًا آخر، فقابل هذا بهذا مع الصبر، وقد قال الله تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: ١٩] .\n٢/٢٧٤ - وعن عبد الله بن زمعة ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يخطب، وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله ﷺ: (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) انبعث لها رجل عزير، عارم منيع في رهطه» ثم ذكر النساء، فوعظ فيهن، فقال: «يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من أخر يومه» ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة وقال: «لم يضحك أحدكم مما يفعل؟» متفق عليه.\n«والعارم» بالعين المهملة والراء: هو الشرير المفسد.\nوقوله: «انبعث» أي: قام بسرعة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عبد الله بن زمعة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يخطب على ناقته، وكان ﵊ خطبه على نوعين: نوع راتب، ونوع عارض؛ فالخطب الراتبة كخطب","vol":"3","page":118},{"text":"يوم الجمعة، وخطب العيدين، والاستسقاء، والكسوف وما أشبه ذلك، والخطب العارضة هي التي يكون لها سبب، فيقوم النبي ﷺ فيخطب الناس ويعظمهم ويبين لهم؛ وأحيانًا يخطب على المنبر، وأحيانًا يخطب قائمًا على الأرض، وأحيانًا يخطب على ناقته، وأحيانًا يخطب معتمدًا على بعض أصحابه، حسب ما تقتضيه الحال في وقتها؛ لأن الرسول ﵊ من هديه أنه لا يتكلف؛ فلا يطلب المعدوم، ولا يرد الموجود إذا لم يكن في ذلك تقصير في الشرع، أو تجاوز فيه.\nفكان ﷺ يخطب، وسمعه عبد الله بن زمعة، ومن جملة ما خطب أنه قال: «يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد» يعني يجلدها جلد شخص كأنه لا علاقة بينه وبينها، وكأنها عنده عبد أسير عانٍ، وهذا لا يليق؛ لأن علاقة الرجل مع أهله علاقة خاصة ينبغي أن تكون مبنية على المحبة والألفة والبعد عن الفحشاء: القولية أو الفعلية.\n\nأما أن يجلدها كما يجلد العبد ثم في آخر اليوم يضاجعها. كيف تضاجعها في آخر اليوم وتستمتع بها محبة وتلذذًا وشهوة وأنت قد جلدتها جلد العبد؟ ! فهذا تناقض، ولهذا عتب النبي عليه الصلاة السلام على هذا العمل، فإنه لا ينبغي أن يقع هذا الشيء من الإنسان، وصدق النبي ﵊، فإن هذا لا يليق بالعاقل فضلًا عن المؤمن.\nثم تحدث أيضًا عن شيء آخر وهو الضحك من الضرطة، يعني إذا ضرط الإنسان وخرجت الريح من دبره ولها صوت ضحكوا، فقال ﷺ واعظًا لهم في ذلك: «لم يضحك أحدكم مما يفعل؟» .","vol":"3","page":119},{"text":"ألست أنت تضرط كما يضرط هذا الرجل؟ بلى، إذا كان كذلك فلماذا تضحك؟ فالإنسان إنما يضحك ويتعجب من شيء لا يقع منه، أما ما يقع منه؛ فإنه لا ينبغي أن يضحك منه، ولهذا عاتب النبي ﷺ من يضحكون من الضرطة؛ لأن هذا شيء يخرج منهم، وهو عادة عند كثير من الناس.\nكثير من الناس في بعض االأعراف لا يبالون إذا ضرط أحدهم وإلى جنبه إخوانه ولا يحتشمون من ذلك أبدًا، ويرون أنها من جنس العطاس أو السعال أو ما أشبه ذلك. لكن في بعض االأعراف ينتقدون هذا.\nلكن كونك تضحك وتخجل صاحبك، فهذا مما لا ينبغي.\n\nوفي هذا إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يعيب غيره فيما يفعله هو بنفسه، إذا كنت لا تعيبه بنفسك فكيف تعيبه بإخوانك؟ !\nوبهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة شائعة عند العامة، فإنه من المعلوم أن لحم الإبل إذا أكل منه الإنسان وهو متوضئ انتقض وضوءه، ووجب عليه أن يتوضأ إذا أراد الصلاة، سواء أكله نيئًا أو مطبوخًا، وسواء كان هبرًا، أو كبدًا أو مصرانًا، أو كرشًا، أو قلبًا، أو رئة، كل ما حملت البعير فإن أكله ناقض للوضوء؛ لأن النبي ﷺ لم يستثن شيئًا وإنما قال: «توضئوا من لحوم الإبل»، وسئل أنتوضأ من لحوم الإبل فقال: «نعم»، قال: من لحوم الغم فقال: «إن شئت»؛ لحم الغنم لا ينقض","vol":"3","page":120},{"text":"الوضوء لحم البقر لا ينقض الوضوء، لحم الخيل لا ينقض الوضوء، لكن لحم الإبل ينقض الوضوء؛ إذا أكلته نيئًا أو مطبوخًا هبرًا أو غير هبر؛ وجب عليك أن تتوضأ.\nفأما شرب لبنها، فإن الصحيح أنه ليس بناقض للوضوء؛ لأن النبي ﷺ لما أمر العرنيين أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها لم يأمرهم بالوضوء، ولو كان واجبًا لأمرهم به، فإن توضأ فهو أحسن، أما الوجوب فلا.\n\nوكذلك المرق لا يجب الوضوء منه وإن توضأت فهو أحسن، أما اللحم فلابد، وكذلك الشحم فلابد من الوضوء منه.\nيقول بعض الناس: إن السبب أن الرسول ﷺ كان في وليمة وكان لحمها لحم إبل، وأنه خرجت ريح من بعض الحاضرين ولا يدري من، فقال الرسول ﷺ: «من أكل لحم إبل فليتوضأ» فقام جميعهم يتوضئون.\nوجعلوا هذا السبب في أن الإنسان يتوضأ من لحم الإبل، وهذا حديث باطل لا أصل له، وإنما الرسول ﷺ أمر بالوضوء من لحم الإبل لحكمة الله يعلمها، قد نعلمها نحن وقد لا نعلمها، المهم نحن علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، أمرنا الرسول ﷺ أن نتوضأ من لحوم الإبل إذا أكلنا منها فسمعًا وطاعة.\n\n* * *","vol":"3","page":121},{"text":"٣/٢٧٥ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» أو قال: «غيره» رواه مسلم.\nوقوله «يفرك» هو بفتح الياء وإسكان الفاء وفتح الراء معناه: يبغض، يقال: فركت المرأة زوجها، وفركها زوجها، بكسر الراء، يفركها بفتحها: أي أبغضها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:\n«لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا آخر» .\nالفرك: يعني البغضاء والعداوة، يعني لا يعادي المؤمن المؤمنة كزوجته مثلًا، لا يعاديها ويبغضها إذا رأى منها ما يكرهه من الأخلاق، وذلك لأن الإنسان يجب عليه القيام بالعدل، وأن يراعي المعامل له بما تقتضيه حاله، والعدل أن يوازن بين السيئات والحسنات، وينظر أيهما أكثر وأيهما أعظم وقعًا، فيغلب ما كان أكثر وما كان أشد تأثيرًا؛ هذا هو العدل.\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) [المائدة: ٨]، يعني لا يحملكم بغضهم على عدم العدل اعدلوا ولو كنتم تبغضونه، ولهذا لما بعث النبي","vol":"3","page":122},{"text":"ﷺ عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر ليخرص عليهم ثمر النخل، وكان النبي ﷺ قد عامل أهل خيبر حين فتحها على أن يكفوه المئونة، ويقوموا بإصلاح النخيل والزرع ولهم النصف.\nفكان يبعث عليهم من يخرص عليهم الثمرة، فبعث إليهم عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال لهم: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلى، قتلتم أنبياء الله ﷿، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السَّمَوَاتِ والأرض» .\nفالشاهد أن الرسول ﷺ أمر أن يكون الإنسان حاكمًا بالعدل والقسط، فقال: «لا يفرك مؤمن مؤمنة» يعني لا يبغضها لأخلاقها، إن كره منها خلقًا رضي منه خلقًا آخر.\n\nإذا أساءت مثلًا في ردها عليك مرة، لكنها أحسنت إليك مرات، أساءت ليلة لكنها أحسنت ليالي، أساءت في معاملة الأولاد مرة، لكن أحسنت كثيرًا. . وهكذا. فأنت إذا أساءت إليك زوجتك لا تنظر إلى الإساءة في الوقت الحاضر، ولكن انظر إلى الماضي وانظر للمستقبل واحكم بالعدل. وهذا الذي ذكره النبي ﷺ في المرأة يكون في غيرها أيضًا ممن يكون بينك وبينه معاملة أو صداقة أو ما أشبه ذلك، إذا أساء إليك يومًا من الدهر","vol":"3","page":123},{"text":"فلا تنس إحسانه إليك مرة أخرى وقارن بين هذا وهذا، وإذا غلب الإحسان على الإساءة؛ فالحكم للإحسان، وإن غلبت الإساءة على الإحسان فأنظر إن كان أهلًا للعفو فاعف عنه، وإن عفا وأصلح فأجره على الله، وإن لم يكن أهلًا للعفو؛ فخذ بحقك وأنت غير ملوم إذا أخذت بحقك، لكن انظر للمصلحة.\nفالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يعامل من بينه وبينهم صلة من زوجته أو صداقة أو معاملة، في بيع أو شراء أو غيره، أن يعامله بالعدل إذا كره منه خلقًا أو أساء إليه في معاملة، أن ينظر للجوانب الأخرى الحسنة حتى يقارن بين هذا وهذا، فإن هذا هو العدل الذي أمر الله به ورسوله كما قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: ٩٠] .\n\n* * *\n\n٤/٢٧٦ - وعن عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله تعالى، وأثني عليه وذكر ووعظ، ثم قال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا؛ فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن","vol":"3","page":124},{"text":"في كسوتهن وطعامهن» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. .\nقوله ﷺ: «عوان» أي: أسيرات جمع عانية، بالعين المهملة، وهي الأسيرة، والعاني: الأسير شبه رسول الله ﷺ المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير.\n«والضرب المبرح»: هو الشاق الشديد. وقوله ﷺ: «فلا تبغوا عليهن سبيلا» أي: لا تطلبوا طريقًا تحتجون به عليهن وتؤذونهن به. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ في خطبة الوداع يخطب وكان ذلك في عرفة؛ لأن النبي ﷺ في حجة الوداع قدم مكة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وبقي فيها إلى يوم الخميس الثامن من ذي الحجة.\nوخرج ضحى يوم الخميس إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، فلما طلعت الشمس، صار إلى عرفة، فنزل بنمرة وهي مكان معروف قبل عرفة وليست من عرفة، ثم زالت الشمس وحلت صلاة الظهر، فأمر أن تُرَحّل له ناقته فرحلت له وركب، حتى أتى بطن الوادي - بطن عرنة - وهو شعيب عظيم يحد عرفة من الناحية الغربية","vol":"3","page":125},{"text":"إلى الناحية الشمالية، فنزل ثم خطب الناس ﷺ خطبة عظيمة بليغة.\n\nثم قال فيها من جملة ما قال ما أوصي به أمته بالنسبة للنساء: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم» العواني جمع عانية وهي الأسيرة، يعني أن الزوجة عند زوجها بمنزلة الأسير عند من أسره؛ لأنه يملكها، وإذا كان يملكها فهي كالأسير عنده، ثم بين ﷺ أنه لا حق لنا أن نضربهم إلا إذا أتين بفاحشة مبينة، والفاحشة هنا عصيان الزوج، بدليل قوله: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) [النساء: ٣٤]، يعني إن قصرت الزوجة في حق زوجها عليها؛ فإنه يعظها أولًا ثم يهجرها في المضجع فلا ينام معها، ثم يضربها ضربًا غير مبرح إن هي استمرت على العصيان.\nهذه مراتب تأديب المرأة إذا أتت بفاحشة مبينة، وهي عصيان الزوج فيما يجب له: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) يعني لا تضربوهن ولا تقصروا في حقهن؛ لأنهن قمن بالواجب.\nثم بين ﷺ الحق الذي لهن والذي عليهن، فقال «لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه» يعني لا يجعلن يدخل عليهن على فراش النوم أو غيره وأنت تكره أن يجلس على فراش بيتك، وكأن هذا - والعلم عند الله - ضرب مثل، والمعنى: أن لا يكرمن أحدًا تكرهونه؛ هذا من المضادة لكم أن يكرمن من تكرهونه بإجلاسه على الفرش أو تقديم الطعام له، أو ما أشبه ذلك.\nوأن لا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، يعني لا يدخلن أحدًا البيت وأنت تكره أن يدخل، حتى لو كانت أمها أو أباها، فلا يحل لها أن تدخل","vol":"3","page":126},{"text":"أمها أو أباها، أو أختها أو أخاها، أو عمها أو خالها أو عمتها أو خالتها إلى بيت زوجها إذا كان يكره ذلك.\nوإنما نبهت على هذا؛ لأن بعض النساء والعياذ بالله شر، شر حتى على بنتها، إذا رأت أن زوجها يحبها أصابتها الغيرة والعياذ بالله - وهي الأم - ثم حاولت أن تفسد بين البنت وزجها، فهذه الأم للزوج أن يقول لزوجته لا تدخل بيتي، له أن يمنعها شرعًا، وله أن يمنع زوجته من الذهاب إليها؛ لأنها نمامة تفسد، وقد قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة قتات» أي نمام.\n\nثم قال ﷺ: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» . فالزوج هو الذي ينفق على زوجته حتى لو كانت غنية، ولو كانت موظفة، فليس له حق في وظيفتها ولا في راتبها، ليس له قرش واحد. كله لها، وتلزمه بأن ينفق عليها؛ فإذا قال: كيف أنفق عليك وأنت غنية، وأنت لك راتب كراتبي؟ نقول: يلزمك نقول: يلزمك الإنفاق عليها وإن كانت كذلك، فإن أبيت فللحاكم القاضي أن يفسخ النكاح غصبًا من الزوج، وذلك لأنه ملتزم بنفقتها.\nوالحاصل أن خطبة حجة الوداع خطبة عظيمة قرر فيها النبي صلى اله عليه وسلم شيئًا كثيرًا من أصول الدين ومن الحقوق، حتى قال ﷺ من جملة ما قال: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي»\nكانوا في الجاهلية - نسأل الله","vol":"3","page":127},{"text":"العافية - إذا حل الدين على الفقير قالوا له: إما أن تربي وإما أن تقضي: «تقضي» يعني توفينا، «تربي» يعني نزيد عليك الدين حتى يصبح أضعافًا مضاعفة.\nفقال ﷺ في حجة الوداع حاكمًا ومشرعًا: «إن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين»\nيعني تحت رجلي ليس له قائمة، ثم قال: «وأول ربا ً أضع ربا العباس بن عبد المطلب» .\n\nالله أكبر، صراحة عظيمة وعدل قائم في تنفيذ أحكام الله، «أول ربًا أضع ربا العباس»، العباس عم الرسول ﷺ.\nلو كان النبي ﷺ رجلًا من أهل الدنيا لجحد، ولا أخبر الناس أن عمه يرابي، وأبقى رباه على ما هو عليه، لكن الرسول ﷺ الذي هو غاية الخلق في العدل يقول «أول ربًا أضع ربا العباس بن عبد المطلب»، فإنه موضوع كله، فليس لأحد ممن عليه الربا أن يوفيه، فهو ساقط كأن لم يكن؛ ليس للعباس إلا رأس ماله فقط.\nوهذا كقوله ﷺ حينما جاء الناس يشفعون في امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع وتجحده، تستعير المتاع؛ كالقدر والفرش وغيره، ثم إنها بعد أن تأخذ هذا المتاع كانت تنكر أنها أخذت شيئًا، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها لأنها سارقة.\nفأهم قريش شأنها؛ امرأة من بني مخزوم - إحدى قبائل قريش الكبرى ـ","vol":"3","page":128},{"text":"فقاموا ليشفعوا لها وقدموا أسامة بن زيد يشفع عند النبي ﷺ.\nوأسامة هو ابن عتيق الرسول ﷺ زيد بن حارثة؛ عبد أهدته خديجة للرسول ﷺ فأعتقه ثم رزق بأسامة، وكان النبي ﷺ يحبهما: أسامة وأباه زيدًا، فقالوا لأسامة: اشفع عند الرسول ﷺ.\nفلما جاء يشفع أنكر عليه النبي ﷺ، وقال: «أتشفع في حد من حدود الله» . إنكار توبيخ.\nثم قام فخطب الناس وقال لهم كلامًا خالدًا عظيمًا: «أيها الناس؛ إنما أهلك من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف؛ أقاموا عليه الحد» وهذا جور وظلم فأيهم أحق بالعفو: الضعيف الذي لا يجد، أو الشريف الكبير؟ لا شك أن الضعيف أحق بالعفو إن كان هناك تفريق ومحاباة، ولكن ولله الحمد ليس هنالك تفريق ولا محاباة في إقامة حدود الله.\nثم قال النبي ﷺ: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» وهي أشرف من المخزومية نسبًا وقدرًا ودينًا، وهي بلا شك أفضل من المخزومية لأنها سيدة نساء أهل الجنة ﵂.\n\nوقوله ﷺ: «وايم الله» حلف وإن لم يستحلف؛ لتأكيد هذا الحكم وبيان أهمية «لو أن فاطمة» وهي أشرف من هذه المخزومية «بنت محمد»","vol":"3","page":129},{"text":"أشرف البشر «سرقت لقطعت يدها» وهذا العدل غاية في عدل البشر لا يوجد عدل يصدر من أي بشر كان مثل هذا العدل من النبي ﷺ ليقطع كل الحجج والوساطات والشفاعات، وهذا يدل على كمال عدله ﷺ.\nالمهم أن الرسول ﷺ خطب في حجة الوداع خطبة عظيمة بين فيها كثيرًا من أحكام الإسلام وآدابه، وقد قام بشرح هذه الخطبة الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حميد رحمة الله عليه، رئيس القضاة في هذه المملكة في زمنه شرحها شرحًا موجزًا لكنه مفيد، فمن أحب فليرجع إليه.\n\n* * *\n\n٥/٢٧٧ - وعن معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، لا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» حديث حسن رواه أبو داود.\nوقال: معني «لا تقبح» أي: لا تقل قبحك الله.\n\n٦/٢٧٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمة الله تعالى - فيما نقل عن معاوية بن حيدة ﵁ أنه سأل النبي صلى الله عليه ما حق امرأة أحدنا عليه، والصحابة رضي الله","vol":"3","page":130},{"text":"عنهم كانوا إذا سألوا النبي ﷺ فإنما يسألون ليعملوا لا ليعلموا فقط؛ خلافًا لما عليه كثير من الناس اليوم يسألون ليعلموا ثم لا يعمل إلا قليل منهم؛ وذلك أن الإنسان إذا علم من شريعة الله ما علم كان حجة له أو عليه. إن عمل به فهو حجة له يوم القيامة، وإن لم يعمل به؛ كان حجة عليه يؤاخذ به.\nوما أكثر ما كان الصحابة يسألون النبي ﷺ عن أمور دينهم، ففي القرآن مسائل كثير: (يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) [البقرة: ٢١٥]، (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) [البقرة: ٢٢٠]، (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيض) [البقرة: ٢٢٢]، (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) [البقرة: ١٨٩]؛ كلها أسئلة يريد بها الصحابة ﵃ أن يعلموا فيها حكم الله ثم يطبقوه في أنفسهم وفي أهليهم.\nوهنا سأله معاوية «ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت» يعني لا تخص نفسك بالكسوة دونها، ولا بالطعام دونها؛ بل هي شريكة لك يجب عليك أن تنفق عليها كما تنفق على نفسك، حتى إن كثيرًا من العلماء يقول: إذا لم ينفق الرجل على زوجته وطالبت بالفسخ عند القاضي؛ فللقاضي أن يفسخ النكاح؛ لأنه قصر بحقها الواجب لها.\nقال «ولا تضرب الوجه ولا تقبح» فلا تضربها إلا لسبب وإذا ضربتها فاجتنب الوجه وليكن ضربًا غير مبرح.","vol":"3","page":131},{"text":"وقد سبق لنا أن الإنسان إذا رأى من امرأته نشوزًا وترفعًا عليه، وأنها لا تقوم بحقه؛ وعظها أولًا، ثم هجرها في المضجع، ثم ضربها ضربًا غير مبرح فإذا حق له أن يضربها لوجود السبب، فإنه لا يضرب الوجه.\nوكذلك غير الزوجة لا يضرب على الوجه، فالابن إذا أخطأ لا يضرب على الوجه؛ لأن الوجه أشرف ما في الإنسان، وهو واجهه البدن كله، فإذا ضرب كان أذل للإنسان مما لو ضرب غير وجهه، يعني يضرب الرجل على كتفه، على عضده، على ظهره؛ فلا يرى بذلك أنه استدل كما لو ضربته على وجهه، ولهذا نهي عن ضرب الوجه وعن تقبيح الوجه.\nقوله: «لا تقبح» يعني لا تقل: أنت قبيحة، أو قبح الله وجهك، ويشمل النهي عن التقبيح: النهي عن التقبيح الحسي والمعنوي، فلا يقبحها مثل أن يقول: أنت من قبيلة رديئة، أو من عائلة سيئة، أو ما أشبه ذلك. كل هذا من التقبيح الذي نهى الله عنه.\nقال: «ولا تهجرها إلا في البيت» يعني إذا وجد سبب الهجر فلا تهجرها علنًا وتظهر للناس أنك هجرتها.\n\nاهجرها في البيت؛ لأنه ربما تهجرها اليوم وتتصالح معها في الغد فتكون حالكما مستورة، لكن إذا ظهرت حالكما للناس بأن قمت بنشر ذلك والتحدث به كان هذا خطأ، اهجرها في البيت، ولا يطلع على هجرك أحد، حتى إذا اصطلحت معها رجع كل شيء على ما يرام، دون أن يطلع عليه أحد من الناس.\nأما الحديث الثاني حديث أبي هريرة ﵁؛ فإنه حديث","vol":"3","page":132},{"text":"عظيم، قال فيه النبي ﷺ: «أكمل الناس إيمانًا أحسنهم خلقًا» .\nالإيمان يتفاوت ويتفاضل كما قال الله تعالى: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانا) [المدثر: ٣١]، وليس الناس في الإيمان سواء؛ من الناس من يؤمن بالغيب وكأنه يشاهد شهود عيان، يؤمن بيوم القيامة وكأنه الآن في تلك الساعات، يؤمن بالجنة وكأنها في تلك الرياض، يؤمن بالنار وكأنه يراها بعينه، يؤمن إيمانًا حقيقيًا مطمئنًا لا يخالطه شك.\nومن الناس من يعبد الله على حرف - نسأل الله العافية - كما قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) [الحج: ١١] يعني على طرف (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ) يعني إن لم يواجه أحدًا يشككه في الدين، ولم يواجه إلا صلحاء يعينونه (اطْمَأَنَّ بِه) أي ركن إليه.\n(وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) [الحج: ١١]، إن أصابته فتنة في بدنه، أو ماله، أو أهله؛ انقلب على وجهه واعترض على القضاء والقدر، وتسخط وهلك والعياذ بالله (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) .\nفأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وفي هذا حث عظيم على حسن الخلق مع الله، وحسن الخلق مع الناس.\nأما حسن الخلق مع الله، فأن يرضى الإنسان بشريعته، وينقاد إليها راضيًا، مطمئنًا بها، مسرورًا بها سواء كانت أمر يؤمر به، أو نهيًا ينهى عنه.\nوأن يرضى الإنسان بقدر الله ﷿، ويكون ما قدر الله عليه مما يسوءه كالذي قدر الله عليه مما يسره، فيقول: يا رب كل شيء من عندك، فأنا راض بك ربًا إن أعطيتني ما يسرني شكرت، وإن أصابني ما يسوءني صبرت، فيرضى","vol":"3","page":133},{"text":"بالله قضاءً وقدرًا، وأمرًا وشرعًا؛ هذا حسن الخلق مع الله.\n\nأما حسن الخلق مع الناس فظاهر، فكف الأذى وبذل الندى، والصبر عليهم وعلى أذاهم، هذا من حسن الخلق مع الناس؛ أن تعاملهم بهذه المعاملة تكف أذاك عنهم، وتبذل نداك. الندى يعني العطاء سواء كان مالًا أو جاهًا أو غير ذلك، وكذلك تصبر على البلاء منهم، فإذا كنت كذلك؛ كنت أكمل الناس إيمانًا.\nثم قال النبي ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» هذا خير الناس. هو خيرهم لأهله؛ فإذا كان فيك خير؛ فاجعله عند أقرب الناس لك وليكن أول المستفيدين من هذا الخير.\nوهذا عكس ما يفعله بعض الناس اليوم، تجده سيئ الخلق مع أهله، حسن الخلق مع غيرهم، وهذا خطأ عظيم؛ أهلك أحق بإحسان الخلق؛ أحسن الخلق معهم؛ لأنهم هم الذين معك ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية، إن أصابك شيء أصيبوا معك، وإن سررت سروا معك، وإن حزنت حزنوا معك، فلتكن معاملتك معهم خيرًا من معاملتك مع الأجانب، فخير الناس خيرهم لأهله.\nاسأل الله أن يكمل لي وللمسلمين الإيمان، وأن يجعلنا خير عباد الله في أهلنا ومن لهم حق علينا.\n\n* * *","vol":"3","page":134},{"text":"٧/٢٧٩ - وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تضربوا إماء الله» فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ، فقال: ذئرن النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون ازواجهن، فقال رسول الله ﷺ: «لقد أطاف بآل بيت محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم» رواه أبو داود بإسناد صحيح.\nقوله: «ذئرن» هو بذال معجمة مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم راء ساكنة ثم نون، أي: اجترأن، قوله: «أطاف» أي: أحاط.\n٨/٢٨٠ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة» رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر رحمه الله تعالى فيما نقله فيما يتعلق بأمر النساء أن النبي ﷺ قال: «لا تضربوا إماء الله» يريد بذلك النساء، فيقال: أمة الله كما يقال عبد الله، ويقال: إماء الله كما يقال عباد الله، ومن ذلك الحديث الصحيح: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» .\nنهاهم عن ضرب النساء، فكفوا عن ذلك؛ لأن الصحابة رضي الله","vol":"3","page":135},{"text":"عنهم كانوا من الطراز الأول والجيل الأول المفضل، الذين إذا دعوا إلى الله ورسوله قالوا: سمعنا وأطعنا، فكفوا عن ضرب النساء. والنساء قاصرات عقل وناقصات دين.\nفلما نهى النبي ﷺ عن ضربهن، اجترأن على أزواجهن، كما قال عمر ابن الخطاب ﵁: يا رسول الله إن النساء ذئرن على أزواجهن، يعني اجترأن وتعالين على الرجال، فلما سمع النبي ﷺ ما قال عمر؛ أجاز ضربهن، فأفرط الرجال في ذلك وجعلوا يضربونهن حتى وإن لم يكن ذلك من حقهم فطافت النساء بآل النبي ﷺ، أي ببيوته، وجعلن يتجمعن حول بيوت النبي ﷺ يشكون أزواجهن.\nفقال النبي ﷺ يخاطب الناس يخبرهم بأن هؤلاء الذين يضربون أزواجهن ليسوا بخيارهم، أي ليسوا بخيار الرجال، وهذا كقوله: «خيركم خيركم لأهله» فدل هذا على أن الإنسان لا يفرط ولا يفرط في ضرب أهله؛ إن وجد سببًا يقتضي الضرب فلا بأس.\n\nوقد بين الله ﷿ مراتب ذلك في كتابه فقال: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) [النساء: ٣٤] .\nالمرتبة الثالثة: الضرب، وإذا ضربوهن فليضربوهن ضربًا غير مبرح.\nثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة» فقوله ﷺ: «الدنيا متاع» يعني شيء يتمتع به، كما يتمتع المسافر بزاده ثم ينتهي، وخير متاعها المرأة الصالحة؛ إذا وفق الإنسان لامرأة صالحة في دينها وعقلها فهذا خير متاع","vol":"3","page":136},{"text":"الدنيا؛ لأنها تحفظه في سره وماله وولده.\nوإذا كانت صالحة في العقل أيضًا، فإنها تدبر له التدبير الحسن في بيته وفي تربية أولادها، إن نظر إليها سرته، وإن غاب عنها حفظته، وإن وكل إليها لم تخنه، فهذه المرأة هي خير متاع الدنيا.\n\nولهذا قال النبي ﷺ «تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»، يعني عليك بها، فإنها خير من يتزوجه الإنسان؛ فذات الدين وإن كانت غير جميلة الصورة، لكن يجملها خلقها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك.","vol":"3","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>٣٥ - باب حق الزوج على المرأة</span>\n\nقال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) [النساء: ٣٤] .\nوأما الأحاديث فمنها حديث عمرو بن الأحوص السابق في الباب قبله.\n١/٢٨١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح» متفق عليه.\nوفي راوية لهما: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح» .\nوفي رواية قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها» .","vol":"3","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمة الله تعالى ـ: باب حق الزوج على المرأة.\nلما ذكر ﵀ حقوق الزوجة على زوجها؛ ذكر حقوق الزوج على زوجته، ثم استدل بقوله الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) .\n\nثم بين سبب هذه القوامة والولاية التي جعلها الله، فقال: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) حيث فضل الرجل على المرأة في العقل والدين والقدرة والقوة وغير ذلك من وجوه الفضائل، والشريعة كلها عدل، تعطي كل أحد ما يستحقه بمقتضى فضله، فإذا كان الله قد فضل الرجال على النساء؛ فإنهم هم القوامون عليهن، وفي هذا لا يدرين الواقع على فضل جنس الرجال على النساء، وأن الرجال أكمل وأفضل وأولى بالولاية من المرأة، ولهذا لما قيل للنبي ﷺ: مات كسرى وتولى الأمر بعده امرأة قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وهذا الحديث إن كان يعني هؤلاء الفرس الذين نصبوا عليهم امرأة؛ فهو يعنيهم ولكن غيرهم مثلهم، وإن كان عامًا فهو عام، لن يفلح قوم ولوا على أمرهم امرأة، فالرجل هو صاحب القوامة على المرأة، وفي هذا دليل على سفه أولئك الكفار من الغربيين وغير الغربيين، الذين صاروا أذنابًا للغرب يقدسون","vol":"3","page":139},{"text":"المرأة أكثر من تقديس الرجل؛ لأنهم يتبعون لأولئك الأراذل من الكفار الذين لم يعرفوا لصاحب الفضل فضله، فتجدهم مثلًا في مخاطباتهم يقدمون المرأة على الرجل فيقول أحدهم: أيها السيدات والسادة، وتجد المرأة في المكان\n\nالأعلى عندهم والرجل دونها. .\nولكن هذا ليس بغريب على قوم يقدسون كلابهم، حتى إنهم يشترون الكلب بالآلاف ويخصصون له من الصابون وآلات التطهير وغير ذلك ما يضحك السفهاء فضلًا عن العقلاء، مع أن الكلب لو غسلته بالأبحر السبعة، ما صار طاهرًا؛ لأنه نجس العين، لا يطهر أبدًا.\nفالحاصل أن الرجال هم القوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم، وهذا وجه آخر للقوامة على النساء، وهو أن الرجل هو الذي ينفق على المرأة، وهو المطالب بذلك، وهو صاحب البيت، وليس المرأة هي التي تنفق.\nوهذه إشارة إلى أن أصحاب الكسب الذين يكسبون ويعملون هم الرجال، أما المرأة فصناعتها بيتها، تبق في بيتها تصلح أحوال زوجها، وأحوال أولادها، وأحوال البيت، هذه وظيفتها، أما أن تشارك الرجال بالكسب وطلب الرزق ثم بالتالي تكون هي المنفقة عليه؛ فهذا خلاف الفطرة وخلاف الشريعة، فالله تعالى يقول: (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) فصاحب الإنفاق هو الرجل.\n\nقال الله تعالى: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه ُ) فالصالحات قانتات أي مديمات للطاعة، الصالحة تقنت ليس","vol":"3","page":140},{"text":"معناها: الدعاء بالقنوت؛ بل القنوت دوام الطاعة كما قال تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨] أي مديمين لطاعته (قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) يعني: يحفظن سر الرجل وغيبته وما يكون داخل جدرانه من الأمور الخاصة، وتحفظه بما حفظ الله، أي بما أمر الله تعالى بحفظه فهذه هي الصالحة، فعليك بالمرأة الصالحة؛ لأنها خير لك من امرأة جميلة ليست بصالحة.\nثم ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح» .\nولعن الملائكة يعني أنها تدعو على هذه المرأة باللعنة، واللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإذا دعاها إلى فراشه ليستمتع بها بما أذن الله له فيه فأبت أن تجيء، فإنها تلعنها الملائكة والعياذ بالله، أي تدعو عليها باللعنة إلى أن تصبح.\n\nاللفظ الثاني: أنها إذا هجرت فراش زوجها، فإن الله تعالى يغضب عليها حتى يرضى عنها الزوج، وهذا أشد من الأول؛ لأن الله ﷾ إذا سخط؛ فإن سخطه أعظم من لعنة الإنسان، نسأل الله العافية.\nودليل ذلك أن الله تعالى ذكر في آية اللعان أنه إذا لاعن الرجل يقول: (أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [النور: ٧]، وهي إذا لاعنت تقول الرجل تقول: (أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [النور: ٩]،\nوهذا يدل على أن الغضب أشد، وهو كذلك.","vol":"3","page":141},{"text":"وأيضًا قال في الحديث: «إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها» أي الزوج، وهناك قال: «حتى تصبح»، أما هنا فعلّقه برضى الزوج، وهذا قد يكون أقل، وقد يكون أكثر يعني: ربما يرضى الزوج عنها قبل طلوع الفجر، وربما لا يرضى إلا بعد يوم أو يومين، المهم ما دام الزوج ساخطًا عليها فالله ﷿ ساخط عليها.\nوفي هذا دليل على عظم حق الزوج على زوجته، ولكن هذا في حق الزوج القائم بحق الزوجة، أما إذا نشز ولم يقم بحقها؛ فلها الحق أن تقتص منه وألا تعطيه حقه كاملًا؛ لقول الله تعالى:\n(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [البقرة: ١٩٤] ولقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [النحل: ١٢٦] .\nلكن إذا كان الزوج مستقيمًا قائمًا بحقها فنشزت هي ومنعته حقه؛ فهذا جزاؤها إذا دعاها إلى فراشه فأبت أن تأتي.\nوالحاصل أن هذه الألفاظ التي وردت في هذا الحديث هي مطلقة، لكنها مقيدة بكونه قائمًا بحقها، أما إذا لم يقم بحقها فلها أن تقتص منه وأن تمنعه من حقه مثل ما منعها من حقها؛ لقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) وقوله: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) .\nوفي هذا الحديث دليل صريح لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وسلف الأمة من أن الله ﷿ في السماء هو نفسه جل وعلا فوق عرشه، فوق سبع سموات، وليس المراد بقوله: «في السماء» أي ملكه في","vol":"3","page":142},{"text":"السماء؛ بل هذا تحريف للكلم عن مواضعه.\n\nوتحريف الكلم عن مواضعه من صنيع اليهود والعياذ بالله الذين حرفوا التوراة عن مواضعها وعما أراد الله بها، فإن ملك الله ﷾ في السماء وفي الأرض، كما قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض) [آل عمران: ١٨٩]، وقال أيضًا: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْه) [المؤمنون: ٨٨]، وقال أيضًا: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض ِ) [الشورى: ١٢] .\nكل السموات والأرض كلها بيد الله ﷿، كلها ملك الله، ولكن المراد أنه هو نفسه ﷿ فوق سماواته على العرش استوى، ولذلك نجد أن المسألة فطرية لا تحتاج إلى دراسة وتعب حتى يقرّ الإنسان أن الله في السماء، بمجرد الفطرة يرفع الإنسان يديه إلى ربه إذا دعا ويتجه قلبه إلى السماء، واليد ترفع أيضًا نحو السماء.\n\nبل حتى البهائم ترفع رأسها إلى السماء، حدثني أحد الأساتذة في الجامعة عندنا عن شخص اتصل عليه من القاهرة إبان الزلزلة التي أصابت مصر يقول: إنه قبل الزلزلة بدقائق، هاجت الحيوانات في مقرها الذي يسمونه: «حديقة الحيوانات» هاجت هيجانًا عظيمًا، ثم بدأت ترفع رأسها إلى السماء. سبحان الله، بهائم تعرف أن الله في السماء، وأوادم من بني آدم ينكرون أن الله في السماء والعياذ بالله، فالبهائم تدري وتعرف.\nنحن نشاهد بعض الحشرات إذا طردتها أو آذيتها وقفت ثم رفعت","vol":"3","page":143},{"text":"قوائمها إلى السماء نشاهدها مشاهدة، فهذا يدل على أن كون الله ﷿ في السماء أمر فطري لا يحتاج إلى دليل أو تعب أو عنت، حتى الذين ينكرون أن الله في السماء - نسأل الله لنا ولهم الهداية - لو جاءوا يدعون أين يرفعون أيديهم؟. . إلى السماء، فسبحان الله! أفعالهم تكذب عقيدتهم، هذه العقيدة الباطلة الفاسدة التي يخشى عليهم من الكفر بها.\n\nوهذه جارية، أمة مملوكة في عهد النبي ﷺ، أراد سيدها أن يعتقها، فقال له النبي ﷺ: «ادعها»، فجاءت الجارية، فقال لها النبي ﷺ: «أين الله» قالت: الله في السماء. قال: «من أنا» قالت: أنت رسول الله. قال لسيدها: «أعتقها فإنها مؤمنة» .\nسبحان الله! إن هؤلاء الذين يعتقدون أن الله ليس في السماء يقولون: من قال إن الله في السماء فهو كافر والعياذ بالله، نسأل الله لنا ولهم الهداية.\nالمهم أن من عقيدتنا التي ندين الله بها أن الله ﷿ فوق كل شيء، وهو القاهر فوق عباده، وأنه على العرش استوى، وأن العرش على السموات مثل القبة، كأنه قبة أي خيمة مضروبة على السموات والأرض، والسموات والأرض بالنسبة للعرش ليست بشيء.\nوجاء في بعض الآثار: أن السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، حلقة الدرع حلقة ضيقة لا يدخل فيها مفتاح، إذا ألقيت في فلاة من الأرض ماذا تشغل من مساحة","vol":"3","page":144},{"text":"هذه الفلاة؟ لا شيء.\n\nقال: «وإن فضل العرش على الكرسي، كفضل الفلاة على هذه الحلقة»، إذا الله أكبر من كل شيء ومحيط بكل شيء ولهذا قال الله ﷿: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) يعني أحاط بها، فما بالك بالرب ﷿.\nفالرب ﷿ فوق كل شيء، هذه عقيدتنا التي نسأل الله تعالى أن نموت عليها ونبعث عليها، هذه العقيدة التي يعتقدها أهل السنة والجماعة بالاتفاق.\n\n* * *\n\n٢/٢٨٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بأذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» متفق عليه. وهذا لفظ البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» .\nهذا من حقوق الزوج على زوجته، أنه لا يحل لها أن تصوم إلا بإذنه ما دام حاضرًا في البلد، أما إذا كان غائبًا؛ فلها أن تصوم ما شاءت، لكن إذا","vol":"3","page":145},{"text":"كان في البلد فلا تصوم.\nوظاهر الحديث أنها لا تصوم فرضًا ولا نفلًا إلا بإذنه، أما النفل فواضح أنها لا تصوم إلا بإذنه؛ لأن حق الزوج عليها واجب والنفل تطوع لا تأثم بتركه وحق الزوج تأثم بتركه، وذلك أن الزوج ربما يحتاج إلى أن يستمتع بها، فإذا كانت صائمة وأراد الاستمتاع بها صار في نفسه حرج، وإلا فله أن يستمتع بها ويجامعها وهي صائمة صوم تطوع إذا لم يأذن فيه من قبل ولو أفسد صومها ولا إثم عليه.\nلكن من المعلوم أنه سيكون في نفسه حرج، لهذا قال النبي ﷺ: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» .\nأما صيام الفرض فإن كان قد بقي من السنة مدة أكثر مما يجب عليها، فلا يحل لها أن تصوم إلا بإذن زوجها إذا كان شاهدًا، يعني مثلًا عليها عشرة أيام من رمضان، وهي الآن في رجب، وقالت: أريد أن أصوم القضاء، نقول: لا تصومي القضاء إلا بإذن الزوج؛ لأن معك سعة من الوقت، أما إذا كان بقي في شعبان عشرة أيام فلها أن تصوم إن لم يأذن؛ لأنه لا يحل للإنسان الذي عليه قضاء من رمضان أن يؤخر إلى رمضان الثاني، وحينئذ تكون فاعلة لشيء واجب فرض في الدين، وهذا لا يشترط فيه إذن الزوج ولا غير.\n\nفصوم المرأة فيه تفصيل: أما التطوع فلا يجوز إلا بإذن الزوج، وأما الفرض فإن كان الوقت متسعًاَ، فإنه لا يجوز إلا بإذن الزوج، وإن كان لا يسع إلا مقدار ما عليها من الصوم، فإنه لا يشترط إذن الزوج، هذا إذا كان","vol":"3","page":146},{"text":"حاضرًا، أما إذا كان غائبًا فلها أن تصوم.\nوهل مثل ذلك الصلاة؟ يحتمل أن تكون الصلاة مثل الصوم، وأنها لا تتطوع في الصلاة إلا بإذنه، ويحتمل أن لا تكون مثل الصوم؛ لأن وقت الصلاة قصير بخلاف الصوم، الصوم كل النهار، والصلاة ليست كذلك، الصلاة ركعتان إذا كانت تطوعًا، والفريضة معروف أنه لا يشترط إذنه.\nوالظاهر أن الصلاة ليست كالصوم، فلها أن تصلي ولو كان زوجها حاضرًا، إلا أن يمنعها فيقول: آنا محتاج إلى استمتاع، لا تصلين الضحى مثلًا لا تتهجدين الليلة.\nعلى أنه لا يجوز للزوج أن يحرم زوجته الخير، إلا إذا كان هناك حاجة بأن غلبت عليه الشهوة، ولا يتمكن من الصبر، وإلا فعليه أن يكون عونًا لها على طاعة الله، وعلى فعل الخير؛ لأنه يكون مأجورًا بذلك كما أنها مأجورة أيضًا على الخير.\nوأما إدخال أحد بيته بغير إذنه فظاهر. فلا يجوز أن تدخل أحدًا بيته إلا بإذنه، لكن الإذن في إدخال البيت نوعان:\n\nالإذن الأول: إذن العرف: يعني جرى به العرف مثل دخول امرأة الجيران والقريبات والصاحبات والزميلات وما أشبه ذلك، هذا جرى العرف به، وأن الزوج يأذن به، فلها أن تدخل هؤلاء إلا إذا منع وقال: لا تدخل عليك فلانة، فهنا يجب المنع، ويجب أن لا تدخل.\nوالإذن الثاني: إذن لفظي، بأن يقول لها: أدخلي من شئتي ولا حرج عليك إلا من رأيتي منه مضرة فلا تدخليه، فيتقيد الأمر بإذنه.","vol":"3","page":147},{"text":"وفي هذا دليل على أن الزوج يتحكم في بيته أن يمنع حتى أم الزوجة إذا شاء أن يمنعها وحتى أختها وخالتها وعمتها، لكنه لا يمنعها من هؤلاء إلا إذا كان هناك ضرر عليه وعلى بيته؛ لأن بعض النساء والعياذ بالله لا يكون فيها خير تكون ضررًا على ابنتها وزوجها، تأتي إلى ابنتها وتحقنها من العداوة والبغضاء بينها وبين الزوج، حتى تكره زوجها، ومثل هذه الأم لا ينبغي أن تتصل بابنتها؛ لأنها تفسدها على زوجها، فهي كالسحرة الذين يتعلمون ما يفرقون به بين المرء وزوجه.\n\n* * *\n٣/٢٨٣ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.\n٤/٢٨٤ - وعن أبي على طلق بن على ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور» رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n٥/٢٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لو كنت آمر أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":148},{"text":"٦/٢٨٦ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة» رواه الترمذي، وقال حديث حسن.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» .\n\nالخطاب للأمة جميعًا يبين فيه الرسول ﷺ أن كل إنسان راع ومسؤول عن رعيته. والراعي هو الذي يقوم على الشيء ويرعى مصالحة فيهيئها له، ويرعى مفاسده فيجنبه إياها، كراعي الغنم ينظر ويبحث عن المكان المربع حتى يذهب بالغنم إليه، وينظر في المكان المجدب فلا يتركها في هذا المكان.\nهكذا بنو آدم كل إنسان راع، وكل مسؤول عن رعيته، فالأمير راع ومسؤول عن رعيته، والأمراء يختلفون في نفوذهم وفي مناطق أعمالهم، قد يكون هذا الأمير أميرًا على قرية صغيرة، فتكون مسئوليته صغيرة، وقد يكون أميرًا على مدينة كبيرة فتكون مسئوليته كبيرة، وفد يكون مسؤولًا عن أمة، كالأمير الذي ليس فوقه أمير في منطقته، كالملك مثلًا هنا، وكالرؤساء في البلاد الأخرى، وكأمراء المؤمنين في عهد عمر ابن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وكالخلفاء في زمن بني أمية وبني العباس وغيرهم.\n\nفالرعاة تتنوع رعيتهم أو تتنوع رعايتهم ما بين مسؤولية كبيرة واسعة،","vol":"3","page":149},{"text":"ومسؤولية صغيرة، ولهذا قال: «الأمير راع» يعني هو مسؤول عن رعيته، الرجل راع لكن رعيته محصورة؛ هو راع في أهل بيته، في زوجته، في ابنه، في بنته، في أخته، في عمته، في خالته، كل من في بيته، راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، يجب عليه أن يرعاهم أحسن رعاية؛ لأنه مسؤول عنهم.\nكذلك المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، يجب عليها، يجب أن تنصح في البيت،\nفي الطبخ، في القهوة، في الشاي، في الفرش، لا تطبخ أكثر من اللازم، ولا تجهز الشاي أكثر مما يحتاج إليه،\nيجب عليها أن تكون امرأةً مقتصدة؛ فإن الاقتصاد نصف المعيشة، غير مفرطة فيما ينبغي.\nمسؤولة أيضًا عن أولادها في إصلاحهم وإصلاح أحوالهم وشؤونهم، كإلباسهم الثياب، وخلع الثياب غير النظيفة، وتغيير فراشهم الذي ينامون عليه، وتغطيتهم في الشتاء وهكذا، مسؤولة عن كل هذا، مسؤولة عن الطبخ وإحسانه ونضجه، وهكذا مسؤولة عن كل ما في البيت.\n\nكذلك العبد مسؤول وراع في مال سيده، ومسؤول عن رعيته، يجب عليه أن يحفظ مال سيده، وأن يتصرف فيه بما هو أحسن، وألا يفرط فيه، وألا يتعدى الحدود وهكذا، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته.\nأما بقية الأحاديث التي ساقها المؤلف؛ - ما عدا الأخير منها - فكلها أحاديث تحتاج إلى نظر في صحتها، لكن مجمل ما تدل عليه عظم حق الزوج على زوجته، وأن حق الزوج على زوجته عظيم، يجب عليها أن تقوم به، كما يجب عليه أن يقوم بحقها، كما قال الله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٢٨] .","vol":"3","page":150},{"text":"٨/٢٨٨ - وعن أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - في نقله عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» .\n\nوالمعنى أن النبي ﷺ يخبر بأنه ما ترك فتنة أضر على الرجال من النساء، وذلك أن الناس كما قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) [آل عمران: ١٤] .\nكل هذه مما زين للناس في دنياهم، وصار سببًا لفتنتهم فيها، لكن أشدها فتنة النساء، ولهذا بدأ الله بها فقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) [آل عمران: ١٤] .\nوإخبار النبي ﷺ بذلك يريد به الحذر من فتنة النساء، وأن يكون الناس منها على حذر؛ لأن الإنسان بشر إذا عرضت عليه الفتن، فإنه يخشى عليه منها.\nويستفاد منه سد كل طريق يوجب الفتنة بالمرأة، فكل طريق يوجب","vol":"3","page":151},{"text":"الفتنة بالمرأة؛ فإن الواجب على المسلمين سده، ولذلك وجب على المرأة أن تحتجب عن الرجال الأجانب، فتغطي وجهها، وكذلك تغطي يديها ورجليها عند كثير من أهل العلم، ويجب عليها كذلك أن تبتعد عن الاختلاط بالرجال؛ لأن الاختلاط بالرجال فتنة وسبب للشر من الجانبين، من جانب الرجال ومن جانب النساء.\n\nولهذا قال النبي ﷺ: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» وما ذلك إلا من أجل بعد المرأة عن الرجال، فكلما بعدت فهو خير وأفضل.\nوقد كان النبي ﷺ يأمر النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد، ولكنهن لا يختلطن مع الرجال، بل يكون لهن موضع خاص، حتى إن النبي ﷺ كان إذا خطب الرجال وانتهى من خطبتهم، نزل فذهب إلى النساء فوعظهن وذكرهن، وهذا يدل على أن النساء كنّ في مكان منعزل عن الرجال.\nوكان هذا والعصر عصر قوة في الدين وبُعد عن الفواحش، فكيف بعصرنا هذا؟\nفإن الواجب توقي فتنة النساء بكل ما يستطاع، ولا ينبغي أن يغرنا ما يدعو إليه أهل الشر والفساد من المقلدين للكفار، من الدعوة إلى اختلاط المرأة بالرجال؛ فإن ذلك من وحي الشيطان والعياذ بالله، هو الذي يزين ذلك في قلوبهم، وإلا فلا شك أن الأمم التي كانت تقدم النساء وتجعلهن","vol":"3","page":152},{"text":"مع الرجال مختلطات، لا شك أنها اليوم في ويلات عظيمة من هذا الأمر، يتمنون الخلاص منه فلا يستطيعون.\n\nولكن مع الأسف فإن بعض الناس منا ومن أبنائنا ومن أبناء جلدتنا يدعون إلى التحلل من مكارم الأخلاق، وإلى جلب الفتن إلى بلادنا، في توسع النساء، ومحاولة توظيفهن مع الرجال جنبًا إلى جنب، نسأل الله تعالى أن يعصمنا والمسلمين من الشر والفتن إنه جواد كريم.","vol":"3","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>٣٦ـ باب النفقة على العيال</span>\nقال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَئهَا) [الطلاق: ٧]، وقال تعالى (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى ـ: باب النفقة على العيال.\n\nالعيال: هم الذين يعولهم الإنسان من زوجة أو قريب أو مملوك، وقد سبق الكلام على حقوق الزوجة، أما الأقارب فلهم حق، قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى) [النساء: ٣٦] .\nفالقريب له حق في أن ينفق عليه، يعني أن تبذل له من الطعام والشراب والكسوة والسكنى ما يقوم بكفايته، كما قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) المولود له هو الأب، عليه أن ينفق على أولاده وعل زوجاته، وعلى من أرضعت ولده ولو كانت في غير حباله؛ لأنه قال: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) من أجل الإرضاع، أما إذا كانت في حباله فلها النفقة من أجل الزوجية.","vol":"3","page":154},{"text":"وقوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى؛ كالجد ومن فوقه، فعليه أن ينفق على أولاد أولاده، وإن نزلوا.\nلكن يشترط لذلك شروط:\nالشرط الأول: أن يكون المنفق قادرًا على الإنفاق؛ فإن كان عاجزًا فإنه لا يجب عليه الإنفاق، لقوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَهَا) أي: إلا ما أعطاها، (آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: ٧] .\nالشرط الثاني: أن يكون المنفق عليه عاجزًا عن الإنفاق على نفسه، فإن كان قادرًا على الإنفاق على نفسه فنفسه أولى، ولا يجب على أحد أن ينفق عليه؛ لأنه مستغن، وإذا كان مستغنيًا، فإنه لا يستحق أن ينفق عليه.\nالشرط الثالث: أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه؛ لقوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣]،\nفإن كان قريبًا لا يرث؛ فلا يجب عليه الإنفاق.\nفإذا تمت الشروط الثلاثة؛ فإنه يجب على القريب أن ينفق على قريبه ما يحتاج إليه من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، ونكاح، وإن كان قادرًا على بعض الشيء دون بعض؛ وجب على القريب الوارث أن يكمل ما نقص؛ لعموم قوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣] .\n\nثم ذكر المؤلف ثلاث آيات: الآية الأولى قول الله ﵎: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: من الآية٢٣٣]، والآية الثانية: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ\nاللَّهُ) [الطلاق: ٧]، والآية","vol":"3","page":155},{"text":"الثالثة قوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] .\nفقوله: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي شيء يكون قد أنفقتموه لله ﷿ (فَهُوَ يُخْلِفُه) أي يعطيكم خلفه وبدله وهو خير الرازقين.\n* * *\n\n١/٢٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجر الذي أنفقته على أهلك» رواه مسلم.\n\n٢/٢٩٠ - وعن أبي عبد الله - ويقال له: أبو عبد الرحمن - ثوبان ابن بجدد مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله» رواه مسلم.\n٣/٢٩١ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أتفق عليهم، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بنيّ؟ فقال: «نعم لك أجر ما أنفقت عليهم» متفق عليه\n٤/٢٩٢ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ في حديثه الطويل الذي","vol":"3","page":156},{"text":"قدمناه في أول الكتاب في باب النية أن رسول الله ﷺ قال له: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيَ امرأتك» متفق عليه.\n٥/٢٩٣ - وعن أبي مسعود البدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا انفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة» متفق عليه.\n٦/٢٩٤ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» حديث صحيح رواه أبو داود وغيره.\n\nورواه مسلم في صحيحه بمعناه قال: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته» .\n٧/٢٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا» متفق عليه.\n٨/٢٩٦ - وعنه عن النبي ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ","vol":"3","page":157},{"text":"بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله» رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب النفقة على الأهل، كلها تدل على فضيلة الإنفاق على الإنفاق على الأهل، وأنه أفضل من الإنفاق في سبيل الله، وأفضل من الإنفاق في الرقاب، وأفضل من الإنفاق على المساكين؛ وذلك لأن الأهل ممن ألزمك الله بهم، وأوجب عليك نفقتهم، فالإنفاق عليهم فرض عين، والإنفاق على من سواهم فرض كفاية، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية.\nوقد يكون الإنفاق على من سواهم على وجه التطوع، والفرض أفضل من التطوع؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه» .\n\nلكن الشيطان يرغب الإنسان في التطوع ويقلل رغبته في الواجب، فتجده مثلًا يحرص على الصدقة ويدع الواجب، يتصدق على مسكين أو ما أشبه ذلك ويدع الواجب لأهله، يتصدق على مسكين أو نحوه ويدع الواجب لنفسه؛ كقضاء الدين مثلًا، تجده مدينًا يطالبه صاحب الدين بدينه وهو لا يوفي، ويذهب يتصدق على المساكين وربما يذهب للعمرة أو","vol":"3","page":158},{"text":"لحج التطوع وما أشبه ذلك ويدع الواجب، وهذا خلاف الشرع وخلاف الحكمة، فهو سفه في العقل وضلال في الشرع.\nوالواجب على المسلم أن يبدأ بالواجب الذي هو محتم عليه، ثم بعد ذلك ما أراد من التطوع بشرط ألا تكون مسرفًا ولا مقطرًا، فتخرج عن سبيل الاعتدال؛ لقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان: ٦٧] .\nيعني لا إقتار ولا إسراف، بل قوامًا، ولم يقل بين ذلك فقط، بل بين ذلك قوامًا، قد يكون الأفضل أن تزيد أو أن تنقص أو بين ذلك بالوسط.\nعلى كل حال هذه الأحاديث كلها تدل على أنه يجب على الإنسان أن ينفق على من عليه نفقته، وأن إنفاقه على من عليه نفقته أفضل من الإنفاق على الغير.\n\nوفي هذه الأحاديث أيضًا التهديد والوعيد على من ضيع عمن يملك قوته، وهو شامل للإنسان وغير الإنسان، فالإنسان يملك الأرقة مثلًا، ويملك المواشي من إبل وبقر وغنم فهو آثم إذا ضيع من يلزمه قوته من آدميين أو غير آدميين، «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم»، واللفظ الثاني في غير مسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» وفي هذا دليل على وجوب رعاية من ألزمك الله بالإنفاق عليه.","vol":"3","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>٣٧ـ باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد</span>\n\nقال الله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: ٩٢]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) [البقرة: ٢٦٧] .\n١/٢٩٧ - عن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة ﵁ أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب.\nقال أنس: فلما نزلت هذه الآية: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الله تعالى أنزل عليك: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وإن أحب مالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله.\nفقال رسول الله ﷺ «بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» .\nفقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمه. متفق عليه.\nقوله ﷺ: «مال رابح» روي في الصحيحين «رابح» و«رايح» بالباء الموحدة وبالياء المثناة، أي: رايح عليك نفعه، و«بيرحاء» حديقة نخل، وروي بكسر الباء وفتحها.","vol":"3","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب الإنفاق مما يجب ومن الجيد.\n\nلما ذكر ﵀ وجوب الإنفاق على الزوجة وعلى الأقارب، ذكر أنه ينبغي للإنسان أن يكون ذا همة عالية، وأن ينفق من أطيب ماله ومما يحب من ماله، وهناك فرق بين الأطيب وبين الذي يحب، الغالب أن الإنسان لا يحب إلا أطيب ماله، لكن أحيانًا يتعلق قلبه بشيء من ماله وليس أطيب ماله فإذا أنفق من الطيب الذي هو محبوب لعامة الناس ومما يحبه هو بنفسه وإن لم يكن من الطيب؛ كان ذلك دليلًا على أنه صادق فيما عامل الله به.\n.ولهذا سميت الصدقة صدقة لدلالتها على صدق باذلها، فالإنسان ينبغي له أن ينفق الطيب من ماله، وينبغي له أن ينفق مما يحب، حتى يصدق في تقديم ما يحبه الله ﷿ على ما تهواه نفسه.\nثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآيتين من كتاب الله، فقال: قال الله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) البر يعني الخير الكثير، ومنه سمي البر للخلاء الواسع، فالبر هو الخير الكثير، يعني لن تنال الخير الكثير ولن تنال رتبة الأبرار حتى تنفق مما تحب.\nوالمال كله محبوب لكن بعضه أشد محبة من بعض، فإذا أنفقت مما تحب؛ كان ذلك دليلًا على أنك صادق، ثم نلت بذلك مرتبة الأبرار.\n\nوقال تعالى: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) [البقرة: ٢٦٧]، الخبيث من كل شيء بحسبه، فالخبيث من","vol":"3","page":161},{"text":"المال يطلق على الرديء، ويطلق على الكسب الرديء، ويطلق على الحرام.\nفمن إطلاقه على الرديء قوله تعالى: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) هذا بقية الآية التي أولها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) والخارج من الأرض منه الطيب ومنه الرديء، قال: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) أي: لا تقصدوا الخبيث وهو الرديء تنفقون منه، (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) يعني لو كان الحق لكم ما أخذتم الرديء إلا على إغماض وعلى كره، فكيف ترضون لغيركم أن تعطوه الرديء وأنتم تأبون أن تأخذوه؟ !\nوهذا من باب الاستدلال على الإنسان بما يقر ويعترف به؛ لأنه لا يرضى أن يأخذ الرديء بدلًا عن الطيب فكيف يرضى أن يعطي الرديء بدلًا عن الطيب؟ !\nفالخبيث بمعنى الرديء ومن ذلك أيضًا تسمية النبي ﷺ البصل والكراث الشجرة الخبيثة؛ لأنها رديئة منتنة كريهة، حتى إن الإنسان إذا أكل منها وبقيت رائحتها في فمه فإنه يحرم عليه أن يدخل المسجد، لا للصلاة ولا لغير الصلاة؛ لأن المسجد معمور بالملائكة فإذا دخل المسجد آذى الملائكة، والملائكة طيبون، والطيبون للطيبات، تكره الخبائث من الأعمال والأعيان، فإذا دخلت المسجد وأنت ذو رائحة كريهة آذيت الملائكة.","vol":"3","page":162},{"text":"وكان الرجل في عهد الرسول ﷺ إذا دخل المسجد وقد أكل كراثًا أو بصلًا طردوه طردًا إلى البقيع، والبقيع تعرفون المسافة بينه وبين المسجد النبوي وأنها بعيدة، يطرد إلى البقيع ولا يقرب المسجد.\nونأسف فإن بعض الناس، نسأل الله لنا ولهم الهداية والعصمة، يشرب الدخان أو الشيشة ويأتي إلى المسجد ورائحة الدخان والشيشة في فمه أو على ثيابه، مع أن هذه رائحة كريهة كلٌ يكرهها، حتى إن بعض الناس لا يستطيع أن يصلي جنب مثل هؤلاء، وهؤلاء يحرم عليهم أن يدخلوا المسجد والروائح الكريهة بفيهم.\n\nوكذلك من به إصنان، والإصنان رائحة كريهة تفوح من إبطيه، أو تفوح من أذنيه، أو تفوح من رأسه وتؤذي، فإنه لا يجوز أن يصلي ما دامت الرائحة المؤذية فيه، لا يجوز أن يدخل المسجد بل يبتعد.\nوالحمد لله، فإن هذه من المصائب والبلاوي، فهذا ابتلي بمثل هذا لا يقول كيف أحرم نفسي المسجد، فهذا من الله ﷿، فاحرم نفسك المسجد ولا تؤذي الناس والملائكة، وحاول بقدر ما تستطيع أن تتخلص من هذه الرائحة؛ أما بالتنظيف التام، أو بأن تضع رائحة طيبة تغطي الرائحة الكريهة، وبهذا يمكن أن تعالج هذه الروائح فلا يشم منك إلا الرائحة الطيبة.\nومن إطلاق الخبيث على الكسب الرديء قول النبي ﷺ: «كسب","vol":"3","page":163},{"text":"الحجام خبيث» الحجام الذي يخرج الدم يخرج بالحجامة، هذا كسبه خبيث، يعني رديء وليس المراد أنه حرام، قال ابن عباس ﵁ وعن أبيه: لو كان كسب الحجام حرامًا ما أعطاه النبي ﷺ أجرته، فقد احتجم النبي ﷺ، وأعطى الحجام أجره، ولو كانت حرامًا ما أعطاه؛ لأن الرسول لا يقر على الحرام ولا يعين على الحرام، لكن هذا من باب أنه كسب رديء دنيء ينبغي للإنسان أن يتنزه عنه، وأن يحجم الناس إذا احتاجوا إلى حجامته تبرعًا وتطوعًا.\nومن إطلاق الخبيث على المحرم قوله تعالى في وصف النبي ﷺ: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧]، يعني يحرم عليهم الخبائث وهي ضد الطيبات، مثل الميتة، لحم الخنزير، المنخنقة، الخمر، وما أشبه ذلك.\nومعنى الآية أنه لا يحرم إلا الخبائث، وليس معناها أن كل خبيث يحرمه؛ لأن المعروف أن الخبيث يطلق على أوصاف متعددة، لكن المعنى أنه ﷺ لا يحرم إلا الخبائث.\n\nفالحاصل أن الله ﷿ نهى أن يقصد الإنسان الرديء من ماله فيتصدق به، وحث على أن ينفق مما يجب ومما هو خير.\nثم ذكر المؤلف حديث أبي طلحة زوج أم أنس ﵁، وأبو طلحة","vol":"3","page":164},{"text":"أكثر الأنصار حقلًا يعني أكثرهم مزارع، وكان له بستان فيه ماء طيب مستقبل المسجد - أي مسجد الرسول ﷺ يعني أن المسجد في قبلة هذا البستان، وكان فيه ماء طيب عذب، يأتيه النبي ﷺ ويشرب منه.\nفلما نزل قوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) بادر ﵁، وسابق وسارع وجاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، إن الله تعالى أنزل قوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء - وهذا اسم ذلك البستان - وإني أضعها: يعني بين يديك صدقة، إلى الله ورسوله: يعني تصرفها إلى الله ورسوله فقال النبي ﷺ متعجبًا: بخٍ بخٍ - كلمة تعجب يعني ما أعظم هذه الهمة، وما أعلاها - ذاك مال رابح، ذاك مال رابح.\n\nوصدق الرسول ﷺ فهذا المال الرابح، فكم من حسنة يربح هذا المال إذا كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؟ صدق النبي ﷺ: «ذاك مال رابح، ذاك مال رابح. . أرى أن تجعلها في الأقربين» . أرى أن تجعلها في الأقربين: أي أقاربك، ففعل ﵁، وقسمها في أقاربه وبني عمه.\nوسيأتي إن شاء الله على بعض ما يستفاد من هذا الحديث، لكن تعجبوا كيف كانت مبادرة الصحابة ﵃، ومسارعتهم إلى الخير، وكان ابن عمر إذا أعجبه شيء في ماله وتعلقت به نفسه تصدق به؛ لأجل أن يربحه ويلقاه فيما أمامه.\nلكن ما تتمسك يه فهو إما زائل عنك وإما أن تزول عنه أنت، ولابد","vol":"3","page":165},{"text":"من أحد الأمرين، إما أن يتلف أو تتلف أنت، لكن الذي تقدمه هو الذي يبقى، نسأل الله أن يعيننا والمسلمين على أنفسنا ويعيذنا من البخل والشح.\nوالحقيقة أن مالك الحقيقي هو ما تقدمه، وقد ذبح آل النبي ﷺ شاة وتصدقوا بها إلا كتفها، فقدم النبي ﷺ وقال: «ما بقي منها؟» قالت عائشة ﵂: ما بقي إلا كتفها. يعني\nأنها تصدقت بها كلها إلا كتفها، فقال النبي ﷺ: «بقي كلها غير كتفها»، والمعنى أن الذي أكلتم هو الذي ذهب، وأما ما تصدقتم به فهو الذي بقي لكم.\nفالحاصل أن الصحابة وذوي الهمم العالية هم الذين يعرفون قدر الدنيا وقدر المال، وأن ما قدموه هو الباقي، وما أبقوه هو الفاني، نسأل الله أن يعيذنا والمسلمين من الشح والبخل والجبن والكسل، والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>٣٨ - باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة،\nوتأديبهم، ومنعهم من ارتكاب منهيٍّ عنه</span>\n\nقال الله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) [طه: ١٣٢]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: ٦] .\n١/٢٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله ﷺ: «كخ كخ، أرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟» متفق عليه.\n\nوفي رواية: «أنا لا تحل لنا الصدقة»، وقوله: «كخ كخ» يقال بإسكان الخاء ويقال بكسرها مع التنوين، وهي كلمة زجر للصبي عن المستقذرات، وكان الحسن ﵁ صبيًا.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀: باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعهم من ارتكاب منهي عنه.","vol":"3","page":167},{"text":"ووجه المناسبة أن المؤلف ﵀، لما ذكر ما يجب للأهل من غذاء الجسم؛ ذكر لهم ما يجب من غذاء الروح على أبيهم ومن له ولاية عليهم، وأولى ما يؤمر به وأوجب وأفضل هي الصلاة، كما قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه: ١٣٢]، فأمره أن يأمر أهله بالصلاة.\nوالأهل كل من في البيت؛ من زوجة، وابن، وبنت، وعمة، وخالة، وأم، كل من في البيت أهل، أمره أن يأمرهم بالصلاة، وأمره أن يصطبر عليهم يعني يحض نفسه على الصبر، ولهذا جاءت التاء التي فيها زيادة البنية وفيها زيادة المعنى اصطبر؛ لأن أصلها اصتبر عليها.\n\nوذكر الله عن إسماعيل أبي محمد ﷺ، إذ أنه أحد أجداده، أنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضيًا، فالإنسان مسؤول عن أهله، مسؤول عن تربيتهم، حتى ولو كانوا صغارًا إذا كانوا مميزين، أما غير المميز فإنه يؤمر بما يتحمله عقله.\nثم ذكر حديث الحسن بن على بن أبي طالب رصي الله عنهما أنه أخذ تمرةً من الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ «كخ كخ» يعني أنها لا تصلح لك، ثم أمره أن يخرجها من فيه، وقال: إننا لا نحل لنا الصدقة.\nفالصدقة لا تحل لآل محمد؛ وذلك لأنهم أشرف الناس، والصدقات والزكوات أوساخ الناس، ولا يتناسب لأشراف الناس أن يأخذوا أوساخ الناس، كما قال النبي ﷺ لعمه العباس بن عبد المطلب ﵁: «إنا","vol":"3","page":168},{"text":"آل محمد لا تحل لنا الصدقة؛ إنما هي أوساخ الناس» .\nففي هذا دليل على أن الإنسان بجب عليه أن يؤدب أولاده عن فعل المحرم، كما يجب عليه أن يؤدبهم على فعل الواجب، والله الموفق.\n\n* * *\n٢/٢٩٩ - وعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله ﷺ قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ «يا غلام، سمّ الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك» فما زالت تلك طعمتي بعد. متفق عليه.\n«وتطيش» تدور في نواحي الصَّحفَةِ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عمر بن أبي سلمة ﵁، وكان ربيب النبي ﷺ؛ لأنه ابن زوجته أم سلمة ﵂، أنه كان مع النبي ﷺ في طعام يأكل فجعلت يده تطيش في الصحفة، يعني تذهب يمينًا وشمالًا، فقال له النبي ﷺ: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» فهذه ثلاثة آداب علمها النبي ﷺ هذا الغلام وهي:\nأولًا: قال: «سمّ الله» وهذا عند الأكل.\n\nفعند ابتداء الأكل يجب أن يقول الإنسان: بسم الله، ولا يحل له أن","vol":"3","page":169},{"text":"يتركها؛ لأنه إذا تركها شاركه الشيطان في أكله؛ أعدى عدو له يشاركه في الأكل إذا لم يقل بسم الله، ولو زاد: الرحمن الرحيم فلا بأس؛ لأن قول الرسول ﷺ: «بسم الله»: يعني أذكر اسم الله.\nوالتسمية الكاملة هي أن يقول الإنسان: بسم الله الرحمن الرحيم كما ابتدأ الله بها كتابه، وكما أرسل بها سليمان ﷺ (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ِ) [النمل: ٣٠]، فإن اقتصرت على قول بسم الله فلا حرج، وإن زدت الرحمن الرحيم فلا حرج، الأمر في هذا واسع.\nوأما التسمية على الذبيحة فهي شرط من شروط التذكية، إذا لم تسمِّ على الذبيحة فهي حرام ميتة، كأنما ماتت بغير ذبح.\nولكن العلماء يقولون: لا ينبغي أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأنه الآن يريد أن يذبحها، فالفعل ينافي القول بالنسبة لهذه الذبيحة؛ لأنها ستذبح. هكذا علل بعض العلماء، ولكن لو قالها أيضًا فلا حرج.\n\nالأدب الثاني: قوله: «وكل بيمينك»: وهذا أمر على سبيل الوجوب، فيجب على الإنسان أن يأكل بيمينه وأن يشرب بيمينه؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يأكل الإنسان بشماله، أو أن يشرب بشماله، وقال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» وقد نهينا عن اتباع خطوات الشيطان، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ","vol":"3","page":170},{"text":"بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [النور: ٢١] .\nولهذا كان القول الراجح وجوب الأكل باليمين، ووجوب الشرب باليمين، وأن الأكل بالشمال أو الشرب بالشمال حرام، ثم إن الأكل بالشمال والشرب بالشمال مع كونه من هدي الشيطان؛ فهو أيضًا من هدي الكفار؛ لأن الكفار يأكلون بشمائلهم ويشربون بشمائلهم.\nثم إن بعض الناس إذا كان على الأكل وأراد أن يشرب؛ فإنه يمسك الكأس باليسار ويشرب، ويقول أخشى أن تتلوث الكأس إذا شربت باليمين، فنقول: لتتلوث، فإنها إذا تلوثت فإنما تتلوث بطعام، ولم تتلوث ببول ولا غائط، تلوث بطعام ثم تغسل.\nوبإمكانك أن تمسك الكأس من الأسفل بين إبهامك والسبابة، وتجعلها كالحلقة ولا يتلوث منه إلا شيء يسير، ولا عذر لأحد بالشرب بالشمال من أجل هذا؛ لأن المسألة على سبيل التحريم، والحرام لا يجوز إلا عند الضرورة والضرورة مثل أن تكون اليد شلاء، لا يمكن أن يرفعها إلى فيه، أو مكسورة لا يمكن أن يرفعها إلى فيه، فهذه ضرورة، أو تكون متجرحة لا يمكن أن يأكل بها أو يشرب.\nالمهم إذا كان ضرورة؛ فلا بأس باليسار، وإلا فلا يحل للمسلم أن يأكل باليسار ولا أن يشرب باليسار.\nالأدب الثالث: قوله «وكل مما يليك»: يعني لا تأكل من حافة غيرك، بل كُلْ من الذي يليك؛ لأنك إذا اعتديت على حافة غيرك فهذا سوء أدب، فكل من الذي يليك.","vol":"3","page":171},{"text":"إلا إذا كان الطعام أنواعًا، مثل أن يكون هناك لحم في غير الذي يليك فلا بأس أن تأكل، أو يكون هناك قرع، أو ما أشبه ذلك مما يقصد، فلا بأس أن تأكل من الذي لا يليك؛ لأن أنس بن مالك ﵁ قال: أكلت مع النبي ﷺ «فكان يتتبع الدباّء من حوالي القصعة» .\nالدباّء: القرع، يتتبعه يعني يلقطه من على الصحفة ليأكله، هذا لا بأس به.\n\nوفي هذا الحديث من الفوائد أن ينبغي على الإنسان أن يؤدب أولاده على كيفية الأكل والشرب، وعلى ما ينبغي أن يقول في الأكل والشرب، كما فعل النبي ﷺ في ربيبه، وفي هذا حسن خلق النبي ﷺ وتعليمه؛ لأنه لم يزجر هذا الغلام حين جعلت يده في الصحفة، ولكن علمه برفق، وناداه برفق: «يا غلام؛ سمِّ الله، وكل بيمينك» .\nوليعلم أن تعليم الصغار لمثل هذه الآداب لا ينسى، يعني أن الطفل لا ينسى إذا علمته وهو صغير، لكن إذا كبر ربما ينسى إذا علمته، وربما يتمرد عليك بعض الشيء إذا كبر، لكن ما دام صغيرًا وعلمته يكون أكثر إقبالًا، ومن اتقى الله في أولاده؛ اتقوا الله فيه، ومن ضيع حق أولاده؛ ضيعوا حقه إذا احتاج إليهم.\n\n* * *","vol":"3","page":172},{"text":"٤/٣٠١ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن.\n\n٥/٣٠٢ - وعن أبي ثرية سبرة بن معبد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «علموا الصبي الصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر سنين» حديث حسن رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن.\nولفظ أبي داود: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهو أبناء عشر» وهو حديث حسن له شاهد من حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁، وهذا من حقوق الأولاد على آبائهم؛ أن يأمروهم بالصلاة إذا بلغوا سبع سنوات، وأن يضربوهم عليها أي: على التفريط فيها وإضاعتها إذا بلغوا عشر سنين، ولكن بشرط أن يكونا ذوي عقل.\nفإن بلغوا سبع سنين أو عشر سنين وهم لا يعقلون، يعني فيهم جنون؛","vol":"3","page":173},{"text":"فإنهم لا يؤمرون بشيء، ولا يضربون على شيء، لكن يمنعون من الإفساد؛ سواء في البيت أو خارج البيت.\nوقوله: «اضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين»: المراد الضرب الذي يحصل به التأديب بلا ضرر، فلا يجوز للأب أن يضرب أولاده ضربًا مبرحًا، ولا يجوز أن يضربهم ضربًا مكررًا لا حاجة إليه، بل إذا احتاج إليه مثل ألا يقوم الولد للصلاة إلا بالضرب فإنه يضربه ضربًا غير مبرح، بل ضربًا معتادًا؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر بضربهم لا لإيلامهم ولكن لتأديبهم وتقويمهم.\nوفي هذا الحديث إشارة إلى أن ما ذهب إليه بعض المتأخرين ممن يدّعون أنهم أصحاب تربية من أن الصغار لا يضربون في المدارس إذا أهملوا، ففي هذا الحديث الرد عليهم، وهو دليل على بطلان فكرتهم، وأنها غير صحيحة؛ لأن بعض الصغار لا ينفعهم الكلام في الغالب، لكن الضرب ينفعهم أكثر، فلو أنهم تركوا بدون ضرب؛ لضيّعوا الواجب عليهم، وفرّطوا في الدروس وأهملوا، فلابد من ضربهم ليعتادوا النظام، ويقوموا بما ينبغي أن يقوموا به، وإلا لصارت المسألة فوضى.\n\nإلا أنه كما قلنا لابد أن يكون الضرب للتأديب لا للإيلام والإيجاع، فيضرب ضربًا يليق بحاله، ضربًا غير مبرح، لا يفعل كما يفعل بعض المعلمين في الزمن السابق؛ يضرب الضرب العظيم الموجع، ولا يهمل كما يدعي هؤلاء المربون الذين هم من أبعد الناس عن التربية، لا يقال لهم شيء؛ لأن الصبي لا يمتثل ولا يعرف، لكن الضرب يؤدبه، والله الموفق.","vol":"3","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>٣٩ - باب حق الجار والوصية به</span>\n\nقال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣٦] .\n١/٣٠٣ - وعن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» متفق عليه.\n٢/٣٠٤ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة؛ فاكثر ماءها وتعاهد جيرانك» رواه مسلم.\n\nوفي رواية له عن أبي ذر قال: إن خليلي ﷺ أوصاني: «إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروفٍ» .\n٣/٣٠٥ - وعن أبي هريرة رضي اله عنه أن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» ! قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه!» متفق عليه.","vol":"3","page":175},{"text":"وفي رواية لمسلم: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» .\n«البوائق»: الغوائل والشرور.\n٤/٣٠٦ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاةٍ» متفق عليه. .\n٥/٣٠٧ - وعنه أن رسول ﷺ قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين! والله لأرمين بها بين أكتافكم. متفق عليه.\nروي: «خشبه» بالإضافة والجمع، وروي «خشبةً» بالتنوين على الإفراد. وقوله: مالي أراكم عنها معرضين: يعني عن هذه السنة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - باب حق الجار والوصية به\n\nالجار: هو الملاصق لك في بيتك والقريب من ذلك، وقد وردت بعض الآثار بما يدل على أن الجار أربعون دارًا كل جانب، ولا شك أن الملاصق للبيت جار، وأما ما وراء ذلك فإن صحت الأخبار بذلك عن النبي ﷺ؛ فالحق ما جاءت به، وإلا فإنه يرجع في ذلك إلى العرف، فما عدّه الناس جوارًاَ فهو جوار.","vol":"3","page":176},{"text":"ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى آية سورة النساء: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ) [النساء: ٣٦] .\nالجار ذي القربى: يعني الجار القريب.\nوالجار الجنب: يعني الجار البعيد الأجنبي منك.\nقال أهل العلم: والجيران ثلاثة:\n١ - جار قريب مسلم؛ فله حق الجوار، والقرابة، والإسلام.\n٢ - وجار مسلم غريب قريب؛ فله حق الجوار، والإسلام.\n٣ - وجار كافر؛ فله حق الجوار، وإن كان قريبًا فله حق القرابة أيضًا.\nفهؤلاء الجيران لهم حقوق: حقوق واجبة، وحقوق يجب تركها.\n\nثم ذكر المؤلف ﵀ خمسة أحاديث، عن ابن عمر، وعن أبي ذر وعن أبي هريرة، أما حديث ابن عمر ففيه أن النبي ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» أي سينزل الوحي بتوريثه، وليس المعنى أن جبريل يشرع توريثه؛ لأن جبريل ليس له حق في ذلك، لكن المعنى أنه سينزل الوحي الذي يأتي به جبريل بتوريث الجار، وذلك من شدة إيصاء جبريل به النبي ﷺ.\nوأما حديث أبي ذر ففيه أن على الإنسان إذا وسّع الله عليه برزق، أن يصيب منه جاره بعض الشيء بالمعروف، حيث قال ﷺ: «إذا طبخت مرقة فاكثر ماءها، وتعاهد جيرانك»، أكثر ماءها يعني زدها في الماء لتكثر وتوزع على جيرانك منها، والمرقة عادة تكون من اللحم أو من غيره مما","vol":"3","page":177},{"text":"يؤتدم به، وهكذا أيضًا إذا كان عندك غير المرق، أو شراب كفضل اللبن مثلًا، وما أشبهه ينبغي لك أن تعاهد جيرانك به؛ لأن لهم حقًا عليك.\nوأما أحاديث أبي هريرة ففيها أن النبي ﷺ أقسم ثلاث مرات فقال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه» يعني غدره وخيانته وظلمه وعدوانه، فالذي لا يأمن جاره من ذلك ليس بمؤمن، وإذا كان يفعل ذلك ويوقعه فعلًا فهو أشد.\nوفي هذا دليل على تحريم العدوان على الجار؛ سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل، أما بالقول فأن يسمع منه ما يزعجه ويقلقه، كالذين يفتحون الراديو أو التلفزيون أو غيرهما مما يسمع فيزعج الجيران، فإن هذا لا يحل له، حتى لو فتحه على كتاب الله وهو مما يزعج الجيران بصوته فإنه معتد عليهم، ولا يحل له لك أن يفعل ذلك.\nوأما بالفعل فيكون بإلقاء الكناسة حول بابه، والتضييق عليه عند مداخل بابه، أو بالدق، أو ما أشبه ذلك مما يضره، ومن هذا أيضًا إذا كان له نخلة أو شجرة حول جدار جاره فكان يسقيها حتى يؤذي جاره بهذا السقي، فإن ذلك من بوائق الجار يحل له.\nإذًا يحرم على الجار أن يؤذي جاره بأي شيء، فإن فعل فإنه ليس بمؤمن، والمعنى أنه ليس متصفًا بصفات المؤمنين في هذه المسألة التي خالف بها الحق.","vol":"3","page":178},{"text":"وأما ما ذكره في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» يعني: إذا كان جارك يريد أن يسقف بيته ووضع الخشب على الجدار، فإنه لا يحل منعه؛ لأن وضع الخشب على الجدار لا يضر، بل يزيده قوة، ويمنع السيل منه، ولا سيما فيما سبق حيث كان البناء من اللبن، فإن الخشب يمنع هطول المطر على الجدار فيحميه، وهو أيضًا يشده ويقويه، ففيه مصلحة للجار، وفيه مصلحة للجدار، فلا يحل للجار أن يمنع جاره من وضع الخشب على جداره، وإن فعل ومنع؛ فإنه يجبر على أن يوضع الخشب رغمًا عن أتفه.\nولهذا قال أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم، يعني من لم يمكن من وضع الخشب على جداره وضعناه على متن جسده بين أكتافه، وقال هذا ﵁ حينما كان أميرًا على المؤمنين على المدينة في زمن مروان بن الحكم.\n\nوهذا نظير ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المشاجرة التي جرت بين محمد بن مسلمة وجاره، حيث أراد أن يجري الماء إلى بستانه وحال بينه وبينه بستان جاره، فمنعه الجار من أن يجري من على أرضه، فترافعا إلى عمر، فقال: والله لئن منعته لأجرينه على بطنك، وألزمه أن يجري الماء؛ لأن إجراء ليس فيه ضرر؛ لأن كل بستان زرع فإذا جرى الماء الساقي؛ انتفعت الأرض وانتفع ما حول الساقي من الزرع وانتفع الجار، نعم لو كان الجار يريد أن يبنيها بناءً وقال لا أريد أن يجري الماء على الأرض فله المنع، أما إذا كان يريد أن يزرعها فالماء لا يزيده إلا","vol":"3","page":179},{"text":"خيرًا.\nوبناءً على هذا فتجب مراعاة حقوق الجيران؛ فيجب الإحسان إليهم بقدر الإمكان، ويحرم الاعتداء عليهم بأي عدوان، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره» .","vol":"3","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>٤٠ - باب بر الوالدين وصلة الأرحام</span>\nقال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣٦]، وقال تعال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) [النساء: ١] وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) [الرعد: ٢١] وقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الاسراء: ٢٣، ٢٤]، وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) [لقمان: ١٤] .\n\n١/٣١٢ - عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ: «أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال «الجهاد في سبيل الله» متفق عليه» .\n٢/٣١٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجري ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» رواه مسلم.","vol":"3","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب بر الوالدين وصلة الأرحام.\nالوالدان: هما الأب والأم، وعبر بحق الوالدين بالبر اتباعًا لما جاء في النص، وعبر عن صلة الأرحام بالصلة، لأنه هكذا جاء أيضًا بالنص، والأرحام هم القرابة.\nوبر الوالدين من أفضل الأعمال؛ بل هو الحق الثاني بعد حق الله ورسوله.\nوذكر المؤلف ﵀، آيات كثيرة في هذا المعنى كقوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [النساء: ٣٦]، وقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: ٢٣]،\n\nوقوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) [العنكبوت: ٨]، وقوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان: ١٤]، وقوله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الاسراء: ٢٣، ٢٤] .\nوكل هذه الآيات وغيرها تدل على عظم حق الوالدين، وقد بين الله ﷾ حال الأم، وأنها تحمل ولدها وهنا على وهن: أي ضعفًا على ضعف، من حين أن تحمل به إلى أن تضعه وهي في ضعف ومشقة وعناء وكذلك عند الوضع كما قال تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ","vol":"3","page":182},{"text":"كُرْهًا) [الأحقاف: ١٥]، كل هذا البيان سبب حفها العظيم.\nثم ذكر الله أشد حالة يكون عليها الوالدان فقال تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)؛ لأن الوالدين إذا بلغا الكبر؛ ضعفت نفوسهما، وصارا عالة على الولد، ومع ذلك يقول (إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ) يعني لا تقل إني متضجر منكما؛ بل عاملهما باللطف والإحسان والرفق، ولا تنهرهما إذا تكلما، (أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل) يعني: رد عليهما ردًا جميلًا لعظم الحق.\nثم ذكر حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال حين سأله عبد الله بن مسعود: أي العمل أحب إلى الله؟ قال «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال «بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»\nفجعل النبي ﷺ مرتبة البر بالوالدين مقدمة على مرتبة الجهاد في سبيل الله، قال: ولو استزدته لزادني، وفي هذا دليل على فضل بر الوالدين.\nفإن قال قائل: ما هو البر؟ قلنا: هو الإحسان إليهما؛ بالقول والفعل والمال بقدر المستطاع، اتقوا الله ما استطعتم، وضد ذلك العقوق.\n\nثم ذكر الحديث الثاني وهو قول الرسول ﷺ: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» يعني يعتقه بشرائه؛ لأنه فك أباه من رق العبودية للإنسان، وهذا الحديث لا يدل على أن من ملك أباه لا يعتق عليه؛ بل نقول: إن معناه إلا أن يشتريه فيعتقه، أي فيعتقه بشرائه؛ لأن","vol":"3","page":183},{"text":"الإنسان إذا ملك أباه عتق عليه بمجرد الملك، ولا يحتاج إلى أن يقول عتقته، وكذلك إذا ملك أمه تعتق بمجرد الملك، ولا يحتاج إلى أن يقول عتقتها.\n\n* * *\n٤/٣١٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال فذلك لك، ثم قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا إن شئتم: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) [محمد: ٢٢، ٢٣] متفق عليه.\nوفي رواية للبخاري: فقال الله تعالى: «من وصلك، وصلته، ومن قطعك، قطعته» .\n\n٥/٣١٦ - وعنه ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك» متفق عليه.","vol":"3","page":184},{"text":"وفي رواية: قال يا رسول الله «من أحق بحسن الصحبة؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك أدناك»\n«والصحابة» بمعنى: الصحبة. وقوله: «ثم أباك» هكذا منصوب بفعل محذوف، أي: ثم برأباك، وفي رواية «ثم أبوك» وهذا واضح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في بيان فضل صلة الرحم، والرحم سبق لنا أنهم هم الأقارب، وصلتهم بما جرى به العرف واتبعه الناس؛ لأنه لم يبين في الكتاب والسنة نوعها ولا جنساها ولا مقدارها؛ لأن النبي صلى عليه الله وسلم لم يقيده بشيء معين، فلم يقيده بأن يأكلوا معك أو يشربوا معك، أو يكتسوا معك؛ أو يسكنوا معك، بل أطلق، ولذلك يرجع فيها للعرف، فما جرى به العرف أنه صلة فهو الصلة، وما تعارف عليه الناس أنه قطيعة فهو قطيعة، هذا هو الأصل.\nفلو فرض أن االأعراف فسدت وصار الناس لا يبالون بالقطيعة، وصارت القطيعة عندهم صلة فلا عبرة بهذا العرف؛ لأن هذا العرف ليس عرفًا إسلاميًا، فإن الدول الكافرة الآن لا تتلائم أسرها، ولا يعرف بعضهم بعضًا، حتى إن الإنسان إذا شبّ ولده وكبر صار مثله مثل الرجل الأجنبي الذي لا يعرف أن له أبًا؛ لأنهم لا يعرفون صلة الأرحام، ولا يعرفون حسن الجوار، وكل أمورهم فوضى فاسدة؛ لأن الكفر دمرهم تدميرًا والعياذ","vol":"3","page":185},{"text":"بالله لكن كلامنا عن المجتمع المسلم المحافظ، فما عده الناس صلة فهو صلة، وما عدوه قطيعة فهو قطيعة.\nوفي حديث أبي هريرة الأول أن الله ﷾ تكفل للرحم بأن يصل من وصلها ويقطع من قطعها، وفي هذا الحديث حث وترغيب في صلة الرحم، فإذا أردت أن يصلك الله - وكل إنساك يريد أن يصله ربه - فصل رحمك، وإذا أردت أن يقطعك الله فاقطع رحمك، جزاء وفاقًا، وكلما كان الإنسان لرحمه أوصل؛ كان الله له أوصل، وكلما قصر جاءه من الثوب بقدر ما عمل، لا يظلم الله أحدًا.\n\nوذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - قوله سبحانه: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) فبين ﷾ أن الذين يفسدون في الأرض ويقطعون أرحامهم ملعونون والعياذ بالله أي: مطرودون ومبعدون عن رحمة الله، وقد أصمهم الله أي: جعلهم لا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا به، وأعمى أبصارهم؛ فلا يرون الحق، ولو رأوه لم ينتفعوا به، فسد عنهم طرق الخير؛ لأن السمع والبصر يوصل المعلومات إلى القلب، فإذا انسد الطريق لم يصل إلى القلب خير، والعياذ بالله.\nوقد ذكر أهل العلم من جملة الصلة النفقة على الأقارب، فقالوا: إن الإنسان إذا كان له أقارب فقراء وهو غني وهو وارث لهم، فإنه يلزمه النفقة عليهم؛ كالأخ الشقيق مع أخيه الشقيق، إذا كان الأخ هذا يرثه لو مات فإنه يجب على الوارث أن ينفق على أخيه ما دام غنيًا، وأخوه فقيرًا عاجزًا عن","vol":"3","page":186},{"text":"التكسب، فإن هذا من جملة الصلة.\nوقالوا أيضًا: إن من جملة الإنفاق أنه إذا احتاج إلى النكاح فإنه يزوجه؛ لأن إعفاف الإنسان من أشد الحاجات.\n\nوعلى هذا فإذا كان للإنسان أخ شقيق ولا يرثه إلا أخوه، وأخوه غني وهو فقير عاجز عن التكسب، وجب عليه أن ينفق عليه طعامًا وشرابًا وكسوة ومسكنًا ومركوبًا إذا كان يحتاجه، وأن يزوجه أيضًا إذا احتاج إلى النكاح؛ لأن الإعفاف من أشد الحاجات فيدخل في صلة الرحم.\nوهذه الأمور يجب على الإنسان إذا كان لا يعلم عنها شيئًا أن يسأل أهل العلم حتى يدلوه على الحق؛ لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء: ٧]\n\nوالحديث الثاني في بيان أحق الناس بحسن صحبة الإنسان، فبين النبي ﷺ أن أحق الناس بذلك الأم، فأعيد عليه السؤال فقال: أمك مرة ثانية، كرر ذلك ثلاث مرات، ثم بعد ذلك الأب؛ لأن الأم حصل عليها من العناء والمشقة للولد ما لم يحصل لغيرها؛ حملته أمه وهنا على وهن، حملته كرها ً ووضعته كرهًا، وفي الليل تمهد وتهدئه حتى ينام، وإذا أتاه ما يؤلمه لم تنم الليلة حتى ينام. ثم إنها تفديه بنفسها بالتدفئة عند البرد، والتبريد عند الحر وغير ذلك، فهي أشد عناية من الأب بالطفل، ولذلك كان حقهما مضاعفًا ثلاث مرات على حق الأب.\nثم إنها أيضًا ضعيفة أنثى لا تأخذ بحقها، فلهذا أوصى بها النبي ﷺ","vol":"3","page":187},{"text":"ثلاث مرات، وأوصى أشد بالأب مرة واحدة، وفي هذا الحث على أن يحسن الإنسان صحبة أمه وصحبة أبيه أيضًا بقدر المستطاع. أعاننا الله والمسلمين على ذلك.\nوفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح ووصلنا والمسلمين بفضله وإحسانه.\n\n* * *\n\n٧/٣١٨ - وعنه ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلى، وأحلم عنهم ويجهلون على فقال: «لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم.\n«وتسفهم» بضم التاء وكسر السين المهملة وتشديد الفاء، «والمل» بفتح الميم، وتشديد اللام وهو الرماد الحار: أي كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الآلم، ولا شيء على هذا المحسن إليهم، لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه، وإدخالهم الأذى عليه والله أعلم.\n٨/٣١٩ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه» متفق عليه.","vol":"3","page":188},{"text":"ومعنى «ينسأ له في أثره»: أي يؤخر له في أجله وعمره.\n٩/٣٢٠ - وعنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الله ﵎ يقول: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله، حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ: «بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح! وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الآقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. متفق عليه.\nوسبق بيان ألفاظه في باب الإنفاق مما يحب.\n\n١٠/٣٢١ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أقبل رجل إلى نبي الله ﷺ، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى. قال: «فهل لك من والديك أحد حي؟» قال: نعم بل كلاهما قال: «فتبتغي الأجر من الله تعالى؟» قال: نعم. قال: «فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما» متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.","vol":"3","page":189},{"text":"وفي رواية لهما: جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: «أحي والداك؟ قال: نعم قال،: «ففيهما جاهد»\n١١/٣٢٢ - وعنه عن النبي ﷺ قال: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمة وصلها» رواه البخاري.\nو«قطعت» بفتح القاف والطاء. و«رحمة» مرفوع.\n١٢/ ٣٢٣ - وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني: وصله الله، ومن قطعني؛ قطعه الله» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان فضيلة صلة الرحم، وأن الإنسان الواصل ليس المكافئ الذي إذا وصله أقاربه وصلهم، ولكن الواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها، فتكون صلته لله لا مكافأة لعباد الله، ولا من أجل أن ينال بذلك مدحًا عن الناس، قال النبي ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ» يعني بالذي إذا وصله أقاربه وصلهم مكافأة لهم، وإنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.\nوكذلك أيضًا في هذه الأحاديث أن الرحم متعلقة بالعرش،","vol":"3","page":190},{"text":"تقول: «من وصلني؛ وصله الله ومن قطعني؛ قطعه الله»، وهذا يحتمل أن يكون خبرًا وأن يكون دعاءً، يعني يحتمل أن الرحم تخبر بهذا أو تدعو الله ﷿ به، وعلى كل حال فهو دليل على عظم شأن الرحم وصلتها، وأنها تحت العرش تدعو بهذا الدعاء، أو تخبر بهذا الخبر.\n\nثم ذكر المؤلف حديث الرجل الذي كان يحسن إلى قرابته فيسيئون إليه، ويصلهم فيقطعونه، فقال النبي ﷺ: «إن كنت»: يعني كما تقول «فكأنما تسفهم الملَ»، والملّ: هو الرماد الحار، وتسفهم: يعني تجعله في أفواههم، والمعنى: أنك كأنما ترغمهم بهذا الرماد الحار عقوبة لهم، ولا يزال لك من الله عليهم ظهير، يعني عون عليهم مادمت على ذلك، أي تصلهم وهم يقطعونك.\nفكل هذه الأحاديث وما شابهها تدل على أنه يجب على الإنسان أن يصل رحمه وأقاربه بقدر ما يستطيع، وبقدر ما جرى به العرف، ويحذر من قطيعة الرحم.\n\n* * *\n١٤/٣٢٥ - وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: قدمت على أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك» متفق عليه.","vol":"3","page":191},{"text":"وقولها: «راغبة» أي: طامعة عندي تسألني شيئًا؛ قيل: كانت أمها من النسب، وقيل: من الرضاعة، والصحيح الأول.\n\n١٥/٣٢٦ - وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن» قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة فأته، فسأله، فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال عبد الله: بل ائتيه أنت، فانطلقت، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها، وكان رسول الله ﷺ، قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ، فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزوجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن، فدخل بلال على رسول الله ﷺ، فسأله، فقال له رسول الله ﷺ: «من هما» قال امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله ﷺ «أي الزيانب هي؟» قال: امرأة عبد الله، فقال رسول الله ﷺ: «لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف فيما نقله عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ وعن أبيها: إن أمها قدمت عليها المدينة وهي راغبة فاستفتت النبي ﷺ هل","vol":"3","page":192},{"text":"تصلها أم لا؟ وقالت: يا رسول الله، إني أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ فأمرها أن تصلها.\nوقولها: «وهي راغبة» قال بعض العلماء معناه: وهي راغبة في الإسلام؛ فيكون الأمر بصلتها من أجل تأليفها على الإسلام، وقيل: بل معنى قولها: وهي راغبة في أن أصلها، ومتطلعة إلى ذلك، فأمرها النبي ﷺ أن تصلها، وهذا هو الأقرب أنها جاءت تتشوق وتتطلع إلى أن تعطيها ابنتها ما شاء الله.\n\nففي هذا دليل على أن الإنسان يصل أقاربه ولو كانوا على غير الإسلام؛ لأن لهم حق القرابة، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة لقمان: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: ١٥]، يعني إن أمرك والداك وألحا في الطلب على أن تشرك بالله فلا تطعهما؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولكن صاحبهما في الدنيا معروفًا، أي أعطهم من الدنيا ما يجب لهم من الصلة، ولو كانا كافرين أو فاسقين؛ لأن لهما حق القرابة.\nوهذا الحديث يدل على ما دلت عليه الآية، وهو أن النبي ﷺ أمر أسماء بنت أبي بكر ﵂ وعن أبيها أن تصل أمها مع أنها كافرة.\nثم إن صلة الأقارب بالصدقة يحصل بها أجران: أجر الصدقة، وأجر الصلة، ودليل ذلك حديث زينب بنت مسعود الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ أمر النساء بالصدقة، فرجعت إلى بيتها وكان زوجها عبد الله بن مسعود خفيف ذات اليد يعني أنه ليس عنده مال،","vol":"3","page":193},{"text":"فأخبرته، فطلب منها أن تتصدق عليه، وعلى أيتام كانوا في حاجتها، ولكنه أشكل عليها الأمر فذهبت إلى رسول الله ﷺ تستفتيه، فلما وصلت إلى بيته وجدت عنده امرأة من الأنصار، حاجتها كحاجة زينب، تريد أن تسأل النبي ﷺ أن تتصدق على زوجها ومن في بيتها.\nفخرج بلال وكان النبي صلى الله قد أعطاه الله المهابة العظيمة، وكل من رآه هابه، لكنه من خالطه معاشرةً أحبه وزالت عنه الهيبة، لكن أول ما يراه الإنسان يهابه هيبة عظيمة، فإذا خالطه وعاشره أحبه وألفه ﷺ، فخرج بلال فسألهما عن حاجتهما فأخبرتاه أنهما يسألان النبي ﷺ: هل تجوز الصدقة على أزواجهما ومن في بيتهما؟ ولكنهما قالتا له: لا تخبر الرسول ﷺ من هما؛ أحبتا أن تختفيا.\n\nفدخل بلال على النبي صلى الله وأخبره وقال: إن بالباب امرأتين حاجتهما كذا وكذا، فقال: من هما؟ وحينئذٍ وقع بلال بين أمرين بين أمانة ائتمنتاه عليها المرأتان؛ حيث قالتا: لا تخبره من نحن، ولكن الرسول قال من هما؟ قال: امرأة من الأنصار، وزينب.\nفقال: أي الزيانب؟ حيث اسم زينب كثير، فقال: امرأة عبد الله، وكان عبد الله بن مسعود خادمًا للرسول ﷺ يدخل بيته حتى بلا استئذان، وقد عرف النبي ﷺ أهله وعرف حاله.\nوهو إنما أخبره مع قولهما له لا تخبره؛ لأن طاعة النبي ﷺ واجبة مقدمة على طاعة كل أحد.\nفقال: إن صدقتهما على هؤلاء صدقة وصلة، يعني فيها أجران: أجر","vol":"3","page":194},{"text":"الصدقة، وأجر الصلة؛ فدل ذلك على أنه يجوز للإنسان أن يتصدق على أولاده عند الحاجة، ويتصدق على زوجته، وكذلك الزوجة تتصدق على زوجها، وأن الصدقة عليهم صدقة وصلة.\n\nأما الزكاة فإن كان مما يجب على الإنسان أن يدفعه فإنه لا يصح أن يدفع إليهم الزكاة، مثل لو كانت الزكاة لدفع حاجتهما من نفقة، وهو ممن تجب عليه النفقة، وماله يتحمل، فإنه لا يجوز له أن يعطيهما من الزكاة، أما إذا كان ممن لا يجب عليه، كما لو قضى دينًا عن أبيه أو عن ابنه أو زوجته، أو قضت دينًا على زوجها فإن ذلك لا بأس به إذا كان المدين حيًا، أما إذا كان المدين ميتًا فلا يقضي عنه إلا تبرعًا، أو من التركة، ولا يقضي عنه من الزكاة.\n١٦/٣٢٧ - وعن أبي سفيان صخر بن حرب ﵁، في حديثه الطويل في قصة هرقل: أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم به؟ يعني النبي ﷺ قال: قلت: يقول: «اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة» متفق عليه.\n١٨ / ٣٢٨ - وعن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط» .","vol":"3","page":195},{"text":"وفي رواية: «ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خبرًا؛ فإن لهم ذمة ورحما» .\n\nوفي رواية: «فإذا افتتحتموها، فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما» أو قال: «ذمة وصهرًا» رواه مسلم.\nقال العلماء: الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل ﷺ منهم «والصهر»: كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ منهم.\n١٨/ ٣٢٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، دعا رسول الله ﷺ قريشًا، فاجتمعوا فعم، وخص وقال: «يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها» رواه مسلم.\nقوله ﷺ: «ببلالها» هو بفتح الباء الثانية وكسرها، «والبلال»: الماء. ومعنى الحديث: سأصلها، شبة قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وهذه تبرد بالصلة.","vol":"3","page":196},{"text":"١٩/٣٣٠ - وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارًا غير سر يقول «إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها» متفق عليه واللفظ للبخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ كلها تدل على أهمية صلة الرحم، أي صلة القرابة، وصدرها بحديث أبي سفيان صخر بن حرب حين وفد ومعه قوم من قريش على هرقل، وكان قد وفد على هرقل قبل أن يسلم ﵁؛ لأنه أسلم عام الفتح.\nوأما قدومه إلى هرقل، فإنه كان بعد صلح الحديبية، ولما سمع بهم هرقل وكان رجلًا عاقلًا، عنده علم من كتاب، وعنده علم بمبعث النبي ﷺ وبما يدعو إليه؛ لأن صفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم موجودة في التوراة والإنجيل، كما قال ﵎: (النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ) [الأعراف: ١٥٧]، مكتوبًا بصفته ومعروفًا، حتى إنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لا يشكون فيهم.\n\nفلما قدم هؤلاء الجماعة من العرب من مبعث النبي ﷺ، من الحجاز دعاهم يسألهم عن حال النبي ﷺ، وعما يأمر به، وعما ينهى عنه، وعن","vol":"3","page":197},{"text":"كيفية أصحابه، ومعاملتهم له، إلى غير ذلك مما سألهم عنه، وقد ذكره البخاري مطولًا في صحيحه، وكان من جملة ما سألهم عنه: ماذا يأمر به؟ قالوا: كان يأمرنا بالصلة، والصدق، والعفاف.\nالصلة: يعني صلة الرحم، والصدق: الخبر الصحيح المطابق للواقع، والعفاف: عن الزنى، وعما في أيدي الناس من الأموال، وكذلك الأعراض.\nثم إنه لما ذكر لهم ما ذكر قال له: إن كان ما تقوله حقًا فسيملك ما تحت قدمي هاتين، يقول ذلك وهو أحد الرئيسين في الدولتين الكبيرتين: الروم والفرس.\nيقول ذلك وهو ملك له مملكة كبيرة عظيمة، لكنه يعلم أن ما جاء به النبي ﷺ حق، وأنه هو الصواب المطابق للفطرة ولمصالح الخلق، كلن يأمر بالصدق والعفاف والأرحام. ثم ذكر المؤلف ﵀ أحاديث في هذا المعنى، أي في صلة الأرحام، ومنها أن النبي ﷺ لما أنزل الله عليه (َأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء ٢١٤]، جمع قريشًا، وعمم وخص وقال: «يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان» يعدهم أفخاذًا أفخاذًا حتى وصل إلى ابنته فاطمة، قال: «يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا» وهذا من الصلة.\nوبين أن لهم رحمًا سيبلها ببلالها، أي سيبلها بالماء؛ وذلك لأن قطيعة الرحم نار والماء يطفئ النار، وقطيعة الرحم موت والماء به الحياة، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ) [الأنبياء: ٣٠]، فشبه","vol":"3","page":198},{"text":"الرسول ﷺ صلة الرحم بالماء الذي يبل به الشيء.\nوكذلك أيضًا من الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ قال: «إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي» وذلك لأنهم كفار.\n\nوالواجب على المؤمن أن يتبرأ من ولاية الكافرين، كما قال الله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤]، فتبرأ منهم مع قرابتهم له.\nقال: «ولكن لهم رحم أبلها ببلها» يعني سأعطيها حفها من الصلة، وإن كانوا كفارًا.\nوهذا يدل على أن القريب له حق الصلة وإن كان كافرًا، لكن ليس له الولاية، فلا يوالى ولا يناصر لما عليه من الباطل.\nثم ذكر أيضًا من الأحاديث أن النبي ﷺ أخبر الصحابة بأنهم سيفتحون مصر، وأوصى بأهلها خيرًا، وقال: إن لهم رحما وصهرًا، وذلك أن هاجر أم إسماعيل سرية إبراهيم الخليل ﵊ كانت من مصر، ولهذا قال «إن لهم صهرًا ورحمًا»؛ لأنهم أخوال إسماعيل، وإسماعيل هو أبو العرب المستعربة كلها.\nفدل ذلك على أن الرحم لها صلة ولو كانت بعيدة. ما دمت تعرف أن هؤلاء من قبيلتك فلهم الصلة ولو كانوا بعداء.\n\nودل أيضًا على أن صلة القربة من جهة الأم كصلة القرابة من جهة الأب.\n\n* * *","vol":"3","page":199},{"text":"٢٠/٣٣١ - وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار فقال النبي ﷺ «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» متفق عليه.\n٢١/٣٣٢ - وعن سلمان بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا أفطر أحدكم، فيفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا، فالماء، فإنه طهور»، وقال: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n٢٢/٣٣٣ وعن ابن عمر ﵄ قال: كانت تحتي امرأة، وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها فقال لي: طلقها، فأبيت، فأتى عمر ﵁ النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ «طلقها» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.\n٢٣/٣٣٤ - وعن أبي الدر داء ﵁ أن رجلًا أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت، فأضع ذلك الباب أو احفظه» رواه الترمذي وقال","vol":"3","page":200},{"text":"حديث حسن صحيح.\n٢٤/٣٣٥ - وعن البراء بن عازب ﵄، عن النبي ﷺ قال «الخالة بمنزلة الأم» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة؛ منها أصحاب الغار، وحديث جريج وقد سبقا، وأحاديث مشهورة في الصحيح حذفتها اختصارًا، ومن أهمها حديث عمرو بن عبسة ﵁، الطويل المشتمل على جمل كثيرة من قواعد الإسلام وآدابه وسأذكره بتمامه إن شاء الله تعالى في باب الرجاء قال فيه:\nدخلت على النبي ﷺ بمكة، في أول النبوة فقلت له: ما أنت؟ قال: «نبي» فقلت وما نبي؟ قال: «أرسلني الله تعالى» فقلت بأي شي أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء» وذكر تمام الحديث. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان صلة الرحم وبر الوالدين.\n\nمنها حديث خالد بن زيد الأنصاري، أنه سأل النبي ﷺ عن عمل يدخله الجنة ويباعده من النار، فقال له: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» . والشاهد هنا حيث قال:","vol":"3","page":201},{"text":"«تصل الرحم»، فجعل النبي ﷺ النبي صلة الرحم من الأسباب التي تدخل الإنسان الجنة وتباعده عن النار.\nولا شك أن كل إنسان يسعى إلى هذا الكسب العظيم؛ أن ينجو من النار ويدخل الجنة، فإن من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وكل مسلم يسعى إلى ذلك، وهذا يحصل بهذه الأمور الأربعة:\nالأول: تعبد الله لا تشرك به شيئًا؛ لا شركًا أصغر ولا شركًا أكبر.\nالثاني: تقيم الصلاة، وتأتي بها كاملة في أوقاتها مع الجماعة إن كنت رجلا، ودون الجماعة أن كانت امرأة.\nوالثالث: تؤتي الزكاة، بأن تؤدي ما أوجب الله عليك من الزكاة في مالك إلى مستحقه.\nوالرابع: تصل الرحم؛ بأن تؤتيهم حقهم بالصلة حسب ما يتعارف الناس، فما أعده الناس صلة فهو صلة، وما لم يعدوه صلة فليس بصلة، إلا إذا كان الإنسان في مجتمع لا يبالون بالقرابات، ولا يهتمون بها، فالعبرة بالصلة نفسها المعتبرة شرعًا.\n\nثم ذكر حديث سلمان بن عامر الضبي في الإفطار على التمر، فإن لم يجد فعلى ماء، وأن الصدقة على الفقير صدقة، وعلى ذي القرابة ثنتان: صدقة وصلة.\nولهذا قال العلماء: إذا اجتمع فقيران أحدهما من قرابتك والثاني من غير قرابتك، فالذي من قرابتك أولى؛ لأنه أحق بالصلة.\nثم ذكر حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان له امرأة يحبها،","vol":"3","page":202},{"text":"فأمره أبوه أن يطلقها، لكنه أبى ذلك؛ لأنه يحبها، فذكر عمر ذلك للنبي ﷺ، فأمر ابن عمر بطلاقها.\nوكذلك الحديث الآخر في امرأة كانت تأمر ابنها بطلاق زوجته فبين النبي ﷺ أن صلة الرحم أو بر الوالدين سبب لدخول الجنة، وهو إشارة إلى أنه إذا بر والدته بطلاق زوجته كان ذلك سببًا لدخول الجنة.\nولكن ليس كل والد يأمر ابنه بطلاق زوجته تجب طاعته؛ فإن رجلًا سأل الإمام أحمد بن حنبل ﵀، قال إن أبي يقول: طلق امرأتك، وأنا أحبها، قال: لا تطلقها، قال: أليس النبي ﷺ قد أمر ابن عمر أن يطلق زوجته لما أمره عمر، فقال له الإمام أحمد: وهل أبوك عمر؟ لأن عمر نعلم علم اليقين أنه لن يأمر عبد الله بطلاق زوجته إلا لسبب شرعي، وقد يكون ابن عمر لم يعلمه؛ لأنه من المستحيل أن عمر بأمر ابنه بطلاق زوجته ليفرق بينه وبين زوجته بدون سبب شرعي. فهذا بعيد.\nوعلى هذا فإذا أمرك أبوك أو أمك بأن تطلق امرأتك، وأنت تحبها ولم تجد عليها مأخذًا شرعيًاَ، فلا تطلقها؛ لأن هذه من الحاجات الخاصة التي لا يتدخل أحد فيها بين الإنسان وبين زوجته.","vol":"3","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>٤١ - باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم</span>\n\nقال الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) [محمد: ٢٢، ٢٣] .\n\nوقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار ِ) [الرعد: ٢٥] .\nوقال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء: ٢٣، ٢٤] .\n١/٣٣٦ - وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» - ثلاثًا - قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور» فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمة الله تعالى ـ: باب تحريم العقوق وقطيعة الأرحام. العقوق بالنسبة للوالدين، وقطيعة الأرحام بالنسبة للأقارب غير","vol":"3","page":204},{"text":"الوالدين.\nوالعقوق مأخوذ من العق وهو القطع، ومنه سميت العقيقة التي تذبح عن المولود في اليوم السابع؛ لأنها تعق: يعني تقطع رقبتها عند الذبح.\nوالعقوق من كبائر الذنوب لثبوت الوعيد عليه من الكتاب والسنة وكذلك قطيعة الرحم. قال الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) يعني أنكم إذا توليتم أفسدتم في الأرض، وقطعتم الرحم وحقت عليكم اللعنة، وأعمى الله أبصاركم.\n(وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) المراد بالأبصار هنا البصيرة وليس بصر العين، والمراد أن الله تعالى يعمي بصيرة الإنسان والعياذ بالله، حتى يرى الباطل حقًا والحق باطلًا.\nوهذه عقوبة أخروية ودنيوية:\nأما الأخروية: فقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) [النساء: ٥٢] .\n\nوأما الدنيوية: فقوله: (فَأَصَمَّهُمْ)، يغني: أصم آذانهم عن سماع الحق والانتفاع به، (وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) عن رؤية الحق والانتفاع به.\nوقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد: ٢٥]، ميثاق العهد: توكيده، فينقضون العهد، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من القرابات وغيرهم، ويفسدون في الأرض بكثرة المعاصي (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) واللعنة تعني الطرد والإبعاد عن رحمة الله، (وَلَهُمْ سُوءُ","vol":"3","page":205},{"text":"الدَّارِ) أي سوء العاقبة.\nوقال الله تبارك تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء: ٢٣، ٢٤] .\n\nفأمر الله بالإحسان إلى الوالدين، وقال إن بلغا عندك الكبر أحدهما أو كلاهما؛ إما الأم أو الأب، أو الأم والأب جمعيًا فزجرت منهم؛ لأن الإنسان إذا كبر قد يصل إلى الهرم وأرذل العمر فيتعب، فقال حتى في هذه الحال (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) أي: لا تقل إني متضجر منكما (وَلا تَنْهَرْهُمَا) أي: عند القول، (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) يعني: طيبًا حسنًا يدخل السرور عليهما، ويزيل عنهما الكآبة والحزن، (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) يعني: ذل لهما مهما بلغت من علو المنزلة، كما تعلو الطيور، فاخفض لهما جناح الذل، وتذلل لهما رحمة بهما، (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) فارحمهما أنت، وادع الله أن يرحمهما.\nهذا هو الذي أمر الله به بالنسبة للوالدين في حال الكبر، وأما في حال السباب؛ فإن الوالد في الغالب يكون مستغنيًا عن ولده ولا يهمه.\nثم ذكر المؤلف حديث أبي بكرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» - ثلاثًا - قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، هذا من أكبر الكبائر.\n\nفالإشراك كبيرة في حق الله، وعقوق الوالدين كبيرة في حق من","vol":"3","page":206},{"text":"هم أحق الناس بالولاية والرعاية، وهما الوالدان.\nوكان ﷺ متكئًا فجلس أي: معتمدًا على يده، فجلس واستقام في جلسته وقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور» .\nهذا أيضًا من أكبر الكبائر، وإنما جلس النبي ﷺ عند هذا؛ لأن هذا ضرره عظيم، وعاقبته وخيمة.\nوقول الزور يعني: الكذب، وشهادة الزور أي: الذي يشهد بالكذب والعياذ بالله، وما أرخص شهادة الزور اليوم عند كثير من الناس، يظن الشاهد أنه أحسن إلى من شهد له، ولكنه أساء إلى نفسه، وأساء إلى من شهد له، وأساء إلى من شهد عليه.\nأما إساءته إلى نفسه فلأنه أتى كبيرة من كبائر الذنوب والعياذ بالله؛ بل من أكبر الكبائر، وأما كونه أساء إلى المشهود له فلأنه سلطه على ما لا يستحق وأكله الباطل، وأما إساءته إلى المشهود عليه فظاهرة؛ فإنه ظلمه واعتدى عليه، ولهذا كانت شهادة الزور من أكبر الكبائر والعياذ بالله.\n\nولا تظن أنك إذا شهدت لأحد زورًا أنك محسن إليه، لا والله بل أنت مسيء إليه، وللأسف فكثير من الناس الآن يشهد عند الحكومة في المسائل بأن فلانًا هو المستحق، ويلبسون على الحكومة، ويستعيرون أسماء ليست بصحيحة، كل هذا من أجل أن ينالوا شيئًا من الدنيا، لكنهم خسروا الدنيا والآخرة بهذا الكذب والعياذ بالله.\nوهذا الحديث يوجب للعاقل الحذر من هذه الأمور الأربعة: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وشهادة الزور.","vol":"3","page":207},{"text":"٢/٣٣٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» رواه البخاري.\n«واليمين الغموس» التي يحلفها كاذبًا عامدًا، سميت غموسًا؛ لأنها تغمس الحالف في الإثم.\n٣/٣٣٨ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال «من الكبائر شتم الرجل والديه!» قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟! قال: «نعم؛ يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه» متفق عليه.\n\nوفي رواية: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه!» قيل يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ ! قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه» .\n٤/٣٣٩ - وعن أبي محمد جبير بن مطعم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الجنة قاطع» قال سفيان في روايته: قاطع رحم. متفق عليه.\n٥/٣٤٠ - وعن أبي عيسى المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات، وكره لكم","vol":"3","page":208},{"text":"قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال» متفق عليه\nقوله: «منعًا» معناه: منع ما وجب عليه. و«هات»: طلب ما ليس له. و«وأد البنات» معناه: دفنهن في الحياة. و«قيل وقال» معناه: الحديث بكل ما يسمعه، فيقول: قيل كذا، وقال فلان كذا مما لا يعلم صحته، ولا يظنها، وكفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع.\nو«إضاعة المال»: تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا، وترك حفظه مع إمكان الحفظ، و«كثرة السؤال»: الإلحاح فيما لا حاجة إليه.\nوفي الباب أحاديث سبقت في الباب قبله كحديث «وأقطع من قطعك»، وحديث: «من قطعني قطعه الله» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث كلها تدل على تحريم قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وقد سبق لها نظائر، ومما فيه زيادة عما سبق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال «من الكبائر شتم الرجل والديه» يعني سبهما ولعنهما كما جاء ذلك في رواية أخرى: «لعن الله من لعن والديه» قالوا: يا رسول الله، كيف يشتم الرجل والديه؟ لأن هذا أمر مستغرب، وأمر بعيد.","vol":"3","page":209},{"text":"قال «نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» .\nوذلك تحذير من أن يكون الإنسان سببًا في شتم والديه بأن يأتي إلى شخص فيشتم والدي الشخص، فيقابله الشخص الآخر بالمثل ويشتم والديه، ولا يعني ذلك أنه يجوز للثاني أن يشتم والدي الرجل؛ لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولكنه في العادة والطبيعة أن الإنسان يجازي غيره يمثل ما فعل به، فإذا سبه سبه.\nوذلك كما قال تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: ١٠٨]، لذلك لما كان سببًا في سب والديه؛ كان عليه إثم ذلك.\n\nثم ذكر المؤلف حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات» .\nالشاهد من هذا الحديث قوله: «عقوق الأمهات» وهو قطع ما يجب لهن من البر، أما وأد البنات فهو دفنهن أحياء، وذلك لأنهم في الجاهلية كانوا يكرهون البنات، ويقولون: إن إبقاء البنت عند الرجل مسبة له.\nفكانوا والعياذ بالله يأتون بالبنت فيحفرون لها حفرة ويدفنونها وهي حية. قال الله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ) [التكوير: ٨، ٩]، فحرم الله ذلك، وهو لاشك من أكبر الكبائر، وإذا كان قتل الأجنبي المؤمن سببًا للخلود في النار كما قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)","vol":"3","page":210},{"text":"[النساء: ٩٣]، فالقرابة أشد وأشد.\n\n«ومنعًا وهات» يعني أن يكون الإنسان جموعًا منوعًا؛ يمنع ما يجب عليه بذله من المال، ويطلب ما ليس له، فهات: يعني أعطوني المال، ومنعًا: أي يمنع ما يجب عليه، فإن هذا أيضًا مما حرمه الله ﷿؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يمنع ما يجب عليه بذله من الله، ولا يجوز أن يسأل ما لا يستحق، فكلاهما حرام، لهذا قال: «إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا وهات» .\n«وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»، كره وحرم ليس بينهما فرق؛ لأن الكراهة في لسان الشارع معناها التحريم، ولكن هذا والله أعلم من باب اختلاف التعبير فقط.\n«كره لكم قيل وقال» يعني نقل الكلام، وكثرة ما يتكلم الإنسان ويثرثر به، وأن يكون ليس له هم إلا الكلام في الناس، قالوا كذا وقيل كذا، ولا سيما إذا كان هذا في أعراض أهل العلم وأعراض ولاة الأمور، فإنه يكون أشد وأشد كراهة عند الله ﷿.\nوالإنسان المؤمن هو الذي لا يقول إلا خيرًا كما قال النبي ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيرًا أو ليصمت» .\nوكثرة السؤال يحتمل أن يكون المراد السؤال عن العلم، ويحتمل أن","vol":"3","page":211},{"text":"يكون المراد السؤال عن المال.\nأما الأول: وهو كثرة السؤال عن العلم فهذا إنما يكره إذا كان الإنسان لا يريد إلا إعنات المسؤول، والإشقاق عليه، وإدخال السآمة والملل عيه، أما إذا كان يريد العلم فإنه لا ينهى عن ذلك، ولا يكره ذلك، وقد كان عبد الله بن عباس ﵄ كثير السؤال، فقد قيل له: بم أدركت العلم؟ قال: أدركت العلم بلسان سؤول، وقلب عقول، وبدن غير ملول.\nلكن إذا كان قصد السائل الإشقاق على المسؤول والإعنات عليه، وإلحاق السآمة به، أو تلقط زلاته لعله يزل فيكون في ذلك قدح فيه، فإن هذا المكروه.\nوأما الثاني: وهو سؤال المال فإن كثرة السؤال قد تلحق الإنسان بأصحاب الشح والطمع، ولهذا لا يجوز للإنسان سؤال المال إلا عند الحاجة، أو إذا كان يرى أن المسؤول يمن عليه أن يسأله، كما لو كان صديقًا لك قوي الصداقة، قريبًا جدًا، فسألته حاجة وأنت تعرف أنه يكون بذلك ممنونًا، فهذا لا بأس به، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك:؛ فلا يجوز أن تسأل إلا عند الضرورة.\n\nوأما إضاعة المال فهو بذله في غير فائدة لا دينية ولا دنيوية؛ لأن هذا أيضًا إضاعة له لأن الله تعالى قال: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) [النساء: ٥]، فالمال قيام للناس؛ تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، فإذا بذله الإنسان في غير ذلك فهذا إضاعة له، وأقبح من ذلك أن يبذله في محرم، فيرتكب في هذا محظورين:","vol":"3","page":212},{"text":"المحظور الأول: إضاعة المال.\nوالمحظور الثاني: ارتكاب المحرم.\nفالأموال يجب أن يحافظ عليها الإنسان، وألا يضعها وألا يبذلها إلا فيما فيه مصلحة له دينية أو دنيوية.","vol":"3","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>٤٢ - باب بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه</span>\n\n١/٣٤١ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه» .\n٢/٣٤٢ - وعن عبد الله ين دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر، وحمله على حمارٍ كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، قال ابن دينار: فقلنا له أصلحك الله إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير، فقال عبد الله بن عمر: إن أبا هذا كان ودًا لعمر بن الخطاب ﵁، وإني سمعت رسول الله يقول: «إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه»\nوفي رواية عن ابن دينار عن ابن عمر أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا ملّ ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها رأسه فبينا هو يومًا على ذلك الحمار إذ مر به أعرابي، فقال: ألست ابن فلان ابن فلان؟ قال بلى. فأعطاه الحمار، فقال: اركب هذا، وأعطاه العمامة وقال: اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك! أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك؟ فقال؟: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أبر البر أن يصل","vol":"3","page":214},{"text":"الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى» وإن أباه كان صديقًا لعمر ﵁. روى هذه الروايات كلها مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف ﵀ أحكام بر الوالدين وصلة الأرحام؛ ذكر أيضًا حكام صلة من يصل الوالدين والأرحام، وذلك للعلاقة التي بينهم وبين أقاربه، أو بينهم وبين والديه، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ وهي قصة غريبة - كان ابن عمر ﵁ إذا خرج إلى مكة حاجًا يكون معه حمار يتروح عليه إذا مل الركوب على الراحلة - أي البعير - فيستريح على هذا الحمار ثم يركب الراحلة.\nوفي يوم من الأيام لقيه أعرابي فسأله ابن عمر: أنت فلان ابن فلان؟ قال: نعم، فنزل عن الحمار وقال: خذ هذا اركب عليه، وأعطاه عمامة كان قد شد بها رأسه، وقال لهذا الأعرابي: اشدد رأسك بهذا.\nفقيل لعبد الله بن عمر: أصلحك الله أو غفر الله لك! إنهم الأعراب، والأعراب يرضون بدون ذلك، يعنون: كيف تنزل أنت عن الحمار تمشي على قدميك، وتعطيه عمامتك التي تشد بها رأسك، وهو أعرابي يرضى بأقل من ذلك.","vol":"3","page":215},{"text":"مات أبو الرجل أو أمه أو أحد من أقاربه أن تبر أهل وده، يعني ليس صديقه فقط بل حتى أقارب صديقه.\nوإن أبا هذا كان صديقًا لعمر أي: لعمر بن الخطاب أبيه، فلما كان صديقًا لأبيه؛ أكرمه برًا بأبيه عمر ﵁.\n\nوفي هذا الحديث دليل على امتثال الصحابة، ورغبتهم في الخير ومسارعتهم إليه؛ لأن ابن عمر استفاد من هذا الحديث فائدة عظيمة، فإنه فعل هذا الإكرام بهذا الأعرابي من أجل أن أباه كان صديقًا لعمر، فما ظنك لو رأى الرجل الذي كان صديقًا لعمر؟ لأكرمه أكثر وأكثر.\nفيستفاد من هذا الحديث أنه إذا كان لأبيك أو أمك أحد بينهم وبينه ود فأكره، كذلك إذا كان هناك نسوة صديقات لأمك؛ فأكرم هؤلاء النسوة، وإذا كان رجال أصدقاء لأبيك؛ فأكرم هؤلاء الرجال، فإن هذا من البر.\nوفي هذا الحديث أيضًا: سعة رحمة الله ﷿ حيث إن البر بابه واسع لا يختص بالوالد والأم فقط؛ بل حتى أصدقاء الوالد وأصدقاء الأم، إذا أحسنت إليهم فإنما بررت والديك فتثاب ثواب البار بوالديه.\nوهذه من نعمة الله ﷿، أن وسع لعباده أبواب الخير وكثرها لهم، حتى يلجوا فيها من كل جانب، نسأل الله تعالى أن يجعلنا والمسلمين من البررة، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\n* * *","vol":"3","page":216},{"text":"٣/٣٤٣ - وعن أبي أسيد - بضم الهمزة وفتح السين - مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: «نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنقاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» رواه أبو داود.\n٤/٣٤٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة ﵂، وما رأيتها قط، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة فيقول: «إنها كانت وكان لي منها ولد» متفق عليه\nوفي رواية: وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن\nوفي رواية: كان إذا ذبح الشاة يقول «أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة» .\nوفي رواية قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك فقال: «اللهم هالة بنت خويلد» .","vol":"3","page":217},{"text":"قولها «فارتاح» هو بالحاء، وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي: «فارتاع» بالعين ومعناه: أهتم به.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n كذلك أيضًا يبقى من البر بعد موت الوالدين ما ذكره النبي ﷺ حين سئل: هل بقي من بر أبواي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال ﷺ: «نعم، الصلاة عليهما» يعني الدعاء لهما وليس المراد صلاة الجنازة، بل المراد الدعاء. فالصلاة هنا بمعنى الدعاء وهي كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٣] وكان النبي ﷺ إذا أتته الصدقة قال: اللهم صل على آل فلان، كما قال عبد الله بن أبي أوفى أنه أتى بصدقة قومه إلى النبي ﷺ فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى»، فدعا لهم بالصلاة عليهم.\nفقول النبي صلى عليه وسلم هنا: «الصلاة عليهما» يعني الدعاء لهما بالصلاة، فيقول: اللهم صلّ على أبوي، أو يدعو بدخول الجنة والنجاة من النار وما أشبه ذلك.\n\nالثاني: «الاستغفار لهما» وهو أن يستغفر الإنسان لوالديه، يقول: اللهم اغفر لي ولوالدي، وما أشبه ذلك، وأما «إنفاذ عهدهما» يعني إنقاذ وصيتهما.\nفهذه خمسة أشياء: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإكرام","vol":"3","page":218},{"text":"صديقهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا صلة لك إلا بهما، هذه من بر الوالدين.\nكذلك الصدقة لهما؛ فإن الصدقة تنفع الوالدين، كذلك أيضًا إكرام صديقهما مثل حديث ابن عمر السابق، يعني إن كان له صديق فأكرمه، فإن هذا من بره.\nالخامس: صلة الرحم التي لا صلة لك إلا بهما، يعني صلة الأقارب فإن هذا من برهما.\nأما قراءة القرآن لهما، أو الصلاة - بأن يصلي الإنسان ركعتين ويقول لوالدي - فهذا لم يأمر به النبي ﷺ ولا أرشد إليه، بل قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ولم يقل: ولد صالح يتصدق له، أو يصلي له، أو يحج له، أو يعتمر له، بل قال: يدعو له، فالدعاء خير من العمل الصالح للوالدين.\n\nلكن لو فعل الإنسان ونوى بهذا العمل لوالديه؛ فإن ذلك لا بأس به؛ لأن الرسول ﷺ لم يمنع سعد بن عبادة أن يتصدق لأمه بل أذن له، ولا الرجل الذي قال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها، ولو تكلمت لتصدقت.\nفهذه خمسة أشياء من بر الوالدين بعد موتهما.","vol":"3","page":219},{"text":"ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث عائشة ﵂، أنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة ﵂، والغيرة انفعال يكون في الإنسان؛ يجب أن يختص صاحبه به دون غيره، ولهذا سميت غيرة؛ لأنه يكره أن يكون الغير حبيبًا، والنساء الضرات هن أشد بني آدم غيرة.\nوعائشة ﵂ كانت حبيبة رسول الله ﷺ، ولم يحب أحدًا مثلها في حياته بعد خديجة، وكان ﵊ يحب خديجة؛ لأنها أم أولاده - إلا إبراهيم فمن مارية - ولأنها وازرته وساعدته في أول البعثة، وواسته في ماله، فلذلك كان لا ينساها.\nفكان في المدينة إذا ذبح شاة أخذ من لحمها وأهداه إلى صديقات خديجة ﵂، ولم تصبر عائشة ﵂ على ذلك، قالت: يا رسول الله، كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة.\n\nقال: «إنها كانت وكانت»، يعني كانت تفعل كذا، وتفعل كذا، وذكر من خصالها ﵂.\n«وكان لي منها ولد» حيث كل أولاده؛ أربع بنات وثلاثة أولاد كلهم منها إلا ولدًا واحدًا هو إبراهيم ﵁، فإنه كان من مارية القبطية التي أهداها إليه ملك القبط، فأولاده كلهم من خديجة فلذلك قال: «إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد» .\nوالشاهد من هذا الحديث: أن إكرام صديق الإنسان بعد موته يعتبر إكرامًا له، وبرًا به، سواء كان من الوالدين، أو من الأزواج، أو من الأصدقاء، أو من الأقارب، فإن إكرام صديق الميت إكرامًا له.","vol":"3","page":220},{"text":"٥/٣٤٥ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي ﵁ في سفر، فكان يخدمني فقلت له: لا تفعل، فقال: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئًا آليت على نفسي أن لا أصحب أحدًا منهم إلا خدمته. متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في بقية أحاديث بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه كان في سفر فجعل يخدم رفقته وهم من الأنصار، فقيل له في ذلك، يعني: كيف تخدمهم وأنت صاحب رسول الله ﷺ؟ !\nفقال: إني رأين الأنصار تصنع برسول الله صلى الله عيه وسلم شيئًا؛ آليت على نفسي ألا أصحب أحدًا منهم إلا خدمته، يعني: حلفت.\nوهذا من إكرام من يكرم النبي ﷺ، فإكرام أصحاب الرجل إكرام للرجل، واحترامهم احترام له، ولهذا جعل ﵁ إكرام هؤلاء من إكرام النبي ﷺ.","vol":"3","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>٤٣ - باب إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ وبيان فضلهم</span>\n\nقال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب: ٣٣] .\nوقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: ٣٢] .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀: باب إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ وبيان فضلهم: وأهل بيت الرسول ﷺ: ينقسمون إلى قسمين:\n\nقسم كفار فهؤلاء ليسوا من أهل بيته وإن كانوا أقارب له في النسب، لكنهم ليسوا من أهل بيته؛ لأن الله قال لنوح ﵊ حين قال: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)، وكان ابنه كافر قال: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) [هود: ٤٦] .\nفالكفار من أقارب رسول الله ﷺ ليسوا من أهل بيته، وإن كانوا أقارب له نسبًا.\nلكن أهل بيته هم المؤمنون من قرابته ﷺ، ومنهم أيضًا زوجاته، فإن زوجاته ﵅ من آل بيته، كما قال الله تعالى في سياق نساء أمهات المؤمنين: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا","vol":"3","page":222},{"text":"تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب: ٣٢، ٣٣] .\n\nوهذا نص صريح واضح جدًا بأن زوجات الرسول ﷺ من آل بيته، خلافًا للرافضة الذين قالوا: إن زوجات الرسول ﷺ ليسوا من أهل بيته، فزوجاته من أهل بيته بلا شك.\nولأهل بيت الرسول ﷺ المؤمنين حقان: حق الإيمان، وحق القرابة من الرسول ﷺ.\nوزوجات الرسول ﷺ أمهات المؤمنين، كما قال تعالى في كتابه (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب: ٦] .\nفأزواج الرسول ﷺ أمهات للمؤمنين، وهذا بالإجماع، فمن قال: إن عائشة ﵂ ليست أمًا لي فليس من المؤمنين لأن الله قال: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فمن قال: إن عائشة ﵂ ليست أمًا للمؤمنين؛ فهو ليس بمؤمن؛ لا مؤمن بالقرآن ولا بالرسول ﷺ.\n\nوعجبًا لهؤلاء؛ يقدحون في عائشة ويسبونها ويبغضونها وهي أحب زوجات الرسول ﷺ إلى الرسول ﷺ، لا يحب أحدًا من نسائه مثل ما يحبها، كما صح ذلك عنه في البخاري أنه قيل: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال «عائشة» . قالوا: فمن الرجال؟ قال","vol":"3","page":223},{"text":"«أبوها» أبو بكر ﵁.\nوهؤلاء القوم يكرهون عائشة ويسبونها ويلعنونها، وهي أقرب نساء الرسول إليه، فكيف يقال: إن هؤلاء يحبون الرسول؟ وكيف يقال: إن هؤلاء يحبون آل الرسول؟ ولكنها دعاوى كاذبة لا أساس لها من الصحة.\nفالواجب علينا احترام آل بيت الرسول ﷺ من قرابته المؤمنين، ومن زوجاته أمهات المؤمنين، كلهم آل بيته ولهم حق.\nثم ذكر المؤلف الآية التي سقناها الآن (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) . نقاء وطهارة، أي النجس المعنوي، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) بعد إزالة النجاسة. والتطير: تخلية وتحلية، وقوله (تَطْهِيرًا) هذا مصدر مؤكد لم سبق، يدل على أنها طهارة كاملة.\nولهذا من رمى واحدة من نساء الرسول ﷺ بالزنى - والعياذ بالله - فإنه كافر حتى لو كانت غير عائشة.\nعائشة الذي يرميها بما برأها الله منه كافر مكذب لله، يحل دمه وماله، وأما الذي يرمي سواها بالزنى فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه كافر أيضًا؛ لأن هذا أعظم قدح برسول الله ﷺ، أن يكون فراشه ممن يزنين والعياذ بالله، وقد قال الله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ","vol":"3","page":224},{"text":"لِلْخَبِيثَاتِ) [النور: ٢٦] .\nفمن رمى واحدة من زوجات الرسول ﷺ بالزنى فقد جعل النبي ﷺ وحاشاه من ذلك - جعله خبيثًا - نعوذ بالله - لأن الله يقول (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) وبهذا يعرف أن المسألة خطيرة وعظيمة، وأن الواجب علينا أن نكن المحبة الصادقة لجميع آل بيت الرسول ﷺ؛ نسائه كلهن والمؤمنين من قرابته.\n\n* * *\n\n١/٣٤٦ - وعن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمرو ابن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵃، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا، رأيت رسول الله ﷺ، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه: لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ.\nقال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ، فما حدثتكم، فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبًاَ بماء يدعى خمّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، ثم قال:\n«أما بعد: ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به» فحث على كتاب الله، ورغب فيه ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي» .","vol":"3","page":225},{"text":"فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟\n\nقال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال هم آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.\nقال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟\nقال: نعم رواه مسلم.\nوفي رواية: «آلا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة» .\n٢/٣٤٧ - وعن ابن عمر ﵄، عن أبي بكر الصديق ﵁ موقوفًا عليه أنه قال: ارقبوا محمدًا ﷺ في أهل بيته. رواه البخاري\nمعنى «ارقبوا» راعوه واحترموه وأكرموه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث وهذا الأثر في بيان حق آل النبي ﷺ، وقد سبق أن آل بيته هم زوجاته ومن كان مؤمنًا من قرابته، من آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، وهم الذين تحرم عليهم الصدقة؛ لأن النبي ﷺ قال لعمه العباس وقد سأله عن الصدقة، قال: «إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس،","vol":"3","page":226},{"text":"وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» .\n\nوآل محمد لهم خصائص ليست لغيرهم، ففي باب الفيء لهم حق يختصون به، كما قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) [الأنفال: ٤١] يعني قرابة النبي ﷺ.\nولهم كرامة وشرف وسيادة، فلا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة الواجبة؛ لأنها أوساخ الناس، كما قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) [التوبة: ١٠٣]، فلا يحل لهم الصدقة؛ فهم أشرف وأعلى من أن تحل لهم الصدقة، لكن يعطون بدلها من الخمس.\nثم بين في حديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال يوم غدير خم؛ وهو غدير بين مكة والمدينة، نزل فيه النبي ﷺ، ووعد وذكر، وحث على القرآن، وبين أن فيه الشفاء والنور، ثم حث على أهل بيته، فقال: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» .\nولم يقل إن أهل بيته معصومون، وإن أقوالهم كالقرآن يجب أن يعمل بها، كما تدعيه الرافضة، فإنهم ليسوا معصومين، بل هم يخطئون كما يخطئ غيرهم، ويصيبون كما يصيب غيرهم، ولكن لهم حق قرابة النبي ﷺ كما سبق.\n\nوقوله: «أذكركم الله في أهل بيتي»: يعني اعرفوا لهم حقهم، ولا تظلموهم، ولا تعتدوا عليهم، هذا من باب التوكيد، وإلا فكل إنسان مؤمن له حق على أخيه، لا يحق له أن يعتدي عليه، ولا أن يظلمه؛ لكن","vol":"3","page":227},{"text":"لآل النبي ﷺ حق زائد على حقوق غيرهم من المسلمين.\nوإذا كان الرسول هذا في حق آل النبي ﷺ فما بالك بحق الرسول ﷺ؟\nحق الرسول ﷺ أعظم الحقوق بعد الله؛ يجب أن يقدم على النفس والولد والأهل وعلى جميع الناس، في المحبة والتعظيم وقبول هديه وسنته ﷺ، فهو مقدم على كل أحد ﷺ. نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من أتباعه ظاهرًا وباطنًا.","vol":"3","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>٤٤ - باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبيهم</span>\nقال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: ٩] .\n\n١/٣٤٨ - وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنًا، ولا يؤمَنَ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» رواه مسلم.\nوفي رواية له: «فأقدمهم سِلمًا»: بدل «سِنا» أو إسلامًا.\nوفي رواية: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء فيؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا» .\nوالمراد «بسلطانه» محل ولايته، أو الموضع الذي يختص به.\n«وتكرمته» بفتح التاء وكسر الراء: وهي ما ينفرد به من فراش وسرير ونحوهما.\n٢/٣٤٩ - وعنه قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول:","vol":"3","page":229},{"text":"«استووا ولا تختلفوا، فتختلف، قلوبكم، لِيلِني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» رواه مسلم.\n\nوقوله ﷺ: «لِيلِني» هو بتخفيف النون وليس قبلها ياء، وروي بتشديد النون مع ياء قبلها «والنهى»: العقول، «وأولو الأحلام» هم البالغون، وقيل: أهل الحلم والفضل.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب توقير العلماء، وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم، يعني وما يتعلق بهذا من المعاني الجليلة.\nيريد المؤلف ﵀ بالعلماء علماء الشريعة الذين هم ورثة النبي ﷺ، فإن العلماء ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، فإن النبي صلى عليه وسلم توفي عن بنته فاطمة وعمه العباس ولم يرثوا شيئًا؛ لأن الأنبياء لا يورثون إنما ورثوا العلم.\nفالعلم شريعة الله فمن أخذ بالعلم؛ أخذ بحظ وافر من ميراث العلماء.\nوإذا كان الأنبياء لهم حق التبجيل والتعظيم والتكريم، فلمن ورثهم نصيب من ذلك، أن يبجل ويعظم ويكرم، فلهذا عقد المؤلف ﵀ لهذه المسألة العظيمة بابًا؛ لأنها مسألة عظيمة ومهمة.","vol":"3","page":230},{"text":"وبتوقير العلماء توقر الشريعة؛ لأنهم حاملوها، وبإهانة العلماء تهان الشريعة؛ لأن العلماء إذا ذلوا وسقطوا أمام أعين الناس؛ ذلت الشريعة التي يحملونها، ولم يبق لها قيمة عند الناس، وصار كل إنسان يحتقرهم ويزدريهم فتضيع الشريعة.\nكما أن ولاة الأمر من الأمراء والسلاطين يجب احترامهم وتوقيرهم تعظيمهم وطاعتهم، حسب ما جاءت به الشريعة؛ لأنهم إذا احتقروا أمام الناس، وأذلوا، وهون أمرهم؛ ضاع الأمن وصارت البلاد فوضى، ولم يكن للسلطان قوة ولا نفوذ.\nفهذان الصنفان من الناس: العلماء والأمراء، إذا احتقروا أمام أعين الناس فسدت الشريعة، وفسدت الأمن، وضاعت الأمور، وصار كل إنسان يرى أنه هو العالم، وكل إنسان يرى لأنه هو الأمير، فضاعت الشريعة وضاعت البلاد، ولهذا أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمور من العلماء والأمراء فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩] .\nونضرب لكم مثلًا: إذا لم يعظم العلماء والأمراء، فإن الناس إذا سمعوا من العالم شيئًا قالوا: هذا هين، قال فلان خلاف ذلك.\nأو قالوا: هذا هين هو يعرف ونحن نعرف، كما سمعنا عن بعض السفهاء الجهال، أنهم إذا جودلوا في مسألة من مسائل العلم، وقيل لهم: هذا قول الإمام أحمد بن حنبل، أو هذا قول الشافعي، أو قول مالك، أو قول أبي حنيفة، أو قول سفيان، أو ما أشبه ذلك قال: نعم، هم رجال ونحن رجال، لكن فرق بين رجولة هؤلاء ورجولة هؤلاء، من أنت حتى","vol":"3","page":231},{"text":"تصادم بقولك وسوء فهمك وقصور علمك وتقصيرك في الاجتهاد وحتى تجعل نفسك ندًا لهؤلاء الأئمة ﵏؟\nفإذا استهان الناس بالعلماء كل واحد يقول: أنا العالم، أنا النحرير، أنا الفهامة، أنا العلامة، أنا البحر الذي لا ساحل له وصار كل يتكلم بما شاء، ويفتي بما شاء، ولتمزقت الشريعة بسبب هذا الذي يحصل من بعض السفهاء.\nوكذلك الأمراء، إذا قيل لواحد مثلًا: أمر الولي بكذا وكذا، قال: لا طاعة له؛ لأنه مخل بكذا ومخل بكذا، وأقول: إنه إذا أخل بكذا وكذا، فذنبه عليه، وأنت مأمور بالسمع والطاعة، حتى وإن شربوا الخمور وغير ذلك ما لم نر كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، وإلا فطاعتهم واجبة؛ ولو فسقوا، ولو عتو، ولو ظلموا.\nوقد قال النبي ﷺ: «اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» .\n\nوقال لأصحابه فيما إذا أخل الأمراء بواجبهم، قال: «اسمعوا وأطيعوا فإنما عليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا» .\nأما أن نريد أن تكون أمراؤنا كأبي بكر وعمر، وعثمان وعلى، فهذا لا يمكن، لنكن نحن صحابة أو مثل الصحابة حتى يكون ولاتنا مثل خلفاء الصحابة.","vol":"3","page":232},{"text":"أما والشعب كما نعلم الآن؛ أكثرهم مفرط في الواجبات، وكثير منتهك للحرمات، ثم يريدون أن يولي الله عليهم خلفاء راشدين، فهذا بعيد، لكن نحن علينا أن نسمع ونطبع، وإن كانوا هم أنفسهم مقصرين فتقصيرهم هذا عليهم. عليهم ما حملوا، وعلينا ما حملنا.\nفإذا لم يوقر العلماء ولم يوقر الأمراء؛ ضاع الدين والدنيا. نسأل الله العافية.\nثم استدل المؤلف بقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الزمر: ٩] (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي) يعني لا يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون؛ لأن الجاهل متصف بصفة ذم، والعالم متصف بصفة مدح، ولهذا لو تعير أدنى واحد من العامة وتقول له: أنت جاهل، غضب وأنكر ذلك، مما يدل على أن الجهل عيب مذموم، كلُ ينفر منه، والعلم خير، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون في أي حال من الأحوال.\n\nالعالم يعبد الله على بصيرة، يعرف كيف يتوضأ، وكيف يصلي، وكيف يزكي، وكيف يصوم، وكيف يحج، وكيف يبر والديه، وكيف يصل رحمه.\nالعالم يهدي الناس (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) [الأنعام: ١٢٢]، لا يمكن أن يكون هذا مثل هذا، فالعالم نور يهتدي به ويرفع الله به، والجاهل عالة على غيره، لا ينفع نفسه ولا غيره، بل إن أفتى بجهل؛ ضر نفسه وضر غيره، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.\nثم استدل المؤلف بحديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «يؤم القوم","vol":"3","page":233},{"text":"أقرؤهم لكتاب الله» يعني يكون إمامًا فيهم أقرؤهم كاتب الله «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا بالسنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا» أي إسلامًا، وفي لفظ سنًا أي أكبرهم سنًا.\nوهذا يدل على أن صاحب العلم مقدم على غيره؛ يقدم العلم بكتاب الله، ثم العالم بسنة رسول الله ﷺ، ولا يقدم من القوم في الأمور الدينية إلا خيرهم أفضلهم.\nوهذا يدل على تقديم الأفضل فالأفضل في الإمامة، وهذا في غير الإمام الراتب، أما الإمام الراتب فهو الإمام وإن كان في الناس من هو أقرأ منه؛ لقول النبي ﷺ في الحديث: «ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه» وإمام المسجد الراتب سلطان في مسجده، حتى إن بعض العلماء يقول: لو أن أحدًا تقدم وصلى بجماعة المسجد بدون إذن الإمام فصلاتهم باطلة، وعليهم أن يعيدوا، لأن النبي ﷺ نهي عن الإمامة، والنهي يقتضي الفساد، والله الموفق.\n\n* * *\n\n٣/٣٥٠ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لِيلِني مِنكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم» ثلاثا ً «وإياكم وهيشاتِ الأسواق» رواه مسلم،","vol":"3","page":234},{"text":"٤/٣٥١ - وعن أبي يحيى وقيل: أبي محمد سهل بن أبي حثمة - بفتح الحاء المهملة، وإسكان التاء المثلثة الأنصاري ﵁ قال انطلق عبد الله ابن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دَمِهِ قتِيلًا، فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ، فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: «كبر كبر» وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما فقال: «أتحلفون وتستحقون قاتلكم؟» وذكر تمام الحديث. متفق عليه.\nوقوله ﷺ: «كبر كبر» معناه: يتكلم الأكبر.\n٥/٣٥٢ وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد يعني في القبر، ثم يقول: «أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد. رواه البخاري.\n٦/٣٥٣ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال «أراني في المنام أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما» رواه مسلم مسندًا، والبخاري تعليقًا.\n\n٧/٣٥٤ - وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول صلى الله وعليه: «إن من","vol":"3","page":235},{"text":"إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» حديث حسن رواه أبو داود.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث فيها الإشارة إلى ما سبق عن المؤلف ﵀ من إكرام أهل العلم وأهل الفضل الكبير، فمن ذلك حديث عبد الله ين مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم» قال ذلك ثلاثًا، «وإياكم وهيشات الأسواق» وفي قوله: «ليلني منكم» اللام لام الأمر، والمعنى أنه في الصلاة ينبغي أن يتقدم أولو الأحلام والنهي.\nوأولو الأحلام: يعني الذين بلغوا الحلم وهم البالغون، والنهي جمع نهية وهي العقل، يعني العقلاء فالذي ينبغي أن يتقدم في الصلاة العاقلون البالغون؛ لأن ذلك أقرب إلى فهم ما يقوله النبي ﷺ أو ما يفعله، من الصغار ونحوهم، فلهذا حث النبي ﷺ أن يتقدم هؤلاء حتى يلوا الإمام.\n\nوليس معنى الحديث لا يلني إلا أولو الأحلام والنهي، بحيث نطرد الصبيان عن الصف الأول، فإن هذا لا يجوز. فلا يجوز طرد الصبيان عن الصف الأول إلا أن يحدث منهم أذية، فإن لم يحدث منهم أذية؛ فإن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد أحق به.\nوهناك فرق بين أن تكون العبارة النبوية: لا يلني إلا أولو الأحلام،","vol":"3","page":236},{"text":"وبين قوله: ليلني أولو الأحلام، فالثانية تحث الكبار العقلاء على التقدم، والأولى لو قدر أنها هي نص الحديث لكان بنهى أن يلي الإمام من ليس بالغًا، أو ليس عاقلًا.\nوعلى هذا فنقول: إن أولئك الذين يطردون الصبيان عن الصف الأول أخطئوا من جهة أنهم منعوا ذوي الحقوق حقوقهم؛ فإن النبي ﷺ قال: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له» .\nومن جهة أخرى أنهم يكرهون الصبيان المساجد، وهذا يؤدي إلى أن ينفر الصبي عن المسجد إذا كان يطرد عنه.\nومنها أن هذه لا تزال عقدة في نفسه من الذي طرده فتجده يكرهه، ويكره ذكره، فمن أجل هذه المفاسد نقول: لا تطردوا الصبيان من أوائل الصفوف.\n\nثم إننا إذا طردناهم من أوائل الصفوف؛ حصل منهم لعب، لو كانوا كلهم في صف واحد كما يقوله من يقوله من أهل العلم، لحصل منهم من اللعب ما يوجب اضطراب المسجد، واضطراب أهل المسجد، ولكن إذا كانوا مع الناس في الصف الأول ومتفرقين؛ فإن ذلك أسلم من الفوضى التي تحصل بكونهم يجتمعون في صف واحد.\nوقوله ﷺ: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهي» يستفاد منه أن الدنو من الإمام له شأن مطلوب، ولهذا قال: ليلني أي يكون هو الذي يليني.","vol":"3","page":237},{"text":"وعلى هذا نقول: إذا كان يمين الصف بعيدًا، وأيسر الصف أقرب منه بشكل واضح، فإن الصف الأيسر أفضل من الأيمن، من أجل دنوه من الإمام؛ ولأنه لما كان الناس في أول الأمر إذا كان إمامهم واثنان معه، فإنهما يكونان عن يمينه واحد، وعن شماله واحد، ولا يكون كلاهما عن اليمين، فدل هذا على مراعاة الدنو من الإمام، وتوسط الإمام من المأمومين.\nولكن هذا الأمر أي كون الإمام واثنان معه يكونان في صف واحد، هذا نسخ، وصار الإمام إذا كان معه اثنان يصفان خلفه، ولكن كونه - حين كان مشروعًا - يجعل أحدهما عن اليمين والثاني عن اليسار؛ يدل على أنه ليس الأيمن أفضل مطلقًا، بل أفضل من الأيسر إذا كان مقاربًا أو مثله، أما إذا تميز بميزة بيّنة؛ فاليسار مع الدنو من الإمام أفضل.\nوفي حديث الرؤيا التي رآها الرسول ﷺ، أنه كان ﷺ أنه كان ﷺ يتسوك بسواك فجاءه رجلان فأراد أن يعطيه الأصغر، فقيل له: كبّر كبّر. فيه دليل أيضًا على اعتبار الكبر، وأنه يقدم الأكبر في إعطاء الشيء.\nومن ذلك إذا قدمت الطعام مثلًا أو القهوة أو الشاي فلا تبدأ باليمين، بل ابدأ بالأكبر الذي أمامك؛ لأن النبي ﷺ لما أراد أن يعطيه الأصغر قيل له كبّر، ومعلوم أنه لو كان الأصغر هو الأيسر لا يذهب الرسول ﷺ يعطيه إياه فالظاهر أنه أعطى الأيمن من أجل التيامن، لكن قيل له كبّر: يعني أعطه الأكبر، فهذا إذا كان الناس أمامك تبدأ بالكبير، لا تبدأ باليمين، أما إذا كانوا جالسين عن اليمين وعن الشمال فابدأ باليمين.","vol":"3","page":238},{"text":"وبهذا يجمع بين الأدلة الدالة على اعتبار التكبير أي مراعاة الكبير، وعلى اعتبار الأيمن، أي مراعاة الأيمن، فنقول: إذا كانت القصة كما جاء عن النبي ﷺ أنه كان معه إناء يشرب منه، وعلى يساره الأشياخ وعلى يمينه غلام وهو ابن عباس، فقال النبي ﷺ للغلام «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء» فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا. فأعطاه رسول الله ﷺ. فإذا كان هكذا فأعطه من على يمينك، أما الذين أمامك فابدأ بالكبير، كما تدل عليه السنة، وهذا هو وجه الجمع بينهما.\nثم إن الإنسان إذا أعطاه الكبير فمن يعطي بعده؟ هل يعطي الذي على يمين الكبير ويكون عن يسار الصاب، أم الذي عن يمين الصاب؟\nنقول: يبدأ بالذي عن يمين الصاب وإن كان على يسار الكبير؛ لأننا إذا اعتبرنا التيامن بعد مراعاة الكبر، فالذي على يمينك هو الذي عن يسار مقابلك فتبدأ به، ما لم يسمح بعضهم لبعض، ويقول: أعطه فلانًا.. أعطه فلانًا؛ فالحق لهم، ولهم أن يسقطوه، والله أعلم.","vol":"3","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>٤٥ - باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة</span>\n\nقال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا إلى قوله تعالى: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [٦٠، ٦٦] .\nوقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف: ٢٨] .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - باب زيارة أهل الخير ومحبتهم وصحبتهم وطلب الزيارة منهم.\nأهل الخير أهل العلم والإيمان والصلاح، ومحبتهم واجبة؛ لأن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، فإذا كان الإنسان محبته تابعة لمحبة الله، وبغضه تابعًا لبغض الله؛ فهذا هو الذي ينال ولاية الله ﷿.\nوأهل الخير إذا جالستهم فأنت على خير؛ لأن النبي ﷺ مثل الجليس الصالح بحامل المسك؛ إما أن يحذيك يعني: يعطيك، وإما أن يبيعك، يعني يبيع عليك، وإما أن تجد منه رائحة طيبة.","vol":"3","page":240},{"text":"وكذلك ينبغي أن تطلب منهم أن يزوروك ويأتوا إليك لما في مجيئهم إليك من الخير.\nثم ذكر المؤلف قصة موسى ﵇ مه الخضر فإن موسى قال لفتاه: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) [الكهف: ٦٠]؛ لأن الله أخبره بأن له عبدًا من عباده آتاه رحمة منه وعلمه من لدنه علمًا، فذهب موسى يطلب هذا الرجل حتى لقيه، وذكر الله تعالى قصتهما مبسوطة في سورة الكهف وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله، والله أعلم.\n\n* * *\n\n١/٣٦٠ وعن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر لعمر ﵄ بعد وفاة رسول الله ﷺ: انطلق بنا إلى أم أيمن ﵂ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها، بكت، فقالا لها: ما يبكيك أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ؟ فقالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم.\n\n٢/٣٦١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال. هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أنى أحببته في الله تعالى، قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك","vol":"3","page":241},{"text":"كما أحببته فيه» رواه مسلم.\nيقال: «أرصده» لكذا: إذا وكله بحفظه، و«المدرجة» بفتح الميم والراء: الطريق، ومعنى «تربّها» تقوم بها، وتسعى في صلاحها.\n٣/٣٦٣ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من عاد مريضًا أو زار أخًا في الله، ناداه منادٍ: بأن طبت، وطاب معشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا» رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ غريب..\n٤/٣٦٣ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة» متفق عليه.\n«يحذيك»: يعطيك.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان فضل زيارة الإخوان بعضهم لبعض والمحبة في الله ﷿.\nففي الحديث الأول في قصة الرجلين من الصحابة ﵄،","vol":"3","page":242},{"text":"زارا امرأة كان النبي ﷺ يزورها. فزاراها من أجل زيارة النبي ﷺ إياها.\nفلما جلسا عندها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله ﷾ خير لرسوله؟ يعني خير من الدنيا.\nفقالت: إني لا أبكي لذلك ولكن لا نقطاع الوحي؛ لأن النبي ﷺ لما مات انقطع الوحي، فلا وحي بعد رسول الله ﷺ، ولهذا أكمل الله شريعته قبل أن يتوفى، فقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا) [المائدة: ٣]، فجعلا يبكيان؛ لأنها ذكرتهما بما كانا قد نسياه.\nوأما الأحاديث الأخرى ففيها أيضًا فضل الزيارة لله ﷿، وأن الله ﷾ يثيب من زار أخاه أو عاده في مرضه، فيقال له: طبت وطاب ممشاك. ويقال لمن زار أخاه لغير أمر دنيوي ولكن لمحبته في الله: إن الله أحبك كما أحببته فيه.\nوالزيارة لها فوائد فمع هذا الأجر العظيم، فهي تؤلف القلوب، وتجمع الناس، وتذكر الناسي، وتنبه الغافل، وتعلم الجاهل، وفيها مصالح كثيرة يعرفها من جربها.\nوأما عيادة المريض ففيها كذلك أيضًا من المصالح والمنافع الشيء الكثير، وقد سبق لنا أنها من حقوق المسلم على المسلم: أن يعوده إذا مرض، ويذكره بالله ﷿، بالتوبة والوصية وغير ذلك مما يستفيد منه.\nفهذه الأحاديث وأشباهها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يفعل ما فيه المودة والمحبة لإخوانه؛ من زيارة وعيادة واجتماع وغير ذلك.","vol":"3","page":243},{"text":"٥/٣٦٤ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» متفق عليه.\nومعناه: أن الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنت على ذات الدين، واظفر بها، واحرص على صحبتها.\n٦/٣٦٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» فنزلت: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) رواه البخاري.\n\n٧/٣٦٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» .\nرواه أبو داود، والترمذي بإسناد لا بأس به.\n٨/٣٦٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» .\nرواه أبو داود، والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.","vol":"3","page":244},{"text":"٩/٣٦٨ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال «المرء مع من أحب» متفق عليه.\nوفي رواية قال: قيل للنبي ﷺ: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟\nقال: «المرء مع من أحب» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها. فاظفر بذات الدين» .\nيعني لأن الأغراض التي تنكح من أجلها المرأة في الغالب تنحصر في هذه الأربع:\nالمال: من أجل أن ينتفع به الزوج.\nوالحسب: يعني أن تكون من قبيلة شريفة، من أجل أن يرتفع بها الزوج.\nوالجمال: من أجل أن يتمتع بها الزوج.\n\nوالدين: من أجل أن تعينه على دينه، وتحفظ أمانته وترعى أولاده.\nقال النبي ﷺ: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» يعني تمسك بها واحرص عليها، وحث على ذلك بقوله: «تربت يداك» وهذه الكلمة تقال","vol":"3","page":245},{"text":"عند العرب للحث على الشيء.\nثم ذكر المؤلف أيضًا حديث جبريل أن النبي ﷺ قال: «ألا تزورنا أكثر مما تزورنا» فنزلت: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤]\nففي هذا الحديث طلب زيارة أهل الخير إلى بيتك. فتطلب منهم أن يزوروك من أجل تنتفع بصحبتهم.\nوكذلك في حديث أبي هريرة صحبة المرأة الدينة تعينك على دين الله.\nوقد سبق أيضًا أن مثل الجليس الصالح كحامل المسك، إما أن يحذيك يعني يعطيك منه، أو يبيعك، أو تجد منه رائحة طيبة.\nثم ذكر المؤلف أحاديث بهذا المعنى، مثل ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل» يعني أن الإنسان يكون في الدين، وكذلك في الخلق على حسب من يصاحبه، فلينظر أحدكم من يصاحب، فإن صاحب أهل الخير؛ صار منهم، وإن صاحب سواهم؛ صار مثلهم.\nفالحاصل أن هذه الأحاديث وأمثالها كلها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يصطحب الأخيار، وأن يزورهم ويزوروه لما في ذلك من الخير، والله الموفق.\n\n* * *","vol":"3","page":246},{"text":"١٠/٣٦٩ - وعن أنس ﵁ أن أعرابيًا قال لرسول الله ﷺ: «متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ: «ما أعددت لها؟» قال: حب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت»\nمتفق عليه، وهذا لفظ مسلم.\nوفي رواية لهما: ما أعددت لها من كثير صوم، ولا صلاة ولا صدقة، ولكن أحب الله ورسوله.\n١١/٣٧٠ - وعن أبن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ «المرء مع من أحب» متفق عليه.\n\n١٢/٣٧١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» رواه مسلم.\nوروى البخاري قوله: «الأرواح» إلخ من رواية عائشة ﵂.","vol":"3","page":247},{"text":"١٣/٣٧٢ - وعن أسير بن عمرو ويقال: ابن جابر وهو «بضم الهمزة وفتح السبن المهملة» قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟\nحتى أتى على أويس ﵁، فقال له: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال فكان بك برص، فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم قال: لك والدة؟ قال: نعم.\nقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قرن كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فاستغفر لي فاستغفر له.\nفقال له: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي.\n\nفلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم، فوافى عمر، فسأله عن أويس، فقال: تركته رث البيت قليل المتاع.\nقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع امداد من أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل» .\nفأتى أويسًا، فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدا ً بسفر صالح، فاستغفر لي قال: لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر له ففطن له الناس، فانطلق على","vol":"3","page":248},{"text":"وجهه رواه مسلم.\nوفي رواية لمسلم أيضًا عن أسير جابر ﵁ أن أهل الكوفة وفدوا على عمر ﵁، وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس، فقال عمر: هل هاهنا أحد من القربيين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد قال: «إن رجلًا يأتيكم من اليمن يقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض فدعا الله تعالى، فأذهبه إلا موضع الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم فليستغفر لكم» .\nوفي رواية له عن عمر ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة وكان به بياض فمروه، فيستغفر لكم» .\nقوله: «غبراء الناس» بفتح الغين المعجمة، وإسكان الباء وبالمد، وهم فقراؤهم وصعاليكهم ومن لا يعرف عينه من أخلاطهم، و«الأمداد» جمع مدد وهم الأعوان والناصرون الذين كانوا يمدون المسلمين في الجهاد.\n١٤/٣٧٣ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فإذن لي، وقال: «لا تنسنا يا أخي من دعائك» فقال كلمة ما يسرني","vol":"3","page":249},{"text":"أن لي بها الدنيا.\nوفي رواية قال: «أشركنا يا أخي في دعائك» .\nحديث صحيح رواه أبو داود، والترمذي وقال حديث حسن صحيح.\n١٥/٣٧٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يزور قباء راكبًا وماشيًا، فيصلى فيه ركعتين، متفق عليه.\nوفي رواية: «كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت راكبًا وماشيًا، وكان ابن عمر يفعله»\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث تتعلق بالباب الذي ذكره المؤلف؛ من أنه ينبغي إكرام العلماء وتوقيرهم واحترامهم ومصاحبة أهل الخير والصلاح وزيارتهم ودعوتهم للزيارة وما أشبه ذلك.\nففي الحديث الأول عن أنس بن مالك ﵁ أن أعرابيًا قال: يا رسول الله؛ متى الساعة؟ فقال له النبي ﷺ: «ماذا أعددت لها؟» قال: حب الله ورسوله.\nففي هذا الحديث دليل على أنه ليس الشأن كل الشأن أن يسأل الإنسان","vol":"3","page":250},{"text":"متى يموت؟ ولكن على أي حال يموت؟ هل يموت على خاتمة؟ أو على خاتمة سيئة؟\nولهذا قال: «ماذا أعددت لها؟» يعني لا تسأل عنها فإنها ستأتي.\nقال تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) [النازعات: ٤٢] وقال تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) [الأحزاب: ٦٣]، وقال تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: ١٧] .\nلكن الشأن ماذا أعددت لها؟ هل عملت؟ هل أنبت إلى ربك؟ هل تبت من ذنبك؟ هذا هو المهم.\n\nوكذلك حديث ابن مسعود وما ذكره المؤلف بعد من فضل محبة الله ورسوله ﷺ، وأن الإنسان إذا أحب قومًا كان منهم. قال النبي ﷺ: «المرء مع من أحب» .\nقال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام بشيء فرحنا بهذا الحديث، فأنا أحب الله ورسوله. أحب رسول الله ﷺ، وأحبا أبا بكر وعمر، فالمرء مع من أحب؛ لأنه إذا أحب قومًا فإنه يألفهم، ويتقرب منهم، ويتخلق بأخلاقهم، ويقتدي بأفعالهم، كما هي طبيعة البشر.\nوأما حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه أراد أن يعتمر فقال له النبي ﷺ «لا تنسنا من دعائك - أو - أشركنا في دعائك» فهذا حديث ضعيف وإن صححه المؤلف، فطريقة المؤلف ﵀ له أنه يتساهل في الحكم على الحديث إذا كان في فضائل الأعمال.","vol":"3","page":251},{"text":"وهذا وإن كان يصدر عن حسن نية، لكن الواجب اتباع الحق؛ فالصحيح صحيح، والضعيف ضعيف، وفضائل الأعمال تدرك بغير تصحيح الأحاديث الضعيفة.\n\nنعم أمر النبي ﵊ من رأى أويسًا القرني أو القرني أن يطلب منه الدعاء. لكن هذا خاص به؛ لأنه كان رجلًا بارًا بأمه، وأراد الله ﷾ أن يرفع ذكره في هذه الدنيا قبل جزاء الآخرة.\nولهذا لم يأمر النبي ﵊ أن يطلب أحد من أحد أن يدعو له، مع أن هناك من هو أفضل من أويس؛ فأبو بكر أفضل من أويس بلا شك، وغيره من الصحابة أفضل منه من حيث الصحبة، وما أمر النبي ﵊ أحدًا أن يطلب الدعاء من أحد.\nفالصواب أنه لا ينبغي أن يطلب أحد الدعاء من غيره ولو كان رجلًا صالحًا، وذلك لأن هذا ليس من هدي النبي ﷺ ولا من هدي خلفائه الراشدين، أما إذا كان الدعاء عامًا، يعني تريد أن تطلب من هذا الرجل الصالح أن يدعو بدعاء عام، كأن تطلب منه أن يدعو الله تعالى بالغيث أو برفع الفتن عن الناس أو ما أشبه ذلك، فلا بأس؛ لأن هذا لمصلحة غيرك، كما لو سألت المال للفقير، فإنك لا تلام على هذا ولا تذم.\n\nوكذلك النبي ﵊ فإن سؤال الصحابة له من خصوصياته، يسألونه أن يدعو الله لهم، كما قال الرجل حين حدث النبي ﷺ عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقام عكاشة ابن محصن قال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت منهم» ثم قال رجل آخر","vol":"3","page":252},{"text":"فقال ﷺ: «سبقك بها عكاشة» .\nوكما قالت المرأة التي كانت تصرع، حيث طلبت من النبي ﷺ أن يدعو الله لها. فقال: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة» . فقالت: أصبر ولكن ادع الله ألا تنكشف عورتي.\nفالحاصل أن الرسول ﵊ من خصوصياته أن يسأل الدعاء، أما غيره فلا.\nنعم لو أراد الإنسان أن يسأل من غيره الدعاء وقصده مصلحة الغير، يعني يريد أن الله يثيب هذا الرجل على دعوته لأخيه، أو أن الله تعالى يستجيب دعوته؛ لأنه إذا دعا الإنسان لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله، فالأعمال بالنيات. فهذا لم ينو ذلك لمصلحة نفسه خاصة؛ بل لمصلحة نفسه ومصلحة أخيه الذي طلب منه الدعاء، فالأعمال بالنيات.\n\nأما المصلحة الخاصة فهذا كما قال الشافعي ﵀ يدخل في المسألة المذمومة، وقد بايع ﷺ أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا.","vol":"3","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>٤٦ - باب فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه</span>\n\nقال الله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) [الحشر: ٩] .\n١/٣٧٥ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار» متفق عليه.\n\n٢/٣٧٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ﷿، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» متفق عليه.","vol":"3","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب فضل الحب في الله والبغض فيه، وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وما يقول له إذا ذكر ذلك. هذه أربعة أمور، بين المؤلف ﵀ الأدلة الدالة عليها.\nفقال ﵀ قول الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) محمد رسول الله، والذين معه هم أصحابه، أشداء على الكفار، أقوياء على الكفار، رحماء بينهم، يعني يرحم بعضهم بعضا.\n\n(تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا)، يعني تنظر إليهم في حال الصلاة تجدهم ركعًا سجدًا، خضوعًا لله ﷿ وتقربًا إليه، لا يريدون شيئًا من الدنيا، ولكنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا. فضلًا من الله: هو الثواب، والرضوان: هو ﵃.\n(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) يعني علامتهم في وجوههم من أثر السجود، وهذه «السيما» هي نور الوجه. نور وجوههم من سجودهم لله ﷿. وليست العلامة التي تكون في الجبهة، هذه العلامة ربما تكون دليلًا على كثرة السجود، ولكن العلامة الحقيقية هي نور الوجه.\n\n(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) يعني ذلك صفتهم في التوراة، فإن الله ﷾ نوه بهذه الأمة وبرسولها ﷺ، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، كما قال الله تعالى: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ","vol":"3","page":255},{"text":"الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) [الأعراف: ١٥٧] .\n(وَمَثَلُهُمْ فِي الْإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار) يعني: مثلهم كمثل الزرع (ٍ أَخْرَجَ شَطْئهُ) يعني الغصن الثاني غير الغصن الأم (فَآزَرَهُ) يعني شدده وقواه، (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) قام وعانق الأصل (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) يعني أهل الخبرة والزرع يعجبهم مثل هذا الزرع القوي، إذا كان له شطًا مؤازر له، مقوله.\n\n(لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) أي ليغيظ الله بهم الكفار من بني آدم، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)، مغفرة للذنوب، وأجرًا عظيمًا على الحسنات.\nوقال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) [الحشر: ٩]، هؤلاء الأنصار ﵃ وأرضاهم، (تَبَوَّأُوا الدَّارَ) المدينة، أي سكنوها (مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل المهاجرين، وحققوا الإيمان من قبل أن يهاجر إليهم المؤمنون؛ لأن الإيمان دخل في المدينة قبل الهجرة، (تَبَوَّأُوا الدَّارَ) سكنوها، (وَالْإيمَانَ) حققوا الإيمان (مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل المهاجرين.\n\n(يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) لأنهم إخوانهم ولهذا لما هاجروا آخى النبي ﷺ بينهم. أي: جعلهم إخوانًا، حتى إن الواحد من الأنصار كان يتنازل عن نصف ماله لأخيه المهاجري، (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) يعني: لا يجدون في صدورهم حسدًا مما أوتي المهاجرون من","vol":"3","page":256},{"text":"الفضل والولاية والنصرة لرسول الله ﷺ.\n(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) أي: يقدمون غيرهم على أنفسهم. (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) أي: ولو كانوا جياعًا، فإنهم كانوا يجيعون أنفسهم ليشبع إخوانهم المهاجرون ﵃ وأرضاهم. (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) يعني من يقيه الله شح نفسه، ويكون كريمًا، يبسط المال ويبذل، ويحب أخاه، فأولئك هم المفلحون.\n\n(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) من بعد هؤلاء وهم التابعون إلى يوم القيامة (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ) [الحشر: ١٠]، هؤلاء الذين جاءوا من بعدهم هم تبع لهم، قد ﵃ كما قال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)\nوهذه الآيات الثلاثة (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) آيات تبين من يستحق الفيء من بيت المال، والذين يستحقون الفيء هم هؤلاء الأصناف الثلاثة، منهم (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ) .\n\nسئل الإمام مالك ﵀: هل يعطى الرافضة من الفيء قال: لا يعطون من الفيء؛ لأن الرافضة لا يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان؛ لأن الرافضة يرون الصحابة - إلا نفرا قليلًا - كلهم كفارًا والعياذ بالله، حتى أبا بكر وعمر، يرون أنهما كافران، وأنهما ماتا على","vol":"3","page":257},{"text":"النفاق، وأنهما ارتدا بعد موت النبي ﵊. نسأل الله العافية.\nولهذا قال الإمام مالك: لا يستحقون من الفيء شيئا؛ لأنهم لا يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولكن يخصون الرحمة والمغفرة أو سؤال المغفرة والرحمة لمن يرون أنهم لم يرتدوا، وهم نفر قليل من آل البيت واثنان أو ثلاثة أو عشرة من غيرهم.\nفالشاهد من هذه الآية قوله: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) يعني من المؤمنين، وهذا حب في الله، وإلا فإن الأنصار من الأوس والخزرج، ليس بينهم وبين المهاجرين نسب. ليسوا من قريش، لكن الأخوة الإيمانية هي أوثق عرى الإيمان، أوثق عرى الإيمان هي الحب في الله والبغض في الله.\n\nثم ذكر المؤلف حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» من كن فيه: يعني من اتصف بهن، «وجد بهن» يعني بسببهن، «حلاوة الإيمان» ليست حلاوة سكر ولا عسل، وإنما هي حلاوة أعظم من كل حلاوة. حلاوة يجدها الإنسان في قلبه، ولذة عظيمة لا يساويها شي، يجد انشراحًا في صدره، رغبة في الخير، حبًا لأهل الخير. حلاوة لا يعرفها إلا من ذاقها بعد أن حرمها.\n«أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» وهنا قال أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن المحبة هنا لرسول الله ﵊ هنا تابعة ونابعة من محبة الله ﷾.","vol":"3","page":258},{"text":"فالإنسان يحب الرسول بقدر ما يحب الله، كلما كان لله أحب؛ كان للرسول ﷺ أحب.\nلكن مع الأسف أن بعض الناس يحب الرسول مع الله ولا يحب الرسول لله.\nانتبهوا لهذا الفرق. يحب الرسول مع الله ولا يحب الرسول لله. كيف؟ تجده يحب الرسول أكثر من محبته لله، وهذا نوع من الشرك. أنت تحب الرسول لله؛ لأنه رسول الله، والمحبة في الأصل والأم محبة الله ﷿، لكن هؤلاء الذين غلوا في الرسول ﷺ، يحبون الرسول مع الله لا يحبونه لله، أي يجعلونه شريكًا لله في المحبة؛ بل أعظم من محبة الله. تجده إذا ذكر الرسول ﷺ اقشعر جلده من المحبة والتعظيم، لكن إذا ذكر الله فإذا هو بارد لا يتأثر.\nهل هذه محبة نافعة للإنسان؟ لا تنفعه، هذه محبة شركية، عليك أن تحب الله ورسوله، وأن تكون محبتك للرسول ﷺ نابعة من محبة الله وتابعة لمحبة الله، «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله» هذا الشاهد. تحب المرء لا تحبه إلا لله. لا تحبه لقرابة، ولا لمال، ولا لجاه، ولا لشيء من الدنيا، إنما تحبه لله.\nأما محبة القرابة فهي محبة طبيعية. كل يحب قريبه محبة طبيعية، حتى البهائم تحب أولادها، تجد الأم من البهائم والحشرات تحب أولادها حتى يكبروا ويستقلوا بأنفسهم، ثم تبدأ بطردهم.\n\nوإذا كان عندك هرة انظر إليها كيف تحنو على أولادها وتحملهم في","vol":"3","page":259},{"text":"أيام البرد، تدخلهم في الدفء، وتمسكهم بأسنانها، لكن لا تؤثر فيهم شيئًا؛ لأنها تمسكهم إمساك رحمة، حتى إذا فطموا واستقلوا بأنفسهم، بدأت تطردهم؛ لأن الله يلقي في قلبها الرحمة ما داموا محتاجين إليها، ثم بعد ذلك يكونون مثل غيرهم.\nفالشاهد أن محبة القرابة محبة طبيعية، لكن إذا كان قريبك من عباد الله الصالحين، فأحببته فوق المحبة الطبيعية فأنت أحببته لله.\n«أن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يقذف في النار» يعني: يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه.\nوهذه ظاهرة فيمن كان كافرًا ثم أسلم، لكن من ولد في الإسلام فيكره أن يكون في الكفر بعد أن من الله عليه بالإسلام كما يكره أن يقذف في النار، يعني أنه لو قذف في النار لكان أهون عليه من أن يعود كافرًا بعد إسلامه، وهذا والحمد لله حال كثير من المؤمنين. كثير من المؤمنين لو قيل له: تكفر أو نلقيك من أعلى شاهق في البلد أو نحرقك لقال: احرقوني. ألقوني من أعلى شاهق ولا أرتد من بعد إسلامي.\n\nوهذا مراد الردة الحقيقية التي تكون في القلب، أما من أكره على الكفر فكفر ظاهرًا لا باطنًا، بل قلبه مطمئن بالإيمان، فهذا لا يضره لقوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) [النحل: ١٠٦، ١٠٧]، لما","vol":"3","page":260},{"text":"قيل لهم: نقتلكم أو اكفروا، فباعوا الآخرة بالدنيا، وكفروا ليبقوا، فاستحبوا الدنيا على الآخرة، وأن الله لا يهدي القوم الكافرين. نسأل الله لنا ولكم الهداية.\nوأن يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار.\nثم ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعنه امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» فهؤلاء سبعة وليس المراد بالسبعة العدد، يعني أنهم سبعة أنفار فقط، ولكنهم سبعة أصناف؛ لأنهم قد يكونون عددًا لا يحصيهم إلا الله ﷿.\n\nونحن لا نتكلم على ما ساق المؤلف الحديث من أجله؛ لأن هذا سبق لنا وقد شرحناه فيما مضى، ولكن نتكلم على مسألة ضل فيها كثير من الجهال، وهي قوله: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» حيث توهموا جهلًا منهم أن هذا هو ظل الله نفسه، وأن الله تعالى يظلهم من الشمس بذاته ﷿، وهذا فهم خاطئ منكر، يقوله بعض المتعالمين الذين يقولون: إن مذهب أهل السنة إجراء النصوص على ظاهرها فيقال أين الظاهر؟! وأين يكون ظاهر الحديث وأن الرب جل وعلا يظلهم من الشمس؟!","vol":"3","page":261},{"text":"فإن هذا يقتضي أن تكون الشمس فوق الله ﷿، وهذا شيء منكر لا أحد يقول به من أهل السنة، لكن مشكلات الناس ولاسيما في هذا العصر؛ أن الإنسان إذا فهم؛ لم يعرف التطبيق، وإذا فهم مسألة؛ ظن أنه أحاط بكل شيء علمًا.\nوالواجب على الإنسان أن يعرف قدر نفسه، وألا يتكلم - لا سيما في باب الصفات - إلا بما يعلم من كتاب الله سنة رسوله ﷺ وكلام الأئمة.\nفمعنى «يوم لا ظل إلا ظله» أو «يظلهم الله في ظله» يعني الظل الذي لا يقدر أحد عليه في ذلك الوقت؛ لأنه في ذلك الوقت لا بناء يبنى، ولا شجر يغرس، ولا رمال تقام، ولا أحجار تصفف، ولا شيء من هذا. قال الله ﷿: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا) لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا) [طه: ١٠٥، ١٠٧] .\nولا يظل الخلائق من الشمس شيء، لا بناء ولا شجر، ولا حجر، ولا غير ذلك. لكن الله ﷿ يخلق شيئًا يظلل به من شاء من عباده، يوم لا ظل إلا ظله، هذا هو معنى الحديث، ولا يجوز أن يكون له معنى سوى هذا.\nوالشاهد من هذا الحديث لهذا الباب قوله «رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» يعني أنهما جرت بينهما محبة، لكنها محبة في الله، لا في مال، ولا جاه، ولا نسب، ولا أي شيء، إنما هو محبة الله ﷿، رآه قائمًا بطاعة الله، متجنبًا لمحارم الله، فأحبه من أجل ذلك، فهذا هو الذي يدخل في هذا الحديث: «تحابا في الله» .","vol":"3","page":262},{"text":"وقوله: «اجتمعا عليه وتفرقا عليه» يعني اجتمعا عليه في الدنيا وبقيت المحبة بينهما حتى فرق بينهما الموت تفرقا وهما على ذلك.\nوفي هذا إشارة إلى أن المتحابين في الله لا يقطع محبتهم في الله شيء من أمور الدنيا، وإنما هم متحابون في الله لا يفرقهم إلا الموت، حتى لو أن بعضهم أخطأ على بعض، أو قصر في حق بعض، فإن هذا لا يهمهم؛ لأنه إنما أحبه لله ﷿، ولكنه يصحح خطأه ويبين تقصيره؛ لأنه هذا من تمام النصيحة، فنسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من المتحابين فيه، المتعاونين على البر والتقوى إنه جواد كريم.\n\n* * *\n٣/٣٧٧ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» رواه مسلم.\n٤/٣٧٨ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» .\n\n٥/٣٧٩ - وعنه عن النبي ﷺ: «أن رجلًا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكًا» وذكر الحديث إلى قوله: «إن الله قد أحبك كما أحببته»","vol":"3","page":263},{"text":"رواه مسلم وقد سبق بالباب قبله.\n٨/٣٨٢ - وعن أبي إدريس الخولاني ﵀ قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء، أسندوه إليه، وصدورا عن رأيه، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل ﵁ فلما كان من الغد، هجرت، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله، فقال: آلله؟ فقلت ألله، فقال: آلله؟ فقلت: ألله فأخذني بحبوة ردائي، فجبذني إليه، فقال: أبشر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتياذلين فيّ» حديث صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح.\nقوله: «هجرت» أي بكرت، وهو بتشديد الجيم. قوله: «آلله فقلت ألله» الأول بهمزة ممدودة للاستفهام والثاني بلا مد.\n\n٩/٣٨٣ - عن أبي كريمة المقداد بن معدي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الرجل أخاه فليخيره أنه يحبه» رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.\n١٠/٣٨٤ - وعن معاذ ﵁، أن رسول الله ﷺ، أخذ بيده وقال: «يا","vol":"3","page":264},{"text":"معاذ والله، إني لأحبك، ثم أوصيك يا معاذ: لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكر وشكرك وحسن عبادتك» . رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.\n١١/٣٨٥ - وعن أنس ﵁، أن رجلًا كان عند النبي ﷺ، فمر رجل به، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ «أأعلمته؟» قال: لا قال: «أعلمه» فلحقه. فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له. رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث كلها في بيان المحبة وأن الإنسان ينبغي له أن يكون حبه لله وفي الله، وفي الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ حيث قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» .\n\nففي هذا دليل على أن المحبة من كمال الإيمان، وأنه لا يكمل إيمان العبد حتى يحب أخاه، وأن من أسباب المحبة أن يفشي الإنسان السلام بين إخوانه، أي يظهره ويعلنه، ويسلم على من لقيه من المؤمنين، سواء عرفه أو لم يعرفه، فإن هذا من أسباب المحبة، ولذلك إذا مر بك رجل وسلم عليك أحببته، وإذا أعرض؛ كرهته ولو كان أقرب الناس إليك.","vol":"3","page":265},{"text":"فالذي يجب على الإنسان؛ أن يسعى لكل سبب يوجب المودة والمحبة بين المسلمين؛ وليس من المعقول ولا من العادة أن يتعاون الإنسان مع شخص لا يحبه، ولا يمكن التعاون على الخير والتعاون على البر والتقوى إلا بالمحبة، ولهذا كانت المحبة في الله من كمال الإيمان.\nوفي حديث معاذ ﵁ إخبار النبي ﷺ أنه يحبه، وقوله لأنس لما قال له: إني أحب هذا الرجل. قال له «أأعلمته» فدل هذا على أنه منه السنة إذا أحببت شخصًا أن تقول: إني أحبك، وذلك لما في هذه الكلمة من إلقاء المحبة في قلبه؛ لأن الإنسان إذا علم أنك تحبه أحبك مع أن القلوب لها تعارف وتآلف وإن لم تنطق الألسن.\n\nوكما قال النبي ﵊: «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» لكن إذا قال الإنسان بلسانه؛ فإن هذا يزيده محبة في القلب فتقول: إني أحبك في الله.\nوفي قوله ﵊: «لا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة» يعني: في آخر كل صلاة؛ لأن دبر الشيء من الشيء كدبر الحيوان، وقد ورد هذا الحديث بلفظ واضح يدل على أن الإنسان يقولها قبل أن يسلم فيقول قبل السلام: «اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك»","vol":"3","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>٤٧ - باب علامات حب الله تعالى للعبد والحث على التخلق بها والسعي في تحصيلها</span>\n\nقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة: ٥٤] .\n١/٣٨٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني، أعطيته، ولئن استعاذني، لأعيذ نه» رواه البخاري.\nمعنى «آذنته»: أعلمته بأني محارب له. وقوله «استعاذني» روي بالباء وروي بالنون.\n\n٢/٣٨٧ - وعنه عن النبي ﷺ، قال: «إذا أحب الله تعالى العبد، نادى جبريل، إن الله تعالى يحب فلانًا، فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» متفق","vol":"3","page":267},{"text":"عليه.\nوفي رواية لمسلم: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا، فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانًا، فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم توضع له البغضاء في السماء» .\n\n٣/٣٨٨ - وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ، بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه قي صلاتهم، فيختم بـ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فلما رجعوا، ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ: «أخبروه أن الله تعالى يحبه» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب علامات حب الله تعالى للعبد، يعني علامة أن الله تعالى يحب العبد؛ لأن لكل شيء علامة، ومحبة الله","vol":"3","page":268},{"text":"للعبد لها علامة؛ منها كون الإنسان متبعًا لرسول الله ﷺ فإنه كلما كان الإنسان لرسول الله ﷺ أتبع؛ كان لله أطوع، وكان أحب إلى الله تعالى.\nواستشهد المؤلف ﵀ لذلك بقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: ٣١] . يعني إن كنتم صادقين في أنكم تحبون الله فأروني علامة ذلك: اتبعوني يحببكم الله.\n\nوهذه الآية تسمى عند السلف آية الامتحان، يمتحن بها من ادعى محبة الله فينظر إذا كان يتبع الرسول ﵊؛ فهذا دليل على صدق دعواه.\nوإذا أحب الله؛ أحبه الله ﷿، ولهذا قال: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وهذه ثمرة جليلة؛ أن الله تعالى يحبك؛ لأن الله تعالى إذا أحبك؛ نلت بذلك سعادة الدنيا والآخرة.\nثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب» من عادى لي وليًا: يعني صار عدوا لولي من أوليائي، فإنني أعلن عليه الحرب، يكون حربًا لله. الذي يكون عدوا لأحد من أولياء الله فهو حرب لله والعياذ بالله مثل أكل الربا (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة: ٢٧٩] .\nولكن من هو ولي الله؟ ولي الله ﷾ في قوله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس: ٦٢، ٦٣] .\nهؤلاء هم أولياء الله، فمن كان مؤمنًا تقيًا؛ كان لله وليًا، هذه هي","vol":"3","page":269},{"text":"الولاية، وليست الولاية أن يخشوشن الإنسان في لباسه، أو أن يترهبن أمام الناس، أو أن يطيل كمه أو أن يخنع رأسه؛ بل الولاية الإيمان والتقوى (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فمن عادى هؤلاء فإنه حرب لله والعياذ بالله.\nثم قال الله ﷿ في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى مما افترضه عليه» يعني أحب ما يحب الله الفرائض. فالظهر أحب إلى الله من راتبة الظهر، والمغرب أحب إلى الله من راتبة المغرب، والعشاء أحب إلى الله من راتبة العشاء، والفجر أحب إلى الله من راتبة الفجر، والصلاة المفروضة أحب إلى الله من قيام الليل، كل الفرائض أحب إلى الله من النوافل، والزكاة أحب إلى الله من الصدقة، وحج الفريضة أحب إلى الله من حج التطوع، كل ما كان أوجب فهو أحب إلى الله ﷿.\n«وما تقرب إلى عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليَ بالنوافل حتى أحبه» وفي هذا إشارة إلى أن من أسباب محبة الله أن تكثر من النوافل ومن التطوع؛ نوافل الصلاة، نوافل الصدقة، نوافل الصوم، نوافل الحج، وغير ذلك من النوافل.\n\nفلا يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل حتى يحبه الله، فإذا أحبه الله كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصره به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سأله ليعطينه، ولئن استعاذه ليعيذنه.\n«كنت سمعه» يعني: أنني أسدده في سمعه، فلا يسمع إلا ما يرضي الله، «وبصره» أسدده في بصره فلا يبصر إلا ما يحب الله «ويده التي يبطش بها» فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله «ورجله التي يمشي بها» فلا","vol":"3","page":270},{"text":"يمشي برجله إلا لما يرضي الله ﷿، فيكون مسددًا في أقواله وفي أفعاله.\n«ولئن سألني لأعطينه» هذه من ثمرات النوافل ومحبة الله ﷿؛ أنه إذا سأل الله أعطاه، «ولئن استعاذني» يعني استجار بي مما يخاف من شره «لأعيذنه» فهذه من علامة محبة الله؛ أن يسدد الإنسان في أقواله وأفعاله، فإذا سدد دل ذلك على أن الله يحبه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم) [الأحزاب: ٧٠، ٧١] .\n\nوذكر أيضًا أحاديث أخرى في بيان محبة الله ﷾ وأن الله تعالى إذا أحب شخصًا نادى جبريل، وجبريل أشرف الملائكة، كما أن محمدًا ﷺ أشرف البشر. «نادى جبريل إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» فيحبه أهل الأرض.\nوإذا أبغض الله أحدًا - والعياذ بالله - نادى جبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض، والعياذ بالله؛ فيبغضه أهل الأرض وهذا أيضًا من علامات محبة الله، أن يوضع للإنسان القبول في الأرض، بأن يكون مقبولًا لدى الناس، محبوبًا إليهم، فإن هذا من علامات محبة الله تعالى للعبد. نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من أحبابه وأوليائه.","vol":"3","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>٤٨ - باب التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين</span>\n\nقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [الأحزاب: ٥٨]\n\nوقال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى: ٩، ١٠] .\nوأما الأحاديث، فكثيرة منها:\nحديث أبي هريرة ﵁ في الباب قبل هذا: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» .\nومنها حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ السابق في «باب ملاطفة اليتيم» وقوله ﷺ: «يا أبا بكر لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك» .\n١/٣٨٩ - وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى صلاة الصبح، فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم» رواه مسلم.","vol":"3","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - باب التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين ونحوهم، ثم ساق المؤلف قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [الأحزاب: ٥٨] .\n\nوالأذية: هي أن تحاول أن تؤذي الشخص بما يتألم منه قلبيًا، أو بما يتألم منه بدنيًا؛ سواء كان ذلك بالسب، أو بالشتم، أو باختلاق الأشياء عليه، أو بمحاولة حسده، أو غير ذلك من الأشياء التي يتأذى بها المسلم.\nوهذا كله حرام؛ لأن الله ﷾ بين أن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإنما مبينًا.\nوفهم من الآية الكريمة أنه إذا آذى المؤمنين بما اكتسبوا فإنه ليس عليه شيء مثل إقامة الحد على المجرم، وتغريم الظالم، وما أشبه ذلك، فهذا وإن كان فيه أذية، لكنها بكسبه، فقد قال الله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر) [النور: ٢] .\nولا حرج من أن يؤذي الإنسان شخصًا بسبب كسبه هو وجنايته على نفسه، فإن ذلك لا يؤثر عليه شيئًا.\n\nثم أشار المؤلف إلى أحاديث تدل على التحذير من أذية المؤمنين، ومنها ما سبق من حديث أبي هريرة ﵁ أن الله قال: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب» فالذي يعادي أحدا من أولياء الله؛ فإن الله تعالى","vol":"3","page":273},{"text":"يعلن عليه الحرب، ومن كان حربًا لله تعالى؛ فهو خاسر.\nقال أهل العلم: وأنواع الأذى كثيرة، منها أن يؤذي جاره، ومنها أن يؤذي صاحبه، ومنها أن يؤذي من كان معه في عمل من الأعمال - وإن لم يكن بينهم صداقة - بالمضايقة وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام والواجب على المسلم الحذر منه.","vol":"3","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>٤٩ - باب إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى</span>\n\nقال الله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥] .\n١/٣٩٠ - وعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى» متفق عليه.\n\n٣/٣٩١ - وعن أبي عبد الله طارق بن أشيم ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله تعالى» رواه مسلم.\n٣/٣٩٢ - وعن أبي معبد المقداد بن الأسود ﵁، قال: قلت لرسول الله ﷺ: أرايت إن لقيت رجلًا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال «أسلمت لله» أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال «لا تقتله» .","vol":"3","page":275},{"text":"فقلت: يا رسول الله قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ !\nفقال: «لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» متفق عليه.\nومعنى «أنه بمنزلتك» أي: معصوم الدم محكوم بإسلامه، ومعنى «أنك بمنزلته» أي: مباح الدم بالقصاص لورثته، لا أنه بمنزلته في الكفر، والله أعلم.\n\n٤/٣٩٣ - وعن أسامة بن زيد ﵄، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا المدينة، بلغ ذلك النبي ﷺ فقال لي: «يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فما زال يكررها على حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) متفق عليه.\nوفي رواية: فقال رسول الله ﷺ: «أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟!» قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!» فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.\n«الحرقة» بضم الحاء المهملة وفتح الراء: بطن من جهينة القبيلة المعروف، وقوله: «متعوذًا»: أي معتصمًا بها من القتل لا معتقدًا لها.","vol":"3","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب حمل الناس على ظواهرهم، وأن يكل الإنسان سرائرهم إلى الله ﷿.\nأولًا: اعلم أن العبرة في الدنيا بما في الظواهر؛ اللسان والجوارح، وأن العبرة في الآخرة بما في السرائر بالقلب.\nفالإنسان يوم القيامة يحاسب على ما في قلبه، وفي الدنيا على ما في لسانه وجوارحه، قال الله ﵎: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) [الطارق: ٨، ٩]، تختبر السرائر والقلوب. وقال تعالى: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) [العاديات: ٩ ـ١١] .\nفاحرص يا أخي على طهارة قلبك قبل طهارة جوارحك. كم من إنسان يصلي، ويصوم، ويتصدق، ويحج، لكن قلبه فاسد.\nوهاهم الخوارج حدث عنهم النبي ﵊؛ أنهم يصلون، ويصومون، ويتصدقون، ويقرؤون القرآن، ويقومون الليل، ويبكون، ويتهجدون، ويحقر الصحابي صلاته عند صلاتهم، لكن قال النبي ﵊: «لا يجاوز إيمانهم حناجرهم» لا يدخل الإيمان قلوبهم.","vol":"3","page":277},{"text":"مع أنهم صالحو الظواهر، لكن ما نفعهم. فلا تغتر بصلاح جوارحك، وانظر قبل كل شيء إلى قلبك، أسأل الله أن يصلح قلبي وقلوبكم. أهم شيء هو القلب.\n\nرفع رجل إلى الرسول ﵊ قد شرب الخمر فجلده، ثم رفع إليه مرة أخرى فجلده، فسبه رجل من الصحابة، وقال: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى الرسول ﵊.\nفقال له الرسول ﷺ: «لا تلعنه؛ فإن يحب الله ورسوله» فالقلب هو الأصل ولهذا قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة: ٤١] .\nأما في الدنيا بالنسبة لنا مع غيرنا، فالواجب إجراء الناس على ظواهرهم؛ لأننا لا نعلم الغيب، ولا نعلم ما في القلوب، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وقد قال النبي ﵊: «إنما أقضي بنحو ما أسمع»\nولسنا مكلفين بأن نبحث عما في قلوب الناس، ولهذا قال الله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التوبة: ٥]، يعني المشركين إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة؛ فخلوا سبيلهم وأمرهم إلى الله، إن الله غفور رحيم.","vol":"3","page":278},{"text":"وقال النبي ﵊ فيما رواه ابن عمر ﵄: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله» .\nوبذلك يكون العمل بالظواهر؛ فإذا شهد إنسان أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة؛ عصم دمه وماله، وحسابه على الله؛ فليس لنا إلا الظاهر.\nوكذلك أيضا من قال لا إله إلا الله؛ حرم دمه وماله، هكذا قال النبي ﵊.\nثم ذكر المؤلف حديثين عجيبين فيهما قصتان عجيبتان:\nالأول: حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: يا رسول الله، إن لقيت رجلًا من المشركين، فقاتلته، فضربني بالسيف حتى قطع يدي، ثم لاذ مني بشجرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. أفأقتله؟\nقال: «لا تقتله» وهو مشرك قطع يد رجل مسلم، ولاذ بالشجرة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أأقتله؟\nقال «لا تقتله»، فإن قتلته فأنت مثله قبل أن يقول هذه الكلمة، يعني تكون كافرًا.\n\nمع العلم بأني أنا وأنتم، نظن أن هذا الرجل قال أشهد أن لا إله إلا الله خوفًا من القتل، ومع ذلك يقول: لا تقتله، فعصم دمه وماله.\nوفي هذا الحديث أيضًا الدليل على أن ما أتلفه الكفار من أموال","vol":"3","page":279},{"text":"المسلمين وما جنوه على المسلمين غير مضمون. يعني الكافر لو أتلف شيئًا للمسلمين، أو قتل نفسًا لا يضمن إذا أسلم، فالإسلام يمحو ما قبله.\nالقصة الثانية: بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد في سرية إلى الحرقة من جهينة، فلما وصلوا إلى القوم وغشوهم، هرب من المشركين رجل، فلحقه أسامة ورجل من الأنصار يتبعانه يريدان قتله، فلما أدركاه قال: لا إله إلا الله، أما الأنصاري فكان أفقه من أسامة، فكف عنه، تركه لما قال لا إله إلا الله. وأما أسامة فقتله.\nفلما رجعوا إلى المدينة. وبلغ ذلك النبي ﷺ قال لأسامة: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا لله» قال: نعم يا رسول الله؛ إنما قال ذلك يتعوذ من القتل، يستجير بها من القتل، قال: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله» قال: نعم قالها يتعوذ من القتل. كرر ذلك عليه، حتى قال له في رواية لمسلم: «ما تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءتك يوم القيامة؟» .\n\nيقول أسامة ﵁: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل هذا اليوم؛ لأنه لو كان كافرًا ثم أسلم عفا الله عنه، لكن الآن فعل هذا الفعل وهو مسلم، فهذا مشكل جدًا على أسامة.\nوالرسول ﷺ يكرر: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله» . «ما تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءتك يوم القيامة؟» . مع العلم بأن الذي يغلب على الظن ما فهمه أسامة؛ أنه قالها متعوذًا من القتل يستجير بها من القتل، لكن مع ذلك إذا قال لا إله إلا الله انتهى الأمر ويجب الكف عنه، ويعصم بذلك دمه وماله، وإن كان قالها متعوذًا أو قالها نفاقًا، فحسابه على الله.","vol":"3","page":280},{"text":"فهذا دليل على أننا نحمل الناس في الدنيا على ظواهرهم، أما ما في القلوب فموعده يوم القيامة، تنكشف السرائر، ويحصل ما في الضمائر، ولهذا علينا أيها الأخوة أن نطهر قلوبنا قبل كل شيء ثم جوارحنا.\n\nأما بالنسبة لمعاملتنا لغيرنا، فعلينا أن نعامل غيرنا بالظاهر. واسمع إلى قول الرسول ﷺ: «إنكم تختصمون إلىّ» يعني تخاصمون مخاصمات بينكم «ولعل يعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» يعني أفصح وأقوى دعوى «فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقتطع له جمرة من نار، فليستقل أو ليستكثر» .\nفحمل النبي ﵊ الأمر في الخصومة على الظاهر، لكن وراءك النار إذا كنت كاذبًا في دعواك، وأنك أخذت القاضي بلسانك وبشهادة الزور، فإنما يقتطع لك جمرة من النار فاستقل أو استكثر.\nوخلاصة ما تقدم: أن الإنسان في الدنيا على الظاهر، وأما يوم القيامة فعلى الباطن.\nفعلينا نحن أن نعامل غيرنا يظهر لنا من حاله، وأمره إلى الله، وعلينا نحن أنفسنا أن نطهر قلوبنا، لا يكون فيها شيء؛ لا يكون فيها بلاء، كبر، حقد، حسد، شرك، شك، نسأل الله أن يعيذنا من هذه الأخلاق، فإن هذا خطير جدًا.","vol":"3","page":281},{"text":"نسأل الله أن يهدينا وإياكم لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يجنبنا سيئات الأخلاق والأعمال، ولا يجنبنا إياها إلا هو.\n\n* * *\n٦/٣٩٥ - وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا، أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا، لم نأمنه، ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة» رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف فيما نقله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من رواية عبد الله بن عتبة بن مسعود؛ عمه عبد الله ابن مسعود - الصحابي الجليل ﵁؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إنا نعلم يعني عمن أسر سريرة باطلة في وقت الوحي بما بنزل من الوحي؛ لأن أناسًا في عهد الرسول ﵊ كانوا منافقين يظهرون الخير ويبطنون الشر، ولكن الله تعالى كان يفضحهم بما ينزل من الوحي على رسوله ﷺ، يفضحهم لا بأسمائهم، ولن بأوصافهم التي تحدد أعيانهم.","vol":"3","page":282},{"text":"والحكمة من ذكرهم بالأوصاف دون الأعيان؛ أن ذلك يكون للعموم، يعني لكل من اتصف بهذه الصفات، مثل قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُم نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِم إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ [التوبة: ٧٥، ٧٧]\nومثل قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) [التوبة: ٥٨]\nومثل قوله: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) [التوبة: ٧٩]\nوهذا كثير في سورة التوبة التي سماها بعض السلف: الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين.\nلكن لما انقطع الوحي صار الناس لا يعلمون من المنافق؛ لأن النفاق في القلب والعياذ بالله.\n\nيقول ﵁: من أظهر لنا خيرًا؛ أخذناه بما أطهر لنا، وإن أسر سريرة، يعني سيئة، ومن أظهر لنا شرًا، فإننا نأخذ بشره ولو أضمر ضميرةً طيبة؛ لأننا نحن لا نكلف إلا بالظاهر، وهذا من نعمة الله ﷾ علينا ألا نحكم إلا بالظاهر؛ لأن الحكم على الباطن من الأمور الشاقة، والله ﷿ لا يكلف نفسًا إلا وسعها.","vol":"3","page":283},{"text":"فمن أبدى خيرًا؛ عاملناه بخيره الذي أبداه لنا، ومن أبدى شرًا؛ عاملناه بشره الذي أبداه لنا، وليس لنا من نيته مسؤولية، النية موكولة إلى رب العالمين ﷿، الذي يعلم ما توسوس به نفس الإنسان.","vol":"3","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>٥٠ - باب الخوف</span>\n\nقال الله تعالى: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة: ٤٠] .\nوقال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) [البروج: ١٢] .\n\nوقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) [هود: ١٠٢ - ١٠٦] .\nوقال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨] .\nوقال تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٤ ـ٣٧] .\nوقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ١ ـ٢] .\n\nوقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٤٦] .\nوقال تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور: ٢٥ - ٢٨] .","vol":"3","page":285},{"text":"والآيات في الباب كثيرة جدًا معلومات، والغرض الإشارة إلى بعضها وقد حصل.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀: باب الخوف، الخوف ممن؟ الخوف من الله ﷿؛ لأن الذي يعبد الله يجب أن يكون خائفًا راجيًا؛ إن نظر إلى ذنوبه وكثرة أعماله السيئة خاف، إن نظر إلى أعماله الصالحة وأنه قد يشوبها شي من العجب والإدلال على الله خاف، إن نظر إلى عفو الله، ومغفرته، وكرمه، ورحمته رجا؛ فيكون دائرًا بين الخوف والرجاء.\nقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا) يعني: يعطون ما أعطوا من الأعمال الصالحة (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) خائفة ألا تقبل منهم (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون: ٦٠] .\nفينبغي بل يجب أن يكون سير الإنسان إلى الله ﷿ دائرًا بين الخوف والرجاء، لكن أيهما يغلب؟ هل يغلب الرجاء؟ أو يغلب الخوف؟ أو يجعلهما سواء؟\nقال الإمام أحمد ﵀: ينبغي أن يكون خوفه ورجاءه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء، صار من الآمنين من عذاب الله، وإن غلب جانب الخوف؛ صار من القانطين من رحمة الله، وكلاهما سيء، فينبغي أن يكون خوفه ورجاءه واحدًا.","vol":"3","page":286},{"text":"ثم ذكر المؤلف ﵀ آيات في سياق باب الخوف، سبق بعضها، ومنها قوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨]، يعني أن الله ﷿ يحذرنا من نفسه أن يعاقبنا على معاصينا وذنوبنا، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: ١، ٢] .\n\nهذا أيضًا فيه أن الإنسان يجب أن يخاف هذا اليوم العظيم، الذي قال الله عنه: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) يعني من شدة ما ترى من الأهوال ومن الأفزاع.\n(وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) يعني مشدوهين، ليس عندهم عقول، ولكنهم ليسوا بسكارى (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) .\nوقال الله ﵎: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) [عبس: ٣٤]، وسبق الكلام عليها.\nوقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٤٦]، إلى آخر السورة، أي من خاف المقام بين يدي الله ﷿، فإنه سوف يقوم بطاعته، ويخشى من عقابه، فله جنتان، وفي أثناء الآيات يقول: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٦٢]، فهذه أربع جنات لمن خاف مقام الله ﷿، ولكن الناس فيها درجات. نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من أهلها","vol":"3","page":287},{"text":"بمنه وكرمه.\nوأما الأحاديث فكثير جدًا، فنذكر منها طرفًا وبالله التوفيق.\n\n١/ ٣٩٦ - عن ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفه، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغه مثل ذلك، ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزق، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينهما إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون","vol":"3","page":288},{"text":"بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب الخوف والتحذير من الأمن من مكر الله، قال فيما نقله عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل أهل الجنة حتى ما يكون بيته وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» .\nقوله ﵁: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق، يعني الصادق فيما يقول، والمصدوق، فيما يوحى إليه من الوحي، وفيما يقال له من الوحي، فهو صادق لا يخبر إلا بالصدق، مصدوق لا ينبأ إلا بالصدق صلوات الله وسلامه عليه.\n\nوإنما قدم هذه المقدمة؛ لأنه سيخبر عن أمر غيبي باطن يحدث في ظلمات ثلاث: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة» إذا جامع الرجل امرأته، وألقى في رحمها الماء بقي أربعين يومًا وهو نطفة على ما هو عليه، ماء، لكنه يتغير شيئًا فشيئًا، يميل إلى الحمرة، حتى يتم عليه أربعون يومًا.\nفإذا تم عليه أربعون يومًا، إذا هو قد استكمل الحمرة وصار قطعة دم؛ علقة، فيمضي عليه أربعون يومًا أخرى وهو علقة، يعني قطعة دم، لكنها جامدة، ولكنه يثخن ويغلظ شيئًا فشيئًا، حتى يتم له ثمانون يومًا.\nفإذا تم له ثمانون يومًا فإذا هو مضغة؛ قطعة لحم، في الرحم هذه المضغة قال الله تعالى فيها: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) [الحج: ٥]، فتبقى أربعين يومًا، تخلق من واحد وثمانين يومًا إلى مائة وعشرين يومًا، ولا يتبين فيها الخلق تبينًا ظاهرًا إلا إذا تم لها تسعون يومًا في الغالب.\n\nفإذا مضى عليها أربعون يومًا وهي مضغة، أرسل الله إليها الملك","vol":"3","page":289},{"text":"الموكل بالأرحام؛ لأن الله ﷿ يقول: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدثر: ٣١]، فالملائكة جنود الله ﷿، وكل منهم موكل بشيء؛ منهم الموكل بالأرحام، ومنهم الموكل بالنفوس يقبضها، ومنهم الموكل بالأعمال يكتبها، ومنهم الموكل بالأبدان يحفظها، وظائف عظيمة للملائكة، أمرهم الله ﷿ بها.\nفيأتي ملك الأرحام إلى كل رحم، فينفخ فيه الروح بإذن الله ﷿، وهذه الروح أمر لا يعلمه إلا رب العالمين. قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥] ينفخها في هذا البدن، الذي هو قطعة لحم في الرحم، ليس فيها حراك ولا إحساس ولا شيء، فإذا نفخ هذه الروح دخلت في هذا البدن، فتسير فيه كما تسير الجمرة في الفحمة بإذن الله، أو الطين في المدر اليابس، فتدب في هذا الجسد حتى تدخل في الجسد كله، فيكون إنسانًا، يتحرك، وتحس الأم بتحركه بعد مائة وعشرين يومًا، وحينئذ يكون إنسانًا، أما قبل فهو ليس بشيء\n\nولو سقط الجنين قبل تمام مائة وعشرين يومًا، فليس له حكم من جهة الصلاة عليه، بل يؤخذ ويدفن في أي حفرة من الأرض، ولا يصلى عليه.\nأما إذا تم مائة وعشرين يومًا، يعني أربعة أشهر، صار حينئذ إنسانًا، فإذا سقط بعد ذلك، فإنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، لو كان قدر اليد، فإنه يصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين إن كان مسلمًا.\nوإن كان من أولاد النصارى، يعني أمه وأبوه من النصارى، فلا يدفن","vol":"3","page":290},{"text":"في مقابر المسلمين، بل يخرج ويدفن بدون تغسيل ولا تكفين؛ لأنه وإن كان طفلًا، فإن الرسول سئل عن أولاد المشركين فقال: «هم منهم» .\nوالحاصل أنه إذا تم له أربعة أشهر يغسل، ويكفن، ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويسمى، ويعق عنه على الأرجح ليشفع لوالديه يوم القيامة؛ لأنه يبعث يوم القيامة.\nقال النبي عليه والصلاة والسلام: «ويؤمر» الملك «بأربع» كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد.\nفيكتب رزقه: وكتب الرزق يعني هل هو قليل، أم كثير؟ ومتى يأتيه؟ وهل ينتقص أم لا ينتقص؟ المهم أنه يكتب كاملًا.\n\nويكتب أجله أيضًا: في أي يوم؟ وفي أي مكان؟ وفي أي ساعة؟ وفي أي لحظة؟ وعن بعد أم قرب؟ وبأي سبب من الأسباب موته؟ والمهم أنه يكتب كاملًا.\nويكتب عمله: هل هو صالح، أم سيء، أم نافع، أم قاصر على الشخص نفسه؟ والمهم يكتب كل أعماله.\nويكتب مآله: وما أدراك ما المآل؟ فيكتب هل هو شقي أم سعيد؟ (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا","vol":"3","page":291},{"text":"فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود: ١٠٦ـ١٠٨] .\nوكل هذا يكتب. لكن أين يكتب؟ وردت آثار أنه يكتب في جبينه على جبهته.\nفإن قال قائل: كيف تتسع الجبهة لكتاب هذه الأشياء كلها؟\nقلنا: لا تسأل عن أمور الغيب. ومن أنت حتى تسأل عن أمور الغيب؟ قل آمنت بالله وصدقت بالله وبرسوله، ولا تسأل: كيف؟\n\nوقد وقع الآن في وقتنا ما يشهد لمثل هذا - كمبيوتر قدر اليد يكتب به الإنسان آلاف الكلمات، وهو من صنع البشر. فما بالك بصنع الله ﷿.\nوالحاصل أن هذا من المسائل التي يخبر بها الرسول ﵊ وأنت لا تدركها بحسك، فإن الواجب عليك أن تصدق وتسلم؛ لأنك لو لم تصدق وتسلم إلا بما تدركه بحسك لم تكن مؤمنًا، وما كنت مؤمنًا بالغيب، فالذي يؤمن بالغيب هو الذي يقبل كل ما جاء عن الله ورسوله، ويقول آمنت بالله ورسوله وصدقت.\nقال: «فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» . ولكن أبشروا فإن هذا الحديث مقيد، بأنه لا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وأما الذي يعمل بعمل أهل الجنة بقلب وإخلاص فإن الله لا يخذله ﷿، والله أكرم من العبد، فإذا","vol":"3","page":292},{"text":"عملت بعمل أهل الجنة بإخلاص - نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين منهم - فإن الله لا يخذلك، لكن فيما يبدو للناس.\n\nوالدليل على هذا القيد ما ثبت في صحيح البخاري، أن رجلًا كان مع النبي ﷺ في غزوة، وكان شجاعًا مقدامًا، لا يترك للعدو شاذة ولا فاذة إلا قضى عليه، فتعجب الناس منه؛ ومن شجاعته، من إقدامه، فقال النبي ﷺ ذات يوم: «إنه من أهل النار» أعوذ بالله، هذا الشجاع الذي يفتك بالعدو من أهل النار؟ فكبُر ذلك على المسلمين، وعظم عليهم، وخافوا، كيف يصير هذا من أهل النار؟\nفقال رجل: والله لألزمنه؛ أتابعه وأراقبه؛ لأرى نهايته كيف تكون؟ فمشى معه، وفي أثناء القتال أصاب هذا الرجل الشجاع السهم فجزع، فأخذ بسيفه فسله، فوضعه في صدره، واتكأ عليه حتى خرج من ظهره، قتل نفسه جزعًا، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: وبم؟\nقال: الرجل الذي قلت إنه من أهل النار. حصل له كذا وكذا.\nفقال النبي ﷺ: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس»\nالحمد لله على هذا القيد، يعمل فيما يبدو للناس بعمل أهل الجنة وهو من أهل النار، يظنون أنه صالح، ولكن في قلبه فساد وهو من أهل النار.\n\nقال في حديث ابن مسعود: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» هذا عكس الأول.","vol":"3","page":293},{"text":"الأول: وجدنا له شاهدًا في الواقع وهي قصة هذا الرجل.\nوهذا له أيضًا شاهد في الواقع، يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وقع هذا عهد الرسول ﷺ، رجل يقال له الأصيرم من بني عبد الأشهل، كافر منابذ للدعوة الإلهية، ضد المسلمين، فلما كان في غزوة أحد، وخرج الناس من المدينة يغزون، ألقى الله في قلبه الإسلام، فأسلم وخرج يجاهد.\nفلما حصل ما حصل للمسلمين، وقتل منهم من قتل، وذهب الناس ينظرون في قتلاهم، فوجدوا الأصيرم، فقال له قومه: ما الذي جاء بك؛ فقد عهدناك ضد هذه الدعوة، أحدب على قومك، يعني عصبية، أم رغبة في الإسلام؟\nقال: بل رغبة في الإسلام، وأقرئوا الرسول ﷺ مني السلام، وأخبروه أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم مات، فأخبروا بذلك النبي ﷺ وأظنه قال: «إنه من أهل الجنة» فهذا الرجل أمضى عمره كله في الكفر، ضد الإسلام وضد المسلمين، وكان خاتمته هذه الخاتمة، عمل بعض أهل النار، حتى كم يكن بينه وبينهما إلا ذراع، فسبق عليه الكتاب، فعمل بعمل أهل الجنة، فكان من أهل الجنة.\nساق المؤلف هذا الحديث من أجل أن نخاف وأن نرجو، نخاف على أنفسنا من الفتنة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائمًا الثبات: اللهم ثبتني بالقول الثابت، وكان النبي على الصلاة والسلام يقول: «اللهم مقلب","vol":"3","page":294},{"text":"القلوب، ثبت قلبي على دينك، اللهم مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك» هذا هو النبي ﷺ.\nوأيضًا نأخذ من هذا الحديث ألا نيأس، ولا نيأس من شخص نجد على الكفر أو على الفسق، ربما يهديه الله في آخر لحظة، ويموت على الإسلام. نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يتوفانا على الإيمان بمنه وكرمه.\n\n* * *\n\n٢/٣٩٧ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم يؤمئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» رواه مسلم.\n٣/٣٩٨ - وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا» متفق عليه.\n٤/٣٩٩ وعن سمرة بن جندب ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: «منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى","vol":"3","page":295},{"text":"حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته»\n«الحجزة»: معقد الإزار تحت السرة. و«الترقوة» بفتح التاء وضم القاف: هي العظم الذي عند ثغرة النحر، وللإنسان ترقوتان في جانبي النحر.\n٥/٤٠٠ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» متفق عليه.\n«والرشح» العرق.\n\n٦/٤٠١ - وعن أنس ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلً ولبكيتم كثيرًا» فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم، ولهم خنين. متفق عليه.\nوفي رواية: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب، فقال: «عرضت علي الحنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قيلًا، ولبكيتم كثيرًا» فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه غطوا رؤوسهم ولهم خنين.\n«الخنين» بالخاء المعجمة: هو البكاء مع غنة وانتشاق الصوت من الأنف.","vol":"3","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀، كلها أحاديث تفيد الخوف من يوم القيامة ومن عذاب النار، فذكر أحاديث منها:\nأنه يؤتى يوم القيامة بجهنم، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، وهذا يدل على هول هذه النار - نسأل الله أن يعيذنا والمسلمين منها، ومن هول ذلك اليوم ـ؛ لأن الله تعالى جعل سبعين ألف ملك مع كل زمام من سبعين ألف زمام يجرون بها جهنم والعياذ بالله. فهذا العدد الكبير من الملائكة يدل على أن الأمر عظيم والخطر جسيم.\nوبين النبي ﷺ أن أهون أهل النار عذابًا، من يوضع في قدميه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه. وهو يرى أنه أشد الناس عذابًا، وأنه لأهونهم؛ لأنه لو رأى غيره؛ لهان عليه الأمر، وتسلى به، ولكنه يرى أنه أشد الناس عذابًا والعياذ بالله، فحينئذ يتضجر ويزداد بلاء ومرضا نفسيًا والعياذ بالله، ولذلك ذكر النبي ﷺ هذا الحديث تحذيرًا لأمته من عذاب النار.\nوذكر أيضًا أن من الناس من تبلغ النار إلى كعبيه وإلى ركبتيه وإلى حُجزته.\nوذكر أيضًا أن الناس في يوم القيامة يبلغ العرق منهم إلى الكعبين، وإلى الركبتين، والحقوين، ومن الناس من يلجمه العرق.\nفالأمر خطير، فيجب علينا جمعيًا أن نحذر من أهوال هذا اليوم، وأن نخاف الله ﷾، فنقوم بما أوجب علينا، وندع ما حرم علينا.","vol":"3","page":297},{"text":"نسأل الله أن يعيننا والمسلمين على ذلك بمنه وكرمه.\n\n* * *\n\n٧/٤٠٢ - وعن المقداد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل» .\n\nقال سليم بن عامر الراوي عن المقداد: فو الله ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين «فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حِقوية، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما» وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه» رواه مسلم.\n٨/٤٠٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم» متفق عليه.\nومعنى «يذهب في الأرض»: ينزل ويغوص.\n٩/٤٠٤ - وعنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة فقال: «هل تدرون ما هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وجبتها» رواه","vol":"3","page":298},{"text":"مسلم.\n\n١٠/٤٠٥ - وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» متفق عليه.\n١١/٤٠٦ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\nو«أطت» بفتح الهمزة وتشديد الطاء، و«تئط» بفتح التاء وبعدها همزة مكسورة، والأطيط: صوت الرحل والقتب وشبههما، ومعناه: أن كثرة من في السماء من الملائكة العابدين قد أثقلتها حتى أطت.\nو«الصعدات» بضم الصاد والعين: الطرقات: ومعنى «تجأرون»: تستغيثون.\n\n١٢/٤٠٧ - وعن أبي برزة - براء ثم زاي - نضله بن عبيد الأسلمي رضي الله","vol":"3","page":299},{"text":"عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، كلها تدل على عظم يوم القيامة، وأن على المؤمن أن يخاف من هذا اليوم العظيم.\nذكر أحاديث فيها دنو الشمس من الخلائق بقدر ميل، قال سليم بن عامر الراوي عن المقداد: لا أدري أيريد بذلك: مسافة الأرض، أم ميل المكحلة، وكلاهما قريب، وإذا كانت الشمس في أوجها في الدنيا وبعدها عنا بهذه الحرارة، فكيف إذا كانت بهذا القرب؟ !\n\nولكن هذه الشمس ينجو منها من شاء الله، فإن الله تعالى يظل أقوامًا بظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم من سبق ذكره وهم: السبعة الذين بظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال؛ فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه.","vol":"3","page":300},{"text":"وكذلك من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، المهم أن هناك أناسًا ينجون من هذه الشمس، فيظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nوذكر أحاديث العرق، وأن الناس يعرقون، حتى يبلغ العرق من الأرض سبعين ذراعًا، وحتى يلجم بعضهم إلجامًا، وبعضهم يصل إلى كعبيه، وبعضهم إلى ركبتيه، وبعضهم إلى حقويه، يختلف الناس حسب أعمالهم في هذا العرق.\nوذكر أيضًا أحاديث أخرى، فيها التحذير من نار جهنم، نسأل الله لنا والمسلمين السلامة منها.\n\nوالحاصل أن الإنسان إذا قرأ هذه الأحاديث وغيرها مما لم يذكره المؤلف، فإن المؤمن يخاف ويحذر، وليس بين الإنسان وبين هذا إلا أن ينتهي أجله في الدنيا، ثم ينتقل إلى دار الجزاء؛ لأنه ينتهي العمل. أحسن الله لنا وللمسلمين الخاتمة.\n\n* * *\n١٥/٤١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من خاف أدلج، ومن أدلج، بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، إن سلعة الله الجنة» رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\nو«أدلج» بإسكان الدال، ومعناه: سار من أول الليل، والمراد: التشمير في","vol":"3","page":301},{"text":"الطاعة. والله أعلم.\n١٦/٤١١ - وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا» قلت: يا رسول الله: الرجال والنساء جميعا؛ ينظر بعضهم إلى بعض!؟ قال «يا عائشة الأمرأشد من أن يهمهم ذلك» .\nوفي رواية: «الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض» متفق عليه.\n«غرلًا» بضم الغين المعجمة، أي: غير مختونين.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ﵀ في باب الخوف: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» أدلج يعني: مشى في الدلجة، وهي أول الليل «ومن أدلج بلغ المنزل»؛ لأنه إذا سار في أول الليل، فهو يدل على اهتمامه في المسير، وأنه جاد فيه، ومن كان كذلك بلغ المنزل.\n«ألا وإن سلعة الله غالية، ألا وإن سلعة الله الجنة» .\nالسلعة: يعني التي يعرضها الإنسان للبيع، والجنة قد عرضها الله ﷿ لعباده ليشتروها. قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ","vol":"3","page":302},{"text":"أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: ١١١] .\nفمن خاف: يعني من كان في قلبه خوف لله؛ عمل العمل الصالح الذي ينجيه مما يخاف.\n\nوأما حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «يحشر الناس» يعني يجمعون يوم القيامة «حفاة» ليس لهم نعال «عراة» ليس عليهم ثياب «غرلًا» غير مختونين.\nيخرج الناس من قبورهم كيوم ولدتهم أمهاتهم يعني في كمال الخلقة، كما قال تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) [الأنبياء: ١٠٤]، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، الرجال والنساء، يعني عراة ينظر بعضهم إلى بعض. قال: الأمر أكبر أو أعظم من أن يهمهم ذلك، أو من أن ينظر بعضهم إلى بعض، أي: إن الأمر عظيم جدًا، لا ينظر أحد إلى أحد (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٧] .\nنسأل الله تعالى أن ينجينا وإياكم من عذاب النار، وأن يجعلنا وإياكم ممن يخافه ويرجوه.","vol":"3","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>٥١ - باب الرجاء</span>\n\nقال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: ٥٣] .\nوقال تعالى: (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) [سبأ: ١٧] .\n\nوقال تعالى: (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [طه: ٤٨] .\nوقال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: ١٥٦] .\n١/٤١٢ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من شهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» . متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ حرم الله عليه النار» .\n٢/٤١٣ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: يقول الله ﷿: من جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة، فجزاء سيئة","vol":"3","page":304},{"text":"سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا؛ تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا، تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا؛ لقيته بمثلها مغفرة» . رواه مسلم.\n\nمعنى الحديث: «من تقرب إلى بطاعتي «تقربت» إليه برحمتي، وإن زاد زدت، «فإن أتاني يمشي» وأسرع في طاعتي «أتيته هرولة» أي: صببت عليه الرحمة، وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود. «وقراب الأرض» بضم القاف ويقال بكسرها، والضم أصح، وأشهر، ومعناه: ما يقارب ملأها، والله أعلم.\n٣/٤١٤ - وعن جابر ﵁، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا؛ دخل الجنة؛ ومن مات يشرك به شيئًا؛ دخل النار» رواه مسلم.\n٤/٤١٥ - وعن أنس ﵁، أن النبي ﷺ، ومعاذ رديفه على الرحل قال: «يا معاذ» . قال لبيك يا رسول الله، وسعديك، قال: «يا معاذ» قال: لبيك يا رسول الله، وسعديك، قال: «يا معاذ» قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثًا، قال: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار» قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟","vol":"3","page":305},{"text":"قال: «إذا يتكلوا» فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا. متفق عليه.\n\nوقوله؛ «تأثمًا» أي: خوفا من الإثم في كتم هذا العلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف ﵀ باب الخوف؛ ذكر باب الرجاء، وكأنه ﵀ يغلب جانب الخوف، أو يقول: إذا رأيت الخوف قد غلب عليك؛ فافتح باب الرجاء.\nثم ذكر المؤلف آيات وأحاديث؛ منها قول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: ٥٣] .\nهذه الآية نزلت في التائبين، فإن تاب؛ تاب الله عليه وإن عظم ذنبه، كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]\n\nفمن تاب من أي ذنب؛ فإن الله يتوب عليه مهما عظم ذنبه، لكن إن كانت المعصية في أمر يتعلق بالمخلوقين، فلابد من إيفائهم حقهم في","vol":"3","page":306},{"text":"الدنيا قبل الآخرة، حتى تصح توبتك.\nأما غير التائبين، فقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨] فغير التائبين إن كان عملهم كفرًا، فإنه لا يغفر، وإن كان سوى الكفر، فإنه تحت المشيئة،؛ إن شاء الله عذب عليه، وإن شاء غفر له.\nلكن إن كان من الصغائر، فإن الصائر تكفر باجتناب الكبائر، وببعض الأعمال الصالحة.\nثم ذكر المؤلف أحاديث متعددة في هذا الباب، وكلها أحاديث توجب للإنسان قوة الرجاء بالله ﷿، حتى يلاقي الإنسان ربه وهو يرجو رحمته، ويغلبها على جانب الخوف.\nوفيها أحاديث مطلقة مقيدة بنصوص أخرى، مثل ما ذكره ﵀ في أن من لقي الله ﷿ لا يشرك يه شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار. المراد بهذا: الشرك وكذلك الكفر؛ ككفر الجحود والاستكبار وما أشبه ذلك، فإنه داخل في الشرك الذي لا يغفر. نسأل الله أن يجعلنا ممن يرجو رحمته ويخافون عذابه.\n\n* * *\n\n٦/٤١٧ - وعن عتبان بن مالك ﵁، وهو ممن شهد بدرًا، قال: كنت اصلي لقومي ببني سالم، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار، فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار، فيشق علي","vol":"3","page":307},{"text":"اجتيازه، فوددت أنك تأتي، فتصلي في بيتي مكانا أتخذه مصلى. فقال رسول الله ﷺ «سأفعل» فغدا علي رسول ﷺ وأبو بكر الصديق، ﵁ بعد ما أشتد النهار واستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟» فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبر وصفننا وراءه فصلى ركعتين، ثم سلم وسلمنا حين سلم فحبسته على خزيرة تصنع له، فسمع أهل الدار أن رسول الله ﷺ بيتي، فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت فقام رجل: ما فعل مالك لا أراه!\n\nفقال رجل: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رجل: ما فعل رسول الله ﷺ: «لا تقل ذلك، ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى؟!» .\nفقال: الله ورسوله أعلم، أما نحن فو الله ما نرى وده، ولا حديثه إلا إلى المنافقين! فقال رسول الله ﷺ: «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي يذلك وجه الله» متفق عليه.\nو«عتبان» بكسر العين المهملة، وإسكان التاء المثناه فوق وبعدها باء موحدة. و«الخريرة» بالخاء المعجمة، والري: هي دقيق يطبخ بشحم.\nوقوله: «ثاب رجال» بالتاء المثلثة، أي: جاؤوا واجتمعوا.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عتبان بن مالك رضي الله","vol":"3","page":308},{"text":"عنه، وكان يؤم قومه بني سالم، وكان بينه؛ أي بين بيته وبين قومه وادٍ يعني شعيب يجري فيه السيل. فإذا جاء السيل؛ شق عليه عبوره.\nوأضف إلى ذلك أن بصره ضعف، فصار يشق عليه مرتين؛ من جهة المشي، ومن جهة البصر والنظر. فجاء فأخبر النبي ﷺ بذلك، وطلب منه أن يأتي إلى بيته ليصلي في مكان من البيت، يتخذه عتبان مصلى يصلي فيه، وإن لم يكن مسجدًا.\n\nفقال النبي ﷺ: «سأفعل» ثم خرج هو وأبو بكر ﵁ حين اشتد النهار، وكان أبو بكر رفيقه حضرًا وسفرًا، لا يفارقه، كثيرًا ما يكون معه، وكثيرًا ما يقول الرسول ﵊: جئت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، رجعت أنا وأبو بكر وعمر.\nفهما صاحباه ووزيراه ﵄، صاحباه في الدنيا، وصاحباه في البرزخ، وقريناه يوم القيامة هؤلاء الثلاثة يقومون لله رب العالمين من مكان واحد، من البيت الذي دفن فيه الرسول عليه والصلاة والسلام، والذي أصبح الآن في قرارة المسجد النبوي.\nانظر إلى الحكمة: اختار الله ﷿ أن يكون البيت الذي دفن فيه الرسول داخل المسجد؛ ليقوم هؤلاء الثلاثة يوم القيامة من وسط المسجد، مسجد النبي عليه والصلاة والسلام.\nوعلى هذا لا تكره شيئًا اختاره الله، قد يختار الله شيئًا فيه مصلحة عظيمة لا تدري عنها أنت، كره الناس أن يكون بيت الرسول الذي دفن فيه في وسط المسجد، وقالوا: هذا شبهة لعباد القبور الذين يبنون المساجد","vol":"3","page":309},{"text":"على القبور.\n\nولكن ليس في ذلك شبهة؛ لأن المسجد لم يبن على القبر، وإنما امتد المسجد وبقي القبر في البيت مستقلًا عن المسجد، ليس فيه حجة لآي إنسان إلا رجلًا مبطلًا، يقول كما قال إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [االأعراف: ١٢]، لكن انظر الحكمة؛ أن يكون خروجهم يوم القيامة من مكان واحد، من جوف المسجد النبوي، سبحان الله العظيم، حكمة تغيب عن كثير من الناس.\nوالحاصل أن النبي ﷺ خرج حين اشتد النهار، يعني حين ارتفعت الشمس إلى دار بني مالك، فاستأذن، فأذن له، فدخل ولم يجلس؛ بل قال: أين تريد أن أصلي؛ لأنه جاء لغرض، فأحب أن يبدأ بالغرض الذي جاء من أجله قبل أي شيء، وهذا من الحكمة؛ أنك إذا أردت شيئًا لا تعرج إلى غيره حتى تنتهي منه من أجل أن تضبط الوقت ويبارك لك فيه.\n\nكثير من الناس تضيع عليه الأوقات بسبب أنه يتلقف الأشياء. وأضرب لهذا مثلًا: هب أنك تريد أن تراجع مسألة من مسائل العلم في كتاب من الكتب، تقرأ الفهرس؛ لأجل أن تعرف أين مكان هذه المسألة، ثم تمر بك مسألة فتقول أريد أن أطلع على هذه المسألة، ثم تطلع على الأخرى، ويفوتك المقصود الذي من أجله راجعت هذا الكتاب. لكن ابدأ أولًا بما أردت قبل أي شيء، ثم بعد ذلك ما زاد فهو فضل.\nفصلى النبي ﷺ بالمكان، وصلوا معه جماعة؛ لأن هذه جماعة عارضة لا دائمة.","vol":"3","page":310},{"text":"ثم لما فرغ من صلاته، إذا هو قد أعد له طعامًا زهيدًا، فسمع أهل الدار. الدار هو ما نسميه عندنا بالحي والحارة، سمع أهل الدار أن الرسول ﷺ عند عتبان بن مالك، فثاب إليه أناس، يعني اجتمعوا يريدون أن يهتدوا بالنبي ﵊، ويسمعوا من قوله، ويأخذوا من سنته، فاجتمعوا فقالوا: أين فلان، قالوا: ذاك منافق. ذاك منافق.\nفأنكر النبي ﷺ على من قال ذلك وقال: «لا تقل ذلك، ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» .\n\nفقال الرجل: الله ورسوله أعلم؛ لأن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؛ فهو مؤمن ليس منافقًا، والمنافق يقولها رياء وسمعة، لا تدخل قلبه والعياذ بالله، أما من قالها يبتغي بها وجه الله؛ فإنه مؤمن بها، مصدق، تدخل قلبه.\nثم إن النبي ﷺ قال: «إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» فكل من قالها يبتغي بها وجه الله، فإن الله يحرمه على النار، لماذا؟ لأنه إذا قالها يبتغي بها وجه الله؛ فإنه سيقوم بمقتضاها، ويعمل بما تقتضيه هذه الكلمة العظيمة، من أداء الواجب، وترك المحرم، والإنسان إذا أدى الواجب وترك المحرم؛ أحل الحلال، وحرم الحرام، وقام بالفرائض، واجتنب النواهي، فإن هذا من أهل الجنة، يدخل الجنة ويحرم الله عليه النار.\n\nوليس في الحديث دليل على أن تارك الصلاة لا يكفر؛ لأننا نعلم علم اليقين، مثل الشمس، أن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله لا","vol":"3","page":311},{"text":"يمكن أن يترك الصلاة. هذا محال؛ فالذي يقول: أنا لأقول لا إله إلا الله أبتغي بذلك وجه الله، وهو لا يصلي، فهو من أكذب الكاذبين. لو كان يبتغي وجه الله؛ ما ترك الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين.\nوفي هذا الحديث فوائد:\nمنها: أن من كانت حاله مثل حال عتبان بن مالك، فإنه معذور بترك الجماعة وله أن يصلي في بيته، مثل أن يكون بينه وبين المسجد وادٍ لا يستطيع العبور معه، فإنه معذور.\nومنها: جواز قول الإنسان سأفعل في المستقبل، إذا قال ستأتينا غدًا، قال: سآتيك وإن لم يقل إن شاء الله. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣، ٢٤]، لشيء: عام سواء من فعل الله أو من فعلك؟\nقلنا: إن الذي يقول سآتيك غدًا له نيتان:\n\nالنية الأولى: أن يقول هذا جازمًا بالفعل، فهذا لا يقوله إلا أن يقول إن شاء الله؛ لأنه لا يدري أيأتي عليه الغد أو لا، ولا يدري هل إذا أتى عليه الغد يكون قادرًا على الإتيان إليه أو لا، ولا يدري إذا كان قادرًا، يحول بينه وبينه مانع أو لا.\nالنية الثانية: إذا قال: سأفعل، يريد أن يخبر عما في قلبه من الجزم دون أن يقصد الفعل؛ فهذا لا بأس به؛ لأنه يتكلم عن شيء حاضر، مثل: لو قيل لك: هل ستسافر مكة؟ قلت: نعم سأسافر، تريد أن تخبر عما في","vol":"3","page":312},{"text":"قلبك من الجزم، هذا شيء حاضر حاصل، أما إن أردت الفعل، أنك ستفعل يعني سيقع منك هذا لا تقل سأفعل إلا مقرونًا بمشيئة الله.\nومنها: أن الإنسان يعذر بترك الجماعة فيما إذا كان بينه وبين المسجد ما يشق عليه من وحل أو ماء أو غيره، وقد كان من هدي النبي ﷺ أنه كان ينادي مناديه في الليلة المطيرة؛ أن صلوا في رحالكم يعني في أماكنكم، وذلك من أجل أن لا يشق على الناس، فأما إذا كان ماء بلا مشقة وبلا دحر ووحل؛ فإنه لا يعذر الإنسان بترك الجماعة.\nومن فوائد حديث عتبان بن مالك ﵁: أن المصلى الذي يكون في البيت لا يكون له حكم المسجد، فلو أن الإنسان اتخذ مصلى في بيته لا يصلي إلا فيه فليس بمسجد، سواء حجره أو لم يحجره.\nوعلى هذا فلا تثبيت له أحكام المسجد؛ فيجوز للإنسان أن يبقى فيه وهو جنب، وإذا جلس فيه لا يلزمه تحية المسجد، فكل أحكام المساجد لا تثبت له، وإذا أراد أن يعتكف فيه؛ لم يصح اعتكافه. حتى لو كانت امرأة ولها مسجد في بيتها، فإنها لا تعتكف فيه.\nومن فوائد حديثه ﵁: أنه يجوز أن تقام الجماعة في النوافل؛ لكن ليس دائمًا بل أحيانًا، فإن النبي ﷺ لما أراه عتبان المكان الذي يصلي فيه، وتقدم وصلى بهم ركعتين وصلوا خلفه، فإذا صلى الإنسان الراتبة مثلًا أو سنة الضحى، إذا صلاها جماعة؛ فلا بأس بذلك أحيانًا.","vol":"3","page":313},{"text":"وثبت عنه ﷺ أنه صلى معه ابن عباس ﵄ صلاة الليل، وصلى معه ابن مسعود، وصلى معه حذيفة، لكن ليس دائمًا. فصلاة الجماعة نفلا أحيانًا لا بأس بها.\n\nومن فوائد هذا الحديث: أنه لا بأس أن يتخذ الإنسان مصلى يعتاد الصلاة فيه في بيته، ولا يقال إن هذا مثل اتخاذ مكان معين في المسجد لا يصلي إلا فيه، فإن هذا منهي عنه، يعني ينهى الإنسان أن يتخذ في المسجد مكانًا لا يصلي إلا فيه، مثل أنه لا يصلي النافلة، لا تحية المسجد ولا غيرها إلا فيه، فإن النبي ﷺ نهى عن استيطان كاستيطان البعير، يعني عن اتخاذ موطن كأعطان الإبل، تأوي إليه وتبيت فيه.\nومنها: أنه يجب على الإنسان أن يحبس لسانه عن الكلام في الناس، بنفاق، أو كفر أو فسق، إلا ما دعت الحاجة إليه، فإنه لا بد أن يبينه؛ لأن النبي ﷺ لما قال رجل عن مالك: إنه منافق، قال: «لا تقل هكذا؛ أما علمت أنه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؟» .\nلكن هذا متى يحصل أن يشهد الرسول ﵊ لرجل بالإخلاص؛ هو ليس بحاصل بعد موت الرسول ﵊، إنما ليس لنا إلا الظاهر، فمن طهر لنا من حاله الصلاح؛ وجب علينا أن نحكم له بالصلاح، وألا نغتابه ولا نسبه.\n\nومن فوائد هذا الحديث: محبة الصاحبة لرسول الله ﷺ والجلوس إليه؛ لأنهم لما علموا أنه عند عتبان بن مالك ثابوا إليه، واجتمعوا عنده، ليتعلموا منه، وينالهم من بركة علمه ﵊.","vol":"3","page":314},{"text":"ومنها: ما سبق أن أشرنا إليه أن الإنسان يبدأ بالشغل الذي يريده قبل كل شيء؛ لأن النبي ﷺ صلى في المكان قبل أن يجلس، وقبل لأن ينظر إلى ما صنع له من الطعام.\nومن فوائده أيضًا: أن الرسول ﵊ كان على جانب كبير من التواضع؛ لأنه لما انتهى من الصلاة، يقول عتبان: حبسته على (خريرة) نوع من الطعام ليس بذاك الجيد. حبسه: يعني قال له انتظر حتى ينتهي الطعام، ويقدمه إلى رسول الله ﷺ، وهذا لا شك أن فيه تواضعًا من رسول الله ﷺ.\nومنها: وهي من أكبر فوائد هذا الحديث. أن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، فإن الله يحرم عليه النار «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» يعني يطلب وجه الله.\nومعلوم أن الذي يقول هذا طالبًا وجه الله، فسيفعل كل شيء يقربه إلى الله، من فروض ونوافل، فلا يكون في هذا دليل للكسالى والمهملين؛ يقولون: نحن نقول لا إله إلا الله نبتغي بذلك وجه الله. نقول: لو كنتم صادقين ما أهملتم العبادات الواجبة عليكم.\n\n* * *\n\n٧/٤١٨ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ، بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته، فألزقته ببطنها، فأرضعته، فقال رسول الله ﷺ: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في","vol":"3","page":315},{"text":"النار؟ قلنا: لا والله. فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» متفق عليه.\n٨/٤١٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» .\nوفي رواية: «غلبت غضبي» وفي رواية «سبقت غضبي» . متفق عليه.\n٩/٤٢٠ - وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» .\n\nوفي رواية: «إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تعالى تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» متفق عليه.\nورواه مسلم أيضا من رواية سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن لله تعالى مائة رحمة؛ فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسع وتسعون ليوم القيامة» .","vol":"3","page":316},{"text":"وفي رواية: «إن الله تعالى خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمه؛ كل رحمة طباق ما بين السماء إلى الأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة، أكملها بهذه الرحمة» .\n١١/٤٢٢ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم» رواه مسلم.\n١١/٤٢٣ - وعن أبي خالد بن زيد ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لولا أنكم تذنبون؛ لخلق الله خلقا يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم) رواه مسلم.\n\n١٣/٤٢٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا قعودًا مع رسول الله ﷺ معنا أبو بكر وعمر ﵄ في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، فخشينا أن يقتطع دوننا؛ ففزعنا، فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطا للأنصار - وذكر الحديث بطوله إلى قوله: فقال: رسول الله ﷺ: «اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة» رواه مسلم.","vol":"3","page":317},{"text":"١٤/٤٢٥ - وعن عبد الله عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ تلا قول الله ﷿ في إبراهيم ﷺ: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) (إبراهيم: ٣٦)\nوقول عيسى ﷺ: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: ١١٨]، فرع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي» وبكى، فقال الله ﷿: «يا جبريل اذهب إلى محمدٍ، وربك أعلم، فسله ما يبكيه؟» فأتاه جبريل فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله تعالى: «يا جبريل اذهب إلى محمدٍ فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك» رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في باب الرجاء، ذكرها المؤلف ﵀ وهي كثيرة جدًا منها: أن الله ﷾ أرحم بعباده من الوالدة بولدها، ودليل ذلك قصة المرأة التي كانت في السبي فرأت صبيًا، فأخذته وألصقته على صدرها وأرضعته. فقال النبي ﷺ: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار» . قالوا لا. قال: «فالله أرحم بعباده من هذه بولدها» .\nوهذا من تمام رحمته ﷾.\nوآيات ذلك كثيرة، منها النعم التي تترى علينا، وأعظمها نعمة الإسلام، فإن الله تعالى أضل عن الإسلام أممًا، وهدى عباده المؤمنين لذلك وهي أكبر النعم.","vol":"3","page":318},{"text":"ومنها: أن الله أرسل الرسل إلى الخلق مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل.\nوكذلك ذكر المؤلف الأحاديث التي فيها أن رحمة الله سبقت غضبه، ولهذا يعرض الله ﷿ المذنبين أن يستغفروا ربهم، حتى يغفر لهم، ولو شاء لأهلكهم ولم يرغبهم في التوبة.\n(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) [فاطر: ٤٥]، ولهذا قال في الحديث الذي رواه مسلم، قال: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم» .\nوهذا ترغيب في أن الإنسان إذا أذنب، فليستغفر الله، فإنه إذا استغفر الله ﷿ بنية صادقة، وقلب موقن فإن الله تعالى يغفر له، (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: ٥٣] .\n\nومنها: أن النبي صلى اله عليه وسلم لما تلا قول إبراهيم ﵊ في الأصنام: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]، وقول عيسى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: ١١٨]؛ رفع ﷺ يديه وبكى، وقال: «يا رب؛ أمتي أمتي» فقال الله ﷾ لجبريل «اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولانسوؤك» .\nوقد أرضاه الله ﷿ في لأمته، بأن جعل لهذه الأمة أجرها","vol":"3","page":319},{"text":"مضاعفًا، كما جاء في الحديث الصحيح: أن مثل الأمة مع من سبقها، كمثل رجل استأجر أجراء، من أول النهار إلى الظهر، فأعطاهم على دينار دينارًا، واستأجر أجراء من الظهر إلى العصر وأعطاهم على دينار دينارً، واستأجر أجراء من العصر إلى الغروب وأعطاهم على دينارين دينارين، فاحتج الأولون وقالوا: كيف تعطينا على دينار دينار ونحن أكثر منهم عملًا وتعطي هؤلاء على دينارين دينارين.\nفقال لهم الذي استأجرهم: هل ظلمتكم شيئًا؟ قالوا: لا.\n\nإذًا لا لوم عليه في ذلك؛ ففضل الله على هذه الأمة كثير.\nوقد أرضاه الله في أمته ولله الحمد من عدة وجوه، منها كثرة الأجر، وأنهم الآخرون السابقون يوم القيامة، وأنها فضلت بفضائل كثيرة، مثل قوله ﵊: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» .\nفهذه الخصائص له ولأمته ﵊. فالحاصل أن هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀، كلها أحاديث رجاء، تحمل الإنسان على أن يعمل العمل الصالح، يرجو بذلك ثواب الله ومغفرته.\n\n* * *","vol":"3","page":320},{"text":"١٥/٤٢٦ - وعن معاذ بن جبل ﵁، قال: كنت ردف النبي ﷺ على حمار فقال: «يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟» قلت: الله ورسوله أعلم.\nقال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» .\nفقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتكلوا» متفق عليه.\n\n١٦/٤٢٧ - وعن البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: ٢٧] متفق عليه.\n١٧/٤٢٨ - وعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن الكافر إذا عمل حسنة، أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن، فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته» .\nوفي رواية: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها","vol":"3","page":321},{"text":"في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله تعالى في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها» رواه مسلم.\n١٩/٤٣٠ - وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» رواه مسلم.\n\n٢٠/٤٣١ - وعن ابن مسعود رصي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في قبة نحوا من أربعين، فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم.\nقال: «والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر» متفق عليه.\n٢١/٤٣٢ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار» .","vol":"3","page":322},{"text":"وفي رواية عن النبي ﷺ قال: «يجئ يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم» رواه مسلم.\nقوله: «دفع إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار» معناه ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: «لكل أحد منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار؛ لأنه مستحق لذلك بكفره» .\nومعنى «فكاكك»: أنك كنت معرضًا لدخول النار، وهذا فكاكك؛ لأن الله تعالى قدر للنار عددًا يملؤها، فإذا دخلها الكافر بذنوبهم وكفرهم، صاروا في معنى الفكاك للمسلمين. والله أعلم.\n٢٢/٤٣٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته» متفق عليه.\n«كنفه» ستره ورحمته.","vol":"3","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث المتعددة كلها في باب الرجاء، ولكن الرجاء لابد أن يكون له عمل يبني عليه.\nأما الرجاء من دون عمل يُبنى عليه، فإنه تمنٍّ لا يستفيد منه العبد، ولهذا جاء في الحديث: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» . فلابد من عمل يتحقق به الرجاء.\nذكر المؤلف ﵀ حديث معاذ بن جبل؛ أنه كان ردف النبي ﷺ على حمار. فقال: له: «أتدري ما حق الله على العباد، وحق العباد على الله؟» قال الله ورسوله أعلم.\n\nوهذا من آداب طالب العلم، إذا سئل عن شيء؛ أن يقول الله أعلم، ولا يتكلم فيما لا يعلم.\nقال «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا» .\nيعني أن لا يعذب من عبده وهو لا يشرك به شيئًا؛ لأن نفي الشرك يدل على الإخلاص والتوحيد، ولا إخلاص وتوحيد إلا بعبادة.\nفقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ فقال «لا تبشرهم فيتكلوا» .","vol":"3","page":324},{"text":"يعني لا تبشرهم فيتكلوا على ما يجب، ولا يقوموا بما ينبغي أن يقوموا به من النوافل، ولكن معاذًا ﵁ أخبر بها عند موته تأثمًا. يعني خوفًا من إثم كتمان العلم فأخبر بها.\nولكن قول الرسول: «لا تبشرهم فيتكلوا» فيه إنذار من الاتكال على هذا، وأن الإنسان يجب أن يعلم أنه لابد من عبادة.\n\nوكذلك الأحاديث التي ذكرها المؤلف كلها في سياق الرجاء. منها أن المؤمن يسأل في القبر، فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قال النبي ﷺ هذا هو القول الثابت الذي قال الله فيه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: ٢٧]، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.\nوالميت في قبره يسأل عن ثلاث: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ.\nوكذلك أيضا ما ذكره ﵀ من صفة محاسبة العبد المؤمن، أن الله ﷿ يأتي يوم القيامة، فيخلو بعبده المؤمن، ويضع عليه كنفه يعني ستره ويقول: فعلت كذا وفعلت كذا، ويقرره بالذنوب، فإذا أقر قال «كنت سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. فيعطى كتاب حسناته باليمين» .\nومن ذلك أيضا أن المؤمنين كل واحد منهم يهوديًا أو نصرانيًا يوم القيامة، ويقال: هذا فكاكك من النار، يعني هذا يكون بدلك في النار، وأما أنت فقد نجوت.","vol":"3","page":325},{"text":"فنحن يوم القيامة إن شاء الله تعالى كل واحد منا يجعل بيده يهودي أو نصراني يلقى في النار بدلًا عنه، يكون فكاكًا له من النار.\nولا يلزم من هذا أن يكون اليهود والنصارى على قدر المسلمين، فالكفار أكثر من المسلمين بكثير، من اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم؛ لأن بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون كلهم في النار وواحد في الجنة.\nوذكر المؤلف أيضا حديثًا أن الرسول ﵊ عرض على الصحابة. فقال «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة؟ قالوا: بلى، قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» يعني: نصف أهل الجنة من هذه الأمة، والنصف الباقي من بقية الأمم كلها، وهذا يدل على كثرة هذه الأمة، لأنها آخر الأمم، وهي التي ستبقى إلى يوم القيامة.\nوقد جاء في السنن والمسند، أن صفوف أهل الجنة مائة وعشرون، منها ثمانون من هذه الأمة، فتكون هذه الأمة ثلثي أهل الجنة، وهذا من رحمة الله ﷿ ومن فضل الرسول ﵊؛ لأن الرسول ﷺ يعطى أجر كل من عمل بسنته وشريعته.\n\n* * *","vol":"3","page":326},{"text":"٢٣/٤٣٤ - وعن ابن مسعود ﵁ أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، أتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات) [هود: ١١٤] . فقال الرجل: ألي هذا يا رسول الله؟ قال: «لجميع أمتي كلهم» متفق عليه.\n٢٤/٤٣٥ - وعن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أصبت حدًا، فأقمه علي، وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول الله ﷺ فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله، إني أصب حدًا، فأقم في كتاب الله. قال: «هل حضرت معنا الصلاة؟» قال: نعم «قد غُفِر لك» متفق عليه.\nوقوله: «أصبت حدًا» معناه: معصية توجب التعزير، وليس المراد الحد الشرعي الحقيقي؛ كحد الزنا والخمر وغيرهما، فإن هذه الحدود لا تسقط بالصلاة، ولا يجوز للإمام تركها.\n٢٥/٤٣٦ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها» رواه مسلم.\n\n«الأكلة» بفتح الهمزة وهي المرة الواحدة من الأكل: الغدوة والعشوة،","vol":"3","page":327},{"text":"والله أعلم\n٢٦/٤٣٧ - وعن أبي موسى ﵁ عن النبي صلى الله عله وسلم قال: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» رواه مسلم.\n٢٧/٤٣٨ - وعن أبي نجيح عمرو بن عبسة - بفتح العين والباء - السلمي ﵁ قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا، جراْء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت قال: «أنا نبي» .\nقلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله» .\nقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء» .\nقلت: فمن معك على هذا؟\nقال: «حر وعبد» . ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ﵄ قلت: إني متبعك، قال: «إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني» .\nقال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم نفر من أهلي المدينة،","vol":"3","page":328},{"text":"فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟\nقال «نعم أنت الذي لقيتني بمكة» قال: فقلت: يا رسول الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟\nقال «صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل، فإنه الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنه حينئذ تسجر جنهم؛ فإذا أقبل الفيء فصل؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر، ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار» .\nقال: فقلت: يا نبي الله، فالوضوء حدثني عنه.\n\nفقال: «ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض ويستنشق فينتثر، إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه، إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين، إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل، وفرَغ قلبه لله تعالى، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» .","vol":"3","page":329},{"text":"فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة، انظر ما تقول! في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: يا أبا أمامة، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله تعالى، لا على رسول الله ﷺ، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ مرة أو مرتين أو ثلاثا، حتى عد سبع مرات، ما حدثت أبدًا به، ولكني سمعته أكثر من ذلك. رواه مسلم.\n\nقوله: «جُرآء عليه قومه»: هو بجيم مضمومة وبالمد على وزن علماء، أي: جاسرون مستطيلون غير هائبين. هذه الرواية المشهورة، ورواه الحميدي وغيره: «حِراء» بكسر الحاء المهملة، وقال: معناه: غِضاب ذوو غم وهم، قد عيل صبرهم به، حتى أثر في أجسامهم، من قولهم: حري جسمه يحرى، إذا نقص من ألم أو غم ونحوه، والصحيح أنه بالجيم. قوله ﷺ: «بين قرني الشيطان» أي: ناحيتي رأسه، والمراد التمثيل، معناه: أنه حينئذ يتحرك الشيطان وشيعته، ويتسلطون. وقوله: «يقرب وضوءه» معناه: يحضر الماء الذي يتوضأ به. وقوله: «إلا خرت خطايا» هو بالخاء المعجمة: أي سقطت، وراء بعضهم «جرت) بالجيم، والصحيح بالخاء، وهو رواية الجمهور. وقوله: «فينتثر» أي: يستخرج ما في أنفه من أذى، والنثرة: طرف الأنف.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ كلها أيضًا فيها من","vol":"3","page":330},{"text":"الرجاء ما فيها، فمن ذلك أن الصلوات الخمس تكفر السيئات التي قبلها، كما في قصة الرجل الذي أصاب من امرأة قبلة، والذي أصاب حدًا وطلب من النبي ﷺ أن يقيمه عليه، فإن الصلاة هي أفضل أعمال البدن وهي تذهب السيئات، قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤] .\nولكن لابد أن تكون الصلاة على الوجه الذي يرضاه الله ﷿، كما في حديث عمرو بن عبسة حينما أمره النبي ﷺ أن يتوضأ وأرشده إلى أن لها لأوقات محدودة، وهناك أوقات ينهى الإنسان أن يصلي فيها.\nثم أرشد النبي صلى اله عليه وسلم عمرو بن عبسة إلى صفة الوضوء الصحيحة؛ لأن الإنسان إذا توضأ على هذه الصفة خرجت خطاياه، وإذا صلى وقد فرغ قلبه لله كفر الله عنه.\nفلابد من ملاحظة هذا القيد؛ لأن من الناس من يصلي ولكنه ينصرف من صلاته ما كتب له إلا عشرها أو أقل؛ لأن قلبه غافل وكأنه ليس في صلاة؛ بل كأنه يبيع ويشتري أو يعمل أعمالًا أخرى حتى تنتهي الصلاة.\n\nومن وساوس الشيطان أن الإنسان يصلي فإذا كبر للصلاة؛ انفتحت عليه الهواجس من كل مكان، فإذا سلم زالت عنه، مما يدل على أن هذا من الشيطان، يريد أن يخرب عليه صلاته حتى يحرم من هذا الأجر العظيم.\nوفي حديث عمرو بن عبسة فوائد كثيرة منها: أن النبي ﷺ بدأ غريبًا خائفًا متخفيًا ﵊، جاءه عمرو بن عبسة وقد رأى ما عليه","vol":"3","page":331},{"text":"أهل الجاهلية وأنهم ليسوا على شيء، فصار يتطلب الدين الصحيح الموافق للفطرة، حتى سمع بالنبي ﷺ في مكة، فجاء إليه، فوجده مستخفيًا في بيته، لم يتبعه إلا حر وعبد - أبو بكر وبلال - لم يتبعه أحد، وفي هذا دليل على أن أبا بكر ﵁ أول من آمن بالرسول ﵊، ثم آمن بعده من الأحرار على بن أبي طالب ﵁.\nومن حكمة النبي ﷺ أنه قال لعمرو: «إنك لا تستطيع أن تعلن إسلامك في هذا اليوم، ولكن اذهب فإذا سمعت أني خرجت فأتني» فذهب وأتى إليه بعد نحو ثلاثة عشرة سنة في المدينة، بعد أن هاجر وقال له: أتعرفني؟ قال «نعم» . وأخبره أنه يعرفه، لم ينس طوال هذه المدة.\n\nثم أخبره مما يجب عليه لله ﷿ من حقوق، وبين له أن الإنسان إذا توضأ وأحسن الوضوء؛ خرجت خطاياه من جميع أعضائه، وأنه إذا صلى فإن هذه الصلاة تكفر عنه، فدل ذلك على أن فضل الله ﷿ أوسع من غضبه، وأن رحمته سبقت غضبه. نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته إنه جواد كريم.","vol":"3","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>٥٢ - باب فضل الرجاء</span>\n\nقال الله تعالى إخبارًا عن العبد الصالح: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) [غافر: ٤٤، ٤٥] .\n١/٤٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني - والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة - ومن تقرب إلى شبرا؛ تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا؛ تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول» متفق عليه، وهذا لفظ إحدى روايات مسلم. وتقدم شرحه في الباب قلبه.\n٢/٤٤١ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿» رواه مسلم.\n\n٢/٤٤٢ - وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي","vol":"3","page":333},{"text":"شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.\n«عنان السماء» بفتح العين، قيل: هو ما عنَ لك منها، أي: ظهر إذا رفعت رأسك، وقيل: هو السحاب، و«قراب الأرض» بضم القاف، وقيل: بكسرها، والضم أصح وأشهر، وهو ما يقارب ملأها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الرجاء، لما ذكر ﵀ النصوص الدالة على الرجاء وعلى سعة فضل الله وكرمه، ذكر فضل الرجاء، وأن الإنسان ينبغي له أن يكون طامعًا في فضل الله ﷿ راجيًا ما عنده.\nثم ذكر قول العبد الصالح وهو الرجل المؤمن من آل فرعون الذي يكتم إيمانه، وكان ناصحًا لقومه، يناصحهم ويبين لهم بالبرهان ما هم عليه من الباطل، وما عليه موسى من الحق، وفي النهاية قال لهم: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر: ٤٤] .\n(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) يعني: أجعله مفوضًا إليه، لا أعتمد على غيره، ولا أرجو إلا إياه (إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) قال الله تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) أي: سيئات مكرهم (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٥] .","vol":"3","page":334},{"text":"ثم ذكر حديث أبي هريرة أن الله تعالى قال في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني» . أنا عند ظن عبدي بي: يعني أن الله عند ظن عبده به؛ إن ظن به خيرًا فله، وإن ظن به سوى ذلك فله، ولكن متى يحسن الظن بالله ﷿؟\n\nيحسن الظن بالله إذا فعل ما يوجب فضل الله ورجاءه، فيعمل الصالحات ويحسن الظن بأن الله تعالى يقبله، أما أن يحسن الطن وهو لا يعمل؛ فهذا من باب التمني على الله، ومن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني فهو عاجز.\nحسن الظن بأن يوجد من الإنسان عمل يقتضي حسن الظن بالله ﷿، فمثلًا إذا صليت أحسن الظن بالله بأن الله يقبلها منك، إذا صمت فكذلك، إذا تصدقت فكذلك، إذا عملت عملًا صالحًا أحسن الظن بأن الله تعالى يقبل منك، أما أن تحسن الظن بالله مع مبارزتك له بالعصيان فهذا دأب العاجزين الذين ليس عندهم رأس مالٍ يرجعون إليه.\nثم ذكر أن الله ﷾ أكرم من عبده، فإذا تقرب الإنسان إلى الله شبرًا؛ تقرب الله منه ذراعًا، وإن تقرب منه ذراعا ً، تقرب منه باعًا، وإن أتاه يمشي أتاه يهرول ﷿، فهو أكثر كرما وأسرع إجابة من عبده.\nوهذه الأحاديث وأمثالها مما يؤمن يه أهل السنة والجماعة على أنه حق حقيقة لله ﷿، لكننا لا ندري كيف تكون هذه الهرولة، وكيف يكون هذا التقرب، فهو أمر ترجع كيفيته إلى الله، وليس لنا أن نتكلم فيه، لكن نؤمن بمعناه ونفوض كيفيته، إلى الله ﷿.","vol":"3","page":335},{"text":"ثم ذكر المؤلف أحاديث في هذا المعنى كلها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بالله أن يحسن الظن بالله ﷾، ولكن مع فعل الأسباب التي توجب ذلك. نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.","vol":"3","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>٥٣ - باب الجمع بين الخوف والرجاء</span>\n\nاعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء.\nوقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك،\nقال الله تعالى: (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [االأعراف: ٩٩] . وقال تعالى: (إِنَّهُ لا يَايْئسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: ٨٧] . وقال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران: ١٠٦] وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأعراف: ١٦٧] . وقال تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: ١٣، ١٤] . وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) [القارعة: ٦، ٩] . والآيات في هذا المعني كثيرة. فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية.\n١/٤٤٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد» رواه مسلم.\n\n٢/٤٤٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا","vol":"3","page":337},{"text":"وضعت الجنازة واحتملها الناس أو الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة، قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق» رواه البخاري.\n٣/٤٤٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب الجمع بين الخوف والرجاء، وتغليب الرجاء في حال المرض.\nهذا الباب قد اختلف فيه العلماء هل الإنسان يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف؟ .\nفمنهم من قال: يغلب جانب الرجاء مطلقًا، ومنهم من قال: يغلب جانب الخوف مطلقًا.\nومنهم من قال ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه سواء، لا يغلب هذا على هذا، ولا هذا على هذا؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء؛ أمن مكر الله، وإن غلب جانب الخوف؛ يئس من رحمة الله.\nوقال بعضهم: في حال الصحة يجعل رجاءه وخوفه واحدًا كما اختاره النووي ﵀ في هذا الكتاب، وفي حال المرض يغلب الرجاء","vol":"3","page":338},{"text":"أو يمحضه.\n\nوقال بعض العلماء أيضًا: إذا كان في طاعة؛ فليغلب الرجاء، وأن الله يقبل منه، وإذا كان فعل المعصية؛ فليغلب الخوف؛ لئلا يقدم على المعصية.\nوالإنسان ينبغي له أن يكون طبيب نفسه، إذا رأى من نفسه أنه أمن من مكر الله، وأنه مقيم على معصية الله، ومتمنٍ على الله. الأماني، فليعدل عن هذه الطريق، وليسلك طريق الخوف.\nوإذا رأى أن فيه وسوسة، وأنه يخاف بلا موجب؛ فليعدل عن هذا الطريق وليغلب جانب الرجاء حتى يستوي خوفه ورجاؤه.\nثم ذكر المؤلف ﵀ آيات جمع الله فيها ذكر ما يوجب الخوف، وذكر ما يوجب الرجاء، ذكر فيها أهل الجنة وأهل النار، وذكر فيها صفته ﷿ وأنه شديد العقاب وأنه غفور رحيم.\nوتأمل قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) [المائدة: ٩٨، ٩٩]؛ حيث إنه في مقام التهديد والوعيد قدم ذكر شدة العقاب (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .\nوفي حالة تحدثه عن نفسه وبيان كمال صفاته قال: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) [الحجر: ٤٩، ٥٠]؛ فقدم ذكر المغفرة على ذكر العذاب؛ لأنه يتحدث عن نفسه ﷿، وعن صفاته الكاملة ورحمته التي سبقت غضبه.\nثم ذكر المؤلف أحاديث في هذا المعنى تدل على أنه يجب على","vol":"3","page":339},{"text":"الإنسان أن يجمع بين الخوف الرجاء، مثل قول النبي ﷺ: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة؛ ما طمع بجنته أحد» .\nوالمراد لو يعلم علم حقيقة وعلم كيفية لا أن المراد لو يعلم علم نظر وخبر؛ فإن المؤمن يعلم ما عند الله من العذاب لأهل الكفر والضلال، لكن حقيقة هذا لا تدرك الآن، لا يدركها إلا من رقع في ذلك - أعاذنا الله وإياكم من عذابه.\n«ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد»، والمراد حقيقة ذلك، وإلا فإن الكافر يعلم أن الله غفور رحيم، ويعلم معنى المغفرة، ويعلم معنى الرحمة.\nوذكر المؤلف أحاديث في معنى ذلك مثل قوله: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» .\n\nشراك النعل يضرب به المثل في القرب؛ لأن الإنسان لا بس نعله، فالجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله؛ لأنها ربما تحصل للإنسان بكلمة واحدة، والنار مثل ذلك، ربما تحدث النار بسبب كلمة يقولها القائل، مثل الرجل الذي كان يمر على صاحب معصية فينهاه ويزجره، فلما تعب قال: والله لا يغفر الله لفلان.\nفقال الله تعالى: «من ذا الذي يتألى علىَ ألا أغفر لفلان؛ قد غفرت له وأحبطت عملك»، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.","vol":"3","page":340},{"text":"فالواجب على الإنسان أن يكون طبيب نفسه في كونه يغلب كونه الخوف أو الرجاء، إن رأى نفسه تميل إلى الرجاء وإلى التهاون بالواجبات وإلى انتهاك المحرمات استنادًا إلى مغفرة الله ورحمته؛ فليعدل عن هذا الطريق، وإن رأى أن عنده وسواسًا، وأن الله لا يقبل منه؛ فإنه يعدل عنه هذا الطريق.","vol":"3","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>٥٤ - باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقا إليه</span>\n\nقال الله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) [الإسراء: ١٠٩] . وقال تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) [لنجم: ٥٩، ٦٠] .\n\n١/٤٤٦ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ: اقرأ علي القرآن» قلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ ! قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١] قال: «حسبك الآن» فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه.\n٢/٤٤٧ - وعن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» قال فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين. متفق عليه، وسبق بيانه في باب الخوف.\n٣/٤٤٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يلج","vol":"3","page":342},{"text":"النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم» رواه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح.\n٤/٤٤٩ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب فضل البكاء من خشية الله ﷿، يعني خوفًا منه وشوقًا إليه ﵎، وذلك أن البكاء له أسباب: تارة يكون الخوف، وتارة يكون الألم، وتارة يكون الشوق، وغير ذلك من الأسباب التي يعرفها الناس.\nولكن البكاء من خشية الله إما خوفًا منه وإما شوقًا إليه ﵎، فإذا كان البكاء من معصية فعلها\nالإنسان؛ فهذا البكاء سببه الخوف من الله ﷿، وإذا كان عن طاعة فعلها، كان هذا البكاء شوقًا إلى الله ﷾.","vol":"3","page":343},{"text":"وذكر المؤلف ﵀ آيتين: آية فيها الثناء على الذين يبكون من خشية الله وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) [الإسراء: ١٠٧] أي أوتوا العلم من قبل القرآن، وهم أهل الكتاب (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨]، يعني إن وعد ربنا واقع لا محالة، فإن هنا للتوكيد.\n(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) يعني عليها، والمراد المبالغة في السجود، حتى تكاد أذقانهم تضرب بالأرض من شدة المبالغة في سجودهم (وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) خشوعًا في القلب يظهر أثره وعلامته على الجوارح.\nوالآية الثانية قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) [لنجم: ٥٩، ٦٠]، وهذا ذم لهم أن يضحك الإنسان من القرآن ويعجب منه عجب استنكار وسخرية ولا يبكي منه، والقرآن أعظم واعظ، يعظ الله به القلوب، لكنه إذا ورد على قلوب كالحجارة والعياذ بالله؛ فإنها لا تلين ولكنها تزداد صلابة. نسأل الله العافية.\n\nثم ذكر المؤلف حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ طلب منه أن يقرأ عليه القرآن، فقال: يا رسول الله، كيف أقرؤه عليك وعليك أنزل؟ يعني: أنت أعلم به مني، فكيف أقرؤه عليك؟ . قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» .\nهكذا قال النبي ﵊، وفيه إشارة إلى أن الإنسان قد يكون إنصاته لقراءة غيره أخشع لقلبه مما لو قرأ هو، وهو كذلك أحيانًا،","vol":"3","page":344},{"text":"فأحيانًا إذا سمعت القرآن من غيرك خشعت وبكيت، لكن لو قرأته أنت خشعت على هذه الهيئة.\nفقرا عليه سورة النساء، فلما بلغ هذه الآية العظيمة: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١]، يعني ماذا تكون حالك؟ ! وماذا تكون حالهم؟ !\nكيف هنا للاستفهام، والاستفهام يشد النفس وينبه القلب (إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد) يوم القيامة.\nوالشهداء طائفتان من الناس:\nالطائفة الأولى: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة: ١٤٣] .\nوالثانية: أهل العلم الذين ورثوا الأنبياء، فإنهم شهداء بعد ميراث الأنبياء بعد أن يموت الأنبياء، فالشهداء على الخلق هم العلماء بعد الرسل يشهدون بأن الرسل بلغوا، ويشهدون على الأمة بأن الرسالة قد بلغتهم، ويالها من ميزة عظيمة لأهل العلم، أن يكونوا هم شهداء الله في أرضه.\nيقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا)، وقد ذكر الله في سورة الجاثية (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) على ركبها (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) كتاب الأعمال، أو إلى كتابها الذي نزل\nعليها بالوحي (تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .\nيقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ) يعني يا محمد (عَلَى هَؤُلاء) الأمم (شَهِيدًا) ماذا تكون الحال. فقال النبي","vol":"3","page":345},{"text":"ﷺ: «حسبك الآن» . قال ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.\nيبكي ﵊ خوفًا من هذه الحالة الرهيبة العظيمة. ففي هذا دليل على البكاء من قراءة القرآن وأن الإنسان يبكي من قراءة القرآن.\n\nوذكر المؤلف حديثًا آخر سبق لنا شرحه وهو أن الرسول ﵊ قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» يعني لو تعلمون ما أعلم من حقائق الأمور التي أخفاها الله عنكم وعلمها الرسول ﷺ لكنه أخفاها عن الخلق رحمة بهم وعلمها النبي ﷺ ولكنه لم يؤمر بإبلاغها للناس، وقد يكون المراد بذلك حقائق ما أخبره أنه يعلم شيئًا من الحقائق لا يعلمها الناس، فالله أعلم.\nولما قال ﷺ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قيلا ً ولبكيتم كثيرًا» غطى الصحابة وجوههم ولهم خنين. يعني أصوات بكاء. يبكون لأن المراد بقول الرسول ﵊: «لو تعلمون ما أعلم» التحذير مما علمه ﵊، فجعلوا يبكون ﵃ وأرضاهم، وهذا يدل على كمال إيمانهم، وكمال تصديقهم بما أخبر به الرسول ﷺ.\n\nثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة المشهور، وقد سبق أيضًا «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم: «رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» ذكر الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأحكامه وآياته، ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، إما شوقًا إليه، وإما خوفًا منه، فهذا من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nوالمراد بالظل هنا: ظل يخلقه الله ﷿ يوم القيامة يظلل فيه من","vol":"3","page":346},{"text":"شاء من عباده، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا؛ لأن الله نور السموات والأرض، ولا يمكن أن يكون الله ظلًا من الشمس، فتكون الشمس فوقه وهو بينها وبين الخلق، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار؛ لأنه لا يمكن أن يكون الله ﷿ تحت شيء من مخلوقاته، فهو العلي الأعلى، ثم هو نور السموات والأرض.\nقال النبي ﵊ «حجابه» يعني حجاب الله «النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»، يعني لو كشف هذا الحجاب - والحجب أيضًا من نور، لكنها نور دون نور البارئ ﷿. لو كشف الله هذا النور لأحرقت سبحات وجهه أي بهاؤه وعظمته ونوره، ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبصره ينتهي إلى كل شيء.\nوالمعنى لو كشفه لأحرق هذا النور كل شيء، كيف يكون المراد بالظل ظل الرب ﷿؟! لكن كما قلت: بعض الناس أجهل من الحمار، لا يدري ما يترتب على قوله الذي يقوله في تفسير كلام الله وكلام رسوله ﷺ، ولا يمكن أن يريد الرسول ﵊ هذا.\nحتى الرواية التي وردت في ظل عرشه فيها نظر؛ لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم، السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة،","vol":"3","page":347},{"text":"فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس؟!\nلو صح الحديث لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلًا، والله ﷿ على كل شيء قدير، لكن هذه اللفظة في صحتها نظر، والصواب أنه ظل يخلقه الله ﷿ في ذلك اليوم؛ إما من الغمام أو من غير ذلك، الله أعلم، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده حر الشمس.\nوإنما قال: «يوم لا ظل إلا ظله»؛ لأننا في الدنيا نستظل بالبناء الذي نبنيه، ونستظل بالأشجار التي تغرس، ونستظل بسفوح الجبال، وبالجدران، وبغير ذلك، نستظل بأشياء نحن نصنعها بأيدينا وبأشياء خلقها الله ﷿.\n\nلكن في الآخرة ليس هناك ظل، قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) [طه: ١٠٥]، كل الجبال تنسف مهما عظمت، أكبر الجبال وأعظمها تنسف؛ تكون رملًا، هباءً منثورًا، تطير في الجو (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: ٨٨]، تطير في الهواء وإن كنت تظنها جامدة لا تتحرك.\nوقد سمعت عن بعض الناس المتأخرين يقول: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) يعني في الدنيا، وأن هذا دليل على أن الأرض تدور، وعلل ذلك بان يوم القيامة يقين ليس فيه شيء من الحسبان.\n\nوهذا من جهله وعدم معرفته؛ لأن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (ا١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا","vol":"3","page":348},{"text":"هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ١، ٢]، هذا من يراهم على خلاف الواقع، فالأمر إذا ذهل الإنسان ولو كان أمامه شيء متيقن، فإنه تضيع حواسه وإدراكا ته.\nالمهم أن قوله «يوم لا ظل إلا ظله» أي: إلا الظل الذي يخلقه الله ﷿، يظل به من شاء من عباده. وهذا هو الشاهد.\n\nقوله: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» فأنت يا أخي إذا ذكرت الله فاذكر ربك خالي القلب، لا تفكر في شيء، إن فكرت في شيء لم يحصل لك أن تبكي من خشية الله أو الشوق إليه؛ لأنه لا يمكن أن يبكي الإنسان وقلبه مشغول بشيء آخر، كيف تبكي شوقًا إلى الله وخوفًا منه وقلبك مشغول بغيره؟! ولهذا قال: «ذكر الله خاليًا» يعني: خالي القلب مما سوى الله ﷿، خالي الجسم أيضًا، ليس عنده أحد حتى يكون بكاؤه رياء وسمعه، فهو مخلص القلب، فهذا أيضًا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. أسأل الله أن يظلني وإياكم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.\n\n* * *\n\n٥/٤٥٠ - وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.»\nحديث صحيح رواه أبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح.","vol":"3","page":349},{"text":"٦/٤٥١ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب ﵁: «إن الله ﷿ أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال: وسماني؟ قال: «نعم» فبكى أبي. متفق عليه. وفي رواية: فجعل أبي يبكي.\n٧/٤٥٢ - وعنه قال: قال أبو بكر لعمر ﵄، بعد وفاة رسول الله ﷺ، انطلق بنا إلى أم أيمن ﵄ نزورها كما كان رسول الله يزورها، فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ﷺ قالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، ولكني أبكي أن الوحي قد أنقطع من السماء؛ فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم. وقد سبق في باب زيارة أهل الخير.\n٨/٤٥٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه، قيل له في الصلاة، فقال «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقالت عائشة ﵂: إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء، فقال: «مروه فليصل» .\n\nوفي رواية عن عائشة ﵂ قالت: قلت: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء. متفق عليه.","vol":"3","page":350},{"text":"٩/٤٥٤- وعن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عّوف أنَّ عبدَ الرحمنِ بن عَوف ﵁ أتي بطَعام وكان صائمًا، فقال قُتل مًُصعب بن عُمير ﵁ وهو خير مني. فلم يوجد له ما يكفنُ فيه إلا بُردة إن غطي بها رأسهُ بدت رجلاه وإن غُطي بها رجلاهُ بدا رأسُه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بُسِط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أُعطينا- وقد خشينا أن تكُون حسناتنا عُجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعامَ. رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف في باب البكاء من خشية الله أو من الشوق إليه ﷾، ذكر فيها عدة أحاديث، منها: حديث عبد الله ابن الشخير ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو يصلي وكان لصدره أزيز كأزيز المرجل.\nالمرجل: القِدر يغلي على النار وله صوت معروف، وأزيز صدر النبي ﷺ كان من خَشية الله بلا شك، فهذا بكاء من خشية الله.\n\nوذكر حديث أنس أن النبي ﷺ قال لأُبي بن كعب\" إن الله ﷿ أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ) (البينة: ١)، فقال: وسماني لك؟ قال: \"نعم\". فبكى أُبي.\nلكن هذا البكاء يحتمل أن يكون شوقًا إلى الله ﷿؛ لأن أمر نبيه ﷺ أن يقرأ هذه السورة على أُبي تدل على رفعة أُبي بن كعب ﵁،","vol":"3","page":351},{"text":"ويحتمل أن يكون ذلك من الفرح؛ فإن الإنسان ربما يبكي إذا فرح، كما أنه يبكي إذا حزن.\nثم ذكر المؤلف ﵀ أحاديث كلها تدل على البكاء على الحزن على ما مضى، منها حديث أم أيمن ﵂ حين زارها الصحابيان: أبو بكر وعمر، أتيا إليها كما كان النبي صلى الله عليه وسل يزورها، فلما أتيا إليها بكت فقالا لها: \"ما يبكيك\"؟ أما عملت أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ؟ قالت بلى إني لا أبكي أني لا أعلم\". يعني: بل أنا أعلم\" ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء\" انقطع الوحي \" فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها\".\n\nوكذلك حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ حين جيء إليه بالطعام وهو صائم، والصائم يشتهي الطعام عادة، ولكنه ﵁ تذكر ما كان عليه الصحابة الأولون، وهو ﵁ من الصحابة الأولين من المهاجرين ﵃، لكنه قال احتقارًا لنفسه قال: إن مصعب بن عمير ﵁ كان خيرًا مني.\nوكان مصعبٌ رجلًا شابًا، كان عند والديه بمكة وكان والداه أغنياء، وأمه وأبوه يلبسانه من خير اللباس: لباس الشباب والفتيان، وقد دلّلاه دلالًا عظيمًا، فلما أسلم هجراه وأبعداه، وهاجر مع النبي ﷺ، فكان مع المهاجرين، وكان عليه ثوب مرقع بعدما كان في مكة عند أبويه يلبس أحسن الثياب، لكنه ترك ذلك كله مهاجرًا إلى الله ورسوله.\nوأعطاه النبي ﷺ الراية يوم أحد، فاستشهد ﵁، وكان معه","vol":"3","page":352},{"text":"بردة- أي ثوب- إذا غطوا به رأسه بدت رجلاه- وذلك لقصر الثوب- وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر النبي ﷺ أن يستر به رأسه وأن تستر رجلاه بالإذخر؛ نبات معروف.\nفكان عبد الرحمن بن عوف يذكر حال هذا الرجل، ثم يقول: إنهم قد مضوا وسلموا مما فتح الله به من الدنيا على من بعدهم من المغانم الكثيرة، كما قال تعالى: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) (الفتح: ١٩) .\nثم قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: \" قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا\"؛ لأن الكافر يجزى على حسناته في الدنيا، وله في الآخرة عذاب النار، والمؤمن قد يجزى في الدنيا وفي الآخرة، لكن جزاء الآخرة هو الأهم.\nفخشي ﵁ أن تكون حسناتهم قد عجلت لهم في هذه الدنيا، فبكى خوفًا وفرقًا، ثم ترك الطعام ﵁.\nففي هذا دليلٌ على البكاء من خشية الله ومخافة عقابه، والله الموفق.","vol":"3","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>٥٥- باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها، وفضل الفقر</span>\nقال الله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس: ٢٤) وقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا) (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف: ٤٥، ٤٦) وقال تعالي: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ\nثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: ٢٠) وقال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: ١٤) وقال تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (فاطر: ٥)","vol":"3","page":354},{"text":"وقال تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) التكاثر: ١-٥) .\nوقال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: ٦٤)\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقراء.\nالدنيا: هي حياتنا هذه التي نعيش فيها، وسميت دنيا لسببين:\nالسبب الأول: أنها أدنى من الآخرة؛ لأنها قبلها كما قال تعالى: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى: ٤) .\nوالثاني: أنها دنيئة ليست بشيء بالنسبة للآخرة، كما روى الإمام أحمد ﵀ من حديث المستورد بن شداد أن النبي ﷺ قال: \" لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها\" موضع السوط: موضع العصى القصيرة الصغيرة في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها من أولها على آخرها، فهذه هي الدنيا.\n\nوذكر المؤلف ﵀ آيات عديدة كلها تفيد أنه لا ينبغي للعاقل أن","vol":"3","page":355},{"text":"يركن إلى الدنيا، أو يغتر بها، أو يلهو بها عن الآخرة، أو تكون مانعًا له من ذكر الله ﷿، منها قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ) يعني: المطر (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) يعني أنبتت الأرض منه نباتًا متنوعًا مختلطًا متقاربًا، ليس بينه فجوات ليس فيها نبات، كل الأرض نباتات بأنواع الأعشاب من كل زوج بهيج (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) أي: كملت (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) كأن لم تكن.\nوهذه هي الحياة الدنيا، واعتبر ذلك أنت في واقعك، كم من أناس عشت معهم عاشوا في هذه الدنيا عيشة راضية، وفي رفاهية وأنس وأولاد وزوجات وقصور وسيارات، ثم انتقلوا عنها، كأن لم يكونوا بالأمس، انتقلوا هم عنها، أو يأتي دنياهم شيء يتلفها، فكم من إنسان غني عنده أموال عظيمة أصبح فقيرًا يسأل الناس.\n\nفهذه هي الدنيا، وإنما ضرب الله هذا المثل لئلا نغتر بها، فقال (كَذَلِكَ) يعني: مثل هذا التفصيل والتبيين (نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) لمن عندهم تفكير في الأمور ونظر في العواقب.\nثم قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) (يونس: ٢٥)، أي فرق بين هذه وهذه، دار السلام هي الجنة: أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها دار السلام وسميت كذلك؟ لأنها سالمة من كل كدر، ومن كل تنغيص، ون كل أذى. لما ذكر الدنيا قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) فإلى أيهما تركن أيها العاقل؟ لا شك أن العاقل يركن إلى دار السلام، ولا تهمه دار الفناء","vol":"3","page":356},{"text":"والنكد والتنغيص، فهو ﷾ يدعو كل الخلق إلى دار السلام (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (يونس: ٢٥) .\nوالهداية مقيدة، لم يقل: ويهدي كل أحد، ولكن قال: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فمن هو الحقيق والجدير بهداية الله؟ هو من أناب إلى الله ﷿، كما قال تعالى: (ُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) (الرعد: ٢٧)\n\nوقال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: الآية٥)، فمن كان عنده نية طيبة وخالصة لابتغاء وجه الله والدار الآخرة، فهذا هو الذي يهديه الله ﷿، وهو داخل في قوله: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .\nثم ذكر المؤلف آيات أخرى مثل قوله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) (الكهف: الآية٤٥)، معناه: أن الحياة الدنيا كماء نزل على أرض فأنبتت، فأصبح هشيمًا تذوره الرياح، يبس وصارت الرياح تطير به، هكذا أيضًا الدنيا.\nوقال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الحديد: الآية٢٠) .\nهذه خمسة أشياء كلها ليس بشيء: لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد، مثالها: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) (الحديد: ٢٠)، أعجب الكفار؛ لأن الكفار هم الذين يتعلقون بالدنيا وتسبي عقولهم الدنيا، فهذا نبات نبت من الغيث فصار الكفار يتعجبون منه من حسنه ونضارته: (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) (الحديد: ٢٠)، ويزول وينتهي الآخرة (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ","vol":"3","page":357},{"text":"وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ) (الحديد: ٢٠) .\nفأيهما تريد؟ تريد الآخرة؛ فيها عذابٌ شديد لمن آثر الدنيا على الآخرة، وفيها مغفرة ورضوان لمن آثر الآخرة على الدنيا.\nوالعاقل إذا قرأ القرآن وتبصر؛ عرف قيمة الدنيا، وأنها ليست بشيء، وأنها مزرعة للآخرة، فانظر ماذا زرعت فيها لآخرتك؟ إن كنت زرعت خيرًا؛ فأبشر بالحصاد الذي يرضيك، وإن كان الأمر بالعكس؛ فقد خسرت الدنيا والآخرة، نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية.\n* * *\nوأما الأحاديث فأكثرُ من أن تحصر فننبهُ بطرف منها على ما سواه.\n١/٤٥٧- عن عمرو بن عوفِ الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصارُ بقُدوم أبي عُبيدةَ، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف، فتعرضوا لهُ، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثم قال: \" أظنكم سمعتُم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ \" فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: \"أبشرُوا وأملُوا ما يسركم، فو الله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنى أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم\" متفق عليه.","vol":"3","page":358},{"text":"٢/٤٥٨- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جلس رسول الله ﷺ على المِنبر، وجلسنا حولهُ، فقال: \" إن مما أخافُ عليكم من بعدي ما يفتحُ عليكم من زهرة الدنيا وزينتها\" متفق عليه\n٣/٤٥٩- وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" إن الدنيا حُلوة خضرةٌ، وإن الله تعالى مُستخلفكم فيها فينظرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء\" رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها المؤلف ﵀ في باب الزهد في الدنيا والترغيب فيه، وقد ذكر قبل ذلك آيات متعددة كلها تدل على أن هذه الدنيا ليست بشيء بالنسبة للآخرة، وأنها ممر ومزرعة للآخرة، فإن قال قائل: يقال ورع، ويُقال زهد، فأيهما أعلى؟ وما الفرق بينهما؟\nفالجواب أن الزهد أعلى من الورع، والفرق بينهما أن الورع ترك ما يضر، والزهد ترك ما لا ينفع، فالأشياء ثلاثة أقسام: منها ما يضر في الآخرة، ومنها ما ينفع، ومنها ما لا يضر ولا ينفع.\nفالورع: أن يدع الإنسان ما يضره في الآخرة، يعني أن يترك الحرام.\nوالزهد: أن يدع ما لا ينفعه في الآخرة، فالذي لا ينفعه لا يأخذ به،","vol":"3","page":359},{"text":"والذي ينفعه يأخذ به، والذي يضره لا يأخذ به من باب أولى، فكان الزهد أعلى حالًا من الورع، فكل زاهد ورع، وليس كل ورع زاهدًا.\nولكن حذر النبي ﵊ من أن تفتح الدنيا علينا كما فتحت على من كان قبلنا فنهلك كما هلكوا.\nلما قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، وسمع الأنصار بذلك، جاءووا إلى النبي ﷺ فوافوه في صلاة الفجر، فلما انصرف من الصلاة تعرضوا له فتبسم ﵊، يعني ضحك، لكن بدون صوت، تبسم لأنهم جاءوا متشوفين للمال.\n\nفقال لهم: \" لعلكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة من البحرين؟ \" قالوا: أجل يا رسول الله. سمعنا بذلك يعني وجئنا لننال نصيبنا.\nفقال ﵊: \"ما الفقر أخشى عليكم\" الفقر لا أخشاه.\nوالفقر قد يكون خيرًا للإنسان، كما جاء في الحديث القدسي الذي يروى عن النبي ﷺ أن الله قال: \" إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى\"، يعني: أطغاه وأضله وصده عن الآخرة والعياذ بالله ففسد، \" وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر\".\nفقال النبي ﵊: \"ما الفقر أخشى عليكم\" يعني: لا أخشى عليكم من الفقر؛ لأن الفقير في الغالب أقرب إلى الحق من الغني.\nوانظروا إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ من الذي يكذبهم؟ يكذبهم الملأ الأشرار الأغنياء، وأكثر من يتبعهم الفقراء، حتى النبي ﵊ أكثر من يتبعه الفقراء.","vol":"3","page":360},{"text":"فالفقر لا يخشى منه، بل الذي يخشى منه أن تبسط الدنيا عليهم، كما قال النبي ﵊: \" أخشى أن تبسط عليكم - يعني كما بسطت على من كانوا قبلنا، فتهلككم كما أهلكتهم\".\nوهذا هو الواقع، وأنظر إلى حالنا نحن هنا- يعني في المملكة- لما كان الناس إلى الفقر أقرب، كانوا لله أتقى وأخشع وأخشى، ولما كَثُر المال؛ كثُر الإعراض عن سبيل الله، وحصل الطغيان، وصار الإنسان الآن يتشوف لزهرة الدنيا وزينتها ... سيارة، بيت، فرش، لباس، يباهي الناس بهذا كله، ويعرض عما ينفعه في الآخرة.\nوصارت الجرائد والصحف وما أشبهها لا تتكلم إلا بالرفاهية وما يتعلق بالدنيا، وأعرضوا عن الآخرة، وفسد الناس إلا من شاء الله.\nفالحاصل أن الدنيا إذا فتحت- نسأل الله أن يقنا وإياكم شرها - أنها تجلب شرًًّا وتطغي الإنسان (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى) (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: ٧، ٦) .\nوقد قال فرعون لقومه: (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) (الزخرف: ٥١)، افتخر بالدنيا، فالدنيا خطيرة جدًا.\nوفي هذه الأحاديث أيضًا قال النبي ﵊: \" إن الدنيا حلوة خضرة\" حلوة المذاق، خضرة المنظر، تجذب وتفتن، فالشيء إذا كان حلوًا ومنظره طيبًا فإنه يفتن الإنسان، فالدنيا هكذا حلوة خضرة حلوة في المذاق، خضرة في المنظر.\n\nولكن: \" وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون\" يعني جعلكم","vol":"3","page":361},{"text":"خلائف فيها؛ يخلف بعضكم بعضًا، ويرث بعضكم بعضًا. \" فينظر كيف تعملون\" هل تقدمون الدنيا أو الآخرة؟، ولهذا قال: \" فاتقوا الدنيا واتقوا النساء\".\nولكن إذ١ أغنى الله الإنسان، وصار غناه عونًا له على طاعة الله، ينفق ماله في الحق؟، وفي سبيل الله؛ صارت الدنيا خيرًا.\nولهذا كان رجل الدنيا الذي ينفق ماله في سبيل الله، وفي مرضاة الله ﷿، صار ثاني اثنين بالنسبة للعالم الذي آتاه الله الحكمة والعلم وصار يعلم الناس.\nفهناك فرق بي الذين ينهمك في الدنيا ويعرض عن الآخرة، وبين الذي يغنيه الله، ويكون غناه سببًا للسعادة والإنفاق في سبيل الله (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة: ٢٠١)\n* * *\n٤/٤٦٠- وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة\". متفق عليه.\n٥/٤٦١- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «يتبع الميت ثلاثةٌ: أهلهُ ومالهُ وعملهُ: فيرجع اثنان، ويبقي واحد؛ يرجعُ أهلهُ ومالهُ ويبقى عملهُ\" متفق عليه.","vol":"3","page":362},{"text":"٦/٤٦٢- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يؤتى بأنعمِ أهلِ الدنيا من أهل النارِ يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقالُ: يا ابن آدم؛ هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب.\nويؤتى بأشد الناس بُوسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنةِ فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شِدة قط؟ فيقول لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيتُ شِدةً قط\" رواه مسلم.\n٧/٤٦٣- وعن المستورد بن شداد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \" ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعلُ أحدكم أصبعه في اليم، فينظر بما يرجع؟ \" رواه مسلم.\n٨/٤٦٤- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بالسوق والناس كنفتية، فمر بجدي أسك ميتٍ، فتناولهُ، فأخذ بأذُنهِ، ثم قال: \" أيكم يجبٌ أن يكون هذا لهُ بدرهمٍ؟ \" فقالوا ما نُحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟\nثم قال\": أتحبون أنهُ لكم؟ \" قالوا: والله لو كان حيا كان عيبًا؛ أنه أسكٌ فكيف وهو ميت؟ فقال: فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم\" رواه مسلم.","vol":"3","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ أحاديث في بيان الزهد في الدنيا، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، منها: عن أنس بن مالك ﵁ عن الني ﷺ قال: \" اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة\" يعنى العيشة الهنية الراضية الباقية هو عيش الآخرة، أما الدنيا فإنه مهما طاب عيشها فمآلها للفناء، وإذا لم يصحبها عمل صالح فإنها خسارة.\nولهذا ذكر في ضمن الأحاديث هذه\" أنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا في الدنيا\" يعني أشدهم نعيمًا في بدنه وثيابه وأهله ومسكنه ومركوبه وغير ذلك، \" فيصبغ في النار صبغة\" يعني يغمس فيها غمسة واحدة، ويقال له \" يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت\" لأنه ينسى كل هذا النعيم، هذا وهو شيء يسير، فكيف بمن يكون مخلدًا فيها والعياذ بالله أبد الآبدين.\nوذكر أيضًا حديث جابر أن النبي ﷺ مرَّ في السوق بجدي أسك. والجدي من صغار الماعز، وهو أسك: أي مقطوع الأذنين، فأخذه النبي ﵊ ورفعه وقال: \" هل أحد منكم يريده بدرهم؟ قالوا يا رسول الله، ما نريده بشي. قال: \"هل أحد منكم يود أن يكون له؟ قالوا: لا. قال: إن الدنيا أهون عند الله تعالى من هذا الجدي\".\n\nفهذا جدي ميت لا يساوي شيئًا، ومع ذلك فالدنيا أهون وأحقر عند الله تعالى من هذا الجدي الأسك الميت، فهي ليست بشيء عند الله، ولكن من عمل فيها عملًا صالحًا؛ صارت مزرعة له في الأخرة، ونال فيها","vol":"3","page":364},{"text":"السعادتين: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.\nأما من غفل وتغافل وتهاون ومضت الأيام عليه وهو لم يعمل؛ فإنه يخسر الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: (ِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر: ١٥)، وقال تعالى: (وَالْعَصْرِ) (إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ٣: ١) .\nوكل بني آدم خاسر إلا هؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف الأربعة: آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر. جعلنا الله وإياكم منهم.\n* * *\n\n٩/٤٦٥- وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: كنت امشي مع النبي ﷺ في حرة بالمدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: \" يا أبا ذر\". قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: \" ما يسرني أن عندي مثل أحدِ هذا ذهبا تمضي على ثلاثة أيام وعندي منه دينار إلا شيء أرصدة لدين، إلا أن أٌول به في عباد الله هكذا، وهكذا وهكذا\" عن يمينه وعنه شماله ومن خلفه.\nثم سار فقال: \" إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا\" عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه\" وقليل ما هم\". ثم قال لي\" مكانك لا تبرح حتى آتيك\".\nثم أنطلق في سواد الليل حتى توارى فسمعتُ صوتًا قد ارتفع، فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي ﷺ فأردت أن آتيه، فذكرتُ قوله «لا تبرح حتى آتيك»","vol":"3","page":365},{"text":"فلم أبرح حتى أتاني.\nفقلت: لقد سمعتُ صوتًا تخوفت منه، فذكرت له، فقال: \" وهل سمعته؟ \" قلت: نعم، قال: \" ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشركُ بالله شيئًا دخل الجنة\".\nقلت: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: \" وإن زنى، وإن سرق\". متفق عليه. وهذا لفظ البخاري.\n١٠/٤٦٦- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا؛ لسرني أن لا تمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء ارصده لدين\" متفق عليه.\n١١/٤٦٧- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم \" متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.\n١٢/٤٦٨- وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \" تعِس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطى رضي؛ وإن لم يعط لم يرض\" رواه","vol":"3","page":366},{"text":"البخاري.\n١٣/٤٦٩- وعنه ﵁ قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة، وما منهم رجل عليه رداء؛ إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته\" رواه البخاري.\n١٤/٤٧٠- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ «الدنيا سِجن المؤمن، وجنة الكافرِ» رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀، كلها تدل على الزهد في الدنيا.\n\nفمنها حديث أبي ذر وأبي هريرة أن النبي ﵌ قال: «ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا تمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيء أرصدة لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا\" وعنه يمينه وعن شماله ومن خلفه.\nوهذا يدل على أن النبي ﵌ من أزهد الناس في الدنيا؛ لأنه لا يريد أن يجمع المال إلا شيئًا يرصده لدين، وقد توفي ﷺ","vol":"3","page":367},{"text":"ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لأهله.\nولو كانت الدنيا محبوبة إلى الله ﷿ ما حرم منها نبيه ﷺ \" فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه وعالمًا ومتعلمًا\" وما يكون في طاعة الله ﷿.\nثم ذكر في حديث أبي ذر \" أن المكثرين هم المقلون يوم القيامة\" يعني المكثرون من الدنيا هم المقلون من الأعمال الصالحة يوم القيامة، وذلك لأن الغالب على من كثر ماله في الدنيا الغالب عليه الاستغناء والتكبر والإعراض عن طاعة الله؛ لأن الدنيا تلهيه، فيكون مكثرًا في الدنيا مقلًا في الآخرة. وقوله: إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا\" يعني في المال وصرفه في سبيل الله ﷿.\n\nوفي حديث أبي ذر: «أن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق» وهذا لا يعني أن الزنى والسرقة سهلة، بل هي صعبة، ولهذا استعظمها أبو ذر وقال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» .\nوذلك لأن من مات على الإيمان وعليه معاص من كبائر الذنوب؛ فإن الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء) (النساء:","vol":"3","page":368},{"text":"٤٨، ١١٦) .\nقد يعفو الله عنه ولا يعاقبه، وقد يعاقبه، ولكن إن عاقبه فمآله إلى الجنة؛ لأن كل من كان لا يشرك بالله ولم يأت شيئًا مكفرًا؛ فإن مآله إلى الجنة.\nأما من أتى مكفرًا كالذي لا يصلي والعياذ بالله، فهذا مخلد في النار؛ الذي لا يصلي كافر مرتد مخلد في نار جهنم حتى لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وآمنت بالله وآمنت باليوم الآخر وهو لا يصلى، فإنه مرتد؛ لأن المنافقين كانوا يقولون للرسول ﵊: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) (المنافقون: ١)، وكانوا يذكرون الله ولكن لا يذكرون الله إلا قليلًا ويصلون ولكن (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) (النساء: ١٤٠) ومع ذلك فهم في الدرك الأسفل من النار.\nوكذلك الآحاديث التي تلت ما رواه أبو ذر ﵁، كلها تدل على الزهد في الدنيا، وأن الإنسان لا ينبغي أن يعلق نفسه بها، وأن تكون الدنيا بيده لا بقلبه، حتى يقبل بقلبه على الله ﷿؛ فإن هذا هو كمال الزهد، وليس المعنى أنك لا تأخذ شيئًا من الدنيا؛ بل خذ من الدنيا ما يحل لك، ولا تنس نصيبك منها، ولكن اجعلها في يدك ولا تجعلها في قلبك، وهذا هو المهم. نسأل الله لنا وللمسلمين العافية والسلامة.","vol":"3","page":369},{"text":"١٥/٤٧١- وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل» .\nوكان ابن عمر ﵄ يقول: إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك\" رواه البخاري.\nقالوا في شرح هذا الحديث معناه: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريبُ الذي يريد الذهاب إلى أهله. وبالله التوفيق.\n١٦/٤٧٢- وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، دلنى على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يُحبك الناس» حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة رواه ابن ماجة.\n\n١٧/٤٧٣- عنِ النعمانِ بن بشير ﵄ قال: ذكر عمرُ بن الخطاب ﵁ ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيتُ رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي، ما يحدث من الدقلِ ما يملاٌ به بطنه. رواه مسلم.\n\"الدقل\" بفتحِ الدالِ المهملةِ والقافِ: رديءُ التمرِ.","vol":"3","page":370},{"text":"١٨/٤٧٤- وعن عائشة ﵂ قالت: توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكلهُ ذُو كبد إلا شطرُ شعير في رف لي، فأكلتُ منهُ حتى طالَ علي، فِكلتُه ففني. متفق عليه.\nقولها: \" شطر شعير\". أي شيء من شعير.\n١٩/٤٧٥- وعن عمرو بن الحارث- أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين﵄- قال: ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحهُ، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة. رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله تعالى في باب الزهد في الدنيا وترك المكاثرة فيها والرغبة في الآخرة، والمتاجرة فيها، فذكر حديث ابن عمر ﵄ قال: أخذ النبي ﷺ بمنكبي، وأخذ بمنكبه من أجل أن يستعد لما يلقيه عليه فينتبه فقال: «كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» يحتمل أن هذا من باب الشك، أي: أن الراوي شك، هل قال رسول الله ﷺ الأول أو الثاني.\nويحتمل أنه من باب التنويع يعني: كن كالغريب الذي يداخل الناس ولا يهتم بالناس، ولا يعرف بين الناس، أو كأنك عابر سبيل تريد أن تأخذ","vol":"3","page":371},{"text":"ما تحتاجه في سفرك وأنت ماش.\nوهذا التمثيل الذي ذكره النبي ﷺ هو الواقع؛ لأن الإنسان في هذه الدنيا مسافر، فالدنيا ليست دار مقر؛ بل هي دار ممر، سريعٌ راكبه لا يفتر ليلًا ولا نهارًا، فالمسافر ربما ينزل منزلًا فيستريح، ولكن مسافر الدنيا لا ينزل، هو دائمًا في سفر، كل لحظة فإنك تقطع بها شوطًا من هذه الدنيا لتقرب من الآخرة.\nفما ظنكم بسفر لا يفتأ صاحبه يمشي ويسير. أليس ينتهي بسرعة؟\n\nالجواب: بلى، ولهذا قال الله ﷾: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) (النازعات: ٤٦) .\nوينبغي للإنسان أن يقيس ما يستقبل من عمره بما مضي، فالذي مضى كأنه لا شيء، حتى أمسك الأدنى، كأنك لم تمر به، أو كأنه حلم، وكذلك فما يستقبل من دنياك، فهو كالذي تقدم، ولهذا لا ينبغي الركون إلى الدنيا ولا الرضا بها؛ وكأن الإنسان مخلد فيها.\nولذلك كان ابن عمر ﵁ يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء» فإنك قد تموت قبل أن تمسي. «وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح» فإنك قد تموت قبل أن تصبح، ولكن انتهز الفرصة، لا تؤخر العمل، لا تركن إلى الدنيا فتؤمل البقاء مع أنك لا تدري.\n\" وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك\" انتهز الصحة، انتهز الحياة، فإنك قد تمرض فتعجز، وقد تفتقر فتعجز، وقد تموت فينقطع عملك.","vol":"3","page":372},{"text":"ثم ذكر أحاديث في هذا المعنى، منها: أن النبي ﷺ مات ولم يترك شيئًا مما يأكله ذو كبد رطبة إلا شيئًا من الشعير\" كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين ﵂: «لم يترك إلا شيئًا من الشعير» ومع ذلك فإنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بشعير أخذه لأهله. اضطر ﵊ فأخذ من هذا اليهودي شعيرًا، ابتاعه منه ورهنه درعه، فمات وهي مرهونة عنده ﵊.\nوهذا يدل على أنه ﵊ أزهد الناس في الدنيا إذ لو شاء أن تصير معه الجبال ذهبًا لصارت، ولكنه لا يريد هذا، يريد أن يتقلل من الدنيا حتى يخرج منها لا عليه ولا له منها؛ بل كان ﵊ يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، ويعيش عيشة الفقراء. والله الموفق.\n* * *\n\n٢٠/٤٧٦-وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: \"هاجرنا مع رسول الله ﷺ نلتمس وجه الله تعالى؛ فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعبُ بن عُميرٍ ﵁ قُتل يوم أُحد وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسهُ بدت رجلاهُ، وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسهُ، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نُغطي رأسهُ، ونجعل على رجليه شيئًا من الإذخر، ومنا من أينعت لهُ ثمرتهُ، فهو يهدبها\". متفق عليه.","vol":"3","page":373},{"text":"٢١/٤٧٧- وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n٢٢/٤٧٨- وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالمًا ومتعلمًا\". رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن.\n٢٣/٤٧٩- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \" لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا» . رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن.\n\n٢٥/٤٨١- وعن كعب بن عياض ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي: المال» . رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n٢٦/٤٨٢- وعن أبي عمرو - ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو ليلى -عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنهُ، وثوب يُواري عورتهُ، وجلف الخُبز، والماء» . رواهُ الترمذي وقال","vol":"3","page":374},{"text":"حديثٌ صحيحٌ.\nقال الترمذي: سمعت أبا داود سليمان بن سالم البلخي يقول: سمعت النصر بن شميل يقول: الجلف: الخبز ليس معه إدام. وقال غيرهُ: هو غليظ الخبز. وقال الهروي: المراد به هنا وعاء الخبز: كالجوالق والخرج. والله أعلم.\n٢٧/٤٨٣- وعن عبد الله بن الشخير - بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين﵁ أنهُ قال: أتيتُ النبي ﷺ وهو يقرأ ُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يابن آدم مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت!؟» رواهُ مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث كلها تدور على ما سبق من الحث على الزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة.\nفذكر المؤلف ﵀ حديث خباب بن الأرت ﵁ في قصة مصعب بن عمير، وهو من المهاجرين الذي هاجروا لله ﷿ ابتغاء وجه الله، وكان شابًا مدللًا من قبل والديه في مكة، ولما أسلم طرده أبواه لأنهما كانا كافرين، فهاجر ﵁ وقتل في أحد في السنة الثالثة من الهجرة، يعني لم يمض على هجرته إلا ثلاثة أعوام أو أقل، فقتل شهيدًا ﵁، وكان صاحب الراية، ولم يكن معه شيء إلا بردة،","vol":"3","page":375},{"text":"ثوب واحد، إن غطوا به رأسه؛ بدت رجلاه، وإن غطوا به رجليه بدأ رأسه، فأمر النبي ﷺ أن يغطى رأسه، ويجعل على رجليه شيء من الإذخر، والإذخر نبات معروف تأكله البهائم، فأمر النبي ﷺ أن يجعل على رجليه لأجل أن يغطيهما.\n\nقال: «ومنا»: يعني المهاجرين «من أينعت له الدنيا» أينعت: يعني استوت وأثمرت «فهو يهدبها» أي يجنيها ويقطفها ويتمتع بها، ولا يعلم الأول خير أم الآخر، لكن الدنيا خطيرة جدًا على الإنسان كما في هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف أن الرسول ﵊ قال: «إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي في المال»، يكثر المال عند الناس فينسوا به الآخرة، ولهذا نهي عن اتخاذ الضياع، الضياع يعني الحدائق والبساتين، فإن الإنسان يلهو بها عما هو أهم منها من أمور الآخرة، والحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يكون زهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، وأن الله إذا رزقه مالًا فليجعله عونًا على طاعة الله، وليجعل الدنيا في يده لا في قلبه، حتى يربح بالدنيا والآخرة (وَالْعَصْرِ (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ١-٣) .\nوقرأ النبي ﷺ قول الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر: ١، ٢)، الهاكم يعني شغلكم عن المقابر وعن الموت وما بعده (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) لم ينطق الإنسان من الدنيا حتى مات، فقال عليه","vol":"3","page":376},{"text":"الصلاة والسلام: «مالي مالي، مالي مالي» .\nيفتخر به \" وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأمضيت\"، هكذا قال النبي ﵊ وهو كذلك، فالإنسان ما لَه إلا هذه الأشياء، إما أن يأكل طعامًا وشرابًا، وإما أن يلبس من أنواع اللباس، وإما أن يتصدق، والباقي له هو ما يتصدق به، أما ما يأكله ويلبسه؛ فإن كان يستعين به على طاعة الله؛ كان خيرًا له، وإن كان يستعين به على معصية الله وعلى الأشر والبطر؛ كان محنة عليه والعياذ بالله والله الموفق. * * *\n\n٢٨/٤٨٤- وعن عبد الله بن مُغفل ﵁ قال: قال رجلٌ للنبي ﷺ: يا رسول الله، والله إني لأحبك، فقال: «انظر ماذا تقولُ؟» قال: والله إني لأحبك، ثلاث مرات، فقال «إن كنت تُحبني فاعد للفقر تجفافا، فإن الفقر أسرعُ إلى من يحبني من السيل إلى مُنتهاه» رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n٣٠/٤٨٦- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسل على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاءً! فقال: «مالي وللدنيا» ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثُم راح وتركه» رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.","vol":"3","page":377},{"text":"٣١/٤٨٧- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام» رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.\n٣٢/٤٨٨- وعن ابن عباس وعمران بن الحُصين ﵃، عن النبي ﷺ: «اطلعتُ في الجنة فرأيتُ اكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» متفق عليه من رواية ابن عباس، ورواه البخاري أيضًا من رواية عمران بن الحُصين.\n\n٣٣/٤٨٩- وعن أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: «قُمتُ على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكينُ، وأصحابُ الجد محبُوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار» متفق عليه.\n٣٤/٤٩٠- وعن أبي هريرة ﵁ النبي ﷺ قال: «أصدقُ كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:\nألا كل شيءٍ ما خَلا الله بَاطِلُ» متفق عليه.","vol":"3","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في باب الزهد في الدنيا، منها حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن رجلًا قال للنبي ﷺ: والله إني لأحبك، فقال النبي ﷺ: «انظر ماذا تقول؟» قال: والله إني لأحبك، فرددها ثلاثًا، فقال النبي ﷺ: «إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه»؛ لأن السيل إذا كان له منتهى وقد جاء من مرتفع يكون سريعًا.\n\nولكن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ؛ لأنه لا ارتباط بين الغنى ومحبة النبي ﷺ، فكم من إنسان غني يحب الرسول ﵊، وكم من إنسان فقير أبغض ما يكون إليه الرسول ﵊، فهذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ.\nولكن علامة محبة الرسول ﷺ أن يكون الإنسان أشد اتباعًا له، وأشد تمسكًا بسنته، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: ٣١) .\nفالميزان هو اتباع الرسول ﵊، من كان للرسول أتبع فهو له أحب، وأما الفقر والغنى فإنه بيد الله ﷿.\nوكذلك أيضًا من الزهد في الدنيا ما كان النبي ﷺ من شظف العيش وقلة ذات اليد، حيث كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه.","vol":"3","page":379},{"text":"فيقال له: ألا نجعل لك وطاءً، يعني فراشًا تطؤه وتنام عليه؟ فقال: «مالي وللدنيا؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» .\n\nفالرسول ﷺ ليس له هم في الدنيا، ولا يبقى عنده مال بل كله ينفقه في سبيل الله، ويعيش عيشة الفقراء.\nثم ذكر المؤلف أحاديث في أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، وأن الفقراء أكثر أهل الجنة، وذلك لأن الفقراء ليس عندهم ما يطغيهم، فهم متمسكنون خاضعون.\nولهذا إذا تأملت الآيات؛ وجدت أن الذين يكذبون الرسل هم الملأ الأشراف والأغنياء، وأن المستضعفين هم الذين يتعبون الرسول، فلهذا كانوا أكثر أهل الجنة، وكانوا يدخلون الجنة قبل الأغنياء بتقادير اختلفت فيها الأحاديث عن النبي ﷺ، ويجمعها أن السير يختلف، فقد يكون السير في عشرة أيام لشخص مسرع يسيره الآخر في عشرين يومًا مثلًا.\nثم ذكر قول النبي ﵊ في كلمة لبيد الشاعر المشهور قال:\n\" أصدق كلمة قالها شاعر؛ كلمة لبيد:\nألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل\nكل شيء سوى الله فهو باطل ضائع لا ينفع، وأما ما كان لله؛ فإنه هو الذي ينفع صاحبه ويبقى له، ومن ذلك الدنيا فإنها باطل، كما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الحديد: ٢٠)، إلا ما كان فيها من ذكر الله وطاعته، فإنه حق وخير.","vol":"3","page":380},{"text":"وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الحق يقبل حتى لو كان من الشعراء، فالحق مقبول من كل أحد جاء به، حتى لو كان كافرًا وقال بالحق فإنه يقبل منه، ولو كان شاعرًا أو فاسقًا وقال بالحق فإنه يقبل منه.\nوأما من قال بالباطل فقوله مردود ولو كان مسلمًا؛ يعني العبرة بالمقالات لا بالقائلين، ولهذا ينبغي على الإنسان أن ينظر إلى الإنسان من خلال فعله لا من شخصه.","vol":"3","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>٥٦- باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات</span>\n\nقال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) (مريم: ٥٩، ٦٠) .\nوقال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) (القصص: ٧٩، ٨٠) .\nوقال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر: ٨) وقال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا) (الاسراء: ١٨) .\nوالآيات في الباب كثيرة معلومة.\n١/٤٩١- وعن عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض\" متفق عليه.\n\nوفي رواية: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض.","vol":"3","page":382},{"text":"٢/٤٩٢- وعن عُروة عن عائشة ﵂، أنها كانت تقولُ: «والله يا ابن أختي إن كنا لننظرُ إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثم: ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسمل نار. قلتُ: يا خالة، فما كان يعيشكم: قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنهُ قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائحُ وكانوا يرسلون إلى رسول الله من ألبانها فيسقينا» متفق عليه.\n٣/٤٩٣- وعن أبي سعيد المقبري عن أبي هُريرة ﵁، أنه مرَّ بقومٍ بين أيديهم شاة مصلية، فدعوهُ فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب ذكره المؤلف ﵀ بعد باب الزهد في الدنيا، يبين فيه أنه ينبغي للإنسان ألا يكثر من الشهوات في أمور الدنيا، وأن يتقصر على قدر الحاجة فقط، كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك، وذكر آيات فيها بيان عاقبة الذين يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات، فقال: وقول الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) (مريم: ٥٩، ٦٠) . قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) أي من بعد الأنبياء الذين ذكروا","vol":"3","page":383},{"text":"قبل هذه الآية، خلف من بعدهم خلف لم يتبعوا طريقتهم وإنما (خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) .\nوإضاعة الصلاة تعني التفريط فيها.\nفي شروطها: كالطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة.\nوفي أركانها: كالطمأنينة في الركوع، والسجود، والقيام والقعود.\nوفي واجباتها: كسؤال المغفرة بين السجدتين، والتسبيح في الركوع، والسجود، والتشهد الأول، وما أشبه ذلك.\n\nوأشد من هذا الذين يضيعونها عن وقتها؛ فلا يصلون إلا بعد خروج الوقت، فإن هؤلاء إما أن يكون لهم عذر من نوم أو نسيان، فصلاتهم مقبولة ولو بعد الوقت، وإما ألا يكون لهم عذر فصلاتهم مردودة لا تقبل منهم، ولو صلوا ألف مرة.\nوقوله: (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ): يعني ليس لهم همٌّ إلا الشهوات؛ ما تشتهيه بطونهم وفروجهم، فهم ينعمون أبدانهم ويتبعون ما تنعم به الأبدان، ويضيعون الصلاة والعياذ بالله.\nثم قال تعالى مبينًا جزاءهم (ِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (إِلَّا مَنْ تَاب) (مريم: ٥٩، ٦٠)، وهذا وعيد لهم؛ لأنهم والعياذ بالله يلقون الغي لأن الجزاء من جنس العمل (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) .\n\nثم ذكر المؤلف حديث عائشة ﵂ في بيان عيش النبي ﷺ وأنه ما شبع من خبز الشعير ليلتين تباعًا؛ لقلة ذات يده عليه الصلاة","vol":"3","page":384},{"text":"والسلام، وأنه كان يمضي عليه الشهران في ثلاثة أهلة ما يوقد في بيته نار، وإنما هو الأسودان: التمر والماء، مع أنه ﷺ لو شاء لصارت الجبال معه ذهبًا، ولكنه ﷺ يريد أن يقتصر على الدنيا بما يسوي الدنيا من الحاجة فقط، والله الموفق.","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>٥٧- باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة</span>\n\n٣/٥٢٤- وعن حكيم بن حِزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال: \" يا حكيمُ، إن هذا المال خضر حُلو، فمن أخذه بسخاوة نفس؛ بورك له فيه، ومن أخذهُ بإشرافِ نفسٍ لم يبارك لهُ فِيه، وكان كالذِي يأكلُ ولا يشبعُ، واليد العُليا خيرٌ من اليد السفلى» .\nقال حكيم؛ فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئأً حتى أفارق الدنيا.\nفكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا ليعطيه العطاءَ، فيأبى أن يقبل منه شيئا.\n\nثم إن عمر رضي الله دعاه ليعطيهُ، فأبى أن يقبلهُ، فقال: يا معشر المسلمين، أشهدكم على حكيم أني أعرضُ عليه حقهُ الذي قسمهُ الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذهُ. فلم يرزأ أحدًا من الناس بعد النبي ﷺ حتى تُوفي. متفق عليه.\n«يرزأ» براء ثم زأي ثم همزة، أي: لم يأخذ من أحد شيئًا، وأصل الرزء: النقصان، أي: لم ينقص أحدًا شيئًا بالأخذ منه. و«إشراف النفس»: تطلعها وطمعها بالشيء. و«سخاوة النفس» هي عدم الإشراف إلى الشيء، والطمع فيه،","vol":"3","page":386},{"text":"والمبالاة به والشره.\n٦/٥٢٧- وعن حكيم بن حزام ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اليدُ العليا خيرٌ من السُفلى، وابدأ بمن تعُولُ، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يُغنه الله» متفق عليه. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم أخصر.\n٧/٥٢٨- وعن أبي سُفيان صخر بن حرب ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: «لا تُلحفوا في المسألة، فو الله لا يسألني أحد منكم شيئًا، فتخرج له مسألتهُ مني شيئًا وأنا له كارة، فيبارك له فيما أعطيتهُ» رواه مسلم.\n\n٩/٥٣٠- وعن ابن عُمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تزالُ المسألةُ بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجههِ مزعةُ لحمٍ» متفق عليه.\n«المزعة» بضم الميم وإسكان الزأي وبالعين المهملة: القطعة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن حكيم بن حزام ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فأعطاه؛ أي سأله مالًا فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه.","vol":"3","page":387},{"text":"وكان من هدي النبي ﷺ وكرمه وحسن خلقه أنه لا يرد سائلًا سأله شيئًا، فما سئل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه ﵊، ثم قال لحكيم: «إن هذا المال خضر حلو» خضر يسر الناظرين، حلو يسر الذائقين، فتطلبه النفس وتحرص عليه.\n«فمن أخذه بسخاوة نفسه بورك به فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه»، فكيف بمن أخذه بسؤال؟ يكون أبعد وأبعد، ولهذا قال النبي ﵊ لعمر بن الخطاب: \" ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك\". يعني ما جاءك بإشراف نفس وتطلع وتشوف فلا تأخذه، وما جاءك بسؤال فلا تأخذه.\n\nثم قال النبي ﵊ لحكيم بن حزام: «اليد العليا خير من اليد السفلي»: اليد العليا هي يد المعطي، واليد السفلى هي يد الآخذ، فالمعطي يده خير من يد الآخذ؛ لأن المعطي فوق الآخذ، فيده هي العليا كما قال النبي ﷺ.\nفأقسم حكيم بن حزام ﵁ بالذي بعث النبي ﷺ بالحق ألا يسأل أحدًا بعده شيئًا، فقال: «يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزًا أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا» .","vol":"3","page":388},{"text":"فتوفي الرسول ﵊، وتولى الخلافة أبو بكر ﵁، فكان يعطيه العطاء فلا يقبله، ثم توفي أبو بكر، فتولى عمر فدعاه ليعطيه، فأبى، فاستشهد الناس عليه عمر، فقال: اشهدوا أني أعطيه من بيت مال المسلمين ولكنه لا يقبله، قال ذلك ﵁ لئلا يكون له حجة على عمر يوم القيامة بين يدي الله، وليتبرأ من عهدته أمام الناس، ولكن مع ذلك أصر حكيم ﵁ ألا يأخذ منه شيئًا حتى توفي.\nوفي اللفظ الآخر الذي ساقه المؤلف أن الرسول ﷺ قال: «اليد العليا خيرٌ من اليد السفلي وابدأ بمن تعول» فالإنسان يبدأ بمن يعول، يعني بمن يلزمه نفقته، فالإنفاق على الأهل أفضل من الصدقة على الفقراء؛ لأن الإنفاق على الأهل صدقة وصلة وكفاف وعفاف، فكان ذلك أولى، ابدًا بمن تعول والإنفاق على نفسك أولى نم الإنفاق على غيرك، كما جاء في الحديث «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك» .\nوذكر المؤلف ﵀ حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم» . يعني لا يزال الرجل يسأل الناس- يعني يسأل المال- حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم. نسأل الله العافية.\n\nوهذا وعيد شديدٌ يدل على تحريم كثرة السؤال من الناس، ولهذا قال العلماء: لا يحل لأحد أن يسأل شيئًا إلا عند الضرورة، إذا اضطر الإنسان","vol":"3","page":389},{"text":"فلا بأس أن يسأل، أما أن يسأل للأمور الكماليات لأجل أن يسابق الناس فيما يجعله في بيته، فإن هذا لا شك في تحريمه، ولا يحل له أن يأخذ ولا الزكاة حتى لو أعطيها فلا يأخذ الزكاة من أجل الكماليات التي لا يريد منها إلا أن يسابق الناس ويماريهم، أما الشيء الضروري فلا بأس به. والله أعلم.\n* * *\n١١/٥٣٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا؛ فليستقل أو ليستكثر» رواه مسلم.\n١٢/٥٣٣- وعن سمرة بن جُندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المسألة كد يكد بها الرجلُ وجههُ، إلا أن يسأل الرجل سُلطانًا أو في أمرِ لابُد منه» رواهُ الترمذي، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.\n١٣/٥٣٤- وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصابتهُ فاقةُ فانزلها بالناس لم تسد فاقتهُ، ومن أنزلها بالله، فيُوشك الله له برزق عاجلٍ أو آجل» رواه أبو داود، والترمذي، وقال حديث حسن.","vol":"3","page":390},{"text":"١٤/٥٣٥- وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا، وأتكفل له بالجنة؟ فقلت: أنا، فكان لا يسألُ أحدًا شيئًا) . رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n١٥/٥٣٦- وعن أبي بشر قبيصة بن المُخارقِ ﵁ قال: «تحملتُ حمالةً فأتيتُ رسول الله ﷺ أسألهُ فيها، فقال: \" أقم حتى تأتينا الصدقةُ فنأمر لك بها» ثم قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة: فحلت له المسألة حتى يُصيبها، ثم يمسك. ورجل أصابتهُ جائحة اجتاحت مالهُ فحلت له المسالةُ حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يُصيب قومًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش فما سواهن من المسالة يا قبيصةُ، سحتٌ، يأكلها صاحبُها سحتًا» رواه مسلم.\n\n١٦/٥٣٧- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس المسكينُ الذي يطوفُ على الناس تردهُ اللقمةُ واللقمتانِ، والتمرةُ والتمرتانِ ولكن المسكين الذي لا يجدُ غنى يُغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه، ولا يقومُ فيسأل الناس» متفق عليه.","vol":"3","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان الوعيد لمن سأل الناس أموالهم بغير ضرورة. ففي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا فليستقل أو ليستكثر»، يعني من سأل الناس أموالهم ليكثر بها ماله، فإنما يسأل جمرًا فليستقل أو ليستكثر، إن استكثر زاد الجمر عليه، وإن استقل قلَّ الجمر عليه، وإن ترك سلم من الجمر ففي هذا دليلٌ على أن سؤال الناس بلا حاجة من كبائر الذنوب.\n\nثم ذكر أحاديث منها أن من أنزل حاجته بالناس، وفاقته بالناس فإنها لا تقضى حاجته؛ لأن من تعلق شيئًا وُكِل إليه، ومن وكل إلى الناس أمره، فإنه خائب لا تقضى حاجته، ويستمر دائمًا يسأل ولا يشبع، ومن أنزلها بالله ﷿ واعتمد على الله وتوكل عليه، وفعل الأسباب التي أمر بها؛ فإنه يوشك أن تقضى حاجته؛ لأن الله ﷾ يقول: (ُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه) (الطلاق: ٣) .\nوذكر حديث قبيصة أنه جاء يسأل النبي ﷺ في حمالة تحملها، فأمره أن يقيم عنده حتى تأتيه الصدقة فيأمر له بها، وذكر ﷺ أن المسألة لا تحل إلا لواحد من ثلاثة:\nرجل تحمل حمالة، يعني التزم ذمته لإصلاح ذات البين، فهذا يعطى وله أن يسأل حتى يصيبها، ثم يمسك ولا يسأل.\nورجل آخر أصابته جائحة اجتاحت ماله، كنارٍ وغرق وعدوٍ وغير ذلك، فيسأل حتى يصيب قوامًا من عيش.","vol":"3","page":392},{"text":"والثالث: رجلٌ كان غنيًا فافتقر بدون سبب ظاهر، وبدون جائحة معلومة، فهذا له أن يسأل، لكن لا يعطى حتى يشهد ثلاثة من أهل العقول من قومه بأنه أصابته فاقة، فيعطى بقدر ما أصابه من الفقر.\nفهؤلاء الثلاثة هم الذين تحل لهم المسألة وما سوى ذلك يقول الرسول ﷺ: «فما سواهن من المسألة يا قبيصة، سحت يأكلها صاحبها سحتًا» .\nوالسحت هو الحرام وسمي سحتًا؛ لأنه يسحت بركة المال، وربما يسحت المال كله، فيكون عليه آفات وغرامات تسحت ماله من أصله والله الموفق.","vol":"3","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>٥٨- باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه</span>\n\n١/٥٣٨- عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عُمر، عن عمر ﵃ قال: كان رسول الله ﷺ يُعطينى العطاء، فأقولُ: أعطه من هو أفقر إليه مني فقال: «خذه؛ إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مُشرف ولا سائل، فخذه فتمولهُ، فإن شئت كلهُ، وإن شئت تصدق به، وما لا، فلا تتبعه نفسك» .\nقال سالمٌ: فكان عبد الله لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يرد شيئًا أعطيهُ. متفق عليه.\n\"مُتشرفٍ\" بالشين المعجمة: أي: متطلع إليه.","vol":"3","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>٥٩- باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء</span>\n\nقال الله تعالي: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ َ) (الجمعة: ١٠)\n\n١/٥٣٩- عن أبي عبد الله الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يأخذ أحدثكم أحبُلةُ ثم يأتي الجبل، فيأتي يحُزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجههُ، خير له من أن يسأل الناس، اعطوه أو منعوه» رواه البخاري.\n٢/٥٤٠- وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يحتطب أحدكم حُزمة على ظهره، خير له من أن يسأل أحدًا، فليعطيه أو يمنعهُ\"» متفق عليه.\n٣/٥٤١- وعنه عن النبي ﷺ قال: «كان داود ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده» رواه البخاري.\n٤/٥٤٢- وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «كان زكريا ﵇ نجارًا\"» رواه مسلم.","vol":"3","page":395},{"text":"٥/٥٤٣- وعن المِقدامِ بن معدي كرب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكُل من عمل يديه، وإن نبي الله داود ﷺ كان يأكل من عمل يده» رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قبول الإنسان ما يعطى من غير أن يكون له تطلع إليه، وهذا معنى الترجمة.\n\nيعني أن الإنسان لا ينبغي له أن يعلق نفسه بالمال فيتطلع إليه أو يسأل، لأن ذلك يؤدي إلى ألا يكون له هم الدنيا، والإنسان إنما خلق في الدنيا من أجل الآخرة، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) وقال تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى: ١٦، ١٧) .\nفلا ينبغي للإنسان أن يعلق نفسه بالمال ولا يهتم به. إن جاءه من غير تعب ولا سؤال ولا استشراف نفس فيقبله، وإلا فلا.\nثم ذكر حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ كان يعطيه العطاء فيقول: أعطه من هو أفقر مني فيقول له الرسول ﵊: «خذه؛ إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، فتموله فإن شئت كله، وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك» .\nفكان ابن عمر ﵄ لا يسأل أحدًا شيئًا، وإذا جاءه شيء من","vol":"3","page":396},{"text":"غير سؤال قبله، وهذا غاية ما يكون من الأدب، إلا تذل نفسك بالسؤال، ولا تستشرف للمال وتعلق قلبك به.\n\nوإذا أعطاك أحد شيئًا فاقبله؛ لأن رد العطية والهدية قد يحمل من أعطاك على كراهيتك فيقول: هذا الرجل استكبر، هذا الرجل عنده غطرسة، وما أشبه ذلك.\nفالذي ينبغي أن من يعطيك تقبل منه ولكن لا تسأل، إلا إذا كان الإنسان يخشى ممن أعطاه أن يمنَّ به عليه في المستقبل فيقول: أنا أعطيتك، أنا فعلت معك كذا وكذا وما أشبه ذلك، فهنا يرده؛ لأنه إذا خشي أن يقطع المعطي رقبته بالمنة عليه في المستقبل؛ فليحمِ نفسه من هذا.\nثم ذكر المؤلف أنه ينبغي للإنسان أن يأكل من عمل يده ويتعفف عن السؤال، وأن يكتسب ويتجر؛ لقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) (الملك: ١٥) إي في أنحائها: (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) إي ابتغوا الرزق من فضل الله ﷿.\nوقال الله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: ١٠) فقال: انتشروا في الأرض، وابتغوا من فضل الله.\n\nولكن لا ينسينك ابتغاؤك من فضل الله ذكر ربك، ولهذا قال: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)\nثم ذكر ﵀ ما ثبت في صحيح البخاري، أن داود ﵇ كان يأكل من كسب يديه، وكان داود يصنع الدروع كما قال الله تعالى","vol":"3","page":397},{"text":"(وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (الانبياء: ٨٠)، فكان حدادًا.\nأما زكريا فكان نجارًا يعمل وينشر ويأخذ الأجرة على ذلك.\nوهذا يدل على أن العمل والمهنة ليست نقصا؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يمارسونها، ولا شك أن هذا خيرٌ من سؤال الناس، حتى أن الرسول ﵊ قال: «لأن يأخذ أحدكم حزمة من حطب على ظهره فيبيعها» يعني ويأخذ ما كسب منها: «خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» .\nولا شك أن هذا هو الخلق النبيل؛ إلا يخضع الإنسان لأحد، ولا يذل له، بل يأكل من كسب يده، من تجارته أو صناعته أو حرثه. قال تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: ٢٠) ولا يسأل الناس شيئًا، والله الموفق.","vol":"3","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>٦٠- باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى</span>\n\nقال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) (سبأ: ٣٩) .\nقال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٢) .\nوقال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٧٣) .\n١/٥٤٤- وعن ابن مسعودٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلطهُ على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حِكمة، فهو يقضي بها ويعلمها» متفق عليه.\n٢/٥٤٥- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: «أيكم مالُ وارثهِ أحب إليه من مالهِ؟» قالُوا: يا رسول الله، ما مِنا أحد إلا مالُهُ أحب إليه. قال: «فإن مالهُ ما قدم ومال وارثه ما آخر» رواه البخاري.\n٣/٥٤٦- وعن عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا","vol":"3","page":399},{"text":"النار ولو بشق تمرة» متفق عليه.\n\n٤/٥٤٧- وعن جابر ﵁ قال: ما سُئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا. متفق عليه.\n٥/٥٤٨- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من يوم يصبح العبادُ فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: الله اعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفا\" متفق عليه.\n٦/٥٤٩- وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" قال الله تعالى: «انفق يا ابن آدم ينفق عليك» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحث على إنفاق المال في سبل الخير مع الثقة بالله ﷿.\nالمال الذي أعطاه الله بني آدم، أعطاهم الله إياه فتنة؛ ليبلوهم هل يحسنون التصرف فيه أم لا.\nقال الله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)","vol":"3","page":400},{"text":"(التغابن: ١٥)، فمن الناس من ينفقه في شهواته المحرمة، وفي لذائذه التي لا تزيده من الله إلا بعدًا، فهذا يكون ماله وبالًا عليه والعياذ بالله.\nومن الناس من ينفقه ابتغاء وجه الله فيما يقرب إلى الله على حسب شريعة الله، فهذا ماله خيرا له.\n\nومن الناس من يبذل ماله في غير فائدة، ليس في شيء محرم ولا في شيء مشروع، فهذا ماله ضائع عليه، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.\nوينبغي للإنسان إذا بذل ماله فيما يرضي الله أن يكون واثقًا بوعد الله ﷾ حيث قال في كتابه: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: ٣٩)، (فَهُوَ يُخْلِفُهُ) أي يعطيكم خلفًا عنه.\nوليس معناه فهو يخلُفهُ، إذ لو كانت فهو يخلفه، لكان معنى الآية: أن الله يكون خليفة، وليس الأمر كذلك، بل فهو يُخلفه أي يعطيكم خلفًا عنه.\nومنه الحديث: «اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها» ولا تقل واخلف لى خيرًا منها، بل وأخلف أي أرزقني خلفًا عنها خيرًا منها. ولا تقل واخلف لي خيرًا منها، بل وأخلف أي ارزقني خلفًا عنها خيرًا منها.\n\nفالله ﷿ وعد في كتابه أن ما أنفقه الإنسان فإن الله يخلفه عليه، يعطيه خلفًا عنه، وهذا يفسره قول الرسول ﵊ في الأحاديث التي ساقها المؤلف مثل قوله ﷺ: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: الله أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر:","vol":"3","page":401},{"text":"الله أعط ممسكًا تلفًا» يعني أتلف ماله.\nوالمراد بذلك من يمسك عما أوجب الله عليه من بذل المال فيه، وليس كل ممسك يُدعى عليه، بل الذي يمسك ماله عن إنفاقه فيما أوجب الله، فهو الذي تدعو عليه الملائكة بأن الله يتلفه ويتلف ماله.\nوالتلف نوعان: تلف حسي، وتلف معنوي:\n١- التلف الحسي: أن يتلف المال نفسه، بأن يأتيه آفة تحرقه أو يُسرق أو ما أشبه ذلك.\n٢- والتلف المعنوي: أن تنزع بركته، بحيث لا يستفيد الإنسان منه في حسناته، ومنه ما ذكره النبي ﷺ حيث قال لأصحابه: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا وماله أحب إليه.\nفمالك أحب إليك من مال زيد وعمرو وخالد، ولو كان من ورثتك، قال: \" فإن ماله ما قدّم وماله وارثه ما أخَّر\".\n\nوهذه حكمة عظيمة ممن أوتي جوامع الكلم ﷺ، فمالك الذي تقدمه لله ﷿ تجده أمامك يوم القيامة، ومال الوارث ما يبقى بعدك من الذي ينتفع به ويأكله هو الوارث، فهو مال وارثك على الحقيقة. فأنفق مالك فيما يرضي الله، وإذا أنفقت؛ فإن الله يخلفه وينفق عليك، كما قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: يا ابن آدم أنفق ينفق عليك» .\nوهذه الأحاديث كلها وكذلك الآيات تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يبذل ماله حسب ما شرع الله ﷿، كما جاء في الحديث الذي صدر به","vol":"3","page":402},{"text":"المؤلف هذا الباب؛ أن الرسول ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين» يعني لا غبطة، ولا أحد يغبط على ما أعطاه الله ﷾ من مال وغيره إلا في اثنتين فقط:\nالأولى: رجل أعطاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، صار لا يبذله إلا فيما يرضي الله، هذا يحسد؛ لأنك الآن تجد التجار يختلفون، منهم من ينفق أمواله في سبيل الله، في الخيرات، في أعمال البر\n، إعانة فقير، بناء مساجد، بناء مدارس، طبع كتب، إعانة على الجهاد، وما أشبه ذلك. فهذا سلط على هلكته في الحق.\n\nومنهم من يسلطه على هلكته في اللذائذ المحرمة والعياذ بالله، يسافر إلى الخارج فيزني، ويشرب الخمر، ويعلب القمار، ويتلف ماله فيما يغضب الرب ﷿، فالذي سلطه الله على هلكة ماله في الحق هذا يغبط؛ لأن الغالب أن الذي يستغني يبطر ويمرح ويفسق، فإذا رؤي أن هذا الرجل الذي أعطاه الله المال ينفقه في سبيل الله؛ فهو يغبط.\nوالثانية: رجل آتاه الله الحكمة يعني العلم، الحكمة هنا العلم كما قال الله تعالى: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) (النساء: ١١٣)، «فهو يقضي بها ويعلمها الناس» يقضي بها في نفسه وفي أهله، وفي من تحاكم عنده، ويعلمها الناس أيضًا، ليس يقتصر على أن يأتيه الناس فيقول: إذا جاءوني حكمت وقضيت؛ بل يقضي ويعلم، ويبدأ الناس بذلك، فهذا لا شك أنه مغبوط على ما آتاه الله ﷿ من الحكمة.","vol":"3","page":403},{"text":"والناس في الحكمة ينقسمون إلى أقسام:\nقسم آتاه الله الحكمة فبخل بها حتى على نفسه، لم ينتفع بها في نفسه، ولم يعمل بطاعة الله، ولم ينته عن معصية الله، فهذا خاسر والعياذ بالله، وهذا يشبه اليهود الذين علموا الحق واستكبروا عنه.\n\nوقسم أخر أعطاه الله الحكمة فعمل بها في نفسه، لكن لم ينفع بها عباد الله، وهذا خيرٌ من الذي قبله، لكنه ناقص.\nوقسم آخر أعطاه الله الحكمة فقضي بها وعمل بها في نفسه وعلمها الناس، فهذا خير الأقسام.\nوهناك قسم رابع لم يؤت الحكمة إطلاقًا فهو جاهل، وهذا حُرم خيرًا كثيرًا، لكنه أحسن حالًا ممن أوتي الحكمة ولم يعمل بها؛ لأن هذا يُرجى إذا علم أن يتعلم ويعمل، بخلاف الذي أعطاه الله العلم، وكان عمله وبالًا عليه والعياذ بالله نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الحكمة والعلم النافع والعمل الصالح.\n\n١/٥٥٣- وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ما سُئل رسولُ الله ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاهُ، ولقد جاءه رجلٌ، فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكُون الإسلامُ أحب إليه من الدنيا وما عليها. رواه مسلم.","vol":"3","page":404},{"text":"١٣/٥٥٦- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ﷿» رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أنس بن مالك ﵁ قال ما سئل النبي ﷺ شيئًا على الإسلام إلا أعطاه؛ لأنه ﷺ كان أكرم الناس، وكان يبذل أمواله فيما يقرب إلى الله ﷾.\nومن ذلك أنه ﷺ إذا سأله شخص على الإسلام يعني على التأليف على الإسلام والرغبة فيه إلا اعطاه، مهما كان هذا الشيء، حتى إنه سأله أعرابي فأعطاه غنمًا بين جبلين، بين جبلين معناه: أنها غنم كثيرة؛ لكن الرسول ﷺ أعطاه لما يرجوا من الخير لهذا الرجل ولمن وراه.\nولذلك ذهب هذا الرجل إلى قومه فقال: «يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر»، ﵊، يعني: يعطي عطاءً جزيلًا، عطاء من لا يخشى الفقر، فانظر إلى هذا العطاء كيف أثر في هذا الرجل هذا التأثير العظيم، حتى أصبح داعية إلى الإسلام.\n\nوهو إنما سأل طمعًا كغيره من الأعراب، فالأعراب أهل طمع، يحبون المال ويسألونه، ولكنه لما أعطاه الرسول ﵊ هذا العطاء الجزيل صار داعية إلى الإسلام، فقال: «يا قوم أسلموا» ولم يقل","vol":"3","page":405},{"text":"أسلموا تدخلوا الجنة وتنجوا من النار، بل قال: «أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر» يعني سيعطيكم ويكثر.\nولكنهم إذا أسلموا من أجل المال، فإنهم لا يلبثون يسيرًا إلا وقد صار الإسلام أحب شيء إليهم، أحب من الدنيا وما فيها، ولهذا كان الرسول ﵊ يعطي الرجل تأليفًا له على الإسلام، يعطيه حتى يسلم للمال؛ لكنه لا يلبث إلا يسيرًا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها.\nويؤخذ من هذا الحديث وأمثاله: أنه لا ينبغي لنا أن نبتعد عن أهل الكفر وعن أهل الفسوق، وأن ندعهم للشياطين تلعب بهم؛ بل نؤلفهم، ونجذبهم إلينا بالمال واللين وحسن الخلق حتى يألفوا الإسلام، فها هو الرسول صلى الله ﵊ يعطي الكفار، يعطيهم حتى من الفيء.\nبل إن الله جعل لهم حظًا من الزكاة، نعطيهم لنؤلفهم على الإسلام، حتى يدخلوا في دين الله، والإنسان قد يسلم للدنيا، ولكن إذا ذاق طعم الإسلام رغب فيه، فصار أحب شيء إليه.\nقال بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله؛ فأبى أن يكون إلا لله، فالأعمال الصالحة لابد أن تربي صاحبها على الإخلاص لله ﷿، والمتابعة للرسول ﵊.\nوإذا كان هذا دأب الإسلام فيمن يُعطى على الإسلام ويُولف؛ فإنه ينبغي لنا أن ننظر إلى هذا نظرة جدية، فنعطي من كان كافرًا إذا وجدنا فيه قربًا من الإسلام، ونهاديه ونحسن له الخلق، فإذا اهتدى فلئن يهدي الله","vol":"3","page":406},{"text":"بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم.\nوهكذا أيضًا الفساق هادهم، أنصحهم باللين، وبالتي هي أحسن، ولا تقل: أنا أبغضهم لله، ابغضهم لله وادعهم إلى الله، بغضك إياهم لله لا يمنعك أن تدعوهم إلى الله؛ بل ادعهم إلى الله ﷿ وإن كنت تكرههم فلعلهم يومًا من الأيام يكونون من أحبابك في الله.\n\nثم ذكر المؤلف الحديث الآخر أن الرسول ﵊ قال: \" ما نقصت صدقة من مال\" يعني الإنسان إذا تصدق؛ فإن الشيطان يقول له: أنت إذا تصدقت نقص مالك، عندك مائة ريال إذا تصدقت بعشرة لم يكن عندك إلا تسعون، إذا نقص المال فلا تتصدق، كلما تصدقت ينقص مالك.\nولكن من لا ينطق عن الهوى يقول: «إن الصدقة لا تنقص المال، لا تنقصه لماذا؟»، قد تنقصه كمّا، لكنها تزيده كيفا وبركة، وربما هذه العشرة يأتي بدلها مائة، كما قال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) (سبأ: ٣٩)، إي يجعل لكم خلفًا عنه عاجلًا، وأجرًا وثوابًا آجلًا. قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) (البقرة: ٢٦١) .\nوالمسلمون اليوم مقبلون على شهر رمضان، وشهر رمضان مقبل عليهم، فهو شهر الجود والكرم، كان النبي ﵌ أكرم الناس، وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.","vol":"3","page":407},{"text":"الريح المرسلة التي أمرها الله وأرسلها فهي عاصفة سريعة، ومع ذلك فالرسول ﵊ أسرع بالخير في رمضان من هذه الريح المرسلة، فينبغي لنا إن كانت زكاة فزكاة، وإن كانت تبرعًا فتبرع؛ لأنه شهر الخير والبركة والإنفاق.\nويزيد العامة على قوله ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال» يجري على السنة العامة قولهم: «بل تزده» وهذه لا صحة لها، فلم تصح عن الرسول ﵊، وإنما الذي صح عنه ﷺ قوله: \" ما نقصت صدقة من مال\".\nفالزيادة التي تحصل بدل الصدقة إما كمية وإما كيفية.\nمثال الكمية: أن الله تعالى يفتح لك بابًا من الرزق ما كان في حسابك\nوالكيفية: أن ينزل الله لك البركة فيما بقي من مالك.\nثم قال ﷺ: \" وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا\"، إذا جنى عليك أحد وظلمك في مالك، أو في بدنك، أو في أهلك، أو في حق من حقوقك، فإن النفس شحيحة تأبى إلا أن تنتقم منه، وأن تأخذ بحقك، وهذا لك. قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤) وقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (النحل: ١٢٦)\nولا يلام الإنسان على ذلك، لكن إذا هم بالعفو وحدث نفسه بالعفو قالت له نفسه الأمارة بالسوء: إن هذا ذل وضعف، كيف تعفو عن شخص","vol":"3","page":408},{"text":"جنى عليك أو اعتدى عليك؟!\nفيقول الرسول ﵊: وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا\" والعز ضد الذل، والذي تحدثك به نفسك أنك إذا عفوت فقد ذللت أمام من اعتدى عليك، فهذا من خداع النفس الأمارة بالسوء ونهيها عن الخير، فإن الله تعالى يثيبك على عفوك هذا، فالله لا يزيدك إلا عزًا ورفعة في الدنيا والآخرة.\n\nثم قال ﷺ «وما تواضع أحد لله إلا رفعه» . وهذه الرفعة تكون بسبب التواضع والتضامن، والتهاون، ولكن الإنسان يظن أنه إذا تواضع نزل، ولكن الأمر بالعكس، إذا تواضعت لله؛ فإن الله تعالى يرفعك.\nوقوله: \" تواضع لله\" لها معنيان:\nالمعنى الأول: أن تتواضع لله بالعبادة وتخضع لله وتنقاد لأمر الله.\nالمعنى الثاني: أن تتواضع لعباد الله من أجل الله، وكلاهما سبب للرفعة، وسواء تواضعت لله بامتثال أمره واجتناب نهيه وذللت له وعبدته، أو تواضعت لعباد الله من أجل الله لا خوفًا منهم، ولا مداراة لهم، ولا طلبًا لمال أو غيره، إنما تتواضغ من أجل الله ﷿، فإن الله تعالى يرفعك في الدنيا أو في الآخرة.\nفهذه الأحاديث كلها تدل على فضل الصدقة والتبرع، وبذل المعروف والإحسان إلى الغير، وأن ذلك من خلف النبي ﵌.","vol":"3","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>٦١- باب النهي عن البخل والشح</span>\n\nقال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١، ٨) .\n\nوقال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب النهي عن البخل والشح.\nوالبخل: هو منع ما يجب وما ينبغي بذله.\nوالشح: هو الطمع فيما ليس عنده، وهو أشد من البخل؛ لأن الشحيح يطمع فيما عند الناس ويمنع ما عنده، والبخيل يمنع ما عنده مما أوجب الله عليه من زكاة ونفقات، ومما ينبغي بذله فيما تقتضيه المروءة.\nوكلاهما - أعني البخل والشح- خلقان ذميمان، فإن الله ﷾ ذم من يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، وقال (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) .\nثم استدل المؤلف ﵀ بآيتين من كتاب الله:\nالآية الأولي: وهي في البخل، وهي قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١، ٨) وهذه الآيات قسيم الآيات التي قبلها، وهي قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٧، ٥) .\n\nفالإنسان المصدق بالحق المعطي لما يجب إعطاؤه وبذله من علم،","vol":"3","page":410},{"text":"ومال وجاه، والمتقي لله ﷿، هذا ييسر لليسرى، أي ييسره الله تعالى لأيسر الطرق في الدنيا والآخرة.\nوقد أجاب النبي ﷺ أصحابه حينما حدثهم. قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومن النار» يعني أن الأمر مفروغ منه- قالوا\" يا رسول الله، أفلا نتكل وندع العمل؟ يعني نتكل على ما كتب لنا وندع العمل. قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له\".\nثم قرأ قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) .\nفأنت فكر في نفسك، هل عندك تصديق وإعطاء وبذل لما يجب بذله وتقوى لله ﷿، فإنك موفق ميسر لليسرى، والعكس بالعكس.\nالشاهد من هذه الآية في الباب قوله: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) بخل بما يجب بذله من مال أو جاه أو علم.\n\nومن ذلك ما جاء في الحديث عن النبي ﵊ أنه قال: «البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصلّ عليَّ» ﵊. وهذا بخل بما يجب على الإنسان إذا سمع ذكر نبيه ﵊ الذي هداه الله على يديه. أن يبخل فلا يصلى عليه، ﵊، وكان","vol":"3","page":411},{"text":"الأولى به والأجدر بالصلاة والسلام عليه.\nوقوله (وَاسْتَغْنَى) أي استغنى بنفسه وزعم أنه مستغن عن رحمة الله والعياذ بالله، فلا يعمل ولا يستقيم على أمر الله.\n(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي كذب بالكلمة الحسنى وهي قول الحق، وهي ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﵌.\n(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) تعسر عليه الأمور التي تسهل على المتقي، فلا تسهل عليه الطاعات يجد الطاعات ثقيلة؛ الصلاة ثقيلة، والصدقة ثقيلة، والصيام ثقيل، والحج ثقيل، كل شيء متعسر عنده.\n(وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١) يعني أي شيء يغني عنه ماله إذا هلك؟ والجواب أنه لا يغني عنه شيئًا، فهذا المال الذي بخل به لا يحميه من عذاب الله وعقابه ولا يغني عنه شيئًا.\n\nوأما الآية الثانية التي استدل بها المؤلف فهي في الشح، وهي قوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) يعني من يقيه الله شحَّ نفسه فلا يطمع فيما ليس له؛ فهذا هو المفلح.\n\n١/٥٦٣- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحَّ؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم» رواه مسلم.","vol":"3","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب النهي عن البخل والشح قال عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» اتقوا الظلم بمعنى احذروه، واتخذوا وقاية منه وابتعدوا عنه.\nوالظلم: هو العدوان على الغير، وأعظم الظلم وأشده بالله ﷿ قال الله تعالى: (ِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: ١٣)\nويشمل الظلم ظلم العباد، وهو نوعان: ظلم بترك الواجب لهم، وظلم بالعدوان عليهم بأخذ أو بانتهاك حرماتهم.\n\nفمثال الأول ما ذكره النبي ﵊ في قوله: «مطل الغني ظلم» يعني ممانعة الإنسان الذي عليه دين عن الوفاء وهو غني قادرٌ على الوفاء ظلم، وهذا منع ما يجب؛ لأن الواجب على الإنسان أن يبادر بالوفاء إذا كان له قدرة، ولا يحل له أن يؤخر، فإن أخر الوفاء وهو قادر عليه؛ كان ظالمًا والعياذ بالله.\nوالظلم ظلمات يوم القيامة، وكل ساعة أو لحظة تمضي على المماطل فإنه لا يزداد بها إلا إثمًا والعياذ بالله، وربما يعسر الله عليه أمره فلا يستطيع الوفاء إما بخلًا وإما إعدامًا؛ لأن الله تعالى يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ","vol":"3","page":413},{"text":"يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (الطلاق: ٤) .\nفمفهوم الآية أن من لا يتقي الله لا يجعل له من أمره يسرًا، ولذلك يجب على الإنسان القادر أن يبادر بالوفاء إذا طلبه صاحبه، أو أجله وانتهى الأجل.\nومن الظلم أيضًا اقتطاع شيء من الأرض. قال النبي ﵊: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا؛ طُوقه يوم القيامة من سبع أرضين» .\n\nومن الظلم الاعتداء على الناس في أعراضهم بالغيبة أو النميمة أو ما أشبه ذلك، فإن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، فإن كان في حضرته؛ فهو سب وشتم، فإذا ظلم الناس بالغيبة بأن قال: فلان طويل. فلان قصير. فلان سيء الخلق. فلان فيه كذا، فهذه غيبة وظلم يحاسب عليها يوم القيامة.\nوكذلك أيضًا إذا جحد ما يجب عليه جحودًا؛ بأن كان لفلان عليه حق، فيقول ليس له علي حق ويكتم، فإن هذا ظلم؛ لأنه إذا كانت المماطلة ظلمًا فهذا أظلم، كمن جحد شيئًا واجبًا عليه، فإنه ظالم.\nوعلى كل حال؛ اتقوا الظلم بجميع الأنواع، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، يكون على صاحبه والعياذ بالله ظلمات بحسب الظلم الذي وقع","vol":"3","page":414},{"text":"منه؛ الكبيرظلماته كبيرة والكثير ظلماته كثيرة، وكل شيء بحسبه، قال تعالى:: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الانبياء: ٤٧) .\nوفي هذا دليلٌ على أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه لا وعيد إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، فظلم العباد وظلم الخالق ﷿ رب العباد؛ كله من كبائر الذنوب.\n\nثم قال ﷺ: «واتقوا الشح» يعني الطمع في حقوق الغير. اتقوه: أي احذروا منه، واجتنبوه «فإنه أهلك من كان قبلكم» يعني من الأمم «حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» فكان هلاكهم بذلك والعياذ بالله.","vol":"3","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>٦٢- باب الإيثار والمواساة</span>\n\nقال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩)\nوقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الانسان: ٨) إلى آخر الآيات.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n باب الإيثار والمواساة. ذكر المؤلف هذا الباب عقب باب النهي عن البخل والشح؛ أنهما متضادان.\nفالإيثار: أن يقدم الإنسان غير على نفسه.\nوالمواساة: أن يواسي غيره بنفسه، والإيثار أفضل ولكن ليعلم أن الإيثار ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ممنوع، والثاني: مكروه أو مباح، والثالث: مباح.\nأما الممنوع فهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعًا فإنه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعًا.\n\nومثاله إذا كان معك ماء يكفي لوضوء رجل واحد، وأنت لست على وضوء، وهناك صاحب لك ليس على وضوء فالماء لك، لكن إما أن يتوضأ به صاحبك وتتيمم أنت، أو تتوضأ أنت ويتيمم صاحبك، ففي هذه الحال لا يجوز أن تعطيه الماء وتتيمم أنت؛ لأنك واجد للماء، والماء في ملكك، ولا يجوز العدول عن الماء إلى التيمم إلا لعادم.","vol":"3","page":416},{"text":"فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل؛ أنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.\nوأما القسم الثاني: وهو المكروه أوالمباح: فالإيثار بالأمور المستحبة، وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم، لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحته.\nومثاله: أن تؤثر غيرك في الصف الأول الذي أنت فيه، مثل أن تكون أنت في الصف الأول في الصلاة، فيدخل إنسان فتقوم عن مكانك وتؤثره به، فقد كره أهل العلم هذا، وقالوا: إن هذا دليلٌ على أن الإنسان يرغب عن الخير، والرغبة عن الخير مكروهة، إذ كيف تقدم غيرك إلى مكان فاضل أنت أحق به منه؟!\nوقال بعض العلماء تركه أولى إلا إذا كان فيه مصلحة، كما لو كان أبوك وتخشى أن يقع في قلبه شيء عليك فتؤثره بمكانك الفاضل، فهذا لا بأس به.\n\nالقسم الثالث: وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحبًا، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي، أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي.\nمثل: أن يكون معك طعام وأنت جائع، وصاحب لك جائع مثلك ففي هذه الحال إذا آثرته فإنك محمود على هذا الإيثار؛ لقول الله ﵎ في وصف الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ","vol":"3","page":417},{"text":"وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ َ) (الحشر: ٩) .\nووجه إيثارهم على أنفسهم أن المهاجرين لم اقدموا المدينة تلقاهم الأنصار بالإكرام والاحترام والإيثار بالمال، حتى أن بعضهم يقول لأخيه المهاجري: إن شئت أن أتنازل عن إحدى زوجتي لك فعلت؛ يعني يطلقها فيتزوجها المهاجريّ بعد بمضي عدتها. وهذا من شدة إيثاره رضي اله عنهم لإخوانهم المهاجرين.\nوقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الانسان: ٨)\nيعني يطعمون الطعام وهم يحبونه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا، ويتركون أنفسهم، هذا أيضًا من باب الإيثار.\n* * *\n\n١/٥٦٤- وعن أبي هُريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءً، فقال النبي ﷺ: «من يُضيفُ هذا الليلة؟» فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلهِ، فقال لأمرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ.\nوفي رواية قال لامراته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيءٍ وإذا أرادوا العشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكلُ؛ فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبي ﷺ فقال: «لقد عجبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة\"» متفق عليه.","vol":"3","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب الإيثار على النفس هذا الحديث العظيم العجيب؛ الذي يبين حال رسول الله ﷺ وأصحابه حيث جاءه رجل فقال: «يا رسول الله ﷺ إني مجهود» يعني مجهد من الفقر والجوع، وهو ضيف على رسول الله ﷺ، فأرسل النبي ﷺ إلى زوجاته واحدة تلو الآخرى يسألها هل عندها شيء، فكانت كلّ واحدة تقول: «لا والذي يعثك بالحق ما عندي إلا الماء» .\nتسعة أبيات للرسول ﵊ ليس فيها إلا الماء، مع أن النبي ﷺ لو شاء أن يسيّر الله الجبال معه ذهبًا لسارت، لكنه ﵊ كان أزهد الناس في الدنيا، كل بيوته التسعة ليس فيها شيء إلا الماء.\nفقال النبي ﵊: «من يُضيف هذا الليلة» يعني هذا الضيف.\nفقال رجلٌ من الأنصار: «أنا يا رسول» أنا أضيفه. «فانطلق به إلى رحله، فقال لآمراته: هل عندك شيء؟ قالت: لا؛ إلا قوت صبياني» يعني ليس عندها في البيت إلا العشاء لهم تلك الليلة فقط. فقال: «أكرمي ضيف رسول الله ﷺ» وأمرها أن تشغل أولادها وتلهيهم.\n\nحتى إذا جاء وقت الطعام نومتهم، وأطفأت المصباح، ورأت الضيف","vol":"3","page":419},{"text":"أنهم يأكلون معه ففعلت، هدأت الصبيان وعللتهم ونومتهم، فناموا على غير عشاء، ثم إن العشاء لما قدم أطفأت المصباح وأرت الضيف أنها تأكل هي وزوجها معه، وهما لا يأكلان، فشبع الضيف وباتا طاويين، يعني غير متعشيين إكرامًا لضيف الرسول ﷺ.\nثم إنه أصبح فغدا إلى رسول الله ﷺ فأخبره الرسول ﵊ أن الله قد عجب من صنيعهما تلك الليلة، والعجب هنا عجب استحسان، استحسن ﷿ صنيعهما من تلك الليلة لما يشتمل عليه من الفوائد العظيمة.\nففي هذا الحديث من الفوائد ما يلي:\nأولًا: بيان حال رسول الله ﷺ وما هو عليه من شظف العيش وقلة ذات اليد، مع أنه ﵊ أكرم الخلق على الله، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله شيئًا؛ لكان أبر الناس بها وأحقهم رسول الله ﷺ، ولكنها لا تساوي شيئًا.\nقال ابن القيم ﵀:\nلو ساوت الدنيا جناح بعوضة ... لم يسق منها الرب ذا الكفران\nلكنها والله أحقر عنده من ... ذا الجناح القاصر الطيران\nأحقر من جناح البعوضة عند الله؛ فليست بشيء.\nومنها: حسن أدب الصحابة مع النبي ﷺ، فإن هذا الأنصاري رضي","vol":"3","page":420},{"text":"الله عنه قال لزوجته: «أكرمي ضيف رسول الله ﷺ» ولم يقل أكرمي ضيفنا مع أن الذي أضافه في الحقيقة هو هذا الرجل، لكنه أضافه نيابة عن الرسول ﵊، فجعله ضيفًا لرسول الله ﷺ.\nومنها: إنه يجوز عرض الضيافة على الناس، ولا يعد هذا من المسالة المذمومة، أولًا لأنه لم يعين، فلم يقل: يا فلان ضيف هذا الرجل حتى نقول: إنه أحرجه، وإنما هو على سبيل العموم، فيجوز للإنسان مثلًا إذا نزل به ضيف وكان مشغولًا، أو ليس عنده ما يضيفه به، أن يقول لمن حوله: من مضيف هذا الرجل؟ ولا حرج في ذلك\nومنها: الإيثار العظيم من هذا الرجل الأنصاري، حيث بات هو وزوجته وصبيته من غير عشاء إكرامًا لهذا الضيف الذي نزل ضيفًا على رسول الله ﷺ.\n\nومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يُري ضيفه أنه مانّ عليه، أو أن الضيف مضيق عليه، ومحرج له؛ لأن الرجل أمر بإطفاء المصباح حتى لا يظن الضيف أنه ضيق عليهم وحرمهم العشاء، وهذا مأخوذ من أدب الخليل إبراهيم ﵇ حين نزلت به الملائكة ضيوفًا (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦)، حينئذٍ، لكنه راغ إلى أهله، أي ذهب بسرعة وخفية لئلا يخجل الضيف.\nومنها: أنه يجوز للإنسان أن يؤثر الضيف ونحوه على عائلته، وهذا في الآحوال النادرة العارضة، وإلا فقد قال النبي ﷺ: «أبدا بنفسك","vol":"3","page":421},{"text":"فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك»\nولكن إذا عرضت مثل هذه الأحوال؛ فلا حرج على الإنسان أن يقدم الضيف أو نحوه ممن يجب عليه إكرامه.\nومن تأمل سنة الرسول ﵊ وهديه وهدي أصحابه؛ وجد فيها من مكارم الأخلاق ومعالي الآداب ما لو سار الناس عليه لنالوا بذلك رفعة الدنيا والآخرة. وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير في الدنيا والآخرة.\n\n٢/٥٦٥- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «طعام الإثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة» متفق عليه.\n\nوفي رواية لمسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «طعامُ الواحد يكفي الإثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية» .\n٣/٥٦٦- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحنُ في سفرٍ مع النبي ﷺ إذ جاء رجلٌ على راحلة لهُ، فجعل يصرفُ بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ: «من كان معه فضلُ ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن","vol":"3","page":422},{"text":"كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له» فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضل. رواه مسلم..\n٤/٥٦٧- وعن سهل بن سعد ﵁ أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة، فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ مُحتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسينها ما أحسنها!\nفقال: «نعم» فجلس النبي ﷺ في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه.\n\nفقال له القوم: ما أحسنت! لبسها النبي ﷺ محتاجًا إليها، ثم سألتهُ، وعلمت أنهُ لا يرد سائلًا، فقال: إني والله ما سألتهُ لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنهُ. رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ هذه الآحاديث الآربعة في باب الإيثار وهي حديث أبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد.\nففي الحديثين الأولين، بين النبي ﷺ إن طعام الواحد يكفي الإثنين، وأن طعام الإثنين يكفي الأربعة، وأن طعام الأربعة يكفي الثمانية، وهذا حث منه ﵊ على الإيثار، يعني أنك لو أتيت بطعامك الذي قدرت أنه يكفيك، وجاء رجلٌ آخر فلا تبخل، لا تبخل عليه وتقول","vol":"3","page":423},{"text":"هذا طعامي وحدي، بل أعطه حتى يكون كافيًا للاثنين.\nوكذلك لو جاء اثنان بطعامهما، ثم جاءهما اثنان، فلا يبخلان عليه ويقولان هذا طعامنا، بل يطمعانهما؛ فإن طعامهما يكفيهما ويكفي الإثنين، وهكذا الأربعة مع الثمانية.\nوإنما ذكر الرسول ﵊ هذا من أجل أن يؤثر الإنسان بفضل طعامه على أخيه.\n\nوكذلك أيضًا حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ على رحل له، فجعل يلتفت يمينًا وشمالًا، وكأن النبي ﷺ فهم أن الرجل محتاج، فقال ﵊: «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» .\nوذكر أنواعًا ولم يبادر فيقول من كان له فضل زاد مثلًا لئلا يخجل الرجل، بل قال: «من كان له فضل ظهر»، والرجل لا يحتاج إلى الظهر، لأنه كان على راحلته، لكن هذا من حسن خطاب النبي ﷺ.\nيقول الراوي: «حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل» يعني أن الإنسان يبذل كل ما عنده حتى لا يبقى معه فضل، يعني من الطعام والشراب والرحل وغير ذلك، وهذا كله من باب الإيثار.\nوأما الحديث الرابع حديث سهل بن سعد، فإن امرأة جاءت وأهدت إلى النبي ﷺ بردة، وكان ﷺ لا يرد الهدية؛ بل يقبل الهدية ويثيب عليها صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من كرمه وحسن خلقه، فتقدم رجل إليه، فقال: ما أحسن هذا، طلبها من النبي ﷺ، ففعل الرسول عليه الصلاة","vol":"3","page":424},{"text":"والسلام، خلعها وطواها، وأعطاه إياها.\nفقيل للرجل: كيف تطلبها من النبي ﷺ وأنت تعلم أنه لا يرد سائلًا؟ فقال: والله ما طلبتها لألبسها، ولكن لتكون كفني ﵁، فأبقاها عنده فصارت كفنه، ففي هذا إيثار النبي ﷺ على نفسه؛ لأنه آثر بها هذا الرجل مع أن الذي يظهر أنه في حاجة لها.\n* * *\n٥/٥٦٨- وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الأشعريين إذا أرملُوا في الغزوِ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموهُ بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم» متفق عليه.\n\"ارملوا\": فرغ زادهم، أو قارب الفراغ.","vol":"3","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستنكار مما يتبرك به</span>\n\nقال الله تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين: ٢٦) .\n١/٥٦٩- وعن سهل بن سعدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منهُ، وعن يمينه غُلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟» فقال الغلامُ: والله يا رسول الله، لا أوثرُ بنصيبي منك أحدًا، فتلهُ رسول الله ﷺ في يده. متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في آخر باب فضل الإيثار، حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وأصحابه الذين هم من الأشعريين من أهل اليمن، كانوا يتساعدون في أمورهم، فإذا أتاهم شيء من المال جمعوه ثم اقتسموه بينهم بالسوية. قال النبي ﷺ: «فهم مني وأنا منهم» قال ذلك تشجيعًا لما يفعلونه.\nوهذا الحديث أصلُ في الجمعيات التعاونية التي يفعلها بعض الناس اليوم، تجتمع القبيلة على أن يضعوا صندوقًا يجمعون فيه ما يريد الله ﷿ من المال؛ إما بالنسبة وإما بالاجتهاد والترشيح، فيكون مثلًا على","vol":"3","page":426},{"text":"كل واحد منهم أن يدفع اثنين في المائة من راتبه أو من كسبه أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا الصندوق معدًا للحوائج والنكبات التي تحصل على واحد منهم.\n\nفهذا أصله حديث أبي موسى ﵁ الذي سبق، فإذا جمع الناس صندوقًا على هذا النحو ليتساعدوا فيه على نكبات الزمان من الحوادث وغيرها، فإن لذلك أصلًا في السنة، وهو من الأمور المشروعة.\nولكن ينبغي أن نعمل أن هذا الصندوق قد يكون لمن يقع عليه الحادث، وقد يكون لمن يقع منه الحادث.\nِأما الأول: فأن يوضع الصندوق للناس لمساعدة الناس الذين يحصل عليهم جوائح؛ مثل جوائح تتلف زروعهم ومواشيهم، أو أمطار تهدم بيوتهم، أو ما أشبه ذلك، أو حوادث تحدث على سياراتهم من غيرهم، فيحتاجون إلى المساعدة؛ فهذا طيب ولا إشكال فيه.\nأما الثاني: فهو للحوادث التي تقع من الشخص، فإذا فعل شخص حادثًا مثل دعس أحد أو ما أشبه ذلك يساعد، فهذا ينبغي أن ينظر في هذا الأمر؛ لأننا إذا وضعنا صندوقًا لهذا فإن السفهاء قد يتهورون، ولا يهمهم أن تقع الحوادث منهم، فإذا قدر أننا وضعنا صندوقًا لهذا الشيء فليكن ذلك بعد الدراسة؛ دراسة ما حدث من الشخص دراسة عميقة، وأنه لم يحدث منه تهورٌ ولم يحدث منه تفريطٌ، وإلا فلا ينبغي أن توضع الصناديق لمساعدة هؤلاء السفهاء الذين يومًا يدعسون شخصًا، ويومًا يصدمون سيارة وما أشبه ذلك، وربما يقع ذلك عن حال غير مرضية كسُكرٍ، أو عن","vol":"3","page":427},{"text":"حال يفرط فيها الإنسان كالنوم وما أشبه ذلك.\nوالحاصل أن هذه الصناديق تكون على وجهين:\nالوجه الأول: مساعدة من يحصل عليه حادث، فهذا طيب ولا إشكال فيه.\nوالوجه الثاني: أن يكون ممن يحصل منه حادث، فهذا إن وضع- ولا أحبذ أن يوضع، لكن إن وضع - فإنه يجب التحرز والتثبت من كون هذا الرجل الذي حصل منه الحادث لم يحصل منه تفريط ولا تعدِّ.\n\nثم إن هذا المال الذي يوضع في الصندوق ليس فيه زكاة مهما بلغ من القدر، وذلك لأنه ليس له مالك، ومن شروط وجوب الزكاة أن يكون المال له مالك، وهذا الصندوق ليس له مالك؛ بل من حصل عليه حادث فإنه يساعد منه، وأصحابه الذين وضعوا هذه النقود في هذا الصندوق فإنهم لا يملكون أخذها؛ لأنهم قد أخرجوها من أموالهم لمال من؛ لا لأحدٍ وإنما هو للمساعدة، وعلى هذا فلا يكون فيها زكاة.\nثم هاهنا مسألة يسأل عنها الكثير من الناس، وهي أنه يجتمع أناس من الموظفين مثلًا، ويقولون: سنخصم من كل راتب من رواتب هؤلاء النفر ألف ريال على كل واحد، أو عشرة في المائة من راتبه، يعني إما بالنسبة أو بالتعيين، ونعطيها واحدًا منا، وفي الشهر الثاني نعطيها الثاني، وفي الشهر الثالث نعطيها الثالث، وفي الشهر الرابع نعطيها الرابع، حتى تدور عليهم ثم ترجع للأول للمرة الثانية، فبعض الناس يسأل عنها.\n\nوالجواب على هذا أن نقول: إن هذا صحيحٌ ولا بأس به، وليس فيه","vol":"3","page":428},{"text":"حرج، ومن توهم أنه من باب القرض الذي جر نفعًا فقد وهم؛؛ لأني إذا سلفتُ أنا هؤلاء الإخوان الذين معي شيئًا فأنا لا آخذ أكثر مما أعطيت، وكونهم يقولون سوف يرجع إليه مال كثيرٌ نقول: نعم، ولكن لم يرجع عليه أكثر مما أعطى، فغاية ما فيه أنه سلف بشرط أن يوفى وليس في هذا شيء.\nفهذا وهم من بعض الإخوان وهم بعض طلبة العلم الذين يظنون أن هذا من باب الربا؛ هذا ليس فيه ربا إطلاقًا، بل هو من باب التساعد والتعاون، وكثيرًا ما يحتاج بعض الزملاء إلى أموال حاضرة تفك مشاكله، ويسلم من أن يذهب إلى أحد يتدين منه ويربي عليه، أو يذهب إلى بنك يأخذ منه بالربا أو ما أشبه ذلك، فهذه مصلحة وليس فيها مفسدة بأي وجه من الوجوه والله الموفق.","vol":"3","page":429},{"text":"ِ<span data-type=\"title\" id=toc-68>٦٤- باب فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها</span>\n\nقال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧)\n\nوقال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٧-٢١) .\nوقال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٧١)\nوقال تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران: ٩٢)\nوالآيات في فضل الإنفاق في الطاعات كثيرى معلُومةٌ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الغني الشاكر، وهو الذي يأخذ المال بحثه ويصرفه في حقه.\nفالغني هو الذي أعطاه الله ﷾ ما يستغني به عن غيره من مال أو علم أو جاه أو غير ذلك، وإن كان الأكثر استعمالًا أن الغني هو الذي أعطاه الله المال الذي يستغني به عن غيره.\n\nوالله ﷾ يبتلي عباده بالمال يعني بالغنى وبالفقر، فمن","vol":"3","page":430},{"text":"الناس من لو أغناه الله لأفسده الغني، ومن الناس من لو أفقره الله لأفسده الفقر، والله ﷿ يعطي كل أحد بحسب ما تقتضيه الحكمة (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الانبياء: ٣٥) .\nوإذا أعطى الله الإنسان المال فإنه ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: من يعطيه الله المال يكتسبه من طريق حرام؛ كالمرابي، والكذاب، والغشاش في البيع والشراء، ومن أكل أموال الناس بالباطل وما أشبه ذلك، فهذا غناه لا ينفعه؛ لأنه غني في الدنيا، ولكنه فقير والعياذ بالله في الدنيا والآخرة.\nإذ أن هذا الشي الذي دخل عليه من هذا الوجه سوف يعاقب عليه يوم القيامة، وأعظمه الربا، فإن الله ﷿ يقول في كتابه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢٧٥)، ويقول الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩) .\n\nالقسم الثاني من الأغنياء: من أغناه الله بالمال لكن عن طريق الحلال، يبيع بالبيان والنصح والصدق، ويأخذ كذلك، ولا يكتسب إلا المال الحلال، فهذا هو الذي ينفعه غناه؛ لأن من كان كذلك؛ فالغالب أن الله","vol":"3","page":431},{"text":"يوفقه لصرفه فيما ينفع.\nفهذا هو الغني الشاكر الذي يأخذ المال بحقه، ويصرفه في حقه على الوجه الذي شرعه الله له.\nثم ذكر المؤلف ﵀ آيات في هذا المعنى، فذكر قول الله ﷾: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧) يعني بذل المال في وجهه، واتقى الله ﷾ في بذله وفي جمعه، فهذا ييسر لليسرى.\nوقال سبحانه:: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل: ١٢، ٨) .\n\nوقال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا) يعني النار (الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٧، ٢١) يعني سيجنب هذه النار (الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) يعني على وجه يتزكى به، وعلى وجه يقربه إلى الله ﷿.\n(وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) يعني ليس يعطي المال من باب المكافأة، مكافأة نعمة يجزي عليها غيره، ولكنه يعطي المال لله، ولهذا قال:) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) لكن يعطي المال ابتغاء وجه ربه الأعلى (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) بما يجازيه الله به.\nفعلى المؤمن إذا أغناه الله ﷿ أن يكون شاكرًا لله قائمًا بما أوجب الله عليه من بذل المال في حقه على الوجه الذي يرضي الله ﷿.\n* * *","vol":"3","page":432},{"text":"١/٥٧١- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» متفق عليه. وتقدم شرحه قريبًا.\n\n٢/٥٧٢- وعن ابنِ عُمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنين: رجلُ آتاهُ الله القُرآن. فهو يقومُ به آناء الليل وآناء النهارِ ورجلٌ آتاه الله مالًا، فهو ينفقهُ آناء الليل وآناء النهارِ» متفق عليه.\n٣/٥٧٣- وعن أبي هُريرة ﵁ أن فقراء المُهاجرين آتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم فقال: «وما ذاك؟» فقالوا يُصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصومُ ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتقُ، فقال رسول الله ﷺ: «أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكونُ أحدٌ أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «تُسبحون وتحمدون وتكبرون، دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة» فرجع فقراءُ المُهاجرين على رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا، ففعلُوا مثلهُ؟ فقال رسول الله ﷺ: «ذلِك فضلُ الله يؤتيه من يشاءُ» متفق عليه، وهذا لفظ رواية مسلم.\n\" الدثُورُ\": الأموال الكثيرةُ، والله أعلم.","vol":"3","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ أحاديث في بيان الذين ينفقون أموالهم ويجودون بها في سبيل الله، ففي حديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ﵄ بيان أنه لا حسد إلا في اثنين، يعني: لا أحد يُغبط غبطة حقيقية إلا هذان الصنفان:\nالأول: من آتاه الله العلم وهو الحكمة، فكان يعمل بها ويعلمها الناس، فهذا هو الذي يغبط؛ لأنك إذا قارنت بين حال هذا الرجل وحال الجاهل عرفت الفرق بينهما؛ الجاهل يعبد الله على جهل، ولا يعرف من شريعة الله إلا ما فعله الناس، فتجده يتبع الناس على الصواب والخطأ، وهذا نقص كبير في عبادة الرجل؛ لأن الإنسان إذا عبد الله على غير بصيرة؛ صارت عبادته ناقصة.\nكذلك إذا قارنت بين رجل آتاه الله العلم ولكنه لم يعمل به، ورجل آتاه الله العلم فعمل به وعلمه الناس، تجد الفرق العظيم بين هذا وهذا، فالذي يغبط حقيقة هو الذي آتاه الله العلم فعمل به وعلمه الناس.\n\nوالثاني: رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه في سبيل الله، في كل ما يرضي الله ليلًا ونهارًا، فهذا هو الذي يغبط، أما من آتاه الله المال ولكنه لم ينفقه في مرضاة الله؛ فلا غبطة فيه، ولا يغبط على ما أوتي؛ لأن هذا المال إن انتفع به؛ انتفع به في الدنيا فقط؛ لأنه لا ينفقه لله ولا في سبيل الله.\nوالرجل الثالث: رجلٌ فقيرٌ لم يؤت مالًا فهو أيضًا لا يغبط، فلا يغبط من ذوي المال إلا من آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، فيما يرضي","vol":"3","page":434},{"text":"الله ﷿.\nثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ حين جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: «يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور» جمع أجر «بالدرجات العلى والنعيم المقيم» . قال: «وما ذاك؟» قالوا: «يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق» يعني فهم أفضل منا؛ لأن الله منَّ عليهم بالمال فبذلوه في طاعة الله، وفيما يرضي الله.\n\nفقال ﵊: «أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟» فقالوا: «بلى يا رسول الله»، قال: «تسبحون وتحمدون وتكبرون، دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة» يعني تقولون: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، فصاروا يفعلون ذلك، لكن الأغنياء سمعوا بهذا فصاروا يقولنه؛ يسبحون ويكبرون ويحمدون ثلاثًا وثلاثين دبر كل صلاة.\nفرجع الفقراء مرة ثانية إلى النبي ﵊ وقالوا: \" يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما صنعنا فصنعوا مثله\"، فقال ﵊: \" ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء\" يعني أن الله ﷾ أغناهم وأعطاهم المال فبذلوه في طاعة الله، وهذا فضل الله.\nوفي هذا دليلٌ على أن الصحابة ﵃ كانوا يتسابقون إلى","vol":"3","page":435},{"text":"الخير؛ فالأغنياء لما سمعوا بما أرشد إليه النبي ﵊ الفقراءَ بادروا إليه وفعلوه، والفقراء جاءوا يشكون أنهم كانوا متأخرين عن أهل الأموال فقال لهم ﵊: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» .\n\nوالخلاصة أنه ينبغي للإنسان إذا آتاه الله المال أن يبذله فيما يرضي الله، فإن هذا هو الذي يحسد، يعني يغبط على ما آتاه الله من المال.","vol":"3","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>٦٥- باب ذكر الموت وقصر الأمل</span>\n\nقال الله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور) (آل عمران: ١٨٥) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في رياض الصالحين: باب ذكر الموت وقصر الأمل، هذا الباب يذكر فيه المؤلف ﵀ أنه ينبغي للعاقل أن يتذكر الموت وأن يقصر الأمل- يعني الأمل في الدنيا، وليس الأمل في ثواب الله ﷿ وما عنده من الثواب الجزيل لمن عمل صالحًا.\nلكن الدنيا لا تطيل الأمل فيها، فكم من إنسان أمل أملًا بعيدًا فإذا الأجل يفجؤه؟! وكم من إنسان يٌقدر ويفكر سيفعل ويفعل ويفعل، فإذا به قد انتهى أجله وترك ما أمله، وانقطع حبل الأمل، وحضر الأجل؟!\nفالذي ينبغي للإنسان العاقل أنه كلما رأى من نفسه طموحًا إلى الدنيا وانشغالًا بها واغترارًا بها أن يتذكر الموت، ويتذكر حال الآخرة؛ لأن هذا هو المآل المتيقن، وما يؤمله الإنسان في الدنيا فقد يحصل وقد لا يحصل (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ) (الاسراء: ١٨)، لا ما يشاء هو، بل ما يشاء الله ﷿: (ُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا) (الاسراء: ١٨) (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (الاسراء: ١٩) .","vol":"3","page":437},{"text":"ثم ذكر الآيات ومنها قوله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: ١٨٥)، (كُلُّ نَفْسٍ) فكل نفس منفوسة من بني آدم وغير بني آدم ذائقة الموت، لابد أن تذوق الموت، وعبر بقوله: ذائقة؛ لأن الموت يكون له مذاق مر يكرهه كل إنسان.\n\nلكن المؤمن إذا حضره أجله وبُشر بما عند الله ﷿ أحبّ لقاء الله ولا يكره الموت حينئذٍ، قال تعالى (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: تعطونها وافية كاملة يوم القيامة.\nوإن أوتي الإنسان أجره في الدنيا فإنه ليس هذا هو الأجر فقط؛ بل الأجر الوافي الكامل الذي به يستوفي الإنسان كل أجره يكون يوم القيامة، وإلا فإن المؤمن قد يُثاب على أعماله الصالحة في الدنيا، لكن ليس هو الأجر الكامل الذي وفى التوفية الكاملة تكون يوم القيامة (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ) زحزح يعني أبعد عن النار (وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فاز)؛ لأنه نجى من المكروه وحصل له المطلوب، نجى من المكروه وهو دخول النار، وحصل له المطلوب وهو دخول الجنة، وهذا هو الفوز العظيم الذي لا فوز مثله. (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: ١٨٥) صدق الله ﷿؛ الدنيا متاع الغرور يعني متاع ليس دائمًا؛ بل كما يكون للمسافر متاع يصل به إلى منتهى سفره، ومع ذلك فهي متاع غرور تغر الإنسان، تزدان له وتزدهر وتكتحل وتتحسن وتكون كأحسن شيء، ولكنها تغره.","vol":"3","page":438},{"text":"كلما كثرت الدنيا وتشبث الإنسان بها بعد من الآخرة، ولهذا قال النبي ﵊: «والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» .\nولهذا نجد الإنسان أحيانًا يكون في حال الضيق أو الوسط خيرًا منه في حال الغنى؛ لأنه يغره الغنى ويطغيه والعياذ بالله، ولهذا قال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران ١٨٥) يعنى فلا تغتروا بها، وعليكم بالآخرة التي إذا زحزح فيها الإنسان عن النار وأدخل الجنة، فإنه بذلك يفوز فوزًا لا فوز مثله نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاه الله عذاب النار.\n* * *\nقال رحمه الله تعالى في سياق الآيات في باب ذكر الموت وقصر الأمل:\nوقال الله تعالى: (ِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت) (لقمان: ٣٤)\nوقال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل: ٦١)\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب ذكر الموت وقصر الأمل فيما","vol":"3","page":439},{"text":"ساقه من آيات الله ﷿، قال: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت) (لقمان: ٣٤) وهذه أحد مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله ﷿.\nقال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) (الأنعام: ٥٩) ومفاتح الغيب هي الخمس المذكورة في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (لقمان: ٣٤) .\nفهذه الخمس لا يعلمها إلا الله ﷿، فعلم الساعة لا يعلمه أحد، حتى إن جبريل وهو أشرف الملائكة سأل رسول الله ﷺ محمدًا وهو أعلم البشر فقال: «أخبرني عن الساعة. قال: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» فلا يعلمها إلا الله ﷿.\n(وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) والمنزل للغيث يعلم متى ينزل، فهو ﷾ هو الذي يعلم متى ينزل الغيث وهو الذي ينزله، والغيث هو المطر الذي يحصل به نبات الأرض وزوال الشدة.\n\nوليس كل مطر يسمى غيثًا، فإن المطر أحيانًا لا يجعل الله فيه بركة فلا تنبت به الأرض، كما قال النبي صلى الله ﵊: \"ليس السنة ألا تمطروا\" يعني ليس الجدب ألا تمطروا «بل السنة أن تمطروا ولا تنبت","vol":"3","page":440},{"text":"الأرض شيئًا»\nوهذا يقع أحيانًا، فأحيانًا تكثر الأمطار ولا يجعل الله تعالى فيها بركة، فلا تنبت الأرض ولا تحيا، وهذا الحديث الذي سقته في صحيح مسلم: \" إنما السنة أن تمطروا فلا تنبت الأرض شيئًا\".\nفالذي ينزل الغيث هو الله، والمنزل له عالم متى ينزل، وأما ما نسمعه في الإذاعات من أنه يتوقع مطر في المكان الفلاني وما أشبه ذلك، فهو ظن بحسب ما يتبادر من احتمال المطر بمقياس الجو، وهي مقاييس دقيقة يعرفون بها هل الجو متهيئ للمطر أو لا، ومع ذلك فقد يخطئون كثيرًا ولا يتوقعون أمطارًا تحدث بعد سنوات أو بعد أشهر. إن المدى قريب والمكان قريب فلا يعلم متى ينزل المطر إلا الله ﷿.\n\n(وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) لا يعلم ما في الأرحام إلا الله، والأجنة التي في الأرحام لها أحوال، منها ما يعلم إذا وجد ولو كان الإنسان في بطن أمه، ومنها ما لا يعلم أبدًا، فكونه ذكرًا أو أنثى يعلم وهو في بطن أمه، ولكنه لا يعلم إلا إذا خلق الله تعالى فيه علامات الذكورة أو علامات الأنوثة.\nوأما متى يولد، وهل يولد حيًا ًّ أو ميتًا، وهل يبقى في الدنيا طويلًا أو لا يبقى إلا مدة قصيرة، وهل يكون عمله صالحًا، أو عمله سيئًا، وهل يختم له بالسعادة أو بالشقاوة، وهل يبسط له في الرزق أو يُقدر عليه رزقه، فكل هذا لا يعلمه إلا الله.","vol":"3","page":441},{"text":"(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) يعني ماذا تكسب في المستقبل؟ فلا تدري نفس ماذا تكسب، هل تكسب خيرًا أو تكسب شرًا، أو تموت قبل غد، أو يأتي غد وفيه ما يمنع العمل، وما أشبه ذلك؟ فالإنسان يقدر يقول: غدًا سأفعل كذا، سافعل كذا، لكنه قد لا يفعل، فهو لا يعلم ماذا يكسب غدًا علمًا يقينيًا، ولكنه يقدر وقد تخلف الأمور.\n(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت)، ولا يدري الإنسان بأي أرض يموت؟، هل يموت بأرضه، أو بأرض بعيدة عنها، أو قريبة منها، أو يموت في البحر، أو يموت في الجو؟ لا يدري، ولا يعلم ذلك إلا الله.\nفإذا كنت لا تدري بأي أرض تموت، وأنت يمكنك أن تذهب يمينًا وشمالًا، فكذلك لا تعلم متى تموت، لا تدري في أي وقت تموت، هل ستموت في الصباح، في المساء، في الليل، في وسط النهار لا تدري، في الشهر القريب، في الشهر البعيد لا تدري، لا تدري متى تموت ولا بأي أرض تموت.\nفإذا كنت كذلك؛ فاقصر الأمل، لا تمد الأمل طويلًا، لا تقل أنا شاب وسوف أبقى زمانًا طويلًا، فكم من شابٍّ مات في شبابه، وكم من شيخ عُمِّر، ولا تقل إني صحيح البدن والموت بعيد، فكم من إنسان مرض بمرض يهلكه بسرعة، وكم من إنسان حصل عليه حادث، وكم من إنسان مات بغتة، لذلك لا ينبغي للإنسان أن يطيل الأمل؛ بل عليه أن يعمل، وللدنيا عملها، وللآخرة عملها، فيسعى للآخرة سعيها بإيمان بالله ﷿ واتكال عليه.","vol":"3","page":442},{"text":"وقد قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) إذا جاء أجل الإنسان لا يمكن أن يتأخر ولا دقيقة واحدة ولا يمكن أن يتقدم؛ بل هو بأجل معدود محدود، لا يتقدم عليه ولا يتأخر، فلماذا تجعل الأمل طويلًا؟\nفالإنسان لا يعلم متى يموت، ولا يعلم بأي أرض يموت، وقد حدثني أحد إخواني الثقات قال: إنهم كانوا في سفر الحج على الإبل، وكان معهم رجلٌ معه أمه يمرضها، فتأخر عن القوم في آخر الليل، فارتحل الناس ومشوا وبقي مع أمه يمرضها، ولما أصبح وسار خلف القوم لم يدركهم، ولم يدر إلى أين اتجهوا لأنهم في مكة.\nيقول: فسلك طريقًا بين هذه الجبال، فإذا هو واقف على بيت من الشعر فيه عدد من الناس قليلين، فسألهم أين طريق نجد؟ قالوا: أنت بعيد عن الطريق، لكن نوخ البعير واجلس استرح ثم نحن نوصلك، يقول: فنزل نوخ البعير وأنزل أمه، يقول: فما هي إلا أن اضطجعت على هذه الأرض فقبض الله روحها، كيف جاءت من القصيم إلى مكة مع الحجاج، وأراد الله أن يتيه هذا الرجل حتى ينزل بهذا المكان، لا يعلم هذا إلا الله ﷿.\n\nوكذلك أيضًا في الزمن، كم بلغنا من أناس تأخروا قليلًا فجاءهم حادث فماتوا به، ولو تقدموا قليلًا لسلموا منه، كل هذا لأن الله تعالى قد قدر كل شيء بأجل محدود، فالإنسان يجب عليه أن يحتاط لنفسه، وألا يطيل الأمل، وأن يعمل للآخرة، وكأنه يموت قريبًا لآجل أن يستعد لها،","vol":"3","page":443},{"text":"فهذه الآيات كلها تدل على أن الإنسان يجب عليه أن يقصر الأمل وإن يستعد للآخرة.\nجعلنا الله وإياكم من المستعدين لها بالعمل الصالح.\n* * *\nقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: ٩-١١) .\nوقال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ) (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) (قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ)\n\n(إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ) (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ","vol":"3","page":444},{"text":"أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: ٩٩-١١٥)\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ محيي الدين النووي في كتابه رياض الصالحين في باب ذكر الموت وقصر الأمل قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: ١٠-١١) .\n\nأمر الله بالإنفاق مما رزقنا، أي مما أعطانا، وحذرنا مما لابد منه: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) وحينئذٍ يندم الإنسان على عدم الإنفاق ويقول: (رب لولا أخرتني إلى أجل قريب) يتمنى أن الله يؤخره إلى أجل قريب (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) يعني: فبسبب تأخيرك إياي أتصدق وأكن من الصالحين.\nقال الله ﷿: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: ١١) إذا جاء الأجل لا يمكن أن يتأخر الإنسان ولا لحظة واحدة، بل لابد أن يموت في المدة التي عيّنها الله ﷿ على حسب ما تقتضيه حكمته.\nفمن الناس من يطول بقاؤه في الدنيا، ومن الناس من يقصر، كما أن من الناس من يكثر رزقه، ومنهم من يقل، ومنهم من يكثر علمه، ومنهم من يقل، ومنهم من يقوى فهمه، ومنهم من يضعف، ومنهم من","vol":"3","page":445},{"text":"يكون طويلًا، ومنهم من يكون قصيرًا، فالله ﷿ خلق عباده متفاوتين في كل شيء.\nوقال الله ﷿ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون: ٩) فنهى الله تعالى أن تلهينا أموالنا وأولادنا عن ذكر الله، وبين أن من ألهته هذه الأشياء عن ذكر الله؛ فهو خاسر مهما ربح.. ولو ربح أموالًا كثيرة، وكان عنده بنون، وكان عنده أهل، ولكنه قد تلهى بهم عن ذكر الله فإنه خاسر.\nإذًا من هو الرابح؟ الرابح من اشتغل بذكر الله ﷿. وذكر الله ليس هو قول: لا إله إلا الله فقط؛ بل كل قول يقرب إلى الله فهو ذكر له، وكل فعل يقرب إلى الله فهو ذكر له، كما قال الله تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت: ٤٥)\nولأن الإنسان إذا قال قولًا يتقرب به إلى الله، أو فعل فعلًا يتقرب به إلى الله؛ فهو حين النية ذاكر لله ﷿، فذكر الله يشمل كل قول أو فعل يقرّب إليه.\n\nقال: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْت) (المؤمنون: ٩٩، ١٠٠) فقوله (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) أي إذا جاء أحد المكذبين للرسل إذا جاء أحدهم الموت َ (قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) ارجعوني إلى الدنيا (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْت) . ولم يقل لعلي أتمتع في قصورها وحبورها ونسائها وغير ذلك؛ بل","vol":"3","page":446},{"text":"قال (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)، أي: فيما تركت من المال الذي بخلت به حتى أنفقه في سبيل الله.\nقال الله تعالى (كَلَّا) يعني: لا رجوع ولا يمكن الرجوع؛ لأنه إذا جاء الأجل (ْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس: ٤٩)\nثم قال (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) هذه الكلمة يؤكد الله ﷿ أنه يقولها وهي قوله: (رَبِّ ارْجِعُونِ) (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)، (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يعني: من أمام هؤلاء الذي حضرتهم الوفاة (بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) .\n\nوالبرزخ هو الفاصل بين الدنيا وبين قيام الساعة، وسواء كان الإنسان مدفونًا في الأرض أو على ظهر الأرض تأكله السباع وتتلفه الرياح، أو كان في قاع البحار؛ كل هذا يسمى برزخًا (بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يعني: يخرجون من القبور لله ﷿ في يوم القيامة.\n(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّور) وذلك عند قيام الساعة (فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُون) والنفخ في الصور مرتان:\nالنفخة الأولى: يكون فيها الفزع والصعق يعني الموت، فينفخ إسرافيل في الصور نفخة يكون لها صوت عظيم مزعج جدًا، فيفزع الناس ثم يموتون كلهم إلا ما شاء الله.\nوالنفخة الثانية: ينفخ في الصور فتخرج الأرواح من الصور وتعود إلى أجسادها، وهذه التي يكون بها الحياة الأبدية التي لا موت بعدها.\n\n(فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُون) يعنى بعد أن يبعثوا من","vol":"3","page":447},{"text":"قبورهم لا تنفعهم الأنساب والقرابات (وَلا يَتَسَاءَلُون) لا يسأل بعضهم عن بعض؛ بل إن الله تعالى يقول: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) (وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) (وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس: ٣٤-٣٧) .\nفالأنساب في ذلك الوقت لا تنفع، والقرابات لا يتساءلون عن بعضهم، بينما في الدنيا يسأل بعضهم عن بعض، ما الذي حصل لهذا؟ ما الذي حصل لهذا؟ ماذا فعل فلان؟ أما في الآخرة فـ (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه) (عبس: ٣٧) .\nقال تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المؤمنون: ١٠١، ١٠٢) فينقسم الناس في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم تثقل موازينه فهذا مفلح، فائز بما يحب، ناج مما يكره.\n\nوالموازين جمع ميزان، قد وردت في الكتاب والسنة مجموعة ومفردة، فقال الله تعالى هنا (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُه) (المؤمنون: ١٠٢)، وقال النبي ﷺ: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، فقال: في الميزان ولم يقل في الموازين، فجمعت مرة وأفردت أخرى، وذلك لكثرة ما يوزن، فلكثرة ما يوزن جمعت، ولكون الميزان واحدًا ليس فيه ظلم ولا بخس أفردت.","vol":"3","page":448},{"text":"وأما الذي يوزن فقد قال بعض العلماء: إن الذي يوزن هو العمل، وقال بعض العلماء: الذي يوزن العامل نفسه، وذلك لأن كلًاّ منها جاءت به أحاديث.\nأما الذين يقولون: إن الذي يوزن هو العمل، فاستدلوا بقوله تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧، ٨)، فجعل الوزن للعمل، وبقول النبي ﵊ «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان» . فجعل الثقل للكلمتين وهما العمل.\nوالذين قالوا: إن الذي يوزن صحائف العمل استدلوا بحديث صاحب البطاقة، الذي يأتي يوم القيامة فيمدّ له سجل يعني أوراقًا كثيرة مد البصر كلها سيئات، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله له: «إن لك عندنا حسنة فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله» قالها من قلبه فتوضع البطاقة في كفة، وتلك السجلات في كفة، فترجح البطاقة بها، فهذا يدل على أن الذي يوزن هو صحائف العمل.\nوأما الذين قالوا: إن الذين يوزن هو العامل نفسه، فاستدلوا بقوله تعالى (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (الكهف: ١٠٥) .\n\nوبأن النبي ﷺ قال حين ضحك الناس على عبد الله بن مسعود رضي","vol":"3","page":449},{"text":"الله عنه، وكان ﵁ نحيفًا، فقام إلى شجرة أراك في ريح شديدة، فجعلت الريح تهزهزه هزًا فضحك الناس من ذلك، فقال النبي ﷺ: «أتضحكون، أو قال ﷺ: أتعجبون من دقة ساقية، والذي نفس بيده إنهما في الميزان لأثقل من جبل أحد» وهذا يدل على أن الذي يوزن هو العامل نفسه. والمهم أنه يوم القيامة توزن الأعمال أو صحائف الإعمال أو العمال، (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) (المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣)\nنسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ثقلت موازينهم، ومن المفلحين الفائزين برضوان الله. والله الموفق.\n* * *\nوقوله ﷾: (فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) إنما قال خسروا أنفسهم؛ لأنهم أخرجوا إلى الدنيا وجاءتهم الرسل وبينت لهم الحق، ولكنهم والعياذ بالله عاندوا واستكبروا فخسروا أنفسهم ولم يستفيدوا من وجودهم في الدنيا شيئًا، قال الله تعالى (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر: ٥) .\nثم قال تعالى مبينًا إنهم كما يعذبون بدنيًا، فإنهم يعذبون قلبيًا، فيقرعون ويوبخون فيُقال لهم (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا","vol":"3","page":450},{"text":"تُكَذِّبُونَ) (المؤمنون: ١٠٥)، فقد تليت عليهم آيات الله، وبينت لهم، وجاءتهم الرسل بالحق، ولكنهم كفروا والعياذ بالله، وكذبوا بهذه الآيات.\n\nقالوا في الجواب (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ) (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا) يعني: إن عدنا إلى التكذيب (فَإِنَّا ظَالِمُونَ)، فيقرون والعياذ بالله بأن الشقاوة غلبت عليهم وأنهم ضلوا الضلال المبين الذي أوصلهم إلى هذه النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها.\nقال الله تعالى: (اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) أي: ابقوا فيها أذلاء صاغرين، (ولا تلكمون) وهذا أشد ما يكون عليهم والعياذ بالله أن يوبخهم الله هذا التوبيخ فيقول: (اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) فإنهم لو كلموا الله لن يستجيب لهم؛ لأنه قضى عليهم بالخلود في النار.\nثم قال تعالى مبينًا حالهم مع أوليائه (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)، وهؤلاء المؤمنون بالله ورسله يقولون (رَبَّنَا آمَنَّا) أي آمنا بك وبرسلك وبما جاءوا به من الحق (فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنا) اغفر لنا ذنوبنا حتى لا ندخل النار، وارحمنا بالقبول حتى ندخل الجنة.\n\n(وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) فلا أحد أرحم بعباد الله من ربهم ﷿. قال النبي ﵊: «الله بعبادة أرحم من الوالدة بولدها» .","vol":"3","page":451},{"text":"(فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) يعني: أنكم تسخرون بهؤلاء المؤمنين الذين يؤمنون بالله ويسألونه المغفرة والرحمة، فكنتم تسخرون منهم وتستهزئون بهم، (حتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي) أي حتى كانت سخريتكم بهم واستهزاؤكم بهم منسية لكم ذكري.\n(وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُون) يعني: في الدنيا كانوا يضحكون بالمؤمنين ويستهزئون بهم.\nولكن الله قال في سورة المطففين: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) (المطففين: ٣٤)، وهذا الضحك الذي لا بكاء بعده، أما ضحك الكفار من المسلمين في الدنيا؛ فإنه سيعقبه البكاء الدائم والعياذ بالله.\n(إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) يعني: جزى الله تعالى المؤمنين بما صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصيته، وصبروا على أقداره (أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) الذين فازوا بهذا اليوم فأدركوا المطلوب ونجوا من المرهوب، وإنما ذكر الله هذا لهؤلاء المكذبين زيادة في حسرتهم وندامتهم، كأنه يقول ﷿: لو كنتم مثلهم لنلتم هذا الثواب، فيزدادون بذلك حسرة إلى حسرتهم والعياذ بالله.\nكيف كان حال هؤلاء الذين كانوا يسخرون بهم في الدنيا ويضحكون منهم؟ وكيف كان حالهم وهم في نار جهنم؟\n(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ) انظر \" جاءتهم الرسل وعمروا عمرًا يتذكر فيه من تذكر، ولكنهم والعياذ بالله لم ينتفعوا بهذا، ورأوا أنهم كأنما لبثوا ساعة أو بعض ساعة","vol":"3","page":452},{"text":"(قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ) أسأل العادين منا، فإننا لا نرى أننا لبثنا إلا يومًا أو بعض يوم.\n\nقال الله تعالى: (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلا) يعني: ما لبثتم إلا قليلًا في الدنيا وآل بكم الأمر إلى الآخرة التي تبقون فيها أبدا الآبدين معذبين.\n(قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) يعني: لو أنكم كنتم من ذوي العلم؛ لعلمتم مقدار تكذيبكم للرسل ومقدار أعمالكم التي خسرتموها.\n(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) يعني: أتظنون أننا (خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ)، هم ظنوا كذلك، ظنوا هذا الظن، ولكن الله وبّخهم على هذا الظن، هل من حكمة الله أن ينشىء هذه الخليقة، ويرسل إليها الرسل، وينزل عليها الكتب ثم تكون النهاية الموت والفناء بدون بعث، بدون رجوع؟ هذا لا يمكن، لكن هذا ظن الذين كفروا (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (صّ: ٢٧) .\n\nثم قال تعالى (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) تعالى يعني ترفع ﷿ عن كل نقص وعن كل سوء، وعلا بذاته فوق عرشه ﷾، (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) الملك يعني ذو الملك والسلطان والعظمة، الحق: الذي كان ملكه وملكوته حقًا وليس بباطل.\n(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أى لا معبود حق إلا الله ﷿ (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) إلى آخر السورة.","vol":"3","page":453},{"text":"فهذه الآيات تبين أن الإنسان ينبغي له أن ينتهز فرصة العمر، وألا يخسر عمره كما خسره هؤلاء؛ وأنه سوف يبعث ويجازى ويحاسب على عمله فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن حسابه يسير، ومآله إلى دار القرار في جنات النعيم.\n* * *\nوقال رحمه الله تعالى في سياق الآيات باب ذكر الموت وقصر الأمل:\n\nوقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد: ١٦) والآيات في الباب كثيرة معلومة، وأما الآحاديث:\n١/٥٧٤- فعن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل» .\nوكان ابنُ عمرَ ﵄ يقول: «إذا أمسيت، فلا تنتظرِ الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظرِ المساءَ، وخذ من صحتك لمرضكَ، ومن حياتك لِموتك» رواه البخاري. د\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين، الكتاب الموافق لاسمه، فإنه رياض، رياض لأهل الصلاح، فيه من الأحكام","vol":"3","page":454},{"text":"الشرعية والآداب المرعية ما يزيد به إيمان العبد، ويستقيم به سيرة إلى الله ﷿، ومعاملته مع عباد الله، ولهذا كان بعض الناس يحفظه عن ظهر قلب لما فيه من المنفعة العظيمة. هذا الكتاب كان من جملة أبوابه، باب ذكر الموت وقصر الأمل، وذكر المؤلف فيه آيات متعددة، سبق الكلام عليها، وآخرها قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه......)، يعني ألم يأت الوقت الذي تخشع فيه قلوب المؤمنين لذكر الله ﷿؟\nوالخشوع معناه الخضوع والذل (لِذِكْرِ اللَّه) يعني عند ذكره، فإن المؤمنين (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: ٢)\n\nوقوله: (لِذِكْرِ اللَّه) أي لتذكر الله وعظمته، (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) أي: ويخشعون لما نزل من الحق، وهو ما كان في كتاب الله ﷾؛ فإن هذا الكتاب جاء بالحق، والنبي ﷺ الذي نزل عليه هذا الكتاب جاء بالحق، فيحق للمؤمن أن يخشع قلبه لذكر الله وما نزل من الحق.\nقال (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ)، يعني ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل وهم اليهود والنصارى، فاليهود أوتوا التوراة، والنصارى أوتوا الإنجيل، ومع ذلك فإن اليهود كفروا بالإنجيل، والنصارى كفروا بالقرآن، فصار الكل كلّهم كفارًا، ولذلك كان اليهود قبل بعثة النبي ﷺ مغضوبًا عليهم؛ لأنهم علموا","vol":"3","page":455},{"text":"الحق وهو ما جاء به عيسى، ولكنهم استكبروا عنه وأعرضوا عنه.\n\nأما بعد بعثة الرسول ﵊ فكان اليهود والنصارى كلهم مغضوبًا عليهم، وذلك لأن النصارى علموا الحقّ فهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك استكبروا عنه، فكانوا كلهم مغضوبًا عليهم؛ لأن القاعدة في المغضوب عليهم أنهم الذين علموا الحق ولم يعموا به كاليهود والنصارى بعد بعثة الرسول ﵊.\nهؤلاء الذين أوتوا الكتاب (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَد) ُ أي: الوقت (فَقَسَتْ قُلُوبُهُم) ْ؛ لأن النبي صلى الله بعث بعد عيسى بستمائة سنة، وهي فترة طويلة انحرف فيها من انحرف من أهل الكتاب، ولم يبق على الأرض من أهل الحق إى بقايا يسيرة من أهل الكتاب، ولهذا قال: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) ولم يقل أكثرهم فاسقون، ولم يقل كلهم فاسقون، فكثير منهم فاسقون خارجون عن الحق.\nفحذر الله ﷿ ونهى أن نكون كهؤلاء الذين أوتوا الكتاب (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَد فَقَسَتْ قُلُوبُهُم) .\nوإذا نظرت إلى الأمة الإسلامية، وجدت أنها ارتكبت ما ارتكبه الذين أوتوا الكتاب من قبل. فإن الأمة الإسلامية في هذه العصور التي طال فيها الأمد من بعثة الرسول ﷺ، قست قلوب كثير منهم وفسق كثير منهم، واستولى على المسلمين من ليس أهلًا للولاية لفسقه؛ بل ومروقه عن الإسلام، فإن الذين لا يحكمون بكتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ، ويرون أن الحكم بالقوانين أفضل من حكم الله ورسوله كفار بلا شك ومرتدون عن","vol":"3","page":456},{"text":"الإسلام.\nولكن الله ﷾ يبلو الناس بعضهم ببعض، وإذا صبر المؤمن واحتسب وانتظر الفرج من الله ﷿، وعمل الأسباب التي توصل إلى المقصود؛ يسر الله له الأمور.\nفالمهم أن الله نهانا أن نكون كالذين أوتوا الكتاب من قبل فقست قلوبهم، ولكن صار الكثير منا في الوقت الحاضر متشبهًا بهؤلاء الذين قست قلوبهم، وكثيرٌ من هؤلاء أيضًا فسقوا عن أمر الله وخرجوا عن طاعة الله.\nثم قال المؤلف: والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ معلومة.\n\nوأما الأحاديث فمنها حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «أخذ النبي ﷺ بمنكبي» . يعني أمسك به، والمنكب هو أعلى الكتف، أخذ به من أجل أن ينتبه ابن عمر لما سيلقي إليه الرسول صلى الله ﵊ من القول.\nوهذا من حسن تعليم الرسول ﷺ، فإنه ﵊ كان إذا تكلم؛ اتخذ الأسباب التي توجب انتباه المخاطب، إما بالفعل كما هنا، وإما بالقول كما في قوله: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» قالوا: بلى يا رسول اللهله، فهذا يلقى إليهم لأجل أن ينبهوا.","vol":"3","page":457},{"text":"أخذ بمنكبي وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» سبحان الله! أعطى الله نبيه جوامع الكلم، هاتان الكلمتان يمكن أن تكونا نبراسًا يسير الإنسان عليه في حياته «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» .\nوالفرق بينهما أن عابر السبيل ماشٍ يمر بالقرية وهو ماشٍ منها. وأما الغريب فهو مقيم فيها حتى يرتحل عنها، يقيم فيها يومين أو ثلاثة أو عشرة أو شهرًا، وكل منهما لا عابر السبيل ولا الغريب كل منهما لم يتخذ القرية التي هو فيها لم يتخذها وطنًا وسكنًا وقرارًا.\n\nفيقول الرسول ﵊: كن في الدنيا كهذا الرجل، إما غريب أو عابر سبيل.\nوالغريب وعابر السبيل لا يستوطن، يريد أن يذهب إلى أهله وإلى بلده، لو أن الإنسان عامل نفسه في هذه الدنيا بهذه المعاملة لكان دائمًا مشمرًا للآخرة، لا يريد إلا الآخرة، ولا يكون أمام عينيه إلا الآخرة حتى يسير إليها سيرًا يصل به إلى مطلوبه. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح.\nوكان ابن عمر يقول: \" إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح\" المعنى لا تؤمل أنك إذا أصبحت أمسيت، وإذا أمسيت أصبحت، فكم من إنسان أصبح ولم يمس! وكم من إنسان أمسى ولم يصبح! وكم من إنسان لبس ثوبه ولم يخلعه إلا الغاسل! وكم من إنسان خرج من أهله قد هيأوا له غداءه أو عشاءه ولم يأكله! وكم من إنسان نام ولم يقم من فراشه! المهم أن الإنسان لا ينبغي له أن يطيل الأمل؛ بل يكون","vol":"3","page":458},{"text":"حذرًا حاذقًا حازمًا كيسًا، هذا معنى قوله: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح» .\nقال: «وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» الإنسان الصحيح منشرح الصدر، منبسط النفس، واسع الفكر، عنده سعة في الوقت والصحة، لكن ما أكثر الذين يضيعون هذا؛ لأنه يؤمل أن هذه الصحة سوف تبقى وتدوم، وأنه سوف تطول به الدنيا، فتجده قد ضيع هذه الصحة.\nفابن عمر ﵄ يقول: «خذ من صحتك لمرضك» . المرض تضيق به النفس، ويتعب به الجسم، وتضيق عليه الدنيا ولا يستطيع أن يعمل العمل الذي يعمله في حال الصحة، فليأخذ من صحته لمرضه، ومن حياته لموته، قس ما بين حياتك وموتك أيهما أطول؟ لا شك أن الحياة لا تنسب للموت، كم للرسول ﵊ ميتًا؟ كم لمن قبله؟ وحياتهم قليلة بالنسبة لموتهم، فكيف إلى الآخرة.\nولهذا ينبغي للإنسان أن يأخذ من حياته- ما دام الله قد أحياه - لموته إذا عجز عن العمل؛ لأن النبي ﷺ قال: «إذا ما ت الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» فخذ من حياتك لموتك.","vol":"3","page":459},{"text":"٢/٥٧٥- وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم، له شيء يُوصى فيه، يبيتُ ليلتين إلا ووصيتهُ مكتوبة عنده» متفق عليه، هذا لفظ البخاري.\n\nوفي رواية لمسلم: «يبيتُ ثلاثَ ليالٍ» .\nقال ابن عمر: ما مرت على ليلةٌ منذُ سمعتُ رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: \" ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده\" يعني ما حقه أن يبيت ليلتين إلا وقد كتب وصيته التي يريد أن يوصي بها، وكان ابن عمر ﵁ منذ سمع هذا الكلام من رسول الله لا يبيت ليلة إلا وقد كتب وصيته.\nوالوصية: معناها العهد، وهي أن يعهد الإنسان بعد موته لشخص في تصريف شيء من ماله، أو يعهد لشخص بالنظر على أولاده الصغار، أو يعهد لشخص في أي شيء من الأعمال التي يملكها بعد موته فيوصي به","vol":"3","page":460},{"text":"هذه هي الوصية.\nمثل أن يكتب الرجل: وصيتي إلى فلان بن فلان بالنظر على أولادي الصغار. ووصيتي إلى فلان بن فلان بتفريق ثلث مالي أو ربعه أو خمسه في سبيل الله. وصيتي إلى فلان في أن ينتفع بما خلفت من عقار أو غيره أو ما أشبه ذلك.\nالمهم أن هذه هي الوصية، عهد الإنسان بعد موته إلى شخص بشيء يملكه هذه هي الوصية.\nوالوصية أنواع: واجبة، ومحرمة، وجائزة.\n\nأولًا: الوصية الواجبة: وهي أن يوصي الإنسان بما عليه من الحقوق الواجبة؛ لئلا يجحدها الورثة، لا سيما إذا لم يكن عليها بينة.\nكأن يكون على الإنسان دين أو حق لغيره، فيجب أن يوصي به لا سيما إذا لم يكن فيه بينة؛ لأنه إذا لم يوص به فإن الورثة قد ينكرونه، والورثة لا يلزمون أن يصدّقوا كل من جاء من الناس وقال: إن لي على ميتكم كذا وكذا، لا يلزمهم أن يصدقوا، فإذا لم يوص الميت بذلك، فإنه ربما يكون ضائعًا، فمن عليه دين يعني حق في ذمته لأحد، فإنه يجب عليه أن يوصي به.\nكذلك أيضًا أن يوصي لأقاربه غير الوارثين بما تيسّر لقول الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) (البقرة: ١٨٠)، يعني مالًا كثيرًا (الْوَصِيَّة) ُ هذه نائب الفاعل (لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) فخرج من ذلك، من الوالدين والأقربين من كانوا ورثة، فإن الورثة لا يُوصى لهم،","vol":"3","page":461},{"text":"وبقيت الآية محكمة فيما عدا الوارثين.\nهكذا دلالة الآية، وبها فسّرها ابن عباس ﵄، وذهب إليها كثيرٌ ن أهل العلم، أن الإنسان يجب أن يوصي إذا كان عنده مالٌ كثيرٌ بما تيسر لأقاربه غير الوارثين، أما الوارث فلا يجوز أن يوصى له؛ لأن حقه من الإرث يكفيه، فهذان أمران تجب فيهما الوصية.\nالأول: إذا كان عليه دين يعني حقًا للناس.\nوالثاني: إذا ترك مالًا كثيرًا، فإنه يلزمه أن يوصي لأقاربه من غير الوارثين.\nثانيًا: الوصية المحرمة: وهي محرمة إذا أوصى لأحد من الورثة، فإنه حرام عليه، مثل أن يوصي لولده الكبير بشيء من بين سائر الورثة، أو يوصي لزوجته بشيء من بين سائر الورثة، فإن هذا حرام عليه، حتى ولو قدر أن المرأة أي الزوجة كانت تخدمه في حياته وتطيعه وتحترمه، وأراد أن يكافئها؛ فإنه لا يحل له أن يوصي لها بشيء، وكذلك لو كان أحد أولاده يبر به ويخدمه ويسعى في ماله، فأراد أن يوصي له بشيء؛ فإن ذلك حرام عليه.\n\nوكذلك ما يفعله بعض الناس إذا كان له أولاد عدة وزوّج الكبير أوصى للصغار بمثل المال الذي زوج به الكبير، فإن هذا حرامٌ أيضًا؛ لأن التزويج دفع حاجة؛ كالأكل والشرب، فمن احتاج إليه من الأولاد وعند أبيهم قدرة وجب عليه أن يزوجه، ومن لم يحتج إليه فإنه لا يحل له أن يعطيه شيئًا مثل ما أعطى أخاه الذي احتاج للزواج.","vol":"3","page":462},{"text":"وهذه مسألة تخفى على كثيراٍ من الناس حتى على طلبة العلم، يظنون أنك إذا زوجت ولدك، فإنك يجب أن توصي لأولاد الصغار بمثل ما زوجته به، وهذا ليس بصحيح، فالوصية للوارث لا تجوز مطلقًا.\nفإن قدر أن أحدًا - كان جاهلًا وأوصى لأحد الورثة بشيء، فإنه يرجع إلى الورثة بعد موته، إن شاءوا نفذوا الوصية، وإن شاءوا ردوها.\nثالثًا: الوصية المباحة: فهي أن يوصي الإنسان بشيء من ماله لا يتجاوز الثلث؛ لأن تجاوز الثلث ممنوع، لكن ما دون الثلث أنت حرٌ فيه، ولك أن توصي فيه لمن شئت إلا الورثة هذه جائزة.\n\nولكن هل الآفضل الثلث أو الربع أو مادون ذلك؟ نقول أكثر شيء الثلث لا تزد عليه، وما دون الثلث فهو أفضل منه، ولهذا قال ابن عباس رضي اله عنهما: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن النبي ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص: «الثلث والثلث كثير»، وكان أبو بكر ﵁ أوصى بخمس ماله. وقال: أرضى بما رضي الله لنفسه الخمس، فأوصى بخمس ماله. وهذا أحسن ما يكون.\nوليت طلبة العلم والذين يكتبون الوصايا ينبهون الموصين على أن الأفضل: الوصية بالخمس لا بالثلث، وقد شاع عند الناس الثلث دائمًا، وهذا الحد الأعلى الذي حدّه الرسول ﵊ وما دونه أفضل","vol":"3","page":463},{"text":"منه فالربع أفضل من الثلث، والخمس أفضل من الربع.\nوإذا كان الورثة محتاجين فترك الوصية أولى؛ هم أحق من غيرهم قال النبي ﵊ «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، فإذا كان الورثة الذين يرثونك تعرف أن حالهم، وسط والمال شحيح عندهم، وأنهم إلى الفقر أقرب، فالأفضل ألا توصي.\nففي هذا الحديث الإشارة إلى أن الإنسان يوصي، ولكن الوصية تنقسم إلى أٌقسام كما أشرنا، منها واجبة، ومنها محرمة، ومنها مباحة.\n\nفالواجبة: أن يوصي الإنسان بما عليه من الحقوق الواجبة؛ لئلا يجحدها الورثة، فيضيع حق من هي له، لا سيما إذا لم يكن بها بينة.\nوالثانية من الوصية الواجبة وصية من ترك مالًا كثيرًا لأقاربه الذين لا يرثون بدون تقدير، لكن لا تزيد عن الثلث.\nوالوصية المحرمة: نوعان أيضًا: أن تكون لأحد من الورثة وأن تكون زائدة على الثلث.\nوالمباحة: ما سوى ذلك، ولكن الأفضل أن تكون المباحة من الخمس فأقل، وإن زاد الربع فلا بأس، وإلى الثلث فلا بأس، ولا يزيد على الثلث.\nوفي حديث ابن عمر ﵄ العمل بالكتابة؛ لقوله ﷺ: «إلا","vol":"3","page":464},{"text":"ووصيته مكتوبة عنده» فدل هذا على جواز العمل، بل وجوب العمل بالكتابة.\nوفي قوله: «مكتوبة» اسم مفعول، إشارة إلى أنه لا فرق بين أن يكون هو الكاتب أو غيره ممن تثبت الوصية بكتابته، فلابد أن تكون الكتابة معلومة؛ إما بخط الموصي نفسه، أو بخط شخص معتمد، وأما إذا كانت بخط مجهول؛ فلا عبرة بها ولا عمل عليها.\n\nوفي قوله: «عنده» إشارة إلى أنه ينبغي أن يحتفظ الإنسان بالوثائق وألا يسلط عليها أحدًا، بل تكون عنده في شيء محفوظ محرز كالصندوق وغيره؛ لأنه إذا أهملها فربما تضيع منه، أو يسلط عليها أحد يأخذها ويتلفها أو ما أشبه ذلك.\nالمهم في هذا الاعتناء بالوصية، وأن يحتفظ بها الإنسان حتى لا تضيع.\nوفيه أيضًا سرعة امتثال الصحابة لأمر النبي ﷺ؛ لذلك قال ابن عمر ﵄ بعد ما سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه «ما مرت علي ليلة منذ سمعت النبي ﷺ يقول هذا إلا ووصيتي مكتوبة عندي» . فالذي ينبغي للإنسان أن يهتم بالأمر حتى لا يفجأه الموت، وهو قد أضاع نفسه، وأضاع حق غيره.\n* * *","vol":"3","page":465},{"text":"٥/٥٧٨- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا فقرا مُنسيا، أو غنى مُطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مُفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال؛ فشر غائب ينتظرُ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر؟!» رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث ذكره المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب ذكر الموت وقصر الأمل، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بادروا بالأعمال سبعًا» يعني أعملوا قبل أن تصيبكم هذه السبع التي ذكرها النبي ﷺ، فبادروا بها.\nإما «فقرًا منسيًا» بأن يصاب الإنسان بفقر ينسيه ذكر ربه؛ لأن الفقر أعاذنا الله وإياكم منه شر درع يلبسه العبد\n، فإنه إذا كان فقيرًا يحتاج إلى أكل وشرب ولباس وسكن وزوجة، فلا يجد من ذلك شيئًا، فتضيق عليه الأرض بما رحبت، ويذهب يتطلب ليحصل على شيء من ذلك فينسى ذكر الله ﷿، ولا يتمكن من أداء العبادة على وجهها.\nوكذلك يفوته كثيرٌ من العبادات التي تستوجب أو التي تستلزم الغنى؛ كالزكاة، والصدقات، والعتق، والحج، والإنفاق في سبيل الله، وما أشبه","vol":"3","page":466},{"text":"ذلك.\n«أو غنى مطغيًا» بأن يغني الله الإنسان ويفتح عليه من الدنيا فيطغى بذلك، ويرى أنه استغنى عن ربه ﷿، فلا يقوم بما أوجب الله عليه، ولا ينتهي عما نهاه الله عنه. قال الله تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى) (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: ٧، ٦) .\n\nكذلك «أو مرضًا مفسدًا» مرض يفسد على الإنسان حياته؛ لأن الإنسان مادام في صحة فهو في نشاط وانشراح صدر، والدنيا أمامه مفتوحة، فإذا مرض ضعف البدن، وضعفت النفس وضاقت، وصار الإنسان دائمًا في همٍّ وغمٍّ فتفسد عليه حياته.\nكذلك أيضًا الهرم المفند: «أو هرمًا مفندًا» يعني كبرًا يفند قهوة الإنسان ويحطمها، كما قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (الروم: ٥٤)\nفالإنسان ما دام نشيطًا شابًا يعمل العبادة بنشاط، يتوضأ بنشاط، يصلي بنشاط، يذهب إلى العلم بنشاط، لكن إذا كبر فهو كما قال الله ﷿ عن زكريا: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) (مريم: ٤)، أي ضعف العظم، والعظم هو الهيكل الذي ينبني عليه الجسم، فيضعف وتضعف القوة ولا يستطيع أن يفعل ما كان يفعله في حال الشباب، كما قال الشاعر:\nألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب","vol":"3","page":467},{"text":"«أو موتًا مجهزًا» هذا أيضًا ما يُنتظر الموت، وإذا مات الإنسان؛ انقطع عمله، ولم يتمكن من العمل.\n\" مجهزًا\" سريعًا، وكم من إنسان مات من حيث لا يظن أنه لا يموت كم من إنسان مات وهو في شبابه وصحته في حوادث احتراق، أو انقلاب سيارة، أو سقوط جدار عليه، أو سكتة قلبية، أشياء كثيرة يموت الإنسان بسببها ولو كان شابًا.\nفبادر هذا لأنك لا تدري ربما تموت وأنت تخاطب أهلك، أو تموت وأنت في فراشك، أو تموت وأنت على غدائك تخرج تقول لأهلك: ولّموا الغذاء أي: جهزوا، ثم لا ترجع تأكله، أو تموت وأنت في سيارتك، أو في سفرك، إذًا بادر.\nومن ذلك أيضًا قوله: «أو الدجال؛ فشر غائب ينتظر» يعني أو تنتظرون الدجال، وهو الرجل الخبيث الكذاب المموه الذي يبعث في آخر الزمان يدعو الناس إلى عبادته ويوهمهم، فيفتتن به الخلق إلا ما شاء الله.\nولهذا أُمرنا أن نستعيذ بالله منه في كل صلاة، قال النبي ﵊: «إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليقل: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» .","vol":"3","page":468},{"text":"والمسيح الدجال رجلٌ من بني آدم؛ لكنه أعور خبيث كافر متمرد، وقد كتب بين عينيه كافر، يقرءه المؤمن ولا يقرؤه الفاسق، الكافر لا يقرؤه، يقرؤه المؤمن ولا يقرؤه الكفار حتى ولو كان الكافر قارئًا؛ فإنه لا يقرؤه، والمؤمن يقرؤه ولو كان غير قارىء. وهذه آية من آيات الله ﷿.\nوهذا الدجال يدعو الناس إلى عبادته فيقول: أنا ربكم، فإن أطاعوه أدخلهم الجنة، وإن عصوه أدخلهم النار، لكن ما هي جنته وناره؟ جنته نار، وناره جنة، لكنه يوهم الناس أن هذا الذي أدخله من أطاعه جنة وهي نار، وأنه إذا عصاه أحد أدخله في النار، النار هذه جنة، ماء عذب، طيب، جنة. قال النبي ﵊: «إنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار» .\nلكنه يوهم الناس ويموه عليهم فيحسبون أن هذا الذي أطاعه أدخله الجنة، وأن هذا الذي عصاه أدخله النار، والحقيقة بخلاف ذلك.\n\nكذلك يأتي إلى القوم في البادية، يأتي إليهم ممحلين، ليس في ضروع مواشيهم لبن، ولا في أرضهم نبات، فيدعوهم، فيقول: أنا ربكم، فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، يقول للسماء: أمطري؛ فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت،","vol":"3","page":469},{"text":"يقول: يا أرض أنبتي أيتها الأرض؛ فتنبت، فيصبحون على أخصب ما يكون، ترجع إليهم مواشيهم أسبغ ما يكون ضروعًا؛ ضروعها مملوءة، وأطول ما يكون ذرى؛ أسنمتها رفيعة من الشبع والسمن، فيبقون على عبادته، لكنهم ربحوا في الدنيا وخسروا الدنيا والآخرة والعياذ بالله، هذا اتخذوه ربًا من دون الله.\nفالدجال يقول عنه الرسول ﷺ إنه «شر غائب ينتظر» . أعاذنا الله وإياكم من فتنته.\nثم قال: «أو الساعة \"» وهي السابعة يعني أو تنتظرون الساعة، إي قيام الساعة، «فالساعة أدهى وأمرّ\"» يعني أشد داهية وأمر مذاقًا، قال الله ﵎: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر: ٤٦) .\n\nوالحاصل أن الإنسان لن يخرج عن هذه السبع. وهذه السبعة كلها تعيقه عن العمل، فعليه أن يبادر، ما دام في صحة، ونشاط، وشباب، وفراغ، وأمن، ولله الحمد، فليبادر الأعمال قبل أن يفوته ذلك كله فيندم حيث لا ينفع الندم أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يتسابقون إلى الخير.","vol":"3","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>٦٦- بابُ استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر</span>\n١/٥٨١- عن بُريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كُنتُ نهيتكم عن زيارة القبُور فزُروها» رواهُ مسلم.\n٢/٥٨٢- وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ، كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرُجُ من آخر الليل إلى البقيعِ فيقولُ: «السلامُ عليكم دار قومٍ مؤمنينَ، وآتاكم ما تُوعدون، غدًا مؤجلُون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقدِ» رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين: باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر.\nزيارة القبور: يعني الخروج إليها امتثالًا؛ بل اتباعًا لرسول الله ﷺ، والقبور هي دور الأموات، وذلك أن الإنسان له أربعة دور:\nالأولى: في بطن أمه.\n\nالثانية: الدنيا.\nوالثالثة: القبور.","vol":"3","page":471},{"text":"والرابعة: الآخرة وهي المقر وهي النهاية والغاية- جعلنا الله وإياكم من الفائزين فيها.\nهذه الدار- أعني دار القبور- كان النبي ﷺ نهى عن زيارتها؛ خوفًا من الشرك بأهل القبور؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بجاهلية، فنهى عنها رسول الله ﷺ سدًا لذرائع الشرك؛ لأن الشرك لما كان أمره عظيمًا؛ سدّ النبي ﷺ كل ذريعة وكل باب يوصل إليه.\nوكلما كانت المعصية عظيمة؛ كانت وسائلها أشد منعًا. الزنا مثلًا فاحشة، وسائله من النظر والخلوة وما أشبه ذلك محرمة.\nوكذلك فإن الشرك أعظم الظلم، كما سئل النبي ﷺ: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» .\nفلما كان الناس يعظمون القبور؛ نهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فما استقر الإيمان في قلوبهم؛ أذن لهم فقال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكرُ الآخرة» .\n\nفرفع النبي ﷺ وأباح الزيارة، بل رغبَّ فيها لقوله: «فإنها تذكر الآخرة» . والذي يذكر الآخرة ينبغي للإنسان أن يعمل به؛ لأن القلب إذا نسي الآخرة؛ غفل واشتغل بالدنيا، وأضاع الدنيا والآخرة؛ لأن من أضاع","vol":"3","page":472},{"text":"الآخرة؛ فقد أضاع الدنيا والآخرة.\nفينبغي أن نزور القبور؛ ولكن نزورها لنفعها أو للانتفاع بها؟ الأول: لنفعها، ليدعوا للأموات لا ليدعوهم، فيخرج الإنسان ويسلم على القبور، كما فعل النبي ﷺ. وقالت عائشة: إن النبي ﷺ إذا كان عندها، خرج من آخر الليل فسلّم على أهل البقيع وقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجَّلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» .\nثم يقول: \" اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد\" بقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة، وهذه الدعوة يرجى أن تشمل من كان من أهل بقيع الغرقد إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد بهم أهل بقيع الغرقد الذين كانوا أهله في عهد الرسول ﵊ فقط، فلا يشمل من يأتي بعدهم.\n\nولكن من كان من أهل الرحمة؛ فهو من أهل الرحمة، سواء حصلت له هذه الدعوة أم لم تحصل، ومن كان من أهل الشقاء؛ فإنه لا تشمله هذه الدعوة ولا ينتفع بها.\nالمهم أن الإنسان ينبغي له أن يزور القبور في كل وقت، في الليل، في النهار، في الصباح، في المساء، في يوم الجمعة، في غير يوم الجمعة، ليس لها وقت محدد، وكلما غفل قلبك واندمجت نفسك في الحياة الدنيا؛ فاخرج إلى القبور، وتفكر في هؤلاء القوم الذين كانوا بالأمس مثلك على الأرض يأكلون ويشربون ويتمتعون، والآن أين ذهبوا؟ صاروا الآن مرتهنين بأعمالهم، لم ينفعهم إلا عملهم كما أخبر بذلك النبي عليه","vol":"3","page":473},{"text":"الصلاة والسلام أنه قال: «يتبع الميت ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى علمه» .\nففكِّر في هؤلاء القوم، ثم سلِّم عليهم: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» والظاهر - والله أعلم- أنهم يردّون السلام؛ لأنه يسلم عليهم بصيغة الخطاب «السلام عليكم»، ويحتمل أن يُراد بذلك السلام مجرد الدعاء فقط، سواء سمعوا أم لم يسمعوا، أجابوا أم لم يجيبوا.\nفعلى كل حال على الإنسان أن يدعو لهم ويقول مقررًا المصير الحتمي: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» إن شاء الله هذه تعود إلى وقت اللحوق وليس إلى اللحوق؛ لأن اللحوق متيقن، والمتيقن لا يقيد بالمشيئة لكن تعود إلى وقت اللحوق؛ لأن كل واحد منا لا يدري متى يلحق، فيكون معنى قوله: «إنا إن شاء الله بكم لاحقون» أي: وإنا متى شاء الله بكم لاحقون، كقوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) (عبس: ٢٣، ٢٢) . ثم يدعو لهم بالدعاء الذي جاءت به السنة، فإن لم يعرف شيئًا منه؛ دعا بما تيسر: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، ثم ينصرف. هكذا كان الرسول ﵊ يزور المقبرة.","vol":"3","page":474},{"text":"وأما ما يفعله بعض الجهال من البقاء هناك، والتمرغ على التراب، والطواف بالقبر، وما أشبه ذلك، فكله أمر منكر؛ وبدعة محظورة، فإن اعتقد أن هؤلاء الأموات ينفعون أو يضرون؛ كان مشركًا والعياذ بالله خارجًا عن الإسلام؛ لأن هؤلاء الأموات لا ينفعون ولا يضرّون، لا يستطيعون الدعاء لك، ولا يشفعون لك إلا بأذن الله.\n\nوليس هذا وقت الشفاعة أيضًا، وقت الشفاعة يوم القيامة، فلا ينفعك شيء منهم إذا دعوتهم أو سألتهم الشفاعة أو ما أشبه ذلك.\nوالواجب على إخواننا الذين يوجد مثل هذا في بلادهم الواجب عليهم أن ينصحوا هؤلاء الجهال، وأن يبينوا لهم أن الأموال لا ينفعونهم، حتى الرسول ﵊ لا ينفع الناس وهو ميت، وكان الصحابة رضي اله عنهم إذا أصابهم الجدب في عهد الرسول ﷺ وفي حياته جاءوا إليه وقالوا: استسق الله لنا، فيستقي الله لهم.\nلكن لما مات لم يأتِ الصحابة إلى قبره يقولون: ادعُ الله أن يسقينا، وقبره إلى جانب المسجد ليس بعيدًا، لكن لما أجدبت الأرض في عهد عمر، وحصل القحط قال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، يعني أنهم كانوا يسألون الرسول أن يدعو له بالسقا فيسقون، وإنا نستسقي إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم يقوم العباس فيدعو الله.","vol":"3","page":475},{"text":"ولم يقل: يا رسول الله، ادعُ الله أن يسقينا، ادعُ الله أن يرفع عنا القحط؛ لأنه ﵁ يعلم أن ذلك غير ممكن، والإنسان إذا مات انقطع علمه، ولا يمكن أن يعمل إي عمل كما قال الرسول ﵊: «إذا مات الإنسان أنقطع عمله إلا من ثلاث»، فلا يستطيع الميت أن يستغفر لك، ولا أن يدعو لك؛ لأنه انقطع عن العمل.\nفالحاصل أن زيارة القبور لمنفعة أهل القبور لا لمنفعة الزائر، إلا فيما يناله من الأجر عند الله ﷿، أما أن ينتفع بهم بزيارته إياهم فلا؛ لكن ينتفع بالأجر الذي يحصل له، وينتفع بالموعظة التي تحصل لقلبه إذا وفقه الله تعالى للاتعاظ، فنسأل الله ﷾ أن يجعلنا وإياكم ممن يعلقون رجاءهم بالله.","vol":"3","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>٦٧- باب كراهة تمني الموت بسبب ضُرّ نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين</span>\n\n١/٥٨٥- عن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتمن أحدكم الموت إما مُحسنًا، فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعلهُ يستعتب» متفق عليه وهذا لفظ البخاري.\n\nوفي رواية لمسلم عن أبي هُريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لاَ يتمن أحدُكم الموت، ولا يدعُ به من قبلِ أن يأتيهُ، أنهُ إذا مات انقطع عملهُ، وإنهُ لا يزيدُ المؤمنَ عمرهُ إلا خيرًا»\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب كراهية تمني الموت لضُر نزل به. يعني من مرض أو نحوه، وأما إذا كان لخوف فتنة في الدين فلا بأس به، هكذا قال المؤلف ﵀، يعني إذا كان يخشى على نفسه فتنة في الدين؛ فلا بأس أن يتمنى الموت، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الأحاديث.\nأما الأول فما قاله المؤلف صحيح أن الإنسان إذا نزل به الضُرّ فلا يتمنى الموت؛ فإن هذا خطأ وسفه في العقل، وضلال في الدين.","vol":"3","page":477},{"text":"أما كونه سفهًا في العقل؛ فلأن الإنسان إذا بقي في حياته، فإما محسنًا فيزداد، وإما مسيئًا فيستعتب إلى الله ﷿، وكونه يموت فإنه لا يدري، فلعله يموت على أسوًا خاتمه والعياذ بالله، لهذا نقول: لا تفعل فإن هذا سفه في العقل.\n\nأما كونه ضلالًا في الدين فلأنه ارتكاب لما نهى عنه النبي ﷺ، ولهذا قال ﵊: «لا يتمنَّ أحدكمُ الموتَ»، والنهي هنا للتحريم؛ لأن تمني الموت فيه شيء من عدم الرضا بقضاء الله، والمؤمن يجب عليه الصبر، إذا إصابته الضراء يصبر، فإذا صبر على الضراء نال شيئين مهمين:\nالأول: تكفير الخطايا، فإن الإنسان لا يصيبه همٌّ ولا غمُّ ولا أذى ولا شيء إلا كفر عنه حتى الشوكة يشاكها؛ الشوكة إذا يشاكها الإنسان؛ فإنه يكفر بها عنه.\nالثاني: إذا وفّق لاحتساب الأجر من الله وصبر يبتغي بذلك وجه الله؛ فإنه يُثاب، وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: ١٠) .\nأما كونه يتمنى الموت فهذا يدل على أنه غير صابر على ما قضى الله ﷿ ولا راضٍ به، وبين الرسول ﵊ أنه إما أن يكون من المحسنين، فيزداد في بقاء حياته يزداد عملًا صالحًا.\nومن المعلوم أن التسبيحة الواحدة في صحيفة الإنسان خيرٌ من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا وما فيها تذهب وتزول، والتسبيح والعمل الصالح يبقى، قال الله ﷿: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ","vol":"3","page":478},{"text":"الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف: ٤٦)\nفأنت إذا بقيت ولو على أذى ولو على ضرر؛ فإنك ربما تزداد حسنات.\nوإما مسيئًا قد عمل عملًا سيئًا، فلعله يستعتب أي: يطلب من الله العتبى أي: الرضا والعذر، فيموت وقد تاب من سيئاته، فلا تتمنَّ الموت؛ لأن الأمر كله مقضي، وربما يكون في بقائك خيرٌ لك أو خيرٌ لك ولغيرك، فلا تتمن الموت؛ بل اصبر واحتسب، ودوام الحال من المحال، والله الموفق.\n* * *\n٢/٥٨٦- وعن انسٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا يتمنين أحدكم الموت لضرً أصابهُ، فإن كان لابد فاعلًا، فليقل: اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» متفق عليه.\n\n٣/٥٨٧- وعن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب بن الأرت ﵁ نعودُهُ وقد أكتوى سبع كيات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا، ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا مَا لاَ نجدُ لهُ موضعًا إلا التُراب، ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعُو بالموت لدعوتُ به، ثم أتيناه مرةً أخرى وهو يبني حائطًا لهُ، فقال: إن المسلم ليُؤجرُ في كل شيءً ينفقهُ إلا في شيء يجعلهُ في هذا الترابٍ. متفق عليه، وهذا لفظ وراية البخاري.","vol":"3","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين في كراهة تمني الموت لضرًّ نزل به إلا أن يكون لفتنة في الدين: قال أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضرًّ أصابه» مثل أن يصاب الإنسان بمرض شديد، أو بفقر شديد، أو بدين متعب، أو ما أشبه ذلك فيقول: اللهم أمتني حتى أستريح من هذه الدنيا، فإن هذا حرام ولا يجوز؛ لأنه لو مات فإنه لن يستريح، ربما ينتقل من عذاب الدنيا إلى عذاب في الآخرة أشد وأشد.\n\nولهذا نهى النبي ﵊ أن تتمنى الموت للضر الذي ينزل بك، ولكن قابل هذه المصائب بالصبر، والاحتساب، وانتظار الفرج، واعلم أن دوام الحال من المحال، والله ﷿ يقدَّر الليل والنهار، ويخلف الأمور على وجه لا يحتسبه الإنسان ولا يظنه؛ لأن الله إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، فلا تتمن الموت لضرّ نزل بك.\nأما ما يتعلق بفتنة الدين، إذا افتتن الناس في دينهم وأصابتهم فتنة؛ إما في زخارف الدنيا أو غيرها من الفتن، أو أفكار فاسدة، أو ديانات منحرفة أو ما أشبه ذلك، فهذا أيضًا لا يتمنى بسببه الإنسان الموت، ولكن يقول اللهم اقبضني إليك غير مفتون، فيسأل الله أن يثبته وأن يقبضه إليه غير مفتون.","vol":"3","page":480},{"text":"وإلا فليصبر لأنه ربما يكون بقاءه مع هذه الفتن خيرًا للمسلمين؛ يدافع عنهم ويناضل، ويساعد المسلمين، ويقوي ظهورهم، لكن يقول اللهم إن أردت بعبادك فتنة؛ فاقبضني إليك غير مفتون.\nقال النبي ﵊ «فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»؛ فأنت لا تدري أيها الإنسان وجه الخير في ذلك، لكن اجعل الأمر إلى الله: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي» يعني إذا كانت. «وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» .\nفإذا دعوت الله بهذا الدعاء؛ فإن الله ﷾ يستجيب دعاءك. وفي هذا الحديث دليلٌ على جواز الشرط في الدعاء، أن تشترط على الله ﷿ في الدعاء، وقد جاء ذلك في نصوص أخرى؛ مثل آية اللعان فإن الزوج يقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وهي تقول في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. فالشرط في الدعاء لا بأس به.\nثم ذكر المؤلف حديث قيس بن حازم حين دخلوا على خبَّاب بن الآرت ﵁ وهو من الصحابة الآجَّلاء، دخلوا يعودونه بعد أن فتحت الدنيا على المسلمين.\n\nوالمسلمون كانوا في العهد الأول فقراء، ولكن الله أغناهم بالغنائم الكثيرة التي غنموها من الكفار فإذن الله، كما قال تعالى: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا) (الفتح: ٢٠) وقال: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا)","vol":"3","page":481},{"text":"(الفتح: ١٩) .\nفلما فتح الله على المسلمين؛ كثرت الأموال عندهم، فزادت وتطوّرت، وحصل من بعضهم ترف، وصار بعضهم إذا قدم له الغداء أو العشاء يبكي على ما كان السَّلف عليه من ضحالة العيش وقلة ذات اليد.\nدخلوا على خبَّاب بن الأرت ﵁ وهو مريضٌ وقد اكتوى سبع كيَّات.\nوالكَيُّ أحد الأدوية النافعة بإذن الله، ثلاثة أشياء نصَّ عليها الرسول ﵊ وبين أن بها الشفاء بإذن الله: «والكي، والحجامة، والعسل»؛ هذه الثلاثة من أنفع ما يكون بإذن الله ﷿، وهناك بعض العلل لا ينفع فيها إلا الكي، فمثلًا ذات الجنب، وهو داء يصيب الرئة فتتجلط وتلصق بالصدر ويموت الإنسان منها إلا أن يشفيه الله ﷿ بأسباب.\n\nهذا النوع من الأمراض لا ينفع فيه إلا الكي، كم من مريض يصاب بذات الجنب يذهب إلى الأطباء ويعطونه الإبر والأدوية وغيرها ولا ينفع؟! فإذا كوي برأ بإذن الله.\nكذلك هناك أشياء تصيب الأمعاء تسمى عند أطباء العرب الطير؛ لأنها تتفرق في الجسد، هذه أيضًا لا ينفع فيها إلا الكي، مهما أعطيت المريض من الأدوية لا ينفع فيها إلا الكي.","vol":"3","page":482},{"text":"هناك أيضًا شيء ثالث يسمى عند الناس الحبة، ورم يظهر في الفم أو في الحلق، وإذا انفجر هلك الإنسان، هذا أيضًا لا ينفع فيه إلا الكي، وأشياء كثيرة لا ينفع فيها إلا الكي.\nكوى خباب بن الأرت ﵁ سبع كيات، ثم جاءه أصحابه يعودونه فأخبرهم أن النبي ﷺ قال: «إن الإنسان يؤجر على كل شيء أنفقه إلا في شيء يجعله في التراب» يعني في البناء؛ لأن البناء إذا اقتصر الإنسان على ما يكفيه؛ فإنه لا يحتاج إلى كبير نفقة.\nيبني له حجرة تكفيه هو وعائلته كما كان الرسول ﷺ وهو أشرف الخلق، كان بيوته حُجرًا، حجرة واحدة له ولزوجته، وليس فيها أكثر من ذلك، وعند قضاء الحاجة يخرجون إلى الخلاء ويقضون حاجتهم فيه.\nلكن تتطور الناس، ومن علامات الساعة: أن ترى الحفاة العراة العالة - يعني الفقراء- يتطاولون في البنيان؛ يتطاولون في البناء في علوَّه في السماء، أو في تذويقه وتحسينه، فهذا المال الذي يجعل في البناء لا يؤجر الإنسان عليه، اللهم إلا بناء يجعله للفقراء يسكنونه، أو يجعل غلته في سبيل الله، أو ما أشبه ذلك، فهذا يؤجر عليه، لكن بناء يسكنه، هذا ليس فيه أجرا؛ بل ربما إذا زاد الإنسان فيه حصل له وزر، مثل ما يفعل بعض الفقراء الآن.\nالآن عندنا فقراء يتدين الإنسان منهم إلى عشر سنين أو خمسة عشر","vol":"3","page":483},{"text":"وإن طال الآجل إلى عشرين سنة، من أجل أن يرصّع بنيانه بالأحجار الجميلة، أو من أجل أن يضع له أقواسًا أو شرفات، أو ما أشبه ذلك وهو مسكين يعمل هذا العمل المنهي عنه ويستدين على نفسه الديون الكثيرة.\nوأما البنيان الذي يكون على حسب العادة، يعني لو أن الناس اعتادوا بنيانًا معينًا، وأراد الإنسان أن يبني ما كان على العادة، وما كان ينبسط فيه أهله بدون إسراف، وبدون أن يستدين؛ فهذا لا بأس به وليس فيه إثم إن شاء الله.","vol":"3","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>٦٨- باب الورع وترك الشبهات</span>\n\nقال الله تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: ١٥) وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ١٤) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب الورع وترك الشبهات.\nالورع والزهد يشتبه معناهما عند بعض الناس، لكن الفرق بينهما كما قال ابن القيم ﵀ في كتاب الروح: الورع ترك ما يضرُّ في الآخرة، والزهد ترك ما لا ينفع، فمقام الزهد أعلى من مقام الورع؛ لأن الورع أن يترك الإنسان ما يضره، والزهد أن يترك ما لا ينفع؛ لأن الأشياء ثلاثة أقسام: ضار، ونافع، وما ليس بضار ولا نافع يعني منها ضار، ومنها نافع، بضار ولا نافع.\nفالزاهد يترك شيئين من هذا؛ يترك الضار، ويترك ما ليس بنافع ولا ضار، ويفعل ما هو نافع.\nوالورعُ يترك شيئًا واحدًا منها وهو ما كان ضارًا، ويفعل النافع، ويفعل الشيء الذي ليس فيه نفع ولا ضرر.\n\nوبهذا صارت منزلة الزاهد أرفع من منزلة الورع، وربما يطلق أحدهما على الآخر؛ فالورعَ ترك ما يضر، ومن ذلك ترك الأشياء المشتبهة؛ المشتبهة في حكمها، والمشتبهة في حقيقتها، فالأول اشتباه في الحكم","vol":"3","page":485},{"text":"والثاني اشتباه في الحال، فالإنسان الورع هو الذي إذا اشتبه الأمر عليه تركه إن كان اشتباهًا في تحريمه، وفعله إن كان اشتباهًا في وجوبه لئلا يأثم بالترك.\nثم إن المؤلف ﵀ ذكر آيتين في هذا الباب، قال ﵀: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ ٌ) (النور: ١٥)\n(وَتَحْسَبُونَهُ) الضمير يعود على ما تلقَّاه الناس من حديث الإفك الكذب في حق أم المؤمنين عائشة ﵂، وذلك أن عائشة أم المؤمنين ﵂: كانت زوج النبي ﷺ، وكان المنافقون يتربّصون بالنبي ﷺ أن يشوهوا سمعته، ويدنسوا عِرضه، فحصلت غزوة من الغزوات، فلما قفل النبي ﷺ راجعًا منها نام في أثناء الطريق، وكانت نساء النبي ﷺ لهن رجال يساعدون في ترحيلهن.\n\nفلما كان في آخر الليل ذهبت عائشة ﵂ لقضاء حاجتها فجاء الذين يحملون الهودج الذي تركب فيه فحملوه على البعير وشدوه عليه، وظنوا أنها كانت فيه؛ لأنها كانت في ذلك الوقت صغيرة السن خفيفة الوزن.\nثم سار الركب، فلما رجعت عائشة ﵂ إلى المكان وجدت الناس قد رحلوا، فكان من ذكائها وثبات جأشها وطمأنينتها أن بقيت في المكان، فلم تذهب تتجول يمينًا وشمالًا؛ لأنها لو ذهبت ربما ضاعت وضيعوها، لكنها بقيت في مكانها، وكان رجل من خيار الصحابة يُقال له: صفوان بن المعطل نائمًا، وكان من قوم إذا ناموا لم يستيقظوا إلا إذا شبعوا","vol":"3","page":486},{"text":"من النوم.\nفاستيقظ صفوان ﵁ فوجد الناس قد رحلوا، ورأى هذا الشبح؛ هذا السواد، فأقبل إليها، فإذا هي عائشة أم المؤمنين ﵂، وكان يعرفها قبل أن ينزل الحجاب، فماذا صنع هذا الرجل؟\nهذا الرجل أناخ البعير، ولم يتكلم بأي كلمة احترامًا لفراش رسول الله ﷺ، لا يريد أن يتكلم مع زوجته في مثل هذا المكان، أناخ البعير، ووضع رجله على ساق البعير وعضده، فركبت عائشة ﵂، فأخذ الزمام وجعل يقود البعير، ليجعل عائشة خلفه.\n\nفلما أقبل على القوم تكلَّم المنافقون، ورأوا أن هذه فرصة، وقالوا في عائشة ما هم فيه كاذبون؛ امرأة في سفر مع رجل تتأخر عن القوم، فصاروا يتكلمون في عِرض عائشة، وهم لا يريدون عِرض عائشة، ولا تهمهم فتاة عند زوجها، الذي يهمهم تدنيس فراش رسول الله ﷺ (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة: ٣٠) .\nفجعلوا يتكلمون، وكان من حكمة الله ﷿ أن عائشة لما قدموا المدينة مرضت وبقيت في بيتها، وكان النبي ﷺ يدخل عليها، ولم تر منه ما كانت تراه في السابق، كان يمر ويقول: «كيف تيكم»، يعني: كيف هذه؟ لا يسأل ويلح ويقول: كيف هي اليوم؟ عساها أحسن من أمس، وما أشبه ذلك، ولكنه يقول هذه الكلمة؛ لأن كلام المنافقين قد شاع في المدينة وصار عند بعض المؤمنين تردد، والرسول ﵊ كان لا يشك في أهله، ويرى أن الله ﷿ يأبى بحكمته أن يدنِّس فراش","vol":"3","page":487},{"text":"نبيه ﷺ.\n\nولم يكن ليصدق بهذا أبدًا، لكن مع كثرة الكلام وكثرة القرع وكثرة الإرجاف، تردد الرسول ﷺ في الأمر، وبعد أن مضى نحو شهر خرجت عائشة ﵂ وخالتها أم مسطح بن أثاثة، خرجت تقضي حاجتها، وكانوا في هذا الوقت ليس عندهم مراحيض في البيوت، إذا أراد الواحد أن يقضي حاجته خرج إلى الخلاء وبحث عن مكانٍ مطمئنٍ نازلٍ وقضى فيه حاجته.\nفخرجت عائشة مع خالتها أم مسطح إلى مكان قضاء الحاجة، فعثرت أم مسطح، فقالت: تعس مسطح، تقول أم مسطح: تعس مسطح فاستغربت عائشة كيف تقول لرجل من المهاجرين شهد بدرًا تقول فيه: تعس مسطح، فقالت: لم تقولين هذا الكلام؟ لأن معنى تعس خسر وهلك، فقالت: أما علمت بكذا وكذا وكذا، وأخبرتها بقصة الإفك، وإن مسطحًا كان ممن صدَّقوا تلك الفرية، فازدادت عائشة ﵂ مرضًا إلى مرضها، وصارت تبكي ليلًا ونهارًا لا يرقأ لها دمع، ولا تهنأ بعيش.\nوبينما الأمر كذلك حتى انتهى نفاق المنافقين إلى الرأس، أنزل الله فيها هذه الآيات الكريمة: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) (النور: ١١) يعني طائفة منكم (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) سبحان الله!! هذا الإفك والرمي بالفاحشة لا نحسبه شرًا؟ نعم لا نحسبه شرًا، بل هو خير لكم؛ لأنه حصل به من تمحيص الذنوب ورفعة المقامات، والدفاع عن عرض الرسول عليه","vol":"3","page":488},{"text":"الصلاة والسلام وفراشه ما هو خير.\n(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإثْمِ) كل واحد تكلم في هذا الأمر له ما اكتسب من الإثم (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: ١١) .\nأعظمهم إثمًا الذي قاد هذه الفتنة وأوقد نارها والعياذ بالله.\nثم ساق الله تعالى الآيات إلى قوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: ١٥) .\nوكان الورع والتقى ألا يتكلموا في هذا الأمر، وأن يسألوا أنفسهم: من أين مصدره؟ من المنافقين الذين هم أكذب عباد الله.\n\nالمنافقون أكذب الناس، ولهذا من علامات النفاق الكذب، استمعوا إلى قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) شهادة مؤكدة بإنَّ واللام. قال الله ﷿ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) حقًا إنك رسوله ومع ذلك: (واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون: ١) .\nشهادة بشهادة أيهما أعظم؛ وقولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه) ِ أم قول الله: (واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)؟ لا شك أن قول الله أصدق، فهو يشهد ﷿: (ُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) في قولهم (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه) .\nهذه الفاحشة التي أشيعت مصدرها من المنافقين، وعلى رأسهم عبد الله بن أُبي بن سلول، لكنه الخبيث لا يتكلم صراحة، يأتي إلى الناس ويقول: أما سمعتم ما قيل في عائشة، قيل كذا وكذا.\n\nوهناك أُناس من المؤمنين تكلَّموا بهذا صراحة، منهم مسطح بن","vol":"3","page":489},{"text":"أثاثه، وحسان بن ثابت ﵁، وحمنة بنت جحش، تكلموا لأنهم بشر، وأقسم أبو بكر ﵁ ألا ينفق على مسطح بن أثاثة وهو ابن خالته، لكنه أقسم ألا ينفق عليه؛ لا لأنه قال في ابنته؛ بل قال في رسول الله ﷺ ما لا يليق.\nفماذا قال الله ﷿؟ قال الله تعالى: (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (النور: ٢٢) .\n(وَلا يَأْتَلِ) إي لا يحلف، والمراد بهذا من؟ أبو بكر (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّه) من يعني بأولي القربة واليتامى والمساكين والمهاجرين؟ يعني بذلك مسطحًا، فلا ينبغي لأهل الفضل أمثال أبي بكر ﵁ أن يمتنعوا عن الإنفاق على أولي القربى والمساكين والمهاجرين، وإن هم أخطئوا في بعض الأمور.\n(أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: ٢٢) لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: بلى والله، نحب أن يغفر الله لنا، فرد النفقة على مسطح.\nهذا الامتثال العظيم، وإلا فرجل يقول في ابنته ما يقول بل في رسول الله ما يقول، فامتثل أبو بكر هذا الامتثال العظيم، ثم أمر النبي ﷺ أن يجلد مسطح وحسان وحمنة، كل واحد منهم ثمانين جلدة حد القذف، ولكن لم يأمر بجلد عبد الله بن أبي؛ لأنه خبيث ما كان يصرح، وأن الحد تطهير للمحدود، وعبد الله بن أبي ليس أهلًا للطهارة؛ لأنه رجس نجس خبيث.\nفالحاصل أن من الورع أن الإنسان لا يتكلم إلا بما يعلم، وهذا","vol":"3","page":490},{"text":"الاستشهاد الذي استشهد به المؤلف ينطبق تمامًا على زماننا الآن، ما أكثر الذين يتكلمون في ولاة الأمور بغير علم، ما أكثر الذين يتكلمون في العلماء بغير علم، ما أكثر الذين يتكلمون في طلبة العلم بغير علم، ما أكثر الذين يتكلمون في المحسنين من ذوي الأموال بغير علم.\n\nفليس عند أكثر الناس ورع، يتكلم الإنسان بما جاء على لسانه من غير أن يتحقق، وهذا من الظلم والعدوان على من تكلم فيه، أن يتكلم فيه بغير علم. لما قال الرسول ﵊ في الغيبة إنها «ذكرك أخاك بما يكره» قالوا: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» .\nنسأل الله أن يهدي ألسنتنا وألسنتكم من الكذب وقول الزور، وأن يعصمنا من الزلل ويعفو عنا إنه جواد كريم.\n* * *\n١/٥٨٨- وعن النُعمان بن بشيرٍ ﵄ قالَ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقُولُ: «إن الحلالَ بينٌ، وإن الحرام بينٌ، وبينهما مُشتبِهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناسِ، فمن اتقى الشبُهاتِ؛ استبرا لدينه وعرضهِ، ومن وقع في الشبهاتِ؛ وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يُوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكلّ ملكٍ حمى، ألاَ وإنَّ حمى الله محارمهُ، الاَ وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت؛ صلح الجسدُ كلهُ، وإذا فسدت: فسد الجسد كلهُ: ألا وهيَ القلبُ» متفق","vol":"3","page":491},{"text":"عليه. وروياهُ من طرقٍ بالفاظٍ مُتقاربة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن النعمان بن بشير ﵁ وعن أبيه بشير بن سعد في كتابه رياض الصالحين، أن النبي ﷺ قال: «إن الحلال بينٌ وإن الحرام بيّنٌ وبينهما متشبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس» قسم النبي ﷺ الأمور إلى ثلاثة أقسام: حلال بيّن، ومشتبه.\nالحلال البيّن؛ كحلَّ بهيمة الأنعام، والحرام البين؛ كتحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أشبه ذلك، وكلّ ما في القرآن من كلمة «أحلَّ» فهو حلال، ومن كلمة «حرّم» فهو حرام، فقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥) هذا حلال بيّن، وقوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبا) (البقرة: ٢٧٥) هذا حرامٌ بيّن.\nهناك أمور مشتبهات تخفى على الناس، وأسباب الخفاء كثيرة، منها ألا يكون النصُّ ثابتًا عند الإنسان، يعني يتردد: هل يصح عن الرسول ﵊ أو لا يصح، ثم إذا صح قد تشتبه دلالته: هل يدل على كذا أو لا يدل؟ ثم إذا دلّ على شيء معين فقد يشتبه: هل له مخصص إن كان عامًاّ؟ هل له مقيد إن كان مطلقًا؟ ثم إذا تبين قد يشتبه: هل هو باقٍ أو منسوخ.","vol":"3","page":492},{"text":"المهم أن أسباب الاشتباه كثيرة، فما هو الطريق إلى حل هذا الاشتباه؟ والجواب: أن الطريق بينه النبي صلى ﵊ فقال: «فمن اتقى الشبهات؛ استبرأ لدينه وعرضه» من أتقاها يعني تجنبها إلى الشيء الواضح البيّن؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه.\nاستبرأ لدينه: حيث سلم من الوقوع في المحرم. ولعرضه: حيث سلم من كلام الناس فيه؛ لأنه إذا أخذ الأمور المشتبهة؛ صار عرضة للكلام فيه، كما إذا أتى الأمور البينة الواضح تحريمها.\nثم ضرب النبي ﷺ مثلًا لذلك بالراعي راعي غنم أو إبل أو بقر «يرعى حول الحمى» يعني حول الحمى الذي حماه أحد من الناس لا يرعى فيه أحد، ومعلوم أنه إذا حمي؛ ازدهر وكثُر عشبه أو كثر زرعه؛ لأن الناس لا ينتهكونه بالرعي، فالراعي الذي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه؛ لأن البهائم إذا رأت الخضرة في هذا المحمي، ورأت العشب، فإنها تنطلق إليه وتحتاج إلى ملاحظة ومراقبة كبيرة.\nومع ذلك لو لاحظ الإنسان وراقب، فإنه قد يغفل، وقد تغلبه هذه البهائم، فترتع في هذا الحمى «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» .\n\nثم قال ﵊: «ألا وإن لكل ملك حمى» وهذا يحتمل أن الرسول ﷺ قال ذلك إقرارًا له، وأن الملك له أن يحمي مكانًا معينًا يُكثر فيه العشب لبهائم المسلمين؛ وهي البهائم التي تكون في بيت المال؛ كإبل الصدقة، وخيل الجهاد، وما أشبه ذلك.","vol":"3","page":493},{"text":"وأما الذي يحمي لنفسه فإن ذلك حرامٌ عليه، لا يحل لأحد أن يحمي شيئًا من أرض الله يختص بها دون عباد الله، فإن ذلك حرامٌ عليه؛ لأن النبي ﵌ قال: \" المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار\".\nفالكلأ لا يجوز لأحد أن يحميه فيضع عليه الشبك، أو يضع عنده جنودًا يمنعون الناس من أن يرعوا فيه، فهو غصب لهذا المكان، وإن لم يكن غصبًا خاصًا؛ لأنه ليس ملكًا لأحد، لكنه منع لشيء يشترك فيه الناس جميعًا، فهذا لا يجوز، ولهذا قال أهل العلم: يجوز للإمام أن يتخذ حمى مرعى لدواب المسلمين بشرط ألا يضرهم أيضًا.\nفقول الرسول ﷺ: \" ألا وإن لكل ملك حمى\" يحتمل إنه إقرار، فإن كان كذلك؛ فالمراد به ما يحميه الملك لدواب المسلمين؛ كخيول الجهاد، وإبل الصدقة، وما أشبه ذلك.\n\nويحتمل أنه إخبار بالواقع وإن لم يكن إقرارًا له؛ لأن الرسول ﵊ قد يخبر بالشيء الواقع أو الذي سيقع من غير إقرار له، أخبر النبي ﵊ أننا سنركب سنن اليهود والنصارى. فقال: «لتركبن سَنَن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا حجر ضبًّ لدخلتموه» . قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟»","vol":"3","page":494},{"text":"فهل هذا إقرار؟ لا. لكنه تحذير\nعلى كل حال الملك له حمى يُحمى سواء بحق أو بغير حق، فإذا جاء الناس يرعون حول الحمى؛ حول الأرض المعشبة المخضرة، فإنهم لا يملكون منع البهائم أن ترتع فيها.\nثم قال ﵊: «ألا وإن حمى الله محارمه» الله ﷿ أحاط الشريعة بسياج محكم، حمى كل شيء محرم يضر الناس في دينهم ودنياهم حماه، وإذا كان الشيء مما تدعو النفوس إليه شدد السياج حوله إذا كان مما تدعو النفوس إليه؛ فإنه يشدد السياح حوله.\nانظر مثلًا إلى الزنى والعياذ بالله، الزنى سببه قوة الشهوة وضعف الإيمان، لكن النفوس تدعوا إليه؛ لأنه جبلة وطبيعة، فجعل حوله سياجًا يبعد الناس عنه فقال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى) (الاسراء: ٣٢)، لم يقل ولا تزنوا، قال (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى) يشمل كل ذريعة توصل إلى الزنى من النظر واللمس والمحادثة وغير ذلك.\nكذلك الربا حرمه الله ﷿، ولما كانت النفوس تطلبه لما فيه من الفائدة؛ حرم كل ذريعة إليه فحرم الحيل على الربا ومنعها، وهكذا جعل الله ﷿ للمحارم حمى له تمنع الناس من الوقوع فيها.\nثم قال ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت؛ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» .\n\n«مضغة» يعني قطعة لحم صغيرة بقدر ما يمضغه الإنسان، صغيرة لكن شأنها عظيم، هي التي تدبر الجسد «إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا","vol":"3","page":495},{"text":"فسدت فسد الجسد كله» ليست العين، ولا الأنف، ولا اللسان، ولا اليد، ولا الرجل، ولا الكبد، ولا غيرها من الأعضاء، إنما هي القلب، ولهذا كان الرسول ﵊ يقول: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم مصرف القلوب صرَّف قلوبنا إلى طاعتك» .\nفالإنسان مدار صلاحه وفساده على القلب. ولهذا ينبغي لك أيها المسلم أن تعتني بصلاح قلبك، فلاح الظواهر وأعمال الجوارح طيب، ولكن الشأن كل الشأن في صلاح القلب، يقول الله عن المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) (المنافقون: ٤) (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) من الهيئة الحسنة، وحسن عمل الجوارح، وإذا قالوا، قالوا قولًا تسمع له من حسنه وزخرفته، لكن قلوبهم خربة والعياذ بالله (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) (المنافقون: ٤) ليس فيها خير.\n\nفأنت اعتنِ بصلاح القلب، انظر قلبك هل فيه شيء من الشرك؟ هل فيه شيء من كراهة ما أنزل الله؟ هل فيه شيء من كراهة عباد الله الصالحين؟ هل فيه شيء من الميل إلى الكفار؟ هل فيه شيء من موالاة الكفارة؟ هل فيه شيئًا من الحسد، هل فيه شيء من الغل؟ هل فيه شيء من الحقد؟ وما أشبه ذلك من الأمراض العظيمة الكثيرة في القلوب، فطهر قلبك من هذا وأصلحه، فإن المدار عليه.\n(أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (إِنَّ رَبَّهُمْ","vol":"3","page":496},{"text":"بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) (العاديات: ٩-١١)، هذا يوم القيامة، العلم على الباطن، في الدنيا العمل على الظاهر، مالنا إلا ظواهر الناس، لكن في الآخرة العمل على الباطن، أصلح الله قلوبنا وقلوبكم.\nقال تعالى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: ٩) (تُبْلَى) يعني تختبر السرائر فمن كان من المؤمنين؛ ظهر إيمانه، ومن كان من أهل النفاق؛ ظهر نفاقه والعياذ بالله.\nلذلك أصلح قلبك يا أخي، لا تكره شريعة الله، لا تكره عباد الله الصالحين، لا تكره أي شيء مما نزَّل الله، فإن كراهتك لشيء مما نزَّل الله كفر بالله تعالى، نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق والصلاح.\n\n* * *\n٣/٥٩٠- وعنِ النواسِ بن سمعانَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «البرُّ حُسنُ الخلقِ، والإثمُ ما حاكَ في نفسكَ، وكرهتَ أن يطلع عليه الناسُ» رواه مسلم.\n٤/٥٩٠- وعن وابصة بن معبدٍ ﵁ قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقالَ: \"جئت تسألُ عن البر؟ \" قُلتُ نعم، قال: «استفت قلبك، البرُّ: ما اطمأنت إليه النفسُ، واطمأن إليه القلبُ، والإثم ما حاك في النفسِ وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناسُ وأفتوكَ» حديث حسن، رواهُ أحمدُ، والدارميُّ في مُسنديهما\".","vol":"3","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب الورع وترك الشبهات: عن النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» .\nفقوله ﵊: «البر حسن الخلق» يعني أن حسن الخلق من البر الداخل في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: ٢) وحسن الخلق يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة عباد الله.\n\nفحسن الخلق في عبادة الله: أن يتلقى الإنسان أوامر الله بصدر منشرح، ونفس مطمئنة، ويفعل ذلك بانقياد تام، بدون تردد، وبدون شك، وبدون تسخط، يؤدي الصلاة مع الجماعة منقادًا لذلك، يتوضأ في أيام البرد منقادًا لذلك، يتصدق بالزكاة من ماله منقادًا لذلك، يصوم رمضان منقادًا لذلك، يحج منقادًا لذلك.\nوأما في معاملة الناس فإن يقوم ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والنصح بالمعاملة وغير هذا، وهو منشرح الصدر، واسع البال، لا يضق بذلك ذرعًا، ولا يتضجر منه، فإذا علمت من نفسك أنك في هذه الحال، فإنك من أهل البر.\nأما الإثم فهو أن الإنسان يتردد في الشيء، ويشك فيه، ولا ترتاح له نفسه، وهذا فيمن نفسه مطمئنة راضية بشرع الله.\nوأما أهل الفسوق والفجور فإنهم لا يترددون في الآثام، تجد الإنسان","vol":"3","page":498},{"text":"منهم يفعل المعصية منشرحًا بها صدره والعياذ بالله، لا يبالي بذلك، لكن صاحبَ الخير الذي وُفق للبر هو الذي يتردد الشيء في نفسه، ولا تطمئن إليه، ويحيك في صدره، فهذا هو الإثم.\n\nوموقف الإنسان من هذا أن يدعه، وأن يتركه إلى شيء تطمئن إليه نفسه، ولا يكون في صدره حرج منه، وهذا هو الورع، ولهذا قال النبي صلى الله ﵊: «وإن أفتاك الناس وأفتوك» حتى لو أفتاك مفتٍ بأن هذا جائز، ولكن نفسك لم تطمئن ولم تنشرح إليه فدعه، فإن هذا من الخير والبر.\nإلا إذا علمت أن في نفسك مرضًا من الوسواس والشك والتردد فيما أحل الله، فلا تلتفت لهذا، والنبي ﵊ إنما يخاطب الناس، أو يتكلم على الوجه الذي ليس فيه أمراض، أي ليس في قلب صاحبه مرض، فإن البر هو ما أطمأنت إليه نفسه، والإثم ما حاك في صدره وكره أن يطلع عليه الناس، والله الموفق.\n* * *\n٥/٥٩٢- وعن ابي سروعةَ - بكسر السين المهملة وفتحها- عُقبةَ بن الحارثِ ﵁ أنهُ تزوجَ ابنةً لأبي إهاب بن عزيز، فأتتهُ امرأةٌ فقالت: إني قد أرضعتُ عُقبة والتي قد تزوج بها، فقال لها عُقبةُ: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينةِ، فسألهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ: \"كيفَ، وقد قيلَ؟! \" ففارقها عقبةُ ونكحت زوجا غيرهُ. رواهُ","vol":"3","page":499},{"text":"البخاري.\n\n٦/٥٩٣- وعن الحسنِ بن عليّ رضي اله عنهما، قال: حفظتُ من رسول الله ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان ذكرهما المؤلف ﵀ في باب الورع وترك الشبهات من باب رياض الصالحين. فالأول في مسألة الرضاع: حديث عقبة، والثاني في ترك المتشابه: حديث الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄.\nأما الأول: فإن عقبة تزوج امرأة ابن أبي إهاب، فلما تزوجها جاءت امرأة فقالت: إني أرضعته هو والمرأة التي تزوجها، يعني فيكون أخًا لها من الرضاع، وأخوها من الرضاع يحرم عليها كما يحرم عليها أخوها من النسب؛ لقول النبي ﵌: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ولكن لا بد لهذا شروط.\nالشرط الأول: أن يكون اللبن من آدمية، فلو اشترك طفلان في الرضاع من شاة أو من بقرة أو من بعير، فإنهما لا يصيران أخوين؛ لأنه لا بد","vol":"3","page":500},{"text":"أن يكون الرضاع من آدمية؛ لقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) (النساء: ٢٣) .\nالشرط الثاني: لابد أن يكون الرضاع خمس رضعات فأكثر، فإن كان مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث مرات أو أربع مرات، فإنه ليس بشيء، ولا يؤثر، فلو أن امرأة أرضعت طفلًا أربع مرات في أربعة أيام كل مرة يشبع، فإنه لا يكون ابنًا لها؛ لأنه لا بد من خمس، ولو أرضعته خمس مرات ولو لم يشبع فإنها تكون أمًا له ويكون الرضاع محرمًا.\nالشرط الثالث: لابد أن يكون في زمن الإرضاع، وهو ما قبل الفطام في الحولين، فإن لم يكن في هذا الزمن بأن أرضعته وهو كبير، فإن ذلك لا يؤثر، فلو أن طفلًا له خمس سنوات رضع من امرأة خمس مرات أو عشر مرات، فإنه لا يكون ابنًا لها من الرضاع؛ لأنها ليس في زمن الإرضاع.\nفهذه الشروط ثلاثة: وإذا ثبت التحريم فإنه ينتشر إلى المرتضع وذريته فقط، ولا ينتشر إلى إخوانه وآبائه وأمهاته، وإنما ينتشر إليه وإلى فروعه فقط وهم ذريته وعلى هذا فيجوز لأخي الطفل الراضع أن يتزوج أخت أخيه من الرضاع، لأنه لا علاقة أو لا تأثير في الرضاع إلا على المرتضع وذريته يعني فروعه.\n\nفأما أصوله وحواشيه: أصوله من آباء وأمهات، حواشيه من إخوة، وأعمام، وأبنائهم، وبناتهم، فإنه لا تأثير لهم في الرضاع، سواء كان أكبر منه أو أصغر منه، وما اشتهر عند العامة من أن أخوته الذين هم أصغر منه يلحقهم حكم الرضاع، فإنه لا صحة له.","vol":"3","page":501},{"text":"بعض العوام يقول: إذا رضع طفل من امرأة صار ابنًا لها وصار اخوته الذين من بعده أبناءً لها، وهذا غير صحيح؛ بل جميع اخوته ليس لهم فيها تعلق بوجه من الوجوه.\nوأما حديث الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄- فإنه سمع النبي ﷺ وحفظ منه هذه الجملة المفيدة العظيمة التي تعتبر قاعدة في الورع وهي: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» يريبك: يعني يحصل لك به ريب وشك، فدعه ولا تأخذ إلا بما تيقنته أو غلب على ظنك، إن كان مما يفيد فيه غلبة الظن.\nوأما ما شككت فيه فدعه، وهذا أصل من أصول الورع، ولهذا رأى النبي ﷺ تمرة، رآها في الطريق فلم يأكلها وقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها»، وهذا يدخل في هذا الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» .\n\nومن ذلك ما إذا كان بينك وبين شخص محاسبة، وحصل زيادة لك من أجل هذه المحاسبة، وشككت فيها فدعها، وإذا شك فيها صاحبك وتركها فتصدق بها، تصدق بها تخلصًا منها، أو تجعلها صدقة معلقة؛ بأن تقول: اللهم إن كانت لي فهي صدقة أتقرب بها إليك، وإن لم تكن لي فهو مالٌ أتخلص بالصدقة به من عذابه.","vol":"3","page":502},{"text":"والحاصل أن هذا الحديث حديثٌ عظيمٌ في باب الورع: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . ما تشك فيه أتركه وخذ بالشيء الذي لا يلحقك به قلق ولا شك ولا اضطراب.\n* * *\n٧/٥٩٤- وعن عائشة ﵂، قالت: كان لأبي بكرٍ الصديق ﵁، غلام يخرجُ لهُ الخرج وكان أبو بكرٍ يأكلُ من خراجه، فجاء يومًا بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال ابو بكرٍ؟ وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسانٍ في الجاهلية وما أحسنُ الكهانةَ إلا أني خدعتهُ، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منهُ، فأدخل أبو بكرٍ يده فقاء كلَّ شيءٍ في بطنهِ. رواهُ البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين، باب الورع وترك الشبهات عن عائشة ﵂ أن غلامًا كان لأبي بكر، وكان أبو بكر يخارجه يعني يدعه يشتغل ويضرب عليه خراجًا معينًا، يقول: أئتِ لي كل يوم بكذا وكذا، وما زاد فهو لك.\nوهذه المخارجة جائزة بالنسبة للعبيد، إذا كان الإنسان عنده عبيد وقال لهم: اذهبوا اشتغلوا وأتوني كل يوم بكذا وكذا من الدراهم وما زاد فهو لكم؛ فإن هذا جائز؛ لأن العبيد ملك للسيد، فما حصَّلوه فهو له سواء","vol":"3","page":503},{"text":"خارجهم على ذلك أم لم يخارجهم.\nلكن فائدة المخارجة أن العبد إذا حصَّل ما اتفق عليه مع سيده فإن له أن يبقى من غير عمل، أن يبقى في طلب العلم، أن يبقى مستريحًا في بيته أو أن يشتغل ويأخذ ما زاد.\nأما بالنسبة للعمال الذين يجلبهم الإنسان إلى البلاد ويقول: اذهبوا وعليكم كل شهر كذا وكذا من الدراهم، فإن هذا حرامٌ وظلم ومخالف لنظام الدولة، والعقد على هذا الوجه باطل، فليس لصاحب العمل شيء مما فرضه على هؤلاء العمال؛ لأن العامل ربما يكدح ويتعب ولا يحصل ما فرضه عليه كفيله، وربما لا يحصل شيئًا أبدًا، فكان في هذا ظلم.\nأما العبيد فهم عبيد الإنسان، مالهم وما في أيديهم فهو له.\n\nهذا الغلام لأبي بكر، كان أبو بكر قد خارجه على شيء معين يأتي به إليه كل يوم، وفي يوم من الأيام قدّم هذا الغلام طعامًا لأبي بكر فأكله فقال: أتدري ما هذا؟ قال: وما هو؟ قال: هذا عوض عن أجرة كهانة تكهنت بها في الجاهلية وأنا لا أحسن الكهانة، لكنى خدعت الرجل فلقيني فأعطاني إياها.\nوعوض الكهانة حرام، سواء كان الكاهن يحسن صنعة الكهانة أو لا يحسن؛ لأن النبي ﵊ نهى عن «حُلوان الكاهن» .","vol":"3","page":504},{"text":"فلما قال لأبي بكر هذه المقالة، أدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كلّ ما أكل، كل ما أكل قاءه وأخرجه من بطنه لماذا؟ لئلا يتغذى بطنه بحرام. وهذا مال حرام؛ لأنه عوض عن حرام، وقد قال النبي ﷺ: «إن الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه» .\nفالأجرة على فعل الحرام حرام، ومن ذلك تأجير بعض الناس دكاكينهم على الحلاقين الذين يحلقون اللحى، فإن هذه الأجرة حرام ولا تحل لصاحب الدكان؛ لأنه استؤجر منه لعمل محرم.\n\nومن ذلك أيضًا تأجير البنوك في المحلات، فإن تأجير البنوك حرام؛ لأن البنك معاملته كلها أو غالبها حرام، وإذا وجد فيه معاملة حلال؛ فهي خلاف الأصل الذي من أجله أنشىء هذا البنك، الأصل في إنشاء البنوك أنها للربا، فإذا أجرَّ الإنسان بيته أو دكانه للبنك فتعامل فيه بالربا فإن الأجرة حرامٌ ولا تحل لصاحب البيت أو صاحب الدكان.\nوكذلك من أجَّر شخصًا يبيع المجلات الخليعة أو المفسدة في الأفكار الرديئة ومصادمة الشرع؛ فإنه لا يجوز تأجير المجلات لمن يبيع هذه المحلات؛ لأن الله تعالى قال (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢)، وتأجير المحلات لهؤلاء معونة لهم، وقال النبي ﷺ: «إن الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه» .","vol":"3","page":505},{"text":"وفي هذا الحديث دليلٌ على شدة ورع أبي بكر ﵁، فهو جدير بهذا؛ لأنه الخليفة الأول على هذه الأمة بعد نبيها ﷺ، ولهذا كان قول أهل السنة والجماعة إن أبا بكر ﵁ أفضل هذه الأمة؛ لأنه الخليفة الأول.\n\nولأن الرسول ﵊ قد خطب الناس في مرضه وقال: «إن من أمنّ الناس على في نفسه وماله أبو بكر»، ثم قال: «ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن خلة الإسلام أفضل» \"\nوالنصوص في هذا كثيرة متواترة، حتى أمير المؤمنين على بن أبي طالب القائل بالصدق والقسط والعدل، كان يقول على منبر الكوفة وقد تواتر ذلك عنه: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» .\nهكذا يقول ﵁ وقال: \" لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته- جلدة الفرية-\" يعني جلد القذف والكذب، وهذا من تواضعه ﵁ في الحق وقول الصدق.\nوفيه ردٌّ ظاهرٌ على الروافض الذين يفضلون عليًّا على أبي بكر وعمر ﵄؛ بل بعضهم يفضل عليًا على رسول الله ﷺ ويقول: علي أفضل من محمد وأحق بالرسالة، ولكن جبريل خان الأمانة وانصرف بالرسالة عن على إلى محمد، ولا شك أنهم على ضلال بيّن والعياذ بالله، نسأل الله لنا ولهم الهداية.","vol":"3","page":506},{"text":"والحاصل أن أبا بكر ﵁ فيه هذا الورع العظيم بعد أن أكل المحرم ذهب يخرجه من جوفه لئلا يتغذى به، والله الموفق.\n* * *\n\n٨/٥٩٥- وعن نافع أن عمرَ بن الخطاب ﵁، كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة الآف وفرضَ لأبنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصتهُ؟ فقال: إنما هاجر به أبوهُ يقولُ: ليس هو كمن هاجر بنفسه. رواه البخاري.\n٩/٥٩٦- وعن عطية بن عُروة السعدي الصحابي ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ: «لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المُتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأسٌ» . رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب الورع وترك الشبهات فيما نقله عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فرض للناس أعطياتهم من بيت المال، فجعل للمهاجرين أربعة آلاف، وجعل لأبنه عبد الله ثلاثةَ آلاف وخمسمائة.\nوابنه عبد الله مهاجر، فنقصه عن المهاجرين خمسمائة من أربعة","vol":"3","page":507},{"text":"آلاف، فقيل له: إنه من المهاجرين فلماذا نقصته؟ قال: إنما هاجر به أبوه ولم يهاجر هو بنفسه، وليس من هاجر به أبوه كمن هاجر بنفسه، وهذا يدل دلالة عظيمة على شدة ورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.\n\nوهكذا يجب على من تولى شيئًا من أمور المسلمين ألا يحابي قريبًا لقربه، ولا غنيًا لغناه، ولا فقيرًا لفقره، بل ينزل كل أحد منزلته، فهذا من الورع والعدل، ولم يقل عبد الله بن عمر: يا أبت، أنا مهاجر ولو شئت لبقيت في مكة؛ بل وافق على ما فرضه له أبوه.\nوأما الحديث الأخير في هذا الباب فهو أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به بأس»، وهذا فيما أشتبه مباح بمحرم وتعذر التمييز، فإنه من تمام اليقين والتقوى أن تدع الحلال خوفًا من الوقوع في الحرام.\nوهذا أمر واجب؟ ٌ كما قال أهل العلم: إنه إذا اشتبه مباح بمحرم وجب اجتناب الجميع؛ لأن اجتناب المحرم واجب، ولا يتم إلا باجتناب المباح، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nلكن لو اضطر إلى أحدهما فله أن يتحرى في هذه الحال ويأخذ بما غلب على ظنه، ولنفرض أنه اشتبه طعام غيره بطعام نفسه، ولكنه مضطر إلى الطعام، ففي هذه الحال يتحرى ويأكل ما يغلب على ظنه أنه طعامه، والله الموفق.","vol":"3","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>٦٩- باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقع في حرام وشبهات ونحوها</span>\n\nقال الله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات: ٥٠) .\n١/٥٩٧- وعن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: «إن الله يحب العبدَ التقيَّ الغنِيَّ الخفيَّ» رواه مسلم.\nوالمراد بـ «الغنيَّ» غنيٌّ النفسِ، كما سبق في الحديث الصحيح.\n٢/٥٩٨- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رجلٌ: أي الناس أفضلُ يا رسول الله؟ قال: «مؤمنٌ مجاهدٌ بنفسه وماله في سبيل الله»، قال: ثمَّ من؟ قال: \" ثم رجلٌ معتزلٌ في شعب من الشعابِ يعبد ربهُ\" وفي رواية: \" يتقي الله، ويدع الناس من شره\" متفقٌ عليه.\n٣/٥٩٩- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبعُ بها شعفَ الجبال، ومواقع القطرِ، يفر بدينه من الفتنِ» رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين، باب استحباب العزلة عند تغير الناس وفساد الزمان وخوف الفتنة، وما أشبه ذلك.\n\nواعلم أن الأفضل هو المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم،","vol":"3","page":509},{"text":"هذا أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ولكن أحيانًا تحدث أمور تكون العزلة فيها خيرًا من الاختلاط بالناس؛ من ذلك إذا خاف الإنسان على نفسه فتنة، مثل أن يكون في بلد يطالب فيها بأن ينحرف عن دينه، أو يدعو إلى بدعة، أو يرى الفسوق الكثير فيها، أو يخشى على نفسه من الفواحش، وما أشبه ذلك، فهنا العزلة خير له.\nولهذا أمر الإنسان أن يهاجر من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، ومن بلد الفسوق إلى بلد الاستقامة، فكذلك إذا تغير الناس والزمان؛ ولهذا صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» . فهذا هو التقسيم؛ العزلة خير إن كان في الاختلاط شر وفتنة في الدين، وإلا فالأصل أن الاختلاط هو الخير، يختلط الإنسان مع الناس فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يدعو إلى حق، يبين السنة للناس، فهذا خير. لكن إذا عجز عن الصبر وكثرت الفتن؛ فالعزلة خير ولو أن يعبد الله على رأس جبل أو في قعر وادٍ.\n\nوبيَّن النبي ﵊ فضل الرجل الذي يحبه الله ﷿ فقال: «إن الله يحبّ العبد التقي الغني الخفي» .\nالتقي: الذي يتقي الله ﷿، فيقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه؛ يقوم بأوامره من فعل الصلاة وأدائها في جماعة، يقوم بأوامره من أداء الزكاة وإعطائها مستحقيها، يصوم رمضان، ويحج البيت، يبر والديه، يصل أرحامه، يحسن إلى جيرانه، يحسن إلى اليتامى، إلى غير ذلك من أنواع التقى والبر وأبواب الخير.","vol":"3","page":510},{"text":"الغني: الذي استغنى بنفسه عن الناس، غني الله ﷿ عمن سواه، لا يسأل الناس شيئًا، ولا يتعرض للناس بتذلل؛ بل هو غني عن الناس، عارف نفسه، مستغن بربه، لا يلتفت إلى غيره.\nالخفي: هو الذي لا يظهر نفسه، ولا يهتم أن يظهر عند الناس، أو يشار إليه بالبنان، أو يتحدث الناس عنه، تجده من بيته إلى المسجد، ومن مسجده إلى بيته، ومن بيته إلى أقاربه وإخوانه خفي، يخفي نفسه.\nولكن لا يعني ذلك أن الإنسان إذا أعطاه الله علمًا أن يتقوقع في بيته ولا يُعلم الناس، هذا يعارض التقى، فتعليمه الناس خيرٌ من كونه يقبع في بيته ولا ينفع الناس بعلمه، أو يقعد في بيته ولا ينفع الناس بماله.\n\nلكن إذا دار الأمر بين أن يلمَّع نفسه ويظهر نفسه ويبين نفسه، وبين أن يخفيها، فحينئذٍ يختار الخفاء، أما إذا كان لا بد من إظهار نفسه فلا بد أن يظهرها، هذا ممن يحبه الله ﷿، وفيه الحث على أن الإنسان يكون خفيًا، يكون غنيًا عن غيره عن غير الله ﷿، يكون تقيًا لربه ﷾ حتى يعبد الله ﷾ في خير وعافية.\n\n* * *\n\n٤/٦٠٠- وعن أبي هُريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنمَ» فقال أصحابهُ: وأنت؟ قال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهلِ مكةَ» رواه البخاري.","vol":"3","page":511},{"text":"٥/٦٠١- وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ أنهُ قالَ «من خير معاش الناس لهم رجلٌ ممسكٌ عنانَ فرسه في سبيل الله، يطيرُ على متنهِ، كلما سمع هيعة أو فزعة، طار عليه يبتغي القتل، أو الموت مظانه، أو رجلٌ في غُنيمةٍ في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية، يُقيمُ الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيهُ اليقين، ليس من الناس إلا في خيرٍ» رواه مسلم.\n«يطير» أي يُسرع. «ومتنهُ»: أي ظهرُهُ. «والهيعةُ»: الصوتُ للحرب.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في باب استحباب العزلة عن الناس عند خوف الفتنة: الأول حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم»، يعني ما من نبي من الأنبياء أرسله الله ﷿ إلى عباده إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت؟ قال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة»، حتى النبي ﵊ رعى الغنم.\nقال العلماء: والحكمة من ذلك أن يتمرن الإنسان على رعاية الخلق وتوجيههم إلى ما فيه الصلاح، لأن الراعي للغنم تارة يوجهها إلى وادٍ مزهر مخضر، وتارة على وادٍ خلاف ذلك، وتارة إلى أرض ليس فيها هذا ولا هذا، وتارة لا يرعاها أبدًا، وتارة يبقيها واقفة، فالنبي ﵊ سيرعى الأمة ويوجهها إلى الخير عن علم وهدى وبصيرة؛","vol":"3","page":512},{"text":"كالراعي الذي عنده علم بالمراعي الحسنة، وعنده نصح وتوجيه للغنم إلى ما فيه خيرها، وما فيه غذاءها وسقاءها.\nواختيرت الغنم لأن الغنم صاحبها صاحب سكينة وهدوء والاطمئنان، بخلاف الإبل؛ الإبل أصحابها في الغالب عندهم شدة وغلظة؛ لأن الإبل كذلك فيها الشدة والغلظة، فلهذا اختار الله ﷾ لرسله أن يرعوا الغنم، حتى يتعودوا ويتمرنوا على رعاية الخلق.\n\nفرسول الله ﷺ رعاها على قراريط لأهل مكة، وموسى ﵊ رعاها مهرًا لابنه صاحب مدين، فإنه قال: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ) (القصص: ٢٧) .\nوأما الحديث الثاني: ففيه أيضًا دليل على أن العزلة خيرٌ فيكون الإنسان ممسكًا بعنان فرسه، يطير عليه كلما سمع هيعة، يعني أنه بعيد عن الناس يحمي ثغور المسلمين، مهتم بأمور الجهاد منعزل عن الناس لكنه على أتم استعداد للنفور والجهاد كلما سمع هيعة ركب فرسه فطار به، أي مشى مشيًا مسرعًا.\nوكذلك من كان في مكان من الأودية والشعاب منعزلًا عن الناس، يعبد الله ﷿، ليس من الناس إلا في خير، فهذا فيه خير.\nولكننا سبق أن قلنا: إن هذه النصوص تُحمل على ما إذا كان في الاختلاط فتنة وشر، وأما إذا لم يكن فيه فتنة وشر؛ فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم، خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.","vol":"3","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>٧١- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين</span>\n\nقال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .\nوقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة: ٥٤) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣) وقال تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: ٣٢)\nوقال تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (الأعراف: ٤٩، ٤٨) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين: باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.\n\nالتواضع: ضد التعالي يعني ألا يترفع الإنسان ولا يترفع على غيره، بعلم ولا نسب ولا مال ولا جاه ولا إمارة ولا وزارة ولا غير ذلك؛ بل الواجب على المرء أن يخفض جناحه للمؤمنين، أن يتواضع لهم كما كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة عند الله؛ رسول الله ﷺ يتواضع للمؤمنين، حتى إن الصبية لتمسك بيده لتأخذه إلى أي مكان تريد فيقضي حاجتها عليه","vol":"3","page":514},{"text":"الصلاة والسلام.\nوقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨)، وفي آية أخرى: (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .\n(وَاخْفِضْ جَنَاحَك) (الشعراء: ٢١٥): أي تواضع؛ وذلك أن المتعالي والمترفع يرى نفسه أنه كالطير يسبح في جو السماء، فأمر أن يخفض جناحه وينزله للمؤمنين الذي أتبعوا النبي ﵌.\nوعلم من هذا أن الكافر لا يخفض له الجناح وهو كذلك؛ بل الكافر تَرفَع عليه وتَعَالى عليه، واجعل نفسك في موضع أعلى منه؛ لأنك مستمسك بكلمة الله، وكلمة الله هي العليا.\n\nولهذا قال الله ﷿ في وصف النبي ﷺ وأصحابه: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: الآية٢٩)، يعني أنهم على الكفار أقوياء ذوو غلظة، أما فيما بينهم فهم رحماء.\nثم ساق المؤلف الآية الثانية وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ) (المائدة: ٥٤)، أي من يرجع منكم عن دينه فيكون كافرًا بعد أن كان مؤمنًا.\nوهذا قد يقع من الناس، أن يكون الإنسان داخلًا في الإسلام عاملًا به، ثم يزيغه الشيطان- والعياذ بالله- حتى يرتد عن دينه، فإذا ارتد عن دينه فإنه لا يكون وليًا للمؤمنين، ولا يكون معينًا للمؤمنين، ولذا قال (يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) ُ يعني بقوم مؤمنين، (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) .\n\n(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين يُجَاهِدُونَ)، فهم في جانب المؤمنين","vol":"3","page":515},{"text":"أذلة لا يترفعون عليهم، ولا يأخذون بالعزة عليهم، ولكنه يذلون لهم، أما على الكفار فهم أعزة مترفعون، ولهذا قال النبي ﵊: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» إذلالًا لهم، وخذلانًا لهم؛ لأنهم أعدى أعداء لك، وأعداء لربك، وأعداء لرسولك، وأعداء لدينك، وأعداء لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.\nوفي هذه الآية دليلٌ على إثبات المحبة من الله ﷿، وأن الله يحبُ ويُحب (فَسَوْفَ يأتي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه)، وهذا الحب حبٌّ عظيمٌ لا يماثله شيء، تجد المحب لله ﷿ ترخص عنده الدنيا، والأهل، والأموال؛ بل والنفس، فيما يرضي الله ﷿، ولهذا يبذل ويعرض رقبته لأعداء الله، محبة في نصرة الله ﷿ ونصرة دينه، وهذا دليلٌ على أن الإنسان مقدم ما يحبه الله ورسوله على ما تهواه نفسه.\nومن علامات محبة الله: إن الإنسان يديم ذكر الله؛ يذكر ربه دائمًا بقلبه ولسانه وجوارحه.\n\nمن علامات محبة الله: أن يحب من أحب الله ﷿ من الأشخاص، فيحب الرسول ﷺ ويحب الخلفاء الراشدين، ويحب الأئمة، ويحب من كان في وقته من أهل العلم والصلاح.\nمن علامات محبة الله: أن يقوم الإنسان بطاعة الله، مقدمًا ذلك على","vol":"3","page":516},{"text":"هواه، فإذا أذن المؤذن يقول: حي على الصلاة، ترك عمله وأقبل إلى الصلاة؛ لأنه يحب ما يرضي الله أكثر مما ما ترضي به نفسه.\nولمحبة الله علامات كثيرة، إذا أحب الإنسان ربه فالله ﷿ أسرع إليه حبًا؛ لأنه قال ﷾ في الحديث القدسي: «ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»، وإذا أحبه الله فهذا هو المقصود، وهذا هو الأعظم.\nولهذا قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: ٣١)، ولم يقل: فاتبعوني تصدقوا الله، بل قال: (يُحْبِبْكُمُ اللَّه) ُ؛ لأن هذه هي الثمرة أن يحب الربٌّ ﷿ عبده، فإذا أحب عبده نال خيري الدنيا والآخرة. جعلني الله وإياكم من أحبابه.\n\nوفي قوله: (وَيُحِبُّونَه) دليلٌ على إثبات محبة العبد لربه، وهذا أمر واضحٌ واقع مشاهد، يجد الإنسان من قلبه ميلًا إلى ما يرضي الله، وهذا يدل على أنه يحب الله ﷿.\nوالإنسان المؤمن الموفق لهذه الصفة العظيمة، تجده يحب الله أكثر من نفسه، أكثر من ولده، أكثر من أمه، أكثر من أبيه، يحب الله أكثر من كل شيء، ويحب المرء؛ لأنه يحب الله، ومعلوم أن المحب يحب أحباب حبيبه، فتجد هذا الرجل لمحبته لله يحب من يحبه الله ﷿ من الأشخاص، وما يحبه من الأعمال، وما يحبه من الأقوال.","vol":"3","page":517},{"text":"ثم ذكر المؤلف الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين تحت عنوان باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين في سياق الآيات المتعلقة بهذا الموضوع وقال: وقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣)، يخاطب الله ﷿ الناس كلهم مبينًا أنه خلقهم من ذكر وأنثى أي من هذا الجنس أو من هذا الشخص.\nيعني إما أن يكون المراد بالذكر والأنثى آدم وحواء.\n\nأو أن المراد الجنس أي أن بني آدم خلقوا كلهم من ذكر وأنثى. وهذا هو الغالب، وهو الأكثر.\nوإلا فإن الله خلق آدم من غير أم ولا أب، خلقه من تراب، من طين، من صلصال كالفخار، ثم نفخ فيه من روحه، خلق له روحًا فنفخها فيه فصار بشرًا سويًا.\nوخلق الله حواء من أب بلا أم.\nوخلق الله عيسى من أم بلا أب.\nوخلق الله سائر البشر من أم وأب.\nوالإنسان أيضًا كما أنه أربع أنواع من جهة مادة خلقه، كذلك هو أربعة أنواع من جهة جنس الخلق، يقول الله ﷿: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى: ٥٠، ٤٩) .","vol":"3","page":518},{"text":"هذه أيضًا أربعة أقسام:\n(يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا) أي: بلا ذكور، يعني يوجد بعض الناس يولد له الإناث ولا يولد له ذكور أبدًا، كل نسله إناث.\n(وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُور) فيكون كل نسله ذكورًا بلا إناث.\n(أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثا) ً يزوجهم يعني يصنفهم؛ لأن الزوج يعني الصنف، كما قال تعالى: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) (صّ: ٥٨) . يعني أصناف، وقال: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) (الصافات: ٢٢)، أي أصنافهم وأشكالهم، يزوجهم يعني يصنفهم ذكرانًا وإناثًا، هذه ثلاثة أقسام.\nالقسم الرابع: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) لا يولد له لا ذكر ولا أنثى، لأن الله ﷾ له ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء، لا معقب لحكمه وهو السميع العليم.\nيقول جلّ ذكره: (وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ)، الشعوب: الطوائف الكبيرة؛ كالعرب والعجم وما أشبه ذلك، والقبائل: ما دون ذلك، جمع قبيلة، فالناس بنو آدم شعوب وقبائل.\nشعوب: أمم عظيمة كبيرة: كما تقول: العرب - بجميع أصنافهم، والعجم بجميع أصنافهم، كذلك القبائل دون ذلك، كما تقول: قريش، بنو تميم، وما أشبه ذلك، هؤلاء القبائل.\n(لِتَعَارَفُوا): هذه هي الحكمة من أن الله جعلنا شعوبًا وقبائل من أجل أن يعرف بعضنا بعضًا، هذا عربي، وهذا عجمي، هذا من بني تميم","vol":"3","page":519},{"text":"هذا من قريش، هذا من خزاعة، وهكذا.\n\nفالله جعل هذه القبائل من أجل أن يعرف بعضنا بعضًا، لأن من أجل أن يفخر بعضنا على بعض، فيقول: أنا عربي وأنت عجمي، أنا قبيلي وأنت خضيري، أنا غني وأنت فقير، هذا من دعوى الجاهلية والعياذ يالله، لم يجعل الله هؤلاء الأصناف إلا من أجل التعارف لا من أجل التفاخر، ولهذا قال النبي ﵊: «إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب» .\nفالفضل في الإسلام بالتقوى، أكرمنا عند الله هو أتقانا لله ﷿، فمن كان لله أتقى فهو عند الله أكرم.\nولكن يجب أن نعلم أن بعض القبائل أو بعض الشعوب أفضل من بعض، فالشعب الذي بعث فيه الرسول ﵊ هو أفضل الشعوب، شعب العرب أفضل الشعوب، لأن الله قال في كتابه: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: ١٢٤) .\nوقال النبي ﷺ: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» .\n\nولا يعني هذا إهدار الجنس البشري بالكلية، لكن التفاخر هو","vol":"3","page":520},{"text":"الممنوع، أما التفاضل فإن الله يفضل بعض الأجناس على بعض، فالعرب أفضل من غيرهم، جنس العرب أفضل ن جنس العجم، لكن إذا كان العربي غير متقٍ والعجمي متقيًا، فالعجمي عند الله أكرم من العربي.\nثم ساق المؤلف الآيات الأخرى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) لا تزكوها: أي لا تصفوها بالزكاة افتخارًا، وأما التحدث بنعمة الله على العبد مثل أن يقول القائل: كان مسرفًا على نفسه، كان منحرفًا، فهداه الله ووفقه ولزم الإستقامة؛ تحدثًا بنعمة الله لا تزكيه لنفسه؛ فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه أن يذكر الإنسان نعمة الله عليه في الهداية والتوفيق، كما أنه لا حرج أن يذكر نعمة الله عليه بالغنى بعد الفقر.\n\nوقوله: (هوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) هو أي: الرب ﷿، (أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) وكم ممن شخصين يقومان بعلم أو يدعان عملًا وبينهما في التقى مثل ما بين السماء والآرض، ولهذا قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)؛ تجد الشخصين يصليان كل واحد جنب الآخر، لكن بين ما في قلوبهما من التقوى مثل ما بين السماء والأرض، شخصان يتجنبان الفاحشة لكن بينهما في التقوى مثل ما بين السماء والأرض، ولهذا قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) .\nثم ذكر المؤلف آية أخرى وهي قوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأعراف: ٤٨)، أصحاب الأعراف: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا يدخلون الجنة ولا يدخلون النار، يحشر أهل النار في إلى النار، ويساق المتقون إلى الرحمن","vol":"3","page":521},{"text":"وفدًا إلى الجنة زمرًا، فيدخل أهل النار النار، وأهل الجنة والجنة، وأصحاب الاعراف في مكان مرتفع.\n\nفالأعراف جمع عرف، وهو المكان المرتفع، لكن ليسوا في الجنة وليسوا في النار، وهم يطلعون إلى هؤلاء وإلى هؤلاء، وفي النهاية يدخلون الجنة؛ لأنه ليس هناك إلا جنة أو نار، هما الباقيتان أبدًا، وأما ما سواهما فيزول.\nيقول الله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) أي: بعلاماتهم معرفة تامة، (قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) يعني جمعكم المال والأولاد والأهل، ما أغني عنكم هؤلاء، وما أغنى جمعكم من الناس الذين هم جنودكم، تجمعونهم إليكم وتستنصرون بهم، ما أغنوا عنكم شيئًا، (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) يعني وما أغنى عنكم استكباركم على الحق.\n(أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) يعني الضعفاء، وكان الملأ المكذبون للرسل يسخرون من المؤمنين ويقولون (أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) (الأنعام: ٥٣)، يقولون أهؤلاء أصحاب الرحمة؟ أهؤلاء أهل الجنة؟ يسخرون منهم (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) (المطففين: ٢٩-٣١) . فيقولون لهم: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) يعني قد قيل لهم: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (لأعراف: ٤٩) .","vol":"3","page":522},{"text":"إذًا صار تواضعهم للحق واتباعهم الرسل هو الذي بلغهم هذه المنازل العالية، أما هؤلاء المستكبرون الذين فخروا بما أغناهم الله به من الجمع والمال؛ فإن ذلك لم يغن عنهم شيئًا، فدلَّ ذلك على فضل التواضع للحق، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتواضعين له وللحق الذي جاءت به رسله إنه على كل شيء قدير.\n* * *\n\n١/٢٠٢- وعن عياضِ بن حمارٍ ﵁ قال: قال رسول الله لصلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ» رواه مسلم.\n٢/٦٠٣- وعن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما نقصت صدقة من مالٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحدًا إلا رفعةُ الله» رواه مسلم.\n٤/٦٠٤- وعنه قال: إن كانت الأمةُ من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيثُ شاءت. رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين","vol":"3","page":523},{"text":"في باب التواضع؛ فمنها حديث عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا» يعني أن يتواضع كل واحد للآخر ولا يترفع عليه؛ بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان من عادة السلف﵏- إن الإنسان منهم يجعل من هو أصغر منه مثل ابنه، ومن هو أكبر مثل أبيه، ومن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى من هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال، وإلى من هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى من هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحد على أحد، وهذا من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتصف بها، أي بالتواضع لله ﷿ ولإخوانه من المسلمين.\nوأما الكافر فقد أمر الله تعالى بمجاهدته والغلظة عليه وإغاظته وإهانته بقدر المستطاع، لكن من كان له عهد وذمة فإنه يجب على المسلمين أن يفوا له بعهده وذمته، وألا يخفروا ذمته، وألا يؤذوه ما دام له عهد.\n\nثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: «ما نقصت صدقة من مال» يعني أن الصدقات لا تنقص الأموال كما يتوهمه الإنسان، وكما يعد به الشيطان، فإن الشيطان كما قال الله ﷿: (يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) (البقرة: ٢٦٨)\nالفحشاء: كل ما يستفحش من بخل أو غيره، فهو يعد الإنسان الفقر، إذا أراد الإنسان أن يتصدق قال: لا تتصدق هذا ينقص مالك، هذا يجعلك فقيرًا، لا تتصدق، أمسك، ولكن النبي ﷺ أخبرنا بأن الصدقة لا تنقص المال، فإن قال قائل: كيف لا تنقص المال، والإنسان إذا كان عنده مائة فتصدق بعشرة صار عنده تسعون، فيقال: هذا نقص كمًّ، ولكنها تزيد في","vol":"3","page":524},{"text":"الكيف، ثم يفتح الله للإنسان أبوابًا من الرزق تردّ عليه ما أنفق، كما قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: ٣٩)، إي يجعل بدله خلفًا، فلا تظن أنك إذا تصدقت بعشرة من مائة فصارت تسعين أن ذلك ينقص المال؛ بل يزيده بركة ونماءً، وترزق من حيث لا تحتسب.\n\n«وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا»، يعني أن الإنسان إذا عفا عمن ظلمه فقد تقول له نفسه: إن هذا ذل وخضوع وخذلان، فبين الرسول ﵊ أن الله ما يزيد أحدًا بعفو إلا عزًا، فيعزه الله ويرفع من شأنه، وفي هذا حثّ على العفو، ولكن العفو مقيد بما إذا كان إصلاحًا؛ لقول الله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) .\nأما إذا لم يكن إصلاحًا بل كان إفسادًا؛ فإنه لا يؤمر به، مثال ذلك: اعتدى شخص شرير معروف بالعدوان على آخر، فهل نقول للآخر الذي اعتُدي عليه: اعف عن هذا الشرير؟ لا نقول: اعف عنه؛ لأنه شرير، إذا عفوت عنه تعدَّى على غيرك من الغد، أو عليك أنت أيضًا، فمثل هذا نقول: الحزم، والأفضل أن تأخذه بجريرته، يعني أن تأخذ حقك منه، وألا تعفو عنه؛ لأن العفو عن أهل الشر والفساد ليس بإصلاح؛ بل لا يزيدهم إلا فسادًا وشرًاّ.\nفأما إذا كان في العفو خير وإحسان، وربما يخجل الذي عفوت عنه ولا يتعدى عليك ولا على غيرك فهذا خير.\n«وما تواضع أحد لله إلا رفعه» هذا الشاهد من الحديث: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» .","vol":"3","page":525},{"text":"والتواضع لله له معنيان:\n\nالمعني الأول: أن تتواضع لدين الله، فلا تترفع عن الدين ولا تستكبر عنه وعن أداء أحكامه.\nوالثاني: أن تتواضع لعباد الله من أجل الله، لا خوفًا منهم، ولا رجاء لما عندهم، ولكن لله ﷿.\nوالمعنيان صحيحان، فمن تواضع لله؛ رفعه الله ﷿ في الدنيا وفي الآخرة، وهذا أمر مشاهد، أن الإنسان المتواضع يكون محل رفعة عند الناس وذكر حسن، ويحبه الناس، وانظر إلى تواضع الرسول ﵊ وهو أشرف الخلق، حيث كانت الأمة من إماء المدينة تأتي إليه، وتأخذ بيده، وتذهب به إلى حيث شاءت ليعينها في حاجتها، وهذا هو أشرف الخلق، أمة من الإماء تأتي وتأخذ بيده تذهب به إلى حيث شاءت ليقضى حاجتها، ولا يقول أين تذهبين بي، أو يقول: اذهبي إلى غيري، بل كان يذهب معها ويقضي حاجتها، لكن مع هذا ما زاده الله ﷿ بذلك إلا عزًّا ورفعة صلوات الله وسلامه عليه.\n* * *\n٣/٦٠٥- وعن أنس ﵁ ُأنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي ﷺ يفعلهُ. متفق عليه.\n\n٥/٦٠٦- وعن الأسود بن يزيد ﵁ قال: سئلت عائشة رضي الله","vol":"3","page":526},{"text":"عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله- يعني: خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة. رواه البخاري.\n٦/٦٠٧- وعن أبي رفاعة تميم بن أُسيد ﵁ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريبٌ جاء يسألُ عن دينه لا يدري ما دينُهُ؟ فأقبل عليّ رسول الله ﷺ، وترك خُطبتهُ حتى انتهى إليّ، فأتي بكرسي، فقعد عليه، وجعل يُعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبتهُ، فأتم آخرها. رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها الحافظ النووي رحمه الله تعالى في رياض الصالحين في بيان تواضع النبي ﵌، منها أنه كان يسلم على الصبيان إذا مرّ عليهم، مع أنهم صبيان غير مكلفين ومع ذلك كان ﵌ يسلم عليهم، واقتدى به أصحابه ﵃، فعن أنس ﵁ أنه كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، يمر بهم في السوق يلعبون فيسلم عليهم ويقول: إن النبي ﷺ كان يفعله: أي: كان يسلم على الصبيان إذا مَر عليهم، وهذا من التواضع وحسن الخلق، ومن التربية وحسن التعليم والإرشاد والتوجيه؛ لأن الصبيان إذا سلَّم الإنسان عليهم، فإنهم يعتادون ذلك، ويكون ذلك","vol":"3","page":527},{"text":"كالغريزة في نفوسهم.\nإن الإنسان إذا مرّ على أحد سلم عليه، وإذا كان هذا يقع من النبي ﷺ على الصبيان، فإننا نأسف لقوم يمرون بالكبار البالغين ولا يسلمون عليهم والعياذ بالله، قد لا يكون ذلك هجرًا أو كراهة، لكن عدم مبالاة، وعدم اتباع للسنة، جهل، غفلة، وهم إن كانوا غير آثمين؛ لأنهم لم يتخذوا ذلك هجرًا، لكنهم قد فاتهم خيرٌ كثير.\n\nفالسنة أن تسلم على كل من لقيت، وأن تبدأه بالسلام ولو كان أصغر منك؛ لأن النبي ﷺ كان يبدأ من لقيه بالسلام، وهو ﵊ أكبر الناس قدرًا، ومع ذلك كان يبدأ من لقيه بالسلام.\nوأنت إذا بدأت من لقيته بالسلام؛ حصلت على خير كثير، منه اتباع الرسول ﷺ.\nومنه أنك تكون سببًا لنشر هذه السنة التي ماتت عند كثير من الناس، ومعلوم أن إحياء السنن يؤجر الإنسان عليه مرتين، مرة على فعل السنة، ومرة على إحياء السنة.\nومنه أن تكون السبب في إجابة هذا الرجل وإجابته فرض كفاية، فتكون سببًا في إيجاد فرض الكفاية من هذا الرجل.\nولهذا كان ابتداء السلام أفضل من الرد، وإن كان الرد فرضًا وهذا سنة، لكن لما كان الفرض ينبني على هذه السنة؛ كانت السنة أفضل من هذا الفرض؛ لأنه مبني عليها.\nوهذه من المسائل التي ألغز بها بعض العلماء وقال: عندنا سنة أفضل","vol":"3","page":528},{"text":"من الفريضة؛ لأنه من المتفق عليه أن الفرض أفضل، مثلًا صلاة الفجر ركعتان أفضل من راتبتها ركعتين؛ لأنها فرض والراتبة سنة، لكن ابتداء السلام سنة، ومع ذلك صار أفضل من رده؛ لأن رده مبنى عليه.\n\nفالمهم أنه ينبغي لنا إحياء هذه السنة، أعني إفشاء السلام، وهو من أسباب المحبة، ومن كمال الإيمان، ومن أسباب دخول الجنة، قال النبي صلى ﵊: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ افشوا السلام بينكم» .\nومن تواضع النبي ﷺ أنه كان في بيته في خدمة أهله، يحلب الشاة، يخصف النحل، يخدمهم في بيتهم؛ لأن عائشة سئلت ماذا كان النبي صلى اله عليه وسلم يضع في بيته؟، قالت: «كان في مهنة أهله، يعني في خدمتهم ﵊.\nفمثلًا الإنسان إذا كان في بيته فمن السنة أن يصنع الشاي مثلًا لنفسه، ويطبخ إذا كان يعرف، ويغسل ما يحتاج إلى غسله، كل هذا من السنة، أنت إذا فعلت ذلك تثاب عليه ثواب سنة، اقتداء بالرسول ﵊ وتواضعًا لله ﷿؛ ولأن هذا يوجد المحبة بينك وبين أهلك، إذا شعر أهلك أنك تساعدهم في مهنتهم أحبوك، وازدادت قيمتك عندهم، فيكون في هذا مصلحة كبيرة.\n\nومن تواضع الرسول ﵊ أنه جاءه رجلٌ وهو يخطب","vol":"3","page":529},{"text":"الناس فقال: «رجل غريب جاء يسأل عن دينه» كلمة استعطاف؛ بل كلمة غريب، وجاء يسأل، يسأل مالًا، بل جاء يسأل عن دينه، فأقبل إليه النبي ﵊ وقطع خطبته، حتى انتهى إليه، ثم جيء إليه بكرسي، فجعل يعلم هذا الرجل؛ لأن هذا الرجل جاء مشفقًا محبًا للعلم، يريد أن يعلم دينه حتى يعمل به، فأقبل إليه النبي ﵊ وقطع الخطبة، ثم بعد ذلك أكمل خطبته، وهذا من تواضع الرسول ﵊ وحسن رعايته.\nفإن قال قائل: أليست المصلحة العامة أولى بالمراعاة من المصلحة الخاصة؟ وحاجة هذا الرجل خاصة، وهو ﷺ يخطب في الجماعة؟ قلنا: نعم لو كانت مصلحة العامة تفوت؛ لكان مراعاة المصلحة العامة أولى، لكن مصلحة العامة لا تفوت، بل إنهم سيستفيدون مما يعلمه الرسول ﷺ لهذا الرجل الغريب، والمصلحة العامة لا تفوت.\n\nوهذا الغريب الذي جاء يسأل عن دينه إذا أقبل إليه الرسول ﵊ وعلمه كان في هذا تأليف لقلبه على الإسلام، ومحبة للإسلام، ومحبة للرسول ﷺ، وهذا من حكمة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى.\n* * *\n٧/٦٠٨- وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: «إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان» وأمر أن تسلت القصعة قال: «فإنكم لا تدرون في","vol":"3","page":530},{"text":"أي طعامكم البركة» رواه مسلم.\n٩/٦١٠- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لآجبتُ، ولو أهدي إلى ذراعٌ أو كراعٌ لقبلتُ» رواه البخاري.\n١٠/٦١١- وعن أنس ﵁ قال: كانت ناقة رسول الله ﷺ العضباء لا تسبق، أو لا تكادُ تسبقُ، فجاء أعرابي على قعود له، فسبقها فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه النبي ﷺ، فقال: «حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعهُ» رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها الحافظ النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب التواضع، فمنها حديث أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من الأكل لعق أصابعه الثلاث. لعقها: يعني لحسها حتى يكون ما بقي من الطعام فيها داخلًا في طعامه الذي أكله من قبل، وفيه فائدة ذكرها بعض الأطباء؛ أن الأنامل تفرز عند الأكل شيئًا يعين على هضم الطعام.\nفيكون في لعق الأصابع بعد الطعام فائدتان:\nفائدة شرعية: وهي الأقتداء بالنبي ﷺ.\nوفائدة صحية طبيه: وهي هذا الإفراز الذي يكون بعد الطعام يعين","vol":"3","page":531},{"text":"على الهضم.\nوالمؤمن لا يهمه ما يتعلق بالصحة البدينة، أهم شيء عند المؤمن هو اتباع الرسول ﷺ والاقتداء به؛ لأن فيه صحة القلب، وكلما كان الإنسان للرسول ﷺ أتبع؛ كان إيمانه أقوى.\nوكذلك قال ﵊: «إذا سقطت لقمة أحدكم» يعني على الأرض أو على السفرة «فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان» فإذا سقطت اللقمة أو التمرة أو ما أشبه ذلك على السفرة؛ فخذها وأزل ما فيها من الأذى إن كان فيها أذى من تراب أو عيدان وكلها؛ تواضعًا لله ﷿، وامتثالًا لأمر النبي ﷺ، وحرمانًا للشيطان من الأكل معك، لأنك إذا تركتها أكلها الشيطان.\nوالشيطان ربما يشارك الإنسان في أكله في مثل هذه المسألة، وفيما إذا أكل ولم يسم، فإن الشيطان يشاركه في أكله.\nوالثالث أمر بسلت الصحن أو القصعة، وهو الإناء الذي فيه الطعام، فإذا انتهيت فأسلته، بمعنى أن تلحسه، تمر يدك عليه وتتبع ما علق فيه من طعام بأصابعك وتلعقه.\n\nوهذا أيضًا من السنة التي غفل عنها كثيرٌ من الناس مع الأسف كثير من الناس حتى من طلبة العلم أيضًا، إذا فرغوا من الأكل وجدت الجهة التي تليهم ما زال الأكل باقيًا فيها، لا يلعقون الصحفة، وهذا حلاف ما أمر به النبي ﷺ، ثم بين الرسول ﵊ الحكمة من ذلك فقال: «لا تدرون في أي طعامكم البركة» قد تكون البركة من هذا الطعام في","vol":"3","page":532},{"text":"هذا الذي سلته من القصعة.\nوفي هذا الحديث حسن تعليم الرسول ﵊، وأنه إذا ذكر الحكم ذكر الحكمة منه؛ لأن ذكر الحكمة مقرونًا بالحكم يفيد فائدتين عظيمتين:\nالفائدة الأولى: بيانه سمو الشريعة، وأنها شريعة مبنية على المصالح، فما من شيء أمر الله به ورسوله ﷺ إلا والمصلحة في وجوده، وما من شيء نهى الله عنه ورسوله ﷺ إلا والمصلحة في عدمه.\nالفائدة الثانية: زيادة اطمئنان النفس؛ لأن الإنسان بشر قد يكون عنده إيمان وتسليم بما حكم الله به ورسوله، لكن إذا ذكرت الحكمة ازداد إيمانًا، وازداد يقينًا، ونشط على فعل المأمور أو ترك المحظور.\n\nثم ذكر المؤلف حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة الأعرابي الذي جاء بقعود له، ناقة ليست كبيرة، أو جمل ليس بكبير، وكانت ناقة النبي ﷺ العضباء وهي غير القصواء التي حجّ عليها، هذه ناقة أخرى، وكان من هدي الرسول ﵊ أنه يسمي دوابه وسلاحه وما أشبه ذلك.\nفالعضباء هذه كان الصحابة ﵃ يرون أنها لا تُسبق أو لا تكاد تُسبق، فجاء هذا الأعرابي بقعوده فسبق العضباء، فكأن ذلك شقَّ على الصحابة ﵃، فقال النبي ﷺ لما عرف ما في نفوسهم: «حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» .\nفكل ارتفاع يكون في الدنيا فإنه لابد أن يئول إلى انخفاض، فإن","vol":"3","page":533},{"text":"صحب هذا الارتفاع ارتفاع في النفوس وعلو في النفوس، فإن الوضع إليه أسرع؛ لأن الوضع يكون عقوبة، وأما إذا لم يصحبه شيء، فإنه لابد أن يرجع ويوضع؛ كما قال الله ﵎: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ) (يونس: ٢٤) أي ظهر فيه من كل نوع.\n(حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) (يونس: ٢٤) ذهبت كلها. كل هذه الزينة، وكل هذا النبات الذي اختلط من كل صنف، كله يزول كأن لم يكن، وهكذا الدنيا كلها تزول كأن لم تكن، حتى الإنسان نفسه يبدو صغيرًا ضعيفًا، ثم يقوى، فإذا انتهت قوته عاد إلى الضعف والهرم، ثم إلى الفناء والعدم، فما من شيء ارتفع من الدنيا إلا وضعه الله ﷿.\nوفي قوله ﵊: \" «من الدنيا» دليلٌ على أن ما ارتفع من أمور الآخرة فإنه لا يضعه الله، فقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: ١١)، هؤلاء لا يضعهم الله ﷿ ما داموا على وصف العلم والإيمان، فإنه لا يمكن أن يضعهم الله؛ بل يرفع لهم الذكر، ويرفع درجاتهم في الآخرة، والله الموفق.","vol":"3","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>٧٢- باب تحريم الكبر والإعجاب</span>\n\nقال الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: ٨٣) وقال تعالى: (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (الاسراء: ٣٧) . وقال تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨) . ومعنى (تُصَعِّرْْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي: تميلُه وتعرضُ به عن الناس تكبرًا عليهم \"والمرح\": التبختُر.\nوقال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) (القصص: ٧٦) إلى قوله تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) (القصص: ٨١) الآيات.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين: فيما جاء في الكبر والإعجاب.\n\nوالكبر: هو الترفع واعتقاد الإنسان نفسه أنه كبير، وأنه فوق الناس، وأن له فضلًا عليهم.\nوالإعجاب: أن يرى الإنسان عمل نفسه فيعجب به، ويستعظمه","vol":"3","page":535},{"text":"ويستكثره.\nفالإعجاب يكون في العمل، والكبر يكون في النفس، وكلاهما خلق مذموم الكبر والإعجاب.\nوالكبر نوعان: كبر على الحق، وكبر على الخلق، وقد بيّنهما النبي ﷺ في قوله: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» فبطر الحق يعني رده والإعراض عنه، وعدم قبوله، وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم وألا يرى الناس شيئًا، ويرى أنه فوقهم.\nوقيل لرجل: ماذا ترى الناس؟ قال لا أراهم إلا مثل البعوض، فقيل له: إنهم لا يرونك إلا كذلك.\nوقيل لآخر: ما ترى الناس؟ قال: أرى الناس أعظم مني، ولهم شأن، ولهم منزلة، فقيل له: إنهم يرونك أعظم منهم، وأن لك شأنًا ومحلًا.\nفأنت إذا رأيت الناس على أي وجه؛ فالناس يرونك بمثل ما تراهم به، إن رأيتهم في محل الإكرام والإجلال والتعظيم، ونزلتهم منزلتهم عرفوا لك ذلك، ورأوك في محل الإجلال والإكرام والتعظيم، ونزلوك منزلتك، والعكس بالعكس.\nأما بطر الحق: فهو ردّه، وألا يقبل الإنسان الحق بل يرفضه ويرده اعتدادًا بنفسه ورأيه، فيرى والعياذ بالله أنه أكبر من الحق، وعلامة ذلك أن","vol":"3","page":536},{"text":"الإنسان يؤتى إليه بالأدلة من الكتاب والسنة، ويُقال: هذا كتاب الله، هذه سنة رسول الله، ولكنه لا يقبل؛ بل يستمر على رأيه، فهذا ردٌّ الحق والعياذ بالله.\nوكثيرٌ من الناس ينتصر لنفسه، فإذا قال قولًا لا يمكن أن يتزحزح عنه، ولو رأى الصواب في خلافه، ولكن هذا خلاف العقل وخلاف الشرع.\nوالواجب أن يرجع الإنسان للحق حيثما وجده، حتى لو خالف قوله فليرجع إليه، فإن هذا أعز له عند الله، وأعز له عند الناس، وأسلم لذمته وأبرأ ولا يضره.\nفلا تظن أنك إذا رجعت عن قولك إلى الصواب أن ذلك يضع منزلتك عند الناس؛ بل هذا يرفع منزلتك، ويعرف الناس أنك لا تتبع إلى الحق، أما الذي يعاند ويبقى على ما هو عليه ويرد الحق، فهذا متكبر والعياذ بالله.\n\nوهذا الثاني يقع من بعض الناس والعياذ بالله حتى من طلبة العلم، يتبين له بعد المناقشة وجه الصواب وأن الصواب خلاف ما قاله بالأمس، ولكنه يبقى على رأيه، يملي عليه الشيطان أنه إذا رجع استهان الناس به، وقالوا هذا إنسان إمعه كل يوم له قول، وهذا لا يضر إذا رجعت إلى الصواب، فليكن قولك اليوم خلاف قولك بالأمس، فالأئمة الأجلة كان لهم في المسألة الواحدة أقوال متعددة.\nوها هو الإمام أحمد ﵀ إمام أهل السنة، وأرفع الأئمة من حيث اتباع الدليل وسعة الاطلاع، نجد أن له في المسألة الواحدة في بعض","vol":"3","page":537},{"text":"الأحيان أكثر من أربعة أقوال، لماذا؟ لأنه إذا تبين له الدليل رجع إليه، وهكذا شأن كل إنسان منصف عليه أن يتبع الدليل حيثما كان.\nثم ذكر المؤلف ﵀ آيات تتعلق بهذا الباب بيّن فيها رحمة الله أنها كلها تدل على ذم الكبر، وآخرها الآيات المتعلقة بقارون.\nوقارون رجل من بني إسرائيل من قوم موسى، أعطاه الله ﷾ مالًا كثيرًا، حتى إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة، أي: مفاتيح الخزائن تثقل وتشق على العصبة، أي الجماعة من الرجال أولي القوة لكثرتها.\n\n(إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) فإن هذا الرجل بطر والعياذ بالله وتكبّر، ولما ذكر بآيات الله ردها واستكبر (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)، فأنكر فضل الله عليه، وقال أنا أخذته بيدي وعندي علم أدركت به هذا المال.\nوكانت النتيجة أن الله خسف به وبداره الأرض، وزال هو وأملاكه، (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا) (القصص: ٨٢، ٨١) . فتأمل نتيجة الكبر والعياذ بالله والعجب والاعتداد بالنفس، وكيف كان عاقبة ذلك من الهلاك والدمار.\nثم ذكر المؤلف عدة آيات منها قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)","vol":"3","page":538},{"text":"الآخرة هي آخر دور بني آدم؛ لأن ابن آدم له أربعة دور كلها تنتهي بالآخرة.\n\nالدار الآولى: في بطن أمه.\nالدار الثانية: إذا خرج من بطن أمه إلى دار الدنيا.\nالدار الثالثة: البرزخ؛ ما بين موته وقيام الساعة.\nوالدار الرابعة: الدار الآخرة. وهي النهاية، وهي القرار، هذه الدار قال الله تعالى عنها: (نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا) (القصص: ٨٣)، لا يريدون التعالي على الحق، ولا التعالي على الخلق، وإنما هم متواضعون، وإذا نفى الله عنهم إرادة العلو والفساد، فهو من باب أولى ألا يكون منهم علو ولا فساد، فهم لا يعلون في الأرض، ولا يفسدون، ولا يكون منهم علو ولا فساد، فهم لا يعلون في الأرض، ولا يفسدون، ولا يريدون ذلك؛ لأن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:\n١- قسم علا وفسد وأفسد، فهذا اجتمع في حقه الإرادة والفعل.\n٢- وقسم لم يرد الفساد ولا العلو فقد انتفى عنه الأمران.\n٣- وقسم ثالث يريد العلو والفساد ولكن لا يقدر عليه. فهدا الثالث بين الأول والثاني، لكن عليه الوزر؛ لأنه أراد السوء، فالدار الآخرة إنما تكون (لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ) أي تعاليًا على الحق أو على الخلق (وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) .\n\nفإن قال قائل: ما هو الفساد في الأرض؟ فالجواب أن الفساد في الأرض ليس هدم المنازل ولا إحراق الزروع، بل الفساد في الأرض بالمعاصي، كما قال أهل العلم ﵏ في قوله تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) (الأعراف: ٥٦)، أي لا تعصوا الله؛ لأن المعاصي","vol":"3","page":539},{"text":"سبب للفساد.\nقال الله ﵎: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: ٩٦)، فلم يفتح الله عليهم بركات من السماء ولا من الأرض، فالفساد في الأرض يكون بالمعاصي نسأل الله العافية.\nوقال الله ﵎: (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا) (لقمان: ١٨)، يعنيلا تمش مرحًا مستكبرًا متبخترًا متعاظمًا في نفسك وفي الآية الثانية قال: (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (الاسراء: ٣٧)، يعني مهما كنت فأنت لا تقدر أن تنزل في الأرض ولا تتباهى حتى تساوي الجبال؛ بل إنك أنت أنت. أنت ابن آدم حقير ضعيف، فكيف تمشي في الأرض مرحًا.\n\nوقال تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨) .\nتصعير الخد للناس: أن يعرض الإنسان عن الناس، فتجده والعياذ بالله مستكبرًا لاويًا عنقه، تحدثه وهو يحدثك وقد صد عنك، وصعّر خده.\n(وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا) يعني لا تمش تبخترًا وتعاظمًا وتكبرًا (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨)، المختال في هيئته، والفخور بلسانه وقوله، فهو بهيئته مختال؛ في ثيابه، في ملابسه، في مظهره، في مشيته، فخور بقوله ولسانه، والله تعالى لا يحب هذا، إنما يحب المتواضع الغني الخفي التقي، هذا هو الذي يحبه الله ﷿. نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم لأحسن الأخلاق والأعمال وأن يجنبنا سيئات","vol":"3","page":540},{"text":"الأخلاق والأعمال إنه جواد كريم.\n* * *\n١/٦١٢- وعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: \" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة نم كبر\" فقال رجلٌ: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ قال: «إن الله جميل يحبٌ الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناسِ» رواه مسلم.\n٢/٦١٣- وعن سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: «كل بيمينك» . قال: لا أستطيع! قال: «لا استطعت» ما منعه إلا الكبر. قال: فما رفعها على فيه. رواهُ مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم الكبر والعجب، عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» . وهذا الحديث من أحاديث الوعيد التي يطلقها الرسول ﷺ تنفيرًا عن الشيء، وإن كانت تحتاج إلى تفصيل حسب الأدلة الشرعية.\nفالذي في قلبه كبر، إما أن يكون كبرًا عن الحق وكراهة له، فهذا كافر","vol":"3","page":541},{"text":"مخلدًا في النار ولا يدخل الجنة؛ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: ٩)، ولا يحبط العمل إلا بالكفر كما قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢١٧) .\n\nوأما إذا كان كبرًا على الخلق وتعاظمًا على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنة دخولًا كاملًا مطلقًا لم يسبق بعذاب؛ بل لابد من عذاب على ما حصل من كبره وعلوائه على الخلق ثم إذا طهر دخل الجنة.\nولما حدث النبي ﷺ بهذا الحديث قال رجل: يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. يعني فهل هذا من الكبر؟ فقال النبي ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال» جميل في ذاته، جميل في أفعاله، جميل في صفاته، كل ما يصدر عن الله ﷿ فإنه جميل وليس بقبيح؛ بل حسن، تستحسنه العقول السليمة، وتستسيغه النفوس.\nوقوله: «يحب الجمال» أي يحب التجمل يعني أنه يحب أن يتجمل الإنسان في ثيابه، وفي نعله، وفي بدنه، وفي جميع شؤونه؛ لأن التجمل يجذب القلوب إلى الإنسان، ويحببه إلى الناس، بخلاف التشوه الذي يكون فيه الإنسان قبيحًا في شعره أو في ثوبه أو في لباسه، فلهذا قال: «إن الله جميل يحب الجمال» أي يحب أن يتجمل الإنسان.\n\nأما الجمال الخلقي الذي منّ الله ﷿، فهذا إلى الله ﷾، ليس للإنسان فيه حيلة، وليس له فيه كسب، وإنما ذكر النبي ﷺ","vol":"3","page":542},{"text":"ما للإنسان فيه كسب وهو التجمل.\nأما الحديث الثاني فهو حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلًا أكل عند النبي ﷺ بيده اليسرى، فقال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع. ما منعه إلا الكبر، فقال النبي ﷺ: \" لا استطعت\" لأن الرسول ﷺ عرف أنه متكبر، فقال: \" لا استطعت\" أي دعا عليه بأن الله تعالى يصيبه بأمر لا يستطيع معه رفع يده اليمنى إلى فمه، فلما قال «لا استطعت» أجاب الله دعوته فلم يرفعها إلى فمه بعد ذلك، صارت والعياذ بالله قائمة كالعصا، لا يستطيع رفعها؛ لأنه استكبر على دين الله ﷿.\nوفي هذا دليلٌ على وجوب الأكل باليمين والشرب باليمين، وأن الأكل باليسار حرام، يأثم عليه الإنسان، وكذلك الشرب باليسار حرام، يأثم عليه الإنسان؛ لأنه إذا فعل ذلك أي أكل بشماله أو شرب بشماله شابه الشيطان وأولياء الشيطان، قال النبي صلى ﵊: \" لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» .\nوإذا نظرنا الآن إلى الكفار، وجدنا أنهم يأكلون بيسارهم ويشربون بيسارهم، وعلى هذا فالذي يأكل بشماله أو يشرب بشماله متشبه بالشيطان وأولياء الشيطان.\nويجب على من رآه أن ينكر عليه، لكن بالتي هي أحسن، أما أن يُعرض إذا كان يخشى أن يخجل صاحبه أو أن يستنكف ويستكبر، يُعرض","vol":"3","page":543},{"text":"فيقول: من الناس من يأكل بشماله أو يشرب بشماله، وهذا حرام ولا يجوز.\nأو إذا كان معه طالب علم سأل طالب العلم وقال له: ما تقول فيمن يأكل بالشمال ويشرب بالشمال، حتى ينتبه الآخر، فإن انتبه فهذا المطلوب، وإن لم ينتبه قيل له- ولو سرًا-: لا تأكل بشمالك ولا تشرب بشمالك، حتى يعلم دين الله تعالى وشرعه.\n\nيوجد بعض المترفين يأكل باليمين ويشرب باليمين، إلا إذا شرب وهو يأكل فإنه يشرب بالشمال، يدعي أنه لو شرب باليمين لوث الكأس، فيُقال له: المسألة ليست هينة، وليست على سبيل الاستحباب حتى تقول الأمر هين، بل أنت إذا شربت بالشمال فأنت عاصٍ لأنه محرم، والمحرم لا يجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة للشرب بالشمال خوفًا من أن يتلوث الكأس بالطعام.\nثم إنه يمكن أن يتلوث، يمكن أن تمسكه بين الإبهام والسبابة من أسفله وحينئذٍ لا يتلوث، والإنسان الذي يريد الخير والحق يسهل عليه فعله، أما المعاند أوالمترف أو الذي يقلد أعداء الله من الشيطان وأوليائه، فهذا له شأن آخر، والله الموفق.\n* * *\n٣/٦١٤-وعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: «ألا أخبركم بأهل النار، كل عُتُل جواظٍ مُستكبرٍ» متفق عليه. وتقدم","vol":"3","page":544},{"text":"شرحُه في باب ضعفة المسلمين.\n\n٤/٦١٥- وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «احتجت الجنة والنار، فقالت النارُ: فيَّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتى، أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي، أعذب بك من أشاءُ، ولكليكما عليّ ملؤها» رواهُ مسلم.\n٥/٦١٦- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزارهُ بطرًا\" متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أحاديث ساقها المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب تحريم الكبر والعجب، وقد سبق لنا الكلام على الآيات الواردة في هذا، وكذلك الكلام على الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب.\nثم ذكر المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل النار»، وهذا من الأسلوب الذي كان النبي ﷺ يستعمله، أن يورد الكلام على","vol":"3","page":545},{"text":"صيغة الاستفهام، من أجل أن ينتبه المخاطب ويعي ما يقول، فهو يقول «ألا أخبركم»، الكل سيقول نعم أخبرنا يا رسول الله. قال: «كل عتلًّ جواظٍ مستكبر» .\n\nالعتل: معناها الشديد الغليظ، ومنه العتلة التي تحفر بها الأرض، فإنها شديدة غليظة، فالعتل هو الشديد الغليظ، والعياذ بالله.\nالجواظ: يعني أنه فيه زيادة من سوء الأخلاق.\nوالمستكبر- وهذا هو الشاهد-: هو الذي عنده كِبر والعياذ بالله وغطرسة، وكِبر على الحق، وكِبر على الخلق، فهو لا يلين للحق أبدًا، ولا يرحم الخلق والعياذ بالله.\nهؤلاء هم أهل النار، أما أهل الجنة فهم الضعفاء المساكين الذين ليس عندهم ما يستكبرون به؛ بل هم دائمًا متواضعون ليس عندهم كبرياء ولا غلظة؛ لأن المال أحيانًا يفسد صاحبه، ويحمله على أن يستكبر على الخلق ويردّ الحق، كما قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى) (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: ٧، ٦) .\nوكذلك أيضًا ذكر حديث احتجاج النار والجنة؛ احتجت النار والجنة، فقالت النار: إن أهلها هم الجبارون المتكبرون، وقالت الجنة: إن أهلها هم الضعفاء والمساكين، فاحتجت كل واحدة منها على الأخرى.\n\nفحكم الله بينهما ﷿، وقال في الجنة «أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء» وقال للنار «أنت عذابي أعذب بك من أشاء» فصارت النار دار","vol":"3","page":546},{"text":"العذاب والعياذ بالله، والجنة دار الرحمة، فهي رحمة الله ويسكنها الرحماء من عباده، كما قال النبي ﷺ «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» .\nوقال: «ولكل منكما عليّ ملؤها» فوعد الله ﷿ النار ملأها، ووعد الجنة ملأها، وهو لا يخلف الميعاد ﷿.\nولكن أتدرون ماذا تكون العاقبة؟ تكون العاقبة- كما ثبتت بها الأحاديث الصحيحة- أن النار لا يزال يلقى فيها، وهي تقول كما قال تعالى (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (قّ: ٣٠)، يعني تطلب الزيادة؛ لأنها لم تمتليء، فيضع الرب ﷿ عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض أي ينضم بعضها إلى بعض وتقول «قط قط» أي حسبي، حسبي، لا أريد زيادة فصارت النار تملأ بهذه الطريقة.\nأما الجنة: فإن الجنة (عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) (آل عمران: ١٣٣) ويسكنها أولياء الله، جعلني الله وإياكم منهم، ويسكنها أهلها، ويبقى فيها فضل؛ يعني مكان ليس فيه أحد، فينشىء الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة برحمته.\nوهذه هي النتيجة؛ امتلأت النار بعدل الله ﷿، وأمتلأت الجنة","vol":"3","page":547},{"text":"بفضل الله ورحمته.\nثم ذكر المؤلف ﵀ حديثًا في الإنسان المسبل، فقال ﵊: «لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خُيلاء» وهذه مسألة خطيرة وذلك أن الرجل منهي عن أن ينزل ثوبه أو سرواله أو مشلحه أو إزاره عن الكعب، لابد أن يكون من الكعب فما فوق، فمن نزل عن الكعب؛ فإن فعله هذا من الكبائر والعياذ بالله.\nلأنه إن نزل كبرًا وخيلاء فإنه لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذابٌ أليم، وإن كان نزل لغير ذلك كأن يكون طويلًا ولم يلاحظه، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار» .\n\nفكانت العقوبة حاصلة على كل حال فيما نزل عن الكعبين، لكن إن كان بطرًا وخيلاء فالعقوبة أعظم؛ لا يكلم الله صاحبه يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذابٌ إليم، وإن كان غير خيلاء، فإنه يعذب بالنار والعياذ بالله.\nفإذا قال قائل: ما هي السنة؟ قلنا: من الكعب إلى نصف الساق هذه هي السنة، نصف الساق سنة، وما دونه سنة، وما كان إلى الكعبين فهو سنة؛ لأن هذا هو لبس النبي ﷺ وأصحابه، فإنهم كانوا لا يتجاوز لباسهم الكعبين، ولكن يكون إلى نصف الساق أو يرتفع قليلًا، وما بين","vol":"3","page":548},{"text":"ذلك كله من السنة، والله الموفق.\n٦/٦١٧- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ» رواه مسلم.\n٧/٦١٨- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" قال الله ﷿: العز إزاري، والكبرياءُ ردائي، فمن ينازعني عذبته\" رواه مسلم.\n\n٨/٦١٩- وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجلٌ يمشي في حلة تعجبه نفسُه، مُرجلٌ رأسه، يختال في مشيته إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» متفق عليه.\n«مرجل رأسهُ» أي: ممشطه «يتجلجل» بالجيمين، أي: يغوصُ وينزل.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ساقها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم الكبر والإعجاب، فذكر عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم» ثلاثة: يعني ثلاثة أصناف، وليس المراد ثلاثة رجال، بل قد يكون","vol":"3","page":549},{"text":"آلاف الناس، لكن المراد ثلاثة أصناف. وهكذا كلما جاءت كلمة ثلاثة أو سبعة أو ما أشبه ذلك فالمراد أصنافًا لا أفرادًا.\nفهؤلاء الثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.\n\nالأول: شيخ زانٍ: شيخ يعني رجلًا كبيرًا مسنًا، زانٍ يعني أنه زنى، فهذا لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر اليه، ولا يزكيه، وله عذاب اليم، وذلك لأن الشيخ إذا زنى فليس هناك شهوة تجبره على أن يفعل هذا الفعل.\n\nفالشاب قد يكون عنده شهوة ويعجز أن يملك نفسه، لكن الشيخ قد بردت شهوته وزالت أو نقصت كثيرًا، فكونه يزني هذا يدل على أنه- والعياذ بالله- سيءٌ للغاية؛ لأنه فعل الفاحشة من غير سبب قوي يدفعه إليها.\nوالزنى كله فاحشة سواء من الشاب أو من الشيخ، لكنه من الشيخ أشد وأعظم والعياذ بالله، إلا أن هذا الحديث مقيدٌ بما ثبت في الصحيحين أن من أتى شيئًا من هذه القاذورات، وأقيم عليه الحد في الدنيا، فإن الله تعالى لا يجمع عليه عقوبتين بل يزول عنه ذلك، ويكون الحد تطهيرًا له.\nالثاني: ملك كذَّاب: وكذاب هذه صيغة مبالغة أي كثير الكذب،","vol":"3","page":550},{"text":"وذلك لأن الملك لا يحتاج أن يكذب، كلمته هي العليا بين الناس، فلا حاجة إلى أن يكذب، فإذا كذب صار يعدُ الناس ولكن لا يوفي، يقول سأفعل كذا ولكن لا يفعل، سأترك كذا ولكن لا يترك، ويحدث الناس يلعب بعقولهم ويكذب عليهم، فهذا والعياذ بالله داخل في هذا الوعيد، لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.\n\nوالكذب حرامٌ من الملك وغير الملك، لكنه من الملك أعظم وأشد؛ لأنه لا حاجة إلى أن يكذب، كلمته بين الناس هي العليا فيجب عليه أن يكون صريحًا، إذا كان يريد الشيء، يقول نعم يوافق عليه ويفعل، وإذا كان لا يريده، يقول لا يرفضه ولا يفعل، الواحد من الرعية قد يحتاج إلى الكذب فيكذب، ولكن الملك لا يحتاج.\nوالكذب حرام، ومن صفات المنافقين والعياذ بالله، فإن المنافق إذا حدث كذب، ولا يجوز لأحد أن يكذب مطلقًا، وقول بعض العامة: إن الكذب إذا كان لا يقطع مُحلًاّ من حلاله فلا بأس به، هذه قاعدة شيطانية، ليس لها أساس من الصحة ولا من الدين، والصواب أن الكذب حرامٌ بكل حال.\nالثالث: عائل مستكبر: وهذا هو الشاهد من الحديث، عائل يعني فقيرًا، مستكبر يعني يتكبر على الناس والعياذ بالله، فإن هذا العائل الفقير ليس عنده ما يوجب الكبر، والغني ربما يخدعه غناه ويغرّه؛ فيتكبر على عباد الله، أو يتكبر عن الحق، لكن الفقير حشف وسوء كيلة، ما دام فقيرًا فكيف يستكبر؟! فالعائل المستكبر هذا لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر","vol":"3","page":551},{"text":"إليه، ولا يزكيه وله عذاب أليم.\n\nوالكبر حرامٌ من الغني ومن الفقير، لكنه من الفقير أشد، ولهذا تجد الناس إذا رأوا غنيًا متواضعًا استغربوا ذلك منه، واستعظموا ذلك منه، ورأوا أن هذا الغني في غاية ما يكون من الخلق النبيل، لكن لو يجدون فقيرًا متواضعًا لكان من سائر الناس؛ لأن الفقر يوجب للإنسان أن يتواضع؛ لأنه لأي شيء يستكبر؟! فإذا جاء إنسان والعياذ بالله عائل فقير يستكبر على الخلق، أو يستكبر عن الحق، فليس هناك ما يوجب الكبرياء في حقه فيكون والعياذ بالله داخلًا في الحديث.\nثم ذكر المؤلف ﵀ فيما ساقه من الأدلة على تحريم الكبر والإعجاب، وأنه من كبائر الذنوب، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «العز إزاري والكبرياء ردائى فمن ينازعني عذبته» .\nهذا من الأحاديث القدسية التي يرويها النبي صلى الله عيه وسلم عن الله، وهي ليست في مرتبة القرآن، فالقرآن له أحكام تخصه، منها أنه معجزٌ للبشر عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور منه، أو بسورة أو بحديث مثله، وأنه لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وأن الصلاة تصح إذا قرأ المصلى من القرآن؛ بل تجب القراءة بالفاتحة، أما الأحاديث القدسية فليست كذلك.\nثم القرآن محفوظ لا يزاد فيه ولا ينقص، ولا ينقل بالمعنى، وليس","vol":"3","page":552},{"text":"فيه شيء ضعيف، أما الأحاديث القدسية فإنها تروى بالمعنى، وفيها أحاديث ضعيفة، وفيها أحاديث مكذوبة على الرسول ﷺ ليست بصحيحة وهو كثير، فالمهم أنه ليس في منزلة القرآن إلا أنه يُقال إن النبي ﷺ يرويه عن ربه.\nفالله تعالى يقول: «العز إزاري والكبرياء ردائي» وهذا من الأحاديث التي تمر كما جاءت عن النبي ﷺ، ولا يتعرض لمعناها بتحريف أو تكييف، وإنما يُقال هكذا قال الله تعالى فيما رواه النبي ﷺ عنه، فمن نازع الله في عزته وأراد أن يتخذ سلطانًا كسلطان الله، أو نازع الله في كبريائه وتكبر على عباد الله، فإن الله يعذبه، يعذبه على ما صنع ونازع الله تعالى فيما يختص به.\n\nثم ذكر المؤلف ﵀ حديث أبي هريرة الآخر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجلٌ رأسه، يختال في مشيته» أي عنده من الخيلاء والكبرياء والغطرسة ما عنده \" إذ خسف الله به\" أي خسف به الأرض «فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» يعني انهارت به الأرض وانغمس فيها واندفن، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة؛ لأنه والعياذ بالله لما صار عنده هذا الكبرياء وهذا التيه وهذا الإعجاب خسف به.\nوهذا نظير قارون الذي ذكره المؤلف ﵀ في صدر الباب، فإن قارون خرج على قومه في زينته (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ","vol":"3","page":553},{"text":"وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) (القصص: ٧٩-٨١) .\n\nوقوله: \" يتجلجل في الأرض\" يحتمل أنه يتجلجل وهو حي حياة دنيوية، فيبقى هكذا معذبًا إلى يوم القيامة، معذبًا وهو في جوف الأرض وهو حي، فيتعذب كما يتعذب الأحياء، ويحتمل أنه لما اندفن مات، كما هي سنة الله ﷿، مات ولكن مع ذلك يتجلجل في الأرض وهو ميت، فيكون تجلجله هذا تجلجلًا برزخيًا لا تُعلم كيفيته، والله أعلم. المهم أن هذا جزاؤه والعياذ بالله.\nوفي هذا وما قبله وما يأتي بعده دليلٌ على تحريم الكبر وتحريم الإعجاب، وأن الإنسان يجب عليه أن يعرف قدر نفسه وينزلها منزلتها، والله الموفق.\n* * *\n٩/٦٢٠- وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يُكتبَ في الجبارين، فيصيبهُ ما أصابهم» رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n\" يذهب بنفسه: أي: يرتفع ويتكبر.","vol":"3","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n في هذا الحديث الأخير في هذا الباب أن النبي ﷺ حذّر الإنسان من أن يعجب بنفسه، فلا يزال في نفسه يترفع ويتعاظم حتى يكتب من الجبارين، فيصيبه ما أصابهم.\nوالجبارون والعياذ بالله، لو لم يكن من عقوبتهم إلا قول الله ﵎: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: ٣٥)، والعياذ بالله؛ لكان عظيمًا. فالجبار والعياذ بالله يُطبع على قلبه، حتى لا يصل إليه الخير، ولا ينتهي عن الشر.\nوخلاصة هذا الباب أنه يدور على شيئين:\nالأول: تحريم الكبر، وأنه من كبائر الذنوب.\nوالثاني: تحريم الإعجاب، إعجاب الإنسان بنفسه، فإنه أيضًا من المحرمات، وربما يكون سببًا لحبوط العمل إذا أعجب الإنسان بعبادته، أو قراءته القرآن، أو غير ذلك، ربما يحبط أجره وهو لا يعلم.","vol":"3","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>٧٣- باب حُسن الخُلق</span>\n\nقال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)، وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران: ١٣٤) .\n١/٦٢١- وعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا) . متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق، يعني باب الحث عليه، وفضيلته، وبيان من اتصف به من عباد الله، وحسن الخلق يكون مع الله ويكون مع عباد الله.\n\nأما حسن الخلق مع الله: فهو الرضا بحكمه شرعًا وقدرًا، وتلقي ذلك بالانشراح وعدم التضجر، وعدم الأسى والحزن، فإذا قدر الله على المسلم شيئًا يكرهه رضي بذلك واستسلم وصبر، وقال بلسانه وقلبه: رضيت بالله رباّ، وإذا حكم الله عليه بحكم شرعي؛ رضي واستسلم، وانقاد لشريعة الله ﷿ بصدر منشرح ونفس مطمئنة، فهذا حسن الخلق مع الله ﷿.\nأما مع الخَلق فيحسن الخُلق معهم بما قاله بعض العلماء: كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقه الوجه، وهذا حسن الخلق.","vol":"3","page":556},{"text":"كف الأذى بألا يؤذي الناس لا بلسانه ولا بجوارحه، وبذل الندى يعني العطاء، يبذل العطاء من مال وعلم وجاه وغير ذلك، وطلاقة الوجه بأن يلاقي الناس بوجه منطلق، ليس بعبوس، ولا مصعّرٍ خده، وهذا هو حسن الخلق.\nولا شك أن الذي يفعل هذا؛ فكيف الأذى ويبذل الندى ويجعل وجه منطلقًا؛ لا شكل أنه سيصبر على أذى الناس أيضًا، فإن الصبر على أذى الناس لا شك أنه من حسن الخُلق، فإن من الناس من يؤذي أخاه، وربما يعتدي عليه بما يضرّه؛ بأكل ماله، أو جحد حق له، أو ما أشبه ذلك، فيصبر ويحتسب الأجر من الله ﷾، والعاقبة للمتقين، وهذا كله من حسن الخلق مع الناس.\n\nثم صدّر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بقوله تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)، وهذا معطوف على جواب القسم (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) (القلم: ١-٤) . إنك: يعني يا محمد، لعلى خلق عظيم لم يتخلق أحد بمثله، في كل شيء؛ خلق مع الله، خلق مع عباد الله، في الشجاعة والكرم وحسن المعاملة وفي كل شيء، وكان ﵊ خلقه القرآن يتأدب بآدابه؛ يمتثل أوامره ويجتنبُ نواهيه.\nثم ساق المؤلف جزءًا من آية آل عمران في قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران١٣٤)، وهذه من صفات المتقين الذين أعد الله لهم الجنة، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ","vol":"3","page":557},{"text":"رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٣-١٣٤) .\n\n(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) يعني الذين يكظمون غضبهم، إذا غضب، ملك نفسه وكظم غيظه، ولم يتعد على أحدٍ بموجب هذا الغضب.\n(َ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس) إذا أساءوا إليهم، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فإن هذا من الإحسان أن تعفو عمّن ظلمك، ولكن العفو له محل؛ إن كان المعتدي أهلًا للعفو فالعفو محمود، وإن لم يكن أهلًا للعفو؛ فإن العفو ليس بمحمود؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: ٤٠) .\nفلو أن رجلًا اعتدى عليك بضربك، أو أخذ مالك، أو إهانتك، أو ما أشبه ذلك، فهل الأفضل أن تعفو عنه أم لا؟\nنقول في هذا تفصيل: إن كان الرجل شريرًا، سيئًا، إذا عفوت عنه ازداد في الاعتداء عليك وعلى غيرك، فلا تعفُ عنه، خذ حقك منه بيدك، إلا أن تكون تحت ولاية شرعية فترفع الأمر إلى من له الولاية الشرعية، وإلا فتأخذه بيدك ما لم يترتب على ذلك ضرر أكبر.\nوالحاصل أهه إذا كان الرجل المعتدى سيئًا شريرًا هذا ليس أهلًا للعفو فلا تعفُ عنه، بل الأفضل أن تأخذ بحقك؛ لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ)، والعفو في مثل هذه الحال ليس بإصلاح.","vol":"3","page":558},{"text":"والنفس ربما تأمرك أن تأخذ بحقك، ولكن كما قلت إذا كان الإنسان أهلًا للعفو فالأفضل أن تعفو عنه وإلا فلا.\n* * *\n٢/٦٢٢- وعنه ﵁ قال: ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممتُ رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ، ولقد خدمتُ رسول الله ﷺ عشر سنين، فلما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلتهُ: لم فعلتهُ؟ ولا لشيءٍ لم أفعلهُ: ألا فعلت كذا؟. متفق عليه.\n٣/٦٢٣-وعن الصعب بن جثامة ﵁ قال: أهديتُ رسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا، فردهُ على، فلما رأى ما في وجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق ما نقله عن أنس بن مالك ﵁ قال ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من يدي رسول الله ﷺ.\n\nوكان أنس بن مالك ﵁ قد خدم النبي ﷺ عشر سنين؛","vol":"3","page":559},{"text":"جاءت به أمه حين قدم النبي ﷺ المدينة، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس ابن مالك يخدمك، فقبل ﵊ أن يخدمه لله، ودعا له أن يبارك الله له في ماله وولده، فبارك الله له في ماله وولده، حتى قيل إنه كان له بستان يثمر في السنة مرتين، من بركة المال الذي دعا له رسول الله ﷺ به، أما أولاده فبلغوا مائة وعشرين ولدًا، أولاده من صلبه، كل هذا ببركة دعوة النبي ﷺ.\nيقول إنه ما مس ديباجًا ولا حريرًا ألين من يد رسول الله ﷺ، فكانت يده ﷺ لينة إذا مسها الإنسان فإذا هي لينة.\nوكما ألان الله يده فقد ألان الله ﷾ قلبه، قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم) ْ يعني صرت لينًا لهم (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران: ١٥٩) .\n\nوكذلك أيضًا رائحته ﷺ، ما شم طيبًا قط أحسن من رائحة النبي ﷺ، وكان ﵊ طيب الريح كثير استعمال الطيب، قال: «حُبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة» هو نفسه طيب ﷺ، حتى كان الناس يتبادرون إلى أخذ عرقه ﷺ من حسنه وطيبه، ويتبركون بعرق؛ لأن من خصائص الرسول ﷺ أننا نتبرك بعرقه وبريقه وبثيابه، أما غير الرسول فلا يتبرك بعرقه ولا بثيابه ولا بِريقه.","vol":"3","page":560},{"text":"يقول: ولقد خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفّ قط، يعني ما تضجر منه أبدًا، عشر سنوات يخدمه ما تضجر منه، والواحد منا إذا خدمه أحد أو صاحبه أحد لمدة أسبوع أو نحوه لابد أن يجد منه تضجرًا، لكن الرسول ﷺ عشر سنوات وهذا الرجل يخدمه، ومع ذلك ما قال له أفّ قط.\n\nولا قال لشيءٍ فعلت لما فعلت كذا؟ حتى الأشياء التي يفعلها أنس اجتهادًا منه ما كان الرسول ﷺ يؤنبه أو يوبخه أو يقول لما فعلت كذا، مع أنه خادم، وكذلك ما قال لشيء لم أفعله لم لم تفعل كذا وكذا؟ فكان ﵊ يعامله بما أرشده الله ﷾ إليه في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) .\nوالعفو ما عفا من أخلاق الناس وما تيسر، يعني خذ من الناس ما تيسر، ولا تريد أن يكون الناس لك على ما تريد في كل شيء، من أراد أن يكون الناس له على ما يريد في كل شيء فاته كل شيء، ولكن خذ ما تيسر، عامل الناس بما إن جاءك قبلت وإن فاتك لم تغضب، ولهذا قال: ما قال لشيء لم أفعله لِمَ لَم تفعل كذا وكذا، وهذا من حسن خلقه ﵊.\nومن حسن خلقه ﷺ أنه كان لا يُداهن الناس في دين الله، ولا يفوته أن يطيب قلوبهم، فالصعب بن جثامة ﵁ مرّ به النبي ﷺ، والنبي ﷺ محرم، وكان الصعب بن جثامة عداءً راميًا، عداء: يعني سبوقًا، راميًا: يعني يجيد الرمي.","vol":"3","page":561},{"text":"فلما نزل به النبي ﷺ ضيفًا رأى أنه لا أحد أكرم ضيفًا منه، فذهب يصيد للرسول ﷺ صيدًا، فصاد له حمارًا وحشيًا وكان في الجزيرة العربية في ذلك الوقت كثيرٌ من الصيد، لكنها قلت صاد له حمارًا وحشيًا وجاء به إليه فرده النبي ﷺ فَصَعُبَ ذلك على الصعب؛ كيف يرد النبي ﷺ هديته؟ فتغير وجهه، فلما رأى ما في وجهه طيب قلبه وقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم» يعنى محرمون، والمحرم لا يأكل من الصيد الذي صيد من أجله.\nفلو أن محرمًا مر بك وأنت في بلدك وهو محرم وصدت له صيدًا أو ذبحت له صيدًا عندك، فإنه لا يحل له أن يأكل منه، وذلك لأنه ممنوع من أكل ما صيد من أجله، أما إذا لم تصده من أجله، فالصحيح أنه حلال له إذا لم تصده لأجله.\nولهذا أكل النبي ﷺ من الصيد الذي صاده أبو قتادة ﵁؛ لأن أبا قتادة لم يصده من أجل الرسول ﷺ، وهذا أحسن ما قيل في هذه المسألة، إنه إذا صيد الصيد من أجل المحرم كان حرامًا عليه، وإن صاده الإنسان لنفسه وأطعم منه المحرم فلا بأس.\n\nقال بعض العلماء: إن المحرم لا يأكل من الصيد مطلقًا؛ صيد من أجله أم لم يصد، قالوا لأن حديث الصعب بن جثامة متأخر عن حديث أبي قتادة، فإن حديث أبي قتادة كان في غزوة الحديبية في السنة السادسة، وحديث الصعب بن جثامة في حجة الوداع في السنة العاشرة، ويؤخذ بالأخر فالآخر.","vol":"3","page":562},{"text":"ولكن القاعدة الأصولية الحديثية تأبى هذا القول؛ لأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ، والجمع هنا ممكن، وهو أن يقال: إن صيدَ لأجل المُحرم فحرام، وإن صاده الإنسان لنفسه وأطعم منه المحرم فلا بأس.\nويؤيد هذا حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صيد البر حلالٌ ما لم تصيدوه أو يصد لكم»، وهذا تفصيل واضح؛ ما لم تصيدوه أو يصد لكم.\nوالحاصل أن هذا الحديث؛ حديث الصعب بن جثامة ﵁ فيه فائدتان عظيمتان.\nالأولي: أن النبي ﷺ لا يداهن أحدًا في دين الله، وإلا قبل الهدية من الصعب، وسكت إرضاءً له ومداهنة له، لكنه ﵊ لا يمكن أن يفعل هذا.\n\nالثانية: أنه ينبغي للإنسان أن يجبر خاطر أخيه إذا فعل معه ما لا يحب، ويبين له السبب؛ لأجل أن تطيب نفسه، ويطمئن نفسه، ويطمئن قلبه، فإن هذا من هدي النبي ﷺ؛ والله الموفق.\n* * *","vol":"3","page":563},{"text":"٤/٦٢٤- وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: «البر حُسنُ الخُلق، والإثمُ ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناسُ» رواه مسلم.\n٥/٦٢٥- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا. وكان يقولُ: \" إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا: متفق عليه.\n٦/٦٢٦- وعن أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ما من شيءٍ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلقِ، وإن الله يبغضُ الفاحش البذي» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n(البذي): هو الذي يتكلم بالفحش، ورديء الكلامِ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ساقها النووي ﵀ في باب حسن الخلق من كتاب رياض الصالحين، وقد سبق شيء من هذه الأحاديث.\n\nأما حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق)، وقد تقدم شرح هذه الجملة، وبينا أن حسن الخلق يحصل","vol":"3","page":564},{"text":"فيه الخير الكثير؛ لأن البر هو الخير الكثير.\nوأما الإثم فقال هو: (ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) يعني بما حاك في النفس، يعني لم تطمئن إليه النفس، بل ترددت فيه، وكرهت أن يطلع عليه الناس.\nولكن هذا خطاب للمؤمن، أما الفاسق فإن الإثم لا يحيك في صدره، ولا يهمه أن يطلع عليه الناس؛ بل يجاهر به ولا يبالى، لكن المؤمن لكون الله ﷾ قد أعطاه نورًا في قلبه، إذا هم بالإثم حاك في صدره، وتردد فيه، وكره أن يطلع عليه الناس، فهذا الميزان إنما هو في حق المؤمنين.\nأما الفاسقون فإنهم لا يهمهم أن يطلع الناس على آثامهم، ولا تحيك الآثام في صدورهم؛ بل يفعلوها والعياذ بالله بانطلاق وانشراح؛ لأن الله ﷾ يقول: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (فاطر: ٨) .\n\nفقد يزين للإنسان سوء العمل فينشرح له صدره، مثل ما نرى من أهل الفسق الذين يشربون الخمر، وتنشرح صدورهم له، والذين يتعاملون بالربا وتنشرح صدورهم لذلك، والذين يتعودون العهر والزنا وتنشرح صدورهم لذلك، ولا يبالون بهذا؛ بل ربما إذا فعلوا ذلك سرًا ذهبوا يشيعونه ويعلنونه، مثل ما يوجد من بعض الفساق إذا ذهبوا إلى البلاد الخارجية الماجنة الفاجرة ورجعوا، قاموا يتحدثون فعلت كذا وفعلت كذا، يعني أنهم زنوا بكذا وزنوا بكذا والعياذ بالله- وشربوا الخمر وما أشبه ذلك.","vol":"3","page":565},{"text":"وفي هذه الأحاديث بيان صفة الرسول ﷺ وأنه لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، يعني أنه ﷺ بعيد عن الفحش طبعًا وكسبًا، فلم يكن فاحشًا في نفسه ولا في غريزته؛ بل هو لين سهل، ولم يكن متفحشًا أي متطبعأً بالفحشاء؛ بل كان ﷺ أبعد الناس عن الفحش في مقاله وفي فعاله ﷺ.\n\nوفيه أيضًا الحث على حسن الخلق، وأنه من أثقل ما يكون في الميزان يوم القيامة، وهذا من باب الترغيب فيه، فعليك يا أخي المسلم أن تحسن خلقك مع الله ﷿؛ في تلقي أحكامه الكونية والشرعية، بصدر منشرح منقاد راضٍ مستسلم، وكذلك مع عباد الله فإن الله تعالي يحب المحسنين، والله الموفق.\n* * *\n٧/٦٢٧- وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسنُ الخلقِ\" وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: \" الفمُ والفرجُ\".\nرواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.\n\n٨/٦٢٨- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم\"\nرواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ","vol":"3","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان فضل حسن الخلق، ذكرها النووي - ﵀- في رياض الصالحين في باب حسن الخلق، ومنها عن أبي هريرة رضي اله عنه أن النبي ﷺ سئل: ما أكثر ما يدخل الجنة؟ يعني ما هو الشيء الذي يكون سببًا لدخول الجنة كثيرًا؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق) .\n\nتقوى الله تعالى، وهذه كلمة جامعة لفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه هذه هي التقوى، أن تفعل ما أمرك الله به وأن تدع ما نهاك عنه؛ لأن التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله، ولا شيء يقي من عذاب الله إلا فعل الأوامر واجتناب النواهي.\nوأكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج. الفم يعني بذلك قول اللسان فإن الإنسان قد يقول كلمة لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا، والعياذ بالله أي سبعين سنة، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: (أفلا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قلت بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: (كف عليك هذا) قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني هل نؤاخذ بالكلام؟ قال (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم-. أو قال: \" على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) .","vol":"3","page":567},{"text":"ولما كان عمل اللسان سهلًا صار إطلاقه سهلًا؛ لأن الكلام لا يتعب به الإنسان، ليس كعمل اليد، وعمل الرجل، وعمل العين يتعب فيه الإنسان. فعلم اللسان لا يتعب في الإنسان، فتجده يتكلم كثيرًا بأشياء تضره؛ كالغيبة، والنميمة، واللعن، والسب، والشتم، وهو لا يشعر بذلك، فيكتسب بهذا آثامًا كثيرة.\nأما الفرج فالمراد به الزنا، وأخبث منه اللواط، فإن ذلك أيضًا تدعو النفس إليه كثيرًا- ولا سيما من الشباب- فتهوي بالإنسان وتدرِّجه حتى يقع في الفاحشة وهو لا يعلم.\nولهذا سدَّ النبي ﷺ كل باب يكون سببًا لهذه الفاحشة، فمنع من خلو الرجل بالمرأة، ومنع المرأة من كشف وجهها أمام الرجال الأجانب، ونهى المرأة أن تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، إلى غير ذلك من السياج المنيع الذي جعله النبي ﷺ حائلًا دون فعل هذه الفاحشة، لأن هذه الفاحشة تدعو إليها النفس، فهذا أكثر ما يدخل الناس النار: أعمال اللسان وأعمال الفرج، نسأل الله الحماية.\n\nثم ذكر أيضًا من فضائل حسن الخلق أن أحسن الناس أخلاقًا هم أكمل الناس إيمانًا، قال النبي ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) وفي هذا دليلٌ على أن الإيمان يتفاوت، وأن الناس يختلفون فيه، فبعضهم في الإيمان أكمل من بعض بناء على الأعمال، وكلما كان الإنسان أحسن خلقًا كان أكمل إيمانًا، وهذا حثٌ واضحٌ على أن الإنسان ينبغي له أن يكون حسن الخلق بقدر ما يستطيع.","vol":"3","page":568},{"text":"قال: (وخياركم خياركم لنسائهم) المراد خيركم خيركم لأهله كما جاء ذلك في السنن أن النبي ﷺ قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) فينبغي للإنسان أن يكون مع أهله خير صاحب وخير محب وخير مُربًّ؛ لأن الأهل أحق بحسن خلقك من غيرهم. أبدا بالأقرب فالأقرب.\nعلى العكس من ذلك حال بعض الناس اليوم وقبل اليوم؛ تجده مع الناس حسن الخلق، لكن مع أهله سيء الخلق والعياذ بالله، وهذا خلاف هدي النبي ﷺ، والصواب أن تكون مع أهلك حسن الخلق ومع غيرهم أيضًا، لكن هم أولى بحسن الخلق من غيرهم.\n\nولهذا لما سئلت عائشة: ماذا كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله. أي يساعدهم على مهمات البيت، حتى أنه ﷺ كان يحلب الشاة لأهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، وهكذا ينبغي للإنسان مع أهله أن يكون من خير الأصحاب لهم.\n* * *\n٩/٦٢٩- وعن عائشة ﵂، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (إن المؤمن ليدركُ بحسن خُلقه درجة الصائم القائم) رواه أبو داود.","vol":"3","page":569},{"text":"١٠/٦٣٠- وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا زعيم ببيت في ربضِ الجنةِ لمن ترك المراء، وإن كان مُحقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح.\nالزعيم: الضامنُ.\n\n١١/٦٣١- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أحبكم إلى، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحسانكم أخلاقًا وإن أبغضكم إلى، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارُون والمتشدقون والمتفيهقون\" قالوا: يا رسول الله قد علمنا (الثرثارُون والمتُشدقون) فما المُتفيهقُون؟ قال: (المتكبرون) رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ.\n(الثرثارُ): هو كثيرُ الكلامِ تكلفًا. (والمُتشدقُ): المتطاولُ على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه؛ والمتفيهقُ أصلهُ من الفهق وهو الامتلاءُ، وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسعُ فيه، ويغربُ به تكبرًا وارتفاعًا، وإظهارًا للفضيلة على غيره.\nوروى الترمذي عن عبد الله بن المبارك ﵀ في تفسير حُسن الخُلقِ قال: هُو طلاقةُ الوجه، وبذلُ المعروف. وكف الأذى.","vol":"3","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ أحاديث متعددة في بيان حسن الخلق، وأن من أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ أحاسنهم أخلاقًا، فكلما كنت أحسن خلقًا؛ كنت أقرب إلى الله ورسوله من غيرك، وأبعد الناس منزلة من رسول الله ﷺ الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون.\n\nالثرثارون الذين يكثرون الكلام ويأخذون المجالس عن الناس، فإذا جلس في المجلس أخذ الكلام عن غيره، وصار كأن لم يكن في المجلس إلا هو؛ يتكلم ولا يدع غيره يتكلم، وهذا لا شك أنه نوع من الكبرياء.\nلكن لو فرضنا أن أهل المجلس فوضوه وقالوا أعطنا نصحية، أعطنا موعظة فتكلم فلا حرج، إنما الكلام العادي كونك تملك المجلس ولا تدع أحدًا يتكلم، حتى إن بعض الناس يحب أن يتكلم لكن لا يستطيع أن يتكلم، يخشي من مقاطعة هذا الرجل الذي ملك المجلس بكلامه.\nكذلك أيضًا المتشدقون، والمتشدق هو الذي يتكلم بملء شدقيه، تجده يتكلم وكأنه أفصح العرب تكبيرًا وتبخترًا، ومن ذلك من يتكلم باللغة العربية أمام العامة، فإن العامة لا يعرفون اللغة العربية، لو تكلمت بينهم باللغة العربية لعدّوا ذلك من باب التشدق في الكلام والتنطع، أما إذا كنت تدرس لطلبة فينبغي أن تتكلم باللغة العربية، لأجل أن تمرّنهم على اللغة العربية وعلى النطق بها، أما العامة الذين لا يعرفون فلا ينبغي أن تتكلم بينهم باللغة العربية، بل تكلم معهم بلغتهم التي يعرفون، ولا تغرب في الكلمات، يعني لا تأتي بكلمات غريبة تُشكِل عليهم، فإن ذلك من","vol":"3","page":571},{"text":"التشدق في الكلام.\n\nأما المتفيهقون فقد وصفهم النبي ﷺ بالمتكبرين، المتكبر الذي يتكبر على الناس ويتفيهق، وإذا قام يمشي كأنه يمشي على روق من تكبره وغطرسته، فإن هذا لا شك خلق ذميم، ويجب على الإنسان أن يحذر منه؛ لأن الإنسان بشر فينبغي أن يعرف قدر نفسه، حتى لو أنعم الله عليه بمال، أو أنعم الله عليه بعلم، أو أنعم الله عليه بجاه، فينبغي أن يتواضع، وتواضع هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالمال والعلم والجاه افضل من تواضع غيرهم، ممن لا يكون كذلك.\nولهذا جاء في الحديث من الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: (عائل مستكبر) لأن العائل لا داعي لاستكباره، والعائل هو الفقير، فهؤلاء الذين منَّ الله عليهم بالعلم والمال والجاه كلما تواضعوا؛ صاروا أفضل ممن تواضع من غيرهم الذين لم يمنّ الله عليهم بذلك.\nفينبغي لكل من أعطاه الله نعمة أن يزداد شكرًا لله، وتواضعًا للحق وتواضعًا للخلق، وفقني الله وإياكم لأحاسن الأخلاق والأعمال، وجنبنا وإياكم سيئات الأخلاق والأعمال إنه جواد كريم.","vol":"3","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>٧٤- باب الحلم والأناة والرفق</span>\nقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) .\nوقال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) .\nوقال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت: ٣٥) .\nوقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحلم، والأناة، والرفق.\nهذه ثلاثة أمور متقاربة: الحلم، والأناة، والرفق.\nأما الحلم: فهو أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، إذا حصل غضب وهو قادر فإنه يحلم، ولا يعاقب، ولا يعاجل بالعقوبة.\nوأما الأناة فهو التأني في الأمور، وعدم العجلة، وألا يأخذ الإنسان الأمور بظاهرها فيتعجل، ويحكم على الشيء قبل أن يتأنى فيه وينظر.\n\nوأما الرفق فهو معاملة الناس بالرق والهون، حتى وإن استحقوا ما يستحقون من العقوبة والنكال فإنه يرفق بهم.\nولكن هذا فيما إذا كان الإنسان الذي يرفق به محلًا للرفق، أما إذا لم","vol":"3","page":573},{"text":"يكن محلًا للرفق فإن الله ﷾ قال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور: ٢) .\nثم ساق المؤلف أيات. قال في الأية الأولى قول الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤)، هذه من جملة الأوصاف التي يتصف بها المتقون الذين أعدت لهم الجنة: أنهم يكظمون إذا غضبوا.\n\nوفي قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) دليلٌ على أنهم يشق عليهم ذلك، لكنهم يغلبون أنفسهم فيكظمون غيظهم، ولهذا قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة» الصرعة: يعني الذي يصرع الناس إذا صارعوه: «وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . أما قوله تعالى: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فقد سبق الكلام عليه، وبيان التفصيل فيمن يستحق العفو ومن لا يتسحق، فالإنسان الشرير الذي لا يزداد بالعفو عنه إلا سواءًا وشراسة ومعاندة هذا لا يعفى عنه.\nوالإنسان الذي هو أهل للعفو. ينبغي للإنسان أن يعفوعنه؛ لأن الله يقول (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) .\nوأما الأية الثانية فهي قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ","vol":"3","page":574},{"text":"الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩)، قال خذ العفو ولم يقل أعف ولا أفعل العفو، بل قال: (خُذِ الْعَفْوَ) والمراد بالعفو هنا ما عفا وسهل من الناس؛ لأن الناس يعامل بعضهم بعضًا، فمن أراد من الناس أن يعاملوه على الوجه الذي يحب وعلى الوجه الأكمل؛ فهذا شيء يصعب عليه ويشق عليه ويتعب وراء الناس.\n\nوأما من استرشد بهذه الأية، وأخذ ما عفا من الناس وما سهل، فما جاء منهم قبله، وما أضاعوه من حقه تركه، إلا إذا انتهكت محارم الله، فإن هذا هو الذي أرشد الله إليه؛ أن نأخذ العفو، فخذ ما تيسر من أخلاق الناس معاملتهم لك، والباقي أنت صاحب الفضل فيه إذا تركته.\n(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) يعني: مُر بما يتعارفه الناس ويعرفه الشرع من أمور الخير، ولا تسكت عن الأمر بالخير إذا كان الناس أخلوا به فيما بينك وبينهم أفعل ما تشاء في حقك، لكن الشيء المعروف ينبغي أن تأمر به.\n(وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين) المراد بالجاهل هنا ليس هو الذي لا يعلم الحكم؛ بل الجاهل السفيه في التصرف، كما قال الله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) أي بسفاهة (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِم) (النساء: ١٧) .\n\nفالجاهلون هنا هم السفهاء الذين يجهلون حقوق الغير، ويفرطون فيها، فأعرض عنهم ولا تبال بهم، وأنت إذا أعرضت عنهم ولم بتبال بهم فإنهم سوف يملون يوتعبون، ثم بعد ذلك يرجعون إلى صوابهم، ولكن إذا عاندتهم أو خاصمتهم أو أردت منهم أن يعطوك حقك كاملًا، فإنهم ربما بسفههم يعاندون ولا يأتون بالذي تريد.","vol":"3","page":575},{"text":"فهذه ثلاثة أوامر من الله ﷿ فيها الخير لو أننا سرنا عليها: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الاعراف: ١٩٩) .\nقوله تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .\nصبر: يعني على الأذي، وغفر: يعني تجاوز عنه إذا وقع به، إن ذلك لمن عزم الأمور: أي لمن معزومات الأمور، أي من الأمور التي تدل على عزم الرجل، وعلى حزمه، وعلى أنه قادر على نفسه مسيطر عليها، وذلك لأن الناس ينقسمون إلى أقسام بالنسبة لسيطرتهم على أنفسهم.\nفمن الناس من لا يستطيع أن يسيطر على نفسه أبدًا، ومن الناس من يستطيع لكن بمشقة شديدة، ومن الناس من يستطيع لكن بسهولة، يكون قد جلبه الله ﷿ على مكارم الأخلاق، فيسهل عليه الصبر والغفران.\nفالذي يصبر على أذى الناس ويتحمل ويحتسب الأجر من الله ويغفر لهم، هذا هو الذي صنع هذه المعزومة من الأمور أي من الشؤون، وهذا حث واضح على أنه ينبغي للإنسان أن يصبر ويغفر، وقد سبق لنا التفصيل في مسألة العفو عن الجناة والمعتدين، وأنه لا يمدح مطلقًا ولا يذم مطلقًا، يل ينظر إلى الإصلاح.\n* * *\n١/٦٣٢- وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يُحبهما الله: الحلمُ والأناةُ» رواهُ مسلم.\n٢/٦٣٣- وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \" إن الله رفيقٌ","vol":"3","page":576},{"text":"يحبٌ الرفق في الأمر كله\" متفق عليه.\n٣/٦٣٤- وعنها ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف ومالا يعطي على ما سواه» رواه مسلم.\n٤/٦٣٥- وعنها ﵂ أن النبي ﷺ قال: \" إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانهُ، ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانهُ\" رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف - ﵀- هنا في سياق الأحاديث ما قاله النبي ﷺ لأشج عبد القيس، قال له: \" إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة\".\nالحلم: عندما يثار الإنسان ويجنى عليه ويعتدى عليه يحلم، لكنه ليس كالحمار لا يبالي بما فعل به، يتأثر لكن يكون حليمًا لا يتعجل بالعقوبة، حتى إذا صارت العقوبة خيرًا من العفو أخذ بالعقوبة.\nوالأناة: التأني في الأمور وعدم التسرع، وما أكثر ما يهلك الإنسان ويزل بسبب التعجل في الأمور، وسواء في نقل الأخبار، أو في الحكم على ما سمع، أو في غير ذلك.\nفمن الناس مثلًا من يتخطف الأخبار بمجرد ما يسمع الخبر يحدِّث به","vol":"3","page":577},{"text":"وينقله، وقد جاء في الحديث «كفي بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» .\nومن الناس من يتسرع في الحكم، سمع عن شخص شيئًا من الأشياء، ويتأكد أنه قاله أو أنه فعله ثم يتسرع في الحكم عليه، أنه أخطأ أو ضلّ أو ما أشبه ذلك، وهذا غلط، التأني في الأمور، كله خير.\n\nثم ذكر المؤلف أحاديث عائشة ﵂ الثلاثة في باب الرفق، وأن الرفق محبوب إلى الله ﷿، وأنه ما كان في شيءٍ إلا زانه، ولا نزع من شيءٍ إلا شانه، ففيه الحثّ على أن يكون الإنسان رفيقًا في جميع شؤونه، رفيقًا في معاملة أهله، وفي معاملة إخوانه، وفي معاملة أصدقائه، وفي معاملة عامة الناس يرفق بهم، فإن الله ﷿ رفيقٌ يحب الرفق.\nولهذا فإن الإنسان إذا عامل الناس بالرفق يجد لذة وانشراحًا، وإذا عاملهم بالشدة والعنف ندم، ثم قال ليتني لم أفعل، لكن بعد أن يفوت الأوان، أما إذا عاملهم بالرفق واللين والأناة انشرح صدره، ولم يندم على شيء فعله.\nوفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح وحسن الأخلاق والآداب.\n* * *\n٥/٦٣٦- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال: بال أعرابيٌ في المسجد، فقام الناسُ إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ: «دعوهُ وأريقُوا على بوله سجلًا من ماءٍ، أو ذنوبًا من ماءٍ، فإنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا مُعسرين» رواه البخاري.","vol":"3","page":578},{"text":"\"السجل\" بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وهي الدلو المُمتلئة ماءً، وكذلك الذنوبُ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف ﵀ في باب الحلم والأناة والرفق في كتابه رياض الصالحين، حديث أبي هريرة ﵁؛ أن أعرابيًا بال في المسجد.\nأعرابي: يعني بدوي؛ والبدوي في الغالب لا يعرف أحكام الشرع؛ لأنه يعيش في البادية في إبله أو في غنمه، وليس له علم بشريعة الله، كما قال الله تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) (التوبة: ٩٧)، يعني أقرب ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، لأنهم في باديتهم بعيدون عن الناس وعن العلم والشرع.\nهذا الأعرابي دخل المسجد واحتاج إلى أن يبول، فبال في طائفة المسجد، أي تنحى وبال في المسجد، فهمّ الناس به أن يقعوا فيه وزجروه، ولكن النبي ﷺ قال: لهم: «دعوه» دعوه يقضي بوله، «وأريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» فتركه الناس.\n\nفلما قضى بوله صبّوا عليه ذنوبًا من الماء، يعني دلوًا من الماء، فطهر المحل، وزال المحذور، ثم دعا بالأعرابي وقال له: \" إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر، وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن، والتكبير\" أو كما قال الرسول ﷺ.","vol":"3","page":579},{"text":"ففي هذا الحديث فوائد كثيرة:\nمنها: العذر بالجهل، وأن الإنسان الجاهل لا يعامل كما يعامل العالم؛ لأن العالم معاند، والجاهل متطلع للعلم فيعذر بجهله، ولهذا عذره النبي ﷺ ورفق به.\nومنها: أن الشرع يقتضي دفع أعلى المفسدتين بأدناهما، يعني إذا كان هناك مفسدتان ولابد من ارتكاب أحدهما؛ فإن يرتكب الأسهل.\nفهنا أمامنا مفسدتان:\nالأولى: استمرار هذا الأعرابي في بوله، وهذه مفسدة.\nوالثانية: إقامته من بوله، وهذه مفسدة أيضًا، لكن هذه أكبر؛ لأن هذه يترتب عليها.\nأولًا: الضرر على هذا البائل؛ لأن البائل إذا منع البول المتهيىء للخروج ففي ذلك ضرر، فربما تتأثر مجاري البول ومسالك البول.\nثانيًا: أنه إذا قام فإما أن يقطع رافعًا ثوبه؛ لئلا تصيبه قطرات البول، وحينئذٍ تكون القطرات منتشرة في المكان، وربما تأتي على أفخاذه ويبقى مكشوف العورة أمام الناس وفي المسجد، وإما أن يدلي ثوبه، وحينئذٍ يتلوث الثوب ويتلوث البدن وهذه أيضًا مفسدة.\nفلهذا ترك النبي ﷺ هذا الرجل يبول حتى انتهى، ثم أمر بأن يصب عليه ذنوبًا من ماء.\nوعلى هذا فيكون لدينا قاعدة: إذا اجتمعت مفسدتان لابد من ارتكاب إحداهما، فإنه يرتكب الأسهل والأخف، دفعًا للأعلى، كما إنه","vol":"3","page":580},{"text":"إذا اجتمعت مصالح ولا يمكن فعل جميعها، فإنه يؤخذ بالأعلى فالأعلى، ففي المصالح يقدم الأعلى، وفي المفاسد يقدم الأسهل والأدنى.\nومن فوائد هذا الحديث: وجوب تطهير المسجد وأنه فرض كفاية؛ لقول الرسول ﷺ: «أريقوا على بوله سجلًا من ماء» فيجب على من رأى نجاسة في المسجد أن يطهرها بنفسه، أو يبلغ من هو معني بالمسجد ومسؤول عنه حتى يقوم بتطهيرها.\nومنها: اشتراط طهارة مكان المصّلي، فالمصلّي يجب عليه أن يطهر ثوبه وبدنه ومكان صلاته، لابد من ذلك سواءً كانت أرضًا أو فراشًا أو غير ذلك، المهم أنه لابد من طهارة مكان المصلي.\n\nومنها: أن الأرض يكفي في تطهيرها أن يصب على النجاسة ماء مرة واحدة، فإذا عمرت بالماء طهرت، لكن إن كانت النجاسة ذات جرم كالغائط والروث وما أشبهها؛ فلابد من زوال هذا الجرم، وبعدها يطهر المحل بصب ماءٍ عليه.\nومنها: أنه لابد من الماء في تطهير النجاسة؛ لقوله:: «أريقوا على بوله سجلًا من ماء» وأن النجاسة لا تطهر بغير الماء، وهذا ما عليه أكثر العلماء.\nوالصحيح أن النجاسة تطهر بكل ما يزيلها من ماء أو بنزين، أو غيره، وإنما أمر النبي ﷺ بصب الماء على مكان البول؛ لأنه أسرع في تطهير المكان، وإلا فمن الممكن أن يبقى المكان لا يصب عليه الماء، ثم مع الرياح والشمس تزول النجاسة ويطهر، لكن هذا أسرع وأسهل.","vol":"3","page":581},{"text":"ومن المعلوم أنه في عهد الرسول ﷺ لا توجد هذه المزيلات الكيماوية أو البترولية، فلذلك كانوا يعتمدون في إزالة النجاسة على الماء، ولكن متى زالت النجاسة طهر المحل بأي مزيل كان؛ لأن النجاسة عين خبيثة نجسة، متى زالت عاد المحل إلى طهارته بأي شيءٍ كان.\nولهذا يطهر البول والغائط بالأحجار؛ يستجمر الإنسان بالحجر ثلاث مرات مع الإنقاء ويكفي.\n\nوثوب المرأة الذي تجره إذا مر بالنجاسة ثم مر بعد ذلك بأرض طاهرة طهرته، وكان من عادة النساء في عهد الرسول ﷺ أن المرأة إذا خرجت واتخذت ثوبًا ضافيًا يستر قدميها، وينجر من ورائها إلى شبر أو شبرين أن ذراع، ولكن لا يزيد على ذراع. هذا في عهد الرسول ﷺ، عهد النساء الطاهرات في الزمن الطاهر، فما بالك اليوم؟!\nلكن مع الأسف أن المسلمين اليوم لا ينظرون إلى من سلف من هذه الأمة، ولكنهم ينظرون إلى من تأخر من هذه الأمة؛ إلى الخلف الذين قال الله فيهم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (مريم: ٥٩) .\nأصبحنا ننظر الآن إلى من خلف بل ننظر إلى ما دون ذلك؛ ننظر إلى أعدائنا؛ إلى اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين وما أشبه ذلك، فنقتدي بهم في مثل هذه الألبسة، فترى النساء الآن كلما جاءت المجلة التي يسمونها البردة، ذهبن ينظرن إليها، ثم تذهب المرأة وتفعل مثل ما فعلوا.\nوأقول: يجب على أولياء الأمور أن يمنعوا من تداول هذه المجلات،","vol":"3","page":582},{"text":"وهذه البردات بين أيدي النساء؛ لأن المرأة ضعيفة؛ ضعيفة العقل وضعيفة الدين كما وصفها بهذا الرسول ﷺ: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» فتغتر وتنخدع بهذه المظاهر.\nوكثيرٌ من الرجال مع الأسف الشديد هم رجال في ثياب رجال وإلا فهم نساء، التدبير للنساء عليهم، وهن القوامات عليهم، عكس ما أمر الله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) (النساء: ٣٤)، لكن أصبح الآن في كثير من الناس النساء قوامات على الرجال، هي التي تدبر الرجل، وهي التي تلبس ما شاءت، وتفعل ما شاءت، ولا تبالي بزوجها ولا بوليها.\nفالواجب على الأولياء أن يمنعوا من تداول هذه المجلات التي تأتينا بهذه الأزياء البعيدة عن الزي الإسلامي، فالنساء في عهد الرسول ﷺ إذا خرجن إلى السوق لبسن ثيابًا طويلة حتى لا تبدو أقدامهن.\n\nوأما في البيوت فكما يقول شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: المرأة في بيتها في عهد الرسول عليها لباس يستر من كف اليد إلى كعب الرجل، وهي في البيت، ليس عندها إلا النساء أو رجال محارم، ومع ذلك تتستر من الكف إلى الكعب، كلها متسترة.\nوبهذا نعرف فساد تصور من تصور قول الرسول ﷺ لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، أن المرأة يجوز لها أن تقتصر في لباسها على لباسٍ يستر ما","vol":"3","page":583},{"text":"بين السرة والركبة، يردن أن تخرج المرأة كاشفة كل بدنها إلا ما بين السرة والركبة، فمن قال هذا؟!\nإن الرسول ﷺ يخاطب الناظرة لا اللابسة يقول: «لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة»، يعني ربما تكون اللابسة قد كشفت ثوبها لقضاء حاجة من بول أو غائط، فيقول لا تنظر لعورتها، لم يقل الرسول ﷺ للمرأة أن تلبس ما يستر ما بين السرة والركبة فقط، من توهّم هذا فإنه من وحي الشيطان، ولننطر كيف كانت النساء في عهد الرسول ﷺ تلبس الثياب.\n\nلذلك يجب أن نصَّحح هذا المفهوم الذي تدندن به كل امرأة ليس عندها فهم، وليس عندها نظر لمن سبق، نقول لها: هل تظنين أن الشرع الإسلامي يبيح للمرأة أن تخرج بين النساء ليس عليها إلا سروال قصير يستر ما بين السرة والركبة، فمن قال إن هذا هو الشرع الإسلامي؟ ومن قال إن هذا هو معنى قول رسول الله ﷺ: «لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة» من قال هذا؟!\nوالرسول ﷺ قال: «ولا الرجل إلى عورة الرجل» ومع ذلك كان الرجال في عهده يلبسون رداءً وإزارًا، ويلبسون قميصًا، ولا يلبسون إزارًا فقط.\nحتى أن الرجل الفقير الذي طلب من النبي ﷺ أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للرسول ولم يردها، قال: زوجنيها، قال: «ما معك من صداق» قال: إزاري، لأنه فقير، كيف يكون الإزار مهرًا للمرأة إن","vol":"3","page":584},{"text":"أعطيتها أياه بقيت بلا إزار، وإن بقي عليك بقيت بلا مهر؟! ارجع فالتمس ولو خاتمًا من حديد ولكنه لم يجد. فلم يكونوا - وهم الرجال- يقتصرون على ما بين السرة والركبة أبدًا.\nوالحاصل أن العلم يحتاج إلى فقه، ويحتاج إلى نظر في حال الصحابة ﵃؛ كيف فهموا النصوص فنطبقها، حتى دول الغرب الكافرة الآن أكثرهم يلبس ما يستر الصدر والفخذين، ولم يفهم أحد من هذا الحديث أن المعنى للمرأة ان تبقى مكشوفة البدن إلا ما بين السرة والركبة، ما فهم هذا أحدٌ أبدًا.\nفالحاصل أن الرسول ﷺ جعل ذيل المرأة - أي طرف ثوبها الذي يمشي على الأرض- إذا التقى بنجاسة ثم مرت على أرض طاهرة فإن الطاهر يطهره، فدل ذلك على أن النجاسة تطهر بكل ما يزيلها من ماء وغيره.\nومن فوائد حديث الأعرابي: حسن خلق الرسول ﷺ، وتعليمه، ورفقه، وأن هذا هو الذي ينبغي لنا إذا دعونا إلى الله، أو أمرنا بمعروف، أو نهينا عن منكر أن نرفق؛ لأن الرفق يحصل به الخير، والعنف يحصل به الشر، ربما إذا عنفت أن يحصل من قبيلك ما يسمونه برد الفعل ولا يقبل منك شيئًا، يرد الشرع من أجلك، لكن إذا رفقت وتأنيت فهذا هو الأقرب إلى الإجابة.\n\nومنها: أن الرسول ﷺ جعل هذه الأمة مبعوثة، فقال: «فإنما بعثتم» مع أن المبعوث هو، لكن أمته يجب أن تقوم مقامه في الدعوة إلى دينه","vol":"3","page":585},{"text":"ﷺ، وأن يكون الإنسان كأنه المبعوث وكأنه الرسول في تبليغ الشرع، ولهذا قال الرسول ﷺ: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» فنحن أمة محمد ﷺ علينا أن نبلغ شرعه إلى جميع الناس، ولهذا قال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» .\nوفي هذا الحديث أن الرسول ﷺ لما كلم الأعرابي بهذا اللطف واللين، وقال إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيءٌ من الأذى والقذر، قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، انظر كيف انشرح صدره بكلام محمد ﷺ.\nأما الجماعة من الصحابة ﵃ لما أغضبوه وانتهروه- وهو أعرابي لا يعرف- رأى أن الجنة والرحمة تكون له ولمحمد، وغيرهما لا يرحمون، وليته قال اللهم ارحمني ومحمدًا وسكت، بل قال ولا ترحم معنا أحدًا، فتحجر الرحمة، لكنه جاهل، والجاهل له حكمه.\n\nفالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يرفق في الدعوة، وفي الأمر، وفي النهي. وجربوا وانظروا أيهما أصلح، ونحن نعلم علم اليقين أن الاصلح هو الرفق؛ لأن هذا هو الذي قاله الرسول ﷺ، وهو الذي أتبعه في هديه ﷺ، والله الموفق.\n* * *","vol":"3","page":586},{"text":"٦/٦٣٧- وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يسروا ولا تُعسروا، وبشروا ولا تنفروا» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث ذكره النووي ﵀ في باب الحلم والرفق والأناة في كتابه رياض الصالحين، وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» .\nهذه أربع جمل: الأولى قوله: «يسروا» يعني اسلكوا ما فيه اليسر والسهولة سواء كان فيما يتعلق بأعمالكم أو معاملاتكم مع غيركم، ولهذا كان النبي ﷺ من هديه أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.\n\nفاختر الأيسر لك في كل أحوالك، في العبادات، في المعاملات مع الناس، في كل شيء؛ لأن اليسر هو الذي يريده الله ﷿ منا، ويريده بنا: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) .\nفمثلًا إذا كان لك طريقان إلى المسجد؛ أحدهما صعب فيه حصى وأحجار وأشواك والثاني سهل، فالأفضل أن تسلك الأسهل، وإذا كان هناك ماءان وأنت في الشتاء، وكان أحدهما بارد يؤلمك والثاني ساخن","vol":"3","page":587},{"text":"ترتاح له، فالأفضل أن تستعمل الساخن، لأنه أيسر وأسهل، وإذا كان يمكن أن تحج على سيارة أو تحج على بعير والسيارة أسهل، فالحج على السيارة أفضل.\nفالمهم أنه كل ما كان أيسر فهو أفضل ما لم يكن إثمًا؛ لأن أم المؤمنين عائشة ﵂ تقول: كان الرسول ﷺ ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.\nأما إذا كان فعل العبادة لا يتأتى إلا بمشقة، وهذه المشقة لا تسقطها عنك ففعلتها على مشقة، فهذا أجر يزداد لك، فإن إسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات ويكفر به الخطأيا، لكن كون الإنسان يذهب إلى الأصعب مع إمكان الأسهل هذا خلاف الآفضل، فالأفضل اتباع الأسهل في كل شيء.\n\nوانظر إلى الصوم، قال فيه الرسول ﷺ: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، وفي حديث آخر «وأخروا السحور» لماذا؟ لأن تأخير السحور أقوى على الصوم مما لو تقدم، والمبادرة بالفطر أسهل وأيسر على النفس لا سيما مع طول النهار وشدة الظمأ.\nفهذا وغيره من الشواهد يدل على أن الأيسر أفضل، فأنت يسِّر على","vol":"3","page":588},{"text":"نفسك.\nكذلك أيضًا في مزاولة الأعمال إذا رأيت أنك إذا سلكت هذا العمل فهو أسهل وأقرب ويحصل به المقصود؛ فلا تتعب نفسك في أعمال أخرى أكثر من اللازم وأنت لا تحتاج إليها؛ فافعل ما هو أسهل في كل شيء، وهذه قاعدة: أن اتباع الأسهل والأيسر هو الأرفق بالنفس والأفضل عند الله.\n«ولا تعسروا» يعني لا تسلكوا طرق العسر لا في عبادتكم، ولا في معاملاتكم، ولا في غير ذلك، فإن هذا منهي عنه فلا تعسر، ولهذا لما رأى النبي ﷺ رجلًا واقفًا في الشمس، سأل عنه، قالوا يا رسول الله، هو صائم؛ نذر أن يصوم ويقف في الشمس، فنهاه وقال له لا تقف في الشمس؛ لأن هذا فيه عسر على الإنسان ومشقة، والرسول ﷺ يقول لا تعسر.\n\nالجملة الثانية قال: «وبشروا» بشروا يعني اجعلوا طريقكم دائمًا البشارة، بشروا أنفسكم وبشروا غيركم، يعني إذا عملت عملًا فاستبشر وبشر نفسك، فإذا عملت عملًا صالحًا فبشر نفسك بأنه سيقبل منك إذا اتقيت الله فيه، لأن الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: ٢٧)، وإذا دعوت الله فبشر نفسك أن الله يستجيب لك؛ لأن الله ﷾ يقول: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: ٦٠) .\nولهذا قال بعض السلف من وفق للدعاء فليبشر بالإجابة؛ لأن الله قال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: ٦٠)، فأنت بشِّر نفسك","vol":"3","page":589},{"text":"في كل عمل.\nوهذا يؤيده أن النبي ﷺ كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل؛ لأن الإنسان إذا تفاءل نشط واستبشر وحصل له خير، وإذا تشاءم فإنه يتحسر، وتضيق نفسه، ولا يقدم على العمل، ويعمل وكأنه مكره، فأنت بشر نفسك، كذلك بشر غيرك، فإذا جاءك إنسان، قال فعلت كذا وفعلت كذا وهو خائف فبشره، وأدخل عليه السرور.\nلا سيما في عيادة المريض؛ فإذا عدت مريضًا فقل له أبشر بالخير، وأنت على خير، ودوام الحال من المحال، والإنسان عليه أن يصبر ويحتسب ويؤجر على ذلك، وما أشبه ذلك، وبشره قائلًا: أنت اليوم وجهك طيب، وما أشبه ذلك؛ لأنك بهذا تدخل عليه السرور، وتبشره، فاجعل طريقك هكذا فيما تعامل به نفسك وفيما تعامل به غيرك، الزم البشارة، وأدخل السرور على نفسك، وأدخل السرور على غيرك، فهذا هو الخير.\n«ولا تنفروا» يعني لا تنفروا الناس عن الأعمال الصالحة، ولا تنفروهم عن الطرق السليمة؛ بل شجعوهم عليها، حتى في العبادات لا تنفروهم.\nومن ذلك أن يطيل الإمام بالجماعة أكثر من السنة، فإن معاذ بن جبل ﵁ كان إذا صلى مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ذهب إلى قومه فصلى بهم تلك الصلاة، فدخل يومًا من الأيام في الصلاة، فشرع في سورةٍ طويلة، فانصرف رجلٌ وصلى وحده، فقيل نافق فلان، فذهب الرجل","vol":"3","page":590},{"text":"للنبي ﷺ ثم إن معاذًا أتى إلى رسول الله عليه الله عليه وسلم، فقال له: «أفتان أنت يا معاذ» .\nوكذلك الرجل الآخر قال له الرسول ﷺ: «إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليخفف» .\n\nفالتنفير لا ينبغي؛ فلا تنفر الناس بل لِنْ لهم، حتى في الدعوة إلى الله ﷿ لا تدعُهم إلى الله دعوة منفر، لا تقل إذا رأيت إنسانًا على خطأ: يا فلان أنت خالفت، أنت عصيت، أنت فيك. إلى آخر، هذا ينفرهم، ويزيدهم في التمادي في المعصية، ولكن ادعهم بهونٍ ولين حتى يألفك ويألف ما تدعو إليه، وبذلك تمتثل أمر النبي ﷺ في قوله: «بشروا ولا تنفروا» .\nفخذ هذا الحديث أيها الأخ، خذه رأس مالٍ لك «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» سر إلى الله ﷿ على هذا الأصل، وعلى هذا الطريق، وسر مع عباد الله على ذلك تجد الخير كله، والله الموفق.\n* * *","vol":"3","page":591},{"text":"٧/٦٣٨- وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يحرم الرفق يحرم الخير كُله» رواه مسلم.\n٨/٦٣٩- وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاٌ قال للنبي ﷺ: أوصني: قال: «لا تغضب» فردد مرارًا: قال: «لا تغضب» رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ حديثًا فيه الأمر بالرفق والحث عليه، حيث قال النبي ﷺ: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» يعني أن الإنسان إذا حرم الرفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنه يحرم الخير كله أي فيما تصرف فيه، فإذا تصرف الإنسان بالعنف والشدة فإنه يحرم الخير فيما فعل\nوهذا شيء مجرب ومشاهد أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشدة؛ فإنه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرفق والحلم والأناة وسعة الصدر؛ حصل على خيرٍ كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائمًا رفيقًا حتى ينال الخير.\nإما حديث أبي هريرة؛ فهو أن رجلًا قال يا رسول الله، أوصنى، قال «لا تغضب» فردد مرارًا وهو يقول: أوصنى، فقال: «لا تغضب» والمعنى لا تكن سريع الغصب يستثيرك كل شيء؛ بل كل شيء؛ بل كن مطمئنًا","vol":"3","page":592},{"text":"متأنيًا؛ لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان حتى يغلي القلب، ولهذا تنتفخ الأوداج؛ عروق الدم، وتحمر العين، ثم ينفعل الإنسان حتى يفعل شيئًا يندم عليه.\nوإنما أوصى النبي ﷺ هذا الرجل ألا يغضب دون أن يوصيه بتقوى الله أو بالصلاة أو بالصيام أو ما أشبه ذلك؛ لأن حال هذا الرجل تقتضي ذلك، ولهذا أوصى غيره بغير هذا الشيء؛ أوصى؟ أبا هريرة أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن يوتر قبل أن ينام، وأوصى أبا الدرداء بمثل ذلك، أما هذا فأوصاه ألا يغضب؛ لأن النبي ﷺ علم من حاله أنه غضوب كثير الغضب، فلذلك قال لا تغضب.\nوالغضب يحمل الإنسان على أن يقول كلمة الكفر، على أن يطلق زوجته، على أن يضرب أمه، على أن يعق أباه، كما هو مشاهد ومعلوم، ثم تجد الإنسان من حين أن يتصرف يبرد ثم يندم ندمًا عظيمًا، وما أكثر الذين يسألون: غضبت علي زوجتي فطلقت، غضبت عليها فطلقتها بالثلاثة، غضبت علي فلانة فحرمت عليه، وما أشبه ذلك، فأنت لا تغضب. لا تغضب، فإن الغضب لا شك أنه يؤثر على الإنسان حتى يتصرف تصرف المجانين.\nولهذا قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا غضب غضبًا شديدًا حتى لا يدري ما يقول؛ فإنه لا عبرة بقوله، ولا أثر لقوله؛ إن كان طلاقًا فإن امرأته لا تطلق، وإن كان دعاءً فإنه لا يستجاب؛ لأنه يتكلم بدون عقل وبدون تصور. نسأل الله لنا ولكم العافية والسلامة.","vol":"3","page":593},{"text":"٩/٦٤٠- وعن أبي يعلى شداد بن أوسٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدُكم شفرته، وليرح ذبيحتهُ» رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه رياض الصالحين في باب الحِلم والرفق والأناة في سياق الأحاديث الواردة في ذلك، نقل عن شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» .\nكتبه على كل شي: يعني في كل شيء كتب الإحسان في كل شيء، يعني أن الله ﷿ شرع الإحسان في كل شيء، حتى في القتل، وحتى في الذبح، وفي غير ذلك من الأمور. عليك أن تكون محسنًا لما تقوم به.\n«فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» . وذلك لأن إزهاق النفوس يكون بالقتل أحيانًا، وبالذبح أحيانًا.\n\nفالذبح والنحر يكون فيما يحل أي: فيما يؤكل، ويكون النحر للإبل، والذبح فيما سواها، والنحر يكون في أسفل الرقبة مما يلي الصدر، والذبح يكون في أعلى الرقبة مما يلي الرأس، ولابد في الذبح والنحر من قطع الودجين، وهما العرقان الغليظان اللذان يجري منهما الدم ويتوزع","vol":"3","page":594},{"text":"على بقية البدن؛ لأن النبي ﷺ قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا» \"\nولا ينهر الدمَ إلا قطعُ الودجين، فالشرط في حل المذكى أو المنحور أن يقطع الودجان، أما الحلقوم الذي هو مجرى النفس، والمريء الذي هو مجرى الطعام، فقطعهما أكمل في الذبح والنحر، ولكن لي ذلك بشرط.\nوأما القتل فيكون فيما لا يحل أكله، فيما أمر بقتله، وفيما أبيح قتله، ومما أمر بقتله الفأر كذلك العقرب، وكذلك الحية، وكذلك الكلب العقور، فتقتل هذه الأشياء، وكذلك كل مؤذٍ فإنه يقتل.\nوعند العلماء قاعدة تقول: ما آذى طبعًا قتل شرعًا، يعني ما كان طبيعته الأذى فإنه يقتل شرعًا، وما لم يؤذ طبعًا ولكن صار منه أذية فلك قتله، لكن هذا الأخير مقيد، فلو آذاك النمل في البيت، وصار يحفر البيت ويفسده فلك قتله وإن كان منهيًا عنه في الأصل، لكن إذا آذاك فلك قتله، وكذلك غيره مما لا يؤذي طبعًا ولكن تعرض منه الأذية فاقتله إذا لم يندفع إلا بالقتل. فمثلًا إذا أردت أن تقتل فأرة وقتلها مستحب فأحسن القتلة، أقتلها بما يزهق روحها حالًا، ولا تؤذها، ومن أذيتها ما يفعله بعض الناس حيث","vol":"3","page":595},{"text":"يضع لها شيئًا شيئًا لاصقًا تلتصق به، ثم يدعها تموت جوعًا وعطشًا، وهذا لا يجوز، فإذا وضعت هذا اللاصق؛ فلابد أن تكرر مراجعته ومراقبته، حتى إذا وجدت شيئًا لاصقًا قتلته.\nأما أن تترك هذا اللاصق يومين أو ثلاثة وتقع فيه الفارة وتموت عطشًا أو جوعًا، فإنه يخشى عليك أن تدخل النار بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «دخلت النارَ امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض» .\n\nالمهم أن ما يشرع قتله فاقتله بأقرب ما يكون من إهلاكه وإتلافه، ومن ذلك الوزغ الذي يسمى السام الأبرص، ويسمى البرصي أيضًا، اقتله واحرص على أن تقتله بأن يموت في أول مرة، فهو أفضل وأعظم أجرًا وأيسر له، وكذلك بقية الأشياء التي تقتل.\nومن ذلك من يقتل قصاصًا، لكن الذي يقتل قصاصًا فإنه يفعل به كما فعل في المقتول، ودليل ذلك أن النبي ﷺ رفع إليه قضية امرأة أتاها يهودي، وكان معها حلي، فقتلها وأخذ الحلي، لكن كيف قتلها، وضع رأسها على حجر وقتلها بالحجر الثاني، فرض رأسها بين حجرين. فأُتي إليها وفيها رمق من حياة، فقيل لها من قتلك؟ فلان، فلان، فلان، حتى ذكروا اليهودي فأشارت برأسها أن نعم، فأخذوا اليهودي","vol":"3","page":596},{"text":"فاعترف، فأمر النبي ﷺ أن يرضّ رأسه بين حجرين، فوُضع رأسه على حجر ثم ضرب بالحجر الثاني حتى مات؛ لأن هذا قصاص، والله ﷿ يقول: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤) .\n\nلكن لو وجب قتله بالحرابة، يعني أنه صار يقطع الطريق على الناس، يأخذ الأموال، ويقتل الناس، فهذا يقتل، لكن يقتل بالسيف إلا إذا كان قد مثل بمن قتله فيمثل به حسب ما فعل، يفعل به كما فعل.\nفإن قال قائل: ما تقولون في الرجل إذا زنا وهو محصن فإنه يرجم بالحصى، أي بالحجر الصغير حتى يموت، وهذا يؤلمه ويؤذيه قبل أن يموت فهل يعارض ذلك هذا الحديث؟\nفالجواب لا. لا يعارضه؛ لأنه يحمل على أحد أمرين:\nالأول: إما أن يراد بإحسان القتلة ما وافق الشرع، وحينئذٍ يكون الرجم من إحسان القتلة؛ لأنه موافق للشرع.\nوالثاني: إما أن يُقال هذا مستثنى دلت عليه السنة؛ بل دل عليه القرآن الذي نسخ لفظه وبقي حكمه، ودل عليه صريح السنة.\nفالزاني المحصن الذي تزوج وجامع زوجته، إذا زنا والعياذ بالله فإنه يؤتى به، وتؤخذ حجارة صغيرة أقل من البيضة ومثل التمرة تقريبًا أو أكبر قليلًا يضرب ويرجم حتى يموت، ويتقى المَقاتل يعني لا يضرب في موضع يموت به سريعًا؛ بل يضرب علي ظهره وبطنه وما أشبه ذلك حتى يموت؛ لأن هذا هو الواجب.\n\nوالحكمة من هذا أن البدن الذي تلذذ بالشهوة المحرمة، عمَّت","vol":"3","page":597},{"text":"الشهوة جميع بدنه، فمن الحكمة أن تعم العقوبة جميع بدنه، وهذا من حكمة الله ﷿.\nثم قال النبي ﷺ: «وليحد أحدكم شفرته»، اللام هنا للأمر، ويحد: يعني يجعلها حديدة سريعة القطع، والشفرة السكين.\nيعني إذا أردت أن تذبح فاذبح بسكين مشحوذة أي مسنونة، بحيث يكون ذلك أقرب إلى القطع بدون ألم.\n«وليرح ذبيحته» هذا أمر زائد على شحذ الشفرة، وذلك بأن يقطع بقوة، يضع السكين على الرقبة ثم يجرها بقوة، حتى يكون ذلك أسرع من كونه يجرها مرتين أو ثلاث، وبعض الناس يوفقه الله من مرة واحدة حتى يقطع الودجين والحلقوم والمريء؛ لأنه يأخذ السكين بقوة، وتكون السكين جيدة مشحوذة، فليسهل على الذبيحة أو المنحورة الموت.\n\nومن إراحة الذبيحة أن تضع رجلك على رقبتها، وتمسك الرأس باليد اليسرى وتذبح باليمنى، وحينئذٍ تكون مضجعة على الجنب الأيسر، ودع القوائم اليدين والرجلين وخلِّها تتحرك بسهولة؛ لأنك إذا أمسكت بها فإن هذا ضغط عليها، وإذا تركتها تتحرك بيدها ورجليها كان هذا أيسر لها، وفيه أيضًا فائدة وهي تفريغ الدم بهذه الحركة؛ لأنه مع الحركة والاضطراب يتفرغ الدم أكثر، وكلما تفرغ فهو أحسن.\nوأما ما يفعله بعض العامة من أنه يأخذ بيدها اليسرى ويلويها على عنقها، ثم يبرك على قوائمها الثلاث رجل ويمسك بها حتى لا تتحرك أبدًا؛ فهذا خلاف السنة، السنة أنك تضع الرجل على الرقبة ثم تدع القوائم","vol":"3","page":598},{"text":"تتحرك؛ لأن ذلك أيسر لها وأشد فراغًا أو تفريغًا للدم.\nفالشاهد من هذا الحديث قوله ﷺ: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» فإن هذا من الرفق.\nولننتبه إذا قتل الإنسان بحدٍّ، يعني قتل وهو زانٍ أو قتل قصاصًا، فإنه يصلى عليه، ويدعى له بالرحمة والعفو مثل سائر المسلمين، لعل الله أن يعفو عنه ويرحمه.\n\nأما من قُتل كافرًا مرتدًّا فإنه لا يدعى له بالرحمة، ولا يغسل. مثل أن يقتل إنسان لا يصلى، فإنه يقتل مرتدًا كافرًا، هذا لا يغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يدعى له بالرحمة، ومن دعا له بالرحمة فإنه آثم متبع غير سبيل المؤمنين؛ لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) .","vol":"3","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>٧٥- باب العفو والإعراض عن الجاهلين</span>\n\nقال الله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) . وقال تعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر: ٨٥)\nوقال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: ٢٢) .\nوقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) .\nوقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .\n\nوالآيات في الباب كثيرة معلومة.\n١/٦٤٣- وعن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحُدٍ؟ قال: «لقد لقيتُ من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلالٍ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمُرهُ بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم على ثم قال: يا محمدُ إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي","vol":"3","page":600},{"text":"إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت: إن شئت اطبقتُ عليهم الأخشبين\" فقال النبي ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» متفق عليه.\n«الأخشبان»: الجبلان المُحيطان بمكة. والأخشبُ: هو الجبل الغليظ.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب العفو والإعراض عن الجاهلين. ثم ساق آياتٍ تكلمنا عليها سابقًا في أبواب سبقت.\nثم ذكر حديث عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ: هل مر عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ لأن يوم أحد كان شديدًا على رسول الله ﷺ.\nويوم أحد كان غزوة غزاها النبي ﷺ حين تجمعت قريش لغزوه، لينتقموا من النبي ﷺ فيما حصل من قتل زعمائهم في بدر؛ لأنه قتل في بدر- وهي في السنة الثانية من الهجرة- من زعمائهم أناس لهم شرفٌ وجاه في قريش.\nوفي شوال من السنة التي تليها، وهي الثالثة من الهجرة، اجتمعت قريش فجاءوا إلى المدينة ليغزوا النبي ﷺ، ولما سمع بهم النبي ﷺ،","vol":"3","page":601},{"text":"استشار أصحابه هل يخرج إليهم، أو يبقى بالمدينة؛ فإذا دخلوا المدينة قاتلهم؟ فأشار عليه الشبان والذين لم يحضروا بدرًا أشاروا عليه أن يخرج إليهم، فخرج إليهم ﷺ في نحو ألف مقاتل.\n\nإلا أنه انخذل نحو ثلث الجيش؛ لأنهم كانوا منافقين والعياذ بالله، وقالوا: لو نعلم قتالًا لاتبعناك، فبقي النبي ﷺ في نحو سبعمائة نفر، ورتبهم الرسول ﷺ أحسن ترتيب في سفح جبل أحد، وحصل القتال، وانهزم المشركون في أول النهار، وبدأ المسلمون يجمعون الغنائم.\nوكان النبي ﷺ قد جعل على ثغر الجبل خمسين رجلًا راميًا يحمون ظهور المسلمين، ولما رأى هؤلاء الرماة أن المسلمين هزموا المشركين وصاروا يجمعون الغنائم، قالوا لننزل من هذا الجبل حتى نساعد المسلمين على جمع الغنائم، ظنوا هكذا، فذكرهم أميرهم عبد الله بن جبير ذكرهم ما قال النبي ﷺ؛ لأن النبي ﷺ لما وضعهم في هذا المكان قال لا تبرحوا مكانكم، ولا تتعدوه سواء لنا أو علينا، لكنهم - عفا الله عنهم- تعجَّلوا ونزل أكثرهم.\nفلما رأى فرسان قريش أن المكان - مكان الرماة- خاليًا كروا على المسلمين من الخلف، ومنهم خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل اللذان أسلما فيما بعد وصارا فارسين من فوارس المسلمين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\n\nفدخلوا على المسلمين من خلفهم واختلطوا بهم، واستشهد من المسلمين سبعون رجلًا، على رأسهم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد","vol":"3","page":602},{"text":"المطلب عم النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ يحبه ويجله.\nوحدث للنبي ﷺ ما حدث؛ ضربوا وجهه وشجوه وصار الدم ينزف على وجهه، وفاطمة ﵂ تغسله، تغسل الدم حتى إذا لم يتوقف أحرقت حصيرًا يعني خصافًا من سعف النخل، ودرته عليه حتى وقت، وكسروا رباعيته ﷺ، وحصل من البلاء ما حصل.\nحصل بلاء عظيمٌ قال الله تعالى فيه: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٦٦، ١٦٥) .\n\nفما دام الأمر بإذنه فهو خير، وحدث في هذا ما حدث من الشدة على النبي ﷺ وعلى أصحابه، وحملوا الشهداء إلى المدينة، ولكن النبي ﷺ أمر أن يردوا إلى مصارعهم إلى المكان الذي استشهدوا فيه ودفنوا هناك؛ ليخرجوا يوم القيامة من هذا المكان الذي استشهدوا فيه ﵃ وأرضاهم.\nفقال النبي ﷺ لعائشة لما سألته: هل مر عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: نعم، وذكر لها قصة ذهابه إلى الطائف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسل لما دعا قريشًا في مكة، ولم يستجيبوا له خرج إلى الطائف؛ ليبلغ كلام الله ﷿، ودعا أهل الطائف لكن كانوا أسفه من أهل مكة، حيث اجتمعوا هم وسفهاؤهم، وصاروا صفين متقابلين في طريق النبي ﷺ، وجعلوا يرمونه بالحجارة، يرمونه بالحصى حتى أدموا عقبه ﷺ وخرج مغمومًا مهمومًا.","vol":"3","page":603},{"text":"ولم يفق ﷺ إلا وهو في قرن الثعالب، فأظلّته غمامة فرفع رأسه، فإذا في هذه الغمامة جبريل ﵇، وقال له: هذا ملك الجبال يقرؤك السلام فسلم عليه وقال: إن ربي أرسلني إليك، فإن شئت إن أطبق عليهم - يعني - الجبلين- فعلت.\n\nولكن النبي ﷺ لحلمه وبُعد نظره وتأنيه في الأمر قال: لا؛ لأنه لو أطبق عليهم الجبلين هلكوا، فقال: «لا، وإني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» .\nوهذا الذي حدث؛ فإن الله تعالى قد أخر من أصلاب هؤلاء المشركين الذين آذوا الرسول ﷺ هذه الأذية العظيمة أخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا.\nفهذا يبين أن الرسول ﷺ حدث له أشد مما حدث له في أحد، وحدث له أنواع من الأذى لكنه صابر.\nومن أعظم ما كان أنه كان ذات يوم ساجدًا تحت الكعبة، يصلي لله- والمسجد الحرام لو يجد الإنسان قاتل أبيه فيه ما قتله-، وكان ساجدًا، فقال بعض السفهاء من قريش والمعتدين منهم: أذهبوا إلى جزور آل فلان فأتوا بسلاها فضعوه على محمد وهو ساجد، فذهبوا وأتوا بسلا الجزور- الناقة -، والرسول ﷺ ساجدٌ تحت الكعبة، فوضعوه على ظهره، إهانة له وإغاظة له.\n\nفبقي الرسول ﷺ ساجدًا حتى جاءت بنته فاطمة ﵂ وألقت السلا عن ظهره، فقام من السجود، ولما سلم رفع يديه يدعو الله تعالى","vol":"3","page":604},{"text":"على هؤلاء الملأ من قريش. فالشاهد أن الرسول ﷺ كان يؤذى أشد الأذى، ومع ذلك يعفو ويصفح ويتأنى ويترجى، فبلغه الله- ولله الحمد- مراده وحصل له النصر المبين المؤزر.\nوهكذا ينبغي للإنسان أن يصبر على الأذى، لا سيما إذا أوذي في الله، فإنه يصبر ويحتسب وينتظر الفرج، وقد قال النبي ﷺ، «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» \" والله أعلم.\n* * *\n٢/٦٤٤-عن عائشة ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يُجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيءٌ قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيءٌ من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى. رواه مسلم.\n\n٣/٦٤٥- وعن أنس ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بردٌ نجرانيٌّ غليظٌ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجبذهُ بردائه جبذةٌ شديدة، فنظرتُ إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشيةُ البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمدُ مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء متفقٌ عليه.","vol":"3","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ساقها النووي ﵀ في باب العفو والإعراض عن الجاهلين، منها حيث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ ما ضرب أحدًا لا خادمًا ولا غيره بيده إلا أن يجاهد في سبيل الله، وهذا من كرمه ﷺ؛ أنه لا يضرب أحدًا على شيءٍ من حقوقه هو الخاصة به؛ لأن له أن يعفو عن حقه، وله أن يأخذ بحقه.\nولكن إذا انتهكت محارم الله؛ فإنه ﷺ لا يرضى بذلك، ويكون أشد ما يكون أخذًا بها؛ لأنه ﷺ لا يقرّ أحدًا على ما يغضب الله ﷾، وهكذا ينبغي للإنسان أن يحرص على أخذ العفو، وما عفي من أحوال الناس وأخلاقهم ويعرض عنهم، إلا إذا انتهكت محارم الله، فإنه لا يقر أحدًا على ذلك.\nومن الأحاديث التي ساقها قصة هذا الأعرابي، الذي لحق النبي ﷺ وعليه جبة نجرانية غليظة الحاشية، فجبذه، يعني: جذبه جذبًا شديدًا، حتى أثرت حاشية الجبة في عنق الرسول ﷺ من شدة الجذب، فالتفت فإذا هو أعرابي يطلب منه عطاءً، فضحك النبي ﷺ وأمر له بعطاء.\nفانظر إلى هذا الخلق الرفيع؛ لم يوبِّخه النبي ﷺ، ولم يضربه، ولم يكهر في وجهه، ولم يعبس؛ بل ضحك صلى الله عليه وسل ومع هذا أمر له بعطاء، ونحن لو أن أحدًا فعل بنا هذا الفعل ما أقررناه عليه؛ بل لقاتلناه، وأما الرسول","vol":"3","page":606},{"text":"ﷺ الذي قال الله فيه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)، فإنه التفت إليه وضحك إليه، وأعطاه العطاء.\nوهكذا ينبغي للإنسان أن يكون ذا سعة، وإذا اشتد الناس أن يسترخي هو.\nوسئل معاوية ﵁ بم سُست الناس؟؛ وذلك لأن معاوية معروف بالسياية والحكمة، فقال: أجعل بيني وبي الناس شعرة؛ إن جذبوها تبعتهم، وإن جذبتها تبعوني لكن لا تنقطع.\n\nومعنى كلامه أنه سهل الانقياد؛ لأن الشعرة إذا جعلتها بينك وبين صاحبك إذا جذبها أدنى جذب انقطعت، لكن من حسن سياسته ﵁ أنه كان يسوس الناس بهذه السياسية؛ إذا رأهم مقبلين استقبلهم، وإذا رأهم مدبرين تبعهم حتى يتمكن منهم.\nفهكذا ينبغي للإنسان أن يكون دائمًا في سياسته رفيقًا حليمًا، كما كان النبي ﷺ هكذا، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم حسن الآداب والأخلاق.\n٤/٦٤٦- وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: كأني أنظرُ على رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء، صلواتُ الله وسلامهُ عليهم، ضربهُ قومهُ فأدموهُ، وهو يمسحُ الدمَ عن وجههِ، ويقولُ: «اللهمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمُون» متفق عليه.","vol":"3","page":607},{"text":"٥/٦٤٧- وعن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديدُ الذي يملكُ نفسهُ عند الغضب» متفقٌ عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ومن الأحاديث التي نقلها النووي ﵀ في رياض الصالحين، في باب العفو والإعراض عن الجاهلين هذا الحديث، عن ابن مسعود ﵁ قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء؛ ضربه قومه حتى أدموا وجه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» .\nوهذا من حلم الأنبياء وصبرهم على أذى قومهم، وكم نال الأنبياء من أذى قومهم؟! قال الله تعالى (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) (الأنعام: ٣٤) فهذا النبي ﷺ ضربه قومه حتى أدموا وجهه يقول: \" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون\" وكأن هؤلاء القوم كانوا مسلمين، لكن حصل منهم مغاضبة مع نبيهم ففعلوا هذا معه، فدعا لهم بالمغفرة، إذ لو كانوا غير مسلمين لكان يدعوا لهم بالهداية، فيقول اللهم اهد قومي، لكن هذا الظاهر أنهم كانوا مسلمين.\n\nوالحق حقه؛ فله أن يسامح وأن يتنازل عنه، ولهذا كان القول الراجح","vol":"3","page":608},{"text":"فيمن سبَّ النبي ﷺ ثم تاب أن توبته تقبل، ولكنه يقتل، وأما من سب الله ثم تاب فإن توبته تقبل ولا يقتل، وليس هذا يعني أن سب الرسول ﷺ أعظم من سبّ الله، بل سبّ الله أعظم، لكن الله قد أخبرنا أنه يعفو عن حقه لمن تاب منه، فهذا الرجل تاب فعلمنا أن الله تعالى قد عفا عنه.\nأما الرسول ﷺ فهو قد مات، فإذا سبَّه أحد فقد امتهن حقه، فإذا تاب فإن الله يتوب عليه ويغفر له كفره الذي كفره بسبب سبِّه، ولكن حق الرسول باقٍ فيقتل.\nثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس الشديد بالصرعة» يعني ليس القوي الصرعة الذي يصرع الناس إذا صارعهم، والمصارعة معروفة وهي من الرياضة النبوية المباحة، فإن الرسول ﷺ صارع ركانة بن يزيد، وكان هذا الرجل لا يصرعه أحد، فصارعه النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ.\n\nفهذا الصرعة هو الذي إذا صارع الناس صرعهم، وليس هذا هو الشديد حقيقة، لكن الشديد الذي يصرع غضبه، إذا غضب غلب غضبه، ولهذا قال: «وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» هذا هو الشديد.\nوذلك لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم فيفور دمه، فإن كان قويًا ملك نفسه، وإن كان ضعيفًا غلبه الغضب، وحيئنذٍ ربما يتكلم بكلام يندم عليه، أو يفعل فعلًا يندم عليه.\nولهذا قال رجلٌ للرسول ﷺ: أوصني، قال: «لا تغضب» قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، ردد مرارًا","vol":"3","page":609},{"text":"وهو يقول: «لا تغضب»؛ لأن الغضب ينتج عنه أحيانًا مفاسد عظيمة؛ ربما سب الإنسان نفسه، أو سب دينه، أو سب ربه، أو طلق زوجته، أو كسر إناءه، أو أحرق ثيابه، وكثيرٌ من الوقائع تصدر من بعض الناس إذا غضبوا، كأنما صدرت من المجنون.\nولهذا كان القول الراجح أن الإنسان إذا غضب حتى لا يملك نفسه، ثم طلَّق زوجته، فإنها لا تطلق؛ لأن هذا حصل عن غلبته ليس عن اختيار، والطلاق عن الغلبة لا يقع كطلاق المكره، الله الموفق.","vol":"3","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>٧٦- باب احتمال الأذى</span>\n\nقال الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) .\nوقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .\nوفي الباب: الأحاديث السابقة في الباب قبله.\n١/٦٤٨- وعن أبي هُريرة رضي الهُ عنهُ أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعُوني، وأحسن إليهم ويُسيئون إليّ، وأحلمُ عنهم ويجهلون عليّ! فقال: \" «لئن كُنتَ كما قلتَ فكأنما تُسفهم المل، ولا يزالُ معك من الله تعالى ظهيرٌ عليهم ما دُمتَ على ذلك» رواه مسلم. وقد سبق شرحه في «باب صلة الأرحام» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الصبر على الأذى الأذى: هو ما يتأذى به الإنسان من قول أو عمل أو غير ذلك، والأذى إما أن يكون في أمر ديني أو أمر دنيوي، فإذا كان في أمرٍ ديني بمعنى أن الرجل يؤذى من أجل دينه، كان في هذا الصبر على الأذى أسوة بالرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ لأن الله يقول: (لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ","vol":"3","page":611},{"text":"فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) (الأنعام: ٣٤)، أوذوا حتى أتاهم نصر الله ﷿.\nوالإنسان إذا كان معه دين، وكان معه أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر فلابد أن يؤذى، ولكن عليه بالصبر، وإذا صبر؛ فالعاقبة للمتقينن، وقد يُبتلى المرء على قدر دينه، فيسلط الله عليه من يؤذيه امتحانًا واختبارًا، كما قال الله تعالى: (َمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) (العنكبوت: ١٠)، يعني إذا أوذي في الله من جهة دينه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ودعوته للخير، جعل هذه الفتنة كالعذاب، فنكص على عقبيه والعياذ بالله.\nوهذا كقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج: ١١) .\nيعني أن بعض الناس يعبد الله على طرف، وليس عنده عبادة متمكنة، فإن أصابه خير ولم يأته فتنة ولا أذية استمر، مشى وأطمأن، وإن أصابته فتنة من شبهه أو أذية أو ما أشبه ذلك؛ انقلب ذلك؛ انقلب على وجهه- والعياذ بالله- خسر الدنيا والآخرة.\nفالواجب الصبر على الأذى في ذات الله ﷿.\nوأما الأذى فيما يتعلق بأمور الدنيا ومعاملة الناس؛ فأنت بالخيار إن شئت فاصبر، وإن شئت فخذ بحقك، والصبر أفضل، إلا إذا كان في الصبر عدوان واستمرار في العدوان، فالأخذ بحقك أولى.","vol":"3","page":612},{"text":"ولنفرض أن لك جارًا يؤذيك؛ بأصوات مزعجة، أو دق الجدار، أو إيقاف السيارة أمام بيتك، أو ما أشبه ذلك، فالحق إذًا لك، وهو لو يؤذك في ذات الله، فإن شئت فاصبر وتحمل وانتظر الفرج، والله ﷾ يجعل لك نصيرًا عليه، وإن شئت فخذ بحقك؛ لقول الله تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى: ٤١)، ولكن الصبر أفضل ما لم يحصل بذلك زيادة عدوان من المعتدي، فحينئذٍ الأفضل أن يأخذ بحقه ليردعه عن ظلمه.\nثم ذكر المؤلف ﵀ آيتين سبق الكلام عليهما؛ قوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) .، وقوله (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .\nثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ في رجلٍ قال للنبي ﷺ: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلىَّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليَّ، يعني: فماذا أصنع؟ فقال النبي ﷺ: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال لك من الله تعالى ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك» يعني ناصر، فينصرك الله عليهم ولو في المستقبل.\nلأن هؤلاء القرابة والعياذ بالله يصلهم قريبهم لكن يقطعونه، ويحسن إليهم فيسيئون إليه، ويحلم عليهم ويعفو ويصفح ولكن يجهلون عليه ويزدادون، فهؤلاء قال النبي ﷺ: «فكأنما تسفهم المل»، المل: الرماد الحار، وتسفهم: يعني تلقمهم إياه في أفواههم، وهو كناية عن أن هذا الرجل منتصر عليهم.","vol":"3","page":613},{"text":"وليس الواصل لرحمه من يكافئ من وصله، ولكن الواصل حقيقة هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها، هذا هو الواصل حقًا، فعلى الإنسان أن يصبر ويحتسب على أذية أقاربه وجيرانه وأصحابه وغيرهم، فلا يزال له من الله ظهيرٌ عليهم، وهو الرابح، وهم الخاسرون، وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.","vol":"3","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>٧٧- باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشّرع والانتصار لدين الله تعالى</span>\n\nقال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: ٧)\nوفي الباب أحاديث منها.\n١/٦٤٩- وعن أبي مسعودٍ عُقبة بن عمرو البدري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتأخرُ عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا! فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ؛ فقال: «يا أيها الناس: إن منك منفرين، فأيكم أم الناس فليتجوز؛ فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع، والانتصار لدين الله.\nوالغضب له عدة أسباب؛ منها أن ينتصر الإنسان لنفسه؛ يفعل أحدٌ معه ما يغضبه فيغضب لينتصر لنفسه، وهذا الغضب منهيٌّ عنه؛ لأن رجلًا سأل النبي ﷺ قال له: أوصني، قال: «لا تغضب» فردد مرارًا يقول:","vol":"3","page":615},{"text":"أوصني، وهو يقول: «لا تغضب» .\n\nوالثاني من أساب الغضب: الغضب لله ﷿، بأن يرى الإنسان شخصًا ينتهك حرمات الله فيغضب غيرة لدين الله، وحمية لدين الله، فإن هذا محمود ويُثاب الإنسان عليه؛ لأن الرسول ﷺ كان هذا من سنته، ولأنه داخل في قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠)، (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢)، فتعظيم شعائر الله وتعظيم حرمات الله أن يجدها الإنسان عظيمة، وأن يجد امتهانها عظيمًا فيغضب ويثأر لذلك، حتى يفعل ما أُمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك.\nثم ذكر المؤلف آية ثانية، وهي قوله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: ٧)، والمراد بنصر الله نصر دينه، فإن الله ﷾ بنفسه لا يحتاج إلى نصر، هو غني عمن سواه، لكن النصر هنا نصر دين الله، بحماية الدين، والذب عنه، والغيظ عند انتهاكه، وغير ذلك من أسباب نصر الشريعة.\n\nومن هذا الجهاد في سبيل الله القتال؛ لتكون كلمة الله هي العليا، هذا من نصر الله، وقد وعد الله ﷾ من ينصره بهذين الأمرين: (يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) ينصركم على من عاداكم، ويثبت أقدامكم على دينه حتى لا تزالّوا، فتأمل الآن إذا نصرنا الله مرة؛ أثابنا مرتين؛ (ينْصُرْكُمْ","vol":"3","page":616},{"text":"وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) . ثم قال بعدها: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: ٨)، يعني أن الكافرين أمام المؤمنين الذين ينصرون الله لهم التعس، وهو الخسران والذل والهوان، وأضل أعمالهم يعني يكون تدبيرهم تدميرًا عليهم، وتكون أعمالهم ضالة لا تنفعه ولا ينتفعون بها.\nثم ذكر حديث عقبة بن عمرو البدري ﵁، أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ قال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح- الفجر- من أجل فلان مما يطيل بنا، وكان هذا الإمام يطيل بهم إطالة أكثر من السنة، فغضب النبي ﷺ يقول: فما رأيته غضب في موعظةٍ قط أشد مما غضب يومئذٍ.\nوقال\" «يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليتجوز» منفرين: يعني ينفرون الناس عن دين الله، وهذا الرجل لم يقل للناس لا تصلوا صلاة الفجر، لكنه نفرهم بفعله؛ بالتطويل الذي هو خارجٌ عن السنة، فنفر الناس، وفي هذا إشارة إلى أن كلَّ شيء ينفر الناس عن دينهم- ولو لم يتكلم الإنسان بالتنفير؛ فإنه يدخل في التنفير عن دين الله.\nولهذا كان الرسول ﷺ يداري في الأمور الشرعية، فيترك ما هو حسن لدرء ما هو أشد منه فتنة وضررًا، فإنه ﷺ هم أن يبني الكعبة على قواعد إبراهيم، ولكن خاف من الفتنة فترك ذلك، وكان يصوم في السفر فإذا رأى أصحابه صائمين- وقد شق عليهم الصوم- أفطر ليسهل عليهم.\nفكون الإنسان يحرص على أن يقبل الناس دين الله بطمأنينة ورضى وإقبال بدون محذور شرعي؛ فإن هذا هو الذي كان من هدي الرسول ﷺ.","vol":"3","page":617},{"text":"والشاهد من هذا الحديث غضب النبي ﷺ من هذا الفعل الذي فعله هذا الإمام، وفيه أيضًا إشارة إلى أن النبي ﷺ كان يغضب عند الموعظة لانتهاك حرمات الله، وقد قال جابر ﵁: كان النبي ﷺ إذا خطب يوم الجمعة؛ احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم.\nثم قال ﷺ: «فأيكم أم الناس فليتجوز» يعني فليخفف الصلاة، على حسب ما جاءت به السنة.\n«فأن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة» أي في المأمومين ضعيف البينة، وضعيف القوة، وفيهم مريض، وفيهم ذو حاجة؛ قد وعد أحدًا يذهب إليه، أو ينتظر أحدًا، أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز للإمام أن يثقل بالناس أكثر مما جاءت به السنة.\nوأما صلاته بالناس بحسب ما جاءت به السنة فليفعل، غضب من غضب، ورضي من رضي، والذي لا ترضيه السنة فلا أرضاه الله، السنة تتبع ولكن ما زاد عليها فلا.\nوالأئمة في هذه الحال، أو في هذه المسألة ينقسمون إلى ثلاثة أٌقسام:\nقسم مُفرّط، يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن، وهذا مخطئ، وآثم ولم يؤد الأمانة التي عليه.\n\nوقسم مُفرِط إي زائد، يثقل بالناس وكأنه يصلي لنفسه، فتجده يثقل","vol":"3","page":618},{"text":"بالقراءة، والركوع، والسجود، والقيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، وهذا أيضًا مخطئ ظالمٌ لنفسه.\nوالثالث: يصلي بهم كصلاة النبي ﷺ، فهذا خير الأقسام، وهو الذي قام بالأمانة على الوجه الأكمل، والله الموفق.\n* * *\n٢/٦٥٠- وعن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من سفرٍ وقد سترتُ سهوة لي بقرامٍ فيه تماثيلُ، فلما رآهُ رسولُ الله ﷺ هتكه وتلون وجهه وقال: «يا عائشةُ: أشدُّ الناس عذابًا «السهوةُ»: كالصُّفة تكون بين يدي البيت. و«القِرام» بكسر القاف: ستر رقيق، و«هتكه» أفسد الصورة التي فيه.\n\n٣/٦٥١- وعنها ﵂ أن قريشًا أهمهم شأنُ المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامةُ بن زيد حب رسول الله ﷺ؟ فكلمه أسامةُ؛ فقال رسول الله ﷺ: أتشفع في حد من حُدودِ الله تعالى؟! \" ثم قام فاختطب ثم قال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهمُ الشريف تركوهُ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله، لو أن فاطمة بنت مُحمدٍ سرقت لقطعتُ يدها» متفقٌ عليه.","vol":"3","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف النووي - ﵀- في كتابه رياض الصالحين في باب الغضب إذا انتهك شرع الله- وسبق لنا الكلام على الآيات التي صدر بها المؤلف هذا الباب، وأما الأحاديث فمنها حديث عائشة ﵂؛ والأول أن النبي ﷺ قدم من سفر فوجدها قد سترت سهوةً لها بقرامٍ فيه تماثيل، يعني فيه صورة، فهتكه النبي ﷺ، وأخبر «أن أشد الناس عذابًا الذين يضاهون بخلق الله» يعني المصورين، فهم أشد الناس عذابًا، لأنهم أرادوا أن يضاهوا الله ﷾ في خلقه، وفي تصويره.\n\nوكانوا فيما سبق يصورون باليد؛ لأنه ليس عندهم آلات وأجهزة تلتقط الصور بدون عمل يدوي، فكانوا يخططون بأيديهم، فيأتي الحاذق منهم ويصور صورة بيده على أنها كالذي صوره ويتقنها لتشابه صورة الله، ليُقال: ما أشد مهارة هذا الرجل، وما أعرفه، كيف استطاع أن يقلد خلق الله ﷿؟\nفهم يريدون بذلك أن يشاركون الله ﷾ في تصويره، وهو ﷾ لا شريك له: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) (آل عمران: ٦)، (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (غافر: ٦٤) .\nفهتكه: يعني مزقه ﵊.","vol":"3","page":620},{"text":"وفي هذا دليلٌ على مشروعية تمزيق الصور التي تصور باليد؛ لأنه يضاهي بها خلق الله ﷿، وإقرار المنكر كفعل المنكر، وفيه العضب إلذا انتهكت حرمات الله ﷿؛ لأن النبي ﷺ غضب وهتكه.\n\nوأما في الحديث الثاني عن عائشة ﵂ في قصة المخزومية وهي امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع فتجحده، يعني تأتي للناس تقول: أعرني قدرًا، أعرني إناءً، أعرني كذا، فإذا أعاروها جحدت وقالت: لم آخذ منكم شيئًا، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها؛ لأن هذا نوع من السرقة.\nوكانت هذه المرأة من بني مخزوم، من قبيلة من أشرف قبائل العرب ذات الأهمية والشأن، فأهم قريشًا شأنُها، وقالوا كيف تُقطع يد مخزومية، ثم طلبوا شفيعًا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أسامة بن زيد حِب رسول الله ﷺ. حِبّه يعني محبوبه، يعني أنه يحبه.\nوأسامة هو ابن زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة كان عبدًا وهبته خديجة للنبي ﷺ فأعتقه، وأسامة أبنه، وكان النبي ﷺ يحبهما، وقالوا: ليس إلا أسامة بن زيد، فتقدم أسامة بن زيد ﵁ إلى النبي ﷺ ليشفع، فأنكر عليه وقال: «أتشفع في حدّ من حدود الله؟» .\n\nثم قام فأختطب، فخطب الناس وقال لهم ﵊: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله- يعني أقسم بالله - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .","vol":"3","page":621},{"text":"والشاهد من هذا أن الرسول ﵊ غضب لشفاعة أسامة بن زيد في حدّ من حدود الله. فالغضب لله ﷿ محمود، وأما الغضب للانتقام وحظ النفس فإنه مذموم، وقد نهى عنه النبي ﷺ حين طلب أحد الصحابة أن يوصيه، فقال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب\"» فالفرق بين الغضبين ظاهر.\nالغضب لله ولشرائع الله محمود، وهو من هدي الرسول ﷺ، ودليل على غيرة الإنسان وعلى محبته لإقامة شريعة الله، أما الغضب للنفس فينبغي للإنسان أن يكتمه وأن يحلم، وإذا أصابه الغضب فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان قائمًا فليجلس، وإن كان جالسًا فليضطجع كل هذا مما يخفف عنه الغضب والله الموفق.\n* * *\n٤/٦٥٢- وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى نُخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رُئي في وجهه، فقام فحكه بيده فقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنهُ يناجي ربهُ، وإن ربه بينهُ وبين القبلةِ فلا يبزقن أحدكم قبل القبلة، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه، ثُم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضهُ على بعضٍ فقال: «أو يفعل هكذا» متفقٌ عليه.","vol":"3","page":622},{"text":"والأمرُ بالبُصاقِ عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما في المسجد فلا يبصقُ إلا في ثوبه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي ذكره النووي ﵀ في رياض الصالحين في باب الغضب إذا انتهك شرع الله ﷿، أن الرسول ﷺ رأى نخامة في القبلة، أي: في قبلة المسجد، فغضب ﵊ وحكها بيده وقال: «إن أحدكم يناجي ربه» يعني إذا كان يصلي فإنه يناجي الله يعني يخاطبه، والله ﷿ يرد عليه.\n\nفقد ثبت في الصحيح أن العبد إذا قال: الحمد لله رب العالمين، أجابه الله فقال: «حمدني عبدي»، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: «أثنى على عبدي»، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: «مجدني عبدي» وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين\"، فإذا قال: أهدنا الصراط المستقيم، قال: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» .\nفأنت تناجي الله ﷿ بكلامه، وتدعوه ﷾، وتسبحه؟، وتمجده، وتعظمه. فهو ﷾ أمامك بينك وبين القبلة، وإن كان ﷾ في السماء فوق عرشه، فإنه أمامك؛ لأنه محيط بكل شيء و(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: ١١) .","vol":"3","page":623},{"text":"ثم إن النبي ﷺ لما ذكر منع التنخم أمام القبلة يعني في قبلة الإنسان ذكر الشيء المباح؛ لأن هذا هو الهدي، وهذه هي الحكمة، أنك إذا ذكرت للناس ما هو ممنوع أن تذكر لهم ما هو جائز حتى لا تسد الأبواب عليهم. فأمر الإنسان أن يبصق عن يساره، أو تحت قدمه، أو في ثوبه ويحك بعضه ببعض؛ ثلاثة أمور: إما تحت قدمه يبصق ويطؤ عليها، وإما عن يساره، وهذا والذي قلبه متعذر إذا كان الإنسان في المسجد؛ لأنه يلوثه، وقد قال النبي ﷺ: «البصاقُ في المسجد خطيئة\"»، وإما في ثوبه، فيبصق في ثوبه ويحك بعضه ببعض.\nوفي هذا الحديث دليلٌ على أن النخامة ليست نجسة؛ لأن النبي ﷺ أمر أن يبصق المصلي تحت قدمه أو في ثوبه، ولو كانت نجسة ما أذن له أن يبصق في ثوبه، وفيه التعليم بالفعل؛ لقول النبي ﷺ: ِ «أو يقول هكذا، وبصق في ثوبه وحك بعضه ببعض» وفيه أيضًا إطلاق القول على الفعل في قوله: «أو يقول هكذا» وهو يريد الفعل.\nوفيه أيضًا: أن الإنسان لا حرج عليه أن يبصق أمام الناس، ولا سيما إذا كان للتعليم.\n\nوفيه أن من المروءة ألاَّ يرى في ثوبك شيء يستقذره الناس- لأنه حكَّ بعضها ببعض- لئلا تبقى صورتها في ثوبك فإذا رآها الناس تأذوا منه","vol":"3","page":624},{"text":"وكرهوه. فالإنسان ينبغي أن يكون نظيفًا في مظهره وفي ثيابه وفي غير ثيابه، حتى لا يتقزر الناس مما يشاهدونه منه.\nوالشاهد من هذا أن الرسول ﷺ تأثر وعُرف في وجهه الكراهية لما رأى النخامة في قبلة المسجد، والله الموفق.","vol":"3","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>٧٨- باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم</span>\nقال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .\nوقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) .\n\n١/٦٥٣- وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته والإمام راعي ومسؤول عن رعيته، والرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته» متفق عليه.\n٢/٦٥٤- وعن أبي يعلى معقلِ بن يسارٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيتةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة» متفق عليه.","vol":"3","page":626},{"text":"وفي رواية: «فلم يحُطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة» . وفي رواية لمسلم: «ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة» .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب الذي عقده المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين هو باب عظيم مهم يُخاطب به ولاة الأمور ويخاطب به الرعية، ولكل منهم على الآخر حق يجب مراعاته.\n\nأما ولاة الأمور فيجب عليهم الرفق بالرعية، والإحسان إليهم، واتباع مصالحهم، وتوليه من هو أهل للولاية، ودفع الشر عنهم؛ وغير ذلك من مصالحهم؛ لأنهم مسؤولون عنهم أمام الله ﷿.\nوأما الرعية فالواجب عليهم السمع والطاعة في غير المعصية، والنصح للولاة، وعد التشويش عليهم، وعدم إثارة الناس عليهم، وطي مساوئهم، وبيان محاسنهم؛ لأن المساوئ يمكن أن ينصح فيها الولاة سرًا بدون أن تُنشر على الناس؛ لأن نشر مساوئ ولاة الأمور أمام الناس لا يُستفاد منه؛ بل لا يزيد الأمر إلا شدة؛ فتحمل صدور الناس البغضاء والكراهية لولاة الأمور.","vol":"3","page":627},{"text":"وإذا كره الناس ولاة الأمور وأبغضوهم وتمردوا عليهم، ورأوا أمرهم بالخير أمرًا بالشر، ولم يسكتوا عن مساوئهم، وحصل بذلك إيغار الصدور والشر والفساد.\nوالأمة إذا تفرقت وتمزقت حصلت الفتنة بينها ووقعت، مثل ما حصل في عهد عثمان بن عفان ﵁ ن حين بدأ الناس يتكلمون فيه، فأوغروا الصدور عليه، وحشدوا الناس ضده، وحصل ما حصل من الفتن والشرور إلى يومنا هذا.\nفولاة الأمور لهم حق وعليهم حق.\n\nثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآيات من كتاب الله فقال: وقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعني لا تتعالى عليهم، ولا ترتفع في الجو؛ بل اخفض الجناح، حتى وإن كنت تستطيع أن تطير في الجو فاخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.\nوأما من خالفك وعصاك فأقم عليه العقوبة اللائقة به؛ لأن الله تعالى لم يقل اخفض جناحك لكل أحد، بل قال: لمن اتبعك من المؤمنين.\nوأما المتمردون والعصاة فقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: ٣٤، ٣٣)، وقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ","vol":"3","page":628},{"text":"وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) .\nإن الله يأمر بهذه الأمور الثلاثة:\nبالعدل: وهو واجب، فيجب على الإنسان أن يقيم العدل في نفسه، وفي أهله، وفيمن استرعاه الله عليهم.\n\nفالعدل في نفسه بألا يثقل عليها في غير ما أمر الله، وأن يراعيها حتى في أمر الخير، فلا يثقل على نفسه أو يحملها فوق ما تطيقه. ولهذا لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أصوم ولا أفطر، وأصلي ولا أنام، دعاه النبي ﵊ ونهاه عن ذلك وقال: «إن لنفسك عليك حقًا، ولربك حقًا، ولأهلك عليك حقًا؛ فأعط كل ذي حقٍّ حقه» .\nوكذلك يأمر بالعدل كذلك في أهل الإنسان، فمن كان له زوجتان وجب عليه العدل بينهما، \" ومن كان له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل\".\nوعليك العدل بين الأولاد؛ فإذا أعطيت أحدهم ريالًا؛ فأعط الآخر مثله، وإذا أعطيت الولد ريالين، فأعط البنت ريالًا، وإذا أعطيت الابن","vol":"3","page":629},{"text":"ريالًا؛ فأعط البنت نصف ريالٍ.\nحتى إن السلف﵏- كانوا يعدلون بين الأولاد في القُبل؛ يعني إذا حبَّ الولد الصغير وأخوه عنده، حبَّ الولد الثاني؛ لئلا يجحف معهم في التقبيل.\nوكذلك أيضًا في الكلام، يجب أن تعدل بينهم، فلا تتكلم مع أحدهم بكلام خشن ومع الآخر بكلام لين.\n\nوكذلك يجب العدل فيمن ولاَّك الله عليهم، فلا تحابِ قريبك لأنه قريبك، ولا الغني لأنه غني، ولا الفقير لأنه فقير، ولا الصديق لأنه صديق، لا تحابِ أحدًا فالناس سواء.\nحتى إن العلماء ﵏ قالوا: يجب العدل بين الخصمين إذا دخلا على القاضي؛ في لفظه ولحظه وكلامه ومجلسه ودخولهما عليه. لا تنظر لهذا نظرة غضب ولهذا نظرة رضا، لا تلن الكلام لهذا والثاني بعكسه. لا تقل لأحدكم كيف أنت؟ كيف أهلك؟ كيف أولادك؟ والثاني لا تقول له مثله، بل اعدل بينهما حتى في هذا.\nوكذلك في المجلس لا تجعل أحدهما يجلس على اليمين قريبًا منك والثاني تجعله بعيدًا عنك؛ بل اجعلها أمامك على حدٍّ سواء.\nحتى المؤمن والكافر إذا تخاصما عند القاضي، يجب أن يعدل بينهما في الكلام والنظر والجلوس، فلا يقل للمسلم تعال بجانبي والكافر يبعده؛ بل يجعلهما يجلسان جميعًا أمامه، فالعدل واجب في كل الأمور.\nأما الإحسان فهو فضل زائد على العدل، ومع ذلك أمر الله به، لكن","vol":"3","page":630},{"text":"أمره بالعدل واجب، وأمره بالإحسان سنة وتطوع.\n(وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) يعني إعطاء ذي القربي، أي القريب حقه. فإن القريب له حق؛ حق الصلة، فمن وصل رحمه وصله الله، ومن قطع رحمه قطعه الله.\n(وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ينهي عن الفحشاء: الفحشاء هي كل ما يُستفحش من الذنوب؛ كعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والزنا، ونكاح المحارم، وغير ذلك مما يُستفحش شرعًا وعرفًا، والمنكر: هو ما يُنكر، وهو دون الفحشاء كعامة المعاصي. َوالبغي: تجاوز الحد، وهو الاعتداء على الخلق بأخذ أموالهم، والاعتداء على دمائهم وأعراضهم، كل هذا يدخل في البغي.\nوبيَّن الله ﷿ أنه أمر ونهي ليعظنا ويصلح أحوالنا، ولهذا قال: (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .\nوسبق لنا الكلام على حديث «كلكم راع ومسؤول عن رعيته»، وأما حديث معقل بن يسار الذي ذكره المؤلف، فإن فيه التحذير من غش الرعية، وأنه ما من عبد يسترعيه الله على رعيته ثم يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وأنه إذا لم يحطهم بنصيحته فإنه لا يدخل معهم الجنة.\nوهذا يدل على أنه يجب على ولاة الأمور مسؤولون عن الصغيرة والكبيرة، وعليهم أن ينصحوا لمن ولاهم الله عليهم، وأن يبذلوا لهم","vol":"3","page":631},{"text":"النصيحة، وأهمها النصيحة في دين الله، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير.\n\nومنها أيضًا: من النصيحة لهم أن يسلك بهم الطرق التي فيها صلاحهم في معادهم ومعاشهم، فيمنع عنهم كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم، يمنع عنهم الأفكار السيئة، والأخلاق السافلة، وما يؤدى إلى ذلك من المجلات والصحف وغيرها؛ ولهذا يجب على ولي الأمر في البيت وهو الرجل في بيته أن يمنع من وجود هذه الأشياء في بيته؛ الصحف السيئة الفاسدة، الأفكار المنحرفة، الأخلاق السافلة.\nوكذلك على ولي الأمر العام يجب عليه أن يمنع هذه الأشياء؛ وذلك لأن هذه الأشياء إذا شاعت بين الناس؛ صار المجتمع مجتمعًا بهيميًا؛ لا يهمه إلا إشباع البطن وشهوة الفرج، وتحل الفوضى، ويزول الأمن، ويكون الشر والفساد، فإذا منع ولي الأمر ما يفسد الخلق سواء كان ولي الأمر صغيرًا أو كبيرًا، حصل بهذا الخير الكثير.\nلو أن كل واحد منا في بيته منع أهله من اقتناء هذه الصحف والمجلات الخليعة الفاسدة، ومن مشاهدة التمثيليات الفاسدة، والمسلسلات الخبيثة، لصلح الناس؛ لأن الناس هم أفراد الشعب؛ أنت في بيتك، والثاني في بيته، والثالث في بيته، وهكذا إذا صلحوا صلح كل شيء. نسأل الله تعالى أن يصلح ولاة أمورنا أن يرزقهم البطانة الصالحة.","vol":"3","page":632},{"text":"٣/٦٥٥- وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا، فرفُق به» رواه مسلم.\n٤/٦٥٦- وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كُلما هلك نبي خلفهُ نبيٌّ، وإنهُ لا نبيَّ بعدي، وسيكون بعدي خُلفاء فيكثُرون» قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: «أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، واسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهُم» متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف الحافظ النووي في رياض الصالحين في باب أمر ولاة الأمور بالرفق واللين، ورعاية مصالح من استرعاهم الله عليهم. قال في سياق الأحاديث ما نقله عن عائشة ﵂، قالت: سمعت النبي ﷺ في بيتي هذا يقول: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه» .\nوهذا دعاء من النبي ﷺ على من تولى أمور المسلمين الخاصة والعامة؛ حتى الإنسان يتولى أمر بيته، وحتى مدير المدرسة يتولى أمر","vol":"3","page":633},{"text":"المدرسة، وحتى المدرس يتولى أمر الفصل، وحتى الإمام يتولى أمر المسجد.\nولهذا قال: «من ولي من أمر أمتي شيئًا» . «وشيئًا» نكرة في سياق الشرط، وقد ذكر علماء الأصول أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم؛ أي شيء يكون، «فرفق بهم فارفق به»، ولكن ما معنى الرفق؟\nقد يظن بعض الناس أن معنى الرفق أن تأتي للناس على ما يشتهون ويريدون، وليس الأمر كذلك؛ بل الرفق أن تسير بالناس حسن أمر الله ورسوله، ولكن تسلك أقرب الطرق وأرفق الطرق الناس، ولا تشق عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله، فإن شققت عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله؛ فإنك تدخل في الطرف الثاني من الحديث؛ وهو الدعاء أن الله يشقق عليك والعياذ بالله.\n\nيشق عليه إما بآفات في بدنه، أو في قلبه، أو في صدره، أو في أهله، أو في غير ذلك؛ لأن الحديث مطلق «فاشقق عليه» بأي شيء يكون، وربما لا تظهر للناس المشقة، وقد يكون في قلبه نار تلظى والناس لا يعلمون، لكن نحن نعلم أنه إذا شق على الأمة بما لم ينزل به الله سلطانًا؛ فإنه مستحق لهذه الدعوة من رسول الله ﷺ.\nأما الحديث الثاني فإن النبي ﵊ أخبر بأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء؛ أي تُبعث فيهم الأنبياء فيصلحون من أحوالهم، \" وإنه لا نبي بعدي\" فإنّ النبي ﷺ خاتم النبيين بالنص والإجماع كما قال الله تعالى (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ","vol":"3","page":634},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب: ٤٠) .\nولهذا من ادَّعى النبوة بعده؛ فهو كافر مرتد يجب قتله، ومن صدّق من ادعى النبوة بعده؛ فهو كاذب مرتد يجب قتله إلا أن يتوب، فالنبي ﵊ هو خاتم الأنبياء، ولكن جعل الله له خلفاء؛ خلفاء في العلم، وخلفاء في السلطة، والمراد بالخلفاء في هذا الحديث: خلفاء السلطة.\n\nولهذا قال: «سيكون خلفاء ويكثرون» قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ يعني: من نفي ببيعته؟ قال: «الأول فالأول» فإذا بايعوا الخليفة وجب عليهم أن يبقوا على بيعتهم، وأن ينبذوا كلّ من أراد الخلافة وهو حي، وأن يعينوا الخليفة الأول على من أراد الخلافة في حياته، لأن كل من نازع السلطان في سلطانه؛ فإنه يجب أن يُقاتل؛ حتى تكون الأمة واحدة، فإن الناس لو تركوا فوضى، وصار كل من لا يريد هذا السلطان يذهب ويتخذ له حزبًا يقاتل به السلطان؛ فسدت الأمور.\nوفي آخر الحديث أن النبي ﷺ حمل هؤلاء الخلفاء ما عليهم، وأمرنا نحن أن نوفي لهم بحقهم، ونسأل الله الذي لنا، لا نقل هؤلاء ظلموا هؤلاء جاروا، هؤلاء لم يقوموا بالعدل، ثم ننابذهم ولا نطيعهم فيما أمرنا الله به، لا، هذا لا يجوز، يجب أن نوفي لهم بالحق، وأن نسأل الله الحق الذي لنا، كالإنسان الذي له قريب إذا قطعك فصِله، وأسأل الله الذي لك، أما أن تقول لا أصلُ إلا من وصلني، أو لا أطيع من السلطان إلا من لا يظلم ولا يستأثر بالمال ولا غيره، فهذا خطأ، قم أنت بما يجب عليك، واسأل","vol":"3","page":635},{"text":"الله الذي لك.\n\nوفي قول النبي ﷺ: «تسوسهم الأنبياء» دليلٌ على أن دين الله- وهو دين الإسلام في كل مكان وفي كل زمان- هو السياسة الحقيقية النافعة، وليست السياسة التي يفرضها أعداء الإسلام من الكفار.\nالسياسة حقيقة ما جاء في شرع الله، ولهذا نقول إن الإسلام شريعة وسياسة، ومن فرق بين السياسة والشريعة فقد ضلّ؛ ففي الإسلام سياسة الخلق مع الله، وبيان العبادات، وسياسة الإنسان مع أهله، ومع جيرانه، ومع أقاربه، ومع أصحابه، ومع تلاميذه، ومع معلميه، ومع كل أحد؛ كل له سياسة تخصه، سياسة مع الأعداء الكفار، ما بين حربيين ومعاهدين ومستأمنين وذميين.\nوكل طائفة قد بيّن الإسلام حقوقهم، وأمر أن نسلك بهم كما يجب، فمثلًا الحربيون نحاربهم، ودماؤهم حلال لنا، وأموالهم حلال لنا، وأراضيهم حلال لنا.\nوالمستأمنون يجب أن نؤمنهم، كما قال الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: ٦) .\nوالمعاهدون يجب أن نوفي لهم بعهدهم، ثم إما أن نطمئن إليهم، أو نخاف منهم، أو ينقضوا العهد.\n\nثلاث حالات كلها مبينة في القرآن؛ فإن اطمأننا إليهم وجب أن نفي لهم بعهدهم، وإن خفناهم فقد قال الله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال: ٥٨)، قل لهم: ليس","vol":"3","page":636},{"text":"بيننا عهدٌ إذا خفت منهم، ولا تنقض العهد بدون أن تخبرهم.\nوالثالث هم الذين نقضوا العهد (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (التوبة: ١٢)، إذا نقضوا العهد فلا إيمان لهم ولا عهد لهم، فالمهم أن الدين دين الله وأن الدين سياسة: سياسة شرعية، سياسة اجتماعية، سياسة مع الأجانب، ومع المسالمين، ومع كل أحد.\nومن فصل الدين عن السياسة فقد ضل؛ وهو بين أمرين:\nإما جاهل بالدين ولا يعرف، ويظن أن الدين عبادات بين الإنسان وربه، وحقوق شخصية وما أشبه ذلك؛ يطن أن هذا هو الدين فقط.\nأو أنه قد بهره الكفرة وما هم عليه من القوة المادية، فظن أنهم هم المصيبون.\nوأما من عرف الإسلام حق المعرفة عرف أنه شريعة وسياسة، والله الموفق.\n\n٥/٦٥٧- وعن عائذ بن عمرو ﵁ أنهُ دخل على عُبيد الله بن زياد، فقال له: أي بُني، إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إن شر الرعاء الحُطمة» فإياك أن تكون منهم. متفق عليه.\n٦/٦٥٨- وعن أبي مريم الآزدي ﵁، أنه قال لمعاوية ﵁: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين،","vol":"3","page":637},{"text":"فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم؛ احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة» فجعل معاوية رجلًا على حوائج الناس. رواه أبو داود والترمذي.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان ما يجب على الرعاة لرعيتهم من الحقوق، من ذلك قول النبي ﷺ: «إن شر الرعاء الحطمة» الرعاء: جمع راعٍ.\nالحطمة: الذي يحطم الناس ويشق عليهم ويؤذيهم، فهذا شر الرعاء. وإذا كان هذا شر الرعاء؛ فإن خير الرعاء اللين السهل، الذي يصل إلى مقصوده بدون عنف. فيُستفاد من هذا الحديث فائدتان:\nالفائدة الأولى: أنه لا يجوز للإنسان الذي ولاّه الله تعالى على أمر من أمور المسلمين أن يكون عنيفًا عليهم؛ بل يكون رفيقًا بهم.\n\nالفائدة الثانية: وجوب الرفق بمن ولاه الله عليهم بحيث يرفق بهم في قضاء حوائجهم وغير ذلك، مع كونه يستعمل الحزم والقوة والنشاط، يعني لا يكون لينًا مع ضعف، ولكن لينًا بحزم وقوة ونشاط.\nوأما الحديث الثاني: ففيه التحذير من اتخاذ الإنسان الذي يوليه الله تعالى أمرًا من أمور المسلمين حاجبًا يحول دون خلتهم وفقرهم","vol":"3","page":638},{"text":"وحاجتهم، وأن من فعل ذلك فإن الله ﷾ يحول بينه وبين حاجته وخلته وفقره.\nلما حُدث معاوية ﵁ بهذا الحديث؛ اتخذ رجلًا لحوائج الناس يستقبل الناس وينظر ما حوائجهم، ثم يرفعها إلى معاوية ﵁ بعد أن كان أميرًا للمؤمنين.\nوهكذا أيضًا، له نوع من الولاية وحاجة الناس إليه؛ فإنه لا ينبغي أن يحتجب دون حوائجهم، ولكن له أن يرتب أموره بحيث يجعل لهؤلاء وقتًا ولهؤلاء وقتًا، حتى لا تنفرط عليه الأمور، الله الموفق.","vol":"3","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>٧٩- باب الوالي العادل</span>\n\nقال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) وقال تعالى: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: ٩)\n١/٦٥٩- وعن أبي هُريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمالٍ، فقال: إني أخافُ الله، ورجلٌ تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينهُ، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» متفقٌ عليه.\n٢/٦٦٠- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حُكمهم وأهليهم وما ولُوا\" رواه مسلم.","vol":"3","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين في باب الوالي العادل. والوالي هو الذي يتولى أمرًا من أمور المسلمين الخاصة أو العامة، حتى الرجل في أهل بيته يُعتبر واليًا عليهم؛ لقول النبي ﷺ «الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته» والعدل واجب حتى في معاملة الإنسان نفسه؛ لقول النبي ﷺ: «إن لنفسك عليك حقًا، ولربك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، ولزورك- أي الزائر - عليك حقًا فأعط كل ذي حقّ حقه» .\nفالعدل واجبٌ في كل شيء، لكنه في حق ولاة الأمور أوكد وأولى وأعظم؛ لأن خلاف العدل إذا وقع من ولاة الأمور؛ حصلت الفوضى والكراهة لولي الأمر حيث لم يعدل.\n\nولكن موقفنا نحو الإمام الوالي الذي لم يعدل أو ليس بعادل أن نصبر؛ نصبر على ظلمه، وعلى جوره، وعلى استئثاره، حتى أن رسول الله ﷺ أوصى الأنصار ﵃ وقال لهم\" «إنكم ستلقون بعدي أثرة» يعني استئثارًا عليكم «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»؛ ذلك لأن منازعة ولي الأمر يحصل بها الشر والفساد الذي هو أعظم من جوره","vol":"3","page":641},{"text":"وظلمه، ومعلوم أن العقل والشرع ينهى عن ارتكاب أشد الضررين، ويأمر بارتكاب أخف الضررين إذا كان لابد من ارتكاب أحدهما.\nثم ساق المؤلف ﵀ آيات وأحاديث منها قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ) العدل واجب والإحسان فضل وزيادة فهو سنة، وحسبته أن يذكر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: ٥٨) .\n\nفالعدل من الوالي ألا يفرق بين الناس، ولا يجور على أحد، ولا يحابي غنيًا لغناه، ولا قريبًا لقرابته، ولا فقيرًا لفقره، ولكن يحكم بالعدل، حتى إن العلماء ﵏ قالوا: يجب على القاضي أن يستعمل العدل مع الخصمين، ولو كان أحدهما كافرًا؛ يعني لو دخل كافر ومسلم على القاضي؛ فإن الواجب أن يعدل بينهما في الجلوس والكلام والملاحظة بالعين وغير ذلك؛ لأن المقام مقام حكم يجب فيه العدل، وإن كان بعض الجهال يقول: لا، قدّم المسلم. نقول: لا يجوز أن نقدم المسلم؛ لأن المقام مقام محاكمة ومعادلة، فلا بد من العدل في كل شيء.\nثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» سبعة يظلهم الله، وليس هذا على سبيل الحصر، هناك أناس آخرون يظلهم الله غير هؤلاء، وقد جمعهم الحافظ ابن حجر في شرح البخاري فزادوا على العشرين.","vol":"3","page":642},{"text":"لكن الرسول ﵊ يتحدث أحيانًا بما يناسب المقام، فتجده يقول سبعة، ثلاثة، أربعة، أو ما أشبه ذلك، مع أن هناك أشياء أخرى لم يذكرها؛ لأنه ﵊ أفصح الخلق وأقواهم بلاغة فيتحدث بما يناسب المقام.\n\nوقوله: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذلك يوم القيامة؛ لأنه في يوم القيامة ليس هناك شجر، ولا بناء، ولا جبال، ولا ثياب، ولا غير ذلك، حتى الناس يحشرون حفاة عراة غرلًا ليس هناك ظل إلا ظل الله، أي ظل يخلقه الله ﷿ يظلل من يظلهم الله تعالى في ذلك اليوم؛ لأنه ليس هناك ظل بناء، ولا ظل شجر، ولا ظل ثياب، ولا ظل مصنوعات أبدًا، ليس هناك إلا الظل الذي ييسره الله تعالى للإنسان، يخلق جل وعلا ظلًا من عنده، والله أعمل بكيفيته، ويظلل الإنسان.\nالأول: إمام عادل: بدأ بالإمام العادل الذي يعدل بين الناس، وأهم عدل في الإمام أن يحكم بني الناس بشريعة الله؛ لأن شريعة الله هي العدل، وأما من حكم بالقوانين الوضعية المخالفة للشريعة؛ فهو من أشد الولاة جورًا- والعياذ بالله- وأبعد الناس من أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ لأنه ليس من العدل أن تحكم بين عباد الله بشريعة غير شريعة الله، من جعل لك هذا؟ احكم بين الناس بشريعة ربهم ﷿، فأعظم ما يدخل في ذلك أن يحكم الإمام بشريعة الله.\n\nومن ذلك أن يقتص الحق حتى من نفسه ومن أقرب الناس إليه؛ لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) (النساء: ١٣٥) .","vol":"3","page":643},{"text":"ومن ذلك أيضًا ألا يفرق بين قريبه وغيره، فتجده إذا كان الحق على القريب تهاون في تنفيذه وجعل يسوف ويؤخر، وإذا كان لقريبه على غيره بادر فاقتص منه. فإن هذا ليس من العدل. والعدل في ولي الأمر له فروع كثيرة وأنواع كثيرة لا يتسع المقام الآن لذكرها، فنسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين لأئمة عادلين يحكمون فيهم بكتاب الله وبشريعته التي اختارها لعباده.\nَأما الثاني فهو «شاب نشأ في طاعة الله»، الشاب صغير السن الذي نشأ في طاعة الله واستمر على ذلك، هذا أيضًا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ لأنه ليس له صبوة، والغالب أن الشاب يكون لهم صبوة وميل وانحراف، ولكن إذا كان هذا الشاب نشأ في طاعة الله، ولم يكن له ميل ولا انحراف واستمر على هذا؛ فإن الله تعالى يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\n\nوالثالث: «رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» رجلان تحابا في الله، يعني ليس بينهما صلة من نسب أو غيره، ولكن تحابا في الله. كل واحد منهم رأى أن صاحبه ذو عبادة وطاعة لله ﷿، وقيام بما يجب لأهله ولمن له حق عليه، فرآه على هذه الحال فأحبه.\n\" اجتمعا عليه وتفرقا عليه\" يعني اجتمعا عليه في الدنيا، وبقيا على ذلك إلى أن ماتا فتفرقا على ذلك؛ هذان أيضًا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nوالرابع: «رجلٌ قلبه معلق بالمساجد» يعني أنه يألف الصلاة ويحبها","vol":"3","page":644},{"text":"وكلما فرغ من صلاة إذا هو يتطلع إلى صلاة أخرى، فالمساجد أماكن السجود، سواء بُنيت للصلاة فينا أم لا، المهم أنه دائمًا يرغب الصلاة قلبه معلق بها؛ كلما فرغ من صلاة تطلع للصلاة الأخرى.\nوهذا يدل على قوة صلته بالله ﷿؛ لأن الصلاة صلى بين العبد وبين ربه، فإذا أحبها الإنسان وألفها فهذا يعني أنه يحب الصلة التي بينه وبين الله، فيكون ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\n\nوالخامس: «رجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال» يعني دعته لنفسها لفجر بها، ولكنه كان قوي العفة، طاهر العرض «قال إني أخاف الله» فهو رجل ذو شهوة، والدعوة التي دعته إليها هذه المرأة توجب أن يفعل؛ لأنها هي التي طلبته، والمكان خال ليس فيه أحد، ولكن منعه من ذلك خوف الله ﷿. قال إني أخاف الله، لم يقل: أخشى أن يطلع علينا أحد، ولم يقل إنه لا رغبة له في الجماع، ولكن قال «إني أخاف الله» فهذا يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله لكمال عفته.\nوالسادس: «رجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» تصدق بصدقة مخلصًا بذلك لله ﷿، حتى انه لو كان أحدًا على يساره ما علم بذلك من شدة الإخفاء فهذا عنده كمال الإخلاص، فيظله الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهذا ما لم يكون إظهار الصدقة فيه مصلحة وخير، فإذا كان في إظهار الصدقة مصلحة وخير كان إظهارها أولى، لكن إذا لم يكن فيه مصلحة فالإسرار أولى.\n\nوالسابع: «رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» ذكر الله خاليًا في مكان","vol":"3","page":645},{"text":"لا يطلع عليه أحد، خاليًا قلبه من التعلق بالدنيا، فخشع من ذلك وفاضت عيناه. هؤلاء السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قد توجد صفتان فأكثر في شخص واحد، وقد لا يوجد في الإنسان إلا صفة واحدة وهي كافية.\nثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: \" «المقسطون على منابر من نور يوم القيامة، الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا» يعني أن المقسطين العادلين في أهليهم وفيمن ولاهم الله عليه، يكونون على منابر من نور يوم القيامة على يمين الله ﷿.\nوهذا دليلٌ على فضل العدل في الأهل، وكذلك في الأولاد، وكذلك أيضًا في كل من ولاك الله عليه، اعدل حتى تكون على منبر من نور عن يمين الله ﷿ يوم القيامة، والله الموفق.\n* * *\n\n٣/٦٦١- وعن عوف بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم!» قال: قلنا: أي رسول الله، أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» رواه مسلم.\nقوله: «تُصلونَ عليهم»: تدعُون لهم.","vol":"3","page":646},{"text":"٤/٦٦٢- وعن عياض بن حمارٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أهل الجنة ثلاثةٌ: ذُو سلطان مقسط موفق، ورجلٌ رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال» رواهُ مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل الإمام العادل: عن عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» .\nالأئمة: يعني ولاة الأمور، سواء كان الإمام الكبير في البلد وهو السلطان الأعلى أو كان من دونه.\nهؤلاء الأئمة الذين هم ولاة أمورنا، ينقسمون إلى قسمين: قسم نحبهم ويحبوننا، فتجدنا ناصحين لهم وهم ناصحون لنا، ولذلك نحبهم، لأنهم يقومون بما أوجب الله عليهم من النصيحة لمن ولاهم الله عليه، ومعلوم أن من قام بواجب النصيحة فإن الله تعالى يحبه، ثم يحبه أهل الأرض.\nفهؤلاء الأئمة الذين قاموا بما يجب عليهم محبوبون لدى رعيتهم.\nوقوله: «ويصلون عليكم، وتصلون عليهم» الصلاة هنا بمعنى الدعاء، يعني تدعون لهم ويدعون لكم، تدعون لهم بأن الله يهديهم ويصلح","vol":"3","page":647},{"text":"بطانتهم، ويوفقهم للعدل إلى غير ذلك من الدعاء الذي يدعى به للسطان، وهم يدعون لكم: اللهم أصلح رعيتنا، اللهم اجعلهم قائمين بأمرك، وما اشبه ذلك.\n\nأما شرار الأئمة: فهم «الذين تبغضونهم ويبغضونكم» تكرهونهم؛ لأنهم لم يقوموا بما يجب عليهم من النصيحة للرعية، وإعطاء الحقوق إلى أهلها، وإذا فعلو ذلك فإن الناس يبغضونهم، فتحصل البغضاء من هؤلاء وهؤلاء؛ تحصل البغضاء من الرعية للرعاة؛ لأنهم لم يقوموا بواجبهم، ثم تحصل البغضاء من الرعاة للرعية؛ لأن الرعية إذا أبغضت الوالي؛ تمردت عليه وكرهته، ولم تطع أوامره ولم تتجنب ما نهى عنه، وحينئذ «تلعنونهم ويلعنونكم» والعياذ بالله؛ يعني يسبونكم وتسبونهم، أو يدعون عليكم باللعنة وتدعون عليهم باللعنة.\nإذًا الأئمة ينقسمون إلى قسمين: قسم وفقوا وقاموا بما يجب عليهم فأحبهم الناس وأحبوا الناس، وصار كل واحد منهم يدعو للآخر. وقسم آخر بالعكس شرار الأئمة، يبغضون الناس والناس يبغضونهم، ويسبون الناس والناس يسبونهم.\nأما حديث عياض بن حمار ﵁ فهو أن النبي ﷺ قال «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق» وهذا هو الشاهد؛ يعني صاحب سلطان، والسلطان يعم السلطة العليا وما دونها.\n«مقسط» أي عادل بين من ولاه الله عليه.\n\n«موفق» أي مهتدٍ لما فيه التوفيق والصلاح، وقد هُدي إلى ما فيه","vol":"3","page":648},{"text":"الخير، فهذا من أصحاب الجنة.\nوقد سبق أن الإمام العادل ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث «ذو سلطان مقسط موفق، ورجلٌ رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم» رجل رحيم يرحم عباد الله، يرحم الفقراء، يرحم العجزة، يرحم الصغار، يرحم كل من يستحق الرحمة.\n«رقيق القلب» ليس قلبه قاسيًا «لكل ذي قربى ومسلم»، وأما للكفار فإنه غليظ عليهم.\nهذا أيضًا من أهل الجنة، أن يكون هذا الإنسان رقيق القلب يعني فيه لين، وفيه شفقة على كل ذي قربى ومسلم.\nوالثالث «رجل عفيف متعفف ذو عيال» يعني أنه فقير ولكنه متعفف، لا يسأل الناس شيئًا، يحسبه الجاهل غنيًا من التعفف.\n«ذو عيال» يعني أنه مع فقره عنده عائلة، فتجده صابرًا محتسبًا يكد على نفسه، ربما يأخذ الحبل يحتطب ويأكل منه، أو يأخذ المخلب يحتش فيأكل منه، المهم أنه عفيف متعفف ذو عيال، ولكنه صابر على البلاء، صابر على عياله، فهذا من أهل الجنة. نسأل الله أن يجعل لنا ولكم من هؤلاء نصيبًان والله الموفق.","vol":"3","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>٨٠- باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية</span>\n\nقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) .\n١/٦٦٣- وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «على المرء المسلم السمعُ والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصيةٍ فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» متفقٌ عليه.\n٢/٦٦٤- وعنه ﵁ قال: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمعِ والطاعةِ يقول لنا: «فيما استطعتم» متفقٌ عليه.\n٣/٦٦٥- وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خلع يدا من طاعةٍ؛ لقي الله يوم القيامة ولا حُجة لهُ، ومن مات وليس في عُنقه بيعةٌ مات ميتة جاهلية» رواه مسلم.\nوفي رواية له: «ومن مات وهو مفارقٌ للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية» «الميتة» بكسر الميم.","vol":"3","page":650},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين: باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم في معصية الله\n\nثم استدل لذلك بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) .\nولاة الأمور، ذكر أهل العلم أنهم قسمان: العلماء والأمراء.\nأما العلماء فهم ولاة أمور المسلمين في بيان الشرع، وتعليم الشرع، وهداية الخلق إلى الحق، فهم ولاة أمور في هذا الجانب، وأما الأمراء فهم ولاة الأمور في ضبط الأمن وحماية الشريعة وإلزام الناس بها، فصار لهم وجهة لهؤلاء وجهة.\nوالأصل: العلماء؛ لأن العلماء هم الذين يبينون الشرع ويقولون للأمراء هذا شرع الله فاعملوا به، ويلزمُ الأمراءُ بذلك، لكن الأمراء إذا علموا الشرع ولا طريق لهم إلى علم الشرع إلا عن طريق العلماء؛ نفذوه على الخلق.\nوالعلماء يؤثرون على من في قلبه إيمان ودين؛ لأن الذي في قلبه إيمان ودين ينصاع للعلماء ويأخذ بتوجيهاتهم وأمرهم.\nوالأمراء ينصاع لهم من خاف من سطوتهم وكان عنده ضعف إيمان، يخاف من الأمير أكثر مما يخاف من العالم، أو يخاف بعضهم أكثر مما يخاف من الله والعياذ بالله.\nفلذلك كان لابد للأمة الإسلامية من علماء وأمراء، وكان واجبًا على","vol":"3","page":651},{"text":"الأمة الإسلامية أن يطيعوا العلماء وأن يطيعوا الأمراء، ولكن طاعة هؤلاء وهؤلاء تابعة لطاعة الله؛ لقوله تعالى:: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ولم يقل أطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأن طاعة ولاة الأمر تابعة لا مستقلة، أما طاعة الله ورسوله فيهي مستقلة، ولهذا أعاد فيها الفعل فقال: أطيعوا وأطيعوا، أما طاعة ولاة الأمور فإنها تابعة ليست مستقلة.\nوعلى هذا فإذا أمر ولاة الأمور بمعصية الله؛ فإنه لا سمع لهم ولا طاعة؛ لأن ولاة الأمور فوقهم ولي الأمر الأعلى جل وعلا وهو الله، فإذا أمروا بمخالفته فلا سمع لهم ولا طاعة\nأما الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀؛ فمنها حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» .\n\nقوله «على المرء» هذه كلمة تدل على الوجوب، وأنه يجب على المرء المسلم بمقتضى إسلامه أن يسمع ويطيع لولاة الأمور فيما أحب وفيما كره، حتى لو أمر بشيء يكرهه؛ فإنه يجب عليه أن يقوم به ولو كان يرى خلافه، ولو كان يكره أن ينفذه. فالواجب عليه أن ينفذ، إلا إذا أمر بمعصية الله، فإذا أمر بمعصية الله فطاعة الله تعالى فوق كل طاعة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nوفي هذا دليلٌ على بطلان مسلك من يقول: لا نطيع ولاة الأمور إلا فيما أمرنا الله به، يعني إذا أمرونا أن نصلي صلينا، إذا أمرونا أن نزكي","vol":"3","page":652},{"text":"زكينا. أما إذا أمرونا بشيء ليس فيه أمر شرعي؛ فإنه لا يجب علينا طاعتهم؛ لأننا لو وجبت علينا طاعتهم لكانوا مشرعين، فإن هذه نظرة باطلة مخالفة للقرآن والسنة؛ لأننا لو قلنا: إننا لا نطيعهم إلا فيما أمرنا الله به لم يكن بينهم وبين غيرهم فرق، كل إنسان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فإنه يطاع.\n\nثم نقول: بل نحن قد أمرنا بطاعتهم فيما لم يأمرنا الله ﷿؛ إذا لم يكن ذلك منهيًا عنه أو محرمًا، فإننا نطيعهم حتى في التنظيم إذا نظموا شيئًا من الأعمال، يجب علينا أن نطيعهم؛ وذلك أن بطاعتهم يكون امتثال أمر الله ﷿، وامتثال أمر رسول الله ﷺ، وحفظ الأمن، والبعد عن التمرد على ولاة الأمور، وعن التفرق، فإذا قلنا لا نطيعهم إلا في شيء أمرنا به؛ فهذا معناه أنه لا طاعة لهم.\nيأتي بعض الأنظمة: مثلًا تنظم فيها الحكومة شيئًا نظامًا لا يخالف الشرع، لكن لم يأتِ به الشرع بعينه، فيأتي بعض الناس ويقول: لا نطيع في هذا، فيقال: بل يجب عليك أن تطيع، فإن عصيت فإنك آثم مستحق لعقوبة الله، ومستحق لعقوبة ولاة الأمور.\nوعلى ولاة الأمور أن يعزروا مثل هؤلاء الذين يعصون أوامرهم التي يلزمهم أن يقوموا بها؛ لأنهم إذا عصوا أوامر ولاة الأمور - وقد أمر الله تعالى بطاعتهم فيها- فهذا معصية لله. وكل إنسان يعص الله فإنه مستحق التعزيز يعني التأديب بما يراه ولي الأمر.\nومن ذلك مثلًا أنظمة المرور؛ أنظمة المرور هذه مما نظمه ولي","vol":"3","page":653},{"text":"الأمر، وليس فيها معصية، فإذا خالفها الإنسان فهو عاصٍ وآثم، مثلًا السير على اليسار، والسير على اليمين، والسير في الاتجاه الفلاني، وفي السير يجب أن يقف إذا كانت الإشارة حمراء وما أشبه ذلك، كل هذا يجب أن ينفذ وجوبًا، فمثلًا إذا كانت الإشارة حمراء؛ وجب عليك الوقوف. لا تقل: ما أمرنا اله بذلك، ولاة الأمور نظموا لك هذا التنظيم وقالوا التزم به، فإذا تجاوزت فإنك عاص آثم؛ لأنك قلت لربك لا سمع ولا طاعة والعياذ بالله.\nفإن الله يقول:: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) كذلك أيضًا في التقاطع، معروف أن الذي في الخط العام هو الذي له الحق أن يتجاوز، إذا كنت أنت في خط فرعي ووجدت إنسانًا مقبلًا من الخط العام فلا تتجاوز؛ لأن النظام يقتضي منع ذلك.\n\nوهكذا أيضًا الأنظمة في الإمارة، والأنظمة في القضاء، وكل الأنظمة التي لا تخالف الشرع؛ فإنه يجب علينا أن نطيع ولاة الأمور فيها، وإلا أصبحت المسألة فوضى، وكل إنسان له رأي، وكل إنسان يحكم بما يريد، وأصبح ولاة الأمور لا قيمة لهم، بل هم أمراء بلا أمر، وقضاة بلا قضاء.\nفالواجب على الإنسان أن يمتثل لأمر ولاة الأمور إلا فيما كان فيه معصية الله. فلو قالوا لنا مثلًا: لا تخرجوا إلى المساجد لا تصلوا الجمعة، لا تصلوا الجمعة والجماعة، قلنا لهم: لا سمع ولا طاعة. ولو قالوا: اظلموا الناس في شيء قلنا: لا سمع ولا طاعة. كل شيء أمر الله به أو","vol":"3","page":654},{"text":"نهى عنه فإنه لا سمع ولا طاعة لهم فيه أبدًا.\nكذلك لو قالوا مثلًا: احلقوا اللحى- مثل بعض الدول يأمرون رعيهتم بحلق اللحى ولا سيما جنودهم الذين عندهم- لو قالوا: احلقوا اللحى قلنا: لا سمع لكم ولا طاعة. وهم آثمون في قولهم لجنودهم مثلًا: احلقوا اللحى، وهم بذلك آثمون مضادون لله ورسوله، منابذون لله ورسوله.\n\nكذلك لو قالوا مثلًا: انزلوا ثيابكم إلى أسفل من الكعبين، فإننا نقول: لا، لا سمع ولا طاعة؛ لأن هذا مما حرمه الله وتوعد عليه، فإذا أمرتمونا بمعصية فإننا لا نسمع لكم ولا نطيع؛ لأن لنا ولكم ربا حكمه فوق حكمنا وحكمكم.\nإذًاَ أوامر ولاة الأمور تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: أن يأمروا بما أمر الله به، فهنا تجب طاعتهم لوجهين:\nالوجه الأول: أنه مما أمر الله به.\nوالوجه الثاني: أنه مما أمروا به كغيرهم من الناس؛ إذا أمرك شخص بالمعروف وهو واجب، فالواجب عليك أن تقوم به.\nالثاني: أن يأمروا بمعصية الله، فهنا لا سمع لهم ولا طاعة مهما كان، وأنت إذا نالك عذاب منهم بسبب هذا فسيُعاقبون عليهم هم يوم القيامة.\nالوجه الأول: لحق الله؛ لأن أمرهم بمعصية الله منابذة لله ﷿ لوجهين.\nالوجه الثاني: لحقك أنت؛ لأنهم اعتدوا عليك، وأنت وهم كلكم","vol":"3","page":655},{"text":"عبيد الله، ولا يحل لكم أن تعصوا الله.\n\nالثالث: إذا أمروا بشيء ليس فيه أمر ولا نهي، فيجب عليك أن تطيعهم وجوبًا، فإن لم تفعل فأنت آثم، ولهم الحق أن يعزروك وأن يؤدبوك بما يرون من تعزير وتأديب؛ لأنك خالفت أمر الله في طاعتهم، ولهذا قال النبي ﵊ «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» .\nثم أشد من ذلك من لا يعتقد للإمام بيعة؛ من يقول: أنا ما بايعت الإمام، ولا له بيعة علىّ؛ لأن مضمون هذا الكلام أنه لا سمع له ولا طاعة له ولا ولاية، وهذا أيضًا من الأمر المنكر العظيم؛ فإن الرسول ﵊ أخبر أن من مات من غير بيعة وليس له إمام؛ فإنه يموت ميتة جاهلية، يعني ليست ميتة إسلامية؛ بل ميتة أهل الجهل والعياذ بالله، وسيجد جزاءه عند الله ﷿.\nفالواجب أن يعتقد الإنسان أن له إمامًا، وأن له أميرًا يدين له بالطاعة في غير معصية الله، فإذا قال مثلًا: أنا لن أبايع، قلنا: البيعة لا تكون في رعاع الناس وعوام الناس، إنما تكون لأهل الحل والعقد.\n\nولهذا نقول: هل بايع كل الناس أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا؟ هل بايعهم كل الناس حتى الأطفال والعجوز والمرأة في خدرها؟ أبدًا لم يبايعوهم. ولم يأت أهل مكة يبايعون أبا بكر، ولا أهل الطائف ولا غيرهم، إنما بايعه أهل الحل والعقد في المدينة، وتمت البيعة بذلك.\nوليست البيعة لازمة لكل واحد من الناس أن يجيء يبايع، ولا يمكن","vol":"3","page":656},{"text":"لعوام الناس، ورعاع الناس تابعون لأهل الحل والعقد، فإذا تمت البيعة من أهل الحل والعقد؛ صار المُبايع إمامًا، وصار ولي أمر تجب طاعته في غير معصية الله، فمن مات وهو يعتقد أنه ليس له ولي أمر، وأنه ليست له بيعة، فإنه يموت ميتة جاهلية. نسأل الله العافية والحماية، والله الموفق.\n\n٤/٦٦٦- وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اسمعوا واطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كان رأسه زبيبة» رواه البخاري.\n٥/٦٦٧- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عليك السمع والطاعةُ في عسرِك ويُسرك ومنشطك ومكرهك وأثرهٍ عليك» رواهُ مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في سياق الأحاديث الواردة في وجوب طاعة ولاة الأمور.\n\nقال فيما نقله عن أنس بن مالك رضي اله عنه أن النبي ﷺ قال: «اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» .\nاسمعوا وأطيعوا: يعني الزموا السمع والطاعة، السمع لمن؟ لولاة الأمور، حتى لو استعمل عليكم عبدٌ حبشٌّي.\nوالنبي ﷺ هنا يخاطب العرب يقول: ولو استعمل عليكم عبد","vol":"3","page":657},{"text":"حبشي غيرعربي؛ عبد حبشي أصلًا وفرعًا وخلقة، كأن رأسه زبيبة؛ لأن شعر الحبشة ليس كشعر العرب؛ فالحبشة يكون في رؤوسهم حلق كأنها الزبيب، وهذا من باب المبالغة في كون هذا العامل عبدًا حبشيًا أصلًا وفرعًا، هذا يشمل قوله: «وإن استُعمل» فيشمل الأمير الذي هو أمير السلطان، وكذلك السلطان.\nفلو فُرض أن سلطانًا غلب الناس واستولى وسيطر وليس من العرب؛ بل كان عبدًا حبشيًا فإن علينا أن نسمع ونطيع؛ لأن العلة واحدة وهي أنه إن لم نسمع ونطع حصلت الفوضى، وزال النظام، وزال الأمن، وحل الخوف. فالمهم أن علينا أن نسمع ونطيع لولاة أمورنا إلا إذا أمروا بمعصية.\n\nوكذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرةٍ عليك» السمع والطاعة لولاة الأمور في المنشط والمكره في المنشط: يعني في الأمر الذي إذا أمرك به نشطت عليه، لأنه يوافق هواك، وفي المكره: في الأمر الذي أمروك به لم تكن نشيطًا فيه؟؛ لأنك تكرهه، اسمع في هذا وهذا، وفي العسر واليسر، حتى إن كنت غنيًا فأمروك فاسمع ولا تستكبر لأنك غني، وإذا كنت فقيرًا فاسمع ولا تقل لا أسمع وهم أغنياء وأنا فقير.\nاسمع وأطع في أي حال من الأحوال، حتى في الأثرة؛ يعني إذا استأثر ولاة الأمور على الشعب، فعليهم أيضًا السمع والطاعة في غير معصية الله ﷿.","vol":"3","page":658},{"text":"فلو أن ولاة الأمور سكنوا القصور الفخمة، ركبوا السيارات المريحة، ولبسوا أحسن الثياب، وتزوجوا وصار عندهم الإماء، وتنعموا في الدنيا أكبر تنعم، والناس سواهم في بؤس وشقاء وجوع، فعليهم السمع والطاعة؛ لأننا لنا شيء والولاة لهم شيء آخر.\n\nفنحن علينا السمع والطاعة، وعلى الولاة النصح لنا، وأن يسيروا بنا على هدي رسول الله ﷺ، لكن لا نقول إذا استأثروا علينا وكانت لهم القصور الفخمة، والسيارات المريحة، والثياب الجميلة، وما أشبه ذلك، لا نقول: والله لا يمكن أن نسمع وهم في قصورهم وسياراتهم ونحن في بؤس وحاجة، والواحد منا لا يجد السكن وما أشبه ذلك. هذا حرامٌ علينا، يجب أن نسمع ونطيع حتى في حال الأثرة.\nوقد قال النبي ﵊ لأصحابه للأنصار ﵃: «إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» يقول للأنصار ذلك منذ ألف وأربعمائة سنة: ستلقون بعدي أثرة من ذاك الوقت والولاة يستأثرون على الرعية، ومع هذا يقول: «اصبروا حتى تقلوني على الحوض» . فليس استئثار ولاة الأمور بما يستأثرون به مانعًا من السمع والطاعة لهم، الواجب السمع والطاعة في كل ما أمروا به ما لم يأمروا بمعصية وقد سبق لنا أن ولاة الأمور ينقسم إلى ثلاثة أقسام:","vol":"3","page":659},{"text":"الأول: ما أمر الله به فهذا يجب طاعتهم فيه لوجهين: لأمر الله به، ولأمرهم به.\nوالثاني: ما حرم الله فلا يجوز السمع والطاعة لهم حتى لو أمروه.\n\nوالثالث: ما ليس فيه أمر ولا نهي من الله فتجب علينا طاعتهم فيه؛ لأن الرسول ﷺ لم يمنع من طاعتهم إلا إذا أمروا المعصية.\nنسأل الله أن يصلحنا جميعًا رعية ورعاة وأن يهب لنا منه رحمه إنه هو الوهاب.\n* * *\n٦/٦٦٨- وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فنزلنا منزلًا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذا نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه لم يكن نبيٌ قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمتهُ على خير ما يعلمهُ لهم، وينذرهم شر ما يعلمهُ لهم، وإن أمتك هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصبُ آخرها بلاءٌ وأمورُ تنكرونها وتجيءُ فتنٌ يرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنةُ فيقول المؤمن: هذه مهلكتي: ثم تنكشفُ؛ وتجيءُ الفتنةُ فيقول المؤمنُ: هذه هذهِ، فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيتُه وهو يؤمن بالله واليوم الأخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه.\n\nومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليُطعهُ إن استطاع؛ فإن","vol":"3","page":660},{"text":"جاء آخرُ ينازعه، فاضربوا عنق الآخر» رواهُ مسلم.\nقوُله: «ينتضل» أي: يُسابق بالرمي بالنبل والنشاب «والجشر» بفتح الجيم والشين المعجمة وبالراء: وهي الدواب التي ترعى وتبيتُ مكانها. وقوله: «يرقق بعضها بعضا» أي: يُصير بعضها رقيقًا، أي خفيفًا لعظم ما بعدهُ، فالثاني يرققُ الأول، وقيل: معناهُ: يشوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها، وقيل: يشبهُ بعضها بعضًا.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب وجوب طاعة ولاة الأمور. وعن ابن عمرو ﵄ قال كنا مع النبي ﷺ في سفر فنزلنا منزلًا، فنزل الناس فتفرقوا، منهم من كان يصلح خباءه، ومنهم من ينتضلُ، ومنهم من هو في جشرِه. كعادة أن الناس إذا نزلوا وهم سفر كلٌّ يشتغل بما يرى أنه لابد من الاشتغال فيه.\n\nفنادى منادي رسول الله ﷺ يقول: الصلاة جامعة، وهذا النداء يُنادى به لصلاة الكسوف، وينادى به إذا أراد الإمام أو الأمير أن يجتمع بالناس، بدلًا من أن يقول: يا أيها الناس هلمّوا إلى المكان الفلاني، يقول: الصلاة جامعة حتى يجتمع الناس.\nفاجتمع الناس؟، فخطبهم النبي ﵊، وأخبرهم أنه ما","vol":"3","page":661},{"text":"نبي بعثه الله إلا دلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وأنذرهم عن شر ما يعلمه لهم؛ كلٌّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان منهم النصيحة لأقوامهم، يعلمونهم الخير ويدلونهم عليه ويحثونهم عليه، ويبينون الشر ويحذرونهم منه.\nوهكذا يجب على أهل العلم وطلبة العلم أن يبينوا للناس الخير ويحثوهم عليه، ويبينوا الشر ويحذروهم منه؛ لأن علماء هذا الأمة ورثة الأنبياء، فإن النبي ﷺ ليس بعده نبي، ختمت النبوة به، فلم يبق إلا العلماء الذي يتلقون شرعه ودينه، فيجب عليهم ما يحب على الأنبياء من بيان الخير والحث عليه ودلالة الناس إليه، وبيان الشر والتحذير منه.\n\nثم أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة- يعني أمة محمد- جعل الله عافيتها في أولها، يعني أن أول الأمة في عافية ليس فيها فتن، ففي عهد النبي ﵊ لم تكن هناك فتن، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر ﵄.\nوحين قتل عمر ﵁ قتله غلام المغيرة؛ غلام يُقال له أبو لؤلؤة، وهو مجوسي خبيث، كان في قلبه غل على أمير المؤمنين عمر، فلما تقدم لصلاة الصبح ضربه بخنجر له رأسان، وقيل إنه كان مسمومًا، فضربه حتى قدَّ بطنه ﵁، وحُمل فبقي ثلاثة أيام ثم مات ﵁.\nثم إن هذا الرجل الخبيث هرب، فلحقه الناس فقتل ثلاثة عشر رجلًا؛ لأن الخنجر الذي معه مقبضه في الوسط وله رأسان، فهو يضرب الناس","vol":"3","page":662},{"text":"يمينًا وشمالًا، حتى ألقى عليه أحد الصحابة بساطًا فغمه فقتل نفسه والعياذ بالله.\n\nومن هذا الوقت بدأت الفتنة ترفع رأسها، وأخبر النبي ﵊ في هذا الحديث أنه تأتي فتن يرقق بعضها بعضًا، أي أن بعضها يجعل ما قبله رقيقًا وسهلًا، لأن الثانية أعظم من الأولى، كل واحدة أعظم من الأخرى فترقق ما قبلها، ولهذا قال: «يرقق بعضها بعضًا» فتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، لأنه يستعظمها عند بداية إتيانها فيقول: من هنا نهلك.\nثم تأتي الأخرى فترقق الأولى وتكون الأولى سهلة بالنسبة إليها، فيقول المؤمن: هذه هذه، يعني هذه التي فيها البلاء كل البلاء، ولكن نسأل الله أن «أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» .\nثم قال النبي ﵊: \" فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر\" نسأل الله أن يميتنا وإياكم على ذلك؛ من كان يحب أن يزحزح عن الناس ويدخل الجنة- وكلنا يحب أن يزحزح عن النار ينجو منها ويدخل الجنة- فلتأته منيته وهو يؤمن","vol":"3","page":663},{"text":"بالله واليوم الآخر.\n«وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» يعني يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، فينصح للناس كما ينصح لنفسه، ويكره للناس ما يكره لنفسه، فيكون هذا قائمًا بحق الله، مؤمنًا بالله واليوم الآخر، وقائمًا بحق الناس، لا يعامل الناس إلا بما يحب أن يعاملوه به، فلا يكذب عليهم، ولا يغشهم، ولا يخدعهم، ولا يحب لهم الشر، يعني يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، فإذا جاء يسأل مثلًا هل هذا حرام أم حلال؟ قلنا له: هل تحب أن يعاملك الناس بهذا؟ إذا قال: لا قلنا له: اتركه سواء كان حلالًا أم حرامًا\nما دمت لا تحب أن يعاملك الناس به فلا تعامل الناس به، واجعل هذا ميزانًا بينك وبين الناس في معاملتهم؛ لا تأت الناس إلا ما تحب أن يؤتى إليك؛ فتعاملهم باللطف كما تحب أن يعاملوك باللطف واللين، بحسن الكلام، بحسن المنطق، بالبيان باليسر كما تحب أن يفعلوا بك هذا، هذا الذي يزحزح عن النار ويدخل الجنة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم منهم.\n* * *\n\n٧/٦٦٩- وعن أبي هنيدة وائل بن حجر ﵁ قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ، فقال: يا نبي الله \"، ارأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأَعرضَ عنه، ثم سأله، فقال رسول الله ﷺ: «اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حُملوا، وعليكم ما حملتم» رواهُ","vol":"3","page":664},{"text":"مسلم.\n٨/٦٧٠- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله عليه وسلم «إنها ستكون بعدي أثرةٌ، وأمور تنكرونها!» قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: \" تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» متفق عليه.\n١٠/٦٧٢- وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتةً جاهلية» متفقٌ عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف في كتابه رياض الصالحين في باب «طاعة ولي الأمر» فيها دليلٌ على أمور:\n\nأولًا: حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ سُئل عن أمراء يسألون حقهم الذي لهم، ويمنعون الحق الذي عليهم؛ سُئل عن هؤلاء الأمراء ماذا نصنع معهم؟، والأمراء هنا يشمل الأمراء الذين هم دون السلطان الأعظم، ويشمل السلطان الأعظم أيضًا لأنه أمير، وما من أمير إلا فوقه أمير حتى","vol":"3","page":665},{"text":"ينتهي الحكم إلى الله ﷿.\nسُئل عن هؤلاء الأمراء، أمراء يطلبون حقهم من السمع والطاعة لهم، ومساعدتهم في الجهاد، ومساعدتهم في الأمور التي يحتاجون إلى المساعدة فيها، ولكنهم يمنعون الحق الذي عليهم؛ لا يؤدون إلى الناس حقهم، ويظلمونهم ويستأثرون عليهم، فأعرض النبي ﷺ عنه، كأنه ﵊ كره هذه المسائل، وكره أن يفتح هذا الباب، ولكن أعاد السائل عليه ذلك.\n\nفأمر النبي ﷺ أن نؤدي لهم حقهم، وأن عليهم ما حُملوا وعلينا ما حُملنا، فنحن حُملنا السمع والطاعة، وهم حُمِّلوا أن يحكموا فينا بالعدل وألا يظلموا أحدًا، وأن يقيموا حدود الله على عباده الله، وأن يقيموا شريعة الله في أرض الله، وأن يجاهدوا أعداء الله، هذا الذي يجب عليهم، فإن قاموا به؛ فهذا هو المطلوب، وإن لم يقوموا به فإننا لا نقول لهم: أنتم لم تؤدوا الحق الذي عليهم فلا نؤدي حقكم الذي لكم، هذا حرام، يجب أن نؤدي الحق الذي علينا، فنسمع ونطيع، ونخرج معهم في الجهاد، ونصلي وراءهم في الجمع والأعياد وغير ذلك، ونسأل الله الحق الذي لنا.\nوهذا الذي دلّ عليه هذا الحديث وما أقره المؤلف ﵀ هو مذهب أهل السنة والجماعة، مذهب السلف الصالح؛ السمع والطاعة للأمراء وعدم عصيانهم فيما تجب طاعتهم فيه، وعدم إثارة الضغائن عليهم، وعدم إثارة الأحقاد عليهم، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.","vol":"3","page":666},{"text":"حتى أن الإمام أحمد ﵀ يضربه السلطان، يضربه ويجره بالبغال، يُضرب بالسياط حتى يغمى عليه في الأسواق، وهو إمام أهل السنة ﵀ ورضي عنه، ومع ذلك يدعو للسلطان ويسميه أمير المؤمنين، حتى إنهم منعوه ذات يوم، قالوا له لا تحدث الناس، فسمع وأطاع ولم يحدث الناس جهرًا، بدأ يخرج يمينًا وشمالًا ثم يأتيه أصحابه يحدثهم بالحديث.\nكل هذا من أجل ألا ينابذ السلطان؛ لأنه سبق لنا أنهم قالوا: يا رسول الله أفلا ننابذهم؟ لما قال: «خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وشر أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قالوا: أفلا ننابذهم. قال \" لا ما أقاموا فيكم الصلاة\". مرتين فما داموا يصلون فإننا لا ننابذهم، بل نسمع ونطيع ونقوم بالحق الذي علينا وهم عليهم ما حُمّلوا.\nوفي آخر الأحاديث قال النبي ﷺ «من رأى من أميره شيئًا يكره فليصبر» ليصبر وليتحمل ولا ينابذه ولا يتكلم «فإن من خرج عن الجماعة مات ميتة جاهلية» يعني ليس ميتة الإسلام والعياذ بالله.\nوهذا يحتمل معنيين:\nالأول: يحتمل أنه يموت ميتة جاهلية بمعنى أنه يزاغ قلبه والعياذ بالله، حتى تكون هذه المعصية سببًا لردته.","vol":"3","page":667},{"text":"الثاني: ويحتمل المعنى الآخر أنه يموت ميتة جاهلية؛ لأن أهل الجاهلية ليس لهم إمام وليس لهم أمير؛ بل لهم رؤساء وزعماء لكن ليس لهم ولاية كولاية الإسلام، فيكون هذا مات ميتة جاهلية.\nوالحاصل أن الواجب أن نسمع ونطيع لولاة الأمر إلا في حال واحدة فإننا لا نطيعهم؛ إذا أمرونا بمعصية الخالق فإننا لا نطيعهم. لو قالوا: احلقوا لحاكم قلنا: لا سمع ولا طاعة، ولو قالوا: نزلوا ثيابكم أو سراويلكم إلى أسفل الكعبين، قلنا لا سمع ولا طاعة؛ لأن هذه معصية. لو قالوا لا تقيموا الصلاة جماعة، قلنا لا سمع ولا طاعة. لو قالوا: لا تصوموا رمضان، قلنا: لا سمع ولا طاعة، كل معصية لا نطيعهم فيها مهما كان أما إذا أمروا بشيء ليس معصية وجب علينا أن نطيع.\nثانيًا: لا يجوز لنا أن ننابذ ولاة الأمور.\nثالثًا: لا يجوز لنا أن نتكلم بين العامة فيما يثير الضغائن على ولاة الأمور، وفيما يسبب البغضاء لهم؛ لأن في هذا مفسدة كبيرة. قد يتراءى للإنسان أن هذه غيرة، وأن هذا صدع بالحق؛ والصدع بالحق لا يكون من وراء حجاب، الصدع بالحق أن يكون ولي الأمر أمامك وتقول له: أنت فعلت كذا وهذا لا يجوز، تركت هذا، وهذا واجب.\n\nأما أن تتحدث من وراء حجاب في سب ولي الأمر والتشهير به، فهذا ليس من الصدع بالحق؛ بل هذا من الفساد، هذا مما يوجب إيغار الصدور وكراهة ولاة الأمور والتمرد عليهم، وربما يفضي إلى ما هو أكبر إلى الخروج عليهم ونبذ بيعتهم والعياذ بالله.","vol":"3","page":668},{"text":"وكل هذه أمور يجب أن نتفطن لها، ويجب أن نسير فيها على ما سار عليه أهل السنة والجماعة، من أراد أن يعرف ذلك فليقرأ كتب السنة المؤلفة في هذا؛ يجد كيف يعظم أئمة أهل العلم من هذه الأمة، كيف يعظمون ولاة الأمور، وكيف يقومون بما أمر به الرسول ﵊ من ترك المنابذة، ومن السمع والطاعة في غير المعصية.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في آخر كتاب العقيدة الواسطية- وهي عقيدة مختصرة ولكن حجمها كبير جدًا في المعنى- ذكر أن من هدي أهل السنة والجماعة وطريقتهم، أنهم يدينون بالولاء لولاة الأمور، وأنهم يرون إقامة الحج والجهاد والأعياد والجمع مع الأمراء، أبرارًا كانوا أو فجارًا، حتى لو كان ولي الأمر فاجرًا فإن أهل السنة والجماعة يرون إقامة الجهاد معه وإقامة الحج وإقامة الجمع وإقامة الأعياد.\n\nإلا إذا رأينا كفرًا بواحًا صريحًا عندنا فيه من الله برهانٌ والعياذ بالله فهنا يجب علينا ما استطعنا أن نزيل هذا الحاكم، وأن نستبدله بخير منه، أما مجرد المعاصي والاستئثار وغيرها؛ فإن أهل السنة والجماعة يرون أن ولي الأمر له الولاية حتى مع هذه الأمور كلها، وأن له السمع والطاعة، وأنه لا تجوز منابذته ولا إيغار الصدور عليه، ولا غير ذلك مما يكون فسادة أعظم وأعظم.\nوالشر ليس يُدفع بالشر؛ ادفع بالشر الخير، أما أن تدفع الشر بشر، فإن كان مثله فلا فائدة، وإن كان أشر منه كما هو الغالب في مثل هذه","vol":"3","page":669},{"text":"الأمور، فإن ذلك مفسدة كبيرة. نسأل الله أن يهدي ولاة أمورنا وأن يهدي رعيتنا لما يلزمها، وأن يوفق كلًاّ منهم لقيام بما يجب عليه.\n* * *\n٩/٦٧١- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» متفقٌ عليه.\n١١/٦٧٣- وعن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: «من أهان السلطان أهانهُ اللهُ» رواه الترمذي. وقال: حديثٌ حسنٌ.\n\nوفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح، وقد سبق بعضها في أبواب.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان بقية باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني\"\nففي هذا الحديث بين النبي ﷺ أن طاعته من طاعة الله. قال الله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) (النساء: ٨٠) والنبي عليه الصلاة","vol":"3","page":670},{"text":"والسلام لا يأمر إلا بالوحي؛ إلا بالشرع الذي شرعه الله تعالى له ولأمته، فإذا أمر بشيء؛ فهو شرع الله ﷾، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله.\nالأمير إذا أطاعه الإنسان فقد أطاع الرسول؛ لأن النبي ﷺ أمر في أكثر من حديث، وأمر بطاعة ولي الأمر، وقال: «وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» ووقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» . وقال: \" على المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه\".\n\nوالأحاديث في هذا كثيرة، فقد أمر بطاعة ولي الأمر، فإذا أطعت ولي الأمر فقد أطعت الرسول ﵊، وإذا أطعت الرسول فقد أطعت الله.\nوهذا الحديث وما سبقه وما لم يذكره المؤلف كلها تدل على وجوب طاعة ولاة الأمور إلا في معصية الله، لما في طاعتهم من الخير والأمن والاستقرار وعدم الفوضى وعدم اتباع الهوى. أما إذا عصي ولاة الأمور في أمر تلزم طاعتهم فيه؛ فإنه تحصل الفوضى، ويحصل إعجاب كل ذي رأي برأيه، ويزول الأمن، وتفسد","vol":"3","page":671},{"text":"الأمور، وتكثر الفتن، فلهذا يجب علينا نحن أن نسمع ونطيع لولاة أمورنا إلا إذا أمرونا بمعصية؛ فإذا أمرونا بمعصية الله فربنا وربهم الله له الحكم، ولا نطيعهم فيها؛ بل نقول لهم: أنتم يجب عليكم أن تتجنبوا معصية الله، فكيف تأمروننا بها؟ فلا نسمع لكم ولا نطيع.\nوقد سبق لنا أن قلنا: إن ما أمر به ولاة الأمور ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: أن يكون الله قد أمر به، مثل أن يأمرونا بإقامة الجماعة في المساجد، وأن يأمرونا بفعل الخير وترك المنكر، وما أشبه ذلك، فهذا واجب من وجهين: أولًا: أنه واجب أصلًا. الثاني: أنه أمر به ولاة الأمور.\n\nالقسم الثاني: أن يأمرونا بمعصية الله، فهذا لا يجوز لنا طاعتهم فيها مهما كان، مثل أن يقولوا: لا تصلوا جماعة، أحلقوا لِحاكم، أنزلوا ثيابكم إلى أسفل، اظلموا المسلمين بأخذ المال أو الضرب أو ما أشبه ذلك، فهذا أمرٌ لا يطاع ولا يحل لنا طاعتهم فيه، لكن علينا أن نناصحهم وأن نقول: اتقوا الله، هذا أمر لا يجوز، لا يحل لكم أن تأمروا عباد الله بعصية الله.\nالقسم الثالث: أن يأمرونا بأمر ليس فيه أمر من الله ورسوله بذاته، وليس فيه نهي بذاته، فيجب علينا طاعتهم فيه؛ كالأنظمة التي يستنونها وهي لا تخالف الشرع، فإن الواجب علينا طاعتهم فيهما واتباع هذه الأنظمة وهذا التقسيم، فإذا فعل الناس ذلك؛ فإنهم سيجدون الأمن والاستقرار والراحة والطمأنينة، ويحبون ولاة أمورهم، ويحبهم ولاة","vol":"3","page":672},{"text":"أمورهم.\nثم ذكر المؤلف آخر حديث في هذا الباب؛ حديث أبي بكرة أن الرسول ﷺ قال: «من أهان السلطان أهانه الله» وإهانة السلطان لها عدة صورة:\nمنها: أن يسخر بأوامر السلطان، فإذا أمر بشيء قال: انظروا ماذا يقول؟\n\nومنها: إذا فعل السلطان شيئًا لا يراه هذا الإنسان. قال: انظروا، انظروا ماذا يفعل؟ يريد أن يهون أمر السلطان على الناس؛ لأنه إذا هون أمر السلطان على الناس استهانوا به، ولم يمتثلوا أمره، ولم يجتنبوا نهيه.\nولهذا فإن الذي يهين السلطان بنشر معايبه بين الناس وذمه والتشنيع عليه والتشهير به يكون عرضة لأن يهينه الله ﷿؛ لأنه إذا أهان السلطان بمثل هذه الأمور؛ تمرد الناس عليه فعصوه، وحينئذٍ يكون هذا سبب شر فيهينه الله ﷿.\nفإن أهانه في الدنيا فقد أدرك عقوبته، وإن لم يهنه في الدنيا فإنه يستحق أن يهان في الآخرة والعياذ بالله؛ لأن كلام الرسول ﷺ حق: «من أهان السلطان أهانه الله»، ومن أعان السلطان أعانه الله؛ لأنه أعان على خير وعلى بر، فإذا بينت للناس ما يجب عليهم للسطان وأعنتهم على طاعته في غير معصية فهذا خيرٌ كثيرٌ، بشرط أن يكون إعانة على البر والتقوى وعلى الخير، نسأل الله لنا ولكم الحماية عما يغضب وجها، والتوفيق لما يحبه ويرضاه.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n* * *","vol":"3","page":673},{"text":"انتهى المجلد الثالث بحمد الله وتوفيقه\nويليه المجلد الرابع إن شاء الله تعالى\nوأوله، باب النهي عن سؤال الإمارة","vol":"3","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>باب النهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين </span>عليه أو تدع حاجة إليه\nقال الله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾\n٦٧٤ - وعن أبي سعيد عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب النهي عن طلب الإمارة وترك الولايات إلا من حاجة أو مصلحة الإمارة معناها التآمر على الناس والاستيلاء عليهم وهي كبرى","vol":"4","page":5},{"text":"وصغرى أما الكبرى: فهي التي تكون إمارة عامة على كل المسلمين كإمارة أبي بكر الصديق ﵁ وهو خليفة رسول الله ﷺ وكإمارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهم من الخلفاء هذه إمارة عامة سلطة عامة وإمارة خاصة دون ذلك تكون إمارة على منطقة من المناطق تشتمل على قرى ومدن أو إمارة أخص من ذلك على قرية واحدة أو مدينة واحدة وكلها ينهى الإنسان أن يطلب فيها أن يكون أميرا كما سيأتي في حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ ثم صدر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بقول الله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين يعني الجنة ﴿نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض﴾ وطلب الإمارة ربما يكون قصد الطالب للإمارة أن يعلو على الناس ويملك رقابهم ويأمر وينهي فيكون قصده سيئا فلا يكون له حظ من الآخرة والعياذ بالله ولهذا نهى عن طلب الإمارة.\nوقوله ﴿ولا فسادا﴾ أي فسادا في الأرض بقطع الطريق وسرقة أموال الناس والاعتداء على أعراضهم وغير ذلك من","vol":"4","page":6},{"text":"الفساد ﴿والعاقبة للمتقين﴾ عاقبة الأمر للمتقين فإما أن تظهر هذا العاقبة في الدنيا وإما أن تكون في الآخرة فالمتقون هم الذين لهم العاقبة سواء في الدنيا أو في الآخرة أو في الدنيا والآخرة.\nثم ساق المؤلف ﵀ حديث عبد الرحمن بن سمرة أن رسول الله ﷺ قال له يا عبد الرحمن بن سمرة ناداه باسمه واسم أبيه من أجل أن ينتبه لما يلقي إليه لأن الموضوع ليس بالهين لا تسأل الإمارة يعني لا تطلب أن تكون أميرا فإنك إن أعطيتها عن مسألة يعني بسبب سؤالك وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها والمعين هو الله فإذا أعطيتها بطلب منك وكلك الله إليها وتخلى الله عنك والعياذ بالله وفشلت فيها ولم تنجح ولم تفلح وإن أعطيتها عن غير مسألة بل الناس هم الذين اختاروك وهم الذين طلبوك فإن الله تعالى يعينك عليها يعني فاقبلها وخذها وهذا يشبه المال فإن الرسول ﷺ قال لعمر ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك","vol":"4","page":7},{"text":"ولهذا ينبغي للإنسان الموفق ألا يسأل من الوظائف فإن رقي بدون مسألة فهذا هو الأحسن وله أن يقبل حينئذ أما أن يطلب ويلح فإنه يخشى أن يكون داخلا في هذا الحديث فالورع والاحتياط أن يطلب شيئا من ترقية أو انتداب أو غير ذلك إن أعطيت فخذ وإن لم تعط فالأحسن والأروع والأتقى ألا تطالب فكل الدنيا ليست بشيء وإذا رزقك الله رزقا كفافا لا فتنة فيه فهو خير من مال كثير تفتن فيه نسأل الله السلامة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير يعني إذا حلفت ألا تفعل شيئا ثم تبين لك أن الخير في فعله فكفر عن يمينك وافعله وإذا حلفت أن تفعل شيئا ثم بدا لك أن الخير في تركه فاتركه وكفر عن يمينك وإنما قال له النبي ذلك لأنه إذا كان الإنسان أميرا فحلف على شيء فربما تملى عليه أنفة الإمارة ألا يتحول عن حلفه ولكن ينبغي وإن كان أميرا إذا حلف على شيء ورأى الخير في تركه أن","vol":"4","page":8},{"text":"يتركه أو حلف ألا يفعل شيئا ورأى الخير في فعله أن يفعله وهذا شامل الأمير وغيره إذا حلفت على شيء ورأيت أن الخير في خلافة فكفر عن يمينك وافعل الخير مثال ذلك رجل حلف ألا يزور قريبه لأنه صار بينه وبينه شيء فقال والله لا أزورك فهذا حلف على قطع الرحم وصلة الرحم خير من القطيعة فنقول يجب عليك أن تكفر عن يمينك وأن تزور قريبك لأن هذا من الصلة والصلة واجبة مثال آخر: رجل حلف ألا يكلم أخاه المسلم ويهجره نقول هذا غلط كفر عن يمينك وكلمه وهكذا كل شيء تحلف عليه ويكون الخير بخلاف ما حلفت فكفر عن يمينك وافعل الخير وهذه قاعدة في كل الأيمان ولكن الذي ينبغي للإنسان ألا يتسرع في الحلف فإن كثيرا من الناس يتسرعون في الحلف أو في الطلاق أو ما أشبه ذلك ويندمون بعد ذلك فنقول لا تتعجل ولا تتسرع إذا كنت عازما على الشيء فافعله أو اتركه بدون يمين وبدون طلاق ثم إن ابتليت بكثرة الحلف فاقرن حلفك بقولك إن شاء الله فإنك إن حلفت وقلت إن شاء الله فأنت في حل حتى لو خالفت ما حلفت عليه فإنه لا يضر","vol":"4","page":9},{"text":"فلو قلت والله إن شاء الله لا أفعل هذا الشيء ثم فعلته فليس عليك شيء لأن من قال في يمينه إن شاء الله فلا حنث عليه والله الموفق\n٦٧٥ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم رواه مسلم\n٦٧٦ - وعنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدي الذي عليه فيه رواه مسلم","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر الحافظ النووي ﵀ في باب النهي عن سؤال الإمارة ما نقله عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: إنك امرؤ ضعيف وإني أحب لك ما أحب &amp; لنفسي فلا تأمرن على اثنين ولا تولين على مال يتيم هذه أربع جمل بين الرسول ﵊ لأبي ذر فيها ما بين الأولى: قال له: إنك امرؤ ضعيف وهذا القول إذا كان مصارحة أمام الإنسان فلا شك أنه ثقيل على النفس وأنه قد يؤثر فيك أن يقال لك إنك امرؤ ضعيف لكن الأمانة تقتضي هذا أن يصرح للإنسان بوصفه الذي هو عليه إن قويا فقوى وإن ضعيفا فضعيف هذا هو النصح إنك امرؤ ضعيف ولا حرج على الإنسان إذا قال لشخص مثلا إن فيك كذا وكذا من باب النصيحة لا من باب السب والتعيير فالنبي ﵊ قال: إنك امرؤ ضعيف الثانية: قال: وإني أحب لك ما أحبه لنفسي وهذا من حسن خلق النبي ﵊ لما كانت الجملة الأولى فيها شيء من الجرح قال وإني أحب لك ما أحب لنفسي يعني لم أقل لك ذلك إلا أني أحب لك ما أحب لنفسي","vol":"4","page":11},{"text":"الثالثة: فلا تأمرن على اثنين يعني لا تكن أميرا على اثنين وما زاد فهو من باب أولي والمعنى أن النبي ﷺ نهاه أن يكون أميرا لأنه ضعيف والإمارة تحتاج إلى إنسان قوي أمين قوي بحيث تكون له سلطة وكلمة حادة وإذا قال فعل لا يكون ضعيفا أمام الناس لأن الناس إذا استضعفوا الشخص لم يبق له حرمة عندهم وتجرأ عليه لكع بن لكع وصار الإنسان ليس بشيء لكن إذا كان قويا حادا في ذات الله لا يتجاوز حدود الله ﷿ ولا يقصر عن السلطة التي جعلها الله له فهذا هو الأمير حقيقة الرابعة لا تولين مال يتيم واليتيم هو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ فنهاه الرسول ﵊ أن يتولى على مال اليتيم لأن مال اليتيم يحتاج إلى عناية ويحتاج إلى رعاية إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا وأبو ذر ضعيف لا يستطيع أن يرعى هذا المال حق رعايته فلهذا قال ولا تولين مال يتيم يعني لا تكن وليا عليه دعه لغيرك ففي هذا دليل على أنه يشترط للإمارة أن يكون الإنسان قويا وأن يكون أمينا لأن الرسول ﵊ قال إنها أمانة","vol":"4","page":12},{"text":"فإذا كان قويا أمينا فهذه هي الصفات التي يستحق بها أن يكون أميرا فإن كان قويا غير أمين أو أمينا غير قوي أو ضعيفا غير أمين فهذه الأحوال الثلاثة لا ينبغي أن يكون صاحبها أميرا ولكن يجب أن نعلم أن الأشياء تتقيد بقدر الحاجة فإذا لم نجد إلا أميرا ضعيفا أو أميرا غير أمين وكان لا يوجد في الساحة أحد تنطبق عليه الأوصاف كاملة فإنه يولى الأمثل فالأمثل ولا تترك الأمور بلا إمارة لأن الناس محتاجون إلى أمير ومحتاجون إلى قاض ومحتاجون إلى من يتولى أمورهم فإن أمكن وجود من تتم فيه الشروط فهذا هو الواجب وإن لم يوجد فإنه يولى الأمثل فالأمثل لقول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وتختلف الأنظار فيما إذا كان لدينا رجلان أحدهما أمين غير قوي والثاني قوي غير أمين كل منهما معيب من وجه لكن في باب الإمارة يفضل القوي وإن كان فيه ضعف في الأمانة لأن القوي ربما يكون أمينا لكن الضعيف الذي طبيعته الضعف فإن الطبع لا يتغير ولا يتحول غالبا فإذا كان أمامنا رجلان أحدهما ضعيف ولكنه أمين والثاني قوي لكنه ضعيف في الأمانة فإننا نؤمر القوي لأن هذا أنفع للناس فالناس يحتاجون إلى سلطة وإلى قوة وإذا لم تكن قوة ولا سيما مع ضعف الدين ضاعت الأمور","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>باب حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير </span>صالح وتحذيرهم من قرناء السوء والقبول منهم\nقال الله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾\n٦٧٨ - عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصم الله رواه البخاري\n٦٧٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسى ذكره وإن ذكر أعانه وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسى لم يذكره وإن ذكر لم يعنه رواه أبو داود بإسناد جيد على شرط مسلم","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين (باب حث القاضي والسلطان وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير صالح والتحذير من قرناء السوء) ثم ذكر المؤلف قول الله تعالى الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ الأخلاء جمع خليل والخليل هو الذي أحبك وتحبه حبا عظيما حتى يتخلل حبه جميع البدن وفي ذلك يقول الشاعر\nقد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمى الخليل خليلا\nفإذا صدق الود واشتد فإن أعلى أنواع المحبة هي الخلة ولهذا اتخذ الله إبراهيم خليلا واتخذ محمدا ﷺ خليلا ولا نعلم أنه اتخذ خليلا من خلقه إلا هذين النبيين إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وسلم ولهذا نقول من قال إن إبراهيم خليل الله وموسى كليم الله ومحمدا حبيب الله فقد هضم محمدا ﷺ حقه لأنه إذا جعله حبيب الله فقط فقد نزل رتبته بل هو ﵊ أعلى من الحبيب فالله تعالى يحب المؤمنين ويحب المقسطين ويحب المتقين فمحبته أوسع لكن الخلة لا تحصل لكل واحد","vol":"4","page":15},{"text":"فهؤلاء المساكين الجهال يقولون محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله سبحان الله يقولون ذلك مع أنه يروى أن النبي ﷺ قال ﴿إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا﴾ وقال ﵊: لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر ومع هذا سئل أي الرجال أحب إليك قال: أبو بكر ففرق بين الخلة والمحبة الخلة أعظم من المحبة فالأخلاء في الدنيا والأصدقاء في الدنيا هم على صداقتهم لكنهم في الآخرة أعداء قال تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ فإن المتقين محبتهم في الله والرجلان إذا تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه كانا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله جعلنا الله منهم ويدل على أن الأخلاء سيكونون أعداء إلا المتقين قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ","vol":"4","page":16},{"text":"أُخْتَهَا﴾ وقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ قال ابن العباس ﵄ تقطعت بهم المحبة فكانت المحبة بينهما في الدنيا وفي الآخرة تتلاشى وتتقطع.\nثم إنه يجب أن نعلم أن الله ﷾ يبتلي العبد فتارة ييسره لأخلاء صدق يدعونه للخير يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر ويعينونه على ما يعجز عنه وتارة يبتلي بقوم خلاف ذلك ولهذا جاء في الحديث المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل وقال ﵊ مثل الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يبيعك أي يبيع مسكا وإما أن يحذيك أي يعطيك مجانا وإما أن تجد منه رائحة طيبة أما الجليس السوء والعياذ بالله فإنه كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك بما يتطاير عليك من شرر النار وإما أن تجد منه رائحة كريهة","vol":"4","page":17},{"text":"وفي حديث عائشة الذي ساقه المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ قال إذا أراد الله بأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسى ذكره وإن ذكر أعانه وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسى لم يذكره وإن ذكر لم يعنه وكذلك أخبر النبي ﵊ أن الله ما بعث من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كان له بطانتان بطانة خير تأمره بالخير وتحثه عليه وبطانة سوء تدله على السوء وتأمره به قال والمعصوم من عصمه الله وهذا شيء مشاهد تجد الأمراء بعضهم يكون صالحا في نفسه حريصا على الخير لكن يقيض الله له قرناء سوء والعياذ بالله فيصدونه عما يريد من الخير ويزينون له السوء ويبغضونه لعباد الله وتجد بعض الأمراء يكون في نفسه غير الصالح لكن عنده بطانة خير تدله على الخير وتحثه عليه وتدله على ما يوجب المحبة بينه وبين رعيته حتى يستقيم وتصلح حاله والمعصوم من عصمه الله إذا كان هذا في الأمراء ففتش نفسك أنت فأنت بنفسك إذا رأيت من أصحابك أنهم يدلونك على الخير ويعينونك عليه وإذا نسيت ذكروك وإذا جهلت علموك فاستمسك بحجزهم وعض عليهم بالنواجذ","vol":"4","page":18},{"text":"وإذا رأيت من أصحابك من هو مهمل في حقك ولا يبالي هل هلكت أم بقيت بل ربما يسعى لهلاكك فاحذره فإنه السم الناقع والعياذ بالله لا تقرب هؤلاء بل ابتعد عنهم فر منهم فرارك من الأسد والإنسان الموفق هو الذي لا يكون بليدا كالحجر بل &amp; يكون ذكيا كالزجاجة فإنها صلبة ولكن يرى ما وراءها من صفاء فيكون عنده قوة وصلابة لكن عنده يقظة بحيث يعرف وكأنما يرى بالغيب ما ينفعه مما يضره فيحرص على ما ينفعه ويتجنب ما يضره نسأل الله لنا وللمسلمين التوفيق","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>باب النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما من الولايات لمن سألها </span>أو حرص عليها فعرض بها\n٦٨٠ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدهما يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله ﷿ وقال الآخر مثل ذلك فقال إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله أو أحدا حرص عليه متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب الذي ذكره النووي ﵀ في رياض الصالحين (النهي عن تولية من طلب الإمارة أو حرص عليها) وقد سبق في حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها كذلك أيضا لا ينبغي لولي الأمر إذا سأله أحد أن يؤمره على بلد أو على قطعة من الأرض فيها بادية أو ما أشبه ذلك أن يؤمره حتى وإن كان","vol":"4","page":20},{"text":"الطالب أهلا لذلك لأن النبي ﷺ كما في حديث أبي موسى الذي ذكره المصنف لما سأله الرجلان أن يؤمرهما على بعض ما ولاه الله عليه قال إنا والله لا نوالى هذا الأمر أحدا سأله أو واحدا حرص عليه يعني لا نولي أحدا سأل أن يتآمر على شيء وحرص عليه وذلك لأن الذي يطلب أو يحرص على ذلك ربما يكون غرضه بهذا أن يجعل لنفسه سلطة لا أن يصلح الخلق فلما كان قد يتهم بهذه التهمة منع النبي ﷺ أن يولى من طلب الإمارة وقال إنا والله لا نولى هذا الأمر أحدا سأله أو أحدا حرص عليه وكذلك أيضا لو أن أحدا سأل القضاء فقال لولي الأمر في القضاء كوزير العدل مثلا ولني القضاء في البلد الفلاني فإنه لا يولى وأما من طلب النقل من بلد إلى بلد أو ما أشبه ذلك فلا يدخل في هذا الحديث لأنه قد تولى من قبل ولكنه طلب أن يكون في محل آخر إلا إذا علمنا أن نيته وقصده هي السلطة علي أهل هذه البلدة فإننا نمنعه فالأعمال بالنيات فإن قال قائل كيف تجيبون عن قول يوسف ﵊ للعزيز &amp; اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ فإننا نجيب بأحد جوابين","vol":"4","page":21},{"text":"أولا: إما أن يقال إن الشرع من قبلنا إذا خالفه شرعنا فالعمدة على شرعنا بناء على القاعدة المعروفة عند الأصوليين شرع من قبلنا ما لم يرد شرعنا بخلافة وقد ورد شرعنا بخلافه أننا لا نولى الأمر أحدا طلب الولاية عليه ثانيا أو يقال إن يوسف ﵊ رأى أن المال ضائع وأنه يفرط فيه ويلعب فيه فأراد أن ينقذ البلاد من هذا التلاعب ومثل هذا يكون الغرض منه إزالة سوء التدبير وسوء العمل ويكون هذا لا بأس به فمثلا إذا رأينا أميرا في ناحية لكنه قد أضاع الإمرة وأفسد الخلق فللصالح لهذا الأمر إذا لم يجد أحدا غيره أن يطلب من ولي الأمر أن يوليه على هذه الناحية فيقول له ولني هذه البلدة لأجل دفع الشر الذي فيها ويكون هذا لا بأس به متفقا مع القواعد.\nويحضرني في هذا حديث عثمان بن أبي العاص أنه قال للنبي ﷺ اجعلني إمام قومي يعني في الصلاة فقال أنت إمامهم فولي الأمر ينظر ما هو السبب في أن هذا الرجل طلب أن يكون أميرا أو طلب أن يكون قاضيا أنبأنا أو طلب أن يكون إماما ثم يعمل بما يرى أن فيه المصلحة","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>كتاب الأدب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>باب الحياء وفضله والحث على التخلق به</span>\n٦٨١ - عن ابن عمر ﵁ أن: رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ: دعه فإن الحياء من الإيمان متفق عليه\n٦٨٢ - وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: الحياء لا يأتي إلا بخير متفق عليه وفي رواية لمسلم: الحياء خير كله أو قال: الحياء كله خير\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين (كتاب الأدب) (باب الحياء وفضله والحث عليه) الأدب: الأخلاق التي يتأدب بها الإنسان، وله أنواع كثيرة","vol":"4","page":23},{"text":"منها: الكرم والشجاعة وطيب النفس وانشراح الصدر وطلاقة الوجه وغير ذلك كثير فالأدب هو عبارة عن أخلاق يتخلق بها الإنسان يمدح عليها ومنها الحياء والحياء صفة في النفس تحمل الإنسان على فعل ما يجمل ويزين، وترك ما يدنس ويشين، فتجده إذا فعل شيئا يخالف المروءة استحيا من الناس، وإذا فعل شيئا محرما استحيا من الله ﷿ وإذا ترك واجبا استحيا من الله وإذا ترك ما ينبغي فعله استحيا من الناس فالحياء من الإيمان، ولهذا ذكر ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ مر برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء يعني أنه يحثه عليه ويرغبه فيه فبين النبي ﵊ أن الحياء من الإيمان وقال ﵊ في حديث آخر: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان","vol":"4","page":24},{"text":"وإذا كان عند الإنسان حياء وجدته يمشي مشيا مستقيما ليس بالعجلة التي يذم عليها وليس بالتماوت الذي يذم عليه أيضا كذلك إذا تكلم تجده لا يتكلم إلا بالخير وبكلام طيب وبأدب وبأسلوب رفيع ما يقدر عليه وإذا لم يكن حييا فإنه يفعل ما شاء كما جاء في حديث الصحيح إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وكان النبي ﷺ اشد حياء من العذراء في خدرها العذراء المرأة التي لم تتزوج وعادتها أن تكون حيية فالرسول ﵊ أشد حياء من العذراء في خدرها ولكنه لا يستحي من الحق يتكلم بالحق ويصدع به لا يبالي بأحد فأما ما لا تضع به الحقوق فإنه ﷺ كان أحيى الناس فعليك يا أخي باستعمال الحياء والأدب والتخلق بالأخلاق الطيبة التي تمدح بها بين الناس","vol":"4","page":25},{"text":"٦٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان متفق عليه.\nالبضع بكسر الباء ويجوز فتحها وهو من الثلاثة إلى العشرة والشعبة القطعة والخصلة والإماطة الإزالة ووالأذى ما يؤذي كحجر وشوك وطين ورماد وقذر ونحو ذلك\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة شك من الراوي هل قال النبي ﷺ بضع وسبعون أو قال بضع وستون فأفضلها وفي لفظ فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وهذا هو الشاهد لهذا الباب باب الحياء وفضله وفي هذا الحديث: بين الرسول ﵊ أن الإيمان","vol":"4","page":26},{"text":"شعب كثيرة بضع وستون أو بضع وسبعون ولم يبينها الرسول ﵊ لأجل أن يجتهد الإنسان بنفسه ويتتبع نصوص الكتاب والسنة حتى يجمع هذه الشعب ويعمل بها وهذا كثير أي أنه يكون في القرآن والسنة أشياء مبهمة يبهمها الله ورسوله من أجل امتحان الخلق ليتبين الحريص من غير الحريص فمثلا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان أو في السبع الأواخر من رمضان لكن لا تعلم في أي ليلة هي من أجل أن يحرص الناس على العمل في كل الليالي رجاء هذه الليلة ولو علمت بعينها لاجتهد الناس في هذه الليلة وكسلوا عن بقية الليالي ومن ذلك ساعة الإجابة في يوم الجمعة فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله إلا أعطاه إياه هذه أيضا مبهمة من أجل أن يحرص الناس على التحري والعمل كذلك في كل ليلة ساعة إجابة لا يوافقها أحد يدعو الله ﷾ إلا استجاب له كذلك أخبر النبي ﵊: أن لله تسعة وتسعون","vol":"4","page":27},{"text":"اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ولم يعدها والحديث الوارد في سردها حديث ضعيف لا تقوم به حجة وعلى هذا فإن قول النبي ﷺ هنا الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ترك تعيينها من أجل أن نحرص نحن على تتبعها في الكتاب والسنة حتى نجمع هذه الشعب ثم نقوم بالعمل بها وهذا من حكمة النبي ﷺ التي أتاه الله تعالي يقول الرسول ﷺ عن هذه الشعب أفضلها أو أعلاها قول لا إله إلا الله هذه الكلمة العظيمة لو وزنت السماوات السبع والأرضين السبع وجميع المخلوقات لرجحت بهن لأنها أعظم كلمة وهي كلمة التوحيد التي إذا قالها الإنسان صار مسلما وإذا استكبر عنها صار كافرا فهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ولذلك كانت أعلى شعب الإيمان وأفضلها لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله ﷿ فكل المعبودات من دون الله باطلة إلا الله وحده لا شريك له فهو الحق كما قال الله ﵎: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ","vol":"4","page":28},{"text":"والإيمان بهذا التوحيد العظيم بأنه لا معبود بحق إلا الله يتضمن الإيمان بأنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله ولا يملك الضر والنفع إلا الله ويتضمن كذلك الإيمان بأسماء الله وصفاته إذ لا يعبد إلا من علم أنه أهل للعبادة ولا أهل للعبادة سوى الخالق ﷿ لهذا كانت هذه الكلمة أعلى شعب الإيمان وأفضلها ومن ختم له بها في الحياة الدنيا فإنه يكون من أهل الجنة فإن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة نسأل الله أن يختم لنا بها إنه على كل شيء قدير أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها يعني الشيء الهين إماطة الأذى عن الطريق الأذى: ما يؤذي المارة من شوك أو خرق أو خشب أو حجر أو غير ذلك فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وهذا يدل على سعة الإيمان وأنه يشمل الأعمال كلها والحياء شعبة من الإيمان الحياء انكسار يكون في القلب وخجل لفعل ما لا يستحسنه الناس والحياء من الله والحياء من الخلق من الإيمان فالحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله وأن ينتهي عما نهى الله والحياء من الناس","vol":"4","page":29},{"text":"يوجب للعبد أن يستعمل المروءة وأن يفعل ما يجمله ويزينه عند الناس ويتجنب ما يدنسه ويشينه فالحياء كله من الإيمان وسئل النبي ﵊ عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره فإذا جمعت هذا الحديث بذاك الحديث الآخر تبين لك أن الإيمان كما ذهب إليه السنة والجماعة يشمل العقيدة ويشمل القول ويشمل الفعل فيشمل عمل القلب عقيدة القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح لا إله إلا الله هي قول اللسان إماطة الذي عن الطريق عمل الجوارح الحياء عمل القلب الإيمان بملائكته وكتبه اعتقاد القلب فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يتضمن كل هذه الأربعة اعتقاد القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كثيرة في هذا الحديث: حث على إماطة الأذى عن الطريق لأنه إذا كان من الإيمان فافعله يزدد إيمانك ويكمل فإذا وجدت","vol":"4","page":30},{"text":"أذى في الطريق حجرا أو زجاجا أو شوكا أو غير ذلك فأزله فإن ذلك من الإيمان حتى السيارة إذا جعلتها في وسط الطريق وضيقت على الناس فقد وضعت الأذى في طرق الناس وإزالة ذلك من الإيمان وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان فوضع الأذى في الطريق من الخسران والعياذ بالله ومن نقص الإيمان ولذلك يجب أن يكون الإنسان حيى القلب يشعر بشعور الناس تجد بعض الناس الآن يوقف السيارة في أي مكان بالطول أو بالعرض ما يهتم المكان ضيق أو المكان واسع ما يبالي ليست هذه خصال المؤمن، المؤمن هو الذي يكون حيى القلب يشعر بشعور الناس يحب للناس ما يحب لنفسه كيف تأتي مثلا وتوقف سيارتك في عرض الطريق ولا تبالي بتضييق الطريق على الناس؟ أحيانا يسدون الطريق يقفون عند باب مسجد جامع ويكون الطريق ضيقا فإذا خرج الناس يوم الجمعة ضيقوا عليهم وهذا غلط فإماطة الأذى عن الطريق صدقة فعلى هذا ينبغي للإنسان أن يقوم بإماطة الأذى عن الطريق وإذا كان لا يستطيع كما لو كانت أحجارا كبيرة أو أكواما من الرمل أو ما أشبه ذلك فليبلغ المسئولين ليبلغ البلدية مثلا لأنها","vol":"4","page":31},{"text":"المسئولة عن هذا يبلغها حتى يكون ممن تعانوا على البر والتقوى الحياء شعبة من الإيمان فإذا كان الإنسان حييا لا يتكلم بما يدنسه عند الناس ولا يفعل ما يدنسه عند الناس بل تجده وقورا ساكنا مطمئنا فهذا من علامة الإيمان والله الموفق\n٦٨٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ثم ذكر النووي ﵀ في باب الحياء وفضله فيما نقله عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ كان أشد حياء من العذراء في خدرها","vol":"4","page":32},{"text":"العذراء: هي المرأة التي لم تتزوج وهي أشد النساء حياء لأنها لم تتزوج ولم تعاشر الرجال فتجدها حيية في خدرها فرسول الله ﷺ أشد حياء منها ولكنه ﷺ إذا رأى ما يكره عرف ذلك في وجهه يتغير وجهه لكن يستحي ﵊ وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون حييا لا يتخبط ولا يفعل ما يخجل ولا يفعل ما ينتقد عليه ولكن إذا سمع ما يكره أو رأى ما يكره فإنه يتأثر وليس من الرجولة أن لا تتأثر بشيء لأن الذي لا يتأثر بشيء هو البليد الذي لا يحس لكن تتأثر ويمنعك الحياء أن تفعل ما ينكر أو أن تقول ما ينكر ثم إن الحياء لا يجوز أن يمنع الإنسان من السؤال عن دينه فيما يجب عليه لأن ترك السؤال عن الدين فيما يجب ليس حياء ولكنه خور فالله ﷾ لا يستحي من الحق قالت عائشة ﵂ نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين فكانت المرأة تأتي تسأل النبي ﷺ عن الشيء الذي يستحي من ذكره الرجال فلابد أن يسال الإنسان عن دينه ولا يستحي","vol":"4","page":33},{"text":"ولهذا لما جاء ماعز بن مالك ﵁ إلى النبي ﵊ جاء يقر بالزنى يقول إنه زنى فأعرض عنه النبي ﵊ ثم جاء ثانية وقال إنه زنى فأعرض عنه ثم جاء ثالثة وقال إنه زنى فاعرض عنه النبي ﵊ يريد أن يتوب فيتوب الله عليه فلما جاء الرابعة ناقشة النبي ﵊ قال: أبك جنون قال لا يا رسول الله قال أتدرى ما الزنى؟ قال: نعم الزنا أن يأتي الرجل من المرأة حراما ما يأتي الرجل من زوجته حلالا فقال له: أنكتها لا يكني بل صرح هنا مع أن هذا مما يستحي منه لكن الحق لا يستحي منه قال له: أنكتها قال: نعم قال حتى غاب ذاك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال نعم فهذا شيء يستحي منه لكن في باب الحق لا تستحي جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ تسأله فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي","vol":"4","page":34},{"text":"احتلمت؟ قال: نعم إذا &amp; هي رأت الماء هذا السؤال ربما يخجل منه الرجل أن يسأله ولا سيما في المجلس لكن أم سليم لم يمنعها الحياء من أن تعرف دينها وتتفقه فيه وعلى هذا فالحياء الذي يمنع من السؤال عما يجب السؤال عنه حياء مذموم ولا ينبغي أن نسميه حياء بل نقول إن هذا خور وجبن وهو من الشيطان فاسأل عن دينك ولا تستح &amp; أما الأشياء التي لا تتعلق بالأمور الواجبة فالحياء خير من عدم الحياء إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ومما يجانب الحياء ما يفعله بعض الناس الآن في الأسواق من الكلام البذيء السيئ أو الأفعال السيئة أو ما أشبه ذلك فلذلك يجب على الإنسان أن يكون حييا إلا في أمر يجب عليه معرفته فلا يستحي من الحق","vol":"4","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>باب حفظ السر</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾\n٦٨٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يقضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال الإمام النووي ﵀ (باب حفظ السر) والسر هو ما يقع خفية بينك وبين صاحبك ولا يحل لك أن تفشي هذا السر أو أن تبينه لأحد سواء قال لك لا تبينه لأحد أو علم بالقرينة الفعلية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد أو علم بالقرينة الحالية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد.\nمثال الأول: اللفظ أن يحدثك بحديث ثم يقول لا تخبر أحدا هو معك أمانة ومثال الثاني: القرينة الفعلية أن يحدثك وهو في حال تحديثه إياك يلتفت","vol":"4","page":36},{"text":"يخشى أن يكون أحد يسمع لأن معنى التفاته أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد ومثال الثالث: القرينة الحالية أن يكون هذا الذي حدثك به أو أخبرك به من الأمور التي يستحي من ذكرها أو يخشى من ذكرها أو ما أشبه ذلك فلا يحل لك أن تبين وتفشي هذا السر ثم استدل المؤلف ﵀ لذلك بقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا يعني إذا عاهدتم على شيء بلسان الحال أو بلسان المقال فإنه يجب عليكم أن توفوا بالعهد ومن العهود الشروط التي تقع بين الناس في الشراء والإجارة والاستئجار والرهن وغير ذلك فإن هذه الشروط من العهد وكذلك ما يجرى بين المسلمين والكفار من العهد فإنه يجب على المسلمين أن يوفوا به والمعاهدين من الكفار بين الله في سورة التوبة أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام قسم: لا يزالون يوفون بالعهد فهؤلاء يجب أن نوفي بعهدهم.\nوقسم ثان: نقضوا العهد فهؤلاء لا عهد بيننا وبينهم لأنهم نقضوا العهد قال الله تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾","vol":"4","page":37},{"text":"وقسم ثالث لم ينقضوا العهد ولم يتبين لنا أنهم سيستمرون في الوفاء به بل نخاف منهم أن يخونوا وينقضوا العهد فهؤلاء قال الله فيهم ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ &amp; يعني قل لهم لا عهد بيننا وبينكم حتى يكون الأمر صريحا فالمهم أن جميع ما يشترط بين الناس فإنه من المعهود ومن ذلك التزام الموظفين بأداء عملهم فإن الموظف قد التزم بالشروط التي تشترطها الحكومة على الموظفين من الحضور في أول الدوام وعدم الخروج إلا بعد انتهاء الدوام والنصح في العمل وما أشبه ذلك مما هو معروف في ديوان الخدمة فالواجب الوفاء بهذه العهود وإلا فاترك الوظيفة وكن حرا فيما تعمل لأن الوظيفة لم تلزم بها بل أنت الذي أتيت وتوظفت فيجب أن تلتزم بما تقتضيه شروط هذه الوظيفة من كل شيء وإلا فدعها وكن حرا فيما تريد ولا أحد يحاسبك إلا الله ﷿ ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة أشر هذه لغة قليلة لأن اللغة الكثيرة حذف الهمزة فخير وشر الأكثر فيهما في اللغة حذف الهمزة لا يقال أخير ولا أشر إلا قيلا وإنما يقال خير وشر قال","vol":"4","page":38},{"text":"الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ حذف الهمزة في خير وشر لكن يأتي ذكرها أحيانا بناء على الأصل.\nفهنا إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه يعني بذلك الزوجة فيصبح ينشر سرها أو هي أيضا تصبح تنشر سره فيقول فعلت في امرأتي البارحة كذا وفعلت كذا والعياذ بالله فالغائب كأنه يشاهد كأنه بينهما في الفراش والعياذ بالله يخبره بالشيء السر الذي لا تحب الزوجة أن يطلع عليه أحد أو الزوجة كذلك تخبر النساء بأن زوجها يفعل بها كذا وكذا وكل هذا حرام ولا يحل وهو من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة فالواجب أن الأمور السرية في البيوت وفي الفرش وفي غيرها تحفظ وألا يطلع عليها أحدا أبدا فإن من حفظ سر أخيه حفظ الله سره فالجزاء من جنس العمل","vol":"4","page":39},{"text":"٦٨٨ - وعن ثابت عن أنس ﵁ قال: أتى علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي فلما جئت قالت ما حبسك فقلت بعثني رسول الله ﷺ لحاجة قالت ما حاجته؟ قلت إنها سر قالت لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدا قال أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت.\nرواه مسلم وروى البخاري بعضه مختصرا\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب حفظ السر فيما نقله عن ثابت عن أنس خادم رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ مر به وهو يلعب مع الصبيان فسلم عليهم يعني سلم على الصبيان وهم يلعبون لأن رسول الله ﷺ كان أحسن الناس خلقا فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم ثم دعا أنس بن مالك ﵁ وأرسله في حاجة فأبطأ على أمه وأمه هي أم سليم امرأة أبي طلحة فلما جاء إليها سألته ما الذي أبطأ بك قال بعثني النبي ﷺ في حاجة يعني أرسلني بها قالت ما حاجته قال ما كنت لأخبر بسر رسول الله","vol":"4","page":40},{"text":"ﷺ فقالت لا تخبرن أحدا بسر رسول الله ﷺ قال أنس لثابت وكان ملازما له لو كنت مخبرا أحدا بذلك &amp; لأخبرتك به أي بالحاجة التي أرسله النبي ﷺ بها ففي هذا الحديث فوائد أولا: حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه الجم وأنه على شرفه ومكانته وجاهه عند الله وعند خلقه يتواضع حتى يسلم على الصبيان وهم يلعبون في السوق ومن منا يفعل ذلك إلا من شاء الله ثانيا: من فوائد هذا الحديث أنه يسن للإنسان أن يسلم على من مر به ولو كان من الصبيان لأن السلام دعاء تدعو لأخيك به تقول السلام عليك ورده دعاء لك يقول عليك السلام ولأنك إذا سلمت على الصبيان عودتهم التربية الحسنة حتى ينشئوا عليها ويعيشوا عليها ويكون لك أجر في كل ما اهتدوا بل فيه فكل شيء يهتدي فيه بك الناس من أمور الخير لك فيه أجر ثالثا: جواز إرسال الصبي بالحاجة لكن بشرط أن يكون مأمونا أما إذا كان غير مأمون بأن يكون الصبي كثير اللعب ولا يهتم بالحوائج فلا تعتمد عليه رابعا: ما ذكره الفقهاء ﵏ أن الصبي إذا جاءك","vol":"4","page":41},{"text":"بحاجة وقال هذه من أبي هذه من أمي وما أشبه ذلك فلك أن تقبلها وإن كان هو بنفسه لا يملك أن يتبرع من ماله بشيء لكن إذا جاءك على أنه مرسل وقال هذا من أبي جاءك مثلا بتمر جاءك ببطيخ جاءك بثوب بأي شيء إذا جاءك فاقبله ولا تقل هذا صبى ربما سرقها ربما كذا ربما كذا أخذا بالظاهر.\nخامسا: مراعاة الوالدة والأهل وأن الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجة وخاف أن يبطئ عليهم أن يخبرهم إذا لم تفت الحاجة بذلك يعني إذا خرجت من أهلك فينبغي أن تقول خرجت للجهة الفلانية حتى يطمئنوا ولا تنشغل خواطرهم والإنسان لا يدري ربما يذهب إلى الجهة الفلانية ويصاب بحادث أو مرض أو غيره فإذا لم يكن معلوما بقى أمره مشكلا عند أهله فينبغي إذا أردت أن تذهب إلى شيء غير معتاد أن تخبرهم بوجهتك أما الشيء المعتاد مثل الخروج إلى المسجد وما أشبهه فلا بأس مثلا إذا أردت أن تذهب إلى بلدك قلت لهم اليوم أذهب إلى المكان الفلاني أو تريد أن تذهب في نزهة فأخبرهم حتى يطمئنوا سادسا أنه لا يجوز للإنسان أن","vol":"4","page":42},{"text":"يبدى سر شخص حتى لأمه وأبيه فلو أن إنسانا أرسلك في حاجة ثم قال لك أبوك ما الذي أرسلك به لا تخبره ولو كان أباك أو قالت أمك ما الذي أرسلك به لا تخبرها ولو كانت أمك لأن هذا من أسرار الناس ولا يجوز إبداؤها لأحد سابعا: حسن تربية أم سليم لابنها حيث قالت لا تخبرن أحدا بسر رسول الله ﷺ وإنما قالت له ذلك مع أنه لم يخبرها ولم يخبر غيرها تأييدا له وتثبيتا له وإقامة للعذر له لأنه أبى أن يخبرها بسر رسول الله ﷺ فقالت لا تخبرن به أحدا كأنها تقول أنا أوافقك على هذا فاستمسك به ثامنا: إظهار محبة أنس لثابت لأنه ملازم له ولهذا تجده يروى عنه كثيرا ولهذا قال له لو كنت مخبرا أحدا لأخبرتك هذا يدل على المحبة بين أنس وبين تلميذه ثابت وهكذا أيضا ينبغي أن تكون المودة بين التلاميذ ومعلمهم متبادلة لأنه إذا لم يكن بين التلميذ والمعلم مودة فإن التلميذ لا يقبل كل ما قاله معلمه كذلك المعلم لا ينشط لتعليم تلميذه ولا يهتم به كثيرا فإذا صارت المودة بينهم متبادلة حصل بهذا خيرا كثيرا","vol":"4","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى (باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد) العهد: ما يعاهد الإنسان به غيره وهو نوعان عهد مع الله ﷿ فإن الله ﷾ قال في كتابه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا فقد أخذ الله العهد على عباده جميعا أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا لأنه ربهم وخالقهم","vol":"4","page":44},{"text":"وعهد مع عباد الله ومنه العهود التي تقع بين الناس بين الإنسان وبين أخيه المسلم بين المسلمين وبين الكفار وغير ذلك من العهود المعروفة فقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد فقال ﷿: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ يعني أن الوفاء بالعهد مسئول عنه الإنسان يوم القيامة يسأل عن عهده هل وفي به أم لا وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ يعني ولا تخلفوا العهد وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ والإنسان إذا عاهد ولم يف فقد قال ما لا يفعل فمثلا لو قلت لشخص عاهدتك ألا أخبر بالسر الذي بيني وبينك أو عاهدتك ألا أخبر بما صنعت في كذا وكذا ثم نقضت وأخبرت فهذا من القول بما لا يفعل: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ وقوله: ﴿كبر مقتا عند الله﴾ يعني كبر بغضا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون فإن الله يبغض هذا الشيء ويحب الموفين بالعهد إذا عاهدوا","vol":"4","page":45},{"text":"٦٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان متفق عليه.\nزاد في رواية لمسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم\n٦٩٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر متفق عليه\n٦٩١ - وعن جابر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فلم يجيء مال البحرين حتى قبض النبي ﷺ فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر ﵁ فنادى من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتنا فأتيته وقلت له أن النبي ﷺ قال لي كذا فحثى لى حثية فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال لي خذ مثيلها متفق عليه.","vol":"4","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف - ﵀ في باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: آية المنافق ثلاث آيته يعني علامته ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان يعني أن هذه من علامات المنافقين إذا رأيت الرجل يكذب وإذا حدث ويخلف إذا وعد ويخون إذا أؤتمن فهذه من علامات المنافقين لأن أصل المنافق مبني على التورية والستر يستر الخبيث ويظهر الطيب يستر الكفر ويظهر الإيمان.\nوالكاذب كذلك يخبر بخلاف الواقع والواعد الذي يعد ويخلف كذلك وكذلك الذي يخون إذا أؤتمن فهذه علامات النفاق والعياذ بالله.\nوفي هذا التحذير من الكذب وأنه من علامات المنافقين فلا يجوز للإنسان أن يكذب لكن إن اضطر إلى التورية وهي التأويل فلا بأس مثل أن يسأله أحد عن أمر لا يحب أن يطلع عليه غيره فيحدث بشيء خلاف الواقع لكن يتأول فهذا لا بأس به وأما إخلاف الوعد فحرام يجب الوفاء بالوعد سواء وعدته","vol":"4","page":47},{"text":"مالا أو وعدته إعانة تعينه في شيء أو أي أمر من الأمور إذا وعدت فيجب عليك أن تفي بالوعد وفي هذا ينبغي للإنسان أن يحدد المواعيد ويضبطها فإذا قال لأحد إخوانه أواعدك في المكان الفلاني فليحدد الساعة الفلانية حتى إذا تأخر الموعود وانصرف الواعد يكون له عذر حتى لا يربطه في المكان كثيرا وقد اشتهر عند بعض السفهاء أنهم يقولون أنا واعدك ولا أخلفك وعدي إنجليزي يظنون أن الذين يوفون بالوعد هم الإنجليز ولكن الوعد الذي يوفى به هو وعد المؤمن ولهذا ينبغي لك أن تقول إذا وعدت أحدا وأردت أن تؤكد إنه وعد مؤمن حتى لا يخلفه لأنه لا يخلف الوعد إلا المنافق.\nوإذا أؤتمن خان يعني إذا ائتمنه الناس على أموالهم أو على أسرارهم أو على أولادهم أو على أي شيء من هذه الأشياء فإنه يخون والعياذ بالله فهذه أيضا من علامات النفاق وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ففيه أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها المراد به أن هذه الأربع لا تجتمع إلا في المنافق الخالص وإن كان المؤمن قد يحصل له واحدة","vol":"4","page":48},{"text":"منها لكنه لا يكون منافقا خالصا بل يكون فيه خصلة من نفاق حتى يدعها وهذه الأربع هي: إذا أؤتمن خان إذا حدث كذب وسبق الكلام على هاتين الجملتين والثالثة: قال ك إذا عاهد غدر وهو قريب من قوله فيما سبق إذا وعد أخلف أي إذا عاهد أحدا غدر به ولم يف بالعهد الذي عاهده عليه.\nوالرابعة: إذا خاصم فجر والخصومة: هي المخاصمة عند القاضي ونحوه فإذا خاصم فجر والفجور في الخصومة على نوعين أحدهما: أن يدعي ما ليس له والثاني: أن ينكر ما يجب عليه مثال الأول: ادعى شخص على آخر فقال عند القاضي أنا أطلب من هذا الرجل ألف ريال وهو كاذب وحلف على هذه الدعوى وأتى بشاهد زور فحكم له القاضي فهذا خاصم ففجر لأنه ادعى ما ليس له وحلف عليه مثال الثاني: أن يكون عند شخص ألف ريال فيأتيه صاحب","vol":"4","page":49},{"text":"الحق فيقول: أوفني حقي فيقول ليس لك عندي شيء فإذا اختصما عند القاضي ولم يكن للمدعى بينة حلف هذا المنكر الكاذب في إنكاره أنه ليس في ذمته له شيء فيحكم القاضي ببراءته فهذه خصومه فجور والعياذ بالله وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال من حلف على يمين صبر ليقتطع بها حق امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان نعوذ بالله وهذه الخصال الأربع إذا اجتمعت في المرء كان منافقا خالصا لأنه استوفى خصال النفاق والعياذ بالله وإذا كان فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها وفي هذا الحديث: دليل على التحذير البليغ من هذه الصفات الأربع: الخيانة في الأمانة، والكذب في الحديث، والغدر بالعهد، والفجور في الخصومة وفيه أيضا دليل على أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال نفاق لقوله كان فيه خصلة من النفاق هذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الإنسان يكون فيه خصلة نفاق وخصلة","vol":"4","page":50},{"text":"فسوق وخصلة عدالة وخصلة عداوة وخصلة ولاية يعني أن الإنسان ليس بالضرورة أن يكون كافرا خالصا أو مؤمنا خالصا بل قد يكون فيه خصال من الكفر وهو مؤمن وخصال من الإيمان ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا مال البحرين يعني مال الإحساء وما جاورها كلها تسمى البحرين في ذلك العهد يقول لو قد جاء لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا: يقول بيديه ﵊ وهذا وعد من رسول الله ﷺ لجابر بن عبد الله أن يعطيه من مال البحرين هكذا وهكذا وهكذا.\nفلما توفي الرسول ﵊ قبل أن يأتي مال البحرين وكان الخليفة أبا بكر الصديق ﵁ بإجماع الصحابة بايعوه كلهم على أنه هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ فجاء مال البحرين في خلافة أبي بكر فقال ﵁ من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين عدة: يعني وعد أو دين يعني على الرسول ﵊ لأنه ربما يكون الرسول اشترى من أحد شيئا فلزمه دين أو وعد أحدا شيئا وفعلا توفي الرسول ﵊ ودرعه مرهونة عند رجل يهودي","vol":"4","page":51},{"text":"في المدينة بثلاثين صاعا من شعير اشتراها لأهله ﵊ فهو ﷺ ليس عنده مال ولم يبعث جابيا للمال ولا يبقى عنده المال إلا بمقدار ما يفرقه على المسلمين فالمهم أن أبا بكر نادى: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتنا فجاء جابر ﵁ إلى أبي بكر وقال إن النبي ﷺ قال لو جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فقال خذ فأخذ بيديه فعدها فإذا هي خمسمائة فقال خذ مثيلها لأن الرسول قال هكذا وهكذا وهكذا ثلاث مرات فأعطاه أبو بكر ﵁ العدة التي وعده إياها رسول الله ﷺ وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز تخصيص بعض المسلمين بشيء من بيت المال لأن النبي ﷺ خصص جابرا ولكن بشرط ألا يكون ذلك لمجرد الهوى بل للمصلحة العامة أو الخاصة وفيه دليل على كرم النبي ﷺ حيث يحثو المال حثيا ولا يعده عدا لأنه قال بيديه وهذا يدل على الكرم وأن المال لا يساوي عنده شيئا صلوات الله وسلامه عليه بخلاف الذي جمع مالا","vol":"4","page":52},{"text":"وعدده يعدد الهلل قبل الريالات من حرصه على المال.\nوفي هذا دليل أيضا على النبي ﷺ لا يعلم الغيب لأنه وعد وتوفى قبل أن يفي بالوعد لأن المال لم يأت وفيه أيضا دليل على فضيلة أبي بكر ﵁ لمبايعة الصحابة له.\nوفيه دليل أيضا على قبول دعوى المدعى إذا لم يكن له منازع يرد دعواه وكان هذا المدعى ثقة أما إذا كان له منازع فإن البينة على المدعى واليمين على من أنكر وفي هذه القصة لا منازع لجابر ﵁ لأن أبا بكر هو المسئول عن بيت المال وقد عرض على الناس من كان له عدة أو دين فليأتنا فجاء جابر ولم يقل له أبو بكر أين البينة على أن الرسول ﷺ وعدك ما طلب منه البينة لأنه واثق به ولا منازع له وفيه دليل أيضا على اعتبار الشيء بنظيره وأن الإنسان إذا وزن شيئا في إناء وكان وزنه مثلا مائة كيلو فله أن يملأ هذا الإناء مرة ثانية بشيء آخر ويعتبره مائة كيلو إذا تساوى الموزون في الخفة والثقيل لأن أبا بكر ﵁ لما عد الحثية الأولى اعتبر الحثية الثانية والثالثة بمثلها في العدد","vol":"4","page":53},{"text":"فإذا فرضنا أن شخصا وجب عليه خمسمائة صاع مثلا ثم كان في إناء عشرة أصواع وأراد أن تعتبر الباقي بهذا الإناء فإن ذلك لا بأس به لأنه إذا تساوى الشيء فإنه لا بأس أن تعتبر هذا الاعتبار لفعل أبي بكر الصديق ﵁ والله الموفق","vol":"4","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>باب المحافظة على ما اعتاده من الخير</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ والأنكاث جمع نكث وهو الغزل المنقوض وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾\n٦٩٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى (باب المحافظة على ما اعتاده من الخير) يعني أن الإنسان إذا اعتاد فعل الخير فينبغي أن يداوم عليه فمثلا إذا اعتاد","vol":"4","page":55},{"text":"ألا يدع الرواتب يعني الصلوات النوافل التي تتبع الصلوات الخمس فليحافظ على ذلك وإذا كان يقوم الليل فليحافظ على ذلك وإذا كان يصلى ركعتين من الضحى فليحافظ على ذلك وكل شيء من الخير إذا اعتاده فإنه ينبغي أن يحافظ عليه وكان من هدى النبي ﷺ أن عمله ديمة يعني يداوم عليه فكان إذا عمل عملا أثبته ولم يغيره وذلك لأن الإنسان إذا اعتاد الخير وعمل به ثم تركه فإن هذا يؤدي إلى الرغبة عن الخير لأن الرجوع بعد الإقدام شر من عدم الإقدام فلو أنك لم تفعل الخير ابتداء لكان أهون مما إذا فعلته ثم تركته وهذا شيء مشاهد مجرب وذكر المؤلف ﵀ عدة آيات من القرآن كلها تدل على أن الإنسان ينبغي أن يحافظ على ما اعتاده من الخير فمن ذلك قوله تعالى: وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا يعني لا تكونوا كالمرأة الغازلة التي تغزل الصوف ثم إذا غزلته وأتقنته نقضته أنكاثا ومزقته بل دوموا على ما أنتم عليه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أنهم يعملون العمل الصالح لكن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وتركوا العلم فلا تكونوا مثلهم","vol":"4","page":56},{"text":"وأما الأحاديث التي ذكرها المؤلف فمنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل كلمة فلان يكني بها عن الإنسان البشر الرجل والمرأة يقال لها فلانة وهذه الكلمة يحتمل أنها من كلام الرسول ﷺ وأن الرسول لم يذكر اسمه لعبد الله بن عمرو سترا عليه لأن المقصود القضية دون صاحبها ويحتمل أن الرسول ﷺ عينه لكن أبهمه عبد الله بن عمرو ﵁ وأيا كان فالمهم العمل.\nوالقضية أن رجلا كان يقوم من الليل فلم يثبته ولم يداوم عليه مع أن قيام الليل في الأصل سنة فلو لم يفعله الإنسان لم يلم عليه يعني لو لم يقم من الليل ما لامه ولا قال له: لماذا لم تقم من الليل؟ لأنه سنة لكن كونه يقوم ثم يرجع ويترك هذا هو الذي يلام عليه ولهذا قال الرسول ﷺ: لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل ومن ذلك وهو أهم وأعظم أن يبدأ الإنسان بطلب العلم الشرعي ثم إذا فتح الله عليه بما فتح تركه فإن هذا كفر نعمة أنعمها الله عليه فإذا بدأت بطلب العلم فاستمر إلا أن يشغلك عنه شيء على وجه الضرورة وإلا فداوم لأن طلب العلم فرض","vol":"4","page":57},{"text":"كفاية كل من طلب العلم من طلب العلم فإن الله تعالى يثيبه على ثواب الفرض وثواب الفرض أعظم من ثواب النافلة كما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى قال: ما تقرب إلا عبدي بشيء أحب إلى ما افترضته عليه فطلب العلم فرض كفاية إذا قام به الإنسان قام بفرض عن عموم الأمة وقد يكون فرض عين فيما إذا احتاج الإنسان إليه في نفسه كمن أراد أن يصلى فلا بد أن يتعلم أحكام الصلاة ومن كان عنده مال فلابد أن يتعلم أحكام الزكاة والبائع والمشتري لابد أن يتعلما أحكام البيع والشراء ومن أراد أن يحج فلابد أن يتعلم أحكام الحج هذا فرض عين أما بقية العلوم فهي فرض كفاية فإذا شرع الإنسان في طلب العلم فلا يرجع وإنما يستمر إلا أن يصده عن ذلك شيء ضروري فهذا شيء آخر ولهذا كان المنافقون هم الذين إذا بدأوا بالعمل تركوه في غزوة أحد خرج مع النبي ﷺ نحو ألف رجل وكان ثلثهم تقريبا من المنافقين فرجعوا من الطريق وقالوا: ﴿لو نعلم قتالا لا تبعناكم﴾ قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾","vol":"4","page":58},{"text":"فالحاصل أنه ينبغي للمسلم إذا من الله عليه بعمل مما يتعبد به لله من عبادات خاصة كالصلاة أو عبادات متعدية للغير كطلب العلم ألا يتقاعس وألا يتأخر ليستمر على ذلك فإن ذلك من هدى النبي ﷺ ومن إرشاده بقوله: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل والله الموفق","vol":"4","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿ولو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾\n٦٩٣ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة متفق عليه\n٦٩٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: والكلمة الطيبة صدقة متفق عليه وهو بعض حديث تقدم بطوله\n٦٩٥ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخالك بوجه طلق رواه مسلم","vol":"4","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء) يعني: إذا لاقى الإنسان أخاه، فإنه ينبغي له أن يلاقيه بالبشر وطلاقة الوجه &amp; وحسن المنطق لأن هذا من خلق النبي ﷺ ولا يعد هذا تنزلا من الإنسان ولكنه رفعة وأجر له عند الله ﷿ واتباع لسنة النبي ﷺ فإن النبي ﷺ كان دائم البشر كثير التبسم صلوات الله وسلامه عليه فالإنسان ينبغي له أن يلقى أخاه بوجه طلق وبكلمة طيبة لينال بذلك الأجر والمحبة واللفة والبعد عن التكبر والترفع على عباد الله ثم ذكر المؤلف آيات منها: قوله تعالى: واخفض جناحك للمؤمنين اخفض جناحك يعني لن وتواضع للمؤمنين لأن المؤمن أهل لأن يتواضع له أما الكفار فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فالذي يتلقى بالبشر وطلاقة الوجه هو المؤمن أما الكافر فإن","vol":"4","page":61},{"text":"كان يرجى إسلامه إذا عاملناه بطلاقة الوجه والبشر فإننا نعامله بذلك رجاء إسلامه وانتفاعه بهذا اللقاء وأما إذا كان هذا التواضع وطلاقة الوجه لا يزيده إلا تعاليا على المسلم وترفعا عليه فإنه لا يقابل بذلك ثم إن طلاقة الوجه توجب سرور صاحبك لأنه يفرق بين شخص يلقاك بوجه معبس وشخص يلقاك بوجه منطلق لهذا قال النبي ﵊ لأبي ذر: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق فهذا من المعروف لأنه يدخل السرور على أخيك ويشرح صدره ثم إذا قرن ذلك بالكلمة الطيبة حصل بذلك مصلحتان: طلاقة الوجه والكلمة الطيبة التي قال عنها النبي ﷺ: اتقوا النار ولو بشق تمرة يعني: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية ولو بشق تمرة يعني: ولو أن تصدقوا بنصف تمرة فإن ذلك يقيكم من النار إذا قلبها الله ﷿ فإن لم يجد فبكلمة طيبة كلمة طيبة مثل أن تقول له: كيف أنت؟ كيف حالك؟ كيف إخوانك؟ كيف أهلك؟ وما أشبه ذلك لأن هذه من الكلمات الطيبة التي تدخل السرور على صاحبك كل","vol":"4","page":62},{"text":"كلمة طيبة فهي صدقة لك عند الله وأجر وثواب وقد قال النبي ﵊ البر حسن الخلق وقال: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا","vol":"4","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم </span>يفهم إلا بذلك\n٦٩٦ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا رواه البخاري\n٦٩٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان كلام رسول الله ﷺ كلاما فصلا يفهمه كل من يسمعه رواه أبو داود\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى: (باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك) والمعنى أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم وخاطب الناس أن يكلمهم بكلام بين لا يستعجل في إلقاء الكلمات، ولا يدغم شيئا في شيء ويكون حقه الإظهار بل يكون كلامه فصلا بينا واضحا حتى يفهم المخاطب بدون مشقة وبدون كلفة","vol":"4","page":64},{"text":"فبعض الناس تجده في الكلام ويأكل الكلام حتى إن الإنسان يحتاج إلى أن يقول له: ماذا تقول؟ فهذا خلاف السنة فالسنة أن يكون الكلام بينا واضحا يفهمه المخاطب وليس من الواجب أن يكون خطابك باللغة الفصحى.\nفعليك أن تخاطب الناس بلسانهم وليكن بينا واضحا كما في حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه فقوله: حتى تفهم عنه يدل على أنها إذا فهمت بدون تكرار فإنه لا يكررها وهذا هو الواقع فإن الرسول ﵊ نسمع عنه أحاديث كثيرة يقولها في خطبة وفي المجتمعات ولا يكرر ذلك لكن إذا لم يفهم الإنسان بأن كان لا يعرف المعنى جيدا فكرر عليه حتى يفهم أو كان سمعه ثقيلا لا يسمع أو كان هناك ضجة حوله لا يسمع فهنا يستحب أن تكرر حتى يفهم عنك وكان ﷺ إذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثا معناه أنه كان لا يكرر أكثر من ثلاث يسلم مرة فإذا لم يجب سلم الثانية فإذا لم يجب سلم الثالثة فإذا لم يجب تركه","vol":"4","page":65},{"text":"وكذلك في الاستئذان كان ﷺ يستأذن ثلاثا يعني إذا جاء للإنسان يستأذن في الدخول على بيته يدق عليه الباب ثلاث مرات فإذا لم يجب انصرف فهذه سنته ﵊ أن يكرر الأمور ثلاثا ثم ينتهي.\nوهل مثل ذلك إذا دق جرس الهاتف ثلاث مرات؟ يحتمل أن يكون من هذا الباب، وأنك إذا اتصلت بإنسان ودق الجرس ثلاث مرات وأنت تسمعه وهو لم يجبك، فأنت في حل إذا وضعت سماعة الهاتف ويحتمل أن يقال: إن الهاتف له حكم آخر وأنك تبقى حتى تيأس من أهل البيت لأنهم ربما لا يكونون حول الهاتف عند اتصالك فربما يكونون في طرف المكان ويحتاجون إلى خطوات كثيرة حتى يصلوا إلى الهاتف فلذلك قلنا باحتمال الأمرين ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان كلامه فصلا يعني مفصلا لا يدخل الحروف بعضها على بعض ولا الكلمات بعضها على بعض حتى لو شاء العاد أن يحصيه","vol":"4","page":66},{"text":"لأحصاه من شدة تأنيه ﷺ في الكلام وهكذا ينبغي للإنسان أن لا يكون كلامه متداخلا بحيث يخفي على السامع لأن المقصود من الكلام هو إفهام المخاطب وكلما كان أقرب إلى الإفهام كان أولى وأحسن ثم إنه ينبغي للإنسان إذا استعمل هذه الطريقة يعني إذا جعل كلامه فصلا بينا واضحا وكرره ثلاث مرات لمن لم يفهم ينبغي أن يستشعر في هذا أنه متبع لرسول الله ﷺ حتى يحصل له بذلك الأجر وإفهام أخيه المسلم وهكذا جميع السنن اجعل على بالك أنك متبع فيها لرسول ﷺ حتى يتحقق لك الاتباع","vol":"4","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام واستنصات العالم والواعظ </span>حاضري مجلسه\n٦٩٨ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: استنصت الناس ثم قال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف النووي رحمه الله تعالى هذا الباب في إصغاء الإنسان إلى جليسه إذا لم يكن يتكلم بشيء محرم، واستنصات العالم والمعلم الناس يعني ليستمعوا إلى كلامه، وقد سبق لنا أن النبي ﷺ كان إذا سلم سلم ثلاثا والمراد أنه لم يسمع المسلم عليه سلم ثلاثا، فإنه يسلم أول مرة، فإذا لم يجب سلم ثانية، فإذا لم يجب سلم الثالثة، فإذا لم يجب تركه أما إذا رد المسلم عليه من أول مرة فإنه لا يعيد السلام مرة ثانية أما هذا الباب ففيه أنه ينبغي للإنسان أن يكون حسن الإصغاء إلى كلام جليسه إذا لم يكن يتكلم بمحرم","vol":"4","page":68},{"text":"وحسن الإصغاء يكون بالقول وبالفعل أما القول: فبألا يتكلم إذا كان جليسه يتكلم، فيحصل بذلك التشويش بأن يكون الكلام كلاما واحدا حتى ينتفع الناس جميعا بما يتكلم به بعضهم وأما الإصغاء بالفعل: فينبغي إذا كان الإنسان يحدثك أن تقبل إليه بوجهك وألا تلتفت يمينا وشمالا، لأنك إذا التفت يمينا وشمالا وهو يحدثك نسبك إلى الكبرياء، وقد قال الله تعالى: وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا فينبغي أن تصغي إليه وأن تقابله بوجهك حتى يعرف أنك قد أحسست به، وأنك قد اهتممت بكلامه، إلا إذا كان يتكلم بشيء محرم، كغيبة، أو كلام لغو، أو ما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة، فإنك لا تصغي إليه، بل انهه عن ذلك الشيء.\nفإن استمر يتكلم بالكلام المحرم، ولم يضع إلى قولك وإلى نصحك، فالواجب عليك أن تقوم من مكانك وأن تفارقه، لأن الله يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾","vol":"4","page":69},{"text":"ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أن النبي ﷺ قال له في حجة الوداع: استنصت الناس يعني: سكتهم حتى يستمعوا لما يقوله النبي ﷺ.\nثم ذكر النبي ﷺ: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض يضرب هنا بالرفع، ولا يجوز جزمها على أنها جواب النهي، بل هي بالرفع لأنها حال، يعني لا ترجعوا بعدي كفارا حال كونكم يضرب بعضكم رقاب بعض، وفي هذا دليل على أن قتال المؤمنين بعضهم كفر، وقد أيد هذا الحديث قوله ﵊: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر لكنه كفر لا يخرج من الملة، والدليل على أنه لا يخرج من الملة قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾","vol":"4","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>باب الوعظ والاقتصاد فيه</span>\nقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾\n٦٩٩ - وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود ﵁ يذكرنا في كل خميس مرة، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، فقال أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة، كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا متفق عليه.\nيتخولنا: يتعهدنا.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه اله تعالى: (باب الوعظ والاقتصاد فيه) وذلك لعدم إدخال الملل والسآمة على الناس فيما يعظ به الوعظ: هو ذكر الأحكام الشرعية مقرونة بالترغيب أو الترهيب، كأن نقول للإنسان مثلا إنه يجب عليك كذا وكذا فاتق الله، وقم بما أوجب الله عليك وما أشبه ذلك.","vol":"4","page":71},{"text":"وأعظم واعظ هو كتاب الله ﷿ فإن الله يقول:.\nيَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين فأعظم ما يوعظ به كتاب الله ﷿، لأنه جامع بين الترغيب والترهيب، وذكر الجنة والنار، والمتقين والفجار، فهو أعظم كتاب يوعظ به.\nولكن إنما يكون كذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أما من قست قلوبهم والعياذ بالله فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون﴾ وهكذا المؤمن كلما قرأ من كتاب الله ازداد إيمانا بالله واستبشر بما جعل الله في قلبه من النور من هذا الكتاب العظيم ﴿.\nوَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ نعوذ بالله من ذلك فينبغي لإنسان أن يعظ الناس بالقرآن وبالسنة، وبكلام الأئمة، وبكل ما يلين القلوب ويوجهها إلى الله ﷿ ثم ذكر المؤلف ﵀ أن ينبغي الاقتصاد في الموعظة،","vol":"4","page":72},{"text":"فلا تكثر على الناس فتملهم، وتكره إليهم القرآن والسنة وكلام أهل العلم، لأن النفوس إذا ملت كلت، وتعبت وسئمت وكرهت الحق وإن كان حقا ولهذا كان أحكم الواعظين من الخلق محمد ﷺ يتخول الناس بالموعظة، ما يكثر عليهم لئلا يملوا ويسأموا ويكرهوا ما يقال من الحق ثم صدر المؤلف هذا الباب بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ادع إلى سبيل ربك: يعني إلى دين الله، لأن سبيل الله هو دين الله حيث أنه يوصل إلى الله تعالى، فمن سلك هذا الدين أوصله إلى الله سبحانه وتعالي، ولأن هذا الدين وضعه الله ﷿ وشرعه لعباده، ولهذا أضيف إليه فقيل: سبيل الله ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي بثلاثة أمور: أولا: الحكمة: وذلك بأن تنزل الأمور منازلها، في الوقت المناسب، والكلام المناسب، والقول المناسب، لأن بعض الأماكن لا تنبغي فيها الموعظة وبعض الأزمنة لا تنبغي فيها الموعظة وكذلك بعض الأشخاص لا ينبغي أن تعظهم في حال من الأحوال بل تنتظر حتى يكون مهيئا لقبول الموعظة ولهذا قال:","vol":"4","page":73},{"text":"﴿بالحكمة﴾ قال العلماء: الحكمة: وضع الأشياء في مواضعها ثانيا: الموعظة الحسنة: يعني: اجعل دعوتك مقرونة بموعظة حسنة، موعظة تلين القلب وترققه وتوجهه إلى الله بشرط أن تكون حسنة، إن كان الترغيب فيها أولى فبالترغيب وإن كان الترهيب والتخويف فيها أولى فبالترهيب والتخويف وكذلك تكون حسنة من حيث الأسلوب والصياغة وكذلك تكون حسنة من حيث الإقناع بحيث تأتي بموعظة تكون فيها أدلة مقنعة أدلة شرعية وأدلة عقلية تسند الشرعية لأن بعض الناس يقنع بالأدلة الشرعية كالمؤمنين الخلص، فإن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ومن الناس من لا يكتفي بالأدلة الشرعية بل يحتاج أن تنسد الأدلة الشرعية عنده بأدلة عقلية، ولهذا يستدل الله ﷾ في آيات كثيرة بالأدلة العقلية على ما أوحاه إلى نبيه من الأدلة الشرعية انظر مثلا إلى البعث بعد الموت، فالبعث بعد الموت أنكره الكفار وقالوا: من يحيى العظام وهي رميم؟ كيف يموت الإنسان وتأكل الأرض عظامه ولحمه وجلده، ثم يبعث؟ فأجاب الله:","vol":"4","page":74},{"text":"﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ من الذي خلق هذه العظام أول مرة هو الله وإعادة الخلق أهون من ابتدائه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ﴿أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ هذه أدلة عقلية الاستدلال بالمبدأ على المعاد وكذلك يستدل الله ﷾ على إمكان البعث بإحياء الأرض بعد موتها فإن الله تعالى ينزل المطر على أرض هامدة قاحلة، ليس فيها حياة ولا نبات فتصبح الأرض مخضرة بهذا المطر من الذي أحيا هذا النبات إلا الله؟ فالذي أحيا هذا النبات بعد يبسه وموته قادر على إحياء الموتى ولابد من حياة أخرى لأنه ليس من الحكمة أن الله ينشئ هذا الخلق ويمدهم بالنعم والرزق وينزل عليهم الكتب، ويرسل إليهم الرسل، ويشرع الجهاد لأعدائه ثم تكون المسألة مجرد دنيا تروح، فهذا لا يمكن، وهذا خلاف الحكمة، بل لابد من حياة أخرى هي الحياة الحقيقية كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ ثم قال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني: إذا وعظت موعظة","vol":"4","page":75},{"text":"حسنة وصار الإنسان يجادل ولم يقبل فجادله ولا تنسحب لكن جادل بالتي هي أحسن من حيث الأسلوب، ومن حيث العرض، ومن حيث الإقناع، إذا استدل عليك بدليل فحاول إبطال دليله، فإذا كان إبطال دليله يطول فانتقل إلى دليل آخر، ولا تأخذ في الجدال معه، بل انتقل إلى دليل آخر لا يستطيع مجادلتك فيه.\nانظر إلى إبراهيم ﵊ لما حاجة الرجل في الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يعني وأنت لا تستطيع أن تحيى وتميت ﴿قال أنا أحيي وأميت﴾ كيف يحيى ويميت هذا المجادل المعاند؟ كان يؤتي بالرجل المستحق للقتل فيقول: لا تقتلوه ويؤتي بالرجل لا يستحق القتل فيقول: اقتلوه فجعل هذه التمويه إحياء وإماتة فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ ولم يجادله على قوله: أنا أحيى وأميت، وإلا لو جادله لقال أنت لم تحي ولم تمت حقيقة وإنما تفعل سبب الموت فيموت وهو القتل وترفع موجب القتل فلا يقتل لكنه عدل عن هذا إلى شيء لا يستطيع الخصم أن يتحرك معه أو أن ينطق قال: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ فلم يستطع ردا ولهذا قال: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي","vol":"4","page":76},{"text":"الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فالحاصل أن الله يقول: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ وفهم من الآية أن من لا يستطيع المجادلة بالتي هي أحسن فلا يجادل، لأنه قد يأتي إنسان مؤمن حقا وليس عنده إشكال لما معه من الإيمان لكن يجادله ألد خصم فيعجز عن مقاومته ففي هذه الحال لا تجادل لأنك إن جادلت لن تجادل بالتي هي أحسن اتركه إلى وقت آخر أو إلى أن يأتي أحد أقوى منك في المجادلة فيجادله\n٧٠٠ - وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا في الخطبة رواه مسلم مئنة بميم مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة أي علامة دالة على فقهه\n٧٠١ - وعن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذا عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله","vol":"4","page":77},{"text":"فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قلبه ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أنبأنا وكما قال رسول الله ﷺ قلت يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالا يأتون الكهان؟ قال: فلا تأتهم قلت ومنا رجال يتطيرون؟ قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف النووي رحمه الله تعالى في (باب الوعظ والاقتصاد فيه وعدم إدخال الملل والسآمة على الناس فيما يعظ به) وسبق الكلام عن الآية التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب وهي قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ثم ذكر المؤلف أحاديث منها: حديث عمار بن ياسر أن النبي","vol":"4","page":78},{"text":"ﷺ قال: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه يعني: صلاة الجمعة فصلاة الجمعة لها خطبتان قبلها: فيقول النبي ﷺ: وإن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه وهذا وإن كان ظاهرا في خطبة الجمعة فهو عام أيضا حتى في الخطب العارضة لا ينبغي للإنسان أن يطيل على الناس كلما قصر كان أحسن لوجهين الوجه الأول: ألا يمل الناس الوجه الثاني: أن يستوعبوا ما قال لأن الكلام إذا طال ضيع بعضه بعضا فإذا كان قصيرا مهضوما مستوعبا انتفع به وكذلك لا يلحقهم الملل وأما طول الصلاة فالمراد أن تكون كصلاة النبي ﷺ ليست طويلة لأن النبي ﷺ أنكر على معاذ إطالته في صلاة العشاء وأنكر على الرجل الآخر إطالته في صلاة الفجر وقال: أيها الناس إن منكم منفرين فالمراد بطول الصلاة هنا الطول الموفق لصلاة رسول الله ﷺ هذا إذا كان الإنسان إماما أما إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء","vol":"4","page":79},{"text":"ولا أحد يمنعه لأنه يعامل نفسه بنفسه ثم قال النبي ﵊ فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة أطيلوها كما ورد وأقصروا الخطبة لكن لابد من خطبة تثير المشاعر ويحصل بها الموعظة والانتفاع.\nثم ذكر المؤلف حديث معاوية بن الحكم ﵁ أنه بينما كان مع النبي ﷺ يصلي إذ عطس رجل من القوم فقال الحمد لله فقال له معاوية يرحمك الله لأنك إذا سمعت العاطس يحمد الله بعد عطاسه وجب عليك أن تشمته فتقول يرحمك الله حتى ولو كنت تقرأ أو تطالع أو تراجع أما في الصلاة فلا يجوز لأن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ولهذا أنكر الناس بأعينهم على معاوية فرموه بأبصارهم فقال واثكل أمياه ماذا صنعت؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يسكتونه فسكت ومضى في صلاته فلما انصرف من الصلاة دعاه النبي ﷺ فقال فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما أحسن تعليما منه لا قبله ولا بعده والله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما خاطبه بلطف وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال ﵊","vol":"4","page":80},{"text":"فهذه موعظة قصيرة مفيدة انتفع بها معاوية ونقلها إلى من بعده وفي هذا الحديث دليل على أنه لا بأس أن يلتفت المصلى أو ينظر إذا كان ذلك لمصلحة أو حاجة، وإلا فالأفضل أن يكون نظره إلى موضع سجوده وفي حال الجلوس يكون نظرة إلى موضع إشارته لأن الجالس في التشهد أو بين السجدتين يرفع إصبعه قليلا ويشير بها عند الدعاء، فيكون نظره إلى موضع إشارته، وأما في حال القيام والركوع فينظر إلى موضع سجوده وقال بعض العلماء ينظر تلقاء وجهه، والأمر في هذا واسع، إن شاء نظر إلى موضع سجوده، وإن شاء نظر تلقاء وجهه، لكن إذا حصلت حاجة والتفت فإن ذلك لا بأس به وفيه أيضا: أن العمل اليسير في الصلاة لا يضر لأن الصحابة جعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ولم ينكر النبي ﷺ عليهم ذلك، إلا أنه ﷺ قال في حديث آخر: إذا نابكم شيء فليسبح الرجال ولتصفق النساء","vol":"4","page":81},{"text":"وفيه دليل: على أن الكلام في الصلاة لا يجوز وأنه مبطل لها، إلا إذا كان الإنسان جاهلا أو ناسيا أو غافلا، فمثلا لو أن أحدا سلم عليك وأنت تصلي أو دق الباب وأن تصلي فقلت غافلا ادخل أو قلت: وعليكم السلام ناسيا أو غافلا، فصلاتك صحيحة لأن الله لا يؤاخذ الإنسان بالجهل أو النسيان أو بالغفلة ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ومن فوائد الحديث: حسن تعليم النبي ﷺ وأنه يعلم بالرفق واللين وهذا هديه ﷺ وهو أسوة أمته فالذي ينبغي للإنسان أن ينزل الناس منازلهم فالمعاند المكابر يخاطب بخطاب يليق به والجاهل الملتمس للعلم يخاطب بخطاب يليق به ومن فوائد هذا الحديث: أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين وإنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال ﵊، والصلاة كما نعلم فيها قراءة قرآن وفيها تكبير وفيها تسبيح وفيها دعاء وفيها تشهد وفي الحديث: الثناء على الوعظ إذا كانت عظته جيدة وليس عنده عنف وهذا يشجع أهل الوعظ على أن يلتزموا بهذه الطريقة التي التزم بها رسول الله ﷺ","vol":"4","page":82},{"text":"وفي سياق حديث معاوية بن الحكم ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وإن الله تعالى قد جاء بالإسلام قال هذا الكلام ليبين حاله من قبل وحاله من بعد وليتحدث بنعمة الله عليه حيث كانوا في جاهلية لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا إلا ما جرت به العادات بينهم وجاءنا الله بهذا الإسلام بالنور المبين والفرقان العظيم فبين الحق من الباطل وبين النافع من الضار وبين الإيمان من الكفر والتوحيد من الشرك إلى غير ذلك مما من الله به على هذه الأمة بالإسلام ثم قال ﵁ وإن منا رجالا يأتون الكهان قال فلا تأتهم الكهان كانوا رجالا تنزل عليهم شياطين الجن بما يسمعون من خبر السماء ثم يحدثون الناس بما أخبرت به الشياطين ويضيفون إلى الخبر الحق أشياء كثيرة من الكذب فإذا صدقوا في واحد من مائة اتخذهم الناس حكاما ولهذا يأتون إليهم ويتحاكمون إليهم فالكاهن عبارة عن رجل يأتيه الشيطان يخبره بما سمع من خبر السماء ويضيف إلى هذا الخبر أشياء كثيرة من الكذب يأتيهم","vol":"4","page":83},{"text":"الناس فيسألونهم ما حالنا؟ ما مستقبلنا؟ يسألونهم عن أمور مستقبلة عامة أو خاصة فيخبرونهم بما وسمعوا من أخبار الشياطين قال النبي ﷺ: فلا تأتهم كلمة واحدة لا تأت الكهان وهل تظن أن معاوية أو غيره من الصحابة إذا قال لهم الرسول ﵊ لا تفعلوا أن يفعلوا؟ لا، لا نظن ذلك فإنهم ليسوا كحال كثير من الناس اليوم يكرر عليه النهي ولكنه لا ينتهي أو يتأول ويقول: النهي للكراهة أو النهي للأدب أو لخلاف الأولي أو ما أشبه ذلك ثم اعلم أن الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل وإذا أتاه الإنسان فله ثلاث حالات: الحلة الأولى: أن يأتيه يسأله ولا يصدقه فثبت في صحيح مسلم أن من فعل هذا لا تقبل له صلاة أربعين يوما الحالة الثانية: أن يأتيه يسأله ويصدقه فهذا كافر لقوله ﷺ: من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ووجه كفره أن تصديقه إياه يتضمن تكذيب قول الله جل وعلا: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ لأن الكاهن","vol":"4","page":84},{"text":"يخبر عن الغيب في المستقبل فإذا صدقته فمضمونه أنك تكذب هذه الآية فيكون ذلك كفرا الحالة الثالثة: أن يسأل الكاهن ليكذبه وإنما يسأله اختبارا فهذا لا بأس به وقد سأل النبي ﷺ ابن صياد عما أضمر له فقال له: الدخ يعني: الدخان فقال له النبي ﵊ اخسأ فلن تعدو قدرك فإذا سأله ليفضحه ويكشف كذبه وحاله للناس فإن هذا لا بأس به بل إن هذا يكون محمودا مطلوبا لما في ذلك من إبطال الباطل ثم سأل معاوية ﵁ رسول الله ﷺ سؤالا آخر قال ومنا رجال يتطيرون؟ قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم والتطير: هو التشاؤم بالأشياء وكان العرب يتشاءمون أكثر ما يتشاءمون في الطيور فإذا طار يمينا فله حال وإن طار يسارا فله حال وإن اتجه أماما فله حال أو رجع فله حال حسب اصطلاحات العرب وخرافاتهم","vol":"4","page":85},{"text":"فكانوا يتطيرون فيجعلون الطيور هي التي تمضيهم أو تردهم إذا كان الطير مثلا عن اليسار قال هذا نذير سوء فلا أسافر إذا طار يمينا قال هذا سفر مبارك حيث اليمين من اليمن والبركة وهكذا اصطلاحات عندهم فكانوا يتشاءمون أكثر ما يتشاءمون في الطيور وربما تشاءموا من الأيام وربما تشاءموا من الشهور وربما تشاءموا فيما يصنعون من الأصوات وربما تشاءموا حتى من الأشخاص حتى إنه يوجد الآن أناس إذا خرج أحدهم من بيته ثم لاقاة شخص قبيح المنظر قال هذا اليوم سوء وتشاءم وإذا لقي رجلا جميل الوجه قال: هذا اليوم خير فتفاءل &amp; فقال النبي ﵊: هذا شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم والإنسان إذا ركن إلى التطير تنغصت عليه حاله وربما يصنع الجني ما يكره ليبقى دائما في غم وهم ولكن لا تشاءم وكان العرب يتشاءمون من شهر شوال في النكاح يقولون الذي يتزوج في شهر شوال لا يوفق في زواجه هكذا كانوا يقولون فكانت عائشة ﵂ تقول: تزوجني النبي ﷺ في شوال عقد عليها","vol":"4","page":86},{"text":"في شوال ودخل بها في شوال فتقول أيكم أحظى إليه مني؟ لا شك أن عائشة أحب النساء إليه بعد أن تزوجها ومع ذلك عقد عليها في شوال ودخل عليها في شوال والعرب لجهلهم وسخافتهم يقولون: الذي يتزوج في شوال لا يوفق ونحن الآن نشاهد أناسا يتزوجون في شوال ولا يكون فيهم إلا الخير فالمهم أنه يجب عليك أن تمحو من قلبك التطير والتشاؤم وكن دائما متفائلا واجعل الدنيا أمامك واسعة واجعل الطريق أمامك دائما مفتوحا فإن الرسول ﵊ كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل الحسن فاجعل نفسك دائما في تفاؤل والذي يريده الله سيكون لكن كن مسروا فرحا فالدنيا أمامك واسعة والطريق مفتوح ودائما كن في تفاؤل ودائما كن واسع الصدر فهذا هو الخير أما التشاؤم والانقباض وأن يجعل الإنسان باله في كل شيء فإن الدنيا ستضيق عليه","vol":"4","page":87},{"text":"فمن محاسن الإسلام أنه ألغى الطيرة وأثبت الفأل لأن الفأل خير والطيرة شر","vol":"4","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>باب الوقار والسكينة</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا﴾\n٧٠٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا قط ضاحكا حتى ترى منه لهواته وإنما كان يتبسم متفق عليه اللهوات جمع لهاة: وهي اللحمة التي في أقصى سقف الفم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى (باب الوقار والسكينة) والوقار: هو هيئة يتصف بها العبد يكون وقورا بحيث إذا رآه من رآه يحترمه ويعظمه والسكينة هي عدم الحركة الكثيرة وعدم الطيش بل يكون ساكنا في قلبه وفي جوارحه وفي مقاله ولاشك أن هذين الوصفين الوقار والسكينة من خير الخصال","vol":"4","page":89},{"text":"التي يمن الله بها على العبد لأن ضد ذلك أن يكون الإنسان لا شخصية له ولا هيبة له وليس وقورا ذا هيبة بل هو مهين قد وضع نفسه ونزلها وكذلك السكينة ضدها أن يكون الإنسان كثير الحركات كثير التلفت لا يرى عليه أثر سكينة قلبه ولا قوله ولا فعله فإذا من الله على العبد بذلك فإنه ينال بذلك خلقين كريمين وضد ذلك أيضا العجلة أن يكون الإنسان عجولا لا يتحرى ولا يتأنى ليس له هم إلا القيل والقال اللذان نهى عنهما رسول الله ﷺ فقد كان ينهى عن القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال فإذا كان الإنسان ليس متأنيا ولا متثبتا في الأمور حصل منه زلل كثير وأصبح الناس لا يثقون في قوله وصار عند الناس من القوم الذين يرد حديثهم ولا ينتفع به ثم استشهد المؤلف بقول الله ﵎: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا","vol":"4","page":90},{"text":"﴿وعباد الرحمن﴾: الذين من الله عليهم بالرحمة ووفقهم للخير هم الذين يمشون على الأرض هونا يعني إذا رأيت أحدهم رأيت رجلا في مشيته وقار بدون أن يعجل عجلة تقبح ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾: يعني قالوا قولا يسلمون به من شرهم وليس المعنى أهم يلقون السلام، بل المعنى أنه إذا خاطبه الجاهل قال قولا يسلم به من شره، إما أن يدافعه بالتي هي أحسن، وإما أن يسكت إذا رأى السكوت خيرا المهم أنه يقول قولا يسلم به، لأن الجاهل أمره مشكل، إن خاصمته أو جادلته فربما يبدر منه كلام سيئ عليك، وربما يبدر منه كلام سيئ على ما تدعو إليه من الخير فيسب الدين وما أشبه ذلك والعياذ بالله فمن توفيق عباد الرحمن أنهم إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما يعني قالوا قولا يسلمون به ولا يحصل لهم به إثم، وكذلك من أوصافهم ما ذكره في آخر الآيات ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ يعني لا يشهدون القول الكذب ولا الفعل القبيح ﴿وإذا مروا باللغو﴾ أي: الذي ليس فيه خير ولا شر ﴿مروا كراما﴾ أي سالمين منه","vol":"4","page":91},{"text":"وذلك أن الأشياء إما خير وإما شر وإما لغو فالشر لا يشهدونه واللغو يسلمون منه ويمرون به كراما والخير يرتعون فيه ثم ذكر حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يستجمع قط ضاحكا تبدو منه لهواته يعني ليس يضحك ضحكا فاحشا بقهقهة يفتح فمه حتى تبدو لهاته ولكنه ﷺ كان يبتسم أو يضحك حتى تبدو نواجذه أو تبدو أنيابه وهذا من وقار النبي ﷺ ولهذا تجد الرجل كثير الكركرة الذي إذا ضحك قهقه وفتح فاه يكون هينا عند الناس وضيعا عندهم ليس له وقار وأما الذي يكثر التبسم في محله فإنه محبوبا تنشرح برؤيته الصدور وتطمئن به القلوب","vol":"4","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>باب الندب إلى إتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار</span>\nقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾\n٧٠٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا متفق عليه زاد مسلم في رواية له: فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في الصلاة\n٧٠٥ - وعن ابن عباس ﵄ أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة فسمع النبي ﷺ وراءه زجرا شديدا وضربا وصوتا للإبل فأشار بسوطه إليهم وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر","vol":"4","page":93},{"text":"ليس بالإيضاع رواه البخاري وروى مسلم بعضه البر: الطاعة والإيضاع بضاد معجمة قلبها ياء وهمزة مكسورة وهو الإسراع\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى (باب الندب إلى آتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار) الصلاة من المعلوم أنها آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي من أعظم شعائر الله والإنسان إذا أقبل إلى الصلاة فإنما يقبل إلى الوقوف بين يدي الله ﷿ ومن المعلوم أن الإنسان إذا أتى إلى شخص من بني آدم يعظمه فإنه يأتي إليه بأدب وسكينة ووقار، فكيف إذا أتى ليقف بين يدي الله ﷿؟ ولهذا ينبغي للإنسان أن تأتي إلى الصلاة في سكينة كما سيأتي في حديث أبي هريرة ﵁ ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الباب بقوله تعالى: ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب","vol":"4","page":94},{"text":"الذي يعظم شعائر الله فيرى أنها عظيمة في قلبه ويقوم بما ينبغي لها من التعظيم بجوارحه فإن هذا من تقوى القلوب علامة على صلاح نيته وتقوى قلبه وإذا اتقى القلب اتقت الجوارح لقول النبي ﷺ: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فعليك بتعظيم شعائر الله فإن ذلك تقوى لقلبك وأيضا يكون خيرا لك عند الله ﷿: ﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون يعني إذا سمعتم الإقامة من خارج المسجد وهذا يدل على أن الإقامة تسمع من خارج المسجد وهو الظاهر وقد جاء في الحديث أن بلالا قال للنبي ﷺ لا تسبقني بآمين مما يدل على أنه يقيم في مكان يسمعه الناس فيقول النبي ﵊: ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة تمشون مشيا عاديا وعليكم السكينة","vol":"4","page":95},{"text":"وفي قوله ﷺ: وأنتم تمشون دليل على أنه يمشي مشيا معتادا وأنه لا يقارب الخطى كما استحبه بعض أهل العلم وأما قول النبي ﵊: لم يخط خطوة إلا رفع الله بها درجة يعني أنه يقارب الخطي لكن يمشي مشية المعتاد بدون إسراع فإذا أتى الإنسان على هذا الوجه فقد قال النبي ﵊: فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا إلا أن أهل العلم قالوا إذا خشي فوات الركعة يعني فوات الركوع فلا باس أن يسرع قليلا سرعة لا تكون سرعة قبيحة فإنه لا بأس بذلك لا ينبغي أن تكون سرعة تقبح يكون لها جلبة وصوت يستفاد من هذا الحديث فوائد منها تعظيم شأن الصلاة وأن الإنسان ينبغي أن يأتي إليها بأدب وخشوع وسكينة ووقار ومنها: أنه لا بأس أن تسمع الإقامة من خارج المسجد وعلى هذا فإذا أقام المؤذن في مكبر الصوت ليسمع من كان خارج المسجد فلا بأس وإن كان بعض الناس قد اعترض على هذا إذا وقال إنه إذا أقام من","vol":"4","page":96},{"text":"خارج المسجد تكاسل الناس وصاروا لا يحضرون إلا إذا سمعوا الإقامة وربما تفوتهم الركعة الأولى أو يفوتهم أكثر حسب قربهم من المسجد أو بعدهم منه ولكن ما دام قد حدث مثله في عهد الرسول ﵊ وأن الإقامة كانت تسمع من الخارج فإننا نرى أنه لا بأس بذلك لكن الشيء الذي يخشى منه الإثم ما يفعله بعض الناس فينقل الصلاة نفسها عبر مكبر الصوت من المنارة فإن هذا يشوش على من حوله لاسيما في صلاة الليل الجهرية يشوش على أصل البيوت ويشوش على المساجد القريبة حتى إننا سمعنا بعض الناس إذا سمع مكبر الصوت من مسجد قريب وكان الإمام حسن الصوت والقراءة صار المأموم الذي في هذا المسجد يتابع بقلبه الإمام في المسجد الثاني حتى سمعنا أن بعضهم أمن على قراءة إمام المسجد الثاني لما قال إمام المسجد الثاني ﴿ولا الضالين﴾ قال هؤلاء: آمين وهذا ليس ببعيد لأن القلب إذا انشغل بشيء أعرض عن غيره فإذا كانوا يتابعون قراءة المسجد المجاور وكانت قراءة الإمام جيدة في الصوت والأداء فإن القلب قد يلهى عن الإمام الذي بين يديه وقد ثبت في موطأ الإمام مالك ﵀ أن النبي ﷺ خرج ذات ليلة وأصحابه في المسجد يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال","vol":"4","page":97},{"text":"﵊: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بم يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن وعند أبي داود ألا كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة فجعل هذا أذية ونهى عنه والواقع شاهد بذلك ولهذا نرى أن الذين يفعلون هذا يؤدون الصلاة عبر مكبر الصوت نرى أنهم إذا كانوا يؤذون من حولهم فإنهم آثمون فإذا كان هذا العمل يكون فيه الإنسان إما آثما وإما سالما فلا شك أن تركه أولى وهو في الحقيقة لا فائدة منه لأن الإنسان لا يصلي إلى من هم خارج المسجد إنما يصلى لأهل المسجد أما الذين في الخارج فلا عليك منهم ثم إن هذا العمل فيه مفسدة أخرى وهي أن بعض الناس يتكاسل عن آتيان المسجد للصلاة ما دام أنه يسمع صوت قراءة الإمام فيتكاسل وكلما أراد أن يقوم ثبطه الشيطان وقال له انتظر الركعة الثانية: انتظر الثالثة، اجلس حتى لا يبقى إلا ركعة فيحرم بذلك من الخير لهذا نوصى إخواننا لاسيما الأئمة ألا يفعلوا هذا وأن تسلم ذممهم ويسلم إخوانهم من أذيتهم حتى في البيوت أيضا ربما بعض الناس يكون قد صلى ويجب أن ينام ويرتاح قد","vol":"4","page":98},{"text":"يكون مريضا فيزعجه هذا الصوت وقد يكون المسجد قريبا من السطوح في أيام القيظ وفيه الصبيان فيفزعهم صوت المكبر فالحاصل أن هذه المسالة ابتلى بها بعض الناس نسأل الله أن يعافينا وصاروا يؤذون من بجوارهم من المساجد أو البيوت في أمر لا فائدة منه ومعنى قوله ﷺ: فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا أن الإنسان يكبر تكبيرة الإحرام ثم يدخل مع الإمام على الحال التي فيها فإذا جئت والإمام راكع فكبر تكبيرة الإحرام وأنت معتدل ثم اركع وبذلك تدرك الركعة وإذا أتيت وهو قائم من الركوع فكبر وادخل معه واسجد معه ولا تحسب هذه الركعة لأن الإنسان إذا لم يدرك ركوع الإمام فاتته الركعة وإذا أتيت وهو ساجد فكبر للإحرام وأنت قائم ثم اسجد ولا تنتظر حتى يقوم وإذا أتيت وهو جالس فكبر وأنت قائم واجلس أي حال أدركت الإمام عليها فاصنع كما يصنع الإمام وإذا أتيت وهو في التشهد الأخير نظرت إن كان معك جماعة في مثل حالك فلا تدخل معه لأنك لا تدرك صلاة الجماعة بإدراك التشهد لا تدرك الجماعة إلا إذا أدركت ركعة كاملة لقول النبي ﷺ: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة","vol":"4","page":99},{"text":"وإذا لم يكن معك جماعة أولا يمكنك أن تدرك مسجدا آخر فادخل معه ولو في التشهد ولا تحسب هذا شيئا لأنه فاتك الركوع وفي قوله ﷺ: فأتموا دليل على أن المسبوق إذا قام يقضي فإنه يقضى آخر صلاته لا أولها فإذا أدرك الركعتين الأخيرتين من الظهر مثلا وقام يقضي فإن الركعتين اللتين يقضيهما هما آخر صلاته فلا يزيد على الفاتحة لأن السنة في الركعتين الأخيرتين أن لا يزيد عن الفاتحة وأما حديث ابن عباس ﵄ الذي ذكره المؤلف أن النبي ﷺ دفع من عرفة فسمع وراءه جلبة وضربا وزجرا للإبل وأصواتا للإبل لأنهم كانوا في الجاهلية إذا دفعوا من عرفة أسرعوا إسراعا عظيما يبادرون النهار قبل أن يظلم الجو فكانوا يضربون الإبل ضربا شديدا فأومأ النبي ﷺ إليهم بسوطه وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة يعني الطمأنينة والهدوء فإن البر ليس بالإيضاع يعني أن البر والخير ليس بالإيضاع أي ليس بالإسراع والإيضاع نوع من السير سريع ففي هذا دليل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يسرع إذا تقدم إلى أماكن العبادة لأن الذين يدفعون من عرفة يتجهون إلى مزدلفة إلى عبادة","vol":"4","page":100},{"text":"وبهذا يتم المؤلف ﵀ ما ترجم به من الندب إلى إتيان الصلاة ومجالس العلم وغيرها من العبادة بسكينة ووقار فإذا أتيت إلى مجالس العلم والخير فكن ساكنا وقورا مهيبا حتى لا يستهان بك أمام الناس ويكون تعظيمك لهذه المجالس من تعظيم الله ﷿","vol":"4","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>باب إكرام الضيف</span>\nقال الله تعالي: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون﴾ وقال تعالى: ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قال المؤلف ﵀: (باب إكرام الضيف) والضيف: هو الذي ينزل بك مسافرا لأجل أن تتلقاه بالإيواء والطعام والشراب وما يحتج إليه والضيافة خلق فاضل قديم منذ عهد إبراهيم الخليل ﵊ إن لم يكن قبل ذلك وسيذكر المؤلف إن شاء الله أحاديث متعددة حول إكرام الضيف وأن إكرامه من الإيمان بالله واليوم الآخر ولكنه ﵀ كعادته يبدأ بالآيات الكريمة لأن القرآن مقدم على السنة فهو كلام الله والحديث كلام رسول الله ﷺ وكلامهما حق","vol":"4","page":102},{"text":"يجب تصديقه إن كان خبرا وامتثاله إن كان طلبا فذكر قول الله تعالى:﴾ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ﴿هل أتاك؟ الاستفهام هنا للتشويق من أجل أن ينتبه المخاطب والخطاب في قوله:﴾ هل أتاك ﴿إما للرسول ﷺ وإما له وللأمة أي لكل من يصح خطابه﴾ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ﴿وهؤلاء الضيف ملائكة أرسلهم الله ﷿ إلى إبراهيم ثم إلى لوط وقوله:﴾ المكرمين ﴿يعني الذين أكرمهم إبراهيم ﵊:﴾ إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام ﴿قال العلماء إن قولهم سلاما يعني نسلم سلاما وإن قوله سلام يعني عليكم سلام والثانية أبلغ من الأولي لأن المشروع لمن حيى بتحية أن يحيى بأحسن منها أو بمثلها كما قال الله تعالى:﴾ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴿وإنما كانت الثانية أبلغ من الأولى لأن الأولى جملة فعلية والثانية جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار ثم قال:﴾ قوم منكرون ﴿ولم يقل أنتم قوم لأن أنتم صريح في الخطاب وهذا قد يكون مستبشعا عند بعض الناس فكان من","vol":"4","page":103},{"text":"حسن معاملته لضيفه أن قال:﴾ قوم منكرون ﴿وقوم لو أخذناها هكذا لكان يمكن أن يكون التقدير هم قوم أو أنتم قوم أو هؤلاء قوم ليست في الصراحة كقوله أنتم قوم فلهذا حذف المبتدأ وصارت:﴾ قوم منكرون ﴿ومعنى كونهم منكرين أنه لا يعرفهم لأنه أول مرة يلتقي بهم﴾ فراغ إلى أهله ﴿وكان ﵇ كريما ومعنى راغ: أي ذهب بسرعة وخفية﴾ إلى أهله ﴿أي إلى بيته﴾ فجاء بعجل سمين ﴿جاء بعجل، وهي صغار البقر، لأن لحمه خفيف ولذيذ وكونه سمينا يكون أحلى للحمه وأطيب، وفي الآية الأخرى أنه جاء بعجل حينئذ، أي محنوذ يعني مشوي لم يخرج من طعمه شيء وهذا ألذ ما يكون من اللحم﴾ فقربه إليهم ﴿ولم يضعه بعيدا عنهم فيقول: تقدموا إلى الطعام، ولكن هو الذي قربه لئلا يكون عليهم عناء ومشقة ومع ذلك لم يقل كلوا هكذا بصيغه الأمر ولكن قال:﴾ ألا تأكلون ﴿وهذا عرض وليس بأمر وهو أيضا من حسن معاملته لضيوفه ثم إن هؤلاء الضيوف ذهبوا إلى لوط بصورة شبان مرد ذوي جمال وفتنة وكان قوم لوط والعياذ بالله قد ابتلوا بداء اللواط وهو إتيان الذكر الذكر، فلما ذهبوا إلى لوط انطلق بعضهم إلى بعض","vol":"4","page":104},{"text":"يخبر بعضهم بعضا ويقولون جاء إلى لوط مردان شبان ذوو جمال فجاءوا﴾ يهرعون إليه ﴿أي يسرعون﴾ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴿يعني كانوا يعملون الفاحشة وهي اللواط﴾ قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ﴿قال بعض العلماء﴾ هؤلاء بناتي ﴿يشير إلى بنات القوم ما هن بناته من صلبه ولكنه يعني بذلك بنات قومه لأن النبي لقومه بمنزله الأب لهم كأنه يقول عندكم النساء وهذا كقوله في آية أخرى:﴾ أَتَأْتُونَ الذِّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ﴿يعني من النساء﴾ بل أنتم قوم عادون ﴿المهم أنه ﵊ قال لهم:﴾ فاتقوا الله ولا تخزون ﴿وقوله﴾ وهؤلاء بناتي هن أطهر لكم ﴿هذا من باب التفضيل الذي ليس في الجانب المفضل عليه منه شيء لأن إتيان الذكور ليس فيه طهارة كله خبث وخبائث كما قال تعالى:﴾ ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ﴿لكن هن أطهر لكم لأن فروج النساء تحل بالعقد﴾","vol":"4","page":105},{"text":"فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴿ولكن لم يكن منهم رجل رشيد والعياذ بالله﴾ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴿يعني تعلم أننا نريد هؤلاء الشباب الذين جاءوا إليك﴾ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴿فقالت الرسل﴾ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ﴿ثم أرشدوه إلى أن يسري بأهله ويدع البلدة وفي سورة القمر قال تعالى:﴾ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿قيل إن الملائكة صفقوهم على وجوههم فعميت أبصارهم وقيل إن الله أعمى أبصارهم في نفس الحال وعلى أي حال فإن قوله:﴾ ولا تخزون في ضيفي ﴿يدل على أن الضيوف كانوا مكرمين عند لوط كما هم مكرمون عنه إبراهيم ﵊ والحاصل أنك إذا نزل بك ضيف فإنه يجب عليك أن تضيفه يوما وليلة ولكن لا تفعل كما يفعل السفهاء تذهب وتتكلف","vol":"4","page":106},{"text":"وتصنع وليمة كبيرة ترمى معظمها حتى إنا نسمع عن بعض الناس أنه إذا نزل به الضيف ذهب صاحب البيت من أجل أن يذبح له ذبيحة فيقول الضيف لا تذبح على الطلاق ما تذبح فيقول الثاني على الطلاق أن أذبح هذا غلط ومنكر فلا حاجة إلى اليمين في ذلك إما أن تذبح وإما أن لا تذبح وإذا اضطررت إلى اليمين فليس هناك حاجة إلى اليمين بالطلاق لأن الحلف بالطلاق أمره ليس بالهين فالأئمة الأربعة: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وجمهور أتباعهم يرون أن الحلف بالطلاق طلاق إذا حنث فيه الإنسان يعني إذا قلت علي الطلاق ما تفعلين كذا ففعلت طلقت زوجتك ولو أردت اليمين هذا مذهب جمهور الأمة وجميع الأئمة المتبوعين من هذه الأمة إذا المسألة خطيرة وتهاون الناس بهذه المسألة غلط كبير ما أسرع أن يقول الإنسان على الطلاق أن أفعل على الطلاق ما أفعل أو امرأتي طالق إن فعلت أو امرأتي طالق إن لم أفعل وهذا غلط عظيم كيف تقول هذا الكلام وأكثر الأئمة يرون أنك إذا حنثت طلقت امرأتك﴾","vol":"4","page":107},{"text":"٧٠٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت متفق عليه\n٧٠٧ - وعن أبى شريح خويلد بن عمرو الخزاعي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة متفق عليه وفي رواية لمسلم: لا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه قالوا يا رسول الله وكيف يؤثمه قال: يقيم عنده ولا شيء له يقريه به","vol":"4","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في باب الضيافة وإكرام الضيف الأحاديث التي تدل على إكرام الضيف وقراه ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وهذا من باب الحث والإغراء على إكرام الضيف يعني أن إكرام الضيف من علامة الإيمان بالله واليوم الآخر ومن تمام الإيمان بالله واليوم الآخر وذلك أن الذي يكرم ضيفه يثيبه الله تعالى يوم القيامة وربما أثابه يوم القيامة وفي الدنيا، كما قال الله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ فيثيبه الله في الدنيا بالخلف وفي الآخرة بالثواب ولهذا قال: من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيفه وإكرام الضيف يختلف بحسب أحوال الضيف فمن الناس من هو من أشراف القوم ووجهاء القوم فيكرم بما يليق به ومن الناس من هو من سقط القوم فيكرم بما يليق به ومنهم من هو دون ذلك فالمهم أن النبي ﵊ أطلق الإكرام فيشمل كل الإكرام فمن الناس إذا نزل بك ضيفا لا يرضيه أن تأتي له بطعام عليه دجاجتان وما أشبه ذلك يحتاج إلى أن تأتي بطعام","vol":"4","page":109},{"text":"عليه ذبيحة ويكون من إكرامه أيضا أن تدعو جيرانك وما أشبه ذلك ومن الناس من هو دون ذلك المهم أن النبي ﷺ لم يقيد الإكرام بشيء بل أطلق فيكون راجعا إلى ما يعده الناس إكراما قال: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه وفي حديث آخر فليكرم جاره فليصل رحمه الرحم هم الأقارب وكلما كان القريب إليك أقرب كان حقه أوجب فعلى المرء أن يصل رحمه ولم يبين النبي ﷺ بماذا يصله؟ فيرجع أيضا إلى العرف فمن الأقارب من تصله بالزيارة والإكرام البدني ومن الأقارب من تصله بإعطاء المال لحاجته لذلك ومن الأقارب من تكرمه بالطعام والكسوة كل بحسب حاله المهم أكرم أقاربك بما يعد إكراما فمثلا إذا كان قريبك غنيا كريما فهذا لا يمكن أن ترسل إليه طبقا من طعام إنما تكرمه بالزيارة والكلام اللين وما أشبه ذلك أما إذا كان قريبك فقيرا فطبق الطعام أحب إليه من غيره فترسل له طبقا من الطعام أما إذا كان قريبك يحتاج إلى المال فلأفضل أن ترسل إليه المال وهلم جرا فكل إنسان يكرم بما يليق بحاله الثالث: قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو","vol":"4","page":110},{"text":"ليصمت ويا ليتنا نسير على ذلك في حياتنا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وقد يكون نفس الكلام خيرا وقد يكون الخير في المقصود منه فمثلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم مسالة من مسائل العلم والدين الكلام هنا خير في نفسه والكلام الآخر الذي ليس في نفسه خير من حيث هو لكن تتكلم به من أجل أن تدخل الإنس على مجالسك وأن تنشرح صدره هذا أيضا خير وإن كان نفس الكلام ليس مما يتقرب به إلى الله لكنه ليس إثما وتقصد بذلك أو توسع صدر جليسك وأن تدخل عليه الأنس والسرور فهذا أيضا من الخير وعلم من هذا أن من لم يقل الخير فإن إيمانه بالله واليوم الآخر يكون ناقصا فكيف بمن يقول الشر؟ وكيف بمن أصبح يأكل لحوم الناس والعياذ بالله ويسعى بينهم بالنميمة ويكذب ويغش؟ بل كيف من أصبح يؤلب على أهل العلم ويسب أهل العلم ويذمهم بأمرهم فيه أقرب إلى الصواب مما يظن؟ فإن هذا أعظم وأعظم لأن الكلام في أهل العلم ليس كالكلام في عامة الناس الكلام في عامة الناس ربما يجرح الرجل نفسه، لكن الكلام في أهل العلم جرح في العلماء وجرح فيما يحملونه من الشريعة، لأن","vol":"4","page":111},{"text":"الناس لن يثقوا بهم إذا كثر القول فيهم والخوض فيهم، ولهذا يجب عند كثرة الكلام وخوض الناس في أمر من الأمور أن يحرص الإنسان على كف لسانه، وعدم الكلام إلا فيما كانت مصلحته ظاهرة، حتى لو سئل فإنه يقول: نسأل الله الهداية، نسأل الله أن يهدي الجميع أما أن يتكلم ويطلق لسانه في أمور ليس لها أصل البتة فهذا من عدم الإيمان بالله واليوم الآخر ولا يكفر الإنسان بهذا لكن إيمانه يكون ناقصا، لأن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وكما قيل: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وقيل أيضا في الحكمة: الصمت حكمة وقليل فاعله وقيل أيضا من صمت نجا ومن تكلم فإنه على خطر فلذلك الزم الصمت في شيء ترى أنه خير فحينئذ تكلم فالخير مطلوب","vol":"4","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ وقال تعالى: ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى﴾ وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ والآيات في الباب كثيرة معلومة\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير) والبشارة تكون في الأمور التي تسر وسميت بذلك لأن الإنسان كان إذا بشر بما يسره ظهر أثر ذلك في وجهه وفي بشرته وقد تكون البشارة","vol":"4","page":113},{"text":"فيما يسوء مثل قوله تعالى: فبشرهم بعذاب أليم والبشارة فيما يسر تكون فيما يسر في الآخرة، وفيما يسر في الدنيا، أما البشارة فيما يسر في الآخرة فكثيرة، ذكرها الله في القرآن في مواضع كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ﴾ وقوله: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا كله فيما يتعلق بأمور الآخرة ومن الأمور التي تبشر بالخير في أمور الآخرة: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له، مثل أن يرى إنسان رؤيا فيقال له في المنام مثلا: بشر فلانا بأنه من أهل الجنة فبشره هذه بشرى كذلك أيضا الإنسان إذا رأى من نفسه أنه ينقاد للخير والعمل الصالح ويرغب فيه ويحبه وأنه يكره الشر فهذه أيضا بشرى لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ وأما البشارة فيما يتعلق بأمر الدنيا فمثل قوله تعالى عن إبراهيم","vol":"4","page":114},{"text":"الخليل: ﴿إنا نبشرك بغلام عليم﴾ وفي آية أخرى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ والذي بشر به في الآية الأولى غير الذي بشر به في الآية الثانية التي فيها: إنا نبشرك بغلام عليم هذا إسحاق والتي فيها: فبشرناه بغلام حليم، هذا إسماعيل، ﵉ إسحاق أبو بني إسرائيل لأن ابنه يعقوب ويعقوب هو إسرائيل الذي من ذريته موسى وعيسى ﵈ وأكثر الأنبياء المذكورين في القرآن كلهم من ذرية إسرائيل أما التي ذكر الله فيها فبشرناه بغلام حليم وهي التي في سورة الصافات فهذا إسماعيل أبو العرب وليس في ذريته رسول إلا رسول واحد ولكنه ختم جميع الرسالات وبعث إلى الناس كافة من بعثته إلى يوم القيامة وغيره من الأنبياء كان يبعث إلى قومه خاصة هذا الرسول الذي من بني إسماعيل هو محمد صلوات الله وسلامه عليه وكذلك قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ هذا أيضا بشارة للأنثى فالحاصل أن البشارة تكون في أمور الآخرة وفي أمور الدنيا وينبغي للإنسان أن يكون متفائلا مستبشرا بالخير، وألا يرى الدنيا","vol":"4","page":115},{"text":"أمامه كالحة مظلمة فيستحسر ويقنط وينبغي للإنسان أيضا إذا حصل له خير أن يهنئ به وأن يبشر به إذا كان مستقبلا يهنئ به بالخير إذا وقع ويبشر بالخير في المستقبل بشر أخاك السرور عليه حتى لو رأيت مثلا إنسانا مغتما قد ضاقت عليه الدنيا وتكالبت عليه الأمور فقل له أبشر: بالفرج لأن النبي ﷺ يقول واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسر هذا كلام الرسول ﵊ ما ينطق عن الهوى فإذا رأيت أخاك مكروبا فقل له أبشر فالفرج قريب وإذا رايته في عسر فقل له اليسر القريب وكما قال ابن عباس ﵄: لن يغلب عسر يسرين في سورة ألم نشرح لك صدرك ﴿فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾ العسر ذكر مرتين واليسر ذكر مرتين لكن حقيقة الأمر أن العسر لم يذكر إلا مرة واحدة واليسر ذكر مرتين لماذا؟ قال العلماء إذا تكررت الكلمة معرفة بأل فهي واحدة وإذا تكررت غير معرفة بأل فهي اثنان العسر كرر مرتين لكن بأل فيكون العسر الثاني هو الأول اليسر كرر مرتين لكن بدون أل فيكون اليسر الثاني غير اليسر الأول","vol":"4","page":116},{"text":"ولهذا قال ابن عباس ﵄ لن يغلب عسر يسرين يقال إن الحجاج بن يوسف الثقفي وهو رجل معروف نسأل الله أن يعفو عنه رجل ظالم يقتل الناس بغير حق تكلم عنده أحد الناس وقال له كلمة استنكرها الحجاج وكان الحجاج جيدا في اللغة العربية فهو الذي شكل القرآن وهذه من حسناته وإن كان له سيئات كثيرة قال له الحجاج ليس هذا في اللغة العربية فعلة ما تأتي في اللغة العربية قال هكذا سمعت من الأعراب وكان يأخذون اللغة من الأعراب لأن الأعراب في البادية ليسوا في المدن والمدن دخل فيها الفرس والروم الذين أسلموا فتغير اللسان فقال الحجاج: اذهب عند الأعراب وائتني بشاهد من كلام العرب ما يدل على أن فعلة موجودة في اللغة العربية ولك كذا وكذا يوم فإن لم تأتني فأنا أضرب عنقك ذهب الرجل مكروبا والحجاج ينفذ ما يقول وذهب يطلب من الأعراب فسمع أعرابيا يقول","vol":"4","page":117},{"text":"ربما تكره النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال\nففرج بها فرحا عظيما وجاء بها إلى الحجاج فبينما هو في الطريق قيل له إن الحجاج قد مات فقال والله ما أدري هل أنا أشد فرحا بهذه الكلمة التي وجدتها عند الأعرابي أو بموت هذا الرجل فالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يدخل السرور والبشرى على إخوانه حتى يفرحوا وينشطوا ويؤملوا وينتظروا الفرج نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين ممن له البشرى في الحياة الدنيا والآخرة\n٧٠٨ - عن أبي إبراهيم ويقال أبو محمد ويقال أبو معاوية عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن رسول الله ﷺ بشر خديجة ﵂ ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب متفق عليه القصب هنا: اللؤلؤ المجوف والصخب: الصياح، واللغط والنصب: التعب","vol":"4","page":118},{"text":"٧٠٩ - وعن أبي موسى الشعري ﵁ أنه توضأ في بيته ثم خرج فقال لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا فجاء المسجد، فسأل عن النبي ﷺ فقالوا وجه هاهنا قال فخرجت على آثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسط قفها وكشف عن ساقه ودلاهما في البئر فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم فجاء أبو بكر ﵁ فدفع الباب فقلت من هذا؟ فقال: أبو بكر فقلت: على رسلك ثم ذهبت فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فأقبلت حتى قلت لأبي بكر ادخل ورسول الله يبشرك بالجنة فدخل أبو بكر حتى جلس عن يمين النبي ﷺ معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع رسول الله ﷺ وكشف عن ساقيه ثم رجعت وجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني فقلت إن يرد بفلان يريد أخاه خيرا يأت به فإذا إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال عمر بن الخطاب فقلت: على رسلك ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه وقلت: هذا عمر يستأذن؟ فقال: ائذن له وبشره بالجنة فجئت عمر فقلت: أذن أدخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في","vol":"4","page":119},{"text":"القف عن يساره ودلى رجليه في البئر ثم رجعت فجلست فقلت إن يرد الله بفلان خيرا يعني أخاه يأت به فجاء إنسان فحرك الباب فقلت من هذا؟ فقال عثمان بن عفان فقلت: على رسلك وجئت النبي ﷺ فأخبرته فقال: ائذن له وبشره بالجنة مع بلوي تصيبه فجئت فقلت ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك فدخل فجد القف قد ملئ فجلس وجاههم من الشق الآخر قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم.\nمتفق عليه وزاد في رواية وأمرني رسول الله ﷺ بحفظ الباب وفيها: أن عثمان حين بشره حمد الله تعالى ثم قال: الله المستعان.\nقوله: وجه بفتح الواو وتشديد الجيم، أي: توجه وقوله: بئر أريس هو بفتح الهمزة وكسر الراء وبعدها ياء مثناه من تحت ساكنة ثم سين مهملة وهو مصروف ومنهم من منع صرفه القفبضم القاف وتشديد الفاء: هو المبني حول البئر قوله على رسلك بكسر الراء على المشهور وقيل بفتحها أي: ارفق\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في باب استحباب التبشير بالخير","vol":"4","page":120},{"text":"والتهنئة به آيات سبق الكلام عليها، وبينا أن البشارة قد تكون بخير في الدنيا وقد تكون في الآخرة ثم ذكر حديثين حديث أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفي ﵁ أن النبي ﷺ بشر خديجة ﵂ ببيت في الجنة وكذلك حديث أبي موسى الأشعري وسيأتي إن شاء الله فقد بشر ﷺ خديجة ﵁ ببيت في الجنة من قصب ليس فيه صخب ولا نصب ولكن القصب الذي بني منه قصر خديجة في الجنة ليس كالقصب الذي في الدنيا الاسم هو الاسم والحقيقة غير الحقيقة كما أنه في الجنة نخل ورمان وفاكهة ولحم طير وغير ذلك لكن التشابه في الاسم فقط فالاسم هة الاسم والحقيقة غير الحقيقة وهذا باب يجب على الإنسان أن يتفطن له فإن أمور الغيب التي لها نظير في الدنيا لا تماثل نظيرها في الآخرة فمثلا في صفات الله ﷿، لله ﷿ وجه كريم، موصوف بالجلال والإكرام، ونحن أيضا لنا وجه، الأمر لا يختلف في الاسم لكن قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فوجهه يليق بجلاله وعظمته ولا يمكن الإحاطة به لا وصفا ولا تصورا في الذهن ولا نطفا باللسان فهو أعظم وأجل من أن تحيط به الأوصاف وهكذا بقية صفاته ﷿","vol":"4","page":121},{"text":"اسمها يوافق الاسم الذي نتصف به ولكن الحقيقة غير الحقيقة كذلك أيضا الجنة فيها عسل وماء وخمر ولحم ونساء وفاكهة ورمان وغير ذلك لكن ليست كالذي في الدنيا لأن الله ﷾ قال في القرآن الكريم: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ ول كانت مثل ما في الدنيا لكنا نعلمها لكنها ليست مثلها ولا قريبا منها وكذلك قال النبي ﷺ فيما يرويه عن الله أنه قال أعدت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذان سمعت ولا خطر على قلب بشر نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين ممن أعد الله لهم ذلك فخديجة ﵂ بشرها النبي ﷺ بواسطة جبريل هو الذي أخبر الرسول الله ﷺ بشرها ببيت في الجنة من قصب ولكن ليس القصب الذي في الجنة مثل القصب الذي في الدنيا ثم قال: ليس فيه صخب ولا نصب والصخب: أي الأصوات المزعجة الشديدة أهل الجنة كلهم أهل ليس عندهم","vol":"4","page":122},{"text":"صخب ولا نصب ولا كلام لغو كما قال تعالى: ﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ ﴿تحيتهم فيها سلام﴾ فكلامهم طيب لأنهم جوار الطيب جل وعلا فهم طيبون في جنات عدن مساكن طيبة عند الطيب جل وعلا كما أن قلوبهم في الدنيا طيبة وأفعالهم طيبة لأن الله لا يقبل إلا الطيب وأفعالهم مقبولة فهم كذلك في الآخرة فقصر خديجة ليس فيه صخب وليس فيه نصب، وليس فيه تعب، لا يحتاج إلى كنس القمامة ولا غيره بل كله طيب وهذه بشارة لأم المؤمنين خديجة ﵂ وأم المؤمنين خديجة هي أول امرأة تزوجها النبي ﷺ تزوجها وهو ﷺ ابن خمس وعشرين سنة ولها أربعون سنة من زوج سابق قبله وولدت له بناته الأربع وأولاده الثلاثة أو الاثنان ولم يتزوج عليها أحدا حتى ماتت ﵂ وكانت امرأة عاقلة ذكية حكيمة لها مآثر طيبة معروفة يجدها من يراجع ترجمتها في كتب التاريخ وكانت تسامى عائشة ﵂ يعني أنها هي عائشة أفضل نساء الرسول ﵊ وأحب نسائه إليه واختلف العلماء أيهما أفضل فقيل: عائشة وقيل: خديجة","vol":"4","page":123},{"text":"والصحيح أن لكل واحدة منهما مزية تختص بها، لا تشاركها فيها الأخرى فلعائشة ﵂ في آخر الرسالة وبعد موت الرسول ﵊ من نشر الرسالة والعلم والشريعة ما ليس لخديجة وخديجة لها في أول الرسالة ومناصرة الني ﷺ ومعاضدته ما ليس لعائشة فلكل واحدة منهما مزية أما الفضيلة الكبرى فكفى لهما فخرا أنهما أحب نساء النبي ﷺ إليه ويكفى هذا وأما الفضائل فكل واحدة لها فضيلة","vol":"4","page":124},{"text":"ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه في يوم من الأيام توضأ في بيته وخرج يطلب النبي ﷺ ويقول: لألزمن رسول الله ﷺ يومي هذا ألزمن عني أكون معه ذاهبا وآتيا وفي هذا: دليل على أن الإنسان ينبغي إذا خرج من بيته أن يكون متوضئا لأجل أن يكون مستعدا للصلاة وهو خارج البيت فإذا جاء وقت الصلاة وهو في مكان لا يوجد فيه ماء كان على طهارة وصلي وإذا حضرت جنازة صلى عليها وهو خارج البيت أو على الأقل يكون على طهر، لأن كون الإنسان على طهور أفضل من أن يكون على غير طهر وربما أيضا يحصل له الموت في هذا الوقت فيكون على طهر فالإنسان يحرص ما استطاع أن يكون على طهر لا سيما إذا خرج من بيته فخرج ﵁ يطلب النبي ﷺ فأتى المسجد لأن الرسول ﵊ إما في المسجد وإما في بيته في مهنة أهله وإما في مصالح أصحابه ﵊ فلم يجده في المسجد فسأل عنه فقالوا وجه هاهنا وأشاروا إلى ناحية أريس وهي بئر","vol":"4","page":126},{"text":"حول قباء فخرج أبو موسى في إثره حتى وصل إلى البئر فوجد النبي ﷺ هنالك فلزم الباب ﵁ فقضى النبي ﷺ حاجته وتوضأ ثم جلس على قف البئر يعني على حافته ودلى رجليه وكشف عن ساقيه والظاهر والله أعلم أنه كان في ذلك الوقت في حر وهذا البئر فيه ماء والماء قريب وحوله الأشجار والنخل والظلال وعادة أن الإنسان إذا حصل له مثل ذلك فعل مثل هذا الفعل فيكشف عن ساقيه ليبرد جسمه وتأتيه من برودة الماء الذي في البئر وفي هذا الظل فجلس ﵊ متوسطا للقف أي حافة البئر ودلى رجليه وكشف عن ساقيه وكان أبو موسى على الباب يحفظ باب البئر فاستأذن أبو بكر ﵁ لكنه لم يأذن له أبو موسى حتى يستشير النبي ﷺ فقال النبي ﷺ هذا أبو بكر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فأذن له وقال له يبشرك رسول الله ﷺ بالجنة ويا لها من بشارة يبشره بالجنة ثم يأذن له أن يدخل ليكون مع الرسول ﷺ فدخل ووجد النبي ﷺ متوسطا القف فجلس عن يمينه لأن النبي ﷺ يعجبه التيامن في كل شيء فجلس أبو بكر عن يمينه","vol":"4","page":127},{"text":"وضع مثل فعل النبي ﷺ دلى رجليه في البئر وكشف عن ساقيه كراهة أن يخالف النبي ﷺ في هذه الجلسة وإلا فليس من المشروع أن يجلس الإنسان على بئر ويدلي رجليه ويكشف عن ساقيه لكنه لا يجب أن يجلس مع النبي ﷺ على غير الهيئة التي كان النبي ﷺ يجلس عليها فقال أبو موسى وكان قد ترك أخاه يتوضأ ويلحقه إن يرد الله به خيرا يأت به وإذا جاءا واستأذن فقد حصل له أن يبشر بالحنة ولكن استأذن الرجل الثاني فجاء أبو موسى إلى الرسول ﵊ وقال هذا عمر قال: ائذن له وبشره بالجنة فأذن له وقال له يبشرك رسول الله ﷺ بالجنة فدخل فوجد النبي ﷺ وأبا بكر على القف فجلس عن يسار الرسول ﵊ والبئر ضيقة ليست واسعة كثرا فهؤلاء الثلاثة كانوا في جانب واحد ثم استأذن عثمان وصنع أبو موسى مثل ما صنع من الاستئذان فقال النبي ﷺ ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه فأذن له وقال يبشرك الرسول ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك فاجتمع في حقه نعمة وبلوى فدخل","vol":"4","page":128},{"text":"فوجد القف قد امتلأ لأنه ليس واسعا كثيرا فذهب إلى الناحية الأخرى تجاههم وجلس فيها ودلى رجليه وكشف عن ساقيه أولها سعيد بن المسيب أحد كبار التابعين على أنها قبور هؤلاء لأن قبور الثلاثة كانت في مكان واحد فالنبي ﷺ أبو بكر وعمر كلهم كانوا في حجرة واحدة دفنوا جميعا في مكان واحد وكانوا في الدنيا يذهبون جميعا ويرجعون جميعا ودائما يقول النبي ﷺ ذهبت أنا وأبو بكر وعمر وجئت أنا وأبو بكر وعمر فهما صاحباه ووزيراه ويم القيامة يخرجون من قبورهم جميعا فجلس عثمان ﵁ تجاههم وبشره ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبه وهذه البلوى هي ما حصل له ﵁ من اختلاف الناس عليه وخروجهم عليه وقتلهم إياه في بيته ﵁ حيث دخلوا عليه في بيته وقتلوه وهو يقرا القرآن وكتاب الله بين يديه ويذكر بعد المؤرخين أن قطرة من الدم نزلت على قوله تعالى ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾ والله أعلم لكن على كل حال هو ﵁ كان معروفا بكثرة","vol":"4","page":129},{"text":"القراءة والتهجد فدخل عيه أولئك المعتدون الظالمون فقتلوه فقتل شهيدا وبذلك تحقق قول الرسول ﵊ حينما صعد على جبل أحد وهو جبل معروف كبير في المدينة هو وأبو بكر وعمر وعثمان وارتج بهم الجبل وهذا من آيات الله ليس هو ارتجاج نقمة وخسف لكنه ارتجاج فرح فلما ارتج بهم الجبل قال له النبي ﷺ اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان فالنبي هو ﵊ والصديق أبو بكر، والشهيدان: عمر وعثمان وكلاهما ﵄ قتل شهيدا أما عمر فقتل وهو متقدم لصلاة الفجر بالمسلمين قتل في المحراب وأما عثمان فقتل وهو يتجهد في بيته في صلاة الليل فرضى الله عنهما وألحقنا وصالح المسلمين بهما في دار النعيم المقيم فهذه القصة فيها بشارة لأبي بكر وعمر وعثمان ولذلك ذكرها المصنف ﵀ في هذا الباب فرضى اله عنهم جميعا وجعلنا والمسلمين ممن يحشرون في زمرة محمد ﷺ","vol":"4","page":130},{"text":"٧١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا قعودا حول رسول الله ﷺ ومعنا أبو بكر وعمر ﵁ في نفر فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار فدرت به هل أجد له بابا فلم أجد فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجه والربيع الجدول الصغير فاحتفرت فدخلت على رسول الله ﷺ فقال: أبو هريرة؟ فقلت نعم يا رسول الله قال ما شأنك قلت كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفرت كما يحتفر الثعلب وهؤلاء الناس ورائي قال: يا أبا هريرة وأعطاني نعليه فقال اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة وذكر الحديث بطوله رواه مسلم الربيع النهر الصغير وهو الجدول بفتح الجيم كما فسره في الحديث وقوله: احتفزت روى بالراء وبالزاي ومعناه بالزاي تضامنت وتصاغرت حتى أمكنني الدخول","vol":"4","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي نقله المؤلف في باب التبشير والتهنئة بالخير فيه أيضا البشارة فإن النبي ﷺ كان جالسا في أصحابه في نفر منهم ومعه أبو بكر وعمر فقام النبي ﷺ ثم أبطأ عليهم فخشوا أن يكون أحد من الناس اقتطعه دونهم لأن النبي ﷺ مطلوب من جهة المنافقين ومن جهة غيرهم من أعداء الدين فقام الصحابة ﵃ فزعين فكان أول من فزع أبو هريرة ﵁ حتى أتى حائطا لبني النجار فجعل يطوف به لعله يجد بابا فلم يجد ولعله أراد بابا مفتوحا فلم يجد لأنه من المعلوم أن الحيطان لابد أن يكون لها أبواب ولكن لعله أن يكون وجد بابا مغلقا ولكنه وجد فتحة صغيرة في الجدار فضم جسمه حتى دخل فوجد النبي ﷺ فقال له أبو هريرة قال نعم فأعطاه نعليه ﵊ وقال له اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا به قلبه فبشره بالجنة فخرج أبو هريرة ﵁ ومعه نعلا رسول الله","vol":"4","page":132},{"text":"ﷺ وكأن الرسول ﷺ أعطاه النعلين أمارة وعلامة أنه صادق لأن هذه بشارة عظيمة أن من شهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه دخل الجنة لأن الذي يقول هذه الكلمة مستيقنا بها قلبه لابد أن يقوم بأوامر الله ويجتنب نواهي الله لأنه يقول لا معبود بحق إلا الله وإذا كان تلك الكلمة العظيمة فإنه لابد أن يعبد الله ﷿ وحده لا شريك له أما من قالها بلسانه ولم يوقن بها قلبه والعياذ بالله فإنها لا تنفعه فهاهم المنافقون يشهدون أن لا إله إلا الله لكنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ويقومون ويصلون لكنهم يصلون صلاة المنافقين فالصلاة ثقيلة عليهم وأثقلها صلاة العشاء والفجر ويأتون للرسول ﵊ يقولون نشهد إنك لرسول الله ويؤكدون هذا ولكن الله يقول: وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ لم تستقين قلوبهم بلا إله إلا الله ولا بمحمد رسول الله ولهذا لم تنفعهم أما من استيقن بها قلبه هو الذي يبشر بذلك ولكن لا يمكن أن يوجد إنسان صادق يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويترك الفرائض ولهذا لا يكون هذا الحديث دليلا على أن تارك الصلاة لا يكفر لا ليس فيه دلالة لأن تارك الصلاة","vol":"4","page":133},{"text":"يكفر ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لأنه يقولها من غير يقين: إذ كيف يقولها من يقين ويترك الصلاة ويحافظ على تركها والعياذ بالله؟ ولكن قد يرد على القلب وساوس من الشيطان في الله ﷿ وهذه الوساوس لا تضر المؤمن شيئا فإن النبي ﷺ قال: هذا صريح الإيمان ليس معنى ذلك أن الوساوس نفسها صريح الإيمان لكن الوساوس دليل على خالص الإيمان لأن الشيطان يأتي إلى القلب الخالص الصريح الخالي من الشك ويوقع عليه الوساوس لعله يشك أو لعله يفسد إيمانه فيأتي الشيطان إلى القلب العامر بالإيمان فإذا دافعه الإنسان وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأخذ الله ﷿ ويمجده وأعرض عن هذا الوساوس زالت عنه والشيطان لا يأتي إلى قلب خراب ليفسده لأن القلب الخراب خراب ويذكر أن ابن مسعود أو ابن عباس ﵄ جاء إليه","vol":"4","page":134},{"text":"ناس يقولون نحن لا نوسوس في الصلاة فقال ابن عباس أو ابن مسعود وما يصنع الشيطان بقلب خراب؟ معنى هذا أن قلوبهم خربة والقلوب الخربة لا يأتي الشيطان لها لأنها انتهت إلى ما يريده الشيطان إنما يأتي الشيطان للقلوب السليمة المخلصة من أجل أن يلقى عليها الوساوس والشكوك فدع عنك هذه الوساوس والشكوك والتجئ إلى ربك وقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد هو الأول والآخر والظاهر والباطن فسيزول عنك ذلك بإذن الله ففي هذا الحديث بشارة بالخير وهو أن من شهد أن لا إله إلا الله موقنا بها قلبه فليبشر بالجنة\n٧١١ - وعن ابن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص ﵁ وهو في سياقة الموت فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال إن أفضل ما نعد شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إني قد كنت على","vol":"4","page":135},{"text":"أطباق ثلاث لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله ﷺ مني ولا أحب إلي من أن أكون قد استمكنت منه فقتله فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدي فقال مالك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط ماذا؟ قلت أن يغفر لي قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ وما كان أحد أحب إلى من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن املأ عيني منه إجلالا به ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها؟ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ما أرجع به رسل ربي رواه مسلم قوله: شنوا روي بالشين المعجمة وبالمهملة أي: صبوة قليلا قليلا والله سبحانه أعلم","vol":"4","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ثم ذكر المؤلف ﵀ في سياق الأحاديث الواردة في التبشير والتهنئة بالخير حديث عمرو بن العاص ﵁ تلك القصة العظيمة أنه حضره بعض أصحابه وهو في سياق الموت فبكى بكاء شديدا وحول وجهه نحو الجدار ﵁ وهو في سياق الموت سيفارق الدنيا فقال له ابنه: علام تبكى وقد بشرك النبي ﷺ بالجنة؟ فقال: يا بني إني كنت على أطباق ثلاث، أطباق يعني أحوال ومنه قوله تعالى: لتركبن طبقا عن طبق يعني حالا بعد حال ثم ذكر هذه الأطباق الثلاث أنه كان يبغض النبي ﷺ بغضا شديدا وأنه لم يكن على وجه الأرض أحد يبغضه كما كان يبغضه هو وأنه يود أنه لو تمكن منه فقتله وهذا أشد ما يكون من الكفر حتى ألقى الله الإسلام في قلبه فجاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: ابسط يدك فلأبايعك على الإسلام وكان النبي ﷺ أحسن الناس خلقا فمد يده ولكن عمرو بن العاص كف يده، ليس استكبارا ولكن استثباتا لما سيذكره فقال له: مالك قال: يا رسول الله إني أشترط يعني على الإسلام قال: ماذا تشترط أن يغفر لي","vol":"4","page":137},{"text":"هذا أكبر همه ﵁ يشترط أن الله يغفر له ظن أن الله لن يغفر له لما كان له من سابقه في محاربة الدين فقال له النبي ﷺ: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قلبه وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله ثلاثة أشياء أما الإسلام فإنه يهدم ما كان قبله بنص الكتاب العزيز قال الله ﷿: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ والهجرة: إذا هاجر الإنسان من بلده التي يعيش فيها وهي بلد كفر هدمت ما قبلها والحج يهدم ما قبله لقول النبي ﷺ: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه فبايع ﵁ وأحب النبي ﷺ حبا شديدا حتى كان أحب الناس إليه وحتى أنه لا يستطيع أن يحد النظر فيه جلالا له ﵊ سبحان مقلب القلوب بالأمس كان يبغضه بغضا شديدا حتى يتمنى أنه يقدر عليه فيقتله والآن ما يستطيع أن يرفع طرفه إليه إجلالا له ولا يستطيع أن يصفه لأنه لا يحيط به","vol":"4","page":138},{"text":"حيث إنه لم يدركه إدراكا جيدا مهابة له ﷺ يقول ﵁ إنه لو مات على الطبق الأول لكان من أهل النار يقول ولو مت على تلك الحال يعني الطبق الثاني لرجوت أن أكون من أهل الجنة انظر الاحتياط فقد جزم أنه لو مات على الحال الأولى لكان من أهل النار أما الحال الثانية فإنه لشدة خوفه قال لو مت على هذا الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ولم يقل لكنت من أهل الجنة لأن الشهادة بالجنة أمرها صعب نسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها ثم إنه بعد ذلك تولى أمورا ﵁ تولى إمارات وقيادات وحصل ما حصل في قصة حرب معاوية وغيره وكان عمرو بن العاص معروفا أنه من أدهى العرب وأذكى العرب فيقول أخشى من هذا الذي حدث به بعد الطبق الأوسط أن يكون أحاط بعمله ثم أوصى ﵁ أنه إذا مات لا تتبعه نائحة والنائحة هي المرأة التي تنوح على الميت وتبكي عليه بكاء يشبه نوح الحمام وأمر ﵁ إذا دفنوه أن يبقوا عند قبره قدر ما تنحر جذور ويقسم لحمها حتى يراجع رسل ربه وهم الملائكة الذين يأتون إلى الميت إذا دفن إذا دفن الميت فإنه يأتيه ملكان ويجلسانه","vol":"4","page":139},{"text":"في قبره ويسألانه ثلاثة أسئلة يقولان من ربك وما دينك ومن نبيك أما المؤمن الذي ثبته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة جعلنا الله منهم بمنه وكرمه فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمدا ﷺ يثبته الله في هذا المقام الضنك أما المنافق والعياذ بالله أو المرتاب الذي عنده الشك فيقول هاها لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته لأن الإيمان ما دخل إلى قلبه ولا وقر في قلبه فهو يسمع ويقول لكن نسأل الله العافية لم يلج الإيمان قلبه فيضرب بمرزبة والمرزبة هي المطرقة العظيمة من الحديد يضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان وقال النبي ﷺ: ولو سمعها الإنسان لصعق ولو يسمع الناس من يعذب في قبره لصعقوا لأنه يصيح صيحة لا نظير لها في الدنيا لأن الصياح في الدنيا مهما كان لا يموت منه أحد لكن هذه صيحة عظيمة ليس لها نظير فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق فأمر عمرو بن العاص ﵁ أهله أن يقيموا عليه قدر ما","vol":"4","page":140},{"text":"تنحر الجزور ويقسم لحمها ليستأنس بهم وهذا يدل على أن الميت يحس بأهله وقد ثبت عن النبي ﵊ أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا من دفنه قرع النعال الخفي يسمعه الميت إذا انصرفوا من دفنه وقد ثبت عن النبي ﷺ في حديث حسن أنه كان إذا دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل فيستحب إذا دفن الميت أن يقف الإنسان على قبره ويقول: اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم اغفر له لأن النبي ﷺ كان إذا سلم سلم ثلاثا وإذا دعا ثلاثا نسأل الله تعالى أن تثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة المهم أن ابن عمرو بن العاص قال له: بشرك النبي ﷺ بالجنة وهذا من باب البشارة بالخير والتهنئة به","vol":"4","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب </span>الدعاء منه\nقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون &amp;﴾ وأما الأحاديث\n٧١٢ - فمنها حديث زيد بن أرقم ﵁ الذي سبق في باب إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ قام رسول الله ﷺ فينا خطيبا فحمد الله واثني عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي رواه مسلم وقد سبق بطوله","vol":"4","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي رحمه الله تعالى: (باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه) وذلك أن الإنسان إذا سافر فينبغي لذويه وأقاربه وأصحابه أن يودعوه وأن يوصوه بتقوى الله ﷿ فإن الله تعالى يقول: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وكان النبي ﷺ إذا بعث جيشا أو سرية وأمر عليهم أميرا قال له: أوصيك بتقوى الله ومن معك من المسلمين خيرا وذلك أن الإنسان يحتاج إلى من يساعده ويعينه على طاعة ربه لا سيما عند السفر لأن السفر محل الشغل والتقصير لاسيما فيما سبق من الزمان لما كانت الأسفار بعيدة على المطايا وعلى الأقدام فالناس يحتاجون إلى وصية وإلى تثبيت وإلى إعانة ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الآيات الواردة في ذلك فذكر قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ وهذه الوصية هو قول الله ﷿","vol":"4","page":143},{"text":"في إبراهيم: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ ولم يتردد فاسلم لله وانقاد له ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ يعني: وصى بهذه الوصية وهي أن يسلموا لله ﷿ ظاهرا وباطنا فلإسلام الظاهر يكون بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والإسلام الباطن يكون بالإيمان بالله وملائكته وكتبه إلى آخره ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ يعني أن إبراهيم ويعقوب كلا منهما وصى بها بنيه قائلا: ﴿إن الله اصطفى لكم الدين﴾ أي اختاره لكم ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ المعنى استدينوا الإسلام واثبتوا عليه إلى الممات ولا ترتدوا عنه ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهذا غاية التوحيد وهو من نصح يعقوب ﵇ لبنيه حيث أراد أن يعرف حالهم قبل أن يفارق الدنيا ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ أما إبراهيم فهو أبوه يعني جده وإسحاق أبوه من صلبة وأما إسماعيل فهو عمه لكن أطلق عليه لفظ الآباء من باب التغليب لأن","vol":"4","page":144},{"text":"العم صنو الأب كما قال النبي ﷺ لعمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه يعني شريكه في الأصل والجذر والصنو هو عبارة عن النخلتين يكون أصلهما واحدا وهما قرينتان وقوله: ﴿إلها واحدا﴾ من باب التوكيد ﴿ونحن له مسلمون﴾ فهذه الوصية ينبغي للإنسان أن يوصى بها من أراد سفرا وأن يوصى بها أهله وأن يتعاهدهم عليها لأنها هي التي عليها بناء كل شيء فلا دين بدون إخلاص ولا عبادة بدون إخلاص ولا اتباع بدون إخلاص كل شيء مبناه على الإخلاص لله ﷿\n٧١٣ - وعن أبي سليمان مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا فظن أنا قد اشتقنا أهلنا فسألنا عمن من أهلنا فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين","vol":"4","page":145},{"text":"كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم متفق عليه زاد البخاري في رواية له: وصلوا كما رأيتموني أصلى قوله: رحيما رفيقا روي بفاء وقاف، وروي بقافين\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف النووي رحمه الله تعالى في باب توديع الصاحب والمسافر ما نقله عن مالك بن الحويرث ﵁ قال أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون وهذا في عام الوفود في السنة التاسعة من الهجرة وكانوا شبابا فأقاموا عند النبي ﷺ عشرين ليلة جاءوا من أجل أن يتفقهوا في دين الله قال مالك وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا فظن أنا قد اشتقنا أهلنا يعني اشتقنا إليهم فسألنا عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم زاد البخاري وصلوا كما رأيتموني أصلي","vol":"4","page":146},{"text":"فهذا الحديث فيه فوائد: منها: أن النبي ﷺ كان مشهورا بالرحمة والرفق فكان أرحم الناس بالناس وكان أرفق الناس بالناس ﵊ رحيما رفيقا حتى إن الجارية من أهل المدينة البنت الصغيرة كانت تمسك بيده ليذهب معها ليقضي حاجتها وحتى العجوز كذلك فكان ﵊ أرحم الناس بالناس وأرفق الناس بالناس.\nومنها: أن الإنسان ينبغي له أن يكون شعوره شعور الآخرين لا يكون أنانيا إذا تمت له الأمور نسى من سواه فإن رسول الله ﷺ كان مقيما في أهله مستريح البال مطمئن القلب مرتاح النفس لكن هؤلاء الناس الشببة الذين جاءوا يتعلمون الدين كانت الفطرة والعادة والطبيعة أن الإنسان يشتاق إلى أهله فلما رأى أنهم اشتاقوا إلى أهلهم وسألهم من خلفوا وراءهم واخبروه أمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم فينبغي عليك أن تشعر بشعور الآخرين وأن تجعل نفسك مكانهم حتى تعاملهم بما تحب أن تعامل به نفسك ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يقيم في أهله ما أمكنه ولا ينبغي أن يتغرب عنهم ولا أن يبتعد عنهم حتى إن الرسول ﵊ أمر المسافر إذا سافر وقضى حاجته أن يرجع إلى أهله لأن","vol":"4","page":147},{"text":"بقاء الإنسان في أهله فيه خير كثير فيه الألفة والمودة والمحبة والتربية ومراعاة أحوالهم والتأديب والتوجيه لهم فلهذا كان الذي ينبغي للإنسان ألا يفارق أهله إلا عند الحاجة ومتى انتهت حاجته رجع إليهم ومن فوائد الحديث: أن الإنسان مأمور بأن يعلم أهله ولهذا قال: ارجعوا إلى أهليكم وعلموهم يعلمونهم ما تعلموه من رسول الله ﷺ فالإنسان ينبغي له أن يعلم أهله ما يحتاجون إليه إما أن يجعل جلسة خاصة لهم أو إذا جلسوا على الطعام أو على الشراب أو في انتظار النوم أو ما أشبه ذلك يعلمهم ومن فوائد الحديث أيضا أن الإنسان لا يقتصر على التعليم فقط قال: علموهم ومروهم فيعلمهم ويأمرهم وأهم ما يأمر به: الصلاة وقد نص الرسول عليه الصلاة السلام عليها فقال: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر فلابد من تعليم الأهل ولابد من أمرهم وتأديبهم وتوجيههم ومن فوائدة الحديث: وجوب الأذان وأنه فرض كفاية، لقوله: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم","vol":"4","page":148},{"text":"ومنها: أنه لا يصح الأذان قبل الوقت فلو أذن الإنسان قبل الوقت ولو بتكبيرة واحدة من الأذان، فإن آذانه لا يصح ويجب عليه أن يعيده بعد دخول الصلاة، لقوله إذا حضرت الصلاة والصلاة لا تحضر إلا إذا دخل وقتها وبهذا نعرف أن قول الرسول ﵊ لأبي محذورة إذا أذنت بالأول من الصبح فقل الصلاة خير من النوم مرتين المراد به الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت لأنه قال الأول لصلاة الصبح خلافا لما فهمه بعض الناس من أن المراد بذلك الأذان الذي يكون قبل الفجر لأن الأذان الذي يكون قبل الفجر ليس أذانا لصلاة الفجر فقد بين الرسول ﵊ أن الأذان الذي يكون قبل الفجر هو لإيقاظ النائم وإرجاع القائم فقال: إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر هكذا قال النبي ﷺ فبين في هذا الحديث أن الأذان الذي يكون","vol":"4","page":149},{"text":"آخر الليل والذي يسميه الناس الأذان الأول ليس للفجر وليس للصلاة لأن الأذان للصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وقد بين الرسول ﵊ أن هذا الأذان ليس لصلاة الفجر بقوله ليرجع قائمكم يعني ليرده ليتسحر ويوقظ نائمكم ليتسحر ومن فوائد هذا الحديث: وجوب صلاة الجماعة لقوله: وليؤمكم أكبركم واللام هنا للأمر فصلاة الجماعة واجبة ومن فوائد الحديث: أن صلاة الجماعة واجبة على المسافرين كما هي واجبة على المقيمين لأن هؤلاء وفد سيرجعون إلى أهليهم فهم مسافرون وأمرهم مع ذلك بالصلاة جماعة وعلى هذا كان الإنسان في البلد وهو مسافر فإنه يجب عليه أن يحضر الجماعة في المساجد بعض العامة إذا قلت له: صل قال: أنا مسافر والمسافر ما عليه صلاة جماعة هذا خطأ يجب عليك أن تصلي مع الجماعة في المساجد ولو كنت مسافرا فأنت وأهل البلد سواء قال النبي ﵊ لرجل: أتسمع النداء؟ قال: نعم قال: فأجب","vol":"4","page":150},{"text":"ومن فوائد هذا الحديث: تقديم الكبير في الإمامة لقوله: وليؤمكم أكبركم وهذا لا ينافي قوله ﵊: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله لأن هؤلاء الشباب وكلهم وفدوا في وقت واحد والظاهر أنه ليس بينهم فرق بين في قراءة القرآن وأنهم متقاربون ليس بعضهم أقرأ من بعض ولهذا قال: وليؤمكم أكبركم لأنهم متساوون في القراءة أو متقاربون فإذا تساووا في القراءة والسنة والهجرة فإنه يرجع إلى الأكبر سنا وفيه أيضا اعتبار الكبر في السن وأن الكبير في السن مقدم على غيره إذا لم يكن لغيره ميزة يفضل بها هذا الكبير في السن ومن فوائده أيضا: أنه ينبغي للإنسان أن يوجه الناس لكل أمر وإن كان يظن أنه معلوم، ولهذا قال: صلوا صلاة كذا في حين كذا مع أنهم قد صلوا مع النبي ﵊ وصلوا معه عشرين ليلة وهم يعلمون ذلك لكن من أجل التنبيه قال: صلوا الظهر مثلا في صلوا العصر في وقت كذا صلوا المغرب في وقت كذا صلوا العشاء في وقت كذا، صلوا الفجر في وقت كذا","vol":"4","page":151},{"text":"ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يعلم الناس بالقول وبالفعل فعلم الذي صلى بغير طمأنينة بالقول قال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع إلى آخره أما هؤلاء فقال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي وهذا تعليم بالفعل وكما فعل ﵊ حينما صنع له المنبر فصعد عليه وجعل يصلي بالناس وهو على المنبر فيركع وهو على المنبر فإذا أراد السجود نزل من المنبر وهو مستقبل القبلة ثم سجد وقال لما سلم: إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي ومن فوائد هذا الحديث: أنه على الإنسان أن يعرف كيف كان النبي ﷺ يصلي فيقرأ من كتب العلم التي كتبها من يوثق في عمله كيف كان الرسول ﷺ يصلي حتى ينفذ أمر الرسول في قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي","vol":"4","page":152},{"text":"٧١٤ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال استأذنت النبي ﷺ في العمرة فأذن وقال: لا تنسانا يا أخي من دعائك فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا وفي رواية قال: أشركنا يا أخي في دعائك رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح\n٧١٥ - وعن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول للرجل إذا أراد سفرا ادن مني حتى أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا فيقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح\n٧١٦ - وعن عبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يودع الجيش يقول: استودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح\n٧١٧ - وعن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أريد سفرا فزودني فقال: زودك الله التقوى","vol":"4","page":153},{"text":"قال: زدني قال: وغفر ذنبك قال: زدني، قال: ويسر لك الخير حيثما كنت رواه الترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها النووي ﵀ في هذا الباب فيما يستحب من وداع الصاحب والدعاء له وطلب الدعاء منه فذكر حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه أراد أن يعتمر فاستأذن النبي ﷺ فأذن له.\nوقال: لا تنسنا يا أخي من دعائك وفي رواية: أشركنا يا أخي في دعائك وذكر أن الترمذي أخرجه وقال إنه حسن صحيح ولكن الحقيقة أنه ضعيف وأنه لا يصح عن النبي ﷺ وطلب الدعاء من الغير ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن يطلب من الغير الدعاء لصالح المسلمين جميعا أي شيء عام فهذا لا بأس به، وقد دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع النبي ﷺ يديه وقال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا فأنشأ الله سحابة فانتشرت وتوسعت وأمطرت ولم ينزل النبي ﷺ من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي","vol":"4","page":154},{"text":"المطر أسبوعا كاملا وفي الجمعة الثانية دخل رجل آخر أو الأول فقال: يا رسول الله غرق المال وتهدم البناء فادع الله يمسكها عنا فرفع النبي ﷺ يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا وجعل يشير إلى النواحي فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت وتمايز السحاب حتى خرج الناس يمشون في الشمس فإذا طلبت من شخص صالح مرجو الإجابة شيئا عاما للمسلمين فهذا لا بأس به لأنك لم تسأل لنفسك مثال ذلك: لو أن رجلا جاء إليك يطلب منك الشفاعة لتغيث رجلا ملهوفا أو تقضى عنه دينه أو ترفع الظلم عن رجل ضعيف من المسلمين فإن هذا لا بأس به لأن المصلحة لغيره القسم الثاني: أن يطلب الدعاء من الرجل الصالح من أجل أن ينتفع الرجل بهذا الدعاء ولا يهمه هو أن ينتفع لكن يحب من هذا الرجل الذي طلب منه الدعاء أن يلجأ إلى الله وان يسأل الله ﷿ وأن يعلق قلبه بالله وأن يعلم أن الله ﷾ سميع الدعاء المهم أن يكون قصده مصلحة هذا الرجل فهذا لا بأس به أيضا لأنك لم تسأله لمحض نفعك ولكن لنفعه هو فأنت تريد أن يزداد هذا الرجل الصالح خيرا بدعاء الله عز","vol":"4","page":155},{"text":"وجل وأن يتقرب إلى الله بالدعاء وأن يحصل على الأجر والثواب القسم الثالث: أن يطلب الدعاء من الغير لمصلحة نفسه هو فهذا أجازه بعض العلماء وقال لا بأس أن تطلب من الرجل الصالح أن يدعو لك لكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال لا ينبغي إذا كان قصدك مصلحة نفسك فقط لأن هذا قد يدخل في المسألة المذمومة لأن النبي ﷺ بايع أصحابه ألا يسألوا الناس شيئا وكذلك لأنه ربما يعتمد هذا السائل الذي سأل غيره أن يدعو له ربما يعتمد على دعاء هذا الغير وينسى أن يدعو هو لنفسه فيقول: أنا قلت لفلان وهو رجل صالح ادع الله لي وإذا استجاب الله هذا الدعاء فهو كاف فيعتمد على غيره وكذلك لأنه ربما يلحق المسئول غرور في نفسه وأنه رجل صالح يطمع الناس إلى دعائه فيحصل في هذا شر على المسئول وعلى كل حال فإن هذا القسم الثالث مختلف فيه فمن العلماء من قال: لا بأس أن تقول للرجل الصالح يا فلان ادع الله لي ومنهم من قال لا ينبغي والأحسن ألا تقول ذلك لأنه ربما يمن عليك بهذا وربما تذل أمامه بسؤالك ثم إنه من الذي يحول بينك","vol":"4","page":156},{"text":"وبين ربك ادع الله بنفسك لا أحد يحول بينك وبين الله لماذا تذهب تفتقر إلى غيرك وتقول: ادع الله لي وأنت ليس بينك وبين ربك واسطة؟ قال الله تعالى: وقال ربكم ادعوني استجب لكم وقال: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾","vol":"4","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>باب الاستخارة والمشاورة</span>\nقال الله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ وقال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ أي يتشاورون بينهم فيه\n٧١٨ - عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال: ويسمى حاجته رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀: (باب","vol":"4","page":158},{"text":"الاستخارة والمشاورة) والاستخارة مع الله، والمشاورة مع أهل الرأي والصلاح وذلك أن الإنسان عنده قصور أو تقصير والإنسان خلق ضعيفا فقد تشكل عليه الأمور وقد يتردد فيها فماذا يصنع؟ لنفرض أنه هم بسفر وتردد هل هو خير أم شر أو هم أن يشتري سيارة أو بيتا أو أن يصاهر رجلا يتزوج ابنته أو ما أشبه ذلك ولكنه متردد فماذا يصنع؟ نقول: له طريقتان: الطريق الأول: استخارة رب العالمين ﷿ الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون الطريق الثاني: استشارة أهل الري والصلاح والأمانة واستدل المؤلف ﵀ على المشاورة بآيتين من كتاب الله هما قوله تعالى: وشاوروهم في الأمر وهذا خطاب للنبي ﷺ.\nقال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ وكان النبي ﷺ وهو أسد الناس رأيا وأصوبهم صوابا يستشير أصحابه في بعض الأمور التي تشكل عليه وكذلك خلفاؤه من بعده كانوا يستشيرون أهل الري والصلاح ولا بد من هذين الشرطين فيمن تستشيره أن يكون ذا رأى","vol":"4","page":159},{"text":"وخبرة في الأمور وتأن وتجربة وعدم تسرع وأن يكون صالحا في دينه لأن من ليس بصالح في دينه ليس بأمين حتى وإن كان ذكيا وعاقلا ومحنكا في الأمور إذا لم يكن صالحا في دينه فلا خير فيه وليس أهلا لأن يكون من أهل المشورة لأنه إذا كان غير صالح في دينه فإنه ربما يخون والعياذ بالله ويشير بما فيه الضرر أو يشير بما لا خير فيه فيحصل بذلك من الشر والفساد ما الله به عليم ولنفرض أنه رجل من أهل الفسق والمجون والفجور فلا يجوز أن تستشيره لأن هذا يوقعك في هلاك كذلك ولو كان رجلا صالحا دينا أمينا لكنه مغفل ما يعرف الأمور أو متسرع لا خبرة له فهذا أيضا لا تحرص على استشارته لأنه ربما إذا كان مغفلا لا يدري عن الأمور يأخذ الأمور بظواهرها ولا يعرف شيئا مما وراء الظواهر وكذلك إذا كان متسرعا فإنه ربما يحمله التسرع على أن يشير عليك بما لا خير فيه فلابد من أن يكون ذا خبرة وذا رأي وصلاح في الدين وقال الله تبارك تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ يعني أمرهم المشترك الذي هو للجميع كالجهاد مثلا فإنه شورى بينهم فإذا أراد ولى الأمر أن يجاهد أو أن يفعل شيئا عاما للمسلمين فإنه يشاورهم","vol":"4","page":160},{"text":"ولكن كيف تكون المشورة المشورة تكون إذا حدث له أمر يتردد فيه جمع الإمام من يرى أنهم أهل للمشورة برأيهم وصلاحهم واستشارهم أما الاستخارة فهي مع الله ﷿ يستخير الإنسان ربه إذا هم بأمر وهو لا يدري عاقبته ولا يدري مستقبله فعليه بالاستخارة والاستخارة معناها طلب خير الأمرين وقد أرشد النبي ﷺ إلى ذلك بأن يصلي الإنسان ركعتين من غير الفريضة في غير وقت النهي إلا في أمر يخشى فواته قبل خروج وقت النهي فلا بأس أن يستخير ولو في وقت النهي أما ما كان فيه الأمر واسعا فلا يجوز أن يستخير وقت النهي فلا يستخير بعد صلاة العصر وكذلك بعد الفجر حتى ترتفع الشمس مقدار رمح وكذلك عند زوالها حتى تزول لا يستخير إلا في أمر قد يفوت عليه يصلي ركعتين من غير الفريضة ثم يسلم وإذا سلم قال: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كان هذا الأمر ويسميه","vol":"4","page":161},{"text":"خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله يعني إما أن تقول هذا أو هذا فاقدره لي ويسره لي وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به وينتهي ثم بعد ذلك إن انشرح صدره بأحد الأمرين بالأقدام أو الإحجام فهذا المطلوب يأخذ بما ينشرح به صدره فإن لم ينشرح صدره لشيء وبقى مترددا أعاد الاستخارة مرة ثانية وثالثة ثم بعد ذلك المشورة إذا لم يتبين له شيء بعد الاستخارة فإنه يشاور أهل الرأي والصلاح ثم ما أشير عليه به فهو الخير إن شاء الله، لأن الله تعالى قد لا يجعل في قلبه بالاستخارة ميلا إلى شيء معين حتى يستشير فيجعل الله تعالى ميل قلبه بعد المشورة وقد اختلف العلماء هل المقدم المشورة أو الاستخارة؟ والصحيح أن المقدم الاستخارة فقدم أولا الاستخارة لقول النبي ﷺ: إذا هم أحدكم بالأمر فليصل ركعتين..\nإلى آخره ثم إذا كررتها ثلاث مرات ولم يتبين لك الأمر فاستشر ثم ما أشير عليك به فخذ به وإنما قلنا: إنه يستخير ثلاث مرات لأن من عادة النبي ﷺ أنه","vol":"4","page":162},{"text":"إذا دعا دعا ثلاثا والاستخارة دعاء وقد لا يتبين للإنسان خير الأمرين من أول مرة بل قد يتبين في أول مرة أو في الثانية أو في الثالثة وإذا لم يتبين فليستشر","vol":"4","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها </span>من طريق الرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة\n٧١٩ - عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق رواه البخاري قوله: خالف الطريق يعني ذهب في طريق ورجع في طريق آخر\n٧٢٠ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ثم ذكر النووي ﵀ (باب استحباب مخالفة الطريق في العيد والجمعة وغيرها من العبادات)","vol":"4","page":164},{"text":"ومعنى مخالفة الطريق: أن يذهب إلى العبادة من طريق ويرجع من الطريق الآخر فمثلا يذهب من الجانب الأيمن ويرجع من الجانب الأيسر وهذا ثابت عن النبي ﷺ في العيدين كما رواه جابر ﵁ كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق يعني خرج من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء لم كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك؟ فقيل: ليشهد له الطريقان يوم القيامة لأن الأرض يوم القيامة تشهد على ما عمل فيها من خير وشر كما قال الله ﵎: يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها تشهد الأرض فتقول عمل على فلان كذا وعمل على فلان كذا فإذا ذهب من طريق ورجع من آخر شهد له الطريقان يوم القيامة بأنه أدى صلاة العيد وقيل من أجل إظهار الشعيرة شعيرة العيد حتى تكتظ الأسواق هنا وهناك ومعلوم أن الناس لا يخرجون كلهم من طريق واحد ويرجعون من طريق واحد تجد هذا يخرج من هذا الطريق وهذا من هذا هذا من هذا فإذا انتشر الناس في طرق المدينة صار في هذا إظهار لهذه الشعيرة لأن صلاة العيد من شعائر الدين والدليل","vol":"4","page":165},{"text":"على ذلك أن الناس يؤمرون بالخروج إلى الصحراء إظهارا لذلك وإعلانا له وبعضهم قال إنما خالف الطريق من أجل المساكين الذين يكونون في الأسواق قد يكون في هذا الطريق ما ليس في هذا الطريق من المساكن فيتصدق على هؤلاء وهؤلاء ولكن الأقرب والله أعلم أنه من أجل إظهار تلك الشعيرة حتى تظهر شعيرة صلاة العيد بالخروج إليها من جميع سكك البلد ثم اختلفت العلماء ﵏ هل يلحق في ذلك صلاة الجمعة؟ لأن صلاة الجمعة صلاة العيد قالوا: تلحق بصلاة العيدين، فيأتي إلى الجمعة من طريق ويرجع من طريق آخر ثم توسع بعض العلماء وقالوا: يشرع ذلك أيضا في الصلوات الخمس فيأتي مثلا في صلاة الظهر من طريق ويرجع من طريق آخر وهكذا صلاة العصر وبقية الصلوات قالوا: لأن ذلك حضور إلى الصلاة فيقاس على صلاة العيد وتوسع آخرون فقالوا تشرع مخالفة الطريق في كل تعبد كل عبادة تذهب إليها فاذهب إليها من طريق وارجع منها من طريق آخر حتى عيادة المريض فإذا عدت مريضا فاذهب إليه من","vol":"4","page":166},{"text":"طريق وارجع من طريق آخر وكذلك إذا شيعت جنازة فاذهب من طريق وارجع من طريق آخر وكل هذه الأقيسة الثلاثة كلها ضعيفة، لا قياس لصلاة الجمعة على العيدين ولا بقية الصلوات على العيدين ولا المشي في العبادة على العيدين وذلك لأن العبادات ليس فيها قياس ولأن هذه الأشياء كانت في عهد الرسول ﵊ كان في عهده الجمعة والصلوات الخمس وعيادة المريض وتشيع الجنائز ولم يحفظ عنه أن كان ﷺ يخالف الطريق في هذا والشيء إذا وجد في عهد الرسول ﷺ ولم يسن فيه شيئا فالسنة ترك ذلك أما في الحج فإن الرسول ﷺ خالف الطريق في دخوله إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها وكذلك في ذهابه إلى عرفه ذهب من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء أيضا في هذه المسألة هل كان النبي ﷺ فعل ذلك على سبيل التعبد أو لأنه أسهل لدخوله وخروجه؟ لأنه كان الأسهل لدخوله أن يدخل من الأعلى ولخروجه أن يخرج من الأسفل فمن من العلماء قال بالأول قال: إنه تدخل من أعلاها","vol":"4","page":167},{"text":"أي أعلى مكة وتخرج من أسفلها وسنة أن تأتي عرفة من طريق وترجع من طريق آخر ومنهم من قال: إن هذا حسب تيسر الطريق، فاسلك المتيسر سواء من الأعلى أو من الأسفل وعلى كل حال إن تيسر لك أن تدخل من أعلاها وتخرج من أسفلها فهذا طيب فإن كان ذلك عبادة فقد أدركته وإن لم يكن عبادة لم يكن عليك ضرر فيه وإن لم يتيسر كما هو الواقع في وقتنا الحاضر حيث إن الطرق قد وجهت توجيها واحدا ولا يمكن للإنسان أن يخالف فلأمر والحمد لله واسع","vol":"4","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم </span>كالوضوء والغسل والتيمم ولبس الثوب والنعل والخف والسراويل ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود والخروج من الخلاء والأخذ والعطاء وغير ذلك مما هو في معناه ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط والبصاق عن اليسار ودخول الخلاء والخروج من المسجد وخلع الخف والنعل والسراويل والثوب والاستنجاء وفعل المستقذرات وأشباه ذلك\nقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى (باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم) والعكس بالعكس فيما يقصد به الإهانة فإنه يبدأ باليد اليسرى وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أشياء متعددة مثل","vol":"4","page":169},{"text":"الوضوء والغسل والتيمم ولبس الثوب فالوضوء يبتدئ فيه الإنسان باليمين يبتدئ باليد اليمنى قبل اليد اليسرى وبالرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى هذا إذا كانا عضوين متميزين أما إذا كان عضوا واحدا كالوجه مثلا فإننا لا نقول ابدأ بيمين الوجه قبل يساره بل يغسل الوجه مرة واحدة كما جاءت به السنة نعم لو فرض أن الإنسان لا يستطيع أن يغسل وجهه إلا بيد واحدة فهنا يبدأ باليمين بما يقال: يبدأ من اليمين وربما يقال: يبدأ من الأعلى وكذلك مسح الأذنين لا تمسح الأذن اليمنى قبل اليسرى بل يمسحان جميعا إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يمسح بيديه جميعا فيبدأ باليمنى قبل اليسرى وكذلك في الغسل إذا أراد الإنسان أن يغتسل من الجنابة فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض الماء على رأسه ثلاث مرات حتى يروي ثم يغسل سائر جسده ويبدأ بالشق الأيمن منه قبل الأيسر لقول النبي ﷺ للنساء اللاتي كن يغسلن ابنته قال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها","vol":"4","page":170},{"text":"فإذا كنت تحت الصنبور وهو يصيب على رأسك وأنت تريد أن تغتسل فإذا غسلت رأسك وأرويته فابدأ بغسل الجانب الأيمن من الجسد قبل الأيسر هذا هو السنة كذلك في التيمم ولكن التيمم جاءت السنة أن الإنسان يمسح وجهه بيديه جميعا ثم يمسح كل واحدة بالأخرى فلا يظهر فيها التيامن لأن التيمم في عضوين فقط في الوجه والكفين وإذا كان في الوجه والكفين فالوجه يمسح مرة واحدة والكفان يمسح بعضهما ببعض كذلك لبس الثوب والنعل والخف والسراويل كل هذه يبدأ فيها باليمين إذا أردت أن تلبس الثوب فأدخل اليد اليمنى في كمها قبل اليد اليسرى في السراويل أدخل الرجل اليمنى في كمها قبل أن تدخل الرجل اليسرى في النعل إذا أردت أن تلبس النعل ابدأ بالرجل اليمنى أدخلها في النعل قبل اليسرى كذلك في الخف والجوارب ابدأ بالرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى هذه هي السنة كما جاءت عن النبي ﷺ وكذلك دخول المسجد تبدأ بالرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى تقصد ذلك فإذا أقبلت على المسجد فانتبه حتى تكون رجلك اليمنى هي الداخلة الأولى","vol":"4","page":171},{"text":"كذلك أيضا السواك إذا أراد الإنسان يتسوك فيبدأ بالجانب الأيمن قبل الأيسر وكذلك الاكتحال إذا أراد أن يكتحل يبدأ بالعين اليمنى قبل اليسرى كذلك تقليم الأظفار يبدأ بالأيمن قبل الأيسر فيبدأ مثلا في اليمنى بالخنصر ثم البنصر ثم الواسطى ثم السبابة ثم الإبهام وفي اليد اليسرى يبدأ بتقليم الإبهام ثم السبابة ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ويبدأ أيضا بالقدم اليمنى في تقليم أظافرها قبل القدم اليسرى كذلك في قص الشارب ابدأ بالجانب الأيمن منه قبل الأيسر كذلك نتف الإبط وحلق الرأس نتف الإبط سنة فإذا أردت أن تنتف الآباط يعني تنتف الشعر فابدأ بالإبط الأيمن قبل الأيسر وكذلك في حلق الرأس ابدأ بالجانب الأيمن من الرأس قبل الأيسر وكذلك أيضا السلام من الصلاة يلتفت الإنسان عن يمينه قبل أن يلتفت عن يساره وكذلك الأكل والشرب فيأكل بيمينه ويشرب بيمينه ولا يجوز أن يأكل باليسرى أو يشرب باليسرى لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك","vol":"4","page":172},{"text":"وقال: إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله فإذا رأيت رجلين أحدهما يأكل باليمين ويشرب باليمين والثاني يأكل بالشمال ويشرب بالشمال فالأول على هدى النبي ﷺ والثاني على هدى الشيطان وهل يرضى أحد من الناس أن يتبع هدى الشيطان ويعرض عن هدى محمد ﷺ لا أحد يريد ذلك أبدا لكن الشيطان يزين للناس الأكل بالشمال والشرب بالشمال وربما بعض الناس يظن أن هذا تقدم وحضارة لأن الغربيين الكفرة يقدمون اليسار عن اليمين ولهذا يجب علي الإنسان أن يأكل باليمين وأن يشرب باليمين إلا للضرورة ويجب علينا أيضا أن نعلم أولادنا الصغار أن يأكلوا باليمين ويشربوا باليمين كذلك المصافحة يصافح باليمين ولا يصافح باليسار فإن مد إليك يده اليسرى للمصافحة فلا تصافحه اهجره لأنه خالف السنة إلا إذا كانت اليد اليمنى شلاء لا يستطيع أن يحركها فهذا عذر كذلك استلام الحجر الأسود باليمين وكذلك إذا لم يستطع الإنسان مسحه فإنه يشير إليه ويكون ذلك باليد اليمنى وكذلك استلام الركن اليماني يكون باليمين ونحن نرى الآن بعض الطائفتين يمسح الحجر الأسود باليسرى أو يشير إليه باليسرى أو يشير إليه باليدين جميعا أما الركن اليماني فإن استطعت أن تستلمه يعني تمسحه باليد فافعل وإلا فلا تشر إليه لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه أشار إليه","vol":"4","page":173},{"text":"والغالب أن هذا جهل منهم فإذا رأيت أحدا يمسح الركن اليماني أو الحجر الأسود باليد اليسرى فنبهه أن هذا ليس من الإكرام فليس من إكرام بيت الله أن تمسح الركن اليماني أو الحجر الأسود باليد اليسرى بل امسحهما باليد اليمنى كذلك الخروج من الخلاء يعني إذا دخلت الحمام لقضاء الحاجة من بول أو غائط ثم خرجت فقدم الرجل اليمنى لأن خارج الخلاء أحق بالتكريم من الخلاء فإذا خرجت فابدأ بالرجل اليمنى كذلك الأخذ والإعطاء وغير ذلك الأخذ والإعطاء يعني إذا أردت أن تناول صاحبك شيئا فناوله باليمين وإذا أردت أن تأخذ شيئا يناولك إياه فخذه باليمين هذه أخلاق الإسلام لكن بعض الناس يناولك باليسار ويأخذ منك باليسار ظنا منه أن هذا هو التقدم لأن الكفرة يأخذون باليسار ويعطون باليسار وسبحان الله العظيم أصحاب الشمال لهم الشمال لأن الكفرة أصحاب الشمال والمؤمنون هم أصحاب اليمين ولهذا تجد الكافر دائما يفضل اليسار لأنه أهل اليسار","vol":"4","page":174},{"text":"وأهل الشمال فهو من أهل اليسار في الدنيا وفي الآخرة والعياذ بالله إذا كل هذه الأمور ابدأ فيها باليمين وكذلك غيرهما مما يشمله التكريم كل شيء للتكريم فإنه يبدأ فيه باليمين لأن اليمين أكرم وأفضل أما اليسار فبالعكس ثم ذكر المؤلف أشياء مما يقدم فيها اليسار، كالامتخاط والبصاق فإنه يكون باليسار الامتخاط: يعني إذا استنثر الإنسان ليخرج ما في أنفه من الأذى فإنه يكون باليد اليسرى وكذلك لو أراد أن يمسح المخاط فإنه يكون باليد اليسرى وكذلك عند دخول الخلاء يقدم الرجل اليسرى وأما الخروج منه فقد سبق أنه يقدم الرجل اليمنى وكذلك إذا خرج من المسجد فإنه يقدم الرجل اليسرى وكذلك إذا أراد أن يخلع النعل أو أن يخلع الخف أو أن يخلع الثوب أو أن يخلع السراويل فإنه يبدأ بإخراج الرجل اليسرى وتكون اليمنى هي الأولى عند اللبس كذلك الاستنجاء يكون باليد اليسرى وقد نهى النبي ﷺ أن","vol":"4","page":175},{"text":"يستنجئ الرجل بيمينه لأن اليمين محل الإكرام ويؤكل بها ويشرب بها فينبغي إبعادها عن القاذورات وكذلك كل شيء مستقذر فإنه يكون باليد اليسرى وأما اليمنى فهي لما يكون فيه الإكرام ولغيره مما إكرام فيه ولا إهانة فاليسرى تكون الأذى واليمنى لما سواها واعلم أن الناس حينما ظهرت الساعات التي تتعلق باليد صاروا يلبسونها باليد اليسار من أجل أن تبقى اليد اليمنى طليقه ليس فيها ساعة يتأذى بها الإنسان عند الحركة لأن حركة اليمنى أكثر من حركة اليسرى ويحتاج الإنسان لحركة اليمنى أكثر فكانوا يجعلونها في اليد اليسرى لأن ذلك أسهل ولأن اليد اليمنى هي التي يكون فيها العمل غالبا فربما تتعرض الساعة لشيء يضرها ولذلك جعلوها باليسار وقد ظن بعض الناس أن الأفضل جعلها في اليمين بناء على تقديم اليد اليمنى ولكن هذا ظن ليس مبنيا على صواب لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتختم بيمينه ويتختم أحيانا بيساره وربما كان تختمه بيساره أفضل ليسهل أخذ الخاتم باليد اليمنى","vol":"4","page":176},{"text":"والساعة أقرب ما تكون للخاتم فلا تفضل فيها اليمنى على اليسرى ولا اليسرى على اليمنى الأمر في هذا واسع وإن شئت جعلتها باليمين وإن شئت جعلتها باليسار كل هذا لا حرج فيه ثم ذكر المؤلف آيتين من كتاب الله هما قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ وهذا يكون يوم القيامة فإن الناس يؤتون كتبهم أي كتب أعمالهم التي كتب فيها عمل الإنسان إما باليمين وإما بالشمال ﴿من أوتي كتابه بيمينه﴾ جعلنا الله منهم فإنه يأخذه فرحا مسرورا يقول للناس: انظروا إلى ﴿اقرءوا كتابيه﴾ كما نشاهد الآن الطالب إذا أخذ ورقة النجاح صار يريها أصدقاءه وأقاربه فرحا بها ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ فإنه على العكس من ذلك يتمنى أنه لم يؤت الكتاب فضلا عن أن يطلع عليه غيره والآية الأخرى التي ذكرها المؤلف فهي قوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ فذكر اله سبحانه أن الناس يكونون يوم القيامة ثلاثة أقسام: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون فالسابقون هم المقربون وأصحاب الميمنة ناجون وأصحاب المشأمة هالكون فهم يوم القيامة ثلاثة أصناف","vol":"4","page":177},{"text":"وهم كذلك عند خروج الروح من البدن ثلاثة أصناف ذكر الله في سورة الواقعة أحوالهم يوم القيامة وذكر في آخرها أحوالهم عند الاختصار فقال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لاَ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ والمقربون هم السابقون الذين يسبقون إلى الخيرات في كل نوع من أنواع الخير ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وهؤلاء هم أصحاب المشأمة والعياذ بالله فهم المكذبون الضالون أعاذنا الله من حالهم وأشار المؤلف ﵀ في هاتين إلى أن أهل اليمين للفضائل الدائمة في الدنيا وفي الآخرة ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا","vol":"4","page":178},{"text":"٧٢١ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في شأنه في ظهوره وترجله وتنعله متفق عليه\n٧٢٢ - وعنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف رحمه الله تعالى في باب استحباب تقديم اليمن فيما من شأنه التكريم عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في شأنه كله في شأنه كله أي: في جميع أحواله يعجبه يعني يسره ويستحسن البداءة باليمين في كل شيء في طهوره وترجله وتنعله في طهوره يعني إذا تطهر يبدأ باليمين فيبدأ بغسل اليد اليمنى قبل اليسرى وبغسل الرجل اليمنى قبل اليسرى وأما الأذنان فإنهما عضو واحد داخلان في الرأس فيمسح بهما جميعا إلا إذا كان لا يستطيع أن يمسح إلا بيد واحدة فهنا يبدأ بالأذان اليمنى للضرورة","vol":"4","page":179},{"text":"قالت وترجله والترجل يعني تسريح الشعر ومشطه ودهنه وكان الرسول ﷺ كعادة الناس في ذلك الوقت لا يأخذ رأسه إلا في حج أو عمرة لكن أحيانا يأخذ منه وأحيانا يبقيه فأحيانا يكون إلى شحمه أذنيه وأحيانا ينزل حتى يضرب على منكبيه فكان ﷺ يتعاهده بالتنظيف والتسريح والدهن حتى نظيفا لا يكون فيه الغبار ولا القمل ولا غير ذلك مما يستقذر وكذلك أيضا يعجبه التيمن في تنعله أي إذا لبس النعل فإنه يبدأ باليمين قبل اليسار وإذا خلع يبدأ باليسار قبل اليمين وكذلك الثوب إذا لبسه بإدخال الكم اليمين قبل اليسار وكذلك السروال يبدأ بإدخال الرجل اليمنى قبل اليسرى والعكس في الخلع وفي الحديث الثاني عن عائشة ﵂ أنها بينت ما كان النبي ﷺ يستعمل فيه اليمين ويستعمل فيه اليسار فذكرت أن الذي يستعمل فيه اليسار ما كان فيه أذى كالاستنجاء والاستجمار والاستنشاق والاستنثار وما أشبه ذلك كل ما فيه أذى فإنه تقدم فيه اليسرى وما سوى ذلك فإنه تقدم فيه اليمنى تكريما لها لأن الأيمن أفضل من الأيسر كما سبق","vol":"4","page":180},{"text":"٧٢٣ - وعن أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال لهن في غسل ابنته زينب ﵂ ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها متفق عليه\n٧٢٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع فليبدأ بالشمال لتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع متفق عليه\n٧٢٥ - وعن حفصة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل يساره لما سوى ذلك رواه أبو داود وغيره\n٧٢٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح\n٧٢٧ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى مني:","vol":"4","page":181},{"text":"فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس متفق عليه وفي رواية: لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري ﵁ فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال: اقسمه بين الناس\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان استحباب البداءة باليمين فيما طريقه التكريم وتقديم اليسار فيما طريقه الأذى والقذر كالاستنجاء والاستجمار وما أشبه ذلك فذكر المؤلف حديثا عن أم عطية ﵂ من نساء الأنصار وكان لها أعمال جليلة منها أنها كانت تغسل الأموات من النساء فلما ماتت زينب بنت محمد ﷺ وحضرن ليغسلنها فقال لهن النبي ﷺ ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها وكيفية تغسيل الميت بأن تخلع ثيابه بعد أن توضع على","vol":"4","page":182},{"text":"عورته ما يسترها ثم يضع الغاسل خرقة على يده فينجيه يعني يغسل فرجه القبل والدبر حتى ينظفه ثم بعد ذلك يزيل هذه الخرقة ويغسل كفيه كما يتوضأ الإنسان في العادة ثم يأخذ خرقة مبلولة بالماء فينظف أسنانه وفمه وينظف منخريه بدلا عن المضمضة والاستنشاق ولا يدخل الماء في فمه ولا في أنفه لأنه إذا فعل ذلك نزل الماء إلى جوفه وربما يخرج فيؤذيهم عند التغسيل ثم بعد هذا يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ويغسل رجليه وضوءا كاملا ثم بعد ذلك يغسل رأسه برغوة السدر بعد أن يكون قد أعد ماء فيه سدر مطحون يضربه بيده حتى يكون له رغوة فيأخذ الرغوة ويغسل بها رأس الميت ثم يغسل ببقية السدر بقية البدن على أن المرأة لا يغسلها إلا نساء حتى أبوها لا يغسلها ولا ابنها ولا أحد من محارمها إلا النساء أو الزوج والرجل لا يغسله إلا رجل لا تغسله أمه ولا بنته ولا أحد من النساء إلا زوجته فالزوج يغسل زوجته والزوجة تغسل زوجها وما سوى ذلك لا يغسل الذكر الأنثى ولا الأنثى الذكر حضرت النساء لتغسيل زينب بنت الرسول ﷺ فقال ﷺ: ابدأن بميامنها يعني بالأيمن قبل الأيسر اليد اليمنى قبل اليسرى","vol":"4","page":183},{"text":"والرجل اليمنى قبل اليسرى والشق الأيمن قبل الشق الأيسر ومواضع الوضوء منها ففعلن ذلك وجعلن رأسها ثلاثة قرون يعني ثلاث جدايل الجانب الأيمن قرن والأيسر قرن ووسط الرأس قرن وألقينه خلفها ثم أعطاهن النبي ﷺ حقوه يعني إزاره وقال: أشعرنها إياه يعني الففنه على جسدها مباشرة تبركا بإزار النبي ﷺ ففعلن ذلك والشاهد من هذا قوله ابدأن بميامنها ثم ذكر المؤلف أحاديث فيها معنى ما تقدم كحديثي أبي هريرة ﵁ في لبس الثوب والنعل والوضوء وكذلك حديث حفصة ﵂ ثم ذكر حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة حلق النبي ﷺ في حجة الوداع فإن النبي ﷺ في حجة الوداع لما بات بمزدلفة وصلى الفجر وجلس يدعو حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس ووصل إلى جمرة العقبة وقد ارتفع النهار وصار للشمس حرارة فرمى الجمرة وذلك يوم العيد وذهب ﷺ إلى منزله فدعا بالحلاق فحلق رأسه وأشار ﷺ إلى الشق الأيمن فبدأ الحلاق بالشق الأيمن وكان النبي ﷺ يعفي شعر الرأس فكان شعر رأسه كثيرا فبدأ بالشق الأيمن فحلقه ثم","vol":"4","page":184},{"text":"دعا أبا طلحة ﵁ الأنصاري وأعطاه شعر الشق الأيمن كله ثم حلق بقية الرأس ودعا أبا طلحة وأعطاه إياه وقال: اقسمه بين الناس فقسمه فمن الناس من ناله شعرة واحدة ومنهم من ناله شعرتان ومنهم من ناله أكثر حسب ما تيسر وذلك لأجل التبرك بهذا الشعر الكريم شعر النبي ﷺ وكون أبا طلحة خصه الرسول بالجنب الأيمن كله يدل على أن من الناس من يختص بخصيصة يخص الله بها وإن كان في الصحابة من هو أفضل منه فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وكثير من الصحابة أفضل من أبي طلحة لكن فضل الله ﷿ يؤتيه من يشاء وكان الصحابة يتبركون بشعر النبي ﷺ وبثيابه وبعرقه لكن غيره لا يتبرك بشعره ولا بثيابه ولا بعرقه وكان عند أم سلمة ﵂ إحدى زوجات الرسول ﷺ شعرات من شعر الرسول ﷺ وضعتها في جلجل يعني طابوق من الفضة وجعلته من الفضة تكريما لشعر الرسول ﷺ فكان الناس إذا مرض عندهم مريض جاءوا إليها فصبت على الشعر ماء وحركته به ثم أعطته المريض فيشفى بإذن الله ببركة شعر النبي ﷺ ولكن هذا ليس لغير النبي ﷺ فإن الصحابة لم يتبركوا بشعر أبي بكر وهو أفضل الأمة بعد الرسول ﷺ ولا بشعر عمر","vol":"4","page":185},{"text":"ولا غيره من الصحابة وكذلك من دونهم لا يتبرك بشعره ولا بعرقه ولا بثيابه إنما ذلك خاص برسول الله ﷺ والشاهد من حديث أنس أن النبي ﷺ أشار إلى الحلاق أن يبدأ بالجانب الأيمن فإذا حججت وأردت أن تحلق أو تقصر فابدأ بالجانب الأيمن وكذلك لو حلقت حلقا عاديا فابدأ بالجانب الأيمن","vol":"4","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>كتاب أدب الطعام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>باب التسمية في أوله والحمد في آخره</span>\n٧٢٨ - عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك متفق عليه\n٧٢٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى فإن نسى أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ (كتاب أدب الطعام) فالطعام ما يطعمه الإنسان أي ما يتذوق طعمه ويكون شرابا ويكون أكلا والدليل على أن الشراب يسمى طعما أو طعاما قوله ﵎: فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ثم قال: (باب التسمية في أوله والحمد في آخره) ثم ذكر حديث","vol":"4","page":187},{"text":"عمر بن أبي سلمة ﵁ وكان ربيب النبي ﷺ يعني ابن زوجته أم سلمة فإنه قدم النبي ﷺ طعام وكان غلاما صغيرا فجعلت يده تطيش في الصحفة من هنا ومن هنا وكان النبي ﷺ لا يدع مجالا يحتاج إلى التعليم إلا علم حتى الصغار فقال له: سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك فهذه ثلاثة آداب في الأكل علمها النبي ﷺ هذا الغلام أولا: قال: سم الله يعني قل: بسم الله ولا حرج أن يزيد الإنسان الرحمن الرحيم لأن هذين الاسمين أثنى الله بهما على نفسه في البسملة في القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله الرحمن الرحيم فلا حرج وإن اقتصر على بسم الله كفى والتسمية على الأكل واجبة إذا تركها الإنسان فإنه يأثم ويشاركه الشيطان في أكله ولا أحد يرضى أن يشاركه عدوه في أكله فلا أحد يرضى أن يشاركه الشيطان في أكله فإذا لم تقل: بسم الله فإن الشيطان يشاركك فيه فإن نسيت أن تسمى في أوله وذكرت في أثنائه فقل: بسم الله أوله وآخره كما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ في الحديث الذي روته عائشة وأخرجه أبو داود والترمذي","vol":"4","page":188},{"text":"ثانيا: قال: كل بيمينك والأكل باليمين واجب ومن أكل بشماله فهو آثم عاص للرسول ﷺ ومن عصى الرسول فقد عصى الله ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ثالثا: كل مما يليك يعني إذا كان معك مشارك فكل من الذي يليك لا تأكل من جهته، ومن الذي يليه فإن هذا سوء أدب قال العلماء: إلا أن يكون الطعام أنواعا مثل أن يكون فيه قرع وباذنجان ولحم وغيره فلا بأس أن تتخطى يدك إلى هذا النوع أو ذاك كما كان الرسول ﷺ يتتبع الدباء من الصحفة يأكلها والدباء يعني القرع وكذلك لو كنت تأكل وحدك فلا حرج أن تأكل من الطرف الآخر لأنك لا تؤذي أحدا في ذلك لكن لا تأكل من أعلى الصحفة لأن البركة تنزل في أعلاها ولكن كل من الجوانب وفي هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي لنا أن نعلم الصبيان والغلمان آداب الأكل والشرب وكذلك آداب النوم فضلا عن الأمور الأخرى كالصلاة فإن الرسول ﷺ قال مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر","vol":"4","page":189},{"text":"٧٣٠ - وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في سياق أدب الطعام عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ولا عشاء ذلك لأن الإنسان ذكر الله وذكر الله تعالى عند دخول البيت أن يقول: بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا اللهم إني أسألك خير المولج وأسألك خير المخرج هذا الذكر عند دخول المنزل سواء في الليل أو في النهار وأما الذكر عند العشاء فأن يقول بسم الله","vol":"4","page":190},{"text":"فإذا ذكر الله عند دخوله البيت وذكر الله عند أكله عند العشاء قال الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ولا عشاء لأن هذا البيت وهذا العشاء حمى بذكر الله ﷿ حماه الله تعالى من الشياطين وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء أي أن الشيطان يشاركه المبيت والطعام لعدم التحصن بذكر الله وفي هذا: حث على أن الإنسان ينبغي له إذا دخل بيته أن يذكر اسم الله والذكر الوارد في ذلك بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج ثم يستاك لأن النبي ﷺ إذا دخل بيته فأول ما يبدأ به السواك ثم يسلم على أهله أما عند العشاء فيقول: بسم الله وبذلك يحترز من الشيطان الرجيم مبيتا وعشاء فإن ذكر اسم الله عند الدخول دون العشاء شاركه الشيطان في عشائه وإن ذكر اسم الله عند العشاء دون الدخول شاركه الشيطان في المبيت دون العشاء وإن ذكر اسم الله عند الدخول وعند العشاء فإن الشيطان لا يكون له مبيت ولا عشاء","vol":"4","page":191},{"text":"٧٣١ - وعن حذيفة ﵁ قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده وإنا حضرنا معه طعاما فجاءت جارية كأنها تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله ﷺ بيدها ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده فقال رسول الله ﷺ: إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله تعالى عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في باب أدب الطعام ما نقله عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده وذلك لكمال احترامهم للنبي ﷺ فلا يضعون أيديهم في الطعام حتى يضع يده فحضر مع رسول الله ﷺ ذات يوم طعاما تقدم إلى رسول الله ﷺ فلما بدءوا جاءت جارية يعني طفلة صغيرة كأنما تدفع دفعا يعني كأنها","vol":"4","page":192},{"text":"تركض فأرادت أن تضع يدها في الطعام بدون أن تسمى فأمسك النبي ﷺ بيدها ثم جاء أعرابي كذلك كأنما يدفع دفعا فجاء يده في الطعام فأمسك النبي ﷺ بيده ثم أخبر النبي ﷺ أن هذا الأعرابي وهذه الجارية جاء بهما الشيطان لأجل أن يستحل الطعام بهما إذا أكلا بدون تسمية وهما قد يكونان معذورين لجهلهما هذه لصغرها وهذا أعرابي لكن الشيطان أتى بهما من أجل أنهما إذا أكلا بدون تسمية شارك في الطعام ثم أقسم النبي ﷺ أن يد الشيطان مع أيديهما في يد النبي ﷺ وهذا الحديث يدل على فوائد: منها: احترام الصحابة لرسول الله ﷺ وأدبهم معه.\nومنها: أنه ينبغي إذا كان هناك كبير على الطعام أل يتقدم أحد قبل أكله بل يؤثرون الكبير بالأكل أولا لأن التقدم بين يدي الكبير غير مناسب وينافى الأدب ومنها: أن الشيطان يأمر الإنسان ويحثه ويزجره على فعل ما لا ينبغي وقد جاء في القرآن الكريم: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ","vol":"4","page":193},{"text":"وَالْمُنْكَرِ﴾ فدل هذا على أن الشيطان له إمرة على بني آدم والمعصوم من عصمه الله ومنها: أن الإنسان إذا أتى في أثناء الطعام فليسم ولا يقل سمى الأولون قبلي ولكن إذا كانوا جميعا وبدؤوا بالطعام جميعا فهل يكفى تسمية الواحد؟ والجواب: إن كان الواحد سمى سرا فإن تسميته لا تكفى لأن الآخرين لم يسمعوها وإن سمى جهرا ونوى عن الجميع فقد يقال إنها تكفي وقد يقال الأفضل أن يسمي كل إنسان لنفسه وهذا أكمل وأحسن.\nومن فوائد هذا الحديث: أن للشيطان يدا لأن النبي ﷺ أمسك بيده ومنها أيضا: أن هذا الحديث آية من آيات الرسول ﷺ حيث أعلمه الله تعالى بما حصل في هذه القصة وان الشيطان دفع الأعرابي والجارية وأنه أمسك بأيديهم أي بأيدي الثلاثة بيده الكريمة صلوات الله وسلامه عليه ومنها: أنها إذا جاء أحد يريد أن يأكل ولم تسمعه سمى فأمسك بيده حتى يسمي لأن النبي ﷺ أمسك بأيديهم ولم يقل سميا بل","vol":"4","page":194},{"text":"أمسك بأيديهم حتى يكون في ذلك ذكرى لهم يذكرون هذه القصة ولا ينسون التسمية في المستقبل ومن فوائد هذا الحديث: تأكد التسمية عند الأكل والصحيح أن التسمية عند الأكل واجبة وأن الإنسان إذا لم يسم فهو عاص لله ﷿ وراض بأن يشاركه في طعامه أعدى عدو له وهو الشيطان فلذلك كانت التسمية واجبة فإن نسيت التسمية في أوله وذكرت في أثنائه فقل بسم الله أوله وآخره\n٧٣٢ - وعن أمية بن مخشي الصحابي ﵁ قال: كان رسول ﷺ جالسا ورجل يأكل فلم يسم الله حتى لم يبق من طعامه لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره فضحك النبي ﷺ ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه رواه أبو داود والنسائي\n٧٣٣ - وعن عائشة ﵁ قالت: كان رسول الله ﷺ","vol":"4","page":195},{"text":"يأكل طعاما في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله ﷺ: إما إنه لو سمى لكفاكم رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح\n٧٣٤ - وعن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مستغنى عنه ربنا رواه البخاري\n٧٣٥ - وعن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ساقها المؤلف ﵀ في (كتاب أدب الطعام (وفيها دلالة على أمور: منها: أن الإنسان إذا لم يسم الله على طعامه فإن الشيطان يأكل معه لحديث أمية بن مخشى أن رجلا أكل طعاما فلم يسم فلما","vol":"4","page":196},{"text":"بقى لقمة واحدة تذكر فسمى الله تعالى فضحك النبي ﷺ وأخبر أن الشيطان كان يأكل معه فلما ذكر الله قاء الشيطان ما أكله وهذه من نعمة الله ﷾ أن الشيطان يحرم أن يأكل معنا إذا سمينا في أول الطعام وكذلك إذا سمينا في آخره وقلنا بسم الله أوله وآخره فإن ما أكله يتقيؤه فيحرم إياه وفي الحديث دليل على أن الشيطان يأكل لأنه أكل من هذا الطعام فالشيطان يأكل ويشرب ويشارك الآكل والشارب إذا لم يسم الله تعالى على آكله وشربه وكذلك ذكر حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يأكل في سنة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فدخل معهم فأكل الباقي بلقمتين هذا كأنه جائع والله أعلم فجاء منهما في الأكل فأكل الباقي بلقمتين فقال النبي ﷺ: أما إنه لو سمى لكفاكم لكنه لم يسم فأكل الباقي كله بلقمتين ولم يكفه وهذا يدل على أن الإنسان إذا لم يسم نزعت البركة من طعامه لأن الشيطان يأكل معه فيكون الطعام الذي يظن أنه يكفيه لا يكفيه لأن البركة تنزع منه وبقية الأحاديث فيها دليل على أن الإنسان ينبغي له إذا أكل أكلا أن يحمد الله ﷾ وأن يقول: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ومعنى ذلك أنه لولا أن الله تعالى يسر لك هذا الطعام ما","vol":"4","page":197},{"text":"حصل لك كما قال تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ فالإنسان لولا أن الله ييسر له الطعام من حين أن يبذر ثم ينبت ثم يحصد ثم يحضر إليه ثم يطحن ثم يعجن ثم يطبخ ثم ييسر الله له الأكل ما تيسر له ذلك ولهذا قال بعض العلماء إن الطعام لا يصل إلى الإنسان ويقدم إليه إلا وقد سبق ذلك نحو مائة نعمة من الله لهذا الطعام ولكننا أكثر الأحيان في غفلة عن هذا نسأل الله أن يطعمنا وجميع المسلمين الطعام الحلال وأن يرزقنا شكر نعمته إنه على كل شيء قدير وفي حديث معاذ بن أنس ﵁ حث النبي ﷺ على قول: الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغى عنه ربنا أي إننا لا نستغني عن الله ﷿ ولا أحد يكفينا دونه فهو سبحانه حسبنا وهو رازقنا جل وعلا","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه</span>\n٧٣٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه متفق عليه\n٧٣٧ - وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ سال أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا خل فدعا به فجعل يأكل ويقول: نعم الأدم الخل نعم الأدم الخل رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه) والطعام: ما يطعمه من مأكول ومشروب والذي ينبغي للإنسان إذا قدم له الطعام أن يعرف قدر نعمة الله ﷾ بتيسيره وأن يشكره على ذلك وألا يعيبه إن كان يشتهيه وطابت به نفسه فليأكله وإلا فلا يأكله ولا يتكلم فيه بقدح أو بعيب ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال ما عاب النبي ﷺ طعاما قط يعني لم يعب أبدا فيما مضى طعاما ولكنه إن","vol":"4","page":199},{"text":"اشتهاه أكله وإلا تركه ولا يعيبه مثال ذلك رجل قدم له تمر وكان التمر رديئا فلا يقل هذا تمر رديء بل يقال له إن اشتهيته فكل وإلا فلا تأكله أم أن تعيبه وهو نعمة أنعم الله بها عليك ويسرها لك فهذا لا يليق كذلك إذا صنع طعام فقدم إليه ولكنه لم يعجبه فلا يعيبه ويقال له إن كان هذا الطبخ قد ساغ لك فكل وإلا فاتركه وأما في مدح الطعام والثناء عليه فذكر حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم فقالوا: ما عندنا شيء إلا الخل والخل عبارة عن ماء يوضع فيه التمر حتى يكون حلوا فجيء إليه بالخل يأتدم به يعني يغط فيه الخبز ويأكله ويقول: نعم الأدم الخل نعم الأدم الخل وهذا ثناء على الطعام لأن الخل وإن كان شرابا يشرب لكن الشراب يسمى طعاما قال الله تعالى: فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي وإنما سمى طعاما لأن له طعما يطعم","vol":"4","page":200},{"text":"وهذا أيضا من هدى النبي ﷺ أنه إذا أعجبه الطعام أثنى عليه وكذلك مثلا لو أثنيت على الخبر قلت نعم الخبز خبز فلان أو ما أشبه ذلك فهذا أيضا من سنة الرسول ﷺ","vol":"4","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر</span>\n٧٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم رواه مسلم قال العلماء: معنى فليصل فليدع ومعنى فليطعم فليأكل\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر) ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال فيمن دعي إلي الطعام وهو صائم قال: فإن كان صائما فليصل وإن كان منفطرا فليطعم فليصل: يعني فليدعو لأن الصلاة هنا المراد بها الدعاء كما هو في اللغة العربية أن الصلاة هي الدعاء أما في الشرع فالصلاة هي العبادة المعروفة إلا إذا دل الدليل علي أن المراد بها الدعاء فهو علي ما دل عليه الدليل","vol":"4","page":202},{"text":"فالإنسان إذا دعي إلى الطعام وحضر فلا يكفي الحضور بل يأكل لأن الرجل الذي دعاك لم يصنع الطعام إلا ليؤكل فقد تكلف لك وصنع طعاما أكثر من طعام أهله ودعاك إليه فإذا قلنا لا حرج عليك إن تركت الأكل لزم من هذا أن يبقى طعامه لم يؤكل فمثلا لو دعا عشرة وصنع لهم طعاما وقلنا إن الواجب الحضور دون الأكل ثم قاموا ولم يأكلوا لصار في ذلك مفسدة لماله ومضيعة لماله وصار في قلبه على الحاضرين شيء لماذا لم يأكلوا طعامي؟ فتقول إذا دعاك داع فالسنة أن تجيبه إلا إذا كان الداعي هو الزوج في وليمة العرس فإن الواجب أن تجيبه إلى دعوته ولا يحل لك أن تمنع لقول النبي ﷺ: من لم يجب فقد عصى الله ورسوله يعني دعوة الوليمة أما غيرها من الدعوات فأنت بالخيار مثل ذلك لو أن إنسانا دعاك في طعام لأنه قدم من سفر أو","vol":"4","page":203},{"text":"لأنه دعا أصحابه أو ما أشبه ذلك فأنت بالخيار إن شئت فأجب وإن شئت فلا تجب لكن الأفضل أن تجيب وهذا الذي عليه جمهور العلماء وقال بعض العلماء يجب أن تجيب في دعوة الطعام في العرس وغيره إلا لسبب شرعي فإذا حضرت فإن كنت مفطرا فكل وإن كنت صائما فادع لصاحب الطعام وأخبره بأنك صائم حتى لا يكون في قلبه شيء وإن رأيت أنك إذا أفطرت وأكلت صار أطيب لقلبه فأفطر إلا أن يكون الصوم صوم فريضة فلا تفطر فتبين الآن أن المسألة ثلاثة أحوال: أولا: إذا دعاك وأنت مفطر فكل ثانيا: إذا دعاك وأنت صائم صوم فريضة فلا تأكل ولا تفطر ثالثا: إذا دعاك وأنت صائم صوم نقل فأنت بالخيار إن شئت فأفطر وكل وإن شئت فلا تأكل واخبره بأنك صائم واتبع ما هو الأصلح إذا رأيت أن من الخير أن تفطر فأفطر وكل وإلا فلزوم الصيام أولى أما البطاقات فلا تجب الإجابة فيها إلا إذا علمت أن الرجل أرسل إليك البطاقة بدعوة حقيقية لأن كثيرا من البطاقات ترسل إلى","vol":"4","page":204},{"text":"الناس من باب المجاملة ولا يهمه حضرت أم لم تحضر لكن إذا علمت أنه يهمه أن تحضر لكونه قريبا لك أو صديقا لك فأجب","vol":"4","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>باب ما يقوله من دعي إلي طعام فتبعه غيره</span>\n٧٣٩ - عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: دعا رجل النبي ﷺ لطعام صنعه له خامس خمسة فتبعهم رجل فلما بلغ الباب قال له النبي ﷺ: إن هذا تبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع قال: بل آذن له يا رسول الله متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في (كتاب أدب الطعام): (باب ما يقوله من دعي إلى الطعام فتبعه غيره) ثم ذكر حديث أبي مسعود البدري ﵁ أن رجلا دعا النبي ﷺ إلى طعام خامس خمسة يعني حدد العدد بأنهم خمسة فتبعهم رجل فكانوا ستة فلما بلغ النبي ﷺ منزل الداعي استأذن للرجل السادس قال ﷺ إن هذا تبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع ففي هذا دليل على فوائد أولا: أنه يجوز للإنسان إذا دعا قوما أن يحدد العدد ولا حرج في ذلك وبعض الناس يقول: إنه إذا حدد العدد فإنه بخيل","vol":"4","page":206},{"text":"ولكن يقال قد يكون الإنسان قليل ذات اليد يحتاج أن يحدد لأجل أن يصنع الطعام الذي لا يزيد عن كفايتهم ولا سيما في مكان يكون فيه عامة الناس فقراء أما الأغنياء فالحمد لله لا يحددون وفيه أيضا: دليل على جواز اتباع الرجل للمدعوين لعله يحصل علي طعام لأن النبي ﷺ لم يمنع هذا الرجل من اتباعهم بل استأذن له ولأنه ورد أيضا في حديث أبي هريرة ﵁ حين تبع النبي ﷺ من أجل أن يشبع بطنه وفيه أيضا: دليل على أنه إذا جاء مع الإنسان من لم يدع فإنه يستأذن له خصوصا إذا كنت تظن أن صاحب البيت دعاك لغرض خاص لا يجب أن يطلع عليه أحد فحينئذ لابد أن تستأذن وفيه أيضا: دليل على أنه لا حرج علي صاحب البيت إذا لم يأذن للذي تبع المدعو لأنه لو كان في ذلك حرج ما استأذنه النبي ﷺ فلما استأذنه دل على أنه بالخيار إن شاء أذن وإن شاء قال ارجع وذلك أن الإنسان إذا استأذن علي شخص فصاحب البيت بالخيار إن شاء أذن له وإن شاء قال ارجع وقد قال الله تعالى: وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ فلا يكن في صدرك حرج ولا في نفسك ضيق إذا استأذنت علي","vol":"4","page":207},{"text":"شخص وقال ارجع أنا الآن مشغول خلافا لبعض الناس إذا استأذن على إنسان وقال له: ارجع أنا مشغول صار في قلبه شيء وهذا غلط لأن الناس لهم حاجات خاصة في بيوتهم وقد يكون ذلك لهم تعلقات بأناس آخرين أهم فإذا استأذنت علي شخص في البيت وقال لك الآن عندي شغل فارجع وارجع بكل راحة وبكل طمأنينة لأن هذا هو الشرع","vol":"4","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>باب الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يسيء أكله</span>\n٧٤٠ - عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ يا غلام سم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك متفق عليه قوله: تطيش بكسر الطاء وبعدها ياء مثناه من تحت معناه تتحرك وتمتد إلى نواحي الصحفة\n٧٤١ - وعن سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال: كل بيمينك قال: لا أستطيع قال: لا استطعت ما منعه إلا الكبر فما رفعها إلى فيه رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في (كتاب أدب الطعام): (باب الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يسيء أكله)","vol":"4","page":209},{"text":"وقد سبق لنا الكلام على أن الكل باليمين والشرب باليمين واجب وأنه يحرم على الإنسان أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله وأن من أكل بشماله أو شرب بشماله فإنه عاص وآثم عاص لله ورسوله وآثم ومشابه للشيطان ولأولياء الشيطان من الكفار والواجب على المسلم أن يأكل باليمين إلا لعذر كما لو كانت اليمين مشلولة أو ما أشبه ذلك فاتقوا الله ما استطعتم ولهذا ذكر المؤلف حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل يأكل بشماله: كل بيمينك قال: لا أستطيع قال النبي ﷺ: لا استطعت يعني دعا عليه أن يعجز أن يرفع يده اليمنى إلى فمه لأنه ما منعه إلا الكبر والعياذ بالله فدعا عليه الرسول ﷺ فلم يرفعها بعد ذلك إلى فمه ويحتمل قوله ما منعه إلا الكبر يعني إلا التكبير عن أمر الرسول ﷺ ويحتمل أنه ما منعه إلا الكبر يعني ما منعه أن يأكل بيمينه إلا الكبر وأيا كان فإن دعاء الرسول ﷺ عليه بهذه الدعوة التي أوجبت أن تنشل يده حتى لا ترفع إلى فمه دليل علي أن الأكل بالشمال حرام وقد أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب","vol":"4","page":210},{"text":"بشماله فأنت الآن أمامك هدي النبي ﷺ وهدي الشيطان فهل تأخذ بهدي الرسول أو بهدي الشيطان؟ وكل مؤمن يقول آخذ بهدي الرسول ﷺ والرسول ﷺ يأكل بيمينه وأمر بالأكل باليمين ويشرب بيمينه وأمر بالشرب باليمين والشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله فاختر أي الطريقين شئت ولهذا كان أولياء الشيطان من اليهود والنصارى والمشركين لا يعرفون الأكل إلا بالشمال ولا الشرب إلا بالشمال لأنهم أولياء الشيطان تولاهم الشيطان والعياذ بالله واستحوذ عليهم فإياك أن تكون مثلهم وبعض الناس إذا كان يأكل وأراد أن يشرب يمسك الكأس باليسار ويشرب وهذا لا يجوز لأن الحرام لا يباح إلا للضرورة وهذا ليس له ضرورة يستطيع أن يمسك الكأس من أسفله باليد اليمنى فغالب كئوس الناس اليوم إما من البلاستك يشرب بها ثم ترمي ولا تغسل أو من الحديد أو الزجاج فيمكن غسلها حتى لو تلطخت ولكن لا يجوز للإنسان أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله فإن فعل فهو عاص لله ورسوله عاص للرسول لأنه نهى عن","vol":"4","page":211},{"text":"ذلك وعاص لله لأن معصية الرسول معصية لله قال الله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله وقال: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾ والرسول ما يتكلم من عند نفسه بل يتكلم لأنه رسول رب العالمين ﷾ وذكر المؤلف ﵀ حديث عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله ﷺ وعمر بن أبي سلمة بن أم سلمة وأم سلمة مات عنها زوجها أبو سلمة ﵁ وكانت تحبه حبا عظيما وهو ابن عمها وحضر النبي ﷺ وفاته ودخل عليه النبي ﷺ وقد شخص بصره أي انفتح انفتح انفتاحا كبيرا فقال ﷺ: إن الروح إذا قبض تبعه البصر لأن الروح بإذن الله جسم لطيف خفيف يخرج من البدن ولا يمكن أن نشاهده بل يشاهده الميت فيشاهد نفسه خرجت من جسده قال: إن الروح إذا قبضت تبعها البصر فضج ناس من أهله لما سمعوا كلام الرسول ﷺ عرفوا أنه مات فضجوا كعادة الناس لأنه في الجاهلية إذا مات الميت دعوا بالويل والثبور","vol":"4","page":212},{"text":"واثبوراه واويلاه وما أشبه ذلك فقال ﷺ لا تدعوا علي أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون علي ما تقولون ثم أغمض النبي ﷺ بصره يعني رد أجفانه بعضها إلى بعض لئلا تبقى عيناه مفتوحين وهكذا ينبغي أن يغمض الميت إذا مات لأنه إذا برد ما تستطيع أن تغمض عينيه فما دام حارا فأغمض عينيه وقال ﷺ: اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبة في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه يا لها من دعوات كلنا يتمناها اللهم اغفر لأبي سلمة يعني ذنوبه وارفع درجته في المهديين أي في جنات النعيم جعلنا الله من أهلها: وافسح له في قبره أي وسع له في قبره ونور له فيه لأن القبر ظلمة إلا من نوره الله عليه نور الله قبورنا واخلفه في عقبة يعني كن خليفته في عقبه وكانت أم سلمة ﵂ قد سمعت من النبي ﷺ أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة فقال: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها فقالت ذلك لما مات زوجها وابن عمها وأحب الناس إليها","vol":"4","page":213},{"text":"ثم جعلت تفكر تقول في نفسها من خير من أبي سلمة فهي مؤمنة بأن الله سيخلف لها خيرا منه لكن تقول من خير من أبي سلمة؟ فما أن انتهت عدتها من وفاة زوجها حتى خطبها النبي ﷺ فكان النبي ﷺ خيرا لها من أبي سلمة بلا شك ثم إن الله استجاب دعوة الرسول ﷺ لما قال في أبي سلمة: اخلفه في عقبه خلفه الله في عقبة وجعل خليفة أبيهم رسول الله ﷺ وهو نعم الخليفة خلف أبا سلمة في أهله وفي أولاده وكان منهم عمر بن أبي سلمة ﵁ وكان صغيرا غلاما جلس مع الرسول ﷺ يأكل فجعلت يده تطيش في الصحفة صبي صغير ما تعلم تروح يده يمينا ويسارا يأكل مما يليه ومن وسط الصحفة ومن الجانب الآخر فقال له النبي ﷺ: يا غلام سم الله يعني قل بسم الله عند الأكل وكل بيمينك وكل مما يليك فعلم الرسول هذا الغلام ثلاث سنن: سم الله والتسمية على الأكل واجبة وكل بيمينك والأكل باليمين واجب وكل مما يليك تأدبا مع صاحبك لأن من سوء الأدب أن تأكل من حافة صاحبك فعلمه النبي ﷺ ثلاث سنن في أكله","vol":"4","page":214},{"text":"واحدة وهذه من بركات النبي ﷺ أن يجعل الله فيه بركة فيعلم في كل مناسبة وكذلك ينبغي لطالب العلم وغير طالب العلم كل من علم سنة ينبغي أن يبينها في كل مناسبة ولا تقل أنا لست بعالم نعم لست بعالم لكن عندك علم قال النبي ﷺ بلغوا عني ولو آية فينبغي للإنسان في مثل هذه الأمور أن ينتهز الفرص كلما سمحت الفرصة لنشر السنة فانشرها يكن لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة","vol":"4","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>باب النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما إذا أكل جماعة إلا </span>بإذن رفقته\n٧٤٢ - عن جبلة بن سحيم قال: أصابنا عام سنة مع ابن الزبير فرزقنا تمرا وكان عبد الله بن عمر ﵄ يمر بنا ونحن نأكل فيقول: لا تقارنوا فإن النبي ﷺ نهى عن الإقران ثم يقول: إلا أن يستأذن الرجل أخاه متفق عليه","vol":"4","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع</span>\n٧٤٣ - عن وحشي بن حرب ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: فلعلكم تفترقون قالوا: نعم قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه رواه أبو داود\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان بابان ذكرهما النووي ﵀ في (كتاب أدب الطعام) أما أولهما: فهو في النهي عن القرآن بين التمرتين ونحوهما مما يؤكل أفرادا إذا كان مع جماعة إلا بإذن أصحابه فمثلا الشيء الذي جرت العادة أن يؤكل واحدة واحدة كالتمر إذا كان معك جماعة فلا تأكل تمرتين جميعا لأن هذا يضر بإخوانك الذين معك فلا تأكل أكثر منهم إلا إذا استأذنت وقلت تأذنون لي أن آكل تمرتين في آن واحد فإن أدنوا لك فلا بأس وكذلك ما جاء في العادة بأنه يؤكل أفرادا كبعض الفواكه الصغيرة التي يلتقطها الناس حبة حبة ويأكلونها فإن الإنسان لا","vol":"4","page":217},{"text":"يجمع بين اثنتين إلا بإذن صاحبه الذي صاحبه الذي معه مخافة أن يأكل أكثر مما يأكل صاحبه أما إذا كان الإنسان وحده فلا بأس أن يأكل التمرتين جميعا أو الحبتين مما يؤكل أفرادا جميعا لأنه لا يضر بذلك أحدا إلا أن يخشى على نفسه من الشرق أو الغصص فإن العامة يقولون من كب اللقمة غص فإذا كان يخشى أنه لو أكل تمرتين جميعا أو حبتين جميعا مما يؤكل أفرادا أن يغص فلا يفعل لأن ذلك يضر بنفسه والنفس أمانة عندك لا يحل لك أن تفعل ما يؤذيها أو يضرها ثم ذكر المؤلف ما رواه ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهي عن القران يعني أن يقرن الإنسان بين تمرتين إلا أن يستأذن من كان معه فلا بأس أما الباب الثاني: فهو في الذي يأكل ولا يشبع ولذلك أسباب منها: أنه يسمى الله على الطعام فإن الإنسان إذا لم يسم الله علي الطعام أكل الشيطان معه ونزعت البركة من طعامه ومنها: أن يأكل من أعلى الصحفة فإن ذلك أيضا مما ينزع البركة من الصحفة لأن النبي ﷺ نهي أن يأكل الإنسان من أعلى الصحفة فإن فيه البركة فيأكل من الجوانب","vol":"4","page":218},{"text":"ومنها: التفرق على الطعام فإن ذلك من أسباب نزع البركة لأن التفرق يستلزم أن كل واحد يجعل له إناء خاص فيتفرق الطعام وتنزع بركته وذلك لأنك لو جعلت لكل إنسان طعاما في صحن واحد أو في إناء واحد لتفرق الطعام لكن إذا جعلته كله في إناء واحد اجتمعوا عليه وصار في القليل بركة وهذا يدل على أنه ينبغي للجماعة أن يكون طعامهم في إناء واحد ولو كانوا عشرة أو خمسة يكون طعامهم في صحن واحد بحسبهم فإن ذلك من أسباب نزول البركة والتفرق من أسباب نزع البركة","vol":"4","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>باب الأمر بالأكل من جانب القصعة والنهي عن الأكل من وسطها </span>وفيه: قوله ﷺ وكل مما يليك متفق عليه كما سبق\n٧٤٤ - عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح\n٧٤٥ - وعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: كان للنبي ﷺ قصعة يقال لها: الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتى بتلك القصعة يعني وقد ثرد فيها فالتفوا عليها فلما كثروا جثا رسول الله ﷺ فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ وقال رسول الله ﷺ: إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا ثم قال رسول الله ﷺ: كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها رواه أبو داود بإسناد جيد ذروتها أعلاها: بكسر الذال وضمها","vol":"4","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب الذي عقد المؤلف ﵀ في (كتاب أدب الطعام) يفيد ما أشرنا إليه فيما سبق وهو أنه ينبغي للناس أن يأكلوا من حواف القصعة يعني من جوانبها لا من وسطها ولا من أعلاها ففي حديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن بسر ﵄ ما يدل على ذلك وان الإنسان إذا قدم إليه الطعام فلا يأكل من أعلاه بل يأكل من الجانب وإذا كان معه جماعة فليأكل مما يليه ولا يأكل مما يلي غيره وقوله ﷺ: إن البركة تتنزل في وسط الطعام يدل على أن الإنسان إذا أكل من أعلاه أي من الوسط نزعت البركة من الطعام قال أهل العلم: إلا إذا كان الطعام أنواعا وكان نوع منه في الوسط وأراد أن يأخذ منه شيئا فلا بأس مثل أن يوضع اللحم في وسط الصحفة فإنه لا بأس أن تأكل من اللحم ولو كان في وسطها لأنه ليس له نظير في جوانبها فلا حرج كما أن النبي ﷺ كان يتتبع الدباء يلتقطها من الصحفة كلها والدباء هي القرع وفي حديث عبد الله بن بسر ﵁ دليل على استحباب ركعتي الضحى لقوله فلما سجدوا الضحى أي لما صلوا صلاة","vol":"4","page":221},{"text":"الضحى وصلاة الضحى سنة ووقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح يعني من ربع ساعة من طلوع الشمس إلي قبيل الزوال يعني إلى أن يبقى على الظهر عشر دقائق كل هذا وقت لها وهي سنة ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها لأنها تغني عن الصدقات التي تصبح على كل عضو من أعضاء البدن كما أخبر النبي ﷺ بأنه يصبح على كل سلامي من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعني كل عضو من أعضائك عليك به صدقة كل يوم لكن ليست صدقة مال فقط بل التسبيح صدقة والتكبير صدقة والتهليل صدقة وقراءة القرآن صدقة والأمر بالمعروف صدقة والنهي عن المنكر صدقة ومعونة الرجل على متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقه وإتيان الرجل زوجته صدقه كل شيء يتقرب به العبد إلى الله فهو صدقة ويجزئ عن ذلك وركعتان يركعهما من الضحى وهذا يدل على أن سنة الضحى سنة في كل يوم وفيه أيضا دليل على أن الإنسان عند الأكل متكئا وإنما يأكل مستوفزا يعني جاث على ركبته حتى لا يكثر من الأكل","vol":"4","page":222},{"text":"لقول النبي ﷺ في الإكثار من الأكل ما ملأ ابن آدم وعاء من بطنه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه هذا هو الأكل النافع الطبيعي وإذا جعت فكل فالأمر ليس مقصورا على ساعات معينة ولو قال قائل: إن الإنسان لو اقتصر على ثلث وثلث وثلث قد يجوع قبل أن يأتي وقت العشاء نقول إذا جعت فكل لكن كونك تأكل هذا الخفيف يكون أسهل للهضم واسهل للمعدة وإذا اشتهيت فكل وهذا من الطب النبوي لكن لا بأس بالشبع أحيانا لأن النبي ﷺ أقر أبا هريرة ﵁ حينما سقاه اللبن وقال: اشرب اشرب اشرب حتى قال: والله لا أجد له مساغا يعني لا أجد له مكانا فاقره النبي ﷺ على ذلك وإنما الذي ينبغي أن يكون الأكثر في أكلك كما أرشد إليه النبي ﷺ ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس","vol":"4","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>باب كراهية الكل متكئا</span>\n٧٤٦ - عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا آكل متكئا رواه البخاري قال الخطابي: المتكيء هنا هو الجالس معتمدا على وطاء تحته قال وأراد أنه لا يقعد على الوطاء والوسائد كفعل من يريد الإكثار من الطعام بل يقعد مستوفزا لا مستوطئا ويأكل بلغة هذا كلام الخطابي وأشار غيره إلى أن المتكئ هو المائل على جنبه والله أعلم\n٧٤٧ - وعن أنس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ مقعيا يأكل تمرا رواه مسلم المقعي هو الذي يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في (كتاب أدب الطعام): (باب كراهية الأكل متكئا) الأكل ينقسم بالنسبة للجلوس له إلى قسمين: قسم منهي عنه من هدي النبي ﷺ وهو أن يأكل الإنسان متكئا إما على اليد","vol":"4","page":224},{"text":"اليمنى أو على اليد اليسرى وذلك لأن الاتكاء يدل على غطرسة وكبرياء وهذا معنى نفسي ولأنه إذا أكل متكئا يتضرر حيث يكون مجرى الطعام متمايلا ليس مستقيما فلا يكون على طبيعته فربما حصل في مجارى الطعام أضرار من ذلك ولهذا قال النبي ﷺ في حديث أبي جحيفة عبد الله بن وهب السواري ﵁ قال النبي ﷺ: لا آكل متكئا ويعني ليس من هديي أن آكل متكئا وذلك للسببين اللذين ذكرناهما: سبب معنوي يكون بالنفس وهو الكبرياء وسبب حسى يتعلق بالبدن وهو الضرر الذي ينتج عن الأكل على هذا الوجه وذكر المؤلف حديث أنس أنه رأى النبي ﷺ يأكل تمرا مقعيا والإقعاء أن ينصب قدميه ويجلس على عقبيه هذا هو الإقعاء وإنما أكل النبي ﷺ كذلك لئلا يستقر في الجلسة فيأكل أكلا كثيرا لأن الغالب أن الإنسان إذ كان مقعيا لا يكون مطمئنا في الجلوس فلا يأكل كثيرا وإذا كان غير مطمئن فلن يأكل كثيرا وإذا كان مطمئنا فإنه يأكل كثيرا هذا هو الغالب وربما يأكل الإنسان كثيرا وهو غير مطمئن وربما يأكل قليلا وهو مطمئن لكن من أسباب تقليل الأكل ألا يستقر الإنسان في جلسته وألا يكون مطمئنا الطمأنينة","vol":"4","page":225},{"text":"الكاملة والحاصل أن عندنا جلستين: الجلسة الأولى الاتكاء، وهذه ليس من هدي النبي ﷺ أن يأكل متكئا وكل أنواع الجلوس الباقية جائزة ولكن أحسن ما يكون ألا تجلس جلسة الإنسان المطمئن المستقر لئلا يكون ذلك سببا لإكثار الطعام وإكثار الطعام لا ينبغي والأفضل أن يجعل الإنسان ثلثا للأكل وثلثا للشراب وثلثا للنفس هذا أصح ما يكون في الغذاء فإن تيسر فهذا هو المطلوب ولا بأس أن يشبع الإنسان أحيانا","vol":"4","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>باب استحباب الأكل بثلاثة أصابع واستحباب لعق الأصابع وكراهة مسحها قبل </span>لعقها واستحباب لعق القصعة وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها وجواز مسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرها\n٧٤٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يلعقها متفق عليه\n٧٤٩ - وعن كعب بن مالك ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها رواه مسلم\n٧٥٠ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة رواه مسلم","vol":"4","page":227},{"text":"٧٥١ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة رواه مسلم\n٧٥٢ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة رواه مسلم\n٧٥٣ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط عنها الأذى وليأكلها ولا بدعها للشيطان وأمرنا أن نسلت القصعة وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة رواه مسلم\n٧٥٤ - وعن سعيد بن الحارث أنه سأل جابرا","vol":"4","page":228},{"text":"﵁ عن الوضوء مما مست النار فقال لا قد كنا زمن النبي ﷺ لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلا فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا ثم نصلي ولا نتوضأ رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ في (كتاب آداب الطعام) تضمنت مسائل متعددة المسألة الأولي: أنه ينبغي للإنسان أن يأكل بثلاثة أصابع الواسطى والسبابة والإبهام لأن ذلك أدل على عدم الشره وأدل على التواضع ولكن هذا في الطعام الذي يكفي فيه ثلاثة أصابع أما الطعام الذي لا يكفى فيه ثلاثة أصابع مثل الأرز فلا بأس بأن تأكل بأكثر لكن الشيء الذي تكفى فيه الأصابع الثلاثة يقتصر عليها فإن هذا سنة النبي ﷺ المسألة الثانية: أنه ينبغي للإنسان إذا انتهى من الطعام أن يلعق أصابعه قبل أن يمسحها بالمنديل كما أمر بذلك النبي ﷺ يلعقها هو أو يلعقها غيره أما كونه هو يلعقها فالأمر ظاهر وكونه يلعقها","vol":"4","page":229},{"text":"غيره هذا أيضا ممكن فإنه إذا كانت المحبة بين الرجل وزوجته محبة قوية يسهل عليه جدا أن تلعق أصابعه أو أن يلعق أصابعها فهذا ممكن وقول بعض الناس: إن هذا لا يمكن أن يقوله النبي ﵊ لأنه كيف يلعق الإنسان أصابع غيره؟ نقول إن النبي ﵊ لا يقول إلا حقا ولا يمكن أن يقول شيئا لا يمكن فالأمر في هذا ممكن جدا وكذلك الأولاد الصغار أحيانا الإنسان يحبهم ويلعق أصابعهم بعد الطعام هذا شيء ممكن فالسنة أن تلعقها أو تلعقها غيرك والأمر الحمد لله واسع ما قال الرسول ﷺ فليلعقها غيره حتى نقول هذا إجبارا للناس على شيء يشق عليهم العقها أنت أو ألعقها غيرك وقال النبي ﵊ إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة قد يكون البركة ونفع الطعام الكثير بهذا الجزء الذي تلعقه من أصابعك حتى إنه ذكر لي بعض الناس عن بعض الأطباء أن الأنامل بإذن الله تفرز إفرازات عند الطعام تعين على هضم الطعام في المعدة وهذه من الحكمة ولكننا نفعلها سنة إن حصلت لنا هذه الفائدة","vol":"4","page":230},{"text":"الطيبة حصلت وإن لم تحصل فلا يهمنا الذي يهمنا امتثال أمر النبي ﵊ المسألة الثالثة: أنه ينبغي للإنسان أن يلعق الصحن أو القدر أو الإناء الذي فيه الطعام إذا انتهيت فالحس حافته كما أمر بهذا النبي ﵊ فإنك لا تدري في أي طعامك البركة ومع الأسف أن الناس يتفرقون عن الطعام بدون تنفيذ هذه السنة فتجد حافات الآنية عليها الطعام كما هي والسبب في هذا الجهل بالسنة ولو أن طلبة العلم إذا أكلوا مع العامة وجهوهم إلى هذه السنة وغيرها من سنن الأكل والشرب لانتشرت هذه السنن لكن نسأل الله أن يعاملنا بعفوه فنحن نتجاوز كثيرا ونتهاون في الأمر وهذا خلاف الدعوة إلى الحق المسألة الرابعة: أن الإنسان إذا سقطت منه اللقمة فلا يتركها بل يأخذها وإذا كان فيها أذى يمسحه لا يأكل الأذى لأن الإنسان ليس مجبرا أن يأكل شيئا لا يشتهيه يمسح الأذى كأن يكون فيها عود أو تراب أو ما أشبه ذلك امسحه ثم كلها لماذا؟ لأن النبي ﵊ قال: ولا يدعها للشيطان لأن الشيطان يحضر ابن آدم في كل شئونه إن أراد أن يأكل حضره وإن أراد أن يشرب حضره وإن أراد أن يأتي أهله حضره حتى","vol":"4","page":231},{"text":"يشاركه كما في الآية الكريمة وشاركهم في الأموال والأولاد فهو يشارك أهل الغفلة فإذا قلت وأنت تأكل: بسم الله منعته من الأكل، ما يقدر على الكل معك وقد سميت على الطعام أبدا إذا لم تقل بسم الله أكل معك فإذا قلت: الله بسم فإن الشيطان يترقب اللقمة إذا سقطت بالأرض فإن رفعتها أنت فهي لك وإن تركتها أكلها هو فصار إذا لم يشاركك في الطعام شاركك فيما يسقط من الطعام ولهذا فضيق عليه في ذلك أيضا فإذا سقطت اللقمة أو التمرة أو ما أشبه ذلك في الأرض فخذها وإذا كان علق بها أذى من تراب أو عيدان أو ما أشبه ذلك فأزل ذلك الأذى ثم كلها ولا تدعها للشيطان المسألة الخامسة: الوضوء من الطعام المطبوخ الذي مسته النار كالخبز والأرز والجريش وغيرها هل يتوضأ الإنسان إذا أكله أم لا؟ قال بعض العلماء إنه يجب على من أكل شيئا مطبوخا على النار أن يتوضأ لأن النبي ﷺ أمر بالضوء مما مست النار ولكن الصحيح أنه لا يجب كما في حديث جابر في صحيح البخاري الذي أورده المؤلف ﵀ فالصحيح أنه لا يجب بل هو سنة يعني الأفضل أن يتوضأ حتى ولو كنت على وضوء إذا أكلت","vol":"4","page":232},{"text":"شيئا مطبوخا على النار فالأفضل أن نتوضأ لكنه ليس بواجب لأن آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار يعني عدم الالتزام به ويدل لهذا أيضا أن النبي ﷺ سئل نتوضأ من لحوم الإبل قال: نعم؟ قال: نتوضأ من لحوم الغنم قال: إن شئت لأن لحم الإبل إذا أكله الإنسان انتقض وضوءه لو كان على وضوء فلابد أن نتوضأ ولكن ما يجب غسل الفرج لأنه ما بال ولا تغوط إنما يجب الوضوء سواء كان اللحم نيئا أو مطبوخا وسواء أكلت الهبر أو الكبد أو القلب أو الكرش أو الأمعاء أي شيء تأكله من البعير فإنه يجب عليك أن تتوضأ لأنه كله ناقض للوضوء أما غيره فإذا أكلته مطبوخا فالأفضل أن تتوضأ ولا يجب عليك ذلك هذه من الآداب والحقيقة أن هذا الكتاب رياض الصالحين كتاب جامع نافع ويصدق عليه أنه رياض الصالحين ففيه من كل زوج بهيج فيه أشياء كثيرة من مسائل العلم ومسائل الآداب لا تكاد تجدها في غيره","vol":"4","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>باب أدب الشرب واستحباب النفس ثلاثا خارج الإناء وكراهة التنفس في </span>الإناء واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ\n٧٥٧ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في الشراب ثلاثا متفق عليه يعني يتنفس خارج الإناء\n٧٥٨ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تشربوا واحدا كشرب البعير ولكن أشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم رواه الترمذي وقال حديث حسن\n٧٥٩ - وعن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء متفق عليه","vol":"4","page":234},{"text":"يعني: يتنفس في نفس الإناء\n٧٦٠ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر ﵁ فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن متفق عليه\n٧٦١ - وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ فقال للغلام أتأذن لي أن أعطى هؤلاء فقال الغلام لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا فتله رسول الله ﷺ في يده متفق عليه قوله: تله أي: وضعه وهذا الغلام هو ابن عباس ﵄\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب أدب الشرب واستحباب النفس ثلاثا خارج","vol":"4","page":235},{"text":"الإناء وكراهة التنفس في الإناء واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ) وقد بين المؤلف في الباب السابق ما يتعلق بالطعام فقد سبق جمل كثيرة من آداب الأكل ولله ﷾ على عباده نعم لا تحصى كما قال الله تعالى: وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا فالأكل والشرب من نعم الله ﷾: ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من حرمها نسأل الله ألا يحرمنا إياها فمن حرمها وذاق الجوع وذاق العطش عرف نعمة الله تعالى بالأكل والشرب وهذه إحدى الحكم من الصيام أن الإنسان يمسك عن الأكل والشرب حتى يعرف قدر نعمة الله عليه بتيسير الأكل والشرب وللشرب آداب منها أن يسمى الله ﷿ إذا شرب فيقول عند الشرب: بسم الله ومنها أن يتنفس في الشرب ثلاثا لقول أنس بن مالك ﵁ كان النبي ﷺ إذا شرب تنفس في الشراب ثلاثا كيف يتنفس في الشراب ثلاثا؟ يعني يشرب ثم يفصل الإناء عن فمه ثم يشرب الثالثة ولا يتنفس في الإناء لحديث أبي قتادة","vol":"4","page":236},{"text":"﵁ أن النبي ﷺ: نهى أن يتنفس الإنسان في الإناء والحكمة من ذلك أن النفس في الإناء مستقذر على من يشرب من بعده وربما تخرج من النفس أمراض في المعدة أو في المريء أو في الفم فتلتصق بالإناء وربما يشرق إذا تنفس في الإناء فلهذا نهي النبي ﷺ أن يتنفس الإنسان في الإناء بل يتنفس ثلاثة أنفاس كل نفس يبعد فيه الإناء عن فمه وقد أخبر النبي ﵊ بأن هذا أهنأ وأبرأ وأمرأ أهنأ لأنه يشرب بمهلة وأبرأ: يعني أبرأ من العطش، وأسلم من المرض.\nوأمرأ: أسهل في النزول إلى الأمعاء ووجه ذلك أن العطش عبارة عن حرارة المعدة لقلة الماء أو لغير ذلك وأحيانا يكون المرض فإذا جاءها الماء دفعة واحدة ربما يضر فإذا راسله الإنسان عليها مراسلة كان هذا أبرأ في إزالة العطش وفي السلامة من المرض ولأثر الذي يحصل بورود الماء على المعدة دفعة واحدة ولهذا ينبغي أيضا إذا شرب أن لا يعب الماء عبا وإنما يمصه مصا لا يعبه عبا فيأخذ جرعات كبيرة بل يمصه مصا حتى يأتي المعدة شيئا فشيئا فيمصه في النفس الأول ثم يطلق الإناء ثم يمصه في النفس الثاني ثم يطلق الإناء ثم في النفس الثالث هذه","vol":"4","page":237},{"text":"هي السنة وأما التناول يعني بمن يبدأ في إعطاء الإناء إذا أراد أن يعطي الشراب أحدا؟ مثال ذلك: رجل دخل ومعه شراب شاي أو قهوة بمن يبدأ نقول: إذا كان أحد من الناس قد طلب الشراب فقال هات الماء مثلا فإنه يبدأ به هو الأول وإذا لم يكن أحد طلبه فإنه يبدأ بالأكبر ثم الأكبر يناوله من على يمينه وإذا كان لكل واحد إناء كالكئوس مثلا فليبدأ بالأكبر ثم يعطي الذي عن يساره لأن الذي عن يساره هو الذي عن يمين الصاب والصاب هو الذي سيناول فيبدأ بمن على يمينه والذي على يمين الصاب هو الذي على يسار الشارب لأن الصاب مستقبل للشارب فيكون من على يسار الشارب هو الذي على يمين الصاب مثال ذلك مثلا: إنسان طلب الماء فجيء إليه بالماء فشرب منه وأراد أن يناوله أحدا بعده إن كان الذي جاء بالشراب واقفا على رأسه يقول: أعطني الإناء إذا فرغت فيعطيه إياه وإن لم يكن فإنه إذا انتهى يعطيه للذي على يمينه سواء كان صغيرا أو كبيرا شريفا أو وضيعا والدليل على هذا أن النبي ﷺ أتى بلبن قد شيب بماء فشرب وعلى يمينه","vol":"4","page":238},{"text":"رجل من الأعراب وعلى يساره أبو بكر وعمر فلما فرغ النبي ﷺ ناوله الأعرابي فقال عمر للأعرابي هذا أبو بكر يريد من الأعرابي أن يكرم أبا بكر ويقول خذه يا أبا بكر لأن أبا بكر مشهور معروف بين الصحابة أنه أخص أصحاب النبي ﷺ بالنبي ولكن الأعرابي أخذ الإناء فشرب فهنا نجد أن النبي ﷺ فضل المفضول على الفاضل لأن أبا بكر أفضل من الأعرابي لكن فضله عليه لأنه عن يمينه وقال: الأيمن فالأيمن والقصة الثانية: أتي النبي ﷺ بشراب فشرب منه وعلى يمينه غلام وعلى يساره الأشياخ الكبار فلما شرب قال للذي على يمينه وهو الغلام أتأذن لي أن أعطي هؤلاء يعني الأشياخ فقال والله يا رسول الله ما أنا بالذي أوثر بنصيبي عليك أحدا يعني ما أوثرهم على أنا أحب أن أشرب فضلتك فتله رسول الله ﷺ في يده يعني أعطاه الإناء في يده فهذا دليل على أنه إذا كان الذي على اليمين أصغر سنا فإنه يفضل على الذي على اليسار ولو كان أكبر سنا والأول يدل على أنه كان الذي على اليمين أقل قدرا فإنه يعطي ويقدم على الذي هو أعظم قدرا إذا كان على اليسار لقول الرسول: الأيمنون الأيمنون","vol":"4","page":239},{"text":"الأيمنون ألا فيمنوا ألا فيمنوا ألا فيمنوا هكذا جاء الحديث لكن هذا فمن إذا شرب يريد أن يناول من على يمينه أو على يساره أما ما يفعله الناس اليوم يأتي الرجل بالإبريق ويدخل المجلس فهنا يبدأ بالأكبر لأن الرسول ﵊ كانوا يبدءون به فيعطونه أولا ولأنه لما أراد أن يناول ﵊ المسواك أحد الرجلين اللذين وقفا قيل له: كبر كبر وقد ورد في ذلك أيضا أحاديث عن النبي ﵊ أنك إذا دخلت المجلس تبدأ بالأكبر لا بمن على يمين","vol":"4","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه </span>لا تحريم\n٧٦٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية يعني أن تكسر أفواها ويشرب منها متفق عليه\n٧٦٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يشرب من في السقاء أو القربة متفق عليه\n٧٦٤ - وعن أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت ﵁ وعنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فشرب في قربة معلقة قائما فقمت إلى فيها فقطعته رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول الله ﷺ وتتبرك به وتصونه عن الابتذال وهذا الحديث محمول على بيان الجواز","vol":"4","page":241},{"text":"والحديثان السابقان لبيان الأفضل والأكمل والله أعلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم) من آداب الشرب ألا يشرب الإنسان من فم القربة أو السقاء لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك والحكمة من هذا أن المياه فيما سبق ليست بتلك المياه النظيفة فإذا صارت في القربة أو في السقاء فإنه يكون فيها أشياء مؤذية عيدان أو حشرات أو غير ذلك مما هو معروف لمن كانوا يستعملون هذا من قبل فلهذا نهى النبي ﷺ: عن اختناث الأسقية يعني أن الإنسان يكسر أفواهها هكذا ثم شرب وذكر أن رجلا شرب مرة هكذا فخرجت حية من القربة وهذا لاشك أنه على خطر إما أن تلدغه أو تؤذيه لهذا ينهي عن الشرب من فم القربة وليس من ذلك الشرب من الصنبور أو من الجرار التي يخزن فيها الماء لأن هذه معلومة ونظيفة فهو كالشرب من الأواني لكن إذا كان هناك حاجة فلا بأس أن يشرب الإنسان من فم القربة مثل أن يكون محتاجا إلى الماء وليس عنده إناء فإنه يشرب من في القربة وعلى هذا فيكون النهي عن ذلك كما قال المؤلف ﵀ للكراهة وليس للتحريم ويستفاد من الحديث الأخير: أنه يجوز أن يشرب الإنسان قائما إذا دعت الحاجة إلى ذلك مع أن النبي ﷺ وعلي آله","vol":"4","page":242},{"text":"وسلم نهي عن الشرب قائما لكن إذا كان هناك حاجة فلا بأس كما في هذه الحالة القربة معلقة والمعلقة تكون عالية عن القاعد وليس عنده إناء فشرب النبي ﷺ من هذه القربة المعلقة قائما وفي الحديث أيضا: دليل على جواز التبرك بآثار النبي ﷺ وهو كذلك وقد كان الصحابة يتبركون بعرق النبي ﷺ ويتبركون بريقه ويتبركون بثيابه ويتبركون بشعره أما غيره ﷺ فإنه لا يتبرك بشيء من هذا منه فلا يتبرك بثياب الإنسان ولا بشعره ولا بأظفاره ولا بشيء من متعلقاته إلا النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم","vol":"4","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>باب كراهة النفخ في الشراب</span>\n٧٦٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ فقال: أهرقها قال: فإني لا أروي من نفس واحد؟ قال: فأبن القدح إذا عن فيك رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح\n٧٦٦ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في آداب الطعام والشراب: (باب كراهة النفخ في الشراب) ثم ذكر حديثين فيهما النهي عن النفخ في الشراب وذلك لأن الإنسان إذا نفخ ربما يحصل من الهواء الذي يخرج منه أشياء مؤذية أو ضارة كمرض ونحوه فلهذا نهي النبي ﷺ عن النفخ فيه فسأله","vol":"4","page":244},{"text":"الرجل قال: يا رسول الله القذاة يعني تكون في الشراب يعني مثل العود الصغير أو ما أشبه ذلك فينفخه الإنسان من أجل أن يخرج فقال النبي ﷺ: أهرقها يعني صب الماء الذي فيه القذاة ولا تنفخ فيه ثم سأله: أنه لا يروي بنفس واحد فقال: أبن الإناء عن نفسك المعنى أنه يشرب ويحتاج إلى تنفس فأمره النبي ﷺ أن يبين الإناء عن فمه يعني يفصله ثم يتنفس ثم يعود فيشرب إلا أن بعض العلماء استثنى من ذلك ما دعت الحاجة إليه كم لو كان الشراب حارا ويحتاج إلى السرعة فرخص في هذا بعض العلماء ولكن الأولى ألا ينفخ حتى لو كان حارا إذا كان حارا وعنده إناء آخر فإنه يصبه في الإناء ثم يعيده مرة ثانية حتى يبرد وفي هذا: دليل أن الشريعة الإسلامية كاملة من جميع الوجوه كل شيء قد علمنا إياه رسول الله ﷺ كما قال أبو ذر: لقد توفى رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحه في السماء إلا ذكر لنا منه علما حتى الطيور في السماء لنا منها علم بتعليم الله ورسوله إيانا وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي ﵁","vol":"4","page":245},{"text":"علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة يعني حتى الجلوس على قضاء الحاجة لبول أو غائط قال: أجل وذكر ما علمه النبي ﷺ في ذلك ألا نستقبل القبلة بغائط ولا بول، وألا نستنجي باليمين، وألا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وألا نستنجي برجيع أو عظم فالمهم أن شريعتنا ولله الحمد كاملة من كل وجه، ليس فيها نقص ولا تحتاج إلى أحد يكملها وفيه رد على السفهاء الذين يزعمون أن الشريعة الإسلامية إنما تنظم العبادة بين الله وبين الخلق فقط وأما المعاملات بين الناس بعضهم بعضا فإن الشريعة لا تعتني بها فيقال لهؤلاء تبا لكم وسفها لعقولكم أطول آية في كتاب الله العزيز كلها في المداينة في التعامل بين الناس وهل بعد هذا من اعتناء وما أكثر الآيات في القرآن الكريم في تنظيم المال وإصلاحه وما أشبه ذلك وكذلك في السنة فالشريعة الإسلامية ولله الحمد كاملة من كل وجه","vol":"4","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>باب بيان جواز الشرب قائما وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدا </span>فيه حديث كبشة السابق\n٧٦٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: سقيت النبي ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم متفق عليه\n٧٦٨ - وعن النزال بن سبرة ﵁ قال: أتى علي ﵁ باب الرحبة فشرب قائما وقال إني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت رواه البخاري\n٧٦٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح\n٧٧٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدا رواه الترمذي وقال:","vol":"4","page":247},{"text":"حديث حسن صحيح\n٧٧١ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى أن يشرب الرجل قائما قال قتادة: فقلنا لأنس: فالأكل؟ قال: ذلك أشر أو أخبث رواه مسلم وفي رواية له أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائما\n٧٧٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ: لا يشربن أحد منكم قائما فمن نسى فليستقيء رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى (باب بيان جواز الشرب قائما وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدا) فالأفضل في الأكل والشرب أن يكون الإنسان قاعدا لأن هذا هو هدي النبي ﷺ ولا يأكل وهو قائم ولا يشرب وهو قائم أما الشرب وهو قائم فإنه صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذلك وسئل أنس بن مالك عن الأكل قال: ذاك أشر وأخبث يعني معناه أنه إذا نهى عن الشرب قائما فالأكل قائما من باب أولى لكن في حديث ابن عمر الذي أخرجه الترمذي وصححه قال:","vol":"4","page":248},{"text":"كنا في عهد النبي ﷺ نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام فهذا يدل على أن النهي ليس للتحريم ولكنه لترك الأولى بمعنى أن الأحسن والأكمل أن يشرب الإنسان وهو قاعد وأن يأكل وهو قاعد ولمكن لا بأس أن يشرب وهو قائم وأن يأكل وهو قائم والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: سقيت النبي صلى الله عليه وعلى آله من زمزم فشرب وهو قائم زمزم هي عين الماء التي حول الكعبة وسببها أن إبراهيم الخليل ﵊ ترك هاجر أم إسماعيل وابنها إسماعيل في مكة وليس فيها أحد ليس فيها سكان وليس فيها كعبة وليس فيها أحد بل وليس فيها زروع هي واد غير ذي زرع وجعل عندهما وعاء من تمر وسقاء من ماء وانصرف لأن الله أمره أن يبقيهما هنالك فلما انصرف لحقته هاجر وقالت له: كيف تذهب وتتركنا هل أمرك الله بذلك؟ قال نعم قالت إذا كان الله أمرك بذلك فإنه لن يضيعنا وهذا يدل على كمال إيمان هاجر ﵂ وقصتها هذه نظير قصة أم موسى بن عمران كان فرعون مسلطا على بني إسرائيل يقتل أبنائهم ويبقى نساءهم إذلالا لهم وقد قيل أن المنجمين قالوا له إنه سيظهر من بني إسرائيل رجل يكون","vol":"4","page":249},{"text":"هلاكك على يده فصار يقتل أبناءهم فخافت أم موسى عليه فأوحى الله إليها وحي إلهام لا وحي بنوة أنها إذا خافت عليه تجعله في تابوت صندوق من الخشب وتلقيه في البحر وهذا شيء شديد على النفس أن تضع ولدها في تابوت وتلقيه في البحر لكنها مؤمنة واثقة بوعد الله ﷿ ففعلت جعلته في التابوت وألقته في البحر فرآه جند فرعون فأخذوه ليقتلوه فلما رأته زوجة فرعون ألقى الله محبته في قلبها وقالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ واضطربت أم موسى أصبح فؤادها فارغا يعني ما كأن شيئا وراءه قد فر قلبها على ولدها مع إيمانها بالله ولمن الله ﷿ بقدرته جعل هذه الابن كلما عرضت عليه امرأة ليرضعها أبي أن يرضعها لا يرضى أن يرضع من أي امرأة فإذا أخت موسى قد أرسلتها والدته تنظر ماذا حدث له فرأت الناس يبحثون عن مرضع لهذا الصبي فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ فرده الله إلى أمه قبل أن يرضع من أي امرأة ما رضع من أحد سوى أمه مع أنها قد ألقته في البحر لكن رده الله عليها","vol":"4","page":250},{"text":"فهاجر ﵂ لما قال لها إبراهيم: إن الله أمرني بهذا قالت إذا لا يضيعنا ثم بقيت هي وطفلها في هذا المكان الذي ليس فيه أحد من بني آدم وجعلت تأكل من التمر وتشرب من الماء وتدر اللبن على الولد ويرضع حتى نفذ التمر والماء وجاعت الأم ومعلوم أن الأم إذا جاعت لا يكون فيها لبن وجعل الطفل يصيح ويبكي فبحثت بما ألهمها الله عن أقرب جبل لها تصعد عليه لعلها تسمع صوتا أو ترى أحدا فوجد أقرب مكان إليها الصفا والمشاهد الآن أن أقرب جبل للكعبة هو الصفا فصعدت عليه وتسمعت فما وجدت أحدا فنزلت وقالت: أذهب إلى الجهة الثانية وأقرب جبل إليها في الجهة الثانية وهو المروة فصعدت على المروة تسمع فلم تجد أحدا وكان بين الصفا والمروة شعيب واد مجرى سيل ومعروف أن الشعيب يكون نازلا عن الأرض فكانت إذا نزلت في الشعيب ركضت ركضا عظيما تركض من أجل أن تسمع الولد وتلتفت إليه وتراه فعلت هذا سبع مرات فلما أكملت سبع مرات إذا هي تسمع شيئا فقالت أغث إن كان عندك غواث سمعت حسا وإذا هو جبريل أمره به ﷿ أن ينزل إلى الأرض فيضرب بعقبه أو بجناحه مكان زمزم فضربه","vol":"4","page":251},{"text":"مرة واحدة فخرج هذا الماء ينبع فجعلت تحوطه تحجر عليه خافت أن يسيح في الأرض وينقص وشربت من الماء وإذا الماء يكفي عن الطعام والشراب وهو ماء فجعلت تشرب من هذا الماء وترضع الولد وفرج الله ﷿ عنها وكان حولها أناس ولكنهم كانوا بعيدين عنها من جرهم قبيلة من العرب كانوا حولها فرأوا الطيور تهوى إلى هذا المكان مكان زمزم الذي فيه الماء والطير يري من بعيد فقالوا ما خبرنا أن هنا ماء حتى تأوي الطيور إليه لكنهم قالوا لا يمكن للطيور أن تأوي إلا إلى الماء فتبعوا هذه الطيور حتى وصلوا إلى المكان وإذا المكان عين تنبع فنزلوا حول المرأة وأنست بهم وكبر إسماعيل وتزوج منهم بعد مدة جاء إبراهيم ﵊ فدخل على أهل إسماعيل وعلى هاجر وسأل زوجة إسماعيل كيف حالكم؟ فشكت الحال وتضجرت فقال لها إذا جاء زوجك فقولي له يغير عتبة بابه فجاء إسماعيل وأخبرته الذي حصل قال: هل جاءكم أحد؟ قالت: نعم جاء شيخ صفته كذا وكذا وإنه قال: أقريئه السلام وقولي له يغير عتبة بابه ماذا يريد إبراهيم بهذه الكلمة؟ يريد أن يطلقها لأن المرأة شكاية شكت زوجها يعني أن ما عندهم إلا كل بؤس","vol":"4","page":252},{"text":"فقال: هذا أبي وأنت العتبة فالحقي بأهلك\nثم تزوج غيرها ثم جاء إبراهيم مرة أخرى بعد أن غاب عنه مدة ودخل على بيت ابنه إسماعيل ووجد الزوجة فسألها عن حالهم فأثنت على حالهم وقالت: نحن بخير وأثنت علي الحال فقال أقرئي زوجك مني السلام وقولي له يمسك بعتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه سأل هل جاء أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ صفته كذا وكذا وانه يقرئك السلام ويقول يمسك عتبة بابه قال: ذاك أبي وأنت عتبة الباب وأمرني أن أمسكك فالحاصل أن زمزم ماء مبارك طعام وطعم وشفاء سقم وماء زمزم لما شرب له إن شربته لعطش رويت وإن شربته لجوع شبعت حتى إن بعض العلماء أخذ من عموم هذا الحديث أن الإنسان إذا كان مريضا وشربه للشفاء شفى وإذا كان كثير النسيان وشربه للحفظ صار حفظا وإذا شربه لأي غرض ينفعه فعلى كل حال هذا الماء ماء مبارك","vol":"4","page":253},{"text":"فالحاصل أن الأكمل والأفضل أن يشرب الإنسان وهو قاعد ويجوز الشرب قائما وقد شرب علي بن أبي طالب ﵁ قائما وقال: إن النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت فدل ذلك على أن الشرب قائما لا بأس به لكن الأفضل أن يشرب قاعدا بقي أن يقال إذا كانت البرادة في المسجد ودخل الإنسان المسجد فهل يجلس ويشرب أو يشرب قائما؟ لأنه إن جلس خالف قول النبي ﷺ إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين وإن شرب قائما ترك الأفضل فنقول الأفضل أن","vol":"4","page":254},{"text":"يشرب قائما لأن الجلوس قبل صلاة الركعتين حرام عند بعض العلماء بخلاف الشرب قائما فهو أهون وعلى هذا فيشرب قائما ثم يذهب ويصلي تحية المسجد","vol":"4","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا</span>\n٧٧٣ - عن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ساقي القوم آخرهم شربا رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتاب أدب الطعام: (باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا) يعني الذي يسقي القوم ماء أو لبنا أو قهوة أو شايا ينبغي أن يكون هو آخرهم شربا من أجل أن يكون مؤثرا على نفسه ومن أجل أن يكون النقص إن كان على نفس الساقي وهذا لاشك أنه أحسن امتثالا لأمر النبي ﷺ وأخذا بأدب النبي ﷺ لكنه إذا كان لا يشتهي أن يشرب فليس بلازم أن يشرب بعدهم إن شاء شرب وإن شاء لا يشرب المهم أن يكون هو الأخير إذا أن يشرب لما في ذلك من الإيثار وامتثال أمر النبي ﷺ وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يخدم إخوانه بسقيهم وإذا كان صاحب البيت فليقدم","vol":"4","page":256},{"text":"إليهم الشراب أو الأكل كما فعل إبراهيم ﵊ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ فصاحب البيت يقرب الأكل ويناول الشراب ويكون هو آخر القوم ثم هل الأفضل أن ينصرف ولا يشاركهم في الطعام سواء كان غداء أو عشاء أو فطور أو الأفضل أن ينصرف ولا يشاركهم؟ هذا يرجع إلى عادة الناس فإذا كانت مشاركته أطيب لقلوب الضيوف وأكثر إنياسا فليأكل معهم وإذا كان الأمر بالعكس وجرت العادة أنه لا يأكل الإنسان مع ضيوفه فلا يأكل وإن فهذا أمر يرجع إلى العرف إن كان العرف أن من إكرام الضيف ألا تأكل معه وأن تجعله حرا يأكل ما شاء فلا تأكل وإن كان الأمر بالعكس فكل ولقد قال رسول الله ﷺ: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولم يبين نوع الإكرام فيرجع في ذلك إلى ما جرى به عرف الناس","vol":"4","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>باب جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة وجواز </span>الكرع وهو الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال\n٧٧٤ - عن أنس ﵁ قال: حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار إلى أهله وبقى قوم فأتى رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فتوضأ القوم كلهم قالوا كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة متفق عليه هذه رواية البخاري وفي رواية له ولمسلم: أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء فأتى بقدح رحراح فيه شيء من ماء فوضع أصابعه فيه قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين\n٧٧٥ - وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: أتانا النبي ﷺ فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ رواه البخاري","vol":"4","page":258},{"text":"الصفر بضم الصاد ويجوز كسرها وهو النحاس والتور كالقدح وهو بالتاء المثناه من فوق\n٧٧٦ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل علي رجل من الأنصار ومعه صاحب له فقال رسول الله ﷺ: إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة وإلا كرعنا رواه البخاري الشن: القربة\n٧٧٧ - وعن حذيفة ﵁ قال: إن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة متفق عليه\n٧٧٨ - وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليه وفي رواية لمسلم: إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب","vol":"4","page":259},{"text":"وفي رواية له: من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب عقده المؤلف ﵀ في كتابه لبيان حكم الأواني واستعمالها في الشرب ليعلم أن هناك قاعدة نافعة وهي أن الأصل في كل ما خلق الله في الأرض أنه حلال فالأصل أن حكمه الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه ودليل ذلك قول الله ﵎: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا كل ما في الأرض فهو لنا حلال من حيوان وأشجار وأحجار وكل شيء كل الذي في الأرض حلال أحله الله لنا إلا ما قام الدليل على تحريمه وبناء على هذه القاعدة العظيمة التي بينها الله لنا في كتابه فإن كل من ادعى أن هذا حرام فعليه الدليل إذا قال مثلا: إن هذا الحيوان حرام نقول: هات الدليل وإلا فالأصل أنه حلال إذا قال: هذه الآنية حرام قلنا: هات الدليل وإلا فالأصل أنها حلال إذا قال: هذا الشجر حرام قلنا: هات الدليل وإلا فالأصل أنه حلال لأن الذي يقول: إنه حلال معه أصل من الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وقال ﷿","vol":"4","page":260},{"text":"﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ فهذا هو الأصل ولهذا قال المؤلف ﵀: (باب جواز الشرب من جميع الآنية) من خشب أو حجر أو غير ذلك إلا الذهب والفضة فإن الذهب والفضة لايجوز فيهما الأكل ولا الشرب ودليل هذا حديث حذيفة بن اليمان وأم سلمة ﵂ أما حديث حذيفة بن اليمان فقد صرح ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة وكذلك حديث أم سلمة وبين النبي ﵌ الحكمة من ذلك فقال: هي لهم في الدنيا يعني الكفار وهي لكم في الآخرة فالكفار في الآخرة في نار جهنم والعياذ بالله إذا استغاثوا وهلكوا من العطش فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يؤتي إليهم بالماء كالمهل وهو كرديء الزيت المحمي والعياذ بالله إذا قربوه إلى وجوههم ليشربوا منه فإنه يشوي وجوههم ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ والعياذ بالله لكن أهل الجنة جعلنا الله منهم ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ يسقون بآنية الذهب","vol":"4","page":261},{"text":"والفضة ولذلك نهي النبي ﷺ عن الأكل والشرب فيهما لأنهما آنية الجنة ونهي عن لبس الحرير للرجال لأن الحرير للمؤمنين في الجنة والرجال لا يليق بهم لبس الحرير في الدنيا وكذلك النساء لولا أن الله تعالى رخص لهن في لباس الحرير من أجل مصلحتهن ومصلحة أزواجهن حتى تتجمل المرأة لزوجها فيحص بذلك مصلحة للجميع ولولا هذا لكان الحرير حراما على النساء كما هو حرام على الرجال لأنه لباس أهل الجنة فالحاصل أن جميع الأواني من زجاج وخزف وخشب وأحجار وغير ذلك الأصل فيها الحل حتى لو كانت من أغلى المعادن فإنها حلال إلا الذهب والفضة والعلة في ذلك ليس كما قال بعض الفقهاء: إنها الخيلاء وكسر قلوب الفقراء وما أشبه ذلك لأنه لو كان هكذا لكان كل إناء يكسر قلوب الفقراء يحرم فيه الأكل والشرب لكن العلة بينها الرسول ﵊: هي لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة وهذا خاص بآنية الذهب والفضة ولو أن الإنسان شرب في آنية من معدن أغلى من الذهب والفضة لم يكن هذا حراما إذا لم يصل إلى حد السرف ولكن لو أكل أو شرب في الذهب والفضة كان ذلك حراما لأن النبي ﷺ نهى عن","vol":"4","page":262},{"text":"ذلك وبين السبب وفي حديث أم سلمة: دليل على أن الأكل في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب لأن النبي ﷺ توعد على ذلك بأن من فعله: فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم الجرجرة صوت الطعام والشراب وهو ينحدر في البلعوم فإذا أكل أو شرب في إناء الذهب والفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم وهذا يدل على أنه من كبائر الذنوب لأن فيه الوعيد وكل ذنب فيه وعيد فإنه من كبائر الذنوب والمطلي بالذهب والفضة قال العلماء: إنه كالخالص لا يجوز أن يؤكل فيه ولا أن يشرب فيه","vol":"4","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>كتاب اللباس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من </span>قطن وكتان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير\nقال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُّوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀: (كتاب اللباس) وهذا من أحسن الترتيب فإن الأكل والشرب لباس الباطن والثياب لباس الظاهر قال الله ﵎: إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى فقال: ﴿ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ لأن الجوع عرى الباطن فخلو البطن من الطعام عري لها ﴿ولا تعرى﴾ من لباس الظاهر ﴿وأنك لا تظمأ فيها﴾ هذا حرارة الباطن ﴿ولا تضحي﴾ هذا حرارة الظاهر، ولهذا أشكل على بعض الناس قال: لماذا لم يقل إن لك ألا تجوع فيها ولا تظمأ وأنك لا تعرى فيها ولا تضحي؟ ولكن من تفطن للمعنى الذي أشرنا إليه تبين له بلاغة القرآن ﴿ألا تجوع فيها﴾ هذا","vol":"4","page":264},{"text":"انتفاء العري في الباطن ﴿ولا تعرى﴾ انتفاؤه في الظاهر ﴿لا تظمأ﴾ هذا انتفاء الحرارة في الباطن ﴿ولا تضحي﴾ يعني لا تتعرض للشمس الحارة فيه انتفاء للحرارة في الظاهر كذلك المؤلف ﵀ بدأ بآداب الأكل ثم بآداب الشرب ثم اللباس الذي هو كسوة الظاهر وافتتح هذا الكتاب بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُّوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فذكر الله تعالى نوعين من اللباس: نوعا ظاهرا ونوعا باطنا أو نوعا حسيا ونوعا معنويا وذكر أن الحسي قسمان: قسم ضروري تواري به العورة، وقسم كمالي وهو الريش لباس الزينة والله ﷾ من حكمته أن جعل بني آدم محتاجين للباس لمواراة السوءة يعني لتغطية السوءة حتى يتستر الإنسان وكما أنه محتاج للباس يواري سوءته الحسية فهو محتاج للباس يواري سوءته المعنوية وهي المعاصي وهذا من حكمة الله تعالى ولهذا نجد غالب المخلوقات سوي الآدمي لها ما يستر جلدها من شعر أو صوف أو وبر أو ريش لأنها ليست بحاجة إلى أن تتذكر العري المعنوي بخلاف بني آدم فإنهم محتاجون إلي أن يتذكروا العورة المعنوية وهي عورة الذنوب حمانا الله منها","vol":"4","page":265},{"text":"﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُّوَارِي سَوْءَاتِكُمْ﴾ أي عوراتكم ﴿وريشا﴾ أي ثاب زينة وجمال زائدة عن اللباس الضروري ﴿ولباس التقوى﴾ هذا هو اللباس المعنوي ﴿ذلك خير﴾ أي خير من اللباس الظاهر سواء كان مما هو ضروري كالذي يواري السوءة أم من الكمالي وإذا كان لباس التقوى خيرا من لباس الظاهر فيجب على الإنسان أن يفكر حيث تجدنا نحرص على نظافة اللباس الظاهر فالإنسان إذا أصاب ثوبه بقعة أو وسخ هب يغسلها بالماء والصابون وبما يقدر عليه من المنظف لكن لباس التقوى كثير من الناس لا يهتم به يتنظف أو يتسخ لا يهتم به مع أن هذا كما قال الله ﷿ هو الخير وهو إشارة إلى أنه يحب الاعتناء بلباس التقوى أكثر مما يجب الاعتناء بلباس البدن الظاهر الحسي لأن لباس التقوى أهم وهنا قال: ﴿ذلك خير﴾ ولم يقل: ولباس التقوى هو خير لأن اسم إشارة وجيء بها للبعيد إشارة إلي علو مرتبة هذا اللباس كما قال تعالى: ﴿آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ ولم يقل هذا الكتاب إشارة إلى علو مرتبة القرآن كذلك قوله ﴿ذلك خير﴾ إشارة إلى علو مرتبة لباس التقوى","vol":"4","page":266},{"text":"فينبغي للإنسان أن يعتني بهذا اللباس بأن يتقي الله ﷿ وأن يفكر دائما في سيئاته ومعاصيه وتنظيف السيئات والمعاصي أسهل من تنظيف الثياب الظاهرة الثياب الظاهرة تحتاج إلى عمل وتعب وأجرة وتحضير ماء ومنظف لكن الأمر سهل جدا ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ بالاستغفار والتوبة يمحي كل ما سلف نسأل الله تعالى أن يتوب علينا بمنه وكرمه\nوقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾\n٧٧٩ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح","vol":"4","page":267},{"text":"٧٨٠ - وعن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم رواه النسائي والحاكم وقال حديث صحيح\n٧٨١ - وعن البراء ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مربوعا ولقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئا قط أحسن منه متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n وذكر المؤلف ﵀ آية أخرى وهي قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ السرابيل: هي الدروع يعني مثل لباسنا هذا يسمى سرابيل: القمص والدروع وشبهها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ أما السرابيل التي تقينا البأس فهي سرابيل الحديد الدروع من الحديد كانوا في السابق يلبسونها عند الحرب والقتال لأنها تقي الإنسان السهام الواردة إليه فإنها عبارة عن حلق","vol":"4","page":268},{"text":"من حديد منسوج كما قال الله تعالى وهو يعلم داود: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ فيصفون هذه الدروع بأنها إذا لبسها الإنسان وجاءته السهام أو الرماح أو السيوف ضربت على هذا الحديث ورقته الشر أما قوله: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ فهي الثياب من القطن وشبهها تقي الحر وقد يقول قائل: لماذا لم يقل تقيكم البرد؟ أجاب العلماء عن ذلك بأن هذا على تقدير شيء محذوف أي تقيكم الحر وتقيكم البرد لكنه ذكر الحر لأن السورة مكية نزلت في مكة وأهل مكة ليس عندهم برد فذكر الله منته عليهم بهذه السرابيل التي تقي الحر وقيل: إنه ليس في الآية شيء محذوف وأن الدروع التي تقي البأس تقي الإنسان حر السهام ونحوها والسرابيل الخفيفة تقي الحر الجوي وذلك أن الإنسان في الجو الحار لو لم يكن عليه سرابيل تقيه الحر للفحه الحر واسود جلده وتأذي وجف ولكن الله ﷾ جعل السرابيل التي تقي الحر من نعمته ﵎ ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄ وحديث سمرة في أن النبي ﷺ حث على لبس الثياب البيض وقال إنها من خير ثيابكم وقال: كفنوا فيها موتاكم وصدق النبي عليه الصلاة","vol":"4","page":269},{"text":"والسلام فإن الثوب الأبيض خير من غيره من جهة الإضاءة والنور ومن جهة أنه إذا اتساخ أدنى اتساخ ظهر فيه فبادر الإنسان إلى غسله أما الثياب الأخرى فربما تتراكم فيها الأوساخ والإنسان لا يشعر بها ولا يغسلها وإذا غسلها فلا يدري هل تنظف أم لا؟ فلهذا قال النبي ﵊ إنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم وهو شامل للبس الثياب البيض القمص والأزر والسراويل كلها ينبغي أن تكون من البياض فإنه أفضل ولكن لو أنه لبس من لون آخر فلا بأس بشرط ألا يكون مما يختص لبسه بالنساء فإن كان مما يختص لبسه بالنساء فإنه لا يجوز أن يلبسه الرجل لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء وكذلك بشرط ألا يكون أحمر لأن الأحمر قد نهى عنه النبي ﷺ إذا كان أحمر خالصا فإن كان أحمر وفيه أبيض فلا بأس وعلى هذا يحمل الحديث الثالث الذي ذكره المؤلف أن النبي ﷺ كان مربوعا وأنه كان عليه حلة حمراء هذه الحلة الحمراء ليس معناها أنها كلها حمراء لكن معناها أن أعلامها حمر مثل ما تقول الشماغ أحمر وليس هو كله أحمر بل فيه بياض كثير لكن","vol":"4","page":270},{"text":"نقطه ووشمه الذي فيه أحمر كذلك الحلة الحمراء يعني أن أعلامها حمر أما أن يلبس الرجل أحمرا خالصا ليس فيه شيء من البياض فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك\n٧٨٢ - وعن أبي جحيفة وهب بن عبد الله ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم فخرج بلال بوضوئه فمن ناضح ونائل فخرج النبي ﷺ وعلية حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه فتوضأ وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يمينا وشمالا حي على الصلاة حي على الفلاح ثم ركزت له عنزة فتقدم فصلى يمر بين يديه الكلب والحمار لا يمنع متفق عليه العنزة بفتح النون نحو العكازة\n٧٨٣ - وعن أبي رمثة رفاعة التيمي ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح\n٧٨٤ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل يوم","vol":"4","page":271},{"text":"فتح مكة وعليه عمامة سوداء رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها النووي ﵀ في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) وقد سبق ذكر شيء من هذه الأحاديث وهنا حديث وهب بن عبد الله السوائي أبي جحيفة ﵁ أنه رأى النبي ﷺ في قبة له حمراء من أدم أو من أدم ولكن الصواب من أدم وذلك في الأبطح في حجة الوداع فإن النبي ﷺ لما قدم مكة في حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة قدمها ضحى يوم الأحد الرابع من ذي الحجة ونزل إلى المسجد الحرام فطاف وسعى ثم خرج إلى الأبطح فنزل فيه إلى اليوم الثامن وكان في هذه القبة التي ضربت له ﵊ يقول فخرج يعني حين زالت الشمس فخرج النبي ﷺ وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه وهذه الحلة حمراء يعني أن أعلامها حمر ليست سودا ولا خضرا لأن الأحمر الخالص قد ثبت نهي النبي ﷺ عن لبسه فتحمل هذه على أن المراد أن أعلامها يعني خطوطها ونقشها حمر خرج بلال ﵁ بوضوء النبي ﵊","vol":"4","page":272},{"text":"يعني بما بقي من مائه الذي توضأ به فجعل الناس يأخذون منه من ناضح ونائل يعني بعضهم أخذ كثيرا وبعضهم أخذ قليلا يتبركون بفضل وضوئه وآله فخرج النبي ﷺ من هذه القبة وأذن بلال ثم ركزت العنزة لرسول الله ﷺ والعنزة رمح في طرفه زج يعني رمح في طرفه حديدة محددة كان النبي ﷺ يصحبها معه في السفر ركزت العنزة من أجل أن يصلي إليها لأن الإنسان إذا كان في السفر فإنه ينبغي أن يصلي إلى شيء قائم كعصا يركزها في الأرض أو ما أشبه ذلك يقول فتقدم فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وهذا يدل على جواز الجمع للمسافر وإن كان نازلا لكن الأفضل ألا يجمع إلا من حاجة كما لو كان سائرا يمشي أو كان نازلا ولكن يحتاج إلى راحة فيجمع جمع تأخيرا أو جمع تقديم وإلا فالأفضل للنازل ألا يجمع ثم ذكر وهب بن عبد الله السوائي أو جحيفة كيف كان أذان بلال يقول جعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يعني يمينا وشمالا يقول حي على الصلاة حي على الفلاح واختلف العلماء ﵏: هل يقول حي على الصلاة على اليمين حي علي الصلاة على اليسار ثم حي على الفلاح علي","vol":"4","page":273},{"text":"اليمين حي علي الفلاح على اليسار أم أنه يجعل حي على الصلاة كلها على اليمين وحي على الفلاح كلها على اليسار والأمر في هذا واسع وإن فعل هذا أو هذا فكله على خير ولا بأس به ثم ذكر حديثين آخرين أحدهما: أن النبي ﷺ كان عليه لباس أخضر والثاني: كان عليه عمامة سوداء وهذا يدل أيضا على جواز لباس الأخضر ولباس الأسود\n٧٨٥ - وعن أبي سعيد عمرو بن حريث ﵁ قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه رواه مسلم وفي رواية له: أن رسول الله ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء\n٧٨٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة متفق عليه السحولية بفتح السين وضمها وضم الحاء المهملتين: ثياب","vol":"4","page":274},{"text":"تنسب إلى سحول قرية باليمين والكرسف القطن\n٧٨٧ - وعنها قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل منه شعر أسود رواه مسلم المرط بكسر الميم: وهو كساء والمرحل بالحاء المهملة: هو الذي فيه صورة رحال الإبل، وهي الأكوار\n٧٨٨ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة في مسير فقال لي: أمعك ماء؟ قلت نعم فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى في سواد الليل ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه وعليه جبة من صوف فلم يستطيع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه ومسح برأسه ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ومسح عليهما متفق عليه وفي رواية وعليه جبة شامية ضيقه الكمين وفي رواية: أن هذه القصة كانت في غزوة تبوك\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ في (كتاب اللباس)","vol":"4","page":275},{"text":"فيها الإشارة كما سبق إلى أنه يجوز للإنسان أن يلبس ما شاء من الثياب البيض والسود والخضر والصفر والحمر إلا أن الأحمر الخالص قد ثبت فيه النهي عن النبي ﷺ فلا بأس الأحمر الخالص إلا مشوبا بلون آخر وفي حديث عمرو بن حريث أنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعليه عمامة سوداء وسبق أنه ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء فهو يدل على جواز لبس العمامة السوداء وكذلك الشماغ الذي نقشه أسود أو أخضر أو أحمر كل هذا جائز وفيه: دليل على جواز لبس العمامة وأن من الأفضل أن يجعل الإنسان لها ذؤابة وأن يرخي طرفها من خلف كما فعل النبي ﷺ والعمامة التي ليس لها ذؤابة تسمى العمامة الصماء لأنه ليس لها طرف مرخي وكلاهما جائز وكلاهما أيضا يجوز المسح عليه على القول الراجح وفي حديث عائشة ﵂ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة ففيه دليل على أن الأفضل أن يكفن الأموات في الثياب البيض وهذا إن تيسر لكن لو فرض أنه لم يتيسر فيكفن الميت في مثل ما يلبسه الحي من أي لون كان إلا الأحمر الخالص","vol":"4","page":276},{"text":"وفي حديث عائشة دليل على أن الميت لا يجعل عليه قميص ولا عمامة وإنما توضع القطع واحدة فوق الأخرى ثم يوضع عليها الميت ثم تلف القطع العليا عليه ثم الوسطى ثم السفلي ثم تثني من عند رأسه ومن عند الرجلين وتربط وتحزم حتى يدخل الميت القبر فإذا أدخل القبر فإنها تفك الحزائم قال العلماء: تفك الحزائم لأن الميت إذا مات ينتفخ فإذا انتفخ وقد ربط فربما يتفجر، فتفك الحزائم من أجل ألا يتفجر وفي حديث المغيرة بن شعبة ﵁: أن النبي صلى الله عليه وعل آله وسلم في غزوة تبوك نزل من بعيره وأخذ الإداوة والإداوة إناء يوضع فيه الماء فأخذ الإداوة ﵊ وانطلق حتى توارى في سواد الليل لأنه ﵊ أشد الناس حياء، فلا يحب أن يراه أحد وهو جالس علي قضاء حاجته وإن لم تر عورته وهذا من كمال الأدب، أنك إذا أردت أن تقضي حاجتك فابعد عن الناس حتى تتوارى عنهم لا من أجل ألا يروا عورتك لأن ستر العورة واجب ولا يجوز أن تتكشف أمام الناس لكن هذا فوق ذلك يعني الأفضل ألا يرى الإنسان وهو على حاجته وهذا من هدي النبي ﷺ لأن هديه أكمل الهدى ثم أراد أن يتوضأ وكان عليه جبة من صوف ضيقة الأكمام","vol":"4","page":277},{"text":"لبسها ﵊ لأن الوقت كان باردا لأن تبوك قريبة من الشام باردة فلذلك كان عليه هذه الجبة ﵊ فلما توضأ وغسل وجهه وأراد أن يخرج ذراعيه من الكم وكان ضيقا صفيقا فلم تستطع يده أن نخرج فأخرجها من أسفل وغسلها ﵊ ولما أراد أن يغسل قدميه أهوي المغيرة بن شعبة لينزع خفيه قياسا على أن الرسول لم يمسح على الكمين لما كان ضيقين وإنما أخرج يده من أسفل حتى غسلها فظن المغيرة بن شعبة أن الخفين مثل ذلك وأنها تنزع من أجل غسل الرجل غسل الرجل ولكن النبي ﷺ قال له: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما وقوله: أدخلتهما طاهرتين أي لبستهما على طهارة فمسح عليهما ففي هذا الحديث عدة فوائد: منها: أن رسول الله ﷺ بشر يناله ما ينال البشر من الأمور الطبيعية يبرد كما يبرد الناس ويحتر كما يحتر الناس ولهذا رآه مرة معاوية وقد فك أزرار القميص لأنه والله أعلم كان محترا ففك الأزرار فظن معاوية ﵁ أن هذا من السنة وهو ليس من السنن المطلقة لكن من السنة إذا كان فيه تخفيف على البدن لأن","vol":"4","page":278},{"text":"كل ما يخفف عن البدن فهو خير فإذا كان الإنسان محترا وأراد أن يفتح الأزرار الأعلى والذي يليه فلا بأس ويكون هذا من السنة أما بدون سبب فإنه ليس من السنة لأنه لو كان من السنة لكان وضع الأزرار عبثا لا فائدة منه والدين الإسلامي ليس فيه شيء عبث فكله جد ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا حرج على الإنسان أن يتوقى ما يؤذيه من حر أو برد كما فعل النبي ﷺ بل الأفضل للإنسان أن يتوقى ما يؤذيه لأن هذا من تمام الرعاية للنفس حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: الكل إذا خفت أن يؤذيك صار حراما عليك الأكل الذي هو الغذاء إذا خفت أن يؤذيك إما بكثرته وإما بكونك أكلت قريبا فتخشى أن تتأذى بالأكل الجديد فإنه يحرم عليك بمعنى أنك تأثم إذا أكلته لأن الإنسان يجب أن يرعى نفسه حق الرعاية ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يمسح على حائل سوى الخفين أو العمامة فلو كان على الإنسان ثوب ضيق الأكمام ولا تحرج اليد إلا بصعوبة وقال: أمسح على هذا الثوب كما أمسح على الخف قلنا: هذا لا يجوز لابد أن تحرج يدك حتى تغسلها حتى لو فرض أنها لم تخرج إلا بشق الكم فإنه يشق حتى يؤدي الإنسان ما","vol":"4","page":279},{"text":"فرض الله عليه من غسل اليد فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ومن فوائد الحديث: بيان جهل بعض الناس الذين يظنون أن ما يسمى بالمانيكير مثل الخفين إذا وضعته المرأة على طهارة تغسلها يوما وليلة وهذا خطأ ليس بصحيح فالمانيكير يجب أن يزال عند الوضوء حتى يصل الماء إلى الأظافر وأطراف الأصابع ومن فوائد هذا الحديث: جواز استخدام الأحرار لأن النبي ﷺ كان المغيرة يخدمه ولكن لاشك أن خدمة الرسول ﷺ شرف كل يفخر بخدمة الرسول ﵊ وكان للنبي ﷺ خدم من الأحرار كعبد الله بن مسعود ﵁ وأنس بن مالك وغيرهما فالمغيرة كان يخدم النبي ﷺ ومن فوائد الحديث: جواز إعانة المتوضئ على وضوءه يعني تصب عليه أو تقرب له الإناء وما أشبه ذلك وكذلك لو فرض أنه يستطيع أن يغسل أعضاءه فاغسلها أنت فلو فرض أن في يده كسرا أو شلالا أو ما أشبه ذلك فلا حرج أن تغسل أعضاءه أنت ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا كان لابسا خفين أو جوارب على طهارة فإنه يمسح عليهما وأن المسح أفضل من","vol":"4","page":280},{"text":"أن يخلعهما ويغسل قدميه لأن الرسول ﷺ قال: دعهما أي اتركهما لا تخلعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما ومن فوائد هذا الحديث: ما ذهب إليه بعض العلماء من أن المسح على الخفين يكون مرة واحدة على القدمين إذ أن المغيرة لم يذكر أنه بدأ باليمني قبل اليسرى فاستنبط بعض العلماء من ذلك أن المسح على الخفين يكون باليدين جميعا مرة واحدة ولكن لا حرج أن الإنسان يفعل هذا أو يمسح على الرجل اليمنى قبل اليسرى لأن المسح بدل عن الغسل والغسل تقدم فيه اليمنى على اليسرى والبدل له حكم المبدل فإن فعل الإنسان هذا أو هذا فلا حرج والأمر في هذا واسع ومن فوائد الحديث: أنه لايجوز المسح على الخفين أو الجوربين إلا إذا كان لبسهما على طهارة فإن لبسهما على غير طهارة وجب عليه أن يخلعهما عند الوضوء ويغسل قدميه ومنه فوائد أخرى","vol":"4","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>باب استحباب القميص</span>\n٧٨٩ - عن أم سلمة ﵂ قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن","vol":"4","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>باب صفة طول القميص والكم والإزرار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء </span>من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء\n٧٩٠ - عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂ قالت: كان كم قميص رسول الله ﷺ إلى الرسغ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن\n٧٩١ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال له أبو بكر: يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال له رسول الله ﷺ إنك لست ممن يفعله خيلاء رواه البخاري، وروي مسلم بعضه\n٧٩٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا متفق عليه\n٧٩٣ - وعنه عن النبي ﷺ قال: ما أسفل الكعبين من الإزار","vol":"4","page":283},{"text":"ففي النار رواه البخاري\n٧٩٤ - وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه مسلم وفي رواية له: المسبل إزاره\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها النووي ﵀ في (كتاب اللباس) فيها أحاديث تدل على أن أحب الثياب إلى رسول الله القميص وذلك أن القميص أستر من الإزار والرداء وكانوا في عهد الرسول ﵊ يلبسون الإزار والرداء أحيانا يلبسون القميص وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب القميص لأنه أستر ولأنه قطعة واحدة يلبسها الإنسان مرة واحدة فهي أسهل من أن يلبس الإزار أولا الرداء ثانيا ولكن مع ذلك لو كنت في بلد يعتادون لباس الأزر والأردية ولبست مثلهم فلا حرج والمهم ألا تخالف لباس أهل بلدك فتقع في","vol":"4","page":284},{"text":"الشهرة وقد نهى النبي ﷺ عن لباس الشهرة وفي هذه الأحاديث أيضا دليل على أن كم القميص يكون إلى الرسغ والرسغ هو الوسط بين الكوع والكرسوع لأن الإنسان له مرفق وهو المفصل الذي بين العضد والذراع وله كوع كرسوع ورسغ فالكوع هو طرف الذراع مما يلي الكف من جهة الإبهام والكرسوع: طرف عظم الذراع مما يلي الكف من جهة الخنصر وأما الرسغ فهو ما بينهما وعلي هذا قول الناظم:\nوعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ...\nالخنصر الكرسوع والرسغ ما وسط\nوعظم يلي إبهام رجل ملقب ببوع ...\nفخذ بالعلم واحذر من الغلط\nوالعوام إذا أرادوا ضرب المثل بالإنسان الأبله قالوا هذا رجل لا يعرف كوعه من كرسوعه وأكثر الناس يظنون أن الكوع: هو المرفق الذي إليه منتهى الوضوء ولكن ليس كذلك فما عند مفصل الكف من الذراع مما يلي الخنصر هو الكرسوع وما يلي الإبهام فهو الكوع وما بينهما فهو الرسغ والنبي ﵊ كان قميصه إلى الرسغ ثم ذكر المؤلف حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة رضي الله","vol":"4","page":285},{"text":"عنهما في إسبال الثياب وإسبال الثياب يقع على وجهين الوجه الأول: أن يجر الثوب خيلاء الوجه الثاني: أن ينزل الثوب أسفل من الكعبين من غير خيلاء أما الأول: وهو الذي يجر ثوبه خيلاء فإن النبي ﷺ ذكر له أربع عقوبات والعياذ بالله: لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه يعني نظر رحمة ولا يزكيه وله عذاب أليم أربع عقوبات بها المرء إذا جر ثوبه خيلاء ولما سمع أبو بكر بهذا الحديث قال: رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده يعني فهل يشملني هذا الوعيد؟ فقال ﷺ: إنك لست ممن يضع هذا خيلاء فزكاه النبي ﵊ بأنه لا يصنع هذا خيلاء وإنما العقوبة على من فعله خيلاء أما من لم يفعله خيلاء فعقوبته أهون ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ما أسفل من الكعبين ففي النار ولم يذكر إلا عقوبة واحدة ثم هذه العقوبة أيضا لا تعم البدن كله إنما تختص بما فيه المخالفة وهو ما نزل من الكعب فإذا نزل ثوب الإنسان أو مشلحه أو سرواله إلى أسفل من الكعب فإنه","vol":"4","page":286},{"text":"يعاقب على هذا النازل بالنار ولا يشمل النار كل الجسد إنما يكوي بالنار والعياذ بالله بقدر ما نزل ولا تستغرب أن يكون العذاب على بعض البدن الذي حصلت فيه المخالفة فإنه ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ رأى أصحابه توضؤا ولم يسبغوا الوضوء فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار فهنا جعل العقوبة على الأعقاب يعني العراقيب التي لم يسبغوا وضوءها فالعقاب بالنار يكون عاما كأن يحرق الإنسان كله بالنار والعياذ بالله ويكون في بعض البدن الذي حصلت فيه المخالفة ولا غرابة في ذلك وبهذا نعرف قول النووي ﵀ بتحريم الإسبال خيلاء وكراهيته لغير الخيلاء والصحيح أنه حرام سواء أكان لخيلاء أم لغير خيلاء بل الصحيح أنه من كبائر الذنوب لأن كبائر الذنوب كل ذنب جعل الله عليه عقوبة خاصة به وهذا عليه عقوبة خاصة ففيه الوعيد بالنار إذا كان لغير الخيلاء وفيه وعيد بالعقوبات الأربع إذا كان خيلاء لا يكلمه الله يوم القيامة","vol":"4","page":287},{"text":"ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وختم المؤلف بحديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قرأها ثلاث مرات وإنما فعل النبي ﵊ هذا من أجل أن ينتبه الإنسان لأن اللفظ إذا جاء مجملا ولا سيما مع التكرار ينتبه له الإنسان حتى إذا جاءه التفصيل والبيان ورد على نفس متشوقة تطلب البيان فقال أبو ذر يا رسول الله خابوا وخسروا من هؤلاء؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب الأول المسبل: يعني الذي يجر ثوبه خيلاء والثاني المنان: الذي يمن بما أعطى، إذا أحسن إلى أحد بشيء جعل يمن عليه: فعلت بك كذا وفعلت بك كذا والمن من كبائر الذنوب، لأن عليه هذا الوعيد، وهو مبطل الأجر لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى والثالث المنفق سلعته بالحلف الكاذب: يعني الذي يحلف وهو كاذب ليزيد ثمن السلعة فيقول: والله لقد اشتريتها بعشرة وهو لم يشترها إلا بثمانية أو يقول: أعطيت فيها عشرة وهو لم","vol":"4","page":288},{"text":"يعط فيها إلا ثمانية فيحلف على هذا فهذا ممن يستحق هذه العقوبات الأربع لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم نسأل الله العافية\n٧٩٦ - وعن أبي جري جابر بن سليم ﵁ قال: رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدروا عنه قلت من هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ قلت: عليك السلام يا رسول الله مرتين قال: لا تقل عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى قل السلام عليك قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك قلت: اعهد لي قال: لا تسبن أحدا قال فما سببت بعده حرا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلي الكعبين وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه رواه أبو داود والترمذي فإسناد","vol":"4","page":289},{"text":"صحيح وقال الترمذي: حديث حسن صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) عن جابر بن سليم ﵁ أنه قدم المدينة فرأى رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدورا عنه يعني أنهم يأخذون بما يقول وبما يوجه لأنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسأل من هذا؟ لأنه رجل لا يعرف النبي ﷺ قالوا: رسول الله فجاء إليه فقال: أنت رسول الله؟ قال: نعم ولكنه قال: عليك السلام فقدم الخبر فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تقل عليك السلام عليك السلام تحية الموتى ولكن قل السلام عليك ومعنى قوله ﵊: عليك السلام تحية الموتى يعني أنهم كانوا في الجاهلية يسلمون على الأموات هكذا كما قال الشاعر\nعليك سلام الله قيس بن عامر ... ورحمته ما شاء أن يترحم\nفكانوا في الجاهلية إذا اسلموا على الأموات يقولون عليك","vol":"4","page":290},{"text":"السلام لكن الإسلام نسخ هذا وصار السلام يقال لمن ابتدئ به السلام عليك حتى الموتى كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخرج إليهم إلى المقبرة يسلم فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين ولا يقول: عليكم السلام وفي قوله ﵊: قل السلام عليك دليل على أن الإنسان إذا سلم على الواحد يقول: السلام عليك وهكذا جاء أيضا في حديث الرجل الذي يسمى المسيء في صلاته أنه جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: السلام عليك بالإفراد وهذا هو الأفضل وقال بعض العلماء: تقول السلام عليكم، تريد بذلك أن تسلم على الإنسان الذي سلمت عليه ومن معه من الملائكة ولكن الذي وردت به السنة أولى واحسن أن تقول: السلام عليك إلا إذا كانوا جماعة فإنك تسلم عليهم بلفظ السلام عليكم ثم إن النبي ﷺ بين له أنه رسول رب العالمين الذي يكشف الضر ويجلب النفع فإذا ضاعت البعير في فلاة من الأرض فدعوت الله ﷾ ردها عليك يقول: وإذا أصابك سنة يعني جدبا في الأرض وعدم نبات فدعوت الله كشفه عنك أنبت الأرض لك وكذلك إذا أصابك الضر فدعوت الله كشفه","vol":"4","page":291},{"text":"عنك كما قال الله تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ فبين له أنه أي الرب ﷿ يجلب لعباده الخير وأنه إذا دعاه عبده لم يخب وهكذا كل دعاء تدعو به ربك فإنك لا تخيب لو لم يأتك من هذا إلا أن الدعاء عبادة تؤجر عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لكفى وإذا لم يكن هناك موانع تمنع إجابة الدعاء فإن الله تعالى إما أن يعطيك ما سألت وتراه رأي العين تدعو الله بالشيء فيحصل وإما أن يكشف عنك من الضر ما هو أعظم وإما أن يدخر ذلك لك عنده وإلا فلن يخيب من دعا الله ﷿ أبدا ولكن إياك أن تستبطئ الإجابة فتقول دعوت ودعوت فلم يستجب لي فإن الشيطان قد يلقي في قلبك هذا ويقول: كم دعوت الله من مرة وما جاءك مطلوب؟ ثم يقنطك من رحمة الله والعياذ بالله وهذه من كبائر الذنوب القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب ولا تقنط من رحمة الله ولو تأخرت إجابة الدعاء فأنت لا تدري ما هو الخير؟ ما أمرك الله تعالى بالدعاء إلا وهو يريد أن يستجيب لك كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾","vol":"4","page":292},{"text":"لكنك تستعجل انتظر وألح على الله بالدعاء فربما أن الله ﷿ يؤخر إجابتك لأجل أن تكثر من الدعاء فتزداد حسناتك وتعرف قدر نفسك وتعرف قدر حاجتك إلى الله ﷿ فهذا خير فإياك أن تستعجل وألح على الله في الدعاء والله ﷾ يحب الملحين في الدعاء المبالغين فيه لأن الإنسان يدعو من إليه المنتهى ﷿ من بيده ملكوت كل شيء وسواء كان ذلك في صلاتك أو في خلواتك ادع الله بما شئت حتى وأنت تصلي ادع الله بما شئت لأن النبي ﷺ قال: أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء وقال حين ذكر التشهد ثم ليتخذ من الدعاء ما شاء الله فليس للإنسان أحد سوى الله فليلجأ إليه في كل دقيقة وجليل حتى إنه جاء في الحديث ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع شراك النعل أدني شيء يسأله الله ﷿ لأن السؤال عبادة والتجاء إلى الله عز","vol":"4","page":293},{"text":"وجل وإنابة إليه وارتباط به ﷾ يكون قلبك دائما مع الله ﷾ فأكثر من الدعاء ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر جابر بن سليم ألا يحقرن من المعروف شيئا كل معروف افعله سواء كان قولا أو فعلا أو جاها أو أي شيء لا تحقر شيئا من المعروف فإن المعروف من الإحسان والله ﷾ يحب المحسنين فلو ساعدت إنسانا على تحميل متاعه في السيارة فهذا معروف لو أدنيت له شيئا يحتاج إليه فهذا من المعروف لو أعطيته القلم يكتب به فهذا من المعروف لو أعطيته حافظة من أجل أن يحفظ بها شيئا من الأشياء فهذا من المعروف أحسن فإن الله يحب المحسنين واعلم أن هناك قاعدة إذا ذكرها الإنسان سهل عليه الإحسان وهي ما ثبت عن النبي ﵊ من قوله: ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته وما ظنك إذا كان الله في حاجتك؟ هل تتعثر الأمور؟ الجواب: لا إذا كان الله في حاجتك يساعدك على حاجتك ويعينك عليها فلا شك أنها سوف تسهل فأنت كلما","vol":"4","page":294},{"text":"كنت في حاجة أخيك كان الله في حاجتك فأكثر من المعروف أكثر من الإحسان ولا تحقرن شيئا ولو كان قليلا قال النبي ﷺ لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة أي لا تحقر ولو هذا الشيء القليل ثم قال النبي ﷺ لجابر بن سليم: وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف لما قال: لا تحقرن من المعروف شيئا بين أن من المعروف أن تلقي أخاك بوجه طلق لا معبس ولا مكفهر بل يكون منبسطا وذلك لأن هذا يدخل السرور على أخيك وكل أدخل السرور على أخيك فإنه معروف وإحسان والله يحب المحسنين وهذا لا شك أنه خير إلا أنه في بعض الأحيان قد يكون المرء الذي يخاطبك من المصلحة ألا تلقاه بوجه منبسط كأن يكون قد فعل شيئا لا يحمد عليه فلا تلقه بوجه منبسط تعزيزا له لأجل أن يرتدع ويتأدب ولكل مقام مقال ثم إن النبي ﷺ أمره أن يرفع إزاره إلي نصف الساق فإن أبي فإلى الكعبين وهذا يدل على أن رفع الإزار إلى نصف الساق أفضل ولكن لا حرج أن ينزل إلى الكعبين وذلك لأن هذا من باب","vol":"4","page":295},{"text":"الرخصة وليس بلازم أن يرفع الإنسان إزاره إلي نصف الساق أو يرى أن ذلك حتم عليه وأن الذي لا يرفع قد خالف السنة لأن الرسول ﵊ قال: فإن أبيت إلى الكعبين ولم يقل فإن أبيت فعليك كذا وكذا من الوعيد فدل ذلك على أن الأمر في هذا واسع وقد مر علينا أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده وقلنا إن هذا يدل على أن إزار أبي بكر ﵁ كان نازلا عن نصف الساق وأن هذا لا بأس به فلا ينبغي للإنسان أن يشدد على نفسه أو على الناس بحيث يرى أنه لزام عليه أن يجعل سرواله أو ثوابه أو (مشلحه) إلى نصف الساق فالأمر في هذا واسع هو سنة ولكن مع ذلك الأمر فيه واسع ولله الحمد بترخيص النبي ﷺ ثم حذر النبي ﷺ جابر بن سليم من المخيلة يعني أن يختال في مشيته أو ثوبه أو عمامته أو (مشلحه) أو كلامه أو أي شيء يفعله خيلاء فإن الله لا يحب ذلك ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فالإنسان ينبغي له أن يكون متواضعا دائما في لباسه ومشيته وهيئته وكل أحواله لأن من تواضع لله رفعه الله فهذه الآداب التي علمها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته ينبغي للإنسان أن","vol":"4","page":296},{"text":"يتأدب بها لأنه يحصل على أمرين أولا: امتثال أمر النبي ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ ثانيا: التحلي بحسن الخلق من خلال التأدب بهذه الآداب الراقية التي لا يستطيع أحد من البشر أن يوجه الناس إلى آداب مثلها أبدا لأن الآداب التي جاء بها الشرع هي خير الآداب ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فإنما وبال ذلك عليه وذلك أن الإنسان ينبغي له أن يعفو ويصفح ولا يجعل كل كلمة يسمعها مقياسا له في الحكم على الناس تغاض عن الشيء واعف واصفح فإن الله تعالى يحب العافين عن الناس ويثيبهم على ذلك وأنت إذا عيرته أو سببته بما تعلم فيه طال النزاع وربما حصل بذلك العداوة والبغضاء فإذا كففت وسكت هدأت الأمور وهذا شيء مجرب أن الإنسان إذا ساب أحدا قد سبه طال السباب بينهما وحصل تفرق وتباغض وإذا سكت فإنه قد يكون أنفع كما قال الله ﵎ في وصف عباد الرحمن ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا﴾ يعني قالوا قولا يسلمون به إما","vol":"4","page":297},{"text":"أن يقولوا مثلا: جزاك الله خيرا أعرض عن هذا اترك الكلام وما أشبه ذلك وال الله ﷿: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿خذ العفو﴾ يعني ما عفى وسهل من أخلاق الناس ولا ترد من الناس أن يكونوا على أكمل حال بالنسبة لك الناس ليسوا على هواك لكن خذ منهم ما عفى وما سهل وما صعب فلا تطلبه ولهذا قال: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الجاهل إذا سابك أو شتمك أو ما أشبه ذلك فأعرض عنه فإن هذا هو الخير وهو المصلحة والمنفعة\n٧٩٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: بينما رجل يصلي مسبل إزاره قال له رسول الله ﷺ: اذهب فتوضأ فذهب وتوضأ ثم جاء، فقال اذهب وتوضأ فقال له رجل: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم","vol":"4","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n في الأحاديث السابقة بين النبي ﷺ أن من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه ولا يكلمه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم وأن ما أسفل من الكعبين ففي النار وبينا أن هذا من كبائر الذنوب وأنه لا يحل للإنسان أن يلبس ثوبا نازلا عن الكعب وأما ما كان على حذاء الكعب يعني على وزن الكعب فلا بأس به وكذلك ما ارتفع إلى نصف الساق فما بين نصف الساق إلى الكعب كله من الألبسة المرخص فيها والإنسان في حل وفي سعة إذا لبس إزارا أو سروالا أو قميصا أو (مشلحا) يكون فيما بين ذلك وأما ما نزل عن الكعب فحرام بكل حال بل هو من كبائر الذنوب ثم اختلف العلماء ﵏ فيما لو صلى الإنسان وهو مسبل يعني قد نزل ثوبه أو سرواله أو إزاره أو (مشلحه) الذي يستر ولا يشف اختلف في هذا أهل العلم هل تصح صلاته أو لا تصح؟ فمن العلماء من قال إنها لا تصح صلاته لأنه لبس ثوبا محرما والله ﷾ إنما أباح لنا أن نلبس ما أحل لنا فإن قوله: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ","vol":"4","page":299},{"text":"يعني ثيابكم يريد بها ما أباح لنا وما أحله لنا وأما ما حرمه علينا فلسنا مأمورين به بل نحن منهيون عنه واستدل الذين يقولون: إن الله لا يقبل صلاته إذا أسبل بهذا الحديث الذي ذكره المؤلف عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى مسبلا فقال له النبي ﷺ: اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم رجع فقال: اذهب فتوضأ ثم سأل النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ؟ قال: إنه يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة مسبل وهذا نص صريح في أن الله لا يقبل صلاة المسبل يعني فتكون صلاته فاسدة ويلزم بإعادتها والمؤلف يقول رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم ولكن هذا فيه نظر فإن الحديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحيح من أقوال العلماء أن صلاة المسبل صحيحة ولكنه آثم ومثل ذلك أيضا من لبس ثوبا محرما عليه كثوب سرقه الإنسان فصلى به أو ثوب فيه تصاوير فيه صليب مثلا أو فيه صور حيوان فكل هذا يحرم لبسه في الصلاة وفي خارج الصلاة فإذا صلى الإنسان في مثل هذا فالصلاة صحيحة لكنه آثم بلبسه هذا هو القول الراجح في هذه المسألة لأن النهي هنا ليس نهيا خاصا بالصلاة فلبس الثوب المحرم عام في الصلاة وغيرها فلا","vol":"4","page":300},{"text":"يختص بها فلا يبطلها هذه هي القاعدة التي أخذ بها جمهور العلماء ﵏ وهي القاعدة الصحيحة وهذا الحديث لو صح لكان فاصلا للنزاع لكنه ضعيف فمن ضعفه قال صلاة المسبل صحيحة ومن صححه قال صلاة المسبل غير صحيحة وعلى كل حال فإن الإنسان يجب عليه أن يتقي الله ﷿ وألا يتخذ من نعمته وسيلة لغضبه والعياذ بالله فإن من بارز الله بالعصيان وقيل له: إن الثواب النازل عن الكعب حرام ومن كبائر الذنوب ولكنه لم يبال بهذا فهذا استعان بنعمة الله على معصية الله نسأل الله العافية\n٧٩٨ - وعن قيس بن بشر التغلبي قال أخبرني أبي وكان جليسا لأبي الدرداء قال كان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له سهل ابن الحنظلية وكان رجلا متوحدا قلما يجالس الناس إنما هو صلاة فإذا فرغ هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك قال بعث رسول الله ﷺ سرية فقدمت فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﷺ فقال لرجل إلى جنبه لو رأيتنا حين التقينا نحن","vol":"4","page":301},{"text":"والعدو فحمل فلان فطعن فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأسا، فتنازعا حتى سمع رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله؟ لا بأس أن يؤجر ويحمد فرأيت أبا الدرداء سر بذلك وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أأنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فيقول: نعم فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول ليبركن على ركبتيه قال فمر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك قال قال لنا رسول الله ﷺ: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها ثم مر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك قال قال رسول الله ﷺ: نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره فبلغ ذلك خريما فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه ثم مر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش","vol":"4","page":302},{"text":"رواه أبو داود بإسناد حسن إلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثيقه وتضعيفه وقد روي له مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n في هذا الحديث الذي ذكره المؤلف في قصة ابن الحنظلة ﵁ عبر وفوائد حيث كان رجلا يحب التفرد ما هو إلا صلاة ثم تسبيح ثم في شأن أهله يعني أنه لا يحب أن يذهب عمره سدي مع الناس في القيل والقال والكلام الفارغ الذي ليس فيه فائدة يصلي ويسبح ويكون في أهله فمر ذات يوم بأبي الدرداء ﵁ وهو جالس مع أصحابه فقال له أبو الدرداء ﵁ كلمة تنفعنا ولا تضرك يعني أعطنا كلمة أو قل لنا كلمة تنفعنا ولا تضرك فذكر ابن الحنظلية أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث سرية ثم قدمت السرية والسرية يعني الجيش القليل أقل من أربعمائة نفر، يذهبون يقاتلون الكفار إذا لم يسلموا فقدموا إلى النبي ﵊ فجلس أحدهم في المكان الذي يجلس فيه الرسول ﵊، وجعل يتحدث عن السرية وما صنعته وذكر رجلا راميا يرمي ويقول: خذها وأنا الغلام الغفاري يفتخر","vol":"4","page":303},{"text":"والحرب لا بأس أن الإنسان يفتخر فيها أمام العدو ولهذا جاز للإنسان في مقابلة الأعداء أن يمشي الخيلاء وأن يتبختر في مشيته وأن يضع على عمامته ريش النعام وما أشبه ذلك مما يعد مفخرة لأن هذا يغيظ الأعداء وكل شيء يغيظ الكفار فلك فيه أجر عند الله حتى الكلام الذي يغيظ الكافر ويذله هو عز لك عند الله ﷿ وأجر هذا الغلام الغفاري كان يفتخر ويقول خذها يعني خذ الرمية وأنا الغلام الغفاري فقال بعض الحاضرين بطل أجره لأنه افتخر إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وهذا صحيح أن الله لا يحب كل مختال فخور إلا في الحرب فقال الآخر لا بأس في ذلك فصار بينهم كلام فخرج النبي ﷺ وهم يتنازعون فقال: سبحان الله يعني تنزيها لله ﷿ عن كل عيب ونقص لأن الله تعالى كامل الصفات من كل وجه ليس في علمه قصور ولا في قدرته قصور ولا في حكمته قصور ولا في عزته قصور كل صفاته جل وعلا كاملة من جميع الوجوه قال: سبحان الله يعني كيف تتنازعون في هذا؟ لا بأس أن يحمد ويؤجر يعني يجمع الله له بين خيري الدين والدنيا يحمد بأنه رجل شجاع رام وأنه يؤجر عند الله ﷿ فلا بأس في هذا","vol":"4","page":304},{"text":"وكان عامر بن الأكوع ﵁ لما لحق القوم في عهد الرسول ﵊ كان يقول خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فلا بأس أن يفتخر الإنسان في حال الحرب بنفسه وقوته وعشيرته وما أشبه ذلك ومر ابن الحنظلية بأبي الدرداء يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك يعني كلمة تنفعنا ولا تضرك فأخبره أن النبي ﷺ قال: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها لأن الخيل في ذلك الوقت هي المركوب الذي يركب به في الجهاد في سبيل الله والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها فيكون الإنفاق على الخيل من الصدقات لأنها تستعمل في الجهاد في سبيل الله ثم مر به مرة آخرى فقال: كلمة تنفعنا ولا تضرك فأخبره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أثنى على رجل إلا أنه قال: لولا طول جمته وإسبال إزاره الجمة: الشعر يعني أنه عنده شيء من الخيلاء هذا الرجل قد أطال شعره وأطال ثوبه، فسمع الرجل بذلك فقص جمته حتى صارت إلى كتفه وقصر ثوبه","vol":"4","page":305},{"text":"وفي هذا: دليل على أن طول الجمة يعني الشعر للرجال من المخيلة وأن الشعر للرجل لا يتجاوز الكتف أو شحمة الأذن أو ما أشبه ذلك لأن الذي يحتاج إلى التجمل بالرأس هي المرأة فإن المرأة هي التي تحتاج إلى التجمل وفي هذا إشارة إلى أن الرجل لا يجوز لهم أن يتشبهوا بالنساء في الشعر أو غير الشعر لأن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والله ﷾ جعل الذكور جنسا والإناث جنسا وأحل لكل واحد منهما ما يناسبه فلا يجوز أن يلحق الرجال بالنساء ولا أعلم أن أحدا من المسلمين ألحق النساء بالرجال في كل شيء لكن الكفار الذين انتكسوا ونكس الله فطرتهم وطبيعتهم هم اللذين يقدمون النساء ويقولون لابد أن تشارك المرأة الرجل حتى لا يحصل فرق ولا شك أن هذا خلاف الفطرة التي جبل الله عليها الخلق وخلاف الشريعة التي جاءت بها الرسل فالنساء لهن خصائص والرجال لهم خصائص ثم إن الرجل سمع ذلك فقص جمته وفيه دليل على امتثال","vol":"4","page":306},{"text":"الصحابة ﵃ لأمر النبي ﷺ واسترشادهم بإرشاده وأنهم كانوا يتسابقون إلي تنفيذ ما يقول وهذا علامة الإيمان أما المتباطئ في تنفيذ أمر الله ورسوله، فإن فيه شبها من المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، تجده مثلا يخبر عن حكم الله ورسوله في شيء، ثم يتباطأ ويتثاقل وكأنما وضع رأسه صخرة والعياذ بالله ثم يذهب إلى كل عالم لعله يجد رخصة مع أن العلماء قالوا إن تتبع الرخص من الفسق والعياذ بالله والمتتبع للرخص فاسق حتى إن بعضهم قال: إن من تتبع الرخص فقد تزندق أي صار زنديقا فعلى الإنسان إذا بلغه أمر الله ورسوله من شخص يثق به في علمه وفي دينه ألا يتردد، وأقول في علمه ودينه لأن من الناس من هو دين ملتزم متق لكن ليس عنده علم، تجده يحفظ حديثا من أحاديث الرسول ثم يقوم يتكلم في الناس وكأنه إمام من الأئمة، وهذا يجب الحذر منه ومن فتاواه، لأنه قد يخطئ كثيرا لقلة علمه ومن الناس من يكون عنده علم واسع لكن له هوى والعياذ بالله، يفتي الناس بما يرضى الناس لا بما يرضي الله، وهذا يسمى عالم الأمة.\nفالعلماء ثلاثة أقسام: عالم دولة، وعالم أمة.","vol":"4","page":307},{"text":"أما عالم الملة: فهو الذي ينشر دين الإسلام، ويفتي بدين الإسلام عن علم، ولا يبالي بما دل عليه الشرع أوافق أهواء الناس أم لم يوافق.\nوأما عالم الدولة: فهو الذي ينظر ماذا تريد الدولة فيفتي بما تريد الدولة، ولو كان في ذلك تحريف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nوأما عالم الأمة: فهو الذي ينظر ماذا يرضى الناس، إذا رأى الناس على شيء أفتي بما يرضيهم، ثم يحاول أن يحرف نصوص الكتاب والسنة من أجل موافقة أهواء الناس نسأل الله أن يجعلنا من علماء الملة العاملين بها فالمهم أن الإنسان يجب عليه ألا يغرر بدينه وألا يغتر، بل يكون مطمئنا حتى يجد من يثق به في علمه ودينه ويأخذ دينه منه كما قال أحد السلف: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.\nفهذا العلم دين وطريق إلى الله ﷿، ثم إن هؤلاء المغرمين بالكفار، وتقليدهم والعياذ بالله تجدهم يقلدون الكفار في الملابس، فإذا جاءت هذه المجلات التي يسمونها البردة وغيرها اشتروها مباشرة وذهبوا بها إلى أهل البيت، وقالوا: انظروا إلى هذه الملابس، فتجد صورا خليعة وألبسه مخالفة للشريعة، والنساء","vol":"4","page":308},{"text":"لقصرهن نظرا ونقصهن عقلا ودينا، إذا رأت شيئا يعجبها يمليه عليها هواها قالت لزوجها: أريد مثل هذا، أو ذهبت بنفسها إلى الخياط ليصنع لها مثل هذه الألبسة الفاضحة فيصبح الشعب المسلم في زيه كزي الشعب الكافر والعياذ بالله، وهذه مسألة خطيرة قال ﷺ: من تشبه بقوم فهو منهم ومن ذلك الآن ما تفعله النساء برؤوسهن، كان النساء إلى عهد قريب تفرح المرأة إذا طال شعرها، والخاطب إذا خطب امرأة كان يسأل عن شعرها أطويل هو أم قصير؟ أما الآن فصار الأمر بالعكس المرأة تقص رأسها حتى يكون قريبا من رأس الرجل أو مثل رأس الرجل نسأل الله العافية.\nثم بدأن أيضا بستعملن ما يسمى بالخنفسة، تجد المرأة تقص سوالف رأسها مقدم الرأس والباقي يبقى مقصرا مشرفا، كل هذا تقليد، كل هذا بسبب الغفلة من الرجال عن النساء، والواجب أن تكون رجلا في بيتك، رجلا بمعنى الكلمة في تكون كأنك خشبة عند أهلك.\nإذا رأيت أهلك مقصرين في واجب لله ﷿ مرهم به، وإذا كان الشرع يجيز لك أن تضرب فاضرب، إذا رأيتهم يخالفون الشرع في شيء من الأمور الأخرى فألزمهم بالشرع، لأنك مسئول أعطاك النبي ﷺ إمارة على أهلك الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته ما نصبك فلان وفلان ما نصبك أمير البلد ولا الوزير ولا الملك ولا غيره نصبك محمد رسول الله ﷺ.","vol":"4","page":309},{"text":"فأنت أمير في بيتك الرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، ولم يقل: راع وسكت، ولو كان كذلك لهان الأمر لكن قال: ومسئول عن رعيته فانظر ماذا يكون جوابك إذا وقفت يوم القيامة بين يدي الله فعلينا أن ننتبه إلى هذه الأمور قبل أن يجترفنا السيل الجرار الذي لا يبقى ولا يذر والعياذ بالله ثم تنقلب عاداتنا وأحوالنا كأحوال النصارى ثم ذكر في بقية الحديث أن النبي ﷺ أرشدهم إلى أن يخرج الرجل على وجه يرضي قال: إنكم قادمون على إخوانكم يعني فاصلحوا أحوالكم واصلحوا ثيابكم لأنه من المعروف فيما سبق أن المسافر تكون ثيابه رثة ويكون شعره شعثا ويكون عليه الغبار، ليس الأمر كاليوم فاليوم تسافر بالطائرات نظيفة ونزيهة وليس فيها شيء لكن فيما سبق كان الأمر على العكس من هذا فأمرهم أن يصلحوا أحوالهم يعني الشعر الشعث","vol":"4","page":310},{"text":"يرجل ويصلح وكذلك يتنظف الإنسان ويلبس الثياب التي ليست ثياب سفر حتى لقي الناس دون أن يشمئزوا منه.\nوفي هذا: إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يلاحظ نفسه في هذه الأمور ولا يكون غافلا حتى جمال الثياب فإنه لما قال النبي ﵊: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة خردل من كبر قالوا: يا رسول الله كلنا يجب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال ﵊: إن الله جميل يحب الجمال يعني يحب التجمل، ليكن ثوبك حسنا ونعلك حسنا وهيئتك حسنة إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس بطر الحق يعني رد الحق أن الإنسان يستكبر عن الحق يقال: هذا حق فيعرض والعياذ بالله وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم وألا يراهم شيئا قال رجل لابنه يا بني كيف ترى الناس؟ قال: أراهم ملوكا قال هم يرونك كذلك وقال آخر لابنه: كيف ترى الناس قال: لا أراهم شيئا قال: هم كذلك يرونك يعني إذا رأيت الناس ملوكا فهم يجعلونك ملكا وإذا لم ترهم شيئا لا تكون أنت شيئا عندهم فالناس ينظرون إليك بقدر ما تنظر إليهم","vol":"4","page":311},{"text":"٧٩٩ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إزارة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه رواه أبو داود بإسناد صحيح\n٨٠٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: مررت على رسول الله ﷺ وفي إزارى استرخاء فقال: يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته ثم قال: زد فزدت، فما زلت أتحراها بعد فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: إلى أنصاف الساقين رواه مسلم.\n٨٠١ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن، قال: يرخين شبرا قالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"4","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أحاديث ثلاثة ساقها النووي ﵀ في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) منها: حديث أبي سعيد ﵁، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إزارة المسلم إلى نصف الساق، ولا جناح، أو قال: لا حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه فقسم النبي ﷺ طول القميص إلى أربعة أقسام: القسم الأول: السنة إلى نصف الساق.\nوالقسم الثاني: الرخصة: وهو ما نزل من نصف الساق إلى الكعب والقسم الثالث: كبيرة من كبائر الذنوب وهو ما نزل عن الكعبين ولكنه لم يكن بطرا القسم الرابع: من جر ثوبه خيلاء أو بطرا وهو أشد من الذي قبله فصارت الأقسام أربعة: قسم هو السنة وقسم جائز وقسم محرم بل من كبائر الذنوب لكنه دون الذي بعده، والقسم الرابع من جره خيلاء، فإن الله تعالى لا ينظر إليه وفي هذا: دليل على أن من أنزل ثوبه إزارا أو قميصا أو سروالا","vol":"4","page":313},{"text":"أو (مشلحا) إلى أسفل من الكعبين فإنه قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب سواء فعل ذلك خيلاء أو لغير الخيلاء لأن النبي ﷺ فرق في هذا الحديث بين ما كان خيلاء وما لم يكن كذلك فالذي جعله خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة وإذا ضممنا هذا الحديث إلى حديث أبي ذر السابق قلنا: لا ينظر الله إليه ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.\nأما ما دون الكعبين، فإنه يعاقب عليه بالنار فقط، ولكن لا تحصل له العقوبات الأربع ثم ذكر حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمره أن يرفع إزاره، فرفعه ثم قال: زد ثم قال: زد: حتى قال رجل: إلى أين يا رسول الله؟ قال: إلى أنصاف الساقين يعني الزيادة إلى فوق لا تتجاوز نصف الساق من فوق، لكنها من نصف الساق إلى الكعب كل هذا جائز، وكلما ارتفع نصف الساق فهو أفضل.\nوأما حيث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ رخص للنساء أن يرخين ذيولهن يعني أسفل ثيابهن إلى شبر، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، فقال ﵊: فيرخينه ذراعا لا يزدن لأن المرأة قدمها عورة، فإذا برز للناس ورأوه فإن ذلك قد","vol":"4","page":314},{"text":"يكون فيه فتنة فإذا نزلت ثوبها وجعلت تمشي سترت قدمها وفي هذا: دليل على وجوب تغطية الوجه، لأنه إذا كانت القدم يجب سترها مع أن الفتنة فيها أقل من الفتنة في الوجه فستر الوجه من باب أولى، ولا يمكن للشريعة التي نزلت من لدن حكيم خبير أن تقول للنساء يغطين أقدامهن ولا يغطين وجوههن، لأن هذا تناقض، بل هذا إعطاء للحكم في شيء وحجب الحكم عن شيء أولى منه، وهذا لا يتصور في الشريعة العادلة هي الميزان، ولهذا جانب الصواب من قال من العلماء إنه يجب أن تستر القدمان ولا يجب أن يستر الوجه والعينان، هذا لا يمكن أبدا، والصواب الذي لا شك فيه عندنا فيه، أنه لا يحل للمرأة أن تكشف وجهها إلا لزوجها أو محارمها","vol":"4","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>باب استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعا </span>قد سبق في باب فضل الجوع وخشونة العيش تتعلق بهذا الباب\n٨٠٢ - وعن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من ترك اللباس تواضعا لله، وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخبره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها رواه الترمذي وقال: حديث حسن","vol":"4","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>باب استحباب التوسط في اللباس ولا يقتصر على ما يزري به </span>لغير حاجة ولا مقصود شرعي\n٨٠٣ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده رواه الترمذي وقال: حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n عقد المؤلف ﵀ في (كتاب اللباس) هذين البابين الباب الأول: في استحباب ترك رفيع الثياب تواضعا لله ﷿ والثاني: في التوسط في اللباس.\nأما الأول: فعن معاذ بن أنس ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من ترك اللباس يعني اللباس الجميل الطيب تواضعا لله ﷿ وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها وهذا يعني أن الإنسان إذا كان بين أناس متوسطي الحال لا يستطيعون اللباس الرفيع فتواضع وصار يلبس مثلهم، لئلا","vol":"4","page":317},{"text":"تنكسر قلوبهم، ولئلا يفخر عليهم، فإنه ينال هذا الأجر العظيم أما إذا كان بين أناس قد أنعم عليهم ويلبسون الثياب الرفيعة لكنها غير محرمة، فإن الأفضل أن يلبس مثلهم لأن الله تعالى جميل يحب الجمال ولاشك أن الإنسان إذا كان بين أناس رفيعي الحال يلبسون الثياب الجميلة ولبس دونهم فإن هذا يعد لباس شهرة فالإنسان ينظر ما تقتضيه الحال فإذا كان ترك رفيع الثياب تواضعا لله ومواساة لمن كان حوله من الناس فإن له هذا الأجر العظيم أما إذا كان بين أناس قد أغناهم الله ويلبسون الثياب الرفيعة فإنه يلبس مثلهم ثم ذكر المؤلف ﵀ الاقتصاد في اللباس وأن الإنسان يقتصد في جميع أحواله في لباسه وطعامه وشرابه لكن لا يجحد النعمة فإن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده إذا أنعم على عبده نعمة فإنه يحب أن يري أثر هذه النعمة عليه فإن كانت مالا فإنه يحب ﷾ أن يرى أثر هذا المال على من أنعم الله عليه به بالإنفاق والصدقات والمشاركة في الإحسان والثياب الجميلة اللائقة به وغير ذلك وإذا أنعم الله على عبده بعلم فإنه يحب أن يرى أثر هذه النعمة عليه بالعمل بهذا العلم في العبادة وحسن المعاملة ونشر","vol":"4","page":318},{"text":"الدعوة وتعليم الناس وغير ذلك وكلما أنعم الله عليك نعمة فأر الله تعالى أثر هذه النعمة عليك فإن هذا من شكر النعمة وأما من أنعم الله عليه بالمال وصار لا يرى عليه أثر النعمة يخرج إلى الناس بلباس رث وكأنه أفقر عباد الله فهذا في الحقيقة قد جحد نعمة الله عليه كيف ينعم الله عليك بالمال والخير وتخرج إلى الناس بثياب كلباس الفقراء أو أقل وكذلك ينعم الله عليك بالمال ثم تمسك ولا تنفق لا فيما أوجب الله عليك ولا فيما ندب لك أن تنفق فيه ينعم الله عليك بالعلم فلا يرى أثر هذه النعمة عليك لا بزيادة عبادة أو خشوع أو حسن معاملة ولا بتعليم الناس ونشر العلم كل هذا النوع من كتمان النعمة التي ينعم الله بها على العبد والإنسان كلما أنعم الله عليه بنعمة فإنه ينبغي أن يظهر أثر هذه النعمة عليه حتى لا يجحد نعمة الله","vol":"4","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>باب تحريم لباس الحرير على الرجال وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه </span>وجواز لبسه للنساء\n٨٠٤ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة متفق عليه\n٨٠٥ - وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما يلبس الحرير من لا خلاق له متفق عليه وفي رواية للبخاري: من لا خلاق له في الآخرة قوله: من لا خلاق له أي: لا نصيب له.\n٨٠٦ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة متفق عليه\n٨٠٧ - وعن علي ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ أخذ حريرا فجعله في يمينه وذهبا فجعله في","vol":"4","page":320},{"text":"شماله ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي رواه أبو داود بإسناد حسن\n٨٠٨ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح\n٨٠٩ - وعن حذيفة ﵁ قال: نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن تجلس عليه رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n (باب تحريم الحرير على الرجال وافتراشه والاستناد إليه) هذه ثلاثة أمور: لباس الحرير وافتراشه والاستناد إليه وقد جزم المؤلف بأن هذا حرام على الرجال وذلك للأحاديث التي أوردها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأنس بن مالك وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان ﵃ وكلها تدل على تحريم لباس الذهب وعلى تحريم لباس الحرير","vol":"4","page":321},{"text":"للرجال وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة يعني إذا لبس الرجل حريرا في الدنيا فإنه لا يلبسه في الآخرة وهذا وعيد يدل على أن لباس الحرير للرجال من كبائر الذنوب لأن فيه الوعيد في الآخرة وكل ذنب فيه وعيد الآخرة فهو كبيرة من كبائر الذنوب عند أهل العلم، ولا فرق بين أن يكون قميصا أو سراويل أو غترة أو طاقية أو غير ذلك مما يلبس كل هذا حرام على الرجال إذا كان من الحرير ولا يجوز للرجال أن يلبسوا شيئا من الحرير لا قليلا ولا كثيرا وفي حديث على النبي ﷺ أخذ ذهبا وحريرا بيديه وقال: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم والحكمة في ذلك أن المرأة محتاجة إلى التجمل لزوجها فأبيح لهذا الذهب والحرير وأما الرجل فليس في حاجة إلى ذلك فهذا حرم عليه لبس الذهب والحرير وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه: إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة يعني من لا نصيب له في الآخرة ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان إذا لبس الحرير في الدنيا فإنه لا يدخل الجنة والعياذ بالله لأن الرسول ﵊ قال لا خلاق له في الآخرة أي لا نصيب له","vol":"4","page":322},{"text":"وقال أيضا: من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وهذا يعني أنه لا يدخل الجنة ولكن قال بعض العلماء: إنه يدخلها ولكن لا يتمتع بلباس الحرير مع أن أهل الجنة لباسهم فيها حرير وإنما يلبس شيئا آخر وهذا ما لم يتب فإن تاب من ذنوبه فإن التائب من الذنب يغفر الله له ذنبه كما قال تعالى قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وهذا في الحرير الطبيعي الذي يخرج من دود القز وأما الحرير الصناعي فليس حراما لكن لا ينبغي للرجل أن يلبسه لما فيه من الميوعة والتنزل بحال الرجل الذي ينبغي أن يكون فيها خشنا يلبس ثياب الرجولة لا ثياب النعومة لكن الفائدة من قولنا: إن الحرير الصناعي ليس حراما يعني لو لبس طاقية من الحرير الصناعي أو سروالا لا يرى فهذا لا بأس به وأما القميص والغترة فلا ينبغي وإن كان حلالا لا ينبغي أن يلبسه الرجل لما فيه من الميوعة والتدني ولأن الجاهل إذا رآه يظنه حريرا طبيعيا فيظن أن ذلك سائغ للرجل وربما يقتدي به السلامة أسلم للإنسان وكذلك الذهب فإنه محرم على الرجال حلال للنساء لأنهن","vol":"4","page":323},{"text":"يحتجن إلى التجمل لأزواجهن وأما الدبلة من الذهب فهي حرام على الرجل لاشك وأما المرأة فإن قارن ذلك عقيدة كاعتقادها أنها تحببها إلى زوجها فهي حرام وإن كان بدون عقيدة فهي خاتم من الخواتم","vol":"4","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>باب جواز لبس الحرير لمن به حكة</span>\n٨١٠ - عن أنس ﵁ قال: رخص رسول الله ﷺ للزبير وعبد الرحمن بن عوف ﵄ في لبس الحرير لحكة بهما.\nمتفق عليه","vol":"4","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>باب النهي عن افتراش جلود النمور والركوب عليها</span>\n٨١١ - عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تركبوا الخز ولا النمار حديث حسن رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن\n٨١٢ - عن أبي المليح عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع رواه أبو داود، والترمذي والنسائي بأسانيد صحاح.","vol":"4","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>باب ما يقول إذا لبس ثوبا جديدا</span>\n٨١٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ: إذا استجد ثوبا سماه عمامة أو قميصا أو رداء يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأبواب التي ذكرها المؤلف هي آخر أبواب كتاب رياض الصالحين فالباب الأول: جواز لبس الحرير لمن به حكة وقد سبق أن النبي ﷺ نهي الرجال عن لبس الحرير وقال: إنما يلبسه من لا خلاق له وقال: من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك فإنه لا بأس به مثل أن يكون في الإنسان حكة يعني حساسية واحتاج إلى لبس الحرير فإنه","vol":"4","page":327},{"text":"يلبسه ويكون مما يلي الجسد لأن الحرير لين وناعم وبارد يناسب الحكة فيطفؤها ولهذا رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير أن يلبسا الحرير من حكة كانت بهما كذلك أيضا إذا كان الحرير أربعة أصابع فأقل يعني عرضه أربعة أصابع فأقل فإنه لا بأس به لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص في ذلك يعني مثلا لو كان إنسان عنده جبة وفي فتحتها خيوط من الحرير أو تطريز من الحرير لا يتجاوز أربعة أصابع فإن ذلك لا بأس به وكذلك إذا كان الثوب مختلطا بين الحرير والقطن أو بين الحرير والصوف وكان الأكثر الصوف أو القطن يعني أكثر من الحرير فإنه لا بأس به فهذه ثلاثة أمور الأمر الرابع: إذا كان الحرب يعني التقى الصفان بين المسلمين والكفار فلا بأس أن يلبس الإنسان ثياب الحرير لأن ذلك يغيظ الكفار وكل شيء يغيظ الكفار فإنه مطلوب فهذه أربعة أشياء تستثنى: الأول: إذا كان لحاجة كالحكة ويكون مما يلي الجسد والحكمة في ذلك واضحة الثاني: إذا كان أربعة أصابع فأقل والثالث: إذا كان مختلطا والأكثر ظهورا سوى الحرير","vol":"4","page":328},{"text":"والرابع: في الحرب من أجل إغاظة الكفار فهذه المواضع الأربعة لا بأس فيها من الحرير أما الباب الثاني: فهو لباس جلود النمار والنمار جمع نمر وهو حيوان معروف فلا يجوز للإنسان أن يلبس فروا من جلود النمار وكذلك لا يجوز الإنسان أن يلبس فروا من جلود السباع كما يدل عليه الحديث الآخر لأن جلود السباع نجسة كل السباع نجسة وأخبثها الكلب لأن نجاسة الكلب مغلظة لا يكفي فيها إلا الغسل سبع مرات إحداها بالتراب أما ما سواه من السباع فهو نجس، لكن ليس بهذه الغلظة وعلى كل حال فجلود الذئاب وجلود النمور وأي جلود أخرى حرام كجلد الأسد مثلا يحرم لبسها وكذلك ويحرم افتراشها لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهي عن ذلك يعنى لو جعلتها مقاعد تجلس عليها فإن ذلك حرام أما جلود الضأن وجلود ما تحله الزكاة، فلا بأس أن يفترشها الإنسان ولا بأس أن يلبسها أيضا لأنها طاهرة والطاهر لا بأس باستعماله.\nوأما الباب الثالث: فهو ما يقوله الإنسان إذا لبس ثوبا جديدا ولا شك أن الإنسان لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولا","vol":"4","page":329},{"text":"شك أن ما نأكله ونشربه ونلبسه من نعمة الله ﷿ وأنه هو الذي خلقه لنا ولولا أن الله يسره ما تيسر لو شاء تعالى لفقد المال من بين أيدينا فلم نستطيع أن نحصل شيئا ولو شاء الله لوجد المال بيننا لكن لا نجد شيئا نطعمه أو نلبسه ونشربه قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَّأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَّعِينٍ فكل ما بنا من نعمة الله وحده ومن ذلك اللباس فإذا من الله عليك بلباس جديد قميص أو سروال أو غترة أو مشلح أو نحوها ولبستها فقل: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه وتسميه باسمه اللهم لك الحمد أنت كسوتني هذا القميص أنت كسوتني هذا السروال أنت كسوتني هذه الغترة أنت كسوتني هذه الطاقية أنت كسوتني هذا المشلح أي شيء تلبسه وهو جديد فاحمد الله قل: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له فربما يكون هذا سبب شر عليك ربما تأكل النار طرفه ثم تتقد حتى تشمل هذا اللباس وتقضي عليك أنت أيضا ربما تكون فيه أشياء سامة ما تعلم عنها شيئا فالمهم أنك تقول: اللهم إني أعوذ بك من شره وشر ما صنع له لأنه قد يصنع ويكون سببا للشر كأن يحمل صاحبه على الكبر والترفع على الناس أو قد يكون سببا للفتنة وهي من أعظم الشر والفساد كتلك الألبسة التي تتفنن النساء في صنعها مضاهاة لغيرهن","vol":"4","page":330},{"text":"من نساء الغرب الكافرات","vol":"4","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>كتاب آداب النوم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>باب آداب النوم والاضطجاع والقعود والمجلس والجليس والرؤيا</span>\n٨١٤ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن، ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب الأدب من صحيحه\n٨١٥ - وعنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اظطجع على شقك الأيمن وقل ...\nوذكر نحوه وفيه واجعلهن آخر ما تقول متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n عقد المؤلف ﵀ كتابا في آداب النوم والجلوس والجليس وغير ذلك مما يحتاج إليه الإنسان في","vol":"4","page":332},{"text":"حياته وهذا يدل على أن هذا الكتاب أعني رياض الصالحين كتاب شامل عام ينبغي لكل مسلم أن يقتنيه وأن يقرأه وأن يفهم ما فيه فذكر المؤلف ﵀ آداب النوم والنوم من آيات الله ﷿ الدالة على كمال قدرته وحكمته قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ وهو نعمة من الله تعالى على العبد لأنه يستريح فيه من تعب سابق وينشط فيه لعمل لاحق فهو ينفع الإنسان فيما مضى وفيما يستقبل وهو من كمال الحياة الدنيا وذلك لأن الدنيا ناقصة فتكمل بالنوم لأجل الراحة لكنه نقص من وجه آخر بالنسبة للقيوم ﷿ وهو الله فإن الله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ لكمال حياته فهو لا يحتاج إلى النوم ولا يحتاج إلى شيء وهو الغني الحميد ﷿ لكن الإنسان في هذه الحياة الدنيا بشر ناقص يحتاج إلى تكميل والنوم عبارة عن أن الله ﷾ يقبض النفس حين النوم لكنه ليس القبض التام الذي تحصل به المفارقة التامة ولذلك تجد الإنسان حيا ميتا في الحقيقة لا يحس بما عنده لا يسمع قولا ولا يبصر شخصا ولا يشم رائحة ولكن","vol":"4","page":333},{"text":"لم تخرج نفسه من بدنه الخروج الكامل قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ وهذه الوفاة الكبرى: ﴿والتي لم تمت في منامها﴾ يتوفاها في منامها ﴿فيمسك التي قضى عليها الموت﴾ وهي الأولى ﴿ويرسل الآخرى﴾ وهي النائمة يعني يطلقها ﴿إلى أجل مسمى﴾ لأن كل شيء عند الله تعالى وبمقدار وكل شيء عنده بأجل مسمى كل فعله جل وعلا حكمة في غاية الإتقان فهذا النوم من آيات الله ﷿ تأتي القوم مثلا في حجرة أو في سطح أو في بر وهم نيام كأنهم جثث موتى لا يشعرون بشيء ثم هؤلاء القوم يبعثهم الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ثم إن الإنسان يعتبر بالنوم اعتبارا آخر وهو إحياء الأموات بعد الموت فإن القادر على رد الروح حتى يصحو الإنسان ويستيقظ ويعمل عمله في الدنيا قادر على أن يبعث الأموات من قبورهم وهو على كل شيء قدير ومن آداب النوم: أن ينام الإنسان على الشق الأيمن لأن هذا فعل النبي ﷺ وأمره فالبراء بن عازب ﵁ روى أن النبي","vol":"4","page":334},{"text":"ﷺ كان يضطجع على شقه الأيمن والنبي ﷺ أمر البراء بن عازب أن ينام على شقه الأيمن هذا هو الأفضل سواء كانت القبلة خلفك أو أمامك أو عن يمينك أو عن شمالك النوم على الأيمن هو المهم لأمر النبي ﷺ به بعض الناس اعتاد أن ينام على الجنب الأيسر ولو نام على الأيمن ربما لا يأتيه النوم لكن عليه أن يعود نفسه لأن المسألة ليست بالأمر الهين ثبتت من فعل الرسول ﷺ وأمره فأنت إذا نمت على الجنب الأيمن تشعر بأنك متبع الرسول ﵊ حيث كان ينام على جنبيه الأيمن وممتثل لأمره حيث أمر به ﵊ فعود نفسك وجاهدها على ذلك يوما أو يومين أو أسبوعا حتى تستطيع النوم وأنت ممتثل لسنة نبيك ﷺ.\nومن السنن أيضا إذا تيسر أن تضع يدك اليمنى تحت خدك الأيمن لأن هذا ثبت من فعل الرسول ﵊ فإن تيسر لك ذلك فهو جيد وأفضل وإن لم يتيسر فليس هو بالتأكيد كمثل النوم على الجنب الأيمن ومن ذلك أيضا أن تقول هذا الذكر الذي قاله النبي ﷺ وأمر به اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا","vol":"4","page":335},{"text":"منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت واجعل هذا آخر ما تقول يعني بعد الأذكار الأخرى مثل اللهم بك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين وما أشبه ذلك المهم اجعل هذا الذكر الذي علمه النبي ﷺ البراء بن عازب آخر ما تقول وقد أمر النبي ﷺ البراء بن عازب أن يعيد عليه هذا الذكر فأعاده لكن قال وبرسولك الذي أرسلت فقال له النبي ﷺ لا قل وبنبيك الذي أرسلت ولا تقل وبرسولك قال أهل العلم: وذلك لأن الرسول يطلق على الرسول البشري والرسول الملكي جبريل كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ والنبي للنبي البشري وأنت إذا قلت نبيك الذي أرسلت جمعت بين الشهادة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنبوة والرسالة فكان هذا اللفظ أولى من قولك وبرسولك الذي أرسلت لأنك لو قلت","vol":"4","page":336},{"text":"وبرسولك الذي أرسلت يمكن أن يكون جبريل لأن جبريل رسول أرسله الله إلى الأنبياء بالوحي فينبغي عليكم أن تحفظوا هذا الذكر وأن تقولوه إذا اضطجعتم على فرشكم وأن تجعلوه آخر ما تقولون امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واتباعا لسنته وهديه هذه من آداب النوم ومن حكمة الله ﷿ ورحمته أنك لا تكاد تجد فعلا للإنسان إلا وجدته مقرونا بذكر اللباس له ذكر، الأكل له ذكر، الشرب له ذكر، النوم له ذكر، حتى جماع الرجل لامرأته له ذكر كل شيء له ذكر وذلك من أجل ألا يغفل الإنسان عن ذكر الله يكون ذكر الله على قلبه دائما وعلى لسانه دائما وهذه من نعمة الله التي نسأل الله تعالى أن يرزقنا شكرها وأن يعيننا عليها\n٨١٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يصلى من الليل إحدى عشرة ركعة فإذا طلع الفجر صلى ركعتين حفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يجيء المؤذن فيؤذنه متفق عليه","vol":"4","page":337},{"text":"٨١٧ - وعن حذيفة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيا وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه من الأحاديث التي ساقها النووي ﵀ في (كتاب آداب النوم) وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر البراء بن عازب أن يضطجع على جنبه الأيمن وأن يقول: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك إلى آخر الحديث وبينا أن السنة والأفضل أن ينام الإنسان على جنبه الأيمن وفي حديث حذيفة ﵁ أنه ينبغي أن يضع الإنسان يده تحت خده ومعلوم أنها اليد اليمنى تكون تحت الخد الأيمن وهذا ليس على سبيل الوجوب ولكن على سبيل الأفضلية فإن تيسر لك هذا وإلا فالأمر واسع ولله الحمد فكان النبي ﷺ يضع يده تحت خده ويقول: باسمك اللهم أموت وأحيا يعني أنني أموت وأحيا بإرادة الله ﷿ والمراد","vol":"4","page":338},{"text":"بالموت هنا والله أعلم موت النوم لأن النوم يسمى وفاة أو أنه الموت الأكبر الذي هو مفارقة الروح للبدن ويكون كقوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وإذا قام قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور وهذا يؤيد أن المراد بالموت في قوله: باسمك اللهم أموت وأحيا يعني موت النوم وهو الموت الأصغر أما حديث عائشة ﵂ فقد أخبرت أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وهذا أكثر ما كان يصلي إما إحدى عشرة وإما ثلاثة عشر وقد ينقص عن ذلك حسب ما تكون حاله ﵊ من النشاط وعدم النشاط ثم كان إذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين وهما سنة الفجر فإن السنة أن يخففها فيقرأ في الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثانية ﴿قل هو الله أحد﴾ أو في الأولى ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ إلى آخر الآية في سورة البقرة وفي الثانية ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ في آل عمران والمهم أن يخففهما فيخفف الركوع والسجود والقيام والقعود","vol":"4","page":339},{"text":"لكن بشرط ألا يخل بالطمأنينة لأنه لو أخل بالطمأنينة لفسدت ثم يضطجع على جنبه الأيمن ﵊ بعد أن يصلي الركعتين سنة الفجر يضطجع على الجنب الأيمن حتى يؤذنه المؤذن يعني حتى يعلمه بأن وقت الإقامة قد جاء فيخرج ويصلي ففي هذا الحديث فوائد: منها: أن من نعمة الله ﷿ أن أطلعنا على ما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلمه في السر في الليل بواسطة زوجاته ﵅ وهذا من الحكمة في كثرة تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه مات عن تسع نسوة ومن فوائد ذلك أن كل امرأة منهن تأتي بسنة لا يطلع عليها إلا هي ومنها أن النبي ﷺ يصلي في الليل إحدى عشرة ركعة وكان يطيل القيام ﵊ وكان يقوم إذا انتصف الليل وأحيانا بعد ذلك حسب نشاطه وكان ﷺ إذا قام من نصف الليل ينام في آخر الليل كما قالت عائشة ﵂ في حديث آخر وإلا صلى إلى الفجر إذا تأخر فإذا طلع الفجر صلى ركعتين ثم اضطجع على جنبه الأيمن وفيه دليل على أنه يسن تخفيف ركعتي الفجر كما فعل النبي ﵊ وفيه أن الأفضل للإمام ألا يحضر إلى","vol":"4","page":340},{"text":"المسجد إلا عند إقامة الصلاة وان يجعل صلاة الرواتب في بيته كما كان النبي ﵊ يفعل أما المأموم فإنه يتقدم لكن الإمام لما كان ينتظر ولا ينتظر كانت السنة أن يتأخر في بيته حتى يصلي النوافل المشروعة ثم يأتي وفيه دليل على استحباب الاضطجاع على الجنب الأيمن بعد سنة الفجر لمن تطوع في بيته كما فعل النبي ﵊ واختلف العلماء ﵏ في هذه الضجعة: منهم من قال إنها سنة بكل حال ومنهم من قال إنها ليست بسنة إلا إذا كان الإنسان صاحب صلاة في آخر الليل فإنه يضطجع ليعطي بدنه شيئا من الراحة ومنهم من شدد فيها حتى جعلها بعض العلماء من شروط صلاة الفجر وقال من لم يضطجع بعد السنة فلا صلاة له لكن هذا قول شاذ وإنما ذكرناه لنبين لكم أن بعض العلماء يأتون بأقوال شاذة بعيدة عن الصواب والصواب أنها سنة لمن كان له تهجد من الليل وصلاة وطول قيام فهذا يضطجع حتى يؤذن بالصلاة وهذا في حق الإمام ظاهر أما المأموم فإنه ربما لو اضطجع يقيمون الصلاة فيفوته شيء منها وهو لا يشعر لأن المأموم ينتظر ولا ينتظر لكن الإمام هو الذي","vol":"4","page":341},{"text":"ينتظره الناس فإذا اضطجع بعد سنة الفجر في بيته فإن هذا من السنة إذا كان ممن يجتهد في التهجد أما من لا يقوم إلا متأخرا أو لا يقوم إلا مع أذان الفجر فهذا لا حاجة إلى أن يضطجع بعد سنة الفجر\n٨١٨ - وعن يعيش بن طخفة الغفاري ﵄ قال: قال أبي: بينما أنا مضطجع في المسجد على بطني إذا رجل يحركني برجله فقال إن هذه ضجعة يبغضها الله قال فنظرت فإذا رسول الله ﷺ رواه أبو داود بإسناد صحيح\n٨١٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: من قعد مقعدا لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله تعالى ترة ومن اضطجع مضطجعا لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة رواه أبو داود بإسناد حسن الترة بكسر التاء المثناه من فوق وهي النقص وقيل التبعة","vol":"4","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه بقية الأحاديث الواردة في آداب النوم والاضطجاع ذكر فيها المؤلف حديث يعيش بن طخفة الغفاري أنه قال: حدثني أبي أنه كان نائما في المسجد على بطنه فإذا رجل يركضه برجله ويقول إن هذه ضجعة يبغضها الله ﷿ فنظرت فإذا رسول الله ﷺ ففي هذا الحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن ينام على بطنه لاسيما في الأماكن التي يغشاها الناس لأن الناس إذا رأوه على هذا الحال فهي رؤية مكروهة لكن إذا كان في الإنسان وجع في بطنه وأراد أن ينام على هذه الكيفية لأنه أريح له فإن هذا لا بأس به لأن هذه حاجة وفي هذا دليل على جواز ركض الإنسان بالرجل يعني نخسه برجله لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك وهو أشد الناس تواضعا ولا يعد هذا من الكبر اللهم إلا أن يكون في قلب الإنسان شيء من كبر فهذا شيء آخر لكن مجرد أن تركض الرجل برجلك لا يعتبر هذا كبرا إلا أنه ينبغي مراعاة الأحوال إذا كنت تخشى أن الرجل الذي تركضه برجلك يرى أنك مستهين به وأنك محتقر له فلا تفعل لأن الشيء المباح إذا ترتب عليه محظور فإنه يمنع","vol":"4","page":343},{"text":"ثم ذكر حديث أبي هريرة في الرجل يجلس مجلسا لا يذكر الله فيه أو يضطجع مضطجعا لا يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة والترة يعني الخسارة أن تجلس مجلسا لا تذكر الله فيه فهذا خسارة لأنك لم تربح فيه وفيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من ذكر الله قائما وقاعدا وعلى جنبه وكذلك إذا اضطجعت مضطجعا لم تذكر اسم الله فيه فإنه يكون عليك من الله ترة أي خسارة فأكثر من ذكر الله دائما وأبدا كن كمن قال الله تعالى فيهم: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ لتكون ممتثلا لقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أعاننا الله على ذكره وشكره وحسن عبادته","vol":"4","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>باب جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا </span>لم يخف انكشاف العورة وجواز القعود متربعا ومحتبيا\n٨٢٠ - عن عبد الله بن يزيد ﵄ أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى متفق عليه\n٨٢١ - وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة\n٨٢٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة: محتبيا بيديه هكذا ووصف بيديه الاحتباء وهو القرفصاء رواه البخاري\n٨٢٣ - وعن قيلة بنت مخرمة ﵂ قالت: رأيت النبي ﷺ وهو قاعد القرفصاء فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع في الجلسة","vol":"4","page":345},{"text":"أرعدت من الفرق رواه أبو داود والترمذي\n٨٢٤ - وعن الشريد بن سويد ﵁ قال: مر بي رسول الله ﷺ وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على إلية يدي فقال أتقعد قعدة المغضوب عليهم رواه أبو داود بإسناد صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب الذي عقده النووي ﵀ في بيان النوم على الظهر وقد سبق أن الأفضل لمن أراد أن ينام على الجنب الأيمن وسبق أن النوم على البطن لا ينبغي إلا لحاجة وبقي النوم على الظهر وهو لا بأس به شرط أن يأمن انكشاف العورة فإن كان يخشى من انكشاف عورته بحيث يرفع إحدى رجليه فيرتفع الإزار وليس عليه سراويل فإنه لا ينبغي لكن إذا أمن انكشاف العورة فإن ذلك لا بأس به وبقي شيء رابع وهو النوم على الجنب الأيسر فهذا أيضا لا","vol":"4","page":346},{"text":"بأس به فالنوم على الظهر لا بأس به والنوم على الجنب الأيسر لا بأس به والنوم على الجنب الأيمن أفضل والنوم منبطحا لا يبنبغي إلى لحاجة أما القعود فإن جميع القعود لا بأس بها فلا بأس أن يقعد الإنسان متربعا ولا بأس أن يجلس وهو محتبي القرفصاء يعني يقيم فخذيه وساقيه ويجعل يديه مضمومتين على الساقين هذا أيضا لا بأس به لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قعد هذه القعدة ولا يكره من الجلوس إلا ما وصفه النبي ﷺ بأنه قعدة المغضوب عليهم بأن يجعل يده اليسرى من خلف ظهره ويجعل بطن الكف على الأرض ويتكئ عليها فإن هذه القعدة وصفها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنها قعدة المغضوب عليهم أما وضع اليدين كلتيهما من وراء ظهره واتكأ عليهما فلا بأس ولو وضع اليد اليمنى فلا بأس إنما التي وصفها النبي ﵊ بأنها قعدة المغضوب عليهم أن يجعل اليد اليسرى من خلف ظهره ويجعل باطنها أي أليتها على الأرض ويتكئ عليها فهذه هي التي وصفها النبي ﷺ بأنها قعدة المغضوب عليهم","vol":"4","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>باب أداب المجلس والجليس</span>\n٨٢٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يقين أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه متفق عليه\n٨٢٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا قام أحدكم من مجلس ثم رجع إليه فهو أحق به رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في (باب آداب المجلس والجليس) هذا الباب عقده المؤلف ﵀ لبيان الآداب التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان في مجالسه ومع جليسه وقد ذكر الله تعالى في كتابه شيئا من آداب المجالس","vol":"4","page":348},{"text":"فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ والشريعة الإسلامية شريعة شاملة لكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم ودنياهم قال الله ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وقال أبو ذر ﵁ لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما طائر يقلب جناحه في السماء إلا ذكر لنا منه علما ولهذا تجد الشريعة بينت مسائل الدين الهامة الكبيرة كالتوحيد وما يتصل به من العقيدة والصلاة والزكاة والصيام والحج وما كان دون ذلك من آداب النوم والأكل والشرب والمجالس ثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا يعني إذا دخلت مكانا ووجدت المكان ممتلئا فلا تقل يا فلان قم ثم تجلس في مكانه ولكن إذا كنت لابد أن تجلس فقل تفسحوا توسعوا فإن الله تعالى يوسع لهم ﴿.\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا","vol":"4","page":349},{"text":"يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ أما أن تقيم الرجل وتجلس مكانه فإن هذا لا يجوز حتى في مجالس الصلاة لو رأيت إنسانا في الصف الأول فإنه لا يحل لك أن تقول له قم ثم تجلس في مكانه حتى لو كان صبيا لكنه يصلي فإنه لا يحل لك أن تقيمه من مكانه وتصلى فيه لأن الحديث عام والصبي لابد أن يصلي مع الناس ويكون في مكانه الذي يكون فيه وأما قول النبي ﷺ ليلني منكم أولا الأحلام والنهي فهو أمر للبالغين العقلاء أن يتقدموا حتى يلوا الرسول ﵊ وليس نهيا أن يكون الصغار قريبين منه ولو كان أراد ذلك لقال ﷺ لا يلني إلا أولو الأحلام والنهي أما إذا أمر أن يليه أولو الأحلام والنهي فالمعنى أنه يحثهم على التقدم حتى يكونا وراء النبي ﷺ يلونه ويفهمون عنه شريعته وينقلونها إلى الناس وكان ابن عمر ﵄ من ورعه إذا قم أحد له وقال له اجلس في مكاني لا يجلس فيه كل هذا من الورع يخشى أن هذا الذي قام قال خجلا وحياء من ابن عمر ومعلوم أن الذي يهدى","vol":"4","page":350},{"text":"إليك أو يعطيك شيئا خجلا وحياء أنك لا تقبل منه لأن هذا كالمكره ولهذا قال العلماء ﵏ يحرم قبول الهدية إذا علمت أنه أهداك حياء أو خجلا ومن ذلك أيضا إذا مررت ببيت وفيه صاحبه وقال تفضل وأنت تعرف أنه إنما قال ذلك حياء وخجلا فلا تدخل عليه لأن هذا يكون كالمكره هذا من آداب الجلوس التي شرعها النبي ﷺ لأمته ألا يقيم الرجل أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه\n٨٢٧ - وعن جابر بن سمرة ﵄ قال: كنا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن\n٨٢٨ - وعن أبي عبد الله سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع","vol":"4","page":351},{"text":"من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلى ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان نقلهما النووي ﵀ في (باب آداب المجلس والجليس) فمن آداب المجلس أن الإنسان إذا دخل على جماعة يجلس حيث ينتهي به المجلس هكذا كان فعل النبي ﷺ وفعل الصحابة إذا أتوا مجلس النبي ﷺ يعني لا يتقدم إلى صدر المجلس إلا إذا آثره أحد بمكانه أو كان قد ترك له مكان في صدر المجلس فلا بأس وأما أن يشق المجلس وكأنه يقول للناس ابتعدوا وأجلس أنا في صدر المجلس فهذا خلاف هدى النبي ﷺ وهدى أصحابه ﵃ وهو يدل على أن الإنسان عنده شيء من الكبرياء والإعجاب بالنفس ثم إن كان الرجل صاحب خير وتذكير وعلم فإن مكانه الذي هو فيه سيكون هو صدر المجلس فسوف يتجه الناس إليه إن تكلم أو يسألونه إذا أرادوا سؤاله ولهذا كان الرسول ﵊","vol":"4","page":352},{"text":"إذا دخل المجلس جلس حيث ينتهي به ثم يكون المكان الذي هو فيه الرسول ﷺ هو صدر المجلس هكذا أيضا ينبغي للإنسان إذا دخل المجلس ورأى الناس قد بقوا في أماكنهم فليجلس حيث ينتهي به المجلس ثم إن كان من عامة الناس فهذا مكانه وإن كان من خاصة الناس فإن الناس سوف يتجهون إليه ويكون مكانه هو صدر المجلس كذلك أيضا من آداب المجلس ألا يفرق بين اثنين يعني لا يجلس بينهما فيضيق عليهما فإن النبي ﷺ ذكر الرجل يتطهر في بيته يوم الجمعة ويدهن ويأخذ من طيب أهله ثم يأتي إلى الجمعة ولا يفرق بين اثنين ويصلي ما كتب له حتى يحضر الإمام فإنه يغفر لهما بين الجمعة والجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام فدل ذلك على أنه يجب على الإنسان في يوم الجمعة أن يتطهر والمراد بذلك الاغتسال لأن غسل الجمعة واجب ويأثم من لم يغتسل إلا لضرورة لأن النبي ﷺ قال: غسل الجمعة واجب على كل محتلم يعني على كل بالغ فكل بالغ يأتي إلى الجمعة فإنه","vol":"4","page":353},{"text":"يجب عليه أن يغتسل إلا أن يخاف ضررا أو لا يجد ماء كما لو مر مثلا بقرية وهو مسافر وأراد أن يصلي الجمعة معهم ولم يجد مكانا يغتسل فيه فهذا يسقط عنه لقوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وكذلك أيضا مما يسن في هذا اليوم أن يدهن وذلك إذا كان له شعر رأس فإنه يدهن رأسه ويصلحه حتى يكون على أجمل حال ومن ذلك أيضا أن يلبس أحسن ثيابه ومن ذلك أيضا أن يتسوك يخصها بسواك الجمعة وليس السواك العادي ولهذا لو أن الإنسان استعمل يوم الجمعة الفرشاة التي تطهر الفم لكان هذا حسنا وجيدا ومن ذلك أن يتقدم إلى المسجد فإن من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ومن أتى بعد دخول الإمام فليس له أجر التقدم ولكن له أجر الجمعة لكن أجر التقدم حرم منه وكثير من الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية ليس لهم شغل في الجمعة ومع ذلك تجده يقعد في بيته أو في سوقه بدون أي","vol":"4","page":354},{"text":"حاجة وبدون أي سبب ولكن الشيطان يثبطه من أجل أن يفوت عليه هذا الأجر العظيم فبادر من حين تطلع الشمس واغتسل وتنظيف والبس أحسن الثياب وتطيب وتقدم إلى المسجد وصل ما شاء الله واقرأ القرآن إلى أن يحضر الإمام وكذلك أيضا من آداب الجمعة ألا يفرق بين اثنين يعني لا تأتي بين اثنين تدخل بينهما وتضيق عليهما أما لو كان هناك فرجة فهذا ليس بتفريق لأن هذين الاثنين هما اللذان تفرقا لكن أن تجد اثنين متراصين ليس بينهما مكان لجالس ثم تجلس بينهما هذا من الإيذاء وقد رأي النبي ﷺ رجلا يتخطى الرقاب يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال له اجلس فقد آذيت كل هذه من آداب الحضور إلى الجمعة\n٨٢٩ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما رواه","vol":"4","page":355},{"text":"أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وفي رواية لأبي داود لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما\n٨٣٠ - وعن حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله ﷺ لعن من جلس وسط الحلقة رواه أبو داود بإسناد حسن وروى الترمذي عن أبي مجلز: أن رجلا قعد وسط حلقة فقال حذيفة ملعون على لسان محمد ﷺ أو لعن الله على لسان محمد ﷺ من جلس وسط الحلقة قال الترمذي: حديث حسن صحيح\n٨٣١ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خير المجالس أوسعها رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري\n٨٣٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه","vol":"4","page":356},{"text":"ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ومن آداب المجالس ما ذكره المؤلف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما يعني إذا جاءت ووجدت شخصين جلس أحدهما إلى جنب الآخر فلا يفرق بينهما إلا إذا أذنا لك في هذا إما إذنا باللسان يعني إذا قال أحدهما تعال اجلس هنا أو بالفعل بأن يتفرق بعضهما عن بعض إشارة إلى أنك تجلس بينهما وإلا فلا تفرق بينهما لأن هذا من سوء الأدب إن قلت تفسح ومن الأذية إن جلست وضيق عليهما ومن الآداب أيضا أن يجلس الإنسان حيث انتهى به المجلس كما سبق فلا يجوز للإنسان أن يجلس وسط الحلقة يعني إذا رأيت جماعة متحلقين سواء كانوا متحلقين على من يعلمهم أو على من يتكلم معهم المهم إذا كانوا حلقة فلا يجلس في وسط","vol":"4","page":357},{"text":"الحلقة وذلك لأنك تحول بينهم وبين من معهم ثم إنهم لا يرضون في الغالب أن يجلس أحد في الحلقة يتقدم عليهم فيكون في ذلك عدوان عليهم وعلى حقوقهم إلا إذا أذنوا لك بأن وقفت مثلا وكان المكان ضيقا وقالوا تفضل اجلس هنا فلا حرج أما بدون إذن فإن حذيفة بن اليمان أخبر بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعن من جلس في وسط الحلقة كذلك أيضا من آداب المجالس: أن الإنسان إذا جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فإنه يكفره أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك قبل أن يقوم من مجلسه فإذا قال ذلك فإن هذا يمحو ما كان منه من لغط وعليه فيستحب أن يختم المجلس الذي كثر فيه اللغط بهذا الدعاء: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ومما ينبغي في المجالس أيضا أن تكون واسعة فإن سعة المجالس من خير المجالس كما قال ﷺ: خير المجالس أوسعها لأنها إذا كانت واسعة حملت أناسا كثيرين وصار فيها انشراح وسعة صدر وهذا على حسب الحال قد يكون بعض الناس حجر بيته ضيقة لكن إذا أمكنت السعة فهو أحسن لأنه يحمل أناسا كثيرين ولأنه أشرح للصدر","vol":"4","page":358},{"text":"٨٣٣ - وعن أبي برزة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول بآخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك فقال رجل يا رسول الله إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى؟ قال: ذلك كفارة لما يكون في المجلس رواه أبو داود رواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك من رواية عائشة ﵂ وقال صحيح الإسناد\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذاك وفي حديث أبي برزة الذي وصله المؤلف بالحديث السابق دليل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يفعله وبين أن هذا كفارة المجلس وقلما يجلس الإنسان مجلسا إلا ويحصل له فيه شيء من اللغط أو من اللغو أو من ضياع الوقت فيحسن أن يقول ذلك كلما قام من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت","vol":"4","page":359},{"text":"أستغفرك وأتوب إليك حتى يكون كفارة للمجلس أما الحديث الآخر عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قلما يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم اقسم لنا من خشيتك وذكر تمام الحديث فهذا سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضع آخر والمقصود بهذا أن الرسول ﷺ كان يقول ذلك في أكثر أحيانه ولكن هل هو في كل مجلس حتى مجالس الوعظ ومجالس الذكر؟ في هذا نظر وابن عمر ﵄ لا يتابع النبي ﷺ في كل مجلس بل قد يفوته بعض المجالس فإن قال الإنسان هذا الذكر في أثناء المجلس أو في أوله أو في آخره حصل بذلك السنة التي كان النبي ﷺ يفعلها\n٨٣٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قلما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن ليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في","vol":"4","page":360},{"text":"ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا رواه الترمذي وقال حيث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل الإمام النووي ﵀ في (باب آداب المجلس والجليس) عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان قلما يقوم من مجلس إلا ويقول: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك اقسم بمعنى قدر والخشية هي الخوف المقرون بالعلم لقول الله ﵎: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وقوله: ما تحول به بيننا وبين معصيتك لأن الإنسان كلما خشي الله ﷿ منعته خشيته من الله أن ينتهك محارم الله ولهذا قال: ما تحول به بيننا وبين معصيتك ثم قال: ومن طاعتك يعني واقسم لنا من طاعتك ما تبلغنا به جنتك فإن الجنة طريقها طاعة الله ﷿ فإذا وفق العبد لخشية الله واجتناب محارمه والقيام بطاعته نجا من النار بخوفه ودخل الجنة بطاعته ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا واليقين هو","vol":"4","page":361},{"text":"أعلى درجات الإيمان لأنه إيمان لا شك معه ولا تردد تتيقن ما غاب عنك كما تشاهد ما حضر بين يديك فإذا كان عند الإنسان تام بما أخبر الله تعالى به من أمور الغيب فيما يتعلق بالله ﷿ أو بأسمائه أو صفاته أو اليوم الآخر أو غير ذلك وصار ما أخبر الله به من الغيب عنده بمنزلة المشاهد فهذا هو كمال اليقين وقوله ما تهون به علينا مصائب الدنيا لأن الدنيا فيها مصائب كثيرة لكن هذه المصائب إذا كان عند الإنسان يقين أنه يكفر بها من سيئاته ويرفع بها من درجاته إذا صبر واحتسب الأجر من الله هانت عليه المصائب وسهلت عليه المحن مهما عظمت سواء كانت في بدنه أو في أهله أو في ماله ما دام عنده اليقين التام فإنها تهون عليه المصائب ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا تسأل الله تعالى أن يمتعك بهذه الحواس السمع والبصر والقوة ما دمت حيا لأن الإنسان إذا متع بهذه الحواس حصل على خير كثير وإذا افتقد هذه الحواس فاته خير كثير لكن لا يلام عليه إذا كان لا يقدر عليها واجعله الوارث منا يعني اجعل تمتعنا بهذه الأمور السمع والبصر والقوة الوارث منا يعني اجعله يمتد إلى آخر حياتنا حتى","vol":"4","page":362},{"text":"يبقى بعدنا ويكون كالوارث لنا وهو كيانه عن استمرار هذه القوات إلى الموت واجعل ثأرنا على من ظلمنا يعني اجعلنا نستأثر ويكون لنا الأثرة على من ظلمنا بحيث تقتص لنا منه إما بأشياء تصيبه في الدنيا أو في الآخرة ولا حرج على الإنسان أن يدعو على ظالمه بقدر ظلمه وإذا دعا على ظالم بقدر ما ظلمه فهذا إنصاف والله ﷾ يستجيب دعوة المظلوم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ وقد بعثه إلى اليمن وبين له ما يدعوهم إليه فقال: فإن أجابوك لذلك أي للصدقة من أموالهم فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب لأن الله تعالى حكم عدل ينتقم من المظالم إذا رفع المظلوم الشكوى إليه فإذا رفع المظلوم الشكوى إلى الله انتقم الله من الظالم لكن لا يتجاوز في دعائه فيدعو بأكثر من مظلمته لأنه إذا دعا بأكثر من مظلمته صار هو الظالم وانصرنا على من عادانا وأكبر عدو لنا من عادانا في دين الله","vol":"4","page":363},{"text":"من اليهود والنصارى والمشركين البوذيين والملحدين والمنافقين وغيرهم هؤلاء هم أعداؤنا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وقال الله في المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ فتسأل الله تعالى أن ينصرك على من عاداك وينصرك على اليهود والنصارى والمشركين والبوذيين وجميع أصناف الكفرة والله ﷾ هو الناصر ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا المصائب في الحقيقة تكون في مال الإنسان بأن يحترق ماله أو يسرق أو يتلف فهذه مصيبة وتكون أيضا في أهل الإنسان فيمرض أهله أو يموتون وتكون في العقل بأن يصاب هو أو أهله بالجنون نسأل الله العافية وتكون في كل ما من شأنه أن يصاب به الإنسان لكن أعظم مصيبة هي مصيبة الدين نسأل الله أن يثبتنا على دينه الحق فإذا أصيب الإنسان بدينه والعياذ بالله فهذه أعظم مصيبة","vol":"4","page":364},{"text":"والمصائب في الدين مثل المصائب في البدن هناك مصائب خفيفة في البدن كالزكام والصداع اليسير وما أشبه ذلك وهناك مصائب في الدين خفيفة كشيء من المعاصي وهناك مصائب في الدين مهلكة مثل الكفر والشرك والشك وما أشبه ذلك هذه مهلكة مثل الموت للبدن فأنت تسأل الله ألا يجعل مصيبتك في دينك أما المصائب التي دون الدين فإنها سهلة فإن المصاب من حرم الثواب نسأل الله العافية ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا فلا تجعل الدنيا أكبر همنا بل اجعل الآخرة أكبر همنا ولا ننسى نصيبنا من الدنيا فلابد للإنسان من الدنيا لكن لا تكون الدنيا أكبر همه ولا مبلغ علمه بل يسأل الله أن يجعل مبلغ علمه علم الآخرة أما علم الدنيا وما يتعلق بها فهذه مهما كانت فإنها ستزول يعني لو كان الإنسان عالما في الطب عالما في الفلك عالما في الجغرافيا عالما في أي شيء من علوم الدنيا فهي علوم تزول وتفنى فالكلام على علم الشرع علم الآخرة فهذا هو المهم ولا تسلط علينا من لا يرحمنا لا تسلط علينا أحدا من خلقك لا يرحمنا يعني وكذلك من يرحمنا لا تسلط علينا أحدا لكن","vol":"4","page":365},{"text":"الذي يرحمك لا ينالك منه السوء أما الذي ينالك منه السوء هو أن يسلط الله عليك من لا يرحمك نسأل الله ألا يسلط علينا من لا يرحمنا فكان الرسول ﵊ إذا جلس مجلسا يقول هذا الذكر لكنه ليس بلازم كما سبق أن قلنا وإنما المقصود أنه ﷺ كان يقول ذلك كثيرا\n٨٣٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة رواه أبو داود بإسناد صحيح\n٨٣٦ - وعنه عن النبي ﷺ قال: ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيهم فيه إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم رواه الترمذي وقال حديث حسن\n٨٣٧ - وعنه عن رسول الله ﷺ: من قعد مقعدا لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة ومن اضطجع","vol":"4","page":366},{"text":"مضطجعا لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة رواه أبو داود وقد سبق قريبا وشرحنا الترة فيه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه ثلاثة أحاديث في بيان آداب المجلس وكلها تدل على أنه ينبغي للإنسان إذا جلس مجلسا أن يغتنم ذكر الله ﷿ والصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث إنها تدل على أنه ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا كان عليهم من الله ترة يعني قطيعة وخسارة إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ويتحقق ذكر الله ﷿ في المجالس بصور عديدة فمثلا إذا تحدث أحد الأشخاص في المجلس عن آية من آيات الله ﷿ فإن هذا من ذكر الله مثل أن يقول نحن في هذه الأيام في دفء كأننا في الربع وهذا من آيات الله لأننا في الشتاء وفي أشد ما يكون من أيام الشتاء بردا ومع ذلك فكأننا في الصيف فهذا من آيات الله ويقول مثلا لو اجتمع الخلق على أن يدفئوا هذا الجو في هذه الأيام التي جرت العادة أن تكون باردة ما استطاعوا إلى ذلك","vol":"4","page":367},{"text":"سبيلا وما أشبه ذلك أو مثلا يذكر حالة من أحوال النبي ﵊ مثل أن يقول كان النبي ﵊ أخشى الناس لله وأتقاهم لله فيذكر ﵊ ثم يصلي عليه والحاضرون يكونون إذا استمعوا إليه مثله في الآجر هكذا يكون ذكر الله ﷿ والصلاة على رسول الله ﷺ وإن شاء الله من الأصل إذا جلس قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لا إله إلا الله وما أشبه ذلك المهم أن الإنسان العاقل يستطيع أن يعرف كيف يذكر الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا المجلس ومن ذلك أيضا أنه إذا انتهى المجلس وأراد أن يقوم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك وفي هذه الأحاديث الثلاثة دليل على أنه ينبغي للإنسان ألا يفوت عليه مجلسا ولا مضطجعا إلا يذكر الله حتى يكون ممن قال الله فيهم: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ","vol":"4","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>باب الرؤيا وما يتعلق بها</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾\n٨٣٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال الرؤيا الصالحة رواه البخاري\n٨٣٩ - وعنه أن النبي ﷺ قال: إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة متفق عليه وفي رواية: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا\n٨٤٠ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو كأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي متفق عليه","vol":"4","page":369},{"text":"٨٤١ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله تعالى فليحمد الله عليها وليحدث بها وفي رواية فلا يحدث بها إلا من يحب وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في (باب الرؤيا وما يتعلق بها) الرؤيا يعني رؤيا المنام فالإنسان إذا نام فإن الله تعالى يتوفى روحه لكنها وفاة صغرى كما قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى وقال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ وهذه الوفاة الصغرى تذهب فيها الروح إلى حيث يشاء الله ولهذا كان من أذكار المنام أن نقوم: اللهم بك وضعت حنبي وبك أرفعه فإن أمسكت روحي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلها","vol":"4","page":370},{"text":"فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ثم إن الروح في هذه الحال ترى منامات ومرائي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: رؤيا محبوبة ورؤيا مكروهة ورؤيا عبارة عن أشياء ليس لها معنى وليس لها هدف قد تكون من تلاعب الشيطان وقد تكون من حديث النفس وقد تكون من أسباب أخرى القسم الأول الرؤيا الصالحة الحسنة وهي إذا رأى الإنسان ما يحب فهذه من الله ﷿ وهي نعمة الله على الإنسان أن يريه ما يحب لأنه إذا رأى ما يحب نشط وفرح وصار هذا من البشرى فمن عاجل بشرى المؤمن الرؤيا الصالحة يراها أو ترى له ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لم يبق من النبوة إلا المبشرات الرؤيا الصالحة يراها الإنسان أو ترى له هذه بشرى وخير وهي من الله ﷿ القسم الثاني: الرؤيا المكروهة وهي من الشيطان حيث يضرب الشيطان للإنسان أمثالا في منامه يزعجه بها لمن دواءها أن يستعيذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأى ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره ولا يحرص على أن تعبر لأن بعض الناس إذا رأى","vol":"4","page":371},{"text":"ما يكره حرص على أن تعبر وذهب إلى العابرين أو يطالع في الكتب لينظر ما هذه الرؤيا المكروهة ولكنها إذا عبرت فإنها تقع على الوجه المكروه وإذا استعاذ الإنسان من شر الشيطان ومن شر ما رأى ولم يحدث بها أحدا فإنها لا تضره مهما كانت وهذا دواء سهل أن الإنسان يتصبر ويكتهما ويستعيذ بها من شر الشيطان ومن شرها حتى لا تقع أما القسم الثالث وهو الذي ليس له هدف معين فهذا أحيانا يكون من حديث النفس حين يكون الإنسان متعلقا قلبه بشيء من الأشياء يفكر فيه وينشغل به ثم يراه في المنام أو أحيانا يلعب به الشيطان في منامه يريه أشياء ليس لها معنى كما ذكر رجل للنبي ﷺ قال: يا رسول الله رأيت في المنام أن رأسي قد قطع وذهب رأسي يركض وأنا أسعى وراءه فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك فهذا ليس له معنى رأسي يقطع ويركض الرأس وهذا يركض بجسده وراءه هذا ليس له معنى","vol":"4","page":372},{"text":"المهم أن هذه هي أقسام الرؤيا وإذا ضرب للإنسان مثل بأبيه أو أمه أو أخيه أو عمه أو غير ذلك فقد يكون هذا هو الواقع وقد يكون من الشيطان يتمثل الشيطان للنفس بصورة هذا الإنسان ويراه النائم إلا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن الإنسان إذا رأى النبي على هذا الوصف المعروف فإنه قد رآه حقا لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي ﷺ أبدا ولا يجرؤ فإذا رأى الإنسان شخصا ووقع في نفسه أنه النبي ﷺ فليبحث عن أوصاف هذا الذي رأى هل تطابق أوصاف النبي ﵊ فهو هو وإن لم تطابق فليس النبي ﷺ وإنما هذه أوهام من الشيطان أوقع في نفس النائم أن هذا هو الرسول ﷺ وليس هو الرسول ولذلك دائما يأتي أحد يقول رأيت الرسول ﵊ وقال كذا وفعل كذا ثم إذا وصفه إذا أوصافه لا تطابق أوصاف النبي ﷺ مع أنه في منامه وقع عليه أنه النبي لكن إذا تحدث عن أوصافة فإذا هو ليس النبي ﷺ وصافه فنجزم أن هذا ليس هو الرسول ﷺ أما لو وصف لنا رآه وانطبقت أوصافه على النبي لله فهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن يجب أن نعمل أنه لا يمكن أن يحدثه النبي ﷺ بشيء يخالف شريعته يعني لو جاء إنسان وقال رأيت الرسول","vol":"4","page":373},{"text":"وقال لي كذا وأوصاني بكذا فإن كان يخالف الشريعة فهو كذب ويكون الكذب ممن تحدث به إذا انطبقت أوصاف من رآه على أوصاف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم\n٨٤٢ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: الرؤيا الصالحة وفي رواية الرؤيا الحسنة من الله والحلم من الشيطان فمكن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره متفق عليه النفث نفخ لطيف لا ريق معه\n٨٤٣ - وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: إذا رأي حدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعيذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه رواه مسلم\n٨٤٤ - وعن أبي الأسقع واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إن من أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينه ما لم تر أو يقول على رسول ﷺ ما لم يقل رواه","vol":"4","page":374},{"text":"البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث فيما يتعلق بالرؤيا وسبق شيء من ذلك وقد بينا أن الرؤيا ثلاثة أقسام: القسم الأول: رؤيا حسنة صالحة فهذه من الله ﷿ وذكرنا فيما يسر وأنها من عاجل بشري المؤمن القسم الثاني: الحلم وهذا من الشيطان والغالب أنه يكون فيما يكره الإنسان أي أن الشيطان يرى الإنسان حتى يفزع ويتكدر ويحزن وربما يمرض لأن الشيطان عدو للإنسان يحب ما يسوء الإنسان وما يحزنه قال الله تعالى إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فالحلم هو هذا الذي يراه الإنسان في منامه يكرهه ويزعجه ولكن من نعمة الله ﷿ وجعل أن جعل لكل داء دواء ودواء الحلم فيما يلي: أولا أن يبصق الإنسان على يساره ثلاث مرات ويستعيذ بالله","vol":"4","page":375},{"text":"من شر الشيطان ثلاث مرات ومن شر ما رأى يقول أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت ثلاث مرات ويتحول إلى الجانب الثاني فإذا كان على جنبه الأيسر يتحول إلى الأيمن وإذا كان على الأيمن يتحول إلى الأيسر ثانيا وإذا لم ينفع هذا يعني لو أنه تحول عن جنبه الأول إلى الثاني ثم عادت هذه الرؤيا التي يكرهها فليقم ويتوضأ ويصلي ولا يخبر بها أحدا فلا يقول رأيت ورأيت ولا يذهب إلى الناس يعبرونها ولا يذهب إلى أحد يفسرها فإنها لا تضره أبدا حتى وكأنها ما وقعت وفي هذا راحة له وبعض الناس إذا رأى شيئا يكرهه ذهب يتلمس من يفسر له هذه الرؤيا ونحن نقول له لا تفعل ذلك وكان الصحابة ﵃ يرون الرؤيا يكرهونها فلما حدثهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الحديث استراحوا فصار الإنسان إذا رأى الرؤيا التي يكرهها بصق عن يساره ثلاث مرات واستعاذ من شرها وشر الشيطان ولم يحدث بها أحدا ثم لا تضره وكأنه ما رآها أما القسم الثالث فهو الحلم الذي يكون من حديث النفس حيث يكون الإنسان متعلقا بشيء من الأشياء دائما فهذا ربما يراه","vol":"4","page":376},{"text":"في المنام وهذا أيضا لا حكم ولا أثر له وينبغي للإنسان إذا رأى رؤيا تسره وهي الرؤيا الصالحة أن يؤولها على خير ما يقع في نفسه لأن الرؤيا إذا عبرت بإذن الله فإنها تقع ثم إن من المهم ألا نعتمد على ما يوجد في بعض الكتب ككتاب الأحلام لابن سيرين وما أشبهها فإن ذلك خطأ وذلك لأن الرؤيا تختلف بحسب الرائي وبحسب الزمان وبحسب المكان وبحسب الأحوال يعني ربما يرى الشخص رؤيا فنفسرها له بتفسير ويرى آخر رؤيا هي نفس الرؤيا فنفسرها له بتفسير آخر غير الأول وذلك لأن هذا رأى ما يليق وهذا رأى ما يليق به أو لأن الحال تقتضي أن نفسر هذه الرؤيا بهذا التفسير فالمهم ألا يرجع الإنسان إلى الكتب المؤلفة في تفسير الأحلام لأن الأحلام والرؤى تختلف ويذكر أن رجلا رأى رؤيا ففسرت له بتفسير ثم رأى آخر نفس الرؤيا ففسرت بتفسير آخر فسئل الذي فسرهما في ذلك فقال لأن هذا يليق به ذلك التفسير لما رأى وهذا يليق به ذلك التفسير لما رأى كل إنسان يفسر له بما يليق به ولهذا فإن النبي ﷺ في غزوة أحد قبل الواقعة أو في أثنائها","vol":"4","page":377},{"text":"رأى في المنام أن في سيفه ثلمة ورأى بقرا تنحر ففسرها بأنه يقتل أحد من أهل بيته وأنه يقتل نفر من أصحابه فالثلمة هي أنه يقتل أحد من أهل بيته لأن الإنسان يحتمي بقبيلته ويحتمي بسيفه فلما صار في السيف ثلمة فمعنى ذلك أنه سيكون ثلمة في أهل بيته ووقع كذلك فقد استشهد حمزة عم النبي ﷺ في أحد أما البقر التي تنحر فالذين قتلوا من الصحابة ﵃ في أحد نحو سبعين رجلا وإنما رآه بقرا لأن البقر فيها منافع كثيرة فهي أنفع ما يكون من بهيمة الأنعام للحرث وللسمن وللنماء وللبن وفيها مصالح كثيرة والصحابة ﵃ كلهم خير ففيهم خير كثير لهذه الأمة ولو لم يكن من خيرهم إلا أن الله ﷾ وفقهم لحمل الشريعة إلى الأمة لكان ذلك يكفيهم إذ أنه لا طريق لنا إلى شريعة الله إلا بواسطة الصحابة ﵃","vol":"4","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>كتاب السلام</span>\n/٠L٢ باب فضل السلام والأمر بإفشائه\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ وقال تعالى ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ وقال تعالى ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ وقال تعالى ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام﴾","vol":"4","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين كتاب السلام والسلام يريد به التحية التي شرعها النبي ﷺ لأمته والسلام بمعنى الدعاء بالسلامة من كل آفة، فإذا قلت لشخص: السلام عليك فهذا يعني أنك تدعو له بأن الله يسلمه من كل آفة: يسلمه من المرض من الجنون، يسلمه من شر الناس، يسلمه من المعاصي وأمراض القلوب، يسلمه من النار فهو لفظ عام معناه الدعاء للمسلم عليه بالسلامة من كل آفة.\nوكان الصحابة ﵃ من محبتهم لله ﷿ كانوا يقولون في صلاتهم السلام على الله من عباده السلام على جبريل السلام على فلان وفلان فنهاهم النبي ﷺ أن يقولوا السلام على الله، السلام على عباده وقال إن الله هو السلام يعني السالم من كل عيب ونقص جل وعلا فلا حاجة أن تثنوا عليه بالدعاء بأن يسلم نفسه ثم قال لهم قولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا قلتم ذلك سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض","vol":"4","page":380},{"text":"ولا أدري هل نحن نستحضر هذا إذا قلنا في الصلاة: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؟ لا أدري هل نحن نستحضر أننا نسلم على أنفسنا، السلام علينا وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض يعني نسلم على الأنبياء نسلم على الصحابة نسلم على التابعين لهم بإحسان، نسلم على أصحاب الأنبياء كالحواريين أصحاب عيسى والذين اختارهم موسى ﵊ سبعين رجلا وغير ذلك هل نحن نستحضر أننا نسلم على جبريل وعلى ميكائيل وعلى إسرافيل وعلى مالك خازن النار وعلى خازن الجنة وعلى جميع الملائكة لا أدري هل نحن نستحضر هذا أم لا؟ إن كنا لا نستحضر فيجب أن نستحضر ذلك لأن الرسول ﷺ قال: إنكم إذا قلتم ذلك سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض.\nوالسلام مشروع بين المسلمين، مأمور بإفشائه قال النبي ﷺ والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم يعني أظهروه أعلنوه وصدق رسول الله ﷺ إن إفشاء السلام بين الناس من أسباب المحبة، ولذلك إذا لاقاك رجل ولم يسلم عليك كرهته وإذا","vol":"4","page":381},{"text":"سلم عليك أحببته وإن لم يكن بينك وبينه معرفة ولهذا كان من حسن الإسلام أن تفشي السلام أن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.\nثم ذكر المؤلف ﵀ آيات من كتاب الله منها: ١ - أن السلام من سنن الرسل والملائكة أيضا، فهؤلاء الملائكة الذين جاءوا إبراهيم ﵊ إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام ذكر علماء النحو أن إجابة إبراهيم أكمل من سلام الملائكة لأن الملائكة قالوا سلاما بالنصب وهو مصدر منصوب لفعل محذوف والتقدير نسلم سلاما؟ فالجملة فعلية وهي لا تدل على الدوام والثبوت أما رد إبراهيم فقال: سلام أي عليكم سلام فهي جملة اسمية تدل على الثبوت فرده أكمل ولهذا يعتبر رد إبراهيم ﵊ من الرد الأكمل الذي قال الله ﷿ فيه ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ فتبين من هذا أن السلام من سنن الرسل السابقين وأنه أيضا من عمل الملائكة المقربين.\n٢ - ثم ذكر المؤلف أيضا آيات تدل على ذلك ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون﴾","vol":"4","page":382},{"text":"فإذا أردت أن تدخل بيتا لا تدخل إذا لم يكن بيتك حتى تستأنس وتسلم ما معنى الأنس يعني حتى لا يكون في قلبك وحشة لأن الإنسان إذا دخل بيت غيره بدون استئذان استوحش، وإذا دخل باستئذان فهو مستأنس وفي قراءة أخرى تستأذنوا لكن السبعية ﴿حتى تستأنسوا﴾ وهي أعم لأن قوله ﴿تستأنسوا﴾ يشمل ما إذا استأنس الإنسان بإذن من صاحب البيت أو استأنس الإنسان بإذن سابق.\nمثلا قال له: ائتني الساعة الرابعة والنصف وتجد الباب مفتوحا فإذا جئت في الموعد ووجدت الباب مفتوحا فلا حاجة لأن أستأذن لأبي الآن مستأنس أم مستوحش؟ مستأنس لأن عندي إذنا مسبقا فقراءة حتى تستأنسوا هي الصحيحة يعني هي أشمل من قراءة حتى تستأذنوا وأيضا هي السبعية.\nوقوله: ﴿وتسلموا على أهلها﴾ أيضا تسلم على أهل البيت السلام عليكم أأدخل؟ وإذا دخلت بيتك فلا حاجة للاستئذان لأنه بيتك ولكن تسلم على أهلك وابدأ بالسواك قبل السلام على أهلك فإذا وصلت أهلك قل: السلام عليكم هذه هي السنة التي جاءت عن رسول الله ﷺ.\n٣ - قوله تعالى ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ","vol":"4","page":383},{"text":"دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون﴾ ﴿هل أتاك﴾ مثل هذه الصيغة يراد بها التشويق يعني أن الله ﷿ ذكرها بصيغة الاستفهام تشويقا للمخاطب ومن المعلوم أن الإنسان يقول لم يأتني لأنها ماض وقد سبق الكلام عن هذه الآية أيضا أما قوله ﴿قوم منكرون﴾ يعني أنتم قوم منكرون أيس لا أعرفكم وليس المعنى أنه من المنكر الذي هو الحرام لكنه من المنكر الذي هو غير معروف يعني أنا لا أعرفكم ٤ - قوله تعالى ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون﴾ ﴿فسلموا على أنفسكم﴾ يعني على من فيها وجعلهم من أنفسهم لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا فهو كقوله تعالى ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم﴾ فالمعنى إذن سلموا على من فيها لأنكم أنتم وإياهم نفس واحدة","vol":"4","page":384},{"text":"والنفس قد تطلق على الغريب كما ذكرنا ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ وكذلك قوله تعالى ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ يعني لا يلمز بعضكم بعضا وليس المعنى أن الإنسان يلمز نفسه المهم أنك إذا دخلت بيتا فسلم على من فيه قل: السلام عليكم وهم يجب عليهم أن يردوا السلام وقد سبق أن السنة إذا دخلت بيتك أن أول ما تبدأ به أن تتسوك ثم تسلم على أهل البيت ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا﴾ فأمر الله ﷾ إذا حيينا بتحية أن نحيي بأحسن منها أو نردها يعني نرد مثلها فمثلا إذا قال لك إنسان (السلام عليك) فقل (عليك السلام) ولا تنقص وإذا قال (السلام عليك ورحمة الله) فقل (عليك السلام ورحمة الله) وإذا قال (السلام عليك ورحمة الله وبركاته) فقل (عليك السلام ورحمة الله وبركاته) وجوبا لأن الله قال ﴿أو ردوها﴾ وإذا قال (السلام عليك) فقلت (وعليك السلام ورحمة الله) فهذا أحسن من الأول وأفضل لكنه ليس بواجب الواجب أن ترد عليه بمثل ما سلم عليك","vol":"4","page":385},{"text":"وقوله سبحانه ﴿بأحسن منها﴾ يشمل الأحسن نوعا والأحسن كما والأحسن كيفية فمثلا إذا قال السلام عليك فقلت أهلا ومرحبا بأبي فلان حياك الله وبياك تفضل فهذا لا يجزئ ولو قلته ألف مرة لن ينفع وكنت آثما لأنك لم ترد بأحسن ولا بالمثل فهو عندما قال السلام عليك يدعو لك بالسلام مع التحية فإذا قلت أهلا ومرحبا فهذه تحية بلا دعاء فلابد أن تقول أحسن منها نوعا أحسن منها كما أو مثلها وإذا قال: السلام عليك ورحمة الله فقلت عليك السلام فهذا لا يجوز لأنك ما رددت بأحسن ولا بالمثل لابد أن تقول كما قال كذلك أحسن منها كيفية فإذا سلم عليك بصوت واضح مرتفع لا ترد عليه بطرف أنفك ومن ذلك أيضا: إذا سلم عليك وقد أقبل إليك بوجهه فسلمت عليه معرضا عنه مصعرا خدك له فهذا أيضا نقص لم تردها ولم ترد بأحسن منها وظاهر هذه الآية الكريمة أنه لو حياك رجل من الكفار قال السلام عليك بعبارة واضحة فقلت وعليك السلام فلا بأس بها لأنك رددت بالمثل وأما قول النبي ﷺ إذا سلم عليكم أهل الكتاب","vol":"4","page":386},{"text":"فقولوا وعليكم يعني لا تقولوا وعليكم السلام فإنه بين سبب ذلك في نفس الحديث فقال إن اليهود إذا سلموا يقولون السلام عليكم يعني يدعون عليكم بالموت فقال رسول الله ﷺ قولوا وعليكم أي وعليك أنت أيضا السام فيفهم من هذا الحديث أنهم لو قالوا السلام عليكم فإننا نقول وعليكم السلام ولا بأس لأن الله قال ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ والله الموفق\n٨٤٥ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أي الإسلام خير؟ قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف متفق عليه","vol":"4","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق الكلام على الآيات التي ذكرها المؤلف ﵀ في هذا الباب ثم ذكر الأحاديث ومنها: ١ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل أي الإسلام خير؟ والصحابة ﵃ إذا سألوا الرسول في مثل هذه الأسئلة لا يريدون مجرد العلم وإنما يريدون العمل فإذا قال الإسلام كذا وكذا فعلوه وتسابقوا إليه وهكذا ينبغي للسائل الذي يسأل العالم ويستفتيه أن ينوي بقلبه أنه إذا دله على الخير فعله كما كان دأب الصحابة لا يريد أن ينظر ماذا عند العالم فقط فقال النبي ﷺ تطعم الطعام يعني من احتاج إليه وأول من يلزمك إطعام هم عائلتك وإطعامهم صدقة وصلة وأفضل من إطعام الأباعد لأن إطعام أهلك قيام بواجب وإطعام الأباعد قيام بمستحب والواجب أحب إلى الله من المستحب كما في الحديث القدسي ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت","vol":"4","page":388},{"text":"عليه وبعض الناس ينفق على أهله ما ينفق ولكنه لا يشعر بأنه يتقرب إلى الله بهذا الإنفاق ولو جاءه مسكين وأعطاه ريالا واحدا يشعر بأنه متقرب إلى الله بهذه الصدقة ولكن الصدقة الواجبة على الأهل أفضل وأكثر أجرا فإذا أطعمت الطعام لأهلك فهذا من خير الإسلام وتقرأ السلام وهذا هو الشاهد وتقرأ السلام يعني تقول السلام عليك ويسمى قراءة السلام وإلقاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف لا يكن سلامك سلام معرفة بل يكن سلامك سلام مثوبة وإلفة لأن المسلم يثاب على سلامة ويحصل بسلامه التأليف كما قال النبي ﵊ والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم أما من لا يسلم إلا سلام معرفة فسوف يفوته خير كثير لأنه ربما مر به العشرات لا يعرف منهم إلا واحدا أما من يسلم سلام مثوبة وإلفة فهو يسلم على من عرف ومن لم يعرف إلا إذا كان الذي مررت به كافرا فلا تسلم عليه لأن النبي","vol":"4","page":389},{"text":"ﷺ قال لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام وغيرهم أخبث منهم مثل السيخ والمشركين والشيوعيين ومن شابههم فلا تقرأ ﵈ ولا تسلم عليهم وكذلك الفاسق المعلن بفسقه إذا كان في ترك السلام عليه مصلحة وهو أنك إذا لم تسلم عليه تاب من فسقه ورجع إلى الله أما إذا لم يكن هناك مصلحة وأن الأمر بالنسبة له سيان سلمت أو لم تسلم وكان عدم سلامك عليه يجعل في قلبه عداوة عليك ويستمر في باطله ولا يقبل منك النصيحة فسلم عليه مما سبق نجد أن الناس صاروا ثلاثة أقسام ١ - القسم الأول الفاسق المعلن بفسقه فهذا سلم عليه إلا إذا كان في هجره مصلحة ٢ - القسم الثاني الكافر لا تسلم عليه لكن إن سلم عليك رد عليه ٣ - القسم الثالث إنسان مسلم لا تعلم عليه فسقا فسلم عليه واحرص على أن تكون أنت البادئ بالسلام لأن النبي ﷺ كان يبدأ من لقيه بالسلام وهو أشرف الخلق وقال ﵊ لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض","vol":"4","page":390},{"text":"هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام وهكذا الحديث الذي معنا خير الإسلام أن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف والله الموفق\n٨٦٤ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال لما خلق الله آدم ﷺ قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل السلام والأمر بإفشائه عن أبي هريرة ﵁ أن الله لما خلق آدم قال له: اذهب إلى هؤلاء النفر من الملائكة وهم جلوس فسلم عليهم وانظر ماذا يحيونك به فإنها تحيتك وتحية","vol":"4","page":391},{"text":"ذريتك فذهب آدم امتثالا لأمر الله فسلم على الملائكة الجلوس السلام عليكم قالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوا: ورحمة الله ففي هذا الحديث دليل على أن هذه الخليفة البشرية كانت من العدم وأنها لم تكن شيئا مذكورا من قبل كما قال الله ﵎ أهل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا فهذه البشرية لم تكن شيئا مذكورا من قبل فخلفها الله وأوجدها لحكمة عظيمة ولهذا لما قالت الملائكة لله ﷿ حين أخبرهما أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ خلق الله هذه البشرية وجعل منهم الأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين ٢ - أن الملائكة أجسام وليست أرواحا بلا أجسام لأنهم جلوس والجالس يعني أنه جسم وقد رأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق والله ﷾ قال ﴿جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة﴾ فالملائكة أجسام ولكن الله ﷿ حجبهم عنا جعلهم عالما غيبيا كما أن الجن أجسام ولكن الله ﷿ حجبهم فجعلهم عالما غيبيا وقد تظهر","vol":"4","page":392},{"text":"الملائكة في صورة إنسان كما جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ مرة بصورة دحية الكلبي ومرة بصورة رجل غريب لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه الصحابة وعليه ثياب بيض شعره أسود وجلس إلى النبي ﷺ وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها ومن فوائد هذا الحديث ٣ - أن السنة في السلام (السلام عليك) إذا كان المسلم عليه واحدا وإذا كانوا جماعة تقول (السلام عليكم) لأن الواحد يخاطب بخطاب الواحد والجماعة تخاطب بخطاب الجماعة ٤ - أن السلام متلقن من الملائكة بأمر الله حيث قال ﷾ إنها تحيتك وتحية ذريتك لكن في قولهم في الرد (السلام عليك ورحمة الله) إشكال وهو أن المعروف في الرد أن يقدم الخبر فيقال عليك السلام والرد على ذلك نقول إما أن هذا يعلمونه التحية الابتدائية أو أن الشريعة وردت بخلاف ذلك أي بتقديم الخبر ٥ - أن الأفضل في رد السلام أن يزيد الإنسان ورحمة الله لأن الملائكة زادوا والله ﷾ قال ﴿فحيوا بأحسن منها﴾ فبدأ بالأحسن ﴿أو ردوها﴾ إذا لم تردوا الأحسن","vol":"4","page":393},{"text":"٨٤٧ - وعن أبي عمارة البراء بن عازب ﵄ قال أمرنا رسول الله ﷺ بسبع بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ونصر الضعيف وعون المظلوم وإفشاء السلام وإبرار المقسم متفق عليه هذا لفظ إحدي روايات البخاري\n٨٤٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم رواه مسلم\n٨٤٩ - وعن أبي يوسف عبد الله بن سلام ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح\n٨٥٠ - وعن الطفيل بن أبي بن كعب أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى صاحب بيعة ولا مسكين ولا","vol":"4","page":394},{"text":"أحد إلا سلم عليه قال الطفيل فجئت عبد الله بن عمر يوما فاستتبعني إلى السوق فقلت له ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق وأقول: اجلس بنا ههنا نتحدث فقال يا أبا بطن وكان الطفيل ذا بطن إنما تغدو من أجل السلام نسلم على من لقيناه رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في باب فضل السلام وإفشائه سبق الكلام عليها حديث البراء وأبي هريرة وعبد الله بن سلام كلها سبق الكلام عليها فلا حاجة إلى إعادة الكلام أما حديث الطفيل بن أبي بن كعب فإنه ذكر له قصة مع عبد الله بن عمر ﵁ أنه استتبعه يعني عبد الله بن عمر يوما إلى السوق فجعل عبد الله بن عمر يسلم على كل أحد على صاحب الدكان وعلى كل من مر به ممن عرف وممن لا يعرف فجاءه ذات يوم فقال له: اذهب بنا إلى السوق فقال له ماذا تصنع في السوق فأنت لا تشتري شيئا ولا تبيع شيئا اجلس بنا نتحدث فقال إنما أذهب إلى السوق من أجل السلام على الناس لأن الإنسان إذا سلم وأفشى السلام","vol":"4","page":395},{"text":"وأظهره كان هذا سببا لدخول الجنة كما في حديث أبي هريرة لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ولأن الإنسان إذا سلم على أخيه فقال السلام عليكم أو السلام عليك إذا كان واحدا فإنه يكتب له بذلك عشر حسنات فإذا سلم على عشرة أشخاص كتب له بذلك مائة حسنة وهذا خير من البيع والشراء فكان عبد الله بن عمر يدخل السوق من أجل المسلم عليهم لأنه في بيته لا يأتيه أحد وإذا أتاه أتاه أقل بكثير ممن يوجد في السوق لكن من في السوق يمر عليهم ويسلم عليهم وفي هذا دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يمل من كثرة السلام لو قابلت مائة شخص فيما بينك وبين المسجد مثلا فسلم إذا سلمت على مائة شخص تحصل على ألف حسنة هذه نعمة كبيرة وفي هذا أيضا دليل على حرص السلف الصالح على كسب الحسنات ولأنهم لا يفرطون فيها بخلاف وقتنا الحاضر تجد الإنسان يفرط في حسنات كثيرة وابن عمر ﵄ من أحرص الناس إلى المبادرة إلى فعل الخير لما حدثه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أن من تبع الجنازة حتى يصلى عليها كتب له","vol":"4","page":396},{"text":"قيراط ومن شهدها حتى تدفن كتب له قيراطان قيل وما القيراطان يا رسول الله قال مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد ولما حدث ابن عمر بهذا الحديث قال والله لقد فرطنا في قراريط كثرة ثم صار لا تحصل جنازة إلا تبعها ﵁ وهكذا السلف الصالح إذا علموا ما في الأعمال من الخير والثواب بادروا إليها وحرصوا عليها فالذي ينبغي للمؤمن أن يكون حريصا على فعل الخير كلما بأن له خصلة خير فليبادر إليها نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتسابقين إلى الخيرات إنه على كل شيء قدير أما قوله يا أبا بطن فإن الطفيل كان كبير البطن وهذا من باب المداعبة وليس قصده أن يعيره بأنه كبير البطن لكن يداعبه مثل قول الرسول لأبي هريرة يا أبا هر","vol":"4","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>باب كيفية السلام </span>يستحب أن يقول المبتدي بالسلام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلم عليه واحدا ويقول المجيب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فيأتي بواو العطف في قوله وعليكم\n٨٥١ - عن عمران بن حصين ﵄ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال السلام عليكم فرد عليه ثم جلس فقال النبي ﷺ عشر ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه فجلس فقال عشرون ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه فجلس فقال ثلاثون رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n٨٥٢ - وعن عائشة ﵂ قالت قال لي رسول الله ﷺ هذا جبريل يقرأ عليك السلام قالت قلت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته متفق عليه وهكذا وقع في بعض روايات الصحيحين","vol":"4","page":398},{"text":"وبركاته وفي بعضها بحذفها وزيادة الثقة مقبولة\n٨٥٣ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا رواه البخاري وهذا محمول على ما إذا كان الجمع كثيرا\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب كيفية السلام يعني كيف يسلم ماذا يقول إذا سلم وماذا يقول إذا رد وذكر المؤلف ﵀ أنه يستحب أن يقول السلام عليكم ورحمة الله وإن كان المسلم عليه واحدا ثم استدل بحديث عمران بن حصين ﵄ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال السلام عليكم فرد عليه ثم جلس فقال النبي ﷺ عشر ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه فجلس فقال عشرون ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه فجلس فقال ثلاثون فقال للأول عشر حسنات والثاني عشرون وللثالث ثلاثون لأن كل واحد منهم زاد وهذه مسألة اختلف فيها العلماء هل إذا سلم على واحد","vol":"4","page":399},{"text":"يقول السلام عليك أم عليكم؟ والصحيح أن يقول السلام عليك هكذا ثبت عن النبي ﷺ كما في حديث المسيء في صلاته أنه قال السلام عليك وأما ما استدل به المؤلف من حديث عمران فليس فيه دلالة لأن الرجل دخل مع النبي ﷺ ومعه جماعة فسلم على الجميع فإذا كانوا جماعة فقل السلام عليكم وإذا كان واحدا فقل السلام عليك وإن زدت ورحمة الله فهو خير وإن زدت وبركاته فهو خير لأن كل كلمة فيها عشر حسنات وإن اقتصرت على السلام عليك فهو كاف ويقول الراد وعليكم السلام ثم إن كان المسلم لم يزد على قول السلام عليك كفي وإن كان المسلم قد قال السلام عليك ورحمة الله فعلى الراد أن يقول السلام عليك ورحمة الله لقوله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها يعني ردوا مثلها وقال يستحب أن يقول وعليكم بزيادة الواو وهذا حسن لأنه إذا قال وعليكم صار واضحا أنه معطوف على الجملة التي سلم بها المسلم وإن حذفها فلا بأس لأن إبراهيم ﵇ لم يأت بالواو في رده السلام على الملائكة ﴿فقالوا سلاما قال سلام﴾ ولم يأت بالواو فإن أتى بالواو فحسن وإن تركها فلا بأس","vol":"4","page":400},{"text":"ثم إنه من السنة إذا نقل السلام من شخص إلى شخص أن يقول ﵇ وإن قال عليك وعليه السلام أو عليه وعليك السلام فحسن لأن هذا الذي نقل السلام محسن فتكافئه بالدعاء له فإذا قال شخص لآخر سلم لي على فلان ثم نقل الوصية وقال فلان يسلم عليك فإنه يقول عليه وعليك السلام أو يقول ﵇ ويقتصر لأن النبي ﷺ بلغ عائشة أن جبريل يقرأ ﵍ فقالت ﵇ فدل ذلك على أنه إذا نقل السلام إليك أحد من شخص تقول ﵇ ولكن هل يجب عليك أن تنقل الوصية إذا قال سلم لي على فلان أم لا يجب فصل العلماء فقالوا إن التزمت له بذلك وجب عليك لأن الله يقول ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وأنت الآن تحملت هذا أما إذا قال سلم لي على فلان وسكت أو قلت له مثلا إذا تذكرت أو ما أشبه ذلك فهذا لا يلزم إلا إذا ذكرت وقد التزمت له أن تسلم عليه إذ ذكرت لكن الأحسن ألا يكلف الإنسان أحدا بهذا لأنه ربما يشق عليه ولكن يقول سلم لي على من سأل عني هذا طيب أما أن يحمله فإن هذا لا ينفع لأنه قد يستحي منك فيقول نعم أنقل","vol":"4","page":401},{"text":"سلامك ثم ينسى أو تطول المدة أو ما أشبه ذلك ثم ذكر حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا تكلم تكلم ثلاثا وإذا سلم سلم ثلاثا لكنه يتكلم ثلاثا إذا لم تفهم الكلمة عنه أما إذا فهمت فلا يكرر فإذا فهمت الكلمة فلا حاجة لكن لو لم تفهم لكون المخاطب ثقيل السمع أو لكثرة الضجة حوله أو ما أشبه ذلك فليعد مرتين فإن لم تكف فثلاث يعني وبعد الثلاث لا يجوز كما أنه إذا استأذن للدخول في البيت ثلاث مرات ولم يؤذن له انصرف وكذلك هنا إذا تكلم ثلاث مرات ولم يكلمه أو لم يفهم يتركه كذلك إذا سلمت ولم يسمع المسلم عليه أعد مرة ثانية وثالثة وهكذا إذا سلمت ورد عليك ردا لا يجزئ كما لو قلت السلام عليك قال أهلا ومرحبا أعد السلام قل السلام عليك إذا قال أهلا مرحبا أعد السلام قل السلام عليك ثلاث مرات فإن لم ينفع فاتركه ولكن نبهه بأن قول القائل في الإجابة أهلا ومرحبا لا يكفي لابد أن يقول عليك السلام إذا قيل السلام عليك والله الموفق\n٨٥٤ - وعن المقداد ﵁ في حديثه الطويل قل كنا نرفع للنبي ﷺ نصيبه من اللبن فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم","vol":"4","page":402},{"text":"رواه مسلم\n٨٥٥ - عن أسماء بنت يزيد ﵂ أن رسول الله ﷺ مر في المسجد يوما وعصبة من النساء قعود فألوي بيده بالتسليم رواه الترمذي وقال حديث حسن وهذا محمول على أنه ﷺ جمع بين اللفظ والإشارة ويؤيده أن في رواية أبي داود فسلم علينا\n٨٥٦ - وعن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام رواه أبو داود بإسناد جيد ورواه الترمذي بنحوه وقال حديث حسن وقد ذكر بعده","vol":"4","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>باب آداب السلام</span>\n٨٥٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير متفق عليه وفي رواية البخاري والصغير على الكبير\n٨٥٨ - وعن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام رواه أبو داود بإسناد جيد ورواه الترمذي عن أبي أمامة ﵁ قيل يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام قال أولاهما بالله تعالى قال الترمذي حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في شيء من آداب السلام ذكرها النووي ﵀ في رياض الصالحين في آداب السلام سبق الكلام على","vol":"4","page":407},{"text":"بعضها ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ من الذي يسلم فنقول أولا: خير الناس من يبدأ الناس بالسلام وقد كان النبي ﷺ وهو أشرف الخلق يبدأ من لقيه بالسلام فاحرص على أن تكون أنت الذي تسلم قبل صاحبك ولو كان أصغر منك لأن خير الناس من يبدؤهم بالسلام وأولى الناس بالله من يبدؤهم بالسلام فهل تحب أن تكون أولى الناس عند الله كلنا يحب ذلك إذن فابدأ الناس بالسلام ثم ذكر النبي ﷺ أن الراكب يسلم على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير والصغير على الكبير وذلك لأن الراكب يكون متعلقا فيسلم على الماشي والماشي متعليا على القاعد فيسلم عليه والقليل يسلم على الكثير لأن الكثير لهم حق على القليل والصغير يسلم على الكبير لأن الكبير له حق على الصغير ولكن لو قدر أن القليلين في غفلة ولم يسلموا فليسلم الكثيرون ولو قدر أن الصغير في غفلة فليسلم الكبير ولا تترك السنة وهذا الذي ذكره النبي ﷺ ليس معناه أنه لو سلم الكبير على الصغير كان حراما ولكن المعنى الأولى أن الصغير يسلم","vol":"4","page":408},{"text":"على الكبير فإنه لم يسلم فليسلم الكبير حتى إذا بادرت بالسلام كما قلنا من قبل كان أفضل وأولى الناس بالله من يبدؤهم بالسلام","vol":"4","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>باب استحباب إعادة السلام على من تكرر لقاؤه على قرب بأن </span>دخل ثم خرج في الحال أو حال بينهما شجرة ونحوها\n٨٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ في حديث المسيء صلاته أنه جاء فصلى ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه فرد ﵇ فقال ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ حتى فعل ذلك ثلاث مرات متفق عليه\n٨٦٠ - وعنه عن رسول الله ﷺ قال إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه رواه أبو داود","vol":"4","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>باب استحباب السلام إذا دخل بيته</span>\nقال الله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾\n٨٦١ - وعن أنس ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان البابان من آداب السلام ذكرهما النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين أن الإنسان إذا سلم على أخيه ثم خرج ورجع عن قرب أو عن بعد من باب أولى فإنه يعيد السلام مثلا إنسان عنده ضيوف في البيت فدخل إلى البيت يأتي لهم بماء أو طعام أو نحو ذلك فإنه إذا رجع يسلم وهذه من نعمة الله أنه يسن السلام وتكراره كلما غاب الإنسان عن أخيه سواء غيبة طويلة أو قصيرة فإن الله شرع لنا أن يسلم بعضنا على بعض لأن السلام عبادة","vol":"4","page":411},{"text":"وأجر كلما ازددنا منه ازددنا عبادة لله وازداد أجرنا وثوابنا عند الله ولولا أن الله شرع هذا لكان تكرار السلام على هذا الوجه من البدعة لكن من نعمة الله أنك إذا غبت عن أخيك ورجعت ولو عن قرب فإنك تسلم عليه حال بينكما شجرة أو حجر كبير بحيث تغيب عنه فإذا لقيته فسلم عليه ثم استدل المعلق ﵀ بحديث أبي هريرة ﵁ في قصة الرجل الذي دخل المسجد فصلى صلاة لا يطمئن فيها ينقرها نقرا ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇ وقال ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل وصلى لكن كصلاته الأولى بدون طمأنينة ثم رجع فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇ وقال ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاث مرات والرجل يصلي صلاة لا يعرف غيرها لأنه جاهل ثم قال والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني وهذا من حكمة الرسول ﷺ جعله يتردد يصلي هذه الصلاة التي لا تجزئ من أجل أن يشتاق إلى العلم ويتشوف إليه فيرد العلم على قلبه وهو منفتح له محتاج إليه ومعروف أن الشيء إذا جاء على الحاجة يكون أقبل للنفس انظر الآن تعطي الفقير","vol":"4","page":412},{"text":"عشرة ريالات وهو محتاج يفرح بها فرحا شديدا ويكون لها منزلة لكن لو أعطيتها غنيا لا تهمه الحاصل أن النبي ﷺ رد هذا الرجل من أجل أن يتشوق إلى العلم وينفتح قلبه له فقال ﷺ إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ولكن الفاتحة لابد منها لدلالة نصوص أخرى عليها ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تطمئن قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا هذه ركعة تامة ثم افعل ذلك في صلاتك كلها علمه الرسول ﷺ فتعلم ومشى فاستدل المؤلف بهذا الحديث على أن الإنسان إذا رجع إلى أخيه ولو من قرب فليسلم عليه مثلا أنت في المسجد ثم انصرفت لتجديد الوضوء أو إحضار كتاب أو ما أشبه ذلك ثم رجعت فسلم وهذا خير فكل سلام بعشر حسنات ثم ذكر المؤلف ﵀ أنه من السنة إذا دخل الإنسان بيته أن يسلم واستدل بقوله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة إذا دخلت بيتك فسلم لكن أول ما تدخل تبدأ به السواك ثم سلم على أهلك وقد أوصى النبي ﷺ أنس بن مالك ﵁ وهو خادمه قال يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم تكن بركة عليك وعلى أهلك ولهذا قال الله تعالى ﴿مباركة طيبة﴾","vol":"4","page":413},{"text":"فإذا دخلت البيت فسلم على من فيه سواء أهلك أو زملاؤك أو ما أشبه ذلك فهذا من السنة","vol":"4","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>باب السلام على الصبيان</span>\n٨٦٢ - عن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان رسول الله ﷺ يفعله متفق عليه","vol":"4","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>باب سلام الرجل على زوجته والمرأة من محارمه وعلى أجنبية وأجنبيات </span>لا يخاف الفتنة بهن وسلامهن بهذا الشرط\n٨٦٣ - عن سهل بن سعد ﵁ قال: كانت فينا امرأة وفي رواية كانت لنا عجوز تأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر حبات من شعير فإذا صلينا الجمعة وانصرفنا نسلم عليها فتقدمه إلينا رواه البخاري قوله تكركر أي تطحن\n٨٦٤ - وعن أم هانئ فاختة بنت أبي طالب ﵂ قالت: أتيت النبي ﷺ يوم الفتح وهو يغتسل وفاطمة تستره بثوب فسلمت وذكرت الحديث رواه مسلم\n٨٦٥ - وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: مر علينا النبي ﷺ في نسوة فسلم علينا رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وهذا لفظ أبي داود ولفظ الترمذي أن رسول الله ﷺ مر في المسجد يوما وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف في كتابه رياض الصالحين في آداب السلام باب السلام على الصبيان يعني الصغار من سن التمييز إلى سن الثانية عشرة ونحوها","vol":"4","page":416},{"text":"وقد جرت عادة الكثير من الناس ألا يسلم على الصبيان استخفافا بهم ولكن هذا خلاف هدي النبي ﷺ حيث كان يسلم على الصغير والكبير فهذا أنس بن مالك ﵁ مر على صبيان فسلم عليهم وقال إن النبي ﷺ كان يفعله أي كان يسلم على الصبيان وللسلام على الصبيان أكثر من فائدة ١ - اتباع السنة: سنة النبي ﷺ وقد قال الله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ٢ - التواضع: حتى لا يذم الإنسان بنفسه ويشمخ بأنفه ويعلو برأسه يتواضع ويسلم على الصبيان وقد قال النبي ﷺ ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه ٣ - تعويد الصبيان لمحاسن الأخلاق لأن الصبيان إذا رأوا الرجل يمر بهم ويسلم عليهم تعودوا ذلك واعتادوا هذه السنة المباركة الطيبة ٤ - أن هذا يجلب المودة للصبي يعني أن الصبي يحب","vol":"4","page":417},{"text":"الذي يسلم عليه ويفرح لذلك وربما لا ينساها أبدا لأن الصبي لا ينسى ما مر به فهذه من فوائد السلام على الصبيان فينبغي لنا إذا مررنا على صبيان يلعبون في السوق أو جالسين يبيعون شيئا أو ما أشبه ذلك أن نسلم عليهم لهذه الفوائد التي ذكرناها أما السلام على النساء فالسلام على المحارم من النساء والزوجات سنة والمحارم يعني التي لا يحل لك أن تتزوج بها تسلم عليها ولا حرج في ذلك تسلم على زوجتك أختك عمتك بنت أخيك بنت أختك ولا حرج في هذا أما الأجانب فلا تسلم عليهن اللهم إلا العجائز الكبيرات إذا كنت آمنا على نفسك من الفتنة وأما إذا خفت الفتنة فلا تسلم ولهذا جرت عادة الناس اليوم أن الإنسان لا يسلم على المرأة إذا لاقاها في السوق وهذا هو الصواب ولكن لو أتيت بيتك ووجدت فيه نساء من معارفك وسلمت فلا بأس ولا حرج بشرط أمن الفتنة وكذلك المرأة تسلم على الرجل بشرط أمن الفتنة وذكر المؤلف ﵀ حديث المرأة التي كانت تأخذ من أصول السلق وهو نوع من الشجر وأصوله طيبة تصلح إداما فتأخذ من هذه الأصول وتلقيها في الماء وتغليها على النار","vol":"4","page":418},{"text":"وتكركر عليها حبات من شعير فإذا خرج الصحابة من شاء منهم جاء إليها يسلم عليها ويأكل من هذا السلق ويفرحون به لأن الصحابة ﵃ لم يكونوا أغنياء إلا بعد فتح الله عليهم كما قال تعالى ﴿ومغانم كثيرة يأخذنها﴾ وقال ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها﴾ فكثرت الأموال بعد الفتوح أما قبل ذلك فإن غالبية الصحابة فقراء","vol":"4","page":419},{"text":"/٠L٢ باب تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام وكيفية الرد عليهم واستحباب السلام على أهل مجلس فيهم مسلمون وكفار/٠\n٨٦٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه رواه مسلم\n٨٦٧ - وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم متفق عليه\n٨٦٨ - وعن أسامة ﵁ أن النبي ﷺ مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فسلم عليهم النبي ﷺ عليه متفق عليه","vol":"4","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب ذكره المؤلف في كتابه رياض الصالحين في حكم السلام على الكفار الخلص وعلى الكفار المختلطين بالمسلمين وقد سبق الكلام في السلام على المسلمين الخلص وأنه سنة مؤكدة أما السلام على الكفار فإنه لا يحل لنا أن نبدأهم بالسلام يعني لا يجوز للإنسان إذا مر بالكافر أو دخل عليه أن يقول السلام عليك لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك كما في حديث أبي هريرة ﵁ وذلك لأن تسليمنا عليهم فيه نوع من الذل لهم ونوع من الإكرام لهم لأن التحية والسلام إكرام والكافر ليس أهلا للإكرام بل الكافر حقه منا أن نغيظه وأن نذله وأن نهينه لأن الله ﷾ قال محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا قال ﴿أشداء على الكفار﴾ يعني أقوياء عليهم أعزة عليهم ﴿تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فأزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار..\n..\n﴾ هذا الشاهد وقال تعالى في سورة التوبة ﴿ولا","vol":"4","page":421},{"text":"يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ وابتداؤنا إياهم بالسلام إكرام لهم وإعزاز لهم والمؤمن ينبغي أن يكون عزيزا على الكافرين قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ فهم لهم العزة على الكافرين يعني يرى المسلم أنه أعز من الكافر وأن له العزة عليه ولهذا لما كثرت العمالة النصرانية بيننا اليوم ذهبت الغيرة من القلوب وكأن النصراني أو اليهودي أو البوذي أو الوثني كأنه لا يخالفنا إلا كما يخالف المالكي الحنبلي والشافعي أو ما أشبه ذلك عند بعض الناس يظنون أن اختلافنا مع أهل الكفر كاختلاف المذاهب الأربعة في الإسلام نسأل الله العافية وهذا لاشك أنه من موت القلوب فلا يحل للإنسان أبدا أن يعز الكافر والمشروع أن نعمل كل ما فيه غيظ لهم ولكن يجب علينا أن نفي لهم بالعهد الذي بيننا وبينهم إذا كان بيننا وبينهم عهد فمثلا عمال ولو كانوا نصارى أولا نقول لا تأتي بعمال نصارى في الجزيرة العربية لأن الرسول ﷺ قال لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب وأمر فقال أخرجوا اليهود","vol":"4","page":422},{"text":"والنصارى من جزيرة العرب وقال وهو في مرض موته أخرجوا المشركين من جزيرة العرب فلا تأت بكافر وأنت يمكنك أن تأتي بمسلم وأما ما يعتقده من أمات الله قلبه والعياذ بالله أو نقول أزاغ الله قلبه يقول أنا آتي بعمال كفار لأنهم لا يصلون فلو صلوا لنقص العمل وحتى لا يصوموا ومن ثم فلا ينقص العمل وحتى لا يذهبوا لعمرة أو حج ومن ثم فلا ينقص العمل فهذا والعياذ بالله ممن اختار الدنيا على الآخرة نسأل الله العافية فالحاصل أنه لا يجوز أن نبدأ أي كافر بالسلام لا يهودي ولا نصراني ولا بوذي ولا وثني فأي إنسان على غير الإسلام لا يجوز أن نبدأه بالسلام قال ﷺ وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه يعني لا نوسع لهم الطريق لو كان جماعة مسلمون وجماعة كفار تلاقوا في الطريق لا يفسح المسلمون لهم المجال ولو تفرقوا في الطريق لأنك إذا أفسحت الطريق لهم يعد هذا","vol":"4","page":423},{"text":"إكراما..\nأو ما أشبه ذلك لماذا نعاملهم هذه المعاملة لأنهم أعداء لله قبل كل شيء وأعداء لنا قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾ هم أعداء الله أولا قبل كل شيء وثانيا أعداء لنا وأفعالهم بالمسلمين سابقا ولاحقا وإلى اليوم تدل على ذلك وعلى شدة عداوتهم للمسلمين فلا يجوز أن نسلم عليهم ولكن إذا سلموا ماذا نقول قال النبي علي الصلاة والسلام إذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم فقط لا تزد على هذا لماذا لأنهم في عهد الرسول الله ﷺ كانوا يسلمون على المسلمين سلام خبيث يقولون السام عليكم يعني الموت فهم من يسمعهم يظن أنهم يقولون السلام عليكم وهم يقولون السام عليكم يعني الموت فانظر إلى العداوة حتى في التحية لذا قال النبي ﷺ قولوا وعليكم فقط فإن كانوا قد قالوا السام فعليهم وإن كانوا قد قالوا السلام فعليهم وهذا من العدل لأن الله قال ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾","vol":"4","page":424},{"text":"هذا عدل ولذا قال بعض العلماء إذا قال الكافر السلام عليك باللام الواضحة فقل عليك السلام لأنه زال الأمر الذي بنى عليه الرسول ﷺ قوله قولوا وعليكم كما في حديث ابن عمر في البخاري انهم يقولون السام عليكم فإذا سلموا فقولوا وعليكم وهذه علة واضحة لأن السبب أننا نقول وعليكم لأنهم يقولون السام عليكم أما إذا قالوا السلام صراحة فنقول وعليكم السلام لأن أقوم الناس بالعدل هم المسلمون والحمد لله فإذا قالوا السلام عليكم نقول وعليكم السلام وإن قالوا أهلا وسهلا فقل أهلا وسهلا وإن قالوا مرحبا فقل مرحبا فنعطيهم مثل ما يعطوننا لكن قد أشكل على بعض الناس الآن أننا ابتلينا بقوم من الكفار يكونون رؤساء في بعض الشركات فيدخل المسلم على مكتب الرئيس رئيس الشركة وهو يهودي أو نصراني فماذا يقول نقول يسلم ويقول السلام فقط وينوي بذلك أنه السلام عليه هو على المسلم لأنك إذا حذفت المتعلق فلا يدري لمن هذا السلام وهذا إذا خفت من شره أما إذا لم تخف من شره وأنه رجل لا يبالي سلمت أم لم تسلم فادخل لقضاء مصلحتك منه بدون سلام","vol":"4","page":425},{"text":"لأن الرسول ﵊ قال لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام لكن إذا خفت من شره فنقول السلام فقط واختلف العلماء ﵏ هل يجوز أن نبدأهم بغير السلام مثل مرحبا أهلا وسهلا ...\nفمنهم من قال لا بأس به تأليفا لاسيما إن خاف منه أو لم يأمن شره ومنهم من قال لا لأن ذلك فيه تعظيم له والإنسان في هذه الحال مرحبا أهلا وما أشبه ذلك ينظر ما تقتضيه الحاجة أو المصلحة ثم ذكر المؤلف حديث إذا مر الإنسان بجمع فيه مسلمون وكفار هل يترك السلام لأن فيهم كفارا أم يسلم لأن فيه مسلمين اجتمع الآن سببان مبيح وحاظر المبيح وهم المسلمون والحاظر المانع وهم الكفار لكن هنا يمكن تشذير الحكم وإلا فالقاعدة الشرعية أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر وتعذر انفكاك أحدهما عن الآخر فإنه يغلب جانب الحاظر أي المنع لكن هنا يمكن من الانفكاك تسلم وتنوي على المسلمين لأن النبي ﷺ مر بمجلس فيه أخلاط من المشركين واليهود وفيهم مسلمون فسلم عليهم والله الموفق","vol":"4","page":426},{"text":"ختم المؤلف ﵀ كتاب السلام وآدابه بهذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ في الرجل إذا جاء إلى المجلس ثم قام منه ومن المعلوم أن الإنسان إذا دخل على قوم فإنه يسلم عليهم كما سبق والسلام سنة مؤكدة ورده فرض عين على من سلم عليه وإذا كانوا جماعة فهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين لكن إذا كانوا جماعة وكان من المعلوم أن المسلم يريد بالقصد الأول واحدا منهم وجب على هذا الواحد أن يرد مثلا لو كانوا طلبة ومعهم معلمهم والذي دخل وسلم يريد بالقصد الأول نفس المعلم فإنه يجب على المعلم أن يرد ولا يكفي رد الجماعة كالطلبة مثلا وكذلك لو كان أمير مع رجاله وشرطته فدخل إنسان وسلم فإنه من المعلوم أن المقصود بالقصد الأول هو الأمير فيجب عليه أن يرد أما إذا كانوا جماعة متساوين ولم يعلم أن واحدا منهم هو المقصود بالقصد الأول فإنه إذا رد أحدهم السلام كفي لأن رد السلام فرض كفاية","vol":"4","page":427},{"text":"/٠L٢ باب استحباب السلام إذا قام عن المجلس وفارق جلساءه أو جليسه\n٨٦٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ففي هذا الحديث أن الرجل إذا دخل على المجلس فإنه يسلم فإذا أراد أن ينصرف وقام وفارق المجلس فإنه يسلم لأن النبي ﷺ أمر بذلك وقال ليست الأولى بأحق من الثانية يعني كما أنك إذا دخلت تسلم كذلك إذا فارقت فسلم ولهذا إذا دخل الإنسان المسجد سلم على النبي ﷺ وإذا خرج سلم عليه أيضا وإذا دخل مكة لعمرة أو حج بدأ بالطواف وإذا فارق مكة وخرج ختم بالطواف لأن الطواف تحية مكة لمن دخل بحج أو عمرة وكذلك وداع مكة لمن أتى بحج أو عمرة ثم سافر وهذا من","vol":"4","page":428},{"text":"كمال الشريعة أنها جعلت المبتدي والمنتهي على حد سواء في مثل هذه الأمور والشريعة كما نعلم جميعا من لدن حكيم خبير كما قال تعالى ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ فتجدها كلها متناسقة متصاحبة ليس فيها تناقض ولا تفريط حتى إن الرسول ﵊ نهى أن يمشى الرجل بنعل واحد ولو لإصلاح الأخرى لماذا؟ لأنك إذا خصصت إحدى قدميك بالنعل صار ذلك جورا وعدم عدل فهكذا نرى أن الشريعة الإسلامية جاءت بالعدل في كل شيء ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ والله الموفق","vol":"4","page":429},{"text":"/٠L٢ باب الاستئذان وآدابه\nقال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ وقال تعالى ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾\n٨٧٠ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع متفق عليه\n٨٧١ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إنما جعل الاستئذان من أجل البصر متفق عليه\n٨٧٢ - وعن ربعي بن حراش قال حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال أألج؟ فقال رسول الله ﷺ لخادمه أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له قل السلام عليكم أأدخل فسمعه الرجل فقال السلام عليكم أأدخل","vol":"4","page":430},{"text":"فأذن له النبي ﷺ فدخل رواه أبو داود بإسناد صحيح\n٨٧٣ - عن كلدة بن الحنبل ﵁ قال أتيت النبي ﷺ فدخلت عليه ولم أسلم فقال النبي ﷺ أرجع فقل السلام عليكم أأدخل رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب الاستئذان وآدابه والاستئذان يعني طلب الإذن أن تطلب من صاحب البيت أن يأذن لك في الدخول فإن أذن لك فادخل وإن لم يأذن لك فلا تدخل حتى لو قال لك بصراحة ارجع فارجع كما قال الله تعالى وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم وأنت يا صاحب البيت لا تستح أن تقول ارجع وأنت أيها المستأذن لا تغضب عليه إذا قال: لك أرجع لأن الإنسان قد يكون في حاجة وقد يكون غير مستعد لاستقبال الناس فلا يمكن أن تلجئه وتحرجه وإذا رجعت بعد أن قال لك: ارجع فإن الله يقول ذلك هو أزكى لك ﴿فارجعوا هو أزكى لكم﴾ أي أزكى لقلوبكم وأطهر","vol":"4","page":431},{"text":"وذكر المؤلف ﵀ آيتين من كتاب الله الآية الأولى وقد سبق الكلام عليها وهي قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا﴾ وقلنا إن معنى الاستئناس يعني أن تستأذنوا أو أن تعلموا علم اليقين أن صاحبكم مستعد لدخولكم ومن ذلك إذا واعدك الإنسان قال لك مثلا ائتني بعد صلاة الظهر فإذا وجدت الباب مفتوحا فهو أذن فأنت إذا أتيت لا حاجة لأن تستأذن لأن صاحب البيت قال لك ائتني في الموعد المحدد فإذا وجدت الباب مفتوحا فهذا إذن فالإذن لا فرق بين أن يكون سابقا أو لاحقا مادام قد علمت أن الرجل لم يفتح بابه إلا من أجل أن تدخل وبينك وبينه موعد فادخل ولكن لا بأس بل الأولى بلا شك أن تسلم عند الدخول لو لم يكن في ذلك إلا أن تحصل أجر السلام وثوابه والدعاء من أخيك حيث يقول لك وعليك السلام أما الآية الثانية فهي قوله تعالى ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾ إذا بلغوا الحلم يعني بلغوا بالإنزال لكن كني عنه بالحلم لأن الغالب أن الإنسان لا يخرج منه المني أول ما يخرج إلا بالاحتلام","vol":"4","page":432},{"text":"وإن كان بعض الناس يبلغ بدون احتلام لكن الغالب أنه يحتلم فإذا بلغ الطفل الحلم فإنه لا يدخل البيت إلا باستئذان أما قبل ذلك فأمره هين لكن هناك ثلاث عورات لابد من الاستئذان فيها ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات﴾ ١ - الأولى من قبل صلاة الفجر ٢ - والثانية حين تضعون ثيابكم من الظهيرة ٣ - والثالثة ومن بعد صلاة العشاء هذه الأوقات لابد منها أن نستأذن حتى الصغار لابد وأن يستأذنوا لأن الإنسان في هذه الأوقات الثلاثة قد يكون متهيئا للنوم وعليه ثياب لا يحب أن يطلع عليه أحد فلذلك لابد من الاستئذان في هذه الساعات الثلاث وأما بالنسبة للنظر نظر الطفل للمرأة فليس مقيدا بالبلوغ بل هو مقيد بما إذا عرف من الطفل أنه ينظر إلى المرأة نظر شهوة فإذا علم ولو لم يكن له إلا عشر سنوات فإنه يجب عليها أن تحتجب عنه لأن الله قال ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ يعني أزواجهن إلى","vol":"4","page":433},{"text":"أن قال ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ قال العلماء الذين لم يظهروا على عورات النساء يعني ليس لهم غرض في النساء ولا يسري على بالهم المرأة بعض الأطفال من حين ما يتم له عشر سنوات وهو ينظر إلى النساء نظر شهوة وهذا يختلف كما قلت قد يكون هذا الطفل يجلس مع قوم أكثر حديثهم في النساء فهذا تتربى فيه الشهوة الجنسية من البداية وقد يكون عند قوم ليس همهم إلا الدرس وحفظ القرآن وما أشبه ذلك ولا يسري على بالهم هذا الشيء فلا تنمو فيه هذه الغريزة على كل حال فإذا عرفنا أن الطفل يطلع على عورة المرأة ويتكلم في النساء وأشبهت نظراته نظرة الإنسان المشتهي فإنه يجب على المرأة أن تحتجب عنه ولو لم يكن له إلا عشر سنين مع أن العلماء ﵏ يقولون يمكن لمن تم له عشر سنين أن يأتي له أولاد يعني وعنده (١١) سنة فلا تستغرب إذا جاء له ولد إذا تزوج وجامع زوجه فلا تستغرب ويذكر أن عمرو بن العاص ليس بينه وبين ابنه عبد الله إلا إحدى عشرة سنة وقال الشافعي ﵀ رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة عندنا الآن تبلغ الواحد والعشرين وما تزوجت حتى الآن لأن المرأة يمكن أن تبلغ تحيض ولها تسع سنوات فإذا قدرنا أنها تزوجت ولها تسع سنوات يعني","vol":"4","page":434},{"text":"في العاشرة وحملت في أول سنة وأتت ببنت ثم إن البنت لما تم لها تسع سنوات تزوجت في العاشرة كم هكذا (٢٠) سنة يأتيها ولد في الحادي والعشرين فتكون جدته أم البنت والشافعي ﵀ صدوق يقول رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة والحاصل أنه إذا بلغ الطفل الحلم فلا يدخل البيت إلا باستئذان وإذا اطلع على عورات النساء وصار يتكلم فيهن وينظر إليهن بشهوة فإنه يجب أن تستتر عنه المرأة ولم لو يتم له إلا عشر سنوات والله الموفق","vol":"4","page":435},{"text":"/٠L٢ باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى وكراهية تشميتة إذا لم يحمد الله تعالى وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب\n٨٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان رواه البخاري\n٨٧٩ - وعنه عن النبي ﷺ إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله فإذا قال له يرحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم رواه البخاري\n٨٨٠ - وعن أبي موسى ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه رواه مسلم","vol":"4","page":436},{"text":"٨٨١ - وعن أنس ﵁ قال عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقال الذي لم يشمته عطس فلان فشمته وعطست فلم تشمتني فقال هذا حمد الله وإنك لم تحمد الله متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى وبيان آداب العاطس والتثاؤب العطاس من الله ﷿ يحبه الله كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال إن الله يحب العطاس والسبب في ذلك أن العطاس يدل على النشاط والخفة ولهذا تجد الإنسان إذا عطس نشط والله ﷾ يحب الإنسان النشيط الجاد وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير","vol":"4","page":437},{"text":"والعطاس يدل على الخفة والنشاط فلهذا كان محبوبا إلى الله وكان مشروعا للإنسان إذا عطس أن يقول الحمد لله لأنها نعمة أعطيها فليحمد الله عليها فيقول (الحمد لله) إذا عطس سواء أكان في الصلاة أو خارج الصلاة في أي مكان كان إلا أن العلماء ﵏ يقولون إذا عطس وهو في الخلاء فلا يقول بلسانه (الحمد لله) ولكن يحمد بقلبه لأنهم يقولون ﵏ إن الإنسان لا يذكر الله في الخلاء فإذا عطس الإنسان وحمد الله كان حقا على كل من سمعه أن يقول له (يرحمك الله) فيدعو له بالرحمة جزاء له على حمده لله ﷿ فإنه لما حمد الله كان من جزائه أن إخوانه يدعون له بالرحمة وقوله كان حقا على كل من سمعه ظاهره أنه يجب على كل السامعين بأعيانهم ويؤيده قوله في الحديث الآخر إذا عطس فحمد الله فشمتوه وذهب بعض العلماء إلى أن تشميت العاطس فرض كفاية يعني إذا قال واحد من الجماعة يرحمك","vol":"4","page":438},{"text":"الله كفي لكن الاحتياط أن يشمته أي يدعو له بالرحمة كل من سمعه كما جاء في الحديث وأما التثاؤب فإنه من الشيطان ولهذا كان الله يكرهه لماذا لأن التثاؤب يدل على الكسل ولهذا يكثر التثاؤب فيمن كان فيه نوم ولأجل أنه يدل على الكسل كان الله يكرهه ولكن إذا تثاءب فالأولى أن يرده أي يرد التثاؤب يكظمه ويتصبر قال العلماء وإذا أردت أن تكظمه فعض على شفتك السفلى وليس عضا شديدا فتنقطع ولكن لأجل أن تضمها حتى لا ينفتح الفم فالمهم أن تكظم سواء بهذه الطريقة أو غيرها فإن عجزت عن الكظم فضع يدك على فمك وما ذكره بعض العلماء ﵏ أنك تضع ظهرها على الفم فلا أصل له وإنما تضع بطنها تسد الفم والسبب في ذلك أن الإنسان إذا تثاءب ضحك الشيطان منه لأنه أي الشيطان يعرف أن هذا يدل على كسله وعلى فتوره والشيطان يحب من بني آدم أن يكون كسولا فتورا أعاذنا الله وإياكم منه ويكره الإنسان النشيط الجاد الذي يكون دائما في حزم وقوة ونشاط فإذا جاءك التثاؤب فإن استطعت أن تكظمه وتمنعه فهذا هو السنة وهذا هو الأفضل وإن لم تقدر فضع يدك على فمك","vol":"4","page":439},{"text":"ولكن هل تقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟ لا لأن ذلك لم يرد عن النبي ﵊ فالنبي ﷺ علمنا ماذا نفعل عند التثاؤب ولم يقل قولوا كذا وإنما قال اكظموا أو ردوا باليد ولم يقل قولوا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أما ما اشتهر عند بعض الناس أن الإنسان إذا تثاءب يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فهذا لا أصل له والعبادات مبنية على الشرع لا على الهوى لكن قد يقول بعض الناس أليس الله يقول وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وقد أخبر النبي ﷺ أن التثاؤب من الشيطان فهذا نزغ؟ نقول لا فقد فهمت الآية خطأ فالمراد من الآية ﴿إما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله أنه هو السميع العليم﴾ يعني الأمر بالمعاصي أو بترك الواجبات فهذا نزغ الشيطان كما قال تعالى فيه إنه ينزغ بين الناس فهذا نزغه أمر بالمعاصي والتضليل عن الواجبات فإن أحسست بذلك فقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أما التثاؤب فليس فيه إلا سنة فعلية فقط وهي الكظم ما استطعت فإن لم تقدر فضع يدك على فمك ومن آداب العطاس: أنه ينبغي للإنسان إذا عطس أن يضع ثوبه على وجهه قال أهل العلم وفي ذلك حكمتان الحكمة الأولى: أنه قد يخرج مع هذا العطاس أمراض تنتشر","vol":"4","page":440},{"text":"على من حوله الحكمة الثانية: أنه قد يخرج من أنفه شيء مستقذر تتقزز النفوس منه فإذا غطى وجهه صار ذلك خيرا ولكن لا تفعل ما يفعله بعض الناس بأن تضع يدك على أنفك فهذا خطأ لأن هذا يحد من خروج الريح التي تخرج من الفم عند العطاس وربما يكون في ذلك ضرر عليك وفي هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف دليل على أن من عطس ولم يقل الحمد لله فإنه لا يقال له يرحمك الله لأن النبي ﷺ عطس عنده رجلان أحدهما قال له النبي ﷺ يرحمك الله والثاني لم يقل له ذلك فقال الثاني يا رسول الله عطس فلان فقلت له يرحمك الله وعطست فلم تقل لي ذلك قال أي الرسول هذا حمد الله وإنك لم تحمد الله وعلى هذا إذا عطس إنسان ولم يحمد الله فلا تقل له يرحمك الله ولكن هل نذكره فنقول له قل الحمد لله لا الحديث هذا يدل على أنك لا تذكره فلم يقل النبي ﷺ في الحديث إذا عطس ولم يحمد الله فذكروه بل قال (لا تشمتوه) فنحن لا نقل احمد الله","vol":"4","page":441},{"text":"ولكن فيما بعد علينا أن نخبره أن الإنسان إذا عطس عليه أن يقول (الحمد لله) ويكون ذلك من باب التعليم ولابد أن يكون حمد العاطس مسموعا كما أن العاطس إذا قيل له يرحمك الله يقول (يهديكم الله ويصلح بالكم) أي يصلح شأنكم فتدعو له بالهداية وإصلاح الشأن ويقول بعض العامة (يهدينا أو يهديكم الله) وهذا خلاف المشروع المشروع أن يقول يهديكم الله ويصلح بالكم كما بينا والله الموفق","vol":"4","page":442},{"text":"/٠L٢ باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح وتقبيل ولده شفقة ومعانقة القادم من سفر وكراهية الانحناء\n٨٨٥ - عن أبي الخطاب قتادة قال قلت لأنس أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ قال نعم رواه البخاري\n٨٨٦ - وعن أنس ﵁ قال لما جاء أهل اليمن قال رسول الله ﷺ قد جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالصافحة رواه أبو داود بإسناد صحيح\n٨٨٧ - وعن البراء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا رواه أبو داود\n٨٨٨ - وعن أنس ﵁ قال قال رجل يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له قال لا قال أفيلتزمه ويقبله قال لا قال قيأخذ بيده ويصافحه قال نعم رواه","vol":"4","page":445},{"text":"الترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب عقده المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين بآداب السلام والاستئذان وما يتعلق بذلك فمنها: المصافحة هل يسن للرجل إذا لقي أخاه أن يصافحه والجواب نعم يسن له ذلك لأن هذا من آداب الصحابة ﵃ كما سأل قتادة أنس بن مالك ﵁ هل كانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ قال نعم ويصافحه باليد اليمنى وإذا حصل ذلك فإنه يغفر لهما قبل أن يفترقا وهذا يدل على فضيلة المصافحة إذا لاقاه وهذا إذا كان لاقاه ليتحدث معه أو ما أشبه ذلك أما مجرد الملاقاه في السوق فما كان هذا من هدي الصحابة يعني إذا مررت بالناس في السوق يكفي أن يسلم عليهم وإذا كنت تقف إليه دائما وتتحدث إليه بشيء فصافحه ثم ينبغي أن نعرف أن بعض الناس إذا سلم من الصلاة إذا كانت فرضا صافح أخاه وأحيانا يقول","vol":"4","page":446},{"text":"له تقبل الله أو قبول ...\nقبول وهذا من البدع فما كان الصحابة يفعلون هذا وإنما يكفي أن يسلم المصلي عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله وأما الانحناء عند الملاقاة أو المعانقة والالتزام فإن النبي ﷺ سئل عن ذلك أننحني قال لا قال السائل أيلتزمه ويعانقه قال لا فإذا لاقاه فإنه لا يلتزم أي لا يضمه إليه ولا يعانقه ولا ينحني له والانحناء أشد وأعظم لأن فيه نوعا من الخضوع لغير الله ﷿ بمثل ما يفعل لله في الركوع فهو منهي عنه ولكنه يصافحه وهذا كاف إلا إذا كان هناك سبب فإن المعانقة أو التقبيل لا بأس به كأن كان قادما من سفر أو نحو ذلك فإن قال قائل كيف يكون قول الرسول ﷺ لا ينحني له مع قول الله تعالى في إخوة يوسف لما دخلوا عليه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا فالجواب عن هذا أنه في شريعة سابقة وشريعتنا الإسلامية قد نسخته ومنعت منه فلا يجوز لأحد أن يسجد لأحد وإن لم يرد بذلك العبادة أو ينحني فإن الانحناء منع منه الرسول ﷺ إذا قابلك أحد يجهل هذا الأمر وانحنى لك","vol":"4","page":447},{"text":"فانصحه وأرشده قل له هذا ممنوع لا تنحن ولا تخضع إلا لله وحده وتقبيل اليد لا بأس به إذا كان الرجل أهلا لذلك والله الموفق\n٨٨٩ - وعن صفوان بن عسال ﵁ قال قال يهودي لصاحبه اذهب بنا إلى هذا النبي فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بينات فذكر الحديث إلى قوله فقبلا يده ورجله وقالا نشهد أنك نبي رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحة\n٨٩٠ - وعن ابن عمر ﵄ قصة قال فيها فدنونا من النبي ﷺ فقبلنا يده رواه أبو داود\n٨٩١ - وعن عائشة ﵂ قالت قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب فقام إليه النبي ﷺ يجر ثوبه فاعتنقه وقبله رواه الترمذي وقال حديث حسن\n٨٩٢ - وعن أبي ذر ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ","vol":"4","page":448},{"text":"لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها الإمام النووي ﵀ في رياض الصالحين في آداب المصافحة والمعانقة وما يتعلق بذلك منها حديث صفوان بن عسال ﵁ أن رجلا يهوديا قل لصاحبه اذهب بنا إلى هذا الرجل يعني النبي ﷺ فذهبا إليه وأخبراه وذكر النبي ﷺ تسع آيات فقيلا يده ورجله وقالا نشهد أنك نبي واليهود كانوا في المدينة وكان أصلهم من مصر من بني إسرائيل ثم انتقلوا إلى الشام إلى الأرض المقدسة التي قال لهم نبيهم موسى ﷺ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم وكانوا يقرءون في التوراة أنه سيبعث نبي في آخر الزمان وأنه سيكون من مكة ومهاجره المدينة فهاجر كثير منهم من الشام إلى المدينة ينتظرون النبي ﷺ ليتبعوه لأنه قد نوه عن فضله ﷺ في التوراة والإنجيل فقد قال الله تعالى ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا","vol":"4","page":449},{"text":"عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ وكانوا إذا جرى بينهم وبين المشركين شيء يستفتحون على الذين كفروا يقولون سيبعث نبي ونتبعه ونستفتح به ونغلبكم كما قال تعالى ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ ثم إنهم صاروا ثلاث قبائل أي اليهود في المدينة بنو قينقاع وبنو النضر وبنو قريظة وعاهدهم النبي ﷺ لما قدم المدينة وكلهم نقضوا العهد فطردوا منها آخرهم بنو قريظة قتل منهم نحو سبعمائة نفر لما خانوا العهد في يوم الأحزاب وانتقلوا إلى خيبر وفتحها النبي ﷺ وأبقاهم فيها لأنهم أصحاب مزارع يعرفون الحرث والزرع والصحابة مشتغلون عن ذلك بما هو أهم فعاملهم النبي ﷺ قال لهم تبقون في محلكم خيبر على أن لكم نصف الثمر والزرع وللمسلمين نصفهما ونقركم في ذلك ما شاء الله وبقوا في عهد","vol":"4","page":450},{"text":"الرسول ﷺ في خيبر وفي عهد أبي بكر ولما تولى عمر حصل منهم خيانة كما هي طبيعتهم التي عرفوا بها من الخيانة والغدر فأجلاهم عمر ﵁ من خيبر في السنة السادسة عشرة إلى أذرعات في الشام هذا أصل وجود اليهود في الجزيرة العربية كانوا ينتظرون بعث النبي ﷺ ليتبعوه ولكنهم لما رأوه عين اليقين كفروا ولعلهم كانوا في أول الأمر يظنون أنه من بني إسرائيل هكذا قال بعض العلماء ولكن لما تبين أنه من بني إسماعيل حسدوهم أي بني إسماعيل وكفروا ولكن لا يتبين لي هذا لأن الله يقول ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ فهم يعرفون أنه من العرب من بني إسماعيل لكن والعياذ بالله فرق بين علم اليقين وعين اليقين هم كانوا بالأول يظنون أنه إذا بعث يتبعونه بسهولة لكنهم حسدوه والعياذ بالله المهم أن هذين الرجلين قبلا يد النبي ﷺ ورجله فأقرهما على ذلك وفي هذا جواز تقبيل اليد والرجل للإنسان الكبير الشرف والعلم كذلك تقبيل اليد والرجل من الأب والأم وما أشبه ذلك لأن لهما حقا وهذا من التواضع وذكر المؤلف أيضا حديث ابن عمر ﵄ قال أتينا","vol":"4","page":451},{"text":"النبي ﷺ فقبلنا يده وأقرهما النبي ﷺ على ذلك وتقبيل اليد كتقبيل الرأس ليس بينهما فرق لكن عجبا أن الناس الآن يستنكرون تقبيل اليد أكثر من استنكارهم تقبيل الرأس وهو لا فرق بينهما لكن الذي ينتقد من بعض الناس أنه إذا سلم عليه أحد مد يده إليه وكأنه يقول قبل يدي فهذا هو الذي يستنكر ويقال للإنسان عندئذ لا تفعل أما من يقبل يدك تكريما وتعظيما أو رأسك أو جبهتك فهذا لا بأس به إلا أن هذا لا يكون في كل مرة يلقاك لأنه سبق أن الرسول ﷺ سئل عن ذلك إذا لاقى الرجل أخاه أينحني له؟ قال لا قال أيقبله ويعانقه قال لا قال أيصافحه؟ قال نعم لكن إذا كان لسبب فلا بأس للغائب ولهذا يذكر المؤلف ﵀ حديث عائشة في قدوم زيد بن حارثة حين جاء إلى النبي ﷺ واستأذن فقام الرسول ﷺ إليه يجر ثوبه وزيد بن حارثة مولى الرسول ﷺ أي كان عبدا مملوكا للرسول ﷺ أهدته إليه خديجة ﵂ فأعتقه ولكن الرسول ﷺ كان يحبه ويحب ابنه أسامة ولهذا يسمى أسامة الحب بن الحب فهو محبوب لرسول الله ﷺ وابنه أسامة كذلك المهم","vol":"4","page":452},{"text":"أن الرسول قام يجر ثوبه فعانقه وقبله لأن زيدا ﵁ كان قادما من سفر فإذا كان عند القدوم من السفر فهذا لا بأس به أما كلما لاقاك يقبلك فهذا نهى عنه الرسول ﷺ كذلك أيضا أوصى النبي ﷺ أن الإنسان لا يحقر من المعروف شيئا يعني المعروف والإحسان إلى الناس لا تحقر شيئا منه أبدا وتقول هذا قليل حتى ولو أعطيته قلما أو شيئا قليل القيمة ماديا فلا تحقر شيئا فإن هذا يذكر الإنسان ولو بعد حين يقول هذا الرجل أهداني سنة كذا وكذا فكل شيء يجلب المودة والمحبة بين الناس لا تحقره ولهذا قال الرسول ﷺ لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق إلى هذا الحد تلقى أخاك بوجه طليق يعني غير عبوس لكن أحيانا يغلبنا عدم التوسع في هذا الأمر لسبب أو لآخر فقد يكون هناك أسباب خفية يكون الإنسان مثلا متأثرا بها والناس لا يعلمون فلا يحصل أن يلقى الإنسان الناس دائما بوجه طليق إنما عليك المحاولة أن تلقاهم بوجه طليق منشرح لأن هذا من المعروف وسبب للمودة والمحبة والدين الإسلامي دين المحبة والوفاء والأخوة كما قال","vol":"4","page":453},{"text":"تعالى ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾ نسأل الله أن يهدينا وإياكم إلى أحسن الأخلاق والأعمال فلا يهدي إلى أحسنها إلا هو وأن يصرف عنا سيئ الأخلاق والأعمال فلا يصرف عنا سيئها إلا هو\n٨٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قبل النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄ فقال الأقرع بن حابس إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحد فقال رسول الله ﷺ من لا يرحم لا يرحم متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث ذكره النووي ﵀ فيما يتعلق","vol":"4","page":454},{"text":"بالمعانقة والتقبيل وما أشبه ذلك ومن ذلك تقبيل الصغار رحمه بهم وشفقة وإحسانا وتوددا فإن النبي ﷺ قبل الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ والحسن هو ابن فاطمة بنت محمد ﷺ يعني أن النبي ﷺ جده من قبل أمه وكان النبي ﷺ يحب الحسن ويحب الحسين ويقول إنهما سيدا شباب أهل الجنة لكن الحسن أفضل من الحسين ولهذا قال له النبي ﷺ إن ابني هذا سيد وسوف يصلح الله به بين فئتين من المسلمين ولذلك لما استشهد علي بن أبي طالب ﵁ حين قتله الخارجي كان الذي تولى الخلافة بعده الحسن ابنه الأكبر والأفضل ولكنه لما رأى أن منازعته لمعاوية الخلافة سيحصل فيها سفك دماء وقتل وضرر عظيم تنازل ﵁ عن الخلافة لمعاوية تنازلا تاما درأ للفتنة وائتلافا للأمة فأصلح الله به بين الأمة وصار بهذا له منقبة عظيمة حيث تنازل عما هو أحق به لمعاوية ﵁ درأ للفتنة كان ذات يوم عند النبي ﷺ وعنده الأقرع بن حابس من سادات بني تميم فقبل النبي ﷺ","vol":"4","page":455},{"text":"الحسن فكأن هذا الرجل الأقرع الجافي كأنه استغرب كيف تقبل هذا الطفل فقال إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم فقال النبي ﷺ من لا يرحم لا يرحم يعني من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿ والعياذ بالله ولا يوفقه لرحمة فدل ذلك على جواز تقبيل الأولاد الصغار رحمة وشفقة سواء كانوا من أبنائك أو من أولاد أبنائك وبناتك أو من الأجانب لأن هذا يوجب الرحمة وأن لديك قلبا يرحم الصغار وكلما كان الإنسان بعباد الله أرحم كان إلى رحمة الله أقرب حتى إن الله ﷿ غفر لامرأة بغي زانية غفر لها حين رحمت كلبا يأكل الثري من العطش فنزلت وأخذت بخفها ماء وسقته فغفر الله لها مع أنها سقت ورحمت كلبا ولكن إذا جعل الله في قلب الإنسان رحمة لهؤلاء الضعفاء فذلك دليل على أنه سوف يرحم بإذن الله ﷿ نسأل الله أن يرحمنا وإياكم فقال النبي ﷺ من لا يرحم لا يرحم فدل ذلك على أنه ينبغي للإنسان أن يجعل قلبه لينا عطوفا رحيما خلاف ما يفعله بعض","vol":"4","page":456},{"text":"السفهاء من الناس حتى إنه إذا دخل الصبي عليه وهو في المقهى انتهره ونهزه فهذا خطأ وها هو النبي ﷺ أحسن الناس خلقا وأكرمهم أدبا جاء يوم من الأيام وهو ساجد يصلي بالناس فأتي الحسن بن علي بن أبي طالب فركب عليه وهو ساجد كما يفعل الصبيان وتأخر في السجود فكأن الصحابة تعجبوا من ذلك فقال إن ابني ارتحلني يعني جعلني راحلة له وإني أحببت ألا أقوم حتى يقضي نهمته هذه من الرحمة وفي يوم آخر كانت أمامة بنت زينب بنت الرسول ﷺ كانت صغيرة فخرج بها الرسول ﷺ إلى المسجد فتقدم يصلي بالناس وهو حامل هذه الطفلة إذا سجد وضعها على الأرض وإذا قام حملها كل هذا رحمة بها وعطف وإلا فقد كان من الممكن أن يقول لعائشة أو غيرها من نسائه (خذي البنت) لكنها رحمة ربما إنها تعلقت بجدها ﷺ فأراد أن يطيب نفسها وفي","vol":"4","page":457},{"text":"يوم من الأيام كان يخطب الناس وكان على الحسن والحسين ثوبان لعلهما جديدان وكان فيهما طول فجعل يمشيان ويتعثران فنزل من على المنبر وحملهما بين يديه ﷺ وقال صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة وقال إنه رآهما يتعثران فما طابت نفسه حتى نزل فحملهما المهم أنه ينبغي لنا أن نعود أنفسنا على رحمة الصبيان وعلى رحمة كل من يحتاج الرحمة من اليتامى والفقراء والعاجزين وغيرهم وأن نجعل في قلوبنا رحمة ليكون ذلك سببا لرحمة الله إيانا لأننا أيضا محتاجون إلى الرحمة ورحمتنا لعباد الله سبب لرحمة الله لنا نسأل الله أن يعمنا وإياكم برحمته","vol":"4","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>كتاب عيادة المريض وتشييع الميت</span>\nالصلاة على الميت وحضور دفنه والمكث عند قبره بعد دفنه\n٨٩٤ - عن البراء بن عازب ﵄ قال أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا في رياض الصالحين لمؤلفه النووي ﵀ عدة أبواب مفيدة وكلها تتعلق بالأحياء ثم ذكر ﵀ في هذا الباب حكم عيادة المريض وتشييع الجنائز عيادة المريض ذهب بعض العلماء إلى أنها فرض كفاية فإذا لم يقم بها أحد فإنه يجب على من علم بحال المريض أن يعوده لأن النبي ﷺ جعل ذلك من حقوق المسلم على أخيه ولا يليق","vol":"4","page":459},{"text":"بالمسلمين أن يعلموا أن أخاهم مريض ولا يعوده أحد منهم لأن هذا قطيعة وأي قطيعة وهذا القول هو الراجح أن عيادة المرضى فرض كفاية ومن المعلوم أن غالب المرضى يعودهم أقاربهم وأصحابهم وتحصل بذلك الكفاية لكن لو علمنا أن أحدا أجنبيا في البلد مريض وليس معروفا وقد علمت أنه لم يعده أحد فإن الواجب عليك أن تعوده لأن ذلك من حقوق المسلمين بعضهم على بعض والمستحب لمن عاد المريض أن يسأل عن حاله كيف أنت وعن عبادته كيف تتوضأ كيف تصلي وعن معاملاته هل لك حقوق على الناس أو هل للناس حقوق عليك ثم إذا قال نعم قل له أوص بما عليك لأن النبي ﷺ قال ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ولا تلحف عليه في المسألة ولاسيما إذا كان مرضه شديدا لأنه ربما يضجر ويتعب ولا تطل الجلوس عنده لأنه ربما يمل لأن حال المريض غير حال الصحيح فربما يمل ويحب أن تقوم عنه ليأتي إليه أهله وما أشبه ذلك ولكن إذا رأيت أن المريض مستأنس","vol":"4","page":460},{"text":"بك ويفرح أن تبقي وأن تطيل الجلوس عنده فهذا خير ولا بأس به وهذا ربما يكون سببا في شفائه لأن من أسباب الشفاء إدخال السرور على المريض ومن أسباب دوام المرض وزيادته إدخال الغم عليه فمثلا إذا جئت مريضا وقلت له أنت اليوم أحسن من أمس حتى وإن لم يكن أحسن من جهة المرض لكن تقول أحسن من أمس لأنك زدت خيرا ما بين أمس واليوم صليت خمس صلوات استغفرت هللت كذلك زاد أجرك بالمرض وذلك حتى يدخل عليه السرور ولا تقل له أنت أمس أحسن من اليوم فذا خطأ حتى ولو كان الأمر كذلك لأنه إن لم يضر لن ينفع كذلك إذا كان المريض ممن يحب القصص وهي حق وليست كذبا قصص حقيقية ليست مكذوبة وكان ذلك مدعاة لإدخال السرور عليه فهذا أيضا طيب لأن من المهم إدخال السرور على المريض وإذا أردت أن تقوم واستأذنت تقوم أتأذن لي فإن هذا أيضا مما يسره لأنه ربما يود أن تبقي فلا يأذن لك","vol":"4","page":461},{"text":"ثم احرص غاية الحرص على أن توجهه إلى فعل الخير في هذا المرض وقول الخير في هذا المرض فتقول قد يقدر الله المرض على الإنسان فيكون خيرا له فيتفرغ للذكر ولقراءة القرآن وما أشبه ذلك لعله ينتبه ويكون لك أجر السبب\n٨٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين كتاب عيادة المريض وتشييع الجنازة يقال عيادة وزيارة وتشييع الزيارة للصحيح إذا زرت أخا لك في الله في بيته في مكانه فهذه زيارة والعيادة للمريض لأن الإنسان يعيدها ويكررها مادام","vol":"4","page":462},{"text":"أخوه مريضا وتشييع الجنازة اتباعها ثم ذكر المؤلف حديث البراء بن عازب وقد سبق الكلام على أكثره والشاهد منه قوله وعيادة المريض فهي أمر أمر به النبي ﷺ وهي فرض كفاية إذا قام بها البعض سقط عن الباقين وإذا لم يقم بها أحد وجب على من علم أن يعوده ثم إن المراد بالمريض الذي يعاد هو الذي انقطع في بيته ولا يخرج وأما المريض مرضا خفيفا لا يعوقه عن الخروج ومصاحبة الناس فإنه لا يعاد لكن يسأل عن حاله إذا علم به الإنسان وللعيادة آداب كثيرة منها ١ - أن ينوي الإنسان بها امتثال أمر النبي ﷺ فإن النبي ﷺ أمر بها ٢ - أن ينوي الإحسان إلى أخيه بعيادته فإن المريض إذا عاده أخوه وجد في ذلك راحة عظيمة وانشراح صدر ٣ - أن يستغل الفرصة في توجيه المريض إلى ما ينفعه فيأمره بالتوبة والاستغفار والخروج من حقوق الناس ٤ - أنه ربما يكون على المريض إشكالات في طهارته أو صلاته أو ما أشبه ذلك فإذا كان العائد طالب علم انتفع به المريض لأنه لابد أن يخبره عما ينبغي أن يقوم به من طهارة وصلاة","vol":"4","page":463},{"text":"أو يسأله المريض ٥ - أن الإنسان ينظر للمصلحة في إطالة البقاء عند المريض أو عدمها وهذا القول هو القول الصحيح وذهب بعض العلماء إلى أنه ينبغي تخفيف العيادة وألا يثقل على المريض لكن الصحيح أن الإنسان ينظر للمصلحة إذا رأى أن المريض مستأنس منبسط منشرح الصدر وأنه يجب بقاءه فليتأن لما في ذلك من إدخال السرو عليه وإن رأى أن المريض يرغب أن يقوم الناس عنه حتى يأتيه أهله ويصلحوا حاله فإنه يقوم ولا يتأخر ٦ - أن يتذكر الإنسان نعمة الله عليه بالعافية فإن الإنسان لا يعرف قدر نعمة الله عليه إلا إذا رأى من ابتلي بفقدها كما قيل وبضدها تتميز الأشياء فتحمد الله ﷾ على العافية وتسأله أن يديم عليك النعمة ٧ - ومنها ما يرجى من دعاء المريض للعائد ودعاء المريض حري بالإجابة لأن الله ﷾ عند المنكسرة قلوبهم من أجله والمريض من أشد الناس ضعفا في النفس ولاسيما إذا طال به المرض وثقل فيرجى إجابة دعوة هذا المريض","vol":"4","page":464},{"text":"وهناك فوائد أكثر مما ذكرنا لذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على عيادة المرضى لما في ذلك من الأجر الكثير والثواب العظيم\n٨٩٦ - وعنه قال قال رسول الله ﷺ إن الله ﷿ يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي رواه مسلم","vol":"4","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث ذكره النووي ﵀ في رياض الصالحين باب عيادة المريض وتشييع الميت عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال كيف أعودك وأنت رب العالمين يعني وأنت لست بحاجة إلي حتى أعودك قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما إنك لو عدته لوجدتني عنده هذا الحديث ليس فيه إشكال في قوله تعالى مرضت فلم تعدني لأن الله تعالى يستحيل عليه المرض لأن المرض صفة نقص والله ﷾ منزة عن كل نقص قال الله ﵎ سبحان ربك رب العزة عما يصفون لكن المراد بالمرض مرض عبد من عباده الصالحين وأولياء الله ﷾ هم خاصته ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي أيضا من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب يعني من يعادي أولياء الله محارب لله ﷿ مع أنه وإن كان لم يعاد الله على زعمه لكنه عادى أولياءه وحاربهم كذلك إذا مرض عبد من عباد الله الصالحين فإن الله ﷾ يكون عنده","vol":"4","page":466},{"text":"ولهذا قال أما إنك لو عدته لوجدتني عنده ولم يقل لوجدت ذلك عندي كما قال في الطعام والشراب بل قال لوجدتني عنده وهذا يدل على قرب المريض من الله ﷿ ولهذا قال العلماء إن المريض حري بإجابة الدعاء إذا دعا لشخص أو دعا على شخص وفي هذا دليل على استحباب عيادة المريض وأن الله ﷾ عند المريض وعند من عاده لقوله لوجدتني عنده وقد سبق لنا كيف تكون عيادة المريض وما ينبغي أن يقوله له العائد يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني يعني طلبت منك طعاما فلم تطعمني ومعلوم أن الله تعالى لا يطلب الطعام لنفسه لقول الله ﵎ ﴿وهو يطعم ولا يطعم﴾ فهو غني عن كل شيء لا يحتاج لطعام ولا شراب لكن جاع عبد من عباد الله فعلم به شخص فلم يطعمه قال الله تعالى أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يعني لوجدت ثوابه عندي مدخرا لك الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وفي هذا دليل على استحباب إطعام الجائع وأنا الإنسان إذا أطعم الجائع وجد ذلك عند الله يا ابن آدم استسقيتك أي طلبت منك أن تسقيني فلم تسقيني قال كيف أسقيك وأنت رب العالمين يعني لست في حاجة إلى","vol":"4","page":467},{"text":"طعام ولا شراب قال أما علمت أن عبدي فلانا ظمئ أو استسقاك فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ففيه أيضا دليل على فضيلة إسقاء من طلب منك السقيا وأنك تجد ذلك عند الله مدخرا الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة والشاهد من هذا الحديث الجملة الأولى منه وهي قوله مرضت فلم تعدني ففيه دليل على استحباب عيادة المريض والله الموفق\n٨٩٧ - وعن أبي موسى ﵁ قال قال رسول الله ﷺ عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني رواه البخاري العاني الأسير","vol":"4","page":468},{"text":"٨٩٨ - وعن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع قيل يا رسول الله وما خرفة الجنة قال جناها رواه مسلم جناها أي واجتني من الثمر\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب عيادة المريض وتشييع الميت عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال فكوا العاني يعني الأسير وأطعموا الجائع وعودوا المريض هذه ثلاثة أشياء أمر بها النبي ﷺ أولا عيادة المريض وقد سبق أنها فرض كفاية يجب على المسلمين أن يعودوا مرضاهم فإذا لم يقم أحد بذلك وجب على من علم بالمريض أن يعوده لأن ذلك من حق المسلم على إخوانه ثانيا أطعموا الجائع فإذا وجدنا إنسانا جائعا وجب علينا جميعا أن نطعمه وإطعامه فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين فإن لم يقم به أحد تعين على من علم بحاله أن يطعمه وكذلك أيضا كسوة العاري وهو فرض كفاية","vol":"4","page":469},{"text":"ثالثا قوله فكوا العاني يعني الأسير فكوا الأسير الذي عند الكفار من الأسر فإذا اختطف الكفار رجلا مسلما وجب علينا أن نفك أسره وكذلك لو أسروه في حرب بينهم وبين المسلمين فإنه يجب علينا أن نفك أسره وفك أسره فرض كفاية أيضا ثم ذكر حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: إذا عاد المسلم أخاه المسلم يعني في مرضه فإنه لا يزال في خرفة الجنة قيل وما خرفة الجنة؟ قال جناها يعني أنه يجني من ثمار الجنة مدة دوامه جالسا عند هذا المريض وقد سبق أن الجلوس عند المريض يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص وفي هذا الحديث الثاني دليل على فضل عيادة المريض من يحب أن يعترف من ثمار الجنة هذا من أسبابها والله الموفق","vol":"4","page":470},{"text":"٨٩٩ - وعن علي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة رواه الترمذي وقال حديث حسن الخريف التمر المخروف أي المجتني\n٩٠٠ - وعن أنس ﵁ قال كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ فقعد عند رأسه فقال له أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال أطع أبا القاسم فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه من النار رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب عيادة المريض وتشييع الميت عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول ما من مسلم يعود مريضا غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وكذلك إن عادة في المساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان في خريف الجنة","vol":"4","page":471},{"text":"هذا الحديث له شاهد مما سبق أن الإنسان إذا عاد أخاه المريض فهو في خرفة الجنة أي في جناها وأما استغفار الملائكة له ففيه نظر لأن فضل الله واسع لكن من قواعد الحديث الضعيف عند العلماء كثرة الثواب في عمل يسير جدا لكننا نقول إنه مادام قد ثبت أصل مشروعية عيادة المريض فإن ذكر الفضائل إذا لم يكن الضعف شديدا مما يساعد على فعل ما رغب فيه وينشط الإنسان ويرجو الإنسان ثواب ذلك إن كان هذا الحديث ثابتا عن النبي ﷺ حصل للإنسان ما دل عليه وإن لم يكن ثابتا فإنه لا يزيده إلا رغبة في الخير وعلى كل حال فهو يدل على فضيلة عيادة المريض وأنه إذا كان في الصباح فله هذا الأجر وإذا كان في المساء فله هذا الأجر أما حديث أنس بن مالك ﵁ أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي ﷺ فمرض الغلام فعاده النبي ﷺ وجلس عند رأسه وقال له أسلم فنظر إلى أبيه يعني كأنه يستشيره فقال له أبوه وهو يهودي أطع أبا القاسم لأن اليهودي يعلم أنه حق فقال لابنه أطع أبا القاسم فأسلم هذا الغلام فخرج النبي ﷺ وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه من النار ففي هذا الحديث عدة فوائد منها","vol":"4","page":472},{"text":"١ - جواز استخدام اليهودي يعني يجعلهم خدما عنده وهذا بشرط أن يأمن من مكره لأن اليهود أصحاب مكر وخديعة وخيانة لا يكادون يوفون بعهد ولا يؤدون أمانة لكن إذا أمنه فلا بأس من أن يستخدمه ٢ - جواز عيادة المريض اليهودي لأن النبي ﷺ عاد هذا الغلام ولكن يحتمل أن تكون عيادة النبي ﷺ له كانت من أجل خدمته إياه وأن هذا من باب المكافأة وعلى هذا لا يكون الحكم لكل يهودي أن تعوده ويحتمل أن الرسول ﷺ عادة ليعرض عليه الإسلام فتكون عيادة المريض اليهودي أو غيره من الكفار مستحبة إذا كان الإنسان يريد أن يعرض عليهم الإسلام فينقذهم الله به من النار وقد قال النبي ﷺ لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم يعني إذا هدى الله بك رجلا من الكفر خير لك من الإبل الحمر التي هي أغلى أنواع الإبل عند العرب","vol":"4","page":473},{"text":"٣ - ينبغي على من عاد المريض أن يرشده إلى الحق ويرغبه فيه فإذا كان يعلم أنه أي المريض صاحب تقصير قال له (يا فلان استغفر الله تب إليه) فأحسن ما تهدي للمريض هو أن تنفعه في دينه أما الحكاوي والقصص فلها وقت آخر ...\n٤ - الأب قد يؤثر ابنه في الخير وهو لا يفعله فهذا اليهودي أشار على ابنه أن يطيع أبا القاسم ويسلم ولكنه هو لم يسلم فالأب قد يحب لابنه الخير وهو محروم منه والعياذ بالله ٥ - فيه دليل على أن النبي ﷺ حق ودليل ذلك أن اليهودي قال لابنه أطع أبا القاسم والحق ما شهدت به الأعداء ومعلوم أن اليهود والنصارى يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم قال الله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإنما كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لأن الله قال","vol":"4","page":474},{"text":"﴿الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ معروف مشهور باسمه العلم ﵇ ﴿الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ هم يعرفون هذا لكن الحسد والعياذ بالله والاستكبار منعهم من الإيمان به ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾ نسأل الله السلامة وعلى هذا فإذا مرض إنسان كافر فلك أن تعوده إذا رجوت في عيادته خيرا بأن تعرض عليه الإسلام لعله يسلم فهؤلاء العمال الذين عندنا الآن من الكفار وهم كثيرون لا ينبغي أن نتركهم هكذا وأنا نجعلهم في منزلة البهائم يعلمون لنا دون أن ندلهم على الحق فهم لهم حق علينا واجب أن ندعوهم للإسلام ونبين لهم الحق ونرغبهم فيه حتى يسلموا أما أن يكون عندنا هذا العدد الهائل من النصارى والبوذيين وغيرهم ثم لا نجد من يسلم منهم إلا واحدا بعد واحد بعد عدة أيام فهو دليل على ضعف الدعوة عندنا وأننا لم نحاول أن ندعوهم للإسلام وهذا لاشك تقصير منا وإلا فإن العامل جاء","vol":"4","page":475},{"text":"يتكفف الناس في الواقع يريد لقمة العيش فليش عنده دافع الاستكبار فلو أننا دعوناه باللين ورغبناه لحصلنا خيرا كثيرا واهتدى على أيدينا أناس كثيرون ولكننا في غفلة عن هذه الدعوة إلى الحق والذي ينبغي لنا أن ننتهز الفرص في هذه الأمور والله الموفق","vol":"4","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>باب ما يدعى به للمريض</span>\n٩٠١ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي ﷺ بأصبعه هكذا ووضع سفيان بن عيينة الراوي سبابته بالأرض ثم رفعها وقال بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى به سقيمنا بإذن ربنا متفق عليه\n٩٠٢ - وعنها أن النبي ﷺ كان يعود بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين ما يدل على استحباب عيادة المريض ذكر ما يدعى له به وما يفعل به فذكر حديثين عن عائشة ﵂.\nالأول: أنه إذا كان في الإنسان المريض جرح أو قرحة أو نحو ذلك كان النبي ﷺ يبل إصبعه ثم يمسح بها الأرض فيأخذ من","vol":"4","page":477},{"text":"التراب بهذا البلل ثم يمسح به الجرح ويقول: تربة أرضنا بريقه بعضنا يشفى به مريضنا بإذن ربنا وهذا يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يداوي الجرح بمثل ذلك ووجه ذلك أن التراب طهور كما قال النبي ﷺ جعلت تربتها لنا طهورا وريق المؤمن طاهر أيضا فيجتمع الطهوران مع قوة التوكل على الله ﷿ والثقة به فيشفى بها المريض ولكن لابد من أمرين ١ - قوة اليقين في هذا الداعي بأن الله ﷾ سوف يشفي هذا المريض بهذه الرقية ٢ - قبول المريض لهذا وإيمانه بأنه سينفع أما إذا كانت المسألة على وجه التجربة فإن ذلك لا ينفعه لأنه لابد من اليقين أن ما فعله النبي ﷺ حق ولابد أن يكون المحل قابلا وهو المريض لابد أن يكون مؤمنا بفائدة ذلك وإلا فلا فائدة لأن الذين في قلوبهم مرض لا تزيدهم الآيات إلا رجسا إلى رجسهم والعياذ بالله أما الحديث الثاني فإنه كان إذا عاد بعض أهله يقول اللهم رب الناس أذهب البأس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا","vol":"4","page":478},{"text":"شفاؤك شفاء لا يغادر سقما ويمسح بيده اليمنى أي يمسح المريض ويقرأ عليه هذا الدعاء اللهم رب الناس فيتوسل إلى الله ﷿ بربوبيته العامة فهو الرب ﷾ الخالق المالك المدبر لجميع الأمور فأنت أيها المريض تقول خلقني الله ﷿ ولا بأس بي ثم قدر علي المرض والذي قدر علي المريض بعد الصحة قادر على أن يشفيني أذهب البأس يعني المرض الذي حل بهذا المريض.\nاشف أنت الشافي والشفاء إزالة المرض وبرء المريض فيقال اشف ولا يقال أشف لأن الثانية - أشف - بمعنى أهلك وأما الأولى اشف فمعناها البرء من السقم ولهذا يقال اللهم اشف فلانا ولا تشفه فالكلمتان عند العامة يظن أن معناهما واحد ولكن بينهما هذا الفرق العظيم اشفه أي أبرئه من المرض أما أشفه أهلكه الشافي هو الله ﷿ لأنه الذي يشفي المرض وما يصنع من الأدوية أو يقرأ من الرقى فما هو إلا سبب قد ينفع وقد لا ينفع فالله هو المسبب ﷿ ولهذا ربما يمرض رجلان بمرض واحد ويداويان بدواء واحد وعلى","vol":"4","page":479},{"text":"وصفة واحدة فيموت هذا ويسلم ذاك لأن الأمر كله بيده الله ﷿ فهو الشافعي وما يصنع من أدوية أو يقال من رقى فهو سبب ونحن مأمورون بذلك السبب كما قال النبي ﷺ تداووا ولا تتداووا بالحرام وقال ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء وقوله لا شفاء إلا شفاؤك صدق &amp; رسول الله ﷺ فلا شفاء إلا شفاء الله فشفاء الله لا شفاء غيره وشفاء المخلوقين ليس إلا سببا والشافي هو الله فليس الطبيب وليس الدواء هما اللذان يشفيان بل الطبيب سبب والدواء سبب وإنما الشافي هو الله.\nوقوله شفاء لا يغادر سقما يعني شفاء كاملا لا يبقي سقما أي لا يبقي مرضا.\nفينبغي للإنسان إذا عاد المريض أن يمسحه بيده اليمنى ويقول هذا الدعاء والله الموفق","vol":"4","page":480},{"text":"٩٠٤ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال عادني رسول الله ﷺ فقال اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا رواه مسلم\n٩٠٥ - وعن أبي عبد الله عثمان بن العاص ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعا يجده في جسده فقال له رسول الله ﷺ ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر رواه مسلم.\n٩٠٦ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وقال الحاكم حديث صحيح على شرط البخاري.","vol":"4","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث مما يقال عند المريض إذا عاده الإنسان ذكرها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين.\nحديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ عاده في مرضه فقال اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا ثلاث مرات ففي هذا الحديث دليل على أن من السنة أن يعود الإنسان المريض المسلم وفيه أيضا حسن خلق النبي ﷺ ومعاملته لأصحابه فإنه كان ﷺ يعود مرضاهم ويدعو لهم وفيه أنه يستحب أن يدعى بهذا الدعاء اللهم اشف فلانا وتسميه ثلاث مرات فإن هذا مما يكون سببا في شفاء المريض وفيه أيضا دليل على أن الإنسان يكرر الدعاء لقد كان الرسول ﷺ إذا دعا يدعو ثلاثا وإذا سلم ولم يفهم عنه سلم ثلاثا وتكرار الدعاء ثلاثا من الأمور المشروعة كما كان ﷺ في الصلاة يقول رب اغفر لي رب اغفر لي رب اغفر لي يكرر هكذا أيضا الدعاء للمريض ثم ذكر المؤلف حديث عثمان بن أبي العاص أن النبي ﷺ سأله","vol":"4","page":482},{"text":"عثمان أنه يشكو من مرض في جسده فأمره النبي ﷺ أن يقول هذا الدعاء بسم الله ثلاثا ويضع يده على موضع الألم ثم يقول أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر يقولها سبع مرات فهذا من أسباب الشفاء أيضا فينبغي للإنسان إذا أحس بألم أن يضع يده على هذا الألم ويقول بسم الله ثلاثا أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر يقولها سبع مرات إذا قاله موقنا بذلك مؤمنا به وأنه سوف يستفيد من هذا فإنه يسكن الألم بإذن الله ﷿ وهذا أبلغ من الدواء الحسي كالأقراص والشراب والحقن لأنك تستعيذ بمن بيده ملكوت السماوات والأرض الذي أنزل هذا المرض هو الذي يجيرك منه كذلك أيضا حديث ابن عباس أن الإنسان إذا زار مريضا لم يحضر أجله أي ليس الذي فيه مرض الموت فقال أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات إلا شفاه الله من هذا المرض هذا إذا لم يحضر الأجل أما إذا حضر الأجل فلا ينفع الدواء ولا القراءة لأن الله تعالى قال ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون والله الموفق","vol":"4","page":483},{"text":"٩٠٧ - وعنه أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده وكان إذا دخل على من يعوده قال لا بأس طهور إن شاء الله رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي ذكره النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب ما يدعى به للمريض.\nعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده وكان إذا دخل على مريض يعوده قال لا بأس طهور إن شاء الله.\nلا بأس يعني لا شدة عليك ولا أذى طهور يعني هذا طهور إن شاء الله وإنما قال النبي ﷺ إن شاء الله لأن هذه جملة خبرية وليست جملة دعائية لأن الدعاء ينبغي للإنسان أن يجزم به ولا يقل إن شئت ولهذا نهى النبي ﷺ أن يقول الرجل اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت لا تقل هذا لأن الله لا مكره له إن شاء غفر لك وإن شاء لم يغفر ولم يرحم فلا يقال إن شئت إلا لمن له مكره أو لمن يستعظم العطاء","vol":"4","page":484},{"text":"فإذا سألت الله فلا تقل إن شئت.\nأما قول إن شاء الله في قول النبي ﷺ لا بأس طهور إن شاء الله فهذا لأنه خبر وتفاؤل فيقول لا بأس كأنه ينفي أن يكون به بأس ثم يقول إن شاء الله لأن الأمر كله بمشيئة الله ﷿ فيؤخذ من هذا الحديث أنه ينبغي لمن عاد المريض إذا دخل عليه أن يقول لا بأس طهور عن شاء الله\n٩٠٨ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال يا محمد اشتكيت قال نعم قال بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ يسأله اشتكيت يعني هل أنت مريض قال نعم فقال بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد","vol":"4","page":485},{"text":"الله يشفيك بسم الله أرقيك هذا دعاء من جبريل أشرف الرسل للنبي ﷺ أشرف الرسل لكن جبريل أشرف الرسل الملكيين وأما محمد ﷺ فأشرف الرسل البشريين يقول له اشتكيت قال نعم وفي هذا دليل على أنه لا بأس أن يقول المريض للناس إني مريض إذا سألوه وأن هذا ليس من باب الشكوى، الشكوى أن تشتكي الخالق للمخلوق تقول أنا أمرضني الله بكذا وكذا تشكو الرب للخلق هذا لا يجوز ولهذا قال يعقوب إنما أشكو بثي وحزني إلى الله لكن إذا أخبر المريض بمرضه على سبيل الإخبار لا الشكوى فلا بأس ولهذا بعض العامة يقول إخبار لا شكوى وهذا طيب.\nوفيه أيضا دليل على أنه ينبغي أن نقرأ على المريض بهذه الرقية بسم الله أرقيك يعني أقرأ عليك من كل شيء يؤذيك من مرض حزن هم أو غم ...\nإلخ من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك من شر كل نفس من النفوس البشرية أو نفوس الجن أو غير ذلك أو عين حاسد أي ما يسمونه الناس بالعين وذلك أن الحاسد والعياذ بالله الذي يكره أن ينعم على عباده بنعمه نفسه خبيثة شريرة وهذه النفس الخبيثة الشريرة قد ينطلق منها ما","vol":"4","page":486},{"text":"يصيب المحسود ولهذا قال تعالى ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ ويكون المحسود مهموما بسبب هذه العين ولهذا قال أو عين حاسد الله يشفيك أي يبرئه ويزيل سقمه بسم الله أرقيك فبدأ بالبسملة في أول الدعاء وفي آخره فإذا دعا الإنسان بما جاء في السنة فهذا خير لأن كل ما جاء في السنة فإن مراعاته أفضل وإذا لم يعرف هذا الدعاء فادع بالمناسب شفاك الله عافاك الله أسأل الله لك الشفاء أسال الله لك العافية وما أشبه ذلك.\nوفي هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ كغيره من البشر يصيبه المرض وفيه أيضا أن القراءة على المريض لا تنافي كمال التوكل بخلاف الذي يطلب من الناس أن يقرءوا عليه ففيه شيء من نقص التوكل لأنه سأل الخلق واعتمد على سؤالهم لكن إذا جاء إنسان يقرأ عليه ولم تمنعه فإن ذلك لا شيء فيه ولا يعد نقصا في التوكل ولهذا قرأ النبي ﷺ على غيره وقرئ عليه أيضا فذلك لا ينافي كمال التوكل إذا كان بغير سؤال.\nوالله الموفق.","vol":"4","page":487},{"text":"٩٠٩ - وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال من قال لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه فقال لا إله إلا أنا وأنا أكبر وإذا قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال يقول لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي وإذا قال لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد وإذا قال لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي &amp; وكان يقول من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار رواه الترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا آخر حديث نقله النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب ما يدعى به للمريض وقد سبقت الأحاديث فيما يدعو به العائد للمريض أما هذا فهو يدعو به المريض نفسه إذا قال هذا الذي ذكره أبو هريرة وأبو سعيد الخدري ﵄ عن النبي ﷺ في أن الله ﷾ يصدق العبد إذا قال الله أكبر لا إله إلا الله قال الله إنه لا إله إلا أنا وأنا أكبر وإذا قال الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله كذلك يصدقه الله فمن قال هذا لا إله","vol":"4","page":488},{"text":"إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم مات مع بقية الذكر فإنه لا تطعمه النار أي يكون ذلك من أسباب تحريم الإنسان على النار فينبغي للإنسان أن يحفظ هذا الذكر وأنا يكثر منه في حال مرضه حتى يختم له بالخير إن شاء الله تعالى والله الموفق","vol":"4","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله</span>\n٩١٠ - عن ابن عباس ﵄ أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله ﷺ قال أصبح بحمد الله بارئا رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n بعد ما ذكر المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين كثيرا من آداب عيادة المريض يتحدث عن بيان سؤال أهل المريض عن حاله وأن &amp; ذلك من الأمور التي جاءت بها السنة حيث ذكر عن ابن عباس ﵄ أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه وكان علي بن أبي طالب صهر رسول الله ﷺ وابن عمه وأفضل أهل البيت فهو الخليفة الرابع في هذه الأمة ولما خلفه النبي ﷺ على أهله في غزوة تبوك ورأى أنه تأثر من ذلك قال له النبي ﷺ أما","vol":"4","page":490},{"text":"ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى لأن موسى خلف هارون على أهله قال اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين قال له النبي ﷺ أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي خرج من عند الرسول ﷺ في مرضه الذي مات فيه وكان النبي ﷺ عندما مرض يعدل بين نسائه التسع إلا سودة بنت زمعة فإنها وهبت يومها لعائشة فلما اشتد به المرض صار يقول أين أنا غدا أين أنا غدا يريد يوم عائشة فأذن له ﵅ أن يمرض في بيت عائشة وظل عندها ﵂ حتى توفي فسئل علي ﵁ كيف أصبح النبي ﷺ قال أصبح بحمد الله بارئا ففيه دليل على أنه إذا لم يمكن الوصول إلي المريض فإنه يسأل عنه من يراه من","vol":"4","page":491},{"text":"أقاربه أو غيرهم ليطمئن الإنسان وفي وقتنا الحالي حصل ولله الحمد الاتصال بالهاتف فإن الإنسان إذا لم يتمكن من الذهاب إلى المريض بنفسه فهذا الهاتف يدخل على البيوت بدون استئذان لهذا نقول إذا لم تتمكن من عيادة المريض بنفسك فإنك تتصل بالهاتف وتسأل عن حاله ويكتب لك بذلك الأجر إن شاء الله تعالى والله الموفق","vol":"4","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>باب ما يقوله من أيس من حياته</span>\n٩١١ - عن عائشة ﵂ قالت سمعت النبي ﷺ وهو مستند إلي يقول اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى متفق عليه.\nوعنها قالت رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت عنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت رواه الترمذي\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب ما يقوله من أيس من حياته.\nاليأس من الحياة لا يعلم إلا إذا حضر الموت أما قبل ذلك فإنه مهما اشتد المرض فإن الإنسان لا ييأس وكم من إنسان اشتد به المرض حتى جمع أهله ماء تغسيله وحنوطه وكفنه ثم شفاه الله","vol":"4","page":493},{"text":"وعافاه وكم من إنسان أشرف على الموت في أرض مفازة ليس عنده ماء ولا طعام فأنجاه الله ﷿ ومن ذلك ما قال النبي ﷺ إن الله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته حين أضلها يعني ضيعها وعليها طعامه وشرابه وطلبها فلم يجدها، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت أيس منها وما بقي عليه إلا أن يموت فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقا بالشجرة رد الله عليه ضالته حتى جاءت هذه الشجرة ترعاها فارتطم خطامها بها فأخذها الرجل وقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك يريد أن يقول أنت ربي وأنا عبدك لكنه من شدة الفرح أخطأ فهذا الرجل أيس من حياته باعتبار صاحب الحال لأنه فقد طعامه وشرابه لكن اليأس الحقيقي هو ما إذا حضر الإنسان الموت وصار في النزع فحينئذ لا يمكن أن يحيى قال الله تعالى فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون بلغت يعني الروح الحلقوم يعني الحلق وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون الملائكة أقرب إلى الإنسان من حلقومه عند احتضاره ﴿فلولا إن كنتم","vol":"4","page":494},{"text":"غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين﴾ من يستطيع هل أحد يمكن أن يرد روحه بعد أن بلغت الحلقوم أبدا أبدًا إذا ييأس الإنسان من حياته إذا عاين الموت فماذا يقول تقول عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى هكذا يقول الرسول ﷺ عند موته وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! من هم الرفيق الأعلى؟ هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وحسن أولئك رفيقا هكذا كان الرسول يقول عند موته وكان عنده إناء فيه ماء وقد أتي من شدة الموت وسكراته ما لم يؤت أحد لأنه ﷺ يمرض مرض رجلين شدد عليه المرض شدد عليه النزع لماذا من أجل أن ينال أعلى درجات الصبر لأن الصبر يحتاج إلى شيء يصبر عليه فكأن الله قد اختار لنبيه ﷺ أن يكون مرضه شديدا ونزعه شديدا حتى ينال أعلى درجات الصابرين ﷺ.\nفكان ﷺ يضع يده في الإناء الذي فيه الماء ويمسح بذلك وجهه ويقول","vol":"4","page":495},{"text":"اللهم أعني على سكرات الموت أو قال على سكرات الموت أي أعني عليها حتى أتحمل وأصبر وأتروى ولا يزيغ عقلي وحتى يختم لي بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لأن المقام مقام عظيم مقام هول وشده إذا لم يعنك الله ﷿ ويصبرك فأنت على خطر ولهذا كان يقول اللهم أعني على غمرات الموت وفي رواية أخرى يقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات وصدق النبي ﷺ ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾ نسأل الله أن يعيننا وإياكم على غمرات الموت وأن يحسن لنا ولكم الخاتمة ويتوفانا على الإيمان والتوحيد وأن يتوفانا وهو راض عنا إنه على كل شيء قدير","vol":"4","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>باب استحباب وصية أهل المريض ومن يخدمه بالإحسان إليه واحتماله والصبر </span>على ما يشق من أمره وكذا بالوصية بمن قرب سبب موته بحد أو قصاص ونحوهما\n٩١٣ - عن عمران بن الحصين ﵄ أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا رسول الله ﷺ وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها ففعل فأمر بها النبي ﷺ فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب استحباب وصية أهل المريض بالصبر وتحمله وغير ذلك يعني أنه ينبغي للإنسان أن يحسن إلى المريض ويتحمله ويصبر على ما يجد منه من كلام قاس لأن المريض نفسه ضيقة والدينا عليه قد ضاقت فربما يحصل منه كلام أو تضجر أو ما أشبه ذلك فليصبر الإنسان على هذا وليحتسب الأجر من الله ﷾ فإنه يثاب على","vol":"4","page":497},{"text":"إحسانه لهذا المريض ويثاب على تحمله المشقة منه والأذى ولاسيما إذا كان هذا الذي يتولاه الإنسان قد وجد سبب موته أو سبب قتله كما ذكر في حديث عمران بن الحصين ﵁ أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ وهي حبلى من الزنا حامل فقالت يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي تريد من الرسول ﷺ أن يقيم عليها الحد وهو الرجم لأنها محصنة فدعا النبي ﷺ وليها وقال له أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها فجيء بها إلى رسول الله ﷺ بعد أن وضعت الحمل ثم أمرها أن تنتظر حتى تفطم الصبي فلما فطمته جاءت فأقام عليها الحد وأمر أن تشد عليها ثيابها أي تحزم وتربط لئلا تضطرب عند رجمها فتبدو سوءتها أي عورتها ثم أمر بها فرجمت وصلى عليها.\nففي هذا دليل على أنه يوصي أهل الميت ومن يتولاه بالإحسان إليه والرفق به وغير ما ذكر مما يناسب حاله كما فعل النبي ﷺ وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يشترط في الإقرار بالزنا أن يتكرر أربع مرات وأن الزاني إذا أقر ولو مرة واحدة وهو عاقل لا اشتباه في حاله فإنه يؤخذ بإقراره ويقام عليه الحد وفيه أيضا دليل على أنه يشترط في إقامة الحد ألا يتعدى الضرر إلى غير المحدود لأنها لو","vol":"4","page":498},{"text":"رجمت لمات الذي في بطنها وهو ليس منه جناية ولهذا أمر النبي ﷺ أن تنتظر حتى تضع مولودها وتفطمه وفي هذا دليل على أن المرأة لا يحفر لها في الرجم ولكن تربط عليها ثيابها تم تلقى عليها الحجارة حجارة لا صغيرة ولا كبيرة حتى تموت وإنما كان الحد هكذا لأن الشهوة المحرمة شملت جميع البدن فناسب أن يذوق جميع البدن ألم العقوبة وهذا من حكمة الله ﷿.\nوفي هذا دليل على أن الحدود إذا أقيمت فإن صاحبها يبرأ منها ويخلص منها ويطهر منها ولهذا أمر النبي ﷺ بها فصلى عليها وصلى الناس أيضا","vol":"4","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>باب جواز قول المريض أنا وجع أو شديد الوجع أو موعوك </span>ونحو ذلك وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن على سبيل التسخط وإظهار الجزع\n٩١٤ - عن ابن مسعود ﵁ قال دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فمسسته فقلت إنك لتوعك وعكا شديدا فقال أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم متفق عليه\n٩١٥ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال جاءني رسول الله ﷺ عودني من وجع اشتد بي فقلت بلغ بي ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنتي وذكر الحديث متفق عليه\n٩١٦ - وعن القاسم بن محمد قال قالت عائشة ﵂ وارأساه فقال النبي ﷺ بل أنا وارأساه وذكر الحديث رواه البخاري","vol":"4","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين فيما يتعلق بالمريض أنه يجوز أن يخبر عما فيه من المرض وشدته بشرط أن يكون ذلك إخبارا لا شكوى أي أنه يقصد بهذا الإخبار وليست الشكوى والتسخط من قدر الله وقضائه ثم استدل بحديث ابن مسعود وحديث سعد بن أبي وقاص وحديث عائشة ﵃ كلها أحاديث تدل على أنه لا بأس أن يخبر الرجل المريض بأنه مريض أو شديد الوجع أو ما أشبه ذلك فحديث ابن عباس يذكر أنه دخل على النبي ﷺ وهو يوعك أي فيه شدة فمد يده فقال له إنك لتوعك يا رسول الله قال أجل إنني لأوعك كما يوعك الرجلان منكم أي يشدد عليه ﷺ في المرض وذلك من أجل أن ينال أعلى درجات الصبر ﷺ فإن أنواع الصبر ثانية في حقه على الوجه الأعلى فقد صبر على أمر الله وصبر عن معاصي الله وصبر على أقدار الله المؤلمة ﷺ صبر على أمر الله حين بلغ رسالة ربه مع شدة الإيذاء له حتى كان يؤذى في وسط البيت الحرام وهو صابر محتسب حتى إنه خرج إلى أهل الطائف ودعاهم إلى الله ﷿ ولكنهم استهزءوا به وسخروا منه وجعلوا يرمونه بالحجارة","vol":"4","page":501},{"text":"حتى أدموا عقبه فلم يفق إلا وهو في قرن الثعالب ثم جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق علهم الأخشبين فقال لا إني أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا فهذا صبر على أمر الله وصبر ﷺ عنة معصية الله فكان أخشى الناس لله وأتقاهم له وصبر على أقدار الله فكم أوذي في الجهاد في سبيل الله وفي غير ذلك وكم حصل له من أمراض وهو صابر محتسب لينال بذلك درجة الصابرين فلنا فيه أسوة فالإنسان يجب عليه أن يصبر على أقدار الله المؤلمة كما صبر الرسول ﷺ يصبر ويحتسب ويعلم أنه ما من شيء يصيبه إلا كفر الله به عنه خطيئة حتى الشوكة يشاكها ثم إذا احتسب الأجر عند الله ونوى بذلك أن يكون هذا الصبر لنيل رفعة درجات له حصل له هذا فينال بالمصائب مرتبتين عظمتين: ١ - مرتبة الصابرين على قضاء الله وقدره.","vol":"4","page":502},{"text":"٢ - ينال من رفعة الدرجات مع الاحتساب ما يناله من الثواب.\nوأما حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فهو أنه مرض في مكة وكان من المهاجرين وكانوا يكرهون أن يموت الإنسان في بلده الذي هاجر منه لأنه ترك البلد لله فيكره أن يموت فيها وكان من عادة النبي ﷺ وحسن رعايته وخلقه أنه يعود المرضي من أصحابه فعاده فقال له سعد ﵁ يا رسول الله إني ذو وجع وجع شديد وإني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أي لا يرثه من الذرية إلا بنت وإلا فله عصبة أفأتصدق بثلثي مالي قال لا قال بالنصف قال لا قال بالثلث قال الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس والغالب من الناس اليوم وقبل اليوم أنهم يوصون بالثلث مع أن النبي ﷺ قال الثلث كثير وهذا يدل على أنه لا يجب أن يوصى الإنسان بالثلث ولكن أخذ الناس ذلك عادة وأصبحوا يوصون بالثلث ولهذا قال حبر هذه الأمة الذي دعا له النبي ﷺ أن يفقهه الله في","vol":"4","page":503},{"text":"الدين ويعلمه التأويل لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع س.\nيعني لكان أحسن لأن النبي ﷺ قال الثلث، والثلث كثير والناس الآن يقولون اكتب ثلثا وثلثين وما أشبه ذلك وهذا غير محبوب للنبي ﷺ غض من الثلث إلى الربع وغض من الربع إلى الخمس وهو أفضل لأن أبا بكر ﵁ أفقه هذه الأمة والخليفة الأول بعد نبيها أوصى بالخمس وقال رضيت بما رضي الله به لأن الله يقول واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول مع هذا نجد الذين يوصون بالثلث لا يوصون على الوجه المشروع بل يوصون بأشياء مفضولة وغيرها أفضل منها يوصى وأحيانا يحيف في الوصية حيث يوصى للأولاد ويدع البنات أو يوصي بأشياء تؤدي بالنزاع بين الموصى لهم في المستقبل ولو أن الناس إذا أرادوا أن يوصوا أوصوا بما هو نفع عام كبناء المساجد والمدارس وشراء الكتب النافعة وما أشبه ذلك مما ينفذ في حينه ويجري أجره ويسلم الورثة أو الموصى لهم من التنازع لكان خيرا","vol":"4","page":504},{"text":"والذي يجب على أهل العلم الذين يكتبون الوصايا أن يفقهوا أولا في دين الله وأن يحملوا الناس على ما هو أفضل وأولى لأن العامي الذي جاء يطلب منك أن تكتب ويقول لك اكتب وصيتي قد ائتمنك فكونه يكون كاتب أمة أي لا يهمه إلا ما يرضي الناس فقط فهذا خطأ احملوا الناس على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم حتى ولو كان على خلاف عاداتهم فهذا العامي المسكين ما أراد إلا الخير ولا يدري فعليك أن تدله وتخبره بالخير الذي ينفعه في قبره بعد موته أما الحديث الثالث فهو عن عائشة ﵂ أنها قالت يا رسول الله وارأساه تشكو من رأسها فقال النبي ﷺ بل أنا","vol":"4","page":505},{"text":"وارأساه فهذا اجتمع فيه سنتان إقرارية وقولية أما الإقرارية فإن النبي ﷺ أقر عائشة عندما قالت وارأساه وأما القولية فهو نفسه قال وارأساه وعليه فإن الإنسان إذا قال وا رأساه وا بطناه..\nأو ما أشبه ذلك فلا حرج بشرط ألا يقصد بذلك أن يشكو الخالق إلى المخلوق بل يقصد التوجع مما قضاه الله عليه فإذا كان مجرد خبر فهذا لا بأس به ولاسيما إذا كان يذكر هذا عند من يريد أن يعالجه لأنه خبر مجرد ليس المراد به الاعتراض والتسخط على قضاء الله وقدره نسأل الله لنا ولكم الشفاء من كل داء وأن يجعل هذا قوة لنا على طاعته إنه على كل شيء قدير","vol":"4","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>باب تلقين المختصر لا إله إلا الله</span>\n٩١٧ - عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تلقين المحتضر قوله لا إله إلا الله.\nالمحتضر هو الذي حضرت الملائكة لقبض روحه والله ﷾ قد وكل بالإنسان ملائكة يحفظونه في حال حياته وبعد مماته قال الله تعالى له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله وقال الله ﵎ ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ والإنسان إذا حضر أجله نزل إليه ملائكة يقبضون روحه من يد ملك الموت","vol":"4","page":507},{"text":"فإن ملك الموت يتولى قبضها من البدن والملائكة معهم كفن وحنوط من الجنة إذا كان من المؤمنين جعلنا الله وإياكم منهم وأما إذا كان من الكافرين فملائكة العذاب معهم كفن من النار وحنوط من النار نعوذ بالله من ذلك فإذا احتضر الإنسان وعلمنا أنه في النزع وأنه ميت فإننا نلقنه لا إله إلا الله كما قال النبي ﷺ لقنوا موتاكم لا إله إلا الله قال العلماء فيلقنه برفق لا يأمره لا يقل قل لا إله إلا الله لأنه ربما إذا قال له قل لا إله إلا الله وهو في هذه الحال قد ضاق صدره وقد ضاقت عليه الدنيا فيقول لا لأنك ما تتصور ضيق الصدر في هذه الحالة إلا إذا كنت في هذه الحالة نسأل الله أن يشرح صدورنا وإياكم عند لقائه فتذكر الله عنده تقول لا إله إلا الله ترفع صوتك بهذا ليسمع فربما يمن الله عليه فيستحضر أنك تلقنه فيقول لا إله إلا الله فإذا قال لا إله إلا الله وكانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة كما في حديث معاذ ﵁ عن النبي ﷺ من أنه قال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة قال أهل العلم فإذا قال لا إله إلا الله فليسكت ولا","vol":"4","page":508},{"text":"يقل شيئا فإن عاد المحتضر نفسه وتحدث في شيء مثل اسقوني أعطوني ماء أو أي شيء آخر فليعد التلقين ولكن إذا كان الإنسان والعياذ بالله كافرا مرتدا فهذا ربما نقول له بالأمر: قل لا إله إلا الله فإن من الله عليه وقالها فبها ونعمت وإن لم يقل فهو كافر لذلك لما حضرت أبا طالب الوفاة وهو عم النبي ﷺ وأعمام النبي ﷺ الذين أدركوا الرسالة أربعة اثنان أسلما حمزة والعباس أحدهما أفضل من الآخر حمزة أفضل من العباس واثنان ماتا على الكفر أحدهما أقبح كفرا من الآخر أبو طالب والد علي وأبو لهب والعياذ بالله من أشد الناس إيذاء للرسول ﷺ ولهذا أنزل الله في ذمه سورة كاملة يقرأها الناس في الصلوات في الفرائض والنوافل ﴿تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد﴾ ولكن أبا طالب رغم كفره كان به حب على الرسول ﷺ وحنان وشفقة ومدافعة وثناء عليه إلا أنه والعياذ بالله حيل بينه وبين الإسلام فعندما حضرته الوفاة وكان النبي ﷺ عنده وعنده رجلان من قريش","vol":"4","page":509},{"text":"فقال له الرسول ﷺ يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ولكن كان هذان الرجلان جليسي سوء قالا أترغب عن ملة عبد المطلب وكأنهما والله أعلم رأياه هم أن يقول لا إله إلا الله فقالا له أترغب عن ملة عبد المطلب فلما قالا ذلك أخذته العزة بالإثم فقال هو على ملة عبد المطلب وكان آخر كلمة منه كلمة الشرك والعياذ بالله ثم مات يقول الرسول ﷺ إنه شفع له عند الله فخفف عنه العذاب فكان في ضحضاح من النار قد غاص به وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه والعياذ بالله ودماغه أبعد شيء عن قدميه فإذا كان يغلي كالقدر فيه الماء تحته النار فما بالك بما هو أدنى من رأسه إلى قدميه لكان أشد قال النبي ﷺ ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار والشاهد من هذا أن النبي ﷺ قال له يا عم قل لا إله إلا الله ولم يذكر الله عنده فقط بل قال قل لا إله إلا الله فهذا من أفضل وأجل ما يكون هدية للمرء","vol":"4","page":510},{"text":"إذا لقنه أخوه عند الموت قول لا إله إلا الله فهذه تساوي الدنيا كلها فإذا حضرت أحدا وهو يحتضر فاحرص على تلقينه لا إله إلا الله امتثالا لأمر النبي ﷺ وإحسانا لهذا الشخص وربما يلقنك الله ﷾ عند موتك لأن النبي ﷺ قال والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه ختم الله لنا ولكم بالشهادة","vol":"4","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>باب ما يقوله بعد تغميض الميت</span>\n٩١٩ - عن أم سلمة ﵂ قالت دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغامرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب ما يقال عند تغميض الميت.\nيعني أن الإنسان إذا حضر الميت فإن الميت في الغالب يشخص بصره ينفتح باتساع يشاهد الروح إذا خرجت من البدن لأن الروح إذا خرجت من البدن لها جسم لكنه جسم لا يراه الناس لا يراه إلا الميت والملائكة فقط وتأخذها دخل النبي ﷺ على أبي سلمة وكان من عادة النبي ﷺ أنه","vol":"4","page":512},{"text":"يعود المرضى فدخل عليه وقد شق بصره يعني اتسع وانفتح فعرف النبي ﷺ أنه مات فقال إن الروح إذا قبض أتبعه البصر فضج ناس من أهله أي من أهل الميت عندما سمعوا النبي ﷺ يقول هذا الكلام فعرفوا أن الرجل قد مات فضجوا كعادة الناس فقال ﷺ لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون وكانوا في الجاهلية إذا حصل مثل هذا يدعون على أنفسهم بالويل والثبور والعياذ بالله يقولون يا ويلاه يا ثبوراه وما أشبه ذلك فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ففي هذه الحالة ينبغي للإنسان أن يدعو لنفسه بالخير ويقول ما أرشد إليه النبي ﷺ اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها بعد قوله أنا لله وإنا إليه راجعون لأن كل مصيبة تقول إنا لله وإنا إليه راجعون وفي مصيبة الموت اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها وكذلك غيرها وقد حدث النبي ﷺ بهذا الحديث فسمعته أم سلمة زوج أبي سلمة فلما مات زوجها وكان من أحب الناس إليها دعت بهذا الدعاء","vol":"4","page":513},{"text":"وقالت في نفسها من خير من أبي سلمة لأنها مؤمنة بهذا الكلام فلما انقضت عدتها خطبها النبي ﷺ فكان خيرا من أبي سلمة ولا شك المهم أن الرسول ﷺ أغمض عيني أبي سلمة ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين ونور له في قبره وافسح له فيه واخلفه في عقبه خمس كلمات تساوي الدنيا كلها: اللهم اغفر لأبي سلمة يعني اغفر له ذنوبه فلا تعاقبه عليها وسامحه واعف عنه ارفع درجته في المهديين في الجنة لأن أصحاب الجنة مهديون كلهم افسح له في قبره يعني وسع له فيه فإن القبر بالنسبة لمنازل الدنيا ضيق بحسب الحس لكنه يفسح للمؤمن حتى يكون كمد البصر ويكون روضة من رياض الجنة.\nنور له فيه والقبر مظلم بحسب الحس لا فيه نور النهار ولا نور السراج وغيره.\nاخلفه في عقبه يعني كن خليفة له في ذريته فهذه الدعوات الخمس منها شيء علمناه ومنها شيء رجوناه الذي","vol":"4","page":514},{"text":"علمناه أن الله ﷾ خلفه في عقبه لأن زوجته تزوجها النبي ﷺ وأولاده صاروا ربائب للنبي ﷺ وتربوا في بيته وأما الأربعة الباقية فإننا نرجو الله أن يكون قد قبل دعوة نبيه في هذا الرجل الصالح.\nوفي هذا الحديث دليل على مسائل: ١ - أنه ينبغي للإنسان إذا أصيب بمصيبة ألا يدعو لنفسه إلا بالخير.\n٢ - أنه ينبغي لمن حضر الميت إذا خرجت روحه وانفتح بصره أن يغمضه مادام حارا لأنه إذا برد وعيناه شاخصتان بقيتا شاخصتين قال العلماء وينبغي أيضا أن يلين مفاصلة قبل أن تبرد وتشكل وذلك بأن يرد ذراعه إلى عضده وعضده إلى صدره ثم يمد يده ويرد الساق إلى الفخذ والفخذ إلى البطن ثم يمدها عدة مرات حتى تلين ليسهل تغسيله وتكفينه.\n٣ - الدلالة على أن الروح شيء يرى لأنها جسم ولكنه ليس كأجسامنا هذا فأجسامنا غليظة لكن الروح جسم ليس بالغليظ بل هو جسم لطيف يجري من ابن آدم مجرى الدم وليس مخلوقا من طين بل من","vol":"4","page":515},{"text":"مادة الله أعلم بها ولهذا قال الله تعالى ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.\n٤ - ينبغي لمن حضر الميت وأغمضه أن يدعو له وإذا دعا بهذه الدعوات العظيمة التي دعا بها الرسول ﷺ لأبي سلمة كان خيرا وإن لم يعرفها دعا بما شاء ٥ - الملائكة يؤمنون على الدعاء في هذه الحالة فينبغي لأهل الميت أن يدعوا بالخير","vol":"4","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت</span>\n٩٢٠ - عن أم سلمة ﵂ قالت دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه رواه مسلم\n٩٢١ - وعنها قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أجره الله تعالى في مصيبته","vol":"4","page":517},{"text":"وأخلف له خيرا منها قالت فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله ﷺ.\nرواه مسلم\n٩٢٢ - وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول فماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n٩٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة رواه البخاري\n٩٢٤ - وعن أسامة بن زيد ﵄ قال أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ إليه تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا في الموت فقال للرسول ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب وذكر تمام","vol":"4","page":518},{"text":"الحديث متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها النووي ﵀ في رياض الصالحين فيما يقال عند الموت يعني إذا مات للإنسان أحد فماذا يقول وقد سبقت لنا الإشارة إلى حديثين صدر بهما المؤلف هذا الباب وهما لأم سلمة ﵂ حين مات زوجها فقالت إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها فأخلف الله عليها محمدا ﷺ.\nأما الأحاديث الثلاثة الباقية فهي فيمن مات له ولد فحمد الله واسترجع وصبر فإن الله ﷾ يعوضه بذلك الجنة كما في الحديث إن الله تعالى إذا قبضت الملائكة نفس ولده فإن الله يقول للملائكة قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم وهو يعلم ﷿ لكن يقول هذا ليظهر فضل هذا العبد وأنه حمد الله واسترجع عند هذه المصيبة العظيمة فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال قالوا حمدك واسترجع يعني قال الحمد لله إنا لله وإنا إليه","vol":"4","page":519},{"text":"راجعون والحمد عند المصائب مما يدل على صبر الإنسان على قضائه وقدره وأنه صبر فأثنى على الله بصبره على هذه المصيبة وكان النبي ﷺ إذا أصابه ما يكره قال الحمد لله على كل حال وإذا أصابه ما يسره قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات فإذا حصل لك ما يسرك فقل الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا حصل العكس فقال الحمد لله على كل حال وكذلك أخبر ﷾ فيما رواه عنه النبي ﷺ أنه ما من إنسان يقبض الله له ولده فيصبر ويحتسب إلا عوضه الله به الجنة وكذلك أيضا ما أخرجه البخاري أن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه واحتسب إلا الجنة صفيه يعني من اصطفاه واختاره من ولد وزوجة أو غيرهما أما الحديث الأخير فهو في قصة لإحدى بنات النبي ﷺ كان لها صبي في سياق الموت فأرسلت إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ للرسول الذي أرسلته إليه قل لها إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب","vol":"4","page":520},{"text":"فينبغي للإنسان في تعزية أخيه أن يقول له هذه الكلمات فهي أحسن ما يعزى به إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى اصبر واحتسب والله الموفق","vol":"4","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>باب جواز البكاء على الميت بغير ندب ولا نياحة </span>أما النياحة فحرام وسيأتي فيها باب في كتاب النهي إن شاء الله تعالى وأما البكاء فجاءت أحاديث كثيرة بالنهي عنه وأن الميت يعذب ببكاء أهله وهي متأولة ومحمولة على من أوصى به والنهي إنما هو عن البكاء الذي فيه ندب أو نياحة والدليل على جواز البكاء بغير ندب ولا نياحة أحاديث كثيرة منها","vol":"4","page":522},{"text":"٩٢٧ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على ابنه إبراهيم ﵁ وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله فقال يا ابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون رواه البخاري وروى مسلم بعضه.\nوالأحاديث في الباب كثيرة في الصحيح مشهورة والله أعلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا الكلام على الأحاديث الثلاثة الماضية التي ذكرها النووي ﵀ في رياض الصالحين في باب جواز البكاء على","vol":"4","page":524},{"text":"الميت من غير ندب ولا نياحة ثم ذكر حديثين عن رسول الله ﷺ أنه بكى حين رأى طفلين في النزع أما الأول فهو ابن ابنته رفع إليه وهو في سياق الموت فذرفت عينا رسول الله ﷺ رحمة بهذا الصبي لأنه يراه ينازعه الموت فرق له وبكى ﷺ وهو أرحم الخلق بالخلق فقال له سعد بن عبادة ما هذا يا رسول الله يعني كيف تبكي فقال ﷺ هذه رحمة يعني أني رحمت هذا الصبي الذي ينازع نفسه فرققت له وإنما يرحم الله من عبادة الرحماء كلما كان الإنسان بعباد الله أرحم كان أقرب من رحمة الله ولهذا ينبغي لك أن تعود نفسك على الرحمة والرقة للأطفال والحيوان وغير ذلك ممن هو أهل للرحمة حتى تكون أهلا لرحمة الله ﷿ إنما يرحم الله من عباده الرحماء وفي هذا دليل على جواز البكاء على الميت لأن النبي ﷺ بكى وقال هذه رحمة وفيها دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لرحمة الله ﷿ بكل وسيلة إن رحمت الله قريب من المحسنين وفي قوله ﷺ إنما يرحم الله من عباده الرحماء إشارة إلى أن جزاء الله من جنس العمل فلما كان هذا الإنسان راحما لعباد الله كان الله تعالى راحما له لأن الله تعالى في حاجة العبد إذا كان العبد في حاجة أخيه من كان في حاجة","vol":"4","page":525},{"text":"أخيه كان الله في حاجته أما الحديث الثاني حديث أنس بن مالك ﵁ فهو أن النبي ﷺ رفع إليه ابنه إبراهيم ﵁ وهذا الولد ليس من زوجته خديجة بل من مارية التي أهداها &amp; له ملك القبط فسراها النبي ﷺ أي وطئها بملك اليمين فأتت له بهذا الولد وبقى ستة عشر شهرا ومات في حياة النبي ﷺ رفع إليه وهو يجود بنفسه أي ينازعه الموت وأشرف مال عند الإنسان نفسه وهذا المحتضر كأنما يسلمها للملائكة يجود بها فذرفت عيناه ﷺ فقيل له ما هذا يا رسول الله فقال ﷺ إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ثم قالها مرة أخرى العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون ثم توفي الولد وله ستة عشر شهرا فدل ذلك على الإنسان لا حرج عليه إذا بكى رحمة بالميت وحزنا على فراقه فإن الرسول هنا قال إنه محزون على فراق ابنه.\nوفيه أيضا دليل على جواز إخبار الإنسان عن نفسه بأنه محزون من هذه","vol":"4","page":526},{"text":"المصيبة لأنه قال القلب يحزن وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون وفيه دليل على أن النبي ﷺ يموت له الولد ويتألم لذلك وأنه يلحقه ما يلحق البشر فكان له من الأولاد سبعة ثلاثة ذكور وأربع بنات وأشهر الذكور هو إبراهيم ﵁ أما الإناث فأفضلهن فاطمة وهي مع علي بن أبي طالب ﵁ وزينب امرأة أبي العاص بن الربيع وأم كلثوم ورقية كانتا مع عثمان بن عفان لما ماتت إحداهما زوجه النبي ﷺ الثانية ولم يزوج الرسول ﷺ أحدا من صحابته ابنتين إلا عثمان فتميز عثمان ﵁ بأن الرسول زوجه ابنتيه لكن بعد أن ماتت الأولى زوج الثانية.\nأما أولاده فهم القاسم وعبد الله وإبراهيم لكن الذي اشتهر وبقي مدة هو إبراهيم وكل هؤلاء من خديجة ﵂ إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية ولم يبق أحد من أولاده لا ذكورهم ولا إناثهم بعد موته إلا فاطمة فقد ماتوا جميعا في حياته وهذا من حكمة الله ﷿ فإنه لا أحد يستطيع أن يدفع الموت ولو كان أعظم الناس جاها عند الله حتى النبي ﷺ","vol":"4","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>باب الكف عما يرى من الميت من مكروه</span>\n٩٢٨ - عن أبي رافع أسلم مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال من غسل ميتا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب من ستر على الميت ما رآه من مكروه ثم ذكر حديث مولى رسول الله ﷺ في فضل الغاسل إذا ستر على الميت ما يرى من مكروه والذي يرى من الميت من المكروهات نوعان: النوع الأول ما يتعلق بحاله النوع الثاني ما يتعلق بجسده الأول لو رأى مثلا أن الميت تغير وجهه واسود وقبح فهذا والعياذ بالله دليل على سوء خاتمته نسأل الله العافية فلا يحل له أن يقول للناس إني رأيت هذا الرجل على هذه الصفة لأن هذا","vol":"4","page":528},{"text":"كشف لعيوبه والرجل قدم على ربه وسوف يجازيه بما يستحق من عدل أو فضل إن كان عمل خيرا فالله يجزيه الحسنة بعشرة أمثالها وإن كان غير ذلك وجزاء سيئة سيئة مثلها الثاني ما يتعلق بجسده كأن يرى بجسده عيبا كأن يرى برصا أو سوادا خلقيا أو غير ذلك مما يكره الإنسان أن يطلع عليه غيره فهذا أيضا لا يجوز له أن يكشفه للناس ويقول رأيت فيه كذا وكذا برصا في بطنه في ظهره وما أشبه ذلك ولهذا قال العلماء ﵏ يجب على الغاسل أن يستر ما رآه إن لم يكن حسنة أما إذا رأى خيرا بالميت واستنارة بوجهه أو رآه يتبسم فهذا خير وليخبر به الناس لأنه يجعل الناس يثنون عليه خيرا ولا بأس به ولا يعد هذا من الرياء أو ما أشبه ذلك فإن هذا يعد من عاجل بشرى المؤمن لأن المؤمن قد يكون له مبشرات ومن هذه مثلا أنه يرى بعد موته على حالة حسنة وكذلك يرى الرؤيا الحسنة لنفسه أو يراها له غيره كل هذه من المبشرات التي تبشر بالخير.\nولهذا قال العلماء ﵏ يكره لغير المعين في غسله أن يحضر غسله","vol":"4","page":529},{"text":"حتى ولو كان قريبا له لأنه ربما يرى ما يكره فيكون في ذلك إساءة إلى الميت والله الموفق","vol":"4","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>باب الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع النساء الجنائز</span>\n٩٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل وما القيراطان قال مثل الجبلين العظيمين متفق عليه\n٩٣٠ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط رواه البخاري\n٩٣١ - وعن أم عطية ﵂ قالت نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا متفق عليه ومعناه ولم يشدد في النهي كما يشدد في المحرمات","vol":"4","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تشييع الجنازة والصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه يعني استحباب ذلك للرجال وكراهته للنساء.\nالجنازة بالفتح اسم للميت والجنازة بالكسر اسم للنعش الذي عليه الميت ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة الأول والثاني وحديث أم عطية وليعلم أن تشييع الجنائز من حقوق المسلمين على إخوانهم قال العلماء وإذا خرج مع الجنازة فينبغي أن يكون متخشعا متفكرا في مآله وأنه كما أنه الآن يتبع جنازة هذا الرجل فسوف يأتي اليوم الذي يتبع الناس فيه جنازته فكما حمل هذا فهو أيضا سيحمل\nكل ابن أنثى ولو طالت سلامتك ...\nيوما على آلة حدباء محمول\nفيفكر في أمره وأنه مهما طالت به الدنيا فسوف يحمل كما حمل هذا ويشيع كما شيع هذا ولهذا قالوا لا ينبغي لتابع الجنازة أن يتحدث في شيء من أمور الدنيا بل يفكر في نفسه وإذا كان معه أحد يكلمه فليذكره بمآل كل حي حتى يكون تشييع","vol":"4","page":532},{"text":"الجنازة تشييعا وعبرة أي قضاء لحق المسلم وعبره للمشيع ثم ذكر المؤلف ﵀ حديثي أبي هريرة وفيهما أن من تبع الجنازة من بيتها حتى يصلى عليها ثم تدفن فله قيراطان فسئل عن القيراطين قال مثل الجبلين العظيمين وفي رواية لمسلم أصغرهما مثل جبل أحد ولما حدث ابن عمر بهذا الحديث قال لقد فرطنا في قراريط كثيرة يعني ما كنا نخرج مع الجنائز وفرطنا في هذه القراريط الكثيرة فصار يخرج بعد ذلك مع الجنائز ﵁ فإذا شهدت الجنازة حتى يصلى عليها فلك قيراط وإن استمررت معها حتى تدفن فلك قيراطان لكن في رواية البخاري اشترط أن يكون ذلك إيمانا واحتسابا يعني إيمانا بالله وتصديقا بوعده واحتسابا لثوابه وليس قصدك المجاملة لأهل الميت لأن المجاملة لأهل الميت ثواب عاجل في الدنيا فقط وقد يؤجر الإنسان على مجاملة إخوانه لكن الأجر الذي هو قيراطان فهو لمن تبعها إيمانا واحتسابا وإيمانا بالله وثقة إما النساء فقالت أم عطية ﵂ نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا لفظ نهينا إذا قاله صحابي أو قالته صحابية","vol":"4","page":533},{"text":"فالمعنى أن النبي ﷺ نهاهم لأن النبي ﷺ هو الذي له الأمر والنهي.\nفإذا قال الصحابي أو الصحابية نهينا فالمعنى نهانا رسول الله ﷺ وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث أن اتباع النساء للجنائز مكروه لأنها قالت نهينا ولم يعزم علينا وقال بعض العلماء بل اتباع النساء للجنائز محرم لثبوت النهي وقول أم عطية ولم يعزم علينا.\nهذا تفقه منها ﵂ ولا ندري هل الرسول ﷺ هو الذي نهاهن ولم يعزم عليهن أم هي التي فهمت أنه لم يعزم على النساء بترك اتباع الجنائز.\nوالصحيح أن اتباع المرأة للجنازة حرام وأنه لا يجوز للمرأة أن تتبع الجنازة لأنها إذا تبعتها فهي لا شك ضعيفة فربما تصيح وتولول وتضرب الخد وتنتف الشعر وتمزق الثوب لا تصبر المرأة وأيضا ربما يحصل اختلاط بين الرجال والنساء في تشييع الجنازة فيحصل بذلك فتنة وتزول الحكمة من اتباع الجنائز بحيث يكون الرجال أو الأراذل من الرجال يكون ليس لهم هم إلا ملاحقة هؤلاء النساء أو التمتع بالنظر إليهن فالواجب منع النساء من اتباع الجنائز فهو حرام ولا يجوز كما أن زيارة المرأة للمقابر حرام لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج والله الموفق","vol":"4","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>باب استحباب تكثير المصلين على الجنازة وجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر</span>\n٩٣٢ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه رواه مسلم\n٩٣٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه رواه مسلم\n٩٣٤ - وعن مرثد بن عبد الله اليزني قال كان مالك بن هبيرة ﵁ إذا صلى على الجنازة فتقال الناس عليها جزأهم عليها ثلاثة أجزاء ثم قال رسول الله ﷺ من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ باب استحباب تكثير المصلين على","vol":"4","page":536},{"text":"الميت ثم ذكر المؤلف ﵀ ثلاثة أحاديث حديث عائشة وحديث عبد الله بن عباس وحديث مالك بن هبيرة ﵃ وكلها تدل على أنه كلما كثر الجمع على الميت كان ذلك أفضل وأرجى للشفاعة ففي حديث عائشة أنه من صلى عليه طائفة من الناس يبلغون مائة يشفعون له إلا شفعهم الله فيه ومعلوم أن المصلين على الجنازة يشفعون إلى الله ﷿ لهذا الميت فهم يسألون من الله له المغفرة والرحمة والدعاء للميت في الجنازة من أوجب ما يكون في الصلاة بل هو ركن من أركان الصلاة لا تصح صلاة الجنازة إلا به إلا المسبوق وحديث ابن عباس يدل على أنه من قام على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه أي قبل شفاعتهم فيه وهذه بشرى للمؤمن إذا كثر المصلون على جنازته فشفعوا له عند الله أن الله تعالى يشفعهم فيه.\nأما حديث مالك بن هبيرة ففيه أن الرسول ﷺ قال من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب يعني وجبت له الجنة وهذه الأحاديث كلها تدل على أنه كلما كثر الجمع كان أفضل ولهذا نجد أن بعض الناس إذا صلى على جنازة في مسجد نبه أهل المساجد الأخرى ليحضروا إليه حتى يكثر الجمع فينبغي للإمام إذا رأى","vol":"4","page":537},{"text":"الناس الذين جاءوا ليشهدوا صلاة الجنازة قد فاتهم شيء من صلاة الفريضة ألا يتعجل بالصلاة على الميت حتى ينتهي الذين يقضون صلاتهم ليشاركوا الحاضرين في الصلاة على الميت فيكون ذلك أكثر للجمع وربما تكون دعوة واحد منهم هي المستجابة وكون بعض الناس بعدما يسلم يقوم ويصلي على الجنازة وخلفه صف أو أكثر فهذا وإن كان جائزا لكن الأفضل أن ينتظر حتى يتم الناس صلاتهم ويصلون على الجنازة وهذا لا يفوت شيئا كثيرا غاية ما هنالك عشر دقائق على الأكثر ...\nوالله الموفق","vol":"4","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>باب ما يقرأ في صلاة الجنازة</span>\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n يكبر أربع تكبيرات يتعوذ بعد الأولى ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يكبر الثانية ثم يصلي على النبي ﷺ فيقول اللهم صل على محمد وعلى آل محمد والأفضل أن يتممه بقوله كما صليت على إبراهيم..\nإلى قوله إنك حميد مجيد ولا يفعل ما يفعله كثير من العوام من قراءتهم إن الله وملائكته يصلون على النبي الآية فإنه لا تصح صلاته إذا اقتصر عليه ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت وللمسلمين بما سنذكره من الأحاديث إن شاء الله تعالى ثم يكبر الرابعة ويدعو ومن أحسنه اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله والمختار أنه يطول الدعاء في الرابعة خلاف ما يعتاده أكثر الناس لحديث ابن أبي أوفي الذي سنذكر إن شاء الله تعالى فأما الأدعية المأثورة بعد التكبيرة الثالثة فمنها\n٩٣٥ - عن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك ﵁ قال صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب ما يدعى به للميت صلاة الجنازة تشتمل على قراءة الفاتحة ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم الدعاء فيبدأ أولا بالفاتحة لأنها ثناء على الله ﷿ ثم الصلاة على النبي ﷺ وهو أحق الناس أن يقدم حتى على النفس ثم بعد ذلك الدعاء العام اللهم اغفر لحينا وميتنا ثم","vol":"4","page":539},{"text":"الدعاء الخاص للميت اللهم اغفر له وارحمه وهذا الترتيب كالترتيب في التشهد حيث نبدأ أولا التحيات لله وهو الثناء على الله ثم السلام على النبي ﷺ ثم السلام على الإنسان وعلى عباد الله الصالحين وهذا أيضا الدعاء للميت كذلك مرتب لكن نبدأ بالعام قبل الخاص بخلاف التشهد فإنه يبدأ بالخاص قبل العام لأن التشهد تدعو لنفسك السلام علينا والنفس مقدمة على الغير إلا على النبي ﷺ المهم أن صلاة الجنازة يكبر الإنسان التكبيرة الأولى ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يقرأ الفاتحة كاملة ثم يكبر التكبيرة الثانية فيصلي على النبي ﷺ وأحسن ما يصلى به عليه ما علمه أمته اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ثم يكبر الثالثة فيدعو لعامة المسلمين اللهم اغفر","vol":"4","page":540},{"text":"لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا ثم يدعو للميت الدعاء الخاص ومنه ما في حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ صلى على جنازة فحفظ من دعائه اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله يعني ضيافته يعني أكرمه في ضيافته لأن الميت في ضيافة الله ﷿ إذا انتقل من هذه الدنيا إلى قبره فهو إما أن يكون في قبره معذبا أو منعما ويقول وأوسع مدخله ويجوز مدخله يعني أوسع قبره لأنه يدخل فيه واغسله بالماء والثلج والبرد واغسله يعني طهره من الذنوب بالماء والثلج والبرد ذكر الثلج والبرد لأنه بارد وذكر الماء لأن به النظافة والذنوب أجارنا الله وإياكم منها عقوبتها حارة فناسب أن يقرن مع الماء الثلج فيحصل بالماء التنظيف ويحصل بالثلج والبرد التبريد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس يعني نظفه تنظيفا كاملا من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ وذكر الثوب الأبيض لأنه هو الذي يظهر فيه أدنى دنسة فإذا كان الثوب الأبيض نقيا فمعناه أنه ليس به دنس","vol":"4","page":541},{"text":"إطلاقا بخلاف الثوب الأسود والأحمر والأخضر وما أشبه ذلك فإنه ليس كالأبيض تبين به الدنسة بيانا واضحا اللهم أبدله دارا خيرا من داره لأنه انتقل من دار الدنيا إلى دار البرزخ ودار الدنيا كما نعلم دار محن وأذى وكدر فيقول أبدله دارا خيرا من داره ليكون منعما في قبره وأهلا خيرا من أهله أهله ذووه كأمه وخالته وبناته وأبيه وابنه وما أشبه ذلك وزوجا خيرا من زوجه يعني زوجة خيرا من زوجته وذلك بالحور العين وكذلك بزوجته في الدنيا لأن الإنسان إذا تزوج امرأة في الدنيا وماتت على الإيمان فإنها تكون زوجته في الآخرة فإن قال قائل كيف تكون خيرا من زوجتي وهي واحدة في الدنيا نقول خيرا منها في الصفات والجمال وغير ذلك وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار كل هذا دعاء يدعو به الإنسان للميت وينبغي أن يخلص الإنسان للميت في هذا الدعاء فإن كان كانت امرأة فإنه يقول اللهم اغفر لها وارحمها وعافها واعف عنها..\nيعني بضمير المؤنث فإن كان لا يدري هل هي ذكر أم أثنى فإنه مخير إن شاء قال اللهم اغفر له يعني لهذا الشخص والمرأة تسمى شخصا أو إن شاء قال اغفر لها أي لهذه الجنازة والجنازة تطلق على الرجل وعلى المرأة وإن كان يعلم أنه ذكر","vol":"4","page":542},{"text":"ذكره وإن كان يعلم أنها أنثى أنثها وإن كان لا يدري جاز أن يذكره وجاز أن يؤنثه فإن ذكره فالمعنى اغفر له أي لهذا الشخص الذي بين أيدينا وإن قال اغفر لها أي لهذه الجنازة، والجنازة تطلق على الرجل والمرأة والله الموفق\n٩٣٦ - عن أبي هريرة وأبي قتادة وأبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه وأبوه صحابي ﵃ عن النبي ﷺ أنه صلى على جنازة فقال اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده رواه الترمذي من رواية أبي هريرة والأشهلي ورواه أبو داود من رواية أبي هريرة وأبي قتادة قال الحاكم حديث أبي هريرة صحيح على شرط البخاري ومسلم قال الترمذي قال البخاري أصح روايات هذا الحديث رواية الأشهلي قال البخاري وأصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك","vol":"4","page":543},{"text":"٩٣٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إذ صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء رواه أبو داود\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث فيما يدعى به في الصلاة على الميت وقد سبق حديث عوف بن مالك ﵁ في الدعاء الخاص للميت أما هذا الدعاء الذي ذكره المؤلف ﵀ فهو الدعاء العام يقول المصلي على الميت اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا وهذه الجمل تغني عنها جملة واحدة لو قال اللهم اغفر لحينا وميتنا شمل الجميع لكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط والتفصيل لأن الدعاء كل جملة منه عباده لله ﷿ وإذا كررته ازددت بذلك ثوابا فقوله حينا وميتنا يشمل الحي الحاضر والميت القديم والميت في عصره وصغيرنا وكبيرنا كذلك أيضا يشمل الصغير والكبير.\nالحي والميت وذكر الصغير مع أن الصغير لا ذنب له من باب التبعية وإلا فإن الصغير ليس له ذنب حتى تسأل له المغفرة وذكرنا وأنثانا مثلها عامة وشاهدنا وغائبنا الحاضر والمسافر","vol":"4","page":544},{"text":"مثلا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته فتوفه على الإيمان الحياة ذكر معها الإسلام وهو الاستسلام الظاهر وأما الموت قال توفنا على الإيمان لأن الإيمان أفضل ومحله القلب والمدار على ما في القلب عند الموت وفي يوم القيامة اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده لا تحرمنا أجره يعني بالصلاة عليه لأن الإنسان يؤجر بالصلاة على الميت كما سبق أن من شهدها حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان كذلك أيضا أجر آخر للمصاب بهذا الميت الذي حزن لفراقه يؤجر أيضا على صبره على المصيبة ولا تفتنا بعده يعني لا تضلنا عن ديننا بعده لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة مادام الإنسان لم يخرج روحه فإنه عرضة لأن يفتن في دينه والعياذ بالله ولهذا قال لا تفتنا بعده فينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء اقتداء برسول الله ﷺ.\nأما حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال إذا دعوتم للميت فأخلصوا له الدعاء بالمعنى أنك تدعو بحضور قلب وإلحاح على الله لأخيك الميت لأنه محتاج لك والله الموفق","vol":"4","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>باب الإسراع بالجنازة</span>\n٩٤١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم فخير تقدمونها عليه\n٩٤٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال كان النبي ﷺ يقول إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها يا ويلها أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمع الإنسان لصعق رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف في كتابه رياض الصالحين باب الإسراع في الجنازة الإسراع في الجنازة يشمل الإسراع في تجهيزها والإسراع في تشييعها والإسراع في دفنها وذلك أن","vol":"4","page":546},{"text":"الميت إذا مات فإما أن يكون صالحا وإما أن يكون سوى ذلك فإن كان صالحا فإن حبسه حيلولة بينه وبين ما أعده له الله من النعيم في قبره لأنه ينتقل من الدنيا إلى خير منها وإلى أفضل لأنه حين احتضاره ومنازعته الموت يبشر يقال لروحه أبشري برحمة من الله ورضوان فيشتاق لهذه البشرى فيجب أن يتعجل وأن يعجل به فإذا حبس كان في هذا شيء من الجناية عليه والحيلولة بينه وبين ما أعده الله له من النعيم وإن كان غير صالح والعياذ بالله فإنه لا ينبغي أن يكون بيننا وينبغي أن نسارع بالتخلص منه ولهذا قال النبي ﷺ أسرعوا بالجنازة أسرعوا بها في تجهيزها وتشييعها ودفنها لا تؤخروها فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه يعني خير مما انتقلت منه تقدمونها إليه لأنها تقدم جعلنا الله وإياكم منهم إلى رحمة الله ونعيم وسرور ونور فتقدمونها إلى خير وإن تك سوى ذلك يعني ليست صالحة فشر تضعونه عن رقابكم تسلمون منه لأنه ما لا خير فيه لا خير في بقائه إذا يستفاد من هذا الحديث أنه يسن الإسراع بالجنازة وألا تؤخر وما يفعله بعض الناس اليوم إذا مات الميت قالوا انتظروا حتى يقدم أهله من كل فج وبعضهم ربما كان في أوربا","vol":"4","page":547},{"text":"أو في أمريكا وربما طال ذلك يوما أو يومين فهذا جناية على الميت وعصيان لأمر الرسول ﷺ أسرعوا بالجنازة أهله إذا جاءوا وقد دفن يصلون على قبره الأمر واسع والحمد لله وهو إذا تأخر دفنه حتى يأتوا ماذا ينفعه من ذلك إنه لا ينفعه إلا الدعاء له بالصلاة عليه وهذا حاصل إذا صلوا عليه في قبره ولا وجه لهذا الحبس إطلاقا فإن قال قائل أليس النبي ﷺ مات يوم الاثنين ولم يدفن إلا ليلة الأربعاء قلنا بلى لكن الصحابة ﵃ أرادوا ألا يدفنوا الرسول ﷺ حتى يقيموا خليفة على عباد الله بعده لئلا تخلو الأرض عن خليفة لله فيها ولهذا لما تمت مبايعة أبي بكر ﵁ دفنوا النبي ﷺ وهذه علة ظاهرة واضحة.\nوقوله ﷺ إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك سوى ذلك ...\nيستفاد منه أنه ينبغي أن يعبر عن الألفاظ السيئة بما يدل عليها بدون سوء لأن قسيم الصالحة الفاسدة ولكن النبي ﷺ عدل عن كلمة فاسدة إلى قوله وإن تك سوى ذلك وهذا من باب التأدب في اللفظ وإلا فالمعنى واحد والتأدب في اللفظ له شأن عجيب انظر إلى قوله تعالى عن الجن وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا لما أرادوا الخير أضافوه إلى","vol":"4","page":548},{"text":"الله ﴿أم أراد بهم ربهم رشدا﴾ وفي الشر قالوا ﴿أشر أريد﴾ وما قالوا شر أراده الله مع أن الله مريد للخير والشر لكن الشر الذي يريده الله ليس شرا في فعله بل في مفعولاته أما فعله ﷿ فلا شك أنه خير لكن يقدر الشر للخير لحكمة يريدها ﷿.\nالمهم أنه ينبغي للإنسان أن يتأدب في صياغة الألفاظ من غير إخلال بالمعنى ويذكر أن ملكا من الملوك رأى رؤيا وهي أن أسنانه قد سقطت واهتم لذلك فجمع الذين يعبرون الرؤيا أي يفسرونها فقال له واحد إن حاشيتك تموت وأهلك معهم ففزع الملك ولم يعجبه هذا التفسير فأمر بالرجل فجلد ثم دعا آخر وقال له ما أرى قال إن الملك يكون أطول أهله عمرا المعنى واحد فأكرمه وأجازه فالألفاظ لها تأثير ولهذا قال الرسول ﷺ وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم.\nثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن الرجل إذا مات وحملت جنازته فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني تقول ذلك بصوت مسموع يسمعه كل شيء إلا الإنسان لا يسمعه","vol":"4","page":549},{"text":"نعمة من الله ﷿ لأننا لو سمعنا ما يقوله الأموات على نعوشهم لانزعجنا لكن الله أخفاه عنا لكن تسمعه الدواب يسمعه كل شيء تقول قدموني قدموني إلى أي شيء يقدمونها لما أعده الله لها من النعيم الذي بشرت به عند الاحتضار وإن لم تكن صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون بها نعوذ بالله تدعو بالويل لأنها ستقدم نسأل الله العافية إلى عذاب في القبر يضيق عليها القبر حتى تختلف الأضلاع ويفتح لها باب إلى النار نسأل الله العافية ولا أحد من الأحياء البشر يعلم ويشعر بذلك ومن نعمة الله ﷾ أن أخفاه علينا ولو علمنا بذلك ما تدافنا أبدا لكن الله يخفيه وهذا يدل على أن من حق الميت علينا أن نبادر به ولذلك قال أهل العلم يسن الإسراع في تجهيز الميت إلا إذا مات بغتة فإنه ينتظر حتى يتيقن أنه مات لأنه يحتمل أن يكون غشية وأنه حي فينتظر حتى يتيقن أنه مات ثم نبادر به والله الموفق","vol":"4","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>باب تعجيل قضاء الدين عن الميت والمبادرة إلى تجهيزه إلا أن </span>يموت فجأة فيترك حتى يتيقن موته\n٩٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه رواه الترمذي وقال حديث حسن\n٩٤٤ - وعن حصين بن وحوح ﵁ أن طلحة بن البراء بن عازب ﵄ مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا به فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله رواه أبو داود\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تعجيل قضاء الدين عن الميت وإسراع تجهيزه إلا أن يموت فجأة فينتظر حتى يتيقن موته","vol":"4","page":551},{"text":"وذلك يدل على أن الإنسان إذا مات فإنه يجب على أهله أن يبادروا بقضاء دينه إذا كان عليه دين ولا يجوز لهم أن يؤخروا ذلك لأن المال الذي ورثوه من ماله ليس لهم فيه حق إلا إذا انتهى الدين يعني الورثة ليس لهم حق في شيء من التركة حتى يقضي الدين ولهذا قال الله تعالى في آيات المواريث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ليس للورثة حق أن يأخذوا شيئا من التركة حتى يقضوا دين الميت ويجب عليهم المبادرة في قضاء الدين إلا إذا كان مؤجلا فإنه يطلب من أهل الدين أن ينظروا فإن أبوا فإنه يعجل لهم وإلا إذا وثق الورثة برهن أو كفيل وقد تهاون الناس في قضاء الدين عن الأموات فتجد الميت يموت وعليه الدين فيلعب الورثة بالتركة ويؤخرون قضاء الدين يكون مثلا عليه مئات الآلاف وترك عقارات كثيرة فيقول الورثة لا نبيع العقارات بل ننتظر حتى تزيد العقارات تم نبيع وهذا حرام الواجب أن يبادروا حتى ولو باعوا الشيء بنصف الثمن لأن المال ليس لهم بل هو للميت ومن ذلك إذا كان الإنسان قد اقترض من صندوق التنمية العقارية ولم يدفع أقساطا تجد الورثة يلعبون ولا يوفون صندوق التنمية وربما يسول","vol":"4","page":552},{"text":"لهم الشيطان أن يرفعوا إلى الحكومة طلب العفو عنه ثم يقولون ننتظر متى جاء الرد فربما يأتي بالرفض وربما يعفى عنه لكن لا يعلم فلا يحل لهم ذلك والواجب أن يبادروا بقضاء الدين عن الميت أما إذا كان الميت قد أوفى ما عليه من أقساط في حياته وبقي البيت مرهونا لصندوق التنمية فإن الميت يبرأ بذلك ولا يلحقه شيء وبعض الناس من أهل الورع إذا مات الميت وقد اقترض من صندوق التنمية وقد أوفى بجميع الأقساط التي حلت عليه في حياته يظنون أن الميت تتعلق روحه بهذا الدين وليس الأمر كذلك مادام هناك رهن فالميت بريء منه ويدل على هذا أن النبي ﷺ مات وعليه دين لرجل من اليهود وقد أعطاه درعه رهنا فهل تقول أن نفس الرسول ﷺ معلقة بالدين لا لأنه قد رهنه شيئا يمكنه الاستيفاء به منه.\nثم ذكر المؤلف ﵀ حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه يعني أن نفسه وهو في قبره معلقة بالدين كأنها والله أعلم تتألم من تأخير الدين ولا تفرح بنعيم ولا تنبسط لأن عليه دينا ومن ثم قلنا إنه يجب على الورثة أن يبادروا بقضاء الدين أما الحديث الثاني فقد تقدم الكلام عليه وهو أن","vol":"4","page":553},{"text":"يسن الإسراع في الجنازة ولهذا قال لا ينبغي لجيفة مسلم أن يحبس بين ظهراني أهلها لكن لو حبست لساعة أو ساعتين لانتظار كثرة الجمع كما لو مات في أول النهار مثلا يوم جمعة وقالوا ننتظر للصلاة لكثرة الجمع فهذا لا بأس به إن شاء الله وهو تأخير لا يضر والله الموفق","vol":"4","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>باب الموعظة عند القبر</span>\n٩٤٥ - عن علي ﵁ قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس وجعل ينكت بمخصرته ثم قال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعدة من النار ومقعده من الجنة فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له وذكر تمام الحديث متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب الموعظة عند القبر والموعظة هي تذكر الناس بما يلي قلوبهم إما بترغيب في خير وإما بترهيب من شر هذه هي الموعظة وأعظم واعظ وأفضله وأصلحه للقلب هو القرآن الكريم كما قال الله تعالى يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين فالقرآن لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد هو أعظم واعظ لكن قلوب أكثر","vol":"4","page":555},{"text":"الناس لا تتعظ بالقرآن لأنها فيها قسوة وقد قال الله تعالى فيمن إذا تتلى عليه الآيات ﴿قال أساطير الأولين﴾ والعياذ بالله قال الله تعالى ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ يعني ختم عليها ما كانوا يكسبون من الأعمال السيئة حتى لا يشعروا بالقرآن كما يشعر به المتقون الذين من الله عليهم نسأل الله أن يمن علينا وعليكم ولكن مع ذلك قد يأتي إنسان أعطاه الله بيانا وفصاحة وعلما فيعظ الناس ويذكرهم ويلين من قلوبهم ما لا تلين به إذا تلي عليها القرآن وهذا شيء مشاهد مجرب كنا في جنازة ببقيع الغرقد المعروف الآن بالمدينة والغرقد نوع من الشجر معروف وسمي بقيع الغرقد لكثرة وجود هذا النوع من الشجر به وكان مدفن أهل المدينة وقد قال النبي ﷺ اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد قالها ثلاثا فكانوا في جنازة فجاء النبي ﷺ فقعد وقعد الناس حوله لأن كل الناس يحبون أن يكونوا جلساء للنبي ﷺ جلسوا حوله وفي يده مخصرة","vol":"4","page":556},{"text":"يعني عود فنكس رأسه وجعل ينكت بالعود كالمهموم ﷺ ثم قال ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار كل إنسان من بني آدم مكتوب مقعده من الجنة إن كان من أهل الجنة ومقعده من النار إن كان من أهل النار وذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من السعداء لما قال هذا الكلام قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب يعني مادام الأمر مكتوبا فما حاجة العمل فقال لا تدعوا العمل فالجنة لا تأتي إلا بعمل والنار لا تأتي إلا بعمل فلا يدخل النار إلا من عمل بعمل أهل النار ولا يدخل الجنة إلا من عمل بعمل أهل الجنة قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم تلا قوله تعالى ﴿وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾","vol":"4","page":557},{"text":"قال اعمل لا تتكل على الكتاب، الكتاب أمر مجهول ما ندري ما فيه لكن من عمل خيرا فهو بشرى أنه من أهل الخير ومن عمل سوى ذلك فهذا إنذار قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له فأنت يا أخي إذا رأيت الله قد يسر لك عمل أهل السعادة فأبشر أنك من أهل السعادة وإذا رأيت نفسك أنك تنقاد للصلاة للزكاة لفعل الخير عندك تقوى من الله ﷿ فاعلم واستبشر أنك من أهل السعادة لأن الله قال ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى﴾ وإن رأيت العكس رأيت نفسك تنشرح بفعل السيئات والعياذ بالله وتضيق ذرعا بفعل الطاعات فأحذر أنقذ نفسك وتب إلى الله ﷿ حتى ييسر الله لك واعلم أنك إذا أقبلت على الله أقبل الله عليك حتى إذا أذنبت مهما أذنبت قال الله تعالى ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ وعلى هذا فإذا جاء الإنسان إلى المقبرة وجلس الناس حوله فهنا يحسن أن يعظهم بما يناسب بمثل هذا الحديث أو حديث عبد الرحمن بن مرة حين جاء الرسول ﷺ وانتهى إلى جنازة رجل من الأنصار ووجدهم يحفرون القبر ولم يتموا حفره فجلس","vol":"4","page":558},{"text":"وجلسوا حوله كأن على رءوسهم الطير احتراما لرسول الله ﷺ وإجلالا لهذا المجلس وهيبة فجعل يحدثهم أن الإنسان إذا جاءه الموت نزلت إليه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب وجعل يحدثهم بحديث طويل يعظهم به هذه هي الموعظة عند القبر أما أن يقوم القائم عند القبر يتكلم كأنه يخطب فهذا لم يكن من هدي الرسول ﷺ ليس من هدي الرسول ﷺ أن الإنسان يقف بين الناس يتكلم كأنه يخطب هذا ليس من السنة، السنة أن تفعل كما فعل الرسول ﷺ فقط إذا كان الناس جلوسا ولم يدفن الميت فاجلس في انتظار دفنه وتحدث حديث المجالس حديثا عاديا بعض الناس أخذ من هذه الترجمة ترجمة النووي ﵀ وقد ترجم بمثلها قبله البخاري في صحيحة باب الموعظة عند القبر أخذ من هذا أن يكون خطيبا في الناس يخطب الناس برفع صوت ويا عباد الله وما أشبه ذلك من الكلمات التي تقال في الخطب وهذا فهم خاطئ غير صحيح","vol":"4","page":559},{"text":"الموعظة عند القبر تقيد بما جاء في السنة فقط لئلا تتخذ المقابر منابر فالمواعظ هادئة يكون الإنسان فيها جالسا ويبدو عليه أثر الحزن والتفكر وما أشبه ذلك لا أثر الشجاعة وكأنه ينذر الجيش يقول صبحكم ومساكم لكن فضل الله يؤتيه من يشاء فبعض الناس يفهم شيئا من النصوص فهما غير مراد بها والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم","vol":"4","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة للدعاء له </span>والاستغفار والقراءة\n٩٤٦ - عن أبي عمرو وقيل أبو عبد الله وقيل أبو ليلى عثمان بن عفان ﵁ قال كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل رواه أبو داود\n٩٤٧ - وعن عمرو بن العاص ﵁ قل إذا دفنتموني فأقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي رواه مسلم وقد سبق بطوله\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب الوقوف بعد دفن الميت والدعاء له","vol":"4","page":561},{"text":"والاستغفار له وذلك أن الميت إذا دفن فإنه يأتيه ملكان يسألان عن ربه ودينه ونبيه فكان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه يعني عنده وقال استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل فيسن للإنسان إذا فرغ الناس من دفن الميت أن يقف عنده ويقول اللهم اغفر له ثلاث مرات اللهم ثبته ثلاثا لأن النبي ﷺ كان غالب أحيانه إذا دعا دعا ثلاثا ثم ينصرف ولا يجلس بعد ذلك لا للذكر ولا للقراءة ولا للاستغفار هكذا جاءت به السنة أما ما ذكره ﵀ عن عمرو بن العاص ﵁ أنه أمر أهله أن يقيموا عنده إذا دفنوه قدر ما تنحر جزور قال لعلي أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي يعني الملائكة فهذا اجتهاد منه ﵁ لكنه اجتهاد لا نوافقه عليه لأن هدي النبي ﷺ أكمل من هدي غيره ولم يكن النبي ﷺ يقف أو يجلس عند القبر بعد الدفن قدر ما تنحر الجزور ويقسم لحمها ولم يأمر أصحابه بذلك غاية ما هنالك أنه أمرهم أن يقفوا على القبر ويستغفروا لصاحبه ويسألوا له التثبيت","vol":"4","page":562},{"text":"فقط هذا هو السنة ثم ينصرف الناس وأما القراءة عند القبر فالأصح أنها مكروهة وأنه يكره للإنسان أن يذهب إلى القبر ثم يقف أو يجلس عنده ويقرأ لأن هذا من البدع وقد قال النبي ﷺ كل بدعة ضلالة وأقل أحوالها أن تكون مكروهة والله الموفق","vol":"4","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>باب الصدقة عن الميت والدعاء له</span>\nقال الله تعالى ﴿والذي جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾\n٩٤٨ - وعن عائشة ﵂ أن رجلا قال للنبي ﷺ إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت فهل لها من أجر إن تصدقت عنها قال نعم متفق عليه\n٩٤٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف في رياض الصالحين باب الصدقة عن الميت والدعاء له ثم ساق قول الله تعالى والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.","vol":"4","page":564},{"text":"﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ أي من بعد الصنفين السابقين وهم المهاجرون والأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم لأن هذه الأمة ثلاثة أقسام: مهاجرون أنصار ومن جاءوا من بعدهم وقد جمع الله ذلك في آيتين في القرآن منها قوله تعالى ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ وكذلك في سورة الحشر ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ فإذا رأيت الرجل يترحم على الصحابة ويستغفر لهم ويحبهم فاعلم أنه منهم أي يحشر معهم وإذا رأيت الرجل يسب الصحابة ولا يترحم عليهم ولا يستغفر لهم فإنهم بريئون منه وهو بريء منهم وليس له حظ في هذه الأمة لأن الصحابة هم الواسطة بيننا وبين رسول الله ﷺ الذين بلغوا شريعة الله عن رسول الله، والرسول ﷺ","vol":"4","page":565},{"text":"هو الواسطة التي بيننا وبين ربنا الذي بلغنا كلام ربنا فإذا طعن أحد في الواسطة التي بيننا وبين رسول الله فهو طعن في الشريعة كلها وخاصة الطعن في أبي بكر وعمر لأنهما أفضل اتباع الرسل على الإطلاق ليس في أتباع موسى ولا إبراهيم ولا عيسى ولا محمد أفضل من أبي بكر وعمر فمن طعن فيهما فإنه ليس في قلبه شيء من الإيمان والعياذ بالله وكذلك من سب الصحابة وقدح فيهم فإنه قدح في دين الله ﷿ ولهذا قال ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ ثم استدل بحديث عائشة ﵂ أن رجلا قال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها يعني ماتت ولو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها قال نعم فدل ذلك على جواز الصدقة على الميت فتنوي إذا أردت أن تتصدق أن هذه عن أمك عن أبيك عن أخيك عن أختك عن أي إنسان مسلم ميت فإن ذلك ينفعه.\nوأما الدعاء للميت ففي حديث أبي هريرة إذا مات الإنسان","vol":"4","page":566},{"text":"انقطع عمله لأن دار العمل هي دار الدنيا فإذا مات انتهى فليس هناك عمل بعد الموت إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية يعني هو نفسه يضع وقفا عقارا أي شيء للفقراء أو علم ينتفع به يعني من بعده أو ولد صالح يدعو له لأن غير الصالح لا يدعو لوالديه ولا يبرهما لكن الصالح هو الذي يدعو لوالديه بعد موتهما ولهذا يتأكد علينا أن نحرص غاية الحرص على صلاح أولادنا لأن صلاحهم صلاح لهم وخير لا حيث يدعون لنا بعد الموت وأفضل هذه الثلاثة العلم الذي ينتفع به واضرب لكم مثلا بل أمثالا كثيرة أبو هريرة ﵁ من أفقه الصحابة بعد الرسول ﷺ يسقط أحيانا على الأرض من شدة الجوع ومع ذلك أكثر المسلمين الآن لا يقرءون إلا رواياته فهو الذي نقل لنا هذه الأحاديث وهي صدقة جارية إذا ما قورنت بأي صدقات أخرى في عهده.\nالإمام أحمد شيخ الإسلام ابن تيمية يدرسنا وهو في قبره لأن كتبه بين أيدينا أكبر خليفة أكبر تاجر في عهد ابن تيمية ﵀ هل وصل خيرهم إلينا اليوم أبدا إذا العلم أنفع","vol":"4","page":567},{"text":"الثلاثة فالصدقة الجارية قد تتعثر والولد الصالح قد يموت لكن العلم النافع الذي ينتفع به المسلمون باق إلى ما شاء الله فاحرص أخي على العلم فهو لا يعدله شيء كما قال الإمام أحمد لمن صحت نيته فاحرص على العلم الشرعي وعلى مساعداته كالنحو وما أشبه ذلك حتى ينفعك الله وينفع بك والله الموفق","vol":"4","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>باب ثناء الناس على الميت</span>\n٩٥٠ - عن أنس ﵁ قال مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي ﷺ وجبت ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال النبي ﷺ وجبت فقال عمر بن الخطاب ﵁ ما وجبت قال هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض متفق عليه\n٩٥١ - وعن أبي الأسود قال قدمت المدينة فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁ فمرت بهم جنازة فأثنى على صاحبها خيرا فقال عمر وجبت ثم مر بأخرى فأثنى على صاحبها خيرا فقال عمر وجبت ثم مر بالثالثة فأثني على صاحبها شرا فقال عمر وجبت قال أبو الأسود فقلت وما وجبت يا أمير المؤمنين قال قلت كما قال النبي ﷺ أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة فقلنا وثلاثة قال وثلاثة فقلنا واثنان قال واثنان ثم لم نسأله عن الواحد رواه البخاري","vol":"4","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب ثناء الناس على الميت ثناء الناس على الميت يعني ذكره بخير أو بشر فالميت إذا مات فإما أن يثني الناس عليه خيرا وإما شرا حسب ما يعلمون من حاله.\nثم ذكر المؤلف حديث أنس ﵁ وحديث أبي الأسود مع عمر بن الخطاب ففي حديث أنس أن النبي ﷺ مر بجنازة في مجلسه فأثنوا على صاحبها خيرا فقال وجبت ثم مروا بجنازة أخرى فأثنوا عليها شرا فقال النبي ﷺ وجبت فقال عمر بن الخطاب ما وجبت يا رسول الله قال أثنيتم على الأول خيرا فوجبت له الجنة وأثنيتم على الثاني شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض والثاني كأنه والله أعلم من المنافقين والمنافقون في عهد الرسول ﷺ موجودون في المدينة بكثرة يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والعياذ بالله والمنافقون في الدرك الأسفل من النار إلا من تاب، وفي هذا دليل على أن المسلمين إذا أثنوا على الميت خيرا دل ذلك على أنه من أهل الجنة فوجبت له الجنة وإذا أثنوا عليه شرا دل ذلك على أنه من أهل النار فوجبت له النار ولا فرق في هذا","vol":"4","page":570},{"text":"بين أن تكون الشهادة في عهد النبي ﷺ أو بعده لأن حديث أبي الأسود مع عمر بن الخطاب ﵁ كان بعد النبي ﷺ وقد تنازل النبي ﷺ إلى أن ذكر من شهد له اثنان بخير كان من أهل الجنة ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أننا لا نشهد لأحد بجنة أو نار إلا من يشهد له النبي ﷺ فنشهد لمن شهد له الرسول ﷺ بالجنة ونشهد بالنار لمن شهد له بالنار فمثال من شهد له بالجنة الخلفاء الأربعة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) وكذلك بقية العشرة المبشرين بالجنة، فإن النبي ﷺ قال أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زيد في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة والزبير بن العوام في الجنة هؤلاء عشرة جعلهم النبي ﷺ جميعا من أهل الجنة وعكاشة بن المحصن لما أخبر النبي ﷺ أنه يدخل من هذه الأمة سبعون ألفا بلا حساب أو عذاب قال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني","vol":"4","page":571},{"text":"منهم قال أنت منهم فقال آخر يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال سبقك بها عكاشة.\nثابت بن القيس ﵁ كان جهوري الصوت ولما نزل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون خاف ﵁ وبقي في بيته محبوسا يبكي يخشى أن يكون حبط عمله لأنه جهوري الصوت ففقده النبي ﷺ فأرسل إليه فأخبره الخبر فقال بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة فكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة نشهد له ومن شهد له بالنار فإننا نشهد له بالنار وقد شهد النبي ﷺ لجماعة بالنار وكذلك في القرآن قال الله تعالى في أبي لهب وهو عم النبي ﷺ ﴿سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد﴾ وأخبر ﷺ أن عمه أبا طالب في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما","vol":"4","page":572},{"text":"دماغه والعياذ بالله وجاءه رجل فقال يا رسول الله أين أبي فقال أبوك في النار وأخبر أنا عمرو بن لحي الخزاعي يجر قسطه في النار قال شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك من أجمعت الأمة على الثناء عليه فإننا نشهد له بالجنة فمثلا الإمام أحمد ﵀ الشافعي أبو حنيفة مالك سفيان الثوري سفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة أجمعت الأمة على الثناء عليهم فنشهد لهم بأنهم من أهل الجنة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أجمع الناس بالثناء عليه إلا من شذ ومن شذ شذ في النار يشهد له بالجنة على هذا الرأي ويؤيد هذا الرأي حديث عمر ﵁ الذي رواه البخاري أن الرسول ﷺ قال من شهد له أربعة وثلاثة واثنان ثم لم يسألوه عن الواحد.\nنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل المحرمين على النار","vol":"4","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>باب فضل من مات له أولاد صغار</span>\n٩٥٢ - عن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم متفق عليه\n٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد لا تمسه النار إلا تحلة القسم متفق عليه.\nوتحلة القسم قول الله تعالى ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ والورود هو العبور على الصراط وهو جسر منصوب على ظهر جهنم عافانا الله منها\n٩٥٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله قال اجتمعن","vol":"4","page":574},{"text":"يوم كذا وكذا فاجتمعن فأتاهن النبي ﷺ فعلمهن مما علمه الله ثم قال ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار فقالت امرأة واثنين فقال رسول الله ﷺ واثنين متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب فضل من مات له أولاد صغار يعني باب الفضل الذي يعطاه من مات له أولاد صغار يعني فاحتسب الأجر من الله ﷿ وصبر ثم ذكر حديث أنس وأبي هريرة وأبي سعيد وكلها تدل على فضل ذلك أن الإنسان إذا مات له أولاد صغار لم يبلغوا الحنث يعني لم يبلغوا فإنهم يكونون له سترا من النار بفضل رحمته إياهم لأن هؤلاء الأولاد الصغار هم محل الرحمة فالأولاد إذا كبروا استقلوا بأنفسهم ولم يكن عند والدهم من الرحمة لهم كالرحمة التي عنده للأولاد الصغار وإذا كان له أولاد صغار وماتوا واحتسب الأجر من الله وهم ثلاثة فإنهم يكونون له سترا من النار فلا تمسهم النار إلا تحلة القسم يريد ب تحلة القسم قوله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما","vol":"4","page":575},{"text":"مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا وفي حديث أبي سعيد الخدري في اجتماع النساء حتى أتى إليهن النبي ﷺ فعلمهن مما علمه الله وأخبرهن أنه ما من امرأة يموت لها ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا لم تمسه النار إلا تحلة القسم فقالت امرأة وثنين فقال واثنين وعلى هذا فيكون ذلك من فضل الله أيضا أنه إذا مات للإنسان اثنان من الولد ذكورا أو إناثا ثم صبر واحتسب كان ذلك له حجابا من النار والله الموفق","vol":"4","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم وإظهار الافتقار إلى </span>الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك\n٩٥٥ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يعني لما وصلوا الحجر ديار ثمود لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم متفق عليه وفي رواية قال لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ثم قنع رسول الله ﷺ رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب البكاء عند المرور بقبور الظالمين والخوف من أن يصيب الإنسان ما أصابهم ثم ذكر حديث ابن عمر بمرور النبي ﷺ بالحجر","vol":"4","page":577},{"text":"ديار ثمود وثمود هم قوم صالح الذين أرسل الله إليهم صالحا ﵊ فذكرهم بالله ولكنهم كفروا به فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ثم أخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين وكان الله تعالى قد أعطاهم قدرة وقوة في نحت الجبال وبناء القصور في السهول وأصبحوا أمة قوية ولكن الله تعالى أخذهم برجفة وصيحة فماتوا عن آخرهم مر بهم النبي ﷺ في طريقه إلى تبوك فقال ﷺ لا تدخلوا على هؤلاء إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم ولهذا نقول لا يجوز لأحد أن يذهب لديار ثمود ليتفرج وينظر مساكنهم لأن ذلك وقوع في معصية الرسول ﷺ إلا رجلا يريد أن يذهب للعبرة ويكون باكيا عند مروره بتلك الأماكن فإن لم يكن باكيا فإنه لا يجوز أن يدخل عليهم لأنه ربما يصيبه ما أصابهم ولما مر النبي ﷺ بواديهم قنع رأسه يعني خفضه وأسرع السير حتى تجاوز الوادي وبه نعرف خطأ هؤلاء الجهال الذين يذهبون إلى ديار ثمود للتفرج والتنزه ويبقون فيها أياما ينظرون آثارهم القديمة فإن ذلك معصية للرسول ﷺ ومخالفة لهديه وسنته فإنه ﷺ لما مر بهذه الديار أسرع وقنع رأسه ﷺ حتى جاوز الوادي وحذر من أن يسكن الإنسان في مساكن الذين ظلموا","vol":"4","page":578},{"text":"أنفسهم والذين أهلكهم الله في هذه الأرض خوفا أن يصيب الإنسان ما أصابهم من عذاب الله إما بكفره بالله ﷿ حتى يستحق هذا العذاب وإما بعقوبة يعاقب بها وإن لم يكفر وإذا لقي الله تعالى يوم القيامة فالله بصير بالعباد والله الموفق","vol":"4","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>كتاب آداب السفر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>باب استحباب الخروج يوم الخميس واستحبابه أول النهار</span>\n٩٥٦ - عن كعب بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ خرج في غزوة تبوك يوم الخميس وكان يحب أن يخرج يوم الخميس متفق عليه وفي رواية في الصحيحين لقما كان رسول الله ﷺ يخرج إلا في يوم الخميس\n٩٥٧ - وعن صخر بن وداعة الغامدي الصحابي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال اللهم بارك لأمتي في بكورها وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار وكان صخر تاجرا وكان يبعث تجارته أول النهار فأثرى وكثر ماله رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن","vol":"4","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى كتاب آداب السفر السفر هو مفارقة الوطن وهو أن يخرج الإنسان من وطنه إلى وطن آخر وسمي سفرا لأنه من الإسفار وهو الخروج والظهور كما يقال أسفر الصبح إذا ظهر وبان وقيل في المعنى سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال يعني يبين ويوضح أحوالهم فكم من إنسان لا تعرفه ولا تعرف سيرته إلا إذا سافرت معه وعندئذ تعرف أخلاقه وسيرته وإيثاره إلخ حتى كان عمر ﵁ إذا زكى رجل شخصا عنده قال له هل سافرت معه هل عاملته إن قال نعم قبل ذلك وإن قال لا فقال لا علم لك به ثم إن السفر ينبغي للإنسان أن يتحرى فيه الأوقات التي تكون أسهل وأنسب ومن ذلك أن يكون في آخر الأسبوع كما كان النبي ﷺ في أكثر أسفاره يخرج يوم الخميس وربما خرج في غيره فقد خرج ﷺ في آخر سفرة سافرها وهي حجة الوداع يوم السبت لكن دائما كان إذا سافر ولاسيما إذا كان في غزو كان ذلك يوم الخميس والحكمة من ذلك والله أعلم أنه يوم ترفع","vol":"4","page":581},{"text":"فيه الأعمال وتعرض على الله ﷿ فكان يحب ﷺ أن يعرض على الله عمله في ذلك اليوم وكان ﷺ يحب أن يخرج من أول النهار لما في ذلك من استقبال النهار لأنه ربما يفاجأ الإنسان في سفره طولا وقد تجهز قليلا فيصعب عليه التخلص منه وهذا في الأسفار التي كانت في عهد الرسول ﷺ على الدواب والأرجل أما اليوم فكما تشاهدون الناس لا يجدون صعوبة في أول النهار أو آخره ثم إن السفر في الوقت الحاضر مرتبط بطائرات ومواعيد وعلى كل حال إذا خرج في أول النهار وفي يوم الخميس فهو أفضل وإن لم يتيسر له ذلك فلا بأس والحمد لله ثم ذكر حديث صخر ﵁ أن النبي ﷺ قال اللهم بارك لأمتي في بكورها أي في أول النهار فدعا النبي ﷺ أن يبارك الله في أول النهار فيه لأمته لأنه مستقبل العمل فإن النهار كما قال الله تعالى معاش وجعلنا النهار معاشا فإذا استقبله الإنسان من أوله صار في ذلك بركة وهذا شيء مشاهد أن الإنسان إذا عمل في أول النهار وجد في عمله بركة لكن وللأسف أكثرنا اليوم ينامون في أول النهار ولا يستيقظون إلا في الضحى فيفوت عليهم أول النهار الذي فيه بركة وقد قال العامة أمير النهار أوله يعني أن أول النهار هو","vol":"4","page":582},{"text":"الذي يتركز عليه العمل وكان صخر يبعث بتجارته أول النهار فأثرى وكثر ماله من أجل دعاء النبي ﷺ بالبركة لهذه الأمة في بكورها والله الموفق","vol":"4","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>باب استحباب طلب الرفقة وتأميرهم على أنفسهم واحدا يطيعونه/٠</span>\n٩٥٨ - عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده رواه البخاري\n٩٥٩ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قل قال رسول الله ﷺ الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة وقال الترمذي حديث حسن\n٩٦٠ - وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا قال رسول الله ﷺ إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن\n٩٦١ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال خير الصحابة أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة","vol":"4","page":584},{"text":"آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قله رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب استحباب الرفقة وتأمير أحدهم هذا الباب تضمن مسألتين الأولى أنه ينبغي للإنسان أن يكون معه رفقة في السفر وألا يسافر وحده ولهذا قال النبي ﷺ لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار راكب بليل قط وحده يعني أن الإنسان لا ينبغي أبدا أن يسير وحده في السفر لأنه ربما يصاب بمرض أو إغماء أو يتسلط عليه أحد أو غير ذلك من المحظورات فلا يكون معه أحد يدافع عنه أو يخبر عنه أو ما أشبه ذلك وهذا في الأسفار التي تتحقق فيها الوحدة وأما ما يكون في الخطوط العامرة التي لا تكاد تمر فيها دقيقة واحدة إلا وتمر بك فيها سيارة فهذا وإن كان الإنسان في سيارة وحده فليس من هذا الباب يعني ليس من باب السفر وحده لأن الخطوط الآن عامرة من محافظة لأخرى ومن مدينة لثانية وما أشبه ذلك","vol":"4","page":585},{"text":"فلا يدخل في النهي ثم بين النبي ﷺ في حديث عمرو بن شعيب أن الراكب شيطان والراكبين شيطانان والثلاثة ركب يعني من يسافر وحده شيطان والذي يسافر وليس معه سوى واحد شيطانان والثلاثة ركب يعني ليسوا من الشياطين بل هم ركب مستقل وهذا أيضا على الحذر والتنفير من سفر الوحدة وكذلك من سفر الاثنين والثلاثة لا بأس وهذا كما قلت مقيد بالأسفار التي لا يكون فيها ذاهب وآت ثم ذكر حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن الرسول ﷺ أمر المسافرين إذا سافروا أن يؤمروا أحدهم يعني يؤمرون واحدا منهم يتولى تدبيرهم يقول نذهب ونجلس نتوضأ نتناول العشاء وما أشبه ذلك لأنهم إذا لم يؤمروا واحدا صار أمرهم فوضى ولهذا قيل لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم لابد من أمير يتولى أمرهم وظاهر الحديث أن هذا الأمير إذا رضوه وجبت طاعته فيما يتعلق بمصالح السفر لأنه أمير أما ما لا يتعلق بأمور السفر فلا تجب طاعته كالمسائل الخاصة بالإنسان إلا أنه لا يعني ذلك أن هذا الأمير يستبد بل يكون كما قال الله ﵎ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فعليه أن يشاورهم في الأمور التي يخفى فيها جانب المصلحة ولا يستبد برأيه أما الأمور الواضحة فلا حاجة للمشورة فيها والله الموفق","vol":"4","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السري والرفق </span>بالدواب ومراعاة مصلحتها\n٩٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا عليها السير وبادروا بها نقيها وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل رواه مسلم معنى أعطوا الإبل حظها من الأرض أي ارفقوا بها في السير لترعى في حال سيرها وقوله نقيها هو بكسر النون وإسكان القاف وبالياء المثناة من تحت وهو المخ معناه أسرعوا بها حتى تصلوا المقصد قبل أن يذهب مخها من ضنك السير والتعريس النزول في الليل\n٩٦٣ - وعن أبي قتادة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه وإذا عرس قبيل","vol":"4","page":587},{"text":"الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه رواه مسلم قال العلماء إنما نصب ذراعه لئلا يستغرق في النوم فتفوت صلاة الصبح عن وقتها أو عن أول وقتها\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب آدابا كثيرة تتعلق بالسفر والرواحل وذلك أن المسافر إذا سافر على راحلة بهيمة من الإبل أو حمر أو بغال أو خيل فإن عليه أن يراعي مصلحتها لأنه مسئول عنها ولهذا كان النبي ﷺ في حجة الوداع كان راكبا على ناقته وقد شق لها زمامها فإذا أتى مرتفعا من المرتفعات أرخى لها قليلا ومن الآداب أن الإنسان إذا سافر في أيام الخصب فإنه ينبغي أن يتأنى في السير يعني لا يسير سيرا حثيثا يعطي فيه الإبل حقها من الرعي لأنه إذا كان يمشي الهوينى أمكن لها ذلك فإذا كانت الأرض معشبة وخصبة وأنت على إبل فلا تسرع السير دعها ترعى في مهل من أجل أن تنال حظها من الخصب أما إذا كان الأمر بالعكس وكانت السنة جدبا فإن","vol":"4","page":588},{"text":"المفروض أن تسرع لأنك إذا أمهلت في السير والأرض جدب لا ترعى طالت مدة السفر فيذهب مخها وهذا من حكمة النبي ﷺ وأن الله تعالى قد أعطاه مصالح الرعاية للإنسان والبهائم حيث أرشد ﷺ المسافرين إلى هذه الآداب في الخصب تأن في السير في الجدب أسرع في السير كذلك أمر ﷺ أننا إذا عرسنا نزلنا ليلا لنستريح ونام فإننا لا ننام في الطريق يعني في الجادة لأنها طرق البهائم الناس يستطرقون هذا الطريق فربما يأتي إنسان غافل فيقع في هذا الطريق كذلك هي أيضا مأوى الهوام تأتي إلى هذه الطرق حتى إذا سقط من أحد شيء من الطعم أكلته ولهذا يكثر وجود الهوام في هذه الطرق فلهذا أمر النبي ﷺ ألا ننام في الطرقات بل نرتفع عنها حتى لا يحرج السائرين على الطريق وحتى لا تتعرض لأذى الهوام ومثل ذلك بل من باب أولى طرق سيارات اليوم فإن الإنسان يبتعد عنها لأنه ربما يأتي سائق ينعس ولو لحظة فيقتحم بسيارته هؤلاء الذين ينامون على الطريق وتحدث كارثة فابعد عن هذه الطرق السريعة لا تنم حولها حتى لا تقع في الخطر وهذا من إرشاد النبي ﷺ","vol":"4","page":589},{"text":"وكان من هديه ﷺ أنه إذا عرس في أول الليل اضطجع على يمينه وإذ عرس قبيل الفجر اتكأ على يده اليسرى لأن إذا كان أول الليل ينام على اليمين ليعطي النفس حظها من النوم ولهذا كان ﷺ في بيته إذا نام ينام على الجنب الأيمن بل أمر بذلك أما إذا كان قبيل الفجر فكان ينصب ذراعه ﷺ وينام على يده لئلا يستغرق في النوم فتفوته صلاة الفجر وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان أيضا يعطي نفسه حظها من الراحة ولا ينسى عبادة ربه ففي أول الليل يمكنه أن ينام ويشبع قبل الفجر ثم يقوم أما في آخر الليل فإنه لا ينام نومة المطمئن بل نومة المستيقظ الذي لا يستغرق في النوم لئلا تفوته صلاة الفجر وفي هذا دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يستعمل المنبه في النوم ينبهه حتى لا تفوته الصلاة فإن نصب الرسول ﷺ ذراعه من أجل أن يتنبه كذلك الإنسان ينبغي أن يجعل معه منبها للصلاة فهذا من آداب السفر الذي دل عليها خير البشر ﷺ والله الموفق","vol":"4","page":590},{"text":"٩٦٤ - وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل رواه أبو داود بإسناد حسن بالدلجة السير في الليل\n٩٦٥ - وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية فقال رسول الله ﷺ إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض رواه أبو داود بإسناد حسن\n٩٦٦ - وعن سهل بن عمرو وقيل سهل بن الربيع بن عمرو الأنصاري المعروف بابن الحنظلية وهو من أهل بيعة الرضوان ﵁ قال مر رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة رواه أبو داود بإسناد صحيح\n٩٦٧ - وعن أبي جعفر عبد الله بن جعفر ﵄ قال","vol":"4","page":591},{"text":"أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه وأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل يعني حائط نخل رواه مسلم هكذا مختصرا وزاد فيه البرقاني بإسناد مسلم هذا بعد قوله حائش نخل فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى رسول الله ﷺ جرجر وذرفت عيناه فأتاه النبي ﷺ فمسح سراته أي سنامه وذافره فسكن فقال من رب هذا الجمل لمن هذا الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال هذا لي يا رسول الله فقال أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه يشكو إلي أنك تجيعه وتدئبه ورواه أبو داود كرواية البرقاني قوله ذفراه هو بكسر الذال المعجمة وإسكان الفاء وهو لفظ مفرد مؤنث قال أهل اللغة الذفري الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن وقوله تدئبه أي تتعبه\n٩٦٨ - وعن أنس ﵁ قال كنا إذا نزلنا منزلا لا نسبح حتى نحل الرحال رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم","vol":"4","page":592},{"text":"وقوله لا نسبح أي لا نصلي النافلة ومعناه أنا مع حرصنا على الصلاة لا نقدمها على حط الرحال وإراحة الدواب\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في آداب السفر ساقها النووي ﵀ في رياض الصالحين منها أن النبي ﷺ أرشد أمته إلى أن يسيروا في الليل وأخبر أن الأرض تطوى للمسافر إذا سافر في الليل يعني أنه يقطع في الدلجة الليل ما لا يقطعه في النهار وذلك لأن الليل وقت براد فهو أنشط للرواحل وأسرع في سيرها ولهذا عبر النبي ﷺ عن ذلك بأنه تطوى الأرض للمسافر إذا مشى في الليل ومن الآداب أيضا أنه ينبغي للجماعة ألا يتفرقوا إذا نزلوا منزلا فإن الصحابة ﵃ كانوا إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الأودية والشعاب فقال النبي ﷺ إنما ذلكم من الشيطان يعني تفرقهم فما نزلوا بعد ذلك منزلا إلا اجتمعوا جميعا لأن ذلك أقوى لهم وأحفظ ولو تسلط عليهم عدو في هدأة الليل وكانوا جميعا أمكنهم المدافعة لكن إذا تفرقوا توزعوا وفشلوا ومن ذلك أيضا أن النبي ﷺ أمر بالرفق بالبهائم وأنه يجب على الإنسان أن يعاملها معاملة حسنة فلا يكلفها ما لا تطيق ولا","vol":"4","page":593},{"text":"يقصر عليها في أكل أو شرب ومن ذلك أيضا أن الإنسان يركب الراحلة وحده وله أن يردف غيره لكن بشرط أن تكون الراحلة مطيقة لذلك فإن لم تكن مطيقة لضعفها أو نحو ذلك فإنه لا يحل له أن يكلفها ما لا تطيق لأن هذه البهائم تتعب كما يتعب الإنسان هي مكونة مما كون منه الإنسان لحم وعظم ودم فإن كان الإنسان يتعب إذا حمل ما لا يطيق أو حمل عملا يتعبه كذلك هذه البهائم ولهذا أمر النبي ﷺ أن نتقي الله ﷿ فيها وألا نقصر في حقها ثم ذكر حديث ابن الحنظلية أن الرسول ﷺ كان قلما يقضي حاجته إلا إلى هدف أو حائل هدف يعني هدف مثل العنزة كان يركزها ويقضي حاجته ﷺ فدخل ذات يوم حائط رجل من الأنصار فإذا بجمل فلما رأى النبي ﷺ أي الجمل رأى النبي ﷺ جاء يجرجر وعيناه تذرفان يشكو صاحبه إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ من رب هذا الجمل فجاء رجل من الأنصار فقال إنه لي يا رسول الله فأخبره ﷺ أن الجمل يشكو إليه صاحبه بأنه يجيعه ويحمله ما لا يطيق وأمره أن يتقي الله تعالى فيه وهذا من آيات النبي ﷺ أن","vol":"4","page":594},{"text":"البهائم العجم تشكو إليه إذا رأته ﷺ لأن هذا من آيات الله التي يؤيد الله بها رسول الله ﷺ فإن الله تعالى ما أرسل رسولا إلا أعطاه آيات تدل على نبوته لئلا يكذبه الناس لأن الناس إذا جاء إليهم رجل وقال أنا رسول الله لكم بدون آية ما صدقوه لكن الله تعالى يؤتي رسله آيات تدل على أنهم صادقون وأعظم آيات أعطيها الأنبياء ما أعطيه النبي ﷺ وقد ذكر ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية وغيره أيضا أنه ما من آية لنبي من السابقين إلا كان لرسول الله ﷺ مثلها أو أعظم منها إما له شخصيا وإما لأتباعه وذكر على ذلك أمثلة وشواهد كثيرة لكن لم يعط أحد من الأنبياء مثل ما أعطي النبي ﷺ من هذا الوحي القرآن ولهذا قال إنما الذي أوتيته وحي أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة لأن هذا الوحي باق إلى يومنا هذا والناس كلما قرءوه ازدادوا إيمانا بالله ورسوله لما فيه من الآيات العظيمة الدالة على أن رسول الله ﷺ هو رسول الله حقا والله الموفق","vol":"4","page":595},{"text":"/٠L٢ باب إعانة الرفيق في الباب أحاديث كثيرة تقدمت كحديث: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وحديث: كل معروف صدقة وأشباههما\n٩٦٩ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن في سفر إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله ﷺ: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له فذكر من أصناف المال ما ذكره حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل رواه مسلم\n٩٧٠ - وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه أراد أن يغزو فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار، إن من إخوانكم قوما ليس لهم مال، ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين أو الثلاثة، فما لأحدنا من ظهر يحمله إلا عقبة يعني كعقبة أحدهم، قال: فضممت إلي اثنيين أو ثلاثة ما لي إلا عقبة كعقبة أحدهم من جملي رواه أبو داود\n٩٧١ - وعنه قال: كان رسول الله ﷺ يتخلف في","vol":"4","page":596},{"text":"المسير فيزجي الضعيف ويردف ويدعو له رواه أبو داود بإسناد حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى باب الإحسان إلى الرفيق عند السفر والرفق به وهذا من آداب السفر أن الإنسان يحسن إلى رفيقه في السفر ويرفق به ثم ذكر المؤلف ﵀ ثلاثة أحاديث: منها أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وهو في سفر فجعل يلتفت يمينه وشماله وكأنه يريد حاجة، فقال النبي ﷺ: من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان عنده فضل زاد به على من زاد له وذكر أصنافا من المال فصار الناس كل منهم ينظر إلى رفيقه ويركبه معه ويشركه في زاده وهكذا أيضا في الحديث الثاني أن النبي ﷺ أمر أن يتعاقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد حتى يكون الناس كلهم سواء وكذلك الحديث الثالث أن الرسول ﷺ كان يكون في أخريات القوم في السفر يزجي الضعيف يسوقه ويدعو له كما ثبت ذلك عنه في صحيح مسلم في قصة جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ لحقه وكان جابر على","vol":"4","page":597},{"text":"جمل قد أعيا فضربه النبي ﷺ أي ضرب الجمل ودعا له فصار يمشي كما تمشي الركاب بل كان يتقدم عليها والحاصل أنه ينبغي للإنسان أن يكون مع رفقائه في السفر محسنا إليهم قاضيا لحاجتهم معينا لهم فإن هذا من الآداب النبوية التي جاءت بها سنة النبي ﷺ والله أعلم","vol":"4","page":598},{"text":"/٠L٢ باب ما يقول إذا ركب الدابة للسفر\nقال الله تعالى: ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمه ربكم إذا استوتيم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقربين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾\n٩٧٢ - وعن ابن عمر ﵄ إأن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجا إلي سفر، كبر ثلاثا، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل.\nاللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبه المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب آداب السفر: باب ما","vol":"4","page":599},{"text":"يقوله إذا ركب دابته للسفر.\nهكذا قيد المؤلف ﵀ الحكم فيما إذا ركب للسفر وظاهر الآية الكريمة أن الحكم عام وأن الإنسان إذا ركب دابته أو سيارته أو السفينة فإنه يقول ما ذكره الله ﷿ ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا ركب دابته خارجا في سفر قال كذا وكذا وذكر قبل ذلك الآية وهي قوله تعالى: وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون الآية.\n﴿وجعل لكم﴾ يعني: سير لكم.\n﴿من الفلك﴾: يعني السفن وهي ثلاثة أنواع: بحرية، وبرية، وجوية أما البحرية فكانت معروفة من قديم الزمان من زمن نوح ﷺ حين أوحى الله إليه ﴿أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ ثم قال: ﴿ولقد تركناها آية فهل من مدكر﴾ وأما السفن البرية فظهرت متأخرة وهي السيارات، وأما الجوية فهي أيضا بعد ذلك وهي الطائرات وكلها داخلة في قوله: ﴿وجعل لكم من الفلك﴾ فإنها فلك لأنها تجمع ما شاء الله من الخلق وقوله تعالى: ﴿والأنعام﴾ يعني الإبل والبغال والحمير والخيل وغيرها مما يركب وقد اختلف العلماء في جواز ركوب","vol":"4","page":600},{"text":"الإنسان ما لم تجر العادة بركوبه، كما لو ركب البقر فمنهم من قال: إنه جائز ما لم يشق عليه ومنهم من قال: إنه لا يجوز لأنها لم تخلق لهذا والصحيح أنه جائز وأنه لا بأس أن يركب الإنسان ما لم تجر العادة بركوبه لكن بشرط ألا يشق عليها فإن شق عليه فهو ممنوع وقوله تعالى: ﴿لتستووا على ظهوره﴾ اللام إما للتعليل أو للعاقبة، يعني أنه جعل لنا ما نركب لنستقر على الظهور، فلم يجعله صعبا نزرا لا يستوي الإنسان على ظهره ولا يستقره، بل هو يستقر على ظهره، وهذا مشاهد في السيارات والسفن والطائرات والإبل الذلول وما أشبه ذلك ﴿ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾ بعد الاستواء تذكرون نعمة الله بما يسر لكم مما خلق من الأنعام ومما علمكم من الفلك وتقولوا: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ كان الذي يتبادر أن يقول الإنسان: الحمد لله الذي سخر لنا هذا ولكنه أمر أن يقول: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا﴾ لماذا، لأن (سبحان) تدل على التنزيه: يعني تنزيه الله ﷿ عن الحاجة وعن النقص فكأن الإنسان يشعر إذا ركب على هذه الفلك والأنعام أنه محتاج إليه يستعين به على حاجاته فيسبح الله ﷿ الذي هو مستغن عن","vol":"4","page":601},{"text":"كل خلقه فكان التسبيح في هذا المقام أنسب مع أنه جاء في السنة أنه يحمد الله، لكننا نتكلم عن هذه الآية: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين﴾ يعني: ما كنا مطيقين له لولا أن الله سخره أي ذلله كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾ أرأيتم لو كانت هذه البعير الكبيرة الجسم القوية النشيطة لو لم تسخر هل نركبها؟ هل نقدر عليها؟ الجواب: لا هناك من السباع ما هو دونها بكثير ولا نستطيع أن نقدر عليه، لكن الله سخر لنا هذا الذي نركبه، حتى إن الصبي الصغير يأخذ بزمام الناقة ويقودها إلى حيث شاء، هذا من تسخير الله ﷿ وتذليله ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين أي: مطيقين﴾ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴿هذه الجملة جملة عظيمة، كأن الإنسان لما ركب مسافرا على هذه الذلول أو الفلك كأنه يتذكر السفر الأخير من هذه الدنيا وهو سفر الإنسان إلى الله ﷿ إذا مات، وحملته الناس على أعناقهم فيتذكر ويقول:﴾ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴿جل وعلا، فالمقلب إلى الله والله تعالى يقول في كتابه العزيز:﴾ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ﴿كادح إلى ربك، لم يقبل كادح لربك بل كادح إليه: يعني سيكون مآلك ومآل كدحك وكدحك إلى الله ﷿:﴾ كادح","vol":"4","page":602},{"text":"إلى ربك ﴿أي: عامل وراجع إلى ربك﴾ فملاقيه ﴿كلنا سوف يلاقي الله، ولكن على أي شيء وشأن نلاقي الله ﷿؟ يعني: الإنسان لا يهمه أين يموت ولا متى يموت ربما أنه يحب أن يطيل الله عمره وأن يموت في بلد مقدس كما اختار ذلك موسى ﷺ لكن الشأن كل الشأن على أي شيء يموت نسأل الله أن يتوفانا وإياكم على الإيمان والتوحيد هذا هو المهم فإن مت على خير فإنه لا فرق أن تموت هنا أوهناك أو في بلد مقدس أو غير مقدس ولا في هذا الشهر ولا في هذا اليوم ولا في هذا الوقت المهم أن تموت على خير فينبغي للإنسان إذا ركب سيارته أو الطائرة أن يقول هذا الذكر الوارد عن النبي ﷺ في حديث ابن عمر: يكبر ثلاثا ويقول:﴾ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴿ثم يدعو بهذا الدعاء الذي ذكره ابن عمر ﵄ وتأمل في هذا الحديث كلمة تدل على إحاطة الله بكل شيء يقول: أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل الصاحب في السفر يعني تصحبني في سفري، تيسره علي، تسهله","vol":"4","page":603},{"text":"علي وأنت الخليفة في الأهل أي: الخليفة في الأهل من بعدي تحوطهم برعايتك وعنايتك، فهو جل وعلا مع الإنسان في سفره، وخليفته في أهله، لأنه جل وعلا بكل شيء محيط والله الموفق﴾\n٩٧٣ - وعن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ سافر يتعوذ من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكون، ودعوة المظلوم.\nوسوء المنظر في الأهل والمال رواه مسلم هكذا هو في صحيح مسلم الحور بعد الكون بالنون وكذا رواه الترمذي، والنسائي، قال الترمذي: ويروي الكور بالراء وكلاهما له وجه، قال العلماء: ومعناه بالنون والراء جميعا: الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص.\nقالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها ورواية النون من الكون مصدر كان يكون كونا إذا وجد واستقر\n٩٧٤ - وعن علي بن ربيعة قال: شهدت علي بن أبي طالب ﵁ أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في","vol":"4","page":604},{"text":"الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين، من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت، ثم ضحك فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح.\nوهذا لفظ أبي داود.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في الأدعية والأذكار التي تقال إذا ركب الإنسان راحلته في السفر وسبق لنا شرح الآية الكريمة أن الله تعالى قال: لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين كذلك أيضا يتعوذ الإنسان من وعثاء السفر ومن كآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل، ويتعوذ أيضا من","vol":"4","page":605},{"text":"دعوة المظلوم، ويسأله الله المغفرة والرحمة ويحمد الله ثلاثا ويكبر ثلاثا، كل هذا مما جاء عن النبي ﷺ فإن ذكرته بلفظه فهذا هو الأحسن والأفضل وإلا فقل ما تيسر، وأهم شيء ما ذكره الله تعالى في القرآن: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين﴾ وفي حديث علي بن أبي طالب ﵁ بيان سعة مغفرة الله ورحمته وأنه ﷿ يفرح من عبده إذا استغفره وتاب إليه وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: الله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته وذكر الحديث وهو أن رجلا مسافرا أضل راحلته وفقدها فطلبها فلم يجدها وعليه طعامه وشرابه فأيس منها ومن الحياة ونام تحت شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا براحلته قد تعلقت بالشجرة، فأخذ بزمامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك لكنه أخطأ من شدة الفرح فالله ﷿ يفرح بتوبة عبده فعليك أخي المسلم أن تتوب إلى الله وترجع وتستغفر وتعلم أنك متى","vol":"4","page":606},{"text":"استغفرت الله تعالى بصدق وإخلاص فإن الله تعالى يغفر لك ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ نسأل الله أن يغفر لنا ولكم ويرحمنا ويرحمكم إنه على كل شيء قدير","vol":"4","page":607},{"text":"/٠L٢ باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه\n٩٧٥ - عن جابر ﵁ قال: كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا رواه البخاري.\n٩٧٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ وجيوشه إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا سبحوا رواه أبو داود بإسناد صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب عقده المؤلف النووي ﵀ في (رياض الصالحين) تحت آداب السفر وما يقال فيه، فمن ذلك أنه من آداب السفر أنه إذا صعد الإنسان شيئا مرتفعا كالجبل وكذلك الطائرة إذا صعدت فإنه يكبر يقول: الله أكبر إما مرة أو مرتين أو ثلاثا وإذا نزل: سبح قال: سبحان الله مرة أو مرتين أو ثلاثا ووجه ذلك أن الإنسان إذا علا فإنه يرى نفسه في مكان عال فقد يستعظم نفسه","vol":"4","page":608},{"text":"فيقول: الله أكبر يعني يرد نفسه إلى الاستصغار أما كبرياء الله ﷿ فيقول: الله أكبر.\nيعني: لو علوت أيتها النفس فإن فوقك من هو أعلى منك وهو الله ﷿ أما إذا نزل فالنزول سفول ودنو وذل فيقول: سبحان الله يعني أنزهه الله ﷾ عن السفول والنزول، لأنه ﷾ فوق كل شيء، وإن كان جل وعلا ثبت عن رسول الله ﷺ أنه ينزل إلى السماء الدنيا هذا نزول يليق بجلاله وعظمته ولا يلزم منه السفول لأن الله تعالى ليس كمثله شيء المهم أنه من الآداب المستحبة التي من هدي الرسول ﷺ وأصحابه أنك إذا صعدت تقول الله أكبر وإذا نزلت واديا تقول: سبحان الله كذلك الطائرة عند ارتفاعها تكبر عند نزولها المطار تسبح لأنه لا فرق بين الصعود في الهواء والنزول منه أو على الأرض والله الموفق","vol":"4","page":609},{"text":"٩٧٩ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا أشرفنا على واد وهللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا فقال النبي ﷺ: يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنه معكم، إنه سميع قريب متفق عليه اربعوا بفتح الباء الموحدة أي: ارفقوا بأنفسكم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n تقدم أنه ينبغي للمسافر إذا علا وارتفع أن يكبر، وإذا هبط ونزل أن يسبح، وبينا الحكمة في ذلك، ولكن ينبغي للإنسان إذا فعل هذا ألا يجهد نفسه ولا يشق عليها ولا يرفع صوته رفعا بالغا، كما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر فكانوا يهللون ويكبرون ويرفعون أصواتهم فقال النبي ﷺ: أيها الناس اربعوا على أنفسكم يعني هونوا عليها ولا تشقوا على أنفسكم في رفع الصوت؟ فإنكم لا تدعو أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا مجيبا قريبا وهو الله ﷿ لا يحتاج أن تجهدوا أنفسكم في رفع الصوت عند التسبيح والتحميد والتكبير، لأن الله","vol":"4","page":610},{"text":"تعالى يسمع ويبصر وهو قريب جل وعلا مع أنه فوق السماوات لكنه محيط بكل شيء جل وعلا قال ابن عباس: ﵄: ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في كف أحدكم كل السماوات والأرض لا تنسب إلى الله ﷿ فهو جل وعلا محيط بكل شيء وهو فوق كل شيء وفي هذا دليل أنه لا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه في العبادات لا في أدائها ولا في المداومة عليها، ولهذا لما بلغ النبي ﷺ أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال من شدة رغبته في الخير: لأقومن الليل ما عشت ولأصومن النهار ما عشت يعني: يريد أن يصوم كل النهار ويقوم كل الليل، فبلغ النبي ﷺ ذلك فدعاه، وقال: أنت الذي قلت هذا قال: نعم يا رسول الله قال: إنك لا تطيق ذلك ثم أمره أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام أن يقوم وينام فقال: إني أطيق أكثر من ذلك فمازال به حتى قال النبي ﷺ له: صم يوما وأفطر يوما قال: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: لا أفضل من هذا، هذا صوم داود ﷺ يصوم يوما ويفطر يوما ليتقوى بيوم الفطر","vol":"4","page":611},{"text":"على يوم الصيام فلما كبر ﵁ شق عليه ذلك شق أن يصوم يوما ويفطر يوما فقال: ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ ثم صار يصوم خمسة عشر يوما سردا ويفطر خمسة عشر يوما سردا لأنه عجز أن يصوم يوما ويفطر يوما أما في القيام فقال له: أعظم ما يكون أن ينام نصف الليل ويقوم ثلث الليل وينام سدس الليل، قسمه ثلاثة أقسام: ينام النصف، ويقوم الثلث، وينام السدس، وقال: لا أفضل من ذلك والحاصل أنه لا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه في العبادة متى تسهلت فليحمد الله بعض الناس في أيام الشتاء يكون عنده الماء الساخن والبارد، يتوضأ بالبارد ويترك الساخن، يعذب نفسه والله ﷿ يقول: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم نعم، إذا لم يكن عندك إلا الماء البارد واستعمله وشق عليك فلك أجر أما أن تعدل عن السهل إلى الصعب طلبا للأجر فهذا ليس بصواب، متى تسهل الأمر فافعله، كذلك بعض الناس مثلا يقول: امشي على رجلي للحج لأنه أصعب من المشي بالسيارة قلنا: هذا خطأ، إذا سهل الله لك العبادة فافعل","vol":"4","page":612},{"text":"أو أنك تقرأ على نور ضعيف ولا تقرأ على نور قوي، لأن القراءة على النور الضعيف أصعب هذا أيضا خطأ كلما تسهلت العبادة فافعل ما تيسر ولكن لا تقصر أما إذا لم يمكن إلا مع تعب فهذا الأمر إلى الله ومتى تعبت في العبادة فلك أجر والله الموفق","vol":"4","page":613},{"text":"/٠L٢ باب استحباب الدعاء في السفر\n٩٨٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن وليس في رواية أبي داود: على ولده","vol":"4","page":614},{"text":"/٠L٢ باب ما يدعو به إذا خاف ناسا أو غيرهم\n٩٨١ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قوما قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم رواه أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين): باب دعاء المسافر المسافر: هو الذي فارق وطنه يكون مسافرا حتى يرجع إليه ودعوة المسافر دعوة محتاج في الغالب والإنسان إذا احتاج ودعا ربه أوشك أن يستجاب له لأن الله ﷾ يجيب دعوة المضطر ودعوة المحتاج أكثر مما يستجيب لغيرهما ثم ذكر الحديث ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد.\nأما دعوة المظلوم فمعناها إذا ظلمك أحد فأخذ مالك أو غير","vol":"4","page":615},{"text":"ذلك فهذا ظلم فإذا دعوت الله عليه استجاب الله دعاءك، حتى ولو كان المظلوم كافرا وظلمته ثم دعا الله فإن الله يستجيب دعاءه، ولا حبا للكافر ولكن حبا للعدل، والمظلوم لابد أن ينصف له من الظالم ولهذا لما أرسل النبي ﷺ معاذا إلى اليمن قال له: اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب فالمظلوم دعوته مستجابة إذا دعا على ظالمه بمثل ما ظلمه أو أقل إما إذا تجاوز فإنه يكون معتديا فلا يستجاب له هذه واحدة الثانية: دعوة المسافر إذا دعا الله ﷿ أن ييسر سفره أو يعينه عليه أو غير ذلك من الدعوات فإن الله تعالى يستجيب له ولذا ينبغي أن يغتنم فرصة الدعاء في السفر وإذا كان السفر سفر طاعة كعمرة وحج فإنه يزداد ذلك قوة في إجابة الدعاء الثالثة: دعوة الوالد في بعض ألفاظ الحديث على (ولده) وفي بعض ألفاظه مطلقة (الوالد) أي سواء دعا لولده أو عليه وهذا هو","vol":"4","page":616},{"text":"الأصح دعوة الوالد لولده أو عليه مستجابة أما دعوته لولده فلأنه يدعو لولده شفقة ورحمة والراحمون يرحمهم الله ﷿ وأما عليه فإنه لا يمكن أن يدعو على ولده إلا باستحقاق فإذا دعا عليه وهو مستحق لها استجاب الله دعوته هذه ثلاث دعوات مستجابات دعوة المظلوم والمسافر والوالد سواء الأم أو الأب ثم ذكر المؤلف حديثا فيما يسن للإنسان إذا خاف ناسا أو غيرهم ماذا يقول، مثلا قابلك أناس تخشى منهم قابلك شخص تخشى من شره فقل: اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم إذا قلت ذلك بصدق وإخلاص ولجوء إلى الله كفاك الله شرهم (اللهم إنا نجعلك في نحورهم): أي أمامهم تدفعهم عنا وتمنعنا منهم (ونعوذ بك من شرورهم) ففي هذه الحال يكفيك الله شرهم، كلمتان يسيرتان إذا قالهما الإنسان بصدق وإخلاص فإن الله تعالى يستجيب له والله الموفق","vol":"4","page":617},{"text":"/٠L٢ باب ما يقول إذا نزل منزلا\n٩٨٢ - عن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك رواه مسلم\n٩٨٣ - وعن ابن عمرو ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك وأعوذ بالله من شر أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد رواه أبو داود والأسود الشخص قال الخطابي: وساكن البلد: هم الجن الذين سكان الأرض قال: والبلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء ومنازل قال: ويحتمل أن المراد بالوالد: إبليس وما ولد الشياطين","vol":"4","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في بيان ما يقوله الإنسان إذا كان مسافرا ونزل منزلا ففي حديث خولة بنت حكيم ﵂ أن النبي ﷺ قال: من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله هذا قوله: نزل منزلا يشمل من نزل منزلا في السفر إذا كان مسافرا ثم نزل ليستريح لغداء أو عشاء أو نوم أو غير ذلك فإنه إذا نزل يقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وأعوذ أي: أعتصم بكلمات الله التامات، وكلمات الله التامات تشمل كلماته الكونية والشرعية فأما الكونية فهي التي ذكرها الله في قوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فيحميك الله تعالى بكلماته الكونية يدفع عنك ما يضرك إذا قلت هذا الكلام كذلك الكلمات الشرعية وهي الوحي فيها وقاية من كل سوء وشر وقاية من الشر قبل نزوله أما قبل نزوله فقد ثبت عن النبي ﷺ أن من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح وأما بعد نزول الأثر فقد","vol":"4","page":619},{"text":"ثبت عنه ﷺ أن الفاتحة إذا قرئ بها على المريض فإنه يبرأ بها حتى إن الصحابي ﵁ لما قرأ الفاتحة على سيد القوم الذي لدغ قام كأنما نشط من عقال يعني: برأ حاله لأن القرآن شفاء ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ورحمة للمؤمنين﴾ فاحرص يا أخي المسلم إذا نزلت منزلا في بر أو بحر أو منزلا اشتهيته للنوم وما أشبه ذلك فقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق فإنه لا يضرك شيء حتى ترتحل من منزلك ذلك والله الموفق","vol":"4","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>باب استحباب تعجيل المسافر الرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته</span>\n٩٨٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله متفق عليه نهمته مقصوده\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) فيما يتعلق بالسفر باب استحباب تعجيل المسافر الرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته وذلك أن المسافر إذا سافر فإنه يترك أهله وربما يحتاجون إليه في تعليمهم ورعايتهم وغير ذلك وربما يحدث لهم أشياء توجب أن يكون عندهم ولهذا أمر النبي ﷺ كما في الحديث في ذكره المؤلف إن الإنسان إذا قضى نهمته من سفره فليرجع إلى أهله وقال ﷺ في هذا الحديث إن السفر قطعة من العذاب ويعني ذلك عذاب الضمير وعذاب الجسم ولاسيما","vol":"4","page":621},{"text":"الذي كان في الزمن السابق حيث يسافرون على الإبل ويكون فيها مشقات كبيرة حر في الصيف وبرد في الشتاء ولهذا قال ﷺ إنه قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه لأنه أي المسافر مشغول البال ولا يأكل ويشرب كطعامه وشربه العادي في أيامه العادية وكذلك في النوم فإذا كان كذلك فليرجع الإنسان إلى الراحة إلى أهله وبلده ليقوم على أهله بالرعاية والتأديب وغير ذلك وفي هذا دليل على أن إقامة الإنسان في أهله أفضل من سفره إلا أن يكون هناك حاجة ووجهه أن أهله يحتاجون إليه ولهذا لما قدم مالك بن الحويرث ومعه عشرون رجلا من قومه إلى النبي ﷺ وأقاموا عنده نحو عشرين ليلة فرأى أنهم قد اشتاقوا إلى أهلهم قال ارجعوا إلى أهليكم وأقيموا فيهم وأدبوهم وعلموهم فدل ذلك على أن الإنسان لا ينبغي أن يغيب عن أهله إلا بقدر الحاجة هذا هو الأفضل والله الموفق","vol":"4","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>باب استحباب القدوم على أهله نهارا وكراهته في الليل لغير حاجة</span>\n٩٨٥ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلا وفي رواية أن رسول الله ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا متفق عليه\n٩٨٦ - وعن أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ لا يطرق أهله ليلا وكان يأتيهم غدوة أو عشية متفق عليه الطروق المجيء في الليل","vol":"4","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>باب ما يقوله إذا رجع وإذا رأى بلدته </span>فيه حديث ابن عمر السابق في باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا\n٩٨٧ - وعن أنس ﵁ قال أقبلنا مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بظهر المدينة قال آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة رواه مسلم","vol":"4","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>باب استحباب ابتداء القدوم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين</span>\n٩٨٨ - عن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان البابان من آداب السفر الباب الأول أن الإنسان إذا غاب عن أهله وطالت غيبته وطالت فلا يطرقهم ليلا أي لا يأتيهم في الليل إلا لحاجة أو إعلان الحاجة مثل أن يحصل عليه في السفر مشقة لو انتظر إلى الصباح مثلا فهذه حاجة يقدم عليهم في الليل ولا حرج وكذلك أيضا إذا كان قد أعلمهم أنه سيقدم عليهم الليلة الفلانية فلا بأس أن يقدم عليهم ليلا أما إذا كان أطال الغيبة فإنه لا يطرقهم ليلا لأن النبي ﷺ علل ذلك فقال لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة يعني لأجل أن المرأة تتجمل وتتزين لزوجها لئلا يقدم","vol":"4","page":625},{"text":"عليها وهي شعثة غير ماشطة أو لم تستحد أي لم تحلق عانتها فلهذا قيد المسألة إذا أطال السفر أما إذا لم يطل السفر كسفر يوم أو يومين أو ما أشبه ذلك فلا حرج عليه أن يقدم إلى أهله متى شاء والحاصل أنه إذا أطال الغيبة فلا يقدم على أهله ليلا إلا لحاجة أو إعلام فلا بأس أما الحديث الثاني فهو إذا قدم الإنسان من السفر فليبدأ قبل كل شيء بالمسجد قبل أن يدخل على أهله يبدأ بالمسجد ويصلى فيه ركعتين لأن النبي ﷺ سن ذلك لأمته في قوله وفعله فكان ﷺ إذا قدم أول ما يبدأ به هو المسجد يصلي فيه ركعتين ولما جاءه جابر ﵁ ليأخذ ثمن جمله الذي باعه عليه قال له أدخلت المسجد وصليت قال لا قال ادخل المسجد وصل ركعتين وهذه السنة قد غفل عنها كثير من الناس إما جهلا بذلك وإما تهاونا ولكن ينبغي للإنسان أن يحيي هذه السنة وإذا وصل إلى البلد فليكن أول ما يبدأ به أن يدخل إلى المسجد ويصلي ركعتين ثم بعد ذلك يذهب إلى أهله والله الموفق","vol":"4","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>باب تحريم سفر المرأة وحدها</span>\n٩٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها متفق عليه\n٩٩٠ - وعن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقال له رجل يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال انطلق فحج مع امرأتك متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في كتاب (رياض الصالحين) باب تحريم سفر المرأة وحدها يعني بلا محرم وذلك أن المرأة ناقصة العقل والدين كل إنسان يخدعها وكل","vol":"4","page":627},{"text":"إنسان يذل بها وهي فتنة الرجال كما قال النبي ﷺ إنما كانت فتنة بني إسرائيل في النساء وقال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء فلهذا تمنع المرأة من السفر بلا محرم واختلف العلماء فيما إذا كان السفر قصيرا هل تمنع منه أم لا فمنهم من قال بالمنع حتى من السفر القصير ومنهم من قال لا تمنع إلا من السفر الطويل والصحيح أنها تمنع مما يسميه الناس سفرا فكل ما يطلق عليه اسم سفر فإنه لا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم خوفا عليها من الفتنة والشر والبلاء ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة وابن عباس ﵃ فيما يدل على أنه يحرم أن تسافر المرأة بلا محرم وظاهر الحديث أنه لا فرق بين المرأة الشابة والكبيرة والحسناء والقبيحة ومن معها نساء ومن لا نساء معها ومن هي آمنة وغير آمنة فالحديث عام وإذا قدر أن يوجد في سفر من الأسفار السلامة يقينا فإن ذلك لا يوجد في كل سفر ولما كانت المسألة","vol":"4","page":628},{"text":"خطيرة منعت المرأة منعا باتا من السفر بلا محرم وقد تهاون بعض الناس اليوم في السفر بلا محرم ولاسيما في سفر الطائرة وكذلك النقل الجماعي وهذا غلط وتهاون في طاعة الله ورسوله فلا يحل للمرأة أن تسافر بلا محرم ولو بالطائرة حتى لو كان محرمها سيشيعها إلى أن تركب الطائرة ومحرمها الثاني يقابلها في البلد الآخر فإن ذلك لا يجوز لأننا مهما قدرنا من السلامة فإنه من يركب إلى جنب هذه المرأة لأن النساء الآن في الطائرة لا يفرق بينهم وبين الرجال تجد المرأة إلى جانب الرجل لهذا نقول إنه يحرم على المرأة أن تسافر بلا محرم في الطائرة أو السيارة أو الجمل أو الحمار أو الأرجل كل ذلك حرام والمحرم هو من تحرم عليه تحريما مؤبدا بنسب أو مصاهرة أو رضاعة وقد ذكر الله ذلك في القرآن الكريم قال حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت هؤلاء سبع من النسب ثم قال ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾","vol":"4","page":629},{"text":"هذا من الرضاعة وكذلك العمة من الرضاعة والخالة من الرضاعة كلها محارم لقول النبي ﷺ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب أما المصاهرة فأبو الزوج وجده من قبل الأب أو الأم محرم للزوجة وابن الزوج وابن بنت الزوج وإن نزل كذلك أيضا من محارم الزوجة فلو أن جد الزوج سافر بامرأة ابنه فإن ذلك لا بأس به لأنه محرم ولو أن ابن الزوج النابه سافر بزوجة أبيه فلا بأس لأنها محرم له وأما ما يظنه بعض العوام من أن الإنسان إذا أنقذ امرأة من هلاك صار محرما لها فهذا ليس له أصل كان يقول بعض الناس إذا غرقت امرأة ثم جاء إنسان وأنقذها أو شبت حريق بالبيت فجاء إنسان فأنقذها يدعي بعض العوام أنه يصير محرما لها وهذا ليس له أصل وهذا غير صحيح الحارم سبع من النسب وسبع من الرضاع وأربع من المصاهرة أما الزوج فمعلوم أنه محرم لأنه زوج والله الموفق","vol":"4","page":630},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>كتاب الفضائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>باب فضل قراءة القرآن</span>\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين كتاب الفضائل الفضائل جمع فضيلة ثم بدأ بفرائض كتاب الله ﷿ فقال باب فضل قراءة القرآن والقرآن الذي بين أيدينا هو كلام الله ﷿ تكلم به ﷾ حقيقة كلاما سمعه جبريل ثم تلاه جبريل على النبي ﷺ قال الله تعالى وإنه لتزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين وقال نزل به على قلبك لأن القلب هو محل الوعي والإدراك والفقه لتكون من المنذرين وقال الله ﵎ ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ وكان النبي ﷺ من شدة حرصه على القرآن كان يبادر جبريل وجبريل يقرأ عليه يلقنه فيبادره القراءة فقال الله تعالى ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ يعني اسكت حتى يقرأ جبريل ﴿إن علينا جمعه وقرءانه فإذا قرأنه فاتبع قرءانه﴾ يعني قرأه جبريل الذي رسول رب العالمين إلى محمد ﷺ","vol":"4","page":631},{"text":"﴿فإذا قرأنه فاتبع قرءانه﴾ يعني أقرأه بعده ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ يعني لا تقاطع جبريل في القراءة فهذا القرآن تكلم الله به جل وعلا وهو يتكلم به ﷾ إذا أراد أن ينزله كما قال تعالى ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ وهذه الجملة جملة ماضية يعني أنها فعل ماض ﴿قد سمع﴾ يدل على تقدم كلام هذه المرأة وعلى تأخر كلام الله في قصتها وشأنها ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله يسمع تحاوركما أن الله سميع بصير﴾ وقال تعالى ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ هذا في أحد يقول إذ غدوت من أهلك إذا فالغدو سابق المؤمنين على كلام الله تعالى هذا والله جل وعلا يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء ولا يحل لنا أن نقول إن كلام الله تعالى ككلامنا يعني أن صوته في القرآن كأصواتنا كلا لكنه يتكلم بالحروف التي نتكلم بها فهذا القرآن الذي بين أيدينا هو الحروف التي نكون منها كلامنا وهو كلام الله ﷿ المعنى واللفظ كله كلام الله هذا هو ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة أهل السنة أن القرآن كلام الله وأنه منزل من عنده وأن الله تكلم به حقيقة وأنه تلقاه عنه","vol":"4","page":632},{"text":"جبريل ثم نزل به على قلب النبي ﷺ قال الله تعالى ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين﴾ فهو أمين أعني جبريل ﵊ نزل به على أمين البشر جبريل أمين الملائكة ومحمد أمين البشر وكلاهما أمين على وحي الله ﷿ هذا القرآن له فضائل عظيمة فضائل عامة وفضائل في آيات وسور خاصة مثلا الفاتحة هي السبع المثاني وهي أم الكتاب آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله وهلم جرا هناك آيات أو سور لها فضل خاصة أما القرآن عموما فله أيضا فضائل عامة وهذا يوجب علينا أن نحرص غاية الحرص على تلاوة كتاب الله ﷿ ليلا ونهارا لأن الإنسان إذا تلا كلام الله صار له بكل حرف بكل حرف عشر حسنات الحرف الواحد من الكلمة له فيه عشر حسنات فمثلا (قل) فيها عشرون حسنة لأنها حرفان القاف واللام (أعوذ) هذه أربعة أحرف فيها أربعون حسنة وهذا ثواب عظيم لا يتصور الإنسان إذا قرأ هذا الكتاب العزيز العظيم الذي ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ وينبغي إذا قرأ القرآن أن يترسل فيه وألا يتعجل عجلة توجب سقوط بعض الحروف فإن بعض الناس يهذه هذا حتى","vol":"4","page":633},{"text":"يسقط بعض الحروف هذا ما تلاه كما أنزل لابد من بيان الحروف لكن التجويد المصطلح عليه في كتب التجويد ليس بواجب لكنه من كمال تحسين الصوت الواجب ألا تسقط حرفا من الحروف ولا شدة من الشدات وأما قواعد التجويد المعروفة فهي من باب التحسين والتكميل وليست من باب الواجبات ولهذا يضعف القول بأن التجويد واجب وأن من لم يجود القرآن آثم فإن هذا قول ضعيف جدا بل يقال القرآن أمره ولله الحمد بين واضح لا تسقط حرفا من حروفه وأما مراعاة قواعد التجويد فليست بواجبة لكنها من باب تحسين الصوت بالقرآن واعلم أن القرآن أول ما نزل نزل على سبعة أحرف لأن الناس عرب من قبائل متعددة ولهجات مختلفة وأنتم تعرفون أن الواحد إذا أراد أن يتكلم بلهجة غيره يصعب عليه ويشق عليه فكان من رحمة الله ﷿ أن جعل القرآن على سبعة أحرف كل يقرأ بلهجته بقي على هذا في عهد النبي ﷺ كله وفي عهد أبي بكر وفي عهد عمر في عهد عثمان صار الناس يقرءون على لهجاتهم فصار في هذا اختلاف واللغة القرشية كانت غلبت على جميع اللهجات بعد أن تطور اللسان وصارت الدولة كل خلفائها من قريش غلبت اللغة","vol":"4","page":634},{"text":"القرشية غلب حرف قريش على جميع اللهجات فلما خاف أمير المؤمنين عثمان ﵁ أن يختلف الناس في كلام الله وأن تؤدي هذه الأحرف السبعة إلى شقاق ونزاع أمر ﵁ أن يوحد القرآن على حرف واحد ألا وهو حرف قريش أي لغة قريش فجمع القرآن على حرف واحد على لغة قريش وهو الذي نقرأ به الآن ثم أمر بسائر المصاحف فأحرقت لئلا تبقى فيفتتن الناس بها فكان في ذلك مصلحة عظيمة وفضيلة لأمير المؤمنين عثمان ﵁ لا توصف فنسأل الله تعالى أن يجزيه عن المسلمين خيرا وأحث نفسي وإياكم على تلاوة كتاب الله لا تتركوا القرآن ولو في الشهر مرة تقرؤه كله أو مرتين أو أربعة أو عشر مرات وهذا أدنى ما يكون من الكمال أن تقرأه كل ثلاثة أيام هذا أفضل ما يكون وإن رأيت أنه لا يتيسر لك إلا في الأسبوع مرة أو كل عشرة أيام مرة أو في الأسبوعين مرة أو في ثلاثة أسابيع مرة أو في الشهر مرة المهم لا تهجر القرآن لأنه كلام الله ﷿ ولا يزيدك إلا نورا في القلب وبصيرة في العلم والله الموفق","vol":"4","page":635},{"text":"٩٩١ - عن أبي أمامة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه رواه مسلم\n٩٩٢ - وعن النواس بن سمعان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يؤتي يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين كتاب الفضائل باب فضل قراءة القرآن عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال اقرءوا القرآن فأمر بقراءة القرآن وأطلق فهي مستحبة كل وقت وعلى كل حال إلا إذا كان الإنسان على حاجة يعني يبول أو يتغوط فلا يقرأ القرآن لأن القرآن معظم محترم فلا يقرأ في هذه الحال وكلك إذا كان الإنسان مع أهله حال جماعه فإنه لا يقرأ القرآن لكنه يقول عند جماعة بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا","vol":"4","page":636},{"text":"قال النبي ﷺ اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه إذا كان يوم القيامة جعل الله ﷿ ثواب هذا القرآن شيئا قائما بنفسه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه يشفع لهم عند الله ﷾ فإن القرآن إذا تلاه الإنسان محتسبا فيه الأجر عند الله فله بكل حرف عشر حسنات ومثله حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ أخبر أن من قرأ القرآن وعمل به فإنه يأتي يوم القيامة يتقدمه سورة البقرة وآل عمران يحاجان عن صاحبهما يوم القيامة ولكن الرسول ﷺ قيد في هذا الحديث قراءة القرآن بالعمل به لأن الذين يقرءون القرآن ينقسمون إلى قسمين قسم لا يعمل به فلا يؤمنون بأخباره ولا يعملون بأحكامه هؤلاء يكون القرآن حجة عليهم وقسم آخر يؤمنون بأخباره ويصدقون بها ويعملون بأحكامه فهؤلاء يكون القرآن حجة لهم يحاج عنهم يوم القيامة لأن النبي ﷺ قال القرآن حجة لك أو عليك وفي هذا دليل على أن أهم شيء في القرآن العمل به ويؤيد هذا قوله تعالى كتاب أنزلناه إليك مباركا ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب أي يتفهمون معانيها","vol":"4","page":637},{"text":"ويعملون بها وإنما أخر العمل عن التدبر لأنه لا يمكن العمل بلا تدبر إذا إن التدبر يحصل به العلم والعمل فرع عن العلم فالمهم أن هذا هو الفائدة من إنزال القرآن أن يتلى ويعمل به يؤمن بأخباره يعمل بأحكامه يمتثل أمره يجتنب نهيه فإذا كان يوم القيامة فإنه يحاج عن أصحابه وفي هذا دليل على أن الترتيب بين سورة البقرة وآل عمران والنساء هو ما في المصحف الآن يعني البقرة ثم آل عمران ثم النساء وأما حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم بآل عمران فإن هذا نسخ في الترتيب الأخير حيث جعلت آل عمران قبل النساء ولهذا اتفق الصحابة ﵃ على أن آل عمران بعد سورة البقر فهي بينها وبين سورة النساء والله الموفق\n٩٩٣ - وعن عثمان بن عفان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ خيركم من تعلم القرآن وعلمه رواه البخاري","vol":"4","page":638},{"text":"٩٩٤ - وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله في كتابه رياض الصالحين باب فضل قراءة القرآن عن عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه الخطاب للأمة عامة فخير الناس من جمع بين هذين الوصفين من تعلم القرآن وعلم القرآن تعلمه من غيره وعلمه غيره والتعلم والتعليم يشمل التعلم اللفظي والمعنوي فمن حفظ القرآن يعني صار يعلم الناس التلاوة ويحفظهم إياه فهو داخل في التعليم وكذلك من تعلم القرآن على هذا الوجه فهو داخل في التعلم وبه نعرف فضيلة الحلق الموجودة الآن في كثير من البلاد ولله الحمد في المساجد حيث يتعلم الصبيان فيها كلام الله ﷿ فمن ساهم فيها بشيء فله أجر ومن أدخل أولاده فيها فله أجر ومن تبرع وعلم فيها فله أجر كلهم داخلون في قوله خيركم من تعلم القرآن وعلمه","vol":"4","page":639},{"text":"والنوع الثاني تعليم المعنى يعني تعليم التفسير أن الإنسان يجلس إلى الناس يعلمهم تفسير كلام الله ﷿ كيف يفسر القرآن والقرآن كما نعلم متشابه تجد في بعض الأحيان آيات تتكرر بلفظها مثل يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير هذه تكررت بلفظها في سورتين التوبة والتحريم وكذلك كثير من الآيات يتكرر فإذا علم الإنسان غيره كيف يفسر القرآن وأعطاه القواعد في ذلك فهذا من تعليم القرآن وليعلم أن القرآن الكريم ليس كغيره من الكتب من حيث التفسير يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يفسر القرآن بهواه ويحمل الآيات على ما يريده هو كما يفعل أهل الإلحاد بآيات الله ﷿ من أهل التعطيل وغيرهم يحملون الآية على غير ما أراد الله مثلا يقول في قوله تعالى ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ يقول وجاء أمر ربك هذا حرام لا يجوز لأن الذي يفسر القرآن إنما يشهد على الله أنه أراد كذا وهذه عظيمة وليست هينة لو كنت تفسر كلام عالم من العلماء لعد ذلك جناية إذا فسرته بما يريد أنت فكيف بكلام رب العالمين ولهذا جاء في الحديث من قال في","vol":"4","page":640},{"text":"القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار فالواجب أن الإنسان يتحرز من أن يقول معنى الآية كذا وكذا وهو لا يدري لكن إذا كان طالب علم وتكلم بمعنى الآية عند من هو أعلم منه على أساس أنه سيرشده إذا أخطأ فلا بأس ومن ذلك ما يلقى في الاختبارات مثل فسر الآية كذا وكذا ويكون الطالب ليس عنده في تلك الساعة استحضار لمعناها فهل يفسرها بما عنده نقول نعم لأن هذا يختبر وإذا أخطأ فعنده من سينبهه لكن يتحرى أخطاءه أما الإنسان الذي يفسر ليس على هذا الوجه وهو ليس عنده علم فإنه لا يجوز له أن يقدم على هذا لأن كلام الله ليس كغيره أما حديث عائشة ﵂ ففيه أن النبي ﷺ أخبر أن الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة الماهر الذي يجيد القرآن يتقنه هذا مع السفرة الكرام البررة وهؤلاء السفرة الكرام البررة هم الملائكة كما قال تعالى ﴿في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ فالماهر مع الملائكة وأما الذي يتتعتع فيه يتهجاه وهو عليه شاق فله أجران الأول للتلاوة والثاني للتعب","vol":"4","page":641},{"text":"والمشقة ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة أجرك على قدر نصبك أي على قدر تعبك فالذي يتتعتع في القرآن ويشق عليه له أجران أجر التلاوة وأجر قراءة القرآن لكن الأول أفضل منه لأن الأول مرتبته عظيمة وفرق بين إنسان له مرتبة عالية وإنسان دون ذلك ولكن له أجر ونضرب مثلا لهذا والثواب ليس له نظير لكن لو أن رجلا له شرف وسيادة ومنزلة عالية في الناس لكن دراهمه قليلة وآخر وضيع بين الناس ليس له قيمة لكن دراهمه كثيرة الأول أفضل فالمهم أن الماهر بالقرآن المجيد فيه مع السفرة الكرام البررة وأما الذي يتلوه ويتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران إذا تالي القرآن ليس بخاسر مهما كان والله الموفق\n٩٩٥ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها حلو ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا","vol":"4","page":642},{"text":"ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث ساقه المؤلف ﵀ في باب فضل قراءة القرآن في رياض الصالحين في بيان أحوال الناس بالنسبة للقرآن أن النبي ﷺ ضرب أمثلة للمؤمن والمنافق المؤمن إما أن يكون قارئا للقرآن أو غير قارئ فإن كان قارئا له فمثله كمثل الأترجة يعني الثمرة ريحها طيب وطعمها طيب فهذا المؤمن الذي يقرأ القرآن لأن نفسه طيبة وقلب طيب وفيه خيره لغيره الجلسة معه خير وكما قال النبي ﷺ مثل الجليس الصالح كمثل حامل المسك إما أن يبيعه أو تجد منه رائحة طيبة فالمؤمن الذي يقرأ القرآن كله خير في ذاته وفي غيره فهو كالأترجة لها رائحة طيبة ذكية وطعمها طيب","vol":"4","page":643},{"text":"أما المؤمن الذي لا يقرأ القرآن فهو كمثل التمرة طعمها حلو ولكن ليس لها رائحة ذكية كرائحة الأترجة ونفى النبي ﷺ ريحها لأنه ليس بريح طيب وإن كان كل شيء له رائحة لكن ليست رائحتها ذكية لكنها حلوة طيبة هذا المؤمن الذي لا يقرأ القرآن إذا فالمؤمن القارئ للقرآن أفضل بكثير من الذي لا يقرأ القرآن ومعنى لا يقرؤه يعني لا يعرفه ولم يتعلمه ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة لها رائحة طيبة لكن طعمها مر لأن المنافق في ذاته خبيث لا خير فيه والمنافق هو الذي يظهر أنه مسلم ولكن قلبه كافر والعياذ بالله هو الذي قال الله فيه ومن الناس يقول آمنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون يوجد منافقون يقرءون القرآن قراءة طيبة مرتلة مجودة لكنهم منافقون والعياذ بالله كما قال النبي ﷺ في الخوارج يقرءون القرآن لا يتجاوز حناجرهم هؤلاء والعياذ بالله","vol":"4","page":644},{"text":"ضرب لهم النبي ﷺ مثلا بالريحانة ريحها طيب وذلك لما معهم من القرآن وطعمها مر وذلك لخبث طويتهم وفساد نيتهم والمنافق الذي لا يقرأ القرآن ضرب النبي ﷺ له مثلا بالحنظلة طعمها مر وليست لها ريح هذا المنافق الذي لا يقرأ القرآن لا خير فيه طعمه مر وليس معه قرآن ينتفع الناس به هذه أقسام الناس بالنسبة لكتاب الله ﷿ فاحرص أخي المسلم على أن تكون من المؤمنين الذين يقرءون القرآن ويتلونه حق تلاوته حتى تكون كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها حلو والله الموفق\n٩٩٦ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل قراءة القرآن فيما نقله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما","vol":"4","page":645},{"text":"ويضع به آخرين يعني معناه أن هذا القرآن يأخذه أناس يتلونه ويقرءونه فمنهم من يرفعه الله به في الدنيا والآخرة ومنهم من يضعهم الله به في الدنيا والآخرة فمن هذا ومن هذا من عمل بهذا القرآن تصديقا بأخباره وتنفيذا لأوامره واجتنابا لنواهيه واهتداء بهديه وتخلقا بما جاء به من أخلاق وكلها أخلاق فاضلة فإن الله تعالى يرفعه به في الدنيا والآخرة وذلك لأن هذا القرآن هو أصل العلم ومنبع العلم وكل العلم وقد قال الله تعالى يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات أما في الآخرة فيرفع الله به أقواما في جنات النعيم ويقال للقارئ اقرأ ورتل واصعد وله إلى منتهى قراءته صعود في الجنة إن شاء الله وأما الذين يضعهم الله به فقوم يقرءونه ويحسنون قراءته لكنهم يستكبرون عنه والعياذ بالله لا يصدقون بأخباره ولا يعملون بأحكامه يستكبرون عنه عملا ويجحدونه خبرا إذا جاءهم شيء من القرآن كقصص الأنبياء السابقين أو غيرهم أو عن اليوم الآخر أو ما أشبه ذلك صاروا والعياذ بالله يشككون في","vol":"4","page":646},{"text":"ذلك ولا يؤمنون بل ﴿في قلوبهم مرض﴾ مرتابون والعياذ بالله وربما يصل بهم الحال إلى الجحد مع أنهم يقرءون القرآن وفي الأحكام يستكبرون لا يأتمرون بأمره ولا ينتهون بنهيه هؤلاء والعياذ بالله يضعهم الله في الدنيا والآخرة ولابد أن يكون أمرهم خسارا حتى لو فرض أن الدنيا دانت لهم وتزخرفت فإن مآلهم إلى الخسار والعياذ بالله ولكن ربما يمهل لهم ويملي لهم وتنفتح عليهم الدنيا ولكنهم كلما انفتح عليهم شيء من زهرة الدنيا فإنهم لا يزدادون به إلا خسارا والعياذ بالله ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون﴾ يعني ربما يمهل الله ﷾ للكافر الجاحد المستكبر وتزدان له الدنيا لكنه لا يزيده ذلك إلا خسارا وإنما في الآخرة والعياذ بالله فالحذر الحذر أن تكون من القسم الثاني يضعهم الله بهذا القرآن كن من القسم الأول الذين يرفعهم الله بالقرآن جعلنا الله وإياكم منهم","vol":"4","page":647},{"text":"٩٩٧ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار متفق عليه والآناء الساعات\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في باب فضل القرآن في كتاب رياض الصالحين فيما نقله عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال لا حسد إلا في اثنتين الحسد قال العلماء إن معناه هنا هو الغبطة يعني لا شيء فيه غبطة إلا هاتين الاثنتين وذلك لأن الناس يغبط بعضهم بعضا في أمور الدنيا وفي أمور الآخرة فتجد مثلا بعض الناس يغبط هذا الرجل حين أعطاه الله المال والأولاد والأهل والقصور والسيارات وما أشبه ذلك يقول هذا هو الحظ هذا هو المغتبط وما أشبه ذلك يحسد يغبط بعض الناس على ما آتاه الله من الصحة وسلامة البنيان وغير ذلك يغبطه على أنه له شرف وجاه في قومه إن قال سمع وإن عمل اتبع فيقول هذا هو","vol":"4","page":648},{"text":"الحظ لكن النبي ﷺ بين أن الذي يغبط من حصل على هذين الاثنين الأولى آتاه الله تعالى الحكمة القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار آتاه الله القرآن حفظه وفهمه وعمل به آناء الليل والنهار يقوم به يفكر ماذا قال الله ﷿ عن الصلاة فيقول أقيموا الصلاة فيقيمها ماذا قال عن الزكاة فيقول ﴿وءاتوا الزكاة﴾ فيؤتيها ماذا قال عن الوالدين قال الله تعالى ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾ وماذا قال عن صلة الأرحام ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ فيصل رحمه ماذا قال عن الجيران قال تعالى ﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾ إلى آخره فتجده يقوم بالقرآن آناء الليل والنهار هذه هي الغبطة وهي الغنيمة وهي الحظ والثاني رجل آتاه الله المال يعني صار غنيا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار يعني في سبيل الله فيما يرضي الله ﷿ أي شيء يرضي الله ينفق ماله فيه بناء المساجد الصدقات على الفقراء إعانة المجاهدين إعانة الملهوفين وغير ذلك المهم لا يجد شيئا يقرب إلى الله إلا بذل ماله فيه","vol":"4","page":649},{"text":"ليلا ونهارا ليس ممسكا ولا مبذرا فيغلو ويزيد بل ينفقه لله وبالله وفي الله منفقا لله مستعينا به متمشيا على شرعه هذا هو الذي يغبط أما الذي عنده حظ من الدنيا يتمتع به كما تتمتع البهيمة بالعلف ثم يذهب عنها هذا ليس محسودا ولا يحسد على ذلك لأنه تالف أو متلوف عنه لكن الذي ينفق ماله في سبيل الله فهذا هو الذي يغبط وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يقوم بالقرآن آناء الليل والنهار دائما يجعل أعماله كلها مبنية على القرآن يتمشى بهدي القرآن وأنه ينبغي لمن آتاه الله المال أن يؤدي حقه ويقوم بواجبه وينفقه حيث كان إنفاقه خيرا والله الموفق\n٩٩٨ - وعن البراء بن عازب ﵄ قال كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وجعل فرس ينفر منها فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر له ذلك فقال تلك السكينة تنزلت للقرآن متفق عليه","vol":"4","page":650},{"text":"الشطن بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة الحبل\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب فضل قراءة القرآن ما يدل على فضل قراءة القرآن من الأحاديث السابقة واللاحقة فمن ذلك حديث البراء بن عازب ﵁ أن رجلا كان يقرأ في سورة الكهف وسورة الكهف هي التي بين الإسراء ومريم هذه السورة من فضائلها أن الإنسان إذا قرأها يوم الجمعة أضاء له ما بين الجمعتين وفيها قصص وعبر قصها الله ﷿ على رسوله ﷺ وكان هذا الرجل يقرأ القرآن فغشاه يعني غطاه شيء مثل الظلة كأنه غمامة كلما قرأ نزل كلما قرا نزل من فوق وجعلت الفرس وهي مربوطة بشطنين جعلت تميل تنفر من هذا الذي رأته فلما أخبر النبي ﷺ قال تلك السكينة نزلت لقراءة القرآن لأن السكينة تنزل عند قراءة القرآن إذا قرأه الإنسان بتمهل وتدبر فإن السكينة تنزل حتى تصل إلى قلب القارئ فينزل الله السكينة في قلبه وهذه القصة من كرامات الأولياء والأولياء لهم كرامات لكن ليس لكل ولي كرامة إنما يؤتى الله بعض أوليائه كرامة تثبيتا له وتصديقا لما كان عليه من الحق وهي يعني","vol":"4","page":651},{"text":"الكرامات أمور خارقة للعادة يعني لا يأتي على وفق العادة يجريها الله ﷿ على يدي بعض أوليائه تكريما له وتثبيتا له وتصديقا لما هو عليه من الحق وهي في نفس الوقت معجزة للرسول الذي يتبعه هذا الولي وقد ذكر العلماء ﵏ أن الخوارق ثلاثة أقسام ١ - قسم آيات للأنبياء ٢ - وقسم كرامات للأولياء ٣ - وقسم إهانات من الشياطين يجريها الله على خلاف العادة على أيدي الشياطين والعياذ بالله وعلامة ذلك أن الذي تحصل له هذه الخوارق إما أن يكون نبيا أو وليا للرحمن أو وليا للشيطان ومن المعلوم أنه بعد وفاة النبي محمد ﷺ لا يمكن أن تكون كرامة معجزة أبدا لأن النبوة انقطعت وذاك رسول الله وخاتم النبيين بقيت الكرامات والأحوال الشيطانية والشعوذات والسحر وما أشبه ذلك الكرامات علامتها أن يجريها الله ﷿ على يد عبد صالح من أولياء الله وأولياء الله هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون فإذا أجرى شيء خارق للعادة على يد رجل صالح مؤمن تقي معروف بالخير قيل هذه كرامة القسم الثالث السحر والأحوال الشيطانية وهذه تجري على طواغيت","vol":"4","page":652},{"text":"وأولياء الشياطين الذين يدعون أنهم أولياء ويلعبون بعقول السفهاء وعقول العامة تجد الإنسان يكبر عمامته ويوسع كمه ويطيل لحيته ويعفر جبهته في الأرض ليظهر عليه أثر السجود وما أشبه ذلك من اللعب بعقول الناس ثم يستخدم الشياطين لأغراض خاصة فتقلب له البعير وربما تحمله في الهواء ويطير حتى إن بعضهم شوهد في أول يوم عرفة ثم حملته الشياطين حتى أدرك الناس في عرفة ...\nهذا من زمان وهم يلعبون بعقول الناس هؤلاء شياطين وإن كانوا يفعلون هذا الشيء فإنه لا كرامة لهم والكرامات والإهانات ألف فيها العلماء كثيرا ومن أحسن ما ألف كتاب [الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان] لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر فيها أشياء كثيرة من كرامات الأولياء وأشياء أخرى من إهانات الأعداء يذكر أن (مسيلمة الكذاب) الذي خرج في اليمامة بالرياض وادعى أنه نبي أنه جاءه قوم فقالوا له إن عندنا بئرا غار ماؤها ولم يبق منه إلا قليل","vol":"4","page":653},{"text":"وطلبوا منه أن يأتي إليها لأجل أن يباركها كما كان الرسول ﷺ إذا شكوا إليه قلة الماء يسر على يديه ﷺ أن ينبع الماء من بين أصابعه فجاءوا إلى (مسيلمة الكذاب) فذهب إلى البئر يقولون إنه مج فيها مجة من الماء ولما مج فيها غار الماء الموجود فيها وكانوا يتوقعون أن الماء يكثر وينهمر فأراهم الله ﷿ آية لتكذيب هذا الرجل هذا لاشك أنه أمر خارق للعادة لأنه ليس من العادة أن الإنسان يمج الماء في بئر ليس فيها إلا ماء قليل ثم يغار هذا خلاف العادة لكن الله أجرى ذلك إهانة له فعلى كل حال إذا رأيت من شخص ما يكون خارقا للعادة فإن كان مؤمنا تقيا يعرف بالصلاح والاستقامة فهذا من كرامات الأولياء وإن لم يكن كذلك فهي أحوال شيطانية من الشياطين أو سحر يسحر أعين الناس لأن السحر قد يسحر الأعين حتى ترى المتحرك ساكنا والساكن متحركا فهاهم سحرة فرعون ألقوا حبالا عادية وعصيا في الأرض ثم سحروا أعين الناس حتى جعل الوادي كله حيات حتى موسى ﷺ أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله تعالى أن يلقى عصاه ﴿فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ حية عظيمة فجعلت تمشي على هذه الحبال والعصي تلقفها فعرفوا أنه صادق لأنه التهم كل سحر فالحاصل أن هذه الظلة التي حصلت للقارئ والذي كان يقرأ سورة الكهف هذه كرامة له وهي شهادة من الله ﷿ بالفعل","vol":"4","page":654},{"text":"على أن هذا القرآن حق تنزل السكينة لقراءته وتلاوته نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم به وأن يجعله حجة لنا وقائدا إلى جنات النعيم\n٩٩٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح","vol":"4","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان</span>\n١٠٠٢ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها متفق عليه\n١٠٠٣ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان يعني أن كتاب الله ﷿ إذا من الله عليك فحفظته فتعهده وذلك لأن القرآن الكريم كما شبهه النبي ﷺ كالإبل في عقلها إذا تعهدها الإنسان أمسكها وإن أطلقها ذهبت","vol":"4","page":657},{"text":"وضاعت وقد أقسم على ذلك النبي ﷺ حين قال كما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها فينبغي لك أن تجعل لك حزبا معينا تتعاهده كل يوم مثلا تقول كل يوم أقرأ جزءا فتختم القرآن في شهر أو جزأين فتختمه في خمسة عشر يوما أو ثلاثا أجزاء فتختمه في عشرة أيام إلى تسعة أيام إلى ثلاثة أيام تعاهد هذا حتى لا تنساه وقد وردت أحاديث في التحذير من نسيانه لمن أهمله أما من نساه بمقتضى الطبيعة فإنه لا يضر لكن من أهمل وتغافل عنه بعد أن أنعم الله عليه بحفظه فإنه يخشى عليه من العقوبة فأنت يا أخي إذا من الله عليك بالقرآن فتعاهده بالقراءة بتلاوته بتكرار التلاوة وكذلك أيضا بالعمل به لأن العمل بالشيء يؤدي إلى حفظه وبقائه ولهذا قال بعض العلماء قيد العلم بالعمل به فإن العمل بالعلم يقتضي بقاءه لأنه لا يزال على قلبك وعلى جوارحك فإذا صار هكذا فإنه يبقى ولا ينسى أما إذا أهمل فإنه يضيع وينبغي لمن قرأ القرآن أن يقرأه بتدبر وتمهل ولا يحل له أن يسرع السرعة التي توجب إسقاط بعض الحروف لأنه إذا أسقط بعض الحروف فقد غير كلام الله من موضعه وحرفه أما العجلة التي لا تستوجب سقوط الحروف فإنه لا بأس بها والله الموفق","vol":"4","page":658},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع </span>لها\n١٠٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما أذن لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به متفق عليه.\nمعنى أذن الله أي استمع وهو إشارة إلى الرضي والقبول.\n١٠٠٥ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال له لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة","vol":"4","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) في آداب القراءة باب استحباب تحسين الصوت بالقراءة وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع إليه هاتان مسألتان: المسألة الأولى استحباب تحسين الصوت في قراءة القرآن وتحسين الصوت ينقسم إلى قسمين أحدهما تحسين الأداء بحيث يبين الحروف ويخرجها من مخارجها حتى يبدو القرآن واضحا بينا فلا يخفى ولا يحذف شيء من الحروف لئلا ينقص شيء مما أنزله الله على رسوله ﷺ.\nالثاني تحسين النغمة بالصوت يحسن به صوته وكلاهما أمر مطلوب ولكن الأمر الأول تحسين الأداء لا ينبغي المبالغة فيه والغلو فيه بحيث تجد الرجل يقرأ القرآن يتكلف ويحمر وجهه ويتكلف في الغنة وفي الإدغام وفي مثل ذلك فإن هذا من إقامة الحروف المتكلفة ولكن لتكن قراءته طبيعية يبين فيها الحروف والحركات هذا هو المطلوب وأما الغلو والمبالغة فإنهما ليسا مطلوبين وبه نعلم أن تعلم التجويد ليس بواجب لأنه يعود إلى تحسين الصوت بدون غلو ولا مبالغة فهو من الأمور المستحبة التي يتوصل بها الإنسان إلى شيء","vol":"4","page":660},{"text":"مستحب لا إلى شيء واجب.\nوأما القسم الثاني هو تحسين الصوت فقد يقول قائل حسن الصوت ليس باختيار الإنسان لأن الله تعالى هو الذي يمن على من يشاء من عباده فيعطيه حنجرة قوية وصوتا طيبا فيقال نعم الأمر كذلك لكن يحسن الإنسان الصوت بالتعلم لأن حسن الصوت غريزي ومكتسب فلا يزال يقرأ بصوت حسن حتى يتعلم ويؤدي بصوت حسن &amp; ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال ما أذن الله لشيء إذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به.\nأذن قال العلماء استمع يعني ما استمع الله لشيء من الأشياء التي يسمعها جل وعلا مثل استماعه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به يعني نبي والأنبياء هم أفضل طبقات الخلق يتغنى بالقرآن يعني يقرؤه بصوت حسن يجهر به يعني يرفع صوته به فهذا هو الذي يأذن الله له أي يستمع له جل وعلا لأنه يحب الصوت الحسن بالقرآن والأداء الحسن.\nثم ذكر حديث أبي موسى الأشعري ﵁ وهو عبد الله بن قيس أحد خطباء النبي ﷺ أن النبي ﷺ استمع إلى قراءته ذات ليلة فأعجبته فقال النبي ﷺ لأبي موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود","vol":"4","page":661},{"text":"وآل داود يعني به داود ﷺ داود عنده صوت حسن جميل رفيع حتى قال الله تعالى يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد فكانت الجبال ترجع مع داود وهو يتلو الزبور لحسن صوته تجاوبه جبال أحجار جامدة وكذلك الطير تؤوب معه سبحان الله تأتي فإذا سمعت قراءته تجمعت في جو السماء وجعلت ترجع معه فكانت الجبال والطيور إذا سمعت قراءة داود للزبور قامت ترجع معه ولهذا قال النبي ﷺ لأبي موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود يعني صوتا حسنا كصوت آل داود يقول أبو موسى لما قال له الرسول لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة قال لو علمت أنك تستمع أو قال تسمع لحبرته لك تحبيرا يعني يزينه أحسن مما كان.\nقال العلماء وفي هذا دليل على أن الإنسان لو حسن صوته بالقرآن لأجل أن يتلذذ السامع ويسر به فإن ذلك لا بأس به ولا يعد من الرياء بل هذا مما يدعو إلى الاستماع لكلام الله ﷿ حتى يسر الناس به ولهذا يوجد","vol":"4","page":662},{"text":"بعض الناس إذا ضاق صدره استمع إلى قراءة إنسان حسن القراءة حسن الصوت وهذه متيسرة الآن في أشرطة لبعض القراء الذي لا يتكلفون القراءة وأصواتهم حسنة وأداؤهم حسن إذا استمع الإنسان إليهم لا يكاد يمل لأن كلام الله له تأثير إذا جاء من إنسان حسن الصوت وحسن الأداء لا يمل.\nويستفاد من هذين الحديثين أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ القرآن على أكمل ما يمكنه أن يقرأه عليه من حسن الصوت وحسن الأداء ونسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن يقيم حروفه وحدوده حتى يكون حجة لنا لا علينا والله الموفق.\n١٠٠٦ - وعن البراء بن عازب ﵄ قال سمعت النبي ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه متفق عليه.\n١٠٠٧ - وعن أبي لبابة بشير بن عبد المنذر ﵁ أن النبي ﷺ قال من لن يتغن بالقرآن فليس منا رواه أبو داود بإسناد","vol":"4","page":663},{"text":"جيد.\nومعنى يتغنى يحسن صوته بالقرآن.\n١٠٠٨ - وعن ابن مسعود ﵁ قال قال لي النبي ﷺ اقرأ علي القرآن فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ قال حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان تحسين الصوت والقراءة في القرآن الكريم فحديث البراء بن عازب ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ صلاة العشاء فقرأ والتين والزيتون قال فما سمعت قراءة أحسن من قراءته أو قال صوتا أحسن من صوته وكلاهما صحيح فالنبي ﷺ أحسن الناس صوتا بالقرآن وهو أول وأولى من يدخل في قوله فيما سبق من حديث ما أذن الله لشيء","vol":"4","page":664},{"text":"إذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به فرسول الله ﷺ أحسن الناس صوتا بالقرآن وأحسن الناس أداء في القراءة لأن القرآن عليه أنزل والقرآن هو خلقه ﷺ.\nوفي هذا الحديث دليل على أن صلاة العشاء لا بأس أن يقرأ فيها بقصار المفصل لأن سورة التين من قصار المفصل ولكن الأكثر أن يقرأ فيها من أوساطه لأن النبي ﷺ أمر معاذ بن جبل أن يقرأ فيها بـ (سبح اسم ربك الأعلى) (هل أتاك حديث الغاشية) (والليل إذا يغشى) (والشمس وضحاها) وما أشبه ذلك لكن لا حرج أن يقرأ بقصار المفصل (كالتين وإذا زلزلت) وما أشبه ذلك وكذلك أيضا حث النبي ﷺ على التغني بالقرآن وقال من لم يتغن بالقرآن فليس منا.\nقال العلماء وهذه الكلمة لها معنيان الأول (من لم يتغن به) أي من لم يستغن به عن غيره بحيث يطلب الهدى من سواه فليس منا فهذا لا شك أن من طلب الهدى من غير القرآن أضله الله والعياذ بالله.\nوالمعنى الثاني (من لم يتغن) أي من لم يحسن صوته بالقرآن","vol":"4","page":665},{"text":"فليس منا فيدل على أنه ينبغي للإنسان أن يحسن صوته بالقرآن وأن يستغنى به عن غيره.\nوأما الحديث الثالث عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ طلب منه أن يقرأ عليه فقال عبد الله بن مسعود أأقرأ عليك وعليك أنزل فقال ﷺ إني أحب أن أسمعه من غيري لأن الإنسان الذي يستمع قد يكون أقرب إلى تدبر القرآن من القارئ فالقارئ تجده يركز على ألا يخطئ في القراءة والمستمع يتدبر ويتأمل ولهذا قيل (القارئ حالب والمستمع شارب) يعني القارئ يحلب الناقة أو الشاة والمستمع شارب فهو الذي يستفيد المهم أن النبي ﷺ طلب من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه فقال أأقرأ القرآن وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأ بسورة النساء حتى إذا جاء إلى قول الله تعالى ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيد﴾ يعني كيف تكون الحال فقال ﷺ حسبك الآن يقول فالتفت فإذا عيناه تذرفان يبكي ﷺ أن يؤتى به يوم القيامة شهيدا على أمته لأنه يؤتى يوم القيامة من كل أمة بشهيد الأنبياء شهداء العلماء شهداء لأن العلماء واسطة بين الرسل وبين الخلق هم الذين يحملون شريعة الرسل إلى الخلق فهم شهداء","vol":"4","page":666},{"text":"فالعالم يشهد بأمرين.\nأمر أعلى وأمر أسفل الأمر الأعلى يشهد بأن هذا حكم الله والأمر الأسفل يشهد لأنه قد بلغ الناس لأن العالم يبلغ فمثلا يقرأ آية حديثا ويقول للناس معناها كذا وكذا اعلموا بها فيشهد عليهم فهو شاهد من طرفين طرف أعلى وطرف أسفل الطرف الأعلى أنه يشهد بأن هذا حكم الله بلغه للعباد والأسفل أنه يشهد أنه بلغ الناس به فقامت عليهم الحجة فيوم القيامة يؤتى من كل أمة بشهيد وأول من يشهد الرسل نشهد أننا بلغنا رسالة ربنا إلى خلقه ويؤتى من هذه الأمة بـ محمد ﷺ يستشهده الله فيشهد أنه بلغ مع أن النبي ﷺ استشهد ربه في أكبر مجمع للمسلمين في ذلك الوقت في يوم عرفة لما خطب الناس الخطبة الطويلة العظيمة البليغة قال ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد قال ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد قال","vol":"4","page":667},{"text":"ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد.\nلما وصل إلى هذه الآية بكى ﷺ لأمه تصور هذه الحال تخيلها حالا عظيمة كل أمة جاثية وكل أمة تدعى إلى كتابها كل أمة تأتي على الركب من شدة الهول وعظمته ﴿كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون﴾ ولهذا قال في الآية الكريمة التي وقف عليها عبد الله بن مسعود ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض﴾ يعنى يودون أنهم ما بعثوا وما قبضوا ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾ يودون أنهم بقوا في الأرض أو أن يكونوا ترابا ولكن لا ينفعهم ولهذا قال تعالى ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ فالمهم أنه يجوز للإنسان أن يطلب من شخص قارئ أن يقرأ عليه ولو كان هذا القارئ أقل منه علما لأن بعض الناس يعطيه الله تعالى حسن صوت وحسن أداء وإن كان قليل العلم فلا بأس أن تقول يا فلان جزاك الله خيرا اقرأ علي إما أن تعين له ما يقرأ وإما أن تدع الأمر إليه فتستمع وفي هذا الحديث بركة القرآن أنه ينتفع به القارئ والمستمع ولا شك أن القرآن أعظم الكتب بركة وأفيدها","vol":"4","page":668},{"text":"وأصلحها للقلب وأرضاها للرب نسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الذين يعملون به ظاهرا وباطنا يموتون عليه ويحيون عليه والله الموفق.","vol":"4","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>باب الحث على سور وآيات مخصوصة</span>\n١٠١٠ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في ﴿قل هو الله أحد﴾ والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن.\nوفي رواية أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة فشق ذلك عليهم وقالوا أينا يطيق ذلك يا رسول الله فقال قل هو الله أحد الله الصمد ثلث القرآن رواه البخاري.","vol":"4","page":670},{"text":"١٠١١ - وعنه أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالها فقال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ فيما نقله من الأحاديث في باب الحث على سور معينة في كتاب الله في فضل قل هو الله أحد الله الصمد ...\nوهي تسمى سورة الإخلاص لأن الله ﷾ أخلصها لنفسها فلم يذكر فيها شيئا إلا من أسماء الله وصفاته وأيضا من قرأها مؤمنا بها معتقدا لما دلت عليه فإنه مخلص الله ﷿ سالم من الشرك هذه السورة كلها أسماء لله وصفاته (قل هو الله أحد) يقال إن المشركين سألوا النبي ﷺ وقالوا انسب لنا ربك يعني ما نسبه كأنهم يقولون من","vol":"4","page":673},{"text":"هو ابن له والعياذ بالله أو أنهم سألوه من أي شيء هو أمن ذهب أو فضة أو ما أشبه ذلك فأنزل الله هذه السورة.\n﴿قل هو الله أحد﴾ أحد يعني واحد منفرد عن كل مخلوقاته جل وعلا و(أحد) اسم مختص بالله ﷾ لا يطلق على غيره.\n﴿الله الصمد﴾ الصمد اختلفت عبارات المفسرين في معناه لكن المعنى الجامع لها أن الصمد هو الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته فهو الكامل في علمه في قدرته في رحمته في حلمه وفي غير ذلك من صفاته وكذلك هو الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته كل الخلائق تصمد إليه في حاجتها وتسأله حتى المشركون إذا كانوا في البحر وماجت الأمواج فإنما يدعون الله وحده فهو جل وعلا مرجع الخلائق كلها فالصمد إذا معناه الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾ لم يلد ليس له أولاد ﷿ لأنه غني عن كل أحد قال الله تعالى ﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾ وفي هذا رد وإبطال لما ادعته اليهود والنصارى والمشركون اليهود قالوا عزيز ابن الله يعني قالوا إله يلد وابنه عزير والنصارى","vol":"4","page":674},{"text":"قالوا المسيح ابن الله والمشركون قالوا الملائكة بنات الله فأبطل الله ذلك كله ﴿لم يلد ولم يولد﴾ وذلك لأنه جل وعلا هو الأول الذي ليس قبله شيء فهو الأول وما بعده كائن بعد أن لم يكن أما الرب جل وعلا فإنه أول أزلي أبدي.\n﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ يعني لا أحد يكافئه ويكون ندا له لا في علمه ولا في قدرته ولا في غير ذلك ولما افتخرت عاد بقوتها وقالوا ﴿من أشد منا قوة﴾ قال الله ﷿ ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات﴾ ريحا هواء من ألين المخلوقات فدمرهم تدميرا وهم يقولون من أشد منا قوة؟ ! والله ﷿ لا يكون له كفوا أحد.\nواعلم أن (كفوا) فيها ثلاث قراءات كفوا بضم الفاء ولا يصلح أن تكون كفوا بسكون الفاء وفيها قراءتان أخريان بالهمز مع سكون الفاء وبالهمزة مع ضم الفاء كفئا وكفؤا وأما مع الواو فإنها مضمومة ونسمع كثيرا من القراء يقرءونها بالسكون مع الواو وهذا لحن فأنت إذا قرأتها بالواو ضم الفاء.\nوهذه السورة أقسم النبي ﷺ أنها تعدل ثلث القرآن وقال","vol":"4","page":675},{"text":"لأصحابه أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشق عليهم ذلك فقال ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾ تعدل ثلث القرآن يعني أجرها كأجر ثلث القرآن لكنها لا تجزئ عن القرآن ولهذا لو قرأها الإنسان مثلا ثلاث مرات بدل قراءة الفاتحة في الصلاة لا تجزئ لأن هناك فرقا بين المعادلة في الأجر والمعادلة في الإجزاء قد يكون الشيء معادلا لغيره في الأجر ولكنه لا يعادله في إجزائه أرأيتم مثلا إذا قال الإنسان لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل يعني يعادل عتق أربعة رقاب لكن لو كان عليه عتق رقبة وقال ذلك ما نفعه ذلك فهناك فرق بين المعادلة في الثواب والمعادلة في الإجزاء فهي تعدل ثلث القرآن في الثواب ولكنها لا تعدل في الإجزاء ولهذا لو قرأها الإنسان ثلاث مرات في الصلاة لم تجزئه عن الفاتحة والله الموفق.","vol":"4","page":676},{"text":"١٠١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في ﴿قل هو الله أحد﴾ إنها ثلث القرآن رواه مسلم.\n١٠١٣ - وعن أنس ﵁ أن رجلا قال يا رسول الله إني أحب هذه السورة قل هو الله أحد قال إن حبها أدخلك الجنة رواه الترمذي وقال حديث حسن رواه البخاري في صحيحه تعليقا.\n١٠١٤ - وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس رواه مسلم\n١٠١٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما رواه الترمذي وقال حديث حسن.","vol":"4","page":677},{"text":"١٠١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وفي رواية أبي داود تشفع.\n١٠١٧ - وعن أبي مسعود البدري ﵁ عن النبي ﷺ قال من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه متفق عليه.\nقيل كفتاه المكروه تلك الليلة وقيل كفتاه من قيام الليل.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب الحث على قراءة سور وآيات معينة من سور القرآن ما سبق في سورة الفاتحة وسورة الإخلاص وقد تقدم الكلام عليهما ومن ذلك المعوذتان فإن المعوذتين وهما قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ما تعوذ بهما متعوذ عن إيمان وصدق إلا أعاذه الله عز","vol":"4","page":678},{"text":"وجل أما سورة ﴿الفلق﴾ فيقول الله ﷿ ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق﴾ يعني قل أيها الإنسان مستعينا بربك أعوذ برب الفلق من شر ما خلق.\nالفلق فلق الصبح وفلق الحب والنوى قال الله تعالى ﴿فالق الإصباح﴾ وقال ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ فهو ﷿ رب الفلق لا يستطيع أحد أن يفلق شيئا من هذه التي ذكرها الله إلا الله ﷿ ﴿من شر ما خلق﴾ أي كل ما خلق ومنهم نفسه كما جاء في الحديث الصحيح نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا والنفس أمارة بالسوء فتستعيذ بالله من شر ما خلق أي من شر كل ما خلق من الإنس والجن والنفس وغير ذلك ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ الغاسق الليل لأن الليل تخرج فيه الهوام وتخرج فيه السباع وتكون فيه الشرور فتستعيذ بالله من شر الليل إذا وقب أي إذا دخل ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ يعني الساحرات","vol":"4","page":679},{"text":"اللاتي ينفثن في العقد ليسحرن الناس ونص على النساء وإن كان السحر يكون في النساء وفي الرجال لأنه هو الغالب فيهن ويجوز أن يكون من ﴿النفاثات﴾ أي النفوس النفاثات فتشمل النساء والرجال ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ هذه العين صاحب العين والعياذ بالله الشرير الذي لا يحب الخير للغير تجده إذا من الله على أحد بشيء من مال أو جاه أو علم أو ولد أو زوجة أو غير ذلك يخرج من نفسه الخبيثة كما يخرج السهم فيصيب الرجل وهذا السهم لا ينفعه شيئا لكن نفسه خبيثة والعياذ بالله لا تحب الخير للغير فيصاب الإنسان بالعين قال النبي ﷺ لو سبق القضاء شيء أو قال القدر لسبقته العين فالعين تدرك وهي حق حتى قال بعض العلماء إنها المراد من قوله تعالى ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر﴾ .\n﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ ثم قال ﴿إذا حسد﴾ لأن الحاسد قد لا يحسد لكن إذا حسد والعياذ بالله تعدى شره غيره يعني تعدى إلى غيره ويجوز أن يكون المراد بالآية الحاسد العائن وغير العائن لأن بعض الناس حسود والعياذ بالله.","vol":"4","page":680},{"text":"والحسد هو كراهة ما أنعم الله به على غيرك وإن كنت لا تتمنى زواله فإن تمنيت زواله صار أشد والعياذ بالله.\nوالحاسدون والعياذ بالله نسأل الله العافية لا يحرقون إلا أنفسهم الحاسد يحترق كلما أنعم الله على عباده نعمة احترق قلبه فهذا الحاسد والعياذ بالله أحيانا إذا حسد بغى على الغير واعتدى عليهم مثلا افترض أن إنسانا من الله عليه بمال وصار ينفقه في سبيل الله ووجده رجل حسود والعياذ بالله قلبه يحترق أيضا إذا من الله على إنسان بعلم وصار له قبول عند الناس صار والعياذ بالله يحسد وهلم جرا والحسد والعياذ بالله من كبائر الذنوب وقد ذم الله اليهود عليه فقال ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ فالفضل من الله يؤتيه من يشاء وأنت إذا حسدت جنيت على من أعطاهم الله الفضل وجنيت واعتديت على حق الله","vol":"4","page":681},{"text":"كأنك تقول ما استحق هذا الرجل هذه النعمة فتحسد هذه سورة الفلق.\nوالمهم أن الإنسان ينبغي أن يتعوذ بهاتين السورتين وذكر الترمذي ﵀ أن النبي ﷺ كان يتعوذ من الجان ومن عين الإنسان حتى نزلت ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ فصار يتعوذ بهما وترك ما سواهما والله الموفق.\n١٠١٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة رواه مسلم.\n١٠١٩ - وعن أبي بن كعب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم فضرب في صدري وقال ليهنك العلم أبا المنذر رواه مسلم.","vol":"4","page":682},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان فضل آيات أو سور من القرآن الكريم منها سورة البقرة نقل المؤلف ﵀ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لا تجعلوا بيوتكم مقابر قال العلماء معنى ذلك لا تتركوا الصلاة فيها يعني صلوا في بيوتكم وإنما سمى البيوت في حال عدم الصلاة فيها مقابر لأن المقبرة لا تصح الصلاة فيها كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام وقال لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها فالمقبرة لا تصح فيها صلاة النافلة ولا الفريضة ولا سجدة التلاوة ولا سجدة الشكر ولا أي شيء من الصلوات إلا صلاة واحدة وهي صلاة الجنازة إذا صلى على الجنازة في المقبرة فلا بأس سواء كان ذلك قبل الدفن أم بعده لكن بعد الدفن لا","vol":"4","page":683},{"text":"يصلى عليها في أوقات النهي يعني مثلا لو جئت لحضور جنازة بعد صلاة العصر ووجدت أنهم قد دفنوها فلا تصل عليها لأنه يمكنك أن تصلي في وقت آخر غير وقت النهي كالضحى مثلا وأما إذا جئت وهم لم يدفنوها لكن قد وضعت في الأرض للدفن فلا بأس أن تصلي عليها ولو كان ذلك بعد العصر لأنه في هذه الحال تكون صلاة لها سبب والصلاة التي لها سبب ليس عنها وقت نهي ثم أخبر ﷺ أن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة يعني إذا قرأت في بيتك سورة البقرة فإن الشيطان يفر منها ولا يقرب البيت والسبب أن في سورة البقرة (آية الكرسي) ويدل لهذا ما بعد الحديث الذي ذكره المؤلف حديث أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ سأله أي آية في كتاب الله أعظم قال آية الكرسي فضرب النبي ﷺ على صدره وقال ليهنك العلم يا أبا المنذر يعني هنأه حيث علم أن أعظم آية في كتاب الله (آية الكرسي) لأن هذه الآية مشتملة على عشر صفات من صفات الله ﷿ يقول ﷿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ففي هذا إخلاص التوحيد لله ﷿ ومعنى (لا إله إلا هو) أي لا معبود بحق إلا هو جل وعلا فجميع المعبودات من دون الله معبودة بغير حق حتى وإن سميت آلهة","vol":"4","page":684},{"text":"فإنما هي أسماء سموها ما أنزل الله بها من سلطان ﴿الحي القيوم﴾ يعني الكامل في حياته وفي قيوميته فهو الحي الكامل في حياته لم يسبق حياته عدم ولا يلحقها فناء لأنه الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء قال الله ﷿ ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ قال بعض السلف ينبغي لمن قرأ بهذه الآية ﴿كل من عليها فان﴾ ألا يقف بل يقول ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ .\n﴿كل من﴾ لأجل أن يتبين في ذلك نقص المخلوقات وكمال الخالق جل وعلا فهو ﷾ الحي الكامل في حياته كذلك حياته لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه وحياة غيره كلها نقص انظر حياتك أنت إن جئت بالسمع فسمعك ناقص لا تسمع كل شيء البصر كذلك الصحة كذلك وما أكثر الأمراض التي تصيب الناس وهكذا بقية أسباب الحياة ناقصة.\nأما الرب ﷿ فهو كامل الحياة القيوم معناها القائم بنفسه القائم على غيره يعني معنى القائم بنفسه لا يحتاج لغيره ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ و﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضي لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم﴾ فهو غني وفي","vol":"4","page":685},{"text":"الحديث القدسي أنه قال جل وعلا يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني فهو قائم بنفسه لا يحتاج لأحد قائم على غيره كل من سواه فإن القائم عليه هو الله ﷿ قال الله تعالى ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ يعني كمن لا يملك شيئا والقائم على كل نفس بما كسبت هو الله ﷿.\nإذا (القيوم) له معنيان القائم بنفسه والقائم على غيره ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ .\nالسنة هي النعاس والنعاس هو مقدمة النوم والنوم معروف الله ﷿ لا تأخذه سنة ولا نوم والإنسان تأخذه السنة ويأخذه النوم اختار أم لم يختر أحيانا ينام الإنسان وهو يصلي ينعس وهو يكلم الناس لكن الله ﷿ لا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وكمال قيوميته وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يعني","vol":"4","page":686},{"text":"مستحيل غاية الاستحالة أن ينام ﷿ لأنه كامل الحياة كامل القيومية من يقوم على الخلق لو نام الخالق لا أحد فهو جل وعلا لا تأخذه سنة ولا نوم والله أعلم.\n١٠٢٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال إني محتاج وعلي عيال وبي حاجة شديدة فخليت عنه فأصبحت فقال سول الله ﷺ يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة قلت يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله فقال أما إنه قد كذبك وسيعود فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ فرصدته.\nفجاء يحثو من الطعام فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته وخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة قلت يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته وخليت سبيله فقال إنه قد كذبك وسيعود.\nفرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا","vol":"4","page":687},{"text":"تعود ثم تعود فقال دعني فإني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت ما هن قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ ما فعل أسيرك البارحة فقلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال ما هي قلت قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وقال لي لا يزال عليك من الله حافظ ولن يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبي ﷺ أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة قلت لا قال ذاك شيطان رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه القصة قصة عجيبة عظيمة وذلك لأن النبي ﷺ وكل أبا هريرة ﵁ على صدقة رمضان يعني الفطر يحفظها وكانوا يجمعونها قبل العيد بيوم أو يومين وكان أبو هريرة وكيلا عليها وفي ليلة من الليالي جاء رجل يحثو من الطعام فأمسكه أبو هريرة وقال لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فخاف وقال إني","vol":"4","page":688},{"text":"ذو عيال وذو حاجة فرحمه وأطلقه فلما أصبح وجاء إلى رسول الله ﷺ قال له ﷺ ما فعل أسيرك البارحة وهذه من آيات الله لأن النبي ﷺ لم يكن عنده ولكنه علم بذلك عن طريق الوحي قال ما فعل أسيرك البارحة قلت يا رسول الله إنه قال إنه ذو حاجة وذو عيال فرحمته وأطلقته فقال النبي ﷺ كذبك يعني كذب عليك وسيعود يقول فعلمت أنه سيعود لقول النبي ﷺ إنه سيعود وكان الصحابة ﵃ يؤمنون بما أخبر به النبي ﷺ كما يؤمنون بما يشاهدونه بأعينهم أو أكثر يقول فرصدته فجاء فجعل يحثو من الطعام فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فاشتكى شكايته الأولى أنه محتاج وذو عيال فرحمه ﵁ وإنما رحمه مع أن الرسول ﷺ قال كذبك لأن أبا هريرة يعلم حلم النبي ﷺ وسعة صدره وأنه لن يؤنبه وفعلا لم يؤنبه فلما أصبح وجاء إلى النبي ﷺ وأخبره قال إنه كذبك وسيعود وفي المرة الثالثة جعل يترقبه وجاء يأكل من الطعام فقلت لأرفعن أمرك إلى النبي ﷺ في هذه المرة لأنك قلت لن تعود ثلاث مرات وعدت فقال دعني وإني أعلمك كلمات ينفعك الله بهن قال وما هن قال آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي","vol":"4","page":689},{"text":"القيوم إذا أويت إلى فراشك للنوم فاقرأها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ فلا يقربك شيطان حتى تصبح كلمات يسيرة تحفظك لو جعلت مائة حارس ما استطاعوا أن يمنعوا الشياطين عنك ولكن هذه كلمات يسيرة يحفظك الله بها فلما أصبح غدا إلى النبي ﷺ وقال له الخبر فقال إنه صدقك وهو كذوب يعني هذه المرة ما قاله لك صادق فيه وهو كذوب أتدري من تخاطب منذ ثلاث ليال قلت يا رسول الله لا أعلم قال ذاك شيطان متلبس في صورة آدمي وفي هذا الحديث فوائد كثيرة","vol":"4","page":690},{"text":"ولكننا نعود لشرح آية الكرسي حيث وقفنا عند قوله تعالى ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ والسنة النعاس والنوم معروف ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ هذه جملة تفيد عموم ملك الله ﷿ وأنه منفرد بالملك ﷾ ﴿له ما في السماوات وما في والأرض﴾ والدليل على عموم ملكه أن (ما) في قوله ﴿ما في السماوات﴾ اسم موصول - يعني له الذي - واسم الموصول يفيد العموم والدليل على انفراده بالملك أنه قدم فيها الخبر ﴿له ما في السماوات﴾ وتقديم الخبر يدل على الحصر فلا أحد يملك شيئا في السماوات ولا في الأرض إلا الله وما يملكه الإنسان من ثياب وعقارات ونحو ذلك ملك مقيد لا يستطيع أن يتصرف فيه كيف يشاء لو أراد إنسان أن يحرق ثوبه منع إذا فلمكي الذي هو ملكي لست حرا في تصرفي فيه إلا على حسب الشرع ولهذا لا يجوز لنا أن نرابي في أموالنا مع أنه ربما يكون الذي أعطى الربا موافقا راضيا لكن لا يجوز لأننا لسنا أحرارا في أملاكنا لا نملكها إلا ملكا مقيدا الملك التام المطلق الذي يفعل فيه المالك ما يشاء هو ملك الله ﷿ ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ .\n﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (من) اسم استفهام بمعنى النفي يعني لا أحد يشفع عند الله إلا بإذن الله والشفاعة معروفة","vol":"4","page":695},{"text":"وهي التوسط للغير لجلب منفعة أو لدفع مضرة من المعلوم أن ملوك الدنيا مهما عظم ملكهم يشفع الإنسان عندهم بدون أي استئذان حتى إن الملك الكبير الملك تشفع عنده زوجته ولا تستأذن منه لكن الله ﷿ لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه أكرم عباده عنده لا يشفع إلا بإذن الله وهذا دليل على كمال سلطانه ﷿ وأنه من كمال سلطانه لا أحد يستطيع أن يتكلم عنده ولا بالشفاعة التي هي خير إلا بإذنه من أكرم الخلق من بني آدم عند الله إنه محمد ﷺ ويوم القيامة لا يمكن أن يشفع إلا بعد أن يستأذن من الله ثم يسجد سجودا طويلا يفتح الله عليه من المحامد ما لم يفتحه عليه من قبل ثم يشفع ومن دونه من باب أولى لا أحد يشفع إلا بإذن الله لماذا لكمال ملكه وسلطانه ﷿ ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ يعلم الله ﷿ ﴿ما بين أيديهم﴾ كل الأمور المستقبلة ﴿وما خلفهم﴾ كل الأمور الماضية وهذا دليل على كمال علمه ﷿ وأنه محيط بكل شيء ماضيا وحاضرا ومستقبلا فما بين يديك ما تستقبله ولو بلحظة وما خلفك ما خلفته ولو بلحظة فمثلا كلامنا اليوم بعد صلاة العصر من بين أيدينا أم من خلفنا من خلفنا كلماتي الآن","vol":"4","page":696},{"text":"أنا أقول الآن وما بعد الآن مستقبل والآن حاضر فالله ﷿ يعلم كل ما يكون بين أيدينا الحاضر والمستقبل وما خلفنا وهذا يدل على كمال علمه جل وعلا لأن علم غيره ناقص.\nأولا نجهل كثيرا من الأمور ثم يتجدد لنا العلم.\nثانيا إذا علمنا شيئا فهناك آفة لعلمنا وهي النسيان أما علم الله ﷿ فليس فيه نسيان ولا جهل سابق كما قال موسى ﷺ لما قال له فرعون ﴿قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ .\nلا يضل يعني لا يجهل ولا ينسى ما مضى فعلمنا نحن محفوف بآفتين آفة سابقة وهي الجهل وآفة لاحقة وهي النسيان وعلم الله ﷿ خال من ذلك كله.","vol":"4","page":697},{"text":"١٠٢١ - وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال وفي رواية من آخر سورة الكهف رواه مسلم.\n١٠٢٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال بينما جبريل عليه &amp; السلام قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم ولم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته رواه مسلم.\nالنقيض الصوت.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في سياق الأحاديث في باب الحث على آيات وسور معينة من كتاب الله ما يتعلق بسورة الكهف وما يتعلق بفاتحة الكتاب وآخر سورة البقرة.\nأما الأول فإن النبي ﷺ أخبر أنه من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف أو من آخرها عصم من الدجال والدجال رجل كافر","vol":"4","page":700},{"text":"يبعث في آخر الزمان يدعي النبوة أولا ثم يدعي أنه إله والعياذ بالله وفتنته أعظم فتنة تكون على الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة كما أخبر بذلك النبي ﷺ وقال إن خرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإلا فالله خليفتي على كل مسلم وقد حذر النبي ﷺ من فتنته وما من نبي من الأنبياء إلا أنذر قومه حتى يستعد بنو آدم لهذه الفتنة العظيمة وإن كان من المعلوم أنه لا يأتي إلا في آخر الزمان لكن لأجل التنبيه لعظم فتنته وأنها كبيرة عظيمة لا ينجو منها إلا من أنجاه الله ﷿ هذا الدجال يجعل الله على يديه آيات خوارق فتنة للناس منها أنه يأمر السماء فتمطر ويأمر الأرض فتنبت فيأتي إلى القوم ليس في أرضهم رعي ومواشيهم ضعاف عجاف فيدعوهم ويمنيهم فيتبعونه فيأمر السماء فتمطر ويأمر الأرض فتنبت ثم تروح عليهم مواشيهم وهي أكثر ما تكون لبنا وأوفر ما تكون لحما ثم يأتي إلى آخرين فيدعوهم ولكنهم ينكرونه فيصبحون مقفرين ليس في أرضهم نبات هل تجدون أعظم من هذه الفتنة لاسيما في البادية فيتبعه أناس كثيرون فمن تبعه أدخله جنته","vol":"4","page":701},{"text":"ومن أنكره أدخله ناره وهي جنة فيما يبدو للناس لكنها نار والعياذ بالله وناره نار فيما يبدو للناس لكنها جنة وماء عذب ولكن الناس ليس لهم إلا الظاهر إلا أن الله ﷾ بين لنا آياته أنه كاذب لما أخبرنا به ﷺ من أن هذا الرجل مكتوب بين عينيه كافر يقرؤها كل مؤمن حتى الذي لا يستطيع القراءة ويعمى عنها كل منافق كما أن الإنسان في القبر إذا كان مؤمنا أجاب بالصواب وقال ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد وإذا كان منافقا ولو كان قارئا لم يجب والعياذ بالله وأعطانا نبينا ﷺ آية أيضا بينة وهي أنه أعور ليس له إلا عين واحدة وربنا جل وعلا ليس بأعور منزه عن كل عيب ونقص فمن وفق سلم من فتنته ونجا يبقى هذا الدجال الخبيث في الأرض أربعين يوما أول يوم كسنة يعني اثني عشر شهرا واليوم الثاني كشهر ثلاثون يوما والثالث كالأسبوع سبعة أيام وبقية الأيام كأيامنا يبقى هذه المدة ثم ينزل عيسى ابن مريم ﷺ فيقتل هذا الدجال المسيح","vol":"4","page":702},{"text":"الصادق النبي الطاهر يقتل هذا المسيح الخبيث الدجال يسلطه الله ﷿ عليه فيقتله ومن أجل عظم فتنته أمرنا رسول الله ﷺ أن نستعيذ منه في كل صلاة فقال إذا تشهد أحدكم فليقل أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال لأن فتنته عظيمة فينبغي لنا أن نستعيذ بالله ﷿ بقلب صادق من فتنة هذا المسيح الدجال ثم إنه أيضا من أسباب الوقاية من فتنته أن من حفظ عشر آيات من سورة الكهف من أولها أو آخرها وقرآهن عليه عصم من فتنته.\nومن السور المعينة والآيات المعينة سورة الفاتحة وآيتان من آخر سورة البقرة فإنهما ما قرأهما واحد من هذه الأمة مؤمنا إلا آتاه الله تعالى ما فيهما من الطلب وفي سورة الفاتحة اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال الله تعالى لعبده إذا قرأها في الصلاة هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.\nوأما آخر سورة البقرة ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها","vol":"4","page":703},{"text":"ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ سبع جمل دعائية ما يدعو بهن مؤمن موقنا مؤمنا إلا استجاب الله له وهذه ميزة وفضل عظيم نسأل الله تعالى أن يعفو عنا وعنكم وأن ينصرنا على القوم الكافرين.","vol":"4","page":704},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>باب استحباب الاجتماع على القراءة</span>\n١٠٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) باب استحباب الاجتماع على تلاوة القرآن يعني بذلك أنه من المستحب أن الناس يجتمعون على تلاوة القرآن كما يوجد الآن في حلقات تحفيظ القرآن في المساجد فإن هذا النوع يجتمعون يتعلمون القرآن ويعلمونه فإن هذا مما ندب إليه النبي ﷺ وذلك فيما رواه أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده هذه أربعة أشياء تترتب على هذا الاجتماع بقوله ﷺ ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله وبيوت الله في الأرض المساجد قال الله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال لا تلهيهم تجارة","vol":"4","page":705},{"text":"ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأضاف الله هذه الأماكن إلى نفسه تشريفا وتعظيما ولأنها محل ذكره وتلاوة كلامه والتقرب إليه بالصلاة وإلا فهو ﷾ فوق عرشه فوق سماواته لا يحل في شيء من خلقه ولا يحل فيه شيء من خلقه جل وعلا لكن هذه الإضافة للتشريف.\nوقد قال العلماء ﵏ المضاف إلى الله نوعان صفة لا تقوم إلا بمحل فهذه تكون من صفات الله ﷿ مثل عزة الله قدرة الله كلام الله سمع الله بصر الله هذه صفة لا تقوم إلا بموصوف فتكون من صفات الله ﷿.\nالثاني شيء بائن من الله ﷿ مخلوق فهذا ليس من صفات الله وإنما هو مضاف إليه ﷿ على سبيل التشريف والتكريم مثل مساجد الله بيوت الله ناقة الله ومثل قوله تعالى في آدم ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ كذلك في عيسى ابن مريم فإن الروح شيء بائن من الله تعالى مخلوق من مخلوقاته لكن أضيف إليه على سبيل التشريف والتكريم.\nوقوله ﷺ يتلون كتاب الله تلاوة كتاب الله ﷿ تنقسم","vol":"4","page":706},{"text":"إلى ثلاثة أقسام: ١ - تلاوة اللفظ ٢ - تلاوة المعنى ٣ - تلاوة العمل أما تلاوة اللفظ فمعروف يقرأ هذا وهذا وهذا وهي على نوعين: ١ - أن يقرأ القارئ صفحة أو صفحتين ثم يتابع الباقون يقرءون نفس ما قرأ وهذا غالبا يكون في التعليم.\n٢ - أن يقرأ القارئ صفحة أو صفحتين ثم يقرأ الثاني بعده صفحة أو صفحتين غير ما قرأهما الأول وهلم جرا.\nفإن قال قائل هذا النوع الثاني يفوت فيه ثواب بعضهم لأن ما قرأه هذا غير ما قرأه ذاك فيقال لا يفوته شيء لأن المستمع كالقارئ له ثوابه ودليل ذلك قول الله ﵎ في سورة يونس في قصة موسى ﷺ حين دعا على آل فرعون ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ القائل هو موسى كما في أول الآية ﴿وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب","vol":"4","page":707},{"text":"الأليم﴾ فقال الله تعالى ﴿قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ الداعي واحد لكن قال العلماء إن هارون كان يستمع ويؤمن على دعائه فكان الدعاء لهما جميعا.\nأما التلاوة المعنوية فأن يتدارس هؤلاء القوم كلام الله ﷿ ويتفهموا معناه وقد كان السلف الصالح لا يقرءون عشر آيات حتى يتفهموها وما فيها من العلم والعمل.\nأما القسم الثالث من التلاوة فهي تلاوة العمل وهذه هي المقصود الأعظم للقرآن الكريم كما قال تعالى ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آيتاه وليتذكر أولو الألباب﴾ العمل بما جاء في القرآن وذلك بتصديق ما أخبر الله به والقيام بما أمر به والبعد عما نهى عنه هذه التلاوة العملية لكتاب الله ﷿ يقول ﷺ إلا نزلت عليهم السكينة السكينة شيء يقذفه الله ﷿ في القلب فيطمئن ويوقن ويستقر ولا يكون عنده قلق ولا شك ولا ارتياب هو ذاته مطمئن وهذه من أكبر نعم الله على العبد أن ينزل السكينة في قلبه بحيث يكون مطمئنا غير قلق ولا شاك راضيا بقضاء الله وقدره مع الله ﷿ في قضائه وقدره إن أصابته","vol":"4","page":708},{"text":"ضراء صبر وانتظر الأجر من الله وإن أصابته سراء شكر وحمد الله على ذلك مطمئن مستقر مستريح هذه السكينة نعمة عظيمة نسأل الله أن ينزل في قلوبنا وقلوبكم السكينة وقد قال الله تعالى ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾ فهي من أسباب زيادة الإيمان وغشيتهم الرحمة يعني غطتهم والغشيان بمعنى الغطاء كما قال تعالى ﴿والليل إذا يغشى﴾ يعني يغطي الأرض بظلامه &amp; غشيتهم الرحمة أي رحمة الله ﷿ فتغشاهم وتحيط بهم وتكون لهم بمنزلة الغطاء الشامل لكل ما يحتاجون إليه من رحمة الله ﷿ وحفتهم الملائكة أحاطت بهم يستمعون الذكر ويكونون شهداء عليهم وذكرهم الله فيمن عنده يذكرهم الله تعالى في الملأ الأعلى وهذا كقوله تعالى في الحديث القدسي من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وهذا الحديث يدل على فضيلة الاجتماع على كتاب الله ﷿ والله الموفق.","vol":"4","page":709},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>باب فضل الوضوء</span>\nقال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله تعالى ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) باب فضل الوضوء.\nالوضوء في اللغة العربية مأخوذ من الوضاءة وهي الحسن والنظافة.\nوأما في الشرع فهو تطهير الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.\nوالأعضاء الأربعة هي الوجه واليدان والرأس والرجلان والوضوء من نعمة الله ﷾ على هذه الأمة حيث أمرهم به ورتب عليه الثواب الذي سيذكر في هذا الباب إن شاء الله قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآية.\n﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إذا سمعت الله يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فانتبه وارعها سمعك فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه وإما خبر صادق تنتفع به","vol":"5","page":5},{"text":"﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فريضة أو نافلة ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ ولم يذكر الله تعالى غسل الكفين لأنه سنة وليس بواجب والوجه من الأذن إلى الأذن عرضا ومن منحني الجبهة إلى أسفل اللحية طولا ويدخل فيه المضمضة في الفم والاستنشاق في الأنف ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ والمرفق هو المفصل الذي بين الذراع والعضد وهو داخل في الغسل لأن النبي ﷺ كان إذا غسل يديه شرع في العضد ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ الرأس يمسح ولا يجب غسله وهذا من رحمة الله ﷿ بعباده لأن الرأس فيه شعر فلو فرض غسله لكان فيه مشقة على الناس ولجرى الماء على الثياب وللحق الناس مشقة في أيام الشتاء ولكن من رحمة الله أن الرأس يمسح ولا يغسل ومن الرأس الأذنان يمسحان أيضا لأن النبي ﷺ كان يمسح بأذنيه ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ يعني واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين والكعبان هما العظمان الناتئان أسفل الساق وهما داخلتان في الغسل هذه أربع أعضاء وهذه هي أعضاء الوضوء ثم قال ﷿ ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ وفي الآية الثانية","vol":"5","page":6},{"text":"﴿فاغتسلوا﴾ يعني إذا كان الإنسان عليه جنابة وجب عليه أن يطهر جميع بدنه من رأسه إلى أخمص قدميه ومنه المضمضة والاستنشاق فالمضمضة والاستنشاق واجبتان في الوضوء وكذلك الغسل.\nوالجنب هو الذي حصلت عليه جنابة والجنابة إما إنزال المني بشهوة وإما جماع وإن لم ينزل فإذا جامع الإنسان زوجته وجب عليه أن يغتسل سواء أنزل أم لم ينزل وإذا أنزل وجب عليه غسل سواء جامع أو لم يجامع حتى لو فكر وأنزل وجب عليه الغسل ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ يعني أن الإنسان إذا وجب عليه الوضوء أو الغسل ولم يجد ماء أو كان مريضا يتضرر باستعمال الماء فإنه يتيمم يضرب الأرض بكفيه ويمسح وجهه وكفيه ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ يعني فيما فرض علينا لم يرد أن يحرجنا ويلحق بنا المشقة بل هو أرحم بنا من أنفسنا وأولادنا وأمهاتنا والدليل على أنه أرحم بنا من أنفسنا قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ يوصيك ألا تقتل نفسك هو أرحم بك من نفسك فهو لا يريد منا بهذا الفرض أن يشق علينا أو يلحقنا الحرج ولكن يريد ليطهركم هذا الذي أراده الله منا بالوضوء والغسل أن يطهر ظواهرنا بالماء وبواطننا بالتوحيد ولهذا يسن إذا فرغت من الوضوء أن تتشهد تقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن","vol":"5","page":7},{"text":"محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ﴿وليتم نعمته عليكم﴾ وذلك بهذا الوضوء الذي يحصل به تكفير السيئات ورفعة الدرجات فإن من توضأ وأسبغ الوضوء ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء وقوله ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أي لأجل أن تشكروا الله ﷿ على نعمه &amp; فالواجب على المرء أن يشكر الله على نعمه لأن نعم الله لا تحصى ولاسيما النعم الدينية لأن بها سعادة الدنيا والآخرة.\nوالشكر هو القيام بطاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه باللسان والأركان والقلوب نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر نعمته وحسن عبادته إنه على كل شيء قدير.\n١٠٢٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل متفق عليه.","vol":"5","page":8},{"text":"١٠٢٥ - وعنه قال سمعت خليلي ﷺ يقول تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء رواه مسلم.\n١٠٢٦ - وعن عثمان بن عفان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل الوضوء حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل يعني أن هذه الأمة أمة محمد ﷺ تدعى يوم القيامة غرا محجلين.\nالغرة بياض الوجه والتحجيل بياض الأطراف أطراف اليدين وأطراف الرجلين يعني أن هذه المواضع تكون نورا يتلألأ يوم القيامة لهذه الأمة وهذه خاصة بنا ولله الحمد كما قال النبي ﷺ سيما ليست لغيركم يعني علامة تتبين بها أمة محمد في هذا اليوم المشهود","vol":"5","page":9},{"text":"وهذا دليل على فضل الوضوء وأن أعضاء الوضوء تأتي بيضاء يوم القيامة تلوح من النور يقول فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل هذه الجملة ليست من كلام النبي ﷺ بل هي من كلام أبي هريرة ﵁ وليست بصحيحة من جهة الحكم الشرعي لأن ظاهرها أن الإنسان يمكنه أن يطيل غرته يعني يطيل وجهه وهذا غير ممكن فالوجه محدد من الأذن إلى الأذن ومن منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية وهذا مما يدل على أن هذه الجملة من كلام أبي هريرة ﵁ قالها اجتهادا كما أشار إلى ذلك ابن القيم في النونية قال\nوأبو هريرة قال ذا من كيسه ...\nفغدا يميزه أولو العرفان\nوإطالة الغرات ليس بممكن ...\nأيضا وهذا واضح التبيان\nلكن على كل حال ما فرضه الله علينا أن نغسل الوجوه والأيدي إلى المرافق والأرجل إلى الكعبين هذا هو منتهى الوضوء وكفى فخرا أن يأتي الناس يوم القيامة وهذه المواضع تتلألأ نورا من أجسادهم من أثر الوضوء ففي هذا دليل على فضيلة الوضوء وعلى إثبات البعث وأن الأمم يوم القيامة يأتي كل أمة تدعى إلى كتابها هل صدقت كتابها أم لم تصدق؟ وأما الحديث الثاني حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء الحلية يوم القيامة","vol":"5","page":10},{"text":"يحلى بها الرجال والنساء يلبس الرجال والنساء حلية من ذهب وفضة ولؤلؤ وحلوا أساور من فضة ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا﴾ فهم يحلون بهذه الأنواع الثلاثة يلبس الرجل والمرأة في الجنة حليا من هذه الأنواع الثلاثة ذهب وفضة ولؤلؤ ولابد أن تكون مرصوفة على وجه يحصل به الجمال أكثر وأكثر لأن التحلي بكل نوع من هذا لا شك أنه يكسب الإنسان جمالا فإذا رصف بعضها إلى بعض ورتبت ترتيبا حسنا أعطت جمالا أكثر فيوم القيامة تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء إذن كل الذراع يكون حلية مملوءا حلية من ذهب وفضة ولؤلؤ وهذا يدل على فضيلة الوضوء حيث تكون مواضعه يوم القيامة يحلى بها الإنسان في الجنة جعلني الله وإياكم من أهلها وأما الحديث الثالث حديث عثمان ﵁ ففيه أن من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه تخرج خطاياه من هذا الوضوء حتى من تحت أظفاره وعلى هذا فالوضوء يكون سببا لكفارة الخطايا حتى من أدق مكان وهو ما تحت الأظفار وهذه الأحاديث وأمثالها تدل على أن الوضوء من أفضل العبادات وأنه عبادة ينبغي للإنسان أن ينوي به التقرب إلى الله ﷿ يعني أن يستحضر وهو يتوضأ أنه يتقرب إلى الله كما أنه إذا صلى يستشعر أنه يتقرب إلى الله كذلك وهو يتوضأ ويستشعر بأنه يمتثل أمر الله في قوله ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ ويستشعر أيضا أنه متبع لرسول الله ﷺ في وضوئه وكذلك أيضا يستحضر","vol":"5","page":11},{"text":"أنه يريد الثواب وأنه يثاب على هذا العمل حتى يتقنه ويحسنه والله الموفق\n١٠٢٧ - وعنه قال رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ مثل وضوئي هذا ثم قال من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيته إلى المسجد نافلة رواه مسلم\n١٠٢٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ في باب: بيان فضل الوضوء منها حديث عثمان ﵁ أنه توضأ فغسل كفيه ثلاثا وتمضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات وغسل وجهه ثلاثا وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ومسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ومسح أذنيه وغسل رجليه ثلاثا إلى الكعبين","vol":"5","page":12},{"text":"قال النبي ﷺ: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث بهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وهذا شيء يسير ولله الحمد أن الإنسان يعمل هذا العمل ثم يغفر ما تقدم من ذنبه وأخذ العلماء من ذلك أنه يستحب لمن أسبغ الوضوء أن يصلي ركعتين وتسمى سنة الوضوء سواء في الصباح أو المساء في الليل أو النهار بعد الفجر أو بعد العصر لأنها سنة لها سبب فإذا توضأ الإنسان نحو وضوء الرسول ﷺ فإنه يصلي ركعتي يغفر له ما تقدم من ذنبه وفي الحديث قال وكان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة يعني: زائد على مغفرة الذنوب وليس معنى نافلة يعني صلاة تطوع قد تكون صلاة فريضة ولكن نافلة يعني زائدا على مغفرة الذنوب لأن ذنوبه غفرت بوضوئه وصلاته الأولى فيكون مشيه للمسجد وصلاته ولو فريضة نافلة أي زيادة على مغفرة الذنوب لأن النفل في اللغة معناه الزيادة كما قال الله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث أبي هريرة في أن الوضوء تخرج به الخطايا إذا غسلت وجهك خرجت خطايا وجهك مع الماء أو مع آخر قطر الماء أو هنا للشك من الراوي وعلى كل حال فإن","vol":"5","page":13},{"text":"الإنسان إذا غسل وجهه خرجت خطايا وجهه وإذا غسل يديه خرجت خطايا يديه التي كان قد بطش بها وإذا غسل رجليه خرجت خطايا رجليه حتى يخرج نقيا من الذنوب ولله الحمد فهذا دليل على فضيلة الوضوء ولكن من منا يستحضر هذا الفضل فهل يكتب هذا الفضل للإنسان سواء أستحضره أم لا؟ الظاهر إن شاء الله أنه يكتب له سواء أستحضر أو لم يستحضر لكن إذا استحضر فهو أكمل لأنه إذا استحضر هذا احتسب الأجر على الله ﷿ وأيقن أنه سيجازي ويكافأ على هذا العمل جزاء وفاقا بخلاف ما إذا توضأ وهو غافل لكننا نرجو من الله ﷾ أن يكتب هذا الأجر حتى من الإنسان الغافل الذي يتوضأ على سبيل إبراء ذمته والله الموفق\n١٠٢٩ - وعنه أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد قالوا كيف تعرف من لم يأتوا بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال رأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض رواه مسلم","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي أورده النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) باب فضل الوضوء عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أتى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون كان النبي ﷺ في أول الأمر نهي عن زيارة القبور لأن الناس حديثو عهد بشرك فخشي أن تتعلق قلوبهم بالقبور وتفتتن بها فنهى عن الزيارة ثم لما استقر الإيمان في قلوبهم أمرهم بالزيارة فقال كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت وفي رواية تذكر الآخرة فأمر بزيارتها وبين الحكمة العظيمة من هذه الزيارة وأنها تذكر الإنسان الذي على ظهر الأرض أنه اليوم على ظهرها وغدا في بطنها ولا يدري متى يكون هذا؟ قد يصبح الإنسان على ظهر الأرض ويمسي في بطنها وقد يمسي على ظهر الأرض ويصبح في بطنها فكان في زيارة المقابر تذكير بالموت والآخرة لأن الإنسان يمر بالمقبرة فإذا فكر يرى أباه عمه زوجته أخاه وما أشبه ذلك أمس كانوا معه يأكلون ويشربون ويتنعمون والآن هم مرتهنون بأعمالهم في القبور يتذكر العام الماضي في مثل هذا الوقت وهم معنا فرحين بالدنيا مغتبطين بها والآن غادروها وصاروا مرتهنين بأعمالهم من يعمل خيرا يلقه ومن يعمل سوءا يلقه فهي تذكر","vol":"5","page":15},{"text":"الآخرة تذكر الموت حقا أخرجوا إلى المقابر انظروا هؤلاء لا يحصيهم إلا الله ﷿ أو لا يحصون إلا بمشقة كانوا بالأمس معنا والآن هم في بطن الأرض ولا تدري فلعلك ضجيعهم في مدة يسيرة فهي تذكر الموت كما قال النبي ﷺ ولهذا كان يخرج هو بنفسه إلى البقيع يزور أهل البقيع ويسلم عليهم ﷺ ويدعو لهم السلام عليكم دار قوم مؤمنين يعني يا أهل دار قوم مؤمنين والظاهر والله أعلم أنه يسلم عليهم ويسمعونه إذ لا فائدة من خطاب لا يسمعه المخاطب لكنهم لا يستجيبون لأنهم في قبورهم فيسلم ﵈ عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون وصدق النبي ﷺ ما من حي إلا سيلحق الميت بمشيئة الله ﷿ يقول وإنا إن شاء الله بكم للاحقون واختلف العلماء ﵏ لماذا قال: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وهو أمر معلوم متيقن والصحيح أنه لا إشكال في هذا فإن معنى التعليق هنا أننا إذا لحقنا بكم نلحق بمشيئة الله متى شاء لحقنا بكم لأن الأمر أمره والملك ملكه هو الذي يدبر ﷿ ما شاء فيمن شاء أليس الله يقول لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين مع أنهم سيدخلونه لأن الله أكد الدخول بالقسم واللام ونون التوكيد ولا شك في أنهم سيدخلونه ولهذا لما جرى الصلح في الحديبية على أن الرسول سيرجع ولا يكمل عمرته قال له عمر ألست","vol":"5","page":16},{"text":"تحدثنا أننا ندخل البيت ونطوف به قال بلى لكن هل حددت لك هذا العام وإنك آتيه ومطوف به فالحاصل أن كلمة إن شاء الله هنا ليس معناها التعليق الذي يكون الإنسان فيه مترددا بين حصول الشيء وعدمه بل معنى التعليق أن لحوقنا بكم ليس باختيارنا ولكنه بمشيئة الله ﷿ ثم قال ﷺ وددت أنا لقينا إخواننا تمنى أن يلقى إخوانه ﷺ اللهم اجعلني وإياكم منهم قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك قال أنتم أصحابي أخص من الإخوان الصاحب أخ وزيادة والأخ أخ بلا مصاحبة قال أنتم أصحابي يعني فأنتم أخص منهم وهم الصحابة إخوان للرسول ﷺ وأصحاب له أما من جاءوا بعدهم من المؤمنين فهم إخوانه وليسوا أصحابه وددت أنا لقينا إخواننا قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله قال أنتم أصحابي لكن إخواني قوم يأتون بعدي يؤمنون بي ولم يروني اللهم لك الحمد اللهم ثبتنا على ذلك يؤمنون بالرسول ﷺ وأنه رسول الله حقا وهم لا يرونه لكنهم مثل الذين يرونه قالوا يا رسول الله كيف تعرفهم يعني وأنت لم تدركهم فضرب مثلا برجل له خيل غر غر يعني فيها بياض في رأسها","vol":"5","page":17},{"text":"ومحجلة بياض في أرجلها مع خيل دهم يعني سود ليس فيها أي غرة هل يشتبه عليه هذا بهذا؟ قالوا لا قال فإنكم تأتون يوم القيامة غرا محجلين يعني من أثر الوضوء ففي هذا دليل على فضيلة الوضوء وأن هذه الأمة يأتون يوم القيامة وهم غر محجلون من أثر الوضوء غر يعني بيض الوجوه محجلون يعني بيض الأرجل والأيدي وهذا البياض بياض نور وإضاءة يعرفهم الناس يوم القيامة في هذا اليوم المشهود العظيم تعرف أمة هذا النبي الكريم ﷺ بهذه السيما والعلامة التي ليست لغيرهم أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يحشرني وإياكم على هذا الوجه وأن يجعلنا من أمته ظاهرا وباطنا إنه على كل شيء قدير\n١٠٣٠ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط رواه مسلم\n١٠٣١ - وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله الطهور شطر الإيمان رواه مسلم وقد سبق بطوله في باب الصبر","vol":"5","page":18},{"text":"وفي الباب حديث عمرو بن عبسة ﵁ السابق في آخر باب الرجاء وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الخيرات\n١٠٣٢ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء رواه مسلم وزاد الترمذي اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان فضل الوضوء وقد سبق حديث في هذا المعنى وتكلمنا على زيارة القبور التي ذكرها المؤلف ﵀ وبينا أن فيها فائدة عظيمة وهي تذكير الإنسان الموت أو الآخرة وليعلم أن زيارة القبور لا تحل للنساء فلا يجوز للمرأة أن تزور المقبرة لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ولأن المرأة ضعيفة لا تتحمل فربما تنوح وتبكي وتلطم ولأن المقابر في","vol":"5","page":19},{"text":"الغالب تكون خالية من الناس فيخشى إذا خرجت المرأة إليها أن يتبعها السفهاء من الناس ويحصل بذلك المحذور والفتنة لهذا لعن النبي ﷺ زائرات القبور أما إذا مرت المرأة بالمقبرة من غير أن تخرج لقصد الزيارة فلا بأس أن تقف وتسلم وتدعو كما يدعو الرجل يعني هناك فرق بين القصد وعدم القصد ثم ليعلم أيضا أن أصحاب القبور مهما بلغوا من العمل الصالح والتقى لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا يملكون لغيرهم أيضا نفعا ولا ضرا ولهذا هم يدعى لهم ولا يدعو هم يدعى لهم كما سبق أن النبي ﷺ دعا لهم ولكنهم لا يدعون لأنهم لا يفيدون وقد قال الله ﷿ ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين وقال تعالى ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ أما ما ذكره ﵀ من الأحاديث الباقية فهو حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال ألا أنبئكم أو أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات وإنما ساق الحديث وشك على سبيل الاستفهام من أجل أن ينتبه السامع لما يلقي إليه لأن الأمر مهم فقال ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكارة وكثرة الخطا إلى","vol":"5","page":20},{"text":"المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط إسباغ الوضوء على المكاره يعني أن الإنسان يتوضأ وضوءه على كره منه إما لكونه فيه حمى ينفر من الماء فيتوضأ على كره وإما أن يكون الجو باردا وليس عنده ما يسخن به الماء فيتوضأ على كره وإما أن يكون هناك أمطار تحول بينه وبين الوصول لمكان الوضوء فيتوضأ على كره المهم أنه يتوضأ على كره ومشقة لكن بدون ضرر أما مع الضرر فلا يتوضأ بل يتيمم هذا مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ولكن هذا لا يعني أن الإنسان يشق على نفسه ويذهب يتوضأ بالبارد ويترك الساخن أو يكون عنده ما يسخن به الماء ويقول لا أريد أن أتوضأ بالماء البارد لأنال هذا الأجر فهذا غير مشروع لأن الله يقول ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ ورأى النبي ﷺ رجلا واقفا في الشمس قال ما هذا قالوا نذر أن يقف في الشمس فنهاه عن ذلك وأمره أن يستظل فالإنسان ليس مأمورا ولا مندوبا في أن يفعل ما يشق عليه ويضره بل كلما سهلت عليه العبادة فهو أفضل لكن إذا كان لابد من الأذى والكره فإنه يؤجر على ذلك لأنه بغير اختياره","vol":"5","page":21},{"text":"كذلك كثرة الخطا إلى المساجد فيه دليل على أن الجماعة تكون في المسجد ولا تكون في البيت وأن الإنسان إذا كثرت خطاه إلى المساجد يرفع الله له به الدرجات ويمحو عنه الخطايا وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الرجل إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة وهذه نعمة عظيمة فإذا وصل المسجد وصلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه تقول اللهم صل عليه اللهم اغفر له اللهم ارحمه ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة وكثرة الخطا معناه أن يأتي الإنسان للمسجد ولو من بعد وليس المعنى أن يتقصد الطريق البعيد أو أن يقارب الخطا هذا غير مشروع بل يمشي على عادته ولا يتقصد البعد يعني مثلا لو كان بينه وبين المسجد طريق قريب وآخر بعيد لا يترك القريب لكن إذا كان بعيدا ولابد أن يمشي إلى المسجد فإن كثرة الخطا إلى المساجد مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات وأما انتظار الصلاة بعد الصلاة بمعنى أن الإنسان إذا فرغ من هذه الصلاة يتشوق إلى الصلاة الأخرى","vol":"5","page":22},{"text":"وهكذا يكون قلبه معلقا بالمساجد كلما فرغ من صلاة فهو ينتظر الصلاة الأخرى هذا أيضا مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قال فذلكم الرباط فذلكم الرباط يعني المرابطة على الخير وهو داخل في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ ثم ذكر المؤلف حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال الطهور شطر الإيمان يشمل طهور الماء التيمم طهارة القلب من الشرك والشك والغل والحقد على المسلمين وغير ذلك مما يجب التطهر منه فهو يشمل الطهارة الحسية والمعنوية شطر الإيمان نصفه والنصف الثاني هو التحلي بالأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة لأن كل شيء لا يتم إلا بتنقيته من الشوائب وتكميله بالفضائل فالتكميل بالفضائل نصف والتنقية من الرذائل نصف آخر ولهذا قال الطهور سطر الإيمان وأما شطره الثاني فهو التكميل بالأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة ثم ذكر المؤلف آخر ما ختم به الباب حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن الرجل إذا أسبغ الوضوء ثم قال اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فإنه تفتح له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء وزاد الترمذي ﵀ اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين هذه الأحاديث في فضل الوضوء","vol":"5","page":23},{"text":"والمؤلف لم يستوعب كل ما ورد في هذا الباب من فضائل لكن لو لم يكن من فضائله إلا حديث واحد لكفى به دعوة إلى الوضوء وإحسانه وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح","vol":"5","page":24},{"text":"/٠L٢ باب فضل الأذان\n١٠٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أنة يستهموا عليه لاستهموا عليه ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا متفق عليه الاستهام الاقتراع والتهجير التبكير إلى الصلاة\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) باب الأذان يعني في فضله وما ورد فيه والأذان هو الإعلام بالصلاة أي بدخول وقتها إن كانت مما يقدم أو بفعلها إن كانت مما يؤخر هذا هو الأذان يعني ينادي الإنسان فيعلم الناس أن الوقت قد دخل في صلاة المغرب والفجر والعصر والظهر إلا أن يبردوا بها وكذلك في العشاء إذا أخروها فالأذان كذلك يؤخر وإلا فإنه يؤذن عند دخول الوقت لقول النبي ﷺ إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم والأذان المشروع هو الذي يؤذن للصلوات الخمس وفرض في السنة الثانية من الهجرة بعد أن هاجر النبي ﷺ إلى","vol":"5","page":25},{"text":"المدينة شرع الأذان واختلف الصحابة حين تشاوروا كيف يعلم بدخول وقت الصلاة؟ فقال بعضهم نوقد نارا عظيمة يعرف الناس أن الوقت قد دخل وقال بعضهم بل نضرب بالناقوس الناقوس الذي يشبع الجرس وهو الذي ينادي به النصارى لصلواتهم وقال آخرون بل ننفخ بالبوق كما يفعل اليهود وكل هذا كرهه النبي ﷺ هرع رجل من الصحابة وهو عبد الله بن زيد رأى رجلا في المنام وفي يده ناقوس قال له أتبيع هذا؟ قال وماذا تصنع به قال أعلم به للصلاة قال أفلا أدلك على خير من ذلك قال بلى فقرأ عليه الأذان وقرأ عليه الإقامة فلما أصبح غدا إلى النبي ﷺ وأخبره بالخبر فقال النبي ﷺ إن هذا رؤيا حق ثم علمه بلال فأذن به بهذا الأذان المعروف ولما كان في زمن عثمان بن عفان ﵁ وكثر الناس جعل أذانا أولا للجمعة قبل الأذان الثاني الذي هو عند حضور الإمام فكان في يوم الجمعة أذانان وفي رمضان أمر النبي ﷺ بلالا أن يؤذن في آخر الليل إذا قرب وقت السحور وقال إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر فصار عندنا الفجر لها أذان أول","vol":"5","page":26},{"text":"ولكن ليست لها بل لأجل الإعلان أن وقت السحور قد حل والجمعة لها أذان أول من سنة عثمان ﵁ وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم قال بعض المتحذلقين الذين يدعون أنهم سلفيون سنيون إن أذان الجمعة الأول لا نقبله لأنه بدعة لم يكن على عهد النبي ﷺ وهذا القول منهم قدح للنبي ﷺ وقدح بالخلفاء الراشدين وقدح بالصحابة ﵃ وهؤلاء المساكين وصلوا إلى هذا الحد من حيث لا يعلمون أما كونه قدحا بالرسول ﷺ فلأن النبي قال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وبإجماع المسلمين أن عثمان ﵁ من الخلفاء الراشدين وأما كونه قدح بالخلفاء الراشدين فهو قدح بعثمان ﵁ وهو منهم والقادح في واحد منهم قادح في الجميع كما أن المكذب للرسول الواحد مكذب بجميع الرسل وأما كونه قدحا في الصحابة فلأن الصحابة لم ينكروا على عثمان ﵁ مع أنه لو أخطأ لأنكروا عليه كما أنكروا عليه الإتمام في (منى) في الحج لكن في أذان الجمعة الأول لم ينكروا عليه فهل هؤلاء المتحذلقون المخالفون أعلم بشريعة الله ومقاصدها من الصحابة؟","vol":"5","page":27},{"text":"لكن صدق رسول الله ﷺ إن آخر هذه الأمة يلعن أولها آخرها والعياذ بالله ويقدح فيهم فالأذان الأول للجمعة أذان شرعي بإشارة النبي ﷺ وسنة أمير المؤمنين عثمان ﵁ وبإجماع الصحابة الإجماع السكوتي ولا عذر لأحد وقطع الله لسان من يعترض على خلفاء هذه الأمة الراشدين وعلى الصحابة قد يقول قائل لماذا لم يشرعه الرسول ﷺ والجمعة موجودة في عهده؟ والجواب أن السبب هو أن الناس في عهد عثمان كثروا واتسعت المدينة واحتاجوا إلى أذان ينبههم يكون قبل الأذان الأخير الذي يكون عند مجيء الإمام فكان من الحكمة أن يؤذن وعثمان ﵁ بني على أساس فهاهو النبي ﷺ يأمر بلالا أن يؤذن بآخر الليل لا لأن الصلاة حلت ولكن ليوقظ النائم ويرجع القائم فهو مقصد شرعي ولا إشكال في شرعية أذان الجمعة الأول إذا فالأذان الأول ليوم الجمعة مشروع بسنة الخلفاء الراشدين وإيماء سيد المرسلين محمد وإجماع الصحابة الذين أدركوا هذا أما الأذان في آخر الليل فإنه مشروع بسنة النبي ﷺ في رمضان لإيقاظ النائم وإرجاع القائم لكن هل يشرع في غير رمضان؟ نقول لعله قياسا على فعل عثمان ﵁ نرى أنه لا بأس به","vol":"5","page":28},{"text":"وهنا مسألة ثانية الصلاة خير من النوم زعم بعض المتأخرين أنها تقال في الأذان الأول الذي قبل الفجر وأخطئوا خطأ عظيما لأن النبي ﷺ أمر بلالا أن يقولها في أذان الفجر قال إذا أذنت الأول في صلاة الصبح فقل الصلاة خير من النوم ومعلوم أن الأذان للصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها لقول النبي ﷺ إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وسمى أذانا أولا باعتبار الإقامة لأن الإقامة أذان ثان كما قال النبي ﷺ بين كل أذانين صلاة وجاء في صحيح مسلم ﵀ من حديث عائشة ﵂ قالت فإذا أذن للأذان الأول للفجر قام النبي ﷺ حتى يأتيه المؤذن فيؤذنه لصلاة الفجر وهذا صريح في أن أذان الفجر الأول يكون بعد دخول الوقت وأما الأذان آخر الليل فليس أذانا للفجر بل هو أذان للنائمين ليقوموا وللقائمين ليرجعوا ويتسحروا إذا كان ذلك في رمضان والأذان من أفضل الأعمال وهو أفضل من الإمامة يعني أن مرتبة المؤذن في الأجر أفضل من مرتبة الإمام لأن المؤذن يعلن لتعظيم الله وتوحيد الله والشهادة للرسول بالرسالة وكذلك أيضا يدعو الناس إلى الصلاة","vol":"5","page":29},{"text":"والفلاح في اليوم والليلة خمس مرات أو أكثر والإمام لا يحصل منه ذلك والمؤذن لا يسمع صوته شجر ولا حجر ولا مدر إلا شهد له يوم القيامة ولهذا كان الأذان مرتبته في الشرع أعلى من مرتبة الإمامة فإن قال قائل إذا كان كذلك لماذا لم يكن الرسول ﷺ يؤذن ولا الخلفاء الراشدون أجاب العلماء عن هذا بأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين كانوا مشغولين بمصالح العباد لأنهم خلفاء أئمة يدبرون أمة الأمة والأذان في عهد الرسول ﷺ ليس كالأذان في وقتنا الآن إذا أراد الإنسان أن يؤذن ليس عليه سوى أن ينظر إلى الساعة ويعرف الوقت حل أو لم يحل لكن في عهد الرسول ﷺ يراقبون الشمس ويتابعون الظل حتى يعرفوا أن الشمس قد زالت وكذلك أيضا يراقبونها حتى يعرفوا أنها غربت ثم يراقبون الشفق ثم يراقبون الفجر ففيه صعوبة عظيمة؟ لذلك كان النبي ﷺ والخلفاء الراشدون لا يتولون الأذان لا لأن فضلة أقل من الإمامة ولكن لأنهم مشغولون بما هم فيه عن الأذان وقد بين النبي ﷺ فضيلته بأن الناس لو يعلمون ما فيه النداء ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا سبحان الله معنى هذا أن الناس لو يعلمون ما في الأذان من فضل وأجر لكانوا يقترعون أيهم الذي يؤذن بينما الناس الآن مع الأسف يتدافعون هذا يقول أذن وهذا يقول بل أذن أنت","vol":"5","page":30},{"text":"وهكذا فينبغي عليك إذا كنت في رحلة أن تحرص أن تكون أنت المؤذن لكن معلوم أن الرحلة لها أمير سواء سفر أو نزهة فإذا نصب الأمير شخصا للأذان فليس لأحد أن يتقدم ويؤذن لأنه صار مؤذنا راتبا وكذلك إذا قال لأحدهم أنت الإمام صار هو الإمام ولا أحد يتقدم عليه لقول النبي ﷺ لا يؤمن رجل رجلا في سلطانه إلا بإذنه وفق الله الجميع لما فيه الخير والصواب\n١٠٣٤ - وعن معاوية ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة رواه مسلم\n١٠٣٥ - وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة قال أبو سعيد سمعته من رسول الله ﷺ رواه البخاري","vol":"5","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان ساقهما المؤلف ﵀ في (رياض الصالحين) في: باب فضل الأذان عن معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة إذا بعث الناس فإن المؤذنين يكون لهم ميزة ليست لغيرهم وهي أنهم أطول الناس أعناقا فيعرفون بذلك تنويها لفضلهم وإظهار لشرفهم لأنهم يؤذنون ويعلنون بتكبير الله ﷿ وتوحيده والشهادة لرسوله ﷺ بالرسالة والدعوة إلى الصلاة وإلى الفلاح يعلنونها من الأماكن العالية ولهذا كان جزاؤهم من جنس العمل أن تعلو رءوسهم وأن تعلو وجهوههم وذلك بإطالة أعناقهم يوم القيامة وهذا يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على أن يكون مؤذنا حتى لو كان في نزهة هو وأصحابه فإنه ينبغي أن يبادر لذلك وقد سبق أن النبي ﷺ قال لو يعلم الناس ما في النداء ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا وكذلك من فضيلة الأذان ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه ما من إنس ولا جن ولا شيء يسمع صوت المؤذن إلا شهد له بذلك يوم القيامة وهذا أيضا من فضائل الأذان أن صاحبه يشهد له يوم القيامة بأنه من المؤذنين تنويها لفضله بيانا لثوابه فالحاصل أن الأذان له فضل عظيم وأنه ينبغي للإنسان أن يكون مؤذنا إلا أنه إذا كان هناك مؤذن راتب فإنه لا يحل لأحد أن يتجاوزه ويؤذن","vol":"5","page":32},{"text":"عنه إلا إذا كان قد وكله أو ما أشبه ذلك يعني لا تظنوا أن الإنسان ينبغي له أن يبادر للمسجد ويؤذن قبل المؤذن الراتب لأن هذا عدوان عليه وقد قال النبي ﷺ لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه والله الموفق\n١٠٣٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب للصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا واذكر كذا لما لم يذكر من قبل حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى؟ متفق عليه التثويب الإقامة\n١٠٣٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة رواه مسلم","vol":"5","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث أيضا في فضل الأذان منها حديث أبي هريرة ﵁ أنه إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط كراهة أن يسمع ذكر الله ﷿ وهذا هو معنى قوله تعالى من شر الوسواس الخناس الذي يخنس عند ذكر الله ﷿ ويختفي ويبعد لأن الشيطان أكره ما عنده عبادة الله وأبغض ما عنده من الرجال عباد الله وأحب ما يحب الشرك بالله ﷿ والمعاصي لأنه يأمر بالفحشاء ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ فيحب من الناس أن يأتوا ما لم يأمر الله به ويكره أن يأتوا ما أمر الله ﷿ فإذا أذن المؤذن ولى وأبعد عن مكان الأذان حتى يخرج بعيدا عن البلاد لئلا يسمع الأذان فإذا انتهى الأذان أقبل حتى يغوي بني آدم فإذا أقيمت الصلاة فإنه في حال الإقامة أيضا يولي ويدبر ثم إذا فرغت الإقامة أقبل حتى يحول بين المرء وقلبه في صلاته يقول له اذكر كذا اذكر كذا اذكر كذا ...\nحتى لا يطيق المصلي وهذا أمر يشهد له الواقع فإن الإنسان أحيانا ينسى أشياء فإذا دخل في الصلاة فتح الشيطان عليه باب التذكر حتى جعل يذكرها ويذكر أن رجلا جاء إلى أبي حنيفة ﵀ وقال إنه استودع وديعة ونسيها فقال له اذهب فتوضأ فصل ركعتين وستذكرها ففعل الرجل فتوضأ ودخل في الصلاة فذكره إياها الشيطان وهذا أمر يشهد له الواقع","vol":"5","page":34},{"text":"وصدق رسول الله ﷺ أراد النبي ﷺ في هذا الحديث فائدتان عظيمتان ١ - بيان فضل الأذان وأنه يطرد الشياطين ولهذا استحب الكثير من العلماء إذا ولد المولود أول ما يولد أن يؤذن في أذنه حتى يطرد الشيطان عنه وبعضهم يقول: يؤذن في أذنه حتى يكون أول ما يسمع ذكر الله ﷿ وعلى كل حال فالأذان يطرد الشياطين ولكن هل إذا أذن الإنسان في غير وقت الأذان هل يطرد الشياطين؟ الله أعلم لكن ذكر الله على سبيل العموم يطرد الشياطين لأن معنى الخناس الذي يخنس عند ذكر الله ﷿ أما الحديث الثاني ففضيلته أن النبي ﷺ أمر إذا سمعنا المؤذن أن نقول مثل ما يقول إذا قال الله أكبر نقول الله أكبر..\nإذا قال أشهد أن لا إله إلا الله نقول أشهد أن لا إله إلا الله إذا قال أشهد أن محمدا رسول الله نقول أشهد أن محمد رسول الله..\nإلا حي على الصلاة حي على الفلاح فلا نقول لأننا نحن مدعوون والمؤذن داع فلا يصح أن نقول (حي على الصلاة) بعده لكننا نقول كلمة الاستعانة (لا حول ولا قوة إلا بالله) وهذه الكلمة تعني أننا عزمنا على الإجابة ولكننا نستعين بالله ﷿ ولهذا أقول إن هذه الكلمة كلمة استعانه تعين الإنسان على أموره وعلى صلاح أحواله ولهذا قال الرجل المؤمن في قصة صاحبي الجنتين قال لصاحبه ﴿ولولا","vol":"5","page":35},{"text":"إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾ يعني لكان خيرا لك وسلمت جنتك من التلف فهذه الكلمة كلمة عظيمة حتى قال النبي ﷺ لعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري ﵁ ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة قال بلى قال لا حول ولا قوة إلا بالله فإذا قال المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح نقول لا حول ولا قوة إلا بالله وإذا قال في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم نقول الصلاة خير من النوم وإذا قال الله أكبر قلنا الله أكبر وإذا قال لا إله إلا الله قلنا لا إله إلا الله ثم بعد ذلك نصلي على النبي ﷺ نقول اللهم صل على محمد فإن من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا ثم نسأل الله له الوسيلة اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد فإذا صلينا على النبي ﷺ وسألنا الله له الوسيلة حلت لنا الشفاعة يعني شفاعة النبي ﷺ الوسيلة درجة عالية في الجنة أعلى ما يكون لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله قال النبي ﷺ وأرجو أن أكون أنا هو وهذا الرجاء إن شاء الله تعالى سيكون محققا لأننا نعلم أن أفضل الخلق","vol":"5","page":36},{"text":"عند الله محمد ﷺ ولأن أمة محمد تدعو الله بذلك بعد كل أذان والدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد كل الأمة تقول اللهم آت محمدا الوسيلة وأمة محمد جديرة بإذن الله إذا دعت أن يؤتي محمد الوسيلة أن يقبل الله منها ولهذا قال أرجو أن كون أنا هو إذن ينبغي لنا إذا سمعنا المؤذن أن نقول مثل ما يقول حتى لو كنا نقرأ نقطع القراءة ونجيب المؤذن وإذا فرغنا نقبل على القراءة واختلف العلماء ﵏ فيما إذا كان الإنسان يصلي هل يتابع المؤذن فقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نعم ولو كنت تصلي لأن الأذان ذكر لا يبطل الصلاة والنبي ﷺ يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ولا يستثن حالا من الأحوال ولكن أكثر العلماء يقولون إذا كنت تصلي لا تجب المؤذن لأن الصلاة فيها شغل خاص بها والأذان طويل يشغلك كثيرا عنها ولكن لو عطست وأنت تصلى فقل الحمد لله ما في مانع لأنها كلمة واحدة لا تشغلك عن الصلاة أما إجابة المؤذن طويلة فلا تجب المؤذن ولكن إذا فرغت من الصلاة فأجب المؤذن لأنك سكت اشتغالا بصلاتك كذلك إذا كنت على قضاء الحاجة وأذن المؤذن فلا تجبه لأن هذا ذكر لكن إذا فرغت وخرجت من المرحاض أجب وقيل بل يجيبه بقلبه لكن هذا فيه نظر لقول الرسول ﷺ فقولوا مثل ما يقول والمتابعة","vol":"5","page":37},{"text":"بالقلب ليست قولا كذلك لو سمعت عدة مؤذنين فهل تجيب كل مؤذن؟ نقول إذا كانوا يؤذنون في صوت واحد بمعنى أن يبدأ الثاني قبل أن يتم الأول فانشغل بالأول ولا عليك بالثاني أما إذا سمعت الثاني بعد انتهاء الأول فتابعه لأنه خير وهو داخل في عموم قول الرسول ﷺ فقولوا مثل ما يقول لكن العلماء ﵏ قيدوا هذا فيما لو لم يكن قد صلى فإن كان أذن وصلى ثم بعد ذلك سمع أذانا قالوا فلا يجبه لأنه غير مدعون بهذا الأذان هو أدى ما فرض عليه فلا يحتاج أن يتابع المؤذن ولكن في هذا القول نظر لأنه مخالف لعموم قول النبي ﷺ إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن ولم يستثن شيئا وقولهم إنه غير مدعو بهذا الأذان نقول إنه غير مدعو به الآن لكن في المستقبل لابد أن يدعى للصلاة والأمر هنا سهل نقول أجب المؤذن ولو كنت قد صليت وأنت على خير ولا يضرك شيء والله المرفق\n١٠٣٨ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا سمعتم النداء فقولوا كما يقول المؤذن متفق عليه","vol":"5","page":38},{"text":"١٠٣٩ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة رواه البخاري\n١٠٤٠ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا والإسلام دينا غفر له ذنبه رواه مسلم\n١٠٤١ - وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث بقية باب فضل الأذان ساقها النووي ﵀ في (رياض الصالحين) منها: قول النبي ﷺ إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن ومنها من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة","vol":"5","page":39},{"text":"والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد ومنها أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ومنها أن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد فأما الحديث الأول فقد سبق الكلام عليه أنه ينبغي للإنسان إذا سمع النداء أن يقول مثل ما يقول المؤذن كما بينا من قبل وأما الحديث الثاني من قال حين يسمع النداء يعني وفرغ المؤذن كما دل عليه الحديث السابق إذا فرغ المؤذن فإنك تصلي على النبي ﷺ ثم تقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم مقاما محمودا الذي وعدته اللهم رب هذه الدعوة التامة إنك لا تخلف الميعاد هي الدعوة إلى الصلاة والفلاح لأن ذلك من أتم ما يكون من الدعوات الصلاة القائمة يعني الصلاة التي ستقام لأن النداء إعلام بدخول وقت الصلاة آت محمدا الوسيلة والفضيلة يعني أعطه الوسيلة وهي درجة في الجنة أعلى ما يكون من درجاتها وهي للنبي ﷺ والفضيلة يعني الميزة والرتبة العالية وقد حصل له ذلك وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته وقد وعده الله ذلك في قوله","vol":"5","page":40},{"text":"ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ومن هذا المقام المحمود الشفاعة العظمى فإن الناس يوم القيامة يلحقهم من الكرب والغم ما لا يطيقون في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر عارية أجسادهم حافية أقدامهم شاخصة عيونهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.\nالشمس تدنو منهم قدر ميل ولا هناك عوج ولا أمت ولا ظل ولا بناء ولا شيء فيطلبون من يشفع لهم عند الله فيأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى حتى تصل إلى النبي ﷺ فيقوم ويشفع في هذا المقام يحمده الأولون والآخرون لأن الناس كلهم في هذا المقام فإذا تعذر الأنبياء الكرام الكبار إبراهيم وموسى وعيسى ونوح وآدم أبو البشر ثم قام هذا النبي الكريم فشفع إلى الله فهنا يحمده الأولون والآخرون وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله ﷿ ثم إن هذا الحديث رواه البخاري إلى قوله الذي وعدته لكن قد صحت الزيادة إنك لا تخلف الميعاد فينبغي أن يقولها الإنسان لأنها صحيحة ولأن هذا دعاء المؤمنين ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تحزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾","vol":"5","page":41},{"text":"فهو جل وعلا لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وكمال قدرته جل وعلا وإخلاف الوعد إما أن يكون عن كذب من الوعد وإما أن يكون عن عجز منه والله جل وعلا أصدق القائلين وأقدر القادرين فهو ﷾ وعد نبيه في قوله ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وهو جل وعلا صادق في وعده قادر على تنفيذه أما من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا فهذه تقال إذا قال المؤذن اشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله وكنت معه فقل هذا أما آخر الأحاديث ففيه الحث على الدعاء بين الأذان والإقامة وأن الدعاء بينهما حري بالإجابة فينبغي أن تنتهز هذه الفرصة لعل الله أن يستجيب لك والله الموفق","vol":"5","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>باب فضل الصلوات</span>\nقال الله تعالى ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) باب فضل الصلوات الصلوات هي عبادات معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم وهي أكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وأفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين وأنفع أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي صلة بين الإنسان وربه لأن الإنسان يقوم بين يدي الله ﷿ يناجيه يقول الحمد لله رب العالمين فيقول الله حمدني عبدي ﴿الرحمن الرحيم﴾ فيقول الله أثنى علي عبدي ﴿ملك يوم الدين﴾ فيقول الله مجدني عبدي ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فيقول هذا بيني وبين عبدي نصفين ﴿أهدنا الصراط المستقيم﴾ هذا لعبدي ولعبدي ما سأل مجاورة مناجاة ثم هي أيضا أفعال وأقوال كلها تعظيم من حين يبدأ الإنسان بقوله الله أكبر يعني أكبر من كل شيء علما وسلطانا وكبرياء وجبروتا وكل شيء السماوات السبع والأرضون السبع في كفه كخردلة في كف","vol":"5","page":43},{"text":"أحدنا فكل هذه السماوات على عظمها يطويها بيمينه ﷿ ويقبض الأرض على كبرها كقبضة أحدنا بيده على الشيء ثم يناجيه بكلام ثم ينحني تعظيما له بفعله ويعظمه بلسانه يقول سبحان ربي العظيم ثم يرفع ثم يسجد وهذا الرفع من أجل الفصل بين ركن التعظيم وهو الركوع وركن الذل وهو السجود ولهذا قال النبي ﷺ أما الركوع فعظموا فيه الرب ثم يسجد لله ذلا وخضوعا فيضع أشرف ما به على مستوى أقدامه التي هي أسفل ما به يضع جبهته على الأرض ذلا لله وخضوعا لله ﷿ ثم يقول سبحان ربي الأعلى تنزيها لربه ﷾ عن السفول كأنما يقول سبحان من تنزه عن السفول فكان أعلى فوق كل شيء فالصلاة عبادة عظيمة نسأل الله أن يفتح علينا وعليكم حتى نعرف قدرها ويدلك على فضلها وعظمها ومحبة الله لها أنه ما من فريضة فضت على الرسول ﷺ إلا بواسطة الوحي إلا الصلاة فرضها الله على رسوله منه له مباشرة كلمه بها وفرضها عليه في أعلى مكان يصل إليه البشر وفرضها عليه في أشرف ليلة كانت لرسوله ﷺ وهي ليلة المعراج وفرضها عليه عددا كبيرا خمسين صلاة في اليوم والليلة لأن الله يحبها ولأن ثوابها عظيم ولكن من لطف الله أن خففها حتى","vol":"5","page":44},{"text":"صارت خمس صلوات عن خمسين صلاة اللهم لك الحمد الصلاة لها ثمرات جليلة عظيمة منها: ١ - ما ذكره الله تعالى في الآية التي صدر المؤلف بها هذا الباب ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ الفحشاء: فواحش الذنوب كالزنا واللواط وما أشبهها والمنكر: ما دون ذلك الصلاة تنهى عن الفحشاء المنكر..\nلكن متى؟ إذا كانت صلاة مقامة على الوجه الأكمل ولهذا نجدنا كثيرا نصلي ولا نجد القلوب تتغير أو تكره الفحشاء أو المنكر أو يكون الإنسان بعد الصلاة خيرا منه قبلها لا نجد هذا لأن الصلاة التي نصليها ليست الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر وإلا فكلام الله حق ووعده صدق الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا كنت قد هممت بذنب أو كان قلبك يميل إلى المعاصي فإنك إذا صليت انمحى ذلك كله لكن بشرط أن تكون الصلاة التي تراد منك والتي تريدها أنت لله ﷿ صلاة أكمل ما يكون ولهذا يجب علينا ونسأل الله أن يعيننا يجب علينا أن نعتني بصلاتنا نكملها بقدر المستطاع بجميع أركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر قال بعض السلف من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا نسأل الله العافية لأنها ليست الصلاة المطلوبة منا الصلاة المطلوبة منا أن تكون صلاة بمعنى الكلمة كان بعض السلف إذا دخل في","vol":"5","page":45},{"text":"صلاته لا يحس بشيء يغيب عن كل شيء إلا عن الله ﷿ حتى إن عروة بن الزبير ﵀ وهو من فقهاء التابعين أصابت أحد أعضائه أكلة جروح تتقرح حتى تقضي على الجسم كله فقرر الأطباء أن تقطع رجله حتى لا تسري الأكلة إلى بقية البدن وكان في ذلك الوقت لا يوجد (بنج) فقال أمهلوني حتى أدخل في صلاتي فلما دخل في صلاته قطعوا رجله فلم يحس بها لأن قلبه منشغل مع الله والقلب إذا انشغل لا يحس بما يصيب البدن انظر إلى الحمالين مثلا يحملون السيارة أو يفرغونها فيصاب أحدهم بجرح في يده أو قدمه مع التحميل ولا يحس به لأنه مشغول فإذا انتهى من العمل أحس بالجرح فالإنسان في صلاته لابد أن يكون مع الله ﷿ لا يذهب قلبه يمينا وشمالا كما هي العادة عند كثير منا ولا تتسلط الهواجس ولا الوساوس إلا إذا دخل الإنسان في الصلاة جاء الشيطان يقول له اذكر كذا..\nاذكر كذا ...\nافعل كذا لا تفعل كذا وهذا يخل بالصلاة ربما ينصرف الإنسان ما من صلاته شيء وإن كانت تبرأ الذمة لكن ما أدرك شيئا منها وكان عمر ﵁ يجهز جيشه في الصلاة فأخذ البطالون من هذا أنه لا بأس أن الإنسان وهو في صلاته يوسوس وما إلى ذلك","vol":"5","page":46},{"text":"لكن تجهيز الجيش جهاد في سبيل الله والجهاد في سبيل الله يجوز أن يدخل على الصلاة ولهذا نجد أن الله شرع للمسلمين صلاة الخوف فعمر ﵁ يجهز جيشه في صلاته وهو حاضر القلب لم يذهب قلبه يمينا ولا شمالا لأنه يعبد الله ﷿ وإن كان يجهز الجيش وهو يصلي فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر وأن يتقبل منا ومنكم إنه على كل شيء قدير","vol":"5","page":47},{"text":"/٠L٢ باب فضل الصلوات\n١٠٤٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أرأتيم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقي من درنه شيء؟ قالوا لا يبقي من درنه شيء قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا متفق عليه\n١٠٤٣ - وعن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ مثل الصلوات الخمس كمثل نهر غمر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات رواه مسلم الغمر بفتح الغين المعجمة الكثير\n١٠٤٤ - وعن ابن مسعود ﵁ أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله تعالى ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ فقال الرجل ألي هذا؟ قال لجميع أمتي كلهم متفق عليه\n١٠٤٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال الصلوات","vol":"5","page":48},{"text":"الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر رواه مسلم\n١٠٤٦ - وعن عثمان بن عفان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله رواه مسلم هذه الأحاديث من فضائل الصلوات فقد شبه النبي ﷺ بنهر غمر جار النهر الغمر: الكثير الماء الجاري: معروف ضد الراكد يغتسل منه الإنسان في اليوم خمس مرات فهل يبقى من وسخه شيء الجواب لا يبقى من وسخه شيء فهكذا الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا حتى يبقي الإنسان طاهرا نقيا من الخطايا ولكن كما أسلفنا فيما مضى أن هذا في الصلوات التي يتمها الإنسان ويحققها ويحضر قلبه ويشعر أنه يناجي الله ﷾ فإذا تمت الصلاة على المطلوب حصل هذا الثواب العظيم وكذلك أيضا من فضائل الصلوات الخمس أن الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن ما لم تغش الكبائر يعني ما لم","vol":"5","page":49},{"text":"تفعل فالصلوات الخمس تكفر الصغائر لكن الكبائر لا فالغش مثلا في المعاملات كبيرة من كبائر الذنوب لأن النبي ﷺ تبرأ من فاعله فقال من غش فليس منا فإذا صلى الإنسان الصلوات الخمس وهو غاش فإن الغش لا يكفر لأنه كبيرة من كبائر الذنوب الحلف الكاذب في السلعة هذا أيضا من كبائر الذنوب ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المنان والمسبل والمنفق سلعته بحلف كاذب كذلك لو كان الإنسان ينزل ثوبه خيلاء فإن هذا من كبائر الذنوب فإنه لا يكفر عنه ذلك إذا صلى بل لو أنزله إلى أسفل من الكعب ولو لم يكن خيلاء فإنه من كبائر الذنوب فلا يغفر له بصلاته لأنه كبيرة الغيبة أيضا من كبائر الذنوب فإذا اغتاب الإنسان رجلا واحدا فقط بين صلاة الفجر والظهر مثلا فإن صلاة الظهر لا تكفر هذه الغيبة لأنها من كبائر الذنوب ولو كانت مرة واحدة لرجل واحد والغيبة هي التي يسميها العوام السبابة يعني أن يذكر أخاه بما يكره","vol":"5","page":50},{"text":"لأن النبي ﷺ سئل عنها فقال ذكرك أخاك بما يكره قال أرأيت إن كان فيه ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته والغيبة تختلف آثامها باختلاف آثارها وعواقبها فمثلا اغتياب العلماء أشد من العوام واغتياب ولاة الأمور أشد من اغتياب من دونهم وبهذا نعرف أن هذه النشرات التي توزع بين الناس الآن من الغيبة وأن نشرها بين الناس من كبائر الذنوب وأن الإنسان يأثم بها إثما عظيما لأنها توجب أن يكره الناس من اغتيبوا فيها وأن يتمردوا عليهم وتوجب أيضا إيغار الصدور وإيقاظ الفتن فهي والعياذ بالله غيبة لولاة الأمور من أكبر الآثام في الغيبة فالذي ينشرها أو يصورها ويوزعها آثم فاعل كبيرة والعياذ بالله عليه إثمها وإثم كل من تأثر بها نسأل الله السلامة والعافية لأن هذه الأمور لا شك أنها داخلة في الغيبة ذكرك أخاك بما يكره ثم ما مصدر هذا الكلام من قال إن هذا الكلام صحيح من يقول إنه صحيح ولذلك يوجد في بعض النشرات أشياء كذب ليست بصحيحة فتكون جامعة بين الغيبة والبهتان والعياذ بالله وثالثا ماذا يترتب على نشر هذه الأوراق هل تصلح الأمور هل يقلع الناس عما وصفوا به في هذه النشرات؟ أبدا لا يزيد الأمر إلا شدة","vol":"5","page":51},{"text":"لذلك نرى أن توزيع مثل هذه النشرات في غيبة ولاة الأمور من كبائر الذنوب وأن الإنسان آثم إذا نشرها أو صورها أو وزعها بين الناس لما فيها من انطباق حقيقة الغيبة عليها ثم يتولد عليها مفاسد عظيمة ليست كما لو اغتبت زيدا أو اعتمرا فالأمر يكون عليه شخصيا لكن هذا يترتب عليه أنه ضرر على المغتاب شخصيا وضرر على الأمن لأنه يوجب إيغار الصدور وكراهة ولاة الأمور فنحن نحذر من نشر هذه الأوراق ونرى أن من شارك في نشرها أو توزيعها فإنه آثم فاعل كبيرة من كبائر الذنوب ولو كنا نعلم أن الأمر ستصلح بمثل هذا لكان الأمر هينا ولكن الأمور ما تزداد إلا كراهة لولاة الأمور وشرا مستطيرا نسأل الله ﷿ أن يجازي من نشرها بما يستحق إنه على كل شيء قدير","vol":"5","page":52},{"text":"/٠L٢ باب صلاة الصبح والعصر\n١٠٤٧ - عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من صلى البردين دخل الجنة متفق عليه البردان الصبح والعصر\n١٠٤٨ - وعن زهير بن عمارة بن روبية ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل صلاة الصبح وصلاة العصر هاتان الصلاتان تميزتا بفضل ليسا في غيرهما أما الفجر فقد قال الله ﵎ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرءان الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودا يشهده الله وملائكته وهذه فضيلة عظيمة واختصت أيضا بأنها مفصولة عن الصلوات الخمس منفردة بوقتها فبينها وبين صلاة العشاء نصف الليل الأخير وبينها وبين صلاة الظهر نصف النهار الأول لأن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل ولا يمتد إلى طلوع الفجر فإذا انتصف الليل خرج وقت صلاة العشاء وبقي","vol":"5","page":53},{"text":"هذا النصف إلى الفجر ليس وقتا لصلاة مفروضة لكنه وقت التهجد لمن وفقه الله ﷿ أما من طلوع الشمس إلى زوال الشمس فليس أيضا وقتا لصلاة مفروضة وإنما هو وقت لصلاة مطلقة كصلاة الضحى وما أشبه ذلك فتميزت بأنها مشهودة وبأنها منفردة بوقتها لا يتصل بها ما قبلها ولا تتصل بما بعدها أما صلاة العصر فتميزت بأنها الصلاة الوسطى فإن الصلاة الوسطى بنص الحديث عن النبي ﷺ هي صلاة العصر وتميزت بأن الله تعالى نوه بفضلها وشرفها حيث خصها بالذكر بعد أن عمم فقال ﴿حافظوا على الصلوات﴾ هذا عام ﴿والصلاة الوسطى﴾ يعني صلاة العصر فخصها بالذكر لفضيلتها وهناك فضائل وميزات اشتركت فيها صلاة الفجر وصلاة العصر منها ما أشار إليه المؤلف ﵀ في هذا الباب ١ - أن من صلى البردين دخل الجنة والبردين هما صلاة الفجر وصلاة العصر لأن الفجر يأتي في براد الليل في آخره والعصر تأتي في براد النهار في آخره ولذلك قال قال ﷺ من صلى البردين دخل الجنة ٢ - وكذلك أخبر ﷺ أنه لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني صلاة الفجر وصلاة العصر","vol":"5","page":54},{"text":"ففي الأول إثبات دخول الجنة وفي الثاني انتفاء دخول النار فيكون هذا كقوله تعالى ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المحافظين على الصلوات والصلاة الوسطى وأن يحرمنا على النار ويدخلنا الجنة إنه على كل شيء قدير\n١٠٤٩ - وعن جندب بن سفيان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من صلى الصبح فهو في ذمة الله فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله من ذمته بشيء رواه مسلم\n١٠٥٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون متفق عليه\n١٠٥١ - وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال كنا عند النبي ﷺ","vol":"5","page":55},{"text":"فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا متفق عليه وفي رواية فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة\n١٠٥٢ - وعن بريدة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان فضيلة صلاة الفجر وصلاة العصر فمنها الحديث الأول أن النبي ﷺ قال من صلى الفجر فهو في ذمة الله ﷿ يعني في عهده وأمانة فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء يعني لا تغدوا ولا تعملوا عملا سيئا فيطالبكم الله تعالى بما عهد به إليكم وهذا دليل على أن صلاة الفجر كالمفتاح لصلاة النهار بل لعمل النهار كله وأنها كالمعاهدة مع الله بأن يقوم العبد بطاعة ربه ﷿ ممتثلا لأمره مجتنبا لنهيه ومن فضائل صلاة الفجر والعصر ١ - أن الله ﷾ وكل بالعباد ملائكة معقبات يتعاقبون فينا","vol":"5","page":56},{"text":"يحفظوننا من أمر الله ﷿ يجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر ثم يصعد الذين باتوا فينا إلى الله ﷿ فيسألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي يسألهم ذلك إظهارا لشرف العباد وتنويها بفضلهم وليس خفاء عليه لأنه يعلم السر وأخفى لكن لإظهار فضيلتهم يسألهم كيف تركتم عبادي فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون لأنهم يأتون في أول الليل وأول النهار فيتعاقبون في صلاة الفجر وصلاة العصر هؤلاء ينزلون وهؤلاء يصعدون وقيد الله ﷾ وقت صعودهم ونزولهم بهاتين الصلاتين لفضلهما لأن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى وصلاة الفجر هي الصلاة المشهودة ٢ - ومن ذلك أيضا ما رواه جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنهم كانوا مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر ليلة الرابع عشر فقال ﷺ إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر يعني يوم القيامة يراه المؤمنون في الجنة كما يرون القمر ليلة البدر ليس المعنى أن الله مثل القمر لأن الله ليس كمثله شيء بل هو أعظم وأجل ﷿ وقد قال النبي ﷺ فيما صح عنه حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه لكن المراد من المعنى تشبيه الرؤية بالرؤية فكما أننا نرى القمر ليلة","vol":"5","page":57},{"text":"البدر رؤية حقيقية ليس فيها اشتباه فإننا سنرى ربنا ﷿ كما نرى هذا القمر رؤية حقيقية بالعين دون اشتباه واعلم أن ألذ نعيم وأطيب نعيم عند أهل الجنة أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم هو النظر إلى وجه الله فلا شيء يعدله ولهذا قال ﷿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة فسرها النبي ﷺ بأنها النظر إلى وجه الله الحسنى اسم تفضيل مؤنث يقابله أحسن في المذكر فالزيادة زيادة على الأحسن وهي النظر إلى وجه الله ﷿ فيقول رسول الله ﷺ لما ذكر أننا نرى ربنا كما نرى القمر ليلة البدر فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا والمراد من قوله استطعتم ألا تغلبوا على صلاة أي على أن تأتوا بهما كاملتين ومنها أن تصلي في جماعة إن استطعتم ألا تغلبوا على هذا فافعلوا وفي هذا دليل على أن المحافظة على صلاة الفجر وصلاة العصر من أسباب النظر إلى وجه الله ﷿ ويا لها من قيمة عظيمة حافظ على صلاة الفجر وصلاة العصر تنظر إلى وجه الله يوم القيامة في جنات النعيم ٣ - من فضائل صلاة العصر خاصة أن من تركها فقد حبط عمله لأنها عظيمة وقد استدل بهذا بعض","vol":"5","page":58},{"text":"العلماء على أن من ترك صلاة العصر كفر لأنه لا يحبط الأعمال إلا الردة كما قال تعالى ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعلمون﴾ وقال تعالى ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ فيقول بعض العلماء صلاة العصر خاصة من تركها فقد كفر وكذلك من ترك بقية الصلوات عموما فقد كفر وهذا القول ليس ببعيد من الصواب لأن حبوط العمل لا يكون إلا بالكفر والردة ففي هذا دليل على عظم شأن هذه الصلاة صلاة العصر ولذلك نص الله على المحافظة عليها من بين سائر الصلوات فقال ﴿حافظوا على الصلوات والصلوات الوسطى﴾ يعني صلاة العصر ﴿وقوموا لله قانتين﴾","vol":"5","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>باب فضل المشي إلى المساجد</span>\n١٠٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح متفق عليه\n١٠٥٤ - وعنه أن النبي ﷺ قال من تطهر في بيته ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة رواه مسلم\n١٠٥٥ - وعن أبي بن كعب ﵁ قال كان رجل من الأنصار لا أعلم أحدا أبعد من المسجد منه وكانت لا تخطئه صلاة فقيل له لو اشتريت حمارا لتركبه في الظلماء وفي الرمضاء قال ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي فقال رسول الله ﷺ قد جمع الله لك ذلك كله رواه مسلم\n١٠٥٦ - وعن جابر ﵁ قال خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال لهم بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد قالوا نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم فقالوا ما يسرنا أنا كنا","vol":"5","page":60},{"text":"تحولنا رواه مسلم وروى البخاري معناه من رواية أنس\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب فضل المشي إلى المساجد المشي للمساجد يعني الصلاة فيها والمشي إلى المساجد يكون لأسباب متعددة مثلا لحضور درس قراءة القرآن إصلاح شيء فيها أو غير ذلك لكن من جاء إلى المساجد للصلاة فهذا المقصود من هذا الباب ففي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال من غدا إلى المسجد أو راح كتب الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح غدا يعني ذهب في الصباح راح يعني ذهب في العشي بعد الزوال فإنه يكتب له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح ونحن ولله الحمد نغدوا إلى المساجد ونروح في كل يوم وليلة خمس مرات فيكتب للإنسان نزل في الجنة يعني ضيافة في الجنة هذه من فضائل المشي إلى المساجد ومن فضائلها أيضا أن الإنسان إذا تطهر في بيته وخرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة ففي الحديث الذي ساقه المؤلف هنا أنه لا يخطو خطوة إلا رفع الله له بها درجة والخطوة الثانية يحط عنه خطيئة لكن في حديث آخر أنه لا يخطو","vol":"5","page":61},{"text":"خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فيكتسب في الخطوة الواحدة رفع الدرجة وحط الخطيئة بشرط أن يتوضأ في بيته ويسبغ الوضوء ثم يخرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة فهذا له بكل خطوة يخطوها أن يرفع الله له بها درجة ويحط عنه خطيئة وهذه نعم عظيمة من الله ﷿ ومن فوائد ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يأتي إلى المسجد ماشيا ويرجع ماشيا فهو الأفضل ودليل ذلك قصة الأنصاري الذي كان بعيد الدار فقيل له لو اشتريت حمارا تركبه في الظلماء والرمضاء فقال لا فأنا أحتسب على الله خطاي فقال النبي ﷺ قد كتب الله لك ذلك كله فدل ذلك على أن المجيء إلى المسجد على القدمين أفضل من المجيء على مركوب لأنه يحسب لك أجر الخطا ولكن إذا كان الإنسان معذورا فلا بأس أن يأتي بالسيارة وخطوة السيارة دورة لعجلتها إذا دار عجلها دورة واحدة فهذه خطوة لأنه عند دوراته يرتفع الذي باشر الأرض ثم يدور حتى يرجع ثانية إلى الأرض فهو كرفع القدم من الأرض ثم وضعها مرة ثانية فإذا كان الإنسان معذورا فلا بأس أن يأتي بالسيارة وهذا أيضا من فضائل المشي إلى المساجد أن الله تعالى يكتب للإنسان الخطوات كلما ذهب وكلما رجع","vol":"5","page":62},{"text":"ومما يدل أيضا على فضل المشي إلى المساجد ولو بعدت حديث جابر في بني سلمة يقول خلا ما حول المسجد يعني من المنازل فأراد بنو سلمة أن يأتوا المسجد ويقربوا منه فبلغ ذلك النبي ﷺ فسألهم عن ذلك قالوا نعم أردنا أن نتحول لنقرب من المسجد فقال يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم يعني الزموا دياركم ولا تقربوا تكتب آثاركم فدل هذا على أنه كلما كان منزل الإنسان أبعد من المسجد فإنه أكثر أجرا لأنه قال تكتب آثاركم ولكن لا يعني هذا أن الإنسان يتقصد أن ينزل بعيدا من المسجد لكن إذا قدر إلا يصلي إلا في المكان البعيد أو كانت ديار قوم أو ما أشبه ذلك فإنه يكتب آثاره فدل ذلك على فضيلة المشي إلى المساجد وفضل الله واسع وعطاؤه كثير يعطي على العمل القليل الأجر الكثير نسأل الله لنا ولكم من فضله العظيم\n١٠٥٧ - وعن أبي موسى ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام متفق عليه","vol":"5","page":63},{"text":"١٠٥٨ - وعن بريده ﵁ عن النبي ﷺ قال بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة رواه أبو داود الترمذي\n١٠٥٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكارة وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط رواه مسلم\n١٠٦٠ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله ﷿ ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ الآية رواه الترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه بقية الأحاديث في فضل المشي إلى المساجد ذكر الحديث الأول أن النبي ﷺ قال أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم","vol":"5","page":64},{"text":"ممشى فأبعدهم وذلك لما سبق من أن الإنسان إذا تطهر في بيته وخرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه خطيئة ولا تزال الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه فإذا كان بيتك بعيدا عن المسجد ولم يمنعك البعد من حضور الجماعة فإنك أعظم أجرا من القريب لأن القريب ليس له عذر يسهل عليه الوصول للمسجد أما البعيد فقد يكون له شيء من العذر لبعده ومع ذلك يتجشم البعد ويأتي إلى المسجد ويصلي مع الجماعة فكان هذا أفضل ثم ذكر أن الذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أفضل من الذي يصلي ثم ينام وهذا في صلاة العشاء فإن المشروع في صلاة العشاء أن تؤخر إلى ثلث الليل لأن النبي ﷺ صلى العشاء ذات يوم وقد مضى عامة الليل وقال أنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي فهذا الذي صلى وحده ونام لأنه يشق عليه أن ينتظر صلاة الجماعة لكونهم يؤخرونها نقول له إذا انتظرت وصليت مع الجماعة فهو أفضل وأما إذا كان الإمام يصلي على العادة فإنه لا يجوز للإنسان أن يصلي ثم ينام لأن صلاة الجماعة واجبة حتى إن النبي ﷺ قال لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار","vol":"5","page":65},{"text":"ثم ذكر الحديث الذي أخرجه الترمذي قال بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة وهذا الحديث ضعيف لكن لا شك أن الذي يذهب إلى المسجد في الظلم فإن حزاءه من جنس العمل يعني كما تجشم الظلم وأتى إلى المساجد فإنه يكتب له النور يوم القيامة وأضعف منه الحديث الذي بعده إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان فإن الله يقول إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله هذا أيضا حديث ضعيف لا يصح رفعه إلى رسول الله ﷺ لكنه يكفي في فضل المشي إلى المساجد ما سبق من الأحاديث الصحيحة الواضحة نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في العمل والموفقة لما يرضاه جل وعلا","vol":"5","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>باب فضل انتظار الصلاة</span>\n١٠٦١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لا يزال أحدكم في صلاة مادامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة متفق عليه\n١٠٦٢ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه رواه البخاري\n١٠٦٣ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أخر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل ثم أقبل علينا بوجه بعدما صلى فقال صلى الناس رقدوا ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان فضل انتظار الصلاة سواء كان ذلك بعد صلاة سابقة أو تقدم الإنسان إلى المسجد ينتظر الصلاة فقد بين النبي ﷺ في هذه الأحاديث أن الإنسان مادام ينتظر الصلاة فإنه في الصلاة وبين أيضا أن الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث تقول","vol":"5","page":67},{"text":"اللهم صل عليه اللهم اغفر له اللهم ارحمه وقوله ما لم يحدث قيل ما لم يحدث حدثا في الإسلام يعني ما لم يعص وقيل ما لم يحدث حدثا ينقص الوضوء لأنه إذا أحدث حدثا ينقض الوضوء &amp; فإنه يبطل الصلاة فيمنع أن يكون في صلاة وأيا كان ففيه دليل على فضيلة انتظار الصلاة بعد الصلاة وعلى فضيلة انتظار الصلاة وإن لم يكن بعد الصلاة فيؤخذ من هذا أنه ينبغي للإنسان أن يتقدم إلى المسجد ثم ذكر قصة تأخير النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل يعني أنه لم ينته منها حتى منتصف الليل والصحابة ينتظرون النبي ﷺ فلما انصرف من صلاته قال إن الناس صلوا وناموا وإنكم ما تزالون في صلاة ما انتظرتم الصلاة فكانت من وقت العشاء إلى نصف الليل أي إلى أن صلى النبي ﷺ والصحابة في انتظاره ولا يزالون في صلاة ما انتظروا الصلاة وفي هذا الحديث دليل على أن الأفضل تأخير صلاة العشاء وهو كذلك إلا إذا كان يشق على الناس أو على بعضهم فالأفضل أن يقدموا وعلى هذا فإذا كانوا جماعة في سفر أو في غير سفر أو في بلد لا تقام فيها جماعات فإن الأفضل أن تؤخر الصلاة إلى قريب من منتصف الليل لأن النبي ﷺ قال إن هذا لوقتها لولا أن أشق على أمتي وكان ﷺ في صلاة العشاء إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطئوا أخر والله الموفق","vol":"5","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>باب فضل صلاة الجماعة</span>\n١٠٦٤ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة متفق عليه\n١٠٦٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدث تقول اللهم صل عليه اللهم ارحمه ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة متفق عليه وهذا لفظ البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل صلاة الجماعة يريد بذلك ﵀ بيان فضل الصلاة مع الجماعة وقد اتفق العلماء على أن صلاة الجماعة من أفضل العبادات وأجل الطاعات لكن اختلفوا هل هي سنة أو واجب أو شرط لصحة الصلاة على أقوال ثلاثة ١ - أنها سنة إن قام بها الإنسان أثيب على ذلك وإن تركها فلا","vol":"5","page":69},{"text":"إثم عليه ٢ - أنها واجبة يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة فإن لم يفعل فهو إثم وصلاته صحيحة ٣ - أن الجماعة شرط لصحة الصلاة وأنه إذا لم يصل مع الجماعة فصلاته باطلة ولا تقبل منه وهذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورواية عن الإمام أحمد أن الإنسان إذا صلى وحده بدون عذر شرعي فإن صلاته لا تقبل كالذي يصلي بغير وضوء وعللوا ذلك بأن صلاة الجماعة واجبة والقاعدة أن من ترك واجبا في الصلاة بطلت صلاته لكن القول الراجح أنها واجبة يأثم الإنسان بتركها ولكنه إذا صلى وحده قبلت صلاته فليست شرطا لصحة الصلاة ويدل على هذا حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ووجه الدلالة أنه لو كانت صلاة المنفرد لا ثواب فيها ما صحت المفاضلة ولكن يأثم الإنسان الذي لا يصلي مع الجماعة وأما حديث أبي هريرة فبين النبي ﷺ أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المرء في بيت وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفا ولا منافاة بين الحديثين بل يؤخذ بالزائد لأن فضل الله واسع ثم بين ذلك وذلك أنه إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء يعني أتمه ثم خرج من بيته إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة الخطوة الواحدة فيها فائدتان","vol":"5","page":70},{"text":"١ - أنه يرفع له بها درجة ٢ - أنه يحط عنه بها خطيئة فإذا دخل المسجد وصلى لم تزل الملائكة تصل عليه مادام في مصلاه تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة وهذا أجر عظيم وفضل كبير لا ينبغي للرجل المؤمن العاقل أن يفرط فيه لو أنه قيل لك إن سلعتك إذا بعتها في بلدك بعتها بمائة وإذا بعتها في بلد آخر بالسفر إليه بعتها بمائة وعشرة لسافرت من أجل عشرة بالمائة ولم يشق عليك السفر والكثير من الناس والعياذ بالله حرموا الخير تجدهم قريبين من المسجد يتركون هذا الفضل العظيم وهذا المكسب العظيم الواحد بسبع وعشرين يعني أضعاف ومع ذلك لا يأتي إلى المسجد نسأل الله العافية وربح الدنيا مع قلته يسعى إليه ويهتم به مع أنه زائل فإن كل ما في الدنيا من نعيم فإما زائل عنك وإما زائل أنت عنه ولابد فما من نعيم دائم ولا إقامة دائمة ونعيم الآخرة باق ومع ذلك نجد بعض الناس يفرط فيه ولا يهتم به وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته\n١٠٦٦ - وعنه قال أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلي المسجد فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له","vol":"5","page":71},{"text":"فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال له هل تسمع النداء بالصلاة قال نعم قال فأجب رواه مسلم\n١٠٦٧ - وعن عبد الله وقيل عمرو بن قيس المعروف بابن أم مكتوم المؤذن ﵁ أنه قال يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال رسول الله تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح فحيهلا رواه أبو داود بإسناد حسن ومعنى حيهلا تعال\n١٠٦٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الثلاثة في بيان وجوب صلاة الجماعة وأن تكون في المسجد فمنها حديث أبي هريرة الأخير أن النبي ﷺ أقسم وهو الصادق البار بدون قسم أنه هم أن يأمر بالصلاة فتقام ثم يأمر رجلا فيصلي بالناس ثم ينطلق بحزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة","vol":"5","page":72},{"text":"فيحرق عليهم بيوتهم بالنار وهذا يدل على وجوب صلاة الجماعة لأن النبي ﷺ لا يهم هذا الهم إلا لترك أمر واجب ولا يخبر الناس بذلك إلا ليحذرهم من تركه ومخالفته وإلا لم يكن هناك فائدة وكونه ﷺ هم أن يعاقبهم هذه العقوبة دليل على تأكد الجماعة وأنها أمر مهم وقد روي بسند ضعيف أنه قال لولا ما فيها من النساء والذرية لكن هذا ضعيف ولكن يكفي أن يكون هم بذلك وأخبر الأمة به ثم من الذي تجب عليه الجماعة هو الذي يستطيع أن يصل إليها وهو يسمع النداء ولهذا استفتى النبي ﷺ رجل قال يا رسول الله إنني رجل أعمى وليس لي قائد يقودني إلى المسجد يريد أن يرخص له النبي ﷺ فرخص له فلما أدبر ناداه قال هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب فدل ذلك على وجوب صلاة الجماعة على الأعمى وأن العمى ليس عذرا في ترك الجماعة ودل ذلك أيضا على أنها تجب في المسجد وأنه ليس المقصود الجماعة فقط بل الجماعة وأن تكون في المسجد ودل ذلك أيضا على أن العبرة بسماع النداء ولكن المراد سماع النداء المعتاد وليس بالميكروفون","vol":"5","page":73},{"text":"ودل ذلك أيضا على أنه لا يصح افتداء من كان خارج المسجد بمن في المسجد ولو أمكنه أن يقتدي به يعني مثلا لو كان الإنسان عند بيت بجوار المسجد وهو يسمع تكبيرات الإمام فقال لابنه مثلا نصلي مع الإمام جماعة في بيتنا فإن ذلك لا يصح لأنه لابد من حضور المكان الذي تقام فيه الجماعة إلا أنه إذا امتلأ المسجد وصلى الناس في الأسواق فإن الذين خارج المسجد يكونون تبعا لمن في المسجد في اتصال الصفوف وإلا فبدون اتصال الصفوف فإن من كان خارج المسجد لا تصح صلاته مع أهل المسجد لابد من الحضور حتى لو كان يسمع كل التكبيرات فإذا قال قائل إذا كان مريضا ولا يستطيع الحضور لكن يسمع النداء بواسطة الميكروفون يتابع الإمام قلنا لا يصلي مع الإمام هو معذور في ترك الجماعة وإذا كان من عادته أنه يصلي مع الجماعة فإنه يكتب له ما كان يعمل لما كان صحيحا لقول النبي ﷺ من مرض وسافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما والله أعلم\n١٠٦٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال من سره أن يلقي الله تعالى غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن فإن الله شرع لنبيكم ﷺ","vol":"5","page":74},{"text":"سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف رواه مسلم وفي رواية له قال إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف ﵀ في باب فضل الجماعة هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود ﵁ هذا الأثر الذي كأنما يخرج من مشكاة النبوة كأنه من كلام الرسول ﷺ في سلاسته وحسنه ونظمه يقول ﵁ من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن وكلنا يسره أن يلقى الله تعالى مسلما مؤمنا به جل وعلا فمن أراد ذلك فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن أي في المكان الذي نادى به عليهن أي المسجد وذلك لوجوب صلاة الجماعة في المسجد فلا يجوز لأحد يقدر على أن يصلي في المسجد إلا وجب عليه إذا كان من أهل","vol":"5","page":75},{"text":"وجوب الجماعة كالرجال ثم ذكر ﵁ أن الله ﷾ شرع لنبيه ﷺ سنن الهدى يعني طرق الهدى فكل ما جاء به النبي ﷺ فهو هدى ونور شرعه الله له وإنهن يعني الصلوات الخمس من سنن الهدى وصدق ﵁ بل الصلوات الخمس أعظم سنن الهدى بعد الشهادتين لأن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين ثم قال لو أنكم صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم يعني لو أن كل واحد صلى في بيته كما صلى هذا المتخلف لتركنا السنة ولتعطلت المساجد ولانقطع الناس بعضهم عن بعض ولما تعارفوا ولا تآلفوا ولا حصل هذا المظهر العظيم في الدين الإسلامي ولكن من رحمة الله وحكمته أن شرع للعباد أن يصلوا جماعة كل يوم خمس مرات تلقى أخاك تسلم عليه ويسلم عليك وتقتدي معه على إمام واحد فهي نعمة عظيمة من أعظم روابط الأخوة في المودة والمحبة ثم قال ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق والمنافقون كثيرون لاسيما إذا اعتز الإسلام وقوي ما استطاع الإنسان أن يعلن كفره ولهذا لم يبرز النفاق ولم يكثر في عهده ﷺ إلا حين انتصر المسلمون في غزوة بدر لما انتصر المسلمون في غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة بدأ النفاق يظهر خاف الكفار على أنفسهم فصاروا يعلنون الإسلام حتى إنهم يأتون إلى الرسول ﷺ","vol":"5","page":76},{"text":"يقولون نشهد إنك لرسول الله فيقول الله ﷿ ﴿والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ يعني ما قالوا صدقا بل قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم &amp; قول ما يتخلف عنها إلا منافق لماذا يتخلف المنافق لأن المنافق لا يرجو ثوابا ولا يؤمن بالحساب فلا يحضرها ولهذا قال الرسول ﷺ أثقل الصلوات على المنافقين العشاء والفجر لأن صلاة العشاء لا يرى فيها الذي يتخلف ففي عهد النبي ﷺ لم يكن يوجد كهرباء ولا أنوار فيتخلف الإنسان ولا يدري عنه ثم إن صلاة العشاء والفجر تأتي في وقت الراحة والنوم فهي ثقيلة على المنافقين لا يأتون إليها ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ثم ذكر ﵁ أن الرجل من المسلمين يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف فهو رجل مريض لا يستطيع أن يمشى وحده يهادونه يمشون به وريدا وريدا حتى يقام في النصف فيصلي مع الجماعة ﵃ وبهذه الأعمال وغيرها ملكوا مشارق الأرض ومغاربها ولما تخلفت الأمة الإسلامية واختلفت قلوبها صارت إلى ما ترون الآن أمة ذليلة على أنهم يبلغون مليارا من البشر ومع ذلك هم في أذل ما يكون من الأمم","vol":"5","page":77},{"text":"لأنهم متفرقون بل بعضهم متعادون بل بعضهم يرى أن الآخر أشد عليه من اليهود والنصارى والعياذ بالله لأنهم متنازعون متفرقون لكن في عهد الرسول ﷺ لا يمكن أن يتخلف أحد عن الجماعة حتى ولو كان مريضا يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف فلو أننا عدنا إلى ما كان الصحابة عليه لصرنا أمه عزيزة مرموقة كل يخافها وكل يصانعها وكل يتودد إليها نسأل الله أن يعيد لنا مجدنا لديننا ويعيد لنا كرامتنا إنه على كل شيء قدير\n١٠٧٠ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذنب من الغنم القاصية رواه أبو داود بإسناد حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل الجماعة فيما نقله عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال ما من ثلاثة في قرية ولا بدو يعني ولا بادية لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان يعني معنى ذلك أنه إذا كان ثلاثة في قرية أو في بادية لا تقام فيهم الجماعة ولا","vol":"5","page":78},{"text":"الجمعة إلا استحوذ عليهم الشيطان فدل ذلك على أنه لا يجوز ترك الجماعة ولكن هذا الحديث يفيد أنه لا يجوز إذا كانوا ثلاثة فأكثر لكن هناك أحاديث أخرى تدل على أن الجماعة تجب إذا كانا اثنين فأكثر أما في الجمعة فلا تجب إلا إذا كانوا ثلاثة فأكثر في غير البرية أما البادية والمسافرون في البر فليس عليهم جمعة لكن القرى والأمصار فيها جمعة وأدنى ما يكون ثلاثة فإن قيل كيف يمكن أن تكون قرية أو مدينة ليس فيها إلا ثلاثة فالجواب يمكن هذا بأن تكون هذه المدينة مسافرين جاءوا للدراسة مثلا كما يوجد الآن في المجتمعات في بعض البلاد الخارجية يكون من فيها من المواطنين ثلاثة فقط والباقون كلهم مسافرون جاءوا للدراسة فهؤلاء تلزمهم الجمعة لأن فيها ثلاثة مواطنين وأما البادية فلا تجب عليهم الجمعة لأن الجمعة لا تكون إلا في القرى والأمصار ولهذا لم تكن البادية في عهد النبي ﷺ وهم حول المدينة يقيمون الجمعة وفي قوله وعليكم بالجماعة إنما يأكل الذئب القاصية من الغنم دليل على أنه لا ينبغي للمسلمين الافتراق والاختلاف وأنه واجب عليهم الاجتماع وأن الشرود عن الجماعة سبب في الهلاك لأن النبي ﷺ شبه ذلك بالقاصية من الغنم البعيدة يأكلها الذئب فتهلك فهكذا الذي يشذ عن الجماعة حتى لو برأي ينفرد به ويظن أن النصوص معه وتدل عليه فإن الواجب إذا رأى الإنسان في رأي أن النصوص وتدل على خلاف ما يراه الجمهور فالواجب عليه أن يعيد النظر مرة بعد أخرى إذ لا يمكن أن يكون","vol":"5","page":79},{"text":"الجمهور توهموا وأنت الذي أصبت ولهذا لما قال حذيفة لابن مسعود ﵁ إن قوما يعتكفون في البصرة والرسول ﷺ يقول لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد الحرام والنبوي والأقصى قال لعلهم ذكروا ونسيت وحفظوا فوهم ابن مسعود حذيفة وذلك لأن المسلمين يكادون كالمجمعين على أن الاعتكاف يصح في كل مسجد وأنه لو فرض صحة حديث حذيفة لكان معناه لا اعتكاف تاما إلا في هذه المساجد الثلاثة وإلا فلا يمكن أن يخاطب الله بالقرآن الكريم الأمة الإسلامية يقول ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ثم نقول لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد لا يحضرها ولا واحد بالمائة من المسلمين هذا خلاف البلاغة وخلاف الفصاحة لكن بعض الناس يحب الإغراب في الشيء يحب أن يذكر ومن أمثال العامة خالف تذكر هو إن شذ وخالف ما عليه الجماعة اشتهر ولهذا تجد بعض الناس يفتي بأقوال شاذة ما لها دليل مخالف للدليل ورأي الجمهور ثم يشتهر بهذا وقد شبه النبي ﷺ الشاذ عن الجماعة بالقاصية من الغنم يأكلها الذئب والله الموفق","vol":"5","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>باب الحث على حضور الجماعة في الصبح والعشاء</span>\n١٠٧١ - عن عثمان بن عفان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله رواه مسلم وفي رواية الترمذي عن عثمان بن عفان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة قال الترمذي حديث حسن صحيح\n١٠٧٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ولو يعلمون ما فيه العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا متفق عليه وقد سبق بطوله\n١٠٧٣ - وعنه قال قال رسول الله ﷺ ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا","vol":"5","page":81},{"text":"متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل صلاة الفجر وصلاة العشاء يعني في جماعة ونص على هاتين الصلاتين لما فيهما من الأجر الكثير ففي حديث عثمان بن عفان ﵁ أن الإنسان إذا صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما صلى الليل كله أي فكأنه قام يصلي الليل كله العشاء نصف الليل والفجر نصف الليل وهذا فضل عظيم يعني كأنك قائم الليل كله وأنت في فراشك إذا صليت الفجر في جماعة والعشاء في جماعة وقال ﷺ كما في حديث أبي هريرة لو يعلمون ما في العتمة وصلاة الفجر لأتوهما ولو حبوا العتمة هي العشاء والفجر معروف لو يعلمون ما فيهما من الأجر والثواب لأتوهما يحبون على الأرض كما يحبو الصبي لما فيهما من الأجر العظيم وكذلك الحديث الذي يعده لأبي هريرة أيضا أن أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر لأن المنافقين يصلون رياء وسمعه وصلاة العشاء والفجر ظلمة لا يشاهدون فهم يأتون إليهما كرها لكن الظهر والعصر والمغرب يأتون لأن الناس يشاهدونهم فهم يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا والعشاء والفجر ما فيهما مراءاة لأنها ظلمة وفي عهد النبي ﷺ لم تكن توجد أنوار ولا سرج فلا يشاهدهم أحد فيكون حضورهم العشاء","vol":"5","page":82},{"text":"والفجر ثقيلا عليهم لفوات المراءاة هذا من وجه ومن وجه آخر أن صلاة العشاء والفجر وقت الراحة والنوم ففي عهد الرسول ﷺ كان الناس لا يسهرون كما يسهر الناس اليوم ينامون مبكرين بعد صلاة العشاء والفجر يقومون ومنهم من يمن الله عليه بقيام ومنهم من يقوم لصلاة الفجر فهما ثقيلتان على المنافقين فينبغي للإنسان أن يحرص على صلاة العشاء والفجر لكن صلاة العشاء ليست أفضل من صلاة العصر فصلاة العصر أفضل ولهذا صارت صلاة الفجر قرينة للعصر وقرينة للعشاء فهي قرينة للعصر كما سبق من صلى البردين دخل الجنة وقال ﷺ إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس - الفجر - وصلاة قبل غروبها - العصر - فافعلوا وهي أي صلاة الفجر مع العشاء أيضا إذا اجتمعتا فكأنما قام الإنسان الليل كله وكذلك أيضا لو يعلم الناس ما في العشاء والفجر لأتوهما ولو حبوا فاحرص أخي المسلم على جميع الصلوات كن محافظا عليها فإن","vol":"5","page":83},{"text":"الله ﷿ يقول قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون فذكر الله الصلاة في أول الأوصاف الحميدة وفي آخرها وقال تعالى في سورة المعارج ﴿إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ ...\nوفي آخر الأوصاف الحميدة قال ﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾ وفي هذا يعرف أن الصلاة أعظم الأعمال بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله جعلني الله وإياكم من مقيمي الصلاة ومؤتي الزكاة المحافظين على أداء فرائض الله واجتناب محارمه","vol":"5","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبات والنهي الأكيد والوعيد الشديد في </span>تركهن\nقال الله تعالى ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ وقال تعالى ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾\n١٠٧٤ - وعن ابن مسعود ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل قال الصلاة على وقتها قلت ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله متفق عليه","vol":"5","page":85},{"text":"١٠٧٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب وجوب المحافظة على الصلوات والتحذير من إضاعتها الصلوات خمس كتبهن الله ﷿ على عباده في كل يوم وليلة لقوله ﵎ حين سأل النبي ﷺ ربه أن يخفف عن العباد قال هن خمس في الفعل خمسون في الميزان وسأل النبي ﷺ رجل عن الإسلام ومنه الصلوات فذكر له خمس صلوات قال هل علي غيرها قال لا إلا أن تتطوع وأرسل معاذا إلى اليمن وقال أخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة وقد أمر الله بالمحافظة عليها فقال حافظوا على الصلوات والصلوات الوسطى خصها لما لها من المزية والفضل والمراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر فسرها بذلك النبي ﷺ أعلم الخلق بكتاب الله وبمراده ولا قول لأحد بعد قول النبي ﷺ وقال تعالى ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ وليت المؤلف جاء بالآية الأخرى ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ لأن هذه الآية تدل على أن لم يقم الصلاة فهو كافر ثم ذكر حديث ابن مسعود ﵁ أنه سأل النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله قال الصلاة على وقتها يعني على الوقت المطلوب شرعا إن كان مما يطلب تقديمه فتقديمه أفضل وإن كان مما يطلب تأخيره أفضل والصلوات الخمس كلها الأفضل فيها التقديم إلا العشاء فالأفضل فيها التأخير ما لم يشق على الناس وإلا الظهر في شدة الحر فالأفضل فيها التأخير تيسيرا على الناس وتخفيفا عليهم أما الفجر والعصر والمغرب فالأفضل فيها التعجيل على كل حال لكن قال العلماء ﵏ من قام حين يسمع النداء يتوضأ ويتأهب للصلاة فهذا تقديم يعني ليس المعنى أنه من حين يؤذن نصلي المهم أن تستعد للصلاة من أول وقتها قال ابن مسعود ثم أي قال ﷺ بر الوالدين يعني الإحسان إليهما بالقول والمال والخدمة وغير ذلك قال ثم أي قال الجهاد في سبيل الله قال ابن مسعود ولو استزدته لزادني يعني لو طلب زيادة ثم أي ثم أي لزاده النبي ﷺ قال ذلك بناء على ما عرفه من قرينه الحال وفي الحديث دليل على إثبات المحبة لله ﷿ وأنه يحب الأعمال كما يحب العاملين وأن حبه يتفاوت ﷾ وفيه أن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله واجبه على واجبه وتطوعه على تطوعه فمثلا إذا كان الوالدان ليس عندهما من يعولهما ولا من يخدمهما وهما في ضرورة للولد فإنه يجب عليه أن يبقى ولا يجاهد وإذا كان عندهم من يقوم بخدمتهما وأمرهما فهذا بقاؤه عندهما مستحب ثم الجهاد وإذا احتاج إليه كان أفضل وإن لم يحتج إليه فبر الوالدين أفضل والله أعلم بالنسبة لصلاة الفجر المعروف أن التوقيت الذي يعرفه الناس الآن ليس بصحيح فالتوقيت مقدم على الوقت بخمس دقائق على أقل تقدير وبعض الإخوان خرجوا إلى البر فوجدوا أن الفرق بين التوقيت الذي بأيدي الناس وبين طلوع الفجر نحو ثلث ساعة فالمسألة خطيرة جدا ولهذا لا ينبغي للإنسان في صلاة الفجر أن يبادر في إقامة الصلاة وليتأخر ثلث ساعة أو ٢٥ دقيقة حتى يتقين أن الفجر قد حضر وقته\n١٠٧٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين باب فضل الصلوات الخمس والنهي الأكيد والوعيد الشديد على من ضيعهن ما رواه ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان هكذا رواه ابن عمر ﵄ وفي","vol":"5","page":88},{"text":"لفظ أنه قدم الصوم على الحج فعلى الأول بني البخاري ﵀ الترتيب الصحيح فبدأ بالحج قبل الصيام وأكثر الأحاديث على تقديم الصيام على الحج قوله ﷺ بني الإسلام يعني أنه شبه الإسلام بالقصر الذي له خمسة أعمدة ومعلوم أن الأعمدة هي أساس البنيان وأنه إذا فقدت الأعمدة تداعى البنيان وانهدم فإن بني على غير أعمدة بني بناء ضعيفا ولكن الإسلام بناء قوي محكم شرعه الله ﷿ لعباده وقال اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا هذه الدعائم وهذه الأعمدة الخمسة بينها ﷺ بقوله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يعني أن تشهد معترفا بلسانك مؤمنا بقلبك أنه لا معبود بحق إلا الله كل ما عبد من دون الله فهو باطل هناك أناس يعبدون الشمس وهناك أناس يعبدون القمر وهناك أناس يعبدون الشعرى وهناك أناس يعبدون البقر وهناك أناس يعبدون فروج النساء ...\nأمم مختلفة لكن من المعبود حقا الله ﷿ هو المعبود حقا هذا هو مقتضى الشرع ومقتضى العقل لأن الذي يستحق العبادة هو الذي خلق الخلق من الذي خلق الخلق الله ﷿ قال ﵎ ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ وقال تعالى ﴿أفرأيتم ما تمنون","vol":"5","page":89},{"text":"أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ لو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا جنبا واحدا ما استطاعوا بل قال ﷿ ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له سبحان الله كل المعبودات بالباطل على اختلاف أصنافها لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له هذا في القدر في الشرع قال الله ﵎﴾ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ﴿إذن لا أحد يستطيع أن يأتي بمثل كلام الله ولا أن يخلق مثل خلق الله﴾ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله إذن هذا الذي يوصف بكل هذه الأوصاف هو المستحق للعبادة هل يستحق العبادة شيء مدبر الشمس مدبره﴾ والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ﴿هل هي يستحق أن تعبد القمر هل يستحق أن يعبد النجم الشجر لا أحد يستحق","vol":"5","page":90},{"text":"فكل مخلوق حاج إبراهيم ﷺ قومه فلما جن عليه الليل وأظلم رأي كوكبا وكان من قومه من يعبد النجوم قال هذا ربي وكالعادة غاب الكوكب فلما أفل قال لا أحب الآفلين لأن الرب لا يغيب عن عباده فلما رأى القمر بازغا وهو أعلى النجوم إضاءة﴾ قال هذا ربي فلما أفل قال ﴿أي غاب﴾ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ﴿وهذا أشد من الأول جاء إلى شيء أكبر وهي الشمس وهم يعبدون أيضا فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي فلما أفلت غابت أعلن ﷺ التوحيد قال﴾ يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ﴿إذن لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله وكل ما يعبد من دون الله فهو باطل والعجيب أن هذه الأصنام التي تعبد يا إخواني أنها يوم القيامة تجمع وتحصب في نار جهنم كما يحصب الحصى وكذلك عابدوها يحصبون﴾ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ﴿نعم لو كانت هذه الأصنام آلهة حقا هل ترد النار","vol":"5","page":91},{"text":"وكذلك الذين يعبدونها لما جاءت هذه الآيات أراد المشركون أن يشبهوا بها قالوا عيسى ابن مريم يعبد إذن يلقى في النار فأنزل الله تعالى قوله﴾ وإن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها معبدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴿فعيسى ابن مريم ممن سبقت لهم من الله الحسنى لأنه أحد أولي العزم من الرسل المهم يا إخواني أن تعلموا أن كل من يعبد من دون الله فهو باطل سواء كان نجما أو وليا أو صالحا أو عالما أو رئيسا كل ما يعبد من دون الله فهو باطل عبادته باطلة فشهادة أن لا إله إلا الله تتضمن الإخلاص الذي لا تصح العبادة إلا به والمتابعة التي يتضمنها شهادة أن محمدا رسول الله ولهذا يعد هذا ركنا واحدا أما الثاني فهو إقامة الصلاة يعني الصلوات الخمس وما يتبعها من النوافل لكون الصلاة من أركان الإسلام والصلوات الواجبة بالإجماع وهي خمس الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء والجمعة تكون في محل الظهر وماعدا ذلك فمختلف فيه فالوتر اختلف العلماء هل هو واجب يأثم الإنسان بتركه أم سنة أم فيه تفصيل وهو أن من له ورد من الليل يجب عليه أن يوتر ومن ليس له ورد وإنما ينام إذا صلى العشاء إلى الفجر فهذا لا","vol":"5","page":92},{"text":"يجب عليه الوتر وأما صلاة الكسوف فمختلف فيها من العلماء من يقول واجبة ومنهم من يقول ليست بواجبة والصحيح أنها واجبة لأن النبي ﷺ أمر بها وفزع لما كسفت الشمس وصلاها صلاة غريبة لكنها فرض كفاية إذا قام بها من يكفي من أهل البلد سقطت من الباقين وكذلك أيضا اختلف العلماء ﵏ في تحية المسجد هل هي واجبة أم لا والقول بالوجوب قول قوي لكن يمنع القطع به أحاديث تدل على أنها ليست بواجبة مثل مجيء الإمام يوم الجمعة فإن النبي ﷺ يدخل المسجد يوم الجمعة ويصعد المنبر ويخطب الناس ويجلس ولا يصلي تحية المسجد وكذلك رويت أخبار أخرى تدل على عدم وجوب تحية المسجد وكذلك صلاة العيدين اختلف فيهما العلماء منهم من يقول إنها واجبة ومنهم من يقول إنها سنة ومنهم من يقول فرض كفاية المهم أن الصلوات المجمع على وجوبها هي الخمس والجمعة بدلا عن الظهر ومعنى إقامة الصلاة أن يأتي بها الإنسان في أوقاتها متمما شروطها وأركانها واجباتها ومكملا ذلك بمستحباتها هذا هو إقام الصلاة وأما إتياء الزكاة فهو إعطاء الزكاة لمستحقها والزكاة هي القسط من مالك الذي أوجبه الله عليك في الذهب والفضة والنقد وعروض التجارة والخارج من الأرض وبهيمة الأنعام فيجب أن تعطي الزكاة هذه لمستحقيها وقد بين الله المستحقين لها في قوله﴾ إنما الصدقات للفقراء","vol":"5","page":93},{"text":"والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ﴿وأما حج البيت فهو قصد مكة لأداء المناسك وقد فرضه الله ﷿ على هذه الأمة في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة وأما صوم رمضان فهو صوم الشهر الذي بين شعبان وشوال وفرض في السنة الثانية من الهجرة فهذه هي أركان الإسلام من أتى بها فهو المسلم وقد بنى على أساس متين ومن لم يأت بها فهو بين فاسق أو كافر فمن لم يأت بالشهادتين فهو كافر ومن لم يصل فهو كافر ومن منع الزكاة فهو فاسق ومن لم يحج فهو فاسق ومن لم يصم فهو فاسق والله الموفق﴾\n١٠٧٦ - وعنه قال قال رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله متفق عليه","vol":"5","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب المحافظة على الصلوات الخمس فيما نقله عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة أمرت الآمر له هو الله ﷿ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فالذي أمره بقتالهم هو الذي خلقهم وله أن يتصرف في ملكه كيف يشاء له أن يأمر بقتل هؤلاء وله أن يأمر بقتالهم إلى أن يسلموا فإذا أسلموا كف عنهم وهذا الحديث مخصوص بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وكذلك حديث بريدة بن الطفيل أن النبي ﷺ كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ﷿ وذكر الحديث وفيه أنهم إذا أرادوا الجزية فاقبلها وكف عنهم وعلى هذا فيقاتل الكفار إلى غايتين إما أن يسلموا وإما أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإن لم يفعلوا لا هذا ولا هذا وجب على المسلمين قتالهم وقتال","vol":"5","page":95},{"text":"المسلمين لهم بأمر الله الذي هو ربهم ورب الكافرين ليس تعصبا من المسلمين لدينهم وحق لهم أن يتعصبوا له لأنه دين الله ﷿ ودين غير المسلمين دين باطل منسوخ لا يقبله الله ﷿ من أي أحد كما قال تعالى ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ وقوله حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة سبق الكلام عليه إذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم وفي هذا دليل على أن الكفار إذا قوتلوا فأموالهم حلال لنا كما أننا نستبيح دماءهم فنستبيح أموالهم من باب أولى وكذلك أيضا نستبيح نساءهم وذرياتهم يكونون سبيا لنا ويكونون أرقاء للمسلمين لأننا نأخذهم بكلمات الله ﷿ بأمره ودينه وشرعه فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله وقد قاتل أبو بكر الصديق ﵁ مانعي الزكاة حتى راجعه الصحابة وراجعه عمر في ذلك ولكنه أصر على مقاتلتهم وقال والله لو منعوني عناقا أي ماعزا صغيرة وفي رواية عقالا وهي ما تربط به البعير كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم على ذلك يقول فلما رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال علمت","vol":"5","page":96},{"text":"أنه الحق فهذا دليل على أهمية الصلاة وأن الناس يقاتلون على تركها إلى أن يصلوا والله الموفق\n١٠٧٧ - وعن معاذ ﵁ قال بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين كتاب المحافظة على الصلوات حديث ابن عباس ﵄ عن معاذ بن جبل أنه بعثه النبي ﷺ إلى اليمن اليمن معروف جنوب الجزيرة العربية بعثه في السنة العاشرة من الهجرة في ربيع الأول ولما أراد أن يبعثه قال له إنك تأتي قوما من أهل الكتاب وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى لأن الله أنزل على اليهود التوراة وعلى النصارى الإنجيل وإنما أخبره بذلك ليكون مستعدا لهم","vol":"5","page":97},{"text":"لأن أهل الكتاب هم أعلم الناس في ذلك الوقت بشرائع الله فيجب على الإنسان أن يعرف حالهم حتى يمكن أن يجادلهم بما يفحمهم به وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وهذا هو مفتاح الإسلام وهذا لا يعني أن رسول الله ﷺ مختص بالرسالة فهناك رسل قبله موسى وهود وعيسى وغيرهم ولكن رسول الله هو خاتم النبيين وشريعته نسخت جميع الشرائع فلا نبي بعده ولا شريعة سوى شريعته فإن هم أطاعوك في ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة وهذا هو الشاهد فإن هم أطاعوك في ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم في أموالهم هذه إحدى روايات البخاري تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم الأغنياء هنا جمع غني وهم الذين يملكون نصابا زكاويا والغني في كل موضع بحسبه فيفسر في باب وجوب الزكاة بالنصاب الزكوي ويفسر في باب أهل الزكاة بأنه الذي يجد ما يكفيه وعائلته لمدة سنة فأكثر فإن واقفوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم يعني احذر أن تأخذ الطيب من الأموال بل خذ الوسط لا يظلمون ولا يظلمون لا تأخذ الردي من المستحقين للزكاة ولا الأجود فتظلم الذين تجب عليهم الزكاة خذ الوسط","vol":"5","page":98},{"text":"واتق دعوة المظلوم يعني إنك إن أخذت من كرائم أموالهم فقد ظلمتهم فيدعون عليك فاتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب فالله تعالى يستجيب لها ولو كانت من كافر المظلوم إذا دعا الله ولو كان كافرا فإن الله ينتقم له ممن ظلمه إما عاجلا وإما آجلا لأن هذا من باب إقامة العدل والله ﷾ أحكم الحاكمين ومن تمام حكمته العدل بين عباده فيأخذ للمظلوم من الظالم والشاهد من هذا الحديث قوله فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة والله الموفق\n١٠٧٨ - وعن جابر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة رواه مسلم\n١٠٧٩ - وعن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح","vol":"5","page":99},{"text":"١٠٨٠ - وعن شقيق بن عبد الله التابعي المتفق على جلالته ﵀ قال كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة رواه الترمذي في كتاب الإيمان بإسناد صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في التحذير من إضاعة الصلاة حديث جابر وحديث بريدة أما حديث جابر فقد قال النبي ﷺ إن بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة وحديث بريدة العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر فهذان الحديثان يدلان على أن تارك الصلاة كافر وأنه كافر مخرجا عن الملة فالذي لا يصلي أشد من اليهود والنصارى اليهود لو ذبحوا لأكل الإنسان ذبيحتهم والنصراني أيضا كذلك أما تارك الصلاة لو ذبح فإن ذبيحته لا تحل تارك الصلاة مثلا لو كان أنثى لا تصلي فإنه لا يحل للمسلم أن يتزوجها ولو كانت نصرانية جاز أن يتزوجها المسلم ولو كانت يهودية جاز أن يتزوجها أيضا المسلم تارك الصلاة لا يقر على ترك الصلاة بل يقال صل وإلا قتلناك واليهودي والنصراني يقر على دينه إما بمعاهدة أو استئمان أو ذمه فدل ذلك على أن ترك الصلاة أعظم من اليهودية والنصرانية هذا الأمر الذي","vol":"5","page":100},{"text":"يتهاون به الناس اليوم وليعلم أن الإنسان إذا ترك الصلاة ثم عقد له على امرأة فإن النكاح غير صحيح ولو جامعها فإنه يجامعها بزنى والعياذ بالله وكذلك لو عقد له وهو يصلي ثم ترك الصلاة انفسخ النكاح ووجب أن يفرق بينه وبين المرأة إلا أن يتوب ويعود إلى الإسلام فيبقى على نكاحه وليعلم أيضا أن تارك الصلاة إذا مات على ترك الصلاة فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين ولا يدعى له بالرحمة ولا تناله شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة ولكن ماذا نصنع به..\nهل نبقي جيفته للكلاب تأكلها ونحن نشاهده لا لأن هذا فساد لقلوب أقاربه لكن نخرج به برا ونحفر له حفرة ونغرسه فيها بثيابه بدون تكفين ولا تغتسل ولا صلاة عليه ولا كرامة له ولولا أن أهله يتأثرون لقلنا يبقي على وجه الأرض تأكله الكلاب والناس ينظرون إليه لكنه يرمى اتقاء لنتنه ورائحته وخبثه وإذا كان يوم القيامة قال النبي ﷺ أنه يحشر مع فرعون وهامات وقارون وأبي بن خلف وبهذا نعلم أن ترك الصلاة أمر عظيم وأنه يجب على من مات عنده ميت وهو لا يصلي أن يبعده عن مدافن المسلمين ولا يحل له أن يقدمه للمسلمين ليصلوا عليه وهو يعلم أنه مات لا يصلى أبدا فإن","vol":"5","page":101},{"text":"فعل فهو مسيء إلى المسلمين والمسلمون ليس عليهم إثم لأنهم ما علموا لأن الله قال ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون والذي لا يصلي كافر بالله ورسوله حتى لو قال أو من بأن الله موجود وأن محمدا رسوله لا يكفي لأن المنافقين يقولون مثل هذا الكلام ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكذبون﴾ ثم اعلم أنه إذا مات لك ميت وهو لا يصلي فإنه لا يحل لك من ميراثه شيء على قول أكثر أهل العلم لأن ميراثه ليس لأقاربه المسلمين كما أنه هو لو مات عنه قريب مسلم فإنه لا يرثه يعني مثلا إنسان مات وله ابن لا يصلي وله ابن عم بعيد يصلي من يرثه ابن العم البعيد وابنه لا يرث ولو مات عن أبيه وهو لا يصلي وله عم والولد غني ومات عن أبيه الذي لا يصلي وعمه المسلم الذي يصلي فالمال للعم لقول النبي ﷺ لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة كما حكاه عنهم عبد الله بن شقيق أو شقيق بن عبد الله قال كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفرا إلا الصلاة وقال","vol":"5","page":102},{"text":"النووي في هذا الرجل إنه متفق على جلالته وثقته وعدالته وتحريه وقد صرح علماؤنا المتأخرون كالشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بأنه كافر كفرا مخرجا عن الملة وأنه مرتد عن دين الإسلام ومع الأسف أن الناس الآن يتهاونون في هذا الأمر نسأل الله تعالى أن يهدينا لما فيه الخير والصلاح\nوعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر فإن انتقص من فريضته شيئا قال الرب ﷿ انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم تكون سائر أعماله على هذا رواه الترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا آخر حديث في باب فضل الصلاة والوعيد على من تركها والنهي الأكيد وفيه أن أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله يوم القيامة الصلاة وهذا بالنسبة لحق الله ﷿ فإن صلحت فقد أفلح ونجح وإلا فعلى العكس خاب وخسر والعياذ بالله أما بالنسبة لحقوق الآدميين فأول ما يقضى بين الناس في الدماء لأنها أعظم الحقوق الدماء يعني القتل ثم يأتي بقية المحاسبة","vol":"5","page":103},{"text":"على ما يبقى ولكن الله ﷿ إذا حاسب العبد على الصلاة وصحت أفلح ونجح وإلا خاب وخسر ثم يحمد الله ﷿ أن ينظر في أعماله هل له نوافل فإنها تكمل بها الفرائض ولهذا كان من فضل الله ورحمته ونعمته وإحسانه أن شرع لنا النوافل خلف الصلوات وقبلها وفي كل وقت إلا الأوقات المنهي عنها وذلك لأن الإنسان لابد أن يكون في صلاته خلل فيكمل بهذه النوافل فالظهر له أربع ركعات قبلها بتسليمين وركعتان بعدها وصلاة العصر ليس لها راتبه لكن لها سنة مطلقة كما قال النبي ﷺ بين كل أذانين صلاة صلاة المغرب لها راتبة بعدها ركعتان وسنة مطلقة قبلها صلاة العشاء بعدها ركعتان الفجر قبلها ركعتان صلاة الليل صلاة الوتر صلاة الضحى كل هذه النوافل يزداد بها أجر المصلي ويكمل بها النقص الذي حصل في الفريضة وهذه من نعمة الله ﷿ نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته","vol":"5","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها</span>\n١٠٨٢ - عن جابر بن سمرة ﵄ قال خرج علينا رسول الله ﷺ فقال ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها فقلنا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف رواه مسلم\n١٠٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لا ستهموا متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين باب فضل الصف الأول والتراص في الصفوف وتسويتها وإكمال الأول فالأول هذه مسائل متعددة بين ﵀ حكمها بما ساقه من أحاديث الحديث الأول عن جابر بن سمرة ﵁ قال خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها الملائكة لها عبادات متنوعة وهم عليهم الصلاة والسلام لا","vol":"5","page":105},{"text":"يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وتأمل قوله ﴿يسبحون الليل والنهار﴾ ولم يقل يسبحون في الليل والنهار لأنهم يستوعبون لوقت كله في التسبيح ومن عباداتهم عند ربهم أنهم يصفون عند الله ﷿ كما قال تعالى ﴿وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون﴾ وكيف صفوفهم قال النبي ﷺ يكملون الأول فالأول ويتراصون إذن فنحن إذا صففنا بين يدي الله في صلاتنا ينبغي أن نكون كالملائكة يكملون الأول فالأول ويتراصون الأول فالأول كما أنه من سنة الملائكة عند الله ﷿ ومما رغب فيه النبي ﷺ فهو من الأمور التي ينبغي أن يتزاحم الناس عليها لأن النبي ﷺ قال في حديث أبي هريرة لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول يعني من الأجر ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا يعني لو لم يجدوا طريقا يصلون إلى الصف الأول به إلا أن يجروا قرعة لفعلوا وهذا يدل على فضيلة الصف الأول ويدل على أن الأفضل التراص في الصفوف ويدل على أنه يكمل الأول فلأول فهذه ثلاث مسائل ينبغي للإنسان أن ينتبه لها ١ - ألا يقف في صف حتى يكمل الذي قلبه ٢ - في الصلاة يتراصون يلصق بعضهم كعبه بكعب أخيه ومنكبه بمنكبه حتى تتم المراصة لأنهم إذا لم يتراصوا تدخل","vol":"5","page":106},{"text":"الشياطين بينهم كأولاد الغنم الصغار ثم يشوشون عليهم صلاتهم ولكن يجب التنبه لمسائل ١ - ليس المراد بالمراصة المراصة التي تشوش على الآخرين وإنما المراد منها ألا يكون بينك وبينه فرجة ٢ - الصف الأول لا يجوز التقدم إليه بوضع المنديل أو الكتاب أو ما أشبه ذلك وكأنه أصبح ملكا له يحجزه دائما سواء جاء أو لا حتى إني سمعت بعض الناس عندنا هنا في الجمعة أنه جاء شخص متقدم فوجد المكان ليس فيه شيء فتقدم إليه وصف فيه فجاء صاحبه الذي كان من عادته أن يصلي فيه وكأنما اشتراه من كيسه فال لماذا تجلس هنا مكاني فقال الرجل لقد وجدت مكانا خاليا فجلست فيه فقال لا هذا مكاني..\nسبحان الله..\nاشتريته من مالك المساجد لله ﷿..\nمن جاء الأول فهو أحق وليس أحد أحق بمكانه من أحد أبدا والإنسان ينبغي له أن يتجنب هذه الأمور بل قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ أن التحجز حرام وأنه لا يجوز حتى بعض الفقهاء قال يتوجه أن لا تصح صلاته لأنه شبه مغصوب حيث إنه جلس في مكان لا يستحقه","vol":"5","page":107},{"text":"فقول الرسول ﷺ ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا معناه أنهم يتقدمون ويتسابقون ثم إن حجز الأماكن فيه مضرة فيقل الإنسان إن مكاني مضمون فينحرف عن الخير بناء على أن مكانه مضمون المهم بارك الله فيكم أن المراد من قول الرسول ﷺ لو يعلم الناس من في النداء والصف الأول من يتقدم بنفسه نعم إذا كان إنسا حاضر بالمسجد ولكنه أراد أن يبتعد عن الصف الأول لأجل أن يقرأ أو يصلي أو يراجع أو ينام ولا بأس بالنوم في المسجد فلا بأس لأنه مستحقة لكن يجب أن يصل إلى مكانه قبل أن تتصل الصفوف فيحتاج إلى تخطي الرقاب وقد رأى النبي ﷺ رجلا يتخطى الرقاب فقال اجلس فقد آذيتهم وفي حديث أبي هريرة الثاني دليل على جواز الاستهام في القرب يعني لو تنازع اثنان في الأذان وليس بينهما مؤذن راتب ومتساويان في الصفات المطلوبة في الأذان فحينئذ نقرع بينهما فمن خرجت له القرعة هو الذي يؤذن ومع الأسف أنك ترى بعض الناس الآن جماعة مسافرين أو ما أشبه ذلك كل واحد يقول للثاني أذن أنت وهو لا يعلم ما في الأذان من خير فهو الأذان لا يسمعه شجر ولا مضر ولا حجر إلا شهد لك يوم القيامة فينبغي أن تبادر للأذان","vol":"5","page":108},{"text":"نسأل الله لنا ولكم الخير وأن يجعلنا من المتسابقين للخيرات إنه على كل شيء قدير\n١٠٨٤ - وعنه قال قال رسول الله ﷺ خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها رواه مسلم\n١٠٨٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرا فقال لهم تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم لا يزال قوم","vol":"5","page":109},{"text":"يتأخرون حتى يؤخرهم الله رواه مسلم\n١٠٨٦ - وعن أبي مسعود ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم رواه مسلم\n١٠٨٧ - وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة متفق عليه وفي رواية للبخاري فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان فضل الصفوف نقلها النووي ﵀ في رياض الصالحين منها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها وذلك لأن صفوف النساء تكون خلف الرجال ذا هو السنة فإذا كان أولها فهو قريب من الرجال فيكون شرها وآخرها بعيد عن الرجال فيكون","vol":"5","page":110},{"text":"خيرها أما الرجال فكلما تقدموا فهو أفضل كما قال النبي ﷺ محذرا عن التأخر لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله وهذه خطيرة أن الإنسان كلما تأخر عن الصف الأول أو الثاني أو الثالث ألقى الله في قلبه محبة التأخر في كل عمل صالح والعياذ بالله ولهذا قال لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله فأنت يا أخي تقدم في الصف الأول فالأول وقوله في الحديث خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ما لم يكن النساء في مكان خاص لهن فإن خير صفوفهن أولها لأنه أقرب من الإمام ولا محذور فيه لأنهن بعيدات عن الرجال ثم ذكر أن النبي ﷺ كان يسوي مناكب أصحابه عند التكبير مناكبهم يعني أكتافهم ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم يعني أن اختلاف الناس بعضهم متقدم وبعضهم متأخر يوجب اختلاف القلوب وآخر الأحاديث أن الرسول ﷺ أمر بتسوية الصف وقال إن تسوية الصف من تمام الصلاة وهو كذلك وفي رواية إقامة الصفوف من تمام الصلاة فالذي ينبغي لنا أن نقيم صفوفنا وتكملة الأول فالأول والتراص حتى يكون ذلك من تمام صلاتنا والله الموفق","vol":"5","page":111},{"text":"١٠٨٨ - وعنه قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه وفي رواية للبخاري وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه","vol":"5","page":112},{"text":"١٠٨٩ - وعن النعمان بن بشير ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم متفق عليه وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ كان يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوما فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف فقال عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في تتمة باب إقامة الصفوف والحث على تسويتها وما يتعلق بذلك عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يسوي الصفوف فيقبل على الناس ويقول أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري فأمرهم ﷺ بإقامة الصفوف وأخبر أنه يراهم من وراء ظهره وهذا من خصائص النبي ﷺ أنه في هذه الحالة المعينة يرى الناس من وراء ظهره أما فيما سوى ذلك فإنه لا يرى من وراء ظهره شيئا وأخبر ﷺ في حديث النعمان بن بشير أنه إما أن تسووا الصفوف أو يخالفن الله بين وجوهكم فقال عباد الله لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم واختلف العلماء في قوله بين وجوهكم فقيل المعنى أن الله","vol":"5","page":113},{"text":"يعاقبهم بأن يجعل وجوههم نحو ظهورهم فتلوى الأعناق وقيل المعنى أي بين وجهات نظركم هو كالحديث الذي سبق لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وهذا المعنى أصح وأرجح فالرسول ﵊ نهى أن نختلف بل قال لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ومعلوم أن الاختلاف الظاهر يؤدي إلى اختلاف الباطن فإذا اختلف الناس فيما بينهم ظاهرا أدى ذلك إلى اختلاف القلوب وإذا اختلفت القلوب صار الشر والفساد والعياذ بالله وخلاصة هذا الباب كله أننا مأمورون بتسوية الصفوف على النحو التالي ١ - تسوية الصف بالمحاذاة بحيث لا يتقدم أحد على أحد ولهذا كان الصحابة يلصق أحدهم قدمه بقدم صاحبه ومنكبه بمنكبه وفي هذا الوصف دليل على فساد فهم هؤلاء الذين إذا وقفوا في الصف فتحوا بين أرجلهم حتى تكون القدم لاصقة بالقدم لكن المناكب متباعدة وهذا بدعة ليس من السنة السنة أننا نتراض جميعا بحيث يلصق الكعب بالكعب والمنكب بالمنكب ٢ - تسوية الصف بإكمال الأول فالأول بحيث لا يصف أحد في الصف الثاني والأول لم يتم أو في الثالث والثاني لم يتم ...\nإلخ ٣ - أن الأولى إذا اجتمع رجال ونساء أن تبتعد النساء عن الرجال فإن خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ٤ - سد الفرج ألا ندع للشياطين فرجا يدخلون من بينها لأن","vol":"5","page":114},{"text":"الشياطين تسلط على بني آدم ابتلاء من الله وامتحانا فإذا وجدوا فرجة في الصف تخللوا المصلين حتى يشوشوا عليهم صلواتهم ومن تمام الصفوف ٥ - إذا كانوا ثلاثة فإنه يتقدم أحدهم إماما ويكون الباقيان خلفه وإن كان بالغين أو صغيرين أو بالغ وصغير كلهم يكونون خلفه لأن ذلك ثبت عن النبي ﷺ في صلاة النفل وصلاة الفرض مثل صلاة النفل إلا إذا قام دليل على الفرق بينهما والله الموفق\n١٠٩٠ - وعن البراء بن عازب ﵄ قل كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وكان يقول إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول رواه أبو داود بإسناد حسن\n١٠٩١ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله رواه أبو داود بإسناد صحيح\n١٠٩٢ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال رصوا صفوفكم","vol":"5","page":115},{"text":"وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأردى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في تكمله هذا الباب الذي فيه بيان فضيلة الصف الأول وتكميل الأول فالأول من الصفوف فإن في هذه الأحاديث دليل على مسائل أن النبي ﷺ كان يمسح صدور أصحابه ومناكبهم ليسوي صفوفهم ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وكان ﷺ يتخلل الصف من ناحية يسوي بيده الكريمة وكان هذا عادته ولما كثر الناس في زمن أمير المؤمنين عمر ﵁ وفي زمن عثمان صار هناك رجال موكلون من قبل الخليفة يسوون الصفوف فإذا جاءوا إلى الإمام وقالوا إن الصفوف قد تمت وكملت كبر للصلاة وهذا دليل على عناية النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بالصفوف والتراص فيها وتسويتها وعدم فرجات الشيطان حتى تكون الصلاة تامة مستوية فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ومن إقامة الصلاة","vol":"5","page":116},{"text":"١٠٩٣ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر رواه أبو داود بإسناد حسن\n١٠٩٤ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم وفيه رجل مختلف في توثيقه\n١٠٩٥ - وعن البراء ﵁ قال كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه فسمعته يقول رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك رواه مسلم\n١٠٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ وسطوا الإمام وسدوا الخلل رواه أبو داود\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان الصفوف الأول وقد سبق أن النبي ﷺ أمر بأن يكمل الصف الأول فالأول وأخبر أن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول وفي حديث أنس بن مالك الذي نقله المؤلف في","vol":"5","page":117},{"text":"هذا الباب أن النبي ﷺ أمر أن نبدأ بالصف المقدم فالمقدم وما كان من نقص فليكن بالمؤخرة يعني أمرهم أن يتموا الصفوف الأول فالأول وما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر وهذا يدل على أن من وقف في الثاني قبل تمام الأول ولو كان معه غيره فإنه لم يصب السنة بل السنة ألا يكون أحد في الثاني حتى يتم الأول ولا في الثالث حتى يتم الثاني..\nإلخ هذه هي السنة وفي الأحاديث التي ذكرها المؤلف هنا أن النبي ﷺ قال إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف لكن هذا الحديث فيه رجل مختلف في توثيقه وعلى هذا فيكون ضعيفا وإن كان على شرط مسلم من حيث الإسناد لكن إذا كان فيه رجل مختلف بتوثيقه فليكن ضعيفا أما الحديث الأخير فالنبي ﷺ أمر أن يوسط الإمام فقال وسطوا الإمام يعني اجعلوه وسطا وهذا هو العدل ولهذا لما كان في أول الهجرة وكان الناس يصفون إذا كانوا ثلاثة صفا واحدا كان مشروعا أن الإمام يكون بينهم لا يكون متطرفا من حيث اليسار بل يكون بينهم فدل ذلك على أن توسيط الإمام له أهمية به نعرف أن ما","vol":"5","page":118},{"text":"يفعله بعض الناس الآن تجدهم يكملون الصف يمينا والأيسر ليس فيه إلا القليل هذا خلاف السنة السنة أن يكون اليمين واليسار متقاربين فإذا تساويا فهنا نقول الأيمن أفضل فإن زاد رجل أو رجلان في الإيمن فلا بأس أما أن يكون الأيمن تاما والأيسر ليس فيه إلا قليل فهذا خلاف السنة لأنه ليس فيه توسيط الإمام وقد عرفتم أن الحديث الذي فيه إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف فيه رجل قد اختلف في توثيقه ...\nوالله أعلم","vol":"5","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>باب فضل السنن الراتبة مع الفرائض وبيان أقلها وأكملها وما بينهما</span>\n١٠٩٧ - عن أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ﵄ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير الفريضة إلا بني الله له بيتا في الجنة أو إلا بني له بيت في الجنة رواه مسلم\n١٠٩٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد الجمعة وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء متفق عليه\n١٠٩٩ - وعن عبد الله بن مغفل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة وقال في الثالثة لمن شاء متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب فضل","vol":"5","page":120},{"text":"النوافل والسنن الراتبة التابعة للمفروضات واعلم أن من نعمة الله ﷿ أن شرع لعباده نوافل زائدة عن الفريضة لتكمل بها الفرائض لأن الفرائض لا تخلو من نقص ولولا أن الله شرعها لكانت بدعة لكن من نعمة الله أن شرع هذه النوافل حتى تكمل نقص الفرائض والنوافل أنواع متعددة وأجناس منها الرواتب التابعة للمفروضات وهي اثنتا عشرة ركعة أربع قبل الظهر يسلم بين كل ركعتين وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل صلاة الفجر من صلاهن في كل يوم وليلة بنى الله له بيتا في الجنة كما في حديث أم حبيبة ﵂ والأفضل أن تصلى هذه الرواتب في البيت للمأموم والإمام لأن النبي ﷺ قال أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة حتى لو كنت في مكة أو في المدينة فالأفضل أن تصلي هذه السنن الراتبة في بيتك لأن النبي ﷺ كان يصليها في بيته ويقول أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة وهناك نوافل تابعة للمفروضات لكنها ليست كهذه الرواتب وهو ما رواه عبد الله بن مغفل ﵁ أن النبي ﷺ قال بين","vol":"5","page":121},{"text":"كل أذانين صلاة ثلاث مرات وقال في الثالثة لمن شاء لئلا يتخذها الناس سنة راتبة وعلى هذا فيكون بين كل أذانين يعني الأذان والإقامة صلاة الفجر بين الأذان والإقامة سنة راتبة الظهر بين الأذان والإقامة سنة راتبة العصر ليس لها راتبة قبلها ولا بعدها لكن تدخل في هذا الحديث أن الإنسان إذا أذن للعصر فليصل ركعتين قبل الإقامة المغرب كذلك ليس لها سنة راتبة قبلها لكن يسن أن يصلي ركعتين بعد الأذان وقد ورد فيها حديث بخصوصها قال صلوا قبل المغرب ثلاثا وقال في الثالثة لمن شاء العشاء كذلك ليس لها راتبة قبلها لكن تدخل في الحديث أن يصلي بعد الأذان وقبل الإقامة ركعتين وإذا فاتت الرواتب التي قبل الصلاة فإنه يقضيها بعد ذلك وإذا كان للصلاة سنتان قبلها بعدها وفاتته الأولى فإنه يبدأ أولا بالبعدية ثم ما فاتته مثال ذلك دخل والإمام يصلي الظهر وهو لم يصل راتبة الظهر فإذا انتهت الصلاة يصلي أولا الركعتين اللتين بعد الصلاة ثم يقضي الأربع التي قبلها الجمعة قال ابن عمر ﵄ إن النبي ﷺ كان يصلي بعدها ركعتين وثبت عنه ﷺ أنه أمر أن يصلي الإنسان بعدها أربع ركعات فقال","vol":"5","page":122},{"text":"إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا فقال بعض العلماء يقدم القول وتكون راتبة الجمعة أربع ركعات وقال بعضهم يجمع بين القول والفعل فتكون راتبة الجمعة ست ركعات وقال بعضهم إن صليت في المسجد فأربع وإن صليت بالبيت فركعتان لأن الرسول ﷺ كان يصليها بالبيت ركعتين وقال صلوا بعد الجمعة أربعا فإن صلى بالمسجد فأربع وإن صلى بالبيت فركعتان والأمر في هذا واسع إن شاء الله لك ينبغي للإنسان أن يحرص على هذه السنن الراتبة لما فيها من الخير وتكميل ناقص الفرائض والله أعلم","vol":"5","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>باب تأكيد ركعتي سنة الصبح</span>\n١١٠٠ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة رواه البخاري\n١١٠١ - وعنها قالت لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر متفق عليه\n١١٠٢ - وعنها عن النبي ﷺ قال ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها رواه مسلم وفي رواية لهما أحب إلي من الدنيا جميعا\n١١٠٣ - وعن أبي عبد الله بلال بن رباح ﵁ مؤذن رسول الله ﷺ أنه أتى رسول الله ﷺ ليؤذنه بصلاة الغداة فشغلت عائشة بلالا بأمر سألته عنه حتى أصبح جدا فقام بلال فآذنه بالصلاة وتابع أذانه فلم يخرج رسول الله ﷺ فلما خرج صلى بالناس فأخبره أن عائشة شغلته بأمر سألته عنه حتى أصبح جدا وأنه أبطأ عليه بالخروج فقال يعني النبي ﷺ إني كنت ركعت ركعتي الفجر فقال يا رسول الله إنك أصبحت جدا فقال لو أصبحت أكثر مما","vol":"5","page":124},{"text":"أصبحت لركعتهما وأحسنتهما وأجملتهما رواه أبو داود بإسناد حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تأكيد ركعتي الصبح يعني سنة الفجر تمتاز سنة الفجر وهي ركعتان قبل الصلاة بأمور ١ - أنه يسن تخفيفهما فلو أطالهما الإنسان لكان مخالفا للسنة بل يخفف حتى كانت عائشة تقول أنه يخفف فيهما حتى أقول أقرأ بأم القرآن من شدة التخفيف ٢ - أنه يسن فيهما قراءة معينة إما قل يا أيها الكافرون في الركعة الأولى و﴿قل هو الله أحد﴾ في الثانية وإما ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ...\n﴾ البقرة و﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم..\n﴾ الآية آل عمران يعني مرة هذا ومرة هذا ٣ - ومنها أن النبي ﷺ لم يكن على شيء من النوافل يعني رواتب الصلوات أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر يتعاهدهما ﷺ ٤ - أن النبي ﷺ أخبر أنهما خير من الدنيا وما فيها وأحب إليه من الدنيا وما فيها ٥ - أن النبي ﷺ لم يكن يدعهما حضرا ولا سفرا كل هذا تتميز","vol":"5","page":125},{"text":"به سنة الفجر فينبغي للإنسان أن يحافظ عليها وأن يحرص عليها حضرا وسفرا وإذا فاتته قبل الصلاة فليصلهما بعدها إما في نفس الوقت وإما بعد ارتفاع الشمس قيد رمح وذكر عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر لكنهما بتسليمتين لأن الظهر راتبتها ست ركعات أربع قبلها واثنتان بعدهما فينبغي لنا أن نحرص على ما كان النبي ﷺ يحرص عليه وأن نفتدي بسنته ﷺ ما استطعنا فإن الله يقول ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ والله الموفق","vol":"5","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن والحث عليه </span>سواء كان تهجد بالليل أم لا\n١١١٠ - عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقة الأيمن رواه البخاري\n١١١١ - وعنها قالت كان النبي ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقة الأيمن هكذا حتى يأتيه المؤذن للإقامة رواه مسلم قولها يسلم بين كل ركعتين هكذا هو في مسلم ومعناه بعد كل ركعتين\n١١١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة قال الترمذي حديث حسن صحيح","vol":"5","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتي الفجر وسبق أن هاتين الركعتين تتميزان عن بقية الرواتب بميزات سبق ذكرها ومن مميزاتها أنه إذا صلى هاتين الركعتين اضطجع على شقة الأيمن كما قال النبي ﷺ يفعل ثبت ذلك عن عائشة ﵂ في الصحيحين أنه كان إذا صلى سنة الفجر اضطجع بعدها على الجنب الأيمن وفي حديث عائشة الثاني الذي رواه مسلم أنه كان ﷺ يصلي إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين وفي هذا دليل على وهم من توهم أنه إذا صلى إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا أربعا ثم ثلاثا بناء على حديثها ﵂ أنها قالت كان النبي لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا يسأل عن حسنهن وطولهن ثم أربعا فلا يسأل عن حسنهن وطولهن ثم ثلاثا فظن بعض الناس أنه يصلي أربعا جميعا ثم أربعا جميعا ثم ثلاثا وهذا وهم فقد أخذوا بظاهر الحديث فيحمل هذا على أنه يصلي أربعا على ركعتين ركعتين ثم يستريح ثم يصلي أربعا على ركعتين ركعتين ثم يستريح ثم يصلي ثلاثا هكذا يجب أن يحمل لأن الراوي عن النبي ﷺ في ذلك واحد وهي عائشة والفعل واحد فيجب حمل بعضها على بعض لتتفق السنة لا يقال إنه يفعل هذا مرة وهذا مرة لأن كلمة كان تدل على دوام الفعل","vol":"5","page":128},{"text":"غالبا وأما حديث أبي هريرة في أمر النبي ﷺ من صلى ركعتي الفجر أن يضطجع على جنبه الأيمن فهذا وإن كان الترمذي وأبو داود قد روياه وقال المؤلف إنه بأسانيد صحيحة فقد قال حبر الأمة وبحر العلوم العقلية والنقلية شيخ الإسلام ابن تيمية إن هذا حديث منكر وإنه لم يصح الأمر به عن النبي ﷺ وهذا هو الصحيح لأن الرسول لم يأمر بأن يضطجع الرجل إذا صلى سنة الفجر على جنبه الأيمن وقول المؤلف ﵀ في الترجمة لا فرق بين المتهجد وغيره إشارة إلى خلاف في ذلك وهو أن بعض العلماء قال يسن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مطلقا وبعضهم قال لا يسن مطلقا وبعضهم قال بالتفصيل إن كان له تهجد فإنه يسن له أن يضطجع بعدهما من أجل الراحة بعد التعب وإن لم يكن له تهجد فلا يضطجع ومن أعجب الأقوال وأغربها أن بعض العلماء قال إن الاضطجاع بعد سنة الفجر شرط لصحة صلاة الفجر وأن من لم يضطجع فصلاته باطلة وهذه من غرائب العلم وغرائب الأقوال ما الرابط بين هذا الاضطجاع وبين صلاة الفجر الجهة منفصلة عن الصلاة ولا علاقة لها بالاضطجاع لكن ذكرناه لأجل أن تعجبوا من آراء بعض أهل العلم ﵏ أنهم يقولون أقوالا لا يدل عليها نقل ولا عقل والصحيح هو ما قاله شيخ الإسلام أنه إذا كان الإنسان متعبا من تهجده فإنه يستريح","vol":"5","page":129},{"text":"يضطجع على جنبه الأيمن وهذا بشرط ألا يخشى أن يغلبه النوم فتفوته الصلاة فإن خشي فلا ينم","vol":"5","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>باب سنة الظهر</span>\n١١١٣ - عن ابن عمر ﵄ قال صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها متفق عليه\n١١١٤ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر رواه البخاري\n١١١٥ - وعنها قالت كان النبي ﷺ يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين رواه مسلم\n١١١٦ - وعن أم حبيبة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح\n١١١٧ - وعن عبد الله بن السائب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر وقال إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء","vol":"5","page":131},{"text":"فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح رواه الترمذي وقال حديث حسن\n١١١٨ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها رواه الترمذي وقال حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ باب سنة الظهر وذكر أحاديث متعددة كلها تدل على أن الظهر لها ست ركعات أربع قبلها بسلامين وركعتان بعدها وأنه إذا نسي الإنسان أو فاته الأربع القبلية فإنه يصليها بعد الظهر لأن الرواتب تقضى كما تقضى الفرائض ولكن قد ورد في حديث أخرجه ابن ماجه أنه يبدأ أولا بالسنة البعدية ثم السنة القبلية فمثلا جئت لصلاة الظهر والإمام يصلي ولم تتمكن من صلاة السنة القبلية نقول صل وبعد الانتهاء من الصلاة صلي الركعتين اللتين بعد الصلاة ثم صل ركعتين وركعتين للتي قبل الصلاة هذه هي السنة وفي هذه الأحاديث دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يحافظ على الرواتب لقول عائشة كان النبي ﷺ لا يدع أربعا قبل الظهر يعني لا يتركها إلا أنه في السفر لا يصلي سنة الظهر القبلية ولا البعدية لأن النبي ﷺ لم يكن يصلي راتبة الظهر إذا كان مسافرا والله الموفق","vol":"5","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>باب سنة العصر</span>\n١١١٩ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين رواه الترمذي وقال حديث حسن\n١١٢٠ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n١١٢١ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر ركعتين رواه أبو داود بإسناد صحيح","vol":"5","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>باب سنة المغرب بعدها وقبلها </span>تقدم في هذه الأبواب حديث ابن عمر وحديث عائشة وهما صحيحان أن النبي ﷺ كان يصلي بعد المغرب ركعتين\n١١٢٢ - وعن عبد الله بن مغفل ﵁ عن النبي ﷺ قال صلوا قبل المغرب قال في الثالثة لمن شاء رواه البخاري\n١١٢٣ - وعن أنس ﵁ قال لقد رأيت كبار أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب رواه البخاري\n١١٢٤ - وعنه قال كنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل المغرب فقيل أكان رسول الله ﷺ صلاهما قال كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا رواه مسلم\n١١٢٥ - وعنه قال كنا بالمدينة فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فركعوا ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما رواه مسلم","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>باب سنة العشاء بعدها وقبلها</span>\nفي حديث ابن عمر السابق صليت مع النبي ﷺ ركعتين بعد العشاء وحديث عبد الله بن مغفل بين كل أذانين صلاة متفق عليه كما سبق\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأبواب في بيان سنة العصر والمغرب والعشاء وقد سبق بيان سنة الفجر وسنة الظهر فأما العصر فمن السنن قبلها أن يصلي الإنسان أربع ركعات استئناسا بهذا الحديث رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا وهذه الجملة دعائية يعني أن النبي ﷺ دعا لمن صلى قبل العصر أربعا وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند أهل العلم لكنه يرجى أن ينال الإنسان الأجر إذا صلى هذه الأربع وأما المغرب فلها سنة قبلها وبعدها لكن السنة التي قبلها ليست راتبة والتي بعدها راتبة السنة التي قبلها فيها الحديث أن النبي ﷺ قال صلوا قبل المغرب ثلاثا وقال في الثالثة لمن شاء لئلا تتخذ سنة راتبة فإذا أذن المغرب فصل ركعتين سنة لكن ليست كالتي بعدها راتبة مؤكدة بل هي سنة إن تركها الإنسان فلا حرج وإن فعلها فلا حرج ولهذا قال أنس كان النبي ﷺ يرانا نصلي فلم يأمرنا ولم ينهنا","vol":"5","page":135},{"text":"وأما العشاء فلها سنة قبلها وبعدها لكن السنة قبلها ليست راتبة بل هي داخلة في عموم قول النبي ﷺ بين كل أذانين صلاة أما بعدها فيسن ركعتان فتبين بهذا أن الصلوات الخمس الفجر لها سنة قبلها وليس لها سنة بعدها الظهر لها سنة قبلها وبعدها العصر ليس لها سنة قبلها ولا بعدها يعني راتبة لكن لها سنة غير راتبة قبلها وأما بعدها فهو وقت نهي المغرب لها سنة بعدها أي راتبة وقبلها غير راتبة العشاء لها سنة بعدها يعني راتبة وقبلها وليست براتبة هذه هي السنن التابعة للمفروضات ومن فوائدها أنه إذا حصل نقص بالفرائض فإنها تكملها","vol":"5","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>باب سنة الجمعة</span>\nفيه حديث ابن عمر السابق أنه صلى مع النبي ﷺ ركعتين بعد الجمعة متفق عليه\n١١٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا رواه مسلم\n١١٢٧ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب سنة الجمعة الجمعة صلاة مستقلة ليست هي الظهر ولهذا لا يجمع العصر إليها يعني إذا كان الإنسان مسافرا ومرر ببلد وصلى معهم الجمعة فلا تجمع العصر إليها لأنها مستقلة والسنة إنما جاءت بالجمع بين الظهر والعصر لا بين الجمعة والعصر ولأنها أي الجمعة تختلف عن سائر الصلوات بما يشرع قبلها وبعدها وفي يومها فلا سنة يعني ليس لها راتبة إذا جاء الإنسان إلى المسجد يصلي ما شاء إلى أن يحضر الإمام من غير عدد معين يصلي","vol":"5","page":137},{"text":"يقرأ حتى يأتي الإمام سواء صلى ركعتين أم أربعا أم ستا على حسب نشاطه وأما بعدها فلها سنة راتبة والسنة الراتبة التي بعدها ركعتان بالبيت لقول ابن عمر ﵄ كان النبي ﷺ إذا صلى الجمعة لا يصلي بعدها شيئا حتى ينصرف إلى بيته فيصلي ركعتين وفي حديث أبي هريرة الذي ذكره المؤلف أن النبي ﷺ قال إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا فاختلف العلماء ﵏ هل سنة الجمعة أربع ركعات بسلامين أم ركعتان فمنهم من قال إنها أربع ركعات لأن هذا هو الذي أمر به النبي ﷺ وأما الركعتان فهما فعله وأمره مقدم على فعله فتكون أربع ركعات ومنهم من قال هي ركعتان فقط لأن هذا هو الذي ذكره ابن عمر ﵄ وأما الأربع فليست براتبة ومنهم من فضل فقال إن صلى في المسجد سنة الجمعة صلى أربعا وإن صلى بالبيت صلى ركعتين وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه ومنهم من قال يجمع بين هذا وهذا فيصلي أربعا بأمر النبي ﷺ ويصلي ركعتين بفعله فتكون السنة بعد الجمعة ست ركعات والله الموفق","vol":"5","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>باب استحباب جعل النوافل في البيت سواء الراتبة وغيرها والأمر بالتحول </span>للنافلة من موضع الفريضة أو الفضل بينهما بكلام\n١١٢٨ - عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة متفق عليه\n١١٢٩ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا متفق عليه\n١٢٣٠ - وعن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف ﵀ الرواتب التابعة للمفروضات بين في هذا الباب أن الأصل للإنسان أن يصلي في بيته وذكر في ذلك أحاديث منها","vol":"5","page":139},{"text":"أن النبي ﷺ قال صلوا في بيوتكم صلوا في بيوتكم فأمر أن يصلى في البيت فإن صلاة المرء في بيته أفضل إلا المكتوبة فدل ذلك على أن الإنسان ينبغي له أن تكون جميع رواتبة في بيته سواء الرواتب أو صلاة الضحى أو التهجد أو غير ذلك حتى في مكة والمدينة الأفضل أن تكون الرواتب في البيت أفضل من كونها في المسجد في المسجد الحرام أو المسجد النبوي لأن النبي ﷺ قال هذا وهو في المدينة والصلاة في مسجده خير من ألف صلاة إلا المسجد الحرام وكثير من الناس الآن يفضل أن يصلي النافلة في المسجد الحرام دون البيت وهذا نوع من الجهل فمثلا إذا كنت في مكة وأذن لصلاة الفجر وسألك سائل هل الأفضل أن تصلي الراتبة في البيت أو أذهب إلى المسجد الحرام قلنا الأفضل في البيت سنة الضحى أفضل في المسجد الحرام أم في البيت قلنا في البيت التهجد أفضل في المسجد الحرام أم في البيت قلنا في البيت وهلما جرا إلا الفرائض فالفرائض لابد أن تكون في المساجد ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الأخير فإنه جاعل في صلاته في بيته خيرا يعني أن البيت إذا صليت فيه جعل الله فيه خيرا جعل الله في صلاتك فيه خيرا من هذا أن هلك إذا رأوك تصلي اقتدوا بك وألفوا الصلاة وأحبوها ولاسيما الصغار منهم ومنها أن الصلاة في البيت أبعد من الرياء فإن الإنسان في المسجد يراه الناس وربما يقع في قلبه شيء من الرياء أما في البيت فإنه أقرب إلى الإخلاص وابعد عن الرياء ومنها أن الإنسان إذا صلى في بيته وجد فيه الراحة راحة قلبية وطمأنينة وهذا لا شك","vol":"5","page":140},{"text":"أنها تزيد في إيمان العبد فالمهم أن الرسول ﷺ أمرنا أن نصلي في بيوتنا إلا الفرائض كذلك يستثني من ذلك النوافل قيام رمضان فإن الأفضل في قيام رمضان أن يكون جماعة في المساجد مع أنه سنة وليس بواجب لكن دلت السنة على أن قيام رمضان في المسجد أفضل فإن الرسول ﷺ صلى بأصحابه ثلاث ليال أو ليلتين ثم تخلى وقال إني خشيت أن تفرض عليكم والله الموفق\n١١٣١ - وعن عمر بن عطاء أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة فقال نعم صليت معه الجمعة في المقصورة فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إلي فقال لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تصلها حتى تتكلم أو تخرج فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي ذكره ﵀ في استحباب الفصل بين الفرض والسنة حديث معاوية ﵁ أنه رأى رجلا صلى الجمعة ثم قام فصلى يعني السنة فدعاه معاوية وأخبره أن النبي ﷺ أمر ألا توصل صلاة","vol":"5","page":141},{"text":"بصلاة حتى نخرج أو نتكلم فمثلا إذا صليت الظهر الظهر لها راتبة بعدها وأردت أن تصلي الراتبة لا تصل في مكانك قم في محل آخر أو اخرج إلى بيتك وهو أفضل أو على الأقل تكلم لأن النبي ﷺ نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يخرج الإنسان أو يتكلم ولهذا قال العلماء يسن الفصل بين الفرض وسنته بكلام أو انتقال من موضعه والحكمة من ذلك ألا يوصل الفرض بالنفل فليكن الفرض وحده والنفل وحده حتى لا يختلط هكذا قال أهل العلم ﵏ والله الموفق","vol":"5","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>باب الحث على صلاة الوتر وبيان أنه سنة مؤكدة وبيان وقته</span>\n١١٣٢ - عن علي ﵁ قال الوتر ليس بختم كصلاة المكتوبة ولكن سنة سنة رسول الله ﷺ قال إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n١١٣٣ - وعن عائشة ﵂ قالت من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أول الليل ومن أوسطه ومن آخره وانتهى وتره إلى السحر متفق عليه","vol":"5","page":143},{"text":"١١٣٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال أوتروا قبل أن تصبحوا رواه مسلم\n١١٣٦ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي صلاته بالليل وهي معترضة بين يديه فإذا بقي الوتر أيقظها فأوترت رواه مسلم وفي رواية له فإذا بقي الوتر قال قومي فأوتري يا عائشة\n١١٣٧ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال بادروا الصبح بالوتر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح\n١١٣٨ - وعن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن","vol":"5","page":147},{"text":"صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بقية ما يتعلق بالوتر ذكرها المؤلف في رياض الصالحين منها أن النبي ﷺ قال أوتروا قبل أن تصبحوا لأن الوتر ينتهي وقته بطلوع الفجر فإذا طلع الفجر فلا وتر حتى ولو بين أذان الفجر والإقامة لا وتر ولكن إذا طلع الفجر والإنسان لم يوتر فإنه يصلي في النهار شفعا إن كان يوتر بثلاث صلى أربعا إن كان يوتر بخمس صلى ستا إن كان يوتر بسبع صلى ثماني لقول عائشة ﵂ كان النبي ﷺ إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة واعلم أن الوتر له صفات الصفة الأولى أن يوتر بواحدة فقط وهذا جائز ولا يكره الوتر بها الثانية أن يوتر بثلاث وله الخيار إن شاء سلم من الركعتين ثم أتى بالثالثة وإن شاء سردها سردا بتشهد واحد الثالثة أن يوتر بخمس فيسردها سردا لا يتشهد إلا في آخرها الرابعة أن يوتر بسبع فيسردها سردا لا يتشهد إلا في آخرها الخامسة أن يوتر بتسع فيسردها سردا لكن يتشهد بعد الثامنة ولا","vol":"5","page":148},{"text":"يسلم ثم يصلي التاسعة ويسلم السادسة أن يوتر بإحدى عشرة فيسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة هذه صفة الوتر وقد سبق أنه سنة مؤكدة وأن من العلماء من أوجبه فلا تضيع الوتر ثم إن كنت ترجو أن تستوتر من آخر الليل فاجعل الوتر في آخر الليل وإن كنت تخاف ألا تقوم فاجعل الوتر من أول الليل لا تنم إلا موترا ولهذا أوصى النبي ﷺ أبا هريرة أن يوتر قبل أن ينام لأن أبا هريرة كان يقرأ أحاديث الرسول ﷺ في أول الليل وينام في آخره فأمره النبي ﷺ أن يوتر قبل أن ينام واعلم أن الوتر سنة في الحضر والسفر حتى في السفر لا تتركه ومن ذلك ليلة المزدلفة فإن الإنسان إذا صلى العشاء فإنه يصلي المغرب والعشاء جمعا ثم يوتر وإن كان جابر ﵁ لم يذكره في حديثه لكن الأصل بقاء ما كان على ما كان وأن الرسول ﷺ لا يدع الوتر حضرا ولا سفرا والله الموفق","vol":"5","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>باب فضل صلاة الضحى وبيان أقلها وأكثرها وأوسطها والحث على المحافظة </span>عليها\n١١٣٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد متفق عليه.\nوالإيتار قبل النوم إنما يستحب لمن لا يثق بالاستيقاظ آخر الليل فإن وثق فآخر الليل أفضل..\n١١٤٠ - وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى رواه مسلم.\n١١٤١ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله رواه مسلم.\n١١٤٢ - وعن أم هانئ فاختة بنت أبي طالب ﵂ قالت ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل فلما فرغ من غسله صلى ثماني","vol":"5","page":150},{"text":"ركعات وذلك ضحى.\nمتفق عليه وهذا مختصر لفظ إحدى روايات مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n باب فضل صلاة الضحى وبيان أقلها وأكثرها وأوسطها صلاة الضحى هي: ركعتان أو أكثر تفعلان من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى قبيل الزوال.\nوارتفاع الشمس قدر رمح يكون بمقدار ربع ساعة أو نحوها بعد طلوع الشمس فمن ثم يبدأ وقت صلاة الضحى إلى أن يبقى على الزوال عشر دقائق أو قريب منها.\nكل هذا وقت لها لكن فعلها في آخر الوقت أفضل لقول النبي ﷺ: صلاة الأوابين حين ترمض الفصال والفصال: أولاد النوق، وترمض يعني: تشتد عليها الرمضة.\nوهذا في آخر الوقت.\nوهذه من الصلوات التي يسن تأخيرها ونظيرها في الفرائض صلاة العشاء فإن صلاة العشاء لها أن تؤخر في آخر وقتها إلا إذا شق على الناس.\nوصلاة الضحى مما عهد النبي ﷺ إلى بعض أصحابه عهد بها إلى أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي ذر قال النبي ﷺ لأبي هريرة رضي الله","vol":"5","page":151},{"text":"عنه حين أوصاه قال: أوصاني بثلاثة: صيام ثلاثة أيام من كل شهر ولم يعين وقتها من الشهر ولهذا قالت عائشة: كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر لا يبالي أصامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره &amp;.\nولا فرق بين أن تكون متوالية يعني متتابعة أو متفرقة كلها يحصل بها الأجر، لكن أفضل هذه الأيام الثلاثة أيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.\nوأوصاه ﷺ بركعتي الضحى ركعتان يركعهما ما بين ارتفاع الشمس قدر رمح إلى قبيل الزوال.\nوالثالث بأن توتر قبل أن تنام وإنما أوصاه بالوتر قبل أن ينام لأن أبا هريرة ﵁ كان يدرس في أول الليل أحاديث رسول الله ﷺ فلا ينام إلا متأخرا ويخشى ألا يقوم من آخر الليل فلهذا أوصاه أن يوتر قبل أن ينام الشاهد من هذا وركعتي الضحى.\nثم ذكر حديث أبي ذر أنه يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس.\nالسلامى هي الأعضاء أو العظام والمفاصل وقد ذكر العلماء السابقون ﵏ أن في كل إنسان ثلاثمائة وستين مفصلا كل مفصل يطالبك كل يوم بصدقة لأن الذي أحياه ﷿ وأمده وعافاه له","vol":"5","page":152},{"text":"عليك منة وفضل، كل يوم كل عضو يطالبك بصدقة، لكنها ليست بصدقة مال، بل هي كل ما يقرب إلى الله من قول أو عمل أو بذل مال أو غير ذلك فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة فكل ما يقرب إلى الله فهو صدقة، ومثل هذا يسير على المرء أن يؤدي ثلاثمائة وستين صدقة كل يوم قال: ويجزئ من ذلك يعني بدلا عن ذلك يجزئ ركعتان يركعهما في الضحى هذه نعمة كبيرة بدلا من أن تطالب عن كل عضو من أعضائك بصدقة يكفيك أن تصلي ركعتين من الضحى.\nوهذا يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يواظب عليهما أي على ركعتي الضحى حضرا وسفرا.\nولكن هل لها عدد معين؟ نقول إن أقلها ركعتان، وأما أكثرها فما شاء الله، لو تبقى تصلي كل الضحى، فأنت على خير ولهذا تقول عائشة ﵂ كان النبي ﷺ يصلي من الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله، ولم تحدد.\nوأما قول من قال: إن أكثرها ثمان، ففيه نظر، لأن حديث أم هانئ في فتح مكة: أن رسول الله ﷺ صلى ثماني ركعات، لا يدل على أن هذا هو أعلاه، فقد وقع اتفاقا وما يقع اتفاقا ليس فيه دليل على الحصر.\nوعلى هذا فنقول: أقلها ركعتان ولا حد لأكثرها، صل ما شئت، لكن كان النبي ﷺ يصلي أربعا وربما صلى ثماني فينبغي للإنسان أن يغتنم عمره بصالح الأعمال لأنه سوف يندم إذا جاءه الموت أن أمضى","vol":"5","page":153},{"text":"ساعة من دهره لا يتقرب بها إلى الله ﷿ كل ساعة تمر عليك وأنت لا تتقرب إلى الله بها فهي خسارة لأنها راحت عليك لم تنتفع بها.\nفانتهز الفرصة بالصلاة والذكر وقراءة القرآن والتعلق بالله ﷿ اجعل قلبك دائما مع الله ﷾ ربك في السماء وأنت في الأرض لا تغفل عن ذكر الله بلسانك وفي فعالك وبجنانك بالقلب فإن الدنيا زائلة لن تبقى لأحد.\nانظر الأولين من سبقك من الأمم السابقة والماضية البعيدة المدى وانظر من سبقك من أصحابك بالأمس كانوا معك يتمتعون ويأكلون كما تأكل ويشربون كما تشرب والآن هم في أعمالهم مرتهنون وأنت سيأتي عليك هذا طالت الدنيا أم قصرت قال تعالى: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فانتهز الفرصة يا أخي انتهز الفرصة لا ينفعك يوم القيامة لا مال ولا بنون ولا أهل لا ينفعك إلا أن تأتي الله بقلب سليم أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يأتي ربه بقلب سليم وأن يتوفانا &amp; على الإيمان والتوحيد إنه على كل شيء قدير","vol":"5","page":154},{"text":"/٠L٢ باب الحث على صلاة تحية المسجد بركعتين وكراهية الجلوس قبل أن يصلي ركعتين في أي وقت دخل/٠\n١١٤٤ - عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين متفق عليه.\n١١٤٥ - وعن جابر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: صل ركعتين متفق عليه.","vol":"5","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>باب استحباب ركعتين بعد الوضوء</span>","vol":"5","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيب والتبكير إليها والدعاء </span>يوم الجمعة والصلاة على النبي ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة ...\nقال الله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب فضل الجمعة وذكر أشياء من خصائص يوم الجمعة، ويوم الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، وهو اليوم الذي خصت به هذه الأمة، وأضل الله عنه اليهود والنصارى، اليهود كان لهم السبت، والنصارى كان لهم الأحد، فكانوا تبعا لنا مع أنهم قبلنا في الزمن، وهذا من فضائل هذه الأمة ولله الحمد، وهذا اليوم هو يوم الخصائص، ويوم السبت والأحد ليس فيه خصائص، لكن ضل اليهود والنصارى عن يوم الجمعة، فصار لنا ولله الحمد والمنة.\nويوم الجمعة له خصائص متعددة، ومن أحسن من ذكرها ابن القيم ﵀ في زاد المعاد فليرجع إليه فإنه واف شاف.\nثم صدر المؤلف ﵀ هذا الباب بقول الله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا في فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وكان هذا آخر آية سبقت وهو قوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة..\n..\n﴾ فخاطب الله المؤمنين أن يتركوا البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، والمراد به النداء الثاني الذي يكون إذا حضر الإمام أما &amp; النداء الأول فإن عثمان بن عفان ﵁ لم كثر &amp; الناس في المدينة أمر أن يؤذن أذان سابق ليستعد الناس للحضور فكان هذا من سنة الخليفة الراشد عثمان الذي أمرنا باتباع سنته كما قال النبي ﷺ: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ولقد ضل من قال إنه بدعة، وسفه الصحابة ﵃ وسفه الخليفة الراشد، ونحن نقول له: أنت المبتدع في هذا القول الذي ادعيت أن هذا بدعة وكيف يكون بدعة وقد سماه الرسول ﷺ سنة، سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.\nلكن هؤلاء سفهاء الأحلام وإن كانوا كبار السن، كيف تضلل الصحابة ﵃ بقائدهم عثمان بن عفان، وتدعي أنك أنت صاحب السنة؟، بل أنت صاحب البدعة في هذا القول.\nيقول ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر","vol":"5","page":159},{"text":"الله﴾ والمراد بذكر الله: الخطبة والصلاة أما الخطبة فيذكر الله فيها بالتشهد وذكر الأحكام والموعظة وغير ذلك، وأما ذكر الله في الصلاة فهذا ظاهر: ﴿وذروا البيع﴾ اتركوا البيع، ولهذا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع إلا على من لا تجب عليه كالنساء مثلا، وأما من تجب عليه الجمعة فإنه يحرم عليه البيع ولو باع لم يصح، حتى لو كان في طريقه إلى المسجد، وسمع أذان الجمعة ومعه زميل له فتبايعا فإن البيع باطل لا ينتقل به المبيع إلى المشتري ولا الثمن إلى البائع لأنه باطل وكل شيء نهى الله عنه فهو باطل لقول النبي ﷺ: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ يشمل، المسافر الذي في البلد إذا سمع أذان الجمعة يجب أن يحضر الجمعة، لأنه مؤمن، فمن الذي أخرجه، فإذا قال أنا مسافر قلنا ألست مؤمنا؟ فيقول: بلى إذا قال: بلى، قلنا اسمع ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم﴾ يعني خير لكم من البيع لأن فيه إقامة شعيرة من شعائر الإسلام وقياما بواجب فهو خير من البيع &amp; ﴿إن كنتم تعلمون﴾ يعني إن كنتم من ذوي العلم فاعلموا أنه خير، والمراد بهذه الجملة الشرطية الحث على ترك البيع والتوجه إلى الجمعة.","vol":"5","page":160},{"text":"﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ يعني انتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله في البيع والشراء لكن لا يلهيكم ذلك عن ذكر الله.\nولهذا قال: ﴿واذكروا الله كثيرا﴾ يعني: لا تظنوا أنكم إذا فرغتم من ذكر الله في الخطبة والصلاة أنكم انتهيتم من ذكر الله، لا، ذكر الله في كل حال وفي كل وقت وفي كل مكان، قال الله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ من ذوي الألباب؟ ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ فالحاصل أنه إذا قضيت الصلاة فلا جلوس بعدها ملزم، اخرج، ابتغ الرزق، ابتغ من فضل الله، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا قدم الصلاة على البيع والشراء ثم اشترى وباع بعد ذلك فإنه يرزق، لأنه قال: ﴿وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا","vol":"5","page":161},{"text":"لعلكم تفلحون﴾ وفي هذا إشارة إلى أنه لا خطبة بعد صلاة الجمعة، لأن الله قال: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ ما في خطبة ولا كلام ولا موعظة تكفي المواعظ التي في الخطبة التي قبل الصلاة والتي كانت مشروعة في هدي النبي ﷺ ولهذا قال الإمام أحمد ﵀ إذا تكلم أحد بعد الصلاة فلا تستمع له إلا أن يكون كتابا من السلطان، لأن الكتابات الموجهة من السلطان لابد أن تستمعها الرعية، لأن السلطان له حق على","vol":"5","page":162},{"text":"الرعية يوجهها ويدلها على الخير، أما غير ذلك من النصائح فإن في الخطبتين كفاية، خير الهدي، هدي من؟ محمد ﷺ ولم يكن يخطب بعد الصلاة، ولم يرو عنه ذلك بحرف صحيح ولا ضعيف.\nيوجد بعض الناس يتخذها سنة راتبة، كلما انتهت صلاة الجمعة قام يتكلم، فتكون الجمعة فيها كم خطبة؟، ثلاث خطب، من أين هذا؟ أما لو طرأ أمر لابد منه، لو جاء كتاب من السلطان أو من نائب السلطان من أحد الوزراء أو من غيرهم ممن له أن يتكلم، فهذا نعم، يقرأ على الناس ويسمع.\nوقوله ﵎: ﴿لعلكم تفلحون﴾ لعل هنا للتعليل وليست للترجي، وكلما جاءتك لعل في كتاب الله فهي للتعليل، لأن الرجاء إنما يكون في شأن من يتعسر عليه الأمر، وأما الرب ﷿ فكل شيء يسير عليه، فإذا وجدت لعل في القرآن فهي للتعليل مثل: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ وما أشبه ذلك.\n﴿لعلكم تتقون﴾ يعني: لأجل أن تتقوا ﴿ولعلكم تفلحون﴾ يعني لأجل أن تفلحوا.\nرزقنا الله وإياكم الفلاح والصلاح والإصلاح والهداية، نسأل الله أن يهدينا وأن يهدي لنا وأن يهدي بنا، إنه على كل شيء قدير.\nوأنبه على أنه لا يشتري المساويك، حتى المساويك بعد نداء الجمعة الثاني لا يجوز بيعها","vol":"5","page":163},{"text":"ولا شراؤها ولذلك نبه صاحب المساويك.\nوأقول لك عبارة أحسن من المساويك جمع (سيئ) لكن قل: أعواد الأراك، والله أعلم..\n١١٤٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل الجمعة وما يتعلق بها فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة والمراد بذلك خير يوم من أيام الأسبوع، وإنما قلنا هذا لئلا يتعارض مع قول النبي ﷺ: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة: فإن يوم عرفة أفضل باعتبار العام، وهذا أفضل باعتبار الأسبوع، فيه خلق آدم، وآدم هو أبو البشر خلقه الله ﷿ بيده، خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون خلق يوم الجمعة وفيه أدخل الجنة وهي جنة المأوى التي يأوي إليها البشر، أدخله الله الجنة هو وزوجه وقال: اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأذن الله لهما أن يأكلا من جميع أشجار الجنة مما شاءا ونهاهما عن شجرة معينة اختبارا وابتلاء","vol":"5","page":164},{"text":"﴿فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو &amp; تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ وأقسم لهما أن يأكلا من هذه الشجرة وأنه بذلك يحصل لهما الخلد والملك الذي لا يبلى، وما زال بهما حتى أكلا من الشجرة، وكان الله تعالى قد وضع على عورتيهما هيبة فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوءاتهما، وصار كل إنسان ينظر إلى عورته، آدم ينظر إلى عورته، وحواء تنظر إلى عورتها، انكشفت لأنهما هتكا حرمة الله ﷿ بأكلهما من الشجرة، وقال الله تعالى عن ذلك: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ لما أكلا منها أمرهما الله ﷿ أن يخرجا من الجنة فهبطا إلى الأرض، وهذا من حكمة الله ﷿، لأنه لولا ذلك ما وجدت هذه البشرية وهذه الخليقة وحصل هذا الامتحان، ولكن الله تعالى بحكمته قدر لكل شيء سببا، فانظر كيف نزل من الجنة العالية إلى الأرض الهابطة بمعصية واحدة؟ فما بالك بنا نحن معاصينا كثيرة بالليل والنهار، نسأل الله أن يعاملنا وإياكم بعفوه، ومع ذلك نؤمل أملا ما هو إلا أوهام، نؤمل أننا في الدرجات العليا مع أننا هابطون بكثرة المعاصي والتهاون بالواجبات وما يعتري القلوب من الحقد والبغضاء والكراهية، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم وأن يصحح قلوبنا وقلوبكم.\nوهذه الجنة التي أهبط منها آدم، اختلف فيها هل هي جنة المأوى أو أنها جنة بستان عظيم على ربوة طيبة الهواء كثيرة الماء؟ والصواب أنها جنة الخلد، وفي هذا يقول ابن القيم:","vol":"5","page":165},{"text":"فحي على جنات عدن فإنها ...\nمنازلنا الأولى وفيها المخيم\nوالله على كل شيء قدير، فهذا فضل يوم الجمعة أنه فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وكلاهما حكمة: خلق آدم حكمة، إدخاله الجنة حكمة، إنزاله إلى الأرض بسبب المعصية حكمة، ولكن اعلموا أن آدم تاب إلى الله هو وزوجه ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وقال الله تعالى: ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ فكان بعد التوبة خيرا منه قبل التوبة، والله الموفق\n١١٤٨ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى، فقد لغا رواه مسلم.\n١١٤٩ - وعنه عن النبي ﷺ قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر رواه مسلم.\n١١٥٠ - وعنه وعن ابن عمر ﵃، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول","vol":"5","page":166},{"text":"على أعواد منبره: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين رواه مسلم.\n١١٥١ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل متفق عليه.\n١١٥٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم متفق عليه المراد بالمحتلم: البالغ والمراد بالوجوب: وجوب اختيار، كقول الرجل لصاحبه حقك واجب علي، والله أعلم.","vol":"5","page":167},{"text":"١١٥٤ - وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى رواه البخاري..","vol":"5","page":170},{"text":"١١٥٦ - وعنه أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه","vol":"5","page":172},{"text":"وأشار بيده يقللها.\nمتفق عليه.\n١١٥٧ - وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال عبد الله بن عمر ﵄: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة رواه مسلم.","vol":"5","page":173},{"text":"/٠L٢ باب استحباب سجود الشكر عند حصول نعمة ظاهرة أو اندفاع بلية ظاهرة\n١١٥٩ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبا من عزوراء نزل ثم رفع يديه فدعا الله ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا فعله ثلاثا وقال: إني سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا لربي شكرا، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا لربي شكرا، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدا لربي رواه أبو داود\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال رحمه الله تعالى: باب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم.\nمن &amp; المعلوم أن نعمة الله ﷾ لا تحصى، كما قال الله ﵎: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وأضرب مثلا بالنفس الذي يتكرر في الدقيقة الواحدة إلى ستين مرة، هذا النفس لو قبض لهلك الإنسان، فهو نعمة كبرى ولا يمكن عدها، وكذلك الصحة والعافية، الأكل والشرب، البراز والبول، كلها نعم عظيمة، لكنها نعم مستمرة، ولو كلف الإنسان أن يسجد عند كل نعمة منها لبقي ساجدا مدى","vol":"5","page":177},{"text":"الدهر، لكن هناك نعم تتجدد للإنسان، كإنسان ولد له، أو تسهل له الزواج، أو قدم له غائب ميئوس منه، أو حصل له مال أو ما أشبه ذلك من النعم التي تتجدد أو بشر بنصر المسلمين، أو ما أشبه ذلك، فهذا يستحب للإنسان أن يسجد لله ﵎ شكرا له.\nفمثلا إذا بشر بولد قيل له: أبشر بولد هذه نعمة متجددة، فيسجد لله كما يسجد في الصلاة ويقول: سبحان ربي الأعلى، سبحانك الله ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، ثم يشكر الله على النعمة المعينة التي حصلت، فيقول: أشكرك يا ربي على هذه النعمة ويثني على الله تعالى في ذلك.\nهكذا أيضا في اندفاع النقم، الإنسان في سلامة دائمة، ودائما هو معرض للآفات وللنقم، لكن أحيانا تنعقد أسباب النقمة ويشاهدها فيرفعها الله عنه، ولنضرب لذلك مثلا بحادث، إنسان مثلا يمشي في الطريق فانقلبت السيارة فنجا، هذه اندفاع نقمة، فيسجد لله تعالى شكرا على اندفاع هذه النقمة، أو إنسان مثلا يمشي وبينما هو كذلك انخسفت به حفرة في الأرض فنجا، فحضره اندفاع نقمة، يحمد الله ﷾ على ذلك.\nواندفاع النقم كثير، فإذا دفع الله عنك نقمة فاسجد لله تعالى شكرا على اندفاع هذه النقمة، وقل مثلا في السجود: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، اللهم إني أشكرك على أن نجيتني من هذه المصيبة ويذكرها، هذا سجود الشكر.\nواختلف العلماء ﵏، هل تشترط له الطهارة أو لا؟","vol":"5","page":178},{"text":"والصحيح أنها لا تشترط، وذلك لأن هذا يأتي بغتة والإنسان غير متأهب فلو ذهب يتوضأ لطال الفصل بين السبب ومسببه فإذا كان &amp; على غير طهارة فليسجد.\nوالله الموفق..","vol":"5","page":179},{"text":"/٠L٢ باب فضل قيام الليل\nقال الله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وقال تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ وقال تعالى: ﴿كانوا قليلا &amp; من الليل ما يهجعون﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل.\nقيام الليل يعني: الصلاة فيه وهو أفضل الصلاة بعد المكتوبة، كما سيأتي إن شاء الله في الأحاديث.\nوقد ذكر الله ﷾ الثناء على القائمين في الليل، فأمر نبيه ﷺ أن يتهجد، قال: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فأمر الله نبيه أن يتهجد من الليل يعني لا كل الليل، لأن قيام كل الليل ليس من السنة إلا أحيانا، كقيام عشر رمضان، وأما البقية فالسنة أن ينام ويقوم.\nقوله: ﴿فتهجد به نافلة لك﴾ اختلف العلماء في قوله: ﴿نافلة لك﴾ فقيل: المعنى أن هذا خاص بك يعني الوجوب، وجوب التهجد، لأن غير النبي ﷺ لا يجب عليه التهجد إلا أن ينذره، إن نذر أن يتهجد لزمه الوفاء بالنذر وإلا فلا.\nأما النبي ﷺ فإنه يجب عليه أن يتهجد من الليل، وقيل: المعنى ﴿نافلة لك﴾ يعني أنه نافلة أي زيادة، فضل وهذا له ولغيره عليه الصلاة","vol":"5","page":180},{"text":"والسلام.\nثم قال تعالى مبينا ما يكون من ثمرات التهجد، قال: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ قال العلماء: إذا قال الله تعالى في القرآن عسى فهو واجب يعني أن الله سيبعثك مقاما محمودا أي يبعثك يوم القيامة مقاما تحمد عليه من كل الخلائق.\nفلرسول الله ﷺ المقام المحمود يوم القيامة، ومنه الشفاعة العظمى، يعني من المقام المحمود للنبي ﷺ الشفاعة العظمى، وهي أن الناس يوم القيامة يبعثون في صعيد واحد ليس هناك جبال ولا أشجار ولا بناء ولا أنهار، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لا يحول بينهم وبين الداعي شيء ولا بينهم وبين الرائي شيء في صعيد واحد.\nوتدنو الشمس، تدنو الشمس منهم حتى تكون &amp; على قدر ميل، ويطول هذا اليوم حتى يكون مقداره خمسين ألف سنة، سبحان الله، الإنسان ما يستطيع أن يقف ولا أربعا وعشرين ساعة، لكن هذا اليوم مقداره خمسون ألف سنة.\nفيلحق الناس من الهم والكرب ما لا يطيقون، فيطلب بعضهم إلى بعض النظر في الأمر لعل أحدا يشفع لهم عند الله ﷿ لكي يريحهم من هذا الموقف، يلهمهم الله ﷿ أن يذهبوا إلى آدم، آدم أبو البشر، كل البشر أبوهم واحد وهو آدم ﵊، وكما هو العادة أن الإنسان يفر إلى أقرب من يراه أنه أنفع، فيذهبون إلى أبيهم، ألا ترى ما نحن فيه، إن الله خلقك بيده، وعلمك أسماء كل شيء وأسجد لك الملائكة، يعني أعطاك خيرا كثيرا، فاشفع لنا إلى","vol":"5","page":181},{"text":"الله، فيعتذر يعتذر بماذا؟ يقول: إن الله نهاه عن أكل الشجرة فأكل منها، وهذه معصية، فهو خجلان من الله ﷿، فكيف يشفع لكم عند الله؟ فيذهبون إلى نوح وهو أول الرسل من البشر، أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض هو نوح ﷺ فيذكرونه بنعمة الله عليه، أنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ولكنه يعتذر، يعتذر بماذا؟ بقوله: ﴿رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾ لأن الله وعده أن ينجيه وأهله وكان أحد أبنائه كافرا لم ينج من الماء حتى قال له نوح: ﴿يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ يعني ولا أركب معك لأن المياه عظيمة، فكيف كانت؟ السماء فتحها، في قراءة ﴿فَفَتَحْنَا أبواب السماء﴾ وفي قراءة ﴿فَفَتَّحْنَا أبواب السماء﴾ وهي أعظم فتح الله أبواب السماء بماء منهمر غزير أشد من القرب وفجرنا الأرض عيونا حتى التنور الذي هو محل النار وهو أشد الأرض يبوسة وأبعدها من الماء، بدأ التنور يفور فجرنا الأرض عيونا، كل الأرض إذا كان السماء فتحت بماء منهمر، والأرض فجرت بالعيون كيف يكون منسوب المياه؟ يكون عظيما عظيما حتى صعد الماء إلى قمم الجبال.\nوكانت امرأة معها صبي من الكفار الذين كفروا بنوح معها صبي، كلما ارتفع الماء في الجبل صعدت عليه، كلما ارتفع صعدت عليه، حتى وصل الماء إلى قمة الجبل فارتفع المنسوب ووصل إلى كعبيها ثم إلى ركبتيها ثم ألجمها الماء فرفعت صبيها هكذا من أجل أن ينجو من الغرق، فتغرق هي والولد &amp; ترجو أن ينجو من","vol":"5","page":182},{"text":"الغرق، قال النبي ﷺ: لو نجا الله أحدا لنجى أم الصبي لكن والعياذ بالله قضى الله على أهل الأرض أن يغرقوا كلهم إلا من ركب في هذه السفينة.\nابن نوح الذي كفر بأبيه أبى أن يركب، قال: ﴿سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ قال له أبوه ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ غرق لكن نوحا ﵊ قال: ﴿رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ سبحان الله كلام الله ﷿ لنبي من الأنبياء من أولي العزم: ﴿إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ فيأتون إلى نوح في ذلك اليوم نسأل الله أن ينجينا وإياكم من عذابه يأتون إلى نوح ويقولوا اشفع لنا، فيذكر ذنبه أنه سأل ما ليس له به علم، والمذنب ليس له وجه يشفع، المذنب لا يمكن أن يشفع عند من عصاه، لأنه ليس له وجه فيعتذر.\nفيذهبون إلى إبراهيم ﷺ أبو الأنبياء الذي أمرنا أن نتبع ملته ويذكرونه بنعمة الله عليه ولكنه يعتذر، يعتذر بأشياء ما تضره، ولكنه ﵊ بكمال إيمانه جعلها من الأشياء الضارة، فيذكر ما يذكر من العذر، ويقول: اذهبوا إلى موسى.\nيأتون موسى ويذكرونه بنعمة الله عليه، ولكنه يعتذر، بماذا","vol":"5","page":183},{"text":"يعتذر؟ يقول: إنه قتل نفسا لم يؤذن له بقتلها حين قتل القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي، إسرائيلي من بني إسرائيل كان مع قبطي يتنازعان، وكان موسى من أشد الناس صرامة قويا شديدا، وهذا من حكمة الله، لأن بني إسرائيل لا ينفعهم إلا الأقوياء الأشداء، فبعثه الله إلى بني إسرائيل، فلما رأى هذا القبطي قد استغاثه الإسرائيلي عليه وكزه موسى يعني أعطاه وكزة بيده، فقضى عليه.\nفقال يعتذر أنه قتل نفسا لم يؤم بقتلها، اذهبوا إلى عيسى، فيذهبون إلى عيسى ابن مريم ﵊، الذي هو آخر الرسل قبل محمد ﵊، ليس بينه وبينه نبي ولا رسول، ولكنه يعتذر بدون أن يذكر شيئا، لكنه يدلهم على من هو أكمل منه، وهو محمد صلوات الله وسلامه عليه أسأل الله تعالى أن يدخلني وإياكم في شفاعته يأتون إلى محمد فيقول: أنا لها ويذهب ويسجد تحت العرش بعد إذن الله ﷿، ثم يؤذن له بالشفاعة فيشفع، فينزل الرب ﷿ للقضاء بين عباده، فيقضي بينهم ويستريحون من هذا الموقف.\nهذا المقام يا إخواني هل يحمد عليه الرسول؟ نعم لا شك كل الأنبياء الكرام والرسل، أولو العزم كلهم يعتذرون حتى تصل إلى الرسول ﷺ وانظر كيف كانت هذه السلسلة، يعني لو شاء الله ﵎","vol":"5","page":184},{"text":"لدلهم على محمد من أول الأمر، لكن ليظهر فضل هذا النبي الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، ويتحقق قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ ونعم هذا المقام مقاما، فصلوات الله وسلامه عليه، وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآيات.","vol":"5","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>باب فضل قيام الليل</span>\nقال الله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وقال تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ وقال تعالى ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾ قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل، ثم ذكر قول الله ﵎: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وسبق الكلام على هذه الآية، ثم ذكر قول الله ﵎ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون﴾ هذا في سياق قوله تعالى: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾ فوصفهم الله ﷿ بهذه الأوصاف الجليلة: إذا ذكروا بآيات الله خروا سجدا، أي خروا سجدا فيما يتطلب السجود فلا يستكبرون عن وضع جباههم وأنوفهم على الأرض بل يتذللون لله إذا أمر بالسجود سجدوا، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿خروا سجدا﴾ أي: أن المراد بذلك كمال التذلل لله بالعبادة، سواء كان سجدة أو غيرها، ﴿وسبحوا بحمد ربهم﴾","vol":"5","page":186},{"text":"أي: سبحوا الله ﷾، وتسبيح الله يعني: تنزيهه عن كل نقص وعيب، هذا هو التسبيح، سبحت الله يعني نزهته وبرأته من كل نقص وعيب، لأنه جل وعلا كامل الصفات، إذ ينتفى عنه جميع النقائص.\nوقوله: ﴿بحمد ربهم﴾ الباء للمصاحبة، أي سبحوا الله تسبيحا مقرونا بالحمد مصاحبا به.\nوالحمد هو: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.\nهذا معنى الحمد، حمدت الله يعني: اعتقدت أن له أوصافا كاملة، وذكرت بلساني ذلك، فإن كرر المدح صار ثناء، كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي ﴿وهم لا يستكبرون﴾ يعني: لا يستكبرون عن عبادة الله، إذا أمرهم الله امتثلوا الأمر بذل وخضوع، وشعور بالعبودية، وشعور بكمال الألوهية والربوبية لله ﷿.\n﴿تتجافى﴾ أي: تتباعد جنوبهم، عن المضاجع، أي: عن المراقد فهم يحيون الليل بالصلاة وذكر الله ﷿، وإذا أتموا صلاتهم ختموا ذلك بالاستغفار، كما قال تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ &amp; قال بعض السلف: هذا يدل على كمال معرفتهم بأنفسهم، يقومون","vol":"5","page":187},{"text":"الليل، ثم يستغفرون في آخر الليل خوفا من أن يكونوا قصروا مع الله ﷿.\n﴿يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾ يدعون الله دعاء المسألة، ودعاء العبادة.\nدعاء المسألة أن يقولوا: يا ربنا اغفر لنا، يا ربنا أغننا، يا ربنا يسر أمورنا، يا ربنا اشرح صدورنا هذا دعاء المسألة.\nأما دعاء العبادة أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا رمضان ويحجوا البيت، ويبروا الوالدين، ويصلوا الأرحام إلى غير ذلك من العبادات، وكانت العبادة دعاء لأنك لو سألت العبد: لأي شيء تعبد الله؟ لقال: لنيل رضوان الله ﷿ فهو داع بلسان الحال وقد يصحبه دعاء بلسان المقال، فالصلاة مثلا فيها دعاء، يدعو الإنسان فيها بدعاء ركن في الصلاة، إذا لم تدع في الصلاة بهذا الدعاء بطلت صلاتك، في أي موضع؟ ! في الفاتحة ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ هذا دعاء ركن في العبادة لو تركته ما صحت صلاتك، فالصلاة دعاء بلسان الحال ودعاء بلسان المقال، ولهذا قال: ﴿يدعون ربهم﴾ أي: يعبدونه ويسألونه.\n﴿خوفا وطمعا﴾ خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه، لأنهم إن فعلوا المحرم عوقبوا، وإن تركوا المحرم وقاموا بالواجب أثيبوا، فهم خائفون طامعون، وقيل: خوفا من ذنوبهم وطمعا في فضل الله، فالإنسان إذا نظر إلى نفسه وإلى ذنوبه خاف، لأنها ذنوب أثقل من الجبال، وأكثر من الرمال نسأل الله تعالى أن يعاملنا بعفوه وإن نظر إلى سعة رحمة الله وسعة عفوه، وأن العفو أحب إليه من","vol":"5","page":188},{"text":"العقوبة، وأنه يفرح بتوبة عبده المؤمن، أشد من أي فرح في الدنيا كلها، قال النبي ﵊: لله أشد فرحا اللام هذه للابتداء، وهي للتوكيد، لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم كان معه راحلته عليها طعامه وشرابه فأضلت ضاعت منه في أرض فلاة ما حوله أحد، فضاعت، طلبها فلم يجدها، فيئس من الحياة، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، ما بقي إلا أن يموت، فإذا بخطام الناقة متعلقا بالشجرة خطام يعني: زمام فقام وأخذه وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك هو يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك لكن من شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، فالله جل وعلا أشد فرحا بتوبة عبده من هذا الرجل براحلته.\nإذا نحن نطمع في فضل الله، ذنوبنا كثيرة عظيمة، لكن فضل الله أوسع، ورحمته أوسع، إذا كانت الصلوات الخمس تكفر ما بينها إذا لم ترتكب الكبائر فهذا فضل عظيم، فعلى كل حال، هم يدعون الله خوفا وطمعا، خوفا من عذابه، وطمعا في ثوابه، خوفا من ذنوبهم، وطمعا في فضله، كل الأوجه صحيحة.\n﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ من: للتبعيض يعني: ينفقون بعض ما رزقناهم، لأنه لا ينبغي للإنسان أن يتصدق بكل ماله، ولهذا لما قال أبو لبابة يا رسول الله إني أتصدق بكل مالي.\nقال: يكفيك","vol":"5","page":189},{"text":"الثلث، تصدق بالثلث حتى إن العلماء قالوا: إذا نذر الصدقة بماله كله أجزأه ثلثه، لأن هذا هو المذكور فعلى هذا تكون (من) للتبعيض، يعني: ينفقون شيئا مما رزقناهم.\nوقيل: إن (من) للبيان، لبيان الجنس، فينفقون حسب الحال، قد ينفقون قليلا أو كثيرا، الثلث، أو النصف، أو الكل، كما فعل أبو بكر ﵁ عندما حث النبي ﷺ على الصدقة، فتصدق أبو بكر بكل ماله، وتصدق عمر بشطر ماله بالنصف قال: الآن أسبق أبا بكر، لأن الصحابة يتسابقون، ليس حسدا ولكن تسابق في الخيرات فلما جاء بنصف ماله وإذا أبو بكر قد تصدق بكل ماله، قال النبي ﷺ لأبي بكر: ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله.\nقال لعمر: ما تركت؟ ! قال: تركت النصف، ثم قال عمر: والله لا أسابقه على شيء أبدا بعد اليوم.\nلأن أبا بكر ﵁ له سوابق، فضائل لا يلحقه لا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا من دونهم.\nالمهم أنهم ينفقون مما رزقهم الله.\nفما هو الجزاء وما هي الثمرة؟ ! ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ اللهم اجعلنا منهم يا رب.","vol":"5","page":190},{"text":"لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، وذلك في جنات النعيم، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أتظنون أن قول الله تعالى: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ أتظنون أن النخل والرمان والفاكهة كالذي في الدنيا؟ لا والله، ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء، اسم الرمان لكن لا يمكن أن يخطر على بالك، اسم النخل لكن لا يخطر على بالك، اسم الفاكهة لكن ما تخطر على بالك: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء الأبرار الكرام البررة إنه على كل شيء قدير.\nقال تعالى: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾\n١١٦٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل، وذكر آيات ثلاثا، تكلمنا عن اثنتين منها، فهذه هي الثالثة، وهي قوله تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون هذه من","vol":"5","page":191},{"text":"أوصاف المتقين الذين أعد الله لهم الجنات والعيون، من أوصافهم أنهم كانوا لا يهجعون من الليل إلا قليلا، وذلك أنهم يشتغلون بالقيام والتهجد وقراءة القرآن وغير ذلك.\nقال الله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك﴾ فكانوا يقومون من الليل، ثم إذا فرغوا من القيام رأوا أنهم مقصرون، فجعلوا يستغفرون الله ﷿، وبالأسحار يستغفرون.\nوقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ أي في آخر الليل.\nثم ذكر الأحاديث في ذلك، ومنها حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل ويطيل القيام حتى تتفطر قدماه، لأن الدم ينزل فيها، فتتفطر، فقيل: كيف تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الأعمال من شكر نعمة الله ﷾، فدل ذلك على أن الشكر هو القيام بطاعة المنعم، وليس الإنسان إذا قال: أشكر الله.\nهذا شكر باللسان، ولكن لا يكفي، لابد من الشكر بالجوارح والقيام بطاعة الله ﷿، وفي هذا دليل على تحمل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للعبادة ومحبته لها، لأنه لا يمكن لأحد أن يفعل ذلك إلا لمحبة شديدة، ولهذا قال: جعلت قرة عيني في الصلاة فالصلاة أحب الأعمال إلى الرسول ﵊، وقد قام معه من الليل من أصحابه عبد الله بن مسعود ﵁ قام معه ذات ليلة فأطال","vol":"5","page":192},{"text":"النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القيام قال عبد الله: حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بما هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.\nوهو شاب، أقل سنا من الرسول ﵊، ومع ذلك عجز أن يكون كالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.\nولكن لو قال قائل: هل الأفضل في قراءة الليل أن أطيل القيام، أو أن أطيل السجود والركوع؟ قلنا: انظر ما هو أصلح لقلبك، قد يكون الإنسان في حال السجود أخشع وأحضر قلبا، وقد يكون في حال القيام يقرأ القرآن ويتدبر القرآن، ويحصل له لطائف من كتاب الله ﷿ ما لا يحصل له في حال السجود، ولكن الأفضل أن يجعل صلاته متناسبة إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا قصر القيام قصر الركوع والسجود، حتى تكون متناسبة كصلاة النبي ﷺ والله أعلم.\n١١٦٤ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال: في أذنه","vol":"5","page":193},{"text":"متفق عليه.","vol":"5","page":194},{"text":"١١٦٧ - وعن عبد الله بن سلام ﵁ أن النبي ﷺ قال: أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل قيام الليل عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: يا أيها الناس أفشوا السلام.\nاعلم أن خطاب الشرع إذا صدر بالنداء، دل ذلك على أهمية هذا الخطاب، لأن النداء يوجب تنبه المخاطب، فإنه فرق بين أن تقول الكلام مرسلا وبين أن تنادي من تخاطب، فالثاني يكون أبلغ في التنبيه والانتباه.\nيقول: يا أيها الناس أفشوا السلام يعني: أظهروا وأعلنوا وأكثروا من السلام، والسلام يخاطب به المسلم والسلم عليه، فإن المسلم ينبغي له أن يسلم كل من لاقاه ممن يستحق أن يسلم عليه، سواء عرفه، أو لم يعرفه.\nوالذي يستحق أن يسلم عليه هو المسلم الذي لا يحل هجره، أمام الكافر فلا تبدأه بالسلام سواء كان كافرا لا ينتسب للإسلام، أو كان كافرا","vol":"5","page":198},{"text":"ينتسب للإسلام لكنه على بدعة مكفرة، فهذا لا تسلم عليه، لأنه لا يستحق، ولهذا قال النبي ﵊: لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام.\nوينبغي للمسلم أن يرفع صوته حتى يسمع، وألا يسلم بأنفه، لأن بعض الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية يكون عنده كبرياء أو عنده جفاء، فإذا لاقاك سلم عليك بأنفه، لا تكاد تسمعه، هذا خلاف إفشاء السلام.\nفإفشاء السلام أن ترفع صوتك وتجهر به: السلام عليك.\nقال العلماء: إلا إذا سلم على قوم أيقاظ بينهم نيام، فلا ينبغي أن يرفع صوته رفعا يستيقظ به النيام، لأن هذا يؤذي النائمين.\nثم إن الصيغة المستحبة أن تقول السلام عليك إن كان المسلم عليه واحدا، وإن كانوا جماعة رجال تقول: السلام عليكم، وإن كانوا جماعة نساء تقول السلام عليكن، حسب المخاطب، ثم إنك إذا قلت: السلام عليك أو عليكم أو عليكن، فإنك تشعر أنك تدعو لهم بالسلامة، السلام عليكم ليست مجرد تحية، دعاء بالسلامة، كأن الله يسلم من كل الآفات من آفات الذنوب وآفات القلوب وآفات الأجسام وآفات الأعراض من كل آفة، ولهذا لو قلت: أهلا ومرحبا، بدل السلام، ما أجزأك، لأن أهلا ومرحبا ما فيها دعاء، فيها صحيح: تحية، تهنئة، ولكنها ليست فيها دعاء.\nفالسلام المشروع أن تقول: السلام عليكم.","vol":"5","page":199},{"text":"أما المسلم عليه فالواجب عليه أن يرد كما سلم عليه، هذا أمر واجب لقول الله تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها فإذا قال السلام عليكم.\nفقلت: أهلا ومرحبا أبا فلان، حياك الله سررنا بمجيئك..\nتفضل..\nكل هذه الكلمات لا تجزئ عن كلمة واحدة ما هي؟ عليك السلام.\nلابد أن تقول عليك السلام، فإن لم تفعل فأنت آثم عليك وزر، لأنك تركت واجبا، فحيوا بأحسن منها أو ردوها.\nكذلك أيضا إذا سلم عليك بصوت مرتفع بين واضح، لا ترد ﵇ بأنفك، هذا لا يجوز لأنك لم ترد بمثلها ولا بأحسن منها، فقوله تعالى: ﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ يشمل الصيغة، وصفة الأداء.\nكذلك قال ﵊: أطعموا الطعام لمن يطعم الطعام؟ لمن يحتاج إليه، إطعامك أهلك من الزوجات والأولاد بنين أو بنات ومن في بيتك أفضل ما يكون، أفضل من أن تتصدق على مسكين، لأن إطعامك أهلك قيام بواجب، والقيام بالواجب أفضل من القيام","vol":"5","page":200},{"text":"بالتطوع لقول الله تعالى في الحديث القدسي: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه فإطعام الطعام لأهلك أفضل من إطعام المسكين، لأن الأول واجب وهذا تطوع، فمن أطعم الطعام أهله ولم يقصر بشيء وقام بالواجب فقد أطعم الطعام، وما فضل فتصدق به فهو خير.\nوصلوا بالليل والناس نيام اللهم اجعلنا من هؤلاء ربما كان أحسن وألذ النوم ما كان من بعد منتصف الليل إلى الفجر، فإذا قام الإنسان في هذا الوقت لله ﷿ يتهجد، يتقرب إليه بكلامه وبدعاء خاشع بين يديه، والناس نائمون فهذا من أفضل الأعمال.\n(صلوا بالليل والناس نيام) وهذا محل الشاهد من هذا الحديث، أن الرسول ﷺ جعل الصلاة بالليل من أسباب دخول الجنة، والثواب قال: تدخلوا الجنة بسلام تسلم عليك الملائكة ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم﴾ يهنئونهم بما صبروا وبهذا الثواب العظيم.\nو(تدخلوا الجنة بسلام) ظاهره أنه بلا عقاب ولا عذاب لأن من عذب لم يسلم.\nفهذه الأمور الثلاثة في هذا الحديث من أسباب دخول الجنة بسلام،","vol":"5","page":201},{"text":"نسأل الله تعالى أن يعينني وإياكم عليها، وأن يجعلنا ممن يدخلون الجنة بسلام، إنه على كل شيء قدير.\n١١٦٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل.\nرواه مسلم.\n١١٦٨ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة.\nمتفق عليه.\n١١٦٩ - وعنه قال: كان النبي ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة.\nمتفق عليه.\n١١٧٠ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته.\nرواه البخاري.","vol":"5","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان فضل صلاة الليل.\nحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم صيام شهر رمضان أحد أركان الإسلام، وهو واجب بالإجماع، وشهر المحرم أفضل الشهور التي يتطوع بها بالصوم، وعلى هذا فيكون صوم شهر المحرم من الصيام المستحب، لأنه أفضل الصيام بعد الفريضة.\nوأما الشاهد من هذا الحديث وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل هذا هو الشاهد، صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، ما عدا الرواتب التابعة للمكتوبات فإنها أفضل من النفل المطلق في الليل، فمثلا راتبة الظهر أربع ركعات بسلامين قبلها وركعتان بعدها، أفضل من ست في الليل، لأنه راتبة مؤكدة، تابعة للفريضة، وأما النفل المطلق ففي الليل أفضل من النهار، ولهذا قال: أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل.\nأما حديث ابن عمر الأول والثاني، ففيه دليل على أن صلاة الليل تكون مثنى مثنى، لا يمكن أن تصلي أربعا، بل لابد من اثنين ويسلم، اثنين ويسلم، قال الإمام أحمد ﵀: فإن قام إلى الثالثة ناسيا فهو كما لو قام إلى ثالثة في الفجر.\nيعني: فيجب عليه أن يرجع فإن لم يفعل بطلت صلاته يعني لو كنت تصلي بالليل على ركعتين ركعتين، فقمت إلى الثالثة ناسيا، وجب عليك أن ترجع حتى لو بدأت في قراءة الفاتحة، يجب أن ترجع فإن لم تفعل بطلت صلاتك، لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: صلاة الليل مثنى مثنى يعني على ثنتين ثنتين، إلا أنه استثنى من ذلك الوتر، إذا أوتر بثلاث","vol":"5","page":203},{"text":"أو خمس أو سبع أو تسع، فإذا أوتر بثلاث فإن شاء سلم من الركعتين الأوليين وأتى بالثالثة وحدها، وإن شاء جمع الثلاث جميعا بسلام واحد.\nوإن أوتر بخمس سردها كلها بسلام واحد وتشهد واحد، وإن أوتر بسبع كذلك، كلها بسلام واحد، وإن أوتر بتسع كذلك، إلا أنه في الثامنة يجلس ويتشهد ولا يسلم ثم يأتي بالتاسعة ويسلم وإن أوتر بإحدى عشرة سلم من كل ركعتين كما فعل النبي ﷺ.\nوفي حديث ابن عمر الأول والثاني دليل أن الوتر لا يكون بعد طلوع الفجر، إذا طلع الفجر انتهى وقت الوتر، فإن غلبه النوم ولم يوتر قبل طلوع الفجر صلى من النهار، لكن يصلي شفعا، فإن كان من عادته أن يوتر بثلاث صلى أربعا، وإن كان من عادته أن يوتر بخمس صلى ستا..\n..\nوهلم جرا.\nفهذه الأحاديث في فضل صلاة الليل وفي كيفية صلاة الليل، وأنها مثنى مثنى.\nأما حديث أنس بن مالك ﵁ ففيه دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أحيانا يديم العمل الصالح، حتى لا تراه إلا على هذا العمل، كان لا تراه قائما إلى رأيته، ولا تراه نائما إلا رأيته، وكذلك في الصوم، لا تراه صائما إلا رأيته، ولا تراه مفطرا إلا رأيته.\nيعني أنه ﵊ يتبع ما هو أصلح وأنفع، أحيانا يديم الصوم، أحيانا يديم الفطر، أحيانا يديم النوم، لأنه ﵊ يتبع ما","vol":"5","page":204},{"text":"هو الأفضل والأرضى لله وما هو الأريح لبدنه، لأن الإنسان له حق على نفسه كما قال ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: إن لنفسك عليك حقا والله الموفق\n١١٧١ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة تعني في الليل يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة رواه البخاري..\n١١٧٢ - وعنها قالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا.\nفقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي متفق عليه.\n١١٧٣ - وعنها أن النبي ﷺ كان ينام أول الليل، ويقوم آخره فيصلي.\nمتفق عليه.","vol":"5","page":205},{"text":"١١٧٤ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ليلة، فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء.\nقيل: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.\nمتفق عليه.\n١١٧٥ - وعن حذيفة ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم قام طويلا قريبا مما ركع ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه.\nرواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان صلاة النبي ﷺ في الليل.\nمنها: حديث عائشة الأول أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وقد بين ذلك في أحاديث أخرى، أنه يسلم من ركعتين ثم","vol":"5","page":206},{"text":"ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعة، يعني: يصلي إحدى عشرة ركعة، يسلم من اثنتين، ويوتر بواحدة، ثم كان ﷺ يصلي ركعتين قبل الغداة، يعني إذا أذن الفجر صلى ركعتين، وكان يخفف هاتين الركعتين حتى تقول عائشة أقرأ بأم القرآن؟ لشدة تخفيفه لهما، ثم يضطجع على جنبه الأيمن حتى يأتيه المؤذن يؤذنه بالصلاة ﷺ ففي هذا دليل على أن قيام الليل إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدة، ودليل على أنه ينبغي أن يصلي الإنسان الراتبة في بيته أفضل من المسجد، لاسيما الإمام، وفيه أيضا أن الإمام لا يخرج من بيته إلا للإقامة، يبقى في بيته حتى يأتي وقت الإقامة، فيخرج إلى المسجد ويصلي، هذا هو الأفضل أفضل من أن يتقدم الإمام ويصلي بالمسجد أما غير الإمام فينتظر الإمام، والإمام ينتظره غيره، فلذلك كان الأفضل في حقه أن يتأخر إلى قرب إقامة الصلاة، إن لم يكن لهذا سبب أو في تقدمه مصلحة مثل أن يكون تقدمه يشجع المصلين فيتقدمون، ولو تأخر لكسلوا، فهذا أيضا للمصلحة.\nوفي حديثها الآخر أن النبي ﷺ كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، لأنها سئلت كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ قالت: كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا هذه أربع وأربع وثلاث: إحدى عشرة، هذا هو السنة وهو الأفضل ألا يزيد في صلاة الليل على إحدى عشرة","vol":"5","page":207},{"text":"ركعة أو ثلاث عشرة ركعة.\nوقولها ﵂: يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن.\nقد ظن بعض الناس أنها أربع مجموعة بسلام واحد، وهذا خطأ لأنه قد جاء مفصلا مبينا أنها أربع ركعات، يسلم من كل ركعتين وأربع ركعات يسلم من كل ركعتين وثلاث ركعات، فيكون قولها: أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي..\n..\nيكون فيه دليل على أنه إذا صلى الأربع بسلام استراح قليلا لقلوها: ثم يصلي وثم للترتيب في المهلة ثم يصلي الأربع على ركعتين ثم يسلم.\nوأنا أشير في هذه المسألة أنه ينبغي للإنسان ألا يتعجل في فهم النصوص، بل يجمع شواردها حتى يضم بعضها إلى بعض ليتبين له الأمر، فبعض الإخوان الذين بدءوا يتعلمون ولاسيما علم الحديث، صاروا يصلون بالناس أربع ركعات جميعا، وهذا غلط، غلط على السنة، وفهم خاطئ، لأن النبي ﷺ سئل عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى لا يمكن أن يصلي أربعا، ممكن أن يصلي خمسا جميعا، وسبعا جميعا، وتسعا جميعا.\nأما حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ ذات ليلة لأن النبي ﷺ بابه مفتوح، بيته بيت للأمة، للصحابة، يأتي الواحد منهم يحب أن يصلي مع النبي ﷺ، لا يقول له لا تصل معي، صل في بيتك، لا بل يفتح له صدره، ويدخل البيت ويصلي معه.\nوكان ابن","vol":"5","page":208},{"text":"مسعود ﵁ من الذين يخدمون الرسول ﷺ صاحب السواك، ينظف سواك الرسول، وصاحب الوساد وساده وصاحب النعل.\nفكان يدخل على الرسول ويصلي معه، فدخل فصلى معه ذات ليلة فلما دخل في الصلاة أطال النبي ﷺ القيام، يقول: حتى هممت بأمر سوء، قيل: بماذا هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه، وهو شاب، والرسول ﷺ أسن منه، ومع ذلك كان يقف ويطيل حتى يعجز الشباب عن قيامه ﵊.\nوقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكنه يصلي ﷺ شكرا لله ﷿، كما قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا.\nوالمرة الثانية صلى معه حذيفة بن اليمان ﵁ فبدأ بسورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ولكنه مضى، فقلت: يركع بها، ولكنه أتمها ثم بدأ بسورة النساء، فأتمها، ثم بدأ بسورة آل عمران فأتمها، يرتل ﵊، يرتل القرآن، وهذه السور الثلاث تمثل خمسة أجزاء وربع.\nبالترتيل كم تستغرق من وقت؟ ! والنبي ﷺ واقف لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا آية تسبيح إلا سبح، ولا آية وعيد إلا تعوذ فيجمع بين القراءة والذكر والدعاء ﷺ، مع هذا الطول العظيم، ثم ركع، فكيف كان ركوعه؟ ! كان ركوعه نحوا من قيامه، أطال الركوع ثم رفع قائلا: سمع الله لمن حمده،","vol":"5","page":209},{"text":"وكان قيامه نحوا من ركوعه، ثم سجد، فكان سجوده نحوا من قيامه، وهكذا صلاته كانت متناسبة، وإذا أطال في القراءة أطال في الركوع والسجود، يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، ويقول في السجود: سبحان ربي الأعلى، ويقول أيضا إضافة إلى ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.\nويقول أيضا: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.\nفالصلاة روضة من رياض العبادات، فيها من كل زوج بهيج، قرآن وذكر ودعاء وتسبيح وتكبير وتعوذ، ولهذا كانت هي أفضل العبادات البدنية، أفضل من الصيام، وأفضل من الزكاة، وأفضل من الحج، وأفضل من كل العبادات، إلا التوحيد، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، لأن هذا هو مفتاح الإسلام.\nفالحاصل أن هذه صفة صلاة النبي ﷺ من الليل، فاحرص أخي المسلم، أسأل الله أن يعينني وإياك على اتباعه ظاهرا وباطنا، وأن يتوفانا على ملته ويحشرنا في زمرته، ويدخلنا معه جنات النعيم.\n١١٧٦ - وعن جابر ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت رواه مسلم.","vol":"5","page":210},{"text":"المارد بالقنوت: القيام..\n١١٧٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوما ويفطر يوما متفق عليه..\n١١٧٨ - وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن في الليل لساعة، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة.\nرواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ساقها الإمام النووي في باب فضل صلاة الليل، منها أن النبي ﷺ سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت والمراد بطول القنوت أي طول الخشوع لله ﷿ والقيام والركوع والسجود.\nوقد اختلف العلماء ﵏ أيهما أفضل: طول القراءة مع تخفيف الركوع والسجود، أو الأفضل تقصير القراءة والركوع والسجود؟ بمعنى هل الأفضل أن تقصر الركعات مع كثرة العدد، أو أن تطيل","vol":"5","page":211},{"text":"الركعات مع قلة العدد، والصواب أن الأفضل في ذلك أن تكون الصلاة متناسبة، وقد سبق معنا أن النبي ﷺ كان يجعل ركوعه نحوا من قيامه، وسجوده نحوا من قيامه، أي قريبا منه، وذكر ﵀ من ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود أما صلاته، يعني النافلة، صلاة الليل، فإنه كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، فيقسم الليل ثلاثة أقسام، النصف الأول للنوم، ثم الثلث للقيام، ثم السدس للنوم، لأن هذا فيه راحة البدن، فإن الإنسان إذا نام نصف الليل أخذ حظا كبيرا من النوم، فإذا قام الثلث ثم نام السدس فإن التعب الذي حصل له في القيام يذهب بالنوم الذي في آخر الليل، ولكن مع هذا، إذا قام الإنسان في أي ساعة من الليل فإنه يرجى له أن ينال الثواب، هذا الذي ذكره النبي ﷺ هو الأحب إلى الله والأفضل، لكن يكفي أن تقوم الثلث الأخير أو الثلث الأوسط أو النصف الأول، حسب ما تيسر لك؟ قالت عائشة ﵂: من كل الليل أوتر النبي ﷺ من أول الليل ووسطه وآخره.\nفالأمر في هذا ولله الحمد واسع.\nثم ذكر الحديث الثالث: إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله تعالى بخير إلا أعطاه إياه.\nوهذه الساعة غير معلومة بعينها، يعني: الله أعلم.\nلكن الرسول ﷺ أخبرنا بهذا من أجل أن نجتهد، وأن نتحرى قدر الله ﷿،","vol":"5","page":212},{"text":"وهذه الساعة كساعة يوم الجمعة مبهمة، وإن كانت ساعة يوم الجمعة أرجى ما يكون إذا حضر الإمام يعني الخطيب إلى أن تقضى الصلاة.\nوالله الموفق\n١١٨١ - وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.\nرواه مسلم..\n١١٨٢ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل رواه مسلم.\n١١٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء، رواه أبو داود.\nبإسناد صحيح.","vol":"5","page":213},{"text":"١١٨٤ - وعنه وعن أبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا، كتبا في الذاكرين والذاكرات رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n١١٨٥ - وعن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه.\nمتفق عليه.\n١١٨٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول، فليضطجع.\nرواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه بقية الأحاديث التي نقلها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في: باب فضل صلاة الليل، وتدل على أمور، الأمر الأول أن الإنسان إذا فاته قيام الليل فإنه يقضيه من النهار، ولكنه لا يوتر، لأن الوتر تختم به صلاة الليل وقد انتهت كما دل على","vol":"5","page":214},{"text":"ذلك حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ إذا غلبه وجع أو غيره، يعني كالنوم فلم يصل في الليل، صلى في النهار ثنتي عشرة ركعة، لأنه ﵊، كان يواظب في أكثر أحيانه على إحدى عشرة ركعة، فكان يقضي ما هو الأكمل والأكثر، يقضي ثنتي عشرة ركعة، وعلى هذا فإذا كان من عادة الإنسان أنه يوتر بثلاث، ولم يقم، فإنه يقضي بالنهار أربعا، ولا يقضي ثلاثا، وإذا كان من عادته أن يوتر بخمس يقضي ستا وهلم جرا، ولكن متي يقضي؟ يقضيه فيما بين طلوع الشمس وارتفاعها إلى زوال الشمس، كما يدل على ذلك حديث عمر ﵁ فيمن فاته ورده أو حزبه في الليل، أو شيء منه، أنه يقضيه في النهار بالضحى، فيقضي ذلك في الضحى، فإن نسي ولم يتذكر إلا بعد الظهر قضاه بعد الظهر، لعموم قول النبي ﷺ: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها.\nومما دلت عليه هذه الأحاديث أن الإنسان إذا غلبه النوم وجاءه النعاس وهو يصلي فلا يصلي، وذلك لأنه ربما يذهب يستغفر لنفسه فيسب نفسه لأنه ينعس، وأيضا ربما يستعجم القرآن على لسانه، فيتكلم بالكلمة من القرآن على غير وجهها فيحرف القرآن، فأنت إذا كان من عادتك أن تصلي بالليل وجاءك النوم، فلا تجهد نفسك، نم حتى يزول عنك النعاس","vol":"5","page":215},{"text":"ثم استأنف القيام، فإن طلع الفجر فاقض الوتر في الضحى ولكن شفعا.\nومما تدل عليه هذه الأحاديث أنه ينبغي للإنسان إذا كان له أهل وقام من الليل أن يوقظ أهله، لكن حسن نشاط الأهل، ولهذا كان الرسول ﷺ يصلي من الليل فإذا لم يبق إلا الوتر أيقظ عائشة فأوترت، يعني ليس من اللازم أن توقظ أهلك معك، قد يكون أهلك ليسوا مثلك في النشاط البدني أو في النشاط النفسي، فلا توقظهم معك، ليس بلازم إلا إذا رأيت أنهم يرغبون، ولكن لا تنسهم من آخر الليل، يقومون ولو للوتر، كما كان رسول الله ﷺ يفعل.\nنسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يقوم الليل ويصوم النهار ويعبد ربه حق عبادته.","vol":"5","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>باب استحباب قيام رمضان وهو التراويح</span>\n١١٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه.\n١١٨٨ - وعنه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب استحباب قيام رمضان وهو التراويح سميت تراويح، لأن السلف الصالح ﵃ كانوا يقومون رمضان ويطيلون القيام والركوع والسجود، فإذا صلوا أربع ركعات يعني بتسليمتين استراحوا، وإذا صلوا أربعا استراحوا، ثم يصلون ثلاثا، وهذا يؤيده حديث عائشة ﵂ السابق، كان يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا.","vol":"5","page":217},{"text":"فكان النبي ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، يعني ما يلزم لكنه يرغب، يقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.\nوقام النبي ﷺ بأصحابه ثلاث ليال في رمضان، يصلي بهم جماعة، ثم تأخر وقال: إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها فتركه، وبقي الناس يأتون إلى المسجد يصلون الرجلين والثلاثة كل يصلي مع صاحبه، فخرج عمر ذات ليلة فوجدهم يصلون أوزاعا، فرأى ﵁ بثاقب رأيه أن يجمعهم على إمام واحد، فأمر أبي بن كعب ﵁ وآخر معه أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة، فاجتمع الناس على إمام واحد في التراويح، وبقي المسلمون على هذا إلى يومنا هذا، لكن اختلف العلماء في عدد ركعات التراويح، فمنهم من قال: إحدى عشرة ركعة، ومنهم من قال: ثلاث عشرة ركعة، ومنهم من قال: ثلاث وعشرون ركعة، ومنهم من قال أكثر من ذلك، والأمر في هذا واسع لأن السلف الذين اختلفوا في هذا لم ينكر بعضهم على بعض، فالأمر في هذا واسع، يعني نحن لا ننكر على من زاد على إحدى عشرة ركعة، ولا على من زاد على ثلاث وعشرين ركعة.\nونقول: صل ما شئت ما دامت جماعة المسجد قد رضوا بذلك، ولم ينكر أحد.","vol":"5","page":218},{"text":"أما إذا اختلف الناس فالرجوع إلى السنة أولى، والسنة ألا يزيد على ثلاث عشرة ركعة لأن عائشة سئلت كيف كان النبي ﷺ يصلي في رمضان؟ فقالت: كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة.\nفأما مع عدم الخلاف فإنه يصلي ثلاثا وعشرين أو أكثر، ما دام الناس لم يقولوا خفف، فإذا قالوا: خفف فلا يزيد على إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة.\nوالله الموفق","vol":"5","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>باب فضل قيام ليلة القدر وبيان أرجى لياليها</span>\nقال الله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ إلى آخر السورة.\nوقال تعالى ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة ...\n﴾ .\n١١٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه.\n١١٩٠ - وعن ابن عمر ﵄ أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ، أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر.\nمتفق عليه.\n١١٩١ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يجاوز في العشر الأواخر من رمضان ويقول: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان متفق عليه.\n١١٩٢ - وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: تحروا ليلة القدر في","vol":"5","page":220},{"text":"الوتر من العشر الأواخر من رمضان.\nرواه البخاري.\n١١٩٣ - وعنها ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان، أحيا الليل كله، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر.\nمتفق عليه.\n١١٩٤ - وعنها قالت: كان رسول الله ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه، ما لا يجتهد في غيره.\nرواه مسلم.\n١١٩٥ - وعنها قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قال قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.\nرواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل ليلة القدر.\nوليلة القدر سميت بذلك لوجهين:","vol":"5","page":221},{"text":"الوجه الأول: أنه يقدر فيها ما يكون في السنة من أعمال بني آدم وغيرها، ودليل ذلك قوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم يعني: يفصل ويبين.\nوالوجه الثاني: أن ذلك الشرف، أي ليلة القدر، أي ليلة ذات الشرف لأن قدرها عظيم، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر..\n﴾ هذه الليلة &amp; خصت بفضلها هذه الأمة، فكانت لها، ويذكر أن النبي ﷺ عرضت عليه أعمار أمته فتقاصرها، فأعطي ليلة القدر وجعلت هذه الليلة خيرا من ألف شهر، فإذا كان الإنسان له عشرون سنة، صار له عشرون ألف سنة في ليلة القدر، وهذا من فضل الله ﷾ على هذه الأمة.\nوالله تعالى خص هذه الأمة وخص نبيها ﷺ بخصائص لم تكن لمن سبقهم، فالحمد لله رب العالمين.\nثم ذكر المؤلف أحاديث وردت في ذلك، وأنها أي ليلة القدر في رمضان وأنها في العشر الأواخر منه، وأنها في أوتاره آكد، وأنها في ليلة سبع وعشرين آكد، لكن هي تنتقل في العشر يعني قد تكون هذه السنة ليلة إحدى وعشرين والسنة الثانية ليلة ثلاث وعشرين، والثالثة ليلة خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو أربع وعشرين أو ست وعشرين، أو اثنتين وعشرين، تنتقل لأنها ليست ليلة معينة دائما، لكن أرجى ما تكون ليلة سبع وعشرين ثم الأوتار، وأرجى العشر الأواخر السبع الأواخر منها، لأن جماعة من الصحابة أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، فقال","vol":"5","page":222},{"text":"ﷺ: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر وهذا يحتمل أنه كل عام أو أنه تلك السنة فقط، وعلى كل حال فهي في العشر الأواخر من رمضان.\nوذكر المؤلف ﵀ أحاديث عن عائشة ﵂، مما يدل على فضل هذه المرأة، وأنها حفظت لأمه محمد ﷺ من سنته ما لم تحفظه امرأة أخرى من النساء، فهي ﵂ أكثر النساء حديثا عن رسول الله ﷺ حفظت من شريعة الله وسنة رسوله ما لم تحفظه امرأة سواها فجزاها الله عن أمه محمد خيرا.\nتقول عائشة للرسول ﷺ: أرأيت إن وافقت أو علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.\nوالعفو: هو المتجاوز عن سيئات عباده، وهو ﷾ عفو قدير، يعني يعفو مع المقدرة، ليس كبني آدم إذا عجز عن الشيء سامح، إنما يعفو مع القدرة جل وعلا، وهذا هو كمال العفو، وهو ﷾ يحب العافين عن الناس، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، وهو سبحانه يحب الذين يأخذون من الناس العفو، بل أمر بذلك فقال: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ .\nقال العلماء: معنى العفو يعني خذ ما عفي من الناس، يعني ما سهل منه خذه ولا تشد الحبل، فخذ العفو واترك ما وراء ذلك، وهذا من آداب القرآن أن الإنسان يكون واسع الصدر لبني آدم يأخذ العفو، فالشاهد أن أفضل ما تدعو به","vol":"5","page":223},{"text":"تقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني والله الموفق","vol":"5","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>باب فضل السواك وخصال الفطرة</span>\n١١٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة متفق عليه.\n١١٩٧ - وعن حذيفة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك.\nمتفق عليه.\nالشوص: الدلك.\n١١٩٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ ويصلي.\nرواه مسلم.\n١١٩٩ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أكثرت عليكم في السواك رواه البخاري.\n١٢٠٠ - وعن شريح بن هانئ قال: قلت لعائشة ﵂: بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك.\nرواه مسلم.\n١٢٠١ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ","vol":"5","page":225},{"text":"وطرف السواك على لسانه.\nمتفق عليه.\nوهذا لفظ مسلم.\n١٢٠٢ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب رواه النسائي، وابن خزيمة في صحيحه بأسانيد صحيحة.\nوذكر البخاري ﵀ في صحيحه هذا الحديث تعليقا بصيغة الجزم فقال: وقالت عائشة ﵂.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل السواك وسنن الفطرة.\nالسواك هو: التسوك وهو دلك الأسنان واللثة واللسان بعود الأراك هذا السواك المعروف هو عود الأراك، ويحصل الفضل بعود الأراك أو بغيره من كل عود يشابهه، والصحيح أنه يحصل أيضا بالخرقة أو بالإصبع لكن العود أفضل، والسواك ذلك النبي ﷺ فيه فائدتين عظيمتين كما في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب مطهرة للفم يعني: يطهر الفم من الأوساخ والأنتان وغير ذلك مما يضر وقوله للفم يشمل كل الفم الأسنان واللثة واللسان كما في حديث أبي موسى أنه دخل على النبي ﷺ وطرف السواك على لسانه.\nالفائدة الثانية: مرضاة للرب، أي أنه من أسباب رضا الله عن العبد أن يتسوك.","vol":"5","page":226},{"text":"وللسواك مواضع يتأكد فيها وإلا فهو مسنون كل وقت لكن يتأكد في مواضع معينة منها إذا قام من النوم فإنه يسن له أن يستاك لحديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك يعني يتسوك وكذلك يؤيده حديث عائشة أنهم كانوا يعدون له سواكه ووضوءه فإذا قام تسوك وتوضأ وصلى ما شاء الله ويسن عند القيام من النوم بالليل أو بالنهار لأن الفم يتغير فيسن أن يتسوك كذلك يسن إذا دخل الإنسان بيته أول ما يدخل يتسوك لأن عائشة سئلت أي شيء يبدأ به الرسول ﷺ إذا دخل بيته قالت السواك.\nثالثا: يتسوك عند الصلاة ذهب ليصلي فريضة أو نافلة صلاة ذات ركوع أو سجود أو صلاة جنازة فإنه يسن أن يتسوك لأن النبي ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة يسن السواك أيضا بتأكد عند الوضوء ومحله عند المضمضة أو قبل أو بعد لكنه عند الوضوء كما جاء ذلك عن النبي ﷺ.\nوألحق العلماء ﵏ ما إذا تغير فمه بأكل أو شرب لبن أو نحوه مما له دسم، فإنه يسن أن يتسوك لأنه يطهر الفم، وعلى كل حال فالسواك سنة ويتأكد في مواضع ولكنه من حيث السنية مشروع كل وقت حتى للصائم بعد الزوال فإنه كغيره يسن له أن يتسوك وأما من كره ذلك من أهل العلم فقوله لا دليل عليه والصحيح أن الصائم يتسوك أول النهار والله الموفق","vol":"5","page":227},{"text":"١٢٠٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب متفق عليه الاستحداد: حلق العانة، وهو حلق الشعر الذي حول الفرج.\n١٢٠٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة قال وكيع وهو أحد رواته انتقاص الماء يعني: الاستنجاء رواه مسلم.\nالبراجم بالباء الموحدة والجيم، وهي: عقد الأصابع وإعفاء اللحية معناه: لا يقص منها شيئا.\n١٢٠٥ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف ﵀ أحاديث خصال الفطرة في باب فضل السواك وخصال الفطرة.\nوالفطرة يعني التي فطر الخلق على استحسانها وأنها من الخير والمراد بذلك الفطر السليمة لأن الفطر المنحرفة لا عبرة بها لقول النبي ﷺ: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.\nوذكر منها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: الفطرة خمس وفي لفظ خمس من الفطر فعلى اللفظ الأول يكون المعنى أن الفطرة هي هذه الخمس، وعلى الثاني يكون المعنى أن هذه الخمس من الفطرة وهناك أشياء أخرى غيرها من الفطرة، وهذا اللفظ أقرب إلى الواقع لأن الخمس التي ذكرت في حديث أبي هريرة يوجد شيء من الفطرة غيرها","vol":"5","page":228},{"text":"فيكون الأقرب أن لفظ الحديث خمس من الفطرة.\nأما على اللفظ الأول على الحصر فقد يراد بذلك الفطرة تامة وأما الأخرى فتكون من الفطرة التي هي من مكملات الفطرة.\nأولا: الختان: الذي يسمى عند الناس الطهارة وهو للرجال والنساء، أما الرجال فختانهم واجب، وأما النساء فختانهن سنة وليس بواجب وذلك أن الرجل إذا لم يختن وبقيت الجلدة التي فوق الحشفة فإنه يحتقن بها البول وتكون سببا في النجاسة لأنه إذا احتقن بها البول ثم حصل ضغط عليها خرج البول الذي صار بينها وبين الحشفة فتلوثت الثياب وتنجست ثم هي أيضا عند الكبر وعندما يصل الإنسان إلى حد الزواج يكون هناك مشقة شديدة عند الجماع فلذلك كان من الفطرة أن تقص هذه الجلدة ولهذا كان كثير من الكفار الآن يختتنون لا لأجل الطهارة والنظافة لأنهم نجس لكنهم يختتنون من أجل التلذذ عند الجماع وعدم المشقة هذه واحدة.\nومتى يكون الختان يكون الختان من اليوم السابع فما بعده، وكلما كان في الصغر فهو أفضل لأن ختان الصغير لا يكون فيه إلا الألم الجسمي دون الألم القلبي أما الكبير لو ختنا من له عشر سنوات مثلا فإنه يكون فيه ألم قلبي وجسمي ثم إن نمو اللحم ونبات اللحم وسرعة البرء في الصغار أكثر لهذا قال العلماء إن الختان في زمن الصغر أفضل وهو كذلك.\nالثاني الاستحداد: يعني حلق العانة والعانة هي الشعر","vol":"5","page":229},{"text":"الخشن الذي ينبت حول القبل وهو من علامات البلوغ فمن الفطرة أن يحلق الإنسان هذا الشعر لأنه إذا طال فربما يتلوث بالنجاسة من أسفل أو من القبل ويحصل في ذلك وسخ وقذر ولأنه مضر وإن كان بعض الناس مثل البهائم يبقي العانة ويجعلها تزداد وتطول نسأل الله السلامة.\nالثالث: قص الشارب: وهو الشعر النابت فوق الشفة العليا وحده: الشفة كل ما طال على الشفة العليا فهو شارب فهذا يحف لأن بقاءه &amp; يكون فيه تلويث بما يخرج من الأنف من الأذى ثم عند الشرب أيضا يباشر الشعر المتلوث الماء فيقذره وربما يحمل ميكروبات مضرة وعلى كل حال فهو من السنة أهم شيء أنه من السنة والتقرب إلى الله ﷿ إذا حففته.\nالرابع: قص الأظفار يعني تقليمها والمراد بذلك أظفار اليدين والرجلين ولا ينبغي أن نقص حتى يصل إلى اللحم لأن هذا يضر الإنسان وربما يحصل فيه خراج أو ما أشبه ذلك لكن نقصهما قصا معتدلا.\nالخامس: نتف الإبط إذا كان فيه شعر فإنها تنتف ولا تقص ولا تحلق بل نتفها أولى لأن النتف يزيلها بالكلية ويضعف أصولها حتى لا تنبت فيما بعد وهذا أمر مطلوب شرعا.\nهذه خمسة أشياء: الختان، الاستحداد، قص الشارب، تقليم الأظفار، نتف الإبط.\nأما الختان فيفعل مرة واحدة وينتهي أمره، وهنا أنبه على مسألة وهي أن بعض الناس قد يولد مختونا، ليس له قلفة تجد","vol":"5","page":230},{"text":"الحشفة بارزة ظاهرة من حين أن يولد وشهدنا ذلك بأعيننا فهذا لا يختن ما بقى شيء يختن من أجله أما الأربع الباقية الاستحداد، قص الشارب تقليم الأظفار، نتف الإبط، فإنها لا تترك فوق أربعين يوما لأن النبي ﷺ وقت لأمته بأن لا تترك هذه الأشياء فوق أربعين يوما فلها مدة محددة لا تتجاوزها، وأحسن ما يكون في ضبط الأربعين أن تجعل وقتا معينا، مثلا تقول أول جمعة من كل شهر أقوم بعملي هذا حتى لا تنسى لأنه أحيانا ينسى الإنسان وربما يمضي أربعون يوما، وخمسون يوما وما يذكر فإذا جعلت شيئا معينا بأن تقول مثلا أول جمعة من كل شهر أزيل هذه الأشياء الأربعة علمت الوقت ولكن هذا ليس بسنة إنما هو من أجل ضبط الوقت لفعل السنة وهو أن لا تتركها فوق الأربعين يوما.\nولا يحلق الشارب بالموسى حتى إن الإمام مالك ﵀ قال: أرى أن يؤدب من حلق شاربه لأنه يشوه الخلقة ولأنه خلاف السنة السنة حفه أو تقصيره.\nوفي الإبط الأصل النتف إلا أن بعض الناس يشق عليه النتف جدا فلا بأس من استخدام الأدهان وشبيهها.\n١٢٠٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص","vol":"5","page":231},{"text":"الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق الحانة وانتقاص الماء قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة قال وكيع وهو أحد رواته انتقاص الماء يعني الاستنجاء رواه مسلم.\nالبراجم بالباء الموحدة والجيم وهي عقد الأصابع وإعفاء اللحية معناه لا يقص منها شيئا..\n١٢٠٥ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه بقية خصال الفطرة، وقد سبق حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: الفطرة خمس: الختان والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وذكرنا أن الأربعة التي سوى الختان لا تترك فوق أربعين يوما لأن النبي ﷺ وقت ذلك.\nأما حديث عائشة ففيه أن الفطرة عشر خصال منها ما سبق في حديث أبي هريرة ومنها ما ذكر في حديث عائشة دون حديث أبي هريرة فمن ذلك إعفاء اللحية فإنه من الفطرة وفي حديث ابن عمر أن النبي ﷺ أمر بإعفاء اللحى.\nواللحية قال أهل اللغة إنها شعر الوجه واللحيين يعني: العوارض","vol":"5","page":232},{"text":"وشعر الخدين فهذه كلها من اللحية وأما الشارب فقد سبق الكلام عليه وإعفاء اللحية يعني إرخاءها وإطلاقها وتركها على ما هي عليه هذا من الفطرة التي فطر الله الناس عليها وعلى استحسانها وعلى أنها من علامة الرجولة بل ومن جمال الرجولة، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يحلق لحيته فإن فعل فقد خالف طريق النبي ﷺ وعصى أمره ووقع في مشابهة المشركين والمجوس لأن النبي ﷺ قال: خالفوا المجوس أو المشركين وفروا اللحى وحفوا الشوارب ولم يكن الناس يعرفون هذا يعني لم يكن المسلمون يعرفون حلق اللحية بل كان بعض الغلاة الظلمة إذا أرادوا أن يعزروا شخصا حلقوا لحيته وهذا حرام عليهم لأنه لا يجوز التعزير بمحرم لكن يقاس به أنهم كانوا يعدون حلق اللحية مثلة وتعزيرا وعذابا أما بعد أن استعمر الكفار ديار المسلمين في مصر والشام والعراق وغيرها وأدخلوا على المسلمين هذه العادة السيئة وهي حلق اللحية صار الناس لا يبالون بحلقها بل كان الذي يعفي لحيته مستنكرا من بعض البلاد الإسلامية وهذه لا شك أنها معصية للرسول ﷺ ومن يعص الرسول ﷺ فقد عصى الله ومن يطع الرسول ﷺ فقد أطاع الله وإذا ابتلى الإنسان بأحد من أقاربه يحلق لحيته فالواجب عليه أن ينصحه ويبين له الحق أما هجره فهذا حسب المصلحة إذا كان هجره يفيد في ترك المعصية فليهجره وإن","vol":"5","page":233},{"text":"كان لا يفيد أو لا يزيد الأمر إلا شدة فلا يهجره لأن الهجر دواء يستعمل حيث ينفع وإذا لم ينفع فإن الأصل تحريم هجر المؤمن لقول النبي ﷺ: لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.\nومما زيد في هذا الحديث الاستنشاق، الاستنشاق من الفطرة لأنه تنظيف وإزالة لما في الأنف فهو طهارة والاستنشاق يكون في الوضوء ويكون في غير الوضوء كلما احتجت إلى تنظيف الأنف فاستنشق الماء ونظف أنفك وهذا يختلف باختلاف الناس من الناس من لا يحتاج إلى هذا إلا في الوضوء ومن الناس من يحتاج إليه كثيرا ومن ذلك أيضا أي من سنن الفطرة المضمضة فإنها من الفطرة لأن فيها تنظيف الفم والفم يحتاج إلى تنظيف لأنه يمر به الأكل والدهن وما أشبه ذلك فيحتاج إلى تنظيف فكانت المضمضة من خصال الفطرة.\nومن ذلك أيضا الاستنجاء وقد فسر وكيع انتقاص الماء بأنه الاستنجاء لأن الاستنجاء تنظيف وتطهير وإزالة أذى.\nومن ذلك أيضا غسل البراجم، والبراجم قال العلماء إنها مسقط الأصابع فإن مسقط الأصابع من الباطن يحتاج إلى تنظيف أكثر من","vol":"5","page":234},{"text":"ظاهرها لأن ظاهرها ممسوح ما فيه شيء يحتاج إلى تنظيف أكثر.\nوفي هذا الحديث دليل على أن إعفاء اللحية مع كونه مخالفة للمشركين من خصال الفطرة فيندفع بذلك شبهة من شبه وقال: إن من الكفار اليوم من يعفي لحيته أفلا يليق بنا أن نخالفهم ونحلق اللحى؟ انظر والعياذ بالله من الشيطان.\nفنقول: إن إعفاءهم اللحى تبع للفطرة ونحن مأمورون بالفطرة وإذا شابهونا هم بالفطرة فإنا لا نمنعهم ولا ينفع أن نعدل عن الفطرة من أجل أنهم وافقونا فيها كما أنهم إذا وافقونا في تقليم الأظفار فإننا لا نقول نترك تقليم الأظفار بل نقلمها وهكذا بقية الفطرة إذا وافقنا فيها الكفار فإننا لا نعدل عنها والله الموفق.\nولنعلم أن الإكثار من استخدام الماء في الوضوء أو الغسل داخل في قول الله تعالى: ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ولهذا قال الفقهاء ﵏ يكره الإسراف ولو كان على نهر جار فكيف إذا كان على مكائن تستخرج الماء فالحاصل أن الإسراف في الوضوء وغير الوضوء من الأمور المذمومة.","vol":"5","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها</span>\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها.\nالزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام لقول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمر ﵁: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، أن محمد رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والله ﷾ يذكرها كثيرا مع الصلاة في القرآن الكريم، ولهذا اختلف العلماء ﵏ هل تاركها يكفر كما يكفر تارك الصلاة أم لا؟ على قولين.\nوالزكاة هي: التعبد لله تعالى في دفع مال مخصوص من أموال مخصوصة هذا المال المخصوص مقدر: ربع العشر، نصف العشر، العشر.\nوكذلك يدفع لطائفة مخصوصة كما سيأتي إن شاء الله والزكاة لها فوائد عظيمة منها تكميل إسلام العبد لأنها أحد أركان الإسلام وهي أفضل من الصدقة يعني لو أدى الإنسان مائة ريال زكاة أو مائة ريال صدقة تطوع كانت مائة ريال الزكاة أحب إلى الله ﷿ وأفضل","vol":"5","page":236},{"text":"ومنها أن الإنسان يخرج بها عن دارة البخلاء إلى دائرة الكرماء لأنها بذل مال والبخل إمساك المال فإذا بذلها الإنسان خرج من كونه بخيلا إلى كونه كريما ومنها مضاعفة الحسنات لأن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله مثلهم كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة يعني: ريال بمائة ريال أو أكثر ومنها أن فيها جبرا لقلوب الفقراء ودفعا لحاجتهم وحماية من غضبهم لأن الفقراء إذا لم يعطوا من مال الأغنياء ربما يغضبون ويتجرءون ويكرهون الأغنياء ويرون أنهم في واد والأغنياء في واد والأمة الإسلامية أمة واحدة يجب أن يعتقد كل إنسان أنه لبنة في سور قصر مع إخوانه المسلمين لقول النبي ﷺ: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ومنها أنها سبب في شرح الصدر لأن الإنسان كلما بذل شيئا من ماله شرح الله له صدره وهذا شيء مجرب وواقع لو يتصدق الإنسان بأدنى من واجب الزكاة لوجد في صدره انشراحا وفي قلبه محبة للخير ومنها أنها تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء وهذه فائدة عظيمة تدفع ميتة السوء يعني الإنسان يموت على أحسن حال","vol":"5","page":237},{"text":"وحسن الخاتمة أحسن الله لي ولكم الخاتمة أعز ما يكون على الإنسان لأنه وقت فراق الدنيا إلى الآخرة والشيطان أحرص ما يكون على بني آدم عند الموت لأنها هي الساعة الحاسمة إما من أهل النار أو من أهل الجنة وفي حديث ابن مسعود: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها فالأعمال بالخواتيم والصدقة وعلى رأسها الزكاة تدفع ميتة السوء ومنها أن النبي ﷺ أخبر أن كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة فالناس تكون الشمس فوق رءوسهم قدر ميل وهؤلاء المتصدقون وعلى رأس صدقاتهم الزكاة يكونون في ظل صدقاتهم يوم القيامة.\nوحكى لي بعض الصلحاء أن رجلا كان يمنع أهله من الصدقة من البيت يقول: لا تتصدقوا وفي يوم من الأيام نام ورأى في المنام كأن الساعة قد قامت ورأى فوق رأسه ظلا يظله من الشمس إلا أن فيه ثلاثة خروق يقول: فجاءت تمرات فسدت هذه الخروق فتعجب","vol":"5","page":238},{"text":"كيف الثوب متخرق وتجيء التمرات تسد الخروق فلما قصها على زوجته أخبرته أنها تصدقت بثوب وثلاث تمرات فكان الكساء الأول هو الثوب لكنه مخرق فجاءت التمرات الثلاث فسدت الخروق ففرح بذلك وأذن لها بعد هذا أن تتصدق بما شاءت فالحاصل أن هذه الرؤيا مصداق قول الرسول ﷺ كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة ومنها أنها تلين القلب وصدقات التطوع تلين القلب حيث إن الإنسان يعطيها الفقراء المحتاجين فيلين قلبه ويرحمهم وفي ذلك تعرض لرحمة الله لأن الله إنما يرحم من عباده الرحماء ولها فوائد كثيرة قد يطول في المقام ذكرها.\nوسيأتي إن شاء الله الكلام على الآيات التي ذكرها المؤلف والله الموفق.\nقال الله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ وقال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ وقال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها ثم ذكر آيات ثلاث الآية الأولى","vol":"5","page":239},{"text":"وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فإقامة الصلاة أن تأتي بها مستقيمة على الوجه الذي ورد عن النبي ﷺ وإيتاء الزكاة هو إعطاؤها لمستحقها وقد سبق بيان معنى الزكاة وبيان فوائدها ما يسر الله تعالى.\nثم ذكر الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ ﴿وما أمروا﴾ يعني بذلك الناس ﴿إلا ليعبدوا الله﴾ أي يتذللوا له بالعبادة بكل ما تعبدهم به من عقيدة أو قول أو عمل ﴿مخلصين له الدين﴾ أي مخلصين له العمل وإخلاص العمل لله ألا يبتغي الإنسان شيئا بعلمه سوى الله ﷿ لا يبتغي به دنيا ولا جاها ولا رئاسة ولا غير ذلك لا يريد إلا ثواب الله وقوله ﴿حنفاء﴾ يعني مائلين عن الشرك إخلاص بلا إشراك وقوله ﴿ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ وهذا هو الشاهد في قوله ﴿ويؤتوا الزكاة﴾ وقوله ﴿وذلك دين القيمة﴾ ﴿وذلك﴾ أي عبادة الله تعالى مخلصين له الدين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿دين القيمة﴾ أي دين الملة القيمة فهو العمل المرضي عند الله ﷿ وقال سبحانه ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ الخطاب للنبي ﷺ ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ يعني بذلك الزكاة ﴿تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة أما كونها تطهر من الذنوب فلقوله","vol":"5","page":240},{"text":"ﷺ: الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وأما كونها تطهر الأخلاق الرذيلة فلأنها تلحق الإنسان بالكرماء والمحسنين بما يبذله من أموال الزكاة لمستحقيها ﴿وتزكيهم بها﴾ أي تنمي أخلاقهم بعد التطهير من الأخلاق الرذيلة تنمي الأخلاق الفاضلة ﴿وتزكيهم بها﴾ تزكيهم أيضا دينا فهي تزكية دين وتزكية أخلاق ﴿وصل عليهم﴾ أي ادع لهم بالصلاة عليهم وكان النبي ﷺ إذا أتاه قوما بصدقة قال لهم: اللهم صل عليهم امتثالا لأمر الله ﴿إن صلواتك سكن لهم﴾ صلاتك عليهم يعني دعاءك لهم بالصلاة مسكن لهم تسكن إليه نفوسهم وتطمئن قلوبهم وتنشرح صدورهم ويسهل عليهم بذل المال ﴿والله سميع عليم﴾ ففي هذه الآيات الثلاث دليل على وجوب الزكاة وأنها من أفضل الأعمال وسيأتي إن شاء الله الأحاديث.\n١٢٠٦ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان متفق عليه.\n١٢٠٧ - وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله","vol":"5","page":241},{"text":"ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: خمس صلوات في اليوم والليلة قال: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع فقال رسول الله ﷺ: وصيام شهر رمضان قال: هل علي غيره، قال: لا، إلا أن تطوع قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة فقال: هل علي غيرها قال: لا، إلا أن تطوع فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ: أفلح إن صدق متفق عليه.\n١٢٠٨ - وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ بعث معاذا ﵁ إلى اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الثلاثة ذكرها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تأكيد وجوب الزكاة أما حديث ابن عمر ﵄ وهو","vol":"5","page":242},{"text":"قول النبي ﷺ: بني الإسلام..\n..\nفقد تقدم الكلام عليه مفصلا ولا حاجة إلى إعادته وأما حديث طلحة بن عبيد الله في قصة الرجل النجدي الذي جاء ثائر الرأس يسمعون صوته ولا يفقهون ما يقول وسأل النبي ﷺ عن الإسلام فذكر له خمس صلوات وصيام رمضان والزكاة ولم يذكر شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لعلمه ﷺ بأنه قد نطقها وشهد بها لأنه جاء مسلما لكن يريد أن يستفسر عن تفاصيل بعض الأشياء وفيه قوله ﷺ لهذا الرجل لما ذكر ﷺ خمس صلوات وصيام رمضان والزكاة وقال الرجل هل علي غيرها قال: لا، إلا أن تطوع فدل هذا على أنه لا يجب في اليوم والليلة أكثر من خمس صلوات، فالوتر ليس بواجب لكنه سنة مؤكدة وتحية المسجد ليست بواجبة لكنها سنة مؤكدة وصلاة العيدين ليست بواجبة لكنها سنة مؤكدة وكذلك أيضا ما اختلف فيه العلماء.\nهكذا ذهب بعض أهل العلم وجعل هذا الحديث أصلا في عدم وجوب ما ذكر ولكن عند التأمل تجد الحديث ليس فيه دليل على ذلك يعني أنه لا يدل على عدم وجوب تحية المسجد وعلى عدم وجوب صلاة العيد وما أشبهها لأن هذه الصلوات لها أسباب عارضة تجب بوجود أسبابها إلا أن القول الراجح أن تحية المسجد ليست بواجبة ولكنها سنة مؤكدة أما صلاة العيد فواجبة لأن النبي ﷺ أمر حتى الحيض من النساء وذوات الخدور والعواتق أن يخرجن ويصلين إلا أن الحيض يعتزلن المصلى، وأما الوتر","vol":"5","page":243},{"text":"فنعم في الحديث دليل على أنه ليس بواجب لأن الوتر يتكرر يوميا فلو كان واجبا لبينه الرسول ﷺ لهذا الرجل فالصواب أن الوتر سنة مؤكدة وليس بواجب لو تركه الإنسان لا يأثم لكن من داوم على تركه سقطت عدالته قال الإمام أحمد ﵀ من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة.\nوأما صيام رمضان تعم لا يجب على الإنسان أن يصوم غيره اللهم إلا إن نذر فإن النبي ﷺ قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه.\nوأما الزكاة فلا يجب غيرها أيضا في المال إلا ما كان له سبب كالنفقة على الزوجة والأقارب وما شابه ذلك مما له سبب معين يجب بوجوب السبب.\nوأما قول الرجل لما أدبر والله لا أزيد على هذا ولا أنقص عاهد الله عهدا بيمين ألا يزيد على هذا ولا ينقص فقال النبي ﷺ: أفلح إن صدق، أفلح إن صدق وهذا دليل على أن الإنسان إذا اقتصر على الواجب في الشرع فإنه مفلح ولكن لا يعني هذا أنه لا يسن أن يأتي بالتطوع لأن التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة وكم من إنسان أدى الفريضة وفيها خلل وفيها خروق وفيها خدوش تحتاج إلى تكميل وإلى رتق الصدع.\nأما حديث ابن عباس ﵄ في بعث النبي ﷺ معاذا إلى","vol":"5","page":244},{"text":"اليمن فقد سبق الكلام عليه أيضا فلا حاجة إلى إعادته لكن فيه أن الرسول ﷺ قال: أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فهذا هو الشاهد في هذا الباب والله الموفق.\n١٢٠٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله متفق عليه.\n١٢١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر ﵁ وكفر من كفر من العرب فقال عمر ﵁ كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق متفق عليه..","vol":"5","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها ذكر منها ما سبق الكلام عليه وذكر منها حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.\nقوله (أمرت) الآمر له هو الله ﷿ وفي هذا دليل على أن النبي ﷺ عبد مأمور مكلف يؤمر وينهى كما يؤمر وينهى سائر الناس لأنه عبد من عباد الله ﵊ ليس ربا ولا يملك شيئا من حقوق الربوبية بل هو عبد يؤمر وينهى وربما يحصل له أكبر من ذلك لقول الله ﵎ له عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين وكقوله تعالى ﴿لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾ يعاتبه ربه ﷿ ويقول له ﷾ ﴿واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ فمن زعم أن محمدا ﷺ له شيء من الربوبية وأن ينفع ويضر ويجيب الدعوة ويكشف السوء فقد أشرك بالله وكفر بمحمد ﷺ.\nيقول ﵊: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا","vol":"5","page":246},{"text":"إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة يقاتل من امتنع عن واحدة من هذه الأربع: من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومن إقامة الصلاة ومن إيتاء الزكاة يقاتلهم حتى يذعنوا ويرضخوا لهذه الأربع فإذا فعلوا ذلك يعني شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿ يعني: إذا فعلوا ذلك فقد استسلموا ظاهرا فيعصمون دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله، لأن من الناس من يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وقلبه منطوي على الكفر ولهذا قال: حسابهم على الله فالمنافقون يقولون: لا إله إلا الله لكن لا يذكرون الله إلا قليلا ويقولون لرسول الله ﷺ نشهد إنك لرسول الله ويقيمون الصلاة ولكن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ويتصدقون ولكن لا ينفقون إلا وهم كارهون ومع ذلك قلوبهم منطوية على الكفر نسأل الله العافية ولهذا قال: وحسابهم على الله ﷿.\nثم ذكر ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ في تحاور أبي بكر الصديق ﵁ الخليفة الأول لرسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب الخليفة الثاني لرسول الله ﷺ في مسألة دينية مع أن كل واحد منهما يحب الآخر حبا عظيما لكن هذه المحبة لا تمنع من المحاورة والمراجعة الدينية لأن الدين فوق كل شيء لما كان أبو بكر ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ باختيار الصحابة له أن يكون الخليفة بعد الرسول","vol":"5","page":247},{"text":"وكذلك بإشارة الرسول ﷺ إليه حيث خلفه عنه في الحج وهي إمامة كبرى بالنسبة للناس وفي الصلاة وهي إمامة صغرى لأن أمير الحج يؤم من الناس أكثر ما يؤمه أمير المسجد خلفه النبي ﷺ إماما للمسجد حين مرض وخلفه في الحج بالناس عام تسع من الهجرة واتفق الصحابة بعد موت الرسول ﷺ على أن الخليفة من بعده أبو بكر ارتد من ارتد من العرب والعياذ بالله وقد أشار الله إلى ذلك في قوله ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ وقد حصل ارتد من ارتد من العرب ومنعوا الزكاة وكفروا بالله فقاتلهم أبو بكر ﵁ فحاوره عمر قال: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال النبي ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وهذا هو الذي سمعه عمر من النبي ﷺ وإلا فإن ابنه سمع من الرسول أكثر من ذلك، سمع من الرسول ﷺ أنه قال: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة لكن عمر روى ما سمع: (حتى يقولوا لا إله إلا الله) فقال أبو بكر: (والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا يعني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على ذلك) وهذا دليل على حزمه ﵁ حزم أبي بكر مع أنه ألين من عمر لكن في مواقف الشدة والضيق يكون أبو بكر أحزم من عمر.\nنضرب لكم أمثلة منها هذا المثال: عمر رأى ألا يقاتل الناس لكن بعد مراجعة أبي بكر له علم أنه الحق لما رأى أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال وهو","vol":"5","page":248},{"text":"الخليفة من بعد الرسول عرف أنه الحق إذ إن الله ﷾ لم يشرح صدر هذا الخليفة الراشد (أول خليفة في الأمة الإسلامية) إلا لحق عرف أنه الحق لما شرح الله صدر أبي بكر له هذا موقف صار أبو بكر أجلد من عمر وأشد وأثبت.\nوالموضع الثاني: لما مات الرسول ﷺ أظلمت المدينة واضطرب الناس وصار يوما عظيما واجتمع الناس في المسجد وقام عمر وقال: إن النبي ﷺ لم يمت ولكنه صعد يعني غشي عليه وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم اهتز قلبه يقولها بجد وحزم وكان أبو بكر ﵁ حين مات الرسول ﷺ خارج المدينة في حائط له فذهبوا فأخبروه أخبروا أبا بكر فجاء إلى الرسول ﷺ وكشف عن وجهه وقد غطي ﵊ كشف عن وجهه وقبله وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة الأولى فقد متها ثم خرج إلى الناس وإذا عمر يتكلم ينكر ويقول: (ما مات غشي عليه وليبعثنه الله) فقال أبو بكر: (على رسلك) يعني أرفق فجلس عمر أو بقي قائما فصعد أبو بكر المنبر وخطب الناس خطبة عظيمة بليغة في هذا المقام الضنك قال: (أما بعد أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ﵁ وهو أشد الناس فجيعة به ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ وقوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا﴾","vol":"5","page":249},{"text":"يقول عمر: (حتى عثرت فما تقلني رجلاي يعني: لا يقدر أن يقف فجلس لأنه علم أن هذا هو الحق فانظر إلى ثبات أبي بكر في هذا المقام.\nأما الموضع الثالث: فهو في صلح الحديبية صلح الحديبية فيه شروط ظاهرها أنه فيه غضاضة على المسلمين منها: أن من جاء من قريش مسلما انتبه من جاء من قريش مسلما رده الرسول إلى قريش ومن ذهب من المسلمين إلى قريش فلا يلزمهم رده.\nهذا الشرط ظاهره أنه إجحاد عجز عمر فلا يقدر على هذا فقال: (يا رسول الله كيف؟ كيف؟ من خرج منهم مسلما وجاء مهاجرا إلينا نرده، ومن ذهب منا لا يردونه كيف نعطي الدنية في ديننا ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال: بلى لكن هذا أمر الله وأنا عبد الله ورسوله ولن أعصي الله وسينصرنا الله ﷿ فعجز عمر فذهب إلى أبي بكر يستنجد به لعله يشير على الرسول ﷺ بعدم الموافقة فكان جواب أبي بكر ﵁ كجواب الرسول ﷺ حرفا بحرف مواقف عظيمة في هذا المقام الضنك قال: إنه لرسول الله وإن الله ناصره فاستمسك بغرزه يقول لعمر يعني: احذر أن تخالفه فإنه على الحق.\nفي هذه المواقف الثلاثة العظيمة تبين ثبات أبي بكر ﵁ وأنه","vol":"5","page":250},{"text":"أثبت الصحابة وأحق الصحابة بالخلافة وأحزمهم وأعقلهم وهكذا يتبين حال الإنسان الثابت الذي ينظر إلى الأمور من بعيد ويسبر غورها والإنسان الذي عنده غيرة لكنه لا يريد أن يتعجل فالتعجل قد يكون فيه غرر.\nالمهم من هذا الحديث أو الفائدة منه في هذا الباب الذي بوبه النووي ﵀ في رياض الصالحين أن من امتنع عن الزكاة وجب على الإمام قتاله حتى يؤدي الزكاة والله الموفق.\n١٢١١ - وعن أبي أيوب ﵁ أن رجلا قال للنبي ﷺ: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم متفق عليه.\n١٢١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا فلما ولى قال النبي ﷺ: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا متفق عليه.","vol":"5","page":251},{"text":"١٢١٣ - وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الثلاثة في باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها حديث أبي أيوب وأبي هريرة وجرير وكلها تدل على ما سبق من أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من فرائض الإسلام وفي حديث أبي أيوب زيادة وتصل الرحم والرحم: هم القرابة من جهة الأب أو من جهة الأم وصلتهم بما جرى به العرف والعادة لأن النبي ﷺ لم يبين كيفية الصلة، وكل شيء جاء في الكتاب والسنة ولم يبين فإن مرجعه إلى عادة الناس وعرفهم وهذا يختلف باختلاف الأحوال واختلاف الأزمان واختلاف البلدان ففي حالة الحاجة والفقر وشدة المؤونة تكون صلتهم بإعطائهم ما يتيسر من المال وما يسد حاجتهم وكذلك إذا كان هناك مرضي في القرابة فإن صلتهم أن تعودهم وتتكرر عليهم بحسب ما فيهم من مرض وبحسب القرابة، وإذا كانت الأمور ميسرة وليست هناك حاجة كما في عرفنا اليوم، فإنه يكفي أن تصلهم بالهاتف أو بالمكاتبة أو في المناسبات البعيدة كالأعياد وغير ذلك، والمهم أن صلة الرحم واجبة، ولكن غير محددة في الشرع فيرجع فيها على ما جرى به العرف وتعارفه الناس بينهم","vol":"5","page":252},{"text":"وأما في حديث جرير بن عبد الله ففيه زيادة على ما سبق من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة النصح لكل مسلم أن الإنسان ينصح لكل مسلم بحيث يعامله كما يعامل نفسه وكما يحب أن يعامله الناس فلا يشتمه ولا يقذفه ولا يخدعه ولا يغشه ولا يخونه ويكون له ناصحا من كل وجه وإذا استشاره في شيء وجب عليه أن يشير عليه بما هو الأصلح له في دينه ودنياه وقد ذكر أن جرير بن عبد الله ﵁ حينما بايع النبي ﷺ على هذه البيعة النصح لكل مسلم ذكر عنه أنه اشترى فرسا من شخص بثمن ثم إنه لما ركبه ورأى الفرس لقاه جيدا فرجع إلى البائع وقال: (إن فرسك هذا يساوي أكثر فزاده إلى أن زاده قسطا بثمن الأول مرة أو مرتين) لأنه بايع النبي ﷺ على (النصح لكل مسلم) فعلى المرء أن يكون واصلا لرحمه وأن يكون ناصحا لإخوانه المسلمين وفي حديث تميم الداري أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة ثلاث مرات قالوا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم والله الموفق\n١٢١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من صاحب ذهب، ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له","vol":"5","page":253},{"text":"صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار.\nقيل: يا رسول الله فالإبل؟ قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها، حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها، رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار.\nقيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.\nقيل: يا رسول الله فالخيل؟ قال: الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام، فهي له وزر وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات ولا تقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب الله","vol":"5","page":254},{"text":"له عدد آثارها وأرواثها حسنات ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات.\nقيل: يا رسول الله فالحمر؟ قال: ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ متفق عليه.\nوهذا لفظ مسلم.\nومعنى القاع: المكان المستوى من الأرض الواسع والقرقر: الأملس.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الذي أورده المؤلف ﵀ في باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وهو حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم مطولا فيه ذكر النبي ﷺ الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والخيل والحمر وذكر حكم كل منها ﵊ وهكذا كان ﷺ يبين للناس بيانا شافيا كافيا حتى ترك أمته وقد أكلم به لله الدين وأتم به النعمة على المؤمنين فقال ﷺ: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى به جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى","vol":"5","page":255},{"text":"الجنة وإما إلى النار فالذهب والفضة تجب الزكاة في أعيانهما في كل حال، فالزكاة واجبة في أعيان الذهب والفضة في كل حال سواء أعدها الإنسان للنفقة أو للزواج أو لشراء بيت يحتاج إلى سكناه أو شراء سيارة يحتاج إلى ركوبها أو ادخرهما ليستكثر بهما المال أو غير ذلك ففيهما الزكاة تجب على كل حال حتى ذهب المرأة الذي تلبسه والفضة التي تلبسها تجب عليها الزكاة تجب الزكاة فيها على كل حال لكن لابد من بلوغ النصاب وهو في الذهب خمسة وثمانون جراما ونصف جرام، والفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جراما، فإذا كان عند الإنسان من الفضة هذا المقدار ومن الذهب ذلك المقدار وجب عليه الزكاة على كل حال فإن لم يفعل فجزاؤه ما ذكره النبي ﷺ: إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار لا من ذهب وفضة، من نار والعياذ بالله قطع نارية ويحمي عليها في نار جهنم ونار جهنم فضلت على نار الدنيا كلها بتسعة وستين جزءا نار الدنيا كلها حتى نار الغاز وما هو أشد حرارة نار جهنم فضلت عليها بتسعة وستين جزءا نسأل الله أن يجيرنا وإياكم منها يحمى عليها في نار جهنم فيكوى به جنبه يعني الجنب الأيمن والأيسر وجبينه يعني وجهه وظهره واضح معناه كلما بردت أعيدت لا تبقى حتى تبرد وتسكت عنه، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ليس ساعة ولا ساعتين ولا شهرا ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين خمسون ألف سنة وهو يعذب هذا العذاب والعياذ بالله حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار نسأل الله العافية.","vol":"5","page":256},{"text":"وعلى هذا يكون هذا الحديث كالتفسير لقول الله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ومعنى يكنزونها أي: لا يؤدون زكاتها، كما فسرها بذلك أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لأن ما لا يؤدى زكاته فهو كنز، ولو كان على رؤوس الجبال، وما تؤدى زكاته فليس بكنز ولو كان في باطن الأرض فالكنز ما لا تؤدى زكاته.\n﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ وهذا عذاب وألم جسدي ويعذبون عذابا قلبيا فيقال لهم ﴿هذا ما كنزتم لأنفسكم فذقوا ما كنتم تكنزون﴾ فيحصل لهم العذاب الجسدي والعذاب القلبي بالتوبيخ والتأنيب فكيف يكون قلبه في تلك الساعة وهو يقال له هذا ما كنزت لنفسك سيتقطع قلبه ألم جسدي وألم قلبي والعياذ بالله هذا جزاء من لا يؤدي الزكاة من الذهب أو الفضة وما قام مقام الذهب والفضة بالنقدية فله حكمه وعلى هذا فمن عنده أوراق تساوي هذا المبلغ من الذهب والفضة فعليه أن يزكي عنها ومعاملة الناس الآن في غالب الدول كلها بالأوراق فئة ريال فئة خمسة فئة عشرة..\n..\nهذه الأوراق تقوم مقام الذهب والفضة لأنها جعلت بدلا عنها في التعامل بين الناس فإذا ملك الإنسان أوراقا تساوي هذا القدر من الفضة فعليه زكاته يعني تساوي (٥٦) ريالا عربيا من الفضة فعليه الزكاة، ومعلوم أن الفضة ترتفع أحيانا وتنزل أحيانا، فيقدر قيمتها إذا","vol":"5","page":257},{"text":"وجبت عليه الزكاة فإذا بلغت النصاب أي (٥٦) ريالا من الفضة فعليه زكاته، ومقدار الزكاة ربع العشر.\nثم ذكر النبي ﷺ الإبل والبقر والغنم وجعل من حق الإبل حلبها يوم وردها إذا وردت على الماء فإنها تحلب وجرت العادة أنهم يحلبونها ويتصدقون بها على الحاضرين هذا من حقها لأن الإبل روايا كبيرة فيها ألبان فإذا وردت الماء درت وإذا درت صار فيها فضل كبير من اللبن فإذا جاء الفقراء يوزع عليهم هذا من حقها.\nوذكر ﵊ الخيل وأنها ثلاثة أنواع أجر وستر ووزر.\nأما الحمر فإنه قال: لم ينزل علي فيها شيء، إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ فإن استعملت الحمير في خير فهو خير وإن استعملتها في شر فهي شر والله أعلم.","vol":"5","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به</span>\nقال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ إلى قوله تعالى ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ الآية.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصوم وما يتعلق به.\nذكره ﵀ بعد الكلام على الزكاة لأن هذا هو الترتيب الذي جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ في مسألة جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها.\nصوم رمضان: هو التعبد لله ﷾ بترك الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هذا هو الصيام أن يتعبد الإنسان لله بترك هذه الأشياء لا أن يتركها على العادة أو من أجل البدن ولكنه يتعبد لله بذلك يمسك عن الطعام والشراب والنكاح وكذلك سائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس من هلال رمضان إلى هلال شوال.","vol":"5","page":259},{"text":"وصيام رمضان أحد أركان الإسلام هذه منزلته في دين الإسلام وهو فرض بإجماع المسلمين لدلالة الكتاب والسنة على ذلك.\nثم ذكر المؤلف الآيات التي تدل على هذا فقال: يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون فوجه الله الخطاب للمؤمنين لأن صيام رمضان من مقتضيات الإيمان ولأن صيام رمضان يكمل به الإيمان ولأن ترك صيام رمضان ينتقص به الإيمان.\nواختلف العلماء فيما لو تركه تهاونا أو كسلا هل يكفر أم لا؟ والصحيح أنه لا يكفر وأنه لا يكفر الإنسان بترك شيء من أركان الإسلام سوى الشهادتين والصلاة وقوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ أي: فرض وقوله ﴿كما كتب﴾ أي: كما فرض ﴿على الذين من قبلكم﴾ وإنما ذكر الله تعالى أنه فرض على من قبلنا ولم يذكر مثل ذلك في الصلاة لأن الصيام فيه مشقة فيه تعب فيه ترك المألوف ولا يخفى أنه في أيام الحر وطول النهار يكون شديدا على النفوس فذكر الله أنه فرضه على من قبلنا تسلية لنا لأن الإنسان إذا علم أن هذا الشيء له ولغيره هان عليه وذكره أيضا من أجل أن يبين أنه جل وعلا أكمل لنا الفضائل كما أكمل لمن سبقنا ما شاء من الفضائل.\nوقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾ أي: لأجل أن تتقوا الله، لأن الصيام جنة.\nيقيك من المعاصي، ويقيك من النار لأن من صام رمضان إيمانا","vol":"5","page":260},{"text":"واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ﴿لعلكم تتقون﴾ أي من أجل التقوى وهذه هي الحكمة من إيجاب الصوم ويدل على هذا قوله ﷺ: من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه لأن الله لم يرد أن يعذب العباد بترك ما يشتهون ويألفون ولكنه أراد أن يدعوا قول الزور والعمل به والجهل.\nثم قال: ﴿أياما معدودات﴾ ذكرها على وجه التقرير ليبين أن المسألة ليست شهورا ولا سنوات ولكنها أيام وليست طويلة أياما معدودات.\n﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وهذا أيضا تفسير آخر، أولا: الأيام قليلة أيام معدودة ثانيا: أن من كان يشق عليه الصوم أو سافر فإنه يفطر وعليه عدة من أيام أخر.\n﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ وهم مقيمون ﴿فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم﴾ هذا في أول الأمر أول ما فرض الله الصوم قال للذين يطيقونه عليكم فدية طعام مسكين فإن تصدقتم فهو خير لكم وأن تصوموا خير لكم فخير الله الناس في أول الأمر بين أن يصوم الإنسان أو يطعم عن كل يوم مسكينا ثم تعين الصيام","vol":"5","page":261},{"text":"في الآية التي بعدها.\n﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي إن كنتم من ذوي العلم الذين يفهمون.\nووجه ذلك أن الصوم أشق على كثير من الناس من إطعام المسكين فلما كان أشق علم أنه أفضل لأن الإنسان إذا عمل عبادة شاقة بأمر الله كان أجرها أعظم ومن ثم كان الأبعد من المسجد أعظم أجرا من الأدنى من المسجد لأنه أكثر عملا لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يطلب المشقة في العبادات التي يسرها الله هذا من التنطع في الدين لكن إذا كلفك الله بعبادة وشقت عليك صار هذا أعظم أما أن تتطلب المشقة كما يفعل بعض الجهال في أيام الشتاء مثلا يذهب فيتوضأ بالماء البارد يقول: لأن إسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات ويمحو به الخطايا نقول: يا أخي ما هذا أراد الرسول ﷺ إنما أراد الرسول ﷺ أن الإنسان إذا توضأ بماء بارد في أيام الشتاء كان أعظم أجرا ولكنه لم يقل: اقصد الماء البارد فإذا من الله عليك بالماء الساخن تستطيع أن تسبغ الوضوء فيه إسباغا كاملا فهذا أفضل.\n﴿فمن كان منكم مريضا﴾ والمرض ثلاثة أقسام: ١ - قسم مرضي لا يرجى برؤه بل هو مستمر فهذا لا صيام على المريض ولكن عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا لأنه من جنس الكبير العاجز عن الصوم الذي لا يرجى زوال عجزه.\n٢ - القسم الثاني: المريض مرضا يضره الصوم، ويخشى عليه أن يهلك","vol":"5","page":262},{"text":"به كمريض لا يستطيع الاستغناء عن الماء مثل بعض أنواع المرض السكري وما أشبه ذلك فهذا يحرم عليه الصوم لقول الله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ .\n٣ - والقسم الثالث: مرض يشق معه الصوم لكن لا ضرر فيه والأفضل أن يفطر ولا يصوم ويقضي بعد ذلك وأما المرض الذي لا يتأثر به الصيام كمرض العين اليسير ومرض السن وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز فيه الفطر لأن الحكمة من الرخصة هي إزالة المشقة وهذا لا مشقة عليه إطلاقا فلا يحل له الفطر والأصل وجوب الصوم في وقته إلا بدليل بين واضح يبيح للإنسان أن يفطر ثم يقضي بعد ذلك.\nوأما السفر فإنه ينقسم كالمرض أيضا إلى ثلاثة أقسام قسم يضره الصوم ويشق عليه مشقة شديدة بسبب سفره مثل أن يسافر في أيام الحر والأيام الطويلة ويعلم أن لو صام لتضرر به وشق عليه مشقة غير محتملة فهذا يكون عاصيا إذا صام والدليل لذلك أن النبي ﷺ شكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصوم وهم في سفر فدعا بماء فشربه والناس ينظرون إليه حتى لا يكون في صدورهم حرج إذا أفطروا وكان ذلك بعد العصر ولكن بعض الصحابة ﵃ بقوا على صومهم فجيء إلى النبي ﷺ وقيل له إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة فوصفهم بالعصيان لأنهم لم يقبلوا","vol":"5","page":263},{"text":"رخصة الله مع مشقة ذلك عليهم مشقة شديدة.\nوالقسم الثاني من يشق عليه مشقة ولكنها محتملة فهذا يكره له الصوم وليس من البر أن يصوم ودليل ذلك أن النبي ﷺ كان في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، قال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال ﷺ: ليس من البر الصيام في السفر.\nوالقسم الثالث: من لا يتأثر بالسفر إطلاقا يعني صائم ولا يتأثر لأن النهار قصير والجو بارد ولا يهمه فهذا اختلف فيه العلماء أيهما أفضل يفطر أو يصوم أو يخير والصحيح أن الأفضل أن يصوم لأن ذلك أشد اتباعا لسنة النبي ﷺ ولأنه أيسر على المكلف فإن الصيام مع الناس أيسر من القضاء ولأنه أسرع في المبادرة في إبراء الذمة ولأنه يوافق الزمن الذي يكون فيه الصوم أفضل وهو شهر رمضان فمن أجل هذه الأربعة كان الصوم أفضل.\nقال أبو الدرداء ﵁ (كنا مع النبي ﷺ في رمضان في حر شديد حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وكان الصيام في السفر وأكثرنا ظلا صاحب الكساء وما فينا صائم إلى رسول الله وعبد الله بن رواحة) .","vol":"5","page":264},{"text":"هذا حكم الصوم في السفر والسفر عام فيمن يسافر للعمرة أو يسافر لغير ذلك وفيمن سفره دائم وسفره عارض وعلى هذا فإن أصحاب سيارات الحمولة يفطرون ولو كان سفرهم مستمرا لأن لهم وطنا يأوون إليه فإذا فارق الرجل الوطن فهو مسافر فإن سأل سائل متى يصومون قلنا يصومون في أيام الشتاء أو إذا قدموا إلى بلدهم.\n١٢١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله ﷿: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه متفق عليه.\nوهذا لفظ رواية البخاري وفي رواية له: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشرة أمثالها.\nوفي رواية لمسلم: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى","vol":"5","page":265},{"text":"سبعمائة ضعف قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي للصائم فرحتان فرحة عند فطره فرحة عند لقاء ربه ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث حديث أبي هريرة نقله المؤلف ﵀ في باب وجوب الصوم في رياض الصالحين بعد أن ذكر الآيات.\nوذكر فيه فوائد: ١ - أن الله ﷾ جعل الصوم له وعمل ابن آدم الثاني أي غير الصوم لابن آدم يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي.\nوالمعنى أن الصيام يختصه الله ﷾ من بين سائر الأعمال لأنه أي الصيام أعظم العبادات إطلاقا فإنه سر بين الإنسان وربه لأنه الإنسان لا يعلم إذا كان صائما أو مفطرا هو مع الناس ولا يعلم به نيته باطنة فلذلك كان أعظم إخلاصا فاختصه الله من بين سائر الأعمال قال بعض العلماء ومعناه إذا كان الله ﷾ يوم القيامة وكان على الإنسان مظالم للعباد فإنه يؤخذ للعباد من حسناته إلا الصيام فإنه لا يؤخذ منه شيء لأنه لله ﷿ وليس للإنسان وهذا معنى جيد أن الصيام يتوفر أجره لصاحبه ولا","vol":"5","page":266},{"text":"يؤخذ منه لمظالم الخلق شيئا.\nومنها أن عمل ابن آدم يزاد من حسنة إلى عشرة أمثالها إلا الصوم فإنه يعطى أجره بغير حساب يعني أنه يضاعف أضعافا كثيرة قال أهل العلم ولأن الصوم اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة ففيه صبر على طاعة الله وصبر &amp; وصبر عن معصية الله وصبر على أقدار الله.\nأما الصبر على طاعة الله فلأن الإنسان يحمل نفسه على الصيام مع كراهته له أحيانا يكرهه لمشقته لا لأن الله فرضه لو كره الإنسان الصوم لأن الله فرضه لحبط علمه لكنه كرهه لمشقته ولكنه مع ذلك يحمل نفسه عليه فيصبر عن الطعام والشراب والنكاح لله ﷿ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي النوع الثاني من أنواع الصبر: الصبر عن معصية الله، وهذا حاصل للصائم فإنه يصبر نفسه عن معصية الله ﷿ فيتجنب اللغو والرفث والزور وغير ذلك من محارم الله.\nالثالث: الصبر على أقدار الله وذلك أن الإنسان يصيبه في أيام الصوم (ولاسيما في الأيام الحارة والطويلة) من الكسل والملل والعطش ما يتألم ويتأذى به ولكنه صابر لأن ذلك في مرضاة الله.\nفلما اشتمل على أنواع الصبر الثلاث كان أجره بغير حساب قال الله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.\nومن الفوائد التي اشتمل عليها هذا الحديث أن للصائم فرحتين الفرحة الأولى عند فطره إذا أفطر فرح بفطره فرح بفطره من وجهين","vol":"5","page":267},{"text":"الوجه الأول: أنه أدى فريضة من فرائض الله وأنعم الله بها عليه وكم من إنسان في المقابر يتمنى أن يصوم يوما واحدا فلا يكون له وهذا قد من الله عليه بالصوم فصام فهذه نعمة فكم من إنسان شرع في الصوم ولم يتمه فإذا أفطر فرح لأنه أدى فريضة من فرائض الله ويفرح أيضا فرحا آخر وهو أن الله أحل له ما يوافق طبيعته من المآكل والمشارب والمناكح بعد أن كان ممنوعا منها.\nفهاتان فرحتان في الفطر الأولى أن الله من عليه بإتمام هذه الفريضة.\nالثانية أن الله من عليه بما أحل له من محبوباته من طعام وشراب ونكاح.\nومن فوائد هذا الحديث الإشارة إلى الحكمة من فرض الصوم حيث قال ﷺ: فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب يعني: لا يقول قولا يأثم به ولا يصخب فيتكلم بكلام صخب بل يكون وقورا مطمئنا متأنيا فإن سابه أحد أو شاتمه فلا يرفع صوته عليه بل يقول: إني صائم، يقول ذلك لئلا يتعالى عليه الذي سابه كأنه يقول: أنا لست عاجزا عن أن أقابلك بما سببتني ولكني صائم يمنعني صومي من الرد عليك وعلى هذا فيقوله جهرا.\nكذلك أيضا إذا قال: (إني صائم) يردع نفسه عن مقابلة هذا الذي سابه كأنه يقول لنفسه (إني صائم فلا تردى على هذا الذي سب) وهذا أيضا معنى جليل عظيم ولهذا كان النبي ﷺ إذا رأى من الدنيا ما يعجبه","vol":"5","page":268},{"text":"وخاف أن تتعلق نفسه بذلك قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة فالنفس مجبولة على محبة ما تميل إليه فإذا رأى ما يعجبه من الدنيا فليقل لبيك يعني إجابة لك يا رب.\nإن العيش عيش الآخرة أما عيش الدنيا فزائل وفان.\nفهذه من فوائد الصوم نقلها المؤلف رحمه الله تعالى مما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ وفي هذا الحديث نوعان من أنواع الحديث ألفاظ قدسية من كلام الله ﷿ التي رواها النبي ﷺ عن ربه وألفاظ نبوية من عند النبي ﷺ والله أعلم.\n١٢١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة قال أبو بكر ﵁ بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها قال: نعم وأرجو أن تكون منهم متفق عليه.","vol":"5","page":269},{"text":"١٢١٧ - وعن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن في الجنة بابا يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال أين الصائمون فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد متفق عليه.\n١٢١٨ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا متفق عليه.\n١٢١٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ساقها النووي في كتابه رياض الصالحين كلها تدل على فضل الصيام فمنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير","vol":"5","page":270},{"text":"زوجين صنفين مثل أن ينفق دراهم ودنانير أو دراهم وأمتعة أو خيلا وإبلا وما أشبه ذلك قال تعالى: وكنتم أزواجا ثلاثة أي أصنافا ثلاثة ثم ذكر الرسول أبواب الجنة وفي قوله (دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير) يعني أن الملائكة تدعوه من كل باب فتقول هذا خير هذا خير هذا خير وهذا يدل على فضل الإنفاق في سبيل الله وفيه أيضا أنه من كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان لأن هذا الباب خاص بهم فالريان يعني الذي يروي لأن الصائمين يعطشون ولاسيما في أيام الصيف الطويلة الحارة فيجازون بتسمية هذا الباب بما يختص بهم باب الريان وقوله: (من كان من أهل الصدقة ...\nمن أهل الجهاد ...\nمن أهل الصيام) يعني من كان يكثر من هذا الشيء وهذا يعني من صام فقط ولم يكن يصلي فإنه لا يدخل الجنة لأنه كافر لكن المراد بذلك المسلمون الذين يكثرون الصلاة فإنهم يدعون من باب الصلاة والذين يكثرون الصدقة يدعون من باب الصدقة،..\n..\nعلى كل حال من كان من أهل الجنة دخل الجنة من أي باب كان وأبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة، أما أبواب النار فذكرها الله في القرآن فقال تعالى ﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ أما أبواب الجنة الثمانية","vol":"5","page":271},{"text":"فصحت بها السنة عن النبي ﷺ.\nولما حدث النبي ﷺ بهذا الحديث قال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما على من دعي من أحد &amp; هذه الأبواب من ضرورة يعني الذي يدعى من باب واحد لا يشق عليه فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها يعني كل باب عليه ملائكة ينادون عليه يا فلان قال نعم يعني ممكن أن يكون الإنسان كثير الصلاة كثير الصدقة والجهاد فيدعي من الأبواب كلها؟ قال: نعم وأرجو أن تكون منهم.\nفأبو بكر ﵁ يدعى من الأبواب الثمانية كلها لأنه ﵁ سباق إلى الخير كل خير له فيه نصيب حتى إنه ﵁ عندما حث النبي ﷺ ذات يوم على الصدقة ورغب فيها فأتى عمر ﵁ وكان يحب أن يسبق أبا بكر لا حسدا لأبي بكر ولكن حبا في السبق إلى الخير فأتى عمر بنصف ماله للصدقة فلما جاء إلى النبي ﷺ إذا أبو بكر قد جاء بجميع ماله كل ماله فقال له الرسول ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، قال عمر والله لا أسابقه بعدها أبدا لأن أبا بكر ﵁ أسبق الصحابة على الخير وأقواهم إيمانا وأشدهم تصديقا بالله ورسوله.\nثم ذكر أحاديث أخرى كلها تدل على الصيام آخرها قوله في حديث أبي هريرة: (من صام إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) إذا صام إيمانا بالله واحتسابا بثواب الله فإن الله تعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه","vol":"5","page":272},{"text":"١٢٢٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين متفق عليه.\n١٢٢١ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين متفق عليه وهذا لفظ البخاري.\nوفي راوية مسلم: فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب وجوب صوم رمضان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين.\nهذه ثلاثة أشياء تكون في رمضان: ١ - تفتح أبواب الجنة ترغيبا للعاملين لها بكثرة الطاعات من صلاة وصدقة وذكر وقراءة للقرآن وغير ذلك.\n٢ - وتغلق أبواب النيران وذلك لقلة المعاصي فيه من","vol":"5","page":273},{"text":"المؤمنين.\n٣ - وصفدت الشياطين يعني المردة منهم كما جاء ذلك في رواية أخرى والمردة يعني الذين هم أشد الشياطين عداوة وعدوانا على بني آدم والتصفيد معناه الغل يعني تغل أيديهم حتى لا يخلصوا إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، وكل هذا الذي أخبر به النبي ﷺ حق أخبر به نصحا للأمة وتحفيزا لها على الخير وتحذيرا لها من الشر.\nوأما حديث أبي هريرة الثاني: فقال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته.\nيعني أنه يجب على المسلمين أن يصوموا إذا رأوا الهلال هلال رمضان فإن لم يروه فلا صيام عليهم ولهذا قال: (فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما) يعني: لو تغبى الهلال في غيم أو قطر وما أشبه ذلك فإنه يجب أن يكمل شعبان ثلاثين يوما هذا لفظ البخاري.\nأما لفظ رواية مسلم: فصوموا ثلاثين يوما وهذا فيما إذا غبي هلال شوال فبين النبي ﷺ في هذا الحديث أنه متى غبي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإنه يجب أن يكمل شعبان ثلاثين يوما (وإذا غبي ليلة الثلاثين من رمضان فإنه يكمل ثلاثين يوما) والله الموفق","vol":"5","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>باب الجود وفعل المعروف والإكثار من الخير في شهر رمضان والزيادة </span>من ذلك في العشر الأواخر منه\n١٢٢٢ - عن ابن عباس ﵄ قال كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة متفق عليه.\n١٢٢٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ باب الجود في شهر رمضان.\nالجود هو بذل المحبوب من مال أو عمل والإنسان يجود بماله فيعطي الفقير ويهدي إلى الغني ويواسي المحتاج ويجود كذلك بعمله فيعين الإنسان في أموره في سيارته في دكانه في بيته فالجود هو بذل المال أو العمل وربما يدخل في ذلك أيضا بذل الجاه بأن يشفع لأحد","vol":"5","page":275},{"text":"أو يتوسط له في جلب منفعة أو دفع مضرة أو ما أشبه ذلك.\nوكان النبي ﷺ كما قال أنس بن مالك ﵁ (أجود الناس) بماله وبدنه وعلمه ودعوته ونصيحته وكل ما ينفع الخلق وكان أجود ما يكون في رمضان لأن رمضان شهر الجود يجود الله فيه على العباد والعباد الموفقون يجودون على إخوانهم والله تعالى جواد يحب الجود وكان النبي ﷺ ينزل عليه جبريل في رمضان كل ليلة يدارسه القرآن من أجل أن يثبته في قلبه وأن يحصل الثواب بالمدارسة بينه وبين جبريل وجبريل ﵇ ينزل لكن على كيفية لا نعلمها لأنه ملك من الملائكة والملائكة لا يرون إلا إذا شاء الله ﷿ كان رسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة أي أنه يسارع إلى الخير ﵊ ويجود به حتى إنه أسرع من الريح المرسلة يعني التي أرسلها الله ﷿ فهي سريعة عاصفة ومع ذلك فالرسول ﷺ أجود بالخير من هذه الريح في رمضان.\nثم ذكر المؤلف حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل أي أحياه بالذكر والقرآن والصلاة والعبادة وأيقظ أهله وشد مئزره أيقظهم ليصلوا وشد المئزر أي تأهب تأهبا كاملا للعمل لأن شد المئزر معناه أن الإنسان يتأهب للعمل ويتقوى عليه وقيل معنى شد المئزر أنه يتجنب النساء ﵊ لأنه يتفرغ للعبادة وكلاهما صحيح","vol":"5","page":276},{"text":"النبي ﷺ يتفرغ للعبادة في العشر الأواخر من رمضان ويحيي الليل كله بطاعة الله فهذا من الجود بالنفس كلنه جود في حق الله ﷿ والله هو الذي يمن على من يشاء من عباده إذا من عليك بالعمل فله المنة يمن عليك بالعمل أولا ثم يمن عليكم بقبوله ثانيا وفقنا الله وإياكم لما يحب","vol":"5","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>باب النهي عن تقدم رمضان بصوم بعد نصف شعبان إلا لمن </span>وصله بما قبله أو وافق عادة له بأن كان عادته صوم الاثنين والخميس فوافقه\n١٢٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم متفق عليه.\n١٢٢٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت دونه غياية فأكملوا ثلاثين يوما رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nالغياية بالغين المعجمة وبالياء المثناة من تحت المكررة وهي: السحابة..\n١٢٢٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح..\n١٢٢٧ - وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر ﵄ قال: من صام","vol":"5","page":278},{"text":"اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح..","vol":"5","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>باب ما يقال عند رؤية الهلال</span>\n١٢٢٨ - عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله هلال رشد وخير رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب النهي عن تقدم رمضان بصوم بعد منتصف شعبان.\nثم ذكر أحاديث ﵀ منها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يتقدم الرجل رمضان بصوم يوم أو يومين إلا من له عادة، مثل أن يكون من عادته أن يصوم يوم الاثنين فصادف يوم الاثنين قبل رمضان بيوم أو يومين فلا بأس أو يكون من عادته أن يصوم أيام البيض ولم يتيسر أن يصوم اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر إلا أن يصوم قبل رمضان بيوم أو يومين فلا بأس فهذا يدل على أن المقصود بالنهي الخوف من أن يحتاط الإنسان لدخول رمضان فيقول أصوم قبله بيوم أو يومين احتياطيا فإن هذا الاحتياط لا وجه له ولهذا قال ﷺ: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته أي لرؤية الهلال فإن حال بينكم وبينه غياية يعني غيم أو قطر أو ما أشبه ذلك فأكملوا العدة ثلاثين يوما يعني عدة شعبان.\nواختلف العلماء ﵏ في هذا النهي هل هو نهي تحريم أو نهي كراهة والصحيح أنه نهي تحريم لاسيما اليوم الذي يشك فيه فإن عمار بن ياسر ﵄ قال: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ.\nوعلى هذا فنقول لا يجوز للإنسان أن يصوم قبل رمضان بيوم أو يومين إلا من له عادة ولا يجوز أن يصوم يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في الليلة غيم أو قطر يمنع من رؤية الهلال مطلقا لأن الرسول ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته.\nوأما النهي عن الصوم بعد منتصف شعبان فإنه وإن قال الترمذي حسن صحيح فإنه ضعيف قال الإمام أحمد إنه شاذ إنه يخالف حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا تصوموا قبل رمضان بيوم أو يومين فإن مفهومه أنه يجوز أن يصوم قبل رمضان بثلاثة أيام وأربعة أيام وعشرة أيام.\nوحتى لو صح الحديث فالنهي فيه ليس للتحريم وإنما هو للكراهة كما أخذ بذلك بعض أهل العلم ﵏.\nإلا من له عادة بصوم فإنه يصوم ولو بعد نصف شعبان وعلى هذا يكون الصيام ثلاثة أقسام: ١ - بعد النصف إلى الثامن والعشرين هذا مكروه إلا من اعتاد الصوم لكن هذا القول مبني على صحة الحديث والإمام أحمد لم يصححه وعلى هذا فلا كراهة.\n٢ - قبل رمضان بيوم أو يومين فهذا محرم إلا من له عادة.\n٣ - يوم الشك فهذا محرم مطلقا لا تصم يوم الشك لأن النبي ﷺ نهى عنه.\nولكن كما قلت يظهر أن النهي لمن أراد أن يجعله من رمضان وأما من أراد التطوع به فإنه يحرم تحريم الذرائع يعني: بمعنى أنه يخشى أن الناس إذا رأوا هذا الرجل قد صام ظنوا أنه صام احتياطا وهذا لا يجوز أن يحتاط صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته والله الموفق","vol":"5","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>باب فضل السحور وتأخيره ما لم يخش طلوع الفجر</span>\n١٢٢٩ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: تسحروا فإن في السحور بركة متفق عليه.\n١٢٣٠ - وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة قيل: كم كان بينهما قال: قدر خمسين آية متفق عليه.\n١٢٣١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان بلال وابن أم مكتوم فقال رسول الله ﷺ: إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا.\nمتفق عليه.\n١٢٣٢ - وعن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: فضل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب فضل السحور يقال: السحور والسحور فالسحور الأكل الذي يتسحر به الإنسان والسحور بالضم الفعل يعني تسحر الإنسان.","vol":"5","page":283},{"text":"والسحور حث عليه النبي ﷺ بقوله وأيده بفعله فقال ﷺ تسحروا فإن في السحور بركة فأمر وبين أمر بأن نتسحر وبين أن في السحور بركة فمن بركة السحور امتثال أمر النبي ﷺ وامتثال أمر النبي ﷺ كله خير كله أجر وثواب ومن بركته أنه معونة على العبادة فإنه يعين الإنسان على الصيام فإذا تسحر كفاه هذا السحور إلى غروب الشمس مع أنه في أيام الإفطار يأكل في أول النهار وفي وسط النهار وفي آخر النهار ويشرب كثيرا فينزل الله البركة في السحور يكفيه من قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس ومن بركته أنه يحصل به التفريق بين صيام المسلمين وصيام غير المسلمين ولهذا بين النبي ﷺ أن فصل ما بيننا وبين صيام أهل الكتاب أكلة السحر يعني السحور لأن أهل الكتاب يصومون من نصف الليل فيأكلون قبل منتصف الليل لا يأكلون في السحر أما المسلمون ولله الحمد فيأكلون في السحر في آخر الليل والتمييز بين المسلمين والكفار أمر مطلوب في الشرع ولهذا نهى النبي ﷺ عن التشبه بهم، قال: خالفوا المجوس وفروا اللحى وحفوا الشوارب يعني أرخوا اللحى لا تقصوها ولا تحلقوها وقال ﷺ من تشبه بقوم فهو منهم وينبغي أن يؤخر السحور إلى قبيل طلوع الفجر ولا يتقدم لأن النبي ﷺ قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا","vol":"5","page":284},{"text":"الفطر وأخروا السحور وقال ﷺ: إن بلال يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر.\nوأما قوله في الرواية التي ساقها المؤلف: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا) فهذه مدرجة في الحديث شاذة ليست بصحيحة لأن أمر النبي ﷺ بالأكل والشرب حتى يؤذن ابن أم مكتوم دليل على أن بينهما فرقا كبيرا يتسع للأكل والشرب والسحور فهي جملة ضعيفة شاذة لا عمدة عليها وقد بين زيد بن ثابت ﵁ حينما ذكر أنه تسحر مع النبي ﷺ ثم قاموا إلى الصلاة ولم يكن بينهما إلا قدر خمسين آية خمسون آية: من عشر دقائق إلى ربع الساعة إذا قرأ الإنسان قراءة مرتلة أو دون ذلك وهذا يدل على أن الرسول ﷺ يؤخر السحور تأخيرا بالغا وعلى أنه يقدم صلاة الفجر ولا يتأخر ثم إنه ينبغي للإنسان حين تسحره أن يستحضر أنه يتسحر امتثالا لأمر الله ورسوله ويتسحر مخالفة لأهل الكتاب وكرها لما كانوا عليه ويتسحر رجاء البركة في هذا السحور ويتسحر استعانة به على طاعة الله حتى يكون هذا السحور الذي يأكله خيرا وبركة وطاعة والله الموفق","vol":"5","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر عليه وما يقوله بعد الإفطار</span>\n١٢٣٣ - عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر متفق عليه.\n١٢٣٤ - وعن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂ فقال لها مسروق: رجلان من أصحاب محمد ﷺ كلاهما لا يألو عن الخير: أحدهما يعجل المغرب والإفطار والآخر يؤخر المغرب والإفطار؟ فقالت: من يعجل المغرب والإفطار؟ قال: عبد الله يعني ابن مسعود فقالت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع.\nرواه مسلم.\nقاله: لا يألوا أي لا يقصر في الخير.\n١٢٣٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال الله ﷿: أحب عبادي إلى أعجلهم فطرا رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n١٢٣٦ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم متفق عليه.","vol":"5","page":286},{"text":"١٢٣٧ - وعن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم فلما غربت الشمس قال لبعض القوم: يا فلان انزل فاجدح لنا، فقال: يا رسول الله لو أمسيت؟ قال: انزل فاجدح لنا قال: إن عليك نهارا قال: انزل فاجدح لنا قال: فنزل فجدح لهم فشرب رسول الله ﷺ ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم وأشار بيده قبل المشرق متفق عليه.\nقوله: اجدح بجيم ثم دال ثم حاء مهملتين أي: اخلط السويق بالماء.\n١٢٣٨ - وعن سلمان بن عامر الضبي الصحابي ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا أفطر أحدكم، فليفطر على تمر، فإن لم يجد، فليفطر على ماء فإنه طهور رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n١٢٣٩ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم تكن رطبات فتميرات فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن..","vol":"5","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر به وما يقال عند الفطور.\nهذه ثلاث مسائل المسألة الأولى: تعجيل الفطر لكن بشرط أن يتحقق غروب الشمس لقول النبي ﷺ في حديث عمر بن الخطاب الذي ساقه المؤلف: (إذا أقبل الليل من هاهنا يعني من المشرق وأدبر النهار من هاهنا يعني من المغرب وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) فإذا بادر الإنسان بالفطر من حين أن يغرب قرص الشمس ولو كان البياض ظاهرا والشعاع في الأفق ما دام قرص الشمس قد غاب فأفطر وبادر وهذه هي السنة القولية والفعلية من الرسول ﷺ أما الفعلية فدليلها حديث عائشة ﵂ حين سألها عطية ومسروق عن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ أحدهما يؤخر الفطر ويؤخر صلاة المغرب والثاني يعجل الفطر ويعجل صلاة المغرب أيهما أصوب فقالت عائشة: من هذا؟ أي الذي يعجل قالوا: ابن مسعود ﵁ فقالت: (هكذا كان النبي ﷺ يفعل) يعني: يعجل الفطر ويعجل صلاة المغرب هذه سنة فعلية تدل على أن الأفضل تقديم الإفطار أما القولية فحديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: لا يزال الناس","vol":"5","page":288},{"text":"بخير ما عجلوا الفطر فما دام الناس يبادرون إلى السنة ويتسابقون إلى الخير فهم بخير لا يزالون بخير أما إذا تباطأوا ولم يفطروا مبادرين فإن ذلك هو الشر ولهذا كان الرافضة المخالفون لسنة الرسول ﷺ يؤخرون الفطور لا يفطرون إلا إذا اشتبكت النجوم فيحرمون من الأجر والثواب ويحرمون من تعجيل إعطاء النفوس حظوظها من الأكل والشرب يعذبون في الدنيا قبل الآخرة لأن الإنسان إذ تأخر وهو عطشان أو جائع يتألم أكثر فهم يؤلمون أنفسهم بتأخير الفطور ويخالفون السنة ويفوتهم الأجر.\nثم إن المؤلف ﵀ ذكر أن الأفضل أن يفطر على رطب فإن لم يجد فتمر فإن لم يجد فماء لأن النبي ﷺ كان يفطر على رطيبات قليلة لا يكثر لأنه لا ينبغي الإكثار عند الفطور فإن المعدة خالية فإذا أكثرت فهذا يضرك أعطها شيئا فشيئا قلل عند الفطور ولهذا ليس من الطب أن الإنسان إذا أفطر يتعشى مباشرة كما يفعل بعض الناس بل الطب يقتضي أن تعطي المعدة الشيء القليل لأنها خالية فكان ﵊ يفطر على رطيبات فإن لم تكن فعلى تميرات فإن لم تكن حسا حسوات أو حسيات من ماء هكذا ينبغي أن تفطر على الرطب ثم التمر ثم الماء.\nوالرطب الآن والحمد لله موجود حتى في غير أيام الصيف فالناس يدخرون الرطب الآن في الثلاجات ويبقى مدة فالأفضل أن تفطر على الرطب فإن لم يكن عندك شيء فالتمر","vol":"5","page":289},{"text":"فإن لم يكن عندك تمر فالماء فإن قال قائل ليس عندي رطب ولا تمر ولكن عندي خبز وماء أيهما أفطر عليه؟ أفطر على الماء لأن النبي ﷺ أرشد إلى ذلك وقال: (إنه طهور) يطهر المعدة والكبد فلذلك أمرنا ﵊ أن نفطر على الماء وإنما قدم الرطب والتمر لأنه أنفع للبدن من الماء لأنه حلوى وغذاء وقوة وقد قال أهل الطب: (إن الحلاوة التي في التمر هي أسرع شيء يتقبله الجسم من أنواع الحلوى وإنها تسري إلى العروق فورا) وهذا من حكمة الله ﷿ فهذا الذي ينبغي أن تفطر عليه رطب فإن لم تجد فتمر فإن لم تجد فماء فإن لم تجد ماء فما تيسر من مأكول أو مشروب فإن لم تجد كما لو كنت في البر وليس عندك شيء فقال بعض العوام: (امصص إصبعك) وهذا غلط إذا لم تجد فتكفي النية في القلب وإذا عثرت على مطعوم أو مشروب بعد ذلك فافعل أما مص الإصبع فليس له أصل تحذلق عامي وقال: اتفل في ثوبك ثم امصص الريق أي: كأنه يجعل مثل الماء وهذا أيضا غلط كل هذا ليس بمشروع ولكن إن تيسر لك ما تفطر عليه فهذا هو المطلوب وإلا فانتظر حتى ييسر الله وانو بقلبك.\nوفي قول الرسول ﷺ: إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم قال بعض أهل العلم فقد أفطر يعني: وإن لم ينو الفطر يعني فقد انتهى صيامه وأفطر حكما وقال بعضهم فقد أفطر أي: فقد حل له الفطر لكن لا شك أنك إذا نويت الفطر إذا ما لم يكن عندك ما تأكله وتشربه فهو أحسن وأفضل حتى تكون مبادرا إلى الإفطار بالنية لعدم القدرة","vol":"5","page":290},{"text":"على الأكل والشرب والله الموفق.","vol":"5","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحه عن المخالفات والمشاتمة ونحوها</span>\n١٢٤٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم متفق عليه.\n١٢٤١ - وعنه قال: قال النبي ﷺ: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحه.\nوالمراد بذلك أنه يجب على الصائم أن يتجنب كل قول محرم وكل فعل محرم لأن الله تعالى إنما فرض الصيام من أجل التقوى كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أي: من أجل أن تتقوا الله ﷿ وتجتنبوا محارمه ولا يريد الله من عباده أن يضيق عليهم بترك الأكل والشرب والجماع ولكن يريد أن يمتثلوا أمره ويجتنبوا نواهيه حتى","vol":"5","page":292},{"text":"يكون الصيام مدرسة يتعودون فيها على ترك المحرمات وعلى القيام بالواجبات وإذا كان شهر كامل يمر بالإنسان وهو محافظ على دينه تارك للمحرم قائم بالواجب فإن ذلك سوف يغير من مجرى حياته.\nولهذا بين الله الحكمة من ذلك بأنها التقوى وقال النبي ﷺ: إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق يعني لا يفعل فعلا محرما ولا يقول قولا محرما فإن سابه أحد يعني: صار يعيبه ويشتمه.\n(أو قاتله) فليقل (إني صائم) حتى يدفع عن نفسه العجز عن المدافعة ويبين لصاحبه أنه لولا الصيام لقابلتك بمثل ما فعلت بي، فيبقى عزيزا لا ذليلا لكنه ذل لعبودية الله تعالى وطاعة الله، وكذلك قال ﷺ: من لم يدع قول الزور يعني: قول المحرم والعمل به أي بالمحرم، والجهل كما في لفظ آخر يعني: العدوان على الناس فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه لأن الله تعالى إنما أوجب الصيام لأهم شيء وهو ترك المحرمات والقيام بالواجبات والله الموفق.","vol":"5","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>باب في مسائل من الصوم</span>\n١٢٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه متفق عليه.\n١٢٤٣ - وعن لقيط بن صبرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح..\n١٢٤٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم.\nمتفق عليه.\n١٢٤٥ - وعن عائشة وأم سلمة ﵄ قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم متفق عليه.\nقال المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين باب في مسائل من الصوم يعني مسائل متنوعة متفرقة فمنها إذا أكل الإنسان أو شرب وهو صائم ناسيا","vol":"5","page":294},{"text":"فهل يفسد صومه استمع للجواب من قول النبي ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁ قال: من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه فإذا أكلت أو شربت ولو شبعت ورويت وأنت ناس في الصيام فإن صومك كامل ليس فيه نقص ولهذا قال: فليتم صومه وفي قوله: فإنما أطعمه الله وسقاه دليل على أن فعل الناسي لا ينسب إليه وإنما ينسب إلى الله وكذلك النائم لا ينسب فعله إلى نفسه وإنما ينسب إلى الله كما قال الله تعالى في أصحاب الكهف ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ والذي يتقلب هو النائم ولكن لما لم يكن له قصد نسب الله الفعل إليه كذلك الناسي لم يتعمد فساد الصوم نسي وأكل وشرب نقول صومك صحيح وكذلك لو كان جاهلا مثل أن يحتجم وهو لا يدري أن الحجامة تفطر فصومه صحيح ومثل أن يأكل يظن أن الفجر لم يطلع ثم تبين أنه طالع فصومه صحيح ومثل أن يأكل يظن أن الشمس قد غربت فأكل ثم تبين أن الشمس لم تغرب فصيامه صحيح.\nوقد وقعت هذه المسألة في عهد النبي ﷺ حينما كان الناس صائمين في يوم غيم فأفطروا ظنا منهم أن الشمس قد غابت ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم النبي ﷺ بقضاء الصوم لأنهم لا يدرون ولم يتعمدوا ولكن متى ذكر الإنسان وجب عليه الترك والإمساك حتى لو كانت اللقمة في فمه وجب عليها لفظها وكذلك لو كان الماء في فمه وجب عليه أن يريقه وكذلك لو كان جاهلا ثم أخبر فإنه يجب عليه أن يمسك مثلا لو رأى","vol":"5","page":295},{"text":"إنسانا يأكل ويشرب يقول ما هذا وأنت صائم قال: الشمس غربت قال: الشمس لم تغرب فيجب عليه أن يتوقف لأنه زال عنه العذر.\nفإذا قال قائل لو رأيت صائما يأكل وأعرف أنه ناس فهل علي أن أذكره قلنا: نعم يجب أن تذكره لأن أخاك إذا عذر بالنسيان وأنت علمت به وجب عليك أن تذكره ولهذا قال النبي ﷺ في الصلاة: (إذا نسيت فذكروني) فأمر أن يذكر إذا نسي كذلك أيضا إذا رأيت صائما يأكل ويشرب ناسيا فذكره كما لو رأيت إنسانا يصلي منحرفا عن القبلة وجب عليك أن تخبره.\nفالمهم أنه إذا وقع أخوك في شيء لا يحل له فعليك أن تذكره لأن النسيان كثير والخطأ كثير.\nثم ذكر المؤلف حديث لقيط بن صبرة ﵁ حيث قال له النبي ﷺ: أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما.\nأسبغ الوضوء: يعني توضأ وضوءا سابغا كاملا والإسباغ بمعنى الإتمام قال تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ أي: أكلمها والثاني: وخلل بين الأصابع ولاسيما أصابع الرجلين خلل بينهما بالماء لأن أصابع الرجلين متلاصقة وربما لا يدخل الماء من بينها وبالغ في","vol":"5","page":296},{"text":"الاستنشاق يعني استنشاق الماء عند الوضوء إلا أن تكون صائما فلا تبالغ في الاستنشاق لأنك إذا بالغت في الاستنشاق دخل الماء إلى جوفك من طريق الأنف فدل ذلك على أن وصول الأكل أو الشرب عن طريق الأنف كوصوله عن طريق الفم يفطر الصائم وأما الإبر التي تكون في الوريد أو تكون في اليد أو تكون في الظهر أو في أي مكان فإنه لا يفطر الصائم إلا الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الأكل والشرب فهذه تفطر الصائم ولا يحل له إذا كان صومه فرضا أن يستعملها إلا عند الحاجة عند الضرورة فإذا اضطر إلى ذلك أفطر واستعمل الإبر وقضى يوما مكانه.\nثم ذكر المؤلف حديثي عائشة وأم سلمة أن النبي ﷺ كان يصبح جنبا فيصوم ثم يغتسل وهذا أيضا جائز يعني: يجوز للجنب أن ينوي الصوم وإن لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك وفي حديث عائشة وأم سلمة دليل على أن أفعال النبي ﷺ حجة يحتج بها، ولا يقال هذا من خصائصه لأن الأصل عدم الخصوصية فإن فعل النبي ﷺ فعلا فهو حق إن كان عبادة فهو عبادة وإن كان عادة فهو عادة وليس بمحرم والله الموفق.","vol":"5","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>باب بيان فضل صوم المحرم وشعبان والأشهر الحرم</span>\n١٢٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل رواه مسلم.\n١٢٤٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: لم يكن النبي ﷺ يصوم من شهر أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان كله.\nوفي رواية كان يصوم شعبان إلا قليلا متفق عليه.\n١٢٤٨ - وعن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول الله ﷺ ثم انطلق فأتاه بعد سنة، وقد تغيرت حاله وهيئته فقال: يا رسول الله أما تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول قال: فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة قال: ما أكلت طعاما منذ فارقتك إلا بليل فقال رسول الله ﷺ: عذبت نفسك ثم قال: صم شهر الصبر ويوما من كل شهر قال: زدني فإن بي قوة، قال: صم يومين قال: زدني قال: صم ثلاثة أيام قال: زدني.\nقال: صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك وقال بأصابعه الثلاث فضمها ثم أرسلها رواه أبو داود.\nوشهر الصبر رمضان.","vol":"5","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب ذكر المؤلف ﵀ فيه بيان ما يسن صومه من الأيام والشهور فمن ذلك: صوم شعبان فقد كان النبي ﷺ يصومه كله أو كله إلا قليلا كما روت عنه ذلك عائشة ﵂ ولهذا ينبغي للإنسان أن يكثر من الصيام في شهر شعبان أكثر من غيره لأن النبي ﷺ كان يصومه.\nقال أهل العلم: والحكمة من ذلك أنه يكون بين يدي رمضان كالرواتب بين يدي الفريضة.\nومن ذلك أيضا شهر الله المحرم وشهر الله المحرم هو ما بين ذي الحجة وصفر قال فيه النبي ﷺ: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم) ويتأكد أن يصوم منه التاسع والعاشر والحادي عشر) .\nومن ذلك أيضا أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، كما في حديث الباهلي (وقد كان النبي ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي أصامها في أول الشهر أو وسطه أو آخره) لكن أيام البيض أفضل وهي يوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.\nومن ذلك أيضا أن يصوم يوم عرفة لأن النبي ﷺ سئل عن صومه فقال: (إنه يكفر السنة الماضية والباقية) يعني يكفر سنتين.","vol":"5","page":299},{"text":"وفي حديث الباهلي الذي صام سنة كاملة حتى تغيرت هيئته وضعفت حاله وجاء إلى النبي ﷺ فقال له: هل تعرفني قال: من أنت قال أنا الباهلي الذي أتيتك عام أول فأخبره بما كان يصنع وأنه لم يترك الصوم منذ فارقه فقال له النبي ﷺ: عذبت نفسك وفي هذا دليل على أنه ليس من الشرع أن يكلف الإنسان نفسه ما لا تطيقه، وأن يعذب نفسه، لأن الله يقول ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما والله الموفق","vol":"5","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>باب فضل الصوم وغيره في العشر الأول من ذي الحجة</span>\n١٢٤٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء رواه البخاري.","vol":"5","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء</span>\n١٢٥٠ - عن أبي قتادة ﵁ قال سئل رسول الله ﷺ: عن صوم يوم عرفة قال: يكفر السنة الماضية والباقية رواه مسلم.\n١٢٥١ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه متفق عليه.\n١٢٥٢ - وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: يكفر السنة الماضية رواه مسلم.\n١٢٥٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع رواه مسلم.","vol":"5","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>باب استحباب صوم ستة أيام من شوال</span>\n١٢٥٤ - عن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الأبواب الثلاثة التي عقدها النووي في كتابه رياض الصالحين في بيان أيام يسن صيامها فمنها مما يسن صيامه أيام العشر عشر ذي الحجة الأول فأن النبي ﷺ قال: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر وقوله العمل الصالح يشمل الصلاة والصدقة والصيام والذكر والتكبير وقراءة القرآن وبر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الخلق وحسن الجوار وغير ذلك ...\nكل الأعمال الصالحة.\nما من أيام في السنة يكون العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.\nففي هذا دليل على فضيلة العمل الصالح في أيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة من صيام وغيره وفيه دليل أيضا على أن الجهاد من أفضل الأعمال ولهذا قال الصحابة: (ولا الجهاد في سبيل الله) وفيه دليل على فضيلة هذه الحال النادرة أن يخرج الإنسان مجاهدا في سبيل","vol":"5","page":303},{"text":"الله بنفسه وماله وماله يعني: سلاحه ومركوبه ثم يقتل ويؤخذ سلاحه ومركوبه يأخذه العدو فهذا فقد نفسه وماله في سبيل الله فهو من أفضل المجاهدين فهذا أفضل من العمل الصالح في أيام العشر وإذا وقع هذا العمل في أيام العشر تضاعف فضله.\nومن الأيام التي يسن صيامها يوم عرفة واليوم العاشر من شهر المحرم لحديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة قال: يكفر السنة الماضية والباقية الماضية يعني: التي انتهت لأن يوم عرفة في آخر شهر من العام والباقية فهو يكفر سنتين.\nوسئل عن صوم يوم عاشوراء قال: يكفر السنة الماضية فهو أقل أجرا من صوم يوم عرفة ومع ذلك ينبغي أن يصوم من عاشوراء تاسوعاء لأن النبي ﷺ قال: لأن بقيت إلى قادم لأصومن التاسع يعني: مع العاشر.\nولأنه أمر أن يصام يوما قبله أو يوما بعده مخالفة لليهود لأن يوم عاشوراء العاشر من المحرم هو اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فكان اليهود يصومونه شكرا لله على هذه النعمة العظيمة أن الله أنجى جنده وهزم جند الشيطان أنجى موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه فهو نعمة عظيمة ولهذا لما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عن ذلك فقالوا: هذا يوم نجا الله موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه فنصومه شكرا لله فقال: نحن أولى بموسى منكم لماذا لأن النبي والذين","vol":"5","page":304},{"text":"معه أولى الناس بالأنبياء السابقين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين أمنوا والله ولي المؤمنين فرسول الله ﷺ أحق بموسى من اليهود لأن اليهود كفروا به وكفروا بعيسى وكفروا بمحمد فصامه وأمر الناس بصيامه إلا أنه أمر أن يخالفوا اليهود الذين يصومون إلا يوم العاشر كان نصوم التاسع أو الحادي عشر مع العاشر أو الثلاثة.\nولهذا ذكر بعض أهل العلم كابن القيم وغيره أن صيام عاشوراء ثلاثة أقسام: ١ - أن يصوم عاشوراء والتاسع وهذا أفضل الأنواع.\n٢ - أن يصوم عاشوراء والحادي عشر وهذا دون الأول.\n٣ - أن يصوم عاشوراء وحده فكرهه بعض العلماء لأن النبي ﷺ أمر بمخالفة اليهود ورخص فيه بعض العلماء.\nوكذلك من الأيام التي يسن صيامها ستة أيام من شوال كما في حديث أبي أيوب أن النبي ﷺ قال: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فكانما صام الدهر فسر العلماء ذلك بأن الحسنة بعشر أمثالها فيكون رمضان شهرا بعشرة أشهر ويكون الستة أيام بستين يوما وهم شهران فعلى هذا يسن للإنسان إذا أتم صيام رمضان أن يصوم ستة من شوال.\nوليعلم أنها لا تصام قبل القضاء يعني: لو كان على الإنسان يوم واحد من رمضان وصام الست فإنه لا يحصل على أجر ذلك لأن الرسول ﷺ قال: (من صام رمضان) ومن عليه يوم واحد من رمضان لم","vol":"5","page":305},{"text":"يكن صامه بل صام أياما منه من كان عليه يوم فقد صام تسعة وعشرين ومن كان عليه يومان فقد صام ثمانية وعشرين ما صام الشهر والرسول ﷺ يقول: من صام رمضان فإذا صمت رمضان وصمت ستة أيام بعده من شوال فكانما صمت الدهر كله.\nوسواء صمتها من ثاني يوم العيد وأتبعت بعضها بعضا أو صمتها بعد يومين أو ثلاثة أو صمتها متتابعة أو صمتها متفرقة الأمر في هذا واسع لكن لو أنك تساهلت حتى خرج شوال وصمت فإنها لا تكون بهذا الأجر اللهم إلا من كان معذورا مثل أن يكون مريضا أو امرأة نفساء أو مسافرا ولم يصم في شوال وقضاها في ذي القعدة فلا بأس.","vol":"5","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>باب استحباب صوم الاثنين والخميس</span>\n١٢٥٥ - عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه رواه مسلم.\n١٢٥٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم رواه الترمذي وقال: حديث حسن ورواه مسلم بغير ذكر الصوم.\n١٢٥٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يتحرى صوم الاثنين والخميس رواه الترمذي وقال حديث حسن.","vol":"5","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر </span>والأفضل صومها في الأيام البيض وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وقيل: الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والصحيح المشهور هو الأول.\n١٢٥٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام متفق عليه.\n١٢٥٩ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث لن أدعهن ما عشت بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى وبأن لا أنام حتى أوتر رواه مسلم.\n١٢٦٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله متفق عليه.\n١٢٦١ - وعن معاذة العدوية أنها سألت عائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام &amp; قالت: نعم فقلت: من أي الشهر كان يصوم قالت: لم يكن يبالي من أي الشهر يصوم رواه مسلم.","vol":"5","page":308},{"text":"١٢٦٢ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا صمت من الشهر ثلاثا فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n١٢٦٣ - وعن قتادة بن ملحان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة رواه أبو داود.\n١٢٦٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر رواه النسائي بإسناد حسن.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان البابان عقدهما المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في بيان فضل صوم يوم الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر.\nأما صوم يوم الاثنين فإن النبي ﷺ سئل عن صومه فقال: ذاك يوم ولدت فيه وبعثت أو أنزل علي فيه وكذلك مات فيه ﵊ فيوم الاثنين ولد فيه النبي ﷺ لكن في أي شهر لم يتبين هل في شهر ربيع الأول أو في غيره وهل هو في اليوم الثاني عشر منه أو في غيره إنما","vol":"5","page":309},{"text":"المؤكد أنه ولد في يوم الاثنين كذلك أيضا أنزل على الرسول ﷺ فيه يعني: أول ما نزل عليه القرآن في يوم الاثنين.\nوالراوي شك هل قال: (أنزل) أو (بعثت) وبينهما فرق لأنه أنزل عليه القرآن قبل أن يبعث أنزلت عليه سورة (اقرأ باسم ربك الذي خلق ...\n) وبهذا صار نبيا وأنزل عليه وأما البعث وهو الإرسال فإنما كان بقوله تعالى: يأيها المدثر قم فأنذر ...\nوهذا بعد الأول وعلى كل صار هذا اليوم فيه مناسبات شريفة عظيمة ولادة الرسول ﷺ وإنزال الوحي عليه أو إرساله إلى الناس.\nوأما صيام ثلاثة أيام من كل شهر ففيه أحاديث منها حديث أبي هريرة ﵁ وأبي الدرادء وأبي ذر هؤلاء الثلاثة أوصاهم النبي ﷺ بوصية واحدة لكن كل واحد في وقت.\nأوصاهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص: صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله يعني: ثلاثة أيام والحسنة بعشرة أمثالها تكون ثلاثين يوما فتكون صوم الدهر كله.\nأوصاهم بثلاثة أيام من كل شهر ولم يعين لم يقل الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وأوصاهم أيضا بركعتي الضحى.\nوركعتا الضحى وقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح أي من نحو ثلث ساعة بعد طلوع الشمس إلى قبيل الزوال أي إلى ما قبل الزوال بنحو عشر","vol":"5","page":310},{"text":"دقائق كل هذا وقت لركعتي الضحى.\nوتسن كل يوم لأن النبي ﷺ قال: إن كل عضو من أعضاء بني آدم يصبح كل يوم عليه صدقة مقابلة للأعضاء والأعضاء ثلاثمائة وستون عضوا إذا عليك كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة لكن الصدقات ما هي لازمة بالمال فكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تهليلة صدقة أمر بالمعروف صدقة نهي عن المنكر صدقة حتى إعانة الرجل في دابته صدقة حتى جماع الرجل لأهله صدقة.\nولكن قال النبي ﷺ: يغني عن ذلك كله ركعتان يركعهما من الضحى.\nإذا أنت إذا ركعت ركعتين من الضحى أديت الواجب عليك من الصدقات وبقي الباقي تطوعا.\nأما الثالث: (وأن أوتر قبل أن أنام) هذا لمن يخشى أن لا يقوم من آخر الليل الذي يخشى ألا يقوم من آخر الليل نقول: أوتر قبل أن تنام احتط لنفسك أما الذي يطمع أن يقوم من آخر الليل فليجعل وتره من آخر الليل هكذا جاءت السنة عن النبي ﷺ.\nقال العلماء: وإنما أوصى هؤلاء بأن يوتروا قبل أن يناموا لأن مقتضى حالهم يقتضي ذلك فقد كان أبو هريرة ﵁ في أول الليل يتحفظ أحاديث رسول الله وينام في آخر الليل.\nثم إن الأيام الثلاثة يجوز أن تصومها في العشر الأول أو في العشر","vol":"5","page":311},{"text":"الأوسط أو في العشر الأخير أو كل عشرة أيام يوما أو كل أسبوع يوما كل هذا جائز والأمر واسع ولهذا قالت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ لا يبالي من أي الشهر صامها من أوله أو من وسطه أو من آخره.\nلكن اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر أحسن وأفضل لأنها أيام البيض.\nأما صوم يوم الخميس فهو أيضا سنة لكنه دون صوم يوم الاثنين صوم يوم الاثنين أفضل وكلاهما فاضل.\nوإنما كان صيامهما فاضلا أنه يروي عن النبي ﷺ أن: الأعمال تعرض فيهما على الله قال: فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم.\nوأفضل الصيام صيام داود أن يصوم الإنسان يوما ويفطر يوما هذا لمن قدر ولم يكن عليه مشقة ولم يضيع بسببه الأعمال المشروعة الأخرى ولم يمنعه عن تعلم العلم لأن هناك عبادات أخرى إذا كان كثرة الصيام تعجزك عنها فلا تكثر الصيام ...\nوالله الموفق.","vol":"5","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>باب فضل من فطر صائما وفضل الصائم الذي يؤكل عنده ودعاء </span>الآكل للمأكول عنده\n١٢٦٥ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ عن النبي ﷺ قال: من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n١٢٦٦ - وعن أم عمارة الأنصارية ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فقدمت إليه طعاما فقال: كلي فقالت إني صائمة فقال رسول الله ﷺ: إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا وربما قال: حتى يشبعوا رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n١٢٦٧ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة ﵁ فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي ﷺ أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة رواه أبو داود بإسناد صحيح.","vol":"5","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>كتاب الاعتكاف</span>\n١٢٦٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان متفق عليه.\n١٢٦٩ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده متفق عليه.\n١٢٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n باب فضل من فطر صائما هو آخر ما ذكره النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين فيما يتعلق بالصيام وذلك أن من نعمة الله ﷾ على عباده أن شرع لهم التعاون على البر والتقوى ومن ذلك تفطير الصائم لأن الصائم مأمور بأن يفطر وأن يعجل الفطر فإذا أعين على هذا فهو من نعمة الله ﷿ ولهذا قال النبي ﷺ: من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء.\nواختلف العلماء في معنى من فطر صائما فقيل: إن المراد من فطره على أدنى ما يفطر به الصائم ولو بتمرة.\nوقال بعض العلماء: المراد بتفطيره أن يشبعه لأن هذا هو الذي ينفع الصائم طول ليله وربما يستغني به عن السحور؟ ولكن ظاهر الحديث أن الإنسان لو فطر صائما ولو بتمرة واحدة فإنه له مثل أجره.\nولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على إفطار الصائمين بقدر المستطاع لاسيما مع حاجة الصائمين وفقرهم أو حاجتهم لكونهم لا يجدون من يقوم بتجهيز الفطور لهم وما أشبه ذلك.\nثم ذكر رحمه الله تعالى باب الاعتكاف.\nوالاعتكاف: لزوم المسجد لطاعة الله ﷿ وهو مشروع في العشر الأواخر من رمضان لأن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأخير ثم اعتكف العشر الأوسط يتحرى ليلة القدر ثم قيل له: (إنها في العشر الأواخر) فصار يعتكف العشر الأواخر من رمضان وبهذا عرفنا أنه لا","vol":"5","page":315},{"text":"يشرع الاعتكاف في غير رمضان وأن ما ذكره بعض العلماء من أنه ينبغي للإنسان إذا قصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة مكثه فيه قول لا دليل عليه فإن النبي ﷺ لم يشرعه لأمته لا بقوله ولا بفعله يعني لم يقل للناس إذا دخلتم المسجد فأنووا الاعتكاف فيه في أي وقت ولم يكن يفعل ذلك هو بنفسه وإنما كان يعتكف العشر الأواخر تحريا لليلة القدر ولهذا ينبغي للمعتكف ألا يشتغل إلا بالطاعة من صلاة وقراءة القرآن وذكر وغير ذلك حتى تعليم العلم قال العلماء: لا ينبغي للمعتكف أن يشتغل بتعليم العلم بل يقبل على العبادات الخاصة لأن هذا الزمن مخصوص للعبادات الخاصة.\nولا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لما لابد منه كأن يكون ليس عنده من يأتيه بالطعام والشراب فيخرج ليأكل ويشرب أو يخرج لقضاء الحاجة أو يحتاج إلى الخروج من أجل غسل الجنابة وما أشبه ذلك أو يحتاج للخروج لكونه في مسجد غير جامع فيذهب إلى الجمعة المهم أن المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لشيء لابد له منه شرعا أو طبعا.\nثم إنه ينبغي للمعتكف إذا جاءه أحد يريد أن يشغله بالكلام اللغو الذي لا فائدة منه أن يقول له: يا أخي أنا معتكف إما أن تعينني على الطاعة وإما أن تبتعد عني والله تعالى لا يستحي من الحق وأما الجلوس اليسير عند المعتكف والتحدث اليسير فهذا لا بأس به لأن النبي ﷺ كان يستقبل نساءه وهو معتكف فيتحدث إليهن ويتحدثن إليه والله الموفق.","vol":"5","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>كتاب الحج</span>\nقال الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ .\n١٢٧١ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان متفق عليه.\n١٢٧٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب وجوب الحج وفضله.\nالحج: هو قصد مكة للتعبد لله ﷾ بأداء المناسك وهو أحد","vol":"5","page":317},{"text":"أركان الإسلام بإجماع المسلمين ودليل فرضه قول الله ﵎: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.\nوهذه الآية نزلت في العام التاسع من الهجرة وهو العام الذي يسمى عام الوفود وبها فرض الحج أما قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ففيها فرض الإتمام لا فرض الابتداء ففرض الابتداء كان في السنة التاسعة في آية سورة آل عمران وأما فرض الاستمرار والإتمام فكان في آية البقرة في سنة ست من الهجرة.\nقال الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ على الناس يعني على جميعهم لكن الكافر لا نأمره بالحج حتى يسلم وأما المسلم فنأمره بأن يحج بهذا الشرط الذي اشترطه الله ﷿ ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ يعني: من استطاع أن يصل إلى مكة فمن لم يستطع لفقره فلا حج عليه ومن لم يستطع لعجزه نظرنا فإن كان عجزه لا يرجى زواله وعنده مال وجب أن يقيم من يحج عنه.\nوإن كان يرجى زواله كمرض طارئ طرأ عليه في أيام الحج فإنه ينتظر حتى يعافيه الله ثم يحج بنفسه.\nثم ذكر المؤلف ﵀ حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: بني الإسلام على خمس وقد سبق الكلام عليه فلا حاجة إلى الإعادة والشاهد من هذا قوله: وحج البيت الحرام والحج لا يجب إلا مرة إلا إذا نذر الإنسان أن يحج فليحج لكن بدون نذر لا يجب إلا مرة لأن النبي ﷺ حين سئل في كل عام قال: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم","vol":"5","page":318},{"text":"الحج مرة فما زاد فهو تطوع وهذا من نعمة الله ﷿ أنه لم يفرضه إلا مرة واحدة في العمر وذلك لأن غالب الناس يشق عليهم الوصول إلى مكة وهذه من الحكمة تجد الصلوات الخمس مفروضة كل يوم الجمعة مفروضة في الأسبوع مرة لأن الجمعة يجب أن تكون في مسجد واحد فقط في البلد كله وهذا قد يكون فيه مشقة لو قلنا للناس اجتمعوا في مسجد واحد كل يوم خمس مرات فيه مشقة ولهذا لم تفرض الجمعة إلا في الأسبوع مرة.\nالزكاة لم تجب إلا في السنة مرة الصيام لم يجب إلا في السنة مرة الحج لا يجب إلا في العمر مرة وهذا من حكمة الله تعالى ورحمته حيث جعل هذه الفرائض مناسبة لأحوال العباد.\nوقال النبي ﷺ: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ﵊ ذروني ما تركتكم يعني: لا تسألوا عن أشياء أنا ساكت عنها ما دمت ساكت عن الشيء فاسكتوا عنه لأن أعظم الناس جرما من سأل عن مسألة حلال فحرمت من أجل مسألته أو عن مسألة غير واجبة فوجبت من أجل مسألته.\nلكن بعد موت النبي ﷺ لا بأس أن يسأل الناس العلماء عن أمور دينهم لأن الشرع انتهى ما في تحليل ولا تحريم ولا إيجاب ولا إسقاط.\nفهذا هو مراد الرسول ﷺ بأن تسأل ولا تقل: ﴿ولا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم﴾ اسأل.\nثم بين الرسول ﵊: أن ما أهلك الذين من قبلنا كثرة مسألهم واختلافهم على أنبيائهم يعني أنهم يسألون يسألون فهلكوا وانظر إلى","vol":"5","page":319},{"text":"أصحاب البقرة حين قال لهم موسى ﵊ اذبحوا بقرة وخذوا جزءا منها واضربوا به القتيل وكان القتيل من بين قبيلتين أو طائفتين قتل فادعت إحدى الطائفتين على الأخرى أنها قتلته فأنكروا وهو ميت وليس يوجد شهود.\nفجاءوا إلى موسى ﵊ فأمرهم بأمر الله أن يذبحوا بقرة لو ذبحوا أي بقرة تلك الساعة لحصل لهم المقصود لكن جعلوا يسألون: ما هي ما لونها ما هي حتى شددوا فشدد الله عليهم فذبحوها وما كادوا يفعلون.\nفالحاصل أن كثرة المسائل والاختلاف على الأنبياء من أسباب الهلاك وهذا كله كما قلت في عهد النبوة عهد التشريع.\nأما الآن فاسأل عن كل ما تحتاج إلى السؤال عنه ولا حرج عليك.\nأما أغلوطات المسائل وألغاز المسائل والأشياء التي يقصد بها التشدد والتعنت فهذه منهي عن السؤال عنها لقول النبي ﷺ هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون والله أعلم.\n١٢٧٣ - وعنه قال: سئل النبي ﷺ أي العمل أفضل قال: إيمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا قال: الجهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال: حج مبرور متفق عليه.","vol":"5","page":320},{"text":"المبرور هو الذي لا يرتكب صاحبه فيه معصية.\n١٢٧٤ - وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه متفق عليه.\n١٢٧٥ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة متفق عليه.\n١٢٧٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور رواه البخاري.\n١٢٧٦ - وعنها أن رسول الله ﷺ قال: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة رواه مسلم.\n١٢٧٧ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: عمرة في رمضان تعدل عمرة أو حجة معي متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب: وجوب الحج وفضله.\nوهي تدل على أمور: الأمر الأول: أن الحج المبرور في المرتبة الثالثة بالنسبة","vol":"5","page":321},{"text":"لأفضل الأعمال فقد سئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل قال: إيمان بالله ثم ماذا قال: الجهاد في سبيل الله ثم قال الثالث: حج مبرور فالحج المبرور هو الذي اجتمعت فيه أمور: الأمر الثاني: أن يكون خالصا لله بأن لا يحمل الإنسان على الحج إلا ابتغاء رضوان الله والتقرب إليه ﷾ لا يريد رياءا ولا سمعة ولا أن يقول الناس فلان حج وإنما يريد وجه الله.\nالثالث: أن يكون الحج على صفة حج النبي ﷺ يعني أن يتبع الإنسان فيه الرسول ﷺ ما استطاع.\nالرابع: أن يكون من مال مباح ليس حراما بأن لا يكون ربا ولا من غش ولا من ميسر ولا غير ذلك من أنواع المفاسد المحرمة بل يكون من مال حلال ولهذا قال بعضهم:\nإذا حججت بمال أصله سحت ...\nفما حججت ولكن حجت العير\nيعني الإبل حجت أما أنت فما حججت لماذا لأن مالك حراما.\nالخامس: أن يجتنب فيه الرفث والفسوق والجدال لقول الله تعالى: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج فيجتنب الرفث وهو الجماع ودواعيه ويجتنب الفسوق سواء كان في القول المحرم الغيبة النميمة والكذب أو الفعل كالنظر إلى النساء وما أشبه ذلك لابد أن يكون قد تجنب فيه الرفث والفسوق والجدال: المجادلة والمنازعة بين الناس في الحج هذه تنقص الحج","vol":"5","page":322},{"text":"كثيرا.\nاللهم إلا جدالا يراد به إثبات الحق &amp; وإبطال الباطل فهذا واجب فلو جاء إنسان مبتدع يجادل والإنسان محرم فإنه لا يتركه بل يجادله ويبين الحق لأن الله أمر بذلك ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ لكن الجدال من غير داع يتشاحنون أيهم يتقدم أو عند رمي الجمرات أو عند المطار أو ما أشبه ذلك هذا كله مما ينقص الحج فلابد من ترك الجدال فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.\nومن حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه أي رجع من الذنوب نقيا لا ذنوب عليه كيوم ولدته أمه.\nوفي حديث عائشة الذي سألت فيه النبي ﷺ نرى الجهاد أفضل الأعمال قال: لكن أفضل العمال حج مبرور هذا بالنسبة للنساء.\nفالنساء جهادهن هو الحج أما الرجال فالجهاد في سبيل الله أفضل من الحج إلا الفريضة فإنها أفضل من الجهاد في سبيل الله لأن الفريضة ركن من أركان الإسلام.\nوفي هذه الأحاديث عموما دليل على أن الأعمال تتفاضل بحسب العامل ففي حديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: أفضل الأعمال الإيمان بالله ثم الجهاد في سبيل الله ثم الحج وفي حديث ابن مسعود أنه سأل النبي","vol":"5","page":323},{"text":"ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله قال: الصلاة على وقتها قال ثم أي قال: بر الوالدين قال ثم أي قال: الجهاد في سبيل الله.\nفكل يخاطب بما يليق بحاله وكما قال رسول الله ﷺ للرجل الذي قال: أوصني قال: لا تغضب قال أوصني قال: لا تغضب قال أوصني قال: لا تغضب ما قال أوصيك بتقوى الله وبالعمل الصالح لأن هذا الرجل يليق بحاله أن يوصي بترك الغضب لأنه غضوب فالرسول ﷺ يخاطب كل إنسان بما يليق بحاله ويعلم هذا بتتبع الأدلة العامة في الشريعة وبيان مراتب الأعمال.\n١٢٧٩ - وعنه أن امرأة قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم: متفق عليه.\n١٢٨٠ - وعن لقيط بن عامر ﵁ أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال: حج عن أبيك واعتمر رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":324},{"text":"١٢٨١ - وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: حج بي مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين رواه البخاري.\n١٢٨٢ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لقي ركبا بالروحاء فقال: من القوم قالوا: المسلمون قالوا: من أنت قال رسول الله فرفعت امرأة صبيا فقالت ألهذا حج قال: نعم ولك أجر رواه مسلم.\n١٢٨٣ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ حج على رحل وكانت زاملته رواه البخاري.\n١٢٨٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ في مواسم الحج رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ساقها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب وجوب الحج وفضله.\nالحديث الأول والثاني: فيمن عجز عن الحج هل يحج عنه أحد أم لا ففي حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة سألت النبي ﷺ فقالت: إن","vol":"5","page":325},{"text":"أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال: نعم.\nفدل ذلك على أن الإنسان إذا عجز عن الحج عجزا لا يرجى زواله كالكبر والمرض الذي لا يرجى شفاؤه وما أشبه ذلك فإنه يحج عنه.\nوفي هذا دليل على أن المرأة يجوز أن تحج عن الرجل وكذلك الرجل يجوز أن يحج عن المرأة والرجل عن الرجل والمرأة عن المرأة كل ذلك جائز ولذلك أذن النبي ﷺ للرجل الذي أخبره أن أباه شيخ كبير لا يستطيع الركوب ولا الحج ولا العمرة فقال: حج عن أبيك واعتمر.\nوفي هذه الأحاديث أيضا دليل على جواز حج الصبيان فها هو السائب بن يزيد ﵁ يقول: حج بي مع النبي ﷺ في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين.\nطفل حج به: فدل ذلك على جواز الحج من الأطفال وكذلك حديث ابن عباس: أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيا فقالت: ألهذا حج قال: نعم ولك أجر.\nففي هذين الحديثين دليل على جواز حج الصبيان والصبي يفعل ما يفعله الكبير وإذا عجز عن شيء فإنه يفعل عنه إن كان مما تدخله النيابة أو يحمل إذا كان مما لا تدخله النيابة فمثلا إذا كان لا يستطيع أن يطوف أو يسعى يحمل إذا كان لا يستطيع أن يرمي يرمى عنه لأن حمله في الجمرات فيه مشقة ولا فائدة من حمله لأنه ليس رميا بيده لهذا نقول: في الطواف والسعي يحمل وفي الرمي يرمى عنه ثم إن الطائف والساعي هل يسعى","vol":"5","page":326},{"text":"لنفسه وهو حامل طفله ينوي به السعي عن نفسه وعن طفله والصواب عن نفسه وعن طفله؟ نقول: لا فيه تفصيل: إن كان الطفل يعقل النية وقال له وليه: انو الطواف انو السعي فلا بأس أن يطوف به وهو حامله ينوي عن نفسه والصبي عن نفسه وإن كان لا يعقل النية فإنه لا يطوف به وينوي نيتين: نية لنفسه ونية لمحموله بل يطوف أولا عن نفسه ثم يحمل صبيه فيطوف به أو يجعله مع إنسان آخر يطوف به وذلك لأنه لا يمكن أن يكون عمل واحد بنيتين فهذا هو التفريق في مسألة الطواف به.\nثم إن الإنسان إذا حج فإنه يجب عليه وهو نائب لغيره أن يفعل كل ما في وسعه من تميم الحج من أركانه وواجباته ومكملاته لأنه نائب عن غيره فلا ينبغي له أن يهمل فيما يقوم به عن الغير بخلاف من حج لنفسه فمن حج لنفسه وترك المستحب فلا بأس لكن الحج عن الغير تؤديه بقدر ما تستطيع &amp; والله الموفق.","vol":"5","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>كتاب الجهاد</span>","vol":"5","page":328},{"text":"وقال تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ وقال تعالى ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ وقال تعالى ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾ .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين من آيات الجهاد منها ما سبق ومنها ما يلحق إن شاء الله فمن ذلك قوله تعالى كتب عليكم القتال وقد سبق أن القتال واجب على المسلمين أن يقاتلوا أعداء الله وأعداءهم من اليهود والنصارى والمشركين والشيوعيين وغيرهم كل من ليس بمسلم","vol":"5","page":337},{"text":"فالواجب على المسلمين أن يقاتلوه حتى تكون كلمة الله هي العليا وذلك إما بإسلام هؤلاء وإما بأن يبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون نحن لا نكرههم على الإسلام لا نقول لابد أن تسلموا ولكن نقول: لابد أن يكون الإسلام هو الظاهر فإما أن تسلموا وحياكم الله وإما أن تبقوا على دينكم ولكن أعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون فإن أبوا لا الإسلام ولا الجزية وجب علينا قتالهم ولكن يجب قبل قتالهم أن نعد ما استطعنا من قوة لقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ والقوة نوعان قوة معنوية وقوة مادية حسية القوة المعنوية الإيمان الإيمان بالله والعمل الصالح قبل أن نبدأ بجهاد غيرنا قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فالإيمان قبل الجهاد ثم بعد ذلك الإعداد بالقوة المادية ولكن مع الأسف أن المسلمين لما كان بأسهم بينهم من أزمنة متطاولة نسوا أن يعدوا هذا وهذا لا إيمان قوي ولا مادة سبقنا الكفار بالقوة المادية بالأسلحة وغيرها وتأخرنا عنهم بهذه القوة كما أننا تأخرنا عن إيماننا الذي يجب علينا تأخرا كبيرا وسار بأسنا بيننا نسأل الله السلامة والعافية.\nفالقتال واجب ولكنه كغيره من الواجبات لابد من القدرة والأمة الإسلامية اليوم عاجزة لا شك عاجزة ليس عندها قوة معنوية ولا قوة مادية إذا يسقط الجواب لعدم القدرة عليه فاتقوا الله ما استطعتم","vol":"5","page":338},{"text":"قال تعالى:﴾ وهو كره لكم ﴿أي القتال كره لكم ولكن الله قال﴾ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ﴿.\nأول الآية خاص بماذا بالقتال وآخر الآية عام﴾ وعسى أن تكرهوا شيئا ﴿ولم يقل وعسى أن تكرهوا القتال ولكن قال: شيئا أي شيء يكون ربما يكره الإنسان شيئا يقع ويكون الخير فيه وربما يحب شيئا أن يقع ويكون الشر فيه وكم من شيء وقع وكرهته ثم في النهاية تجد أن الخير فيه مصداقا لقوله تعالى:﴾ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ﴿.\nوهذه الآية يشبهها قوله ﵎ في النساء﴾ فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خير كثيرا ﴿قال: فعسى أن تكرهوا شيئا ولم يقل: فعسى أن تكرهوهن ويجعل الله فيهن خيرا كثيرا.\nفهذا آمن في كل شيء قد يجري الله ﷿ بقضائه وقدره وحكمته شيئا تكرهه ثم في النهاية يكون الخير فيه والعكس ربما يجري الله ﷿ شيئا تظنه خيرا ولكنه شر عاقبته شر ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله تعالى حسن العاقبة دائما.\nثم قال:﴾ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴿نعم الله يعلم ونحن لا نعلم لأن علم الله تعالى واسع بكل شيء عليم علم الله علم واسع للمستقبل يعلم الغيب ونحن لا نعلم يعلم كل شيء ونحن لا نعلم","vol":"5","page":339},{"text":"بل يعلم ما توسوس به النفوس قبل أن يبدو وقبل أن يظهر ونحن لا نعلم وسأسألكم عن شيء سهل غير بعيد هل تعرفون عن روحكم شيئا الروح التي بها الحياة تعرفون عنها شيئا الجواب لا﴾ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴿الروح التي بين جنبيك لا تعرفها ولا تدري عنها وجملة﴾ قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴿هذه الجملة وما أوتيتم من العلم إلا قليلا كأن فيها التوبيخ كأنه يقول: وما خفي عليكم من العلم إلا أن تعلموا هذه الروح ما أكثر العلوم التي فاتتكم والحاصل أن الله يقول:﴾ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴿.\nوقال تعالى:﴾ انفروا خفافا وثقالا ﴿انفروا إلى أي شيء إلى الجهاد﴾ انفروا خفافا وثقالا ﴿يعني انفروا حال ما يكون النفر خفيفا عليكم أو ثقيلا عليكم﴾ انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴿أي إن كنتم من ذوي العلم فاعلموا أن ذلك خير لكم.\nوقال تعالى:﴾ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والأنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ﴿انظروا لهذه الصفقة صفقة بيع تامة الشروط والأركان والوسائل: من المشتري الله والبائع المؤمنون والعوض من المؤمنين الأنفس والأموال","vol":"5","page":340},{"text":"والعوض من الله الجنة والوثيقة وعد من الله ما هي أوراق تمزق وترمى في التوراة والإنجيل والقرآن أوثق الوثائق هذه وثيقة مكتوبة في التوراة والإنجيل والقرآن ليس هناك شيء أوثق منها وذكر التوراة والإنجيل والقرآن لأنها أوثق الكتب المنزلة على الرسل القرآن أشرفها ثم التوراة ثم الإنجيل هذه صفقة لا يمكن لها نظير كل الشروط كاملة وصفقة كبيرة عظيمة النفس والمال هو العوض من الإنسان والمعوض وهو المليك وهو الله ﷿ وهو الجنة التي قال عنها الرسول ﵊ لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها موضع سوط: يعني حوالي (متر أو نحوه) خير من الدنيا وما فيها أي دنيا دنياك هذه؟ لا.\nقد تكون دنياك دنيا مملؤة بالتنغيص والتنفير والعمر قصير ولكن خير من الدنيا منذ خلقت إلى يوم القيامة بما فيها من السرور والنعيم موضع السوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها.\nأيهما أغلى الأنفس والأموال أم الجنة الجنة إذا البائع رابح لأنه باع النفس والمال الذي لابد من فناءه بنعيم لا يزول ومن الذي عاهد على هذا البيع الله ومن أوفى بعهده من الله من هنا استفهام بمعنى النفي يعني لا أحد أصدق وأوفى بعهده من الله وصدق الله ﷿","vol":"5","page":341},{"text":"(والله لا يخلف الميعاد) .\nثم قال:﴾ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴿يعني تستبشر النفوس بذلك وليبشر بعضكم بعضا ولهذا قال الله تعالى:﴾ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴿يستبشروا بهذا البيع بيع عظيم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم الجملة هذه فيها ضمير الفصل وذلك هو الفوز العظيم.\nوضمير الفصل يقول العلماء يستفاد منه ثلاث فوائد: ١ - الاختصاص ٢ - التوفيق ٣ - التمييز بين الخبر والصفة يعني معنى ذلك هو الفوز العظيم الذي لا فوز مثله وصدق الله ورسوله ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من هؤلاء ممن باعوا أنفسهم لله ﷿ والله الموفق.\nقال تعالى:﴾ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ﴿.","vol":"5","page":342},{"text":"يعني: لا يستوي القاعدون والمجاهدون ونفي الاستواء ظاهر لأن المجاهد قد بذل نفسه وماله لله ﷿ والقاعد خائف إلا من استثنى الله ﷿ في قوله تعالى:﴾ غير أولي الضرر ﴿غير الذين يتضررون إذا ذهبوا إلى الجهاد وهو ثلاثة أصناف ذكرهم الله تعالى في قوله:﴾ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ﴿وكذلك الذين لا يجدون ما ينفقون أو كانوا ضعفاء في أبدانهم لقول الله تعالى:﴾ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ﴿والثالث: من قعدوا للتفقه في الدين لقوله تعالى:﴾ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴿.\nفهؤلاء ثلاثة أصناف: ١ - أولو الضرر والضعفاء ٢ - والذين لا يجدون مالا ٣ - من قعدوا ليتفقهوا في الدين.\nفهؤلاء معذورون إما لوجود مصلحة في بقائهم أعلى من مصلحة الجهاد وهم الذين قعدوا للتفقه في الدين وإما لعذر لا يستطيعون معه أن يذهبوا إلى الجهاد.\nوقول الله تعالى:﴾ ولا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴿المجاهدون أفضل وفي هذه الآية نفي الاستواء بين المؤمنين وأن المؤمنين ليسوا سواء فمثل ذلك قوله تعالى:","vol":"5","page":343},{"text":"﴾ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ﴿ونفي الاستواء في القرآن العزيز كثير﴾ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴿وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج﴾ والآيات كثيرة.\nوأحب أن أنبه هنا على كلمة يطلقها بعض الناس قد يريدون بها خيرا وقد يطلقها بعض الناس يريدون بها شرا وهي قولهم: إن الدين الإسلامي دين المساواة فهذا كذب على الدين الإسلامي لأن الدين الإسلامي ليس دين مساواة الدين الإسلامي دين عدل وهو إعطاء كل شخص ما يستحق فإذا استوى شخصان في الأحقية فحين إذا يتساويان فيما يترتب على هذه الأحقية أما مع الاختلاف فلا ولا يمكن أن يطلق على أن الدين الإسلامي دين مساواة أبدا بل إنه دين العدل لقول الله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى﴾ .\nهذه الكلمة: الدين الإسلامي دين المساواة قد يطلقها بعض الناس ويريد بها شرا فمثلا يقول: لا فرق بين الذكر والأنثى الدين دين مساواة الأنثى أعطوها من الحقوق مثل ما تعطون الرجل ...\nلماذا لأن الدين الإسلامي دين المساواة الاشتراكيون يقولون: الدين دين مساواة لا يمكن هذا غني جدا وهذا فقير جدا لابد أن نأخذ من مال الغني ونعطي الفقير لأن الدين دين المساواة فيريدون بهذه الكلمة شرا ولما كانت هذه الكلمة قد يراد بها خير وقد يراد","vol":"5","page":344},{"text":"بها شر لم يوصف الدين الإسلامي بها بل يوصف بأنه دين العدل الذي أمر الله به ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ ما قال: بالمساواة ولا يمكن أن يتساوى اثنان أحدهما أعمى والثاني بصير أحدهما عالم والثاني جاهل أحدهما نافع للخلق والثاني شرير لا يمكن أن يستوون.\nالعدل الصحيح: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى﴾ لهذا أحببت التنبيه عليها لأن كثيرا من الكتاب العصريين أو غيرهم يطلق هذه الكلمة ولكنه لا يتفطن لمعناها ولا يتفطن أن الدين الإسلامي لا يمكن أن يأتي بالمساواة من كل وجه مع الاختلاف أبدا لو أنه حكم بالمساواة مع وجود الفارق لكان دينا غير مستقيم فعلى المسلم ألا يسوي بين اثنين بينهما تضاد أبدا لكن إذا استووا من كل وجه صار العدل أن يعطي كل واحد منهما ما يعطي الآخر.\nوعلى كل حال فهذه الكلمة ينبغي لطالب العلم أن يتفطن لها وأن يتفطن لغيرها أيضا من الكلمات التي يطلقها بعض الناس وهو لا يعلم معناها ولا يعلم مغزاها.\nومن ذلك أيضا قول بعضهم: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه هذه كلمة عظيمة لا تجوز لا أسألك رد القضاء؟ وقد قال النبي: لا يرد القضاء إلا الدعاء الدعاء لا يرد القضاء لكن من أثر الدعاء إذا دعوت الله تعالى بكشف ضر فهذا قد كتب في الأزل في اللوح المحفوظ أن الله تعالى يرفع هذا الضر عنك بدعائك فكله مكتوب وأنت إذا قلت لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه كأنك تقول: ما يهمني ترفع","vol":"5","page":345},{"text":"أو لا ترفع لكن الإنسان يطلب رفع كل ما نزل به فلا تقل اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية اللهم اشفني من مرضي اللهم أغنني من فقري الهم اقض عني الدين اللهم علمني ما جهلت وما أشبه ذلك أما لا أسألك رد القضاء فالله تعالى يفعل ما يشاء ولا أحد يرده لكن أنت مفتقر إلى الله أما هذا الكلام لا أصل له ولا يجوز بل قد قال النبي ﷺ: لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت وهي أهون من اللهم لا أسألك رد القضاء لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت وليعزم المسألة فإن الله تعالى لا مكره له وفي لفظ فإن الله لا يتعاظمه شيء.\nوأرجو منكم حين جرى التنبيه على هاتين الكلمتين الدين الإسلامي دين المساواة واللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه إذا سمعتم أحدا يقول ذلك أن تنبهوه وتتعاونوا على البر والتقوى وأكثر ما في القرآن العزيز هو نفي الاستواء لم يأت ذكر الاستواء إلا في مواطن قليلة مثل قوله تعالى: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء﴾","vol":"5","page":346},{"text":"فالمراد نفي المساواة ﴿هل لكم﴾ هذا الاستفهام بمعنى النفي هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء والجواب لا إذا فالمراد نفي المساواة وعلى كل حال فإني أنصح وأريد منكم إذا سمعتم أحدا يقول هذا فقل له لا ليس دين المساواة بل هو الدين العدل فهو إعطاء كل واحد ما يستحق.\nوالقول الآخر لا أسألك رد القضاء ...\nهذا كلام لغو من يرد القضاء لكن من قضاء الله أن يرفع عنك المرض أو يرفع عنك الجهل نسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في ديننا وألا يجعلنا إمعة نقول ما يقول الناس ولا ندري ما نقول والله الموفق.\nوقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾ والآيات &amp; في الباب كثيرة مشهورة.","vol":"5","page":347},{"text":"﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ صدر الله تعالى هذه الآيات بهذا النداء الشريف الموجه للمؤمنين من أجل إثارة هممهم وتنشيطهم على قبول ما يسمعون من كلام الله ﷿.\n﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ القائل هو ربنا ﷿ وهذا الاستفهام للتشويق يشوقنا جل وعلا بهذه التجارة التي يدلنا عليها ويستفاد من قوله: ﴿هل أدلكم﴾ أنه ليس لنا طريق إلى هذه التجارة إلا الطريق الذي شرعه الله ﷿ هو الدال على ذلك ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ وهذه التجارة ليست تجارة الدنيا لأن تجارة الدنيا قد تنجي من العذاب الأليم وقد تكون سببا للعذاب الأليم فالرجل الذي عنده مال لا يزكي يكون ماله عذابا عليه والعياذ بالله ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير﴾ .\nتجارة الدنيا قد تنجي من العذاب وقد توقع في العذاب لكن هذه التجارة التي عرضها الله ﷿ علينا ونسأل الله ﷿ أن يجعلنا وإياكم ممن يقبلونها يقول: (تنجيكم من عذاب أليم) أي عذاب مؤلم لأنه لا","vol":"5","page":348},{"text":"عذاب أشد ألما من عذاب النار أعاذني الله وإياكم منها.\nما هذه التجارة قال: ﴿تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ هذه التجارة: الإيمان بالله ورسوله وهذا يتضمن جميع شرائع الإسلام كلها لكن نص على الجهاد لأن السورة سورة الجهاد من أولها إلى آخرها كلها جهاد ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾ ثم ذكر ما يتعلق بذلك وهنا يقول ﴿تجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾ أي: تبذلوا جهدكم في سبيل الله ببذل المال وبذل النفس ﴿ذلكم خير لكم﴾ خير لكم من كل شيء ﴿أن كنتم تعلمون﴾ يعني إن كنتم من ذوي العلم وفي هذه الآية وأمثالها يحسن الوقوف على قوله ﴿ذلكم خير لكم﴾ ولا تصل لا تقل ﴿ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ لأنك لو وصلت لأفهمت معنى باطلا في الآية لكان المعنى: (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون وإن كنتم لا تعلمون فليس خيرا لكم) وهذا ليس مراد الله ﷿ بل إن المعنى: ذلكم خير لكم ثم قال: إن كنتم من ذوي العلم كأنه يقول: فاعلموا ذلك إن كنتم أهلا للعلم.\nهذا هو العمل فما هو الثواب ﴿يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم﴾ .\nجنات: هي ما أعده الله ﷿ لعباده الصالحين وبالأخص المجاهدين في سبيل الله إن في الجنة مائة درجة أعدها الله ﷿ للمجاهدين في سبيله ولهذا جمع جنات تجري من تحتها الأنهار","vol":"5","page":349},{"text":"أي من تحت قصورها وأشجارها وهي أنهار ليست كأنهار الدنيا أربعة أصناف: أنهار من ماء غير آسن يعني: لا يمكن أن يتغير بخلاف ماء الدنيا فإنه إذا بقي يتغير وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى أنهار تجري أنهار العسل فيها لم يخرج من النحل واللبن لم يخرج من ضرع بهيمة والماء لم يخرج من نبع أرض وكذلك الخمر لم يخرج من زبيب أو تمر أو شعير أو غير ذلك أنهار خلقها الله ﷿ في الجنة تجري هذه الأنهار ورد في الحديث أنها أنهار لا تحتاج إلى شق ولا إلى سد يعني ما يحتاج أن تضع له أخدودا تمنعه من التسرب يمينا وشمالا.\nقال ابن القيم في النونية:\nأنهارها في غير أخدود جرت ...\nسبحان ممسكها عن الفيضان\nجل وعلا ثم هذا النهر يأتي طوعك ذلك أن تطلب أن الماء يذهب يمينا يذهب يسارا يذهب أماما يذهب يتوقف يتوقف كما تشاء.\nوقوله: ﴿ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم﴾ مساكن طيبة: طيبة في بنائها طيبة في غرفها طيبة في منظرها طيبة في مسكنها طيبة من كل ناحية والساكن فيها حور مقصورات في الخيام خيام من لؤلؤ مرتفعة من أحسن ما تراه بصرا قال النبي ﷺ: جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما","vol":"5","page":350},{"text":"فيهما اللبن: لبن البناء ليس من الطوب والتراب بل هو من الذهب أو من الفضة ولهذا وصفها الله بالطيب.\nثم إن من طيبها أن ساكنها لا يبغي عنها حولا..\nمساكن الدنيا مهما حسنت سترى ما هو أحسن من بيتك فتقول: ليت هذا لي.\nلكن في الجنة لا تبغي حولا عن مسكنك ولا انتقال كل إنسان يرى أنه هو أنعم أهل الجنة لكي لا ينكسر قلبه لو رأى من هو أفضل منه ولكن يرى أنه أنعم أهل الجنة عكس ذلك أهل النار أهل النار يرى أنه أشد أهل النار عذابا وإن كان هو أهونهم.\nفهذه المساكن الطيبة في جنات عدن قال العلماء العدن بمعنى الإقامة..\nومنه المعدن في الأرض لطول إقامته بمعدنه ومكانه.\nأي في جنات إقامة لا يمكن أن تزول أبد الآبدين ...\nنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها.\n(ذلك الفوز العظيم) الفوز أن ينال الإنسان ما يريد وينجو مما يخاف العظيم الذي لا أعظم منه ريح ليس فوقه ريح عوض ليس فوقه عوض لهؤلاء الذين آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله أسأل الله ﷾ أن يجعلني وإياكم منهم ولا يحرمنا هذا الفضل بسوء أعمالنا وأن يعاملنا بعفوه إنه على كل شيء قدير.","vol":"5","page":351},{"text":"١٢٨٨ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها متفق عليه.\n١٢٨٩ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: أي الناس أفضل قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال: ثم من قال: مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره متفق عليه.\n١٢٩٠ - وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله تعالى أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا الكلام على قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم.\nوبقي قوله تعالى: ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾ ﴿وأخرى تحبونها﴾ يعني ولكم أخرى تحبونها..\nثم بينها بقوله: ﴿نصر من","vol":"5","page":352},{"text":"الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾ ﴿نصر من الله﴾ ينصركم الله به على أعدائكم ولا شك أن الإنسان إذا انتصر على عدوه فإن ذلك له حب عظيم لأن الله تعالى يجعل عذاب عدوه على يده كما قال تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم﴾ فوائد عظيمة إذا عذب الله تعالى عدوك على يديك ولهذا قال ﴿نصر من الله وفتح قريب﴾ وقد حصل هذا للمؤمنين في صدر هذه الأمة فتح الله عليهم فتوحات عظيمة وغنموا غنائم كثيرة لأنهم قاموا بما يجب عليهم من الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله ﷿ ثم قال: ﴿وبشر المؤمنين﴾ يعني بشر بهذه الأمور كلها من كان مؤمنا بها قائما بما يجب عليه من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله.\nثم ذكر المؤلف ﵀ أحاديث في فضل الجهاد والرباط في سبيل الله وأن الغدوة والروحة في سبيل الله أو غدوة وروحة في الرباط خير من الدنيا وما فيها وهذا فضل عظيم خير من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها وما فيها.\nوليس خيرا من دنياك التي أنت تعيشها فقط بل من الدنيا وما فيها ومن متى الدنيا من زمن لا يعلمه إلا الله وكذلك لا يدري متى تنتهي كل هذا خير من الدنيا وما فيها.\nقال: وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ويقال في ذلك ما قيل في الأول إن الدنيا كلها من أولها إلى آخرها موضع","vol":"5","page":353},{"text":"السوط في الجنة خير منها والغدوة والروحة في سبيل الله خير منها والرباط في سبيل الله خير منها.\nوفي هذه الأحاديث أن النبي ﷺ سأل أي الرجال خير فبين أنه الرجل الذي يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه ثم أي قال ورجل مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره يعني أنه قائم بعبادة الله كاف عن الناس ولا يريد أن ينال الناس منه شر وهذا أحد الأدلة الدالة على أن العزلة خير من الخلطة مع الناس ولكن الصحيح في هذه المسألة أن في ذلك تفصيلا من كان يخشى على دينه بالاختلاط بالناس فالأفضل له العزلة ومن لا يخشى فالأفضل أن يخالط الناس لقول النبي ﷺ: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على آذاهم.\nفمثلا: إذا فسد الزمان ورأيت أن اختلاطك مع الناس لا يزيدك إلا شرا وبعدا من الله فعليك بالوحدة اعتزل قال النبي ﷺ: يوشك أن يكون خير مال الرجل غنما يتبع بها شعث الجبال ومراتع القطر.\nفالمسألة تختلف العزلة في زمن الفتن والشر والخوف من المعاصي خير من الخلطة أما إذا لم يكن الأمر كذلك فاختلط مع الناس وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على آذاهم وعاشرهم ربما ينفع الله بك رجلا","vol":"5","page":354},{"text":"واحدا خير لك من حمر النعم إذا هداه الله على يديك والله الموفق.\n١٢٩١ - وعن سلمان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات فيه أجري عليه عمله الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن الفتان رواه مسلم.\n١٢٩٢ - وعن فضالة بن عبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن فتنة القبر رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n١٢٩٣ - وعن عثمان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: رباط يوم &amp; في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n١٢٩٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: تضمن الله لمن خرج في سبيل لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو على ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه بما نال من أجر","vol":"5","page":355},{"text":"أو غنيمة والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم لونه لون الدم وريحه ريح المسك والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل رواه مسلم وروى البخاري بعضه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n الكلم الجرح.\nهذه الأحاديث ساقها النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في بيان فضل المرابطة في سبيل الله يعني أن يرابط الإنسان على الحدود أو تجاه العدو في سبيل الله ﷿ لإعلاء كلمة الله وحفظ دين الله وحفظ المسلمين فأن هذا من أفضل الأعمال.\nوقد سبق أن النبي ﷺ قال: رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها وفي هذه الأحاديث دليل على أن المرابط يجري عليه عمله إلى يوم القيامة وأنه يأمن فتنة القبر يعني: أن الناس إذا ماتوا ودفنوا أتاهم ملكان يسألان الرجل عن ربه ودينه ونبيه إلا من مات مرابطا في سبيل الله فإنه لا يأتيه الملكان يسألانه.","vol":"5","page":356},{"text":"وقد بين النبي ﷺ الحكمة من ذلك فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنه فالشهيد والمرابط كلاهما لا يأتيه الملكان في قبره فيسألانه بل يأمن ذلك وهذا فضل عظيم وأجر عظيم.\nوأما حديث أبي هريرة الأخير ففيه دليل على فضيلة القتيل في سبيل الله ولهذا أقسم النبي ﷺ أنه لولا أن يشق على المسلمين ما تخلف عن سرية قط ولكنه يتخلف ﵊ أحيانا لأشغال المسلمين وقضاء حوائجهم وعدم المشقة عليهم وأقسم ﷺ أنه يتمنى ويود أن لو قتل في سبيل الله ثم أحيي فقتل ثم أحيي فقتل فهذا يدل على فضل القتل في سبيل الله ولا شك في هذا والقرآن واضح في ذلك قال الله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين وهذه الحياة البرزخية لا نعلم بها وليست كحياتنا ولهذا قال تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ .\nحياة ما يعلم بها يعني لو فتحت عليه قبره لوجدت الإنسان ميتا لكنه عند الله حي يرزق يأكل من الجنة بكرة وعشية نسأل الله سبحانه أن يرزقنا وإياكم الشهادة في سبيله وأن يعيننا وإياكم على الجهاد في سبيله","vol":"5","page":357},{"text":"جهاد أنفسنا جهاد أعدائنا إنه على كل شيء قدير.\n١٢٩٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي: اللون لون دم والريح ريح مسك متفق عليه.\n١٢٩٦ - وعن معاذ ﵁ عن النبي ﷺ قال: من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة ومن جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها الزعفران وريحها كالمسك رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n١٢٩٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة اغزوا في سبيل الله من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة رواه الترمذي وقال: حديث حسن.","vol":"5","page":358},{"text":"والفواق: ما بين الحلبتين.\n١٢٩٨ - وعنه قال قيل: يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله قال: لا تستطيعونه فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: لا تستطيعون ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر: من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله متفق عليه وهذا لفظ مسلم.\nوفي رواية البخاري أن رجلا قال: يا رسول الله دلني على عمل يعدل الجهاد قال: لا أجده ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر فقال: ومن يستطيع ذلك؟\n١٢٩٩ - وعنه أنه رسول الله ﷺ قال: من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه أو رجل في غنيمة أو شعفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير رواه مسلم.\n١٣٠٠ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض","vol":"5","page":359},{"text":"رواه البخاري.\n١٣٠١ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وجبت له الجنة فعجب لها أبو سعيد فقال أعدها علي يا رسول الله فأعادها عليه ثم قال: وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض قال: وما هي يا رسول الله قال الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أحاديث متعددة كلها في فضل الجهاد في سبيل الله فمنها أي من فضل الجهاد في سبيل الله: أن الإنسان إذا قتل شهيدا فإنه يأتي يوم القيامة وجرحه يدمي اللون لون الدم والريح ريح المسك يشهده الأولون والآخرون من هذه الأمة وغيرها بل ويشهده الملائكة في ذلك اليوم المشهود وهذا يوجب له الرفعة في الدنيا والآخرة.\nومنها أن من قاتل (فواق ناقة) وهو ما بين الحلبتين فإنه تجب له الجنة فإذا شهد الصف ولو بهذا المقدار يقاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا فإنها تجب له الجنة.\nومنها أن الخارج للجهاد في سبيل الله له مثل أجر الصائم القائم من حين أن يخرج إلى أن يرجع والصائم القائم من حين أن يخرج المجاهد إلى أن","vol":"5","page":360},{"text":"يرجع هو الذي يساويه في الأجر عند الله ﷿ ولكن ذلك لا يستطاع كما قاله النبي ﷺ وقاله الصحابة له ومنها أن الله أعد للمجاهدين في سبيله مائة درجة في الجنة كل درجة بينها وبين الأخرى مثل ما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله.\nفهذه الأحاديث وأمثالها وهي كثيرة جدا تدل على فضل الجهاد في سبيل الله والجهاد في سبيل الله يكون بالمال ويكون بالنفس ولكنه بالنفس أفضل وأعظم أجرا لأن كل هذه الأحاديث التي سمعناها كلها فيمن جاهد بنفسه ومن جاهد بماله فهو على خير وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا أي كتب له أجر الغازي ومن خلفه في أهله في خير فقد غزا فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المجاهدين في سبيله ابتغاء وجه الله إنه على كل شيء قدير.\n١٣٠٢ - وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي ﵁ وهو &amp; بحضرة العدو يقول قال رسول الله ﷺ: إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا قال نعم فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل رواه مسلم.","vol":"5","page":361},{"text":"١٣٠٣ - وعن أبي عبس عبد الرحمن بن جبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار رواه البخاري.\n١٣٠٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.\n١٣٠٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n١٣٠٦ - وعن زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا متفق عليه.\n١٣٠٧ - وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله ومنيحة خادم في سبيل الله أو طروقه فحل في سبيل الله رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":362},{"text":"١٣٠٨ - وعن أنس ﵁ أن فتى من أسلم قال: يا رسول الله إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به قال: ائت فلانا فإنه قد كان تجهز فمرض فأتاه فقال: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام ويقول: أعطني الذي تجهزت به قال: يا فلانة أعطيه الذي كنت تجهزت به ولا تحبسين منه شيئا فوالله لا تحبسي منه شيئا فيبارك لك فيه رواه مسلم.\n١٣٠٩ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث إلى بني لحيان فقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما رواه مسلم.\nوفي رواية له: ليخرج من كل رجلين رجل ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج.\n١٣١٠ - وعن البراء ﵁ قال أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم فقال: أسلم ثم قاتل فأسلم ثم قاتل فقتل فقال رسول الله ﷺ عمل قليلا وأجر كثيرا متفق عليه وهذا لفظ البخاري.\n١٣١١ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع","vol":"5","page":363},{"text":"إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة.\nوفي رواية: لما يرى من فضل الشهادة متفق عليه.\n١٣١٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: يغفر الله للشهيد كل شيء إلا الدين رواه مسلم.\nوفي رواية له القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين.\n١٣١٣ - وعن أبي قتادة &amp; ﵁ أن رسول الله ﷺ قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي فقال له رسول الله ﷺ: نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ثم قال رسول الله ﷺ: كيف قلت قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي فقال رسول الله ﷺ نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك رواه مسلم.","vol":"5","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث المتعددة ذكرها النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في كتاب الجهاد وفيها مسائل منها: أن النبي ﷺ كان حسن التدبير في أصحابه فهذا الرجل الذي جاء إليه إني أريد الغزو وليس عندي شيء يعني يغزو به فأحاله على رجل كان قد تجهز ليغزو ولكن مرض ثم إن الرجل ذهب إلى صاحبه فأخذ جهازه وقال لامرأته: لا تتركي منه شيء فإنك لم تتركي شيء فيبارك لنا فيه فجهزه.\nوفيها أي في هذه الأحاديث دليل على أن من جهز الغازي وأعطاه ما يكفي لغزوه فإنه كالذي يغزو وأن من خلف الغازي في أهله فله مثل أجره ويدل لهذا أيضا قضية بني لحيان حيث أن النبي ﷺ أمرهم أن يخرج منهم واحد ويبقى واحد يخلف الغازي في أهله ويكون له نصف أجره لأن النصف الثاني للغازي وفي هذه الأحاديث أيضا من فضائل الجهاد أن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف بمعنى أن من قاتل فإنه يكون قتاله سببا لدخول الجنة من أبوابها فقد ثبت عن النبي ﷺ أن في الجنة بابا يقال له باب الجهاد يدخله من يجاهد في سبيل الله.\nوفي هذه الأحاديث: أن الشهادة تكفر كل شيء من الأعمال إلا الدين: يعني إلا دين الآدمي فإن الشهادة لا تكفره وذلك لأن دين الآدمي لابد من إيفائه إما في الدنيا وإما في الآخرة وفي هذا الحديث التحذير من التساهل","vol":"5","page":365},{"text":"في الدين وأنه لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في الدين ولا يتدين إلا عند الضرورة ما عند الحاجة لا إنما عند الضرورة القصوى لأن النبي ﷺ لم يأذن للرجل الذي قال زوجني فقال: أصدق المرأة قال: ليس عندي إلا إزاري قال: إزارك لا ينفعها أن أعطيتها إياه بقيت بلا إزار وأن أبقيته عليك بقيت بلا مهر التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد فقال: زوجتها بما معك من القرآن ولم يقل استقرض من الناس مع أنه زواج حاجة ملحة لكن لم يأذن له الرسول ﷺ بل لم يرشده إلى الاستدانة لأن الدين خطير جدا وقد روى &amp; عن النبي ﷺ بسند فيه نظر: أن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه فالأمر مهم فلا تستهن الدين الدين هم في الليل وذل في النهار فالإنسان مهما أمكنه يجب أن يتحرز من الدين وأن لا يكثر في الإنفاق لأن كثيرا من الناس تجده فقيرا ثم يريد أن ينفق على نفسه وأهله كما ينفق الأغنياء فيستلف من هذا ويستلف من هذا أو يستدين أو يرابي وهذا غلط عظيم يعني لو لم يكن لك إلا وجبة واحدة في الليل والنهار فلا تستلف اصبر وقل اللهم: أغنني قال الله تعالى: وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء &amp; إن الله","vol":"5","page":366},{"text":"عليم حكيم أما تهاون بعض الناس نسأل الله العافية يستدين من أجل أن يفرش كل البيت فراء حتى الدرج هذا غلط أو يستدين من أجل أن يأخذ سيارة فخمة مع أنه يكفيه سيارة مثلا بعشرين ألف يقول: لا بمائة ألف وهو فقير.\nهذا من سوء التصرف ومن ضعف الدين ومن قلة المبالاة لأن الدين لا تكفره حتى الشهادة في سبيل الله لا تكفر الدين فكيف تستدين إلا عند الضرورة وأقول عند الضرورة ليس عند الحاجة يعني حتى لو &amp; كنت محتاجا لعدة كماليات لا تستدين لا تشتري شيء ليس معك ثمنه اصبر حتى يرزقك الله ثم اشتر على قدر الحال ولهذا من الأمثال العامية الصحيحة (مد رجلك على قدر لحافك) إن مددتها أكثر تعرضت للبرد والشمس وغير ذلك.\nففيه التحذير من الدين وأنه لا ينبغي للإنسان أن يتدين.\nوهنا مسألة: بعض الناس يكون عليه دين ثم يتصدق &amp; ويقول: أحب هذه الصدقة وهذا حرام كيف تتصدق وأنت مدين أد الواجب أولا ثم التطوع ثانيا لأن الذي يتصدق ولا يوفي الدين كالذي يبني قصرا ويهدم مصرا","vol":"5","page":367},{"text":"أنت الآن مطالب أن توفي دينك كيف تتصدق أوف ثم تصدق.\nوفي هذه الأحاديث أيضا أن الجهاد بدون إسلام لا ينفع صاحبه لأن الرجل الذي استأذن من النبي ﷺ وقال: يا رسول الله أجاهد ثم أسلم أم أسلم ثم أجاهد قال: أسلم ثم جاهد فأسلم ثم جاهد وهكذا جميع الأعمال الصالحة يشترط فيها الإسلام لا يقبل الله من أحد صدقة ولا حج ولا صيام ولا أي شيء وهو غير مسلم فإذا رأينا مثلا رجل لا يصلي ولكنه كثير الصيام كثير الصدقات بشوش للناس أخلاقه طيبة لكنه لا يصلي اعلم أن كل عمل يعمله لا ينفعه يوم القيامة حتى الصيام يصوم رمضان ولا يصلي ما له صيام يحج وما يصلي ما له حج بل يحرم عليه أن يروح مكة ولا يصلي لأن الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ فالإسلام شرط لكل عبادة لا تقبل أي عبادة إلا بالإسلام ولا تصح أي عبادة إلا بالإسلام والله الموفق.\n١٣١٤ - وعن جابر ﵁ قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت قال في الجنة فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل رواه مسلم.","vol":"5","page":368},{"text":"١٣١٥ - وعن أنس ﵁ قال: انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون فقال رسول الله ﷺ: لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري ﵁: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض قال: نعم قال: بخ بخ فقال رسول الله ﷺ: ما يحملك على قولك بخ بخ قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال: فإنك من أهلها فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل رواه مسلم.\nالقرن بفتح القاف والراء هو جعبة النشاب.\n١٣١٦ - وعنه قال: جاء ناس إلى النبي ﷺ أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم: القراء فيهم خالي حرام يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد &amp; ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء فبعثهم النبي ﷺ فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا وأتى رجل حراما خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه فقال حرام: فزت ورب الكعبة فقال رسول الله ﷺ إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم","vol":"5","page":369},{"text":"بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا متفق عليه وهذا لفظ مسلم.\n١٣١٧ - وعنه قال: غاب &amp; عمي أنس بن النضر ﵁ عن قتال بدر فقال يا رسول الله غبت &amp; عن أول قتال قاتلت المشركين لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه﴾ إلى آخرها متفق عليه وقد سبق في باب المجاهدة.\n١٣١٨ - وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل لم أر قط أحسن منها قالا: أما هذه الدار فدار الشهداء رواه البخاري وهو بعض من","vol":"5","page":370},{"text":"حديث طويل فيه أنواع العلم سيأتي في باب تحريم الكذب إن شاء الله تعالى.\n١٣١٩ - وعن أنس ﵁ أن أم الربيع بنت البراء وهو أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء فقال: يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى رواه البخاري.\n&amp;\n١٣٢٠ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جيء بأبي إلى النبي ﷺ قد مثل به فوضع بين يديه فذهبت أكشف عن وجهه فنهاني قوم فقال النبي ﷺ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها متفق عليه.\n١٣٢١ - وعن سهل بن حنيف ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه منازل الشهداء وإن مات على فراشه رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في فضل الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله وأن لهم الجنة كما قال الله ﷾: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن","vol":"5","page":371},{"text":"وذكر المؤلف أحاديث كثيرة تدل على صدق الصحابة ﵃ وصدق إيمانهم يخبرهم النبي ﷺ بما للشهداء فيدعون ما بأيديهم من الطعام ويتركونه ويتقدمون إلى الجهاد في سبيل الله ثم يقتلون فيلقون الله ﷿ راضين عنه وهو راض عنهم جل وعلا وهذا لا شك من فضائل الصحابة ﵃ التي لا يلحقهم بعدهم أحد فيها.\nهذا عمير بن الحمام الأنصاري ﵁ لما قال النبي ﷺ يوم بدر: من قاتلهم محتسبا مقبلا غير مدبر وجبت له جنة عرضها كعرض السماء والأرض قال: يا رسول الله جنة عرضها كعرض السماء والأرض قال: نعم فأخرج تمرات من قرنه الذي يوضع فيه الطعام عادة ويأخذه المجاهد ثم جعل يأكل ثم استطال الحياة ﵁ وقال: والله لأن بقيت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة ثم تقدم فقاتل وقتل ﵁ وقد شهد له النبي ﷺ بالجنة.\nوكذلك أنس بن المضر ﵁ لقي سعد بن معاذ في غزوة أحد وأخبره بأنه يجد ريح الجنة دون أحد قال ابن القيم: فهذه من الكرامات التي يكرم بها الله من يشاء من عباده أن يجد ريح الجنة وهو في الأرض والجنة في السماء لكن من أجل أن الله يثبت يقينه حتى يتيقنها وكأنها أمر محسوس عنده فقاتل حتى قتل لأنه ﵁ تأخر عن غزوة بدر وسبب ذلك أن كثيرا من الصحابة لم يخرجوا في بدر لأنهم إنما خرجوا من أجل عير أبي سفيان التي جاء بها من الشام يريد بها مكة ولم يخرجوا لقتال","vol":"5","page":372},{"text":"ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم من غير معاد فتخلف ﵁ لأنهم لم يؤمروا بالخروج إلى الغزو وإنما قال الرسول ﷺ: من شاء أن يخرج معنا فليخرج فخرج من خرج وتخلف من تخلف لكنه قال ﵁: حين تخلف عن هذه الغزوة غزوة بدر لإن أشهدني الله مشهد يعني غزوا في سبيل الله ليرين الله مني ما أصنع ثم تقدم وجاهد وجالد وقاتل حتى قتل ووجدوا به بضعا وثمانين أو بضعا وتسعين ضربة في جسد واحد مما يدل على أنه قد غامر وخاض صفوف المشركين لم تعرفه إلا أخته بنانه وقال: ﵁ وهو يجاهد: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه الذين انكشفوا في غزوة أحد وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين.\nفهذه القصص وأمثالها تدل دلالة واضحة على أن الله اختار لنبيه ﷺ أفضل الخلق وأنه مصداق قوله ﷺ خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ...\nنسأل الله أن يبلغنا وإياكم منازل الشهداء وأن يجمع بيننا وبينهم في جنات النعيم.\n١٣٢٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه رواه مسلم.","vol":"5","page":373},{"text":"١٣٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.\n١٣٢٤ - وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس فقال: أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم متفق عليه.\n١٣٢٥ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ثنتان لا تردان أو قلما تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n١٣٢٦ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال اللهم أنت عضدي ونصيري بك أجول وبك أصول وبك أقاتل رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن.","vol":"5","page":374},{"text":"١٣٢٧ - وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا خاف قوما قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم رواه أبو داود بإسناد &amp; صحيح.\n١٣٢٨ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة متفق عليه.\n١٣٢٩ - وعن عروة البارقي ﵁ أن النبي ﷺ قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم متفق عليه.\n١٣٣٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة رواه البخاري.\n١٣٣١ - وعن أبي مسعود ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة رواه مسلم.","vol":"5","page":375},{"text":"١٣٣٢ - وعن أبي حماد ويقال: أبو سعاد ويقال: أبو أسد ويقال: أبو عامر ويقال: أبو عمرو ويقال: أبو الأسود ويقال أبو عبس عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ساقها النووي في رياض الصالحين بعضها في بيان فضيلة الشهداء وقد سبقت أحاديث كثيرة في هذا الموضوع وبعضها في فضل المشاركة في الجهاد بالراحلة والسهم.\nفأما الأول فقد ذكر النبي ﷺ أن الإنسان إذا استشهد في سبيل الله فإن ما يصيبه من القتل يكون كالقرصة يعني كقرصة النملة أو الذرة أو ما أشبه ذلك لأن الله تعالى يسهل عليه القتل كما أنه يسهل عليه خروج الروح لأن الروح تبشر برضوان من الله ﷿ وبالجنة فيسهل عليها الخروج كما في غيرها من الأموات.\nومنها أن النبي ﷺ بين حينما خطب الناس بين الحكم في قوله: لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا فإن الجنة تحت ظلال السيوف والشاهد من هذا الحديث قوله: الجنة تحت ظلال السيوف.\nومنها أي من فضائل الجهاد في سبيل الله ﷿ أن الإنسان الذي","vol":"5","page":376},{"text":"يشارك براحلة يكتب له بذلك أجرها كما قال النبي ﷺ: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة والمراد بالخيل: خيل الجهاد لأنه فسر هذا الخير بقوله: الأجر والمغنم وهذا إنما يكون في خيل الجهاد فخيل الجهاد في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ويحتمل أن يكون الحديث عاما أي الخيل كلها سواء كانت ممن يجاهد عليه أم لا للعموم ومنها أيضا أن رجلا جاء بناقة مخطومة إلى رسول الله ﷺ فقال: هذه يا رسول الله في سبيل الله فأخبره النبي ﷺ أن الله أعد له يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة لأن الله تعالى يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.\nومنها أي من الجهاد في سبيل الله المساعدة في السهام: الرمي ولهذا خطب النبي ﷺ ذات يوم فقال في قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا أن القوة الرمي والرمي في كل وقت بحسبه ففي عهد الرسول ﷺ يكون الرمي بالقوس بالسهام وفي وقتنا الآن يكون الرمي بالقنابل والصواريخ وما أشبهه لأن كل رمي بحسب الوقت الذي يكون فيه الإنسان نسأل الله أن يجعلنا من المجاهدين في سبيله بالمال والنفس إنه على كل شيء قدير.","vol":"5","page":377},{"text":"١٣٣٣ - وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه رواه مسلم.\n١٣٣٤ - وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى رواه مسلم.\n١٣٣٥ - وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يدخل بالسهم ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله وارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها أو قال كفرها رواه أبو داود.\n١٣٣٦ - وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: مر النبي ﷺ على نفر ينتضلون فقال: ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا رواه البخاري.\n١٣٣٧ - وعن عمرو بن عبسة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رمى بسهم في سبيل الله فهو له عدل محررة رواه أبو داود والترمذي وقالا: حديث حسن صحيح.\n١٣٣٨ - وعن أبي يحيى خريم بن فاتك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n١٣٣٩ - وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا","vol":"5","page":378},{"text":"متفق عليه.\n١٣٤٠ - وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n١٣٤١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق رواه مسلم.\n١٣٤٢ - وعن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في غزوة &amp; فقال: إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض.\nوفي رواية: حبسهم العذر وفي رواية إلا شركوكم في الأجر رواه البخاري من رواية أنس ورواه مسلم من رواية جابر واللفظ له.","vol":"5","page":379},{"text":"١٣٤٣ - وعن أبي موسى ﵁ أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه وفي رواية: يقاتل شجاعة ويقاتل حمية وفي رواية: ويقاتل غضبا فمن في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان أمور في الجهاد في سبيل الله منها الرمي وقد سبق أن النبي ﷺ قال: ألا إن القوة الرمي كررها ثلاثا.\nوفي الأحاديث التي ساقها المؤلف في هذا الباب حث على تعلم الرمي وعلى أن من ترك الرمي بعد أن من الله تعالى عليه به فإنها نعمة كفرها وفي بعض الأحاديث أن النبي ﷺ تبرأ منه.\nوفي بعض الأحاديث أيضا إنها ستفتح عليكم أرضون وسيكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه.\nففي هذه الأحاديث وأشباهها حث على تعلم الرمي وعلى أن الإنسان ينبغي له أن يتعلم كيف يرمي ولو بالأسلحة الخفيفة لأنه لا يدري ماذا يحدث له حتى إن النبي ﷺ أجاز العوض في المسابقة في الرمي يعني مثلا رمي اثنان بالبندقية أو شبهها من السلاح ويجعلون بينهما عوضا من يرمي منهم يأخذه","vol":"5","page":380},{"text":"هذا أيضا لا بأس به وجائز لما في ذلك من الحث على تعلم الرمي وفي هذه الأحاديث أن النبي ﷺ قال: اركبوا وارموا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا لأن الرمي يدركه الإنسان الراكب والراجل أما الركوب فلا يدركه إلا من ركب ولهذا كان الرمي أحب إلى النبي ﷺ من الركوب.\nوفي هذه الأحاديث أيضا دليل على فضيلة الصيام في الجهاد في سبيل الله وأن الإنسان إذا صام يوما في سبيل الله باعد الله بين وجهه وبين النار سبعين خريفا يعني سبعين سنة وفي هذه الأحاديث دليل على وجوب إخلاص النية لله فإن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل زورا ويقاتل غضبا يعني عصبية لقومه فمن في سبيل الله قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.\n١٣٤٤ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم لهم أجورهم رواه مسلم.\n١٣٤٥ - وعن أبي أمامة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة فقال النبي ﷺ: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ﷿ رواه","vol":"5","page":381},{"text":"أبو داود بإسناد جيد.\n١٣٤٦ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: قفلة كغزوة رواه أبو داود بإسناد جيد.\nالقفلة الرجوع والمراد: الرجوع من الغزو بعد فراغه ومعناه: أنه يثاب في رجوعه بعد فراغه من الغزو.\n١٣٤٧ - وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: لما قدم النبي ﷺ من غزوة تبوك تلقاه الناس فتلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع رواه أبو داود بإسناد صحيح بهذا اللفظ ورواه البخاري قال: ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ مع الصبيان إلى ثنية الوداع.\n١٣٤٨ - وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من لم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n١٣٤٩ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم رواه أبو داود بإسناد صحيح.","vol":"5","page":382},{"text":"١٣٥٠ - وعن أبي عمرو ويقال: أبي حكيم النعمان بن مقرن ﵁ قال: شهدت رسول الله ﷺ إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.\n١٣٥١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا متفق عليه.\n١٣٥٢ - وعنه وعن جابر ﵄ أن النبي ﷺ قال: الحرب خدعة متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث هي بقية أحاديث باب الجهاد المنقولة في كتاب رياض الصالحين وفيها الحث على الغزو وأن الإنسان إذا لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ولم يخلف غازيا في أهله وماله فإنه تصيبه قارعة قبل يوم القيامة وهذه القارعة ربما تفسر بما سبق في الحديث من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق وفيها أيضا الحث على جهاد المشركين بالمال والنفس واللسان بالمال: أي يبذل الإنسان مالا يساعد به المجاهدين أو يشتري به سلاحا أو غير ذلك","vol":"5","page":383},{"text":"والنفس أن يخرج بنفسه يقاتل واللسان أن يهجوهم [أي المشركين] بالقصائد والأشعار لأن هجو المشركين يؤثر عليهم ويكون ذكرى سيئة في حقهم إلا ما شاء الله مثلا إلى الآن ونحن نسمع هجاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وغيرهم للمشركين.\nوفي هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ فضيلة الجهاد في سبيل الله وأنه من أفضل الأعمال وقد مرت الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى وأطال المؤلف ﵀ في نقل الأحاديث في ذلك لأن باب الجهاد من أهم أبواب الدين حتى إن النبي ﷺ قال: ذروة سنامه أي ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله لما فيه من إعلاء كلمة الله ونصر الإسلام والمسلمين وغير ذلك من المصالح العظيمة والله الموفق.","vol":"5","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة يغسلون ويصلى عليهم </span>بخلاف القتيل في حرب الكفار\n١٣٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله متفق عليه.\n١٣٥٤ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: ما تعدون الشهداء فيكم قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل قالوا: فمن يا رسول الله قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد ومن مات في البطن فهو شهيد والغريق شهيد رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين باب بيان شيء من الشهداء يعني غير المقتولين في سبيل الله والمقتول في سبيل الله هو أعلى أنواع الشهداء أما الشهداء الآخرون فهم كما أشار إليهم المؤلف هم شهداء في الآخرة في أحكام الآخرة لا في أحكام الدنيا ويتبين ذلك بأن الشهيد","vol":"5","page":385},{"text":"المقتول في سبيل الله شهيد في الدنيا والآخرة فهو شهيد في الدنيا إذا قتل ومات فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن ولا يأتيه الملكان اللذان يسألانه عن ربه وعن دينه وعن نبيه فلا يغسل من أجل أن يبقى أثر الدم عليه أثر الدم الذي قتل في سبيل الله من أجله فيأتي يوم القيامة وجرحه يسغب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك لذلك قال العلماء: يحرم أن يغسل ويحرم أن يغسل دمه بل يبقى على ما هو عليه.\nولا يكفن وإنما يكفن في ثيابه التي قتل فيها حتى يأتي يوم القيامة بهذه الثياب ولا يصلى عليه لأن الصلاة شفاعة كما قال النبي ﷺ في الصلاة على الميت: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه والمقتول في سبيل الله لا يحتاج لأن يشفع له أحد لأن الشفاعة له كونه يعرض رقبته لأعداء الله إعلاء لكلمة الله.\nولهذا علل النبي ﷺ عدم فتنته في قبره فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة أي كفى بها اختبارا وصدق رسول الله ﷺ.\nفيكفن في ثيابه ليأتي بها يوم القيامة ولا يصلى عليه ونظير هذا في بعض الوجوه الرجل إذا مات محرما فإنه يغسل بماء وسدر ولا يحنط ولا يقرب طيبا ولا يغطى رأسه ولا يكفن في ثياب غير ثياب الإحرام التي","vol":"5","page":386},{"text":"كانت عليه لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا يبعث يقول: لبيك اللهم لبيك.\nوالشهيد يبعث يوم القيامة جرحه يسغب دما لونه لون الدم وريحه ريح المسك فهذا الشهيد في أحكام الدنيا الشهيد في سبيل الله يجنب هذه الأشياء لا يغسل لا يكفن بكفن جديد وإنما يكفن في ثيابه ولا يصلى عليه ويدفن ولا يأتيه الملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه لأن هذا أكبر امتحان واختبار له ودليل على صدقه أما في الآخرة فقد قال الله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين.\nأما بقية الشهداء المذكورين في الحديث فهم شهداء في الآخرة لا في الدنيا ومع ذلك فإنهم لا يساوون الذين قتلوا في سبيل الله ولكنهم شهداء ولكل درجات مما عملوا المطعون والمبطون والغريق ومن قتل في سبيل الله شهيد في الدنيا وصاحب الهدم.\nالأول: المطعون يعني من مات بالطاعون والطاعون وباء فتاك معدي نسأل الله العافية إذا وقع في أرض فإنه يهلك ولهذا قال النبي ﷺ في الطاعون: إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه لأنه كيف تفر من الله ﷿ وانظر إلى قوم ألوف خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال الله لهم: موتوا فماتوا هربوا من الموت لكن الله تعالى أراد أن يبين لهم أنه لا مفر من الله ﷿ قال الله لهم موتوا فماتوا ثم أحياهم ليتبين أنه لا مفر من قدر الله ﷿ لكن نفعل الأسباب التي أمرنا بها أما التي نهينا عنها فلا","vol":"5","page":387},{"text":"ولهذا قال: إذا وقع وأنتم في أرض فلا تخرجوا منها فرارا منه هذا المطعون إذا مات بالطاعون كان شهيدا.\nالثاني: المبطون والمبطون هو الذي أصابه داء البطن ويشبه والله أعلم ما يسمونه الآن الغاشية تصيب الإنسان في بطنه ثم يموت هذه إذا مات بها الإنسان فإنه يكون شهيدا.\nالثالث: الغريق الذي يغرق إما في أنهار عظيمة أو يقع في النهر أو في البحر أو ما أشبه ذلك فإنه يكون من الشهداء في الآخرة ولهذا أمر الإنسان أن يتعلم السباحة فالإنسان مأمور أن يتعلم السباحة حتى إذا حصل مثل هذه الأشياء أمكنه أن يتوقى منه.\nوأما الرابع: من مات بهدم يعني رجل انهدم عليه البيت أو الجدار أو ما أشبه ذلك فإنه يكون شهيدا لأن هؤلاء كلهم ماتوا بحوادث مميتة بريئة وهل يقاس عليهم مثلهم كالذي يموت في حادث أو في صدم أو ما أشبه ذلك الله أعلم قد يقاسون على هذا ويقال لا فرق بين أن ينهدم الجدار أو أن تنقلب السيارة لأن كل حادث مات به الإنسان يحكم على من مات بهذا الحادث أنه شهيد لكننا لا نجزم به لأن مسائل الجزاء عقوبة أو مثوبة ليس فيها قياس فالحاصل أن هناك شهداء غير المقتولين في سبيل الله ومن ذلك أيضا من مات في سبيل الله وإن لم يقتل فهو شهيد لكنه شهيد في الآخرة كرجل خرج مع المجاهدين ومات في الطريق موتة طبيعية فهذا أيضا من الشهداء لكن شهيد الآخرة أما في الدنيا فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع الناس","vol":"5","page":388},{"text":"كالشهداء الذين ذكرهم الرسول ﷺ وهو من مات بهدم أو غرق أو طاعون أو بطن والله الموفق.\n١٣٥٥ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: من قتل دون ماله فهو شهيد متفق عليه.\n١٣٥٦ - وعن أبي الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ﵃ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n١٣٥٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال: فلا تعطه مالك قال: أرأيت إن قاتلني قال قاتله قال: أرأيت إن قتلني قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته قال: هو في النار رواه مسلم.","vol":"5","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه بقية الأحاديث في بيان الشهداء في ثواب الآخرة منها ما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه أن النبي ﷺ قال: من قتل دون ماله فهو شهيد يعني إذا أتاك أحد يريد أخذ مالك فدافعت عنه حتى قتلت فأنت شهيد.\nوفي الحديث الأخير أن رجلا سأل النبي ﷺ قال: يا رسول الله أرأيت إن جاء أحد يريد أخذ مالي قال: فلا تعطه مالك قال أرأيت إن قاتلني قال: قاتله قال: أرأيت إن قتلني قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته قال: هو في النار.\nفدل ذلك على أن الإنسان يدافع عن ماله إذا جاء أحد يريد أخذ المال فإنك تدافع فإذا لم يندفع إلا بالقتل فاقتله وإن اندفع بدون ذلك فلا تقتله يعني لو أمكن أن تكون أنت أقوى منه وتشد يديه ورجليه وتأسره فلا تقتله لأنه لا حاجة لقتله وإذا كان لا يمكن فقاتلك فقاتله ولو قتلته وإن خفت أن يبادرك بالقتل فاقتله ولا حاجة للمقاتلة يعني لو جاء إليك يسعى يشتد ومعه سلاح قد شهره فاقتله لأنك إن لم تبادره قتلك فإذا قتلته فإنه في النار وإن قتلك هو فأنت شهيد.\nوكذلك في حديث سعيد بن زيد من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد.\nحتى لو أن أحدا أراد أن يفتنك في دينك يهتك عرضك أو ما أشبه ذلك فقاتلته فقتلك","vol":"5","page":390},{"text":"فأنت شهيد وإن قتلته أنت فهو في النار.\nولهذا قال العلماء: إن دفع الصائل ولو أدى إلى قتله جائز لأنه إذا صال عليك فلا حرمة له لكن إذا اندفع بما دون القتل فلا تقتله.\nنسأل الله تعالى أن يعيذنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.","vol":"5","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>باب فضل العتق</span>\nقال الله تعالى ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة﴾\n١٣٥٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه متفق عليه.\n١٣٥٩ - وعن أبي ذر ﵁ قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله قال: قلت أي الرقاب أفضل قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا متفق عليه.","vol":"5","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>باب فضل الإحسان إلى المملوك</span>\nقال الله تعالى ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾ .\n١٣٦٠ - وعن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر ﵁ وعليه حلة وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله ﷺ فعيره بأمه فقال النبي ﷺ إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم متفق عليه.\n١٣٦١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي علاجه رواه البخاري.\nالأكلة بضم الهمزة: هي اللقمة.","vol":"5","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف في كتابه &amp; رياض الصالحين: باب فضل العتق العتق هو: تحرير الرقاب يعني أن يكون هناك إنسان مملوك فيأتي شخص فيعتقه ويحرره ابتغاء وجه الله ﷿ فهذا من أفضل الأعمال قال الله تعالى: فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة.\nاقتحم العقبة يعني رأس صعدها على مشقة والعقبة هي الطريق المرتفع ومعلوم أن اقتحام العقبات صعب وشاق وكذلك إعتاق الرقاب صعب على النفوس لأن فيه إخراج المملوك عن ملكه وهو شاق وقوله: ﴿فك رقبة﴾ يشمل العتق ويشمل فك الأسير من العدو فإن هذا من فك الرقاب ففي الآية دليل على فضيلة العتق ثم ذكر المؤلف ما ثبت عن النبي ﷺ أن من أعتق عبدا أعتق الله بكل عضو منه أي من العتيق عضوا منه أي من المعتق من النار حتى الفرج بالفرج يعني أنك إذا أعتقت عبدا أعتق الله كل بدنك من النار لأنك أعتقت هذا العبد من الرق فيعتقك الله تعالى من النار ثم ذكر فضل الإحسان إلى المملوك وصدر هذا بقوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ اعبدوا الله يعني أطيعوا الله فعبادة الله هي طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه وهذا هو الذي خلق العباد من أجله قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ما خلقنا الله لنأكل ونشرب ونلبس ونسكن ونتمتع لا هذه كلها وسائل الغاية هي العبادة ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ فمن لم يعبد الله أو عبد مع الله غيره أو لم يعبد أحدا فإنه أضاع دينه ودنياه لأنه أضاع ما خلق من أجله.\nوقوله: ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾ عام و﴿شيئا﴾ مشرك به لأنه نكرة في سياق النهي فيكون عاما فلا تشرك بعبادة الله أحدا لا الرسول ولا جبريل ولا وليا من أولياء الله ولا صديقا ولا شهيدا لا تعبد إلا الله وحده لا تشرك به شيئا فمن أشرك بالله شيئا فإن كان شركا أكبر فقد قال الله في حقه: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ .\nمثاله: أن يذهب إلى قبر ثم يسجد له أو يدعوه يقول: يا سيدي أغثني يا سيدي ارزقني ولدا ارزقني زوجة ارزقني مالا فهذا الشرك الأكبر مخرج من الملة حتى لو صام الإنسان وتصدق وصلى وقرأ القرآن وحج البيت وهو باق على هذا الشرك فإنه لا يدخل الجنة والجنة عليه حرام ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لأنه أشرك بالله.\nقوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ...\n﴾ ولم يذكر الله حق النبي ﷺ مع أن حق الرسول أعظم من حق الوالدين يجب على الإنسان أن يحب الرسول ﷺ أشد من حبه لنفسه ومن حبه لولده ومن حبه لوالده وحق الرسول فوق كل حقوق الخلق.\nقال العلماء: لأن حق الرسول من حق الله لأن عبادة الله لا يمكن أن تقبل إلا باتباع رسول الله ﷺ فحق الرسول داخل في ضمن حق الله ﷿ فمن لم يجرد العبادة لله إخلاصا وللرسول اتباعا فلا عبادة له ولهذا لم يذكر حق الرسول ﷺ لأنه داخل في حق الله.\nوقوله: ﴿وبالوالدين﴾ يشمل الأم والأب ﴿إحسانا﴾ يعني أحسنوا للوالدين إحسانا إحسانا بالمال تعطهم من مالك إذا كانوا فقراء محتاجين أو غير فقراء ولكن تعطهم كمالا كماليات تتودد إليهما ومن الإحسان أن تخدمهما أرسلك أبوك إلى شيء اذهب قال: انتظر فلان انتظره قال: ائت لي بالحاجة الفلانية تأت له فتخدمهما بالمال وبالبدن وبالجاه أيضا لو كان الابن له جاه عند الناس أو عند الدولة وأبوه محتاج إلى جاهه فمن الإحسان أن يخدمه بجاهه وكذلك الأم فالإحسان هنا يشمل كل ما يعد إحسانا ويأتي بقية الكلام على الآية وما بعدها من الأحاديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>باب فضل المملوك الذي يؤدي حق الله وحق مواليه</span>\n١٣٦٢ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين متفق عليه.\n١٣٦٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: للعبد المملوك المصلح أجران والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك متفق عليه.\n١٣٦٤ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ المملوك الذي يحسن عبادة ربه ويؤدي إلى سيده الذي عليه من الحق والنصيحة والطاعة له أجران رواه البخاري.\n١٣٦٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه ورجل كانت له أمة فأدها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب عقده المؤلف في كتابه رياض الصالحين في باب فضل العتق ليبين ما جاءت به الأحاديث أن المملوك إذا قام بحق الله وحق سيده كان له الأجر مرتين الأجر الأول لقيامه بحق الله والثاني: لقيامه بحق سيده لأن لله عليه حقا كالصلوات والصيام وغيرهما من العبادات التي ليست مبنية على أمر مالي وللسيد عليه حق وهو القيام بخدمته وما إلى ذلك فإذا قام بالحقين صار له أجران.\nوكذلك في الحديث الأخير ذكر النبي ﷺ أن ثلاثة لهم الأجر مرتين: رجل من أهل الكتاب اليهود والنصارى يعني كان يهوديا أو نصرانيا ثم آمن بالرسول ﷺ فهذا له الأجر مرتين الأجر الأول إيمانه برسوله والثاني إيمانه بمحمد ﷺ وليعلم أن اليهود والنصارى إذا بلغتهم رسالة محمد ﷺ فلم يؤمنوا به حبطت أعمالهم حتى أعمالهم التي يتدينون بها في ملتهم حابطة غير مقبولة لقول الله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين أما الثاني: فهو العبد المملوك الذي قام بحق سيده وحق الله ﷿ أما الثالث: فرجل عنده أمة أدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله الأجر مرتين المرة الأولى لإحسانه إليها وهي رقيقة مملوكة والأجر الثاني لإحسانه إليها بعد أن أعتقها لم يضيعها بل تزوجها وكفها وأحصن فرجها والله الموفق.","vol":"5","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>باب فضل العبادة في الهرج وهو الاختلاط والفتن ونحوها</span>\n١٣٦٦ - عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: العبادة في الهرج كهجرة إلي رواه مسلم.","vol":"5","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي </span>وإرجاح المكيال والميزان والنهي عن التطفيف\nقال الله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾ وقال تعالى: ﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ وقال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس &amp; يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل السماحة في البيع والشراء.\nالبيع والشراء أمران ضروريان لا تقوم حياة بني آدم إلا بهما غالبا وذلك لأن الإنسان قد يحتاج إلى شيء عند غيره فكيف يواصل إليه إن استجداه وقال: هبه لي أذل نفسه وإن استعاره بقي في قلق وإن أخذه غصبا ظلمه فكان من حكمة الله ﷿ أن شرع البيع والشراء لأني أنا ممكن أحتاج دراهم فأبيع ما عندي وأنت محتاج هذا الشيء المعين عندي فتشتريه بالدراهم فكان البيع أمرا ضروريا لحاجة بني آدم.","vol":"5","page":400},{"text":"ولكن من الناس من يبيع بالعدل ومن الناس من يبيع بالظلم ومن الناس من يبيع بالإحسان فالناس ثلاثة أقسام: ١ - قسم يبيع بالعدل لا يظلم ولا يظلم كما قال تعالى في الذين يتعاملون بالربا وأن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.\n٢ - وقسم يبيع بالجور والظلم كالغشاش والكذاب وما أشبه ذلك.\n٣ - وقسم يبيع بالفضل والإحسان فيكون سمحا في البيع وفي الشراء إن باع لم يطلب حقه وافيا بل ينزل من الثمن ويمهل في القضاء وإن اشترى لا يهمه أن يزيد عليه الثمن ويبادر بالوفاء فيكون محسنا.\nوقد استدل المؤلف ﵀ على فضل السماحة في البيع والشراء بآيات منها قوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾ كلمة من خير نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الخيرات من أي جهة وهي مؤكد عمومها بـ (من) ﴿من خير﴾ يعني أي خير تفعلونه فإن الله به عليم يعني لا يخفى عليه ولا يفوته ﷿ وسيجازيكم على هذا أفضل مما عملتم لأن الله يجازي بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.\nوالمراد بالآية الكريمة المراد بذلك الحث على فعل الخير وأن يعلم الفاعل أنه لن يضيع عليه شيء من فعله فإن الله به عليم وسيجازيه عليه ﷿ أفضل الجزاء ومن الخير السماحة في البيع والشراء وقد دعا النبي ﷺ للمتسامحين في البيع والشراء فقال: رحم الله امرءا سمحا إذا باع","vol":"5","page":401},{"text":"سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى سمحا إذا اقتضى فالإنسان كلما كان أسمح في بيعه وشرائه وتأجيره واستئجاره ورهنه وارتهانه وغير ذلك فإنه أفضل وقال الله تعالى عن شعيب أنه قال لقومه: ﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ أوفوا المكيال: أي ما تبيعونه كيلا والميزان ما تبيعونه وزنا أوفوه ولا تنقصوا منه شيئا.\nوهذا دليل على أن الوفاء في العقود مما جاء في الشرائع السماوية السابقة واللاحقة وقال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ .\nويل: كلمة وعيد يتوعد الله ﷿ المطففين الذين هذه صفاتهم إذا اكتالوا على الناس يستوفون يعني إذا كان الحق لهم واكتالوا فإنهم يستوفون حقهم كاملا وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون يعني إذا كان الحق عليهم وكالوا لهم أو وزنوا لهم يخسرون أي يبخسون الكيل والميزان فيظلمون من الوجهين أو يطلبون العدل فيما يتعاملون به ويبخسون فيما يعاملون الناس به وهذا هو المطفف وهذه الآية وإن","vol":"5","page":402},{"text":"كانت قد وردت في المكيال والميزان إلا أن العامل حتى الموظف إذا كان يريد أن يعطي راتبه كاملا لكنه يتأخر في الحضور أو يتقدم في الخروج فإنه من المطففين الذي توعدهم الله بالويل لأنه لا فرق بين إنسان يكيل أو يزن للناس وبين إنسان موظف عليه أن يحضر في الساعة الفلانية ولا يخرج إلا في الساعة الفلانية ثم يتأخر في الحضور ويتقدم في الخروج هذا مطفف وهذا المطفف في الوظيفة لو نقص من راتبه ريال واحد من عشرة آلاف لقال لماذا تنقص هذا مطفف يدخل في هذا الوعيد ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ ثم قال تعالى منكرا عليهم ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾ يعني هل هؤلاء نسوا يوم الحساب نسوا يوم القيامة الذي ما أقرب منه.\nفالإنسان في هذه الدنيا ليس معه ضمان أن يعيش ولا لحظة واحدة يموت الإنسان وهو يتغذى أو يتعشى يموت وهو نائم يموت وهو على مكتبه يموت وهو ذاهب لحاجته أو راجع منها ثم يأتي اليوم العظيم ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾ استعظمه الله ﷿ بين أنه عظيم فيدل على عظمه وقد وصف الله هذا اليوم في آيات كثيرة كلها تزعج وتروع وتخوف هؤلاء سوف يتعرضون لعقوبة الله في ذلك اليوم هؤلاء المطففون سيتعرضون لعقوبة الله في ذلك اليوم ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ يقوم الناس كلهم لرب العالمين من في مشارق الأرض ومغاربها يبعثون على صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر الداعي يسمعهم كلهم لأن الأرض مبسوطة غير كروية يغيب بعض الناس فيها عن بعض بل هي","vol":"5","page":403},{"text":"سطح واحد إذا تكلم أحد في أولهم سمعه آخرهم وينفذهم البصر يراهم الرائي بخلاف الدنيا الأرض منعطفة كروية لكن في الآخرة الأرض سطح واحد كما قال ﵎: ﴿وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت﴾ تمد كما يمد الجلد هذا اليوم العظيم يقوم الناس فيه لله ﷿ للحساب والمعاقبة ومقدار هذا اليوم خمسون ألف سنة والشمس من فوقهم بقدر ميل ولا شجرة يستظلون به ولا بناء ولا شيء إلا من يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم فهذا اليوم العظيم سيجد هؤلاء المطففون عقوبتهم في ذلك اليوم لا فيه ولد ينفع ولا أب ولا أم ولا زوجة ولا أحد لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه فليحذر هؤلاء المطففون وليتقوا الله ﷿ ويؤدوا الحق كاملا وإن زادوا فضلة فهو أفضل ولهم أن يأخذوا حقهم كاملا وإن تسامحوا فهو أفضل والله الموفق.\n١٣٦٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ له فهم به أصحابه فقال رسول الله ﷺ: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ثم قال: أعطوه سنا مثل سنه قالوا: يا رسول الله لا نجد إلا أمثل من سنه قال: أعطوه فإن خيركم أحسنكم قضاء متفق عليه.","vol":"5","page":404},{"text":"١٣٦٨ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى رواه البخاري.\n١٣٦٩ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها المؤلف النووي رحمه في باب فضل السماحة في البيع والشراء وسبق الكلام على الآيات التي في صدر بها المؤلف &amp; هذا الباب.\nأما الأحاديث فمنها حديث أبي هريرة أن أعرابيا جاء يتقاضى الرسول ﷺ حقه يتقاضاه يعني يطلب أن يقضيه النبي ﷺ حقه وذلك أن الرسول ﷺ استقرض بكرا يعني ناقة صغيرة فجاء صاحبها يطلبها يقول: أعطني بكري والأعراب كما نعلم عندهم جفاء فأغلظ للرسول ﷺ القول فهم به الصحابة يعني هموا به أن يضربوه أو يسكتوه أو ما أشبه ذلك فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا صلوات الله وسلامه عليه ما ظنكم لو تكلم مثل هذا الأعرابي على جندي من الجنود ماذا يفعل به يبطش به أو على أمير من الأمراء أو على قاض من","vol":"5","page":405},{"text":"القضاة أو على وزير من الوزراء لو جاء يطلب حقه ولو بسهولة ربما يفتك به إلا من شاء الله هذا يغلظ القول لمحمد رسول الله ﷺ ويقول: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ومن هنا نعرف أن الإنسان إذا كان عليه حق لشخص وكان الشخص جاء يطلبه فلصاحب الحق أن يغلظ له القول لأنه صاحب حق والرسول ﷺ سيوفيه لا شك لكن قد لا يكون عنده تلك الساعة شيء ولذلك أمرهم بقضاء بكره فقالوا: إنا لا نجد إلا سنا خيرا من سنة وفي رواية قالوا: لا نجد إلا رباعيا خيارا والرباعي أحسن بكثير من البكر البكر صغير والرباعية كبيرة تتحمل الحمل والأثقال وغير ذلك فأمرهم النبي ﷺ أن يعطوه إياها وقال: إن خيركم أحسنكم قضاء في صفة القضاء وفي معاملة المستقضي الذي يطلب حقه فينبغي للإنسان أن يقتدي برسول الله ﷺ في حسن القضاء لكن معاملة المستقضي الذي يطلب حقه أي لا يعامله بالجفاء والسب والشتم بل باللين لأن له حقا ومقالة ولا في المقضي يعني يقضي أحسن مما عليه سواء كان أحسن مما عليه كيفية أو أكثر مما يطلب فمثلا إذا استقرضت من شخص مائة ريال وعند الوفاء أعطيته مائة وعشرة بدون شرط فإن هذا لا بأس به وهو من خير القضاء وكذلك لو استقرضت منه صاعا من الطعام وسطا ليس بالطيب ولا بالرديء فأعطيته صاعا طيبا فهذا أيضا من حسن القضاء وخير الناس أحسنهم قضاء","vol":"5","page":406},{"text":"وفي حديث جابر أن النبي ﷺ جمع قال: رحم الله امرءا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا اقتضى وكذلك سمحا إذا قضى فقوله ﵊ رحم الله امرءا أو قال رجلا هذا خبر بمعنى الدعاء يعني يدعو له بالرحمة إذا كان سمحا في هذه المواضع الأربعة سمحا إذا باع لا يشتد على المشتري ويكون سهلا يواضعه ويضع عنه سمحا إذا قضى إذا قضى غيره كان سمحا يعطيه في وقته ولا يماطل كذلك سمحا إذا اشترى وكذلك سمحا إذا اقتضى إذا أخذ حقه فهذه الأحوال الأربعة ينبغي للإنسان أن يكون سمحا فيها حتى ينال دعاء رسول الله ﷺ ويأتي الكلام إن شاء الله على بقية الأحاديث.\n١٣٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: كان رجل يداين الناس وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فلقي الله فتجاوز عنه متفق عليه.\n\n١٣٧١ - وعن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرا وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال الله ﷿: نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه رواه مسلم.","vol":"5","page":407},{"text":"١٣٧٢ - وعن حذيفة ﵁ قال: أتى الله تعالى بعبد من عباده آتاه الله مالا: فقال له: ماذا عملت في الدنيا قال: ولا يكتمون الله حديثا قال يا رب آتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر فقال الله تعالى: أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري ﵄ هكذا سمعناه من في رسول الله ﷺ رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الثلاثة في باب فضل السماحة في البيع والشراء وفيها فضل العفو عن الناس والتجاوز عنهم ففي الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: كان رجل يداين الناس يعني يتعامل معهم بالدين والدين ليس هو المعروف عندنا يعني أن تشتري سلعة لتبيعها وتنتفع بثمنها الدين كل ما ثبت في الذمة فهو دين حتى لو بعت إلى شخص سيارة بثمن غير مؤجل ولم يسلمك الثمن فالثمن في ذمته دين وإن استأجرت بيتا وتمت المدة ولم تسلمه الأجرة فالأجرة في ذمتك دين المهم أن المداينة أن يعامل الناس ليس نقدا يعني يدا بيد بل يبيع إليهم ويشتري منهم ويعفو عن المعسر فكان يقول لغلامه: إذا رأيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا فكان الغلام يفعل هذا فلقي الله","vol":"5","page":408},{"text":"﷿ فجازاه الله ﷿ بمثل ما يجازي به الناس يعني بمثل ما يفعل هذا الرجل في الناس عامله الله ﷿ فتجاوز عنه وذلك لأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ولأن الجزاء من حسن العمل ففي هذا الحديث حديث أبي هريرة والحديثين بعده دليل على فضيلة إنظار المعسر والتجاوز عنه وإبرائه.\nواعلم أن هذا لا ينقصك شيئا من المال لأن النبي ﷺ قال: ما نقصت صدقة من مال بل هذا يجعل في مالك البركة والخير والزيادة والنماء.\nوأما إنظار المعسر فإنه واجب يجب على الإنسان إذا كان صاحبه معسرا لا يستطيع الوفاء يجب عليه أن ينظره ولا يحل له أن يكربه أو يطالبه لقول الله تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فهناك فرق بين الإبراء وهو إسقاط الدين عن المعسر وبين الإنظار الإنظار واجب والإبراء سنة ولا شك أن الإبراء أفضل لأن الإبراء تبرأ به الذمة نهائيا والإنظار تبقي الذمة مشغولة لكن صاحب الحق لا يطالب به حتى يستطيع المطلوب أن يوفي وبعض الناس نسأل الله العافية تحل لهم الديون على أناس فقراء فيؤذونهم ويضربونهم ويطالبونهم ويدفعون بهم إلى ولاة الأمور ويحسبونهم عن","vol":"5","page":409},{"text":"أهليهم وأولادهم وأموالهم وهذا لا شك أنه منكر والواجب على القضاة إذا علموا أن هذا معسر لا يستطيع الوفاء الواجب عليهم أن يقولوا للدائن ليس لك حق في مطالبته لأن الله تعالى هو الحكم هو الحاكم بين العباد وقد قال الله تعالى: ﴿إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ لكن &amp; يتعلل بعض القضاة في هذه المسألة يقولون: إن بعض المدينين يتلاعبون بالناس فيأخذون الأموال ويجحدون الإيثار فيعاملونهم بهذا تنكيلا بهم وهذا نعم إذا ثبت أن هذا المدين يدعي الإعسار وليس بمعسر فإنه لا بأس أن يجبر ويحبس ويضرب حتى يوفي فإن لم يفعل فإن الحاكم يتولى بيع ما شاء من ماله ويوفي دينه أما الذي نعلم أنه معسر حقيقة فإنه لا يجوز لطالبه أن يطالبه ولا أن يقول: أعطني يجب أن يعرض عنه بالكلية ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ والله الموفق.\n١٣٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.\n١٣٧٤ - وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ اشترى منه بعيرا فوزن له فأرجح","vol":"5","page":410},{"text":"متفق عليه.\n١٣٧٥ - وعن أبي صفوان سويد بن قيس ﵁ قال: جلبت أنا ومحرمة العبدي بزا من هجر فجاءنا النبي ﷺ فساومنا بسراويل وعندي وزان يزن بالأجر فقال النبي ﷺ للوزان: زن وأرجح رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه بقية الأحاديث الواردة في فضل السماحة في البيع والشراء والقضاء والاقتضاء وقد سبق أحاديث كثيرة حول هذا الموضع والأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ وردت فيمن أنظر معسرا أو وضع عنه فإن الله تعالى يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله أنظره يعني أمهله حتى يوسع الله عليه وهذا أمر واجب كما سبقت الإشارة إليه فإن وضع عنه فهو أفضل وأكمل لأنه إذا وضع عنه أبرأ ذمته وأما إذا أنظره فإنما أمهله وبقيت ذمته أي ذمة المطلوب مشغولة لم تنفك.\nثم ذكر حديثين أيضا فيهما ذكر الوزن والإرجاح حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ اشترى منه فوزن وأرجح يعني أرجح الوزن لأنهم كانوا فيما سبق يتعاملون بالنقود وزنا لا عددا وإن كانوا يتعاملون أيضا بها عددا لكن الكثير وزنا كما جاء في الحديث ليس فيما دون خمس أواق","vol":"5","page":411},{"text":"صدقة فوزن له النبي ﷺ وأرجح يعني زاده أكثر مما يستحق وهكذا ينبغي للإنسان عند الوفاء أن يوفي كاملا بدون نقص وإذا زاد فهو أفضل والله الموفق.","vol":"5","page":412},{"text":"كتاب العلم باب فضل العلم علما وتعليما لله قال الله تعالى ﴿وقل رب زدني علما﴾ وقال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ وقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ وقال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي في كتابه رياض الصالحين باب فضل العلم تعلما وتعليما لله ﷿ والمراد بالعلم الذي وردت به النصوص في فضله والثواب عليه ورفعه أهله وكونهم ورثة الأنبياء إنما هو علم الشريعة عقيدة وعملا وليس علم ما يتعلق بالدنيا كالحساب والهندسة وما أشبه ذلك المراد بالعلم العلم الشرعي الذي جاءت به الشرائع هذا هو العلم الذي يثني على من أدركه وعلى من علمه وتعلمه.\nوالعلم جهاد جهاد في سبيل الله وعليه يبنى الجهاد وسائر الإسلام لأن من لا يعلم لا يمكن أن يعمل على الوجه المطلوب ولهذا قال الله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون يعني لولا نفر بالجهاد من المؤمنين من كل فرقة منهم طائفة وقعدت طائفة أخرى ليتفقهوا أي الطائفة القاعدون في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم أي رجعوا من الغزو لعلهم يحذرون","vol":"5","page":413},{"text":"فجعل الله تعالى الفقه في دين الله معادلا للجهاد في سبيل الله بل أولى منه لأنه لا يمكن أن يجاهد المجاهد ولا أن يصلي المصلي ولا أن يزكي المزكي ولا أن يصوم الصائم ولا أن يحج الحاج ولا أن يعتمر المعتمر ولا أن يأكل الآكل ولا أن يشرب الشارب ولا أن ينام النائم ولا أن يستيقظ المستيقظ إلا بالعلم فالعلم هو أصل كل شيء ولذلك قال النبي ﷺ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.\nولا فرق بين المجاهد الذي يسوي قلل قوسه وبين طالب العلم الذي يستخرج المسائل العلمية من بطون الكتب كل منهم يعمل للجهاد في سبيل الله وبيان شريعة الله لعباد الله ولهذا أعقب المؤلف ﵀ باب الجهاد بباب العلم ليبين أنه مثله بل إن بعض العلماء فضله على الجهاد في سبيل الله والصحيح أن في ذلك تفصيلا فمن الناس من يكون الجهاد في حقه أفضل ومن الناس من يكون طلب العلم في حقه أفضل فإذا كان الرجل قويا شجاعا مقداما لكنه في العلم بضاعته مزجاة قليل الحظ قليل الفهم يصعب عليه تلقي العلم فهنا نقول: الجهاد في حقه أفضل وإذا كان بالعكس رجل ليس عنده تلك القوة البدنية أو الشجاعة القلبية لكن عنده حفظا وفهما واجتهادا فهذا طلب العلم في حقه أفضل فإن تساوى الأمران فإن من أهل العلم من رجح طلب العلم لأنه أصل ولأنه ينتفع به الناس كلهم القاصي والداني وينتفع به من كان حيا","vol":"5","page":414},{"text":"ومن يولد بعد وينتفع به صاحبه في حياته وبعد مماته كما قال النبي ﷺ: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له وجميع الناس محتاجون للعلم الأنبياء وغير الأنبياء كلهم محتاجون للعلم ولهذا أمر الله نبيه أن يقول: ﴿وقل رب زدني علما﴾ ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما﴾ فالرسل محتاجون إلى العلم والزيادة فيه وإلى سؤال الله ﷿ أن يزيدهم منه فمن دون الأنبياء من باب أولى فجدير بالعبد أن يسأل الله دائما أن يزيده من العلم ولكن إذا سأل الله أن يزيده من العلم فلابد أن يسعى في الأسباب التي يحصل بها العلم أما أن يطلبه ويقول: رب زدني علما وهو لم يفعل الأسباب فهذا ليس من الحكمة ولا من الصواب هذا كمن قال الله ارزقني ولدا ولا يتزوج من أين يأتي هذا الولد فلابد إذا سألت الله شيئا أن تسعى للأسباب التي يحصل بها لأن الله حكيم قرن المسببات بأسبابها وفي هذه الآية ﴿وقل رب زدني علما﴾ دليل على فضل العلم لم يقل لنبيه وقل رب زدني مالا بل قال له: وقل رب زدني علما وقال له في الدنيا: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لتفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى﴾ أسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح والدعوة إلى الله","vol":"5","page":415},{"text":"على بصيرة.\nوقال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ وقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل العلم تعلما وتعليما لله وقد سبق لنا شيء من الكلام على العلم وبيان أن العلم الممدوح الذي فيه الثواب هو العلم في شريعة الله ﷿: وما كان وسيلة لذلك كعلم النحو والصرف وما إليهما فإنه وسيلة وقد قال العلماء: إن للوسائل أحكام المقاصد.\nوالعلم الشرعي ينقسم إلى قسمين: قسم فرض عين يجب على كل إنسان أن يتعلمه وقسم آخر فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن بقية الناس وقسم ثالث يتفرع عن الثاني سنة وهو إذا ما قام بالعلم من يكفي فيكون للباقين سنة.\nأم العلم الفرض العين الذي يجب على كل إنسان فهو أن يتعلم الإنسان ما يحتاج إليه في أمور دينه الواجبة كأن يتعلم ما يتعلق بتوحيد الله وبيان ما ينافيه ويناقضه من الشرك كله جليه وخفيه صغيره وكبيره لأن هذا مفروض على كل أحد كل إنسان يجب عليه أن يعرف توحيد الله ويوحد الله تعالى بما يختص به جل وعلا كذلك أيضا الصلاة الصلاة مفروضة على كل أحد لا تسقط عن المسلم أبدا ما دام عقله ثابتا فلابد أن يتعلمها ويتعلم ما يلزم لها من طهارة","vol":"5","page":416},{"text":"وغيرها حتى يعبد الله على بصيرة الزكاة لا يجب تعلمها على كل أحد من عنده مال وجب عليه أن يتعلم ما هو المال الزكوي وما مقدار النصاب وما مقدار الواجب ومن الذي تؤتى إليه الزكاة وما أشبه ذلك لكن لا يجب على كل واحد أن يتعلم الزكاة فإذا كان فقيرا فلماذا نوجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة وهو ليس عنده مال الصوم يجب تعلمه على كل أحد يجب أن يتعلم الإنسان ماذا يصوم عنه وما هي المفطرات وما هي نواقض الصوم وما هي منقصاته وما أشبه ذلك كل إنسان يصوم يجب عليه أن يتعلم ذلك الحج لا يجب على كل أحد أن يتعلمه وإنما يجب أن يتعلمه من استطاع إليه سبيلا حتى يحج على بصيرة.\nومع الأسف أن كثيرا من الناس لا يتعلمون ما يجب عليهم من أحكام دينهم فيقعون في المتاعب ولاسيما في الحج وما أكثر الذين يسألون عن الحج وتجدهم قد وقعوا في خلل كبير لأنهم لم يتعلموا قبل أن يعملوا البيع مثلا أحكام البيع لا يجب على كل إنسان أن يتعلم أحكام البيع لكن من أراد أن يتجر ويبيع ويشتري لابد أن يتعلم ما هو البيع الممنوع وما هو البيع المشروع حتى يكون على بصيرة من أمره وهلم جرا.\nفتبين الآن أن العلم الشرعي ينقسم إلى قسمين الأول فرض عين والثاني فرض كفاية وفرض الكفاية يستحب لمن زاد على من تقوم به الكفاية أن يتعلم ليحفظ شريعة الله ويهدي الله به عباده وينتفع الناس به.\nولا شيء أشرف من العلم ويدل لهذا قول الله ﵎ لنبيه","vol":"5","page":417},{"text":"ﷺ: ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما ربنا ﷿ يقول للرسول ﷺ ﴿وقل رب زدني علما﴾ الرسول ﵊ محتاج إلى زيادة العلم فدل ذلك على فضيلة العلم لأنه لم يقل له وقل رب زدني مالا زدني زوجات زدني أولادا بل قال له: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى﴾ ومما يدل على فضل العلم قول الله ﵎: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ بين كل الناس قول عام ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والجواب مفهوم أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وهذا أمر منتف بمقتضى طبيعة الإنسان وفطرته أنه لا يستوي الإنسان الذي يعلم والذي لا يعلم لكن الله ﷾ ذكره على صيغة الاستفهام ليكون متضمنا للتحدي ليكون هذا النفي متضمنا للتحدي يعني ما في أحد يقول إنه يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون لا أحد يقول بذلك ولا يمكن أن يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون أبدا حتى في أمور الدنيا لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.\nوقال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ هذا أيضا يدل على فضيلة العلم ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا﴾ يعني قوموا","vol":"5","page":418},{"text":"وارتفعوا ﴿فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ فإذا دخل إنسان والمجلس ملئ بالجالسين وقال تفسحوا فليفسحوا له يفسح الله لكم يعني يوسع لكم الأمور لأنكم وسعتم على هذا الداخل فيوسع الله عليكم لأن الجزاء من جنس العمل فمن عامل أخاه بشيء عامله الله تعالى بمثله إن أيسرت على معسر يسر الله عليك إن فرجت عن مؤمن كربة فرج الله عنك كربة من كرب يوم القيامة إن أعنت أحدا كان الله في عونك والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ولهذا قال: ﴿فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ يعني قوموا فقوموا وفي هذا دليل على أنه لا حرج على الإنسان أن يقول للجماعة الذين عنده انشزوا اخرجوا بارك الله فيكم انتهى شغلكم ولا حياء في ذلك لا حياء في ذلك ولا غضاضة على الإنسان حتى الجلوس لا ينبغي لهم أن يكونوا ثقلاء لا يقومون إلا إذا قيل قوموا ينبغي للإنسان أن يخفف الجلوس عند الناس ما استطاع إلا إذا علم من صاحبه أنه يحب أن تبقى عنده فلا بأس وإلا فالأصل ألا تطيل الجلوس عند الناس لأن الناس قد يكون لهم شغل ويستحيون أن يقولوا قم لكن من قال قم فلا حرج عليهم حتى إن الله ﷿ قال لجلساء نبيه الذين يجلسون عنده بعد أن ينتهوا من الطعام قال لهم ﷾: ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحي من الحق﴾ يعني معناه إذا انتهيتم من الطعام فاخرجوا لا تجلسوا فإن ذلك يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق فإذا قيل: ﴿انشزوا فانشزوا﴾","vol":"5","page":419},{"text":"ومثل ذلك أيضا إذا استأذن عليك أحد في البيت ففتحت له وقلت ارجع ما في جلوس الآن فلا حرج عليك كما قال تعالى: ﴿وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم﴾ بعض الناس إذا أرجعته من عند الباب يغضب والله يقول: ﴿هو أزكى لكم﴾ أحسن إن ترجعوا يعطيكم الله زكاءا يزكيكم ﷿ قال: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ ولم يعين ﷿ الدرجات لأن هذه الدرجات بحسب ما مع الإنسان من الإيمان والعلم كلما قوي الإيمان وكلما كثر العلم وانتفع الإنسان به ونفع غيره كان أكثر درجات فهلم فأكثر قوي إيمانك أكثر من طلب العلم أكثر من بث العلم ما استطعت فإن الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ رفعني الله وإياكم بذكره وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nوقال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾\n١٣٧٦ - وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين ما يتعلق أو بعض ما يتعلق من كتاب الله ﷿ في فضل العلم وسبق الكلام على آيات ثلاث مما ذكره في باب","vol":"5","page":420},{"text":"فضل العلم تعلما وتعليما لله.\nأما الآية الرابعة فيه قوله تعالى: إنما يخشى الله من عبادة العلماء والخشية هي الخوف المقرون بالتعظيم فهي أخص من الخوف فكل خشية خوف وليس كل خوف خشية ولهذا يخاف الإنسان من الأسد ولكنه لا يخشاه أما الله ﷿ فإن الإنسان يخاف منه ويخشاه قال الله تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ ولكن من هم أهل الخشية حقا أهل الخشية حقا هم العلماء العلماء بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه الذين يعرفون ما لله ﷿ من الحكم والأسرار في مقدوراته ومشروعاته جل وعلا وأنه ﷾ كامل من كل الوجوه ليس في أفعاله نقص ولا في أحكامه نقص فلهذا يخشون الله ﷿ وفي هذا دليل على فضيلة العلم وأنه من أسباب خشية الله والإنسان إذا وفق للخشية عصم من الذنوب وإن أذنب استغفر وتاب إلى الله ﷿ لأنه يخشى الله يخافه يعظمه ثم ذكر الأحاديث وصدرها بحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين والله جل وعلا يريد في خلقه ما يشاء من خير وشر لكن إرادته خير وأما مراداته ففيها الخير والشر كل قضائه خير وأما مقتضياته ففيها الخير والشر والناس أوعية منهم من يعلم الله تعالى في قلبه خيرا فيوفقه ومنهم من يعلم الله في قلبه شرا فيخذله والعياذ بالله قال الله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ لم يزغ قلوبهم إلا حين زاغوا هم أولا وأرادوا الشر لم يوفقوا لخير","vol":"5","page":421},{"text":"أما من علم الله في قلبه خيرا فإن الله يوفقه فإذا علم الله في قلب الإنسان خيرا أراد به الخير وإذا أراد به الخير فقهه في دينه وأعطاه من العلم بشريعته ما لم يعط أحدا من الناس وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي له أن يحرص غاية الحرص على الفقه في الدين لأن الله تعالى إذا أراد شيئا هيئ أسبابه ومن أسباب الفقه أن تتعلم وأن تحرص لتنال هذه المرتبة العظيمة أن الله يريد بك الخير فاحرص على الفقه في دين الله والفقه في الدين ليس هو العلم فقط بل العلم والعمل ولهذا حذر السلف من كثرة القراء وقلة الفقهاء فقال عبد الله بن مسعود ﵁: (كيف بكم إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم) فإذا علم الإنسان الشيء من شريعته الله ولكن لم يعمل به فليس بفقيه حتى لو كان يحفظ أكبر كتاب في الفقه عن ظهر قلب ويفهمه لكن لم يعمل به فإن هذا لا يسمى فقيها يسمى قارئا لكن ليس بفقيه الفقيه هو الذي يعمل بما علم فيعلم أولا ثم يعمل ثانيا هذا هو الذي فقه في الدين وأما من علم ولم يعمل فليس بفقيه بل يسمى قارئا ولا يسمى فقيها ولهذا قال قوم شعيب لشعيب: ﴿ما نفقهه كثيرا مما نقول﴾ لأنهم حرموا الخير لعلم الله ما في قلوبهم من الشر فاحرص على العلم واحرص على العمل به لتكون ممن أراد الله به خيرا أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من هؤلاء الذين فقهوا في دين الله وعملوا وعلموا ونفعوا وانتفعوا به.","vol":"5","page":422},{"text":"١٣٧٧ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فيسلط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها متفق عليه.\nوالمراد بالحسد الغبطة وهو أن يتمنى مثله.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل العلم تعلما وتعليما لله في الأحاديث الواردة في فضل العلم سبق حديث معاوية ﵁ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.\nثم ذكر حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لا حسد إلا في اثنتين الحسد يطلق ويراد به الحسد المحرم الذي هو من كبائر الذنوب وهو أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره هذا الحسد أن تكره ما أنعم الله به على غيرك تجد إنسانا عنده مال فتكره تقول: ليت الله ما رزقه عنده علم تكره ذلك وتتمنى أن الله لم يرزقه العلم عنده أولاد صالحون تكره ذلك وتتمنى أن الله لم يرزقه وهلم جرا هذا الحسد هذا النوع هذا من كبائر الذنوب.\nوهو من خصال اليهود كما قال الله تعالى عنهم: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وقال عنهم: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد","vol":"5","page":423},{"text":"إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾ .\nأما النوع الثاني من الحسد فهو حسد الغبطة يعني الذي تغبط به غيرك أن أنعم الله عليه بمال أو علم أو ولد أو جاه أو غير ذلك الناس يغبط بعضهم بعضا على ما آتاهم الله من النعم يقول: ما شاء الله فلان أعطاه الله كذا فلان أعطاه الله كذا لكن لا غبطة إلا في شيئين الغبطة الحقيقية التي يغبط عليها الإنسان شيئان الأول: العلم العلم النافع وهو المراد بقوله: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقض بها ويعلمها هذا العلم إذا من الله على إنسان بعلم فصار يقضي به بين الناس سواء كان قاضيا أو غير قاضي وكذلك يقضي به في نفسه وعلى نفسه ويعلم الناس فهذا هو الغبطة لأن العلم هو أنفع شيء أنفع من المال أنفع للإنسان من الأعمال الصالحة العلم لأنه إذا مات وانتفع الناس بعلمه جرى ذلك عليه إلى يوم القيامة كل ما انتفع به أي إنسان من الناس فله أجر العلم كل ما أنفقت منه وعلمته ازداد ولهذا من أقوى ما يثبت العلم ويبقي حفظه أن يعلمه الإنسان غيره لأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه فإذا علمت غيرك علمك الله وإذا علمت غيرك ثبت العلم في نفسك لكن لا تتقدم للتعليم إلا وأنت أهل له حتى ينفع الله بك وحتى لا تفشل أمام الناس لأن الذي يتقدم للتعليم وليس أهلا له بين أمرين: إما أن يقول بالباطل وهو لا يشعر وإما أن يفشل وإذا سئل عجز عن الإجابة مثلا فهذا العلم كل ما أنفقت منه ازداد أيضا العلم لا يحتاج إلى","vol":"5","page":424},{"text":"تعب إلا في تعلمه &amp; لا يحتاج مثلا إلى خزائن كالمال المال يحتاج إلى خزائن وإلى محاسبين وإلى حسابات وإلى تعب لكن العلم لا يحتاج إلى هذا خزينته قلبك هذا الخزينة وهي معك أينما كنت فلا تخشى عليه لا تخشى أن يسرق ولا أن يحرق لأنه في قلبك فالمهم أن العلم هو أفضل نعمة أنعم الله بها على الإنسان بعد الإسلام والإيمان ولهذا قال: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها.\nأما الثاني: فهو رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق يعني صار يبذل ماله فيما يرضي الله ﷿ لا يبذله في حرام ولا يبذله في لغو وإنما يبذله فيما يرضي الله سلطه الله على هلكته يعني على إنفاقه في الحق هذا أيضا ممن يغبط نحن لا نغبط من عنده مال عظيم لكنه بخيل لا ينفع المال لا نغبطه بعد بل هذا نتأوى له ونقول هذا المسكين كيف يستطيع الجواب على حساب يوم القيامة على هذا المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه وكيف تصرف فيه لكن إذا رأينا رجلا آتاه الله مالا وصار ينفقه فيما يرضي الله نقول ما شاء الله هذا يغبط لا نغبط إنسانا آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في القصور والديكورات والسيارات الفخمة نحن لا نغبطه على هذا بل نقول هذا مسرف إذا كان تجاوز الحد فيما ينفق نقول هذا مسرف والله لا يحب المسرفين.\nكذلك لا نغبط شخصا عنده مال فصار ينفق منه جوائز في أشياء لا ينتفع الناس بها لا في دينهم ولا في دنياهم فإن بعض الناس يعطي جوائز على ألعاب وأشياء من الأمور التي ليس بها خير لا في الدنيا ولا في","vol":"5","page":425},{"text":"الآخرة هذا لا نغبطه لأنه لم يسلط على هلكة ماله في الحق إنما الذي يغبط من سلطه الله هلكة ماله في الحق أيضا لا نحسد إنسانا آتاه الله مالا فصار كل ما عن له أن يتزوج تزوج وجمع عنده من النساء الحسان ما لا يجمعه غيره هذا لا نغبطه أيضا إلا إذا كان سلطه الله على هلكته في الحق وأراد بذلك تحصين فرجه وتحصيل السنة وكثرة النسل هذا مقصود شرعي يغبط عليه الإنسان.\nالشاهد في هذا الحديث في باب فضل العلم هو الجزء الأول منه: من آتاه الله الحكمة يعني العلم فقضى بها وعلمها وهذا خير الرجلين يعني خير من صاحب المال الذي سلط على هلكته في الحق نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.\n١٣٧٨ - وعن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء وتنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به متفق عليه.","vol":"5","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n في هذا الحديث الذي ساقه &amp; النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب فضل العلم تعلما وتعليما لله الذي رواه أبو موسى عن النبي ﷺ في هذا مثل بديع عجيب فقد مثل النبي ﷺ ما بعثه الله به من العلم والهدى بغيث يعني بمطر ووجه الشبه أن بالغيث تحيي الأرض وبالوحي تحيى القلوب ولهذا سمى الله ﷾ ما بعث به محمدا ﷺ سماه روحا فقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور.\nفالوحي غيث لكنه كما مثل الرسول ﷺ نزل على الأرض فصارت الأرض ثلاثة أقسام قسم قبل المطر وشرب وأنبت العشب الكثير والكلأ فانتفع الناس بذلك لأن الأرض أنبتت والقسم الثاني: قيعان لا تنبت لكن أمسكت الماء لم تشربه فسقى الناس منه وارتووا وزرعوا القسم الثالث أرض قيعان بلعت الماء ولم تنبت سباخ سبخة تبلع الماء ولكنها لا تنبت فهذا مثل من فقه في دين الله فعلم وعلم ومثل من لم يرفع به رأسه الصورة الأولى والثانية للمثل فيمن قبل الحق فعلم وتعلم","vol":"5","page":427},{"text":"ونفع وانتفع لكن الذين قبلوا الحق صاروا قسمين قسم آتاه الله تعالى فقها فصار يأخذ الفقه والأحكام الشرعية من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ويعلم والثاني: رواية ولكنه ليس عنده ذلك الفقه يعني يحكي الحديث يرويه يحفظه ولكنه ليس عنده فقه وهذا كثير أيضا ما أكثر رجال الحديث الذين رووا الحديث لكنهم ليس عندهم فقه ما هم إلا أوعية يأخذ الناس منهم ولكن الذي يوزع من هذا الماء وينفع الناس به هم الفقهاء هذان قسمان: قسم حفظ الشريعة ووعاها وفهمها وعلمها واستنبط منها الأحكام الكثيرة هؤلاء مثل الأرض التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير قسم آخر نقلة فقط ينقلون ينقلون الأحاديث لكنهم لا يحفظونها كثيرا هؤلاء كالأرض التي أمسكت الماء فانتفع الناس به وارتووا منه لأن الناس يأخذون من هؤلاء الرواة للحديث ثم يستنبطون منه الأحكام وينفعون الناس بها القسم الثالث: أرض لم تنتفع بالغيث قيعان لا تمسك الماء ولا تنبت الكلأ هؤلاء ما فيهم خير لم ينتفعوا بوحي الله ولم يرفعوا به رأسا والعياذ بالله يكذبون بالخبر ويستكبرون عن الأمر فهؤلاء هم شر الأقسام نسأل الله العافية فأنت انظر في نفسك من أي الأرضيين الثلاث أنت هل أنت من الأرض التي قبلت الماء وأنبتت العشب والكلأ أو من الأرض الثانية أو من الأرض الثالثة والعياذ بالله.","vol":"5","page":428},{"text":"وفي الحديث حسن تعليم الرسول ﷺ حيث يضرب الأمثال بالمعاني المعقولة بأشياء محسوسة لأن إدراك المحسوس أقرب من إدراك المعقول وما أكثر الأمثال في القرآن ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة﴾ هذا مثل لو جاء الكلام هكذا: من أنفق في سبيل الله حبة فله سبعمائة حبة لم يرسخ في الذهن كرسوخ المثل فالمثل الذي يستحضره الإنسان يرسخ قال الله تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾ فضرب الأمثال تقريب للعلم وترسيخ له وإعانة على الفهم لهذا ينبغي لك إذا حدثت عاميا ولم يفهم أن تضرب له مثلا اضرب له المثل بشيء يعقله ويعرفه حتى يعرف المعاني المعقولة بواسطة الأشياء المحسوسة والله الموفق.\n١٣٧٩ - وعن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال لعلي ﵁ فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم متفق عليه.\n١٣٨٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن &amp; بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا","vol":"5","page":429},{"text":"فليتبوأ مقعده من النار رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق الإمام النووي في كتابه رياض الصالحين أحاديث في بيان فضل العلم ومنها حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب حين أعطاه الراية يوم خيبر قال: امض على رسلك ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لئن يهدي بك الله رجلا واحدا خير لك من حمر النعم أقسم ﷺ أن الله لو هدي به رجلا واحدا لكان خيرا له &amp; من حمر النعم والحمر بسكون الميم جمع حمراء وأما الحمر بضم الميم فهي جمع حمار ولهذا يخطئ بعض الطلبة فيقول: خير لك من حمر هذا غلط لأن الحمر جمع حمار كما قال الله تعالى: كأنهم حمر مستنفرة أما حمر بسكون الميم فهي جمع حمراء وكذلك جمع أحمر لكن هنا جمع حمراء وهي الناقة الحمراء وكانت أعجب المال إلى العرب في ذلك الزمان وأحب المال إلى العرب في ذلك الزمن فإذا هدى الله بك رجلا واحدا كان ذلك خير لك من حمر النعم ففي هذا حث على العلم وعلى التعليم وعلى الدعوة إلى الله ﷿ لأنه لا يمكن أن يدعو الإنسان إلى الله إلا وهو يعلم فإذا كان يعلم ما يعلم من شريعة الله ودعا إلى ذلك كان هذا دليلا على فضل العلم.\nثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه أن","vol":"5","page":430},{"text":"النبي ﷺ قال: بلغوا عني ولو آية بلغوا عني يعني بلغوا الناس بما أقول وبما أفعل وبجميع سنته ﵊ بلغوا عني ولو آية من كتاب الله ولو هنا للتقليل يعني لا يقول الإنسان أنا لا أبلغ إلا إذا كنت عالما كبيرا لا إنما يبلغ الإنسان ولو آية بشرط أن يكون قد علمها وأنها من كلام الرسول ﷺ ولهذا قال في آخر الحديث: ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار من كذب على الرسول متعمدا يعلم أنه كاذب فليتبوأ مقعده من النار هنا اللام للأمر لكن المراد بالأمر هنا الخبر يعني فقد تبوأ مقعده من النار والعياذ بالله أي فقد استحق أن يكون من ساكني النار لأن الكذب على الرسول ليس كالكذب على واحد من الناس الكذب على الرسول كذب على الله ﷿ ثم هو كذب على الشريعة لأن ما يخبر به الرسول ﷺ من الوحي هو من شريعة الله وكذلك يقال: الكذب على العالم ليس كالكذب على عامة الناس يعني مثلا تقول فلان كذا وكذا قال: هذا حرام هذا حلال هذا واجب هذا سنة وأنت تكذب هذا أيضا أشد من الكذب على عامة الناس لأن العلماء ورثة الأنبياء يبلغون شريعة الله إرثا لرسول الله ﷺ فإذا كذبت عليهم إذ قال العالم فلان كذا وكذا وأنت تكذب فهذا إثمه عظيم نسأل الله العافية بعض الناس والعياذ بالله إذا اشتهى شيئا يكف الناس عنه قال: قال العالم فلان هذا حرام هو يكذب لكن يعرف أن الناس إذا نسب العلم إلى فلان قبلوه فيكذب وهذا أشد من الكذب على عامة الناس.","vol":"5","page":431},{"text":"فالحاصل أن من كذب على الرسول ﷺ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن نقل عمدا حديثا كذبا يعلم أنه كذب فهو أحد الكذابين يعني فليتبوأ مقعده من النار.\nوما أكثر من ينشر من النشرات التي بها الترغيب أو الترهيب وهي مكذوبة على الرسول ﷺ لكن بعض المجتهدين الجهال ينشرون هذه النشرات ويوزعونها بكمية كبيرة يقولون: نعظ الناس بهذا كيف تعظونهم بشيء كذب ولهذا يجب الحذر من هذه المنشورات التي تنشر في المساجد أو تعلق على الأبواب أبواب المساجد أو غير ذلك يجب الحذر منها وربما يكون فيها أشياء مكذوبة فيكون الذي ينشرها قد تبوأ مقعده من النار إذا علم أنها كذب.\nوقال في حديث عبد الله بن عمرو: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج بنو إسرائيل اليهود والنصارى إذا قالوا قولا فحدث عنهم ولا حرج عليك بشرط أن لا تعلم أنه مخالف للشريعة لأن بني إسرائيل عندهم كذب يحرفون الكلم عن مواضعه ويكذبون فإذا أخبروك بخير فلا بأس أن تحدث به بشرط أن لا يكون مخالفا لما جاء في شريعة الرسول ﷺ فإن كان مخالفا له فإنه لا يجوز أن يحدث إلا إذا حدث به ليبين أنه باطل فلا حرج والله أعلم.","vol":"5","page":432},{"text":"١٣٨١ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ...\nومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة رواه مسلم.\n١٣٨٢ - وعنه أيضا ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا رواه مسلم.\n١٣٨٣ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الثلاثة في بيان فضل العلم وآثاره الحميدة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة سلوك الطريق يشمل الطريق الحسي الذي تقرعه الأقدام مثل أن يأتي الإنسان من بيته إلى مكان العلم سواء كان مكان العلم مسجدا أو مدرسة أو كلية أو غير ذلك ومن ذلك أيضا الرحلة في طلب العلم أن يرتحل الإنسان من بلده إلى بلد آخر يلتمس العلم فهذا سلك طريقا يلتمس فيه علما وقد رحل جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ في حديث واحد مسيرة شهر كامل على الرواحل على الإبل سار من بلده إلى بلد مسيرة شهر &amp; من أجل حديث واحد رواه عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ.\nأما الثاني: فهو الطريق المعنوي وهو أن يلتمس العلم من أفواه","vol":"5","page":433},{"text":"العلماء ومن بطون الكتب فالذي يراجع الكتب للعثور على حكم مسألة شرعية وإن كان جالسا على كرسيه فإنه قد سلك طريقا يلتمس فيه علما ومن جلس إلى شيخ يتعلم منه فإنه قد سلك طريقا يلتمس فيه علما ولو كان جالسا فسلوك الطريق ينقسم &amp; كما سمعتم إلى قسمين: قسم يراد به الطريق الذي تقرعه الأقدام والثاني يراد به الطريق الذي يتوصل به إلى العلم وإن كان جالسا.\nمن سلك هذا الطريق سهل الله له به طريقا إلى الجنة لأن العلم الشرعي تعرف به حكم ما أنزل الله تعرف به شريعة الله تعرف به أوامر الله تعرف به نواهي الله فتستدل به على الطريق الذي يرضى الله ﷿ ويوصلك إلى الجنة وكلما ازددت حرصا في سلوك الطرق الموصلة إلى العلم ازددت طرقا توصلك إلى الجنة.\nوفي هذا الحديث من الترغيب في طلب العلم ما لا يخفى على أحد فينبغي للإنسان أن ينتهز الفرصة ولا سيما الشاب الذي يحفظ سريعا ويمكث في ذهنه ما حفظه ينبغي له أن يبادر الوقت يبادر العمر قبل أن يأتيه ما يشغله عن ذلك.\nأما الحديث الثاني فهو أيضا عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: من دعا إلى هدى فله أجر من اتبعه يعني إلى يوم القيامة من دعا إلى هدى يعني علم الناس فإن الداعي إلى الهدى هو الذي يعلم الناس ويبين لهم الحق ويرشدهم إليه فهذا له مثل أجر من فعله مثلا دللت إنسانا على أنه ينبغي له أن يوتر يجعل آخر صلاته في الليل وترا كما أمر النبي ﷺ قال:","vol":"5","page":434},{"text":"اجعلوا آخر صلاتكم في الليل وترا وحثثت على الوتر ورغبت فيه فأوتر أحد من الناس بناء على كلامك وعلى توجيهك فلك مثل أجره لك علم بذلك آخر منك أو من الذي علمته أنت فلك مثل أجره وإن تسلسلوا إلى يوم القيامة.\nوفي هذا دليل على كثرة أجور النبي ﷺ لأنه دل الأمة على الهدى فكل من عمل من هذه الأمة بهدي فللنبي ﷺ أجره من غير أن ينقص من أجورهم شيء الأجر تام للفاعل والداعي وإذا تبين أن النبي ﷺ له أجر ما عملته أمته تبين بذلك خطأ من يهدي ثواب العبادة للرسول ﷺ يعني مثلا بعض الناس اجتهد وصار يصلي ركعتين ويقول اللهم اجعل ثوابها للرسول يقرأ قرآنا ويقول: اللهم اجعل ثوابه للرسول هذا غلط وأول ما حدث هذا في القرن الرابع الهجري يعني بعد ثلاثمائة سنة من موت الرسول يستحسن بعض العلماء أنه يفعل هذا قال كما أهدي لأبي وأمي صدقة أو صلاة أو ذكر أهديه للرسول ﷺ نقول: هذا خطأ غلط سفه في التصور وضلال في الدين كيف نسأله ونقول هل أنت أعظم حبا للرسول من أبي بكر فيقول لا أعظم من عمر لا أعظم من عثمان لا أعظم من علي لا أعظم من ابن عباس ابن مسعود الصحابة","vol":"5","page":435},{"text":"لا هل أحد منهم أهدى للرسول عملا صالحا أبدا وكذلك التابعون والأئمة الإمام أحمد بن حنبل الشافعي مالك أبو حنيفة ما فعلوا هذا ما الذي أطلعك على شيء لم يعملوا به أو لم يعملوا به من أنت فهو خطأ في التصور وضلال في الدين لأن أي عمل تعمله ولو كان ثوابه لك فللرسول ﷺ مثله وإن لم تقل شيئا أي عمل لو تصلي ركعتين أجرهما لك وللرسول مثله من غير أن ينقص من أجرك شيئا إذا ما الفائدة لا يعني إرجاعك القرب للرسول إلا أنك حرمت نفسك من الأجر فقط وللرسول ﷺ مثل أجرك &amp; سواء أهديت له أو لم تهد لأنه يقول ﷺ من دعا إلى هدى فله أجر من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيء فلا حاجة.\nإذا نأخذ من هذا الحديث فضيلة العلم لأن العلم به الدلالة على الهدى والحث على التقوى فالعلم أفضل بكثير من المال حتى لو تصدق بأموال عظيمة طائلة فالعلم ونشر العلم أفضل واضرب لكم مثلا الآن في عهد أبي هريرة خلفاء ملوك ملكوا الدنيا وفي عهد الإمام أحمد أغنياء ملكوا أموالا عظيمة وتصدقوا وأوقفوا في عهد من بعدهم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أناس أغنياء تصدقوا وأنفقوا وأوقفوا أين ذهب المال أين ذهب ما أنفقوه أين ذهب ما وقفوه راح لا يوجد له أثر الآن لكن أحاديث أبي هريرة تتلى في كل وقت ليلا ونهارا ويأتيه أجرها الأئمة أيضا علمهم وفقهم منشور بين الأمة يأتيهم الأجر وهكذا شيخ الإسلام","vol":"5","page":436},{"text":"ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من العلماء ماتوا لكن ذكرهم حي باق يعلمون الناس وهم في قبورهم ينالهم الأجر وهم في قبورهم وهذا يدل على أن العلم أفضل بكثير من المال وأنفع للإنسان وسيأتي إن شاء الله في حديث أبي هريرة الذي ذكره المؤلف إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له والله الموفق.\n١٣٨٣ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل العلم تعلما وتعليما لله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له وهذا الحديث فيه الحث أعني حث الإنسان على المبادرة بالأعمال الصالحة لأنه لا يدري متى يفاجئه الموت فليبادر قبل أن ينقطع العمل بالعمل الصالح الذي يزداد به رفعة عند الله ﷾ وثوابا ومن المعلوم أن كل واحد منا لا يعلم متى يموت ولا يعلم أين يموت كما قال الله تعالى: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض","vol":"5","page":437},{"text":"تموت فإذا كان الأمر كذلك فإن العاقل ينتهز الفرص فرص العمر في طاعة الله ﷿ قبل أن يأتيه الموت ولم يستعتب ولم يتب وقولنا انقطع عمله يشمل كل عمل لا يكتب له ولا عليه إذا مات لأنه انتقل إلى دار الجزاء دار العمل هي دار الدنيا أما بعد ذلك فالدور كلها دور جزاء إلا من ثلاث: صدقة جارية يعني أن يتصدق الإنسان بشيء ويستمر هذا الشيء وأحسن ما يكون المساجد بناء المساجد صدقة جارية لأن أجر الباني مستمر مادام هذا المسجد قائما ليلا ونهارا والمسلمون يمكثون في المساجد في صلاتهم وقراءتهم وتعلمهم العلم وتعليمهم العلم وغير ذلك ومن الصدقات الجارية أن يوقف الإنسان وقفا من عقار أو بستان أو نحوه على الفقراء والمساكين أو على &amp; طلبة العلم أو على المجاهدين في سبيل الله أو ما أشبه ذلك ومن الصدقات الجارية أن يطبع الإنسان كتبا نافعة للمسلمين يقرءون فيها وينتفعون بها سواء كانت من مؤلفين في عصره أو من مؤلفين سابقين المهم أن تكون كتبا نافعة بنتفع بها المسلمون من بعده ومن الصدقات الجارية إصلاح الطرق فإن الإنسان إذا أصلح الطرق وأزال عنها الأذى واستمر الناس ينتفعون بهذا فإن ذلك من الصدقات الجارية والقاعدة في الصدقة الجارية كل عمل صالح يستمر للإنسان بعد موته.","vol":"5","page":438},{"text":"أما الثاني فعلم ينتفع به وهذا أعمها وأشملها وأنفعها أن يترك الإنسان وراءه علما ينتفع المسلمون به سواء ورث من بعده بالتعليم الشفوي أو بالكتابة فتأليف الكتب وتعليم الناس وتداول الناس لهذه المعلومات مادام مستمرا فأجر المعلم جاز مستمر لأن الناس ينتفعون بهذا العلم الذي ورثه.\nوالثالث ولد صالح يدعو له ولد يشمل ذكر وأنثى يعني ابن أو بنت يشمل ابنك لصلبك وابنتك لصلبك وأبناء أبنائك وأبناء بناتك وبنات أبنائك وبنات بناتك إلى آخره ولد صالح يدعو للإنسان بعد موته هذا أيضا يثاب عليه الإنسان وانظر كيف قال الرسول ﷺ ولد صالح يدعو له ولم يقل: ولد صالح يصلي له أو يقرأ له القرآن أو يتصدق عنه أو يصم عنه لا ما قال هذا مع أن هذه كلها أعمال صالحة بل قال: ولد صالح يدعو له وفي هذا دليل على أن الدعاء لأبيه وأمه وجده وجدته أفضل من الصدقة عنهم وأفضل من الصلاة لهم وأفضل من الصيام لهم لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يدل أمته إلا على خير ما يعلمه لهم ما من نبي بعثه الله إلا &amp; دل أمته على خير ما يعلمه لهم فلو علم الرسول ﷺ أن كونك تتصدق عن أبيك وأمك أفضل من الدعاء لقال في الصدقة ما قال الدعاء فلما عدل عن الصدقات والصيام والصلاة وقراءة القرآن والمقام مقام تحدث عن الأعمال لما عدل عن هذه الأعمال إلى الدعاء علمنا يقينا لا إشكال فيه أن الدعاء أفضل من ذلك فلو سألنا سائل: أيهما أفضل أتصدق لأبي أو ادعو له قلنا الدعاء أفضل لأن رسول الله","vol":"5","page":439},{"text":"هكذا أرشدنا فقال: أو ولد صالح يدعو له والعجيب أن العوام وأشباه العوام يظنون أن الإنسان إذا تصدق عن أبيه أو صام يوما لأبيه أو قرأ حزبا من القرآن لأبيه أو ما أشبه ذلك يرون أنه أفضل من الدعاء ومصدر هذا هو الجهل وإلا فمن تدبر النصوص علم أن الدعاء أفضل ولهذا لم يرشد النبي ﷺ في أي حديث بحرف واحد إلى العمل الصالح يجعله الإنسان لوالده أبدا قال الإمام مالك أنه حصلت قضايا أعيان يسأله الصحابة هل يتصدقوا عن أبيه وهو ميت وعن أمه وهي ميتة فيقول: نعم لا بأس لكنه لم يحث الأمة على ذلك ولم يرشدهم إلى هذا لكن سئل في قضايا أعيان سعد بن عبادة ﵁ سأله هل يتصدق بحائطه يعني ببستانه عن أمه بعد موتها قال الرسول: نعم وجاءه رجل قال: يا رسول الله إن أمي أفتلتت نفسها يعني ماتت بغتة أفأتصدق عنها قال: نعم لكن ما أراد أن يشرع تشريعا عاما للأمة قال: أو ولد صالح يدعو له نسأل الله أن يغفر لنا ولكم ولوالدينا وللمسلمين جميعا.\n١٣٨٨ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم","vol":"5","page":440},{"text":"يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر رواه أبو داود والترمذي.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف ﵀ في باب فضل العلم تعلما وتعليما لله حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وقد سبق بيان معنى هذه الجملة وفيه أيضا من حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال إن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في البحر وهذا يدل على فضل العلم وأن العلماء يستغفر لهم أهل السماء والأرض وحتى الحيتان في البحر وحتى الدواب في البر كل شيء يستغفر له &amp; ولا تستغرب أن تكون هذه الحيوانات تستغفر الله ﷿ للعالم لأن الله ﷾ قال في القرآن الكريم على لسان موسى ﵊ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فالبهائم والحشرات تعلم ربها ﷿ وتعرفه ﴿تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ كل شيء يسبح بحمد الله حتى إن الحصى سمع تسبيحه بين يدي النبي","vol":"5","page":441},{"text":"وهو حصى لأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه حتى إن الله قال للسماوات والأرض ﴿ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ فخاطبهما ﴿ائتيا طوعا أو كرها﴾ يعني لما أمر كما به قالتا أتينا طائعين فكل شيء يمتثل أمر الله ﷿ إلا الكفرة من بني آدم والجن ولهذا قال الله ﷿ في كتابه العزيز بين أن كثيرا من الناس يسجد لله ﷿ وكثيرا حق عليه العذاب ﴿ألم ترى أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب﴾ ما يسجد ولهذا الكافر لا يستجيب لله لا يسجد لله شرعا وتعبدا لكنه يسجد لله ذلا قدريا ما له مفر عما قضى الله كما قال الله تعالى ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها﴾ والسجود هنا السجود القدري فكل أحد خاضع لقدر الله ما أحد يستطيع أن يغالب الله ﷿ أين المفر يقول الشاعر\nأين المفر والإله الطالب ...\nوالأشرم المغلوب ليس الغالب\nفالسجود الشرعي كثير من الناس حق عليهم العذاب فلم يسجدوا على أن الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب كلها يسجد لله ﷿ لكن الكفرة من بني آدم ومن الجن لا يسجدون لله تعالى إلا السجود","vol":"5","page":442},{"text":"الكوني القدري ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها﴾ المهم أن الله تعالى سخر هذه الكائنات تستغفر للعالم وأفضل من ذلك أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع.\nالملائكة الكرام الذين كرمهم الله ﷿ تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع أترون فضلا أعظم من هذا أن الملائكة ملائكة الله ﷿ تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع هذا فضل عظيم وبين النبي ﷺ في حديث أبي الدرداء أن العلماء ورثة الأنبياء لو سألت من الذي يرث الأنبياء العباد الذين يركعون ويسجدون ليلا ونهارا لا أقارب الأنبياء لا لا يرث الأنبياء إلا العلماء اللهم اجعلنا منهم العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم من الأنبياء وورثوا العمل كما يعمل الأنبياء وورثوا الدعوة إلى الله ﷿ وورثوا هداية الخلق ودلالتهم على شريعة الله فالعلماء هم ورثة الأنبياء الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا توفي النبي ﷺ عن ابنته فاطمة وعن عمه العباس وعن أبناء عمه وعن زوجاته ولم ترثه ابنته ولا زوجاته ولا عصبته لأن الأنبياء لا يورثون درهما ولا دينارا وهذا من حكمة الله ﷿ أنهم لا يورثون لئلا يقول قائل إن النبي إنما ادعى النبوة لأجل أن يملك فيورثوا فيرثه أقاربه من ذلك فقطع هذا وقيل النبي لا يرثه ابنه وأما قول زكريا ﴿فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ فالمراد بذلك إرث العلم والنبوة وليس المال فالأنبياء لا يورثون","vol":"5","page":443},{"text":"ما ورثوا درهما ولا دينارا إنما ورثوا هذا العلم صلوات الله عليه هذا أعظم ميراث فمن أخذه أخذ بحظ وافر أي بنصيب وافر كثير من أخذ بهذا الإرث واسأل الله أن يجعلني وإياكم من آخذيه هذا هو الإرث الحقيقي النافع العلماء ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم.\nأليس الإنسان يسعى من شرق الأرض إلى مغربها من أجل أن يحصل على مال خلفه أبوه له وهو متاع دنيا فلماذا لا نسعى من مشارق الأرض ومغاربها إلى أخذ العلم الذي هو ميراث من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جدير بنا أن نسعى بكل ما نستطيع لأخذ العلم الموروث عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولو لم يكن من فضل العلم إلا أن العالم كلما عمل شيئا فهو يشعر مع إخلاصه لله ﷿ يشعر بأن إمامه محمد ﷺ لأنه يعبد الله على بصيرة عندما يتوضأ يشعر كأن الرسول أمامه يتوضأ الآن يتبعه تماما وكذلك في الصلاة وغيرها من العبادات لو لم يأتك من فضل العلم إلا هذا لكان كاف فكيف وهذا الفضل العظيم في حديث أبي الدرداء ﵁ فالمهم أن الإنسان الذي يمن الله عليه بالعلم فقد من الله عليه بما هو أعظم من الأموال والبنين والزوجات والقصور والمراكب وكل شيء","vol":"5","page":444},{"text":"اللهم ارزقنا علما نافعا &amp; وعملا صالحا ورزقا طيبا واسعا تغننا به عن خلقك إنك على كل شيء قدير.\n١٣٨٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول نضر الله امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع رواه الترمذي.\nوقال حديث حسن صحيح.\n١٣٩٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق النووي ﵀ في باب فضل العلم تعلما وتعليما لله أحاديث متعددة في هذا الباب سبق كثير منها ومنها حديث ابن مسعود رضي الله","vol":"5","page":446},{"text":"عنه أن النبي ﷺ قال نضر الله امرءا سمع منا يعني مقالا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع نضر الله يعني حسنه لأن نضر بالضاد من الحسن ومنه قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ناضرة يعني حسنة إلى ربها ناظرة يعني تنظر بالعين إلى الله ﷿ جعلنا الله وإياكم منهم وكذلك أيضا قال الله ﵎ ﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا﴾ أي حسنا وسرورا حسنا في الوجوه وسرورا في القلوب هنا يقول نضر الله امرءا سمع منا يعني مقالا فأداه كما سمعه والمراد بذلك أن النبي ﷺ دعا للإنسان إذا سمع حديثا عن رسول الله فبلغه كما سمعه أن يحسن الله تعالى وجهه يوم القيامة.\nفرب مبلغ أوعى من سامع لأنه ربما يكون الإنسان يسمع الحديث ويبلغه ويكون المبلغ أوعى من السامع يعني أفقه وأفهم وأشد عملا من الإنسان الذي سمعه وأداه وهذا كما قال النبي ﷺ معلوم تجد مثلا من العلماء من هو راوية يروي الحديث يحفظه ويؤديه لكنه لا يعرف معناه فيبلغه إلى شخص آخر من العلماء يعرف المعنى ويفهمه ويستنتج من أحاديث الرسول ﷺ أحكاما كثيرة فينفع الناس وقد سبق أن مثل الأول كمثل الأرض التي أمسكت الماء فروي الناس وارتووا لكنها لا تنبت وأما الأرض الرياض التي أنبتت هم الفقهاء الذين عرفوا الأحاديث وفقهوها واستنتجوا منها الأحكام الشرعية أما حديث أبي هريرة بعد هذا فقد توعد النبي ﷺ من سئل عن علم","vol":"5","page":447},{"text":"فكتمه توعده بأن يلجم يوم القيامة بلجام من نار أي يوضع على فمه لجام من نار نسأل الله العافية لأنه كتم ما أنزل الله بعد أن سئل عنه وهذا إذا علمت أن السائل يسأل لاسترشاده فلا يجوز لك أن تمنعه أما إذا علمت أنه يسأل امتحانا وليس قصده أن يسترشد فيعلم ويعمل فأنت بالخيار إن شئت فعلمه وإن شئت فلا تعلمه لقول الله تعالى ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ لأن الله علم أن هؤلاء يأتون النبي ﷺ يستحكمونه لا لأجل أن يعملوا بكلامه ولكن لينظروا ما عنده فإذا علمت أن هذا الرجل جاء يسألك عن علم امتحانا فقط لا طلبا للحق فأنت بالخيار إن شئت فافعل وأفته وعلمه وإن شئت فلا تفته ولا تعلمه كذلك إذا علمت أنه يحصل من الفتوى مفسدة كبيرة فلا بأس أن ترجئ الإفتاء لا تكتم لكن لا بأس أن ترجئ الإفتاء إلى وقت يكون فيه المصلحة لأنه أحيانا تكون الفتوى لو أفتيت بها سببا للشر والفساد فأنت إذا رأيت أنها سبب للشر والفساد وأجلت الإجابة فلا حرج عليك في ذلك والله الموفق.\n١٣٩١ - وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله ﷿ لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها رواه أبو داود بإسناد صحيح.","vol":"5","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n من فضل العلم تعلما وتعليما لله ما ساقه المؤلف ﵀ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال من طلب علما مما يبتغي به وجه الله لا يريد إلا أن ينال عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها.\nالعلوم تنقسم إلى قسمين قسم يراد به وجه الله وهو العلوم الشرعية وما يساندها من علوم عربية وقسم آخر علم الدنيا كعلم الهندسة والبناء والميكانيكا وما أشبه ذلك فأما الثاني علم الدنيا فلا &amp; بأس أن يطلب الإنسان به عرض الدنيا يتعلم الهندسة ليكون مهندسا يأخذ راتبا وأجرة يتعلم الميكانيكا من أجل أن يكون ميكانيكيا يعمل ويكدح وينوي الدنيا هذا لا حرج عليه أن ينوي في تعلمه الدنيا لكن لو نوى نفع المسلمين بما تعلم لكان ذلك خيرا له وينال بذلك الدين والدنيا يعني لو قال أنا أريد تعلم الهندسة من أجل أن أكفي المسلمين أن يجلبوا مهندسين كفارا مثلا لكان هذا طيبا أو يتعلم الميكانيكا من أجل أن يسد حاجة المسلمين فيما إذا احتاجوا ميكانيكيين فهذا خير وله أجر على ذلك لكن لو لم يرد إلا الدنيا فله ذلك ولا إثم","vol":"5","page":449},{"text":"عليه كالذي يبيع ويشتري من أجل زيادة المال أما القسم الأول الذي يتعلم شريعة الله ﷿ وما يساندها فهذا علم لا يبتغي به إلا وجه الله إذا أراد به الدنيا فإنه لا يجد ريح الجنة يوم القيامة وهذا وعيد شديد والعياذ بالله يدل على أن من قصد بتعلم الشرع شيئا من أمور الدنيا فإنه قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب ولا يبارك له في علمه يعني مثلا قال أريد أن أتعلم من أجل أن أصرف وجوه الناس إلي حتى يحترموني ويعظموني أريد أن أتعلم حتى أكون مدرسا فآخذ راتبا وما أشبه ذلك هذا والعياذ بالله لا يجد ريح الجنة يوم القيامة وقد أشكل على هذا أو قد روع هذا بعض الذين يقرءون في المدارس النظامية كالمعاهد والكليات من أجل أن ينالوا الشهادة فيقال نيل الشهادة ليس للدنيا وحدها قد يكون للدنيا وحدها وقد يكون للآخرة فإذا قال الطالب أنا أطلب العلم لأنال الشهادة حتى أتمكن من وظائف التدريس وأنفع الناس بذلك أو حتى أكون مديرا في دائرة أوجه من فيها إلى الخير فهذا خير ونية طيبة ولا فيها إثم ولا حرج.\nوذلك أنه مع الأسف في الوقت الحاضر صار المقياس في كفاءة الناس هذه الشهادات معك شهادة توظف وتولي قيادة على حسب هذه الشهادة ممكن يأتي إنسان يحمل شهادة دكتوراه فيولى التدريس في الكليات والجامعات وهو من أجهل الناس لو جاء طالب في الثانوية العامة لكان خيرا منه وهذا مشاهد يوجد الآن من يحمل شهادة دكتوراه لكنه لا يعرف من العلم شيئا أبدا إما أنه نجح بغش أو نجح نجاحا سطحيا لم يرسخ العلم في ذهنه لكن يوظف لأن معه شهادة دكتوراة يأتي إنسان طالب علم جيد هو خير للناس وخير لنفسه من هذا الدكتور ألف مرة لكن لا يوفق لا يدرس في الكليات لماذا لأنه لا يحمل شهادة دكتوراه فنظرا لأن الأحوال تغيرت وانقلبت إلى هذه المآل نقول إذا طلبت العلم من أجل أن تنال الشهادة التي تتمكن بها من تولى التدريس","vol":"5","page":450},{"text":"لا لأجل الدنيا لكن لأجل نفع الخلق فإن هذا لا بأس به ولا تعد قاصدا بذلك الدنيا ولا ينالك هذا الوعيد فالحمد لله إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى الحمد لله هذا ميزان انظر قلبك ماذا نوى فعلى هذا فالذي يطلب العلم في الجامعة من أجل أن ينال الشهادة نقول ما الذي تريده هل أنت تريد أن تنال الشهادة من أجل أن تكون المرتبة الفلانية وراتبك كذا وكذا إذا نعم أنا فقير أنا أريد هذا نقول خبت وخسرت ما دمت تريد الدنيا أما إذا قال لا أنا أريد أن أنفع الخلق لأن الأمور الآن لا يمكن الوصول إلى نفع الخلق بالتدريس إلا بالشهادات وأنا أريد أن أصل إلى هذا أو لا يوظف الإنسان وظيفة كبيرة يكون قائد فيها على جماعة من المسلمين إلا بالشهادة وأنا أريد هذا قلنا الحمد لله هذه نية طيبة وليس عليك شيء والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى المهم احذر أخي طالب العلم احذر من النيات السيئة العلم الشرعي أعز وأرفع وأعلى من أن تريد به عرضا من الدنيا عرض الدنيا ما الذي تنتفع به آخر أمره أن يكون في محل القاذورات تأكل وتشرب ويذهب للمرحاض وألذ ما يتطلبه الإنسان هو الأكل والشرب في المنافع البدنية ومع ذلك نهايته المرحاض أيضا لو بقيت عندك الدنيا فلابد إما أن تفارقها أو تفارقك إما أن تفتقر وتعدم المال وإما أن تموت ويذهب المال لغيرك.\nلكن أمور الآخرة تبقى فلماذا تجعل العلم الشرعي الذي هو من أجل العبادات وأفضل العبادات تجعله سلما لتنال به عرضا من الدنيا هذا سفه في العقل وضلال في الدين العلم الشرعي اجعله لله عز","vol":"5","page":451},{"text":"وجل ولحماية شريعة الله ورفع الجهل عن نفسك وعن إخوانك المسلمين وللدلالة على الهدى ولتنال ميراث النبي ﷺ لأن العلماء ورثة الأنبياء نسأل الله أن يخلص لنا ولكم النية ويصلح العمل إنه على كل شيء قدير.\n١٣٩٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل العلم تعلما وتعليما لله حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال ففي هذا الحديث إشارة إلى أن العلم سيقبض ولا يبقى في الأرض عالم يرشد الناس إلى دين الله فتتدهور الأمة وتضل بعد ذلك ينزع منهم القرآن ينزع من الصدور ومن المصاحف كما قال أهل السنة إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود قالوا معنى وإليه يعود أي يرجع إلى الله","vol":"5","page":452},{"text":"﷿ في آخر الزمان حين يهجره الناس هجرا تاما لا يقرؤونه ولا يعملون به ونظير ذلك الكعبة المشرفة حماها الله ﷿ لما أراد أبرهة أن يهدمها وقدم إليها بفيل عظيم وجنود كبيرة حماها الله ﷿ منه وأنزل الله في ذلك سورة كاملة ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول طيور أرسلها الله ﷿ أبابيل يعني جماعات متفرقة كل واحد في منقاره وبين رجليه حجارة من سجيل يعني من طين صلب فكانت هذه الطيور بأمر الله ترسل هذه الحجارة على هؤلاء الجنود حتى أنها تضرب الرجل من رأسه وتخرج من دبره نعوذ بالله حتى جعلهم كعصف مأكول يعني كعصف الزرع الذي أكلته البهائم واختلط بعضه ببعض لكن في آخر الزمان إذا انتهك الناس حرمة هذا البيت واكثروا فيه من المعاصي وغير ذلك مما يعد امتهانا لحرمته سلط الله عليهم رجلا من الحبشة أفحج الرجلين قصير فينقضها حجرا حجرا يأتي إليها بجنود فينقضها يهدمها حجرا حجرا إذا نزع الحجر أعطاه أحد الجنود ثم التالي الذي بجنبه من مكة إلى البحر يتمادون حجارتها حتى تهدم عن آخرها فانظر كان في الأول حماها الله ﷿ من أولئك الكفرة لأنه يعلم أنه سيبعث فيها رسولا ينقل الناس من الضلال والظلم والشرك إلى الهدى والعدل والتوحيد.\nلكن في آخر الزمان عندما ينتهك الناس هذه الحرمة ترفع من مكانها يسلط الله عليها بحكمته من يهدمها","vol":"5","page":453},{"text":"ولا أحد يقول شيء ولا أحد يعارض هذا الرجل والله ﷿ بحكمته يمكنه من ذلك كذلك القرآن الكريم ينتزع من الصدور ومن المصاحف ويرفع إلى الرب ﷿ لأنه كلامه منه بدأ وإليه يعود العلم أيضا لا ينتزع من صدور الرجال لكنه يقبض بموت العلماء يموت العلماء الذين هم علماء حقيقة ولا يبقى عالم فيتخذ الناس رؤساء يعني يتخذ الناس من يترأسهم ويستفتونه لكنهم جهال يفتون بغير علم فيضلون ويضلون والعياذ بالله وتبقى الشريعة بين هؤلاء الجهال يحكمون بها بين الناس وهم جهلة لا يعرفون فلا يبقى عالم وحينئذ لا يوجد الإسلام الحقيقي الذي يكون مبنيا على الكتاب والسنة لأن أهله قد قبضوا وفي هذا الحديث حث على طلب العلم لأن الرسول أخبرنا بهذا لأجل أن نتحاشى ونتدارك هذا الأمر ونطلب العلم وليس المعنى أنه أخبرنا لنستسلم فقط لا من أجل أن نحرص على طلب العلم حتى لا نصل إلى الحال التي وصفها الرسول ﷺ والإخبار بالواقع لا يعني إقراره يعني إذا أخبر الرسول ﷺ عن شيء ليس معناه أنه يقره ويسمح فيه كما أخبر ﵊ وأقسم قال لتركبن سنن من كان قبلكم يعني لتركبن طرق من كان قبلكم قالوا اليهود والنصارى قال نعم اليهود والنصارى فأخبر أن هذه الأمة سوف ترتكب ما كان عليه اليهود والنصارى إخبار تحذير لا إخبار تقرير وإباحة فيجب أن نعلم الفرق بين ما يخبر به الرسول مقررا له ومثبتا له","vol":"5","page":454},{"text":"وما يخبر به محذرا عنه فالرسول ﷺ أخبر بأن العلماء سيموتون ويعني ذلك أن نحرص حتى ندرك هذا الوقت الذي يموت به العلماء ولا يبقى إلا هؤلاء الرؤساء الجهال الذين يفتون بغير علم فيضلون بأنفسهم ويضلون غيرهم اللهم إنا نسألك علما نافعا وعملا صالحا ورزقا طيبا واسعا.","vol":"5","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>كتاب حمد الله تعالى وشكره</span>\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب حمد الله وشكره حمد الله يعني وصفه بالمحامد والكمالات وتنزيهه عن كل ما ينافي ذلك ويضاده فهو ﷾ أهل الحمد يحمد على جميل إحسانه وعلى كمال صفاته جل وعلا مع المحبة والتعظيم وقد حمد الله نفسه في ابتداء خلقه فقال الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وحمد نفسه حين أنزل على عبده الكتاب فقال ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا﴾ وحمد نفسه على تنزيهه عن الشريك والند فقال ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾ وحمد نفسه جل وعلا عند انتهاء الخلق فقال ﷾ ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ فهو جل وعلا محمود في ابتداء الخلق وانتهاء الخلق واستمرار الخلق ومحمود على ما أنزل على عبده من الشرائع محمود على كل حال ولهذا كان النبي ﷺ إذا أتاه ما يسره قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه ما يخالف ذلك","vol":"5","page":456},{"text":"قال الحمد لله على كل حال وما يقوله بعض الناس اليوم الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه فهو خطأ غلط لأنك إذا قلت الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه فهو عنوان على إنك كاره لما قدره عليك ولكن قل كما قال النبي ﷺ الحمد لله على كل حال هذا هو الصواب وهو السنة التي جاءت عن النبي ﷺ وقد حمد الله نفسه وأمر بحمده فقال الله تعالى ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ فأمرنا أن نحمده جل وعلا بل جعل حمدنا إياه من أركان الصلاة لا تتم الصلاة إلا به فالفاتحة أولها ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ لو أسقطت هذه الآية من الفاتحة ما صحت صلاتك فحمد الله تعالى واجب على كل إنسان وكذلك الشكر الشكر على إنعامه كم أنعم عليك من نعمة عقل سلامة بدن مال أهل أمن نعم لا تحصى ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لو لم يكن من نعمته عليك إلا هذا النفس الذي لو منعته لفقدت الحياة مع أنه يخرج بدون أن كلفة وبدون أن تتعب له وانظر الذين ابتلوا بضيق النفس كيف يتكلفون عند إدخال النفس وإخراجه وهذا النفس مستمر دائم نعمة لا تحصى أبدا العقل الأولاد المال الدين كل هذه نعم عظيمة يستحق جل وعلا أن يشكر عليها والشكر قال أهل العلم هو القيام بطاعة المنعم هذا الشكر أن تقوم بطاعة المنعم ولاسيما","vol":"5","page":457},{"text":"جنس هذه النعمة فإذا أنعم الله عليك بمال فليكن عليك أثر هذا المال في لباسك في بيتك في مركوبك في صدقاتك في نفقاتك ليرى أثر نعمة الله عليك في هذا المال في العلم إذا أنعم الله عليك بعلم فليرى عليك أثر هذا العلم من نشره بين الناس تعليمه الناس والدعوة إلى الله ﷿ وغير ذلك فالشكر يكون من جنس النعمة التي أنعم الله بها عليك أو بأعم.\nإذا فمن عصى الله فإنه لم يقم بشكر نعمة الله كافر بنعمة الله والعياذ بالله قال الله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ فالعاصي لم يقم بشكر نعمة الله ﷿ وينقص من شكره بقدر ما أتى من المعصية حتى لو قال الإنسان بلسانه اشكر الله الشكر لله وهو يعصي الله فإنه لم يصدق فيما قال الشكر القيام بطاعة المنعم والشكر له فائدتان عظيمتان منها الاعتراف بالله تعالى في حقه وفضله وإحسانه ومنها أنه سبب لمزيد النعمة كلما شكرت زادت نعم الله عليك قال الله تعالى ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ إذا شكر الإنسان زاده الله وإذا كفر عرض نفسه لعذاب الله وعذاب الله تعالى شديد وقال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله﴾ واشكروا الله تعالى على هذه النعمة التي أنعمها عليكم وسهل لكم الوصول إليها فوصلت إليكم من غير حول ولا قوة هذه الطيبات التي","vol":"5","page":458},{"text":"نأكلها لو شاء الله تعالى لم نقدر عليها إما لعسر فينا وإما لفقد لهذه النعم قال الله تعالى ﴿أفرأيتم ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون أفرأيتم الماء الذي تشربون ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون أفرأيتم النار التي تورون ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين﴾ .\nفالمهم أن علينا أن نشكر نعمة الله ويكون الشكر من جنس النعمة فتبذل من العلم والمال بحسب ما أعطاك الله ﷿ الصحة أنت أعطاك الله صحة ونشاطا واحتاج إخوانك إلى المساعدة والمعاونة فمن شكر النعمة أن تعينهم والله الموفق.\nقال الله تعالى ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾ وقال تعالى ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ وقال تعالى ﴿وقل الحمد لله﴾ وقال تعالى ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾\nقال المؤلف النووي - ﵀ - في كتابه رياض الصالحين باب حمد الله وشكره وقد سبق الكلام على هذا ولكننا لم نتكلم على الآية الأولى وهي قوله ﵎ ﴿فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾","vol":"5","page":459},{"text":"فاعلم أن ذكر الله ﷿ هو ذكر القلب وأما ذكر اللسان مجردا عن ذكر القلب فإنه ناقص ويدل لهذا قوله ﷿ ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾ ولم يقل من أمسكنا لسانه عن ذكرنا قال من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فالذكر النافع هو ذكر القلب وذكر القلب يكون في كل شيء يعني معنى ذلك أن الإنسان وهو يمشي وهو قاعد وهو مضجع إذا تفكر في آيات الله ﷿ فهذا من ذكر الله ومن ذكر الله أيضا ما جاء في السنة مثل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وسبحان الله وما أشبه ذلك.\nومن ذكر الله أيضا الصلاة فإنها من ذكر الله قال الله ﵎ ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ قال بعض العلماء المعني ولنا فيها من ذكر الله أكبر فعلى كل حال ينبغي للإنسان عند ذكر الله باللسان أن يكون ذاكرا لله بقلبه حتى يتطابق القلب واللسان وتحصل الفائدة لأن مجرد الذكر باللسان ينفع الإنسان ولكنه ناقص لكن الذكر بالقلب هو الأصلي والمهم وأعلم أن الله تعالى يقول ﴿فاذكروني أذكركم﴾ وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الله قال من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم يعني الإنسان إذا","vol":"5","page":460},{"text":"ذكر الله في نفسه وليس حوله أحد ذكره الله في نفسه وإن ذكر الله وحوله ملأ يعني في جماعة ذكره الله في ملأ خير منهم وهذا يدل على فضيلة الذكر أن الله تعالى التزم بأن من ذكره في نفسه ذكره في نفسه ومن ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منهم وقال ﴿واشكروا لي ولا تكفرون﴾ وقد سبق معنى الشكر ومعنى الكفران ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا الباب في الأحاديث القادمة.\n١٣٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أتي ليلة أسري به بقدحين من خمر ولبن فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال جبريل ﷺ الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر غوت أمتك رواه مسلم\n١٣٩٤ - وعنه عن رسول الله ﷺ قال كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع حديث حسن رواه أبو داود وغيره.\n١٣٩٥ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذ مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول فماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت","vol":"5","page":461},{"text":"الحمد رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n١٣٩٦ - وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها المؤلف ﵀ في باب &amp; حمد الله وشكره ومن المعلوم لنا جميعا أن كل ما بنا من نعمة فمن الله ﷿ وأنه إذا مسنا الضر فليس لنا ملجأ إلا إلى الله وأن الإنسان إذا أصيب بما يكره أو بما يؤذيه فإن الله تعالى يكفر بذلك عنه ما من أذى أو هم أو غم يصيب المؤمن إلا كفر الله بذلك عنه حتى الشوكة يشاكها الشوكة إذا شكتك فإن الله يكفر بها عنك إذا فنعم الله عظيمة كثيرة لا تعد ولا تحصى لذلك يجب علينا أن نحمد الله تعالى وأن نشكره على نعمه التي أصبغها علينا ومن فوائد الحمد أن الإنسان إذا ابتدأ الشيء بحمد الله فإن الله تعالى يجعل فيه البركة إذا ابتدأه بحمد الله جعل الله فيه البركة يعني أراد أن يؤلف كتابا أو يتكلم في كلام خطبة أو غير ذلك إذا حمد الله جعل الله فيه البركة وكل أمر لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع يعني منزوع البركة لكن قد ينوب عن الحمد غيره كالبسملة","vol":"5","page":462},{"text":"مثلا البسملة أيضا يبارك الله فيها بأشياء كثيرة منها أن الإنسان إذا ذبح الذبيحة إن قال بسم الله حلت الذبيحة وكانت طيبة وإن قال الحمد لله لم تحل الذبيحة لأن الذبيحة لا تحل إلا بالبسملة وإذا قال عند الذبح الله أكبر ولم يقل بسم الله لم تحل الذبيحة فكل أمر يبدأ فيه بالحمد لله فهو خير وبركة لكن قد ينوب عن الحمد ما سواه كالبسملة عند الأكل والشرب والذبح والوضوء وإتيان الرجل أهله يقول بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا وغير ذلك ومن فوائد الحمد أن الله ﷾ يرضى عن العبد إذا أكل الأكلة أن يحمده عليها وإذا شرب الشربة أن يحمده عليها فما هي الأكلة هل هي الوجبة أو كل ردة يردها الإنسان إلى فمه فهي أكلة الحديث محتمل وكان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كل ما أكل ردة قال الحمد لله فقيل له يا أبا عبد الله ما هذا قال أكل وحمد خير من أكل وسكوت وكأن الإمام أحمد ﵀ رأى أن الأكلة هي الردة وعلى هذا يكون حمد الإنسان على طعامه كثيرا لكن أكثر العلماء يقولون أن الأكلة هي الوجبة تجلس على الطعام وإذا خلصت تقول الحمد لله والحمد كله خير فهذه من فوائد الحمد أنه إذا حمد الإنسان على أكله وشربه كان ذلك سببا لرضا الله ﷿ عنه نسأل الله أن يحل","vol":"5","page":463},{"text":"علينا وعليكم الرضا إنه على كل شيء قدير.","vol":"5","page":464},{"text":"/٠L٢ باب الأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ\nقال الله تعالى ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنو صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ .\n١٣٩٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب الأمر بالصلاة على النبي ﷺ الأمر يكون تارة للوجوب وتارة يكون للاستحباب فالذي للوجوب يعني أن الإنسان إذا تركه فهو آثم عاص مستحق للعقوبة ومعنى للاستحباب أن الإنسان إذا فعله فله أجر وإذا تركه فليس عليه إثم فيتفق الواجب والمستحب بأن فيهما ثوابا لفعلهما لكن ثواب الواجب أعظم وأكثر لقول النبي ﷺ في الحديث القدسي أن الله تعالى قال ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضه عليه ويختلف الواجب عن المستحب بأن تارك الواجب آثم عاص لله ومستحق للعقوبة وتارك المستحب لا يأثم لكن فاته خير والأمر","vol":"5","page":465},{"text":"بالصلاة على النبي ﷺ أطلقه المؤلف ﵀ فاختلف العلماء ﵏ هل تجب الصلاة على النبي ﷺ في العمر مرة أو بأسباب أو لا تجب والصحيح أنها تجب بأسباب وإلا فالأصل أنها مستحبة فما معنى الصلاة على النبي ﷺ أي ما معنى قول القائل اللهم صل على محمد أكثر الناس يقرأ هذا أو يدعو بهذا الدعاء وهو لا يدري معناه وهذا غلط كل شيء تقوله تعرف معناه كل شيء تدعو به تعرف معناه حتى لا تدعو بإثم فقولك اللهم صل على محمد يعني اللهم اثني عليه في الملأ الأعلى ومعنى أثني عليه يعني اذكره بالصفات الحميدة والملأ الأعلى هم الملائكة فكأنك إذا قلت اللهم صل على محمد كأنك تقول يا رب صفه بالصفات الحميدة واذكره عند الملائكة حتى تزداد محبتهم له ويزداد ثوابهم بذلك هذا معنى اللهم صلى على محمد.\nواختلف العلماء ﵏ هل يصلى على غير النبي أم لا يعني هل يجوز أن تقول اللهم صل على فلان العالم الفلاني أو الشيخ الفلاني أو اللهم صل على أبي أو ما أشبه ذلك؟ والصحيح أن في ذلك تفصيلا فإن كان ذلك تابعا للصلاة على النبي ﷺ فلا بأس ولهذا قال الرسول ﷺ حين سألوه كيف يصلون عليه قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وإن كان مستقلا فإن كان لسبب فلا بأس","vol":"5","page":466},{"text":"ومن ذلك إذا أتى الإنسان إليك بصدقته لتوزعها فقل اللهم صل عليه واحد أعطاك مائتي ألف ريال يقول هذه للزكاة وزعها فقل اللهم صل على فلان ويسمع يسمع هذا منك لقول الله ﵎ لنبيه ﷺ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم قال عبد الله بن أبي أوفى فأتيت بصدقتي أو قال أتاه أبي فقال اللهم صل على آل أبي أوفى هذا أيضا لا بأس كذلك إذا صليت على إنسان دون أن تجعل ذلك شعارا له كلما ذكرته صليت عليه فلا بأس يعني حتى لو قلنا اللهم صل على أبي بكر أو على عمر أو على علي عثمان أو علي فلا بأس ولكن لا تجعل هذا شعار كلما ذكرت هذا صليت عليه لأنك إذا فعلت ذلك جعلته كأنه نبي.\nثم صدر المؤلف هذا الباب بالآية الكريمة ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ فتأمل ما في هذه الآية من خبر وأمر وتأكيد إن الله وملائكته يصلون على النبي هذا خبر أخبرنا الله بذلك حثا لنا على الصلاة والسلام عليه الله وملائكته كل الملائكة في كل السماوات والأرض يصلون على النبي والملائكة عالم الغيب من مخلوقات الله لا يحصيهم إلا الله ﷿ البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك كل يوم ثم لا يعودون إليه يعني يجيء ملائكة غيرهم إذن","vol":"5","page":467},{"text":"من الذي يحصيهم ما يحصيهم إلا الله وفي الحديث عن النبي ﷺ أطت السماء وحق لها أن تئط والأطيط هو أصوات الإبل ولا يصر إلا إذا كان عليه حمل ثقيل تسمع له صرخة ويقول وحق لها أن تئط ما من موضع أربعة أصابع إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد.\nوالسماء ليست كالأرض السماء أوسع بكثير بكثير من الأرض انظر الآن بعدها الشاسع وهي على الأرض كالكرة فتكون دائرتها واسعة عظيمة والسماء الثانية أوسع والثالثة أوسع والرابعة أوسع والخامسة أوسع والسابعة أوسع كل سماء في ملك بين أربعة أصابع في ملك قائم لله راكع ساجد إذا من الذي يحصي الملائكة إذا كنا لا نحصي الملائكة فهل يمكن أن نحصي الصلاة على الرسول لا لأن الملائكة يصلون على النبي فلا تحصى الصلاة على النبي ﷺ انظر فضل الله واسع أعطى الله هذا الرجل رسول الله ﷺ أعطاه الله هذه الفضيلة العظيمة التي لا ينالها أحد فيما نعلم ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ هذا خبر أراد الله منا أن نتشجع ولهذا قال بعدها ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بمقتضى إيمانكم صلوا عليه وجه الخطاب لنا بصدد الإيمان لأن الإيمان هو الذي يحمل الإنسان","vol":"5","page":468},{"text":"على امتثال الأمر ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ الصلاة والسلام ﴿صلوا عليه﴾ أي ادعوا الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى ﴿وسلموا تسليما﴾ أي ادعوا الله أن يسلمه تسليما تاما ومما يسلمه في حياته يسلمه من الآفات الجسدية والآفات المعنوية وبعد موته من الآفات المعنوية بمعنى أن تسلم شريعته من أن يقضى عليها قاض أو ينسخها ناسخ وكذلك الجسد لأنه ربما يعتدي عليه بعد موته في قبره كما يأتي في قصة مشهورة أن رجلين أرادا أن يستخرجا جسد النبي ﷺ فنزل المدينة رجلان غريبان نزلا المدينة وبدءا يحفران من تحت الأرض حفرة يحفران من تحت الأرض حتى يتوصلا إلى قبر النبي ﷺ فيأخذا جسده الشريف فبقيا على ذلك مدة فأريا أحد الملوك في المنام أن رجلين يحفران ليصلا إلى جسد النبي ﷺ ويأخذاه فاهتم بذلك اهتماما عظيما ثم ارتحل إلى المدينة ارتحل إلى المدينة وصل المدينة فمن أين يعلم هذين الرجلين كيف يتوصل إلى معرفتهما فقال لأمير المدينة ادع لي جميع أهل المدينة لأنه في المنام إما وصفا له أو رآهما في المنام وعرفهما فقال ادع لي أهل المدينة فدعاهم أطعمهم ومشوا ما رأى الرجلين فقال ادع لي أهل المدينة دعاهم أظن مرتين أو ثلاث ولم ير الرجلين والرؤيا التي رآها حق لابد أن يكون هذا قال أين أهل المدينة قالوا ما في أحد في رجلين غريبين في المسجد يعني ليس لهما قيمة قال أحضرهما فجيء بهما فإذا هما اللذان رآهما في المنام فعرفهما ثم أمر بأن يحفر حفرة على جوانب الحجرة التي فيها قبر النبي ﷺ قبل أن تكون","vol":"5","page":469},{"text":"حجرة بالبناء ثم صبها بالنحاس والرصاص والرخام حتى يحمي الله جسد هذا النبي الكريم فصب الرصاص إلى الأرض ولهذا قبر النبي ﷺ محفوظ حفظا تاما فالمهم أن قول المسلم اللهم صل وسلم على محمد يعني سلمه من الآفات الجسدية حيا وميتا وسلمه أيضا سلم شريعته من أن يطمسها أحد أو أن يعدو عليها أحد ثم اعلموا أيها الإخوان أن أجساد الأنبياء لا يمكن أن تأكلها الأرض لا يمكن لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء إذن فأجساد الأنبياء سالمة من الأرض الأرض التي تأكل كل جسد إلا من شاء الله لا تأكل أجساد الأنبياء والحاصل أن في هذه الآية الكريمة أمر الله تعالى أن نصلي ونسلم عليه تسليما والصلاة عليه واجبة في مواضع منها إذا ذكر اسمه عندك فصل عليه لأن جبريل أتى إلى النبي ﷺ وقال رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك رغم أنف معني رغم يعني سقط في الرغامة الرغامة هي الأرض الترابية رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك يعني إذا سمعت ذكر الرسول ﷺ فقل اللهم صل وسلم عليه فإن له حق عليك تجب الصلاة على النبي أيضا عند كثير من العلماء في الصلاة في التشهد","vol":"5","page":470},{"text":"الأخير فعند كثير من العلماء أنها ركن لا تصح الصلاة إلا به وعند بعضهم أنها سنة وعند بعضهم أنها واجب والاحتياط أن لا يدعها الإنسان في صلاته أي الصلاة على النبي ﷺ ولو أن الإنسان جعل كل دعاء يدعو به مقرونا بالصلاة على النبي ﷺ لكان كما جاء في الحديث يكفى همه ويغفر ذنبه.\nولهذا أكثر يا أخي من الصلاة والسلام على الرسول ليزداد إيمانك ويسهل لك الأمر ثم اعلم أن الرسول ﷺ بشر لا يملك النفع لك ولا الضر فلا تسأله لا تقول يا رسول الله افعل كذا يا رسول الله استغفر لي يا رسول الله أغثني يا رسول الله سهل أمري هذا حرام شرك أكبر لأنه لا يجوز أن تدعو مع الله أحدا الدعاء خاص بمن بالله قال تعالى ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ فإن قال قائل أيما أعظم حقا الوالدان يعني الأم والأب أم الرسول؟ الرسول أعظم من حق نفسك عليك ولهذا يجب على الإنسان أن يفدي نفسه للرسول","vol":"5","page":471},{"text":"يجب على كل إنسان وأن يكون الرسول أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين فإن قال قائل أليس الله يذكر حق الوالدين بعد حقه قلنا بلى ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيه وبالوالدين إحسانا﴾ ولكن حق الرسول متبوع بحق الله لأن عبادة الله لا تتم إلا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ والله الموفق.\nقال الله تعالى ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ .\n١٣٩٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا رواه مسلم.","vol":"5","page":472},{"text":"١٣٩٨ - وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n١٣٩٩ - وعن أوس بن أوس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت يقول بليت قال إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الثلاثة في بيان فضل الصلاة على النبي ﷺ وقد تقدم لنا معنى الصلاة عليه فالحديث الأول عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرة يعني إذا قلت اللهم صل على محمد صلى الله عليك بها عشر مرات فأثنى الله عليك في الملأ الأعلى عشر مرات وهذا يدل على فضيلة الصلاة على فضيلة الصلاة على رسول الله ﷺ ويدل على علو مرتبة النبي ﷺ عند الله حيث جازى من صلى عليه بعشر أمثال عمله يصلي الله عليه عشر مرات.","vol":"5","page":475},{"text":"وأما الحديث الثاني فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ أخبر أن أولى الناس به أكثرهم صلاة عليه أولى الناس به يوم القيامة وأقربهم منه من صلى عليه ﵊ أكثرهم صلاة على النبي هو أولى الناس به يوم القيامة وهذا أيضا يدل على الترغيب في كثرة الصلاة على النبي ﷺ.\nأما الحديث الثالث فهو حديث أوس بن أوس أن النبي ﷺ أمر أن نكثر من الصلاة عليه يوم الجمعة وأخبر بأن صلاتنا معروضة عليه تعرض عليه فيقال صلى عليك فلان بن فلان أو تعرض عليه يقال صلى عليك رجل من أمتك الله أعلم هل يعين المصلي أم لا المهم أنها تعرض على النبي ﷺ فقالوا يا رسول الله كيف تعرض عليك وقد أرمت أو أرمت أي بليت فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام مهما بقوا في الأرض فإن الأرض لا تأكلهم أما غير الأنبياء فإنها تأكلهم لكن قد يكرم الله تعالى بعض الموتى فلا تأكلهم الأرض وإن بقوا ولكننا لا نتيقن أن أحدا لا تأكله الأرض إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ففي هذه الأحاديث الثلاثة الترغيب في كثرة الصلاة على النبي ﷺ ولاسيما في يوم الجمعة ولكن أكثر الصلاة عليه في كل وقت فإنك إذا صليت مرة واحدة صلى الله بها عليك عشرة اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"5","page":476},{"text":"١٤٠١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n١٤٠٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ &amp; قال ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n١٤٠٣ - وعن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.\n١٤٠٤ - وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى ولم يصل على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه سبحانه والثناء عليه ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو بعد بما شاء رواه أبو داود والترمذي وقالا حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الأربعة أيضا فيها الأمر بالصلاة على النبي ﷺ وفضيلة ذلك فمنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لا تجعلوا","vol":"5","page":477},{"text":"قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم.\nالمعنى لا تجعلوا القبر عيدا تكرمونه بالمجيء إليه كل سنة مرة أو مرتين أو ما أشبه ذلك وفيه دليل على تحريم شد الرحل لزيارة قبر النبي ﷺ وأن الإنسان إذا أراد الذهاب إلى المدينة لا يقصد أن يسافر من أجل زيارة قبر الرسول ولكن يسافر من أجل الصلاة في مسجده لأن الصلاة في مسجده خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام قال وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم إذا صليت على الرسول ﷺ فإن صلاتك تبلغه حيثما كنت في بر أو بحر أو جو قريبا كنت أو بعيدا وكذلك الحديث الثاني أنه ما من رجل مسلم يسلم على النبي ﷺ إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇ فإذا سلمت على النبي ﷺ رد الله عليه روحه فرد عليك السلام والظاهر أن هذا فيمن كان قريبا منه كأن يقف على قبره ويقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ويحتمل أن يكون عاما والله على كل شيء قدير.\nثم ذكر المؤلف حديث علي بن أبي طالب ﵁ وحديث فضالة بن عبيد وفيهما أيضا الحث على الصلاة على الرسول ﷺ ولكن حديث فضالة بن عبيد الظاهر أن المراد بذلك التشهد وأن هذا الرجل تشهد ولم يثن على الله ولم يمجده ولم يصل على النبي ولكنه دعا مباشرة ومعلوم أن التشهد &amp; فيه أولا الثناء على الله في قوله التحيات لله والصلوات والطيبات","vol":"5","page":478},{"text":"وفيه أيضا السلام على النبي ﷺ والصلاة عليه ثم الدعاء فيحمل أعني حديث فضالة بن عبيد على هذا على أن المراد بذلك الدعاء في الصلاة وأنه يسبق بالتحيات ثم بالسلام والصلاة على النبي ﷺ ثم الدعاء والله الموفق.\nجائز أن يفرد السلام أو الصلاة لكن الفضل أن يجمع بينهما.\n١٤٠٥ - وعن أبي محمد كعب بن عجزة ﵁ قال خرج علينا النبي ﷺ فقلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد متفق عليه.\n١٤٠٦ - وعن أبي مسعود البدري ﵁ قال أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة ﵁ فقال له بشير بن سعد أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله ﷺ قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم رواه مسلم.","vol":"5","page":479},{"text":"١٤٠٧ - وعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أحاديث ثلاثة في بيان كيفية الصلاة على النبي ﷺ حديث كعب بن عجرة ﵁ في كيفية الصلاة أنهم سألوا النبي ﷺ كيف يصلون عليه لأنه علمهم كيف يصلون عليه لأنه علمهم كيف يسلمون والذي علمهم إياه هو قوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أما الصلاة فعلمهم وقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وقد سبق أن معنى صلاة الله على العبد هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى والمراد بآل محمد هنا كل أتباعه على دينه فإن آل الإنسان قد يراد بهم أتباعه على دينه وقد يراد بهم قرابته لكن في مقام الدعاء ينبغي أن يراد بهم العموم لأنه أشمل فالمراد بقوله وعلى آل محمد يعني جميع أتباعه فإن قال قائل هل تأتي الآل بمعنى الاتباع قلنا نعم قال الله تعالى ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب","vol":"5","page":480},{"text":"قال العلماء معناه أدخلوا أتباعه أشد العذاب وهو أوله كما قال تعالى ﴿يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود﴾ وقوله كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم الكاف هنا للتعليل وهذا من باب التوسل بأفعال الله السابقة إلى أفعاله اللاحقة يعني كما مننت بالصلاة على إبراهيم وآله فامنن بالصلاة على محمد وآله ﷺ فهي من باب التعليل وليست من باب التشبيه وبهذا يزول الإشكال الذي أورده بعض أهل العلم ﵏ حيث قالوا كيف تلحق الصلاة على النبي ﷺ وآله بالصلاة على إبراهيم وآله مع أن محمد أشرف من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالجواب أن الكاف هنا ليست للتشبيه ولكنها للتعليل كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد حميد يعني محمود مجيد يعني ممجد والمجد هو العظمة والسلطان والعزة والقدرة وما إلى ذلك اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد كذلك أيضا التبريك تقول اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد أي أنزل فيهم البركة والبركة هي الخير الكثير الواسع الثابت كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد هذه هي الصلاة على النبي ﷺ وعلى آله وسلم وهذه هي الصفة الفضلى وإذا اقتصرت على قولك اللهم صل على محمد كما فعل العلماء","vol":"5","page":481},{"text":"في جميع مؤلفاتهم إذا ذكروا الرسول لم يقولوا هذه الصلاة المطولة لأن هذه هي الكاملة وأما أدنى مجزئ فأن تقول اللهم صل على محمد.\nأما حديث أبي مسعود البدري وهو زيد وأبي حميد الساعدي فهما مقاربان لهذا اللفظ إلا أن في حديث أبي حميد الساعدي ذكر الأزواج والذرية وأزواج النبي ﷺ يعني زوجاته والذي مات عنهم تسع زوجات وكان يقسم لثماني زوجات منهن وأما التاسعة سودة فقد وهبت يومها لعائشة ﵂ فكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة وبقية الزوجات يقسم لهن النبي ﷺ بالعدل يقسم بالعدل كما أمر بذلك فالحاصل أن هذه الصفات الثلاث التي ذكر المؤلف ﵀ وساقها في أحاديث ثلاثة متقاربة ولكنها تصف الكمال من صفة الصلاة عليه فصلوت الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"5","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>كتاب الأذكار</span>\n/٠L٢ باب فضل الذكر والحث عليه\nقال الله تعالى ﴿ولذكر الله أكبر﴾ وقال تعالى ﴿فاذكروني أذكركم﴾ وقال تعالى ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين﴾ وقال تعالى ﴿واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ .\nوقال تعالى ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ إلى قوله تعالى ﴿والذاكرين الله كثيرا والذكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ والآيات في الباب كثيرة معلومة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين كتاب الأذكار.\nالأذكار جمع ذكر والمراد بذلك ذكر الله ﷿ ثم ذكر باب فضل الذكر والحث عليه وذكر آيات متعددة وليعلم أن ذكر الله تعالى يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح أما القلب فهو التفكر ذكر الله تعالى بالقلب أن يتفكر الإنسان في أسماء الله وصفاته وأحكامه وأفعاله وآياته وأما الذكر باللسان فظاهر ويشمل كل قول يقرب إلى الله ﷿ من التهليل والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقراءة السنة وقراءة العلم","vol":"5","page":483},{"text":"كل قول يقرب إلى الله فهو ذكر لله ﷿.\nوأما ذكر الله بالأفعال فهو ذكر الله بالجوارح فهو كل فعل يقرب إلى الله كالقيام في الصلاة والركوع والسجود والقعود وغير ذلك لكن يطلق عرفا على ذكر الله تعالى التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل وذكر المؤلف ﵀ في ذلك آيات منها قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثير وسبحوه بكرة وأصيلا فخاطب الله المؤمنين وأمرهم أن يذكروا الله تعالى ذكرا كثيرا في كل وقت وفي كل حال وفي كل مكان اذكر الله ذكرا كثيرا ﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ أي قولوا سبحان الله في البكور والأصيل يعني في أول النهار وآخر النهار ويحتمل أن يراد بالنهار كله وفي الليل كله وقال الله تعالى ﴿واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ وهذا ذكره الله ﷿ في سياق لقاء العدو فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ فذكر الله تعالى من أسباب الثبات والفلاح والفلاح كلمة جامعة يراد بها حصول المطلوب والنجاة من المرهوب وقال الله تعالى ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ قيل المعنى ولما فيها من ذكر الله أكبر وقيل المعنى ذكر الله عموما أكبر وهو أن الإنسان إذا صلى كان ذلك سببا لحياة قلبه وذكره لله ﷿ كثيرا وقال تعالى في وصف الخلق من عباده ﴿إن المسلمين والمسلمات","vol":"5","page":484},{"text":"والمؤمنين والمؤمنات﴾ إلى قوله ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ وقال تعالى ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾ والآيات في هذا كثيرة كلها تدل على فضيلة الذكر والحث عليه وقد أثنى الله تعالى على الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم وبين أنهم هم أصحاب العقول فقال تعالى ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ فالمهم أن نحث أنفسنا وإياكم على إدامة ذكر الله وهو لا يكلف باللسان واللسان لا يعجز ولا يتعب بل يبقي دائما لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ما تعب فهو سهل ولله الحمد وأجره عظيم جعلني الله وإياكم من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات إنه على كل شيء قدير.\n١٤٠٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم متفق عليه.\n١٤٠٩ - وعنه ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لأن أقول سبحان الله","vol":"5","page":485},{"text":"والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس رواه مسلم.\n١٤١٠ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه وقال من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الثلاثة عن أبي هريرة ﵁ كلها تدل على فضل الذكر الأول قال النبي ﷺ كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم كلمتان وهما أيضا ثقيلتان في الميزان إذا كان يوم القيامة ووزنت الأعمال ووضعت هاتان الكلمتان في","vol":"5","page":486},{"text":"الميزان ثقلتا به والثالث حبيبتان إلى الرحمن وهذا أعظم الثوابين أن الله تعالى يحبهما وإذا أحب الله العمل أحب العامل به فهاتان الكلمتان من أسباب محبة الله للعبد ما معنى سبحان الله وبحمده المعنى أنك تنزه الله تعالى عن كل عيب ونقص وأنه الكامل من كل وجه جل وعلا مقرونا هذا التسبيح بالحمد الدال على كمال إفضاله وإحسانه إلى خلقه جل وعلا وتمام حكمته وعلمه وغير ذلك من كمالاته.\nسبحان الله العظيم يعني ذي العظمة والجلال فلا شيء أعظم من الله سلطانا ولا أعظم قدرا ولا أعظم حكمة ولا أعظم علما فهو عظيم بذاته وعظيم بصفاته جل وعلا سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فيا عبد الله أدم هاتين الكلمتين قلهما دائما لأنهما ثقيلتان في الميزان وحبيبتان إلى الرحمن وهما لا يضرانك في شيء خفيفتان على اللسان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فينبغي للإنسان أن يقولهما ويكثر منهما.\nثم ذكر الحديث الثاني عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أربع كلمات أحب إلي مما طلعت عليه الشمس يعني أحب علي من كل الدنيا وهما أيضا كلمات خفيفة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر الناس الآن يسافرون ويقطعون الفيافي والصحاري والمهالك والمفاوز من أجل أن يربحوا شيئا قليلا من الدنيا قد يتمتعون به وقد","vol":"5","page":487},{"text":"يحرمون إياه وهذه الأعمال العظيمة يتعاجز الإنسان عنها لأن الشيطان يكسله ويخذله ويثبطه عنها وإلا فهي كما قال الرسول ﷺ أحب إلي الإنسان مما طلعت عليه الشمس وإذا فرضنا أن عندك ملك الدنيا كلها كل الدنيا عندك ملكها ما طلعت عليه الشمس وغربت ثم مت ماذا تستفيد لا تستفيد شيئا لكن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هي الباقيات الصالحات قال الله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا فينبغي لنا أن نغتنم الفرصة بهذه الأعمال الصالحة.\nأما الحديث الثالث والرابع فهو من قال في يومه مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير حصل له هذه الفضائل الخمسة.\nأولا: كان كمن أعتق عشر رقاب وثانيا كتبت له مائة حسنة وحطت عنه مائة خطيئة وكانت له حرزا من الشيطان ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا من عمل أكثر مما عمل.\nخمس فضائل إذا قلت لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وهذه مائة مرة وهذه سهلة يمكن وأنت تنتظر صلاة الفجر بعد أن تأتي للمسجد تقولها في طريقك أو بعد طلوع الفجر تقولها تنتفع بها وهذا أيضا من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يداوم عليها وينبغي أن يقولها في أول النهار لتكون حرزا له من الشيطان.","vol":"5","page":488},{"text":"أما سبحان الله وبحمده فمن قالها مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر وهذه سبحان الله وبحمده تقولها في آخر النهار لأجل أن تحط عنك خطايا النهار فانتهز الفرصة يا أخي انتهز الفرصة العمر يمضي ولا يرجع ما مضى من عمرك فلن يرجع إليك وهذه الأعمال أعمال خفيفة مفيدة ثوابها جزيل وعملها قليل نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.\n١٤١١ - وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل متفق عليه.\n١٤١٢ - وعن أبي ذر ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله إن أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده رواه مسلم.\n١٤١٣ - وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض رواه مسلم.","vol":"5","page":489},{"text":"١٤١٤ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال علمني كلاما أقوله قال قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم قال فهؤلاء لربي فما لي قال قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني رواه مسلم.\n١٤١٥ - وعن ثوبان ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث كيف الاستغفار قال تقول أستغفر الله أستغفر الله رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ساقها المؤلف ﵀ في باب فضل الذكر وقد سبق لنا شيء من هذه الأحاديث فمنها أي من الأحاديث التي ساقها أن من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل يعني كان الذي أعتق أربع رقاب من أشرف الناس نسبا وهم بنو إسماعيل لأن أشرف الناس نسبا هم العرب وهم بنو إسماعيل وأما","vol":"5","page":490},{"text":"العجم فلهم أباء آخرون ولكن ذرية إسماعيل هم العرب فمن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس وهذا دليل على فضل هذا الذكر.\nوكذلك أيضا قال النبي ﷺ أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده وقد سبق أن النبي ﷺ قال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.\nوكذلك حديث ثوبان لكنه ذكر مقيد أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته قال استغفر الله يعني استغفر ثلاثا قال استغفر الله استغفر الله استغفر الله اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وإنما يستغفر الإنسان إذا فرغ من صلاته من أجل ما يكون فيها من خلل ونقص ويقول اللهم أنت السلام يعني اللهم إني أتوسل إليك بهذا الاسم الكريم من أسمائك أن تسلم لي صلاتي حتى تكون تكفرة للسيئات ورفعة للدرجات والله الموفق.\n١٤١٦ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد متفق عليه.","vol":"5","page":491},{"text":"١٤١٧ - وعن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال ابن الزبير وكان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة مكتوبة رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في بيان الأذكار المقيدة لأن الأذكار تنقسم إلى قسمين مطلقة ومقيدة منها مقيد بالوضوء ومنها ما هو مقيد بالصلاة فهذان الحديثان مقيدان بالصلاة حديث المغيرة بن شعبة وحديث عبد الله بن الزبير ﵄.\nأما حديث المغيرة فقد أخبر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول إذا سلم من صلاته لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ومعنى لا إله إلا الله يعني لا معبود حق إلا الله فلا معبود في الكائنات يستحق أن يعبد إلا الله ﷿ أما الأصنام التي تعبد من دون الله فليست مستحقة للعبادة حتى وإن سماها عابدوها آلهة فإنها ليست آلهة بل هي كما قال الله تعالى ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان","vol":"5","page":492},{"text":"فالمعبود حقا هو الله ﷿.\nوقوله وحده لا شريك له هذا من باب التأكيد تأكيد وحدانيته جل وعلا وأنه لا مشارك له في ألوهيته له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير له الملك المطلق العام الشامل الواسع ملك السماوات والأرض وما بينهما ملك الآدميين والحيوانات والأشجار والبحار والأنهار والملائكة والشمس والقمر كل هذه ملك لله ﷿ ما علمنا وما لم نعلم له الملك كله يتصرف فيه كما يشاء وعلى ما تقتضيه حكمته جل وعلا.\nوله الحمد يعني الكمال المطلق على كل حال فهو جل وعلا محمود على كل حال في السراء وفي الضراء أما في السراء فيحمد الإنسان ربه حمد شكر وأما في الضراء فيحمد الإنسان ربه حمد تفويض لأن الشيء الذي يضر الإنسان قد لا يتبين له وجه مصلحته فيه ولكن الله تعالى أعلم فيحمد الله تعالى على كل حال وكان النبي ﷺ إذا أتاه ما يسره قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه ما لا يسره قال الحمد لله على كل حال.\nوأما ما يقوله بعض الناس الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه فهذه كلمة خاطئة لم ترد ومعناها غير صحيح وإنما يقال الحمد لله على كل حال.\nاللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد هذا أيضا تفويض إلى الله ﷿ بأنه لا مانع لما أعطى فما أعطاك الله لا أحد يمنعه وما منعك لا أحد يعطيك إياه ولهذا قال ولا معطي لما منعت فإذا آمنا بهذا فممن نسأل العطاء من الله إذا آمنا بأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع إذا لا نسأل العطاء إلا من الله ﷿ ونعلم أنه لو أعطانا فلان شيئا فالذي قدر","vol":"5","page":493},{"text":"ذلك هو الله والذي صيره حتى يعطينا هو الله وما هو إلا مجرد سبب لكن نحن مأمورون بأن نشكر من صنع إلينا معروفا كما قال النبي ﷺ من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه لكن نعلم أن الذي يسر لنا هذا العطاء وصير لنا هذا المعطي هو الله ﷿.\nاللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد الجد يعني الحظ والغنى يعني الإنسان المحظوظ الذي له حظ وعنده مال وعنده أولاد وعنده زوجات وعنده كل ما يشتهي من الدنيا فإن هذا لا ينفعه من الله لا يمنع ذا الجد منك الجد الجد فاعل يعني أن الجد هو الحظ والغنى ما يمنع من الله ﷿ لأن الله تعالى له ملك السماوات والأرض وكم من إنسان تراه مسرورا في أهله وعنده المال والبنون وجميع ما يناله من الدنيا ولا ينفعه شيء من الله يصاب بمرض ولا يقدر أن يرفعه عنه إلا الله ﷿ يصاب به غم وهم وقلق لا ينفعه إلا الله ﷿.\nوهذا كله في التفويض إلى الله إذا ينبغي لنا إذا سلم الإنسان واستغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام أن يذكر الله تعالى بهذا الذكر.","vol":"5","page":494},{"text":"والترتيب بين الأذكار ليس بواجب يعني لو قدمت بعضها على بعض فلا بأس لكن الأفضل أن تبدأ بالاستغفار ثلاثا واللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ثم تذكر الله تعالى بالأذكار الواردة وسيأتي الكلام إن شاء الله عن حديث عبد الله بن الزبير.\n١٤١٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون فقال ألا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم &amp; قالوا بلى يا رسول الله قال تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين قال أبو صالح الراوي عن أبي هريرة لم سئل عن كيفية ذكرهن قال يقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين متفق عليه.\nوزاد مسلم في روايته فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله ﷺ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.","vol":"5","page":495},{"text":"الدثور جمع دثر بفتح الدال وإسكان الثاء المثلثة وهو المال الكثير.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا من الأحاديث الدالة على فضيلة الذكر المخصوص المقيد بعمل وقد سبق لنا أن الأذكار منها مطلق ومقيد وهذا منها حديث أبي هريرة أن فقراء المهاجرين جاءوا يشتكون إلى النبي ﷺ يقولون إن أهل الأموال سبقونا إنهم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من الأموال يعني زيادة يتصدقون بها ويحجون ويعتمرون ويجاهدون فدلهم النبي ﷺ على أمر قال ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه لم يزدكم من لحقكم وتسبقون به من بعدكم قالوا بلى يا رسول الله قال تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين يعني تقولون سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة فهذه تسع وتسعون ثم إنهم فعلوا ذلك ولكن سمع الأغنياء بهذا ففعلوا مثله فتساووا معهم في هذا الذكر فرجع الفقراء إلى رسول الله ﷺ وقالوا يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما صنعنا فصنعوا مثله وكأنهم يريدون شيئا آخر يختصون به فقال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nففي هذا الحديث من الفوائد: أولا حرص الصحابة ﵃ على التسابق إلى الخير وأن كل واحد منهم يحب أن يسبق غيره.\nومنها من فوائد هذا الحديث أن هذا الذكر سبحان الله والحمد لله والله أكبر","vol":"5","page":496},{"text":"ثلاثا وثلاثين مشروع خلف الصلوات وقد ورد في حديث آخر أنه تكمل المائة بقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.\nوهذه صفة من صفات الذكر بعد الصلاة.\nومن صفات الذكر بعد الصلاة أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسا وعشرين فيكون الجميع مائة ومن صفاته أيضا أن تقول سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله ثلاثا وثلاثين والله أكبر أربع وثلاثين فهذه مائة.\nومن صفاته أن تقول سبحان الله عشر مرات والحمد لله عشر مرات والله أكبر عشر مرات تفعل هذا مرة وهذا مرة لأن الكل ثبت عن النبي ﷺ.\nومن فوائد الحديث سعة صدر النبي ﷺ على المراجعة والمناقشة لأنه ﵊ يريد الحق أينما كان والحق معه لكن يطيب قلوب الناس ويبين لهم.\nومنها من فوائد الحديث أن الله ﷾ إذا من على أحد بفضل فإنما هو فضله يؤتيه من يشاء ولن يجور بهذا الفضل على أحد فإذا أغنى هذا وأفقر هذا فهو فضله يؤتيه من يشاء وليس هذا بجور بل ذلك فضله يؤتيه من يشاء وكذلك أيضا من رزقه الله علما ولم يرزق الآخر فهذا من فضله فالفضل بيد الله ﷿ يؤتيه من يشاء.\nومن فوائد هذا الحديث أيضا أن الأغنياء من الصحابة كالفقراء","vol":"5","page":497},{"text":"حريصون على فعل الخير والتسابق فيه ولهذا صنعوا مثل ما صنع الفقراء فصاروا يسبحون ويحمدون ويكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين والله الموفق.\n١٤٢١ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ دبر الصلوات بهؤلاء الكلمات اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من فتنة القبر رواه البخاري\n١٤٢٢ - وعن معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال يا معاذ والله إني لأحبك فقال أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه من الأذكار التي تقال دبر الصلاة الحديث الأول عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ كان يتعوذ بهذه الكلمات دبر كل صلاة اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من فتنة","vol":"5","page":498},{"text":"القبر.\nوكذلك حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ كان يقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك فكلمة دبر القاعدة فيها أنه إذا كان المذكور أذكارا فإنه يكون بعد السلام وإذا كان المذكور دعاء فإنه يكون قبل السلام لأن ما قبل السلام وبعد التشهد هو دبر الصلاة وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية دبر الشيء من الشيء كما يقال دبر الحيوان المؤخرة.\nوعلى هذا فيكون حديث سعد بن أبي وقاص وحديث معاذ بن جبل يكون هذا الدعاء قبل أن تسلم إذا انتهيت من التشهد ومن قولك أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال تقول اللهم إني أعوذ بك من البخل والجبن وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من فتنة القبر هذه خمسة أشياء تستعيذ بالله منهن: الأول البخل وهو الشح بالمال.\nالثاني الجبن وهو الشح بالنفس فالبخل أن يمنع الإنسان ما يجب عليه بذله من ماله من زكاة أو نفقات أو إكرام ضيف أو غير ذلك وأما الجبن فأن يشح الإنسان بنفسه لا يقدم في جهاد يخشى أن يقتل ولا يتكلم بكلام حق يخشى أن يسجن وما أشبه ذلك فهذا جبن.\nوأما أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر أرذل يعني أرداه وأنقصه وذلك على وجهين: الوجه الأول أن يحدث للإنسان حادث فيختل به عقله فيهذي فيرد","vol":"5","page":499},{"text":"إلى أرذل العمر ويصير كالصبي كما يوجد هذا في الحوادث يوجد أحد يصاب بحادث فيختل مخه ثم يكون كالصغير أو أن يكون ذلك عن كبر وهو الوجه الثاني لأن الإنسان كلما كبر إذا استوى وبلغ أربعين سنة بدأ يأخذ في النقص ولكن الناس يختلفون أحد ينقص كثيرا وأحد ينقص قليلا قليلا لكنه لابد أن ينقص إذا بلغ الأربعين فقد استوى وكمل والشيء إذا استوى وكمل أخذ في النقص.\nفمن الناس من يرد إلى أرذل العمر في قواه الحسية وقواه العقلية فيضعف بدنه ويحتاج إلى من يحمله ويوضئه ويوجهه وما أشبه ذلك أو عقليا بحيث يهذي ولا يدري ما يقول فالرد إلى أرذل العمر يشمل هذا وهذا ما كان بحادث وما كان بسبب تقادم السن به ثم إن الإنسان إذا وصل إلى هذه الحال نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها فإن أهله يملونه أهله الذين هم أشفق الناس به يتعبون منه ويملونه وربما يتركونه في مكان تتكفل به الحكومة مثلا وهذا لا شك أن الإنسان لا يرضاه ولا يرضى لنفسه أن يصل إلى هذا الحد وتسقط أيضا عنه الصلاة ويسقط عنه الصوم وتسقط عنه الواجبات لأنه وصل إلى حد يرتفع عنه التكليف.\nوأعوذ بك من فتنة الدنيا وما أعظم فتنة الدنيا وما أكثر المفتونين في الدنيا لاسيما في عصرنا هذا وعصرنا هذا هو عصر الفتنة كما قال النبي ﷺ والله ما الفقر أخشى عليكم وإنما أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم وهذا هو","vol":"5","page":500},{"text":"الواقع في الوقت الحاضر فتحت علينا الدنيا من كل جانب من كل شيء من كل وجه منازل كقصور الملوك ومراكب كمراكب الملوك وملابس ومطاعم ومشارب فتحت فصار الناس الآن ليس لهم هم إلا البطون والفروج فتنوا بالدنيا نسأل الله العافية.\nففتنة الدنيا عظيمة يجب على الإنسان أن ينتبه لها ولهذا قال الله ﷿ إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور وأعوذ بك من فتنة القبر أو من عذاب القبر وفتنة القبر أيضا فتنة عظيمة إذا دفن الميت وانصرف عنه أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم منصرفين عنه أتاه ملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه إن كان مؤمنا خالصا أجاب بالصواب وقال ربي الله ونبي محمد وديني الإسلام وإن كان مرائيا أو منافقا أعاذنا الله وإياكم من ذلك قال هاها لا أدري هاها لا أدري فيضرب بمرزبة من حديد المرزبة من الحديد قالوا مثل المطرقة وقد ورد في بعض الأحاديث أنه لو اجتمع عليها أهل منى ما أقلوها من عظمتها نسأل الله العافية فيصيح صيحة يسمعها كل شيء يسمعها كل شيء إلا الثقلين يعني الإنس والجن وهذه من رحمة الله أن الله تعالى لا يسمعنا عذاب القبر لأننا إذا سمعنا الناس يعذبون في قبورهم ما طاب لنا","vol":"5","page":501},{"text":"عيش ولتنكدنا إن كان قريبا لنا تنكدنا من وجهين: من قرابته ومن هذه الأصوات المزعجة.\nوإن كان غير قريب أيضا انزعجنا منه ففتنة القبر فتنة عظيمة نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها هذه أشياء كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه خمسة أشياء اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر أو من فتنة القبر.\nأما حديث معاذ فإن النبي ﷺ قال له إني أحبك وأقسم قال والله إني لأحبك وهذه منقبة عظيمة لمعاذ بن جبل ﵁ أن نبينا ﷺ أقسم أنه يحبه والمحب لا يدخر لحبيبه إلا ما هو خير له وإنما قال هذا له لأجل أن يكون مستعدا لما يلقى إليه لأنه يلقيه إليه من محب ثم قال له لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة مكتوبة اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك ودبر كل صلاة يعني في آخر الصلاة قبل السلام هكذا جاء في بعض الروايات أنه يقولها قبل السلام وهو حق وكما ذكرنا أن المقيد بالدبر أي دبر الصلاة إن كان دعاء فهو قبل التسليم وإن كان ذكرا فهو بعد التسليم ويدل لهذه القاعدة أن رسول الله ﷺ قال في حديث ابن مسعود في التشهد لما ذكره قال ثم ليتخير من الدعاء ما شاء أو ما أحب أو أعجبه إليه أما الذكر فقال الله تعالى ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ أعني على ذكرك يعني كل قول يقرب إلى","vol":"5","page":502},{"text":"الله كل شيء يقرب إلى الله كل تفكير يقرب إلى الله فهو من ذكر الله وشكرك أي شكر النعم واندفاع النقم فكم من نعمة لله علينا وكم من نقمة اندفعت عنا فنشكر الله على ذلك ونسأل الله أن يعيننا عليه وعلى حسن عبادتك وحسن العبادة يكون بأمرين بالإخلاص لله ﷿ كل ما قوي الإخلاص كان أحسن وبالمتابعة لرسول الله ﷺ والله الموفق.\n١٤٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال رواه مسلم.\n١٤٢٤ - وعن علي ﵁ قال كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ هذين الحديثين فيما يتعوذ به ويذكر الله به في الصلوات ففي الأول عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال","vol":"5","page":503},{"text":"إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع وفي لفظ التشهد الأخير يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال.\nهذه أربعة أمور أمر النبي ﷺ أن نستعيذ بالله منها إذا فرغنا من التشهد يعني قبل التسليم أعوذ بالله من عذاب جهنم وهي النار فتتعوذ بالله من عذابها وهذا يشمل ما عملت من سوء تسأل الله أن يعفو عنك منه وما لم تعمل من السوء تسأل الله أن يجنبك إياه ومن عذاب القبر لأن القبر فيه عذاب عذاب دائم للكافرين وعذاب قد ينقطع للعاصين وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه مر بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرأ من البول وأما الأخر فكان يمشي بالنميمة ومن فتنة المحيا والممات فتنة المحيا ما يفتتن به الإنسان في حياته وتدور على شيئين إما جهل وشبهة وعدم معرفة بالحق فيشتبه عليه الحق بالباطل فيقع في الباطل فيهلك وإما شهوة أي هوى بحيث يعلم الإنسان الحق لكنه لا يريده وإنما يريد الباطل وأما فتنة الممات فقيل إنها فتنة القبر وهي سؤال الملكين للإنسان إذا دفن عن ربه ودينه ونبيه وقيل فتنة الممات هي ما يكون عند موت","vol":"5","page":504},{"text":"الإنسان وذلك أن أشد ما يكون الشيطان حرصا على إغواء بني آدم عند موتهم يأتي للإنسان عند موته ويوسوس له ويشككه وربما يأمره بأن يكفر بالله ﷿ فهذه الفتنة من أعظم الفتن وأما فتنة المسيح الدجال فالمسيح الدجال هو من يبعثه الله ﷿ عند قيام الساعة رجل خبيث كاذب مكتوب بين عينيه كافر يقرؤوه المؤمن الكاتب وغير الكاتب ويفتن الله تعالى الناس به لأنه يمكن له في الأرض بعض الشيء يبقي في الأرض أربعين يوما اليوم الأول طوله طول السنة الكاملة والثاني طول الشهر والثالث طوله أسبوع والرابع كسائر الأيام.\nيدعو الناس إلى أن يكفروا بالله وأن يشركوا به يقول أنا ربكم ومعه جنة ونار لكنها جنة فيما يرى الناس ونار فيما يرى الناس وإلا فحقيقة حنته أنها نار وحقيقة ناره أنها جنة كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ فيغتر الناس به ويفتتن به ما شاء الله أن يفتتن وفتنته عظيمة فإن النبي ﷺ قال ما في الدنيا فتنة أعظم من خلق آدم إلى قيام الساعة مثل فتنة المسيح الدجال وما من نبي إلا وأنذر به قومه ولهذا خصه من بين فتنة المحيا بأن فتنته عظيمة نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها","vol":"5","page":505},{"text":"وهذه الأربع يذكرها الإنسان قبل أن يسلم واختلف العلماء ﵏ هل هذا واجب أو سنة فأكثر العلماء على أنه سنة وأن الإنسان لو تركه لم تبطل صلاته وقال بعض أهل العلم إنه واجب إنه يجب على الإنسان أن يستعيذ بالله من هذه الأربع قبل أن يسلم وأنه لو ترك ذلك فصلاته باطلة وعليه أن يعيدها وقد أمر طاووس وهو أحد كبار التابعين ابنه حين لم يقرأ هذه التعويذات الأربع أمره أن يعيد صلاته فينبغي للإنسان ألا يدعها أن يحرص عليها لما فيها من الخير الكثير ولئلا يؤدي بصلاته إلى أنها تكون باطلة عند بعض أهل العلم والله الموفق.\n١٤٢٥ - وعن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي متفق عليه.\n١٤٢٦ - وعنها أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده سبوح قدوس رب الملائكة والروح رواه مسلم.\n١٤٢٧ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم رواه مسلم.","vol":"5","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أذكار في أحوال معينة فمنها ما نقله المؤلف ﵀ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وهذا بعد أن أنزل الله عليه إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توبا وهذه السورة هي أجل رسول الله ﷺ فإن الله نعاه إلى نفسه بأنه إذا جاء نصر الله وتم الفتح فقد قرب أجله كما فهم ذلك ابن عباس ﵄ فإن ابن عباس - ﵄ - كان صغير السن وكان عمر ﵁ يحضره مع مجالس الرجال وكبار القوم فقال بعضهم لماذا يحضر عمر ابن عباس ويترك أبناءه فأراد أن يبين لهم ﵁ فضل ابن عباس فقال لهم يوما من الأيام ما تقولون في قوله تعالى ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توبا﴾ ما معنى هذه السورة قالوا معناها أنه إذا جاء الفتح فسبح بحمد ربك واستغفره فقال ما تقول يا ابن عباس قال أقول هذا أجل رسول الله ﷺ أن الله أعطاه علامة وهي الفتح والنصر إذا جاءت فقد قرب أجله فقال ما فهمت منها إلا ما فهمت فالحاصل أن هذه الآية أمر الله نبيه أن يسبح بحمد ربه ويستغفره","vol":"5","page":507},{"text":"وكان ﷺ يفعل ذلك يكثر أن يقول في ركوعه وهو كذلك في سجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ومعنى هذا أنك تثني على الله ﷿ بكمال صفاته وانتفاء صفات النقص عنه وتسأله المغفرة.\nأما حديثها الثاني فقالت كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده سبوح قدوس رب الملائكة والروح يعني أنت سبوح قدوس وهذه مبالغة في التنزيه وأنه جل وعلا سبوح قدوس رب الملائكة وهم جند الله ﷿ عالم لا نشاهدهم وأما الروح فهو جبريل وهو أفضل الملائكة فينبغي للإنسان أن يكثر في ركوعه وسجوده من قوله سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي تأسيا برسول الله ﷺ وأن يقول كذلك في ركوعه وسجوده سبوح قدوس رب الملائكة والروح.\nأما حديث ابن عباس ﵄ فقال أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء وهذا طرف من حديث أوله ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم أي حري أن يستجاب لكم لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد والركوع لا يجوز لأحد أن يقرأ القرآن وهو راكع ولا يجوز أن يقرأ القرآن وهو ساجد لكن له أن يدعو بالدعاء الذي يوافق القرآن مثل أن يقول مثلا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين","vol":"5","page":508},{"text":"لكن أما أن يقرأ القرآن فهذا حرام عليه أن يقرأ وهو راكع أو يقرأ وهو ساجد الركوع له التعظيم يعظم ربه سبحان ربي العظيم سبحان الملك القدوس وما أشبه ذلك السجود يقول سبحان ربي الأعلى سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ويدعو ويكثر من الدعاء فقمن أن يستجاب له أي حري أن يستجاب له وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.\n١٤٢٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء رواه مسلم.\n١٤٢٩ - وعنه أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في بيان دعاء وأذكار مخصوصة ذكرها المؤلف ﵀ في باب فضل الدعاء فمنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وذلك لأن الإنسان إذا سجد فإنه يضع أشرف ما به من الأعضاء في أماكن وضع الأقدام التي توطأ بالأقدام وكذلك أيضا يضع أعلى ما في جسده حذاء أدنى ما في جسده يعني أن وجهه أعلى ما في جسده وقدميه أدنى ما في","vol":"5","page":509},{"text":"جسده فيضعهما في مستوى واحد تواضعا لله ﷿ ولهذا كان أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد وقد أمر النبي ﷺ فيما سبق بالإكثار من الدعاء في حال السجود فيجتمع في ذلك الهيئة والمقال تواضعا لله ﷿ ولهذا يقول الإنسان في سجوده سبحان ربي الأعلى إشارة إلى أنه جل وعلا وهو العلي الأعلى في ذاته وفي صفاته وأن الإنسان هو السافل النازل بالنسبة لجلال الله تعالى وعظمته.\nأما الحديث الثاني فهو فيه أن النبي ﷺ كان يقول في صلاته اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله علانيته وسره وأوله وآخره وهذا من باب التبسط في الدعاء والتوسع فيه لأن الدعاء عبادة فكل ما كرره الإنسان ازداد عبادة لله ﷿ ثم إنه في تكراره هذا يستحضر الذنوب كلها السر والعلانية وكذلك ما أخفاه وكذلك دقه وجله وهذا هو الحكمة في أن النبي ﷺ فصل بعد الإجمال فينبغي للإنسان أن يحرص على الأدعية الواردة عن رسول الله ﷺ لأنها أجمع الدعاء وأنفع الدعاء وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح.\n١٤٣٠ - وعن عائشة ﵂ قالت افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة فتحسست فإذا هو راكع أو ساجد يقول سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت وفي رواية فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ","vol":"5","page":510},{"text":"بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك رواه مسلم.\n١٤٣١ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال كنا عند رسول الله ﷺ فقال أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب ألف حسنة قال يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة رواه مسلم.\nقال الحميدي كذا هو في كتاب مسلم أو يحط قال البرقاني ورواه شعبة وأبو عوانة ويحيى القطان عن موسى الذي رواه مسلم من جهته فقالوا ويحط بغير ألف.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في بيان الذكر وفضله الحديث الأول عن عائشة ﵂ أنها افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة فخرجت تتحسس عنه لأنها ﵂ هي أحب نسائه إليه وهي تحبه أيضا فتخشى أن يكون حصل عليه شيء فذهبت تتحسس فوجدته ﷺ في المسجد وهو ساجد يدعو الله ﵎ بهذا الدعاء قالت ووقعت يدي على بطون قدميه وهو ساجد واستدل العلماء بذلك على أن الساجد ينبغي له أن يضم قدميه بعضهما إلى بعض ولا يفرقهما لأنه لا يمكن أن تقع اليد الواحدة على","vol":"5","page":511},{"text":"قدمين متفرقتين وكذلك هو أيضا في صحيح ابن خزيمة أن النبي ﷺ كان يضم رجليه في السجود.\nأما الركبتان فهما على طبيعتهما لا يفرقهما ولا يضمهما على طبيعتهما كان من دعائه ﵊ اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك والمعنى أنه ﷺ يستعيذ بالله ﷿ بالأعمال الصالحة عن الأعمال السيئة لأن الأعمال السيئة توجب الغضب والسخط والأعمال الصالحة توجب الرضا والشيء إنما يداوي بضده فالسخط ضده الرضا فيستعيذ بالرضا من السخط وبمعافاتك من عقوبتك يعني أستعيذ بمعافاتك من الذنوب وآثارها وعقوباتها من عقوبتك على الذنوب وهذا يتضمن سؤال المغفرة وأعوذ بك منك وهذا أشمل وأعم أنه يتعوذ بالله من الله ﷿ وذلك لأنه لا منجى ولا ملجأ من الله إلا إليه لا أحد ينجيك من عذاب الله إلا الله ﷿ فتستعيذ بالله من الله ﷾ أي تستعيذ به من عقوبته وغير ذلك مما يقدره فدل ذلك على ما ذكرنا من انضمام القدمين في السجود ودل هذا على أن النبي ﷺ كان يصلي أحيانا النافلة في المسجد مع أن الأفضل أن تكون في البيت كما قال رسول الله ﷺ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة لكنه ﵊ أحيانا يصلي","vol":"5","page":512},{"text":"النافلة في المسجد وفيه أيضا دليل على محبة عائشة لرسول الله ﷺ ولا غرابة فإنه ﵊ كانت هي أحب نسائه اللاتي عنده ولا يساميها أحد اللهم إلا خديجة ﵂ فإن خديجة هي أول نسائه ﷺ ولم يتزوج عليها أحد حتى ماتت وكان يذكرها دائما أي يذكر خديجة لكن عائشة ﵂ هي أحب نساءه الموجودات في عهد عائشة.\nومن فوائد هذا الحديث أن الإنسان يستعيذ بصفات الله ﷿ من ضدها بالرضا من السخط وبالمعافاة من العقوبة وأنه لا ملجأ له من الله إلا إليه فيستعيذ بالله منه ﵎ والله الموفق.\n١٤٣٣ - وعن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال مازلت على الحال التي فارقتك عليها قالت نعم فقال النبي ﷺ لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه","vol":"5","page":513},{"text":"ومداد كلماته رواه مسلم.\nوفي رواية له سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضاء نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته.\nوفي رواية الترمذي ألا أعلمك كلمات تقولينها سبحان الله عدد خلقه سبحان الله عدد خلقه سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته سبحان الله مداد كلماته سبحان الله مداد كلماته.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث من الأحاديث التي فيها بيان فضيلة نوع من أنواع الذكر وهو ما روته أم المؤمنين جويرية بنت الحارث عن النبي ﷺ أنه خرج من عندها الفجر ثم رجع إليها ضحا وهي تسبح وتهلل فبين لها ﷺ أنه قال بعدها كلمات تزن ما قالت منذ الفجر أو منذ الصبح سبحان الله وبحمده عدد خلقه ثلاث مرات سبحان الله وبحمده رضا نفسه ثلاث مرات سبحان الله وبحمده زنة عرشه ثلاث مرات سبحان الله وبحمده مداد كلماته ثلاث مرات.","vol":"5","page":514},{"text":"أما سبحان الله وبحمده عدد خلقه فمعناه أنك تسبح الله ﷿ وتحمده عدد مخلوقاته ومخلوقات الله ﷿ لا يحصيها إلا الله كما قال الله تعالى وما يعلم جنود ربك إلا هو.\nوأما سبحان الله وبحمده زنة عرشه وزنة عرشه لا يعلم ثقلها إلا الله ﷾ لأن العرش أكبر المخلوقات التي نعلمها فإن النبي ﷺ يروى عنه أنه قال إن السماوات السبع والأرضين السبع في الكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة إذا فهو مخلوق عظيم لا يعلم قدره إلا الله ﷿.\nوأما سبحان الله وبحمده رضا نفسه فيعني أنك تسبح الله وتحمده حمدا يرضى به الله ﷿ وأي حمد يرضى به الله إلا وهو أفضل الحمد وأكمله.\nوأما سبحان الله وبحمده مداد كلماته والمداد ما يكتب به الشيء وكلمات الله تعالى لا يقارن بها شيء قال الله تعالى ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم﴾ وقال تعالى ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾ فكلمات الله تعالى لا نهاية لها","vol":"5","page":515},{"text":"فالمهم أنه ينبغي لنا أن نحافظ على هذا الذكر.\nسبحان الله وبحمده عدد خلقه (ثلاث مرات) سبحان الله وبحمده رضا نفسه (ثلاث مرات) سبحان الله وبحمده زنة عرشه (ثلاث مرات) سبحان الله وبحمده مداد كلماته (ثلاث مرات) فيكون الجميع اثنتي عشرة مرة.\n١٤٣٤ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت رواه البخاري.\nورواه مسلم فقال مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت\n١٤٣٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم متفق عليه.\n١٤٣٦ - وعنه قال قال رسول الله ﷺ سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذكرات رواه مسلم.","vol":"5","page":516},{"text":"روي المفردون بتشديد الراء وتخفيفها والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أحاديث في فضل ذكر الله ﷿ أما الحديث الأول فقد قال فيه رسول الله ﷺ مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت وذلك لأن الذي يذكر الله تعالى قد أحيا الله قلبه بذكره وشرح له صدره فكان كالحي وأما الذي لا يذكر الله فإنه لا يطمئن قلبه والعياذ بالله ولا ينشرح صدره للإسلام فهو كمثل الميت وهذا مثل ينبغي للإنسان أن يعتبر به وأن يعلم أنه كلما غفل عن ذكر الله ﷿ فإنه يقسو قلبه وربما يموت قلبه والعياذ بالله.\nوأما الحديثان الأخيران ففيهما أيضا دليل على فضيلة الذكر وهو أن الإنسان إذا ذكر الله ﷿ في نفسه ذكره الله في نفسه وإن ذكره في ملأ ذكره الله في ملأ خير منهم يعني إذا ذكرت ربك في نفسك إما أن تنطق بلسانك سرا ولا يسمعك أحد أو تذكر الله في قلبك فإن الله تعالى يذكرك في نفسه وإذا ذكرته في ملأ أي عند جماعة فإن الله تعالى يذكرك في ملأ خير منهم أي في ملأ من الملائكة يذكرك عندهم ويعلي ذكرك ويثني عليك جل وعلا ففي هذا دليل على فضيلة الذكر وأن الإنسان إذا ذكر الله عند ملأ كان هذا أفضل مما إذا ذكره في نفسه إلا أن يخاف الإنسان على نفسه الرياء فإن خاف الرياء فلا يجهر ولكن لا يكون في قلبه وساوس بأن يقول إذا","vol":"5","page":517},{"text":"ذكرت الله جهرا فهذا رياء فلا أذكر الله فليدع هذه الوساوس ويذكر الله تعالى عند الناس وفي نفسه حتى يذكره الله ﷿ كما ذكر ربه.\nوأما حديث أبي هريرة الثالث فهو أن النبي ﷺ قال سبق المفردون قالوا وما المفردون قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات فهذا دليل على أن الذاكرين الله كثيرا لهم السبق على غيرهم لأنهم عملوا أكثر من غيرهم فكانوا أسبق إلى الخير والله الموفق.\n١٤٣٧ - وعن جابر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أفضل الذكر لا إله إلا الله رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n١٤٣٨ - وعن عبد الله بن بسر ﵁ أن رجلا قال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به قال لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n١٤٣٩ - وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة رواه الترمذي وقال حديث حسن.","vol":"5","page":518},{"text":"١٤٤٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لقيت إبراهيم ﷺ ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n١٤٤١ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله تعالى رواه الترمذي قال الحاكم أبو عبد الله إسناده صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) كلها في مجموعها تدل على فضيلة الذكر كما سبق ولكن في بعضها ما فيه ضعف فمنها أن النبي ﷺ قال له رجل إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فقال له النبي ﷺ لا يزال لسانك رطبا بذكر الله ﷿ هذا الحديث فيه ضعف لكن إن صح فالمعنى أن هذا الرجل كثرت عليه النوافل أما الفرائض فلا يغني","vol":"5","page":519},{"text":"عنها قول لا إله إلا الله ولا غيره الفرائض لابد منها أما النوافل إذا شق على الإنسان بعضها فالذكر قد يسد ما يحصل به الخلل ومنها أيضا أن الرسول ﷺ قال أفضل الذكر لا إله إلا الله ولا شك أن هذه الكلمة كلمة عظيمة فهي التي يدخل بها الإنسان في دين الإسلام فهي مفتاح الإسلام كما جاء في الحديث أن مفتاح الجنة هو لا إله إلا الله ومنها أيضا فضيلة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وأن هذه غراس الجنة يعني أن الإنسان إذا قالها يغرس له في الجنة غرسا في كل كلمة ومنها أن ذكر الله ﷿ من أفضل الأعمال وأوفاها وأحبها إلى الله ﷿ بل هو من أسباب الثبات عند اللقاء كما قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون مثل هذه الأحاديث كلها تدل على فضيلة الذكر وأنه ينبغي للإنسان أن يكثر من ذكر الله وقد مر علينا قول النبي ﷺ كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم والله الموفق.\n١٤٤٢ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل فقال سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله","vol":"5","page":520},{"text":"عدد ما خلق في الأرض سبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n١٤٤٣ - وعن أبي موسى ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة فقلت بلى يا رسول الله قال لا حول ولا قوة إلا بالله متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في بيان فضل الذكر وقد سبقت أحاديث كثيرة كلها تدل على فضل الذكر فحديث سعد بن أبي وقاص في دخول النبي ﷺ على المرأة وبين يديها حصى أو نوى تسبح به فقال ألا أخبرك بما هو أفضل من ذلك فذكر لها تسبيحا سبق نظيره أو قريب منه قوله ﷺ سبحان الله وبحمده عدد خلقه (ثلاث مرات) سبحان الله وبحمده زنة عرشه (ثلاث مرات) سبحان الله وبحمده رضا نفسه (ثلاث مرات) سبحان الله وبحمده مداد كلماته (ثلاث مرات) هذه اثنتا عشرة مرة فيها خير كثير وسبق بيان شرح ذلك.\nأما حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة والاستفهام هنا للتشويق يعني يشوقه","vol":"5","page":521},{"text":"الرسول ﷺ إلى أن يستمع إلى ما يقول قلت بلى يا رسول الله قال لا حول ولا قوة إلا بالله لأن هذه الكلمة فيها التبرء من الحول والقوة إلا بالله ﷿ فالإنسان ليس له حول وليس له قوة فلا يتحول من حال إلى حال ولا يقوى على ذلك إلا بالله ﷿ فهي كلمة استعانة إذا أعياك الشيء وعجزت عنه قل لا حول ولا قوة إلا بالله فإن الله تعالى يعينك عليه وليست هذه الكلمة كلمة استرجاع كما يفعله كثير من الناس إذا قيل له حصلت المصيبة الفلانية قال لا حول ولا قوة إلا بالله ولكن كلمة الاسترجاع أن تقول إنا لله وإنا إليه راجعون أما هذه فهي كلمة استعانة إذا أردت أن يعينك الله على شيء فقل لا حول ولا قوة إلا بالله وكما مر عليكم في سورة الكهف قصة صاحبي الجنتين قال له صاحبه ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله لكان هذا خيرا لك وأبقى لجنتك ولكنه دخلها وقال ﴿ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة﴾ فأعجب بها وأنكر قيام الساعة فأرسل الله عليها حسبانا من السماء فأصبحت صعيدا زلقا فالمهم أن كلمة لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة تقولها أيها الإنسان عندما يعييك الشيء ويثقلك وتعجز عنه قل لا حول ولا قوة إلا بالله ييسر الله لك الأمر والله الموفق.","vol":"5","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>باب ذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضطجعا ومحدثا وجنبا وحائضا إلا </span>القرآن فلا يحل لجنب ولا حائض\nقال الله تعالى ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .\n١٤٤٤ - وعن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه رواه مسلم.\n١٤٤٥ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضى بينهما ولد لم يضره متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) باب ذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضطجعا.\nيعني أن الإنسان ينبغي له أن يذكر الله تعالى في كل حال قائما وقاعدا وعلى جنبه","vol":"5","page":523},{"text":"ثم استشهد ﵀ بقوله الله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم في خلق السماوات والأرض يعني في ذات السماوات وذات الأرض بما فيهما من عجائب مخلوقات الله تعالى آيات لأولي الألباب أولي العقول الذين يدركون ما بآيات الله من الحكم والأسرار فالسماء واسعة عالية والأرض مسطحة مذللة للخلق فيها من آيات الله تعالى من البحار والأنهار والأشجار والجبال وغير ذلك ما يستدل به على خالقها جل وعلا.\nوأما اختلاف الليل والنهار فاختلاف الليل والنهار في الطول والقصر والحر والبرد والرخاء والشدة والأمن والخوف والبؤس والعافية وغير ذلك فيها أيضا آيات عظيمة والإنسان إذا طالع التاريخ ورأى تقلبات الليل والنهار واختلافهما رأى من آيات الله العجيبة ما يزداد به إيمانه وقوله ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ هذا هو الشاهد يذكرون الله في كل حال قياما وقعودا وعلى جنوبهم في كل حال.\nوكذلك ذكر ﵀ حديث عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ يذكر الله على كل الأحيان أي على كل الأزمان في كل زمن يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجا حتى أن النبي ﷺ ندب الإنسان أن يذكر الله عند جماع أهله فقال لو أن أحدكم أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إذا قضى بينهما ولد لم يضره الشيطان","vol":"5","page":524},{"text":"ففي هذا دليل على أنه ينبغي لك أن تكثر من ذكر الله في كل حال إلا أن العلماء قالوا لا ينبغي أن يذكر الله تعالى في الأماكن القذرة مثل أماكن قضاء الحاجة (المراحيض) ونحوها تكريما لذكر الله ﷿ عن هذه المواضع هكذا ذكر بعض أهل العلم والله أعلم.","vol":"5","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>باب ما يقوله عند نومه واستيقاظه</span>\n١٤٤٦ - عن حذيفة وأبي ذر ﵄ قالا كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال باسمك اللهم أحيا وأموت وإذا استيقظ قال الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ باب ما يقوله عند نومه واستيقاظه من نعمة الله ﷾ علينا أن الله شرع لنا أذكارا عند النوم والاستيقاظ والأكل والشرب ابتداء وانتهاء بل حتى عند دخول الخلاء وعند اللباس كل هذا من أجل أن تكون أوقاتنا معمورة بذكر الله ﷿ ولولا أن الله شرع لنا ذلك لكان بدعة ولكن الله شرع لنا هذا من أجل أن تزداد نعمته علينا بفعل هذه الطاعات.\nفمنها هذا الحديث الذي ذكره المؤلف عن حذيفة وأبي ذر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال باسمك اللهم أحيا وأموت.\nإذا أوى يعني إذا ذهب إلى فراشه وأراد أن ينام قال باسمك اللهم أحيا وأموت لأن الله ﷾ هو المحيي المميت فهو المحيي يحيي من شاء وهو المميت يميت من يشاء فتقول باسمك اللهم أحيا وأموت أي أموت على اسمك وأحيا على اسمك ومناسبة","vol":"5","page":526},{"text":"هذا الذكر عند النوم هو أن النوم موت لكنه موت أصغر كما قال تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم وقال تعالى ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل قال الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور فتحمد الله الذي أحياك بعد الموت وتذكر أن النشور يعني من القبور والإخراج من القبور يكون إلى الله ﷿ فتتذكر ببعثك من موتتك الصغرى بعثك من موتتك الكبرى وتقول الحمد لله الذي أحيانا بعد إذ أماتنا وإليه النشور وفي هذا دليل على الحكمة العظيمة في هذا النوم الذي جعله الله راحة للبدن عما سبق وتنشيطا للبدن فيما يستقبل وأنه يذكر أيضا بالحياة الأخرى تذكر بذلك إذا قمت من قبرك بعد موتك حيا إلى الله ﷿.\nوهذا يزيدك إيمانا بالبعث والإيمان بالبعث أمر مهم لولا أن الإنسان يؤمن بأنه سوف يبعث ويجازى على عمله ما عمل ولهذا نجد كثيرا أن الله يقرن الإيمان باليوم الآخر بالإيمان به ﷿ كما قال تعالى ﴿الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ وآيات كثيرة في هذا فالمهم أنه ينبغي لك إذا أويت إلى فراشك أن تقول باسمك اللهم أحيا وأموتوإذا استيقظت تقول الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور والله الموفق.","vol":"5","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>باب فضل حلق الذكر والندب إلى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير </span>عذر\nقال الله تعالى ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم﴾ .\n١٤٤٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله ﷿ تنادوا هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم وهو أعلم ما يقول عبادي قال يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك فيقول هل رأوني فيقولون لا والله ما رأوك فيقول كيف لو رأوني قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا فيقول فماذا يسألون قال يقولون يسألونك الجنة قال يقول وهل رأوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال فمم يتعوذون قال يقولون يتعوذون من النار قال فيقول وهل رأوها قال يقولون لا والله ما رأوها فيقول كيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم متفق عليه.","vol":"5","page":528},{"text":"وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال إن لله ملائكة سيارة فضلاء يتتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملأوا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء فيسألهم الله ﷿ وهو أعلم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك قال وماذا يسألوني قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أي رب قال فكيف لو رأوا جنتي قالوا ويستجيرونك قال ومم يستجيروني قالوا من نارك يا رب قال وهل رأوا ناري قالوا لا قال فكيف لو رأوا ناري قالوا ويستغفرونك فيقول قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا قال فيقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم فيقول وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) باب فضل حلق الذكر يعني الاجتماع على ذكر الله ﷿ ثم ساق الآية الكريمة واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم فأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يصبر نفسه مع هؤلاء القوم الفضلاء الشرفاء الكرماء وصبر النفس يعني حبسها احبس نفسك معهم فإن هؤلاء القوم خير من تجلس إليهم ﴿يدعون ربهم بالغداة﴾ أي في أول النهار وبالعشي في آخر","vol":"5","page":529},{"text":"النهار ومن ذلك إن شاء الله الاجتماع على صلاة الفجر وعلى صلاة العصر لأن الأولى في الصباح والثانية في المساء غداة وعشيا ﴿يدعون ربهم﴾ أي يريدون وجهه هذا دليل على إخلاصهم لله ﷿ وأنهم لا يريدون من هذا الاجتماع والدعاء أن يمدحوا بذلك أو يقال ما أعظم عبادتهم ما أكثرها ما أصبرهم عليها لا يريدون هذا كله يريدون وجه الله ﷿ ﴿ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدينا﴾ يعني لا تتجاوز عنهم وتفارقهم وتغض الطرف عنهم من أجل الدنيا أما من أجل مصلحة أخرى أعظم مما هم عليه فلا بأس لكن من أجل الدنيا لا هؤلاء هم القوم وهم أهل الدنيا والآخرة ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾ يعني لا تطع الغافل الذي غفل قلبه عن ذكر الله وكان أمره فرطا واتبع هواه وضاعت عليه دنياه وضاعت عليه أخراه.\nففي هذه الآية الكريمة فضل الاجتماع على الذكر والدعاء وفيها فضل الإخلاص وأن الإخلاص هو الذي عليه مدار كل شيء وفيها أن الإنسان لا ينبغي له أن يدع أحوال الآخرة والعبادات إلى أحوال الدنيا.\nأما الأحاديث فذكر المؤلف حديث أبي هريرة ﵁ في صحيح البخاري وصحيح مسلم إن الله تعالى وكل ملائكة يسيحون في الأرض يطلبون حلق الذكر والملائكة عالم غيبي فاضل خلقهم الله ﷿ من النور وجعلهم صمدا لا أجواف لهم فلا يأكلون ولا يشربون ولا يحتاجون إلى هذا ليست لهم بطون ولا أمعاء فهم صمد ولهذا لا","vol":"5","page":530},{"text":"يأكلون ولا يشربون وهم عالم غيبي لا يراهم البشر ولكن قد يري الله تعالى الناس إياهم أحيانا كما جاء جبريل ﵊ على هيئة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة وجلس إلى النبي ﷺ وسأله فهذا يحدث أحيانا ولكن الأصل أن عالم الملائكة عالم غيبي والملائكة كلهم خير ولهذا لا يدخلون الأماكن التي فيها ما يغضب الله ﷿ فلا يدخلون بيتا فيه صورة ولا يصحبون رفقة فيها جرس ولا رفقة معهم كلب إلا الكلب المحلل الذي يجوز اقتناؤه هؤلاء الملائكة وكلهم الله ﷿ يسيحون في الأرض فإذا وجدوا حلق الذكر جلسوا معهم ثم حفوا هؤلاء الجالسين بأجنحتهم إلى السماء يعني هؤلاء الملائكة من الأرض إلى السماء ثم إن الله تعالى يسألهم ليظهر فضيلة هؤلاء القوم الذين جلسوا يذكرون الله ويسبحونه ويحمدونه ويهللونه ويكبرونه ويدعونه وإلا فالله أعلم ﷿ لماذا جلسوا لكن ليظهر فضلهم ونبلهم يسأل الملائكة من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحون ويهللون ويكبرون ويحمدون ويدعون فيقول لهم ماذا يريدون قالوا يريدون الجنة (اللهم اجعلنا ممن أرادها وكان من أهلها) قال هل رأوها قالوا لا قال فكيف لو رأوها قالوا لكانوا أشد لها طلبا وأشد فيها رغبة لأن الله ﷿ يقول أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب","vol":"5","page":531},{"text":"بشر ثم يسألهم ماذا يدعون بالنجاة منه قالوا يسألونك النجاة من النار هذا معنى الحديث قال هل رأوها قالوا لا ما رأوها قال فيكف لو رأوها قالوا لكانوا أشد منها مخافة فيقول الله ﷿ أشهدكم أني قد غفرت لهم جميعا وإذا غفر الله لإنسان استحق أن يدخل الجنة وأن ينجو من النار فيقول ملك من الملائكة إن فيهم فلانا ما جاء للذكر لكن جاء لحاجة فوجد هؤلاء القوم فجلس معهم فيقول جل وعلا فله قد غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.\nففي هذا الحديث دليل على فضلية مجالسة الصالحين وأن الجليس الصالح ربما يعم الله ﷾ بجليسه رحمته وإن لم يكن مثله لأن الله قال قد غفرت لهذا مع أنه ما جاء من أجل الذكر والدعاء لكنه جاء لحاجة وقال هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وعلى هذا فيستحب الاجتماع على الذكر وعلى قراءة القرآن وعلى التسبيح والتحميد والتهليل وكل يدعو لنفسه ويسأل الله لنفسه ويذكر لنفسه.\nومن الاجتماع كما ذكرت من قبل أن يجتمع المسلمون على صلاة الفجر وصلاة العصر لأنها ذكر تسبيح وتكبير وتهليل وقراءة قرآن ودعاء وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الملائكة الموكلين ببني آدم يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر وفقنا الله وإياك إلى ما يحبه ويرضاه.","vol":"5","page":532},{"text":"١٤٤٨ - وعنه عن أبي سعيد ﵄ قالا قال رسول الله ﷺ لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده رواه مسلم.\n١٤٤٩ - وعن أبي واقد الحارث بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد فوقفا على رسول الله ﷺ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله ﷺ قال ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيي فاستحيي الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان من الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) فالأول أخبر فيه النبي ﷺ أنه ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده وهذا يدل على فضل الاجتماع على ذكر الله ﷿ ولا يلزم من هذا أن","vol":"5","page":533},{"text":"يذكروا الله بصوت واحد بل الحديث مطلق لكن لم يعهد عن السلف أنهم يذكرون ذكرا جماعيا كما يفعله بعض أهل الطرق من الصوفية وغيرها وفيه أن هؤلاء المجتمعين تنزل عليهم السكينة والسكينة هي طمأنينة القلب وخشوعه وإنابته إلى الله ﷿ وتغشاهم الرحمة أي تحيط بهم من كل جانب فيكونون أقرب إلى رحمة الله ﷿ وحفتهم الملائكة أي كانوا حولهم يحفون بهم إكراما لهم ورضا بما فعلوا وذكرهم الله فيمن عنده أي في الملأ الأعلى وقد مر علينا أن الله تعالى قال من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم.\nوأما الحديث الثاني ففيه أيضا أن النبي ﷺ كان جالسا مع أصحابه في المسجد فأقبل ثلاثة نفر يعني ثلاثة رجال أما أحدهم فولي وأعرض ولم يأت إلى الحلقة وأما الثاني فوجد في الحلقة فرجة فجلس وأما الثالث فجلس خلف الحلقة كأنه استحيا أن يزحم الناس وأن يضيق عليهم فلما فرغ النبي ﷺ قال ألا أخبركم بنبأ القوم أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله ﷿ وهو الذي جلس فأواه الله ﷿ إليه لأنه كان صادق النية في الجلوس مع النبي ﷺ فيسر الله له وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه لأنه ما زاحم ولا تقدم وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه لم يوفقه لأن يجلس مع هؤلاء القوم البررة الأطهار.\nوفي هذا الحديث إثبات الحياء لله ﷿ ولكنه ليس كحياء المخلوقين بل هو حياء الكمال يليق بالله ﷿ وقد قال النبي ﷺ إن","vol":"5","page":534},{"text":"الله حيي كريم وقال الله تعالى والله لا يستحي من الحق والله ﷾ يوصف بهذه الصفة لكن ليس مثل المخلوقين لأن الله ﷾ يقول في القرآن ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ فكلما مر عليك صفة من صفات الله مشابهة لصفات المخلوقين في اللفظ فاعلم أنهما لا يستويان في المعنى لأن الله ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ فإذا مر بك مثلا أن الله استوى على العرش فلا تظن أن استواءه على العرش كاستوائك أنت على ظهر البعير الذي قال فيه ﴿إذا استويتم عليه﴾ وإذا قال الله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ فلا تظن أن يدي الله جل وعلا مثل يديك لأن الله ليس كمثله شيء فجميع صفاته هو منفرد بها وكما أننا نوحده في ذاته ونوحده في العبادة كذلك نوحده في صفاته ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ .\n١٤٥٠ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال خرج معاوية ﵁ على حلقة في المسجد فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك قالوا ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثا مني إن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك","vol":"5","page":535},{"text":"قالوا والله ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n إن هذا الحديث من الأحاديث التي تدل على فضيلة الاجتماع على ذكر الله ﷿ وهو ما رواه أبو سعيد الخدري عن معاوية ﵄ أنه خرج على حلقة في المسجد فسألهم على أي شيء اجتمعوا فقالوا نذكر الله فاستحلفهم ﵁ أنهم ما أرادوا إلا ذلك فحلفوا له ثم قال لهم إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكني رأيت النبي ﷺ خرج على قوم وذكر مثله فدل ذلك على فضيلة هذا الاجتماع على ذكر الله وأن الله ﷿ يباهي بهم الملائكة فيقول مثلا انظروا إلى عبادي اجتمعوا على ذكري وما أشبه ذلك مما فيه المباهاة ولكن كما أسلفنا ليس هذا الاجتماع أن يجتمعوا على الذكر بصوت واحد ولكن يتذكرون نعمة الله عليهم بما أنعم عليهم من نعمة الإسلام وعافية البدن والأمن وما أشبه ذلك فإن ذكر نعمة الله من ذكر الله ﷿ فيكون في هذا دليل على فضل جلوس الناس ليتذاكروا نعمة الله عليهم ولهذا كان بعض السلف إذا مر بأخيه أو آتاه أخوه قال اجلس بنا نؤمن ساعة.\nأي اجلس بنا نتذكر نعمة الله علينا حتى يزداد إيماننا فدل ذلك على فضيلة هذا الاجتماع نسأل الله أن يجمع قلوبنا على ذكره وشكره وحسن عبادته.","vol":"5","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>باب الذكر عند الصباح والمساء</span>\nقال الله تعالى ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين﴾ قال أهل اللغة الآصال جميع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب وقال تعالى ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ وقال تعالى ﴿وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار﴾ قال أهل اللغة العشي ما بين زوال الشمس وغروبها وقال تعالى ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ وقال تعالى ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾ .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى باب الذكر في الصباح والمساء.\nيعني فضيلته في الصباح والمساء يعني أول النهار وآخر النهار وأول الليل ويدخل الصباح من طلوع الفجر وينتهي بارتفاع الشمس ضحا ويدخل المساء من صلاة العصر وينتهي بصلاة العشاء أو قريبا منها.\nفالأذكار التي قيدت بالصباح والمساء هذا وقتها والأذكار التي قيدت بالليل تكون بالليل مثل آية الكرسي من قرأها في ليلة فلابد أن تكون في الليل نفسه ثم ذكر المؤلف ﵀ آيات متعددة في ذلك منها قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين.","vol":"5","page":537},{"text":"﴿واذكر ربك في نفسك﴾ يعني فيما بينك وبين نفسك ﴿تضرعا وخيفة﴾ يعني تضرعا إلى الله ﷿ وافتقارا إليه وإظهارا للفقر بين يديه ﴿وخيفة﴾ يعني خيفة منه أو خيفة ألا تقبل لقول الله تعالى ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ يعني يؤتون ما آتوا ومع هذا قلوبهم وجلة يخافون ألا يقبل منهم لأن الله تعالى لا يتقبل إلا من المتقين ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول﴾ يعني الإسرار ﴿ولا تكن من الغافلين﴾ ثم ذكر أيضا قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ .\nوقوله تعالى ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾ والآيات في هذا كثيرة وسوف يأتي إن شاء الله في الأحاديث تفسير ذلك.\n١٤٥١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد رواه مسلم.\n١٤٥٢ - وعنه قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة قال أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات","vol":"5","page":538},{"text":"الله التامات من شر ما خلق لم تضرك رواه مسلم.\n١٤٥٣ - وعنه عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا أصبح اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور وإذا أمسى قال اللهم بك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الثلاثة ذكرها النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) في باب الذكر في الصباح والمساء الأول فضل قول الإنسان سبحان الله وبحمده مائة مرة إذا قالها الإنسان مائة مرة حين يصبح ومائة مرة حين يمسي لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا من عمل أكثر مما عمل وهذا الذكر سبحان الله وبحمده معناه أنك تنزه الله ﷿ عن كل ما لا يليق بجلاله ﷾ وتثني عليه بل وتصفه بصفات الكمال وذلك في قولك وبحمده فينبغي للإنسان إذا أصبح أن يقول سبحان الله وبحمده مائة مرة وإذا أمسى أن يقول سبحان الله وبحمده مائة مرة وذلك ليحوز هذا الفضل الذي ذكره النبي ﷺ.\nومن ذلك أن الإنسان يقول إذا أصبح وإذا أمسى أعوذ بكلمات الله","vol":"5","page":539},{"text":"التامات من شر ما خلق فهذا لجوء إلى الله ﷾ واعتصام به من شر ما خلق فإذا قلته ثلاث مرات في الصباح والمساء فإنه لا يضرك شيء ولهذا اشتكى رجل إلى النبي ﷺ ما وجده من لدغة عقرب فقال أما أنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك.\nومن الأذكار الصباحية والمسائية قوله اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور في الصباح وفي المساء اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نموت وبك نحيا وإليك المصير فينبغي للإنسان أن يحافظ على هذه الأذكار الواردة عن النبي ﷺ ليكون من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات والله الموفق.\nكلمات الله التامات هي كلماته كونية فإنه يقول للشيء كن فيكون وبذلك يحميه.\n١٤٥٤ - وعنه أن أبا بكر الصديق ﵁ قال يا رسول الله مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت قال قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه قال قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك رواه أبو داود والترمذي وقال حديث","vol":"5","page":540},{"text":"حسن صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا من الأذكار التي تقال في الصباح والمساء والذي علمها النبي ﷺ أبا بكر ﵁ حيث قال علمني فعلمه النبي ﷺ ذكرا ودعاء يدعو به كلما أصبح وكلما أمسى يقول ﵁ قال قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه قل اللهم فاطر السماوات والأرض يعني يا الله يا فاطر السماوات والأرض وفاطرهما يعني أنه خلقهما ﷿ على غير مثال سبق بل أبدعهما وأوجدهما من العدم على غير مثال سبق عالم الغيب والشهادة أي عالم ما غاب عن الخلق وما شاهدوه لأن الله تعالى يعلم الحاضر والمستقبل والماضي رب كل شيء ومليكه يعني يا رب كل شيء ومليكه والله تعالى هو رب كل شيء وهو مليك كل شيء والفرق بين الرب والمالك في هذا الحديث أن الرب هو الموجد للأشياء الخالق لها والمليك هو الذي يتصرف فيها كيف يشاء أشهد أن لا إله إلا أنت أعترف بلساني وقلبي أنه لا معبود حق إلا أنت فكل ما عبد من دون الله فإنه باطل لا حق له في العبودية ولا حق في العبودية إلا لله وحده ﷿ أعوذ بك من شر نفسي لأن النفس لها شرور كما قال تعالى وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي فإذا لم يعصمك الله من شرور نفسك فإنها تضرك وتأمرك","vol":"5","page":541},{"text":"بالسوء ولكن الله إذا عصمك من شرها وفقك إلى كل خير ومن شر الشيطان وشركه وفي لفظ وشركه يعني تسأل الله أن يعيذك من شر الشيطان ومن شر شركه أي ما يأمرك به من الشرك أو شركه والشرك ما يصاد به الحوت والطير وما أشبه ذلك لأن الشيطان له شرك يصطاد به بني آدم إما شهوات أو شبهات أو غير ذلك وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم هذا تتمة الحديث ولعله سقط من هذه النسخة أن أقترف على نفسي سوءا أقترف يعني أجر على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم فهذا الذكر أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه.\nنسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى.\n١٤٥٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال كان نبي الله ﷺ إذا أمسى قال أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال الراوي أراه قال فيهن له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر وإذا أصبح قال ذلك أيضا أصبحنا وأصبح الملك لله رواه مسلم.","vol":"5","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث من الأذكار الواردة في الصباح والمساء وهو ما رواه ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أمسى يقول أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وقد سبق أن أوضحنا معاني هذه الكلمات.\nوالنبي ﷺ يكثر من ذكر الله ﷿ على وجوه متنوعة وأما لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة ومن شر ما بعدها رب أعوذ بك من الكسل والهرم وسوء الكبر وفي لفظ وسوء الكبر وأعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر وإذا أصبح يقول مثل ذلك إلا أنه يقول أصبحنا وأصبح الملك لله ومن أراد الاستزادة من هذه الأذكار فعليه بكتاب (الأذكار) للمؤلف ﵀ النووي أو (الوابل الصيب من الكلم الطيب) لابن القيم ﵀ أو غير ذلك مما ألفه العلماء في هذا الباب والله الموفق.\n١٤٥٦ - وعن عبد الله بن خبيب بضم الخاء المعجمة ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء رواه أبو داود والترمذي وقال حديث","vol":"5","page":543},{"text":"حسن صحيح.\n١٤٥٧ - وعن عثمان بن عفان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات إلا لم يضره شيء رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في بيان أذكار الصباح والمساء ذكرهما النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) الأول حديث عبد الله بن خبيب ﵁ أن النبي ﷺ أمره أن يقرأ قل هو الله أحد و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ في الصباح والمساء ثلاث مرات وبين أن هذا يكفيه كل شيء.\nأما السورة الأولى فهي سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد﴾ التي أخلصها الله تعالى لنفسه فلم يذكر فيها شيئا إلا يتعلق بنفسه جل وعلا ما فيها ذكر لأحكام الطهارة أو الصلاة أو البيع أو غير ذلك كلها مخلصة لله ﷿ ثم الذي يقرأها يكمل إخلاصه لله تعالى فهي مخلصة ومخلصة تخلص قارئها من الشرك وقد بين النبي ﷺ أنها تعدل ثلث القرآن ولكنها لا تجزئ عنه تعدله ولا تجزئ عنه الشيء قد","vol":"5","page":544},{"text":"يكون عديلا للشيء ولكن لا تجزئ عنه ألم تروا أن الإنسان إذا قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ومع ذلك لا يجزئ عن عتق رقبة ففرق بين المعادلة في الأجر وبين الإجزاء في الكفارة ولهذا لو قرأ الإنسان ﴿قل هو الله أحد﴾ في الصلاة ثلاث مرات ما أجزأت عن الفاتحة مع أنه لو قرأها ثلاث مرات كأنما قرأ القرآن كله لأنها تعدل ثلث القرآن.\nوأما ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ فهما السورتان اللتان نزلتا على رسول الله ﷺ حين سحره الخبيث لبيد بن الأعصم اليهودي فأنزل الله هاتين السورتين فرقاه بهما جبريل فأحل الله عنه السحر قال النبي ﷺ ما تعوذ متعوذ بمثلهما تستعيذ ﴿برب الفلق﴾ فالفلق فلق الإصباح وهو فالق الحب والنوى جل وعلا ﴿من شر ما خلق﴾ كل ما خلق ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ يعني الليل إذا دخل لأن الليل تكثر فيه الهوام والوحوش وغير ذلك فتستعيذ بالله من شر غاسق إذا وقب ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ أي الساحرات اللاتي يعقدن عقد السحر وينفثن فيها بالطلاسم والتعوذات والاعتصام بالشياطين والاستعانة بهم والعياذ بالله ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ هو العائن يصيب بعينه لأن الساحر يؤثر والعائن يؤثر فأمرت أن تستعيذ ﴿برب الفلق﴾ جل وعلا ﴿من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات","vol":"5","page":545},{"text":"في العقد ومن شر حاسد إذا حسد﴾ وتأمل تناسب هذه الآيات الثلاثة ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ الليل لأن البلاء يكون فيه خفيا والسحر كذلك خفي والعين كذلك خفية فنستعيذ برب الفلق الذي يفلق الإصباح حتى يتبين ويفلق النوى حتى يظهر ويبرز فهذه من مناسبة المقسم به والمقسم عليه.\nأما ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ فهي السورة الأخرى أيضا التي بها الاستعاذة بالله ﷿ ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس﴾ فهو الرب الملك ذو السلطان الأعظم الذي لا يمانعه شيء ولا مبدل لكلماته جل وعلا ﴿ملك الناس إله الناس﴾ أي معبودهم الذي يعبد بحق فلا معبود حق إلا الله ﷿ ﴿من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس﴾ هذه وساوس الصدور التي يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم وما أكثر ما يلقي الشيطان في هذا العصر من الوساوس العظيمة التي تقلق الإنسان وسبحان الله العظيم الدنيا اسم على مسمى دنيئة لا تتم من وجه إلا نقصت من وجوه ترفنا في هذه الأيام في هذا العهد لا يوجد نظير فيما سبق النعم متوافرة والأموال والبنون وكل شيء والترف الجسدي ظاهر لكن كثرت في الناس الآن كثرة الوساوس والأمراض النفسية والبلاء حتى لا تتم الدنيا فيركن الإنسان إليها لأن الدنيا لو تمت من كل وجه أنست الآخرة كما قال النبي ﷺ والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها","vol":"5","page":546},{"text":"كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم والله ﷿ إذا فتح الدنيا من جانب صار صفوها كدرا من جانب آخر أو من جوانب أخرى والشاعر الجاهلي يقول\nفيوم علينا ويوم لنا ...\nويوم نساء ويوم نسر\nفالحاصل أن هذه السورة فيها الاستعاذة من الوسواس والوسواس يقع في الإنسان أحيانا في أصول الدين وفي ذات الرب وفي القرآن وفي الرسول ﷺ حتى يوسوس الإنسان في أشياء يحب أن يكون فحمة ولا يتكلم بها وسواس أيضا في الطهارة بعض الناس يصاب بالوسواس والعياذ بالله يدخل الحمام للوضوء الذي لا يستغرق خمس دقائق يبق خمس ساعات نسأل الله العافية وفي الصلاة تجده يكرر تكبيرة الإحرام يكرر الكاف عشرين مرة الله أكبر وربما يعجز حتى إن بعضهم يقول إني ما أستطيع أن أصلي إطلاقا فيؤدي به الوسواس إلى ترك الصلاة يقع الوسواس في معاملة الأهل حتى إن بعضهم يخيل إليه أن أهله وضعوا له سحرا في أكله وشربه فيأكل من المطاعم وحتى إن الرجل ليتكلم لأهله فيقول يا أم فلان (زوجته) فيقول له الشيطان طلقتها وينكد عليه الحال حتى إن بعضهم إذا فتح المصحف ليقرأ كلما قلب ورقة خيل له الشيطان أنه قال لامرأته طالق فترك قراءة القرآن فالوساوس عظيمة لكن","vol":"5","page":547},{"text":"طردها سهل جدا بينه النبي ﷺ الذي أعطاه الله جوامع الكلم وفواتح الكلم وخواتم الكلم حين شكي إليه هذا الأمر فقال ﷺ إذا وجد أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته كلمتان يستعذ بالله يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولكن يقولها بصدق وإخلاص وأنه ملتجأ إلى الله حقا لا مفر له من الله إلا إليه ولينتهي يعرض عن هذا ويقول لنفسه لماذا أتوضأ وأصلي ألست أرجو الله وأخافه فينتهي عن هذا ويعرض إطلاقا إذا استعمل هذا وإن كان سوف يكبس على نفسه وسوف يتعلم وسوف يتعذب لكن هذا في أول الأمر ثم بعد ذلك يزول بالكلية لأن الرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى قال فليستعذ ولينته ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس﴾ هذه الجمل الثلاثة الآيات الثلاث يمكن أن يقال إنها استوعبت أقسام التوحيد ﴿رب الناس﴾ توحيد الربوبية ﴿ملك الناس﴾ الأسماء والصفات لأن الملك لا يستحق أن يكون ملكا إلا بتمام أسمائه وصفاته ﴿إله الناس﴾ الألوهية ﴿من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس﴾ .\nقال العلماء الخناس هو الذي يخنس عند ذكر الله ولهذا جاء في الحديث إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان","vol":"5","page":548},{"text":"الغيلان هي الأوهام والخيالات التي تعرض للإنسان في سفره ولاسيما في الأسفار الأولى على الإبل أو الإنسان الذي يسافر وحده فتتهول له الشياطين تتلون بألوان مزعجة مثل أسد ذئب ضبع شياطين جن إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان يعني قولوا (الله أكبر) فتتلاشى لأن الشيطان يخنس عند ذكر الله ﷿ ﴿من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس﴾ يعني هذا الوسواس يكون من الجنة ويكون من الناس الجنة هي الجن والمراد بهم الشياطين توسوس في الصدور والناس أيضا شياطين بني آدم وما أكثر الشياطين في زماننا وقبل زماننا وإلى يوم القيامة ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين﴾ الآية كذلك لأتباع الأنبياء أعداء من الشياطين يأتون إلى الناس يوسوسون هذا كذا وهذا كذا ربما يوسوسون على السذج من العوام سواء في مذاهب باطلة وملل كاذبة أو غير ذلك المهم عندهم وسواس شياطين الإنس أحذرهم أحذر شياطين الإنس الذين يوسوسون لك في أمور يزينونها في نفسك وهي فاسدة.\nفالمهم أن هذه السور الثلاث ينبغي للإنسان أن يقرأها كل صباح وكل مساء لأمر النبي ﷺ بها والله الموفق.","vol":"5","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>باب ما يقوله عند النوم</span>\nقال الله تعالى ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾ .\n١٤٥٨ - وعن حذيفة وأبي ذر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال باسمك اللهم أحيا وأموت رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) فيما نقله في باب أذكار الصباح والمساء فيما نقله عن عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال ما من عبد يقول حين يمسي وحين يصبح بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات إلا وقاه الله تعالى شر ذلك اليوم وهذه الكلمات كلمات يسيرة لكن فائدتها عظيمة بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لأن الله ﷾ بيده ملكوت السماوات والأرض واسمه مبارك إذا ذكر على الشيء ولهذا يسن ذكر الله تعالى بالتسمية على الأكل إذا أردت أن تأكل تقول بسم الله إذا أردت أن تشرب تقول بسم الله إذا أردت","vol":"5","page":550},{"text":"أن تأتي أهلك تقول بسم الله فالتسمية مشروعة في أماكن كثيرة ولكنها على القول الراجح على الأكل والشرب واجبة يجب على الإنسان إذا أراد أن يأكل أن يقول بسم الله وإذا أراد أن يشرب أن يقول بسم الله لأمر النبي ﷺ بذلك ولأن النبي ﷺ ذكر أن من لم يسم الله على أكله شاركه الشيطان في ذلك فلا تنسى أن تقول في كل مساء وفي كل صباح بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات.\nوقوله وهو السميع العليم فالسميع من أسماء الله والعليم من أسماء الله.\nفالسميع من أسماء الله تعالى ولها معنيان الأول السمع الذي هو إدراك كل صوت فالله تعالى لا يخفى عليه شيء كل صوت فالله يسمعه مهما بعد ومهما ضعف لما أنزل الله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير وهي امرأة جاءت تشتكي إلى الرسول ﵊ تقول إن زوجها ظاهر منها يعني قال لها أنت علي كظهر أمي وهذا القول يعد في الجاهلية طلاقا بائنا مثل الطلاق بالثلاثة وهو كذب ومنكر كما قال تعالى ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول﴾ فجاءت تشتكي إلى الرسول ﷺ فأنزل الله هذه الآية ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك﴾ قالت عائشة ﵂ الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات والله لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله ﷺ تكلمه وإني لفي الحجرة ويخفي على بعض حديثها","vol":"5","page":551},{"text":"والله تعالى من فوق سبع سماوات يسمع كلامهما فالله تعالى يسمع كلامك وإن خفت (ضعف) ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم﴾ فإياك أن تسمع الله ﷿ كلاما لا يرضاه منك واحرص على أن تسمع الله ما يرضاه منك.\nومن معاني السميع أنه سميع الدعاء أي مجيب الدعاء كما قال إبراهيم ﷺ ﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾ أي مجيبه فهو جل وعلا يجيب دعاء المضطر وإن كان كافرا ولهذا يجيب الله ﷿ دعاء المضطرين في البحر إذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فينجيهم ويجيب جل وعلا دعوة المظلوم قال النبي ﷺ واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ويجيب ﷾ من تعبد له وحمده وأثنى عليه كما يقول المصلي سمع الله لمن حمده.\nوأما العليم فهو من أسمائه أيضا وعلم الله تعالى علم واسع محيط بكل شيء قال الله تعالى ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ .\nيعلم ما في الأرحام ومفاتح الغيب خمس مذكورة في قوله تعالى ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس","vol":"5","page":552},{"text":"ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ فالله ﷿ عنده مفاتح الغيب ما تسقط من ورقة من شجرة إلا يعلمها إذا سقطت ورقة في شجرة في أبعد الفيافي ولو كانت الورقة صغيرة فالله يعلمها وإذا كان يعلم الساقط فهو جل وعلا يعلم الحادث الذي يخلقه فكل شيء فالله به عليم.\nقال الله تعالى ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ أنت الآن مثلا في بلدك مستقر ولا عندك نية تسافر يمينا ولا شمالا فإذا أراد الله أن تموت بأرض جعل لك حاجة تحملك تلك الحاجة إلى تلك الأرض وتموت هناك.\nولقد حدثني الثقة عن قصة غريبة يقول إنهم خرجوا من مكة لما كان الناس يحجون على الإبل خرجوا من مكة بعد الحج وفي أثناء الطريق مرضت أمه فجعل يمرضها فارتحل القوم في آخر الليل وبقي هو يمرض أمه ويمهد لها الفراش على الراحلة ثم ركبت الأم وسار يقودها فذهب مع أحد الريعان ضل الطريق فذهب مع أحد الريعان وارتفعت الشمس واحتر الجو فإذا بخباء صغير عند بادية فعرج عليهم (اتجه إليهم) ونزل سلم عليهم وقال لهم أين طريق نجد قالوا طريق نجد بعيد أنت الآن ليس حولك طريق ولكن انزل استرح ثم ندلك على الطريق يقول فأنخت الراحلة وأنزلت والدتي وحينما نزلت على الأرض قبض الله روحها سبحان الله يعني جاءت من بلدها إلى هذه الريعان المجهولة فماتت في المكان الذي قدر الله ﷿ أن تموت فيه لأن الله يقول ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾","vol":"5","page":553},{"text":"فالله تعالى محيط بكل شيء علمه محيط بكل شيء حتى ما في نفسك إذا كنت تفكر في نفسك فالله يعلم ما يدور بنفسك قال الله تعالى ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ فإياك أن تخفي في نفسك ما الله مبديه إياك أن تخفي في نفسك ما لا يرضي الله.\nفالمهم أن هذا الدعاء مشروع في كل صباح وفي كل مساء بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.\n١٤٥٩ - وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له ولفاطمة ﵄ إذا أويتما إلى فراشكما أو إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا ثلاثا وثلاثين وسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وفي رواية التسبيح أربعا وثلاثين وفي رواية التكبير أربعا وثلاثين متفق عليه.\n١٤٦٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم يقول باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن","vol":"5","page":554},{"text":"أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان في بيان ما يقوله الإنسان عند نومه الحديث الأول حديث علي بن أبي طالب ﵁ وفاطمة بنت محمد ﵂ وصلى الله وسلم على أبيها وذلك أن فاطمة اشتكت إلى النبي ﷺ ما تجده من الرحى (أداة لطحن الحب) وطلبت من أبيها خادما فقال ﷺ ألا أدلكما على ما هو خير من الخادم ثم أرشدهما إلى هذا أنهما إذا أويا إلى فراشهما وأخذا مضجعيهما يسبحان ثلاثة وثلاثين ويحمدان ثلاثة وثلاثين ويكبران أربعة وثلاثين قال فهذا خير لكما من الخادم وعلى هذا فيسن للإنسان إذا أخذ مضجعه لينام أن يسبح ثلاثة وثلاثين ويحمد ثلاثة وثلاثين ويكبر أربعة وثلاثين فهذه مائة مرة فإن هذا مما يعين الإنسان في قضاء حاجاته كما أنه أيضا إذا نام فإنه ينام على ذكر الله ﷿.\nوكذلك أيضا حديث أبي هريرة إذا أراد الإنسان أن ينام أن ينفض فراشه بداخلة إزاره ثلاث مرات وداخلة الإزار طرفه مما يلي الجسد وكأن الحكمة من ذلك والله أعلم بألا يتلوث الإزار بما قد يحدث من أذى في الفراش وليقل باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت روحي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين وذلك","vol":"5","page":555},{"text":"أن الإنسان إذا نام فإن الله تعالى يقبض روحه كما قال تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ولكن قبض الروح في المنام ليس كقبضها في الموت إلا أنه نوع من القبض ولهذا يفقد الإنسان وعيه ولا يحس بمن حوله فلهذا سماه الله تعالى وفاة وقال تعالى ﴿وهو الذي يتوفكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ فينبغي للإنسان أن يقول هذا الذكر باسمك اللهم أحيا وأموت اللهم بك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت روحي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين والله الموفق.\n١٤٦١ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ بالمعوذات ومسح بهما جسده متفق عليه.\nوفي رواية لهما أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات متفق عليه.\nقال أهل اللغة النفث نفخ لطيف بلا ريق.\n١٤٦٢ - وعن البراء بن عازب ﵄ قال قال لي رسول الله ﷺ","vol":"5","page":556},{"text":"إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت مت على الفطرة واجعلهن آخر ما تقول متفق عليه.\n١٤٦٣ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي رواه مسلم.\n١٤٦٤ - وعن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خده ثم يقول اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك رواه الترمذي وقال حديث حسن.\nورواه أبو داود من رواية حفصة ﵂ وفيه أنه كان يقوله ثلاث مرات.\nهذه الأحاديث من بقية الأحاديث التي ساقها المؤلف في كتابه (رياض الصالحين) في باب أذكار النوم فمنها حديث عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أخذ","vol":"5","page":557},{"text":"مضجعه جمع كفيه يعني ضم بعضهما إلى بعض ونفث فيهما والنفث هو النفخ مع ريق يسير ثم يقرأ قل هو الله أحد قل أعوذ برب الفلق قل أعوذ برب الناس يمسح بهما أي بيديه ما استطاع من جسده يبدأ برأسه ومقدم جسده ثلاث مرات.\nفينبغي للإنسان إذا أخذ مضجعه أن يفعل ذلك ينفخ في يديه مجموعتين ويقرأ فيهما قل هو الله أحد قل أعوذ برب الفلق قل أعوذ برب الناس ثلاث مرات يمسح رأسه ووجهه وصدره وبطنه وفخذيه وساقيه وكل ما يستطيع من جسده.\nأما الحديث الثاني فهو حديث البراء بن عازب ﵁ وقد سبق شرحه.\nوأما الحديث الثالث فهو حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي يحمد الله ﷿ الذي أطعمه وسقاه بأنه لولا أن الله ﷿ يسر لك هذا الطعام وهذا الشراب ما أكلت ولا شربت كما قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ وقال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ فتحمد الله الذي أطعمك وسقاك الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا كفانا يعني يسر لنا الأمور وكفانا المؤونة وآوانا أي جعل لنا مأوى نأوي إليه فكم من إنسان لا كافي له ولا مأوى أو ولا مؤوي فينبغي لك إذا أتيت مضجعك أن تقول هذا","vol":"5","page":558},{"text":"الذكر.\nومن ذلك أيضا حديث حذيفة وحفصة ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا اضطجع وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن وقال اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك.\nفكل هذه أذكار واردة عن النبي ﷺ ينبغي على الإنسان أن يحفظها ويقولها كما كان النبي ﷺ يقولها والله الموفق.","vol":"5","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>كتاب الدعوات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>باب فضل الدعاء</span>\nقال الله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ وقال تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ وقال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ وقال تعالى ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين كتاب الدعوات: الدعوات جمع دعوة وهي دعوة الإنسان ربه ﷿ يقول يا رب يا رب وما أشبه ذلك يسأل الله تعالى أن يعطيه ما يريد وأن يكشف عنه ما لا يريد ثم قال باب الأمر بالدعاء وفضله ثم ذكر الآيات ادعوني أستجب لكم وهذا قول من الله عز","vol":"6","page":7},{"text":"وجل ووعد والله تعالى لا يخلف الميعاد ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ والمراد بالدعاء هنا دعاء العبادة ودعاء المسألة أما دعاء العبادة فهو أن يقوم الإنسان بعبادة الله لأن القائم بعبادة الله لو سألته لماذا أقمت الصلاة لم آتيت الزكاة لماذا صمت؟ لماذا حججت؟ لماذا جاهدت؟ لماذا بررت الوالدين؟ لماذا وصلت الرحم؟ لقال أريد بذلك رضا الله ﷿ وهذه عبادة متضمنة للدعاء.\nأما دعاء المسألة فهو أن تسأل الله الشيء فتقول يا رب اغفر لي يا رب ارحمني يا رب ارزقني وما أشبه ذلك..\nوهذا أيضا عبادة كما جاء في الحديث الدعاء عبادة وهو عبادة لما فيه من صفة التوجه إلى الله ﷿ والاعتراف بفضله فيكون قوله ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة ﴿أستجب لكم﴾ والاستجابة في دعاء العبادة هي قبولها والاستجابة في دعاء المسألة إعطاء الإنسان مسألته وهذا وعد من الله تعالى لكن لابد من أمور فلابد لإجابة الدعاء من شروط منها الإخلاص أن تخلص لله فتكون داعيا له حقا إن كنت في عبادة لا تشرك به شيئا لا تعبده رياء ولا سمعة ولا من أجل أن يقال فلان حاج فلان سخي فلان كثير الصوم إذا قلت هذا أحبط عملك فلابد من الإخلاص في المسألة أيضا","vol":"6","page":8},{"text":"ادع الله وأنت تشعر بأنك في حاجة إليه وأنه غني عنك وقادر على إعطائك ما تسأل ولابد أيضا من أن يكون الدعاء لا عدوان فيه فإن كان فيه عدوان فإن الله لا يقبله ولو من الأب لابنه أو من الأم لابنها إذا كان فيه عدوان فإن الله لا يقبله لقول الله تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ فلو دعا الإنسان بإثم بأن سأل ربه شيئا محرما فهذا لا يقبل لأنه معتد ولو سأل ما لا يمكن شرعا مثل أن يقول اللهم اجعلني نبيا هذا لا يجوز وهو عدوان لا يقبل ولو دعا على مظلوم فإنه لا يقبل ولو دعت المرأة على ابنها لأنه يحب زوجته فإنه لا يقبل وكذلك الأب لو دعا على ابنه لأنه صاحب أناسا طيبين فإنه لا يقبل فيشترط أن يكون في الدعاء عدوان الشرط الثالث: يشترط أن يدعو الله تعالى وهو موقن بالإجابة لا دعاء تجربة لأن بعض الناس قد يدعو ليجرب ليرى هل يقبل الدعاء أم لا؟ هذا لا يقبل منه ادع الله وأنت موقن بأن الله تعالى سوف يجيبك فإن كنت دعوته وأنت في شك فإن الله لا يقبله منك الشرط الرابع: اجتناب الحرام بأن لا يكون الإنسان آكلا للحرام فمن أكل الحرام من ربا أو فوائد غش أو كذب أو ما أشبه ذلك فإنه لا يستجاب له والدليل على هذا قول النبي ﷺ إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين قال تعالى ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾ وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات","vol":"6","page":9},{"text":"ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك فاستبعد النبي ﷺ أن يستجيب الله لهذا مع أنه فعل من أسباب الإجابة ما يكون جديرا بالإجابة ولكن لما كان يأكل الحرام صار بعيدا أن يقبل الله منه فهذه أربعة شروط للدعاء لابد منها والله الموفق\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>باب الأمر بالدعاء وفضله</span>\nوقال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ وقال تعالى ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا الكلام على بيان فضيلة الدعاء وشروط الإجابة وفي هذه الآية الكريمة يقول الله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون الخطاب إلى النبي ﷺ يقول الله له ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾","vol":"6","page":10},{"text":"يعني هل أني قريب أم لست بقريب؟ فالجواب ﴿فإني قريب﴾ وقربه جل وعلا قرب يليق بجلاله وعظمته ليس قرب مكان لأنه ﷾ فوق كل شيء فوق السماوات السبع فوق العرش ولكنه قرب يليق بجلاله وعظمته فهو مع علوه العظيم الذي لا منتهى له إلا بذاته المقدسة فهو مع ذلك قريب في علوه بعيد في دنوه جل وعلا قال النبي ﷺ ذات يوم لأصحابه إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ولكنه فوق سماواته.\nالسماوات السبع والأراضين السبع في كفه جل وعلا كالخردلة في كف أحدنا فهو محيط بكل شيء لا إله إلا هو ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ قربا يليق بجلاله وعظمته وليس قرب مكان بمعنى أنه ليس عندنا في الأرض بل هو فوق السماوات جل وعلا ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ هذا الشاهد أنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه حقيقة والتجأ إليه وافتقر إليه وعلم أنه لا يكشف السوء إلا الله وأنه محتاج إلى ربه فإنه إذا دعاه في هذا الحال أجابه ﷾ ولكن لابد من ملاحظة الشروط السابقة وقال تعالى ﴿فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي﴾ فليستجيبوا أي لما دعوتهم إليه من عبادته ﷾ ومنها أن يدعوني لأن الله أمرنا بذلك ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾","vol":"6","page":11},{"text":"﴿وليؤمنوا بي﴾ إيمانا حقيقيا لا شك معه ولا كفر معه وحينئذ يكون الله تعالى أسرع إليهم بالإجابة ﴿لعلهم يرشدون﴾ لعل هنا للتعليل أي لأجل أن يرشدوا فيكونوا في جميع تصرفاتهم على وجه الرشد والرشد عكس السفه وهذه أيضا من الآيات التي تحث الإنسان إلى الدعاء بإيمان وإخلاص ثم ذكر المؤلف الآية الرابعة: قال تعالى ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ الاستفهام هنا للإنكار والنفي يعني لا أحد يجيب المضطر إذا دعاه إلا الله فالله ﷿ يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرا حتى الكافر إذا اضطر ودعا ربه أجابه قال الله تعالى ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور﴾ فالمضطر الذي تلجئه الضرورة إلى دعاء الله ولو كان كافرا يجيب الله دعوته فما بالك إذا كان مؤمنا؟ فمن باب أولى فلا أحد يجيب المضطر إلا الله أما غير الله ﷿ فقد يجيب وقد لا يجيب ربما تستغيث بإنسان في ضيق أو حريق تستغيث به ولا يجيبك ولا ينقذك لكن الله ﷿ إذا اضطررت إليه ودعوته أجابك ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ ﴿يكشف السوء﴾ أي يزيله ﴿أإله مع الله﴾ أي لا إله مع الله يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء وفي هذا رد وإبطال لما يدعيه","vol":"6","page":12},{"text":"عباد الأصنام من أنها تجيبهم وتغيثهم فإن هذا لا حقيقة له أي أحد تدعوه من دون الله لا يجيب حتى الرسول ﷺ لو دعوته وقلت يا رسول الله أنقذني من الشدة فإنك مشرك كافر والرسول ﷺ متبرئ منك ويقاتلك لو كان حيا لأنه لا أحد يدعى إلا الله كل من يدعى من دون الله فإنه لا يستجيب وقال تعالى ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ فهذه الآيات وأمثالها كلها تدل على فضيلة الدعاء والدعوة إليه وإنه لا ينبغي للإنسان أن يستغني عن ربه طرفة عين والله الموفق\n١٤٦٥ - وعن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: الدعاء هو العبادة رواه أبو داود والترمذي وقالا حديث حسن صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n عندما ذكر المؤلف ﵀ الآيات الدالة على فضل الدعاء والأمر به ذكر الأحاديث وذلك أن الأدلة هي الكتاب والسنة وإجماع المسلمين","vol":"6","page":13},{"text":"والقياس الصحيح هذه هي الأدلة الأربعة التي بنى المسلمون عليها أحكام شريعة الله ﷿ الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح وكلها تدور على القرآن الكريم هو الأصل فلولا أن الله ﷾ جعل طاعة رسوله ﷺ من طاعته وأمر باتباع رسوله ﷺ ما كانت السنة دليلا ولولا أن الله جعل إجماع هذه الأمة على حق ولا يمكن أن تجتمع على ضلالة ما كان الإجماع دليلا ولولا أن الاعتبار والنظر وإلحاق النظير بالنظير من أدلة الشرع دل عليه القرآن ما كان القياس أيضا دليلا ولكن كل هذا قد دل عليه القرآن بأنه دليل تثبت به الأحكام الشرعية فذكر المؤلف ﵀ آيات من كتاب الله ﷿ في فضل الدعاء والأمر به ثم ذكر الأحاديث ومنها حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال الدعاء هو العبادة يعني الدعاء من العبادة ويشهد لهذا قول الله تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين لم يقل يستكبرون عن دعائي قال ﴿عن عبادتي﴾ فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة ووجه ذلك من النظر أن الإنسان إذا دعا ربه فقد اعترف لله ﷿ بالكمال وإجابة الدعاء وأنه على كل شيء قدير وأن العطاء أحب إليه من المنع ثم إنه لم يلجأ إلى غيره لم يدع غير الله لا ملكا ولا نبيا ولا وليا ولا قريبا ولا بعيدا وهذا هو حقيقة العبادة وبذلك تعرف أنك إذا دعوت الله أثبت على","vol":"6","page":14},{"text":"هذا الدعاء سواء استجيب لك أم لا لأنك تعبدت لله ﷿ وعبدت الله فإذا قلت يا رب اغفر لي يا رب ارحمني يا رب ارزقني يا رب اهدني فهذه عبادة تقربك إلى الله ﷿ ويكتب الله لك بها ثوابا عنده يوم القيامة والله الموفق\n١٤٦٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك رواه أبو داود بإسناد جيد\n١٤٦٧ - وعن أنس ﵁ قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار متفق عليه زاد مسلم في روايته قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في باب فضل الدعاء أحاديث منها حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يحب الجوامع من الدعاء ويدع ما","vol":"6","page":15},{"text":"سوى ذلك يعني أنه إذا دعا يختار من الدعاء أجمعه كلمات جامعة عامة ويدع التفاصيل وذلك لأن الدعاء العام أبلغ في العموم والشمول من التفاصيل فمثلا إذا أراد أن يدعو الإنسان ربه أن يدخله الجنة قال اللهم أدخلني الجنة ولا يحتاج أن يفصل ويقول فيها كذا وكذا لأنه قد يكون هناك أشياء لا يعلمها فيكون هذا التفصيل كالحاصل لها فإذا دعا دعاء عاما كان هذا أشمل وأجمل.\nوأما تكرار الدعاء فسوف يأتي إن شاء الله أن النبي ﷺ كان يكرر الدعاء فإذا دعا دعا ثلاثا والظاهر أن المؤلف سيذكره ومن أجمع ما يكون من الدعاء ما ذكره في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول في دعائه ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فإن هذا الدعاء أجمع الدعاء ربنا آتنا في الدنيا حسنة يشمل كل حسنات الدنيا من زوجة صالحة ومركب مريح وسكن مطمئن وغير ذلك وفي الآخرة حسنة كذلك يشمل حسنة الآخرة كلها من الحساب اليسير وإعطاء الكتاب باليمين والمرور على الصراط بسهولة والشرب من حوض الرسول ﷺ ودخول الجنة إلى غير ذلك من حسنات الآخرة فهذا الدعاء من أجمع الأدعية بل هو أجمعها لأنه شامل وكان أنس ﵁ يدعو بذلك وإذا دعا بشيء آخر دعا بذلك أيضا يعني كأنه","vol":"6","page":16},{"text":"﵁ لا يدعه أبدا إذا دعا وهذا يدل على فضيلة هذا الدعاء وأنه ينبغي للإنسان أن يدعو به ولهذا كان الرسول ﷺ يختم به أشواط الطواف يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار في آخر كل شوط والله أعلم\n١٤٦٨ - وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين بعض الأحاديث الواردة في الدعاء ذكر حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى هذه أربع كلمات يسألها النبي ﷺ ربه اللهم إني أسألك الهدى والهدى يعني العلم النافع والهدى نوعان هدى علم وهدى عمل وبعضهم يقول هدى دلالة وهدى توفيق فإذا سأل الإنسان ربه الهدى فهو يسأل الأمرين يعني يسأل الله أن يعلمه وأن يوفقه للعمل وهذا داخل في قوله تعالى في سورة الفاتحة اهدنا الصراط المستقيم يعني دلنا على الخير ووفقنا إلى القيام به","vol":"6","page":17},{"text":"لأن الناس ينقسمون إلى أربعة أقسام في هذا الباب: قسم علمه الله ووفقه للعمل وهذا أكمل الأقسام وقسم حرم العلم والعمل وقسم أوتي العلم وحرم العمل وقسم أوتي العمل لكن بدون علم فضل كثيرا خير الأقسام الذي أوتي العلم والعمل وهذا داخل في دعاء الإنسان اللهم اهدني أو ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وأما قوله التقى فالتقى بمعنى التقوى والتقوى اسم جامع لفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه لأنه مأخوذ من الوقاية ولا يقيك من عذاب الله إلا فعل أوامره واجتناب نواهيه والعفاف يعني العفاف عن الزنا ويشمل الزنا بأنواعه زنا النظر زنا اللمس زنا الفرج زنا الاستماع كل أنواع الزنا فتسأل الله العفاف عن الزنا كله بأنواعه وأقسامه لأن الزنا والعياذ بالله من الفواحش قال الله تعالى ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ وهو مفسد للأخلاق ومفسد للأنساب ومفسد للقلوب ومفسد للأديان وأما الغنى فالمراد الغنى عن الخلق بأن يستغني الإنسان بما أعطاه الله عما في أيدي الناس سواء أعطاه الله مالا كثيرا أو قليلا والقناعة كنز لا ينفد وكثير من الناس يعطيه الله تعالى ما يكفيه لكن يكون في قلبه الشح والعياذ بالله فتجده دائما في فقر وإذا سألت الله الغنى فهو سؤال أن يغنيك الله تعالى عما في أيدي الناس بالقناعة والمال الذي تستغني به عن غيره جل","vol":"6","page":18},{"text":"وعلا فهذه الأدعية الأربعة ينبغي أن يدعى بها كما كان النبي ﷺ يدعو بها اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى والله الموفق\n١٤٦٩ - وعن طارق بن أشيم ﵁ قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني رواه مسلم وفي رواية له عن طارق أنه سمع النبي ﷺ وأتاه رجل فقال يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربي قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف في كتابه رياض الصالحين عن طارق بن أشيم ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أسلم الرجل علمه الصلاة لأن الصلاة هي أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين أركان الإسلام خمسة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام وأعظم أركانه بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله الصلاة فكان النبي ﷺ يعلم الرجل إذا أسلم كيف يصلي ويأمره بهذا","vol":"6","page":19},{"text":"الدعاء اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني خمس كلمات يعلمها النبي ﷺ الرجل إذا أسلم اللهم اغفر لي يعني الذنوب والكافر إذا أسلم غفر الله له ذنوبه كما قال الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولكن مع ذلك فطلب المغفرة يستمر حتى بعد الإسلام فيكون من كل مسلم لأن الإنسان لا يخلو من الذنوب كما جاء في الحديث كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وارحمني يعني أسبغ علي رحمتك ففيه طلب المغفرة والمغفرة النجاة من السيئات والآثام والعقوبات وفيه طلب الرحمة والرحمة حصول المطلوبات لأن الإنسان لا يتم له الأمر إلا إذا نجا من المكروب وفاز بالمطلوب واهدني وقد سبق لنا بيان معنى الهداية أنها هداية علم وبيان وهداية توفيق ورشد وعافني وارزقني عافني أي من كل مرض والأمراض نوعان مرض قلبي كما قال تعالى ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾ ومرض جسمي في الأعضاء في البدن وإذا سألت الله العافية فالمراد من هذا ومن هذا ومرض القلب أعظم من مرض البدن لأن مرض البدن إذا صبر الإنسان واحتسب الأجر من الله صار رفعة في درجاته وتكفيرا لسيئاته والنهاية فيه الموت والموت مآب كل حي ولابد منه","vol":"6","page":20},{"text":"لكن مرض القلب والعياذ بالله فيه فساد الدنيا والآخرة إذا مرض القلب بالشك أو بالشرك أو النفاق أو كراهة ما أنزل الله أو بعض أولياء الله أو ما أشبه ذلك فقد خسر الإنسان دنياه وآخرته ولهذا ينبغي لك إن سألت الله العافية أن تستحضر أنك تسأل الله العافية من مرض القلب والبدن مرض القلب الذي مداره على شك أو شرك أو شهوة وكذلك اللفظ الآخر الذي ذكره المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ سأله رجل عن ما الذي ينفعه وما الذي يحتاجه فأمره أن يدعو بهذا الدعاء اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني فينبغي للإنسان أن يحرص على هذا الدعاء الذي علمه النبي ﷺ أمته والذي يبادر بتعليمه إذا أسلم ارزقني يعني الرزق الذي يقوم به البدن من الطعام والشراب واللباس والمسكن وغير ذلك والرزق الذي يقوم به القلب وهو العلم النافع والعمل الصالح وهذا يشمل هذا وهذا فالرزق نوعان رزق يقوم به البدن ورزق يقوم به القلب والدين والإنسان إذا قال ارزقني فهو يسأل الله هذا وهذا والله الموفق\n١٤٧٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك رواه مسلم","vol":"6","page":21},{"text":"١٤٧١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشفاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء متفق عليه وفي رواية قال سفيان أشك أني زدت واحدة منها\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف ﵀ فيما كان يسوقه من أحاديث الدعاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك القلوب بيد الله ﷿ كل قلب من قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه حيث يشاء وكيف شاء ﷿ ولهذا كان ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائما أن يثبته وأن يصرف قلبه على طاعته وإنما خص القلب لأن القلب إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله كما صح ذلك عن النبي ﷺ حين قال ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله وقوله صرف قلوبنا على طاعتك قد يتبادر إلى الذهن أن الأولى أن يقال إلى طاعتك لكن قوله على طاعتك أبلغ يعني قلب القلب على الطاعة فلا يتقلب على معصية الله لأن القلب إذا تقلب على الطاعة صار ينتقل من طاعة إلى أخرى من صلاة إلى ذكر إلى صدقة إلى صيام إلى علم إلى غير ذلك من طاعة الله فينبغي لنا أن ندعو بهذا الدعاء اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك","vol":"6","page":22},{"text":"أما الحديث الثاني حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشفاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء فهذه أربعة أشياء أمرنا الرسول ﷺ أن نتعوذ منها أولا: جهد البلاء أي من البلاء الذي يبلو الجهد أي الطاقة والبلاء نوعان بلاء جسمي كالأمراض وبلاء ذكري معنوي بأن يبتلى الإنسان بمن يتسلط عليه بلسانه فينشر معايبه ويخفي محاسنه وما أشبه ذلك هذا من البلاء الذي يشق على الإنسان وربما يكون مشقة هذا على الإنسان أبلغ من مشقة جهد البدن فيتعوذ الإنسان بالله من جهد البلاء أما البلاء البدني فأمره ظاهر أمراض في الأعضاء أوجاع في البطن في الصدر في الرأس في الرقبة في أي مكان هذا من البلاء وربما يكون أيضا من البلاء قسم","vol":"6","page":23},{"text":"ثالث وهو ما يبتلي الله به العبد من المصائب العظيمة الكبيرة فمن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه وإذا أصابه خير وراحة وطمأنينة اطمأن وإذا أصابه فتنة دينية أو دنيوية انقلب على وجهه تجد إيمانه مثلا متزعزع أدنى شبهة ترد عليه تصرفه عن الحق تجده لا يصبر أدنى بلاء يصيبه يصرفه عن الحق فيتسخط على قضاء الله وقدره وربما يقع في قلبه أشياء لا تليق بالله ﷿ من أجل هذا البلاء ومن درك الشقاء أي ومن أن يدركك الشقاء والشقاء ضد السعادة والسعادة سببها العمل الصالح والشقاء سببه العمل السيئ فإذا استعذت بالله من درك الشقاء فهذا يتضمن الدعاء بألا تعمل عمل الأشقياء ومن سوء القضاء سوء القضاء يحتمل معنيين المعنى الأول أن أقضي قضاء سيئا والمعنى الثاني أن الله يقضي على الإنسان قضاء يسوءه والقضاء يعني الحكم فالإنسان ربما يحكم بالهوى ويتعجل الأمور ولا يتأنى ويضطرب هذا سوء قضاء كذلك القضاء من الله قد يقضي الله ﷿ على الإنسان قضاء يسوءه ويحزنه فتستعيذ بالله ﷿ من سوء القضاء ومن شماتة الأعداء الأعداء جمع عدو وقد ذكر الفقهاء ضابطا للعدو فقالوا من سره ما ساء في شخص أو غمه فرحه فهو عدوه كل","vol":"6","page":24},{"text":"إنسان يسره ما ساءك أو يغمه فرحك فهو عدو لك وشماتة الأعداء أن الأعداء يفرحون عليك يفرحون بما أصابك والعدو لا شك أنه يفرح في كل ما أصاب الإنسان من بلاء ويحزن في كل ما أصابه من خير فأنت تستعيذ بالله ﷿ من شماتة الأعداء فأمرنا الرسول ﷺ أن نتعوذ بالله من هذه الأمور الأربعة فينبغي للإنسان أن يمتثل أمر الرسول وأن يستعيذ بالله منها لعل الله أن يستجيب له والله الموفق\n١٤٧٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ساقها المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب فضل الدعاء منها حديث علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ أمره أن يقول اللهم إني أسألك الهدى والسداد أما الهدى فقد سبق الكلام على معناه وأما السداد فهو تسديد الإنسان في قوله وفعله وعقيدته والتسديد معناه أن يوفق الإنسان إلى الصواب بحيث لا يضل وقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم قولا سديدا أي صوابا فذكر الله تعالى في القول السديد فائدتين أولا: صلاح الأعمال والثانية: مغفرة الذنوب فينبغي للإنسان أن يسأل الله هذا الدعاء اللهم إني أسألك الهدى والسداد أو يقول اللهم اهدني وسددني المعنى واحد ومن ذلك أيضا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي","vol":"6","page":25},{"text":"آخرتي التي إليها معادي أو التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر فبدأ بالدين أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري الذي به يعتصم الإنسان من الشر ويعتصم من الأعداء لأنه كلما صلح الدين اعتصم الإنسان به من كل شر وصلاح الدين يكون بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ فمن أشرك بالله فدينه غير صالح من صلى رياء أو تصدق رياء أو صام رياء أو قرأ القرآن رياء أو ذكر الله رياء أو طلب العلم رياء أو جاهد رياء فكل هذا عمله غير صالح والعياذ بالله وهو مردود عليه لقول الله تعالى في الحديث القدسي أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك به معي غيري تركته وشركه كذلك المبتدع لا عصمة له فليس معصوما من الشر بل الذي وقع فيه هو الشر قال الرسول ﷺ كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فالمبتدع وإن ذكر الله وإن سبح وإن حمد وإن صلى على وجه ليس بمشروع فعمله مردود عليه قد يزين الشيطان للإنسان عبادة فيلين قلبه ويخشع ويبكي ولكن ذلك لا ينفعه إذا كان بدعة بل هو مردود عليه ألم تر إلى النصارى يأتون الكنيسة ويبكون ويخشعون أشد من خشوع","vol":"6","page":26},{"text":"بعض المسلمين ومع ذلك لا ينفعهم هذا لأنهم على ضلالة كذلك أهل البدع نجد مثلا من أهل البدع ولاسيما الصوفية نجد عندهم أذكار كثيرة يذكرون الله ويبكون ويخشعون وتلين قلوبهم لكن هذا كله لا ينفعهم لأنه على غير شرع الله قال النبي ﷺ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد مردود عليه وقال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أصلح لي ديني يعني اجعله صالحا بأن يكون خالصا صوابا وقوله هو عصمة أمري يعني الذي اعتصم به من الشر والفتن وغير ذلك وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي الدنيا معاش تقيم فيها أو تسكن فيها إلى أن تموت ولكنها ليست دار قرار وأين الذين استقروا فيها أين الملوك وأبناء الملوك أين الأغنياء أين الأثرياء أين الفقراء أين الأسياد كلهم ذهبوا فصاروا أحاديث وأنت في يوم من الأيام ستكون أحاديث قال الشاعر الحكيم دنيا يرى الإنسان فيها مخطرا حتى يرى خبرا من الأخبار هو الآن مخطر يقول صار كذا وصار كذا ومات فلان وولد فلان","vol":"6","page":27},{"text":"ولكنه سوف يكون هو خبرا من الأخبار نحن الآن نتحدث عن مشايخنا عن زملائنا عن إخواننا عن آبائنا خبرا من الأخبار كأن لم يوجد بالدنيا كأنهم أحلام وهكذا أنت أيضا فالدنيا معاش فقط وليست قرار ولكنها إن وفق الإنسان فيها إلى العمل الصالح وجعلها منفعة للآخرة فيا حبذا وإن كانت الأخرى وصار يعمل للدنيا لا للآخرة خسر الدنيا والآخرة والعياذ بالله ولهذا قال التي فيها معاشي فقط معاش يعيش الإنسان ثم يتركها وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي الآخرة هي التي إليها المعاد ولا مفر منها قال الله تعالى في كتابه ﴿قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ الأولون والآخرون كلهم سوف يجمعهم الله ﷿ في صعيد واحد يوم القيامة يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وقال الله ﵎ ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود﴾ لأجل معدود ما قال لأجل ممدود معدود يعد عدا لكن كله يفنى سريعا حال اليوم الذي هو معاد كل واحد كل واحد معاده إلى يوم القيامة والشاعر الحكيم يقول\nكل ابن أنثى وإن طالت سلامته ...\nيوما على آلة حدباء محمول\nكلنا سنحمل على النعش مهما طالت بنا الحياة أو نحترق فتأكلنا","vol":"6","page":28},{"text":"النار أو نموت في فلاة من الأرض فتأكلنا السباع أو في البحر فتأكلنا الحيتان لا ندري المهم أن كل إنسان معاده إلى الآخرة ولهذا قال أصلح لي آخرتي التي إليها معادي وصلاح الآخرة أن الله تعالى ينجيك من عذاب النار ويدخلك الجنة نسأل الله أن يصلح لي ولكم الآخرة واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي في كل شر الإنسان إذا وفق في هذه الحياة وصار يزداد خيرا كل يوم يكتسب عملا صالحا ويحس ذلك بنفسه وتجده يفرح إذا عمل عملا صالحا ويقول ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ كل يوم يزداد يصلي يسبح يقرأ يأمر بالمعروف ينهى عن المنكر يلقى أخاه بوجه طلق إلى آخره خيرات كثيرة فكلما ازداد الإنسان في حياته خيرا كانت حياته خيرا ولهذا في الحديث خيركم من طال عمره وحسن عمله واجعل الموت راحة لي من كل شر الموت فقد الحياة لكن دعا النبي ﷺ أن يجعل الله الموت له راحة من كل شر لأن الإنسان لا يدري ما يصيبه في هذه الدنيا قد يبقى في الدنيا طويلا لكنه ينتكس والعياذ بالله يفسد دينه قد يبقى في الدنيا وتحدث فتن عظيمة يتعب فيها يقول ليت أمي لم تلدني يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا يجد فتنا عظيمة لكن قد يكون الموت الذي عجله الله له راحة له من كل شر ولهذا كان الرسول يدعو بهذا الدعاء","vol":"6","page":29},{"text":"واجعل الموت راحة لي من كل شر فعليك يا أخي المسلم بهذا الدعاء اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر\n١٤٧٣ - وعن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ قل: اللهم اهدني وسددني وفي رواية: اللهم إني أسألك الهدى والسداد رواه مسلم","vol":"6","page":30},{"text":"١٤٧٤ - وعن أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وفي رواية: وضلع الدين وغلبة الرجال رواه مسلم\n١٤٧٤ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وفي رواية: وضلع الدين وغلبة الرجال رواه مسلم","vol":"6","page":31},{"text":"١٤٧٥ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم متفق عليه وفي رواية وفي بيتي وروي ظلما كثيرا وروي كبيرا بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة فينبغي أن يجمع بينهما فيقال كثيرا كبيرا\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه من الأحاديث الذي ذكرها المؤلف ﵀ في باب الأمر بالدعاء وفضله عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن الحزن لما مضى والهم لما يستقبل والإنسان إذا كان حزينا فيما مضى مهتما لما يستقبل فإنه يتنكد عيشه لكن إذا كان لا يهتم إلا بحاضره ويستعد لمستقبله على الوجه الذي أمر به كان ذلك من طمأنينته فكان الرسول ﷺ يستعيذ بالله من الهم والحزن الهم للمستقبل والحزن للماضي كثير من الناس تجده يهتم اهتماما عظيما للمستقبل اهتماما لا داعي له فتتنكد عليه حياته ويتعب وإذا وصل إلى حد الفعل وجده سهلا وكثير من الناس أيضا لا ينسى ما مضى فيتجدد له الحزن فيتعب وأعوذ بك من العجز والهرم والكسل العجز والهرم والكسل فالعجز عدم القدرة والهرم الشيخوخة والكسل عدم الإرادة وذلك أن الإنسان إذا لم يفعل فإما لعجزه عن الفعل لمرض أو غيره أو كبر وإما لعدم عزيمته وإرادته فكان الرسول ﷺ يستعيذ بالله من العجز والهرم والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل الجبن هو الشح بالنفس وألا يكون الإنسان شجاعا فلا يقدم في محل الإقدام وأما البخل فهو الشح بالمال لا يبذل المال بل يمسكه حتى في الأمور الواجبة لا يقوم بها وأعوذ بك من ضلع الدين وغلبة الرجال ومن غلبة الدين وقهر الرجال كلاهما صحيح فالدين هم والعياذ بالله هم بالنهار وسهر بالليل والإنسان المدين يقلق ويتعب ولكن بشرى للإنسان أنه إذا أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه وإذا أخذها يريد إتلافها أتلفه الله فإذا أخذت أموال الناس بقرض أو ثمن مبيع أو أجرة بيت أو غير ذلك وأنت تريد الأداء أدى الله عنك إما في الدنيا يعينك حتى تسدد وإما في الآخرة صح ذلك عن النبي ﷺ أما المتلاعب بأموال الناس والذي يأخذها ولا يريد أداءها ولكن يريد إتلافها فإن الله يتلفه والعياذ بالله وأما حديث أبي بكر ﵁ فإنه سأل النبي ﷺ دعاء يدعو به في الصلاة وأنت الآن أفهم من السائل ومن المسئول السائل أبو بكر والمسئول النبي ﷺ أحب الناس إلى الرسول ﷺ أبو بكر والرسول ﷺ أحب الناس إلى أبو بكر لا شك فالسؤال من حبيب إلى حبيبه فلابد أن يكون الجواب من أفضل الأجوبة وقوله في صلاته يحتمل في السجود أو بعد التشهد الأخير قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم هذا دعاء جامع نافع اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وهذا اعتراف من العبد بالظلم وهو من وسائل الدعاء يعني أن ذكر الإنسان حاله إلى ربه ﷿","vol":"6","page":33},{"text":"تتضمن الدعاء فهو وسيلة كما قال موسى ﵇ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير فتوسل إلى الله بحاله ولا يغفر الذنوب إلا أنت هذا ثناء على الله ﷿ واعتراف بالعجز وأنه لا يغفر الذنوب إلا الله كما قال تعالى ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ لو اجتمع الناس كلهم على أن يغفروا لك ذنبا واحدا ما استطاعوا وإنما الذي يغفر لك هو الله ﷿ وقوله اغفر لي مغفرة من عندك أضافها إلى الله لأنها تكون أبلغ وأعظم فإن عظم العطاء من عظم المعطي وارحمني في المستقبل وفقني إلى كل خير إنك أنت الغفور الرحيم هذا توسل إلى الله ﷿ باسمين مناسبين للدعاء لأنه قال اغفر لي وارحمني فالمناسب إنك أنت الغفور الرحيم فينبغي للإنسان أن يقول هذا الدعاء في صلاته إما في سجوده أو بعد التشهد الأخير والله الموفق\n١٤٧٦ - وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما","vol":"6","page":34},{"text":"أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير متفق عليه\n١٤٧٧ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل رواه مسلم\n١٤٧٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك رواه مسلم\n١٤٧٩ - وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والهرم وعذاب القبر اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها رواه مسلم","vol":"6","page":35},{"text":"١٤٨٠ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت زاد بعض الرواة ولا حول ولا قوة إلا بالله متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث المتعددة ذكرها المؤلف ﵀ في باب فضل الدعاء والأمر به في كتابه رياض الصالحين وتشتمل على جمل كثيرة منها أن النبي ﷺ سأل الله تعالى أن يغفر له ما قدم وما أخر فقال اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني وهذا يغني عنه كلمة واحدة اللهم اغفر لي ذنبي كله لكن التفصيل في مقام الدعاء أمر مطلوب لأنه يؤدي إلى أن يتذكر الإنسان كل ما عمل مما أسر وأعلن وما علم وما لم يعلم ولأنه كلما تمادى في سؤال الله ﷿ ازداد تعلقا بالله تعالى ومحبة له وخوفا منه ورجاء فلذلك كان النبي ﷺ يفصل فيما يسأل ربه ﷿ من مغفرة الذنوب وغير ذلك وكذلك أيضا استعاذ الرسول ﷺ من أمور كثيرة من شر الذنوب وآفاتها وعذاب القبر وغير ذلك مما سمعتم في هذه الأحاديث وهذه الأحاديث ينبغي للإنسان أن يكتبها عنده من هذا الكتاب ويذكر الله تعالى بها","vol":"6","page":36},{"text":"ويدعو بها حتى ينتفع وأما قراءتها كهذا هنا فهي حسنة ولا بأس بها لكن في علمي أو ظني أنكم سوف تسمعونها الآن ثم تذهب عن قلوبكم لكن خير من هذا أن تكتبوها من هذا الكتاب وتدعوا الله تعالى بها والله الموفق\n١٤٨١ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار ومن شر الغنى والفقر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وهذا لفظ أبي داود\n١٤٨٢ - وعن زياد بن علاقة عن عمه وهو قطبة بن مالك ﵁ قال كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء رواه الترمذي وقال حديث حسن\n١٤٨٣ - وعن شكل بن حميد ﵁ قال قلت يا رسول الله علمني دعاء قال: قل اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر","vol":"6","page":37},{"text":"بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي ومن شر منيي رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n١٤٨٤ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيئ الأسقام رواه أبو داود بإسناد صحيح\n١٤٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة رواه أبو داود بإسناد صحيح\n١٤٨٦ - وعن علي ﵁ أن مكاتبا جاءه فقال إني عجزت عن كتابتي فأعني قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ لو كان عليك مثل جبل دينا أداه الله عنك قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك رواه الترمذي وقال حديث حسن","vol":"6","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه جملة أحاديث من الأدعية التي كان النبي ﷺ يدعو بها منها أنه كان ﷺ يعوذ بالله من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء الأمراض كما في رواية أخرى سيئات الأعمال والأخلاق سيئات الأعمال هي المعاصي وسيئات الأخلاق هي سوء العاملة مع الخلق والأهواء والإنسان له أهواء ومن الناس من يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول ﷺ ومنهم من يكون هواه تبعا لنفسه وما تهواه وأما الأدواء فهي الأمراض فهذه أيضا مما ينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله منها فإذا أعاذه الله من ذلك حصل على خير كثير ومنها أنه كان ﷺ يستعيذ من البرص والجنون والجذام وسيئ الأسقام وهذه أيضا من أمراض البدن والعقل الجذام هو مرض يصيب الإنسان في أطرافه أحيانا والعياذ بالله إذ بدأ بالطرف يتآكل يتآكل حتى يقضي على البدن كله ولهذا قال العلماء إنه لا يجوز أن يخالط الجذماء الناس وإنه يجب على ولي الأمر أن يجعلهم في مكان خاص وهو ما يعرف الآن عند الناس بالحجر الصحي لأن هذا المرض والعياذ بالله الجذام من أشد الأمراض عدوى يسري سير الهواء نسأل الله العافية قالوا يجب على ولي الأمر أن يجعل الجذماء المصابون بمرض الجذام في مكان خاص كي لا يختلطوا بالناس","vol":"6","page":39},{"text":"وسيئ الأسقام وهو جمع سقم وهو المرض ويشمل هذا كل الأمراض السيئة ومنها ما عرف الآن بالسرطان نسأل الله العافية فإنه من أسوأ الأسقام فمثل هذه الأحاديث ينبغي للإنسان أن يحرص عليها وأن يقتدي بالنبي ﷺ فيها ومن ذلك أن النبي ﷺ كان يستعيذ بالله من الجوع ويقول إنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البطانة وكما قلت لكم بالأمس إنه مهما كان من سرد الأحاديث فإنها تتبخر لكن ينبغي للإنسان أن يقيدها من هذا الكتاب في صحائف يختص بها ويحفظها شيئا فشيئا والله الموفق\n١٤٨٧ - وعن عمران بن الحصين ﵄ أن النبي ﷺ علم أباه حصينا كلمتين يدعو بهما: اللهم ألهمني رشدي وأعدني من شر نفسي رواه الترمذي وقال حديث حسن\n١٤٨٨ - وعن أبي الفضل العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت يا رسول الله علمني شيئا أسأله الله تعالى قال: سلوا الله العافية فمكثت أياما ثم جئت فقلت يا رسول الله علمني شيئا أسأله الله تعالى قال لي يا عباس يا عم رسول الله سلوا الله العافية في الدنيا","vol":"6","page":40},{"text":"والآخرة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح\n١٤٨٩ - وعن شهر بن حوشب قال قلت لأم سلمة ﵂ يا أم المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك قالت: كان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك رواه الترمذي وقال حديث حسن\n١٤٩٠ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ كان من دعاء داود ﷺ: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد رواه الترمذي وقال حديث حسن\n١٤٩١ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ألظوا بياذا الجلال والإكرام رواه الترمذي ورواه النسائي من رواية ربيعة بن عامر الصحابي","vol":"6","page":41},{"text":"قال الحاكم حديث صحيح الإسناد ألظوا بكسر اللام وتشديد الظاء المعجمة معناه الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها\n١٤٩٢ - وعن أبي أمامة ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا قلنا يا رسول الله دعوت بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا فقال ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله تقول: اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد ﷺ وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله رواه الترمذي وقال حديث حسن\n١٤٩٣ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ: اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار رواه الحاكم أبو عبد الله وقال حديث صحيح على شرط مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان فضل الدعاء ما كان الرسول ﷺ يدعو بها","vol":"6","page":42},{"text":"ويأمر بها فمنها حديث الحصين أن النبي ﷺ كان يقول اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي وفي رواية وقني شر نفسي ألهمني رشدي يعني اجعلني موفقا إلى الرشد والرشد ضد الغي والغي هو المعاصي والشر والفساد والإنسان إذا وفق إلى الرشد فإنه موفق هو غاية المؤمنين الذين قال الله عنهم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فهذا هو الرشد ومن ذلك أيضا أن النبي ﷺ سأله العباس عن شيء يدعو الله به فقال قال اللهم إني أسألك العافية ثم جاءه بعد أيام فسأله أي سأل النبي ﷺ فقال قل اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة والعافية هي السلامة من كل شر وإذا وفقك الله لها وعافاك من كل شر من شر الأبدان والقلوب والأهواء وغيرها فأنت في خير ومن ذلك أيضا أن النبي ﷺ كان يكثر هذا الدعاء اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك وسبق لنا أنه كان يدعو بدعاء آخر مقارب لهذا الدعاء وهو اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك فإذا جمعت بينهما وقلت اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك كان هذا خيرا","vol":"6","page":43},{"text":"ومن ذلك أيضا هذا الدعاء الذي أثر عن داود ﷺ اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يقربني إلى حبك هذا أيضا من الأدعية المهمة إذا أحبك الله وأحببت من أحبه الله كنت من أوليائه وكذلك إذا أحببت العمل الذي يحبه الله ﷿ فهذا أيضا من الدعاء الذي ينبغي للإنسان أن يلزمه دائما فإن حب الله ﷿ هو الغاية كما قال الله تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ ومن ذلك أيضا اللهم إني أسألك العزيمة على الرشد والسلامة من الإثم والغنيمة من كل بر وأسألك الفوز بالجنة والنجاة من النار إلى غير ذلك من الأحاديث التي ذكرها المؤلف وقد سبق لنا أننا قلنا لكم لو تكتبونها من الكتاب وتقرءونها لأن حفظها في هذا الوقت قد يكون صعبا على الإنسان لكن إذا أخذها وصار يحفظها شيئا فشيئا هان عليه","vol":"6","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>باب فضل الدعاء بظهر الغيب</span>\nقال الله تعالى ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ وقال تعالى ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ وقال تعالى إخبارا عن إبراهيم ﷺ ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾\n\nقال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصاحين باب فضل الدعاء بظهر الغيب يعني الدعاء لأخيك بظهر الغيب يعني في حال غيبته وذلك أن الدعاء بظهر الغيب يدل دلالة واضحة على صدق الإيمان لأن النبي ﷺ قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه فإذا دعوت لأخيك بظهر الغيب بدون وصية منه كان هذا دليلا على محبتك إياه وأنك تحب له من الخير ما تحب لنفسك ثم استدل المؤلف ﵀ بثلاث آيات من كتاب الله ومنها قوله تعالى إلى النبي ﷺ واستغفر لذنبك والمؤمنين والمؤمنات فأمر الله نبيه ﷺ أن يستغفر لذنبه وأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وما أكثر الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ يستغفر لذنبه ونحن نعلم أنه يستغفر للمؤمنين أيضا لأنه أمر بذلك ومعنى استغفر لذنبك يعني اطلب المغفرة من الله ﷿ أن يغفر ذنبك والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه لأن هذا هو الذي يدل عليه الاشتقاق فإنه مشتق من المغفر وهو وقاية الرأس بالبيرة المعروفة الخوذة توضع على الرأس عند القتال فتقيه من السهام وتستره ومن ذلك أيضا قول الله تعالى ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين","vol":"6","page":45},{"text":"سبقونا بالإيمان﴾ وهؤلاء هم الصنف الثالث من الأصناف الثلاثة الذين قال الله فيهم ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ويبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ فوصفهم الله بالهجرة والنصرة الصنف الثاني ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وهؤلاء هم الأنصار أنصار المدينة","vol":"6","page":46},{"text":"والصنف الثالث﴾ والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ﴿وهذه دعوة لإخوانهم بظهر الغيب وأما الآية الثالثة فقال إبراهيم ﷺ﴾ ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ﴿فقوله﴾ وللمؤمنين ﴿هذا دعاء للمؤمنين بظهر الغيب إذن الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب من طرق الرسل عليهم الصلاة والسلام ومن سبيل الرسل عليهم الصلاة والسلام ومن ذلك أننا نحن كلنا ندعو لإخواننا في صلاتنا بظهر الغيب كلنا يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وهذا دعاء وقد قال النبي إنكم إذا قلتم ذلك فإنكم قد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض إذن إذا قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهذا دعاء لإخوانك بظهر الغيب\n١٤٩٤ - وعن أبي الدرداء ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك ولك بمثل رواه مسلم","vol":"6","page":47},{"text":"١٤٩٥ - وعنه أن رسول الله ﷺ كان يقول: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ثم ذكر المؤلف حديث أبي الدرداء ﵁ بلفظيه أن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك مثله يعني لك بمثل ذلك فالملك يؤمن على دعائك إذا دعوت لأخيك بظهر الغيب ويقول لك مثله وهذا يدل على فضيلة هذا لكن هذا فيمن لم يطلب منك أن تدعو له أما من طلب منك أن تدعو له فدعوت له فهذا كأنه شاهد لأنه يسمع كلامك لأنه هو الذي طلب منك لكن إذا دعوت له بظهر الغيب بدون أن يخبرك بدون أن يطلب منك فهذا هو الذي فيه الأجر وفيه الفضل والله الموفق﴾","vol":"6","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>باب في مسائل من الدعاء</span>\n١٤٩٦ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه مسائل متشكلة من أنواع الدعاء منها حديث أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال من صنع إليه معروف فقال جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء إذا صنع إليك إنسان معروفا بمال أو مساعدة أو علم أو جاه يعني توجه لك أو غير ذلك فإن النبي ﷺ أمر أن تكافئ صانع المعروف فقال من صنع إليكم معروفا فكافئوه والمكافأة تكون بحسب الحال من الناس من تكون مكافأته أن تعطيه مثل ما أعطاك أو أكثر ومن الناس من تكون مكافأته أن تدعو له ولا يرضى أن تكافئه بمال فإن الإنسان الكبير الذي عنده أموال كثيرة وله جاه وشرف في قومه إذا أهدى إليك شيئا فأعطيته مثل ما أهدى إليك رأى في ذلك قصورا في حقه لكن مثل هذا ادع الله له فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا","vol":"6","page":49},{"text":"أنكم قد كافأتموه ومن ذلك أن تقول له جزاك الله خيرا إذا أعطاك شيئا أو نفعك بشيء فقل له جزاك الله خيرا فقد أبلغت في الثناء وذلك لأن الله تعالى إذا جزاه خيرا كان ذلك سعادة له في الدنيا والآخرة\n١٤٩٧ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم رواه مسلم\n\nوأما الحديث الثاني وهو حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم ولا على أموالكم فإنه ربما يصادف ساعة إجابة فتجاب فهذا يقع كثيرا عند الغضب إذا غضب الإنسان ربما يدعو على نفسه وربما يدعو على ولده ويقول قاتلك الله قتلك الله..\n..\nوما أشبه ذلك حتى إن بعضهم يدعو على ولده باللعنة نسأل الله العافية وكذلك نجد بعضهم يدعو على أهله على زوجته على أخته ربما دعا على أمه والعياذ بالله مع الغضب وكذلك أيضا يدعو على ماله يقول مثلا على سيارة اختلفوا عليها الله لا","vol":"6","page":50},{"text":"يبارك في هذه السيارة أو في هذه الدار أو هذا الفراش وما أشبه ذلك كل ذلك نهى النبي ﷺ أن ندعو عليه لأنه ربما صادف ساعة إجابة فإذا صادف ساعة إجابة فإنه يستجاب لو قلت لولدك تعال لماذا فعلت كذا الله لا يوفقك الله لا يربحك الله لا يصلحك فتصادف ساعة إجابة كل هذا حرام لا يجوز لأنه ربما صاف ساعة إجابة كذلك المال المال الذي يتعاكس عليك السيارة أو الشغل في البيت أو غير ذلك لا تدع عليه لكن قل اللهم يسر الأمر اللهم سهل حتى يحصل التسهيل والتيسير\n١٤٩٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء رواه مسلم\nوأما حديث أبي هريرة ففيه أن النبي ﷺ قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء الإنسان إذا كان يدع الله تعالى فإنه قريب من الله والله تعالى قريب منه كما قال جل وعلا وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان","vol":"6","page":51},{"text":"فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون أقرب ما يكون الإنسان من ربه وهو ساجد وذلك لأن في السجود كمال الخضوع لله ﷿ لأنك تضع أشرف أعضائك وأعلى أعضائك تضعها في الأسفل في موضع الأقدام تعظيما للرب ﷿ فيأبى الله تعالى إلا أن يقرب منك في هذا الحال وأنت تقرب من ربك فأكثروا من الدعاء وأنتم سجود في الفرائض والنوافل أكثر من الدعاء في أمور الدنيا وأمور الآخرة كله خير حتى لو كنت تدعو الله في أمور الدنيا وأنت ساجد فهو خير لأن الدعاء نفسه عبادة لو قلت اللهم كثر مالي اللهم هيئ لي سكنا جميلا اللهم هيئ لي سيارة مريحة وما أشبه ذلك فلا بأس به ولو كان في الفريضة اللهم اغفر لي ولوالدي لأن الدعاء عبادة فأي شيء تدعوا به الله فإنه عبادة أي شيء حتى جاء في الحديث ليسأل أحدكم ربه حتى شراك نعله شراك النعل شيء زهيد ولكن تسأل الله كل شيء لأن كل شيء تسأله الله فهو عبادة لك ثم اعلم أنك إذا سألت الله فإنك رابح في كل حال لأنه إما أن يعطيك ما تسأل أو يصرف عنك من السوء ما هو أعظم أو يدخر ذلك لك عنده يوم القيامة أجرا فمن دعا الله تعالى فإنه لا يخيب فأكثر من الدعاء أكثر من دعاء الله أكثر من الاستغفار إلى الله والتوبة إليه فإن الرسول ﷺ يقول إنه ليغان على قلبي وإني أستغفر الله وأتوب إليه مائة مرة وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة ولا تغفل هذا في اليوم وهو يسير يعني لو قلت أستغفر الله وأتوب إليه تخلص مائة مرة في عشر دقائق أو أقل الأمر بسيط وبه تحصل على خير والاقتداء بالرسول ﷺ والله الموفق","vol":"6","page":52},{"text":"١٤٩٩ - وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي متفق عليه وفي رواية لمسلم: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n إن هذا الحديث في باب آداب الدعاء عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يعني أن الإنسان حري أن يستجيب الله دعاءه إلا إذا عجل ومعنى العجلة فسرها النبي ﷺ بأن يقول دعوت ودعوت فلم","vol":"6","page":53},{"text":"أر من يستجيب لي فحينئذ يستحسر ويدع الدعاء وهذا من جهل الإنسان لأن الله ﷾ لا يمنعك ما دعوته به إلا لحكمة أو لوجود مانع يمنع من إجابة الدعاء ولكن إذا دعوت الله فادع الله تعالى وأنت مغلب للرجاء على اليأس حتى يحقق الله لك ما تريد ثم إن أعطاك الله ما سألت فهذا المطلوب وإن لم يعطك ما سألت فإنه يدفع عنك من البلاء أكثر وأنت لا تدري أو يدخر ذلك لك عنده يوم القيامة فلا تيأس ولا تستحسر ادع ما دام الدعاء عبادة فلماذا لا تكثر منه بل أكثر منه استجاب الله لك أو لم يستجب ولا تستحسر ولا تسيء الظن بالله ﷿ فإن الله تعالى حكيم يقول الله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله الموفق\n١٥٠٠ - وعن أبي أمامة ﵁ قال قيل لرسول الله ﷺ أي الدعاء أسمع قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات رواه الترمذي وقال حديث حسن\n١٥٠١ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل من القوم إذا نكثر قال الله أكثر","vol":"6","page":54},{"text":"رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ورواه الحاكم من رواية أبي سعيد وزاد فيه أو يدخر له من الأجر مثلها\n١٥٠٢ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث من بقية الأحاديث التي جمعها النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين منها الحديث الأول أن النبي ﷺ سئل أي الدعاء أسمع يعني أي الدعاء أقرب إجابة فقال جوف الليل الآخر وأدبار الصلوات المكتوبة جوف الليل الآخر يعني آخر الليل وذلك لأن اله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له فينبغي للإنسان أن يجتهد بالدعاء في هذا الجزء من الليل رجاء الإجابة الثانية: أدبار الصلوات المكتوبات وأدبار الصلوات يعني أواخرها وهذا قد أرشد إليه النبي ﷺ حين ذكر التشهد ثم قال بعد ذلك ثم","vol":"6","page":55},{"text":"ليتخير من الدعاء ما يشاء وليس المراد بأدبار الصلوات هي ما بعد السلام لأن ما بعد السلام في الصلوات هو ليس محل دعاء إنما هو محل ذكر لقول الله تعالى فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ولكن المراد بأدبار الصلوات المكتوبة أواخرها ثم ذكر المؤلف حديث أبي أمامة ﵁ أنه ما من مسلم يدعو الله تعالى بشيء إلا أعطاه ما سأل أو صرف عنه من السوء مثل ذلك أو ادخر له أجره عنده يوم القيامة وقد سبق لنا بيان هذا وبينا أنه لا يخيب من يسأل الله بل لابد أن يحدث له واحد من هذه الأمور الثلاثة إلا أن يدعو بإثم أي بشيء محرم فإنه لا يستجاب له لأن الدعاء بالإثم ظلم وقد قال الله تعالى ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ وأما الحديث الأخير فهو في دعاء الكرب أن النبي ﷺ كان يقول لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم فهذه الكلمات إذا قالها الإنسان عند الكرب كانت سببا في تفريج كربه والله الموفق","vol":"6","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>باب كرامات الأولياء وفضلهم</span>\nقال الله تعالى ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ وقال تعالى ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصاحين باب كرامات الأولياء وفضلهم الكرامات هنا معناها هي كل أمر خارق للعادة يظهره الله ﷾ على يد متبعي الرسول ﷺ هذه الكرامة يعني أمر غير معتاد يظهره الله على يد متبع الرسول إما تكريما له وإما نصرة للحق وهي ثابتة أعني الكرامات ثابتة بالكتاب والسنة والواقع ولكن من هم الأولياء؟ الأولياء هم من بينهم الله في قوله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون هؤلاء هم الأولياء جمعوا بين الإيمان والتقوى وليس أولياء الله الذين يدعون أنهم أولياءه وهم من أعدائه كما يفعل في بعض البلاد يأتي الرجل يدعي أنه ولي وهو عاص فاسق يدعو الناس إلى أن يعبدوه ويطيعوه في كل شيء ويدعي أن الله قد أحل له كل شيء حتى المحرمات أحلها الله له لأنه بلغ الغاية هؤلاء ليسوا بأولياء الله هؤلاء أعداء الله ولي الله هو المؤمن التقي كما في هذه الآية","vol":"6","page":57},{"text":"الكريمة التي ساقها المؤلف ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ وسوف يذكر المؤلف إن شاء الله الآيات والأحاديث الدالة على ذلك والواقع أيضا والفرق بين الآية آية النبي ﷺ وكرامة الولي وشعوذة العدو الفرق بينهم أن آية النبي ﷺ أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد النبي ﷺ تأييدا له وتصديقا له مثل إحياء عيسى ﷺ للموتى كان عيسى ابن مريم ﷺ يحيي الموتى بل يخرجهم من القبور بعد الدفن كما قال الله تعالى ﴿وإذ تخرج الموتى بإذني﴾ فيقف على القبر ويدعو صاحبه فيخرج من قبره حيا يبرئ الأكمة والأبرص يخلق من الطين على صورة الطير يعني يصنع شيئا على صورة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله يطير من بين يديه كان بالأول طينا فإذا نفخ فيه طار هذا أيضا من آيات الله إذن فآيات الأنبياء هي أمور خارقة للعادة يظهرها الله تعالى على أيديهم تأييدا لهم أما كرامات الأولياء فهي أمور خارق للعادة ولكنها لا تكون للأنبياء بل تكون لمتبعي الأنبياء مثل ما حدث لمريم بنت عمران ﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فنادها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾ هذه من آيات الله كرامة لمريم امرأة في المخاض تحت نخلة تهز الجذع وهز الجذع ليس سهلا هز رأس النخلة ممكن لكن هز الجذع صعب تهز الجذع ثم يتساقط الرطب من النخلة جنيا","vol":"6","page":58},{"text":"يعني كأنه مخروط خرطا ما يتفصص إذا نزل في الأرض أو يفسد هذه آية من آيات الله كذلك ما حدث لها من الحمل والولادة كلها من آيات الله ﷿ كرامة لها كما قال تعالى ﴿وجعلناها وابنها آية للعالمين﴾ أما الثالث الذي يظهره الله على يد المشعوذين الذين يستخدمون الجن يظهرها الله ﷿ على أيديهم فتنة لهم وفتنة بهم فإنه يوجد من الناس من يأتي بأشياء خارقة للعادة ولكنه ليس وليا فنقول كرامة ومعلوم أيضا أنه ليس بنبي لأنه لا نبي بعد محمد ﷺ إذن فهي من الشياطين الأمر الرابع: ما يكون خارقا للعادة يظهره الله ﷾ على يد الكاذب تكذيبا له مثل ما يذكر عن مسيلمة الكذاب مسيلمة رجل ادعى النبوة في آخر حياة النبي ﷺ وقال إنه نبي وتبعه من تبعه من الناس وفي يوم من الأيام أتاه قوم أهل حرب يشكون إليه أن بئرهم قد غار ماؤها ولم يبق فيه إلا القليل فطلبوا منه أن يأتي إلى البئر ويمج فيه من ريقه لعله يعود الماء ففعل فأعطوه ماء فتمضمض به ثم مجه في البئر وكان في البئر شيء من الماء ولما مجه في البئر غار الماء كله ما بقي شيء هذا خارق للعادة ولا شك أنه آية ولكن الله ﷾ جعله إهانة لذلك الرجل الكذاب وإظهارا لكذبه فهذه أربعة أشياء آية النبي وكرامة الولي وشعوذة المشعوذ وإهانة الكذاب المفتري كلها أمور خارقة للعادة لكنها تختلف بحسب من أظهرها الله على يديه ويأتي إن شاء الله الكلام على الآيات التي ذكرها المؤلف","vol":"6","page":59},{"text":"قال تعالى ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n تقدم لنا الكلام على كرامات الأولياء وأنها أي الكرمات كل أمر خارق للعادة يعني كل ما يخرج عن العادة يظهره الله تعالى على يد الوالي تكريما له أو نصرة لدين الله وذكرنا أن هناك آيات وهناك شعوذة وهناك إهانات أربعة أشياء كلها تخرج عن العادة وبيناها فيما سبق واعلم أن كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه لأن هذا الوالي الذي اتبع هذا النبي إذا أكرم بكرامة فهي شهادة من الله ﷾ على صحة طريقته وعلى صحة الشرع الذي اتبعه ولهذا نقول كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه.\nثم ذكر المؤلف آيات فيها كرامات منها كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب مريم ابنة عمران نذرتها أمها ﴿إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني","vol":"6","page":63},{"text":"محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ فزكريا إذا دخل على مريم المحراب أي مكان صلاتها وجد عندها رزقا أي وجد عندها طعاما لم تجر العادة بوجوده فيقول أنى لك هذا ما جاء به قالت هو من عند الله لم تقل جاء به فلان أو فلان بل هو من عند الله ﷿ والله تعالى على كل شيء قدير يأتي به من عنده لا من سعي البشر ولكنه من عند الله ﴿إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ وعندئذ دعا زكريا ربه وكان قد بلغه الكبر ولم يأته أولاد فقال إن الله على كل شيء قدير واستدل بقدرة الله الذي جاء بهذا الرزق إلى مريم بدون سبب بشري فاستدل بذلك على كمال قدرة الله فدعا ربه أن يأتيه ولدا فجاءه الولد وفيه أيضا كرامات لذلك فمريم ﵂ لها كرامات منها هذه المسألة رزقها يأتيها من عند الله لا يشترى من السوق ولا يأتي به فلان أو فلان من عند الله وكذلك ما ذكرناه بالأمس حين جاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا﴾ وسبق الكلام على هذا ومن الكرامات أيضا ما وقع لأصحاب الكهف والكهف هو غار فسيح في الجبل وكان هؤلاء القوم سبعة رجال رأوا ما عليه أهل بلدتهم من","vol":"6","page":64},{"text":"الشرك والكفر ولم يرضوا بذلك فاعتزلوا قومهم وهاجروا من بلدهم لأنها بدل شرك وكفر فاعتزلوا قومهم ولجأوا إلى غار كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمنوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ يعني لما اعتزلوهم وشركهم أمروا أن يأووا إلى الكهف ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾ فأووا إلى الكهف اذهبوا إلى الكهف وهذا الكهف كما قلنا هو غار في الجبل ذهبوا إليه هذا الغار وجهه إلى الشمال الشرقي بحيث الشمس ما تدخل عليه لا أول النهار ولا آخره يسره الله لهم لأن الله تعالى يقول ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾ وهؤلاء خرجوا يريدون وجه الله فيسر الله أمرهم أوووا إلى الكهف وألقى الله عليهم النوم قال الله تعالى مبينا هذا ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ يعني ما تدخل عليهم الشمس دخولا كاملا فيصيبهم الحر لكنه تقرضه شيء بسيط يأتيهم من الشمس لكي لا يتبخر الغار فيفسد يدخل عليه من الشمس بقدر الحاجة فقط ﴿وهم في فجوة منه﴾ أي في","vol":"6","page":65},{"text":"مكان متسع كما جاء في الحديث كلما أتى فجوة..\n...\nأي شيء متسع هم في مكان متسع في الغار ذلك من آيات الله أن يسر الله لهم هذا المكان لما دخلوا في هذا المكان آمنين متوكلين على الله ﷿ مفوضين أمرهم إليه ألقى الله عليهم النوم فناموا كم ناموا يوما..\nيومين ...\nثلاثة؟ لا ناموا ثلاثمائة سنة وتسع سنين وهم نائمين ٣٠٩ سنة لا يستيقظون من حر ولا برد ولا جوع ولا عطش هذا من كرامات الله هل يبقى الواحد منا ثلاثة أيام نائما لا يجوع ولا يعطش ولا يحتر ولا يبرد لا هؤلاء بقوا في كهفهم ٣٠٩ سنة ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ ويقول الله ﷿ ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ الله ﷿ هو الذي يقلبهم لماذا يقلبهم الله ﷿ لأن النائم لا فعل له مرفوع عنه القلم حتى لو فعل لن يتم فعله ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد﴾ عند الباب يحرصهم بإذن الله ﷿ وإنما قلبهم الله تعالى لأنهم لو بقوا هذه المدة الطويلة على جنب واحد لفسد الدم ولم يتحرك لكن يقلبون ذات اليمين وذات الشمال إذا رآهم الإنسان حسبهم أيقاظا يعني ليس على وجههم وجه النوم الذي يراهم يقول هؤلاء أيقاظ وهم رقود نائمون وألقى الله عليهم","vol":"6","page":66},{"text":"المهابة العظيمة ﴿لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا﴾ لوليت منهم فرارا ببدنك ولملئت منهم رعبا بقلبك القلب يفزع والبدن يهرب لأن لا يحوم أحد حولهم فيوقظهم لكن الله ﷿ أكرمهم بهذا وكرامات أصحاب الكهف كثيرة نقتصر منها على هذا ونذكر إن شاء الله الباقي في درس آخر نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أوليائه المكرمين إنه على كل شيء قدير\nوقال تعالى ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾\nقال الله تعالى ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب كرامات الأولياء وفضلهم عدة آيات تشتمل على كرامات الأولياء ومنها قصة أصحاب الكهف وكانوا فتية آمنوا بالله واعتزلوا قومهم وخرجوا من بلدهم فهيأ الله لهم كهفا يعني غارا واسعا في الجبل فدخلوا فيه فألقى الله عليهم النوم فناموا ٣٠٩ سنة وهم نائمون لم يحتاجوا إلى أكل ولا شرب ولم تتأثر أبدانهم وكان الله تعالى يقبلهم ذات اليمين وذات الشمال وهذه من كرامات الله لهم أن الله تعالى هيأ لهم مقرا آمنا حتى إن الله يقول","vol":"6","page":67},{"text":"لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ما أحد يحوم حولهم ومن كرامات الله لهم أنهم بقوا هذه المدة ٣٠٩ سنة ولم يتغير منهم ظفر ولا شعر ولا غيره مع أن العادة أن الشعور تطول والأظفار تطول لكن هؤلاء لم تطل شعورهم ولا أظفارهم وبقوا وكأنهم ناموا بالأمس ولهذا قال الله تعالى ﴿وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يتغير منهم شيء وأما ما ذكر بعض الناس أنهم طالت أظفارهم وشعورهم فهذا خطأ لأنه لو كان كذلك لعرفوا أنهم بقوا مدة طويلة ولكنهم لم يتغيروا ومن كرامات الله لهم أن الله أبقاهم على هذه النومة حتى أبدل الله تعالى ملكهم الظالم بملك صالح ولما استيقظوا بعثوا واحدا منهم إلى البلدة ليأتي بطعام له وكان معهم نقود سابقة من النقود التي لها ٣٠٩ سنة فلما جاءوا يشترون من البلدة ودفعوا النقود تعجب أهل البلدة من أين هذه النقود حتى أطلع الله الناس عليهم فهذا من كرامات الله لهم ويحسن أن يجمع هذه الآيات وغيرها وتتأمل ويستخرج ما فيها من الكرمات الدالة على قدرة الله ﷿ وعلى أنه ﵎ أكرم من خلقه إذا تعبد الإنسان له بما يرضى أعطاه الله تعالى ما يرضى والله الموفق","vol":"6","page":68},{"text":"قال الله تعالى ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n صدر المؤلف رحمه الله تعالى باب كرامات الأولياء بهذه الآية ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون وتقدم الكلام على أولها وأن الله تعالى بين أن أولياءه هم المؤمنون المتقون ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ وقد أخذ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من هذه الآية عبارة قال فيها من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا فيقول الله ﷿ إن هؤلاء الأولياء ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ لا خوف عليهم لما يستقبل من أمرهم ولا هم يحزنون على ما مضى من أمرهم لأنهم أدركوا معنى الحياة الدنيا فعملوا عملا صالحا وآمنوا بالله واتقوه فصاروا من أوليائه ثم قال ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ البشرى تعني البشارة في الحياة الدنيا وفي الآخرة والبشارة في الحياة الدنيا أنواع فمنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له أحد يراها له يعني يرى في المنام ما يسره أو يرى له أحد من أهل الصلاح ما يسره مثل أن يرى أنه يبشر بالجنة أو يرى أحد من الناس أنه من أهل الجنة أو ما أشبه ذلك أو يرى على هيئة صالحة المهم أن النبي ﷺ قال في الرؤيا الصالحة يراها أو ترى له تلك عاجل بشرى المؤمن ومنها إن الإنسان يسر في الطاعة، ويفرح بها وتكون قرة عينه، فإن هذا يدل على أنه من أولياء الله.\nقال النبي ﷺ: من سرته حسنته، وساءته سيئته فذلك المؤمن فإذا رأيت من نفسك أن صدرك ينشرح بالطاعة، وأنه يضيق بالمعصية فهذه بشرى لك، أنك من عباد الله المؤمنين ومن أوليائه المتقين، ولهذا قال النبي ﷺ: وجعلت قرة عيني في الصلاة ومن ذلك أيضًا أن أهل الخير يثنون عليه ويحبونه ويذكرونه بالخير، فإذا رأيت أن أهل الخير يحبونك ويثنون عليك بالخير، فهذه بشرى للإنسان أنه يثنى عليه من أهل الخير، ولا عبرة بثناء أهل الشر ولا قدحهم، لأنهم لا ميزان لهم ولا تقبل شهادتهم عند الله، لكن أهل الخير إذا رأيتهم يثنون عليك وأنهم يذكرونك بالخير ويقتربون منك ويتجهون إليك فاعلم أن هذه بشرى من الله لك.\nومن البشرى في الحياة الدنيا، ما يبشر به العبد عند فراق الدنيا، حيث تتنزل عليه الملائكة ﴿ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلًا من غفور رحيم﴾ ومن البشارة أيضًا أن الإنسان عند موته بشارة أخرى، فيقال لنفسه: اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى رحمة من الله ورضوان، فتفرح وتسر.\nومن ذلك أيضًا البشارة في القبر، فإن الإنسان إذا سئل عن ربه ودينه ونبيه وأجاب بالحق، ناد مناد من السماء أن صدق عبدي؛ فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا من الجنة.\nومنها أيضًا البشارة في الحشر، تتلقاهم الملائكة ﴿هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ و﴿وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ المهم أن أولياء الله لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم ﴿لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ يعني لا أحد يبدل كلمات الله تعالى، أما الكونية فلا يستطيع أحد أن يبدلها وأما الشرعية فقد يحرفها أهل الباطل، كما فعل اليهود والنصارى في كتبهم حرفوها وبدلوها وغيروها، وأما الكلمات الكونية فلا أحد يبدلها ﴿لا تبديل لكلمات الله ذلك الفوز العظيم﴾ .\nوالله الموفق","vol":"6","page":null},{"text":"١٥٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد، فإنه عمر.\nرواه البخاري، ورواه مسلم من رواية عائشة، وفي روايتهما قال","vol":"6","page":78},{"text":"ابن وهب: محدثون أي: ملهمون.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا ما يتعلق بقضية أبي بكر الصديق ﵁ فيما أكرمه الله به من الكرامة، ثم أتى المؤلف ﵀ بحديث لأبي هريرة في كرامة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال النبي ﷺ: كان فيما كان قبلكم محدثون - يعني: ملهمون للصواب، يقولون قولًا فيكون موافقًا للحق، وهذا من كرامة الله للعبد أن الإنسان إذا قال قولًا، أو أفتى بفتوى، أو حكم بحكم تبين له بعد ذلك أنه مطابق للحق، فعمر ﵁ من أشد الناس توفيقًا للحق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فيما سيذكره المؤلف من أمثلة لذلك، قال النبي ﷺ: فإن يكن فيكم محدثون فعمر يعني إن كان فيكم محدثون فعمر، ويحتمل قوله: إن يكن فيكم إنه خطاب لقوم مجتمعين ليس فيهم أبو بكر ويحتمل أنه خطاب إلى الأمة كلها، ومن بينهم أبو بكر ﵁، فإن كان الأول فلا إشكال، وإن كان الثاني فقد يقول قائل: كيف يكون عمر ملهمًا وأبو بكر ليس كذلك، فيقال: إن أبا بكر ﵁ يوفق للصواب بدون إلهام، بمعنى أنه ﵁ من ذات نفسه بتوفيق الله - ﷿ - يوفق للصواب ويدل على هذا عدة مسائل، يعني يدل على أن أبا بكر أشد توفيقًا للصواب من عمر عدة مسائل: أولًا: في صلح الحديبية لما اشترطت قريش على النبي ﷺ شروطًا يبدو أنها ثقيلة عظيمة، عمل عمر ﵁ على إبطالها، وجاء إلى النبي","vol":"6","page":79},{"text":"ﷺ يراجعه في ذلك ويقول: كيف نعطي الدنية في ديننا؟ كيف نشترط على أنفسنا أن من جاءنا منهم مسلمًا، ردنناه إليهم، ومن جاءهم منا لا يردونه؟ هذا ثقيل، ولكن النبي ﷺ قال له (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري)، فذهب عمر ﵁ - إلى أبي بكر - ﵁ - يريد أن يستنجد به في إقناع الرسول ﷺ فكلم أبا بكر فقال له أبو بكر مثل قول الرسول ﷺ سواء بسواء قال إنه رسول الله وليس بعاصيه وهو ناصره فاستمسك بعرزه، يعني لا يكن عندك شك في أمر، فهذه واحدة، إذن من الموفق إلى الصواب في هذا؟ أبو بكر لا شك، كذلك أيضًا في موت الرسول ﷺ، لما شاع الخبر في المدينة أن النبي ﷺ مات.\nقال عمر في الناس وقال إنه لم يمت وإنما صعق وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي أقوام وأرجلهم من خلاف، وأنكر أن يكون قد مات، وكان أبو بكر قد خرج ذلك اليوم إلى بستان له خارج المدينة فلما رجع وجد النبي ﷺ قد مات حقًا، فخرج إلى المسجد وصعد المنبر، وقال كلماته المشهورة التي تكتب بأغلى من ماء الذهب.\nقال: أما بعد أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ قول الله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون وقوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾","vol":"6","page":80},{"text":"قال عمر: فوالله ما إن تلاها أبو بكر حتى عقرت فما تحملني رجلاي، يعني الإنسان إذا خاف واشتد به الشيء ما يقدر أن يقف، هذه الثانية، الثالثة: إنه لما توفي الرسول ﷺ ارتد من ارتد من العرب، كفروا والعياذ بالله، وكان النبي ﷺ قد جهز جيشًا أميره أسامة بن زيد، ليقاتل أدنى أهل الشام والجيش كان ظاهر المدينة ولكن لم يسيروا بعد، ولما ارتد العرب جاء عمر لأبي بكر، وقال لا ترسل الجيش، نحن في حاجة، فقال له أبو بكر: والله لا أحلن راية عقدها رسول الله ﷺ، وسيرهم أبو بكر، فكان الصواب مع أبي بكر - ﵁ - لأن الناس لما سمعوا أن أهل المدينة أرسلوا الجيوش إلى أطراف الشام، قالوا: هؤلاء عندهم قوة ولا يمكن أن نرتد، فامتنع كثير من الناس عن الردة وبقوا في الإسلام، المهم أن أبا بكر ﵁ أبلغ من عمر، ﵁ - في إصابة الصواب لاسيما في المواضع الضنكة الضيقة، وعلى كل حال كلا الرجلين - ﵄ - كلاهما موفق إلى الصواب، جمعنا الله وإياكم بهما في الجنة، وكلما الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر طاعة لله وفقه الله تعالى إلى الحق بقدر ما معه من الإيمان والعلم والعمل الصالح، تجده مثلًا يعمل عملًا يظنه صوابًا بدون ما يكون معه دليل من الكتاب والسنة فإذا راجع أو سأل، وجد أن عمله مطابق للكتاب والسنة، وهذه من الكرامات، فعمر ﵁ قال فيه الرسول ﷺ إن يكن فيه محدثون فإنه عمر","vol":"6","page":81},{"text":"١٥٠٥ - وعن جابر بن سمرة، ﵄.\nقال: شكا أهل الكوفة سعدًا، يعني: ابن أبي وقاص - ﵁ - إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي.\nفقال: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ لا أخرم عنها أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين، وأخف في الأخريين، قال: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل معه رجلًا - أو رجالًا - إلى الكوفة يسأل عنه أهل الكوفة، فلم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة، فقال: أما إذ نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياء، وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، وكان بعد ذلك إذا سئل يقول، شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.\nقال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن متفق عليه.","vol":"6","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه من الكرامات التي نقلها المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصاحين، وهي ما رواه جابر بن سمرة في قصة سعد بن أبي وقاص ﵁، وكان سعد معروفًا بإجابة الدعوة (مستجاب الدعاء) يعني أن الله أعطاه كرامة وهو أن الله تعالى يجيب دعوته إذا دعا، وقد جعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أميرًا على أهل الكوفة، لأن المسلمين لما فتحوا العراق مصروا الأمصار وجعلوا البصرة والكوفة وهما أشهر ما يكون في العراق، ثم إن أمير المؤمنين جعل لهم أمراء، فأمر سعد بن أبي وقاص على الكوفة، فشكاه أهل الكوفة إلى أمير المؤمنين عمر، حتى قالوا إنه لا يحسن أن يصلي، وهو صحابي جليل شهد له النبي ﷺ بالجنة، فأرسل إليه عمر، فحضر وقال له: إن أهل الكوفة شكوك حتى قالوا: إنك لا تحسن تصلي، فأخبره سعد ﵁ أنه كان يصلي بهم صلاة النبي ﷺ وذكر صلاة العشاء وكأنها - والله أعلم - هي التي وقع تعيينها من هؤلاء الشكاة، فقال: إني لأصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ، لا أخرم عنها يعني لا أدعها، فكنت أطول في العشاء بالأوليين وأقصر في الأخريين، فقال له عمر ﵁: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، فزكاه عمر؛ لأن هذا هو الظن به، أنه يحسن الصلاة وانه يصلي بقومه الذين أمر عليهم صلاة النبي ﷺ ولكن مع ذلك تحرى ذلك عمر ﵁ لأنه يتحمل المسئولية ويعرف قدر المسئولية، أرسل رجالًا إلى أهل الكوفة، يسألونهم عن سعد وعن سيرته، فكان هؤلاء","vol":"6","page":83},{"text":"الرجال، لا يدخلون مسجدًا ويسألون عن سعد إلا أثنوا عليه معروفًا.\nحتى أتى هؤلاء الرجال إلى مسجد بني عبس، فسألوهم، فقام رجل فقال: أما ناشدتمونا، فإن هذا الرجل لا يعدل في القضية ولا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية، فقوله لا يسير في السرية، يعني لا يخرج في الجهاد، ولا يقسم بالسوية إذا غنم ولا يعدل في القضية إذا حكم بين الناس، فاتهمه هذه التهم، فهي تهم ثلاث، فقال أما إن قلت كذا (المتحدث سعد بن أبي وقاص ﵁)، فلأدعون عليك بثلاث دعوات، دعا عليه أن يطيل الله تعالى عمره وفقره ويعرضه للفتن، نسأل الله العافية، ثلاث دعوات عظيمة، لكنه ﵁ استثنى، قال: إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة يعني لا بحق، فأجاب الله دعاءه، فكان هذا الرجل طويل العمر، عمر طويلًا وشاخ حتى إن حاجبيه سقطت على عينيه من الكبر، وكان فقيرًا وعرض للفتن، حتى وهو في هذه الحال وهو كبير إلى هذا الحد كان يتعرض للجواري، يتعرض لهن في الأسواق ليغمزهن والعياذ بالله، وكان يقول عن نفسه شيخ مفتون كبير أصابتني دعوة سعد.\nفهذه من الكرامات التي أكرم الله بها سعد بن أبي وقاص ﵁.\nوفيه فوائد عديدة منها: أن من تولى أمرًا في الناس فإنه لا يسلم منهم مهما كانت منزلته، لابد أن يناله السوء قال ابن الوردي في منظومته المشهورة، التي أولها\nاعتزل ذكر الأغاني والغزل ...\nوقل الفصل وجانب من هذل\nودع الذكرى لأيام الصبى ...\nفلأيام الصبى نجم أفل\nقال فيها من جملة ما قال من حكم:","vol":"6","page":84},{"text":"إن نصف الناس أعداء لمن ...\nولي الأحكام، هذا إن عدل\nومن الفوائد أيضًا في هذا الحديث جواز دعاء المظلوم على ظالمه بمثل ما ظلمه كما دعا سعد بن أبي وقاص ﵁ هذه الدعوات على من ظلمه، ومن فوائدها: أن الله تعالى يستجيب دعاء المظلوم، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ الزكاة من أموالهم، قال: إياك وكزائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب فالمظلوم يستجيب الله دعاءه حتى ولو كان كافرًا فلو كان كافرًا وظلم ودعا على من ظلمه أجاب الله دعاءه، لأن الله حكم عدل ﷿، يأخذ بالإنصاف والعدل لمن كان مظلومًا ولو كان كافرًا، فكيف إذا كان مسلمًا؟ ومن فوائد هذا الحديث، أنه يجوز للإنسان أن يستثني في الدعاء، إذا دعا على شخص يستثني فيقول: اللهم إن كان كذا فافعل به كذا، اللهم إن كان ظلمني فأنصفني منه أو فابتله بكذا وكذا، تدعو بمثل ما ظلمك، وقد جاء الاستثناء في الدعاء في القرآن الكريم فقال ﵎: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادت بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين","vol":"6","page":85},{"text":"ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: حرص أمير المؤمنين عمر ﵁ على الرعية وتحمله المسئولية والإحساس بها وشعوره بها ﵁ ولهذا اشتهر بعدالته وحسن سياسته في الأمور كلها، الحربية والسلمية والدينية والدنيوية، فهو في الحقيقة خير الخلفاء بعد أبي بكر، بل حسنة من حسنات أبي بكر ﵁؛ لأن الذي ولاه على المسلمين هو أبو بكر ﵁، فالحاصل أن هذا الحديث فيه فوائد نقتصر منها على ذلك.\n(والله الموفق)\n١٥٠٦ - وعن عروة بن الزبير أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ﵁ خاصمته أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم، وادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت رسول الله ﷺ؟ قال: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة، فاعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بمعناه وأنه","vol":"6","page":86},{"text":"رآها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد، وأنها مرت على بئر في الدار التي خاصمته فيها، فوقعت فيها، وكانت قبرها.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n من كرامات الأولياء أن الله ﷾ يجيب دعوتهم، حتى يدركوها بأعينهم فهذا سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ أحد العشرة المبشرين بالجنة، خاصمته امرأة ادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها فخاصمته عند مروان، فقال: أنا آخذ من أرضها شيئًا بعد ما سمعت من رسول الله ﷺ؟ قالوا: وماذا سمعت؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول (من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين - أو - طوقه يوم القيامة من سبع أرضين) يعني فكيف آخذ منها بعد أن سمعت هذا من النبي ﷺ؟ كل مؤمن يؤمن بالله ورسوله إذا سمع مثل هذا الخبر الصادر عن الصادق المصدوق ﷺ فإنه لا يمكن أن يظلم أحدًا من أرضه ولا شبرًا، فالرسول ﷺ يخبر أنك لو أخذت شبرًا من الأرض وقيده بالشبر من باب المبالغة وإلا فإن أخذ أقل من ذلك ولو سنتيمتر واحدًا فإنه يطوق به يوم القيامة من سبع أرضين، إذا كان يوم القيامة جاءت هذه القطعة التي أخذها مطوقة في عنقه من سبع أرضين؛ لأن الأرضين سبع طباق، كما قال الله تعالى الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن.\nوالإنسان إذا ملك أرضًا، ملك قعرها إلى أسفل السافلين، إلى الأرض السابعة، وإذا ملكها أيضًا ملك هواءها إلى الثريا، لا أحد يستطيع","vol":"6","page":87},{"text":"أن يبني فوقه جسرًا أو أن يحفر تحته خندقًا، لأن الأرض له إلى أسفل السافلين، وإلى أعلى السماء، كلها له، إذا كان يوم القيامة وهذا قد اقتطع شبرًا من الأرض بغير حق، فإنه يأتي يوم القيامة مطوق به عنقه نسأل الله العافية.\nوعند جميع العالم كل شيء محشور يوم القيامة حتى الوحوش تحشر حتى الإبل حتى البقر حتى الغنم كلها تحشر يوم القيامة، وهذا يشاهد حاملًا هذه الأرض والعياذ بالله من سبع أرضين، ولهذا قال النبي ﷺ (لعن الله من غير منار الأرض) غير منارها: أي غير مراسيمها فأدخل شيئًا ليس له، وفي هذا دليل على أن قصف الأرض أو أخذ شيء بغير الحق من كبائر الذنوب لأن عليه هذا الويل العظيم، اللعن وأنه يحمل به يوم القيامة، فما بالك بقوم اليوم يأخذون أميالًا بل أميال الأميال والعياذ بالله بغير الحق، يأخذونها يضيقون بها مراعي المسلمين، ويحرمون المسلمين من مراعيهم أو من طرقهم أو ما أشبه ذلك، هؤلاء سوف يطوقون ما أخذوا يوم القيامة والعياذ بالله، لأنهم أخذوها بغير الحق، المراعي للمسلمين عمومًا، الخطوط الطرقات للمسلمين عمومًا، الأودية أودية الأمطار للمسلمين عمومًا، ولهذا قال العلماء: إن الإنسان لا يملك بالأحياء ما قرب من عامر وهو يتعلق بمصلحة هذا العامر، حتى لو أحياها وغرسها يقلع غرسه ويهدم بناؤه إذا كان هذا يتعلق بمصالح البلد، والبلد ليست ملكًا لفلان أو علان بل هي لعموم المسلمين، حتى لو فرضنا أن ولي الأمر أقطع","vol":"6","page":88},{"text":"هذا الرجل من الأرض التي يحتاجها أهل البلد فإنه لا يملكها بذلك لأن ولي الأمر إنما يفعل لمصالح المسلمين، لا يخص أحدًا بمصالح المسلمين دون أحد، وهذه المسألة خطيرة للغاية، ولهذا لما ارتفعت قيم الأراضي صار الناس والعياذ بالله يعتدي بعضهم على بعض، يدعي أن الأرض له وهي ليست له يكون جارًا لشخص ثم يدخل شيئًا من أرضه إلى أرضه، وهذا على خطر عظيم إن العلماء - أقول لكم كلامًا تعجبون منه قالوا: لو أن الإنسان بني جدارًا ثم زاد في لياصته (المحارة) إذا زاد في لياصته دخل على السور سنتيمترًا في اللياصة فإنه يكون ظالمًا ويكون بذلك معاقبًا عند الله يوم القيامة، إلى هذا الحد الناس الآن والعياذ بالله يبلعون أميالًا أو أمتارا مع هذا الوعيد الشديد، سعيد بن زيد ﵁، لما حدث مروان بهذا الحديث قال الآن لا أطلب عليك بينة، لأنه عارف أن سعيدًا لا يمكن أبدًا أن يأخذ من أرض هذه المرأة بدون حق أما المرأة؟ فقال سعيد ﵁: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها وأهلكها في أرضها، فماذا كان، كانت هذه المرأة أعماها الله ﷿ قبل أن تموت وبينما هي تمشي في أرضها ذات يوم إذ سقطت في بئر فماتت فكانت البئر قبرها في نفس الأرض التي كانت تخاصم سعيد بن زيد ﵁ فيها، وهذا من كرامة الله ﷿ لسعيد بن زيد أن الله أجاب دعوته وشاهدها حيا قبل أن يموت، وقد سبق لنا أن المظلوم تجاب دعوته ولو كان كافرًا إذا كان مظلومًا، لأن الله تعالى ينتصر للمظلوم من الظالم؛ لأن الله تعالى حكم عدل لا يظلم ولا يمكن أحدًا من الظلم وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم إنه لا يفلح الظالمون","vol":"6","page":89},{"text":"فالظالم لا يفلح أبدًا، ولذلك انظر إلى هذه القصة وإلى قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ التي ذكرناها سابقًا وكيف أجاب الله الدعوة؟ وهذه هي عادة الله ﷾ في عباده نسأل الله أن يحمينا وإياكم من الظلم (والله الموفق)\n١٥٠٧ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما حضرت أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله ﷺ وإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا: فأصبحنا، فكان أول قتيل، ودفنت معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه، فجعلته في قبر على حدة رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا بيان شيء من كرامات الأولياء التي ذكرها المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب كرامات الأولياء وفضلهم، وذكر في هذا الحديث ما جرى لعبد الله بن حرام ﵁ والد جابر بن عبد الله، فإنه أيقظ ابنه جابرًا ليلة من الليالي","vol":"6","page":90},{"text":"وقال: ما أراني إلا أول قتيل مع رسول الله ﷺ، وذلك قبيل غزوة أحد، ثم أوصاه وقال: إني لن أترك من بعدي أحدًا أعز منك بعد رسول الله ﷺ، وأوصاه بأن يقضي دينًا كان عليه وأوصاه بأخواته ثم كانت الغزوة فقاتل ﵁ (عبد الله بن حرام) وقتل، وكان القتلى في ذلك اليوم سبعين رجلًا فكان يشق على المسلمين أن يحفروا لكل رجل قبرًا، فجعلوا يدفنون الاثنين والثلاثة في قبر واحد، فدفن مع أبي جابر (عبد الله بن حرام) رجل آخر، ولكن جابر ﵁ لم تطب نفسه حتى فرق بين أبيه وبين من دفن معه، فحفره بعد ستة أشهر من دفنه فوجده كأنه دفن اليوم، لم يتغير إلا شيء في أذنه، شيئًا يسيرا، ثم أفرده في قبر، أما جابر ﵁ فقد وفى دين أبيه واستوصى بأخواته خيرًا حتى إنه تزوج بعد ذلك - أعني جابرًا - فقد تزوج بعد ذلك وتزوج امرأة ثيبًا فسأله النبي ﷺ هل تزوجت؟ قال: نعم قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا، قال: فهلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها، وتضاحكك وتضاحكها فقال: يا رسول الله إن أبي ترك أخوات لي وذكر أنه أخذ الثيب لتقوم عليهن (لتقوم على خدمتهن) .\nفي هذا الحديث كرامة لأبي جابر وهو عبد الله بن حرام أنه ﵁ صدق الله رؤياه فصار أول قتيل في أحد، دفن ولم تأكل الأرض منه شيئًا إلا يسيرًا وقد مضى عليه ستة أشهر وهذا من كراماته.\nواعلم أن الإنسان إذا دفن فإن الأرض تأكله لا يبقى إلا عجب الذنب، وعجب الذنب هذا يكون كالنواة لخلق الناس يوم القيامة، تنبت منه الأجساد، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن الأرض لا تأكلهم، كما","vol":"6","page":91},{"text":"قال النبي ﷺ: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) أما غير الأنبياء فإن الأرض تأكل أجسادهم، ولكن قد يمنع الله الأرض أن تأكل أحدًا كرامة له والله الموفق\n١٥٠٨ - وعن أنس ﵁: أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا، صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله رواه البخاري من طرق، وفي بعضها أن الرجلين أسيد بن حُضير، وعباد بن بشر ﵄.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان حديثان ذكره النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب كرمات الأولياء وفضلهم وهو حديث الرجلين: أسيد بن حضير وعباد بن بشر ﵄ كانا عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة وكان في ذات الوقت ليس في الأسواق أنوار بل ولا في البيوت مصابيح، فخرجا من عند النبي ﷺ في تلك الليلة، الليلة المظلمة، فجعل الله تعالى بين أيديهما مثل المصباحين يعني مثل","vol":"6","page":92},{"text":"لمبة الكهرباء تضيء لهما الطريق، وليس هذا من فعلهما ولا بسبب منهما ولكن الله تعالى خلق نورًا يسعى بين أيديهما حتى تفرقا، وتفرق النور مع كل واحد منهما، حتى بلغا بيوتهما، وهذه كرامة من الله ﷿، من كرامة الله تعالى أنه يضيء للعبد الطريق، الطريق الحسي وفائدته الحسية، فإن هذين الرجلين ﵄ وأرضاهما مشيا في إضاءة ونور بينما الأسواق ليس فيها إضاءة ولا أنوار والليلة مظلمة، فقيض الله لهما هذا النور.\nهناك أيضًا نور معنوي يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن كرامة له، تجد بعض العلماء يفتح الله عليه من العلوم العظيمة الواسعة في كل فن ويرزقه الفهم والحفظ والمجادلة، ومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، فإن هذا الرجل من الله به على الأمة الإسلامية، ومازالت الأمة الإسلامية تنتفع بكتبه إلى يومنا هذا وقد توفي ﵀ سنة ٧٢٨هـ يعني منذ مئات السنين والأمة تنتفع بكتبه، وقد أعطاه الله تعالى علمًا عظيمًا، وفهمًا ثاقبًا، وقوة في المجادلة ولا أحد يستطيع أن يجادله في شيء أبدًا، ما قام له أحد حتى إنه ﵀ قال: أي إنسان يجادلني بالباطل ويستدل بآية أو حديث فإنني أنا سأجعل الآية والحديث دليلًا عليه وليست دليلًا له.\nوهذا من نعمة الله ﷿ أن الله تعالى يعطي الإنسان قدرة إلى هذا الحد، وحتى إنه يتكلم مع المجادلين ويناظرهم ثم يقول لهم: انظروا إلى قول فلان من زعمائهم في كتابه الفلاني مع أن أتباع هذا الرجل الذي يجادلون فيه شيخ الإسلام لا يعلمون عن كتبه شيئًا وهو يعلم ما في كتبه، ومناظرته في العقيدة الواسطية مع القاضي المالكي عجيبة،","vol":"6","page":93},{"text":"كان القاضي المالكي يحاول أن يجعل السلطان يبطش به؛ لكنه هو يقول: هذا لا يمكن ولا يجري على مذهبكم وأنتم أيها المالكية قلتم كذا وكذا.\nولا يمكن أن يدين للوالي في هذا الذي ذكرت بناء على مذهبكم، فيبهت الرجل، كيف يعرف من مذهبنا ما لا نعلم.\nوله أيضًا ﵀ في كل فن يد واسعة، كان عالمًا في النحو والعربية والصرف والبلاغة.\nحتى إن تلميذه ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد بحث بحثًا دقيقًا جدًا جدًا في الفرق بين مدح وحمد وكيف تفرق اللغة العربية بين المعاني في الكلمات بتقديم حرف أو تأخيره، وأتى ببحث عجيب، ثم قال: وكان شيخنا ﵀ إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب، يعني في مسألة اللغة والصرف، ولكنه كما قال الشاعر:\nتألق البرق نجديا فقلت له ...\nإليك عني فإني عنك مشغول\nيعني شيخ الإسلام مشتغل بما هو أكبر من مسألة نحوية أو بلاغية أو صرفية، فهو مشغول بأكبر من هذا، وفي يوم من الأيام قدم مصر وكان فيها أبو حيان اللغوي المشهور والمفسر من الكبير في هذا الباب، وكان أبو حيان يمدح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وله في مدحه قصيدة عصماء، منها قوله: قام ابن تيمية في\nنشر الدين نصر شرعتنا ... مقام سيد تيم إذا عصت مضر\nوسيد تيم هو أبو بكر ﵁، يعني أنه قام في","vol":"6","page":94},{"text":"الإسلام في محنة الإسلام والبدع مقام أبي بكر في يوم المحن ومدحه في قصيدة عصماء، فلما قدم مصر، جاء الناس إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يستفيدون من علمه ويناقشونه وكان من بينهم أبو حيان، فناقشه في مسألة نحوية، لأن أبا حيان بحر محيط في النحو ناقشه في مسألة نحوية فقال له شيخ الإسلام: هذا غلط من كلام العرب، فقال له: كيف وسيبويه إمام النحويين ذكر هذا في كتابه، فقال له شيخ الإسلام: وهل سيبويه نبي نحو يجب علينا أن نتبعه؟ لقد أخطأ سيبويه في كتابه في أكثر من ثمانين موضعًا لا تعلمه أنت ولا سيبويه، سيبويه عند النحويين مثل البخاري عند أهل الحديث، فتعجب أبو حيان، كيف يقول هذا الكلام، ثم إنه ذهب عنه فأنشأ فيه قصيدة يذمه والعياذ بالله، بالأمس يمدحه والآن يذمه.\nالمهم أني أقول: إذا كان الله تعالى يعطي بالكرامات نورًا حسيًا يستضيء به الإنسان كما حدث لهذين الصحابيين، فكذلك يعطي الله نورًا معنويًا يقذفه في قلب العبد المؤمن، نسأل الله يقذف في قلوبنا وإياكم نورًا، يستطيع الإنسان به أن يتكلم في شريعة الله وكأن النصوص بين عينيه، وهذا من نعمة الله على العبد، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أوليائه المتقين وعباده الصالحين\n١٥٠٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط عينا سرية، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله","vol":"6","page":95},{"text":"عنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة، بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه، لجأوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم، فقالوا: انزلوا، فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا.\nفقال عاصم بن ثابت: أيها القوم، أما أنا فلا أنزل على ذمة كافر.\nاللهم أخبر عنا نبيك ﷺ فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب، وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة، يريد القتلى فجروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب، وزيد بن الدثنة، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث ابن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبًا، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك، قالت: والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب، فوالله لقد وجدته يومًا يأكل قطفًا من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي","vol":"6","page":96},{"text":"ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا.\nوقال:\nفلست أبالي حين أقتل مسلمًا ...\nعلى أي جنب كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ ...\nيبارك على أوصال شلو ممزع\nوكان خبيب هو سن لكل مسلم صبرًا الصلاة وأخبر - يعني النبي ﷺ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف وكان قتل رجلًا من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئًا رواه البخاري.\nقوله: الهداة: موضع، والظلة: السحاب، والدبر: النحل.\nوقوله: اقتلهم بددا بكسر الباء وفتحها، فمن كسر، قال: هو جمع بدة بكسر الباء وهو النصيب، ومعناه اقتلهم حصصًا منقسمة لكل واحد منهم نصيب، ومن فتح، فقال: معناه: متفرقين في القتل واحدًا بعد واحد من التبديد.\nوفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة سبقت في مواضعها من هذا الكتاب، منها حديث الغلام الذي كان يأتي الراهب والساحر، ومنها حديث جريج، وحديث أصحاب الغار الذين أطبقت عليهم الصخرة، وحديث الرجل الذي سمع صوتًا في السحاب يقول: اسق حديقة فلان،","vol":"6","page":97},{"text":"وغير ذلك والدلائل في الباب كثيرة مشورة، وبالله التوفيق.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ساق المؤلف ﵀ في باب كرامات الأولياء وفضلهم عدة أحاديث، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في قصة عاصم بن ثابت الأنصاري وصحبه، أرسلهم النبي ﷺ وهو عشرة عينا سرية، عينًا يعني مثل الجواسيس للعدو، سرية يعني أخفاهم ﵊، فلما وصلوا قرب مكة شعر بهم جماعة من هذيل، فخرجوا إليهم في نحو مائة رجل رامٍ، يعني يجيدون الرمي، فاتبعوا آثارهم حتى أحاطوا بهم، ثم طلبوا منهم أي هؤلاء الهذليون طلبوا منهم أن ينزلوا بأمان وأعطوهم عهدًا أن لا يقتلوهم، فأما عاصم فقال: والله لا أنزل على ذمة كافر أي على عهده؛ لأن الكافر قد خان الله ﷿، ومن خان الله خان عباد الله، ولهذا لما كتب أبو موسى الأشعري ﵁ إلى عمر بن الخطاب ﵁، كتب إليه أن عنده رجلًا نصرانيًا جيدًا في المحاسبة، وطلب من عمر بن الخطاب ﵁ أن يأذن له أن يوظف هذا النصراني على بيت المال؛ لأنه رجل جيد في الحساب، فكتب إليه عمر (إنني لا آمن من خان الله ورسوله)؛ لأن كل كافر فهو خائن ولا توله على بيت المال، فكتب إليه مرة ثانية (أبو موسى) قال: هذا الرجل قلما يوجد مثله في الحساب والجودة، فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين عبد الله عمر بن الخطاب: مات النصراني، والسلام كلمة واحدة","vol":"6","page":98},{"text":"جملة واحدة، مات النصراني، يعني قدره أنه مات، هل إذا مات تتعطل المحاسبة عندنا في بيت المال، فقطع طمع أبي موسى ﵁.\nالمهم أن عاصم بن ثابت ﵁ أبى أن ينزل على عهد الكفار؛ لأنهم لا يؤمنون، كل كافر فهو غير أمين، ثم إنهم رموهم بالنبل، أي هؤلاء الهذليون رموا هؤلاء الصحابة العشرة، فقتلوا عاصمًا وقتلوا ستة آخرين، وبقي ثلاثة، بقي هؤلاء الثلاثة وقالوا: ننزل وننظر هل يوفون أم لا؟ فأخذهم الهذليون ثم حلوا قسيهم وربطوهم بها أي ربطوا أيديهم، فقال الثالث: هذا أول الغدر، لا يمكن أن أصحبكم، فحاولوا معه قال: أبدًا فقتلوه، ثم ذهبوا بخبيب وصاحبه إلى مكة فباعوهما، فاشترى خبيبًا ﵁ أناس من أهل مكة وقد كان قتل زعيمًا لهم في بدر، ورأوا أن هذه فرصة أن يقتلوه ثم أبقوه عندهم أسيرًا مغلولة يداه، وفي يوم من الأيام كان في البيت وكان أسيرًا مغلولة يده، فدرج صبي من أهل البيت إلى خبيب ﵁، فكأنه رق له ورحمه كعادة الإنسان يرحم الصغار ويرق لهم، ولهذا إذا رأيت من نفسك أنك ترق للصغار وترحمهم فهذه من علامة رحمة الله لك، لأن الراحمين يرحمهم الله ﷿، ولهذا قال الأقرع بن الحابس لما رأى النبي ﷺ يقبل - أظنه الحسن والحسين - قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلتهم، قال: أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، إنما يرحم الله من عباده الرحماء.","vol":"6","page":99},{"text":"خبيب أخذ الصبي ووضعه على فخذه وكان قد استعار من أهل البيت موسى (يعني موس) يستحد به أي يحلق به عانته، لما ذهب الصبي يلعب وأمه غافلة عنه، لما تفطنت له إذا هو على فخد خبيب، وخبيب معه الموس فظنت أن هذه فرصة لخبيب، ماذا يصنع، يذبح الولد، الموس معه والولد صبي وهو منفرد به، لكنه ﵁ أمين، صحابي جليل، لما أحس أنها ارتاعت (فزعت) الأم، قال: والله ما كنت لأذبحه، قالت: والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب، رأيته ذات يوم وفي يده قطف عنب يأكله، ومكة ما فيها ثمر، فعلمت أن ذلك من عند الله ﷿، الله ﷾ هيأ له هذا العنب وهو أسير لا يملك لنفسه شيئًا لا يستطيع أن يخرج إلى السوق يشتري أو يطعم، تحت رحمة هؤلاء، ولكن الله جل وعلا يسر له هذا القطف من العنب، يأكل عنبًا وهو في مكة فعلمت أنه من عند الله.\nوهذا كقصة مريم ﵂ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فهذه من كرامة الله تعالى لخبيب ﵁، أكرمه الله ﷾، تنزل عليه مائدة من العنب يأكلها وهو أسير في مكة، وبقي أسيرًا ثم أجمع هؤلاء القوم - الذين قتل والدهم على يد خبيب - أجمعوا على أن يقتلوه، لكنهم لاحترامهم للحرم قالوا: نقتله خارج الحرم، لأن الإنسان إذا قتل أحدًا خارج الحرم ودخل إلى الحرم فإنه لا يجوز أن يقتل","vol":"6","page":100},{"text":"في الحرم قال الله تعالى ﴿ومن دخله كان أمنًا﴾ فهذه سنة كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، على أن الإنسان إذا فعل ما يوجب القتل (يستحق عليه القتل) خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإن الحرم يعيذه ولا يجوز أن يقتل فيه، وماذا يصنع به؟ يعني لو قال قائل: لو سلمنا بهذه القاعدة، كان كل إنسان مجرم يذهب إلى الحرم ويلوذ به، قلنا: نحن لا نقتله في الحرم لكن نضيق عليه حتى يخرج، كيف نضيق عليه؟ قال العلماء: لا يؤكل معه ولا يشارب ولا يبايع ولا يشترى منه ولا يكلم، نضيق عليه حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، حينئذ ماذا يفعل؟ يخرج، وإذا خرج أقمنا عليه ما يجب عليه.\nالمهم أنهم خرجوا بخبيب خارج الحرم إلى الحل ليقتلوه، فطلب منهم، أن يصلي ركعتين؛ لأن أشرف الأعمال البدنية الصلاة، ولأنها صلة بين العبد وبين ربه ﷿، فأذنوا له أن يصلي ركعتين، انتهى منها وقال: لولا أني أخاف أن تقولوا: إنه فر من القتل أو كلمة نحوها، لزدت، ولكنه ﵁ صلى ركعتين فقط ثم قال: لولا أني أخاف أن تظنوا أن بي جزعًا لزدت؛ لأنه ﵁، كان حريصًا على الصلاة ويحب أن يكثر منها عند موته ثم دعا عليهم ﵁ بهذه الدعوات الثلاث، اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدًا.\nفأجاب الله دعوته، وما دار الحول على واحد منهم، كلهم قتلوا وهذا من كرامته.\nثم انشد هذا الشعر:\nولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإله فإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\nفصار من الكرامة لهذا الرجل أن الله ﷾ كان يرزقه","vol":"6","page":101},{"text":"الفاكهة التي لا توجد في مكة، وأنه كان يأكلها بيده، ويده موثقة بالحديد، وأنه أول من سن الصلاة عند القتل، فإنه فعل ذلك وأقره الله ورسوله، وأنه دعا على هؤلاء القوم، فأجاب الله دعوته أما عاصم بن ثابت الذي قتل ﵁، فإنه شعر به قوم من قريش، وكان قد قتل رجلًا من عظمائهم فأرسلوا إليه جماعة يأتون بشيء من أعضائه يعرف به حتى يطمئنوا أنه قتل، فلما جاء هؤلاء القوم ليأخذوا شيئًا من أعضائه، أرسل الله ﷾ عليه شيئًا مثل الظلة من الدبر (أي من النحل) نحل عظيم، يحميه به الله تعالى من هؤلاء القوم، فعجزوا أن يقربوه ورجعوا خائبين.\nوهذا أيضًا من كرامة الله ﷾ لعاصم ﵁، أن الله ﷾ حمى جسده بعد موته من هؤلاء الأعداء الذين يريدون أن يمثلوا به.\nوالكرامات كثيرة ذكر المؤلف منها ما ذكر في هذا الباب وذكر أيضًا أشياء متفرقة في هذا الكتاب.\nقال شيخ الإسلام ﵀: من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله ﷾ على أيديهم من أنواع العلوم والمكاشفات، والقدرة والتقديرات، وقال: الكرامات موجودة قبل هذه الأمة، وفي صدر هذه الأمة إلى يوم القيامة.\nوذكر شيئًا كثيرًا منها في كتابه الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن","vol":"6","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>كتاب الأمور المنهي عنها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان</span>\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين، باب تحريم الغيبة ووجوب حفظ اللسان، ثم ذكر عدة آيات في هذا المعنى.\nوالغيبة بينها النبي ﷺ حين قال لأصحابه أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، فقالوا: يا رسول الله أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته يعني مع الغيبة، فالغيبة من كبائر الذنوب التي لا تكفرها الصلاة ولا الصدقة ولا الصيام ولا غيرها من الأعمال الصالحة، بل تبقى على الموازنة، قال ابن عبد القوي ﵀ في نظمه الآداب:\nوقد قيل صغرى غيبة ونميمة ...\nوكلتاهما على نص أحمد\nأي أحمد بن حنبل ﵀، يعني أنه قد نص على أن الغيبة والنميمة من كبائر الذنوب.\nوقول النبي ﷺ في تعريف الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، يشمل ما يكرهه من عيب خلقي وعيب خلقي وعيب ديني، كل شيء يكرهه فإنك إذا ذكرته به فهي غيبة، من العيب الخلقي مثلًا لو اغتبته أنه أعرج، أعور، أو طويل، أو قصير، أو ما أشبه ذلك، هذه غيبة، أو خلقي كما لو ذكرته بأنه ليس بعفيف يعني يتتبع النساء ينظر إلى النساء ينظر إلى المردان وما أشبه ذلك أو عيب ديني، بأن تقول إنه مبتدع أو إنه لا يصلي مع الجماعة، إنه لا","vol":"6","page":103},{"text":"يفعل كذا وكذا تعيبه في غيبته ولهذا سميت غيبة، لأنها في غيبة الإنسان، أما لو كان ذلك في وجهه فإنه يسمى سبًا وشتمًا ولا يسمى غيبة.\nوقول النبي ﷺ: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته.\nيعني بهته مع الغيبة، فحذف الشق الثاني لأنه معلوم، ونظير ذلك في الكلام أن النبي ﷺ قال ذات يوم: ليت أنا نرى إخواننا، قالوا يا رسول الله أولسنا إخوانك؟ قال: لا أنتم أصحابي، وإخواننا هم الذين يأتون من بعدي يعني فيؤمنون به وهم لا يرونه، وقوله أنتم أصحابي لا يعني بذلك نفي الأخوة بل الصحابة إخوانه وأصحابه ومن بعده إخوانه وليسوا أصحابه، هذا أيضًا فقد بهته يعني ولا يمكن أن يكون غيبة بل هو غيبة وبهتان.\nواعلم أن الغيبة تزداد قبحًا وإثمًا بحسب ما تؤدي إليه، فغيبة العامة من الناس ليست كغيبة العالم أو ليست كغيبة الأمير أو المدير أو الوزير أو ما أشبه ذلك، لأن غيبة ولاة الأمور صغيرًا كان الأمر أو كبيرًا أشد من غيبة من ليس لهم إمرة وليس له أمر ولا ولاية، لأنك إذا اغتبت عامة الناس إنما تسيء إليه شخصيًا فقط، أما إذا اغتبت من له أمر فقد أسأت إليه وإلى ما يتولاه من أمور المسلمين، مثلًا فرض أنك اغتبت عالمًا من العلماء، هذا لا شك أنه عدوان عليه شخصيا كغيره من المسلمين لكنك أيضًا أسأت إساءة كبيرة إلى ما يحمله من الشريعة، رجل عالم يحمل الشريعة، إذا اغتبته سقط من أعين الناس، وإذا سقط من أعين الناس لن يقبلوا قوله ولم يأتوا إليه يرجعون إليه في أمور دينهم، وصار ما يطلبه من الحق مشكوكًا فيه لأنك اغتبته، فهذه جناية","vol":"6","page":104},{"text":"عظيمة على الشريعة.\nكذلك الأمراء، إذا اغتبت أميرًا أو ملكًا أو رئيسًا أو أشبه ذلك ليس هذه غيبة شخصية له فقط بل هي غيبة له وفساد لولاية أمره؛ لأنك إذا اغتبت الأمير أو الوزير أو الملك معناها أنك تشحن قلوب الرعية على ولاتهم، وإذا شحنت قلوب الرعية على ولاة أمورهم فإنك في هذه الحال أسأت إلى الرعية إساءة كبيرة؛ إذ أن هذا سبب لنشر الفوضى بين الناس، وتمزق الناس وتفرق الناس، واليوم يكون رميًا بالكلام، وغدًا يكون رميًا بالسهام؛ لأن القلوب إذا شحنت وكرهت ولاة أمورها، فإنها لا يمكن أن تنقاد لأوامرهم، إذا أمرت بخير رأته شرا ولهذا قال الشاعر كلمة صادقة، قال:\nوعين الرضا عن كل عيب كليلة ...\nكما أن أعين السخط تبدي المساوئ\nفأنت مثلًا إذا اغتبت أحدًا من الكبار الذين لهم ولاية أمر على المسلمين، قيادة دينية، أو قيادة تنفيذية وسلطة، فإنك تسيء إلى المسلمين عمومًا من حيث لا تشعر، قد يظن بعض الناس أن هذا يشفي من غليله وغليانه، لكن كيف يصب جامه على أمن مستقر ليقلب هذا الأمن إلى خوف، وهذا الاستقرار إلى قلق؟ أو ليقلب هذه الثقة بالعالم إلى سحب الثقة، إذا كنت ذا غليان أو إذا كان صدرك مملوءًا غيظًا فصبه على نفسك قبل أن تصبه على غيرك، انظر مساوئك أنت، هل أنت ناج من المساوئ؟ هل أنت سالم؟ أول عيب فيك أنك تسب ولاة الأمور وتغتاب ولاة الأمور، قد يقول: أنا أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، نقول: حسنًا ما قصدت، ولكن البيوت تؤتى من أبوابها، ليس طريق","vol":"6","page":105},{"text":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تنشر معايب ولاة أمورك؛ لأن هذا مما يزيد المنكر، لا يثق الناس في أداء أحد، إذا قال العالم: هذا منكر، قالوا: هذا اجعلوه على جنب، إذا قال الأمير: هذا منكر، وأراد أن يمنع منه، يقول لا، أنت ما أصلحت نفسك حتى تصلح غيرك، فيحدث بهذا ضرر كبير على المسلمين، والعجب أن بعض المفتونين بهذا الأمر، أي بسبب ولاة الأمور من العلماء والأمراء، العجب أنهم لا يأتون بحسنات هؤلاء الذين يغتابونهم، حتى يقوموا بالقسط، لأن الله يقول: يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنأن قوم على ألا تعدلوا، لا يجرمنكم: لا يحملنكم بغضهم على ألا تعدلوا، والعجب أيضًا أنك لا تكاد تجد في مجالسهم أو في أفواههم يومًا من الدهر إلا قليلًا أنهم يقولون: يا أيها الناس اتقوا كذا، اتقوا الغش، اتقوا الكذب.\nالغش موجود في البيع والشراء والمعاملات والكذب موجود أيضًا والغيبة موجودة، لا تكاد تجد أنهم يصبون حامهم (غضبهم) على إصلاح العامة ويحذرونهم، ومن المعلوم أن العامة إذا صلحت فالشعب هو العامة، الشعب يتكون من زيد وعمر وبكر وخالد، أفراد، إذا صلحت الأفراد صلح الشعب، وإذا صلح الشعب فلابد أن تصلح الأمة كلها، لكن بعض الناس يكون فيه مرض يحب مثل هذا الأمر، يحب أن يطرح على بساط البحث عالمًا من العلماء فيتتبع عوراته ولا يذكر خيراته ويشيع هذه العورات بين الناس، أو","vol":"6","page":106},{"text":"يأخذ أميرًا، أو وزيرًا أو ملكًا، ويضعه على البساط ثم يشرحه ويتكلم فيه، ولا يذكر شيئًا من حسناته، سبحان الله أين العدل؟ إذا كان الله ﷿ ﴿يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ حتى في معاملة المشركين، يقول ﷿: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ قالوا كلمتين وجدنا عليها آبائنا، والثانية: والله أمرنا بها، حكم الله بينهم ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ فقبل منهم الحق وهو أنهم وجدوا آباءهم عليها ورد الباطل.\nإذا كنت تريد أن تتكلم بالعدل تكلم بالعدل أما أن تتبع عورات المسلمين ولاسيما ولاة الأمور منهم، فاعلم أن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، وأن من تتبع الله عورته فضحه ولو في بيت أمه.\nالمهم أن علينا أن نتجنب الغيبة، وأن نكف ألسنتنا، وأن نعلم أن كل كلمة تكون غيبة لشخص فإنما تكون نقصًا من حسناتنا وزيادة في حسنات هذا الذي ظلم بسبه كما جاء في الحديث أتدرون من المفلس فيكم؟ قالوا: من لا درهم عنده ولا متاع، قال: لا المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ظلم هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم وطرح عليه ثم طرح في النار.\nحتى إننا سمعنا عن بعض السلف أنه سمع عن شخص يغتابه فأرسل إليه بهدية من الذي أرسل الذي اغتيب، أرسل إلي","vol":"6","page":107},{"text":"الذي اغتابه بهدية وقال له: أنت أهديتني حسنات أنتفع بها يوم القيامة، وأنا أهديك هذه الهدية تنتفع بها في الدنيا، وآخر أمرها أن تكون خراءة أو بولًا.\nالمهم يا إخوان نصيحتي لنفسي ولكم أن تتجنبوا الغيبة، وأن تتجنبوا الخوض في مساوئ ولاة الأمور من العلماء والأمراء والسلاطين وغيرهم، إذا كنتم تريدون الخير والإصلاح، فالباب مفتوح، اتصلوا بأنفسكم، اتصلوا بقنوات أخرى إذا لم تستطيعوا أن تتصلوا بأنفسكم، ثم إذا أديتم الواجب سقط عنكم ما وراء ذلك، ثم اعلم يا أخي، هل غيبتك هذه للعلماء أو الأمراء هل تصلح من الأمور شيئًا؟ أبدًا بل هي إفساد الواقع لا تزيد الأمر إلا شكا ولا ترتفع بها مظلمة ولا يصلح بها فاسد، وإنما الطرق موجودة، ثم على الإنسان أن يتكلم بالعدل كما قلت، إذا ابتليت بنشر مساوئ الناس فانشر المحاسن حتى تتعادل الكفة أو ترجح إحدى الكفتين على الأخرى، أما أن تبتلى بنشر المعايب وتكون أخرس في نشر المحاسن، فهذا ليس بعدل.\nوفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح\nقال الله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ .\nوقال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ .\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصاحين باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان، سبق لنا أن الغيبة هي أن تذكر أخاك بما يكره في دينه أو خلقه أو خلقته","vol":"6","page":108},{"text":"أو غير ذلك، كل شيء يكرهه أخوك فلا تذكره به في حال غيبته، وسبق لنا أن الغيبة من الكبائر من كبائر الذنوب، وأنه لا تكفرها الصلاة ولا الصدقة ولا الصيام ولا الحج إلا أنها كغيرها من الكبائر يوازن بينها وبين الحسنات، وسبق لنا أن الغيبة تختلف، أي يختلف حكمها وقبحها بحسب ما تقضي إليه من مفاسد، وسبق لنا أن غيبة ولاة الأمور من العلماء والأمراء أشد من غيبة غيرهم لما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة، أما ما ساقه المؤلف من الآيات فأولها قوله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا.\nوهذه معطوفة على ما ذكر في أول الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾، فنهى الله عن الغيبة ثم ضرب مثلًا ينفر منه كل أحد، فقال: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾، لو قدم لك أخوك المسلم ميتًا هل تحب أن تأكل لحمه؟ الجواب: لا.\nالكل يقول: لا أحب ذلك، ولا يمكن، فإذا قال قائل: ما هي مناسبة الغيبة لهذا المثل؟ قلنا: لأن الذي تغتابه غائب لا يمكن أن يدافع عن نفسه، كالميت إذا قطعت لحمه لا يمكن أن يقوم ليدافع عن نفسه، ولهذا إذا ذكرت أخاك بما يكره في حال وجوده فإن ذلك لا يسمى غيبة فإن بل يسمى سبًا وشتمًا.\n﴿واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾، فأمر بتقوى الله ﷿ بعد أن نهى عن الغيبة، وهذا إشارة إلى أن الذين يغتابون الناس لم يتقوا الله ﷿.\nواعلم أنك إذا سلطت على عيب أخيك ونشرته وتتبعت عورته فإن الله تعالى","vol":"6","page":109},{"text":"يقيد لك من يفضحك ويتتبع عورتك حيًا كنت أو ميتًا؛ لأن النبي ﷺ قال: من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في بيت أمه.\nإلا أن الغيبة إذا كانت للنصح والبيان فإنه لا بأس بها؛ كما لو أراد إنسان أن يعامل شخصًا من الناس، وجاء إليك يستشيرك، يقول: ما تقول؟ هل أعامل فلانًا؟ وأنت تعلم أن هذا سيئ المعاملة، ففي هذا الحال يجب عليك أن تبين ما فيه من العيب من باب النصح، ودليله أن فاطمة بنت قيس ﵂ خطبها ثلاثة من الصحابة: أسامة بن زيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو جهم، فجاءت تستشير النبي ﷺ تقول له خطبني فلان وفلان وفلان، فقال لها ﵊: أما أبو جهم فضراب للنساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة فذكر هذين الرجلين بما يكرهان لكن من باب النصيحة لا من باب نشر العيب والفضيحة، وفرق بين هذا وهذا، وكذلك لو جاء إنسان يستشيرك قال: اطلب العلم عند فلان؟ وأنت تعلم أن فلانًا ذو منهج منحرف، فلا حرج عليك: لا تطلب العلم عنده.\nمثل أن يكون في عقيدته شيء أو في فكره شيء أو في منهجه شيء وتخشى أن يؤثر على هذا الذي جاء يستشيرك أيطلب العلم عنده أم لا، وجب عليك أن تبين له، تقول: لا تطلب العلم عند هذا، هذا فيه كذا وكذا","vol":"6","page":110},{"text":"من العيوب حتى لا ينتشر عيبه بين الناس؛ والأمثلة على هذا كثيرة، والمهم أنه إذا كان ذكرك أخاك بما يكره من أجل النصيحة فلا بأس.\nوقد شاع عند الناس كلمة غير صحيحة وهي قولهم: [لا غيبة لفاسق] هذا ليس حديثًا وليس قولًا مقبولا بل الفاسق له غيبة مثل غيره، وقد لا يكون له غيبة فإذا ذكرنا فسقه على وجه العيب والسب فإن ذلك لا يجوز، وإذا ذكرناه على سبيل النصيحة والتحذير منه فلا بأس بل قد يجب، والمهم أن هذه العبارة ليست حديثًا عن الرسول عليه والسلام\nقال الله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ وقال تعالى ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قد سبق الكلام عن الآية الأولى ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم أما الآية الثانية فهي قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ .\n(لا تقف) يعني: لا تتبع ما ليس بك به علم، وهذا النهي يشمل كل شيء، كل شيء ليس لك به علم فلا تتبعه أعرض عنه ولا تتكلم فيه لأنك على خطأ، وهذا إذا كان بالنسبة لما تنسبه إلى الله ورسوله كان محرمًا من أشد المحرمات إثما، إذا قلت مثلًا: قال الله تعالى كذا وكذا والله لم يقله، أو تفسر الآية بما تهواه لا بما تدل عليه الآية، فقد قلت على الله ما لا تعلمه، ولهذا سيأتي","vol":"6","page":111},{"text":"الحديث: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ولا يحل لأحد أن يفسر آية من كتاب الله وهو لا يعلم معناها، وإنما يفسرها بالظن والتخمين؛ لأن الأمر خطير؛ لأنك إذا فسرت آية إلى معنى من المعاني فقد شهدت على الله إنه أراد كذا وكذا وهذا خطر عظيم، ولهذا يجب على الإنسان التحرز من التسرع فيما ليس له به علم بالنسبة للأحكام الشرعية، وكذلك غيرها ولكن هي أشد، وقد قرن الله تعالى القول عليه بلا علم، قرنه بالشرك، فقال تعالى: ﴿إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا وأن تقولوا على ما الله لا تعلمون﴾ وكذلك إذا قفوت ما ليس لك به علم بالنسبة للآدميين (بني آدم)؛ بأن تنقل عن شخص أنه قال كذا وكذا وهو لم يقله، حتى لو قيل لك: إنه قال كذا وكذا، فلا تعتمد على هذا حتى تتيقن، لاسيما إذا كثر القول بين الناس في الأمور، فإن يجب التحرز أكثر؛ لأن الناس إذا كثر فيهم القول والقيل والقال فإنهم يبنون من الحبة قبة، ومن الكلمة كلمات ولا يتحرزون في النقل ولهذا يسمع لإنسان أنه ينقل عنه أو عن غيره ما ليس بصحيح إطلاقًا؛ لأن الناس مع القول والقيل والقال يكون لهم هوى، والعياذ بالله، فيقولون ما لا يعلمون.\nثم ذكر الآية الثالثة وهي قوله تعالى ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ المؤلف ﵀ لم يسق إلا هذه الثالثة، وليته ساق الآيات كلها لكان","vol":"6","page":112},{"text":"أحسن، فالله تعالى يخبر أنه خلق الإنسان، وهذا أمر معلوم بالضرورة والفطرة، فالله وحده هو الخالق والخالق يعلم من خلق كما قال تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ فهو جل وعلا يعلم بأحوالنا ونياتنا ومستقبلنا وكل ما يتعلق بنا، ولهذا قال: ﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ الشيء الذي تحدث به نفسك يعلمه الله قبل أن نتكلم، ولكن هل يؤاخذك به، في هذا تفصيل، إن ركنت إليه وأثبته في قلبك عقيدة، فإن الله يؤاخذك به، وإلا فلا شيء عليك؛ لقول النبي ﷺ: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم فمثلًا لو أن إنسان صار يوسوس ويفكر؛ هل يطلق زوجته أو لا ومثل هذا كثير بين الناس، فإنها لا تطلق حتى ولو عزم على أن يطلقها فإنها لا تطلق إلا بالقول أو بالكتابة الدالة على القول أو بالإشارة الدالة على القول؛ لأن الله تجاوز عن هذا الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم، قال: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ فإن الله تعالى وكل بالإنسان ملكين يلازمانه، أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال، عن اليمين وعن الشمال يلازمانه دائما ويكتبان عليه كل ما نطق به وكل ما فعل ولهذا قال: ﴿ما يلفظ من قول إلا ليه رقيب عتيد﴾ (ومن) هنا زائدة للتوكيد، يعني ما يلفظ قولًا من الأقوال أي قول كان، إلا لديه رقيب عتيد؛ (رقيب) أي مراقب (عتيد) أي حاضر لا","vol":"6","page":113},{"text":"يتركه، وأنت الآن لو جعلت في جيبك مسجلًا يسجل ما تقول لوجدت العجب العجاب مما يصدر منك أحيانًا وأنت لا تفكر فيه، والرجل قد يتكلم الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، تهوي به في النار كذا وكذا خريفًا والعياذ بالله، (الرقيب) معناه المراقب الذي يراقبك (العتيد) الحاضر الذي لا يغيب عنك أي قول كان يكتب، ويذكر عن الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - أنه دخل عليه أحد أصحابه وهو مريض، يئن من المرض، فقال له إن فلانًا من التابعين يقول عن الملك يكتب حتى أنين المريض، فأمسك ﵀ عن الأنين خوفًا من أن يكتب عليه، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يقلل من الكلام ما استطاع؛ لأن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت (فليقل خيرًا) أي كلام فيه الخير، إما لأنه خير بذاته، وإما أنه خير لما يؤدي إليه من الألفة بين الجلساء والمحبة؛ لأنك إذا حضرت مجلسًا مثلًا ولم تتكلم فيه لم يستحب الناس الجلوس معك، لكن إذا انطلقت في الكلام المباح من أجل أن تتألفهم وتتودد إليهم فهذا خير.\nتأخذ بقوله ﷺ: فليقل خيرًا أو ليصمت والمهم أن من جملة الأقوال التي تكتب الغيبة، فاحذر أن تكتب عليك؛ لأنك إذا اغتبت أحدًا فإنه يوم القيامة يأخذ من حسناتك التي هي أغلى ما يكون عندك في ذلك الوقت، فإن بقي من حسناتك شيء، وإلا أخذ من سيئات الذين اغتبتهم وطرح عليك ثم طرحت في النار.\nوالله الموفق","vol":"6","page":114},{"text":"باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة والسلامة لا يعدلها شيء.\n١٥١١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا، أو ليصمت متفق عليه.\nوهذا الحديث صريح في أنه ينبغي أن لا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة، فلا يتكلم.\n١٥١٢ - وعن أبي موسى ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي المسلمين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده.\nمتفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) في باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة الدينية أو الدنيوية، وهذا الكلام مأخوذ من قول","vol":"6","page":115},{"text":"النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت وهو الحديث الذي ساقه المؤلف ﵀، فإذا استوى الأمران، أن يسكت أو يتكلم، فالسلامة أفضل، يعني لا يتكلم إذا كان يشك هل في كلامه خيرًا أو لا، فالأفضل ألا يتكلم؛ لأن السلامة لا يعدلها شيء، والساكت سالم إلا إذا اقتضت الحال أن يتكلم فليتكلم، مثلًا لو رأى منكرًا فهنا لا يسكت، يجب أن يتكلم وينصح وينهى عن هذا المنكر؛ وأما إذا لم تقتضي المصلحة أن يتكلم فلا يتكلم لأن ذلك أسلم له؛ ثم اعلم أن قول الرسول ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت يدل على أنه يجب على الإنسان أن يسكت إذا لم يكن الكلام خيرًا، لأن الرسول ﷺ شرط الإيمان بالله واليوم الأخر أن يقول الخير وإلا فليسكت؛ لكن الخير نوعان: خير في ذات الكلام، كقراءة القرآن والتسبيح والتكبير والتهليل وتعليم العلم وما أشبه ذلك هذا خير وخير لغير الكلام، يعني خيرًا في الكلام وخيرًا لغير الكلام بمعنى أن الكلام مباح لكن يجر إلى مصلحة يجر إلى تأليف القلب وانبساط الإخوان وسرورهم بمجلسك هذا أيضًا من الخير؛ لأن الإنسان لو بقي ساكتًا من أول المجلس لآخره مله الناس وكرهوه، وقالوا: هذا رجل فظ غليظ؛ لكن إذا تكلم بما يدخل السرور عليهم وإذا كان كلامًا مباحًا فإنه من الخير، وأما من تكلم بكلام يضحك الناس وهو كذب فإنه قد ورد فيه الوعيد: (ويل لمن حدث وكذب ليضحك به القوم","vol":"6","page":116},{"text":"ويل له ثم ويل له) وهذا يفعله بعض الناس ويسمونها (النكت)، يتكلم بكلام كذب ولكن من أجل أن يضحك الناس، هذا غلط، تكلم بكلام مباح من أجل أن تدخل السرور على قلوبهم، وأما الكلام الكذب فهو حرام.\nثم ذكر حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ سئل أي المسلم خير يعني أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده أي لا يعتدي على المسلمين لا بلسانه؛ بغيبة أو نميمة أو سب أو ما أشبه ذلك، ويده يعني لا يأخذ أموالهم ولا يضرب أبشارهم، بل هو كاف عادل، لا يأتي الناس إلا ما هو خير، هذا هو المسلم، وفي هذا حث على أن يسلم الإنسان من لسانك ويدك، احفظ لسانك لا تتكلم في عباد الله إلا في الخير، كذلك احفظ يدك لا تجن على أموالهم ولا على أبشارهم، بل كن سالمًا يسلم منك وهذا هو خير المسلمين\n١٥١٣ - وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة متفق عليه.\n١٥١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق","vol":"6","page":117},{"text":"والمغرب متفق عليه.\nومعنى: يتبين يتفكر أنها خير أم لا.\n١٥١٥ - وعنه عن النبي ﷺ قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أحاديث ثلاثة في بيان خطر اللسان وأنه من أعظم ما يكون من الأعضاء خطورة، ففي الحديث الأول أن النبي ﷺ قال من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة الذي بين لحييه هو اللسان والذي بين الرجلين هو الفرج، سواء للرجل أو المرأة، يعني من حفظ لسانه وحفظ فرجه، حفظ لسانه عن القول المحرم، من الكذب والغيبة والنميمة والغش وغير ذلك، وحفظ فرجه من الزنا واللواط ووسائل ذلك، فإن النبي ﷺ يضمن له الجنة، يعني أن جزاءه هو الجنة إذا حفظت لسانك وحفظت فرجك، فزلة اللسان كزلة الفرج، خطيرة جدًا، وإنما قرن النبي ﷺ بينهما لأن في اللسان شهوة الكلام، كثير من الناس يتنطع ويتلذذ إذا تكلم في أعراض","vol":"6","page":118},{"text":"الناس، ويتفكه والعياذ بالله.\nوإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين فنجده أحب شيء عنده أن يتكلم في أعراض الناس، ومن الناس من يهوى الكذب، فنجد أحسن شيء عنده هو الكذب، والكذب من كبائر الذنوب لاسيما إذا كذب بالكلمة ليضحك القوم فإن الرسول ﷺ قال ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له.\nوأما الثاني الذي قرن بينه وبين شهوة الكلام فكذلك شهوة النساء، فإن الإنسان مجبول على ذلك ولاسيما إذا كان شابًا، فإذا حاول حفظ هاتين الشهوتين، ضمن النبي ﷺ له الجنة، أي هذا جزاؤه، لأنهم خطيران.\nكذلك أيضًا الحديث الثاني إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب الكلمة (ما يتبين فيها) يعني لا يتأكد، ينقل ما سمع وكفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع فتجده يتكلم بالكلمة ولا يتبين ولا يتثبت ولا يدرس معناه ولا يدرس ماذا توصل إليه، والعياذ بالله يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب.\nومسافة ما بين المشرق والمغرب بعيدة جدًا، نصف الكرة الأرضية، ومع ذلك كلمة واحدة زل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، وهذا يدل على وجوب التأكد مما تتكلم به، سواء نقلته إلى غيرك أو نقلته عن غيرك، تثبت، اصبر، لا تستعجل، ما الذي يوجب لك أن تستعجل في المقال؟ اصبر حتى","vol":"6","page":119},{"text":"تتثبت ويتبين لك الأمر، ثم إن رأيت مصلحة في الحديث فتحدث، وإذا لم تر مصلحة في الحديث فاسكت من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خير أو ليصمت.\nوأما الحديث الثالث هو أن الرجل يتكلم بالكلمة من رضوان الله، ويعني كلمة ترضي الله، قرآن، تسبيح، تكبير، تهليل، أمر بالمعروف، نهي عن المنكر، تعليم علم، إصلاح ذات البين، وما أشبه ذلك، يتكلم بالكلمة ترضي الله ﷿ ولا يلقي لها بالًا، يعني أنه لا يظن أنها تبلغ به ما بلغ، وإلا فهو قد درسها وعرفها وألقى لها البال، لكن لا يظن أن تبلغ ما بلغت يرفع الله له بها درجات في الجنة، وعلى ذلك رجل يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي بها بالًا يهوي بها في النار، لأنه تكلم بها ولا ظن أن تبلغ ما بلغت، وهذا يقع كثيرًا، كثيرًا من الناس والعياذ بالله تجده يسأل عن فلان العاصي وما أشبه ذلك فيقول: هذا اتركه، اترك هذا، وهذا والله ما يعرف سبيله، هذا والله ما يغفر الله له، هذه كلمة خطيرة.\nكان رجل عابد يمر برجل عاص، عابد يعبد الله، فيقول هذا الرجل العابد: والله لا يغفر لفلان، انظر، والعياذ بالله تحجر واسعًا وتألى على الله، والله لا يغفر لفلان؛ لأن الرجل العابد هذا معجب بعمله، يرى نفسه، ويدلي بعمله على ربه، وكأن له المنة على الله ﷾، فقال: والله لا يغفر الله لفلان، قال الله ﷿: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ قد غفرت لفلان وأحبطت عملك الملك والسلطان لمن؟ لله ﷿، ما هو لك حتى تقول: والله ما يغفر الله لفلان.\nوالملك والسلطان لله لا ينازعه فيه منازع إلا أذله الله، قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا","vol":"6","page":120},{"text":"أغفر لفلان؟ قد غفرت لفلان وأحبطت عملك كلمة واحدة صارت سببًا لحبط عمله نسأل الله العافية.\nإذًا احذر زلة اللسان، ومن ذلك أيضًا أي من زلل اللسان إذا قال مثلًا شخص: يا فلان، إن جارنا لا يصلي لعلك تنصحه إن شاء الله خيرًا قال له: هذا ما يمكن أن يهتدي أبدًا، هذا طاغ هذا فاسق.\nأعوذ بالله، القلوب بيد من؟ بيد الله ﷿ كما أخبرنا النبي ﷺ يقول ما من قلب من قلوب بني آدم إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن ﷿ يقلبه كيف يشاء، إن شاء أزاغه وإن شاء هداه.\nوهذا شيء مسلم به حتى الإنسان أحيانًا يجد في قلبه أشياء يعرف أنها من الشيطان، وأنه إن لم يثبته الله زل، فالقلوب بيد الله ﷿ فكيف تقول هذا ما ينفع له شيء هذا ما هو مهتد؟ حرام هذا ما يجوز، ادع ولا تيأس، ألا يوجد في هذه الأمة من كان من ألد أعدائها وأشد خصومها؟ وكان ثاني اثنين في زعامة الأمة بعد نبينا محمد ﷺ من؟ عمر بن الخطاب، كان عمر بن الخطاب ﵁ مناوئًا للدعوة الإسلامية، وكان يحذر منها وكان يفر منها وكان من ألد أعدائها، فهداه الله فصار هو الخليفة الثاني بعد الرسول ﷺ وكذلك خالد بن الوليد، عكرمة بن أبي جهل، ماذا فعل في أحد؟ كرا على المسلمين من الخلف على فرسيهما ومعهم فرسان آخرون واختلطا بالمسلمين وحدثت الهزيمة وفي النهاية كانا قائدين عظيمين من قواد المسلمين، فلا تيأس يا أخي، واسأل الله الهداية والثبات، ولا تزل بلسانك،","vol":"6","page":121},{"text":"فتهلك، حمانا الله من معاصيه، ووفقنا لما يرضيه، إنه على كل شيء قدير\n١٥١٦ - وعن أبي عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه رواه مالك في الموطأ والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوعن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر اعتصم به قال: قل ربي الله، ثم استقم قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: هذا رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n١٥١٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي رواه الترمذي.","vol":"6","page":122},{"text":"١٥١٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من وقاه الله شر ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه دخل الجنة رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n١٥٢٠ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n١٥٢١ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك: فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا رواه الترمذي.\nمعنى تكفر اللسان: أي تذل وتخضع له.\n١٥٢٢ - وعن معاذ ﵁ قال: قلت يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل ثم تلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن","vol":"6","page":123},{"text":"المضاجع﴾ حتى بلغ ﴿يعملون﴾ .\nثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه قلت: بلى يا رسول الله: قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه قال: كف عليك هذا قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقد سبق شرحه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا من الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀، كلها فيها التحذير من اللسان وشروره وآفاته، وأن الإنسان ربما يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا ولا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه، وكلها فيها التحذير من اللسان وآفاته، ولهذا قيل: احفظ لسانك أن تقول فتبتلى إن البلاء موكل بالمنطق.\nكثير من الناس يدعو على نفسه بشر وهو لا يشعر يدعو على ولده، يدعو على ماله، يدعو على صديقه، يدعو على قريبه، من حيث لا يشعر فربما يصادف ذلك بابًا مفتوحًا فيصبه الدعاء،","vol":"6","page":124},{"text":"وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ألا أخبرك بملاك ذلك كله أي بما يملك هذا كله، قلت: بلى يا رسول الله ﷺ فأخذ بلسانه وقال: كيف عليك هذا فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني هل نؤاخذ بما نتكلم به، فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهذه كلمة يقصد بها تعظيم الأمر، وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم فاحذر يا أخي هذه الحصائد واحفظ لسانك، ومن حفظ اللسان، أن يحفظ لسانه عن الكذب والغش وقول الزور والنميمة والغيبة وكل قول يبعده من الله ﷿ ويوجب عليه العذاب، فإنه يجب عليه أن يتنزه منه، نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، إنه على كل شيء قدير\n١٥٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: ذكرك أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته رواه مسلم.\n١٥٢٤ - وعن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع: إن دماءكم، وأموالكم وأعراضكم حرام","vol":"6","page":125},{"text":"عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بل بلغت متفق عليه\n١٥٢٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته قالت: وحكيت له إنسانًا فقال: ما أحب أني حكيت إنسانًا وإن لي كذا وكذا رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nومعنى: مزجته خالطته مخالطة يتغير بها طعمه، أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وهذا من أبلغ الزواجر عن الغيبة، قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾\n١٥٢٦ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم رواه أبو داود.\n١٥٢٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله رواه مسلم.","vol":"6","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه بقية الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ في باب الغيبة والأمر بحفظ اللسان، واشتملت على أشياء متعددة منها بيان الغيبة، وأنها ذكرك أخاك بما يكره، وقد سبق لنا بيان هذا وأن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في دينه أو خلقه أو بدنه أو أهله أو غير ذلك، إلا إذا كان المقصود النصيحة، كما لو استشارك شخص في معاملة إنسان وأنت تعرف من هذا الإنسان أنه ليس أهلًا للمعاملة، وأنه مثلًا كذاب أو ما أشبه ذلك، وأردت أن تبين له ما فيه من عيب، فلا بأس فيه، وبينا دليل هذا في حديث فاطمة بنت قيس حين استشارت النبي فيمن خطبوها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم وأسامة بن زيد، فقال النبي ﷺ أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضراب للنساء، انكحي أسامة، فهذا من باب النصيحة فلا بأس بها، وتضمنت هذه الأحاديث إعلان رسول الله ﷺ تحريم الدماء والأموال والأعراض في حجة الوداع في أكبر مجتمع حصل بين النبي ﷺ وبين الصحابة؛ لأن الذين حجوا معه قريب من مائة ألف، ومع ذلك أعلن ﵊ وقال: إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم قال: اللهم اشهد.\nوكذلك أيضًا بينت هذه الأحاديث أن ذكرك أخاك بما يكره ولو بما","vol":"6","page":127},{"text":"يتعلق بخلقته كالطويل والقصير وأما أشبه ذلك، كما في حديث عائشة ﵂ أنها قالت في صفية بنت حيي إحدى أمهات المؤمنين: حسبك من صفية كذا تعني أنها قصيرة، تقول للرسول ﷺ: فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته يعني لو خلطت بماء البحر على كبره وسعته لمزجته، أي أثرت فيه وهي كلمة يسيرة جدًا لكنها عظيمة، حيث إنها في ضرتها، وحيث إنها قد يحدث من هذه الكلمة أن يكره النبي ﷺ صفية، فلعظمها صار لها هذا الأثر العظيم، كذلك أيضًا العقوبة العظيمة التي رآها النبي ﷺ وقد أسري به، أنه قد مر بأقوام لهم أظافر من النحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يقعون في أعراض الناس يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم فالمهم أن الواجب على الإنسان الحذر من إطلاق اللسان، وألا يتكلم إلا بخير إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، قال النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت نسأل الله أن يحمينا وإياكم من سخطه وأن يعيننا وإياكم على شكره وحسن عبادته","vol":"6","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها</span>، والإنكار على قائلها، فإن عجز أو لم يقبل منه، فارق المجلس إن أمكنه\nقال تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ وقال تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ .\nوقال تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ .\nوقال تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾\n١٥٢٨ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\n١٥٢٩ - وعن عتبان بن مالك ﵁ في حديثه الطويل المشهور الذي تقدم في باب الرجاء قال: قام النبي ﷺ يصلي فقال: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يجب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ: لا تقل ذلك ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله، وإن الله قد","vol":"6","page":129},{"text":"حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله متفق عليه.\nوعتبان بكسر العين على المشهور، وحكي ضمها، وبعدها تاء مثناة من فوق، ثم باء موحدة.\nوالدخشم بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين المعجمتين.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصاحين) باب تحريم سماع الغيبة، لما ذكر الله النصوص الواردة في تحريم الغيبة، لما بين مضارها ومفاسدها وآثامها أعقب ذلك بهذا الباب وهو تحريم سماع الغيبة، يعني أن الإنسان إذا سمع شخصًا يغتاب آخر فإنه يحرم عليه أن يستمع إلى ذلك بل ينهاه عن هذا ويحاول أن ينقله إلى حديث آخر، فإن هذا فيه أجر عظيم كما في حديث أبي الدرداء ﵁، فإن أصر هذا الذي يغتاب الناس، إلا أن يبقى على غيبته وجب عليه أن يقوم عن المكان؛ لأن الله ﷾ يقول: وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم فدل ذلك على أن الإنسان إذا استمع إلى المحرم، فهو مشارك لمن يفعل هذا المحرم بل الواجب أن يقوم، ثم ذكر آيات متعددة في بيان الإعراض عن اللغو، واللغو","vol":"6","page":130},{"text":"الكلام الذي لا فائدة فيه فإنه من اللغو، وعباد الرحمن قال الله تعالى في وصفهم: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾ يعني سالمين منه لا يلحقهم شيء منه لا يستمعون إليه ولا يصغون له، ثم ذكر حديث عتبان بن مالك في قضية مالك بن الدخشم وتكلم الرجل في عرضه عند النبي ﷺ وأن النبي ﷺ نهاه عن ذلك وقال: ألم تر أنه يصلي يريد بذلك وجه الله وهذا يدل على أن الإنسان إذا لم يكن كذلك فإنه لا غيبة له، فالكافر مثلًا ليس محترمًا في الغيبة، لك أن تغتابه، إلا أن يكون له أقارب مسلمون يتأذون بذلك فلا تغتبه وإلا فلا غيبة له، أما الفاسق فقد سبق لنا أنه محترم إلا إذا كانت المصلحة تقتضي بيان فسقه فلا بأس أن يذكر بفسقه؛ لأن هذا من باب النصيحة.\nوالله الموفق\n١٥٣٠ - وعن كعب بن مالك ﵁ في حديثه الطويل في قصة توبته وقد سبق في باب التوبة، قال: قال النبي ﷺ وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه.\nفقال له معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله ﷺ متفق عليه.\nعطفاه جانباه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه.","vol":"6","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه (رياض الصاحين) في باب تحريم سماع الغيبة فيما نقله عن كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته، وكان كعب من الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بلا عذر وهم ثلاثة نفر: مرارة بن الربيع، والهلال بن أمية، وكعب بن مالك تخلفوا عن رسول الله ﷺ بلا عذر، فلما رجع النبي ﷺ من تبوك جاءوه ﷺ المعذرون يعتذرون ويقولون: والله إننا لا نستطيع ويحلفون على ذلك، فكان النبي ﷺ يقبل اعتذارهم ويترك سرائرهم إلى الله، أما كعب بن مالك وصاحباه فقد نطقوا بالحق وقالوا: تخلفنا بلا عذر، فأمر النبي ﷺ بهجرهم فهجرهم المسلمون، حتى إن الرجل منهم لا يسلم ولا يرد عليه أحد السلام حتى كان كعب ﵁ يأتي فيسلم على النبي ﷺ يقول فلا أدري أحرك شفتيه برد السلام أم لا، وبعد ثمانية وأربعين يومًا أمر النبي ﷺ زوجاتهم أن ينفصلن عنهم، فذهبت النساء إلى أهليهن إلا أن هلالا ومرارة بن الربيع بقيت زوجاتهما عندهما لأنهما محتاجان إليهما، أما كعب فذهبت امرأته إلى أهلها وهذه القصة العجيبة العظيمة أنزل الله تعالى فيها آية من كتاب الله، يتلى ويثاب من تلاه على الحرف الواحد عشر حسنات، أي فضل يساوي هذا الفضل؟ أن يكون","vol":"6","page":132},{"text":"تاريخ إنسان في حياته إذا تلاه المسلمون كان لهم بكل حرف عشر حسنات، فقال الله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم في تبوك كان النبي ﷺ جالسًا فسأل عن كعب فقال رجل من الناس: يا رسول الله، إنه شغله برداه والنظر في عطفيه، ولكن هذا الكلام الذي قاله هذا الرجل لا شك أنه من الغيبة وأنه ذكر كعب بما يكره، إلا أن الله وفق له من دافع عنه، وقال: إنه لا يعلم عنه إلا خيرًا فسكت النبي ﷺ فيستفاد من ذلك أن الواجب على الإنسان إذا سمع من يغتاب أحدًا أن يكف غيبته وأن يسعى في إسكاته، إما بالقوة إذا كان قادرًا كأن يقول: اسكت، اتق الله، خاف الله وإما بالنصيحة المؤثرة، فإن لم يفعل فإنه يقوم ويترك المكان؛ لأن الإنسان إذا جلس في مجلس يغتاب فيه الجالسون أهل الخير والصلاح، فإنه يجب عليه أولًا أن يدافع، فإن لم يستطع فعليه أن يغادر وإلا كان شريكًا لهم في الإثم.\nوالله الموفق","vol":"6","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>باب ما يباح من الغيبة </span>اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه بها وهو ستة أسباب: - الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا.\nالثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجوا قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حرامًا.\nالثالث: الاستفتاء: فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي أو زوجي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي، ودفع الظلم؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص، أو زوج، كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند إن شاء الله تعالى.\nالرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع","vol":"6","page":134},{"text":"المسلمين، بل واجب للحاجة.\nومنها المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك، أو محاورته، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة.\nومنها إذا أراد متفقها يتردد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك.\nومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها: إما بألا يكون صالحًا لها، وإما بأن يكون فاسقًا، أو مغفلًا، ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله، ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله، ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستدل به.\nالخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلمًا، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره، من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.\nالسادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب الأعمش، والأعرج والأصم، والأعمى والأحول، وغيرهم جاز تعريفهم بذلك،","vol":"6","page":135},{"text":"ويحرم إطلاقه على جهة التنقيص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى.\nفهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب ذكره المؤلف النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) فيما يجوز من الغيبة وذكر لذلك ستة أسباب، وكلامه ﵀ ليس بعده كلام؛ لأنه كله كلام جيد وصواب وله أدلة وسيذكرها إن شاء الله تعالى في هذا الباب، يذكر الأدلة وسنتكلم عليها في حينها إن شاء الله فنسأل الله أن يغفر للنووي ﵀ وأن يجمعنا وإياكم في به جنات النعيم\n١٥٣١ - عن عائشة ﵂ أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة؟ متفق عليه.\nاحتج به البخاري في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب.\n١٥٣٢ - وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ: ما أظن فلانًا وفلانًا","vol":"6","page":136},{"text":"يعرفان من ديننا شيئًا رواه البخاري.\nقال الليث بن سعد أحد رواة هذا الحديث: هذان الرجلان كانا من المنافقين.\n١٥٣٣ - وعن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: أتيت النبي ﷺ، فقلت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني؟ فقال رسول الله ﷺ: أما معاوية، فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم: وأما أبو الجهم فضراب للنساء وهو تفسير لرواية: لا يضع العصا عن عاتقه وقيل: معناه: كثير الأسفار.\n١٥٣٤ - وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فاجتهد يمينه: ما فعل؟ فقالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ، فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أنزل الله تعالى تصديقي ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ ثم دعاهم النبي ﷺ، ليستغفروا لهم فلووا رؤوسهم متفق عليه.","vol":"6","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n تقدم أن النووي ﵀ ذكر بابًا في بيان ما يجوز من الغيبة وذكر لذلك أحاديث فمنها حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ استأذن عليه رجل، يعني ليدخل بيته فقال ائذنوا له، بئس أخو العشيرة وفي لفظ بئس ابن العشيرة وكان هذا الرجل من أهل الفساد والغي، فدل هذا على جواز غيبة من كان من أهل الفساد والغي وذلك من أجل أن يحذر الناس فساده حتى لا يغتروا فيه فإذا رأيت شخصًا ذا فساد وغي لكنه قد سحر الناس ببيانه وكلامه يأخذ الناس منه ويظنون أنه على خير، فإنه يجب عليك أن تبين أن هذا الرجل لا خير فيه وأن تثني عليه شرًا؛ لأجل ألا يغتر الناس به، كم من إنسان طليق اللسان فصيح البيان إذا رأيته يعجبك جسمه وإن يقول تسمع لقوله، ولكنه لا خير فيه، فالواجب بيان حاله، كذلك أيضًا ذكر أن النبي ﷺ من حديث عائشة أيضًا قال ما أظن أن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننًا شيء وكانا من المنافقين فأثنى عليهما شرًا وأنهما لا يعرفان من الدين شيئًا، لأن المنافق لا يعرف من دين الله شيئًا في قلبه وإن كان يعرف بأذنه، لكن لا يعرف بقلبه والعياذ بالله، فهو منافق يظهر أنه مسلم ولكنه كافر، قال الله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون.","vol":"6","page":138},{"text":"وذكر أيضًا حديث فاطمة بنت قيس في المشورة أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ وأخبرته أنه خطبها ثلاثة من الرجال معاوية بن أبي سفيان، وأبي الجهم، وأسامة بن زيد، فقال لها النبي ﷺ: أما معاوية فصعلوك لا مال له؛ لكنه ﵁ بقي حتى صار خليفة للمسلمين؛ لكنه في ذلك الوقت فقير.\nقال: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضراب للنساء.\nوفي رواية: أنه لا يضع العصا عن عاتقه، وهما بمعنى واحد، يعني أنه سيئ العشرة مع النساء يضربهن والمرأة لا يجوز ضربها إلا لسبب بينه الله في قوله: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ أما أن تكون تضرب امرأتك كلما خالفت أية مخالفة فهذا غلط ولا يحل لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ لكن إذا خفت نشوزها وترفعها عليك وعدم قيامها بواجبك فاستعمل معها هذه الرتب: أولا عظها خوفها بالله، بين لها أن حق الزوج لا يجب تضيعه، فإن استقامت فهذا المطلوب وإلا فالرتبة الثانية اهجرها في المضجع، لا تنام معها أما الكلام فلا تهجرها، لكن لك رخصة أن تهجرها في الكلام ثلاثة أيام؛ لأنه لا يحل أن يهجر أخاه فوق ثلاثة يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهم الذي يبدأ بالسلام الرتبة الثالثة إذا لم يشري بها هذا فاضربوهن، لكن ضربًا غير مبرح، يعني","vol":"6","page":139},{"text":"ليس شديدًا، بل ضرب يحصل به التأديب فقط وفي لفظ أنه لا يضع العصا عن عاتقه وهما بمعنى واحد وقيل إن معنى قوله أنه لا يضع العصا عن عاتقه أنه كثير الأسفار، لأن صاحب السفر في ذلك الوقت، يسافر بالإبل ويحتاج العصا، والظاهر أن المعنى واحد يعني ضراب للنساء ولا يضع العصا عن عاتقه بمعنى واحد، لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا، ثم قال أنكحي أسامة بن زيد بن الحارثة فنكحته فاغتطبت به ورأت فيه خيرًا، ففي هذا دليل على أن الإنسان إذا جاء يستشيرك في شخص فذكرت عيوبه فلا بأس؛ لأن هذا من باب النصيحة وليس من باب الفضيحة، وفرق بين من يغتاب الناس ليظهر مساوئهم ويكشف عوراتهم وبين إنسان يتكلم بالنصيحة.\nأما الحديث الرابع فهو حديث زيد بن الأرقم ﵁: كان النبي ﷺ في سفر وكان معه المؤمنون والمنافقون فأصاب الناس شدة، فتكلم المنافقون وقالوا ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ يعني: لا تعطوهم شيئًا من النفقة حتى يجوعوا ويتركوا النبي ﷺ وكذبوا، المؤمنون لا يمكن أن يتركوا النبي ﷺ لو ماتوا جوعًا وظمأ ما تركوه، لكن هذا هي حال المنافقين الذين يلمزون النبي ﷺ في الصدقات إذا أعطوا رضوا وإذا لم يعطوا فإذا هم يسخطون، أما المؤمنون فلن يتركوا الرسول ﷺ ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ حتى هنا للتعليل وليست للغاية لأجل أن ينفضوا عنه، ولكن كذبوا في ذلك وقالوا أيضًا","vol":"6","page":140},{"text":"﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ ويعني بالأعز نفسه وقومه، وبالأذل رسول الله ﷺ فسمع ذلك زيد بن الأرقم ﵁ فأتى إلى النبي ﷺ فأخبره بأن عبد الله بن أبي قال هذا الكلام، فأرس إليه النبي ﷺ - أي عبد الله بن أبي -، فاجتهد يمينه أنه لم يقل هذا، يعني حلف وأقسم واشتد في القسم أنه ما قال ذلك؛ لأن المنافقين هذا دأبهم، يحلفون علي الكذب وهم يعلمون فأقسم أنه ما قال ذلك، وكان النبي ﷺ يقبل علانيتهم ويترك سريرتهم إلى الله، فلما بلغ ذلك زيد بن الأرقم اشتد عليه الأمر؛ لأن الرجل حلف وأقسم عند الرسول الله ﷺ واجتهد يمينه في ذلك فاشتد هذا على زيد بن الأرقم، فقال: كذب زيد بن الأرقم رسول الله ﷺ يعني أخبره بالكذب حتى أنزل الله تصديق زيد بن الأرقم في قوله: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ وتأمل جواب الله ﷿ لقول عبد الله بن أبي [ليخرجن الأعز منها الأذل] حيث قال: ﴿ولله العزة ولرسوله﴾ ولم يقل إن الله هو الأعز لأنه لو قال هو الأعز لصار في ذلك دليل على أن المنافقين لهم العزة، وهم لا عزة لهم، بل قال ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ في هذه الآية دليل على أنه لا بأس أن الإنسان ينقل كلام المنافق إلى ولي","vol":"6","page":141},{"text":"الأمر حتى يتخذ فيه ما ينبغي اتخاذه، وكذلك ينقل كلام المفسد إلى ولي الأمر حتى لا يتمادى في إفساده، وإذا كان الإنسان يخشى من الكلام أن يحصل فيه فساد وجب عليه أن يبلغه إلى ولي الأمر حتى يقضي على الفساد قبل أن يستشفي، لا يقال: أخشى أن ولي الأمر يفعل بي أو يفعل فيه لا قد يفعل فيه هو الذي جنى على نفسه إذا كان يتكلم بكلام يخشى منه الفساد، فالواجب رفع الكلام إلى ولي الأمر، لكن لابد من التثبت وألا يقع الإنسان في حرج، في عهد الرسول ﵊ لما أنكر عبد الله بن أبي ما قيل عنه نزل الوحي بتصديق زيد بن الأرقم في وقتنا لا يوجد وحي يؤيد أو يفند فأنت إذًا تثبت وسمعت من بعض كلامًا يؤدي إلى الشر والفساد وجب عليك أن تبلغ به ولي الأمر حتى لا يستشفي الشر والفساد، فالمهم أن المؤلف ﵀ ذكر مسائل وضوابط لما يجوز من الغيبة، ثم ذكر أدلة ذلك والله الموفق\n١٥٣٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: قالت هند امرأة أبي سفيان للنبي ﷺ: إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم؟ قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه.","vol":"6","page":142},{"text":"وأما البخل بما يزيد فهذا حرام لا يجوز، ومن وقع عليه ذلك فله أن يتظلم إلى شخص يمكن أن يأخذ الحق له، فهذه هند تظلمت عند الرسول ﷺ ولم يقل لها لا تقولي رجل شحيح، أقرها على ذلك لأنها تطلب حقها، فقال لها النبي ﷺ خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف فأذن لها أن تأخذ من ماله بغير علمه ما يكفيها ويكفي ولدها، ولكن بالمعروف، يعني لا تزيد على ذلك، فدل هذا على مسائل: أولًا: جواز غيبة الإنسان للتظلم منه، لكن بشرط أن يكون ذلك عند من يمكنه أخذ الحق لصاحبه، وأما إذا لم يكن كذلك فلا فائدة من التظلم، ومنها أنه يجب على الإنسان أن ينفق على أهله على زوجته وولده بالمعروف، حتى لو كانت الزوجة غنية، فإنه يجب على الزوج أن ينفق، ومن ذلك ما إذا كانت الزوجة تدرس، وقد شرط على الزوج تمكينها من تدريسها فإنه لا حق له فيما تأخذه من راتب لا نصف ولا أكثر ولا أقل، الراتب لها مادام قد شرط عليه عند العقد أنه لا يمنعها من التدريس فرضي بذلك، فليس له الحق أن يمنعها من التدريس وليس له الحق أن يأخذ من مكافأتها أي من راتبها شيئًا، هو لها، أما إذا لم يشترط عليه أن يمكنها من التدريس، ثم لما تزوج قال لا تدرسي، فهنا لهما أن يصطلحا على ما يشاءان، يعني مثلًا له أن يقول: أمكنك من التدريس بشرط أن يكون لي نصف الراتب أو ثلثاه أو ثلاثة أرباعه أو ربعه وما أشبه ذلك، على ما يتفقان عليه، وأما إذا شرط عليه أن تدرس وقبل فليس","vol":"6","page":143},{"text":"له الحق أن يمنعها وليس له الحق أن يأخذ من راتبها شيئًا ومن فوائد هذا الحديث أيضًا أنه يجوز لمن له النفقة على شخص وامتنع من عليه النفقة من بذل النفقة، أن يأخذ من ماله بقدر النفقة سواء علم أم لم يعلم، وسواء أذن أم لم يأذن فللمرأة مثلًا أن تأخذ من جيب زوجها ما يكفيها ويكفي أولادها، وكذلك أيضًا تأخذ من شنطته أو صندوقه ما يكفيها ويكفي أولادها سواء علم أم لم يعلم، فإن قال قائل: إذا كان لي حق على إنسان وجحد وأنكر وقدرت على أخذ شيء من ماله، فهل يجوز أن آخذ مقدار حقي من ماله؟ يعني مثلًا إنسان عنده لي مائة ريال وجحد قال: ما لك عندي شيء فهل إذا قدرت على شيء من ماله يجوز أن أخذ من ماله مائة ريال؟ الجواب لا، لا يجوز، والفرق بين هذا وبين النفقة أن النفقة لإنقاذ النفس وسببها ظاهر، كلنا يعرف أن هذه زوجة فلان وأن الزوجة لها نفقة، بخلاف الدين فإنه أمر خفي لا يقال عليه، وقد قال النبي ﷺ: أدي الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك.\nفهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، ويعبر عنها عند العلماء بمسألة الظفر، يعني من ظفر بمال من له حق عليه هل يأخذ منه أم لا؟ والجواب بالتفصيل أنه إذا كان في مقابل النفقة الواجبة فلا بأس وأما إذا كان في مقابل دين واجب، فإنه لا يجوز لعموم قول الرسول ﷺ: لا تخن من خانك.\nوالله الموفق","vol":"6","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>باب تحريم النميمة وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد</span>\nقال الله تعالى: ﴿هماز مشاء بنميم﴾ وقال تعالى ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾\n١٥٣٦ - وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يدخل الجنة نمام متفق عليه.\n١٥٣٧ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ: مر بقبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير: أما أحدهما، فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله متفق عليه، وهذا لفظ إحدى روايات البخاري.\nقال العلماء: معنى: وما يعذبان في كبير أي كبير في زعمهما وقيل: كبير تركه عليهما.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق أن المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) ذكر بابًا مفيدًا في","vol":"6","page":145},{"text":"باب ما يجوز من الغيبة، وذكر من ذلك ستة مسائل، ذكر لها أدلة سبق الكلام عليها، ومن ذلك التظلم، يعني إذا تظلم إنسان عند ولي الأمر من شخص ظلمه، فإن ذلك لا بأس به، لأن حقه لن يتمكن منه إلا بذلك والدليل على هذا حديث هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، جاءت إلى النبي ﷺ فقالت له يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، يعني بخيل، لا يعطيني ما يكفيني وولدي بالمعروف فوصفته بأنه شحيح، وهذا وصف ذم يكرهه الإنسان لكن لماذا قالت ذلك؟ تظلمًا من أجل رفع الظلم عنها وذلك أن الواجب على الإنسان أن ينفق على زوجته وعلى أولاده بالمعروف لا وكس ولا شطط، ولا يقصر ولا يزيد كما قال الله تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا\n١٥٣٨ - وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة، القالة بين الناس.\nرواه مسلم.\nالعضه: بفتح العين المهملة، وإسكان الضاد المعجمة، وبالهاء على وزن الوجه، وروي: العضة بكسر العين وفتح الضاد المعجمة على وزن العدة، وهي: الكذب والبهتان، وعلى الرواية الأولى: العضه مصدر، يقال: عضهه عضها، أي: رماه بالعضه.","vol":"6","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) في باب تحريم النميمة، فيما نقله عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة، القالة بين الناس.\nهذا من أساليب التعليم الجيدة وهي أن يلقي المعلم السؤال على المخاطبين للتنبيه، حتى يستثير أفهامهم ويعطوا الكلام انتباهًا ألا أنبئكم ما العضه والنبأ والخبر في اللغة العربية معناها واحد.\nوالعضة: من القطع والتمزيق ومنه قوله تعالى: الذين جعلوا القرآن عضين يعني قطعًا وأجزاء، يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعضه فما هي الأداة المفرقة للأمة الممزقة لهم، قال: هي النميمة: أن ينقل الإنسان كلام الناس بعضهم في بعض من أجل الإفساد بينهم، وهي من كبائر الذنوب، وقد كشف للنبي ﷺ عن رجلين يعذبان في قبورهما، وأخبر أن أحدهما كان يمشي بالنميمة، وذلك أن بعض الناس والعياذ بالله يفتن فيكون شغوفًا بنقل الكلام، كلام الناس بعضهم لبعض، يتزين بها عند الناس، يأتي لفلان ويقول لفلان قال فيك كذا وكذا قد يكون صادقًا وقد يكون كاذبًا حتى إن كان صادقًا فإنه حرام، ومن كبائر الذنوب، وقد نهى الله تعالى أن يطاع مثل هذا الرجل قال تعالى: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم﴾","vol":"6","page":147},{"text":"وقال بعض أهل العلم: من نم إليك الحديث نمه منك، يعني من نقل كلام الناس إليك فإنه ينقل كلامك أنت، فاحذره ولا تطعه ولا تلفت إليه، وفي هذا دليل على حسن تعليم النبي ﷺ حيث يأتي بالأساليب التي يكون فيها انتباه المخاطب، ولاسيما إذا رأى الإنسان من المخاطب غفلة، فإنه ينبغي أن يأتي بالأسلوب الذي ينبهه، لأن المقصود من الخطاب هو الفهم والاستيعاب والحفظ، فيأتي الإنسان بالأساليب المفيدة في ذلك.\nفإذا قال قائل: إذا كان الشخص ينقل كلام الإنسان في الإنسان نصيحة، مثل أن يرى شخصًا مغرورًا بشخص يفضي إليه أسراره ويلازمه، والشخص هذا يفضي أسرار صاحبه الذي يفضي إليه أسراره ويخدعه، فهل له أن يتكلم فيه؟ فالجواب: نعم، له أن يتكلم فيه ويقول يا فلان احذر هذا الشخص فإنه ينقل كلامك ويقول فيك كذا وكذا.\nلأن هذا من باب النصيحة ليس غرضه أن يفرق بين الناس ولكن غرضه أن يسدي النصيحة إلى صاحبه، والله تعالى يقول: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ والله الموفق","vol":"6","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذا </span>لم تدع إليه حاجة كخوف مفسدة ونحوها\nقال الله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ .\nوفي الباب الأحاديث السابقة في الباب قبله.\n١٥٣٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر.\nرواه أبو داود والترمذي.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه: (رياض الصالحين) باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك، يعني هذا الباب أراد المؤلف به ﵀ ألا ينقل الناس إلى الولاة كلام الناس وأحوالهم إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك، لأن نقل الكلام إلى ولاة الأمور إذا لم يكن هناك مصلحة يوجب إما العدوان على الشخص الذي نقل عنه الكلام، وأما أن ولاة الأمور يتصورون أشياء لا حقيقة لها وأن الناس يكرهونهم ويسبونهم وما أشبه ذلك فلهذا ينبغي ألا ينقل إلى ولاة الأمور الحديث، حديث الناس وكلام الناس إلا إذا دعت الحاجة","vol":"6","page":149},{"text":"والمصلحة إلى ذلك، فإذا دعت الحاجة أو المصلحة إلى ذلك فإنه ينقل كلام الناس إلى ولاة الأمور خوفًا من المفسدة، فمثلًا إذا كان أحد من الناس يتكلم في ولاة الأمور في المجالس، ويقول فيهم كذا وفيهم كذا ويسبهم، فإن الأولى ألا ينقل هذا الكلام إلى ولاة الأمور؛ لئلا تحصل المفسدة التي أشرت إليها، وهي العدوان على هذا الشخص وتصور ولاة الأمور أن الناس يكرهونهم، فيكرهون الناس ولا يأتون بالأمر الذي ينبغي أن يأتوا به من مصالح المسلمين، أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك - إلى نقل كلام الناس إلى ولاة الأمور لدفع مفسدة أو حصول مصلحة - فإنه لابد من نقله إليهم، فإذا رأينا رجلًا يتكلم في ولاة الأمور بما فيهم من المعاصي والفسوق وما أشبه ذلك، وينشرها بين الناس، فإنه لابد أن تعلم ولاة الأمور بهذا؛ لأن هذا من النصيحة لهذا الشخص؛ لئلا يتمادى في طغيانه وهجومه على ولاة الأمور، ومن النصيحة لولاة الأمور أيضًا ألا يحمل الناس في قلوبهم على ولاة الأمور، وأما ترك المفسد يفسد ويتكلم بما شاء من غير ردع له ولا زجر فهذا خلاف النصيحة، بل فيه المفسدة العظيمة.\nفالحاصل أن النووي ﵀ ذكر في هذا الباب أنه لا ينبغي أن ينقل إلى ولاة الأمور كلام الناس وحديثهم ما لم تقتض المصلحة ذلك، فإن اقتضت المصلحة ذلك لكبح الشر والفساد والطغيان، فإنه يجب أن ينقل إلى ولاة الأمور بعد التثبت والتحقق من الأمر حتى تردع ولاة الأمور أهل الشر","vol":"6","page":150},{"text":"والفساد، وإلا فلو ترك الناس يتكلمون كما يشاءون لحصل في هذا مفسدة كبيرة.\nثم استدل المؤلف لهذا بآية وحديث، أما الآية فقوله تعالى: ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ومن التعاون على الإثم والعدوان أن ينقل الإنسان كلام الناس أو كلام شخص معين إلى ولاة الأمور بدون مصلحة تقتضي، فإن هذا قد يحصل به كما أشرنا عدوان من ولاة الأمور على الشخص بلا سبب شرعي وأما الحديث فهو حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا يبلغني أحد عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر وهذا من حكمة الرسول ﷺ أنه لا أحد ينقل إليه كلام الناس لكي لا يقع في قلبه شيء على هذا المتكلم، فيحب أن يخرج إليهم وهو سليم الصدر، ولهذا كثيرًا ما يكون الإنسان محبًا لشخص يقدره ويرى أنه رجل كريم ورجل سليم، ثم إذا نقل إليه شيء عن هذا الرجل كرهه ونفر منه وصار يبغضه، لكن كما قلنا أولًا: إذا اقتضت المصلحة أن نتكلم فلابد أن نتكلم لكي لا ينتشر الشر والفساد وتحصل الفتن، والله الموفق","vol":"6","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>باب ذم ذي الوجهين</span>\nقال الله تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا﴾\n١٥٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: تجدون الناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه متفق عليه.\n١٥٤١ - وعن محمد بن زيد أن ناسًا قالوا لجده عبد الله بن عمرو ﵄: إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم قال: كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله ﷺ.\nرواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) باب ذم ذي الوجهين: ذو الوجهين هو الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، كما يفعل المنافقون وإذا لقوا الذين","vol":"6","page":152},{"text":"آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون وهذا يوجد في كثير من الناس والعياذ بالله وهو شعبة من النفاق، تجده يأتي إليك يتملق ويثني عليك وربما يغلو في ذلك الثناء، ولكنه إذا كان من ورائك عقرك وذمك وشتمك وذكر فيك ما ليس فيك، فهذا والعياذ بالله كما قال النبي ﷺ: تجدون شر الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه وهذا من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ وصف فاعله بأنه شر الناس، والواجب على الإنسان أن يكون صريحًا، لا يقول إلا ما في قلبه فإن كان خيرًا حمد عليه وإن كان سوى ذلك وجه إلى الخير، أما كونه يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، سواء كان فيما يتعلق بعبادته يظهر أنه عابد مؤمن تقي وهو بالعكس، أو فيما يتعلق بمعاملته مع الشخص؛ يظهر أنه ناصح له ويثني عليه ويمدحه ثم إذا غاب عنه عقره، فهذا لا يجوز.\nثم ذكر المؤلف ﵀ الآية الكريمة ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضي من القول وكان الله بما يعملون محيطًا﴾ هذه الآية نزلت في قوم يخفون في أنفسهم ما لا يبدونه، يحدثون الناس بما ليس في قلوبهم، فإذا صاروا في الوحدة","vol":"6","page":153},{"text":"واجتمعوا في الليل أظهروا ما في نفوسهم والعياذ بالله الذي كانوا أخفوه عن الناس من قبل، فيقول الله ﷿: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا﴾، ومثل ذلك أيضًا من يعمل المعصية خفاءًا ولا يعملها أمام الناس حياءً منهم وخجلًا، وأما الله فلا يستحي منه ولا يخجل والعياذ بالله، وهذا يدخل في الآية الكريمة.\nوأما من عمل المعصية وندم وتاب فإنه لا يجوز له أن يحدث الناس بما فعل، فإن النبي ﷺ قال: كل أمتي معافى إلا المجاهرون.\nوالمجاهر هو الذي إذا فعل المعصية حدث بها، فالواجب على الإنسان أن يكون صريحًا، ظاهره كباطنه، وهو إذا كان صريحًا إن كان على خير ثبته أهل الخير عليه واستمر، وإن كان على خلاف ذلك بينوا له ما عليه من الشر حتى يرتدع، نسأل الله تعالى أن يجعل بواطننا خيرًا من ظواهرنا وأن يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى، إنه على كل شيء قدير.","vol":"6","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>باب تحريم الكذب</span>\nقال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا﴾ وقال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) باب تحريم الكذب، الكذب هو أن يخبر الإنسان بخلاف الواقع، فيقول: حصل كذا، وهو كاذب، أو قال فلان كذا، وهو كاذب وما أشبه ذلك، فهو الإخبار بخلاف الواقع.\nواعلم أن الكذب أنواع: الأول: الكذب على الله ورسوله، وهذا أعظم أنواع الكذب، لقول الله تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين واللام في قوله ﴿ليضل الناس بغير علم﴾ اللام لام العاقبة وليست لام التعليل، فهي كقوله تعالى في موسى ﷺ ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا﴾ وهم ما التقطوه لهذا، ولكن الله تعالى جعل العاقبة أن كان لهم عدوًا وحزنًا، وهكذا من افترى على الله كذبًا، فإنه بافترائه يضل الناس بغير علم.\nوالافتراء على الله نوعان: النوع الأول أن يقول: قال الله كذا، وهو يكذب، كاذب على الله، ما قال الله شيئًا.","vol":"6","page":155},{"text":"والنوع الثاني: أن يفسر كلام الله بغير ما أراد الله، لأن المقصود من الكلام معناه، فإذا قال: أراد الله بكذا كذا وكذا، فهو كاذب على الله، شاهد على الله بما لم يرده الله ﷿، لكن الثاني إذا كان عن اجتهاد وأخطأ في تفسير الآية فإن الله تعالى يعفو عنه؛ لأن الله قال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقال: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ وأما إذا تعمد أن يفسر كلام الله بغير ما أراد الله، اتباعًا لهواه أو إرضاء لمصالح أو ما أشبه ذلك، فإنه كاذب على الله ﷿، وهكذا من بعده الكذب على رسول الله ﷺ بأن يقول: قال رسول الله كذا، ولم يقله، لكن كذب عليه وكذلك أيضًا إذا فسر حديث رسول الله ﷺ، بغير معناه فقد كذب على رسول الله ﷺ وقد قال النبي ﷺ: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار المعنى أن من كذب على الرسول ﷺ متعمدًا قد تبوأ مقعده من النار وسكن في مقعده من النار والعياذ بالله، فهذان النوعان من الكذب هما أشد أنواع الكذب: الكذب على الله والكذب على رسول الله ﷺ.\nوأكثر الناس كذبًا على رسول الله هم الرافضة الشيعة، فإنه لا يوجد في طوائف أهل البدع أحد أكثر منهم كذبًا على رسول الله ﷺ، كما نص على هذا علماء مصطلح الحديث ﵏، لما تكلموا على الحديث الموضوع قالوا: إن","vol":"6","page":156},{"text":"أكثر من يكذب على الرسول هم الرافضة الشيعة، وهذا شيء مشاهد ومعروف لمن تتبع كتبهم.\nأما القسم الثاني من الكذب فهو الكذب على الناس، والكذب على الناس نوعان أيضًا: كذب يظهر الإنسان فيه أنه من أهل الخير والصلاح والتقى والإيمان وهو ليس كذلك، بل هو من أهل الكفر والطغيان والعياذ بالله، فهذا هو النفاق، النفاق الأكبر الذين قال الله فيهم: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ لكنهم يقولون بألسنتهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون، وشواهد ذلك في القرآن والسنة كثيرة، إنهم - أعني المنافقين أهل الكذب يكذبون على الناس في دعوى الإيمان وهم كاذبون، وانظر إلى قول الله تعالى في سورة (المنافقون) حيث صدر هذه السورة ببيان كذبهم حيث قال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ أكدوا هذه الجملة بكم مؤكد؟ بثلاثة مؤكدات، (نشهد) (إن) (اللام) ثلاثة مؤكدات، يؤكدون أنهم يشهدون أن محمدًا رسول الله، فقال الله تعالى: ﴿والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ في قولهم (نشهد إنك لرسول الله) هذا أيضًا من أنواع الكذب، وهو أشد أنواع الكذب على الناس؛ لأن فاعله والعياذ بالله منافق.\nوالنوع الثالث: من الكذب هو الكذب في الحديث بين الناس، الجاري بين الناس يقول: قلت لفلان كذا وهو لم","vol":"6","page":157},{"text":"يقله، قال فلان كذا وهو لم يقله، جاء فلان وهو لم يأت وهكذا، هذا أيضًا محرم ومن علامات النفاق كما قال النبي ﷺ: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب.\nثم ساق المؤلف ﵀ الأدلة على تحريم الكذب منها قوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا﴾ لا تقف أي لا تتبع ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا، وإذا كان هذا نهيًا عما لم تحط به علمًا، فما بالك بما أحطت به علمًا وأخبرت بخلافه؟ يكون هذا أشد وأعظم، وبهذا نعرف أن الإنسان إذا تكلم بكلام فإما أن يكون قد أحاط به علمًا، فكلامه هذا مباح في الأصل ما لم يجر إلى مفسدة، الثاني أن يقفو ما يعلم أن الأمر بخلافه فهذا كذب واضح وصريح والثالث أن يقفو ما لم يحط به علمًا ولا يعلم أن الأمر بخلافه فهذا منهي عنه ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ فينهى أن يتكلم الإنسان في حالين، في الحالة الأولى أن يعلم أن الأمر بخلاف ما يتكلم به، والحالة الثانية أن يتكلم في أمر لا يعلمه، هذا كله منهي عنه، أما إذا تكلم بما يعلم فهذا أمر لا بأس به.\nوذكر الآية الأخرى ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾، (من قول) نكرة في سياق ماذا؟ في سياق النفي، ومؤكد عمومها بمن ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ أي قول تقوله عندك رقيب عتيد يعني حاضر يراقب يكتب ما تقول ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى يعني نسمع سرهم ونجواهم﴾ ﴿ورسلنا لديهم يكتبون﴾ ما أعظم الأمر، كل كلمة تخرج منك تكتب وسوف تلقى ذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾ أنت حسيب نفسك، قال بعض السلف: والله لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك.\nوالحاصل أن الله يقول: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب","vol":"6","page":158},{"text":"عتيد﴾ هذا الرقيب العتيد أي الحاضر يكتب كل شيء: كل قولك، سواء كان لك أو عليك أو من اللغو الذي ليس لك ولا عليك، ولما كان الإمام أحمد ﵀ مريضًا يئن من مرضه، قيل له: إن فلانًا - وأظنه طاووسًا - يقول: إن الملك يكتب حتى أنين المريض، أنين المريض وهو يئن من شدة المرض يكتب عليه، أمسك ﵀ - أعني الإمام أحمد - أمسك عن الأنين، وصار يتصبر ولا يئن؛ خوفًا من ماذا؟ من أن يكتب عليه، هؤلاء الذين يحفظون ألسنتهم وجوارحهم ويعرفون قدر الأمور، أمسك حتى عن الأنين، أما نحن نسأل الله أن يعاملنا وإياكم بالعفو،","vol":"6","page":159},{"text":"فإطلاق اللسان عندنا كثير، وقد قال الرسول ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت نسأل الله أن يعيننا وإياكم على أنفسنا، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه من القول والعمل\n١٥٤٢ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا الكلام على الآيتين اللتين ذكرهما المؤلف ﵀ في صدر هذا الباب، باب تحريم الكذب، ثم ذكر الأحاديث، منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: إياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا، وعليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا ففي هذا الحديث حذر النبي ﷺ من الكذب فقال: إياكم والكذب يعني ابتعدوا عنه واجتنبوه، وهذا يعم الكذب في كل شيء، ولا يصح قول من قال: إن الكذب إذا لم يتضمن ضررًا على الغير","vol":"6","page":160},{"text":"فلا بأس به، فإن هذا قول باطل؛ لأن النصوص ليس فيها هذا القيد، النصوص تحرم الكذب مطلقًا، ثم بين الرسول ﷺ أن الكذب يهدي إلى الفجور، يعني إذا كذب الرجل في حديثه فإنه لا يزال فيه الأمر حتى يصل به إلى الفجور والعياذ بالله، وهو الخروج عن الطاعة، والتمرد والعصيان، والفجور يهدي إلى النار، قال الله تعالى: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدرك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين ثم قال: ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا والعياذ بالله أي من الكذابين، لأن الكذب - نسأل الله لنا ولكم السلامة منه ومن سائر الآثام - إذا اعتاده الإنسان، صار يكذب في كل شيء، وصدق عليه وصف المبالغة فكتب عند الله كذابًا، وأما الصدق فحث عليه النبي ﷺ فقال: عليكم بالصدق، إذا تحدثتم فاصدقوا، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، قال الله تعالى: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون﴾ فإذا صدق الإنسان وعود لسانه على الصدق، هداه إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، يعني يوصل إليها، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، والصديقية منزلة عالية، هي التي تلي منزلة النبوة، كما قال الله تعالى ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين","vol":"6","page":161},{"text":"والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا﴾ .\nواعلم أن الكذب يتضاعف جرمه بحسب ما يؤدي إليه؛ فالكذب في المعاملات أشد من الكذب في مجرد الإخبار، فإذا صار الرجل يكذب في بيعه وشرائه وأخذه وعطائه صار هذا أشد؛ لأنه إذا كذب في البيع والشراء تمحق بركة بيعه قال النبي ﷺ: البيعان بالخيار فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما.\nوما ترتب على الكذب في البيع والشراء من زيادة في الثمن أو زيادة في المبيع فإنه سحت والعياذ بالله؛ لأنه مبني على الكذب، والكذب باطل، وما بني على الباطل فهو باطل، وكذلك الكذب في وصف السلعة، يقول الإنسان مثلًا: هذه السلعة فيها كذا وكذا من الصفات المرغوبة وهو كاذب، هذا أيضًا من أكل المال بالباطل، ومن ذلك ما يفعله بائعو السيارات كما يقولون: يعطي الإنسان سيارته هذا الدلال وهو يدري أن فيها العيب الفلاني ثم يقول عند عرضها للبيع كل عيب فيها ولا يظهر العيب الحقيقي، فهذا حرام لا يجوز، إذا كان البائع يعلم العيب لكن كتمه وقال للمشتري: اصبر في كل عيب، هذا حرام إذا كان يعلم أن فيها عيبًا، أما إذا كان لا يعلم لكنه يخشى أن يكون فيها عيب لا يطلع عليه، فلا بأس أن يترك البراءة من كل عيب مشبوه والله الموفق","vol":"6","page":162},{"text":"١٥٤٣ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.\nمتفق عليه.\nوقد سبق بيانه مع حديث أبي هريرة بنحوه في باب الوفاء بالعهد.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي رحمه الله تعالى في باب تحريم الكذب في كتابه (رياض الصاحين): عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال:: أربع من كن فيه كان منافقًا خاصًا، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها.\nقوله: أربع من كن فيه أي من اتصف بهن كان منافقًا خالصًا؛ لأنه أتى بجميع الأعمال التي يتصف بها المنافقون والعياذ بالله، والمراد بالنفاق هنا النفاق العملي الذي يكون عليه أهل النفاق العقدي، وليس نفاق الاعتقاد؛ لأن نفاق الاعتقاد نفاق كفر والعياذ بالله؛ وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، أما هؤلاء الذين يتصفون بهذه الصفات فإنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقيقيا، ولكنهم يستعملون هذه الصفات وفيها شيء من النفاق،","vol":"6","page":163},{"text":"أولا قال: (إذا اؤتمن خان» إذا ائتمنه إنسان على شيء خانه فمثلا إذا أعطي وديعة وقيل له خذها احفظها، دراهم أو ساعة أو قلم أو متاع أو غير ذلك يكون فيها يستعملها لنفسه أو يتركها فلا يحفظها في مكانها أو يظفر بها من يتسلط عليه ويأخذها، المهم أنه لا يؤدي الأمانة فيها، كذلك إذا اؤتمن على حديث سري وقيل له: لا تخبر أحدا ذهب يخبر، قال لي فلان قال لي فلان، وبعض الناس والعياذ بالله يبتلى بحب الظهور والشهرة، إذا ائتمنه أحد من ولاة الأمور أو من كبراء القوم ووجهائهم ذهب يتحدث؛ قال لي الأمير كذا؛ قال لي الوزير كذا؛ قال لي الشيخ كذا؛ يتجمل عند الناس بأنه ممن يحادثه الكبراء والشرفاء وهذه من خيانة الأمانة والعياذ بالله، ومن ذلك أيضا الأمانات في الولايات يكون الإنسان وليا على يتيم على ماله وحضانته وتربيته فلا يقوم بالواجب؛ يهمل ماله وربما يستقرضه لنفسه ولا يدري هل يستطيع الوفاء فيما بعد أم لا؟ ولا يقربه بالتي هي أحسن، هذا أيضًا من خيانة الأمانة، ومن ذلك أيضًا أن الإنسان لا يقوم بواجب التربية في أهله وأولاده وقد ائتمنه الله عليهم فقال جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة ولم يجعل الله لك سلطانًا عليهم إلا ليسألك عنهم يوم القيامة حتى تتمنى أنك لم يكن بينك وبينهم صلة قال الله تعالى: ﴿يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ ومن خيانة الأمانة أن يكون الإنسان إمامًا للناس يصلي بهم الجمعة","vol":"6","page":164},{"text":"والجماعات فلا يقوم بالواجب، تجده مرة يتقدم ومرة يتأخر ومرة يطيل بهم إطالة غير مشروعة ومرة لا يطمئن في صلاته ولا يهتم بمن وراءه، هذا من خيانة الأمانة، والمهم أن خيانة الأمانة تكون في جميع الأحوال في الأمانات وفي المعاملات وفي الأخلاق وفي كل شيء.\nإذا ائتمن خان وإذا حدث كذب هذا الشخص إذا حدث الناس في الحديث قال فلان أو حصل كذا أو لم يحصل يكذب، هذا من علامات النفاق، ومن الناس من يفتن بهذا الأمر فتجده يكذب على الناس، يمزح عليهم ليورطهم فإذا تورطوا قال: أمزح، سبحان الله تكذب على الناس تمزح عليم لتورطهم! ومن الناس من يبتلى بالكذب لأجل أن يضحك الحاضرين، وقد قال النبي ﷺ: ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له وقد سبق أن أعظم الكذب الكذب على الله ورسوله ﷺ ثم الكذب على العلماء؛ فإن العلماء إذا كذب عليهم إنسان في الشرع، بأن قال: قال فلان هذا حرام، أو هذا حلال، أو هذا واجب، وهو يكذب عليه صار هذا كاذبًا على الشرع؛ لأن العلماء هم الذين يمثلون الشرع وهم الذين يبينونه للناس، فإذا كذب الإنسان عليهم قالوا: إن فلانًا العالم قال كذا وقال كذا وهو كاذب فإنه يقرب ممن كذب على رسول الله ﷺ.\nوالمهم أن من حدث فكذب فإنه فيه خصلة من خصال النفاق، أعاذنا الله","vol":"6","page":165},{"text":"وإياكم من ذلك\n\nالثالثة: وإذا عاهد غدر يعني إذا أعطى عهدًا على أي شيء من الأشياء غدر به ونقض العهد، وهذا يشمل المعاهدة مع الكفار، والمعاهدة مع المسلم في بعض الأشياء ثم يغدر بذلك، فالمعاهدة مع الكفار إذا عاهدنا الكفار على ترك الحرب بيننا وبينهم مدة معينة، كما فعل النبي ﷺ مع قريش حين عاهدهم في صلح الحديبية على ترك القتال لمدة عشر سنوات، فإذا عاهدنا هؤلاء المشركين فلنا معهم ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن ينقضوا العهد، فحينئذ يبطل العهد الذي بيننا وبينهم، كما قال الله تعالى: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون كما فعلت قريش في العهد الذي بينها وبين رسول الله ﷺ في الحديبية؛ فإنها لم تمض ثماني سنوات إلا ونقضت قريش من العهد حيث أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ.\nالحالة الثانية: أن يستقيموا على العهد، فحينئذ يجب علينا أن نستقيم على العهد وأن نبقى حتى تنتهي المدة؛ لقول الله تعالى: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين﴾ الحالة الثالثة: أن نخشى أن ينقضوا العهد، يعني لم ينقضوه فعلًا ولم يظهر لنا استقامة تامة، فنخشى أن ينقضوا العهد، فهنا ننبذ إليهم العهد، ونقول لهم صراحة: إنه لا عهد بيننا وبينكم، دليل ذلك قول الله تعالى ﴿وأما","vol":"6","page":166},{"text":"تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ أما العهود التي بين المسلمين؛ بأن تعاهد شخصًا على أن تفعل كذا، أو لا تفعل، أو على أن تكتم سره، أو ما أشبه ذلك فيجب الوفاء به، يجب وجوبًا، واختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا وعدت شخصًا موعدًا فهل يجوز أن تخلفه بلا ضرورة أو لا؟ مثل أن تقول: سآتيك غدًا، لدعوة، دعاك على غداء أو عشاء أو ما أشبه ذلك، فهل يجوز أن تخلف الموعد؟ من العلماء من يقول: إنك إذا أخلفت الموعد لا تأثم، ولكن الصحيح أنك تأثم، إلا لعذر شرعي، فإذا وعدت أخاك موعدًا يجب أن توفي به لأنك وعدته، وإخلاف الموعد من علامات ماذا؟ النفاق، فهل ترضى أن تكون منافقًا؟ كل واحد لا يرضى، فالصواب الذي دلت عليه السنة وجوب الوفاء بالوعد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن إخلافه من النفاق لكن إذا كان لك عذر، أو لم تعط موعدًا صريحًا بأن قلت لصاحبك: آتيك إن شاء الله تعالى إذا لم يكن لي عذر، فهنا إذا كان لك عذر فلا بأس، أنت في حل لأنك لم تعطه موعدًا صريحًا، وكذلك أيضًا إذا أخلفت لعذر، مثل أن يكون تمام الوعد يحتاج إلى سيارة، وخرجت وتعطلت السيارة ولم تتمكن من الوصول إليه في موعده فإن هذا عذر بلا شك تعذر به.\nأما الخصلة الرابعة فهي: إذا خاصم فجر نسأل الله العافية، إذا وقعت خصومة بينه وبين غيره فجر، والفجور في الخصومة ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يجحد ما كان عليه.","vol":"6","page":167},{"text":"والثاني: أن يدعي ما ليس له.\nمثال الأول إنسان مطلوب لشخص بألف ريال، فأقام الطالب دعوى على المطلوب، وأنكر المطلوب، قال: ما عندي لك شيء، والطالب قد وثق منه ولم يشهد عليه، فهنا يقول القاضي للمطلوب: احلف وتبرأ ذمتك، فحلف المطلوب أنه ليس له عندي شيء، فهنا سوف يقضي الحاكم بأن هذا المدعى عليه المطلوب ليس عليه شيء، هذا فجور في الخصومة.\nأما القسم الثاني: فأن يدعي ما ليس له، بأن يقول عند القاضي أنا أطالب هذا الرجل بمائة ريال فينكر المطلوب، فيقول الطالب: عندي بينة، ويأتي ببينة سوء يشهدون بأنه له عند فلان (المطلوب) مائة ريال، فالقاضي سوف يحكم بالبينة، فإذا حكم لهذا المدعي ببينة الزور، فإن هذا يعتبر ممن خاصم ففجر والعياذ بالله، فلهذا يجب التحرز في الخصومات من الكذب أو الالتواء أو المخادعة، لأن كل هذا من الفجور في الخصومة.\nنسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا وقلوبكم من النفاق والشك والشرك والرياء إنه على كل شيء قدير\n١٥٤٣ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر متفق عليه.\nوقد سبق بيانه مع حديث أبي هريرة بنحوه في باب الوفاء بالعهد.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا الكلام على جملتين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب الخصلة\n١٥٤٤ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: من تحلم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور","vol":"6","page":168},{"text":"صورة، عذب وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ رواه البخاري.\nتحلم أي: قال أنه حلم في نومه ورأى كذا وكذا، وهو كاذب والآنك بالمد وضم النون وتخفيف الكاف: وهو الرصاص المذاب.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) في باب تحريم الكذب فيما نقله عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد يعني من كذب في الرؤيا قال: رأيت في المنام كذا وكذا وهو كاذب، فإنه يوم القيامة مكلف أن يعقد بين شعيرتين، والمعلوم أن الإنسان لو حاول مهما حاول أن يعقد بين شعيرتين فإنه لا يستطيع، ولكن لا يزال يعذب ويقال: لابد أن تعقد بينهما، وهذا وعيد يدل على أن التحلم بحلم لم يره الإنسان من كبائر الذنوب، وهذا يقع من بعض السفهاء، يتحدث ويقول،: رأيت البارحة كذا وكذا؛ لأجل أن يضحك الناس وهذا حرام عليه، وأشد من ذلك أن يقول: رأيت النبي ﷺ وقال لي كذا وكذا وما أشبه ذلك، فإنه أشد وأشد، لأنه كذب على رسول الله ﷺ، أما من تحلم بحلم رآه فهذا لا بأس به ولكن ينبغي للإنسان أن يعلم أن ما يراه الإنسان في منامه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم: يكون خيرًا ويستبشر به الإنسان ويفرح به الإنسان، فهذا لا يحدث به إلا من يحب، لأن الإنسان له حساد كثيرون، فإذا رأى رؤيا حسنة","vol":"6","page":169},{"text":"وحدث بها من لا يحب فإنه ربما يكيد له كيدًا، يحول بينه وبين هذا الخير الذي رآه، كما فعل إخوة يوسف ﷺ فإن يوسف بن يعقوب ﷺ وعلى أبيه قال لأبيه: يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين يعني رأيت هؤلاء أحد عشر كوكبًا يعني نجومًا والشمس والقمر كلها تسجد لي فقال له ﴿يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا إن الشيطان للإنسان عدو مبين﴾ فلا تخبر إنسانًا ليس من أحبائك وأصدقائك الذين لا يودون لك ما يودون لأنفسهم، لا تخبرهم بما ترى من رؤيا الخير.\nالقسم الثاني: رؤيا شر، هذا القسم الثاني مما يراه الإنسان في المنام، رؤيا شر تزعج وتخوف، هذا لا تخبر به أحدًا أبدًا لا صديقك ولا عدوك، وإذا قمت من منامك فاتفل عن يسارك ثلاثًا وقل: أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت.\nوإن كنت تريد أن تواصل النوم فنم على الجنب الآخر، يعني لا على الجنب الذي رأيت فيه ما تكره فإنها لا تضر، فمن رأى ما يكره يعمل ما يلي: أولًا: إن استيقظ يتفل عن يساره ثلاث مرات ويقول: أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت.\nإن أراد أن يواصل النوم ينام على الجنب الثاني إذا قام، فلا يخبر بها أحدًا؛ لأن ذلك لا يضره، فإذا فعل هذا فإنه لا يضره بإذن الله، وكان الصحابة يرون الرؤيا تمرضهم وتقلقهم فلما حدثهم النبي ﷺ بهذا الحديث فعلوا ما أرشدهم إليه واستراحوا، وكثير من الناس مبتلى يبحث عن الشر لنفسه؛ يرى الرؤيا يكرهها ثم يحاول أن يقصها على الناس ليعبروها له، وهذا غلط إذا رأيت الرؤيا تكرهها فهذا عندك دواء من أحسن الأدوية بل هو","vol":"6","page":170},{"text":"أحسن الأدوية، علمك إياه رسول الله ﷺ.\nالقسم الثالث: رؤيا أضغاث أحلام، ليس لها رأس ولا قدم، يرى الإنسان أشياء متناقضة ويرى أشياء غريبة، وهذه لا تحدث بها أحدًا ولا تهتم بها، وقد حدث رجل رسول الله ﷺ حديثًا قال: يا رسول الله رأيت في المنام أن رجلًا قد قطع رأسي، فذهب الرأس شاردًا، فذهبت وراءه لاحقًا له.\nفقال له النبي ﷺ: لا تحدث الناس بما يتلعب بك الشيطان في منامك.\nوهذا من الشيطان يقطع رأسك ويشرد بها وأنت تلاحقه، هذا ما له أصل، فمثل هذه الأشياء لا تهتم بها ولا تحدث بها أحدًا، أما من رأى الرسول ﷺ فإذا رأى الرسول ﷺ على الوصف المعروف الذي وصف السيرة النبوية، ورآه على هيئة حسنة فهذا يدل على خير لهذا الرائي وأنه قد تأسى به أسوة حسنة، وإن رآه على خلاف ذلك فليحاسب نفسه، فإذا رآه مثلًا أنه يحدث الرسول ولكن الرسول معرض عنه أو الرسول قد ولى وتركه ورآه على هيئة غير حسنة، يعني مثلًا من ثيابه أو ردائه أو إزاره أو مل شابه ذلك، فليحاسب نفسه، فإنه مقصر في اتباع الرسول ﷺ.\nأما المسألة الثانية: من تسمع قومًا وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة يعني الذي يتسمع إلى أناس وهم يكرهون أن يسمع فإنه يصب في أذنيه الآنك يوم القيامة.\nقال العلماء: الآنك هو الرصاص المذاب والعياذ بالله، والرصاص","vol":"6","page":171},{"text":"المذاب بنار جهنم أعظم من نار الدنيا بتسع وستين مرة، وسواء كانوا يكرهون أن يسمع لغرض صحيح أو لغير غرض؛ لأن بعض الناس يكره أن يسمعه غيره ولو كان الكلام ما فيه خطأ ولا فيه سب، ولكن لا يريد أن أحدًا يسمعه، وهذا يقع فيه بعض الناس، تجده مثلًا إذا رأى اثنين يتكلمون يأخذ المصحف ويجلس قريبًا منهم ثم يبدأ يطالع المصحف كأنه يقرأ، وهو يستمع إليهم وهم يكرهون ذلك، هذا الرجل يصب في أذنيه الآنك يوم القيامة فيعذب هذا العذاب والعياذ بالله.\nوأما الشطر الثاني من الحديث وهو التصوير فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله في درس قادم\n١٥٤٤ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: من تحلم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة، عذب وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ رواه البخاري.\nتحلم أي: قال أنه حلم في نومه ورأى كذا وكذا، وهو كاذب والآنك بالمد وضم النون وتخفيف الكاف: وهو الرصاص المذاب.\n١٥٤٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا رواه البخاري.\nومع ناه: يقول: رأيت فيما لم يره.\n١٥٤٦ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما قالا لي: انطلق،","vol":"6","page":172},{"text":"وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر هاهنا.\nفيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى.\nقال: قلت لهما سبحان الله، ما هذان؟ قالا لي: انطلق، فانطلقنا.\nفأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه.\nومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى.\nقال: قلت: سبحان الله، ما هذان.\nقالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا.\nفأتينا على مثل التنور، فأحسب أنه قال: فإذا فيه لغط، وأصوات، فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضئوا، قلت ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا.\nفأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيغفر له فاه، فيلقمه حجرًا، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلما","vol":"6","page":173},{"text":"رجع إليه، فغر فاه له، فألقمه حجرًا، قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا.\nفأتينا على رجل كريه المرآة، أو كأكره ما أنت راء رجلًا مرأى، فإذا هو عنده نار يحشها ويسعى حولها، قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا.\nفأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان ما رأيتهم قط، قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا.\nفأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحة قط أعظم منها، ولا أحسن، قالا لي: ارق فيها، فارتقينا فيها، إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر منهم كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، وإذا هو نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة.\nقال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك، فسما بصري صعدًا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء.\nقالا لي: هذا منزلك.\nقلت لهما: بارك الله فيكما، فذراني فأدخله.\nقالا: أما الآن فلا، وأنت داخله.","vol":"6","page":174},{"text":"قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبًا؟ فما هذا الذي رأيت؟ قالا لي: إنا سنخبرك.\nأما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة.\nوأما الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.\nوأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني.\nوأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر، ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا.\nوأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم.\nوأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة وفي رواية البرقاني: ولد على الفطرة.\nفقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ: وأولاد المشركين وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم.\nرواه البخاري.\nوفي رواية له: رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض","vol":"6","page":175},{"text":"مقدسة ثم ذكره.\nوقال: فانطلقنا إلى نقب مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته نارًا، فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، وإذا خمدت، رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة.\nوفيها: حتى آتينا على نهر من دم، ولم يشك - فيه رجل قائم على وسط النهر، وعلى شط النهر رجل، وبين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج، رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج جعل يرمي في فيه بحجر، فيرجع كما كان.\nوفيها: فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب.\nوفيها: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة وفيها: الذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، فيفعل به إلى يوم القيامة.\nوالدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دعاني ادخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملته، أتيت منزلك رواه البخاري.\nقوله: يثلغ رأسه وهو بالثاء المثلثة والغين المعجمة، أي: يشدخه","vol":"6","page":176},{"text":"ويشقه.\nقوله: يتهدهده أي: يتدحرج، والكلوب بفتح الكاف، وضم اللام المشددة، وهو معروف.\nقوله: فيشرشر أي: يقطع.\nقوله: ضوضئوا وهو بضادين معجمتين، أي صاحوا.\nقوله: فيغفر هو بالفاء والغين المعجمة، أي: يفتح.\nقوله: المرآة هو بفتح الميم، أي: المنظر.\nقوله: يحشها هو بفتح الياء وضم الحاء المهملة والشين المعجمة، أي: يوقدها، قوله روضة معتمة هو بضم الميم وإسكان العين وفتح التاء وتشديد الميم، أي: وافية النبات طويلته.\nقوله: دوحة وهي بفتح الدال، وإسكان الواو وبالحاء المهملة: وهي الشجرة الكبيرة، قوله المحض هو بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة وبالضاد المعجمة: وهو اللبن.\nوقوله: فسما بصري أي: ارتفع.\nوصعدا: بضم الصاد والعين: أي: مرتفعا.\nوالربابة: بفتح الراء وبالباء الموحدة مكررة، وهي السحابة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق الكلام على أول حديث عبد الله بن عباس ﵄، على جملتين منه، الجملة الأولى (من تحلم بحلم لم يره)، والثانية (من استمع إلى قوم هم له كارهون) .\nأما الثالثة فهو (من صور صورة فإنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ) واعلم أن الصورة تنقسم إلى قسمين: صور مجسمة، بأن يصنع الإنسان تمثالًا على صورة","vol":"6","page":177},{"text":"إنسان أو حيوان، فهذا محرم، سواء أراده لغرض محرم أو لغرض مباح، مجرد هذا التصوير محرم، بل هو من كبائر الذنوب، لأن النبي ﷺ لعن المصورين وبين أن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله.\nوالقسم الثاني: الملون، يعني ليس له جسم بل هو بالتلوين، فهذا قد اختلف العلماء فيه فمنهم من أجاز وقال لا بأس به إلا إذا قصد به غرضا محرما مثل أن يقصد به التعظيم - تعظيم المصور - فإنه يخشى إذا طال بالناس زمن أن يعبدوه كما جرى لقوم نوح فيما يذكر أنهم صوروا صورة لرجال صالحين ثم عبدوها لما طال الزمن وقال بعض العلماء: إنه لا بأس به إذا كان ملونا واستدلوا بحديث زيد بن خالد وفيه: (إلا رقما في ثوب) قالوا: هذا يدل على أن هذا مستثنى فيدل على أن المحرم ما له روح فقط، ولكن الراجح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا فرق بين المجسم وبين الملون الذي يكون بالرقم كله محرم؛ لأن الذي يرقم باليد صورة يحاول أن يكون مبدعا مشابها لخلق الله ﷿ فيدخل في العموم، وأما الصور التي تلتقط التقاطا بالآلة المعروفة، آلة التصوير الفوتوغرافية، فهذه من المعلوم أنها لم تكن معروفة في عهد الرسول ﷺ، والمعروف في عهده إنما هو التصوير باليد الذي يضاهي به الإنسان خلق الله ﷿ أما هذه الآلة فغير معروفة، وليس الإنسان يصورها بيده ويخططها،","vol":"6","page":178},{"text":"يخطط الوجه مثلا، والعينين، والأنف، والشفتين، وما أشبه ذلك لكنه هو يلقي ضوء معينا تقدمت به معرفة الناس فتنطبع هذه الصورة في ورقة، وهو لم يحدث شيئا في الصورة لم يصورها إطلاقا وإنما التقطت هذه الصورة بواسطة الضوء فهذا لا شك أنه فيما نرى أنه لم يصور، غاية ما هنالك أن الصورة طبعت بالورقة، فكان الذي بالورقة هو خلق الله ﷿ يعني هذه الصورة هي الصورة التي خلقها الله، والدليل على ذلك أن الإنسان لو كتب كتابا بيده ثم صوره بالآلة، آلة التصوير، فإنها إذا طلعت الصورة لا يقال إن هذا هو كتابة الذي حرك الآلة وصور (الشخص القائم بالتصوير) بل يقال هذا كتابة الأول الذي خطه بيده، فهذا مثله، ولكن يبقى النظر لماذا صور الإنسان هذه الصور الفوتوغرافية، إذا كان لغرض محرم فهو حرام من باب تحريم الوسائل، كما لو اشترى الإنسان سلاحا في فتنة أو بيضا لقمار أو ما أشبه ذلك، يعني أن هذا مباح ولكن لغرض محرم فلا يجوز من باب تحريم الوسائل، أما إذا كان الغرض مباحا كتصوير لاستخراج رخصة السيارة أو البطاقة الشخصية وما أشبه ذلك فهذا لا بأس به، هذا هو الذي نراه في هذه المسألة، والناس ابتلوا بها الآن بلوى عظيمة وصارت منتشرة في كل شيء، ولكن يجب على الإنسان أن يعرف ويحقق ويميز بين ما حرمه الله ورسوله وبين ما لم يأت تحريمه، فلا نضيق على عباد الله ولا نوقعهم في محارم الله هذا إذا كان المصور له روح لقوله (كلف أن ينفخ فيها الروح) أما إذا كان المصور لا روح له، كتصوير الأشجار والشمس والقمر والنجوم والجبال","vol":"6","page":179},{"text":"والأنهار، فهذا لا بأس به لأنه ليس فيه روح، وقال بعض العلماء: ما كان ناميا كالشجر والزرع فإنه لا يجوز تصويره، لأنه جاء في الحديث فليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة وهذا نام فيشبه ما كان له روح لكن هذا خلاف قول جمهور العلماء، والصحيح أنه لا بأس به، أما ما يصنعه الإنسان فلا شك أنه يجوز تصويره كالقصور والسيارات وما أشبهها فصارت الآن الأقسام متعددة، ما يصنعه الإنسان بيده فهذا لا بأس من تصويره، مثل السيارات والقصور والأبواب وما أشبه ذلك وما هو خلق الله ﷿ وليس بنام لا ينمو كالشمس والقمر والنجوم والجبال والأقمار، فهذا أيضا لا بأس به وهذا محل اتفاق، وما كان من خلق الله وليس له روح ولكنه ينمو كالشجر والزرع وما أشبهه فجمهور العلماء على أنه لا بأس به، وذهب بعض العلماء ومنهم مجاهد بن جبر - تابعي مشهور - إلى أنه حرام والصحيح أنه لا بأس به، وأما ما فيه روح فهذا لا يجوز أن يصور، لأن النبي ﷺ لعن المصورين وأما مسألة التقاط الصور فهذا لا نرى أنه داخل في التصوير إطلاقا، لأن الملتقط لم يحصل منه فعل يكون به التصوير ولكن يبقي النظر خلف أنه يلتقط هذه الصور لشيء محرم أو لا هذا هو محل التفصيل والله الموفق","vol":"6","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>باب بيان ما يجوز من الكذب </span>أعلم أن الكذب وإن كان أصله محرما، فيجوز في بعض الأحوال بشروط قد أوضحتها في كتاب الأذكار ومختصر ذلك أن الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا كان الكذب مباحا وإن كان واجبا كان الكذب واجبا فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله وأخفى ماله وسئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده وديعة، وأراد ظالم أخذها وجب الكذب بإخفائها والأحوط في هذا كله أن يوري ومعنى التورية: أن يقصد بعبارته مقصودا صحيحا ليس هو كاذبا بالنسبة إليه وإن كان كاذبا في ظاهر اللفظ وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال واستدل العلماء بجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا متفق عليه.","vol":"6","page":181},{"text":"زاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: تعني الحرب، والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا أن الكذب محرم وأن منه ما هو كبيرة من كبائر الذنوب كالكذب على الله ورسوله، ذكر المؤلف في هذا الباب أن الكذب يجوز أحيانا إذا كانت المصلحة كبيرة عظيمة، وأنه قد يجب الكذب إذا كان فيه دفع مضرة وظلم، مثال ذلك في دفع المضرة والظلم أن يكون شخص ظالم يريد أن يقتل شخصا معصوما، فيختفي هذا الشخص المعصوم عن الظالم، وأنت تعلم مكانه، فسألك هذا الظالم الذي يريد قتله بغير حق: أين فلان؟ هل فلان في هذا؟ فتقول: لا ليس فلان في هذا، وأنت تدري أنه فيه.\nفهذا لا بأس به بل هو واجب لإنقاذ المعصوم من الهلكة فإن إنقاذ المعصوم من الهلكة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nولكن الأفضل أن توري يعني تنوي معنى صحيحا ليس فيه كذب وإن كان ظاهر اللفظ أنه كذب فتقول مثلا إذا قال هذا الظالم فلان في هذا؟ تقول ليس في هذا وتشير إلى شيء معين ليس فيه كما يذكر أن الإمام أحمد","vol":"6","page":182},{"text":"﵀ جاءه رجل يسأل عن أحد التلاميذ: أين فلان، فقال الإمام أحمد: ليس فلان هاهنا وما يصنع فلان هاهنا ويلمس يده يعني ليس في يدي وما يصنع في يدي هذه تورية فإذا قيل مثلا إذا جاءك هذا الظالم الذي يريد أن يقتل هذا الشخص بغير حق، وقال هل فلان هاهنا تقول لا وتلمس يدك بيدك الأخرى يعني ليس في يدي أو إنسان ألح بشيء وأنت لا تريد أن تعطيه لأنه يفسد المال فتقول: والله ما بيدي شيء ويدك ليس فيها شيء ليس فيها دراهم ولا غير تقول: ليس في يدي شيء وأنت صادق وهو يفهم أنه ليس عندك شيء أو يكون عندك وديعة لشخص فيأتي إنسان ظالم ويقول أين وديعة فلان، يعني إنسان وضع عندك أمانة مثلا دراهم قال لك احفظها لي فجاء شخص ظالم يريد أن يأخذ هذه الدراهم جاء إليك قال أين الوديعة التي أعطاها لك فلان، أعطني إياها فقلت والله ما عندي له وديعة تأول فتنوي بقولك والله ما عندي له وديعة يعني والله إن الذي عندي له وديعة تجعل ما بمعنى الذي وأنت صادق الذي لفلان عندك وديعة لكن يفهم المخاطب أن ما نافية وأنه ليس له عندك وديعة فالحاصل أنه إذا كان هناك ظلم وأراد الإنسان أن يدفعه وكذب فهذا لا بأس به ولكن الأولي والأحسن أن يوري يعني ينوي معنى صحيحا ليس فيه كذب والمخاطب يظن أنه كذب وكذلك أيضا إذا كانت المصلحة كبيرة كالكذب في الحرب لا بأس به لأنه فيه مصلحة كبيرة مثل أن تأتي عيون العدو يعني جواسيسه يسألون يقولون مثلا هل الجيش كبير وهل معه عدة، وهل هو قوي، تقول: نعم","vol":"6","page":183},{"text":"الجيش كبير وعظيم وقوي ومعه عدة ولو كنت تعرف أن هذا لا بأس به لأن فيه مصلحة كبيرة وهي إلقاء الرعب في قلوب الأعداء وكذلك الإصلاح بين الناس يأتيك شخص قد ذكر له أن شخصا آخر يغتابه ويسبه فيأتي إليك ويقول سمعت أن فلانا قال في كذا وكذا، فتقول: أبدا ما قال فيك شيئا هذا لا بأس به لأن فيه إصلاحا بين الناس كذلك من المصلحة حديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها فيها يوجب الألفة والمودة مثل أن يقول لها أنت عندي غالية وأنت أحب إلي من سائر النساء وما أشبه ذلك وإن كان كاذبا لكن من أجل إلقاء المودة والمصلحة تقتضي هذا فالمهم أن الكذب يجب إذا كان لإنقاذ معصوم من هلكة أو حماية مال معصومة من تلف ويباح إذا كان فيه مصلحة عظيمة ومع ذلك فمن الأولى أن يوري أي يجعل الكلام تورية حتى يسلم من الكذب والله الموفق","vol":"6","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه</span>\nقال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ وقال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾\n١٥٤٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع رواه مسلم.\n١٥٤٨ - وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين رواه مسلم\n١٥٤٩ - وعن أسماء ﵂ أن امرأة قالت: يا رسول الله إن لي ضرة فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني، فقال النبي ﷺ: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور متفق عليه.\nالمتشبع: هو الذي يظهر الشبع وليس بشبعان، ومعناها هنا أنه يظهر أنه حصل له فضيلة وليست حاصلة ولابس ثوبي زور أي: ذي زور","vol":"6","page":185},{"text":"وهو الذي يزور على الناس بأن يتزي بزي أهل الزهد أو العلم أو الثروة ليغتر به الناس وليس هو بتلك الصفة وقيل غير ذلك والله أعلم:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) باب التثبت فيما يقول وما يتكلم به - لما ذكر ﵀ تحريم الكذب - والكذب أن يخبر الإنسان بما لم يكن على وجهه الصحيح أعقبه بهذا الباب، أن الإنسان يتثبت فيما ينقل ويتكلم به، لاسيما في زمن الأهواء وكثرة القيل والقال والتحدث بما كان أو لم يكن، ثم استدل لذلك بالآيات والأحاديث قال الله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم (لا تقف) يعني لا تتبع ما ليس لك به علم ولا تتكلم إلا بما تعلم وقد قال النبي ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، قال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ يعني إلا عنده رقيب أي مراقب يراقب ما تقول، عتيد حاضر فلا يغيب عنه، وهذا تحذير من أن يتكلم الإنسان بشيء لا يعلم عنه، لأنه بذلك آثم ثم ذكر في ذلك أحاديث: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع يعني أن الإنسان إذا صار يحدث بكل ما سمع من غير تثبت وتأن، فإنه يكون عرضة للكذب، وهذا هو الواقع ولهذا يجيء إليك بعض الناس يقولون: صار كذا وكذا، ثم إذا بحثت وجدت أنه لم يكن، أو يأتي إليك ويقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا بحثت","vol":"6","page":186},{"text":"وجدته لم يقل، وأعظم شيء أن يكون هذا فيما يتعلق بحكم الله وشريعته بأن يكذب على الله فيقول في القرآن برأيه ويفسر القرآن بغير ما أراد الله أو يكذب على النبي ﷺ يقول: قال النبي ﷺ كذا.\nوهو كاذب، أو ينقل حديثا يرى أنه كذب وهو لم يكذبه ولكن يقول: قال فلان كذا وكذا عن رسول الله ﷺ وهو يرى أنه كذب فإنه يكون أحد الكاذبين كما بين ذلك النبي ﷺ ويزداد إثم التقول إذا تشبع الإنسان بما لم يعط، كما في حديث المرأة أنها يكون لها ضرة يعني زوجة أخرى مع زوجها فتقول إن زوجي أعطاني كذا وأعطاني كذا وهي كاذبة، لكن تريد أن تراغم (تغيظ) ضرتها وتفسدها على زوجها، فهذا كما قال النبي ﷺ: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور أي كذب.\nوالحاصل أنه يجب على الإنسان أن يتثبت فيما يقول ويتثبت فيمن ينقل إليه الخبر، هل هو ثقة، أو غير ثقة كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ ولاسيما إذا كثرت الأهواء وصار الناس يتخبطون ويكثرون من القيل والقال بلا تثبت ولا بينة، فإنه يكون التثبت أشد وجوبا، حتى لا يقع الإنسان في المهلكة.\nوالله الموفق","vol":"6","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>باب بيان تغليظ تحريم شهادة الزور</span>\nقال الله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾، وقال تعالى: ﴿لا تقف ما ليس لك به علم﴾، وقال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾، وقال تعالى: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾، وقال تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾\n١٥٥٠ - وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله.\nقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) باب تغليظ تحريم شهادة الزور، شهادة الزور أن يشهد بما يعلم أن الأمر بخلافة، أو يشهد بما لا يعلم أن الأمر بخلافه أو بوفاقه، أو يشهد بما يعلم أن الأمر على وفاقه لكنه على صفة غير الواقع، هذه ثلاثة أحوال وكلها حرام، لا يحل لإنسان أن يشهد إلا بما علم على الوجه الذي علمه، فإن شهد بما يعلم أن الأمر بخلافه مثل أن يشهد لفلان بأنه يطلب فلانا كذا وكذا وهو يعلم أنه كاذب، فإن هذا والعياذ بالله","vol":"6","page":188},{"text":"شهادة زور، ومثل أن يشهد لفلان أنه فقير يستحق الزكاة وهو يعلم أنه غني، ومثل ما يفعله بعض الناس عند الحكومة يشهد بأن فلانا له عائلة عدد أفرادها كذا وكذا وهو يعلم أنه كاذب والأمثلة على هذا كثيرة ويظن هذا المسكين الذي شهد بشهادة الزور يظن أنه نافع لأخيه أنه بار به والواقع أنه ظالم لنفسه وظالم لأخيه، أما كونه ظالما لنفسه فظاهر، لأنه آثم وأتى كبيرة من كبائر الذنوب، وأما كونه ظالما لأخيه فلأنه أعطاه ما لا يستحقه وجعله يأخذ المال بالباطل، وقد قال النبي ﷺ: انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم كيف ننصر الظالم، قال: تمنعه من الظلم فذلك نصره فهؤلاء الذين يشهدون بالزور والعياذ بالله يظنون أنهم ينفعون إخوانهم وهم يضرون أنفسهم وإخوانهم.\nثم استشهد المؤلف بآيات بعضها سبق قريبا وبعضها لم يسبق فقال: قول الله تعالى: فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور وأول ما يدخل في قول الزور شهادة الزور، وقد جعل الله تعالى ذلك مع الرجس من الأوثان أي مع الشرك فدل هذا على عظم شهادة الزور، وقال الله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ يمدحهم وإذا كان هؤلاء مدحوا بعدم شهود الزور فأولى أن يمدحوا إذا لم يقولوا الزور، وإذا كان عدم شهادة الزور مدحا دل ذلك على أن شهادة الزور","vol":"6","page":189},{"text":"أو القول بالزور قدح وضرر.\nثم ذكر حديث أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ألا) أداة عرض استفتح بها النبي ﷺ كلامة للتنبيه، تنبيه المخاطب إلى أمر ذي شأن، ولهذا قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالوا بلى يا رسول الله قال: الشرك بالله وهذا أعظم الظلم وأكبر الكبائر وأشد الذنوب عقوبة، لأن من يشرك بالله فإن الله قد حرم عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار.\nوالثاني عقوق الوالدين يعني قطع برهما، والوالدان هم الأب والأم، والواجب على الإنسان أن يبر بهما، وأن يخدمهما بقدر ما يستطيع وأن يطيعهما إلا ما فيه ضرر أو معصية لله ﷿ فإنه لا يطيعهما.\nقال: وكان متكئا فجلس تعظيما لما سيقول قال: ألا وقول الزور وشهادة الزور وإنما عظم النبي ﷺ أمرها لكثرة الوقوع فيها وعدم اهتمام الناس بها فأرى الناس أن أمرها عظيم، كان يحدث عن الشرك وعقوق الوالدين وهو متكئ، ثم جلس اهتماما بالأمر: ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها قال: حتى قلنا: ليته سكت.\nوهذا دليل على عظم شهادة الزور وقول الزور وعلى الإنسان أن يتوب إلى الله ﷿ من هذا لأنه يتضمن كما قلت ظلم نفسه وظلم من شهد له.\nوالله الموفق","vol":"6","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة</span>\n١٥٥١ - عن أبي زيد ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁ وهو من أهل بيعة الرضوان قال: قال رسول الله ﷺ: من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملكه ولعن المؤمن كقتله متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تحريم لعن المعين من آدمى أو دابة اللعن معناه: الطرد والإبعاد عن رحمة الله فإذا قلت: اللهم العن فلانا، فإنك تعني أن الله يبعده ويطرده عن رحمته والعياذ بالله.\nولهذا كان لعن المعين من كبائر الذنوب، يعني لا يجوز أن تلعن إنسانا بعينه، فتقول اللهم العن فلانا أو تقول لعنه الله عليك، أو ما أشبه ذلك حتى لو كان كافرا وهو حي فإنه لا يجوز أن تلعنه، لأن النبي ﷺ لما صار يقول: اللهم العن فلانا، اللهم العن فلانا يعينهم قال الله له: ليس لك من الامر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ومن الناس من تأخذه الغيرة فيلعن الرجل المعين إذا كان كافرا وهذا لا يجوز، لأنك لا تدري لعل الله أن","vol":"6","page":191},{"text":"يهديه وكم من إنسان كان من أشد الناس عداوة للمسلمين والإسلام هداه الله وصار من خيار عباد الله المؤمنين، ونضرب لهذا مثلا: عمر بن الخطاب الرجل الثاني بعد أبي بكر في هذه الأمة، كان من ألد أعداء الإسلام ففتح الله عليه فأسلم.\nخالد بن الوليد كان يقاتل المسلمين في أحد وهو من جملة من كر عليهم وداهمهم، عكرمة بن أبي جهل.\nوغيرهم من كبار الصحابة الذين كانوا من أول ألد أعداء المسلمين فهداهم الله ﷿.\nولهذا قال: ﴿ليس لك من الامر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ أما إذا مات الإنسان على الكفر وعلمنا أنه مات كافرا فلا بأس أن نلعنه لأنه ميئوس من هدايته والعياذ بالله لأنه مات على الكفر.\nولكن ما الذي نستفيده من لعنه ربما يدخل هذا - أعني لعنه - في قول النبي ﷺ: لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا ونحن نقول لهذا الرجل الذي يلعن الكافر أو الذي مات على الكفر نقول: إن لعنك إياه لا فائدة منه في الواقع، لأنه قد استحق الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فليس من أهل رحمة الله أبدا، بل هو من أصحاب النار هم فيها خالدون وكذلك أيضا البهائم لا يجوز أن تلعن البهيمة: البعير، الحمار، بقرة، شاة، لا يجوز أن تلعنه، وسيأتي إن شاء الله في الأحاديث ما يبين حكم ذلك.\nثم ذكر المؤلف حديث أبي زيد ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: من حلف علي يمين بملة غير الإسلام وهو فيها كاذب متعمدا فهم كما","vol":"6","page":192},{"text":"قال مثال ذلك إذا قال الإنسان: هو يهودي أو نصراني إن كان كذا وكذا وكان الأمر على خلاف ما يقول فإنه كما قال، يعني أنه يهودي أو نصراني - نسأل الله العافية - مثال هذا أخبرنا رجل جاء إلينا وقال: إنه قدم فلان أمس قلنا ما هو صحيح قال هو يهودي إن كان ما قدم فتبين أنه لم يقدم والرجل قال: هو يهودي متعمدا، فبين الرسول ﷺ أنه كما قال عن نفسه أي أنه يصير يهوديا أو نصرانيا وهذا يدل على أن الحلف بمله غير الإسلام كاذبا متعمدا من كبائر الذنوب، فإن كان غير كاذب بأن كان صادقا فإنه لا يلحقه هذا الوعيد، لكننا نقول له إذا كنت حالفا فاحلف بالله كما قال الرسول ﷺ: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت وكذلك إن كان قال ذلك غير متعمد بأن يظن أن الأمر كذلك، وتبين أن الأمر على خلاف ما اعتقد فإنه لا يدخل في هذا الوعيد، ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا حلف بالله على شيء معتقدا أنه كما حلف ثم تبين أنه على خلاف اعتقاده فإنه لا إثم عليه ولا كفارة عليه، مثال ذلك: لو قال: فلان سيقدم غدا متأكد يقول: إني متأكد والله ليقدمن غدا، قال ذلك بناء على ظنه ثم لم يقدم فلا كفارة عليه لأنه حلف على ظنه غير متعمد، ولذلك أقر النبي ﷺ الرجل الذي قال: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منه يعني ما بين لابتي المدينة أهل بيت أفقر منه، مع","vol":"6","page":193},{"text":"أن هذا الرجل لم يأت على كل البيوت يفتش فيها لكن حلف على غالب ظنه، فأقره النبي ﷺ على ذلك وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام على الحديث\n١٥٥١ - عن أبي زيد ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁، وهو من أهل بيعة الرضوان قال: قال رسول الله ﷺ: من حلف على يمين بمله غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء، عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملكه، ولعن المؤمن كقتله متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق الكلام على أول هذا الحديث، حديث أبي زيد بن ثابت بن الضحاك ﵁، وهو أن من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال: والثاني أن من قتل نفسه بشيء عذب به في جهنم يعني إذا قتل الإنسان نفسه بشيء فإنه يعذب به في جهنم رجل أكل سما ليموت فمات فإنه يتحسى هذا السم في جهنم خالدا مخلدا فيها والعياذ بالله صعد إلى السقف فأسقط نفسه حتى هلك فإنه يعذب بمثل ذلك في جهنم قتل نفسه بسكين فإنه يعذب بها في جهنم قتل نفسه بعصاة فإنه يعذب بها في جهنم قتل نفسه بقنابل فإنه يعذب بها في جهنم ومن ذلك فعل بعض الناس الذين ينتحرون يلبس الإنسان قنابل يحزمها على بطنه ثم يذهب إلي فئة من العدو ويطلقها فيكون هو أول من يموت هذا يعتبر قاتلا لنفسه ويعذب بما قتل به نفسه في جهنم والعياذ بالله وهؤلاء يطلقون على أنفسهم الفدائيين ولكنهم قتلوا أنفسهم فيعذبون في نار جهنم بما قتلوا به أنفسهم وليسوا بشهداء لأنهم فعلوا فعلا محرما والشهيد هو الذي يتقرب إلى الله تعالى بفعل ما أمره الله به لا بفعل ما نهاه عنه والله ﷿ يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ويقول: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ لكننا نقول هؤلاء الذين","vol":"6","page":194},{"text":"نسمع عنهم يفعلون ذلك نرجو ألا يعذبوا لأنهم جاهلون متأولون لكنهم ليس لهم أجر وليسوا بشهداء لأنهم فعلوا ما لم يأذن به الله بل ما نهى الله عنه فإن قال قائل: أليس الصحابة يغامرون فيدخلون صف الأعداء من الروم وغير الروم، قلنا بلى لكن هل هذا قتل لأنفسهم، ليس بقتل صحيح أنهم على خطر لكن فيه احتمال النجاة ولهذا يدخلون صفوف الروم فيقتلون من شاء الله ثم يرجعون إلى الجيش وكذلك ما فعله البراء بن مالك ﵁ في وقعة اليمامة فإنهم لما وصلوا إلى حائط مسيلمة الكذاب وجدوا الباب مغلقا ولم يتمكنوا من دخوله وكان البراء بن مالك ﵁ أخا أنس بن مالك كان شجاعا فطلب من الجيش أن يلقوه من وراء الجدار ليفتح لهم الباب فألقوه من وراء الجدار من أجل أن يفتح لهم الباب ففعلوا حتى يدخلوا على مسيلمة الكذاب وفعلا فتح لهم الباب ونجا فلا يمكن أن نستدل بمثل هذه الوقائع على جواز الانتحار الذي يفعله هؤلاء من سلطان ولكن نقول نرجو من الله ﷿ أن لا يأخذهم بما صنعوا لأنهم صنعوا ذلك عن جهل وحسن نية فمن قتل نفسه بشيء فإنه يعذب به في نار جهنم واعلم أنه قد ورد فيمن قتل نفسه بشيء أنه يعذب به في جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا فذكر التأبيد فهل يعني ذلك أنه كافر؟ لأنه لا يستحق الخلود المؤبد إلا الكفار الجواب: لا ليس بكافر؟ بل يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له بالمغفرة كما فعل النبي ﷺ في الرجل الذي قتل نفسه بمشاقص؟ فقدم إلى","vol":"6","page":195},{"text":"الرسول ﷺ ليصلي عليه لكنه لم يصل عليه وقال صلوا عليه فصلوا عليه بأمر الرسول ﷺ وهذا يدل على أنه ليس بكافر وحينئذ لا يستحق الخلود المؤبد فما ذكر في الحديث من ذكر التأبيد وإن كانت اللفظة محفوظة عن النبي ﷺ فالمراد شدة التهديد والتنفير من هذا العمل؟ وإلا فليس بكافر","vol":"6","page":196},{"text":"الجملة الثالثة أن لعن المؤمن كقتله يعني إذا قلت للمؤمن: لعنك الله فكأنما قتلته لأن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله ومن طرد وأبعد عن رحمة الله صار كالمقتول الذي عدم الحياة الدنيا فإن ذلك المطرود المبعد عن","vol":"6","page":198},{"text":"رحمة الله حرم حياة الآخرة والقتل يحرم به المقتول من الحياة الدنيا واعلم أن لعن المؤمن من كبائر الذنوب وأنه لا يحل وأن من لعن مؤمنا فإن اللعنة تذهب إلى الملعون إن كان أهلا لها فقد استحقها وإن لم يكن أهلا لها رجعت إلى قائلها - والعياذ بالله - فصار هو الملعون المطرود عن رحمة الله والله الموفق.\n١٥٥٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا.\nرواه مسلم\n١٥٥٣ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة رواه مسلم:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق الكلام على أول حديث أبي زيد ثابت بن الضحاك ﵁ وبقي فيه جملة تركناها وهي قول ﷺ: ولا نذر على ابن آدم فيما لا يملك يعني الإنسان ليس عليه نذر فيما لا يملك فلو نذر قال لله علي نذر أن أتصدق بمال فلان - فهذا لغو ولا ينعقد النذر لأن مال فلان ليس ملكا له وليعلم أن النذر مكروه نهى عنه النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء وإنما يستخرج به من البخيل وكثير من الناس يكون عنده مريض أو يضيع له مال فينذر إن شفى الله مريضه أن يصوم أو يحج أو يتصدق أو يعتمر أو يفعل شيئا من الطاعات ثم إذا قدر الله الشفاء ذهب يسأل العلماء يريد أن يتخلص مما نذر وربما يكسل ويترك ما نذر وهذا خطر خطر عظيم إذا نذرت لله تعالى شيئا على شيء يحققه الله لك ثم تحقق فلم توف فإن هذا خطر عظيم يؤكده قوله تعالى: ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به فلم يتصدقوا ﴿وتولوا وهم معرضون﴾ فلم يكونوا من الصالحين ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ يعني ألقى الله في قلوبهم النفاق إلى الموت والعياذ بالله وهذا وعيد شديد ولذلك نهى النبي ﷺ عن النذر لأن الإنسان يوجب على نفسه ما هو في غنى عنه وما هو في سعة منه وإذا أردت أن يشفي الله مريضك أو أن يرد مالك فاسأل الله: اللهم اشف مريضي اللهم رد علي مالي ليس هناك طريق يعني لم تنسد الطرق إلا بالنذر وعلى كل حال قال أهل العلم ﵏: إن النذر أقسام: النذر الأول: نذر الطاعة أن ينذر الإنسان أن يصلي أو يصوم أو يتصدق أو يحج أو يعتمر فهذا يجب الوفاء به لقول النبي ﷺ: من نذر أن يطيع الله فليطعه وسواء كان معلقا على شرط أو غير معلق الثاني: نذر المعصية فهذا لا يجوز الوفاء به مثل أن ينذر الإنسان أن لا يكلم فلانا وفلانا من المؤمنين الذين لا يهجرون لكن صارت بينه وبينه عداوة يعني سوء تفاهم قال: لله علي نذر ما أكلم فلانا أو لله علي نذر ما أزور أخي قريبي أو ما أشبه ذلك هذه معصية حرام ولا يجوز الوفاء بهذا النذر لقول النبي ﷺ: من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولكن ماذا يكون يجب عليه أن يكفر كفارة اليمين الثالث: ما يسمى عند العلماء بنذر اللجاج والغضب وهو الذي يقصد به الإنسان المنع أو الحث أو التصديق أو التكذيب مثل أن يقول لله علي نذر أن لا أفعل كذا وكذا يحملها على ذلك أنه يريد الامتناع ما أراد النذر لكن أراد معنى النذر فهذا يخير بين فعله إن كان فعلا أو تركه إن كان تركا وبين كفارة اليمين مثاله أن يقول لله علي نذر لا ألبس هذا الثوب نقول أنت الآن بالخيار إن شئت تلبسه وكفر كفارة اليمين وإن شئت لا تلبسه ولا كفارة عليك القسم الرابع النذر المطلق يعني ليس في شيء محدد قال الإنسان لله علي نذر فقط فهذا عليه كفارة يمين لقول النبي ﷺ كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين والحاصل أنه لا ينبغي للإنسان أن ينذر الخير يأتي بدون نذر والقضاء لا يرد بالنذر كما قال النبي ﷺ: إنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء وكم من أناس الآن يسألون يقول مثلا بعضهم نذرت إن شفى الله مريضي لأصومن شهرين متتابعين نقول من حثك على هذا إن شفى الله مريضه لزمه أن يصوم شهرين متتابعين بعض الناس يقول نذرت إن شفى الله مريضي أن أذبح سبعا من الإبل أعوذ بالله إن شف الله مريضه لزمه أن يذبح سبعا من الإبل ويتصدق بها ولا يأكل منها شيئا نذر إن رد الله غائبه فإنه يذبح شاة ما الداعي لكن لو رد الله غائبه وجب عليه أن يذبح شاة ويتصدق بها ولا يأكل منها شيئا فاترك النذر لكن إذا نذرت طاعة وجب عليك أن تفي بما نذرت والله الموفق\n١٥٥٤ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار رواه أبو داود والترمذي وقالا حديث حسن صحيح\n١٥٥٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n١٥٥٦ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يمينا شمالا فإذا","vol":"6","page":199},{"text":"لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن فإن كان أهلا لذلك وإلا رجعت إلى قائلها رواه أبو داود\n١٥٥٧ - وعن عمران بن الحصين ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: خذوا ما عليها ودعوها، فإنها ملعونة قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد رواه مسلم\n١٥٥٨ - وعن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي ﵁ قال: بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم إذ بصرت بالنبي ﷺ وتضايق بهم الجبل فقالت: حل اللهم العنها فقال النبي ﷺ: لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة رواه مسلم قوله: حل بفتح الحاء المهملة، وإسكان اللام وهي كلمة لزجر الإبل واعلم أن هذا الحديث قد يستشكل معناه ولا إشكال فيه بل المراد النهي أن تصاحبهم تلك الناقة وليس فيه نهي عن بيعها وذبحها وركوبها","vol":"6","page":200},{"text":"في غير صحبة النبي ﷺ بل كل ذلك وما سواه من التصرفات جائز لا منع منه إلا من مصاحبته ﷺ بها لأن هذه التصرفات كلها كانت جائزة فمنع بعض منها فبقي الباقي على ما كان والله أعلم:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أحاديث ساقها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في التحذير من اللعن فمنها حديث سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار يعني لا يلعن بعضكم بعضا بلعنة الله فيقول لصاحبه لعنك الله ولا بغضبه فيقول غضب الله عليك ولا بالنار فيقول أدخلك الله النار كل هذا حذر منه النبي ﷺ لأنه قد يقال لمن لا يستحقه وكذلك أيضا أن النبي ﷺ قال: ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء وهذا يدل على أن هذه الأمور نقص في الإيمان وأنها تسلب عن المؤمن حقيقة الإيمان وكمال الإيمان فلا يكون طعانا يطعن في الناس بأنسابهم أو بأعراضهم أو بشكلهم وهيئاتهم أو بآمالهم ولا باللعان الذي ليس له هم إلا اللعنة قل كلمة لعنك الله قل كذا لعنك الله لماذا تقول كذا أو يقول لأولاده: لعنكم الله هاتوا هذا أو ما أشبه ذلك فالمؤمن ليس باللعان ولا بالفاحش الذي يفحش في كلامه بصراخ أو نحو ذلك ولا بالبذيء الذي يعتدي على غيره فالمؤمن مؤمن","vol":"6","page":201},{"text":"مسالم ليس عنده فحش في قوله ولا في فعله ولا غير ذلك لأنه مؤمن وكذلك حديث اللعنة أن الإنسان إذا لعن شخصا أو شيئا من الأشياء صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء الأولى ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبواب الأرض دونها ثم تذهب يمينا وشمالا ثم ترجع إلى الذي لعن فإن كان أهلا لها فقد استحقها وإلا رجعت إلى قائلها وهذا وعيد شديد على من لعن من ليس أهلا للعن فإن اللعنة تتحول في السماء والأرض واليمين والشمال ثم ترجع في النهاية إلى قائلها إذا لم يكن الملعون أهلا لها ثم ذكر حديث عمران بن حصين امرأة كانت على بعير لها فضجرت منها وتعبت وسأمت ولعنتها قالت: لعنك الله فسمع ذلك النبي ﷺ فأمر أن يأخذ ما عليها من الرحل والمتاع وتعرى يعني البعير ثم تصرف قال: فلقد رأيتها في الناس لا يتعرض لها أحد لأن النبي ﷺ أمر أن تصرف وهذا من باب التعزيز تعزيز هذه المرأة أن تلعن دابة لا تستحق اللعن ولهذا قال لا تصحبنا دابة ملعونة لأن هذه المرأة لعنتها والملعون لا ينبغي أن يستعمل فلذلك نهى النبي ﷺ عنها وتركها فيكون هذا تعذيرا للمرأة التي لعنت هذه الدابة وهي لا تستحق والله الموفق","vol":"6","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين</span>\nقال الله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ وقال تعالى: ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله الواصلة والمستوصلة وأنه قال لعن الله آكل الربا وأنه لعن المصورين وأنه قال لعن الله من غير منار الأرض أي حدودها وأنه قال: لعن الله السارق يسرق البيضة وأنة قال: لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله وأنه قال: من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وأنه قال: اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصوا الله ورسوله وهذه ثلاث قبائل من العرب وأنه قال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال وجميع هذه الألفاظ في الصحيح بعضها في صحيحي البخاري ومسلم وبعضها في أحدهما وإنما قصدت الاختصار بالإشارة إليها وسأذكر معظمها في أبواب من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) تحريم لعن المعين وأنه لا يجوز أن تلعن شخصا معينا ولو كان كافرا مادام حيا لأنك لا تدري فلعل الله أن يهديه ﷿ فيعود إلى الإسلام إن كان مرتدا أو يسلم إن كان كافرا أصليا ذكر بعد ذلك ﵀ بابا في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين لأن هناك فرقا بين المعين وبين العام فيجوز أن تلعن أصحاب المعاصي على سبيل العموم إذا كان ذلك لا يخص شخصا بعينة ثم استدل ﵀ بآيات وأحاديث منها قول الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين وقوله ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ وعلى هذا فيجوز أن تقول: اللهم العن الظالمين على سبيل العموم ما هو شخص واحد معين فيشمل كل ظالم وكذلك ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن","vol":"6","page":203},{"text":"الواصلة والمستوصلة وهذا في النساء الواصلة التي تصل الشعر بشعر آخر حتى يرى شعرها وكأنه طويل أو كأنه ثخين يعني منتشر والمستوصلة التي تطلب من يصل هذا فهاتان امرأتان ملعونتان على لسان الرسول ﷺ الواصلة والمستوصلة لكن لو رأيت امرأة معينة تصل امرأة أخرى معينة تطلب من يصل شعر رأسها فلا يجوز أن تلعن هذه المعينة لا يجوز مثل أننا نشهد لكل من قتل شهيدا أنه في الجنة كذا عموما لكن لو قتل الإنسان في المعركة في جهاد في سبيل الله لا نقول هذا الرجل شهيد بعلم أو نشهد أنه في الجنة لأن الشهادة في الجنة لها شأن آخر وكذلك لعن المعين له شأن آخر وضرب المؤلف ﵀ أمثلة لذلك منها: لعن الله من غير منار الأرض يعني حدودها وذلك في الجيران إذا كان الإنسان مثلا له جار في الأرض فغير مراسم الحدود أدخل شيئا من أرض جاره إلى أرضه فهذا ملعون على لسان النبي ﷺ وهو مع كونه ملعونا والعياذ بالله سوف يكلف يوم القيامة بأن يحمل ما أدخل من أرض جاره يحمله على عنقه من سبع أرضين قال ﷺ: من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه يوم القيامة من سبع أرضيين نسأل الله العافية ونعوذ بالله من الخزي والعار يأتي يوم القيامة بين العالم يحمل ما أدخله من أراضي غيره من سبع أرضيين وكذلك أيضا لعن النبي ﷺ من لعن والديه إذا إنسان قال لوالده لأمه أو لأبيه لعنك الله أو لعنك الله أو عليك لعنة الله فإنه مستحق للعنة الله لأن الوالدين حقهما البر والإحسان ولين القول","vol":"6","page":204},{"text":"فإذا لعنهما والعياذ بالله استحق اللعنة قال النبي ﷺ: لعن الله من لعن والديه فيجوز أن تقول اللهم العن من لعن والديه وكذلك المصورون فيمكن أن تقول اللهم العن كل مصور لأن النبي ﷺ لعن المصورين وهكذا الأحاديث التي ذكرها المؤلف فيفرق بين العام والخاص العام لا يخص أحدا بعينه والخاص هو أن يخص أحدا بعينه فتخصيص أحد بعينه باللعن هذا حرام ولا يجوز أما على سبيل العموم فلا بأس ويأتي إن شاء الله الكلام على بقية الأحاديث التي مثل بها المؤلف والله أعلم وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله الواصلة والمستوصلة وأنه قال: لعن الله آكل الربا وأنه لعن المصورين:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي عقدها المؤلف ﵀ لبيان جواز لعن أهل المعاصي غير المعينين وقد سبق في الباب الذي قبله أنه لا يجوز لعن المعين ولو كان كافرا أما غير المعين بأن يلعن الإنسان من اتصف بهذه الصفة فهذا لا بأس به فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن الواصلة والمستوصلة الواصلة هي التي تصل الشعر والمستوصلة هي التي تطلب من يصله يعني بأن المرأة يكون رأسها قصيرا وشعرها قليلا فتضيف إلى رأسها شيئا من الشعر لأجل أن يكون طويلا عندما يراه الناس وكثيفا فلعن النبي ﷺ من فعل ذلك وبعض الأحاديث حتى ولو كان شعرها قليلا جدا فإنه لا يجوز لها ذلك ومن هذا ما يسمى بالباروكة فأن بعض علمائنا المحققين قالوا إن لبس","vol":"6","page":205},{"text":"الباروكة من الوصل وأن التي تلبس الباروكة ولو للتجمل ملعونة والعياذ بالله وهل يلحق بذلك ما يسمى بالعدسات الملونة التي تلبسها بعض النساء ربما يقال إنه يلحق بذلك لأن المرأة تضع شيئا يجمل عينها يجعل عينها كأنها عين إنسانة أخرى إما حمراء أو خضراء حتى سمعت بعضهم يقولون إنهم يجعلون عدسات لونها أخضر وبعضها أزرق وما أشبه ذلك فالاحتياط أن يقال إنها تلحق بذلك لأنه لا فرق بينها وبين الشعر فإن قال قائل هذه مثل الكحل لا تثبت قلنا وكذلك وصل الشعر لا يثبت ولهذا أخشى أن تكون هذه العدسات الملونة من جنس الوصل ثم إنه ثبت من الناحية الطبية أنها مضرة بالعين وإن كان ضررها لا يرى على المدى القصير لكن يرى على المدى الطويل قال: وثبت أنه لعن آكل الربا يعني وموكله لعن الرسول ﷺ في الربا خمسة آكل وهو الذي يأخذ الربا","vol":"6","page":206},{"text":"وموكله وهو الذي يعطي الربا وشاهديه وهما اللذان يشهدان به وكاتبه الذي يكتب بين المرابين كل هؤلاء ملعونون على لسان الرسول ﷺ لكن لا يجوز إذا رأيت شخصا يبيع بالربا لا يجوز أن تقول لعنك الله بل تقول على سبيل العموم لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه لأن هناك فريقا بين التعيين وبين التعميم فالتعميم لا بأس به لكن التخصيص لا يجوز وكذلك ثبت عنه أنه لعن المصورين لكن ليس كل مصور بل المراد من صور ما به روح إذا صور الإنسان ما فيه روح كالآدمي وقرد وأسد وذئب وحشرات وما أشبه ذلك إذا صورها فإنه حرام عليه لا يجوز بل هو ملعون على لسان النبي ﷺ فلك أن تقول اللهم العن المصورين لكن لا تقل العن فلانا ولو كان يصور لأنه مخصوص فالتعيين لا يجوز ثم إن الصور التي تحرم هي الصورة التي مثل التمثال يعني يصنع إنسان من العجين أو من الجبس أو من الجص أو غيرها من المواد يصنع شيئا على صورة إنسان أو حيوان فهذا حرام وأما الأشجار وشبهها فإنه لا بأس به على القول الراجح الذي عليه جمهور العلماء وأما ما يصنعه الإنسان فلا بأس به قطعا مثل أن يصور سيارة أو قطار أو ما أشبه ذلك واختلف العلماء ﵏ في التصوير الرقم يعني التصوير باللون على ورقة أو على خرقة أو ما أشبه ذلك من العلماء من قال لا بأس به واحتجوا بحديث زيد ين خالد الجهني وهو أن الرسول ﷺ قال: إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة إلا","vol":"6","page":207},{"text":"رقما في ثوب فقالوا: إلا رقما في ثوب هذه الصورة التي ترسم باليد على ورقة أو على ثوب وما أشبه ذلك لكن الصحيح أنه لا يجوز حتى الرقم في الثوب أو في الورقة لا يجوز أن تصور صورة بيدك وأما الصورة بالآلة الفوتوغرافية الفورية فهذه ليست من التصوير في شيء ولا تدخل في قول الرسول ﷺ كل مصور في النار لأنك لم تصور في الواقع فأنت لم تخط الوجه ولا العين ولا الأنف ولا الفم وإنما سلطت ضوء معينا إذا قابله جسم انطبع في الورق دون أن ترسم العين والأنف والشفاه وما أشبه هذا فليس هذا بتصوير وليس هذا بتخصيص للمصور بالآلة ويدل على ذلك دلالة واضحة يتبين بها الأمر أنك لو كتبت رسالة إلى إنسان بقلمك بيدك ثم أدخلتها في الآلة المصورة وخرجت الصور هل هي صورة الذي حرك الآلة أو هي صورة الكتاب الذي كتبه الأول؟ الجواب الثاني بلا شك ولهذا يمكن أن نحرك هذه الآلة آلة التصوير ويمكن أن يحركها رجل أعمى فليس هذا من فعله إنما يقال هذا الذي صور صورة فوتوغرافية: إن كانت لمقصد حرام صارت حراما من باب تحريم الوسائل وإن كانت لمقصد جائز فهي جائزة ولا يقال إن المصور في النار ولذلك يجب أن يفرق الشخص بين التصوير وبين استعمال التصوير كما فرق بين ذلك أهل العلم ففي عبارة زاد المستقنع، كتاب الفقه المعروف قال يحرم التصوير واستعماله ففرق بين التصوير واستعماله فنحن نقول هذه الصورة الفوتوغرافة لا تدخل في لفظ حديث التصوير لكن إذا صورها الإنسان ليستخدمها على وجه محرم صارت حراما من باب تحريم الوسائل هؤلاء ثلاثة لعنهم الرسول ﷺ:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n الأول: الواصلة والمستوصلة والثاني: آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه والثالث: المصورون وسيأتي إن شاء الله بقية ما ذكره المؤلف ﵀ ثبت أن النبي ﷺ قال: لعن الله من غير منار الأرض أي حدودها وأنه قال: لعن الله السارق يسرق البيضة وأنه قال: لعن الله من لعن والديه:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب عقده النووي ﵀ في رياض الصالحين يبين به أن اللعن الذي ليس على معين لا بأس به وذكر أمثلة من ذلك سبق منها ثلاثة واليوم نأخذ ثلاثة أيضا منها أن النبي ﷺ لعن من غير منار الأرض يعني حدودها مثل أن يكون الإنسان له جار فيأتي الإنسان فيدخل من أرض جاره على أرضه فيوسع أرضه ويضيق أرض جاره فهذا ملعون لعنه النبي ﷺ وقد ثبت عنه ﷺ: أن من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله به يوم القيامة من سبع","vol":"6","page":208},{"text":"أرضين وإذا كان هذا فيمن غير حدود الأرض يعني المراسيم فكيف بمن أخذ الأرض كلها واجتاحها والعياذ بالله فهو أولى باللعن والطرد عن رحمة الله كما يوجد أناس يعتدون على أراضي غيرهم يأخذونها بالباطل ويدعون أنها لهم وربما يأتون بشهود زور يشهدون لهم فيحكم لهم بذلك فيدخلون في اللعن ويوم القيامة يأتون بها مطوقين بها في أعناقهم نسأل الله العافية أمام عباد الله ومن ذلك أن النبي ﷺ لعن السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده والسارق هو الذي يأخذ المال بخفية من حرز مثله مثل أن يأتي بالليل أو في غفلة الناس فيفتح الأبواب ويسرق هذا السارق إذا سرق نصابا وهو ربع دينار أو ما يساويه من الدراهم أو المتاع فإنها تقطع يده يده اليمنى من مفصل الكف لقول الله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكلا من الله والله عزيز حكيم ولا فرق بين أن يكون السارق شريفا أو وضيعا أو ذكرا أو أنثى لأن النبي ﷺ أمر بقطع يد المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع فتجحده فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها فأهم قريشا ذلك وطلبوا من يشفع لها إلى الرسول ﷺ فطلبوا من أسامة بن زيد أن يشفع برفع العقوبة عنها فاختطب النبي ﷺ وقال: إنما أهلك من قبلكم أنهم","vol":"6","page":209},{"text":"كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها فأقسم ﵊ أنه لو سرقت ابنته فاطمة أشرف النساء نسبا لقطع يدها ولكن هذا الحديث الذي أشار إليه النووي ﵀ في رياض الصالحين يقول يسرق البيضة والبيضة لا تبلغ نصاب السرقة لأن نصاب السرقة ربع دينار فكيف قال يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده قال بعض العلماء إن المراد بالبيضة هنا بيضة الرأس الذي يجعلها الإنسان عند القتال على رأسه تقيه السهام وهي مثمنة تساوي ربع دينار أو أكثر والمراد بالحبل حبل السفن الذي تربط به في المرسى حتى لا تأخذها الأمواج وهو أيضا ذو قيمة وقال بعض العلماء المراد بالبيضة بيضة الدجاجة لأن النبي ﷺ أطلقها والبيضة عند الإطلاق لا يفهم منها إلا بيضة الدجاجة والحبل هو الحبل الذي يربط به الحطب وما أشبه ذلك ولكن الرسول ﷺ قال: تقطع يده لأنه إذا اعتاد سرقة الصغير تجرأ على سرقة الغالي والمثمن فقطعت يده وهذا أقرب إلى الصواب أن السارق والعياذ بالله إذا سرق الشيء اليسير تجرأ فسرق الشيء الكبير فتقطع يده الثالث: قال إن النبي ﷺ لعن من لعن والديه سواء كانت الأم أو الأب يقول لأبيه لعنة الله عليك أو لأمه ولكن الصحابة قالوا يا رسول","vol":"6","page":210},{"text":"الله أيلعن الرجل والديه هذا أمر لا يمكن قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه يعني يتنازع اثنان فيقول أحدهما للآخر لعن الله والديك فيقول الثاني بل أنت لعن الله والديك فلما كان هو السبب في أن يلعن الآخر والديه أعطى حكم من لعن والديه مباشرة فهذان الشخصان لعنهما الرسول ﷺ ولكن هل يمكن أن تأتي لشخص معين غير حدود الأرض تقول لعنك الله الجواب لا لا يجوز أن تلعنه وهو معين أو سمعت إنسانا يلعن والديه تقول لعنك الله لا يصح هذا حرام لكن تقول له اتق الله فإن الرسول ﷺ لعن من غير منار الأرض وتقول للثاني السارق اتق الله فإن الرسول ﷺ لعن السارق يسرق البيضة ويسرق الحبل وتقول للثالث اتق الله لا تلعن والديك ولا تكن سببا في لعنهما فإن النبي ﷺ لعن من لعن والديه أما أن تنص عليه فتقول لعنك الله أو أنت ملعون فهذا حرام ولا يجوز لأنه فرق بين العام وبين الخاص والله الموفق\nولعن الله من ذبح لغير الله وأنه قال: من أحدث فيها حدثا أو","vol":"6","page":211},{"text":"آوى محدثا فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين وأنه قال: اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصوا الله ورسوله وهذه ثلاث قبائل من العرب:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هؤلاء ثلاثة أنواع ممن يجوز لعنهم على سبيل العموم وقد سبق أنه لا يجوز لعن المعين ولو كان كافر لأنه لا يجوز أن تقول اللهم العن فلانا وإن كان كافر لكن على العموم وزدت أحاديث في أصناف متعددة سبق منها ما سبق ويلحق منها ما يلحق إن شاء الله ومن ذلك قول النبي ﷺ: لعن الله من ذبح لغير الله لعن الله من ذبح لغير الله وذلك أن الذبح لغير الله شرك لأنه عبادة والعبادة إذا صرفها الإنسان لغير الله كان مشركا قال الله تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وقال تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ فأمر بالصلاة وأمر بالنحر وأن ذلك لله ﷿ فكما أن من صلى لغير الله فهو مشرك فمن ذبح لغير الله فهو مشرك وهذا إذا وقع الذبح عبادة وتقربا وتعظيما أما إذا وقع الذبح لغير الله على سبيل الإكرام كإكرام الضيف مثلا لو نزل بك ضيف فذبحت له ذبيحة من أجل أن تقدمها له ليأكلها فلا بأس بل هذا مما يؤمر به لقول النبي","vol":"6","page":212},{"text":"ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيقه وإذا كان من إكرام الضيف أن تذبح له ذبيحة إكراما لقدومه فهذا مما يؤمر به وتارة يذبح لغير الله يعني لقصد الأكل إنسان يريد أن يأكل لحما فذبح ذبيحة يريد بها الأكل هذا أيضا ليس بشرك هذا أمر عادي يأكل الإنسان طعاما لكن الشرك إذا ذبحه تعبدا وتقربا وتعظيما مثل ما يفعل بعض الناس لملوكهم أو رؤسائهم أو علمائهم إذا أقبل ذبحوا الذبيحة بوجهه إكراما وتعظيما هذا شرك أكبر مخرج من الملة وهذا مع كونه شركا حرم الله على فاعله الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار هو أيضا ملعون فاعله كما قال النبي ﷺ: لعن الله من ذبح لغير الله ومن ذلك أيضا ما ذكره بقوله: من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين من أحدث فيها أي في المدينة حدثا أو آوى محدثا، والحدث هنا يراد به شيئا، الأول: البدعة فمن ابتدع فيها بدعة فقد أحدث فيها لقول النبي ﷺ: كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة فمن أحدث فيها حدثا أي ابتدع في دين الله ما لم يشرعه الله في المدينة فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين يعني استحق أن يلعنه كل لاعن والعياذ بالله لأن المدينة مدينة السنة مدينة النبوة فكيف يحدث فيها حدث مضاد لسنة الرسول ﷺ والنوع الثاني من الحدث الفتنة أن يحدث فيها فتنة بين المسلمين سواء أدت إلى إراقة الدماء أو إلى ما دون ذلك من العداوة والبغضاء والتشتت فإن من أحدث هذا الحدث فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين أما من أحدث","vol":"6","page":213},{"text":"معصية عصى الله فيها في المدينة فإنه لا ينطبق عليه هذا الوعيد بل يقال إن السيئة في المدينة أعظم من السيئة فيما دونها ولكن صاحبها لا يستحق اللعن الذي يستحق اللعن هو الذي أحدث فيها واحدا من أمرين إما بدعة وإما فتنة هذا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين الثالث اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصوا الله ورسوله هؤلاء قبائل من العرب حصل منهم عدوان على أصحاب النبي ﷺ فدعا عليهم الرسول ﷺ باللعنة اللهم العنهم ولم يلعن شخصا معينا بل لعن القبيلة كلها والمراد من حدث منهم هذا الحدث وهو الاعتداء على أصحاب رسول الله ﷺ ولا أظن أن من لم يفعل ذلك تلحقه هذه اللعنة لقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ والله الموفق وأنه قال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال وجميع هذه الألفاظ في الصحيح بعضها في صحيحي البخاري ومسلم، وبعضها في أحدهما وإنما قصدت الاختصار بالإشارة إليها وسأذكر معظمها في أبوابها من هذا الكتاب إن شاء الله:","vol":"6","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ بقية الأصناف التي يجوز الدعاء عليهم على سبيل العموم منها قوله ﷺ: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد اليهود هم أتباع موسى والنصارى هم أتباع عيسى لكن بعد أن بعث النبي ﷺ وعرفوه ولم يؤمنوا به كان حكمهم سواء في أنهم مغضوب عليهم لأنهم تركوا الحق مع علمهم به والعياذ بالله وبين النبي ﷺ سبب لعنه إياهم في قوله: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يعني أنهم يبنون المساجد على قبور أنبيائهم ويصلون فيها فهذا من فعله فهو ملعون على لسان النبي ﷺ إن كان من اليهود أو من النصارى أو ممن يدعي أنه مسلم فإنه ملعون على لسان رسول الله ﷺ وإذا بني المسجد على القبر ولو صلى الإنسان فيه لله ﷿ لا لصاحب القبر فإن صلاته باطلة محرمة يجب عليه إعادتها وهذا المسجد الذي بني يجب هدمه ولا يجوز الصلاة فيه أما لو كان المسجد قائما ثم دفن به أحد من الصالحين أو من الأمراء أو من الوزراء أو من الرؤساء فإنه يجب أن ينبش القبر وأن يدفن في المكان الذي تدفن فيه الناس ولا يجوز إبقاؤه لأن المساجد لم تبن ليقبر فيها إنما بنيت للصلاة وذكر الله وقراءة القرآن وإذا شككنا هل بني المسجد أولا ودفن فيه الميت أم دفن الميت ثم بني عليه المسجد؟ فالاحتياط ألا يصلى فيه لله وأن يبتعد عنه لئلا يعرض صلاته للخطر فإن قال قائل ما الجواب عن هذا الحديث في قصة قبر النبي ﷺ فإنه","vol":"6","page":215},{"text":"الآن في المسجد فالجواب أن يقال إن النبي ﷺ لم يدفن في المسجد وإنما دفن في بيته ولم يبن عليه المسجد بل كان يمثل قائمة الأول ولكنهم احتاجوا لزيادته فزادوه من هذا الجانب أي من الجانب الذي يرتاده مستقبل القبلة وكأنهم والله أعلم في ذلك الوقت لم يتيسر لهم مكان سوى هذا فوسعوا من قبله فبقى القبر في مقصورة في البيت منفصلا عن المسجد بينه وبينه جدار ثم بعد أن شاء الله ﷿ أن يسلط رجلين يريدان أن يستخرجا بدن رسول الله ﷺ ليحرقاه أو يجعلاه في متحف أو ما لا ندري وذلك أن أحد الخلفاء جاءه آت في الليل وقال له أدرك رسول الله ﷺ من الرجلين الأصغرين يعني في عيونهما صغرة فجاءه مرة ومرتين وثلاثة ففزع الخليفة ثم ارتحل من بلده إلى المدينة فزعا مسرعا فلما وصل المدينة أمر أن تصنع وليمة عظيمة طعام وقال لواليه على المدينة ادع لي جميع أهل المدينة فدعاهم وهذا الخليفة ينظر في الحاضرين فلم يجد الوصف الذي ذكر له في المنام ثم أمر أن يدعو مرة ثانية وثالثة ولم ير الرجلين فقال لواليه على المدينة لماذا لم تدع أهل المدينة؟ قال: كلهم دعوتهم لم يبق إلا رجلان غريبان في المسجد منذ جاءا وهما معتكفان في المسجد فقال: أحضرهما فجيء بهما على الوصف الذي قيل له في المنام فأمر أن يبحث عن حالهما فإذا هما في الليل ينقبان خندقا من أسفل الأرض وإذا هما قريبان من القبر فأمر بقتلهما ثم أمر أن يحفر القبر على جوانبه إلى أن وصل إلى الجبل ثم صبه بالرصاص وبنى عليه ثلاثة جدران فأصبح القبر منفردا تماما عن المسجد ليس في المسجد ولم يبن عليه المسجد فهذا هو الجواب عما","vol":"6","page":216},{"text":"يشك به أهل الشرك وأهل القبور من قبر النبي ﷺ أما الصنف الأخير فقال المؤلف ﵀ ولعن النبي ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والتشبه يكون بالأقوال والأفعال والهيئات واللباس فتجد الرجل يتشبه بالمرأة في صوتها يحكي صوت المرأة ويتكلم وكأنه امرأة هذا ملعون على لسان النبي ﷺ يتشبه بالمرأة في لباسها يلبس الثياب الذي لا يلبسه إلا النساء ومن ذلك أن يضع الباروكة على رأسه كأنه امرأة ومن ذلك أيضا أن يلبس اللباس الخاص بالنساء في الساعات لأن النساء لهن ساعات خاصة وللرجال ساعات خاصة فيلبس الرجال ساعة المرأة وأما الهيئة فأن يضع المكياج ويتورك وإذا قام يمشي كأنه امرأة هذا أيضا ملعون على لسان النبي ﷺ فالمهم أن تشبه الرجال بالمرأة من كبائر الذنوب وتشبه المرأة بالرجل كذلك من كبائر الذنوب بأن تتشبه به في القول أي في الكلام تتكلم كما يتكلم الرجال في ضخامة الصوت ونبراته أو تجعل رأسها كرأس الرجل تقصه حتى يرتفع عن الكتفين أو كذلك تلبس من الثياب والساعات لباس الرجل فكل هذا من كبائر الذنوب والمرأة إذا فعلت ذلك فإنها ملعونة على لسان النبي ﷺ ولكن هل إذا رأينا رجلا معينا متشبها بامرأة هل نقول لعنك الله؟ لا ما نقول لعنك الله نعظه ونقول إن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء وكذلك المرأة لأن لعن المعين لا يجوز حتى لو كان كافرا فكيف إذا كان فاسقا؟ فإنه لا يجوز لعنه لكن تقول من تشبه من الرجال بالنساء فهو ملعون ومن تشبه من النساء بالرجال فهي ملعونة هكذا على سبيل العموم والله الموفق","vol":"6","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>باب تحريم سب المسلم بغير حق</span>\nقال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾\n١٥٥٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر متفق عليه:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه: رياض الصالحين باب تحريم سباب المسلم بغير حق سبه يعني عيبه ووصفه بما يكره لكن في حضوره أما إذا كان في غيبته فهو غيبة ثم ذكر المؤلف ﵀ قول الله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا الذين مبتدأ فقد احتملوا خبره المعنى أن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسب المؤمن والمؤمنة اللذين أوذيا فقد احتملوا بهتانا أي كذبا وإثما مبينا أي عقوبة والعياذ بالله وهذا يشمل كل أذية سواء كان في القول أو في الفعل وكلما كان الإنسان أحق بالإكرام كانت أذيته أعظم وأكبر إثما فأذية القريب ليست كأذية البعيد وأذية الجار ليست كأذية غير الجار وأذية من له حق عليك ليست كأذية من لا حق له عليك المهم أن الأذية تتفاوت","vol":"6","page":218},{"text":"أثمها وجرمها بحسب المؤذي والعجب أن كثيرا من المسلمين اليوم يؤذون جيرانهم بالمضايقات والاطلاع على عوراتهم وغير ذلك وهذا من أعظم ما يكون من الإثم قال النبي ﷺ والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن - ثلاث مرات - قالوا من يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه يعني ظلمه وغشمه وقوله تعالى: ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ يفهم منها أنه إذا أوذي المؤمن بما اكتسب فليس في ذلك بأس يعني لو آذيت إنسانا ردا على فعل له آذاك فأذيته فلا بأس أو آذى إنسانا لإقامة حد لله ﷿ أو آذى لأداء حق عليه أبى أن يقوم به فلا بأس بل قد أمر الله تعالى باللذين يأتيان الفاحشة فقال: ﴿واللذان يأتيانها منكم فئاذوهما﴾ فأمر بإيذائهما ﴿تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ وهذا قبل أن يشرع قتل الفاعل والمفعول به في اللواط كان اللوطي في الأول لا يجلد ولا يقتل لكن يؤذى حتى يتوب ثم أمر الله تعالى بقتل الفاعل والمفعول به على لسان نبيه ﷺ وأجمع الصحابة على ذلك ثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وهذا يدل على أن الفسق أهون من الكفر لأنه جعل السب فسوقا وجعل القتل كفرا المقاتلة جعلها كفرا فعلى هذا إذا سب المسلم أخاه صار هذا الساب فاسقا لا تقبل شهادته ولا يجعل له ولاية ولا على بنته لا يزوج ولا ابنته لأنه صار فاسقا ولا يصح أن يكون إماما للمسلمين، ولا","vol":"6","page":219},{"text":"يصح أن يكون مؤذنا هكذا قال كثير من العلماء ﵏ وفي بعض المسائل هذه خلاف لكن المهم أن من سب أخاه فإنه يفسق أما من قاتله فإنه يكفر إن استحل المقاتلة بغير حق فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة وإن لم يستحلها ولكن لهوى في نفسه فإن يكون كافرا لكنه كفر لا يخرج من الملة والدليل على ذلك قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ فجعل الله الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة المصلحة وهذا يدل على أنهما لا يخرجان من الإيمان لكنه كفر دون كفر والله الموفق\n١٥٦٠ - وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يرمي رجل رجلا بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك رواه البخاري\n١٥٦١ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما حتى يعتدي المظلوم رواه مسلم","vol":"6","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم سباب المسلم بغير حق عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: من دعى أخاه بكفر أو فسق عاد عليه ما لم يكن صاحبه كذلك يعني إذا قلت لإنسان أنت فاسق أو يا فاسق صرت أنت الفاسق إلا إذا كان هو كذلك وهكذا من كفر أحدا وقال أنت كافر أو يا كافر وليس كذلك صار القائل هو الكافر وفي هذا دليل على أن هذا من كبائر الذنوب لأن النبي ﷺ توعد هذا القائل أن يكون هو الذي يتصف بهذه الصفة وعلى هذا فلا يحل للإنسان أن يقول لأخيه المؤمن يا فاسق أو يقول فلان فاسق إلا إذا كان كذلك وأراد أن يحذر منه فلا بأس وكذلك لا يقول له يا كافر أو يقول فلان كافر فإنه لا يحل له ذلك ما لم يكن هكذا وفيه التحذير من تكفير المسلمين بغير دليل شرعي خلافا لما يتجاسر به بعض الناس والعياذ بالله يكفر على أدنى شيء يقول هذا كفر وهذا فسق وما أشبه ذلك وأما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما المتسابان مبتدأ ما مبتدأ ثاني فعلى البادي خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر المبتدأ الأول والمعنى أن المتسابان إذا تسابا وتشاتما بكلام سيئ فإن الإثم على البادي منهما ما قالا","vol":"6","page":221},{"text":"فعلى البادي منهما ما لم يعتد المظلوم فإن اعتدى صار عليه الإثم وفي هذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يسب صاحبه بمثل ما سبه به ولا يتعدي ولهذا لما قال النبي ﷺ: لعن الله من لعن والديه قالوا: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه فدل هذا على أن الإنسان إذا كان سببا للشر فإنه يناله من شره ما قال فعلى البادئ منه ما لم يعتد المظلوم فإن اعتدى فعليه وإن أخذ بحقه بدون زيادة فليس عليه شيء والله الموفق\n١٥٦٢ - وعنه قال أتي النبي ﷺ برجل قد شرب قال: اضربوه قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله قال: لا تقولوا هذا لا تعينوا عليه الشيطان رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه بقية الأحاديث في باب تحريم سب المسلم بغير حق وقد سبق حديثان حديث ابن مسعود وحديث أبي هريرة ﵄ في هذا الموضوع أما الحديث الثالث فهو عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل قد شرب يعني قد شرب الخمر وذلك بعد أن نزل تحريمها والخمر كل ما أسكر فهو خمر سواء كان من العنب أو من التمر أو من الشعير أو من البر أو من غير ذلك كل ما أسكر فهو خمر قال النبي ﷺ:","vol":"6","page":222},{"text":"كل مسكر خمر وكل مسكر حرام والإسكار هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب ليس مجرد تغطية العقل ولهذا البنج ليس مسكرا وإن كان يغطي العقل والمبنج لا يدري ماذا حصل له لكن الخمر نسأل الله العافية يجد الإنسان من السكر لذة وطربا ونشوى حتى يتصور أنه ملك من الملوك وأنه فوق الثريا وما أشبه ذلك كما قيل في هذا:\nونشربها فتتركنا ملوكا\nوكما قال حمزة بن عبد المطلب ﵁ لابن أخيه النبي ﷺ حين رآه النبي ﷺ سكران فتكلم معه فقال له حمزة وهو سكران هل أنتم إلا عبيد أبي وهذه كلمة بشعة لكنه سكران والسكران لا يؤاخذ بما يقول وهذا قبل أن ينزل تحريم الخمر وكان الخمر على أربع مراحل: المرحلة الأولى إباحة أن الله أباحه للعباد إباحة طيبة فقال تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا يعني تشربونه فتسكرون وتتجرون به فتحصلون رزقا المرحلة الثانية تعريض الله تعالى بتحريمه وقال تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ ولم ينه عنهما","vol":"6","page":223},{"text":"في هذه المرحلة الثانية المرحلة الثالثة قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ فنهى عن قربان الصلاة في حال السكر وهذا يقتضي أنه يباح شرب الخمر في غير أوقات الصلاة المرحلة الرابعة: التحريم البائن قال تعالى في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ فاجتنبه الناس لكن لما كانت النفوس تدعوا إليها إلى الخمر وشربها جعل لها رادع يردع الناس عن شربها وهو العقوبة ولم يقدر لها النبي ﷺ شيئا فعقوبة الشارب ليست حدا لكنها تعزير ولهذا جيء برجل شرب الخمر فقال النبي ﷺ اضربوه ولا قال أربعين ولا ثمانين ولا مائة ولا عشرة فقاموا يضربونه منه الضارب بثوبه ومنهم الضارب بيده ومنهم الضارب بنعله لكن ضربوه نحو أربعين جلدة فلما انصرفوا وانصرف الرجل قال رجل من القوم: أخزاه الله يعني أذله وفضحه فقال النبي ﷺ لا تقل هكذا لا تدع عليه بالخزي رجل شرب مسكرا وجلد وتطهر بالجلد لا تعينوا عليه الشيطان فنهاهم النبي ﷺ أن يسبوه مع أنه شارب خمر إذا ما موقفنا من شارب الخمر موقفنا أن ندعوا له بالهداية قل اللهم اهده اللهم أصلحه اللهم أبعده عن هذا وما أشبه ذلك أما أن تدعوا عليه فإنك تعين عليه الشيطان وفي هذا دليل على أن الخمر محرم وأن عليه عقوبة","vol":"6","page":224},{"text":"لكن في عهد عمر بن الخطاب ﵁ انتشرت الفتوحات ودخل في دين الإسلام أناس جدد وكثر شرب الخمر في عهده وكان ﵁ رجلا حازما ناهيك به فأراد أن يعاقب شارب الخمر بعقوبة تكون أشد وأردع إلا أنه ﵁ لورعه وتحرزه جمع الصحابة أي جمع ذوي الرأي وليس المراد كل الصحابة لأن السوقة وعامة الناس لا يصلحون لمثل هذه الأمور ولا لأمور السياسة وليس لعامة الناس أن يلوكوا ألسنتهم بسياسة ولاة الأمور السياسة لها أناس والصحون والقدور لها أناس آخرون ولو أن السياسة صارت تلاك بين ألسن عامة الناس فسدت الدنيا لأن العامي ليس عنده علم وليس عنده عقل وليس عنده تفكير وعقله وفكره لا يتجاوز قدمه ويدل لهذا قول الله تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾ ونشروه قال تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ دل هذا على أن العامة ليسوا كأولي الأمر وأولي الرأي والمشورة فليس الكلام في السياسة من المجالات العامة ومن أراد أن تكون العامة مشاركة لولاة الأمور في سياستها وفي رأيها وفكرها فقد ضل ضلالا بعيدا وخرج عن هدي الصحابة وهدي الخلفاء الراشدين وهدي سلف الأمة فالمهم أن عمر بن الخطاب لحزمه جمع ذوي الرأي من الصحابة وقال لهم ما معناه (كثر شرب الخمر) وإذا قل الوازع الديني يجب أن يقوى الرادع السلطاني يعني إذا ضعف الأمر من الناحيتين الوازع الديني والرادع السلطاني فسدت الأمة فاستشارهم ماذا يصنع فقال عبد الرحمن بن عوف يا أمير المؤمنين أخف الحدود ثمانون جلدة ارفع العقوبة إلى ثمانين جلدة ويشير ﵁ أعني عبد الرحمن إلى حد القذف فإن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم","vol":"6","page":225},{"text":"ثمانين جلده﴾ هذا أخف الحدود فرجع عمر ﵁ عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين وهذا كالنص الصريح على أن عقوبة شارب الخمر ليست حدا بل هي صريح لأنه قال: أخف الحدود ثمانين ووافقه الصحابة على هذا ولم يقل عمر ﵁: أنه ليس كذلك فرفعه عمر وجعل ذلك ثمانين جلدة من أجل أن يرتدع الناس وقد جاء في السنة أن شارب الخمر إذا شرب فجلد ثم شرب فجلد ثم شرب فجلد ثم شرب الرابعة فإنه يجب قتله هكذا جاء في السنة وأخذ بظاهره الظاهرية وقالوا شارب الخمر إذا جلد فإنه يقتل في الرابعة لأنه أصبح عنصرا فاسدا لم ينفع فيه الإصلاح والتقويم وقال جمهور العلماء لا يقتل بل يكرر عليه الجلد كلما شرب جلد وتوسط شيخ الإسلام ﵀ فقال: إذا كثر شرب الخمر في الناس ولم ينته الناس بدون القتل فإنه يقتل في الرابعة وهذا قول وسط روعي فيه الجمع بين المصلحتين مصلحة ما يدل عليه بعض النصوص الصريحة لأن عمر لم يرفع العقوبة إلى القتل مع أنه يقول إن الناس كثر شربهم وبين هذا الحديث الذي اختلفت الناس في صحته وفي بقاء حكمه هل هو منسوخ أو غير منسوخ وهل هو صحيح أو غير صحيح فعلى كل حال فالذي اختاره شيخ الإسلام هو عين الصواب أنه إذا كثر شرب الناس والخمر ولم ينته الناس بدون قتل فإنه يقتل الشارب في الرابعة وليت ولاة الأمور يعملون هذا العمل ولو عملوا هذا العمل لحصل خير","vol":"6","page":226},{"text":"كثير واندرأ شر كثير وقل شرب الناس للخمر الذي بدأ ينتشر والعياذ بالله وفي بعض البلاد الإسلامية انتشر كانتشار الشراب المباح كعصير الليمون وعصير البرتقال وما أشبه ذلك وهذا لا شك أنه مظهر غير مظهر المسلمين وأنه استباحة له في الواقع كونه يصبح منشورا بين الناس يفتح الإنسان الثلاجة ويشرب الخمر والعياذ بالله هكذا كأنه استباحه وهذا ينطبق عليه قول النبي ﷺ: ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف فإن الناس الآن تقاسموا هذه الأشياء الأربعة منهم من انتشر في شعوبهم الزنا واللواط والعياذ بالله وصار عندهم مباحا يذكر لنا أنه في بعض البلاد إذا نزلت الطائرة وإذا في المطار فتيات وفتيان يقالون للنازل ما تريد؟ جميلة غير جميلة شابة غير شابة؟ الحر يعني الزنا أو اللواط وفي بعض البلاد الخمر منتشر يباع في الأسواق ويشرب ليلا ونهارا وكأنه شراب حلال وفي بعض البلاد ولاسيما في المتوفين من رعيتهم نجد الرجل كالمرأة يلبس الحرير واللين من الثياب وربما يلبس حلي الذهب قلادة خاتم أو ما أشبه ذلك والمعازف الآن حدث ولا حرج المعازف منتشرة في غالب بلاد الإسلام إن لم أقل في كل بلاد الإسلام فقد انتشرت والعياذ بالله المعازف بجميع أنواعها فنسأل الله السلامة والهداية وأن يصلح ولاة الأمور ورعاياهم إنه على كل شيء قدير","vol":"6","page":227},{"text":"١٥٦٢ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال متفق عليه.\n١٥٦٣ - وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم سباب المسلم بغير حق.\nساق أحاديث وقبلها آية، والحديث الأخير عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال المملوك هو العبد يملكه الإنسان، والمملوك كالسلعة يباع ويشترى ويوهب، ويرهن ويوقف إلا أن أحكام الله ﷿ هو والحر عل حد سواء في غير الأمور المالية.\nوالسيد مالك للرقيق لعينه يعني رقبته ولمنافعه، فإذا قذف عبده بأن قال للعبد: يا زاني أو يا لوطي، أو ما أشبه ذلك من كلمات القذف فإنه لن يحد في الدنيا؛ لأنه سيد، والعبد مملوك، لكن يقام عليه في دار عذابها أشد والعياذ بالله وهي الدار الآخرة يقام عليه الحد يوم القيامة وعلى هذا فيكون قذف المملوك من كبائر الذنوب لأنه رتب عليه عقوبة في الآخرة وكل شيء رتب عليه عقوبة في الآخرة فإنه يكون من كبائر الذنوب، كما قال أهل العلم ﵏ في حد الكبيرة.\nوأما لو زنى المملوك حقيقة وقذفه سيده بذلك فإنه لا حد عليه لقول النبي ﷺ: إلا أن يكون كذلك يعني كما قال ولكن","vol":"6","page":228},{"text":"متى يكون كما قال؟ يكون بأن يشهد عليه أربعة.\nأربعة رجال عدول بأنه زنى ويصرحون بذكر حقيقة الوطء أو يقر هو بنفسه على نفسه فحينئذ يرتفع الحد عن السيد.\nوأعلم أن الرقيق إذا زنى فإن عليه نصف حد الحر كما قال الله ﵎: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة يعني الإماء ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ والذي يتنصف من عذاب المحصنات هو الجلد فيكون على الرقيق إذا زنى خمسون جلدة فقط قال العلماء ويسقط عنه التغريب، لأن الزاني الحر إذا زنى وهو غير محصن فإنه يجلد مائة جلدة ويطرد عن البلد عامًا كاملا أما الرقيق فأنه يجلد خمسين جلدة ولا يغرب لأن التغريب إضرار بسيده فيكون من باب تحميل الإنسان ما لم يحتمله، وللسيد أن يقيم على عبده الحد إذا زنى لقول النبي ﷺ: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها فأمر السيد أن يجلدها أما الحر فإنه لا يتولى جلده إلا الإمام أو نائبه حتى لو كان ابنك وزنى وهو بالغ عاقل فإنه لا يتولى إقامة الحد عليه إلا الإمام أو نائبه وكذلك لو زنى أخوك بعد بلوغه وهو عاقل فإنه لا يقيمه إلا الإمام أو نائبه أما السيد فيقيمه على عبده خاصة في الجلد وأما لو سرق العبد فالسرقة فيها قطع اليد ولا يتولى قطع اليد إلا الإمام أو نائبه ولهذا قال العلماء: إن السيد لا يقيم الحد على عبده إلا إذا كان الحد جلدًا والله أعلم","vol":"6","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>باب تحريم سب الأموات بغير حق أو مصلحة شرعية </span>وهو التحذير من الاقتداء به في بدعته وفسقه، ونحو ذلك، وفيه الآية والأحاديث السابقة في الباب قبله.\n١٥٦٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا رواه البخاري:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتاب (رياض الصالحين): باب تحريم سب الأموات بغير حق أو مصلحة شرعية.\nالأموات يعني الأموات من المسلمين، أما الكافر فلا حرمة له إلا إذا كان في سبه إيذاء للأحياء من أقاربه فلا يسب وأما إذا لم يكن هناك ضرر فإنه لا حرمة له وهذا هو معنى قول المؤلف ﵀: بغير حق لأننا لنا الحق أن نسب الأموات الكافرين الذين آذوا المسلمين وقاتلوهم ويحاولون أن يفسدوا عليهم دينهم.\nأو مصلحة شرعية مثل أن يكون هذا الميت صاحب بدعة ينشرها بين الناس فهنا من المصلحة أن نسبه ونحذر منه ومن طريقته لئلا يغتر الناس به.","vol":"6","page":230},{"text":"ثم استدل على ذلك بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا الأموات والأصل في النهي التحريم فلا نسب الأموات، ثم علل وقال: فإنهم أفضوا إلى ما قدموا.\nوسبكم إياهم لا يغني شيئًا لأنهم أفضوا إلى ما قدموا حين انتقلوا إلى دار الجزاء من دار العمل فكل من مات فإنه أفضى إلى ما قدم والتحق بدار الجزاء وقامت قيامته أفضى وانقطع عمله ولم يبق له حظ من العمل إطلاقا إلا ما دلت السنة عليه مثل قول النبي ﷺ: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه عما لا فائدة منه فإن هذا طريق أهل التقى فإن عباد الرحمن إذا مروا باللغو مروا كرامًا.\nوأما الزور فلا يشهدونه إطلاقا ولا يتكلمون إلا بالحق.\nوالله الموفق","vol":"6","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>باب النهي عن الإيذاء</span>\nقال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾\n١٥٦٥ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه متفق عليه.\n١٥٦٦ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتي إليه رواه مسلم وهو بعض حديث طويل سبق في باب طاعة ولاة الأمور.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتاب (رياض الصالحين): باب تحريم الإيذاء بغير حق.\nالإيذاء يشمل الإيذاء بالقول والإيذاء بالفعل والإيذاء بالترك، أما الإيذاء بالقول فأن يسمع أخاه كلامًا يتأذى به وإن لم يضره، فإن ضره كان أشد إثمًا","vol":"6","page":232},{"text":"والإيذاء بالفعل أن يضايقه في مكانه، في جلوسه، في طريقه، وما أشبه ذلك.\nوالإيذاء بالترك أن يترك شيئًا يحتار منه أخوه المسلم فيتأذى به وإن كان لابد كل هذا محرم وعليه هذا الوعيد الشديد وهو قول الله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتنًا وإثمًا مبينًا احتملوا يعني تحملوا على أنفسهم البهتان وهو الكذب والإثم المبين وهو العقوبة العظيمة نسأل الله العافية.\nوفي قول الله تعالى: ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ دليل على أن لو أذي الإنسان باكتسابه أي على عمل حق أن يؤذي عليه فإنه لا بأس به كما في قوله تعالى: ﴿واللذان يأتينها منكم فئاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ وكان هذا في أول الأمر أن اللوطية والعياذ بالله يؤذي صاحبه حتى يتوب ثم بعد ذلك ثبت أن النبي ﷺ قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أجمع الصحابة على أن فاحشة اللواط يقتل فيها الفاعل والمفعول به ولكنهم اختلفوا كيف يقتل؟ فبعضهم قال: يرجم، وبعضهم قال: يلقى من أعلى شاهق في البلد ثم يلقى بالحجارة، وبعضهم قال: يحرق بالنار نسأل الله العافية.\nفالمهم أن الإيذاء بحق لا بأس به ومن ذلك أن يكون الرجل يكره الحق ويكره الخير فتفعل الحق فيتأذى به فهنا تأذى بحق؛","vol":"6","page":233},{"text":"لأن بعض الناس والعياذ بالله يتأذى إذا رأى رجلا متمسكا بالسنة ثم ذكر حديثين أحدهما أن النبي ﷺ قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه المسلم من سلم المسلمون من لسانه فلا يلعنهم ولا يسبهم ولا يشتمهم ولا يغتابهم ولا ينم فيهم، كل آفات اللسان المتعلقة بالخلق قد كفها فسلم الناس منه، وسلم المسلمون من يده أيضا لا يعتدي عليهم بضرب ولا سرقة ولا إفساد مال ولا غير ذلك، هذا هو المسلم وهذا ليس المراد بذلك أنه ليس هناك مسلم سواه ولكن المعنى أن هذا من الإسلام وإلا فإن المسلم من استسلم لله تعالى ظاهرًا وباطنًا لكن أحيانا يأتي مثل هذا التعبير من أجل الحث على هذا العمل وإن كان يوجد سواه.\nوالمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه.\nومعلوم أن المهاجر من خرج من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ليقيم دينه لكن تأتي الهجرة بمعنى آخر وهي أن يهجر الإنسان ما نهى الله عنه فلا يقول قولًا محرمًا ولا يفعل فعلًا محرمًا ولا يترك واجبًا بل يقوم بالواجب ويدع المحرم، هذا المهاجر؛ لأنه هجر ما نهى الله عنه.\nأما الحديث الثاني فهو قول النبي ﷺ من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته، وهو يؤمن بالله واليوم الأخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه فقوله: من أحب هذا الاستفهام للتشويق وإلا فكل واحد يحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة؛ لأن من زحزح عن النار وأدخل الجنة","vol":"6","page":234},{"text":"فقد فاز، فمن أحب ذلك فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر.\nوبناء على هذا ينبغي للإنسان أن يكون دائما على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر وتذكره، لأنه لا يدري متى يأتيه الموت فليكن دائما نصب عينيه الإيمان بالله واليوم الأخر فالإنسان إذا آمن بالله ﷿ وبمقتضى أسمائه وصفاته وآمن باليوم الأخر وما فيه من الثواب والعقاب فلابد أن يستقيم على دين الله وهذا حق الله أعني قوله: وهو يؤمن بالله واليوم الآخر أما حق الآدمي فقال: وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه فلا يؤذيهم؛ لأنه لا يحب أن يؤذوه ولا يعتدي عليهم لأنه لا يحب أن يعتدوا عليه، ولا يشتمهم لأنه لا يحب أن يشتموه وهلم جرا لا يغشهم في البيع والشراء وغير ذلك ولا يكذب عليهم لأنه لا يحب أن يفعل به ذلك وهذه قاعدة لو أن الناس مشوا عليها في التعامل فيما بينهم لنالوا خيرًا كثيرًا ويشبه هذا قول الرسول ﷺ: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه والله الموفق","vol":"6","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر</span>\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين): باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر.\nالتباغض بالقلوب، والتقاطع بالأفعال والأقوال أيضًا، والتدابر بالأفعال أيضا، أما التباغض بالقلوب فأن يبغض الإنسان أخاه المؤمن، وهذا أعني بغض المؤمن حرام، لأي شيء تبغضه؟ ! قد يقول أبغضه لأنه يعصي الله ﷿ فنقول: وإذا عصى الله لا تبغضه بغضًا مطلقًا الذي أبغضه بغضًا مطلقًا على حال هو الكافر لأنه ليس فيه خير، أما المؤمن وإن عصى وإن أصر على معصية يجب أن تحبه على ما معه من الإيمان وأن تكرهه على ما معه من الفسق والعصيان.\nفإن قال إنسان: كيف يجتمع البغض والحب؟ قلنا: يجتمعان؛ لأن كل واحد منهم منصب على وجه لم يتفقا في محل واحد، أحبه لإيمانه، وأكرهه لفسوقه.\nنظير ذلك المريض، يعطى دواء مرًا رائحته كريهة فيحب هذا الدواء من وجه ويكرهه من وجه، يحبه لما فيه من الشفاء ويكره لطعمه أو رائحته أو ما أشبه ذلك، وكذلك المؤمن أنت وهو في أصل واحد وهو الإيمان لماذا تبغضه بغضًا مطلقًا أبغضه على ما معه من المعصية، لا بأس وأحبه على ما معه من الإيمان، وهذا يؤدي - أعني إذا أحببته لما معه من الإيمان وكرهته لما معه من الفسق - إلى أن تنصحه لأنك تثق أنه أخوك فتحبه وتؤدي له ما تؤدي لنفسك فتنصحه على ما تكره فيه من المعصية.\nومن ذلك السلام عليه، سلم عليه ولو كان عنده معصية إلا إذا علمت أنك إذا","vol":"6","page":236},{"text":"تركت السلام عليه اهتدى وصلحت أموره فهنا يكون الهجر دواء نافعًا.\nوأما التقاطع وهو تقاطع الصلة بينك وبين أخيك، أخوك المؤمن له حق عليك أن تصله ولا يحل لك أن تقطعه لأنه أخوك حتى وإن كان عاصيًا ولذلك تجد الإنسان يكرم جاره ولو كان جاره عاصيًا يكرمه، لأن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره أكرمه ولو كان عاصيًا ولكن انصحه، وكذلك بعض الناس يقاطع أقاربه لأنهم قطعوه أو لأنهم على معصية وهذا خطأ، صل أقاربك ولو كانوا عصاة، صلهم ولو كانوا يقاطعونك كما جاء رجل للرسول ﷺ قال: يا رسول الله إن لي رحمًا أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم وقال كلمة أخرى فقال النبي ﷺ: إن كان الأمر كما قلت فكأنما تسفهم المل.\nيعني كأنما تدخل في قلوبهم الرماد أو التراب الحار، يعني فاستمر على صلتهم ولو كانوا يقطعونك ولو كانوا يسيئون إليك ولو كانوا يعتدون عليك، صلهم لأن من لا يصل إلا إذا وصل فليس بواصل بل هو مكافئ.\nالتدابر: أيضا لا يحل بين المؤمنين، لكن هل هو التدابر في القلوب أو التدابر في الأبدان أو هذا وهذا؟ إنه هذا وهذا، لا تدابروا في القلوب حتى لو وجدت من أخيك أنه أدبر عنك بقلبه فاقرب منه وأقبل عليه ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم","vol":"6","page":237},{"text":"لو طبقنا هذه التوجيهات الإلهية والنبوية لحصل لنا خير كثير لكن الشيطان يلعب بنا يقول كيف تصله وهو يقطعك؟ كيف تقبل عليه وهو يدبر عنك؟ اتركه، هذا ما فيه خير.\nهذا من وحي الشيطان، أما الله ﷿ والنبي ﷺ فإن نصوص الكتاب والسنة كلها تحرم التدابر، كذلك التدابر بالأبدان بعض الناس لا يهمه أن يصعر وجهه للناس وإن يعرض ربما يكون من كبريائه يتكلم معك ووجهه لجانب آخر نسأل الله العافية هذا لا يحل، بعض الناس أيضا كالبهائم تجدهم جلوسا في مكان واحد، يدير للثاني دبره وظهره، هذا ليس أدبا: لا أدبا شرعيا ولا أدبا عربيا ولا خلقا، تجلسون معا كل واحد يدابر الثاني، إن الله وصف أهل الجنة بأنهم على سرر متقابلين، التقابل صفة حميدة طيبة، والتدابر صفة ذميمة خبيثة، لكن بعض الناس همج ليس عندهم تربية إسلامية وتجدهم في المجالس متدابرين، هذا خطأ.\nومما يشبه هذا الفعل ما يفعله بعض الناس إذا سلم من الصلاة وهو في الصف تقدم وجعل الناس وراءه استقبلهم بدبره وفي ظني أنه يتخيل في تلك اللحظة أنه ذو عظمة وأن الناس وراءه لأني ما أظن أحدًا يتقدم هذا التقدم إلا ويشعر - وإن كان من غير قصد - بالعظمة ولقد رأيتموني أنهي عنه إذا وجدت إنسانا تقدم أقول له: ارجع لأن هذا يشبه التدابر.\nفإذا قال: ضاق علي المكان ولا أستطيع أن أبقى مفترشا.","vol":"6","page":238},{"text":"قلنا: يا أخي، الأمر واسع، والحمد لله، قم تقدم وكن على الجدار وافعل ما شئت أو تأخر، أما أن تتقدم على الناس وتكون بين أيديهم والناس وراءك هذا لا ينبغي.\nهذه ثلاثة أشياء: الأول التباغض، والثاني التقاطع، والثالث التدابر، كل هذا منهي عنه.\nقال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وقال تعالى: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ وقال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتاب (رياض الصالحين): باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر وسبق معنا هذا ثم استدل المؤلف ﵀ على ذلك بقول الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة وهذه الآية في سياق ذكر الطائفتين تقتتلان فتصلح بينهما طائفة أخرى فقال تعالى ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ وسياق الآيات يقول الله ﷿: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ يعني لو اقتتلت طائفتان من المسلمين، قبيلتان اقتتلتا فيما بينهما","vol":"6","page":239},{"text":"فأصلحوا بينهما والخطاب لمن له الأمر من المؤمنين الذين لم يقاتلوا فإن بغت إحداها على الأخرى وأبت أن تصالح فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله يعني كونوا مع الطائفة العادلة التي ليست باغية قاتلوا الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، أي حتى ترجع إليه، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل أي فيما جرى بينهم من إتلاف أنفس أو أموال أو غير ذلك فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، فيقال مثلا: كم قتلتم من نفس؟ لطائفة منهما، وللأخرى كذلك، ثم يعادل بينهما ويصلح بينهما.\nكم أتلفتم من مال ويمضي فيعادل بينهما ويصلح بينهما.\nثم قال ﷿: ﴿فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ أي الذين يعدلون فيما ولاهم الله عليه إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، المؤمنون كلهم إخوة حتى الطائفتين المقتتلتين هم إخوة للذين أصلحوا بينهما وفي هذه الآية رد صريح لقول الخوارج الذين يقولون: إن الإنسان إذا فعل الكبيرة صار كافرا؛ فإنه من أكبر الكبائر أن يقتتل المسلمون بينهم ومع ذلك قال الله في المقتتلين وفي التي أصلحت بينهما ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ فإذا كان الله تعالى أوجب الإصلاح بين المتقاتلين فكذلك أيضا بين المتعادين عداء دون قتل، يجب على الإنسان إذا علم أن بين اثنين عداوة وبغضاء وشحناء وتباعدا أن يحاول الإصلاح بينهما.\nوفي هذه الحال يجوز أن","vol":"6","page":240},{"text":"يكذب للمصلحة فيقون مثلا لأحدهم: إن فلانا لم يفعل شيئا يضرك وما أشبه ذلك ويتأول شيئا آخر غير الذي أظهره لهذا الرجل حتى يتم الصلح بينهما، والصلح خير.\nأما الآية الثانية فهي قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ يعني أنكم لو ارتدتم عن دينكم فإن ذلك لا يضر الله شيئا يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه لقيامهم بعبادته واتباع الرسول ﷺ لأن من أقوى أسباب محبة الله للعبد أن يتبع الرسول كما قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ فأنت إذا أحببت أن الله يحبك فأتبع الرسول الطريق بين واضح يقول الله ﷿ ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ وهذا هو وصف المؤمن حقا أنه بالنسبة لإخوانه المسلمين ذليل متواضع متهاون ومتسامح، أما على الكافرين فهم أعزة على الكافرين يعني أنهم أقوياء أمام الكافر لا يلينون له ولا يداهنونه ولا يوادنه، كل هذا بالنسبة للكافر حرام على المؤمن لا يجوز للمؤمن أن يواد الكافر، ولا يجوز له أن يذل له؛ لأن الله تعالى جعل له دينا يعلو على الأديان كلها بل يجب علينا أن نبغض الكفار وأن نعتبرهم أعداء لنا وأن نعلم أنهم لن يفعلوا بنا شيئا هو مصلحتنا إلا لينالوا ما هو أشد مما نتوقع من الإضرار بنا لأنهم أعداء، والعدو ماذا يريد أن يفعل بك؟ يريد أن يفعل بك كل سوء وإن تظاهر","vol":"6","page":241},{"text":"بأنه صديق أو بأنه ولي لك فهو كاذب، إنما يفعل لمصلحته لأنه لا أحد أصدق من الله ﷿ وهو يعلم ما في الصدور يقول الله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ ويقول جلا وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ ويقول ﷿: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ محال أن يرضوا عن المسلمين إلا إذا تهودوا أو تنصروا، ولهذا هم الآن يحاولون بكل ما يستطيعون أن يصدوا الناس عن دينهم تارة بالأخلاق السافلة، وتارة بالمجلات، وتارة بالدعاية الخبيثة، وتارة بالصراحة يدعون إلى الكفر كما قال ﷿: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ فيقول ﷿ في وصف هؤلاء: ﴿أذلة على المؤمنين﴾ وهذا هو الشاهد ﴿أعزة على الكافرين﴾ وقال تعالى في الآية الثالثة: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ هذا وصف الرسول ﷺ (محمد رسول الله والذين معه) يعني أصحابه وصفهم أشداء على الكفار أقوياء على الكفار لا يلينوا لهم ولا يداهنونهم ولا يوالونهم ولا يوادونهم لكن فيما بينهم ﴿رحماء بينهم﴾ يرحم بعضهم","vol":"6","page":242},{"text":"بعضا، ويلين بعضهم لبعض، وهذا هو حال المؤمنين، ضد ذلك نقص في الإيمان من لا يرحم إخوانه المؤمنين فإن ذلك نقص في إيمانه وربما يحرم الرحمة، لأن من لا يرحم لا يرحم والعياذ بالله وأيضا مثل ذلك التباغض، احرص على أن تزيل كل سبب يكون سببا للبغضاء بينكم أنتم المسلمون كافة التباغض بعض الناس يبغض أخاه من أجل لعاعة من الدنيا، إما لأجل مال، أو من أجل أنه لا يقابله ببشاشة أو ما أشبه ذلك، هذا خطأ حاول أن تزيل البغضاء بينك وبين إخوانك بقدر المستطاع وحاول أن تبتعد عن كل شيء يثير العداوة والبغضاء لأنكم إخوة نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه خير وصلاح\n١٥٦٧ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث متفق عليه.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف ﵀ الآيات الدالة على تحريم التباغض والتقاطع والتدابر ذكر أحاديث منها حديث أنس بن مالك ﵁ أن","vol":"6","page":243},{"text":"النبي ﷺ قال: لا تباغضوا، ولا تناجشوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا هذه أربعة أشياء نهى عنها النبي ﷺ: الأول: التباغض نهى عنه الرسول ﷺ حتى لو وقع في قلبك بغض لإنسان فحاول أن ترفع هذا عن قلبك وانظر إلى محاسنه حتى تمحوا سيئاته وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا حيث قال: لا يفرك مؤمن مؤمنة يعني لا يبغض المؤمن المؤمنة يعني زوجته أو أخته أو أمه ولكن يراد الزوجة هنا لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي منها خلقًا آخر، وهذا من الموازنة بين الحسنات والسيئات، بعض الناس ينظر إلى السيئات والعياذ بالله فيحكم بها وينسى الحسنات، وبعض الناس ينظر للحسنات وينسى السيئات، والعدل أن يقارن الإنسان بين هذا وهذا، وأن يميل إلى الصفح والعفو والتجاوز؛ فإن الله تعالى يحب العافين عن الناس، فإذا وجدت في قلبك بغضاء لشخص فحاول أن تزيل هذه البغضاء وذكر نفسك بمحاسنه ربما يكون بينك وبينه سوء عشرة أو سوء معاملة لكنه رجل فاضل طيب محسن إلى الناس يحب الخير، تذكر هذه المحاسن حتى تكون المعاملة السيئة التي يعاملك بها مضمحلة منغمرة في جانب الحسنات.\nكذلك أيضا لا تناجشوا، المناجشة: الزيادة في الثمن بغير إرادة الشراء، مثلا رأيت سلعة ينادي عليها في السوق، ثمنها مثلًا مائة ريال، وهو يريد شراءها فناجشت عليه وقلت: بمائة وعشرة، وأنت لا تريدها، ولكن تريد أن يزيد الثمن على المشتري هذا حرام عدوان.\nأما لو كنت رأيت السلعة رخيصة بمائة","vol":"6","page":244},{"text":"وزدت مائة وعشرة وأنت من الأول ما عندك نية لشرائها لكن استرخصتها فزدت حتى بلغت الثمن الذي لا ترى فيه مصلحة لك ثم تركتها، هذا لا بأس به لكن إذا كان قصدك العدوان على المشتري وأن تنكد عليه وتزيد عليه الثمن فهذا هو النجش وكذلك لو زدت السلعة من أجل نفع البائع وهو لا يعرف المشتري، وليس بينه وبينه شيء، لكن يريد أن ينتفع البائع فزاد في الثمن وهو لا يريد الشراء وإنما يريد نفع البائع، فمثلا قيمة السلعة بمائة، فقال: بمائة وعشرة لا إضرارا بالمشتري لأنه لا يعرفه وليس بينه وبينه شيء لكن من أجل نفع البائع، هذا أيضا حرام لا يجوز وهو من المناجشة التي نهى عنها النبي ﷺ وكذلك أيضا إذا أراد الأمرين يعني أراد أن ينفع البائع ويضر المشتري فهذا أيضا حرام وهو من النجش الذي حرمه الرسول ﷺ.\nولا تدابروا: سبق الكلام عليه.\nولا تقاطعوا: يعني لا يقطع أخ أخاه، بل يواصله بحسب العرف وبحسب السبب الداعي للصلة، لأن القريب تصله لقربه، الجار لجيرته، الصاحب لصحبته، وهكذا لا تقاطع أخاك، صله فإن الله تعالى يحب الواصلين الذين يصلون أرحامهم ولا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث، الهجر من التقاطع، يعني يلقاه لا يسلم عليه هذا حرام حرام، إلا أن الشارع النبي ﷺ رخص لك ثلاثة أيام لأن الإنسان ربما يكون في نفسه شيء لا يعفو على","vol":"6","page":245},{"text":"واحد يهجره له رخصة ثلاثة أيام بعد الأيام الثلاثة لا يجوز أن يلقاه فلا يسلم عليه إلا إذا كان على معصية إذا هجرناه تركها فنهجره للمصلحة وهذا كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا وتخلفوا عن غزوة تبوك وإلا فالأصل أن الهجر حرام، وأما قول بعض العلماء هو إطلاقهم أن المجاهر بالمعصية يهجر فهذا فيه نظر فصار عندنا الهجر إلى ثلاثة جائز، فوق الثلاث فهو حرام إلا للمصلحة والله الموفق\n١٥٦٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا رواه مسلم وفي رواية له: تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين وذكر نحوه:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث ذكره المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم التباغض والتقاطع والتدابر عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: تفتح أبواب الجنة في كل يوم اثنين وخميس فيغفر لكل مسلم إلا رجلين بينهما","vol":"6","page":246},{"text":"شحناء فيقال: انظروا هؤلاء حتى يصطلحا فدل ذلك على أنه يجب على الإنسان أن يبادر بإزالة الشحناء والعداوة والبغضاء بينه وبين إخوانه حتى وإن رأى في نفسه غضاضة وثقلا في طلب إزالة الشحناء فليصبر وليحتسب لأن العاقبة في ذلك حميدة والإنسان إذا رأى ما في العمل من الخير والأجر والثواب سهل عليه، وكذلك إذا رأى الوعيد على تركه سهل عليه فعله، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يذهب إلى الشخص ويقول: يجب أن نتصالح ونزيل ما بيننا من العداوة والبغضاء فبإمكانه أن يوسط رجلا ثقة يرضاه الطرفان ويذهب إليه ويقول إني أجد بينك وبين فلان كذا وكذا فلو اصطلحتم وأزلتم ما بينكم من العداوة والبغضاء فيكون هذا حسنًا جيدًا والله الموفق","vol":"6","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>باب تحريم الحسد </span>وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها: سواء كانت نعمة دين أو دنيا.\nقال الله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ وفيه حديث أنس السابق في الباب قبله.\n١٥٦٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو قال: العشب رواه أبو داود.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين): باب تحريم الحسد.\nالحسد: هو أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره من علم أو مال أو أهل أو جاه أو غير ذلك والحسد من كبائر الذنوب ومن سمات اليهود والعياذ بالله كما قال الله تعالى عنهم: ود كثير من أهل الكتاب أن يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم وقال تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ أي على ما أعطاهم من فضله ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما﴾ وحذر النبي ﷺ من الحسد وبين أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار العشب أو قال: الحطب.\nثم إن الحسد فيه اعتراض على قضاء الله وقدره؛ لأن الحاسد لم يرض","vol":"6","page":248},{"text":"بقضاء الله وقدره يعني لم يرض أن الله أعطى هذا الرجل مالا أو أعطاه أهلا أو أعطاه علما ففيه اعتراض على قضاء الله وقدره.\nثم إن الحسد جمرة في القلب والعياذ بالله كلما أنعم الله على عبده نعمة احترق هذا القلب والعياذ بالله حيث أنعم الله تعالى على عباده فتجده دائما في نكد ودائما في قلق.\nوالحسد ربما يحصل منه بغي وعدوان على من آتاه الله من فضله، وربما يشوه سمعته عند الناس ويقول فيه كذا وكذا وهو كاذب أو صادق لكن يريد أن يحسد هذا الرجل على النعمة، فربما يحصل منه هذا العدوان على أخيه المسلم، ثم إن الحسد لا يرد نعمة الله على عبده مهما حسدت ومهما بغيت فإنك لن تمنع قدر الله على عباده، قال النبي ﷺ لعبد الله ابن عباس ﵄: واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك وإلا فلن يضروك فالواجب على الإنسان إذا رأى من نفسه حسدا لأحد أن يتقي الله وأن يوبخ نفسه ويقول لها: كيف تحسدين الناس على ما آتاهم الله من فضله، كيف تكرهين نعمة الله على عباده، يقول أرأيت لو كانت هذه النعمة عندك أتحبين أن أحدا يحسدك عليها ويوبخها، يوبخ النفس، وكذلك يقول لها: أنت لو حسدت وكرهت ما أعطى الله من فضله فإن ذلك لن يضر المحسود، بل هو ضرر على الحاسد، وأشبه ذلك مما يوبخ به نفسه، حتى يدع ما به من الحسد وحينئذ يطمئن ويستريح ولا يتنكد، ولا يتكدر اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت وأصرف عنا سيئ الأخلاق، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت","vol":"6","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>باب النهي عن التجسس والتسمع لكلام من يكره استماعه</span>\nقال الله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾ وقال تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾\n١٥٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم.\nالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وفي رواية: لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانا وفي رواية: لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا ولا تحاسدوا،","vol":"6","page":250},{"text":"وكونوا عباد الله إخوانا وفي رواية: لا تهاجروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض رواه مسلم: بكل هذه الروايات، وروى البخاري أكثرها.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين): باب تحريم التجسس التجسس هو: أن يتتبع الإنسان أخاه ليطلع على عوراته سواء كان ذلك عن طريق مباشر، بأن يذهب هو بنفسه يتجسس لعله يجد عسرة أو عورة، أو كان عن طريق الآلات المستخدمة في حفظ الصوت، أو كان عن طريق الهاتف فكل شيء يوصل الإنسان إلى عورات أخيه مسالبه فإن ذلك من التجسس، وهو محرم، لأن الله ﷾ قال: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا فنهى ﷾ عن التجسس، ولما كان التجسس إذاء لأخيك المسلم، أردف المؤلف ﵀ ما استشهد به من هذه الآية بقول الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ لأن التجسس أذية، يتأذى به المتجسس عليه، ويؤدي","vol":"6","page":251},{"text":"إلى البغضاء والعداوة ويؤدي إلى تكليف الإنسان نفسه ما لم يلزمه، فإنك تجد المتجسس والعياذ بالله، مرة هنا ومرة هنا، ومرة هنا، ومرة ينظر إلى هذا ومرة ينظر إلى هذا، فقد أتعب نفسه في أذية عباد الله، نسأل الله العافية، ومن ذلك أيضا أن يتجسس على البيوت، يعني من التجسس أن يتجسس على البيوت، يقف عند الباب ويستمع لما يقال في المجلس ثم يبني عليه الظن الكاذب، والتهم التي ليس لها أصل، ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة في رواياته وأكثرها قد مر علينا لكن من أهم ما ذكر إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وهذا مطابق لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن﴾ لكن في هذه الآية قال الله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن﴾ ولم يقل الظن كله؛ لأن الظن المبني على قرائن لا بأس به، فهو من طبيعة الإنسان أنه إذا وجد قرائن قوية توجب الظن الحسن أو غير الحسن، فإنه لابد أن يخضع لهذا القرائن، ولا بأس بذلك، لكن الظن المجرد هو الذي حذر منه النبي ﷺ وقال: إنه أكذب الحديث، لأن الإنسان إذا ظن صارت نفسه تحدثه، تقول له فعل فلان كذا وهو يفعل كذا وهو يريد كذا وما أشبه ذلك، وهذا يقول الرسول ﷺ فيه إنه اكذب الحديث، وفيه أيضا مما لم يمر أن النبي ﷺ قال كونوا عباد الله إخوانا كما أمركم يعني أنه يجب على الإنسان أن يكون أخا لأخيه، بالمعنى المطابق للأخوة، لا يكن عدوا له، فإن بعض الناس إذا صار بينه وبين أخيه معاملة وساء الظن بينهما في هذه المعاملة اتخذوا عدوا، وهذا لا يجوز، الواجب أن الإنسان يكون أخا لأخيه، في المحبة والألفة وعدم التعرض له بالسوء","vol":"6","page":252},{"text":"والدفاع عن عرضه وغير ذلك من مقتضيات الأخوة المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يكذبه وهذا أيضا قد مر علينا سابقا وقال التقوى هاهنا يشير إلى صدره يعني في القلب، وإذا اتقى القلب اتقت الجوارح؛ لأن النبي ﷺ يقول إذا صلحت صلح الجسد كله يعني القلب، بعض الناس تنهاهم مثلا عن شيء من الأشياء، أعفي اللحية حرام عليك أنك تحلقها، فيقول لك التقوى هاهنا، أين التقوى؟ لو اتقى ما هاهنا لأتقى ما هاهنا، يعني لو اتقى القلب اتقت الجوارح، بعض الناس تنصحه في طول الثوب، تجد ثوبه إلى أسفل من كعبه، تنصحه في ذلك، فيقول لك التقوى هاهنا أين التقوى، لو كان عندك تقوى في قلبك، لاتقيت الله تعالى في قولك وفعلك، لأنه إذا صلحت صلح الجسد كله، لكن بعض الناس والعياذ بالله يجادل بالباطل كالكافرين، جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ومع ذلك لا يخفى جدالهم بالباطل على من عنده بصيرة، يعرف أن هذا جدل ليس له أصل بل هو باطل، وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف بألفاظه، ينبغي للإنسان أن","vol":"6","page":253},{"text":"يتخذه مسارا له ومنهجا يسير عليه ويبني عليه حياته فإنه جامع لكثير من مسائل الأخلاق التي إذا تجنبها الإنسان حصل على خير كثير والله الموفق\n١٥٧١ - وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم حديث صحيح.\nرواه أبو داود بإسناد صحيح.\n١٥٧٢ - وعن ابن مسعود ﵁ أنه أتى برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء، نأخذ به حديث حسن صحيح.\nرواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث من الأحاديث التي يتبين فيها أن الإنسان لا يتجسس على إخوانه المسلمين ولا يتتبع عوراتهم بل ما ظهر منها فإنه يعامل من أظهرها بما يليق به، وما لم يظهر فلا يجوز التجسس ولا التحسس، كما في حديث معاوية ﵁، أن الإنسان إذا تتبع عورات المسلمين أهلكهم أو كاد أن","vol":"6","page":254},{"text":"يهلكهم، لأن كثيرا من الأمور تجري بين الإنسان وبين ربه، لا يعلمها إلا هو، فإذا لم يعلم بها أحد وبقى عليه ستر الله ﷿، وتاب إلى ربه وأناب حسنت حاله ولم يطلع على عورته أحد، ولكن إذا كان الإنسان والعياذ بالله يتتبع عورات الناس، ماذا قال فلان وماذا فعل، وإذا ذكر له عورة مسلم، ذهب يتجسس، إما أن يصرح، وإما أن يلمح فيقول مثلا، قالوا إن فلانا قال كذا وكذا أو فعل كذا وكذا فينشر ما عنده عند الخلق والعياذ بالله، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في بيت أمه نسأل الله العافية جزاء وفاقا، مثل من تتبع عورات المسلمين ليفضحهم، يتتبع الله ﷿ عورته حتى يفضحه نسأل الله العافية ولا يغنيه جدران ولا ستور، وكذلك حديث ابن مسعود ﵁ أنه أتى برجل تقطر لحيته خمرا، لكنه شربه مختفيا، ولكن هؤلاء القوم تجسسوا عليه حتى أخرجوا على هذه الحالة، فبين ﵁ أن من أبدى لنا عورته أو عيبه أخذناه به، ومن استتر بستر الله فلا نؤاخذه، وهذا أيضا يدل على أنه لا يجوز التجسس","vol":"6","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>باب النهي عن سوء الظن بالمسلمين من غير ضرورة</span>\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾\n١٥٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث متفق عليه.\nوكذلك حديث أبي هريرة في الباب الذي يليه وقد سبق الكلام عليه أن النبي ﷺ قال: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وكذلك الآية التي قبله يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم تكلمنا عليها فيما سبق.\nوالله الموفق","vol":"6","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>باب تحريم احتقار المسلمين</span>\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ وقال تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تحريم احتقار المسلم، احتقار المسلم ازدراؤه والسخرية به والاستهزاء به والحط من قدره وما أشبه ذلك، وهذا محرم لما فيه من العدوان على أخيك المسلم الذي يجب أن تحترمه وأن تكن له كل تقدير، لأنه أخوك والمؤمن أخو المؤمن كما قال النبي ﷺ، ثم استدل المؤلف ﵀ بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن فوجه الله الخطاب إلى المؤمنين ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وتوجيه الخطاب للمؤمن يدل على أن ما يتلى عليه فهو من مقتضيات الإيمان وأن فقده ومخالفته نقص في الإيمان، كما أن تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به، لأن النداء يعني تنبيه المخاطب لما يلقي إليه، يقول: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ وهم الرجال ﴿ولا نساء من نساء﴾ وهن النساء الآيات، والسخرية قد تكون","vol":"6","page":257},{"text":"في هيئته، يسخر من هيئة هذا الرجال، وقد يكون كذلك في خلقته، يسخر من خلقته قصرا أو طولا أو ضخامة أو نحافة أو ما أشبه ذلك ويكون كذلك سخرية بكلامه وتقليد كلامه، استهزاء وسخرية، كما يفعل بعض السفهاء، يقلد بعض القراء أو بعض العلماء، يقلد أصواتهم سخرية واستهزاء والعياذ بالله ويكون كذلك في المعاملة يسخر به في معاملته الناس وكذلك بالمشية، المهم إن كل شيء فيه سخرية في أخيك فإنه داخل في هذه الآية ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن﴾ وبين الله ﷿ أنه ربما يكون هؤلاء الذين سخروا منهم.\nربما يكونون خيرا منهم عند الله وعند عباد الله، ولهذا قال: ﴿عسى أن يكونوا خيرا منهم﴾ هذا في القوم ﴿عسى أن يكن خيرا منهن﴾ هذا في النساء ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ أي لا تعيبوها، وقول ﴿أنفسكم﴾ من المعلوم أن الإنسان لن يعيب نفسه، لكنه لما كان المؤمنون أخوة، صار أخوك كنفسك، فقوله: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ يعني لا تلمزوا إخوانكم، لكنه عبر بالنفس ليتبين أن أخوك بمنزلة نفسك فكما أنك تكره أن تلمز نفسك، تكره أن تلمز أخاك ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ ينبز بعضكم بعضا باللقب، سخرية به، إما أن يكون مثلا يعزي إلى قبيلة فيها شيء من اللقب المكروه، فينسبه إليها أو قبيلة فيها شيء من اللقب المضحك فينسبه إليها وما أشبه ذلك مما يكون نبذا بالألقاب، ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ يعني إنكم إن فعلتم ذلك كنتم من الفاسقين و﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ فالإنسان إذا لمز أخاه أو سخر منه أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون بذلك فاسقا وهذا يدل على أن السخرية","vol":"6","page":258},{"text":"من المؤمنين وأن لمزهم وأن منابزتهم بالألقاب كلها من كبائر الذنوب ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ يعني من استمر على هذا ولم يتب إلى الله ﷿ فإنه ظالم، ثم ذكر المؤلف ﵀ آية أخرى وهي ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ وويل هذه كلمة وعيد جاءت في القرآن في عدة مواضع، وكلها تفيد الوعيد والتهديد على من فعل هذا، ﴿لكل همزة لمزة﴾ أي يعيب غيره، تارة بالهمز وتارة باللمز، فاللمز باللسان، والهمز بالجوارح، فالهمزة اللمزة متوعد بهذا، بالويل والعياذ بالله، ثم ذكر المؤلف أحاديث يأتي الكلام عليها إن شاء الله\n١٥٧٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم رواه مسلم، وقد سبق قريبا بطوله.\n١٥٧٥ - وعن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس رواه مسلم.\nومعنى بطر الحق: دفعه وغمطهم: احتقارهم، وقد سبق بيانه أوضح من هذا في باب الكبر.","vol":"6","page":259},{"text":"١٥٧٦ - وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: قال رجل والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله ﷿: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان إني قد غفرت له، وأحبطت عملك رواه مسلم.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان تحريم احتقار المسلم، وقد سبق الكلام على الآيتين اللتين ساقهما المؤلف ﵀ أما هذه الأحاديث فهو حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم بحسب، حسب هنا بمعنى كافي، يعني يكفي المؤمن من الشر أن يحقر أخاه المسلم، وهذا تعظيم لاحتقار المسلم، وأنه شر عظيم، لو لم يأت الإنسان من الشر إلى هذا، لكان كافيا، فلا تحقرن أخاك المسلم، لا في خلقته ولا في ثيابه ولا في كلامه ولا في خلقه ولا غير ذلك، أخوك المسلم حقه عليك عظيم فعليك أن تحترمه وأن توقره، وأما احتقاره فإنه محرم، ولا يحل لك أن تحتقره، وكذلك حديث ابن مسعود وحديث جندب بن عبد الله ﵄ كلاهما يدل على تحريم احتقار المسلم، وأنه لا يحل له حتى أن النبي ﷺ لما حدث بحديث ابن مسعود، أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، قالوا يا رسول الله: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ظن الصحابة ﵃ أن الإنسان إذا تلبس لباسا حسنا وانتعل نعلا حسنا،","vol":"6","page":260},{"text":"أن هذا من التعاظم والتعالي والتكبر، فبين لهم النبي ﷺ أن ليس الأمر كذلك قال: إن الله جميل يحب الجمال جميل بذاته جل وعلا وبأفعاله وبصفاته وكذلك يحب الجمال يعني يحب التجمل، وكلما كان الإنسان متجملا، كان ذلك أحب إلى الله إذا كان هذا التجمل مما يسعه، يعني ليس فقيرا يذهب يتكلف الثياب الجميلة أو النعل الجميلة، لكنه قد أنعم الله عليه وتجمل فإن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وكذلك حديث جندب بن عبد الله ﵁، أن النبي ﷺ أخبر أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان وكان هذا الرجل عابدا معجبا بعمله محتقرا لأخيه، الذي رآه مفرطا، فأقسم أن الله لا يغفر له، فقال الله ﷿: من ذا الذي يتألى على أن لا أغفر لفلان يعني من ذا الذي يحلف علي أن لا أغفر لفلان، والفضل بيد الله يأتيه من يشاء، إني قد غفرت له وأحبطت عملك أعوذ بالله، تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته أهلكته، لأنه قال ذلك معجبا بنفسه، محتقرا لأخيه فأقسم أن الله لا يغفر له، فغفر الله لهذا الرجل، لأن معاصيه دون الشرك، أو لأن الله تعالى من عليه فتاب، وأما الآخر فأحبط عمله لأنه أعجب بعمله والعياذ بالله وتألى على ربه وأقسم عليه أن لا يغفر لفلان، والله تعالى كامل السلطان، لا يتألى عليه أحد، ولكن إذا حسن ظن المرء بربه، وتألى على الله في أمر ليس فيه عدوان على الغير فإن النبي ﷺ قال: رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره والله الموفق","vol":"6","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم</span>\nقال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وقال تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾\n١٥٧٧ - وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك رواه الترمزي وقال: حديث حسن.\nوفي الباب حديث أبي هريرة السابق في باب التجسس: كل المسلم على المسلم حرام الحديث.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان بابان ذكرهما المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) الأول في الشماتة، والثاني في الطعن في النسب.\nأما الشماتة فهي: التعيير بالذنب أو بالعمل أو حادثة تقع على الإنسان أو ما أشبه ذلك، فيشيعها الإنسان ويبينها ويظهرها، وهذا محرم لأنه ينافي قول الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة فإن الأخ لا يحب أن","vol":"6","page":262},{"text":"تظهر الشماتة في أخيه، وكذلك ينافي قوله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ .\nثم ذكر المؤلف حديث واثلة بنت الأسقع أن النبي ﷺ قال: لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك يعني أن الإنسان إذا عير أخاه في شيء ربما يرحم الله هذا المعير ويشفى من هذا الشيء ويزول عنه ثم يبتلى به هذا الذي عيره، وهذا يقع كثيرا، ولهذا جاء في حديث آخر، في صحته نظر لكنه موافق لهذا الحديث: من عير أخاه بذنب لن يمت حتى يعمله فإياك وتعيير المسلمين والشماتة فيهم فربما يرتفع عنهم ما شمتهم به ويحل فيك.","vol":"6","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع</span>\nقال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾\n١٥٧٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت رواه مسلم.\nأما الثاني: أي - الباب الثاني - هو الطعن في النسب فمعناه التعيير بالنسب أو أن ينفي نسبه، فمثلا يقول في التعيير: أنت من القبيلة الفلانية التي لا تدفع العدو ولا تحمي الفقير.\nويذكر فيها معايب، أو مثلا يقول: أنت تدعي أنك من آل فلان ولست منهم، أنت ما فيك خير هؤلاء، القبيلة ولو كنت منهم لكان فيك خير، أو ما أشبه ذلك.\nثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: اثنتان في","vol":"6","page":264},{"text":"الناس هما بهم كفر يعني خصلتان يفعلهما الناس وهم من خصال الكفر، الطعن في النسب، والثانية النياحة على الميت، النياحة على الميت أن يبكي عليه النساء أو الرجال أيضًا، لكن النساء أكثر، على شبه ما تنوح الحمامة، يعني: يأتين بالبكاء برنة معروفة، هذا حرام وقد لعن النبي ﷺ النائحة والمستمعة ومن النياحة ما يفعله بعض الناس اليوم، يجتمعون في بيت الميت ويؤتى إليهم بالطعام أو يصنعون هم الطعام ويجتمعون عليه، فإن هذا محرم لأن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة، وهؤلاء نواح، لحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا نعد الاجتماع في بيت الميت وصنع الطعام من النياحة وهو صحابي جليل معروف، فالصحابة يرون أن هذا من الناحية، ولهذا ينهي أهل الميت إذا مات أن يفتحوا أبوابهم للعزاء، لأن ذلك منكر وبدعة، فالصحابة ما كانوا يفعلون ذلك، ثم هو فيه نوع من الاعتراض على قضاء الله وقدره، والواجب على الإنسان الرضا والتسليم وأن يبقي بابه مغلقا، ومن أراد أن","vol":"6","page":265},{"text":"يعزيه يجده في السوق أو في المسجد، بالنسبة للرجال.\nوأما النساء فلا حاجة إلى فتح الباب لهن واجتماعهن، فالمهم أن النبي ﷺ قال: إن النياحة من الكفر اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت ولا يغرنك يعني الناس، فإن الله يقول: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ وقال تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ فالمدار ما هو على عمل الناس وأن هذه عادة، المدار على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين وعمل الصحابة ﵃، ما منهم أحد فتح بابه للمعزين أبدا، وما اجتمعوا على الأكل بل كانوا يعدون هذا من النياحة ويبتعدون عنه أشد البعد، لأن النياحة كما سمعتم كفر، يعني من خصال الكفر.\nوالثاني: أن الرسول ﷺ لعن النائحة والمستمعة.\nوالله الموفق.","vol":"6","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>باب النهي عن الغش والخداع</span>\nقال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾\n١٥٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من حمل علينا السلاح، فليس منا، ومن غشنا، فليس منا رواه مسلم.\nوفي رواية له أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا\n١٥٨٠ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تناجشوا متفق عليه.\n١٥٨١ - وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ نهى عن","vol":"6","page":267},{"text":"النجش متفق عليه.\n١٥٨٢ - وعنه قال: ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوت؟ فقال رسول الله ﷺ: من بايعت، فقل لا خلابة متفق عليه.\nالخلابة بخاء معجمة مكسورة، وباء موحدة: وهي الخديعة.\n١٥٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من خبب زوجة امرئ، أو مملوكه، فليس منا رواه أبو داود.\nخبب بخاء معجمة، ثم باء موحدة مكررة: أي: أفسده وخدعه.","vol":"6","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>باب تحريم الغدر</span>\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وقال تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم الغدر.\nالغدر خيانة الإنسان في موضع الاستئمان.\nبمعنى أن يأتمنك أحد في شيء ثم تغدر به، سواء أعطيته عهدًا أم لم تعطه، وذلك لأن الذي ائتمنك: اعتمد عليك ووثق بك، فإذا خنته فقد غدرت به.\nثم استدل المؤلف على تحريم الغدر بوجوب الوفاء، لأن الشيء يعرف بضده، ووجوب الوفاء ساق له المؤلف ﵀ آيتين، الآية الأولى قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود يعني ائتوا بها وافية شاملة على حسب العقد الذي اتفقت مع صاحبك عليه، وهذا يشمل كل العقود، يشمل عقود البيع، فإذا بعت شيئا على أخيك فالواجب عليك أن تفي بالعقد، إن كان بينكما شرط فأوفه، سواء كان عدميا أم وجوديا، فمثلا إذا بعت على أخيك بيتا واشترطت عليه أن تسكنه لمدة سنة فالواجب على المشتري أن يمكنك من هذا وألا يتعرض لك، لأنه شرط عليك أن يسكنه سنة، وهذا مقتضى العقد، بعت على أخيك شيئا واشترطت عليه أن يصبر بالعيب الذي فيه، يعني قلت:","vol":"6","page":269},{"text":"فيه عيب فاصبر به فيجب عليك أن توفي بذلك وأن لا ترده، وإذا رددته فلا حق لك، لكن يجب عليك من الأصل ألا ترده.\nوهاهنا مسألة يتخذها بعض الناس والعياذ بالله وهي حرام يبيع الشيء ويعرف أن فيه عيبا، ثم يقول للمشتري، ترى ما بعت عليك إلا ما أمامك واصبر بجميع العيوب، وهذا ما يعرف عندهم في حارات السيارات حارات تحت المكرفون، تجد السمسار الذي هو الدلال، ينادي بأعلى صوته ويقول: ترى ما بعت عليك إلا الإطارات، ما بعت عليك إلا الكبوت، ما بعت عليك إلا كذا وكذا، وهو يعلم أن فيها العيب الفلاني لكن لا يذكره خداعا والعياذ بالله، لأنه لو ذكره لنقصت القيمة، فإذا لم يذكره صار المشتري مترددا، يحتمل فيها عيب، يحتمل ما فيها عيب، فيدفع ثمنا أكثر مما لو علم بالعيب المعين وهذا الذي باع على هذا الشرط، ولو التزم المشتري بذلك، إذا كان بها عيب حقيقة فإنه لا يبرأ منه يوم القيامة، سوف يطالب به ولا ينفع هذا الشرط، الواجب إذا علمت في السلعة عيبا أن تبين أن فيها العيب الفلاني، نعم لو فرض أن إنسانا اشترى سيارة وبقيت عنده يوما أو يومين، ولم يعلم بها عيب، ولم يشترط عليه عيب، ثم أراد أن يسلم منها قال بعت عليك هذا الذي أمامك، معيب أو سليم، ما علي منها، فهذا لا بأس به.\nوالمهم أن من علم العيب في السلعة يجب أن يبينه، ومن لم يعلم فله أن يشترط على المشتري أنه لا رد له، ولا يعود عليه بشيء، ولا بأس به.\nمن الوفاء بالعقود ما يحصل بين الزوجين عند العقد، تشترط المرأة شروطا أو يشترط الزوج شروطا فيجب على من يشترط عليه أن يوفي بالشرط، مثل أن تشترط عليه ألا تسكن مع أهله، فيجب عليه أن يوفي لأن","vol":"6","page":270},{"text":"بعض النساء لا ترغب في أن تسكن مع أهل الزوج لكونها سمعت عنهم أنهم نكد وأنهم أهل تشويش وأهل نميمة، فتقول شرطت ألا أسكن مع أهلك فيجب عليه أن يوفي بذلك، لأن الله قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ أو شرطت عليه ألا يخرجها من بيتها، مثلا هي ربة أولاد من زوج سابق، وتزوجها رجل جديد فقالت شرط ألا تخرجني من بيتي، فيجب عليه أن يوفي بهذا الشرط وألا ينكد عليها، لا يقول أنا ما أخرجتها من بيتها، ولكن ينكد عليها، حتى تمل وتتعب، هذا حرام؛ لأن الله قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ اشترطت عليه مهرا معينا، قالت: شرط أن تعطيني مهري مثلا عشرة آلاف يجب عليه أن يوفي، ولا يماطل لأنه مشروط عليه، ولكن لو اشترطت هي أو هو شرطا فاسدا فإنه لا يقبل، مثل لو اشترطت عليه، قالت: شرط أن تطلق زوجتك الأولى فهذا الشرط لا يقبل ولا يوفي به وذلك لأن النبي ﷺ قال: لا تسأل المرأة طلاق أختها لتدفع ما في إنائها أو قال: ما في صحفتها هذا الشرط محرم، لأنه عدوان على الغير فيكون باطلا ولا يجب الوفاء به، بل هو لا يجب الالتزام به أصلا لأنه شرط فاسد، أما لو اشترطت ألا يتزوج عليها وقبل فشرط صحيح، لأنه ما فيه عدوان على أحد، فيه منع الزوج من","vol":"6","page":271},{"text":"أمر يجوز له باختياره وهذا لا بأس به، لأن الزوج هو الذي أسقط حقه وهو ليس فيه عدوان على أحد، فإذا اشترطت ألا يتزوج عليها فتزوج فلها أن تفسخ النكاح، رضي أم أبى، لأنه خالف الشرط.\nفالمهم أن الله أمر بالوفاء بالعقود في كل شيء، يجب أن تفي بالعقد في كل شيء وألا تخون ولا تعذر ولا تكتم عيبا ولا تدلس، ويأتي الكلام إن شاء الله على الآية الثانية.\nوالله أعلم\n١٥٨٤ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أربع من كن فيه، كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر متفق عليه.","vol":"6","page":272},{"text":"١٥٨٥ - وعن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس ﵃ قالوا: قال النبي ﷺ: لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان متفق عليه.\n١٥٨٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة رواه مسلم.\n١٥٨٧ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا، فاستوفي منه، ولم يعطه أجره رواه البخاري.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف في كتابه (رياض الصالحين): باب تحريم الغدر، وقد تقدم معناه والكلام على الآية الأولى مما صدر به المؤلف الباب وهي قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أما الآية الثانية فهي قول الله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ أمر الله أن يوفي بالعهد، يعني إذا عاهدت أحدا وقلت: عليك عهد الله ألا أفعل كذا أو ألا أخبر بما أخبرتني به أو ما أشبه ذلك، فإنه يجب عليك أن تفي بالعهد لأن العهد سوف تسأل عنه يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ أي: مسئولا عنه يوم القيامة، ثم ذكر أحاديث سبق لنا الكلام عليها، أي شرحها، وأعظمها أنه ينصب لكل غادر يوم القيامة لواء، اللواء ما يكون في الحرب مثل العلم يرفع لكل غادر لواء تحت استه والعياذ بالله، أي تحت مقعدته، ويرتفع هذا","vol":"6","page":273},{"text":"اللواء بقدر غدرته إن كانت كبيره صار كبيرا، وإن كانت صغيرة صار صغيرا، ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان.\nوالعياذ بالله، وفي هذا الحديث دليل على أن الغدر من كبائر الذنوب، لأن فيه هذا الوعيد الشديد وفيه أيضا أن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم، وأن ما ذكر من أن الإنسان يوم القيامة يدعى باسم أمه فيقال يا فلان بن فلانة، فليست الحقيقة، بل إن الإنسان يدعى باسم أبيه كما يدعى به في الدنيا.\nوفي الحديث الأخير أيضا التنبيه على مسألة يفعلها كثير من الناس اليوم، وهي أنهم يستأجرون الأجراء ولا يعطون لهم أجرا، هذا الذي يفعل يستأجر الأجير ولا يعطيه أجره يكون الله ﷿ خصمه يوم القيامة، كما قال تعالى في الحديث القدسي: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر يعني: عاهد بي ثم غدر والثاني رجل باع حرا فأكل ثمنه حتى لو كان ابنه أو أخاه الأصغر ثم باعه وأكل ثمنه يكون الله ﷿ خصمه يوم القيامة، والثالث هذا الرجل الذي استأجر أجيرا فاستوفى منه وقام الأجير بالعمل كاملا ثم لم يعطه أجرته ومن ذلك ما يفعله بعض الناس اليوم في العمال الذي يأتون بهم من الخارج، تجده يستأجره بأجرة معينة مثلا ستمائة ريال في الشهر، ثم إذا جاء به إلى هنا ماطل به وآذاه ولم يؤت له حقه، وربما يقول له تريد أن تبقى هنا بأربعمائة ريال وإلا سافرت، هذا والعياذ بالله يكون الله خصمه يوم القيامة، ويأخذ من حسناته ويعطيها هذا","vol":"6","page":274},{"text":"العامل، لأن قوله إما أن تعمل بأربعمائة وإلا سفرتك، هذا استأجره بستمائة ولم يعطه أجره، فيدخل في هذا الوعيد الشديد، وهؤلاء الذي يأتون بالعمال ولا يعطونهم أجورهم أو يأتون بهم وليس عندهم شغل، ولكن يتركونهم في الأسواق، ويقول اذهب وما حصلته فلي نصفه، أو مثلا يقول اذهب وعليك في الشهر ثلاثمائة ريال أو أربعمائة ريال، كل هذا حرام والعياذ بالله، ولا يحل لهم، وما أكلوه فإنه سحت، وكل جسد نبت من السحت فالنار أولى به، وهؤلاء الذين يأكلون أموال هؤلاء العمال المساكين، هؤلاء لا تقبل لهم دعوة والعياذ بالله، يدعون الله فلا يستجيب لهم؛ لأن النبي ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب.\nومطعمه حرام وملبسه حرام، وغذي من حرام، فأنى يستجاب له وما يأكل هؤلاء من أجور هؤلاء العمال أو يظلمونهم به، فإنهم يأكلونه سحتا نسأل الله العافية.\nفعلى الإنسان أن يتقي الله، أنا أعلم أنكم سوف تبلغون هذا إلى هؤلاء الظلمة والعياذ بالله، الذين عاقبهم الله عقوبة عاجلة والعياذ بالله ما هي العقوبة العاجلة؟ استمراء هذا العمل والاستمرار فيه والإصرار عليه، فإن الإصرار على الذنب عقوبة والعياذ بالله إذا لم يمن الله على الإنسان بالتوبة من الذنب فاعلم أن استمراره في هذا الذنب عقوبة من الله له، لأنه لا يزداد بهذا الذنب من الله إلا بعدا ولا تزداد سيئاته إلا كثرة، ولا يزداد إيمانه إلا نقصا.\nفنسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق.","vol":"6","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>باب النهي عن المن بالعطية ونحوها</span>\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ وقال تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى﴾\n١٥٨٨ - وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات.\nقال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله، قال المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه مسلم.\nوفي رواية له: المسبل إزاره يعني: المسبل إزاره وثوبه أسفل من الكعبين للخيلاء.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تحريم المن بالعطاء والصدقة ونحوها.\nوذلك أن الإنسان إذا أعطى أحدا من الناس عطاء، إن كان صدقة فقد أعطاها لله ﷿ وإن كان إحسانا فالإحسان مطلوب، فإذا كان كذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يمن بالعطية، فيقول: أنا أعطيتك كذا أنا أعطيتك كذا سواء","vol":"6","page":276},{"text":"قاله في مواجهته أو في غير مواجهته، مثل أن يقول بين الناس أعطيت فلانا كذا، وأعطيت فلانا كذا ليمن بذلك عليه، ثم استدل المؤلف لذلك بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فدل هذا على أن الإنسان إذا من فإن الصدقة تبطل ولا ثواب له فيها وهو من كبائر الذنوب، وقال تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ثم ذكر حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب.\nالمسبل: يعني الذي يجر إزاره أو قميصه أو مشلحته خيلاء وتبخترا، فهذا له هذا العقاب الشديد، لا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم.\nوالمنان: المنان بما أعطى إذا أعطى أحدا شيئا صار يمن به.\nوالمنفق لسلعته بالحلف الكاذب: يعني الذي يحلف على السلعة حلفا كاذبا لأجل أن تزيد قيمتها، هذا أيضا من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.\nوالله الموفق.","vol":"6","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>باب النهي عن الافتخار والبغي</span>\nقال الله تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ وقال تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم﴾\n١٥٨٩ - وعن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد رواه مسلم.\nقال أهل اللغة: البغي: التعدي والاستطالة.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب النهي عن الافتخار والبغي.\nالافتخار: أن يتمدح الإنسان في نفسه ويفتخر بما أعطاه الله تعالى من نعمة، سواء نعمة الوالد أو المال أو العلم أو الجاه أو قوة البدن، أو ما أشبه ذلك، المهم أن يتمدح الإنسان بما أنعم الله عليه فخرا وعلوا على الناس، وأما التحدث بنعمة الله على وجه إظهار نعمة الله على العبد، مع التواضع فإن هذا لا بأس به، لقول الله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث ولقول النبي ﷺ: أنا سيد ولد أدم يوم القيامة","vol":"6","page":278},{"text":"ولا فخر.\nفقال: ولا فخر يعني لا أفتخر بذلك وأزهو بنفسي، وأما البغي فهو العدوان على الغير، أن الإنسان يعتدي على غيره إما على ماله أو على بدنه أو على أهله أو على مقامه وما أشبه ذلك، فالعدوان أنواعه كثيرة، لكن يضمها كلها أنه انتهاك لحرمة أخيه المسلم، وهذا أيضا محرم.\nثم استدل المؤلف بقول الله ﷾: ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ فنهى الله ﷾ عباده أن يزكوا أنفسهم يعني أن يمدحوها افتخارا على الخلق، فيقول مثلا لصاحبه: أنا أعلم منك، أنا أكثر منك طاعة، أنا أكثر منك مالا.\nوما أشبه ذلك، فهذا - نسأل الله العافية - تزكية للنفس ونوع من الافتخار ولا يعارضه قول الله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ وذلك أن التزكية المنهي عنها هي أن الإنسان يفتخر ويعلو ويزهو بما أعطاه الله تعالى من خير ومن عبادة ومن علم.\nوأما: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ فالمراد من سلك بها طريق الزكاة واجتنب طريق الردى، ولهذا قال: ﴿وقد خاب من دساها﴾ وهذه الآيات المتشابهات في القرآن يتخذ منها أهل الباطل حجة في التلبيس على الناس، يقول انظر إلى القرآن تارة يقول: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ وتارة يمدح من زكى نفسه، ولكن هؤلاء كما وصفهم الله تعالى هم الذي في قلوبهم زيغ والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات","vol":"6","page":279},{"text":"هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ وإلا فالقرآن لا يمكن أبدا أن يكون فيه شيء متناقض، كما قال الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ أما القرآن فلا اختلاف فيه، وقد أورد نافع بن الأزرق الخارجي المشهور عن ابن عباس ﵄ كثيرا من الآيات المتشابهات التي ظاهرها التعارض، وأجاب عنها ﵁ في آيات متعددة ذكرها السيوطي في الإتقان في علوم القرآن.\nثم استدل على تحريم البغي بقول الله تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ السبيل: التبعة واللوم والمذمة على هؤلاء الذين يظلمون الناس في أموالهم أو أعراضهم أو في أنفسهم أو في أهليهم، هؤلاء هم الذين عليهم السبيل والتبعة ﴿ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ يعني يعتدون بغير الحق، وإنما وصف الله البغي بغير حق، لأنه حقيقة ليس بحق، كل البغي فهو بغير الحق، فالقيد هنا ليس للاعتراض بل هو لبيان الواقع، وهو أن كل شيء من البغي فإنه بغير الحق، وهذا يرد في القرآن كثيرا، أن تجد قيدا يبين الواقع وليس قيدا يخرج ما سواه، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ فهنا ليس هناك رب لم يخلقنا ورب خلقنا بل هو لبيان الواقع أن الرب هو الذي خلقنا وهو","vol":"6","page":280},{"text":"الذي رزقنا، فالحاصل أن الله تعالى بين أن السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، ثم ذكر حديث عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال: إن الله أوحى إلي أن لا يبغي أحد على أحد هذا الشاهد من الحديث، وهذا يدل على أن البغي أمر عظيم، فيه عناية من الله ﷾ يبين لعباده أنه لا يبغي أحد على أحد وأن الإنسان يتواضع لله ﷿، ويتواضع في الحق.\nوالله الموفق.\n١٥٩٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم رواه مسلم.\nالرواية المشهورة: أهلكهم برفع الكاف، وروي بنصبها.\nوهذا النهي لمن قال ذلك عجبا بنفسه، وتصاغرا للناس، وارتفاعا عليهم، فهذا هو الحرام، وأما من قالها لما يرى في الناس من نقص في أمر دينهم، وقالها تحزنا عليهم، وعلى الدين، فلا بأس به.\nهكذا فسره العلماء وفصلوه، وممن قاله من الأئمة الأعلام: مالك بن أنس، والخطابي، والحميدي وآخرون، وقد أوضحته في كتاب الأذكار.","vol":"6","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في </span>المهجور، أو تظاهر بفسق، أو نحو ذلك\nقال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾\n١٥٩١ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا.\nولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث متفق عليه.\n١٥٩٢ - وعن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال: يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام متفق عليه.\n١٥٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا، إلا امرئ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا رواه مسلم.","vol":"6","page":283},{"text":"١٥٩٤ - وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم رواه مسلم.\nالتحريش الإفساد وتغيير قلوبهم وتقاطعهم.\n١٥٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار.\nرواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري.\n١٥٩٦ - وعن أبي خراش حدرد بن أبي حدرد الأسلمي، ويقال السلمي الصحابي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه رواه أبو داود بإسناد صحيح.","vol":"6","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث</span>\nقال الله تعالى: ﴿إنما النجوى من الشيطان﴾\n١٥٨٩ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إذا كانوا ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث متفق عليه.\nورواه أبو داود وزاد: قال أبو صالح: قلت لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرك.\nورواه مالك في الموطأ: عن عبد الله بن دينار قال: كنت أنا وابن عمر عند دار خالد بن عقبة التي في السوق، فجاء رجل يريد أن يناجيه، وليس مع ابن عمر أحد غيري، فدعا ابن عمر رجلا آخر حتى كنا أربعة، فقال لي وللرجل الثالث الذي دعا: استأخرا شيئا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يتناجى اثنان دون واحد\n١٥٩٩ - وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، من","vol":"6","page":288},{"text":"أجل أن ذلك يحزنه متفق عليه.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n من الآداب التي حث عليها الإسلام ورغب فيها ما أشار إليه النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث، واستدل لذلك بقوله تعالى: إنما النجوى من الشيطان يعني التناجي من الشيطان، وبين الله ﷾ ماذا يريد الشيطان بهذه النجوى، قال: ﴿ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله﴾ وكانوا إذا مر بهم المسلمون يأخذ بعضهم إلى بعض في التناجي، يعني في الكلام السر، يتناجون فيما بينهم، لأجل أن يحزن المؤمنون ويقولون أن هؤلاء أرادوا بنا شرا أو ما أشبه ذلك؛ وذلك أن أعداء المؤمنين من المنافقين والكافرين يحرصون دائما على ما يحزنهم ويسوءهم؛ لأن هذا هو ما يريده الشيطان من أعداء الله، أي: يريد أن يحزن المؤمنين على كل حال، به وبأوليائه قال تعالى: ﴿وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله﴾ فمن توكل على الله واعتمد عليه فإنه لا يضره أحد، كما قال النبي ﷺ لابن عباس ﵄: واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك فهم يتناجون فيما بينهم لإحزان المؤمنين.","vol":"6","page":289},{"text":"ثم ذكر حديثي ابن عمر وابن مسعود ﵄ في هذا المعنى، وأن الرسول ﷺ نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث، يعني إذا كانوا ثلاثة فإنه لا يحل لاثنين أن يتناجيا دون الثالث، لأن الثالث يحزن، ويقول لماذا ما كلموني، هذا إذا أحسن بهما الظن، وربما يسيء بهما الظن، ولكن إذا أحسن بهما الظن قال لماذا أنا ليس لي قيمة؟ يتناجيان دوني؟ فلذلك نهى النبي ﷺ عن هذا، ولا شك أن هذا من الآداب.\nفإن قال قائل: إذا كانت بيني وبين صاحبي مسألة لا أحب أن يطلع عليها أحد، مسألة خاصة؟ قلنا: افعل كما فعل عبد الله بن عمر ﵄، ادع واحدًا لتكونوا كم؟ أربعة، فيتناجى اثنان، واثنان يتكلمان فيما بينهما، كما كان ابن عمر يفعل ﵁، وكما دل عليه الحديث: حتى تختلطوا بالناس في حديث ابن مسعود، فإذا اختلطا بالناس زالت المشكلة، ومن ذلك من التناجي بين اثنين دون الثالث، إذا كانوا ثلاثة واثنين يجيدان لغة أجنبية والثالث لا يجيدها، فجعلا يتحدثان بلغتهما، والثالث يسمع ولا يفهم ما يقولان، هذا نفس الشيء، لأن ذلك يحزنه، لماذا تركاني وصارا يتحدثان وحدهما؟ أو ربما يسيء الظن بهما، مثل أن يتكلم واحد مع آخر باللغة الإنجليزية، والثالث لا يعرفها، فهذا كالمتناجيين إذ أن رفع الصوت لا يفيدهم شيئا، فينهى عن ذلك، فإذا قال قائل: إذا كان له حاجة في أخيه؟ قلنا: يفعل كما فعل ابن عمر، وإذا لم يمكن ولم يقابلهم أحد، فإنهما يستأذنان منه، يقولان له أتأذن لنا أن نتكلم؟ فإذا أذن لهم في ذلك فالحق لهم، وحينئذ لا يحزن ولا يهتم بالأمر.\nوالله الموفق","vol":"6","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>باب النهي عن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي </span>أو زائد على قدر الأدب\nقال الله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا﴾\n١٦٠٠ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها، إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض متفق عليه.\nخشاش الأرض بفتح الخاء المعجمة، وبالشين المعجمة المكررة: وهي هوامها وحشراتها.\n١٦٠١ - وعنه أنه مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن","vol":"6","page":291},{"text":"من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا متفق عليه.\nالغرض: بفتح الغين المعجمة، والراء وهو الهدف، والشيء الذي يرمى إليه.\n١٦٠٢ - وعن أنس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم متفق عليه.\nومعناه: تحبس للقتل.\n١٦٠٣ - وعن أبي علي سويد بن مقرن ﵁، قال: لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن مالنا خادم إلا واحدة لطمها أصغرنا فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقها.\nرواه مسلم.\nوفي رواية: سابع إخوة لي:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب ذكره المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين النهي عن تعذيب الحيوان والولد والوالد ومن لك ولاية عليه، فإنه يحرم عليك أن تعذبه بضرب أو غيره إلا لسبب شرعي.","vol":"6","page":292},{"text":"ثم استشهد بقول الله تعالى: وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا هؤلاء كلهم أصحاب الحقوق ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ وهم أعظم البشر حقا عليك، الأم والأب ﴿وبذي القربى واليتامى والمساكين﴾ القربى يعني الأقارب من قبل الأم أو من قبل الأب، واليتامى: الصغار الذي مات آباؤهم ﴿والمساكين والجار ذي القربى﴾ المساكين هم الفقراء، والجار ذي القربى: الجار القريب، والجار الجنب: الجار البعيد، والصاحب بالجنب، قيل: هي الزوجة وقيل: هو الصاحب في السفر ﴿وابن السبيل﴾ المسافر الذي انقطع به السفر ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ هذا الشاهد، أي: ما ملكت أيمانكم من الأرقاء والبهائم، فإن الإنسان مأمور بالإحسان إليهم إن كان من بني آدم أرقاء يطعمهم مما يطعم ويكسوهم مما يكتسي وينزلهم المنازل اللائقة بهم ولا يكلفهم ما لا يطيقون، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، الهرة هي القطة، حبستها ولم تجعل عندها ماء ولم تجعل عندها طعاما حتى ماتت فدخلت النار بسبب هذه الهرة، وعذبت بها، والعياذ بالله، مع أنها هرة لا تساوي شيئا، لكنها أساءت إليها هذه الإساءة حبستها حتى ماتت جوعا.\nوفهم من هذا الحديث أنها لو جعلت عندها طعاما وشرابا","vol":"6","page":293},{"text":"يكفي فإن ذلك لا بأس به.\nومن هذا الطيور التي تحبس في الأقفاص، إذا وضع عندها الطعام والشراب ولم يقصر عليها وحفظها من الحر والبرد فلا بأس، وأما إذا قصر وماتت بسبب تقصيره فإنه يعذب بها، والعياذ بالله، كما عذبت هذه المرأة في الهرة التي حبستها، فدل ذلك على أنه يجب على الإنسان أن يحرص على ما ملكت يمينه من البهائم، والآدميون أولى وأحرى لأنهم أحق بالإكرام.\nأما الحديث الثاني أن ابن عمر ﵄ مر بفتيان بقريش وقد جعلوا طائرا يرمون عليه، أيهم أشد إصابة، فلما رأوا عبد الله بن عمر ﵁ تفرقوا هربا منه، ثم قال: ما هذا؟ فأخبروه، فقال: لعن الله من فعل هذا لعن الله من فعل هذا وذكر أن النبي ﷺ لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا.\nوهذا لأنه يتألم إذ أن هذا يضربه على جناحه، وهذا يضربه على صدره، وهذا يضربه على ظهره، وهذا على رأسه فيتأذى، فلهذا لعن النبي ﷺ من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا.\nأما بعد ما مات فقد مات لا يحس بشيء.\nوكذلك الحديث الذي بعده أن النبي ﷺ نهى أن يقتل الحيوان صبرا، ومعناه أن يحبس ثم يقتل، فإن هذا لا يجوز، وذلك لأنه إذا حبس كان مقدورا على ذبحه وتزكيته فلا يحل أن يرمى، ورميه إيلاما له من وجه وإضاعة لماليته من وجه آخر.\nوالله الموفق\n١٦٠٤ - وعن أبي مسعود البدري ﵁ قال: كنت اضرب","vol":"6","page":294},{"text":"غلاما لي بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي: اعلم أبا مسعود فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا وفي رواية: فسقط السوط من يدي من هيبته وفي رواية: فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى فقال: أما لو لم تفعل، للفحتك النار، أو لمستك النار.\nرواه مسلم بهذه الروايات.\n١٦٠٥ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: من ضرب غلاما له حدا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه رواه مسلم.\n١٦٠٦ - وعن هشام بن حكيم بن حزام ﵄ أنه مر بالشام على أناس من الأنباط، وقد أقيموا في الشمس، وصب على رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذبون في الخراج، وفي رواية: حبسوا في الجزية.\nفقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا فدخل على الأمير، فحدثه، فأمر بهم فخلوا.\nرواه مسلم.","vol":"6","page":295},{"text":"الأنباط: الفلاحون من العجم.\n١٦٠٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ حمارا موسوم الوجه، فأنكر ذلك؟ فقال: والله لا أسمه إلا أقصى شيء من الوجه، وأمر بحماره، فكوي في جاعرتيه، فهو أول من كوى الجاعرتين رواه مسلم.\nالجاعرتان: ناحيتا الوركين حول الدبر.\n١٦٠٨ - وعنه أن النبي ﷺ: مر عليه حمار قد وسم في وجهه فقال: لعن الله الذي وسمه رواه مسلم.\nوفي رواية لمسلم أيضا: نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ساقها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب النهي عن تعذيب الحيوان والرقيق والولد وغيرهم ممن يؤدبهم الإنسان، وذلك أن المقصود بالتأديب هو الإصلاح وليس المقصود بالتأديب الإيلام والإيجاع،","vol":"6","page":296},{"text":"ولذلك لا يجوز للإنسان أن يضرب الولد ما دام يمكن أن يتأدب بدون الضرب، فإذا لم يتأت الأدب إلا بالضرب فله أن يضرب، وإذا ضرب فإنه يضرب ضربا غير مبرح، واذكروا قول الله ﷿ في النساء: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فجعل الضرب في المرتبة الثالثة، والمقصود من الضرب هو التأديب لا أن يصل إلى حد الإيلام والإيجاع.\nوذكر المؤلف أحاديث، منها حديث أبي مسعود البدري ﵁ أنه كان يضرب غلاما له، فسمع صوتا من الخلف يقول: أبا مسعود ولم يفقه ما يقول من شدة الغضب، فإذا الذي يتكلم هو رسول الله ﷺ فقال: يا أبا مسعود ألم تعلم أن الله أقدر عليك من قدرتك على هذا الغلام؟ يعني تذكر قدرة الله ﷿، فإنه أقدر عليك من قدرتك على هذا الغلام، وإلى هذا يشير الله ﷿ في الآية التي ذكرناها ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا﴾ فلما رأى أنه النبي ﷺ وذكره بهذه الموعظة العظيمة أن الله أقدر عليه من قدرته على هذا العبد، سقطت العصا من يده هيبة لرسول الله ﷺ ثم أعتقه، أعتق العبد، وهذا من حسن فهمه ﵁ لأن الله تعالى يقول: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ فبدلًا من أنه أساء إلى هذا العبد أحسن إليه بالعتق، لهذا أرشد النبي إلى هذا بأن من ضرب عبده أو لطمه فإن كفارة ذلك أن يعتقه، لأن الحسنات يذهبن السيئات.","vol":"6","page":297},{"text":"ثم ذكر حديث هشام بن حكيم بن حزام ﵁، في قصة المحبوسين في الخراج، المحبوسين في الخراج وهم الأنباط، وسموا أنباطا لأنهم يستنبطون الماء أي يستخرجونه، وهم فلاليح فلاحون في الشام عليهم خراج، وكأنهم لم يؤدوه، فعاقبهم الأمير هذه العقوبة العظيمة، جعلهم في الشمس في الحر الشديد وصب على رؤوسهم الزيت، لأن الزيت تشتد حرارته مع الشمس، وهذا عذاب عظيم مؤلم موجع، فدخل هشام ﵁ إلى الأمير فأخبره ففك الأمير أسرهم وأطلقهم، وفي هذا دليل على حسن سيرة السلف ﵃ في مناصحة الحكام وأنهم يتقدمون إلى الحاكم وينصحونه، فإن اهتدى فهذا المطلوب، وإن لم يهتد برأت ذمة الناصح وصارت المسئولية على الحاكم لكن الحكام الذين يخافون الله ﷿ إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا، اتعظ هذا الحاكم وأمر بإطلاقهم، فدل هذا على أن التعذيب الذي يصل إلى هذا الحد أنه لا يجوز.\nوكذلك أيضا من الأحاديث التي ذكرها المؤلف الوسم في الوجه، وسم الحيوانات في الوجه حرام من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ لعن من فعل هذا، والوسم هو عبارة عن كي يكوي الحيوان ليكون علامة، ولهذا هو مشتق من السمة، وهي العلامة، يتخذ أهل المواشي علامة لهم، كل قبيلة لها وسم معين إما شرطتان أو شرطة مربعة أو دائرة أو هلال، المهم أن كل قبيلة لها وسم معين، والوسم هذا يحفظ الماشية إذا وجدت ضالة يعني ضائعة عرف الناس أنها لهؤلاء القبيلة فذكروها لهم، وكذلك أيضا هي قرينة في مسألة الدعوى، لو أن إنسان وجد بهيمة عليها وسم في يد إنسان وادعى أنها له فإن هذه قرينة","vol":"6","page":298},{"text":"تدل على صدق دعواه ترجح بها دعوى المدعي، وهي من الأمور الثابتة بالسنة فإن النبي ﷺ كان يسم إبل الصدقة وكذلك الخلفاء من بعدهم، لكن الوسم لا يجوز أن يكون في الوجه، لأن الوجه لا يضرب ولا يوسم ولا يقطع، هو جمال البهيمة، أين يكون الوسم؟ في الرقبة، يكون في العضد، يكون في الفخذ، يكون في أي موضع من الجسم إلا الوجه، وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا رأى شيئا مما يلعن فاعله فقال: اللهم العن من فعل هذا فلا إثم عليه، لو وجدنا بهيمة موسومة في الوجه وقلنا اللهم العن من وسمها فلا بأس، لكن ما نقول فلان ابن فلان، تقول اللهم العن من وسمها كما قال النبي ﷺ ومثل ذلك إذا رأينا قذرا في الشارع يعني غائطا وجدناه في الشارع، لنا أن نقول: لعن الله من تغوط هاهنا، لأن النبي ﷺ يقول: اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في المواني وقارعة الطريق والظل وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وجعلنا هداة مهتدين من عبادة الصالحين المصلحين","vol":"6","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حتى النملة ونحوها</span>\n١٦٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: إن وجدتم فلانا وفلانا لرجلين من قريش سماهما فأحرقوهما بالنار ثم قال ﷺ حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما رواه البخاري.\n١٦١٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة تعرش فجاء النبي ﷺ: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن.\nقال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار.\nرواه أبو داود بإسناد صحيح.\nقوله: قرية نمل معناه: موضع النمل مع النمل.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تحريم التعذيب بالنار، يعني أنه لا يحل لإنسان أن يعذب أحدا بالإحراق، لأنه يمكن التعذيب بدونه، ويمكن إقامة الحدود بدون ذلك، فيكون الإحراق زيادة تعذيب لا حاجة لها.","vol":"6","page":300},{"text":"ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ بعث رجالا في سرية وقال: إذا وجدتم فلانا وفلانا لرجلين سماهما فأحرقوهما بالنار فاعتمد الصحابة ذلك امتثالا لأمر النبي ﷺ فلما أرادوا الخروج، قال كنت قلت: كذا وكذا ولكن لا يعذب بالنار إلا الله ﷿ فإن وجدتموهما فاقتلوهما فنسخ النبي ﷺ أمره الأول بأمره الثاني، أمره الأول أن يحرقا وأمره الثاني أن يقتلا، فدل ذلك على أن الإنسان إذا استحق القتل فإنه لا يحرق بالنار وإنما يقتل قتلا عاديا حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية.\nوكذلك الحديث الذي رواه أبو داود أن النبي ﷺ مضى لحاجته فوجد الصحابة حمرة، نوع من الطيور، معها ولداها، فأخذوا ولديها، فجعلت تعرش، يعني تحوم حولهم، كما هو العادة أن الطائر إذا أخذ أولاده جعل يعرض ويحوم ويصيح لفقد أولاده، لأن الله ﷾ جعل في قلوب البهائم رحمة لأولادها، حتى أن البهيمة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وهذا من حكمة الله ﷿، فأمر النبي ﷺ أن يطلق ولديها لها، فأطلقوا ولديها، ثم مر بقرية نمل قد أحرقت فقال: من أحرق هذا؟ قالوا: نحن يا رسول الله.\nقرية النمل يعني مجتمع النمل، جحورها، أحرقوها بالنار، فقال النبي ﷺ: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار فنهى عن ذلك، وعلى هذا إذا كان عندك نمل فإنك لا تحرقها بالنار وإنما تضع شيئا يطردها مثل الجاز إذا صفيته على الحجر فإنها تنفر بإذن الله ولا ترجع، وإذا لم يمكن اتقاء شرها إلا بمبيد يقتلها نهائيا، أعني النمل، فلا بأس، لأن هذا دفع لأذاها، وإلا فالنمل مما نهى النبي ﷺ عن قتله، لكن إذا آذاك ولم يندفع إلا بالقتل فلا بأس بقتله","vol":"6","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>باب تحريم مطل الغني بحق طلبه صاحبه</span>\nقال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وقال تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾\n١٦١١ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع.\nمتفق عليه.\nمعنى أتبع أحيل.\n:\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم مطل الغني، يعني في الحق الذي يجب عليه لغيره، والمطل هو التأخير، وهو ظلم، فإذا كان لك حق على إنسان حال وطلبته منه ولكنه صار يماطل فإن ذلك ظلم وحرام وعدوان، ومن ذلك ما يفعله الكفلاء لمكفوليهم، فإنهم والعياذ بالله يماطلونهم ويؤذونهم ولا يؤتوهم تجد هذا الفقير المسكين الذي ترك أهله وبلده لينال لقمة العيش، يبقي أربعة أشهر، خمسة أشهر وأكثر والكفيل يماطل به والعياذ بالله ويهدده بأنه إن تكلم سفره، ألا يعلم هؤلاء أن الله فوقهم وأن الله أعلى منهم وأنه ربما يسلط عليهم قبل أن يموتوا من يسومهم","vol":"6","page":302},{"text":"سوء العذاب، نسأل الله العافية، لأن هؤلاء مساكين، وقد قال النبي ﷺ عن ربه ﵎ أنه قال: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر يعني عاهد بالله ثم غدر والعياذ بالله ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره فهؤلاء خصماء الله يوم القيامة، نعوذ بالله من حالهم، ومكرهم ظلم، وكل ساعة بل كل لحظة تمر عليهم لا يوفون هذا حقه لا يزدادون من الله إلا بعدا، ولا يزدادون إلا ظلما، والعياذ بالله، والظلم ظلمات يوم القيامة.\nثم استدل بقوله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ومن الأمانات ثمن المبيع، إذا باع عليك إنسان شيئا وبقي ثمنه في ذمتك فهو يشبه الأمانة، يجب أن تؤديها ولا يحل لك أن تماطل بها.\nواستدل أيضا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع فجمع النبي ﷺ في هذا الحديث بين حسن القضاء وحسن الاقتضاء، أما حسن القضاء فقال: مطل الغني ظلم وهذا يتضمن الأمر بالمبادرة إلى إيتاء الحق وألا يتأخر فإن فعل فهو ظلام وما أكثر الذين يؤتي إليهم يطلب منهم الثمن أو الأجرة ويقول غدا بعد غد والدراهم عنده في الردج ولكن يلعب","vol":"6","page":303},{"text":"به الشيطان وكأنه إذا بقيت عنده تزيد وكأنها تنقص يعني ينقص صاحب الحق منها وعجبا لهؤلاء الذين سفهوا في عقولهم وضلوا في دينهم هل يظنون أنهم إذا ماطلوا يسقط عنهم الحق أو ينقص أبدا الحق باق سراء أعطاه اليوم أو بعد عشرة أيام أو بعد عشر سنين لكن الشيطان يلعب بهم وقول الرسول ﷺ: مطل الغني يدل على أن مطل الفقير ليس بظلم إذا كان الإنسان ليس عنده شيء وماطل فهذا ليس بظالم بل الظالم الذي يطلبه ولهذا إذا كان صاحبك فقيرا وجب عليك أن تنظره وألا تطلبه وألا تطالبه به لقول الله تعالى ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ فأوجب الله الانتظار إلى الميسرة وكثير من الناس يكون له الحق عند الفقير ويعلم أنه فقير ويطالبه ويشدد عليه ويرفع بشكواه إلى ولاة الأمور ويحبس على دينه وهو ليس بقادر هذا أيضا حرام وعدوان ويجب على القاضي إذا علم أن هذا فقير وطالبه من له الحق يجب عليه أن ينهر صاحب الحق وأن يوبخه وأن يصرفه لأنه ظالم فإن الله أمره بالانتظار ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ ولا يحل له أبدا أن يقول له أعطني حقي وهو يدري أنه فقير ولا يتعرض له وقوله: من أحيل على مليء فليتبع يعني إذا كان إنسان له حق على زيد وقال له زيد أنا أطلب عمرا مقدار حقي يعني مثلا زيد مطلوب ١٠٠ ريال وهو يطلب عمرا ١٠٠ ريال فقال أنا أحيلك على عمرو في ١٠٠ ريال فليس للطالب أن يقول","vol":"6","page":304},{"text":"لا أقبل لأن الرسول ﷺ قال: من أحيل على مليء فليتبع إلا إذا كان المحول عليه فقيرا أو مماطلا أو قريبا للشخص لا يستطيع أن يرافعه عند الحاكم المهم إذا وجد مانع فلا بأس أن يرفض الحوالة وأنا إذا لم يكن مانع فإن النبي ﷺ أمر أن يقبل الحوالة قال: فليتبع واختلف العلماء هل هذا على سبيل الوجوب أو أن هذا على سبيل الاستحباب فذهب الحنابلة ﵏ إلى أن هذا على سبيل الوجوب وأنه يجب على الطالب أن يتحول إن حول على إنسان مليء وقال أكثر العلماء إنه على سبيل الاستحباب لأن الإنسان لا يلزمه أن يتحول قد يقول صاحب الأول أهون وأيسر وأما الثاني فأهابه وأخاف منه وما أشبه ذلك لكن لا شك أن الأفضل أن يتحول إلا لمانع شرعي والله الموفق","vol":"6","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>باب كراهية عودة الإنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له</span>\n١٦١٢ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه متفق عليه وفي رواية: مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيئ ثم يعود في قيئه فيأكله وفي رواية العائد في هبته كالعائد في قيئه\n١٦١٣ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه","vol":"6","page":306},{"text":"برخص فسألت النبي ﷺ فقال: لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه متفق عليه قوله: حملت على فرس في سبيل الله معناه تصدقت به على بعض المجاهدين\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب ذكر المؤلف ﵀ فيه ما يدل على تحريم الرجوع في الهبة يعني أنك إذا أعطيت إنسانا شيئا مجانا تبرعا من عندك فإنه لا يحل لك أن ترجع فيه سواء كان قليلا أم كثيرا لأن النبي ﷺ شبه العائد في هبته بالكلب الكلب يقيء ما في بطنه ثم يعود فيأكله وهذا تشبيه قبيح شبه النبي ﷺ العائد في هبته بهذا تقبيحا له وتنفيرا منه ولا فرق بين أن يكون الذي وهبته من أقاربك أو من الأباعد عندك فلو وهبت لأخيك شيئا ساعة أو قلما أو سيارة أو بيتا فإنه لا يحل لك أن ترجع فيه إلا أن ترضي لنفسك أن تكون كلبا ولا أحدا يرضي لنفسه أن يكون كلبا وكذلك الابن لو وهب لأبيه شيئا فإنه لا يرجع فيه كرجل غني له أب فقير فوهبه بيتا فإنه لا يجوز له أن يرجع في الهبة ولو كان أباه أما العكس لو أن الرجل وهب ابنه شيئا فلا بأس أن يرجع فيه لقول النبي ﷺ: لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما يعطي ولده لأن الوالد له الحق أن يأخذ من","vol":"6","page":307},{"text":"مال ولده الذي لم يهبه له ما لم يضره ثم ذكر أيضا حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه حمل على فرس في سبيل الله يعني أعطى رجلا فرسا يقاتل عليه فأضاعه الرجل وأهمله فظن عمر ﵁ أنه يبيعه برخص وأنه ليس قادرا على تحمل مؤونته فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم لأنك أخرجته لله ولا يمكن للإنسان أن يشتري صدقته لأن ما أخرجه الإنسان لله لا يعود فيه ولهذا قال: العائد في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه فتركه عمر ﵁ هذا إذا قبض الموهوب له الهبة أما قبل قبضها فهذا لا يحرم عليه أن يعود لكن يوفي بوعده كما لو قال شخص لآخر سوف أعطيك ساعة مثلا ولكنه لم يسلمها له فله أن يرجع لكن ينبغي أن يفي بوعده لأن الذي لا يفي بما وعد فيه خصلة من خصال النفاق ولا يجوز للإنسان أن يتحلى بخصال المنافقين والله الموفق","vol":"6","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>باب تأكيد تحريم مال اليتيم</span>\nقال الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ وقال تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾\n١٦١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات متفق عليه الموبقات المهلكات\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب تحريم أموال اليتامى اليتامى هم الذين مات آباؤهم قبل البلوغ سواء كانوا ذكورا أو إناثا وهؤلاء أعني اليتامى محل الرفق والعناية والرحمة والشفقة لأنهم كسرت قلوبهم بموت آبائهم وليس لهم عائل إلا الله ﷿ فكانوا محل الرفق والعناية","vol":"6","page":309},{"text":"ولهذا أوصى الله بهم في كتابه وحث على الرحمة بهم آيات كثيرة ولا يحل للإنسان أن يأكل أموال اليتامى ظلما لقول الله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ويوجد بعض الناس والعياذ بالله يموت أخوه ويكون له أولاد صغار فيتولى ماله ويتاخر به لنفسه والعياذ بالله ويتصرف فيه بغير حق وبغير مصلحة للأيتام وهؤلاء يستحقون هذا الوعيد أنهم يأكلون في بطونهم نارا نسأل الله العافية وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ يعني لا تتعاملوا في أموال اليتامى إلا بالتي هي أحسن فإذا كان أمامك مشروعان تريد أن تشغل مال اليتيم في واحد منهما فانظر أيهما أقرب إلى المصلحة والربح والسلامة فافعل ولا يحل لك أن تفعل ما هو أسوأ لحظ نفسك أو لحظ قريب أو أشبه ذلك بل انظر للذي هو أحسن فإن أشكل عليك هل فيه مصلحة لليتيم أم لا فلا تتصرف أمسك الدراهم لأن الله قال ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ فإذا أشكل عليك فلا تفعل ولا يحل لك أن تقرض أحدا من مال اليتامى يعني جاء إنسان يقول سلفني مثلا ١٠٠٠٠ ريال أو ١٠٠٠٠٠ ريال وعندك مالا لليتيم لا يحل لك أن تقرضه لأنه قد يعجز عن الوفاء ولا مصلحة لليتيم في قرضة وإذا كان لا يجوز أن تقرضه غيرك فمن باب أولى أن تستقرضه أنت لنفسك وبعض أولياء اليتامى والعياذ بالله يتجرءون يستقرض مال اليتيم لنفسه ويتصرف فيه لنفسه والكسب له والربح له ومال اليتيم لا يستفيد والله بقول ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ فإذا رأيت","vol":"6","page":310},{"text":"أن هذا المشروع أحسن وساهمت فيه وقدر الله أن يخسر هذا المشروع فليس عليك شيء لأنك مجتهد والمجتهد لو أصاب له أجران وإن أخطأ فله أجر لكن تتعمد أن تترك ما هو أحسن لما دونه هذا حرام عليك وقال الله تبارك تعالى: ﴿ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوا فإخوانكم﴾ وهذه الآية وردت جوابا عن سؤال أورده الصحابة على الرسول ﷺ قالوا يا رسول الله نحن عندنا أموال اليتامى والبيت واحد والطعام واحد كيف نعمل إن جعلنا طعام هؤلاء في إناء خاص تعبنا وربما يفسد عليهم ماذا نعمل فقال الله ﷿ ﴿إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ يعني افعلوا ما هو الأصلح وخالطوهم اجعلوا القدر واحد والإناء واحد وما دمتم تريدون الإصلاح فالله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم وشق عليكم لكنه ﷾ رحيم بالمؤمنين ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات السبع الموبقات المهلكات التي تهلك الدين والعياذ بالله قالوا وما هن يا رسول الله قال الشرك بالله وهذا أعظم الموبقات أن تشرك بالله ﷿ وهو خلقك وأنعم عليك في بطن أمك وبعد وضعك وفي حال صباك أنعم الله عليك بنعم كثيرة فتشرك به","vol":"6","page":311},{"text":"والعياذ بالله هذا أظلم الظلم أظلم الظلم أن تجعل لله ندا وهو خلقك وهذا أعظم الموبقات الإشراك بالله والإشراك بالله أنواع كثيرة منها أن يعظم الإنسان المخلوق كما يعظم الخالق وهذا موجود عند بعض الخدم الأحرار وغير الأحرار تجده يعظم رئيسه يعظمه ملكه يعظم وزيره أكثر من تعظيم الله والعياذ بالله هذا شرك عظيم تعظم مخلوقا مثلك أعظم من تعظيم الله ويدل لهذا أن أميره أو وزيره أو ملكه أو سيده إذا قال افعل كذا وقت الصلاة ترك الصلاة وفعل حتى لو خرج وقتها لا يبالي معناه أنه جعل تعظيم المخلوق أعظم من تعظيم الخالق ومن ذلك أيضا المحبة أن يحب أحدا من المخلوقين كمحبة الله أو أعظم تجده يداري هذا الإنسان ويطلب محبته أكثر من محبه الله وهذا يوجد والعياذ بالله في المفتونين بالعشق الذين فتنوا بالعشق سواء كان عشق نساء أو مردان تجد قلبه مملوء بمحبة غير الله أكثر من محبة الله وقد قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ ومن ذلك وهو أمر خفي من ذلك الرياء فإنه من الشرك بالله يقوم الإنسان يصلي ويزين صلاته لأن فلانا يراه ينظر إليه يصوم ليقال إنه رجل عابد يصوم يتصدق ليقال إنه رجل كريم يتصدق هذا رياء وقد قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ومن ذلك أيضا من الشرك وهو خفي أيضا أن تأخذ الدنيا لب الإنسان وعقله تجد","vol":"6","page":312},{"text":"عقله وفكره وبدنه ونومه ويقظته كلها في الدنيا ماذا كسب اليوم وماذا خسر ولذلك تجده يتحيل على الدنيا بالحلال والحرام والكذب والخديعة لولاة الأمور ولا يبالي لأن الدنيا استعبدته والعياذ بالله والدليل على هذا الشرك قول النبي ﷺ: تعس عبد الدينار هل تظنون أن هذا يسجد للدينار لا لكن الدينار ملك قلبه تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة يعني الثياب تعس عبد الخميلة يعني الفرش ما همه إلا تجميل ثيابه تجميل فراشه أكبر عنده من الصلاة وغيرها من عبادة الله إن أعطى رضي وإن لم يعط سخط إن أنعم الله عليه قال هذا الرب الكريم العظيم الجليل الذي يستحق كل شيء وإن لم يعط سخط والعياذ بالله ﴿يعبد الله على حرف فإن أصابه خيرا اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة﴾ يقول الرسول ﷺ: إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس خسر انتكس انتكست عليه الأمور وأفسد الله عليه أمره وإذا شيك فلا انتقش يعني معناه أن الله يعسر عليه الأمور حتى الشوكة لا يقدر يطلعها من بدنه إذا شيك أي أصابته الشوكة فلا انتقش ثم قال في مقابل هذا طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله طوبى يعني الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة لهذا العبد لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه","vol":"6","page":313},{"text":"انظر الأول عبد خميصة وخميلة أما الثاني ما يبالي بنفسه أهم شيء عنده هو عبادة الله ورضا الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الساقة كان في الساقة يعني معناه أنه لا يبالي أية منزلة ينزلها إذا كانت فيها مصلحة الجهاد فإنه يكون فيها هذا هو الذي ربح الدنيا والآخرة فالحاصل أن من الناس من يشرك بالله وهو لا يعلم وأنت يا أخي إذا رأيت الدنيا قد ملأت قلبك وأنه ليس لك هم إلا هي تنام عليها وتستيقظ عليها فاعلم أن في قلبك شركا لأن الرسول ﷺ قال: تعس عبد الدينار ويدل لهذا أنه يحرص على الحصول على المال سواء بالحلال أو بالحرام والذي يعبد الله حقا لا يمكن أن يأخذ المال بالحرام إطلاقا لأن الحرام فيه سخط الله والحلال فيه رضا الله ﷿ والإنسان الذي يعبد الله حقا يقول لا يمكن أن أخذ المال إلا بطريقة ولا أصرفه إلا بطريقة فالحاصل أن الرسول ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا وما هن قال: الشرك بالله وإن شاء الله يأتي بقية الكلام على بقية الحديث والله الموفق","vol":"6","page":314},{"text":"/٠L٢ باب تغليظ تحريم الربا\nقال الله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ إلى قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا﴾ وأما الأحاديث في الصحيح فهي مشهورة ومنها حديث أبي هريرة السابق في الباب قبله\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب تغليظ تحريم الربا الربا هو الزيادة أو التأخير لأنه إما زيادة في شيء على شيء وإما تأخير قبض وقد بين الله ﷿ في كتابه حكم الربا وذكر فيه من الوعيد وكذلك النبي ﷺ ذكر حكم الربا وما فيه من الوعيد وبين النبي ﷺ أين يكون الربا وكيف يكون فذكر أن الربا يكون في ستة أصناف الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح هذه ستة أشياء هي التي فيها الربا","vol":"6","page":320},{"text":"إذا بعت شيئا بجنسه فلابد من أمرين التساوي والتقابض قبل التفرق بعت ذهبا بذهب لابد أن يكون سواء في الميزان وأن يكون القبض من الجانبين قبل التفرق بعت فضة بفضة لابد أن يكون سواء في الميزان وأن يكون القبض قبل التفرق من الجانبين بعت برا ببر لابد أن يكون سواء في المكيال وأن يكون القبض قبل التفرق من الجانبين بعت شعيرا بشعير لابد أن يكون سواء بالمكيال وأن يكون القبض قبل التفرق من الجانبين بعت تمرا بتمر لابد أن يكون سواء في المكيال وأن يكون القبض قبل التفرق من الجانبين بعت ملحا بملح لابد أن يكون سواء في المكيال وأن يكون القبض قبل التفرق هذا إذا بعت الشيء بجنسه من هذه الأصناف الستة وإن بعته بغير جنسه فلابد من التقابض قبل التفرق من الجانبين ولا يشترط التساوي فإذا بعت صاعا من البر بصاعين من الشعير فلا بأس لكن لابد من القبض قبل التفرق وإذا بغت صاعا من التمر بصاعين من الشعير فلا بأس لكن بشرط التقابض قبل التفرق وإذا بعت ذهبا بفضة فلا بأس بالزيادة أو النقص لكن لابد من القبض قبل التفرق هذه هي الأصناف الستة التي نص الرسول ﷺ على جريان الربا فيها وكذلك ما كان بمعناها فإنه يكون له حكمها لأن هذه الشريعة الإسلامية لا تفرق بين شيئين متماثلين كما أنها لا تساوي بين شيئين مفترقين","vol":"6","page":321},{"text":"أما حكم الربا فإنه من السبع الموبقات من كبائر الذنوب والعياذ بالله ومن تعاطى الربا ففيه شبه من اليهود أخبث عباد الله لأن اليهود هم الذين يأكلون السحت ويأكلون الربا فمن تعامل بالربا من هذه الأمة فإن فيه شبها من اليهود نسأل الله العافية أما الوعيد عليه فقال الله ﷿ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس هذا حكمه ﴿لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ الشيطان يسلط على بني آدم نسأل الله السلامة إلا أن يمن الله عليه بالأذكار الشرعية التي تقيه من الشياطين مثل قراءة أية الكرسي في كل ليلة وغيرها مما هو معروف فالشيطان يسلط على بني آدم ويصرعه ويبقى الإنسان يبطش بيديه ويفرفش بيديه ورجليه ويتخبط هؤلاء أكلة الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس مجانين واختلف العلماء ﵏ هل المعنى لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا على هذا الوصف يعني يقومون من القبور كأنهم مجانين كأن يضربهم الشيطان بالمس أو المعنى لا يقومون للربا لأنهم يأكلون الربا وكأنهم مجانين من شدة طمعهم وجشعهم وشحهم لا يبالون فيكون هذا وصفا لهم في الدنيا والصحيح أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين فأنها تحمل عليهما جميعا يعني أنهم في الدنيا يتخبطون ويتصرفون تصرف الذي يتخبطه الشيطان من المس وفي الآخرة كذلك يقومون من قبورهم على هذا الوصف نسأل الله العافية","vol":"6","page":322},{"text":"ثم قال ﷿ مبينا أن هؤلاء قاسوا قياسا فاسدا فقالوا: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ لا فرق كما أنك تبيع للرجل مثلا شاة بمائة ريال تبيع عليه درهم بدرهمين أي فرق فيقولون ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ وقياسهم هذا كقياس الشيطان حين أمره الله أن يسجد لآدم فقال ﴿قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ فقابل النص بالقياس الفاسد هؤلاء أيضا قاسوا قياسا فاسدا فبين الله ﷿ أنه لا قياس مع الحكم الشرعي قال ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ ولم يحل الله البيع ويحرم الربا إلا للفرق العظيم بينهما وأنهما ليسا سواء لكن من طمس الله قلبه رأى الباطل حقا والحق باطلا والعياذ بالله كما قال ﷿ فيمن طمس الله على قلبه ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين﴾ القرآن الكريم أساطير الأولين أعظم كلام وأبين كلام وأفصح كلام يقولون أساطير الأولين لماذا ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ إذا انطمس القلب والعياذ بالله رأى الباطل حقا ورأى الحق باطلا هؤلاء يقولون ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ فقال الله ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ ثم عرض الله ﷿ التوبة على هؤلاء الأكالين للربا كعادته جل وعلا يعرض التوبة على المذنبين لعلهم يتوبون إليه لأن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين حتى قال الرسول ﷺ: لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته كان رجل في البر معه راحلته عليها طعامه وشرابه","vol":"6","page":323},{"text":"فضاعت منه ضاع الطعام والشراب وهو في فلاة من الأرض ليس عنده أحد طلبها ولم يجدها فاضطجع تحت شجرة ميت ينتظر أن يقبض الله روحه فبينما هو كذلك إذا بخطام الناقة متعلق بالشجرة وهو بين الحياة والموت فأخذ بالخطام وقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك يريد أن يقول أنت ربي وأنا عبدك لكنه أخطأ من شدة الفرح قال النبي ﷺ لله أشد فرحا بتوبة الإنسان من هذا الرجل براحلته مع أن هذا الفرح لا يمكن أن يدركه الإنسان الآن نحن لا نصف شدة هذا الفرح رجل مقبل على الموت فاقد ماله وطعامه وشرابه وناقته فإذا بها عنده لا يمكن أن يتصور إنسان شدة هذا الفرح فالله ﷿ أشد فرحا بتوبة العبد من هذا بناقته انظر ماذا قال هنا يقول جل وعلا ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ الحمد لله يعنى الأكال للربا إذا جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف يغفر له كل ما سلف ولا يؤاخذ عليه وأمره إلى الله ولكن إذا جاءت الموعظة وله ربا في ذمم الناس وجب عليه أن يسقطه يجب أن يسقطه لأن الله قال ﴿فله ما سلف﴾ أما ما بقي فليس له ولهذا أعلن الرسول ﷺ في حجة الوداع أعلن إعلانا إلى يوم القيامة قال ربا الجاهلية موضوع يعني الربا الذي كانوا يترابون به في الجاهلية موضوع مهدر يوجد أقارب للرسول يرابون في الجاهلية يجب عليهم إسقاط الربا أو لا يجب يجب ولهذا قال أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب ما صلته بالعباس بن عبد المطلب العباس عمه أول","vol":"6","page":324},{"text":"ربا أضع ربا العباس هكذا الحكم هكذا السلطان أول ما يبدأ السلطان بأقاربه خلاف عادة الناس اليوم أقارب السلطان عندهم حماية دبلوماسية يفعلون ما يشاءون لكن في عهد الرسول ﵊ يقول أول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله تأكيد عمر بن الخطاب ﵁ إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله وأقاربه وقال نهيت الناس عن كذا وكذا وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم والله لا يبلغني عن أحد منكم أنه فعله لأضعفن عليه العقوبة يعاقبه مرة ولا مرتين مرتين لأن هؤلاء الأقارب يخالفون متسترين أو لائذين بقربهم من الحاكم فيقول هذا القرب من الحاكم يوجب أن تضاعف عليكم العقوبة الله أكبر وبذلك ملكوا مشارق الأرض ومغاربها ودانت لهم الأمم الأمم ما يفعلون هكذا القريب من السلطان ليس عليه شيء لكن الأمة الإسلامية والخلافة الإسلامية أول من يقام عليه تنفيذ هذه الأحكام في من؟ في أقارب الحاكم حتى لا يقال الرجل حكم لأجل أن يقي أقاربه عقوبة الظالمين الحاصل أن الله ﷾ بمنه وكرمه ورحمته ولطفه يعرض التوبة على المذنبين ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم وقال ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات﴾ القصة هذه في من في أصحاب الأخدود الذين حفروا حفرا في الأرض وأضرموا فيها النيران ومن كان مؤمن ألقوه في النار ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد﴾","vol":"6","page":325},{"text":"يقول الله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يعرض عليهم التوبة وهم يحرقون أولياءه لكنه ﷿ يحب التوابين ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم يقول ﷿ ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ﴾ بعد أن تبين له الحكم ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه عقوبتهم في الآخرة أما العقوبة في الدنيا ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا﴾ يتلفه لكن التلف نوعان تلف حسي كأن يسلط على ماله آفة تفنيه إما أن يمرض ويحتاج إلى دواء ومعالجات أو يمرض أهله أو يسرق أو يحترق هذه عقوبة الدنيا ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا﴾ عقوبة حسية أو محق معنوي المال عنده يكيس أكياسا لكنه كالفقير لا ينتفع به هل يقال إن هذا عنده مال أبدا هذا أسوأ حالا من الفقير لأن ماله عنده بالأكياس يدخره لورثته أما هو فلم ينتفع به وهذا نسميه محقا حسيا أم معنويا محقا معنويا ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا﴾ نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الموعظة التي تحيي قلوبنا وتصلح أحوالنا انتهى\nقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.\nيَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب التغليظ يعني في أكل الربا وتحريمه وقد ذكر المؤلف فيه آيات من سورة البقرة وسبق الكلام عليها إلى قوله وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وقال ﴿ويربي الصدقات﴾ يربيها أي ينميها ويزيدها فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال من تصدق بعدل تمرة من طيب ولا يقبل إلا الطيب فإن الله تعالى يأخذها بيمينه ويريبها كما يربي","vol":"6","page":326},{"text":"أحدكم فلوه يعني فرسه الصغير حتى تكون مثل الجبل وقال تعالى ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله﴾ فالصدقات إحسان وعبادة لله إذا تصدق الإنسان بشيء من ماله فإن لله تعالى يضاعف له هذه الصدقة في ثوابها وأجرها وينزل البركة فيما بقي من ماله كما صح عن النبي ﷺ قال: ما نقصت صدقة من مال وإنما ذكر الله الصدقات بجانب الربا لأن الربا ظلم ظلم وأخذ للمال بالباطل والصدقات إحسان وخير فقارن هذا بهذا لأجل أن يتبين للإنسان الفرق بين المحسنين وبين الظالمين أكلة الربا ثم قال: ﴿إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ حثا على الإيمان والعمل الصالح ثم قال ﷿ ﴿يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ اتقوا فأمر بتقوى الله ثم قال: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ يعني اتركوه لا تأخذونه فخص بعد أن عم لأن تقوى الله تعم اجتناب كل محرم وفعل كل واجب ولما قال: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾ صار تخصيصا بعد تعميم ﴿فإن لم تفعلوا﴾ يعني وتدعوا ما بقي من الربا ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ وفي قراءة ﴿فآذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ والمعنى أعلنوا الحرب على الله ورسوله نسأل الله","vol":"6","page":327},{"text":"العافية ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ إن تبتم عن أكل الربا فلكم رؤوس أموالكم أنت أعطيت مائة وعشرين إذا صدقت في التوبة لا تأخذ إلا مائة فقط لأن الله يقول فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ﴿وقد ابتلى بعض الناس بالقياس الفاسد مع النص فقال: إذا أودعت مالك في بنوك أجنبية في أمريكا في إنجلترا في فرنسا في أي بلد فإنك تأخذ الربا وتتصدق به سبحان الله يلطخ الإنسان يده بالدم والنجاسة ثم يذهب ويغسلها لماذا لا يتجنب النجاسة من الأول هذا قياس فاسد مقابل للنص وفاسد في الاعتبار أيضا إذا أعطوك فقل لا شرعنا يحرم علينا الربا يقول بعض الناس إذا لم تأخذ منهم فإنهم يصرفونها في الكنائس وحرب المسلمين نقول من قال هذا ممكن أن صاحب البنك يأخذ لنفسه يأخذ لقرابته يأخذ لمصالحه من يقول إنها تصرف في الكنائس ثم على فرض أنها صرفت في الكنائس هل دخلت في ملكك حتى يقال إنك أعنتهم لم تدخل في ملكك أصلا ولهذا لا يعطونك ربح مالك ربما يدخلون مالك في مالهم ويخسر وإنما يعطونك ربا واضحا محددا من الأصل فليس هو ربح مالك حتى تقول أعطيتهم شيئا من مالي ليستعينوا به على الحرام أبدا ثم على فرض أنه ربح مالك أو أن مالك ربح أكثر وأبيت أن تأخذه لأنه ربا وصرفوه في الكنائس وفي حرب المسلمين هل أنت أمرتهم بهذا أبدا","vol":"6","page":328},{"text":"اتق الله رأس مالك لا تظلم ولا تظلم أما أن تأخذه وتقول أتصدق به ما مثل هذا الإنسان إلا مثل من أخذ الغائط بيده وعصره ثم قال أين المال لأطهر يدي هذا غير صحيح ثم يقول من الذي يضمن أنه إذا جاءك مليون أو مليونان ربا أنك ستتصدق بها ربما يغلبك الشح فتقول والله مليونان أتصدق لا أتصدق أنتظر ثم تمضي بك الأيام وتموت وتدعها لغيرك ثم إذا فعلت ذلك صرت قدوة للناس يقولون فلان أخشى دخل ماله في البنك وأخذ الربا إذا ما فيه بأس ستكون قدوة ثم إننا إذا استمرأنا هذا الشيء وأخذنا الربا معناه أننا لن نحاول أن نوجد بنكا إسلاميا لأن إنشاء البنك الإسلامي ما هو سهل صعب وفيه موانع وأناس يحولون بين المسلمين وبينه فإذا استمرأ الناس هذا سهل عليهم قال نأخذ الربا وهين حتى يجيب الله بنك إسلامي لكن لو قلنا هذا حرام عليك حينئذ يضطر المسلمون إلى أن ينشئوا بنوكا إسلامية تكفيهم هذه البنوك الربوية والحاصل أن من قال خذ الربا وتصدق به فقد قابل النص بالقياس والله ﷿ وضح﴾ فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ﴿وإذا كان عقد الربا الذي حصل في الجاهلية في عهد الرسول ﷺ وضعه الرسول مع أنه قبل الشريعة وأهل الجاهلية يتعارفون على أنه مباح ومع ذلك وضعه النبي ﷺ قال: ربا الجاهلية موضوع فكيف لمسلم يعرف أن الربا حرام ويقول لك آخذه وأتصدق به؟ فالحاصل من هذا مع الأسف اشتبهت مع بعض العلماء الذين يشار إليهم بالأصابع وظنوا أنه لا بأس به أن تأخذ هذا وتتصدق به ولو أمعنوا النظر وفكروا لعرفوا أنهم مخطئون ما حجتنا عند الله يوم القيامة﴾ وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ﴿ما قال إلا أن تتعاملوا مع الكفار﴾","vol":"6","page":329},{"text":"وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ﴿ولم يقل إلا إذا تعاملتم مع الكفار فخذوا الربا فالحقيقة أننا نأسف أن يوجد بعض من يشار إليه يفتون بمثل هذا مع أنهم لو أمعنوا النظر ودققوا لوجدوا أنهم على خطأ أنا معي قال لي ربي لك رأس مالك لا تظلم ولا تظلم أقول سمعا لك يا ربي وطاعة آخذ رأس مالي والباقي ما علي منه دعهم يجعلونه فيما يريدون ثم هل هؤلاء ما بقي عليهم أن يعمروا الكنائس إلا بربح يأخذونه مني الكنائس معمرة وحرب المسلمين شعواء بدراهمك وبغير دراهمك هل المسألة متوقفة على دراهمك يأخذونها ويصرفونها في الكنائس أو في حرب المسلمين هذا إذا قدرنا أنهم صرفوها في ذلك لكن هذا وهم وتخيل يلبس بها الشيطان يقول إن تركتم هذا صرفوه في الكنائس وفي إرهاب المسلمين من قال هذا فعلى كل حال نحن بيننا وبين الناس كتاب الله﴾ وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ﴿وإذا اتبعنا الشرع جعل الله لنا من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا أما إذا ذهبنا نقيس بعقولنا ونقول كالذين قالوا﴾ إنما البيع مثل الربا ﴿أو كالشيطان الذي قال﴾ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ﴿هذا غلط غلط عظيم فالمهم أن هذا يا إخواني شيء واضح ما يحتاج إلى اجتهاد﴾ وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ﴿إذا كان معسرا وحل وقت الدين وليس عنده شيء ألا أضيف عليه شيئا بدل إنظاره أصبر عليه لمدة يقول ما أخالفك ما عندك شيء الآن لكن هذا الألف نجعلها ألف ومائة إلى سنة يقول لا أبصر الآية التي بعدها﴾ وإن كان ذو عشرة فنظرة إلى مسرة ﴿ما فيه حل الأجل على هذا الفقير وليس عنده ما يوفي به يجب عليك إنظاره﴾ فنظرة إلى ميسرة ﴿من الذي قال نظرة إلى ميسرة الله ﷿ هو الذي أعطاك المال ومن به عليك وأباح لك التصرف فيه وقال لك إذا كان المطلوب فقيرا فعليك أن تنظره تقوله ما أنظرك هيا إلى الحبس وإلا إضافة الربا أين الإيمان أين العبادة العبد حقا هو الذي يقول لله سمعا وطاعة","vol":"6","page":330},{"text":"أما الذي يعبد الدرهم والدينار وليس عنده إلا الدرهم والدينار من أي مصدر حصل فهذا عبد الدرهم والدينار وقد دعا عليه الرسول ﷺ بالتعاسة والهلاك والانتكاس﴾ وإن تبتم فلكم رءوس أمولكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ﴿ثم تأتي المرتبة العليا التي هي أفضل من الإنظار وهي﴾ وأن تصدقوا خير لكم ﴿إن كان معسرا وعرفت أنه معسر تصدقت عليه قلت يا فلان أنت معسر وقد أبرأتك من دينك هذا خير لك إذا كان خيرا لك فافعله خرجت من بطن أمك ومعك ألف كيس ذهب وألف ثوب وألف فضة وألف نعل صح هذا صحيح لا خرجت من بطن أمك ما معك شيء عريان ما عليك شيء من الذي أعدك وأمدك وأعطاك المال الله ﷿ قال لك افعل كذا قلت سمعا وطاعة﴾ وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ﴿ثم ختم الآيات بقوله﴾ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴿اتقوا هذا اليوم اليوم العظيم الذي ترجعون فيه إلى الله ﷿ حفاة عراة غرلا﴾ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ﴿اتقوا هذا اليوم وتقوى هذا اليوم وتقوى شره وبلائه تكون بطاعة الله ﷿ نسأل الله أن يمن علينا وعليكم بالتقوى والبر والإحسان إنه على كل شيء قدير﴾\n١٦١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: اجتنبوا","vol":"6","page":331},{"text":"السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات متفق عليه الموبقات المهلكات\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ فيما نقله من حديث أبي هريرة في باب تغليظ تحريم الربا أن النبي ﷺ قال اجتنبوا السبع الموبقات فأبهمها اجتنبوا السبع الموبقات ولم يبينها لأول مرة لأجل أن يتشوف الناس إليها حتى ترد على أذهانهم وهم مستعدون لها ولهذا قالوا ما هن يا رسول الله قال الإشراك بالله وسبق لنا أن الإشراك بالله أنواع الثاني السحر والسحر عبارة عن عقد ورقى يعني قراءات مطلسمة في صور الشياطين وعفاريت الجن ينفث بها الساحر فيؤذي المسحور بمرض أو موت أو صرف أو عطف صرف يصرفه عن ما يريد عطف يعني يعطفه على ما لا يريد كما قال الله تعالى فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجته وهو من كبائر الذنوب والساحر يجب أن يقتل حدا سواء تاب أو لم يتب وذلك لعظم مضرته على الناس وشدة جرأته والعياذ بالله ولهذا جاء في الحديث حد الساحر ضربه بالسيف وفي رواية ضربه بالسيف ثم إن السحر منه ما يكون كفرا وهو أن يستعين بالشياطين والجن وهذا كفر لقول الله ﵎ في سورة البقرة ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ وهذا نص صريح بأن السحر كفر إذا كان متلقيا من الشياطين لأن الشياطين لا يمكن أن تخدم الإنسان إلا بشيء يكون شركا وقد سحر النبي ﷺ سحره يهودي خبيث يقال له لبيد بن الأعصم وضع له سحرا في بئر في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر يعني النخلة الفحل لجمرته جف يسمى الكافور أو الكفرة هذا الخبيث وضع السحر للرسول ﷺ في مشط المشط الذي يمشط به عادة مشاطة يعني ما سقط من الشعر عند المشط فوضعه في هذا البئر لكن لم يؤثر على النبي ﷺ في أمر يتعلق بالرسالة أبدا لكن صار يخيل إليه أنه أتى أهله أو أنه فعل الشيء ولم يفعله حتى أنزل الله ﷿ سورتي ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ فرقاه بهما جبريل فشفي بإذن الله ثم استخرج السحر من هذه البئر وفله وأبطله وهذا دليل على خبث اليهود وأنهم من أشد الناس عداوة بل قال الله تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ فبدأ اليهود قبل المشركين فهم أشد الناس عداوة للمسلمين ولهذا سحروا النبي ﷺ ولكن الله ولله الحمد أبطل سحرهم فصار السحر ينقسم إلى قسمين سحر كفر وهو الاستعانة بالأرواح الشيطانية وغير كفر وهو أن يكون بالعقد والأدوية والأخشاب وما أشبه ذلك أما حكم الساحر فإنه يجب أن يقتل بكل حال إن كان كافرا فلردته وإن كان سحره دون الكفر فلأذيته قال الله تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ الإشراك بالله والسحر والثالثة وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والنفس التي حرم الله قتلها أربع نفوس المسلم الذمي المعاهد المستأمن هذه أربع نفوس محترمة لا يجوز قتلها المسلم فظاهر وأما الذمي فهو الذي يكون بيننا وفي بلدنا من أهل الكتاب أو غيرهم يدفع الجزية لنا ونحميه مما يؤذيه ونحترمه وإن كان على غير الإسلام وأما المعاهد فهو الذي بيننا وبينهم عهد وإن كانوا في بلادنا كما جرى بين النبي ﷺ وبين قريش في صلح الحديبية فإذا كان من المعاهدين حرم عليك أن تقتله وهو نفس معصومة وأما المستأمن فهو الذي يدخل لبلادنا بأمان نعطيه أمانا إما لكونه تاجرا يجلب تجارته ويشتري أو لأنه لا يريد أن يبحث عن الإسلام ويعرف الإسلام كما قال الله تعالى ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ أما الحربي الذي بيننا وبينه حرب وليس بيننا وبينه عهد ولا ذمة ولا أمان فهذا يحل قتله لأنه ليس بيننا وبينه عهد بل هو محارب لنا لو تمكن منا لقتل من يقتل من المسلمين فهذا لا عهد له ولا ذمة قوله ﷺ التي حرم الله إلا بالحق يعني أن النفوس المحترمة قد يكون من الحق أن تقتل وهي محترمة مسلم أو ذمي أو معاهد أو مستأمن تقتل مثل قول الرسول ﷺ لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة فإذا زنى الإنسان وهو ثيب قد تزوج بنكاح صحيح وجامع زوجته ثم زنى بعد ذلك فإنه يرجم بالحجارة يوقف ويجتمع الناس عليه ويأخذون حجارة دون البالغة لا تكون كبيرة تقضي عليه بسرعة ولا صغيرة تشق عليه ثم يرجمونه ويتقون المقاتل يرجمونه على الظهر على البطن على الكتف على الفخذ حتى يموت كما فعل النبي ﷺ بالغامدية وماعز بن مالك وغيرهما الثاني النفس بالنفس إذا قتل الإنسان شخصا عمدا وتمت شروط القصاص فإنه يقتل ولو كان مسلما النفس بالنفس والثالث التارك لدينه المفارق للجماعة قيل إن هذا هو المرتد يعني بعد أن كان مسلما ترك الدين والعياذ بالله فارق جماعة المسلمين فهذا يقتل ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الحديث\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا وما هن يا رسول الله قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وسبق الكلام على هذه الثلاثة ثم قال وأكل الربا يعني أنه من الموبقات السبع والربا سبق الكلام على تعريفه في الباب الذي يليه والأشياء التي يجري فيها الربا وأن الربا من أكبر الكبائر التي دون الشرك وأكل مال اليتيم من السبع الموبقات واليتيم هو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ فيتولى عليه الإنسان ويأكل ماله ينفقه على أهله أو يتجه به لنفسه أو ما أشبه ذلك هذا أيضا من السبع الموبقات نسأل الله العافية ولا فرق بين أن يكون اليتيم ذكرا أو أنثى وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف التولي عن صف القتال يوم الزحف يعني يوم يزحف المسلمون على الكفار فيأتي إنسان ويتولى فإن هذا من كبائر الذنوب من السبع الموبقات لأنه يتضمن مفسدتين المفسدة الأولى كسر قلوب المسلمين والمفسدة الثانية تقوية الكفار على المسلمين إذا انهزم بعضهم لا شك أنهم سوف يزدادون قوة على المسلمين يكون لهم بسبب ذلك نشاط لكن الله ﷿ استثنى في القرآن فقال تعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله فمن تولى لهذين الأمرين متحيزا إلى فئة يعني بأن يقال إن الفئة الفلانية قد حصرها العدو وخطر عليها أن يكتسحها العدو فانصرف لإنقاذهم فهذا لا بأس به لأنه انتقل إلى ما هو أنفع والثاني المتحرف لقتال وهو المذكور أولا في الآية ﴿إلا متحرفا لقتال﴾ يعني مثلا انصرف لإصلاح سلاحه أو ارتداء دروعه أو ما أشبه ذلك من مصلحة القتال فهذا لا بأس به والسابع قذف المحصنات المؤمنات الغافلات يعني أن يقذف المرأة العفيفة المؤمنة فهذا من كبائر الذنوب بأن يقول لامرأة إنها زانية أنها قحبة وما أشبه ذلك هذا من كبائر الذنوب والقائل يجلد ثمانين جلدة ولا تقبل شهادته ويكون من الفاسقين لا من أهل العدل كما قال الله ﵎ ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ هذه أول عقوبة ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ هذه العقوبة الثانية ﴿وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك﴾ فإنه يرتفع عنهم الفسق ويكونون من أهل العدالة وقوله ﴿قذف المحصنات الغافلات﴾ مثلها أيضا قذف الغافل المحصن المؤمن يعني الرجل إذا قذف فإنه يجلد القاذف ثمانين جلدة كالذي يقذف المرأة هذه هي السبع الموبقات أعاذنا الله وإياكم منها وأجارنا وإياكم من الفتن إنه على كل شيء قدير\n١٦١٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله رواه مسلم زاد الترمذي وغيره وشاهديه وكاتبه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب التغليظ في تحريم الربا فيما نقله عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ لعن الله آكل الربا وموكله آكل الربا يعني الذي يأكله سواء استعمله في أكل أو لباس أو مركوب أو فراش أو مسكن أو غير ذلك المهم أنه أخذ الربا كما قال تعالى عن اليهود وأخذهم الربا وقد نهوا عنه فآكل الربا ملعون على لسان رسول الله ﷺ والثاني موكله يعني الذي يعطي الربا مع أن معطي الربا مظلوم لأن آخذ الربا ظالم والمأخوذ منه الربا مظلوم ومع ذلك كان ملعونا على لسان النبي ﷺ لأنه أعانه على","vol":"6","page":332},{"text":"الإثم والعدوان وقد قال النبي ﷺ انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا يا رسول الله هذا المظلوم كيف ننصر الظالم قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه فإذا احتاج الإنسان إلى دراهم وذهب إلى البنك وأخذ منه عشرة آلاف بأحد عشر ألفا صار صاحب البنك ملعونا والآخذ ملعونا على لسان أشرف الخلق محمد ﷺ وما أقرب الإجابة فيمن لعنه الرسول ﷺ واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله ويكون هذا الملعون مشاركا لإبليس في العقوبة لأن الله قال لإبليس ﴿وإن عليك اللعنة﴾ كذلك آكل الربا عليه اللعنة وموكله عليه اللعنة مطرود مبعد عن رحمة الله ثم هذا الذي يأكله يأكله سحتا وكل جسد نبت من السحت فالنار أولى به ثم إن هذا الربا الذي يدخل عليك ينزع الله به البركة من مالك وربما يوالي عليه النكبات حتى يلتف قال الله تعالى ﴿وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله﴾ وأما الذي أعطى الربا فإن وجه اللعنة في حقه أنه أعان على ذلك فإذا قال قائل هل الإنسان من توبة إذا كان يتعاطى الربا ثم من الله عليه واهتدى نقول نعم له توبة ومن الذي يحول بينه وبين توبة الله ولكن لابد من صدق التوبة وإخلاصها والندم على الذنب والعزم على ألا يعود","vol":"6","page":333},{"text":"ثم إن كان صاحب الربا الذي أخذ منه قد استفاد فإن الربا يأخذ من المرابي ويتصدق به أو يوضع في بيت المال وإن كان لم يستفد فإنه يعطي المطلوب لأنه إذا استفاد لا يمكن أن نجمع له بين الحق من الربا وبين انتفاعه نقول أنت حظك الانتفاع ولكن إذا كان لم ينتفع فإنه يعطي ما أخذ من الربا وذكر الترمذي وغيره في رواية أخرى أن النبي ﷺ لعن شاهدي الربا وكاتبه مع أن الشاهدين والكاتب ليس لهما منفعة لكن أعانوا على تثبيت الربا الشاهدان والكاتب يثبت بهما الربا لأن الشاهدين يثبتان الحق والكاتب يوثقه ولهذا يكون هؤلاء الثلاثة الشاهدان والكاتب قد أعانوا على الإثم والعدوان فنالهم من ذلك نصيب فهؤلاء الخمسة كلهم ملعونون على لسان محمد ﷺ آكل الربا وموكله والشاهدين والكاتب خمسة وفي هذا الحديث دليل أن المعين على الإثم مشارك للفاعل وهو كذلك وهذا قد دل عليه القرآن قال الله ﵎ ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ وإما ينسينك الشيطان ﴿وجلست ناسيا﴾ فلا تقعد بعد الذكرى ﴿يعني بعد أن تفطن﴾ مع القوم الظالمين ﴿وقال ﷿﴾ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ﴿فالمشارك لفاعل الإثم ولو بالجلوس يكون له مثل على ما صاحب الإثم﴾ إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ﴿في هذا دليل على التحذير من الربا ووجوب البعد","vol":"6","page":334},{"text":"عنه والمسلمون ما ضرهم الذي ضرهم إلا بهذا الربا تجد الفقير المسكين يهون عليه أن يستدين بالربا لأنه لا يكلفه إلا زيادة الكمية والله أعلم بنيته قد يكون ليس بنيته أن يوفي عند حلول الأجل لكن يستسهل هذا ويستدين فتتراكم عليه الديون بدون ضرورة حتى إن بعض المساكين السفهاء الضعيف الإيمان يستدين من أجل أن يفرش درج العمارة هل هناك ضرورة لا ضرورة ولا حاجة أيضا عاش الناس أزمنة طويلة لا يفرشون الدرج ولم يضرهم ذلك شيئا يستدين من أجل أن أشياء ليست مهمة هل هناك ضرورة لا ضرورة لكن الشيطان يغريه ولم يعلم هذا المسكين أن الذي له الدين لا يرحمه إذا حل الأجل سوف يطالبه بالوفاء أو بالحبس أو بمضاعفة الربا عليه كما هو الواقع عند كثير من الذين لا يمتثلون قول الله﴾ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴿وغفل هذا المسكين عن كون نفسه إذا مات معلقة بدينه حتى يدفع عنه وغفل هذا المسكين عن كون النبي إذا قدمت إليه الجنازة وخطى يصلي عليها فسأل هل عليه دين قالوا نعم قال عليه وفاء قالوا لا قال صلوا على صاحبكم وترك الصلاة عليه مما يدل على عظم الدين وغفل هذا المسكين عن كون القتل في سبيل الله إذا قتل الإنسان في سبيل الله فالشهادة تكفر كل شيء إلا الدين لا تكفره ومع ذلك يقع في ذلك كثير من سفهائنا يستهين بالدين يكون عنده سيارة تساوي عشرين ألفا وقد مشت حاله كفته يقول لا ما يكفي أنا أشتري سياره بثمانين ألف وتقول ما معك شيء يقول آخذها بالتقسيط أو أتحيل على الربا كما يفعل بعض الناس يأتي المعرض يقول بكم السيارة الفلانية يقول له بكذا وكذا","vol":"6","page":335},{"text":"ويذهب إلى التاجر ويقول له اشتريها وبيعها علي أعوذ بالله حيل على رب العالمين مكر خداع﴾ يخادعون الله وهو خادعهم ﴿يعني هذا التاجر ما قصد السيارة قصد الزيادة ولهذا لو قيل للتاجر بعها عليه برأس مالك الذي اشتريتها به فما الفائدة ما أبيعه إلا بالربا بالزيادة يقول بعض الناس الذين يزين لهم الشيطان يقول احتج على الذي يقول هذا ما يجوز فنقول هذا كذب على الله رجل جاء محتاج سيارة هذا بعيد جدا ثم إن المسموع عن هؤلاء أنه إذا هون كتب اسمه في القائمة السوداء ما عاد يعامل مرة أخرى هذا كالإجبار على أن يبقى تحيل على رب العالمين ما يصلح والله لو سألنا هذا التاجر الذي أخذ السيارة من المعرض ثم باعها لهذا ماذا تقصد أتقصد الإحسان لهذا الرجل قال أبدا ولا بيني وبينه معرفة أقصد المائة مائة وعشرة هذا ما أقصده هذا هو الواقع كيف نتحايل على رب العالمين لو جاء هذا الرجل إلى البنك قال أعطني مائة ألف وعشرة وأشتري السيارة أهون من هذا الدين لأن الخداع أشد من الصريح المخادع ارتكب الإثم مع زيادته ماذا الخداع والصريح ارتكب الإثم وهو يعترف أنه إثم ويحاول أن يتوب عنه لأن نفسه لا ترضى عن هذا الشيء لكن المشكلة المخادع يرى أن هذا حلال ويستمرئ هذا الفعل ويقول ما فيه شيء اسأل نفسك لا تسأل أحدا الرسول قال الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس والبر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب وإن أفتاك الناس وأفتوك لا تسأل أحدا هل أنت اشتريت السيارة شراء حقيقيا تطلب به الربح كلا أبدا لولا أن هذا جاء ما اشتريتها إذا فالسيارة شراؤها مقصود أو غير مقصود غير مقصود المقصود بيده الدراهم لكن بدل ما يقول هذا بخمسين ألفا بستين ألفا مقسطة يقول اذهب عاينها وأنا أذهب إلى المعرض أشتريها بخمسين ألفا وأبيعها عليك بستين ألفا كل إنسان مجرد من الهوى يعرف أن هذا حرام ولا إشكال فيه وإن سألت الناس وأفتوك الذي يسألك يوم القيامة هو رب العالمين هو الذي يعلم ما في قلبك وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول لو احتجت سلعة من عند إنسان سيارة عند إنسان وأنت لا تجد دراهم وذهبت","vol":"6","page":336},{"text":"إلى الذي عنده السيارة تشتريها منه وهي تساوي الآن نقدي خمسين وقلت له بيعها لي بستين إلى سنة ثم أخذتها وبعتها يقول شيخ الإسلام هذا حرام ولا تحل وحيلة وهي من العينة التي حذر منها الرسول ﷺ وقال إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالحرث وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه من قلوبكم حتى ترجعوا إلى دينكم وهذه الصلة فيها واضحة أما مسألة التوافر فالسلعة موجودة عند البائع لهذا ولغيره إن جاءه من اشتراه بنقد باعها بخمسين وإن جاءه من يشتريها مؤجلة بستين باعها لكن الإنسان ما له غرض في السلعة نهائيا ليس له إلا الربا ثم يستمرئ هذا الأمر ويقول هذا حلال فكر يوم القيامة ستلاقي ربك وحدك ما معك أحد لا مفتي ولا غير مفتي والله تعالى هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور والحاصل أن الربا يجب الحذر منه ولهذا تبينا على ما قلت لما سهل الأمر عند الفقراء لما سهل عندهم هذا صار ما أسهل أن يقول للتاجر يا فلان أنا أبغي السيارة الفلانية قال اذهب واشتريها من المعرض وأنا أسدد القيمة للمعرض وأبيعها لك بالزيادة سهل الدين على الناس ولكن لو لم يجدوا من يسهل الأمر عليهم امتنعوا بعض الشيء وسلمت ذممهم واستراحوا نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية﴾","vol":"6","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>باب تحريم الرياء</span>\nقال الله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ وقال تعالى ﴿لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ وقال تعالى ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تحريم الرياء الرياء مصدر رآى يقال رآى يرائي رياء ومراءة كجاهد يجاهد جهادا ومجاهدة والمراد بالرياء هنا أن يتعبد الإنسان لربه ﷿ ولكن يحسن العبادة من أجل أن يراه الناس فيقولون ما أعبده ما أحسن عبادته وما أشبه ذلك فهو يريد من الناس أن يمدحوه في عبادته لا يريد أن يتقرب إليهم بالعبادة لأنه لو فعل هذا لكان شركا أكبر لكنه يريد أن يمدحوه في عبادة الله فيقولون فلان عابد فلان كثير الصوم فلان كثير الصدقة وما أشبه ذلك فهو لا يخلص لله في عمله لكن يريد أن يمدحه الناس على ذلك فهو يرائي الناس والرياء يسيره من الشرك الأصغر وكثيره من الشرك الأكبر ثم استدل المؤلف ﵀ على تحريمه بآيات منها قول الله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء يعني ما أمر الناس إلا","vol":"6","page":338},{"text":"بهذا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين يصلون إخلاصا لله ويتصدقون إخلاصا لله ويصومون إخلاصا لله ويحجون إخلاصا لله ويساعدون الناس إخلاصا له إلى غير ذلك من الأعمال الصالحة نكون مخلصين لله في ذلك ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ يأتون بها مستقيمة على الوجه الأكمل ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ يعطونها مستحقها ﴿وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أي دين الملة القيمة والمخلص لله ﷿ لا يكون في قلبه رياء لأنه إنما يريد بعبادته وجه الله وثواب الله والدار الآخرة وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ يعني إذا أعطيت الفقير صدقة فلا تمن عليه وتبقى كل ساعة تقول أنا أعطيتك أنا فعلت لأن هذا يبطل الأجر والأذى تؤذيه تؤذي الفقير بأن تتسلط عليه وترى أنك فوقه وما أشبه ذلك هذا أيضا يبطل الأجر ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ﴾ الشاهد هذا الشاهد من الآية هذه الجملة كالذي ينفق ماله رئاء الناس ليمدحوه ويقولوا ما أكثر صدقته وما أشبه ذلك ﴿وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ﴾ وقال الله ﵎ ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ وهذا من أوصاف المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ولا يقومون بنشاط ومحبة ولهف لها بل يقومون كسالى وأيضا لا يصلون إلا مراءاة للناس والعياذ بالله ولهذا أثقل الصلوات عليهم صلاة العشاء والفجر لأنه","vol":"6","page":339},{"text":"في ذلك الوقت ما في نور ولا يعرف الحاضر من غير الحاضر فكانت أثقل الصلوات عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر فهؤلاء المنافقون يراءون الناس يعني لا يأتون الصلاة إلا رياء ولا ينفقون إلا رياء ولا يخرجون في الجهاد إلا رياء فعلى هذا فإن من راءى من المسلمين فقد شابه المنافقين والعياذ بالله وقال تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أي يراءون في أعمالهم يريدون أن يراهم الناس فيمدحوهم على عبادتهم فالرياء ذنب من الشرك وقد يكون شركا أكبر وهو من صفات النفاق أعاذنا الله وإياكم من النفاق والله الموفق\n١٦١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف ﵀ في رياض الصالحين الآيات التي تدل على تحريم الشرك ومنه الرياء ذكر الأحاديث فمنها حديث أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا","vol":"6","page":340},{"text":"أشرك فيه معي غيري تركته وشركه هذا الحديث يسمى عند العلماء حديث قدسي وهو الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه فيقول قال الله تعالى كذا لأن الأحاديث التي تروى عن الرسول ﷺ إما أن ينسبها الرسول ﷺ إلى الله فتسمى أحاديث قدسية وإما ألا ينسبها إلى الله فتسمى أحاديث نبوية هذا الحديث القدسي يقول الله تعالى فيه أنا أغنى الشركاء عن الشرك الشركاء كل محتاج إلى الآخر وكل محتاج إلى شركته ونصيبه وحصته لا يتنازل أحد للآخر عن نصيبه فمثلا دار بين اثنين كل منهما محتاج للآخر لو حصل في الدار خلل أو احتاجت إلى تعمير صار الشريك لابد أن يقول لشريكه الثاني أعطني أعطني نصيبي حتى نعمر البيت وصار كل إنسان متمسكا بنصيبه من هذا البيت أما الله تعالى فهو الغني عن كل شيء غني عن العالمين إذا عمل الإنسان عملا لله ولغير الله تركه الله لو صلى الإنسان لله وللناس لم يقبل الله صلاته لا يقال إنه يقبل نصفها ويترك نصفها أو يقبلها قبولا نصفيا لا لا يقبلها أبدا لو تصدق الإنسان بصدقة يرائي بها الناس فإنها لا تقبل منه لأن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك إذا عمل الإنسان عملا أشرك فيه مع الله غيره فإن الله لا يقبله منه وفي هذا دليل على أن الرياء إذا شارك العبادة فإنها لا تقبل فلو أن الإنسان صلى أول ما صلى وهو يرائي الناس لأجل أن يقولوا فلان ما شاء الله يتطوع يصلي ويكثر الصلاة فإنه لا حظ له في صلاته ولا يقبلها الله ﷿ حتى لو أطال ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها","vol":"6","page":341},{"text":"وصار لا يتحرك وصارت عينه في موضع سجوده فهي غير مقبولة لماذا؟ لأنه أشرك مع الله غيره يصلي لله والناس، الله غني عن عبادته ﷾ لا تقبل.\nكذلك رجل تصدق صار يمشي على الفقراء ويعطيهم لكنه يرائي الناس من أجل أن يقولوا: فلان والله ما شاء الله رجل جواد كريم يتصدق فهذا أيضا لا يقبل منه وإن أنفد ماله كله لأن الله يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عما أشرك فيه معي غيري تركته وشركه وعلى هذا فقس لكن إن طرأ الرياء على الإنسان يعني رجل مخلص شرع في الصلاة ثم صار في قلبه شيء من الرياء فهذا إن دافعه فلا يضره لأن الشيطان يأتي للإنسان في عبادته التي هو مخلص فيها من أجل أن يفسدها عليه بالرياء هذا لا يضر ولا ينبغي أن يكون ذليلا أمام ما يلقيه الشيطان من الرياء بل يجب أن يصمد وأن يستمر في عبادته لا يقول والله أنا صار معي رياء أخاف أن تبطل لا بل يستمر والشيطان إذا دحرته اندحر من شر الوسواس الخناس الذي يخنس ويولي مدبرا إذا رأى العزيمة فأنت أعزم ولا يهمك هذا لا يضرك أما إذا طرأ عليه الرياء بعد أن بدأ الصلاة مخلصا لله ثم طرأ عليه الرياء واستمر استمر على الرياء والعياذ بالله فإنها تبطل الصلاة كلها من أولها إلى أخرها لأنها أي الصلاة إذا بطل آخرها بطل أولها فالحذر الحذر من الرياء والحذر الحذر من ترك العبادة خوفا من الرياء لأن بعض الناس أيضا يأتيه الشيطان يقول له لا تقم تصلي لا تقرأ صار هذا رياء لا يكن عليك السكينة والوقار هذا رياء من أجل ماذا؟ من أجل أن يصده عن هذا العمل الصالح فعلينا ألا ندع للشيطان مجالا يفعل يقدم","vol":"6","page":342},{"text":"يصلي يكون عليه السكينة والوقار ولا يضرنا هذا وهو إذا كافح الشيطان ولم يبال به ففي النهاية يخنس يخنس الشيطان ويتراجع ويتقهقر فالإنسان في الحقيقة محاط بأمرين أمر قبل الإقدام على العبادة يثبطه الشيطان يقول لا تعمل هذا رياء ترى الناس يمدحونك وأمر ثاني بعد أن يشرع في العبادة يأتيه الشيطان أيضا فعليه أن يدحض الشيطان وأن يستعيذ بالله منه وأن يمض في سبيله وألا يفتر فإن قال قائل إذا فرغ الإنسان من العبادة وسمع الناس يثنون عليه وفرح بهذا هل يضره؟ فالجواب لا يضره لأن العبادة وقعت سليمة وكون الناس يثنون عليه هذا من عاجل بشرى المؤمن أن يكون محل الثناء من الناس لكن هذا بعد أن ينتهي من العبادة نهائيا سمع الناس يثنون عليه يقول الحمد لله الذي جعلني محل الثناء بالخير كذلك أيضا لو أن الإنسان فعل العبادة ولما انتهى منها سر بها فهل نقول هذا السرور إعجاب يبطل العمل؟ لا ما يضره لأن الإعجاب أن الإنسان إذا فرغ من العبادة أعجب بنفسه وأبلي على الله بها ومن على الله بها، هذا هو الذي يبطل عمله والعياذ بالله، لكن هذا الإنسان ما خطر على باله هذا، ولكن حمد الله وفرح أن الله وفقه إلى الخير، هذا لا يضره، ولهذا جاء في الحديث: من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن جعلنا الله وإياكم منهم","vol":"6","page":343},{"text":"١٦١٧ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمته فعرفها قال فما علمت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم وعلمته وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار رواه مسلم جريء بفتح الجيم وكسر الراء وبالمد أي: شجاع حاذق\n\nأما حديث أبي هريرة الثاني في ذكر أول من يقضي عليه يوم القيامة وهم ثلاثة أصناف: متعلم ومقاتل ومتصدق المتعلم تعلم العلم وعلم القرآن وعلم ثم إن الله ﷾","vol":"6","page":344},{"text":"أتي به إليه ﷾ يوم القيامة فعرفه الله نعمته فعرفها وأقر واعترف فسأله ماذا صنعت يعني في شكر هذه النعمة، فقال: تعلمت العلم وقرأت القرآن فيك فقال الله له: كذبت، ولكن تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ ليس لله بل لأجل الرياء، ثم أمر به فسحب على وجهه في النار، وهذا دليل على أنه يجب على طالب العلم في طلب العلم أن يخلص نيته لله ﷿ وألا يبالي أقال الناس أنه عالم أو شيخ أو أستاذ أو مجتهد أو ما أشبه ذلك لا يهمه هذا الأمر، لا يهمه إلا رضا الله ﷿ حفظ الشريعة وتعليمها ورفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن عباد الله حتى يكتب من الشهداء الذين مرتبتهم بعد مرتبة الصديقين.\n﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ وأما من تعلم لغير ذلك، ليقال إنه عالم وإنه مجتهد وإنه علامة وما أشبه لك من الألقاب فهذا عمله حابط والعياذ بالله، وهو أول من يقضى عليه ويسحب على وجهه في النار ويكذب يوم القيامة ويوبخ، أما الثاني فهو رجل مقاتل، قاتل في سبيل الله وقتل، فلما كان يوم القيامة أتي به إلى الرب ﷿ فعرفه نعمه فعرفها يعني النعم أنه ﷾ مده وأعده ورزقه وقواه حتى وصل إلى هذه المرتبة إلى أن قاتل، ثم سئل ماذا صنعت فيها؟ فيها: قال يا رب قاتلت فيك، فيقال: كذبت، قاتلت من أجل أن يقال فلان شجاع جرئ وقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه في النار والعياذ بالله وهكذا أيضًا المقاتل في سبيل الله المقاتلون في سبيل الله لهم نوايا متعددة من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، كما","vol":"6","page":345},{"text":"قال النبي ﷺ ومن قاتل وطنية ففي سبيل الطاغوت، ومن قاتل حمية على قومية فهو في سبيل الطاغوت ومن قاتل لينال دنيا فهو في سبيل الطاغوت، لأن الله يقول ﴿الذين آمنوا يقاتل في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت﴾ لكن لو قاتل الإنسان قومية أو وطنية، لا من أجل القومية ولا الوطنية، ولكن من أجل حماية وطنه المسلم أن يعتدي عليه الكفار فهذا في سبيل الله، لأن حماية بلاد المسلمين ثمرتها أن تكون كلمة الله هي العليا، وكذلك حماية المسلمين ثمرتها أن تكون كلمة الله هي العليا ولكن لو أن الإنسان قاتل ليقتل فقط في هذا القتال، هل يكون في سبيل الله؟ الجواب: لا، وهذا نية كثير من الشباب يذهبون لأجل أن يقتلوا ويقولوا نحن نقتل شهداء، فيقال لا، أنتم اذهبوا لتقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا ولو بقيتم، لا تذهبون لأجل أن تقتلوا لكن لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا وحينئذ إن قتلتم في هذا السبيل فأنتم في سبيل الله أما الثالث فرجل أنعم الله عليه بالمال وصار يتصدق ويعطي وينفق فإذا كان يوم القيامة أتي به إلى الله وعرفه نعمه فعرفها ثم سأله ماذا صنعت فيها؟ فيقول: تصدقت وفعلت وفعلت، فيقال: كذبت ولكنك فعلت ليقال فلان جواد يعني كريمًا، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه في النار","vol":"6","page":346},{"text":"هذا أيضًا من الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة وفي هذا دليل على أنه يجب على الإنسان أن يخلص النية لله في جميع ما يبذله من مال أو بدن أو علم أو غيره، وأنه إذا فعل شيئًا مما يبتغي به وجه الله تعالى وصرفه إلى غير ذلك، فإنه آثم به والله الموفق.\n١٦١٨ - وعن ابن عمر ﵄: أن ناسا قالوا له إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم؟ قال ابن عمر ﵄: كنا نعد هذا نفاقًا على رسول الله ﷺ رواه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن أناسا جاءوا إليه وقالوا: إننا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم قولًا ولكن إذا خرجنا من عندهم قلنا بخلافه فقال كنا نعد ذلك نفاقًا على عهد النبي ﷺ وذلك لأنهم حدثوا فكذبوا وخانوا ما نصحوا، فالواجب على من دخل على السلاطين من الأمراء والوزراء والرؤساء والملوك الواجب عليه أن يتكلم بالأمر على حقيقته يبين لهم الواقع سواء كان الناس على استقامة أو على اعوجاج أو على حق أو على باطل، ولا يجوز للإنسان أي إنسان أن","vol":"6","page":347},{"text":"يدخل على الأمير أو على الملك أو ما أشبه ذلك ثم يقول: الناس بخير الناس أحوالهم مستقيمة، الناس ملاؤا المساجد الناس عبدوا الله الناس اقتصادياتهم جيدة، الناس أمنهم جيد وما أشبه ذلك وهو كاذب هذا حرم خداع لولاة الأمور وخداع للأمة جمعاء لأن ولي الأمر ليس شمسًا تدخل في كل مكان، بل الشمس لا تدخل كل مكان الحجر المغلقة ما تدخلها الشمس وولاة الأمور علمهم محدود سمعهم محدود بصرهم محدود إدراكهم محدود عقولهم محدود كغيرهم من البشر لا يمكن أن يعملوا بأحوال الناس كلها فإذا جاء مثل هذا الغاش الغادر الخائن وقال لهم إن الأمور كلها خير ورخاء وأمن وعبادة، وما أشبه ذلك، غرهم فظنوا أن الأمور هكذا ولم يتحركوا بإصلاح ما فسد، لأنهم يقال لهم إن كل شيء على ما يرام الواجب الصراحة ولا يمكن مداواة الجرح إلا بشقه بعد أن تشقه ويخرج الدم الخبث حينئذ تداويه، أما أن تلمه على شعث فهذا لا يجوز، لأن هذا غش وابن عمر يقول: هذا من النفاق وصدق فهو من النفاق، حدث فكذب وخانوا وما ائتمنوا، فالواجب البيان أما النفاق والمداهنة فهذه لا تجوز لذلك الواجب على كل إنسان أتى إلى شخص مسئول ولو عن عشرة طلاب، دعنا من المسئولين عن أمة كاملة الواجب أن يخبره بالواقع لا يقول والله الطلاب كلهم بخير كلهم حريصون كلهم كلمتهم واحدة كلهم على أدب طيب لا الواجب أن يبلغ بالحقيقة وينص على كل واحد بعينه إذا اقتضى الحال هذا، وذكر العيب لإزالة العيب سلامة ونصح، وليس من الغيبة في شيء","vol":"6","page":348},{"text":"فهذا رسول الله ﷺ جاءته امرأة، فاطمة بنت قيس قالت يا رسول الله خطبني ثلاثة أسامة بن زيد، ومعاوية بن سفيان وأبو جهم فقال لها النبي ﷺ أما معاوية فصعلوك لا مال له يعني من أين ينفق عليك، ما عنده مال، وأما أبو جهم فضراب للنساء هذا مداح أم ذم ذم، انكحي أسامة بن زيد، لكن كيف الرسول يغتابهم، اغتابهم لأي شيء؟ نصح وإرشاد.\nفإذا جئت مثلًا إلى أي إنسان تحته أناس وهو ولي عليهم تقول هذا فلان كذا وكذا وأنت صادق بار ليس بينك وبينه عداوة أو مشاحنة فأنت على خير ومأجور وناصح، ولا يمكن أن تستقيم الأمور إلا أن الإنسان يعطي عنها صورة واضحة، أما الكتمان فهذا لا يجوز وكذلك أيضًا في المدرسة مدير المدرسة أو عميد الكلية يجب إذا رأينا طالبًا منحرفًا في أخلاقه أو سلوكه أو غيبة لولاة الأمور يجب أن تنصحه أولًا وإلا يجب أن ترفع أمره حتى يصلح حاله لأن مثل هذا جرثومة فاسدة يفسد الطلاب كلهم أو من قدر عليه منهم، ولا يقر وهو في هذه الحال الذي ليس له هم إلا الإفساد دينًا أو سلوكًا ومنهجًا، لأن هذا هو النصح كذلك أيضًا عندما نأتي أمير بلدة نرى في البلدة منكرات، نري فيها غشًا، نرى فيها تقصيرًا من المسئولين الآخرين لا يجوز أن نعطي الأمير صورة على أن كل شيء تام، يجب أن نبين ونوضح.\nصحيح أنه إذا أمكن أن تصلح الأمور قبل أن ترفع إلى الأمير فهذا حسن وطيب ولكن إذا علمنا أن المسألة ما هي صالحة وأننا لو ذهبنا إلى المسئول الذي تحت الأمير قال: إن شاء الله تعالى ابشروا","vol":"6","page":349},{"text":"كل شيء يتيسر ولكنه يماطل فلابد من إبلاغ من فوقه حتى يقوم باللازم فالحاصل من هذا الحديث أنه لابد من النصح، وبيان الأمور على ما هي عليه وأما أن تلقى الإنسان بوجه وإذا أدبرت عنه أدبرت، فهذا حرام ومن النفاق، ومن ذلك أيضًا مسألة أخص من هذا، يجيء إنسان شخصا يقول: ما شاء الله عليك، أنت رجل طيب حبيب وكريم، يثني عليك بلسان يملأ الجوف وقلبه حاقد، لكن يريد أن يأخذ ما عندك يعنى بعض الناس خبثاء يأخذ ما عنده والرجل سليم القلب يمكن أن يصغي إلى هذا الشخص إذا رأى أنه ناصح ثم إذا أدبر والعياذ بالله فإنه يكيل له الصاع مقلوبًا فيتكلم في عرضه وسبه ويقول: هذا مقصر هذا ما لا دين له فعلى المسلم أن يتقي الله ربه وأن يتجنب المداهنة والكذب والغش وأن يكون صريحًا حتى يصلح الله على يديه والله الموفق\n١٦١٩ - وعن جندب بن عبد الله بن سفيان ﵁ قال: قال النبي ﷺ: من سمع سمع الله به، ومن يرائي الله يرئي به متفق عليه ورواه مسلم أيضًا من رواية ابن عباس ﵄ سمع بتشديد الميم، ومعناه: أشهر عمله للناس رياء سمع الله به أي: فضحه يوم القيامة، ومعنى من راءى أي من أظهر للناس","vol":"6","page":350},{"text":"العمل الصالح ليعظم عندهم راءى الله به أي: أظهر سريرته على رؤوس الخلائق.\n١٦٢٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله ﷿ لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها رواه أبو داود بإسناد صحيح والأحاديث في الباب كثير مشهورة\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف رحمه ما بقي من أحاديث الرياء التي سبقت، عن جندب بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به يعني من قال قولا يتعبد به الله ورفع صوته بذلك حتى يسمعه الناس ويقولون فلان كثير الذكر كثير القراءة وما أشبه ذلك فإن هذا قد سمع عباد الله يرائي بذلك نسأل الله العافية سمع الله به أي فضحه وكشف أمره وبين عيبه للناس وتبين لهم أنه مرائي والحديث لم يقيد هل هو في الدنيا أو في الآخرة فيمكن أن يسمع الله به في الدنيا فيكشف عيبه عند الناس ويمكن أن يكون ذلك في الآخرة وهو أشد والعياذ بالله وأخزى كما قال الله تعالى ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون وكذلك من راءى راءى الله به يعني من عمل عملا ليراه الناس ويمدحوه عليه فإن الله تعالى يرائي به ويبين عيبه للناس ويفضحه والعياذ بالله حتى يتبين أنه يرائي وفي هذا الحديث التحذير العظيم من الرياء وأن المرائي مهما كان ومهما اختفى لابد أن يتبين والعياذ بالله لأن الله تعالى تكفل بهذا من سمع سمع","vol":"6","page":351},{"text":"الله به ومن راءى راءى الله به.\nوأما حديث أبي هريرة فهو فيمن طلب علما مما يبتغي به وجه الله وذلك هو العلم الشرعي علم الكتاب والسنة إذا طلب الإنسان علما من علم الكتاب والسنة لا يريد إلا أن ينال به عرض من الدنيا لم يجد عرف الجنة يعني ريحها وأن ريحها سيوجد من مسيرة كذا وكذا فمثلا لو أن إنسان تعلم علم العقائد لأجل أن يقال فلان جيد في العقيدة أو لأجل أن يوظف أو ما أشبه ذلك أو علم الفقه أو علم التفسير أو علم الحديث ليرائي به الناس فإنه لا يجد ريح الجنة والعياذ بالله يعني يحرم دخولها","vol":"6","page":352},{"text":"وأما العلوم التي ليست مما يبتغى بها وجه الله كعلوم الدنيا كعلم الحساب والهندسة والبناء لو تعلمه الإنسان يريد عرضا من الدنيا فلا شيء عليه لأن هذا العلم دنيوي يراد للدنيا والحديث الذي فيه الوعيد مقيد بالعلم الذي يبتغي به وجه الله فإن قال قائل كثير من الطلبة الآن يدرسون في الكليات يريدون الشهادة الشهادة العليا فيقال إنما الأعمال بالنيات إذا كان يريد بالشهادات العليا أن ينال الوظيفة والمرتبة فهذا أراد به عرضا من الدنيا وإن أراد بذلك أن يتبوأ مكانا لينفع الناس ليكون مدرسا ليكون مديرا ليكون موجها فهذا خير ولا بأس به لأن الناس أصبحوا الآن لا يقدرون الإنسان بعلمه وإنما يقدرونه بشهادته فإذا قال قائل مثلا لو أبقيت بدون شهادة مهما بلغت من العلم لن يجعلوني معلما لكني أتعلم وآخذ شهادة لأجل أن أكون معلما أنفع المسلمين فهذه نية طيبة وليس فيها شيء والله الموفق.","vol":"6","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>باب ما يتوهم أنه رياء وليس رياء</span>\n١٦٢١ - عن أبي ذر ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ أرأيت الرجل الذي يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب ما يتوهم أنه رياء وليس هو رياء يعني ما يظنه الإنسان أنه رياء ولكن ليس برياء ثم ذكر حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يعمل العمل فيحمده الناس على ذلك فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن أن الناس يثنون عليه وصورة المسألة التي في الحديث أن الرجل يعمل عملا صالحا لله لا يبالي أعلم به الناس أم لم يعلموا أرأوه أم لم يروه أسمعوه أم لم يسمعوه لكنه لله يعمل خالصا ثم إن الناس يحسدونه على ذلك يقولون فلان كثير الخير فلان كثير الطاعة فلان كثير الإحسان إلى الخلق وما أشبه ذلك فقال تلك عاجل بشرى المؤمن وهو الثناء عليه لأن الناس إذا أثنوا على الإنسان خيرا فهم شهداء الله في أرضه ولهذا لما مرت جنازة من عند النبي ﷺ وأصحابه أثنوا عليها خيرا قال وجبت ثم مرت أخرى فأثنوا عليها شرا قال وجبت فقالوا يا رسول الله ما","vol":"6","page":354},{"text":"وجبت قال أما الأول فوجبت له الجنة وأما الثاني فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض فهذا معنى قوله تلك عاجل بشرى المؤمن والفرق بين هذه وبين الرياء أن المرائي لا يعمل العمل إلا لأجل الناس ليراه الناس فيكون في نيته شرك شرك مع الله غيره وأما هذا فنيته خالصة لله ﷿ ولم يطرأ على باله أن يمدحه الناس أو يذموه لكن الناس يعلمون كما قال الشاعر\nومهما تكن عند امرء من خليقة ...\nوإن خالها تخفى على الناس تعلمي\nيعني أي شيء خلق عند الإنسان يقوم به وإن ظن أن الناس لا يعلمون فإنهم لابد أن يعلموه فإذا علموا بطاعته ومدحوه وأثنوا عليه فهذا ليس برياء هذا عاجل بشرى المؤمن حيث إن الناس أثنوا عليه خيرا ومن أثنى الناس عليه خيرا فحري بأن يكون من أهل الجنة أما المرائي والعياذ بالله فإنه إن صلى يريد من الناس أن يعلموا بذلك إن تكلم بخير أراد من الناس أن يسمعوه ليمدحوه على هذا والفرق بين هذا وبين ما ذكر في حديث أبي هريرة اليوم فرق عظيم نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الرياء وأن يعيذنا من سوء الفتن إنه على كل شيء قدير.","vol":"6","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>باب تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية</span>\nقال الله تعالى ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ وقال تعالى ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ وقال تعالى ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ وقال تعالى ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة المرأة الأجنبية هي التي ليس بينك وبينها محرمية سواء أكانت قريبة أم بعيدة والأمرد هو الشاب الذي لم تنبت لحيته ولم يكن على شاربه شعر ثخين يعني أن شاربه أخضر ولحيته لم تنبت والحسن ضد القبيح النظر إلى المرأة الأجنبية محرم كما قال المؤلف ﵀ وذلك لأن الله أمر بغض البصر فقال قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون فأمر بغض البصر وحفظ الفرج وهذا يدل على أن عدم غض البصر سبب لعدم حفظ الفرج وأن الإنسان إذا أطلق بصره تعلق قلبه بالنساء ثم لا يزال به النظر حتى يدنو من المرأة ويكلمها ويخاطبها ثم يعدها ثم تحصل الفاحشة","vol":"6","page":356},{"text":"والعياذ بالله ولهذا يقال إن النظر بريد الزنا يعني أنه يدعو إلى الزنا فأمر الله بغض البصر وقال ﷿ ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ خائنة الأعين أي مسارقتها النظر يعني أن تنظر على وجه الخفاء الذي لا يدركه","vol":"6","page":357},{"text":"الناس لكن الله يعلمه فهو يعلم خائنة الأعين ويعلم جل وعلى ما تخفي الصدور من النيات الحسنة والنيات السيئة بل هو يعلم ما توسوس به النفس وما يستقبل للمرء وقال الله تعالى ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ فالإنسان مسئول عن السمع ماذا سمع بأذنيه هل سمع قولا محرما أو استمع إلى امرأة أجنبية يتلذذ بصوتها وكذلك البصر وكذلك الفؤاد فالواجب على الإنسان حفظ نفسه أما المرأة التي ليست أجنبية والتي يحرم عليك نكاحها فالنظر إليها لا بأس به النظر إلى وجهها وإلى رأسها وإلى كفيها وذراعيها وساقيها وقدميها كل هذا لا بأس به إلا أن يخاف الإنسان الفتنة على نفسه فإن خاف الفتنة على نفسه فإنه لا ينظر ولا إلى محارمه فلو قدر أن للإنسان أختا من الرضاعة جميلة فهي محرم له أخته من الرضاعة كأخته من النسب لكن إذا خاف على نفسه الفتنة من النظر إليها وجب عليه غض بصره ووجب عليها أن تحتجب عنه أيضا لأن أصل وجوب الحجاب الخوف من الفتنة فإذا وجدت الفتنة فإنه لابد من ستر الوجه ولو عن المحارم وأما إذا لم تكن فتنة وكان الإنسان سليم القلب عفيفا فهذا يحرم عليه أن ينظر إلى غير محارمه مثلا لا ينظر إلى بنت عمه ولا بنت خاله وكذلك لا ينظر إلى أخت زوجته ولا ينظر إلى زوجة أخيه وهلم جرا المهم أن المحارم يجوز النظر إليهن ما لم يخش الفتنة أما غير المحارم فيحرم النظر إليهن مطلقا والله الموفق\n١٦٢٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه متفق عليه وهذا لفظ مسلم ورواية البخاري مختصرة.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في باب تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن من غير حاجة شرعية بعد ذكر الآيات حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال كتب على ابن آدم حظه من الزنا وهو مدرك ذلك لا محالة يعني أن الإنسان مدرك للزنا لا محالة إلا من عصمه الله ثم ذكر النبي ﷺ أمثلة لذلك فالعين زناها النظر يعني أن الرجل إذا نظر إلى امرأة ولو لغير شهوة وهي ليست من محارمه فهذا نوع من الزنا وهو زنا العين والأذن زناها","vol":"6","page":358},{"text":"الاستماع يستمع الإنسان إلى كلام المرأة ويتلذذ به هذا زنا الأذن وكذلك اليد زناها البطش يعني العمل باليد من اللمس وما أشبه ذلك والرجل زناها الخطا يعني أن الإنسان يمشي إلى محل الفواحش مثلا أو يسمع إلى صوت امرأة فيمش إليه أو يرى امرأة فيمشي إليها هذا نوع من الزنا لكن زنا الرجل القلب يهوى ويميل إلى هذا الأمر أي التعلق بالنساء هذا زنا القلب والفرج يصدق ذلك أو يكذبه يعني أنه إذا زنى بالفرج والعياذ بالله فقد صدق زنا هذه الأعضاء وإن لم يزني بفرجه بل سلم وحفظ نفسه فإن هذا يكون تكذيبا لزنا هذه الأعضاء فدل ذلك على الحذر من التعلق بالنساء لا بأصواتهم ولا بالرؤية إليهن ولا بمسهن ولا بالسعي إليهن ولا بغواية القلب لهن كل ذلك من أنواع الزنا والعياذ بالله فليحذر الإنسان العاقل العفيف من أن يكون في هذه الأعضاء شيء يتعلق بالنساء والواجب على الإنسان إذا أحس من نفسه بهذا أن يبتعد لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم والنظر سهم مسموم من سهام إبليس قد ينظر المرء إلى امرأة ولا تتعلق نفسه بها أول مرة لكن في الثانية في الثالثة حتى يكون قلبه معلق بها والعياذ بالله ويصبح هيمان لا يذكر إلا هذه المرأة إن قام ذكرها وإن قعد ذكرها وإن نام ذكرها وإن استيقظ ذكرها فيحصل بهذا الشر والفتنة نسأل الله العافية والله الموفق","vol":"6","page":359},{"text":"١٦٢٣ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال إياكم والجلوس في الطرقات قالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها فقال رسول الله ﷺ فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حق الطريق يا رسول الله قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متفق عليه.\n١٦٢٤ - وعن أبي طلحة زيد بن سهل ﵁ قال: كنا قعودا بالأفنية نتحدث فيها فجاء رسول الله ﷺ فقام علينا فقال ما لكم ولمجالس الصعدات فقلنا إنما قعدنا لغير ما بأس قعدنا نتذاكر ونتحدث قال إما لا فأدوا حقها غض البصر ورد السلام وحسن الكلام رواه مسلم.\nالصعدات بضم الصاد والعين.\nأي الطرقات\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين الآيات الدالة على وجوب غض البصر ذكر أحاديث منها حديث أبي سعيد الخدري وحديث زيد بن سهل أما الأول فإن النبي ﷺ قال إياكم والجلوس على","vol":"6","page":360},{"text":"الطرقات وهذا تحذير يعني احذروا الجلوس على الطرقات فقالوا يا رسول الله مجالسنا ما لنا منها بد وكانوا يجلسون على أفنية البيوت كما يفعل كثير من الناس اليوم يجلس في فناء بيته ويجتمع إليه جيرانه يتحدثون فيما جرى بينهم وفي مصالحهم في دين أو دنيا قال فإن أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقه يعني إن أبيتم إلا أن تجلسوا وكان لابد من الجلوس فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حقه يا رسول الله فذكر حقه ﵊ غض البصر يعني أن تغضوا أبصاركم عن المارة ولا تحدقوا فيهم ولا تنظروا إليهم لأن بعض الناس يجلس على الطرقات وكلما مر إنسان صار يراقبه من حين أن يقبل إلى أن يدبر وهذا خلاف ما أمر به النبي ﷺ فيغض البصر ولاسيما إذا مرت المرأة فإن الواجب غض البصر من وجهين من حيث أنها امرأة ومن حيث إن التركيز على المار يوجب أن يخجل ويتأذى بذلك الثاني كف الأذى ألا تؤذوا أحدا من المارة لا بقول ولا بفعل لا بقول تسمعونه إياه يتأذى به ولا بفعل بأن تضيقوا الطريق فتمدوا أرجلكم مثلا أو تضجعوا في الطريق أو ما أشبه ذلك والثالث رد السلام يعني إذا سلم أحد تردون ﵇ على الوجه الواجب إذا قال السلام عليكم تقول عليكم السلام ولا يكفي أن تقول أهلا وسهلا أو مرحبا أو ما أشبه ذلك بل لابد من الرد الواجب وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها الرابع الأمر بالمعروف إذا رأيتم أحدا قد قصر في أمر مطلوب منه","vol":"6","page":361},{"text":"تأمرونه به والمعروف كل ما أمر به الشرع وكل ما عرفه الناس وأقروا به مما لا يكون حراما فإنه معروف فمثلا لو جلستم في الطريق ورأيتم امرأة كاشفة الوجه فهنا إنهائها عن هذا المنكر رأيتم إنسان مفرطا تقام الصلاة وهو لا يصلي وأنتم قد صليتم وهو لم يصلي تأمرونه أن يصلي مع الجماعة مثلا وهلم جرا تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر فهذه خمس حقوق على من جلسوا في الطرقات وكذلك الحديث الذي بعده يدل على ما دل عليه هذا والمقصود والشاهد من هذا قوله غض البصر والله الموفق\n١٦٢٥ - وعن جرير ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال اصرف بصرك رواه مسلم\n١٦٢٦ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال النبي ﷺ احتجبا منه فقلنا يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال النبي ﷺ أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه رواه","vol":"6","page":362},{"text":"أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح\n١٦٢٧ - وعن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن بغير حاجة شرعية عن جرير بن عبد الله ﵁ أنه سئل النبي ﷺ عن نظرة الفجأة قال اصرف بصرك نظر الفجأة هو الذي يفاجأ الإنسان مثل أن تمر به امرأة مفاجأة وتكون قد كشفت وجهها فقال النبي ﷺ اصرف بصرك يعني أدره يمينا أو شمالا حتى لا تنظر فيستفاد من هذا الحديث تحريم نظر الرجل إلى المرأة لكن إذا حصل هذا فجأة فإنه يعفى عنه لأنه بغير اختيار من الإنسان وما كان بغير اختيار من الإنسان فإن الله قد عفى عنه وأما الحديث الثاني حديث أم سلمة أنها كانت عند النبي ﷺ وعنده ميمونة فدخل عبد الله ابن أم مكتوم وكان رجل أعمى وكان ذلك بعد نزول الحجاب فأمرهما أن تحتجبا منه يعني قال لأم سلمة وميمونة احتجبا منه يعني من ابن أم مكتوم وهو أعمى فقالتا يا رسول الله إنه رجل أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال: أفعمياوان أنتما احتجبا منه فأمرهما أن تحتجبا عن الرجل ولو كان أعمى لكن هذا الحديث ضعيف لأن الأحاديث الصحيحة كلها ترده فإن النبي ﷺ قال","vol":"6","page":363},{"text":"لفاطمة بنت قيس: اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده وهذا الحديث في الصحيحين وأما هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ فقد قال الإمام أحمد إن رفعه خطأ يعني لا يصح عن النبي ﷺ وعلى هذا فلا يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل ولو كان أجنبي بشرط ألا يكون نظرها بشهوة أو لتمتع يعني نظر عادي ولذلك نجد الرجال يمشون في الأسواق كاشفين وجوههم والنساء ينظرون إلى الوجوه وكذلك النساء في عهد النبي ﷺ يحضرن إلى المسجد ولا يحتجب الرجال عنهن ولو كان الرجل لا يحل للمرأة أن تراه لوجب عليه أن يحتجب كما تحتجب المرأة عن الرجل فالصحيح أن المرأة لها أن تنظر من الرجل لكن بغير شهوة ولا استمتاع أو تلذذ وأما الرجل فيحرم عليه أن يرى المرأة كما مر علينا الآن وكما مر علينا فيما سبق وأما الحديث الأخير فحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ولا الرجل إلى عورة الرجل ولا يفضي الرجل إلى","vol":"6","page":364},{"text":"الرجل في الثوب الواحد فقوله ﷺ لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة هذا نهى للناظرة أن تنظر إلى عورة المنظورة يعني لو انكشفت عورة المرأة المنظورة بريح أو بقضاء حاجة أو ما أشبه ذلك فإنه لا يحل للأخرى أن تنظر إلى عورتها وهي ما بين السرة والركبة وكذلك الرجل لو انكشفت عورته بريح أو لغير هذا من الأسباب فلا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة الرجل وهذا الحديث تشبث به بعض النساء فقلن إن المرأة لا يلزمها أن تستر من بدنها إلا ما بين السرة والركبة وهذا فهم خاطئ لأن النبي ﷺ لم يرخص للمرأة أن تقتصر على ثوب يستر ما بين السرة والركبة وإنما هي المرأة الأخرى أن تنظر إلى عورة المرأة والفرق بين الأمرين ظاهر فالمرأة اللابسة يجب أن يكون لباسها ساترا وكان نساء الصحابة ﵃ يسترن ما بين كعب القدم إلى كف اليد كل هذا مستور لكن لو قدر أن امرأة انكشفت عورتها لحاجة أو انكشفت من ريح أو غير هذا فإن المرأة لا تنظر إلى ما بين السرة والركبة بالنسبة للأخرى وكذلك يقال للرجل لا ينظر الرجل إلى عورة","vol":"6","page":365},{"text":"الرجل وهي ما بين السرة والركبة وهذا بالنسبة للرجل يجوز له أن يكشف الصدر والكتف لأخيه بدليل أنه يجوز للإنسان الرجل أن يقتصر على الإزار كما في حديث الرجل الذي طلب من النبي ﷺ أن يزوجه الواهبة امرأة جاءت إلى الرسول ﷺ قالت يا رسول الله وهبت نفسي لك فصعد فيها النظر وصوبه ولم تطب نفسه بها فسكت فجلست المرأة ثم قال رجل من القوم زوجنيها يا رسول الله قال ما معك من الصداق قال معي إزاري قال سهل راوي الحديث ليس له رداء ما عليه إلا إزار فقط فقال له الرسول الله ﷺ إن أعطيتها إزارك بقيت بلا إزار وإن أبقيته لك لم يكن لها مهر اطلب ابحث التمس ولو خاتما من حديد فذهب يلتمس فلم يجد ولو خاتما من حديد فإنه فقير فقال هل معك شيء من القرآن قال نعم سورة كذا وكذا قال زوجتكها بما معك من القرآن يعني علمها الذي معك من القرآن وهذا هو مهرها فالشاهد من هذا أن الرجل لا بأس أن يقتصر على لبس الإزار أما المرأة فلا يمكن أن تقتصر على لبس الإزار وليس هذا من عادة نساء الصحابة ﵃ والله الموفق.\nسؤال وجوابه الخادمة التي في البيوت كغيرها يجب أن تستر وجهها وهي أشد خطرا لأنها لو كشفت وجهها وكانت شابة أو جميلة افتتن بها صاحب البيت وأولاده إذا كان له أولاد","vol":"6","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>باب تحريم الخلوة بالأجنبية</span>\nقال الله تعالى ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسئلوهن من وراء حجاب﴾\n١٦٢٨ - وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار أفرأيت الحمو؟ قال الحمو الموت متفق عليه.\nالحمو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن عمه\n١٦٢٩ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم متفق عليه\n١٦٣٠ - وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم ما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى ثم التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال ما ظنكم؟ رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية المرأة الأجنبية هي التي ليس بينك وبينها محرم مثل بنت العم بنت العمة بنت الخالة وما أشبه ذلك أو من لم يكن من أقاربك فالمراد بالأجنبية هنا من ليست لك بمحرم والخلوة بها حرام وما خلى رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان فما","vol":"6","page":367},{"text":"ظنكم بمن ثالثهما الشيطان إنا ظننا بذلك أنهما سيكونا عرضة للفتنة والعياذ بالله ثم ذكر قوله تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب يعني لا تدخلوا عليهن اسألوهن من وراء حجاب حتى لا تحصل الخلوة ثم ذكر حديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال إياكم والدخول على النساء يعني إياكم أحذر أن تدخلوا على النساء وهذا تحذير بالغ قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو قال الحمو الموت الحمو يعني أقارب الزوج من أخيه عمه خاله هذا هو الحمو أما أبو الزوج وابن الزوج فهم من المحارم لكن حواشيه كأخيه وعمه وخاله فهؤلاء ليسوا من المحارم قال الحمو الموت وهذه كلمة من أبلغ ما يكون من التحذير يعني كما أن الإنسان يفر من الموت فيجب أن يفر من دخول أقاربه على زوجته وأهله بلا محرم وهذا يدل على التحذير الشديد ودخول أقارب الزوج على بيت الزوج أخطر من دخول الأجانب لأن هؤلاء يدخلون باعتبارهم أقارب فلا يستنكرهم أحد وإذا وقفوا عند الباب يستأذنون لم ينكر عليهم أحد لذلك كان حراما على الإنسان أن يمكن أخاه من الخلوة بزوجته وبعض الناس يتهاون في هذا الأمر تجد عنده زوجة وله أخ بالغ فيذهب الرجل إلى العمل ويترك زوجته وأخاه في البيت وحدهما وهذا حرام لا يجوز لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ولكن كيف الخلاص","vol":"6","page":368},{"text":"إذا كان البيت واحدا؟ يجب أن يجعل بابا بين محل الرجال ومحل النساء مغلقا مفتاحه معه يأخذه معه ثم يقول لأخيه هذا محلك ويقول لأهله هذا محلك ولا يجوز أن تبقى الأبواب مفتوحة لأنه قد يدخل عليها فيغويه الشيطان فيغتصبها وربما يغرها حتى توافق وتكون كأنها زوجة له يدخل عليها ويخرج ولا يبالي نسأل الله العافية ومن الخلوة الخلوة بالسائق يعني الإنسان عنده سائق وله امرأة أو بنت لا يحل له أن يجعل السائق مع المرأة أو البنت وحدها إلا مع ذي محرم لأن الخلوة في السيارة أقوى من الخلوة في البيت إذ أن الخلوة في السيارة يستطيع أن يتفاهم معها ثم يذهبان إلى أي مكان ويفعل بها الفاحشة من الذي يمنعه؟ لهذا حرام على الإنسان أن يمكن أهله من زوجة أو أخت أو بنت من أن تركب وحدها مع السائق ولو بقدر خمس خطوات أبدا لا يجوز فإن قال قائل لو كانت امرأة تدرس وأبوها مريض أو مشغول لا يتمكن وهي لابد أن تدرس قلنا لا من يقول لابد أن تدرس الدراسة التي تستلزم الوقوع في المحرم حرام يجب أن تبقى في بيتها والدراسة الحمد لله لها الشباب الذكور فيهم خير والمرأة إذا كان معها مبادئ تستطيع أن تراجع وتنتسب أما أن تذهب مع السائق وحدها فهذا حرام ويخشى أن يكون الذي يمكن أهله من ذلك يخشى أن ينطبق عليه شيء من وصف الديوث وهو الذي يقر أهله على الفاحشة لكن هذا لم يقر أهله على الفاحشة إنما يخشى أن يكون ذلك وسيلة والله الموفق","vol":"6","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>باب تحريم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال في لباس وحركة وغير </span>ذلك\n١٦٣١ - عن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء.\nوفي رواية: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال رواه البخاري.\n١٦٣٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل رواه أبو داود بإسناد صحيح\n١٦٣٣ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا رواه مسلم.","vol":"6","page":370},{"text":"معنى كاسيات أي من نعمة الله عاريات من شكرها وقيل معناه تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارا لجمالها ونحوه وقيل تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها ومعنى مائلات قيل عن طاعة الله تعالى وما يلزمهن حفظه مميلات أي يعلمن غيرهن فعلهن المذموم وقيل مائلات يمشين متبخترات مميلات لأكتافهن وقيل مائلات يمتشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا ومميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة رؤوسهن كأسنمة البخت أي يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال وذلك أن الله ﷾ خلق الذكور والإناث وجعل لكل منهما مزية الرجال يختلفون عن النساء في الخلقة والخلق والقوة والدين وغير ذلك والنساء كذلك يختلفن عن الرجال فمن حاول أن يجعل الرجال مثل النساء أو أن يجعل النساء مثل الرجال فقد حاد الله في قدره وشرعه لأن الله ﷾ له حكمة فيما خلق وشرع ولهذا جاءت النصوص بالوعيد الشديد باللعن وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله لتشبه الرجل بالمرأة أو المرأة بالرجل فمن تشبه بالنساء فهو ملعون على لسان النبي ﷺ ومن تشبهت بالرجال فهي ملعونة على لسان النبي ﷺ كما في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لعن","vol":"6","page":371},{"text":"المخنثين من الرجال وفي لفظ المتشبهين من الرجال بالنساء وهؤلاء هم المخنثون في هذا الحديث ولعن المترجلات من النساء يعني المتشبهات بالرجال واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله فإذا تشبه الرجل بالمرأة في لباسه ولا سيما إذا كان لباس محرما كالحرير والذهب أو تشبه بالمرأة في كلامها وصار بغير لسانه في الكلام حتى كأنما تتكلم امرأة أو تشبه بالمرأة في مشيتها أو في غير ذلك مما يختص بالمرأة فإنه ملعون على لسان أشرف الخلق ونحن نلعن من لعنه رسول الله فالمتشبه من الرجال بالنساء ملعون كذلك المرأة إذا تشبهت بالرجال فهي ملعونة لو صارت تتكلم كما يتكلم الرجل أو جعلت لها عمامة كما يلبس الرجل أو جعلت ثيابها كثياب الرجل ومن ذلك البنطلون فإن لباس البنطلون خاص بالرجال النساء عليهن أن يلبسن الثياب الساترة والبنطلون كما نعلم جميعا يكشف المرأة تتبين أفخاذها وسوقها يعني سيقانها وما أشبه ذلك فلهذا نقول لا يحل للمرأة أن تلبس البنطلون حتى عند زوجها لأن ليست العلة العورة العلة التشبه فإذا تشبهت المرأة بالرجال فهي ملعونة على لسان محمد ﷺ ولهذا أردف المؤلف ﵀ حديث ابن عباس بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس قال العلماء وهؤلاء هم الشرط الذين يضربون الناس بغير حق معهم سياط كأذناب البقر يعني سوط طويل وله ريشة يضربون بها الناس بغير حق أما بحق فإنه يضرب المعتدي الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي","vol":"6","page":372},{"text":"فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ لا ترأفوا بهما اجلدوهما تماما لكن من ضرب الناس بغير حق فهو من أصناف أهل النار والعياذ بالله الثاني نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا هؤلاء أيضا النساء كاسيات عاريات قيل كاسيات بثيابهن كسوة حسية عاريات من التقوى لأن الله تعالى قال ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ﴾ وعلى هذا فيشمل هذا الحديث كل امرأة فاسقة فاجرة وإن كان عليها ثياب فضفاضة لأن المراد بالكسوة الكسوة الظاهرة كسوة الثياب عاريات من التقوى لأن العاري من التقوى لا شك أنه عار كما قال تعالى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ وقيل كاسيات عاريات أي عليهن كسوة حسية لكن لا تستر إما لضيقها وإما لخفتها تكون رقيقة ما تستر وإما لقصرها كل هذا يقال للمرأة التي تلبس ذلك إنها كاسية عارية مميلة مائلة مميلة يعني تميل المشطة كما فسرها بعضهم بأنها المشطة المائلة التي تجعل المشطة على جانب فإن هذا من الميل لأنها مميلات بمشطتهن ولا سيما أن هذا الميل الذي جاءنا إنما وردنا من النساء الكفار وهذا والعياذ بالله ابتلى به بعض النساء فصارت تفرق ما بين الشعر من جانب","vol":"6","page":373},{"text":"واحد فتكون هذه مميلة أي قد أمالت مشطتها وقيل مميلات أي فاتنات غيرهن لما يخرجن به من التبرج والطيب وما أشبه ذلك فهن مميلات لغيرهن ولعل اللفظ يشمل المعنيين لأن القاعدة أن النص إذا كان يحتمل معنيين ولا مرجح لأحدهما فإنه يحمل عليهما جميعا وهنا لا مرجح ولا منافاة لاجتماع المعنيين فيكون شاملا لهذا وهذا وأما قوله مائلات فمعناه منحرفات عن الحق وعما يجب عليهن من الحياء والحشمة تجدها في السوق تمشي مشية الرجل بقوة وجلد حتى إن بعض الرجال لا يستطيع أن يمشي هذه المشية لكنها هي تمشي كأنها جندي من شدة مشيتها وضربها بالأرض وعدم مبالاتها كذلك أيضا تضحك إلى زميلتها معها تضحك وترفع صوتها على وجه يثير الفتنة وكذلك تقف على صاحب الدكان تماكثه في البيع والشراء وتضحك معه وربما تمد يدها إليه لأجل يضع عليها ساعة اليد وما أشبه ذلك من المفاسد والبلاء وهؤلاء مائلات لا شك أنهن مائلات عن الحق نسأل الله العافية رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة البخت نوع من الإبل لها سنام طويل ينضجع يمينا أو شمالا هذه ترفع شعر رأسها حتى يكون مائلا يمينا أو يسارا كأسنمة البخت المائلة وقال بعض العلماء بل هذه المرأة تضع على رأسها عمامة كعمامة الرجل حتى يرتفع الخمار ويكون كأنه سنام إبل من البخت وعلى كل حال فهذه تجمل رأسها بتجميل يفتن","vol":"6","page":374},{"text":"لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها نعوذ بالله يعني لا يدخلن الجنة ولا يقربنها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا من مسيرة سبعين عاما أو أكثر ومع ذلك لا تقرب هذه المرأة الجنة والعياذ بالله لأنها خرجت عن الصراط فهي كاسية عارية مميلة مائلة على رأسها ما يدعو إلى الفتنة والزينة وفي هذا دليل على تحريم هذا النوع من اللباس لأنه توعد عليه بالحرمان من الجنة وهذا يدل على أنه من الكبائر وكذلك المتشبهات من النساء بالرجال تشبههن من كبائر الذنوب وكذلك المتشبهون من الرجال بالنساء تشبههم من كبائر الذنوب وهنا مسألة تشكل على بعض النساء وعلى بعض الناس أيضا يفعل الإنسان ما فيه التشبه ويقول أنا ما نويت أنا لم أنو التشبه فيقال إن الشبه صورة غالبة متى وجدت حذر التشبه سواء بنية أو بغير نية فمتى ظهر أن هذا تشبه ويشبه الكافرات ويشبه الفاجرات والعاريات أو يشبه الرجال من المرأة أو المرأة من الرجل متى ظهر التشبه فهو حرام سواء كان بقصد أو بغير قصد لكن إذا كان بقصد فهو أشد وإن كان بغير قصد قلنا يجب عليك أن تغير ما تشبهت به حتى تبتعد عن التشبه وأما الحديث الأخير حديث أبي هريرة رواه أبو داود بإسناد حسن أن الرسول ﷺ نهى أن تلبس المرأة لبسة الرجل والرجل لبسة المرأة هذا يؤيد ما قلنا فيما سبق أن التشبه يكون باللباس والمشية والهيئة وغير ذلك نسأل الله لكم ولنا السلامة وأن يحفظ ذكورنا وإناثنا مما فيه الفتنة والغلط سؤال وجوابه المميلون من الرجال ربما يكون أخبث يعني يوجد بعض الشبان ولا سيما إذا كان جميلا يميل لباسه ويتغنج حتى كأنه يدعو الناس إلى نفسه والعياذ بالله","vol":"6","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>باب النهي عن التشبه بالشيطان والكفار</span>\n١٦٣٤ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل ويشرب بشماله رواه مسلم\n١٦٣٥ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف في كتابه رياض الصالحين باب تحريم التشبه بالشيطان والكفار الشيطان هو رأس الكفر كما قال الله تعالى وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ والكفار من بني آدم هم أعداء الله وأولياء الشيطان كما قال الله تعالى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ والتشبه بالشيطان أو الكفار أن يعمل الإنسان أعمالهم أو يلبس لباسهم الخاص بهم أو يتزين بزيهم الخاص سواء قصد التشبه أو لم يقصده","vol":"6","page":376},{"text":"فإذا قيل هذا لباس الكفار حرم على المسلم أن يلبسه إذا قيل هذا الزي زي الكفار..\nحرم على المسلم أن يتشبه بهم الشيطان كذلك لا يتشبه به في أعماله لكن الشيطان من عالم الغيب لا نعلم من أعماله إلا ما حدثنا عنه رسول الله ﷺ ففي حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله الشمال اليد اليسرى فنهى النبي ﷺ عن الأكل بها والشرب بها وعلل ذلك بأن هذا عمل الشيطان الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وقد نهينا عن اتباعه كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وهذا الحديث يدل على تحريم الأكل بالشمال وتحريم الشرب بالشمال وأن من أكل أو شرب بشماله فإنه مشابهة للشيطان الذي هو عدونا وعدو الله ﷿ وإنك لتعجب من قوم الآن بعد أن امتزجوا بالكفار وشاهدوهم يقلدون زعيمهم الشيطان في الأكل بالشمال والشرب بالشمال تعجب من هؤلاء القوم أن يأكلوا بشمالهم ويشربوا بشمالهم ويدع هدى النبي ﷺ فيكونون متشبهين بالشيطان والكفار غير متأسين برسول الله ﷺ مخالفين لهديه وسننه ومن الناس من يأكل باليمين ويشرب باليمين ولكن إذا قدم له الشرب وهو يأكل شرب بالشمال وقال أخاف أن يتلطخ الإناء سبحان الله وإن تلطخ الإناء يتلطخ بنجاسة أو بطعام بطعام والطعام حلال وما على الإنسان إلا أن يغسل الكأس بعد الشرب ونحن الآن في الوقت الحاضر نشرب الكأس الباغ ويرمى","vol":"6","page":377},{"text":"لكن الشيطان يزين للإنسان سوء عمله فيراه حسنا وقد قال الله تعالى منكرا على هؤلاء ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ نسأل الله العافية فيحرم على الإنسان بأي حال من الأحوال أن يأكل أو يشرب بشماله إلا لضرورة إذا كانت اليد اليمنى شلاء أو مكسورة أو ليس لها أصابع أو ما أشبه ذلك من الضرورة فهذه ضرورة وما جعل الله علينا في الدين من حرج ورأى النبي ﷺ رجلا يأكل بشماله فنهاه وقال لا أستطيع أن آكل يعني باليمين فقال له النبي ﷺ لا استطعت فما رفع يده اليمنى إلى فمه بعد ذلك شلت لأنه كاذب عندما قال لا أستطيع لكن دعاء الرسول ﷺ عليه يدل على أن هذا أعني الأكل بالشمال حرام وإن كان هذا الرجل قد منعه الكبر لكن دعاء الرسول ﷺ عليه يدل على تحريم فعله وهو كذلك ومن هذا أيضا أي من مشابهة الشيطان الأخذ بالشمال والإعطاء بالشمال ومع الأسف أن كثيرا من الناس ومن طلبة العلم ومن أهل الخير والعبادة يأخذ بشماله ويعطي بشماله فمثلا يعطي شيئا بالشمال سبحان الله الذي يأخذ بالشمال ويعطي بالشمال مشابه للشيطان وهو خلاف المروءة وخلاف الأدب إذا أردت أن تعطي أحدا أعطه باليمين وإذا أردت أن تأخذ منه شيئا فخذ باليمين اللهم إلا إذا كانت اليمين مشغولة مثل أن تكون تحمل فيها شيئا ثقيلا لا يمكن أن تنقله إلى اليد اليسرى فلكل حال مقام لكن بدون سبب لا تعط بالشمال ولا تأخذ بالشمال إن كنت تريد هدى النبي ﷺ نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية","vol":"6","page":378},{"text":"١٦٣٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم متفق عليه المراد خضاب شعر اللحية والرأس الأبيض بصفرة أو حمرة وأما السواد فمنهي عنه كما سنذكر في الباب بعده إن شاء الله تعالى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>باب نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بسواد</span>\n١٦٣٧ - عن جابر ﵁ قال: أتي بأبي قحافة والد أبي بكر الصديق ﵄ يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال رسول الله ﷺ غيروا هذا واجتنبوا السواد رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم التشبه بالشيطان والكفار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم يعني اصبغوا وهذا يعني به صبغ البياض الشيب بدليل الحديث الذي في الباب الذي بعده أنه أتي بأبي قحافة والد أبي بكر ﵄ ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا الثغامة نوع من النبات","vol":"6","page":379},{"text":"أبيض يسمى العرسج فقال النبي ﷺ غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد ففي هذا دليل على أن الأفضل أن الإنسان يغير الشيب يصبغه لكن بغير الأسود إما بالأصفر كالحناء أو بالأصفر الممزوج بالكتم والكتم أسود فإذا مزج الأصفر بالأسود ظهر لون بني فيصبغ الإنسان بالبني أو بالأصفر كما أمر بذلك النبي ﷺ ولولا المشقة والمؤونة على بعض الناس لكان يفعل ذلك لكن في مراعاة ومراقبة ويخرج أسفل شعر أبيض وأعلاه مصبوغا وفي قوله جنبوه السواد دليل على أنه يمنع اللون الأسود لأن السواد يعني أنه يعيد الإنسان شابا فكان ذلك مضادة لفطرة الله ﷿ وسنته في خلقه وأما بقية الأصباغ فلا بأس بها إلا السواد لأن النبي ﷺ نهى عنه وإلا إذا كان صبغة مختصة بنساء الكفار فإنه لا يجوز لنساء المؤمنين أن يصبغوا بها لأنهم إن فعلوا ذلك تشبهوا بالكفار وهو منهي عنه والله الموفق","vol":"6","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>باب النهي عن القزع وهو حلق بعض الرأس دون بعض وإباحة </span>حلقه كله للرجل دون المرأة\n١٦٣٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن القزع متفق عليه\n١٦٣٩ - وعنه ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ صبيا قد حلق بعض شعر رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال احلقوه كله أو اتركوه كله رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم\n١٦٤٠ - وعن عبد الله بن جعفر ﵄ أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ﵁ ثلاثا ثم أتاهم فقال لا تبكوا على أخي بعد اليوم ثم قال ادعوا لي بني أخي فجيء بنا كأننا أفرخ فقال ادعوا لي الحلاق فأمره فحلق رؤوسنا رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم\n١٦٤١ - وعن علي ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق","vol":"6","page":381},{"text":"المرأة رأسها رواه النسائي\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب ذكره المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في بيان حكم القزع ثم ذكر فيه أحاديث منها حديث ابن عمر ﵄ قال نهى رسول الله ﷺ عن القزع والقزع أن يحلق بعض الرأس ويترك بعضه سواء كان من جانب واحد أو من كل الجوانب أو من فوق ومن يمين ومن شمال ومن وراء ومن أمام المهم أنه إذا حلق بعض الرأس وترك بعضه فهذا قزع وقد نهى عنه النبي ﷺ ومنه قول أنس وما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة أي قطعة من السحاب وذكر حديث ابن عمر الآخر أن صبيا أتي به إلى النبي ﷺ وقد حلق بعض رأسه وترك بعضه قال احلقوه له أو اتركوه كله ثم ذكر حديث أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁ حين قتل شهيدا فأمهلهم النبي ﷺ ثلاثة أيام ثم أتاهم وقال لا تبكوا على أخي بعد اليوم وإنما أمهلهم ثلاثا من أجل أن تطيب نفوسهم ويذهب ما في نفوسهم من الحزن والأسى ثم بعد الثلاث نهاهم أن يبكوا جعفرا وأتي بأولاده صغار فأمر بحلق رؤوسهم فحلقت رؤوسهم وذلك من أجل ألا تتوسخ لأن الصبيان كما هو معروف تتوسخ أبدانهم وشعورهم فمن أجل ذلك حلق","vol":"6","page":382},{"text":"رؤوسهم وهذا إذا كانوا ذكورا أما الإناث فإن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها ولهذا إذا ولد المولود فإنه يحلق رأسه يوم السابع مع العقيقة إذا كان ذكرا أما الأنثى فلا يحلق رأسها وفي هذه الأحاديث دليل على أن اتخاذ الشعر ليس بسنة ومعنى اتخاذ الشعر أن الإنسان يبقي شعر رأسه حتى يكثر ويكون ضفرة أو لمة فهو عادة من العادات ولو كان سنة لقال النبي ﷺ اتركوه لا تحلقوه في الصبي ولما حلق رؤوس أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁ ولكنه أي اتخاذ الشعر عادة إذا اعتاده الناس فاتخذه وإن لم يعتده الناس فلا تتخذه وأما من ذهب إلى أنه سنة من أهل العلم فإن هذا اجتهاد منهم والصحيح أنه ليس بسنة وأننا لا نأمر الناس باتخاذ الشعر بل نقول إن اعتاده الناس وصار الناس يتخذون الشعر فاتخذه لئلا تشذ على العادة وإن كانوا لا يتخذونه كما هو معروف الآن في أهلنا فلا تتخذه ولهذا كان مشايخنا الكبار كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز وغيرهم من العلماء لا يتخذون الشعر لأنه ليس بسنة ولكنه عادة والله الموفق شعر البنات لا يحلق لا صغارا ولا كبارا إلا لحاجة مثل إن كانت الرأس فيها جروح يجب التداوي منها فلا بأس لأن النبي ﷺ لما احتاج إلى الحجامة وهو محرم حلقه واحتجم وهو محرم مع أن حلق رأس المحرم حرام لكن عند الحاجة هذا شيء آخر","vol":"6","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>باب كراهية الاستنجاء باليمين ومس الفرج باليمين من غير عذر</span>\n١٦٤٨ - عن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه ولا يستنج بيمينه ولا يتنفس في الإناء متفق عليه وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب كراهة الاستنجاء باليمين الاستنجاء تطهير القبل والدبر من الحدث من البول أو الغائط ويكون بالاستجمار ويكون بالماء يعني يكون بالحجارة أو ما ينوب منابها من الخرق والخشب والتراب وغير ذلك أو بالماء ولكن الاستجمار بالحجارة له شروط ذكرها العلماء ﵏ وأما الماء فشرطه أن يزول أثر النجاسة وأثر النجاسة معلوم فإذا زال الأثر وعاد المحل كما كان فهذا هو الطهارة ثم ذكر المؤلف حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال لا يستنجي أحدكم بيمينه يعني لا يمسك الذكر باليمين فيغسله لأن اليد اليمنى مكرمة ولهذا قال العلماء ﵏ اليمنى هي المقدمة إلا في مواضع","vol":"6","page":384},{"text":"الأذى فاليسرى تقدم للأذى واليمنى لما سواه وعلى هذا فيستنجي باليسار ويصب الماء باليمين لأن النبي ﷺ نهى عن الاستنجاء باليمين ثم قال ﵊ ولا يتمسح من الخلاء بيمينه يعني كذلك بالأحجار إذا أراد أن يمسح محل الغائط فإنه لا يمسك الحجر بيمينه وإنما يمسكه باليسرى ولا يتنفس في الإناء يعني إذا شرب فالسنة أن يتنفس ثلاث مرات يشرب أولا ثم يقطع ثم يشرب ثانيا ثم يقطع ثم يشرب ثالثا هكذا هي السنة وهو أنفع للبدن وأنفع للمعدة لأن العطش التهاب في المعدة وحرارة فإذا جاءها الماء دفعة واحدة أثر عليها وإذا كان يمصه مصا ويتنفس ثلاثا فهو أهنأ وأبرأ وأمرأ كما قال النبي ﷺ لكن إذا تنفس لا يتنفس في الإناء يزيل فمه عن الإناء ثم يتنفس لأن التنفس بالإناء فيه ضرر على الشارب لأن النفس يكون صاعدا والماء يكون نازلا فيلتقيان فيحصل الشرق وفيه أيضا أذى لمن بعده لأنه يخرج مع نفسه أمراض التي يسمونها ميكروبات فتكون في الماء فتؤثر على من شرب من بعده فلذلك نهى النبي ﷺ عن أن يتنفس الإنسان في الإناء والله الموفق","vol":"6","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>باب كراهة المشي في نعل واحدة أو خف واحد لغير عذر </span>وكراهة لبس النعل والخف قائما لغير عذر\n١٦٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يمش أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا وفي رواية أو ليحفهما جميعا متفق عليه\n١٦٥٠ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمش في الأخرى حتى يصلحها رواه مسلم\n١٦٥١ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن ينتعل الرجل قائما رواه أبو داود بإسناد حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أحاديث في النعل وكراهة أن ينتعل الإنسان برجل واحدة أو يلبس خفا برجل واحدة بل إما أن يحفيهما جميعا يعني لا يلبس في الرجلين","vol":"6","page":386},{"text":"شيئا وإما أن ينعلهما جميعا وليعلم أن لبس النعال من السنة والاحتفاء من السنة أيضا ولهذا نهى النبي ﷺ عن كثرة الإرفاه وأمر بالاحتفاء أحيانا فالسنة أن الإنسان يلبس النعال لا بأس لكن ينبغي أحيانا أن يمشي حافيا بين الناس ليظهر هذه السنة التي كان بعض الناس ينتقدها إذا رأى شخصا يمشي حافيا قال ما هذا هذا من الجهال وهذا غلط لأن النبي ﷺ كان ينهى عن كثرة الإرفاه ويأمر بالاحتفاء أحيانا فإذا لبست النعل فعند اللبس البس الرجل اليمنى وعند الخلع ابدأ باليسرى وكذلك أيضا إذا انتعلت وأردت دخول المسجد بنعليك فتفقدهما عند الدخول إن كان فيهما أذى أو قذر فامسحهما بالأرض حتى يزول ثم صلي بهما فإن هذا من السنة قال النبي ﷺ خالفوا اليهود صلوا في نعالكم لأن اليهود لا يصلون في النعل فالسنة إذا أن يصلي بنعليه كما أن كثيرا من الناس يصلي في خفيه فلا فرق بين الخف والنعل لكن الناس تستنكر الخف لأنه سنة أميتت هذا إذا كانت المساجد مفروشة بما كانت تفرش به المساجد فيما سلف كانت المساجد فيما سلف تفرش بالحجارة بالحصباء أو الرمل أو نحو ذلك ولا يحصل أذى النعل أما الآن وقد فرشت بهذه الفرش فإن الناس لو دخلوا للوثوا المسجد تلويثا ظاهرا بينا لأن أكثر الناس لا يبالي لو كان في نعليه أذى أو قذر ولهذا رأى","vol":"6","page":387},{"text":"العلماء الآن أن الإنسان لا يدخل بنعليه في المسجد نظرا لأنها مفروشة بفرش تتلوث لو دخل الإنسان بنعليه وإذا أراد الإنسان أن يطبق السنة فليصل في بيته بنعليه التهجد أو الراتبة أو ما أشبه ذلك ويحصل بذلك امتثال أمر النبي ﷺ في قوله إن اليهود لا يصلون في نعالهم ثم إن الأحاديث حديث أبي هريرة نهى أن ينتعل الرجل بنعل واحد يعني إما أن يلبس النعلين جميعا وإما أن يخلعهما جميعا أما أن يلبس واحدة ويدع الأخرى فهذا قد نهى عنه ووجه ذلك والله أعلم أن هذا الدين الإسلامي جاء بالعدل حتى في اللباس لا تنعل إحدى الرجلين وتترك الأخرى لأن هذا فيه جور على الرجل الثانية التي لم تنعل فلذلك نهى النبي ﷺ عن المشي في نعل قال العلماء ولو لإصلاح الأخرى ولهذا جاء في حديث أبي هريرة الثاني إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يلبسها حتى يصلح الأخرى ثم يلبسهما جميعا أما حديث جابر ﵁ الذي رواه أبو داود أن النبي ﷺ نهى أن ينتعل الرجل قائما فهذا في نعل يحتاج إلى معالجة في إدخاله في الرجل لأن الإنسان لو انتعل قائما والنعل يحتاج إلى معالجة فربما يسقط إذا رفع رجله ليصلح النعل أما النعال المعروفة الآن فلا بأس أن ينتعل الإنسان وهو قائم ولا يدخل ذلك في النهي لأن نعالنا الموجودة يسهل خلعها ولبسها والله الموفق","vol":"6","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم ونحوه سواء </span>كانت في سراج أو غيره\n١٦٥٢ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون متفق عليه.\n١٦٥٣ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل فلما حدث رسول الله ﷺ بشأنهم قال إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها متفق عليه\n١٦٥٤ - وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: غطوا الإناء وأوكئوا السقاء وأغلقوا الأبواب وأطفئوا السراج فإن الشيطان لا يحل سقاء ولا يفتح بابا ولا يكشف إناء فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودا ويذكر اسم الله فليفعل فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيوتهم رواه مسلم الفويسقة الفأرة وتضرم تحرق","vol":"6","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب النهي عن إبقاء النار ونحوها في البيت عند النوم ونحوه وذلك أن النار كما وصفها النبي ﷺ في هذه الأحاديث عدو للإنسان فإذا أبقاها الإنسان ونام فربما تأتي الفويسقة يعني الفأرة فتنخسها ثم تشتعل كما هو الشأن فيما سبق كانت السرج من النار توقد في الزمان الأول توقد بالودك والزيت وشبهه ثم صار توقد بالجاز وكلها مواد سائلة فإذا جاءت الفأرة وعبثت بها انصب الذي في السراج على الأرض ثم اشتعلت النار وحصل الحريق ولهذا أمر النبي ﷺ بإطفاء النار عند النوم لئلا يحصل هذا الحريق ولكن في الوقت الحاضر الوقود ليس يوقد كما كان فيما سبق فاليوم الكهرباء سالب وموجب يحصل بها إيقاد اللمبة مثلا فلو نام الإنسان وفي بيته لمبة موقدة التي يسمونها السهارية فلا بأس لأن العلة التي من أجلها نهى النبي ﷺ عن إبقاء النار غير موجودة في الكهرباء في الوقت الحاضر نعم فيه أشياء تشبه ذلك كالدفايات هذه لا شك أنها على خطر ولا سيما إذا قربها الإنسان من فراشه فإنه ربما ينقلب أو ربما يمس هذه النار فلهذا ينهى أن تبقى هذه الدفايات موقدة إلا في مكان آمن بعيد عن الفراش لئلا يحصل الحريق وكذلك ينبغي للإنسان إذا نام أن يجافي الباب بمعنى يغلقه وكذلك ينبغي إذا أراد أن ينام أن يغطي الإناء ولو بوضع عود عليه لأن في ذلك حماية له من الشيطان والله الموفق","vol":"6","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>باب النهي عن التكلف وهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه </span>بمشقة\nقال الله تعالى ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾\n١٦٥٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: نهينا عن التكلف رواه البخاري\n١٦٥٦ - وعن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم الله أعلم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب النهي عن التكلف التكلف معناه تكلف الشيء ومحاولة معرفته وإظهار الإنسان بمظهر العالم وليس كذلك ثم ذكر المؤلف قوله تعالى قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي لا أسألكم على ما جئت به من الوحي أجرا تعطونني إياه وإنما","vol":"6","page":391},{"text":"أدلكم على الخير وأدعوكم إلى الله ﷿ وهكذا الرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأصحابهم ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي من الشاقين عليكم أو القائلين بلا علم بل إنه ﵊ كان يقول ويؤيده الله على قوله بإقراره عليه ثم حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال نهينا عن التكلف والناهي هو الرسول ﷺ فإذا قال الصحابي نهينا فإن هذا له حكم الرفع يعني كأنه قال نهانا رسول الله ﷺ فعليه يكون هذا الناهي هو الرسول ﷺ نهينا عن التكلف أن يتكلف الإنسان ما لا علم له به ويحاول أن يظهر بمظهر العالم العارف وليس كذلك ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن الإنسان إذا سئل عما لا يعلم فلا يتكلم ويأتي بجواب لا يدري أهو صحيح أم لا ولكن لا يقول إلا ما علم به فإذا سئل عن شيء لا يعلمه فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول الإنسان لما لا يعلم الله أعلم ووصف هذا ﵁ بالعلم لأن الذي يقول لا أعلم وهو لا يعلم هو العالم حقيقة هو الذي علم قدر نفسه وعلم منزلته وأنه جاهل فيقول لما لا يعرف الله أعلم ثم أن الإنسان إذا قال لما لا يعلم الله أعلم ولم يفت به يثق الناس به ويعلمون أن ما أفتى به فهو عن علم وما لم يعلمه يمسك عنه وأيضا إذا قال الإنسان لما لا يعلم الله أعلم عود نفسه الرضوخ للحق وعدم التصدر للفتوى وهذا خلافا لبعض الناس اليوم تجده يرى أن الفتوى ربح بضاعة فيفتي بعلم وبغير علم ويفتي بنصف علم ولهذا قال","vol":"6","page":392},{"text":"شيخ الإسلام ﵀ في كتابه الفتوى الحموية كانوا يقولون ما أفسد الدنيا والدين إلا أربعة نصف متكلم نصف فقيه نصف لغوي نصف طبيب أما المتكلم فإنه أفسد الأديان والعقائد لأن أهل الكلام الذين نالوا من الكلام شيئا ولم يصلوا إلى غايته اغتروا به وأما أهل الكلام الذين وصلوا إلى غايته فقد عرفوا حقيقته ورجعوا إلى الحق ونصف فقيه يفسد البلدان لأنه يقضي بغير الحق فيفسد البلدان فيعطي حق هذا لهذا وهذا لهذا ونصف نحوي لأنه يفسد اللسان لأنه يظن أنه أدرك قواعد اللغة العربية فيلحن فيفسد اللسان ونصف طبيب فيفسد الأبدان لأنه لا يعرف فربما يصف دواء يكون داء وربما لا يصف الدواء فيهلك المريض فالحاصل أنه لا يجوز للإنسان أن يفتي إلا حيث جازت له الفتوى وإن كان الله تعالى قد أراد أن يكون إماما للناس يفتيهم ويهديهم إلى صراط مستقيم فإنه سيكون وإن كان الله لم يرد ذلك فلن يفيده تجرأة في الفتوى..\nثم استدل ابن مسعود ﵁ بقوله تعالى ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ والله الموفق","vol":"6","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر </span>وحلقه والدعاء بالويل والثبور\n١٦٥٧ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه وفي رواية ما نيح عليه متفق عليه\n١٦٥٨ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب تحريم النياحة على الميت النياحة هي البكاء البكاء على الميت برنة ينوح فيها كما تنوح الحمام والبكاء على الميت نوعان نوع اقتضته الطبيعة فهذا لا بأس به ولا يلام عليه العبد ومنه ما حصل للنبي ﷺ حين رفع إليه صبي ونفسه تقعقع كأنه في شن فبكى ﵊ رحمة بهذا الصبي الذي ينازعه الموت فقال له الأقرع بن","vol":"6","page":394},{"text":"حابس ما هذا إلا رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء فبكاء النبي ﷺ على هذا الصبي ليس من أجل الحزن لكن رق ورحمة حيث أنه ينازع الموت وقال إنما يرحم الله من عباده الرحماء جعلنا الله وإياكم منهم ومن ذلك أيضا البكاء الذي تقتضيه الطبيعة حزنا على فراق المحبوب كما حصل للنبي ﷺ حين مات ابنه ﵁ ابنه إبراهيم من مارية القبطية التي أهداها إليه ملك القبط جاءت منه بولد وترعرع الصبي وبلغ نحو ستة عشر شهرا يعني سنة وأربعة أشهر ثم توفاه الله ﷿ وسماه بإبراهيم الذي هو خليل الرحمن ﵊ ملة أبيكم إبراهيم سماه إبراهيم ولما بلغ ستة عشر شهرا تقريبا توفاه الله ﷿ فرفع إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون هكذا قال النبي ﷺ فتوفي الطفل وأخبر النبي ﷺ أن له مرضعا في الجنة ترضعه هذا النوع من البكاء لا يضر لأنه شيء تقتضيه الطبيعة والجبلة ولا يدل على سخط الإنسان على ما قضاه الله وقدره أما النوع الثاني فهو البكاء الذي ينوح فيه الإنسان نياحا هذا البكاء يعذب به الميت في قبره والعياذ بالله يعني أنت تنوح وميتك يعذب في قبره بما يناح عليه ما دمت تنوح فالميت يعذب فتكون أنت المتسبب لعذابه في قبره والعياذ بالله ولهذا يخطئ بعض الناس نسأل الله العافية إذا مات له قريب ينوح يبكي هذا ما دام يفعل هكذا يعذب الميت في قبره بسبب بكائه عليه كما ثبت ذلك عن النبي","vol":"6","page":395},{"text":"ﷺ من حديث عمر بن الخطاب ﵁ فالواجب على الإنسان أن يتصبر ويحتسب الأجر عند الله ويعلم أن عظم الثواب من عظم المصاب وأنه كلما عظمت المصيبة كثر الثواب أما حديث ابن مسعود ﵁ فقال النبي ﷺ ليس منا من شق الجيوب وضرب الخدود ودعا بدعوى الجاهلية وهذا شيء يفعله الناس في الجاهلية إذا أصابتهم مصيبة شق جيبه أو جعل يلطم خده ينتف شعره أو يدعو بدعاء الجاهلية يا ويلاه يا ثبوراه يا انقطاع ظهراه وما أشبه ذلك فتبرأ النبي ﷺ من هؤلاء لأن المؤمن مؤمن القلب بالله مؤمن بقضاء الله يعلم أنه لا يمكن أن تتغير الحال عما كان وأن هذا أمر قضي وانتهى كتب قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة جفت الأقلام وطويت الصحف لا يمكن أن تتغير الحال عما كان مهما كان إذا ما الفائدة من الجزع ما الفائدة من السخط ما هو إلا أمر أو وحي من الشيطان ليحرمك الأجر من جهة وليعذب به الميت من جهة أخرى فعليك يا أخي أن تتقي الله ﷿ وأن تصبر وتحتسب وأن تقول كما أثنى الله على من يقوله ﴿وبشر الصابرين﴾ من هم ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وقال النبي ﷺ ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها هكذا","vol":"6","page":396},{"text":"يجب على الإنسان أن يصبر ويحتسب الأجر ويعلم أن الحزن والبكاء بالنياحة لا يغني شيئا انتهى كل شيء لو أن أحدا سافر وأصيب بحادث هل يقول لو أني سافرت كنت سلمت ما هذا حصل؟ لا يمكن كما قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ قال الله تعالى ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لا فرار من الموت إذا عليك أن تصبر وتحتسب وأن تقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها يؤجرك الله في مصيبتك ويخلف عليك خيرا منها وهذه قصة أم سلمة مات عنها زوجها أبو سلمة وهو من أحب الناس إليها فحزنت لفراقه وكانت قد سمعت النبي ﷺ يقول إن الإنسان إذا أصيب بمصيبة فقال: اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها فقالت هذا قالت اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها وتقول في نفسها من خير من أبي سلمة أبو سلمة زوجها يحبها وتحبه من يكون خيرا من أبي سلمة هي ما شكت في الخبر هي توقن أنه صدق لكن تقول من يكون هذا فما إن انتهت عدتها حتى خطبها النبي ﷺ فكان خيرا من أبي سلمة فأخلف الله لها خير من مصيبتها وصار النبي ﷺ هو الذي يربي أولادها أولادها صاروا تحت الرسول ﷺ","vol":"6","page":397},{"text":"وهذا أيضا نتيجة لقصة أخرى دخل النبي ﷺ على أبي سلمة ﵁ وقد شخص بصره خرجت روحه فأغمض عينيه ثم قال إن الروح إذا قبضت تبعها البصر روحك إذا خرجت من جسدك البصر يشاهدها بإذن الله يشاهدها خارجة يتبعها فلما سمع أهل البيت ذلك عرفوا أن أبا سلمة قد مات فضجوا فقال النبي ﷺ لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأفسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه في الغابرين دعوات خمس تزن الدنيا وما عليها اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأفسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه إحدى هذه الدعوات عرفناها والباقي إن شاء الله مجاب الذي عرفناه أن النبي ﷺ خلف أبا سلمة في عقبه فكان زوج امرأته وكان مربي أولاده يعني عاشوا في حجر الرسول ﷺ والمهم أن على المرء أن يصبر عند المصائب أين كانت ويسترجع ويقول اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها ولا بأس أن يبكي البكاء الطبيعي الذي ليس فيه نوح فإن هذا حصل من خير البشر محمد ﷺ والله الموفق","vol":"6","page":398},{"text":"١٦٥٩ - وعن أبي بردة قال: وجع أبو موسى الأشعري ﵁ فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنة فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال أنا بريء ممن بريء منه رسول الله ﷺ بريء من الصالقة والحالقة والشاقة متفق عليه الصالقة التي ترفع صوتها بالنياحة والندب والحالقة التي تحلق رأسها عند المصيبة والشاقة التي تشق ثوبها\n١٦٦٠ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة متفق عليه\n١٦٦١ - وعن أم عطية نسيبة بضم النون وفتحها ﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة أن لا ننوح متفق عليه\n١٦٦٢ - وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: أغمي على عبد","vol":"6","page":399},{"text":"الله بن رواحة ﵁ فجعلت أخته تبكي وتقول واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه فقال حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذلك رواه البخاري\n١٦٦٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة ﵁ شكوى فأتاه رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃ فلما دخل عليه وجده في غشية فقال أقضي قالوا لا يا رسول الله فبكى رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا قال ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم متفق عليه\n١٦٦٤ - وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب رواه مسلم\n١٦٦٥ - وعن أسيد بن أبي أسيد التابعي عن امرأة من المبايعات","vol":"6","page":400},{"text":"قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه أن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا وأن لا ننثر شعرا رواه أبو داود بإسناد حسن\n١٦٦٦ - وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول واجبلاه واسيداه أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت؟ رواه الترمذي وقال حديث حسن اللهز الدفع بجمع اليد في الصدر\n١٦٦٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ساقها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين كلها تدل على تحريم النياحة والندب على الميت أما النياحة فهي البكاء برنة حتى يكون كنوح الحمام وأما الندب فهو أن يذكر محاسن الميت ويتأوه منها ويتوجع","vol":"6","page":401},{"text":"ذكر أحاديث منها حديث أبي موسى ﵁ أنه غشي ورأسه في حجر بعض أهله فجعلت هذه المرأة التي هو بحجرها تبكي برنة يعني بنياحة فلما أفاق ﵁ قال أنا بريء مما برئ منه النبي ﷺ إن النبي ﷺ بريء من الصالقة والحالقة والشاقة الصالقة من الصلق وهو رفع الصوت يعني بأن تصرخ وتعلي صوتها عند المصيبة فهذه برئ منها النبي ﷺ ونحن نشهد الله أننا بريئون من كل ما يتبرأ منه الرسول ﷺ ومن كل عمل تبرأ منه أما الحالقة فهي أنه جرت عادة النساء في الجاهلية أن المرأة إذا أصيبت بميت تحلق شعر رأسها كأنها غاضبة والرأس يتخذ زينة عند النساء وطوله وكثافته مرغوبة عند النساء لكن في وقتنا الحاضر لما انفتح الناس على نساء الكافرين أو من تشبه بهم صارت المرأة تحاول أن تقصر شعر رأسها حتى يكون كرأس الرجل والعياذ بالله أما الشاقة فهي التي تشق جيبها عند المصيبة وكذلك أيضا التي تنكش شعرها عند المصيبة كل فعل يدل على التضجر فإنه داخل في هذه البراءة التي تبرأ منها النبي ﷺ وفي هذه الأحاديث أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تقام يوم القيامة من قبرها وعليها سربال من قطران ودرع من جرب السربال يعني الثوب والدرع ما كان لاصقا بالبدن والمعنى أن جلدها أجرب والعياذ بالله والجرب معروف هو عبارة عن حكة يتبرز منها الجلد وإذا كان جلدها من جرب وعليها سربال من قطران صار هذا أشد اشتعالا في النار","vol":"6","page":402},{"text":"والعياذ بالله لكن إذا تابت قبل موتها تاب الله عليها لأن من تاب من أي ذنب قبل أن يموت تاب الله عليه ومن جملة الأحاديث هذه أن النبي ﷺ بكى لما رأى سعد بن عبادة ﵁ قد غشي عليه فبكى من معه من الصحابة ثم قال ﷺ ألا تسمعون ألا تسمعون الاستفهام هنا بمعنى الأمر أي اسمعوا اسمعوا إن الله لا يعذب ببكاء العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم يعني أن الله لا يعذب بالبكاء أو بالحزن لكن يعذب بالقول والصوت أو يرحم فمثلا إذا أصيب الإنسان مصيبة وقال إنا لله وإنا إليه راجعون مؤمنا بها قلبه مؤمنا بأن لله ملكا وتقديرا وتدبيرا وأننا راجعون إليه في أمورنا كلها وسنلاقيه يوم القيامة إذا آمن بهذا وقال ما في حديث أم سلمة ﵂ اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها فهذه يؤجر عليها الإنسان أما إذا جعل يقول واجبلاه واويلاه واثبوراه وما أشبه ذلك فإن هذا يعذب به والعياذ بالله ومعنى واجبلاه أن هذا الميت مثل الجبل ملجأ لي وقد فقدته فهو عبارة عن ندب مع مدح فالحاصل وخلاصة هذه الأحاديث أن البكاء الذي يأتي بمجرد الطبيعة لا بأس به وأما النوح والندب ولطم الخد وشق الثوب ونتف الشعر أو حلقه أو نفشه فكل هذا حرام وهو مما برئ منه النبي ﷺ والله الموفق","vol":"6","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>باب النهي عن إتيان الكهان والمنجمين والعراف وأصحاب الرمل والطوارق</span>\n١٦٦٨ - عن عائشة ﵂ قالت: سأل رسول الله ﷺ أناس عن الكهان فقال ليسوا بشيء فقالوا يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحيانا بشيء فيكون حقا فقال رسول الله ﷺ تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة متفق عليه وفي رواية للبخاري عن عائشة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فيسترق الشيطان السمع فيسمعه فيوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم قوله فيقرها هو بفتح الياء وضم القاف والراء أي يلقيها والعنان بفتح العين\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب تحريم إتيان الكهان والمنجمين ونحوهم","vol":"6","page":404},{"text":"الكهان جمع كاهن والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل فيقول مثلا كذا وكذا في يوم كذا وكذا أو يقول للإنسان ستكون سعيدا في اليوم الفلاني أو سيصيبك ...\nحادث في اليوم الفلاني أو ما أشبه ذلك هؤلاء هم الكهان أما المنجمون فهم الذين يمتهنون علم النجوم يعني يتخذونه مهنة ولكن علم النجوم ينقسم إلى قسمين جائز ومحرم الكهان الكهان هم أناس من بني آدم لهم أولياء من الجن والجن أعطاهم الله قدرة عظيمة على الأشياء سرعة وقوة فهم يصعدون إلى السماء ولكل واحد منهم مقعد معين يسترقون السمع أي ما يسمعونه من الملائكة فيقضي الله ﵎ الأمر في السماء ثم يخطفون منه شيئا فينزلون إلى أوليائهم من البشر من بني آدم وهم الكهان ثم يضيف هذا الكاهن إلى هذا الذي سمعه من السماء كما قال النبي ﷺ وهو الصادق مائة كذبة يعني يزيدون على ما سمعوا فيصادف أن هذه الكلمة المسموعة من السماء تقع كما سمعها الجني وقد ذكرت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سئل عن الكهان فقال ليسوا بشيء لأن الكهان كثروا أبان عهد النبي ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي وصارت الجن كما ذكر الله عنهم كنا نقعد منها يعني من السماء ﴿مقاعد للسمع﴾ فلما بعث النبي ﷺ صار الجني إذا قعد بمقعده يستمع جاءه شهاب من نار فأحرقه ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ فسئل النبي ﷺ عن الكهان فقال ليسوا بشيء يعني لا تعبأوا بهم ولا تأخذوا بكلامهم ولا يهمكم أمرهم قالوا يا رسول الله إنهم يقولون القول","vol":"6","page":405},{"text":"فيكون حقا فأخبر النبي ﷺ أن هذا الحق الذي يقع ممزوج بمائة كذبة وأن سببه أن الجني الذي له ولي من البشر يخطف الخبر من السماء ويوحيه إلى وليه من الإنس فيتحدث ثم يقع ما كان حقا وما كان باطلا ينسى عند الناس وكأنه لم يكن هؤلاء الكهان يجب علينا أن نكذبهم وألا نصدقهم ومن أتاهم وسألهم وصدقهم فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ يعني كفر بالقرآن ووجه كفره أن الله تعالى قال ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذا ادعى هؤلاء علم الغيب وصدقهم الإنسان صار مضمون تصديقه إياهم تكذيب قول الله ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ أما المنجمون فهم الذين يتعاطون علم النجوم وعلم النجوم قسمان قسم لا بأس به وهو ما يسمى بعلم التسيير يعني علم سير النجوم يستدل به على الفصول وعلى طول النهار وقصر النهار حاجة لا بأس بها ولا حرج بها لأن الناس يهتدون به لمصالحهم ومن ذلك علم جهات النجوم مثل القطب الشمالي معروف جهة الشمال الجدي معروف قرب القطب من ناحية الشمال يستدل به على القبلة وعلى الجهات قال الله تعالى ﴿وعلامات﴾ يعني الجبال ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ يهتدون في ظلمات البر والبحر إذا لم يكن سحاب يغطي النجوم اهتدوا بها","vol":"6","page":406},{"text":"ففي القصيم إذا أردت أن تستقبل القبلة اجعل القطب خلف أذنك اليمنى إذا جعلته خلف أذنك اليمنى فقد استقبلت القبلة وفي كل منطقة وجهة يحجيها فصار علم التسيير ما يتعلمه الإنسان للزمان والمكان للزمان مثل الفصول وقت الشتاء وقت الصيف المكان الجهات القسم الثاني علم التأثير مقابل علم التسيير علم التأثير أن يتخذ من علم النجوم سببا يدعي به أن ما حصل في الأرض فإنه من سبب النجم كالذين يقولون في الجاهلية مطرنا بنوء كذا وكذا هذا هو المحرم ولا يجوز اعتماده لأنه لا علاقة لما يحدث في الأرض فيما يحدث بالسماء السماء مستقلة فما حصل من أثر في السماء فإنه لا يؤثر على الأرض فالنجوم لا دخل لها في الحوادث بعض الناس والعياذ بالله يقول هذا الولد ولد في النوء الفلاني فسيكون سعيدا هذا الولد ولد في النوء الفلاني فسيكون شقيا من قال هذا ويسمونه الطالع أي طالع هذا الولد هذا هو المحرم الذي من صدق المنجم فيه فهو كمن صدق الكاهن والله الموفق\n١٦٦٩ - وعن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي ﷺ ورضي الله عنها عن النبي ﷺ قال من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما رواه مسلم","vol":"6","page":407},{"text":"١٦٧٠ - وعن قبيصة بن المخارق ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: العيافة والطيرة والطرق من الجبت رواه أبو داود بإسناد حسن وقال الطرق هو الزجر أي زجر الطير وهو أن يتيمن أو يتشاءم بطيرانه فإن طار إلى جهة اليمين تيمن وإن طار إلى جهة اليسار تشاءم قال أبو داود والعيافة الخط قال الجوهري في الصحاح الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك\n١٦٧١ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد رواه أبو داود بإسناد صحيح\n١٦٧٢ - وعن معاوية بن الحكم ﵁ قال: قلت يا رسول الله إني حديث عهد بالجاهلية وقد جاء الله تعالى بالإسلام وإن منا رجالا يأتون الكهان قال فلا تأتهم قلت ومنا رجال يتطيرون قال ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك رواه مسلم","vol":"6","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف والآثار فيها دليل على ما سبق أنه يحرم أن يأتي الإنسان الكهان فيصدقهم كمن أتى عرافا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوما مجرد ما يسأل العراف ومنه الكهان لا تقبل له صلاة أربعين يوما فإن صدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ أما إذا أتى الكاهن ليبين كذبه وزيفه فهذا لا بأس به بل قد يكون أمرا محمودا كما فعل النبي ﷺ مع ابن صياد رجل كاهن أو ساحر كلمه النبي ﷺ فقال له ماذا خبأت لك يعني ما الذي أضمرت في نفسي قال الدخ وعجز أن يكمل الكلمة لأن الرسول ﷺ أضمر في نفسه الدخان ولكنه عجز أن يدركها قال الدخ قال له النبي ﷺ أخسأ فلن تعدوا قدرك وأما ما يتعلق بذلك..\nأي بالتنجيم والكهانة فمنه التطير استعمال الطيور وكانوا في الجاهلية يستعملون الطيور يطيرونه من الأرض إن اتجه للأمام مضى في سفره وإن طار ثم رجع رجع من سفره وإن طار فذهب يمينا تيمن في سفره وقال هذا سفر طيب وخير وإن ذهب يسارا مضى في سفره لكن يعتقد أن السفر شاقا لماذا لأن الطير ذهب إلى الشمال والشمال غير مرغوبة هذه عادتهم والعياذ بالله الطيور لا تغني شيئا هذا كله أبطله النبي ﷺ لئلا يتعلق الإنسان بأحد سوى الله وأمر الإنسان إذا هم بأمر","vol":"6","page":409},{"text":"ولم يتبين له أن يستخير يصلي ركعتين من غير الفريضة ويقول الدعاء المعروف للاستخارة اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به حينئذ إذا قدر الله له شيئا بعد هذه الاستخارة فهو خير له يمضي ويتوكل على الله وإن صرف الله همته عنه فهذا يعني بأنه ليس بخير له وأما الاستقسام بالأزلام والطير وما أشبه ذلك فكله لا خير فيه\n١٦٧٣ - وعن أبي مسعود البدري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث آخر حديث في هذا الباب باب النهي عن إتيان الكهان والمنجمين ونحوهم وهو النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي","vol":"6","page":410},{"text":"وحلوان الكاهن أما الكلب فمعروف واقتناؤه حرام لا يجوز للإنسان أن يقتني الكلب ويجعله عنده في بيته سواء بيت الطين أو المسلح أو الشعر إلا في ثلاث حالات ١ - كلب الحرث يعني الزرع ٢ - وكلب الماشية يعني إنسان عنده غنم أو إبل أو بقر يتخذ الكلب ليحرسها ٣ - كلب الصيد يصيد عليه الإنسان لأن الكلب إذا تعلم وصاد شيئا فإنه حلال فلو كان عند الإنسان كلب معلم وأرسله على أرنب مثلا ثم صادها وقتلها فهي حلال لأن الله ﵎ قال وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ فهذه الثلاثة كلب الحرث والماشية والصيد يجوز للإنسان أن يقتنيها وما عدا ذلك فاقتناؤه حرام والكلب أخبث الحيوانات في النجاسة لأن نجاسته مغلظة إذا شرب في الإناء يجب أن يغسل الإناء سبع مرات واحدة منها بالتراب والأفضل أن يكون التراب مع الأولى فهو الأحسن والأولى فإذا كان عند الإنسان كلب ولو كان كلب صيد أو ماشية أو زرع فإنه يحرم عليه بيعه وثمنه عليه حرام لكن إذا انتهى منه يعطيه أحدا يحتاج له ولا يحل له أن يبيعه لأن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب الثاني حلوان الكاهن الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في","vol":"6","page":411},{"text":"المستقبل فيقول سيحصل كذا سيكون كذا سواء كان عاما أو خاصا كأن يقول لشخص معين سيصيبك كذا وكذا في يوم كذا وكذا الكهان كانوا في الجاهلية يأتي إليهم الناس فيأخذون منهم أجرا كثيرا فنهى النبي ﷺ عن حلوان الكاهن لأن الكهانة حرام وما كان حراما فالتعويض عليه حرام الثالث مهر البغي يعني أجرة الزانية والعياذ بالله تكون امرأة تزني فيأتي إليها الأنجاس من بني آدم فيستأجرونها لمدة يوم أو يومين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل ويعطونها عن ذلك عوضا هذا أيضا نهى عنه الرسول ﷺ لأن هذا العوض يكون في مقابلة حرام وإذا حرم الله شيئا حرم ثمنه وحرم أجرته فإذا قال قائل لو أن الكاهن قد تاب إلى الله وقد كسب مالا من الناس هل يرده عليهم نقول لا لا يرده عليهم لأن قد أخذوا عوضا فلا يجمع لهم بين العوض والمعوض ولكن يتصدق به تخلصا منه أو يجعله في بيت المال إن كان هناك بيت مال وكذلك يقال فيمن باع كلبا سواء كان كلب صيد أو حرث أو ماشية وأخذ ثمنه ثم هداه الله وتاب نقول لا ترد هذا الثمن إلى الذي أخذ الكلب فتجمع له بين العوض والمعوض ولكن تصدق به تخلصا منه أو اجعله في بيت المال وكذلك يقال في مهر البغي إذا تابت إلى الله ورجعت هل ترد ما أخذت من الزاني عليه أو لا لا ترده عليه بل تجعله في بيت المال أو تصدق به أو تنفقه في أي سبيل من سبل الخير","vol":"6","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>باب النهي عن التطير </span>فيه الأحاديث في الباب قبله\n١٦٧٤ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل قالوا وما الفأل قال كلمة طيبة متفق عليه\n١٦٧٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اله ﷺ: لا عدوى ولا طيرة وإن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس متفق عليه\n١٦٧٦ - وعن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يتطير رواه أبو داود بإسناد صحيح\n١٦٧٧ - وعن عروة بن عامر ﵁ قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال أحسنها الفأل ولا ترد مسلما فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح","vol":"6","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب التطير التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان هذا هو التطير أن يتشاءم الإنسان في الشيء وإنما سمي تطيرا لأن العرب في الجاهلية يتشاءمون بالطيور فغلب الاسم على كل التشاؤم فمن العرب من يتشاءم بالطيور إذا زجر الطير أو أثاره حتى طار إن طار يسارا تشاءم وإن رجع إليه ألغى ما يريد الإقدام عليه وإن طار أمامه عزم على تنفيذ ما أراد وإن طار على يمينه قال هذا عمل ميمون مبارك فصاروا يتشاءمون بالطيور كذلك أيضا الطيور في الجو ربما يتشاءمون بها الغراب يتشاءم به والبومة يتشاءمون بها وبعض الطيور ومن العرب من يتشاءم بالزمان لقد شاع عندهم أن المرأة إذا تزوجت في شوال لم توفق ولا يحبها زوجها وهذا باطل فإن النبي ﷺ عقد على أم المؤمنين عائشة ﵂ في شوال ودخل بها في شوال فكانت تقول أيكم أحظى عنده مني لأنهم يزعمون أن المرأة إذا تزوجت في هذا الشهر لم توفق في زواجها وهذا أيضا ما له تفسير ومنهم من يتشاءم بالسفر في يوم الأربعاء يقولون إذا سافر الإنسان في يوم الأربعاء لابد من حدوث حادث أو خسارة أو بلاء وهذا أيضا لا صحة له الأربعاء والخميس والثلاثاء وغير ذلك كلها واحد ومنهم من يتشاءم بشهر صفر صفر الذي بعد محرم ويقولون لو عمل فيه الإنسان أي","vol":"6","page":414},{"text":"عمل زواج أو ولد له فيه أو سافر فيه فإنه لا يوفق وهذا أيضا باطل ولا أثر بالشهر في تفاؤل ولا في تشاؤم ولهذا قال بعض الناس يقابل البدعة ببدعة يسمى صفر صفر الخير وهذا أيضا لا يجوز فصفر مثل محرم مثل ربيع الأول ومثل أي من الشهور لا فيه تشاؤم ولا تفاؤل ولا يجوز أن نداوي البدعة ببدعة وهذا كما يفعل بعض الناس في يوم عاشوراء يوم عاشوراء تتخذه الرافضة يوم حزن ويلطمون الخدود ويشقون الجيوب وينتفون الشعور وربما يجرحون أنفسهم بالخناجر وغيرها وعندهم أن الذي يموت في هذه الليلة يموت شهيدا والعياذ بالله وبعض الناس تقول في هذا اليوم الذي اتخذه الرافضة حزنا نحن نتخذه سرورا نطعم الطعام ونكسوا الأولاد وندخل الفرح في الصدور هذا أيضا غلط هذا من البدع والبدع لا ترد بالبدع لا يقتل البدعة إلا السنة استمسك بالسنة تمت البدعة ثم ذكر أحاديث في هذا أن النبي ﷺ نهى عن التطير وقد ثبت عنه أنه قال لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل قالوا وما الفأل؟ قال الكلمة الطيبة فإن الكلمة الطيبة تدخل السرور على النفس وتشرح الصدر ومن ذلك أن النبي ﷺ كان في غزوة الحديبية كانت قريش تراسله فأرسلوا إليه في النهاية سهيل بن عمرو فلما أقبل قال النبي ﷺ هذا سهيل بن عمرو وما أراه إلا قد سهل أمركم أو كلمة نحوها فتفاءل بالاسم فالتفاؤل خير لأنه","vol":"6","page":415},{"text":"يشرح الصدر ويفرح القلب وينشط اللسان ويعزم على الخير أما التشاؤم فإنه بخلاف ذلك ولكن إذا أصابك شيء من تشاؤم فأعرض عنه أعرض عن هذا الحزن وقل اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك يعني أن الأمر كله بيدك ولا إله غيرك وأما قول الرسول ﷺ إن كان الشؤم في شيء فإنه في ثلاث في الدار والمرأة والفرس فالمعنى أن هذه الثلاثة هي أكثر ما يكون مرافقة للإنسان المرأة زوجه والدار بيته والفرس مركوبه وهذه الأشياء الثلاثة أحيانا يكون فيها شؤم أحيانا تدخل المرأة على الإنسان يتزوجها ولا يجد إلا النكد والتعب منها ومشاكلها أيضا ينزل الدار فيكون فيها شؤم يضيق صدره ولا يتسع ويمل منها أيضا الفرس والفرس الآن ليس مركوبنا ولكن مركوبنا السيارات بعض السيارات يكون فيها شؤم تكثر حوادثها وخرابها ويسأم الإنسان منها فإذا أصيب الإنسان بمثل هذا فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ويقل اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك فيزيل الله ما في نفسه من الشؤم والله الموفق","vol":"6","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو </span>درهم أو مخدة دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف ونحوها..\nوالأمر بإتلاف الصورة\n١٦٧٨ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم متفق عليه\n١٦٧٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فلما رآه رسول الله ﷺ تلون وجهه وقال يا عائشة أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله قالت فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين متفق عليه القرام بكسر القاف هو الستر والسهوة بفتح السين المهملة وهي الصفة تكون بين يدي البيت وقيل هي الطاق النافذ في الحائط\n١٦٨٠ - وعن ابن عباس ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقولك كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس فيعذبه","vol":"6","page":417},{"text":"في جهنم قال ابن عباس فإن كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لا روح فيه متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين باب ما جاء في المصورين يعني من الوعيد الشديد وذكر رحمه الله تعالى حديث ابن عمر وعائشة وابن عباس ﵃ والتصوير ينقسم إلى قسمين قسم متفق على تحريمه وهو أن يصور ما فيه روح على وجه تمثال من خشب أو حجر أو طين أو جبس أو ما أشبه ذلك فهذا إذا صوره على صورة حيوان أو إنسان أو أسد أو أرنب أو قرد أو غير ذلك فهذا حرام بالاتفاق وفاعله ملعون على لسان النبي ﷺ ويعذب يوم القيامة فيقال له أحيي ما خلقت وفي حديث ابن عباس قال كل مصور في النار..\n..\nفإن كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لا روح فيه والقسم الثاني تصوير ما لا روح فيه مثل الأشجار والشمس والقمر والنجوم والأنهار والجبال وما أشبهها هذه جائزة لكن ما كان ينمو كالنبات فمن العلماء من لم يجزه كمجهاد ﵀ من التابعين المشهورين قال كل ما ينمو فإنه لا يجوز أن يصور ولو كان لا روح له لأنه في الحديث","vol":"6","page":418},{"text":"الصحيح أن الله قال: فليخلقوا حبة وليخلقوا شعيرة أو ليخلقوا ذرة ولكن الذي عليه جمهور العلماء أن الذي لا روح فيه لا بأس أن يصوره سواء كان مما ينمو كالأشجار أو مما لا ينمو كالشمس والبحار والقمر والأنهار وما أشبهها القسم الثالث تصوير ما فيه روح لكن بالتلوين والرسم فهذا قد اختلف فيه العلماء فمنهم من يقول إنه جائز لما رواه البخاري من حديث زيد بن خالد - أظن - قال إلا رقما في ثوب فاستثنى الرقم لأن الرقم لا يماثل ما خلق الله ﷿ إذ إن ما خلق الله ﷿ جسم ملموس وأما هذا فهو مجرد رقم وتلوين فيجوز ولو باليد ولكن جمهور العلماء على أنه لا يجوز وهو الصحيح أنه لا يجوز التصوير لا بالتمثال ولا بالرقم ما دام المصور من الأشياء التي بها روح ولم يحدث في عهد النبي ﷺ ما حدث في زماننا هذا من الصور الفوتوغرافية وهل تدخل في النهي أو لا تدخل وإذا تأملت النص وجدت أنها لا تدخل لأن الذي يصور صورة فوتوغرافية لا يصور في الواقع غاية ما هنالك أنه يلقي هذا الضوء الشديد على جسم أمامه فيلتقط صورته في لحظة والمصور لابد أن يعاني من التصوير","vol":"6","page":419},{"text":"ويخطط العين الرأس الأنف والأذن وما أشبه ذلك فلابد أن يكون منه عمل أما هذا فإنها في لحظة تلتقطها وكأنها تنقل الصورة التي صورها الله لتجعلها في هذا الكارت وهذا القول هو الراجح وعلماء العصر مختلفون في هذا هل يدخل هذا في اللعن والنهي أو لا والصحيح أنه لا يدخل لأنه لا علاج من المرء فيه وليس بمصور ولو أنه أراد أن يصور لبقي في هذه الصورة مدة ربع ساعة أو أكثر لكن هذا يتم في لحظة ونظيره تماما أن الإنسان لو كتب رسالة إلى أخيه ثم جاء هذا المكتوب إليه وأدخلها في آلة التصوير وخرجت صورة الرسالة فهل هذا الذي صورها هل هو رسم الكلمات والحروف لا وإنما الصورة لما فيها من الضوء العظيم حسب صناعتها طبعت هذا ولا أحد من الناس يقول إن هذه الحروف التي انطبعت في هذه الورقة أنها كتابة الذي صدر بالآية ...\nأبدا ولهذا يصور الإنسان هذا في الظلمة ويصوره الأعمى أيضا الأعمى لو علمته صور الكتاب فمن تأمل النص وتأمل الحكمة من ذلك عرف أن المراد من أراد أن يضاهي خلق الله ويبدع في تصويره وتخطيطه وكأنه خالق هذا الذي يشمله النهي واللعن أما هذا فهو التقاط صورة فقط ولكن يبقى النظر ما هو الغرض الذي من أجله صورت هذه الصورة يعني إذا فهمنا أنها مباح وأنها لا تكن تصويرا يبقى أن ننظر فيها كما ننظر في أي مباح من المباحات لأي غرض صنعت أو لأي غرض صورت لأن المباح يختلف حكمه بحسب ما قصد به ولهذا لو أراد الإنسان أن يسافر في رمضان من أجل أن يفطر قلنا حرام عليه مع أن السفر في الأصل مباح حلال ولو أراد الإنسان أن يشتري بندقية ليقتل بها","vol":"6","page":420},{"text":"مسلما أو يعتدي على مال مسلم قلنا هذا البيع حرام مع أن البيع في الأصل مباح فينظر إلى هذا التصوير ماذا قصد به قد يقصد الإنسان بهذا التصوير قصدا سيئا يصور امرأة ليتمتع بالنظر إليها وهي ليست زوجته كل ما مضى زمن أخرجها من محفظته أو ممن يسمونه الألبوم وجعل ينظر إليها ليتلذذ بذلك وهو حرام لا إشكال فيه يصور أمردا جميلا من أجل أن يتمتع بالرؤية إليه زمنا بعد زمن هذا أيضا حرام يصور عظماء من الأمراء أو السلاطين أو العلماء من أجل أن يعظمهم ويعلقهم عنده في البيت تعظما لهم في البيت هذا أيضا حرام يصور عبادا قانتين لله من أجل أن يجعلهم في بيته تبركا بهم هذا أيضا حرام ولا يجوز يصور للذكرى هذا أيضا حرام ولا يجوز لأنه إضاعة للوقت وأي فائدة لك أن تذكر هذا المصور حينا بعد حين وأشد من ذلك أن بعض الناس يموت له الميت وللميت صورة فيبقيها عنده وهذا لا يجوز إذا مات الميت فأحرق صورته لأجل أن لا تذهب تتذكر هذا الميت كل ما أردت أن تتذكره فيتجدد الحزن وربما تعتقد فيه اعتقادا باطلا فبمجرد أن يموت تحرق لا فائدة منها اللهم إلا أن يكون الإنسان يخشى أن يحتاج إليها في إثبات معاشات تقاعد عند الدولة أو ما أشبه ذلك فهذا يكون معذورا أما إذا لم يكن هناك سبب فواجب إحراقها وأما إذا قصد في التصوير الفوتوغرافي إذا قصد به إثبات الشخصية أو إثبات وقائع من الواقع لغرض صحيح فهذا لا بأس به مثل أن تندب لجنة لعمل ما ندبتها الحكومة وأرادوا أن يثبتوا أنهم قاموا بهذا العمل فصوروا عملهم فلا بأس به لأنه","vol":"6","page":421},{"text":"غرض صحيح لمصلحة وكذلك لو أراد إنسان شهد مشهدا يحب أن الناس يطلعون عليه استعطافا واستدرارا لأموالهم كالنظر مثلا إلى قوم جياع عراة مجروحين من الأعداء وما أشبه ذلك ليعرضهم على الناس ليستعطفهم عليهم هذا أيضا غرض صحيح لا بأس منه وخلاصة القول أن التصوير باليد ولو كان بالتلوين والتخطيط حرام على القول الراجح وأما التصوير بالآلة الفوتوغرافية فليس بتصوير أصلا حتى نقول أنه جائز ونحن يجب علينا أن نتأمل أولا بدلالة النص ثم في الحكم الذي يقتضيه النص وإذا تأملنا وجدنا أن هذا ليس بتصوير ولا يدخل في النهي ولا في اللعن ولكن يبقى مباحا ثم ينظر في الغرض الذي من أجله يصور إن كان غرضا مباحا فالتصوير مباح وإن كان غرضا محرما فهو محرم والله الموفق\n١٦٨١ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ متفق عليه\n١٦٨٢ - وعن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله","vol":"6","page":422},{"text":"ﷺ يقولك إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون متفق عليه\n١٦٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة متفق عليه\n١٦٨٤ - وعن أبي طلحة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة متفق عليه\n١٦٨٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: وعد رسول الله ﷺ جبريل أن يأتيه فراث عليه حتى اشتد على رسول الله ﷺ فخرج فلقيه جبريل فشكا إليه فقال إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة رواه البخاري راث أبطأ وهو بالثاء المثلثة\n١٦٨٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: واعد رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في ساعة أن يأتيه فجاءت تلك الساعة ولم يأته قالت وكان بيده عصا فطرحها من يده وهو يقول ما يخلف الله وعده ولا","vol":"6","page":423},{"text":"رسله ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره فقال متى دخل هذا الكلب فقلت والله ما دريت به فأمر به فأخرج فجاءه جبريل ﵇ فقال رسول الله ﷺ وعدتني فجلست لك ولم تأتني فقال منعني الكلب الذي كان في بيتك إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة رواه مسلم\n١٦٨٧ - وعن أبي التياح حيان بن حصين قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁ ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف في كتابه رياض الصالحين كلها تدل على أن التصوير من كبائر الذنوب لأن فيها وعيدا شديدا باللعنة لعن الله المصورين وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله وبأنه يكلف يوم القيامة يلزم على أن ينفخ الروح فيما صور وليس بنافخ ومعلوم أنه إذا كان ليس بنافخ وهو مستحيل فإنه يستحيل أن يرفع عنه العذاب إلا أن يشاء الله ومنها أن المصورين من أظلم الظالمين يقول الله تعالى ومن أظلم ممن","vol":"6","page":424},{"text":"ذهب يخلق كخلقي يعني لا أحد أظلم منه فليخلقوا حبة أو ليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة يعني إن كانوا صادقين يريدون أن يضاهوا خلق الله فليخلقوا حبة من طعام ولتكن من البر لو اجتمع أهل الأرض كلهم بل وأهل السماء على أن يخلقوا حبة من حنطة فإنهم لا يستطيعون حتى لو صنعوا من العجين شيئا على صورة الحبة تماما فإنهم لا يستطيعون أن تكون حبة لو أنهم بذروها في الأرض ما نبتت لأنها ليست حبة فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يخلق الحبة أو الشعيرة أو الذرة وهو ما يضرب به المثل في القلة فما فوقها من باب أعظم وأولى وهذا دليل على أن هذا التصوير محرم أما اتخاذ الصور وإدخالها البيوت فهو أيضا محرم لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولا كلب وما ظنك ببيت لا تدخله الملائكة؟ إنه بيت سوء فإذا كان في البيت صورة أو به كلب فإن الملائكة لا تدخله لكن استثنى من الصور ما دعت الضرورة إليه مثل الصورة في الدرهم في الدينار مثل ما يوجد الآن في دراهمنا يوجد بها صور الملوك وهذا يخاطب به من وضع هذه الصورة أما عامة الناس فلا يخاطبون ماذا يصنعون يلقون دراهمهم ونفقاتهم لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولكن الملائكة لا تمتنع من دخول البيت الذي به الدراهم ولو كان فيه صورة وكان في الأول النقود فيها صورة أعظم من الصورة الموجودة الآن لأن الصورة الموجودة الآن ما هي إلا تلوين وقد عرفتم فيما سبق أن العلماء مختلفون في صورة التلوين هل هي تدخل في الوعيد أم لا لكن","vol":"6","page":425},{"text":"فيما سبق الصورة تمثال بمعنى أنها ملموسة الريال الفرنسي فيه صورة ملك من ملوك أوربا فيه أيضا صورة طيور الجنيه الإفرنجي فيه أيضا صورة رئيس من رؤساء بريطانيا فيه أيضا صورة فرس ركبه خيال تلمس باليد فهي كالمجسمة لكن العلماء ﵏ لم ينهوا عن ذلك لأن هذا أمر ضروري لا يستطيع الناس أن يتخلصوا منه لأنهم لا يمكن أن يلقوا بدراهمهم في الأرض فهذا ضرورة ومن ذلك أيضا البطاقة وحاوية النقود كل هذا مما دعت الضرورة إليه أو الحاجة الملحة ولَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وما جعل الله علينا في الدين من حرج هذه أيضا لا تمنع دخول الملائكة الثالث ما لا يحترم أي ما يمتهن ويداس بالأرجل كالصور التي تكون في الفرش أو المخدة فهذه أيضا لا تمنع دخول الملائكة لأنها مباحة عند أكثر أهل العلم ولكن التنزه عنها أولى وأحسن لأنها فيها خلاف بعض الأئمة يقول إنها داخلة في التحريم ولو امتهنت وبعضهم يقول لا وهم الأكثر فمثلا لو كان عند الإنسان بطانية فيها صورة أسد وجعلها تحته يفترشها فلا شيء عليه أما إذا تخطاها فلا لأنه إذا تخطاها ما يوجد فيها امتهان الرابع الصور التي للصبيان الصور التي للصبيان يلعبون بها أيضا مما يرخص فيه ولا تمتنع الملائكة من دخول البيت الذي فيه هذه الصور لأن عائشة ﵂ كان لها صورة تلعب بها في بيت الرسول ﷺ ولم ينه عن ذلك لكن ينبغي أن لا تستعمل الصور البلاستيكية لأن الصور البلاستيكية صورة تامة فيها حتى رمش العين حتى إنهم يضعون خرزة تكون عينا لها تتقلب بعضها يخطو خطوات بعضها يصوت هذه يخشى أن تكون داخلة في النهي وأن الملائكة لا تدخل البيت الذي هي فيه أما الصور الأخيرة التي بدءوا يستعملونها والحمد لله فهي صورة كأنها","vol":"6","page":426},{"text":"ظل ليس لها وجه وليس لها عين وليس لها أنف وليس لها فم غاية الأمر أنها لها يدان ورجلان ورأس ممدود ولا فيها صورة هذه إن شاء الله ليس فيها شيء ولا تمتنع الملائكة من دخول البيت التي هي فيه وتستغني بها الطفلة عن غيرها والواجب على من شاهد صورة محرمة أن يطمسها لقول علي ﵁ لأبي التياح الأسدي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته القبر المشرف يعني القبر المتميز عن القبور سواء كان بارتفاعه أو بارتفاع النصائب التي عليه يعني الأحجار التي عليه ولهذا يجب الحذر مما يفعله بعض الناس الآن يصبون صبة وربما كتبوا عليها آيات من القرآن أو ما أشبه ذلك هذه لا يجوز إقرارها لأنها من القبور المشرفة ومن رآها جزاه الله خيرا فليحفر لها وينزلها ويجعل الكتابة في الأسفل حتى تندفن بالتراب لأن القبور المشرفة هذه ربما يغالى بها في المستقبل بل تكون القبور كلها على وتيرة واحدة ليس فيها شيء يدل على التعظيم لأن البلاء كل البلاء بلاء الشرك من تعظيم القبور نسأل الله أن يحمينا وإياكم إنه على كل شيء قدير أما الجرائد التي فيها الصور إن كنت اشتريتها من أجل الصور فهي حرام أما من أجل الكلام الذي فيها فلا بأس","vol":"6","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>باب تحريم اتخاذ الكلب إلا لصيد أو ماشية أو زرع</span>\n١٦٨٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان متفق عليه وفي رواية قيراط\n١٦٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من أمسك كلبا فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط إلا كلب حرث أو ماشية متفق عليه وفي رواية لمسلم: من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تحريم اتخاذ الكلب إلا لحرث أو صيد أو ماشية الكلب معلوم وهو ذو ألوان متعددة لكن يختص الأسود منه بأنه","vol":"6","page":428},{"text":"شيطان كما قال النبي ﷺ حين سئل ما بال الكلب الأحمر من الأبيض من الأسود؟ قال الكلب الأسود شيطان والكلب الأسود إذا مر بين يدي المصلي قطع صلاته ووجب عليه أن يستأنفها من جديد وكذلك إذا مر بين المصلي وسترته فإنه يقطع الصلاة ويستأنفها من جديد والكلب الأسود لا يحل صيده عند أكثر العلماء حتى لو كان معلما وأرسله صاحبه وسمى عليه فإنه لا يحل صيده لأنه شيطان وإذا كان الكفار من بني آدم لا يحل صيدهم ما عدا اليهود والنصارى فكذلك هذا الشيطان الكلب لا يصح صيده وأما غيره من الكلاب ذات الألوان المتعددة فإنها لا تبطل الصلاة ويباح صيدها بالشروط المعروفة عند العلماء وأما اتخاذ الكلب وكون الإنسان يقتنيه فإن هذا حرام بل هو من كبائر الذنوب والعياذ بالله لأن الذي يقتني الكلب إلا ما استثنى ينقص من أجره كل يوم قيراطان وقد قال النبي ﷺ من تبع الجنازة حتى تدفن فله قيراطان قيل وما القيراطان؟ قال مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد فالذي يتخذ الكلب بدون ما استثنى ينقص كل يوم من أجره مثل جبلي أحد قيراط بل قيراطان وهذا يدل على أن اتخاذ الكلاب من كبائر الذنوب إلا ما استثنى الصيد والحرث والماشية فالصيد هو الكلب المعلم الذي يصيد به الإنسان فهذا يحل صيده إذا كان معلما بحيث يسترسل إذا أرسل ويقف إذا زجر وإذا أمسك لم يأكل وأن يسمي الله عند إرساله فهذا صيده حلال والإنسان يقتنيه لحاجة ومصلحة","vol":"6","page":429},{"text":"كذلك الحرث يتخذ الإنسان كلبا يحمي زرعه لئلا تأكله الماشية فتفسده والثالث الماشية يتخذ الإنسان كلبا لماشيته سواء كان من الإبل أو الغنم أو البقر لأنه يحميها من الذئاب ويحميها من اللصوص إذ إنه إذا رأى من يستنكره نبح فانتبه صاحبه وكذلك لو فرض أن الإنسان يحتاج إلى حفظ مال كإنسان في مكان ناء وليس حوله رجال أمن فيتخذ الكلب فهذا لا بأس به لأن هذا حماية مال كالحرث وما عدا ذلك فإنه حرام ومن حكمة الله ﷿ أن الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات يقال إن الكفار من اليهود والنصارى والشيوعيين في الشرق والغرب كل واحد له كلب والعياذ بالله يتخذه معه وإذا اشترى اللحم أعطاه اللحم الجيد وأكل هو اللحم الرديء وكل يوم ينظفه بالصابون والمنظفات الأخرى مع أنه لو نظفه بماء البحار كلها وصابون العالم كله ما طهر لأنه نجاسته عينية والنجاسة العينية لا تطهر إلا بتلفها وزوالها بالكلية لكن هذه من حكمة الله حكمة الله ﷿ أن يألف هؤلاء الخبثاء ما كان خبيثا كما أنهم يألفون أيضا وحي الشيطان لأن كفرهم هذا من وحي الشيطان ومن أمر الشيطان فإن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر ويأمر بالكفر والضلال فهم عبيد للشيطان وعبيد للأهواء وهم أيضا خبثاء يألفون الخبائث نسأل الله لنا ولهم الهداية المهم أن اتخاذ الكلب بلا سبب شرعي كبيرة من كبائر الذنوب ثم إن نجاسة الكلب أخبث النجاسات أخبث نجاسة في الحيوان نجاسة الكلب لأنه إذا ولغ في الإناء لا يطهر الإناء إلا إذا غسل سبع مرات إحداها بالتراب غيره من النجاسات إذا زالت عين النجاسة طهر المحل أما هو فلابد من غسلها سبع مرات إحداها بالتراب والله الموفق","vol":"6","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>باب كراهية تعليق الجرس في البعير وغيره من الدواب وكراهية استصحاب </span>الكلب والجرس في السفر\n١٦٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تصحب الملائكة رفقة فيها كل أو جرس رواه مسلم\n١٦٩١ - وعنه أن النبي ﷺ قال: الجرس من مزامير الشيطان رواه مسلم رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب كراهية تعليق الجرس على الدواب وشبهها وكراهة استصحاب الكلب والجرس في السفر ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ والجرس معلوم وهو هذا الذي يعلق على الدواب ويكون له رنة معينة تجلب النشوى والطرب والتمتع بصوته فهذا نهى عنه النبي ﷺ نهى عنه بالتحذير منه حيث أخبر أن الملائكة لا تصحب رفقة فيها جرس لأنه مع مشي الدواب وهملجتها يكون له شيء من العزف والموسيقى ومن المعلوم أن المعازف حرام","vol":"6","page":431},{"text":"وأما استصحاب الكلب فقد سبق أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب إلا الكلاب المستثناة كلب الحرث والماشية والصيد فهذا لا بأس به وأما ما يكون في المنبهات من الساعات وشبهها فلا يدخل في النهي لأنه لا يعلق على البهائم وإنما هو مؤقت بوقت معين للتنبيه وكذلك ما يكون عند الأبواب يستأذن به فإن بعض الأبواب يكون عندها جرس لاستئذان هذا أيضا لا بأس به ولا يدخل في النهي لأنه ليس معلقا على بهيمة وشبهها ولا يحصل به الطرب الذي يكون مما نهى عنه الرسول ﷺ ويوجد في بعض التليفونات عند الانتظار إذا رننت عليه ولم يكن حاضرا قال انتظر ثم تسمع موسيقى هذا هو الحرام لأن الموسيقى من آلات العزف وهي محرمة لكن إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يتصل بمن يريد إلا بهذا فالإثم على من وضعه إلا أنه ينبغي لمن سمعه أن ينصح صاحب التليفون ويقول افصل هذا الجرس واجعله يقول انتظر ويسكت حتى يكلمك المطلوب وأما ما يجعل في الانتظار في الهاتف من قراءة القرآن أحيانا إذا اتصلت سمعت آيات من القرآن ثم يقول انتظر ثم تسمع آيات من القرآن فهذا فيه ابتذال لكلام الله ﷿ حيث يجعل كأداة يعلم بها الانتظار القرآن نزل لما هو أشرف من هذا وأعظم نزل لإصلاح القلوب والأعمال ما نزل","vol":"6","page":432},{"text":"ليجعل وسيلة للانتظار في الهاتف وغيره ثم إنه قد يتصل عليك إنسان لا يعظم القرآن ولا يهتم به ويثقل عليه أن يسمع شيئا من كتاب الله ثم قد يأذن عليك نصراني أو كافر أو يهودي فيسمع هذا القرآن فيظنه أغنية لأنه لا يعرفه قد لا يكون عربيا أيضا فلا شك أن هذا ابتذال للقرآن وأن من وضع القرآن من أجل الانتظار ينصح ويقال له اتق الله كلام الله أشرف من أن يجعل أداة للانتظار أما إذا جعل في هذا الانتظار حكمة مأثورة أو حديثا مأثورا عن النبي ﷺ فهذا لا بأس به مثل أن يجعل من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه دع ما يريبك إلى ما لا يريبك من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه اتبع الحسنة السيئة تمحوها خالط الناس بخلق حسن وما أشبه ذلك من الأشياء النافعة أو مثلا من الحكم إذا لم يكن إلا الأسنة مركب فما حيلة المضطر إلا ركوبها المهم الحكم واسعة كثيرة أما أن يجعل كلام رب العالمين الذي نزل لإصلاح القلوب والأعمال والأفراد والشعوب يجعل آلة للانتظار على التليفون؟؟ سبحان الله القرآن اشرف من أن يكون كذلك والله الهادي إلى الصراط المستقيم","vol":"6","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>باب كراهة ركوب الجلالة </span>وهي البعير أو الناقة التي تأكل العذرة فإن أكلت علفا طاهرا فطاب لحمها زالت الكراهة\n١٦٩٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها رواه أبو داود بإسناد صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب النهي عن ركوب الجلالة الجلالة هي التي تأكل الجلة أي العذرة يعني تأكل نجاسة الآدمي وروث الحمير وما أشبه ذلك والعادة أنها إذا كانت تأكل هذا أن يتلوث شيء من بدنها أو قدمها أو ما أشبه ذلك فلهذا نهى النبي ﷺ عن ركوبها وكذلك أكل لحمها ينهي عنه لو كانت دجاجة مخلاة تأكل العذرة والنجاسات وتتغذى بها فإنها تكون جلالة ويكره أكل لحمها إما كراهة تنزيه أو كراهة تحريم وأما إذا كانت تأكل الطيب والقبيح وأكثر علفها الطيب فإنها ليست جلالة بل هي مباحة ولا بأس ومن هذا ما يفعله بعض أرباب الدواجن يعطونها","vol":"6","page":434},{"text":"من الدم المسفوح لكنه ليس أكثر غذائها بل أكثر غذائها الطيب إلا أنهم يعطونها هذا من أجل تقويتها أو تنميتها فلا تحرم بهذا ولا تكره لأنه إذا كان الأكثر هو الطيب فالحكم للأكثر هذه هي الجلالة فالنهي فيها عن الركوب للتنزيه وأما عن الأكل فهو إما كراهة تنزيه وإما كراهة تحريم على خلاف بين العلماء في ذلك ولكن بشرط أن يكون أكثر علفها الشيء النجس أما إذا كان أقل من الطيب فلا بأس بها والله الموفق","vol":"6","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>باب النهي عن البصاق في المسجد والأمر بإزالته منه إذا وجد </span>فيه والأمر بتنزيه المسجد عن الأقذار\n١٦٩٣ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها متفق عليه والمراد بدفنها إذا كان المسجد ترابا أو رملا ونحوه فيواريها تحت ترابه قال أبو المحاسن الروياني في كتابه البحر وقيل المراد بدفنها إخراجها من المسجد أما إذا كان المسجد مبلطا أو مجصصا فدلكها عليه بمداسه أو بغيره كما يفعله كثير من الجهال فليس ذلك بدفن بل زيادة في الخطيئة وتكثير للقذر في المسجد وعلى من فعل ذلك أن يمسحه بعد ذلك بثوبه أو بيده أو غيره أو يغسله\n١٦٩٤ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ رأى في جدار القبلة مخاطا أو بزاقا أو نخامة فحكه متفق عليه\n١٦٩٥ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله تعالى وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب عقده المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين ليبين به وجوب تنزيه المساجد عن الأذى والقذر والنخامة والبصاق وما أشبه ذلك ثم ذكر حديث","vol":"6","page":436},{"text":"أنس وعائشة ﵄ حديث أنس أن النبي ﷺ قال البصاق في المسجد خطيئة يعني إثما وكفارتها دفنها يعني إذا وقعت من الإنسان فإنه يدفنها ففي قوله ﷺ البصاق في المسجد خطيئة دليل على تحريم البصاق في المسجد أن يبصق الإنسان نخامة أو أن يتنخع في المسجد وما أشبه ذلك فهو خطيئة بسببين السبب الثاني أنه إيذاء للمصلين قد يسجد المصلي عليه وهو لا يشعر به وقد يتقزز إذا رآه وتتكره نفسه لذلك فيتأذى بهذا والسبب الأول أن فيه إهانة لبيوت الله ﷿ الذي أمر تعالى أن ترفع ويذكر فيها اسمه فلا يجوز للإنسان أن يبصق في المسجد لكن لو فرض أنه فعل فكفارتها دفنها إن كانت في الأرض وكفارتها حكها إن كانت على الجدار ونحوه لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ رأى نخامة أو بصاقا أو بزاقا في قبة المسجد فحكه فصارت كفارة ذلك إن كانت على الأرض ففي دفنه إن كانت على الجدار فحكها حتى تزول أما مساجدنا الآن فكما ترون مفروشة كفارة ذلك أن يمسحها بمنديل حتى تزول لكننا نقول أصلا لا يحل لك أن تتنخم في المسجد لكن إن وقع فهذه كفارته ثم ذكر حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ رأى البصاق","vol":"6","page":437},{"text":"فحكه فدل ذلك على أن الإنسان إن رأى أذى أو قذرا في المسجد فإنه يزيله أما حديث أنس الثاني فهو في قصة الأعرابي الذي جاء إلى المسجد فبال في جهة منه جاهلا لأن الأعراب لا يعرفون غالبهم فزجره الناس فنهاهم النبي ﷺ عن زجره فلما قضى بوله قال ﷺ للصحابة أريقوا على بوله سجلا من ماء ثم دعى الأعرابي وقال إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر إنما هي للصلاة والقرآن والذكر فبين الرسول ﷺ أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر فعلى المؤمن أن يحترم بيوت الله فلا يلق فيها الأذى ولا القذر ولا يرفع الصوت فيها وإنما يكون متأدبا لأن المساجد بيوت الله ومأوى الملائكة والله الموفق","vol":"6","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>باب كراهية الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع </span>والشراء والإجارة ونحوها من المعاملات\n١٦٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا رواه مسلم\n١٦٩٧ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا لا ردها الله عليك رواه الترمذي وقال حديث حسن\n١٦٩٨ - وعن بريدة ﵁ أن رجلا نشد في المسجد فقال من دعا إلي الجمل الأحمر فقال رسول الله ﷺ لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له رواه مسلم\n١٦٩٩ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه ضالة أو","vol":"6","page":439},{"text":"ينشد فيه شعر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n١٧٠٠ - وعن السائب بن يزيد الصحابي ﵁ قال: كنت في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ﵁ فقال اذهب فأتني بهذين فجئته بهما فقال من أين أنتما فقالا من أهل الطائف فقال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب كراهة رفع الأصوات في المساجد وإنشاد الضالة والبيع والشراء ونحو ذلك المساجد أضافها الله تعالى إلى نفسه فقال تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وأضافها النبي ﷺ إلى ربه في قوله ﷺ لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبين الله ﷾ أن هذه المساجد بيوت يذكر فيها اسم الله ﷿ أذن الله أن ترفع وأنها محل التسبيح ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾","vol":"6","page":440},{"text":"والمساجد بما أن الله أضافها إلى نفسه وأضافها النبي ﷺ إلى ربه وأذن الله أن ترفع لها حرمة ولها أحكام واحترام وتعظيم ومن ذلك أنه لا يحل للجنب أن يمكث فيه إلا بوضوء لأن الجنب قال فيه النبي ﷺ لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب مادام على جنابته فالملائكة لا تدخل بيته وكذلك في المسجد إذا كان جنبا وبقى فيه يؤذي الملائكة لأنه يمنعهم من دخوله أو يتأذون إذا دخلوا ولهذا نقول من عليه جنابة فلا يدخل المسجد إلا أن يتوضأ واستثنينا الوضوء لأن الصحابة ﵃ كانوا ينامون في المسجد فتصيب أحدهم الجنابة فيقوم ويتوضأ ويرجع فينام وهذا في عهد النبي ﷺ وقد أقرهم الرسول ﷺ على ذلك ومنها أي من أحكام المساجد أن الإنسان إذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين لا يجلس حتى يصلي ركعتين في أي وقت دخل في الصباح في المساء في الليل في النهار عند طلوع الشمس عند غروبها في أي وقت لأن النبي ﷺ قال إذا دخل أحدكم المسجد يجلس حتى يصلي ركعتين حتى إنه كان ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس فقطع النبي ﷺ خطبته وقال له هل صليت قال لا قال قم فصل ركعتين وتجوز","vol":"6","page":441},{"text":"فيهما يعني أسرع من أجل أن يستمع إلى الخطبة وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث أن تحية المسجد بالركعتين واجبة لأن الرسول ﷺ أمر هذا الرجل أن يصلي ركعتين ويشتغل بهما عن سماع الخطبة وسماع الخطبة واجب ولا يشتغل عن واجب إلا بما هو أوجب منه فلهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان إذا دخل المسجد وهو على وضوء فجلس ولم يصل فهو آثم ونحن نقول هو عاص للرسول ﷺ لا شك أنه إذا دخل وجلس وهو على وضوء فإنه عاص للرسول ﷺ لقوله لا يجلس حتى يصلي ركعتين ومن أحكام المساجد أنه لا يجوز بها البيع والشراء سواء كان قليلا أو كثيرا لا تبيع شيئا بقرش واحد فإن ذلك حرام عليك والبيع فاسد لا ينتقل فيه الثمن للبائع ولا المبيع للمشتري ويجب أن يرد كل واحد منهما للآخر ما أخذ منه سواء قل أو كثر حتى لو قال يا فلان عندك الحاجة الفلانية قال نعم قال أرسلي منها كذا وكذا إن قال له عندك رز قال نعم قال أرسل لنا منه كيسا وهو في المسجد فهذا حرام لأن هذا بيع وشراء فالبيع والشراء في المسجد بأي حال من الأحوال لا يجوز لو كانت معه عشرة ريالات وقال لآخر معي عشرة أعطني بها ورقة ذات خمس يعني ورقتين","vol":"6","page":442},{"text":"فهذا لا يجوز لكن بعض العلماء قال يجوز إذا كان هناك حاجة مثل أن يقف عليك فقير يشحذ وليس معك إلا عشرة ريالات فقلت هذه عشرة أعطني تسعة لكي تتصدق عليه بريال بعض العلماء رخص في هذا لأن هذا صدقة لا يتوصل إليها إلا بهذا العمل ولا قصد كل منهما البيع والشراء فالبيع والشراء في المسجد حرام هذا بالنسبة للبائع والمشتري لكن بالنسبة للذي يسمع إنسانا يبيع ويشتري ماذا عليه قال النبي ﷺ قولوا له لا أربح الله تجارتك ادعوا عليه بأن الله يخسره ولا يربحه بأن الله لا يربح تجارته ولكن الرسول ﷺ قال فيه فإن المساجد لم تبن لهذا يحتمل أن هذه الكلمة يضيفها القائل إلى قوله ويحتمل أنها تعليل للحكم من النبي ﷺ وأنها لا تقال لكن إذا كان في قولك إياها تطييب لقلبه فهذا قولها حسن يعني تقول لا أربح الله تجارتك فإن المساجد لم تبن لهذا يعني للبيع والشراء ما بنيت للبيع والشراء بنيت للصلاة والذكر وقراءة القرآن وطلب العلم وما أشبه هذا فإذا كان في قولك إن المساجد لم تبن لهذا تطييب لقلبه فقلها حتى لا يغضب عليك أنا إذا دعوت عليك فقد دعوت عليك لأمر من الرسول ﷺ وأمر الرسول ﷺ مطاع كأمر الله ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فأقول لا أربح الله تجارتك فإن المساجد لم تبن لهذا حتى يطيب قلبه كذلك أيضا إنشاد الضالة يجيء رجل ويقول ضاع مني كذا مثل محفظة الدراهم","vol":"6","page":443},{"text":"فهذا حرام لا يجوز حتى وإن غلب على أمرك أنه سرق في المسجد لا تقل هذا كيف أتوصل إلى هذا اجلس عند باب المسجد خارج المسجد وقل جزاكم الله خيرا ضاع مني كذا ولهذا قال النبي ﷺ إذا سمعتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك ندعو عليه بأن الله لا يردها عليه ولا يعثر عليها لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا ولما سمع النبي ﷺ رجلا يقول من دعا إلى الجمل الفلاني قال النبي ﷺ لا وجدت لا وجدت بمعنى لا رده الله عليك فدعى عليه الرسول ﷺ أن لا يجد جمله لماذا لأن المساجد لم تبن لهذا فإن أراد الإنسان أن ينشد ضالة لصاحبها يعني ليس ضائعا منه بل شيئا وجده في المسجد وجد المفاتيح قال من يريد هذه المفاتيح فهل هذا نشد ضالة يعني طلبها أو نشد عن صاحبها نشد عن صاحبها هذا أجازه بعض العلماء وقال لا بأس به لأن هذا إحسان وبعض العلماء كرهه وقال حتى هذه الحال يكره ولكن إذا كان يريد أن يتمم إحسانه يجلس عند باب المسجد ويقول من ضاع له المفتاح من ضاع له نقود من ضاع له كذا وكذا فالمهم أن المساجد يا إخواني يجب أن تحترم ولما سمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رجلين يرفعان أصواتهما في مسجد النبي ﷺ بالمدينة دعاهما وقال من أين أنتما كأنه","vol":"6","page":444},{"text":"استغرب ما رآه أنهما غريبان قالا من أهل الطائف قال لو كنتما من أهل هذا البلد لأوجعتكما يعني أوجعتكما ضربا يعني ضربتكما حتى يوجعكما الضرب ترفعان أصواتكما في مسجد النبي ﷺ وهذا إنكار من عمر لكن هل قوله في مسجد النبي يعني احترام المسجد نفسه أو جميع المساجد الظاهر أن جميع المساجد مثل المسجد النبوي لأن هذا الاحترام احترام للمسجد من حيث هو مسجد وأما إنشاد الأشعار في المسجد الذي وردت الأحاديث النهي عنه والمراد بذلك الأشعار اللغو أو التي لا خير فيها أما الأشعار التي بها الخير فإنها جائزة كان حسان بن ثابت ﵁ ينشد الشعر في مسجد النبي ﷺ والنبي ﷺ يسمع ولما سمعه ذات يوم عمر بن الخطاب كأنه أنكر عليه قال قد كنت أنشد في هذا المسجد وفيه من هو خير منك يعني بذلك رسول الله ﷺ فالأشعار إن كان فيها خير ومصلحة فلا بأس بها كالأشعار التي تشجع على الطاعة وعلى الجهاد في سبيل الله إذا كان هناك جهاد وما أشبه ذلك فهذه تنشد وأما أشعار لا خير فيها فلا تنشد في المسجد والله أعلى وأعلم تنبيه إذا احتلم الإنسان وهو نائم في المسجد كفاه الوضوء لكن يغتسل إذا أراد أن يصلي","vol":"6","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو غيره </span>مما له رائحة كريهة عن دخول المسجد قبل زوال رائحته إلا لضرورة\n١٧٠١ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن مسجدنا متفق عليه وفي رواية لمسلم مساجدنا\n١٧٠٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلين معنا متفق عليه\n١٧٠٣ - وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا متفق عليه وفي رواية لمسلم من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم","vol":"6","page":446},{"text":"١٧٠٤ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب يوم الجمعة فقال في خطبته ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين البصل والثوم لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخا رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب الذي ذكره المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين هو من الأحكام التي تتعلق بالمساجد وهو نهي من أكل بصلا أو ثوما أو كراثا أو نحوه فلا يقرب المسجد ولا يدخل المسجد حتى يذهب ريحه ثم ذكر أحاديث منها حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب الناس يوم الجمعة فقال إنكم تأكلون من هاتين الشجرتين البصل والثوم وما أراهما أو ما أراهما إلا خبيثتين في الرائحة وأخبر أن النبي ﷺ كان إذا دخل أحد وقد أكل منهما أمر به فأخرج إلى البقيع والبقيع قريب من المسجد كما هو معروف قريب من المسجد النبوي لكن يبعده إلى البقيع تعذيرا له وإلا فيكفي أن يخرجه من باب المسجد لكن من أجل التعذير كان يخرجه إلى هذا المكان الذي هو بعيد نوعا ما ولكن عمر ﵁ قال من أكلهما - يعني من أراد أن يأكلهما - فليمتهما طبخا - يعني فليطبخهما - فإنه إذا طبخهما راحت الرائحة وحصلت الفائدة","vol":"6","page":447},{"text":"يستفاد من هذا الحديث أن البصل والثوم ليسا حراما يجوز للإنسان أن يأكلهما لكن إذا أكلهما فلا يدخل المسجد ولا يصلي مع جماعة ولا يحضر درس علم لأن الملائكة تتأذى منه برائحته الخبيثة وكذلك قال العلماء من كان به رائحة أسنان أو بخر في الفم أو رائحة كريهة أو ما أشبه ذلك فإنه لا يقرب المسجد حتى يزيل هذه الرائحة لأن العلة قائمة وهي تأذي الملائكة بالروائح الكريهة فإن قال قائل لو أن الإنسان استعمل شيئا تذهب به الرائحة فهل يجوز أن يدخل نقول نعم يجوز إذا أكل ما يذهب الرائحة إذهابا كاملا ولا صار يخرج من المعدة رائحة فلا بأس لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما فإن قال إنسان هل يجوز للإنسان أن يأكلهما لئلا يحضر المسجد قلنا لا حرام لا يجوز للإنسان أن يتوصل إلى إسقاط الفرض بأي سبب كان لكن لو أكلهما لأنه يشتهيهما فإننا نقول الأكل مباح ولكن لا تقرب المسجد حتى تزول رائحتهما والله الموفق","vol":"6","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>باب كراهية الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب لأنه يجلب النوم فيفوت </span>استماع الخطبة ويخاف انتقاض الوضوء\n١٧٠٥ - عن معاذ بن أنس الجهني ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب رواه أبو داود والترمذي وقالا حديث حسن\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النهي عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب الحبوة أن يضم الإنسان فخديه إلى بطنه وساقيه إلى فخديه ويربط نفسه بسير أو عمامة أو نحوها وقد نهى النبي ﷺ عنها والإمام يخطب يوم الجمعة لسببين الأول أنه ربما تكون هذه الحبوة سببا لجلب النوم إليه فينام عن سماع الخطبة والثاني أنه ربما لو تحرك لبدت عورته لأن غالب لباس الناس فيما سبق الأزر والأردية ولو تحرك أو انقلب لبدت عورته وأما إذا أمن ذلك فإنه لا بأس بها لأن النهي إذا كان لعلة معقولة فزالت العلة فإنه يزول النهي","vol":"6","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي </span>عن أخذ شيء من شعره أو أظافره حتى يضحي\n١٧٠٦ - عن أم سلمة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي رواه مسلم\nأما الباب الذي بعده فهو نهي من أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره أو ظفره شيئا حتى يضحي وذلك فيه هذا الحديث عن أم سلمة ﵂ وفيه أن النبي ﷺ قال: إذا هل هلال ذي الحجة ولأحدكم ذبح فلا يأخذه من شعره ولا من ظفره شيئا يعني حتى يضحي فإذا دخل العشر من ذي الحجة وأن تريد أن تضحي أضحية عن نفسك أو عن غيرك من مالك فلا تأخذ شيئا من شعرك لا من الإبط ولا من العانة ولا من الشارب ولا من الرأس حتى تضحي وكذلك لا تأخذن شيئا من الظفر ظفر القدم أو ظفر اليد حتى تضحي وزاد غير مسلم ولا من بشرته - يعني من جلده - لا يأخذ شيئا حتى يضحي وذلك احترام للأضحية ولأجل أن ينال غير المحرمين ما ناله المحرمون من احترام الشعور لأن الإنسان إذا حج أو أعتمر فإنه لا يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي محله فأراد الله ﷿ أن يجعل لعباده الذين لم يحجوا ويعتمروا نصيبا من شعائر النسك والله أعلم","vol":"6","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي ﷺ والكعبة </span>والملائكة والحياة والروح ونعمة السلطان وتربة فلان وهي من أشدها نهيا\n١٧٠٧ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال إن الله تعالى ينهاكم أن تخلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت متفق عليه وفي رواية في الصحيح فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت\n١٧٠٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم رواه مسلم الطواغي جمع طاغية وهي الأصنام ومنه الحديث هذه طاغية دوس أي: صنمهم ومعبودهم وروي في غير مسلم بالطواغيت جمع طاغوت وهو الشيطان والصنم\n١٧٠٩ - وعن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من حلف","vol":"6","page":451},{"text":"بالأمانة فليس منا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح\n١٧١٠ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما رواه أبو داود\n١٧١١ - وعن ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال ابن عمر لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك رواه الترمذي وقال حديث حسن وفسر بعض العلماء قوله كفر أو أشرك على التغليظ كما روي أن النبي ﷺ قال الرياء شرك\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النهي عن الحلف الحلف معناه تأكيد الشيء بذكر معظم والإنسان لا يحلف بشيء إلا لأنه عظيم في نفسه فكأنه يقول بقدر عظمة هذا المحلوف به أني صادق ولهذا كان الحلف بالله ﷿ احلف بالله أو بصفة من صفاته أو بأي اسم من","vol":"6","page":452},{"text":"أسمائه قال الله تعالى وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وقال الله تعالى ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى﴾ فإذا حلفت بالرحمن أو بالرحيم أو بالسميع ...\nأو أي اسم من أسماء الله فهذا جائز وحروف القسم ثلاثة الواو والباء والتاء الواو مثل والله لأفعلن كذا والباء مثل بالله لأفعلن كذا والتاء تالله لأفعلن كذا قال الله تعالى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿تَاللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾ وقال تعالى ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فهذه حروف القسم والقسم بغير الله كفر أو شرك ثم قد يكون كفرا أكبر وقد يكون كفرا أصغر وكذلك قد يكون شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر فإذا اعتقد الحالف في شيء أن هذا الشيء له من العظمة مثل ما لله فإن هذا شرك أكبر وإن اعتقد أن له عظمة دون عظمة الله فهو شرك أصغر لأنه وسيلة للأكبر وكانوا في الجاهلية قد اعتادوا أن يحلفوا بآبائهم فنهى النبي ﷺ عنه وقال لا تحلفوا بآبائكم يعني ولا بإخوانكم ولا بأجدادكم ولا برؤسائكم لكن خص الآباء بالذكر لأن هذا هو المعتاد عندهم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت يعني إما ليحلف بالله أو لا يحلف أما أن يحلف بغير الله فلا ومن ذلك الحلف بالنبي محمد ﷺ أشرف البشر وسيد البشر لو قلت والنبي محمد كنت مشركا أو كافرا الحلف بجبريل لو قلت وجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك خازن النار أو غير هؤلاء فهذا شرك لو قلت والشمس والقمر والليل والنهار تحلف بها فهذا شرك إما أكبر وإما أصغر على حسب ما قسمنا وتحلف أيضا بصفة من صفات الله مثل وعزة الله لأفعلن وحكمة الله لأفعلن كذا وكذا لا بأس به أما الحلف بغير الله فهو كما قلت كفر أو شرك إما أكبر وإما أصغر ثم ذكر المؤلف الحديث أن من قال هو بريء من دين الإسلام إن كان كذا وأن الإنسان لا يحل له أن يقول هذا وأنه إن قال هذا فإن كان كاذبا فهو كما قال يعني أنه بريء من الإسلام والعياذ بالله وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما يعني لابد أن يأثم أو يكفر ومثله قول القائل هو يهودي إن حصل كذا وكذا هو نصراني إن حصل كذا وكذا هذا يقال له إن ذلك محرم عليك لأنك إن كنت كاذبا فأنت كما قلت يهودي أو نصراني وإن كنت صادقا فلن ترجع إلى الإسلام سالما مثال ذلك قال رجل إن فلانا قدم اليوم وصل اليوم وكان مسافرا فقال له صاحبه لا ما وصل قال الأول هو يهودي إن كان لم يقدم فإن كان كاذبا وأنه لم يقدم يعني كاذبا فإنه يكن يهوديا لأنه قال هو يهودي إن كان لم يقدم وهو كاذب فيكون بذلك يهوديا وإن كان صادقا أنه قدم فإنه لن يرجع إلى الإسلام سالما كما قال الرسول ﷺ المهم إنك إذا أردت أن تحلف فاحلف بالله بأي اسم من أسماء الله أو بأي صفة من صفات الله قد يقول قائل أليس الله تعالى أقسم بالمخلوقات قال ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وقال ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ وقال ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ نقول إن الله تعالى له أن يحلف بما شاء من خلقه فهو إذا حلف بشيء كان ذلك دليلا على عظمة الله لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق والله تعالى لا يحلف بشيء إلا بشيء عظيم وعظم المخلوق من عظم الخالق ولله أن يحلف بما شاء من خلقه ولا أحد يحجر على الله يفعل ما يريد ﷿ فإن قال القائل نسمع بعض الناس تقول أقسم بآيات الله هل هذا حلف بغير الله وهل هذا كفر أو شرك نقول ماذا يريد بآيات الله إن أراد بآيات الله الشمس والقمر والليل والنهار فهذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا لأن الله يقول ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ فإذا قال أنا أريد بآيات الله التي حلفت بها هذه الأشياء قلنا هذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا وإن قال أريد بآيات الله القرآن لأن القرآن آيات الله ﷿ فهذا ليس بمشرك لماذا لأن القرآن الكريم كلام الله وكلام الله تعالى من صفاته فإذا قال أقسم بآيات الله أقصد بذلك القرآن قلنا هذا قسم صحيح وليس فيه شيء وفي ظني أن العوام إذا قال أقسم بآيات الله في ظني أنهم يريدون القرآن فإذا كانوا يريدون القرآن فليس حراما ولكن إن كانوا يردون الآيات التي هي الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وما أشبه ذلك هذا شرك أو كفر والله الموفق","vol":"6","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدا</span>\n١٧١٢ - عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان قال ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية متفق عليه\n١٧١٣ - وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من أقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال له رجل وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال وإن كان قضيبا من أراك رواه مسلم\n١٧١٤ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس رواه البخاري","vol":"6","page":454},{"text":"وفي رواية له أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر قال: الإشراك بالله قال ثم ماذا قال اليمين الغموس قلت وما اليمين الغموس قال الذي يقتطع مال امرئ مسلم يعني بيمين هو فيها كاذب\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب تغليظ اليمين الكاذبة التي يقتطع بها مال امرئ مسلم وذلك أن الإنسان يجب عليه إذا حلف بالله أن يكون صادقا سواء حلف على أمر يتعلق به أو على أمر يتعلق بغيره فإن حلف على يمين وهو فيها كاذب فإن كان يقتطع بها مال امرئ مسلم ولو يسيرا فإنه يلقى الله يوم القيامة وهو عليه غضبان مثال ذلك إنسان ادعى عليه شخص قال أنا أعطيتك ألف ريال قال لا ليس لك عندي شيء والمدعي ليس عنده بينة فقال القاضي للمنكر احلف أنه ليس له عندك شيء فحلف فقال والله ما له عندي شيء القاضي سيحكم بأنه لا حق له عليه لأن البينة على من أدعى واليمين على من أنكر","vol":"6","page":455},{"text":"فهذا الرجل الذي حلف وهو كاذب يلقى الله وهو عليه غضبان والعياذ بالله ويحرم الله عليه الجنة ويدخله النار نسأل الله العافية حتى قالوا يا رسول الله وإن كان شيء يسيرا قال: وإن كان قضيبا من أراك قضيب ما يملأ اليد من علف أو أعواد أو ما أشبه ذلك يعني حتى ولو كان كذلك أو إن القضيب هو العود الواحد من الأراك يعني من المساويك حتى لو أن الإنسان حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم ولو عودا من أراك فإنه يحصل على هذا الوعيد الشديد والعياذ بالله وأما ما يتعلق بنفسه مثل أن يقال له إنك فعلت كذا فقال والله ما فعلت وهو كاذب فهذا إذا كان كاذبا فإنه لا يستحق هذا الوعيد لكنه والعياذ بالله آثم جمع بين الكذب وبين الحلف بالله ﷿ كاذبا فتتضاعف عليه العقوبة فعلى المسلم أن يكون محترما لله ﷿ معظما له لا يكثر اليمين وإذا حلف فليكن صادقا حتى يكون بارا بيمينه نسأل الله لنا ولكم التوفيق","vol":"6","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن </span>يفعل ذلك المحلوف عليه ثم يكفر عن يمينه\n١٧١٥ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ ...\nوإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك متفق عليه\n١٧١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير رواه مسلم\n١٧١٧ - وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أرى خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير متفق عليه\n١٧١٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأن يلج أحدكم في يمينه في أهله آثم له عند الله تعالى من أن يعطي كفارته التي فرض الله عليه متفق عليه قوله يلج بفتح اللام وتشديد الجيم أي يتمادى فيها ولا يكفر وقوله آثم بالثاء المثلثة أي أكثر إثما\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب عقده المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين يقول باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير","vol":"6","page":457},{"text":"وذلك أن الإنسان إذا حلف على شيء فالأفضل ألا يحنث في يمينه أن يبقى على ما حلف عليه لكن إذا حلف على ترك واجب وجب عليه أن يحنث ويكفر مثل أن قال والله لا أصلي اليوم في جماعة هذا حرام عليه صلاة الجماعة واجبة وهذا ربما يقع ربما يقول مثلا أبوه له يا ولد روح صلي يقول والله اليوم ما أصلي مع جماعة عنادا لكم هكذا يقول بعض السفهاء فإذا حلف قلنا هذا لا يجوز لازم تصلي مع جماعة وتكفر عن يمينك وإذا حلف فقال والله لا أكلم ابن عمي لسوء تفاهم بينهما مثلا هذا أيضا حرام لأنه قطيعة رحم وهجر لأخيه فيقال كلمه وكفر عن يمينك وإذا قال عندما أمره أبوه مثلا أن يصلي نافلة الظهر قال والله ما أصليها عنادا لك نقول هذا الأفضل أن يصلي ويكفر عن يمينه ولكن ليس بواجب لأن نافلة الظهر ما هي واجبة فالحاصل أن الإنسان إذا حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير وهو بالخيار إن شاء فعل ثم كفر أو إن شاء كفر ثم فعل وذكر المؤلف أحاديث منها حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير هذا قول النبي ﷺ أما فعله فقال: والله إن شاء الله إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير فثبت بذلك أي بالسنة القولية والفعلية أن الإنسان إذا حلف على شيء ورأى غيره خيرا منه فإنه يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير أما إذا لم يكن كذلك فالأفضل أن يبقى على يمينه وألا يحنث لقول الله تعالى واحفظوا أيمانكم والله الموفق","vol":"6","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>باب العفو عن لغو اليمين وأنه لا كفارة فيه وهو ما </span>يجري على اللسان بغير قصد اليمين كقوله على العادة لا والله\nقال الله تعالى ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُّؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾\n١٧١٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: أنزلت هذه الآية ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل لا والله وبلى والله رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب العفو عن لغو اليمين لغو اليمين هي اليمين التي يقولها الإنسان على لسانه لا يقصدها بقلبه وقد عفا الله تعالى عن ذلك لأنه يحصل كثيرا أن يقول الإنسان لا والله ما أنا ذاهب لا والله ما أنا فاعل وما أشبه ذلك فلما كثر هذا في ألسن الناس عفا الله","vol":"6","page":459},{"text":"عنه قال الله تعالى لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ فسرته أم المؤمنين عائشة ﵂ بأنه قول الرجل لا والله وبلى والله في عرض الحديث ولا قصد اليمين هذا لا يؤاخذ به لا يأثم به ولا يحنث فيه ولا تجب فيه الكفارة أما إذا عقد الإنسان اليمين عقدا جازما قال والله لا أفعل كذا والله لأفعلن كذا ولم يفعل لزمته الكفارة وهي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم بدأ الله تعالى بالإطعام لأنه أهون الثلاثة قال ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فإن لم يجد فإنه يصوم ثلاثة أيام متتابعة لا يفطر بينها وهذا من سعة رحمة الله تعالى أن هذا الأيمان التي تتكرر على الألسن ولا يقصدها الحالف ليس فيها إثم وليس فيها كفارة لأن ذلك يقع كثيرا ولكن مع ذلك يقول الله ﷿ ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ يعني لا تكثروا من الأيمان ولا تتركوا الكفارة إذا حنثتم فيها بل احفظوها لأن اليمين أمرها عظيم ولهذا سمى الله تعالى مخالفتها حنثا بل سماها النبي ﷺ حنثا لأنه لولا رحمة الله لكان الإنسان إذا حلف لزمه أن يوفي ولكن من نعمة الله أنه يسر أن الإنسان له أن يخالف ما حلف عليه إذا لم يكن إثما والله الموفق الإطعام كيلو للنفر الواحد من الأرز يكفي بزيادة","vol":"6","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>باب كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقا</span>\n١٧٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب متفق عليه\n١٧٢١ - وعن أبي قتادة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقا يعني معنى هذا أن الإنسان يكره أن يحلف عند البيع والشراء ولو كان صادقا فمثلا يكره أن يقول والله لقد اشتريتها بمائة ولو كان صادقا فإن كان كاذبا صار ظلما على ظلم والعياذ بالله لو قال والله لقد اشتريتها بمائة ولم يشترها إلا بثمانين صار أشد لأنه يكون بذلك كاذبا حالفا في البيع وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك وأخبر كما في حديث أبي هريرة أنه منفقة للسلعة ممحقة للكسب يعني أنها وإن زادت السلعة بالحلف فإن الله ينزع بركتها ويمحق كسبها لأن هذا الكسب مبني على","vol":"6","page":461},{"text":"معصية الرسول ﷺ ومعصية الرسول معصية لله وكثير من الناس يبتلى في هذا الأمر تجده مثلا يقول للزبون والله إنه طيب والله إني اشتريته بكذا وكذا سواء كان صادقا أو كاذبا فهو منهي عنه بيع واشتري بلا يمين إذا أردت أن الله يبارك لك في كسبك وكذلك حديث أبي قتادة فيه التحذير عن الحلف في البيع إياكم والحلف في البيع فإنه ينفق السلعة ويمحق البركة والحديثان معناهما واحد كلاهما يدل على أن الإنسان ينهى عن الحلف في البيع وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكثر الحلف أو لا لكن لما كان الإنسان البائع والمشتري دائما يحلف دائما يبيع ويشتري حمله بعض العلماء على الكثرة كثرة الحلف عند البيع والشراء فالإنسان إذا أراد الله له الرزق أتاه بدون يمين نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الرزق الحلال","vol":"6","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>باب كراهة أن يسأل الإنسان بوجه الله ﷿ غير الجنة </span>وكراهة منع من سأل بالله تعالى وتشفع به\n١٧٢٢ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا يسأل بوجه الله إلا الجنة رواه أبو داود\n١٧٢٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي بأسانيد الصحيحين\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى باب كراهة أن يسأل الإنسان بوجه الله غير الجنة وجه الله تعالى وصفه الله تعالى بأنه ذو الجلال والإكرام قال تعالى كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام كل من على البسيطة فإنه فان زائل لكن يبقى وجه الله ﷿ ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ ولهذا قال بعض العلماء ينبغي أن يصل قوله ﴿ويبقى وجه ربك﴾ بما قبله حتى يتبين كمال الله ﷿ وأنه يستحيل عليه الفناء بل هو الباقي الذي لا يزول فوجه الله تعالى عظيم وأعظم ما يسأله المرء الجنة قال الله تعالى ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ نسأل الله أن يجعلنا منهم هذا الفوز الأعظم الذي لا يدانيه أي فوز ﴿فمن زحزح عن النار","vol":"6","page":463},{"text":"وأدخل الجنة فقد فاز﴾ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم فلما كانت الجنة أعظم مسئول يعني مسئول به يعني أعظم ما يسأله الإنسان هو الجنة صار لا يسأل بوجه الله إلا الجنة فلا تسأل بوجه الله شيء من أمور الدنيا لا تقبل الله أني أسألك بوجهك أن تعطيني بيتا أسكنه أو سيارة أركبها أو ما أشبه ذلك لأن وجه الله أعظم من أن يسأل به شيء من الدنيا الدنيا كلها دنيئة كلها فانية كلها لا خير فيها إلا ما يقرب إلى الله ﷿ وإلا فهي خسارة قال تعالى ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾ العصر يعني الدهر وهو الدنيا أقسم بالعصر أن كل إنسان في خسر لا يستفيد من عصره إلا من جمع هذه الصفات الأربع ﴿إلا الذين آمنوا﴾ واحد ﴿وعملوا الصالحات﴾ اثنين ﴿وتواصوا بالحق﴾ ثالث يعني أوصى بعضهم بعضا بالحق والرابع ﴿وتواصوا بالصبر﴾ أي بالصبر على الحق والدعوة إليه والصبر على أقدار الله وغير ذلك فالمهم لا تسأل بوجه الله إلا الجنة وكذلك ما يقرب إلى الجنة، فلك أن تسأل بوجه الله النجاة من النار اللهم إن أسألك بوجهك أن تنجني من النار لأنه إذا نجا الإنسان من النار لابد أن يدخل الجنة ما في ثلاثة دور ما في إلا داران فقط دار الكفار وهي النار أعاذنا الله وإياكم منها ودار المؤمنين المتقين وهي الجنة فإذا قلت أسألك بوجهك أن تجيرني من النار فلا بأس","vol":"6","page":464},{"text":"لأن الله متى أجارك من النار أدخلك الجنة وهذا الحديث إسناده ضعيف ولكن معناه صحيح لا ينبغي أن تسأل بوجه الله العظيم إلا بشيء عظيم أما حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال من استعاذ بالله فأعيذوه يعني معناه إذا قال أحد لك أعوذ بالله منك فأعذه وأتركه كما فعلت امرأة تزوجها الرسول ﷺ فلما دنا منها قالت أعوذ بالله منك جاهلة فقال النبي ﷺ لقد عذتي بمعاذ إلحقي بأهلك وتركها لأنها استعاذت بالله منه فإذا استعاذ أحد بالله منك فأعذه إلا إذا استعاذ عن حق واجب فإن الله لا يعيذه لو أنه كان مطلوبا لك فسألته حقك قلت أعطني حقي فقال أعوذ بالله منك فهنا لا تعذه لأن الله تعالى لا يعيذ عاصيا لكن إذا كان الأمر ليس محرما فاستعاذ بالله منك فأعذه تعظيما لله ﷿ ومن سأل بالله فأعطه لو سألك سائل فقال أسألك بالله أن تعطيني كذا وكذا أعطه إلا إذا سألك شيئا محرما فلا تعطه مثلا أن يسألك يقول لك أسألك بالله أن تخبرني ماذا تصنع مع أهلك مثلا هذا لا يجوز أن تخبره بل وجهه وأنصحه وقل هذا تدخل فيما لا يعنيك وقد قال","vol":"6","page":465},{"text":"النبي ﷺ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وكذلك لو سأل محرما ولو سألك بالله لا تعطه لو قال أسألك بالله أن تعطيني كذا وكذا ليشتري به دخانا فلا تعطه لأنه سألك ليستعين به على شيء محرم فالمهم أن من سألك بالله فأعطه ما لم يكن على شيء محرم وكذلك ما لم يكن عليك ضرر فإن كان عليك ضرر فلا تعطه لأن النبي ﷺ قال لا ضرر ولا ضرار ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه يعني إذا صنع إليك أحد معروفا إما بمعونة في شيء أو باستخدامك إياه في شيء من الأشياء أو غير ذلك فكافئه أعطه ما تظن أنه يكافئ معروفه فإن لم تجد ما تكافئه أو كان ممن لا يحسن مكافأته كالملك والوزير والرئيس وما أشبه ذلك فأدعو له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه ومن دعاكم فأجيبوه من دعاك إلى بيته إلى وليمة قليلة أو كثيرة فأجبه لكن هذا مشروط بما إذا لم يكن عليك ضرر فإن كان عليك ضرر فلا تجبه أو كان هذا الرجل ممن يهجر فلا تجبه أيضا أو كان هذا الرجل في ماله حرام ورأيت أنه من المصلحة ألا تجيبه لعله يقلع عن الحرام فلا تجبه أما في وليمة العرس فقد قال النبي ﷺ من لم يجب فقد عصى الله ورسوله إذا دعاك الزوج لوليمة العرس فأجبه ما لم يكن عليك ضرر أو يكن هناك منكر فإن كان عليك ضرر فلا يلزمك إجابته وإن كان هناك منكر فإن كنت تستطع أن تغيره فأجب وغير وإلا فلا تجب والله الموفق","vol":"6","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>باب كراهة سب الحمى</span>\n١٧٢٦ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال ما لك يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين؟ قالت الحمى لا بارك الله فيها فقال لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد رواه مسلم تزفزفين أي تتحركين حركة سريعة ومعناه ترتعد وهو بضم التاء وبالزاي المكررة والفاء المكررة وروي أيضا بالراء المكررة والقافين\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب كراهة سب الحمى الحمى هي السخونة وهي نوع من الأمراض وهي أنواع متعددة ولكنها تكون بقدر الله ﷿ فهو الذي يقدرها وقوعا ويرفعها ﷾ وكل شيء من أفعال الله فإنه لا يجوز للإنسان أن يسبه لأن سبه سبا لخالقه جل وعلا ولهذا قال النبي ﷺ لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر وهنا حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ دخل على أم المسيب أو","vol":"6","page":467},{"text":"أم السائب وهي تزفزف من الحمى يعني نفسها قد ثار من الحمى فقال ما لك تزفزفين؟ قالت الحمى لا بارك الله فيها فنهى النبي ﷺ عن سبها وعلى المرء إذا أصيب أن يصبر ويحتسب الأجر على الله ﷿ وأخبر أنها تذهب بالخطايا كما يذهب الكير بخبث الحديد فإن الحديد إذا صهر على النار ذهب خبثه وبقي صافيا كذلك الحمى تفعل في الإنسان كذلك ولها أدوية علاجية منها الماء البارد فإن النبي ﷺ أخبر أن الحمى من فيح جهنم وأمرنا أن نطفئها بالماء البارد ولهذا أقر الأطباء في الوقت الحاضر بأن من أفضل علاج الحمى البرودة حتى إنهم يجعلون الإنسان إذا أصابته الحمى حول المكيفات الباردة التي لا تضره أن يجعلوا خرقة مبلولة بالماء يغطونه بها يغطون المريض لأن الحمى بإذن الله حرارة كما هو معروف وهذا الماء يبردها ويطردها وهو شيء أخبر به الرسول ﷺ وما أخبر به الرسول ﷺ فهو حق المهم أن الإنسان يصبر ويحتسب على كل الأمراض لا يسبها","vol":"6","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>باب النهي عن سب الريح وبيان ما يقال عند هبوبها</span>\n١٧٢٧ - عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح\n١٧٢٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها وسلوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها رواه أبو داود بإسناد حسن قوله ﷺ من روح الله هو بفتح الراء أي رحمته بعباده\n١٧٢٩ - وعن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به رواه مسلم","vol":"6","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب النهي عن سب الريح وسبق فيما مضى النهي عن سب الحمى الرياح من آيات الله ﷿ من آيات الله تعالى في تصريفها وفي إرسالها وفي كيفيتها إذ لا يقدر أحد على أن يصرف هذه الرياح إلا خالقها ﷿ كما قال الله ﵎ إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون وقال الله ﵎ ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ وقال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ والآيات في هذه كثيرة هذه الريح التي خلقها الله ﷿ وصرفها تنقسم إلى قسمين قسم ريح عادية لا تخيف لا يسن لها ذكر معين وريح أخرى عاصفة هذه تخيف لأن عادا عذبهم الله تعالى بالريح العقيم والعياذ بالله فإذا عصفت الريح فإنه لا يجوز لك أن تسبها لأن الريح إنما أرسلها الله ﷿ فسبك إياها سب لله ﵎ ولكن قل كما قال النبي ﷺ اللهم إني أسألك خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به وبهذا الدعاء يحصل لك خيرها ويزول عنك شرها","vol":"6","page":470},{"text":"أسألك خير هذه الريح لأن هذه الريح قد تكون عاصفة شديدة تقلع الأبواب وتجث الأشجار وتهدم الديار وخير ما فيها ما فيها أي ما تحمله من أمور قد تكون نافعة وقد تكون ضارة وخير ما أرسلت به لأنها تارة ترسل بالخير وتارة ترسل بالشر فتسأل الله خير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به فإذا استعاذ الإنسان من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به وسأل الله خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به كفاه الله شرها واعلم أن لا يجوز للإنسان أن يتعلق بالريح في حصول المطر والغيث والصحو وما أشبه ذلك لأن هذا من جنس الاستسقاء بالأنواء الذي نهى عنه النبي ﷺ كثير من الناس يعلق رجاءه بالريح الجنوبي يقول إذا هب الجنوب حصل الغيث وتجد قلبه متعلقا بها وهذا لا يجوز لأنها قد تهب ريح الجنوب كثيرا ولا يأتي أمطار ولا غيوم وقد يكون بالعكس تأتي الأمطار والغيوم من الريح الشمالي فالأمر كله بيد الله ﷿ فعليك أن تعلق قلبك بربك ﵎ وألا تسب ما خلقه من الرياح واسأل الله خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به واستعذ بالله من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به والله الموفق","vol":"6","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>باب كراهة سب الديك</span>\n١٧٣٠ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة رواه أبو داود بإسناد صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب النهي عن سب الديك والديك هو الذكر من الدجاج وله صوت يؤذن فيوقظ النائم وبعضها يؤذن على الأوقات عند أوقات الصلوات وقد أمر النبي ﷺ من سمع صوت الديك أن يسأل الله من فضله إذا سمعت صوت الديك فقل أسأل الله من فضله فإنها رأت ملكا وبعض الديكة يكون أذانه على دخول الوقت أو قرب دخول الوقت فيوقظ الناس للصلاة فنهى النبي ﷺ عن سبه لهذه المزية التي تميز بها كما نهي عن قتل النملة لأنها كانت دلت أخواتها على النجاة من سليمان عليه الصلاة السلام وهذا من تمام عدل الله ﷿ أن بعض الحيوانات التي يكون فيها مصلحة للعباد","vol":"6","page":472},{"text":"يكون لها مزية وفضل على غيرها سب الديك قد يقع من بعض الناس بفزع من صوته وهو نائم فيسبه ويشتمه وهذا منهي عنه لأن النبي ﷺ قال لا تسبوا الديك وفي هذا الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يتخذ ما يوقظه للصلاة وذلك مثل الساعات المنبهة فإن الإنسان ينبغي له أن يقتني من هذه الساعات حتى تنبهه للصلاة في الوقت الذي يدرك فيه الصلاة وكثير من الناس يتهاون في هذا الأمر ينام معتمدا على أنه سيقوم في الوقت الذي يريده ولكن يغلبه النوم فإذا علمت من نفسك هذا فاجعل لنفسك منبها ينبهك للصلاة لأن ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به وأنت مثاب على هذا","vol":"6","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>باب النهي عن قول الإنسان مطرنا بنوء كذا</span>\n١٧٣١ - عن زيد بن خالد ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب متفق عليه والسماء هنا المطر\nوأما الباب الثاني وهو تحريم قول الإنسان مطرنا بنوء كذا وكذا وهو أيضا عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنهم كانوا مع النبي ﷺ في الحديبية والحديبية غزوة مشهورة معروفة وذلك أن النبي ﷺ خرج إلى مكة معتمرا ومعه الإبل الهدى فلما وصل إلى الحديبية وهى أرض بين الحل والحرم منعته قريش أن يدخل مكة وجرى بينهم وبين النبي ﷺ ما هو معروف من المصالحة لكن في إحدى الليالي صلى بهم النبي","vol":"6","page":474},{"text":"ﷺ صلاة الصبح على إثر مطر فلما أنصرف من صلاته أقبل عليهم وقال هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم وإنما ألقى عليهم هذا السؤال من أجل أن ينتبهوا لأن إلقاء الأسئلة يوجب الانتباه قالوا الله ورسوله أعلم وهكذا كل إنسان يجب عليه إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله ورسوله أعلم في الأمور الشرعية أما الأمور الكونية القدرية فهذا لا يقول ورسوله أعلم لأن النبي ﷺ لا يعلم الغيب كما مثلا لو قال قائل أتظن المطر ينزل غدا تقول الله أعلم ولا تقل الله ورسوله أعلم لأن الرسول ﷺ لا يعلم مثل هذه الأمور لكن لو قال لك هل هذا حرام أم حلال تقول الله ورسوله أعلم لأن النبي ﷺ عنده علم الشريعة المهم أنهم قالوا الله ورسوله أعلم وهذا من الأدب قال قال يعني أن الله قال ﷿ أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي يعني في تلك الليلة قال الله ﷿ فيما أوحاه إلى نبيه أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب والباء هنا للسببية يعني معناه أنك إذا أضفت المطر إلى النوء فقلت هذا النجم نجم بركة وخير يأتي بالمطر فهذا حرام عليك كفر بالله ﷿ وإضافة للشيء إلى سببه من نسيان المسبب وهو الله ﷿ وأما إذا قلت مطرنا بفضل الله ورحمته في هذا النوء، فلا بأس لأن","vol":"6","page":475},{"text":"هذا اعتراف منك بأن المطر بفضل الله ولكنه صار في هذا بالنوء كثير من العامة عندنا يقولون مطرنا بالفصل مطرنا كذا وكذا ...\nوليسوا يقصدون بهذا السببية وإنما يقصدون الظرفية أي أن المطر صار في هذا الوقت وهذا لا بأس به وأما إذا جعل الباء للسببية فهذا هو الذي كفر بالله وإيمان بالكواكب ثم إن اعتقد أن الكوكب هو الذي يأتي بالمطر فهذا كفر أكبر مخرج عن الملة وإن اعتقد أن الكوكب سبب وأن الخالق هو الله ﷿ فهذا كفر بنعمة الله وليس كفرا مخرجا عن الملة وفي هذا الحديث نعرف أنه ينبغي للإنسان إذا جاء المطر أن يقول مطرنا بفضل الله ورحمته والله الموفق","vol":"6","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>باب تحريم قوله لمسلم يا كافر</span>\n١٧٣٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه متفق عليه\n١٧٣٣ - وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه متفق عليه حار رجع\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم قوله لمسلم يا كافر المسلم والكافر حكمهما إلى الله ﷿ فالذي يحكم بالكفر هو الله والذي يحكم بالإسلام هو الله كما أن الذي يحلل ويحرم هو الله ﷿ فليس لنا أن نحلل ما حرم الله ولا أن نحرم ما أحل الله ولا أن نكفر من ليس بكافر في حكم الله ولا أن نقول هذا مسلم وليس مسلما عند الله ومسألة التكفير مسألة خطيرة جدا فتح بها أبواب شر كبيرة على الأمة","vol":"6","page":477},{"text":"الإسلامية فإن أول من انتحل هذه النحلة الخبيثة وهي تكفير المسلمين هم الخوارج الخوارج الذين أخبر النبي ﷺ أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وأنهم يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم وأنهم يصلون ويتصدقون ويقرأون القرآن حتى أخبر النبي ﷺ أن الصحابة يحقر أحدهم صلاته عند صلاة هؤلاء لكنهم والعياذ بالله كفروا المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم ونساءهم نسأل الله العافية ومازال هذا الحكم موجودا إلى يومنا هذا فإن هناك شعبة ضالة مبتدعة خبيثة تكفر من لم يكفره الله ورسوله بأهوائهم هذا كافر هذا مبتدع هذا فاسق وما أشبه ذلك وماذا حصل من هؤلاء الخوارج المارقين من الإسلام حصل منهم أنهم اجتمعوا مع علي بن أبي طالب ﵁ وهو الخليفة الراشد الرابع من الخلفاء الراشدين اجتمعوا معه على حرب أهل الشام واتفقوا على ذلك وجرت بينهم حروب عظيمة ودماء كثيرة ثم اصطلح علي ﵁ مع أهل الشام وتصالحوا حقنا لدماء المسلمين فقالت الخوارج لعلي بن أبي طالب أنت كافر لماذا تصالحهم كفرت كما كفروا فخرجوا عليه وقاتلوه لكن صارت العاقبة والحمد لله له قتلهم قتل عاد وإرم وقضى عليهم جميعا لكن مازال فيهم ما زال هذا المذهب الخبيث موجودا في المسلمين يبيحوا دماء المسلمين مع احترامها وأموالهم مع احترامها ونساءهم مع احترام الأعراض فيقولون","vol":"6","page":478},{"text":"مثلا من زنى فهو كافر ومن سرق فهو كافر ومن شرب الخمر فهو كافر كل ذنب من كبائر الذنوب فهو عندهم كفر والعياذ بالله يخرج من الملة فهؤلاء الذين يكفرون المسلمين لا شك أنهم هم الكفار لأن النبي ﷺ أخبر أن الرجل إذا قال لأخيه يا كافر فإنه يبوء بها أحدهما لابد إن كان كما قال كافر فهو كافر وإلا كان الكافر هو القائل والعياذ بالله ولهذا يجب أن ينزه الإنسان لسانه وقلبه عن تكفير المسلمين لا يتكلم فيقول هذا كافر ولا يعتقد في قلبه أن هذا كافر لمجرد الهوى الحكم بالتكفير ليس لزيد ولا لعمرو بل هو لله ورسوله من كفره الله ورسوله فهو كافر وإن قلنا إنه مسلم ومن لم يكفره الله ورسوله فهو مسلم وإن قال من قال إنه كافر لذلك نقول لمن قال لمسلم يا كافر أو يا عدو الله وإن كان المخاطب كما قال فهو كافر وعدو لله وإن لم يكن كذلك فالقائل هو الكافر العدو لله والعياذ بالله وعلى هذا فيكون هذا القول من كبائر الذنوب إذا لم يكن الذي قيل فيه أهلا لها ولهذا جزم المؤلف ﵀ في تحريم هذا أي في تحريم القول للمسلم يا كافر أو يا عدو الله نسأل الله تعالى أن يحمي قلوبنا ويكفنا من الكلام ما يغضبه ويضرنا إنه على كل شيء قدير","vol":"6","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>باب النهي عن الفحش وبذاءة اللسان</span>\n١٧٣٤ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء رواه الترمذي وقال حديث حسن\n١٧٣٥ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ما كان الفحش في شيء إلا شأنه وما كان الحياء في شيء إلا زانه رواه الترمذي وقال حديث حسن","vol":"6","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>باب كراهة التقعير في الكلام والتشدق فيه وتكلف الفصاحة واستعمال ودقائق </span>اللغة في مخاطبة العوام ونحوهم\n١٧٣٦ - عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: هلك المتنطعون قالها ثلاثة رواه مسلم المتنطعون المبالغون في الأمور\n١٧٣٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن\n١٧٣٨ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون","vol":"6","page":481},{"text":"والمتفيهقون رواه الترمذي وقال حديث حسن وقد سبق شرحه في باب حسن الخلق\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث كلها تتعلق بما ينطق به الإنسان وذلك أنه ينبغي بل يجب على الإنسان ألا يتكلم إلا بخير لقول النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت والخير قد يكون خيرا لذاته وقد يكون خيرا لغيره فمن الخير لذاته أن يتكلم الإنسان بالقرآن بالذكر بالأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر وما أشبه ذلك وأما الخير لغيره أن يتكلم الإنسان بما ليس في ذاته أجر لكنه يريد أن يبسط إخوانه ويزيل عنهم الوحشة ويؤلف قلوبهم هذا من الخير حتى الكلام العام إذا قصد الإنسان في ذلك ما ذكرنا كان هذا من الخير ضد ذلك من كان بذيء اللسان والعياذ بالله طعانا لعانا طعانا يعني يطعن في الأنساب ويعيب الناس ولعانا يكثر لعنهم وسبهم نسأل الله العافية فقد نفى النبي ﷺ الإيمان عن مثل هذا فقال ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء فالمؤمن رفيق هين لين كلامه سهل","vol":"6","page":482},{"text":"ومن ذلك أيضا من آفات اللسان التقعر في الكلام والتشدق حتى يتكلم الإنسان بملء شدقيه وحتى يتكلم عند العامة في غرائب اللغة العربية إما رياء ليقول الناس ما أعلمه باللغة العربية أو لغير ذلك فالإنسان ينبغي أن يكون كلامه ككلام الناس الكلام الذي يفهم حتى وإن كان بالعامية مادام يخاطب العوام أما إذا كان يخاطب طلبة علم وفي مجلس التعلم فهنا ينبغي أن يكون كلامه بما يقدر عليه من اللغة العربية وفي الباب الثاني الذي ذكره المؤلف أن النبي ﷺ قال هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون المتنطع هو المتقعر في الكلام الذي يتنطع بكلامه أو بقوله أو بفعله أو برأيه أو بغير ذلك مما يعده الناس خروجا عن المألوف وكل هذا من الآداب الحسنة التي جاء بها الإسلام والحمد لله رب العالمين","vol":"6","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>باب كراهة قوله خبثت نفسي</span>\n١٧٣٩ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي متفق عليه قال العلماء معنى خبثت أي غثيت وهو معنى لقست ولكن كره لفظ الخبث","vol":"6","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>باب كراهة تسمية العنب كرما</span>\n١٧٤٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا تسموا العنب الكرم فإن الكرم المسلم متفق عليه وهذا لفظ مسلم وفي رواية فإنما الكرم قلب المؤمن وفي رواية للبخاري ومسلم يقولون الكرم إنما قلب المؤمن\n١٧٤١ - وعن وائل بن حجر ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب والحبلة رواه مسلم الحبلة بفتح الحاء والباء ويقال أيضا بإسكان الباء\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب كراهة قول الرجل خبثت نفسي خبثت نفسي يعني لقست ومعنى لقست غثيت أحيانا يصيب الإنسان كتمة يسميها الناس كتمة فتضيق عليه الدنيا بدون أن يعرف سببا لذلك فيقول خبثت نفسي وخبثت يعني صارت خبيثة وهذه كلمة","vol":"6","page":485},{"text":"مكروهة ولهذا نهى النبي ﷺ أن يقول الرجل خبثت نفسي ولكن يقول لقست ولقست بمعنى خبثت ولكنها في اللفظ تخالفها فهي أهون منها وأيسر وفي هذا الحديث دليل على اجتناب الألفاظ المكروهة وإبدالها بألفاظ غير مكروهة وإن كان المعنى واحدا لأن اللفظ قد يكون سببا للمعنى قد يقول خبثت نفسي بمعنى غثيت والخبث الغثيان ويأتي في باله أنه من الخبث الذي هو ضد الطيب والنفوس الخبيثة هي نفوس الكفرة والعياذ بالله لقول الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ولقوله تعالى ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ﴾ ولأن النبي ﷺ كان إذا أراد دخول الخلاء ليبول أو يتغوط يقول أعوذ بالله من الخبث والخبائث يعني الشياطين والشر فالمهم أن الإنسان يكره له أن يطلق ألفاظا مكروة على معاني صحيحة بل يبدلها بألفاظ محبوبة للنفوس وأما الباب الثاني فهو النهي عن تسمية العنب كرما والكرم كما قال","vol":"6","page":486},{"text":"النبي ﷺ هو المؤمن أو قلب المؤمن لأنه مأخوذ من الكرم والكرم هو وصف محبوب يوصف به المؤمن ولاسيما إذا كان جوادا باذلا للخير بجاهه أو بماله أو علمه فإنه أحق بهذا الوصف من العنب وإنما يقال الحبلة أو يقال العنب وأما أن تسميه كرما فهذا لا وهذا والله أعلم له سبب وهو أن هذا العنب قد يتخذ شرابا خبيثا محرما لأن العنب ربما يتخذ منه الخمر نسأل الله العافية يعصر ويخمر فيكون خمرا خبيثا لهذا نهى النبي ﷺ أن يسمى العنب كرما وما يوجد في بعض الكتب المؤلفة في الزراعة ونحوها يقال شجر الكرم أو الكروم أو نحو ذلك داخل في هذا النهي فلا ينبغي أن يسمي العنب أو أشجار العنب بالكرم أو بالكروم بل يقال الأعناب والعنب والحبلة وما أشبه ذلك والله الموفق","vol":"6","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل إلا أن يحتاج إلى </span>ذلك لغرض شرعي كنكاحها ونحوه\n١٧٤٢ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا تباشر المرأة المرأة فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀: باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل إلا لأمر شرعي كنكاحها يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يصف امرأة لرجل فيقول صفتها كذا كالطول والحسن والبياض وما أشبه ذلك إلا إذا كان هناك موجب شرعي مثل أن يكون هذا الرجل يريد أن يتزوجها فيصفها له أخوها مثلا من أجل أن يقدم أو يتزك لأن هذا لا بأس به كما أنه يجوز للخاطب إذا خطب امرأة أن ينظر إليها من أجل أن يكون هذا أدعى لقبوله أو رفضه ولهذا نهى النبي ﷺ المرأة أن تصف المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها وهذا كما أنه محرم فهو من جهة الزوجة ضرر عليها وذلك لأنه إذا وصفت المرأة لزوجها فربما يرغب فيها ويتزوجها عليها ويقع بينهما مشاكل كما هي العادة","vol":"6","page":488},{"text":"ولا يعني هذا أن الإنسان يدع التعدد تعدد الزوجات خوفا من ذلك لأن التعدد مشروع إذا قدر الإنسان على ذلك في بدنه وماله وعدله فإنه يشرع له أن يكثر الزوجات ليكثر النسل وتكثر الأمة الإسلامية لكن إذا كان يخشى ألا يعدل فقد قال الله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا والحاصل أنه لا يجوز للإنسان أن يصف المرأة لرجل أجنبي منها إلا إذا كان هناك موجب شرعي ومن ذلك ما يفعله بعض السفهاء بحيث يفتخر عند أصحابه وزملائه يقول امرأتي جميلة يعني يفتخر بجمال زوجته امرأتي جميلة ووجها كذا وعينها كذا وفمها كذا وما أشبه ذلك فإن هذا من المحرم لأن النبي ﷺ نهى عنه والله الموفق","vol":"6","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>باب كراهة قول الإنسان في الدعاء اللهم اغفر لي إن شئت </span>بل يجزم بالطلب\n١٧٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مكره له متفق عليه وفي رواية لمسلم ولكن ليغرم وليعظم الرغبة فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه\n١٧٤٤ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب كراهة قول الإنسان اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت من المعلوم أن الإنسان لا ملجأ له إلا الله ﷿ في طلب الخير","vol":"6","page":490},{"text":"ودفع الشر وإذا كان الله تعالى هو المقصود وهو الذي يريده العباد ويلجأون إليه ويعتمدون عليه فإنه لا ينبغي للإنسان أن يقول اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت بل هذا حرام لأن قول القائل إن شئت كأنه يقول إن شئت اغفر لي وإلا ما يهمني كأنه يقول أنا في غنى عنك كما تقول لصاحبك إن شئت فزرني يعني وإن شئت فلا تزرني فأنا لست في حاجة إليك ولهذا كان قول القائل اللهم اغفر لي إن شئت حراما فقول المؤلف كراهة قول الإنسان اللهم اغفر لي إن شئت يعني كراهة التحريم وكذلك لا يقول اللهم ارحمني إن شئت بل يعزم لأنه يسأل جوادا كريما غنيا حميدا ﷿ ولأنه مفتقر إلى الله فليكن عازما في الدعاء يقول اللهم اغفر لي اللهم ارحمني بدون إن شئت وكذلك لا يقول اغفر لي إن شاء الله أو يقول الإنسان غفر الله لك إن شاء الله هداك الله إن شاء الله كل هذا لا يقال وإنما يجزم الإنسان ويعزم وبين النبي ﷺ ذلك لأن فيه محظورين الأول قال وليعزم المسألة فإن الله لا مكره له يعني الله ﷿ إن غفر لك فمشيئته أو رحمك فمشيئته لا أحد يكرهه على ذلك فهو يفعل ما يشاء ويختار ﷿ لا مكره له حتى تقول إن شئت كذلك أيضا يقول الإنسان إن شئت كأنه يتعاظم الشيء فيقول إن شئت فأت به وإن شئت فلا تأت والله تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه مهما عظم الشيء فإن الله تعالى غني كريم يعطي الكثير ﷿ ويترك القليل","vol":"6","page":491},{"text":"والحاصل أنه لا يحل لك أن تقول اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت اللهم أدخلني الجنة إن شئت اللهم ارزقني أولادا إن شئت اللهم ارزقني زوجة صالحة إن شئت كل هذا لا يجوز اعزم المسألة ولا تقل فيها المشيئة ومن ذلك أيضا ما يقوله بعض الناس وأظنهم من الصوفية اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه فإن هذا حرام كيف لا تسأل الله رد القضاء وهل يرد القضاء إلا الدعاء كما جاء في الحديث لا يرد القضاء إلا الدعاء وكأنك إذا قلت اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه كأنك تقول يا ربي عذبني ولكن ارفق بي يا رب أهلك أحبابي ولكن ارفق وما أشبه ذلك كل هذه الأدعية يجب على الإنسان أن يتوخى فيها ما جاء في الكتاب والسنة وما كان بمعنى ذلك نقول بناء على حسن نغمة هذا الدعاء وسجعه فهذا لا يجوز فصار عندنا الآن مسألتان الأولى لا يقل اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت اللهم ارزقني إن شئت اللهم اهدني إن شئت قل الدعاء ولا تقل إن شئت والثانية لا تقل اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه ولكن قل اللهم ارفق بي اللهم اكفني الشر وما أشبه ذلك وأما قول الرسول ﷺ لمن وجده مريضا لا بأس طهور إن شاء فهذا من باب الرجاء وهو خبر يعني أرجو أن يكون هذا طهورا وأيضا لم يكن بلفظ المخاطبة ما قال إن شئت قال إن شاء الله واللفظ بغير المخاطبة أهون وقعا من اللفظ الذي يأتي بالمخاطبة والله أعلم","vol":"6","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>باب كراهة قول ما شاء الله وشاء فلان</span>\n١٧٤٥ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان رواه أبو داود بإسناد صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب كراهة قول الإنسان ما شاء الله وشاء فلان والكراهة هنا يراد بها التحريم يعني أنك إذا تقول ما شاء الله وشاء فلان أو ما شاء الله وشئت أو ما أشبه ذلك وذلك أن الواو تقتضي التسوية إذا قلت ما شاء الله وشاء فلان كأنك جعلت فلانا مساويا لله ﷿ في المشيئة والله تعالى وحده له المشيئة التامة يفعل ما يشاء الله ولكن أرشد النبي ﷺ لما نهى عن ذلك أرشد إلى قول مباح فقال ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان لأن ثم تقتضي الترتيب بمهلة يعني أن مشيئة الله فوق مشيئة فلان وكذلك قول ما شاء الله وشئت فإن رجلا قال للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت قال أجعلتني لله ندا ينكر عليه بل قل ما شاء","vol":"6","page":493},{"text":"الله وحده فهاهنا مراتب المرتبة الأولى أن يقول ما شاء الله وحده وهذه كلمة فيها تفويض الأمر إلى الله واتفق عليها المسلمون كل المسلمين يقولون ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن الثانية يقول ما شاء الله ثم شاء فلان فهذه جائزة أجازها النبي ﷺ وأرشد إليها الثالثة أن يقول ما شاء الله وشاء فلان فهذه محرمة ولا تجوز وذلك لأن الإنسان جعل المخلوق مساوي للخالق ﷿ في المشيئة الرابعة أن يقول ما شاء الله فشاء فلان بالفاء فهذه محل نظر لأن الترتيب فيها وارد بمعنى أنك إذا قلت فشاء فالفاء تدل على الترتيب لكنها ليس كـ ثم لأن ثم تدل على الترتيب بمهلة وهذه تدل على الترتيب بتعقيب ولهذا فهي محل نظر ولهذا لم يرشد إليها النبي ﷺ وفي هذا الحديث دليل على أن الإنسان إذا ذكر للناس شيئا لا يجوز فليبين لهم ما هو جائز لأنه قال لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان وهكذا ينبغي لمعلم الناس إذا ذكر لهم","vol":"6","page":494},{"text":"الأبواب الممنوعة فليفتح لهم الأبواب الجائزة حتى يخرج الناس من هذا إلى هذا بعض الناس يذكر الأشياء الممنوعة يقول هذا حرام هذا حرام ولا يبين لهم الأبواب الجائزة وهذا سد للأبواب أمامهم دون فتح للأبواب وانظر إلى لوط ﵊ قال لقومه أتأتون الذكران من العالمين بعده ﴿وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ نهاهم عن الممنوع وأرشدهم إلى الجائز وهكذا النبي ﷺ قال لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان بل انظر إلى قول الله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ فنهاهم عن كلمة راعنا وأرشدهم إلى الكلمة الجائزة ﴿وقولوا انظرنا﴾ ولما جيء إلى النبي ﷺ بتمر تمر طيب فقال أكل تمر خيبر هكذا قالوا لا لكننا نشتري الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بثلاثة قال لا بع التمر الرديء بالدراهم ثم اشتري بالدراهم تمرًا طيبا","vol":"6","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة </span>المراد به الحديث الذي يكون مباحا في غير هذا الوقت وفعله وتركه سواء فأما الحديث المحرم أو المكروه في غير هذا الوقت فهو في هذا الوقت أشد تحريما وكراهة وأما الحديث في الخير كمذاكرة العلم وحكايات الصالحين ومكارم الأخلاق والحديث مع الضيف ومع طالب حاجة ونحو ذلك فلا كراهة فيه بل هو مستحب وكذا الحديث لعذر وعارض لا كراهة فيه وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على كل ما ذكرته\n١٧٤٦ - عن أبي برزة ﵁ أن رسول الله ﷺ: كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها متفق عليه\n١٧٤٧ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ: صلى العشاء في آخر حياته فلما سلم قال أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد متفق عليه\n١٧٤٨ - وعن أنس ﵁ أنهم انتظروا النبي ﷺ فجاءهم","vol":"6","page":496},{"text":"قريبا من شطر الليل فصلى بهم يعني العشاء قال ثم خطبنا فقال ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب كراهة الحديث بعد صلاة العشاء الآخرة ثم ذكر ﵀ أن الحديث ينقسم إلى ثلاثة أقسام قسم مكروه محرم وقسم مندوب إليه وقسم مباح أما المكروه والمحرم فإنه يزداد كراهة وتحريما إذا كان بعد صلاة العشاء وأما المباح فهو الذي كان النبي ﷺ يكرهه بعد العشاء وأما المندوب فإنه مندوب ولا يضر ولو كان بعد صلاة العشاء فأما الأول فمثل الحديث في الغيبة والنميمة وقول الزور والاستماع إلى اللهو والغناء ومشاهدة ما لا يحل مشاهدته فهذا حرام في كل وقت وحين ويزداد إثما إذا كان بعد العشاء الآخرة لأنه في وقت يكره فيه الكلام المباح فكيف بالمحرم والمكروه والقسم الثاني الكلام اللغو الذي ليس حراما ولا مكروها ولا مندوبا وهو أكثر كلام الناس فهذا كان النبي ﷺ يكرهه بعد صلاة العشاء وذلك لأنه إذا تحدث الإنسان بعد صلاة العشاء يطول به المجلس ثم يتأخر نومه فيكسل عن قيام الليل وعن صلاة الفجر وما أدى إلى تهاون في الأمر المشروع فإنه يكون مكروها","vol":"6","page":497},{"text":"وأما المندوب فهو التشاغل بالعلم مطالعة أو حفظا أو مذاكرة والحديث مع الضيف ليؤنسه ويكرمه بحديثه والحديث مع الأهل لتأليف قلوبهم وما أشبه ذلك وكذلك الحديث العارض الذي ليس دائما كل هذا لا يضره بل أنه مستحب إذا كان المقصود به حصول خير ثم ذكر المؤلف أحاديث حديث أبي برزة ﵁ أن النبي ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها وذلك لأن النوم قبل العشاء يؤدي إلى الكسل إذا قام ليصلي وربما استغرق به النوم حتى أخر الصلاة عن وقتها فلذلك كان النبي ﷺ يكره النوم قبل صلاة العشاء من أجل أن يكون الإنسان نشيطا وأما النعاس فهذا ليس باختيار الإنسان ولا يضره والشاهد من هذا الحديث قوله والحديث بعدها فإن الحديث بعد العشاء كرهه النبي ﷺ وأما إذا كان في خير فإنه لا بأس به ولهذا كان النبي ﷺ يحدث أصحابه بعد صلاة العشاء وينصحهم ويبين لهم ﵊ فهذا لا بأس به والله الموفق","vol":"6","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها إذا دعاها ولم يكن </span>لها عذر شرعي\n١٧٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح متفق عليه وفي رواية حتى ترجع","vol":"6","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>باب تحريم صوم المرأة تطوعا وزوجها حاضر إلا بإذنه</span>\n١٧٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان البابان ذكرهما النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في بيان ما يجب على المسلم لأخيه والله ﷾ أوصى بالجار ذي القرب والجار الجنب والصاحب بالجنب والصاحب بالجنب قيل إنه الزوج وقيل الصاحب بالجنب يعني في السفر فذكر الحديث الأول أن النبي ﷺ قال إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح أو قال حتى ترجع وذلك أن الواجب عليها إذا دعاها الرجل إلى حاجته أن تجيبه إلا إذا كان هناك عذر شرعي كما لو كانت مريضة لا تستطيع معاشرته إياها أو كان عليها عذر يمنعها من الحضور إلى فراشه فهذا لا بأس وإلا فإنه يجب عليها أن تحضر وأن تجيبه وإذا كان هذا في حق الزوج على الزوجة فكذلك ينبغي للزوج إذا رأى من أهله أنهم يريدون التمتع فإنه ينبغي أن يجيبهم ليعاشرها كما تعاشره فإن الله تعالى قال وعاشروهن بالمعروف وأما الثاني فإنه لا يجوز للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه المسألة الأولى الصيام والصيام نوعان نوع واجب فلها أن تصوم بغير إذن زوجها ونوع تطوع فلا تصوم إذا كان شاهدا إلا بإذنه أما إذا","vol":"6","page":500},{"text":"كان غائبا فهي حرة لكن إذا كان شاهدا فلا تصم لأنه ربما يدعوها إلى حاجته وهي صائمة فيقع في حرج وتقع هي كذلك في حرج أما إذا كان في صوم الواجب كما لو كان عليها أيام من رمضان ولم يبق على رمضان الثاني إلا بمقدار ما عليها فهنا يجب عليها أن تصوم سواء إذن أم لم يأذن فمثلا إذا كانت المرأة عليها من رمضان عشرة أيام ولم يبق على رمضان الثاني إلا عشرة أيام فهنا تصوم سواء أذن أم لم يأذن بل لو منعها من الصوم فلها أن تصوم لأن هذا واجب أما إذا كان عليها عشرة أيام من رمضان وقد بقى على رمضان الثاني شهر أو شهران أو أكثر فله أن يمنعها من الصوم ولا يحل لها أن تصوم إلا بإذنه وذلك أن الوقت واسع وإذا كان واسعا فلا ينبغي لها أن تضيق على زوجها وإذا أذن لها وسامحها ووافق فإن كان الصوم واجبا حرم عليه أن يفسده بالجماع لأنه أذن فيه وقد شرعت في صوم الواجب فليلزمها إتمامه وإن كان تطوعا فله أن يجامعها فيه ولو فسد الصوم لأن التطوع لا يلزم إتمامه لكن لو قالت أنت أذنت لي وهذا وعد منك بأنك لا تفسد صومي وجب عليه الوفاء وحرم عليه أن يفسد صومها لقول الله تعالى ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ وأما قوله ولا تأذن في بيته إلا بإذنه يعني لا تدخل أحدا إلى البيت إلا بإذنه فإن منعها أن تدخل أحدا معينا قال فلان لا يدخل علي حرم عليها أن تدخله بيته لأن البيت له وأما إذا كان رجلا واسع الصدر لا يهمه أن يدخل إلى أهله أحد فلا يلزمها أن تستأذنه لكل واحد والله الموفق","vol":"6","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>باب تحريم رفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام</span>\n١٧٥١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أفعال بين النبي ﷺ حكمها فيما ساقه المؤلف من الأحاديث في كتابه رياض الصالحين فالأول تحريم رفع المأموم رأسه قبل إمامه في الركوع والسجود وذلك أن المأموم مأمور بأن يتابع الإمام فلا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ولا يوافقه ولكن يتابعه فأما سبقه أي التقدم عليه فإن كان في تكبيرة الإحرام لم تنعقد الصلاة يعني لو كبر في الإحرام قبل أن يكبر إمامه ولو كان ناسيا أو ساهيا فإن صلاته لا تنعقد وعليه أن يعيدها وإن كان في الركوع أو السجود يعني سبق الإمام في الركوع والسجود وهو متعمد يعلم أن ذلك حرام فصلاته باطلة تبطل صلاته لأنه فعل فعلا محرما في الصلاة فبطلت صلاته كما لو تكلم وأما الموافقة فإن يشرع من الإمام إذا شرع في الشيء مثلا يركع مع ركوع الإمام يسجد مع سجوده يقوم مع قيامه فهذا إن كان في تكبيرة","vol":"6","page":502},{"text":"الإحرام لم تنعقد صلاته وإن كان في غيرها فهو منهي عنه قال بعضهم مكروه وقال بعضهم حرام وأما المسابقة بأن يأتي بالشيء قبل الإمام فسبق أنه في تكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة أما في الركوع والسجود فقد حذر منه النبي ﷺ في الرفع منهما فقال أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار وهذا وعيد يخشى أن الإنسان إذا رفع رأسه من الركوع قبل إمامه أو من السجود قبل إمامه أن يجعل الله صورته صورة حمار والعياذ بالله أو يحول رأسه إلى رأس حمار وإنما اختار النبي ﷺ الحمار دون سائر البهائم لأن الحمار أبلد ما يكون من البهائم أبلد البهائم الحمار ولهذا مثل به اليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها فقال: كمثل الحمار يحمل أسفارا وهذا يدل على تحريم سبق الإمام في الرفع من الركوع والرفع من السجود وكذلك السبق إلى الركوع أو السجود حرام على المأموم وأما التأخر عن الإمام كما يفعله بعض الناس إذا سجد وقام الإمام من السجود تجده يبقى ساجدا يزعم أنه يدعو الله وأنه في خير ودعاء نقول نعم أنت في خير ودعاء لو كنت وحدك أما وأنت مع الإمام فإن تأخرك عن الإمام مخالف لهدي النبي ﷺ لقوله ﷺ فإذا ركع فاركعوا والفاء تدل على الترتيب والتعقيب فالمشروع للإنسان أن يبادر وألا يتأخر ويأتي الكلام عن الحديثين إن شاء الله تعالى","vol":"6","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>باب كراهة وضع اليد على الخاصرة في الصلاة</span>\n١٧٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الخصر في الصلاة متفق عليه","vol":"6","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام ونفسه تتوق إليه أو مع مدافعة </span>الأخبثين وهما البول والغائط\n١٧٥٣ - عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قول المؤلف باب كراهة أن يصلي الرجل ويده على خاصرته الخاصرة ما بين الحقو وأسفل الأضلاع وذلك أن الإنسان مأمور إذا كان في صلاته أن يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى أو على الرسغ أي ما بين الكف والذراع ويرفعهما على صدره هذه هي السنة يفعل ذلك في القيام قبل الركوع وبعد الركوع وأما وضعها على الخاصرة فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك ولها صورتان الصورة الأولى أن يضع اليد اليسرى أو اليمنى على الخاصرة والثانية أن يضع اليد اليمنى على اليسرى كما يفعله بعض الناس ويدعي أنه يفعل هذا يجعل اليدين على القلب وهذا غلط الشرع ليس له","vol":"6","page":505},{"text":"مدخل في العقل الشرع يتلقى من النبي ﷺ ولم يرد عن النبي ﷺ أنه كان يضم يده اليمنى على اليسرى ثم يجعلها على الخاصرة بل هذا داخل في النهي وهذا النهي للكراهة كما قال المؤلف ﵀ ثم ذكر المؤلف في الباب الثاني باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يشتهيه أو حال مدافعة الأخبثين فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان يعني إذا قدم الطعام للإنسان وهو يشتهيه فإنه لا يصلي حتى يقضي حاجته منه حتى ولو سمع الناس يصلون في المسجد فله أن يبقى ويأكل حتى يشبع فقد كان ابن عمر ﵄ يسمع قراءة الإمام يصلي وهو يتعشى ولا يقوم حتى يفرغ وذلك لأن الإنسان إذا دخل في الصلاة وهو مشغول القلب فإنه لا يطمئن في صلاته ولا يخشع فيها يكون قلبه عند طعامه والإنسان ينبغي له أن يصلي وقد فرغ من كل شيء فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ولكنه لا ينبغي أن يجعل ذلك عادة له بحيث لا يقدم عشاءه أو غداءه إلا عند إقامة الصلاة الثاني لا يصلي وهو يدافعه الأخبثان البول والغائط فإن هذا أيضا يذهب الخشوع لأنه لا يدري الإنسان أيدافع البول والغائط الذي حصره","vol":"6","page":506},{"text":"أم يقبل على صلاته ولأن حبس البول أو الغائط يضر البدن فإن الله ﷾ جعل البول والغائط أمكنه متى امتلأت فلابد من إخراجها فكون الإنسان يحبس ذلك ضرر عليه فإذا قال قائل لو ذهبت أقضي الحاجة فاتتني الصلاة مع الجماعة قلنا لا بأس اذهب واقض حاجتك ولو فاتتك الصلاة ولو قال إذا ضاق الوقت وهو حصران في بول أو غائط هل يقضي حاجته ثم يصلي في ولو فات الوقت أو يصلي في الوقت ولو كان مشغول القلب ففي هذه خلاف بين العلماء ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أنه يقضي حاجته ولو خرج الوقت لأن هذا ضرورة وفيه ضرر على بدنه لو حبسه وقال أكثر العلماء لا يخرج الوقت من أجل ذلك بل يصلي ويخفف ولعله لا يتضرر بذلك","vol":"6","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة</span>\n١٧٥٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n روى أنس عن النبي ﷺ أنه نهى أن يرفع الرجل بصره إلى السماء فقال ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة يعني ما شأنهم لماذا يرفعون أبصارهم إلى السماء لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم وهذا وعيد يدل على أنه يحرم على الإنسان أن يرفع بصره إلى السماء وهو يصلي وقد رأيت بعض الناس إذا رفع من الركوع قال سمع الله لمن حمده رفع بصره ووجهه وهذا حرام عليه حتى إن بعض العلماء ﵏ قال إن فعل بطلت صلاته لأنه ارتكب منهيا عنه نهيا خاصا في الصلاة والقاعدة الشرعية أن من ارتكب شيئا منهيا عنه في العبادة بخصوصه فإن عبادته تبطل ثم إن هؤلاء عللوا بعلة ثانية وقالوا إن هذا سوء أدب مع الله والمطلوب من المرء وهو يصلي أن يخشع ويطأطأ رأسه وقالوا أيضا في التعليل إن الإنسان مأمور بأن يستقبل القبلة بجميع بدنه فإذا رفع بصره إلى","vol":"6","page":508},{"text":"السماء صار وجهه إلى السماء لا إلى القبلة فتبطل صلاته فالمسألة على خطر ولهذا اشتد قول النبي ﷺ في ذلك حتى قال لينتهن أو لتخطفن أبصارهم فإذا قال قائل إذا أين أضع بصري قلنا ضع بصرك حيث كان سجودك إلا في حال رفع السبابة في الدعاء في التشهد فانظر إلى السبابة لأن النبي ﷺ حين رفعها لا يتجاوز بصره إشارته واستثنى بعض العلماء ﵏ من ذلك النظر إلى الإمام ليقتدي به لاسيما إذا كان الإنسان لا يسمع ولا يمكن إقتداؤه بإمامه إلا بالنظر فإنه ينظر إليه لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك وقد صعد النبي ﷺ المنبر وجعل يصلي علليه وقال فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتكم ولا يمكن أن يحصل تعليم الصلاة إلا وهم ينظرون إليه ولهذا كانوا يحكون اضطراب لحيته في الصلاة السرية مما يدل على أنهم كانوا ينظرون إلى إمامهم واستثنى بعض العلماء إذا كان الإنسان في المسجد الحرام والكعبة أمامه فإنه يجعل بصره إلى الكعبة ولكن هذا الاستثناء ضعيف الصحيح أنه لا ينظر إلى الكعبة حال الصلاة لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولأنه يوجب التشويش حيث ينظر إلى الناس يطوفون ويذهبون ويجيئون ثم إن قول بعضهم إن النظر إلى الكعبة عبادة خطأ ليس بصحيح لم يرد عن النبي ﷺ فيما نعلم حديث صحيح ولا ضعيف أن النظر إلى الكعبة عبادة","vol":"6","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>باب كراهة الالتفاف في الصلاة لغير عذر</span>\n١٧٥٥ - عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفاف في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد رواه البخاري\n١٧٥٦ - وعن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة فإن كان لابد ففي التطوع لا في الفريضة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب كراهة الالتفات في الصلاة من غير حاجة الإنسان إذا قام يصلي فإنه بين يدي الله ﷿ فلا ينبغي له أن يلتفت لا بقلبه ولا بوجهه إلى غير الله ﷾ أما الالتفات في القلب فهو أن الإنسان يفكر في غير ما يتعلق بالصلاة مثل الهواجس التي تعتري كثيرا من المصلين فإن هذا التفات في القلب وهو أشد إخلالا للصلاة من الالتفات بالبدن لأنه ينقص من الصلاة حتى إن الإنسان يتصرف من صلاته ما كتب له إلا عشرها أو أقل حسب حضور قلبه","vol":"6","page":510},{"text":"وأما الالتفات بالوجه فهو أن يلتفت الإنسان بلي عنقه يلوي عنقه يمينا أو شمالا وذلك لأن الإنسان مأمور في صلاته أن يكون وجهه تلقاء القبلة لا يميل يمينا ولا شمالا فإن فعل فقد سألت عائشة أن النبي ﷺ نهى عن الالتفات في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد والاختلاس أخذ الشيء بخفية يعني أن الشيطان يتسلط على الإنسان في صلاته فيؤدي إلى أن يتلفت يمينا أو شمالا لأجل أن ينقص أجره فإن الله ﷾ مقبل على العبد بوجهه فإذا أعرض الإنسان عن ربه فإنه يوشك أن يعرض الله عنه ولهذا نهى النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة كما في حديث أنس بن مالك وقال إن الالتفات في الصلاة هلكة ولكن إذا كان هناك حاجة فلا بأس كما لو سمعت صوت حيوان يريد أن يعدو عليك والتفت فلا بأس أو إنسانا في حاجة مهمة والتفت فلا بأس بشرط أن يكون الالتفات بالرأس فقط وأما الالتفات بالبدن فإنه يبطل الصلاة لأنه انحراف عن القبلة ومن شروط الصلاة استقبال القبلة يوجد بعض الناس لا يلتفت بلى العنق ولكن يلتفت بالبصر تجده يجعل بصره يحوم يمينا وشمالا إن قام أحد نظر إليه وإن تحرك نظر إليه وهذا لا شك ينقص أجر الصلاة فعلى الإنسان أن يكون بصره تلقاء وجهه أن ينظر إلى محل سجوده ولا ينظر يمينا ولا شمالا والله الموفق","vol":"6","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>باب كراهة شروع المأموم في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة </span>الصلاة سواء كانت النافلة سنة تلك الصلاة أو غيرها\n١٧٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀: باب كراهة شروع المأموم في نافلة بعد أن تقام الفريضة يعني أنه إذا أقيمت الصلاة فإنه لا يشرع المأموم في نافلة سواء كانت هذه النافلة تحية مسجد أو تطوعا مطلقا أو راتبة تلك الصلاة مثل أن تحضر لصلاة الفجر وتقام الصلاة فلا يجوز أن تصلي سنة الفجر لأنه أقيمت الصلاة ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فقوله لا صلاة عام يشمل أي صلاة كانت حتى لو كان على الإنسان فريضة فائتة نسيها ولم يذكرها إلا حين أقيمت الصلاة فإنه لا يصليها ولكن يدخل مع الإمام بنية تلك","vol":"6","page":512},{"text":"الفريضة التي فاتته ولا ينفرد عن الناس فمثلا إذا أقيمت صلاة العصر ودخلت المسجد وأنت لم تصل الظهر فلا تصلي الظهر لأنه أقيمت صلاة العصر لكن ادخل معهم بنية الظهر ثم إذا فرغت من صلاتك فصل العصر ولكن إذا أقيمت وأنت قد شرعت في النافلة فهل تكملها أو تخرج منها في هذا للعلماء قولان القول الأول أنه إذا أقيمت الصلاة وأنت قد شرعت في النافلة فاقطعها ولا تكملها مطلقا والقول الثاني كملها ولو فاتتك ركعة أو ركعتان أو كل الصلاة إلا مقدار تكبيرة الإحرام قبل السلام والصحيح أن نقول إذا أقيمت الصلاة وأنت في نافلة فإن كنت في الركعة الأولى فاقطعها وإن كنت في الركعة الثانية فأتمها خفيفة وهذا هو الصحيح الذي يمكن أن تجتمع فيه الأدلة","vol":"6","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بصلاة من بين </span>الليالي\n١٧٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم رواه مسلم\n١٧٦١ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده متفق عليه\n١٧٦٢ - وعن محمد بن عباد قال: سألت جابرا ﵁ أنهى النبي ﷺ عن صوم الجمعة قال نعم متفق عليه\n١٧٦٣ - وعن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال أصمت أمس","vol":"6","page":514},{"text":"قالت لا قال تريدين أن تصومي غدا قالت لا قال فأفطري رواه البخاري\nأما صوم يوم الجمعة فقد عقد المؤلف له بابا وهو كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام وليلتها بقيام يوم الجمعة هو عيد الأسبوع ويتكرر في كل سبعة أيام يوما وهو الثامن ولما كان عيدا نهى النبي ﷺ عن صومه لكنه ليس نهي تحريم لأنه يتكرر كل عام أكثر من خمسين مرة وأما النهي عن صوم العيدين عيد الأضحى والفطر فهو نهي تحريم لأنه لا يتكرر في السنة إلا مرة واحدة عيد الفطر مرة وعيد الأضحى مرة أما الجمعة فيتكرر ولهذا كان النهي عنه أخص كان نهي كراهة وتزول الكراهة إذا ضممت إليه يوما قبله أو يوما بعده ولهذا جاءت أحاديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام لكن إذا لم يكن تخصيصا بأن كان الإنسان يقوم كل ليلة فلا بأس أن يقوم ليلة الجمعة أو كان يصوم يوما ويفطر يوما فصادف يوم الجمعة يوم صومه فلا بأس أن يصومه وكذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عرفة أو يوم عاشوراء فلا بأس","vol":"6","page":515},{"text":"أن يصومه لأن هذا الصيام ليس تخصيصا ليوم الجمعة ولكنه تخصيص لليوم الذي صادف يوم الجمعة فإذا كان يوم الجمعة يوم عرفة فصمه ولا تبالي وإن لم تكن صائما قبله وإذا صادف يوم عاشوراء فصم ولا تبالي لكن يوم عاشوراء ينبغي أن نخالف اليهود فيه فنصوم يوما قبله أو يوما بعده ولهذا قال في الحديث الآخر إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده أو إلا أن يكون في صوم يصومه الإنسان وفي حديث جويرية بنت الحارث ﵂ أم المؤمنين أن النبي ﷺ قال لها وهي صائمة في يوم الجمعة أتريدين أن تصومي غدا؟ قالت لا قال أصمت أمس قالت لا قال فأفطري فيه دليل على أن يوم الجمعة إذا صمت يوما قبله أو يوما بعده فلا بأس وفي قوله أتصومين غدا دليل على جواز صوم يوم السبت في النفل وأنه لا بأس به ولا كراهة إذا ضمت إليه الجمعة وقد ورد عن النبي ﷺ حديث أنه قال لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ولو أن يأخذ أحدكم لحاء عنب فيضمه أو كما قال ﵊ لكن هذا الحديث اختلف العلماء فيه فمنهم من قال إنه ضعيف لا يعمل به وقال ذلك شيخنا المحدث عبد العزيز بن باز قال هذا حديث النهي عن صوم يوم السبت ضعيف شاذ لا يعمل به ومنهم من قال إنه منسوخ ومنهم من قال إن","vol":"6","page":516},{"text":"النهي إنما هو عن إفراده فقط وأما إذا صيم يوم الجمعة أو يوم الأحد فلا كراهة وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ﵀ وعلى كل حال لو صامه فإنه لا إثم عليه ولكن الأفضل ألا يصومه إلا مضموما إليه يوم الجمعة أو يوم الأحد وحديث جويرية في صحيح البخاري وحديث محمد بن عباد في صحيح مسلم وكلاهما يدل على أن صوم يوم السبت ليس محرما وإنه يجوز إذا صام يوم الجمعة وهذا نعرف أنه ينبغي للإنسان ألا يكون إمعة يقلد غيره كلما ذكر غيره شيئا قلده دون نظر في الأدلة وجمع بينهما لأن بعض العلماء ينظر إلى ظاهر الإسناد فيحكم بصحة الحديث دون النظر إلى متنه والنظر إلى المتن أمر مهم لأن خطأ الواحد من الناقلين أهون من الخطأ المخالف لقواعد الشريعة والمخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة الواضحة التي هي أقوى سندا وأشد متنا لهذا ينبغي لطالب العلم ولاسيما طالب الحديث المعتني به أن يتفطن له وألا يحكم بصحة الحديث بمجرد ظاهر الإسناد بل لابد من أن ينظر في المتن هل يخالف القواعد المعلومة من الشريعة هل يخالف الأحاديث التي رواها الثقات الأثبات في الحديث فليحكم بشذوذه ولا يقبله لأنه كما قلت لكم فخطأ واحد في النقل أهون من خطأ الأئمة الأثبات أو خطأ القواعد الشرعية المرعية في الشريعة على كل حال صوم يوم السبت تطوعا ليس حراما لكن ينبغي ألا يصومه إلا أن يصوم معه يوما قبله أو يوما بعده والله الموفق","vol":"6","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>باب تحريم الوصال في الصوم وهو أن يصوم يومين أو أكثر </span>ولا يأكل ولا يشرب بينهما\n١٧٦٤ - عن أبي هريرة وعائشة ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن الوصال متفق عليه\n١٧٦٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال قالوا إنك تواصل قال إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى متفق عليه وهذا لفظ البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم الوصال في الصوم ومعنى الوصال أن يقرن الإنسان بين يومين في الصيام فلا يفطر بينهما والله ﷾ قد حدد الصيام في قوله فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ قال ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ فحدد الله ابتداء الصيام وانتهاءه وقال النبي ﷺ لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر هذا هو المشروع","vol":"6","page":518},{"text":"أن الإنسان يبادر بالفطور ولا يتأخر ولا يحل له أن يواصل بين يومين لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك وقال أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر فأذن ﷺ بالمواصلة إلى السحر يعني وليتسحر في آخر الليل وبهذا تبين أن للصائم ثلاث حالات الحالة الأولى أن يبادر بالإفطار بعد غروب الشمس وهذه هي السنة والأفضل والأكمل والحالة الثانية أن يتأخر إلى السحر وهذا جائز لكنه خلاف الأولى والحالة الثالثة ألا يفطر بين يومين بل يواصل وهذه حرام على ما ذهب إليه المؤلف ﵀ وهذا هو الأقرب لأن النبي ﷺ نهى عن الوصال فواصلوا ﵃ ظنا منهم أنه إنما نهى عنه من أجل الرفق بهم والشفقة عليهم وقالوا نحن نتحمل فواصلوا فتركهم ثم واصلوا وواصلوا حتى هل الشهر شهر شوال فقال لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكر لهم ﵊ وهذا يدل على التحريم وذهب بعض العلماء إلى كراهة الوصال دون التحريم لأن العلة التي هي الإرفاق بالإنسان والإنسان أمير نفسه لكن الأقرب أن الوصال في نهي النبي ﷺ واصل بهم يوما ويوما ويوما حتى رؤي الهلال وقال لو تأخر لزدتكم وما يفعله بعض السلف كما يروى عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان يواصل خمسة عشر يوما لا يفطر بينهما فهذا اجتهاد منه وتأويل ولكن الصواب ما دلت عليه السنة","vol":"6","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>باب تحريم الجلوس على قبر</span>\n١٧٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر رواه مسلم","vol":"6","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>باب النهي عن تجصيص القبور والبناء عليها</span>\n١٧٦٧ - عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه رواه مسلم\nثم ذكر المؤلف ﵀ باب تحريم الجلوس على القبر لأن القبر فيه إنسان مسلم محترم وجلوسك عليه إهانة له ولهذا قال النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جسده خير له من أن يجلس على القبر وهذا يدل على التحريم وأنه لا يجوز للإنسان أن يجلس على قبر المسلم وإذا أراد أن يجلس فليجلس من وراء القبر يجعل القبر خلف ظهره أو عن يمينه أو عن شماله وأما إن يجلس عليه فهذا حرام ومثل ذلك الغلو في القبر ولهذا نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه لأن تجصيصه يعني تفخيمه وتعظيمه يؤدي إلى الشرك به وكذلك البناء عليه فالتجصيص حرام والبناء أشد حرمة والكتابة عليه فيها تفصيل","vol":"6","page":521},{"text":"الكتابة التي لا يرد بها إلا إثبات الاسم للدلالة على القبر فهذه لا بأس بها وأما الكتابة التي تشبه ما كانوا يفعلونه في الجاهلية يكتب اسم الشخص ويكتب الثناء عليه وأنه فعل كذا وكذا وغيره من المديح أو تكتب الأبيات..\nفهذا حرام ومن هذا ما يفعله بعض الجهال أنه يكتب على الحجر الموضوع على القبر سورة الفاتحة مثلا..\nأو غيرها من الآيات فكل هذا حرام وعلى من رآه في المقبرة أن يزيل هذا الحجر لأن هذا من المنكر الذي يجب تغييره والله الموفق","vol":"6","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>باب تغليظ تحريم إباق العبد من سيده</span>\n١٧٦٨ - عن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة رواه مسلم\n١٧٦٩ - وعنه ﵁ عن النبي ﷺ إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة رواه مسلم وفي رواية فقد كفر\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب تغليظ تحريم إباق العبد العبد يعني المملوك وإباقه هربه من سيده وذلك أن العبد مملوك للسيد في ذاته ومنافعه فإذا هرب فقد فوت على سيده ذلك وقد ورد الوعيد في هذا بأنه يكون كافرا وأن الذمة بريئة منه وأنه لا تقبل صلاته فهذه ثلاث عقوبات والعياذ بالله الأولى أنه برئت منه الذمة كما في حديث جرير ﵁ الثانية أنه كافر ولكنه ليس كفرا مخرجا عن الملة الثالثة أنه لا تقبل صلاته فالعبد إذا أبق وهرب من سيده ثم صلى","vol":"6","page":523},{"text":"فلا صلاة له واختلف العلماء ﵏ هل صلاته غير مقبولة لا الفريضة ولا النافلة أو أنها النافلة فقط فمن العلماء من قال صلاة الفريضة مقبولة لأن زمنها مستثنى شرعا ولأنه سوف يصلي سواء كان عند سيده أو أبقا منه ومنهم من قال إن الحديث عام ولا يمتنع أن يعاقب بذلك ويكون المراد بنفي القبول بالنسبة للنوافل نفي الصحة وبالنسبة للفرائض نفي الإثابة وهذا جمع حسن","vol":"6","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>باب تحريم الشفاعة في الحدود</span>\nقال الله تعالى ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾\n١٧٧٠ - وعن عائشة ﵂ أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله ﷺ فقالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ فكلمه أسامة فقال رسول الله ﷺ أتشفع في حد من حدود الله تعالى ثم قام فاختطب ثم قال إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها متفق عليه وفي رواية فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال أتشفع في حد من حدود الله قال أسامة استغفر لي يا رسول الله قال ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها","vol":"6","page":525},{"text":"أما الباب الثاني فهو تحريم الشفاعة في الحد أي في العقوبة المقدرة شرعا واعلم أن العقوبات على الذنوب تنقسم إلى قسمين عقوبات أخروية هذه أمرها إلى الله وقال الله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فكل ذنب سوى الشرك فإنه قابل أن يغفره الله ﷿ بفضله ورحمته وأما العقوبة الدنيوية فهي أقسام كثيرة منها أقسام معينة محددة في الشريعة فهذه لا يجوز تعديها فمثلا السارق تقطع يده ولا يجوز أن تقطع رجله مع يده ولا أن تقلع عينه ولا أن تفجر أذنه لا يجوز أن يتعدى فيها ما حده الله ورسوله وهو قطع اليد كذلك أيضا الزنا إذا كان الزاني لم يتزوج من قبل فحده مائة جلدة وتغريب عام أي طرده من البلد إلى بلد آخر لمدة سنة هذا أيضا لا تجوز الزيادة فيه ولا النقص منه لأنه حد من الحدود ومثل المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادا هؤلاء جزاؤهم أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض هناك عقوبات أخرى غير مقدرة هذه يرجع إلى رأي الحاكم يعني القاضي الشرعي أو من له تنظيم وتقنين العقوبات هذه أمرها واسع تارة تكون العقوبة بالمال يغرم الإنسان مالا وتارة تكون العقوبة بالعزل عن منصبه وتارة تكون بالحبس وتارة تكون بالتشهير بأن","vol":"6","page":526},{"text":"يعلن اسمه ومخالفته بين الناس وتارة تكون بالتقويم من المجلس حسب ما تقتضيه المصلحة والتأديب وتارة تكون بالجلد فأما العقوبات المحددة فإنه إذا بلغت السلطان فلا يجوز لأحد أن يشفع فيها كما قال النبي ﷺ إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع له لعن طرد وإبعاد عن رحمة الله وقال من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره والعياذ بالله وإن لم تصل إلى الحاكم فهنا قد يجوز الشفاعة والتوسط مثل لو أن أحد رأى شخصا يزني وشاهده وعنده أربع شهود على ذلك ورأى أن من المصلحة أن يستتاب هذا الرجل فإذا تاب ستر عليه فلا بأس أما بعد أن تبلغ السلطان فلا يجوز ثم ذكر المؤلف حديث عائشة ﵂ في باب تحريم الشفاعة في الحدود في قصة المرأة المخزومية\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ باب تحريم الشفاعة في الحدود والحدود هي العقوبات التي قدرها الله ورسوله على فاعل المعصية فمنها حد الزنا ومنها حد القذف وحد السرقة وحد الحرابة وأما القتل بالردة فليس من الحدود لأن المرتد إذا تاب ولو بعد أن رفع إلى السلطان فإنه يسقط عنه القتل لكن هذه الحدود لابد منها ولا تسقط إلا إذا تاب الإنسان قبل أن يقدر عليه لقول الله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم","vol":"6","page":527},{"text":"وذكر المؤلف حديث عائشة ﵂ أن امرأة من بني مخزوم سرقت وقد بينت السرقة بأنها تستعير المتاع وتجحده يعني تأتي إلى الناس وتقول أعرني القدر أعرني الدلو فيعيرونها إحسانا إليهم ثم تجحد العارية وتقول ما أعرتموني فجعل النبي ﷺ جحد العارية في منزلة السرقة لأن السارق يدخل البيوت في خفية ويأخذ وهذه سرقت أموال الناس في خفية أخذتها منهم على أنها عارية وأنها إحسان من أهلها أي من أهل الأموال ثم تجحد أمر النبي ﷺ أن تقطع يدها وكانت من بني مخزوم من أشرف قبائل قريش فأهمهم ذلك أي لحقهم الهم في هذا كيف تقطع يد المخزومية فطلبوا من يشفع إلى رسول الله ﷺ فقالوا من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد ولم يذكروا أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا من هو أعلى قدرا من أسامة بن زيد فإما أن يكونوا قد حاولوا ذلك ولم يفلحوا وإما أن يكونوا من الأصل علموا أنهم لن يشفعوا في حد من حدود الله المهم أنهم طلبوا من أسامة بن زيد ﵁ وأسامة هو أسامة بن زيد بن حارثة وزيد بن حارثة كان عبدا مملوكا وهبته خديجة إلى النبي ﷺ فأعتقه وكان يحبه ويحب ابنه أسامة تكلم أسامة مع النبي في شأن المرأة لعله يرفع عنها القطع فتلون وجه رسول الله ﷺ تغير لونه وقال له منكرا عليه أتشفع في حد من حدود الله يعني ما كان ينبغي أن تشفع في حد من حدود الله","vol":"6","page":528},{"text":"ثم قام فاختطب أي خطب خطبة بليغة لأن اختطب أبلغ من خطب لزيادة الهمزة والتاء وقد قال علماء اللغة العربية إن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى يعني زيادة الحروف في الكلمة تدل على زيادة معناها المهم أن قوله اختطب يعني خطب خطبة بلغية ثم قال إنما أهلك من كان قبلكم يعني من الأمم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليهم الحد أهلكهم يعني بذنوبهم بالعذاب والعقوبات إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد فصارت إقامتهم لحدود الله على حسب أهوائهم وفي هذا دليل على أن من سبقنا كانوا يسرقون وأن السرقة كبيرة فيهم بين الغني والفقير والشريف والضعيف ثم أقسم ﵊ وهو البار الصادق بدون قسم أقسم قال وايم الله أي أحلف بالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها اللهم صلي وسلم عليه هكذا العدالة وهكذا تنفذ حكم الله لا اتباع الهوى أقسم بأن فاطمة بنت محمد وهي أشرف من المخزومية حسبا ونسبا لأنها ﵂ سيدة نساء أهل الجنة أقسم أنها لو سرقت لقطع يدها وفي قوله لقطعت يدها قولان القول الأول أن الرسول ﷺ نفسه يباشر القطع وهذا أبلغ","vol":"6","page":529},{"text":"الثاني أنه يأمر من يقطع يدها وأيا كان فإن الرسول ﷺ لا يمكن أن يدرأ الحد عن أحد لشرفه ومكانته أبدا الحد حق الله ﷿ وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ثم أمر النبي ﷺ أن تقطع يد المرأة المخزومية فقطعت وهي امرأة من أشراف قريش ومع ذلك لم يسقط عنها الحد وهكذا يجب على ولاة الأمر أن يكون الناس عندهم سواء في إقامة الحدود وألا يحابوا أحدا لقربه أو لغناه أو لشرفه في قبيلته أو غير ذلك الحد لله ﷿ تجب إقامته لله ﷿ انظر إلى قوله تعالى ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ ومن الرأفة الشفاعة لهم لا تشفع لأحد في حد أقمه ولا ترفق به ولا ترحمه ولا تقل هذا شريف هذا ضعيف هذا أبو أولاد أبدا لا يهمك يعني لو زنى إنسان وهو محصن وثبت عليه الحد وله أولاد صغار وزوجات سوف يكن أرمل بعده والأولاد أيتاما بعده لا تبالي بهذا أقم الحد عليه ارجمه حتى يموت ولا تقل هذا له أولاد صغار وزوجات لا يهمك هذا أقم الحد على كل من أتى بمعصية توجب الحد ولما كانت الأمة الإسلامية على هذه العدالة وعدم المبالاة وأنها لا تأخذها في الله لومة لائم كان لها العزة والقوة والنصر المبين ولما تخلت الأمة الإسلامية عن إقامة حدود الله وصارت المحسوبيات والوساطات تعمل عملها في إسقاط حدود الله ﷿ تدهورت الأمة الإسلامية إلى الحد الذي ترونه الآن، فنسأل الله تعالى أن يعيد للأمة الإسلامية مجدها وتمسكها بدينها إنه على كل شيء قدير","vol":"6","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>باب النهي عن التغوط في طريق الناس وظلهم وموارد الماء ونحوها</span>\nقال الله تعالى ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾\n١٧٧١ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللاعنين قالوا وما اللاعنان قال الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم رواه مسلم","vol":"6","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>باب النهي عن البول ونحوه في الماء الراكد</span>\n١٧٧٢ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم التغوط في طريق الناس أو ظلهم أو نحو ذلك التغوط يعني إخراج البراز من الدبر ومثله التبول فلا يجوز للإنسان أن يتبول أو يتغوط في طريق الناس أو في ظلهم يعني المكان الذي يستظلون به وكذلك مشمسهم في الشتاء وكذلك مجالسهم فإن هذا من أذية المؤمنين وقد قال الله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾ بالقول أو بالفعل فالأذية بالقول مثل التعيير والتوبيخ والسب وما أشبه وبالفعل مثل أن يتبول في طريقه أو يتغوط أو ما أشبه ذلك وقوله ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ يعني لا إذا كان السبب في ذلك هم الذين أذوا يعني أنهم تعرضوا لما حل بهم فهذا جنايتهم بأيديهم ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال اتقوا","vol":"6","page":532},{"text":"اللاعنين قالوا وما اللاعنان قال الذين يتخلى في طريق الناس أو ظلهم اللاعن اسم فاعل من اللعن وسمى النبي ﷺ ذلك لاعنا لأنه سبب في اللعن فالذي يتخلى في طريق الناس أو يتخلى في ظلهم ملعون والعياذ بالله وأيضا من رأى بولا أو غائطا في طريق الناس أو ظلهم فله أن يقول اللهم اللعن من فعل هذا لأنه هو الذي عرض نفسه لذلك وكذلك أيضا لا يجوز البول في الماء الراكد ونحوه لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك كما في حديث جابر الذي رواه مسلم فلا يجوز للإنسان أن يبول في الماء الراكد مثل الغدير أو شبهه أما الماء الجاري فالجاري يمشي ولا يتأثر إلا إذا كان جاريا نحو ساقية وتحته أناس يتطهرون في هذا الماء أو يشربون منه فهذا لا يجوز لأنه يؤذي من تحته والله الموفق","vol":"6","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>باب كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده على بعض في الهبة</span>\n١٧٧٣ - عن النعمان بن بشير ﵄ أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله ﷺ أكل ولدك نحلته مثل هذا فقال لا فقال رسول الله ﷺ فأرجعه وفي رواية فقال رسول الله ﷺ: أفعلت هذا بولدك كلهم قال لا قال اتقوا الله واعدلوا في أولادكم فرجع أبي فرد تلك الصدقة وفي رواية فقال رسول الله ﷺ: يا بشير ألك ولد سوى هذا قال نعم قال أكلهم وهبت له مثل هذا قال لا قال فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور وفي رواية لا تشهدني على جور وفي رواية أشهد على هذا غيري ثم قال أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء قال بلى قال فلا إذا متفق عليه","vol":"6","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية الأولاد يشمل الذكور والإناث والمراد بالعطية التبرع المحض ليس النفقة يعطي كل إنسان ما يحتاج قليلا كان أو كثيرا فإذا قدر أن أحدهم يطلب العلم ويحتاج إلى كتب والآخر ليس كذلك فأعطى الأول ما يحتاج إليه من الكتب فلا بأس وكذلك لو كان أحدهم يحتاج إلى ثياب والآخر لا يحتاج فيعطي من يحتاج إلى الثياب وكذلك لو مرض فاحتاج إلى دراهم وإلى دواء فأعطاه فلا بأس وكذلك لو بلغ أحدهم سن الزواج فزوجه فإنه يزوجه ولا بأس المهم ما كان لدفع الحاجة فالتسوية فيه أن يعطي كل إنسان ما يحتاجه أما إذا كان تبرعا محضا فلابد من التعديل بينهم واختلف العلماء هل التعديل أن يعطي الذكر والأنثى سواء فإذا أعطى الذكر مائة أعطى الأنثى مائة أم أن التعديل أن يعطيهم كما أعطاهم الله ﷿ في الميراث يعني للذكر مثل حظ الأنثيين فإذا أعطى الذكر مائة أعطى الأنثى خمسين وهذا القول هو الراجح لأنه لا قسمة أعدل من قسمة الله ﷿ فإذا أعطى كل واحد ما يحتاجه ثم تبرع تبرعا محضا فنقول إذا أعطيت الأنثى درهما فأعط الذكر درهمين هذا هو التعديل فإن فعل يعني فضل بعض الأولاد على بعض فإنه يجب عليه أن يرد ما فضله به فإذا","vol":"6","page":535},{"text":"أعطى أحدهم مائة ولم يعط الآخرين وجب عليه أن يرد المائة أي يستردها أو يعطي الآخرين مثلما أعطى الأول أو يستحلهم بشرط أن يحللوه عن رضا وقناعة لا عن حياء وخجل فصار طريق العدل فيمن فضل بعض أولاده عن بعض له طرق ثلاثة فالعدل له طرق ثلاثة الأول أن يرد ما فضله به الثاني أن يعطي الآخرين مثله للذكر مثل حظ الأنثيين الثالث أن يستحلهم بشرط أن يحللوه عن قناعة ورضا لا عن خجل وحياء ثم ذكر المؤلف حديث النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه نحلة غلاما وفي رواية حائطا بستانا ولعله أعطاه البستان والغلام من أجل أن يعمل في البستان فقالت أمه عمرة بنت رواحة ﵂ وهي فقيهة لا أرضى أن تعطي ابني هذا دون إخوانه حتى تشهد النبي ﷺ فذهب إلى النبي يشهده على ذلك فقال النبي له ألك بنون قال نعم قال أعطيتهم مثل ما أعطيت النعمان قال لا قال رد يعني رد ما أعطيت ثم قال أشهد على هذا غيري وهذا تبرؤ منه وليس إباحة له على أن يشهد على ذلك بل","vol":"6","page":536},{"text":"هو تبرؤ منه ولهذا قال أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور ثم قال أتريد أن يكونوا إليك في البر سواء قال نعم يا رسول الله قال إذا سوي بينهم لأنك إذا فضلت أحدهم على الآخر صار في نفس المفضل عليه شيء وصار لا يبر والده ثم قال اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم فأمر ﵊ أن نعدل بين الأولاد في العطية حتى لو تعطي أحدهم عشرة ريالات فأعط الآخر مثله لا تقل هذا شيء زهيد ما يساوي شيئا أبدا ولو ريال واحد ...\nلا أعطهم كما أعطيت الثاني حتى كان السلف الصالح ﵃ إذا قبلوا أحد الأولاد قبل الثاني من شدة العدل بينهم وكذلك أيضا في النظر إليهم لا تنظر إلى هذا نظرة غضب وإلى هذا نظرة رضا لا اعدل بينهم حتى في المواجهة وطلاقة الوجه إلا أن يفعل أحدهم ما يغضب فهذا له شأن أما بدون سبب اجعلهم سواء ولا تفضل أحدا على أحد وهنا مسألة وهي أن بعض الناس يزوج أولاده الكبار وله أولاد صغار فيوصي لهم بعد موته بمقدار المهر وهذا حرام ولا يحل لأن هؤلاء إنما أعطيته لحاجتهم حاجة لا يماثلهم إخوانهم الآخرون الصغار فلا يحل لك أن توصي لهم بشيء وإذا أوصى فالوصية باطلة ترد في التركة ويرثونها على قدر ميراثهم كذلك أيضا بعض الناس يكون ولده يشتغل معه في تجارته في فلاحته","vol":"6","page":537},{"text":"فيعطيه بريرة على إخوانه وهذا أيضا لا يجوز لأن الولد إن كان قد تبرع بعمله مع أبيه فهذا بر وثوابه في الآخرة أعظم من ثوابه في الدنيا وإن كان لا يريد ذلك يريد أن يشتغل لأبيه بأجر فليفرض له أجره مثلا لك كل شهر كذا وكذا كما يعطي الأجنبي أو يقول لك سهم من الربح وأما أن يخصه من بين أولاده مع أن الولد قد تبرع بعمله وجعل ذلك من البر فلا يجوز له ذلك وإن أعطى أحدهم لكونه طالب علم يحفظ القرآن فإن قال للآخرين من طلب منكم العلم أعطيته مثل أخيه أو من حفظ القرآن أعطيته مثل أخيه فطلب بعضهم وترك بعض فهؤلاء هم الذين تركوا الأمر بأنفسهم فلا حق لهم وأما إذا كان خص هذا دون أن يفتح الباب لإخوانه فهذا لا يجوز وعلم من قول الرسول ﷺ اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم أن غير الأولاد من الأقارب لا يجب العدل بينهم فلك أن تعطي بعض إخوانك أكثر من الآخرين أو تعطيهم وتحرم الآخرين لأن النص إنما ورد في الأولاد فقط وأما قول بعض العلماء ﵏ إنه يجب عليه التعديل بين جميع الورثة بقدر ميراثهم فهذا قول لا دليل عليه التعديل إنما يجب بين الأولاد فقط والله الموفق","vol":"6","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على </span>زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام\n١٧٧٤ - عن زينب بنت أبي سلمة ﵄ قالت: دخلت على أم حبيبة ﵂ زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب ﵁ فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا قالت زينب ثم دخلت على زينب بنت جحش ﵂ حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت أما والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا متفق عليه قال رحمه الله تعالى باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا","vol":"6","page":539},{"text":"الإحداد معناه ترك الزينة والطيب ونحوه مما يعد بهجة وسرورا وترفها وهو حرام وكانوا في الجاهلية إذا مات الإنسان وهو حبيب إليهم امتنعوا عن الطيب والتجمل وما أشبه ذلك إلى مدة حسب ما يقدرونها بأنفسهم فبين النبي ﷺ في هذا الحديث الذي رواه عنه زوجتاه أم حبيبة وزينب بنت جحش ﵄ أنه لا يجوز الإحداد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فرخص النبي ﷺ في هذا في الإحداد لمدة ثلاثة أيام ولا يجوز أكثر من ذلك مثاله رجل مات ابنه فحزن عليه فالواجب الصبر والاحتساب وأن تجري الأمور على ما هي عليه يخرج إلى دكانه إذا كان صاحب دكان وإلى فلاحته إذا كان صاحب فلاحة وإلى مكتبه إذا كان موظفا وإلى مدرسته إذا كان معلما أو طالبا المهم ألا تتأثر أعماله بشيء هذا هو المشروع وهذا هو السنة وهذا هو الأوفق وهذا هو الأرفق بالشخص ألا يحد على أحد حتى على ابنه وأبيه وأمه وأخيه لا يحد عليهم الأمر لله ﷿ له الملك وله الحمد فهو المالك وهو المحمود على كل حال فلا حاجة إلى تحد اصبر واحتسب لا تقل لا تحزن كل إنسان له قلب حي سيحزن لكن نقول اصبر واحتسب وكأن شيئا لم يكن لا تخرب شيئا من أمور دنياك هذا هو الأفضل والأوفق والأرفق والأحسن لكن لما كانت النفوس قد لا تطيق هذا لاسيما مع عظم المصاب","vol":"6","page":540},{"text":"رخص النبي ﷺ في الإحداد لمدة ثلاثة أيام فقط يعني لا بأس مثلا أن الإنسان إذا مات له صديق أو قريب وحزن حزنا شديدا لا يستطيع أن يقابل الناس لا بأس أن يبقى في بيته لمدة ثلاثة أيام فأقل ولكن لابد من صلاة الجماعة هذا لا بأس به وكذلك بالنسبة للنساء لو مات ابنها أو أبوها أو أخوها أو أحد ممن تأثرت بهم تأثرا بالغا فلا حرج عليها أن تحد لمدة ثلاثة أيام فأقل أما ما زاد فلا يجوز لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج فالزوج له حق عظيم حتى قال النبي ﷺ لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها لكن السجود لا يكون إلا لرب العالمين الخالق ﷿ المهم أن الزوجة تحد أربعة أشهر وعشرا هذا إذا كانت غير حامل أما الحامل فتحد إلى وضع الحمل فقط زاد أو نقص فعلى هذا إذا مات عن زوجة زوجها فالمرأة تحد أربعة أشهر وعشرة أيام لقول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ حتى لو كان ما دخل عليها لو عقد عليها وهي في المدينة وهو في مكة ومات فإنها تحد عليه وإن لم يدخل عليها مادام العقد صحيحا وإذا كانت حاملا فإلى وضع الحمل حتى لو وضعت قبل أن يغسل الزوج انتهت العدة وانتهى الإحداد يعني مثلا امرأة توفي زوجها وهي في الطلق فلما خرجت روحه خرج الحمل يعني ما بين خروج روح زوجها وخروج حملها إلا دقائق معلومة فالآن انتهت العدة وانتهى","vol":"6","page":541},{"text":"الإحداد فلها أن تتزوج يمكن شرعا أن تتزوج قبل أن يدفن هذا الزوج لأنها وضعت الحمل وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن فهذه انتهت عدتها والإحداد تبع العدة ولكن ما هو الإحداد الإحداد أن تجتنب المرأة الأشياء التالية أولا لباس الزينة لا تلبس ثوبا يعد ثوب زينة أما الثياب العادية فلها أن تلبسها بأي لون كان أصفر أحمر أخضر ...\nأي شيء إنما الذي يعد زينة بحيث يقال إن هذه المرأة تزينت وتجملت فإنه لا يحل لها أن تلبسه وهي محادة على الزوج الثاني الطيب بجميع أنواعه دهنا أو بخورا أو شما أو غير ذلك لا تتطيب إطلاقا إلا إذا طهرت من الحيض فإنها تأخذ شيئا يسيرا من الطيب تتطيب به أي تطيب محل الخبث حتى لا يكون لها رائحة الثالث الحلي بجميع أنواعه لا تلبس الحلي لا في القدمين ولا في الكفين ولا في الرقبة ولا في الأذنين ولا على الصدر أي نوع من أنواع الحلي ما تلبسه حتى لو كانت تلبس سنا من ذهب فإنها تخلعه إذا لم يكن عليها مضرة فإن كان عليها مضرة فلتحرص على أن تخفيه بأن تقلل الضحك حتى لا تظهر السن ويتبين للناس الرابع ألا تخرج من البيت أبدا إلا للضرورة أو حاجة لضرورة في الليل أو حاجة بالنهار وأما بدون حاجة ولا ضرورة فلا يجوز أن تخرج من بيتها الذي مات زوجها وهي فيه فهي يجب عليها أن تبقى في البيت فلا تخرج إذا قالت أريد أن أخرج إلى جيراني استأنس عندهم في النهار وأول الليل وأرجع إلى بيتي نقول لا جيرانك يأتون إليك أما أنت لا تذهبي تبقين في البيت الذي مات زوجك وأنت فيه فإذا قدرنا أنها سافرت مع","vol":"6","page":542},{"text":"زوجها إلى بلد للعلاج ومات زوجها بالبلد الذي هو غير بلدها نقول ارجعي إلى بلدك لأن هذا ليس مسكنك في الأصل الخامس التجميل والتكحل بالكحل وما أشبه ذلك حتى لو فرضنا أن عينها فيها مرض فلا تتكحل إلا بصبر أو شبهه مما لا لون له تفعله بالليل وتمسحه بالنهار هذا إن احتاجت وإلا فلا ولهذا جاءت امرأة إلى النبي وقالت يا رسول الله إن ابنتي مات زوجها وقد اشتكت عينها يعني توجعها أفنكحلها قال لا مع أنها توجعها عينها فقال لا حتى قال ابن حزم ﵀ لو فقدت عينها فإنها لا تكحلها بأي حال من الأحوال لأن النبي سئل عن هذه المريضة في عينها فأبى أن يرخص لهم في الكحل وكذلك التحمير والتجميل وما أشبه ذلك أما الصابون الذي ليس فيه طيب فلا بأس وكذلك تنظيف الرأس وكذلك تنظيف الجلد وما اشتهر عند العوام أن المرأة تغتسل من الجمعة إلى الجمعة يعني حمادة المحادة فهذا لا أصل له كذلك أيضا ما اشتهر عندهم أنها في الليل لا تخرج إلى الحوش بل تكون تحت السقف فهذا لا صحة له تخرج إلى ما شاءت كذلك ما اشتهر في العامية المحضة يقولون إن القمر رجل له عيون وأنف وفم فلا تخرج المرأة للقمر لأن القمر رجل يطلع عليها هذا غلط ما بصحيح تخرج في الليالي المقمرة وفي كل شيء لكن لا تخرج من البيت كذلك أيضا ما اشتهر عند العوام أنها لا تكلم أحد إلا من محارمها وهذا غلط أيضا تكلم من شاءت تكلم من يستأذن عند الباب وإلى من يتكلم في التليفون تكلمهم لا بأس تكلم من يدخل البيت من أقارب الزوج وأقاربها الذين ليسوا من محارمها تكلمهم ولا حرج ولا حرج يعني هي في الكلام كغيرها من النساء لا يحرم عليها الكلام لكنها كما قال الله ﷿ ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ والله الموفق","vol":"6","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>باب تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه </span>والخطبة على خطبته إلا أن يأذن أو يرد\n١٧٧٥ - عن أنس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد وإن كان أخاه لأبيه وأمه متفق عليه\n١٧٧٦ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لا تتلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق متفق عليه\n١٧٧٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تتلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد فقال له طاووس ما لا يبع حاضر لباد قال لا يكون له سمسارا متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أمور ثلاثة عقد لها المؤلف رحمه الله تعالى باب في كتاب الصالحين منها أن يبيع حاضر لباد ومنها تلقي الركبان ومنها البيع على بيع أخيه أما بيع الحاضر للبادي فهو أن يأتي إنسان قادم من البادية بغنمه أو إبله أو سمنه أو لبنه أو أقطه ليبيعه في السوق فيأتي الإنسان إليه وهو من أهل البلد","vol":"6","page":544},{"text":"ويقول يا فلان أنا أبيع لك هذا لا يجوز لأن النبي ﷺ قال دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض دع البدوي يبيع ربما يريد أن يبيع برخص لأنه يريد أن يرجع إلى أهله وأيضا إذا باع البدوي فالعادة أن الحضري ينقده الثمن ولا يؤخره لأنه يعرف أنه صاحب بادية أن يرجع فيكون بذلك فائدة للبائع وهو البدوي ينقد له الثمن وفائدة للمشتري وهو أن الغالب أن البدوي يبيع برخص لأنه عجل لا ينتظر الزيادة ولهذا نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد واستدل العلماء رحمهم الله تعالى بالعلة على أنه إذا جاء البادي إلى الحاضر وقال يا فلان بع هذه السلعة لي فإنه لا بأس بذلك لأن البادي الآن يعلم أنه إذا باعه الحضري فهو غالبا أكثر ثمنا ولا يهمه أن يبقى يوما أو يومين من أجل أن يأخذ الثمن ولكن ظاهر الحديث العموم وأن الحاضر لا يبيع للبادي وأنه إذا جاء إليه قال يا فلان خذ سلعتي بعها يقول لا بعها أنت كذلك أيضا استنبط العلماء ﵏ من هذه العلة دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض أنه إذا كان السعر واحدا سواء باع الحاضر أو البادي فإنه لا بأس أن يبيع الحاضر للبادي لأن السعر لن يتغير ومثال ذلك أن تكون الدولة قد قررت سعرا معينا لهذا النوع لا يزيد ولا ينقص فهذا لا فرق بين أن يبيعه الحاضر أو البادي ليس للحاضر","vol":"6","page":545},{"text":"مكسب وفائدة في ذلك فقالوا إذا كان السعر معلوما فإنه لا بأس أن يبيع الحاضر للبادي واستبط بعض العلماء من العلة أنه لابد أن تكون السلعة هذه للناس بها حاجة يعني مما تتعلق به حوائج الناس وأما الشيء الذي لا يحتاجه الناس إلا نادرا فلا باس لكن هذا الاستنباط ضعيف والصواب أنه لا فرق بين السلعة التي يحتاجها الناس والسلعة التي لا يحتاجونها إلا نادرا الأمر الثاني تلقي الركبان وذلك لأنهم كانوا فيما سبق يعرفون أن البادية تأتي بالسلع مثلا في أول النهار يوم الجمعة فتجد بعض الناس يخرج من البلد إلى قريب منه ثم يتلقى الركبان ويشتري منهم قبل أن يصلوا إلى السوق فيقطع الرزق على أهل البلد الذين ينظرون الركبان وكذلك يغبن المتلقين بأن يغبن الركبان فيحصل بتلقي الركبان مضرتان الأولى على أهل البلد الذين ينظرون قدوم الركبان من أجل أن يشتروا منهم برخص الثانية الضرر على الركبان لأن هذا الذي تلقاهم سيغبنهم ويشتري منهم بأقل من السوق ولم يصلوا إلى السوق حتى يعرفوا السعر ولهذا قال النبي ﷺ فمن تلقى فاشترى منه فأتي السوق فهو بالخيار يعني أن الجالب إذا تلقاه الإنسان خارج البلد واشترى منه ثم دخل البلد ووجد أنه مغبون فله أن يرد البيع لأنه قد غر وغبن ...","vol":"6","page":546},{"text":"المسألة الثالثة يبيع المسلم على بيع أخيه وهي أيضا حرام وخطبته على خطبته حرام بيعه على بيعه أن يقول من اشترى سلعة بعشرة أنا أبيع مثلها بثمانية حرام لأن المشتري سوف يحاول أن يفسخ العقد من أجل أن يأخذ السلعة برخص وكذلك الخطبة على خطبة أخيه فمثلا لو سمعت أن فلانا خطب من أناس ابنتهم فذهبت وخطبت ابنتهم هذه فهذا حرام إلا إذا أذن الخاطب بمعنى أنك ذهبت إلى الخاطب وقلت يا فلان سمعت أنك خطبت فلانة وأنا لي بها حاجة أتأذن لي إذا قال نعم لا بأس الحق له أو يرد أي يرده أهل البنت عرفت أن فلان خطب من هؤلاء الجماعة وردوه فلا بأس أن تخطب لأنهم ردوه ليس له علاقة بالمرأة الآن فأما إذا سمعت أن فلانا خطب من جماعة ولكنك لم تتأكد هل ردوه أم لا فإنه لا يحل لك أن تخطب لأنه قد يكونون على وشك أن يقبلوا فإذا خطبت منهم رفضوا فيكون في ذلك حرمان لهذا الخاطب من حقه في المخطوبة والله الموفق","vol":"6","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>باب النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه التي أذن الشرع </span>فيها\n١٧٨١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبده ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال رواه مسلم وتقدم شرحه\n١٧٨٢ - وعنه وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال: أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية ﵁ أن النبي ﷺ: كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وكتب إليه أنه كان ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال وكان ينهى عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات متفق عليه وسبق شرحه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النهي عن إضاعة المال في غير","vol":"6","page":548},{"text":"ما أذن لله فيه المال جعله الله ﷿ قياما للناس تقوم به مصالح دينهم ودنياهم كما قال تعالى وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا ولهذا حرم الاعتداء عليه وقال النبي ﷺ إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ورتب ﷾ تقسيم المال في مواضع كثيرة بنفسه جل وعلا قال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ﴾ وقال ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وقال تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ وغيرها من آيات المواريث كل هذا يدل على عناية الشرع بالمال وأنه أمر مهم ولهذا كان كثير من الدول الآن إنما تقوى باقتصادها ونماء مالها وغناها فالمال أمر مهم فلا يجوز للإنسان أن يضيعه في غير فائدة وإضاعته في غير فائدة أنواع متعددة منها الإسراف في بذله فإن الإسراف محرم حتى في المآكل والمشرب والملابس والمراكب والمنازل متى تجاوز الإنسان الحد فإنه آثم لقوله تعالى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ فمجاوزة الحد إسراف وهي محرمة وعرضة لأن يكره الله تعالى فاعلها وإذا قلنا إن الإسراف مجاوزة الحد تبين لنا أن إنفاق المال يختلف فالغني مثلا قد يؤسس بيته أو يشتري سيارة أو يلبس الثياب التي لا","vol":"6","page":549},{"text":"تعد من حقه إسرافا لأنه لم يتجاوز بها حد الغنى لكن لو أن فقيرا فعل مثل فعله قلنا إن هذا إسراف وإنه حرام ولهذا يغلط كثير من الناس الآن من الفقراء ومتوسطي الحال أن يلحقوا أنفسهم بالأغنياء هذا غلط وخطأ والإنسان كما قال العوام يمد رجله على قدر لحافه إذا كان اللحاف واسعا مد رجليك كلها وإذا كان ضيقا فكف رجليك أما أن تكون فقيرا وتريد أن تساوي الأغنياء في مأكلك ومشربك وملبسك ومنكحك ومركوبك ومسكنك فهذا من السفه وهو حرام أيضا لا يحل للإنسان وقد غلط بعض الناس أكثر من هذا فذهب يستدين ويرهق نفسه بدين من أجل أن يؤسس بيته كما أسس جاره الغني بيته وهذا غلط أيضا هذا مما حرم الله الإسراف هو مجاوزة الحد لأن الله لا يحب المسرفين وقد امتدح الله عباده الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكانوا بين ذلك قواما ومن الإسراف تعدد الملابس بدون حاجة كثير من النساء الآن كلما ظهر شكل من أشكال اللباس ذهبت تشتريه حتى تملأ بيتها من الثياب بدون حاجة لكن ظهر شيء يختلف عن الأول بشيء بسيط تقول خلاص لا ألبسه وألبس الثوب الجديد ثم بعض النساء يلعب بعقول بعض الرجال فتجد المرأة هي التي توجه الرجل وتقول اشتري كذا اشتري كذا فصارت القوامة الآن للنساء على الرجال إلا من شاء الله والرجل يجب أن يكون رجلا يمنع زوجته من الإسراف سواء من مالها أو من ماله ومما لا يجوز بذل المال فيه أن يبذله في محرم كهؤلاء الذين يشترون الدخان ...\nبالمال فإن هذا حرام عليه وهو مما نهى الله عنه لأنه إضاعة للمال واضحة يبذل الإنسان ماله في شيء يحرقه لأن الدخان لا يشرب إلا إذا أحرق فكأنما الرجل أحرق الدراهم وأتلفها في أمر يضره أيضا ليته يسلم","vol":"6","page":550},{"text":"من ضرره ولهذا اتفق الأطباء الآن على أنه ضار وأنه يجب على الإنسان أن يتجنبه حتى الدول الكافرة الآن الراقية الفاهمة تجدهم يمنعون الدخان ولا يمكن أن يشرب الدخان أما في المجالس العامة فممنوع قطعا وأما في المجالس الخاصة فممنوع أيضا إلا إذا استأذنوا أهل المجلس فأذنوا وإلا فيمنع لأنه ضار للشارب وللحاضر حتى إنهم يمنعون من شرب الدخان فوق الأجواء كما حدثني قائدوا الطائرات أنهم إذا دخلوا حدود بعض البلاد الكافرة امتنعوا من التدخين كل من الطائرة لا يدخن لا من أجل الدين لكن لأنه مضر واحتراما لأجوائهم فيا أسفا أن يكون هذا من الكفار وأما من المسلمين اليوم فلا تجد الرجل لا يبالي بالناس يخرج السيجارة ويشربها ولا يبالي بأحد وهذا حرام عليه أولا لنفسه والثاني لأذية المؤمنين الناس يتأذون بهذا وقد قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ فهو يؤذيهم والدخان الذي يكون بينهم يدخل أيضا إلى أجوافهم ويتضررون به هذا أيضا من الحرام يحرم على الإنسان أن يشتري شيئا يشربه من الدخان وهو بذلك آثم ومصر على معصية وتسقط عدالته بذلك وترتفع ولايته عن من له ولاية عليه حتى إن كثيرا من العلماء يقول إنه لا يزوج ابنته إذا كان يشرب الدخان ابنته لا يزوجها لماذا لأنه خرج عن العدالة إلى الفسق والفاسق لا ولاية له فالمسألة خطيرة من إضاعة المال أيضا أن يصرفه الإنسان في شيء لا فائدة منه في ألعاب وما أشبه ذلك ومن هذه الألعاب النارية","vol":"6","page":551},{"text":"قيل وقال معناه أن يشتغل الإنسان بالكلام بنقله قال فلان وقيل كذا وقيل كذا كما يوجد في كثير من المسرفين الآن الذين يعمرون مجالسهم بقولهم ماذا قيل اليوم وقال فلان وماذا تقول في فلان وما أشبه ذلك من الكلام الذي يضيع به الوقت كما نهى عن إضاعة المال الذي جعله الله قياما للناس نهى عن إضاعة الوقت أيضا فإضاعة الوقت في قيل وقال وكثرة السؤال هذا لا شك أشد ضررا على الإنسان من إضاعة المال إضاعة المال ربما يخلف لكن إضاعة الوقت لا يمكن أن تخلف الوقت يذهب ولا يرجع لهذا يجب على الإنسان أن يتجنب الخوض في القيل والقال وما تقول في فلان وما أشبه ذلك كذلك كثرة السؤال وكثرة السؤال يحتمل أن يراد به سؤال الخلق يعني لا تسأل الناس لا تكثر من السؤال والسؤال إن كان سؤال مال فإنه حرام بل لا يزال الإنسان يسأل ويسأل حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مذعة لحم والعياذ بالله ويحتمل أن يراد به كثرة السؤال عن أحوال الناس بدون حاجة وبدون فائدة ماذا تقول في فلان هل هو غني فقير متعلم أم جاهل وما أشبه ذلك ويحتمل أن يراد به كثرة السؤال عن العلم الذي لا يحتاج إليه الإنسان ولاسيما في عهد النبوة لأنه يخشى أن يسأل الإنسان عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل مسألته أو عن شيء لم يجب فيوجب من أجل مسألته ولكن الأخير هذا يقيد بما إذا لم يحتاج الإنسان إلى السؤال فإن كان يحتاج إلى ذلك كطالب العلم الذي يسأل ويستفهم فإنه لا بأس أن يسأل ويستفهم ويزيل","vol":"6","page":552},{"text":"اللبس عن نفسه وكان ﵊ ينهى عن عقوق الأمهات يعني قطع الأمهات عن حقوقهن والأم لها حق عظيم على الولد من ذكر أو أنثى حتى أنها أحق من الأب سئل النبي ﷺ أي الناس أحق بصحبتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال ثم أبوك فالأم لها حق كبير عظيم لأنها حملت ولدها كرها ووضعته كرها وأرضعته كرها وأتعب ليلها ونهارها فلها حق عظيم وكذلك عقوق الأباء وهو أيضا من كبائر الذنوب لكن النبي ﷺ ذكر عقوق الأمهات لأنه أشد وكان ينهى عن عقوق الأمهات وعن وأد البنات وأد البنات هو أن من عادة الجاهلية الحمقاء أن الإنسان إذا ولد له بنت دفنها والعياذ بالله وهي حية ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ يعني يختفي عن الناس من سوء ما بشر به ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي يبقيها مع الإهانة وعدم المبالاة بها ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي يدفنه وهو حي حتى إن بعضهم والعياذ بالله كان يحفر حفرة لابنته فطار شيء من الغبار على لحيته وهو يريد أن يدفنها فنفضت لحيته عن التراب ودفنها والعياذ بالله إلى هذا الحد يعني قلوب أغلظ من الحجارة حتى البهائم لا تفعل بأولادها هكذا","vol":"6","page":553},{"text":"وهؤلاء والعياذ بالله يفعلون هذا يحفر لها ليدفنها وهي تنظف لحيته من التراب ثم يدفنها والعياذ بالله وكان بعضهم يحفر لابنته فإذا أحست به قامت تتوسل به يا أبت فيمسكها ويطرحها حتى يدفنها نعوذ بالله مع ما في كفالة البنات من الأجر العظيم ما من إنسان يكفل ثلاث بنات يحسن إليهن إلا كن حجابا له من النار قالوا وابنتين يا رسول الله قال وابنتين قالوا وواحدة قال وواحدة وكان الإمام أحمد ﵀ إذا قيل له ولد لك بنت قال ولدت الإناث للأنبياء ولدت الإناث للأنبياء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يولد لهم بنات فهذا أشرف الأنبياء محمد ﷺ له أربع بنات وله ثلاثة أولاد والذين بلغوا منهم الحلم هم البنات وأما الأولاد البنون فماتوا صغار أكبرهم إبراهيم توفي وله ستة عشر شهرا سنة وأربعة أشهر رضيع وكان له مرضع في الجنة لإبراهيم ابن النبي ﷺ وأما البنات الأربع فثلاث منهن متن في حياته ﵊ وهن زينب ورقية وأم كلثوم والرابعة فاطمة ماتت بعده بأشهر فالحاصل أن البنات إذا من الله على الإنسان بهن وكفلهن وأحسن إليهن كن له حجابا من النار ومنع وهات أي وينهى عن منع وهات وهذا كناية عن الشح والبخل منع يعني يمنع ولا يعطي ولا يجد بالمال ولا بالنفس وهات يترك فهو والعياذ بالله بخيل شحيح لا يشفع ولا ينفع والله الموفق","vol":"6","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>باب النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه سواء أكان جادا </span>أو مازحا والنهي عن تعاطي السيف مسلولا\n١٧٨٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار متفق عليه وفي رواية لمسلم قال: قال أبو القاسم ﷺ: من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع وإن كان أخاه لأبيه وأمه قوله ﷺ ينزع ضبط بالعين المهملة مع كسر الزاي وبالغين المعجمة مع فتحها ومعناهما متقارب، معناه بالمهملة يرمي، وبالمعجمة أيضا يرمي ويفسد، وأصل النزع: الطعن والفساد.\n١٧٨٤ - وعن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتعاطى السيف مسلولا.\nرواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن.","vol":"6","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال رحمه الله تعالى باب: النهي عن الإشارة بحديدة أو نحوها يعني: على أخيه سواء جادا أو هزلا، والنهي عن تعاطي السيف مسلولا.\nهاتان مسألتان: المسألة الأولى: أن يشير إلى أحد بسلاح أو حديدة أو حجر أو ما أشبه ذلك كأنه يريد أن يرميه به، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، لأنه ربما يشيرها هكذا كأنه يريد أن يرميه بالحجر أو بالحديدة أو نحوها فينزع الشيطان في يده وتنطلق من يده، فيقع في حفرة من النار، والعياذ بالله.\nوكذلك أيضا ما يفعله بعض السفهاء، يأتي بالسيارة مسرعا نحو شخص واقف أو جالس أو مضطجع يلعب عليه ثم يحركها بسرعة إذا قرب منه حتى لا يدهسه هذا أيضا ينهى عنه، كالإشارة بالحديدة لأنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فلا يتحكم في السيارة وحينئذ يقع في حفرة من النار، ومن ذلك أن يشري الكلب به، يكون الإنسان عنده كلب ويأتي إنسان آخر إليه زائرا أو نحو ذلك، فيشري الكلب به يعني يغريه به، فإنه ربما ينطلق الكلب ويأكل هذا الرجل، أو يجرحه ولا يتمكن من فضه بعد ذلك.\nفالمهم أن جميع أسباب الهلاك ينهى الإنسان أن يفعلها سواء أكان جادا أم هزلا، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة.","vol":"6","page":556},{"text":"أما تعاطي السيف مسلولا فمثله أيضا ينهى عنه، لأنه ربما إذا مد يده لأخذ السيف وهو مسلول ربما تضطرب يد الإنسان فتنقطع يد الآخر.\nوكذلك السكين ونحوها لا تتعاطها وهي موجهه إلى صاحبك، إذا أردت أن تعطيه السكين فأمسك بالسكين من عندك، واجعل المقبض نحو صاحبك لئلا تقع في المحظور، يعني ريشة السكين إذا أردت أن تعطيها لصاحبك فاجعلها مما يليك، واجعل المقبض مما يلي صاحبك حتى لا يقع في زلة يد فتنجرح يده.\nومن ذلك أيضا إذا كان معك عصى وأنت تمشي بين الناس فلا تحمله عرضا لأنك إذا حملته عرضا ربما يتعثر به من وراءك أو من أمامك ولكن أمسكه نصبا واقفا أو أن تتعكز عليه تمسكه واقفا حتى لا تؤذي من وراءك ومن أمامك كل هذا من باب الآداب الحميدة التي ينبغي للإنسان أن يسلكها في حياته حتى لا يقع في أمر يؤذي الناس أو يضرهم والله الموفق","vol":"6","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان إلا بعذر حتى يصلي </span>المكتوبة\n١٧٨٥ - عن أبي الشعثاء قال: كنا قعودا مع أبي هريرة ﵁ في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يؤدي الصلاة المكتوبة وذلك أن المؤذن إذا أذن فإنه يقول للناس حي على الصلاة يعني اقبلوا إليها والخروج من المسجد بعد ذلك معصية فإنه يقال أقبل ولكنه يدبر ثم ذكر حديث أبي الشعثاء أنهم كانوا قعودا مع أبي هريرة ﵁ فقام رجل يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى إذا خرج من المسجد قال أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ وإنما أتبعه بصره لينظر هل هو يمشي ليكون في جهة أخرى من المسجد أم ماذا يريد فلما خرج","vol":"6","page":558},{"text":"تبين له أنه أراد الخروج من المسجد قال أما هذا فقد عصى أبا القاسم يعني بذلك رسول الله ﷺ وإذا قال الصحابي لقد عصى أبا القاسم فهو في حكم المرفوع يعني كأنه يقول فقد نهى عن ذلك رسول الله ﷺ واستدل العلماء بهذا الحديث على أنه يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان لمن تلزمه الصلاة إلا لعذر فمن العذر أن يكون حاقنا يعني يحتاج إلى بول أو حاقدا يحتاج إلى غائط أو معه ريح محتبسة يحتاج إلى أن ينقض الوضوء أو أصابه مرض يحتاج إلى أن يخرج معه أو كان إماما لمسجد آخر أو مؤذنا في مسجد آخر وأما إذا خرج من هذا المسجد ليصلي في مسجد آخر فهذا فيه توقف قد يقول قائل فالحديث عام وقد يقول قائل إن الحديث فيمن خرج لئلا يصلي مع جماعة وأما من خرج من مسجد ليصلي في آخر فهذا لم يفر من صلاة الجماعة ولكنه أراد أن يصلي في مسجد آخر وعلى كل لا ينبغي أن يخرج حتى وإن كان يريد أن يصلي في مسجد آخر إلا لسبب شرعي مثل أن يكون في المسجد الثاني جنازة يريد أن يصلي عليها أو يكون المسجد الثاني أحسن قراءة من المسجد الذي هو فيه أو ما أشبه ذلك من الأسباب الشرعية فهنا نقول لا بأس أن يخرج والله الموفق","vol":"6","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>باب كراهة رد الريحان لغير عذر</span>\n١٧٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال: رسول الله ﷺ: من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الريح رواه مسلم\n١٧٨٧ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى باب كراهة رد الريحان الريحان نوع من الطيب وهو كما وصفه النبي ﷺ خفيف المحمل طيب الريح وقد أرشد النبي ﷺ إلى عدم رده وبين المؤلف ﵀ فيما ساقه من حديث البخاري أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب والطيب لا شك أنه يفتح النفس ويشرح الصدر ويوسع القلب ويسر الجليس ولهذا كان النبي ﷺ يعجبه الطيب حتى قال حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة فينبغي للإنسان أن يستعمل","vol":"6","page":560},{"text":"الطيب دائما لأنه علامة على طيب العبد فإن الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإذا أهدى إليك الطيب فلا ترده لأن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب ولاسيما إذا كان كما وصف النبي ﷺ في الريحان إذا كان خفيف المحمل طيب الريح لأنه لا يضرك شيء لكن لو خفت أن هذا الذي أهدي إليك الطيب سيتكلم في المجالس أو أن يمن عليك في المستقبل ويقول أنا أهديت إليك كذا وهذا جزائي ويريد منك أن يستخدمك بما أهدي إليك فهنا لا تقبل الهدية لأن هذا يبطل أجره وثوابه بالمن والأذى أما إذا كان لا يضرك منه شيء فإن الأفضل أن لا ترده والله الموفق","vol":"6","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب </span>ونحوه وجوازه لمن أمن ذلك في حقه\n١٧٨٨ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل متفق عليه والإطراء المبالغة في المدح\n١٧٨٩ - وعن أبي بكرة ﵁ أن رجلا ذكر عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي ﷺ ويحك قطعت عنق صاحبك يقوله مرارا إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحد متفق عليه\n١٧٩٠ - وعن همام بن الحارث عن المقداد ﵁ أن رجلا جعل يمدح عثمان ﵁ فعمد المقداد فجثا على ركبتيه فجعل يحثو في وجهه الحصباء فقال له عثمان ما شأنك فقال إن رسول الله ﷺ قال إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب رواه مسلم","vol":"6","page":562},{"text":"فهذه الأحاديث في النهي وجاء في الإباحة أحاديث كثيرة صحيحة قال العلماء وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن ولا يغتر بذلك ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروه وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور كره مدحه في وجهه كراهة شديدة وعلى هذا التفصيل تنزل الأحاديث المختلفة في ذلك ومما جاء في الإباحة قوله ﷺ لأبي بكر ﵁ أرجو أن تكون منهم أي من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها وفي الحديث الآخر لست منهم أي لست من الذين يسبلون أزرهم خيلاء وقال ﷺ لعمر ﵁ ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك والأحاديث في الإباحة كثيرة وقد ذكرت جملة من أطرافها في كتاب الأذكار\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في بيان مدح الإنسان هل ينبغي للإنسان أن يمدح أخاه بما هو فيه أو لا وهذا له أحوال الحال الأولى أن يكون في مدحه خير وتشجيع له على الأوصاف","vol":"6","page":563},{"text":"الحميدة والأخلاق الفاضلة فهذا لا بأس به لأنه تشجيع تشجيع لصاحبه فإذا رأيت من رجل الكرم والشجاعة وبذل النفس والإحسان إلى الغير فذكرته بما هو فيه أمامه من أجل أن تشجعه وتثبته حتى يستمر على ما هو عليه فهذا حسن وهو داخل في قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى والثاني أن تمدحه لتبين فضله بين الناس وينتشر ويحترمه الناس كما فعل النبي ﷺ مع أبي بكر وعمر ﵄ أما أبي بكر فإن النبي ﷺ كان يتحدث ذات يوم قال من أصبح منكم صائما فقال أبو بكر أنا فقال من تبع منكم جنازة قال أبو بكر أنا فقال من عاد اليوم مريضا فقال أبو بكر أنا وذكر أشياء فقال النبي ﷺ ما اجتمعن في امرأ إلا دخل الجنة وكذلك لما حدث أنه من جر ثوبه خيلاء لن ينظر الله إليه قال أبو بكر يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده فقال أنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء وقال لعمر إن الشيطان ما سلكت فجا إلا سلك فجا غير فجك يعني إذا سلكت طريقا فإن الشيطان يهرب منه ويذهب إلى طريق آخر كل هذا لبيان فضل أبي بكر وعمر ﵄ هذا لا بأس به الثالث أن يمدح غيره ويغلو في إطرائه ويصفه بما لا يستحق فهذا محرم وهو كذب وخداع مثل أن يذكر رجلا أميرا أو وزيرا أو ما أشبه ذلك","vol":"6","page":564},{"text":"ويطريه ويصفه بما ليس فيه من الصفات الحميدة فهذا حرام عليك وهو أيضا ضرر على الممدوح الرابع أن يمدحه بما هو فيه لكن يخشى أن الإنسان الممدوح يغتر بنفسه ويزهو بنفسه ويترفع على غيره فهذا أيضا محرم لا يجوز وذكر المؤلف أحاديث في ذلك أن رجلا ذكر عند النبي ﷺ آخر فأثنى عليه فقال ويحك قطعت عنق صاحبك يعني كأنك ذبحته بسبب مدحك إياه لأن ذلك يوجب أن هذا الممدوح يترفع ويتعالى وقد أمر النبي ﷺ أن يحثى التراب في وجوه المداحين يعني إن كان هذا الإنسان معروفا ما جلس مجلسا أمام أحد له جاه وشرف إلا امتدحه هذا مداح والمداح غير المادح؛ المادح هو الذي يسمع منه مرة بعد أخرى لكن المداح كلما جلس عند إنسان كبيرا أو أميرا أو قاضيا أو عالم أو ما أشبه ذلك قام يمدحه هذا حقه أن يحثي في وجهه التراب لأن رجلا امتدح عثمان ﵁ فقام المقداد وأخذ الحصباء ونفضها في وجه المداح فسأله عثمان لما فعل ذلك قال إن النبي ﷺ قال إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب وعلى كل حال فالذي ينبغي للإنسان ألا يتكلم إلا بخير لأن النبي ﷺ قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت والله الموفق","vol":"6","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها الوباء فرارا منه وكراهة </span>القدوم عليه\nقال تعالى ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾\nوقال تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾\n١٧٩١ - وعن ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام قال ابن عباس فقال لي عمر ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال بعضهم خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال ارتفعوا عني ثم قال ادع لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال ارتفعوا عني ثم قال ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان فقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر ﵁ في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه فقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁ أفرارا من قدر الله فقال عمر ﵁ لو غيرك قالها يا أبا عبيدة وكان عمر يكره خلافه نعم نفر من قدر الله إلى قدر","vol":"6","page":566},{"text":"الله أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله قال فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان متغيبا في بعض حاجته فقال إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه فحمد الله تعالى عمر ﵁ وانصرف متفق عليه والعدوة جانب الوادي\n١٧٩٢ - وعن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الباب باب عظيم عقده المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين وهو كراهة أن يقدم الإنسان على أرض نزل فيها البلاء وأن يخرج منها بعد نزول البلاء فرارا منه يعني إذا سمعت بوباء نازل في أرض فلا تقدم عليها وإذا وقع وأنت فيها فلا تخرج منها فرارا منه","vol":"6","page":567},{"text":"ثم استدل المؤلف ﵀ بقول الله أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة إشارة إلى قوله لا تخرجوا منها والله يقول ﴿أينما تكونوا﴾ وفي أي مكان وفي أي زمان ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ يعني محصنة مطوية مليفة بالشيد يعني بالجص محكمة متقنة فإن الموت سوف يأتيكم ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ وفي آية أخرى أعظم من هذا وأبلغ ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ تفر منه وهو لا يلحقك بل يلاقيك ويقابلك فلا فرار من الموت فكيف تخرج من أرض نزل فيها الوباء فرارا من الموت إنك لو فعلت فليس لك فرار من قدر الله ﷿ واقرأ قول الله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ هؤلاء ألوف كثيرة مؤلفة نزل الوباء بأرض فخرجوا خوفا من الموت فأراهم الله ﷿ الآية وأنه بكل شيء محيط وأنه مدرك ما أراد لا محالة فقال الله لهم ﴿موتوا﴾ قال ذلك قولا كونيا قدريا فماتوا لأن الله إذا أراد شيئا قال له كن فيكون ماتوا وهم ألوف ثم أحياهم الله والله على كل شيء قدير لكن أراهم الله ﷿ أنه لا فرار من قدر الله ﷿ لا فرار ثم استدل المؤلف على كون الإنسان لا يقدم على أرض فيها الوباء بقول الله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ أي لا تفعلوا الشيء الذي يكون فيه هلاككم ثم استدل أيضا بالأحاديث الواردة عن النبي ﷺ وذكر قصة عمر بن الخطاب ﵁ حين خرج من المدينة","vol":"6","page":568},{"text":"إلى الشام فذكر له الطاعون وفيه أن النبي ﷺ قال إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها فنهى النبي ﷺ عن القدوم إلى أرض فيها الطاعون والطاعون وباء فتاك والعياذ بالله قال بعض أهل العلم إنه نوع خاص من الوباء وأنه عبارة عن جروح وتقرحات في البدن تصيب الإنسان وتجري جريان السيل حتى تقضي عليه وقيل إن الطاعون وخز في البطن يصيب الإنسان فيموت وقيل إن الطاعون اسم لكل وباء عام ينتشر بسرعة كالكوليرا وغيرها وهذا أقرب فإن هذا إن لم يكن داخلا في اللفظ فهو داخل في المعنى كل وباء عام ينتشر بسرعة فإنه لا يجوز للإنسان أن يقدم على البلد الذي حل فيها هذا الوباء وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا منها لأنكم تخرجون منها فرارا من قدر الله لو فررتم فإنكم مدركون لا محالة ولهذا قال لا تخرجون منها فرارا منه أما خروج الإنسان منها لا فرارا منه ولكن لأنه أتى إلى هذا البلد لحاجة ثم انقضت حاجته وأراد أن يرجع إلى بلده فلا بأس وفي الكلام على هذا الحديث الذي رواه ابن عباس ﵁ أنه كان مع عمر حين خرج إلى الشام وذلك والله أعلم لفتح بيت المقدس فلما كان في أثناء الطريق أتاه أمراء الأجناد يخبرونه أنه وقع في الشام طاعون والطاعون والعياذ بالله وباء فتاك سريع الانتشار فتوقف عمر وأمر عبد الله بن عباس ﵄ أن يدعو له المهاجرين فدعاهم وشاورهم فاختلفوا فمنهم من قال لا ترجع عما أتيت إليه ومنهم من قال ارجع ثم قال ارتفعوا عني ثم أمر عبد الله بن عباس أن يجمع الأنصار فجمعهم","vol":"6","page":569},{"text":"واختلفوا كاختلاف المهاجرين ثم قال ارتفعوا عني ثم أمره أن يدعو مشيخة مهاجرة الفتح يعني كبار المهاجرين فدعاهم فلم يختلف عليه اثنان وقالوا ارجع فنادى في الناس إني مصبح على ظهر يعني راجع فقال أبو عبيدة بن الجراح الذي سماه النبي ﷺ أمين هذه الأمة قال يا أمير المؤمنين أفرارا من قدر الله يعني ترجع بالناس تفر من قدر الله قال لو غيرك قالها يا أبا عبيدة وكان يكره مخالفته يعني لو أن غيرك قد قالها لكان أهون أما أنت فكيف تقول هذا ثم ضرب له مثلا مقنعا قال أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان يعني شعبتين إحداهما مخصبة والثانية مجدبة فإن رعيتها في المخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيتها في المجدبة رعيتها بقدر الله ومعلوم أنك سوف تختار المخصبة على المجدبة وبين ما هم كذلك إذ جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان قد تغيب في حاجة له فقال إن عندي من ذلك علما يعني عن النبي ﷺ ثم تلا عليهم الحديث إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه فوافق هذا حكم النبي ﷺ فحمد الله عمر على موافقته الصواب ففي هذا الحديث فوائد منها أن الخليفة يتولى الغزو بنفسه إذا دعت الحاجة إلى ذلك ومنها حسن سياسة أمير المؤمنين عمر ﵁ فإنه على ما عنده من الدين والعلم والعقل وإصابة الصواب لم يفت في هذا الأمر إلا بعد المشاورة والمراجعة","vol":"6","page":570},{"text":"ومنها أنه ينبغي أن يبدأ بالأفضل فالأفضل في المشاورة الأفضل في علمه وفي رأيه وفي لطفه يبدأ بالأفضل فالأفضل فإذا أشير عليه انتهى الموضوع ما حاجة لأن يأتي بالآخرين وإلا أتى بالآخرين الذين هم دونهم ومنها أن المشاورة من سمات المؤمنين كما قال الله ﵎ ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ فينبغي لمن ولاه الله أمرا وتردد في شيء من الأشياء ولم يتبين له الصواب أن يشاور غيره من ذوي العقل والدين والتجربة وكذلك إذا كان الأمر عاما يعم الناس كلهم فإنه ينبغي أن يشاور حتى يصدر عن رأي الجميع ومنها أنه يجوز للواحد من الرعية أن يراجع الإمام لكن بحضرته لأن أبا عبيدة راجع عمر بن الخطاب ﵁ لكن بحضرته وبشرط أن يكون المراجع ممن له علم ودين وعقل ليس ممن عنده غيرة عاصفة وعاطفة هوجاء فإن هذا لا يتكلم إنما يتكلم العقلاء هم الذين يتكلمون مع ولاة الأمور ولكن لا يتكلمون من وراء ولي الأمر بل يتكلمون من بين يديه حتى يحصل النقاش والإقناع ومنها ضرب الأمثال فإن ضرب الأمثال يقرب المعاني للإنسان وذلك أن عمر ﵁ ضرب مثلا لأبي عبيدة إنسان هبط واديا ومعه إبل وله شعبتان إحداهما مخصبة فيها الأشجار وفيها الحشيش وفيها كل شيء ينفع الإبل والثانية مجدبة بيضاء فمن المعلوم أن الإنسان لن يختار المجدبة سوف يختار المخصبة فاختياره للمخصبة بقدر الله ﷿ وعدوله عن المجدبة بقدر الله ﷿ ومنها الرد على القدرية المعتزلة الذين يقولون إن الإنسان مستقل","vol":"6","page":571},{"text":"بعمله لا علاقة لله به والعياذ بالله ولهذا سموا مجوس هذه الأمة لأنهم يشبهون المجوس ولكن الإنسان يفعل الفعل بقدر الله ﷿ ومنها أنه قد يخفى العلم الشرعي على كبراء الناس ويعلمه من دونهم فإنه لا شك أن عمر بن الخطاب ﵁ أعلم بكثير من عبد الرحمن بن عوف وكذلك كثير ممن معه عندهم من العلم ما ليس عند عبد الرحمن بن عوف لكن قد يكون عند الصغير من العلم ما ليس عند الكبير كما حصل هذا ومنها حكمة النبي ﷺ في أن الإنسان لا يقدم على ما فيه الهلكة والضرر لأن الله تعالى قال ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ وقال ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ فلا يجوز للإنسان أن يخاطر في أمر يخشى منه الهلاك وإن كان كل شيء بقدر لكن الأسباب لها أثرها ومنها أنه إذا وقع الوباء في الأرض فإنه لا يجوز للإنسان أن يخرج منها فرارا منه وأما إذا خرج لحاجة فلا بأس ومنها أنه لا بأس أن يستعمل الإنسان من الأدوية والحبوب والإبر ما يمنع الوباء لأن ذلك من الوقاية قبل نزول البلاء ولا بأس بها كما أن الإنسان إذا نزل به وباء وعالجه فلا حرج عليه فكذلك إذا أخذ وقاية منه فلا حرج عليه ولا يعد ذلك من نقص التوكل بل هذا من التوكل لأن فعل الأسباب الواقية من الهلاك والعذاب أمر مطلوب والذي يتوكل أو يدعي أنه متوكل ولا يأخذ بالأسباب ليس بمتوكل في الحقيقة بل إنه طاعن في حكمة الله ﷿ لأن حكمة الله تأبى أن يكون الشيء إلا بالسبب الذي قدره الله تعالى له والله الموفق","vol":"6","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>باب التغليظ في تحريم السحر</span>\nقال الله تعالى ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾\n١٧٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) باب تغليظ تحريم السحر، السحر هو عبارة عن عقد وقراءات ونفثات يتوصل بها الساحر إلى الإضرار بالمسحور فمنه ما يقتل ومنه ما يمرض ومنه ما يذهب العقل ومنه ما يوجب العقد يعني تعلق الإنسان بغيره تعلقا شديدا ومنه ما يوجب الصرف يعني انصرافه عن غيره انصرافا كاملا فهو أنواع والعياذ بالله لكن كله محرم وقد تبرأ النبي ﷺ ممن سحر وسحر له ومنه ما يوصل إلى الكفر فإذا كان الساحر يتوصل إلى سحره بالأرواح الشيطانية يتقرب إليها ويتعبد لها حتى تطيعه فهذا كفر لا شك فيه وأما إذا لم يكن كذلك فإنه أذية ومحرم ومن كبائر الذنوب ويجب على ولي الأمر أن يقتل الساحر قتلا بدون توبة بمعنى أن يقتله قتلا وإن تاب لأنه إن تاب فأمره إلى الله ﷿ وإن لم فأمره إلى الله لكننا نقتله درءا لمضرته ومفسدته وأما إذا لم يتب فهو من أهل النار إذا كان سحره مكفرا لأن السحر والعياذ بالله من أعظم الفساد في الأرض ومن أعظم الشرور لأنه يأتي الإنسان من غير أن يحترز منه ولكن هناك شيء يحميك منه بإذن الله ﷿","vol":"6","page":573},{"text":"وهي قراءة الأوراد الشرعية مثل آية الكرسي قل هو الله أحد قل أعوذ برب الفلق قل أعوذ برب الناس وما أشبه ذلك مما جاء في الآيات والأحاديث عن النبي ﷺ فإن هذا أكبر واق يقي الإنسان من السحر ثم ذكر المؤلف ﵀ قول الله تعالى وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا أول الآية قوله ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ أي ما تتبعه على ملك سليمان وهو أن الشياطين علمت الناس السحر ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ سليمان ﵊ ما كفر ولم يخلف سحرا وإنما خلف علم النبوة فإنه كان أحد الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ وفي هذا دليل على أن السحر تعلمه من الشياطين كفر ولهذا قلنا قبل قليل إذا استعان الإنسان على سحره بالشياطين كان كافرا ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ وهذان ملكان بعثهما الله ﷿ إلى أرض بابل لكثرة السحرة فيها يعلمون الناس السحر ولكنهما ينصحان الناس ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ أرسلهما الله ﷿ يعلمان الناس السحر وهنا قد يسأل الإنسان كيف يرسل الله تعالى ملكين والملائكة كرام مكرمون عند الله ﷿ كيف يرسلهم يعلمون الناس السحر","vol":"6","page":574},{"text":"فيقال هذا فتنة من الله ﷿ ولهذا إذا علما الناس قالا ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ ينصحون الناس لكن الله ﷿ ابتلى الناس بهذا فجعلوا يتعلمون من الملكين يتعلمون منهما ما يسمى بالعقد والصرف وهو من أشد أنواع السحر ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ يأتي الساحر إلى رجل قد حسنت الحال بينه وبين أهله وقد طابت لهما الحياة فيفرق بين الرجل وزوجته والعياذ بالله تأخذ تصيح إذا قرب إليها وتبكي وتنفر منه وإذا أبعد عنها بكت على فراقه والعياذ بالله فيضرها من الناحيتين من ناحية الاجتماع ومن ناحية الافتراق وكذلك الزوج تجده في شوق عظيم لأهله فإذا أتى إلى أهله ضاق بهم ذرعا وضاق صدره وتمنى أن يموت والعياذ بالله هذا من السحر العظيم قال الله تعالى ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ سبحان الله العظيم من بيده ملكوت السماوات والأرض الله ﷿ هؤلاء السحرة والشياطين مهما اجتمعوا على أمر يريدون أن يضروك به والله تعالى لا يضرك فإنهم لن يضروك ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ تأمل هذا التركيب فإن الجملة هنا اسمية ﴿وما هم بضارين به من أحد﴾ والاسمية تفيد الثبوت والاستغراق ثم إن النفي مؤكد بالباء ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ يعني لا يمكن أبدا أن يضروا أحدا بسحرهم إلا بإذن الله إذا أذن الله بذلك قدرا فالله على كل شيء قدير وإذا شاء ﷿ منع منع كل شر لأنه هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وهو خالق الأسباب ومانع الأسباب وهو على كل شيء قدير ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون﴾ أي هؤلاء الناس الذي أرسل إليهم الملكان ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ يعني ما فيه الضرر المحض الذي لا نفع فيه إطلاقا ولهذا قال ﴿ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ هو ضرر محض في الدين والدنيا والعاقبة الوخيمة وكذلك الظلم الذي يحصل على المسحور","vol":"6","page":575},{"text":"فإنه سوف يقضي له بحقه يوم القيامة لن يهمله الله ﷿ ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ أكد الله هذه الجملة بالقسم واللام وقد أي لقد علم هؤلاء الذين يتعلمون السحر أن الذي يتعلمه ما له في الآخرة من خلاق علموا من أين من قول الملكين ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ قد علموا وبان لهم الأمر ولكنهم والعياذ بالله اختاروا ذلك ولهذا قال ﴿لمن اشتراه﴾ والشراء إنما يكون عن رغبة وطمع في المبيع ولهذا سمى الله تعالى تعلمه اشتراء ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ أي ما له نصيب في الآخرة وليس أحد من الناس ليس له نصيب في الآخرة على وجه الإطلاق إلا الكافر المؤمن له نصيب في الآخرة إما أن يدخل الجنة بلا حساب وإما أن يعذب على قدر ذنبه ثم يكون مآله الجنة لكن الكافر ليس له في الآخرة من خلاق أي من نصيب ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾ شروا هنا بمعنى باعوا يعني أن الله ذم هذا الذي اختاروه وباعوا أنفسهم من أجله ﴿لو كانوا يعلمون﴾ يعني لو كانوا ذوي العلم لعلموا أن هذا شر محض والخلاصة أن السحر من كبائر الذنوب وقد يؤدي إلى الكفر وأن عقوبة الساحر أن يقتل سواء كفر بسحره أم لم يكفر لقول النبي ﷺ حد الساحر ضربه بالسيف وفي لفظ ضربة بالسيف نسأل الله تعالى أن يقي المسلمين شرهم وأن يرد كيدهم في نحورهم وأن يعيننا وإياكم على تعلم الأوراد","vol":"6","page":576},{"text":"الشرعية التي يحتمي بها المرء من أعدائه من الشياطين والأنس والله الموفق\n١٧٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n تقدم الكلام على أول هذا الحديث وعلى قوله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وذكرنا أن النفوس المحرمة أربعة أنواع المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن وأنه لا يجوز قتل واحد منهم إلا بالحق وتكلمنا أيضا عن العهد بين المسلمين وبين الكفار وبينا أنه جائز إذا دعت الحاجة إليه أو المصلحة وأن العلماء اختلفوا ﵏ هل يجوز العهد أكثر من عشر سنوات أو لا وهل يجوز العهد المطلق أو لا وذكرنا أنه أي العهد ثلاثة أقسام:","vol":"6","page":577},{"text":"عهد مؤبد وهذا لا يجوز وعهد مطلق وهذا جائز على القول الراجح وعهد مؤقت وهذا جائز ثم اختلف القائلون به هل يجوز أن يزيد على عشر سنوات أو لا والصحيح أنه جائز لأنه للحاجة ثم قال وأكل الربا أكل الربا أيضا من الموبقات قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقد ورد من الوعيد على أكل الربا ما لم يرد مثله على أي ذنب سوى الشرك فهو عظيم والعياذ بالله حتى إن الله قال في كتابه يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون فبين الله ﷿ أنه إذا لم يترك الإنسان الربا فإنه معلن للحرب على الله ورسوله ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ وأنه إذا تاب فإنه يحرم عليه أن يأخذ أكثر من ماله ﴿فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ وقد استحسن بعض الناس بعقولهم استحسانا مخالفا لشرع الله ﷿ فقالوا إن الإنسان إذا أودع بل إذا جعل أمواله عند أهل الربا فإنه يجوز أن يأخذ الربا ثم يتصدق به تخلصا منه وهذا القول مخالف للقرآن الكريم لأن الله ﷿ يقول ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ يقولون في وجه استحسانهم إننا لو تركناه للبنوك لكانوا يستعينون به على بناء الكنائس وإعانة الكفار على قتال المسلمين وما أشبه ذلك من الأقوال التي يصادمون بها النص ونقول لهم أولا إن هذا الربح ليس داخلا في ملكه حتى نقول إنه تبرع للبنك به فهو من الأصل لم يدخل في ملكه ماله الذي أودعه عند البنك ربما يشتري به الحاجات أو يدخل في مشروعات ويخسر فهذه الزيادة ليست نماء ملكه بل هي زيادة محضة يسلمها البنك لمن أعطى هذا المال وثانيا من يقول إنهم يستعينون بها يجعلونها في الكنائس والأسلحة ضد المسلمين من قال هذا وثالثا أننا لو قلنا بذلك فهل إذا أخذنا منهم سوف يمسكون عن قتال المسلمين وعن إضلالهم عن دينهم رابعا إذا قلنا بذلك ثم قلنا خذها وتصدق بها فمعنى ذلك أننا قلنا له تلطخ بالنجاسة ثم حاول أن تغسل يدك منها إذا ما الفائدة أن تأخذها ثم تتصدق بها لا فائدة اتركها من الأصل تسلم منها ثم إننا إذا قلنا بذلك فأخذها الإنسان فهل يضمن لنفسه أن يقوي نفسه على التصدق بها ولا سيما إذا كانت كثيرة قد يأخذها بهذه النية ثم تغلبه نفسه فلا يتصدق بها ويأكلها سواء حصل ذلك في أول مرة أو في ثاني مرة أو في ثالث مرة وأيضا إذا قلنا خذها وتصدق بها فأخذها أمام الناس فمن الذي يعلم الناس أنه تصدق بها الناس لا يدرون وربما اتخذوا من فعله هذا قدوة وفعلوا مثل فعله وأكلوا الربا وأيضا فإننا إذا قلنا بذلك استمرينا الدخول في الربا وسهل علينا وصرنا نأخذه لكن إذا قلنا بالمنع سلمنا من الربا من وجه واضطررنا إلى أن نجد سبيلا إلى معاملات شرعية لا تخالف الدين بإنشاء البنوك الإسلامية التي ليست فيها ربا والمهم أن أول شيء نرد به على هذا القول المستحسن وليس بحسن هو أنه مصادم للنص ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ ولا استحسان للعقول مع وجود النص وكل شيء تستحسنه بعقلك وهو مخالف للنص فهو ليس بحسن بل هو سيئ وعاقبته سيئة ولا تنظر إلى الشيء المستعجل انظر إلى العاقبة والعاقبة في كل ما خالف الشرع لا شك أنها عاقبة سيئة لأن الله يقول ﴿إن العاقبة للمتقين﴾ وهذا يدل على أنه من ليس بمتقي فليس له عاقبة محمودة ولا حسنة ولا يغرنك التحسين المبني على الوهم عليك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولا تتجاوزهما إن شئت البركة والخير وأن ينمو جسدك على طاعة الله ﷿ المهم أن أكل الربا من الموبقات والربا يكون في أصناف ستة بينها النبي ﷺ في قوله الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير","vol":"6","page":578},{"text":"بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد وغالب الربا الآن بين الناس النوعان الأولان الذهب والفضة لأن الأطعمة التبادل فيها قليل والربا فيها أيضا قليل لكن الأكثر في الأموال والعلماء ﵏ لما ظهرت هذه الأوراق النقدية التي هي بدل عن الذهب والفضة اختلفوا فيها اختلافا عظيما حتى بلغ الخلاف إلى أكثر من ستة أقوال كل يقول برأي وأقرب الأقوال فيها أنه يجوز فيها ربا الفضل ولا يجوز ربا النسيئة بمعنى أنه يجوز فيها ربا الفضل دون ربا النسيئة إذا اختلفت الأجناس وعلى ذلك فيجوز أن أعطيك عشرة ريالات بالورق وأخذ منك تسعة ريالات بالحديد وما أشبه ذلك لأن الصفة مختلفة وقد جاء في الحديث إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم والقيمة وإن كانت متفقة حسب النظام وتقرير الحكومة لكن الكلام على الحقيقة الذاتية نجد أن الحديد يختلف عن القرطاس حتى في القيمة يختلف يعني لو فرضنا أن قطعة من حديد وورقة من الشارع أردت أن تساوي بينهما لم يكن بينهما سواء بل بينهما فرق فالجنس مختلف والقيمة مختلفة ولولا أن الحكومة جعلت هذه بمنزلة هذه في القيمة فما صارت مساوية لها في القيمة وعلى هذا تكون داخلة تحت قول الرسول","vol":"6","page":579},{"text":"ﷺ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ثم إن الربا أصناف كثيرة بعضها أقبح من بعض أعظمه وأشده هو أن يأكل الربا أضعافا مضاعفة بحيث إذا حل الدين على الفقير وليس عنده مال يقول له أنذرك لمدة سنة وأزيدك أزيد الدين عليك مثل أن يحل دينه وهو عشر آلاف وليس عنده شيء فيقول أنذرك إلى سنة ونجعله أحد عشر ألفا هذا حرام ولا يجوز سواء جعل ذلك صريحا أو بحيلة بأن قال اشتر مني السلعة بأحد عشر ألفا وبعها علي بعشرة آلاف حتى يكون في ذمته إحد عشر ألفا يتحيل على محارم الله والعياذ بالله والحيلة على محارم الله أقبح من إتيان المحرم صريحا ولهذا تجد الذين يتحيلون على الربا ينطبق عليهم قول الله تعالى ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ فإذا هذه الآية فيها للعلماء قولان الأول أنهم يقومون لأكل الربا وأخذه كالمجانين يعني في تصرفهم في الدنيا يتصرف تصرف المجنون الطائش يريد هذا المكسب الحرام نجد هؤلاء الذي يتحيلون على الربا يتصرفون تصرف المجانين بكل لهف وبكل شغف وبكل وسيلة وفي كل يوم لهم حيلة والقول الثاني في الآية أنهم يقومون من قبورهم يوم القيامة كالذي يقوم مصروعا من الجن نسأل الله العافية أمام العالم وشاهد ومشهود","vol":"6","page":580},{"text":"فعلى كل حال الربا محرم سواء كان صريحا أو كان عن طريق المكر والخداع وما كان عن طريق المكر والخداع فهو أشد إثما وأقرب إلى قسوة القلب والعياذ بالله ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ ولهذا تجدهم يفعلون هذه الحيل ويرون أنها حلال وأنه لا بأس بها ولا يكادون يقلعون عنها لكن من فعل المحرم على وجهه الصريح خجل من الله وعرف أنه في معصية وربما ييسر الله له الأمر ويمن عليه بالتوبة وأكل مال اليتيم أيضا من الموبقات واليتيم هو الذي مات أبوه قبل بلوغه واليتيم مسكين بمعنى أنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه فيأتي من يسلط على ماله ويأكله هذا أيضا من الموبقات والتولي يوم الزحف يعني القتال مع الكفار إذا تقابل المسلمون والكفار فإن المتولي يكون قد فعل موبقا من موبقات الذنوب والعياذ بالله إلا فيما ذكر الله ﷿ ﴿إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾ وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات يعني أن يرمي الإنسان المرأة الغافلة المؤمنة بالزنا فيقول إنها زنت هذا أيضا من موبقات الذنوب ومثلها أيضا الرجل المحصن قذفه من كبائر الذنوب والله الموفق","vol":"6","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>باب النهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خيف وقوعه </span>بأيدي العدو\n١٧٩٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان البابان ذكرهما المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين الأول في تحريم السفر بالمصحف إلى بلاد العدو يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يسافر بالمصحف إلى بلاد الكفار وذلك لأنه يخشى أن يقع في أيديهم فيستهينوا به ويذلوه والقرآن أشرف وأعظم من أن يكون في يدي العدو ولهذا ذكر عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو وهذا كما قال المؤلف ﵀ إذا خيف عليه أما إذا لم يخف عليه كما في وقتنا الحاضر فلا بأس فيجوز للإنسان إذا سافر في تجارة أو دراسة في بلد الكفار أن يذهب معه المصحف ولا حرج عليه ولكن يجب أن يعلم أن السفر إلى بلاد الكفار للإقامة في دراسة أو شبهها أي مدة طويلة لا يجوز بشروط ثلاثة الشرط الأول أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات وذلك","vol":"6","page":582},{"text":"لأن الكفار أعداء يريدون أن يصدوا الناس عن دين الله فإذا قدم إليهم الشاب الساذج الذي ليس عنده علم أوردوا عليه من الشبهات والشكوك ما يخرجه عن دينه من حيث لا يشعر فمن ليس عنده علم يدفع به الشبهات فإنه لا يحل له أن يذهب إلى بلاد الكفار مهما كان الأمر اللهم إلا للضرورة القصوى كالعلاج يكون معه من يصاحبه ويقيه من شر الناس الشرط الثاني أن يكون عنده دين يحميه من الشبهات وذلك لأن بلاد الكفر بلاد كفر ليس فيها مانع لا من وازع ديني ولا من وازع سلطاني الناس أحرار كما يقولون وهم أحرار في الهوى لكنهم عبيد للهوى في الواقع فإذا لم يكن عنده دين يحميه عن الشهوات فإنه يهلك لأنه سيجد النساء الكاسيات العاريات ويجد الخمور ويجد الشرور فإذا لم يكن عنده دين سقط في الهاوية والشرط الثالث أن يكون هناك ضرورة بأن يسافر لعلم لا يوجد في بلده ويحتاج الناس إليه فهذا لا بأس به فإذا تمت الشروط الثلاثة جاز للإنسان أن يسافر إلى أرض العدو وإلا فإنه لا يحل له هذا كان سيقيم مدة أما رجل سيذهب لتجارة ويشتري ويرجع فهذا أهون","vol":"6","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>باب تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة </span>وسائر وجوه الاستعمال\n١٧٩٥ - عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليه وفي رواية لمسلم: إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب\n١٧٩٦ - وعن حذيفة ﵁ قال إن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هن لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة متفق عليه وفي رواية في الصحيحين عن حذيفة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها.","vol":"6","page":584},{"text":"١٧٩٧ - وعن أنس بن سيرين قال: كنت مع أنس بن مالك ﵁ عند نفر من المجوس فجيء بفالودج على إناء من فضة فلم يأكله فقيل له حوله فحوله على إناء من خلنج وجيء به فأكله رواه البيهقي بإسناد حسن.\nأما الباب الثاني فهو الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة الذهب والفضة كلاهما معدن مما خلقه الله ﷿ في الأرض وخلقه لنا كما قال تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا فلنا أن ننتفع بالذهب والفضة على ما أردنا إلا ما جاء الشرع بتحريمه والنبي ﷺ نهى عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وأخبر أنها للكفار في الدنيا ولنا في الآخرة وأخبر أن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نا جهنم والعياذ بالله والجرجرة هي صوت الماء إذا جرى في الحلق فهذا الرجل والعياذ بالله يسقى من نار جهنم نسأل الله العافية حتى يجرجر الصوت في بطنه كما جرجر في الدنيا وهذا يدل على أن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب وأنه لا يحل للمؤمن أن يفعل ذلك أما استعمال الذهب والفضة في غير ذلك فهذا موضع خلاف بين العلماء جمهور العلماء يقول لا يجوز أن يستعمل أواني الذهب والفضة في غير","vol":"6","page":585},{"text":"الأكل والشرب كما أنه لا يجوز في الأكل والشرب فلا يجوز أن تجعلهما مستودعا للدواء أو مستودعا للدراهم أو للدنانير أو ما أشبه ذلك لأن النبي ﷺ نهى عن الأكل والشرب فيهما وما سوى ذلك فهو مثله ومن العلماء من أباح ذلك وقال إننا نقتصر على ما جاءنا به النص والباقي ليس حراما لأن الأصل الحل ولهذا كانت أم سلمة ﵂ وهي ممن روى حديث النهي عن الأكل والشرب في آنية الفضة كانت عندها جلجل من فضة وعاء البيبسي وشبهه جلجل من فضة جعلت فيه شعرات من شعرات النبي ﷺ يستشفي الناس بها إذا مرض الإنسان أتوا إليها وجعلت في هذا الجلجل ماء وراجته في الشعر وشربه المريض فيشفى بإذن الله فهي ﵂ تستعمل الفضة في غير الأكل والشرب وهذا أقرب إلى الصواب أن استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب جائز لكن الورع تركه احتياطا لموافقة جمهور العلماء والله الموفق","vol":"6","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>باب تحريم لبس الرجل ثوبا مزعفرا</span>\n١٧٩٨ - عن أنس ﵁ قال: نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل متفق عليه.\n١٧٩٩ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: رأى النبي ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: أمك أمرتك بهذا؟ قلت اغسلهما قال بل احرقهما وفي رواية فقال إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسها رواه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) بابين الباب الأول نهي الرجل أن يلبس الثوب المزعفر يعني الذي صبغ بالعصفر وهو نوع من النبات يشبه الزعفران وذكر فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ رأى عليه ثوبين معصفرين أو ثوبا معصفرا فقال أمك أمرتك بهذا يعني ينكر عليه فدل ذلك على أنه يكره أو يحرم على الرجل أن يلبس مثل هذه الثياب الصفراء التي تميل إلى الحمرة قليلا وكذلك الثوب الأحمر نهى النبي ﷺ عن لبسه وأخبر أن هذا من لباس الكفار وإذا كان لباس الكفار فإنا قد نهينا أن نتشبه بهم لقول النبي ﷺ من تشبه بقوم فهو منهم","vol":"6","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>باب النهي عن صمت يوم إلى الليل</span>\n١٨٠٠ - عن علي ﵁ قال: حفظت عن رسول الله ﷺ: لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل رواه أبو داود بإسناد حسن قال الخطابي في تفسير هذا الحديث كان من نسك الجاهلية الصمات فنهوا في الإسلام عن ذلك وأمروا بالذكر والحديث بالخير.\n١٨٠١ - وعن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال ما لها لا تتكلم فقالوا حجت مصمتة فقال لها تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت رواه البخاري.\nوأما الباب الثاني فهو الصمت إلى الليل وكانوا في الجاهلية","vol":"6","page":588},{"text":"يدينون لله ﷿ بالصمت إلى الليل يعني أن الإنسان يقوم من نومه في الليل ويسكت ولا يتكلم حتى تغيب الشمس فنهى المسلمون عن ذلك لأن هذا يؤدي إلى ترك التسبيح والتهليل والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقراءة القرآن وغير ذلك وأيضا هو من فعل الجاهلية فلذلك نهي عنه فلا يجوز للإنسان أن يصمت إلى الليل يعني يصمت ولا يتكلم إلى الليل وإذا قدر أن أحدا نذر هذا فإنه لا يفي بنذره فليحل النذر ويكفر كفارة يمين وإذا تكلم الإنسان فلا يتكلم إلا بخير لقول النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت والله الموفق","vol":"6","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه وتوليه إلى غير مواليه</span>\n١٨٠٢ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام متفق عليه.\n١٨٠٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر متفق عليه.\n١٨٠٤ - وعن يزيد شريك بن طارق قال: رأيت عليا ﵁ على المنبر يخطب فسمعته يقول لا والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات وفيها قال رسول الله ﷺ المدينة حرام ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل","vol":"6","page":590},{"text":"الله منه يوم القيامة صرف ولا عدلا ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا متفق عليه ذمة المسلمين أي عهدهم وأمانتهم وأخفره نقض عهده والصرف التوبة وقيل الحلة والعدل الفداء.\n١٨٠٥ - وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه أو توليه غير مواليه ذكر ﵀ شيئين كلاهما لحمة يلتحم الناس بعضهم ببعض به ويدنو بعضهم من بعض الأول: النسب","vol":"6","page":591},{"text":"والثاني الولاء وقد قال النبي ﷺ الولاء لحمة كلحمة النسب أما النسب فإن الإنسان يجب عليه أن ينتسب إلى أهله أبيه جده جد أبيه..\nوما أشبه ذلك ولا يحل له أن ينتسب إلى غير أبيه وهو يعلم أنه ليس بأبيه فمثلا إذا كان أبوه من القبيلة الفلانية ورأى أن هذه القبيلة فيها نقص عن القبيلة الأخرى فانتمى إلى قبيلة ثانية أعلى حسبا لأجل أن يزيل عن نفسه عيب قبيلته فإن هذا والعياذ بالله ملعون عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا وأما إذا انتمى الإنسان إلى جده وأبي جده وهو مشهور ومعروف دون أن ينتفي من أبيه فلا بأس بهذا فقد قال النبي ﷺ أنا ابن عبد المطلب أنا النبي ولا كذب مع أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فعبد المطلب جده ولكنه ﷺ قال ذلك في غزوة حنين لأن عبد المطلب أشهر من أبيه عبد الله وهو عند قريش في المكانة العليا فلهذا قال أنا ابن عبد المطلب لكنه من المعلوم أنه محمد بن عبد الله ولم ينتف من أبيه وكذلك أيضا الناس ينتسبون إلى اسم القبيلة فيقول مثلا أحمد بن تيمية وما أشبه ذلك مما ينتسب إلى القبيلة لكن المهم الذي عليه الوعيد هو الذي ينتمي إلى غير أبيه لأنه غير راض بحسبه ونسبه فيريد أن يرفع نفسه ويدفع خسيسته بالانتماء","vol":"6","page":592},{"text":"إلى غير أبيه فهذا هو الذي عليه اللعنة والعياذ بالله يوجد والعياذ بالله من يفعل ذلك للدنيا ينتسبون إلى أعمامهم دون آبائهم للدنيا مثل ما يوجد الآن أناس لديهم جنسيتان ينتسب إلى عمه أو إلى خاله أو ما أشبه ذلك لينال بذلك شيئا من الدنيا هذا أيضا حرام عليه ولا يحل عليه ذلك والواجب على من كان كذلك أن يعدل تبعيته وجنسيته وكذلك بطاقته ولا يبقيها على ما هي عليه ومن اتقى الله جعل له من أمره يسرا ورزقه من حيث لا يحتسب والله الموفق أما حديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه أعلن على المنبر وهو يخطب الناس أنه ليس عندهم شيء خصهم به الرسول ﷺ إلا كتاب الله وهذا عام لكل أحد والمراد بكتاب الله ما يقرأه المسلمون اليوم من أولهم إلى آخرهم صغارا وكبارا لم يزد فيه أحد ولم ينقص منه أحد وفي هذا رد على الرافضة الشيعة الذين يدعون أن القرآن الكريم قد حذف منه ثلثه وحذفت منه سورة الولاية وما أشبه ذلك فخرجوا عن إجماع المسلمين ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا وفي قسم أمير المؤمنين ﵁ وهو الخليفة الرابع وهو البار الصادق بدون قسم أن النبي ﷺ لم يخصهم بشيء دليل على كذب الرافضة الشيعة الذين يقولون إن النبي ﷺ عهد بالخلافة إلى علي بن أبي طالب وأن أبا بكر وعمر ظالمون معتدون كافرون منافقون هكذا","vol":"6","page":593},{"text":"والعياذ بالله يصفون خير هذه الأمة بهذه الأوصاف نسأل الله العافية ونسأل الله أن يجازيهم بما يستحقون به من عدله إنه على كل شيء قدير فعلي بن أبي طالب إن كانوا صادقين في محبته وولايته وأنهم يتولونه وأنهم شيعته فليصدقوه بهذا اليمين الذي أقسم به على المنبر وهو يخطب الناس معلنا أن النبي ﷺ ما خصهم بشيء أبدا إلا كتاب الله الذي يقرؤه المسلمون صغارا وكبارا إلى يومنا هذا والحمد لله ثم نشرها وقرأ فيها شيئا من أسنان الإبل في الزكاة والثياب والجراحات ولم تبين في هذا الحديث ولكنها بينت في مواضع أخرى وذكر فيها أن المدينة حرام ما بين عير إلى ثور فالمدينة لها حرم كحرم مكة لكنه دون حرم مكة في الأوكدية والفضيلة لأن حرم مكة لا يمكن لمؤمن يتم إيمانه إلا أن يقصده حاجا ومعتمرا بخلاف حرم المدينة ثم إن المحرمات في المدينة أخف من المحرمات في مكة ولهذا يجب في حرم مكة في قتل الصيد الجزاء ولا يجب هذا في حرم المدينة وليس هذا موضوع ذكر الفروق بين الحرمين فهي حوالي ستة أو سبعة فروق معروفة وما بين عير إلى ثور معروف أيضا فإن هذا الحرم مساحته بريد في بريد يعني أربعة فراسخ في أربعة فراسخ هذا الحرم يقول النبي ﷺ من أحدث فيه حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين أحدث حدثا في أي شيء في العقيدة في المنهج في السلوك مخالفا للمسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وكذلك من آوى محدثا يعني أدخله المدينة وهو يعلم أنه صاحب حدث فآواه ونصره وأدخله في منزله وتستر عليه وما أشبه ذلك هذا يكون أيضا مشاركا له في الإثم عليه لعنة الله","vol":"6","page":594},{"text":"والملائكة والناس أجمعين الجملة الثانية أن ذمة المسلمين واحدة يعني عهدهم واحد إذا عاهد أحد من المسلمين ممن لهم ولايات العهد وخفر ذمة أحد فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فمثلا إذا دخل كافر إلى البلد في أمان وعهد ممن لهم ولاية العهد أو غيرهم ممن له الأمان ثم خفره أحد استحق اللعنة من الله والملائكة والناس أجمعين لو أن كافرا دخل بأمان وآواه رجل مؤمن آمن كافرا وقال له ادخل وأنت في أماني جواري رجل عادي من المؤمنين ثم جاء إنسان وقتل هذا الكافر وقال هذا كافر لابد أن نقتله رغم أمانه من المسلم فعلى القاتل لعنة الله والملائكة والناس أجمعين نسأل الله العافية كيف إذا دخل بأمان من ولى الأمر على أنه مؤتمن وفي جوار وأمان الدولة ثم يأتي إنسان فيقتله هذا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وفي هذا دليل على حماية الدين الإسلامي لمن دخل بأمانه وجواره وأن الدين الإسلامي لا يعرف الغدر والاغتيال والجرائم الدين الإسلامي دين صريح ما فيه إلا الصراحة إنسان أمنه مسلمون لابد أن يكون آمنا ولا آمنين الفائدة لابد أن يكون آمنا وبهذا نعرف غلط من يغدرون بالذمم ويخونون ويغتالون أناسا لهم عهد وأمان وأن هؤلاء مستحقون لما أعلنه أمير المؤمنين علي ﵁ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين والعياذ بالله نعم الحربي الذي يدخل بدون أمان لم يعطه أحد من المسلمين الأمان","vol":"6","page":595},{"text":"ويدخل مستخفيا ليكون جاسوسا للعدو أو مفسدا في الأرض هذا يقتل لأنه لا أمان له أما إنسان دخل بأمان من الدولة أو أمان من أي طرف من المسلمين فيخفر فهذا لا يقتل فهو نفس محترمة معصومة من غدر بها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وبهذا نعرف خطأ ما نسمعه في بعض البلاد من الاعتداء على الآمنين الذين لهم عهد من الدولة تجدهم آمنين بعهد من الدولة ثم يأتي إنسان باسم الإسلام فيغدر لا فالإسلام لا يعرف الغدر يقول الله ﷿ ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ ويقول الله ﷿ ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة﴾ العهد شيء عظيم والغدر به فظيع والعياذ بالله ليس من الإسلام في شيء لكن بعض الجهال يظنون أن يخفوا غيرتهم بما لا يطابق الكتاب والسنة وهذا خطأ المؤمن مقيد بما جاء به الشرع وليس الإسلام بالهوى ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن﴾ لكن الطرق معروفة مبينة واضحة والله أعلم","vol":"6","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>باب التحذير من ارتكاب ما نهى الله ﷿ ورسوله صلى </span>الله عليه وسلم عنه\nقال الله تعالى ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ وقال تعالى ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ وقال تعالى ﴿إن بطش ربك لشديد﴾ وقال تعالى ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ .\n١٨٠٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى يغار وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب التحذير من الوقوع فيما نهى الله ورسوله محمد ﷺ عنه يعني أن الإنسان يجب أن يكون حذرا من الوقوع في المحرمات ولا","vol":"6","page":597},{"text":"يتهاون ولا يغلبه الأمن من مكر الله ﷿ فإن بعض الناس يغره الشيطان يقول افعل المعصية واستغفر الله افعل المعصية ورحمة الله تعالى سبقت غضبه افعل المعصية فقد قال الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلى غير ذلك من الأماني الكاذبة التي يغر بها الشيطان بني آدم ﴿وما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ فالواجب الحذر مما نهى الله ورسوله عنه ثم استدل المؤلف رحمة الله بآيات من كتاب الله منها قول الله تعالى ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ ﴿فليحذر الذي يخالفون عن أمره﴾ أي عن أمر رسول الله ﷺ ومعنى يخالفون عنه يخرجون عنه ولا يبالون به ويرتكبونه ليحذروا ﴿أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ فتنة في قلوبهم والعياذ بالله يلقي في قلوبهم الفتنة من الشك فيما يجب اليقين فيه أو الشهوة فيما يحرم تناوله ولهذا قال الإمام أحمد ﵀ أتدري ما الفتنة يعني في قوله تعالى ﴿أن تصيبهم فتنة﴾ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك والعياذ بالله فاحذر الفتنة احذر المخالفة عن أمر الله ورسوله أن يصيبك فتنة ﴿أو يصيبهم عذاب أليم﴾ أي عذاب مؤلم إما في الدنيا وإما في الآخرة وقال الله تعالى ﴿يحذركم الله نفسه﴾ يعني احذروا الله ﷿ فإنه شديد العقاب كما قال تعالى ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن","vol":"6","page":598},{"text":"عذابي هو العذاب الأليم﴾ وقال تعالى ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم﴾ فبدأ بالعقاب وثنى بالمغفرة لئلا يغلب الأمن من مكر الله والإنسان إذا أمن من مكر الله أصابه البلاء والعذاب ولهذا قال الله ﵎ ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ الآمن من مكر الله هو المغالي وإنه يعمل ما يشاء من المعاصي ولا يخافه لكنه في الحقيقة خاسر لأن مآله العذاب والنكال نسأل الله العافية وقال ﵎ ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ فسرها النبي ﷺ بقوله إن الله ليملي للظالم يعني يمهله ويدعه يظلم نفسه حتى إذا أخذه لم يفلته وتلا قوله تعالى ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ فالحذر الحذر من التهاون بمعصية الله ﷿ حتى إن من أهل العلم من قال إن الرجل إذا فعل المعصية متهاونا بها ولو كانت صغيرة صارت كبيرة والعياذ بالله لما قام في قلبه من التهاون بها","vol":"6","page":599},{"text":"نسأل الله أن يؤمنا وإياكم من أسباب عقابه وغضبه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبق لنا الكلام على أنه لا يجوز للإنسان أن يغتر في إمهال الله تعالى له وأن يرتكب المعاصي بناء على أن الله لن يعالجه بالعقوبة وأن هذا من باب الأمن من مكر الله ﷿ وذكرنا أن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته كما قال النبي ﷺ وتلا قول الله تعالى كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد وكثير من الناس يتهاون في هذا الأمر يعصي الله فينهى عن ذلك ويترك الواجب فيؤمر بفعله ويقول ﴿إن الله غفور رحيم﴾ ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وأنا لم أشرك بالله فيقال له إن الذي قال ذلك هو الذي قال ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب﴾ وقال ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ ولا يجوز لك أن تغتر بإمهال الله لك ربما يمهل الله العبد على معاصيه ويستدرجه من حيث لا يعلم حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر والعياذ بالله فإياك أن تتهاون راقب الله ﷿ واعلم أن لكل داء دواء فإذا مسك طائف من الشيطان تذكر واتعظ وأقبل على الله وتب إلى الله ﷿ وكن كمن قال الله فيهم ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾","vol":"6","page":600},{"text":"والتوبة لابد فيها من شروط خمسة: ١ - الإخلاص لله ﷿ بألا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة أحد من الخلق ولا أن ينال بذلك جاها أو رئاسة بل يخلص النية لله ﷿ خوفا من عقابه ورجاء لثوابه.\n٢ - الندم على ما فعل من الذنب بحيث لا يتساوى عنده الذنب وعدمه بل يندم على ما حصل منه ويتحسر في نفسه ويقول ليتني لم أفعل هذا لكنه يخضع لقضاء الله وقدره ويتوب إلى الله ﷿.\n٣ - الإقلاع عن الذنب بترك المعصية إن كان الذنب معصية أو فعل الواجب إن كان الذنب بترك الواجب يمكن تداركه فأما أن يصر على الذنب ويرجو التوبة فهذا خطأ وهذا من الأماني الكاذبة بعض الناس يقول أستغفر الله وأتوب إليه من الغيبة وهو يغتاب الناس يقول أستغفر الله من الربا وهو يأكل الربا يقول أستغفر الله وأتوب إليه من حقوق الناس وهو يأكل حقوق الناس يماطل في الحق الذي عليه مع قدرته على وفائه وغير ذلك من الأمور التي يكذب بها الإنسان على نفسه في أنه تائب وهو لم يتب وإذا كان الذنب حقا لآدمي فلابد أن يوصله إليه أخذ مالا من شخص سرق منه مالا وجاء يسأل يقول إنه تاب نقول رد المال إلى صاحبه أما بدون أن ترده إلى صاحبه فالتوبة لم تتم كذلك توبته من أكل لحم الناس يغتاب شخصا يسبه في","vol":"6","page":601},{"text":"المجالس وقال إنه تاب إلى الله نقول له اذهب واطلب منه أن يحلك حتى تنفعك التوبة وإنما قيدنا هذا بما إذا كان قد علم أنك قد اغتبته وإلا فلا حاجة أن تخبره أثن عليه بالخير في المجالس التي كنت تسبه فيها ثم استغفر الله له.\n٤ - العزم على ألا يعود يعني لا يتوب إلى الله وهو عازم على أن يعود متى سنحت الفرصة فإن هذه ليست توبة بل يجب أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب.\n٥ - أن تكون التوبة في وقت القبول وذلك بأن يتوب قبل أن يحضره الموت أو قبل أن تطلع الشمس من مغربها فإن لم يتب إلا إذا حضره الموت فإن التوبة لا تنفع.\nومن هذا نعرف أن التوبة واجبة على الفور بدون تأخير لأن الإنسان لا يدري متى يفاجأ بالموت فيجب عليه أن يكون مستعدا نسأل الله تعالى أن يتوب علينا وعليكم وأن يتوفانا على الإيمان.","vol":"6","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهيا عنه</span>\nقال الله تعالى ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ وقال تعالى ﴿إن الذي اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ وقال تعالى ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾ وقال تعالى ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾\n١٨٠٧ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب ما يقوله ويفعله من فعل محرما وذلك أن الإنسان ليس معصوما من الذنب لابد لكل إنسان من ذنوب كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ كل بني آدم خطاء وخير الخطائين","vol":"6","page":603},{"text":"التوابون وقال ﷺ لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم جاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم فلابد للإنسان من ذنب ولكن ماذا يصنع يجب عليه إذا أذنب ذنبا أن يرجع إلى الله ويتوب إليه ويندم ويستغفر حتى ينمحي عنه ذلك الذنب قال الله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله يعني إذا نزغك الشيطان وألقى في قلبك الزيع والمعصية فاستعذ بالله فإذا هممت بمعصية سواء كانت فيما يتعلق بحق الله أو فيما يتعلق بحق المخلوق فقل ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ فإذا قلت ذلك بإخلاص فإن الله يعينك ويعيذك من الشيطان الرجيم ويعصمك منه وقال الله تعالى ﴿إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ أي وقع في قلوبهم زيغ وعملوا عملا سيئا تذكروا اعتبروا ﴿فإذا هم مبصرون﴾ فيعرفون أنهم في غي وحينئذ يستغفرون الله تعالى كما قال في الآية الأخرى التي ساقها المؤلف ﵀ في أوصاف المتقين ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله﴾ ﴿إذا فعلوا فاحشة﴾ يعني سيئة عظيمة أو ظلموا أنفسهم بما","vol":"6","page":604},{"text":"دون ذلك ذكروا الله بقلوبهم وألسنتهم ﴿فاستغفروا لذنوبهم﴾ سألوا الله تعالى أن يغفر لهم ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ يعني لا أحد يغفر الذنوب إلا الله لو اجتمع أهل الأرض كلهم وأهل السماوات كلهم على أن يرفعوا عنك ذنبا واحدا ما استطاعوا أبدا كل الخلق لو أرادوا أن يمحوا عنك ذنبا واحدا ما استطاعوا لا يغفر الذنوب إلا الله ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ يعني لم يستمروا في معصيتهم وذنوبهم وهم يعلمون أنهم على ذنب أما لو أنهم فعلوا ذنبا وأصروا عليه وهم لا يعلمون أنه ذنب فإن الله تعالى لا يؤاخذهم لقوله تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ ﴿أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾ يعني هؤلاء الذين يتصفون بهذه الصفات هذا جزاؤهم عند الله وقال الله تعالى ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ توبوا إلى الله هذه ذكرها الله تعالى بعد الأمر بغض البصر وعدم إبداء الزينة من النساء قال بعد ذلك ﴿وتوبوا إلى الله جميعا﴾ والتوبة إلى الله تعالى هي الرجوع إليه ﷿ من معصيته إلى طاعته ومن الإشراك به إلى توحيده ومن البدعة إلى اتباع الرسول ﷺ أن يرجع الإنسان إلى ربه فيندم على ما فعل ويعزم على ألا يعود ويستغفر الله عز","vol":"6","page":605},{"text":"وجل وقوله ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي لأجل أن تفلحوا والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنحاة من المرهوب والتوبة واجبة من كل ذنب لا تتهاون في الذنوب لا تقل هذا سهل يغفره الله لأنه ربما تتراكم الذنوب على القلب والعياذ بالله فيصبح مظلما وينسد عليه باب الخير كما قال الله تعالى ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ تب إلى الله من كل ذنب وفي الحديث الذي ساقه المؤلف عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله اللات: صنم يعبده الجاهلون في الجاهلية وكذلك العزى كما قال تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ كانوا يحلفون بهما كما يحلفون بالله فيقولون واللات أو والعزى فإذا قال الإنسان واللات والعزى فهذا الشيء يداوى بماذا؟ بالإخلاص إذا حلف بغير الله فليقل لا إله إلا الله شرك يداوى بالإخلاص ولهذا قال فليقل لا إله إلا الله ليداوي الشيء بضده يداوي ومن قال تعال أقامرك فليتصدق هذا أيضا من دواء الشيء بضده المقامرة المخالفة على عوض التي يسمونها الناس الرهن أراهنك أن هذا كذا وكذا ويتراهنون على دراهم أو ما أشبه ذلك فمن قال هذا فقد قال قولا حراما فعليه أن يتوب ومن توبته أن يتصدق بدل ما يتوصوا أن يأخذه بهذه المقامرة فيكون هذا من باب دواء الشيء بضده وكذلك أيضا يقال من فرط في واجب فإن دواءه أن يتوب إلى الله ويكثر من العمل الصالح حتى يكون دواء لذلك نسأل الله تعالى أن يتوب علينا وعليكم ويوفقنا لما يحبه ويرضاه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهيا عنه</span>\nقال الله تعالى ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ وقال تعالى ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ وقال تعالى ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾","vol":"6","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>باب المنثورات والملح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>باب: أحاديث الدجال وأشراط الساعة وغيرها</span>\n١٨٠٨ - عن النواس بن سمعان ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال ما شأنكم؟ قلنا يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال غير الدجال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امريئ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض قال أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم قال لا اقدروا له قدره قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض قال كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعا وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم","vol":"6","page":607},{"text":"فيردون عليه قوله فيصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله تعالى المسيح ابن مريم ﷺ فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي إلى حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ثم يأتي عيسى ﷺ قوما قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى ﷺ أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه ﵃ إلى الله تعالى فيرسل الله تعالى عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى ﷺ","vol":"6","page":608},{"text":"وأصحابه ﵃ إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه ﵃ إلى الله تعالى فيرسل الله تعالى طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل الله ﷿ مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر لتكفي من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة رواه مسلم قوله خلة بين الشام والعراق أي طريقا بينهما وقوله عاث بالعين المهملة والثاء المثلثة والعيث أشد الفساد والذرى بضم الذال المعجمة وهو أعالي الأسنمة وهو جمع ذروة بضم الذال وكسرها واليعاسيب ذكور النحل وجزلتين أي قطعتين والغرض الهدف الذي يرمى إليه بالنشاب أي يرميه رمية كرمي النشاب إلى الهدف والمهرودة بالدال المهملة المعجمة وهي الثوب المصبوغ قوله لا","vol":"6","page":609},{"text":"يدان أي لا طاقة والنغف دود وفرسى جمع فريس وهو القتيل والزلفة بفتح الزاي واللام والقاف وروي الزلفة بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء وهي المرآة والعصابة الجماعة والرسل بكسر الراء اللبن واللقحة اللبون والفئام بكسر الفاء وبعدها همزة الجماعة والفخذ من الناس دون القبيلة\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين كتاب المنثورات والملح المنثورات يعني أنها من أبواب متفرقة ليست من باب واحد والملح جمع ملحة وهي ما يستملح ويستعذب ثم ذكر الباب الأول باب الدجال وأشراط الساعة الدجال مبالغة من الدجل وهو الكذب والدجال يعني كثير الكذب الذي لا يتصف إلا بالكذب وأما أشراط الساعة فهي علامات قربها كما قال الله تعالى فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها يعني علاماتها القريبة ثم ذكر حديث النواس بن سمعان ﵁ الطويل وفيه أن النبي ﷺ ذكر الدجال ذات غداة يعني ذات صبح في يوم من الأيام فخفض فيه ورفع يعني أنه تكلم بكلام طويل حتى ظنوا أنه في طائفة","vol":"6","page":610},{"text":"النخل يعني ظنوا أنه ذكر في المدينة وأنه قد جاء ولكن الأمر لم يكن كذلك ثم إن النبي ﷺ عرف ذلك فيهم فسألهم فقالوا إنك ذكرت الدجال الغداة وخفضت فيه ورفعت فظننا أنه في النخل فقال غير الدجال أخوفني عليكم يعني أخاف عليكم شيئا أشد من الدجال ومن ذلك الرياء حيث ثبت عنه ﷺ أنه قال أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال الرياء أن الإنسان يرائي في عباداته يصلي لأجل الناس يتصدق لأجل الناس يحسن الخلق لأجل الناس..\nفهذا رياء والعياذ بالله والمرائي حابط عمله والرياء من صفات المنافقين كما قال الله ﵎ ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ واعلم أيها المرائي أن الله سيفضحك عن قرب لأن النبي ﷺ قال من راءى راءى الله به يعني أظهر مراءاته وعيوبه عند الناس ومن سمع سمع الله به ثم قال ﷺ إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم يعني لو خرج الدجال وأنا موجود فأنا أكفيكم إياه وإن يخرج يعني وليس فيهم فامرؤ حجيج نفسه يعني كل إنسان يحاج عن نفسه والله خليفتي على كل مؤمن فاستخلف ربه ﷿ أن يكون مؤيدا للمؤمنين واقيا لهم من فتن الدجال الذي ليس بين خلق آدم وقيام الساعة فتنة أشد منها نسأل الله أن يقينا وإياكم فتنته والله الموفق تابع الحديث السابق.","vol":"6","page":611},{"text":"روى المؤلف رحمه الله تعالى عند سياق حديث النواس بن سمعان ﵁ في كتابه رياض الصالحين قال عند سياق هذا الحديث في ذكر الدجال إنه شاب قطط عينه طافية شاب من بني آدم قطط يعني مجتمع الخلق عينه طافية يعني أنه لا يبصر بها كأنه عنبة طافية كما قال النبي ﷺ فهو أعور خبيث لكن الله ﷿ يرسله فتنة للناس فيأتي إليهم يدعوهم ويدعي أنه رب وقد مكن الله له فكان يأتي القوم يدعوهم فيستجيبون له ويؤمنون به فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت يشاهدون ذلك بأعينهم يقول أيتها السماء أمطري فتمطر أيتها الأرض أنبتي فتنبت لكن ليس بقدرته وقوته بل بإرادة الله ﷿ لكن الله مكن له ابتلاء وامتحانا فيصبحون تروح عليهم سارحتهم يعني الغنم والإبل أكثر ما يكون ذروعا وأوفر ما تكون ذرى وأمدها خواصر تمتلئ بطونها وتمتلئ ضروعها ويكون عليها الشحم ويأتي القوم فيدعوهم فلا يستجيبون له يردونه فينصرف فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء الأرض خربت والسماء لا تمطر والمال يمور ولكن هؤلاء هم الذين لهم الأجر والثواب وعاقبتهم حميدة أما الأولون الذين آمنوا به وأمطرت السماء وأنبتت الأرض فهم خاسرون وإن ظنوا أنهم رابحون ويأتي إلى الخربة أرض خربة ما بها بناء وما بها أناس فيقول أيتها الأرض أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها وما بها من معادن من ذهب وفضة وغير ذلك فتتبعه كيعاسيب النحل ثم إنه يبقى في الأرض أربعين يوما اليوم الأول طوله طول سنة كم شهرا إثنا عشر شهرا ٣٦٠ يوما هذا اليوم الأول يوم والثاني مقداره شهر ٣٠ يوما والثالث مقداره جمعة يعني أسبوعا وباقي الأيام وهي سبعة وثلاثون","vol":"6","page":612},{"text":"يوما كالأيام المعتادة ولكن الله ﷿ نبه الصحابة قالوا يا رسول الله هذا اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة واحدة فيكون عليهم في اليوم كم خمس صلوات قال لهم لا اقدروا له قدره يعني صلوا صلاة السنة كاملة في يوم واحد وهذا مما يؤخذ به يقال إنسان وجب عليه صلاة سنة كاملة في يوم واحد وأيضا يؤخذ به من جهة أخرى وجبت زكاة ماله في يوم واحد وأيضا فيقال يصوم رمضان بعض يوم يعني جزءا من اثني عشر جزءا من هذا اليوم نقول هذا يوم الدجال وسبحان الله الحكيم الذي أكمل لنا الدين قبل أن يموت سيد المرسلين ﷺ أنطق الله الصحابة أن يسألوا عن هذا اليوم هل تكفي فيه صلاة واحدة أم لا يوجد الآن في الأرض من يومهم ستة أشهر وليلهم ستة أشهر عند المدار القطبي ستة أشهر والشمس عليهم وستة أخرى والشمس لا يرونها فكيف يصلي هؤلاء يصلون صلاة يوم وليل فقط أو يقدرون لها قدرها نقول يقدرون لها قدرها كيوم الدجال تماما اليوم الثاني من أيام الدجال كشهر كيف تكون فيه الصلاة..\nيصلون صلاة شهر واليوم الثالث يصلون صلاة أسبوع واليوم الرابع وما بقي كالعادي ثم سأله الصحابة ﵃ عن سيره في الأرض هل هو كالسير المعتاد كسير الإبل أو سير الأرجل قال يسير كالغيث اجتذبته الريح والله أعلم كيف كان إسراعه هل يحدث الله له آلات طائرات أو غيرها ما تدري لكنه هذا الذي أخبر به النبي ﷺ أنه يكون كالغيث سنة وشهر وأربعة وأربعون يوما ثم ينزل عيسى ابن مريم ﷺ فيقتله والله الموفق تابع الحديث السابق ساق المؤلف ﵀ في باب المنثورات والملح وأشرطة الساعة وغيرها حديث النواس بن سمعان ﵁ الذي حدث به عن النبي ﷺ عن شيء من أشرطة الساعة ومنها الدجال وسبق أن الدجال هو ذو الدجل والكذب والتمويه والتغرير وأنه كافر وأنه يخرج خلة بين الشام والعراق يعني يخرج من طريق بين الشام والعراق من قبل إيران ويتبعه من يهود أصفهان سبعون ألفا وكأنهم والله أعلم يجتمعون هناك ليتبعوا الدجال لأن اليهود أهل دجل وكذب وغدر وخيانة لا يؤمنون وسبق أنه يأتي القوم ويدعوهم من أجابوه منهم حصل لهم القسط والرخاء ومن عصاه حصل لهم عكس وذلك ...\nأنت ثم ذكر من فتنته أنه يأتيه شاب ممتلئ شبابا من","vol":"6","page":613},{"text":"المسلمين فيقول له أشهد أنك الدجال الذي أخبرنا عنه النبي ﷺ فيقطعه نصفين بالسيف، ويجعل واحدة بعيدة عن الأخرى، ثم يدعوه بعد أن قطعه - يا فلان فيجتمع النصفين ببعضهم البعض ويقوم ويقبل على الدجال يتهلل وجهه وكأنه لم يفعل شيئا، ثم يقول له: والله أشهد أنك أنت المسيح الدجال، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة فيقتله للمرة الثانية ويقطعه نصفين ثم يدعوه فيأتي ووجهه يتهلل، ثم يأتي الثالثة فيعجز أن يقتله، هكذا من فتنة الدجال والإنسان إذا رأى هذا يغتر بلا شك، ثم إن الله تعالى ينزل عيسى ابن مريم رسول الله ﷺ ينزل يداه على أجنحة ملكين، لأن الملائكة أولو أجنحة، ينزلان به من السماء، لأن عيسى الآن حي في السماء، ينزل عند قيام الساعة ليقتل الدجال ينزل، وكأنه والله أعلم قد اغتسل بماء طيب، إذا طأطأ رأسه قطر ماء، وإذا رفعه تحدر منه مثل الجمان، فيحتمل أن هذا ماء ويحتمل أنه عرق والله أعلم، ثم إنه يطلبه أي يطلب الدجال الخبيث الماكر الأعور فلا يحل لكافر يجد ريح عيسى إلا مات - سبحان الله - نفس عيسى يقتل الكافر ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه وهذا أيضا من آيات الله يعني أنفاسنا نحن لا تعدو إلا شبرا أو نحوه لكن نفس عيسى ينتهي حيث ينتهي طرفه ومعنى ذلك أنه يقتل أناسا كثيرين من الكفار لأن هذا النفس يطير في الهواء ولا يحل لكافر يجد نفسه إلا مات ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق هكذا وصفه النبي ﷺ وهي لابد أن توجد عند نزول عيسى ابن مريم ﷺ فيبلغ الدجال فيدركه عند باب اللد واللد الآن في فلسطين استعمرها اليهود عليهم لعائن الله إلى يوم القيامة اسعتمروها يدرك عيسى","vol":"6","page":614},{"text":"المسيح الدجال فيقتله هناك وبهذا انتهى المسيح الدجال وبقي المسيح رسول الله عيسى ﷺ والله الموفق ثم يأتي عيسى ابن مريم قوما قد عصمهم الله ﷿ من فتنة الدجال فيمسح على وجوههم ويبشرهم بمنازلهم في الجنة فبينما هم كذلك يعني على حالهم إذا يوحي الله ﷿ إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم وهؤلاء العباد ليسوا عباد دين بل عباد قدر ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا أتي الرحمن عبدا﴾ هؤلاء العباد هم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون أي من كل مكان مرتفع ينسلون لأن الشعاب والأودية لا تسعهم فتجدهم يصعدون الجبال لينزلوا إلى الأرض من كثرتهم هؤلاء من بني آدم ليسوا جنا ولا جنسا ثالثا بل هم من بني آدم ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال إن الله تعالى يقول يوم القيامة يا آدم فيقول لبيك وسعديك فيقول الله له أخرج من ذريتك بعثا إلى النار أو قال بعث النار قال يا رب وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعين من بني آدم كل هؤلاء في النار إلا واحدا في الألف من بني آدم من أهل الجنة فكبر ذلك على الصحابة وعظم عليهم وقالوا يا رسول الله أينا ذلك الواحد قال لهم ﷺ أبشروا فإنك في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج منكم واحد من يأجوج ومأجوج ألفا فاستبشر الصحابة بذلك ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع","vol":"6","page":615},{"text":"أهل الجنة فكبر الصحابة فرحا بنعمة الله ﷿ ثم قال أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة فكبروا وفرحوا ثم قال أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة وهذه الثالثة عندي فيها شك لكن قد ورد عن النبي ﷺ أن أهل الجنة مائة وعشرون صفا منهم ثمانون من هذه الأمة المهم أن يأجوج ومأجوج من بني آدم شكلهم شكل بني آدم لا يختلفون عنهم أما ما ورد في بعض الآثار أن منهم القصير المفرط في القصر والطويل في الطول وأن بعضهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى كل هذا لا صحة له هم من بني آدم ومثلهم لكنهم أمم عظيمة كما قال تعالى ﴿وهم من كل حدب ينسلون﴾ أي من كل مرتفع لأن الأرض السهلة لا تسعهم من كثرتهم ﴿ينسلون﴾ أي يسرعون كأنهم مسلطون على بني آدم فيقول ﷿ لعيسى إني قد بعثت عبادا لا يدان لأحد بقتالهم يعني ما لأحد على قتالهم من قوة فحرز عبادي إلى الطور يعني احترزوا فيه والطور جبل معروف فيصعد عيسى ﷺ ومن معه إلى الطور ويحضرون فيه حتى إنهم يلحقهم من الجوع وشدة المؤنة ما يكون رأس الثور أحب إلى أحدهم من كذا وكذا من الدنانير وحينئذ يرغب عيسى وقومه إلى الله ﷿ يدعون الله تعالى أن يصرف عنهم هذه الأمم التي حاصرتهم في هذا الجبل فيرسل الله تعالى النغف وهو عبارة عن دودة في أعناقهم فيصبحون فرسى جمع فريسة يعني موتى كنفس واحدة كل","vol":"6","page":616},{"text":"هذه الأمم التي لا يحصيها إلا الله تموت في ليلة واحدة لأن الأمر بيد الله ﷿ هذا النغف من حين ما يدخل في أعناقهم يموتون على الفور ثم ينزل عيسى ابن مريم وقومه إلى الأرض وإذا الأرض مملوءة من هذه الجثث نتنا ورائحة خبيثة فيرغب عيسى وقومه إلى الله ﷿ أن يفكهم من هذا فيرسل الله تعالى طيورا كأعناق البخت يعني مثل أعناق الإبل طيورا كبيرة قوية تأخذ الواحد منهم وتلقيه في البحر ومعنى هذا أنها طيور عظيمة لا يعلم عددها إلا الله ﷿ كل هذا بقدرة الله ﷾ لأن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون لا تستغرب لا تقل من أين جاءت الطيور وكيف توالدت والله على كل شيء قدير هذه الطيور مثل أعناق الإبل تحمل الواحد وتلقيه في البحر ولا يبقى فيهم أحد..\n...\nلكن كما تعلمون لابد أن يبقى في الأرض شيء من القذر والأذى والرائحة بعد هذه الجثث فيرسل الله تعالى مطرا عظيما يغسل الأرض لا يكن منه مدر ولا وبر كل الأرض تمتلئ ماء حتى تكون كالزلقة تنظف تنظيفا تاما بإذن الله ﷿ ويأمر الله الأرض أن تخرج بركاتها وثمراتها فيكون فيها الثمرات العظيمة والخير والبركة حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي فئاما من الناس ومن البقر تكفي القبيلة من الناس ومن الغنم تكفي الفخذ من الناس وهي واحدة لكن الله ينزل فيها البركة فتكفي أمما وتكثر الخيرات والبركات وكل هذا يدل على عظمة وقدرة الله ﷿ ﴿فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾ بدلا من حصرتهم في الطور لا يجدون شيئا إذا بالأرض تنبت وتنزل فيها البركة والثمار ...\nوغير ذلك كل هذا بأمر الله ﷿ والله الموفق","vol":"6","page":617},{"text":"١٨٠٩ - وعن ربعي بن حراش قال: انطلقت مع أبي مسعود الأنصاري إلى حذيفة بن اليمان ﵃ فقال له أبو مسعود حدثني ما سمعت من رسول الله ﷺ في الدجال قال إن الدجال يخرج وإن معه ماء ونارا فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق وأما الذي يراه الناس نارا فماء بارد عذب فمن أدركه منكم فليقع في الذي يراه نارا فإنه ماء عذب طيب فقال أبو مسعود وأنا قد سمعته متفق عليه.\n١٨١٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال قال رسول الله ﷺ: يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم ﷺ فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله ﷿ ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيقول ألا تستجيبون فيقولون فما تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا وأول","vol":"6","page":618},{"text":"من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس حوله ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرا كأنه الطل أو الظل فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ثم يقال يا أيها الناس هلم إلى ربكم ﴿وقوفهم إنهم مسؤولون﴾ ثم يقال أخرجوا بعث النار فيقال من كم فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فذلك يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق رواه مسلم الليت صفحة العنق ومعناه يضع صفحة عنقه ويرفع صفحته الأخرى.\n١٨١١ - وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة وليس نقب من أنقابهما إلا عليه الملائكة صافين تحرسهما فينزل بالسبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله منها كل كافر ومنافق رواه مسلم.\n١٨١٢ - وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يتبع الدجال","vol":"6","page":619},{"text":"من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة رواه مسلم.\n١٨١٣ - وعن أم شريك ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: لينفرن الناس من الدجال في الجبال رواه مسلم.\n١٨١٤ - وعن عمران بن حصين ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال رواه مسلم.\n١٨١٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فيتلقاه المسالح مسالح الدجال فيقولون له إلى أين تعمد فيقول أعمد إلى هذا الذي خرج فيقولون له أو ما تؤمن بربنا فيقول ما بربنا خفاء فيقولون اقتلوه فيقول بعضهم لبعض أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحد دونه فينطلقون به إلى الدجال فإذا رآه المؤمن قال يا أيها الناس إن هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ فيأمر الدجال به فيشبح فيقول خذوه وشجوه فيوسع ظهره وبطنه ضربا فيقول أوما تؤمن بي فيقول أنت المسيح الكذاب فيؤمر به فيؤشر بالمنشار من مفرقه","vol":"6","page":620},{"text":"حتى يفرق بين رجليه ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له قم فيستوي قائما ثم يقول له أتؤمن بي فيقول ما ازددت فيك إلا بصيرة ثم يقول يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل الله ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا فلا يستطيع إليه سبيلا فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار وإنما ألقي في الجنة فقال رسول الله ﷺ هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين رواه مسلم وروى البخاري بعضه بمعناه المسالح هم الخفراء والطلائع.\n١٨١٦ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ما سأل أحد رسول الله ﷺ عن الدجال أكثر مما سألته وإنه قال لي ما يضرك قلت إنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء قال هو أهون على الله من ذلك متفق عليه.\n١٨١٧ - وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور وإن ربكم ﷿","vol":"6","page":621},{"text":"ليس بأعور مكتوب بين عينيه ك ف ر متفق عليه.\n١٨١٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار متفق عليه.\n١٨١٩ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث الكثيرة التي ساقها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان الدجال هي جديرة بأن تساق وتذكر لأن النبي ﷺ يقول ما بين خلق آدم","vol":"6","page":622},{"text":"وقيام الساعة أمر أكبر من الدجال ولذلك ما من نبي من الأنبياء إلا أنذر قومه به مع أنه لا يأتي إلا في آخر الزمان والله ﷿ يعلم أن محمدا خاتم الأنبياء ومع ذلك أنذر به الأنبياء السابقون والحكمة من هذا التنويه بفتنته وبيانها وأنها عظيمة وإن كان لن يأتي إلا في آخر الدنيا ففتنته عظيمة وبين النبي ﷺ أن الدجال يدخل كل بلد يدعو الناس والعياذ بالله لعبادته إلا مكة والمدينة فإنه لا يدخلهما لأن عليهما الملائكة على كل باب منهما يذودون عنهما عن مكة والمدينة وأخبر النبي ﷺ أنه يتبعه من يهود أصفهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة وهو نوع رفيع من الثياب المعنى أنه يتبعه من أصفهان وهي معروفة من مدن إيران يتبعه منها سبعون ألفا وأخبر النبي ﷺ أنه أعور وأن الرب ﷿ ليس بأعور لأن العور نقص والله ﷿ منزه عن كل نقص واستدل أهل السنة والجماعة من هذا الحديث على أن ربنا جل وعلا له عينان لكنهما لا تشبهان أعين المخلوقين لقوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وذكر أيضا في هذه الأحاديث أن رجلا شابا مسلما يخرج إذا سمع به ليبين للناس كذبه فيتلقاه حرس الدجال المتسلحون ويقولون أين تريد يقول أريد هذا الرجل الذي خرج فيأخذونه ويقولون أتؤمن بربنا فيقول لا إنه الدجال فيريدون أن يقتلوه ولكن بعضهم يقول لبعض أليس قد قال ربنا لا تقتلوا أحدا دوني فيتركونه ثم يأتون به","vol":"6","page":623},{"text":"إلى الدجال فيشهد هذا الرجل المسلم أنه هو الدجال الذي أخبر به النبي ﷺ فيغضب عليه ويأمر بالمنشار فينشر من رأسه إلى ما بين رجليه يعني شقه طولا ويجعل كل فرقة منه في جانب روية الغرر كما جاء في الحديث السابق ويمشي بينهما ثم يدعوه فيخرج ويقوم يتهلل وهو يقول والله ما ازددت فيك إلا بصيرة يفعل هذا مرتين أو ثلاثة ثم يريد أن يقتله ويعجز يجعل الله تعالى هذا الرجل حديدا لا يستطيع أن يقتله وهذا إما يكون حديدا حقا والله على كل شيء قدير وإما أن يكون صلبا لا تنفذ فيه السيوف هذه كلها صفات الدجال ومنها أيضا أن الرسول ﷺ ذكر أن معه نارا وجنة ولكن ناره جنة وجنته نار ولما سأل أبو هريرة ﵁ إنهم يقولون إن معه جبلا من خبز قال إنه أهون على الله من ذلك يعني حتى لو كان معه هذا الشيء فإنه أهون على الله من ذلك أو أن المعنى أنه لا يكون معه هذا لكنه مموه.\nوعلى كل حال فإننا نؤمن أنه سيكون في آخر الزمان رجل يخرج يسمى الدجال من أوصافه ما ذكر في هذا الباب وغيره ونستعيذ بالله منه في كل صلاة كل صلاة أمرنا النبي ﷺ بعد التشهد الأخير أن نستعيذ بالله من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال منه ومن فتنة المحيا والممات ومن عذاب القبر ومن عذاب النار.\n١٨٢٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا","vol":"6","page":624},{"text":"تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود متفق عليه\n١٨٢١ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر فيتمرغ عليه ويقول يا ليتني مكان صاحب هذا القبر وليس به الدين وما به إلا البلاء متفق عليه\n١٨٢٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون فيقول كل رجل منهم لعلي أن أكون أنا أنجو وفي رواية يوشك أن يحسر الفرات عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا متفق عليه","vol":"6","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين فيما ذكره من أشراط الساعة ما نقله عن أبي هريرة ﵁ أنه لا تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود المسلمون بعد بعثة الرسول ﷺ هم أتباع الرسول محمد ﷺ وأما قبل ذلك فالمسلم من اتبع الشريعة القائمة فقوم موسى في عهد موسى مسلمون والنصارى في عهد عيسى مسلمون ومن آمن من قوم نوح مسلمون وهكذا كل من كان مؤمنا برسول قائمة رسالته فهو مسلم لكن بعد بعثة الرسول محمد ﷺ ليس مسلما إلا من آمن به ﷺ وإلا فلا يخفاكم أن الحواريين قالوا نحن أنصار الله وأن ملكة سبأ قالت إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين وغير ذلك مما هو معروف اليهود هم اتباع موسى سموا بذلك نسبة إلى جدهم يهوذا فهم ينتسبون إليه لكن مع التعريب صاروا يهود بالدال وهي أمة ملعونة غدارة خوانة مكارة واصفة لربها بالعيب والنقص قالوا أي اليهود يد الله مغلولة وقالوا ﴿إن الله فقير﴾ وقالوا إن الله تعب حين خلق السماوات والأرض فاستراح يوم السبت..\nإلى غير ذلك مما وصفوا الله تعالى به بالنقائص والعيوب أما الرسل فحدث ولا حرج كفروا بالرسل وقتلوهم بغير حق وقتلوا المسيح عيسى ابن مريم بزعمهم ﴿وما قتلوه وما صلبوه﴾ فهم","vol":"6","page":626},{"text":"أخبث أمة من الأمم وهم قوم خونة غدارة لا يوفون بعهد ولا ذمة ولا يؤتمنون على شيء قبل يوم القيامة يقاتلون المسلمين وتأمل كلمة المسلمين يقتتل المسلمون واليهود فينصر المسلمون عليهم نصرا عزيزا حتى إن اليهودي يختبئ بالحجر وبالشجر فيقول الشجر والحجر فينطق بأمر الله الذي أنطق كل شيء فيقولان يا مسلم هذا يهودي تحتي فاقتله أحجار تنطق وأشجار لماذا لأن القتال بين المسلمين وبين اليهود أما بين العرب واليهود فهذا الله أعلم من ينتصر لأن الذي يقاتل اليهود من أجل العروبة فقد قاتل حمية وعصبية ليس لله ﷿ ولا يمكن أن ينتصر ما دام قتاله من أجل العروبة لا من أجل الدين والإسلام إلا أن يشاء الله لكن إذا قاتلناهم - أي اليهود - من أجل الإسلام ونحن على الإسلام حقيقة فإننا غالبون بإذن الله حتى الأحجار والأشجار تتكلم لصالحنا وضد اليهود أما ما دامت المسألة عصبية وعروبة وما أشبه ذلك فلا ضمان للنصر أبدا ولهذا لا يمكن أن يقوم للعرب قائمة على هذا الأساس أي أساس العروبة والدليل على هذا الواقع فقد طحنوا وخبزوا عليها ولم تستفد شيئا بل بالعكس صارت النكبات العظيمة من اليهود على العرب شيئا عظيما احتلوا ديارهم وحاصروهم وآذوهم لكن لو كان القتال من أجل الإسلام وباسم المسلمين ما قامت لليهود قائمة لكن من جهل العرب صاروا يقاتلون اليهود","vol":"6","page":627},{"text":"من أجل العروبة ولذلك لم ينصروا عليهم حتى الآن الانتصار على اليهود حقيقة في الإسلام لا غيب ولن تقوم الساعة حتى يحصل ما أخبر به الصادق المصدوق رسول الله ﷺ يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون وينتصرون عليهم ويظهرون عليهم وينادي الحجر والشجر الذي ليس من عادته أن ينطق يا مسلم هذا يهودي فاقتله كذلك أيضا من أشراط الساعة والذي لابد أن يكون أن الفرات وهو النهر المعروف في شرقي أقصى الجزيرة يحسر عن ذهب جبل من ذهب أو كنز من ذهب تحسر بمعنى أن الذهب يخرج جبلا والذهب معروف\nرأيت الناس قد ذهبوا ...\nإلى من عنده ذهب\nفالذهب يسلب العقول سوف يحسر هذا الماء النهر الجاري عن جبل من ذهب سبحان الله كل إنسان يقاتل غيره ويقول لعلي أنا الذي أنجو ويقاتل من أجل أن يحصل على الذهب..\nالبترول لأجل أن يحصل على البترول وصاروا يسمونه الذهب الأسود فالله أعلم بما أراد رسول الله لكننا إلى الآن لا نعرف الذهب إلا أنه ذلك المعدن الأصفر المعروف فنبقى على ما هو عليه ووراءنا أجيال فالدنيا لم تنته بعد حتى نوقف الحديث على الواقع الذي نحن فيه بل ننتظر ما أخبر به الصادق المصدوق ولابد أن يقع ويقتتل الناس عليه وهذا من أشراط الساعة لكنه لم يأت بعد والله الموفق","vol":"6","page":628},{"text":"١٨٢٣ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي يريد عوافي السباع والطير وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمها فيجدانها وحوشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما متفق عليه\n١٨٢٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال يكون خليفة من خلفائكم في آخر الزمان يحثو المال ولا يعده رواه مسلم\n١٨٢٥ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب فلا يجد أحدا يأخذها منه ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء رواه مسلم\n١٨٢٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: اشترى رجل من رجل عقارا فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب","vol":"6","page":629},{"text":"فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك إنما اشتريت منك الأرض ولم أشتر الذهب وقال الذي له الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد قال أحدهما لي غلام وقال الآخر لي جارية قال أنكحا الغلام الجارية وأنفقا على أنفسهما منه وتصدقا متفق عليه\n١٨٢٧ - وعنه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك فتحاكما إلى داود ﷺ فقضي به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود ﷺ فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى لا تفعل رحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n في هذا الباب الذي عقده النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في المنثورات والملح تقدم ما تقدم من ذكر الدجال ويأجوج ومأجوج وذكر أحاديث في هذا المجلس تدل على أن المدينة النبوية زادها الله تشريفا وتعظيما أنه يخرج عنها","vol":"6","page":630},{"text":"أهلها ولا يبقى فيها إلا العوافي أي السباع والطيور ليس فيها أحد لكن هذا لم يأت بعد ولكن هذا لم يأت بعد ولكن ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ فسوف يقع لأن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى ومنها كثرة المال حيث أخبر ﷺ أنه يقوم في آخر الزمان خليفة يحثو المال ولا يعده يعني أنه ينفق إنفاقا بلا عدد لكثرة الأموال ومنها أيضا حديث أبي هريرة ﵁ وهذا ليس من أشراط الساعة لكن من الملح أن رجلا اشترى من رجل أرضا فوجد فيها جرة من ذهب فذهب المشتري إلى البائع وقال خذ هذا فإنما اشتريت أرضا ولم أشتر الذهب فقال البائع أنا بعت الأرض وما فيها هذا يدل على ورعهما فكل واحد ورع يقول ليس لي هذا المال فتحاكما إلى رجل فقال لأحدهما ألك ابن قال نعم وقال للثاني ألك جارية قال نعم فقال زوجا الابن بالجارية واجعلا هذا الذهب للمهر والنفقة ففعلا ففي هذا دليل على أنه يوجد من الناس من هو ورع إلى هذا الحد أما حكم هذه المسألة فقال العلماء ﵏ إن الإنسان إذا باع أرضا على شخص ووجد المشتري فيها شيئا مدفونا فيها من ذهب أو غيره فإنه لا يملكه بملك الأرض ولكنه للبائع وإذا كان البائع اشتراها من آخر فهي للأول لأن هذا المدفون ليس من الأرض بخلاف المعادن لو اشترى أرضا ووجد فيها معدنا من ذهب أو فضة أو حديد أو غيره فإنه يتبع الأرض هذا من الملح","vol":"6","page":631},{"text":"ومنها أيضا حديث أبي هريرة في قصة امرأتين خرجتا بابنين لهما فأكل الذئب ابن واحدة منهما وبقي ابن الأخرى فقالت كل واحدة منهما إنه لي فتحاكما إلى داود ﵇ فقضى به للكبرى اجتهادا منه لأن الكبرى ربما تكون قد توقفت عن الإنجاب أما الصغرى شابة وربما تنجب غيره في المستقبل ثم خرجتا منه إلى سليمان ابنه فأخبرتاه بالخبر فدعا بالسكين وقال أشقه بينكما نصفين أما الكبرى فرحبت وأما الصغرى فأبت وقالت هو ابنها أدركتها الشفقة لأنه ابنها حقيقة هو للصغرى وليس للكبرى ولكن الكبرى لن تبال لأنه ابن غير هام لا يهمها أن يذهب كما ذهب ولدها الذي أكله الذئب لأنه ليس ولدها لكن الصغرى أدركتها الرحمة فقالت هو بنيها يا نبي الله فقضى به للصغرى بأي بينة القرينة لأن كونها ترحم هذا الولد وتقول هو للكبرى ويبقى حيا وإن كان سيكون عند غيرها لكن بقاؤه حيا ولو كان عند غيرها أهون من شقه نصفين فقضى به للصغرى أخذ العلماء من هذا الحديث العمل بالقرائن وأنه يجوز للقاضي أن يحكم بالقرائن إذا كانت قوية ومن ذلك ما حصل بين امرأة العزيز ويوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام فمن المعلوم أن يوسف حبس في السجن وكان ﷺ جميلا جدا حتى إنه أعطى نصف الحسن فامرأة العزيز وهي امرأة ملكة لها حسب ولها منزلة لكن عجزت أن تملك نفسها حتى مكرت به وكادت له وأدخلته في البيت وغلقت الأبواب ودعته إلى نفسها والعياذ بالله ولكنه","vol":"6","page":632},{"text":"عصمه الله ﷿ فلحقته وأمكست بثوبه وانشق الثوب من الخلف ووجدا سيدها لدى الباب وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم هذا حصل قبل السجن ﴿قال هي راودتني عن نفسي﴾ وهذا قبل أن يسجن ليس عنده بينة والمرأة قد لحقته وهو يريد الخروج ومن يصدق سوف يكون المصدق في هذه الحال امرأة العزيز لأنها ذات حسب وزوجة الملك فلا يمكن أن تذل نفسها للخادم ولكن ﴿قال هي راودتني عن نفسي﴾ فحكم حاكم من أهل البيت قال انظروا إلى قميصه ثوبه إن كان قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين لأنه إذا كان من قبل يعني أنه الطالب المراود وأرادت التخلص منه فمزقت ثوبه وإن كان من دبر فهو قد هرب منها ولحقته ﴿فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ وصار الصادق يوسف وليس معه بينة تشهد ولكن هناك قرينة وهذا لا شك أنه قاعدة جليلة للقاضي ولمن جعل حكما بين الناس..\nوالله الموفق","vol":"6","page":633},{"text":"١٨٢٨ - وعن مرداس الأسلمي ﵁ قال: قال النبي ﷺ: يذهب الصالحون الأول فالأول وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالا رواه البخاري\n١٨٢٩ - وعن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ قال ما تعدون أهل بدر فيكم قال من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة رواه البخاري\n١٨٣٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أنزل الله تعالى بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أيضا من الأحاديث التي ذكرها النووي في آخر كتابه رياض الصالحين من الملح منها أن النبي ﷺ أخبر أنه يذهب الصالحون الأول فالأول ثم يبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يبالي الله بهم بالا يعني لا يبالي بهم ولا يرحمهم ولا ينزل عليهم الرحمة فالصالحون يذهبون الأول وهذا الحديث يشبه حديث أنس بن مالك ﵁ حين جاء الناس إليه يشكونه ما وجدوا من الحجاج بن يوسف الثقفي","vol":"6","page":634},{"text":"فأخبرهم أن النبي ﷺ قال لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه حتى تلقوا ربكم فهذا الحديث يشبه الحديث الذي أشرنا إليه ولذلك تجد الناس يتردون كل عام عن العام الذي قبله يذهب الصالحون الأول فالأول فيما سبق تجد الناس يتهجدون في الليل يصومون في النهار يتصدقون من أقواتهم يؤثرون على أنفسهم في اليوم تجد الناس تغيروا من سنة إلى أخرى إلى أردى من قبل سهروا في الليل على غير طاعة الله ونوم في النهار أو لهو أو بيع وشراء يشتمل على الغش والكذب والخيانة والعياذ بالله فالناس إلى أردأ لكن مع ذلك في الناس خير لا شك يوجد أناس ولله الحمد على دين الله مستقيمين على ما يبدو لكن العبرة بالعموم والشمول ولهذا أخبر النبي ﷺ كما في الحديث الثالث الذي رواه البخاري أنه إذا أنزل بهم العذاب شمل الجميع كما قال تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب لكنهم يبعثون يوم القيامة على نياتهم كل على ما هو عليه ولذلك يجب الحذر من أن يكون الإنسان من الحثالة التي كحثالة الشعير أو التمر وأن يحرص على أن يستقيم على أمر الله حتى لو كان الناس قد هلكوا فإنهم إن أصيبوا بالعذاب فإنه يبعث كل إنسان على نيته","vol":"6","page":635},{"text":"كذلك أيضا من الملح أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال له ما تعدون أهل بدر فيكم قال النبي ﷺ من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال وكذلك الملائكة الذين قاتلوا في بدر بدر اسم مكان بين مكة والمدينة معروف كان فيه وقعة بين المسلمين والمشركين سببها أن أبا سفيان صخر بن حرب كان رئيسا في أهل مكة وكان قدم من الشام بميرة عير فيها طعام لأهل مكة فلما سمع بذلك النبي ﷺ أنه قادم إلى مكة أخبر أصحابه بذلك وكان أهل مكة قد أخرجوا المسلمين من ديارهم وأموالهم واستباحوها فكان للمؤمنين أن يستبيحوا أموال الكفار جزاء وفاقا فأخبر النبي ﷺ أصحابه ليخرجوا إلى هذه العير فقط فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا يعني ما بين العشرة إلى العشرين يعني مائة وعشرون أو ثلاثمائة وعشرون ليس معهم سلاح ما معهم إلا سبعون بعيرا يتعاقبونها وفرسان فقط لأنهم لم يخرجوا لقتال وإنهم خرجوا للعير يأخذونها ويرجعون أبو سفيان كان رجلا محنكا ذكيا أرسل إلى أهل مكة وقال لهم أنقذوا عيركم محمد وأصحابه سيخرجون إلينا ليأخذوها ثم سلك طريق البحر بعيدا عن المدينة وقريش لما سمعت بهذا أخذتها حمية الجاهلية فاستنفروا ونفروا جميعا بكبرائهم وعظمائهم لحكمة أرادها الله ﷿ فلما خرجوا ظاهر مكة جاءهم الخبر أن أبا سفيان سلم ونجا لأنه سلك طريق البحر بعيدا عن المدينة ولم يدركه الرسول وأصحابه فتشاوروا فيما بينهم قالوا مادامت العير نجت فنرجع إلى مكة وما لنا والحروب فقال كبراؤهم كأبي جهل وغيره والله ما نرجع إلى مكة أبدا حتى نصل إلى بدر وهي نقطة المفرق بين","vol":"6","page":636},{"text":"مكة والمدينة والشام ننحر الجزور ونشرب الخمور نعوذ بالله وتعزف علينا القيان فرحا وطربا وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا أعوذ بالله خرجوا كما قال الله ﷿ ﴿خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس﴾ فصمموا على أن يقابلوا الرسول ﷺ ويلتقوا في بدر كان النبي ﷺ وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وقريش تسعمائة رجلا لكن قريشا مستعدة للحرب بعتادها وقوتها والرسول ﷺ ما استعد ولكن الله ﷿ جمع بينهما على غير ميعاد لينفذ ما حكم وأراد ﷿ فالتقوا وفي هذا يقول الله ﷿ ﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلا﴾ فقد رآهم الرسول ﷺ في المنام قليلا ليتشجع على لقائهم ﴿ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم﴾ سبحان الله هم يرون الصحابة قليلين والصحابة يرونهم قليلين حتى يتحفز كل واحد لمقابلة الآخر فالتقوا وحدثت معركة وقتل من أهل مكة سبعون وأسر سبعون وقتل من المسلمين سبعون رجلا سبحان الله ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ المهم أنه حدثت الواقعة وقاتلوا قتالا شديدا وقتل صناديد قريش ومنهم السبعة أو الثمانية الذين ألقوا سلا الجزور على رسول الله ﷺ وهو ساجد تحت الكعبة في هذه القصة المشهورة والتي دعا فيها الرسول عليهم قائلا اللهم عليك بقريش اللهم عليكم بقريش اللهم عليك بفلان وفلان وعددهم فقتلوا في بدر ثم إن الرسول ﷺ أمر بهؤلاء الصناديد الكبراء وألقوا في قليب بئر منتنة خبيثة وبقى الرسول ﷺ منصورا مظفرا في ذلك","vol":"6","page":637},{"text":"المكان ثلاثة أيام وكان من عادته إذا قاتل قوما وانتصر عليهم أن يبقى في العرسة ثلاثة أيام..\nإلى آخر ما هو مشهور عن تلك القصة المهم أن الذين قاتلوا في بدر وهم ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا هم من أفضل المسلمين أتدرون ماذا قال لهم ربهم ﷿ قال ﴿اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾ كل ذنب يفعله واحد من أهل بدر مهما كان عظمه فهو مغفور له لكنهم لم يكفروا وحصل هذا تطبيقا فإن أحدهم لما أراد النبي ﷺ أن يذهب إلى قريش في غزوة الفتح أرسل حاطب وهو ممن حضروا معه بدرا امرأة معها كتاب إلى قريش قال لهم إن الرسول ﷺ سيغزوكم فانتبهوا فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك فأرسل رجلين أحدهما علي بن أبي طالب إلى هذه المرأة وأدركوها في روضة خاء وأمسكوا بها وقالوا لها إلى أين قالت إلى مكة وماذا معك قالت لا شيء قالوا لها إما أن تعطينا ما معك وإلا كشفنا عنك فأخرجته لهم وإذا هو كتاب من حاطب بن بلتعة ﵁ وهو ممن شهد بدرا فجاءوا به للرسول ﷺ وعرضوه عليه فدعاه قائلا ما هذا يا حاطب كيف تخون كيف ترسل إلى قريش بأخبارنا وهذا يسمى عند الناس جاسوسا اعتذر بعذر قال عمر أو غيره من الصحابة يا رسول الله أنا أضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله قال ﷺ أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فوقعت هذه الفعلة القبيحة الشنيعة","vol":"6","page":638},{"text":"وقعت موقع مغفرة لماذا لأن الرجل من أهل بدر فهم ﵃ وجمعنا وإياكم معهم في جنات النعيم فالذي منع الرسول أن يقتل هذا الرجل أنه شهد بدرا وعلى هذا إذا وجدنا جاسوسا من المسلمين يخبر الكفار بأخبارنا وجب قتله حتى لو قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وجب قتله بدون استثناء لأن الرسول ﷺ لم يمنعه من قتل حاطب إلا كونه من أهل بدر وهي مزية لن تحصل إلى يوم القيامة وقد استدل العلماء ﵏ بهذا الحديث على أن الجاسوس يقتل سواء أكان مسلما أم كافرا على كل حال لأنه يفضي بأخبارنا إلى أعدائنا والله الموافق\n١٨٣١ - وعن جابر ﵁ قال: كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ يعني في الخطبة فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل صوت العشار حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكن وفي رواية: فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق وفي رواية: فصاحت صياح الصبي فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت قال","vol":"6","page":639},{"text":"بكت على ما كانت تسمع من الذكر رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث المنثورة التي ذكرها المؤلف ﵀ في آخر كتابه رياض الصالحين حديث جابر وفيه آية من آيات الله ﷿ وآية لرسوله ﷺ واعلم أن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر لأنه لو أرسل رسولا بدون آية تدل على أنه رسول الله ما صدقه أحد ولكان للناس عذر في رد قوله ولكن الله تعالى بحكمته ورحمته ما أرسل رسولا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر الآيات يعني العلامات التي تدل على صدقه وآيات النبي ﷺ كثيرة ومن أراد الاستزادة منها فعليه بكتابين أحدهما الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح فقد ذكر ﵀ شيخ الإسلام في هذا الكتاب في آخره من آيات النبي ﷺ الكونية والشرعية ما لم يحصل لغيره ﵀ رحمة واسعة والثاني البداية والنهاية لابن كثير ﵀ فآيات الرسول ﷺ كثيرة منها ما ذكره جابر كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جزع نخلة فلما صنعت له امرأة من الأنصار منبرا يخطب عليه فإذا بالجزع يحن حنان العشار وأحيانا يبكي بكاء الصبي لفقد النبي ﷺ الله أكبر جماد..\nجزع..\nيبكي لفقد الرسول ﷺ","vol":"6","page":640},{"text":"والآن قمم عظيمة فقدت لا يبكي لها أحد أعاننا الله وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته نزل النبي ﷺ وجعل يسكته كما تسكت الأم صبيا وهو جماد فسكت الجزع فكان في هذا آتيان ١ - صياح الجزع لما فقد النبي ﷺ ٢_ سكوت الجزع لما نزل النبي ﷺ يسكته ونظيرها آية وقعت لموسى ﵇ فقد آذاه بنو إسرائيل أذية عظيمة كما قال الله ﷿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا من جملة ما قالوا فيه إنه آذر يعني كبير الخصيتين وهو عيب وكان ﷺ يستتر إذا اغتسل وكانوا هم يغتسلون عراة فقالوا إن موسى لا يستتر إلا لما فيه من عيب فأراد الله ﷿ أن يريهم أنه لا عيب فيه بغير اختيار موسى نزل يغتسل مرة ووضع ثوبه على حجر فلما كان يغتسل هرب الحجر ذهب يسعى يشتد فلحقه موسى يقول ثوبي حجر ثوبي حجر يعني أعطني ثوبي يا حجر والحجر سائر حتى وصل إلى ملأ من بني إسرائيل فشاهدوا موسى بلا عيب والحمد لله ثم وقف الحجر فجعل موسى يضربه لأنه فعل فعل ما يفعله العاقل فاستحق أن يؤدبه بالضرب مثل ذلك ما تفعله الأمهات بأولادها الصغار إذا عثر الطفل أو ضربه شيء جعلت تضرب ما أعثره لأجل أن تسكت الصبي وتطيب خاطره المهم أن الرسول ﷺ ينزل يسكت الجزع فسكت وهذه من آيات الله ﷿ والله أعلم","vol":"6","page":641},{"text":"١٨٣٢ - وعن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها حديث حسن رواه الدارقطني وغيره\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث من أحاديث الملح المنثورة التي ذكرها النووي ﵀ في آخر كتابه رياض الصالحين عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن النبي ﷺ قال إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تبحثوا عنها هذه ثلاث جمل بينها النبي ﷺ وبين حكمها أولا فرض الله فرائض وأعظم فرائض الله على عباده التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ففي شهادة أن لا إله إلا الله توحيد الله بالعبادة وألا يعبد أحد سواه وفي شهادة أن محمدا رسول الله توحيد النبي ﷺ بالمتابعة بحيث لا يتابع أحد سواه هذه أفرض الفرائض ثم الصلوات والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين وصلة الرحم وحسن الجوار والصدق والنصيحة ...\nأشياء كثيرة فرضها الله تعالى على عباده منها فرائض عينية على كل واحد ومنها فرائض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين فالصلوات الخمس فرض عين لابد على كل مسلم أن يقوم بها والصلاة على الجنازة","vol":"6","page":642},{"text":"فرض كفاية إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين وحد حدودا فلا تعتدوها في الفرائض قال لا تضيعوها ولكن احرصوا عليها وقوموا بها على الوجه المطلوب وحد حدودا فلا تعتدوها يعني جعل للأشياء حدا معينا فالصلوات الخمسة مثلا لها حد وهي أوقاتها الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال العصر من هذا الوقت إلى غروب الشمس والمغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر العشاء من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس هذه حدود الصوم له حد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس الحج له حد أشهر معلومات في أماكن معينة إلخ حد حدودا فلا تعتدوها يعني لا تتجاوزوها قال تعالى ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تبحثوا عنها سكت عن أشياء لم يوجبها علينا ولم يحرمها ولو شاء لأوجب علينا ما شاء وحرم ما شاء لكنه سكت عن أشياء لولا رحمته لألزمنا بها وأضرب لكم مثلا بالصلوات الخمس فأول ما فرضها الله على العباد خمسين صلاة في اليوم والليلة ثم إن الله تعالى عفا وصارت خمسا في العمل خمسين في الثواب وأشياء كثيرة عفا الله عنها ولو شاء لألزمنا بها وفي قوله وسكت عن أشياء دليل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الله يتكلم بصوت مسموع لأن السكوت ضد الكلام وهو","vol":"6","page":643},{"text":"جل وعلا يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء لا نعلم كيف يتكلم ولا متى ولا بماذا يتكلم لكن نؤمن بأنه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون ولهذا لا تحصى كلمات الله ﷿ قال الله تعالى ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام﴾ يعني لو كانت جميع أشجار الأرض أقلاما يكتب بها ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ وقال ﷿ ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾\n١٨٣٣ - وعن عبد الله بن أبي أوفي ﵄ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد وفي رواية نأكل معه الجراد متفق عليه\n١٨٣٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين متفق عليه","vol":"6","page":644},{"text":"ثم ذكر حديث عبد الله بن أوفى ﵁ قال غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد معه الجراد معروف وهو من الحلال يأكله الإنسان حيا وميتا قال النبي ﷺ أحلت لنا ميتتان ودمان الميتتان الجراد والحوت ولهذا لا يحتاج إلى تزكية وهو صيد فإن كان في مكة حرم على الإنسان أن يصيده وأن يطيره من مكانه ويجب على من رأى من يصيده بالحرم أن يزجره ويمنعه لأنه صيد محرم لا يجوز صيده في مكة ولا أن تطيره وغيرها من الطيور وفي هذا دليل على أن الصحابة ﵃ يستدلون بإقرار الرسول ﷺ يعني إن فعلوا شيئا وأقرهم عليه فهو حلال وهو كذلك لأن الرسول ﷺ يستطيع منعهم ولكن ما دام سكت دل ذلك على الجواز أما حديث أبي هريرة فقال النبي ﷺ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين اللدغ هو لدغ الحية المؤمن كيس فطن محترز لا يلدغ من جحر مرتين بمعنى أنه إذا حدث له شيء من أي عمل يكون فإنه لا يعود إليه لأنه يحاذر وإذا لدغ من جحر تركه وعرف أنه لا فائدة منه فالمؤمن","vol":"6","page":645},{"text":"لا يلدغ من جحر مرتين لأنه حاذر فطن كيس فدل ذلك على أن الإنسان ينبغي له أن يكون فطنا وألا يعود لشيء أصابه منه ضرر بل يكون مؤمنا لأن هذا من كمال الإيمان والله الموفق\nالمنثورات والملح (القسم الثاني)\n١٨٣٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفي وإن لم يعطه منها لم يف متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين كلها عن أبي هريرة ﵁ أن ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ثلاثة يعني ثلاثة أصناف ليس المقصود ثلاثة رجال وإنما قد يكونون أمما عظيمة اتصفوا بهذه الأوصاف أولهم رجل على فضل ماء في فلاة يمنعه ابن السبيل يعني إنسان عنده ماء من مزرعة أو بئر أو غير ذلك في أرض فلاة خالية من السكان يمر الناس","vol":"6","page":646},{"text":"من عنده ليشربوا فيمنعهم والعياذ بالله هذا لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وما بالك بحال رجل هذا حاله لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم يوم القيامة والثاني رجل باع سلعة بعد العصر فحلف للمشتري أنه أعطى كذا وكذا وهو كاذب فاشتراها المشتري بناء على ما قاله البائع أنه صدق والأمر ليس كذلك فهذا أيضا لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وذكر النبي ﷺ العصر لأن أفضل أوقات النهار ما بعد صلاة العصر وإلا فلو حلف الإنسان على سلعة في غير هذا الوقت أيضا فإنه لا يكلمه الله ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم ففي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قالها ثلاثا فقال أبو ذر من هم يا رسول الله خابوا وخسروا قال المسبل يعني الذي يسبل ثوبه ينزله على الكعب حتى يجره على الأرض والثاني المنان الذي يمن على الناس إذا أعطاهم مالا أو علمهم أو أحسن إليهم بشيء جعل يمن عليهم والعياذ بالله والثالث المنفق سلعته بالحلف الكاذب يعني الذي يحلف وهو كاذب ليزيد ثمن السلعة فدل ذلك على أن ذكر وقت العصر في حديث أبي هريرة إنما هو لشدة العذاب والوعيد وإلا فكل من حلف على سلعة وهو كاذب من أجل أن يزيد ثمنها فإنه لا يكلمه الله ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم","vol":"6","page":647},{"text":"والثالث في حديث أبي هريرة رجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا إن أعطاه وفى له بالبيعة وإن لم يعطه لم يف بالبيعة هذا أيضا من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وذلك أن بيعة الإمام واجبة يجب على كل مسلم أن يكون له إمام سواء كان إماما عاما كما كان في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الخلفاء أو إماما في منطقته كما هو الحال الآن ومنذ أزمنة بعيدة من زمن الأئمة الأربعة ومن بعدهم والمسلمون متفرقون كل جهة لها إمام وكل إمام مسموع له ومطاع بإجماع المسلمين لم يقل أحد من المسلمين إنه لا تجب الطاعة إلا إذا كان الخليفة واحدا لجميع بلاد الإسلام ولا يمكن أن يقول أحد بذلك لأنه لو قيل بهذا ما بقى للمسلمين الآن إمام ولا أمير ولمات الناس كلهم ميتة جاهلية لأن الإنسان إذا مات وليس له إمام فإنه يموت ميتة جاهلية يحشر مع أهل الجهل والعياذ بالله الذين كانوا قبل الرسالات فالإمام في مكان وفي كل منطقة بحسبها","vol":"6","page":648},{"text":"فهذا الرجل بايع الإمام لكنه بايعه للدنيا لا للدين ولا لطاعة رب العالمين إن أعطاه من المال وفى وإن منعه لم يف فيكون هذا الرجل والعياذ بالله متبعا لهواه غير متبع لهداه ولا طاعة مولاه بل هو بنى بيعته على الهوى قد يقول قائل مثلا نحن لم نبايع الإمام فليس كل واحد بايعه فيقال هذه شبهة شيطانية باطلة هل الصحابة ﵃ حين بايعوا أبا بكر هل كل واحد منهم بايع حتى العجوز في بيتها واليافع في سوقه أبدا المبايعة لأهل الحل والعقد ومتى بايعوا ثبتت الولاية على كل أهل هذه البلاد شاء أم أبى ولا أظن أحدا من المسلمين بل ولا من العقلاء يقول إنه لابد أن يبايع كل إنسان ولو في جحر بيته ولو عجوزا أو شيخا كبيرا أو صبيا صغيرا ما قال أحد بهذا حتى الذين يدعون الديمقراطية في البلاد الغربية وغيرها لا يفعلون هذا وهم كاذبون حتى انتخاباتهم كلها مبنية على التزوير والكذب ولا يبالون أبدا إلا بأهوائهم فقط الدين الإسلامي متى اتفق أهل الحل والعقد على مبايعة الإمام فهو الإمام شاء الناس أم أبوا فالأمر كله لأهل الحل والعقد ولو جعل الأمر لعامة الناس حتى للصغار والكبار والعجائز والشيوخ وحتى من ليس له رأي ويحتاج أن يولى عليه ما بقى للناس إمام لأنهم لابد أن يختلفوا","vol":"6","page":649},{"text":"المهم هذه ثلاثة أشياء إذا صارت في الإنسان فإن الله لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وفي هذا الحديث دليل على ثبوت كلام الله ﷿ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم كما شاء وبما شاء ومتى شاء لا أحد يعجزه ولا يمتنع عليه شيء إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا﴾ فقوله لا يكلمهم الله دليل على أنه يكلم غيرهم وهو كذلك وفيه أن الله ينظر نظرين الأول العام فإنه لا يخفى على نظره شيء جل وعلا يرى كل شيء والثاني الخاص وهو نظر الرحمة وهو المعنى في الحديث فإن الله لا ينظر إليهم نظر رحمة وفيه أيضا دليل على أن الله هو المزكي للعباد كما قال الله تعالى ﴿ولكن الله يزكي من يشاء﴾ فالمزكي للأمور وللأشخاص وللأعمال هو رب العالمين ﷿ فاسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن زكاه ربه إنه على كل شيء قدير","vol":"6","page":650},{"text":"١٨٣٦ - وعنه عن النبي ﷺ قال بين النفختين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما قال أبيت قالوا أربعون سنة قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب الذنب فيه يركب الخلق ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل متفق عليه\n١٨٣٧ - وعنه قال بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال متى الساعة فمضى رسول الله ﷺ يحدث فقال بعض القوم سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال أين السائل عن الساعة قال ها أنا يا رسول الله قال إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة رواه البخاري\n١٨٣٨ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطئوا فلكم وعليهم رواه البخاري\n١٨٣٩ - وعنه ﵁ ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في","vol":"6","page":651},{"text":"الإسلام\n١٨٤٠ - وعنه عن النبي ﷺ قال عجب الله ﷿ من قوم يدخلون الجنة في السلاسل رواهما البخاري معناها يؤسرون ويقيدون ثم يسلمون فيدخلون الجنة\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث من الملح والمنثورات وسبق الكلام عن الكثير منها فهذه أحاديث أربعة عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول بين النفختين أربعون يعني النفخ في الصور والصور موكل به ملك من الملائكة يسمى إسرافيل هذا الصور ينفخ فيه أول مرة فيفزع الناس لهوله وشدته ثم يصعقون كلهم أي يموتون كما قال الله تعالى ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين وقال تعالى ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾ فالنفخة الأولى يكون بها الفرع والصعق يعني الموت والفناء والنفخة الثانية يكون فيها القيام ﴿فإذا هم قيام ينظرون﴾ قيام من قبورهم ينظرون ماذا حدث وذلك أن الله تعالى يرسل عليهم قبل ذلك مطرا غليظا كمني الرجال ثم ينبتون في قبورهم كما ينبت حمى السيل يعني حبة","vol":"6","page":652},{"text":"تنبت في الأرض ثم تخرج وهم كذلك ينبتون ثم ينفخ في الصور النفخة الثانية فيخرج من هذا الصور كل نفوس العالم بإذن الله وتذهب كل نفس إلى جسدها الذي كانت تعمره في الدنيا لا تخطئه..\nسبحان الله بينهما أربعون قيل لأبي هريرة أربعون يوما قال أبيت يعني لا يدري قالوا أربعون سنة قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت قال النبي ﷺ بينهما أربعون فنقول كما قال الرسول ﷺ والله أعلم المهم أن هذا هو النفخ في الصور ثم يقوم الناس إلى يوم الحساب لرب العالمين فيحاسبهم كل يحاسب بذنبه وحسابه ﷿ دائر ما بين الفضل والعدل لا ظلم فيه لأن المحاسبة إما ظلم أو عدل أو فضل وحسابه ﷿ دائر ما بين الفضل والعدل قال الله ﷿ ﴿فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعلمون﴾ أما الحديث الثاني حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ قال متى الساعة وكان النبي ﷺ يتحدث إلى أصحابه فمضى في حديثه لم يحب أن يقطعه ﷺ وكأنه والله أعلم حديث متواصل فقال قوم سمع ما قال فكرهه والإنسان إذا كره سؤال السائل فلا حرج عليه ألا يجيبه حتى ولو سمعه لأنه قد يكون السائل ليس عنده حكمة فيسأل سؤالا غير مناسب فللمجيب أن يدعه ولا يجيب وقال آخرون لعله لم يسمعه فلما قضى النبي ﷺ حديثه قال أين السائل قال أنا يا رسول الله","vol":"6","page":653},{"text":"قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة يعني إذا فسد الناس وكانت الأمور تسند إلى غير أهلها الفتوى تسند للجاهل والإمارة تسند للسفيه والإدارة تسند لمن لا علم عنده بالإدارة ...\nوهكذا والخلاصة أنه إذا فسد الناس فانتظر الساعة لأن الساعة تقوم على شرار الخلق ففي هذا التحذير من تضييع الأمانة وأنه يجب أن يولي المناصب الأهل فالأهل لأن هذا مقتضى الأمانة أما الحديث الثالث فهو أن النبي ﷺ أخبر أن هناك أئمة يعني أمراء يصلون لكم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم وهذا وإن كان في الأمراء يشمل أيضا أئمة المساجد يصلون لكم فإن أحسنوا في الصلاة وأتوا بها على ما ينبغي فذلك لكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم يعني ليس عليكم أنتم من إساءتهم من شيء وفي هذا إشارة إلى أنه يجب الصبر على ولاة الأمر وإن أساءوا في الصلاة وإن لم يصلوها على وقتها فإن الواجب ألا نشذ عنهم وأن نؤخر الصلاة كما يؤخرون وحينئذ يكون تأخيرنا للصلاة عن أول وقتها يكون تأخيرا بعذر لأجل موافقة الجماعة وعدم الشذوذ ويكون بالنسبة لنا كأننا صلينا في أول الوقت وفي هذا إشارة إلى أن الشذوذ عن الناس وعن ولاة الأمور والبعد عنهم وإثارة الناس عليهم ونشر مساوئهم كل هذا مجانب للدين الإسلامي فالدين","vol":"6","page":654},{"text":"يأمر بالخير والعدل وينهى عن الشر والفساد حتى إن الله قال ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء﴾ إذا ذكرت سيئة فاذكر الحسنة أما أن تسعد بذكر السيئات وتجحد الحسنات فهذا جور وظلم والله ﷿ لا يحب الظلم ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ أي لا يحملكم بغض قوم على عدم العدل بل اعدلوا هو أقرب للتقوى فهؤلاء الذين يصلون ويؤخرون الصلاة عن وقتها نصلي معهم ويكون لنا الأجر وإن كان التأخير فيه وزر فعلى المؤخرين أما الحديث الرابع لأبي هريرة عجب الله لقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل وفسره المؤلف ﵀ بأنهم قوم من الكفار يؤسرون ثم يسلمون فيكون هذا الأسر سببا في إسلامهم ودخولهم الجنة والله الموفق\n١٨٤١ - وعنه عن النبي ﷺ قال أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها رواه مسلم\n١٨٤٢ - وعن سلمان الفارسي ﵁ من قوله: قال لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته..\nرواه مسلم هكذا","vol":"6","page":655},{"text":"ورواه البرقاني في صحيحه عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فيها باض الشيطان وفرخ\n١٨٤٣ - وعن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال قلت: لرسول الله ﷺ يا رسول الله غفر الله لك قال ولك قال عاصم فقلت له استغفر لك رسول الله ﷺ قال نعم ولك ثم تلا هذه الآية ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ رواه مسلم\n١٨٤٤ - وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث من الأحاديث المنثورة التي ذكرها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين منها حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال أحب البقاع إلى الله مساجدها وأبغض البقاع إلى الله أسواقها أو قال البلاد فالمساجد مساجد الله ﷿ ولهذا أضافها الله إلى نفسه فقال ومن أظلم ممن منع","vol":"6","page":656},{"text":"مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وقال تعالى ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإتياء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ فالمساجد أحب البقاع إلى الله لأنها محل ذكره وعبادته وقراءة شرعه وغير ذلك من مصالح الدنيا والدين ولهذا كان بذل المال فيها من أفضل أنواع البذل والبذل فيها من الصدقة الجارية وهي أفضل من أن يجعل الإنسان ماله في أضحية أو عشاء أو ما أشبه ذلك فإذا جعل ماله في بناء المساجد وعمارتها كان ذلك أفضل لأن المساجد صدقة جارية باقية عامة كل المسلمين ينتفعون بها المصلون والدارسون والمتعلمون والمعلمون والذين آواهم البرد أو الحر إلى المساجد إلى غير ذلك أما الأسواق فإنما مأوى الشياطين فيها باض الشيطان وفرخ والعياذ بالله ونصب رايته وخيمته لأن أسواق البيع والشراء الغالب فيها إلا ما شاء الله الكذب والغش والخيانة والحلف وما أشبه ذلك فلهذا كانت أبغض البلاد إلى الله ﷿ وفي هذا الحديث إثبات الحب والبغض لله ﷿ أي أن الله يحب ويبغض ومن أصول أهل السنة والجماعة أننا نؤمن بذلك ونقول إن الله تعالى يحب ويبغض وهو ﷾ موصوف بصفات الكمال وأنه لا يحب إلا ما فيه الخير والصلاح ولا يبغض إلا الشر والخبائث وينبغي أيضا كما جاء في حديث سلمان ألا يكون أول من يدخلها ولا آخر من يخرج منها لأنها أبغض البلاد إلى الله ويحصل فيها اختلاط بين الرجال والنساء والنظرات المحرمة والكلام المحرم وما أشبه ذلك","vol":"6","page":657},{"text":"أما حديث عبد الله بن سرجس ﵁ فهو أنه سأل النبي ﷺ أن يستغفر له فأجابه النبي ﷺ قال استغفر لي يا رسول الله فأجابه وفي هذا دليل على أن النبي ﷺ ليس كغيره أي يسأل منه الدعاء أن إنسانا يقول له يا رسول الله استغفر لي وهذا في حياته أما بعد موته فلا يجوز فمن سأل الرسول أن يستغفر له بعد وفاته فهو مشرك كافر أما في حياته فلا بأس وقد أمر الله نبيه أن ﴿يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات﴾ فقال واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والمغفرة هي أن الله تعالى يستر العبد ولا يطلع الناس على ذنبه ويعفو عنه ويتجاوز عنه لأنها مأخوذة من الستر والوقاية وهو المغفرة\n١٨٤٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث من الأحاديث المنثورة التي ذكرها النووي ﵀ في آخر كتابه رياض الصالحين منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال أول ما يقض بين الناس يوم القيامة في الدماء وذلك أن الله تعالى يفصل يوم القيامة بين العباد ويحكم بينهم أما فيما بينهم وبين الله فحكمه دائر بين العدل والفضل إما أن","vol":"6","page":658},{"text":"يجازي بالعدل وإما بالفضل وأما فيما بين الناس بعضهم مع بعض فيجازي بالعدل فكل إنسان منهم يعطى حقه بدون نقص ولا زيادة فأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة فإن كان أحسنها فقد أفلح وأنجح وإن كان قد ضيعها فهو لما سواها أضيع لأن من ضيع الصلاة فلا آمر له بالمعروف ولا ناهي له عن المنكر كما قال تعالى اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أما فيما بين العباد فأول ما يقضي بينهم في الدماء القتل ثم الأموال والأعراض والقتل تارة يكون بحق وتارة يكون بغير حق والمقصود بذلك القتل بغير حق فهذا هو أول ما يقض فيه بين الناس يوم القيامة وفي هذا الحديث إثبات القضاء يوم القيامة وأنه حق وأنه لابد أن يعطي كل مظلوم مظلمته لكن هاهنا مسألة وهي يأتي إنسان إلى شخص يكون قد ظلمه بغيبة أو قذف أو ما أشبه ذلك ثم يطلب منه السماح بعد أن تاب إلى الله وندم فيقول لصاحب الحق اسمح لي أنا مذنب وأنا الآن أستغفر الله وأتوب إليه فاسمح لي ويعتذر ولكن صاحب الحق لا يقبل فهنا نقول إذا علم الله من العبد صحة التوبة فإن الله تعالى يتحمل عنه حق هذا الآدمي الذي أبى أن يسامحه ومثل ذلك أيضا المال لو أن إنسانا كان بينك وبينه مشاجرة وجحدت ماله","vol":"6","page":659},{"text":"وكان في ذمتك له مال لكنك جحدته ثم بعد ذلك تبت إلى الله وأقررت به وذهبت إليه وقلت يا فلان أنا جحدتك حقك في الأول والآن أنا تائب إلى الله ونادم خذ مالك ولكنه قال بيني وبينك يوم القيامة فهنا نقول إذا علم الله من نيتك أنك صادق في التوبة فإن الله يتحمل عنك الإثم يعني يرضي صاحبك لكن تصدق بهذا المال عنه حتى تبرأ ذمتك منه فمثلا إذا كان حقه مائة ريال ثم جئت إليه بعد أن ندمت واستغفرت وقلت له خذ هذه الدراهم مائة ريال قال لا أريدها من عملك الصالح يوم القيامة وأبى فحينئذ نقول إذا علم الله من نيتك أنك صادق فإنك لا تأثم ويزول عنك الإثم لكن هذه المائة تصدق بها عن صاحبك تخلصا منها\n١٨٤٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم رواه مسلم\n١٨٤٧ - وعنها ﵂ قالت: كان خلق نبي الله ﷺ القرآن رواه مسلم في جملة حديث طويل","vol":"6","page":660},{"text":"١٨٤٨ - وعنها قالت قال رسول الله ﷺ من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقلت يا رسول الله أكراهية الموت فكلنا نكره الموت قال ليس كذلك ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه رواه مسلم\nأما الحديث الثاني فحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أخبر عن بدء الخلق فذكر ﷺ أن الملائكة خلقوا من النور ولذلك كانوا كلهم خيرا لا يعصون الله ولا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون فالملائكة خلقوا من نور أما الشياطين الجن فقال إنهم خلقوا من نار وفي هذا دليل على أن الجن هم ذرية الشيطان الأكبر الذي أبى أن يسجد لآدم وقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فالجن كلهم مخلوقون من النار ولهذا كثير منهم الطيش والعبث والعدوان على كل من يستطيعون العدوان عليه لكن اقرأ آية الكرسي في ليلك فلا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك الشيطان حتى تصبح وخلق آدم مما ذكر لكم يعني خلق من طين من تراب من","vol":"6","page":661},{"text":"صلصال كالفخار لأن التراب صار طينا ثم صار فخارا فخلق منه آدم ﵊ ولهذا قال الله تعالى ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ وحديثها الثاني ﵂ قالت كان خلق النبي ﷺ القرآن يعني أنه يتخلق بأخلاق القرآن ما أمر به القرآن قام به وما نهى عنه القرآن اجتنبه سواء كان ذلك في عبادات الله أو في معاملة عباد الله فخلق النبي ﷺ القرآن وفي هذا إشارة من أم المؤمنين عائشة ﵂ أننا إذا أردنا أن نتخلق بأخلاق الرسول ﷺ فعلينا أن نتخلق بالقرآن لأن هذا هو أخلاق النبي ﷺ حديثها الثالث ﵂ أن النبي ﷺ قال من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة ﵂ أكراهية الموت يا رسول الله فكلنا يكره الموت قال ليس كذلك فأخبر النبي ﷺ أن الإنسان إذا أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وذلك أن المؤمن يؤمن بما أعد الله للمؤمنين في الجنة من الثواب الجزيل والعطاء العميم الواسع فيحب ذلك وترخص عليه الدنيا ولا يهتم بها لأنه سوف ينتقل إلى خير منها فحينئذ يحب لقاء الله ولاسيما عند الموت إذا بشر بالرضوان والرحمة فإنه يحب لقاء الله ﷿ ويتشوق إليه فيحب الله لقاءه أما الكافر والعياذ بالله فإنه إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله فكره الله لقاءه ولهذا جاء في حديث المحتضر أن نفس الكافر إذا بشرت بالغضب والسخط تفرقت في جسده وأبت أن تخرج ولهذا تنزع النفس","vol":"6","page":662},{"text":"روح الكافر من جسده كما ينزع الشعر من السفود المبلول بمعنى أنه يكره على أن تخرج روحه وذلك لأنه يبشر والعياذ بالله بالشر ولهذا قال الله تعالى ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ فهم شحيحون بأنفسهم والعياذ بالله لا يريدون أن تخرج ولكن الملائكة تقول أخرجوا أنفسكم فإذا بشرت تفرقت في الجسد فينتزعها الملائكة كما ينتزع السفود من الصوف المبلول والعياذ بالله حتى تخرج المهم أن المؤمن يحب لقاء الله لأنه يحب الله ﷿ يحب ثوابه يحب جنته يحب النعيم فهو يحب لقاء الله ولاسيما عند الموت فيحب الله لقاءه اللهم اجعلنا ممن يحب لقاءك يا رب العالمين وأحسن لنا الختام إنك على كل شيء قدير\n١٨٤٩ - وعن أم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂ قالت كان النبي ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت لأنقلب فقام معي ليقلبني فمر رجلان من الأنصار ﵄ فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال ﷺ على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقالا سبحان الله يا رسول الله فقال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن","vol":"6","page":663},{"text":"يقذف في قلوبكما شرا أو قال شيئا متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان الحديثان ذكرهما المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين الأول حديث صفية بنت حيي ﵂ أم المؤمنين كان النبي ﷺ معتكفا في المسجد في رمضان ولا اعتكاف إلا في رمضان لأن النبي ﷺ لم يعتكف في غير رمضان إلا سنة واحدة فاتته العشر في رمضان فقضاها في شوال وما عدا ذلك فلم يشرع لأمته ﷺ أن يعتكفوا في غير رمضان وإنما كان الاعتكاف من أجل تحرى ليلة القدر فقد كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأول من رمضان رجاء ليلة القدر ثم الأوسط ثم قيل له إنها في العشر الأواخر فواظب على الاعتكاف في العشر الأواخر وأما حديث عمر أنه سأل النبي ﷺ أنه نذر أي عمر أن يعتكف ليلة أو ليلتين في المسجد الحرام فقال أوف بنذرك فهذا لا يدل على أن الاعتكاف مشروع وإنما يدل على وفاء النذر بالاعتكاف وأنه ليس بمعصية لو أوفى بنذره فيه لكن السنة أن الاعتكاف يكون في رمضان فقط وفي العشر الأواخر منه فقط اعتكف ﷺ في العشر الأواخر والاعتكاف هو لزوم المسجد في طاعة الله ليتفرغ الإنسان للعبادة وليس لغير ذلك","vol":"6","page":664},{"text":"جاءته صفية وهو معتكف لتتحدث إليه وهي امرأته ولا بأس للإنسان أن يتحدث إليه أهله وهو معتكف فذلك من الألفة والمحبة والمودة ثم قامت إلى بيتها وكان النبي ﷺ خير الناس بأهله كما قال ﷺ خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي فقام معها يشيعها إلى بيته فإذا برجلين من الأنصار يمران فلما رأيا رسول الله ﷺ خجلا واستحييا فأسرعا في مشيهما فقال النبي ﷺ على رسلكما يعني لا تسرعا إنها صفية بنت حيي لئلا يظنا أنها امرأة جاءت لرسول الله ﷺ في الليل محل السكن وإيواء البيوت فقالا سبحان الله تعجبا أن يقول الرسول هذا الكلام فقال النبي ﷺ إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فيصل إلى قلبه وإلى عروقه كما أن الدم يسير في جميع البدن كذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ومجرى هذا اسم مكان أي في مكان جريان الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا أو قال شيئا ففي هذا الحديث دليل على فوائد ١_ حسن خلق النبي ﷺ في معاملته أهله ٢_ ومنها جواز زيارة المرأة زوجها في الاعتكاف وأن ذلك لا يبطل الاعتكاف حتى لو فرض أنه تلذذ بالنظر إليها وما أشبه ذلك فإنه لا يضر لأن الله إنما نهى عن مباشرة النساء في الاعتكاف","vol":"6","page":665},{"text":"٣_ ومنها أنه ينبغي للإنسان أن يشيع أهله إذا انقلبوا من عنده إذا كان ذلك ليلا أو في وقت يخاف فيه عليهم ٤_ ومنها أنه ينبغي للإنسان أن يزيل أسباب الوساوس من القلوب فمثلا إذا خشي أن أحدا يظن به شرا فإنه يجب عليه أن يزيل ذلك عنه ويخبره بالواقع حتى لا يحدث في قلبه شيء ٥_ ومنها أنه إذا حدث للإنسان ما يتعجب منه فليقل سبحان الله كما قال ذلك الأنصاريان وأقرهما النبي ﷺ ٦_ ومنها شفقة النبي ﷺ على أمته ودرء الشر عنهم أما الحديث الثاني عن العباس ﵁ فهو في قصة حنين وحنين هي اسم مكان غزا به النبي ﷺ ثقيفا وكان الصحابة ﵃ قد فتحوا مكة في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة ومعهم عشرة آلاف من خارج مكة وألفان من أهل مكة فالجميع اثنا عشر ألفا فجعل بعضهم يقول لبعض لن نغلب اليوم من قلة أعجبوا بكثرتهم ولكن الله تعالى أراهم أن النصر من عند الله وأن الكثرة والقوة لا تحولان بين قضاء الله وقدره قابلوا ثقيفا وكانت ثقيف ثلاثة آلاف وخمسمائة نفر والمسلمون اثنا عشر ألفا ومعهم الرسول ﷺ فكمنت لهم ثقيف في وادي حنين ومعلوم أنه إذا كمنوا لهم ثم تقدم بعضهم وتأخر آخرون سوف تحدث الهزيمة انهزم الصحابة ﵃ وولوا ولم يبق مع الرسول ﷺ من اثني عشر ألفا إلا نحو مائة رجل كما قال الله تعالى ثم وليتم مدبرين ولكن محمدا ﷺ الذي أعطاه الله تعالى الشجاعة العظيمة والإقدام في موضع الإقدام جعل يركض بغلته نحو العدو وهو يقول ﷺ أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب يعلمهم ﵊ وأمر العباس ﵁ وكان رجلا جهوري الصوت أمره أن ينادي الصحابة ليرجعوا فجعل ينادي يا أصحاب السمرة ...\nيا أصحاب السمرة يا أصحاب السمرة أقبلوا..\nهلموا والسمرة هي الشجرة التي بايع الصحابة عليها رسول الله ﷺ في الحديبية على ألا يفروا وهم فروا الآن فقال يا أصحاب السمرة يذكرهم بهذه المبايعة وهذه السمرة شجرة بايع النبي ﷺ تحتها الصحابة على ألا يفروا أبدا وفيها يقول الله تعالى ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ فأخبر الله تعالى أنه رضى عنهم وأخبر النبي ﷺ أنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة بشرى عظيمة أنهم لا يدخلون النار لا قليلا ولا كثيرا المهم أن العباس دعاهم بهذا يا أصحاب السمرة قالوا لبيك..\nلبيك وأقبلوا كأنهم البقر على أولادها الصغار يعني مسرعين جدا فقاتلوا العدو وأخذ النبي ﷺ حصيات رمى بها وجوه القوم وقال انهزموا ورب محمد وصار الأمر كذلك انهزمت ثقيف وغنم منها النبي ﷺ غنائم كثيرة كثيرة جدا ما بين إبل وغنم وأحوال فالحاصل أن هذا الحديث من آيات الله ﷿ حيث نصر الله المؤمنين بعد أن أراهم قوته وأن الأمر أمره جل وعلا ليس بالكثرة ولا بالقوة ولا بالعزيمة ولكن النصر من عند الله ﷿ قال الله تعالى ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء﴾ وفي هذا الحديث من الفوائد ١_ قوة شجاعة النبي ﷺ حيث تقدم إلى العدو بقوله وفعله أما فعله فإنه جعل يركض بغلته التي هو راكب عليها نحو العدو وأما قوله فإعلانه بصوته الرخيم أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ٢_ ومنها أنه يجب على الإنسان ألا يعجب بقوته ولا بكثرته ولا بعلمه ولا بماله ولا بذكائه ولا بعقله والغالب أن الإنسان إذا أعجب فإنه يهزم بإذن الله إن أعجب بكثرته هزم وإن أعجب بعلمه ضل وإن أعجب بعقله تاه لا تعجب بنفسك ولا بأي قوة من قواتك بل استعن بالله ﷿ وفوض الأمر إليه حتى يتم لك ما تريد ٣_ ومنها جواز ركوب البغلة والبغل متولد من بين الحمار والفرس ينزو الحمار على الأنثى من الخيل فتلد البغل وهو نجس وحرام لكنه طاهر في ظاهره كالهرة طاهرة ولكن بولها وعذرتها نجسة وكذلك البغل فعرقه طاهر ومسه حال ركوبه طاهر لأن النبي ﷺ ركبه وهو يعرق وقد يكون المطر ولم يرد أن النبي ﷺ كان يحترز منه فدل ذلك على أنه طاهر وهو القول الراجح ٤_ ومنها أنه ينبغي للإنسان أن ينادي الناس بما يشجعهم لأن العباس لم يقل يا أيها المؤمنون يا أيها الصحابة بل قال يا أصحاب السمرة لأن هذا يشجعهم ويذكرهم بالبيعة التي بايعوا عليها رسول الله ﷺ ٥_ ومنها أن الله تعالى قد ينصر الفئة القليلة ولو على باطل على الفئة الكثيرة ولو على حق الفئة القليلة هنا من الكفار ثلاثة آلاف وخمسمائة الفئة الكثيرة الصحابة ﵃ ومعهم رسول الله ﷺ كن يستفاد من هذا فائدة أيضا أن العاقبة للمتقين حتى لو هزم المسلمون بكثرتهم فإن العاقبة لهم لأن الله تعالى يقول ﴿فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ والله الموفق\n١٨٥٠ - وعن أبي الفضل العباس بن عبد المطلب ﵁ قال شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ لم نفارقه ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء فلما التقى المسلمون والمشركون ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ أي عباس ناد أصحاب السمرة قال العباس وكان رجلا صيتا فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا يا لبيك يا","vol":"6","page":666},{"text":"لبيك فاقتتلوا هم والكفار والدعوة في الأنصار يقولون يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال انهزموا ورب محمد فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فمازلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا رواه مسلم الوطيس التنور ومعناه اشتدت الحرب وقوله حدهم هو بالحاء المهملة أي بأسهم","vol":"6","page":667},{"text":"١٨٥١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطبيات واعملوا صالحا﴾ وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طبيات ما رزقناكم﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك رواه مسلم\n١٨٥٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم","vol":"6","page":670},{"text":"شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر رواه مسلم العائل الفقير\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى في آخر كتابه رياض الصالحين من الأحاديث المنثورة ما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم كان من عادة النبي ﷺ وحسن بلاغته وبيانه أنه يذكر أحيانا الأشياء مفصلة محددة حتى يسهل حفظها وفهمها أحيانا يقول ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة وأحيانا يقول اثنتان من أمتي ...\nوأحيانا يقول سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله وأشباه ذلك كثيرة لأن الشيء إذا فصل وحدد في العدد صار أضبط للإنسان وأقرب إلى الفهم ولا ينسى ثلاثة يعني ثلاثة أصناف وليس المراد ثلاثة أفراد بل ثلاثة أصناف من الناس لا يكلمهم الله يوم القيامة تكليم رضا وإلا فإنه ﷿ يتكلم تكليم غضب حتى يكلم أهل النار لما قالوا ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال لهم ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾","vol":"6","page":671},{"text":"لكن المراد كلام الرحمة والرضا فهؤلاء الثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم أي نظر رحمة وإشفاق وإكرام وعزة بل يذلهم ﷿ ولا يزكيهم أي لا يجعل لهم زكاء بل هم في شقاء دائم والعياذ بالله الأول شيخ زان يعني كبير السن زان هذا والعياذ بالله زناه أشد من زنا الشاب لأن دواعي الشهوة فيه قليلة على عكس الشاب فدواعي الشهوة فيه قوية قد تغلبه على ما في قلبه من كراهة الزنا وبغضه لكن الشيخ ميت الشهوة فإذا زنا الشيخ والعياذ بالله وهو الكبير دل ذلك على فساد طويته وأنه يحب الزنا لأنه زنا لا لقوة شهوة عنده الثاني ملك كذاب الملك هو حاكم له السلطة إذا قال فعل ولهذا قال ابن المواردي في لاميته المشهورة\nجانب السلطان واحذر بطشه ...\nلا تخاصم من إذا قال فعل\nالسلطان يقول وينفذ ويفعل ولا حاجة له إلى الكذب وإنما عامة الرعية ربما يحتاج الواحد منهم إلى الكذب لينقذ نفسه لكن السلطان الملك ليس له حاجة إلى الكذب فإذا كذب فهو من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم والعياذ بالله الثالث عائل مستكبر عائل يعني فقير سبحان الله فقير ويستكبر على الناس الغني ربما يستكبر لغناه كما قال ﷿ ﴿كلا","vol":"6","page":672},{"text":"إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ لكن الفقير ليس له سبب يستكبر به على الناس فإذا استكبر دل ذلك على خبثه وخبث طويته وأنه رجل طبع على الكبرياء والعياذ بالله\n١٨٥٣ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة رواه مسلم\n١٨٥٤ - وعنه قال أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم ﷺ بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل رواه مسلم\nأما الحديث الثاني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال سيحون وجيحون والنيل والفرات كل من أنهار الجنة هذه أربعة أنهار في الدنيا وصفها النبي ﷺ بأنها من أنهار","vol":"6","page":673},{"text":"الجنة فقال بعض أهل العلم إنها من أنهار الجنة حقيقة لكنها لما نزلت إلى الدنيا غلب عليها طابع أنهار الدنيا وصارت من أنهار الدنيا لأن أنهار الآخرة أربعة أنهار الجنة أربعة فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وهذه الأنهار الأربعة في الجنة لا نعلم كيفيتها ولا طعمها لأن النبي ﷺ قال عن الجنة عن ربه ﷿ في الحديث القدسي أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لكن سيحون وجيحون والنيل والفرات معلومة وهي تأسن تتغير مع طول المدة فللعلماء فيها تأويلات ١ - أنها من أنهار الجنة حقيقة لكن لما نزلت إلى الأرض صار لها حكم أنهار الدنيا ٢ - أنها ليست من أنهار الجنة حقيقة لكنها أطيب الأنهار وأفضلها فذكر النبي ﷺ هذا الوصف لها من باب رفع شأنها والثناء عليها والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ أما الحديث الثالث خلق الله التربة يوم السبت إلى آخر الحديث..\nفهذا الحديث رواه الإمام مسلم ﵀ وقد أنكره العلماء عليه فهو حديث ليس بصحيح ولا يصح عن النبي ﷺ لأنه يخالف القرآن","vol":"6","page":674},{"text":"الكريم وكل ما خالف القرآن الكريم فهو باطل لأن الذين رووا نقلة بشر يخطئون ويصيبون والقرآن ليس فيه خطأ كله صواب منقول بالتواتر فما خالفه من أي حديث كان فإنه يحكم بأنه غير صحيح وإن رواه من رواه لأن الرواة هؤلاء لا يتلقون عن رسول الله ﷺ مباشرة لكن بواسطة الإسناد حدثنا فلان عن فلان إلى رسول الله ﷺ وهؤلاء قد يخطئون لكن القرآن ليس فيه خطأ فهذا الحديث مما أنكره أهل العلم ﵏ على الإمام مسلم ولا غرابة في ذلك لأن الإنسان بشر مسلم وغير مسلم كلهم بشر يخطئون ويصيبون فعلى هذا لا حاجة أن نتكلم عليه ما دام ضعيفا فقد كفيناه والله الموفق\n١٨٥٥ - وعن أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية رواه البخاري\n١٨٥٦ - وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم واجتهد فأخطأ فله أجر متفق عليه","vol":"6","page":675},{"text":"١٨٥٧ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء متفق عليه\n١٨٥٧ - وعنها ﵂ عن النبي ﷺ قال من مات وعليه صوم صام عنه وليه متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n والمختار جواز الصوم عمن مات وعليه صوم لهذا الحديث والمراد بالولي القريب وارثا كان أو غير وارث هذه الأحاديث التي ذكرها النووي ﵀ في آخر كتابه رياض الصالحين فمنها حديث خالد بن الوليد ﵁ أنه انقطع في يده تسعة أسياف في غزوة مؤتة ولم يبق معه إلا صفيحة يمانية خالد بن الوليد ﵁ من أشجع الناس ولكن هو كان في غزوة أحد في جيش قريش المشركين وهو ممن كروا على الصحابة ﵃ من خلف جبل أحد وقاتلوا الصحابة وقاتلوا النبي ﷺ هو وعكرمة بن أبي جهل ثم من الله عليهما بالإسلام فكانا من قواد المسلمين","vol":"6","page":676},{"text":"وفي قصتهما دليل على كمال قدرة الله ﷿ وأنه بيده أزمة الأمور وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء فكم من ضال هداه الله وكم من مهتد أضله الله والعياذ بالله وانظر إلى حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها يعني الرجل يعمل حتى لا يبقى على أجله إلا ذراع أي مدة قريبة ثم يموت فيسبق عليه الكتاب وأما الحديث الثاني حديث عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر المراد بالحاكم هنا القاضي والظاهر أن المفتى مثله يعني أن الإنسان إذا اجتهد في طلب الحق وتبين له شيء من الحق ثم أفتى به أو حكم به فهو على خير إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد ولا يضيع الله ﵎ أجر من أحسن عملا فدل ذلك على أن الإنسان إذا اجتهد وتحرى الحق وبذل وسعه في ذلك فإن الله ﷾ يثيبه على هذا إن أصاب فله أجران الأجر الأول على إصابة الحق والثاني على اجتهاده وإن أخطأ فله أجر واحد وهو الاجتهاد وبذل الوسع والطاقة في طلب الحق","vol":"6","page":677},{"text":"وأما الحديث الثالث حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه يعني إذا مات الإنسان وعليه صيام فإنه يصوم عنه وليه سواء كان نذرا أو واجبا في أصل الشرع فإذا قدر أن رجلا أفطر في رمضان لأنه مسافر ثم تهاون بعد رمضان ولم يقض لأنه يجوز أن يؤخر القضاء إلى شعبان ولكنه مات قبل القضاء فإن وليه أي وارثه يصوم عنه من أم أو أب أو ابن أو بنت أو زوجة وهذا ليس على سبيل الوجوب بل الاستحباب فإن لم يصم وليه أطعم عنه عن كل يوم مسكينا وكذلك لو كان عليه كفارة ومات قبل أن يؤديها مع تمكنه منها فإنه يصوم عنه وليه وكذلك لو نذر أن يصوم ثلاثة أيام ومات قبل أن يصوم فإنه يصوم عنه وليه فإن لم يفعل فإنه يطعم عن كل يوم مسكينا وأما حديث عائشة ﵂ وهو الحديث الرابع فهو أن النبي ﷺ أخبر أن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء الحمى هي المرض الذي يصيب الإنسان بالحرارة في جسمه هذه من فيح جهنم كما قال النبي ﷺ أما كيف وصل فيح جهنم إلى بدن الإنسان فهذا أمره إلى الله ولا نعرفه ما ندري لكن نقول كما قال النبي ﷺ إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء يعني صبوا على المريض ماء يبرده وهذا من أسباب الشفاء لمن أصيب بالحمى وقد شهد الطب الحديث بذلك فكان من جملة علاجات الحمى أنهم يأمرون أي الأطباء المريض أن يتحمم بالماء وكلما كان أبرد على وجه لا مضرة فيه فهو أحسن وبذلك تزول","vol":"6","page":678},{"text":"الحمى بإذن الله والله الموفق\n١٨٥٩ - وعن عوف بن مالك بن الطفيل أن عائشة ﵂ حدثت أن عبد الله بن الزبير ﵄ قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة رضي الله تعالى عنها والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها قالت أهو قال هذا قالوا نعم قالت هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدا فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة فقالت لا والله لا أشفع فيه أبدا ولا أتحنث إلى نذري فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن محزمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وقال لهما أنشدكما الله لما أدخلتماني على عائشة ﵂ فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي فأقبل به المسور وعبد الرحمن حتى استأذنا على عائشة فقالا السلام عليك ورحمة الله وبركاته أندخل قالت عائشة ادخلوا قالوا كلنا قالت نعم ادخلوا كلكم ولا تعلم أن معهما ابن الزبير فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة ﵂ وطفق يناشدها ويبكي وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته وقبلت منه ويقولان إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول إني نذرت والنذر شديد فلم يزالا بها حتى كلمت ابن","vol":"6","page":679},{"text":"الزبير وأعتقت في نذرها أربعين رقبة وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذان حديثان عظيمان فيهما فوائد ذكرهما المؤلف ﵀ في آخر كتابه رياض الصالحين في الأحاديث المنثورة الحديث الأول حديث عائشة ﵂ أم المؤمنين وأفضل زوجاته بعد موته وكانت من كانت في العلم والعبادة والرأي والتدبير وكان عبد الله بن الزبير وهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر سمع عنها أنها تبرعت وأعطت عطايا كثيرة فاستكثر ذلك منها وقال لئن لم تنته لأحجرن علها وهذه كلمة شديدة بالنسبة لأم المؤمنين عائشة ﵂ لأنها خالته وعندها من الرأي والعلم والحلم والحكمة ما لا ينبغي أن يقال فيها ذلك القول والحجر عليها يعني منعها من التصرف في مالها أو التبرع الكبير من مالها فسمعت بذلك وأخبرت به أخبرها بذلك الواشون الذين يشون بين الناس ويفسدون بينهم بالنميمة والعياذ بالله والنميمة من كبائر الذنوب وقد حذر الله من النمام وإن حلف فقال ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ومر النبي ﷺ بالمدينة على قبرين من قبور المسلمين فقال إنهما ليعذبان في قبورهما وما يعذبان في كبير يعني لا يعذبان في أمر","vol":"6","page":680},{"text":"شاق وأمر صعب بل يسهل بالنسبة للقيام به لا بالنسبة لعظمه عند الله أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول يعني لا يستنجي استنجاء تاما وإذا أصاب البول ثوبه أو بدنه لا يبالي به وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة يأتي للناس فيخبر بما قال البعض في البعض الآخر من أجل أن يفرق بينهم والعياذ بالله فالنميمة من كبائر الذنوب يعذب عليها النمام في قبره ولا يدخل الجنة نمام نسأل الله العافية المهم أن هذه الكلمة وصلت إلى عائشة فنذرت ﵂ ألا تكلمه أبدا وذلك لشدة ما حصل لها من الانفعال على ابن أختها وهجرته ومن المعلوم أن هجر أم المؤمنين ﵂ لابن أختها سيكون شديدا عليه فحاول أن يسترضيها ولكنها صممت لأنها ترى أن النذر شديد فاستشفع إليها برجلين من أصحاب رسول الله ﷺ وفعلا حيلة بأم المؤمنين لكنها حيلة حسنة لأنها أدت إلى مطلوب حسن وهو الإصلاح بين الناس والكذب في الإصلاح بين الناس باللسان جائز فكيف بالأفعال استأذنا على عائشة ﵂ فسلما عليها وهذه هي السنة عند الاستئذان أنك إذا قرعت الباب على شخص تقول السلام عليكم ثم استأذناها في الدخول فقالا ندخل قالت نعم قالوا كلنا قالت كلكم ولم تعلم أن عبد الله بن الزبير معهما لكنها لم تقل هل معكم","vol":"6","page":681},{"text":"عبد الله بن الزبير فلم تستفصل وأتت بقول عام ادخلوا كلكم فدخلوا فلما دخلوا عليها وإذا عليها الحجاب حجاب أمهات المؤمنين وهو عبارة عن ستر تستتر به أمهات المؤمنين لا يراهن الناس وهو غير الحجاب الذي يكون لعامة النساء لأن الحجاب الذي لعامة النساء هو تغطية الوجه والبدن ولكن هذا حجاب يكون حاجبا وحائلا بين أمهات المؤمنين والناس فلما دخلا البيت دخل عبد الله بن الزبير الحجاب لأنه ابن أختها فهي من محارمه فأكب عليها يقبلها ويبكي ويناشدها الله ﷿ ويحذرها من القطيعة ويبين لها أن هذا لا يجوز لكنها قالت النذر شديد ثم إن الرجلين أقنعاها بالعدول عما صممت عليه من الهجر وذكراها بحديث النبي ﷺ أنه لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث حتى اقتنعت وبكت وكلمت عبد الله بن الزبير ولكن هذا الأمر أهمها شديدا فكانت كلما ذكرته بكت ﵂ لأنه شديد وهذا قاعدة في كل إنسان يخاف الله كل من كان بالله أعرف كان منه أخوف كلما ذكرت هذا النذر وأنها انتهكته بكت ﵂ ومع هذا أعتقت أربعين عبدا من أجل هذا النذر ليعتق الله تعالى رقبتها من النار وفي هذا دليل على شدة إيمان أمهات المؤمنين وحرصهن على العتق من النار والبراءة من عذاب الكفار ففي هذا الحديث دليل على فوائد ١_ أن الإنسان لا يحل له أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ولاسيما إذا كان قريبا وأنه يجب عليه أن يحنث ويكفر لقول النبي ﷺ من حلف","vol":"6","page":682},{"text":"على يمين فرأى خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير والله ﷿ غفور رحيم بالنسبة لليمين إذا كفرت عن يمينك وأتيت الذي هو خير كما أمر النبي ﷺ ٢_ فضيلة الإصلاح بين الناس ومعلوم أن الإصلاح بين الناس من أفضل الأعمال قال الله تعالى ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ ٣_ جواز الحيل إذا لم تصل إلى شيء محرم لأن عائشة ﵂ تحيل عليها الرجلان في الدخول عليها ومعهما عبد الله بن الزبير ٤_ رقة قلوب الصحابة وسرعة بكائهم ﵃ من خشية الله ﷿ وهذا دليل على لين القلب وخشيته لله وكما كان قلب الإنسان أقسى كان من البكاء أبعد والعياذ بالله ولذلك نرى الناس لما كانوا أقرب للآخرة من اليوم نجد فيهم الخشوع والبكاء وقيام الليل واللجوء إلى الله والصدقة وفعل الخير لكن لما قست القلوب صارت المواعظ تمر عليها مرور الماء على الصفا لا تنتفع به إطلاقا نسأل الله لنا ولكم العافية","vol":"6","page":683},{"text":"١٨٦٠ - وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى قتلى أحد فصلى عليهم بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع إلى المنبر فقال إني بين أيديكم فرط وأنا شهيد عليكم وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه من مقامي هذا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها قال فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ متفق عليه وفي رواية ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم قال عقبة فكان آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر وفي رواية قال إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها والمراد بالصلاة على قتلى أحد الدعاء لهم لا الصلاة المعروفة","vol":"6","page":684},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث ذكره المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في آخر أبوابه في الأحاديث المنثورة عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ خرج إلى أحد فصلى على الشهداء هناك أي دعا لهم وليس المراد الصلاة المعروفة كما قال المؤلف ﵀ لأن صلاة الجنازة المعروفة إنما تكون قبل الدفن لا بعده إلا من فاته الصلاة عليه قبل الدفن يصلي عليه بعده لكن هذه الصلاة الدعاء كما في قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم يعني ادع لهم ثم صعد المنبر ﷺ وخطب الناس كالمودع وأخبر أنه يرى حوضه ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من المسك رائحة وآنيته كنجوم السماء في الكثرة والنور هذا الحوض يرده الناس وهم عطاش من طول المقام يوم القيامة ويشرب منه المؤمنون جعلنا الله وإياكم ممن يشربون منه بمنه وكرمه ويذاد عنه الكافرون فمن شرب من شريعته في الدنيا واهتدى بسنته واتبع آثاره فليبشر أنه سيشرب من حوضه يوم القيامة ومن لم يكن كذلك حرم إياه والعياذ بالله كان الرسول ﷺ يقول إنه ينظر إلى حوضه الآن كشف له عنه في الدنيا كما كشف عنه حين رأى الجنة والنار في صلاة الكسوف وهذه أمور غيبية لا نعرف كيف كذلك ولكن الله ورسوله أعلم المهم علينا أن نؤمن ونصدق فهذا الحوض يرده الناس يوم القيامة ويشربون منه إلا من طغى","vol":"6","page":685},{"text":"واستكبر والعياذ بالله وأخبر ﷺ أنه لا يخشى على أمته الشرك لأن البلاد ولله الحمد فتحت وصار أهلها إلى التوحيد ولم يقع في قلب النبي ﷺ أنه يقع الشرك بعد ذلك لكن لا يفهم من هذا أي من كونه لا يخاف الشرك على أمته ألا يقع فإن الشرك وقع الآن فهو موجود الآن من المسلمين من يقول إنه مسلم وهو يطوف بالقبور ويسأل المقبورين ويذبح لهم وينذر لهم فهو موجود والرسول ﷺ لم يقل إنكم لن تشركوا حتى نقول إن ما وقع ليس بشرك لأن الرسول نفى أن يكون الشرك وهو لا ينطق عن الهوى لكن قال إني لا أخاف وهذا بناء على وقوع الدعوة في عهده ﷺ وبيان التوحيد وتمسك الناس به لكن لا يلزم من هذا أن يستمر ذلك إلى يوم القيامة ويدل لهذا أنه صح عن الرسول ﷺ لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمته الأوثان أي جماعات كبيرة ولكن الرسول ﷺ في تلك الساعة لا يخشى على أمته الشرك لكن خشي شيئا آخر الناس أسرع إليه وهو أن تفتح الدنيا على الأمة فيتنافسوها ويتقاتلوا عليها فتهلكهم كما أهلكت من قبلهم وهذا هو الذي وقع الآن فقد فتحت الدنيا وجاءتنا من كل جانب وصار فيها ما لا يخطر على البال مما سبق ولو أن أحدا حدث به لم يصدق لكن وقع فصار الناس الآن يتنافسون فيها ويتقاتلون عليها فأهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم والذين لم يقاتلوا","vol":"6","page":686},{"text":"عليها صارت قلوبهم للدنيا والعياذ بالله الدنيا همهم في المنام واليقظة والقعود والقيام والليل والنهار حتى أصبح المثل المشهور واقعا على كثير من الناس وهو الحلال ما حل باليد من حرام أو حلال وحتى صدق فيهم قول الرسول ﷺ يأتي على الناس زمان لا يبالي الرجل أخذ المال من حلال أو حرام والعياذ بالله أصبح الناس الآن يتقاتلون على الدنيا - على الدنيا - والعجب أن الإنسان يسعى وراء الدنيا التي خلقت له فيكون كأنه هو الذي خلق لها والعياذ بالله يخدمها خدمة عظيمة يرهق فيها بدنه وعقله وفكره وراحته والأنس بأهله ثم ماذا قد يفقدها في لحظة يخرج من بيته ولا يرجع إليه ينام على فراشه ولا يستيقظ وهذا مشاهد والعجب أن هذه الآيات نشاهدها نشاهد من عقد على امرأة ولم يدخل عليها ...\nمات مع شدة شوقه إليها وبعد أمله ولكن حال دونه المنون نجد أناسا معهم بطاقات دعوة زواجهم ثم يموتون وهي في سياراتهم إذن فما فائدة الدنيا وهي إلى هذا الحد في الغرور لذلك أخبر النبي ﷺ وهو الرحيم بالمؤمنين الرءوف بهم الشفيق عليهم إنما يخشى علينا أن تفتح الدنيا فنتنافس فيها وهذا هو الواقع فاحذر يا أخي لا تغرنك الحياة الدنيا ولا يغرنك بالله الغرور أنت","vol":"6","page":687},{"text":"إن وسع الله عليك الرزق وشكرته فهو خير لك وإن ضيق عليك وشكرت فهو خير لك أما أن تجعل الدنيا أكبر همك ومبلغ علمك فهذا خسار في الدنيا والآخرة أعاذنا الله وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن\n١٨٦١ - وعن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁ قال صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطب حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس فأخبرنا ما كان وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا رواه مسلم\n١٨٦٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه رواه البخاري\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث من الأحاديث التي ذكرها المؤلف في كتابه (رياض الصالحين) من الأحاديث المنثورة التي لا تختص بباب دون باب فمنها هذا الحديث الدال على أن النبي ﷺ أخطب الناس وأن الله","vol":"6","page":688},{"text":"تعالى أعطاه قوة لم يعطها أحدا غيره فقد صلى الفجر ﷺ ذات يوم وصعد المنبر وخطب الناس حتى أذن الظهر ثم نزل فصلى الظهر ثم عاد فصعد المنبر وخطب حتى أذن العصر فنزل وصلى العصر ثم صعد المنبر فخطب حتى غابت الشمس يعني يوما كاملا من صلاة الفجر إلى غروب الشمس وهو ﷺ يخطب ولم يذكر أنه خرج إلى البيت ليتغدى أو نحو ذلك فإما أن يكون صائما وإما أن يكون قد انشغل بما هو أهم وكذلك أيضا لم يذكر أنه صلى راتبة الظهر فيكون هنا اشتغل عن الراتبة بما هو أهم لأن موعظة الناس وتعليم الناس أهم من الراتبة فإن دار الأمر بين أداء الراتبة والتعليم فالتعليم أفضل قال وأخبرنا بما كان وما يكون يعني مما أطلعه الله عليه وليس يعلم الغيب إلا من أطلعه الله عليه فقط فأعلمه الله ﷿ في ذلك اليوم شيئا من علوم الغيب الماضية ومن الغيوب المستقبلة وأخبر بها ﷺ فأعلمنا أحفظنا يعني منا من علم وحفظ وبقى ذلك في ذهنه ومنا من لم يحفظ ففي هذا دليل على قوة النبي ﷺ ونشاطه وحرصه على إبلاغ الرسالة حتى قام يوما كاملا وأما الحديث الثاني فهو حديث عائشة أن النبي ﷺ قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه النذر هو أن يلزم الإنسان نفسه شيئا لله ﷿ مثل أن يقول لله علي نذر أن أقوم أن أصوم أن أصلي أن أقرأ القرآن أن أتصدق..\n..\nألخ والنذر إما حرام وإما مكروه فبعض العلماء","vol":"6","page":689},{"text":"يرى أن النذر حرام وأنه لا يحل للإنسان أن ينذر لأنه يكلف نفسه ما هو في غنى عنه وكم من إنسان نذر ولم يوف وكم من إنسان نذر وتعب في الوفاء وكم من إنسان نذر وذهب إلى أبواب العلماء يستفتيهم لعله يجد رخصة المهم أن النبي ﷺ نهى عن النذر واختلف علماء المسلمين في هذا النهي فمنهم من قال إنه للتحريم ومنهم من قال إنه للكراهة ولكن إذا نذر أن يطيع الله وجب عليه أن يطيع الله وجوبا فإذا قال لله علي نذر أن أصوم كل يوم اثنين من كل أسبوع وجب عليه ذلك ولا يحل له أن يخلف إلا لعذر كمرض ونحوه وإذا نذر أن يصلي كل يوم ركعتي الضحى وجب عليه أن يصلي ركعتين ...\nإلخ مع أنه كان في حل من ذلك إن شاء صام وإن شاء لم يصم وإن شاء صلى وإن شاء لم يصل ...\nإلخ في غير فرائض الله فهو في حل وسعة فيذهب فيضيق على نفسه والعجب أن بعض الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية إذا كان مريضا قال لله علي نذر إن عافاني الله لأفعلن كذا وكذا سبحان الله الله لا يعافيك إلا إذا أعطيت الشرط ولهذا أشار النبي ﷺ لذلك فقال إن النذر لا يرد قضاء إذا أراد الله أمرا سواء نذرت أو لم تنذر سيتم وقال إنه لا يأتي بخير وصدق ﷺ النذر ما فيه خير وأعلم أنك إذا نذرت على شرط فلم توف إذا حصل الشرط فإنك","vol":"6","page":690},{"text":"مهدد بأمر عظيم مهدد بنفاق يجعله الله في قلبك حتى تموت قال الله ﷿ ومنهم من عاهد الله لئن ءاتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين عاهدوا الله إن أعطانا مالا لنتصدق منه ونقوم بطاعة الله ﴿فلما ءاتاهم من فضله﴾ وتم لهم مطلوبهم ﴿بخلوا به وتولوا﴾ ما وفوا بما عاهدوا الله عليه ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾ نفاق دائم لا يوفقون إلى التوبة منه ولا تنسلخ قلوبهم منه بل يبقى في قلوبهم إلى أن يموتوا والعياذ بالله على النفاق فالمهم يا أخي المسلم احذر النذر وحذر إخوانك المسلمين وقل للمريض إن أراد الله لك شفاء شفاك بدون نذر وقل للتلميذ إن أراد الله أن تنجح نجحت بدون نذر وقل لمن ضاع منه شيء إن أراد الله آتاك به من غير نذر واصدق الله في نفسك إذا حصل ذلك الشيء فحينئذ أشكر الله تصدق بما شئت صم صل أما أن تنذر وكأن الله ﷿ لا يأتي إلا إذا شرط له شرط نسأل الله العافية ولهذا فالقول بالتحريم قول قوي وإليه مال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أما من نذر أن يعصى الله فلا يعصه ولو نذر أن يشرب الخمر مثلا حرم عليه شربها ولا يحل له أن يشرب الخمر بالنذر لا يقول أنا نذرت وأوفي بنذري نقول لا وفاء لنذر في معصية الله لو نذر أن يعتدي على شخص لا يحل أن يعتدي عليه ولو نذر لو","vol":"6","page":691},{"text":"نذر أن يغتاب شخصا فلا يحل له أن يغتابه ولو نذر أن يقاطع قريبه لم يحل له أن يقاطع قريبه لو نذر أن يعق والديه لم يحل له أن يعق والديه لأن ذلك معصية ومن نذر أن يعصي الله فلا يعص ولكن ماذا يفعل قال أهل العلم إنه لا يعصى الله ويكفر كفارة يمين يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم أو يعتق رقبة فإن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعة لحديث ورد في ذلك عن النبي ﷺ\n١٨٦٣ - وعن أم شريك ﵂ أن رسول الله ﷺ أمرها بقتل الأوزاغ وقال كان ينفخ على إبراهيم متفق عليه\nأما الحديث الثالث فهو قتل الوزغ والوزغ سام أبرص هذا الذي يأتي في البيوت يبيض ويفرخ ويؤذي الناس أمر النبي ﷺ بقتله وكان عند عائشة ﵂ رمح بها تتبع الأوزاغ وتقتلها وأخبر النبي ﷺ أن من قتله في أول مرة فله كذا وكذا من الأجر وفي الثانية أقل وفي الثالثة أقل ...\nكل ذلك تحريضا للمسلمين على المبادرة لقتله وأن يكون قتله بقوة ليموت في أول مرة وسماه النبي ﷺ فاسقا وأخبر أنه كان ينفخ النار على إبراهيم والعياذ بالله حين ألقاه أعداؤه في النار جعل هذا الخبيث الوزغ ينفخ النار على إبراهيم من أجل أن يشتد لهبها مما يدل على عدواته التامة لأهل التوحيد والإخلاص ولذلك ينبغي للإنسان أن يتتبع الأوزاغ في بيته في السوق في المسجد ويقتلها والله الموفق\n١٨٦٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة وفي رواية من قتل وزغا في أول ضربة كتب له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك رواه مسلم","vol":"6","page":692},{"text":"قال أهل اللغة الوزغ العظام من سام أبرص","vol":"6","page":693},{"text":"١٨٦٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال قال رجل لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على سارق فقال اللهم لك الحمد لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية فقال اللهم لك الحمد على زانية لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني فقال اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني فأتي فقيل له أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته وأما الزانية فلعلها تستعف عن زناها وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما آتاه الله رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n أما حديث أبي هريرة الثاني فهو في قصة الرجل الذي خرج ليتصدق ومعروف أن الصدقة على الفقراء والمساكين فوقعت صدقته في يد سارق فأصبح الناس يتحدثون تصدق الليلة على سارق والسارق ينبغي أن يعاقب لا أن يعطى وينمى ماله فقال هذا الرجل المتصدق الحمد لله حمد الله لأن الله تعالى محمود على كل حال وكان من هدى النبي ﷺ أنه إذا أصابه ما","vol":"6","page":694},{"text":"يسره قال الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات وإذا أصابه خلاف ذلك قال الحمد لله على كل حال هذا هدى النبي ﷺ وأما ما يقوله بعض الناس الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه فهذه عبارة لا ينبغي أن تقال لأن كلمة على مكروه تنبئ عن كراهتك لهذا الشيء وأن هذا فيه نوع من الجزع ولكن قل كما قال النبي ﷺ الحمد لله على كل حال والإنسان لا شك في أنه في هذه الدنيا يوما يأتيه ما يسره ويوما يأتيه ما لا يسره فإن الدنيا ليست باقية على حال وليست صافية من كل وجه بل صفوها مشوب بالكدر نسأل الله أن يكتب لنا ولكم بها نصيبا للأخرة لكن إذا أتاك ما يسرك فقل الحمد لله الذي بنعمتة تتم الصالحات وما يسوؤك فقل الحمد لله على كل حال ثم إنه خرج هذا الرجل فقال لأتصدقن الليلة فوقعت صدقته في يد زانية امرأة بغى تمكن الناس من الزنا بها فأصبح الناس يتحدثون تصدق الليلة على زانية وهذا شيء لا يقبله العقل ولا الفطرة فقال الحمد لله ثم قال لأتصدقن الليلة وكأنه رأى أن صدقته الأولى والثانية لم تقبل فتصدق فوقعت في يد غني والغني ليس من أهل الصدقة بل من أهل الهدية والهبة وما أشبه ذلك فأصبح الناس يتحدثون تصدق الليلة على غني فقال الحمد لله","vol":"6","page":695},{"text":"على سارق وزانية وغني وقد كان يريد أن تقع صدقته في يد فقير متعفف نزيه لكن كان أمر الله قدرا مقدورا فقيل له إن صدقتك قد قبلت لأنه مخلص قد نوى خيرا لكنه لم يتيسر له وقد قال النبي ﷺ في هذا الشأن إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر هذا مجتهد ولم يتيسر له ما يريد فقيل له أما صدقتك فقد قبلت وأما السارق فلعله أن يستعف عن السرقة ربما يقول هذا مال يكفيني وما البغي فلعلها أن تستعف عن الزنا لأنها ربما كانت تزني والعياذ بالله ابتغاء المال وقد حصل لها ما يكفها عن الزنا وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما آتاه الله هكذا النية الطيبة يحصل بها الثمرات الطيبة وكل هذا الذي ذكر متوقع وربما يكون يستعف السارق عن السرقة والبغي عن الزنا والغني يعتبر ففي هذا الحديث دليل على أن الإنسان إذا نوى الخير وسعى فيه وأخطأ فإنه يكتب له ولا يضره ولهذا قال العلماء ﵏ إذا أعطى زكاته من يظنه من أهل الزكاة فتبين أنه ليس من أهلها فإنها تجزئة مثلا رأيت رجلا عليه ثياب رثة تحسبه فقيرا فأعطيته الزكاة ثم تحدث الناس أنه غني عنده أموال كثيرة فهل تجزئك الزكاة الجواب نعم تجزئه الزكاة لأنه قيل لهذا الرجل أما صدقتك فقد قبلت وكذلك إذا أعطيتها غيره ممن ظننته مستحقا ولم يكن كذلك فإنها تجزئك والله الموفق","vol":"6","page":696},{"text":"١٨٦٦ - وعنه قال كنا مع رسول الله ﷺ في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مم ذاك يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فينظرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه إلى ما بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم ويأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا فقال إن ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا تشفع لنا إلى ربك فيقول إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل","vol":"6","page":697},{"text":"الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني كنت كذبت ثلاث كذبات نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتون محمدا ﷺ وفي رواية فيأتوني فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم","vol":"6","page":698},{"text":"يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذا الحديث الطويل الذي ساقه المؤلف ﵀ في آخر كتابه (رياض الصالحين) عن أبي هريرة ﵁ أنهم كانوا مع النبي ﷺ في دعوة فقدمت إليه الذراع فنهس منها نهسة وكانت تعجبه الذراع يعني ذراع الشاة وكانت تعجب النبي ﷺ لأن لحمها أطيب ما في الجسم من لحم لين وسريع الهضم ومفيد وكانت تعجب النبي ﷺ فنهس منها نهسة ثم حدثهم هذا الحديث العجيب الطويل فقال أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا شك أنه ﷺ سيد ولد آدم وأشرف بني الإنسان عند الله ﵎ أتدرون مم ذاك قالوا لا يا رسول الله فساق لهم بيان شرفه وفضله ﷺ على جميع بني","vol":"6","page":699},{"text":"آدم ذكر أن الناس يحشرون يوم القيامة في صعيد واحد أولهم وآخرهم كما قال ﷿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم يجمعون في صعيد واحد والأرض يومئذ ممدودة ليست كهيئتها اليوم كروية لا ترى إذا مددت بصرك لا ترى إلا ما يواجهك من ظهرها فقط أما يوم القيامة فإن الأرض تمد مد الجلد وليس فيها جبال ولا أودية ولا أنهار ولا بحار تمد مدا واحدا والعالم فيها يسمعهم الداعي وينفذهم البصر يعني لو تكلم الإنسان يسمعهم آخر واحد والبصر ينفذهم يراهم لأنه ليس بها تكور حتى يغيب بعض عن بعض ولكن كلهم في صعيد واحد في ذلك اليوم تدنو الشمس من الخلائق على قدر ميل ويلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فتضيق بهم الأرض ويطلبون الشفاعة لعل أحدا يشفع فيهم عند الله جل وعلا ينقذهم من هذا الموقف العظيم على الأقل يلهمهم الله ﷿ أن يأتوا إلى آدم أبي البشر فيأتون إليه ويبينون فضله، لعله يشفع لهم عند الله ﷿ يقولون له: أنت آدم أبو البشر كل البشر من بني آدم الذكور والإناث إلى يوم القيامة خلقك الله بيده كما قال تعالى منكرا على إبليس ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ خلقه الله بيده وخلق بقية البشر بكلمة كن فيكون أما آدم فخلقه جل وعلا بيده يقولون خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته قال الله تعالى ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم","vol":"6","page":700},{"text":"فسجدوا﴾ وعلمك أسماء كل شيء قال الله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ ونفخ فيك من روحه قال الله تعالى ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ كل هذا يعلمه الخلق ولاسيما أمة محمد الذين أعطاهم الله تعالى من العلوم ما لم يعط أحدا من الأمم فيعتذر ويقول إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله ولن يغضب مثله قط ثم يذكر خطيئته أن الله ﷾ نهاه أن يأكل من شجرة فأكل قال الله تعالى ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ شجرة في الجنة لا ندري ما هذه الشجرة ولا نوعها ولا كبرها ولا صغرها شجرة أبهمها الله فعلينا أن نؤمن بها مبهمة نهى آدم أن يأكل منها وبين له أنه إذا أكل منها هو وزوجه فإنهما يكونان من الظالمين ولكن عدوهما الشيطان دلاهما بغرور ووسوس لهما وقاسهما إني لكما لمن الناصحين فغرهما ونسى آدم ما عهده إلى الله ﷿ ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ نسى وأكل من الشجرة فعوقب بأن أخرج من الجنة إلى الأرض لحكمة يريدها الله ﷿ فيذكر معصيته ويقول نفسي نفسي يعني عسى أن أنقذ نفسي ويؤكد ذلك ويكرره ثلاث مرات اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح ونوح هو الأب الثاني للبشرية لأن الله أغرق جميع أهل الأرض الذين كذبوا نوحا ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ وكان نوح هو","vol":"6","page":701},{"text":"الأب الثاني للبشر اذهبوا إلى نوح فيأتون إلى نوح لأنهم في شدة وضيق فيأتونه ويذكرون نعم الله عليه وأنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض وأن الله سماه عبدا شكورا ولكنه يقول كما قال آدم في غضب الله ﷿ إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قط ولن يغضب مثله ثم ذكر دعوته التي دعا بها على قومه ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ وفي رواية أنه يذكر دعوته التي دعا بها لابنه ﴿فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ يذكر ذنبه والشافع لا يشفع إلا إذا كان ليس بينه وبين المشفوع عنده ما يوجب الوحشة والمعصية بين العبد وربه توجب الوحشة بينهما وخجله منه فيذكر معصيته فيقول نفسي نفسي نفسي ويحيلهم إلى إبراهيم ﷺ فيأتي الناس إليه ويقولون أنت خليل الله في الأرض ويذكرون من صفاته ويطلبون منه أن يشفع لهم عند ربه فيعتذر ويقول إنه كذب ثلاث كذبات ويقول نفسي نفسي نفسي والكذبات هي قوله إني سقيم وهو ليس بسقيم لكنه قال متحديا لقومه الذين يعبدون الكواكب والثانية قوله للملك الكافر هذه أختي يعني زوجته ليسلم من شره وهي ليست كذلك والثالثة قوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ أي الأصنام لأن إبراهيم ﷺ ذهب إلى أصنامهم وكسرها فلما","vol":"6","page":702},{"text":"رجعوا وجدوها مكسرة قالوا ﴿من فعل هذا بآلهتنا﴾ فقالوا فعله فتى يقال له إبراهيم وجرى بينهم وبين إبراهيم ما جرى وقال لهم ﴿بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ وهو ما فعل وإنما الذي فعله هو إبراهيم ﷺ لكن ذكر ذلك على سبيل التحدي لهؤلاء الذين يعبدون الأوثان هذه كذبات في ظاهر الأمر لكنها في الحقيقة وبمناسبة تأويله ﷺ لم تكن كذبات لكنه لشدة ورعه وحيائه من الله ﵎ اعتذر لهذا الإثم ويقول نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون إلى موسى ويذكرون من صفاته وأن الله تعالى كلمه تكليما واصطفاه على أهل الأرض برسالاته وكلامه فيذكر ذنبا ويعتذر يذكر أنه قتل نفسا قبل أن يؤذن له في قتلها وهو القبطي الذي كان في خصام مع رجل من بني إسرائيل وموسى من بني إسرائيل ﷺ والقبطي من أهل فرعون ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه﴾ دون أن يؤمر بقتله فرأى ﷺ أن هذا يحول مما يحول بينه وبين الشفاعة للخلق حيث قتل نفسا لم يؤمر بقتلها وقال نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون إلى عيسى ويذكرون منه منة الله عليه أنه نفخ فيه من روحه وأنه كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه لأنه عيسى خلق بلا أب","vol":"6","page":703},{"text":"فلا يذكر ذنبا ولكنه يحيلهم إلى محمد ﷺ وهذا شرف عظيم لرسول الله ﷺ حيث كان أربعة من الأنبياء يعتذرون بذكر ما فعلوه وواحد لا يعتذر بشيء ولكن يرى أن محمدا ﷺ أولى منه فيأتون إلى رسول الله ﷺ فيقبل ذلك ويجلس تحت العرش ويفتح الله عليه من المحامد والثناء على الله ما لم يفتحه على أحد غيره ثم يقال له ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فيشفع ﷺ يقول يا رب أمتي أمتي فيتقبل الله شفاعته ويقال له أدخل أمتك من الباب الأيمن من الجنة وهم شركاء مع الناس في بقية الأبواب وهذه فيها دلالة ظاهرة على أن النبي ﷺ أشرف الرسل والرسل هم أفضل الخلق كما قال ﷿ ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ هؤلاء هم الأصناف الأربعة الذين هم أفضل الخلق والنبي ﷺ أفضلهم والله الموفق\n١٨٦٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال جاء إبراهيم ﷺ بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند درجة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هناك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء","vol":"6","page":704},{"text":"ثم قفي إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا هذا الوادي ليس فيه أنيس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها قالت له آلله أمرك بهذا قال نعم قالت إذا لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم ﷺ حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع﴾ حتى بلغ ﴿يشكرون﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ فذلك سعي الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقال صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث فأغث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه","vol":"6","page":705},{"text":"حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف وفي رواية بقدر ما تغرف قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا قال فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك لا تخافوا الضيعة فإن ههنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا نعم قال ابن عباس قال النبي ﷺ فألقى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبيات وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل","vol":"6","page":706},{"text":"فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغي لنا وفي رواية يصيد لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بشر نحن في ضيق وشدة وشكت إليه قال فإذا جاء زوجك أقرئي ﵇ وقولي له يغير عتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال هل جاءكم من أحد قالت نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال فهل أوصاك بشيء قالت نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك قال ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بخير وسعة وأثنت على الله تعالى فقال ما طعامكم قالت اللحم قال فما شرابكم قالت الماء قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي ﷺ ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه قال فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه وفي رواية فجاء فقال أين إسماعيل فقالت امرأته ذهب يصيد فقالت امرأته ألا تنزل فتطعم وتشرب قال وما طعامكم وما شرابكم قالت طعامنا اللحم وشرابنا الماء قال اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم قال فقال أبو القاسم ﷺ بركة دعوة إبراهيم ﷺ قال","vol":"6","page":707},{"text":"فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال فأوصاك بشيء قالت نعم يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد قال يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك ربك قال وتعينني قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني بيتا ههنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها فعند ذلك رفع القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وفي رواية إن إبراهيم خرج بإسماعيل وأم إسماعيل معهم شنة فيها ماء فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة ثم رجع إبراهيم إلى أهله فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كداء نادته من ورائه يا إبراهيم إلى من تتركنا قال إلى الله قالت رضيت بالله فرجعت وجعلت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها حتى لما","vol":"6","page":708},{"text":"فنى الماء قالت لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا قال فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت هل تحس أحدا فلم تحس أحدا فلما بلغت الوادي سعت وأتت المروة وفعلت ذلك أشواطا ثم قالت لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي فذهبت ونظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت فلم تقرها نفسها فقالت لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا حتى أتمت سبعا ثم قالت لو ذهبت فنظرت ما فعل فإذا هي بصوت فقالت أغث إن كان عندك خير فإذا جبريل ﷺ فقال بعقبه هكذا وغمز بعقبه على الأرض فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفن ...\nوذكر الحديث بطوله.\nرواه البخاري بهذه الروايات كلها الدوحة الشجرة الكبيرة قوله قف أي ولى والجري الرسول وألفي معناه وجد قوله ينشغ أي يشهق\n١٨٦٦ - وعن سعيد بن زيد ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين متفق عليه","vol":"6","page":709},{"text":"<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن سعيد بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين الكمأة هي التي تعرف عند الناس بالفجع تنبت من كثرة الأمطار ولاسيما الأمطار الموسمية وهي معروفة لذيذة الطعم تنبت على الأرض وإذا كبرت يأخذها الناس بدون كلفة وبدون مشقة ولهذا قال النبي ﷺ إنها من المن أي مما من الله به على عباده بيسر وسهولة وماؤها شفاء للعين يعني أن الماء الذي يستخرج منها إذا مرضت العين بسبب الرطوبة فإن هذه تشفيه بإذن الله ﷿ لأن ماءها ناشف وإن كان سائلا ينشف العين ويزيل عنها الرطوبات ولهذا قال وماؤها شفاء للعين يعني ليس من كل مرض بل من الأمراض التي أسبابها الرطوبة فإنها تشفى بإذن الله ﷿ ولكن كيف يستخرج ماؤها قيل إنها تصهر على النار ثم تعصر لأنها إذا صهرت على النار لانت ثم تعصر وقيل إنها تقطع قطعا صغيرة ثم تعصر عصرا شديدا فيخرج منها الماء ولكنه قليل.\nوالله الموفق","vol":"6","page":710},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>كتاب الاستغفار</span>\nقال الله تعالى ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ وقال تعالى ﴿واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما﴾ وقال تعالى ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ وقال تعالى ﴿للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ إلى قوله ﷿ ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ وقال تعالى ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ وقال تعالى ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ وقال تعالى ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ والآيات في الباب كثيرة معلومة\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ختم المؤلف ﵀ كتابه بالاستغفار والتوبة لأن الله ﷾ أمر نبيه ﷺ في آخر حياته فقال إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره","vol":"6","page":711},{"text":"إنه كان توابا فالمؤلف ﵀ حتم هذا الكتاب العظيم النافع الذي ينتفع به المسلمون في أقطار الدنيا كلها العامة وطلبة العلم بالاستغفار وهذا الكتاب رياض الصالحين من أبرك ما رأيت من الكتب في انتفاع الناس به مما يدل على حسن نية مؤلفه رحمة الله عليه الاستغفار هو طلب المغفرة وما من إنسان إلا وهو خطاء كما قال النبي ﷺ كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون والخطأ الذي يصدر من بني آدم إما تقصير في واجب أو فعل لمحرم ولا يخلو الإنسان من ذلك ولكن دواء الذنوب الاستغفار والحمد لله وفي الأثر أن الشيطان يقول أهلكت بني آدم يعني بالخطايا والذنوب وأهلكوني ب لا إله إلا الله والاستغفار فالاستغفار سبب للمغفرة ولذا أمر الله تعالى به في آيات كثيرة من القرآن ساق منها المؤلف جملة صالحة منها قول الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفره لذنبك﴾ فأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يعلم بأنه لا معبود حقا إلا الله وأمره أن يستغفره قال استغفر لذنبك هذا وهو النبي ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أمر أن يستغفر لذنبه وقال تعالى ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ وكذلك","vol":"6","page":712},{"text":"أثني الله تعالى على المستغفرين في آيات كثيرة ومنها ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ وهم الذين يستغفرون الله في آخر الليل قال العلماء وذلك أنهم يتهجدون ويعبدون الله ويرون أنهم مقصرون فيسألون الله المغفرة هذا مع أنهم مجتهدون قائمون الليل ومع ذلك يستغفرون خوفا من التقصير فينبغي للإنسان أن يكثر من استغفار الله ﷿\n١٨٦٩ - وعن الأغر المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة رواه مسلم\n١٨٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة رواه البخاري\n١٨٧١ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم رواه مسلم\n١٨٧٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نعد لرسول الله ﷺ","vol":"6","page":713},{"text":"في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح\n١٨٧٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب رواه أبو داود\n١٨٧٤ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف رواه أبو داود والترمذي والحاكم وقال حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n سبقت الآيات التي ذكرها المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) التي فيها الحث على الاستغفار والثناء على أهله ثم ذكر المؤلف أحاديث متعددة في ذلك منها قوله عن النبي محمد ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال ﷺ فيما رواه عنه الأغر المزني ﵁ إنه ليغان على قلبي يعني","vol":"6","page":714},{"text":"يحدث له شيء من الكتمة والغم وما أشبه ذلك وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة يقول أستغفر الله في اليوم مائة مرة هذا وهو النبي ﷺ الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بنا ولكن قلوبنا قاسية ميتة لا يغان عليها بكثرة الذنوب ولا يهتم الواحد منا بما فعل ولذلك تجد الإنسان غير مبال بمثل هذا وقليل الاستغفار والذي ينبغي للإنسان أن يكون له أسوة حسنة في رسول الله ﷺ يكثر الاستغفار كما قال ابن عمر إننا نعد للنبي ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة أو أكثر رب اغفر لي وارحمني وكذلك أخبر ﷺ أن من نعمة الله على العباد أنه إذا ابتلاهم بالذنوب فاستغفروا الله غفر لهم وأنه لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم ثم جاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم وهذا حث على أن يستغفر الإنسان ربه ويكثر من الاستغفار لأنه ينال بذلك درجة المستغفرين الله ﷿ وكذلك أخبر فيما رواه أبو داود أن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ومن لزم الاستغفار يعني داوم عليه وأكثر منه فإنه يفرج عنه الكروب وتوسع له الضيقات ويوسع له في رزقه ورزقه من حيث لا يحتسب والأحاديث في فضل الاستغفار والثناء على أهله والحث عليه كثيرة","vol":"6","page":715},{"text":"فعليك يا أخي بكثرة الاستغفار أكثر من قول اللهم اغفر لي اللهم ارحمني استغفر الله وأتوب إليه وما أشبه ذلك لعلك تصادف ساعة إجابة من الله ﷿ فيغفر لك فيها ...\nوالله الموفق\n١٨٧٥ - وعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة رواه البخاري أبوء بباء مضمومة ثم واو وهمزة مضمومة ومعناه أقر وأعترف\n١٨٧٦ - وعن ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام قيل للأوزاعي وهو أحد رواته كيف الاستغفار قال يقول أستغفر الله أستغفر الله رواه مسلم","vol":"6","page":716},{"text":"١٨٧٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل موته سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث ساقها النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) في باب الاستغفار منها حديث شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال سيد الاستغفار يعني أشرف الاستغفار وأفضله أن تقول اللهم أنت ربي وأنا عبدك خلقتني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها حين يصبح موقنا بها ثم مات من يومه قبل أن يمسي دخل الجنة ومن قالها حين يمسي موقنا بها ثم مات قبل أن يصبح دخل الجنة يقول سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي وأنا عبدك فتقر لله ﷿ بلسانك وبقلبك أن الله هو ربك المالك لك المدبر لأمرك المعتني بحالك وأنت عبده كونا وشرعا عبده كونا يفعل بك ما يشاء إن شاء أمرضك وإن شاء أصحك وإن شاء أغناك وإن شاء أفقرك وإن شاء أضلك وإن شاء هداك حسبما تقتضيه حكمته ﷿ وكذلك أنت عبده شرعا تتعبد له بما أمر تقوم بأوامره وتنتهي عن نواهيه تقر بذلك اللهم أنت ربي وأنا عبدك خلقتني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت تقر بأن الله خلقك هو الذي أوجدك من العدم وأنك على عهده ووعده ما استطعت على عهده لأن كل إنسان قد عاهد الله أن يعمل بما علم وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب","vol":"6","page":717},{"text":"لتبيننه للناس ولا تكتمونه فمتى أعطاك الله علما فإنه قد عهد إليك أن تعمل به وعلى وعدك أي تطبيق وعدك ما وعدت أهل الخير من الخير وما وعدت أهل الشر من الشر ولكن أنا على وعدك أي في الخير لأنك في هذه الكلمات تتوسل إلى الله ﷿ أعوذ بك من شر ما صنعت يعني أنت تعوذ بالله من شر ما صنعت لأن الإنسان يصنع خير فيثاب ويصنع شرا فيعاقب ويصنع الشر فيكون سببا لضلاله كما قال الله تعالى ﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم﴾ فأنت تتعوذ بالله من شر ما صنعت ثم أبوء لك بنعمتك علي يعني أعترف بنعمتك العظيمة الكبيرة التي لا أحصيها وأبوء بذنبي أعترف به فاغفر لي هذا الذنب إنك أنت الغفور الرحيم فاحرص على حفظ هذا الدعاء وحافظ عليه صباحا ومساء إن مت من يومك فأنت من أهل الجنة وإن مت من ليلتك فأنت من أهل الجنة ثم ذكر أحاديث أخرى منها حديث ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام إذا انصرف يعني إذا سلم أول ما تبدأ بعد أن تسلم من الفريضة تقول أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله ثلاث مرات كيف تقول أستغفر الله وأنت صليت أديت طاعة لأن طاعتك هذه لا تخلو من نقص وخلل فتستغفر الله تعالى مما حصل فيها من خلل ونظير ذلك أن المجتهدين المتهجدين في الليل إذا فرغوا","vol":"6","page":718},{"text":"من تهجدهم استغفروا كما قال تعالى ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ وتقول اللهم أنت السلام ومنك السلام أنت السلام يعني السالم من كل نقص وعيب ومنك السلام يعني منك السلامة لولا الله ﷿ ما سلمنا ولا عملنا ولا قمنا ولا قاتلنا تباركت يا ذا الجلال والإكرام وليس فيها وتعاليت ولكن في أحاديث أخرى فيها يا ذا الجلال والإكرام أي عظمت خيراتك وبركاتك ونعمك على عبادك فينبغي للإنسان أن يستغفر بعد الصلاة الفريضة ثلاث مرات ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام\n١٨٧٨ - وعن أنس ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة رواه الترمذي وقال حديث حسن عنان السماء بفتح العين قيل هو السحاب وقيل هو ما عن لك منها أي ظهر وقراب الأرض بضم القاف وروي بكسرها والضم","vol":"6","page":719},{"text":"أشهر وهو ما يقارب ملئها\n١٨٧٩ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار قالت امرأة منهن ما لنا أكثر أهل النار قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن قالت ما نقصان العقل والدين قال شهادة امرأتين بشهادة رجل وتمكث الأيام لا تصلي رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n نقل النووي ﵀ أحاديث كثيرة في كتابه (رياض الصالحين) حول الاستغفار والحث عليه منها أن الله سبحانه تعالى قال يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك يعني مهما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك لأن الله ﷾ عند ظن عبده به كما ثبت ذلك عنه ﵎ في الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عن ربه أن الله تعالى قال أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه","vol":"6","page":720},{"text":"وفيه أيضا أن الله ﷾ قال يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم استغفرتني لغفرت لك فهذا يدل على أن الإنسان مهما عمل من الذنوب إذا استغفر الله تعالى ورجع إليه فإن الله تعالى يغفر له وكذلك أمر النبي ﷺ النساء أن يكثرن من الصدقة والاستغفار حيث رآهن أكثر أهل النار فدل هذا على أن الاستغفار من موانع دخول النار فعليك يا أخي بكثرة الاستغفار أكثر من قول أستغفر الله اللهم اغفر لي وارحمني ...\nوما أشبه ذلك وهو كلام يسير لا يضرك ولا يشق عليك","vol":"6","page":721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>باب بيان ما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة</span>\nقال الله تعالى ﴿إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ والآيات في الباب كثيرة معلومة\nثم ختم المؤلف ﵀ كتابه (رياض الصالحين) ببيان ما أعده الله للمؤمنين من النعيم المقيم جعلني الله إياكم منهم وهذا نرجو أن يكون تفاؤلا حسنا وأن الله يختم لنا ولكم بعمل أهل الجنة وأن يكون قد غفر لمؤلف الكتاب وختم له بعمل أهل الجنة ذكر الله تعالى في كتابه العظيم آيات كثيرة فيها بيان ما أعد الله لأهل الجنة ومن أجمع الآيات قول الله ﵎ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم كل ما يشتهي الإنسان من نعيم فإنه في الجنة كل ما يطلب فإنه في الجنة بل أكثر من ذلك قال الله تعالى ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ وقال جل ذكره ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ يعني أنه لا يمكن للإنسان أن يحيط علما بحقيقة ما أعد الله لأهل الجنة فيها لأنه فوق ما يتصور الإنسان ما يوجد من نعيم الدنيا فإنه نموذج لا ينسب لشيء من نعيم الآخرة لكن الله تعالى أرى عباده شيئا من النعيم وشيئا من العذاب في الدنيا حتى يعتبروا به فقط وإلا فبين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة فرق لا يمكن إدراكه والجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين وقد بدأ المؤلف بقول الله ﵎ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَّعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ﴾ يعني يقال لهم ادخلوها بسلام آمنين من كل شيء من كل آفة من كل مرض من الهرم من الموت من كل شيء ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ يعني أنهم إذا دخلوا الجنة نزع الله تعالى ما في صدورهم من غل وذلك أنهم يوقفون قبل دخول الجنة على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض حتى إذا هذبوا ونقوا وبقيت قلوبهم صافية ليس فيها غل دخلوا الجنة بعد أن ينزع الله ما في قلوبهم من غل وقوله ﴿على سرر متقابلين﴾ السرر جمع سرير وهو معروف ما يجلس عليه وقوله ﴿متقابلين﴾ يعني أنهم على جانب من الأدب العظيم في جلوسهم لا يستدبر بعضهم بعضا ولكنهم متقابلون قال بعض العلماء لأنهم يجلس بعضهم إلى بعض على حلقة واسعة والحلقة لا يتدابر فيها الجالسون كل واحد مقابل للآخر ﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ يعني لا يمسهم تعب وإعياء ولا يخرجون منها بل هم ساكنوها أبد الآبدين الآية الثانية ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم﴾ ينادي الله ﷿ عباده المؤمنين يوم القيامة إذا دخلوا الجنة يقول ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾ الخوف مما يستقبل والحزن من الماضي ذلك لأنهم نالوا كمال النعيم فلا يخافون من مستقبل ولا يحزنون على ماض لأنه كمل لهم النعيم ﴿الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين﴾ آمنوا بقلوبهم وكانوا مسلمين بجوارحهم منقادين لأمر الله ﷿ لا يعصون الله لا بفعل محرم ولا بترك واجب ﴿ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون﴾ يعني تنعمون وأزواجكم هم الحور العين وزوجاتهم في الدنيا أيضا لقول الله ﵎ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ فهم وأزواجهم يحبرون أي في مكان حبر أي أنهم منعمون مترفون وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ ولم يبين الله تعالى من يطوف عليهم في هذه الآية لكن بينها في آيات أخرى فقال ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ﴾ الآية الثالثة قوله تعالى ﴿إن المتقين في مقام أمين﴾ أي في مكان إقامة آمنين كما سبق آمنين من كل شيء ﴿يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين﴾ هذا لباسهم وهو أعلى أنواع الحرير وقال تعالى ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا","vol":"6","page":722},{"text":"يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾","vol":"6","page":723},{"text":"الأبرار هم الذين فعلوا الخيرات وتركوا المحرمات مأخوذة من البر وهو القيام بطاعة الله ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ يعني أنهم في نعيم في القلب وفي نعيم في البدن فهم في أسر ما يكون جعلنا الله وإياكم منهم ﴿على الأرائك ينظرون﴾ الأرائك جمع أريكة وهي السقف المغطاة المزخرفة المزينة وينظرون ما أعد الله لهم من النعيم في هذه الجنات ويشمل ذلك النظر إلى وجه الله ﷿ ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ أي أنك إذا رأيتهم عرفت أنهم منعمون لأن وجوههم نضرة حسنة جميلة ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي يشربون من خير الشراب مختوم يعني له خاتمة وهي رائحة طيبة مسك وفي هذا الثواب والأجر والنعيم فليتسابق المتسابقون والله الموفق\n١٨٨٠ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذلك جشاء كرشح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس رواه مسلم","vol":"6","page":726},{"text":"١٨٨١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرؤوا إن شئتم ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ متفق عليه\n١٨٨٣ - وعنه قال قال رسول الله ﷺ أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة عود الطيب أزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء متفق عليه وفي رواية للبخاري ومسلم آنيتهم فيها الذهب ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشيا","vol":"6","page":727},{"text":"قوله على خلق رجل واحد رواه بعضهم بفتح الخاء وإسكان اللام وبعضهم بضمهما وكلاهما صحيح\n١٨٨٤ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال سأل موسى ﷺ ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة قال هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فيقول في الخامسة رضيت رب فيقول هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول رضيت رب قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر رواه مسلم\n١٨٨٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله ﷿ له اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى يقول الله ﷿ له اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول الله ﷿ له اذهب","vol":"6","page":728},{"text":"فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك قال فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه فكان يقول ذلك أدنى أهل الجنة منزلة متفق عليه\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه أحاديث كثيرة ذكرها المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) في بيان نعيم أهل الجنة فمنها أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وهذه أول زمرة وهي أفضل الزمر وقد ثبت عن النبي ﷺ أن أول أهل الجنة دخولا هم هذه الأمة ثم الذين يلونهم على ألمع كوكب دري في السماء يعني مثل أضواء نجم في السماء ثم الذين يلونهم على حسب مراتبهم وفيه أيضا أن أهل الجنة يأكلون ويشربون لكنهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون لأن جميع فضلاتهم ليست كفضلات أهل الدنيا إنما فضلاتهم تخرج رشحا يعني كالعرق أطيب من ريح المسك وجشاء أطيب من رائحة المسك لأنهم في نعيم مقيم ثم ذكر أيضا أدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم وكلها تدل على فضل هذا النعيم نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله أما أهل النار والعياذ بالله فهم أسفل من ذلك وحق لعين ترجوا الجنة ألا تنام وحق لعين تخشى النار ألا","vol":"6","page":729},{"text":"تنام لأن متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولكن حكمة من الله ﷿ وابتلاء وامتحان أن الناس في هذه الدنيا كأن لم يكن إلا الدنيا عند كثير من الناس كأنما خلقوا لها مع أن الدنيا هي التي خلقت لهم إن الإنسان إنما خلق للآخرة فهي الدار الباقية التي لا تفنى فإما في جحيم وسعير والعياذ بالله وإما في نعيم مقيم نسأل الله لنا ولكم أن نكون من الصالحين الذين أعد الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\n١٨٨٥ - وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا متفق عليه الميل ستة آلاف ذراع\n١٨٨٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة سنة ما يقطعها متفق عليه وروياه في الصحيحين أيضا من رواية أبي هريرة ﵁ قال","vol":"6","page":730},{"text":"يسير الراكب في ظلها مائة سنة ما يقطعها\n١٨٨٧ - وعنه عن النبي ﷺ قال إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين متفق عليه\n١٨٨٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب متفق عليه\n١٨٨٩ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن في الجنة سوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا رواه مسلم","vol":"6","page":731},{"text":"١٨٩٠ - وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما تتراءون الكوكب في السماء متفق عليه\n١٨٩١ - وعنه ﵁ قال: شهدت من النبي ﷺ مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى ثم قال في آخر حديثه فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قرأ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ إلى قوله تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ رواه البخاري\n١٨٩٢ - وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا إن لكم أن تنعموا فلا تبؤسوا أبدا رواه مسلم\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n هذه الأحاديث في بيان تفصيل ما لأهل الجنة من النعيم فيها فمنها أن","vol":"6","page":732},{"text":"النبي ﷺ ذكر أن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا وأن له فيها أهلين لا يرى بعضهم بعضا وذلك والله أعلم لسعتها وحسن غرفها وسترها ومنها أن النبي ﷺ أخبر أن أهل الجنة ينادي فيهم مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وذكر الحديث أي أنهم في نعيم دائم لا يخافون الموت ولا السقم ولا انقطاع ما هم فيه من النعيم كما قال تعالى وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وأن لهم سوقا كل يوم جمعة يعيني في مقدار ذلك وإلا فالجنة ليس فيها صلاة ولا جمعة ولا غيرها وأنها تهب ريح الشمال فتزيدهم حسنا وجمالا والمراد ريح تشبه ريح الشمال في برودتها ولذاذتها وكل هذا المذكور في هذه الأحاديث توجب للإنسان الرغبة في العمل الصالح الذي يتوصل به إلى هذه الدار جعلنا الله وإياكم من أهله وأحسن ما فيها وأنعم ما فيها أنهم ينظرون إلى الله ﷿ نظرا حقيقيا كما قال الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وقال تعالى ﴿على الأرائك ينظرون﴾ وقال تعالى ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ والزيادة هي النظر إلى وجه الله ﵎ أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم من أهلها\n١٨٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له تمن فيتمنى ويتمنى فيقول له هل تمنيت فيقول نعم فيقول له فإن لك ما تمنيت ومثله معه رواه مسلم\n١٨٩٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا","vol":"6","page":733},{"text":"وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا متفق عليه\n١٨٩٥ - وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال كنا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته متفق عليه\n١٨٩٦ - وعن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎ تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم رواه مسلم قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾","vol":"6","page":734},{"text":"الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد قال مؤلفه يحيى النووي غفر الله له فرغت منه يوم الاثنين رابع عشر شهر رمضان سنة سبعين وستمائة بدمشق\n\n<span data-type=\"title\">[الشَّرْحُ]</span>\n ذكر المؤلف في سياق الأحاديث الواردة في نعيم أهل الجنة في كتابه (رياض الصالحين) الذي ختم به الكتاب ﵀ ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا فألا طيبا فيدخله وإيانا جنة النعيم ذكر حديثين في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الجنة وذكر أن الله تعالى يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعد ذلك أبدا ورؤية المؤمنين لربهم في الجنة ثابتة بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة وأئمة الأمة ولم ينكرها إلا من أعمى الله قلبه والعياذ بالله ولهذا كانت هذه الأحاديث من الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ يقول الله ﷿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ويقول ﷾ ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ وقد فسر أعلم الخلق بكتاب الله محمد رسول الله الزيادة أنها النظر إلى وجه الله وقال الله ﵎ ﴿على الأرائك ينظرون﴾ أي ينظرون ما","vol":"6","page":735},{"text":"أعد الله لهم من النعيم وأعلاه النظر إلى وجه الله وقال تعالى ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ والمزيد هو الزيادة التي قال الله تعالى فيها ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ والتي فسرها النبي ﷺ بالنظر إلى وجه الله تعالى وقال تعالى ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ فقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ يدل على أن الأبصار تراه ولكنها لا تدركه لأنه جل وعلا أعظم من أن تدركه الأبصار فهذه خمس آيات في كتاب الله كلها تدل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة ولا ينكر هذا إلا ظالم فنسأل الله تعالى أن يهديه إلى الحق أو أن يحرمه لذة النظر إلى وجهه لأنه لا ينكر هذا إلا معاند إذ إن الآيات واضحة أما الأحاديث فإنها متواترة كما قال الناظم\nمما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتا واحتسب\nورؤية وشفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذه بعض\nرؤية يعني رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ومن ذلك أن النبي ﷺ قال إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته وقال إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب والأحاديث كثيرة جدا من أحب أن يطلع عليها فليرجع إلى كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم ﵀","vol":"6","page":736},{"text":"نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم إنه على كل شيء قدير والله الموفق","vol":"6","page":737}]}