{"ً":{"ٌ":933,"ٍ":"المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع","َ":4,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع - جمعًا ودراسةً\nرسالة: ماجستير، قسم الفقه - كلية الشريعة بالرياض- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nإعداد: جميلة بنت شفيع عبد الرحمن علي\nإشراف: د. محمد بن سعود الخميس، الأستاذ المساعد بقسم الفقه بكلية الشريعة بالرياض\nالعام الجامعي: ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الصفحات: ٥٧٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1069,"ٕ":18,"ٖ":1780758864,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أهمية الموضوع","level":2,"page":2},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":3},{"title":"أهداف الموضوع","level":2,"page":3},{"title":"ضابط عنوان البحث","level":2,"page":3},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":4},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":9},{"title":"تقسيمات البحث","level":2,"page":12},{"title":"التمهيد: في حقيقة النهي والقرائن الصارفة له","level":1,"page":26},{"title":"المطلب الأول: تعريف النهي","level":2,"page":27},{"title":"المسألة الأولى: تعريف النهي لغة","level":3,"page":27},{"title":"المسألة الثانية: تعريف النهي اصطلاحا","level":3,"page":27},{"title":"العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي","level":4,"page":29},{"title":"المطلب الثاني: تعريف القرينة","level":2,"page":30},{"title":"المسألة الأولى: تعريف القرينة لغة","level":3,"page":30},{"title":"المسألة الثانية: تعريف القرينة اصطلاحا","level":3,"page":31},{"title":"شرح التعريف","level":4,"page":32},{"title":"المطلب الثالث: صيغ النهي الدالة على التحريم","level":2,"page":34},{"title":"المطلب الرابع: أنواع القرائن الصارفة للنهي عن التحريم","level":2,"page":36},{"title":"الأول: الإجماع","level":3,"page":37},{"title":"الثاني: القرينة اللفظية في النص نفسه أو في نص آخر","level":3,"page":37},{"title":"الثالث: فعل النبي -ﷺ- للمنهي عنه","level":3,"page":38},{"title":"الرابع: إقرار النبي -ﷺ- لمن فعل المنهي عنه","level":3,"page":38},{"title":"الخامس: التعليل بما يشعر بعدم التحريم","level":3,"page":38},{"title":"السادس: فعل الصحابة -﵃- للمنهي عنه","level":3,"page":39},{"title":"السابع: القرينة الحالية","level":3,"page":39},{"title":"الثامن: المقصد من النهي","level":3,"page":40},{"title":"التاسع: الأصول والقواعد الشرعية العامة","level":3,"page":40},{"title":"العاشر: القياس","level":3,"page":41},{"title":"الحادي عشر: ضعف الحديث","level":3,"page":41},{"title":"الباب الأول المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في كتاب الطهارة","level":1,"page":44},{"title":"الفصل الأول المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب المياه","level":2,"page":45},{"title":"المبحث الأول: النهي عن البول في الماء الراكد","level":3,"page":46},{"title":"المطلب الأول: حكم البول في الماء الراكد","level":4,"page":46},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":51},{"title":"المبحث الثاني النهي عن الغسل في الماء الراكد","level":3,"page":53},{"title":"المطلب الأول: حكم الغسل في الماء الراكد","level":4,"page":53},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":56},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن غمس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها","level":3,"page":58},{"title":"المطلب الأول: حكم غمس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها","level":4,"page":58},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":61},{"title":"القرينة الأولى: ورود النص بالتعليل بما يقتضي عدم التحريم.","level":5,"page":61},{"title":"القرينة الثانية: ورود النص بذكر العدد.","level":5,"page":62},{"title":"القرينة الثالثة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.","level":5,"page":62},{"title":"المبحث الرابع: النهي عن وضوء الرجل بفضل طهور المرأة","level":3,"page":64},{"title":"المطلب الأول: حكم وضوء الرجل بفضل طهور المرأة","level":4,"page":64},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":71},{"title":"المبحث الخامس: النهي عن استعمال الماء المسخن بالشمس","level":3,"page":73},{"title":"المطلب الأول: حكم استعمال الماء المسخن بالشمس","level":4,"page":73},{"title":"القول الأول: جواز استعمال الماء المسخن بالشمس مطلقا من غير كراهة.","level":5,"page":73},{"title":"القول الثاني: كراهة استعمال الماء المسخن بالشمس.","level":5,"page":73},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":76},{"title":"الفصل الثاني المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب الآنية","level":2,"page":78},{"title":"المبحث الأول: النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة","level":3,"page":79},{"title":"المطلب الأول: حكم استعمال آنية الذهب والفضة","level":4,"page":79},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":83},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن استعمال آنية أهل الكتاب","level":3,"page":84},{"title":"المطلب الأول: حكم استعمال آنية أهل الكتاب","level":4,"page":84},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":87},{"title":"الفصل الثالث المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب آداب قضاء","level":2,"page":89},{"title":"المبحث الأول: النهي عن البول قائما","level":3,"page":90},{"title":"المطلب الأول: حكم البول قائما","level":4,"page":90},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":95},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن البول في طريق الناس وظلهم","level":3,"page":97},{"title":"المطلب الأول: حكم البول في طريق الناس وظلهم","level":4,"page":97},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":100},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن البول في الجحور","level":3,"page":102},{"title":"المطلب الأول: حكم البول في الجحور","level":4,"page":102},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":103},{"title":"المبحث الرابع: النهي عن البول في المغتسل","level":3,"page":104},{"title":"المطلب الأول: حكم البول في المغتسل","level":4,"page":104},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":106},{"title":"المبحث الخامس: النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول","level":3,"page":107},{"title":"المطلب الأول: حكم استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول","level":4,"page":107},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":114},{"title":"المبحث السادس: النهي عن استقبال بيت المقدس بغائط أو بول","level":3,"page":116},{"title":"المطلب الأول: حكم استقبال بيت المقدس بغائط أو بول","level":4,"page":116},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":119},{"title":"المبحث السابع: النهي عن الاستنجاء باليمين","level":3,"page":121},{"title":"المطلب الأول: حكم الاستنجاء باليمين","level":4,"page":121},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":122},{"title":"المبحث الثامن: النهي عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار","level":3,"page":124},{"title":"المطلب الأول: حكم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار","level":4,"page":124},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":129},{"title":"المبحث التاسع: النهي عن الاستجمار بروث أو عظم","level":3,"page":130},{"title":"المطلب الأول: حكم الاستجمار بروث أو عظم","level":4,"page":130},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":133},{"title":"المبحث العاشر: النهي عن دخول المرأة إلى الحمامات","level":3,"page":135},{"title":"المطلب الأول: حكم دخول المرأة إلى الحمامات","level":4,"page":135},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":142},{"title":"الفصل الرابع المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب سنن الفطرة","level":2,"page":144},{"title":"المبحث الأول: النهي عن حلق الرأس في غير الحج والعمرة","level":3,"page":145},{"title":"المطلب الأول: حكم حلق الرأس في غير الحج والعمرة","level":4,"page":145},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":149},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن القزع","level":3,"page":151},{"title":"المطلب الأول: حكم القزع","level":4,"page":151},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":152},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن تغيير الشيب بالسواد","level":3,"page":154},{"title":"المطلب الأول: حكم تغيير الشيب بالسواد","level":4,"page":154},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":158},{"title":"المبحث الرابع: النهي عن نتف الشيب","level":3,"page":160},{"title":"المطلب الأول: حكم نتف الشيب","level":4,"page":160},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":162},{"title":"المبحث الخامس: النهي عن حلق المرأة رأسها","level":3,"page":163},{"title":"المطلب الأول: حكم حلق المرأة رأسها","level":4,"page":163},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":167},{"title":"المبحث السادس: النهي عن وصل المرأة رأسها بغير الشعر","level":3,"page":168},{"title":"المطلب الأول: حكم وصل المرأة رأسها بغير الشعر","level":4,"page":168},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":174},{"title":"الفصل الخامس المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب صفة الوضوء ونواقضه","level":2,"page":175},{"title":"المبحث الأول: النهي عن الإسراف في الماء","level":3,"page":176},{"title":"المطلب الأول: حكم الإسراف في الماء","level":4,"page":176},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":178},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم","level":3,"page":180},{"title":"المطلب الأول: حكم الوضوء من أكل لحم الغنم","level":4,"page":180},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":183},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن الالتفات إلى الشك في الوضوء","level":3,"page":184},{"title":"المطلب الأول: حكم الالتفات إلى الشك في الوضوء","level":4,"page":184},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":190},{"title":"المبحث الرابع: النهي عن مس المصحف من غير طهارة","level":3,"page":191},{"title":"المطلب الأول: حكم مس المصحف من غير طهارة","level":4,"page":191},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":194},{"title":"المبحث الخامس: النهي عن السفر بالمصحف إلى دار الحرب","level":3,"page":195},{"title":"المطلب الأول: حكم السفر بالمصحف إلى دار الحرب","level":4,"page":195},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":197},{"title":"المبحث السادس: النهي عن قراءة الحائض والنفساء شيئا من القرآن","level":3,"page":199},{"title":"المطلب الأول: حكم قراءة الحائض والنفساء شيئا من القرآن","level":4,"page":199},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":203},{"title":"الفصل السادس المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب إزالة النجاسة","level":2,"page":204},{"title":"المبحث الأول: النهي عن أكل الجلالة وشرب ألبانها","level":3,"page":205},{"title":"المطلب الأول: حكم أكل الجلالة وشرب ألبانها","level":4,"page":205},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":210},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن تخليل الخمر","level":3,"page":212},{"title":"المطلب الأول: حكم تخليل الخمر","level":4,"page":212},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":219},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن البصاق جهة القبلة أو اليمين للمصلي","level":3,"page":221},{"title":"المطلب الأول: حكم البصاق جهة القبلة أو اليمين للمصلي","level":4,"page":221},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":225},{"title":"الباب الثاني المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في كتاب الصلاة","level":1,"page":227},{"title":"الفصل الأول المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب الأذان","level":2,"page":228},{"title":"المبحث الأول: النهي عن أخذ الأجرة على الأذان","level":3,"page":229},{"title":"المطلب الأول: حكم أخذ الأجرة على الأذان","level":4,"page":229},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":235},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها","level":3,"page":236},{"title":"المطلب الأول: حكم الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها","level":4,"page":236},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":242},{"title":"الفصل الثاني المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب المساجد","level":2,"page":243},{"title":"المبحث الأول: النهي عن إدخال الصبيان والمجانين للمساجد","level":3,"page":244},{"title":"المطلب الأول: حكم إدخال الصبيان والمجانين للمساجد","level":4,"page":244},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":248},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن إيطان الرجل المكان في المسجد","level":3,"page":250},{"title":"المطلب الأول: حكم إيطان الرجل المكان في المسجد","level":4,"page":250},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":256},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن تتبع المساجد","level":3,"page":257},{"title":"المطلب الأول: حكم تتبع المساجد","level":4,"page":257},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":260},{"title":"المبحث الرابع: النهي عن تباهي الناس في المساجد","level":3,"page":261},{"title":"المطلب الأول: حكم تباهي الناس في المساجد","level":4,"page":261},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":265},{"title":"المبحث الخامس: النهي عن الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى","level":3,"page":267},{"title":"المطلب الأول: حكم الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى","level":4,"page":267},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":269},{"title":"المبحث السادس: النهي عن الجلوس لداخل المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد","level":3,"page":271},{"title":"المطلب الأول: حكم جلوس داخل المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد","level":4,"page":271},{"title":"المطلب الثاني: القرائن الصارفة عن التحريم","level":4,"page":272},{"title":"المبحث السابع: النهي عن صلاة غير المكتوبة بعد إقامة الصلاة","level":3,"page":274},{"title":"المطلب الأول: حكم صلاة غير المكتوبة بعد إقامة الصلاة","level":4,"page":274},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":279},{"title":"المبحث الثامن: النهي عن استدامة الإمام الصلاة في مكان المكتوبة","level":3,"page":280},{"title":"المطلب الأول: حكم استدامة الإمام الصلاة في مكان المكتوبة","level":4,"page":280},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":282},{"title":"الفصل الثالث المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب المواقيت","level":2,"page":283},{"title":"المبحث الأول: النهي عن تسمية العشاء العتمة","level":3,"page":284},{"title":"المطلب الأول: حكم تسمية العشاء العتمة","level":4,"page":284},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":287},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن تسمية المغرب العشاء","level":3,"page":290},{"title":"المطلب الأول: حكم تسمية المغرب العشاء","level":4,"page":290},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":292},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس","level":3,"page":293},{"title":"المطلب الأول: حكم تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس","level":4,"page":293},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":299},{"title":"الفصل الرابع المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب ستر العورة","level":2,"page":301},{"title":"المبحث الأول: النهي عن صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء","level":3,"page":302},{"title":"المطلب الأول: حكم صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء","level":4,"page":302},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":307},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن لبس المزعفر والمعصفر","level":3,"page":310},{"title":"المطلب الأول: حكم لبس المزعفر والمعصفر.","level":4,"page":310},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":317},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن السدل في الصلاة","level":3,"page":320},{"title":"المطلب الأول: حكم السدل في الصلاة","level":4,"page":320},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":323},{"title":"المبحث الرابع: النهي عن اشتمال الصماء","level":3,"page":325},{"title":"المطلب الأول: حكم اشتمال الصماء","level":4,"page":325},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":327},{"title":"المبحث الخامس: النهي عن تغطية الوجه أو التلثم","level":3,"page":329},{"title":"المطلب الأول: حكم تغطية الوجه أو التلثم","level":4,"page":329},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":330},{"title":"المبحث السادس: النهي عن صلاة الرجل في سراويل وليس عليه رداء","level":3,"page":332},{"title":"المطلب الأول: حكم صلاة الرجل في سراويل وليس عليه رداء","level":4,"page":332},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":335},{"title":"المبحث السابع: النهي عن شد الوسط بما يشبه شد الزنار","level":3,"page":337},{"title":"المطلب الأول: حكم شد الوسط بما يشبه شد الزنار","level":4,"page":337},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":340},{"title":"المبحث الثامن: النهي عن إسبال الرجل شيئا من ثيابه","level":3,"page":341},{"title":"المطلب الأول: حكم إسبال الرجل شيئا من ثيابه","level":4,"page":341},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":348},{"title":"الفصل الخامس المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب آداب المشي إلى الصلاة","level":2,"page":350},{"title":"المبحث الأول: النهي عن تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد","level":3,"page":351},{"title":"المطلب الأول: حكم تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد","level":4,"page":351},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":356},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة","level":3,"page":358},{"title":"المطلب الأول: حكم الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة","level":4,"page":358},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":360},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن المشي في نعل واحدة","level":3,"page":363},{"title":"المطلب الأول: حكم المشي في نعل واحدة","level":4,"page":363},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":365},{"title":"المبحث الرابع: النهي عن الانتعال قائما","level":3,"page":369},{"title":"المطلب الأول: حكم الانتعال قائما","level":4,"page":369},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":371},{"title":"المبحث الخامس: النهي عن وضع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد","level":3,"page":373},{"title":"المطلب الأول: حكم وضع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد","level":4,"page":373},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":374},{"title":"الفصل السادس المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب صفة الصلاة","level":2,"page":376},{"title":"المبحث الأول: النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث","level":3,"page":377},{"title":"المطلب الأول: حكم الصلاة إلى النائم والمتحدث","level":4,"page":377},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":379},{"title":"المبحث الثاني: النهي عن الصلاة لمن كان بحضرة طعام أو حاقنا أو يدافع الأخبثين","level":3,"page":381},{"title":"المطلب الأول: حكم الصلاة لمن كان بحضرة طعام أو حاقنا أو يدافع الأخبثين","level":4,"page":381},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":383},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام","level":3,"page":384},{"title":"المطلب الأول: حكم القيام للصلاة قبل رؤية الإمام","level":4,"page":384},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":387},{"title":"المبحث الرابع: النهي عن الالتفات في الصلاة","level":3,"page":389},{"title":"المطلب الأول: حكم الالتفات في الصلاة","level":4,"page":389},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":393},{"title":"المبحث الخامس: النهي عن رفع البصر إلى السماء أثناء الصلاة","level":3,"page":395},{"title":"المطلب الأول: حكم رفع البصر إلى السماء أثناء الصلاة","level":4,"page":395},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":396},{"title":"المبحث السادس: النهي عن تغميض العين في الصلاة","level":3,"page":398},{"title":"المطلب الأول: حكم تغميض العين في الصلاة","level":4,"page":398},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":401},{"title":"المبحث السابع: النهي عن التثاؤب","level":3,"page":402},{"title":"المطلب الأول: حكم التثاؤب","level":4,"page":402},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":404},{"title":"المبحث الثامن: النهي عن فرقعة الأصابع أثناء الصلاة","level":3,"page":407},{"title":"المطلب الأول: حكم فرقعة الأصابع أثناء الصلاة","level":4,"page":407},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":409},{"title":"المبحث التاسع: النهي عن تشبيك الأصابع أثناء الصلاة","level":3,"page":411},{"title":"المطلب الأول: حكم تشبيك الأصابع أثناء الصلاة","level":4,"page":411},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":412},{"title":"المبحث العاشر: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود","level":3,"page":414},{"title":"المطلب الأول: حكم قراءة القرآن في الركوع والسجود","level":4,"page":414},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":415},{"title":"المبحث الحادي عشر: النهي عن بروك المصلي كما يبرك البعير","level":3,"page":418},{"title":"المطلب الأول: حكم بروك المصلي كما يبرك البعير","level":4,"page":418},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":424},{"title":"المبحث الثاني عشر: النهي عن افتراش السباع","level":3,"page":425},{"title":"المطلب الأول: حكم افتراش السباع","level":4,"page":425},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":426},{"title":"المبحث الثالث عشر: النهي عن الإقعاء في الصلاة","level":3,"page":429},{"title":"المطلب الأول: حكم الإقعاء في الصلاة","level":4,"page":429},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":437},{"title":"المبحث الرابع عشر: النهي عن كف المصلي الشعر والثياب أثناء الصلاة","level":3,"page":439},{"title":"المطلب الأول: حكم كف المصلي الشعر والثياب أثناء الصلاة","level":4,"page":439},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":440},{"title":"المبحث الخامس عشر: النهي عن اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة","level":3,"page":442},{"title":"المطلب الأول: حكم اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة","level":4,"page":442},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":448},{"title":"المبحث السادس عشر: النهي عن جلوس المصلي في الصلاة وهو معتمد على يديه","level":3,"page":450},{"title":"المطلب الأول: حكم جلوس المصلي في الصلاة وهو معتمد على يديه","level":4,"page":450},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":451},{"title":"المبحث السابع عشر: النهي عن مسح الحصى من موضع السجود، والعبث أثناء الصلاة","level":3,"page":453},{"title":"المطلب الأول: حكم مسح الحصى من موضع السجود، والعبث أثناء الصلاة","level":4,"page":453},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":456},{"title":"المبحث الثامن عشر: النهي عن رد السلام في الصلاة","level":3,"page":458},{"title":"المطلب الأول: حكم رد السلام في الصلاة","level":4,"page":458},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":464},{"title":"الفصل السابع المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم في باب صلاة التطوع","level":2,"page":466},{"title":"المبحث الأول: النهي عن وترين في ليلة","level":3,"page":467},{"title":"المطلب الأول: حكم صلاة وترين في ليلة","level":4,"page":467},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":469},{"title":"المبحث الثاني النهي عن رفع الصوت بالقراءة في صلاة التطوع إن كان مؤذيا لمن حوله","level":3,"page":470},{"title":"المطلب الأول: حكم رفع الصوت بالقراءة في صلاة التطوع إن كان مؤذيا لمن حوله","level":4,"page":470},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":473},{"title":"المبحث الثالث: النهي عن ترك قيام الليل","level":3,"page":474},{"title":"المطلب الأول: حكم ترك قيام الليل","level":4,"page":474},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":476},{"title":"المبحث الرابع: النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي","level":3,"page":478},{"title":"المطلب الأول: حكم تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي","level":4,"page":478},{"title":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم","level":4,"page":479},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":483},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":488}],"ٛ":{"1,3":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,298":293,"1,299":294,"1,300":295,"1,301":296,"1,302":297,"1,303":298,"1,304":299,"1,305":300,"1,306":301,"1,307":302,"1,308":303,"1,309":304,"1,310":305,"1,311":306,"1,312":307,"1,313":308,"1,314":309,"1,315":310,"1,316":311,"1,317":312,"1,318":313,"1,319":314,"1,320":315,"1,321":316,"1,322":317,"1,323":318,"1,324":319,"1,325":320,"1,326":321,"1,327":322,"1,328":323,"1,329":324,"1,330":325,"1,331":326,"1,332":327,"1,333":328,"1,334":329,"1,335":330,"1,336":331,"1,337":332,"1,338":333,"1,339":334,"1,340":335,"1,341":336,"1,342":337,"1,343":338,"1,344":339,"1,345":340,"1,346":341,"1,347":342,"1,348":343,"1,349":344,"1,350":345,"1,351":346,"1,352":347,"1,353":348,"1,354":349,"1,355":350,"1,356":351,"1,357":352,"1,358":353,"1,359":354,"1,360":355,"1,361":356,"1,362":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,418":412,"1,419":413,"1,420":414,"1,421":415,"1,422":416,"1,423":417,"1,424":418,"1,425":419,"1,426":420,"1,427":421,"1,428":422,"1,429":423,"1,430":424,"1,431":425,"1,432":426,"1,433":427,"1,434":428,"1,435":429,"1,436":430,"1,437":431,"1,438":432,"1,439":433,"1,440":434,"1,441":435,"1,442":436,"1,443":437,"1,444":438,"1,445":439,"1,446":440,"1,447":441,"1,448":442,"1,449":443,"1,450":444,"1,451":445,"1,452":446,"1,453":447,"1,454":448,"1,455":449,"1,456":450,"1,457":451,"1,458":452,"1,459":453,"1,460":454,"1,461":455,"1,462":456,"1,463":457,"1,464":458,"1,465":459,"1,466":460,"1,467":461,"1,468":462,"1,469":463,"1,470":464,"1,471":465,"1,472":466,"1,473":467,"1,474":468,"1,475":469,"1,476":470,"1,477":471,"1,478":472,"1,479":473,"1,480":474,"1,481":475,"1,482":476,"1,483":477,"1,484":478,"1,485":479,"1,486":480,"1,487":481,"1,488":482,"1,489":483,"1,490":484,"1,491":485,"1,492":486,"1,493":487,"1,543":488,"1,544":489,"1,545":490,"1,546":491,"1,547":492,"1,548":493,"1,549":494,"1,550":495,"1,551":496,"1,552":497,"1,553":498,"1,554":499,"1,555":500,"1,556":501,"1,557":502,"1,558":503,"1,559":504,"1,560":505,"1,561":506,"1,562":507,"1,563":508,"1,564":509,"1,565":510,"1,566":511,"1,567":512,"1,568":513,"1,569":514,"1,570":515,"1,571":516,"1,572":517,"1,573":518,"1,574":519,"1,575":520},"ٜ":{"1":[3,575]},"ٝ":["1,3","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575"],"ٞ":{"2":[1,2],"3":[3,4,5],"4":[6],"9":[7],"12":[8],"26":[9],"27":[10,11,12],"29":[13],"30":[14,15],"31":[16],"32":[17],"34":[18],"36":[19],"37":[20,21],"38":[22,23,24],"39":[25,26],"40":[27,28],"41":[29,30],"44":[31],"45":[32],"46":[33,34],"51":[35],"53":[36,37],"56":[38],"58":[39,40],"61":[41,42],"62":[43,44],"64":[45,46],"71":[47],"73":[48,49,50,51],"76":[52],"78":[53],"79":[54,55],"83":[56],"84":[57,58],"87":[59],"89":[60],"90":[61,62],"95":[63],"97":[64,65],"100":[66],"102":[67,68],"103":[69],"104":[70,71],"106":[72],"107":[73,74],"114":[75],"116":[76,77],"119":[78],"121":[79,80],"122":[81],"124":[82,83],"129":[84],"130":[85,86],"133":[87],"135":[88,89],"142":[90],"144":[91],"145":[92,93],"149":[94],"151":[95,96],"152":[97],"154":[98,99],"158":[100],"160":[101,102],"162":[103],"163":[104,105],"167":[106],"168":[107,108],"174":[109],"175":[110],"176":[111,112],"178":[113],"180":[114,115],"183":[116],"184":[117,118],"190":[119],"191":[120,121],"194":[122],"195":[123,124],"197":[125],"199":[126,127],"203":[128],"204":[129],"205":[130,131],"210":[132],"212":[133,134],"219":[135],"221":[136,137],"225":[138],"227":[139],"228":[140],"229":[141,142],"235":[143],"236":[144,145],"242":[146],"243":[147],"244":[148,149],"248":[150],"250":[151,152],"256":[153],"257":[154,155],"260":[156],"261":[157,158],"265":[159],"267":[160,161],"269":[162],"271":[163,164],"272":[165],"274":[166,167],"279":[168],"280":[169,170],"282":[171],"283":[172],"284":[173,174],"287":[175],"290":[176,177],"292":[178],"293":[179,180],"299":[181],"301":[182],"302":[183,184],"307":[185],"310":[186,187],"317":[188],"320":[189,190],"323":[191],"325":[192,193],"327":[194],"329":[195,196],"330":[197],"332":[198,199],"335":[200],"337":[201,202],"340":[203],"341":[204,205],"348":[206],"350":[207],"351":[208,209],"356":[210],"358":[211,212],"360":[213],"363":[214,215],"365":[216],"369":[217,218],"371":[219],"373":[220,221],"374":[222],"376":[223],"377":[224,225],"379":[226],"381":[227,228],"383":[229],"384":[230,231],"387":[232],"389":[233,234],"393":[235],"395":[236,237],"396":[238],"398":[239,240],"401":[241],"402":[242,243],"404":[244],"407":[245,246],"409":[247],"411":[248,249],"412":[250],"414":[251,252],"415":[253],"418":[254,255],"424":[256],"425":[257,258],"426":[259],"429":[260,261],"437":[262],"439":[263,264],"440":[265],"442":[266,267],"448":[268],"450":[269,270],"451":[271],"453":[272,273],"456":[274],"458":[275,276],"464":[277],"466":[278],"467":[279,280],"469":[281],"470":[282,283],"473":[284],"474":[285,286],"476":[287],"478":[288,289],"479":[290],"483":[291],"488":[292]},"ٟ":[488,489,490,491,492,493,494,495,496,497,498,499,500,501,502,503,504,505,506,507,508,509,510,511,512,513,514,515,516,517,518,519,520]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\">مستخلص الرسالة </span>\nعنوان الرسالة: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع.\nالباحثة: جميلة بنت شفيع عبد الرحمن علي.\nالمشرف: د. محمد بن سعود الخميس.\nالدرجة العلمية: الماجستير.\nالجامعة والكلية: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -كلية الشريعة بالرياض.\nالقسم والتخصص: الفقه.\nالعام الجامعي: ١٤٤٢ - ١٤٤٣ هـ/ ٢٠٢٠ - ٢٠٢١ م.\nتناولت هذه الرسالة جمعَ ودراسة التطبيقات الفقهية للمسائل التي ورد فيها النهي محمولًا على غير التحريم في كتاب الطهارة وجزء من كتاب الصلاة، والبحث عن أسباب ذلك، وحصرَ هذه الأسباب والقرائن التي وردت في هذه المسائل وبيانها، وقد احتوت على تمهيد أصوليّ في بعض مباحث النهي وصيغ التحريم والقرينة وأنواعها، ثم تطرقت الرسالة -في بابها الأوَّل- إلى المسائل التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في كتاب الطهارة؛ كمسائل باب المياه، وطهارة الآنية، وأحكام سنن الفطرة، وآداب قضاء الحاجة وإزالة النجاسة، وأحكام صفة الوضوء ونواقضه. ثم -في بابها الثاني- تطرقت الرسالة إلى المسائل التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في كتاب الصلاة؛ كأحكام باب الأذان، ومنها حكم أخذ الأجرة عليه، والأحكام المتعلقة بالمساجد وآداب المشي إلى الصلاة، وبعض أحكام مواقيت الصلاة، وتناولت أحكام ستر العورة، ثم تطرقت إلى أحكام صفة الصلاة؛ كحكم الافتراش، والإقعاء، والالتفات، وأحكام صلاة التطوع؛ كحكم صلاة وترين في ليلة. وقد احتوت الرسالة على ثمانين مسألة، وذُكر في كل مسألة الدليل الذي ورد فيه النهي، ثم عُرض خلاف الفقهاء في حكم المسألة مع الأدلة والمناقشة، ثم الترجيح وأسبابه، ثم بيان القرينة الصارفة للنهي عن التحريم والحكم عليها. ثم خُتمت الرسالة بأبرز النتائج التي توصَّلت إليها الباحثة، وبعض التوصيات، والله أعلم.","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإن علامة استقامة القلب تعظيم الأمر والنهي، وامتثالهما قولًا وفعلًا واعتقادًا؛ لأن معظم الابتلاء بهما، وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام، ويتميز الحلال من الحرام.\nوقد نظر الفقهاء - رحمهم الله تعالى- في أدلة الأمر والنهي، وأوسعوا مباحثهما الأصولية نظرًا وتحريرًا وتفصيلًا؛ ليكون المكلف على بصيرة بما يقتضي منها الوجوب أو التحريم، وما قد يُحمل على غير ذلك، ووضَّحوا دور القرائن في بيان المراد من الأمر والنهي، فكان هذا الموضوع؛ للنظر في آحاد المسائل الفقهية، وتَتبُّع تطبيقات هذه القواعد الأصولية.\nوحيث سجل موضوع «المسائل الفقهية التي حُمل الأمر فيها على غير الوجوب» في قسم الفقه في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تأكدت أهمية البحث في قَسِيمه: (المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم) فهذا الموضوع يدرس المسائل الفقهية التي قال العلماء بعدم حرمتها مع وجود النهي الشرعي، والبحث عن أسباب ذلك، وحصر هذه الأسباب والقرائن التي وردت في هذه المسائل وبيانها، وبيان كون هذه القرائن محل خلاف بين الفقهاء أم لا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2>أهمية الموضوع:</span>\nتظهر أهمية الموضوع في النقاط الآتية:\n١ - فائدته العلمية؛ لتعلُّقه بمبحث مهم عند الفقهاء، وأسبابِ اختلافهم، وهو المنهيات الشرعية المصروفة عن التحريم.\n٢ - عنايته بإظهاره الجوانب التطبيقية لما تقرر في كتب الأصول، ومدى مطابقة الفرع الفقهي لأصله.\n٣ - وجود الحاجة لدراسة فقهية تجمع القرائن الصارفة عن التحريم مع تطبيقاتها المفصَّلة في كتب الفقه.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>أسباب اختيار الموضوع:</span>\nتظهر أسباب اختيار هذا الموضوع في النقاط الآتية:\n١ - تركيز هذه الدراسة على الجانب التطبيقي للمنهيات الشرعية التي صرفتها القرينة عن التحريم، مما لم يُتعرَّض له في الدراسات السابقة النظرية، ولا شك في حصول الفائدة لطالب العلم بهذا الجمع.\n٢ - اعتناء الموضوع بالجانب المنهجي عند الفقهاء، وبأَثَر ما قرروه من أصول وقواعد على الفروع الفقهية.\n٣ - توسيع مدارك الفهم لدلالات النص الشرعي، وما يحتفُّ به من القرائن التي يتناولها الفقهاء، ولا سيما المنهيات الشرعية؛ فإنها تُكسِب الناظر فيها ملكة فقهية.\n٤ - الرغبة في بحث موضوع يجمع بين: دراسة السنة النبوية، والفقه وأصوله؛ فتعظم الفائدة في ذلك لطالب العلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4>أهداف الموضوع:</span>\nيهدف البحث في هذا الموضوع إلى ما يأتي:\n١ - جَمْع المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم -من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع- ودراستها.\n٢ - التعرف على الجانب العملي التطبيقي لما قرره الفقهاء - رحمهم الله تعالى- في مبحث دلالة النهي على التحريم ونحوه في مصنفاتهم الأصولية، وقوة حضور ذلك في فروعهم.\n٣ - الإسهام في جمع القرائن الصارفة للمنهيات الشرعية، وآراء الفقهاء - رحمهم الله تعالى- حولها.\n٤ - دراسة جملة من المنهيات الشرعية دراسة فقهية تبيِّن حكمها ومذاهب العلماء فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5>ضابط عنوان البحث:</span>\nهو جمع المسائل الفقهية التي ورد فيها نهيٌ شرعي، ولم يُفِد النهي تحريم المنهيِّ عنه؛ لوجود القرينة الصارفة، وحَصْر هذه القرائن وبيانها، سواءً أكانت المسائل محل خلاف بين الفقهاء أم لا.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>الدراسات السابقة:</span>\nلم أجد مَنْ أفرد هذا الموضوع بالبحث والتصنيف واعتنى بإبرازه عند الفقهاء وتَتبُّع مسائله، إنما بعض الجهود الأصولية التي تورِد المسائل كأمثلة مختصرة فقط، أو بعض الجهود الفقهية التي اعتنت بجانب النهي دون التركيز على جانب الصرف بالقرائن، أوردها فيما يلي:\nأ- الرسائل العلمية والبحوث التكميلية:\nالدراسة الأولى:\nالمناهي النبوية المختلف في دلالتها: دراسة فقهية تطبيقية من كتاب الطهارة إلى باب ما يُكره في الصلاة، دراسة فقهية تطبيقية .... عنوان البحث:\nمي بنت صالح القاسم … اسم الباحث:\nالدكتوراة … الدرجة العلمية:\nمشروع مُسجَّل بجامعة الملك سعود … جهة الدراسة:\n١٤٣٦ هـ … تاريخ الدراسة:\nغير مطبوع … حالة النشر:\n٤٧٦ صفحة … حجم الدراسة:\nتعريف النهي وصِيغه، والمنهيات في كتاب الطهارة وبعض أبواب كتاب الصلاة .... التقسيمات الكبرى للدراسة:\nسأعقد المقارنة بالتفصيل بعد عَرْض الدراسة الثانية؛ كونها مُكمِّلة لهذه الدراسة في موضوعاتها .... المقارنة بينها وبين موضوع الباحث، والإضافة العلمية عليها:","vol":"1","page":8},{"text":"الدراسة الثانية:\nالمناهي النبوية المختلف في دلالتها: دراسة فقهية تطبيقية من باب العمل وما يُكره في الصلاة إلى كتاب الجنائز، دراسة فقهية تطبيقية .... عنوان البحث:\nعبد الرحمن بن عوض القرني … اسم الباحث:\nالدكتوراة … الدرجة العلمية:\nمشروع مُسجَّل بجامعة الملك سعود … جهة الدراسة:\n١٤٣٥ هـ … تاريخ الدراسة:\nغير مطبوع … حالة النشر:\n١٠٠٦ صفحة … حجم الدراسة:\nتعريف النهي وصِيغه ودلالاته عند الأصوليين، والمنهيات في كتاب الصلاة والجنائز .... التقسيمات الكبرى للدراسة:","vol":"1","page":9},{"text":"أولًا: من حيث موضوع الدراسة.\n* يتفق مشروع المنهيات بجامعة الملك سعود مع موضوع الباحثة في دراستهما لمنهيات شرعية في أبواب الطهارة والصلاة.\n* يفترقان في أن مشروع المنهيات اختص -كما هو في عناوين الدراستين- بدراسة المناهي التي وقع الخلاف في دلالتها وحسب، مما يعني عدم التعرض للمسائل التي كان الاتفاق جاريًا فيها، وأما البحث في (المسائل الفقهية التي صُرف النهي فيها إلى غير التحريم): فإنه يتناول -بالإضافة إلى المسائل الخلافيَّة- ما كان مُتفَقًا على صرفه إلى معنى معين، مع اختلاف القرينة الصارفة أو اتفاقها؛ إذ قد يكون الصرف مُتفَقًا عليه والصارف مُختلَفًا فيه.\nثانيًا: من حيث مصادر جَمْع مسائل المنهيات.\nحصَر المشروع -كما ذُكر في مقدمة الدراسات- البحث على مسائل المنهيات الواردة في أربعة كتب فقط: (عمدة الأحكام للمقدسي، المنتقى من أخبار المصطفى -ﷺ- لمجد الدين ابن تيمية، المحرر في الحديث لابن عبد الهادي المقدسي، بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر العسقلاني -رحمة الله على الجميع-).\nومعلومٌ أن هذه الكتب الأربعة لا تكفي لمريد الحصر، بل قد تَفُوت بعض المناهي منها، وأما دراسة (المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم): فليست محصورة بمصدر معين، بل هي عامة في كل ما يمكن أن يكون مصدرًا للمناهي الشرعية.\nثالثًا: من حيث أدلة مسائل المنهيات.\nحُدّ مشروع المنهيات بالأحاديث النبوية المرفوعة المختلَف فيها، من أربعة كتب حديثية اعتنت بأحاديث الأحكام؛ حيث نص الباحث/ عبد الرحمن القرني على ذلك في المقدمة: «تُحد أحاديث الدراسة بالأحاديث المرفوعة للنبي -ﷺ- حقيقةً أو حكمًا- والتي اختُلف في دلالتها بين التحريم والكراهة».\nأما موضوع الباحثة: فهو عام في جميع الأدلة التي احتج بها الفقهاء، ولا يختص بالأحاديث النبوية، ولا بالمختلف فيه، ولا بالكتب الأربعة المذكورة، وخاصة بما صُرف منها عن التحريم.\nرابعًا: من حيث المنهج.\n*يتفق مشروع المنهيات مع موضوع الباحثة في المنهج الاستقرائي الاستنتاجي في دراسة المسائل دراسة فقهية مقارنة.\n*اعتنى الباحثان غالبًا بذِكر الصوارف والقرائن، دون إفرادها بدراسة خاصة، أما رسالة (المسائل الفقهية التي صُرف النهي فيها عن التحريم): فقد تميزت بهذه الإضافة، وهي دراسة القرائن الصارفة، ومدى صحتها، واطرادها، واحتجاج العلماء بها، وهذا مما يعين الباحثين على فهم كثير من اختيارات الأئمة الفقهاء.\nخامسا: من حيث عدد مسائل الدراسة.\n• المناهي النبوية المختلف في دلالتها: دراسة فقهية تطبيقية من كتاب الطهارة إلى باب ما يُكره في الصلاة، دراسة فقهية تطبيقية. رسالة دكتوراة للباحثة/ مي القاسم (ثلاثٌ وستون مسألة).\n• المناهي النبوية المختلَف في دلالتها: دراسة فقهية تطبيقية من باب العمل وما يُكره في الصلاة إلى كتاب الجنائز، دراسة فقهية تطبيقية. رسالة دكتوراة للباحث/ عبد الرحمن القرني (أربعٌ وسبعون مسألة).\n• موضوع الباحثة المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع. (ثمانون مسألة).\nتفرّد هذا الموضوع بأربعين مسألة لم تُبحث ضمن مشروع المنهيات في جامعة الملك سعود .... المقارنة بين الدراستين السابقتين: (مشروع المنهيات بجامعة الملك سعود) وبين موضوع الباحثة، والإضافة العلمية عليها:\nالدراسة الثالثة:\nصوارف النهي عن موجبه، وتطبيقاتها الفقهية … عنوان البحث:\nياسر مصطفى يوسف … اسم الباحث:\nماجستير … الدرجة العلمية:\nجامعة أم درمان الإسلامية … جهة الدراسة:\n١٤٣٤ هـ-٢٠١٣ م … تاريخ الدراسة:\nغير مطبوع … حالة النشر:\n٤٨١ صفحة … حجم الدراسة:\nتعريف النهي- أصل دلالته- صوارف النهي وآثارها في صرفه عن أصله- دراسة بعض مباحث النهي .... التقسيمات الكبرى للدراسة:\nاعتنت هذه الدراسة بالجوانب الأصولية، وإيراد التطبيقات الفقهية فيها إنما هو على سبيل التمثيل فقط، أما هذه الدراسة: فإنها تعتني بدراسة التطبيقات الفقهية على وجه الاستقلال وحصْر القرائن .... المقارنة بينها وبين موضوع الباحث، والإضافة العلمية عليها:","vol":"1","page":10},{"text":"الدراسة الرابعة:\nالقرائن عند الأصوليين … عنوان البحث:\nمحمد بن عبد العزيز المبارك … اسم الباحث:\nدكتوراة … الدرجة العلمية:\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية … جهة الدراسة:\n١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ م … تاريخ الدراسة:\nمطبوعات سلسلة الرسائل الجامعية (٥٧) -جامعة الإمام … حالة النشر:\n١٠١٨ صفحة … حجم الدراسة:\nمعنى القرائن- أقسام القرائن- أحكام القرائن العامة- أثر القرائن في بيان معاني اللغات- أثر القرائن في الدلالات .... التقسيمات الكبرى للدراسة:\nوقد كانت دراسته أصولية، وتَطرَّق لموضوع صوارف النهي عن التحريم في أحد مطالبه، بصفحات يسيرة.\nأما بحث (المسائل الفقهية التي صُرف النهي فيها إلى غير التحريم): فهو بحث فقهي يدرس المسائل الفقهية المصروفة عن التحريم، ثم يبحث عن القرينة الصارفة ويدرسها .... المقارنة بينها وبين موضوع الباحث، والإضافة العلمية عليها:\nب- الأبحاث المُحكمة والكتب:\nالدراسة الأولى:\nدلالة النهي عند الأصوليين، وأثرها في الفروع الفقهية … عنوان البحث:\nعلي بن عباس الحكمي … اسم المؤلف:\nجامعة أم القرى … جهة النشر:\n١٤٠٩ هـ … تاريخ النشر:\nمجلة جامعة أم القرى … مكان النشر للكتاب:\nالسنة الأولى، العدد الأول … رقم الطبعة للكتاب:\n٦٦ صفحة … حجم الدراسة:\nمعنى النهي وصِيغه، ودلالته على التحريم، ودلالته على الفور، ودلالته على التكرار، ودلالته على البطلان .... التقسيمات الكبرى للدراسة:","vol":"1","page":11},{"text":"هذا البحث الأصولي تناول بعض القواعد كقاعدة: النهي المطلق يقتضي دوام الترك، النهي المطلق يقتضي الفور، النهي المطلق يقتضي التحريم، النهي المطلق يقتضي البطلان، ولم يتطرق للحديث عن صوارف النهي عن التحريم .... المقارنة بينها وبين موضوع الباحث:\nالدراسة الثانية:\nصوارف النهي عن التحريم، دراسة تأصيلية تطبيقية … عنوان البحث أو الكتاب:\nد. عبد العزيز النملة … اسم المؤلف:\nكلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة القصيم … جهة النشر:\n٢٠١١ م … تاريخ النشر:\nالقصيم … مكان النشر للكتاب:\nغير مطبوع … رقم الطبعة للكتاب:\n٥٠ صفحة … حجم الدراسة:\nحقيقة النهي وصِيغه- دلالة النهي المطلق على التحريم- استعمال النهي المطلق في غير التحريم- ضوابط صرف النهي عن التحريم … التقسيمات الكبرى للدراسة:\nاقتصر على التمثيل لبعضٍ من التطبيقات الفقهية لصوارف النهي عن التحريم، وقد أوصى في نهاية بحثه بجمْع الفروع الفقهية المُخرَّجة على قواعدها من كتب الخلاف العالي؛ لتساهم في إبراز ثمرة علم أصول الفقه .... المقارنة بينها وبين موضوع الباحث.\nالإضافة العلمية لموضوع الرسالة: هذه الدراسة تجمع القرائن الصارفة عن التحريم، المنثورة في كتب الفقه: بتتبُّعها في الفروع الفقهية، وهذه إضافة لم تُفرد ببحث فقهي، كذا هذه الدراسة قد انفردت بأربعين مسألة لم تُبحث في الدراسات السابقة.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>منهج البحث:</span>\nأ- المنهج العام:\nأولًا: أصوِّر المسألة المراد بحثها تصويرًا دقيقًا قبل بيان حكمها؛ ليتضح المقصود من دراستها.\nثانيًا: إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق: فأذكر حكمها بدليلها، مع توثيق الاتفاق من مظانه المعتبرة.\nثالثًا: إذا كانت المسألة من مسائل الخلاف: فأتبع ما يلي:\n(١) تحرير محل الخلاف: إذا كانت بعض صور المسألة محل خلاف، وبعضها محل اتفاق.\n(٢) ذِكر الأقوال في المسألة مبتدئةً بالقول الراجح، وبيان مَنْ قال بها من أهل العلم، ويكون عرض الخلاف حسب الاتجاهات الفقهية.\n(٣) الاقتصار على المذاهب الفقهية المعتبرة، مع العناية بذِكر ما تيسَّر الوقوف عليه من أقوال السلف الصالح، وإذا لم أقف على المسألة في مذهب ما فأسلك بها مسلك التخريج.\n(٤) توثيق الأقوال من كتب أهل المذهب نفسه.\n(٥) استقصاء أدلة الأقوال، مع بيان وجه الاستدلال من الأدلة النقلية، وذِكر ما يرِد على الأدلة من مناقشات، وما يُجاب به عنها إن كانت.\n(٦) الترجيح، مع بيان سببه وذكر ثمرة الخلاف إن وجدت.\nرابعًا: الاعتماد على أمهات المصادر والمراجع الأصيلة في التحرير والتوثيق والتخريج والجمع.\nخامسًا: التركيز على موضوع البحث وتجنُّب الاستطراد.\nسادسًا: العناية بضرب الأمثلة، وخاصة الواقعية.\nسابعًا: تجنُّب ذِكر الأقوال الشاذة.\nثامنًا: العناية بدراسة ما جَدَّ من القضايا مما له صلة واضحة بالبحث.\nتاسعًا: ترقيم الآيات، وبيان سورها.\nعاشرًا: تخريج الأحاديث وبيان ما ذكره أهل الشأن في درجتها -إن لم تكن في","vol":"1","page":13},{"text":"الصحيحين أو أحدهما- فإن كانت كذلك فأكتفي حينئذٍ بتخريجها، ولفظ الحديث -في الغالب- لأول مذكور ما لم تتم الإشارة إلى غيره.\nحادي عشر: تخريج الآثار من مصادرها الأصيلة، والحكم عليها.\nثاني عشر: التعريف بالمصطلحات، وشرْح الغريب الوارد في صلب الموضوع.\nثالث عشر: العناية بقواعد اللغة العربية والإملاء وعلامات الترقيم.\nرابع عشر: الترجمة للأعلام غير المشهورين عند أول ورودٍ لها.\nخامس عشر: خاتمة البحث عبارة عن ملخص للرسالة، يعطي فكرة واضحة عما تضمنته الرسالة، مع إبراز أهم النتائج التي توصلتُ إليها من خلال هذا البحث.\nسادس عشر: أتبع الرسالة بالفهارس الفنية المتعارف عليها، وتشمل:\n- فهرس الآيات.\n- فهرس الأحاديث والآثار.\n- فهرس الأعلام.\n- فهرس المصطلحات.\n- فهرس المصادر والمراجع. وأذكر معها بعض الموسوعات التي استفدت منها فائدة غير مباشرة -من باب رد الفضل لأهله-.\n- فهرس الموضوعات.\nب- المنهج الخاص:\n١. ذكر دليل النهي الوارد في المسألة.\n٢. إن كانت المسألة محل إجماع أو اتفاق بين الفقهاء: فتُعرض عرضًا فقهيًا -كما في المنهج العام- ثم يتم توجيه النظر للقرينة الصارفة للنهي عن التحريم، وبيان آراء الفقهاء حول هذه القرينة كما سيأتي بيانه.\n٣. إن كانت المسألة محل خلاف بين الفقهاء فتُبحث بحثًا فقهيًا مقارنًا -كما في المنهج العام- ثم يُوجه النظر إلى القول القائل بصرف النهي عن التحريم، سواء أكان هو الراجح أم لا، ويُعقَّب ببيان القرينة الصارفة له عن التحريم على النحو الذي سيأتي بيانه.\n٤. تُذكر القرائن التي نص الفقهاء عليها، ويُشار إلى الأقوال فيها -إن تعددت- ومَن نصَّ عليها، فإن لم يُنص عليها فيُذكر ما أشاروا إليه أو اجتهد الباحث في استنباطه، ثم","vol":"1","page":14},{"text":"تُبيَّن درجة القرينة ومدى اعتبارها.\nأبرز الصعوبات التي واجهتني ما يأتي:\n١. المشاكل الصحية التي تعرضتُ لها في فترة إنجار الرسالة، مما أعاقني عن البحث والكتابة لفترات طويلة، وقد مَنَّ الله -﷿- عليَّ بفضله وكرمه وأعانني على إتمام الرسالة، فله الحمد حمدًا طيبًا مباركًا فيه، يملأ السموات والأرض وما بينهما وما شاء ربنا من شيء بعدُ.\n٢. جائحة فيروس كورونا المستجد، وآثارها النفسية والإجتماعية التي عايشناها، ولا زلنا نعايشها إلى اليوم -مؤمنين بقضاء الله وقدره، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا- حمانا الله والمسلمين منها، ونسأله سبحانه أن يرفع عنا البلاء ويكشف الغمة؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.","vol":"1","page":15},{"text":"تقسيمات الخطة:\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع -جمعًا ودراسة-.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>تقسيمات البحث:</span>\nانتظمت خطة البحث في: مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة، وفهارس.\nالمقدمة: وفيها: أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهدافه، ومنهج البحث، وتقسيماته.\nالتمهيد: في حقيقة النهي والقرائن الصارفة له، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف النهي، وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: تعريف النهي لغة.\nالمسألة الثانية: تعريف النهي اصطلاحًا.\nالمطلب الثاني: تعريف القرينة، وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: تعريف القرينة لغةً.\nالمسألة الثانية: تعريف القرينة اصطلاحًا.\nالمطلب الثالث: صِيغ النهي الدالة على التحريم.\nالمطلب الرابع: أنواع القرائن الصارفة للنهي عن التحريم.\nالباب الأول:\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في كتاب الطهارة، ويتكون من ستة فصول:\nالفصل الأول: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب المياه، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن البول في الماء الراكد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم البول في الماء الراكد.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن الغُسل في الماء الراكد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الغُسل في الماء الراكد.","vol":"1","page":16},{"text":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث: النهي عن غَمْس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم غَمْس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الرابع: النهي عن وضوء الرجل بفضل طهور المرأة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم وضوء الرجل بفضل طهور المرأة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الخامس: النهي عن استعمال الماء المُسخَّن بالشمس، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم استعمال الماء المُسخَّن بالشمس.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالفصل الثاني: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب الآنية، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم استعمال آنية الذهب والفضة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن استعمال آنية أهل الكتاب، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم استعمال آنية أهل الكتاب.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالفصل الثالث: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب آداب قضاء الحاجة، وفيه عشرة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن البول قائمًا، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم البول قائمًا.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.","vol":"1","page":17},{"text":"المبحث الثاني: النهي عن البول في طريق الناس وظِلِّهم، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم البول في طريق الناس وظِلِّهم.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث: النهي عن البول في الجحور، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم البول في الجحور.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الرابع: النهي عن البول في المغتسل، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم البول في المغتسل.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الخامس: النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السادس: النهي عن استقبال بيت المقدس بغائط أو بول، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم استقبال بيت المقدس بغائط أو بول.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السابع: النهي عن الاستنجاء باليمين، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الاستنجاء باليمين.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثامن: النهي عن الاسْتِجْمار بأقل من ثلاثة أحجار، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث التاسع: النهي عن الاستجمار برَوْث أو عَظْم، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الاستجمار برَوْث أو عَظْم.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث العاشر: النهي عن دخول المرأة إلى الحمامات، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم دخول المرأة إلى الحمامات.","vol":"1","page":18},{"text":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالفصل الرابع: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب سنن الفطرة، وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن حلق الرأس في غير الحج والعمرة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم حَلْق الرأس في غير الحج والعمرة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن القَزَع، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم القَزَع.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث: النهي عن تغيير الشَّيْب بالسواد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تغيير الشَّيْب بالسواد.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الرابع: النهي عن نَتْف الشَّيْب، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم نَتْف الشَّيْب.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الخامس: النهي عن حَلْق المرأة رأسها، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم حَلْق المرأةِ رأسَها.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السادس: النهي عن وَصْل المرأةِ رأسَها بغير الشعر، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم وصل المرأة رأسها بغير الشعر.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالفصل الخامس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب صفة الوضوء ونواقضه، وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن الإسراف في الماء، وفيه مطلبان:","vol":"1","page":19},{"text":"المطلب الأول: حكم الإسراف في الماء.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الوضوء من أكل لحم الغنم.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث: النهي عن الالتفات إلى الشك في الوضوء، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الالتفات إلى الشك في الوضوء.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الرابع: النهي عن مَسِّ المصحف من غير طهارة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم مَسِّ المصحف من غير طهارة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الخامس: النهي عن السفر بالمصحف إلى دار الحرب، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم السفر بالمصحف إلى دار الحرب.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السادس: النهي عن قراءة الحائض والنفساء شيئًا من القرآن، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم قراءة الحائض والنفساء شيئًا من القرآن.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالفصل السادس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب إزالة النجاسة، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن أكل الجَلَّالَة وشرب ألبانها، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم أكل الجَلَّالة وشرب ألبانها.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن تخليل الخمر، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تخليل الخمر.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.","vol":"1","page":20},{"text":"المبحث الثالث: النهي عن البُصاق جِهة القِبلة أو اليمين للمصلي، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم البُصاق جِهة القِبلة أو اليمين للمصلي.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالباب الثاني:\nالمسائل التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في كتاب الصلاة، ويتكون من سبعة فصول:\nالفصل الأول: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب الأذان، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: النهي عن أخذ الأجرة على الأذان، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم أخذ الأجرة على الأذان.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالفصل الثاني: المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم: في باب المساجد، وفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن إدخال الصبيان والمجانين للمساجد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم إدخال الصبيان والمجانين للمساجد.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن إيطان الرجلِ المكانَ في المسجد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم إيطان الرجلِ المكانَ في المسجد.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث: النهي عن تَتبُّع المساجد، وفيه مطلبان:","vol":"1","page":21},{"text":"المطلب الأول: حكم تَتبُّع المساجد.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الرابع: النهي عن تباهى الناس في المساجد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تباهى الناس في المساجد.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الخامس: النهي عن الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السادس: النهي عن الجلوسِ لداخلِ المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الجلوسِ لداخلِ المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السابع: النهي عن صلاة غير المكتوبة، بعد إقامة الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم صلاة غير المكتوبة، بعد إقامة الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثامن: النهي عن استِدامة الإمام الصلاة في مكان المكتوبة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم استِدامة الإمام الصلاة في مكان المكتوبة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالفصل الثالث: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب المواقيت، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن تسمية العشاء العَتَمَة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تسمية العشاء العَتَمَة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن تسمية المغرب العشاء، وفيه مطلبان:","vol":"1","page":22},{"text":"المطلب الأول: حكم تسمية المغرب العشاء.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث: النهي عن تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالفصل الرابع: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب ستر العورة، وفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن لبس المُزَعْفَر والمُعَصْفَر، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم لبس المُزَعْفَر والمُعَصْفَر.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث: النهي عن السَّدْل في الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم السَّدْل في الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الرابع: النهي عن اشتمال الصَّمَّاء، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم اشتمال الصَّمَّاء.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الخامس: النهي عن تغطية الوجه أو التلثُّم، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تغطية الوجه أو التلثُّم.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السادس: النهي عن صلاة الرجل في سراويل وليس عليه رداء، وفيه مطلبان:","vol":"1","page":23},{"text":"المطلب الأول: حكم صلاة الرجل في سراويل وليس عليه رداء.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السابع: النهي عن شد الوسط بما يشبه شد الزُّنَّارِ، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم شد الوسط بما يشبه شد الزُّنَّار.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثامن: النهي عن إسبال الرجل شيئًا من ثيابه، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم إسبال الرجل شيئًا من ثيابه.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالفصل الخامس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب آداب المشي إلى الصلاة، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث: النهي عن المشي في نعْل واحدة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم المشي في نعْل واحدة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الرابع: النهي عن الانتعال قائمًا، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الانتعال قائمًا.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الخامس: النهي عن وضْع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم وضْع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.","vol":"1","page":24},{"text":"الفصل السادس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب صفة الصلاة، وفيه ثمانية عشر مبحثًا:\nالمبحث الأول: النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الصلاة إلى النائم والمتحدث.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن الصلاة لمَن كان بحضرة طعام أو حاقنًا أو يدافع الأخبثين، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الصلاة لمَن كان بحضرة طعام أو حاقنًا أو يدافع الأخبثين.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث: النهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم القيام للصلاة قبل رؤية الإمام.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الرابع: النهي عن الالتفات في الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الالتفات في الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الخامس: النهي عن رفْع البصر إلى السماء أثناء الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم رفْع البصر إلى السماء أثناء الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السادس: النهي عن تَغْميض العين في الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تَغْميض العين في الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السابع: النهي عن التثاؤب، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم التثاؤب.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثامن: النهي عن فَرْقعة الأصابع أثناء الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم فَرْقعة الأصابع أثناء الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.","vol":"1","page":25},{"text":"المبحث التاسع: النهي عن تشبيك الأصابع أثناء الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تشبيك الأصابع أثناء الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث العاشر: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم قراءة القرآن في الركوع والسجود.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الحادي عشر: النهي عن بُروك المصلي كما يبرك البعير، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم بُروك المصلي كما يبرك البعير.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني عشر: النهي عن افْتِراش السِّباع، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم افْتِراش السِّباع.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث عشر: النهي عن الإقْعاء في الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الإقْعاء في الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الرابع عشر: النهي عن كفِّ المصلي الشعرَ والثيابَ أثناء الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم كفِّ المصلي الشعرَ والثيابَ أثناء الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الخامس عشر: النهي عن اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السادس عشر: النهي عن جلوس المصلي في الصلاة وهو معتمد على يديه، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم جلوس المصلي وهو معتمد على يديه.","vol":"1","page":26},{"text":"المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث السابع عشر: النهي عن مسح الحصى من موضع السجود، والعبث أثناء الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم مسح الحصى من موضع السجود، والعبث أثناء الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثامن عشر: النهي عن ردِّ السلام في الصلاة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم ردِّ السلام في الصلاة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالفصل السابع: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم: في باب صلاة التطوع، وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن صلاة وِترين في ليلة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم صلاة وِترين في ليلة.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثاني: النهي عن رفع الصوت بالقراءة في صلاة التطوع إن كان مؤذيًا لمَن حوله، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم رفْع الصوت بالقراءة في صلاة التطوع إن كان مؤذيًا لمن حوله.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الثالث: النهي عن ترْك قيام الليل، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم ترْك قيام الليل.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالمبحث الرابع: النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي.\nالمطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم.\nالخاتمة: وفيها أبرز النتائج وأهم التوصيات.","vol":"1","page":27},{"text":"الفهارس، وهي:\n- فهرس الآيات.\n- فهرس الأحاديث والآثار.\n- فهرس الأعلام.\n- فهرس المصطلحات.\n- فهرس المصادر والمراجع.\n- فهرس الموضوعات.\nوفي نهاية هذه المقدمة أرى لزامًا عليَّ أن أجدِّد الشكر والثناء لرب الأرض والسماء، فاللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.\nثم أبعث أعذب الشكر وأحلاه، وأبرَّه وأزكاه، إلى مَنْ كانا سببًا في وجودي: إلى والديَّ الكريمين: أبي -حفظه الله- وأمي -رحمها الله- على ما يسَّرا لي من سبل التعليم، وخصَّاني بمزيد تربية واهتمام، ورعاية ودعاء؛ فما البحث ولا الباحثة إلا من حَسَناتهما، فاللهَ أسأل أن يجزيهما عني خير الجزاء وأوفاه، وأن يرحم أمي ويغفر لها، ويجعل قبرها روضة من رياض الجنة، وأن يجمعنا بها في جنة الفردوس، وأسأله سبحانه أن يحفظ أبي ويمد في عمره، ويمتعنا به في صحة وعافية، وطاعة وحسن عمل، وأن يوفقني لبره والإحسان إليه.\nكما أرفع الشكر والتقدير إلى فضيلة المشرف الشيخ الدكتور/ محمد بن سعود الخميس -حفظه الله- الذي تفضَّل بالإشراف على رسالتي، وجاد لي بوقته وعلمه وتوجيهه ونصحه على كثرة مشاغله، وقد استفدت كثيرًا من توجيهاته الكريمة، وملاحظاته النافعة، مع رحابة الصدر والتواضع، فأسأل المولى أن يرفع قدره، ويجزل أجره، ويبارك له في علمه وعمله، وأن يوفقه في الدنيا والآخرة.\nوأثنِّي بالشكر الجزيل لزوجي: مراد بن عبد الكريم فادن -وفقه الله- فقد كان خير معين لي على مواصلة الدراسة: أخذ بيدي منذ أُولى خطواتي في المرحلة الجامعية ثم الماجستير وحتى انتهيت: يذلل العقبات، ويسهل الصعاب، أجزل الله له الأجر والمثوبة.\nكذا أزجي شكرًا نديًَّا فواحًا لأشقائي وشقيقاتي على مساندتهم وسؤالهم ودعواتهم لي في كل حين، فجزاهم الله عني خيرًا.","vol":"1","page":28},{"text":"ثم أتوجَّه بالشكر الجزيل والثناء العاطر إلى أعضاء لجنة المناقشة: فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد الله بن عبد العزيز التميمي، وفضيلة الشيخ الدكتور: زيد بن عبد الله آل قرون. اللذين أكرماني بقبول مناقشة هذه الرسالة، وتحملا مشقة تقويمها، مع ضيق الوقت ونفاسته عند مثلهما، فهما أهل لسد خللها واستقامة اعوجاجها، وإبانة مواطن القصور فيها، سائلة المولى الكريم أن يثيبهما عني خيرًا.\nوالشكر موصول إلى كل مَنْ أعانني في البحث من قريبٍ أو بعيد: بخدمة أو كتاب أو مشورة، وأقول للجميع: أحسن الله إليكم، وجزاكم عني خيرًا.\nوخاتمة الشكر للصرح الشامخ، ومنارة العلم والعلماء: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ممثَّلة بقسم الفقه في كلية الشريعة، التي تعلمتُ في أرجائها، ونهلت من علِم أَفْلاكها جزاهم الله خيرًا، فاللهم احفظها، ووفق القائمين عليها إلى كل خير، واجزهم عنا خير الجزاء.\nوبعدُ: فهذا البحث بذلت فيه ما استطعت من جهد، وأتممته بتوفيق الله وتيسيره، فما كان فيه من صواب فهو محض فضل من الله، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان.\nختامًا: أسأل المولى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ما فيه من زلل وتقصير؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nحرر بتاريخ: ١٤/ ٥/ ١٤٤٢ هـ","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>التمهيد:\nفي حقيقة النهي والقرائن الصارفة له</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف النهي، وفيه مسألتان:\nالمطلب الثاني: تعريف القرينة، وفيه مسألتان:\nالمطلب الثالث: صيغ النهي الدالة على التحريم.\nالمطلب الرابع: أنواع القرائن الصارفة للنهي عن التحريم.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>المطلب الأول: تعريف النهي</span>\n<span data-type='title' id=toc-11>المسألة الأولى: تعريف النهي لغة:</span>\n(نهي) النون والهاء والياء أصل صحيح يدل على غاية وبلوغ. ومنه نهيته عنه، وذلك لأمر يفعله. فإذا نهيته فانتهى عنك فتلك غاية ما كان وآخره.\nوالنهي ضد الأمر، وهو: طلب الامتناع عن الشيء، ونهاه عن كذا ينهاه نهيًا، وتناهى أي: كف، وتناهوا عن المنكر أي: نهى بعضهم بعضًا.\nوالإنهاء في الأصل: إبلاغ النهي، ثم صار متعارفًا في كل إبلاغ، والنُهية -بالضم-: واحدة (النُهى) وهي العقول؛ لأنها تنهى عن القبيح (^١).\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ (^٢).\nوالنهي عند النحاة: طلب ترْك الفعل باستعمال (لا) الناهية والمضارع المجزوم (^٣).\nونهى الله تعالى أي: حرم (^٤)، والنهي: الزجر عن الشيء، وهو من حيث المعنى: لا فرق بين أن يكون بالقول أو بغيره.\nقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>المسألة الثانية: تعريف النهي اصطلاحًا:</span>\nالنهي بمعناه العام ضد الأمر، وقد تفاوتت عبارات علماء أصول الفقه في تعريف\n_________\n(^١) يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٥١٧)، مقاييس اللغة (٥/ ٣٥٩)، لسان العرب (١٥/ ٣٤٦)، المعجم الوسيط (٢/ ٩٦٠).\n(^٢) سورة طه: جزء من الآية (٥٤).\n(^٣) يُنظر: المعجم الوسيط (٢/ ٩٦٠).\n(^٤) يُنظر: المصباح المنير (٢/ ٦٢٩).\n(^٥) سورة العلق: الآيات (٩ - ١٠).\n(^٦) سورة الحشر: جزء من الآية (٧).","vol":"1","page":31},{"text":"النهي في الاصطلاح، ومن ذلك:\n- عرّفه أبو المظفَّر السَّمْعاني -﵀- (^١) بأنه: «استدعاء ترْك الفعل بالقول ممن هو دونه» (^٢).\n- عرّفه أبو الخطاب الكَلْوَذَاني -﵀- (^٣) بأنه: «استدعاء الترك بالقول» (^٤)، وقال في موضع آخر: «هو قول القائل لغيره: لا تفعل على وجه الاستعلاء» (^٥).\n- عرّفه ابن الحاجب -﵀- (^٦) بأنه: «اقتضاء كفٍّ عن فِعل على جهة الاستعلاء» (^٧).\n- عرّفه الزَّركَشِي -﵀- (^٨) بأنه: «اقتضاء كفٍّ عن فعل» (^٩).\n_________\n(^١) هو: منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي السمعاني، الحنفي ثم الشافعي، كنيته أبو المظفر، والسمعاني نسبة إلى سمعان وهو بطن من تميم، وُلد سنة ٤٢٦ هـ، ويُعدّ أبو المظفر من كبار فقهاء الشافعية، من مؤلفاته: «قواطع الأدلة في الأصول»، «الاصطلام في الرد على أبي زيد الدبوسي»، «البرهان في الخلاف»، «الانتصار لأصحاب أهل الحديث»، تُوفي سنة ٤٨٩ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٥٥)، طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٣٣٥).\n(^٢) قواطع الأدلة (١/ ١٣٨).\n(^٣) هو: محفوظ بن أحمد بن الحسن الكَلوذَانِي البغدادي الحنبلي، كنيته أبو الخطاب، وُلد سنة ٤٣٢ هـ، أحد أئمة المذهب الحنبلي وأعيانه، كان فقيهًا أصوليًا أدبيًا شاعرًا، من مؤلفاته: «التمهيد في أصول الفقه»، «الهداية»، «الخلاف الكبير»، تُوفي سنة ٥١٠ هـ. يُنظر: ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٧٠)، شذرات الذهب (٦/ ٤٥).\n(^٤) التمهيد في أصول الفقه (١/ ٦٦).\n(^٥) المرجع السابق (١/ ٣٦٠).\n(^٦) هو: عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، جمال الدين بن الحاجب، كنيته أبو عمرو، وهو كردي الأصل، كان أبوه حاجبًا فعُرف به، ولد في إسنا من صعيد مصر سنة ٥٧٠ هـ، اشتغل بالقرآن ثم بالفقه ثم بالعربية والقراءات وبرع في علومه وأتقنها غاية الإتقان، فكان من فقهاء المالكية وكبار العلماء بالعربية، له العديد من المؤلفات منها: «الكافية»، «الأمالي»، «منتهى السول»، «جامع الأمهات»، تُوفي سنة ٦٤٦ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٣٠)، الديباج المذهب (٢/ ٨٦)، شذرات الذهب (٧/ ٤٠٥).\n(^٧) بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٨٥).\n(^٨) هو: محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي الشافعي، الملقب ببدر الدين، وكنيته أبو عبد الله، وُلد في مصر سنة ٧٤٥ هـ، وفيها تلقى علومه، برع في الفقه والأصول والحديث وعلوم القرآن، وكانت له رحلات في سماع الحديث، من مؤلفاته: «البحر المحيط في أصول الفقه»، «تشنيف المسامع بشرح جمع الجوامع»، «المنثور في القواعد»، «البرهان في علوم القرآن»، تُوفي سنة ٧٩٤ هـ. يُنظر: طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة (٣/ ١٦٧)، شذرات الذهب (٨/ ٥٧٢).\n(^٩) البحر المحيط (٣/ ٣٦٥).","vol":"1","page":32},{"text":"وعند النظر في هذه التعريفات وغيرها من تعريفات العلماء: نجدها متقاربة الألفاظ، تدور حول معنى واحد، هو: طلب الكف عن الفعل، وتفترق عند بعضهم من حيث اختلافهم في القيود والشروط.\nوالتعريف المختار هنا ما عرَّفه به ابن الحاجب بقوله: اقتضاء كفٍّ عن فعل على جهة الاستعلاء.\nشرح التعريف، وبيان محترزاته (^١):\nقوله: (اقتضاء) أي: طلب، وهو جنس له؛ لأنه يعم طلب الفعل وطلب الكف عن الفعل.\nقوله: (اقتضاء كفٍّ عن فعل) خرج به: الأمر؛ لأنه اقتضاء فعل.\nقوله: (على جهة الاستعلاء) قيد؛ للاحتراز من الدعاء والالتماس؛ فطلب الفعل أو الكف عنه بصيغتي (افعل) أو (لا تفعل): إن كان من أدنى فهو دعاء، أو من مساوٍ فهو شفاعة والتماس، أو من أعلى -على جهة الاستعلاء- فهو أمر أو نهي.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:</span>\nالعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي يبدو جليًّا؛ فإن المعنى الشرعي لم يخرج عن المعنى اللغوي بحال، كلا المعنيين في الزجر وطلب الكف عن فعل الشيء، ويزيد المفهوم الاصطلاحي عن اللغوي في اعتبار الاستعلاء، أي أن: النهي الشرعي خطاب موجه من الأعلى إلى مَنْ هو دونه.\n_________\n(^١) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٣٠)، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>المطلب الثاني: تعريف القرينة</span>\n<span data-type='title' id=toc-15>المسألة الأولى: تعريف القرينة لغة:</span>\n(قرن) القاف والراء والنون أصلان صحيحان، أحدهما يدل على جمع شيء إلى شيء، والآخر شيء ينتأ بقوة وشدة (^١).\nوالقرينة: (فعيلة) بمعنى: (مفعولة) من الاقتران. ومادة (قرن) لها معانٍ عدّة في اللغة، منها (^٢):\nأ - المصاحبة والملازمة: يُقال: قارن الشيء الشيء مقارنة وقرانًا: اقترن به وصاحبه. و(قرينة) الرجل: امرأته، والقرين: المصاحب، قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ (^٣)، أَي: صديق ملازم (^٤).\nب - الشد والوصل: يُقال: قرنت الشيء بالشيء: وصلته، وقرن إلى الشيء تقرينًا: شده إليه.\nت - الجمع والضم: جمع الشيء إلى الشيء، ومنه القِران: وهو الجمع بين الحج والعمرة بنية واحدة.\nث - النُّتُوء بقوة وشدة: كالقَرن للثور وغيره، وبه تُسمى -على معنى التشبيه- الذوائب: قرونًا.\nوبالنظر في هذه المعاني: نجد أن المعني اللغويَّ المقصودَ عند الأصوليين للقرينة هو المعنى الأول، أي: المصاحبة؛ لأن القرينة عندهم هي ما تصاحب الخطاب الشرعي فتبينه، وسيأتي بيانه عند ذكر المعنى الاصطلاحي للقرينة.\n_________\n(^١) يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٧٦).\n(^٢) يُنظر: الصحاح (٦/ ٢١٨٢)، مقاييس اللغة (٥/ ٧٧)، لسان العرب (١٣/ ٣٣٦)، تاج العروس (٣٥/ ٥٥١).\n(^٣) سورة الصافات: الآية (٥١).\n(^٤) تفسير القرطبي (١٥/ ٨٢).","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>المسألة الثانية: تعريف القرينة اصطلاحًا:</span>\nتناول الأصوليون مصطلح القرينة كثيرًا في ثنايا المسائل، بيانًا لها -بحسب المقام- وبيانًا لعملها وأثرها في تلك المسائل، ومنهم من ذكر لها تعريفا، وإن كانت ليست بالتعريف العام الضابط الشامل -كما ذكر ذلك كثير من الباحثين المعاصرين- منهم: د. محمد بن عبدالعزيز المبارك.\nحيث قال: «على الرغم من عناية الأصوليين بذِكر أثر القرائن في مسائل كثيرة من علم أصول الفقه، … إلا أنّ ضبط مصطلح القرينة لم يحظَ بالعناية الكافية … وقد قمت باستقراء أكثر الكتب الأصولية المتاحة، وقلبت الكثير من الصفحات بحثًا عن تعريف شامل للقرينة عند الأصوليين، فلم أعثر على ما كنت أصبو إليه، إلا أنني وجدتُ بعض التعريفات التي لم يُرَد بها تعريف القرينة على وجه العموم، بل تحديد المراد بها في تلك المسألة الأصولية التي كان لها أثر فيها» (^١).\nفمن تعريفات المتقدمين للقرينة ما يلي:\nعرّفها الشِّيرَازِيُّ -﵀- (^٢) بقوله: «القرينة: ما يبين معنى اللفظ ويفسره، وذلك إنما يكون بما يوافق اللفظ ويماثله، ولا يكون بما يخالفه ويضاده» (^٣).\nوعرّفها أبو الخطاب -﵀- بقوله: «القرينة: بيان لما أُريد باللفظ في عُرف الشرع والعادة» (^٤).\n_________\n(^١) القرائن عند الأصوليين (ص: ٣٧).\n(^٢) هو: إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الشيرازي، جمال الدين الفيروزأبادي الشافعي، كنيته أبو إسحاق، وُلد سنة ٣٩٣ هـ، كان فقيهًا أصوليًا محققًا متقنًا مدققًا، له عدة مؤلفات، منها: «اللمع»، «شرح اللمع»، «التبصرة»، «المهذب في الفقه»، تُوفي سنة ٤٧٦ هـ. يُنظر: وفيات الأعيان (١/ ٢٩)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٥٢)، طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ٢١٥).\n(^٣) التبصرة في أصول الفقه (ص: ٣٩).\n(^٤) التمهيد في أصول الفقه (١/ ١٨٣).","vol":"1","page":35},{"text":"وعرّفها القرافي -﵀- (^١) بقوله: «القرينة: هي الأمارة المرشِدة للسامع أن المتكلم أراد المجاز» (^٢).\nوقد انتُقد على هذه التعريفات كونها لم تعرف القرينة على وجه العموم، أو أنها اقتصرت على ذكر بعض أثرها لا جميعها.\nواجتهد بعض الباحثين المعاصرين في تعريف القرينة تعريفًا ضابطًا سالمًا مما انتُقد على تعريفات المتقدمين، فمن تلك التعريفات:\nعرَّفها د. أيمن علي صالح بقوله: «دليل يقترن بخطاب، فيؤثر فيه تأثيرًا ما» (^٣).\nوعرَّفها محمد قاسم الأسطل بقوله: «القرينة: أمر يبين ما أُريد بالدليل الشرعي المحتمل» (^٤).\nوالتعريف المختار: «ما يصاحب الدليل، فيبين المراد به، أو يقوي دلالته أو ثبوته»، وهو ما عرَّفه به د. محمد المبارك (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>شرح التعريف </span>(^٦):\n(ما): اسم موصول بمعنى: الذي، وهي صفة لمحذوف تقديره: (الشيء) وتُعد جنسًا في التعريف، فيشمل: القرينة اللفظية (قرينة لفظية في النص الشرعي)، والحالية (كالسبب أو الأحوال المصاحبة).\n(يصاحب): أي: يقارن، فلا بد في القرينة أن تصاحب وتقارن شيئًا كما هي في مدلولها اللغوي.\n(الدليل): المقصود بالدليل هنا: ما يعم الدليل اللفظي والفعلي، وذلك لأن\n_________\n(^١) هو: أحمد بن إدريس الصِّنْهَاجِيُّ القرافي المالكي، شهاب الدين، كنيته أبو العباس، كان إمامًا بارعًا في الفقه والأصول والعلوم العقلية، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك -﵀-، له مؤلفات عدة، منها: «نفائس الأصول»، «شرح تنقيح الفصول» في أصول الفقه، «أنوار البروق» المشهور باسم «الفروق»، «الذخيرة في الفقه» تُوفي سنة ٦٨٤ هـ. يُنظر: الوافي بالوفيات (٦/ ١٤٦)، الديباج المذهب (١/ ٢٣٦).\n(^٢) نفائس الأصول (٢/ ٨٧٥).\n(^٣) القرائن والنص (ص: ٣٨).\n(^٤) رسالة بعنوان: القرينة عند الأصوليين وأثرها في فهم النصوص، (ص: ١٩).\n(^٥) القرائن عند الأصوليين (ص: ٦٨).\n(^٦) المرجع السابق (ص: ٦٨ - ٧٠).","vol":"1","page":36},{"text":"القرينة عند الأصوليين لا تختص باللفظ وحده.\n(فيبين المراد به): أي: يكشفه ويوضحه، والبيان في اللغة: الكشف عن الشيء (^١)، وهو بهذا أعم من النطق (^٢)، وعليه: فيحصل البيان بالقول والفعل والحال.\n(أو يقوّي دلالته): المراد أن القرينة قد تقوّي المعنى المتبادر مما تصاحبه: بحيث تؤكِّده وتقرره، فترفع حينئذ الاحتمال والشك، فيرتقي من مجرد كونه ظاهرًا فيما دل عليه، إلى كونه نصًا فيه أو قاطعًا.\n(أو ثبوته): أي أن: القرينة قد تقوِّي ثبوت الدليل الذي تصاحبه، بحيث يرتقي مفاد الخبر المقترن بها من مجرد الظن إلى ظنٍّ غالب، أو قطعٍ ويقين، وقد تصاحب الخبر الضعيف الذي لا يُحتج به وحده، فيرتقي معها إلى درجة الصحة والاحتجاج.\nالعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:\nالمعنى الاصطلاحي للقرينة انطلق من أحد المعاني اللغوية العامة للقرينة، وهو: المصاحبة، فيتبين لنا الارتباط الوثيق بين المعنيين، وتزيد القرينة لدى الأصوليين: باختصاصها بأدلة الشرع.\n_________\n(^١) يُنظر: لسان العرب (١٣/ ٦٧).\n(^٢) يُنظر: الكليات (١/ ٢٣٠).","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>المطلب الثالث: صيغ النهي الدالة على التحريم</span>\nالنهي له صيغة موضوعة في اللغة، تختص به، وتدل عليه، هي: صيغة الفعل المضارع المقترن بـ (لا) الناهية، وإذا تجردت صيغة النهي (لا تفعل) في الشرع عن القرائن فهي ظاهرة في التحريم (^١)، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (^٢).\nوللنهي صيغ وأساليب كثيرة في نصوص الشرع تفيد التحريم (^٣)، أهمها:\n١. التصريح بالتحريم، نحو: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (^٤)، وقوله -ﷺ-: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (^٥).\n٢. التصريح بعدم الحل، نحو: قول الله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٦)، وقوله -ﷺ-: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» (^٧).\n٣. لفظ الفعل (نهى) وما تصرف منه، نحو: قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (^٨)، وقوله -ﷺ-: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا» (^٩). ويلحق بهذا قولُ الصحابي: (نهى رسول الله -ﷺ- عن كذا).\n٤. صيغة الأمر التي تطلب الترك والمنع من الفعل، نحو: قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (^١٠)،\n_________\n(^١) يُنظر: اللمع (ص: ٢٤)، التمهيد في أصول الفقه (١/ ٣٦٢)، المسودة (ص: ٨٠)، مختصر التحرير (٣/ ٨٣).\n(^٢) سورة الإسراء: جزء من الآية (٣٢).\n(^٣) ذكر المتقدمون بعض هذه الصيغ كما في: الإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ٦٧)، البحر المحيط (٣/ ٣٦٥)، وقد حاول بعض المعاصرين جمهعا كما في: المهذب في علم أصول الفقه المقارن (١/ ٢٩٨)، تيسير علم أصول الفقه (ص: ٣٦).\n(^٤) سورة النساء: جزء من الآية (٢٣).\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله (٤/ ١٩٨٦) برقم: (٢٥٦٤).\n(^٦) سورة النساء: جزء من الآية (١٩).\n(^٧) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر (٨/ ١٩) برقم: (٦٠٦٥)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن التحاسد والتباغض والتدابر (٤/ ١٩٨٣) برقم: (٢٥٥٨).\n(^٨) سورة النحل: جزء من الآية (٩٠).\n(^٩) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي -ﷺ- ربه -﷿- في زيارة قبر أمه (٢/ ٦٧٢) برقم: (٩٧٧).\n(^١٠) سورة الحج: جزء من الآية (٣٠).","vol":"1","page":38},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (^١)، وقوله -ﷺ-: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» (^٢).\n٥. صيغة النهي المطلق (الفعل المضارع المسبوق بـ (لا) الناهية)، نحو: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (^٣)، وقوله -ﷺ-: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا» (^٤).\n٦. صيغة النفي بمعنى النهي: نحو: قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (^٥)، وقوله -﵇-: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» (^٦).\n٧. كل فعل رُتِّبت عليه العقوبة أو الحد أو اللعن، نحو: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (^٧)، وقوله -ﷺ-: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (^٨).\n٨. كل فعل ورد فيه: ذم، أو وصْف بأنه من: الذنوب، أو الكبائر، أو عمل الشيطان أو الكفار أو المنافقين، أو وصْف بما يفيد عدم الرضا به أو الرضا عن فاعله ونحو ذلك، مثاله: عن أنس -﵁- قال: «سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنِ الكَبَائِرِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» (^٩).\n_________\n(^١) سورة البقرة: جزء من الآية (٢٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب رمي المحصنات (٨/ ١٧٥) برقم: (٦٨٥٧)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (١/ ٩٢) برقم: (٨٩).\n(^٣) سورة الإسراء: جزء من الآية (٣٢).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر (٨/ ١٩) برقم: (٦٠٦٥)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن التحاسد والتباغض والتدابر (٤/ ١٩٨٣) برقم: (٢٥٥٨).\n(^٥) سورة النور: جزء من الآية (٣).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (٢/ ٦٠) برقم: (١١٨٩)، ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (٢/ ١٠١٤) برقم: (١٣٩٧).\n(^٧) سورة النور: الآية (٤).\n(^٨) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله (٤/ ٦١) برقم: (٣٠١٧).\n(^٩) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور (٣/ ١٧٢) برقم: (٢٦٥٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (١/ ٩٢) برقم: (٨٨).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>المطلب الرابع: أنواع القرائن الصارفة للنهي عن التحريم</span>\nاتفق جمهور الأصوليين والفقهاء على أن الأصل في صيغة النهي -إذا تجردت عن القرائن- أنها تُحمل على ظاهرها وهو التحريم، فإن احتفت بها القرائن المعتبَرة الصحيحة الصالحة لصرف النهي عن التحريم، فإنه يلزم حَمْلها على ما دلت عليه القرينة الصارفة من الكراهة أو غيرها من المعاني التي يمكن أن ترد لها (^١).\nوالباحث في كتب العلماء المتقدمين يلمس الجهود الكبيرة في العناية بالقرائن وبيان أثرها والاستفادة منها في فهم دلالات الأدلة الشرعية والمراد منها؛ لاستنباط الأحكام، لكنهم لم يفصِّلوا الكلام عنها، ولا أفردوا لها مبحثًا مستقلًا خاصًا، ولكنها منثورة ومفصَّلة في كتب الفقه وشروح الأحاديث، فيما يذكرونه من أدلة وشواهد وعلل ومناسبات في ثنايا المسائل الفقهية والأحاديث التي تطرَّقوا لشرحها (^٢).\nوقد أشار الإمام الشافعي -﵀- إلى بعض هذه القرائن الصارفة، حيث يقول: «أصل النهي من رسول الله -ﷺ- أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم: إما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض، وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهي والأدب والاختيار.\nولا نفرق بين نهي النبي -ﷺ- إلا بدلالة عن رسول الله -ﷺ- أو أمر لم يختلف فيه المسلمون، فنعلم أن المسلمين كلهم لا يجهلون سنة، وقد يمكن أن يجهلها بعضهم» (^٣).\nوالقرائن لها أنواع كثيرة وتقسيمات متعددة بحسب اختلاف الاعتبارات، نجدها منثورة في كتب الفقه وأصول الفقه.\nوفيما يلي: بيان طائفة مما ذكره العلماء من القرائن الصارفة للنهي عن التحريم (^٤):\n_________\n(^١) يُنظر: اللمع (ص: ٢٤)، التمهيد في أصول الفقه (١/ ٣٦٢)، الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (٢/ ١٨٧)، المسودة (ص: ٨٠)، البحر المحيط (٣/ ٣٦٦).\n(^٢) يُنظر: القرائن عند الأصوليين (٢/ ٦٧٩).\n(^٣) الأم (٧/ ٣٠٥).\n(^٤) هذه القرائن مستفادة باختصار من: القرائن عند الأصوليين (٢/ ٧٢٦ ومابعدها)، وبحث بعنوان: القرائن الصارفة للأوامر والنواهي عن حقيقتها، للباحث/ مجدي حسن أبي الفضل، وإضافة بعض القرائن التي ذكرها أهل العلم وكشف عنها البحث في الفروع الفقهية، مع التوثيق بما تيسر من أقوالهم.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>الأول: الإجماع:</span>\nإذا ورد نهيٌ في نص شرعي، ثم أجمعت الأمة على حَمْله على الكراهة والتنزيه، كان الإجماع قرينة صارفة له عن ظاهره، وذلك لأن الإجماع لا يمكن أن يقع مخالفًا لمقتضى النص الشرعي؛ لأنه قائم على مستند من القرآن أو السنة؛ فالعمل بالإجماع هو عمل بالنص والإجماع، والعمل بالدليلين والجمع بينهما أولى من إلغاء أحدهما (^١).\nقال الإمام الشافعي -﵀-: «ولا نفرق بين نهي النبي -ﷺ- إلا بدلالة عن رسول الله -ﷺ- أو أمر لم يختلف فيه المسلمون» (^٢).\nمثاله: مسألة النهي عن القزع؛ فقد حمل الفقهاء النهي على الكراهة بالإجماع.\nقال النووي -﵀-: «أجمع العلماء على كراهة القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>الثاني: القرينة اللفظية في النص نفسه أو في نص آخر:</span>\nبأن يَرِد نهي في نص شرعي ظاهره التحريم، وتأتي في النص نفسه قرينة لفظية تدل على عدم إرادة التحريم من النهي، فيكون ذلك قرينة صارفة للنهي عن التحريم إلى الكراهة.\nأو يَرِد نصان: أحدهما فيه نهي ظاهره التحريم، والآخر يقتضي حمل النهي على الكراهة والتنزيه، فيُصرف عن ظاهره إلى الكراهة عملًا بالنصين.\nقال الإمام الشافعي -﵀-: «ولا نفرق بين نهي النبي -ﷺ- إلا بدلالة عن رسول الله -ﷺ-» (^٤).\nمثاله: حديث النهي عن البول في المغتسل فقد نص فيه على أنه يورث الوسواس، جاء في (نيل الأوطار): «رَبْطُ النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة» (^٥).\n_________\n(^١) يُنظر: البحر المحيط (٦/ ٣٩٨)، إرشاد الفحول (١/ ٢١٠)، القرائن عند الأصوليين (ص: ٧٢٦).\n(^٢) الأم (٧/ ٣٠٥).\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٠١).\n(^٤) المصدر نفسه.\n(^٥) (١/ ١١٤).","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>الثالث: فِعل النبي -ﷺ- للمنهي عنه:</span>\nإذا ثبت فِعل النبي -ﷺ- للمنهي عنه في بعض الأوقات، فإن ذلك يدل على أنه محمول على الكراهة؛ لأنه -ﷺ- معصوم لا يقع في فِعله محرم، وإن فعل شيئًا وكان مكروها في حقنا، فليس بمكروه منه؛ لأنه إنما يفيد به التشريع وبيان الجواز، ويُشترط له ألا يكون الفعل منه -ﷺ- على سبيل الاختصاص به (^١).\nوقد ذكر العلماء لمسألة: تعارض القول والفعل، أنواعًا متعددة وطُرُقًا لدفع هذا التعارض، منها: جَعْل الفعل بيانًا للجواز.\nقال الزركشي -﵀-: «للفقهاء في مثل ما مثَّلنا به طريقة أخرى لم يذكرها أهل الأصول هنا، وهي: حمْل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، وجَعْل الفعل بيانًا لذلك» (^٢).\nمثاله: ما جاء في حديث حذيفة -﵁- أن النبي -ﷺ- بال في حال القيام، فهذه قرينة نصية لبيان الجواز وأن النهي ليس للتحريم.\nجاء في (فتح الباري): «الأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>الرابع: إقرار النبي -ﷺ- لمَن فعل المنهي عنه:</span>\nإذا فعل بعض الصحابة -﵃- المنهيَّ عنه بمحضر من النبي -ﷺ- أو في عصره، مع علمه بذلك، وإقراره لهم -فإن ذلك قرينة صارفة للنهي عن التحريم إلى الكراهة؛ لأن هذا المنهيَّ عنه لو كان محرمًا لما ترك النبي -ﷺ- الإنكار على فاعله؛ فإنه -ﷺ- جاء لبيان الأحكام.\nو«لأنه لا يجوز على النبي -ﷺ- أن يرى منكرًا فلا ينكره؛ إذ كان ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله الحظ الأوفر في ذلك» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>الخامس: التعليل بما يشعر بعدم التحريم:</span>\nأن يُعلل النهي الوارد في النص الشرعي بعلة تُشعِر بحمله على الكراهة والتنزيه، فتُعد هذه العلة قرينة صارفة للنهي عن التحريم عملًا بمقتضاه وتجنبًا لإلغائه.\n_________\n(^١) يُنظر: نفائس الأصول (٥/ ٢٢٣٤)، الموافقات (٤/ ١١٧)، تشنيف المسامع (٢/ ٩٠٣).\n(^٢) البحر المحيط (٦/ ٥٢).\n(^٣) (١/ ٣٣٠).\n(^٤) العدة في أصول الفقه (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":42},{"text":"قال الخطابي -﵀- (^١): «والمعاني هي المصرِّفة للأسماء والمرتِّبة لها» (^٢)، والمعاني هي العلل.\nمثاله: ما جاء في (نيل الأوطار) عند حديث النهي عن البول في المغتسل: «رَبْطُ النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-25>السادس: فعل الصحابة -﵃- للمنهيِّ عنه:</span>\nإذا نُقل عن طائفة من الصحابة -﵃- فعل المنهيِّ عنه في بعض الأوقات من غير عذر وضرورة، كان فعلهم قرينة صارفة للنهي عن التحريم إلى الكراهة؛ لعدالة الصحابة، ولأنه ربما علم بقرينة صارفة، و«لأنه شاهد الرسول وسمع كلامه، والسامع أعرف بالمقاصد ومعاني الكلام» (^٤).\nمثاله: ماجاء في مسألة النهي عن الصبغ بالسواد؛ فقد فَعَله جماعة من الصحابة، ولم يُنكر عليهم، فدل ذلك على أن الصحابة فهموا أن النهي عنه ليس للتحريم (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>السابع: القرينة الحالية:</span>\nإذا ورد نهي في نص شرعي واحتف به ما يدل على أن المراد به غير ظاهره، كسبب ورود النهي أو الأحوال المصاحبة له، فإنه يُصرف حينئذ عن حقيقته إلى الكراهة والتنزيه، وذلك لما ثبت من تأثير القرينة الحالية في الدلالة على المراد.\n_________\n(^١) هو: حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب، الإمام أبو سليمان الْخَطَّابِيُّ الْبُسْتِيُّ، يُقال أنه من سلالة زيد بن الخطاب بن نفيل العدوى ولم يثبت ذلك، كان إمامًا في الفقه والحديث واللغة. من تصانيفه: «معالم السنن»، «غريب الحديث»، «شرح الأسماء الحسنى»، «أعلام السنن في شرح البخاري» وغير ذلك، تُوفي سنة ٣٨٨ هـ. يُنظر: وفيات الأعيان (٢/ ٢١٤)، طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٢٨٢).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٢).\n(^٣) (١/ ١١٤).\n(^٤) العدة في أصول الفقه (٤/ ١١٨٧).\n(^٥) يُنظر: المفهم (٥/ ٤١٩).","vol":"1","page":43},{"text":"قال ابن عبد البر -﵀- (^١): «النهي محمول على الحظر والتحريم والمنع حتى يصحبه دليل من فَحْوى القصة والخطاب أو دليل من غير ذلك يخرجه من هذا الباب إلى باب الإرشاد والندب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-27>الثامن: المقصد من النهي:</span>\nاستعمل الفقهاء وغيرهم النظر في مقصد الشارع من النهي في صرفه عن التحريم، وذلك لأن النهي الوارد في النص الشرعي قد يكون المقصد منه حمل الناس على مكارم الأخلاق ومحاسنها، أو حثهم على ما فيه رشدهم والأصلح لهم، كذا قد يكون مغزاه الرفق بهم ورحمتهم وإعلامهم بما هو أيسر عليهم.\nجاء في (الموافقات): «الأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساوٍ في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب وما هو نهي تحريم أو كراهة لا تُعلم من النصوص، وإن عُلم منها بعض فالأكثر منها غير معلوم، وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني والنظر إلى المصالح» (^٣).\nقال القرافي -﵀-: «القاعدة أن: الوسائل تبع للمقاصد ودونها في الرتبة: فوسيلة الواجب واجبة ودونه في الوجوب، ووسيلة المندوب مندوبة ودونه في الندب، ووسيلة المباح مباحة غير أنها لا يمكن أن تكون أدنى منه؛ لتعذر ذلك في المباح؛ لضرورة الاستواء» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-28>التاسع: الأصول والقواعد الشرعية العامة:</span>\nمن القرائن الصارفة للنهي عن التحريم أن تقتضي الأصول والقواعد الشرعية\n_________\n(^١) هو: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، كنيته أبو عمر، وشهرته ابن عبد البر، وُلد بقرطبة سنة ٣٦٨ هـ، كان من كبار حفاظ الحديث، قال ابن خلّكان: «إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما»، من مؤلفاته: «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»، «الاستذكار»، «الكافي في الفقه»، «الدرر في اختصار المغازي والسير»، «العقل والعقلاء»، «الاستيعاب»، تُوفي سنة ٤٥٨ هـ. يُنظر: وفيات الأعيان (٧/ ٦٦)، الديباج المذهب (٢/ ٣٦٧)، شذرات الذهب (٥/ ٢٦٧).\n(^٢) التمهيد (٣/ ٢١٥).\n(^٣) (٣/ ٤١٩).\n(^٤) نفائس الأصول (٣/ ١٢٦١).","vol":"1","page":44},{"text":"حمله على الكراهة والتنزيه.\nمثاله: استعمال قاعدة سد الذرائع قرينةً لحمل النهي على غير التحريم في مسألة النهي عن تخليل الخمر.\nجاء في (التبصرة): «ومحمل الحديث أن ذلك حمايةٌ؛ لئلا يتذرَّع الناس إلى شُربها، وليس أنَّها تكون حرامًا إن فعل» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-29>العاشر: القياس:</span>\nعمل بعض الفقهاء بالقياس في صرف النهي عن التحريم. ولا يكون الصرف به في مقام الاستقلال به وحده، وإنما في مقام الاعتضاد مع غيره من القرائن.\nمن ذلك: القياس المعارض لحمل النهي على التحريم: قياس تخليل الخمر على دباغ جلد الميتة؛ بجامع أنهما استصلاح لفساد عارض؛ لحديث أم سلمة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الدِّبَاغَ يُحِلُّ مِنَ الْمَيْتَةِ كَمَا يُحِلُّ الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ» (^٢).\nفمن الفقهاء مَنْ استدل بالقياس وتأول مفهوم النهي فقال بالإباحة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>الحادي عشر: ضعف الحديث:</span>\nإذا ورد النهي في حديث ضعيف فإن بعض أهل العلم يقيم ضعف الحديث مقام الصارف للنهي عن التحريم.\nقال ابن مفلح -﵀- (^٤): «وكأن الأخبار لضعفها لا تنهض للتحريم وإن كانت تقتضيه، فيُستدل بها على الكراهة كما يُستدل بخبر ضعيف ظاهره يقتضي وجوب أمر على ندبية ذلك الأمر، ولا يُقال: (لعل هناك صارفًا عن مقتضى الدليل ولم يُذكر)؛ لأنه خلاف\n_________\n(^١) (٤/ ١٦٢٣).\n(^٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الرهن، باب ذِكر الخبر الذي ورد في خل الخمر (١١/ ٤٤١) برقم: (١١٣١٣)، وضعَّفه؛ لأن في إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف. ويُنظر تضعيفه في: البدر المنير (٦/ ٦٣١)، مجمع الزوائد (١/ ٢١٨).\n(^٣) يُنظر: بداية المجتهد (٣/ ٢٨).\n(^٤) هو: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي، وُلد سنة ٧١٠ هـ، نشأ في بيت المقدس، واشتغل في الفقه وبرع فيه إلى الغاية، فكان أعلم أهل عصره بمذهب الإمام أحمد ابن حنبل، وصاهر القاضي جمال الدين المرداوي، وناب عنه في الحكم، من تصانيفه: «كتاب الفروع»، «النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر»، «أصول الفقه»، «الآداب الشرعية الكبرى» وغيرها، وتُوفى بصالحية دمشق سنة ٧٦٣ هـ. يُنظر: الدرر الكامنة (٦/ ١٤)، المقصد الأرشد (٢/ ٥١٧)، شذرات الذهب (٨/ ٣٤٠).","vol":"1","page":45},{"text":"الظاهر» (^١).\nالثاني عشر: ورود النهي في حال دون حال:\nقال الإمام الشافعي -﵀-: «أصل النهي من رسول الله -ﷺ- أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم: إما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض …» (^٢).\nجاء في فتاوى الشيخ/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀- الإشارة إلى هذا الصارف في مسألة تخصيص يوم الجمعة بصيام: فحُمل به النهي على الكراهة لا التحريم، حيث سُئل: «إذا كان الأصل في النهي التحريم، فلِم صار في الجمعة للكراهة؟ فأجاب: لعله لكونه رُخص في الشرع في صيامه وصيام يومٍ معه، فلو كان حرامًا لما ساغ صومه بالكلية» (^٣).\nالثالث عشر: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد:\nإذا ورد نهي في نص شرعي وكان النهي في باب الأدب والإرشاد إلى المصلحة، فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى صرف النهي عن التحريم؛ لكونه في باب الآداب، وأن النهي فيه راجع إلى الكراهة (^٤).\nقال الشافعي -﵀-: «… وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهي والأدب والاختيار» (^٥).\nمثاله: قال القرطبي -﵀- (^٦) عند الكلام في باب الانتعال وآدابه: «لا خلاف في أن أوامر هذا الباب ونواهيه إنما هي من الآداب المكملة، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر\n_________\n(^١) النكت والفوائد السنية (١/ ١١٠).\n(^٢) الأم (٧/ ٣٠٥).\n(^٣) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ/ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (٤/ ٢٠٦).\n(^٤) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).\n(^٥) الأم (٧/ ٣٠٥).\n(^٦) هو: ضياء الدين أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي المالكي، يُعرف بابن المزيِّن، وُلد بقرطبة سنة ٥٧٨ هـ، كان محدثًا فقيهًا من كبار الأئمة، رحل إلى مكة والقدس والإسكندرية ومصر وغيرها، وحصل له شأن عظيم، صنف كتاب «المفهم في شرح مختصر مسلم» وغيره، تُوفي بالإسكندرية سنة ٦٥٦ هـ. يُنظر: الديباج المذهب (١/ ٢٤٠)، شذرات الذهب (٧/ ٤٧٣)، شجرة النور الزكية (١/ ٢٧٨).","vol":"1","page":46},{"text":"عند مُعتبَر بقوله من العلماء، والله تعالى أعلم» (^١).\nملحوظات:\n- يقسم العلماء القرائن إلى أقسام متعددة بحسب الاعتبارات، إلا أنها تتداخل فيما بينها كثيرًا، ولا تكاد تجد اعتبارًا يفصِلها دون أن تتجاذبها الاعتبارات الأخرى، ولذا ذكرتها سردًا دون تقسيم.\n- الحكم على القرائن قوةً واعتبارًا يختلف بحسب أصل القرينة إن كانت قرينة نصية أو غير نصية، وبحسب القرائن الأخرى المصاحبة لها أو المعارضة، وبحسب دلالتها إن كانت عامة أو خاصة في موضوع المسألة الفقهية التي وردت فيها، وغير ذلك من الأمور المؤثرة.\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٤١٦).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>الباب الأول المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في كتاب الطهارة</span>\nويتكون من ستة فصول:\nالفصل الأول: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المياه.\nالفصل الثاني: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب الآنية.\nالفصل الثالث: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب آداب قضاء الحاجة.\nالفصل الرابع: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب سنن الفطرة.\nالفصل الخامس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صفة الوضوء ونواقضه.\nالفصل السادس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب إزالة النجاسة.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>الفصل الأول المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المياه</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن البول في الماء الراكد.\nالمبحث الثاني: النهي عن الغسل في الماء الراكد.\nالمبحث الثالث: النهي عن غمس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها.\nالمبحث الرابع: النهي عن وضوء الرجل بفضل طهور المرأة.\nالمبحث الخامس: النهي عن استعمال الماء المُسخَّن بالشمس.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>المبحث الأول: النهي عن البول في الماء الراكد</span>\n<span data-type='title' id=toc-34>المطلب الأول: حكم البول في الماء الراكد </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن جابر -﵁-: عن رسول الله -ﷺ- أنَّه «نهى أن يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ» (^٢).\nصورة المسألة:\nإذا أراد إنسان أن يبول في الماء الواقف الذي لا يجري، فهل يجوز له ذلك أو لا؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الإجماع:\nأجمع العلماء على أن الماء المستبحر (^٣) الكثير جدًا لا يدخل في النهي؛ فهو مُخصَّص من النهي بالإجماع (^٤).\nقال ابن تيمية -﵀-: «لا تنازع بين المسلمين أن النهي عن البول في الماء الدائم لا يعم جميع المياه، بل ماء البحر مستثنى بالنص والإجماع» (^٥).\nوقال ابن دقيق العيد -﵀- (^٦): «اعلم أن هذا الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره\n_________\n(^١) الماء الراكد: رَكَدَ الماء رُكودًا: سَكَنَ، فالماء الراكد هو الدائم الساكن الذي لا يجري، وقد فُسِّر بذلك في الحديث الآخر، فالماء الدائم: الواقف؛ لأنه قد دام في مكانه واستقر وسكن: كالخزانات، والغدران في البرية، والبرك في البساتين. يُنظر: الصحاح (٢/ ٤٧٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٥٨)، لسان العرب (٣/ ١٨٤)، شرح أبي داود، للعيني (١/ ٢٠٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد (١/ ١٦٢) برقم: (٢٨١).\n(^٣) التبحر والاستبحار: الانبساط والسعة. يُنظر: مقاييس اللغة (١/ ٢٠١)، تاج العروس (١٠/ ١٢٥)، والماء المستبحر: هو الماء الكثير جدًا الذي لا تضره النجاسة التي لم تُغيِّر أحد أوصافه كماء البحر. يُنظر: بداية المجتهد (١/ ٣٠)، إحكام الأحكام (١/ ٧١).\n(^٤) نقل الإجماع: ابن المنذر في (الإجماع) (ص: ٣٥)، وابن رشد في (بداية المجتهد) (١/ ٣٠)، وابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (٢٠/ ٣٣٨).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٣٨).\n(^٦) هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع، أبو الفتح، تقي الدين الْقُشَيْرِيُّ، المعروف كأبيه وجده بابن دقيق العيد، وُلد سنة ٦٢٥ هـ، من فقهاء الشافعية وأكابر العلماء بالأصول، ولي قضاء الديار المصرية سنة ٦٩٥ هـ، من مصنفاته: «إحكام الأحكام»، «الإلمام بأحاديث الأحكام»، «تحفة اللبيب في شرح التقريب» وغيرها، استمر في القضاء إلى أن تُوفي بالقاهرة سنة ٧٠٢ هـ. يُنظر: طبقات الشافعيين (ص: ٩٥٢)، شذرات الذهب (٨/ ١١).","vol":"1","page":50},{"text":"بالتخصيص أو التقييد؛ لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًا لا تؤثر فيه النجاسة» (^١).\nدليل الإجماع: حديث أبي هريرة -﵁- قال: سأل رجل رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (^٢).\nثانيا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في حكم البول في الماء الراكد، على قولين:\nالقول الأول: يحرم.\nوهو مذهب الحنفية (^٣)، وقول عند المالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nالقول الثاني: يُكره.\nوهو المذهب عند المالكية (^٧)، والشافعية (^٨)، والحنابلة (^٩).\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ٧١).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر (١/ ٦٢) برقم: (٨٣)، والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور (١/ ١٠٠) برقم: (٦٩) وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، باب ماء البحر (١/ ٥٠) برقم: (٥٩)، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الوضوء بماء البحر (١/ ٢٥٠) برقم: (٣٨٦)، وأحمد (١٢/ ١٧١) برقم: (٧٢٣٣)، صححه ابن خزيمة (١/ ٩٧) برقم: (١١١)، وابن حبان (٤/ ٤٩) برقم: (١٢٤٣)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (١/ ٣٤٨): «رواه الأئمة الأعلام، أهل الحل والعقد».\n(^٣) يُنظر: البحر الرائق (١/ ٩٢)، حاشية الطحطاوي (ص: ٥٣)، وفرّق بعضهم فقال: يحرم في القليل، ويكره في الكثير. يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٢).\n(^٤) يُنظر: الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ١١٤١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٧)، وفرق بعضهم بين القليل والكثير. يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٢٧٦)\n(^٥) يُنظر: المجموع (٢/ ٩٣)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٨).\n(^٦) يُنظر: الفروع (١/ ١٣٢)، الإنصاف (١/ ٢٠٠).\n(^٧) يُنظر: النوادر والزيادات (١/ ٢٢)، الجامع لمسائل المدونة (١/ ١٩٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦).\n(^٨) يُنظر: العزيز شرح الوجيز (١/ ١٣٨)، المجموع (٢/ ٩٣).\n(^٩) يُنظر: الإنصاف (١/ ٩٨)، كشاف القناع (١/ ٦٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٨).","vol":"1","page":51},{"text":"أدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن جابر -﵁-: عن رسول الله -ﷺ- أنَّه «نهى أن يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ» (^١).\nالدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في المَاءِ الدَّائِمِ الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر الأحاديث نهي صريح عن البول في الماء الراكد، والنهي المجرد يقتضي التحريم، ولا صارف للنهي عن التحريم، وقوله: (الماء الدائم) يعم القليل والكثير (^٣) (^٤).\nالدليل الثالث: حديث معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ (^٥) الثَّلَاثَ: الْبَرَازَ (^٦) فِي الْمَوَارد (^٧)، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» (^٨)، وفي رواية:\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم (١/ ٥٧) برقم: (٢٣٩)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد (١/ ٢٣٥) برقم: (٢٨٢).\n(^٣) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٨)، شرح أبي داود، للعيني (١/ ٢٠٨).\n(^٤) اختلف الفقهاء في حد القليل والكثير على أقوال: فمذهب الحنفية: أن الماء إن كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل، وإن كان لا يخلص فهو كثير، والمعتبر في الخلوص التحريك، فإن كان بحال لو حُرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص، وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص، ومذهب المالكية: إن تغير بالنجاسة فهو قليل، ومذهب الشافعية والحنابلة: أن الماء إذا بلغ قلتين فهو كثير، وإلا فهو قليل. يُنظر في تفصيل الأقوال وأدلتها: بدائع الصنائع (١/ ٧١)، شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٦٦)، المجموع (١/ ١١٢)، المغني (١/ ٢١).\n(^٥) المَلَاعِنُ: اللَعْنُ: الطردُ والإبعادُ من الخير. والملاعن: جمع ملعنة، وهي الفعلة التي يُلعن بها فاعلها كأنها مظنة للعن ومحل له، وأصل اللعن: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق: السب والدعاء. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢١٩٦)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥٥).\n(^٦) البَرَازُ -بالفتح-: الفَضاء الواسع، والبِرازُ: كنايةٌ عن ثُفْلِ الغِذاء، وهو الغائِط. فكنوا به عن قضاء الغائط كما كنوا عنه بالخلاء؛ لأنهم كانوا يتبرزون في الأمكنة الخالية من الناس. يُنظر: الصحاح (٣/ ٨٦٤)، معالم السنن (١/ ٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١١٨).\n(^٧) الموارد: طريق الماء ومشارعه، وقيل: أنّ المورد يطلق على منهل الماء أيضًا، يُنظر: مقاييس اللغة (٦/ ١٠٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٧٣)، مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود (١/ ٥٥).\n(^٨) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المواضع التي نهى النبي عن البول فيها (١/ ٢١) برقم: (٢٦)، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق (١/ ٢١٨) برقم: (٣٢٨)، قال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٢٧٣): «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، وحسّنه الألباني في (إرواء الغليل) (١/ ١٠٠)، وله شاهد عند مسلم من حديث أبي هريرة (١/ ٢٢٦) برقم: (٢٦٩).","vol":"1","page":52},{"text":"«… أو في نقع ماء (^١) (^٢).\nوجه الاستدلال: يدل الحديث على أنه يحرم قضاء الحاجة في المواضع التي يَرِدها الناس للاستسقاء منها؛ لأنه ضرر عظيم بالمسلمين؛ إذ يعرضهم للتنجيس، ويمنعهم من حقوقهم في الماء، ولأن مَنْ فعلها شُتم ولُعن (^٣).\nالدليل الرابع: أن الماء إن كان قليلًا نجسه البول فيه، وإن كان كثيرا: فإن توارد البول عليه من البائلين يؤدي إلى تغيُّره وتقذيره، ويظن المار أنه تغير من قراره (^٤).\nنوقش: أن النهي عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك (^٥).\nأجيب عنه: أنه مع كثرة البائلين فيه قد يؤول إلى أن يتغير بالنجاسة فيصير نجسًا بالإجماع (^٦)، وذلك إيذاء للناس بإفساد مياههم، إذ يمنعهم من الانتفاع به فيما يحتاجون إليه من شرب أو وضوء؛ فيُمنع سدًا للذريعة ومراعاة لمصالح العباد (^٧).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول والثاني: استدلوا بحديثي جابر وأبي هريرة اللذين استدل بهما القائلون بالتحريم.\n_________\n(^١) النَّقْعُ: محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه، والماء الناقع، هو المجتمع كمستنقع الماء، وهي الموارد المذكورة في حديث معاذ. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢٩٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٠٨)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٤٥)، فيض القدير (١/ ١٣٦).\n(^٢) أخرجه أحمد عن ابن عباس (٤/ ٤٤٨) برقم: (٢٧١٥). قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١/ ٢٠٤): «فيه ابن لهيعة ورجل لم يُسمَّ»، وقال الألباني في (إرواء الغليل) (١/ ١٠١): «سنده حسن لولا الرجل الذى لم يسم»، وحديث معاذ السابق شاهد له.\n(^٣) يُنظر: المفهم (١/ ٥٢٤)، فيض القدير (١/ ١٣٦).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ١٢٢)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٨)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦).\n(^٥) يُنظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٤).\n(^٦) نقل الإجماع جمع من العلماء، منهم: ابن المنذر في (الإجماع) (ص: ٤٣)، وابن حزم في (مراتب الإجماع) (ص: ١٩)، وابن عبد البر في (التمهيد) (١٩/ ١٦)، وابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (٢١/ ٣٠).\n(^٧) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٨)، عون المعبود وحاشية ابن القيم (١/ ٨١).","vol":"1","page":53},{"text":"وجه الاستدلال: أن النهي في الأحاديث للكراهة؛ لوروده على طريق التنزيه والإرشاد إلى مكارم الأخلاق، والاحتياط على دين الأمة (^١).\nنُوقش: أن النهي يقتضي التحريم عند المحققين وأكثر أهل الأصول، فلا يصح حمله على غير التحريم إلا بدليل (^٢)، ولا دليل على ذلك.\nالدليل الثالث: أنه يكره؛ لأن فتح هذا الباب يفضي إلى كثرة البول فيه فيغيره (^٣).\nيمكن أن يناقش: أن تغيره بكثرة البول دليل تنجسه؛ فلذا يحرم البول في الماء الراكد، ولأنه إفساد للماء وإيذاء لمستعمله.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم البول في الماء الراكد.\nأسباب الترجيح:\n١ - أن النهي فيه صريح صحيح سالم من المعارِض الراجح.\n٢ - أن الناس شركاء في الماء، فلا يجوز إفساده عليهم بتنجيسه؛ لأن الشريعة جاءت بتحريم الإيذاء.\n٣ - ضعف ما علل به أصحاب القول الثاني، وورود المناقشة عليه.\n_________\n(^١) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ١٠٥).\n(^٢) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٨).\n(^٣) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية - كتاب الطهارة (ص: ١٤٥).","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل أصحاب القول الثاني النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nفالنهي عن البول في الماء الراكد فيه تنزيه عن النجاسة، وحث على مكارم الأخلاق.\nجاء في (إكمال المعلم): «نهيه -ﷺ- عن بول الرجل فى الماء الراكد أو الدائم الذى لا يجرى … على طريق التنزيه والإرشاد إلى مكارم الأخلاق والاحتياط على دين الأمة» (^١).\nوجاء في (الكواكب الدراري): «فيه التأديب بالتنزه عن البول» (^٢).\nوجاء في (فيض القدير): «والنهي للتنزيه» (^٣).\nوالعلة: هي استقذار الناس من الماء الذي بِيل فيه، فيمنعهم ذلك عن استعماله في حاجاتهم.\nقال ابن دقيق العيد -﵀-: «النهي معلل بالاستقذار الحاصل في الماء بسبب البول» (^٤).\nوقال ابن الملقن -﵀- (^٥): «فيه التأدب بالتنزه عن البول في الماء الراكد؛ لعموم الحاجة إليه» (^٦).\nالحكم على القرينة:\nقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد هنا ضعيفة لا تقوى على صرف النهي من التحريم إلى الكراهة؛ لأن دلالة النهي الصريح على التحريم أقوى؛ لوجود ما يؤكد حمله على التحريم؛ فإن الشرع جاء بتحريم أذية المسلم، ولكونها تجلب اللعن على مَنْ يؤذي الناس في\n_________\n(^١) (٢/ ١٠٥).\n(^٢) (٣/ ٩٣).\n(^٣) (٦/ ٣٤).\n(^٤) شرح الإلمام (١/ ٢٥١).\n(^٥) هو: عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين، أبو حفص ابن النحوي، المعروف بابن الملَقِّن، وُلد في القاهرة سنة ٧٢٣ هـ، وهو أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال، له مصنفات كثيرة منها: «إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال»، «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام»، «التوضيح لشرح الجامع الصحيح»، «طبقات الأولياء» وغيرها، تُوفي سنة ٨٠٤ هـ. يُنظر: طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة (٤/ ٤٣)، شذرات الذهب (٩/ ٧١).\n(^٦) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٤/ ٤٨٩).","vol":"1","page":55},{"text":"مياههم ومواردهم، ولموافقتها لما جاءت به الشريعة من البعد عن النجاسة والقذر، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>المبحث الثاني النهي عن الغسل في الماء الراكد</span>\n<span data-type='title' id=toc-37>المطلب الأول: حكم الغسل في الماء الراكد </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ (^٢)، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا» (^٣).\nصورة المسألة:\nلو أراد شخص الاغتسال في الماء الواقف الذي لا يجري، هل يجوز له ذلك أو لا؟\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم اغتسال الجُنب في الماء الراكد (^٤)، على قولين:\nالقول الأول: يُكره.\nوهو مذهب الجمهور: المالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).\nالقول الثاني: يحرم في القليل.\nوهو مذهب الحنفية (^٨).\n_________\n(^١) سبق في المبحث السابق بيان المقصود بالماء الراكد، وأن الكثير المستبحر مخصوص من النهي بالنص والإجماع.\n(^٢) الجُنُبُ: الجنابة في الأصل: البعد، ورجل جُنُبٌ من الجَنابَة، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث، وربّما قالوا في جمعه أجنابٌ وجُنُبون. والجنب: الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المني، والتقاء الختانين، أو ما يترتب على ذلك، وسُميت الجنابة بذلك؛ لكونها سببًا لتجنب الصلاة في حكم الشرع. يُنظر: الصحاح (١/ ١٠٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٠٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد (١/ ٢٣٥) برقم: (٢٨٢).\n(^٤) ورد النص في الغسل من الجنابة في الماء الراكد، وألحق به الفقهاء الاغتسال من الحيض والنفاس، وكذلك يُلحق به اغتسال الجمعة. يُنظر: المغني (١/ ١٧)، عمدة القاري (٣/ ١٦٩).\n(^٥) يُنظر: الذخيرة (١/ ٣٠٥)، مواهب الجليل (١/ ٧٥).\n(^٦) يُنظر: المجموع (٢/ ١٩٦)، أسنى المطالب (١/ ٧١).\n(^٧) يُنظر: الإنصاف (١/ ٧٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨).\n(^٨) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٦٧)، البحر الرائق (١/ ٩٩).","vol":"1","page":57},{"text":"أدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا» (^١).\nوجه الاستدلال: يدل الحديث على النهي عن الاغتسال في الماء الراكد قليلًا كان أو كثيرًا، وهو محمول على الكراهة؛ لأن المنع من الانغماس فيه؛ لئلا يصير مستعملًا (^٢)، وذلك مفسد له فيمتنع على الغير الانتفاع به (^٣).\nنُوقش: بأن التعليل بمصير الماء مستعملًا تعليل ضعيف، بل العلة: مصيره مستخبثًا بتوارد الاغتسال فيه، فيفسد ويبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة: (يتناوله تناولًا)، فإنه يدل على أن النهي إنما هو من الانغماس لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق (^٤).\nالدليل الثاني: أن الغسل فيه يقذره على مَنْ يستعمله بعده؛ إذ لا يخلو من وسخ وعرق في جسمه غالبًا، فيغيره؛ فتعافه النفس (^٥).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (^٦).\nوجه الاستدلال: أن الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم مما تستخبثه الطباع السليمة، والخبيث محرم، والتحريم دليل النجاسة؛ فيكون الاغتسال محرمًا (^٧).\nالدليل الثاني: حديث أبي هريرة -﵁- الذي استدل به أصحاب القول الأول.\nوجه الاستدلال: أن الرسول -ﷺ- نهى عن الاغتسال في الماء الراكد، ويحمل على\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: (٥٤).\n(^٢) اختلف الفقهاء في طهورية الماء المستعمل على عدة أقوال. يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٢)، المجموع (١/ ١٣٧)، كشاف القناع (١/ ٣٢).\n(^٣) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ٧١)، شرح مختصر خليل (١/ ٧٧)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٤٧).\n(^٤) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ٣٧)، عون المعبود (١/ ٩٣).\n(^٥) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ١٠٦)، المجموع (١/ ١٥٢)، شرح الإلمام (١/ ٢٦٥).\n(^٦) سورة الأعراف: جزء من الآية (١٥٧).\n(^٧) يُنظر: أحكام القرآن، للجصاص (٥/ ٢٠٥)، بدائع الصنائع (١/ ٦٨).","vol":"1","page":58},{"text":"القليل، والأصل في النهي المجرد عن القرينة التحريم، ولأن فيه تنجيسًا للماء الطاهر، فلولا أن القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة الغسالة لم يكن للنهي معنى، لأن إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام، أما تنجيس الطاهر فحرام فكان هذا نهيا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال، إذ بدن الجنب به نجاسة تقديرية، وذا يقتضي التنجيس به، فيفسده ويحرم استعماله على غيره (^١).\nيمكن أن يُناقش: بأن النهي عام في القليل والكثير، وأن الماء لا يتنجس بمجرد ذلك؛ للإجماع على أن بدن الجنب طاهر (^٢).\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن اقتران النهيين في الحديث يقتضي التسوية، فيدل على أن الغُسل فيه كالبول فيه، والنهي عنهما للتحريم (^٤).\nنوقش: أن دلالة الاقتران ضعيفة، وعلى تقدير تسليمها: فلا يلزم التسوية، فيكون النهي عن البول؛ لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه؛ لئلا يسلبه الطهورية، ويزيد ذلك وضوحا قوله (يتناوله تناولا) فدل على أن المنع من الانغماس فيه لئلا يصير مستعملا فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره (^٥).\nسبب الاختلاف:\nهو اختلاف الفقهاء في علة النهي عن الاغتسال في الماء الدائم: فالقائلون بالتحريم قالوا: العلة هي الاستخباث وتنجيس الماء بالملاقاة، والقائلون بالكراهة منهم مَنْ قال: العلة هي صيرورة الماء مستعملًا، ومنهم مَنْ قال: العلة هي الاستقذار، وعيافة النفس.\n_________\n(^١) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٦٨)، البحر الرائق (١/ ٩٩).\n(^٢) نقل الإجماع النووي في (المجموع) (٢/ ١٥٠)، وابن تيمية في (الفتاوى الكبرى) (١/ ٢٢٦).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٥٠).\n(^٤) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٤٦)، البحر الرائق (١/ ٩٩).\n(^٥) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٤٧).","vol":"1","page":59},{"text":"الترجيح:\n\nبعد عرض الأقوال وأدلتها ومناقشتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الغسل في الماء الراكد.\nأسباب الترجيح:\n١ - أن هذا القول موافق لما جاءت به الشريعة من الأمر بالنظافة والبعد عن الأقذار.\n٢ - أنه موافق للطبائع؛ فالنفس تنفر مما يستقذر.\n٣ - ضعف استدلال القول الآخر، وورود المناقشة عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-38>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين مما سبق أن الجمهور حمل النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة هي: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nذلك أن النهي عن الغسل في الماء الراكد فيه إرشاد إلى مصلحة المحافظة على الماء وعدم تقذيره على الناس.\nقال النووي -﵀- (^١): «قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يُكره الاغتسال في الماء الراكد قليلًا كان أو كثيرًا … وهذا كله على كراهة التنزيه» (^٢).\nوقال ابن دقيق العيد -﵀-: «أن المقصود: التنزه عن التقرب إلى الله سبحانه بالمستقذرات» (^٣).\nقيل: العلة: تقذير الماء على الناس.\nوقيل: لئلا يصير الماء مستعملًا، فيفسد الانتفاع به على غيره.\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد هنا قرينة معتبرة؛ لمناسبة\n_________\n(^١) هو: يحيى بن شرف بن مُرّي بن حسن الحزامي الحراني النووي الشافعي، أبو زكريا محيي الدين، وُلد بنَوى سنة ٦٣١ هـ، كان حافظًا فقيهًا زاهدًا، له تصانيف كثيرة وجليلة منها: «المنهاج»، «المجموع شرح المهذب»، «التبيان: في آداب حملة القرآن»، «شرح صحيح مسلم» وغيرها كثير، تُوفي سنة ٦٧٦ هـ. يُنظر: فوات الوفيات (٤/ ٢٦٥)، طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٣٩٥).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٩).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٧٣).","vol":"1","page":60},{"text":"التعليل بالاستقذار لمعنى الإرشاد إلى المصلحة، ولكونه موافقًا لما جاءت به الشريعة من الأمر بالنظافة. أما التعليل بمصير الماء مستعملًا فضعيف مردود بما بينه الصحابي بأنه لا يُمنع التناول منه. والله أعلم.\nقال ابن تيمية -﵀-: «نهيه عن الاغتسال في الماء الدائم إن صح يتعلق بمسألة الماء المستعمل وهذا قد يكون لما فيه من تقذير الماء على غيره؛ لا لأجل نجاسته ولا لصيرورته مستعملا» (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٦).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>المبحث الثالث: النهي عن غمس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها</span>\n<span data-type='title' id=toc-40>المطلب الأول: حكم غمس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (^١)، ولفظ البخاري: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (^٢).\nصورة المسألة:\nإذا قام المسلم من نوم ليل أو نهار، وأراد الوضوء، فهل يجوز أن يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثًا؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: أجمع العلماء (^٣) على أن غسل اليدين في أول الوضوء سنة؛ لورودها في صفة وضوء النبي -ﷺ- (^٤)، ودليله:\nعَنْ حُمْرَانَ (^٥) مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -﵁-: «أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ …، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وقال: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك فِي نجاستها فِي الإناء قبل غسلها ثلاثا (١/ ٢٣٣) برقم: (٢٧٨).\n(^٢) كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترا (١/ ٤٣) برقم: (١٦٢).\n(^٣) نقل الإجماع: ابن المنذر في (الأوسط) (١/ ٣٧٥)، وابن قدامة في (المغني) (١/ ٧٣).\n(^٤) يُنظر: إحكام الأحكام (١/ ٨١).\n(^٥) هو: حُمران بن أبان بن خالد بن عبد عمرو بن عقيل النمري المدني، الفارسي، الفقيه، مولى أمير المؤمنين عثمان، من كبار التابعين، حدَّث عن: عثمان، ومعاوية، وهو قليل الحديث: قال قتادة: كان حمران يصلي خلف عثمان، فإذا أخطأ فتح عليه، تُوفي سنة ٧٦ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٢)، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٤).","vol":"1","page":62},{"text":"ذَنْبِهِ» (^١).\nثانيا: أجمعوا على النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها إن قام من النوم (^٢)، واختلفوا فيه: هل النهي للتحريم أو للكراهة، على قولين:\nالقول الأول: الكراهة.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، ومذهب الحنابلة في نوم النهار، ورواية في نوم الليل (^٦).\nالقول الثاني: التحريم.\nوهو المذهب عند الحنابلة في نوم الليل (^٧).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^٨).\nوجه الاستدلال: جاء الأمر بالوضوء في الآية من غير غسل الكفين في أوله، والأمر بالشيء يقتضي حصول الإجزاء به، وقوله: (إذا قمتم) يعم القائم من النوم وغيره، ولاسيما وقد فسَّره زيد بن أسلم (^٩) بالقيام من الليل (^١٠).\nالدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب المضمضة في الوضوء (١/ ١٤٤) برقم: (١٦٤).\n(^٢) نقل الإجماع: النووي في (المنهاج) (٣/ ١٨٠).\n(^٣) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢٠)، البحر الرائق (١/ ١٨).\n(^٤) يُنظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ١٧٠)، مواهب الجليل (١/ ٢٤٣).\n(^٥) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٠٢)، المجموع (١/ ٣٤٩).\n(^٦) يُنظر: المغني (١/ ٧٣)، الشرح الكبير (١/ ٢٧٨).\n(^٧) يُنظر: المغني (١/ ٧٣)، الإنصاف (١/ ٦٩).\n(^٨) سورة المائدة: جزء من الآية: (٦).\n(^٩) هو: زيد بن أسلم العدوي العمري المدني، أبو عبد الله، التابعي الإمام الفقيه، حدث عن: والده: أسلم مولى عمر، وعن: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، وأنس بن مالك، وكان له حلقة للعلم في مسجد رسول الله -ﷺ-، وله تفسير للقرآن يرويه عنه ابنه عبد الرّحمن، وله من المسند أكثر من مائتي حديث، تُوفي سنة ١٣٦ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣١٦)، تهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٥)، شذرات الذهب (٢/ ١٥٩).\n(^١٠) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٠٢)، المغني (١/ ٧٣)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٧٥).","vol":"1","page":63},{"text":"مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن النهي في الحديث محمول على الكراهة لا التحريم؛ بدلالة قرينة التعليل وذِكر العدد: فأما قرينة التعليل: فقوله: (فَإِنَّه لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) تعليل بأمر يقتضي الشك في النجاسة، وطريان الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها، فلا يجب غسله، وإنما يُستحب (^٢)، وأما قرينة العدد: فإن ذِكر العدد في غير النجاسة العينية دليل الندب (^٣).\nالدليل الثالث: أن الطهارة الواجبة عن الحدث يجزئ فيها غسل اليدين في جملة أعضاء الوضوء بنية الحدث، ويُكتفى لهما بغسلة واحدة (^٤).\nدليل القول الثاني:\nاستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- المتقدم.\nوجه الاستدلال:\nأن ظاهر الحديث أمر صريح بالغسل قبل إدخاله في الإناء، وفي اللفظ الآخر نهي صريح عن إدخاله قبل الغسل، وأمره -ﷺ- يقتضي الوجوب، ونهيه يقتضي التحريم، وهو تَعبُّدي غير معقول المعنى، وخُص بنوم الليل؛ لأن المبيت إنما يكون بالليل (^٥).\nنُوقش: بأن تعليل النبي -ﷺ- بأمر يقتضي الشك في النجاسة بقوله: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) علة صارفة للنهي عن حقيقته إلى الكراهة، والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، وقوله: (من نوم) يعم نوم الليل والنهار، وإنما ذكر الليل لكونه الغالب (^٦).\nسبب الاختلاف:\nالسبب هو اختلافهم في مفهوم علة النهي في الحديث (^٧).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: (٥٩).\n(^٢) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٠٢)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠)، المغني (١/ ٧٣)، المجموع (١/ ٣٤٩).\n(^٣) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٢٦٤)، سبل السلام (١/ ٦٥).\n(^٤) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٧٥).\n(^٥) يُنظر: المغني (١/ ٧٣)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٧٤).\n(^٦) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢٠)، إحكام الأحكام (١/ ٦٩).\n(^٧) يُنظر: بداية المجتهد (١/ ١٦).","vol":"1","page":64},{"text":"قال ابن تيمية -﵀-: «وأما الحكمة في غسل اليد: ففيها ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه خوف نجاسة تكون على اليد، مثل: مرور يده موضع الاستجمار مع العرق أو على زبلة ونحو ذلك. والثاني: أنه تعبد ولا يُعقل معناه. والثالث: أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان كما في الصحيحين عن أبي هريرة أنه -ﷺ- قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ -أُرَاهُ أَحَدُكُمْ- مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ» (^١)، فأمر بالغسل معللًا بمبيت الشيطان على خيشومه، فعُلم أن ذلك سبب للغسل عن النجاسة والحديث معروف.\nوقوله -ﷺ-: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) يمكن أن يُراد به ذلك، فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار» (^٢).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة غمْس يد القائم من نوم ليل أو نهار في الإناء قبل غسلها، وهو قول الجمهور.\nأسباب الترجيح:\n١ - موافقة هذا القول لآية صفة الوضوء.\n٢ - قوة أدلة الجمهور، وأن القرائن المصاحبة للنهي مؤثرة في القول بالكراهة.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل الجمهور النهي في هذه المسألة على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له: القرائن التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-42>القرينة الأولى: ورود النص بالتعليل بما يقتضي عدم التحريم.</span>\nوهو ما أشار إليه النبي -ﷺ- بقوله: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)، فهذه العلة تفيد الشك، والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٤/ ١٢٦) برقم: (٣٢٩٥)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الإيتار فِي الاستنثار والاستجمار (١/ ٢١٢) برقم: (٢٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٤).\n(^٣) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢٠)، إحكام الأحكام (١/ ٦٩).","vol":"1","page":65},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: «… أنه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه» (^١).\nوقال ابن حجر -﵀- (^٢): «الأمر عند الجمهور على الندب … والقرينة الصارفة للأمر عن الوجوب عند الجمهور التعليلُ بأمر يقتضي الشك؛ لأن الشك لا يقتضي وجوبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطهارة .... والتقييد بالعدد في غير النجاسة العينية يدل على الندبية» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>القرينة الثانية: ورود النص بذكر العدد.</span>\nذَكر النبي -ﷺ- أن غسل اليد قبل إدخاله في الإناء يكون ثلاثًا، فكان ذلك قرينة صارفة؛ لأن ذِكر العدد في غير النجاسة العينية دليل الندب (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>القرينة الثالثة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.</span>\nوذلك أن في النهي عن إدخال اليد في الإناء قبل غسلها إرشادًا إلى المصلحة؛ لخوف نجاسة تكون على اليد، فتفسد الماء.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «علمنا بكتاب الله وسنة رسوله أن أمره -ﷺ- القائمَ من نومه ألا يغمس يده في وضوئه إنما ذلك ندب وأدب وسنة قائمة لمن كانت يده طاهرة وغير طاهرة» (^٥).\nوجاء في (المفهم): «ذهب الجمهور إلى أن ذلك على جهة الاستحباب؛ بدليل تعليله في آخره بقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، ومعنى ذلك أن: يد النائم تجول في: مغابنه، ومواضع استجماره، وأعراقه، فقد يتعلق باليد منها شيء، فيؤدي إلى إفساد الماء، … أو إلى\n_________\n(^١) عون المعبود وحاشية ابن القيم (١/ ٨٥).\n(^٢) هو: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي، أبو الفضل شهاب الدين ابن حَجَر، وُلد بمصر سنة ٧٧٣ هـ، كان من أئمة العلم، برع في علم الحديث، له مصنفات جليلة منها: «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، «تهذيب التهذيب»، «تقريب التهذيب»، «التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير»، «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» وغيرها، تُوفي سنة ٨٥٢ هـ. يُنظر: ذيل طبقات الحفاظ، للسيوطي (ص: ٢٥١)، الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي.\n(^٣) فتح الباري (١/ ٢٦٣، ٢٦٤).\n(^٤) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٢٦٤)، سبل السلام (١/ ٦٥).\n(^٥) التمهيد (١٨/ ٢٣٦).","vol":"1","page":66},{"text":"عيافته» (^١).\nوقال ابن حجر -﵀-: «والنهي فيه للتنزيه كما ذكرنا، إن فُعل استُحب، وإن تُرك كُره» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قرينة التعليل، وقرينة ذِكر الغسل ثلاثًا: قرينتان قويتان لقوة أصلهما؛ فهما من القرائن النصية المتصلة، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ لاعتبار علة وهم النجاسة أو مبيت الشيطان، فالقرائن تعضد بعضها وتقوي حمل النهي على الكراهة. والله أعلم.\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٥٣٦).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>المبحث الرابع: النهي عن وضوء الرجل بفضل طهور المرأة</span>\n<span data-type='title' id=toc-46>المطلب الأول: حكم وضوء الرجل بفضل طهور المرأة </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن الحكم بن عمرو -﵁- وهو الأقرع (^٢): «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» (^٣).\nصورة المسألة:\nللرجل في استعمال فضل طهور المرأة حالان، أحدهما: حال اجتماعهما، والثاني: إن خلت المرأة بالماء. فما حكم استعمال الرجل فضل طهور المرأة في هذه الأحوال؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الإجماع:\nأجمع العلماء (^٤) على جواز اجتماع الرجل والمرأة على الوضوء أو الاغتسال من إناء واحد مشترك بينهما.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «هذه السنن الثابتة عن النبي -ﷺ- وأصحابه الذين\n_________\n(^١) الفَضْلُ: هو بقية الشيء، والفَضْلَةُ والفُضالَةُ: ما فضل من شيء. وفضل طهور المرأة هو: الماء المتبقي في الإناء بعد ما شرعت المرأة في وضوئها أو غسلها. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٧٩١)، المجموع (٢/ ١٩٠)، تحفة المحتاج (١/ ٧٧)، تاج العروس (٣٠/ ١٧٢). ويؤيد معنى أن الفضل هو ما تبقى في الإناء: ما جاء في حديث ميمونة -﵂- سيرد في الأدلة- قولها: (من جفنة، ففضلت فيها فضلة).\n(^٢) هو: الحكم بن عمرو الغفاري أخو رافع، ويُقال له: الحكم بن الأقرع، صحب النبي -ﷺ- حتى مات، ثم تحول إلى البصرة فنزلها، روى عنه: أبو الشعثاء والحسن البصري وابن سيرين، ولاه زياد خراسان فسكن مرو ومات بها سنة ٥٠ هـ. يُنظر: أسد الغابة (٢/ ٥١)، تهذيب التهذيب (٢/ ٤٣٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك (١/ ٦١) برقم: (٨٢)، والترمذي، أبواب الطهارة، باب في كراهية فضل طهور المرأة (١/ ٩٣) برقم: (٦٤) وقال: «هذا حديث حسن»، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب المياه، باب النهي عن فضل وضوء المرأة (١/ ١٧٩) برقم: (٣٤٣)، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب النهي عن ذلك (١/ ٢٤٣) برقم: (٣٧٣)، وأحمد (٣٤/ ٢٥٤) برقم: (٢٠٦٥٧)، قال ابن عبد البر في (الاستذكار) (١/ ١٧٠): «الآثار في هذا الباب مضطربة، ولا تقوم بها حجة». وقال النووي في (المنهاج) (٤/ ٣): «ضعيف ضعَّفه أئمة الحديث»، ونقل في (خلاصة الأحكام) (١/ ٢٠٠) عن البخاري قوله: «حديث الحكم ليس بصحيح، قال: والصحيح في حديث ابن سرجس أنه موقوف عليه، ومن رفعه فقد أخطأ»، والله أعلم.\n(^٤) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٥١).","vol":"1","page":68},{"text":"كانوا بمدينته على عهده دلت على أمور: أحدها: هو اشتراك الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد وإن كان كل منهما يغتسل بسؤر الآخر، وهذا مما اتفق أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم على أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤوا واغتسلوا من ماء واحد جاز كما ثبت ذلك بالسنن الصحيحة المستفيضة» (^١).\nأدلة الإجماع:\nالدليل الأول: عن أنس بن مالك -﵁- قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِإِنَاءٍ وَهُوَ بالزَّوْرَاء (^٢)، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ» (^٣).\nالدليل الثاني: عن عائشة -﵂- قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلَانَا جُنُبٌ» (^٤).\nالدليل الثالث: عن ابن عمر -﵄- أنه قال: «كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- جَمِيعًا» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن الأحاديث ظاهرة الدلالة على جواز اجتماع الرجل والمرأة للتطهر من إناء واحد، فإذا اجتمعا فقد اغتسل كل واحد منهما بفضل صاحبه (^٦).\nثانيًا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في استعمال الرجل فضل طهور المرأة إن خلت به (^٧)، على ثلاثة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٠).\n(^٢) الزَّوْرَاءُ -بتقديم الزاي على الراء، وبالمد-: مكان معروف بالمدينة عند السوق، قرب المسجد، يُنظر: معجم البلدان (٣/ ١٥٦)، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع (٢/ ٦٧٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٤/ ١٩٢) برقم: (٣٥٧٢).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض (١/ ٦٧) برقم: (٢٩٩)، ومسلم، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء فِي غسل الجنابة وغسل الرجل والمرأة فِي إناء واحد (١/ ٢٥٦) برقم: (٣٢١).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة (١/ ٥٠) برقم: (١٩٣).\n(^٦) يُنظر: مختصر المزني (٨/ ٩٨)، الحاوي الكبير (١/ ٢٢٩)، المغني (١/ ١٥٨).\n(^٧) خلوة المرأة بالماء: الخلوة في اللغة من: خلا الشيء يخلو خلوا، وخَلَوْتُ به خَلْوَةً وخَلاءً، خلا إليه: اجتمع معه في خلوة. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٣٣٠)، مختار الصحاح (ص: ٩٦).\nاختلف الفقهاء في المراد بالخلوة، على قولين: الأول: انفرادها بالاستعمال، سواء شوهدت أم لا، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن أحمد. الثاني: أن تخلو به فلا يشاهدها مميز، سواء كان ذكرًا أم أنثى، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة. يُنظر: شرح معاني الآثار (١/ ٢٦)، المجموع (٢/ ١٩١)، شرح الزركشي (١/ ٢٩٨)، المبدع (١/ ٣٥).","vol":"1","page":69},{"text":"أقوال:\nالقول الأول: يجوز التطهر بفضل طهور المرأة للرجال والنساء، سواءٌ خلت به أم لا.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٤).\nالقول الثاني: لا يجوز للرجل استعمال فضل طهور المرأة إن خلت به.\nوهو المذهب عند الحنابلة (^٥).\nالقول الثالث: يُكره للرجل استعمال فضل طهور المرأة إن خلت به.\nقال به بعض الشافعية (^٦)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٧).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن ابن عباس: -﵄- «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» (^٨).\nوجه الاستدلال: أن فعله -ﷺ- دليل صريح على جواز استعمال الرجل فضل طهور المرأة.\nنُوقش: بأنه محمول على أنها لم تخلُ به (^٩).\nأُجيب عنه: بأنه قد ورد في روايات أخرى عن ميمونة -﵂- ما يدل على أنها خلت به (^١٠)، وبيانه في الدليل الآتي.\n_________\n(^١) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٦١)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٣٣).\n(^٢) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٩)، بداية المجتهد (١/ ٣٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٢، ١٣٣).\n(^٣) يُنظر: العزيز بشرح الوجيز (٢/ ١٥١)، المجموع (٢/ ١٩٠).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ١٥٧)، الشرح الكبير (١/ ٨٣)، الإنصاف (١/ ٨٥).\n(^٥) يُنظر: شرح الزركشي (١/ ٣٠١)، المبدع (١/ ٣٥)، كشاف القناع (١/ ٣٦).\n(^٦) يُنظر: تحفة المحتاج (١/ ٧٧).\n(^٧) يُنظر: المبدع (١/ ٣٥)، الإنصاف (١/ ٨٦).\n(^٨) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاغتسال بفضل المرأة (١/ ٢٥٧) برقم: (٣٢٣).\n(^٩) يُنظر: شرح الزركشي (١/ ٢٩٨)، كشاف القناع (١/ ٣٧).\n(^١٠) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٩)، شرح الإلمام (١/ ٣٠٧)، المبدع (١/ ٣٥).","vol":"1","page":70},{"text":"الدليل الثاني: عن ميمونة -﵂- قالت: «أَجْنَبْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ (^١)، فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ اغْتَسَلْتُ مِنْهَا، قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ -أَوْ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ- فَاغْتَسَلَ مِنْهُ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن الحديث صحيح صريح في الدلالة، ظاهر في الخلوة (^٣)، وقد دل فِعل النبي -ﷺ- وجوابه على جواز استعمال الرجل فضل المرأة وإن خلت به، وأنه لا تأثير للخلوة.\nنُوقش: بأنه يُحمل على عدم الخلوة (^٤).\nأُجيب عنه: بأنه لا يصح حمله على عدم الخلوة؛ فالحديث ظاهر في الخلوة (^٥)؛ لأن العادة أن الإنسان يقصد الخلوة في الاغتسال، ولأن ميمونة -﵂- ذكرت أنها اغتسلت، فجاء النبي -ﷺ- بعدها، فأعلمته بأنها اغتسلت من الجفنة.\nالدليل الثالث: أنه ثبت بالإجماع جواز اشتراك الرجل والمرأة في الاغتسال من إناء واحد وإن كان كل منهما يغتسل بسؤر الآخر، فإذا ثبت اغتسالهما معًا فكل واحد مستعمل فضل الآخر، فجاز لأحدهما بعد الآخر، ولا تأثير للخلوة (^٦).\nقال الطحاوي (^٧) -﵀-: «أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معًا من إناء واحد أن\n_________\n(^١) الجَفْنَةُ: الجفنة كالقصعة، وهي جفنة الطعام، والجمع: الجفان والجفنات بالتحريك. يُنظر: الصحاح (٥/ ٢٠٩٢)، مجمل اللغة (ص: ١٩٢)، مختار الصحاح (ص: ٥٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي، أبواب الطهارة، باب الرخصة في ذلك (١/ ٩٤) برقم: (٦٥) وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الرخصة بفضل وضوء المرأة (١/ ٢٤١) برقم: (٣٧٠)، وأحمد (٤٤/ ٣٨٦) برقم: (٢٦٨٠٢) واللفظ له، وللحديث شواهد؛ فحديث اغتسال النبي -ﷺ- بفضل ميمونة في صحيح مسلم سبق تخريجه قريبًا، ومن شواهده حديث ابن عباس في مسند أحمد برقم: (٢١٠٢)، صححه ابن حبان برقم: (١٢٤٢).\n(^٣) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٩)، المجموع (٢/ ١٩١)، المبدع (١/ ٣٥).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ١٥٨)، شرح الزركشي (١/ ٣٠٣).\n(^٥) يُنظر: المبدع (١/ ٣٥).\n(^٦) يُنظر: التمهيد (١٤/ ١٦٤)، المجموع (٢/ ١٩١)، إحكام الأحكام (١/ ١٣٢)، المبدع (١/ ٣٥).\n(^٧) هو: أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزديّ الطحاوي، كنيته أبو جعفر، وُلد سنة ٢٣٩ هـ، ونشأ في (طحا) من صعيد مصر، وتفقَّه على مذهب الشافعيّ، ثم تحول حنفيًا، انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر. من تصانيفه: «شرح معاني الآثار»، «بيان السنّة»، «مشكل الآثار»، «أحكام القرآن» وغيرها، تُوفي سنة ٣٢١ هـ. يُنظر: وفيات الأعيان (١/ ٧١)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧)، الفوائد البهية (ص: ٣١).","vol":"1","page":71},{"text":"ذلك لا ينجس الماء، ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضؤ منه أن حكم ذلك سواء، فلما كان ذلك كذلك، وكان وضوء كل واحد من الرجل والمرأة مع صاحبه لا ينجس الماء عليه -كان وضوؤه بعده من سؤره -من النظر- أيضًا كذلك» (^١).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عن الحكم بن عمرو -﵁- وهو الأقرع: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر النهي يدل على منع الرجل استعمال فضل طهور المرأة (^٣)، والأصل في النهي التحريم إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة.\nنُوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الحديث ضعيف، فلا يصح النهي (^٤).\nوأُجيب عنه: بأن رواية الإمام أحمد -﵀- للحديث واحتجاجه به، يُقدم على التضعيف؛ لاحتمال أن يكون قد رُوي من وجه آخر صحيح خفي على مَنْ ضعفه (^٥).\nالوجه الثاني: أن دلالة الحديث غير صريحة على أن المرأة إذا خلت بالماء لا يجوز للرجل استعماله.\nوأُجيب: بأنه يُحمل على ما إذا خلت به؛ جمعًا بين الأحاديث (^٦).\nالدليل الثاني: عن حُمَيْدِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ (^٧) قال: لقيت رجلًا قد صحب\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٢٦).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٦٥).\n(^٣) يُنظر: المغني (١/ ١٥٧)، شرح الزركشي (١/ ٣٠١).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٢/ ١٩١)، تحفة المحتاج (١/ ٧٧).\n(^٥) يُنظر: المغني (١/ ١٥٨).\n(^٦) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٣٧).\n(^٧) هو: حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيّ، تابعي ثقة، يروي عن: أبي هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبي بكر الثقفي، وابن عمر، روى عنه: محمد بن سيرين، وأَبُو التَّيَّاح يزيد بن حميد، وداود بن عبد الله الْأَوْدِيّ، ومحمد بن المنتشر، قال ابن سيرين: «كان حميد بن عبد الرحمن أفقه أهل البصرة قبل موته بعشر سنين». يُنظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد (٧/ ١٤٧)، تجريد الأسماء والكنى المذكورة في كتاب المتفق والمفترق (١/ ١٥٦)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٣).","vol":"1","page":72},{"text":"النبي -ﷺ- أربع سنين كما صحبه أبو هريرة أربع سنين، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، أَوِ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا» (^١).\nوجه الاستدلال: أن الحديث ظاهر في نهي الرجل عن فضل طهور المرأة، وهو محمول على ما خلت به؛ جمعًا بين الأحاديث (^٢)، والأصل في النهي التحريم.\nنُوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الحديث ضعيف؛ لجهالة الصحابي، فهو بمعنى المرسل (^٣).\nوأُجيب عنه: بأن دعوى أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن جهالة عين الصحابي لا تضر؛ فالصحابة كلهم عدول، وقد صرح التابعي بأنه لقيه (^٤).\nالوجه الثاني: بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في الإباحة (^٥).\nوأُجيب عنه: بأنه ليس مخالفًا للأحاديث الصحيحة، بل يُحمل على أن المراد ما سقط من أعضائهما، جمعًا بين الأحاديث (^٦).\nويمكن أن يُعترض عليه: بأن حمله على ما تساقط من أعضائهما تأويل بعيد؛ فالمتساقط من الأعضاء لا يتبادر للذهن عند إطلاق لفظ فضل الطهور، وفضل الماء في اللغة: هو ما تبقى في الإناء، والعرب تقول لبقية الماء في المزادة: فضلة (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك (١/ ٦٠) برقم: (٨١)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، باب النهي عن الاغتسال بفضل الجنب (١/ ١٣٠) برقم: (٢٣٨) واللفظ له، صحح إسناده النووي في (المجموع) (٢/ ١٩١) ونقل عن البيهقي تضعيفه وأجاب عنه، وقال ابن حجر في (فتح الباري) (١/ ٣٠٠): «رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية».\n(^٢) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٣٦).\n(^٣) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٢٣١)، المجموع (٢/ ١٩٢).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٢/ ١٩٢)، فتح الباري (١/ ٣٠٠).\n(^٥) يُنظر: المجموع (٢/ ١٩٢) نقلًا عن البيهقي.\n(^٦) يُنظر: معالم السنن (١/ ٤٢)، الحاوي الكبير (١/ ٢٣٢)، المجموع (٢/ ١٩٢).\n(^٧) يُنظر: لسان العرب (١١/ ٥٢٦).","vol":"1","page":73},{"text":"وأيضًا لم يثبت عن النبي -ﷺ- الأمر بجمع المتساقط ولا باستعماله (^١).\nالدليل الثالث: عن عبد الله بن سَرْجِسَ (^٢) -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَلَكِنْ يَشْرَعَانِ جَمِيعًا» (^٣)، ودليل التخصيص بما خلت به: ما رُوي عن عبد الله بن سرجس -﵁- قال: «لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْهُ» (^٤).\nوجه الدلالة: أن الحديث ظاهر في المنع من فضل طهور المرأة، ويدل قول عبد الله بن سرجس على تخصيص المنع بما خلت به المرأة (^٥).\nنُوقش: بأن الحديث موقوف، ولا يصح رفعه إلى النبي -ﷺ- (^٦).\nوحديثي حميد وابن سرجس ورد فيهما نهي المرأة عن فضل الرجل، ولم يقل به أحد!.\nأدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون بالكراهة بأدلة النهي التي استدل بها القائلون بالتحريم، وحملوا النهي على الكراهة للقرينة الصارفة، وهي أدلة القائلين بالجواز؛ جمعًا بين الأدلة (^٧).\nنُوقش: بأن أحاديث النهي مضطربة، وأحاديث الإباحة أصح، فالقول بها أولى.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «الآثار في الكراهية في هذا الباب مضطربة لا تقوم بها حجة،\n_________\n(^١) نقل النووي في (المجموع) (١/ ١٥٤) عن إمام الحرمين قوله: «أن النبي -ﷺ- وأصحابه -﵃- احتاجوا في مواطن من أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى».\n(^٢) هو: عبد الله بن سَرْجِس المزني، حلف في بني مخزوم، أكل مع النبي خبزًا ولحمًا، واستغفر له، عداده في البصريين، روى عنه عاصم الأحول، تُوفي بالبصرة سنة نَيِّفٍ وثمانين للهجرة. يُنظر: أسد الغابة (٣/ ٢٥٧)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٣٤)، الإصابة (٤/ ٩٢).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب النهي عن ذلك برقم: (٣٧٤)، (١/ ٢٤٤) وقال: «هذا وهم، والصحيح حديث الحكم بن عمرو»، قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ٥٦): «قال البيهقي في السنن الكبرى: بلغني عن أبي عيسى الترمذي عن البخاري أنه قال حديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب الصحيح موقوفًا ومَن رفعه فقد أخطأ».\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٠٧) برقم: (٣٨٥)، وهو حديث موقوف، انفرد به المصنف من هذا الطريق.\n(^٥) يُنظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ١١٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٨).\n(^٦) يُنظر: معالم السنن (١/ ٤٢).\n(^٧) يُنظر: الشرح الكبير (١/ ٨٤)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٠٠).","vol":"1","page":74},{"text":"والآثار الصحاح هي الواردة بالإباحة … كلهم يقول: إن الرجال كانوا يتطهرون مع النساء جميعًا من إناء واحد، وأن عائشة كانت تفعل ذلك وميمونة وغيرهما من أزواجه -ﷺ-، وعلى ذلك جماعة أئمة الفتوى، وقد رُوي عن بن عباس أنه سُئل عن فضل وضوء المرأة فقال: «هن ألطف بنانًا وأطيب ريحًا» (^١)، وهذا منه جواب بجواز فضلها على كل حال» (^٢).\nسبب الاختلاف: قال القرطبي -﵀-: «سبب هذا الاختلاف: اختلافهم في تصحيح أحاديث النهي الواردة في ذلك، ومَن صححوها اختلفوا أيضًا في الأرجح منها، أو مما يعارضها، كحديث ميمونة أنه -﵊-: كان يغتسل بفضلها، وكحديث ابن عباس الذي خرَّجه الترمذي وصححه» (^٣).\nالترجيح:\nبعد عرض أدلة الأقوال ومناقشتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة، وهو قول الجمهور.\nقال الإمام مالك -﵀- في اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة: «… ولا خير في هذا التقزز والتنجس، إنما هو من الشيطان» (^٤).\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة الأدلة التي استدل بها الجمهور وصحتها وصراحتها في الدلالة.\n٢ - اضطراب أدلة المانعين، وورود المناقشات عليها.\nنقل ابن حجر -﵀- في (الفتح) عن الامام أحمد -﵀- قوله: «إن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة وفي جواز ذلك، مضطربة» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين مما سبق أن من الفقهاء مَنْ ذهب إلى حمل النهي على الكراهة، والذي يظهر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٨) برقم: (٣٤٨).\n(^٢) الاستذكار (١/ ١٧٠).\n(^٣) المفهم (١/ ٥٨٣)، ويُنظر: بداية المجتهد (١/ ٣٨).\n(^٤) البيان والتحصيل (١/ ١١٤).\n(^٥) فتح الباري (١/ ٣٠٠).","vol":"1","page":75},{"text":"من كلام أهل العلم أن الصارف له: قرينة أحاديث الجواز التي نقلت فِعل النبي -ﷺ-.\nسلك القائلون بالكراهة مسلك الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الجواز، فقالوا: يُحمل النهي على الكراهة والتنزيه للجمع بين الأدلة (^١)، فالقرينة الصارفة هي فِعل النبي -ﷺ-.\nفالأحاديث تنقل لنا اغتساله -ﷺ- بفضل بعض أزواجه، فكان بيانًا للجواز، فمن ذلك:\n١ - حديث ابن عباس -﵄-: «أن النبي -ﷺ- كان يغتسل بفضل ميمونة» (^٢).\n٢ - وحديث ميمونة -﵂- قالت: «أَجْنَبْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ اغْتَسَلْتُ مِنْهَا قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ -أَوْ: لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ- فَاغْتَسَلَ مِنْهُ» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالأصل أن فِعل النبي -ﷺ- من الأدلة والقرائن النصية القوية، والذي يظهر في هذه المسألة أنها قرينة غير معتبرة؛ لأن القول بالجمع بين الأدلة فيه ضعف؛ لاضطراب أدلة النهي في مقابل صحة أدلة الجواز، فلا يُصار إلى الجمع، والقول أن فعله -ﷺ- قرينة صارفة؛ لعدم تكافؤ الأدلة المتعارضة في الظاهر بل المصير إلى الترجيح أولى، فالقول بالجواز والإباحة أرجح لصحة أدلته. والله أعلم.\nقال القرطبي -﵀-: «ولا شك في أن هذه الأحاديث (أحاديث الجواز) أصح وأشهر عند المحدِّثين، فيكون العمل بها أولى، وأيضًا فقد اتفقوا على جواز غسلهما معًا، مع أن كل واحد منهما يغتسل بما يفضله صاحبه عن غرفه» (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٠٠)، نيل الأوطار (١/ ٤٢).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٦٧).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٦٨).\n(^٤) المفهم (١/ ٥٨٤).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>المبحث الخامس: النهي عن استعمال الماء المسخن بالشمس</span>\n<span data-type='title' id=toc-49>المطلب الأول: حكم استعمال الماء المسخن بالشمس:</span>\nدليل النهي:\nعن عائشة -﵂- قالت: «أَسْخَنْتُ مَاءً فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» (^١).\nصورة المسألة:\nإذا وُضع الماء في إناء، ووُضع في الشمس حتى يسخن، فما حكم استعماله في الوضوء والاغتسال به؟\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم استعمال الماء المسخن بالشمس، على قولين:\n\n<span data-type='title' id=toc-50>القول الأول: جواز استعمال الماء المسخن بالشمس مطلقًا من غير كراهة.</span>\nوهو قول عند المالكية (^٢)، ووجه عند الشافعية (^٣)، ومذهب الحنابلة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-51>القول الثاني: كراهة استعمال الماء المسخن بالشمس.</span>\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٥)، والمالكية (^٦)، والشافعية (^٧)، واشترطوا له شرطين (^٨):\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب كراهة التطهير بالماء المشمس (١/ ٢٠) برقم: (١٤) وقال: «وهذا لا يصح»، والدارقطني، كتاب الطهارة، باب الماء المسخن (١/ ٥٠) برقم: (٨٦) وقال: «خالد بن إسماعيل: متروك». قال النووي في (المجموع) (١/ ٨٧): «ضعيف باتفاق المحدثين … ومنهم مَنْ يجعله موضوعًا»، وقال ابن الملقن في (البدر المنير) (١/ ٤٢١): «هذا الحديث واهٍ جدًا».\n(^٢) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٧٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٥).\n(^٣) يُنظر: المجموع (١/ ٨٧).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ١٥)، الإنصاف (١/ ٤١)، كشاف القناع (١/ ٢٦).\n(^٥) يُنظر: فتح القدير، للكمال ابن الهمام (١/ ٣٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٨٠).\n(^٦) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٧٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٥).\n(^٧) يُنظر: المجموع (١/ ٨٧)، مغني المحتاج (١/ ١١٩).\n(^٨) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ١٨٠)، العزيز شرح الوجيز (١/ ٢١)، التاج والإكليل (١/ ١٠٩)، مغني المحتاج (١/ ١١٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٥).","vol":"1","page":77},{"text":"الأول: أن يكون تشميس الماء في الأواني المنطبعة (^١)؛ لأن الشمس إذا أثرت فيها استخرجت منها زُهُومَةً (^٢) تعلو الماء، يتولد منها البرص (^٣).\nالثاني: أن يكون ذلك في البلاد الحارة: كالحجاز.\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: أن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل، ولا دليل ثابت في المسألة (^٤).\nالدليل الثاني: أن الأصل عدم الكراهة، وقد سُخن بطاهر، أشبه ما في البرك والأنهار، وما سُخن بالنار (^٥).\nقال النووي -﵀-: «عدم الكراهة في البرك والأنهار متفق عليه لعدم إمكان الصيانة وتأثير الشمس» (^٦).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عن عائشة -﵂- قالت: «أَسْخَنْتُ مَاءً فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن النهي في الحديث نهي مطلق يُحمل على الكراهة والتنزيه، ونص النبي -ﷺ- على علة النهي أنه يورث البرص (^٨).\n_________\n(^١) الأواني المنطبعة: هي المطرقة، قيل: جميع ما يطرق، وقيل: كل ما يطرق إلا الذهب والفضة لصفائهما، وقيل: إنها من النحاس خاصة. يُنظر: العزيز شرح الوجيز (١/ ٢١).\n(^٢) الزهومة: مادته: (ز هـ م)، والزهم: الريح المنتنة، زهمة أي: دسمة، الزُّهومة والزُّهمة بضمهما: ريح لحم سمين منتن، ووجدتُ منه زهومة أي: تغيرًا. يُنظر: لسان العرب (١٢/ ٢٧٧)، تاج العروس (٣٢/ ٣٤٠).\n(^٣) بَرَص: البرص: داء معروف -نسأل الله العافية منه ومن كل داء- وهو بياض يقع في الجسد في ظاهر البدن لفساد مزاج. يُنظر: لسان العرب (٧/ ٥)، القاموس المحيط (ص: ٦١٣).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ١٥)، المجموع (١/ ٨٧)، مواهب الجليل (١/ ٧٩).\n(^٥) يُنظر: المغني (١/ ١٥).\n(^٦) المجموع (١/ ٩٠).\n(^٧) سبق تخريجه ص: (٧٤).\n(^٨) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٤٢)، المجموع (١/ ٨٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٨٠).","vol":"1","page":78},{"text":"نُوقش: بأن الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، والضعيف لا تقوم به حجة (^١).\nالدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: «لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» (^٢).\nنُوقش: بأن الأثر ضعيف باتفاق المحدثين (^٣).\nأُجيب عنه: بأنه وإن لم يثبت الأثر فقد حصل به ريب (^٤).\nالدليل الثالث: أنه مضر طبيًا؛ لأنه يورث البرص، وقد عُلم شرعًا من طلب الكف عما يضر عاجلًا (^٥).\nنُوقش: أنه لم يثبت عن الأطباء أن لذلك تأثيرًا في الضرر (^٦).\nسبب الاختلاف:\nالسبب هو تضعيف الحديث والأثر في النهي، والاختلاف في ثبوت الضرر من استعمال الماء المسخن بالشمس.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز استعمال الماء المسخن بالشمس مطلقًا.\n(وأما تقييد الكراهة بالأواني المعدنية المطروقة لتأثيرها، فإنه يحتاج إلى بحث وتحقق).\nأسباب الترجيح:\n١ - عدم الدليل الصحيح الثابت في النهي عنه، فيبقى على الأصل، وهو الإباحة.\n_________\n(^١) يُنظر: المغني (١/ ١٥)، المجموع (١/ ٨٧).\n(^٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب كراهة التطهير بالماء المشمس (١/ ٢٠) برقم: (١٣)، والدارقطني، كتاب الطهارة، باب الماء المسخن (١/ ٥٢) برقم: (٨٨)، قال النووي في (المجموع) (١/ ٨٧): «ضعيف باتفاق المحدثين؛ فإنه من رواية إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وقد اتفقوا على تضعيفه، وجرحوه، وبينوا أسباب الجرح».\n(^٣) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٤٢)، المجموع (١/ ٨٧)، مواهب الجليل (١/ ٧٩).\n(^٤) يُنظر: مغني المحتاج (١/ ١٢٠).\n(^٥) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٧٩).\n(^٦) يُنظر: المغني (١/ ١٥)، المجموع (١/ ٨٧)، كشاف القناع (١/ ٢٦).","vol":"1","page":79},{"text":"٢ - دخول الماء المشمس في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^١).\n٣ - أنه الأقرب إلى يسر الشريعة؛ فحاجة الناس إلى تسخين الماء بالشمس قائمة في كثير من البلدان، ولأن الناس ما زالوا يستعملونه ولم يُعلم أن أحدًا برص (^٢).\n٤ - ضعف أدلة القول الثاني، وورود المناقشة عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nمن خلال دراسة مسألة استعمال الماء المسخن بالشمس تبين اختلاف الفقهاء فيها على قولين مشهورين: قول بالجواز، وقول بالكراهة.\nوقد حمل أصحاب القول الثاني النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص وفيه التعليل بما لا يقتضي التحريم:\nوذلك في قوله: (فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد:\nحيث جاء النهي عن استعمال الماء المشمس إرشادًا إلى مصلحة البدن، فضلًا عن كونه الأسلم له من جهة الصحة والطب.\nجاء في (المجموع): «وحيث أثبتنا الكراهة فهي كراهة تنزيه» (^٣).\nوالعلة: ذكر الفقهاء أن علة النهي خوف الإصابة بمرض البرص، وقالوا: لم يحرم؛ لأن ضرره مظنون (^٤).\nالحكم على القرينة:\nالقرينة النصية تكون قوية إذا ثبت النص وصح؛ فالقرينة النصية التي ذُكرت فيها علة النهي هنا ضعيفة؛ لضعف الحديث وعدم ثبوته، وتبعًا لذلك تضعف قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد؛ لضعف التعليل الذي اعتمد عليه، فثبت بذلك أن الماء المشمس لا أصل لكراهته.\n_________\n(^١) سورة الفرقان: جزء من الآية (٤٨).\n(^٢) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ٨٢).\n(^٣) (١/ ٨٩).\n(^٤) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٧٩)، مغني المحتاج (١/ ١٢٠).","vol":"1","page":80},{"text":"قال النووي -﵀- بعد تضعيف الحديث والأثر: «حصل من هذا أن: المشمس لا أصل لكراهته، ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء، فالصواب: الجزم بأنه لا كراهة فيه، وهذا هو الوجه الذي حكاه المصنف وضعَّفه، وكذا ضعفه غيره، وليس بضعيف، بل هو الصواب الموافق للدليل ولنص الشافعي؛ فإنه قال في (الأم): لا أكره المشمس إلا أن يُكره من جهة الطب» (^١).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٨٧).","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>الفصل الثاني\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب الآنية</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة.\nالمبحث الثاني: النهي عن استعمال آنية أهل الكتاب.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>المبحث الأول: النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة</span>\n<span data-type='title' id=toc-55>المطلب الأول: حكم استعمال آنية الذهب والفضة:</span>\nدليل النهي:\nعن حذيفة -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «لا تَلْبَسوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ (^١)، ولا تَشربوا في آنِيةِ الذَّهَبِ والفضَّةِ، ولا تأكلوا في صِحافِها (^٢)؛ فإنَّها لهم في الدُّنيا، ولنا في الآخِرةِ» (^٣).\nحكم المسألة:\nأجمع العلماء (^٤) على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة، وتحريم الأكل والشرب فيهما.\nقال النووي -﵀-: «أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمال في إناء ذهب أو فضة» (^٥).\nوقال ابن تيمية -﵀-: «… كما في آنية الذهب والفضة؛ فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام على الزوجين: الذكر والأنثى» (^٦).\nالأدلة:\nالدليل الأول: حديث حذيفة بن اليمان -﵄- المتقدم.\n_________\n(^١) الدِّيباج: دبج: الدَّبْج: النقش والتزيين، والديباج: هو الثياب المتخَذة من الإبريسم، وهو فارسي مُعرَّب. يُنظر: لسان العرب (٢/ ٢٦٢)، عمدة القاري (٢١/ ٢٠٢).\n(^٢) صَحْفَة: الصحفة إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها، والجمع: صِحاف. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٣٨٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض (٧/ ٧٧)، برقم: (٥٤٢٦)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة … (٣/ ١٦٣٨) برقم: (٢٠٦٧).\n(^٤) نقل الإجماع جمع من العلماء، منهم: ابن عبد البر في (الاستذكار) (٨/ ٣٥٠)، وابن قدامة في (المغني) (١/ ٥٥)، والنووي في (المجموع) (١/ ٢٥٠)، وابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (٢١/ ٨٤) ..\n(^٥) المجموع (١/ ٢٥٠).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٢١/ ٨٤).","vol":"1","page":83},{"text":"وجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي يقتضي التحريم، وغير الأكل والشرب في معناهما، فيكون حكمها التحريم، وإنما خُصا بالذكر؛ لأنهما أظهر وجوه الاستعمال وأغلبها، وفيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة (^١).\nالدليل الثاني: عن أم سلمة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ (^٢) فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن الحديث نَصَّ على الوعيد الشديد لِمن فعل ذلك، والوعيد بالعقاب يقتضي التحريم، وإذا حرم الأكل والشرب فغيرهما من الاستعمالات أولى؛ لاشتراك سائر الاستعمالات معهما في علة التحريم، وإنما ذكر الأكل والشرب للتغليب (^٤).\nوذكر العلماء في العلة التي لأجلها حرم استعمال آنية الذهب والفضة، وجوهًا، منها: الأول: أن علة التحريم السَّرَف والخُيلاء وأذى الصالحين والفقراء، وقد حرم الشرع الإسراف في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^٥).\nالثاني: أن في استعمالها تشبهًا بالجبابرة وملوك الأعاجم (^٦)، وذلك محرم أيضًا؛ لقوله -ﷺ-: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (^٧).\n_________\n(^١) يُنظر: المغني (١/ ٥٦)، المجموع (١/ ٢٥٠)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٩٥)، مغني المحتاج (١/ ١٣٦).\n(^٢) يُجَرْجِرُ: مادته (ج ر ر)، والجَرْجَرَةُ: هو الصوت الذي يردده البعير في حنجرته، (يجرجر): أي: يحدر فيها نار جهنم، جعل صوت تجرع الإنسان للماء في هذه الأواني المخصوصة لوقوع النهي عنها واستحقاق العقاب على استعمالها، كجرجرة نار جهنم في بطنه بطريق المجاز. يُنظر: مقاييس اللغة (١/ ٤١٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٥٥)، عمدة القاري (٢١/ ٢٠٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأشربة، باب آنية الفضة (٧/ ١١٣) برقم: (٥٦٣٤)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره على الرجال والنساء (٣/ ١٦٣٥) برقم: (٢٠٦٥) واللفظ له.\n(^٤) يُنظر: التمهيد (١٦/ ١٠٥)، المغني (١/ ٥٦)، كفاية النبيه (١/ ٢١٠)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١١٤).\n(^٥) سورة الأنعام: جزء من الآية (١٤١).\n(^٦) يُنظر: التمهيد (١٦/ ١٠٥)، البحر الرائق (٨/ ٢١٠).\n(^٧) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة (٦/ ١٤٤) برقم: (٤٠٣١)، وأحمد (٩/ ١٢٣) برقم: (٥١١٤)، قال ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) (١/ ٢٦٩): «إسناد جيد»، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٠/ ٢٧١): «فيه علي بن غراب، وقد وثقه غير واحد، وضعَّفه بعضهم، وبقية رجاله ثقات»، وقال البوصيري في (إتحاف الخيرة) (٤/ ٤٨٤): «رواه أبو داود، وسكت عليه، فهو عنده حديث صالح للعمل به والاحتجاج به»، وحسَّن إسناده ابن حجر في (فتح الباري) (١٠/ ٢٧١)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (١/ ٥٤٦).","vol":"1","page":84},{"text":"الثالث: أن الله تعالى جعل الذهب والفضة قوامًا للناس وأثمانًا لمعايشهم وقِيمًا للأشياء (^١)، فاستعمالها في غير ذلك يُفقِدها القيمة.\nسبب إيراد المسألة في البحث أنه ورد فيها قولٌ للإمام الشافعي -﵀- في القديم بالكراهة.\nوقد أورد النووي -﵀- الردود على بطلان ذلك، ورجوع الشافعي عنه، قال: «وأما قول الشافعي القديم: فقال صاحب التقريب (^٢): (إن سياق كلام الشافعي في القديم يدل على أنه أراد أن نفس الذهب والفضة الذي اتُخذ منه الإناء ليست حرامًا، ولهذا لم يحرم الحُلي على المرأة) هذا كلام صاحب التقريب، وهو من متقدمي أصحابنا، وهو أتقنهم لنقل نصوص الشافعي، ولأن الشافعي رجع عن هذا القديم.\nوالصحيح عند أصحابنا وغيرهم من الأصوليين أن المجتهد إذا قال قولًا ثم رجع عنه، لا يبقي قولًا له، ولا يُنسب إليه، قالوا: وإنما يُذكر القديم وينسب إلى الشافعي مجازًا، وباسم ما كان عليه لا أنه قول له الآن، فحصل مما ذكرناه أن الإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة» (^٣).\nوقال ابن حجر -﵀-: «عن الشافعي في القديم … أن النهي فيه للتنزيه؛ لأن علته: ما فيه من التشبه بالأعاجم، ونص في الجديد على التحريم، ومن أصحابه مَنْ قطع به عنه، وهذا اللائق به؛ لثبوت الوعيد عليه بالنار كما سيأتي في الذي يليه، وإذا ثبت ما نُقل عنه فلعله كان قبل أن يبلغه الحديث المذكور» (^٤).\nولدراسة القرينة الصارفة التي قيل بها في هذه المسألة ندرس قول الإمام\n_________\n(^١) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٦/ ٨١).\n(^٢) هو أبو شجاع، شهاب الدين الأصفهاني (٥٩٣ هـ).\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٢٩).\n(^٤) فتح الباري (١٠/ ٩٤).","vol":"1","page":85},{"text":"الشافعي في القديم:\nقال الإمام الشافعي -﵀-: «ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة، كراهةً وتنزيهًا لا تحريمًا» (^١).\nودليل هذا القول:\nحديث حذيفة -﵁- السابق، وحُمل النهي على الكراهة؛ لأنه إنما نُهى عنه؛ لما فيه من السَّرَف والخُيلاء والتشبه بالأعاجم، وهذا لا يوجب التحريم (^٢).\nنُوقش:\n١ - بأن هذا القول ضعيف، ويكفي في ضعفه منابذته للأحاديث الصحيحة الصريحة في التحريم والمؤيَّدة بذِكر الوعيد (^٣).\n٢ - «قولهم في تعليله: (إنما نُهي عنه للسَّرَف والخُيلاء، وهذا لا يوجب التحريم) ليس بصحيح، بل هو موجِب للتحريم، وكم من دليل على تحريم الخيلاء!» (^٤)، وتحريم الاسراف، وتحريم التشبه بالكفار؛ وبذلك يتبين أن الاستعمال محرم (^٥).\nيتبين بذلك ضعفُ هذا القول، وعدم اعتباره قولًا؛ لأن الإمام الشافعي رجع عنه.\nقال النووي -﵀-: «واعلم أن هذا القديم لا تفريع عليه» (^٦).\n_________\n(^١) الأم (١/ ٢٣).\n(^٢) يُنظر: بحر المذهب (١/ ٦٤).\n(^٣) يُنظر: بحر المذهب (١/ ٦٤)، المجموع (١/ ٢٤٩).\n(^٤) المجموع (١/ ٢٤٩).\n(^٥) يُنظر: البحر الرائق (٨/ ٢١٠)،\n(^٦) المجموع (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذُكر في المسألة قول للإمام الشافعي في القديم بحمل النهي على الكراهة، والقرينة الصارفة له: ورود النهي في باب الأدب والتنزيه.\nقال الإمام الشافعي -﵀-: «ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة، كراهةً وتنزيهًا لا تحريمًا» (^١).\nوالعلة لهذا الأدب: علة الإسراف والخُيلاء والتشبه بالكفار، وهذه علل لا توجب التحريم (^٢).\nالحكم على القرينة:\nقرينة ورود النهي في باب الأدب والتنزيه هنا ضعيفة وغير معتبرة؛ إذ التعليل بالإسراف والخيلاء والتشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم تفيد التحريم وليس الكراهة؛ فالقرينة ضعيفة، ويؤيده أن صراحة النهي وتأكيده بالوعيد يقتضي القول بالتحريم لا الكراهة، وهو قول الشافعي في الجديد وما أجمع عليه العلماء.\n_________\n(^١) الأم (١/ ٢٣).\n(^٢) يُنظر: بحر المذهب (١/ ٦٤).","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>المبحث الثاني: النهي عن استعمال آنية أهل الكتاب</span>\n<span data-type='title' id=toc-58>المطلب الأول: حكم استعمال آنية أهل الكتاب:</span>\nدليل النهي:\nحديث أبي ثعلبة الْخُشَنِيِّ -﵁- (^١) قال: قلت: «يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ (^٢)، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ» (^٣).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم استعمال آنية أهل الكتاب، على قولين:\nالقول الأول: يُباح استعمال آنية أهل الكتاب، ما لم يتحقق نجاستها.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٤)، والمالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٧).\n_________\n(^١) هو: جُرْثُومُ بْنُ لَاشِرَ بن النضر، كنيته: أبو ثعلبة الْخُشَنِيّ، صحابي مشهور، معروف بكنيته واختُلف في اسمه اختلافًا كثيرًا، وكذا في اسم أبيه، كان ممن بايع تحت الشجرة وضُرب له بسهمه يوم خيبر، روى عن النبي -ﷺ- عدة أحاديث، روى عنه: أبو إدريس الخولانيّ، وأبو أمية الشعبانيّ، وأبو أسماء الرحبيّ، وسعيد بن المسيب، وجبير بن نفير، وأبو قلابة، ومكحول، وآخرون، نزل الشام، ومات سنة ٧٥ هـ. يُنظر: الاستيعاب (١/ ٢٦٩)، الإصابة (٧/ ٥٠).\n(^٢) الكلب المعلَّم: هو الذي ينزجر بالزجر، ويسترسل بالإرسال، ولا يأكل منه مرارًا. يُنظر: العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٢٠)، الكواكب الدراري (٢٠/ ٧٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب صيد القوس (٧/ ٨٦) برقم: (٥٤٧٨)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤُكل من الحيوان، باب الصيد بالكلاب المعلَّمة (٣/ ١٥٣٢) برقم: (١٩٣٠).\n(^٤) يُنظر: البحر الرائق (٨/ ٢٣٢)، شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (١/ ٤١١).\n(^٥) يُنظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٣٩)، الفروق، للقرافي (٤/ ١٠٥).\n(^٦) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٨٠)، المجموع (١/ ٢٦٤)، مغني المحتاج (١/ ١٣٩).\n(^٧) يُنظر: المغني (١/ ٦١)، المحرر في الفقه (١/ ٧)، الإنصاف (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":88},{"text":"القول الثاني: يُكره استعمال آنية أهل الكتاب.\nوهو وجه عند الشافعية (^١)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٢).\nأدلة الأقوال: أدلة القول الأول:\nالدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (^٣).\nوجه الاستدلال: أن الله سبحانه قد أباح لنا طعام أهل الكتاب، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم ومياههم وفي أوانيهم، وذلك دليل على طهارة آنيتهم وجواز استعمالها (^٤).\nالدليل الثاني: عن عبد الله بن مُغَفَّل -﵁- (^٥) قال: «أَصَبْتُ جِرَابًا (^٦) مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا، قَالَ: فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ الله -ﷺ- مُتَبَسِّمًا» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن هذا الجراب من آنية اليهود، ولو كان نجسًا لأمره النبي -ﷺ- بغسله وغسل الشحم الذي بداخله، فلما لم يكن دل ذلك على طهارته وجواز استعماله.\nالدليل الثالث: عن أنس -﵁-: «أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- وَسَلَّمَ إِلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ (^٨)\n_________\n(^١) يُنظر: التعليقة، للقاضي حسين (١/ ٢٣٦)، المجموع (١/ ٢٦١).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ٦١)، الإنصاف (١/ ١٥٥).\n(^٣) سورة المائدة: جزء من الآية (٥).\n(^٤) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٨٠).\n(^٥) هو: عبد الله بن مُغَفَّلٍ بن عَبْدِ نَهْمِ بن عَفِيفِ الْمُزَنِيُّ، أبو سعيد ويُقال: أبو عبد الرحمن، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وهو من أصحاب الشجرة، قال الحسن البصري: كان أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر يفقِّهون الناس، وكان من نقباء أصحابه، تُوفي بالبصرة سنة ٦٠ هـ. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ٩٩٦)، تهذيب التهذيب (٦/ ٤٢).\n(^٦) الجِرَابُ -بكسر الجيم وفتحها- لغتان: الكسر أفصح وأشهر، والجمع أجربة وجرب، وهو وعاء من جلد للزاد. يُنظر: الصحاح (١/ ٩٨)، مختار الصحاح (ص: ٥٥)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٢/ ١٠٢).\n(^٧) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب (٣/ ١٣٩٣) برقم: (١٧٧٢).\n(^٨) إِهَالة: الإهالةُ: الوَدَكُ، وهو كل شيء من الأدهان مما يُؤتدم به، وقيل: هو ما أُذيب من الألية والشحم. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٦٢٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٤)، فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٤١).","vol":"1","page":89},{"text":"سَنِخَةٍ (^١)، فَأَجَابَهُ» (^٢).\nوجه الاستدلال: إجابة النبي -ﷺ- لدعوة اليهودي، وأكْله مما قُدم له في آنيتهم، دليل على جواز استعمال آنيتهم والأكل فيها (^٣).\nدليل القول الثاني:\nحديث أبي ثعلبة الْخُشَنِيِّ -﵁- قال: قلت: «يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن قوله: (فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها) صريح في المنع من استعمالها عند توفُّر غيرها، أو قبل غسلها بالماء، وأقل أحوال النهي الكراهة؛ لأنهم لا يتورعون عن النجاسة، ولا تسلم آنيتهم من أطعمتهم (^٥).\nنُوقش: بأن الأصل في الآنية الطهارة والإباحة، والحكم للأصل حتى تتحقق النجاسة (^٦).\nوأن الحديث يُحمل على أمرين (^٧):\nأحدهما: أنه نُهي عن الأكل فيها للاستقذار -إن كانت مُعدَّة للنجاسة- كما يُكره\n_________\n(^١) سَنِخَة: سنخ الدهن: إذا فسدَ وتغيّرتْ ريحُه، سنخة: أي: المتغيرة الريح. يُنظر: الصحاح (١/ ٤٢٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٤)، فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٤١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٠/ ٤٢٤) برقم: (١٣٢٠١)، صححه ابن حبان (١٢/ ١٠٣) برقم: (٥٢٩٣)، وقال البوصيري في (إتحاف الخيرة) (٤/ ٢٩٩): «هذا إسناد رجاله ثقات».\n(^٣) يُنظر: فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٧٤).\n(^٤) سبق تخريجه ص: (٨٥).\n(^٥) يُنظر: المغني (١/ ٦٢)، المجموع (١/ ٢٦١)، عمدة القاري (٢١/ ٩٦).\n(^٦) يُنظر: عمدة القاري (٢١/ ٩٦).\n(^٧) يُنظر: المجموع (١/ ٢٦٥)، عمدة القاري (٢١/ ٩٦).","vol":"1","page":90},{"text":"الأكل في المحجمة (^١) المغسولة.\nوالثاني: أن المراد بالحديث حالة تحقق نجاستها؛ لأن النهي عن الأكل في أوانيهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون فيها الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود لحديث أبي ثعلبة الخشني: «إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ، وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ» (^٢).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بإباحة استعمال آنية أهل الكتاب ما لم تتحقق نجاستها.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة الأدلة، وسلامتها من المناقشة والمعارضة.\n٢ - موافقة هذا القول للأصل؛ فالأصل في الآنية الطهارة والإباحة.\n٣ - موافقة القول بالإباحة لما جاءت به الشريعة من التيسير والتخفيف على الناس.\n٤ - ضعف ما علل به أصحاب القول الثاني، وورود المناقشة عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nمما سبق تبين أن بعض الفقهاء حمل النهي عن استعمال آنية أهل الكتاب على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nوذلك أن النهي عنها فيه إرشاد وتنزيهٌ عن النجاسة المحتملة في آنيتهم.\nوعلة النهي: الاستقذار؛ لكونهم لا يجتنبون النجاسة (^٣)، وهذه علة لا توجب التحريم.\n_________\n(^١) المحجم بالكسر: الآلة أو القارورة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المص. يُنظر: الصحاح تاج اللغة (٥/ ١٨٩٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٤٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأطعمة، باب الأكل في آنية أهل الكتاب والمجوس والطبخ فيها (٥/ ٦٤٩) برقم: (٣٨٣٩)، والحديث أصله في الصحيحين، وقد سبق في أول المبحث.\n(^٣) يُنظر: المغني (١/ ٦٢)، المجموع (١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":91},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في (المغني): «أقل أحوال النهي الكراهة، ولأنهم لا يتورعون عن النجاسة، ولا تسلم آنيتهم من أطعمتهم، وأدنى ما يؤثر ذلك الكراهة» (^١).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القول بالكراهة وإعمال القرينة لذلك، يكون في حال عُلم استعمالهم لها في النجاسة، ويؤيد ذلك جواب الفقهاء عن الحديث: بأن المراد النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود.\nأما مسألة البحث هنا: فهي في حكم استعمال آنيتهم مطلقًا مع جهالة حالها: فالذي يظهر ضعفُ القرينة هنا؛ لمعارضتها للأصل -الطهارة والإباحة- المؤيَّد بآية المائدة المبيحة لطعامهم، وطعامهم إنما يُقدم في آنيتهم، فدل على حِل الجميع، وأحاديث أَكْله -ﷺ- من طعامهم في آنيتهم تؤكد ذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (١/ ٦٢).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>الفصل الثالث\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب آداب قضاء </span>الحاجة\nوفيه عشرة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن البول قائمًا.\nالمبحث الثاني: النهي عن البول في طريق الناس وظِلِّهم.\nالمبحث الثالث: النهي عن البول في الجحور.\nالمبحث الرابع: النهي عن البول في المغتسل.\nالمبحث الخامس: النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول.\nالمبحث السادس: النهي عن استقبال بيت المقدس بغائط أو بول.\nالمبحث السابع: النهي عن الاستنجاء باليمين.\nالمبحث الثامن: النهي عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار.\nالمبحث التاسع: النهي عن الاستجمار برَوْث أو عَظْم.\nالمبحث العاشر: النهي عن دخول المرأة إلى الحمامات.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>المبحث الأول: النهي عن البول قائمًا</span>\n<span data-type='title' id=toc-62>المطلب الأول: حكم البول قائمًا:</span>\nدليل النهي:\nعن عمر -﵁- قال: «رَآنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، لَا تَبُلْ قَائِمًا قَالَ: فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ» (^١).\nتحرير محل النزاع:\nأولا: محل الاتفاق:\nاتفق الفقهاء (^٢) على جواز البول قائمًا إن كان لعذر.\nثانيا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في حكم البول قائمًا لغير عذر، على قولين:\nالقول الأول: جواز البول قائمًا إن أَمِن تطاير البول، وألا يرى عورته أحد.\nوهو مذهب المالكية (^٣)، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٤).\nالقول الثاني: الكراهة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدًا (١/ ٢٠٦) برقم: (٣٠٨)، وأورده الترمذي، باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا (١/ ١٧) بعد الحديث رقم (١٢) وقال: «وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي الْمُخَارِق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، وتكلم فيه»، وقال ابن المنذر في (الأوسط) (١/ ٣٣٧): «هذا لا يثبت؛ لأن الذي رواه عبد الكريم أبو أمية»، وقال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ٤٥): «هذا إسناد ضعيف: عبد الكريم متفق على تضعيفه، … ولا يُغتر بتصحيح ابن حبان هذا الخبر من طريق هشام بن يوسف عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر؛ فإنه قال بعده: (أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع) وقد صح ظنه».\n(^٢) يُنظر: البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٧)، المهذب (١/ ٥٦)، أسنى المطالب (١/ ٤٩)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٤٦).\n(^٣) يُنظر: الذخيرة (١/ ٢٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٨).\n(^٤) يُنظر: الإنصاف (١/ ٢٠١)، كشاف القناع (١/ ٦٥).","vol":"1","page":94},{"text":"وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٣).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن حذيفة -﵁- قال: «أَتَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- سُبَاطَةَ (^٤) قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن ثبوت فعله -ﷺ- دليل على جواز البول قائمًا وقد أمن الرشاش؛ لأن السباطة لا ترُد البول عليه، وأمن الانكشاف؛ لأن حذيفة كان من خلفه يستره (^٦).\nنُوقش: بأن النبي -ﷺ- إنما بال قائمًا لعذر، وحملوا ذلك على أوجه، أشهرها (^٧):\nأ - قيل: أنه لم يجد مكانًا يصلح للقعود، فقام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله.\nب - وقيل: السبب أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك، فلعله كان به.\nت - وقيل: إنما بال قائمًا؛ لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك؛ لكونه قريبًا من الديار.\nوقيل: إنه فعل ذلك لجرح كان في مأبضه (^٨) لا يتمكن معه من القعود، واستدلوا\n_________\n(^١) يُنظر: البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤).\n(^٢) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٥)، أسنى المطالب (١/ ٤٩).\n(^٣) يُنظر: الفروع (١/ ١٣٥)، الإنصاف (١/ ٢٠١).\n(^٤) السُّبَاطَةُ: السباطة والكُنَاسَةُ: الموضع الذي يُرمى فيه التراب والأوساخ وما يُكنس من المنازل، تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، وقيل: هي الكناسة نفسها. وإضافتها إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك؛ لأنها كانت مواتا مباحة. يُنظر: الصحاح (٣/ ١١٣٠)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٣٥)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٦٦).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب البول عند سباطة قوم (١/ ٥٥) برقم: (٢٢٦)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين (١/ ١٧٥) برقم: (٢٧٣).\n(^٦) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١/ ٣٣٤)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣٠)، شرح أبي داود، للعيني (١/ ٩٥).\n(^٧) يُنظر: المفهم (١/ ٥٢٦)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٦٦)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٤٧)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣٠).\n(^٨) المَأْبِضُ: هو باطن الركبة. يُنظر: مقاييس اللغة (١/ ٣٧)، المجموع (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":95},{"text":"له بحديث أبي هريرة -﵁-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَالَ قَائِمًا مِنْ جُرْحٍ كَانَ بِمَأْبِضِهِ» (^١).\nأُجيب عن حديث أبي هريرة: بأنه ضعيف: قال ابن حجر: «لو صح هذا الحديث لكان فيه غِنى عن جميع ما تقدم» (^٢).\nوأُجيب عن هذه الأوجه:\nبـ «أن هذه الأوجه وإن كانت محتملة، لكن حذيفة كان شاهدًا لحالته كلها، واستدل بهذا الفعل على جواز البول قائمًا، وعلى ترك التعمق في التحرز من النجاسة، فلو كان هناك شك من تلك الاحتمالات لما استدل به، ولنقل ذلك المعنى، والله أعلم» (^٣).\nالدليل الثاني: مجموعة من الآثار التي رُويت عن جمع من الصحابة -﵃- فيها الترخص في البول قائمًا، منها:\nأنه شُوهد: «ابْنَ عُمَرَ، يَبُولُ قَائِمًا» (^٤)، و«زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، يَبُولُ قَائِمًا» (^٥)، وأن «عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن فِعلهم دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش (^٧).\nالدليل الثالث: أن الأصل الإباحة فمَن ادّعى الكراهة فعليه الدليل، ولم يثبت عن النبي -ﷺ- في النهي عنه شيء (^٨).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عن عمر -﵁- قال: «رَآنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، جماع أبواب الاستطابة، باب البول قائمًا (١/ ٣٠٨) برقم: (٤٩٤) وقال: «لا يثبت مثله»، ضعفه النووي في (المنهاج) (٣/ ١٦٥)، وقال ابن حجر في (فتح الباري) (١/ ٣٣٠): «ضعفه الدارقطني والبيهقي».\n(^٢) فتح الباري (١/ ٣٣٠).\n(^٣) المفهم (١/ ٥٢٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١٥) برقم: (١٣١٣)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) (٤/ ٢٦٨) برقم: (٦٨١٧).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١٥) برقم: (١٣١٢)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) (٤/ ٢٦٨) برقم: (٦٨١٣).\n(^٦) أخرجه الطحاوي في (شرح معاني الآثار) (٤/ ٢٦٨) برقم: (٦٨١٣).\n(^٧) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣٠).\n(^٨) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٤٧)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":96},{"text":"عُمَرُ، لَا تَبُلْ قَائِمًا قَالَ: فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى عن البول قائمًا، ويُحمل على الكراهة لا التحريم؛ لعلة خوف التَّرَشُش والتنجس (^٢).\nنُوقش: أن الحديث إسناده ضعيف فلا يثبت (^٣)، وتبين ذلك في تخريج الحديث.\nالدليل الثاني: استدلوا بحديث عائشة -﵂- قالت: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا» (^٤).\nوجه الاستدلال: هذا الإنكار منها يقتضي أن المعلوم من عادته -ﷺ- البول من قعود، فيُحمل الخبر على الكراهة لا التحريم (^٥)، ولأن الأغلب عندها: أن مَنْ بال قائمًا لا يكاد يسلم من إصابة البول ثيابَه وبدنَه (^٦).\nنُوقش من وجهين:\nالأول: بأنه ليس في الحديث ما يدل على كراهية البول قائمًا، وقد ورد عنها أيضًا: «فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يَبُولُ جَالِسًا» (^٧)، فليس فيه دليل على المنع؛ لأنه قد يجوز أن يبول جالسًا في وقت، ويبول قائمًا في وقت آخر، فلم تحكِ عن النبي -ﷺ- ما يدل على كراهية البول قائمًا (^٨).\nالثاني: أن ما أخبرتْ به مستند إلى علمها، فيُحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: (٩١).\n(^٢) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٤).\n(^٣) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٤)، عمدة القاري (٣/ ١٣٦).\n(^٤) أخرجه الترمذي، أبواب الطهارة عن رسول الله -ﷺ-، باب النهي عن البول قائمًا (١/ ٦٠) برقم: (١٢)، وقال: «وفي الباب عن عمر، وبريدة، حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح»، وأخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدًا (١/ ٢٠٥) برقم: (٣٠٧)، جوّد إسناده النووي في (المنهاج) (٣/ ١٦٦)، وقال الألباني في (إرواء الغليل) (١/ ٩٥): «سنده صحيح على شرط مسلم».\n(^٥) المجموع (٢/ ٨٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤).\n(^٦) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٦٧).\n(^٧) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدًا (١/ ٢٠٥) برقم: (٣٠٧)، صححه الألباني في (صحيح وضعيف سنن ابن ماجه) (١/ ٣٧٩).\n(^٨) يُنظر: شرح معاني الآثار (٤/ ٢٦٧).","vol":"1","page":97},{"text":"في غير البيوت: فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة (^١).\nالدليل الثالث: حديث جابر بن عبد الله -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَبُولَ قَائِمًا» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا عن البول قائمًا، ويُحمل على الكراهة؛ لوروده في باب التنزيه والإرشاد (^٣).\nنُوقش: بأن الحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة (^٤).\nسبب الخلاف:\nتعارض ظاهر الأحاديث المثبتة لبول النبي -ﷺ- قائمًا مع الأحاديث النافية له، والأحاديث الناهية عنه.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز البول قائمًا وإن كان لغير عذر، إن أمن تلوثًا وناظرًا، غير أن البول قعودًا أفضل؛ لأنه غالب فِعل النبي -ﷺ-.\nقال ابن المنذر في (الأوسط): «يبول جالسًا أحب إليَّ؛ للثابت عن نبي الله -ﷺ- أنه بال جالسًا، ولأن أهل العلم لا يختلفون فيه، ولا أنهي عن البول قائمًا لثبوت حديث حذيفة» (^٥).\nأسباب الترجيح:\n١ - أن الأصل الإباحة، ولم يصح شيء عن النبي -ﷺ- في النهي عن البول قائمًا.\n٢ - أن حكاية الأخبار عن بوله -ﷺ- قاعدًا لا ينافي جواز البول قائمًا، وقد ثبت عنه -ﷺ-\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣٠)، عمدة القاري (٣/ ١٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدا (١/ ٢٠٦) برقم: (٣٠٩)، قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ٤٥): «إسناد حديث جابر ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف عدي بن الفضل».\n(^٣) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٥).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٤)، ويُنظر تخريج الحديث.\n(^٥) (١/ ٣٣٨).","vol":"1","page":98},{"text":"البول قائمًا: نقلت عائشة البول قاعدًا، ونقل حذيفة البول قائمًا، فكلٌّ نقل ما علم، ولا تنافيَ بينهما.\n٣ - أن ثبوت ترخُّص جمع من الصحابة -﵃- فيه، يؤيد الجواز.\n٤ - ضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني، وورود المناقشة عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب بعض الفقهاء إلى أن النهي عن البول قائمًا يُحمل على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارفَ له عن التحريم القرائنُ التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وفيها حكاية فعله -ﷺ- للمنهي عنه:\nوذلك ما جاء في حديث حذيفة -﵁- أن النبي -ﷺ- بال في حال القيام، فهذه قرينة نصية لبيان الجواز.\nقال ابن حجر -﵀-: «الأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود» (^١).\nوقال ابن قدامة -﵀-: «لعل النبي -ﷺ- فعل ذلك لتبيين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة» (^٢).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد:\nقال النووي -﵀-: «يُكره البول قائمًا إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم» (^٣).\nوعلة النهي: أن البول قائمًا سبب في التنجس غالبًا.\nجاء في (مراقي الفلاح): «لتنجسه غالبًا» (^٤).\nوقال القرافي -﵀-: «لأنه أبعد عن التنجيس» (^٥).\nوقال ابن قدامة -﵀-: «لئلا يترشش عليه» (^٦).\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٣٣٠).\n(^٢) المغني (١/ ١٢١).\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٦٥).\n(^٤) (ص: ٢٧).\n(^٥) الذخيرة (١/ ٢٠٣).\n(^٦) المغني (١/ ١٢١).","vol":"1","page":99},{"text":"الحكم على القرينة:\nورود النص بفعله -ﷺ- صحيح وثابت، ولا يُعد قرينة صارفة؛ لأن النهي لم يثبت، وبما أن الأصل الإباحة مع عدم ثبوت شيء في النهي، فإنه يُقال أن فِعله -ﷺ- دال على جواز البول قائمًا وإباحته لعذر ولغير عذر بلا كراهة، وكذلك قرينة ورود النهي في باب الأدب غير معتبرة هنا؛ لعدم ثبوت النهي، وحديث عائشة -﵂- الثابت لا يفيد نهيًا، والله أعلم.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>المبحث الثاني:\nالنهي عن البول في طريق الناس وظِلِّهم</span>\n<span data-type='title' id=toc-65>المطلب الأول: حكم البول (^١) في طريق الناس وظِلِّهم:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ (^٢) قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى (^٣) فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ (^٤) (^٥).\nصورة المسألة: لو مر إنسان بطريق يسلكه الناس أو ظِلٍّ يستظلون به، وأراد قضاء الحاجة فيه، فهل يجوز له ذلك أو لا؟\n_________\n(^١) الاقتصار على البول هنا اعتمادًا على ما ذكره الفقهاء في كتبهم، والمراد به: قضاء الحاجة، وذكر النووي -﵀- أنه يُراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ حيث قال في (المجموع) (٢/ ٨٧): «وسواء البول والغائط، وإنما اقتصر المصنف على البول اختصارًا وتنبيهًا للأدنى على الأعلى».\n(^٢) أصل اللعن: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق: السب والدعاء، ولعن الله الشيطان: أبعده عن الخير والجنة، واللَّعَّانَانِ: أي: الأمران الجالبان للعن، الباعثان للناس عليه؛ فإنه سبب للعن مَنْ فعله في هذه المواضع. يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٢٥٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥٥).\n(^٣) يتَخَلَّى: الخلاء هو المكان الذي تُقضى فيه الحاجة، سُمي بذلك؛ لكونه يُتخلى فيه، أي: ينفرد، والتخلي مأخوذ من الخلاء، وهى عبارة عن الستر والتفرد لقضاء الحاجة والحدث. يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٧٦)، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٢٤)، تاج العروس (٣٨/ ١٥).\n(^٤) الظل الذي يستظل به الناس ويتخذونه مقيلًا ومناخًا، ومثل الظل: الشمس أيام الشتاء. يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٢٧٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٣). قال الخطابي في (معالم السنن) (١/ ٢٢): «ليس كل ظل يحرم القعود للحاجة تحته؛ فقد قعد النبي -ﷺ- لحاجته تحت حايش من النخل، وللحايش لا محالة ظل، وإنما ورد النهي عن ذلك في الظل يكون ذرىً للناس ومنزلًا لهم».\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال (١/ ٢٢٦) برقم: (٢٦٩).","vol":"1","page":101},{"text":"الأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في النهي الوارد في الحديث: هل هو للتحريم أو الكراهة، على قولين:\nالقول الأول: يحرم قضاء الحاجة في طريق الناس والظِّلِّ الذي ينتفعون به.\nوهو قول عند الشافعية (^١)، والمذهب عند الحنابلة (^٢).\nالقول الثاني: يُكره قضاء الحاجة في طريق الناس وظِلِّهم:\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، وقول عند الحنابلة (^٦).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (^٧).\nوجه الاستدلال: أن الآية جاءت بالمبالغة في التحذير من أذية المؤمنين بأي وجه من وجوه الأذى من قول أو فعل (^٨)، وقضاء الحاجة في طرق الناس ومواطن تجمُّعهم وانتفاعهم: فيه أذية للمسلمين بتنجيس واستقذار هذه المواطن، وجاءت الآية بالوعيد لمن آذاهم، والوعيد دليل التحريم (^٩).\nالدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (^١٠).\n_________\n(^١) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٧).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ١٢٢)، الفروع (١/ ١٣٢)، كشاف القناع (١/ ٦٣).\n(^٣) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٣)، حاشية الطحطاوي (ص: ٥٣).\n(^٤) يُنظر: الذخيرة (١/ ٢٠١)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦).\n(^٥) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٧).\n(^٦) يُنظر: الفروع (١/ ١٣٢)، الإنصاف (١/ ١٩٨).\n(^٧) سورة الأحزاب: الآية (٥٨).\n(^٨) يُنظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٣٢٤)، فتح القدير، للشوكاني (٤/ ٣٤٨).\n(^٩) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٦٢).\n(^١٠) سبق تخريجه: ص (٩٨).","vol":"1","page":102},{"text":"الدليل الثالث: حديث معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارد، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر الأحاديث يدل على تحريم التخلِّي في طرق الناس وظِلِّهم؛ لما فيها من أذية المسلمين بإبطال منفعتهم، ولأنها تجلب لعن الناس على فاعلها (^٢).\nالدليل الرابع: أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ» (^٣).\nوجه الاستدلال: دل الحديث على استحقاق مَنْ يؤذي المسلمين اللعنة منهم، واللعن دليل التحريم (^٤).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بالكراهة بحديثي أبي هريرة ومعاذ -﵃-.\nوجه الاستدلال: أن النهي عن قضاء الحاجة في مواطن انتفاع الناس يُحمل على الكراهة؛ لوروده في باب التنزيه والآداب (^٥).\nيمكن أن يُناقش: بأن الوعيد على مَنْ فعل ما فيه أذية للمسلمين وكونها جالبة للعن الناس، قرائن تؤكد أن النهي على الأصل وهو التحريم.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها ومناقشتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم قضاء الحاجة في طريق الناس وظِلِّهم.\nأسباب الترجيح:\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٥٠).\n(^٢) يُنظر: المفهم (١/ ٥٢٤)، الفروع (١/ ١٣٢)، نيل الأوطار (١/ ١١٢).\n(^٣) أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (٣/ ١٧٩) برقم: (٣٠٥٠) وانفرد به، حسّن إسناده الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١/ ٢٠٤).\n(^٤) يُنظر: سبل السلام (١/ ١٠٩).\n(^٥) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٤٠).","vol":"1","page":103},{"text":"١ - قوة أدلة هذا القول، وسلامتها من المعارض الراجح.\n٢ - أن الإسلام جاء بالحث والترغيب في إماطة الأذى عن طريق المسلمين، وعليه يكون تعمد وَضْع الأذى في طريقهم ومواطن انتفاعهم من أعظم المناهي الشرعية؛ لما فيه من الضرر، وقد عُدت من الكبائر (^١).\nقال القرطبي -﵀- في (المفهم): «يُفهم من هذا: تحريم التخلِّي في كل موضع كان للمسلمين إليه حاجة: كمجتمعاتهم، وشجرهم المثمر، وإن لم يكن له ظلال وغير ذلك» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين فيما سبق أن بعض الفقهاء حمل النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له عن التحريم: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nذلك أن النهي فيه إرشاد إلى آداب قضاء الحاجة، والمحافظة على نظافة الأماكن التي يحتاج إليها الناس.\nقال المَنَاوِيُّ -﵀- (^٣) في (فيض القدير): «الأصح عند الشافعي الكراهة التنزيهية» (^٤)، وقال أيضًا: «اقتصر جمهورهم على عدِّه من الآداب، وحملوا الأحاديث على الكراهة» (^٥).\nقال النووي -﵀- في (المجموع): «هذا الأدب -وهو اتقاء الملاعن الثلاث- متفق عليه، وظاهر كلام المصنف والأصحاب أن فِعل هذه الملاعن أو بعضها مكروه كراهة تنزيه» (^٦).\nوالعلة: أن خوف إيذاء المسلمين به، محتمل غير متحقق، فلذلك يُكره.\n_________\n(^١) يُنظر: فيض القدير (١/ ١٣٦).\n(^٢) (١/ ٥٢٤).\n(^٣) هو: محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المُنَاوِي القاهري، الشافعي، زين الدين، وُلد سنة ٩٥٢ هـ، كان من كبار العلماء بالدين والفنون، له نحو ثمانين مصنفًا، منها: «كنوز الحقائق»، «التيسير في شرح الجامع الصغير» اختصره من شرحه الكبير «فيض القدير»، «شرح الشمائل للترمذي» وغيرها، تُوفي بمصر سنة ١٠٣١ هـ. يُنظر: فهرس الفهارس (٢/ ٥٦٠)، الأعلام، للزركلي (٦/ ٢٠٤).\n(^٤) (١/ ١٣٥).\n(^٥) (١/ ١٣٦).\n(^٦) (٢/ ٨٧).","vol":"1","page":104},{"text":"جاء في (حاشية الجمل): «… مكروه: أي: كراهة تنزيه، وهو المعتمد، وقوله: (لما فيه من إيذاء المسلمين) دُفع بأنه غير محقق» (^١).\nالحكم على القرينة:\nقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، يُصرف بها النهي عن التحريم، والذي يظهر هنا أنها قرينة ضعيفة في مقابل اعتضاد الأصل -وهو التحريم- بقرائن مؤكِّدة له:\n- القرينة النصية في الآية التي جاءت بالوعيد لمَن آذى المسلمين.\n- أن هذا الفعل يجلب لعن الناس على فاعله.\n- القاعدة الفقهية: لا ضرر ولا ضرار (^٢).\nولأجل ذلك كان القول بتحريم قضاء الحاجة في طريق الناس وظِلِّهم أقوى، والله أعلم.\n_________\n(^١) (١/ ٩٠).\n(^٢) وهي إحدى القواعد الكلية الكبرى. يُنظر: الأشباه والنظائر، للسبكي (١/ ٤١)، الأشباه والنظائر، لابن الملقن (١/ ٣٠)، الأشباه والنظائر، للسيوطي (ص: ٧)، موسوعة القواعد الفقهية (١/ ١/ ٣٢).","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>المبحث الثالث:\nالنهي عن البول في الجحور</span>\n<span data-type='title' id=toc-68>المطلب الأول: حكم البول في الجحور:</span>\nدليل النهي:\nعن عبد الله بن سَرْجِس -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي جُحْرِ (^١)، قيل لقتادة (^٢): ما يُكره من البول في الجحر؟ قال: يُقال: إنها مساكن الجن (^٣).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٤) على كراهة البول في الجحر.\nقال النووي -﵀- في (المجموع): «يُكره أن يبول في ثقب أو سرب … وهذا الذي قاله المصنف من الكراهة متفق عليه، وهي كراهة تنزيه، والله أعلم» (^٥).\nالأدلة:\nالدليل الأول: حديث عبد الله بن سَرْجِس -﵁-.\nوجه الاستدلال: أن النهي في الحديث جاء للتنزيه والأدب، فيُحمل على\n_________\n(^١) الجُحْرُ -بضم الجيم وسكون الحاء-: الجيم والحاء والراء أصل يدل على ضيق الشيء والشدة، والجحرهو كل شيء يحتفره الهوام والسباع لأنفسها، وهو الثقب المستدير، ويلحق به المستطيل، ويسمى السَّرَبِ بفتح السين، كجحر الضب والحية، ومنه الشق. يُنظر: مقاييس اللغة (١/ ٤٢٦)، المصباح المنير (١/ ٩١)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦).\n(^٢) هو: قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ عَزِيز، أبو الخطاب السَّدُوسِيُّ، البصري، وُلد أكمه سنة ٦٠ هـ، من الطبقة الثالثة، كان ثقة مأمونًا حجة في الحديث، من علماء الناس بالقرآن والفقه، وكان من أحفظ أهل البصرة؛ لم يسمع شيئًا إلا حفظه، تُوفي بواسط سنة ١١٨ هـ. يُنظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد (٧/ ١٧١)، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٥١).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الجحر (١/ ٢٣) برقم: (٢٩)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، كراهية البول في الجحر (١/ ٣٣) برقم: (٣٤) واللفظ له، وأحمد (٣٤/ ٣٧٢) برقم: (٢٠٧٧٥). قال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٢٩٧): «هذا حديث على شرط الشيخين»، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٨/ ١١١): «رجال أحمد رجال الصحيح».\n(^٤) يُنظر: مراقي الفلاح (ص: ٢٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٣)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٦)، الحاوي الكبير (١/ ١٥٦)، المجموع (٢/ ٨٥)، المغني (١/ ١٢٢)، المبدع (١/ ٦٢).\n(^٥) (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":106},{"text":"الكراهة (^١).\nالدليل الثاني: أنه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه، أو يردُّ عليه بوله، فينجسه (^٢).\nالدليل الثالث: أنه قد يكون مسكنًا للجن، فيتأذى بهم، أو يؤذيهم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-69>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة للنهي عن التحريم: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nذلك أنه أدب من آداب قضاء الحاجة، وفيه إرشاد إلى صون النفس عما يؤذيها.\nقال النووي -﵀- في (المجموع): «وهي كراهة تنزيه، والله أعلم» (^٤).\nقال المنَاوِي -﵀- في (فيض القدير): «والنهي للتنزيه» (^٥).\nوالعلة: خوف أن تؤذيه ما فيها من هوامّ أو تردّ عليه بوله فتنجسه، أو خوف أذية مَنْ فيها من الجن.\nقال ابن قدامة -﵀-: «لأنه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه، أو يكون مسكنًا للجن، فيتأذى بهم» (^٦).\nالحكم على القرينة:\nالقرينة هنا قوية ومعتبرة؛ لمناسبة العلة للأدب والإرشاد إلى مصلحة النفس، ولعدم ما يعارضه.\n_________\n(^١) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ٤٩).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ١٢٢)، المجموع (٢/ ٨٥).\n(^٣) يُنظر: المغني (١/ ١٢٢)، الحاوي الكبير (١/ ١٥٦).\n(^٤) (٢/ ٨٦).\n(^٥) (٦/ ٣٤٤).\n(^٦) المغني (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>المبحث الرابع:\nالنهي عن البول في المُغتسل</span>\n<span data-type='title' id=toc-71>المطلب الأول: حكم البول في المُغتسل:</span>\nدليل النهي:\nعن عبد الله بن مغفَّل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ (^١)، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ» (^٢).\nحكم المسألة:\nأولًا: اتفق الفقهاء (^٣) على أنه لا يُكره البول في المُغتسل الذي له منفذ ينفذ فيه البول والماء؛ لأمنه من عود الرشاش إليه، فلا يجره إلى الوسوسة (^٤).\nقال ابن القيم -﵀-: «لو كان المكان مُبَلطًا لا يستقر فيه البول، بل يذهب مع الماء -لم يُكره ذلك عند جمهور الفقهاء» (^٥).\nوقال ابن المنذر -﵀-: «قال عطاء (^٦): إذا كان له مخرج، فلا بأس به» (^٧).\n_________\n(^١) المُسْتَحَمُّ: المغتسل: هو الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، والحميم، وهو الماء الحار الذي يُغتسل به، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان: استحمام. يُنظر: معالم السنن (١/ ٢٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٤٥)، لسان العرب (١٢/ ١٥٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المواضع التي نُهي عن البول فيها (١/ ٢١) برقم: (٢٧)، والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل (١/ ٣٢) برقم: (٢١)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، الكراهية في البول في المستحم (١/ ٣٤) برقم: (٣٦) واللفظ له، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب كراهية البول في المغتسل (١/ ٢٠٢) برقم: (٣٠٤)، وأحمد (٣٤/ ١٨٠) برقم: (٢٠٥٦٩)، قال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٢٩٦): «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله شاهد على شرطهما»، وصححه ابن حبان (٤/ ٦٦) برقم: (١٢٥٥).\n(^٣) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤)، حاشية الطحطاوي (ص: ٥٤)، الذخيرة (١/ ٢٠٣)، مغني المحتاج (١/ ١٥٩)، المغني (١/ ١٢٢)، الشرح الكبير (١/ ١٩٩).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٢/ ٩٢)، حاشية الطحطاوي (ص: ٥٤).\n(^٥) عون المعبود وحاشية ابن القيم (١/ ٨٢).\n(^٦) هو: عطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح: أسلم القرشي، مولاهم، أبو محمد المكي، وُلد بالجَندَ (بلدة باليمن) سنة ٢٧ هـ، تلقى العلم على يد ثُلة من الصحابة، منهم: عبد الله بن عباس حبر الأمة، وعبد الله بن عمر، وسمع من أبي هريرة، وعائشة -﵃-، كان من سادات التابعين فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا، انتهت إليه الفتوى بمكة، كان أعلم الناس بالمناسك حتى كان يُنادى أيام الحج: لا يفتي أحد إلّا عطاء، تُوفي سنة ١١٤ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٧٨)، تهذيب التهذيب (٧/ ١٩٩).\n(^٧) الأوسط (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":108},{"text":"وقال الطحطاوي -﵀- (^١): «… لو كان بحيث لا يعود منه رشاش أو كان فيه منفذ بحيث لا يثبت فيه شيء من البول، لم يُكره البول فيه» (^٢).\nثانيًا: اتفق الفقهاء (^٣) على كراهة البول في المغتسل إن لم يكن له منفذ.\nقال ابن قدامة -﵀-: «قال أحمد: إن صب عليه الماء، فجرى في البالوعة، فذهب -فلا بأس» (^٤)\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن مغفَّل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ» (^٥).\nالدليل الثاني: عن حُمَيْدِ بن عبد الرحمن قال: لقيت رجلًا صَحِب النبي -ﷺ- كما صحبه أبو هريرة -﵁- أربع سنين قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، أَوِ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا» (^٦).\nوجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي -ﷺ- نهى عن البول في المستحم، وهو\n_________\n(^١) هو: أحمد بن محمد بن إسماعيل الطّحطاوي، وربما قيل له: الطَّهْطَاوي، الحنفي، وُلد بطهطا بمصر وتعلم بالأزهر، كان مفتي الحنفية بالقاهرة، من مؤلفاته: «حاشية الدر المختار»، «حاشية على شرح مراقي الفلاح»، «كشف الرين عن بيان المسح على الجوربين»، تُوفي بالقاهرة سنة ١٢٣١ هـ. يُنظر: حلية البشر (ص: ٢٨١)، الأعلام، للزركلي (١/ ٢٤٥).\n(^٢) حاشية الطحطاوي (ص: ٥٤).\n(^٣) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤)، حاشية الطحطاوي (ص: ٥٤)، الذخيرة (١/ ٢٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦)، مغني المحتاج (١/ ١٥٩)، المغني (١/ ١٢٢)، الشرح الكبير (١/ ١٩٩).\n(^٤) الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٩٨).\n(^٥) سبق تخريجه ص: (١٠٥).\n(^٦) سبق تخريجه: ص (٧٠).","vol":"1","page":109},{"text":"محمول على الكراهة؛ لعلة كونه يفضي إلى الوسوسة (^١)؛ لأن ذلك الموضع يصير نجسًا، فيقع في قلبه وسوسة بأنه: هل أصابه منه رشاش أم لا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-72>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي عن البول في المغتسل محمول على الكراهة بدليل: القرينة النصية وفيها التعليل بما لا يقتضي التحريم:\nجاء في الحديث قوله: (فإن عامة الوسواس منه) أي أن: علة النهي إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة؛ لأنه لا يأمن الرشاش والتنجيس.\nجاء في (نيل الأوطار): «رَبْطُ النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة» (^٣).\nقال الخطابي -﵀-: «إنما نهى عن ذلك إذا لم يكن المكان جَددًا صلبًا، أو لم يكن مسلك ينفذ فيه البول، ويسيل فيه الماء، فيوهم المغتسل أنه أصابه من قطره ورشاشه، فيورثه الوسواس» (^٤).\nجاء في (شرح المصابيح): «لأنه يصير ذلك الموضع نجسًا، فيصيبه منه رشاش» (^٥).\nالحكم على القرينة:\nقرينة التعليل وردت في نص الحديث، فهي قرينة قوية؛ إذ القرائن النَّصِّيَّة من أقوى القرائن، والتعليل بخشية الإفضاء إلى الوسوسة معتبرة، وتفيد الكراهة لا التحريم، فالنهي محمول على الكراهة باتفاق الفقهاء.\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ١١٤).\n(^٢) يُنظر: حاشية الطحطاوي (ص: ٥٤).\n(^٣) (١/ ١١٤).\n(^٤) معالم السنن (١/ ٢٢).\n(^٥) (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>المبحث الخامس:\nالنهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول</span>\n<span data-type='title' id=toc-74>المطلب الأول: حكم استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» (^١).\nصورة المسألة:\nقضاء الحاجة إما أن يكون في البنيان أو في الفضاء، فما حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند التخلي فيهما؟\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء فيها على أربعة أقوال:\nالقول الأول: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء دون البنيان.\nوهو مذهب الجمهور: المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nالقول الثاني: يحرم الاستقبال والاستدبار فيهما مطلقًا.\nوهو مذهب الحنفية (^٥)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٦).\nالقول الثالث: يُكره الاستقبال والاستدبار فيهما.\nوهو قول عند الحنفية (^٧) (^٨).\nالقول الرابع: أنه يحرم فيهما الاستقبال فقط دون الاستدبار:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٤) برقم: (٢٦٥).\n(^٢) يُنظر: بداية المجتهد (١/ ٩٥)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٩).\n(^٣) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥١)، المجموع (٢/ ٧٨).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ١٢٠)، الإنصاف (١/ ٢٠٣).\n(^٥) يُنظر: البناية (٢/ ٤٦٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤١).\n(^٦) يُنظر: المحرر (١/ ٨)، الفروع (١/ ١٢٥).\n(^٧) يُنظر: بدائع الصنائع (٥/ ١٢٦)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٧).\n(^٨) ونسبه الشوكاني إلى الإمام أحمد في رواية عنه، ولم أقف عليه. يُنظر: نيل الأوطار (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":111},{"text":"وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة -﵀- (^١)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٢).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» (^٣).\nوجه الاستدلال: نهى النبي -ﷺ- في الحديث عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة، والنهي المجرد عن القرينة يفيد التحريم، وخُص البنيان من العموم بما يأتي من حديث ابن عمر وعائشة جمعًا بين الأحاديث (^٤).\nالدليل الثاني: عن أبي أيوب الأنصاري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ (^٥) فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا (^٦)، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن النهي في الحديث يدل على تحريمه في الفضاء دون البنيان؛ لقوله (إذا أتيتم الغائط) والغائط هو الموضع المطمئن من الأرض، وذلك لا يكون إلا في الفضاء (^٨).\nجاء في (المدونة): «قال مالك: إنما يعني بذلك فيافي الأرض، ولم يعنِ بذلك القرى\n_________\n(^١) يُنظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٧)، عمدة القاري (٢/ ٢٧٨).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ١٢٠)، الفروع (١/ ١٢٦).\n(^٣) سبق تخريجه ص: (١٠٨).\n(^٤) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المجموع (٢/ ٨٢).\n(^٥) الغَائِطُ: الغَوْطُ: عمق الأرض الأبعد، ومنه قيل للمطمئن من الأرض: غائط، ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة: الغائط؛ لأن العادة أن الحاجة تُقضى في المنخفض من الأرض؛ حيث هو أستر له، ثم اتسع فيه حتى صار يُطلق على النجو نفسه. يُنظر: مقاييس اللغة (٤/ ٤٠٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٩٥).\n(^٦) (شرِّقوا أو غرِّبوا): محمول على محل يكون التشريق والتغريب فيه مخالفًا لاستقبال القبلة واستدبارها: كالمدينة وما في معناها من البلاد، ولا يدخل فيه ما كانت القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٦٥)، نيل الأوطار (١/ ١٠٦).\n(^٧) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشأم (١/ ٨٨) برقم: (٣٩٤)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٤) برقم: (٢٦٤).\n(^٨) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤).","vol":"1","page":112},{"text":"والمدائن» (^١).\nالدليل الثالث: عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ» (^٢)، وفي رواية: «لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن هذا الحديث نَصَّ على الجواز في البنيان، وهو خاص يُقدم على العام (^٤).\nنُوقش: بأن حديث ابن عمر -﵄- حكاية فِعل يحتمل الخصوصية والعذر، فيضعفه، فلا يقوى على رد العموم، ولأن القول أَوْلى (^٥).\nأُجيب: أن احتمال الخصوصية والعذر لا بد له من دليل، ولا دليل هنا، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يُصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذُكر، فوجب المصير إليه (^٦).\nالدليل الرابع: عن جابر -﵁- قال: «نَهَى نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن فِعل الرسول -ﷺ- محمول على أنه كان في المنازل والبنيان؛ لما\n_________\n(^١) (١/ ١١٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب التبرز في البيوت (١/ ٤١) برقم: (١٤٨)، ومسلم كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٥) برقم: (٢٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب من تبرز على لبنتين (١/ ٤١) برقم: (١٤٥)، ومسلم كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٥) برقم: (٢٦٦).\n(^٤) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، التمهيد في أصول الفقه (٢/ ١٥٠)، المغني (١/ ١٢٠).\n(^٥) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٢).\n(^٦) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٥).\n(^٧) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك (١/ ١١) برقم: (١٣)، والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء من الرخصة في ذلك (١/ ١٥) برقم: (٩) وقال: «حديث حسن غريب»، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري (١/ ٢١٦) برقم: (٣٢٥)، حسّن إسناده النووي في (المنهاج) (٣/ ١٥٥)، وقال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٣٠٨): «الحديث صحيح معمول به».","vol":"1","page":113},{"text":"فيهما من المشاهدة له، وهو خاص يُقدم على العام (^١).\nنُوقش حديث ابن عمر وحديث جابر: بأن النبي -ﷺ- إنما قصد بفعله الاستتار، ولا يمكن أن يكون تشريعًا للأمة وهو بهذا الخفاء (^٢).\nأُجيب عنه بجوابين (^٣): الأول: أن الذي يستتر به -ﷺ- يكون شرعًا لنا كالذي يُظهره؛ لأنه -﵇- لا يفعل في نفسه ما لا يسوغ ولا هو من شريعته، فسواء فَعل النبي -ﷺ- على وجه الاستتار به أم الإظهار فهو شرعٌ لنا إذا وقفنا عليه.\nالثاني: أنه -ﷺ- قد فعل ذلك مستترًا به، وقد فعله ظاهرًا منتشرًا، وذلك في حديث عائشة أنه -﵇- أمر بأن تُستقبل بمقعدته القبلة.\nالدليل الخامس: عن عائشة -﵂- قالت: «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَوْمٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمُ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: أُرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوهَا؟! اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي (^٤) الْقِبْلَةَ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن الحديث نص في محل الخلاف؛ لأنَّه في البنيان؛ بدلالة قوله (مقعدتي)، والمقعدة تكون في البنيان (^٦)، فكان ذلك منه ردًا لما تُوهم، وبيانًا لكون النهي عنه في الصحراء دون البيوت.\nنُوقشت أحاديث ابن عمر وجابر وعائشة: بأنها دليل على نسخ النهي، فيجب تقديمه (^٧).\nأُجيب عنه: بأن قولهم أنه ناسخ خطأ؛ لأن النسخ لا يُصار إليه إلا إذا تعذر\n_________\n(^١) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المغني (١/ ١٢٠).\n(^٢) يُنظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف (١/ ٣٤٦)، نيل الأوطار (١/ ١١٠).\n(^٣) يُنظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف (١/ ٣٤٦).\n(^٤) المَقْعَدَةُ -بفتح الميم-: وهى موضع القعود، ويطلق على موضع قضاء حاجة الإنسان. يُنظر: المجموع (٢/ ٧٨)، لسان العرب (٣/ ٣٥٧).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري (١/ ٢١٥) برقم: (٣٢٤)، وأحمد (٤١/ ٥١٠) برقم: (٢٥٠٦٣)، حسَّن إسناده النووي في (المجموع) (٢/ ٧٨)، ونقل ابن قدامة في (المغني) (١/ ١٢٠) عن الإمام أحمد قوله: «أحسن ما رُوي في الرخصة حديث عائشة، وإن كان مرسلًا فإن مخرجه حسن».\n(^٦) يُنظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف (١/ ٣٤٣)، المجموع (٢/ ٨٢).\n(^٧) يُنظر: المغني (١/ ١٢٠).","vol":"1","page":114},{"text":"الجمع، ولم يتعذر هنا (^١).\nالدليل السادس: حديث مروان الأصفر (^٢) قال: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ -﵄- أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى، إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ، فَلَا بَأْسَ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن هذا تفسير الصحابي لنهي رسول الله -ﷺ- العام، وفيه جمع بين الأحاديث، فيتعين المصير إليه (^٤).\nنُوقش: أن هذا فهم من ابن عمر -﵄-؛ لاختصاص النهي بالبنيان، وليس بحكاية لفظ النهي، فلا يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا القول للاستدلال به، وهو مُعارَض بفهم أبي أيوب -﵁- للعموم، والنهي تكريم لجهة القبلة، وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان (^٥).\nالدليل السابع وهو جواب المناقشة السابقة: أن الصحاري لا تخلو غالبًا من مصلٍّ فيها، فيتأذى بكشف عورته إليها إن استقبل القبلة أو استدبرها، وهذا المعنى معدوم في البنيان؛ لأن الإنسان فيها مستتر بالجدار (^٦)، وأن تَجنُّب ذلك في البنيان فيه مشقة على الناس (^٧).\nأدلة القول الثاني:\n_________\n(^١) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٣).\n(^٢) هو: مروان الأصفر، أبو خلف البصري، قيل: اسم أبيه خَاقان وقيل: سالم، ثقة من الطبقة الرابعة، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. يُنظر: تقريب التهذيب (ص: ٥٢٦)، إكمال تهذيب الكمال (١١/ ١٣٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (١/ ٩) برقم: (١١)، قال الحاكم في (المستدرك) (١/ ١٥٤): «هذا حديث صحيح على شرط البخاري؛ فقد احتج بالحسن بن ذكوان، ولم يخرجاه». وقال الزَّيْلَعِيُّ في (نصب الراية) (٢/ ١٠٨): «قال الحازمي: هو حديث حسن»، صححه النووي في (المنهاج) (٣/ ١٥٥).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ١٢٠)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٥).\n(^٥) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ١١٠).\n(^٦) يُنظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف (١/ ٣٥٢)، الحاوي الكبير (١/ ١٥٤).\n(^٧) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المجموع (٢/ ٨٣).","vol":"1","page":115},{"text":"الدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» (^١).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن استقبال القبلة واستدبارها، وهو عام فيتناول الفضاء والبنيان (^٢)، والأصل في النهي المجرد عن القرينة: التحريم.\nنُوقش: بأنه قد ورد ما يخصصه بالجواز في البنيان (^٣)، وهو حديثي ابن عمر وعائشة -﵄-، والخاص يُقدم على العام (^٤).\nالدليل الثاني: حديث أبي أيوب الأنصاري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن النهي في الحديث للتحريم، وقد فهم الصحابي راوي الحديث من النهي العموم بالنسبة للفضاء والبنيان؛ فكان ينحرف عن القبلة في المرحاض ويستغفر الله أيضًا (^٦).\nنُوقش: بأن هذا فهم الصحابي واجتهاده، ولم ينقله عن النبي -ﷺ- صريحًا، وقد خالفه غيره من الصحابة، فلا يلزم (^٧).\nالدليل الثالث: أن النهي لمعنى حرمة جهة القبلة وتعظيمها؛ فهي من أشرف الجهات، وهذا المعنى موجود في البنيان كوجوده في الصحاري، فوجب أن يستوي المنع فيهما، ولأنه لو كان الحائل كافيًا لجاز في الصحراء لوجود الحائل من الجبال وغيرها (^٨).\nأدلة القول الثالث:\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (١٠٨).\n(^٢) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، عمدة القاري (٢/ ٢٧٧).\n(^٣) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المغني (١/ ١٢٠).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ١٢٠).\n(^٥) سبق تخريجه: ص (١٠٩).\n(^٦) يُنظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف (١/ ٣٣٩)، الحاوي الكبير (١/ ١٥٤).\n(^٧) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المجموع (٢/ ٨٢).\n(^٨) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٢)، بدائع الصنائع (٥/ ١٢٦)، كشاف القناع (١/ ٦٤).","vol":"1","page":116},{"text":"استدلوا بأحاديث النهي (حديث أبي أيوب، وأبي هريرة -﵄- وبأحاديث الجواز (حديث ابن عمر، وجابر، وعائشة -﵃-.\nوجه الاستدلال: قالوا: يُحمل النهي على الكراهة؛ بدلالة فعله -ﷺ- الوارد في حديث ابن عمر وجابر وعائشة -﵃-، لأنها جاءت لبيان الجواز؛ فهي صارفة للنهي عن معناه الحقيقي وهو التحريم إلى الكراهة (^١).\nأدلة القول الرابع: استدل القائلون بتحريم الاستقبال فيهما دون الاستدبار، بما يلي:\nالدليل الأول: عن سلمان -﵁- قال: «قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ (^٢)، قال: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، … الحديث» (^٣).\nوجه الاستدلال: أنه لما نص الحديث على الاستقبال عُلم إباحة الاستدبار (^٤).\nنُوقش: بأنه ليس في الحديث إلا النهي عن الاستقبال فقط، والاستدلال به على إباحة الاستدبار باطل؛ لأن النهي عن الاستدبار ورد في الأحاديث الصحيحة، وهو زيادة يتعين الأخذ بها (^٥).\nالدليل الثاني: حديث عبد الله بن عمر -﵄- قال: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث دليلًا على جواز استدبار القبلة؛ لفعله -ﷺ-.\nنُوقش: بأنه ليس في الحديث إلا الاستدبار في العمران فقط، فلا يصح\n_________\n(^١) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ١٠٥ - ١١٠).\n(^٢) الخِرَاءَةُ: بالكسر والمد: التخلي والقعود للحاجة.، ويراد به: أدب التخلي والقعود عند الحاجة. يُنظر: معالم السنن (١/ ١١)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٧)، لسان العرب (١/ ٦٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٣) برقم: (٢٦٢).\n(^٤) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٣).\n(^٥) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ١٠٤).\n(^٦) سبق تخريجه: ص (١١٠).","vol":"1","page":117},{"text":"الاستدلال به على جوازه في الفضاء أيضًا (^١).\nالدليل الثالث: أن قضاء الحاجة في حالة الاستدبار لا يوازي فرجه القِبلة، وإنما يوازي الأرض بخلاف حالة الاستقبال (^٢).\nنُوقش: بأنه يُردُّ بالأحاديث الصحيحة المصرِّحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار جميعًا (^٣).\nسبب الخلاف:\nاختلافهم في الأخبار الواردة بشأنها، وبناء بعضها على بعض (^٤).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة في الفضاء دون البنيان.\nسبب الترجيح:\nأن هذا القول فيه الجمع بين الأحاديث المتعارضة، وإن أمكن الجمع فالمصير إليه واجب؛ وإعمال جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل أصحاب القول الثالث النهي على الكراهة في الفضاء والبنيان، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له عن التحريم:\nقرينة نصية، وفيها فِعل النبي -ﷺ- الدالُّ على الجواز:\nفقد جاء في الأحاديث أنه مرة استقبل القبلة، وفي حديث آخر أنه استدبرها، فكأنه فعله لبيان الجواز، وأن النهي ليس للتحريم، والأحاديث التي نقلت فعله -ﷺ- هي:\n_________\n(^١) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ١٠٧).\n(^٢) يُنظر: بدائع الصنائع (٥/ ١٢٦).\n(^٣) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٥).\n(^٤) بداية المجتهد (١/ ٩٤)، المفهم (١/ ٥١٧).\n(^٥) موسوعة القواعد الفقهية (١/ ١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":118},{"text":"- حديث ابن عمر -﵁- ومشاهدته للرسول -ﷺ- حال قضاء الحاجة مستدبر القبلة.\n- حديث جابر -﵁- ومشاهدته للرسول -ﷺ- حال قضاء الحاجة مستقبل القبلة.\n- حديث عائشة -﵂- وحكاية أمره -ﷺ- بتحويل مقعدته.\nالحكم على القرينة:\nالأصل أن القرينة النصية من أقوى القرائن، والذي يظهر في هذه المسألة أن هذه الأحاديث ليست قرائن صارفة للنهي عن التحريم -في الفضاء والبنيان- إلى الكراهة، وذلك أنها جاءت لتقرير حكم الجواز في البنيان كما في حديث عائشة، ويؤيد هذا المعنى حديثا ابن عمر وجابر. وأما أحاديث النهي الصحيحة: فباقية على ظاهرها وهو التحريم في الفضاء، والله أعلم.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>المبحث السادس:\nالنهي عن استقبال بيت المقدس بغائط أو بول</span>\n<span data-type='title' id=toc-77>المطلب الأول: حكم استقبال بيت المقدس (^١) بغائط أو بول:</span>\nدليل النهي:\nعَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ -﵁- (^٢) قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ (^٣) بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ» (^٤).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في استقبال بيت المقدس عند التخلِّي، على قولين:\nالقول الأول: لا يُكره.\nوهو مذهب المالكية (^٥)، والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) بيت المقدس: هي مدينة القدس في فلسطين، والمراد الصخرة في بيت المقدس، كانت قبلة المسلمين ثم نسخ استقبالها بالأمر باستقبال الكعبة المشرفة، وكانت الصخرة مكشوفة ثم بُني عليها قُبة عظيمة. يُنظر: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع (٣/ ١٢٩٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٩). قال ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) (٢/ ٣٤٨): «لا ريب أن الخلفاء الراشدين لم يبنوا هذه القبة، ولا كان الصحابة يعظمون الصخرة، ولا يتحرون الصلاة عندها، حتى ابن عمر -﵄- مع كونه كان يأتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى، كان لا يأتي الصخرة؛ وذلك أنها كانت قبلة، ثم نسخت. وهي قبلة اليهود، فلم يبق في شريعتنا ما يوجب تخصيصها بحكم».\n(^٢) هو: مَعْقِلُ بْنِ أَبِي مَعْقِل، ويُقال: معقل بن أبي الهيثم الأسدي، صحابيٌّ، مدنيٌّ، له من المصطفى -ﷺ- حديثان، روى عنه: أبو سلمة، وأبو زيد مولاه، وأم معقل، وتُوفي في عهد معاوية. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ١٤٣٢)، أسد الغابة (٥/ ٢٢٣).\n(^٣) قال الخطابي في (معالم السنن) (١/ ١٧): «أراد بالقبلتين: الكعبة وبيت المقدس».\n(^٤) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (١/ ٩) برقم: (١٠) وقال: «أبو زيد: هو مولى بني ثعلبة»، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول (١/ ٢١٢) برقم: (٣١٩)، وأحمد (٢٩/ ٣٨٢) برقم: (١٧٨٣٨)، قال الزيلعي في (نصب الراية) (٢/ ١٠٣): «قال شيخنا الذهبي: وأبو زيد هذا لا يُدرى من هو»، وضعفه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١/ ٢٠٥)، وقال ابن حجر في (فتح الباري) (١/ ٢٤٦): «حديث ضعيف؛ لأن فيه راويًا مجهول الحال».\n(^٥) يُنظر: الذخيرة (١/ ٢٠٥)، مواهب الجليل (١/ ٢٨١).\n(^٦) يُنظر: الإنصاف (١/ ٢٠٢)، الإقناع (١/ ١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٥).","vol":"1","page":120},{"text":"القول الثاني: يُكره.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٣).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: حديث عبد الله بن عمر -﵄- قال: «لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن هذا الحديث ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس عند التخلِّي؛ فحكاية فِعل النبي -ﷺ- دليل على الجواز (^٥).\n«قال أحمد بن حنبل: حديث ابن عمر ناسخ للنهى عن استقبال بيت المقدس واستدباره بالغائط والبول» (^٦).\nالدليل الثاني: أن النهي عنه كان قبل نسخ القِبلة، وأما بعد النسخ: فإن بيت المقدس لا يُسمى قِبلة؛ فلا يتوجه إليه النهي (^٧).\nقال القرافي -﵀-: «لا يُكره استقبال بيت المقدس؛ لأنه ليس قِبلة» (^٨).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ -﵁- قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ» (^٩).\nوجه الاستدلال: أن النهي في الحديث بالنسبة لبيت المقدس جاء للتنزيه، فيُحمل\n_________\n(^١) يُنظر: العناية شرح الهداية (١/ ٤٢٠).\n(^٢) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٠)، نهاية المحتاج (١/ ١٣٦).\n(^٣) يُنظر: الإنصاف (١/ ٢٠٢)، كشاف القناع (١/ ٦٥).\n(^٤) سبق تخريجه: ص (١١٠).\n(^٥) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١/ ٢٣٧).\n(^٦) نقله ابن بطال في (شرح صحيح البخاري) (١/ ٢٣٧)، ويُنظر: الاستذكار (٢/ ٤٤٤)، عمدة القاري (٢/ ٢٨٢).\n(^٧) يُنظر: الإنصاف (١/ ٢٠٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٨١)، كشاف القناع (١/ ٦٥).\n(^٨) الذخيرة (١/ ٢٠٥).\n(^٩) سبق تخريجه ص: (١١٧).","vol":"1","page":121},{"text":"على الكراهة (^١).\nنُوقش من وجهين:\nالأول: أن الحديث ضعيف؛ لأن فيه راويًا مجهول الحال، والضعيف لا تقوم به حجة (^٢). وعلى فرض الصحة، فإنه نُهي عن استقبال بيت المقدس حين كان قبلة ثم نهي عن استقبال الكعبة حين صارت قبلة فجمعهما الراوي (^٣).\nالثاني: على فرض الصحة، فإنه يحتمل أن المراد بالنهي أهل المدينة ومَن على سمتها فقط؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبار الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس (^٤).\nوأجاب عنهما النووي -﵀- بقوله: «هذان تأويلان مشهوران للأصحاب، ولكن في كل واحد منهما ضعف.\nوالظاهر المختار: أن النهي وقع في وقت واحد وأنه عام لكلتيهما في كل مكان ولكنه في الكعبة نهي تحريم في بعض الأحوال على ما سبق وفي بيت المقدس نهي تنزيه ولا يمتنع جمعهما في النهي وإن اختلف معناه، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة فبقيت له حرمة الكعبة» (^٥).\nالدليل الثاني: الإجماع على عدم التحريم (^٦).\nاُعترض عليه: بأن دعوى الإجماع فيها نظر؛ لوقوع المخالفة من بعض الفقهاء بالقول بالتحريم (^٧).\nالدليل الثالث: أن حرمة تعظيمه باقية؛ لكونه كان قِبلةً لنا (^٨).\n_________\n(^١) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٠).\n(^٢) يُنظر: تخريج الحديث، ويُنظر: المفهم (١/ ٥٢٢).\n(^٣) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٠)، فيض القدير (٦/ ٣٤٣).\n(^٤) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٧)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٢٤٦).\n(^٥) المجموع (٢/ ٨١).\n(^٦) نقل الإجماع النووي في (المجموع) (٢/ ٨١)، ولم أجده عند غيره.\n(^٧) نُسب القول بالتحريم إلى ابن سيرين والحسن وإبراهيم النخعي. يُنظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٤٥٢). وردّ ابنُ حجر والعينيُّ دعوى الإجماع بمخالفة من ذُكر، ونسبا نقل الإجماع إلى الخطابي. يُراجع: فتح الباري (١/ ٢٤٦)، عمدة القاري (٢/ ٢٧٩)، ولم أجد عبارة الإجماع عند الخطابي عند ذِكره المسألة في (معالم السنن) (١/ ١٧).\n(^٨) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٧)، المجموع (٢/ ٨٠)، المبدع (١/ ٦٥).","vol":"1","page":122},{"text":"الترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بعدم كراهة استقبال بيت المقدس عند التخلِّي.\nأسباب الترجيح:\n١ - أن النهي متوجه إلى القِبلة، وبيت المقدس ليست قِبلة بعد النسخ.\n٢ - ضعف دليل النهي، وورود المناقشة عليه.\n٣ - أن دعوى الإجماع منقوض.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر أن أصحاب القول الثاني حملوا النهي على الكراهة؛ بدليل القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: الإجماع.\nقال النووي -﵀-: «إن قيل: لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه؟ قلنا: للإجماع، فلا نعلم مَنْ يُعتد به حرّمه، والله أعلم» (^١).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nقال النووي: «… وفي بيت المقدس نهي تنزيه» (^٢).\nوجاء في (بذل المجهود): «وهو نهي تنزيه لا تحريم اتفاقًا» (^٣).\nوالعلة: تعظيم حُرمة بيت المقدس؛ إذ كان قِبلةً للمسلمين مرةً.\nالحكم على القرينة:\nقرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة، لكن دعوى الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس عند التخلِّي، دعوى فيها نظر؛ لوجود المخالف، فلا تقوم مقام الصارف المعتبر.\nوقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد معتبرة، تصرف النهي من التحريم إلى\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٨١).\n(^٢) المجموع (٢/ ٨١).\n(^٣) في حل سنن أبي داود (١/ ١٩٩).","vol":"1","page":123},{"text":"الكراهة، لكن ضَعْف دليل النهي أضعفَ القول بالكراهة، ولأنها كانت قبلةً، ثم نسخت، فلم يبق في الشريعة مايوجب تخصيصها بحكم. وبضعف القرائن وعدم اعتبارها يقوى القول بعدم الكراهة؛ لثبوت الجواز بدليل صحيح ثابت دال على استقبال النبي -ﷺ- لبيت المقدس عند قضاء الحاجة، وهو حديث ابن عمر -﵁-، والله أعلم.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>المبحث السابع:\nالنهي عن الاستنجاء باليمين</span>\n<span data-type='title' id=toc-80>المطلب الأول: حكم الاستنجاء (^١) باليمين:</span>\nدليل النهي:\nعن سلمان -﵁- قال: «قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، … الحديث» (^٢).\nوعن أبي قتادة -﵁- (^٣) عن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ» (^٤).\nحكم المسألة:\nأولًا: أجمع العلماء على أن الاستنجاء باليمين منهي عنه (^٥)؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه.\nثانيا: اتفق الفقهاء (^٦) على كراهة الاستنجاء باليمين؛ لدلالة حديثي سلمان وأبي قتادة -﵄- المتقدمين، فالنهي محمول على الكراهة؛ لوروده في باب الأدب والإرشاد.\n_________\n(^١) الاسْتِنْجَاءُ: أصله من النجوة وهو ارتفاع من الأرض، وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجته تستر بنجوة، ثم سُمي الحدث نجوًا، والاستنجاء هو طلب طهارة القُبُل والدُّبُر من النجو، وهو ما يخرج من البطن. يُنظر: غريب الحديث، لابن قتيبة (١/ ١٦٠)، الصحاح (٦/ ٢٥٠٢)، بدائع الصنائع (١/ ١٨).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (١١٤).\n(^٣) هو: الحَارِثُ بن رِبْعِي بن بَلْدَمة بن خُنَاس بن سِنَان بن عُبَيْد بن عَدِي الأنصاري السلمي، أبو قتادة فارس رسول الله -ﷺ-، اختُلف في شهوده بدرًا، واتفقوا على أنه شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، واختُلف في وقت وفاته، والأكثر على أنه مات سنة ٥٤ هـ. ينظر: الاستيعاب (٤/ ١٧٣٢)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٢٠٤).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب لا يمسك ذَكَره بيمينه إذا بال (١/ ٤٢) برقم: (١٥٤)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن الاستنجاء باليمين (١/ ٢٢٥) برقم: (٢٦٧).\n(^٥) نقله النووي في (المنهاج) (٣/ ١٥٦)، وعنه الشوكاني في (نيل الأوطار) (١/ ١٢٣).\n(^٦) يُنظر: العناية شرح الهداية (١/ ٢١٦)، الذخيرة (١/ ٢١٠)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٠)، الحاوي الكبير (١/ ١٦٤)، المجموع (٢/ ١٠٨)، المغني (١/ ١١٤)، الإنصاف (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":125},{"text":"قال الترمذي -﵀-: «العمل على هذا عند أهل العلم: كرهوا الاستنجاء باليمين» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-81>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم، القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: المقصد من النهي.\nذلك أن الحكمة من النهي عن الاستنجاء باليمين: إكرام اليمين وتشريفها وصيانتها عن كل قذر.\nوأكثر العلماء متفقون على هذا المعنى: فعن عائشة -﵂- قالت: «كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى» (^٢).\nقال النووي -﵀-: «إن في النهي عن الاستنجاء باليمين تنبيهًا على إكرامها وصيانتها عن الأقذار» (^٣).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nقال ابن بطال -﵀- (^٤): «أما الاستنجاء باليمين: فمذهب مالك، وأكثر الفقهاء أن مَنْ فعل ذلك فبئس ما فعل، ولا شيء عليه .... لأن النهى عن الاستنجاء باليمين من باب الأدب، … فينبغي التأدب بأدب النبي -ﷺ- وسلف الصحابة، وتنزيه اليمنى عن استعمالها في الأقذار ومواضعها» (^٥).\n_________\n(^١) سنن الترمذي (١/ ٢٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كراهية مس الذَّكَر باليمين في الاستبراء (١/ ٢٦) برقم: (٣٣)، وأحمد (٤٣/ ٣١٧) برقم: (٢٦٢٨٣)، قال النووي في (رياض الصالحين) (ص: ٢٤٢): «حديث صحيح: رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح»، وقال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٣٧١): «قال الدوري: قال ابن معين: لم يسمع إبراهيم من عائشة، ومراسيله صحيحة»، وقال ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٣٢٢): «له شاهد من حديث حفصة رواه أبو داود وأحمد وابن حبان والحاكم».\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٦).\n(^٤) هو: علي بن خَلف بن بطّال البكري القرطبي، ثم البلنسي، أبو الحسن ويعرف بابن اللّجام، كان من كبار المالكية، من أهل العلم والمعرفة، عُني بالحديث العناية التامة، له مؤلف «شرح البخاري» في عدة أسفار، تُوفي سنة ٤٤٩ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٠٣)، الديباج المذهب (٢/ ١٠٥)، شذرات الذهب (٥/ ٢١٤).\n(^٥) شرح صحيح البخاري (١/ ٢٤٤)، ويُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٦).","vol":"1","page":126},{"text":"وقال النووي -﵀-: «الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «نهيُه عن الاستنجاء باليمين في قول أكثر العلماء نهيُ تأديب وتنزيه، وذلك أن اليمين مرصدة في أدب السنة للأكل والشرب والأخذ والإعطاء، ومصونة عن مباشرة السفل والمغابن، وعن مماسَّة الأعضاء التي هي مجاري الأثْفَال والنجاسات، وامتُهنت اليسرى في خدمة أسافل البدن؛ لإماطة ما هنالك من القذارات، وتنظيف ما يحدث فيها من الدنس والشعث» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nقرينةُ ورود النهي في باب الأدب والإرشاد وفي معناها قرينةُ المقصد من النهي، قرائن معتبرة باتفاق الفقهاء، صرفت النهي عن مقتضاه -وهو التحريم- إلى الكراهة؛ لمناسبة معنى التكريم لليمين للآداب، والله أعلم.\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٦).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١١).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>المبحث الثامن:\nالنهي عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار</span>\n<span data-type='title' id=toc-83>المطلب الأول: حكم الاستجمار (^١) بأقل من ثلاثة أحجار:</span>\nدليل النهي:\nعَنْ سَلْمَانَ -﵁- قال: «قيل له: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، … الحديث» (^٢).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، على قولين:\nالقول الأول: يحرم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، وإن أنقى (^٣).\nوهو مذهب الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\nالقول الثاني: يستحب الاستجمار بثلاثة أحجار، ويجوز بأقل من ذلك إن أنقى.\nوهو مذهب الحنفية (^٦)، والمالكية (^٧).\n_________\n(^١) الاسْتِجْمَارُ: أي التمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار؛ فالاستجمار: هو استعمال الحجارة الصغار في إزالة ما على المحل من الأذى. يُنظر: الصحاح (٢/ ٦١٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٩٢)، حاشية العدوي (١/ ١٧٢).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (١١٤).\n(^٣) الإنْقَاءُ: إزالة عين النجاسة وبلتها، بحيث يخرج الحجر نقيًا وليس عليه أثر إلا شيئًا يسيرًا، والنَقاءُ ممدودٌ: النظافةُ. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٥١٤)، المغني (١/ ١١٣).\n(^٤) يُنظر: الأم (١/ ٣٧)، الحاوي الكبير (١/ ١٦١)، المجموع (٢/ ١٠٣).\n(^٥) يُنظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ١٠٠)، المغني (١/ ١١٣)، شرح الزركشي (١/ ٢١٧).\n(^٦) يُنظر: النهر الفائق (١/ ١٥٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧).\n(^٧) يُنظر: التاج والإكليل (١/ ٣٨٩)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":128},{"text":"أدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عَنْ سَلْمَانَ -﵁- قال: «قيل له: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، … الحديث» (^١).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن الاقتصار على أقل من ثلاثة، والنهي يقتضي التحريم، والنص على العدد دليل الاشتراط (^٢).\nنُوقش: بأن المقصود هو الإنقاء، وذكر العدد للاحتياط وخرج مخرج العادة؛ لأن الغالب حصول الإنقاء بها (^٣).\nوأُجيب: بأنه لو كان القصد الإنقاء فحسب لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى، ولا في ترك الاقتصار على ما دونها فائدة؛ إذ كان معلومًا أن الإنقاء قد يقع بالمسحة الواحدة وبالمسحتين، فلمّا اشترط العدد لفظًا وكان الإنقاء من معقول الخبر ضمنًا، دل على أنه إيجاب للأمرين معًا (^٤).\nالدليل الثاني: حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَطِبْ (^٥) بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، … الحديث» (^٦).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (١١٤).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ١١٢)، المجموع (٢/ ١٠٤).\n(^٣) يُنظر: البحر الرائق (١/ ٢٥٣).\n(^٤) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٢).\n(^٥) لا يَسْتَطِبُّ: أي: لا يستنجي، وسُمى الاستنجاء استطابة؛ لما فيه من إزالة النجاسة وتطهير موضعها من البدن، يُقال: استطاب الرجل إذا استنجى فهو مستطيب، والاستطابة والاستنجاء والاستجمار أسماء لمعنى واحد. يُنظر: معالم السنن (١/ ١٤)، الصحاح (١/ ١٧٣)، الاستذكار (١/ ١٨٢). وتقدم حكم الاستنجاء باليمين في المبحث السابق.\n(^٦) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (١/ ٨) برقم: (٨)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، النهي عن الاستطابة بالروث (١/ ٣٨) برقم: (٤٠)، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة (١/ ٢٠٨) برقم: (٣١٣)، وأحمد (١٢/ ٣٧٢) برقم: (٧٤٠٩)، صححه ابن حبان (٤/ ٢٨٨) برقم: (١٤٤٠)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٢٩٨) بعد ذكر أسانيد الحديث: «أسانيده كلها صحيحة، وأصله في صحيح مسلم … قال الشافعي في القديم: هذا حديث ثابت».","vol":"1","page":129},{"text":"وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أمر بثلاثة أحجار، والأمر يقتضي الوجوب (^١).\nنُوقش: بأن الأمر يُحمل على الندب لا الايجاب؛ بدلالة نفي الحرج كما سيأتي عند ذكر أدلة القول الثاني.\nالدليل الثالث: عن عائشة -﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إذا ذهبَ أحدُكُم إلى الغائِطِ فليَذهَبْ معه بثلاثةِ أحجارٍ يَستَطيبُ بهنَّ، فإنَّها تُجزئُ عنه» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث أمرًا بثلاثة أحجار، والأمر يقتضي الوجوب، ودل على أن ثلاثة أحجار تجزي من الاستنجاء، ولا يجزي بأقل من ذلك، والإجزاء إنما يُستعمل في الواجب (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: حديث عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «أَتَى النَّبِيُّ -ﷺ- الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً (^٤) فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ (^٥) (^٦).\nوجه الاستدلال: أن إلقاء النبي -ﷺ- للروثة وأخْذه الحجرين، دل على أن الاستجمار بهما يجزئ؛ لأنه لو كان لا يجزئ الاستجمار بما دون الثلاث لما اكتفى\n_________\n(^١) يُنظر: المغني (١/ ١١٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة (١/ ٣٠) برقم: (٤٠)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، أبواب الفطرة، الاجتزاء في الاستطابة بثلاثة أحجار دون غيرها (١/ ٤١) برقم: (٤٤)، وأحمد (٤١/ ٢٨٨) برقم: (٢٤٧٧١)، قال الزيلعي في (نصب الراية) (١/ ٢١٥): «قال الدارقطني: إسناده صحيح»، وحسّنه ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٣٤٧).\n(^٣) يُنظر: المغني (١/ ١١٢)، الأوسط (١/ ٣٤٩).\n(^٤) الرَوْثَةُ: واحدة الرَوْثِ والأَرواثِ، والروث: رجيع ذوات الحافر. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢١٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٧١).\n(^٥) رِكْس: الركس -بالكسر- هو النجس والرجس وكل مستقذر. يُنظر: الصحاح (٣/ ٩٣٦)، المصباح المنير (١/ ٢٣٧)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٦٧٤).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستنجاء بالحجارة (١/ ٤٣) برقم: (١٥٦).","vol":"1","page":130},{"text":"بالحجرين، ولطلب ثالثًا، ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين، وهذا دليل على أن الثلاث للاستحباب (^١).\nنُوقش: أنه مع الاحتمال لا يتم الاستدلال؛ فإن قوله (فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ) ليس فيه دليل على أنه اقتصر عليهما؛ لجواز أن يكون أخذ ثالثًا مكان الروثة، فيكون قد استوفاها عددًا أو اكتفى بطلبه الأول، ويدل عليه حديث سلمان، وهو نص في عدم الاقتصار على دون الثلاثة (^٢).\nالدليل الثاني: حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ … الحديث» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن اسم الوتر يقع على المرة، فإذا أنقى بحجر واحد أجزأه، وقوله: (لا حرج) قرينة تدل على نفي الوجوب والعدد، فدل أن الأمر للندب (^٤).\nنُوقش: أن الوتر في الحديث يُخصَّص عمومه بأحاديث الأمر بثلاثة أحجار، فيكون المراد بالوتر ما زاد على الثلاثة جمعًا بين الأحاديث (^٥)، كما في قوله -ﷺ-: «إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثًا» (^٦)، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا.\nالدليل الثالث: القياس على الماء؛ لأن الماء إذا أنقى كفى، ولا يُشترط فيه\n_________\n(^١) يُنظر: شرح معاني الآثار (١/ ١٢٢).\n(^٢) يُنظر: أعلام الحديث (١/ ٢٤٩)، نصب الراية (١/ ٢١٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الاستتار في الخلاء (١/ ٢٦) برقم: (٣٥) مطولًا، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، باب الأمر بالاستنثار (١/ ٦٦) برقم: (٨٨) مختصرًا، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الارتياد للغائط والبول (١/ ٢٢٢) برقم: (٣٣٧)، وأحمد (١٤/ ٤٣٢) برقم: (٨٨٣٨)، صححه ابن حبان (٤/ ٢٥٧) برقم: (١٤١٠)، وصححه النووي في (المنهاج) (٣/ ١٢٦)، وذكر ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢) اختلاف الحفاظ في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه من رواية أبي داود، بحسب توثيق بعض الأئمة لأبي سعد الخير وجهالة بعضهم إياه، وأورد أقوال مَنْ ضعفه، ثم قال: «والحق أنه حديث صحيح لا سيما على قول أبي داود أن أبا سعيد صحابي»، وقال العيني في (عمدة القاري) (٢/ ٣٠٠): «الحديث صحيح، ورجاله ثقات».\n(^٤) العناية شرح الهداية (١/ ٢١٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧).\n(^٥) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٦١)، المجموع (٢/ ١٠٥).\n(^٦) أخرجه أحمد (٢٣/ ٤٣١) برقم: (١٥٢٩٦)، صححه ابن خزيمة (١/ ٨٢) برقم: (٧٦)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١/ ٢١١): «رجاله ثقات».","vol":"1","page":131},{"text":"العدد (^١).\nنُوقش: بأنه ليس كالماء؛ لأن الماء لما اعتُبرت فيه إزالة الأثر لم يفتقر إلى العدد، والأحجار لما لم يُعتبر فيها إزالة الأثر افتقرت إلى العدد (^٢).\nسبب الخلاف:\n«سبب اختلاف العلماء هو تعارض مفهوم إزالة النجاسة مع ظاهر اللفظ في الأحاديث التي ذُكر فيها العدد، وذلك أن مَنْ كان المفهوم عنده من الأمر بإزالة النجاسة إزالة عينها -أي: الإنقاء- لم يشترط العدد أصلًا، وجعل العدد الوارد من ذلك في الاستجمار في حديث سلمان الثابت الذي فيه الأمر ألا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار على سبيل الاستحباب؛ حتى يجمع بين المفهوم من الشرع والمسموع من هذه الأحاديث.\nوأما مَنْ صار إلى ظواهر هذه الآثار واستثناها من المفهوم: فاقتصر بالعدد على هذه المحال التي ورد العدد فيها» (^٣).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم الاستجمار بما دون ثلاثة أحجار، وإن أنقى.\nقال ابن المنذر -﵀-: «دلت الأخبار الثابتة عن النبي -ﷺ- على أن ثلاثة أحجار تجزي من الاستنجاء، وبذلك قال كل مَنْ نحفظ عنه من أهل العلم، إذا أنقى ودل حديث رسول الله -ﷺ- على أن الاستنجاء لا يجزي بأقل من ثلاثة أحجار» (^٤).\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة الأدلة وصراحتها في الدلالة على المنع من الاقتصار على دون الثلاث.\n٢ - أن التعيين بالعدد ثبت قولًا وفعلًا عن رسول الله -ﷺ-.\n٣ - عدم المعارِض القوي الدلالة.\n_________\n(^١) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٢)، الحاوي الكبير (١/ ١٦٢).\n(^٢) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٦٢).\n(^٣) بداية المجتهد (١/ ٩٣) بتصرف يسير.\n(^٤) الأوسط (١/ ٣٤٩)","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nأصحاب القول الثاني حملوا الأمر الوارد في المسألة على الاستحباب، والنهي على تأكيد الاستحباب؛ بدليل القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص بعدم الحرج في ترك المأمور به.\nوذلك في قوله: (ومن لا فلا حرج)، فكانت قرينة على أن الأمر ليس للوجوب.\nالقرينة الثانية: فِعل النبي -ﷺ- الدالُّ على جواز الاقتصار على ما دون الثلاث.\nوهو ما جاء في حديث ابن مسعود -﵁-.\nجاء في (البحر الرائق): «يُحمل على الاستحباب بدليل: أنه لما أتى له -﵇- بحجرين وروثة ألقى الروثة، واقتصر على الحجرين» (^١).\nالحكم على القرينة:\nقرينة رفع الحرج عند ترك الامتثال لمقتضى الأمر أو النهي، قرينة معتبرة صارفة؛ لدلالتها على أن الأمر ليس للوجوب والنهي ليس للتحريم، لكن الفقهاء اختلفوا في المراد بالأمر بالإيتار في الحديث: هل يراد به على ما زاد عن الثلاث أو يراد به الإيتار على العموم فيدخل فيه الواحد فهو وتر حقيقة، فالذي يظهر أن هذا الخلاف يُضعِف هذه القرينة.\nوفِعل النبي -ﷺ- قرينة نصية، وتكون معتبرة لصرف النهي عن مقتضاه إن ثبتت دلالتها، والذي يظهر أنها مجرد احتمال يقابله احتمالات أخرى، وبسبب الاحتمال تضعف هذه القرينة كذلك.\nوعليه: فتبقى دلالة النهي على مقتضاه وهو تحريم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، ويؤكد التحريم: النص على الثلاث في أحاديث عدة، والله أعلم.\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٣).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>المبحث التاسع:\nالنهي عن الاستجمار برَوْث أو عَظْم</span>\n<span data-type='title' id=toc-86>المطلب الأول: حكم الاستجمار برَوْث أو عَظم:</span>\nدليل النهي:\nعن سلمان -﵁- قال: «قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ (^١) أَوْ بِعَظْمٍ» (^٢).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم الاستجمار بالرَّوْث والعَظم، على قولين:\nالقول الأول: يحرم.\nوهو قول عند المالكية (^٣)، ومذهب الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\nالقول الثاني: يُكره.\nوهو مذهب الحنفية (^٦)، والمذهب عند المالكية (^٧).\n_________\n(^١) الرَّجِيعُ: العذرة والروث، سُمي رجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢١٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (١١٤).\n(^٣) يُنظر: عيون المسائل، للقاضي/ عبد الوهاب المالكي (ص: ٧٣)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ١٦٠).\n(^٤) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٧٤)، المجموع (٢/ ١١٦).\n(^٥) يُنظر: المغني (١/ ١١٦)، المبدع (١/ ٧١).\n(^٦) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ١٨)، البناية (١/ ٧٥٩).\n(^٧) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٥٥)، حاشية العدوي (١/ ١٧٦).","vol":"1","page":134},{"text":"أدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ (^١) وَالرِّمَّةِ (^٢) (^٣).\nالدليل الثاني: حديث سلمان -﵁- المتقدم.\nالدليل الثالث: حديث جابر -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ -ﷺ- أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بِبَعْرٍ (^٤) (^٥).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر النهي عن الاستنجاء بالرَّوْث والعَظم في الأحاديث يدل على أنه لا يجوز الاستنجاء بها (^٦)؛ لأن الأصل في النهي المجرد عن القرينة التحريم، ولأنهما لا يطهران كما نص عليه -ﷺ- بقوله: «إِنَّهُمَا لَا تُطَهِّرَانِ» (^٧).\nالدليل الرابع: حديث عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلَا بِالْعِظَامِ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» (^٨).\nالدليل الخامس: حديث ابن مسعود الآخر: قال: «أَتَى النَّبِيُّ -ﷺ- الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ، فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً،\n_________\n(^١) الرَّوْثُ: رجيع ذوات الحافر. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢١٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٧١).\n(^٢) الرِّمَّةُ: العظام البالية، ويُقال: إنها سميت رمة؛ لأن الإبل ترمها، أي: تأكلها. يُنظر: معالم السنن (١/ ١٥)، مقاييس اللغة (٢/ ٣٧٩).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (١٢٦).\n(^٤) والبَعْرُ: هو الرجيع من كل ذي ظِلف وخف. يُنظر: المصباح المنير (١/ ٥٣)، القاموس المحيط (ص: ٣٥٢).\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٤) برقم: (٢٦٣).\n(^٦) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٢٥٦)، عمدة القاري (٢/ ٣٠١).\n(^٧) أخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء (١/ ٨٨) برقم: (١٥٢)، وقال: «إسناده صحيح»، وحسّن إسناده ابن حجر في (الدراية في تخريج أحاديث الهداية) (١/ ٩٧).\n(^٨) أخرجه مسلم مطولًا في كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة فِي الصبح والقراءة على الجن (١/ ٣٣٢) برقم: (٤٥٠)، واللفظ للترمذي، أبواب الطهارة، باب كراهية ما يستنجى به (١/ ٢٩) برقم: (١٨).","vol":"1","page":135},{"text":"فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى عن الاستنجاء بالروْث والعَظم، والنهي يقتضي التحريم، وبيّن في الحديث الآخر أن علة التحريم كونها طعام الجن وعلفًا لدوابهم، فلا يجوز إفساده عليهم، وللروْث علة أخرى وهي النجاسة، والنجاسة لا تُزال بمثلها (^٢).\nالدليل السادس: عن رُوَيْفِع بن ثابت (^٣) -﵁- قال: قال لي رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: «يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ (^٤)، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا (^٥)، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ -فَإِنَّ مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيءٌ» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن الإعلام ببراءته -ﷺ- ممن يفعل هذه الأمور، فيه وعيد شديد ومبالغة في الزجر والنهي عنها، وذلك يفيد التحريم.\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بالكراهة بأدلة القائلين بالتحريم: كحديث سلمان وأبي هريرة وابن مسعود -﵃-. والاستدلال بها من وجهين:\nالوجه الأول: أن القصد من الاستجمار الإنقاء، والروْث والعَظم يجففان\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (١٢٧).\n(^٢) يُنظر: معالم السنن (١/ ٢٧)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٧)، نيل الأوطار (١/ ١٢٦).\n(^٣) هو: رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ بن السكن بن عدي بن حارثة الأنصاري المدني، صحابي سكن مصر، أمّره معاوية على طرابلس مدينة بالمغرب، فغزا منها إفريقية سنة ٤٧ هـ، روى عن النبي -ﷺ-، وعنه: بسر بن عبيد الله الحضرمي، وشِيَيْم ابن بَيْتَانَ، وحَنش الصنعاني، وأبو الخير مرفد وغيرهم، تُوفي ببرقة وهو أمير عليها سنة ٥٦ هـ. يُنظر: أسد الغابة (٢/ ٢٩٨)، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٩٩).\n(^٤) عقد اللحية: قيل: هو ما كانوا يفعلونه في الحروب في الجاهلية يعقدون لحاهم، وذلك من زي الأعاجم، يفتلونها ويعقدونها، وقيل: معناه: معالجة الشعر؛ ليتعقد ويتجعد، وذلك من فِعل أهل التوضيع والتأنيث. معالم السنن (١/ ٢٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٧٠).\n(^٥) تقلد وترًا: قيل: هي العوذ التي يعلقونها عليه والتمائم التي يشدونها بتلك الأوتار، وقيل: الأجراس التي يعلقونها بها. معالم السنن (١/ ٢٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٤٩).\n(^٦) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب ما ينهى عنه أن يستنجى به (١/ ٢٨) برقم: (٣٦)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الزينة، عقد اللحية (/ ١٣٥) برقم: (٥٠٦٧)، وأحمد (٢٨/ ٢١٠) برقم: (١٧٠٠٠)، جوَّد إسناده النووي في (المجموع) (٢/ ١١٦) وابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٣٥٢)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ١٣١٠).","vol":"1","page":136},{"text":"النجاسة وينقيان المحل كالحجر، فأجزأه؛ ولذا يُحمل النهي على الكراهة (^١).\nنُوقش: بأن الروْثة تزيد في نجاسة المكان والعظم لا يُنقى لملوسته، ومَن استجمر بشيء نجس أَوْرَث المحل نجاسة، فكيف يكون منقيًا؟ (^٢).\nالوجه الثاني: أن العلة الواردة في الحديث تفيد الكراهة، فيُكره بالروْث؛ لما فيه من: استعمال النجس، وإفساد علف دواب الجن، ويُكره بالعظم لما فيه من إفساد زادهم، فكان النهي عن الاستنجاء به لمعنى في غيره لا في عينه، فلا يُمنع الاعتداد به (^٣).\nنُوقش: أنه يُرد بقوله: (لَا تُطَهِّرَانِ)، فلكونهما لا يطهران لا يُعتد بهما، وأحاديث النهي المستفيضة تفيد التحريم (^٤).\nسبب الخلاف: اختلافهم في علة النهي: هل هو لمعنى في المنهي عنه أو لأجل غيرهما؟ (^٥) فمن ذهب إلى الأول مع الثاني قال بالتحريم، ومن ذهب إلى الثاني قال بالكراهة.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم الاستنجاء بالروْث والعَظم.\nأسباب الترجيح:\n١ - تضافر الأدلة وقوتها وصراحتها في الدلالة على التحريم، وتأييدها بالوعيد بالبراءة من الفاعل.\n٢ - أن الشريعة جاءت بمنع الإيذاء والإفساد، والاستجمار بالروْث والعَظم فيه إيذاء للجن وإفساد طعامهم وعلف دوابهم.\n٣ - عدم القرينة الصارفة المعتبرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\n_________\n(^١) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (١/ ٣٥٥)، المغني (١/ ١١٦).\n(^٢) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٧١)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٥٩).\n(^٣) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ١٨).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ١١٧)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٢٥٦).\n(^٥) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (١/ ٣٥٥)، المغني (١/ ١١٧).","vol":"1","page":137},{"text":"ذهب أصحاب القول الثاني إلى أن النهي يُحمل على الكراهة بدليل القرينة الصارفة: ورود النص بالتعليل بما لا يقتضي التحريم.\nذلك أن النبي -ﷺ- نص على العلة بأنها زاد الجن، وهذه العلة لا تفيد التحريم؛ حيث إنها ليست لمعنى في المنهي، وإنما لمعنى مصلحة الغير، ولأنه يحصل الإنقاء باستعمالها وإن كان منهيًا عنه.\nجاء في (حاشية ابن عابدين) بعد ذكره لعلة النهي: «لكن الظاهر أن هذا لا يفيد التحريم» (^١).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن هذه القرينة غير معتبرة لحمل النهي على الكراهة، بل دلالة هذه العلة على التحريم أقوى؛ ذلك أن استعمال الروْث والعَظم في الاستنجاء فيه إفساد لزاد الجن، وذلك غير جائز، والتعليل بأنه يحصل الإنقاء باستعمالها غير صحيح؛ بدلالة النص: (لا تطهران)، ولأن العظم لِلُزُوجتِه لا يزيل الأذى إزالة تامة، والروْث نجس، والنجس يزيد النجاسة ولا يزيلها.\nفالقرينة ضعيفة، ولا تقوى على معارضة القول بالتحريم؛ لتضافر الأدلة وقوتها، مع وجود ما يعضدها من الوعيد لفاعل المنهي عنه، والله أعلم.\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٩).","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>المبحث العاشر:\nالنهي عن دخول المرأة إلى الحمامات</span>\n<span data-type='title' id=toc-89>المطلب الأول: حكم دخول المرأة إلى الحمامات </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الْحَمَّامُ حَرَامٌ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي» (^٢).\nصورة المسألة:\nهل يجوز للمرأة دخول الحمامات العامة لعذر أو لغير عذر؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الاتفاق:\nاتفق الفقهاء (^٣) على إباحة دخول المرأة الحمام للعذر، كمرض أونفاس.\nقال ابن تيمية -﵀- في كلامه عن مسألة دخول الحمام: «إن الأمور المحرمة إنما يُباح منها ما تدعو إليه الحاجة؛ ولهذا حُرمت على النساء إلا لحاجة؛ لأن المرأة كلها عورة، ولا يحل لها أن تضع ثيابها في غير بيت زوجها، … والحاجة التي تبيحها مع قيام الحاظر: المرض والنفاس؛ فإن الحمام يذهب الدرن وينفع البدن، وكذلك الحاجة إلى الغسل من جنابة أو حيض أو غيره مع تعذره في المنزل وخشية التضرر به لبرد أو غيره» (^٤).\nالأدلة:\nالدليل الأول: استدل الفقهاء على استثناء حالة العذر بحديث عبد الله بن\n_________\n(^١) الحَمَّامُ: مذكر مشتق من الحميم وهو الماء الحار، والحمام هو بيت الماء، المعد للحموم فيه بالماء الساخن؛ لتنظيف البدن والتداوي. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٩٠٧)، مختار الصحاح (ص: ٨٢)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٢/ ١٤٦)، والمراد في المسألة: الحمامات العامة، وليست حمامات البيوت.\n(^٢) أخرجه الحاكم، كتاب الأدب، الحمام حرام على نساء هذه الأمة (٤/ ٣٢٢) برقم: (٧٧٨٤) وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، قال الألباني بعد التحقيق في إسناد الحديث: «بهذا التحقيق نخلص إلى أن إسناد الحديث قوي، وأن مَنْ صححه من الحفاظ المتقدمين ما أبعد النُّجعة، لا سيما وله شواهد تؤيد معناه». سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧/ ١٢٩٦).\n(^٣) يُنظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٢)، البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩)، المجموع (٢/ ٢٠٥)، المغني (١/ ١٧٠).\n(^٤) شرح العمدة -كتاب الطهارة (ص: ٤٠٦).","vol":"1","page":139},{"text":"عمرو -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إِلَّا بِالْأُزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» (^١).\nالدليل الثاني: عن أم كلثوم (^٢) -﵂- قالت: «أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ فَطَلَيْتُهَا بِالنَّوْرَةِ (^٣)، ثُمَّ طَلَيْتُهَا بِالْحِنَّاءِ عَلَى إِثْرِهَا مَا بَيْنَ فَرْقِهَا إِلَى قَدَمِهَا فِي الْحَمَّامِ مِنْ حِصْنٍ (^٤) كَانَ بِهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: أَلَمْ تَكُونِي تَنْهَيِ النِّسَاءَ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي سَقِيمَةٌ، وَأَنَا أَنْهَى الْآنَ أَلَّا تَدْخُلَ امْرَأَةٌ الْحَمَّامَ إِلَّا مِنْ سَقَمٍ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث والأثر دليلًا على أنه لا يجوز لهن دخول الحمام إلا لعذر من: حيض، أو نفاس، أو مرض، أو حاجة إلى الغسل، ولا يمكنها أن تغتسل في بيتها؛ لتعذُّر ذلك عليها، أو خوفها من مرض، أو ضرر (^٦).\nثانيًا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في حكم دخول المرأة الحمامات لغير عذر، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: التحريم.\nوهو مذهب المالكية (^٧)، والحنابلة (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الحمام (٦/ ١٣٠) برقم: (٤٠١١)، وابن ماجه، أبواب الأدب، باب دخول الحمام (٤/ ٦٨٢) برقم: (٣٧٤٨)، قال النووي في (المجموع) (٢/ ٢٠٤): «رواه أبو داود وابن ماجه، وفي إسناده مَنْ يضعف»، وقال الكمال بن الهمام في (فتح القدير) (٤/ ٣٩٩): «في سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهو مختلف فيه».\n(^٢) هي: أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، أمها حبيبة بنت خارجة، وتُوفي أبوها وهي حمل، روت عن أختها عائشة أم المؤمنين، أرسلت حديثها، فذكرها بسببه ابن السكن وابن مَنْدَه في الصّحابة، روى عنها: ابنها: إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة وجابر بن عبد الله الأنصاري، وهو أكبر منها، وطلحة بن يحيى بن طلحة وغيرهم، روى لها البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. يُنظر: تهذيب الكمال (٣٥/ ٣٨١)، الإصابة (٨/ ٤٦٧).\n(^٣) النورة: النورة من الحجر الذي يحرق ويسوى منه الكلس ويحلق به شعر العانة. يُنظر: لسان العرب (٥/ ٢٤٤).\n(^٤) حصن: لم أقف على معنى لهذه الكلمة فيما تيسر لي من كتب، والذي يظهر من سياق الأثر أنه نوع من السقم والمرض، والله أعلم. ثم وجدت الأثر في (الذخيرة) للقرافي (١٣/ ٢٦٩) بلفظ: حصب، وفي (المقدمات الممهدات) (٣/ ٤٣٧) بلفظ: حصر. فلعله مرض حصرها ومنعها من السير أو ماشابه، والله أعلم بالصواب.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب الحمام للنساء (١/ ١٩٥) برقم: (١١٣٥).\n(^٦) يُنظر: المغني (١/ ١٧٠)، شرح المصابيح، لابن الملك (٥/ ٧٨).\n(^٧) يُنظر: التبصرة (١١/ ٥٠٣٨)، شرح ابن ناجي التنوخي (٢/ ٤٥٩)، الفواكه الدواني (٢/ ٣١١).\n(^٨) يُنظر: المغني (١/ ١٦٩)، مطالب أولي النهى (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":140},{"text":"القول الثاني: الكراهة.\nوهو قول عند المالكية (^١)، ومذهب الشافعية (^٢).\nالقول الثالث: يُباح للمرأة دخول الحمام وإن كان لغير عذر.\nوهو مذهب الحنفية (^٣).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ» (^٤).\nالدليل الثاني: عن عائشة -﵂-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمَيَازِرِ (^٥)، وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ» (^٦).\n_________\n(^١) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٨)، مواهب الجليل (١/ ٨١).\n(^٢) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ٧٢)، مغني المحتاج (١/ ٢٢٤).\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٤٨)، البحر الرائق (٨/ ٢١٩).\n(^٤) أخرجه الترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام (٥/ ١١٣) برقم: (٢٨٠١) وقال: «حديث حسن غريب»، والنسائي في السنن الصغرى مختصرًا، كتاب الغسل والتيمم، باب الرخصة في دخول الحمام (١/ ١٩٨) برقم: (٤٠١)، وأحمد (٢٣/ ١٩) برقم: (١٤٦٥١)، قال الحاكم في (المستدرك) (٤/ ٣٢٠): «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، قال ابن تيمية في (شرح العمدة -كتاب الطهارة) (ص: ٤٠٥): «رواه النسائي بإسناد صحيح». الحديث له شاهد من حديث أبي أيوب الأنصاري عند ابن حبان (١٢/ ٤٠٩) برقم: (٥٥٩٧). وينظر: مجمع الزوائد، للهيثمي (١/ ٢٧٧).\n(^٥) الْمَيَازِر: ويقال مآزر: جمع: مئزر، والإزار: هذا المعروف الذي يشد على الحقوين فيما تحتهما. والمراد ها هنا: الساتر ما بين السرة والركبة. ينظر: المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٢٠٤)، المصباح المنير (١/ ١٣)، بذل المجهود (١٢/ ٣٩).\n(^٦) أخرجه أبو داود، كتاب الحمام (٦/ ١٢٩) برقم: (٤٠٠٩)، والترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام (٥/ ١١٣) برقم: (٢٨٠٢) وقال: «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد ابن سلمة، وإسناده ليس بذاك القائم»، وابن ماجه، أبواب الأدب، باب دخول الحمام (٤/ ٦٨٣) برقم: (٣٧٤٩) واللفظ له، وأحمد (٤٢/ ٩) برقم: (٢٥٠٨٥)، قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (٤/ ١٢١): «قال أبو بكر بن حازم: لا يُعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه».","vol":"1","page":141},{"text":"الدليل الثالث: عن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الْحَمَّامُ حَرَامٌ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي» (^١).\nالدليل الرابع: عن أبي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ (^٢) قال: دَخَلَ نِسْوَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتُنَّ؟ قُلْنَ: مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، قَالَتْ: لَعَلَّكُنَّ مِنَ الْكُورَةِ (^٣) الَّتِي تَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ؟ قُلْنَ: نَعَمْ، قَالَتْ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ (^٤) مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ -﷿-) (^٥).\nوجه الاستدلال:\nأن في هذه الأحاديث نهيًا للمرأة عن دخول الحمام، والنهي يفيد التحريم، وقد صُرح بالتحريم في حديث عائشة، ولأن جسد المرأة كلها عورة، ولا يجوز كشفه إلا عند\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: (١٣٦).\n(^٢) هو: عامر بن أسامة بن عُمير الهذلي من أهل البصرة، كنيته أبو الْمَلِيح، تابعي ثقة روى عن: أبيه وعائشة وبريدة بن الحصيب وعوف بن مالك وابن عباس وعبد الله بن عمر وأبي عزة الهذلي، وعنه: أولاده عبد الرحمن ومحمد ومبشر وزياد وأيوب وخالد الْحَذَّاءُ وسالم بن أبي الجعد وأبو قلابة الجرمي وقتادة بن دعامة، روى له الجماعة، تُوفي سنة ٩٨ هـ، وقيل: سنة ١١٢ هـ. يُنظر: الثقات لابن حبان (٥/ ١٩٠)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٢٤٦).\n(^٣) الكُورَة: بوزن الصورة: المدينة والصقع والجمع، أو الناحية. يُنظر: الصحاح (٢/ ٨١٠)، مختار الصحاح (ص: ٢٧٥)، شرح المصابيح، لابن الملك (٥/ ٧٧).\n(^٤) هتكت: الهاء والتاء والكاف: أصل يدل على شق في شيء، الهتك: خرق الستر عما وراءه. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٦١٦)، مقاييس اللغة (٦/ ٣٢)، مختار الصحاح (ص: ٣٢٤)، قيل في المراد بذلك: ستر معاصي العبد وعيوبه عن إذاعتها لأهل الموقف يوم القيامة، ويُحتمل أن يُراد بالستر: ترك محاسبته عليها وترك ذِكرها، ويُحتمل أن يُراد به حجاب الحياء وجلباب الأدب؛ لأنها مأمورة بالتستر والتحفظ. يُنظر: بذل المجهود (١٢/ ٣٩)، عون المعبود وحاشية ابن القيم (١١/ ٣٢).\n(^٥) أخرجه أبو داود، أول كتاب الحمام (٦/ ١٢٩) برقم: (٤٠١٠) وقال: «هذا حديث جرير، وهو أتم، ولم يذكر جرير أبا المليح، قال: قال رسول الله -ﷺ-»، والترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام (٥/ ١١٤) برقم: (٢٨٠٣) وقال: «حديث حسن»، وأحمد (٤٢/ ٢٥١) برقم: (٢٥٤٠٧)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٩/ ٢٠٤): «ورواه الدارمي من حديث الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد عنها»، وقال الشوكاني في (نيل الأوطار) (١/ ٣١٨): «وهو من حديث شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبي المليح عنها، وكلهم رجال الصحيح»، وصححه الألباني في (غاية المرام) (ص: ١٣٦).","vol":"1","page":142},{"text":"الضرورة؛ ولذلك مُنعت من أن تضع ثيابها في غير بيت زوجها، ودخولُ الحمامات مظنةُ كشف العورات، فيحرم (^١)، وخُص حال العذر بحديث عبد الله بن عمرو كما تقدم.\nنُوقش من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أن منع دخول النساء الحمام؛ لئلا يكون ذريعة إلى أن يدخلنه غير مؤتزرات، لا من أجل أن عليهن حرجًا وإثمًا في دخولهن إياه مؤتزرات (^٢).\nوأُجيب عنه: أن النهي جاء جملة من غير تفصيل (^٣)، وحمله على دخولهن غير مؤتزرات لا دليل عليه.\nالوجه الثاني: أنها إنما تكون قد هتكت سترها إذا وضعت ثيابها؛ حيث لا تأمن أن يطلع أحد من الرجال عليها مكشوفة الرأس أو الجسم، وإن أمنت أن يطلع عليها أحد من الرجال فلا حرج (^٤)، والمراد بالمنع: منعهن من الخروج، وحثهن على القرار في البيوت (^٥).\nوأُجيب عنه: إنما النهي؛ لأن الحمامات مظنة التكشف والنظر في الجملة (^٦).\nالوجه الثالث: إن هذا النهي إنما كان في الوقت الذي لم يكن للنساء حمام مفرد، فأما اليوم: فقد زال ذلك، فيجب أن يجوز (^٧).\nيمكن أن يُجاب عنه: بأنه لا يتصور أن الحمامات في العصر الأول كانت مختلطة؛ فالأحاديث الواردة في الحمامات لم تُشِر إلى ذلك؛ فلو كانت مختلطة لأُشير إليه، ومما يؤيد وجود حمامات مفردة للنساء: دخول عائشة -﵂- الحمام حين احتاجت لها حال المرض، ويبعُد دخولها حمامًا مختلطًا.\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: حديث عائشة -﵂-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنِ\n_________\n(^١) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ٤٠٥)، نيل الأوطار (١/ ٣١٩).\n(^٢) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩)، الذخيرة (١٣/ ٢٦٩).\n(^٣) يُنظر: التبصرة (١١/ ٥٠٣٩).\n(^٤) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩).\n(^٥) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٤٧).\n(^٦) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ٤٠٥).\n(^٧) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩)، الذخيرة (١٣/ ٢٦٩).","vol":"1","page":143},{"text":"الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمَيَازِرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ» (^١).\nوجه الاستدلال: أنه لم يرُخص للنساء حمايةً للذرائع في دخولهن بغير ميازر، فيكون دخولهن مئتزرات مكروهًا غير محرم (^٢).\nنُوقش: أن النهي جاء جملة من غير تفصيل (^٣)، وحمله على دخولهن غير مؤتزرات لا دليل عليه.\nالدليل الثاني: حديث عائشة -﵂- قالت: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ -﷿-) (^٤).\nوجه الاستدلال: أن المرأة إنما تكون قد هتكت سترها إذا وضعت ثيابها حيث لا تأمن أن يطلع أحد، وإن أمنت أن يطلع عليها أحد، فيُكره ولا يحرم (^٥).\nنُوقش: إنما النهي؛ لأن الحمامات مظنة التكشف والنظر في الجملة (^٦).\nالدليل الثالث: عن أم كلثوم قالت: «أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ فَطَلَيْتُهَا بِالنَّوْرَةِ، ثُمَّ طَلَيْتُهَا بِالْحِنَّاءِ عَلَى إِثْرِهَا مَا بَيْنَ فَرْقِهَا إِلَى قَدَمِهَا فِي الْحَمَّامِ مِنْ حِصْنٍ كَانَ بِهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: أَلَمْ تَكُونِي تَنْهَيِ النِّسَاءَ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي سَقِيمَةٌ، وَأَنَا أَنْهَى الْآنَ أَلَّا تَدْخُلَ امْرَأَةٌ الْحَمَّامَ إِلَّا مِنْ سَقَمٍ» (^٧).\nوجه الاستدلال: أنه يُستدل بقول عائشة وفِعلها على أنها كرهت للنساء دخول الحمامات مستترات من غير تحريم، وكانت تنهى عن ذلك، ولم ترخص لهن فيه إلا من مرض، ولو كان عليهن حرامًا لما جاز في المرض، فهو لهن مع المرض جائز، ومع الصحة مكروه إذا كُنْ مستترات مؤتزرات (^٨).\nالدليل الرابع: أن أَمْر النساء مبني على المبالغة في التستر، ولما في وضْع ثيابهن في\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (١٣٨).\n(^٢) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩)، المقدمات الممهدات (٣/ ٤٣٦).\n(^٣) يُنظر: التبصرة (١١/ ٥٠٣٩).\n(^٤) سبق تخريجه: ص (١٣٩).\n(^٥) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩).\n(^٦) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ٤٠٥).\n(^٧) سبق تخريجه: ص (١٣٧).\n(^٨) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٨١).","vol":"1","page":144},{"text":"غير بيوتهن من الهتك، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر (^١)، فيُكره دخولهن الحمامات.\nأدلة القول الثالث:\nالدليل الأول: أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى الرجل باعتبار المجانسة وانعدام الشهوة غالبًا (^٢)، فدل ذلك على إباحة دخولها الحمام مع النساء.\nنُوقش: بأنه لا يسلم بذلك؛ فإن المرأة ليست كالرجل؛ لأن جميع بدنها عورة، ونظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى ذوات محارمه (^٣).\nالدليل الثاني: أن العُرف الظاهر في جميع البلدان ببناء الحمامات للنساء وتمكينهن من دخول الحمامات (^٤)، وهذا دليل على الإباحة؛ فالعرف الظاهر بين الناس حجة (^٥).\nيمكن أن يُناقش: بأن العادة تُعتبر عند عدم النص (^٦)، والعادة التي تكون على خلاف النص فهي فاسدة لا تُعتبر (^٧)، وقد ورد النص بالنهي، فوجب العمل به.\nالدليل الثالث: أن حاجة النساء إلى دخول الحمامات فوق حاجة الرجال؛ لأن المقصود تحصيل الزينة، والمرأة إلى هذا أحوج من الرجل (^٨)، فيُباح دخولها للحاجة.\nيمكن أن يُناقش: بأن التعليل في معارضة النص أو فيما يبطل حكم النص، باطل بالاتفاق (^٩).\nسبب الخلاف: الخلاف في هذه المسألة مبني على أمرين:\n_________\n(^١) يُنظر: تبيين الحقائق (٥/ ١٢٣)، المجموع (٢/ ٢٠٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٢٤).\n(^٢) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٤٧)، البحر الرائق (٨/ ٢١٩).\n(^٣) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٨).\n(^٤) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٤٨)، البحر الرائق (٨/ ٢١٩).\n(^٥) يُنظر: موسوعة القواعد الفقهية (٧/ ٤٠٠).\n(^٦) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٢/ ٢١٥).\n(^٧) يُنظر: تيسير علم أصول الفقه (ص: ٢١٢).\n(^٨) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٤٨)، تبيين الحقائق (٥/ ١٢٣).\n(^٩) يُنظر: أصول السرخسي (٢/ ١٦١).","vol":"1","page":145},{"text":"١ - اختلاف الفقهاء في معنى النهي الوارد في المسألة: هل هو لحث المرأة على القرار في البيت أو لأنه مظنة التكشف؟\n٢ - الخلاف في مسألة حد عورة المرأة مع المرأة.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم دخول المرأة الحمام لغير عذر.\nقال ابن تيمية -﵀-: «إن الأمور المحرمة إنما يُباح منها ما تدعو إليه الحاجة؛ ولهذا حُرمت على النساء إلا لحاجة» (^١).\nأسباب الترجيح:\n١ - تضافر أدلة النهي، وأن الأصل في النهي: التحريم.\n٢ - أن المرأة في الإسلام شأنُها الستر والحياء والتحفظ عن كشف العورات، فهذا القول فيه الاحتياط صيانةً للمرأة.\n٣ - ضعف أدلة الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب أصحاب القول الثاني إلى أن النهي محمول على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له: القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: قاعدة سد الذرائع.\nوذلك أنه لم يرُخص للنساء حمايةً للذرائع في دخولهن بغير ميازر، فيكون دخولهن مئتزرات مكروهًا غير محرم (^٢).\nوفيه إرشاد المرأة إلى صيانة نفسها عن أسباب التَكشُّف، والتنزيه عما يكون في الحمام من كشف العورات أو غيره من المنكرات (^٣).\n_________\n(^١) شرح العمدة -كتاب الطهارة (ص: ٤٠٥).\n(^٢) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩)، المقدمات الممهدات (٣/ ٤٣٦).\n(^٣) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩)، مغني المحتاج (١/ ٢٢٤).","vol":"1","page":146},{"text":"قال المناوي -﵀-: «ذهب الأكثر إلى أن دخولها لهن مكروه تنزيهًا» (^١).\nالقرينة الثانية: أن النهي عنه في حال دون حال.\nجاء في (المقدمات الممهدات) بعد ذكر أثر عائشة -﵂-: «فدل ذلك من قولها وفعلها أنها كرهت للنساء دخول الحمامات مستترات من غير تحريم ونهتهن عن ذلك ولم ترخص لهن فيه إلا من مرض. ولو كان عليهن حراما لما جاز في المرض، فهو لهن مع المرض جائز، ومع الصحة مكروه إذ كن مستترات متزرات» (^٢).\nقال الإمام الشافعي -﵀-: «أصل النهي من رسول الله -ﷺ- أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم: إما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض، وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهي والأدب والاختيار» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القرائن ضعيفة غير معتبرة؛ وذلك -بالنظر في أدلة النهي- نجد أن منها ما جاء بالنهي المجرد، ومنها ما جاء بالنص الصريح على التحريم، والتعبير بهتك الستر بينها وبين الله: فيه تشديد في الزجر، فكانت أدلة النهي أقوى دلالة على التحريم، ثم إن المعنى الذي صرفوا به النهي إلى الكراهة أولى به أن يكون مؤيدًا للقول بالتحريم لا الكراهة، فالمرأة مأمورة بالستر والمبالغة فيه؛ صيانة لها، وفتح باب دخولها الحمامات بلا حاجة قد يجر إلى مفاسد كثيرة، وقد شُوهد -في هذا العصر- التهاون في الستر من بعض النساء عند دخولهن إلى ما يُسمى بصالون التجميل -حمانا الله والمسلمات من الشرور والفتن-، والله أعلم.\n_________\n(^١) فيض القدير (٣/ ٤٢٢).\n(^٢) (٣/ ٤٣٧).\n(^٣) الأم (٧/ ٣٠٥).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>الفصل الرابع\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب سنن الفطرة</span>\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن حَلق الرأس في غير الحج والعمرة.\nالمبحث الثاني: النهي عن القَزَع.\nالمبحث الثالث: النهي عن تغيير الشَّيْب بالسواد.\nالمبحث الرابع: النهي عن نَتْف الشَّيْب.\nالمبحث الخامس: النهي عن حَلق المرأةِ رأسَها.\nالمبحث السادس: النهي عن وَصْل المرأةِ رأسَها بغير الشعر.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-92>المبحث الأول:\nالنهي عن حلق الرأس في غير الحج والعمرة</span>\n<span data-type='title' id=toc-93>المطلب الأول: حكم حَلْق الرأس في غير الحج والعمرة </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن جابر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي (^٢) إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ» (^٣).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم حلق الرأس في غير الحج والعمرة، على قولين:\nالقول الأول: يُباح حلق الرأس، والأفضل تَركُه.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nالقول الثاني: يُكره حلق الرأس.\nوهو مذهب المالكية (^٧)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٨).\n_________\n(^١) تتناول المسألة حلق الرجل رأسه، أما حلق المرأة رأسها: فستفرد في مبحث لاحق.\n(^٢) النَّوَاصِي: جمع، مفرده: ناصية -بكسر الصاد- مقدم الرأس. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٥١٠)، شرح الإلمام (٤/ ٣٦٢)، وهو هنا مما ذُكر منه البعض وأُريد به الكل.\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٩/ ١٨٠) برقم: (٩٤٧٥)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٣/ ٢٦١): «فيه محمد بن سليمان بن مَسْمُول، وهو ضعيف بهذا الحديث وغيره»، وقال الألباني في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) (١٢/ ٤٧٧): «منكر».\n(^٤) يُنظر: الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٧)، عمدة القاري (٢٢/ ٥٨). وجاء في بدائع الصنائع (٢/ ١٩٢) ما يفيد الجواز في غير الحج والعمرة، حيث قال الكاساني: «حلق الرأس يزيل الشعث والتفث؛ وهو من باب الارتفاق بمرافق المقيمين، والمحرم ممنوع عن ذلك …».\n(^٥) يُنظر: تحفة المحتاج (٢/ ٤٧٦)، مغني المحتاج (١/ ٥٦٣).\n(^٦) يُنظر: المغني (١/ ٦٧)، الإنصاف (١/ ٢٥٨).\n(^٧) يُنظر: الفواكه الدواني (١/ ٢٦٥)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٤).\n(^٨) يُنظر: المغني (١/ ٦٧)، الإنصاف (١/ ٢٥٨).","vol":"1","page":149},{"text":"أدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن ابن عمر -﵄-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى صَبِيًّا حُلِقَ بَعْضُ شَعَرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهم عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- سَوَّى بين الحلق والترك وخيَّر بينهما، والتخيير دليل صريح على الإباحة، ولا يحتمل تأويلًا (^٢).\nالدليل الثاني: عن عبد الله بن جعفر -﵄- (^٣): «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ (^٤)، فَقَالَ: ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ، فَأَمَرَهُ، فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أمر بحلق رؤوسهم، ولو لم يَجُز الحلق ما حلقهم، فهذا دليل على جواز حلق الرأس جميعه (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الترجل، باب في الذؤابة (٦/ ٢٦١) برقم: (٤١٩٥)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الزينة، باب الرخصة في حلق الرأس (٨/ ١٣٠) برقم: (٥٠٤٨)، وأحمد (٩/ ٤٣٧) برقم: (٥٦١٥)، صححه ابن حبان (١٢/ ٣١٨) برقم: (٥٥٠٨)، قال النووي في (رياض الصالحين) (ص: ٤٦٣): «رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم».\n(^٢) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٧/ ١٦٧)، عون المعبود (١١/ ١٦٦).\n(^٣) هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي، كنيته أبو جعفر، وهو أول مولود وُلد في الإسلام بأرض الحبشة، قدم مع أبيه المدينة، وحفظ عن رسول الله -ﷺ-، وروى عنه، وروى عن: أمه أسماء بنت عميس وعمه علي ابن أبي طالب وعثمان وعمار بن ياسر، وروى عنه: بنوه معاوية وإسحاق وإسماعيل وأم أبيها وابن خالته عبد الله ابن شداد بن الهاد وغيرهم، وكان عبد الله يُسمى بحر الجود؛ لكرمه وجوده. تُوفي بالمدينة سنة ٨٠ هـ وهو ابن ٩٠ سنة. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ٨٨٠)، تهذيب التهذيب (٥/ ١٧٠).\n(^٤) أَفْرُخ: جمع: فَرْخ، وهو صغير ولد الطير، أي: كنا صغارًا. يُنظر: القاموس المحيط (ص: ٢٥٦)، شرح المصابيح (٥/ ٧٠).\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب الترجل، باب في حلق الرأس (٦/ ٢٥٩) برقم: (٤١٩٢)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب السير، إذا قُتل صاحب الراية: هل يأخذ الراية غيره بغير أمر الإمام؟ (٨/ ١٨) برقم: (٨٥٥٠)، وأحمد (٣/ ٢٧٨) برقم: (١٧٥٠) مطولًا، قال النووي في (رياض الصالحين) (ص: ٤٦٣): «رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم»، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٦/ ١٥٧): «روى أبو داود وغيره بعضَه، ورواه أحمد، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح».\n(^٦) يُنظر: التمهيد (٢٢/ ١٣٨)، نيل الأوطار (١/ ١٦١).","vol":"1","page":150},{"text":"أدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عن أبي موسى -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ (^١)، وَسَلَقَ (^٢)، وَخَرَقَ (^٣) (^٤)، وفي رواية: «لَيْسَ مِنَّا من حلق (^٥) …» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن البراءة من فاعل هذه الأمور -ومنها: حلق الرأس- وقوله: (ليس منا)، مبالغة في الردْع عن الوقوع فيها، دالٌّ على كراهتها.\nنُوقش: أن هذا استدلال بالحديث في غير المراد به، وإنما المراد هنا النهي عن الحلق للتسخط على المصيبة؛ بدلالة قوله: (وسلق، وحلق) (^٧)، وقصة الحديث تدل على ذلك.\nالدليل الثاني: عن جابر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ» (^٨).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث النهي عن حلق الرأس في غير النُسُك، والنهي للكراهة والتنزيه.\n_________\n(^١) الحَلْقُ: من حلق حلقًا، وحلاقة الرأس: أزال عنه الشعر، والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٢٧)، لسان العرب (١٠/ ٥٩)، معجم لغة الفقهاء (ص: ١٨٥).\n(^٢) سَلَقَ: أي: رفع صوته عند المصيبة، ويُقال بالصاد، وهما لغتان، وجاء في رواية: الصالقة: وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٤٩٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٨ و٣٩١)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ١١٠).\n(^٣) الخَرْقُ: الشق، وجاء في رواية: الشاقة: وهي التي تشق ثوبها عند المصيبة. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٤٦٦)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٦)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ١١٠).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية (١/ ١٠٠) برقم: (١٠٤)، وفي قصة الحديث: أنه لما ثقل أبو موسى -﵁- أقبلت امرأته تصيح ....\n(^٥) ليس منا: أي من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ: المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك. يُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٩/ ٥٣٧)، فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٦٣).\n(^٦) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية (١/ ١٠٠) برقم: (١٠٤).\n(^٧) يُنظر: المغني (١/ ٦٧).\n(^٨) سبق تخريجه ص: (١٤٦).","vol":"1","page":151},{"text":"نُوقش: أن الحديث إسناده ضعيف، فلا يحتج به، ولم يصح في النهي حديث (^١).\nالدليل الثالث: حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، عن النبي -ﷺ- أنه قال في الخوارج (^٢): «سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- جعل حلْق الرأس علامة للخوارج (^٤)، فيكره تنزيها عن مشابهتهم.\nنُوقش: بأنه لا دلالة فيه على كراهة حلق الرأس، وإنما هو علامة لهم، والعلامة قد تكون بحرام، وقد تكون بمباح (^٥).\nالدليل الرابع: قال عمر -﵁- لصُبَيغ (^٦) بعدما جلده على ما كان منه: «وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا لَضَرَبْتُ رَأْسَكَ» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن عمر -﵁- أدَّب صبيغًا بالجلد لما سأل عن المتشابهات، وقوله: (لضربت رأسك) يعني: لقتلتك، وإنما يقتله لو كان محلوق الرأس لأنه ظنه من الخوارج؛ فالنبي -ﷺ- جعل علامتهم التحليق (^٨).\n_________\n(^١) يُنظر: المجموع (١/ ٢٩٦).\n(^٢) الخوارج: فرقة من الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة، فالخارجي هو: «كل مَنْ خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أم كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان»، هذا تعريف الشهْرسْتَاني في كتابه: الملل والنحل (١/ ١١٤). قال د. غالب عواجي في كتابه: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها (١/ ٢٢٨) معلقًا: «هذا التعريف الراجح؛ لكثرة مَنْ مشى عليه من علماء الفرق في تعريفهم بفرقة الخوارج، وقيام حركتهم ابتداءً من خروجهم في النهروان، وهو ما يتفق أيضًا مع مفهوم الخوارج كطائفة ذات أفكار وآراء اعتقادية، أحدثت في التاريخ الإسلامي دويًّا هائلًا».\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم (٩/ ١٦٢) برقم: (٧٥٦٢).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ٦٧)، المفهم (٣/ ١٢٢).\n(^٥) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٧/ ١٦٧).\n(^٦) هو: صُبَيغ بن عسل، ويُقال: صُبَيغ بن شريك من بني عسل، ابن عمرو بن يربوع بن حنظلة التميمي البصري، له إدراك، وقصته مع عمر مشهورة. يُنظر: الإصابة (٣/ ٣٧٠)، الوافي بالوفيات (١٦/ ١٦٣). ويُنظر قصته في (مجموع الفتاوى) (٤/ ٣).\n(^٧) أخرجه الآجُري في (الشريعة) (١/ ٤٨٢) برقم: (١٥١).\n(^٨) ينظر: المغني (٨/ ٥٣٠)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ٢٣٠)، مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٩٤) و(٢٨/ ٤٧٤).","vol":"1","page":152},{"text":"سبب الخلاف:\nالسبب هو الاختلاف في ثبوت حديث النهي.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بإباحة حلق الرأس في غير النسك، وهو قول الجمهور.\nقال ابن تيمية -﵀-: «ما جاء فيه من الكراهة فهو -والله أعلم- فيمن يعتقده قربة وشعار الصالحين، وهكذا كانت الخوارج، فأما إن حلقه على أنه مباح وإنَّ تركه أفضل، فلا» (^١).\nأسباب الترجيح:\n١ - أن الأصل الإباحة، ويؤكده تخيير النبي -ﷺ- بين الحلق والترك.\n٢ - قوة أدلة هذا القول، وأنه لم يصح شيء عن النبي -ﷺ- في النهي عن حلق الرأس.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب أصحاب القول الثاني إلى أن النهي محمول على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له: المقصد من النهي.\nفالمقصد منه: التنزيه وكراهة مشابهة الخوارج؛ لكون حلق الرأس شعارهم.\nجاء في (المغني) و(المجموع) استدلالهم بحديث أبي سعيد الخدري في ذكر صفة الخوارج.\nوساق ابن قدامة في (المغني)، قول عمر -﵁- لصبيغ، إشارةً إلى أن الحلق علامة للخوارج؛ فيكره التشبه بهم.\nالحكم على القرينة:\nقرينة المقصد من النهي هنا غير معتبرة، فلا تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة؛ إذ -بالنظر في أدلة النهي- نجد أنه لم يثبت في النهي دليل صحيح مرفوع، وحديث أبي سعيد الخدري -﵁- في الصحيح، ولكن كون الحلق علامة الخوارج لا يفيد\n_________\n(^١) شرح العمدة -كتاب الطهارة (ص: ٢٣١).","vol":"1","page":153},{"text":"نهيًا؛ فلا نهي صحيح حتى يُصرف عن مقتضاه بهذه القرينة.\nوحيث لا أدلة تقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الدالة على إباحة الحلق بلا كراهة، يكون القول بالإباحة هو الراجح، والله تعالى أعلم بالصواب.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>المبحث الثاني:\nالنهي عن القَزَع</span>\n<span data-type='title' id=toc-96>المطلب الأول: حكم القزع </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن ابن عمر -﵄-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْقَزَعِ، قيل لِنَافِعٍ (^٢): وَمَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكُ بَعْضٌ» (^٣).\nصورة المسألة:\nالقزع: أن يحلق الإنسان بعض الرأس ويترك بعضه الآخر، فماحكم هذا الفعل؟\nحكم المسألة:\nأجمع العلماء -﵏- (^٤) على كراهة القزع.\nقال النووي -﵀-: «أجمع العلماء على كراهة القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه» (^٥).\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن ابن عمر -﵄-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْقَزَعِ، قيل لِنَافِعٍ: وَمَا\n_________\n(^١) القَزَع: هو حَلْق بعض الرأس وترْك بعضه الآخر، تشبيهًا بقزع السحاب وهي قطع السحاب المتفرقة. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢٦٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٥٩)، المجموع (١/ ٢٩٥).\n(^٢) هو: نافع مولى ابن عمر، عالم المدينة، أبو عبد الله القرشي، وهو من كبار التابعين، كان إمامًا ثقة كثير الحديث، ومعظم حديث ابن عمر عليه دار، وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب؛ لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة، روى عن: ابن عمر وعائشة وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وروى عنه الزهري وأيوب السِّخْتِيَانِيُّ والليث ومالك بن أنس، تُوفي بالمدينة سنة ١١٧ هـ. يُنظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد (٥/ ٣٤٢)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٤١٢)، وفيات الأعيان (٥/ ٣٦٧).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب القزع (٧/ ١٦٣) برقم: (٥٩٢١)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب كراهة القزع (٣/ ١٦٧٥) برقم: (٢١٢٠) واللفظ له.\n(^٤) نقل الإجماع: النووي في (المنهاج) (١٤/ ١٠١)، وعنه: الطيبي في (شرح المشكاة) (٩/ ٢٩٢٦)، وابن حجر في (فتح الباري) (١٠/ ٣٦٥)، والشوكاني في (نيل الأوطار) (١/ ١٦٠).\n(^٥) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٠١).","vol":"1","page":155},{"text":"الْقَزَعُ؟ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكُ بَعْضٌ» (^١)\nوجه الاستدلال: أن الراوي فسَّر القزع بحلق بعض الرأس وتَرْك بعضه، والنهي للكراهة، والصارف عن التحريم هو إجماع العلماء (^٢).\nالدليل الثاني: عن ابن عمر -﵄-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى صَبِيًّا حُلِقَ بَعْضُ شَعَرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهم عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أنكر حَلْق بعض الشعر وتَرْك بعضه، ونهى عنه، ويُحمل النهي على الكراهة؛ للإجماع (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-97>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nاتفق الفقهاء على أن النهي عن القزع يُحمل على الكراهة؛ بدليل القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: الإجماع.\nالقرينة الثانية: المقصد من النهي.\nفالنهي اُريد به التنزيه عن مشابهة زيُّ اليهود (^٥)، أو زيُّ أهل الشر والشيطان (^٦).\nقال ابن تيمية -﵀-: «علل النهي بأن ذلك زي اليهود، وتعليل النهي بعلة يوجب أن تكون العلة مكروهة مطلوب عدمها، فعُلم أن زي اليهود -حتى في الشعر- مما يُطلب عدمه، وهو المقصود» (^٧). قال النووي: «… وهي كراهة تنزيه» (^٨).\nوقال المَنَاوي: «… لأنه نوع من القزع، وهو مكروه تنزيهًا» (^٩).\nالحكم على القرينة:\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: (١٥٢).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٠١).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (١٤٧).\n(^٤) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٠١)، الإنصاف (١/ ٢٧٢).\n(^٥) ورد في ذلك خبر من رواية الْحَجَّاج بْن حَسَّان، أخرجه أبو داود (٦/ ٢٦٢) برقم: (٤١٩٧).\n(^٦) يُنظر: المفهم (٥/ ٤٤١)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٠١)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٦٥).\n(^٧) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٣٨٦).\n(^٨) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٠١).\n(^٩) فيض القدير (٦/ ٣٢٨).","vol":"1","page":156},{"text":"قرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة، يُصرف بها النهي عن مقتضاه؛ لأن الإجماع لا يمكن أن يكون مخالفًا لمقتضى النص الشرعي، وقرينة المقصد من النهي قرينة معتبرة اعتضدت بما قبلها.\nوقد اتفق الفقهاء على حمل النهي عن القزع إلى الكراهة عملًا بهذه القرائن لقوتها، والله أعلم.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>المبحث الثالث:\nالنهي عن تغيير الشَّيْب بالسواد</span>\n<span data-type='title' id=toc-99>المطلب الأول: حكم تغيير الشَّيْب بالسواد:</span>\nدليل النهي:\nعن جابر -﵁- قال: «أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ (^١) يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ (^٢) بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» (^٣)، وفي رواية: «غَيِّرُوهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ سَوَادًا» (^٤).\nصورة المسألة:\nلو أراد شخص تغيير الشَّيْب في رأسه أو لحيته بصبغه بالسواد، هل يجوز له ذلك أو لا؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الاتفاق:\nاتفق الفقهاء (^٥) على إباحة تغيير الشَّيْب بالسواد في جهاد العدو؛ لأن الغازي مع سواد شعره أهيب وأرهب في عين العدو (^٦).\n_________\n(^١) هو: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، أبو قحافة القرشي التيمي، والد أبي بكر الصديق -﵄-، أسلم يوم فتح مكة، وعاش أبو قحافة إلى خلافة عمر، ومات سنة ٢٤ هـ وهو ابن سبع وتسعين سنة. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ١٠٣٦)، أسد الغابة (٣/ ٥٧٥).\n(^٢) الثَّغَامُ: نبت أبيض الثَّمر أو الزَّهر، وقيل: هي شجرة تَبْيض كأنها الثلج، فشبَّه بياض الشَّيب به. يُنظر: غريب الحديث، للقاسم بن سلام (٢/ ١٣٩)، الصحاح (٥/ ١٨٨٠)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢١٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب خِضاب الشيب بصُفرة أو حُمرة وتحريمه بالسواد (٣/ ١٦٦٣) برقم: (٢١٠٢).\n(^٤) أخرجه الحاكم (٣/ ٢٧٣) برقم: (٥٠٦٨).\n(^٥) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٩٩)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٧٥٦)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٦)، المجموع (١/ ٢٩٤)، تحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥)، الفروع (١/ ١٥٤)، كشاف القناع (١/ ٧٧).\n(^٦) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٩٩)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧).","vol":"1","page":158},{"text":"قال ابن حجر -﵀-: «… ويُستثنى من ذلك المجاهد اتفاقًا» (^١).\nواتفق الفقهاء (^٢) على تحريم تغيير الشَّيْب بالسواد في بيع أو نكاح؛ لما فيه من التدليس (^٣) والخداع، وذلك حرام (^٤)؛ لقوله -ﷺ-: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (^٥).\nقال ابن القيم -﵀-: «أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس» (^٦).\nثانيًا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في حكم التغيير بالسواد في غير الجهاد أو البيع والنكاح، على قولين:\nالقول الأول: يُكره.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٧)، والمالكية (^٨)، والحنابلة (^٩).\nالقول الثاني: يحرم.\nوهو مذهب الشافعية (^١٠).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن جابر -﵁- قال: «أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» (^١١).\nالدليل الثاني: عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «غَيِّرُوا الشَّيْب، وَلَا تُقَرِّبُوهُ\n_________\n(^١) فتح الباري (٦/ ٤٩٩).\n(^٢) يُنظر: بدائع الصنائع (٥/ ٢٧٤)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧)، أسنى المطالب (١/ ١٧٣)، كشاف القناع (١/ ٧٧).\n(^٣) التَّدْلِيسُ: كتمان عيب السلعة عن المشتري وإخفاؤه. يُنظر: الصحاح (٣/ ٩٣٠)، التوقيف على مهمات التعاريف (ص: ٩٣).\n(^٤) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٧٧)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٦)، موسوعة القواعد الفقهية (٢/ ٢٦٥).\n(^٥) أخرجه مسلم، باب قول النبي -ﷺ-: «مَنْ غشنا فليس منا» (١/ ٩٩) برقم: (١٠١).\n(^٦) زاد المعاد (٤/ ٣٣٧).\n(^٧) يُنظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٧٥٦)، اللباب (ص: ٢٦٢).\n(^٨) يُنظر: الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٦).\n(^٩) يُنظر: المغني (١/ ٦٩)، الإنصاف (١/ ٢٥٧).\n(^١٠) يُنظر: المجموع (١/ ٢٩٤)، تحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥).\n(^١١) سبق تخريجه ص: (١٥٥).","vol":"1","page":159},{"text":"السَّوَادَ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن الأحاديث تدل على مشروعية تغيير الشَّيْب، وعلى النهي عن الخِضاب بالسواد، ويُحمل على الكراهة للتنزيه (^٢)، ولقرينة خضاب بعض الصحابة -﵃- بالسواد ولم يُنكر عليهم، فدل ذلك على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم.\nالدليل الثالث: عن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: «يكونُ قَوْمٌ يخضِبُونَ في آخِرِ الزَّمانِ بالسَّواد كحَواصِلِ الحَمَامِ، لا يَرِيحُون رائِحةَ الجنَّة» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن الحديث يدل على أن من صفة أهل النار أنهم يخضِبون بالسواد، فيُكره ذلك؛ لكراهة التشبه بأهل النار (^٤).\nنُوقش من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الكريم بن أَبِي المُخَارِق (^٥) (^٦).\nوأُجيب عنه: أن الصواب أنه عبد الكريم بن مالك الجزري (^٧)، وهو ثقة.\nالثاني: بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخِضاب بالسواد، بل فيه الإخبار بصفة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١/ ٢١٠) برقم: (١٣٥٨٨). صححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ٧٦٧).\n(^٢) يُنظر: المجموع (١/ ٢٩٤)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٨٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الترجل، باب ما جاء في خِضاب السواد (٦/ ٢٧٢) برقم: (٤٢١٢)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الزينة، النهي عن الخِضاب بالسواد (٨/ ١٣٨) برقم: (٥٠٧٥)، وأحمد (٤/ ٢٧٦) برقم: (٢٤٧٠)، قال الحافظ المنذري في (الترغيب والترهيب) (٣/ ٨٦): «رووه كلهم من رواية عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم، فذهب بعضهم إلى أن عبد الكريم هذا هو ابن أبي المخارق وضعف الحديث بسببه، والصواب: أنه عبد الكريم بن مالك الجزري، وهو ثقة، احتج به الشيخان وغيرهما، والله أعلم»، وقوّى إسناده ابن حجر في (فتح الباري) (٦/ ٤٩٩)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ١٣٥٥).\n(^٤) يُنظر: المفهم (٥/ ٤١٩).\n(^٥) هو: عبد الكريم بنُ أَبِي المُخَارِقِ، واسم أبيه: قيس، كنيته: أبو أمية، تابعي، نزل مكة، روى عن: أنس بن مالك، وعمرو بن سعيد بن العاص، وطاوس وغيرهم، قال عنه النسائي والدارقطني: متروك، وقال ابن عبد البر: لا يختلفون في ضعفه، تُوفي سنة ١٢٧ هـ. يُنظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٦٤٦)، تهذيب التهذيب (٦/ ٣٧٦).\n(^٦) يُنظر: الموضوعات، لابن الجوزي (٣/ ٥٥).\n(^٧) هو: عبد الكريم بن مالك الجزري، كنيته: أبو سعيد، روى عن عطاء وعكرمة وسعيد بن المسيب، وهو من العلماء الثقات في زمن التابعين، وَثَّقه جمعٌ كثيرٌ من العلماء، منهم: أحمد، ويحي بن معين، وأبو زرعة، تُوفي سنة ١٢٧ هـ. يُنظر: تهذيب الكمال (١٨/ ٢٥٢)، تهذيب التهذيب (٦/ ٣٧٣).","vol":"1","page":160},{"text":"هؤلاء القوم (^١).\nوأُجيب عنه: أنه خلاف ما يتبادر من سياق الحديث، وأن ترتيب الحكم على الوصف مُشعِر بأنه علة الحكم، وقد وصف القوم المذكورين بأنهم يخضِبون بالسواد (^٢).\nالدليل الرابع: الآثار التي رُويت عن بعض الصحابة -﵃- بأنهم صبغوا بالسواد، منها:\n«أن الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ كَانَا يَخْضِبَانِ بِالسَّوَادِ» (^٣)، وأنه: «كَانَ سَعْدٌ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن الصبغ بالسواد فَعَله جماعة من الصحابة، ولم يُنكر عليهم، فدل ذلك على أن الصحابة فهموا أن النهي عنه ليس للتحريم (^٥).\nنوقش: أن ما رُوي من آثار عن بعض الصحابة أنهم خضبوا بالسواد، يحتمل أنهم فعلوه للمهابة في الغزو (^٦).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول والثاني: استدلوا بحديثي جابر وأنس -﵄- اللذين استدل بهما أصحاب القول الأول.\nوجه الاستدلال: أن قوله: (اجتنبوا) وقوله: (لا تقربوه)، يفيدان النهي عن تغيير الشَّيْب بالسواد، وهو للتحريم (^٧)؛ لأن الأصل في النهي أنه يقتضي التحريم، ولا يُصرف عنه إلا بقرينة صارفة، ولا صارف هنا.\nنُوقش: بأن النهي يُحمل على الكراهة للتنزيه، ولقرينة فِعل بعض الصحابة (^٨).\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٥٥) نقلًا عن أبي عاصم.\n(^٢) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٥٥)، نيل الأوطار (١/ ١٥٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٣) برقم: (٢٥٠١٧).\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٣٨) برقم: (٢٩٥)، والحاكم (٣/ ٥٦٧) برقم: (٦٠٩٩).\n(^٥) يُنظر: المفهم (٥/ ٤١٩).\n(^٦) يُنظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٧٥٦).\n(^٧) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٨٠).\n(^٨) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٥٥).","vol":"1","page":161},{"text":"الدليل الثالث: عن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: «يكونُ قَوْمٌ يخضِبُونَ في آخِرِ الزَّمانِ بالسَّواد كحَواصِلِ الحَمَامِ، لا يَرِيحُون رائِحةَ الجنَّة» (^١).\nوجه الاستدلال: أن الحديث يدل على تحريم الصبغ بالسواد (^٢)؛ لورود الوعيد الشديد بقوله: (لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ)، ولا يكون ذلك إلا على محرم.\nنوقش: أنه خلاف ما يتبادر من سياق الحديث، وأن ترتيب الحكم على الوصف مُشعِر بأنه علة الحكم، وقد وصف القوم المذكورين بأنهم يخضِبون بالسواد (^٣).\nسبب الخلاف:\nسبب اختلاف الفقهاء هو تعارض ظاهر الأحاديث والآثار.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها تبين أن القول بالكراهة فيه قوة، وكذلك أدلة القول بالتحريم قوية؛ لذا أتوقف عن الترجيح، والله تعالى أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب الجمهور إلى أن النهي يُحمل على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارفَ له القرائنُ التالية:\nالقرينة الأولى: فِعل الصحابي للمنهي عنه.\nذلك أنه إذا فعل الصحابي المنهي عنه ولم يُنكر عليه، فإن ذلك يُعد قرينة على أن النهي ليس للتحريم.\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nقال النووي -﵀-: «… وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه» (^٤).\nجاء في (الفواكه الدواني): «(ويُكره صباغ الشعر) الغير الأسود (بالسواد) لغير مقتضى شرعي، ولما كانت الكراهة قد تكون محمولة على التحريم قال: (من غير تحريم)،\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: (١٥٧).\n(^٢) يُنظر: المجموع (١/ ٢٩٤).\n(^٣) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٥٥)، نيل الأوطار (١/ ١٥٥).\n(^٤) المجموع (١/ ٢٩٤).","vol":"1","page":162},{"text":"بل لمجرد التنزيه» (^١).\nوالعلة: التنزيه عن حصول التلبيس (^٢)؛ لذهاب اللون الأول جملةً بالتسويد.\nجاء في (الفواكه الدواني): «إنما كُره الصِّباغ بالسواد دون غيره؛ لأن فيه صرف لون إلى لون مع ذهاب الأول، بخلاف نحو الحناء؛ فإن الأول لم يذهب جملة، وإنما تغير، فلا يتلبس الشَّيْب على أحد باحمراره أو اصفراره» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nقرينة فِعل الصحابة للمنهي عنه مع عدم نقل الإنكار، قرينة قوية للدلالة على أن النهي ليس للتحريم، لكنه اُورد عليها احتمال أن صنيعهم كان للجهاد وإرهاب العدو، والاحتمال يضعف الاستدلال.\nوقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد معتبرة، تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، ولعلها قد تكون معتبرة هنا لمعنى التنزيه وخوف الوقوع في التلبيس والخداع.\nوبما أن بعض القرائن محتملة الاعتبار، فيكون القول بالكراهة فيه قوة، وكذلك أدلة القول بالتحريم قوية، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) (٢/ ٣٠٧).\n(^٢) عون المعبود (١١/ ١٧٢).\n(^٣) (٢/ ٣٠٨).","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>المبحث الرابع:\nالنهي عن نَتْف الشَّيْب</span>\n<span data-type='title' id=toc-102>المطلب الأول: حكم نَتْف الشَّيْب:</span>\nدليل النهي:\nعن عمرو بن شُعَيْب (^١)، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا تَنَتْفوا الشَّيْب؛ فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ، مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَكَفَّرَ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً» (^٢).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٣) على كراهة نَتْف الشَّيْب.\nقال النووي -﵀-: «هذا متفق عليه: قال أصحابنا وأصحاب مالك: يُكره ولا يحرم» (^٤).\n_________\n(^١) هو: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، التابعي، الإمام، المحدث أبو إبراهيم، قال النسائي: ثقة، روى عن أبيه، وجُلُّ روايته عنه وعمته زينب بنت محمد وزينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي -ﷺ- والرُّبيِّع بنت معوِّذ ومجاهد وعطاء وجماعة، حدَّث عنه: الزهري، وقتادة، وعطاء بن أبي رباح، وجماعة، تُوفي سنة ١١٨ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١٦٥ - ١٨٣)، تهذيب التهذيب (٨/ ٤٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الترجُّل، باب في نتف الشيب (٦/ ٢٦٦) برقم: (٤٢٠٢)، والترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء في النهي عن نتف الشيب (٥/ ١٢٥) برقم: (٢٨٢١) مختصرًا وقال: «هذا حديث حسن»، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الزينة، النهي عن نتف الشيب (٨/ ١٣٦) برقم: (٥٠٦٨) مختصرًا، وأحمد (١١/ ٥٥٠) برقم: (٦٩٦٢) واللفظ له، حسنه النووي في (المجموع) (١/ ٢٩٢)، وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن حبان (٧/ ٢٥٣) برقم: (٢٩٨٥).\n(^٣) يُنظر: حاشية الطحطاوي (ص: ٥٢٦)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٤١٨)، المنتقى، للباجي (٧/ ٢٧٠)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧)، المجموع (١/ ٢٩٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٠٧)، المغني (١/ ٦٨)، الفروع (١/ ١٥٣).\n(^٤) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٥/ ٩٦).","vol":"1","page":164},{"text":"الأدلة:\nالدليل الأول: حديث عمرو بن شعيب: أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا تَنَتْفوا الشَّيْب؛ فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ، مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَكَفَّرَ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً».\nالدليل الثاني: عن كعب بن مُرَّة -﵁- (^١) قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن في الأحاديث نهيًا عن نَتْف الشَّيْب، وهو محمول على الكراهة؛ لورود الترغيب البليغ في إبقائه وترْك التعرض لإزالته؛ لأنه نور ووقار للمسلم، وبيَّن شرف الشَّيْب وأهله فصرَّح: بكَتْب الحسنة، ورفع الدرجة، وحط الخطيئة؛ ترغيبًا فيه وفي المثوبة بترك نَتْفه (^٣).\nالدليل الثالث: عن أنس بن مالك -﵁- قال: «يُكْرَهُ أَنْ يَنَتْف الرَّجُلُ الشَّعَرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن في هذا الحديث الموقوف تصريح من الصحابي بكراهة نَتْف الشَّيْب، والصحابة أعلم بمراد رسول الله -ﷺ-؛ فهم صفوة الله تعالى لصحبة نبيه -﵇- ونَقْل الشرع عنه.\n_________\n(^١) هو: كعب بن مرة وقيل مرة بن كعب السلمي، سكن البصرة، ثم الأردن، روى عن النبي -ﷺ-، وعنه: شُرَحْبِيلُ بْنِ السَّمْطِ وأبو الأشعث الصنعاني وجبير بن نفير وغيرهم، قال ابن عبد البر: وله أحاديث مخرجها عن أهل الكوفة، يروونها عن شُرَحْبِيلَ بْنِ السَّمْطِ، عن كعب بن مرة السلمي الْبَهْزِيّ، وأهل الشام يروون تلك الأحاديث بأعيانها عن شرحبيل بن السمط، عن عمرو بن عبسة، والله أعلم.\nقال ابن حجر: ما نقله ابن عبد البر سبقه إليه ابن السكن، وزاد: زعم بعضهم أنهما اثنان، مات كعب بالأردن سنة ٥٧ هـ، وقيل: سنة ٥٩ هـ. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ١٣٢٦)، الإصابة (٥/ ٤٩٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي، أبواب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من شاب شيبة في سبيل الله (٤/ ١٧٢) برقم: (١٦٣٤)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الجهاد، ثواب من رمى بسهم في سبيل الله (٤/ ٢٨٨) برقم: (٤٣٣٧)، وأحمد (٢٩/ ٦٠٦) برقم: (١٨٠٦٤)، صححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ١٠٨١).\n(^٣) يُنظر: فيض القدير (٦/ ٣٣٩)، نيل الأوطار (١/ ١٥١).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب شيبه -ﷺ- (٤/ ١٨٢١) برقم: (٢٣٤١).","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nاتفق الفقهاء على أن النهي عن نَتْف الشَّيْب يُحمل على الكراهة؛ بدليل القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص في نفس الحديث ببيان علة النهي.\nفالقرينة: قوله -ﷺ-: (كانت له نورا يوم القيامة) تعليل بأن الشَّيْب نور ووقار للمسلم ونور له يوم القيامة، يراد به الترغيب.\nجاء في (نيل الأوطار): «في تعليله بأنه نور المسلم ترغيبٌ بليغٌ في إبقائه وترك التعرض لإزالته، وتعقيبه بقوله: (ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام) والتصريح بكتب الحسنة ورفع الدرجة وحط الخطيئة -نداءٌ بشرف الشَّيْب وأهله، وأنه من أسباب كثرة الأجور، وإيماءٌ إلى أن الرُّغوبَ عنه بنَتْفه رغوبٌ عن المثوبة العظيمة» (^١).\nالقرينة الثانية: المقصد من النهي.\nذلك أن النهي عن النَتْف أُريد به الحث على ترك الشَّيْب وإبقائه والترغيب فيما سيكون له من الثواب يوم القيامة، والإرشاد إلى أن الأفضل للمسلم عدم التعرض للشيب؛ لأن فيه معنى تغيير الخلقة.\nقال ابن حجر -﵀-: «إنما نهى عن النَتْف دون الخضب؛ لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها، بخلاف الخضب: فإنه لا يغيِّر الخِلقة على الناظر إليه، والله أعلم» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن هذه القرائن قوية ومعتبرة؛ لورود النص بالتعليل بأن الشَّيْب نور للمسلم، فحُمل -بدلالتها- النهيُ على الكراهة باتفاق الفقهاء.\n_________\n(^١) (١/ ١٥١).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٣٥٥) نقلًا عن ابن العربي.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>المبحث الخامس:\nالنهي عن حَلْق المرأةِ رأسَها</span>\n<span data-type='title' id=toc-105>المطلب الأول: حكم حلق المرأة رأسها:</span>\nدليل النهي:\nعن علي -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» (^١).\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الاتفاق:\nاتفق الفقهاء (^٢) على تحريم حلق المرأة رأسها عند المصيبة، وعُدّ من الكبائر (^٣).\nالدليل: حديث أبي موسى -﵁- قال: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بَرِئَ مِنَ: الصَّالِقَةِ (^٤)، وَالْحَالِقَةِ (^٥)، وَالشَّاقَّةِ (^٦) (^٧).\nوجه الاستدلال: أن الوعيد ببراءة الرسول -ﷺ- ممن يفعل هذه الأمور دليلٌ على تحريمها؛ لأنها مُشعِرة بعدم الرضا بالقضاء (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، أبواب الحج، باب ما جاء في كراهية الحلق للنساء (٣/ ٢٤٨) برقم: (٩١٤) وقال: «فيه اضطراب»، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الزينة، النهي عن حلق المرأة رأسها (٨/ ١٣٠) برقم: (٥٠٤٩)، قال ابن حجر في (الدراية في تخريج أحاديث الهداية) (٢/ ٣٢): «رواته موثقون إلا أنه اختُلف في وصْله وإرساله»، وله شاهد من حديث عائشة أخرجه الترمذي (٣/ ٢٤٨) برقم: (٩١٥) وقال: «والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون على المرأة حلقا، ويرون أن عليها التقصير».\n(^٢) يُنظر: الجوهرة النيرة (١/ ١٠٨)، البيان والتحصيل (٥/ ٣٨٠)، الحاوي الكبير (٣/ ٦٨)، المغني (٢/ ٤٠٨).\n(^٣) يُنظر: إعلام الموقعين (٤/ ٣٠٦).\n(^٤) الصَّالِقَةُ: الصَّلق: الصوت الشديد، يريد: رفعه في المصائب، وعند الفجيعة بالموت. يُنظر: مقاييس اللغة (٣/ ٣٠٦)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٨)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ١١٠).\n(^٥) الحَالِقَةُ: التي تحلق شعرها في المصيبة إذا حلت بها. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٢٧)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ١١٠)، القاموس المحيط (ص: ٨٧٥).\n(^٦) الشَّاقَّةُ: التي تشق ثوبها عند المصيبة. يُنظر: شرح صحيح البخارى، لابن بطال (٣/ ٢٨٠)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ١١٠).\n(^٧) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يُنهى من الحلق عند المصيبة (٢/ ٨١) برقم: (١٢٩٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية (١ م ٧٠) برقم: (١٠٤).\n(^٨) يُنظر: نيل الأوطار (٤/ ١٢٥).","vol":"1","page":167},{"text":"ثانيًا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في حكم حلق المرأة رأسها بعد اتفاقهم على تحريمه في المصيبة، على قولين:\nالقول الأول: يحرم.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، وقول عند الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nالقول الثاني: يُكره.\nوهو المذهب عند الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن الحديث يدل على أن المرأة لا يُباح لها حلق الرأس حال النسك، وإذا لم يُبِح لها حلقَه في حال النُسُك، فغيره من الأحوال أولى (^٨).\nالدليل الثاني: عن علي -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» (^٩).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن حلق المرأة رأسها مطلقًا، وظاهر\n_________\n(^١) يُنظر: بدائع الصنائع (٢/ ١٤١)، تبيين الحقائق (٢/ ٣٩).\n(^٢) يُنظر: البيان والتحصيل (٣/ ٤٣٤)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٢/ ٣٣٥).\n(^٣) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٧٥)، إعانة الطالبين (٢/ ٣٣٠).\n(^٤) يُنظر: الفروع (١/ ١٥٥)، الإنصاف (١/ ٢٥٨).\n(^٥) يُنظر: الحاوي الكبير (٤/ ١٦٤)، المجموع (٨/ ٢٠٤).\n(^٦) يُنظر: المغني (١/ ٦٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٨٨).\n(^٧) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الحلق والتقصير (٣/ ٣٤١) برقم: (١٩٨٥)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٦/ ٢٦٧): «سكت أبو داود عليه ولم يضعِّفه، فهو حجة على قاعدته»، حسّن إسناده النووي في (المجموع) (٨/ ١٩٧)، وابن حجر في (التلخيص الحبير) (٢/ ٥٥٩).\n(^٨) يُنظر: أضواء البيان (٥/ ١٨٩).\n(^٩) سبق تخريجه ص: (١٦٤).","vol":"1","page":168},{"text":"النهي المجرد يقتضي التحريم (^١)، ولا قرينة صارفة.\nالدليل الثالث: الإجماع على أنه ليس على النساء حلق في التحلل من النُسُك (^٢)، ولو كان الحلق يجوز لهن لأُمرن به في الحج؛ لأن الحلق نُسُك على التحقيق (^٣).\nالدليل الرابع: أن حلق الشعر مُثلة في حق المرأة كحلق اللحية في حق الرجال؛ لأن شَعْر رأسها من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها كما يدركه الحس السليم (^٤).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: حديث علي -﵁- الذي استدل به أصحاب القول الأول.\nوجه الاستدلال: أن النهي في الحديث يُحمل على الكراهة؛ لأنها لو حلقت -في التحلل- أجزأها ولم تأتِ حرامًا (^٥).\nيمكن أن يُناقش: بأنه دعوى بلا دليل، واستدلال بمحل النزاع.\nالدليل الثاني: عن ابن عباس -﵄- قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن حلق المرأة رأسها تشبه بالرجال، وقد نُهيت عن التشبه بهم، ويُحمل النهي على الكراهة لا التحريم، فلو حلقت أساءت وأجزأها (^٧).\nنُوقش: بأن اللعن من أقوى دلالات التحريم؛ فالتشبه بالرجال محرم (^٨)، وحَلْقُ\n_________\n(^١) يُنظر: عمدة القاري (١٠/ ٦٤)، فيض القدير (٦/ ٣٤٧).\n(^٢) نقل الإجماع: ابن المنذر في (الإجماع) (ص: ٦٩)، وابن عبد البر في (التمهيد) (٧/ ٢٦٧)، والنووي في (المجموع) (٨/ ٢٠٤).\n(^٣) يُنظر: أضواء البيان (٥/ ١٨٨).\n(^٤) يُنظر: البناية (٤/ ٢٧٤)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٢/ ٣٣٥)، إعانة الطالبين (٢/ ٣٣٠).\n(^٥) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٩/ ١٧٠)، الحاوي الكبير (٤/ ١٦٤).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال (٧/ ١٥٩) برقم: (٥٨٨٥).\n(^٧) يُنظر: الحاوي الكبير (٤/ ١٦٤)، المجموع (٨/ ٢٠٤).\n(^٨) اتفق الفقهاء على تحريم تشبه النساء بالرجال وعكسه، وعُد من الكبائر. يُنظر: عمدة القاري (٢٢/ ٤١)، الذخيرة (١٣/ ٢٦٤)، روضة الطالبين (٢/ ٢٦٣)، الزواجر عن اقتراف الكبائر (١/ ٢٥٦)، كشاف القناع (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":169},{"text":"المرأةِ رأسَها تَشبُّهٌ بالرجال؛ لأن الحلق من صفاتهم الخاصة (^١).\nالدليل الثالث: حديث أبي موسى -﵁- قال: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بَرِئَ مِنَ: الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث براءة رسول الله -ﷺ- ممن تفعل هذه الأمور، وذلك يفيد التحريم، فيحرم حلق الشعر عند المصيبة (^٣)؛ لما فيه من التسخُّط والاعتراض، وأما في غير المصيبة: فلا يحرم.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم حلقِ المرأةِ رأسَها في النُسُك وغيره.\nقال ابن حجر -﵀-: «كما يحرم على المرأة الزيادة في شعر رأسها يحرم عليها حَلق شعر رأسها بغير ضرورة» (^٤).\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة أدلة هذا القول.\n٢ - أن الحلق من خصائص الرجال، وتَشبُّه المرأة بالرجال محرم.\n_________\n(^١) يُنظر: أضواء البيان (٥/ ١٨٩).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (١٦٤).\n(^٣) يُنظر: مغني المحتاج (٢/ ٢٦٩).\n(^٤) فتح الباري (١٠/ ٣٧٥).","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل أصحاب القول الثاني النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارفَ له القرائنُ التالية:\nالقرينة الأولى: الاستدلال بأنها لو حلقت لم يكن حرامًا.\nقال ابن بطال -﵀-: «حديث ابن عباس ليس معناه التحريم؛ بدليل أن المرأة لو حلقت رأسها في الحج مكان التقصير اللازم لها لم تأتِ في ذلك حرامًا» (^١).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nقال المناوي -﵀-: «(نهى أن تحلق المرأة رأسها) فيُكره ذلك تنزيهًا» (^٢).\nوالعلة: التنزيه عن التشبه بالرجال، أو خيفة أن تمثل المرأة بنفسها؛ لأن الحلق فيهن مُثلة، وقد نهي عنه (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قولهم: (أنها لو حلقت لم يكن حرامًا) لا يُعد قرينة صارفة؛ إذ هو قول بلا دليل، بل أجمع العلماء على أنه ليس عليها حلق في النسك، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والتنزيه غير معتبرة؛ إذ إن التعليل بالتشبُّه والمُثلة أقرب للقول بالتحريم؛ لأن تشبه النساء بالرجال حرام، وكذلك المثلة، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري (٩/ ١٧٠).\n(^٢) التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٤٧٨).\n(^٣) يُنظر: المجموع (٨/ ٢١٠)، أسنى المطالب (١/ ٤٩١)، التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٤٧٨).","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>المبحث السادس:\nالنهي عن وصل المرأة رأسها بغير الشعر</span>\n<span data-type='title' id=toc-108>المطلب الأول: حكمُ وصلِ المرأةِ رأسَها بغير الشعر:</span>\nدليل النهي:\nعن جابر -﵁- قال: «زَجَرَ النبي -ﷺ- أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا» (^١).\nصورة المسألة:\nلو أرادت امرأة وَصْل شعرها بغير الشعر: كالْخِرَقِ والصوف والوَبر والقَرَامِل (^٢)، فهل يجوز لها ذلك أو لا يجوز؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا محل الإتفاق:\nاتفق الفقهاء (^٣) على أن رَبْط الشعر بالقرامل ونحوها مما لا يشبه الشعر، ليس بمنهيٍّ عنه، فلا بأس باستعمالها.\nالدليل: لأنه ليس بوصْل، ولا هو في معنى مقصود الوصل (^٤)، ولأنه للتجميل والتحسين، كما يُشد منه في الأوساط، ويُربط من الحُليِّ في الأعناق، ويُجعل في الأيدي والأرجل (^٥).\nقال الخطابي -﵀-: «قد رخص أكثر العلماء في القرامل وذلك أن أمرها لا يشتبه في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فِعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة (٣/ ١٦٧٩) برقم: (٢١٢٦).\n(^٢) القَرَامِلُ: جمع قرمل -بفتح القاف وسكون الراء- نبات طويل الفروع لين، والمراد به هنا: خيوط من حرير أو صوف يعمل ضفائر تشده المرأة في شعرها، يُنظر: الصحاح (٥/ ١٨٠١)، لسان العرب (٩/ ١٥٣)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٧٥).\n(^٣) يُنظر: تبيين الحقائق (٤/ ٥١)، وذكره العيني في (عمدة القاري) (١٩/ ٢٢٦)، التاج والإكليل (١/ ٣٠٥)، مواهب الجليل (١/ ٢٠٦)، المجموع (٣/ ١٤١)، المغني (١/ ٧٠)، الإنصاف (١/ ٢٧٠).\n(^٤) يُنظر: إكمال المعلم (٦/ ٦٥٢)، المجموع (٣/ ١٤١).\n(^٥) يُنظر: إكمال المعلم (٦/ ٦٥٢).","vol":"1","page":172},{"text":"إحاطة علم الناس بأنها استعارة فلا يظن بها تغيير الصورة» (^١).\nثانيًا محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في وَصل المرأة شعرها بغير الشعر: كالْخِرَقِ والصوف والوَبر مما يشبه الشعر، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يحرم.\nوهو مذهب الجمهور: المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٤).\nالقول الثاني: يُكره.\nوهو المذهب عند الحنابلة (^٥).\nالقول الثالث: يُباح.\nوهو مذهب الحنفية (^٦).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن جابر -﵁- قال: «زَجَرَ النبي -ﷺ- أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا عن الوصال؛ فكل شيء يصل فهو وصال (^٨)، والأصل في النهي المجرد عن القرينة: التحريم، وقوله: (شَيْئًا) يدل على العموم فيشمل: الصوف والْخِرَق ونحوها.\nالدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ\n_________\n(^١) أعلام الحديث (٣/ ٢١٦٤).\n(^٢) يُنظر: التاج والإكليل (١/ ٣٠٥)، مواهب الجليل (١/ ٢٠٦)\n(^٣) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ١٧٣)، مغني المحتاج (١/ ٤٠٦).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ٧٠)، الإنصاف (١/ ٢٧٠).\n(^٥) يُنظر: المصدران السابقان.\n(^٦) يُنظر: بدائع الصنائع (٥/ ١٢٥)، تبيين الحقائق (٤/ ٥١).\n(^٧) سبق تخريجه ص: (١٦٩).\n(^٨) يُنظر: المغني (١/ ٧٠).","vol":"1","page":173},{"text":"وَالمُسْتَوْصِلَةَ (^١)، وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ (^٢) (^٣).\nالدليل الثالث: عن أسماء بنت أبي بكر -﵂- قالت: «سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَتِي أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ (^٤)، فَامَّرَقَ (^٥) شَعَرُهَا، وَإِنِّي زَوَّجْتُهَا، أَفَأَصِلُ فِيهِ؟ فَقَالَ: لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ» (^٦).\nالدليل الرابع: عن عائشة -﵂-: «أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ (^٧) شَعَرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ» (^٨).\nوجه الاستدلال: أن في الأحاديث دليلًا على تحريم وصل الشعر، سواء كان لمعذورة أم عروس أم غيرها؛ لورود اللعن على الفاعل، واللعن من أقوى دلالات التحريم (^٩)، وهو عام يشمل: الشَّعر والصوف والْخِرَقَ ونحوها.\n_________\n(^١) الوَاصِلَةُ: التي تصل شعرها بشعر آخر زورا، سواء كان لنفسها أم لغيرها، والموصولة: هي المستوصلة: التي تأمر من يفعل بها ذلك. يُنظر: مقاييس اللغة (٦/ ١١٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٩٢)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٧٥).\n(^٢) الوَشْمُ: أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يُحشى بكحل أو نيل، فيَزْرَقُّ أثره أو يَخْضَرُّ، وقد وشمت تشم وشمًا فهي واشمة، والمستوشمة: التي يُفعل بها ذلك. يُنظر: الصحاح (٥/ ٢٠٥٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٨٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الوصل في الشعر (٧/ ١٦٥) برقم: (٥٩٣٣).\n(^٤) الحَصْبَةُ: هي بثرات تخرج في الجلد حُمر متفرقة. يُنظر: مقاييس اللغة (٢/ ٧٠)، الكواكب الدراري (٢١/ ١٣٠).\n(^٥) امَّرَقَ: الميم والراء والقاف: أصل صحيح يدل على خروج شيء من شيء، وامرق: أي انتثر شعرها وتساقط من مرض. يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٣١٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٢١).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الموصولة (٧/ ١٦٦) برقم: (٥٩٤١)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة (٣/ ١٦٧٦) برقم: (٢١٢٢).\n(^٧) تمعط: أي تساقط من داء وتناثر. يُنظر: الصحاح (٣/ ١١٦١)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٤٣).\n(^٨) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الوصل في الشعر (٧/ ١٦٥) برقم: (٥٩٣٤)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة (٣/ ١٦٧٧) برقم: (٢١٢٣).\n(^٩) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٠٥)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٧٧).","vol":"1","page":174},{"text":"الدليل الخامس: عن سعيد بن المسيب (^١) قال: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ المَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا، فَخَطَبَنَا، فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ، قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ اليَهُودِ، «إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سَمَّاهُ: الزُّورَ -يَعْنِي: الوَاصِلَةَ فِي الشَّعَرِ-» (^٢)، وفي رواية لمسلم: قَالَ: وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: «أَلَا وَهَذَا الزُّورُ؟! قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث تسمية الوصل بالزور؛ لما فيه من الكذب والخداع، والزور منهي عنه، فأفاد تحريم الوصل وتكثير الشعر (^٤).\nالدليل السادس: أن الوصل بالصوف والْخِرَقِ ونحوها في معنى الوصل بالشعر؛ لعموم النهي (^٥).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عن جابر -﵁- قال: «زَجَرَ النبي -ﷺ- أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا» (^٦).\nالدليل الثاني: استدلوا بحديث معاوية -﵃-.\nوجه الاستدلال: أن في حديث جابر نهيًا عن وَصْل الشعر، وهو محمول على الكراهة، وحديث معاوية يدل على تخصيص التي تصله بالشعر، فيمكن جعل ذلك\n_________\n(^١) هو: سعيد بن الْمُسَيِّب بن حزن أبي وَهْب بن عمرو بن عَائِذ بن عمران ابن مَخْزُوْم، أبو محمد القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة وسيد التابعين في زمانه، وُلد لسنتين مضتا من خلافة عمر -﵁-، روى عن أبي بكر مرسلًا وعن عمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وحكيم بن حزام وابن عباس وابن عمر وابن عمرو بن العاص وأبيه المسيب ومعمر بن عبد الله وأبي ذر وأبي الدرداء وغيرهم، وكان زوج بنت أبي هريرة وأعلم الناس بحديثه، وروى عنه: الزهري، وقتادة، وعمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبكير بن الأشج، وبشرٌ كثيرٌ، تُوفي سنة ٩٤ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١٢٤)، تهذيب التهذيب (٤/ ٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الوصل في الشعر (٧/ ١٦٥) برقم: (٥٩٣٨)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فِعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة (٣/ ١٦٧٩) برقم: (٢١٢٧).\n(^٣) كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة (٣/ ١٦٨٠) برقم: (٢١٢٧).\n(^٤) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٧٥).\n(^٥) يُنظر: المفهم (٥/ ٤٤٣)\n(^٦) سبق تخريجه ص: (١٦٩).","vol":"1","page":175},{"text":"تفسيرًا للفظ العام، وبقيت الكراهة لعموم اللفظ في سائر الأحاديث (^١).\nنُوقش: أن حديث اللعن حجة على مَنْ حمل النهي فيه على التنزيه؛ لأن دلالة اللعن على التحريم من أقوى الدلالات، بل عند بعضهم أنه من علامات الكبيرة (^٢). ولدلالة العموم في سائر الأحاديث (^٣).\nويمكن أن يُناقش أيضًا: بأن الرواية الأخرى لحديث معاوية ذَكر فيها الْخِرَقَ، فانَتْفى التخصيص بالشَّعر.\nالدليل الثالث: أن وصله بالشَّعر فيه تدليس، بخلاف غيره، فتُحمل أحاديث النهي على الكراهة في غير الشَّعر (^٤).\nيمكن أن يُناقش: أن الوصل بغير الشعر إن كان مما يشبه الشعر تحققت فيه علة التدليس والتزوير، فيحرم كالشَّعر؛ بدليل حديث معاوية: سمى الوصل بالْخِرَقِ أيضًا: زورًا.\nأدلة القول الثالث:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (^٥).\nوجه الاستدلال: أن الآية دليل على أن الزينة حلال، وتكثير الشعر بالصوف وغيره انَتْفاع بطريق التزين بما يحتمل ذلك (^٦)، فهو من الزينة المباحة.\nالدليل الثاني: حديث أبي هريرة: «لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن اللعن في الحديث للانَتْفاع بما لا يحل الانَتْفاع به، وهو شعر بني آدم؛ لأن الآدمي بجميع أجزائه مُكرَّم، والانَتْفاع بالجزء المنفصل منه إهانة له، وليس\n_________\n(^١) يُنظر: المغني (١/ ٧٠).\n(^٢) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٧٧).\n(^٣) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٩/ ١٧٣).\n(^٤) يُنظر: الشرح الكبير (١/ ٢٦٣).\n(^٥) سورة الأعراف: جزء من الآية (٣٢).\n(^٦) يُنظر: فتح القدير، لابن الهمام (٦/ ٤٢٦).\n(^٧) سبق تخريجه: ص (١٧١).","vol":"1","page":176},{"text":"اللعن للتكثير؛ بدلالة الترخيص في اتخاذ القَرامِل، فدل على الرخصة في غير شَعر بني آدم (^١).\nنُوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن عموم الأحاديث يردُّه؛ فإنه شامل للشعر والصوف والوَبر وغيرها، ولا دليل على التخصيص بشعر بني آدم (^٢).\nالوجه الثاني: أن القَرامِل لم يدخل في النهي، ويلتحق بأنواع الزينة؛ لأنه ليس بوصل ولا قُصد به الوصل، وإنما المراد به التجمل والتحسين (^٣)، ولا هو مما يشبه الشَّعر، فخرج عن محل النزاع.\nالوجه الثالث: أن علة التحريم واللعن؛ لما فيه من تغيير خلق الله؛ فهو غرر وتدليس (^٤)، والتكثير بما يشبه الشعر من صوف أو وَبر ونحوها: تدليس.\nسبب الخلاف:\nاختلافهم في علة التحريم واللعن، فمنهم: مَنْ قال أن العلة هي الغرر والتدليس، وهي موجودة في الشَّعر وغيره مما يشبهه، فيحرم الجميع، ومنهم مَنْ قال بأن هذه العلة لا تُوجد إلا في الوصل بالشَّعر، فيحرم ولا يحرم غيره، ومنهم مَنْ قال بأن العلة هي التكريم والمنع من الإهانة، فيحرم الوصل بشعر بني آدم، ويُرخص في غيره.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم وصْل الشَّعر بغير الشعر مما يشبهه من الصوف والوَبر ونحوها.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة أدلة هذا القول.\n٢ - ورود اللعن على الواصلة، واللعن لا يكون إلا على محرم.\n٣ - أن حديث جابر -﵁- نص في المسألة.\n_________\n(^١) يُنظر: بدائع الصنائع (٥/ ١٢٦)، فتح القدير، لابن الهمام (٦/ ٤٢٦).\n(^٢) يُنظر: نيل الأوطار (٦/ ٢٢٨).\n(^٣) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٢٠٦)، الفواكه الدواني (٢/ ٣١٤).\n(^٤) يُنظر: التاج والإكليل (١/ ٣٠٥)، الفواكه الدواني (٢/ ٣١٤).","vol":"1","page":177},{"text":"٤ - أن فيه سدًا لذريعة الغش والفساد (^١).\n٥ - ضعف استدلال الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب أصحاب القول الثاني إلى كراهة وصْل المرأةِ شعرَها بغير الشعر، ولعل القرينة الصارفة له: المقصد من النهي؛ إذ النهي أُريد به التنزيه عن مقاربة المحرم وهو الوصل بالشعر لأنه تدليس (^٢).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن هذه القرينة غير معتبرة؛ فوجود علة التحريم- التدليس- في غير الشعر مما يشبهه، يُضعِف هذه القرينة، ولأن اللعن من أقوى الدلالات على التحريم، ويؤكده ما جاء من الزجر والمنع وإن كان لمرض، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) يُنظر: أعلام الحديث (٣/ ٢١٦٢).\n(^٢) يُنظر: الشرح الكبير (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>الفصل الخامس\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صفة الوضوء ونواقضه</span>\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن الإسراف في الماء.\nالمبحث الثاني: النهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم.\nالمبحث الثالث: النهي عن الالتفات إلى الشك في الوضوء.\nالمبحث الرابع: النهي عن مسِّ المصحف من غير طهارة.\nالمبحث الخامس: النهي عن السفر بالمصحف إلى دار الحرب.\nالمبحث السادس: النهي عن قراءة الحائض والنفساء شيئًا من القرآن.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>المبحث الأول:\nالنهي عن الإسراف في الماء</span>\n<span data-type='title' id=toc-112>المطلب الأول: حكم الإسراف (^١) في الماء:</span>\nدليل النهي:\nعن ابن عمر -﵄- قال: «رَأَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- رَجُلًا يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: لَا تُسْرِفْ، لَا تُسْرِفْ» (^٢).\nصورة المسألة: الوضوء بإراقة الكثير من الماء زيادة عن القدر الذي يكفي للوضوء.\nحكم المسألة:\nأجمع العلماء (^٣) على كراهة الإسراف في الماء عند الطهارة.\nقال النووي -﵀-: «أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر» (^٤). وقال أيضًا: «والإسراف مكروه بالاتفاق» (^٥).\nوقال البخاري -﵀-: «كره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فِعل النبي -ﷺ-» (^٦).\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن المغفل -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إنَّه سيكونُ في هذه الأمَّةِ قومٌ يَعتَدونَ في الطُّهور والدُّعاء» (^٧).\n_________\n(^١) السَّرَف: ضد القصد، وهو صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي؛ بخلاف التبذير؛ فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي. يُنظر: التعريفات (ص: ٢٤)، الصحاح (٤/ ١٣٧٣)، عمدة القاري (٢/ ٢٤٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهة التعدي فيه (١/ ٢٧٢) برقم: (٤٢٤)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٦٠١): «في إسناده محمد بن الفضل بن عطية: وهو متروك»، وضعّف إسناده البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ٦٢).\n(^٣) نقل الإجماع النووي في (المنهاج) (٤/ ٢). ونقله عنه الحطاب في (مواهب الجليل) (١/ ٧٨).\n(^٤) المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢).\n(^٥) المجموع (١/ ٤٦٧).\n(^٦) صحيح البخاري (١/ ٣٩).\n(^٧) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الإسراف في الوضوء (١/ ٧١) برقم: (٩٦)، وأحمد (٢٧/ ٣٥٦) برقم: (١٦٨٠١)، صححه ابن حبان (١٥/ ١٦٦) برقم: (٦٧٦٤)، وصحح إسناده النووي في (المجموع) (٢/ ١٩٠)، وصححه ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٥٩٩)، وابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٣٨٧).","vol":"1","page":180},{"text":"وجه الاستدلال: أخبر النبي -ﷺ- على سبيل الذم عما يُحدَث في الأمة مما لم يكن في زمانه، ومن ذلك: الاعتداء في الطهور، وذلك مكروه للتنزيه (^١)؛ لأنه يُفضِي به إلى الوسواس (^٢).\nالدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَال: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث إنكارًا للإسراف في الوضوء، وقوله: (وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ) تتميم لإرادة المبالغة في الإنكار (^٤)، فدل ذلك على كراهته.\nالدليل الثالث: عن أبي بن كعب -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: وَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث دلالة على كراهة الإسراف في الوضوء؛ لأنه -ﷺ- حذر من وسواس شيطان الوضوء؛ لإيقاعه الناس في التحيُّر والوسوسة في الوضوء، ويحملهم على الزيادة فيه (^٦).\n_________\n(^١) يُنظر: المجموع (٢/ ١٩٠)، شرح المشكاة، للطيبي (٣/ ٨٠٣).\n(^٢) يُنظر: شرح المشكاة، للطيبي (٣/ ٨٠٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهة التعدي فيه (١/ ٢٧٢) برقم: (٤٢٥)، وأحمد (١١/ ٦٣٦) برقم: (٧٠٦٥)، ضعّف إسناده ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٣٨٧).\n(^٤) يُنظر: شرح المشكاة، للطيبي (٣/ ٨٠٦).\n(^٥) أخرجه الترمذي، أبواب الطهارة، باب كراهية الإسراف في الماء (١/ ٨٤) برقم: (٥٧) وقال: «وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مغفل، حديث أبي بن كعب حديث غريب، وليس إسناده بالقوي والصحيح عند أهل الحديث؛ لأنا لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة»، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه (١/ ٢٧٠) برقم: (٤٢١)، وأحمد (٣٥/ ١٦٠) برقم: (٢١٢٣٨).\nقال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٦٠٠): «… فكلهم ضعَّف خارجة، ونسبه إلى الكذب يحيى، وهذا الحديث من أفراده، ولا أعلم فيه أحسن من قول ابن عدي: إنه يكتب حديثه»، وقال ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٣٨٧): «فيه خارجة بن مصعب: وهو ضعيف»، وقال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٢٦٦): «ينفرد به خارجة ابن مصعب، وأنا أذكره محتسبًا لما أشاهده من كثرة وسواس الناس في صب الماء … وله شاهد بإسناد آخر أصح من هذا» وذكر حديث عبد الله بن مغفل.\n(^٦) يُنظر: شرح المشكاة، للطيبي (٣/ ٨٠٤)، فيض القدير (٢/ ٥٠٣).","vol":"1","page":181},{"text":"الدليل الرابع: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ؟ فَأَرَاهُ ثَلَاثًا، ثَلَاثًا قَالَ: هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ، وَتَعَدَّى، وَظَلَمَ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- بيَّن الحد الأكمل في الوضوء، ونهى عن الزيادة عليه، وبيَّن أن مَنْ زاد عليه فقد أسرف وتجاوز، ووصفه بالإساءة والظلم؛ لما فيه من ترك الأدب بمخالفة هَديه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-113>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرائن الصارفة للنهي عن التحريم:\nالقرينة الأولى: الإجماع.\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nذلك أن النهي فيه الحث على التأدب بأدب رسول الله -ﷺ- في الوضوء، والإرشاد إلى مصلحة الحفاظ على النفس من الوسواس، والحث على القصد في استعمال الماء.\nقال النووي -﵀-: «أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر، والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه» (^٣).\nوجاء في مواهب الجليل: «الأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه» (^٤).\nومما ذكره العلماء من علل النهي:\n١ - أن في الإسراف إساءة وظلمًا بمخالفة هدي النبي -ﷺ-.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا (١/ ٩٥) برقم: (١٣٥)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، الاعتداء في الوضوء (١/ ١٠٦) برقم: (٨٩) واللفظ له. وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه (١/ ٢٧١) برقم: (٤٢٢)، وأحمد (١١/ ٢٧٧) برقم: (٦٦٨٤)، صححه ابن خزيمة (١/ ١٢٦) برقم: (١٧٤)، وابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ١٤٣)، وصحح طرقه ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٢٦٨).\n(^٢) يُنظر: المفاتيح في شرح المصابيح (١/ ٤٠٤).\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢).\n(^٤) (١/ ٢٥٨) نقلًا عن ابن ناجي.","vol":"1","page":182},{"text":"جاء في (المفاتيح في شرح المصابيح): «فمَن زاد على هذا فقد أساء وظلم بترك الأدب بمخالفة رسول الله -﵀-» (^١).\n٢ - أن الإسراف في الطهور يُفضِي إلى الوسواس.\nجاء في (شرح المشكاة): «الاعتداء في الطهور: استعماله فوق الحاجة، والمبالغة في تحري طهوريته، حتى يفضي به إلى الوسواس» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nقرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة الصالحة لصرف النهي عن مقتضاه التحريم، والذي يظهر أن قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ لمناسبة ما ذُكر فيها من معنى لباب آداب الوضوء التي أرشد إليها النبي -ﷺ-، والله أعلم.\nتنبيه:\nمن صور الإسراف في الوضوء في زماننا: فتح صنبور الماء على مستوى عالي للماء مع عدم الحاجة لذلك، أو تركه مفتوحا يصب الماء بلا فائدة أثناء التنقل بين فروض الوضوء.\n_________\n(^١) (١/ ٤٠٤).\n(^٢) للطيبي (٣/ ٨٠٣).","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>المبحث الثاني:\nالنهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم</span>\n<span data-type='title' id=toc-115>المطلب الأول: حكم الوضوء من أكل لحم الغنم </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن البراء بن عازب -﵁- قال: «سُئِلَ رسولُ الله -ﷺ- عن الوضوءِ (^٢) من لُحومِ الإبلِ، فقال: تَوضَّؤوا منها، وسُئِلَ عن لُحوم الغَنَم، فقال: لا توضَّؤوا منها، وسُئِلَ عن الصلاة في مَبَارِكِ الإبلِ (^٣)، فقال: لا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإبل؛ فإنَّها مِنَ الشَّياطين، وسُئِلَ عن الصَّلاة في مَرَابِضِ (^٤) الغَنَم، فقال: صَلُّوا فيها؛ فإنَّها بَرَكةٌ» (^٥).\nحكم المسألة:\nنقل أهل العلم أن الوضوء مما مست النار اختُلف فيه في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء منه، ماعدا لحم الإبل عند من يراه.\n_________\n(^١) تَرِد هذه المسألة عند الفقهاء بعنوان: الوضوء مما مست النار، أو تُذكر ضمنًا مع مسألة الوضوء من أكل لحم الإبل؛ ذلك أن وجوب الوضوء من لحم الإبل من مفردات مذهب الحنابلة، على خلاف مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية: فإنهم ذهبوا إلى عدم وجوب الوضوء كحكم ما مست النار- ولذا فإنهم يذكرون حكم ما مست النار على العموم، ولحم الغنم من أفراده، ودليلهم حديث البراء، وهو نص في لحم الغنم.\nوتُنظر مسألة الوضوء من أكل لحم الإبل في: بدائع الصنائع (١/ ٣٢)، المعونة (ص: ١٥٨)، المجموع (٢/ ٥٧)، المغني (١/ ١٣٨).\n(^٢) اختُلف في تأويل المراد بالوضوء، فقيل: المراد به الوضوء اللغوي، وهو: غسل اليدين والفم، وقيل: هو الوضوء الشرعي، وردّ ابن قدامة والنووي التأويل الأول؛ لضعفه، ولأن الوضوء إذا جاء على لسان الشارع، وجب حمله على الموضوع الشرعي دون اللغوي؛ لأن الظاهر منه أنه إنما يتكلم بموضوعاته. يُنظر: المجموع (٢/ ٥٨)، المغني (١/ ١٣٩).\n(^٣) مَبَارِكُ الإبل: معاطنها عند المناهل للشرب والراحة، وحيث تبيت وتقيل. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢١٦٥)، إكمال المعلم (٢/ ٢٠٦).\n(^٤) المَرَابِضُ للغنم كالمعاطن للإبل، واحدها مربض، ومرابض الغنم حيث تربض للقائلة والمبيت. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٠٧٦)، إكمال المعلم (٢/ ٢٠٦).\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الوضوء من لحوم الإبل (١/ ١٣٢) برقم: (١٨٤)، والترمذي، أبواب الطهارة، باب الوضوء من لحوم الإبل (١/ ١٢٢) برقم: (٨١)، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل (١/ ٣١١) برقم: (٤٩٤)، وأحمد (٣٠/ ٦٣١) برقم: (١٨٧٠٣)، قال ابن خزيمة (١/ ٦٣): «ولم نرَ خلافًا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر أيضًا صحيح من جهة النقل؛ لعدالة ناقليه».","vol":"1","page":184},{"text":"وممن نقل الإجماع:\nابن المنذر -﵀- حيث يقول: «ولا أعلم اليوم بين أهل العلم اختلافًا في ترك الوضوء مما مست النار، إلا الوضوء من لحوم الإبل خاصة» (^١).\nوقال النووي -﵀-: «ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار» (^٢).\nفالفقهاء متفقون على أنه لا يجب الوضوء مما مست النار، ولحوم الغنم تدخل فيها (^٣).\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن عباس -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (^٤).\nالدليل الثاني: عن عمرو بن أمية (^٥) -﵁-: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَلْقَى السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (^٦).\nالدليل الثالث: عن ميمونة -﵂- زوج النبي -ﷺ-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (^٧).\nوجه الاستدلال من الأحاديث: أن النبي -ﷺ- أكل لحم غنم ولم يتوضأ؛ فكان فِعله\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٢٢٤)، ويُنظر: الاستذكار (١/ ١٨٠).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٤٣).\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٧٩)، المعونة (ص: ١٥٨)، بداية المجتهد (١/ ٤٦)، الحاوي الكبير (١/ ٢٠٥)، المجموع (٢/ ٥٧)، المغني (١/ ١٤١)، الشرح الكبير (٢/ ٥٧).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب مَنْ مضمض من السويق ولم يتوضأ (١/ ٥٢) برقم: (٢٠٧)، ومسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار (١/ ٢٧٣) برقم: (٣٥٤).\n(^٥) هو: عَمْرُو بنُ أُمَيَّة بن خُوَيْلِد بن عبد الله بن إياس الضمري، أبو أمية، صحابي مشهور، قال ابن سعد: أسلم حين انصرف المشركون من أحد، وكان شجاعًا، بعثه النبي إلى النجاشي في زواج أم حبيبة، له أحاديث: روى عنه أولاده: جعفر، وعبد الله، والفضل، وغيرهم. وعاش إلى خلافة معاوية، فمات بالمدينة قبل الستين. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ١١٦٢)، الإصابة (٤/ ٤٩٦).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب مَنْ مضمض من السويق ولم يتوضأ (١/ ٥٢) برقم: (٢٠٨)، ومسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار (١/ ٢٧٣) برقم: (٣٥٥).\n(^٧) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ (١/ ٥٢) برقم: (٢١٠)، ومسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار (١/ ٢٧٤) برقم: (٣٥٦).","vol":"1","page":185},{"text":"-ﷺ- دليلًا على أن الوضوء من لحم الغنم ليس بواجب، وأن تَرْكه الوضوء منها دليل على نسخ ما سبق من الأمر بالوضوء مما مست النار.\nالدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن حديث جابر فيه بيان أن آخر الأمرين -أي: من الوضوء مما مسته النار أو ترْكه- من فِعل رسول الله -ﷺ- هو ترك الوضوء، فاستُفيد منه نسخ الأحاديث التي أفادت وجوب الوضوء مما مست النار: كحديث أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» (^٢)، وهوعام يدخل فيه لحم الغنم (^٣)، ومما يدل على النسخ عمل الخلفاء الراشدين بترك الوضوء مما مست النار (^٤).\nالدليل الخامس: عن البراء بن عازب -﵁- قال: «سُئِلَ رسولُ الله -ﷺ- عن الوضوءِ من لُحومِ الإبلِ، فقال: تَوضَّؤوا منها، وسُئِلَ عن لُحوم الغَنَم، فقال: لا توضَّؤوا منها، وسُئِلَ عن الصلاة في مَبَارِكِ الإبلِ، فقال: لا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإبل؛ فإنَّها مِنَ الشَّياطين، وسُئِلَ عن الصَّلاة في مَرَابِضِ الغَنَم، فقال: صَلُّوا فيها؛ فإنَّها بَرَكةٌ» (^٥) (^٦).\nوجه الاستدلال: أجاب رسول الله -ﷺ- بالنهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب في ترك الوضوء مما مست النار (١/ ١٣٧) برقم: (١٩٢)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار (١/ ١٠٨) برقم: (١٨٥). صححه ابن خزيمة (١/ ٦٨) برقم: (٤٣)، وابن حبان (٣/ ٤١٦) برقم: (١١٤٣)، وقال النووي في (المنهاج) (٤/ ٤٣): «حديث صحيح: رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة».\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار (١/ ٢٧٢) برقم: (٣٥٢).\n(^٣) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١/ ٣١٤)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٤٣)، شرح أبي داود، للعيني (١/ ٤٤٦).\n(^٤) يُنظر: الاستذكار (١/ ١٧٥)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٤٣).\n(^٥) سبق تخريجه ص: (١٨١).\n(^٦) استدل به الحنابلة على مسألة الوضوء من لحوم الإبل، وحملوا النهي عن الوضوء من لحوم الغنم على نفي الوجوب، أما الجمهور: فلم يستدلوا به في هذه المسألة؛ لأن منهم مَنْ حمل الوضوء فيه على الوضوء اللغوي، ومنهم مَنْ حمله على الوضوء الشرعي، وقالوا بنسخ الحديث، وأجاب الحنابلة عن هذه الأوجه. يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٢٠٦)، كشاف القناع (١/ ١٣٠).","vol":"1","page":186},{"text":"والمراد بالنهي ها هنا: نفي الإيجاب لا التحريم (^١)؛ لأنه وقع جوابًا لسؤال قصد به السائل معرفة إن كان لحم الغنم ينقض الوضوء أم لا؟ فأجاب بنفي الوجوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-116>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين فيما سبق أن الفقهاء حملوا النهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم على نفي الإيجاب، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: الإجماع.\nإجماع العلماء على أنه لا يجب الوضوء مما مست النار، قرينة تدل على أن النهي ليس للتحريم.\nالقرينة الثانية: ورود النهي في جواب سؤال بحسب قصد السائل.\nوذلك في قوله -ﷺ-: (لا تتوضؤوا منها) في جواب السؤال، قال ابن قدامة -﵀-: «المراد بالنهي ها هنا نفي الإيجاب لا التحريم» (^٢).\nوقال ابن تيمية -﵀-: «والنهي في لحم الغنم إنما أفاد نفي الإيجاب، فيجب أن يكون في لحم الإبل مفيدًا للإيجاب؛ ليحصل الفرق» (^٣).\nوجاء في (الغيث الهامع): «أما النهي بعد الاستئذان: فهو مرتب على ما فُهم من السؤال من إيجاب وندب وإرشاد وإباحة؛ لأن أصله الاستفهام عن الخبر، وجوابه أيضًا خبر، … ومن أمثلته: حديث: سُئل عن لحوم الغنم فقال: (لا توضؤوا منها) والظاهر أن السؤال فيه عن الوجوب، فيكون معنى الجواب: لا يجب الوضوء منها، والله أعلم» (^٤).\nالحكم على القرينة:\nقرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة الصالحة لصرف النهي عن مقتضاه التحريم، وقرينة ورود النهي في جواب السؤال قرينة حال صارفة، وقد اعتضدت بقرينة الإجماع، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار (٢/ ٦٣٧)، المغني (١/ ١٣٩).\n(^٢) المغني (١/ ١٣٩).\n(^٣) شرح العمدة -كتاب الطهارة (ص: ٣٣٣).\n(^٤) الغيث الهامع شرح جمع الجوامع (ص: ٢٤٦).","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-117>المبحث الثالث:\nالنهي عن الالتفات إلى الشك في الوضوء</span>\n<span data-type='title' id=toc-118>المطلب الأول: حكم الالتفات إلى الشك في الوضوء:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا (^١) (^٢).\nصورة المسألة: الشك في الوضوء له حالان:\nالأول: أن يتيقن الحدث، ويشك في الطهارة.\nالثاني: أن يتيقن الطهارة، ويشك في الحدث.\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الإجماع:\nأجمع العلماء (^٣) على أنه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة، فإنه يبني على اليقين (^٤)، ولا يلتفت إلى الشك، فيجب عليه الوضوء؛ لأن اليقين لا يزول بالشك (^٥)؛\n_________\n(^١) حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا: المراد به أن يعلم ويتحقق، ولا يشترط السماع والشم، وذِكر الريح ليس للتخصيص، وإنما يدخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين، قال النووي -﵀- في (المنهاج) (٤/ ٤٩): «وقوله: -ﷺ- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا معناه: يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين»، وقال الخطابي في (أعلام الحديث) (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨): «لم يرد بذكر هذين النوعين من الحدث تخصيصهما وقصر الحكم عليهما حتى لا يقع نقض الطهارة بغيرهما، وإنما هو جواب خرج على حدود المسألة التي سأل عنها السائل، وقد دخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين من غائط وبول ومذي وودي ودم ونحوها».\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أن مَنْ تيقن الطهارة ثم شك فِي الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (١/ ٢٧٦) برقم: (٣٦٢).\n(^٣) نقل الإجماع: الماوردي في (الحاوي) (١/ ٢٠٧)، وابن حزم في (مراتب الإجماع) (ص: ٢٢)، وابن عبد البر في (الاستذكار) (١/ ٥١٥)، والنووي في (المنهاج) (٤/ ٥٠).\n(^٤) اليقين: في اللغة: العلم وزوالُ الشك. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٢١٩). وعند الفقهاء: «ما أذعنت النفس للتصديق به، وقطعت به، وقطعت بأن قطعها به صحيح، قاله الموفق في مقدمة الروضة، وسمى ما هنا يقينًا بعد ورود الشك عليه استصحابًا للأصل السابق». نقله البهوتي في (شرح منتهى الإرادات) (١/ ٧٥).\n(^٥) وهي إحدى القواعد الكلية الكبرى، يُنظر: الأشباه والنظائر، للسبكي (١/ ١٣)، الأشباه والنظائر، لابن الملقن (١/ ١٣٥)، القواعد، للحصني (١/ ٢٠٤)، الأشباه والنظائر، للسيوطي (ص: ٧).","vol":"1","page":188},{"text":"لحديث أبي هريرة.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «أجمع العلماء أن مَنْ أيقن بالحدث وشك في الوضوء، أن شكه لا يفيد فائدة، وأن الوضوء واجب عليه» (^١).\nوقال ابن الملقن -﵀-: «لو تيقن الحدث وشك في الطهارة، فهو محدث بالإِجماع» (^٢).\nثانيا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء فيما إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث في الصلاة أو خارجها، على قولين:\nالقول الأول: لا يجب عليه الوضوء، بل يبني على اليقين، ولا يلتفت إلى الشك.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، ورواية عن الإمام مالك -﵀- (^٦).\nالقول الثاني: يجب عليه الوضوء.\nوهو المشهور عن الإمام مالك -﵀- (^٧).\n_________\n(^١) الاستذكار (١/ ٥١٥).\n(^٢) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٦٧٣).\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٨٦)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣).\n(^٤) يُنظر: الحاوي (١/ ٢٠٧)، المجموع (٢/ ٦٤).\n(^٥) يُنظر: المغني (١/ ١٤٤)، الإنصاف (٢/ ٦٧).\n(^٦) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٢٠٧)، التاج والإكليل (١/ ٤٣٧).\n(^٧) يُنظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٢٢)، المفهم (١/ ٦٠٨)، الذخيرة (١/ ٢١٩).","vol":"1","page":189},{"text":"أدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن زيد (^١) -﵁-: «أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ (^٢) أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ: لَا يَنْصَرِفْ- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (^٣).\nالدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا (^٤) (^٥).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر هذه الأحاديث يدل على أن مَنْ تيقن الطهارة وشكَّ في الحدث، حُكم ببقائه على الطهارة، ولا يلزمه الوضوء، سواء حصل الشك في الصلاة أم\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو الأنصاري المازني، من بني مازن بن النجار، يُعرف بابن أم عمارة، ولم يشهد بدرًا، وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب مع وحشي ابن حرب، وكان مسيلمة قد قتل أخاه حبيب بن زيد، روى عن النبي -ﷺ- أحاديث، وروى عنه ابن أخيه عباد بن تميم، ويحيى بن عمارة، وواسع بن حبان، وغيرهم. قُتل عبد الله بن زيد يوم الحرة، سنة ٦٣ هـ. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ٩١٣)، أسد الغابة (٣/ ٢٥٠).\n(^٢) يُخَيَّلُ إليه: أصله من الخيال والتخييل، لا فرق في الشك عند الفقهاء بين تساوي الاحتمالين في وجود الحدث وعدمه وبين ترجُّح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء عليه؛ فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح الأصولي، وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٥٩٤)، المغني (١/ ١٤٥)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٥٠)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٤/ ٤٥).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن (١/ ٣٩) برقم: (١٣٧)، ومسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أن مَنْ تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (١/ ٢٧٦) برقم: (٣٦١).\n(^٤) حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا: المراد به أن يعلم ويتحقق، ولا يشترط السماع والشم، وذِكر الريح ليس للتخصيص، وإنما يدخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين، قال النووي -﵀- في (المنهاج) (٤/ ٤٩): «وقوله: -ﷺ- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا معناه: يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين»، وقال الخطابي في (أعلام الحديث) (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨): «لم يرد بذكر هذين النوعين من الحدث تخصيصهما وقصر الحكم عليهما حتى لا يقع نقض الطهارة بغيرهما، وإنما هو جواب خرج على حدود المسألة التي سأل عنها السائل، وقد دخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين من غائط وبول ومذي وودي ودم ونحوها».\n(^٥) سبق تخريجه ص: (١٨٦).","vol":"1","page":190},{"text":"خارجها؛ إعمالًا للأصل السابق وهو الطهارة، وإطراحًا للشك الطارئ (^١).\nقال النووي -﵀- بعد ذِكر حديث عبد الله بن زيد: «هذا الحديث: أصل من أصول الاسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الاشياء يُحكم ببقائها على أصولها؛ حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها.\nفمن ذلك: مسألة الباب التي ورد فيها الحديث، وهي أن مَنْ تيقن الطهارة وشك في الحدث، حُكم ببقائه على الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف» (^٢).\nنُوقش: بأن هذا خاص بالمستنكِح (^٣)؛ لأنه قال فيه: شُكي إليه، وهذا لا يكون إلا ممن يكون ذلك عليه كثيرًا (^٤)، وغير المستنكِح يجب عليه الوضوء.\nأُجيب عنه: بأنه جاء ما يدل على التعميم، وهو حديث أبي هريرة بلفظ: (إذا وجد أحدكم) (^٥).\nالدليل الثالث: أنه إذا شك وتعارض عنده الأمران، فيجب سقوطهما: كالبينتين إذا تعارضتا، ويرجع إلى التيقن (^٦).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: القياس على الشك في الصلاة؛ لأن مَنْ شكَّ: أصلى ركعتين أم ثلاثًا،\n_________\n(^١) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٤٩)، شرح العمدة لابن تيمية- كتاب الطهارة (ص: ٣٤٥)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٤/ ٤٤).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٤٩).\n(^٣) المستنكِح: بكسر الكاف أي ملازم كثيرا، وهو تفسير باللازم؛ لأن المستنكح معناه القاهر للشخص ومعلوم أنه لا يكون قاهرا للشخص إلا إذا لازمه كثيرا. يُنظر: حاشية الدسوقي (١/ ٧١). وهو أحد قسمي الشاكِّ عند المالكية، وهو الذى يعتري الشك صاحبه كثيرًا، والقسم الثاني: هو الشك غير المستنكِح، جاء في المدونة (١/ ١٢٢): «قلت لابن القاسم: أرأيت مَنْ توضأ، فأيقن بالوضوء، ثم شك بعد ذلك، فلم يدرِ: أحدث أم لا، وهو شاك في الحدث؟ قال: إن كان ذلك يستنكحه كثيرًا فهو على وضوئه، وإن كان لا يستنكحه فليُعِد وضوءه، وهو قول مالك، وكذلك كل مستنكِح مُبتلى في الوضوء والصلاة».\n(^٤) يُنظر: المفهم (١/ ٦٠٨).\n(^٥) يُنظر: شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (٢/ ٢٠٤).\n(^٦) يُنظر: المغني (١/ ١٤٥)، كشاف القناع (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":191},{"text":"يجب عليه إتمام ما شك فيه؛ فالأصل اليقين بلزوم فرض الصلاة ثلاث ركعات، ووجه ذلك: أنه قد لزمه أداء الصلاة بطهارة، فلا يبرأ منها إلا بيقين، ولا يحصل له اليقين إلا باستئناف الطهارة (^١).\nوذلك نظرًا إلى الأصل الأول قبل الطهارة، وهو تَرتُّب الصلاة في الذمة، فلا تُزال إلا بطهارة متيقَّنة، ولا يقين مع وجود الشك في وجود الحدث (^٢).\nالدليل الثاني: أن الشك في الحدث له مدخل في وجوب الوضوء كالنوم (^٣).\nنُوقش: بأن النوم لما كان مظنة لأمر غير منضبط، جُعلت المظنة حدثًا، بخلاف هذه المسألة (^٤)؛ فإنه يؤول إلى التحقق إن سمع صوتًا أو وجد ريحًا.\nالدليل الثالث: إعمال قاعدة: أن كل مشكوك فيه يُلغى في الشريعة ولا بدَّ (^٥).\nقال القرافي -﵀-: «السر في ذلك قاعدة: الأصل ألا يُعتبر في الشرع إلا العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٦)؛ لعدم الخطأ فيه قطعًا، لكن تعذَّر العلم في أكثر الصور، فجوَّز الشرع اتباع الظنون؛ لندرة خطئها وغلبة إصابتها، وبقي الشك على مقتضى الأصل؛ فكل مشكوك فيه ليس بمعتبَر.\nويجب اعتبار الأصل السابق على الشك، فإن شككنا في السبب لم نرتب المسبب، أو في الشرط لم نرتب المشروط، أو في المانع لم ننفِ الحكم، فهذه القاعدة مُجمَع عليها لا تُنتقض، وإنما وقع الخلاف بين العلماء في وجه استعمالها: فالشافعي -﵀- يقول: الطهارة متيقنة والمشكوك فيه مُلغى، فنستصحبها.\nويقول مالك -﵀-: شُغل الذمة بالصلاة مُتيقَّن يحتاج إلى سبب مُبرِاء، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط، فيقع الشك في الصلاة الواقعة بالطهارة المشكوك فيها\n_________\n(^١) يُنظر: التهذيب في اختصار المدونة (١/ ١٨١)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٥٤).\n(^٢) يُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٤/ ٤٤).\n(^٣) يُنظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١٥٤).\n(^٤) يُنظر: اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (٢/ ١٤٣).\n(^٥) يُنظر نص القاعدة في: ترتيب الفروق واختصارها (١/ ١٠٨)، وتُنظر القاعدة في: الفروق، للقرافي (١/ ١١١)، الإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ١٩٢٣)، موسوعة القواعد الفقهية (٨/ ٦٠٦).\n(^٦) سورة الإسراء: جزء من الآية (٣٦).","vol":"1","page":192},{"text":"وهي السبب المبراء، والمشكوك فيه ملغى، فيُستصحب شغل الذمة، … والذي انعقد الإجماع على إلغائه هو المشكوك فيه لا الشك، فلا يلتبس عليك ذلك» (^١).\nقال ابن حجر -﵀-: «ما ذهب إليه مالك راجح؛ لأنه احتاط للصلاة وهي مقصد، وألغى الشك في السبب المبرئ، وغيره احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل» (^٢).\nنُوقش: بأن ذلك من حيث النظر قوي، لكنه مغاير لمدلول الحديث؛ لأنه نهى عن الانصراف إلا بعد أن يتحقق (^٣)، وكفى به حجة!\nسبب الخلاف:\nسبب الخلاف تقابل يقيني: الطهارة والصلاة (^٤): فالجمهور نظروا إلى استصحاب يقين الطهارة، فقالوا: لا يلزمه الوضوء، والمالكية نظروا إلى الأصل الأول قبل الطهارة، وهو تَرتُّب الصلاة في الذمة، فلا تُزال إلا بطهارة متيقنة، ولا يقين مع وجود الشك في وجود الحدث (^٥).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- قول الجمهور بأن مَنْ تيقن الطهارة وشك في الحدث، لا يجب عليه الوضوء.\nسبب الترجيح:\n١ - قوة الأدلة، ودلالتها على المنع من الالتفات للشك الطارئ والعمل باليقين.\n٢ - ورود المناقشة على أدلة القول الآخر.\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٢١٨ - ٢١٩).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٢٣٨) نقلًا عن العراقي، ولم أتمكن من التحقق من صحة نسبة هذا القول للعراقي، والذي يغلب على الظن -والله أعلم- أنه للقرافي؛ إذ يقول القرافي في الفروق (٢/ ١٦٤): «ومذهب مالك أرجح من جهة أن الصلاة مقصد والطهارات وسائل، وطرح الشك تحقيقًا للمقصد أولى من طرحه لتحقيق الوسائل».\n(^٣) فتح الباري (١/ ٢٣٨).\n(^٤) يُنظر: المفهم (١/ ٦٠٨).\n(^٥) يُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٤/ ٤٤).","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالقرينة الأولى: المقصد من النهي.\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن أحاديث النهي في هذه المسألة المقصود منها بيان: حكم تعارض اليقين والشك في الوضوء، وهل يجب الوضوء بسبب الشك أو لا؟\nولذلك لم يتعرض الفقهاء للنهي من حيث اقتضائه التحريم أو هو مصروف عنه، وإنما بيَّنوا أن النهي أفاد نفي وجوب الوضوء بالشك في خروج الريح.\nالقرينة الثانية: ورود النهي في جواب سؤال.\nفقوله -ﷺ-: (لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) في جواب السؤال، قرينة صارفة للنهي بحسب قصْد السائل بسؤاله.\nفقصْد السائل هو معرفة ما إذا كان الشك في الحدث يوجب الوضوء أو لا؟ فيكون معنى الجواب: لا يوجب الوضوء، والله أعلم.\nجاء في (الغيث الهامع): «أما النهي بعد الاستئذان: فهو مرتب على ما فُهم من السؤال من إيجاب وندب وإرشاد وإباحة؛ لأن أصله الاستفهام عن الخبر وجوابه أيضًا خبر، … ومن أمثلته: حديث: سُئل عن لحوم الغنم فقال: (لا توضؤوا منها)، والظاهر أن السؤال فيه عن الوجوب، فيكون معنى الجواب: لا يجب الوضوء منها، والله أعلم» (^١).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن هذه القرائن معتبَرة؛ لقوة دلالتها على نفي وجوب الوضوء إن تيقن الطهارة وشك في الحدث، والله أعلم.\n_________\n(^١) الغيث الهامع شرح جمع الجوامع (ص: ٢٤٦).","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>المبحث الرابع:\nالنهي عن مس المصحف من غير طهارة</span>\n<span data-type='title' id=toc-121>المطلب الأول: حكم مس المصحف من غير طهارة:</span>\nدليل النهي:\nحديث عمرو بن حزم -﵁-: «أَنَّ النبي -ﷺ- كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (^١).\nصورة المسألة: هل يجوز للمحدث حدثًا أكبر أو أصغر مسُّ المصحف بيده أو أي جزء من بدنه مباشرة من غير حائل؟ وهل يختلف الحكم إن كان بالغًا أو صغيرًا؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الاتفاق:\nاتفق الفقهاء (^٢) على تحريم مس المصحف على البالغ المحدث حدثًا أصغر أو أكبر.\nقال النووي -﵀-: «مس المصحف وحمله، مذهبنا: تحريمهما وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء» (^٣).\nالأدلة:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك (١/ ١٩٩) برقم: (١)، والدارقطني، كتاب الطهارة، باب في نهي المحدث عن مس القرآن (١/ ٢١٩) برقم: (٤٣٩)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب نهي المحدث عن مس المصحف (١/ ٢٦٣) برقم: (٤١١)، وأخرجه بطوله ابن حبان، (١٤/ ٥٠١) برقم: (٦٥٥٩)، قال ابن عبد البر في (التمهيد) (١٧/ ٣٩٦): «كتاب النبي -ﷺ- لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات كتاب مشهور عند أهل العلم، معروف، يُستغني بشهرته عن الإسناد»، وقال في (الاستذكار) (٢/ ٤٧١): «كتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل»، ونقل ابن تيمية في (الفتاوى الكبرى) (١/ ٢٨٠) عن الإمام أحمد قوله: «لا شك أن النبي -ﷺ- كتبه له»، وقال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٥٠١): «أخرجه الحاكم وابن حبان في صحيحيهما، وقال يعقوب بن سفيان الحافظ: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصح من كتاب عمرو بن حزم».\n(^٢) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٣، ٣٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٣)، المعونة (ص: ١٦١)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٣)، الحاوي الكبير (١/ ١٤٤)، المجموع (٢/ ٦٥، ٣٥٨)، المغني (١/ ١٠٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٧). واستثنى المالكية مَنْ كان حدثه أصغر -معلِّمًا أو متعلِّمًا- والمرأة المعلِّمة حال الحيض، فأجاز لهم مس المصحف لضرورة التعلم والتعليم. يُنظر: شرح مختصر خليل (١/ ١٦١)، منح الجليل (١/ ١١٨).\n(^٣) المجموع (٢/ ٧٢).","vol":"1","page":195},{"text":"الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (^١).\nوجه الاستدلال: أن في الآية خبرًا بمعنى النهي، أي: لا يمس القرآن، فهو نهي من الله -﷿- ألا يمس القرآن الكريم إلا المطهرون إجلالًا له وتعظيمًا، والنهي على الحظر والتحريم، وجاءت بصيغة الحصر، فاقتضى ذلك حصر الجواز في المطهرين، وعموم سلبه في غيرهم (^٢).\nالدليل الثاني: حديث عمرو بن حزم -﵁-: «أَنَّ النبي -ﷺ- كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».\nالدليل الثالث: عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن في الحديثين نهيًا صريحًا عن مس المصحف إلا لمن كان طاهرًا، والأصل في النهي المجرد عن القرينة التحريم (^٤)، والأحاديث تؤكد التمسك بالآية؛ لأنها على صيغتها (^٥).\nثانيًا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في حكم مس الصغير (^٦) للمصحف من غير طهارة، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجوز.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٧)، والمالكية (^٨)، والشافعية (^٩)، ورواية عن الإمام\n_________\n(^١) سورة الواقعة: الآية (٧٩).\n(^٢) يُنظر: المعونة (ص: ١٦١)، الذخيرة (١/ ٢٣٨)، كشاف القناع (١/ ١٣٤).\n(^٣) أخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب فِي نهي المحدث عن مس القرآن (١/ ٢١٩) برقم: (٤٣٧)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب نهي المحدث عن مس المصحف (١/ ٢٦٣) برقم: (٤١٣)، وثَّق رجاله الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١/ ٢٧٦)، وقال ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٣٦١): «إسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به».\n(^٤) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ٢٥٩).\n(^٥) يُنظر: الذخيرة (١/ ٢٣٩).\n(^٦) المراد: الصغير المميز، أما الصغير غير المميز: فإنه يحرم تمكينه من مس المصحف؛ لئلا ينتهكه. يُنظر: المجموع (٢/ ٦٩)، مغني المحتاج (١/ ١٥٢).\n(^٧) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ٥٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٧٤).\n(^٨) يُنظر: بداية المجتهد (١/ ٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٤).\n(^٩) يُنظر: التعليقة للقاضي حسين (١/ ٣٠٠)، المجموع (٢/ ٦٥)، مغني المحتاج (١/ ١٥١).","vol":"1","page":196},{"text":"أحمد -﵀- (^١).\nالقول الثاني: يُكره.\nوهو قول عند الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣).\nالقول الثالث: لا يجوز.\nوهو وجه عند الشافعية (^٤)، والمذهب عند الحنابلة (^٥).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: أن الصغير غير مكلف، فلا يتناوله خطاب النهي (^٦)، ولأن طهارتهم ناقصة؛ فلا معنى لاشتراطها (^٧).\nالدليل الثاني: أن في تكليفهم بالوضوء حرجًا بهم، وفي تأخيرهم إلى البلوغ تقليل حفظ القرآن، فيُرخص للضرورة، ورفعًا للحرج والمشقة عنهم (^٨).\nدليل القول الثاني: استدلوا بأدلة النهي التي سبقت في حكم مس البالغ للمصحف، وقالوا: يخفف في حق الصغير فيُحمل النهي على الكراهة؛ لعدم تكليفه (^٩).\nأدلة القول الثالث:\nالدليل الأول: القياس على الصلاة؛ فتلزمه الطهارة لمس المصحف كما تلزمه\n_________\n(^١) يُنظر: الفروع (١/ ٢٤٣)، شرح الزركشي (١/ ٢١٢)، الإنصاف (٢/ ٧٢).\n(^٢) يُنظر: المحيط البرهاني (١/ ٧٧)، تبيين الحقائق (١/ ٥٨).\n(^٣) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٤)، الذخيرة (١/ ٢٣٧)، التاج والإكليل (١/ ٤٤٣).\n(^٤) يُنظر: التعليقة للقاضي حسين (١/ ٣٠٠)، العزيز شرح الوجيز (١/ ١٧٦)، المجموع (٢/ ٦٥).\n(^٥) يُنظر: الإنصاف (٢/ ٧٢).\n(^٦) يُنظر: التعليقة للقاضي حسين (١/ ٣٠٠)، بداية المجتهد (١/ ٤٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٧٤). وينظر تكليف الصبي في: الإحكام، للآمدي (١/ ١٥١)، المسودة (ص: ٣٥).\n(^٧) يُنظر: التهذيب في فقه الإمام الشافعي (١/ ٢٧٨).\n(^٨) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ٥٨)، مغني المحتاج (١/ ١٥١).\n(^٩) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ٥٨)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":197},{"text":"للصلاة (^١).\nالدليل الثاني: قياس الأولى؛ لأن البالغ إنما يُمنع منه تعظيمًا للقرآن، والصبي أنقص حالًا منه، فأولى أن يُمنع (^٢).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز مس الصغير للمصحف، وهو قول الجمهور.\nأسباب الترجيح:\n١ - خروج الصغير من خطاب النهي؛ لعدم التكليف.\n٢ - أن هذا القول يتماشى مع ما جاءت به الشريعة من التيسير ورفع الحرج.\n\n<span data-type='title' id=toc-122>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب أصحاب القول الثاني إلى كراهة مس الصبي للمصحف من غير طهارة، فلعل القرينة الصارفة عن التحريم: المقصد من النهي: التخفيف ورفع الحرج عن الصبي لعدم تكليفه، فيُحمل النهي على الكراهة.\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القرينة ضعيفة لا تقوى بمفردها على صرف النهي إلى الكراهة؛ لأن عدم تكليف الصبي يخرجه من خطاب النهي، وأن علة التخفيف أقرب للقول بالرخصة بلا كراهة تيسيرا على الناس، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) يُنظر: التعليقة للقاضي حسين (١/ ٣٠٠).\n(^٢) يُنظر: العزيز شرح الوجيز (١/ ١٧٦)، كشاف القناع (١/ ١٣٤).","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>المبحث الخامس:\nالنهي عن السفر بالمصحف إلى دار الحرب</span>\n<span data-type='title' id=toc-124>المطلب الأول: حكم السفر بالمصحف إلى دار الحرب:</span>\nدليل النهي:\nعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ (^١)؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُو» (^٢)، وفي رواية: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» (^٣).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء -﵏- في السفر بالمصحف إلى دار الحرب، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: تحريم السفر بالمصحف إلى دار الحرب مطلقًا.\nوهو مذهب المالكية (^٤)، والحنابلة (^٥).\nالقول الثاني: يحرم إذا خيف عليه العدو، ويجوز مع السلامة.\nوهو مذهب الشافعية (^٦)، وقول عند الحنابلة (^٧).\nالقول الثالث: يُكره إذا خيف عليه العدو، ويجوز مع السلامة.\nوهو مذهب الحنفية (^٨)، وقول عند المالكية (^٩)، وقول عند الحنابلة (^١٠).\n_________\n(^١) المراد بالقرآن: المراد به المصحف؛ لأن القرآنَ المنزَّلُ على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة، فهذا لا يمكن السفر به، فدل على أن المراد به المصحف المكتوب فيه القرآن. يُنظر: عمدة القاري (١٤/ ٢٤٢)، البناية (٧/ ١٠٨).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب النهي أن يُسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم (٣/ ١٤٩١) برقم: (١٨٦٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو (٤/ ٥٦) برقم: (٢٩٩٠).\n(^٤) يُنظر: المعونة (ص: ١٧٢٨)، المقدمات الممهدات (٣/ ٤٦٣).\n(^٥) يُنظر: المغني (١/ ١١٠)، كشاف القناع (١/ ١٣٦).\n(^٦) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٣/ ١٣)، مغني المحتاج (١/ ١٥٢).\n(^٧) يُنظر: الفروع (١/ ٢٥٢)، الإنصاف (٢/ ٧٨).\n(^٨) يُنظر: بدائع الصنائع (٧/ ١٠٢)، البناية (٧/ ١٠٨).\n(^٩) يُنظر: التبصرة (٣/ ١٣٤٩).\n(^١٠) يُنظر: الفروع (١/ ٢٥٢)، الإنصاف (٢/ ٧٨).","vol":"1","page":199},{"text":"أدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُو».\nوجه الاستدلال: أن ظاهر النهي الصريح في الحديث يقتضي تحريم السفر بالقرآن إلى أرض العدو مطلقًا؛ لعموم النهي (^١)، ولأن الأصل في النهي التحريم.\nالدليل الثاني: أن العلة التي صرح بها النبي -ﷺ- بأنه يكون عُرضة لاستيلاء الكفار عليه واستهانته، وقد ينالوه بشغل عنه، أو يسقط ولا يشعر به -تفيد التحريم (^٢).\nاستدل أصحاب القول الثاني بحديث ابن عمر -﵄- ووجهه:\nأن الحديث يدل على تحريم السفر بالقرآن في السرايا والعسكر الصغير؛ للعلة المذكورة، وهي خوف أن ينالوه، فينتهكوا حرمته، فإن أُمنت هذه العلة بأن يُدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم، فلا يُمنع لعدم العلة؛ فنيل العدو له في الجيوش العِظام نادر (^٣).\nنُوقش: أنه بعد تسليم العلة المذكورة؛ فإن النهي عام، فيشمل العسكر الكبير أيضًا، وذلك سدًا للذريعة، ولأن نسيانه وسقوطه ليس نادرًا (^٤).\nوكذلك استدل أصحاب القول الثالث بالحديث نفسه، ووجهه:\nأن علة خوف الوقوع في أيديهم والاستخفاف به، تفيد كراهة السفر بالقرآن في العسكر الصغير؛ إذ لا منعة قوية لهم، فكان الدخول به في دار الحرب تعريضًا للاستخفاف بالمصحف الكريم، فإن كان العسكر عظيمًا لا بأس بذلك؛ لأنهم يحتاجون إلى قراءة القرآن، ولأن الغالب السلامة (^٥).\n_________\n(^١) يُنظر: المنتقى شرح الموطأ (٣/ ١٦٥)، المفهم (٣/ ٦٩٨).\n(^٢) يُنظر: المعونة (ص: ١٧٢٨)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (٣/ ٤١٢)، كشاف القناع (١/ ١٣٦).\n(^٣) يُنظر: المفهم (٣/ ٦٩٩)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٣/ ١٣).\n(^٤) يُنظر: المفهم (٣/ ٦٩٩).\n(^٥) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ٢٩).","vol":"1","page":200},{"text":"نُوقش بما نُوقش به استدلال القول الثاني.\nسبب الخلاف:\nاختلف الفقهاء في المسألة؛ لاختلافهم: هل النهي عام أُريد به العام؟ أو عام أُريد به الخاص؟ (^١)\nفمَن قال بأن النهي عام أُريد به العام قالوا: النهي للتحريم مطلقًا، ومَن قال: عام أُريد به خاص قالوا: النهي خاص بحال السرية الصغيرة التي ليست مأمونة دون الجيش العظيم.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بتحريم السفر بالقرآن إلى أرض العدو مطلقًا.\nأسباب الترجيح:\n١ - صراحة حديث النهي وعمومه.\n٢ - أن فيه سدًا لذريعة وقوعه في أيدي العدو، فيهينوه، ويستخفوا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب أصحاب القول الثالث إلى أن النهي محمول على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص بالتعليل بما يفيد الكراهة.\nوذلك في قوله: (فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُو)، وهذه علة تفيد كراهة حمل المصحف لأرض العدو في العسكر الصغير.\nالقرينة الثانية: المقصد من النهي.\nفالنهي مقصوده: إكرام القرآن الكريم، ومخافة عليه من العدو.\nقال ابن بطال -﵀-: «أن نهيه -ﷺ- عن السفر به إلى أرض العدو ليس على وجه التحريم والفرض، وإنما هو على معنى الندب؛ للإكرام للقرآن؛ لأن النبي -ﷺ- قد كتب إلى قَيْصر بآية إلى آخرها وهو يعلم أنهم نجس، وعلم أنهم يقرؤونها، فصح أن نهيه عن ذلك\n_________\n(^١) بداية المجتهد (٢/ ١٥٢).","vol":"1","page":201},{"text":"في حال دون حال وفي العساكر التي ليست مأمونة».\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن هذه القرائن ضعيفة؛ ذلك أن النهي صريح في المنع على العموم، ولأن العلة التي نص عليها الرسول -ﷺ- أقوى في معنى المنع والحظر؛ فإن إخراجه يؤدي إلى وقوعه في يد العدو، وفي ذلك تعريض لاستخفافهم به، وهو حرام، والله تعالى أعلم بالصواب.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>المبحث السادس:\nالنهي عن قراءة الحائض والنفساء شيئًا من القرآن</span>\n<span data-type='title' id=toc-127>المطلب الأول: حكم قراءة الحائض والنفساء شيئًا من القرآن:</span>\nدليل النهي:\nعن ابن عمر -﵄- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَا تَقْرَأِ (^١) الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ» (^٢).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في نهي الحائض عن قراءة القرآن، وتلحق بها النفساء (^٣)، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: جواز قراءة الحائض والنفساء القرآن.\nوهو مذهب المالكية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٥).\nالقول الثاني: يحرم على الحائض والنفساء قراءة شيئ القرآن.\n_________\n(^١) يجوز -في قراءة- قوله -﵀-: (لا تقرأ): كسر الهمزة: على النهي، وضمها: على الخبر الذي يراد به النهي، وهما صحيحان. يُنظر: المجموع (٢/ ١٥٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرآن القرآن (١/ ٢٣٦) برقم: (١٣١) وقال: «وفي الباب عن علي، حديث ابن عمر حديث لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش … وسمعت محمد ابن إسماعيل، يقول: إن إسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه ضعَّف روايته عنهم فيما يتفرد به، وقال: إنما حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام»، وابن ماجه، أبواب التيمم، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة (١/ ٣٧٦) برقم: (٥٩٦)، قال النووي في (المجموع) (٢/ ١٥٥): «حديث ضعيف؛ ضعفه البخاري والبيهقي وغيرهما»، وقال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٥٤٣): «هذا الحديث فيه مقال»، وقال ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٣٧٣): «في إسناده إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وهذا منها».\n(^٣) النفساء كالحائض في سائر الأحكام، جاء في التنبيه في الفقه الشافعي (ص: ٢٢): «إذا نفست المرأة حرم عليها ما يحرم على الحائض، ويسقط عنها ما يسقط عن الحائض». ويُنظر: المغني (١/ ٢٤٥)، المجموع (٢/ ٥٢٠)، شرح الزركشي (١/ ٢٠٨).\n(^٤) يُنظر: بداية المجتهد (١/ ٥٥)، التاج والإكليل (١/ ٤٦٢).\n(^٥) يُنظر: شرح الزركشي (١/ ٢٠٨)، الإنصاف (٢/ ٣٦٧).","vol":"1","page":203},{"text":"وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nالقول الثالث: كراهة قراءة الحائض والنفساء القرآن.\nوهو رواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٤).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: أنه لم يُنقل عن النبي -ﷺ- نهي صحيح في تحريم قراءة القرآن على الحائض، فلما لم يُنقل عنه نهي عُلم أنه ليس بمحرم.\nقال ابن تيمية -﵀-: «كان النساء يحِضْن على عهد رسول الله -ﷺ-، فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا ما بيَّنه النبي -ﷺ- لأمته، وتعلمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس، فلما لم ينقل أحد عن النبي -ﷺ- ذلك نهيًا، لم يجز أن تُجعل حرامًا؛ للعلم أنه لم يُنه عن ذلك، وإذا لم يُنه عنه مع كثرة الحيض في زمنه عُلم أنه ليس بمحرم» (^٥).\nالدليل الثاني: حديث عائشة -﵂- قالت: «قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث دليلًا على جواز قراءة الحائض؛ لأنه -ﷺ- لم يستثنِ من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على تلبية ودعاء وذِكر، ومنه: قراءة القرآن، ولم تُمنع الحائض من شيء من ذلك (^٧).\n_________\n(^١) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (٣/ ١٥٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٣).\n(^٢) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٤٧)، المجموع (٢/ ٣٥٧).\n(^٣) يُنظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ١٣٥)، كشاف القناع (١/ ١٩٧).\n(^٤) يُنظر: المبدع (١/ ٢٢٧)، الإنصاف (٢/ ٣٦٧)، وعزوه لنقل الشَّالنجِيِّ.\n(^٥) الفتاوى الكبرى (١/ ٤٥٣).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف (٢/ ١٥٩) برقم: (١٦٥٠)، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران (٢/ ٨٧٣) برقم: (١٢١١).\n(^٧) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٤٠٧).","vol":"1","page":204},{"text":"نُوقش: بأنه لا دلالة لهم فيه؛ فإنه ليس في مناسك الحج قراءة مخصوصة حتى تدخل في عموم هذا الكلام، وإنما تدخل الأذكار والأدعية (^١).\nالدليل الثالث: ما يُروى «عن عائشة -﵂- أنها كانت تقرأ القرآن وهي حائض» (^٢)، والظاهر أن هذا مع تكرره عليها، ولعلها طالعت النبي -ﷺ- على ذلك، أو فهمت عنه ما استباحت هذا منه (^٣).\nنُوقش: أن فعل عائشة -﵂- لا حجة فيه -على تقدير صحته- لأن غيرها من الصحابة خالفها، وإذا اختلف الصحابة -﵃- رجعنا إلى القياس (^٤).\nالدليل الرابع: أن مَنْعها من القراءة يُخشى منه نسيانها القرآن؛ لطول أمرها، ولأنها لا تملك طهرها (^٥).\nنُوقش من وجهين: الأول: أن عَجْزها عن تحصيل صفة الطهارة يدل على تغلُّظ ما بها من الحدث، فلا يدل على إطلاق القراءة لها (^٦).\nالثاني: أن خوف النسيان نادر؛ فإن مدة الحيض غالبًا ستة أيام أو سبعة، ولا يُنسى غالبًا في هذا القدر، ولأن خوف النسيان ينتفي بإمرار القرآن على القلب، والله أعلم (^٧).\nالدليل الخامس: أنها لا تُمنع لحاجة التعليم؛ فربما تكون مُعلِّمة، فيتعطل كَسْبُها بذلك (^٨).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عن ابن عمر -﵄- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٢/ ٤٩)، طرح التثريب (٥/ ١٢٣).\n(^٢) استدل به القرافي في (الذخيرة) (١/ ٣٧٩)، والمازري في (شرح التلقين) (١/ ٣٣٢)، ولم أقف عليه في كتب الأحاديث والآثار، وأورده ابن بطال في (شرح صحيح البخاري) (١/ ٤١٥).\n(^٣) يُنظر: الذخيرة (١/ ٣٧٩)، شرح التلقين (١/ ٣٣٢).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٢/ ٣٥٧).\n(^٥) يُنظر: التبصرة (١/ ٢١٧)، التاج والإكليل (١/ ٤٦٢).\n(^٦) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٤٩)، المبسوط، للسرخسي (٣/ ١٥٢).\n(^٧) يُنظر: المجموع (٢/ ٣٥٧).\n(^٨) يُنظر: بحر المذهب (١/ ١١٧)، الذخيرة (١/ ٣١٥).","vol":"1","page":205},{"text":"شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر النهي في الحديث دليل على تحريم القراءة على الحائض (^٢).\nنُوقش: بأن الحديث ضعيف من جميع طرقه، فلا يصلح للاحتجاج (^٣)، وتبيَّن ضعفه في التخريج.\nالدليل الثاني: القياس على الجنب؛ فإن مُنع منه الجنب فالحائض أولى؛ لأن حدثها آكد (^٤).\nنُوقش: بأن الفرق بين الحائض والجنب مانع من الإلحاق، ووجه الفرق بينهما أنَّ حَدَث الجنب مكتسب، وهو قادر على رفعه بالطهارة، والحائض حَدَثُها من غير اكتسابها، واغتسالها لا يرفع حكم الحيض، وأن مدة بقائه جنبًا لا تطول، والحائض تطول مدتها، ومنعها من القراءة قد يؤدي لنسيانها (^٥).\nأدلة القول الثالث:\nلم أقف على دليل هذا القول بحسب ما تيسر لي من الكتب، ولعلهم صرفوا النهي في حديث ابن عمر عن التحريم إلى الكراهة؛ لضعف الحديث. والله أعلم.\nسبب الخلاف:\nأولًا: اختلافهم في تضعيف حديث ابن عمر في النهي: فمَن ضعَّفه قال بعدم المنع لعدم دليل المنع، ومَن لم يضعِّفه قال بمنع الحائض من قراءة القرآن بدلالة النهي في الحديث.\nثانيًا: اختلافهم في قياس الحائض على الجنب.\nالترجيح:\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: (٢٠١).\n(^٢) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ٢٨٤).\n(^٣) يُنظر: المجموع (٢/ ٣٥٧)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٤٠٩).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ١٠٦)، المجموع (٢/ ٣٥٧).\n(^٥) يُنظر: شرح التلقين (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":206},{"text":"بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بجواز قراءة الحائض والنفساء القرآن.\nسبب الترجيح:\nأنه لم يثبت في النهي دليل صحيح، فلا يمكن القول بالتحريم بلا دليل.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب أصحاب القول الثالث إلى كراهة قراءة الحائض شيئًا من القرآن، ولم أقف لهم على دليل أو قرينة؛ فلعل القرائن الصارفة عن التحريم إلى الكراهة:\nالقرينة الأولى: ضعف حديث النهي.\nالقرينة الثانية: المقصد من النهي؛ إذ المقصود تعظيم القرآن، والتنزيه عن قراءته في تلك الحال التي مُنعت فيها من الصلاة والصوم.\nالحكم على القرينة:\nالقرائن ضعيفة لضعف مستندها؛ فقد تبيَّن فيما سبق أن دليل النهي لم يصح، فلا يمكن الاحتجاج به على التحريم أو الكراهة، والله تعالى أعلم بالصواب.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>الفصل السادس\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب إزالة النجاسة</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن أكل الجَلَّالة وشُرب ألبانها.\nالمبحث الثاني: النهي عن تخليل الخمر.\nالمبحث الثالث: النهي عن البُصاق جهة القبلة أو اليمين للمصلي.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>المبحث الأول:\nالنهي عن أكل الجَلَّالة وشُرب ألبانها</span>\n<span data-type='title' id=toc-131>المطلب الأول: حكم أكل الجَلَّالة (^١) وشُرب ألبانها:</span>\nدليل النهي:\nعن ابن عباس -﵄-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْمُجَثَّمَةِ (^٢) وَالجَلَّالة، وَأَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ» (^٣).\nوعن جابر الأنصاري -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنِ الجَلَّالة: أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا أَوْ يُشْرَبَ لَبَنُهَا» (^٤).\nصورة المسألة:\nإذا عُلف الحيوان المباح النجاسة: فهل يجوز أكل لحمه وشُرب لبنه؟ ثم إذا حُبس مدة يُعلف الطاهر: فهل يجوز أكله وشُرب لبنه؟\nتحرير محل النزاع:\n_________\n(^١) الجَلَّالَةُ من الحيوان: التي تأكل العَذرة، والجَلَّة: البَعْر، فوُضع موضع العذرة، يُقال: جلت الدابة الجَلَّة، واجتلتها، فهي جالَّة، وجلالة: إذا التقطتها، فالجلالة هي التي تأكل العذرة والنجاسات، وتكون من الإبل والبقر والغنم والدجاج، وقيل: إن كان أكثر أكلها النجاسة فهي جلالة، وإن كان الطاهر أكثر فلا، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا اعتبار بالكثرة، وإنما الاعتبار بالرائحة والنتن، فإن وُجد في عرقها وغيره ريحُ النجاسة فجَلَّالة وإلا فلا. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٦٥٨)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٨)، المجموع (٩/ ٢٨)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤١).\n(^٢) المُجَثَّمَةُ: هي كل حيوان يُنصب ويُرمى؛ ليُقتل، لكنها تكثر في الطير والأرانب وأشباه ذلك مما يجثم في الأرض: أي: يلزمها ويلتصق بها، وجثم الطائر جثومًا، وهو بمنزلة البروك للإبل. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٨٨٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٣٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي، أبواب الأطعمة، باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها (٤/ ٢٧٠) برقم: (١٨٢٥) وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الضحايا، النهي عن لبن الجلالة (٤/ ٣٦٧) برقم: (٤٥٢٢)، وأحمد (٤/ ٥٧) برقم: (٢١٦١) واللفظ له، صححه ابن حبان (١٢/ ٢٢٠) برقم: (٥٣٩٩)، وقال الحاكم في (المستدرك) (٢/ ١١٢): «هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه»، وصححه ابن حجر في (فتح الباري) (٩/ ٦٤٨)، وله شواهد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الأطعمة، فِي لحوم الجلالة (٥/ ١٤٧) برقم: (٢٤٦٠٤)، قال البوصيري في (إتحاف الخيرة) (٤/ ٣٢٦): «هذا إسناد رجاله ثقات»، وحسّن سنده ابن حجر في (فتح الباري) (٩/ ٦٤٨).","vol":"1","page":209},{"text":"أولًا: محل الإجماع:\nأجمع العلماء (^١) على أن الجَلَّالة إذا حُبست مدة وطاب لحمها، فإنه يجوز أكلُ لحمها وشُرب لبنها؛ لأنها قبل الحبس يظهر نتن النجاسة وخُبثها في لحمها ولبنها، فإذا حُبست وعُلفت الطاهر زال ذلك، وعادت طاهرة، والحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها (^٢).\nقال ابن تيمية -﵀-: «الجَلَّالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي -ﷺ- عن لبنها، فإذا حُبست حتى تطيب كانت حلالًا باتفاق المسلمين» (^٣).\nثانيًا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في حكم أكل لحوم الجَلَّالة وشُرب لبنها قبل حبسها، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: التحريم.\nوهو قول عند الشافعية (^٤)، والمذهب عند الحنابلة (^٥).\nالقول الثاني: الكراهة.\nوهو مذهب الحنفية (^٦)، والشافعية (^٧)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٨).\nالقول الثالث: الإباحة.\nوهو مذهب المالكية (^٩).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\n_________\n(^١) نقل الإجماع: ابن حزم في (مراتب الإجماع) (ص: ١٤٨)، وابن القطان في (الإقناع في مسائل الإجماع) (١/ ٣٢٢)، وابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (٢١/ ٦٠١)، وابن القيم في (إعلام الموقعين) (١/ ٢٩٧).\n(^٢) يُنظر: الاختيار لتعليل المختار (٥/ ١٦)، الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (١/ ٢٦٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٦١٨).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٩/ ٢٨)، مغني المحتاج (٦/ ١٥٥).\n(^٥) يُنظر: الفروع (١٠/ ٣٧٧)، الإنصاف (٢٧/ ٢٣٠).\n(^٦) يُنظر: بدائع الصنائع (٥/ ٤٠)، الاختيار لتعليل المختار (٥/ ١٦).\n(^٧) يُنظر: الحاوي الكبير (١٥/ ١٤٧)، المجموع (٩/ ٢٨).\n(^٨) يُنظر: المغني (٩/ ٤١٣)، الإنصاف (٢٧/ ٢٣٠).\n(^٩) يُنظر: المدونة (١/ ٥٤٢)، الشرح الكبير (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":210},{"text":"الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (^١).\nوجه الاستدلال: أن الآية نَصٌّ في تحريم الخبائث، فتحرم الجَلَّالة؛ لأنها صارت من الخبائث؛ لتنجُّس لحمها بما تأكل من النجاسة (^٢).\nالدليل الثاني: عن ابن عباس -﵄-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْمُجَثَّمَةِ وَالجَلَّالة، وَأَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ» (^٣).\nالدليل الثالث: عن جابر الأنصاري -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنِ الجَلَّالة: أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا أَوْ يُشْرَبَ لَبَنُهَا» (^٤).\nالدليل الرابع: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الجَلَّالة: عَنْ رُكُوبِهَا، وَأَكْلِ لَحْمِهَا» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر النهي في الأحاديث يدل على تحريم أكلِ لحم الجَلَّالة وشُرب لبنها، والنهي حقيقة في التحريم (^٦)، ولا يُصرف عنه إلا بقرينة صارفة.\nنُوقش: أن أحاديث النهي ليست بقوية الإسناد (^٧).\nويُمكن أن يُجاب عنه: بأن حديث ابن عباس صححه الترمذي وغيره، وحديث جابر وحديث عبدالله بن عمرو حسّن إسنادهما ابنُ حجر كما تبيَّن ذلك في تخريج الأحاديث.\nالدليل الخامس: أن لحم الجَلَّالة يتولد من النجاسة، فيكون نجسًا، كرماد النجاسة (^٨).\nأدلة القول الثاني:\n_________\n(^١) سورة الأعراف: جزء من الآية (١٥٧).\n(^٢) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١١/ ٢٥٥)، الحاوي الكبير (١٥/ ١٤٨).\n(^٣) سبق تخريجه ص: (٢٠٧).\n(^٤) سبق تخريجه ص: (٢٠٧).\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب الأطعمة، باب في أكل لحوم الحمر الأهلية (٥/ ٦٢٨) برقم: (٣٨١١)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الضحايا، باب النهي عن أكل لحوم الجلالة (٤/ ٣٦٧) برقم: (٤٥٢١)، وأحمد (١١/ ٦١٦) برقم: (٧٠٣٩)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٤/ ٢٦٣): «رجاله ثقات»، وحسّن إسناده ابن حجر في (فتح الباري) (٩/ ٦٤٨).\n(^٦) يُنظر: البدر التمام شرح بلوغ المرام (٩/ ٣٤٠)، نيل الأوطار (٨/ ١٤٠).\n(^٧) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٥/ ٤٣١).\n(^٨) يُنظر: المغني (٩/ ٤١٤)، الشرح الكبير (٢٧/ ٢٣٢).","vol":"1","page":211},{"text":"الدليل الأول: استدلوا بالأحاديث المتقدمة التي استدل بها القائلون بالتحريم.\nوجه الاستدلال: أن النهي في الأحاديث محمول على الكراهة دون التحريم؛ لأن النهي عنها وارد؛ لأجل ما تأكله من النجاسة التي تنزل في مجاري الطعام ولا تخالط اللحم، وإنما يتغير اللحم بها، وذلك يقتضي الكراهة لا التحريم (^١).\nالدليل الثاني: أن ما تأكله البهيمة من العلف الطاهر إذا صار في كَرِشِها تنجَّس، فلا تتغذى إلا بالنجاسة، ومع ذلك فلا يُحكم على اللحم واللبن بالنجاسة، فكذلك هذا (^٢).\nنُوقش: بأن العلف الطاهر إذا تنجَّس بالمجاورة جاز إطعامه للدابة؛ لأنها إذا أكلته لا تتغذى بالنجاسة، وإنما تتغذى بالعلف، بخلاف الجَلَّالة (^٣).\nأدلة القول الثالث:\nالدليل الأول: أن الحيوان أصله الإباحة (^٤).\nيمكن أن يُناقش: بأن ما ورد من النصوص في النهي عن الجَلَّالة أخرجته من عموم هذا الأصل؛ فالحجة للنص.\nالدليل الثاني: أن الحيوان لا ينجس بأكل النجاسة؛ بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يُحكم بنجاسة ظاهره، ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال، ولو نجست الجَلَّالة لما طهرت بالحبس (^٥).\nنُوقش: بأن شارب الخمر ليس الخمر أكثر غذائه، وإنما يتغذى الطاهرات، وكذلك الكافر في الغالب (^٦)، فلا يُحكم بنجاستهما لأجل ذلك، وهذا قياس مع الفارق، وفي مقابلة\n_________\n(^١) يُنظر: الحاوي الكبير (١٥/ ١٤٧)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٤/ ٥٠٩)، المجموع (٩/ ٣٠)،\n(^٢) يُنظر: الحاوي الكبير (١٥/ ١٤٧)، المجموع (٩/ ٣٠)، فتح الباري، لابن حجر (٩/ ٦٤٨).\n(^٣) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (٩/ ٦٤٨).\n(^٤) يُنظر: التبصرة (١/ ٥٥)، المبدع (٨/ ١٢)، وتُنظر قاعدة: (الأصل في الحيوانات الإباحة) في القواعد، للحصني (١/ ٤٧٩).\n(^٥) يُنظر: المغني (٩/ ٤١٤)، المبدع (٨/ ١٢).\n(^٦) يُنظر: المغني (٩/ ٤١٤)، الشرح الكبير (٢٧/ ٢٣٢).","vol":"1","page":212},{"text":"النص.\nالدليل الثالث: إنما حرَّم الله أعيان النجاسات المدرَكات بالحواس، فالجَلَّالة لا يوجد فيها أعيان العذرَات، بل تُستهلك ولا يبقى لها أثر، كالنبات الذى ينبت في العَذِرَة، وهو طاهر حلال (^١).\nنُوقش: بأن هذا قياس مع الفارق: فإن الجَلَّالة يظهر عليها أثر النجاسة، فيتغير لحمها وينتن، فالعبرة للنَّتَن لا لتناول النجاسة (^٢)، والنبات الذي يُسقى بالنجاسة مختلف فيه.\nسبب الخلاف:\nلعل الخلاف في الجَلَّالة يرجع إلى سببين:\nالأول: معارضة القياس لأحاديث النهي: فأحاديث النهي ما ورد من حديث ابن عباس وجابر -﵃-، وأما القياس المعارض لهذا: فهو أن ما يرِد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم ذلك الحيوان وسائر أجزائه (^٣).\nالثاني: الاختلاف في صحة أحاديث النهي.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم الجَلَّالة.\nقال ابن تيمية -﵀-: «… ومنها: أن المطعم إذا خبث وفسد، حرم ما نبت منه من لحم ولبن وبيض: كالجَلَّالة» (^٤).\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة دلالة ظاهر الأحاديث على التحريم.\n٢ - عدم المعارض الصارف للنهي عن مقتضاه.\n٣ - ضعف ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليها.\n_________\n(^١) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٥/ ٤٣١).\n(^٢) يُنظر: بدائع الصنائع (٥/ ٤٠).\n(^٣) يُنظر: بداية المجتهد (٣/ ١٨)\n(^٤) الفتاوى الكبرى (١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل أصحاب القول الثاني النهي على الكراهة، والذي يظهر من أقوال أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: القياس المعارض لمقتضى النهي.\nفمنهم مَنْ استدل بقياس العلف النجس على العلف الطاهر بجامع أن كليهما يتنجس إذا صار في كَرِش الحيوان؛ فالعلف الطاهر يتنجس في الكَرِش، ثم يكون لحمًا، ولا يُحكم بنجاسته (^١).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nففي النهي عن الجلالة إرشاد إلى مصلحة الإنسان بأكل الطيب والتنزه عما يستقذر.\nقال الخطابي -﵀-: «الجَلَّالة: هي الإبل التي تأكل الجَلَّة وهي العَذِرة، كُره أكل لحومها وألبانها تنزهًا وتنظفًا» (^٢).\nقال النووي -﵀-: «… أنه كراهة تنزيه» (^٣).\nقال المناوي -﵀-: «النهي للتنزيه» (^٤).\nوالعلة: قيل: هو التنزُّه والتنظُّف عن النجاسة.\nقال الخطابي -﵀-: «كُره أكل لحومها وألبانها تنزهًا وتنظفًا» (^٥).\nوقيل: النهي للتقذر والتنزه عن إعلاف الحيوان النجاسة.\nقال ابن بطال -﵀-: «إنما النهى عن الجَلَّالة من جهة التقذر والتنزه؛ لئلا يكون الشأن في علف الحيوان النجاسات» (^٦).\n_________\n(^١) يُنظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٤/ ٥٠٩).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٢٤٤).\n(^٣) المجموع (٩/ ٢٨).\n(^٤) فيض القدير (٦/ ٣٠٥).\n(^٥) معالم السنن (٤/ ٢٤٤).\n(^٦) شرح صحيح البخاري (٥/ ٤٣١).","vol":"1","page":214},{"text":"الحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن هذه القرائن ضعيفة؛ لمعارضتها ظاهر النهي في الأحاديث، والقياس إن كان في مقابلة النص، فالنص مقدم، ولأن خُبث المطعم يُفسِد ويُخبِث ما ينبته، والخبائث محرمات، وعليه: فيترجح القول بتحريم الجَلَّالة، والله تعالى أعلم بالصواب.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>المبحث الثاني:\nالنهي عن تخليل الخمر</span>\n<span data-type='title' id=toc-134>المطلب الأول: حكم تخليل الخمر </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن أنس -﵁-: «أن النبي -ﷺ- سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ فَقَالَ: لَا» (^٢).\nصورة المسألة:\nمعالجة الخمر بما يُقصد به أن تنقلب خلًا.\nتحرير محل النزاع:\nأولًا محل الاتفاق:\nاتفق الفقهاء (^٣) على أن الخمر إذا انقلبت بنفسها خلًا بغير علاج آدمي، فإنها تطهر وتحل.\nالدليل: لأنها إذا انقلبت بنفسها، فقد زالت علة تحريمها، من غير علة خلفتها، فطهرت، كالماء إذا زال تغيره بمكثه (^٤).\nثانيًا محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في حكم تخليل الخمر بالمعالجة، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يحرم تخليل الخمر.\nوهو مذهب الجمهور من: المالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).\n_________\n(^١) المراد بتخليل الخمر: اتخاذ الخَلِّ، ويكون بمعالجتها، بأن يُفعل بها شيء تصير به خلًا، كأن يُضاف لها شيء أو تُنقل؛ بقصد أن تنقلب خلًا. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٦٨٩)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (١/ ١٨٧)، كشاف القناع (١/ ١٨٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب تحريم تخليل الخمر (٣/ ١٥٧٣) برقم: (١٩٨٣).\n(^٣) يُنظر: المبسوط للسرخسي (٢٤/ ٧)، شرح التلقين (١/ ٢٦٧)، المجموع (٢/ ٥٧٤)، المغني (٩/ ١٧٣).\n(^٤) يُنظر: المغني (٩/ ١٧٣).\n(^٥) يُنظر: الاستذكار (٨/ ٢٩)، المقدمات الممهدات (١/ ٤٤٤)، القوانين الفقهية (ص: ١١٧).\n(^٦) يُنظر: الحاوي الكبير (٦/ ١١٢)، المجموع (٢/ ٥٧٦).\n(^٧) يُنظر: المغني (٩/ ١٧٢)، الإنصاف (٢/ ٣٠١)، كشاف القناع (١/ ١٨٧).","vol":"1","page":216},{"text":"القول الثاني: يُكره.\nوهو قول عند المالكية (^١)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٢).\nالقول الثالث: يجوز.\nوهو مذهب الحنفية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٤).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٥).\nوجه الاستدلال: أن الآية جاءت ببيان أن الخمر نجسة؛ لأن الله سماها رجسًا، والرِّجس هو القذر، والنَّجَسُ: الذي يجب اجتنابه، وقد أمر باجتنابها مطلقًا، والأمر للوجوب، وهو يعم الشرب والمس وغير ذلك، فيحرم إفسادها والقصد إلى تخليلها؛ لما فيه من منافاة الأمر بالاجتناب ومقاربة المحظور (^٦).\nالدليل الثاني: عن أنس -﵁-: «أن النبي -ﷺ- سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ فَقَالَ: لَا».\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا عن تخليل الخمر، والنهي يقتضي تحريم المنهيِّ عنه وفساده (^٧).\nنُوقش: بأن المراد بالاتخاذ أن يُستعمل الخمر استعمال الخل: بأن يؤتدم به، ويُصطبغ به (^٨).\nيمكن أن يُجاب عنه: بأن هذا التأويل بعيد، ولا يُصار إليه إلا بدليل، ولا دليل، وهل يُظن أن الصحابة -﵃- سألوا عن استعمال الخمر والائتدام به بعد تحريمه؟! ذلك\n_________\n(^١) يُنظر: المقدمات الممهدات (١/ ٤٤٤)، مواهب الجليل (١/ ٩٨).\n(^٢) يُنظر: المبدع (١/ ٢١٠)، الإنصاف (٢/ ٣٠١).\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (٢٤/ ٢٢)، الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٠١).\n(^٤) يُنظر: الإنصاف (٢/ ٣٠١).\n(^٥) سورة المائدة: الآية (٩٠).\n(^٦) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (٢٤/ ٢٢)، شرح العمدة (ص: ١١٠)، الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (١/ ٢٥٣ - ٣٠٩).\n(^٧) يُنظر: الحاوي الكبير (٦/ ١١٣)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٣/ ١٥٢).\n(^٨) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (٢٤/ ٢٤)، تبيين الحقائق (٦/ ٤٨).","vol":"1","page":217},{"text":"بعيد.\nالدليل الثالث: عن أنس -﵁-: «أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا قَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: لَا» (^١).\nالدليل الرابع: عن أبي سعيد -﵁- قال: «كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَنْهُ وَقُلْتُ: إِنَّهُ لِيَتِيمٍ! فَقَالَ: أَهْرِيقُوهُ» (^٢).\nوجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي -ﷺ- نهى عن تخليل الخمر، والنهي يقتضي التحريم، ولو كان إلى استصلاحها وإباحتها سبيل لم تَجُزْ إراقتها، بل أرشدهم إليه، سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم (^٣).\nنُوقش: بأنه نهى عن التخليل؛ للزجر عن العادة المألوفة، وأمر بالإراقة قلعًا وقمعًا لهم عن أن يحوموا حول الخمور ويعتادوا على ذلك؛ لأنه كان في ابتداء تحريم الخمر لم يأمن النبي -ﷺ- من أن يشربوها إذا لم يريقوها، فأمر بالإراقة حسمًا لمادة الفساد (^٤).\nوأُجيب عنه: قال ابن تيمية -﵀-: «هذا غلط من وجوه: أحدها: أنَّ أَمْرَ الله ورسوله لا يُنسخ إلا بأمر الله ورسوله، ولم يرِد بعد هذا نص ينسخه. الثاني: أن الخلفاء الراشدين بعد موته عملوا بهذا كما ثبت عن عمر بن الخطاب. الوجه الثالث: أن يُقال: الصحابة كانوا أطوع الناس لله ورسوله، ولهذا لما حرم عليهم الخمر أراقوها، فإذا كانوا مع هذا قد نُهوا عن تخليلها وأمروا بإراقتها، فمَن بعدهم من القرون أولى منهم بذلك؛ فإنهم أقل طاعة لله ورسوله منهم .... فكيف تُسد الذريعة عن أولئك المتقين، وتُفتح\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الأشربة، باب ما جاء في الخمر تخلل (٥/ ٥١٨) برقم: (٣٦٧٥)، وأحمد (١٩/ ٢٢٦) برقم: (١٢١٨٩)، صححه النووي في (المجموع) (٢/ ٥٧٦)، وابن الملقن في (البدر المنير) (٦/ ٦٣٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي، أبواب البيوع عن رسول الله -ﷺ-، باب ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له (٣/ ٥٥٥) برقم: (١٢٦٣) وقال: «حديث حسن»، هذا الحديث أصله في صحيح مسلم برقم: (١٩٨٣) وهو حديث أنس المتقدم في أول المبحث، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٦/ ٦٢٩) تعليقًا على حديث أنس: «هذا الحديث صحيح رواه مسلم منفردًا به كذلك، وهذا السائل لم أرَ أحدًا نُصَّ على اسمه ممن ألف في المبهمات، ويحتمل أن يكون راوي الحديث الآتي -وذكر حديث أبي سعيد هذا- وقال: وقد رُوي من غير وجه نحوه».\n(^٣) يُنظر: المغني (٩/ ١٧٢)، المجموع (٢/ ٥٧٥).\n(^٤) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (٢٤/ ٢٤)، تبيين الحقائق (٦/ ٤٨).","vol":"1","page":218},{"text":"لغيرهم وهم أقل تقوى منهم» (^١).\nالدليل الخامس: عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: «لَا يَحِلُّ خَلٌّ مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَفَسَدَهَا» (^٢)، وهذا قول يَشْتَهِرُ؛ لأنه خطب به الناس على المنبر ولم ينكره الصحابة (^٣).\nقال ابن تيمية -﵀-: «فهذا عُمر ينهى عن خل الخمر التي قُصد إفسادها، ويأذن فيما بدأ الله بإفسادها، … وفي قول عُمر حجة على جميع الأقوال» (^٤).\nنُوقش: بأن عمر إنما نهى عن ذلك على طريق السياسة للزجر (^٥).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بالكراهة بأحاديث النهي عن التخليل التي استدل بها القائلون بالتحريم.\nوجه الاستدلال: أن النهي في الأحاديث يُحمل على الكراهة والتنزيه، وذلك حماية وسدًا لذريعة توصل الناس إلى شربها؛ لأن مَنْ يتخذ الخمر للتخليل يُتهم، فليس المراد أنَّها تكون حرامًا إن فعل (^٦).\nأُجيب عنه: بأن ظاهر النهي للتحريم لا للتنزيه، ولو كان لا يحرم إن فُعل لم تَجُزْ إراقتها، بل كان أرشدهم إليه، سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم (^٧).\nأدلة القول الثالث:\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (١/ ٣٠٨) باختصار.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الأشربة، باب الخمر يُجعل خلًا (٩/ ٢٥٣) برقم: (١٧١١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الرهن، باب العصير المرهون يصير خمرًا، فيخرج من الرهن، ولا يحل تخليل الخمر بعمل آدمي (١١/ ٤٤٠) برقم: (١١٣١٢). صححه زكريا غلام في (ما صح من آثار الصحابة في الفقه) (٣/ ١١٥٩).\n(^٣) يُنظر: الحاوي الكبير (٦/ ١١٣)، المغني (٩/ ١٧٣).\n(^٤) الفتاوى الكبرى (١/ ٣٠٨).\n(^٥) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (٢٤/ ٢٤).\n(^٦) يُنظر: التبصرة (٤/ ١٦٢٣)، بداية المجتهد (٣/ ٢٨).\n(^٧) يُنظر: المغني (٩/ ١٧٢)، المجموع (٢/ ٥٧٥)، شرح المصابيح، لابن الملك (٤/ ٢٣٦).","vol":"1","page":219},{"text":"الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^١).\nوجه الاستدلال: أنه جاء في التفسير عن بعض السلف أن الرزق الحسن: هو الخل (^٢)، فإذا كان الخل مما أُبيح في هذه الآية، فيكون ذلك عمومًا في كل خَلٍّ إلا أن يقوم الدليل على تخصيص شيء منه (^٣).\nنُوقش: بأن ظاهر الآية التنبيه على ما أنعم به علينا مما يتخذه من نفس ثمرات النخيل والأعناب، لا فيما يكون يُتخذ منها بواسطة، وهو التخليل (^٤).\nالدليل الثاني: عن عائشة -﵂-: أن النبي -ﷺ- قال: «نِعْمَ الْأُدُمُ (^٥) -أَوِ: الْإِدَامُ- الْخَلُّ» (^٦).\nوجه الاستدلال: أنه -ﷺ- امتدح الخل، ولم يفرق بين الخل المتخَذ من الخمر وغيره، فهو على عمومه في الجميع (^٧).\nنُوقش: بأن قوله: (نِعم) لفظ تفضيل وتشريف، وما كان مختلفًا في إباحته لا يستحق التفضيل والتشريف، وتخليل الخمر مُختلَف فيه: فلم يَجُزْ أن يكون داخلًا في عموم لفظ ينافيه (^٨)، وحديث أنس يخرج التخليل بفعل الآدمي من العموم.\nالدليل الثالث: عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا أَقْفَرَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ أُدْمٍ فِيهِ خَلٌّ، وَخَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ» (^٩).\n_________\n(^١) سورة النحل: الآية (٦٧).\n(^٢) يُنظر: تفسير البغوي (٥/ ٢٨)، تفسير القرطبي (١٠/ ١٢٨).\n(^٣) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (٦/ ٣٨٧).\n(^٤) يُنظر: شرح التلقين (٣/ ٢/ ٣٦٠).\n(^٥) الأدم والإدام: ما يؤتدم به، وهو ما يؤكل مع الخبز أي شيء كان. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٨٥٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣١).\n(^٦) أخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب فضيلة الخل والتأدُّم به (٣/ ١٦٢١) برقم: (٢٠٥١).\n(^٧) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (٦/ ٣٨٨).\n(^٨) يُنظر: الحاوي الكبير (٦/ ١١٤).\n(^٩) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الرهن، باب ذِكر الخبر الذي ورد في خل الخمر (١١/ ٤٤١) برقم: (١١٣١٤)، قال ابن حجر في (التلخيص الحبير) (٣/ ٩٣): «في سنده المغيرة بن زياد، وهو صاحب مناكير، وقد وُثِّق، والراوي عنه حسن بن قتيبة، قال الدارقطني: متروك، وزعم الصاغاني أنه موضوع، وتعقبتُه عليه، وقال ابن الجوزي في التحقيق: لا أصل له».","vol":"1","page":220},{"text":"وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- امتدح الخل، وهو عام يتناول جميع ما يُطلق عليه اسم الخل؛ لأنه لم يفصل بين خل وخل (^١).\nنُوقش من وجهين:\nالأول: أن الحديث ضعيف، فلا يُحتج به.\nقال ابن تيمية -﵀-: «هذا الكلام لم يقله النبي -ﷺ-، ومَن نقله عنه فقد أخطأ، ولكن هو كلام صحيح؛ فإن خل الخمر لا يكون فيها ماء» (^٢).\nالثاني: أن أهل الحجاز يسمون خل العنب: خل الخمر، وإن صح الحديث فإنه يُحمل على الخل الذي تخلل بنفسه (^٣).\nالدليل الرابع: عن أم سلمة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الدِّبَاغَ يُحِلُّ مِنَ الْمَيْتَةِ كَمَا يُحِلُّ الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث دليلًا على جواز التخليل؛ لأنه شبَّهه بدباغ جلد الميتة، وهو محرم يُستباح بالاستصلاح بالدباغ، فيُقاس عليه تخليل الخمر وإصلاح الخمر بإزالة صفة الخمرية عنه، والتخليل إزالة لصفة الخمرية، فهو إصلاح له كالدباغ (^٥).\nنُوقش من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن الحديث ضعيف، وقد تبيَّن في التخريج، فلا يُحتج به.\nالثاني: أن هذا قياس لا يصح، وإنما يجوز القياس مع عدم النص، ودباغ جلد الميتة إنما يُستباح بفعل غير محظور، بل مأذون فيه بنص من السنة، وأما التخليل: فهو محظور بنص من السنة، فلم يَجُزْ أن يُستباح به الخل، فالواجب علينا متابعة النص وترك قياس أحدهما على الآخر (^٦).\n_________\n(^١) يُنظر: الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٠١)، تبيين الحقائق (٦/ ٤٨).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (١/ ٣٠٩).\n(^٣) يُنظر: الحاوي الكبير (٦/ ١١٤).\n(^٤) سبق تخريجه ص: (٢١٩).\n(^٥) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (٢٤/ ٢٣).\n(^٦) يُنظر: معالم السنن (٤/ ٢٦٤)، الحاوي الكبير (٦/ ١١٤).","vol":"1","page":221},{"text":"الثالث: أن النبي -ﷺ- أجاز أن يُدبغ جلد الميتة؛ ليُنتفع به، فلم يمنع ذلك؛ لأنه لا يُتَّهم أحد أن يترك شاته ولا يذكيها حتى تموت، ثُمَّ يتخذ جلدها، ويُتهم أن يتخذ الخمر (^١).\nالدليل الخامس: إن المعنى الموجب لتحريم الخمر: حدوث الاسم، وعند المخالف: حدوث الشدة؛ بدلالة إباحته في حال كونه عصيرًا، فإذا خُلل فقد زال المعنى الذي من أجله حرم، فيزول التحريم، فيكون حينئذٍ بمنزلة الخل الذي يستحيل إليه الخمر من غير تخليل آدمي (^٢).\nنُوقش: إن قصد المخلِّل التخليل يكون قد فعل محرمًا، والعين إذا كانت محرمة لم تَصِرْ محلَّلة بالفعل المنهي عنه، فلا تكون بمنزلة الخل الذي يستحيل إليه الخمر من غير تخليل آدمي. والعين الواحدة تكون طاهرة حلالًا في حال، وتكون حرامًا نجسة في حال (^٣).\nسبب الخلاف:\nالذي يظهر أن سبب الخلاف أمران (^٤):\nالأول: اختلاف الفقهاء في مفهوم النهي الوارد في النص.\nفمَن فهم من المنع سد ذريعة حمْل ذلك على الكراهية، ومَن فهم النهي لغير علة قال بالتحريم، ومَن تأول الاتخاذ بالاستعمال قال بالإباحة.\nالثاني: معارضة القياس للأثر، والقياس المعارض لحمل النهي على التحريم قياسان: أحدهما: قياس الخل الحاصل بفعل الآدمي على ما تخلل بنفسه؛ لأنه قد عُلم من ضرورة الشرع أن الأحكام المختلفة إنما هي للذوات المختلفة، وأن الخمر غير ذات الخل، والخل -بإجماع- حلال. فإذا انتقلت ذات الخمر إلى ذات الخل وجب أن يكون حلالًا كيفما انتقل.\nوالثاني: قياس تخليل الخمر على دباغ جلد الميتة؛ بجامع أنهما استصلاح لفساد عارض، فمَن استدل بالقياس وتأول مفهوم النهي قال بالإباحة.\n_________\n(^١) يُنظر: التبصرة (٤/ ١٦٢٣).\n(^٢) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (٦/ ٣٨٨).\n(^٣) يُنظر: الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (١/ ٣١٠).\n(^٤) يُنظر: بداية المجتهد (٣/ ٢٨).","vol":"1","page":222},{"text":"الترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور القائل بتحريم تخليل الخمر.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «لا يصح في هذه المسألة إلا ما قاله: مالك، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، ومَن قال بقولهم: أنه لا يحل تخليل الخمر، ولا تُؤكل إن خللها أحد، ولكن إن عادت خلًا بغير صنع آدمي، فحلالٌ أكلها» (^١).\nأسباب الترجيح:\n١ - أنه القول الموافق لما جاء في السنة الصحيحة الصريحة.\n٢ - أن الشريعة جاءت بالتغليظ في شأن الخمر: فأمرت بإهراقها، ولعنت فيها عشرة، وهذا يؤكد وجوب اجتنابها وعدم مقاربتها ولو بالاستصلاح.\n٣ - ضعف الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبيَّن مما سبق أن من الفقهاء مَنْ حمل النهي على غير التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص بما يخالف مقتضى النهي.\nوذلك في حديث جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا أَقْفَرَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ أُدْمٍ فِيهِ خَلٌّ، وَخَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ» (^٢).\nوحديث أم سلمة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الدِّبَاغَ يُحِلُّ مِنَ الْمَيْتَةِ كَمَا يُحِلُّ الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ» (^٣).\nالقرينة الثانية: قاعدة سد الذرائع.\nقالوا: إنما نهي عن التخليل؛ لسد ذريعة التوصل لشرب الخمر، وعليه: فلا يكون النهي للتحريم، وإنما للتنزيه.\n_________\n(^١) الاستذكار (٨/ ٢٩).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٢١٨).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٢١٩).","vol":"1","page":223},{"text":"جاء في (التبصرة): «ومحمل الحديث أن ذلك حمايةٌ؛ لئلا يتذرَّع الناس إلى شُربها، وليس أنَّها تكون حرامًا إن فعل» (^١).\nالقرينة الثالثة: القياس.\nالقياس المعارض لحمل النهي على التحريم: قياس تخليل الخمر على دباغ جلد الميتة؛ بجامع أنهما استصلاح لفساد عارض.\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن هذ القرائن ضعيفة: فقرينة ورود النص وإن كانت في أصلها قوية لكن ما احتجوا به ضعيف، ولا يقوى على معارضة أحاديث النهي الصحيحة الصريحة.\nوكذا قرينتا القياس والتعليل بسد ذريعة التوصل لشربها، قرائن ضعيفة؛ لقوة دلالة ظاهر النهي على التحريم، يؤكده الأمر الصريح بإهراقها، وإن كانت أموال أيتام أوجبت الشريعة حِفظها وصيانتها من التلف؛ فلم يُجعل التخليل سبيلًا للحفظ والانتفاع، ويؤكده أيضًا ما عُلم من تغليظ الشرع في تحريم الخمر، ولعن فيها عشرة، فهذا كله دليل على وجوب اجتناب الخمر واجتناب الانتفاع بها بأي وجهٍ كان، والله أعلم.\n_________\n(^١) (٤/ ١٦٢٣).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>المبحث الثالث:\nالنهي عن البُصاق جهة القبلة أو اليمين للمصلي</span>\n<span data-type='title' id=toc-137>المطلب الأول: حكم البُصاق (^١) جهة القبلة أو اليمين للمصلي:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ؛ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنْهَا» (^٢).\nصورة المسألة: المصلي إن بدره البصاق -في المسجد أو في غير المسجد- إلى أي جهة يبصق؟\nتحرير محل النزاع:\nالحالة الأولى: إن كان المصلي في غير المسجد:\nاتفق الفقهاء (^٣) على كراهة البُصاق جهة القبلة أو اليمين للمصلي.\nالأدلة:\nالدليل الأول: حديث أبي هريرة -﵁-.\nالدليل الثاني: عن أنس -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» (^٤).\nوجه الاستدلال من الأحاديث:\nأن النبي -ﷺ- نهى المصلي عن البُصاق بين يديه وعن يمينه، ويُحمل النهي على\n_________\n(^١) ب ص ق: البصاق، كشراب، وكذا البساق، والبزاق: ثلاث لغات، أفصحهن بالصاد، وهو ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فرِيقُ هذا هو الفرق بينهما، وقيل: أوله البزق، ثم التَّفْل، ثم النَّفْث، ثم النَّفْخ، والتَّفل شبيه بالبزق، وهو أقل أمنه. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٤٥٠)، تاج العروس (٢٥/ ٨٣) و(٢٨/ ١٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب دفن النخامة في المسجد (١/ ٩١) برقم: (٤١٦).\n(^٣) يُنظر: مراقي الفلاح (ص: ١٢٧)، المجموع (٤/ ١٠١)، مغني المحتاج (١/ ٤٢٣)، المدونة (١/ ١٩١)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٧)، المبدع (١/ ٤٣٦)، الإنصاف (٣/ ٦٣٥).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب ليبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى (١/ ٩٠) برقم: (٤١٣)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق فِي المسجد فِي الصلاة وغيرها (١/ ٣٩٠) برقم: (٥٥١).","vol":"1","page":225},{"text":"الكراهة في غير المسجد تنزيهًا وإكرامًا وتشريفًا لجهة القبلة وجهة اليمين (^١).\nالحالة الثانية: إن كان المصلي في المسجد:\nاختلف الفقهاء في حكم البُصاق جهة القِبلة أو اليمين للمصلي إن كان في المسجد، على قولين:\nالقول الأول: يحرم البُصاق في المسجد جملةً، فإن بَدَره يبصق في ثوبه، ويحُكُّ بعضه ببعض.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nالقول الثاني: يُكره البُصاق جهة القِبلة أو اليمين للمصلي إذا كان لا يدفنه، ويجوز -إن كان يدفنه- إن وقع مرة أو مرتين لا أكثر.\nوهو مذهب المالكية (^٥).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ؛ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنْهَا» (^٦).\nالدليل الثاني: عن أنس -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» (^٧).\nوجه الاستدلال من الحديثين: أن نهي النبيِّ -ﷺ- المصليَ عن البُصاق بين يديه\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ١٥٧)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٣٨).\n(^٢) شرح أبي داود، للعيني (٢/ ٣٨٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٦١).\n(^٣) المجموع (٤/ ١٠٠)، مغني المحتاج (١/ ٤٢٣).\n(^٤) الإنصاف (٣/ ٦٣٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٣).\n(^٥) المدونة (١/ ١٩١)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٧)، التاج والإكليل (٧/ ٦١٩)، ولهم فيها تفصيل وترتيب للجهات، وما يُبدأ به أولًا. ينظر: الذخيرة (١٣/ ٣٤٨)، التاج والإكليل (٢/ ٣٠٨)، مواهب الجليل (٢/ ٢٨).\n(^٦) سبق تخريجه ص: (٢٢٣).\n(^٧) سبق تخريجه ص: (٢٢٣).","vol":"1","page":226},{"text":"وعن يمينه، عام في المسجد وغيره، ويُحمل النهي عن ذلك في المسجد على التحريم (^١)؛ بدليل قوله -ﷺ-: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» (^٢)، فجعل البزاق في المسجد خطيئة مطلقًا، سواء احتاج إلى البزاق أم لم يحتج، بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة، فيأثم بفعله، وعليه أن يكفِّر هذه الخطيئة بدفن البزاق (^٣).\nقال ابن بطال -﵀-: «معنى نَهْيه عن البزاق في القِبلة إنما هو من أجل مناجاته لربه عند استقباله القِبلة في صلاته، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن تتوجه إلى رب الأرباب وملك الملوك وتتنخم في توجُّهك، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على مَنْ توجه إليه» (^٤).\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ، فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا -وَوَصَفَه الراوي: فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ-» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن في إقبال النبي -ﷺ- على الناس مُغضَبًا كما جاء في رواية، وتخصيص جهة القبلة بأن نزَّلها منزل الرب تعالى؛ لبيان عِظم الذنب والخطيئة -دليل على تحريم البُصاق جهة القِبلة، وأرشد -ﷺ- إلى جعله في الثوب صيانة للمسجد عن التقذير بالبُصاق (^٦).\nويُفهم النهي عن البُصاق عن يمينه من أمره بأن يبزق عن يساره أو تحت قدمه أو\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب كفارة البزاق في المسجد (١/ ٩١) برقم: (٤١٥)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها (١/ ٣٩٠) برقم: (٥٥٢).\n(^٣) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٤١)، شرح أبي داود، للعيني (٢/ ٣٨٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٨٧).\n(^٤) شرح صحيح البخاري (٢/ ٦٨).\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق فِي المسجد فِي الصلاة وغيرها (١/ ٣٨٩) برقم: (٥٥٠).\n(^٦) يُنظر: المفهم (٢/ ١٥٨)، المبدع (١/ ٤٣٦).","vol":"1","page":227},{"text":"في طرف ردائه (^١).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل المالكية على الكراهة بالأحاديث التي استدل بها الجمهور على التحريم، من وجهين: الأول: أن النهي في الأحاديث يُحمل على الكراهة تنزيهًا لجهة القِبلة واليمين عن الأقذار إلا لضرورة فيتفُل، ثم يدفنه (^٢).\nالثاني: أن كونه خطيئة إنما هو لمَن تفل فيه ولم يدفن، فيُكره؛ لأنه يقذر المسجد، ويتأذى به مَنْ يعلق به أو رآه، فأما مَنْ اضطُر إلى ذلك، فدفن، وفعل ما أُمر به: فلم يأتِ خطيئة، فكأن بدفنه لها أزال عنه الخطيئة وكفَّرها (^٣).\nنُوقش: بأن هذا كلام باطل، وغلط صريح مخالف لنص الحديث، وأما قوله -ﷺ-: (وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا) فمعناه إن ارتكب هذه الخطيئة فعليه تكفيرها (^٤).\nسبب الخلاف:\nتعارض عمومي قوله: (الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ …)، وقوله: (… وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)، فمَن جعل الأول عامًا، وخَصَّ الثاني بما إذا لم يكن في المسجد -قال بتحريم البُصاق في المسجد، ومَن جعل الثاني عامًا، وخص الأول بمن لم يرد دفنها -حمل النهي على الكراهة (^٥).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- قول الجمهور بتحريم البُصاق في المسجد جملةً.\nأسباب الترجيح:\n١ - أن البُصاق جهة القِبلة فيه سوء أدب عند توجه العبد لربه تعالى، فيحرم لذلك.\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٣/ ١٠٧).\n(^٢) يُنظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٧).\n(^٣) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٨٧).\n(^٤) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٤١).\n(^٥) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥١١).","vol":"1","page":228},{"text":"٢ - أن العناية بالمسجد وتنظيفه واحترامه واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (^١).\n٣ - أن النبي -ﷺ- جعل البزاق في المسجد خطيئة.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب المالكية إلى كراهة البُصاق في المسجد لمَن لا يدفنها، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم: ورود النص بالتعليل بما يُفهم منه عدم التحريم.\nوذلك في: حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَهُ؛ أَنْ تُصِيبَ جِلْدَ مُؤْمِنٍ أَوْ ثَوْبَهُ، فَتُؤْذِيَهُ» (^٢). وقوله -ﷺ-: (كفارتها دفنها).\nقال القاضي عياض -﵀- (^٣): «فأما مَنْ اضطُر إلى ذلك، فدفن، وفعل ما أُمر به: فلم يأتِ خطيئة، فكأن بدفنه لها أزال عنه الخطيئة وكفَّرها، لو قدَّرنا بصاقه فيه ولم يدفنه.\nوأصل التكفير: التغطية، فكأن دفنها غطاء لما يُتصور عليه من الذم والإثم لو لم يفعل، وكونه خطيئة إنما هو لمن تَفل فيه ولم يدفن؛ لأنه يقذر المسجد، ويتأذى به مَنْ يعلق به أو رآه، كما جاء فى الحديث الآخر: (لئلا تصيب جلد مؤمن أو ثوبه، فتؤذيه)» (^٤).\nالحكم على القرينة:\n_________\n(^١) سورة الحج: جزء من الآية (٢٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ١٢١) برقم: (١٥٤٣)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٢/ ١٨): «رجاله موثقون»، وحسَّن إسناده ابن حجر في (فتح الباري) (١/ ٥١٢).\n(^٣) هو: عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليَحْصَبيُّ السَّبْتِيُّ، المالكي الحافظ، أبو الفضل، وُلد بسبتة سنة ٤٧٦ هـ، كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، وَلي قضاء سبتة، ثم قضاء غِرْناطة، وصنف التصانيف المفيدة منها: «الإكمال في شرح كتاب مسلم» كمَّل به «المعلم في شرح مسلم» للمازري، ومنها: «مشارق الأنوار»، «ترتيب المدارك وتقريب المسالك في معرفة أعلام مذهب الإمام مالك»، «مشارق الأنوار» وغيرها، تُوفي سنة ٥٤٤ هـ. يُنظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٨٣)، الديباج المذهب (٢/ ٤٦)، شذرات الذهب (٦/ ٢٢٦).\n(^٤) إكمال المعلم (٢/ ٤٨٧).","vol":"1","page":229},{"text":"الذي يظهر أن هذه القرينة وإن كانت محتملة لكن المعنى الظاهر لقوله: (كفارتها دفنها) أن مَنْ ارتكب هذه الخطيئة فعليه تكفيرها، والتعليل بكونها تقذر المسجد أو تؤذي المؤمن تعليل يفيد التحريم؛ لوجوب صيانة المسجد ولتحريم الأذى، وقبل هذا وذا: فإنَّ كون المسلم في المسجد يناجي ربه ويستشعر مواجهة الله له وكأنه في قِبلته، يحتم عليه ألا يبصق؛ لأنه سوء أدب مع الله، فإن اضطُر إليه فليجعله في ثوبه أو منديل، ويمسحه، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>الباب الثاني\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في كتاب الصلاة</span>\nويتكون من سبعة فصول:\nالفصل الأول: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب الأذان.\nالفصل الثاني: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المساجد.\nالفصل الثالث: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المواقيت.\nالفصل الرابع: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب ستر العورة.\nالفصل الخامس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب آداب المشي إلى الصلاة.\nالفصل السادس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صفة الصلاة.\nالفصل السابع: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صلاة التطوع.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>الفصل الأول\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب الأذان</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: النهي عن أخذ الأجرة على الأذان.\nالمبحث الثاني: النهي عن الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>المبحث الأول:\nالنهي عن أخذ الأجرة على الأذان</span>\n<span data-type='title' id=toc-142>المطلب الأول: حكم أخذ الأجرة على الأذان:</span>\nدليل النهي (^١):\nعن عثمان بن أبي العاص -﵁- (^٢)، قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» (^٣).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم أخْذ المؤذن الأجرة على الأذان، على قولين:\nالقول الأول: يجوز أخْذ الأجرة على الأذان:\nوهو قول متأخري الحنفية (^٤)، ومذهب المالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٧).\nالقول الثاني: يحرم أخْذ الأجرة على الأذان:\n_________\n(^١) وجه دخول المسألة في مسائل النهي: أن في الحديث أمرًا باتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجرًا، ويستفاد منه نهي غير صريح عن أخذ الأجرة على الأذان، لذا استدل به الفقهاء على مسألة المنع من أخذ الأجرة على الأذان. يُنظر: المغني (١/ ٣٠١)، الذخيرة (٢/ ٦٦).\n(^٢) هو: عثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي، يُكنى: أبا عبد الله، استعمله رسول الله -ﷺ- على الطائف، وأقره أبو بكر ثم عمر، ثم استعمله عمر على عُمان والبحرين سنة خمس عشرة، روى عثمان عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن أخيه يزيد بن الحكم بن أبي العاص، ومولاه أبو الحكم، وسعيد بن المسيب، وآخرون، سكن البصرة، ومات في خلافة معاوية سنة ٥٠ هـ. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ١٠٣٥)، الإصابة (٤/ ٣٧٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب أخْذ الأجر على التأذين (١/ ٣٩٨) برقم: (٥٣١)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا (١/ ٤٠٩) برقم: (٢٠٩) وقال: «حديث عثمان حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم: كرهوا أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه»، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب المساجد، اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجرًا (٢/ ٢٥٠) برقم: (١٦٤٨)، وابن ماجه، أبواب الأذان والسُّنَّة فيها، باب السُّنَّة في الأذان (١/ ٤٥٩) برقم: (٧١٤)، وأحمد (٢٦/ ٢٠٠) برقم: (١٦٢٧٠)، صححه ابن خزيمة (١/ ٢٥٠) برقم: (٤٢٣)، وقال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٣١٤): «على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وقال الزَّيْلعي في (نصب الراية) (٤/ ١٣٩): «أخرجه أصحاب السنن الأربعة بطرق مختلفة».\n(^٤) يُنظر: البحر الرائق (٨/ ٢٣)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٥).\n(^٥) يُنظر: الذخيرة (٢/ ٦٦)، مواهب الجليل (١/ ٤٥٥).\n(^٦) يُنظر: العزيز شرح الوجيز (١/ ٤٢٣)، المجموع (٣/ ١٢٧).\n(^٧) يُنظر: المغني (١/ ٣٠١)، الشرح الكبير (٣/ ٥٧)، المبدع (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":233},{"text":"وهو مذهب الحنفية (^١)، وقول عند الشافعية (^٢)، والمذهب عندالحنابلة (^٣).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ» (^٤)، والحديث فيه قصة اللَّدِيغ.\nوجه الاستدلال: أن عموم الحديث يدل على جواز أخْذ الأجرة على الرُّقية وتعليم القرآن، وتلحق بها القُرب ذات المنفعة المتعدية، ومنها: الأذان (^٥).\nالدليل الثاني: حديث أبي سعيد الخدري -﵁- في قصة اللَّدِيغ، وفيها: فقال رسول الله -ﷺ-: «قَدْ أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث دليلًا على جواز أخْذ الأجرة على الرُّقية، وذلك أن أصحاب النبي -ﷺ- لما أخذوا الغنم التي أُعطيت لهم على الرُّقية تحرَّجوا من قِسمتها وأكْلها، وأخبروا بذلك النبي -ﷺ-، فأعلمهم أنها حلال، ولهم أخْذ الأجرة عليه، وأكَّد لأنفسهم، وطيَّب نفوسهم بأن قال: (وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا)؛ ولذا جاز أخْذ الأجرة على الأذان؛ لأنه في معناه (^٧).\nنُوقش: أن المراد منه الجُعالة (^٨) في الرُّقية كما هو ظاهر سياق الحديث، والرُّقية نوع مُدَاواة، والمأخوذ عليه جُعل، والمداواة يُباح أخْذ الأجر عليها (^٩).\n_________\n(^١) يُنظر: البناية (٢/ ٩٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٢).\n(^٢) يُنظر: الحاوي الكبير (٢/ ٦٠)، المجموع (٣/ ١٢٥).\n(^٣) يُنظر: المغني (١/ ٣٠١)، الشرح الكبير (٣/ ٥٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٠).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب الشرط في الرُّقية بقطيع من الغنم (٧/ ١٣١) برقم: (٥٧٣٧).\n(^٥) يُنظر: المغني (٣/ ٢٢٤)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٥/ ٨٦).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب الإجارة، باب ما يُعطى في الرُّقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب (٣/ ٩٢) برقم: (٢٢٧٦)، ومسلم، كتاب السلام، باب جواز أخْذ الأجرة على الرُّقية بالقرآن والأذكار (٤/ ١٧٢٧) برقم: (٢٢٠١).\n(^٧) يُنظر: شرح التلقين (١/ ٤٣١)، المغني (٥/ ٤١١)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٥/ ٨٧).\n(^٨) الجُعل -بالضم-: العطية، وهو ما يعطاه الإنسان على الأمر يفعله، ويقال: الجعالة، والجعيلة. يُنظر: التعريفات (ص: ٧٦)، الصحاح (٤/ ١٦٥٦)، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٣٤٠).\n(^٩) يُنظر: البناية (١٠/ ٢٨١).","vol":"1","page":234},{"text":"يمكن أن يُجاب عنه: بأن النبي -ﷺ- سماه أجرًا في حديث ابن عباس -﵄-.\nالدليل الثالث: حديث أبي محذورة -﵁- (^١) في قصة تعليم النبي -ﷺ- له الأذان واتخاذه مؤذنًا، قال: «خَرَجْتُ فِي نَفَرٍ، فَكُنَّا في بَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ (^٢)، مَقْفَلَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، مِنْ حُنَيْنٍ فَلَقِيَنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِالصَّلَاةِ، … ثُمَّ دَعَانِي حِينَ قَضَيْتُ التَّأْذِينَ، فَأَعْطَانِي صُرَّةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ …» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- لما اتخذ أبا محذورة مؤذنًا أعطاه الصرة، فدل ذلك على جواز أخْذ الأجرة على الأذان (^٤).\nنُوقش من وجهين (^٥): الأول: أن حديث أبي محذورة مُعارِض لحديث النهي، وإسلامه متقدم على إسلام عثمان بن أبي العاص الراوي لحديث النهي، فحديثه متأخِر والعبرة بالمتأخِر.\nالثاني: أنها واقعة يتطرق إليها الاحتمال، فيُحتمل أن يكون أعطاه من باب التأليف؛ لحداثة عهده بالإسلام، ووقائع الأحوال إذا تطرَّق إليها الاحتمال سلبها\n_________\n(^١) هو: أَبُو محذورة القرشي الجمحي، اختُلف في اسمه، فقيل: سمرة ابن مِعْيَر، وقيل: مِعْيَر بْن مُحَيْرِيز، وقيل: أَوْسُ بنُ مِعْيَرِ بنِ لَوْذَانَ بنِ رَبِيْعَةَ بن سعد بن جمح ربيعة بن عريج بن سعد بن جمح، مؤذن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بمكة بعد الفتح، غلبت عليه كنيته، تُوفي سنة ٥٩ هـ. يُنظر: الاستيعاب (٤/ ١٧٥١)، أسد الغابة (٦/ ٢٧٣).\n(^٢) حُنَيْن -بضم الحاء المهملة وفتح النون- على لفظ تصغير الترخيم: وادٍ من أودية مكة المكرمة، يسيل من السراة، ثم ينحدر غربًا، فيمر بين جبل كِنشيل الشهير عن يمينه وجبلي لَبَن عن يساره، ويُعرف اليوم بوادي الشّرائِع، ولا يُعرف حُنَين، والطريق إلى الطائف تأخذ على الشرائع قابلة وادي حُنَين، ثم تأخذ وادي يَدْعَان، يسارًا، وحُنَين هو الموضع الذي جرت فيه الوقعة الشهيرة بين رسول الله -ﷺ- وبين هَوَازن ومَن ناصرهم في عام الفتح، وكانت من الوقعات الفاصلة، ومن الوقعات التي ذكرها الله في القرآن. يُنظر: مراصد الاطلاع (١/ ٤٣٢)، معالم مكة التأريخية والأثرية (ص: ٨٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان (١/ ٣٧٦) برقم: (٥٠٣)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الترجيع في الأذان (١/ ٣٦٧) برقم: (١٩٢)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب المساجد، كم الأذان من كلمة (٢/ ٢٣٣) برقم: (١٦٠٨) واللفظ له (مختصرا)، وابن ماجه، أبواب الأذان والسنة فيها، باب الترجيع في الأذان (١/ ٤٥٤) برقم: (٧٠٨)، وأحمد، (٢٤/ ٩٧) برقم: (١٥٣٨٠)، صححه ابن حبان (٤/ ٥٧٤) برقم: (١٦٨٠)، قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ٨٩): «إسناد صحيح رجاله ثقات».\n(^٤) يُنظر: نيل الأوطار (٢/ ٧٠).\n(^٥) يُنظر: حاشية السيوطي على سنن النسائي (٢/ ٧).","vol":"1","page":235},{"text":"الاستدلال؛ لما يبقى فيها من الإجمال (^١).\nأُجيب عنه: بأنه يُجمع بين الأحاديث: بأن حديث عثمان يُحمل على الندب والورع، وحديث أبي محذورة يدل على الجواز (^٢)، وبأن القُربة ذات المنفعة المتعدية يجوز أخْذ الأجرة عليها (^٣).\nالدليل الرابع: أن الأذان عمل معلوم، يجوز أخذ الرَّزق (^٤) عليه، فجاز أخْذ الأجرة عليه، كسائر الأعمال، ولا خلاف في جواز أخْذ الرزق عليه (^٥).\nنُوقش من وجهين: الأول: بأنه لا يصح القياس؛ لأنه قياس مع وجود النص (^٦).\nأُجيب عنه: أن النهي في النص محمول على الندب لا التحريم (^٧).\nالثاني: بوجود الفرق بين الرزق والأجرة؛ ذلك أن الرزق أن يعطيه كفايته هو وعياله من بيت المال، والأجرة ما يقع به التراضي (^٨).\nالدليل الخامس: أنه فِعل يجوز التبرع به عن الغير، فيجوز أخْذ الأجرة عليه، ولا يكون كونه قربة مانعًا من الإجارة فيه؛ قياسًا على الحج عن الغير (^٩).\nالدليل السادس: أن المؤذن يحبس نفسه في المكان المعين، وهو غير مأمور به عينًا، فجاز أخْذ الأجرة عليه (^١٠).\nوكل ما لا يتعين على الأجير أداؤه يجوز الاستئجار عليه إذا كان تجزئ فيه\n_________\n(^١) تُنظر القاعدة في: أصول الفقه، لابن مفلح (٢/ ٨٠١).\n(^٢) يُنظر: المجموع (٣/ ١٢٨)، الذخيرة (٢/ ٦٧).\n(^٣) يُنظر: المغني (٣/ ٢٢٤)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٥/ ٨٦).\n(^٤) الرَّزْقُ: العطاء، وهو ما يرتِّبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين، فيعطى كفايته هو وعياله. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٤٨١)، المجموع (٣/ ١٢٧)، فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ١٥٠).\n(^٥) قال ابن قدامة في (المغني) (١/ ٣٠١): «لا نعلم خِلافًا في جوازِ أخْذ الرِّزق عليه»، ويُنظر: العزيز شرح الوجيز (١/ ٤٢٣)، الذخيرة (٢/ ٦٦)، البناية (١٠/ ٢٧٧).\n(^٦) يُنظر: المبدع (١/ ٢٧٦) نقلًا عن ابن حامد.\n(^٧) يُنظر: المجموع (٣/ ١٢٨)، الذخيرة (٥/ ٤٠١)، أسنى المطالب (١/ ١٣٢).\n(^٨) يُنظر: المغني (٥/ ٤١٢)، المجموع (٣/ ١٢٨).\n(^٩) يُنظر: الذخيرة (٢/ ٦٦).\n(^١٠) يُنظر: التعليقة، للقاضي حسين (٢/ ٦٦٢)، الذخيرة (٢/ ٦٦).","vol":"1","page":236},{"text":"النيابة (^١).\nالدليل السابع: أن المنع من الاستئجار على الطاعة يُستثنى منه ما فيه ضرورة ظاهرة: كتعليم القرآن خشية ضياعه، ومثله: الأذان (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (^٣).\nوجه الاستدلال: أن الإنسان يُثاب على ما عمل وقَدَّم، والأذان يقع قربة عن العامل يُثاب عليها، فلا يجوز له أخْذ الأجرة من غيره: كالصوم، والصلاة (^٤).\nأُجيب عنه بجوابين: الأول: بأن كونه قربة لا يمنع الإجارة، ولأنه لا يجب عليه، ولأن نَفْعه يعود إلى عموم المسلمين؛ فهو كتعليم القرآن (^٥).\nالثاني: لا يصح القياس على الصلاة والصوم للفرق بين الفرع والأصل؛ فالصلاة عبادة خاصة بالفاعل والأذان متعدي النفع (^٦).\nالدليل الثاني: حديث عثمان بن أبي العاص -﵁-، قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أمر باتخاذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا، ويستفاد منه نهيا غير صريحا عن أخذ الأجرة على الأذان، والأصل في النهي التحريم.\nنُوقش: أن النهي محمول على الندب لا التحريم (^٨)، والقرينة الصارفة له أحاديث الجواز.\n_________\n(^١) الدليلان الخامس والسادس مبنيان على قاعدة: أن كل ما لا يتعين على الأجير أداؤه يجوز الاستئجار عليه إذا كان تجزئ فيه النيابة. يُنظر: موسوعة القواعد الفقهية (٦/ ٣٠٤).\n(^٢) يُنظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٥).\n(^٣) سورة النجم: الآية (٣٩).\n(^٤) يُنظر: الاختيار لتعليل المختار (٢/ ٥٩)، البناية (١٠/ ٢٨١).\n(^٥) يُنظر: التعليقة، للقاضي حسين (٢/ ٦٦٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٢٧).\n(^٦) يُنظر: عمدة القاري (١٢/ ٩٥).\n(^٧) سبق تخريجه: ص (٢٣١).\n(^٨) المجموع (٣/ ١٢٨)، الذخيرة (٥/ ٤٠١)، أسنى المطالب (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":237},{"text":"الدليل الثالث: أن الأذان قربة لفاعله، لا يصح إلا من مسلم، فلم يجُزَ أخْذ الأجرة عليه، كالإمامة (^١).\nنُوقش: بأن كونه قربة لا يكون مانعًا من الإجارة فيه؛ قياسًا على الحج عن الغير، جاز التبرع بها عن الغير، فجار أخذة الأجرة عليها (^٢).\nسبب الخلاف:\nتنوعت آراء العلماء في سبب الخلاف: فنجد ابن رشد -﵀- (^٣) في «بداية المجتهد» (^٤) أرجعه إلى سببين: الأول: اختلافهم في تصحيح الخبر الوارد في ذلك، وهو حديث عثمان بن أبي العاص، الثاني: أن مَنْ منعه قاس الأذان في ذلك على الصلاة.\nبينما نجد القَرَافِي -﵀- في «الذخيرة» (^٥) جعل السبب وجوب شائبتين: حصول النفع للنافع بالثواب، والمستأجر بالملازمة في المكان المخصص.\nونجد السَّرَخْسِي -﵀- (^٦) في «المبسوط» (^٧) أشار إلى أن السبب هو اختلاف أصول المذاهب: فالأصل عند الحنفية أن كل طاعة يختص بها المسلم فالاستئجار عليها باطل، والأصل عند الشافعية أن كل ما لا يتعين على الأجير إقامته فالاستئجار عليه صحيح.\n_________\n(^١) يُنظر: الشرح الكبير (٣/ ٥٧)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٥)، وهذا أصل من أصول الحنفية: (الطاعات التي لا يجوز أَداؤها من الكافر لا يجوز الاستئجار عليها)، وللإمام أحمد فيها روايتان. يُنظر: البناية شرح الهداية (١٠/ ٢٧٨)، موسوعة القواعد الفقهية (٦/ ٣٠٣).\n(^٢) يُنظر: الذخيرة (٢/ ٦٦).\n(^٣) هو: أبو الوليد، محمد بن أبي القاسم أحمد ابن شيخ المالكية أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي، مولده قبل موت جده بشهر سنة ٥٢٠ هـ، تفقه، وبرع، وسمع الحديث، وأتقن الطب، ثم أقبل على علوم الأوائل وبلاياهم، حتى صار يُضرب به المثل في ذلك، وولي قضاء قُرْطبة، فحُمدت سيرته، وله من التصانيف: «بداية المجتهد»، «الكليات»، «مختصر المستصفى»، تُوفي سنة ٥٩٥ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٢٦)، الديباج المذهب (٢/ ٢٥٧)، شذرات الذهب (٦/ ٥٢٢).\n(^٤) (١/ ١١٦).\n(^٥) (١٠/ ٧٩).\n(^٦) هو: محمد بن أحمد بن أبي سهل، أبو بكر السَّرَخْسِي، من أئمة الحنفية، وكان إمامًا علامة حجة متكلمًا مناظرًا أصوليًا مجتهدًا، نسبته إلى سَرَخْس -بفتح السين وفتح الراء وسكون الخاء- بلدة قديمة من بلاد خراسان، أملى كتابه \"المبسوط\" في نحو خمسة عشر مجلدًا وهو في السجن بأوزجند، كان محبوسًا في الجُبِّ بسبب كلمة نصح بها الخاقان، وله «شرح السير الكبير للإمام محمد»، و«المبسوط» وغيرها، تُوفي سنة ٤٨٣ هـ. يُنظر: الجواهر المضية (٢/ ٢٨)، الفوائد البهية (ص: ١٥٨).\n(^٧) (١٦/ ٣٧).","vol":"1","page":238},{"text":"الترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز أخْذ الأجرة على الأذان، والله أعلم.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة الأدلة التي أفادت الجواز.\n٢ - أنه من باب التعاون على البر والتقوى، والمحافظة على إقامة شعائر الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر أن القرائن الصارفة التي استدل بها القائلون بالجواز وأن النهي يُحمل على الندب والورع وليس التحريم، هي أدلة الجواز:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعَل النبي -ﷺ- خلاف النهي.\nوذلك ما جاء في حديث أبي محذورة -﵁- أن النبي -ﷺ- لما علَّمه الأذان واتخذه مؤذنًا، أعطاه صرَّة فيها شيء من فضة، فكان كالأجرة.\nالقرينة الثانية: ورود النص بحكاية إقرار النبي -ﷺ-.\nوهو ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري -﵁- بأن النبي -ﷺ- أقرَّ الصحابة على أخْذ الأجرة على الرُّقية، وصوَّبهم عليها، ويؤيده حديث ابن عباس -﵄-، وسماه النبي -ﷺ- أجرًا، فاستدل بهما على جواز أخْذ الأجرة على القُرَب ذات النفع المتعدي، ومنها: الأذان.\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن هذه القرائن قوية معتبرة؛ لقوتها في أصلها؛ فهي قرائن نصية صحيحة تفيد الجواز، والله تعالى أعلم بالصواب.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>المبحث الثاني:\nالنهي عن الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها</span>\n<span data-type='title' id=toc-145>المطلب الأول: حكم الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها:</span>\nدليل النهي:\nعن بلال -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال له: «لا تُؤذِّن حتَّى يَستبينَ لك الفَجرُ هكذا، ومدّ يَدَيهِ عَرضًا» (^١).\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الإجماع:\nأجمع العلماء (^٢) على أنه لا يصح الأذان للصلاة قبل دخول وقتها فيما عدا الفجر؛ لقوله -ﷺ-: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (^٣)، ولأن الأذان شُرع للإعلام بالوقت، فلا يُشرع قبل الوقت؛ لئلا يذهب مقصوده (^٤).\nقال ابن المنذر -﵀- (^٥): «أجمعوا على أن من السنة: أن يُؤذَّن للصلاة بعد دخول وقتها إلا الصبح» (^٦).\nثانيًا: محل النزاع:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١/ ٤٠١) برقم: (٥٣٤) وقال: «شداد مولى عياض لم يُدرك بلالًا»، وقال الزيلعي في (نصب الراية) (١/ ٢٨٤): «أعلَّه البيهقي بالانقطاع، قال في المعرفة: وشداد مولى عياض لم يدرك بلالًا».\n(^٢) نقل الإجماع: ابن المنذر في (الإجماع) (ص: ٤٧)، وابن رشد في (بداية المجتهد) (١/ ١١٥)، والنووي في (المجموع) (٣/ ٨٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد (١/ ١٢٨) برقم: (٦٢٨)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة (١/ ٤٦٥) برقم: (٦٧٤).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ٢٩٧)، شرح العمدة لابن تيمية -كتاب الصلاة (ص: ١١٣).\n(^٥) هو: محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، كنيته أبو بكر، وُلد سنة ٢٤٢ هـ، كان فقيهًا عالمًا مجتهدًا، من الحفاظ، وكان شيخ الحرم بمكة، قال الذهبي: «ابن المنذر صاحب الكتب التي لم يُصنف مثلها» منها: «المبسوط»، «الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف»، «الإشراف على مذاهب أهل العلم»، «الإجماع» وغيرها، تُوفي بمكة سنة ٣١٩ هـ. يُنظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٠٧)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٠٠)، الأعلام، للزركلي (٥/ ٢٩٤).\n(^٦) الإجماع (ص: ٤٧).","vol":"1","page":240},{"text":"اختلف الفقهاء في الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجوز أن يُؤذن للفجر قبل الوقت.\nوهو مذهب الجمهور: المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nالقول الثاني: لا يجوز أن يُؤذن للفجر قبل الوقت، وإن فعل أعاد في الوقت.\nوهو مذهب الحنفية (^٤).\nالقول الثالث: يُكره إلا إن أعاد في الوقت، فلا يُكره.\nوهو رواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٥).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» (^٦)، والحديث عند مسلم وفيه: «… قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث دليلًا على دوام بلال -﵁- على الأذان قبل الفجر، وأن النبي -ﷺ- أقرَّه عليه، ولم ينهه عنه؛ لقوله: (فكلوا واشربوا) أي: في مستقبل الأيام، فثبت جوازه (^٨).\nنُوقش: بأن بلالًا إنما كان ينادي للسحور، ولا يؤذن للصلاة (^٩).\nأُجيب عنه بجوابين (^١٠):\n_________\n(^١) يُنظر: الذخيرة (٢/ ٦٩)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٨).\n(^٢) يُنظر: الحاوي (٢/ ٢٦)، المجموع (٣/ ٨٩).\n(^٣) يُنظر: المغني (١/ ٢٩٧)، الإنصاف (٣/ ٨٨).\n(^٤) يُنظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤)، البناية (٢/ ١١٣).\n(^٥) يُنظر: المبدع (١/ ٢٨٧)، الإنصاف (٣/ ٩٠).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان بعد الفجر (١/ ١٢٧) برقم: (٦٢٠).\n(^٧) أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (٢/ ٧٦٨) برقم: (١٠٩٢).\n(^٨) يُنظر: المغني (١/ ٢٩٧).\n(^٩) يُنظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤).\n(^١٠) يُنظر: الحاوي الكبير (٢/ ٢٦).","vol":"1","page":241},{"text":"أحدهما: أن لفظ الأذان إنما هو مختص بالصلاة.\nوالثاني: أنه لو كان نداء للسحور لم يُشكل عليهم، ولا احتاجوا إلى تعريف النبي -ﷺ- كما في حديث ابن مسعود -﵁-.\nالدليل الثاني: عن ابن مسعود -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ -أَوْ: يُنَادِي بِلَيْلٍ- لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أشار في الحديث إلى علة اختصاص الفجر بذلك، وهو قيام النائم؛ ليقضي حاجته، فيأتي الصلاة في أول الوقت، ورجوع القائم؛ ليأتي بالعبادة على وجه النشاط (^٢)، وهو نصٌّ في موضع الخلاف (^٣).\nالدليل الثالث: حديث زياد بن الحارث الصُّدائي -﵁- (^٤)، قال: «لما كان أوّلُ أذان الصُّبحِ أمرني -يعني: النبي -ﷺ- فأذَّنتُ، فجعلتُ أقول: أُقيمُ يا رسولَ الله؟ فجعل ينظرُ إلى ناحية المَشرِقِ إلى الفجر، فيقول: لا، حتَّى إذا طلعَ الفجرُ نزلَ، فبرزَ، ثمَّ انصرفَ إليَّ وقد تلاحَقَ أصحابُه -يعني: فتوضَّأ- فأراد بلال أن يقيمَ، فقال له نبي الله -ﷺ-: إنَّ أخا صُداءٍ هو أَذَّنَ، ومَن أذَّنَ فهو يقيمُ، قال: فأقمتُ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أمر زيادًا بالأذان قبل طلوع الفجر، فدل على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان قبل الفجر (١/ ١٢٧) برقم: (٦٢١)، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (٢/ ٧٦٨) برقم: (١٠٩٣).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ٢٩٨)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الصلاة (ص: ١١٤)، شرح الزركشي (١/ ٥٠٩).\n(^٣) يُنظر: الحاوي الكبير (٢/ ٢٧).\n(^٤) هو: زياد بن الحارث الصُّدائي، وصُداء حي من اليمن، وهو حليف لبني الحارث بن كعب، بايع النبي -ﷺ-، وأذّن بين يديه، يعدّ في المصريين وأهل المغرب، روى عنه زياد بن نعيم الحضرمي. يُنظر: الاستيعاب (٢/ ٥٣٠)، أسد الغابة (٢/ ٣٣٢)، تهذيب التهذيب (٣/ ٣٥٩).\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع الصوت بالأذان (١/ ٣٨٦) برقم: (٥١٤)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن من أذن فهو يقيم (١/ ٣٨٣) برقم: (١٩٩) وقال: «وفي الباب عن ابن عمر، وحديث زياد إنما نعرفه من حديث الإفريقي، والإفريقي هو ضعيف عند أهل الحديث … ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث»، وابن ماجه، أبواب الأذان والسنة فيها، باب السنة في الأذان (١/ ٤٦١) برقم: (٧١٧)، وأحمد (٢٩/ ٨٠) برقم: (١٧٥٣٨)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٣/ ٤٠٨): «قد أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب (الأذان) من حديث ابن عمر مرفوعًا، وليس فيه الإفريقي. والإفريقي قد وثَّقه جماعة».","vol":"1","page":242},{"text":"جوازه، وهذا نصٌّ في موضع الخلاف (^١).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: حديث بلال -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال له: «لا تُؤذِّنْ حتَّى يَستبينَ لك الفَجرُ هكذا، ومدّ يَدَيهِ عَرضًا» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى بلالًا عن الأذان للفجر قبل دخول الوقت؛ لأن الأذان شُرع للإعلام بدخول الوقت، والإعلام بالدخول قبل الدخول كذب، وكذا هو من باب الخيانة في الأمانة، والمؤذن مؤتمن على لسان رسول الله -ﷺ-؛ ولهذا لم يَجُزْ في سائر الصلوات (^٣).\nنُوقش: بأن الحديث معلول بالانقطاع: قال ابن قدامة: «لا يقوم به ولا بمثله حجة؛ لضعفه وانقطاعه» (^٤).\nالدليل الثاني: عن ابن عمر -﵄-: «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ، أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن بلالًا -﵁- أذَّن قبل الفجر في وقت يُشك فيه في طلوع الفجر،\n_________\n(^١) يُنظر: الحاوي (٢/ ٢٧)، المغني (١/ ٢٩٧).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٢٣٨).\n(^٣) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ١٥٤).\n(^٤) المغني (١/ ٢٩٧) نقلًا عن ابن عبد البر.\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الأذان قبل دخول الوقت (١/ ٣٩٩) برقم: (٥٣٢)، قال أبو داود: «زاد موسى: فرجع فنادى: ألا إنَّ العبدَ نام، وهذا الحديثُ لم يَروِهِ عن أيوب إلا حمّادُ بن سلمة»، ورواه الترمذي في باب ما جاء في الأذان بالليل (١/ ٣٩٥) إثر الحديث رقم: (٢٠٣) وقال: «هذا حديث غير محفوظ»، وقال ابن قدامة في (المغني) (١/ ٢٩٨): «رواه حماد بن زيد، والدَّراوَرْدِيّ، فخالفاه، وقالا: مؤذن لعمر، وهذا أصح، وقال علي بن المديني: أخطأ فيه، -يعني: حمادًا-»، قال ابن حجر في (فتح الباري) (٢/ ١٠٣): «أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن بن عمر موصولًا مرفوعًا، ورجاله ثقات حفاظ، لكن اتفق أئمة الحديث: علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والأثرم، والدارقطني، على أن حمادًا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وَقْفُه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، وأن حمادًا انفرد برفعه»، ثم ذكر له متابعة وطرقًا أخرى مرسلة أو موصولة، ثم قال: «وهذه طرق يقوي بعضها بعضا قوة ظاهرة، فلهذا -والله أعلم- استقر أن بلالًا يؤذن الأذان الأول».","vol":"1","page":243},{"text":"وكان ذلك من بلال خطأً على ظَنِّ طلوع الفجر؛ لأنه كان في بصره ضعف (^١)، فلم يَعْتد النبي -ﷺ- بهذا الأذان للصلاة، ولو اعتد به للصلاة لم يأمر بإعادته (^٢).\nنُوقش: بأن الحديث ضعيف، وأن الصحيح فيه هو عن مؤذنٍ لعمر -﵁- (^٣).\nأُجيب عنه: بأن له طرقًا أخرى يقوِّي بعضها بعضًا قوة ظاهرة (^٤).\nالدليل الثالث: قياس الأذان للفجر بالأذان لسائر الصلوات؛ لأنه شُرع للإعلام بالوقت، وفي الأذان قبل الوقت تضليل يؤدي إلى الضرر بالناس؛ لأن ذلك وقت نومهم، خصوصًا في حق مَنْ تهجَّد في النصف الأول من الليل، فربما يلتبس الأمر عليهم، وذلك مكروه (^٥).\nيمكن أن يُناقش: بأنه قياس في مقابل النص؛ فإن النبي -ﷺ- أمر به كما في حديث الصُّدائي، وأقر بلالًا عليه كما في حديث ابن عمر.\nأدلة القول الثالث:\nالدليل الأول: عن ابن عمر -﵄-: «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ، أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- لم يَعْتد بأذان بلال قبل الفجر، فدل على كراهته؛ لأن الأذان قبل الفجر يفوِّت المقصود من الإعلام بالوقت، ولئلا يَغُرَّ الناس، فيتركوا سحورهم (^٧).\nنُوقش: أن الحديث ضعيف، وأنه خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر (^٨).\nأُجيب عنه في جواب مناقشة الدليل الثاني للقول الثاني.\n_________\n(^١) يُنظر: البناية (٢/ ١١٣).\n(^٢) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (١/ ٥٥٩).\n(^٣) يُنظر: المغني (١/ ٢٩٨).\n(^٤) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (٢/ ١٠٣).\n(^٥) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ١٣٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤).\n(^٦) سبق تخريجه: ص (٢٤١).\n(^٧) يُنظر: شرح الزركشي (١/ ٥١٠)، المبدع (١/ ٢٨٧).\n(^٨) يُنظر: شرح الزركشي (١/ ٥١٠).","vol":"1","page":244},{"text":"والدليل على أنه لا يُكره إن أذَّن بعده في الوقت:\nحديث عبد الله بن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- لم يكتفِ بأذان بلال قبل الفجر؛ لقوله: (حتى ينادي ابن أم مكتوم) بعد دخول الوقت، فيكون أذانه دعاءً إلى الصلاة، وإعلامًا بأن الصلاة قد حضر وقتها؛ ليشهدها الناس (^٢).\nسبب الخلاف:\n«السبب في اختلافهم أنه ورد في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما: الحديث المشهور الثابت، وهو قوله -ﷺ-: (إن بلالًا ينادي بليل …)، والثاني: ما رُوي عن ابن عمر: (أن بلالًا أذَّن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي -ﷺ- أن يرجع فينادي: ألا إن العبد قد نام)، والأول أثبت.\nوالثاني أيضًا خرجه أبو داود، وصححه كثير من أهل العلم، فذهب الناس في هذين الحديثين: إما مذهب الجمع، وإما مذهب الترجيح.\nفأما مَنْ ذهب مذهب الترجيح: فإنهم قالوا: حديثُ بلال أَثْبتُ، والمصيرُ إليه أوجبُ.\nوأما مَنْ ذهب مذهب الجمع: فقالوا: يُحتمل أن يكون نداء بلال في وقت يُشك فيه في طلوع الفجر؛ لأنه كان في بصره ضعف، ويكون نداء ابن أم مكتوم في وقت يُتيقن فيه طلوع الفجر، ويدل على ذلك ما رُوي: قَالَ: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا).\nوأما مَنْ قال أنه يُجمع بينهما -أعني: أن يؤذِّن قبل الفجر وبعده- فعلى ظاهر ما رُوي من ذلك في صلاة الصبح خاصة، أعني: أنه كان يؤذِّن لها في عهد رسول الله -ﷺ- مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم» (^٣).\nالترجيح:\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٢٣٩).\n(^٢) يُنظر: الأوسط (٣/ ٢٩).\n(^٣) بداية المجتهد (١/ ١١٥) بتصرف يسير.","vol":"1","page":245},{"text":"بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها (^١).\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة الأدلة التي أفادت الجواز وصحتها.\n٢ - أن النبي -ﷺ- بيَّن الحكمة من اختصاص الفجر بذلك، فهي سنة ثابتة عنه -ﷺ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nلعل القرينة الصارفة عند القائلين بالكراهة هي: المقصد من النهي.\nوذلك أن النهي أُريد به مصلحة الناس بصيانة عبادتهم من اللبس؛ فعلة النهي: خوف التغرير والتلبيس على الناس، فيتركوا سحورهم (^٢)، أو يلتبس عليهم دخول وقت الصلاة.\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أنها قرينة ضعيفة؛ لضعف مستندها في مقابلة صحة أدلة الجواز، ولدلالة حديث ابن عمر أن ذلك كان على الدوام، فيبعد أن يكون مكروهًا ويداوم عليه، ولأن مصلحة الناس فيما بيَّنه النبي -ﷺ- من الحكمة: (لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ)، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) هذا من حيث الجواز، أما من حيث الأفضل فلعل الأفضل أن يؤذن مرة أخرى إذا دخل وقت الفجر، والله أعلم.\n(^٢) يُنظر: المبدع (١/ ٢٨٧).","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>الفصل الثاني\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المساجد</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن إدخال الصبيان والمجانين للمساجد.\nالمبحث الثاني: النهي عن إِيطان الرجلِ المكانَ في المسجد.\nالمبحث الثالث: النهي عن تَتبُّع المساجد.\nالمبحث الرابع: النهي عن تباهي الناس في المساجد.\nالمبحث الخامس: النهي عن الاستلقاء في المسجد ووضْع إحدى الرجلين على الأخرى.\nالمبحث السادس: النهي عن الجلوسِ لداخلِ المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد.\nالمبحث السابع: النهي عن صلاة غير المكتوبة، بعد إقامة الصلاة.\nالمبحث الثامن: النهي عن استدامة الإمام الصلاةَ في مكان المكتوبة.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>المبحث الأول:\nالنهي عن إدخال الصبيان والمجانين للمساجد</span>\n<span data-type='title' id=toc-149>المطلب الأول: حكم إدخال الصبيان (^١) والمجانين للمساجد:</span>\nدليل النهي:\nعن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ -﵁- (^٢) أن النبي -ﷺ- قال: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ … الحديث» (^٣).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في إدخال الصبيان والمجانين المساجد، على قولين:\nالقول الأول: يجوز إدخال المجانين والصبيان المساجد، ويُكره لغير الحاجة أو المصلحة إن كانوا لا يميِّزون، ولا يُؤمن منهم العَبَث والقذر.\nوهو مذهب الجمهور: المالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nالقول الثاني: يحرم.\nوهو مذهب الحنفية (^٧) وقيَّدوه بما إذا غلب على الظن التلويث والتنجيس، وإلا\n_________\n(^١) الصَّبِى: الغلام، واسم الغلام يقع على الصبي من حين يُولد في جميع حالاته إلى أن يبلغ. انتهى. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٣٩٨)، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٥٢)، مطالب أولي النهى (٤/ ٤٧٣).\n(^٢) هو: وَاثِلَةُ بنُ الأَسْقَعِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بن عبد يَالَيْلَ بنِ نَاشِبٍ اللَّيْثِيُّ، وقيل: واثلة بن عبد الله بن الأسقع، كنيته أبو شداد، وقيل: أبو الأسقع وأَبُو قرْصَافَةَ، أسلم والنبي -ﷺ- يتجهز إلى تبوك، فشهدها، وقيل: إنه خدم النبي -ﷺ- ثلاث سنين، وكان من أصحاب الصفة، وروى عن: النبي -ﷺ-، وعن أبي مرثد، وأبي هريرة، وأم سلمة، وعنه: ابنته فسيلة، ويُقال: خصيلة، وأبو إدريس الخولاني، وشداد أبو عمار، وآخرون، تُوفي سنة ٨٣ هـ، وقيل: سنة ٨٥ هـ، وهو آخر مَنْ مات بدمشق من الصحابة. يُنظر: الاستيعاب (٤/ ١٥٦٣)، أسد الغابة (٥/ ٣٩٩)، الإصابة (٦/ ٤٦٢).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه، أبواب المساجد والجماعات، باب ما يُكره في المساجد (١/ ٤٨١) برقم: (٧٥٠). الحديث ضعيف؛ ضعف أسانيده وطرقه ابن الملقن في (البدر المنير) (٩/ ٥٦٥)، والهيثمي في (مجمع الزوائد) (٢/ ٢٦)، والبوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ٩٥)، وابن حجر في (التلخيص الحبير) (٤/ ٤٥٧).\n(^٤) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٢٨٤)، مواهب الجليل (٢/ ١١٥).\n(^٥) يُنظر: المجموع (٢/ ١٧٦). أسنى المطالب (١/ ١٨٦).\n(^٦) يُنظر: الآداب الشرعية (٣/ ٣٨١، ٣٨٦)، كشاف القناع (٢/ ٣٦٧).\n(^٧) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٦).","vol":"1","page":248},{"text":"فيُكره.\nوهو قول عند المالكية (^١) وقيَّدوه بما إذا كان يعبث ولا يكف إذا نُهي، وإلا فيُكره.\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي قتادة الأنصاري -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ -بِنْتِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- …» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن حمْل النبي -ﷺ- لأمامة وهو يصلي، فيه دليل على جواز إدخال الصبيان المساجد، ولا ينفي هذا الكراهة؛ لأنه -ﷺ- فَعَله لبيان الجواز، فيكون حينئذ أفضل في حقه؛ فإن البيان واجب (^٣)، والنهي في حديث واثلة -﵁- محمول على الكراهة فيمن لا يُؤمن منهم العبث والتلويث (^٤).\nالدليل الثاني: عن أنس بن مالك -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي؛ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث دليلًا على جواز إدخال الصبي المسجد؛ لإقراره -ﷺ- ذلك؛ لأن الطفل كان مع أمه التي حضرت المسجد لشهود الصلاة مع رسول الله -ﷺ-، وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمن لا يُؤمن حَدَثُه فيها؛ لحديث النهي (^٦).\nنُوقش: بأنه يُحتمل أن يكون الصبي كان مُخلفًا في بيت يقرب من المسجد بحيث\n_________\n(^١) يُنظر: شرح مختصر خليل، للخرشي (٧/ ٧٢)، حاشية الدسوقي (٤/ ٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة (١/ ١٠٩) برقم: (٥١٦)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز حمل الصبيان فِي الصلاة (١/ ٣٨٥) برقم: (٥٤٣).\n(^٣) يُنظر: المجموع (٢/ ١٧٦)، أسنى المطالب (٢/ ٤٥٠).\n(^٤) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ١٨٦)، نيل الأوطار (٣/ ١٦٤).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب مَنْ أخف الصلاة عند بكاء الصبي (١/ ١٤٣) برقم: (٧٠٩)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (١/ ٣٤٢) برقم: (٤٧٠).\n(^٦) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ١٨٧)، نيل الأوطار (٣/ ١٦٤).","vol":"1","page":249},{"text":"يُسمع بكاؤه (^١).\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الْعِشَاءَ، فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ أَخَذَهُمَا بِيَدِهِ مِنْ خَلْفِهِ أَخْذًا رَفِيقًا، فَيَضَعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا عَادَ عَادَا، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ أَقْعَدَهُمَا عَلَى فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرُدُّهُمَا، فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، فَقَالَ لَهُمَا: الْحَقَا بِأُمِّكُمَا، قَالَ: فَمَكَثَ ضَوْؤُهَا حَتَّى دَخَلَا» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن حَمْل النبي -ﷺ- للحسن والحسين، فيه دليل على جواز إدخال الصبيان المساجد، ويُحمل الأمر بالتجنيب على الندب أو تنزيه المسجد عمن لا يُؤمن حدثه فيه؛ جمعًا بين الأحاديث (^٣).\nالدليل الرابع: أن المجانين والصبيان غير المميزين ليسوا من أهل المسجد، فيُكره إدخالهم (^٤)، إذا لم يكن لحاجة.\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (^٥).\nوجه الاستدلال: أن المساجد بُنيت لتعظيمها بالصلاة وذِكر الله، وتنزيهها عما عدا ذلك من اللغو والعبث وما لا فائدة فيه؛ فلذا لا يجوز دخول المجانين والصبيان إليها إن كانوا يعبثون ولا ينتهون (^٦).\nالدليل الثاني: حديث وَاثِلَة بْنِ الْأَسْقَع -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ … الحديث» (^٧).\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٢٠٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٦/ ٣٨٦) برقم: (١٠٦٥٩)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٩/ ١٨١): «رجال أحمد ثقات»، وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود عند ابن خزيمة (١/ ٤٤٦) برقم: (٨٨٧)، وابن حبان (١٥/ ٤٢٦) برقم: (٦٩٧٠).\n(^٣) يُنظر: نيل الأوطار (٢/ ١٤٤).\n(^٤) يُنظر: كشاف القناع (٢/ ٣٦٧).\n(^٥) سورة النور: جزء من الآية (٣٦).\n(^٦) يُنظر: أحكام القرآن، للجصاص (٥/ ١٨٨)، مواهب الجليل (٢/ ١١٥).\n(^٧) سبق تخريجه ص: (٢٤٦).","vol":"1","page":250},{"text":"وجه الاستدلال: أن نهي النبي -ﷺ- في الحديث يشمل الذكور والإناث من الصبيان والمجانين، فيُكره إدخالهم تنزيهًا: إن أُمن تنجيسهم للمسجد، وتحريمًا: إن لم يُؤمن (^١).\nالدليل الثالث: أن الغالب عدم تحفُّظهم من النجاسة؛ ففي إدخالهم تعريض المسجد للقذر والعبث، وذلك لا يجوز (^٢).\nسبب الخلاف:\nالذي يظهر أن الخلاف يرجع إلى تعارض ظاهر الأحاديث: فحديث النهي ضعيف، وقد عارض الأحاديث الصحيحة: كحديث حَمْل النبي -ﷺ- لأمامة، وحديث حَمْله للحسن والحسين، وحديث أنس في تخفيف الصلاة لأجل بكاء الصبي، فمن الفقهاء مَنْ ذهب إلى التحريم لحديث النهي، ومنهم مَنْ جمع بينها: بحمل حديث النهي على الكراهة، والأحاديث الصحيحة على بيان الجواز (^٣).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز إدخال المجانين والصبيان، والكراهة فيمن لا يُؤمن منهم العبث والتلويث، وهو قول الجمهور.\nسبب الترجيح:\nأن هذا القول فيه الجمع بين الأحاديث، وإعمالُ جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها.\n_________\n(^١) يُنظر: فيض القدير (٣/ ٣٥١).\n(^٢) يُنظر: المفهم (٦/ ٦٨٧)، حاشية الدسوقي (٤/ ٧١).\n(^٣) يُنظر: نيل الأوطار (٢/ ١٤٤).","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-150>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب الجمهور إلى جواز إدخال المجانين والصبيان المساجد، وحملوا النهي على الكراهة فيمَن لا يميز ولا يُؤمن منه العبث والقذر، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعل النبي -ﷺ- خلاف النهي:\nوذلك في حديث أبي قتادة وحديث أبي هريرة -﵄-: حَمَل أمامة والحسن والحسين في الصلاة، فكان فِعله بيانًا للجواز.\nقال النووي -﵀-: «يُكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد؛ لأنه لا يُؤمن تلويثهم إياه، ولا يحرم ذلك لأنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله -ﷺ- صلى حاملًا أمامة بنت زينب -﵄-، وطاف على بعيره، ولا ينفي هذا الكراهة؛ لأنه -ﷺ- فَعَله لبيان الجواز» (^١).\nالقرينة الثانية: ضعف حديث النهي:\nحيث حُمل النهي على الكراهة والتنزيه لضعف الحديث: فقد أشار إلى ذلك صاحب (نيل الأوطار)؛ حيث ذكر تعارُض حديث النهي -وهو ضعيف- مع أحاديث الجواز الصحيحة، ثم قال: «فيُجمع بين الأحاديث بحمل الأمر بالتجنيب على الندب، أو بأنها تنزه المساجد عمن لا يُؤمن حَدَثُه فيها» (^٢).\nقال ابن مفلح -﵀- في بيان أن الخبر الضعيف يُستدل به على الكراهة: «وكأن الأخبار لضعفها لا تنهض للتحريم وإن كانت تقتضيه، فيُستدل بها على الكراهة كما يُستدل بخبر ضعيف ظاهره يقتضي وجوب أمر على ندبية ذلك الأمر، ولا يُقال: لعل هناك صارفًا عن مقتضى الدليل ولم يُذكر؛ لأنه خلاف الظاهر» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالقرينة النصية من أقوى القرائن الصارفة للنهي عن التحريم؛ لقوتها في أصلها،\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٧٦).\n(^٢) (٢/ ١٤٤).\n(^٣) النكت والفوائد السنية (١/ ١١٠).","vol":"1","page":252},{"text":"وأحاديث بيان الجواز هنا صحيحة وثابتة؛ فالقرينة قوية ومعتبرة.\nأما قرينة ضعف الحديث: فهي قرينة معتبرة؛ فقد اعتُضدت بما قبلها، ويؤيده أن المسلم مأمور بالمحافظة على نظافة المساجد وصيانتها من العبث والقذر؛ فلذا ينبغي لأولياء المجانين والصبيان مراعاة ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type='title' id=toc-151>المبحث الثاني:\nالنهي عن إيطان الرجل المكان في المسجد</span>\n<span data-type='title' id=toc-152>المطلب الأول: حكم إيطان الرجل المكان في المسجد:</span>\nدليل النهي:\nعن عبد الرحمن بن شبل -﵁- (^١) قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ (^٢)، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ (^٣)، وَأَنْ يُوطِنُ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرَ (^٤) (^٥).\nصورة المسألة:\n_________\n(^١) هو: عبد الرحمن بن شبل بن عمرو بن زيد بن نجدة بن مالك بن لوذان الأنصاري الأوسي، أحد نقباء الأنصار، له صحبة، نزل الشام. وأخوه عبد الله بن شبل، له صحبة. يُنظر: أسد الغابة (٣/ ٤٥٥)، الإصابة (٤/ ٢٦٦).\n(^٢) نقرة الغراب: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله. يُنظر: معالم السنن (١/ ٢١٢)، الصحاح (٢/ ٨٣٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٠٤)، فيض القدير (٦/ ٣٣٩).\n(^٣) افْتِراش السبع: هو أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض، كما يبسط الكلب والذئب ذراعيه. والافتراش: افتعال، من الفرش والفراش. يُنظر: معالم السنن (١/ ٢١٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٢٩)، لسان العرب (٦/ ٣٢٦)، فيض القدير (٦/ ٣٣٩).\n(^٤) أن يوطن الرجل المكان: في تفسيره وجهان: الأول: أن يألف الرجل مكانًا معلومًا من المسجد مخصوصًا به؛ يصلي فيه، كالبعير لا يأوي من عطنه -مبركه حول الماء- إلا إلى مبرك دَمِث قد أوطنه، واتخذه مناخًا لا يبرك إلا فيه. يُقال: أَوْطَنْتُ الأرضَ، ووَطَّنْتُها تَوْطينًا واسْتَوْطَنْتُها، أي اتَّخذتها وَطَنًا ومحلًا. والثاني: أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود مثل بروك البعير على المكان الذي أوطنه. يُنظر: معالم السنن (١/ ٢١٢)، الصحاح (٦/ ٢٢١٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٠٤)، لسان العرب (١٣/ ٤٥١).\nالوجه الثاني لا يصح؛ جاء في مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٢٧): «المعنى الثاني لا يصح هنا؛ لأنه لا يمكن أن يكون مشبهًا به، وأيضًا لو كان أُريد هذا المعنى لما اختُص النهي بالمكان في المسجد، فلما ذُكر دل على أن المراد هو الأول». يُنظر: شرح أبي داود، للعيني (٤/ ٦٣)، عون المعبود (٣/ ٧٣).\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود (٢/ ١٤٧) برقم: (٨٦٢)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب التطبيق، باب النهي عن نقرة الغراب (٢/ ٢١٤) برقم: (١١١٢)، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فِي توطين المكان فِي المسجد يصلى فيه (٢/ ٤٢٧) برقم: (١٤٢٩)، وأحمد (٢٤/ ٤٣٩) برقم: (١٥٦٦٧)، صححه ابن خزيمة (١/ ٣٥٤) برقم: (٦٦٢)، وابن حبان (٤/ ٤٨٤) برقم: (١٦٠٧)، وقال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٣٥٢): «هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه؛ لما قدمتُ ذِكره من التفرد عن الصحابة بالرواية»، وقال الألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (٣/ ١٥٧): «الحديث فيه تميم بن محمود، … قال ابن حجر: فيه لين، لكن الحديث له شاهد عند أحمد، … فالحديث عندي حسن بمجموع الطريقين».","vol":"1","page":254},{"text":"أن يريد الرجل ملازمة مكان معلوم مخصوص به في المسجد: يصلي فيه، ولا يصلي في غيره، فهل له ذلك؟ وإن كان المكان فاضلًا فما الحكم؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الاتفاق:\nاتفق الفقهاء (^١) على أن النهي عن أن يوطن الرجل مكانًا يصلي فيه، إنما هو في المساجد دون البيوت.\nقال الخطابي -﵀-: «النهي عن أن يوطن الرجل مكانًا يصلي فيه، إنما هو في المساجد دون البيوت» (^٢).\nثانيًا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في إيطان الرجل المكان في المسجد، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يُكره إيطان مكان معين في المسجد لا يصلي إلا فيه.\nوهو مذهب الحنفية (^٣)، والشافعية (^٤)، وقول عند الحنابلة (^٥).\nالقول الثاني: يجوز إيطان موضع للرجل يلازمه في المسجد إن كان ممن يُحتاج إليه، أو كان الموضع فاضلًا، ويُكره في غير ذلك.\nوهو مذهب المالكية (^٦)، وقول عند الشافعية (^٧)، وقول عند الحنابلة (^٨).\nالقول الثالث: يُكره اتخاذ مكان معين في المسجد؛ لا يصلي الفريضة إلا فيه، ويُرخص في النفل.\n_________\n(^١) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٦٦٢)، إكمال المعلم (٢/ ٤٢٩)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٦١)، كشاف القناع (١/ ٤٩٤).\n(^٢) أعلام الحديث (١/ ٦٤٦).\n(^٣) يُنظر: فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٤٢٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٦٢).\n(^٤) يُنظر: الحاوي الكبير (٢/ ١٩١)، التدريب في الفقه الشافعي (١/ ١٨٣).\n(^٥) يُنظر: الفروع (٣/ ٥٩)، المبدع (٢/ ١٠٢)، كشاف القناع (١/ ٤٩٤).\n(^٦) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٧٠)، إكمال المعلم (٢/ ٤٢٩).\n(^٧) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٢٦).\n(^٨) يُنظر: الفروع (٣/ ٦٠)، كشاف القناع (١/ ٤٩٤).","vol":"1","page":255},{"text":"وهو المذهب عند الحنابلة (^١).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن عبد الرحمن بن شبل -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوطِنُ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرَ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر النهي يدل على كراهة إيطان الرجل المكان في المسجد مطلقًا، ولو كان المكان فاضلًا أو لحاجة (^٣)، وعلة النهي الخوف من الرياء والسمعة (^٤).\nنُوقش من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف (^٥).\nأُجيب عنه: أنه تبين في تخريجه أن بعض أئمة الحديث صححه ومنهم من حسّنه.\nالثاني: أن النهي عن إيطان الرجل موضعًا من المسجد يلازمه، إنما هو فيما لا فضل فيه ولا حاجة إليه، أما المكان الفاضل: فقد خُص من النهي بحديث سلمة -﵁- (^٦).\nيمكن أن يُجاب عنه بجوابين: الأول: لا يسلم بذلك؛ لأن حديث سلمة في تحري المكان الفاضل من غير إيطان، وفَرْقٌ بين التحري والإيطان (^٧).\nالثاني: على فرض التسليم: فإن ملازمة المكان المعين في كل حين -ولو كان المكان فاضلًا- مما قد يورِد على المرء الرياء والسمعة، ويُذهب الخشوع.\nالدليل الثاني: أن إيطان مكان مخصوص يخل بالخشوع، ولأن العبادة تصير له طبعًا في ذلك الموضع، وتثقل في غيره، والعبادة إذا صارت طبعًا فسبيلها الترك (^٨).\n_________\n(^١) يُنظر: الفروع (٣/ ٥٩)، المبدع (٢/ ١٠٢)، كشاف القناع (١/ ٤٩٤).\n(^٢) سبق تخريجه ص: (٢٥٢).\n(^٣) يُنظر: المبدع (٢/ ١٠٢)، نيل الأوطار (٣/ ٢٣٤).\n(^٤) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٦١)، الفروع (٣/ ٦٠).\n(^٥) يُنظر: الفروع (٣/ ٥٩)، كشاف القناع (١/ ٤٩٤). قالوا: لأن في إسناده تميم بن محمود وهو مجهول.\n(^٦) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٢٦)، الفروع (٣/ ٦٠). وسيأتي حديث سلمة عند ذكر أدلة القول الثاني.\n(^٧) يُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٧).\n(^٨) يُنظر: فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٤٢٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٦٢).","vol":"1","page":256},{"text":"أدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: حديث سَلَمَةَ بْن الْأَكْوَعِ -﵁-: «أنه كان يُصَلِّي عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ (^١) الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ (^٢)، فَقِيل له: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ؟ قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَحَرَّى (^٣) الصَّلَاةَ عِنْدَهَا» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن تحري الصحابي الصلاة عند الأسطوانة التي كان يتحرى النبي -ﷺ- الصلاة عندها، فيه دليل على جواز إدامة الصلاة في موضع واحد إذا كان فيه فضل، وأما النهي عن إيطان الرجل موضعًا من المسجد يلازمه: فهو فيما لا فضل فيه، ولا حاجة إليه (^٥).\nيمكن أن يُناقش من وجهين: الأول: لا يسلم هذا الاستدلال؛ للفَرْق بين التحري والإيطان (^٦).\nالثاني: على فرض التسليم: فإن ملازمة المكان المعين في كل حين -ولو كان المكان فاضلًا- مما قد يورِد على المرء الرياء والسمعة، ويُذهب الخشوع.\n_________\n(^١) الأُسْطُوانة: السارية، والغالب أنها تكون من بناء، بخلاف العمود؛ فإنه من حجر واحد. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٣٧٦)، المفهم (٢/ ١٠٨)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٧٧).\nقال ابن حجر: «الأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تُعرف بأسطوانة المهاجرين، قال: ورُوي عن عائشة أنها كانت تقول: لو عرفها الناس لاضطربوا عليها بالسهام، وإنها أسرتها إلى ابن الزبير، فكان يكثر الصلاة عندها، ثم وجدت ذلك في تاريخ المدينة لابن النجار».\n(^٢) عند المصحف: قال ابن حجر في (فتح الباري) (١/ ٥٧٧): «هذا دال على أنه كان للمصحف موضع خاص به، ووقع عند مسلم بلفظ: (يصلي وراء الصندوق) وكأنه كان للمصحف صندوق يُوضع فيه». ويُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٦/ ٤٣)، عمدة القاري (٤/ ٢٨٣).\n(^٣) يَتَحَرَّى: يقصد ويتعمد. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٣١١)، مقاييس اللغة (٢/ ٤٧)، المفهم (٢/ ١٠٨)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٦/ ٤٣).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة إلى الأسطوانة (١/ ١٠٦) برقم: (٥٠٢)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب دنو المصلي من السترة (١/ ٣٦٤) برقم: (٥٠٩).\n(^٥) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٢٦)، الفروع (٣/ ٦٠).\n(^٦) يُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٧).","vol":"1","page":257},{"text":"الدليل الثاني: عن عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ -﵁- (^١): «أَنَّه كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا؛ أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) (^٢).\nوجه الاستدلال: أن طلب الصحابي -﵁- من النبي -ﷺ- أن يصلي في مكان في بيته -لفضل موضع صلاته -ﷺ- ليتخذه مصلى، وإجابته لذلك -دليل على جواز إيطان المكان الفاضل للصلاة (^٣).\nيمكن أن يُناقش: بأن دلالته على الجواز في البيوت، وهو خارج محل النزاع، ولا يُقاس عليه المسجد؛ للفرق، ولورود النص فيه.\nالدليل الثالث: أن معرفة موضع مَنْ يُقصد -كالعالم والمفتي- من تسهيل طرق الخير؛ للحاجة إليهما (^٤).\nيمكن أن يُناقش: بأن ملازمة العالم والمفتي لموضع معين للدرس والإفتاء لا يلزم منه أنه يلازمه للصلاة، ولا يصلي في غيره! فليس ذلك الإيطان المقصود في هذه المسألة.\nأدلة القول الثالث:\nالدليل الأول: حديث سلمة -﵁- الذي استدل به أصحاب القول الثاني.\nوجه الاستدلال: أن في الحديث دليلًا على أنه لا بأس أن يلزم المصلي مكانًا معينًا من المسجد يصلي فيه تطوعًا، ويُكره له أن يوطن مكانًا لا يصلي فرضه إلا فيه، وبذلك يُجمع بين الأحاديث (^٥).\n_________\n(^١) هو: عِتْبَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَجْلانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بن سالم بن عوف وأمه من مزينة، كان إمام قومه بني سالم، آخى رسول الله -ﷺ- بين عتبان بن مالك وعمر بن الخطاب، شهد عتبان بن مالك بدرًا وأحدًا والخندق، وذهب بصره على عهد النبي -ﷺ-، وحديثه في الصحيحين من طريق أنس، ومحمود بن الربيع، وغيرهما عنه، ومات أيام معاوية. يُنظر: أسد الغابة (٣/ ٥٥١)، الإصابة (٤/ ٣٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله (١/ ١٣٤) برقم: (٦٦٧)، ومسلم كتاب الإيمان، باب مَنْ لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٤٥٥) برقم: (٣٣).\n(^٣) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٧٠)، الفروع (٣/ ٥٩)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٩/ ٢٠٩).\n(^٤) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٢٩)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٢٦)، المبدع (٢/ ١٠٢).\n(^٥) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٤/ ٥٠)، كشاف القناع (١/ ٤٩٤).","vol":"1","page":258},{"text":"يمكن أن يُناقش: أن دلالة الحديث في تحري المكان الفاضل؛ لقصد النبي -ﷺ- له، وليس فيه ذِكر الإيطان، وفَرْقٌ بين التحري والإيطان. والنهي جاء مطلقًا فيشمل الفرض والتطوع.\nسبب الخلاف:\nالسبب -والله أعلم- هو الخلاف في النهي في حديث عبد الرحمن بن شبل -﵁- أهو للعموم أم خُصص بحديث سلمة -﵁-؟\nفمن الفقهاء مَنْ ذهب إلى أنه للكراهة على العموم، ومنهم مَنْ قال بأن حديث سلمة مُخصِّص لعموم حديث النهي، فيُترخص في المكان الفاضل أو الذي هو للحاجة، ومنهم مَنْ جعل حديث سلمة مقيدًا، فرخص في النفل.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- قول الجمهور بكراهة إيطان الرجل المكان في المسجد مطلقًا.\nقال ابن رجب -﵀- في (فتح الباري): «وكان للإمام أحمد مكان يقوم فيه في الصلاة المكتوبة خلف الإمام، فتأخر يومًا، فنحاه الناس، وتركوه، فجاء بعد ذلك، فقام في طرف الصف، ولم يقم فيه، وقال: قد جاء أنه يُكره أن يوطن الرجل مكانه» (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في (مجموع الفتاوى) (^٢): «ليس لأحد من الناس أن يختص بشيء من المسجد بحيث يمنع غيره منه دائمًا، بل قد (نهى النبي -ﷺ- عن إيطان كإيطان البعير)، قال العلماء: معناه أن يتخذ الرجل مكانًا من المسجد لا يصلي إلا فيه، فإذا كان ليس له ملازمة مكان بعينه للصلاة، فكيف بمن يتحجر بقعة دائمًا».\nأسباب الترجيح:\n١ - أن الصلاة في أماكن متعددة دون ملازمة مكان واحد، فيه تكثير لمواضع العبادة، والتي تكون شهودًا يوم القيامة.\n_________\n(^١) (٤/ ٥٣).\n(^٢) (٢٢/ ١٩٥).","vol":"1","page":259},{"text":"٢ - أن خوف الرياء والسمعة يرِد على المصلي، سواء كان الموضع فاضلًا أم مفضولًا.\n٣ - أن فيه تحقيقَ ما جاءت به الشريعة من البعد عن مشابهة البهائم في العموم، وفي الصلاة على وجه الخصوص.\n\n<span data-type='title' id=toc-153>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر أن الفقهاء حملوا النهي عن الإيطان على الكراهة بدلالة قرينة: المقصد من النهي.\nوذلك أن النهي عن إيطان المكان في المسجد جاء مقصوده مصلحة صلاة المؤمن وصيانتها من أن يرِد عليها ما ينقص أجرها من الرياء والسمعة، والاخلال بالخشوع، وفيه معنى التنزيه عن مشابهة الحيوانات في الصلاة.\nقال ابن عابدين -﵀- (^١): «لأنه يُخِل بالخشوع، أي: لأنه إذا اعتاده ثم صلى في غيره، يبقى باله مشغولًا بالأول، بخلاف ما إذا لم يألف مكانًا معينًا» (^٢).\nوجاء في (مرقاة المفاتيح): «قال ابن حجر: وحكمته أن ذلك يؤدي إلى: الشهرة، والرياء، والسمعة، والتقيد بالعادات، والحظوظ، والشهوات، وكل هذه آفات، أيُّ آفات! فتعيَّن البُعد عما أدى إليها ما أمكن» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي معتبرة هنا وقوية؛ لما بيَّنه الفقهاء من الحِكم والمعاني المعتبرة في باب مكروهات الصلاة، ولعدم المعارض، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم عابدين الدمشقي، وُلد في دمشق سنة ١١٩٨ هـ، كان علَّامة في التفسير والفقه والحديث والنحو والبيان، وكان فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية، من كتبه: «رد المحتار على الدر المختار» يُعرف بحاشية ابن عابدين، و«رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار» و«العقود الدرية في تنقيح الفتاوي الحامدية» و«نسمات الأسحار على شرح المنار» و«حواش على تفسير البيضاوي» وغيرها، تُوفي سنة ١٢٥٢ هـ. يُنظر: حلية البشر (ص: ١٢٣٠)، الأعلام، للزركلي (٦/ ٤٢).\n(^٢) (١/ ٦٦٢).\n(^٣) (٢/ ٧٢٧).","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>المبحث الثالث:\nالنهي عن تتبع المساجد</span>\n<span data-type='title' id=toc-155>المطلب الأول: حكم تتبع المساجد </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِهِ، وَلَا يَتَتَبَّعِ الْمَسَاجِدَ» (^٢).\nصورة المسألة:\nإذا قصد المسلم مسجدًا، ففاتته الصلاة، فهل له أن يتبع المساجد طلبًا للجماعة، أو عليه أن يصلي في المسجد الذي قصده أولًا؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الاتفاق:\n_________\n(^١) تتبع المساجد: جاء في (الصحاح) (٣/ ١١٩٠): تَتَبَّعْتُ الشيء تتبعا، أي تطلبته متتبعا له. ويُراد بتتبع المساجد: أن الرجل إذا فاتته الجماعة في مسجده، أتى مسجدًا آخر طلبًا للجماعة، ولم أقف على تفسير لتتبُّع المساجد عند الفقهاء، والذي ذكرتُه هو ما وقفتُ عليه من فهم السلف لمعنى التتبع؛ حيث أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٢١) برقم: (٥٩٩٣): عن مجاهد، قال: «إذا فاتتك الصلاة في مسجدك فلا تتبع المساجد، صلِّ في مسجدك»، وذكر هذا المعنى كلًا من: ابن بطال وابن حجر -رحمهما الله-؛ فأما ابن بطال: فقد فسر به خبر الأسود بن يزيد الذي أورده البخاري معلقًا في صحيحه: باب فضل صلاة الجماعة: «وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر»، فسره بتتبع المساجد، وأما ابن حجر: فقد نقل خبر الأسود، وذكر فيه التتبع، قال: «عن إبراهيم قال: كَانَ الأسود بن يزِيد إِذا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَة فِي مَسْجِد قومه علق النَّعْلَيْنِ بيدَيْهِ، وتتبع الْمَسَاجِد حَتَّى يُصِيب جمَاعَة». يُنظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٧٧)، تغليق التعليق (٢/ ٢٧٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧٠) برقم: (١٣٣٧٣)، وفي الأوسط (٥/ ٢٣٢) برقم: (٥١٧٦) وقال: «لم يروِ هذا الحديث عن زهير إلا عبادة بن زياد»، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٢/ ٢٤): «رجاله موثَّقون إلا شيخ الطبراني محمد بن أحمد بن النضر الترمذي، ولم أجد مَنْ ترجم له، قلت: ذكر ابن حبان في الثقات في الطبقة الرابعة محمد بن أحمد بن النضر ابن ابنة معاوية بن عمرو، فلا أدري: هو هذا أم لا؟».\nقال ابن الخراط في (الأحكام الوسطى) (١/ ٢٧٥) بعد أن أورد الحديث من رواية ابْن عَدِيّ: «هكذا رواه كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدِ وابْنُ مُصَفَّى، كلاهما عن بَقِيَّة، عن مُجَاشِعِ عن عبيد الله، وغيرهما جعل بين مُجَاشِعِ وعبيد الله منصور بن أبي الأسود، ولا أعلم ما قيل في مجاشع إلا صالح الحديث، وأما بَقِيَّة: فلا يُحتج به، وأحسن حديثه ما كان عنه عن بحير بن سعد»، وجاء في (لسان الميزان) لابن حجر (٥/ ١٥) في ترجمة مجاشع: «قال ابن معين: أحد الكذابين … وقال البخاري: منكر مجهول».","vol":"1","page":261},{"text":"اتفق الفقهاء (^١) على أن المسلم إذا قصد أحد المساجد الثلاثة ففاتته الجماعة فيها، فإنه يصلي فيها فذًا أو جماعة، ولا يخرج منها إلى غيرها طلبًا للجماعة؛ لحصول المقصود بالأجر المضّعف فيها.\nثانيًا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء فيما إذا قصد غير المساجد الثلاثة ففاتته الجماعة: هل يبتغي مسجدَ جماعةٍ غيره أو لا، على قولين:\nالقول الأول: يجوز له أن يتبع المساجد، وله أن يصلي في مسجده (^٢).\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nالقول الثاني: إن كان لم يدخل مسجده فالأَوْلى أن يتبع، وإن دخل مسجده صلى فيه ولا يتبع، وظاهره الكراهة.\nوهو قول بعض الحنفية (^٧).\n_________\n(^١) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٥٥٥)، مواهب الجليل (٢/ ٨٥)، تحرير الفتاوى (١/ ٣٢٤)، الشرح الكبير (٢/ ٨).\n(^٢) وهنا مسألة فرعية، وهي مسألة: إعادة الجماعة في المسجد لمن فاتتهم الجماعة، وقد اختلف الفقهاء فيها على قولين: قول بكراهة إعادة الجماعة في المسجد ويصلون فرادى، وقول باستحباب إعادتها. يُنظر الخلاف والأقوال في: بدائع الصنائع (١/ ١٥٦)، المدونة (١/ ١٨١)، الأم (١/ ١٨٠)، المغني (٢/ ١٣٣).\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ١٦٦)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٥٥).\n(^٤) يُنظر: المدونة (١/ ١٨١)، مواهب الجليل (٢/ ٨٤).\n(^٥) يُنظر: الأم (١/ ١٨٠)، بحر المذهب (٢/ ٢٤٥).\n(^٦) يُنظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ٢٧٣)، الفروع (٢/ ٤٣٠)، الإنصاف (٤/ ٢٨٤).\n(^٧) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ١٦٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":262},{"text":"أدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (^١).\nوجه الاستدلال: أن الحديث فيه فضل صلاة الجماعة، وذلك يدل على أن مَنْ فاتته الجماعة في مسجد جاز له طلبها في مسجد آخر (^٢).\nالدليل الثاني: ما رُوي أنه: «كَانَ حُذَيْفَةُ -﵁- إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ يُعَلِّقُ نَعْلَيْهِ، وَيَتَّبِعُ الْمَسَاجِدَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا فِي جَمَاعَةٍ» (^٣).\nالدليل الثالث: عن الأسود بن يزيد (^٤): «أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ غَيْرِهِ» (^٥).\nوجه الاستدلال: فِعلا الصحابي والتابعي دليلٌ على جواز تتبُّع المساجد طلبًا للجماعة (^٦).\nدليل القول الثاني:\nيمكن أن يُستدل لهم بحديث ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة (١/ ١٣١) برقم: (٦٤٥)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد فِي التخلف عنها (١/ ٤٥٠) برقم: (٦٥٠).\n(^٢) يُنظر: مواهب الجليل (٢/ ٨٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٥٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢١) برقم: (٥٩٩٠)، صححه زكريا غلام في (ما صح من آثار الصحابة في الفقه) (١/ ٣٩١).\n(^٤) هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو، تابعي من أصحاب ابن مسعود، وكان صالحًا فقيهًا حافظًا، حج مع أبي بكر وعمر وعثمان، قال البخاري: سمع أبا بكر وعمر، وحديثه عن كبار الصحابة في الصحيحين وغيرهما. تُوفي سنة ٧٤ هـ. يُنظر: أسد الغابة (١/ ٢٣٤)، الإصابة (١/ ٣٤٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢١) برقم: (٥٩٩١)، والبخاري تعليقًا، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة (١/ ١٣١) قبل الحديث رقم: (٦٤٥).\n(^٦) جاء في الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ٢٧٣): «قال إسحاق بن منصور: قلتُ -أي: لأحمد-: إذا جاء الرجلُ إلى المسجد وقد صلوا، يطلبُ مسجدًا يصلي فيه؟ قال: لِمَ لا يطلب؟ قلت: مَنْ فعلَهُ؟ قال: الأسود، قال إسحاق: كما قال، وقَدْ فعله حذيفة أيضا -﵁-».","vol":"1","page":263},{"text":"فِي مَسْجِدِهِ، وَلَا يَتَتَبَّعِ الْمَسَاجِدَ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى عن تتبُّع المساجد، ويُحمل على الكراهة لمَن دخل مسجده؛ مراعاة لحق مسجده.\nيمكن أن يُناقش: بأن الحديث ضعيف، فلا تقوم به حجة.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- جواز تتبُّع المساجد طلبًا للجماعة، وهو قول الجمهور.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة الاستدلال بعموم أحاديث فضل صلاة الجماعة وترغيب المسلمين في إدراكها.\n٢ - ضعف دليل القول الآخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nلعل القائلين بالكراهة صرفوا النهي عن التحريم؛ لقرينة المقصد من النهي.\nوذلك لقوله -ﷺ-: (لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِهِ). والحكمة: أن فيه إشعارًا بمراعاة حق مسجد حيِّه عليه، ولأنه أَوْلى بصلاته فيه من غيره.\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن هذه القرينة ضعيفة؛ لضعف دليل النهي، ولتعارضها مع مراعاة فضيلة الجماعة وطلبها، ولورود التتبُّع من الصحابي، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٢٦٠).","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-157>المبحث الرابع:\nالنهي عن تباهي الناس في المساجد</span>\n<span data-type='title' id=toc-158>المطلب الأول: حكم تباهي (^١) الناس في المساجد:</span>\nدليل النهي:\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» (^٢)، وفي رواية: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ» (^٣)، وقال أنس -﵁-: «يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا (^٤) (^٥).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في المباهاة بزخرفة المساجد وتزويقها، على قولين:\nالقول الأول: الكراهة.\nوهو قول عند الحنفية (^٦)، ومذهب الجمهور: المالكية (^٧)، والشافعية (^٨)، والحنابلة (^٩).\nالقول الثاني: لا بأس بزَخْرفة المساجد ونَقْشها.\n_________\n(^١) تَبَاهَى: من المباهاة، وهي المفاخرة، وقد باهى به يباهي مباهاة، وتباهوا أي: تفاخروا، ويكون بالقول أو الفعل. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٦٩)، لسان العرب (١٤/ ٩٩).\n(^٢) أخرجه ابن حبان، كتاب الصلاة، باب المساجد، ذكر الزجر عن تباهي المسلمين في بناء المساجد (٤/ ٤٩٢) برقم: (١٦١٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد (١/ ٣٣٧) برقم: (٤٤٩)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب المساجد، المباهاة في المساجد (١/ ٣٨٣) برقم: (٧٧٠)، وابن ماجه، أبواب المساجد والجماعات، باب تشييد المساجد (١/ ٤٧٥) برقم: (٧٣٩)، وأحمد، (٢٠/ ١٥) برقم: (١٢٥٣٧)، صححه ابن خزيمة (١/ ٦٤٨) برقم: (١٣٢٣).\n(^٤) المعنى: أنهم يزخرفون المساجد، ويزينونها، ثم يقعدون فيها، ويتمارون، ويتباهون، ولا يشتغلون بالذكر وقراءة القرآن والصلاة. يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٣٩)، عمدة القاري (٤/ ٢٠٥).\n(^٥) أخرجه البخاري تعليقًا، كتاب الصلاة، باب بنيان المسجد (١/ ٩٦)، وابن خزيمة (١/ ٦٤٧) برقم: (١٣٢١).\n(^٦) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٨).\n(^٧) يُنظر: التبصرة (١/ ٤٠٨)، البيان والتحصيل (٢/ ١٠٨).\n(^٨) يُنظر: المجموع (٢/ ١٨٠).\n(^٩) يُنظر: الشرح الكبير (٣/ ١٢١)، كشاف القناع (٢/ ٣٦٦).","vol":"1","page":265},{"text":"وهو المذهب عند الحنفية (^١).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن ابن عباس -﵄- قال: قال النبي -ﷺ-: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ (^٢) الْمَسَاجِدِ، قال ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» (^٣).\nوجه الاستدلال: يدل الحديث على أن تشييد المساجد والمباهاة بها، بدعة مكروهة (^٤)، وأن السنة في بنيان المساجد: القصد وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها؛ لأنه كفِعل أهل الكتاب بكنائسهم وبِيَعِهم، والمسلم منهيٌّ عن مشابهتهم (^٥).\nالدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن زخرفة المساجد من دلالات سوء حال الناس وسوء أعمالهم، فيُكره لذلك (^٧).\nالدليل الثالث: عن أنس بن مالك -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ\n_________\n(^١) يُنظر: المبسوط (٣٠/ ٢٨٤)، الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٦٦).\n(^٢) تَشْييدُ المساجد: من: شيّد، وشيدته تشييدًا: طولته ورفعته، والمراد بتشييد المساجد هنا: رفع البناء وتطويله، وقيل: يشيد البنيان إذا عمله بالشَّيد، وهو كل ما طُليت به الحائط من جص وغيره. يُنظر: الصحاح (٢/ ٤٩٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥١٧)، المصباح المنير (١/ ٣٢٩)، نيل الأوطار (٢/ ١٧٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد (١/ ٣٣٦) برقم: (٤٤٨)، صححه ابن حبان (٤/ ٤٩٤)، وقول ابن عباس أخرجه البخاري تعليقًا (١/ ٩٧)، وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (١/ ٥٤٠): «وإنما لم يذكر البخاري المرفوع منه للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله»، «ويزيد هذا روى له مسلم والأربعة» قاله العيني في (عمدة القاري) (٤/ ٢٠٥). وقال الشوكاني في (نيل الأوطار) (٢/ ١٧٤): «رجاله رجال الصحيح».\n(^٤) يُنظر: نيل الأوطار (٢/ ١٧٥).\n(^٥) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٢/ ٩٧)، فيض القدير (٦/ ٩).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه، أبواب المساجد والجماعات، باب تشييد المساجد (١/ ٤٧٧) برقم: (٧٤١)، قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ٩٤): «هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس، وقد اتُهم بالكذب».\n(^٧) يُنظر: الشرح الكبير (٣/ ١٢٠)، كشاف القناع (٢/ ٣٦٦).","vol":"1","page":266},{"text":"فِي الْمَسَاجِدِ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن المباهاة بتشييد المساجد وزخرفتها من علامات الساعة -وفيه إشارة إلى ضعف الناس في دينهم ومخالفتهم لما كان عليه السلف- وقد نهى عنها، والنهي محمول على الكراهة،؛ لأنه يُخِل بالخشوع؛ لما فيه من إلهاء المصلين وإشغالهم في صلاتهم (^٢).\nنُوقش: بأن كونه من أشراط الساعة لا يدل على البطلان؛ لأنه -ﷺ- لم يذم ذلك، وما كل علامة على قرب الساعة تكون مذمومة، بل ذكر لها أمرًا ذمَّها: كارتفاع الأمانة، وأمورًا حمدها: كزخرفة المساجد، وأمورًا لا تُحمد ولا تُذم: كنزول عيسى، فليست أشراط الساعة من الأمور المذمومة (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (^٤).\nوجه الاستدلال: أن شأن المساجد أن تُرفع، ورفعُها تعظيمُها، ومن التعظيم: زخرفتها وتزويقها (^٥).\nيمكن أن يُناقش: أنه ليس فيه ما يدل على موضع الخلاف، فالخلاف: هل التزيين والتزويق من التعظيم المأذون فيه؟\nالدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٦).\nوجه الاستدلال: أن في تزيين المسجد الدخولَ في أمارة مَنْ مدحه الله تعالى بعمارتها (^٧).\nالدليل الثالث: أن عثمان -﵁- فَعل ذلك بمسجد النبي -﵇- والصحابة\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٢٦٤).\n(^٢) يُنظر: التبصرة (١/ ٤٠٨)، البيان والتحصيل (١/ ٢٤١)، المجموع (٢/ ١٨٠).\n(^٣) يُنظر: البناية (٢/ ٤٧١) فيض القدير (٦/ ٩).\n(^٤) سورة النور: جزء من الآية (٣٦).\n(^٥) يُنظر: الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٦٦)، البناية (٢/ ٤٧١).\n(^٦) سورة التوبة: جزء من الآية (١٨).\n(^٧) يُنظر: البناية (٢/ ٤٧١).","vol":"1","page":267},{"text":"متوافرون، فلم ينكره منهم أحد (^١).\nنُوقش: بأن الزيادة في المساجد أو تخريبها؛ لتوسعتها وإعادة بنائها على وجه أصلح من البناء الأول -جائز، وهذا ما فعله عمر وعثمان -﵄- بمشهد من المهاجرين والأنصار، وأقروا عليه (^٢).\nقال ابن بطال -﵀-: «كان عمر قد فتح الله الدنيا في أيامه، ومكَّنه من المال، فلم يغيِّر المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي، ثم جاء الأمر إلى عثمان والمال في زمانه أكثر، فلم يَزِد أن جعل في مكان اللبن حجارة وقصة، وسقَّفه بالسَّاج مكان الجريد، فلم يقصِّر هو وعمر عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما عن الرسول بكراهة ذلك، وليُقتدى بهما في: الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية، والزهد في معالى أمورها، وإيثار البُلغة منها» (^٣).\nالدليل الرابع: أن فيه: تكثيرَ الجماعة، وتحريض الناس على الاعتكاف في المسجد، والجلوس فيه لانتظار الصلاة، وفي كل ذلك قربة وطاعة، والأعمال بالنيات (^٤).\nنُوقش من وجهين (^٥): الأول: بأن دعوى أنه مرغِّب إلى المسجد فاسدة؛ لأن كونه داعيًا إلى المسجد ومرغبًا إليه لا يكون إلا لمَن كان غرضُه وغاية قصده النظرَ إلى تلك النقوش والزخرفة، أما مَنْ كان غرضه قصد المساجد لعبادة الله -التي لا تكون عبادة على الحقيقة إلا مع خشوع، وإلا كانت كجسم بلا روح-: فليست إلا شاغلة عن ذلك.\nالثاني: تعليلهم بأنه قربة تعليلٌ مخالف؛ لمقابلته الأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمور رسول الله -ﷺ-، وأنه نوع من المباهاة المحرمة، وأنه من علامات الساعة، وأنه من صنع اليهود والنصارى، والمسلم مأمور بمخالفتهم.\nسبب الخلاف:\nسبب الخلاف الذي يظهر -والله أعلم- هو اختلافهم في حقيقة إعمار المساجد\n_________\n(^١) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (٨/ ٥٣٣)، المحيط البرهاني (٥/ ٣١٦).\n(^٢) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٣/ ٢٨٧).\n(^٣) شرح صحيح البخاري (٢/ ٩٧).\n(^٤) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (٣٠/ ٢٨٤)، المحيط البرهاني (٥/ ٣١٦).\n(^٥) يُنظر: نيل الأوطار (٢/ ١٧٦).","vol":"1","page":268},{"text":"ورفعها وتعظيمها: هل يدخل فيه التزيين والزخرفة أو لا؟\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- قول الجمهور بكراهة المباهاة في تشييد المساجد وتَزْويقها وزَخْرفتها.\nأسباب الترجيح:\n١ - أن القول بكراهة زخرفة المساجد وتزويقها والمباهاة بها، متوافقٌ مع ما جاءت به الشريعة من البعد عن الإسراف والتبذير.\n٢ - أن المطلوب شرعًا من المسلم إعمارَ المساجد بالذِّكر والصلاة والطاعات، لا الاشتغال بزخرفتها وتزيينها بما يكون سببًا لشُغل القلب عن المقصد الأصيل.\n٣ - أن من شعار أهل الكتاب زخرفةَ بِيَعهم وكنائسهم، والمسلم مأمور بتجنب مشابهتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل الجمهور النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة هي: المقصد من النهي.\nوذلك أن النهي مقصوده مصلحة المصلين وصيانة صلاتهم عما يفسد خشوعها وينقص أجرها، والتنزيهُ عن الرياء والتفاخر بزخرفتها والانشغال عن عمارتها بالذكر وقراءة القرآن والصلاة.\nقال النووي -﵀-: «يكره زخرفة المسجد ونقشه وتزيينه للأحاديث المشهورة، ولئلا تشغل قلب المصلي» (^١).\nوجاء في (كشاف القناع): «يُكره أن يُزخرف المسجد بنقْش وصبْغ وكتابة وغير ذلك مما يلهي المصلي عن صلاته غالبًا» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nقرينة المقصد من النهي قرينة معتبرة، حُمل بها النهي عن التباهي في المسجد من\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٨٠).\n(^٢) (٢/ ٣٦٦).","vol":"1","page":269},{"text":"التحريم إلى الكراهة، وعلة خوف إشغال المصلي علة معتبرة؛ صيانة للخشوع في الصلاة، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>المبحث الخامس:\nالنهي عن الاستلقاء في المسجد ووضْع إحدى الرجلين على الأخرى</span>\n<span data-type='title' id=toc-161>المطلب الأول: حكم الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى:</span>\nدليل النهي:\nعن جابر -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى» (^١)، وفي رواية: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ (^٢)، … وأَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ» (^٣).\nصورة المسألة:\nلو بدا للمسلم أن يستلقي وهو في المسجد، ويجعل إحدى رجليه على الأخرى، فهل يجوز له ذلك؟ وما الحكم إذا خِيف انكشاف العورة؟\nتحرير محل النزاع:\nاتفق الفقهاء (^٤) على جواز الاستلقاء ووضع إحدى الرجلين على الأخرى.\nوقد جاء عن النبي -ﷺ- أنه استلقى في المسجد في حديث عبد الله بن زيد -﵁-: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى» (^٥).\nفاختلف الفقهاء في مسلك الجمع بين حديث النهي عنه وفِعل النبي -ﷺ- له، على قولين:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب فِي منع الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى (٣/ ١٦٦١) برقم: (٢٠٩٩).\n(^٢) اشتمال الصَّمَّاء: اشتمل بثوبه: أي: تلفف به، وهو أن يجلل جسده بالثوب أو بالإزار، ولا يرفع منه جانبًا فيكون فيه فرجة تخرج منها يده. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٧٤١)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٥٤)، لسان العرب (١١/ ٣٦٨). وسيأتي تفسيرها موسعًا في مبحث النهي عن اشتمال الصَّمَّاء.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب فِي منع الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى (٣/ ١٦٦١) برقم: (٢٠٩٩).\n(^٤) يُنظر: شرح معاني الآثار (٤/ ٢٧٩)، التمهيد (٩/ ٢٠٥)، (٣/ ٢٢٤)، المجموع (٢/ ١٧٦)، كشاف القناع (٢/ ٣٧١). ولم أقف على المسألة في كتب الفقه (للحنفية والمالكية) حسب ما تيسر لي من كتب.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الاستلقاء في المسجد ومدِّ الرِّجل (١/ ١٠٢) برقم: (٤٧٥)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب فِي إباحة الاستلقاء ووضع إحدى الرجلين على الْأخرى (٣/ ١٦٦٢) برقم: (٢١٠٠).","vol":"1","page":271},{"text":"القول الأول: يُحمل النهي على الكراهة لمن خِيف أن تنكشف عورته، ويجوز إن أَمِن الانكشاف.\nوهو مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nالقول الثاني: يجوز الاستلقاء، والنهي عنه منسوخ.\nوهو مذهب الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن جابر -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى».\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى عن الاستلقاء بهذه الصفة، والنهي محمول على الكراهة؛ لعلة خوف انكشاف العورة؛ إذ كان لباسهم الأُزُر دون السراويلات، والغالب أن المستلقي إذا رفع إحدى رجليه على الأخرى -مع ضيق الإزار- لم يسلم أن ينكشف، أما إذا توقى عن الانكشاف بإزار سابغ أو لبس السراويلات: فلا بأس به؛ جمعًا بين الأحاديث (^٥).\nالدليل الثاني: عن عبد الله بن زيد -﵁-: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن فِعله -ﷺ- دليل على جواز الاستلقاء في المسجد، وهو محمول على حال أمْن الانكشاف، والنهي محمول على خوف الانكشاف؛ جمعًا بين الأدلة (^٧).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: حديث عبد الله بن زيد -﵁- المتقدم، وفيه حكاية فِعله -ﷺ-.\n_________\n(^١) يُنظر: المجموع (٢/ ١٧٦).\n(^٢) يُنظر: الشرح الكبير (٣/ ١١٨)، كشاف القناع (٢/ ٣٧١).\n(^٣) يُنظر: شرح معاني الآثار (٤/ ٢٧٩)، عمدة القاري (٤/ ٢٥٥).\n(^٤) يُنظر: التمهيد (٩/ ٢٠٥)، إكمال المعلم (٦/ ٦٢٠).\n(^٥) يُنظر: معالم السنن (٤/ ١٢٠)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٨).\n(^٦) سبق تخريجه: ص (٢٧١).\n(^٧) يُنظر: معالم السنن (٤/ ١٢٠)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٨)، فتح الباري، لابن رجب (٣/ ٤٠٦).","vol":"1","page":272},{"text":"وجه الاستدلال: أنه يُستدل باستلقائه -ﷺ- على أن النهي عنه منسوخ (^١).\nنُوقش: بأن فِعله -ﷺ- يُحتمل أنه فعله لضرورة أو حاجة، وإلا فقد عُلم أن جلوسه -ﷺ- في المجامع على خلاف هذا، بل كان أكثر جلوسه: القُرْفُصاء، أو مُقْعيًا، وشبهها من جلسات الوقار والتواضع، ويُحتمل أنه -ﷺ- فعله لبيان الجواز، وأنكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا، وأن النهي الذي نهيتكم عن الاستلقاء ليس هو على الإطلاق، بل المراد به مَنْ ينكشف شيء من عورته أو يقارب انكشافها، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (^٢).\nالدليل الثاني: عن سعيد بن المسيب قال: «كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أنه يُستدل على النسخ بأن المتأخر من ذلك عملُ الخليفتين: عمر وعثمان بعده، وهما مما لا يخفى عليهما النسخ في ذلك وغيره من المنسوخ في سائر سننه -ﷺ- (^٤).\nنُوقش: بأن الجمع بين الأحاديث أَوْلى من القول بالنسخ (^٥).\nسبب الخلاف:\nسببُ الخلاف تعارضُ ظاهر حديث النهي عن الاستلقاء وحديث فِعله -ﷺ- للمنهي عنه.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الاستلقاء عند عدم أمن الانكشاف، وجوازه حال الأمن منه.\nسبب الترجيح:\nأن هذا القول فيه الجمع بين الأحاديث، وإعمال الكلام أَوْلى من إهماله.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\n_________\n(^١) يُنظر: التمهيد (٩/ ٢٠٥).\n(^٢) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٨).\n(^٣) أخرجه البخاري معلقًا، كتاب الصلاة، باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل (١/ ١٠٢) مع الحديث رقم: (٤٧٥)، والإمام مالك في الموطأ (١/ ١٧٢) برقم: (٨٧)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢٢٧) برقم: (٢٥٥٠٦).\n(^٤) يُنظر: التمهيد (٩/ ٢٠٥)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ٢٢٤).\n(^٥) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٨)، فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٨١).","vol":"1","page":273},{"text":"حمل أصحاب القول الأول النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعلُ النبي -ﷺ- للمنهي عنه.\nوذلك في حديث عبد الله بن زيد، فكان فِعله -ﷺ- بيانًا لجواز الاستلقاء، ومحمول على حال عدم الانكشاف.\nقال النووي -﵀-: «ويُحتمل أنه -ﷺ- فعله لبيان الجواز» (^١).\nجاء في (البحر المحيط): «وللفقهاء في مثل ما مثَّلنا به طريقة أخرى لم يذكرها أهل الأصول هنا، وهو حَمْل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، وجعْل الفعل بيانًا لذلك، أو حمْل كلٍّ من القول والفعل على صورة خاصة لا تجيء في الأخرى: كالاستلقاء: منهيٌّ عنه إذا بدت منه العورة، وجائز إذا لم تبدُ منه، إلى غير ذلك من الصور التي يمكن الجمع فيها بين القول والفعل» (^٢).\nالقرينة الثانية: فِعل الصحابة -﵃- للمنهي عنه.\nوذلك فيما رُوي عن عُمَرُ وَعُثْمَانُ، فدل فِعلهم على أنهم فهموا أن النهي عنه ليس للتحريم، لأنهم شاهدوا أحوال النبي -ﷺ- وأقواله وأفعاله، وهم أهل اللغة، فكانوا أفهم لمراد خطابه.\nالحكم على القرينة:\nفِعل النبي -ﷺ- من القرائن النصية القوية التي يُحمل بها النهي على الكراهة؛ فهي قرينة قوية في أصلها ومعتبرة؛ لدلالتها على بيان الجواز، أما قرينة فعل الصحابة (رضوان الله عليهم): فإنها معتبرة؛ لموافقتها لفِعل النبي -ﷺ-، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٨)، ويُنظر: شرح المشكاة، للطيبي (١٠/ ٣٠٧٠).\n(^٢) (٦/ ٥٢).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>المبحث السادس:\nالنهي عن الجلوسِ لداخلِ المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد</span>\n<span data-type='title' id=toc-164>المطلب الأول: حكم جلوس داخلِ المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن أبي قتادة السلمي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (^٢).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٣) على أن ركعتي تحية المسجد سُنَّة، وحملوا النهي عن الجلوس قبل أدائها على الكراهة والتنزيه.\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن أبي قتادة السلمي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن الأمرَ بصلاة ركعتي تحية المسجد قبل الجلوس محمولٌ على الندب والترغيب؛ للقرائن الصارفة (^٥)، وسيأتي بيانها في المطلب الثاني.\nالدليل الثاني: حديث أبي قتادة المتقدم بلفظ النهي.\nوجه الاستدلال: أن النهي عن الجلوس قبل أن يصلي ركعتي تحية المسجد\n_________\n(^١) لعل الأصوب في عنوان المبحث أن نقول: النهي عن جلوس داخلِ المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد.\n(^٢) أخرجه البخاري، أبواب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى (٢/ ٥٧) برقم: (١١٦٣)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصْرها، باب استحباب تحية المسجد بركعتين، وكراهة الجلوس قبل صلاتهما، وأنها مشروعة في جميع الأوقات (١/ ٤٩٥) برقم: (٧١٤).\n(^٣) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٧٣)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٩٥)، المجموع (٤/ ٥١)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٦٢٧)، الذخيرة (٢/ ٤٠٥)، الشرح الكبير (٣/ ٣٩٧)، كشاف القناع (١/ ٤٤٤).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (١/ ٩٦) برقم: (٤٤٤)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد بركعتين، وكراهة الجلوس قبل صلاتهما، وأنها مشروعة في جميع الأوقات (١/ ٤٩٥) برقم: (٧١٤).\n(^٥) يُنظر: المفهم (٢/ ٣٥٢)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣٣٤)، عمدة القاري (٤/ ٢٠٢).","vol":"1","page":275},{"text":"محمولٌ على الكراهة، وهي كراهة تنزيه (^١)؛ للقرائن الصارفة التي دلت على عدم الوجوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>المطلب الثاني: القرائن الصارفة عن التحريم:</span>\nحَمَل الفقهاء الأمر على الندب والنهي على الكراهة؛ بدليل القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص:\nوذلك في حديث الأعرابي الذي سأل عن الإسلام وما يجب عليه: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (^٢)، فجواب النبي -ﷺ- دليل على عدم وجوب غير الخمس، وتلك قرينة تدل أن تحية المسجد ليست واجبة، وأن النهي ليس للتحريم (^٣).\nالقرينة الثانية: ورود النص وفيه الأمر بخلاف مقتضى النهي.\nحديث عبد الله بن بُسْر -﵁- (^٤): «جاء رَجلٌ يَتَخَطَّى رقاب النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، والنبي -ﷺ- يَخْطُبُ، فَقَالَ له النبي -ﷺ-: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» (^٥)، فالنبي -ﷺ- أمره بالجلوس، ولم يأمره أن يصلي تحية المسجد، فدل على أن النهي عن الجلوس قبل أن يصليها ليس للتحريم (^٦).\n_________\n(^١) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٢٢٦).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام (١/ ١٨) برقم: (٤٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (١/ ٤٠) برقم: (١١).\n(^٣) يُنظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣٣٤).\n(^٤) هو: عبد الله بن بُسْر المازني، من مازن بن منصور بن عكرمة، يكنى أبا بسر، وقيل: أبا صفوان، صلى القبلتين، وضع النبي -ﷺ- يده على رأسه ودعا له، صحب النبي -ﷺ-: هو، وأبوه، وأمه، وأخوه عطية، وأخته الصماء، تُوفي سنة ٨٨ هـ، وقيل: مات بحمص سنة ٩٦ هـ أيام سليمان بن عبد الملك، وعمره مائة سنة، وهو آخر مَنْ مات بالشام من الصحابة. يُنظر: أسد الغابة (٣/ ١٨٥)، تهذيب التهذيب (٥/ ١٥٩).\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة (٢/ ٣٣٤) برقم: (١١١٨)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الجمعة، باب النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة (٣/ ١٠٣) برقم: (١٣٩٩)، وأحمد (٢٩/ ٢٢١) برقم: (١٧٦٧٤)، صححه ابن خزيمة (١/ ٧٠٣)، وابن حبان (٧/ ٣٠)، وابن الملقن في (البدر المنير) (٤/ ٦٨٠).\n(^٦) يُنظر: عمدة القاري (٤/ ٢٠٢).","vol":"1","page":276},{"text":"القرينة الثالثة: فِعل الصحابة -﵃-.\nعن زيد بن أسلم -﵁- قال: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -ﷺ- يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ، وَلَا يُصَلُّونَ، قَالَ: وَرَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» (^١).\nالحكم على القرينة:\nالقرائن النصية من أقوى القرائن الصارفة للنهي عن التحريم في العموم، وهنا القرينة الأولى قوية ومعتبرة؛ لأنها جاءت في سياق بيان ما يجب عليه من الصلوات، والقرينة الثانية قوية؛ لأنها جاءت في واقعة لداخل المسجد ولم يُؤمر بالصلاة، وقرينة فِعل الصحابة اعتضدت وتَقوَّت بالقرائن النصية، فالقرائن قوية معتبرة صَرَفت النهي عن الجلوس قبل أداء تحية المسجد من التحريم إلى الكراهة، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٩٩) برقم: (٣٤٢٨).","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-166>المبحث السابع:\nالنهي عن صلاة غير المكتوبة بعد إقامة الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-167>المطلب الأول: حكم صلاة غير المكتوبة بعد إقامة الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ (^١) إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (^٢).\nصورة المسألة:\nإن أراد المسلم أن يشرع في نافلة، وأُقيمت الصلاة: فهل له أن يبتدأها أو لا؟ وإن كان فيها وأُقيمت الصلاة: فهل يتمُّها أو يقطعها؟ وما الحكم في ذلك إن خشي الفوات؟ أو لم يخش الفوات؟\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يحرم الابتداء بنافلة، سواء خشي الفوات أم لم يخشَ، وإن كان فيها ولم يخش الفوات أتمها، وإلا قطعها.\nوهو مذهب المالكية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nالقول الثاني: يُكره ابتداء النافلة مطلقًا، وإن كان فيها ولم يخشَ فوت الجماعة أتمها ندبًا، فإن خاف فَوْتها قطعها ندبًا.\nوهو مذهب الشافعية (^٥).\n_________\n(^١) «قوله: (فلا صلاة) يُحتمل أن يُراد: فلا يشرع حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويُحتمل أن يُراد: فلا يشتغل بصلاة -وإن كان قد شرع فيها- قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي؛ لإدراك فضيلة التحرم، أو أنها تبطل بنفسها وإن لم يقطعها المصلي، يُحتمل كلًا من الأمرين»، نقله الشوكاني عن العراقي في (نيل الأوطار) (٣/ ١٠٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصْرها، باب كراهة الشروع فِي نافلة بعد شروع المؤذن (١/ ٤٩٣) برقم: (٧١١).\n(^٣) يُنظر: شرح مختصر خليل، للخرشي (٢/ ٢٠)، منح الجليل (١/ ٣٥٦)، وقال بعض المالكية: يصليها خارج المسجد إن لم يخش الفوات، ثم يدخل. يُنظر: الفواكه الدواني (١/ ١٩٥).\n(^٤) يُنظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٩٠)، المبدع (٢/ ٥٥).\n(^٥) يُنظر: المجموع (٤/ ٥٦)، مغني المحتاج (١/ ٥٠٠).","vol":"1","page":278},{"text":"القول الثالث: يُكره ابتداء نافلة بعد الإقامة، إلا ركعتي الفجر إذا لم يخشَ فوات الجماعة.\nوهو مذهب الحنفية (^١).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ».\nوجه الاستدلال: أن قوله: (فلا صلاة) نفيٌ بمعنى النهي يفيد العموم، فإن أُقيمت الصلاة فلا يجوز أن يشرع في صلاة، وإن كان فيها يقطعها إن خشي الفوات؛ لأن ما يفوته مع الإمام أفضل مما يأتي به، فلم يشتغل به (^٢).\nنُوقش: بأن الحديث موقوف على أبي هريرة (^٣).\nأُجيب عنه: بأن الحديث مسند مرفوع ثبت عن الرسول -ﷺ- (^٤)، ويكفيه أنه في (صحيح مسلم).\nالدليل الثاني: عن مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ (^٥) -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا -وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ- يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لَاثَ (^٦) بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ\n_________\n(^١) يُنظر: المبسوط (١/ ١٦٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٧٧)، وهذا القول بني على مذهبهم في ركعتي الفجر أنها لا تُقضى بعد الفوات، فيحرزهما إذا طمع في إدراك ركعة من الصلاة، فيصليها في آخر المسجد، ثم يتقدم ويدخل في الصف.\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ٣٢٩)، المبدع (٢/ ٥٥)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٢/ ٢٠).\n(^٣) يُنظر: شرح معاني الآثار (١/ ٣٧٢).\n(^٤) يُنظر: الاستذكار (٢/ ١٣٢).\n(^٥) هو: مالك بن الْقِشْبِ الأزدي، من الأزد، والد عبد الله بن مالك ابن بُحَيْنَة، أمه بحينة قرشية مطلبية، من بنى المطلب بن عبد مناف، لكن منهم مَنْ يقول: إن بحينة أم ابنه عبد الله بن مالك ابن بحينة، ولعبد الله بن مالك ولأبيه جميعًا صحبة، وتُوفي ابن بحينة في آخر خلافة معاوية. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ١٣٤٨)، أسد الغابة (٥/ ١١).\n(^٦) لَاثَ به الناس: الالتِياث: الاختلاط والالتفاف، لاث به أي: اجتمعوا حوله، وأحاطوا به. يُنظر: أعلام الحديث (١/ ٤٧٣)، الصحاح (١/ ٢٩١)، لسان العرب (٢/ ١٨٨).","vol":"1","page":279},{"text":"رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: الصُّبْحَ أَرْبَعًا، الصُّبْحَ أَرْبَعًا» (^١).\nوجه الاستدلال: أن إنكار النبي -ﷺ- على الرجل أن يصلي ركعتين بعد أن أُقيمت الصلاة، فيكون كمَن صلى الصبح أربعًا -يدل على عموم النهي: أن لا صلاة بعد الإقامة إلا الصلاة المكتوبة (^٢).\nالدليل الثالث: عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِس -﵁- قال: «دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَالَ: يَا فُلَانُ، بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟ أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ؟ أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن في إنكار الرسول -ﷺ- على الرجل دلالةً على أنه لا يجوز أن يصلي نافلة -ولو كانت ركعتي الفجر- بعد أن أُقيمت الصلاة وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما قبل خروج الإمام من صلاته؛ لأن قوله: (أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟) يدل على أنه قد أدرك الصلاة مع رسول الله -ﷺ- بعد فراغه من الركعتين (^٤).\nنُوقش حديث ابن بُحينة وحديث ابن سَرجس -﵄-: بأنه يُحتمل أن يكون أراد النهي عن أن يصلي غيرها في موطنها الذي يصلي فيه، فيكون مصليها قد وصلها بتطوع، فيكون النهي من أجل ذلك؛ فقد نُهي عن وصل الفريضة بالتطوع في مكان واحد دون أن يفصل بينهما بشيء (^٥).\nأُجيب عنه: بأن هذا القول ليس بشيء؛ لأن النهي إنما ورد أن تُصليا معًا، وأن يصلي -إذا أُقيمت المكتوبة- غيرَها مما ليس بمكتوبة ويشتغل عنها بما سواها (^٦).\nالدليل الرابع: أن ابتداء صلاة غير التي أُقيمت يؤدي إلى الطعن في الإمام\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة (١/ ١٣٣) برقم: (٦٦٣)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب كراهة الشروع فِي نافلة بعد شروع المؤذن (١/ ٤٩٣) برقم: (٧١١).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ٣٣٠)، عمدة القاري (٥/ ١٨٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب كراهة الشروع فِي نافلة بعد شروع المؤذن (٢/ ١٥٤) برقم: (٧١٢).\n(^٤) يُنظر: معالم السنن (١/ ٢٧٤)، المغني (١/ ٣٣٠).\n(^٥) يُنظر: شرح معاني الآثار (١/ ٣٧٢).\n(^٦) يُنظر: الاستذكار (٢/ ١٣١).","vol":"1","page":280},{"text":"وجماعته، فيحرم (^١).\nالدليل الخامس: ما روي أنه «كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ» (^٢).\nالدليل السادس: استدلوا على أنه إن أُقيمت الصلاة وهو في تطوع، أتمها إن لم يخشَ فوات الجماعة، بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (^٣).\nوجه الاستدلال: أن قطع الصلاة وعدم إتمامها، من إبطالها، والله تعالى نهى عن إبطال الأعمال، فيدخل فيها.\nأدلة القول الثاني:\nاستدلوا بما استدل به القائلون بالتحريم، وحملوا النهي على الكراهة، ولعل الصارف: فِعل بعض الصحابة -﵃-، كما سيأتي عند ذكر أدلة القول الثالث.\nأدلة القول الثالث:\nالدليل الأول: أن ركعتي الفجر تُخص من النهي؛ لأن النبي -ﷺ- أكَّد عليهما بما لم يؤكده في غيرهما، ونهى عن تركهما، ولأنها لا تُقضى بعد الفوات؛ ولذا فإنه يأتي بهما إن طمع في إدراك ركعة من الصلاة؛ لأن إدراك ركعة من الصلاة كإدراك جميع الصلاة (^٤).\nنُوقش: بأن قوله -ﷺ- (في صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة، ولا دليل على تخصيص ركعتي الفجر (^٥).\nالدليل الثاني: ما رُوي من الآثار عن الصحابة (رضوان الله عليهم):\n١ - «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَبَا مُوسَى خَرَجَا مِنْ عِنْدِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَكَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ الْقَوْمِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا أَبُو مُوسَى: فَدَخَلَ فِي\n_________\n(^١) يُنظر: حاشية الصاوي (١/ ٢٤٢)، منح الجليل (١/ ٣٥٦).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني (٢/ ٤٣٦) برقم: (٣٩٨٨). ويُنظر: المبدع (٢/ ٥٥)، كشاف القناع (١/ ٤٥٩).\n(^٣) سورة محمد: جزء من الآية (٣٣).\n(^٤) يُنظر: شرح معاني الآثار (١/ ٣٧٦)، المبسوط، للسرخسي (١/ ١٦٧).\n(^٥) يُنظر: المبدع (٢/ ٥٥)، كشاف القناع (١/ ٤٥٩).","vol":"1","page":281},{"text":"الصَّفِّ» (^١).\n٢ - «كُنَّا نَجِيءُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَنَرْكَعُ الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَدْخُلُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ» (^٢).\n٣ - «أن ابن عمر -﵄- جَاءَ مَرَّةً وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَصَلَّاهُمَا فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَرَّةً أُخْرَى، فَصَلَّى مَعَهُمْ وَلَمْ يُصَلِّهِمَا» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن عبد الله ابن مسعود قد صلى بعد أن أُقيمت الصلاة، ومعه حذيفة وأبو موسى لا ينكران ذلك عليه، فدل ذلك على موافقتهما إياه، ومثلُه في خبر عمر وابن عمر (^٤) -﵃-.\nويمكن مناقشة الآثار: أولًا: بأنها مخالفة لما ثبت من نهي النبي -ﷺ-. ثانيًا: أن أبا موسى خالف عبد الله بن مسعود في فِعله، ودخل في الصلاة مع الإمام، وليس فِعل أحدهم حجة على الآخر، وكذلك اختلاف ما نُقل عن عمر -﵁- مرة بأنه أنكر ذلك، ومرة بأنه لم يُنكر، فتساقطا.\nسبب الخلاف:\nالسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله -﵇-: «إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (^٥)، وظاهر تعارض النص مع فعل الصحابة -﵃-.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم الشروع في صلاة إذا أُقيمت المكتوبة، وإن كان فيها يتمها إن لم يخشَ فوات الجماعة، وإلا فليقطعها.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «هذا القول أصح؛ لأن فيه حديثًا مسندًا يجب الوقوف\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٧) برقم: (٦٤١٥)، وابن المنذر في (الأوسط) (٥/ ٢٣١) برقم: (٢٧٦١)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) (١/ ٣٧٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٧) برقم: (٦٤١٤)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) (١/ ٣٧٦).\n(^٣) المصدران السابقان.\n(^٤) يُنظر: شرح معاني الآثار (١/ ٣٧٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٧٨).\n(^٥) سبق تخريجه: ص (٢٧٧).","vol":"1","page":282},{"text":"عنده والرد إليه فيما ينازع العلماء فيه؛ إذ لم يكن له في الكتاب ذِكر، ولا جاء عن النبي -ﷺ- ما يعارضه» (^١).\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة أدلة هذا القول.\n٢ - أن المشتغل بصلاة غير المكتوبة بعد إقامة الصلاة تفوته فضيلة إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام - في الأغلب.\n٣ - ضعف أدلة الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-168>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر أن القائلين بالكراهة صرفوا النهي عن التحريم؛ بدليل قرينة: فِعل الصحابة -﵃-.\nوذلك فيما رُوي عن بعض الصحابة -كابن عمر وابن مسعود- أنهم ابتدؤوا صلاة بعدما أُقيمت الصلاة المكتوبة، وأنه لم ينكر بعضهم على بعض، ففي فِعلهم دليل على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم.\nالحكم على القرينة:\nقرينة فِعل الصحابة هنا قرينة ضعيفة لا تقوى على صرف النهي عن التحريم؛ لقوة دليل النهي ودلالته على العموم، وكذلك لأن ما ورد عن بعض الصحابة عارضه مخالفة غيرهم، مما يضعف الاحتجاج به؛ لأنه ليس فِعل أحدهم حجة على الآخر، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) الاستذكار (٢/ ١٣٢).","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>المبحث الثامن:\nالنهي عن استدامة الإمام الصلاة في مكان المكتوبة</span>\n<span data-type='title' id=toc-170>المطلب الأول: حكم استدامة الإمام الصلاة في مكان المكتوبة:</span>\nدليل النهي:\nعن المغيرة بن شعبة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي مُقَامِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْهُ» (^١).\nصورة المسألة:\nلو أراد الإمام بعد فراغه من الفريضة أن يتنفل: فهل له أن يصلي في مكانه أو يلزمه الانتقال؟\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٢) على أنه يُكره للإمام استدامة الصلاة في مكان المكتوبة.\nالأدلة:\nالدليل الأول: حديث المغيرة بن شعبة -﵁-.\nويشهد لمعناه أيضًا ما رُوي عن علي -﵁- أنه قال: «لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَمَّ فِيهِ الْقَوْمَ حَتَّى يَتَحَوَّلَ أَوْ يَفْصِلَ بِكَلَامٍ» (^٣)، وما رُوي عن عبد الله بن عمرو -﵁-: «أَنَّهُ كَرِهَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن النفي في الحديث بمعنى النهي، فهو نهي للإمام عن الصلاة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الإمام يتطوع في مكانه (١/ ٤٦١) برقم: (٦١٦) وقال: «عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة»، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فِي صلاة النافلة حيث تُصلى المكتوبة (٢/ ٤٢٧) برقم: (١٤٢٨) واللفظ له، صححه الألباني بشواهده في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ١٢٧٧). ومن شواهده: حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ١٦٠)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣١)، الذخيرة (٢/ ٤٠٥)، التاج والإكليل (٢/ ٤٣٥)، المجموع (٣/ ٤٩١)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٦)، المغني (١/ ٤٠٣)، كشاف القناع (١/ ٤٩٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٩٦).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني (٢/ ٤١٧) برقم: (٣٩١٧)، وابن أبى شيبة (٢/ ٢٤) برقم: (٦٠٢٧) واللفظ له، حسن إسناده ابن حجر في (فتح الباري) (٢/ ٣٣٥)، ويُنظر: المغني (١/ ٤٠٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٤) برقم: (٦٠٢٣).","vol":"1","page":284},{"text":"في موضع المكتوبة، ويُحمل على الكراهة؛ لكونه إرشادًا إلى الأمن من التباس النافلة بالفريضة؛ لأن صلاة الإمام مكان الفريضة يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل، فيظنه في الفريضة، فيقتدي به؛ لذا ينبغي أن يتنحى إزالةً للاشتباه، وإعلامًا بأنه صلى، فلا يُنتظر، وهذا الاشتباه لا يوجد في حق المأموم (^١).\nالدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ، أَوْ يَتَأَخَّرَ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ؟» يَعْنِي: السُّبْحَةَ (^٢).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث استفهامًا أُريد به الإنكار على المصلي أن يتنفل في موضع الفريضة، وهو محمول على الإمام؛ لأنه يُفتن به الداخل، أي: يظنه في الفريضة، فيقتدي به، وهذا لا يوجد في حق المأموم (^٣).\nالدليل الثالث: أن في الانتقال للنافلة إلى موضع آخر استكثارًا من شهوده؛ فإن مكان المصلي يشهد له يوم القيامة (^٤).\n_________\n(^١) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٨)، المبدع (٢/ ١٠١)، فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٣٣٥)، كشاف القناع (١/ ٤٩٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة (٢/ ٢٤٦) برقم: (١٠٠٦)، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فِي صلاة النافلة حيث تُصلى المكتوبة (٢/ ٤٢٦) برقم: (١٤٢٧) واللفظ له، وأحمد، (١٥/ ٣٠٠) برقم: (٩٤٩٦)، قال العيني في (عمدة القاري) (٦/ ١٣٩): «سكت عنه أبو داود لمَّا رواه، وسكوته دليل رضاه به، وفي صحيح مسلم ما يشده، وهو حديث معاوية»، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (١/ ٥١٩). وقد استدل به العلماء على النهي عن التطوع مكان الفريضة. يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٨)، بدائع الصنائع (١/ ٢٨٥)، حاشية السندي على سنن ابن ماجه (١/ ٤٣٦).\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٨)، بدائع الصنائع (١/ ٢٨٥)، حاشية السندي على سنن ابن ماجه (١/ ٤٣٦).\n(^٤) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٨).","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل الفقهاء النهي على الكراهة في حق الإمام دون غيره لقرينة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nقال ابن حجر -﵀-: «ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة» (^١).\nقال المناوي -﵀-: «المعنى فيه خشية التباس النفل بالفرض، فأرشد في الحديث إلى طريق الأمن من الالتباس» (^٢).\nوالعلة في ذلك: خوف التلبيس على الداخل بأن الإمام يصلي الفريضة، فيقتدي به.\nجاء في (المبسوط): «لأنه يُفتن به الداخل، أي: يظنه في الفريضة، فيقتدي به» (^٣).\nقال ابن حجر -﵀-: «المعنى في كراهة ذلك خشيةُ التباس النافلة بالفريضة» (^٤).\nالحكم على القرينة:\nقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، صارفة للنهي إلى غير التحريم، وهي هنا قرينة قوية؛ لقوة العلة المعتبرة في ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) فتح الباري (٢/ ٣٣٥).\n(^٢) فيض القدير (١/ ٣٩٠).\n(^٣) للسرخسي (١/ ٣٨).\n(^٤) فتح الباري (٢/ ٣٣٥).","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>الفصل الثالث\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المواقيت</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن تسمية العشاء العَتَمَة.\nالمبحث الثاني: النهي عن تسمية المغرب العشاء.\nالمبحث الثالث: النهي عن تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس.","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>المبحث الأول:\nالنهي عن تسمية العشاء العَتَمَة</span>\n<span data-type='title' id=toc-174>المطلب الأول: حكم تسمية العشاء العَتَمَة </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ (^٢) عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ» (^٣).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم تسمية العشاء العَتَمَة، على قولين:\nالقول الأول: الكراهة.\nوهو قول بعض الحنفية (^٤)، والمشهور عند المالكية (^٥)، ومذهب الشافعية (^٦)، وقول عند الحنابلة (^٧).\nالقول الثاني: الجواز.\nوهو قول عند المالكية (^٨)، ووجه عند الشافعية (^٩)، والمذهب عند الحنابلة (^١٠).\n_________\n(^١) العَتَمَة في اللغة: شدة الظلمة، قال الخليل: العتمة هو الثلث الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق. وقد عتم الليل يعتم. وعتمته: ظلامه. والعتمة أيضا: بقيّة اللبن تُفيقُ بها النَعَمُ تلك الساعة. وقوله: يُعتمون بالإبل: أي يؤخرون حلبها إلى أن يظلم الظلام. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٩٧٩)، إحكام الأحكام (١/ ١٧٥)، القاموس المحيط (ص: ١١٣٥)، كشاف القناع (١/ ٢٥٤).\n(^٢) الأَعْراب: ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة. والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف من الناس. وسواء أقام بالبادية أو المدن. والنسبة إلى الأعراب أعرابيٌّ، لأنه لا واحد له. وليس الأعراب جمعًا لعرب. يُنظر: الصحاح (١/ ١٧٨)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٠٢)، الكواكب الدراري (٤/ ٢٠٧).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب وقت العشاء وتأخيرها (٢/ ١١٨) برقم: (٦٤٤).\n(^٤) ذكره العيني في (عمدة القاري) (٥/ ٥٩)، وفي (شرح أبي داود) (٢/ ٢٩٠)، وذكره ابن أمير حاج في (حَلبة المجلي) (١/ ٦٣٣). ولم أجد المسألة عند غيرهم من الحنفية بحسب ما تيسر لي من كتب.\n(^٥) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٣٩٦)، شرح مختصر خليل (٢/ ٣٤٤).\n(^٦) يُنظر: الحاوي الكبير (٢/ ٢٣)، أسنى المطالب (١/ ١١٨).\n(^٧) يُنظر: الفروع (١/ ٤٣٤)، الإنصاف (٣/ ١٦٥).\n(^٨) يُنظر: الذخيرة (٢/ ١٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٨).\n(^٩) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ١١٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٠٤).\n(^١٠) يُنظر: المغني (١/ ٢٧٩)، الشرح الكبير (٣/ ١٦٤)، الفروع (١/ ٤٣٤).","vol":"1","page":288},{"text":"أدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (^١).\nوجه الاستدلال: أن الله تعالى سماها في القرآن الكريم صلاة العشاء، فيُكره مخالفة هذه التسمية (^٢).\nنُوقش: أن تسميتها في كتاب الله بالعشاء لا يدل على كراهة تسميتها بغيره، كما أن الله تعالى سمى صلاة الصبح صلاة الفجر، ولا يُكره تسميتها صلاة الصبح (^٣).\nيمكن أن يُجاب عنه: بأن تسمية العشاء العَتَمَة ورد فيه نهي خاص، بخلاف تسمية الفجر الصبح.\nالدليل الثاني: حديث عبد الله بن عمر -﵄- المتقدم.\nوجه الاستدلال: في الحديث نهي عن تسمية العشاء العَتَمَة والتنفير عنها بقوله: (تغلبنكم)، ويحمل النهي على الكراهة والتنزيه؛ لورود القرينة، وذلك أنه -ﷺ- سمى العشاء بالعَتَمَة لبيان الجواز (^٤).\nالدليل الثالث: أن العادة أن العظماء إذا سموا شيئًا باسم، فلا يليق العدول عنه؛ لما فيه من تنقيصهم والرغبة عن صنيعهم، والله تعالى أعظم العظماء قد سماها العشاء في القرآن (^٥).\nالدليل الرابع: أن النهي عن تسمية العشاء بالعَتَمَة تنزيهٌ لهذه العبادة الشريفة الدينية عن أن يُطلق عليها ما هو اسم لفِعلة دنيوية، وهي الحَلبَةُ التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العَتَمَة (^٦).\n_________\n(^١) سورة النور: جزء من الآية (٥٨).\n(^٢) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ١١٨).\n(^٣) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٤/ ٣٦٥).\n(^٤) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٤٣)، إحكام الأحكام (١/ ١٧٥)، تحفة المحتاج (١/ ٤٢٩).\n(^٥) يُنظر: الذخيرة (٢/ ١٧).\n(^٦) يُنظر: المفهم (٢/ ٢٦٨).","vol":"1","page":289},{"text":"أدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا (^١) عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ (^٢) لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَة وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- سمى العشاء بالعَتَمَة، فدل ذلك على جواز التسمية (^٤).\nنُوقش من وجهين (^٥):\nأحدهما: أن هذا الاستعمال ورد في نادر من الأحوال لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه لا التحريم.\nالثاني: أن المخاطبين كان فيهم مَنْ قد يشتبه عليه العشاء بالمغرب، فاحتمل إطلاق العَتَمَة هنا للمصلحة دفعًا للالتباس.\nالدليل الثاني: حديث معاذ بن جبل -﵁- قال: «ارتقبْنا النَّبِيَّ -ﷺ- فِي صَلَاةِ العَتَمَة …» (^٦).\nالدليل الثالث: عن عائشة -﵂- قالت: «أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً بِالعِشَاءِ … وكَانُوا يُصَلُّونَ العَتَمَة فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ» (^٧).\n_________\n(^١) اسْتَهَموا: أي اقترعوا. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٩٥٧).\n(^٢) التَّهْجَير: السير في الهاجرةِ، والهاجِرَةُ: نصف النهار عند اشتداد الحرّ. ويراد بالتهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه. يُنظر: الصحاح (٢/ ٨٥١)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٤٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الاستهام في الأذان (١/ ١٢٦) برقم: (٦١٥)، ومسلم كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الْأول فالأول (١/ ٣٢٥) برقم: (٤٣٧).\n(^٤) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٦/ ٢٧)، نيل الأوطار (٢/ ٢١).\n(^٥) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٢٤)، إكمال المعلم (٢/ ٦٠٧)، المجموع (٣/ ٤٢)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٦/ ٢٢٥)، عمدة القاري (٥/ ١٢٦).\n(^٦) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب وقت العشاء الآخرة (١/ ١٦١) برقم: (٤٢١)، وأحمد (٣٦/ ٣٨٥) برقم: (٢٢٠٦٦).\n(^٧) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل العشاء (١/ ١٧٢) برقم: (٨٦٤)، ومسلم، كتاب المساجد، باب وقت العشاء وتأخيرها (١/ ٤٤١) برقم: (٦٣٨).","vol":"1","page":290},{"text":"وجه الاستدلال: أن الصحابة -﵃- سموها العَتَمَة، وذلك دليل على جوازها (^١).\nالدليل الرابع: أن تسمية العشاء بالعَتَمَة نسبةً لها إلى الوقت الذي تجب فيه، فأشبهت صلاة الصبح والظهر وسائر الصلوات (^٢).\nسبب الخلاف:\nسبب الخلاف ظاهر التعارض بين حديث أبي هريرة الذي فيه تسمية العشاء بالعَتَمَة، وحديث ابن عمر الذي فيه النهي عن هذه التسمية (^٣)، وهو من باب تعارض القول والفعل.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة تسمية العشاء العَتَمَة.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة أدلة هذا القول.\n٢ - أنه محافظة على الاسم الشرعي لها، فلا تغلب تسمية الأعراب.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي حُمل على الكراهة للقرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعْل النبي -ﷺ- خلاف النهي.\nوذلك في قوله: (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَة وَالصُّبْحِ)، فكان فِعله -ﷺ- بيانًا للجواز، وأن النهي عنه ليس للتحريم.\nقال الزركشي -﵀-: «… وللفقهاء في مثل ما مثلنا به طريقة أخرى لم يذكرها أهل الأصول هنا، وهو حمل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، وجعل الفعل بيانا لذلك» (^٤).\nوقال النووي -﵀- في (المنهاج): «جاء في الأحاديث الصحيحة تسميتها\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٤/ ٣٦٩)، (٢/ ٤٦).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ٢٧٩).\n(^٣) يُنظر: الاستذكار (٢/ ١٤٦).\n(^٤) البحر المحيط (٦/ ٥٢).","vol":"1","page":291},{"text":"بالعَتَمَة، … والجواب عنه: أنه استُعمل لبيان الجواز، وأن النهي عن العَتَمَة للتنزيه لا للتحريم» (^١).\nالقرينة الثانية: فِعل الصحابة -﵃-.\nفقد ورد عن معاذ وعائشة وغيرهم من الصحابة -﵃- تسمية العشاء بالعَتَمَة؛ فكان فِعلهم دليلًا على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم.\nالقرينة الثالثة: المقصد من النهي\nذلك أن مقصود النهي: الحث على تسمية العبادات بالتسمية التي جاء بها الشرع، وفيه التنزيه عن مشابهة الأعراب.\nقال القاضي عياض -﵀-: «وقد جاء في الحديث الآخر: (لو يعلمون ما في العَتَمَة والصبح …) فقوله هذا يدل أن نهيه ليس نهى تحريم، وإنما هو نهى أدب وفضيلة» (^٢)، وقال في موضع آخر: «… وفيه أن النهى عنها نهى كراهة واستحسان الامتثال؛ لما سماها الله به في القرآن من العشاء» (^٣).\nوقال المناوي -﵀-: «تسمية العشاء عتمة؛ إشارة إلى أن النهي الوارد فيه للتنزيه لا للتحريم» (^٤).\nوقال ابن حجر -﵀-: «إنما نهى عن ذلك تنزيهًا لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن يُطلق عليها ما هو اسم لفِعلة دنيوية، وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العَتَمَة.\nقلت: وذكر بعضهم: أن تلك الحلبة إنما كانوا يعتمدونها في زمان الجَدْب خوفًا من السؤال والصَّعالِيك (^٥)، فعلى هذا فهي فِعلة دنيوية مكروهة لا تُطلق على فِعلة دينية\n_________\n(^١) (٥/ ١٤٣).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٦٠٧).\n(^٣) المصدر نفسه (٢/ ٣٥٠).\n(^٤) فيض القدير (٥/ ٣٣٧).\n(^٥) وقيل عكس ذلك؛ فالعرب عرفوا بالكرم والضيافة، فكانوا يؤخرون الحلبة إلى ذلك الوقت انتظارا لضيف قد يقدم عليهم.","vol":"1","page":292},{"text":"محبوبة» (^١).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القرائن قوية ومعتبرة: فقرينة فِعل الرسول -ﷺ- قوية؛ لقوتها في أصلها وثبوتها، وقرينة فِعل الصحابة اعتضدت بفِعل النبي -ﷺ-، وقرينة المقصد من النهي كذلك قرينة قوية؛ لقوة المعنى الذي لأجله ورد النهي ومناسبته، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) فتح الباري (٢/ ٤٥) نقلًا عن القرطبي عن غيره.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-176>المبحث الثاني:\nالنهي عن تسمية المغرب العشاء</span>\n<span data-type='title' id=toc-177>المطلب الأول: حكم تسمية المغرب العشاء:</span>\nدليل النهي:\nعن عبد الله بن مغفل الْمُزَنِيِّ -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِب، قَالَ: والْأَعْرَابُ تَقُولُ: هِيَ الْعِشَاء» (^١).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في النهي عن تسمية المغرب العشاء، على قولين:\nالقول الأول: الكراهة.\nوهو قول بعض الحنفية (^٢)، ومذهب المالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، وقول عند الحنابلة (^٥).\nالقول الثاني: الجواز.\nوهو المذهب عند الحنابلة (^٦).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: حديث عبد الله بن مغفل -﵁-.\nوجه الاستدلال: أن ظاهر الحديث نهي عن تسمية المغرب العشاء، وهو نهي كراهة؛ لأن التسمية من الله ورسوله لا تُترك لرأى أحد (^٧)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ (^٨).\nالدليل الثاني: أن تسميتها بالعشاء دائمًا يُشعِر بتأخيرها، بخلاف تسميتها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب مَنْ كره أن يَقال: للمغرب العشاء (١/ ١١٧) برقم: (٥٦٣).\n(^٢) ذكره العيني في (عمدة القاري) (٥/ ٥٩)، وابن أمير حاج في (حلبة المجلي) (١/ ٦٣٣). ولم أجد المسألة عند غيرهم من الحنفية بحسب ما تيسر لي من كتب.\n(^٣) يُنظر: الذخيرة (٢/ ١٥)، مواهب الجليل (١/ ٣٩٢).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٣/ ٣٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٠٣).\n(^٥) يُنظر: الفروع (١/ ٤٣٢)، الإنصاف (٣/ ١٦٥).\n(^٦) يُنظر: شرح الزركشي (١/ ٤٧٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٤٣).\n(^٧) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٢/ ١٨٨).\n(^٨) سورة البقرة: جزء من الآية (٣١).","vol":"1","page":294},{"text":"بالمغرب فإنه يُشعِر بفعلها عند الغروب (^١).\nالدليل الثالث: أنه يُكره تسمية المغرب العشاء؛ لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى -العشاء- (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: استدلوا بحديث عبد الله بن مغفل -﵁- الذي استدل به أصحاب القول الأول.\nوجه الاستدلال: أن الخبر لا يقتضي نهيًا مطلقًا، لكن فيه النهي عن غلبة الأعراب على ذلك، وهذا لا يقتضي المنع من إطلاق العشاء عليه أحيانًا، بل يجوز أن يُطلق على وجه لا يترك له التسمية الأخرى (^٣).\nالدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- سمى العشاء بالعشاء الآخرة، فدل على أن المغرب: العشاء الأولى (^٥).\nنُوقش: بأن وَصْف العشاء بالآخرة؛ لأنها آخر الصلوات، لا لأن قبلها عشاء أخرى (^٦).\nسبب الخلاف:\nالذي يظهر أن سبب الخلاف هو اختلافهم في النهي في حديث عبد الله بن المغفل: هل هو نهي مطلق أو مقيد بغلبة تسمية الأعراب؟ فمَن رأى أنه نهي مطلق قال بالكراهة، ومَن قال: ليس نهيا مطلقا قال بالجواز، والله أعلم.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة تسمية\n_________\n(^١) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الصلاة (ص: ١٦٩).\n(^٢) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٤٣)، مواهب الجليل (١/ ٣٩٢).\n(^٣) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٤٣).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة (١/ ٣٢٨) برقم: (٤٤٤).\n(^٥) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الصلاة (ص: ١٦٨)، فتح الباري، لابن رجب (٤/ ٣٦١).\n(^٦) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٤/ ٣٦٢).","vol":"1","page":295},{"text":"المغرب العشاء.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة أدلة هذا القول.\n٢ - أن تسميتها بالمغرب هي التسمية التي ارتضاها رسول الله -ﷺ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-178>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي يُحمل على الكراهة؛ بدليل قرينة: المقصد من النهي.\nذلك أن الحكمة من النهي: الحث على تسمية العبادات بما جاء به الشرع، والمنع من مشابهة الأعراب، ودفعًا للالتباس والاشتباه بصلاة العشاء.\nقال القرطبي -﵀-: «يظهر لي أن المقصود من هذا النهي، ومن قوله: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب -ألا نتبع الأعراب في تسميتهم هاتين الصلاتين بذلك؛ لأنهم لم يقتدوا في تسميتها: لا بما جاء في كتاب الله من تسميتها: العشاء، ولا بما جاء في السنة من تسميتها بالمغرب؛ إذ قد ثبت في غير ما حديث تسميتها: بالمغرب كما جاء في حديث جبريل وغيره، والله تعالى أعلم» (^١).\nجاء في (منحة الباري): «والمعنى: لا تتبعوا الأعراب في تسميتهم المغرب عشاء؛ لأن الله سماها مغربًا، وتسمية الله أولى من تسميتهم، والسرُّ في النهي: خوف الاشتباه على غيرهم من المسلمين، والنهي للتنزيه لا للتحريم» (^٢).\nوجاء في (الكواكب الدراري): «كان الأعراب يقولون: العشاء، ويريدون به المغرب، فكان يتشبه ذلك على المسلمين بالعشاء الآخرة، فنُهى عن إطلاق العشاء على المغرب؛ دفعًا للالتباس» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي قرينة قوية؛ لما فيه من تحقيق المحافظة على تسمية الأشياء بمسمياتها الشرعية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) (٢/ ٢٧٨).\n(^٣) (٤/ ٢٠٧).","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>المبحث الثالث:\nالنهي عن تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس</span>\n<span data-type='title' id=toc-180>المطلب الأول: حكم تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس:</span>\nدليل النهي:\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ (^١) قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» (^٢)، وفي رواية: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ -قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» (^٣).\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: محل الإجماع:\nأجمع العلماء (^٤) على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عمدًا حتى يخرج وقتها.\nقال ابن تيمية -﵀-: «مسألة: ولا يحل تأخيرها عن وقتها إلا لناوٍ جمعها أو مشتغل عنها بشرطها: أما فِعلها في الوقت المضروب لها: ففرض، وتأخيرها عنه عمدًا من الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٥) والمحافظة عليها: فِعلها في الوقت … والنصوص\n_________\n(^١) بين قرني الشيطان: أي ناحيتي رأسه وجانبيه. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٥٢). واختلفوا في المراد به: «قيل: هو على حقيقته وظاهر لفظه، والمراد أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذ، فيقارنها؛ ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له، وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنه وقرنيه: علوه وارتفاعه وسلطانه وتسلطه وغلبته وأعوانه، قال الخطابي: هو تمثيل، ومعناه أن تأخيرها بتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن تعجيلها كمدافعة ذوات القرون لما تدفعه، والصحيح الأول» قاله النووي -﵀- في (المنهاج) (٥/ ١٢٤)، ويُنظر بقية الأقوال في تأويله في: معالم السنن (١/ ١٣٠).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالعصر (١/ ٤٣٤) برقم: (٦٢٢).\n(^٣) أخرجه ابن حبان، كتاب الإيمان، ذكر إثبات اسم المنافق على المؤخر صلاة العصر إلى اصفرار الشمس (١/ ٤٩٤) برقم: (٢٦١).\n(^٤) يُنظر: اختلاف الأئمة العلماء (١/ ٨٢)، شرح العمدة، لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٥٣).\n(^٥) سورة البقرة: الآية (٢٣٨).","vol":"1","page":298},{"text":"في ذلك كثيرة، وهو مجمع عليه» (^١).\nثانيًا: محل النزاع:\nاختلف الفقهاء في حكم تَعمُّد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر، على قولين:\nالقول الأول: يحرم تأخير العصر إلى اصفرار الشمس.\nوهو قول بعض الحنفية (^٢)، ومذهب المالكية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nالقول الثاني: يُكره تأخير العصر إلى اصفرار الشمس.\nوهو المذهب عند الحنفية (^٥)، والشافعية (^٦)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٧).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (^٨).\nوجه الاستدلال: أن الله تعالى ذَمَّ مَنْ أضاع الصلاة، وتوعَّدهم بالعذاب، وقد قال أكثر أهل العلم: إضاعة الصلاة تأخيرها عن وقتها (^٩)، فمَن أخَّر العصر إلى اصفرار الشمس مُؤخِّرٌ لها عن وقتها، مُفرِّطٌ فيما أُمر بحفظه ورعايته، آثمٌ؛ لتضييعه وتفريطه (^١٠).\nالدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ\n_________\n(^١) شرح العمدة، لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٥٤).\n(^٢) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ٨٣)، مراقي الفلاح (ص: ٧٤).\n(^٣) يُنظر: الذخيرة (٢/ ٢٤)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٧٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٠٩).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ٢٧٣)، المحرر في الفقه (١/ ٢٨).\n(^٥) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ١٢٧)، البناية (٢/ ٥٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٧٢).\n(^٦) يُنظر: العزيز شرح الوجيز (١/ ٣٦٩)، المجموع (٣/ ٢٨).\n(^٧) يُنظر: المبدع (١/ ٣٠٠)، الإنصاف (٣/ ١٤٦).\n(^٨) سورة مريم: الآية (٥٩).\n(^٩) يُنظر: تفسير القرطبي (١١/ ١٢٢)، شرح العمدة، لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٥٣).\n(^١٠) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٤٠٩).","vol":"1","page":299},{"text":"يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ …» (^١)، وفي رواية: «… فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرُ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» (^٢).\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، … وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ» (^٣).\nوجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي -ﷺ- حَدَّ وقت العصر باصفرار الشمس، وذلك يقتضي أن ما بعده ليس بوقت لها لمَن لا عذر له، فلا يجوز التأخير إليه (^٤).\nالدليل الرابع: حديث أنس -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر الذم والتشبيه بصلاة المنافق وتكريره لذلك، دليل على تحريم تأخير العصر إلى اصفرار الشمس لمَن لا عذر له، ولو أُبيح تأخيرها لما ذَمَّ عليه، وجَعَله علامة النفاق، والنفاق كله حرام (^٦).\nوقوله (يجلس يرقب) فيه إشارة أنه فيمن كان مختارًا لا معذورًا (^٧).\nنُوقش: بأنه إنما ذَمَّه على النَّقْر وقلة ذِكر الله (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس (١/ ٤٢٧) برقم: (٦١٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس (١/ ٤٢٧) برقم: (٦١٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في مواقيت الصلاة (١/ ٢٨٣) برقم: (١٥١) وقال: «وفي الباب عن عبد الله بن عمرو. سمعت محمدا -يعني البخاري- يقول: حديث الأعمش، عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، وحديث محمد بن فضيل خطأ أخطأ فيه محمد بن فضيل»، وأخرجه أحمد، (١٢/ ٩٤) برقم: (٧١٧٢)، قال ابن الجوزي في (التحقيق) (١/ ٢٧٩): «ابن فضيل ثقة، يجوز أن يكون الأعمش قد سمعه من مجاهد مرسلًا، وسمعه من أبي صالح مسندًا»، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٣/ ١٦١): «… وحاصل هذا أن البخاري خطَّأ رواية الرفع، وصحَّح رواية الإرسال».\n(^٤) يُنظر: شرح الزركشي (١/ ٤٧١).\n(^٥) سبق تخريجه: ص (٢٩٧).\n(^٦) يُنظر: المغني (١/ ٢٧٣)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٣٧)، فتح الباري، لابن رجب (٤/ ٣٣١).\n(^٧) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ٣٨٠).\n(^٨) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ١٦٦).","vol":"1","page":300},{"text":"أُجيب عنه: بأنه إنما ذَمَّه على مجموع ذلك -أي: التأخير والنَّقْر- ولو لم يكن للتأخير مدخل في استحقاق الذم لما ذَكَره، كمَن نَقَرها في أول الوقت (^١).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: حديث أنس -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن الحديث فيه تصريح بذم تأخير الصلاة إلى اصفرار الشمس، وأنها في حكم صلاة المنافق، وذلك دليل على كراهة تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر (^٣).\nيُمكن أن يُناقش: أن الحكم بأنها صلاة المنافق والتأكيد بالتكرير يقتضي التحريم؛ فالنفاق كله حرام.\nالدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ (^٤) الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ (^٥) فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ» (^٦).\n_________\n(^١) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ١٦٦)، نيل الأوطار (١/ ٣٨٠).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٢٩٧).\n(^٣) يُنظر: المجموع (٣/ ٢٨)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٢٤).\n(^٤) «الإدراك في هذا الحديث إدراك الوقت، لا أن ركعة من الصلاة مَنْ أدركها ذلك الوقت أجزأته عن تمام صلاته، وقد ذكرنا في (التمهيد) مَنْ قال في هذا الحديث: مَنْ أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى تمام صلاته بعد غروبها فقد أدرك، ومَن صلى ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس، وصلى ما بقي بعد طلوعها فقد أدركت أيضًا، وهذا إجماع من المسلمين لا يختلفون أن معنى هذا الحديث ما وصفناه» قاله ابن عبد البر في (الاستذكار) (١/ ٤٠).\n(^٥) في الحديث أن آخر وقت صلاة العصر غروب الشمس، ويسمى عند المالكية والشافعية والحنابلة: آخر وقت الضرورة؛ إذ قسموا وقت العصر إلى تقسيمات عدة، وقسموا آخر وقت العصر إلى: اختيار وضرورة، واختلفوا في حد آخر وقت الاختيار، على قولين: القول الأول: آخر وقت الاختيار هو اصفرار الشمس، وهو المذهب عند المالكية، والرواية الأصح عند الحنابلة. والقول الثاني: آخر وقت الاختيار هو مصير ظل الشيء مثليه، وهو رواية عند المالكية والمذهب عند الشافعية والحنابلة. تُنظر التقسيمات والأدلة والمناقشات في: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٧٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٠٩)، المجموع (٣/ ٢٧)، روضة الطالبين (١/ ١٨٠)، المغني (١/ ٢٧٣)، شرح الزركشي (١/ ٤٦٨).\nوكان حق هذه المسألة أن تُذكر في المتن إن كان لها تعلقٌ بمسألة البحث، لكن الذي ظهر بعد الدراسة أن الخلاف في حكم تأخير العصر إلى اصفرار الشمس لم يُبنَ على اختلافهم في مسألة آخر وقت الاختيار، حيث إننا نجد بعض الحنفية قال بالتحريم في مسألة التأخير إلى الاصفرار، وبعضهم قال بالكراهة، وهم في الأصل –بحسب البحث في كتبهم التي بين يدي- ليست عندهم تقسيمات لوقت العصر، ونجد المالكية اختلفوا في آخر وقت الاختيار على قولين، في حين أن المذهب عندهم في مسألة التأخير إلى الاصفرار التحريم -ستأتي الأقوال وتفصيلاتها بأدلتها في المتن-.\nوالذي يظهر أن اختلافهم في ذلك بسبب ورود النهي الخاص عن التأخير إلى اصفرار الشمس، وإن كانت التقسيمات عند بعضهم مؤثرة، أو يقال أن اختلافهم في تقسيم وقت العصر بُني على خلافهم في النهي عن تأخير الصلاة إلى اصفرار الشمس، والله تعالى أعلم.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب مَنْ أدرك من الفجر ركعة (١/ ١٢٠) برقم: (٥٧٩)، ومسلم، كتاب المساجد، باب مَنْ أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة (١/ ٤٢٤) برقم: (٦٠٨).","vol":"1","page":301},{"text":"وجه الاستدلال: أن الحديث نَصَّ على أن مَنْ أدرك ركعة قبل غروب الشمس أدرك العصر فصلاته أداء لا قضاء، فلا يكون عاصيًا (^١).\nنُوقش من وجهين:\nالأول: بأن الحديث يُحمل على أنه وقت لمن له ضرورة: كحائض طهرت، وصبي بلغ، ومجنون أفاق، ونائم استيقظ؛ بدليل تأكيده في النهي عن الصلاة إذا اصفرت الشمس، وجَعْل الصلاة في ذلك الوقت -ممن لا عذر له- صلاة المنافق (^٢)، وبذلك يُجمع بين هذا الحديث وحديث أنس.\nالثاني: أنه قد اتُّفق على أن مَنْ أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس أنه مؤدٍّ لها وليس بقاضٍ، ولكنه عاص؛ لتأخيره مختارًا، مع كونه مؤديًا غير قاض، وإنما جواز التأخير مع الضرورة، أما مَنْ لا ضرورة له فلا يجوز له التأخير وإن أدرك الوقت بركعة (^٣).\nالدليل الثالث: حديث عبد الله بن عمرو -﵁-: «… فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرُ فَإِنَّهُ وَقْتٌ\n_________\n(^١) يُنظر: بحر المذهب، للروياني (١/ ٣٨١)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٠٦).\n(^٢) يُنظر: الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٤١)، شرح الزركشي (١/ ٤٧١)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٧٣).\n(^٣) يُنظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٧٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٠٩).","vol":"1","page":302},{"text":"إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن قوله: (فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس) معناه: فإنه وقت لأداء الصلاة بلا كراهة، فإذا اصفرت صار وقت كراهة، وتكون أيضًا أداءً حتى تغرب الشمس (^٢).\nنُوقش: بأنه بيان لحَدٍّ آخر وقت الاختيار، وما بعده إلى غروب الشمس يسمى وقت إدراك ووقت ضرورة، ولا يفترق المعذور وغيره إلا في الإثم وعدمه: فالمعذور له التأخير، وغيره ليس له ذلك، ويأثم إذا أخَّر (^٣).\nالدليل الرابع: عن أبي قتادة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِيَّ النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر الحديث يقتضي امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الأخرى: فآخِرُ وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس وهو وقت أداء، فمَن لم يصلِّ حتى غربت الشمس فرَّط وأثِم، أما التأخير إلى اصفرار الشمس: فليس بتفريط، ولكن يُكره للنهي عنه (^٥).\nنُوقش: بأن الحديث محمول على وقت الإدراك والضرورة، فلا يجوز لمَن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقت الجواز -أي: وقت الصلاة إن كان لها وقت واحد، ووقت الاختيار إن كان لها وقتان- إن كان ذاكرًا لها قادرًا على فِعلها (^٦)، وبذلك يُجمع بين الأحاديث؛ لأنه -ﷺ- وقَّت للعصر ما لم تصفرَّ الشمس، وذَمَّ مَنْ أخَّره عن ذلك.\nسبب الخلاف:\nاختلافهم في الجمع بين الأحاديث المتعارضة في الظاهر، وهي:\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٢٩٩).\n(^٢) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١١٠).\n(^٣) يُنظر: شرح الزركشي (١/ ٤٧٢).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها (١/ ٤٧٣) برقم: (٦٨١) في حديث طويل.\n(^٥) يُنظر: المجموع (٣/ ٢٦)، نهاية المحتاج (١/ ٣٧٠).\n(^٦) يُنظر: المبدع (١/ ٣٠٥)، كشاف القناع (١/ ٢٢٦).","vol":"1","page":303},{"text":"حديث عبد الله بن عمرو -﵁-، وفيه: (فإنه وقتٌ إلى أن تصفر الشمس)، ومعه حديث أنس -﵁- في ذمِّ التأخير إلى الاصفرار؛ فهما يعارضان ظاهر حديث أبي هريرة -﵁-، وفيه: (مَنْ أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، واختلافهم في المقصود من الذم في حديث أنس -﵁-.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر.\nأسباب الترجيح:\n١ - أن مَنْ يخالف النهي ويؤخر الصلاة إلى اصفرار الشمس بلا عذر، يكون عاصيًا وإن كان مؤديًا.\n٢ - أن الحكم بصلاة المنافق لمَن أخَّر إلى الاصفرار يقتضي القول بالتحريم؛ لأن النفاق كله حرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب أصحاب القول الثاني إلى أن النهي يُحمل على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له: المقصد من النهي.\nوذلك أن المقصود في حديث أنس -﵁- من النهي وذم تأخير الصلاة والتشبيه بصلاة المنافق: التحذير من مشابهة المنافقين في تأخير الصلاة والتهاون فيها.\nقال النووي -﵀-: «قوله -ﷺ-: (تلك صلاة المنافق) فيه تصريح بذم تأخير صلاة العصر بلا عذر» (^١).\nوقال الشوكاني -﵀- (^٢): «في الحديث دليل على كراهة تأخير الصلاة إلى وقت\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٢٤).\n(^٢) هو: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن، وُلد ببلدة شوكان باليمن سنة ١١٧٣ هـ، ونشأ في صنعاء، وتلقى العلم على شيوخها، وجدَّ في طلبه، فأكثر من المطالعة والحفظ والسماع، فكان مشتغلًا في جميع أوقاته بالعلم درسًا وتدريسًا وإفتاءً، وكان داعية إلى الإصلاح والتجديد، ترك التقليد، وسلك طريق الاجتهاد، له مؤلفات كثيرة تدل على سعة علمه وسلامة منهجه، منها: «نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار»، «إرشاد الفحول»، «السيل الجرار»، «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع» وغيرها الكثير، تُوفي بصنعاء سنة ١٢٥٠ هـ. يُنظر: البدر الطالع (٢/ ٢٢٤) لصاحب الترجمة، الأعلام، للزركلي (٦/ ٢٩٨).","vol":"1","page":304},{"text":"الاصفرار، والتصريح بذم مَنْ أخَّر صلاة العصر بلا عذر، والحكم على صلاته بأنها صلاة المنافق، ولا أردع لذوي الإيمان وأفزع لقلوب أهل العرفان من هذا» (^١).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن هذه القرينة ضعيفة؛ لقوة النهي وتأكيده بتكرير الحكم بأنها صلاة المنافق، وذلك لتأكيد الزجر والمنع من هذه الفِعلة، ولأن التشبيه بفعل المنافقين يقتضي التحريم؛ لوجوب اجتناب النفاق وعلاماته، وعليه: فيترجح القول بتحريم تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ٣٨٠).","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>الفصل الرابع\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب ستر العورة</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء.\nالمبحث الثاني: النهي عن لبس المُزَعْفَر والمُعَصْفَر.\nالمبحث الثالث: النهي عن السَّدْل في الصلاة.\nالمبحث الرابع: النهي عن اشتمال الصَّمَّاء.\nالمبحث الخامس: النهي عن تغطية الوجه أو التلثُّم.\nالمبحث السادس: النهي عن صلاة الرجل في سراويل وليس عليه رداء.\nالمبحث السابع: النهي عن شد الوسط بما يشبه شد الزُّنَّار.\nالمبحث الثامن: النهي عن إسبال الرجل شيئًا من ثيابه.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-183>المبحث الأول:\nالنهي عن صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء</span>\n<span data-type='title' id=toc-184>المطلب الأول: حكم صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه (^١) منه شيء:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ» (^٢)، وفي رواية: «… لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ» (^٣)، وفي رواية: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ في الثوب …» (^٤).\nصورة المسألة:\nأن يصلي الرجل في الثوب الواحد: كأن يكون لابسًا إزارًا (^٥) فقط، أو ما يستر به العورة ويكون أعالي البدن مكشوفًا.\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: اتفق الفقهاء (^٦) على أن عورة الرجل ما بين السُّرَّة والركبة؛ لقوله -ﷺ-: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ؟!» (^٧).\n_________\n(^١) العَاتِق: موضع الرداء من المنكب، يُذكر ويُؤنث. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٥٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه (١/ ٨١) برقم: (٣٥٩)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة فِي ثوب واحد وصفة لبسه (١/ ٣٦٨) برقم: (٥١٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٢/ ٢٥٧) برقم: (٧٣٠٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، جماع أبواب ما يصلي فيه (١/ ٤٦٧) برقم: (٦٢٦).\n(^٥) الإِزَار -بالكسر-: معروف، وهو الملحفة، وفُسر بما يستر أسفل البدن، والرِّدَاء: ما يُستر به أعلاه، وكلاهما غير مخيط. يُنظر: تاج العروس (١٠/ ٤٣).\n(^٦) يُنظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٨)، فتح القدير، للكمال بن الهمام (١٠/ ٢٧)، بداية المجتهد (١/ ١٢٢)، التاج والإكليل (٢/ ١٨٠)، المجموع (٣/ ١٦٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٧)، المغني (١/ ٤١٣)، كشاف القناع (١/ ٢٦٦).\n(^٧) أخرجه أبو داود، كتاب الحمّام، باب النهي عن التَّعرِّي (٦/ ١٣١) برقم: (٤٠١٤)، والترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء أن الفخذ عورة (٥/ ١١٠) برقم: (٢٧٩٥) وحسنه، وأحمد (٢٥/ ٢٧٤) برقم: (١٥٩٢٦)، وأخرجه البخاري معلقًا، باب ما يُذكر في الفخذ (١/ ٨٣). صححه ابن حبان (٤/ ٦٠٩) برقم: (١٧١٠)، والألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ٧٨٨).","vol":"1","page":307},{"text":"قال ابن تيمية -﵀-: «ولأن ما حول السوءتين من حريمهما وستره تمام سترهما والمجاورة لها تأثير في مثل ذلك، فوجب أن يُعطى حكمهما» (^١).\nثانيًا: اختلف الفقهاء في النهي عن الصلاة في ثوب واحد وليس على عاتقه شيء، على قولين:\nالقول الأول: أن النهي للكراهة، ويُستحب أن يجعل على عاتقه شيئًا.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٥).\nالقول الثاني: أن النهي للتحريم، فيجب على المصلي أن يجعل على عاتقيه أو أحدهما شيئًا إن قدر عليه.\nوهو المذهب عند الحنابلة (^٦).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى الرجل عن الصلاة في الثوب الواحد وعاتقه مكشوف، والنهي للكراهة والتنزيه: فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا.\nوعلة الكراهة خشية أن يسقط فتنكشف عورته إذا لم يتوشَّح به، وإن تكلَّف ضبْطه بيديه شغلهما عن سنتهما، واشتغل به عن صلاته (^٨).\n_________\n(^١) شرح العمدة - كتاب الصلاة (ص: ٢٦٢).\n(^٢) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٤)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٩).\n(^٣) يُنظر: الذخيرة (٢/ ١١١)، الفواكه الدواني (١/ ١٢٩).\n(^٤) يُنظر: البيان (٢/ ١٢٤)، المجموع (٣/ ١٧٥).\n(^٥) يُنظر: المبدع (١/ ٣٢٢).\n(^٦) يُنظر: المغني (١/ ٤١٥)، الشرح الكبير (٣/ ٢١٧)، شرح الزركشي (١/ ٦١٣).\n(^٧) سبق تخريجه ص: (٣٠٦).\n(^٨) يُنظر: المفهم (٢/ ١١٢)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٣١).","vol":"1","page":308},{"text":"الدليل الثاني: عن جابر -﵁- قال: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ (^١) بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَا السُّرَى (^٢) يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ، قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ - يَعْنِي ضَاقَ - قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ (^٣)، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أمر جابرًا أن يتزر به إن كان ضيقًا؛ لأن ستر العورة آكد، ولم يأمره بوضع شيء على عاتقه، فدل على عدم وجوبه، والإثم بتركه، وفي ذلك دليل على أن نهيه أن يصلى في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختيارًا (^٥).\nنُوقش: بأن الحديث محمول على حال العجز عن ستر المنكبين، والنهي عن إعرائهما إنما يكون للقادر على سترهما (^٦)، والعاجز معذور في ذلك بخلاف القادر (^٧).\nأُجيب عنه: أنه لو كان كشف العاتق حرامًا لما رخَّص فيه في حال ضيق الثوب؛ فإنه -ﷺ- أعلم جابرًا بأن محل ذلك ما إذا كان الثوب واسعًا، فأما إذا كان ضيقًا: فإنه يجزئه أن يتزر به؛ لأن القصد الأصلي ستر العورة، وهو يحصل بالائتزار (^٨).\nالدليل الثالث: عن ميمونة -﵂- زوج النبي -ﷺ- قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُصَلِّي وَأَنَا\n_________\n(^١) اشتملت به: اشْتَمَلَ بثوبه: أي تلفَّف به. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٧٤١)، مختار الصحاح (ص: ١٦٩).\n(^٢) ما السُّرَى: السرى: السير بالليل، أراد ما أوجب مجيئك في هذا الوقت. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٣٧٦)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٦٤).\n(^٣) التحف: التحفتُ بالثوب: تغطيت به، وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به، ولحفت الرجل ألحفه لحفًا: طرحت عليه اللحاف، أو غطيته بثوب. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٤٢٦)، مختار الصحاح (ص: ٢٨٠).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا كان الثوب ضيقًا (١/ ٨١) برقم: (٣٦١).\n(^٥) يُنظر: الأم (١/ ١٠٩)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٤٠١).\n(^٦) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٢/ ٣٦٧).\n(^٧) يُنظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٤٠٢).\n(^٨) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٤٧٢).","vol":"1","page":309},{"text":"إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ (^١) لِي، وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن الحديث يدل على أنه -ﷺ- صلَّى -فيما صلَّى فيه- مُؤتزرًا به لا يستره أبدًا، ولا يفضل منه ما يكون لعاتقه؛ إذ كان لا بد أن يبقى من الطرف الآخر منه القدر الذي يسترها، وذلك دليل على أن نهيه أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختيارًا (^٣).\nالدليل الرابع: أن كراهة الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء؛ لأن ستر العورة إن حصل ولم يجعل على عاتقه شيئًا، تعرى أعلى البدن، فلم تحصل الزينة المستحبة (^٤)، وقد قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٥)، والمراد بالزينة: اللباس، وهو ما يواري السوءة، وما سوى ذلك (^٦)؛ فستر العاتقين من الزينة، فيكون مستحبًا.\nالدليل الخامس: أن العاتقين ليسا بعورة في الصلاة، فأشبها بقية البدن، فلا يجب سترهما، وإنما يُستحب (^٧).\nنُوقش: بأن النهي في حديث أبي هريرة -﵁- يقتضي التحريم، ويُقدم على القياس (^٨).\nأدلة القول الثاني: …\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ\n_________\n(^١) المِرْط -بالكسر-: واحد المروط، وهي أكسية من صوف أو خز أو غيره كان يُؤتزر بها، يُصَلِّي فِي مِرْطٍ يعني: بعض المرط ألقاه رسول الله -ﷺ- على كتفه يصلي، وبعضه أنا ملتفة به. يُنظر: الصحاح (٣/ ١١٥٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣١٩)، المفاتيح في شرح المصابيح (١/ ٤٦٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك (١/ ٢٧٤) برقم: (٣٦٩)، وابن ماجه، أبواب التيمم، باب الصلاة في ثوب الحائض (١/ ٤١٦) برقم: (٦٥٣) واللفظ له، وأحمد (٤٤/ ٣٨٧) برقم: (٢٦٨٠٤)، وصححه ابن خزيمة (١/ ٣٩٨) برقم: (٧٦٨)، وابن حبان (٦/ ٩٩) برقم: (٢٣٢٩) ورُوي نحوه عن عائشة -﵂-، أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي (١/ ٣٦٧) برقم: (٥١٤).\n(^٣) يُنظر: الأم (١/ ١٠٩)، أعلام الحديث (١/ ٣٥٠).\n(^٤) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٣١)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٩)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٣٢).\n(^٥) سورة الأعراف: جزء من الآية (٣١).\n(^٦) يُنظر: تفسير الطبري (١٢/ ٣٩١).\n(^٧) يُنظر: المبدع (١/ ٣٢٢).\n(^٨) يُنظر: المغني (١/ ٤١٥).","vol":"1","page":310},{"text":"الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر النهي عن الصلاة مع كشف العاتقين، يقتضي التحريم وفساد المنهي عنه، وقوله: (ليس على عاتقه شيء) يقع على ما يعم المنكبين وما لا يعم، وهذا دليل على أنه لا يقتضي سترهما؛ فلا يجب سترهما جميعًا، بل يجزئه وَضْع ثوب على أحد عاتقيه (^٢).\nنُوقش: بأن ظاهر النهي يقتضي التحريم، لكن الإجماع على جواز تركه؛ إذ المقصود ستر العورة، فبأي وجه حصل جاز (^٣).\nأُجيب عنه: بأن دعوى الإجماع فيها نظر؛ لثبوت الخلاف عن الإمام أحمد -﵀- (^٤).\nالدليل الثاني: عن بريدة -﵁- (^٥) قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يُصَلِّيَ فِي لِحَافٍ (^٦) لَا يَتَوَشَّحُ (^٧) بِهِ، وَالْآخَرُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي سَرَاوِيلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ» (^٨).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: (٣٠٦).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ٤١٥)، الشرح الكبير (٣/ ٢١٧).\n(^٣) يُنظر: الكواكب الدراري (٤/ ١٨).\n(^٤) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٤٧٢).\n(^٥) هو: بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، يكنى أبا عَبْد الله، أسلم حين مر به النبي -ﷺ- مهاجرا بالغميم، وأقام في موضعه حتى مضت بدر وأحد، ثم قدم على رسول الله -ﷺ- بعد أحد، فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية، وسكن البصرة، توفي سنة ٦٣ هـ. يُنظر: الاستيعاب (١/ ١٨٥)، الإصابة (١/ ٤١٨).\n(^٦) اللِّحَاف: اللباس الذي فوق سائر اللباس من دِثار البرد ونحوه، وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به، واللحاف: اسم ما يُلتحف به. يُنظر: غريب الحديث، للقاسم بن سلام (١/ ٣١١)، الصحاح (٤/ ١٤٢٦)، لسان العرب (٩/ ٣١٤).\n(^٧) يتوشح به: أي: يتغشى به، والأصل فيه: من الوشاح، وهو شيء ينسج عريضًا من أديم، والتوشيح أن يأخذ الطرف الأيسر من تحت يده اليسرى، فيلقيه على منكبه الأيمن، ويلقي الطرف الأيمن من تحت اليمنى على منكبه الأيسر. يُنظر: الصحاح (١/ ٤١٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٨٧)، البحر الرائق (٢/ ٢٧)، فيض القدير (٦/ ٣٤٢).\n(^٨) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا كان الثوب ضيقًا يتزر به (١/ ٤٧٤) برقم: (٦٣٦)، والحاكم (١/ ٣٧٩) برقم: (٩١٤) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، واحتجا بأبي تميلة، وأما أبو المنيب المروزي: فإنه عبيد الله بن عبد الله العتكي من ثقات المراوِزَة، وممن يُجمع حديثه في الخراسانيين»، ونقل الحافظ ابن حجر في (إتحاف المهرة) (٢/ ٥٦٥) كلام الحاكم، ثم ذكر أن الحديث ورد بأتم منه في الأدب: من طريق القاسم بن القاسم السياري.","vol":"1","page":311},{"text":"وجه الاستدلال: أن نهي النبي -ﷺ- عن الصلاة في اللحاف دون توشُّح وفي السراويل دون الارتداء، دليلٌ على تحريم تجريد المنكبين في الصلاة وفساد الصلاة معه؛ فالنهي المطلق يفيد التحريم (^١).\nيُمكن أن يُناقش: بأنه يُحمل على الكراهة؛ لحديث جابر في بيان الرخصة.\nالدليل الثالث: أنها سترة واجبة في الصلاة، والإخلال بها يفسدها: كستر العورة (^٢).\nسبب الخلاف:\nالسبب في اختلافهم: تعارُض ظاهر حديث أبي هريرة -﵁- في النهي، وحديث جابر -﵁- في الثوب (^٣)، فمَن أخذ بظاهر النهي ذهب إلى أن النهي للتحريم، وحمل حديث جابر على عدم القدرة، ومَن قال أن حديث جابر يفيد الرخصة والجواز ذهب إلى أن النهي للكراهة.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة كشف العاتق في الصلاة.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة الأدلة، وأن فيه الجمع بين الأدلة.\n٢ - وجود الصارف للنهي عن التحريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين فيما سبق أن الجمهور حملوا النهي على الكراهة لا التحريم؛ بدليل القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص عن النبي -ﷺ- في بيان الرخصة.\nوذلك في حديث جابر -﵁-؛ فالنبي -ﷺ- رخص في الصلاة متزرًا، ولم يأمر بستر\n_________\n(^١) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الصلاة (ص: ٣١٨).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ٤١٥).\n(^٣) يُنظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":312},{"text":"العاتق.\nالقرينة الثانية: ورود النص وفيه فِعله -ﷺ-.\nوذلك في حديث ميمونة -﵂-: أن النبي -ﷺ- صلَّى في ثوب واحد: بعضه عليه، وبعضه عليها، فدل أنه كان متزرًا به.\nقال الإمام الشافعي -﵀-: «احتمل قول رسول الله -ﷺ- …، أن يكون اختيارًا، واحتمل أن يكون لا يجزيه غيره، فلما حكى جابر ما وصفت، وحكت ميمونة عن النبي -ﷺ- أنه كان يصلي في ثوب واحد: بعضه عليه، وبعضه عليها.\nدل ذلك على أنه صلَّى -فيما صلى فيه من ثوبها- مُؤتزرًا به؛ لأنه لا يستره أبدًا إلا مُؤتزرًا به إذا كان بعضه على غيره، فعلمنا أن نهيه أن يصلى في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختيارا، وأنه يجزي الرجلَ والمرأةَ كلَّ واحد أن يصلي متواريي العورة» (^١).\nالقرينة الثالثة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nقال النووي -﵀-: «النهي في الحديث نهي كراهة تنزيه لا تحريم، فلو صلى مكشوف العاتقين صحت صلاته مع الكراهة» (^٢).\nوجاء في (الفواكه الدواني): «… لأن النهي للتنزيه» (^٣).\nقال ابن دقيق العيد -﵀-: «هذا النهي مُعلَّل بأمرين:\nأحدهما: أن في ذلك تعري أعالي البدن، ومخالفة الزينة المسنونة في الصلاة.\nوالثاني: أن الذي يفعل ذلك: إما أن يشغل يده بإمساك الثوب أو لا، فإن لم يشغل خِيف سقوط الثوب وانكشاف العورة، وإن شغل كان فيه مفسدتان: إحداهما: أنه يمنعه من الإقبال على صلاته والاشتغال بها. الثانية: أنه إذا شغل يده في الركوع والسجود لا يُؤمن من سقوط الثوب وانكشاف العورة» (^٤).\nالحكم على القرينة:\nالأصل أن القرائن النصية من أقوى القرائن الصارفة: فالقرينة الأولى قوية ومعتبرة؛ لثبوتها وصحتها، ولكونها جاءت في بيان الرخصة، أما القرينة الثانية: فهي قوية\n_________\n(^١) الأم (١/ ١٠٩).\n(^٢) المجموع (٣/ ١٧٥).\n(^٣) (١/ ١٢٩).\n(^٤) إحكام الأحكام (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":313},{"text":"في أصلها، ضعيفة في دلالتها؛ إذ أنها ليست صريحة في أن النبي -ﷺ- صلى متزرًا فقط ولم يجعل شيئًا على عاتقه، والقرينة الثالثة معتبرة؛ لمناسبة ما عُلل به لمعنى الأدب والتنزيه، والله أعلم.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-186>المبحث الثاني:\nالنهي عن لبس المُزَعْفَر والمُعَصْفَر</span>\n<span data-type='title' id=toc-187>المطلب الأول: حكم لبس المُزَعْفَر والمُعَصْفَر.</span>\nالمسألة الأولى: لبس المُزَعْفَر (^١):\nدليل النهي:\nعن أنس بن مالك -﵁-، قال: «نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» (^٢)، وفي رواية: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الرِّجَالَ عَنِ المُزَعْفَر» (^٣).\nتحرير محل النزاع:\nأجمع العلماء (^٤) على أن المُحْرِم لا يلبس الثوب المصبوغ بالزعفران، واختلفوا في حكم لبس الرجل للمزعفر في غير حال الإحرام، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: الكراهة.\nوهو مذهب الحنفية (^٥)، والمذهب عند الحنابلة (^٦).\nالقول الثاني: التحريم.\nوهو مذهب الشافعية (^٧)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٨).\nالقول الثالث: الإباحة.\n_________\n(^١) المُزَعْفَر: الزعفران: صبغ معروف، وهو من الطيب، وزعفر الثوب: أي: صبغه به، المزعفر: المصبوغ بالزعفران. يُنظر: الصحاح (٢/ ٦٧٠)، القاموس المحيط (ص: ٤٠٠)، عمدة القاري (٢٢/ ٢٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب النهي عن التزعفر للرجال (٧/ ١٥٣) برقم: (٥٨٤٦)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب نهي الرجل عن التزعفر (٣/ ١٦٦٣) برقم: (٢١٠١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٠/ ٢٧٢) برقم: (١٢٩٤٢).\n(^٤) نقل الإجماع: ابن المنذر في (الإجماع) (ص: ٦٣)، وابن عبد البر في (التمهيد) (١٠/ ١٧)، وابن رشد في (بداية المجتهد) (٢/ ٩٢).\n(^٥) يُنظر: البناية (١٢/ ١٠٨)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٥٨).\n(^٦) يُنظر: المغني (١/ ٤١٩)، الإنصاف (٣/ ٢٧١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٥٧).\n(^٧) يُنظر: البيان (٢/ ٥٣٥)، المجموع (٤/ ٤٤٩)، أسنى المطالب (١/ ٢٧٦).\n(^٨) يُنظر: الفروع (٢/ ٧٧)، الإنصاف (٣/ ٢٧١).","vol":"1","page":315},{"text":"وهو مذهب المالكية (^١)، وقول عند الحنابلة (^٢).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أنس بن مالك -﵁-، قال: «نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ».\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى الرجل عن لبس المُزَعْفَر، ويُحمل على الكراهة للقرينة الصارفة، وهي:\nالدليل الثاني: ما جاء عن عبد الله بن عمر -﵄- أنه قيل له: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا، … وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، … فقال: … وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا» (^٣).\nوالمراد بالصبغ بالصفرة هنا: صبغ الثياب، وقد جاء مبينًا في حديث زيد بن أسلم -﵁-: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَصْبُغُ» (^٤)، وفي رواية: «لِأَنِّي رَأَيْتُهُ أَحَبَّ الْأَصْبَاغِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: يَدَّهِنُ، وَيَصْبُغُ بِهِ ثِيَابَهُ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن حديث ابن عمر -﵄- فيه ثبوت صبغه -ﷺ- ثيابه بالزعفران، وذلك إعلام منه أن نهيه عن ذلك على وجه الكراهية لا على وجه التحريم؛ لأنه لو كان على وجه التحريم كان أبعدهم من فِعله؛ لأنه أتقاهم لله، وأشدهم له خشية (^٦).\nدليل القول الثاني: استدلوا كذلك بحديث أنس -﵁-، بلفظ الرواية الأخرى: (… أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى الرجل عن التزعفر، والنهي يقتضي التحريم (^٧)؛\n_________\n(^١) يُنظر: الاستذكار (١/ ٤٣٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٦)، شرح مختصر خليل (١/ ٢٥٣).\n(^٢) يُنظر: الفروع (٢/ ٧٧)، الإنصاف (٣/ ٢٧١).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين (١/ ٤٤) برقم: (١٦٦)، ومسلم، كتاب الحج، باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة (٢/ ٨٤٤) برقم: (١١٨٧).\n(^٤) أخرجه النسائي، كتاب الزينة، باب الزعفران (٨/ ١٥٠) برقم: (٥١١٥).\n(^٥) أخرجه أحمد (١٠/ ١٠) برقم: (٥٧١٧).\n(^٦) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٢/ ٢١٢).\n(^٧) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٥٤).","vol":"1","page":316},{"text":"لأن الأصل في النهي المجرد عن القرينة التحريم.\nنُوقش من وجهين: الأول: أن النهي محمول على الكراهة للقرينة الصارفة.\nالثاني: بأن النهي عن التزعفر محمول على الجسد، أي أنه غيّر بدنه بالزعفران تشبهًا بالنسوان، وهو الأظهر من مثل هذا اللفظ (^١).\nيمكن أن يُجاب عنه: بأن معنى التزعفر: أن يستعمل الرجل الزعفران في ثوبه وبدنه (^٢)، والرواية الأخرى التي وردت بالنص على المُزَعْفَر تؤيد عمومه في البدن والثوب.\nأدلة القول الثالث:\nالدليل الأول: حديث ابن عمر -﵄- المتقدم ذكره في الدليل الثاني لأصحاب القول الأول.\nوجه الاستدلال: أن الصحابي صبغ بالزعفران اقتداءً بالنبي -ﷺ-؛ فإنه كان يدهن ويصبغ ثيابه بالزعفران، فدل ذلك على جواز صبغ الثياب بالزعفران واستعماله (^٣).\nالدليل الثاني: عن ابن عمر -﵄- قال: «نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ (^٤) أَوْ بِزَعْفَرَانٍ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن الحديث يدل على تقييد النهي عن لبس المُزَعْفَر للمُحرِم، فيُحمل عليه حديث النهي عن التزعفر، وعليه: فالحكم لغير المُحرِم الجواز (^٦).\nنُوقش: بأن هذا فيه بُعدٌ؛ لأن النساء والرجال ممنوعون من التطيب في الإحرام، فلا معنى لتخصيص النهي بالرجال، وإنما علَّة الكراهة في ذلك: أنه صبْغ النساء وطيب النساء (^٧).\n_________\n(^١) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٩/ ١١٨)، المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٣١).\n(^٢) يُنظر: المفاتيح في شرح المصابيح (٥/ ٤٤).\n(^٣) يُنظر: المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٣١).\n(^٤) الوَرْس: نبات أصفر يكون باليمن، صبغه ما بين الصفرة والحمرة، ورائحته طيبة. يُنظر: الصحاح (٣/ ٩٨٨)، الاستذكار (٤/ ١٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٧٣).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الثوب المزعفر (٧/ ١٥٣) برقم: (٥٨٤٧). ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح (٢/ ٨٣٥) برقم: (١١٧٧).\n(^٦) يُنظر: إكمال المعلم (٦/ ٥٩١)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٥٤).\n(^٧) يُنظر: المفهم (٥/ ٤٠٠).","vol":"1","page":317},{"text":"سبب الخلاف:\nالذي يظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف يرجع إلى أمرين: الأول: تعارض ظاهر حديث أنس -﵁- في النهي مع حديث ابن عمر -﵁- الذي فيه أن النبي -ﷺ- كان يصبغ ثيابه بالزعفران. والثاني: الاختلاف في حمل حديث النهي المطلق على المقيد بالمُحرِم.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة لبس الرجل المُزَعْفَر.\nأسباب الترجيح:\n١ - أن هذا القول فيه جمع بين الأدلة، لأن العمل بالدليلين أولى من إهمال أحدهما (^١).\n٢ - قوة الصارف للنهي عن التحريم.\nالمسألة الثانية: لبس المُعَصْفَر (^٢).\nدليل النهي:\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: «رَأَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا» (^٣)، وفي الرواية الأخرى: «… فَقَالَ: أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟ قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: بَلْ أَحْرِقْهُمَا» (^٤).\nتحرير محل النزاع:\n_________\n(^١) موسوعة القواعد الفقهية (١/ ١/ ٢٦٤).\n(^٢) المُعَصْفَرُ: هو المصبوغ بالعصفر، والعُصْفُر: نبت معروف ذو صبغ أحمر، هذا الذي يُصبغ به، منه ريفي، ومنه بري، وكلاهما ينبت بأرض العرب، وقد عصفر ثوبه: صبغه به، فتعصفر. يُنظر: الصحاح (٢/ ٧٥٠)، المصباح المنير (٢/ ٤١٤)، تاج العروس (١٣/ ٧٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر (٣/ ١٦٤٧) برقم: (٢٠٧٧).\n(^٤) المصدر السابق نفسه.","vol":"1","page":318},{"text":"أولًا: لا خلاف بين العلماء في أنه يُباح للمرأة لبس المُعَصْفَر (^١).\nثانيًا: اختلف الفقهاء في حكم لبس المُعَصْفَر للرجال في الصلاة وغيرها، على قولين:\nالقول الأول: كراهة لبس المُعَصْفَر.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nالقول الثاني: جواز لبس المُعَصْفَر.\nوهو قول عند المالكية (^٥)، ومذهب الشافعية (^٦).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: «رَأَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا».\nالدليل الثاني: عن علي -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ (^٧) وَالمُعَصْفَر، وَعَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ» (^٨)، وفي رواية قال: «نَهانِي رسول الله -ﷺ-، ولا أقول:\n_________\n(^١) حكاه ابن عبد البر -﵀- في (التمهيد) (١٦/ ١٢٣).\n(^٢) يُنظر: البناية (١٢/ ١٠٨)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٥٨).\n(^٣) يُنظر: الجامع لمسائل المدونة (٤/ ٤١٣)، مواهب الجليل (٣/ ١٥٤). وخصه بعض المالكية بالْمُفْدَم. والْمُفْدَمُ: هو الثوب المشبع حمرة: كأنه الذي لا يقدر على الزيادة عليه؛ لتناهي حمرته. يُنظر: الصحاح (٥/ ٢٠٠١)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٢١). وردّ ابن عبد البر تخصيصه بالمفدم، فقال: «لم يذكر المفدم غير الضحاك بن عثمان، وليس بحجة، والذي يقتضيه حديث علي وعبد الله بن عمرو: النهي عن لباس كل ثوب معصفر للرجال؛ لأنه لم يخص فيه نوع من صباغ المعصفر من نوع والنبي -﵇- إنما بعث مبينا معلما، فلو كان منه نوع تقتضيه الإباحة لبينه ولم يشمله ويُشكل به؛ لأنه كان قد أوتي جوامع الكلام». التمهيد (١٦/ ١٢٤).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ٤١٩)، الإنصاف (٣/ ٢٧١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٥٧).\n(^٥) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٥٠٦)، شرح مختصر خليل (١/ ٢٥٣).\n(^٦) يُنظر: المجموع (٤/ ٤٤٩)، مغني المحتاج (١/ ٥٨٥).\n(^٧) القَسِّي: هي ثياب من كتان مخلوط بحرير يُؤتى بها من مصر، نُسبت إلى قرية على شاطئ البحر قريبًا من تنيس، يُقال لها: القس -بفتح القاف- وبعض أهل الحديث يكسرها. يُنظر: معالم السنن (٤/ ١٩٠)، الصحاح (٣/ ٩٦٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٥٩).\n(^٨) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عَنْ لبس الرجل الثوب المعصفر (٣/ ١٦٤٨) برقم: (٢٠٧٨).","vol":"1","page":319},{"text":"نهاكم …» (^١).\nوجه الاستدلال من الأحاديث: أن النهي في الأحاديث عن لبس المُعَصْفَر محمول على الكراهة؛ لقرينة بيان الجواز في الدليل الآتي (^٢).\nالدليل الثالث: عن البراء -﵁- قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَرْبُوعًا (^٣)، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ (^٤) حَمْرَاءَ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- لبس حلة حمراء، والمُعَصْفَر هو المصبوغ بالعصفر وهو صبغ أحمر، فدل فِعله -ﷺ- أنه أراد أن يعلم أمته أن النهى عن المُعَصْفَر لم يكن على وجه التحريم للبسه، ولكن على وجه الكراهية، ولَبسه بيانًا للجواز (^٦).\nنُوقش: بأن النهي عما صُبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صُبغ غزله ثم نُسج: فغير داخل في النهي، والحُلل إنما هي برود اليمن: حمر وصفر وخضر وما بين ذلك من الألوان، وهي لا تُصبغ بعد النسج، ولكن يُصبغ الغزل، ثم يُتخذ منه الحلل (^٧).\nأُجيب عنه: بأن هذا التفريق يحتاج إلى دليل خارجي (^٨).\nالدليل الرابع: عن عمران بن حصين -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال: «لا أرْكَبُ\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب السهو، ذكر ما ينقض الصلاة، وما لا ينقضها، النهي عن القراءة في الركوع (١/ ٣٢٥) برقم: (٦٣٤).\n(^٢) يُنظر: إكمال المعلم (٦/ ٥٩٠)، فتح الباري، لابن رجب (٢/ ٤٤٠).\n(^٣) مَرْبُوعًا: رجل ربعة: أي مربوع الخلق: لا طويل ولا قصير. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢١٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٩٠)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٨/ ٢٨).\n(^٤) الحُلَّة: واحدة الحلل، وهي برود اليمن، ولا تُسمى حُلَّة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد، وهي إزار ورداء. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٦٧٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٣٢).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الثوب الأحمر (٧/ ١٥٣) برقم: (٥٨٤٨)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في صفة النبي -ﷺ- (٤/ ١٨١٨) برقم: (٢٣٣٧).\n(^٦) يُنظر: إكمال المعلم (٦/ ٥٩٠)، شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٩/ ١٢٣).\n(^٧) يُنظر: معالم السنن (٤/ ١٩٣).\n(^٨) يُنظر: مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٧٧١).","vol":"1","page":320},{"text":"الأُرْجُوانَ (^١)، ولا ألبَسُ المُعصفَرَ، …» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن في إخباره -ﷺ- بأنه لا يلبس المُعَصْفَر دليلًا على كراهته له، وهو بإطلاقه يشمل ما صُبغ بعد النسج وقبله (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: استدلوا بحديث البراء -﵁- المتقدم ذكره في الدليل الثالث لأصحاب القول الأول.\nوجه الاستدلال: أنه لما صح عن النبي -ﷺ- أنه لبس حلة حمراء، دل على جواز لبس المُعَصْفَر (^٤)؛ إذ المُعَصْفَر أحمر.\nنُوقش: أن فعله -ﷺ- يُحمل على بيان أن النهي عن المعصفر ليس للتحريم (^٥).\nالدليل الثاني: حديث علي -﵁-، وقد أورده مسلم في رواية أخرى بلفظ: «نَهانِي رسول الله -ﷺ- …» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن قوله: (نهاني) يدل على أن النهي خاص بعلي -﵁-، وعليه يُرخص فيه لسائر الأمة.\nقال الإمام الشافعي -﵀-: «وإنما رخصتُ في المُعَصْفَر؛ لأني لم أجد أحدًا يحكي عن النبي -ﷺ- النهي عنه إلا ما قال علي -﵁-: نهاني، ولا أقول: نهاكم» (^٧).\n_________\n(^١) الأرجوان: صبغ أحمر شديد الحمرة، وهو معرب من أرغوان، وهو شجر له نور أحمر، وكل لون يشبهه فهو أرجوان .. يقال ثوب أرجوان، وقطيفة أرجوان. والأكثر في كلامهم إضافة الثوب أو القطيفة إلى الأرجوان. والمراد: المياثر الحمر، وهي ما يتخذ كالفراش الصغير ويحشى بقطن أو صوف، يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال. يُنظر: معالم السنن (٤/ ١٩١)، الصحاح (٦/ ٢٣٥٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٥١).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب من كرهه (٦/ ١٥٧) برقم: (٤٠٤٨)، وأحمد (٣٣/ ١٨٥) برقم: (١٩٩٧٥)، قال الحاكم في (المستدرك) (٤/ ٢١١): «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ١٢٠٣).\n(^٣) يُنظر: مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٧٨٥).\n(^٤) يُنظر: المفهم (٥/ ٤٠٠)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٥٤).\n(^٥) يُنظر: إكمال المعلم (٦/ ٥٩٠)، شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٩/ ١٢٣).\n(^٦) سبق تخريجه: ص (٣١٨).\n(^٧) نقله النووي عن الإمام الشافعي في (المنهاج) (١٤/ ٥٤).","vol":"1","page":321},{"text":"نُوقش: بأن قوله: (ولا أقول: نهاكم) يريد أن اللفظ في الحديث كان مخصوصًا لا عامًا، ولم يرد خصوص الحكم، فدعوى الخصوص فيه ليس بشيء، لأنه قد وردت أحاديث صحيحة تدل على النهي على العموم من حديث علي وغيره والحجة في سنة رسول الله -ﷺ- لا فيما خالفها (^١).\nيُمكن أن يُناقش: بأن القاعدة: أن خطابه للواحد خطاب لجميع الأمة (^٢).\nسبب الخلاف:\nالذي يظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف يرجع إلى تعارض ظاهر حديث النهي مع حديث البراء -﵁- بأنه -ﷺ- لبس حلة حمراء. وهو من باب تعارض القول والفعل.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة لبس الرجل الثوب المُعَصْفَر.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة الأدلة، ولأن فيه الجمع بين الأدلة.\n٢ - أن القول بالإباحة مطلقًا يُشكل مع ورود النهي، والقول بخصوص النهي بعلي -﵁-: فيه بُعد؛ إذ خطابه للواحد خطاب للأمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-188>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nأولًا: القرينة الصارفة في مسألة: لبس المُزَعْفَر.\nتبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي عن لبس المُزَعْفَر على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وفيه فِعل النبي -ﷺ- للمنهي عنه.\nالقرينة الثانية: فِعل الصحابة -﵃- للمنهي عنه.\nوذلك ما ورد في أدلة الجواز التي نصت على أنه -ﷺ- كان يصبغ ثيابه بالزَّعْفَران، وأن ابن عمر كان يفعله متابعةً لسنة المصطفى -ﷺ-.\n_________\n(^١) يُنظر: التمهيد (١٦/ ١٢١)، حاشية السندي على سنن ابن ماجه (٢/ ٣٧٧).\n(^٢) يُنظر: البحر المحيط (٤/ ٢٣٤)، من أصول الفقه على منهج أهل الحديث (ص: ١٤٠).","vol":"1","page":322},{"text":"ومنه حديث: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَصْبُغُ» (^١).\nالحكم على القرينة:\nالقرينة النصية من أقوى القرائن المعتبرة التي تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، وهي هنا قرينة قوية؛ لقوتها في أصلها وثبوتها وصحتها، ولقوة دلالتها على بيان الجواز في موضوع النهي؛ لإثباتها فِعل النبي -ﷺ-، أما قرينة فعل الصحابي: فقد أخذت قوتها من كونها متابعة للنبي -ﷺ- واستنانًا بسنته، والله أعلم.\nثانيًا: القرينة الصارفة في مسألة: لبس المُعَصْفَر.\nتبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي عن لبس المُعَصْفَر على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعل النبي -ﷺ- للمنهي عنه.\nوهو ما جاء في حديث البراء -﵁- قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَرْبُوعًا، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ» (^٢).\nقال ابن بطال -﵀-: «ويكون الجمع بين الحديثين أن لبسه -﵇- للحمرة؛ ليعلم أمته أن النهى عنه لم يكن على وجه التحريم للبسه، ولكن على وجه الكراهة؛ إذ كان الله تعالى قد ندب أمته إلى الاستنان به» (^٣).\nوقال القاضي عياض -﵀-: «يُحمل النهى عن ذلك على الكراهة؛ لأنه -﵇- قد لبس حلة حمراء؛ لتعلم منه جواز ذلك» (^٤).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nوذلك أن النهي عن لبس المُعَصْفَر فيه حث للمسلم على: التزام الأدب النبوي في اللباس، والتنزيه عن مشابهة الكفار.\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٣١٤).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٣١٨).\n(^٣) شرح صحيح البخاري (٩/ ١٢٢).\n(^٤) إكمال المعلم (٦/ ٥٩٠) نقلًا عن الطبري.","vol":"1","page":323},{"text":"قال النووي -﵀-: «قال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه» (^١).\nوجاء في (مرقاة المفاتيح): «قال جماعة: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لأنه ثبت أنه -ﷺ- لبس حلة حمراء» (^٢).\nوالعلة: التنزيه عن التشبه بالكفار.\nقال القرطبي -﵀-: «قوله -ﷺ-: (إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا) يدل أن علة النهي عن لباسهما التشبُّه بالكفار» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nفِعلُ النبي -ﷺ- قرينةٌ قوية في أصلها ومعتبرة لثبوتها ودلالتها على بيان الجواز جمعًا بين الأدلة؛ إذ الجمع بين الأدلة أَولى من إهمال بعضها، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ اعتضدت بالقرينة الأولى، ولمناسبة ما جاء فيها من المعنى للتنزيه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٥٤).\n(^٢) (٧/ ٢٧٧١).\n(^٣) المفهم (٥/ ٤٠٠).","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-189>المبحث الثالث:\nالنهي عن السَّدْل في الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-190>المطلب الأول: حكم السَّدْل (^١) في الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ السَّدْل فِي الصَّلَاةِ، وأنْ يُغَطِّيَ الرجلُ فاه» (^٢).\nاختُلف في المعنى المراد بالسَّدْل في الحديث، على أقوال:\nالأول: أن يطرح على رأسه أو كتفيه ثوبًا، ويرسل طرفيه، ولا يرد أحد طرفيه إلى كتفه الآخر، ولا يضم الطرفين بيديه (^٣)، قال به الحنفية (^٤)، والمالكية (^٥)، وبعض الشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).\nالثاني: السَّدْل هو: إسبال الثوب على الأرض. قال به الشافعية (^٨)، ورواية عند\n_________\n(^١) السَّدْل في اللغة: مادة (س د ل): السين والدال واللام أصل واحد يدل على نزول الشيء من علو إلى سفل ساترًا له، يُقال منه: أرخى الليل سدوله، وهي ستره، والسَّدْل: إرخاؤك الثوب في الأرض، وشعر منسدل على الظهر، أسدل الثوب: أي: أرخاه وأرسله. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٧٢٨)، مقاييس اللغة (٣/ ١٤٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب السَّدْل في الصلاة (١/ ٤٧٩) برقم: (٦٤٣)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية السَّدْل في الصلاة (٢/ ٢١٧) برقم: (٣٧٨) من غير زيادة (وأن يغطي الرجل فاه) وقال: «حديث أبي هريرة لا نعرفه من حديث عطاء، عن أبي هريرة مرفوعًا إلا من حديث عِسل بن سفيان»، وأحمد (١٣/ ٣١٦) برقم: (٧٩٣٤)، صححه ابن خزيمة (١/ ٤٠٠) برقم: (٧٧٢)، وابن حبان (٦/ ١١٧) برقم: (٢٣٥٣)، وقال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٣٨٤): «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين»، وذكر الزيلعي في (نصب الراية) (٢/ ٩٦): بأن عِسل بن سليمان تابعه سليمان الأحول وعامر الأحول. وقال ابن مفلح في (الفروع) (٢/ ٥٧): «رواه أبو داود بإسناد جيد لم يضعفه أحمد»، وحسّنه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ١١٦٠).\n(^٣) يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٥٥).\n(^٤) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٩)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦١).\n(^٥) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٢٥٠)، التاج والإكليل (٢/ ١٨٧).\n(^٦) يُنظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ١٢٥)، تحفة المحتاج (٣/ ٣٨).\n(^٧) يُنظر: المغني (١/ ٤١٨) الفروع (٢/ ٥٦).\n(^٨) يُنظر: بحر المذهب (٢/ ٨٩)، التهذيب (٢/ ١٤١).","vol":"1","page":325},{"text":"الحنابلة (^١).\nالثالث: أن يلتحف بثوبه، ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك (^٢).\nوالمعنى الأول هو المشهور، والذي قال به أكثر الفقهاء، وهو محل البحث في المسألة.\nقال ابن تيمية -﵀-: «والتفسير الأول هو الصحيح، وهو المنصوص عنه» (^٣) -أي عن الإمام أحمد -﵀-.\nأما المعنى الثاني: فهو مخالف لما ذهب إليه أكثر أهل العلم، والذي يظهر أن السَّدْل غير الإسبال، وقد ورد النهي عن الإسبال في أحاديث خاصة، وسيُفرد لاحقًا بمبحث خاص.\nوالمعنى الثالث: ذكره أهل اللغة، وهو بمعنى: اشتمال الصماء، وكذلك ورد النهي عنه في أحاديث خاصة، ويأتي لاحقًا مبحث خاص به.\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم السَّدْل في الصلاة، على قولين:\nالقول الأول: كراهة السَّدْل في الصلاة.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nالقول الثاني: لا بأس بالسَّدْل في الصلاة.\nوهو مذهب المالكية (^٧).\nأدلة الأقوال:\n_________\n(^١) يُنظر: الإنصاف (٣/ ٢٤٧)، كشاف القناع (١/ ٢٧٥).\n(^٢) ذكره ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث والأثر) (٢/ ٣٥٥).\n(^٣) شرح العمدة - كتاب الصلاة (ص: ٣٥٠).\n(^٤) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٩)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦١).\n(^٥) يُنظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ١٢٥)، تحفة المحتاج (٣/ ٣٨).\n(^٦) يُنظر: المغني (١/ ٤١٨)، كشاف القناع (١/ ٢٧٥).\n(^٧) يُنظر: عيون المسائل (ص: ١٦٠)، البيان والتحصيل (١/ ٢٥٠).","vol":"1","page":326},{"text":"أدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ السَّدْل فِي الصَّلَاةِ، وأنْ يُغَطِّيَ الرجلُ فاه» (^١).\nوجه الاستدلال: أن نهي النبي -ﷺ- عن السَّدْل في الصلاة محمول على الكراهة؛ لعلة التشبه بأهل الكتاب (^٢).\nنُوقش: بأن الحديث ضعيف (^٣).\nيمكن أن يُجاب عنه: بأن الحديث صححه بعض المحدثين وحسنه آخرون، كما تبين في التخريج.\nالدليل الثاني: عن علي -﵁- أنه: «رَأَى قَوْمًا سَادِلِينَ، فَقَالَ: كَأَنَّهُمُ الْيَهُودُ خَرَجُوا مِنْ فُهْرِهِمْ (^٤) (^٥).\nوجه الاستدلال: أن أثر علي -﵁- يفيد النهي وكراهة السَّدْل؛ لما فيه من التشبه باليهود (^٦).\nالدليل الثالث: لعل الصارف للنهي عن التحريم ما جاء عن بعض الصحابة -﵃- من الترخص في السَّدْل، من ذلك ما روي: «عن جابر -﵁- أَنَّهُ صَلَّى وَهُوَ مُسْدِلٌ» (^٧)، وقال بعضهم: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُسْدِلُ فِي الصَّلَاةِ» (^٨).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: (٣٢٣).\n(^٢) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٩)، المغني (١/ ٤١٨).\n(^٣) أشار النووي إلى ضعف الحديث لضعف عِسل بن سفيان، فقال في (المجموع) (٣/ ١٧٨): «عسل بن سفيان: ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم وابن عدي».\n(^٤) فُهْرُهم: أي: مواضع مدارسهم، وهي كلمة نبطية أو عبرانية عُربت، وأصلها (بهرة) بالباء. يُنظر: الصحاح (٢/ ٧٨٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٨٢).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني (١/ ٣٦٤) برقم: (١٤٣٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٦٢) برقم: (٦٤٨١)، وابن المنذر في (الأوسط) (٥/ ٥٨). صححه زكريا غلام في (ما صح من آثار الصحابة في الفقه) (١/ ٢٧٦).\n(^٦) يُنظر: الفروع (٢/ ٥٧)، كشاف القناع (١/ ٢٧٥).\n(^٧) أخرجه ابن المنذر في (الأوسط) (٥/ ٥٩).\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة: عن عطاء بن السائب، عن محارب (٢/ ٦٣) برقم: (٦٤٩١)، وابن المنذر في (الأوسط) (٥/ ٥٩). صححه زكريا غلام في (ما صح من آثار الصحابة في الفقه) (١/ ٢٧٧).","vol":"1","page":327},{"text":"وجه الاستدلال: أن فِعل الصحابة للسدل دليل على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم، ولو كان النهي للتحريم لما ترخَّصوا فيه (^١)، فيُحمل النهي على الكراهة جمعًا بين الأخبار.\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: أنه لم يثبت النهي، قال ابن المنذر: «لا أعلم فيه حديثًا يثبت» (^٢).\nيمكن أن يُجاب عنه: بأن النهي ثبت من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ومن المحدثين مَنْ صحح الخبر ومنهم مَنْ حسنه.\nالدليل الثاني: الآثار التي استدل بها أصحاب القول الأول بأنه رُوي عن بعض الصحابة الترخص في السَّدْل في الصلاة، منهم: جابر بن عبد الله، وابن عمر -﵃-.\nسبب الخلاف:\nالذي يظهر -والله أعلم- أن السبب هو اختلافهم في ثبوت حديث النهي، وتعارُض حديث النهي مع بعض الآثار عن الصحابة.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة السَّدْل في الصلاة.\nقال ابن تيمية -﵀-: «… لكن الغرض أن عليا -﵁- شبه السادلين باليهود، مبينا بذلك كراهة فعلهم، فعلم أن مشابهة اليهود: أمر كان قد استقر عندهم كراهته» (^٣).\nسبب الترجيح:\nقوة الأدلة، ولأن هذا القول فيه الجمع بين الأدلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-191>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل أصحاب القول الأول النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية:\n_________\n(^١) يُنظر: المغني (١/ ٤١٨).\n(^٢) يُنظر: المغني (١/ ٤١٨).\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٣٨٤).","vol":"1","page":328},{"text":"القرينة الأولى: فِعل بعض الصحابة -﵃- للمنهي عنه.\nجاءت الإشارة إلى ترخص بعض الصحابة في السَّدْل في الصلاة في كتاب (المغني) لابن قدامة -﵀- حيث قال: «ورُوي عن جابر وابن عمر الرخصة فيه» (^١).\nالقرينة الثانية: المقصد من النهي.\nفالنهي عن السَّدْل فيه تحقيق مقصد الصلاة وهو الخشوع والبُعد عما يشغل، وفيه التنزيه عن المشابهة.\n«يُكره أن يسدل ثوبه لنهيه -﵊- عن السَّدْل، وهو أن يجعله على رأسه، ثم يرسل أطرافه من جوانبه؛ لأنه من صنيع أهل الكتاب» (^٢).\nوجاء في (مرقاة المفاتيح): «وكراهته لنهي النبي -ﷺ- عنه، وحكمته -والله أعلم- اشتغال القلب بمحافظته والاحتياج بمعالجته، ولهذا لو كان أحد طرفيه مغروزًا أو مربوطًا بطرف آخر بحيث لا يخاف عليه من الوقوع، لا يكون مكروهًا» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قرينة فِعل بعض الصحابة قرينة معتبرة؛ لحمل النهي على الكراهة لا التحريم؛ لعدم المعارض، ولأن فيه الجمع بين الأدلة؛ إذ القول بالإباحة يُشكل مع ورود النهي، وقرينة المقصد من النهي كذلك معتبرة؛ لما فيه من المحافظة على الخشوع وهو المقصود الأعظم للصلاة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (١/ ٤١٨).\n(^٢) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦١).\n(^٣) (٢/ ٦٣٥).","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-192>المبحث الرابع:\nالنهي عن اشتمال الصَّمَّاء</span>\n<span data-type='title' id=toc-193>المطلب الأول: حكم اشتمال الصَّمَّاء:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي سعيد الخدري -﵁-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ … الحديث» (^١).\nوجاء مفسرًا في الحديث الآخر عنه -﵁-، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ لُبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: … وَاللِّبْسَتَيْنِ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَالصَّمَّاءُ: أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، فَيَبْدُوَ أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، … الحديث» (^٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: «نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ بَيْعَتَيْنِ …، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، …» (^٣)، وفي رواية: «… وَأَنْ يَشْتَمِلَ فِي إِزَارِهِ إِذَا مَا صَلَّى، إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ» (^٤).\nاختلف أهل اللغة والفقهاء في تفسير اشتمال الصماء، على قولين:\nفمعناه عند أهل اللغة: اشتمل بثوبه: أي: تلفف به، وهو أن يجلل جسده بالثوب أو بالإزار، ولا يرفع منه جانبًا فيكون فيه فرجة تخرج منها يده (^٥).\nوسُميت صماء؛ لأنه يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها، فكأنها لا تصل إلى شيء ولا يصل إليها شيء: كالصخرة الصماء التي ليس فيها صَدْع ولا خَرْق (^٦).\nومعناه عند الفقهاء: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه، فتنكشف عورته، وهو بمعنى: الاضطباع بالثوب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الاحتباء في ثوب واحد (٧/ ١٤٨) برقم: (٥٨٢٢)، ورواه مسلم عن جابر -﵁-، كتاب اللباس والزينة، باب فِي منع الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى (٣/ ١٦٦١) برقم: (٢٠٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب اشتمال الصماء (٧/ ١٤٧) برقم: (٥٨٢٠).\n(^٣) المصدر نفسه، كتاب الصلاة، باب ما يستر العورة (١/ ٨٢) برقم: (٣٦٨).\n(^٤) أخرجه أحمد (١٣/ ٥٤٧) برقم: (٨٢٥١).\n(^٥) يُنظر: الصحاح (٥/ ١٧٤١)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٥٤)، لسان العرب (١١/ ٣٦٨).\n(^٦) يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٥٤).","vol":"1","page":330},{"text":"الواحد، ومعنى الاضطباع: أن يضع وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على منكبه الأيسر، ويبقى منكبه الأيمن مكشوفًا (^١).\nقال ابن حجر -﵀-: «ظاهر سياق المصنف (^٢) … أن التفسير المذكور فيها مرفوع، وهو موافق لما قال الفقهاء، ولفظه: والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه، وعلى تقدير أن يكون موقوفًا، فهو حجة على الصحيح؛ لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر» (^٣).\nوقال ابن قدامة -﵀-: «والفقهاء أعلم بالتأويل» (^٤) (^٥).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٦) على كراهة اشتمال الصماء على تفسير أهل اللغة، وذلك لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام ونحوها أو غير ذلك، فيعسر عليه أو يتعذر، فيلحقه الضرر (^٧).\nوكذلك اتفق الفقهاء (^٨) على كراهة اشتمال الصماء على تفسير الفقهاء إن خيف\n_________\n(^١) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٩)، الفواكه الدواني (٢/ ٣١١)، البيان (٢/ ١٢٤)، المغني (١/ ٤١٨)، ويُنظر أيضًا: غريب الحديث، للقاسم بن سلام (٢/ ١١٨)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٥٤).\n(^٢) أي: البخاري -﵀-.\n(^٣) فتح الباري (١/ ٤٧٧).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ٤١٨) نقلًا عن أبي عبيد القاسم بن سلام.\n(^٥) فائدة: قال ابن رجب -﵀- في (فتح الباري) (٢/ ٣٩٩): «وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغة حسن جدًا؛ فإن النبي -ﷺ- قَدْ يتكلم بكلام من كلام العرب يستعمله فِي معنى هو أخص من استعمال العرب، أو أعم منه، ويتلقى ذلك عنه حملةُ شريعته من الصحابة، ثم يتلقاه عنهم التابعون، ويتلقاه عنهم أئمة العلماء، فلا يجوز تفسير ما ورد في الحديث المرفوع إلا بما قاله هؤلاء أئمة العلماء الذين تلقوا العلم عمن قبلهم، ولا يجوز الإعراض عن ذلك والاعتماد على تفسير مَنْ يفسر ذلك اللفظ بمجرد ما يفهمه من لغة العرب، وهذا أمر مهم جدا، ومن أهمله وقع في تحريف كثير من نصوص السنة، وحملها على غير محاملها. والله الموفق».\n(^٦) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٤)، الذخيرة (٢/ ١١٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٨٩)، المغني (١/ ٤١٨).\n(^٧) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٩)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٦)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٤٧٧).\n(^٨) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٢)، البيان والتحصيل (١/ ٢٧٧)، الذخيرة (٢/ ١١٢)، المجموع (٣/ ١٧٦)، أسنى المطالب (١/ ١٧٩)، المغني (١/ ٤١٨)، كشاف القناع (١/ ٢٧٥).","vol":"1","page":331},{"text":"معه انكشاف العورة، فإن كانت العورة تنكشف معه، فيحرم؛ وذلك لوجوب ستر العورة.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «والأصل في ذلك النهي عن كل لبسة ينكشف الرجل فيها حتى يبدو فرجه؛ فإنه لا يحل لأحد كشف فرجه في موضع ينظر إليه آدمي إلا حليلته: امرأته، أو أمته، وهذا أمر مجتمع عليه» (^١).\nوقال النووي -﵀-: «قال العلماء: فعلى تفسير أهل اللغة: يُكره الاشتمال المذكور؛ لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام ونحوها أو غير ذلك، فيعسر عليه، أو يتعذر فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء: يحرم الاشتمال المذكور إن انكشف به بعض العورة، وإلا فيُكره» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-194>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر أن الفقهاء حملوا النهي على الكراهة؛ لقرينة المقصد من النهي.\nلأن «النكتة التي تعتمدونها في الفرق بين المكروه والحرام: أنه إذا جاء النهي مقرونًا بالوعيد دل على تحريمه، وإذا جاء مطلقًا كان أدبًا، إلا أن تقترن به قرينة تدل على أنه مصلحة في البدن أو في المال على الاختصاص بالمرء؛ فإنه يكون مكروهًا على حاله ولا يرتقي إلى التحريم، فإن كان لمصلحة تعم الناس صار حرامًا، والدليل على ذلك أن للمرء أن يتحمل الضرر في نفسه إن كان ذلك يسيرًا، وليس له أن يلحقه بغيره يسيرًا كان أو كثيرًا» (^٣).\nفالنهي عن اشتمال الصماء فيه: الاحتياط لستر العورة في الصلاة، وأن اشتمالها بحيث يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها فيه ضرر عليه؛ إذ لا يمكنه دفع ما يعرض له، فكان الأرفق به ترك اشتمال الصماء.\nجاء في (طرح التثريب): «قوله في الرواية الثانية أيضا إلا أن يخالف بين طرفيه على عاتقه فإنه يدل على أن المعنى الاحتياط للعورة لئلا تنكشف» (^٤).\nقال ابن رشد -﵀- في (بداية المجتهد): «فصل: فيما يجزئ في اللباس في الصلاة: أما\n_________\n(^١) الاستذكار (٨/ ٣٤١).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٦).\n(^٣) القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: ١١١٠).\n(^٤) (٦/ ١٠٤).","vol":"1","page":332},{"text":"اللباس: فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^١)، والنهي الوارد عن هيئات بعض الملابس في الصلاة، وذلك أنهم اتفقوا -فيما أحسب- على أن الهيئات من اللباس التي نُهي عن الصلاة فيها مثل: اشتمال الصماء، وهو: أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء، وسائر ما ورد من ذلك أن ذلك كله سدٌّ لذريعة ألا تنكشف عورته، ولا أعلم أن أحدًا قال: لا تجوز صلاة على إحدى هذه الهيئات إن لم تنكشف عورته» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nيظهر أن قرينة المقصد من النهي قرينة معتبرة؛ لقوة معنى الاحتياط وسد ذريعة الانكشاف، وأن يكون المصلي بأفضل الهيئات، فالقرينة قوية مع عدم ما يعارضها ويقوي جانب التحريم، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة الأعراف: جزء من الآية (٣١).\n(^٢) (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-195>المبحث الخامس:\nالنهي عن تغطية الوجه أو التلثُّم</span>\n<span data-type='title' id=toc-196>المطلب الأول: حكم تغطية الوجه أو التلثُّم </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ السَّدْل فِي الصَّلَاةِ، وأنْ يُغَطِّيَ الرجلُ فاه» (^٢)، ولفظ ابن ماجه: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ فِي الصَّلَاةِ» (^٣).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٤) على أنه يُكره للمصلي تغطية وجهه أو التلثُّم في الصلاة.\nالأدلة:\nالدليل الأول: حديث أبي هريرة -﵁- المتقدم.\nوجه الاستدلال: أن نهي النبي -ﷺ- عن تغطية الفم يدل على كراهة التلثُّم في الصلاة (^٥)، ويدل على كراهة تغطية الوجه بالتنبيه؛ لاشتماله على تغطية الفم (^٦).\nالدليل الثاني: أن العرب كانوا يتلثمون بالعمائم، فيغطون أفواههم، فنُهوا عنه؛\n_________\n(^١) المراد بتغطية الوجه: تغطية الأنف والفم، وهو اللِّثَام عند أهل اللغة؛ فاللِّثَام: هو رد المرأة قناعها على أنفها ورد الرجل عمامته على أنفه، وهو النقاب للمرأة، وقيل: اللثام: ما كان على الفم من النقاب، واللِّفام ما كان على الأرنبة. يُنظر: الصحاح (٥/ ٢٠٢٦)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٣١)، لسان العرب (١٢/ ٥٣٣). والمراد بالتلثم عند الحنفية والحنابلة: تغطية الأنف والفم، وعند المالكية: هو تغطية الشفة السفلى باللِّثَام، وعند الشافعية: هو تغطية الفم. يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٤)، المبدع (١/ ٣٣١)، شرح مختصر خليل (١/ ٢٥٠)، أسنى المطالب (١/ ١٧٩).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٣٢٣).\n(^٣) أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب ما يكره في الصلاة (٢/ ١١٢) برقم: (٩٦٦)، صححه ابن خزيمة (١/ ٤٠٠) برقم: (٧٧٢)، وابن حبان (٦/ ١١٧) برقم: (٢٣٥٣) وفيه ذكر السدل، وحسنه الألباني في (صحيح وضعيف سنن ابن ماجه) (٢/ ٤٦٦).\n(^٤) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٤)، البناية (٢/ ٤٤٦)، المعونة (ص: ١٧٢٣)، الذخيرة (١٣/ ٢٦٤)، المجموع (٣/ ١٧٩)، أسنى المطالب (١/ ١٧٩)، المغني (١/ ٤١٩)، المبدع (١/ ٣٣١).\n(^٥) يُنظر: نيل الأوطار (٢/ ٩٢).\n(^٦) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٢٧٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":334},{"text":"لأنه يمنع من إتمام القراءة أو إكمال السجود (^١).\nالدليل الثالث: أنه زي المجوس، فيُكره التشبه بهم (^٢).\nقال ابن تيمية -﵀-: «يكره التلثم على الفم؛ لما روى عن أبي هريرة -﵁- … ولأنه تشبه بفعل المجوس في عبادة النيران، ويخاف معه من ترك تجويد القراءة والذكر والدعاء لا سيما والملك يضع فاه على فيه» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-197>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي محمول على الكراهة؛ لقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nوذلك أن النهي فيه الإرشاد إلى التأدب حال الوقوف بين يدي الله سبحانه، والتنزيه عن مشابهة المجوس.\nقال النووي -﵀-: «هذه كراهة تنزيه، لا تمنع صحة الصلاة» (^٤).\nوقد تنوعت أقوال العلماء في ذكر العلة من النهي عن تغطية الفم، ومن ذلك: أن التلثُّم كانت عادة للعرب فنهوا عنه، ومنها: أنه زي المجوس، وقيل: لأن التلثُّم يمنع تحقيق الحروف.\nقال ابن تيمية -﵀-: «يُكره للمصلي تغطية الوجه سواءً كان رجلًا أم امرأة، فيُكره النقاب والبرقع للمرأة في الصلاة؛ لأن مباشرة المصلي بالجبهة والأنف: إما واجب أو مؤكد الاستحباب، ولأن الرجل إذا قام إلى الصلاة فإن الله تعالى قبل وجهه وأن الرحمة تواجهه فينبغي له أن يباشر ذلك بوجهه من غير وقاية، وقد كره له تغميض العين؛ فتغطية الوجه أولى» (^٥).\nوقال المناوي -﵀-: «نهى أن يغطى الرجل فاه؛ لأنه من فِعل الجاهلية كانوا يتلثمون بالعمائم، فيغطون أفواههم، فنهوا عنه؛ لأنه ربما منع من إتمام القراءة أو إكمال\n_________\n(^١) يُنظر: المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ٩٥)، شرح المشكاة، للطيبي (٣/ ٩٦٧).\n(^٢) يُنظر: البناية (٢/ ٤٤٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٥٦).\n(^٣) شرح العمدة - كتاب الصلاة (ص: ٣٥٨).\n(^٤) المجموع (٣/ ١٧٩).\n(^٥) شرح العمدة - كتاب الصلاة (ص: ٣٥٧).","vol":"1","page":335},{"text":"السجود» (^١).\nوجاء في (شرح منتهى الإرادات): «في تغطية الوجه تشبه بالمجوس عند عبادتهم النيران، ولأنه ربما منع تحقيق الحروف» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nقرينة ورود النهي في باب التنزيه والإرشاد قرينة معتبرة وقوية هنا؛ لاتفاق الفقهاء على حمل النهي على الكراهة، ولعل ما ذكره العلماء من علل النهي معتبرة بمجموعها، ولا يمنع من تعدد العلل؛ ولأن فيها التأدب بالهيئة اللائقة عند الوقوف بين يدي الملك -ﷻ-، وهو سبحانه أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) فيض القدير (٦/ ٣١٥).\n(^٢) (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-198>المبحث السادس:\nالنهي عن صلاة الرجل في سراويل وليس عليه رداء</span>\n<span data-type='title' id=toc-199>المطلب الأول: حكم صلاة الرجل في سراويل (^١) وليس عليه رداء </span>(^٢):\nدليل النهي:\nعن بريدة -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يُصَلِّيَ فِي لِحَافٍ لَا يَتَوَشَّحُ بِهِ، وَالْآخَرُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي سَرَاوِيلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ» (^٣).\nصورة المسألة:\nفي الحديث صورتان: الأولى: أن يصلي الرجل في الثوب الواحد دون توشح أو رداء، فيكون مكشوف المنكبين، وقد بُحثت هذه الصورة في المبحث الأول من هذا الفصل (^٤). والثانية: أن يصلي الرجل في السراويل وحده دون رداء، وهي محل البحث هنا.\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في النهي عن الصلاة في سراويل دون رداء: هل هو للتحريم أو للكراهة؟ على قولين:\nالقول الأول: أن النهي للكراهة إلا لمَن لا يجد غيره، وإن صلى أجزأته.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٥)، والمالكية (^٦)، والشافعية (^٧).\nالقول الثاني: أن النهي للتحريم.\n_________\n(^١) السَّرَاوِيل: لباس يغطي السرة والركبتين وما بينهما، يذكر ويؤنث، والجمع السراويلات. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٧٢٩)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٤٧٥)، المعجم الوسيط (١/ ٤٢٨).\n(^٢) الرِّدَاء: هو الثوب أو البُرد الذي يضعه الإنسان على عاتقيه وبين كتفيه فوق ثيابه. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٣٥٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢١٧).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٣١٠).\n(^٤) بعنوان: النهي عن صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء. ص (٣٠٦).\n(^٥) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٩)، تبيين الحقائق (١/ ١٦٢).\n(^٦) يُنظر: المعونة (ص: ٢٣١)، البيان والتحصيل (١/ ٤٤٧).\n(^٧) يُنظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ١٢٤)، أسنى المطالب (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":337},{"text":"وهو مذهب الحنابلة؛ تخريجًا على قولهم بوجوب ستر العاتق (^١).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٢).\nوجه الاستدلال: أن الزينة مستحبة في الصلاة؛ لأن المصلي يناجي ربه، ويقف بين يدي خالقه، وأهم الزينة ثوبان، والاقتصار على السراويل وحده دون رداء يُكره؛ لأنه وإن حصل به ستر العورة فلم يحصل التجمُّل بالزينة المستحبة (^٣)، و«رُوي عن مالك أنه قال في تفسير ذلك: معناه: لتأخذوا لباسكم عند كل صلاة، قيل له: أفمن ذلك مساجد البيوت؟ قال: نعم» (^٤).\nالدليل الثاني: عن بريدة -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يُصَلِّيَ فِي لِحَافٍ لَا يَتَوَشَّحُ بِهِ، وَالْآخَرُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي سَرَاوِيلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن نهي النبي -ﷺ- عن الصلاة في سراويل من غير رداء محمول على الكراهة والتنزيه؛ لأن السراويل يصف الأعضاء، ولا يتجافى عن البدن، فهو مما يُستقبح من الهيئة في اللباس وإن حصل به ستر العورة (^٦)؛ إذ أقل ما يجزئ الرجلَ في الستر: مئزرٌ أو سراويلُ (^٧).\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- قال: «قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ، فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ\n_________\n(^١) يُنظر: المغني (١/ ٤١٥)، الشرح الكبير (٣/ ٢١٧).\n(^٢) سورة الأعراف: جزء من الآية (٣١).\n(^٣) يُنظر: البيان والتحصيل (٢/ ١٤١)، أسنى المطالب (١/ ١٧٨).\n(^٤) البيان والتحصيل (١/ ٤٤٨).\n(^٥) سبق تخريجه: ص (٣١٠).\n(^٦) يُنظر: المجموع (٣/ ١٧٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٦٢)، فيض القدير (٦/ ٣٤٢).\n(^٧) يُنظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ١٢٤).","vol":"1","page":338},{"text":"اللَّهُ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ (^١)، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ، وَقَمِيصٍ فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ (^٢)، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ (^٣) وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن استفهام النبي -ﷺ- معناه الإخبار عما كان يعلمه من حالهم في العدم وضيق الثياب، فأعلمهم أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة، وظاهره: يقتضي جواز الصلاة في الثوب الواحد، سواء أكان ساترًا لجميع البدن أم لمقدار العورة فقط، سواء أوَضَع بعضه على عاتقه أم لا، كمن يصلى في السراويل وحده.\nوقول عمر -﵁-: (إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه …)، يدل على ذلك، وأن جمع الثياب في الصلاة اختيار واستحسان؛ لأنه من حسن الهيئة في الصلاة (^٥).\nأدلة القول الثاني: …\nالدليل الأول: حديث بريدة -﵁- الذي استدل به أصحاب القول الأول.\nالدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر نهي النبي -ﷺ- عن الصلاة في السراويل وحده يُحمل\n_________\n(^١) جمع رجل عليه ثيابه: هذا لفظ الخبر، والمراد به الأمر كأنه قال: وسعوا على أنفسكم إذا وسع الله عليكم، واجمعوا عليكم ثيابكم في الصلاة. يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٢/ ٣٠)، الاستذكار (٨/ ٢٩٩).\n(^٢) قَبَاء: -بفتح أوله بالقصر وبالمد-: قبا الشيء قبوا: جمعه بأصابعه. والقباء من الثياب: الذي يلبس مشتق من ذلك لاجتماع أطرافه، والجمع أقبية. وهو من لباس العجم معروف، قيل: هو فارسي معرب، وقيل: عربي مشتق من قبوت الشيء إذا ضممت أصابعك عليه. يُنظر: المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٢٠٨)، لسان العرب (١٥/ ١٦٨)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ١٦٩، ٤٧٥).\n(^٣) التُّبَّان -بضم المثناة وتشديد الموحدة-: وهو على هيئة السراويل، لكنه ليس له رجلان، فهو سراويلُ صغيرٌ مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط، يكون للملاحين. وقد يُتخذ من جلد. يُنظر: الصحاح (٥/ ٢٠٨٦)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨١)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٤٧٥).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء (١/ ٨٢) برقم: (٣٦٥).\n(^٥) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٢/ ٢٩)، طرح التثريب (٢/ ٢٣٧).\n(^٦) سبق تخريجه ص: (٣٠٦).","vol":"1","page":339},{"text":"على التحريم؛ فالنهي المطلق يفيد التحريم، ولأنها صلاة في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شيء، وستر العاتق واجب وهو ما أفاده الحديث الآخر (^١).\nنُوقش: أن العاتقين ليسا بعورة في الصلاة، فأشبها بقية البدن، فلا يجب سترهما، وإنما يُستحب (^٢).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الصلاة في السراويل وحدها.\nسبب الترجيح:\nقوة الأدلة، ولأن الأفضل والأَوْلى للمصلي أن يكون في أحسن الهيئات وأجمل اللباس عند الوقوف بين يدي الله -﷿-.\n\n<span data-type='title' id=toc-200>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر أن الجمهور حملوا النهي على الكراهة لا التحريم؛ لقرينة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nفهذا النهي فيه: الإرشاد إلى الأحسن في أدب اللباس وزينة الصلاة، والتنزيه عما يقبح من الهيئات.\nقال الإمام مالك -﵀-: «ما السراويل من لبس الناس، وإن الحياء من الإيمان» (^٣).\nقال المناوي -﵀-: «نهى أن يصلي الرجل في سراويل … والنهي للتنزيه» (^٤).\nوالعلة في ذلك:\nأن السراويل تصف الأعضاء، وأن الصلاة فيها وحدها مما يُستقبح، وأنها ليست من ثياب الناس التي يُظهرون إلا أن تكون تحت القميص (^٥).\n«قال أبو حنيفة: الصلاة في السراويل: يشبه فِعل أهل الجفاء، وفي الثوب يتوشح\n_________\n(^١) يُنظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٠١)، شرح العمدة، لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٣١٨).\n(^٢) يُنظر: المبدع (١/ ٣٢٢).\n(^٣) شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣١٩).\n(^٤) فيض القدير (٦/ ٣٤٢).\n(^٥) يُنظر: شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣١٩).","vol":"1","page":340},{"text":"به: أبعد من الجفاء، وفي قميص ورداء: عادة الناس» (^١).\nوقال المناوي -﵀-: «لأن السراويل بمفرده يصف الأعضاء، ولا يتجافى عن البدن، والنهي للتنزيه» (^٢).\nوجاء في (البيان والتحصيل): «حسن الهيئة في اللباس مشروع في الصلاة؛ لأن المصلي يناجي ربه، ويقف بين يدي خالقه؛ فيجب عليه أن يتأهب لذلك، ويتجمل له بتحسين هيئته في لباسه؛ فإن الله جميل يحب الجمال، وإذا كان الرجل يلتزم ذلك في المجتمعات وعند الكبراء من الناس، فما بالك بالوقوف بين يدي الله رب الناس؟!» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القرينة قوية ومعتبرة؛ لمناسبة ما عُلل به لمعنى الأدب والإرشاد، ويؤيد ذلك أن الصلاة في السراويل تحصل بها الستر الواجب، فلا معنى حينئذ لحمل النهي على التحريم، بل يُحمل على ما دون التحريم، وهو الكراهة؛ لأنه وإن حصل الستر فهو مخل بالزينة المطلوبة للصلاة، وأشرف أحوال الإنسان أن يقف بين يدي ربه للعبادة، فينبغي له أن يتجمل لهذا الموقف العظيم بأجمل الثياب وأحسن الهيئات، والله أعلم.\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٥).\n(^٢) فيض القدير (٦/ ٣٤٢).\n(^٣) (٢/ ١٤١).","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-201>المبحث السابع:\nالنهي عن شد الوسط بما يشبه شد الزُّنَّار</span>\n<span data-type='title' id=toc-202>المطلب الأول: حكم شد الوسط بما يشبه شد الزُّنَّار </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا (^٢) (^٣).\nصورة المسألة:\nماحكم أن يصلي المسلم وقد شد وسطه؟ وما الحكم إن كان شد وسطه بخيط\n_________\n(^١) الزُّنَّار -بضم الزاي وتشديد النون- في اللغة: هو ما على وسط المجوسي والنصراني، حزام يشده النصراني على وسطه، جمعه: زنانير. يُنظر: لسان العرب (٤/ ٣٣٠)، المعجم الوسيط (١/ ٤٠٣).\nوتعريف الفقهاء قريب من تعريف أهل اللغة، فالزُّنَّار عند الفقهاء: هو خيط غليظ فيه ألوان يشد به الذمي وسطه فوق الثياب؛ ليتميز به عن المسلم، وتشده المرأة والخنثى تحت الإزار بحيث يظهر بعضه، ويُمنع أن يُستبدل بشد المناطق والمنديل. يُنظر: الحاوي الكبير (١٤/ ٣٢٦)، نهاية المحتاج (٨/ ١٠٣)، حاشية الدسوقي (٤/ ٣٠١).\nوشد الوسط بالزنار من الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، والأصل فيه: كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- إلى أمراء الأجناد، فأُلزم به الذمي؛ ليتميز به عن المسلم، فكانت علامة على ذله.\nقال ابن تيمية -﵀- بعد إيراده لهذه الشروط في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) (١/ ٣٦٥): «وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مُجمع عليها -في الجملة- بين العلماء من الأئمة المتبوعين وأصحابهم وسائر الأئمة»، وجاء في (حاشية الروض المربع) (١/ ٥١٤): «شد الزُّنَّار كان محكومًا به على الذميين، فكانوا يشدون أوساطهم بخيط دقيق، وفيه المثل: الذمي إذا عطس ينقطع زناره، أي: لدقته ولضغط أحشائه»، وللاستزادة يُنظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٧٧)، المجموع (١٩/ ٤٠٩)، أحكام أهل الذمة (١/ ٤٩٢).\n(^٢) لا أكف شعرًا ولا ثوبًا: قيل: يُحتمل أن يكون بمعنى المنع: أي: لا أمنعهما من الاسترسال حال السجود؛ ليقعا على الأرض، وقيل: يُحتمل أن يكون بمعنى الجمع: أي: لا يجمعهما ويضمهما. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٩٠)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٢٣٢)، وذهب الشافعية والمالكية إلى أن شد الوسط والاحتزام من كف الثوب: فمن ذلك ما جاء في (أسنى المطالب) (١/ ١٦٣): «قوله: لا أكف: أي: لا أضمهما، فمن ذلك أن يعقص شعره، أو يرده تحت عمامته، أو يشمر ثوبه أو كمه، أو يشد وسطه، أو يغرز عذبته». ويُنظر: الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٦١٧)، تحفة المحتاج (٢/ ١٦٢). وستأتي مسألة كف الثوب والشعر في الفصل الخامس من هذا الباب.\n(^٣) أخرجه البخاري كتاب الأذان، باب لا يكف ثوبه في الصلاة (١/ ١٦٣) برقم: (٨١٦)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر والثوب … (١/ ٣٥٤) برقم: (٤٩٠).","vol":"1","page":342},{"text":"مما يشبه شد الزُّنَّار؟\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم شد الوسط في الصلاة، على قولين:\nالقول الأول: يجوز شد الوسط في الصلاة.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢)، وقيده الحنابلة بما لا يشبه شد الزُّنَّار، فإن كان بما يشبه شد الزُّنَّار فيُكره ولا يختص ذلك بالصلاة.\nالقول الثاني: يكره شد الوسط في الصلاة (^٣).\nوهو قول عند الحنفية (^٤)، ومذهب المالكية (^٥)، والشافعية (^٦).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول: استدلوا على جواز شد الوسط بما يأتي:\nالدليل الأول: حديث أبي هريرة -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ حَتَّى يَحْتَزِمَ (^٧) (^٨).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى الرجل عن الصلاة حتى يحتزم، فدل على أن شد الوسط لا يُكره، بل يؤمر به؛ لأنهم كانوا قلَّما يتسرولون، ومَن كان عليه إزار، وكان جيبه واسعًا، ولم يشد وسطه -ربما انكشفت عورته (^٩).\n_________\n(^١) يُنظر: البناية (٢/ ٤٤٧)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٦٨).\n(^٢) يُنظر: الشرح الكبير (٣/ ٢٥٢)، فتح الباري، لابن رجب (٧/ ٢٦٥)، كشاف القناع (١/ ٢٧٦).\n(^٣) ولم يتعرضوا لقيد: كون ما يُشد به يشبه الزنار أم لا. والذي يظهر أن مذهب الحنفية والمالكية والشافعية في شد الوسط بما يشبه الزنار: الكراهة؛ أخذا من قولهم بكراهة التشبه بزي الكفار والأعاجم في مواضع كثيرة. يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٩)، المعونة (ص: ٢٣١)، روضة الطالبين (١/ ٢٨٩).\n(^٤) يُنظر: البناية (٢/ ٤٤٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٠).\n(^٥) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٥٠٢)، الفواكه الدواني (١/ ٢١٦).\n(^٦) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ١٦٣)، تحفة المحتاج (٢/ ١٦٢).\n(^٧) يحتزم: أي: يتلبب ويشد وسطه. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٧٩)، لسان العرب (١٢/ ١٣١).\n(^٨) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع، باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها (٥/ ٢٥٢) برقم: (٣٣٦٩)، وأحمد (١٦/ ١١٣) برقم: (١٠١٠٥)، ذكره ابن حجر في (إتحاف المهرة) (١٦/ ٣١٥)، قال الألباني في (الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب) (١/ ٢٩٨): «وهذا إسناد رجاله ثقات، رجال مسلم غير مولى قريش، فلم يُسمَّ».\n(^٩) يُنظر: المغني (١/ ٤١٩)، مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود (٢/ ٨٣٧).","vol":"1","page":343},{"text":"الدليل الثاني: أن شد الوسط في الصلاة أستر للعورة (^١).\nواستدل الحنابلة على كراهة شد الوسط بما يشبه الزُّنَّار بعموم أدلة النهي عن التشبه بالكفار:\nالدليل الأول: عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (^٢).\nالدليل الثاني: وعنه -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «.. وَلَا تَشْتَمِلُوا كَاشْتِمَالِ الْيَهُودِ» (^٣).\nوجه الاستدلال من الأحاديث: أن الأحاديث تدل على النهي عن التشبه بالكفار، وهو للتحريم فيما كان مختصًا بهم وشعارًا لهم؛ لشدة المشابهة، ويُحمل على الكراهة إذا لم يَقْوَ التشبه: كشد الوسط بما يشبه الزُّنَّار (^٤)، ولأنه لا فرق إلا بما يتميزون به من اللباس (^٥).\nدليل القول الثاني:\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا عن كف الثوب بجمعه وضمه، وهو ضد الإرسال، ومن ذلك شد الوسط، فيُكره؛ لأن فيه منع الثوب من السجود معه؛ ولأن فيه تكبرًا (^٧).\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٧/ ٢٦٥)، كشاف القناع (١/ ٢٧٦).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٨١).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا كان الثوب ضيقًا يتزر به (١/ ٤٧٣) برقم: (٦٣٥)، والبيهقي (٤/ ٢٢٥) برقم: (٣٣١٥)، واللفظ له، وأحمد (١٠/ ٤٢٤) برقم: (٦٣٥٦)، وصححه ابن خزيمة (١/ ٣٩٩) برقم: (٧٦٩)، وقال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٣٨٣): «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين»، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (١/ ١٧٤).\n(^٤) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٢٧٦)، مطالب أولي النهى (٢/ ٦٠٧).\n(^٥) يُنظر: الفروع (٢/ ٥٨).\n(^٦) سبق تخريجه: ص (٣٤٠).\n(^٧) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ١٦٣)، تحفة المحتاج (٢/ ١٦٢).","vol":"1","page":344},{"text":"نُوقش: بأنه لم يرِد نهي عن شد الوسط (^١)، ودلالة حديث ابن عباس ليست صريحة في منع شد الوسط.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بجواز شد الوسط، فإن كان الشد بما يشبه شد الزُّنَّار فيُكره.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة الأدلة، ولأنه لم يرِد في المنع من شد الوسط دليل صريح.\n٢ - أن معنى التشبه بأهل الكتاب يكون في الشد بما يشبه شد الزُّنَّار، وذلك المعنى مفقود في غيره، فلا يُمنع.\n\n<span data-type='title' id=toc-203>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nذهب الحنابلة إلى كراهة شد الوسط بما يشبه الزُّنَّار؛ لقرينة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nذلك أن النهي عن مشابهة الكفار بما لا يختص بهم ولم تَقْوَ فيه المشابهة، يُحمل على الكراهة والتنزيه.\nقال ابن مفلح -﵀- في (الفروع): «كراهة شد وسطه بما يشبه الزنار لا يختص بالصلاة كالذي قبله، ذكره غير واحد، لأنه يكره التشبه بالنصارى في كل وقت» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القرينة معتبرة؛ لأن شد الوسط بما يشبه الزنار ليس فيه قوة المشابهة وشدتها كما في لبس الزُّنَّار ذاته، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٣٥٩).\n(^٢) (٢/ ٥٨).","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-204>المبحث الثامن:\nالنهي عن إسبالِ الرجل شيئًا من ثيابه</span>\n<span data-type='title' id=toc-205>المطلب الأول: حكم إسبال (^١) الرجل شيئًا من ثيابه:</span>\nدليل النهي:\nعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الَّذِي يَجُرُّ ثِيَابَه مِنَ الْخُيَلَاءِ (^٢) لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).\nوعن جابر بن سُلَيْمٍ الْهُجَيْمِيِّ -﵁- (^٤) قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ولا تحقِرنَّ شيئًا من المعروفِ … وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ (^٥)، وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ …» (^٦).\nتحرير محل النزاع:\n_________\n(^١) الإِسْبَال في اللغة: هو الإرخاء والإرسال، يُقال: أسبل فلان ثيابه: إذا طولها وأرسلها إلى الأرض إذا مشى، وإنما يفعل ذلك كبرًا واختيالًا. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٧٢٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٣٩)، لسان العرب (١١/ ٣٢١)، والإسبال في الشرع: إطالة الثوب إلى ما تحت الكعبين، ويكون في عامة الثياب، فيدخل فيه الإزار والرداء والقميص والسراويل والجبة والقباء وغير ذلك مما يُسمى ثوبًا، يُنظر: الاستذكار (٨/ ٣١٠)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٦٢)، فتح الباري، لابن رجب (٢/ ٣٦٠)، عمدة القاري (٢١/ ٢٩٥).\n(^٢) الخُيَلَاء: العجب والكبر، تقول منه: اختال فهو ذو خيلاء، وذو خال، وذو مخيلة،، أي: ذو كبر. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٦٩١)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٩٣)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٦٠).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء، وبيان حد ما يجوز إرخاؤه إليه وما يُستحب (٣/ ١٦٥٢) برقم: (٢٠٨٥).\n(^٤) هو: جابر بن سُلَيْمٍ، أو سُلَيْمٍ بن جابر الْهُجَيْمِيِّ، أبو جري -بالتصغير- صحابي جليل روى عدة أحاديث عن رسول الله -ﷺ-. يُنظر: الإصابة (٣/ ١٤٠)، تقريب التهذيب (ص: ١٣٦).\n(^٥) المَخِيلَة: الكبر. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٩٣)، لسان العرب (١١/ ٢٢٨).\n(^٦) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار (٦/ ١٨١) برقم: (٤٠٨٤)، والترمذي، أبواب الاستئذان والآداب، باب ما جاء في كراهية أن يقول: «عليك السلام» مبتدئًا (٥/ ٧٢) برقم: (٢٧٢٢)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الزينة، موضع الإزار (٨/ ٤٣١) برقم: (٩٦١١)، وأحمد (٣٤/ ٢٣٧) برقم: (٢٠٦٣٥)، وصححه ابن حبان (٢/ ٢٧٩) برقم: (٥٢١)، وحسَّن إسناده النووي في (رياض الصالحين) (ص: ٢٥٩)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (١/ ٨١).","vol":"1","page":346},{"text":"أولًا: أجمع العلماء (^١) على جواز الإسبال للمرأة، وحدَّه النبي -ﷺ- بألا يزيد عن الذراع.\nفعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» (^٢).\nقال النووي -﵀-: «أجمع العلماء على جواز الإسبال للنساء، وقد صح عن النبي -ﷺ- الإذن لهن في إرخاء ذيولهن ذراعًا، والله أعلم» (^٣).\nثانيًا: الإسبال: إما أن يكون للخيلاء، أو يكون لغير الخيلاء.\nفأما الإسبال للخيلاء: فقد اتفق الفقهاء (^٤) على تحريمه مطلقًا، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب (^٥)، وذلك للأدلة الكثيرة التي ورد فيها الوعيد الشديد لمَن أسبل لباسه خيلاء، منها:\n١ - أحاديث ابن عمر -﵁- المتقدمة.\n٢ - عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَمْ يَكُنْ مِنَ اللهِ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) نقل الإجماع: القاضي عياض في (إكمال المعلم) (٦/ ٥٩٨)، والنووي في (المنهاج) (١٤/ ٦٢)، والطيبي في (شرح المشكاة) (٩/ ٢٨٩٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في قدر الذيل (٦/ ٢٠٧) برقم: (٤١١٧)، والترمذي، أبواب اللباس، باب ما جاء في جر ذيول النساء (٤/ ٢٢٣) برقم: (١٧٣١) واللفظ له، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وابن ماجه، أبواب اللباس، باب ذيل المرأة كم يكون؟ (٤/ ٥٨٨) برقم: (٣٥٨٠)، وأحمد (٨/ ٧٢) برقم: (٤٤٨٩)، صحح إسناده المناوي في (فيض القدير) (٦/ ١١٣).\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٦٢)، وحكى مثله الطيبي في (شرح المشكاة) (٩/ ٢٨٩٣).\n(^٤) يُنظر: الفتاوى الهندية (٥/ ٣٣٣)، الفواكه الدواني (٢/ ٣١٠)، حاشية العدوي (٢/ ٤٥٢)، المجموع (٤/ ٤٥٤)، أسنى المطالب (١/ ٢٧٨)، المغني (١/ ٤١٨)، الفروع (٢/ ٥٩).\n(^٥) يُنظر: الفروع (٢/ ٥٩)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٦٣)، الزواجر عن اقتراف الكبائر (١/ ٢٥٩).\n(^٦) في حل ولا حرام: قال السندي: «أي: في أن يجعله في حل من الذنوب وهو أن يغفر له، ولا في أن يمنعه ويحفظه من سوء الأعمال، أو في أن يحل له الجنة وفي أن يحرم عليه النار، أو ليس هو في فعل حلال ولا له احترام عند الله تعالى، والله تعالى أعلم». فتح الودود في شرح سنن أبي داود (١/ ٤٠٤).\n(^٧) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الإسبال في الصلاة (١/ ٤٧٤) برقم: (٦٣٧) قال أبو داود: «روى هذا جماعةٌ عن عاصم موقوفًا على ابن مسعود، منهم حمَّاد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبو الأحوص، وأبو معاوية»، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الزينة، باب التغليظ في جر الإزار (٨/ ٤٢٨) برقم: (٩٦٠٠)، واللفظ له، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٥/ ١٢٤): «رواه الطبراني ورجاله ثقات»، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ١٠٤٠).","vol":"1","page":347},{"text":"٣ - عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا (^١) (^٢).\nوجه الاستدلال: أن ظاهر هذه الأحاديث صريح في الدلالة على تحريم إسبال اللباس للخيلاء مطلقًا في الصلاة وفي غيرالصلاة، وأنه كبيرة؛ لتوعُّد فاعله بالوعيد الشديد من الله تعالى، وقوله (مَنْ) تفيد العموم للرجال والنساء (^٣).\nوأما إن كان الإسبال لغير الخيلاء: فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: التحريم.\nوهو قول عند المالكية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٥).\nالقول الثاني: الكراهة.\nوهو مذهب الحنفية (^٦)، والمالكية (^٧)، والشافعية (^٨)، والحنابلة (^٩).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ\n_________\n(^١) البَطَر: وهو تجاوز الحد في المرح، والطغيان عند النعمة وطول الغنى. ومن معانيه: التبختر. يُنظر: مقاييس اللغة (١/ ٢٦٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٣٥)، لسان العرب (٤/ ٦٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء (٧/ ١٤١) برقم: (٥٧٨٨)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء (٣/ ١٦٥٣) برقم: (٢٠٨٧).\n(^٣) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٦٣)، شرح المشكاة (٩/ ٢٨٩٣)، نيل الأوطار (٢/ ١٣٢).\n(^٤) يُنظر: المسالك في شرح موطأ مالك (٧/ ٢٩٤)، الفواكه الدواني (٢/ ٣١٠).\n(^٥) يُنظر: الآداب الشرعية (٣/ ٥٢١)، الإنصاف (٣/ ٢٥٥).\n(^٦) يُنظر: الفتاوى الهندية (٥/ ٣٣٣).\n(^٧) يُنظر: المنتقى شرح الموطأ (٧/ ٢٢٦)، حاشية العدوي (٢/ ٤٥٣).\n(^٨) يُنظر: المجموع (٤/ ٤٥٤)، أسنى المطالب (١/ ٢٧٨).\n(^٩) يُنظر: المغني (١/ ٤١٨)، الشرح الكبير (٣/ ٢٥٣).","vol":"1","page":348},{"text":"الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ» (^١).\nالدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، فَمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ (^٢)، لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا» (^٣).\nالدليل الثالث: حديث أبي ذر -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ (^٤)، وَلَا يُزَكِّيهِمْ (^٥)، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ (^٦)، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (^٧).\nوجه الاستدلال من الأحاديث: أن النبي -ﷺ- بيّن في الحديثين -الأول والثاني- أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين مُتوعَّد بالنار، ولم يقيده بالخيلاء، فدل ظاهر الأحاديث على أن هذا الاسبال محرم مطلقًا، سواء كان للخيلاء أم لغير الخيلاء؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار (٧/ ١٤١) برقم: (٥٧٨٧).\n(^٢) قال الخَطَّابي: «قوله: «فهو في النار» يُتأول على وجهين، أحدهما: أن ما دون الكعبين من قدم صاحبه في النار عقوبةً له على ما فعله، والوجه الآخر: أن يكون معناه: أن صنيعه ذلك وفِعله الذي فعله في النار، على معنى أنه: معدود ومحسوب من أفعال أهل النار، والله أعلم». معالم السنن (٤/ ١٩٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في قدر موضع الإزار (٦/ ١٩١) برقم: (٤٠٩٣)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الزينة، إسبال الإزار … (٨/ ٤٣٨) برقم: (٩٦٣٢) واللفظ له، وابن ماجه، أبواب اللباس، باب موضع الإزار أين هو؟ (٤/ ٥٨٣) برقم: (٣٥٧٣)، وأحمد (١٧/ ٥٢) برقم: (١١٠١٠)، صححه ابن حبان (١٢/ ٢٦٢) برقم: (٥٤٤٦)، وصحح إسناده النووي في (رياض الصالحين) (ص: ٢٦٠).\n(^٤) لا ينظر إليهم: معنى كون الله تعالى لا ينظر إليه أي: لا يرحمه ولا ينظر إليه نظر رحمة، ونظره سبحانه لعباده رحمته لهم ولطفه بهم. يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٦١)، طرح التثريب (٨/ ١٧١).\n(^٥) لا يُزَكِّيهم: زكى: الزاء والكاف والحرف المعتل أصل راجع إلى معنيين، وهما النماء والطهارة. والمراد: لا يطهرهم من الذنوب، أو لا يثني عليهم. يُنظر: مقاييس اللغة (٣/ ١٧)، فيض القدير (٣/ ٣٢٩).\n(^٦) المَنَّان: الذي لا يعطي شيئًا إلا منة، واعتد به على مَنْ أعطاه. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٦٦)، لسان العرب (١٣/ ٤١٨)، فيض القدير (٣/ ٣٢٩).، وذكر الخطابي في (معالم السنن) (٤/ ١٩٥) أن المنان يُتأول على وجهين: أحدهما: من المنة وهي إن وقعت في الصدقة أبطلت الأجر، وإن كانت في المعروف كدرت الصنيعة وأفسدتها، والوجه الآخر: أن يُراد بالمن: النقص، يريد بالنقص من الحق والخيانة في الوزن والكيل ونحوهما.\n(^٧) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمنِّ بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف (١/ ١٠٢) برقم: (١٠٦).","vol":"1","page":349},{"text":"لأن الحرام يوجب النار في الآخرة (^١)، وفي الحديث الثالث بيّن أن المسبل مُتوعَّد بما ذُكر من الوعيد الشديد من الله، وكل ما تُوعِّد عليه بالوعيد الشديد فهو حرام.\nنُوقش: أن هذا الإطلاق في هذه الأحاديث محمول على الأحاديث المقيدة بالخيلاء كحديث ابن عمر: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢)، وحديث أبي هريرة: «لَا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا» (^٣) فالتقييد يدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء (^٤).\nأُجيب عنه بجوابين:\nالأول: أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقًا، سواء كان عن مخيلة أم لا، فسألت عن حكم النساء في ذلك؛ لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة .... وأقرها -ﷺ- على فهمها، لكنه بيَّن لها أنه عام مخصوص؛ لتفرقته في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال (^٥).\nالثاني: أن الإسبال مظنة الخيلاء، ذلك أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء (^٦)، فلا يصح التقييد بقصد الخيلاء، وقد قال -ﷺ-: (وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ) فهذا نص صريح أن الإسبال من المخيلة.\nجاء في (فتح الباري): «لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كَعْبَه، ويقول: لا أَجرُّه خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظًا، ولا يجوز لمَن تناوله اللفظ حكمًا أن يقول: لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فيَّ؛ فإنها دعوى غير مُسلَّمة، بل إطالته ذيلَه دالة على تكبُّره» (^٧).\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٦٣)، نيل الأوطار (٢/ ١٣٥).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٣٤٥).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٣٤٥).\n(^٤) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٦٢)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٦٣).\n(^٥) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٥٩).\n(^٦) يُنظر: المصدر نفسه (١٠/ ٢٦٤).\n(^٧) (١٠/ ٢٦٤) نقله ابن حجر عن ابن العربي.","vol":"1","page":350},{"text":"وجاء في (الفواكه الدواني): «الذي يظهر أن الجر من الرجل مظنة البطر والعجب، فيحرم في حقه ذلك، ولو تجرد عن ذلك القصد» (^١).\nالدليل الرابع: عن ابن عمر -﵄- قال: «مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ، ارْفَعْ إِزَارَكَ، فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ: زِدْ، فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا (^٢) بَعْدُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أنكر على ابن عمر استرخاء إزاره، وأَمَره برفعه، فدل إنكاره -ﷺ- على تحريم الإسبال؛ لأنه مظنة الخيلاء.\nالدليل الخامس: عن جابر بن سُلَيْمٍ الْهُجَيْمِيِّ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ولا تحقِرنَّ شيئًا من المعروفِ … وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ …» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث: دليلًا على النهي، والتحذير من الإسبال مطلقًا، وعدم اعتبار التقييد بالخيلاء، وصرح -ﷺ- أن الإسبال من المخيلة المحرمة، وذلك أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء (^٥)، وقوله: (وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ): ضربٌ من التوعد على الاختيال (^٦).\nأدلة القول الثاني:\nاستدلوا بالأحاديث السابقة التي وردت بالنهي عن الإسبال مطلقًا والأحاديث المقيدة بمَن أسبل للخيلاء.\nوجه الاستدلال من الأحاديث: قالوا أن الأحاديث المطلقة في الإسبال يجب حملها على المقيدة بالخيلاء، فالتقييد بالخيلاء يدل على أن التحريم مخصوص\n_________\n(^١) (٢/ ٣١٠).\n(^٢) أَتَحَرَّاها: يتحرى الأمر أي يقصده، أتحراها أي: أقصد الهيئة التي أمر بها النبي -ﷺ-، وأحافظ عليها، ويعني بها: إزرته إلى نصف ساقيه. يُنظر: مقاييس اللغة (٢/ ٤٧)، المفهم (٥/ ٤٠٧).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء (٣/ ١٦٥٣) برقم: (٢٠٨٦).\n(^٤) سبق تخريجه: ص (٣٤٤).\n(^٥) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٦٤)، نيل الأوطار (٢/ ١٣٣).\n(^٦) يُنظر: شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (١٦/ ٣٢٧).","vol":"1","page":351},{"text":"بالخيلاء، وأما إن كان لغير الخيلاء فيحمل النهي على الكراهة (^١).\nنوقش من وجهين (وهو ماجاء في جواب مناقشة أدلة القائلين بالتحريم).\nواستدلوا على حمل النهي على الكراهة إن لم يقصد الخيلاء، بأدلة الترخص فيه:\nالدليل الأول: عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- رخَّص لأبي بكر في ذلك؛ إذ كان جَرُّه لغير الخيلاء، وأن قوله -ﷺ- لأبي بكر: (لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ): فيه تصريح بأن مناط التحريم الخيلاء، وأن الإسبال قد يكون للخيلاء، وقد يكون لغيره (^٣).\nنُوقش من وجهين (^٤):\nالأول: بأنه ورد في الحديث ما يفيد أن أبا بكر -﵁- لم يسبل إزاره قصدًا؛ وإنما كان يشده على قدره، ولكن أحد شقي إزاره كان يسترخي عرَضًا، فكأنّ شده كان ينحل إذا تحرك بمشي أو غيره بغير اختياره لنحافة جسمه؛ ولذلك كان يتعاهده، فإذا سقط إزاره جَرَّه، فرخص له رسول الله -ﷺ- في ذلك، وعذره.\nالثاني: أن قوله -ﷺ-: (لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ): فيه أنه لا حرج على مَنْ انجر إزاره بغير قصده مطلقًا.\nالدليل الثاني: استدلوا بأثرٍ عن ابن مسعود -﵁- أنه ترخص في الإسبال:\nفعن ابن مسعود -﵁-: «أنه كان يسبل إزاره، فقيل له في ذلك، فقال: إني رجل حَمْشُ (^٥) الساقين» (^٦).\nنُوقش: بأن فِعل ابن مسعود -﵁- محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب،\n_________\n(^١) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ١١٦)، (١٤/ ٦٢ - ٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب من جر إزاره من غير خيلاء (٧/ ١٤١) برقم: (٥٧٨٤).\n(^٣) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ١١٦)، نيل الأوطار (٢/ ١٣٣).\n(^٤) يُنظر: معالم السنن (٤/ ١٩٦)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٥٥)، (١٠/ ٢٦٣).\n(^٥) حَمْشُ الساقين: أي: دقيقهما. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٠٠٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٤٠).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٦٦) برقم: (٢٤٨١٦)، حسن إسناده ابن حجر في (فتح الباري) (١٠/ ٢٦٤).","vol":"1","page":352},{"text":"وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يُظن به أنه جاوز به الكعبين، والتعليل يرشد إليه، أي أنه: أسبل إلى الكعبين، وهو ما يغطي حَمْشَ الساقين (^١).\nسبب الخلاف:\nالذي يظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف هو اختلافهم في مناط الحكم: هل هو مطلق الإسبال وتجاوز الحد المشروع أو أن مناط الحكم هو ما ورد من تقييد الإسبال بالخيلاء في بعض الأحاديث؟ فمَن قال بأن مناط الحكم التقييد بالخيلاء قال بكراهة الإسبال لغير الخيلاء، ومَن قال أن مناط الحكم هو الاسبال قال بتحريم الإسبال مطلقًا، ويمكن أن يُعبر عنه بالخلاف في حمل المطلق على المقيد.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بتحريم الإسبال وإن كان لغير الخيلاء، وهو عام في جميع الأحوال سواء كان في صلاة أو لا.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة أدلة التحريم وعمومه.\n٢ - ضعف استدلال أصحاب القول الثاني، وورود المناقشات عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين مما سبق أن أصحاب القول الثاني حملوا النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم:\nقرينة: ورود النص بالرخصة لمَن لا يفعله خيلاء:\nأن النبي -ﷺ- رخَّص لأبي بكر -﵁- وبيَّن أن علة الوعيد الشديد فِعله للخيلاء.\nقال النووي -﵀-: «رخَّص النبي -ﷺ- في ذلك لأبي بكر الصديق -﵁-، وقال: لست منهم؛ إذ كان جره لغير الخيلاء» (^٢).\nقال النووي -﵀-: «فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٦٤).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ١١٦).","vol":"1","page":353},{"text":"منع تحريم، وإلا فمنع تنزيه» (^١).\nوقال الطيبي -﵀-: «فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلا فمنعُ تنزيه» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nالقرينة النصية من القرائن القوية الصارفة للنهي عن التحريم في حال ثبوتها وصحتها وعدم المعارض لها، لكنَّ القرينة النصية هنا يُعترض عليها بأن دلالتها ضعيفة؛ لأنها ليست في محل النزاع وهو قصد الإسبال، وإنما وردت فيمَن استرخى إزاره عرضًا ولم يتركه، بل تعاهد رفعه؛ ولذلك لا تصلح قرينة لحمل النهي على الكراهة. والنهي ورد مؤكدًا بالوعيد الشديد فيمَن أسبل ثوبه قصدًا مما قَوَّى جانب بقاء النهي على مقتضاه -التحريم-سواء قصد الخيلاء أو لا، والله أعلم.\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٦٣).\n(^٢) شرح المشكاة (٩/ ٢٨٩٣).","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>الفصل الخامس\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب آداب المشي إلى الصلاة</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد.\nالمبحث الثاني: النهي عن الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة.\nالمبحث الثالث: النهي عن المشي في نعل واحدة.\nالمبحث الرابع: النهي عن الانتعال قائمًا.\nالمبحث الخامس: النهي عن وَضْع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>المبحث الأول:\nالنهي عن تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد</span>\n<span data-type='title' id=toc-209>المطلب الأول: حكم تشبيك اليدين (^١) عند الذهاب إلى المسجد:</span>\nدليل النهي:\nعن كعب بن عُجْرَة -﵁- (^٢) أن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» (^٣).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد، على قولين:\nالقول الأول: كراهة التشبيك.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nالقول الثاني: لا يُكره التشبيك.\n_________\n(^١) الشَّبْك في اللغة: الخلط والتداخل، ومنه: تشبيك الأصابع. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٥٩٣)، لسان العرب (١٠/ ٤٤٦)، وفي الاصطلاح: أن يُدخِل الشّخص أصابع إحدى يديه بين أصابع الأخرى. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٤١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٢).\n(^٢) هو: كَعْبُ بن عُجْرَة بن أُمَيَّة بن عَديّ بن عُبَيد البلويّ، حليف الأنصار، صحابي، يُكنى أبا محمد، استأخر إسلامه، ثم أسلم، وشهد المشاهد، وهو الذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة في حلق رأس المحرم والفدية، حدَّث بالكوفة وبالبصرة، وتُوفي بالمدينة سنة ٥٢ هـ، قال بعضهم: وهو ابن خمس، وقيل: سبع وسبعين سنة. يُنظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٢)، تهذيب التهذيب (٨/ ٤٣٥)، الإصابة (٥/ ٤٤٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الهدي في المشي إلى الصلاة (١/ ٤٢١) برقم: (٥٦٢)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة (٢/ ٢٢٨) برقم: (٣٨٦)، وأحمد (٣٠/ ٢٨) برقم: (١٨١٠٣)، ضعف إسناده النووي في (المجموع) (٤/ ٥٤٤)، وقال ابن حجر في (فتح الباري) (١/ ٥٦٦): «في إسناده اختلاف ضعَّفه بعضهم بسببه»، وصححه ابن حبان من رواية عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن كعب (٥/ ٥٢٤) برقم: (٢١٥٠)، وقال الطحاوي في (شرح مشكل الآثار) (١٤/ ١٩٦): «لا نعلم في هذا الباب عن كعب أحسن من هذا الحديث»، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (١/ ١٣٩)، وله شواهد، منها: حديث أبي هريرة، وسيأتي عند ذِكر الأدلة؛ فلعل الحديث يتقوى بمجموع طرقه وشواهده، والله أعلم.\n(^٤) يُنظر: النهر الفائق (١/ ٢٧٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤١).\n(^٥) يُنظر: المجموع (٤/ ٥٤٤)، مغني المحتاج (١/ ٥٦٦).\n(^٦) يُنظر: الشرح الكبير (٣/ ٣٩٤)، كشاف القناع (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":356},{"text":"وهو مذهب المالكية (^١).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن العامد إلى الصلاة أُلحق بمَن كان في الصلاة، وذلك إشارة إلى أنه ينبغي له أن يتأدب بآداب المصلين: فيترك العبث، ولا يشبك في الصلاة، كذلك في طريق الصلاة، فيُستدل به على كراهة تشبيك الأصابع في طريقه إلى المسجد؛ لأنه من العبث الذي يتنافى مع السكينة المطلوبة في الصلاة، وفي المشي إلى الصلاة (^٣).\nالدليل الثاني: عن كعب بن عُجْرَة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ».\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلَا يَقُلْ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن في الأحاديث نهيًا عن التشبيك حال الذهاب إلى المسجد للصلاة، ويُحمل على الكراهة؛ للتعليل بقوله (فِي صَلَاةٍ) فإن مَنْ قصد الصلاة فكأنما هو في الصلاة حكمًا وحصول الأجر، فيُؤمر بالتأدب بآداب الصلاة وترك العبث؛ تنزيهًا له عن مخالفة هيئة المصلي (^٥).\nقال الشافعي -﵀-: «وإذا مشى على سَجِيَّة مشيه كَرهتُ أن يشبك بين أصابعه؛ لأنه\n_________\n(^١) يُنظر: شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٩٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (١/ ٤٢١) برقم: (٦٠٢).\n(^٣) يُنظر: بحر المذهب (٢/ ٤١٤)، المجموع (٤/ ٥٤٤).\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٥٨) برقم: (٤٤٧)، وابن حبان (٥/ ٥٢٣) برقم: (٢١٤٩)، والحاكم (١/ ٣٢٤) برقم: (٧٤٤)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وصحَّحه الألباني في (إرواء الغليل) (٢/ ١٠١).\n(^٥) يُنظر: شرح المصابيح (٢/ ٦٢)، طرح التثريب (٢/ ٣٥٨)، فيض القدير (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":357},{"text":"في حكم المصلي في الثواب» (^١).\nنُوقش من وجهين:\nالأول: أن حديث كعب بن عُجْرَة -﵁- في إسناده ضعف (^٢).\nيُمكن أن يُجاب عنه: بعدم التسليم؛ فقد تبيَّن في التخريج أن حديث كعب بن عُجْرَة وإن ضُعف من طريق فقد صححه ابن حبان من أحد طرقه، وله شواهد يتقوى بها، منها: حديث أبي هريرة.\nقال الطحاوي: «لا نعلم في هذا الباب عن كعب أحسن من هذا الحديث» (^٣).\nوعلى فرض التسليم بضعف الحديث: فقد ذكر النووي وغيره أن حديث أبي هريرة الذي عند مسلم -الدليل الأول- هو المعتمد في الاستدلال على المسألة (^٤).\nالثاني: أن هذه الأحاديث معارضة بما صح عن رسول الله -ﷺ- أنه شبك بين أصابعه في المسجد: من حديث أبي موسى -﵁-، وفي قصة ذي اليدين (^٥) من حديث أبي هريرة -﵁-، وقد ترجم البخاري على هذين الحديثين بجواز تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ولعل مراده جواز التشبيك مطلقًا؛ لأنه إذا جاز فِعله في المسجد ففي غيره أولى بالجواز (^٦).\nوأحاديث النهي غير مقاومة لهذين الحديثين في الصحة ولا مساوية؛ لأنهما في الصحيحين، فيترجح الجواز وعدم الكراهة (^٧).\n_________\n(^١) كفاية النبيه في شرح التنبيه (٤/ ٣٧٨).\n(^٢) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٦٤)، المجموع (٤/ ٥٤٤)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٦٦).\n(^٣) شرح مشكل الآثار (١٤/ ١٩٥).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٤/ ٥٤٤)، النجم الوهاج (٢/ ٥٠١).\n(^٥) هو: الخِرْبَاقُ السُّلَمِي، كان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة، اشتُهر بذي اليدين، له صحبة، عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين، وشهد أبو هريرة يوم ذي اليدين، وهو الراوي لحديثه، وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد بدر بأعوام، فهذا يبين أن ذا اليدين الذي راجع النبي -ﷺ- يومئذ في شأن الصلاة ليس بذي الشِّمالَين. يُنظر: الاستيعاب (٢/ ٤٧٥)، أسد الغابة (٢/ ١٦٢)، الإكمال في ذِكر مَنْ له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال (ص: ١٣٣).\n(^٦) يُنظر: الكواكب الدراري (٤/ ١٤١)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٦٦)، عمدة القاري (٤/ ٢٦١).\n(^٧) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٢/ ١٢٥)، نيل الأوطار (٢/ ٣٨٧).","vol":"1","page":358},{"text":"والجواب عنه سيأتي عند مناقشة أدلة القول الثاني.\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: حديث أبي موسى -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» (^١).\nالدليل الثاني: حديث أبي هريرة -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- صَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ … الحديث» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن حديث أبي موسى يدل على جواز التشبيك مطلقًا، وحديث أبي هريرة يدل على جوازه في المسجد، وإذا جاز في المسجد فهو في غيره أجوز (^٣)، وفيه أيضًا أنه -ﷺ- شبك أصابعه بعد الصلاة في ظنه -ﷺ-، فهو في حكم المنصرف عن الصلاة؛ فدل على أن التشبيك لا يكره إلا في الصلاة. وهذه الأحاديث معارضة لأحاديث النهي وأصح منها فالقول بالجواز أرجح (^٤).\nنُوقش (وهو جواب الوجه الثاني من مناقشة الدليل الثالث للقول الأول): بأنه لا تعارض بين هذه الأحاديث وأحاديث النهي، وأنه يمكن الجمع بينها (^٥)، وللعلماء في الجمع بين هذه الأحاديث أوجه، منها:\n١ - أن النهي محمول على التشبيك للعبث، والجواز إن كان لغير العبث، بل لقصد من المقاصد الصحيحة (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره (١/ ١٠٣) برقم: (٤٨١)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (٤/ ١٩٩٩) برقم: (٢٥٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره (١/ ١٠٣) برقم: (٤٨٢)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له (١/ ٤٠٣) برقم: (٥٧٣).\n(^٣) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٦٦)، عمدة القاري (٤/ ٢٦١).\n(^٤) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٦٤)، نيل الأوطار (٢/ ٣٨٧).\n(^٥) يُنظر: المتواري على أبواب البخاري (ص: ٩٠)، فتح الباري، لابن رجب (٣/ ٤٢٣).\n(^٦) يُنظر: الكواكب الدراري (٤/ ١٤١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٢).","vol":"1","page":359},{"text":"قال ابن المُنَيِّر -﵀- (^١): «التحقيق أنها لا تعارضها إذا المُنهى عنه فَعَله على وجه الولع والعبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس ونحو ذلك من المقاصد الصحيحة، والله أعلم» (^٢).\n٢ - أن النهي والكراهة إنما هي في حق المصلي وقاصد الصلاة، وتشبيك النبي -ﷺ- في قصة ذي اليدين كان بعد سلامه من الصلاة، فلا معارضة إذًا (^٣).\nقال ابن حجر -﵀-: «ويُجمع بأن النهي مقيد بما إذا كان في الصلاة أو قاصدًا لها؛ إذ منتظر الصلاة في حكم المصلي، وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية عن ذلك» (^٤).\n٣ - أن أحاديث تشبيكه -ﷺ- في الصحيحين تفيد عدم التحريم، ولا تمنع الكراهة لغيره؛ لكون فعله نادرًا، أي: لبيان الجواز (^٥).\nقال الشوكاني -﵀-: «يُجمع بما ذكره المصنف (^٦) من أن فِعله -ﷺ- لذلك نادرًا يرفع التحريم، ولا يرفع الكراهة» (^٧).\n_________\n(^١) هو: أحمد بن محمد بن منصور بن القاسم بن مختار القاضي، أبو العباس، ناصر الدين ابن المُنَيِّر الإسكندراني، وُلد سنة ٦٢٠ هـ، وكان عالمًا فاضلًا، برع في: الفقه، والأصول، والنظر، والعربية، والبلاغة، ولي قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين، ودرَّس بعدة مدراس، وله مصنفات مفيدة، منها: «تفسير القرآن» و«الانتصاف من الكشاف» و«أسرار الإسراء» و«مناسبات تراجم البخاري» طُبع كتابه هذا باسم: «المتواري»، تُوفي سنة ٦٨٣ هـ. يُنظر: الوافي بالوفيات (٨/ ٨٤)، شذرات الذهب (٧/ ٦٦٦).\n(^٢) المتواري على أبواب البخاري (ص: ٩٠).\n(^٣) يُنظر: المجموع (٤/ ٥٤٥)، عمدة القاري (٤/ ٢٦١).\n(^٤) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٦٦). نقله عن الإسماعيلي.\n(^٥) يُنظر: مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٨٨).\n(^٦) يُقصد به صاحب (منتقى الأخبار): أبو البركات شيخ الحنابلة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني المعروف بابن تيمية، وهو جد شيخ الإسلام ابن تيمية -﵏- جميعًا).\n(^٧) نيل الأوطار (٢/ ٣٨٨)، وتعقَّب الشوكاني هذا الوجه في الجمع: بأن النبي -ﷺ- لا يفعل المكروه، فقال: «ولكن يبعد أن يفعل -ﷺ- ما كان مكروهًا، والأَولى أن يُقال: إن النهي عن التشبيك ورد بألفاظ خاصة بالأمة، وفِعله -ﷺ- لا يعارض قوله الخاص بهم كما تقرر في الأصول»، ويمكن أن يُجاب عنه بالآتي: أولًا: «لا يُتصور منه -ﷺ- وقوع مكروه، فإنه إذا فعل شيئًا وكان مكروهًا في حقنا، فليس بمكروه منه؛ لأنه يفيد به التشريع وبيان الجواز». قاله الزركشي في (تشنيف المسامع) (٢/ ٩٠٣). ثانيًا: يُجاب عن قوله: فِعله -ﷺ- لا يعارض قوله الخاص بهم: أولًا: أن الأصل مشاركة الأمة له في الأحكام إلا ما دل دليل على تخصيصه به -ﷺ-، وأننا متعبَّدون بالتأسي به في فِعله -ﷺ-. ثانيًا: أن مسألة تعارُض الفعل والقول من المسائل المختلف فيها بين الأصوليين، ولهم فيها مذاهب بحسب أحوال الفعل وأوصافه، وهذه القاعدة التي أوردها مُختلَف فيها. يُنظر: التمهيد (٢/ ٣١٣)، الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (١/ ١٨٦)، البحر المحيط (٦/ ٥٢).","vol":"1","page":360},{"text":"سبب الخلاف:\nالسبب في اختلافهم: تعارض ظاهر أحاديث النهي عن التشبيك مع أحاديث تشبيكه -ﷺ- بين يديه، واختلافهم في صحة حديث النهي.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة تشبيك الأصابع عند الذهاب إلى المسجد.\nأسباب الترجيح:\n١ - أن خطاب النهي عن التشبيك حال الذهاب إلى المسجد للصلاة، ورد بطلب الترك من غير جزم ولا وعيد، وذلك يفيد الكراهة (^١).\n٢ - أنه القول الذي به تجتمع الأدلة، وفيه إعمال للأحاديث جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-210>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وفيه فِعله -ﷺ- لبيان الجواز.\nأشار العلماء إلى أن ما صح عن رسول الله -ﷺ- من أنه شبَّك بين أصابعه في المسجد، جاء لبيان الجواز، فكانت هذه الأحاديث قرينة صارفة:\nالأول: حديث أبي موسى -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» (^٢).\nالثاني: قصة ذي اليدين من حديث أبي هريرة -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- صَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ\n_________\n(^١) لأن الخطاب إن ورد باقتضاء الترك لا مع الجزم، فهو للكراهة. يُنظر: شرح مختصر الروضة (١/ ٢٦٢)، التحبير شرح التحرير (٢/ ٨٠٨).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٣٥٧).","vol":"1","page":361},{"text":"يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ … الحديث» (^١).\nقال الزركشي -﵀-: «حديث كعب بن عُجْرَة محمول على الكراهية، وحديث ذي اليدين على الجواز، وفِعله -ﷺ- إذا كان بيانًا للجواز لم يكن مكروهًا» (^٢).\nجاء في (مرقاة المفاتيح): «فالنهي محمول على الكراهة؛ لما ثبت في حديث ذي اليدين أنه -﵇- شبَّك أصابعه، وذلك يفيد عدم التحريم، ولا يمنع الكراهة، أي: لغيره؛ لكون فِعله نادرًا، أي: لبيان الجواز» (^٣).\nوقال الشوكاني -﵀-: «وظاهر النهي عن التشبيك: التحريم، لولا حديث ذي اليدين» (^٤).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nقال المناوي -﵀-: «التشبيك من هيئات التصرفات الاختيارية، والصلاة تُصان عن ذلك، مع أن التشبيك جالب للنوم، وهو مظنة للحدث؛ فلذلك كُره تنزيهًا» (^٥).\nوتعددت أقوال أهل العلم في العلة من النهي عن تشبيك اليدين، ومما ذكروه (^٦):\nالأول: لما في التشبيك من العبث المخالف لهيئة الصلاة.\nالثاني: لأنه يجلب النوم، وهو من مظان الحدث.\nالثالث: أن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف.\nالرابع: لكونه من الشيطان، أو فيه التشبه بالشيطان.\nالحكم على القرينة:\nالقرينة النصية من أقوى القرائن الصارفة، وتزداد قوة بثبوتها وصحتها، ولكونها جاءت في بيان الرخصة والجواز، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ لاعتضاد هذه القرينة بما قبلها، ولاعتبار ما جاء فيها من المعاني؛ فهي معاني مناسبة لحمله على التنزيه، والله أعلم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٣٥٧).\n(^٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص: ٣٣٣).\n(^٣) (٢/ ٧٨٨).\n(^٤) نيل الأوطار (٢/ ٣٨٧).\n(^٥) فيض القدير (١/ ٣٢١).\n(^٦) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٦٢)، عمدة القاري (٤/ ٢٦٢)، فيض القدير (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>المبحث الثاني:\nالنهي عن الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-212>المطلب الأول: حكم الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ (^١)، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (^٢)، وفي رواية مسلم: «إِذَا ثُوِّبَ (^٣) لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» (^٤).\nصورة المسألة:\nإذا أقيمت الصلاة وكان الرجل في طريقه إليها فهل له أن يسرع ويستعجل ليدرك الصلاة من أولها أم لا؟.\nحكم المسألة:\n_________\n(^١) معنى السكينة: السين والكاف والنون أصل واحد مطرد، يدل على خلاف الاضطراب والحركة. والسكينة: الوداعة والوقار، ومعنى الوقار: الواو والقاف والراء: أصل يدل على ثقل في الشيء. والوقار: الحلم والرزانة، يُقال: عليكم السكينة والوقار والتأني في الحركة والسير، فالسكينة والوقار في الحديث قيل: هما بمعنى واحد وجمع بينهما تأكيدًا، وقيل: الظاهر أن بينهما فرقًا، وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت والإقبال على طريقه بغير التفات ونحو ذلك، والله أعلم. يُنظر: مقاييس اللغة (٣/ ٨٨) و(٦/ ١٣٢)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٠٠)، لسان العرب (١٣/ ٢١٣، ٢٩٠)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٦/ ٤٠٥)،\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأتِ بالسكينة والوقار (١/ ١٢٩) برقم: (٦٣٦).\n(^٣) التَّثْوِيب: إقامة الصلاة، والأصل في التثويب: أن يجيء الرجل مستصرخًا، فيلوح بثوبه؛ ليُرى ويُشتهر، فسُمي الدعاء تثويبًا لذلك، وكل داعٍ مُثاب، وقيل: إنما سُمي تثويبًا من: ثاب يثوب إذا رجع، فسُميت الإقامة تثويبًا؛ لأنها دعاء إلى الصلاة بعد الدعاء بالأذان. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٢٦)، لسان العرب (١/ ٢٤٧)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٠٠).\n(^٤) سبق تخريجه: ص (٣٥٥).","vol":"1","page":364},{"text":"اتفق الفقهاء (^١) على: استحباب المشي بالسكينة والوقار، وكراهة الاسراع والهرولة، أثناء الذهاب إلى الصلاة.\nقال ابن تيمية -﵀-: «قال أبو عبد الله -﵀-: ويُستحب للرجل إذا أقبل إلى المسجد أن يُقبِل بخوف ووجل وخشوع وخضوع، وأن تكون عليه السكينة والوقار، ما أدرك صلى، وما فات قضى، بذلك جاء الأثر عن النبي -ﷺ-» (^٢).\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (^٣). وفي رواية: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن في قوله -ﷺ-: (فَامْشُوا) أمرًا بالمشي عند الذهاب للصلاة، وقوله: (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ) أَمْرٌ بلزوم السكينة والوقار، وقوله: (وَلَا تُسْرِعُوا) تصريح بالنهي عن الإسراع، فدل بمجموعه على تأكيد الندب إلى إتيان الصلاة بسكينة ووقار، وكراهة إتيانها سعيًا، سواء في صلاة الجمعة أم غيرها، وأكَّد ذلك ببيان العلة، فقال: (فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) فالذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إليها، فينبغي أن يكون متأدبًا بآدابها، وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة (^٥).\nالدليل الثاني: عن أبي قتادة -﵁- قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذْ سَمِعَ\n_________\n(^١) شرح مشكل الآثار (١٤/ ١٩٥)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٦٠)، إكمال المعلم (٢/ ٥٥٣)، المدخل، لابن الحاج (١/ ٤٥)، المجموع (٤/ ٢٠٦)، مغني المحتاج (١/ ٤٦٩)، المغني (١/ ٣٢٨)، كشاف القناع (١/ ٣٢٤).\n(^٢) شرح العمدة، لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٥٩٦).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٣٦٢).\n(^٤) سبق تخريجه: ص (٣٥٥).\n(^٥) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٩٩)، طرح التثريب (٢/ ٣٥٤)، فيض القدير (١/ ٢٩٤)، نيل الأوطار (٣/ ١٦٢).","vol":"1","page":365},{"text":"جَلَبَةَ (^١) رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن قوله: (إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ) يفيد العموم في كل صلاة، وكل أوقات الصلاة، وقوله: (فَلَا تَفْعَلُوا) أي: لا تستعجلوا ولا تسرعوا، ذُكر بلفظ الفعل لا بلفظ الاستعجال مبالغةً في النهي عنه، فالحديث يدل على مشروعية المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، وكراهية الإسراع والسعي؛ لأنه في حكم المصلي من حين خروجه إلى الصلاة، كما في حديث أبي هريرة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-213>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم إلى الكراهة القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: التعليل بعلة لا تقتضي التحريم.\nوقد جاءت العلة منصوصًا عليها في قوله -ﷺ-: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، .... فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» (^٤) فينبغي له أن يتأدب بأدبها: فيمشي على هينته (^٥)، ولا يسرع.\nقال النووي -﵀- في (المنهاج): «قال العلماء: والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السعي: أن الذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إليها، فينبغي أن يكون متأدبًا\n_________\n(^١) الجَلَبَة هي الأصوات أو اختلاط الأصوات، أي: سمعنا أصواتًا لحركتهم وكلامهم واستعجالهم. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨١)، مختار الصحاح (ص: ٥٩)، لسان العرب (١/ ٢٦٩)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة (١/ ١٢٩) برقم: (٦٣٥)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (١/ ٤٢١) برقم: (٦٠٣).\n(^٣) يُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٦/ ٤٠١)، عمدة القاري (٥/ ١٥٠)، نيل الأوطار (٣/ ١٦٢).\n(^٤) سبق تخريجه: ص (٣٥٥).\n(^٥) الهَوْن مصدر الهين: في معنى السكينة والوقار والسهولة، فعينه واو، وشيء هَيِن وهَيِّن: أي: سهل، وسار على هينته: أي: على عادته في السكون والرفق، يُقال: امشِ على هينتك: أي: على رِسلك. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٩٠)، لسان العرب (١٣/ ٤٤٠).","vol":"1","page":366},{"text":"بآدابها، وعلى أكمل الأحوال» (^١).\nوقال ابن حجر -﵀-: «الحكمة في هذا الأمر تُستفاد من قوله -ﷺ-: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) أي أنه: في حكم المصلي، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه، … قال النووي: نبَّه بذلك على أنه لو لم يدرك من الصلاة شيئًا لكان محصلًا لمقصوده؛ لكونه في صلاة» (^٢).\nالقرينة الثانية: وروده في باب الأدب والإرشاد.\nذلك أن النهي عن الاستعجال والإسراع عند الذهاب للصلاة فيه حثٌّ على الأدب، وإرشاد إلى تحصيل مصلحة الصلاة ومقصدها وهو الخشوع، وهو سنة باتفاق الفقهاء (^٣)، فنُهي عن الإسراع؛ لأنه مُخل بالخشوع؛ لما يقع فيه من التشويش وضيق النفس، واستُحب له المشي بسكينة ووقار.\nقال القرطبي -﵀-: «ذلك أنه إذا أسرع انبهر (^٤)، فتشوّش عليه: دخوله في الصلاة، وقراءتها، وخشوعها» (^٥).\nوقال الطحاوي -﵀-: «كذلك نأمر الذي يأتي للصلاة بالمشي على هيئته، لا يأتيها وقد حصره النفس الذي شغله عنها، وتقطعت عما أُمر به فيها» (^٦).\nالحكم على القرينة:\nقرينة التعليل قوية ومعتبرة؛ فقد جاءت في نص ثابت من حديث رسول الله -ﷺ-، وقوية في دلالتها على علة النهي، ولا معارض لها، والقرينة الثانية أيضًا معتبرة؛ لاعتبار\n_________\n(^١) (٥/ ٩٩).\n(^٢) فتح الباري (٢/ ١١٨).\n(^٣) اتفق الفقهاء على أن الخشوع سنة. يُنظر: البحر الرائق (٢/ ١٥)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٤١)، الذخيرة (٢/ ٢٣٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥٤٧)، الفروع (٢/ ٢٥١)، كشاف القناع (١/ ٣٩٢). وحكاه النووي -﵀- إجماعًا، حيث يقول: «أجمع العلماء على استحباب: الخشوع والخضوع في الصلاة، وغض البصر عما يلهي، وكراهة الالتفات في الصلاة». المجموع (٣/ ٣١٤).\n(^٤) البُهْر -بالضم-: تَتابُع النفس، وبالفتح المصدر، يُقال: بهره الحمل يبهره بهرًا، أي: أوقع عليه البهر فانبهر، أي: تتابع نفسه. يُنظر: الصحاح (٢/ ٥٩٨)، لسان العرب (٤/ ٨٢).\n(^٥) المفهم (٢/ ٢١٩)، ويُنظر: حاشية الطحطاوي (ص: ٣٦٠).\n(^٦) أحكام القرآن، للطحاوي (١/ ١٥١).","vol":"1","page":367},{"text":"معنى تحصيل مقصود الصلاة -الخشوع- وهو مستحب فوسيلة تحصيله مستحبة، والله أعلم.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>المبحث الثالث:\nالنهي عن المشي في نعل واحدة</span>\n<span data-type='title' id=toc-215>المطلب الأول: حكم المشي في نعل واحدة:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قال: «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا (^١) جَمِيعًا، أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا» (^٢).\nحكم المسألة:\nأولًا: لا خلاف بين العلماء في أن الأوامر والنواهي في باب الانتعال من الآداب المكمِّلة، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر (^٣).\nقال القاضي عياض -﵀-: «النهى عن المشي في نعل واحدة … وهذه جملة لم يختلف العلماء فيها، وأنها أوامر أدب وتحضيض لا تجب» (^٤).\nوقال القرطبي -﵀-: «باب في الانتعال وآدابه … ولا خلاف في أن أوامر هذا الباب ونواهيه إنما هي من الآداب المكمِّلة، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر عند مُعتبَر بقوله من العلماء» (^٥).\nثانيًا: اتفق الفقهاء (^٦) على كراهة المشي في نعل واحدة.\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قال: «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ\n_________\n(^١) لِيُحْفِهِما: ليمشِ حافي الرجلين، من الإحفاء: وهو المشي بلا خف ولا نعل. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤١٠) لسان العرب (١٤/ ١٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب لا يمشي في نعل واحدة (٧/ ١٥٤) برقم: (٥٨٥٦)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب لبس النعل فِي اليمنى أولًا والخلع من اليسرى (٣/ ١٦٦٠) برقم: (٢٠٩٧).\n(^٣) يُنظر: إكمال المعلم (٦/ ٦١٦)، المفهم (٥/ ٤١٦)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٥).\n(^٤) إكمال المعلم (٦/ ٦١٦).\n(^٥) المفهم (٥/ ٤١٦).\n(^٦) يُنظر: شرح مشكل الآثار (٣/ ٣٨٨)، عمدة القاري (٢٢/ ٢٦)، البيان والتحصيل (١٨/ ٥٣٩)، المقدمات الممهدات (٣/ ٤٥٠)، المجموع (٤/ ٤٦٦)، أسنى المطالب (١/ ٢٧٨)، كشاف القناع (١/ ٢٨٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":369},{"text":"وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا» (^١).\nالدليل الثاني: عن جابر بن عبد الله: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» (^٢).\nوجه الاستدلال: في الأحاديث نهي النبي -ﷺ- عن المشي في نعل واحد، وهو محمول على الكراهة؛ للإجماع على أنه نهي أدب وإرشاد (^٣).\nالدليل الثالث: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنِ انْقَطَعَ شِسْعُ (^٤) نَعْلِهِ فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن قوله: (مَنِ انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ): «لا مفهوم له حتى يدل على الإذن في غير هذه الصورة، وإنما هو تصوير خرج مخرج الغالب، ويمكن أن يكون من مفهوم الموافقة، وهو: التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا مُنع مع الاحتياج فمع عدم الاحتياج أولى» (^٦).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٣٦٦).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب اشتمال الصماء والاحتباء فِي ثوب واحد (٣/ ١٦٦١) برقم: (٢٠٩٩).\n(^٣) يُنظر: المقدمات الممهدات (٣/ ٤٥٠)، المجموع (٤/ ٤٦٦).\n(^٤) الشِّسْع: هو أحد سيور النعال، وهو الذي يدخل بين الأصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام: هو السير الذي يعقد فيه الشِّسْع وجمعه: شسوع. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢٣٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٧٢)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٤).\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب اشتمال الصماء والاحتباء فِي ثوب واحد (٣/ ١٦٦١) برقم: (٢٠٩٩).\n(^٦) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣١٠).","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-216>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وحُكي فيها فِعله -ﷺ- للمنهي عنه.\nأشار بعض أهل العلم إلى أن حديث عائشة -﵂-: «رُبَّمَا مَشَى النَّبِيُّ -ﷺ- فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» (^١) قرينة صارفة للنهي عن التحريم؛ لأنه وقع منه نادرًا؛ لبيان الجواز كما يشير إليه التعبير بـ (ربما) المفيدة للتقليل، أو أنه لعذر كما جاء مصرحًا به في رواية (^٢).\nقال أبو زرعة العراقي -﵀- (^٣): «بوَّب الترمذي بعد إيراد هذا الحديث على الرخصة في المشي في نعل واحدة، وروى فيه عن عائشة -الحديث- ثم رواه موقوفًا على عائشة، وقال: إنه أصح (^٤)، … وقال والدي -﵀- (^٥) في شرح الترمذي: لعله بتقدير ثبوته وقع منه نادرًا؛ لبيان الجواز أو لعذر، وفي بعض طرقه التصريح بالعذر» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، أبواب اللباس، باب ما جاء من الرخصة في المشي في النعل الواحدة (٤/ ٢٤٤) برقم: (١٧٧٧)، قال ابن حجر في (فتح الباري) (١٠/ ٣١٠): «ضعيف … وقد رجح البخاري وغير واحد وَقْفَه على عائشة»، وقال المزي في (تحفة الأشراف) (١٢/ ٢٧٦): «قال الترمذي في الحديث الثاني الموقوف على عائشة: وهذا أصح، وإنما أراد الترمذي أن الموقوف أصح من المرفوع، لا أن الإسناد وقع فيه وهم كما ذكر أبو القاسم؛ ولهذا استشهد برواية الثوري وغيره للموقوف، والله أعلم».\n(^٢) يُنظر: المقدمات الممهدات (٣/ ٤٥٠)، طرح التثريب (٨/ ١٣٤)، فيض القدير (١/ ٣٠٧).\n(^٣) هو: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي الرازياني ثم المصري، ولي الدين أبو زرعة بن الإمام العلامة الحافظ زين الدين أبي الفضل العراقي، وُلد بالقاهرة سنة ٧٦٢ هـ، كان حافظًا فقيهًا، تولى القضاء سنة ٨٢٤ هـ، من كتبه: «الإطراف بأوهام الأطراف» و«رواة المراسيل» و«حاشية على الكشاف» و«أخبار المدلسين» و«تحرير الفتاوى» وغير ذلك، وله نظم ونثر كثير، تُوفي سنة ٨٢٦ هـ. يُنظر: طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة (٤/ ٨٠)، شذرات الذهب (٩/ ٢٥١).\n(^٤) سنن الترمذي (٤/ ٢٤٤) برقم: (١٧٧٨).\n(^٥) هو: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي الأصل الكردي، المصري، الشافعي، وُلد سنة ٧٢٥ هـ، كان فقيهًا، محدثًا، محررًا، ناقدًا، تولى قضاء المدينة وخطابتها وإمامتها، وكان كثير الحياء والعلم والتواضع، من مؤلفاته: «الألفية في مصطلح الحديث» و«كتاب في المراسيل» و«تقريب الأسانيد» و«نظم الاقتراح» و«تخريج أحاديث الأحياء» و«طرح التثريب في شرح التقريب» بلغ إلى ثلثيه، وأكمله بعده ابنه أبو زرعة، وغير ذلك من المصنفات، تُوفي سنة ٨٠٦ هـ. يُنظر: ذيل طبقات الحفاظ، للسيوطي (ص: ٢٤٥)، طبقات الشافعية، لابن قاضى شهبة (٤/ ٢٩).\n(^٦) طرح التثريب (٨/ ١٣٤).","vol":"1","page":371},{"text":"القرينة الثانية: فِعل الصحابة (رضوان الله عليهم) للمنهي عنه.\nذكر بعض أهل العلم آثارًا عن الصحابة بأنهم مشوا في نعل واحد، ففِعلهم دليل على أنهم فهموا أن النهي ليس على ظاهره، وأنه للتنزيه (^١)، وفي ذلك إشارة إلى أن فِعل الصحابي للمنهي عنه قرينة صارفة؛ فالصحابة شهدوا التنزيل، وشاهدوا النبي -ﷺ-، وعايشوا أحواله وأقواله وأفعاله، فهم أعرف بالخطاب، وأفهم للمراد منه.\nمن ذلك ما نقله ابن مفلح (^٢) والبُهوتي (^٣) (^٤) -رحمهما الله- أنه: «مشى عليٌّ في نعل واحدة» (^٥)، و«مشت عائشة في خف (^٦) واحد» (^٧).\nوحديث عائشة -﵂- المتقدم، والذي حكت فيه مشي النبي -ﷺ- في نعل واحدة، تبيَّن في تخريجه أن من أهل العلم مَنْ رجح وقفه على عائشة، فإن كان كذلك فإنه يكون من جنس قرينة فِعل الصحابي، والله أعلم.\nالقرينة الثالثة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nفالعلماء حملوا النهي على الكراهة والتنزيه؛ لأنه نهي أدب وإرشاد.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «نهيُه -ﷺ- عن المشي في نعل واحدة نهي أدب لا نهي تحريم، والأصل في هذا الباب أن كل ما كان في ملكك فنُهيت عن شيء من تصرفه والعمل به، فإنما هو نهي أدب؛ لأنه ملكك، تتصرف فيه كيف شئت، ولكن التصرف على سنته لا\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣١٠).\n(^٢) الفروع (٢/ ٨٢).\n(^٣) هو: منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس، الشهير بالبُهوتي، المصري الحنبلي، وُلد سنة ١٠٠٠ هـ، كان عالمًا عاملًا ورعًا، متبحرًا في العلوم الدينية، صارفًا أوقاته في تحرير المسائل الفقهية، انتهى إليه التدريس والفتوى، ومن مؤلفاته: «كشاف القناع شرح الإقناع» و«حاشية على الإقناع» و«دقائق أولي النهى في شرح المنتهى» و«حاشية على المنتهى» و«شرح زاد المستقنع» سماه «الروض المربع» وغيرها، تُوفي سنة ١٠٥١ هـ. يُنظر: خلاصة الأثر (٤/ ٤٢٦)، ديوان الإسلام (١/ ٢٧١)، تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة (٣/ ١٥٥٦).\n(^٤) كشاف القناع (١/ ٢٨٤).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٧٦) برقم: (٢٤٩٢٨).\n(^٦) الخُفُّ: واحد الخفاف: التي تُلبس في الرجل، ويُجمع أيضًا على: أخفاف، وتخفف الرجل إياه: لبسه. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٣٥٣)، تاج العروس (٢٣/ ٢٣٣).\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٧٦) برقم: (٢٤٩٣٠).","vol":"1","page":372},{"text":"تتعدى، وهذا باب مطرد ما لم يكن ملكك حيوانًا، فتُنهى عن أذاه؛ فإن أذى المسلم في غير حقه حرام.\nوأما النهي عما ليس في ملكك إذا نهيت عن تملكه أو استباحته إلا على صفة ما في نكاح أو بيع أو صيد أو نحو ذلك: فالنهي عنه نهي تحريم، فافهم هذا الأصل» (^١).\nوقال المناوي -﵀-: «في الحديث نهَى -ﷺ- أن يمشي الرجل أو المرأة في نعل واحدة أو خف واحدة؛ فيُكره تنزيهًا» (^٢).\nوقد تنوعت أقوال العلماء في العلة من النهي، ومن ذلك: أن فيه مشقة، أو ضررًا؛ لخوف العثار أو الاستهزاء، أو فيه شهرة أو ترك العدل بين الرجلين، أو فيه مشابهة للشيطان.\nقال الطحاوي -﵀-: «ذلك لأن مَنْ يلبس كذلك يستهزئ به الناس؛ لأنه ليس بمستحسن عندهم، فلو لم يرِد فيه نهي لوجب أن ينتهي عنه» (^٣).\nوقال الخطابي -﵀-: «أما نهيه عن المشي في النعل الواحدة؛ لمشقة المشي على مثل هذه الحالة، ومخالفته لسجِيِّة المشي المعتاد: فلا يأمن عند ذلك من العثار مع سماجته في الشكل وقُبح منظره في العيون؛ إذ كان يُتصور فاعل ذلك عند الناس بصورة مَنْ إحدى رجليه أقصر من الأخرى» (^٤).\nوقال النووي -﵀- في (المنهاج): «إن ذلك تشويه ومُثلة ومخالف للوقار، ولأن المنتعلة تصير أوفع (^٥) من الأخرى، فيعسر مشيه، وربما كان سببًا للعثار» (^٦).\nوجاء في (أسنى المطالب): «المعنى فيه أن مشيه يختل بذلك، وقيل: لما فيه من ترك العدل بين الرجلين، والعدل مأمور به» (^٧).\n_________\n(^١) التمهيد (١٨/ ١٧٧).\n(^٢) التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٤٧٨).\n(^٣) شرح مشكل الآثار (٣/ ٣٨٨).\n(^٤) أعلام الحديث (٣/ ٢١٤٩) بتصرف يسير.\n(^٥) لعله تصحيف؛ والذي يظهر أن المراد: أرفع.\n(^٦) (١٤/ ٧٥).\n(^٧) (١/ ٢٧٨).","vol":"1","page":373},{"text":"وقال ابن حجر -﵀-: «الكراهة فيه للشهرة، فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه، وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شيء صيَّر صاحبه شهرة، فحقه أن يُجتنب» (^١).\nوقال النفراوي -﵀- (^٢): «وإنما كُره المشي في النعل الواحدة لغير ضرورة؛ لأن الشيطان يمشي في نعل واحدة» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القرائن قوية؛ فقرينة فِعله -ﷺ- قوية من حيث أصلها ودلالتها، لكن بعض أهل العلم رجح فيه الوقف على الرفع.\nوقرينة فِعل الصحابي قرينة معتبرة؛ لثبوتها وعدم المعارض، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، والأصل أن النهي في الآداب محمول على الكراهة، ولعل ما جاء في الحكمة والتعليل لهذا الأدب مقصود بمجموعه؛ فالقرائن قوية صارفة للنهي إلى الكراهة مع عدم ما يعارضها ويقوي جانب التحريم، والله أعلم.\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٣١٠) نقلًا عن البيهقي.\n(^٢) هو: أحمد بن غنيم بن سالم، أبو العباس شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي، كان فقيها عالما محققا، انتهت إليه الرئاسة في المذهب، له مؤلفات منها: «الفواكه الدواني» و«شرح على النورية» و«شرح على الأجرومية» و«رسالة على البسملة». توفي بالقاهرة سنة ١١٢٥ هـ عن اثنتين وثمانين سنة. يُنظر: شجرة النور الزكية (١/ ٤٦٠)، الأعلام للزركلي (١/ ١٩٢).\n(^٣) الفواكه الدواني (٢/ ٣١٥).","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>المبحث الرابع:\nالنهي عن الانتعال قائمًا</span>\n<span data-type='title' id=toc-218>المطلب الأول: حكم الانتعال قائمًا:</span>\nدليل النهي:\nعن ابن عمر -﵄-: «نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِمًا» (^١).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم الانتعال قائمًا، على قولين:\nالقول الأول: كراهة الانتعال قائمًا.\nوهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وخُص النهي بما يلحقه مشقة أو خوف سقوط مَنْ لبسه قائمًا.\nولعله يمكن القول بأن الكراهة هو مذهب الحنفية (^٥)؛ تخريجًا على ما سبق من إجماع الفقهاء على أن الأوامر والنواهي في باب الانتعال إنما هي من الآداب، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر (^٦).\nالقول الثاني: لا يُكره الانتعال قائمًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، أبواب اللباس، باب الانتعال قائمًا (٤/ ٦٠٨) برقم: (٣٦١٩)، قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (٤/ ٩٢): «هذا إسناد صحيح، وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله»، وهو عند الترمذي من حديث أبي هريرة وأنس، وقال بعد تخريجهما (٤/ ٢٤٣): «هذا حديث غريب، وقال محمد بن إسماعيل: ولا يصح هذا الحديث، ولا حديث معمر، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة»، وقال الألباني بعد إيراد طرق الحديث في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (٢/ ٣٤١): «وخلاصة القول: أن الحديث بمجموع طرقه صحيح بلا ريب». وحديث جابر الذي أشار إليه البوصيري سيأتي عند ذِكر الأدلة.\n(^٢) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٠).\n(^٣) يُنظر: المجموع (٤/ ٤٦٦)، مغني المحتاج (١/ ٥٨٦).\n(^٤) يُنظر: الفروع (٢/ ٨٤)، كشاف القناع (١/ ٢٨٥).\n(^٥) لم أقف على نص لفقهاء الحنفية في هذه المسألة حسب ما تيسَّر بين يديَّ من كتبهم إلا ما وجدته في (المفاتيح في شرح المصابيح) للضرير الشيرازي الحنفي، حيث قال في شرح حديث النهي (٥/ ٣٦): «هذا النهي مختص بما في لبسه تعب عن القيام كلبس الخف؛ فإن النعل تحتاج إلى شد شراكها، فلبسها جالسًا أسهل، فأما لبس القفش: فليس في لبسه قائمًا تعب، فلا يدخل تحت النهي».\n(^٦) يُنظر: إكمال المعلم (٦/ ٦١٦)، المفهم (٥/ ٤١٦)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٥).","vol":"1","page":375},{"text":"وهو رواية عن الإمام أحمد -﵀- (^١).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن ابن عمر -﵄-: «نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِمًا» (^٢).\nالدليل الثاني: عن جابر -﵁- قال: «نهى رسولُ الله -ﷺ- أن ينتعِلَ الرَّجُلُ قائمًا» (^٣).\nوجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي -ﷺ- نهى عن الانتعال قائمًا، ويُحمل على الكراهة؛ لأنه نهي إرشاد، وهو مخصوص بما إذا لحقه مشقة أو خوف انقلابه وسقوطه (^٤).\nنُوقش: بأن حديث النهي ضعيف (^٥).\nأُجيب عنه: أن حديث ابن عمر صحيح، ويُعتمد عليه (^٦)، وحديث جابر حسنه النووي، كما تبيَّن ذلك في تخريج الحديثين.\nدليل القول الثاني: أنه لا يثبت في النهي شيء؛ لضعف الأحاديث (^٧).\nوجوابه ما سبق من صحة الأحاديث.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الانتعال قائمًا فيما يشق لُبسه حال القيام، أو يُخشى منه الانقلاب والسقوط، فإن أمن ذلك فلا يُكره.\nجاء في (نهاية المحتاج): «ويُكره أن ينتعل قائمًا؛ للنهي الصحيح عنه خوف انقلابه، ويُؤخذ منه أن المداس المعروفة الآن ونحوها لا يُكره فيها ذلك؛ إذ لا يُخاف منه\n_________\n(^١) يُنظر: الفروع (٢/ ٨٤)، كشاف القناع (١/ ٢٨٥).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٣٧٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في الانتعال (٦/ ٢٢١) برقم: (٤١٣٥)، حسّن إسناده النووي في (المجموع) (٤/ ٤٦٦).\n(^٤) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٠)، أسنى المطالب (١/ ٢٧٨)، فيض القدير (٦/ ٣٤١).\n(^٥) يُنظر: الآداب الشرعية (٣/ ٥٤٣).\n(^٦) يُنظر: الفروع (٢/ ٨٤)، نهاية المحتاج (٢/ ٣٨٢).\n(^٧) يُنظر: الفروع (٢/ ٨٤).","vol":"1","page":376},{"text":"انقلاب» (^١).\nأسباب الترجيح:\n١ - صحة حديث النهي وثبوته.\n٢ - الإجماع على أن الأوامر والنواهي في باب الانتعال إنما هي من الآداب.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «نهيه -ﷺ- عن المشي في نعل واحدة نهي أدب لا نهي تحريم، والأصل في هذا الباب أن كل ما كان في ملكك فنهيت عن شيء من تصرفه والعمل به، فإنما هو نهي أدب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-219>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل أصحاب القول الأول النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف هو: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nقال ابن رشد (^٣) -﵀- في (البيان والتحصيل): «… وهو نهي أدب وإرشاد» (^٤).\nوقال المناوي -﵀-: «والأمر للإرشاد؛ لأن لُبسها قاعدًا أسهل وأمكن» (^٥).\nوقد علل العلماء النهي بخوف المشقة أو خوف السقوط.\nقال الخطابي -﵀-: «يشبه أن يكون إنما نهَى عن لُبس النعل قائمًا؛ لأن لُبسها قاعدًا أسهل عليه وأمكن له، وربما كان ذلك سببًا لانقلابه إذا لبسها قائمًا، فأمر بالقعود له والاستعانة باليد؛ ليأمن غائلته، والله أعلم» (^٦).\nوجاء في (المفاتيح شرح المصابيح): «هذا النهي مختص بما في لُبسه تعب عن\n_________\n(^١) (٢/ ٣٨٢).\n(^٢) التمهيد (١٨/ ١٧٧).\n(^٣) هو: محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي، المالكي، الإمام العلامة، شيخ المالكية، أبو الوليد، وُلد بقرطبة سنة ٤٥٥ هـ، كان فقيهًا عالمًا، حافظًا للفقه، مقدمًا فيه على جميع أهل عصره، عارفًا بالفتوى، بصيرًا بأقوال أئمة المالكية، من أهل الرياسة في العلم، مع الدين والفضل، من تصانيفه: «المقدمات الممهدات» و«البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل» واختصار «المبسوطة»، واختصار «مشكل الآثار» وغير ذلك، تُوفي سنة ٥٢٠ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٥٨)، الديباج المذهب (٢/ ٢٤٨)، شجرة النور الزكية (١/ ١٩٠).\n(^٤) (١٨/ ٥٠).\n(^٥) فيض القدير (٦/ ٣٤١).\n(^٦) معالم السنن (٤/ ٢٠٣).","vol":"1","page":377},{"text":"القيام كلبس الخف؛ فإن النعل تحتاج إلى شد شراكها، فلُبسها جالسًا أسهل، فأما لُبس القَفْش (^١): فليس في لبسه قائمًا تعب، فلا يدخل تحت النهي» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، ولعل ما ذكره العلماء من علل النهي معتبرة بمجموعها؛ لأنه من باب الإرشاد لمصلحة المرء والحفاظ على سلامته، ولأنه أحسن في الهيئة، والله أعلم.\n_________\n(^١) القَفْش: الخف القصير، وهو فارسي معرب، أصله: كفش. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٩٠)، تاج العروس (١٧/ ٣٣٨).\n(^٢) (٥/ ٣٦).","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>المبحث الخامس:\nالنهي عن وضع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد</span>\n<span data-type='title' id=toc-221>المطلب الأول: حكم وضع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ نَعْلَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ فَتَكُونَ عَنْ يَمِينِ غَيْرِهِ، إِلَّا أَلَّا يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ، وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ» (^١).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٢) على أن الأدب للمصلي أن يضع نعليه عن يساره إذا صلى وحده، ويُكره وضْعُهما عن يمينه، وأما إذا كان مع غيره في الصف، وكان عن يمينه وعن يساره ناس: فإنه يضعهما بين رجليه.\nالأدلة:\nالدليل الأول: حديث أبي هريرة -﵁-.\nالدليل الثاني: وعنه أيضًا أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا صلّى أحدُكم فخلعَ نَعلَيه، فلا يُؤذِ بهما أحدًا: لِيَجعَلهما بينَ رِجلَيهِ، أو لِيصَل فيهما» (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن ما جاء في هذه الأحاديث من النهي عن وضْع النعل عن اليمين أو اليسار والأمر بوضعهما بين رجليه، دليل على أن المصلي إذا خلع نعليه فإنه ينبغي له أن يتأدب بالآداب: فهو منهيٌّ عن وضْع نعليه عن يمينه؛ إكرامًا لجهة اليمين وصيانة لها عن كل\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما (١/ ٤٨٧) برقم: (٦٥٤)، والحاكم (١/ ٣٩٠) برقم: (٩٥٤) وقال: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»، وصححه ابن خزيمة (١/ ٥٠١) برقم: (١٠١٦)، وابن حبان (٥/ ٥٦٢) برقم: (٢١٨٨).\n(^٢) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٤)، النوادر والزيادات (١/ ٢٠٤)، التاج والإكليل (٢/ ٢٣٤)، بحر المذهب (٢/ ١١٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٨٥)، كشاف القناع (١/ ٤٩٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما؟ (١/ ٤٨٧) برقم: (٦٥٥)، والحاكم (١/ ٣٩٠) برقم: (٩٥٢) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، وصححه ابن خزيمة (١/ ٤٩٩) برقم: (١٠٠٩)، وابن حبان (٥/ ٥٥٨) برقم: (٢١٨٣).","vol":"1","page":379},{"text":"شيء يكون محلًا للأذى.\nفإن لم يكن عن يساره أحد يضعهما عن يساره، وإلا فلا؛ لأنه يكون يمين غيره فيؤذيهم، ويندب له وضعهما بين رجليه، وقوله: (فَلا يُؤذِ) خبر بمعنى النهي يفيد المنع من أذى الآدمي، وإن قل التأذي (^١)، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (^٢).\nالدليل الثالث: عن عبد الله بن السائب -﵁- (^٣) قال: «رَأَيْتُ النبيَّ -ﷺ- يُصلِّي يومَ الفَتحِ ووضعَ نَعليهِ عَنْ يَسَارِهِ» (^٤).\nوجه الاستدلال:\nأن فِعل النبي -ﷺ- دليل على أن الأدب للمصلي منفردًا كان أو إمامًا: أن يضع نعليه عن يساره، لئلا يؤذي أحدًا، وإكرامًا لليمين، ولأن اليسار جُعلت للأشياء المستقذرة من الأفعال (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-222>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل الفقهاء النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف هو: قرينة المقصد من النهي.\nذكر العلماء أن المقصد من النهي تكريم جهة اليمين واحترامها، وصيانة لحق المسلم، والمنع من إيذائه، وحفاظًا على خشوعه والتفات قلبه إن جعله خلفه.\n_________\n(^١) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٨٢)، شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (٤/ ١١٧)، شرح أبي داود، للعيني (٣/ ١٩٩)، فيض القدير (١/ ٣٩٠).\n(^٢) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).\n(^٣) هو: عبد الله بن السائب بن أبى السائب المحزومي، أبو السائب أو أبو عبد الرحمن المكي، له ولأبيه صحبة، كان قارئ أهل مكة، وقرأ عليه مجاهد وغيره، سكن مكة ومات بها في إمارة ابن الزبير. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ٩١٥)، أسد الغابة (٣/ ٢٥٤)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٢٩).\n(^٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النَّعل (١/ ٤٨٣) برقم: (٦٤٨)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب القبلة، باب أين يضع الإمام نعليه إذا صلى بالناس؟ (٢/ ٧٤) برقم: (٧٧٦)، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فِي أين توضع النعل إذا خلعت فِي الصلاة (٢/ ٤٢٨) برقم: (١٤٣١)، وأحمد (٢٤/ ١١٣) برقم: (١٥٣٩٢)، والحاكم (١/ ٣٩٠) برقم: (٩٥٣). صححه ابن خزيمة (١/ ٥٠٠) برقم: (١٠١٤)، وابن حبان (٥/ ٥٦٣) برقم: (٢١٨٩).\n(^٥) يُنظر: تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد (ص: ٣٧٢)، فيض القدير (١/ ٣٩٠).","vol":"1","page":380},{"text":"قال البهوتي -﵀-: «من الأدب وضْع الإمام نعله عن يساره في حال صلاته إكرامًا لجهة يمينه، ووضْع مأموم نعله بين يديه، أي: قُدامه؛ لئلا يؤذي غيره» (^١).\nوقال الخطابي -﵀-: «فيه باب من الأدب، وهو أن يُصان ميامن الإنسان عن كل شيء يكون محلًا للأذى» (^٢).\nوجاء في (مرقاة المفاتيح): «وضعُه عن يساره مع وجود غيره سببٌ لأن تكون عن يمين صاحبه، يعني: وفيه نوع إهانة له، وعلى المؤمن أن يحب لصاحبه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه … وقال: ليجعلهما بين رجليه، ولم يقل: أو خلفه؛ لئلا يقع قدام غيره، أو لئلا يذهب خشوعه لاحتمال أن يُسرق» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القرينة معتبرة وقوية؛ إذ تكريم اليمين ومنع الإيذاء معانٍ مناسبة لحمل النهي على الكراهة والتنزيه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٤٩٥).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٨٢).\n(^٣) (٢/ ٦٣٧).","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>الفصل السادس\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صفة الصلاة</span>\nوفيه ثمانية عشر مبحثًا:\nالمبحث الأول: النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث.\nالمبحث الثاني: النهي عن الصلاة لمَن كان بحضرة طعام أو حاقنًا أو يدافع الأخبثين.\nالمبحث الثالث: النهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام.\nالمبحث الرابع: النهي عن الالتفات في الصلاة.\nالمبحث الخامس: النهي عن رفْع البصر إلى السماء أثناء الصلاة.\nالمبحث السادس: النهي عن تغميض العين في الصلاة.\nالمبحث السابع: النهي عن التَّثاؤب.\nالمبحث الثامن: النهي عن فَرْقعة الأصابع أثناء الصلاة.\nالمبحث التاسع: النهي عن تشبيك الأصابع أثناء الصلاة.\nالمبحث العاشر: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.\nالمبحث الحادي عشر: النهي عن بروك المصلي كما يبرك البعير.\nالمبحث الثاني عشر: النهي عن افْتِراش السباع.\nالمبحث الثالث عشر: النهي عن الإقعاء في الصلاة.\nالمبحث الرابع عشر: النهي عن كف المصلي الشعر والثياب أثناء الصلاة.\nالمبحث الخامس عشر: النهي عن اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة.\nالمبحث السادس عشر: النهي عن جلوس المصلي في الصلاة وهو معتمد على يديه.\nالمبحث السابع عشر: النهي عن مسح الحصى من موضع السجود والعبث أثناء الصلاة.\nالمبحث الثامن عشر: النهي عن رد السلام في الصلاة.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>المبحث الأول:\nالنهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث</span>\n<span data-type='title' id=toc-225>المطلب الأول: حكم الصلاة إلى النائم والمتحدث:</span>\nدليل النهي:\nعن عبد الله بن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «لا تُصَلُّوا خلفَ النائمِ ولا المتحدّث» (^١).\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: اتفق الفقهاء (^٢) على كراهة الصلاة إلى المتحدث؛ لأن ذلك يشغله عن حضور قلبه في الصلاة، وقيَّده الحنفية بما إذا ارتفع الصوت، وخاف منه الغلط في الصلاة.\nثانيًا: اختلفوا في حكم الصلاة إلى النائم، على قولين:\nالقول الأول: لا يُكره الصلاة إلى النائم.\nوهو مذهب الحنفية (^٣)، والشافعية (^٤)، والمذهب عند الحنابلة (^٥)، وقيَّده الحنفية بالأمن من ظهور شيء يضحكه، وإلا فيُكره.\nالقول الثاني: كراهة الصلاة إلى النائم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام (٢/ ٢٦) برقم: (٦٩٤)، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب مَنْ صلى وبينه وبين القبلة شيء (٢/ ١٠٧) برقم: (٩٥٩)، قال أبو داود عقب ذكر الحديث في موضع آخر (٢/ ٦٠٨): «رُوي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلُّها واهية»، وقال الخطابي في (معالم السنن) (١/ ١٨٦): «هذا حديث لا يصح عن النبي؛ لضعف سنده»، وقال الزيلعي في (نصب الراية) (٢/ ٩٦): «في سند أبي داود رجل مجهول، وفي سند ابن ماجه أبو المقدام، هشام بن زياد البصري لا يُحتج بحديثه»، وقال النووي في (المجموع) (٣/ ٢٥١): «ضعيف باتفاق الحفاظ».\n(^٢) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٢)، النوادر والزيادات (١/ ١٩٦)، المعونة (ص: ٢٩٦)، المجموع (٣/ ٢٥١)، المغني (٢/ ١٧٨)، كشاف القناع (١/ ٣٧١).\n(^٣) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٢).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٣/ ٢٥١).\n(^٥) يُنظر: المغني (٢/ ١٧٨)، الشرح الكبير (٣/ ٦٤٣).","vol":"1","page":383},{"text":"وهو مذهب المالكية (^١)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٢).\nأدلة الأقوال:\nدليل القول الأول: عن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن صلاة النبي -ﷺ- وعائشة -﵂- راقدة أمامه، دليل على جواز الصلاة إلى النائم من غير كراهة (^٤)، وكونه أيقظها دليلٌ أنها كانت نائمة.\nنُوقش: بأن الحاجة دعت إليه؛ لضيق البيت (^٥).\nيمكن أن يُجاب عنه: بأن دلالة الحديث على العموم، ولو كان السبب ضيق البيت لنقلته إلينا عائشة -﵂-، ولم تُغفل ذِكره مع وجود الداعي؛ لكونه مؤثرًا في الحكم.\nدليل القول الثاني: عن عبد الله بن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «لا تُصَلُّوا خلفَ النائمِ ولا المتحدّث».\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن الصلاة خلف النائم، وحُمل على الكراهة؛ لخشية ما يبدو من النائم مما يلهي المصلي عن صلاته، ويشغله عن حضور قلبه فيها (^٦).\nنُوقش: بأن الحديث ضعيف، ولا يصح (^٧).\nقال الخطابي -﵀-: «هذا حديث لا يصح عن النبي -ﷺ-؛ لضعف سنده» (^٨).\nسبب الخلاف:\n_________\n(^١) يُنظر: النوادر والزيادات (١/ ١٩٦) المعونة (ص: ٢٩٦).\n(^٢) يُنظر: المغني (٢/ ١٧٨)، كشاف القناع (١/ ٣٧١).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة خلف النائم (١/ ١٠٨) برقم: (٥١٢)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي (١/ ٣٦٦) برقم: (٥١٢).\n(^٤) يُنظر: نيل الأوطار (٣/ ١٢).\n(^٥) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٤/ ١٠٧).\n(^٦) يُنظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٨)، نيل الأوطار (٣/ ١٢).\n(^٧) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٢)، المجموع (٣/ ٢٥١).\n(^٨) معالم السنن (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":384},{"text":"تقابل الخبر الصحيح مع الخبر الضعيف، فمن قدم الصحيح قال بجواز الصلاة خلف النائم، ومَن أخذ بالخبر الضعيف مع الصحيح قال بكراهة الصلاة خلف النائم.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بأن الصلاة إلى النائم لا تُكره؛ لصحة دليل هذا القول وضعف دليل المخالف، ويمكن تقييده بما ذكره الحنفية: لا تُكره الصلاة خلف النائم إن أمن أن يصدر منه ما يشغل عن الصلاة.\n\n<span data-type='title' id=toc-226>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل أصحاب القول الثاني النهي عن الصلاة إلى النائم على الكراهة، ولعل الصارف له القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: المقصد من النهي.\nأن المقصد من النهي هو الاحتياط للصلاة وصيانة خشوع المصلي؛ لأن وجود النائم أمامه يشغله عن حضور قلبه في الصلاة (^١).\nالقرينة الثانية: ضعف الحديث.\nلعل القائلين بالكراهة نظروا إلى ضعف حديث النهي، فحملوه على الكراهة؛ لأن الضعيف لا ينهض للتحريم.\nوقد أشار ابن مفلح -﵀- إلى أن الضعيف يُعمل به في الاستحباب والكراهة؛ حيث قال: «… وقد يُقال: المقام مقام استحباب وكراهة، والخبر الضعيف يُعمل به في ذلك، وعلى كل حال فهو شيء يُستأنس به في مثل هذا، والله أعلم» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القرائن ضعيفة؛ فقرينة المقصد من النهي تكون معتبرة ولها أثر،\n_________\n(^١) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٣٧١).\n(^٢) الآداب الشرعية (٣/ ١٦٨).","vol":"1","page":385},{"text":"في حال ثبوت دليل النهي وعدم المعارض، أمَا وقد سقط دليل النهي لعدم صحته؛ ووُجد المعارض الثابت الصحيح -فالقرائن ضعيفة، والله أعلم.","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-227>المبحث الثاني:\nالنهي عن الصلاة لمَن كان بحضرة طعام أو حاقنًا أو يدافع الأخبثين</span>\n<span data-type='title' id=toc-228>المطلب الأول: حكم الصلاة لمَن كان بحضرة طعام أو حاقنًا (^١) أو يدافع الأخبثين </span>(^٢):\nدليل النهي:\nعن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (^٣).\nحكم المسألة:\nأولًا: أجمع العلماء (^٤) على أنه لا يحل لأحد أن يدخل في الصلاة وهو حاقن إذا بلغ به ما لا يعقل به صلاته: فلا يقيمها، ولا يضبط حدودها، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «أجمع العلماء على أنه لا ينبغي لأحد أن يصلي وهو حاقن إذا كان حقنه ذلك يشغله عن إقامة شيء من فروض صلاته وإن قَلَّ» (^٥).\nوقال القاضي عياض -﵀-: «كلهم مجمعون أن مَنْ بلغ به ما لا يعقل به صلاته ولا يضبط حدودها أنه لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك فى الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها» (^٦).\n_________\n(^١) حَاقِنًَا: الحاقن: الذي به بول شديد، وقد يكون الاحتقان للبول والغائط جمعًا، والحاقب: الذي احتاج إلى الخلاء فلم يتبرز، فانحصر غائطه. يُنظر: الصحاح (٥/ ٢١٠٣)، غريب الحديث، لابن الجوزي (١/ ٢٢٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤١١).\n(^٢) الأَخْبَثَان: البول والغائط.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين (١/ ٣٩٣) برقم: (٥٦٠).\n(^٤) نقل الإجماع: ابن عبد البر في (الاستذكار) (٢/ ٢٩٦)، والقاضي عياض في (إكمال المعلم) (٢/ ٤٩٥)، وابن القطان في (الإقناع في مسائل الإجماع) (١/ ١٤١).\n(^٥) الاستذكار (٢/ ٢٩٦).\n(^٦) إكمال المعلم (٢/ ٤٩٥).","vol":"1","page":387},{"text":"ثانيًا: أجمع العلماء (^١) على كراهة الصلاة لمَن كان: بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، أو يدافع الأخبثين، وأنه إن صلى فإن صلاته صحيحة مجزئة.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «أجمعوا أنه لو صلى بحضرة الطعام، فأكمل صلاته، ولم يترك من فرائضها شيئًا -أن صلاته مجزية عنه، فكذلك إذا صلاها حاقنًا فأكمل صلاته، وفي هذا دليل على أن النهي عن الصلاة بحضرة الطعام من أجل خوف اشتغال بال المصلي بالطعام عن الصلاة، وتركه إقامتها على حدودها، فإذا أقامها على حدودها خرج من المعنى المخوف عليه، وأجزأته صلاته لذلك» (^٢).\nوقال ابن مفلح -﵀- (^٣) في (المبدع): «يُكره أن يصلي، وهو حاقن -أي: بوله- سواء خاف الجماعة أم لا، لا نعلم فيه خلافًا» إلى أن قال: «… وعلى هذا: إن بدأ بالصلاة صحت إجماعًا» (^٤).\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ» (^٥).\nالدليل الثاني: عن أنس بن مالك -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ» (^٦).\nالدليل الثالث: عن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لَا صَلَاةَ\n_________\n(^١) يُنظر: نقل الإجماع ابن عبد البر في (التمهيد) (٢٢/ ٢٠٦)، ونقله عنه ابن قدامة في (المغني) (١/ ٤٥٠)، ويُنْظر: المبدع (١/ ٤٢٦).\n(^٢) التمهيد (٢٢/ ٢٠٦).\n(^٣) هو: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين. وُلد بدمشق سنة ٨١٥ هـ، كان مؤرخًا وفقيهًا أصوليًا طلقًا فصيحًا ذا رياسة ووجاهة، وكان من قضاة الحنابلة، محاسنه كثيرة، من كتبه: «المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد» و«المبدع بشرح المقنع» و«مرقاة الوصول إلى علم الأصول» وغيرها، تُوفي سنة ٨٨٤ هـ. يُنظر: الضوء اللامع (١/ ١٥٢)، شذرات الذهب (٩/ ٥٠٧)، السحب الوابلة (١/ ٦٠).\n(^٤) (١/ ٤٢٦).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه (٧/ ٨٣) برقم: (٥٤٦٤)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله فِي الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين (١/ ٣٩٢) برقم: (٥٥٩).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه (٧/ ٨٣) برقم: (٥٤٦٣)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله فِي الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين (١/ ٣٩٢) برقم: (٥٥٧).","vol":"1","page":388},{"text":"بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (^١).\nالدليل الرابع: عن عبد الله بن الأرقم -﵁- (^٢) قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الخَلَاءَ، فَلْيَبْدَأْ بِالخَلَاءِ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن في هذه الأحاديث نهيًا عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين أو بحضرة الطعام الذي يريد أكله، وفيها أمر بالبدء بالطعام أو الخلاء قبل الصلاة ندبًا؛ لما فيه من: اشتغال القلب به، وذهاب كمال الخشوع، والنهي محمول على الكراهة عند عامة العلماء (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-229>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم قرينة:\nالإجماع.\nفإجماع العلماء الذي نقله أهل العلم، قرينة على أن النهي ليس على بابه، وأنه مصروف عن التحريم إلى الكراهة، وأنه إن صلى في هذه الحالة صحت صلاته.\nالحكم على القرينة:\nقرينة الإجماع قرينة قوية معتبرة؛ لأن الإجماع لا يمكن أن يقع مخالفًا لمقتضى النص الشرعي. فالنهي محمول على الكراهة، والله أعلم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٣٨٤).\n(^٢) هو: عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث القرشي الزهري، أسلم عام الفتح، وكتب للنبي -ﷺ-، ثم لأبي بكر -﵁-، واستكتبه أيضًا عمر -﵁-، واستُعمل على بيت المال خلافة عمر كلها وسنتين من خلافة عثمان -﵁-، حتى استعفاه من ذلك فأعفاه، وقد روى عن النبي -ﷺ-، وعنه: عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأسلم مولى عمر، ويزيد بن قتادة، وعروة. تُوفي في خلافة عثمان -﵁-. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ٨٦٥)، الإصابة (٤/ ٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟ (١/ ٦٤) برقم: (٨٨)، والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء إذا أُقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء (١/ ٢٦٢) برقم: (١٤٢)، وقال: «حديث حسن صحيح». وصححه ابن خزيمة (٢/ ٧٩٧) برقم: (١٦٥٢).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ٤٥٠)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٤٦)، البناية (٢/ ٤٤٧).","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-230>المبحث الثالث:\nالنهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام</span>\n<span data-type='title' id=toc-231>المطلب الأول: حكم القيام للصلاة قبل رؤية الإمام:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي قتادة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي (^١) (^٢)، وفي رواية أخرى عند مسلم: «حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ» (^٣).\nتحرير محل النزاع:\nقيام المأموم للصلاة له حالان:\nالأول: أن يكون الإمام معهم في المسجد، وقد اختلف الفقهاء فيها على أقوال عدة، وهي خارج محل البحث.\nالثاني: إذا أُقيمت الصلاة، وكان الإمام خارج المسجد، والمأموم ينتظر مجيئه، فمتى يقوم المأموم؟ وهذه مسألة البحث التي ورد فيها النهي عن القيام قبل رؤية الإمام.\nوقد اختلف الفقهاء فيها على قولين:\nالقول الأول: استحباب قيام المأموم عند رؤية الإمام، وكراهة القيام قبله.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٤)، والمالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والصحيح من مذهب الحنابلة (^٧).\nالقول الثاني: إذا أُقيمت الصلاة تُقام الصفوف قبل أن يدخل الإمام.\n_________\n(^١) قال ابن رجب -﵀- في (فتح الباري) (٥/ ٤١٤): «هذه اللفظة: يُستدل بها على مراده -ﷺ- برؤيته: أن يخرج من بيته، فيراه مَنْ كان عند باب المسجد، ليس المراد: يراه كل مَنْ كان في المسجد».\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة (١/ ١٢٩) برقم: (٦٣٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب متى يقوم الناس للصلاة (١/ ٤٢٢) برقم: (٦٠٤).\n(^٣) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب متى يقوم الناس للصلاة (١/ ٤٢٢) برقم: (٦٠٤).\n(^٤) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٩)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤).\n(^٥) يُنظر: بداية المجتهد (١/ ١٦٠).\n(^٦) يُنظر: المجموع (٣/ ٢٥٦)، النجم الوهاج (٢/ ٣٨٥).\n(^٧) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٣٢٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤١٤).","vol":"1","page":390},{"text":"وهو رواية عن الإمام أحمد -﵀- (^١).\nأدلة الأقوال:\nدليل القول الأول:\nعن أبي قتادة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن الحديث نصٌّ صريحٌ بالنهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام، وهو محمول على الكراهة لا الحتم؛ لأنه نهَى عنه تخفيفًا ورفقًا بالناس؛ لئلا يشق عليهم الانتظار قيامًا، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه (^٣).\nقال الترمذي -﵀- بعد ذِكر حديث أبي قتادة: «وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم أن ينتظر الناس الإمام وهم قيام» (^٤).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- قال: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ، فَرَجَعَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ» (^٥).\nالدليل الثاني: وعنه أيضًا قال: «أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنَّ يَقُومَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَقَامَهُ» (^٦).\nوجه الاستدلال من الحديثين: أن ظواهر الأحاديث تدل على أن الناس كانوا يقومون إذا أُقيمت الصلاة، ويسوون الصفوف، قبل أن يخرج النبي -ﷺ-، فدل ذلك على جواز قيامهم\n_________\n(^١) يُنظر: المغني (١/ ٣٣٢)، فتح الباري، لابن رجب (٥/ ٤١٦).\n(^٢) سبق تخريجه ص: (٣٨٧).\n(^٣) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٢/ ٢٦٦)، إكمال المعلم (٢/ ٥٥٦)، فيض القدير (١/ ٢٩٤).\n(^٤) سنن الترمذي (٢/ ٤٨٧).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا قال الإمام: مكانكم، حتى رجع، انتظروه (١/ ١٣٠) برقم: (٦٤٠)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب متى يقوم الناس للصلاة (١/ ٤٢٣) برقم: (٦٠٥).\n(^٦) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب متى يقوم الناس للصلاة (١/ ٤٢٣) برقم: (٦٠٥).","vol":"1","page":391},{"text":"قبل رؤيته (^١).\nنُوقش: أن ظاهر هذه الأحاديث يعارض حديث أبي قتادة، فيُصار إلى الجمع بينها.\nمسالك العلماء لدفع التعارض بالجمع بين الأحاديث:\nذكر القاضي عياض -﵀- ثلاثة مسالك في الجمع بين مختلف هذه الأحاديث (^٢)، ونقله عنه النووي -﵀- (^٣):\nالأول: أن بلالًا -﵁- كان يراقب خروج رسول الله -ﷺ- من حيث لا يراه غيره أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم، ولا يقوم الناس حتى يروه -ﷺ-، ثم لا يقوم مقامه حتى يعدلوا صفوفهم.\nالثاني: أن الرواية الأخرى عن أبي هريرة: (فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ) كانت مرة أو مرتين ونحوهما؛ لبيان الجواز أو لعذر.\nالثالث: أنهم كانوا يقومون قبل رؤيته، فنهاهم النبي -ﷺ- في حديث أبى قتادة بعد ذلك، فكان سبب النهي أن المؤذن كان يقيم الصلاة ولم يخرج النبي -ﷺ-، فنهاهم عن القيام إليها حتى يروه قد خرج من منزله، كما أفاده قوله: (حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ).\nومن العلماء مَنْ جمع بمثل هذا الجمع أو قريب منه، منهم: القرطبي (^٤)، وابن الملقن (^٥)، وابن حجر -﵏- (^٦).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة القيام للصلاة قبل رؤية الإمام، وينبغي أن يُتنبه أن المراد بالرؤية كما بيَّنها الحافظ ابن رجب -﵀-: أن يخرج من بيته، فيراه مَنْ كان عند باب المسجد، وليس المراد: يراه كل مَنْ كان في المسجد.\nأسباب الترجيح:\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٥/ ٤١٦).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٥٥٦).\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٠٣).\n(^٤) المفهم (٢/ ٢٢٢).\n(^٥) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٤/ ٦٠٧).\n(^٦) فتح الباري (٢/ ١٢٠).","vol":"1","page":392},{"text":"١ - أن خطاب النهي صريح في المنع من القيام قبل رؤية الإمام.\n٢ - أن فيه الرفق بالمأمومين؛ لئلا يشق عليهم الانتظار قيامًا إن تأخر الإمام لعذر.\n\n<span data-type='title' id=toc-232>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين فيما سبق أن الجمهور حملوا النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص وفيه بيان الجواز.\nجاءت القرينة النصية في حديث أبي هريرة -﵁-؛ حيث ذكر فيها قيام المأمومين قبل رؤيتهم الإمام، وأنهم سووا صفوفهم، ثم خرج إمامهم رسول الله -ﷺ-: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ، فَرَجَعَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ» (^١).\nأشار العلماء إلى أن انتظارهم للإمام قيامًا، لعله كان مرة أو مرتين؛ لبيان الجواز (^٢)، وذلك يفيد عدم التحريم، ولا يمنع الكراهة.\nالقرينة الثانية: المقصد من النهي.\nمقصود النهي: الرفق بالمأموم؛ لاحتمال أن يقع للإمام شغل يبطاء فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره، فنهاهم عن ذلك (^٣).\nقال ابن بطال -﵀-: «يحتمل أن يكون حديث أبي قتادة على غير الإيجاب والحتم، بل على وجه الرفق بهم؛ لئلا ينتظروه قيامًا» (^٤).\nوقال النووي -﵀-: «قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يروه؛ لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه» (^٥).\nوذكر المناوي -﵀- في (فيض القدير): أن النهي في قوله: (فَلَا تَقُومُوا) للندب، إشارة\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٣٨٨).\n(^٢) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٠٣)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٤/ ٦٠٧)، فتح الباري، لابن حجر (٢/ ١٢٠).\n(^٣) يُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٤/ ٦٠٧)، فتح الباري، لابن حجر (٢/ ١٢٠).\n(^٤) شرح صحيح البخاري (٢/ ٢٦٦).\n(^٥) المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٠٣).","vol":"1","page":393},{"text":"إلى أنه يحمل على الكراهة وليس للتحريم.\nالقرينة الثالثة: قرينة الحال وسبب النهي.\nأن النهي في حديث أبى قتادة كان سببه صنيعهم في حديث أبي هريرة وطول انتظارهم النبي -ﷺ- للأمر الذى شغله عنهم، وأنهم كانوا يقومون ساعة إقامة الصلاة ولو لم يخرج النبي -ﷺ-، فنهاهم عن ذلك (^١)؛ شفقة عليهم من الانتظار قيامًا، لا على سبيل الحتم والتحريم.\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القرائن قوية ومعتبرة؛ فالقرينة الأولى قرينة نصية، وهي أقوى القرائن الصارفة، فالقرينة هنا قوية في أصلها ولثبوتها وقوة دلالتها، والقرينة الحالية هنا قوية ومعتبرة؛ لأنها في أصلها تعتمد على نص صحيح يصف الحال والحدث، ولدلالتها على موضوع النهي؛ فقد جاءت في بيان الرخصة وجواز المنهي عنه، وقرينة المقصد من النهي كذلك معتبرة لاعتبار مقصد الرفق بالمأمومين.\nفالذي يظهر أن القرائن قوية صالحة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة، ولأنه بذلك تجتمع الأدلة، وإعمال جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٥٥٧)، فتح الباري، لابن حجر (٢/ ١٢٠).","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>المبحث الرابع:\nالنهي عن الالتفات في الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-234>المطلب الأول: حكم الالتفات في الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ (^١)، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ (^٢)، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ» (^٣).\nصورة المسألة:\nهل يجوز للمصلي أن يلتفت في صلاته يمينًا ويسارًا بوجهه وجسده ما لم يصِل إلى الاستدبار؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: أجمع العلماء (^٤) على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، وأن المصلي إذا التفت بجميع بدنه أو استدبر القبلة بطلت صلاته؛ لفوات الشرط.\nلقوله -﷿-: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (^٥).\nقال ابن عبد البر -﵀-: «أجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه نحوها في صلاتهم هي الكعبة -البيت الحرام بمكة- وأنه فَرْضٌ على كل مَنْ شاهدها وعاينها استقبالُها، وأنه إن ترك استقباله وهو معاين لها أو عالم بجهتها، فلا صلاة له،\n_________\n(^١) نَقْرَة الديك: وفي حديث آخر: نقرة الغراب: يريد: تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله، والمراد: النهي عن ترك الطمأنينة في الصلاة. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٠٤)، لسان العرب (٥/ ٢٢٨)، نيل الأوطار (٢/ ٣٢٠).\n(^٢) الإِقْعَاء: من أقعى يُقعي إقعاء، وأقعى الكلب إذا جلس على إسته مفترشًا رجليه وناصبًا يديه. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٤٦٥)، لسان العرب (١٥/ ١٩٢). وله أنواع، سيأتي تفسيرها لاحقًا في مبحث النهي عن الإقعاء.\n(^٣) أخرجه أحمد (١٣/ ٤٦٨) برقم: (٨١٠٦)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٢/ ٨٠): «إسناد أحمد حسن»، الشطر الأول من الحديث صحيح؛ فهو عند البخاري (٢/ ٥٨) برقم: (١١٧٨)، وعند مسلم (١/ ٤٩٩) برقم: (٧٢١). وللنهي عن الالتفات شاهد عند البخاري من حديث عائشة -﵂-، وشاهد من حديث أبي ذر -﵁- عند أبي داود.\n(^٤) نقل الإجماع: ابن عبد البر في (التمهيد) (١٧/ ٥٤)، وابن رشد في (بداية المجتهد) (١/ ١١٨)، والنووي في (المجموع) (٣/ ١٨٩).\n(^٥) سورة البقرة: جزء من الآية (١٤٩).","vol":"1","page":395},{"text":"وعليه إعادة كل ما صلى كذلك» (^١).\nوقال المرداوي -﵀- (^٢): «إن استدار بجملته أو استدبرها -القبلة- فإن صلاته تبطل بلا نزاع» (^٣).\nثانيًا: أجمع العلماء (^٤) على كراهة الالتفات في الصلاة لغير حاجة ما لم يصِل إلى حد استدبار للقبلة.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «أجمع العلماء على أن الالتفات في الصلاة مكروه … وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرًا» (^٥).\nوقال النووي -﵀-: «أجمع العلماء على: استحباب الخشوع والخضوع في الصلاة، وغض البصر عما يلهي، وكراهة الالتفات في الصلاة» (^٦).\nوقال العيني -﵀- (^٧): «قالت العلماء بكراهة الالتفات في الصلاة، … ثم إن الإجماع\n_________\n(^١) التمهيد (١٧/ ٥٤).\n(^٢) هو: علي بن سليمان بن أحمد المِرداوي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، ويُعرف بـ شيخ المذهب، وُلد سنة ٨١٧ هـ، اشتغل بالعلم، فبرع وفضل في فنون من العلوم، وانتهت إليه رئاسة المذهب، فُتح عليه في التصنيف، ومن مصنفاته: «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» و«التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع» و«تصحيح كتاب الفروع» و«التحبير في شرح التحرير» وغيرها، تُوفي سنة ٨٨٥ هـ. يُنظر: الضوء اللامع (٥/ ٢٢٥)، شذرات الذهب (٩/ ٥١٠)، السحب الوابلة (٢/ ٧٣٩).\n(^٣) الإنصاف (٣/ ٥٨٨)\n(^٤) نقل الإجماع: ابن عبد البر في (التمهيد) (٢١/ ١٠٣)، والنووي في (المجموع) (٣/ ٣١٤)، وابن حجر في (فتح الباري) (٢/ ٢٣٤)، والعيني في (عمدة القاري) (٥/ ٣١٠).\n(^٥) التمهيد (٢١/ ١٠٣).\n(^٦) المجموع (٣/ ٣١٤).\n(^٧) هو: محمود بن أحمد بن موسى، أبو محمد وأبو الثناء بن الشهاب، الحلبي الأصل ثم القاهري الحنفي ويُعرف بالعيني، وُلد في عنتاب سنة ٧٦٢ هـ، ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم، وتفقه على والده وغيره، وكان أبوه قاضي عينتاب، برع في: الفقه، والتفسير، والحديث، واللغة، والنحو، والتصريف، والتاريخ، وكان فصيحًا باللغتين: العربية والتركية، من كتبه: «عمدة القاري في شرح البخاري» و«البناية في شرح الهداية» و«رمز الحقائق» و«منحة السلوك في شرح تحفة الملوك» و«المقاصد النحوية» و«شرح سنن أبى داود» و«فرائد القلائد» وغيرها، ولي في القاهرة الحسبة وقضاء الحنفية ونظر السجون، ثم صُرف عن وظائفه، وعكف على التدريس والتصنيف إلى أن تُوفي بالقاهرة سنة ٨٥٥ هـ. يُنظر: الضوء اللامع (١٠/ ١٣١)، شذرات الذهب (٩/ ٤١٨)، الفوائد البهية (ص: ٢٠٧).","vol":"1","page":396},{"text":"على أن الكراهة فيه للتنزيه» (^١).\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن عائشة -﵂- قالت: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ (^٢) يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ» (^٣).\nالدليل الثاني: عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَزَالُ اللهُ -﷿- مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ (^٤) فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا التَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن في الحديثين تنفيرًا من الالتفات في الصلاة؛ لما فيه من ترك الإقبال والتوجه إلى الله، ونقص الخشوع المأمور به في الصلاة؛ فلذلك جعله النبي -ﷺ- اختلاسًا للشيطان من الصلاة، وذلك دليل صريح على كراهة الالتفات، وهو إجماع (^٦).\nقال الطيبي -﵀- (^٧): «المعنى من التفت يمينًا وشمالًا: ذهب عنه الخشوع المطلوب\n_________\n(^١) عمدة القاري (٥/ ٣١٠).\n(^٢) اخْتِلَاس: وهو فعل من الاختلاس وهو السلب، والخلسة: ما يُؤخذ سلبًا ومكابرة. يُنظر: الصحاح (٣/ ٩٢٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٦١)، الكواكب الدراري (٥/ ١١٨).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الالتفات في الصلاة (١/ ١٥٠) برقم: (٧٥١).\n(^٤) مُقْبِلًا على العبد: أي: ناظرًا إليه بنظر الرحمة وإعطاء الثواب. يُنظر: المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ١٩٠).\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الالتفات في الصلاة (٢/ ١٧٧) برقم: (٩٠٩)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب السهو، ذِكر ما ينقض الصلاة، وما لا ينقضها، باب النهي عن الالتفات في الصلاة (١/ ٢٨٦) برقم: (٥٣٢)، وأحمد (٣٥/ ٤٠٠) برقم: (٢١٥٠٨). قال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٣٦١): «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأبو الأحوص هذا مولى بني الليث: تابعي من أهل المدينة، وثَّقه الزهري، وروى عنه، وجرت بينه وبين سعد بن إبراهيم مناظرة في معناه»، صححه ابن خزيمة (١/ ٢٧٣) برقم: (٤٨٢)، وجوَّده ابن رجب في (فتح الباري) (٦/ ٤٤٥).\n(^٦) يُنظر: المجموع (٤/ ٩٦)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٤٠)، فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٢٣٤)، فيض القدير (٣/ ١٣٣).\n(^٧) هو: الحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين الطيبي، الإمام المشهور من علماء الحديث والتفسير والمعاني والبيان، وكان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن، مقبلًا على نشر العلم، متواضعًا، حَسَن المعتقد، شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة، ملازمًا لإشغال الطلبة في العلوم الإسلامية ومعينًا لهم، من كتبه: «التبيان في المعاني والبيان» و«الخلاصة في معرفة الحديث» و«شرح الكشاف» و«شرح مشكاة المصابيح»، تُوفي سنة ٧٤٣ هـ. يُنظر: الدرر الكامنة (٢/ ١٨٥)، شذرات الذهب (٨/ ٢٣٩).","vol":"1","page":397},{"text":"بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (^١)، فاستُعير لذهاب الخشوع اختلاس الشيطان؛ تصويرًا لقبح تلك الفِعلة، أو أن المصلي حينئذ مستغرق في مناجاة ربه، وأنه تعالى مقبل عليه، والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الفرصة عنه، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلسها منه» (^٢).\nالدليل الثالث: حديث أبي هريرة -﵁-: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى عن الالتفات في الصلاة، وهو للكراهة (^٤)؛ لأن فيه مشابهة الحيوانات، والصلاة تُصان عن مثل ذلك.\nثالثًا: اتفق الفقهاء (^٥) على جواز الالتفات في الصلاة للحاجة.\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن جابر -﵁- قال: «اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَقَعَدْنَا، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا» (^٦).\nالدليل الثاني: عن سهل ابن الحنظلية (^٧) -﵁- قال: «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ -يَعْنِي: صَلَاةَ الصُّبْحِ- فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ»، قال أبو داود: وكان أرسل\n_________\n(^١) سورة المؤمنون: الآية (٢).\n(^٢) شرح المشكاة (٣/ ١٠٧٠).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٣٩٢).\n(^٤) يُنظر: نيل الأوطار (٢/ ٣٢٠).\n(^٥) يُنظر: البناية (٢/ ٤٣٩)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٤)، بحر المذهب (٢/ ٩٠)، المجموع (٤/ ٩٦)، المغني (٢/ ٧)، الإنصاف (٣/ ٥٨٨).\n(^٦) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (١/ ٣٠٩) برقم: (٤١٣).\n(^٧) هو: سهل بن الربيع بن عمرو بن عدي بن زيد الأنصاري، من بني حارثة، والحنظلية: أمه، وقيل: هي أم جده، وإليها يُنسب، وبها يُعرف، وكان ممَّن بايع تحت الشجرة، وكان فاضلًا معتزلًا عن الناس، كثير الصلاة والذكر، وكان عقيمًا لا يُولد له، له أخ يُسمى سعدًا وأخ يُسمى عقبة، ولهم صحبة، سكن الشام ومات بدمشق في أول أيام معاوية. يُنظر: الاستيعاب (٢/ ٦٦٢)، أسد الغابة (٢/ ٥٧١).","vol":"1","page":398},{"text":"فارسًا إلى الشعب من الليل يحرس (^١).\nوجه الاستدلال من الحديثين: أن حكاية فِعله -ﷺ- وأنه كان يلتفت في صلاته لمصلحة، دليل على أن الالتفات في الصلاة للحاجة غير مفسد لها، ولا مكروه فيها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-235>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبيَّن فيما سبق أن الفقهاء حملوا النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: المقصد من النهي.\nأن مقصود النهي: التنفير من هذه الفِعلة القبيحة؛ لأنها من اختلاس الشيطان، ولما فيها من مشابهة الحيوان، ولأنها تؤثر على حضور القلب في الصلاة، فتنقص من الخشوع، فينقص بذلك كمال الصلاة ولا يبطلها؛ لأن الخشوع سنة باتفاق الفقهاء (^٣).\nقال ابن بطال -﵀-: «فيه حضٌّ على إحضار المصلي ذهنه ونيته؛ لمناجاته ربه، ولا يشتغل بأمر دنياه» (^٤).\nوقال الشوكاني -﵀-: «والحكمة في التنفير عنه ما فيه من: نقص الخشوع، والإعراض عن الله تعالى، وعدم التصميم على مخالفة وسوسة الشيطان» (^٥).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nأن كراهة الالتفات في الصلاة؛ للتنزيه عما لا يليق من الهيئات، وإرشاد\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرخصة في ذلك (٢/ ١٨٢) برقم: (٩١٦)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب السير، فضل الحرس (٨/ ١٤٠) برقم: (٨٨١٩) وذكر قصة الحديث، والحاكم (٢/ ٩٣) برقم: (٢٤٣٣) وقال: «هذا الإسناد من أوله إلى آخره صحيح على شرط الشيخين غير أنهما لم يخرجا مسانيد سهل بن الحنظلية؛ لقلة رواية التابعين عنه، وهو من كبار الصحابة»، صححه ابن خزيمة (١/ ٢٧٥) برقم: (٤٨٧).\n(^٢) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٣١٦)، المفاتيح في شرح المصابيح (٦/ ٢٦٧)، فتح الباري، لابن رجب (٦/ ٤٤٩).\n(^٣) اتفق الفقهاء على أن الخشوع سنة. يُنظر: البحر الرائق (٢/ ١٥)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٤١)، الذخيرة (٢/ ٢٣٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥٤٧)، الفروع (٢/ ٢٥١)، كشاف القناع (١/ ٣٩٢). وحكاه النووي -﵀- إجماعًا، حيث يقول: «أجمع العلماء على استحباب: الخشوع والخضوع في الصلاة، وغض البصر عما يلهي، وكراهة الالتفات في الصلاة». المجموع (٣/ ٣١٤).\n(^٤) شرح صحيح البخاري (٢/ ٣٦٥).\n(^٥) نيل الأوطار (٢/ ٣٨٥).","vol":"1","page":399},{"text":"للمحافظة على أدب الصلاة، واستحضار القلب في مناجاة الله -ﷻ-.\nقال النووي -﵀-: «إن كان لحاجة لم يُكره، وإلا كُره كراهة تنزيه» (^١).\nوالعلة من النهي عن الالتفات في الصلاة لغير حاجة (^٢):\n١ - أن فيه تركَ الاقبال على الله، فينقص الخشوع المأمور به في الصلاة؛ ولذلك جعله الشارع اختلاسًا للشيطان من الصلاة.\n٢ - أن فيه ترك استقبال القبلة ببعض البدن.\n٣ - أن كثرة الالتفات يمينًا ويسارًا هو من هيئة الحيوان.\nالحكم على القرينة:\nقرينة المقصد من النهي قرينة معتبرة؛ لكونه وسيلة للمحافظة على الخشوع في الصلاة، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ إذ هي بمعنى قرينة المقصد، وما ذُكر فيه من المعاني معتبر بمجموعه، والله أعلم.\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ٩٦).\n(^٢) يُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٤٠)، فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٢٣٤).","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>المبحث الخامس:\nالنهي عن رفْع البصر إلى السماء أثناء الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-237>المطلب الأول: حكم رفْع البصر إلى السماء أثناء الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ (^١) (^٢).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٣) على كراهة رفع البصر إلى السماء في الصلاة.\nالأدلة:\nالدليل الأول: حديث أنس بن مالك -﵁-.\nالدليل الثاني: عن جابر بن سمرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ» (^٤).\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن في الأحاديث نهيًا أكيدًا ووعيدًا شديدًا في رفع البصر إلى جهة\n_________\n(^١) قال العيني -﵀- في (عمدة القاري) (٥/ ٣٠٩): «قال الطيبي: كلمة (أو) هنا للتخيير تهديدًا، وهو خبر في معنى الأمر، والمعنى: ليكونن منكم الانتهاء عن رفع البصر أو خطف الأبصار عند الرفع من الله تعالى، قلت: الحاصل فيه أن الحال لا تخلو عن أحد الأمرين، إما الانتهاء عنه أو خطف البصر الذي هو العمى»، وقال المناوي في (فيض القدير) (٥/ ٣٩٨): «يحتمل كونها خطفه حسية وكونها معنوية، ولا مانع من إرادتهما معًا».\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة (١/ ١٥٠) برقم: (٧٥٠).\n(^٣) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٣)، البحر الرائق (٢/ ٢٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٩)، شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٩٣)، المجموع (٤/ ٩٧)، نهاية المحتاج (٢/ ٥٧)، المغني (٢/ ٨)، كشاف القناع (١/ ٣٧٠).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة (١/ ٣٢١) برقم: (٤٢٨).\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة (١/ ٣٢١) برقم: (٤٢٩).","vol":"1","page":401},{"text":"السماء في الصلاة، وحُمل على الكراهة؛ لأن الإجماع انعقد على كراهته في الصلاة (^١)، والمعنى في كراهته أنه يُخِل بخشوع المصلي (^٢)؛ فذلك لا يقتضي التحريم؛ لأن الخشوع سنة.\nالدليل الرابع: الإجماع على كراهة رفع البصر إلى السماء في الصلاة (^٣).\nقال ابن بطال -﵀-: «العلماء مجمعون على القول بهذا الحديث، وعلى كراهية النظر إلى السماء في الصلاة» (^٤).\nوقال ابن الملقن -﵀-: «الإجماع قائم على العمل بمقتضى الحديث، وأنه يُكره رفع بصره إلى السماء» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-238>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: الإجماع.\nفإجماع العلماء على كراهة رفع البصر إلى السماء في الصلاة، قرينة على أن النهي ليس للتحريم.\nقال زكريا الأنصاري -﵀- (^٦): «والحاصل: أن رفعها مكروه، وإنما لم يحرم؛ للإجماع\n_________\n(^١) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ١٥٢)، عمدة القاري (٥/ ٣٠٨).\n(^٢) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٦/ ٤٤٢).\n(^٣) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٢/ ٣٦٤)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٣٦)،، عمدة القاري (٥/ ٣٠٨)، فيض القدير (٥/ ٣٩٨).\n(^٤) شرح صحيح البخاري (٢/ ٣٦٤).\n(^٥) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٣٦).\n(^٦) هو: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري الشافعيّ، أبو يحيى، وُلد في سنيكة بمصر سنة ٨٢٦ هـ، برع في سائر العلوم الشرعية وآلاتها: حديثًا، وتفسيرًا، وفقهًا، وأصولًا، وعربية، وأدبًا، ومعقولًا، ومنقولًا، فأقبلت عليه الطلبة للاشتغال عليه، وعمَّر حتى رأى تلاميذه وتلاميذ تلاميذه شيوخ الإسلام، وقرت عينه بهم في محافل العلم، من مؤلفاته: «فتح الرحمن» و«تحفة الباري على صحيح البخاري» و«شرح شذور الذهب» و«اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم» و«فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام» و«تنقيح تحرير اللباب» و«أسنى المطالب في شرح روض الطالب» وغيرها، تُوفي سنة ٩٢٦ هـ. يُنظر: شذرات الذهب (١٠/ ١٨٦)، الكواكب السائرة (١/ ١٩٨)، الأعلام، للزركلي (٣/ ٤٦).","vol":"1","page":402},{"text":"على عدم الحرمة» (^١).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nذلك أن النهي والوعيد جاء للتخويف من هذه الفِعلة؛ تنزيهًا للصلاة عما ينقص في خشوعها وهيئتها.\nجاء في (المفاتيح في شرح المصابيح): «اعلم أن النظر إلى السماء عند الدعاء في الصلاة مكروه؛ لأنه التفات، والالتفات في الصلاة مكروه، فلأجل هذا خوَّفهم الرسول -﵀-» (^٢).\nقال ابن تيمية -﵀-: «ليس العبد ينهى عن رفع بصره مطلقا وإنما نهي في الوقت الذي يؤمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع» (^٣).\nوقال المناوي -﵀-: «وذلك لما فيه من فوت كمال الخشوع» (^٤).\nالحكم على القرينة:\nقرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، وقد تقوَّت واعتضدت بقرينة الإجماع؛ فالنهي محمول على الكراهة، والذي يظهر أن الكراهة شديدة؛ لقوة النهي والوعيد، والله تعالى أعلم بالصواب.\nقال ابن تيمية -﵀-: «مسألة: ويجعل نظره إلى موضع سجوده، وجملة ذلك: أنه يُكره للمصلي: رفع البصر إلى السماء، أو الالتفات يمنة ويسرة لغير حاجةٍ، كراهةً شديدةً» (^٥).\n_________\n(^١) منحة الباري (٢/ ٤٥٩).\n(^٢) (٢/ ١٨٤).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٧٨).\n(^٤) فيض القدير (٥/ ٣٩٨).\n(^٥) شرح العمدة، لابن تيمية - صفة الصلاة (ص: ٧١).","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-239>المبحث السادس:\nالنهي عن تغميض العين في الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-240>المطلب الأول: حكم تغميض العين في الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ» (^١).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في حكم تغميض العين في الصلاة، على قولين:\nالقول الأول: كراهة تغميض العين في الصلاة من غير حاجة.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nالقول الثاني: لا يُكره تغميض العين في الصلاة إذا لم يخف ضررًا.\nوهو مذهب الشافعية (^٥).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: حديث ابن عباس -﵄- (^٦).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهَى عن تغميض العين في الصلاة، وظاهر النهي محمول على الكراهة لا التحريم، والصارف له التعليل بأنه يفوت النظر إلى المحل\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في (المعجم الأوسط) (٢/ ٣٥٦) برقم: (٢٢١٨)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٢/ ٨٣): «رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه: ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وقد عنعنه»، وقال النووي في (المجموع) (٣/ ٣١٤): «قال البيهقي: ليس بشيء»، وقال ابن رجب في (فتح الباري) (٦/ ٤٤٣): «إسناده ضعيف».\n(^٢) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٥).\n(^٣) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٥٥٠)، شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٩٣).\n(^٤) يُنظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٨٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٧٥).\n(^٥) يُنظر: المجموع (٣/ ٣١٤)، أسنى المطالب (١/ ١٦٩).\n(^٦) استدل به الحنفية. يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٦)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٥٤).","vol":"1","page":404},{"text":"المندوب (^١).\nنُوقش: بأن الحديث ضعيف وليس بشيء (^٢).\nالدليل الثاني: أنه لم يكن من هدي النبي -ﷺ- تغميض عينيه في الصلاة، بل إن الوقائع تشهد لكونه يفتح عينيه في الصلاة (^٣).\nالدليل الثالث: أنه من فِعل اليهود (^٤)، وقد نُهينا عن التشبه بهم.\nقال ابن قدامة -﵀-: «يُكره أن يغمض عينيه في الصلاة، نص عليه أحمد، وقال: هو فِعل اليهود» (^٥).\nالدليل الرابع: أن تغميض العين يغير هيئة المصلي، وربما كان سببًا للنوم، وفيه نوع عبث يخل بالخشوع (^٦).\nالدليل الخامس: أن تغميض العين في الصلاة يوهم أنه مطلوب فيها، فيُكره خوفًا من اعتقاد وجوبه (^٧).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: أنه لم يرِد في النهي دليل صحيح (^٨).\nيمكن أن يُناقش: بأنه يُسلم أنه لم يثبت في النهي دليل صحيح، لكن وردت الأحاديث بمجموعة من الوقائع التي تفيد العلم بأنه -ﷺ- لم يكن يغمض عينيه في الصلاة (^٩).\nالدليل الثاني: أن في تغميض العين منعًا لتفريق الذهن، فيكون سببًا لحضور\n_________\n(^١) يُنظر: حاشية الطحطاوي (ص: ٣٥٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٥).\n(^٢) يُنظر: المجموع (٣/ ٣١٤)، أسنى المطالب (١/ ١٦٩).\n(^٣) يُنظر: زاد المعاد (١/ ٢٨٣).\n(^٤) يُنظر: المبدع (١/ ٤٢٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٧).\n(^٥) المغني (٢/ ٩).\n(^٦) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٤)، المبدع (١/ ٤٢٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٧).\n(^٧) يُنظر: شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٩٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٤).\n(^٨) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ١٦٩)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٠).\n(^٩) يُنظر: زاد المعاد (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":405},{"text":"القلب وجمع الخشوع الذي هو سر الصلاة وروحها (^١).\nيمكن أن يُناقش: لا يُسلَّم بأن تغميض العينين يجمع الخشوع وحضور القلب في كل حال، بل قد يكون مخلًا بالخشوع؛ لكونه جالبًا للنوم.\nسبب الخلاف:\nالسبب هو اختلافهم في صحة ما ورد في النهي وثبوته، واختلافهم في كون التغميض يجمع الخشوع أم ينافيه.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة تغميض العين في الصلاة لغير حاجة.\nأسباب الترجيح:\n١ - أنه لم يكن من هدي النبي -ﷺ- تغميض العين في الصلاة، والأمة مأمورة باتباع هديه -ﷺ-.\n٢ - أنه لم يُنقل أنه -ﷺ- أرشد أمته أو أمرها بتغميض العين طلبًا للخشوع وحضور القلب.\nقال ابن القيم -﵀-: «لم يكن من هديه -ﷺ- تغميض عينيه في الصلاة»، ثم ساق مجموعة من الأدلة والوقائع، وقال بعدها: «فهذه الأحاديث وغيرها يُستفاد من مجموعها العلم بأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة .... والصواب أن يُقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قِبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه، فهنالك لا يُكره التغميض قطعًا، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم» (^٢).\n_________\n(^١) يُنظر: المجموع (٣/ ٣١٤)، أسنى المطالب (١/ ١٦٩).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل أصحاب القول الأول النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nأشار العلماء في كلامهم أن كراهة تغميض العين في الصلاة إنما هو من باب الأدب والإرشاد لمصلحة الصلاة، وما كان كذلك يُحمل على الكراهة (^١).\nقال المناوي -﵀-: «فإن غمضهما بغير عذر كُره تنزيهًا» (^٢).\nتنوعت أقوال أهل العلم في العلة من كراهة تغميض العين في الصلاة، ومن ذلك:\nقيل: أن السُّنَّة أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، وفي التغميض تركها.\nوقيل: أنه يُكره تغميض البصر؛ لئلا يُتوهم أنه واجب ومطلوب فيها (^٣).\nوقيل: أن فيه نوع عبث يخل بالخشوع (^٤).\nوقيل: أنه مظنة النوم، ولأنه يغير هيئة المصلي (^٥).\nوقيل: أنه فِعل اليهود (^٦).\nالحكم على القرينة:\nقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة إن ثبت النهي، وإن لم يثبت النهي فإن القول بكراهة تغميض العين في الصلاة أُخذ من ظاهر هدي النبي -ﷺ-، وأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة، ولم يرِد ما يُثبِت خلاف ذلك، ويمكن أن يصدُق علةً للكراهة جميع ما ذكره العلماء، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).\n(^٢) فيض القدير (١/ ٤١٤).\n(^٣) يُنظر: شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٩٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٤).\n(^٤) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٤).\n(^٥) يُنظر: المبدع (١/ ٤٢٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٧).\n(^٦) يُنظر: مطالب أولي النهى (١/ ٤٧٥)، فيض القدير (١/ ٤١٤).","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-242>المبحث السابع:\nالنهي عن التثاؤب</span>\n<span data-type='title' id=toc-243>المطلب الأول: حكم التثاؤب:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ (^١)، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ (^٢) مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» (^٣).\nوفي رواية: «وَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْدُدْهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَقُلْ: آهْ آهْ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا فَتَحَ فَاهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْهُ» (^٤).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٥) على كراهة التثاؤب مطلقًا، وأنه يُستحب ردّه ما استطاع.\n_________\n(^١) قال الخطّابي في (معالم السنن) (٤/ ١٤١): «المعنى: أن العطاس إنما يكون مع انفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات، وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء والإقلال من المطعم والاجتزاء باليسير منه، والتثاؤب إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه وعند استرخائه للنوم وميله إلى الكسل، فصار العطاس محمودًا؛ لأنه يعين على الطاعات، والتثاؤب مذمومًا؛ لأنه يثبطه عن الخيرات وقضاء الواجبات»، وقال ابن بطّال في (شرح صحيح البخاري) (٩/ ٣٧٠): «معنى إضافة التثاؤب إلى الشيطان إضافة رضا وإرادة، أي أن الشيطان يحب أن يرى تثاؤب الانسان؛ لأنها حال المثلة وتغييرٌ لصورته، فيضحك من جوفه، لا أن الشيطان يفعل التثاؤب في الإنسان؛ لأنه لا خالق للخير والشر غير الله، وكذلك كل ما جاء من الأفعال المنسوبة إلى الشيطان فإنها على معنيين: إما إضافة رضا وإرادة، أو إضافة بمعنى الوسوسة في الصدر والتزيين».\n(^٢) فَلْيَرُدَّه: أي: يأخذ في أسباب رده، وليس المراد به أنه يملك دفعه؛ لأن الذي وقع لا يرد حقيقةً. فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٦١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما يُستحب من العطاس وما يُكره من التثاؤب (٨/ ٤٩) برقم: (٦٢٢٣)، وأخرجه مسلم مختصرًا، كتاب الزهد والرقائق، باب تشميت العاطس، وكراهة التثاؤب (٤/ ٢٢٩٣) برقم: (٢٩٩٥).\n(^٤) أخرجه أحمد (١٥/ ٣٢٦) برقم: (٩٥٣١).\n(^٥) يُنظر: حاشية الطحطاوي (ص: ٣٥٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٥)، التفريع (٢/ ٤١٧)، المجموع (٤/ ١٠٠)، مغني المحتاج (١/ ٤٢٢)، الآداب الشرعية (٢/ ٣٤٧)، كشاف القناع (١/ ٣٧٣).","vol":"1","page":408},{"text":"جاء في (التفريع): «يُكره التثاؤب، فإن، تثاءب فليكظم ما استطاع، وليضع يده على فيه» (^١).\nوقال النووي -﵀- في (المجموع): «يُكره التثاؤب في الصلاة، ويُكره في غيرها أيضًا، فإن تثاءب فليرده ما استطاع، ويُستحب وضْع يده على فيه، سواء كان في الصلاة أم لا» (^٢).\nوقال ابن مفلح -﵀- في (الآداب الشرعية): «يُكره التثاؤب مطلقًا» (^٣).\nالأدلة:\nالدليل الأول: حديث أبي هريرة -﵁-: «وَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْدُدْهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَقُلْ: آهْ آهْ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا فَتَحَ فَاهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْهُ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن ما جاء في الحديث من ذم التثاؤب يدل على كراهته؛ لأن الله -﷾- يكرهه، ولأنه مما يرتضيه الشيطان؛ فلذا نهى -ﷺ- مَنْ تثاءب عن التمادي فيه حتى يقول: آه آه، وأمر برده وكظمه ما أمكن؛ لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته وضحكه منه، فالنهي محمول على الكراهة والأمر على الندب؛ لأنه من باب الإرشاد إلى محاسن الأحوال، ومكارم الآداب (^٥).\nالدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ (^٦) (^٧).\nوجه الاستدلال: أنه جاء في هذا الحديث التقييد بالصلاة، وقد جاء مطلقًا في غيره من الأحاديث، وذلك لاحتمال أن تكون كراهته في الصلاة أشد، ولا يلزم من ذلك أن\n_________\n(^١) (٢/ ٤١٧).\n(^٢) (٤/ ١٠٠).\n(^٣) (٢/ ٣٤٧).\n(^٤) سبق تخريجه ص: (٤٠٥).\n(^٥) يُنظر: المفهم (٦/ ٦٢٦)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٨/ ١٢٣).\n(^٦) قوله: (يدخل): يحتمل أن يُراد به الدخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من الإنسان مجرى الدم، لكنه لا يتمكن منه ما دام ذاكرًا الله تعالى، والمتثائب في تلك الحالة يكون غير ذاكر، فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقةً، ويحتمل أن يكون أطلق الدخول وأراد التمكن منه؛ لأن من شأن مَنْ دخل في شيء أن يكون متمكنًا منه. يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٦١٢).\n(^٧) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب تشميت العاطس، وكراهة التثاؤب (٤/ ٢٢٩٣) برقم: (٢٩٩٥).","vol":"1","page":409},{"text":"لا يُكره في غير حالة الصلاة، فلا تنافيَ بينهم، ويؤيد كراهته مطلقًا كونه من الشيطان (^١).\nجاء في (فتح الباري) لابن حجر: «ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خص الصلاة؛ لأنها أولى الأحوال بدفعه؛ لما فيه من الخروج عن اعتدال الهيئة واعوجاج الخِلقة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-244>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص بالتعليل في الحديث نفسه.\nوذلك أن قوله -ﷺ-: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ)، وقوله: (وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ) أفاد تعليل النهي عن التثاؤب.\nجاء في (الآداب الشرعية): «العطاس يدل على خفة بدن ونشاط، والتثاؤب غالبًا لثقل البدن وامتلائه واسترخائه، فيميل إلى الكسل، فأضافه إلى الشيطان؛ لأنه يرضيه أو من تسببه لدعائه إلى الشهوات» (^٣).\nوقوله: (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) فيه إشارة إلى ذم التثاؤب وكراهة التمادي فيه؛ لئلا يبلغ الشيطان مراده.\nقال ابن الجوزي -﵀- (^٤): «وإنما يضحك الشيطان من قول المتثائب: ها؛ لمعنيين: أحدهما: أنه يرى ثمرة تحريضه على الشبع، فيضحك فرحًا بأن أثمرت شجرات غرسه. والثاني: أن المسنون للمتثائب أن يكظم ويحبس ما استطاع، فإذا ترك الأدب وقال: ها، ضحك الشيطان؛ لقلة أدبه» (^٥).\n_________\n(^١) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٦١٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٥).\n(^٢) (١٠/ ٦١٢). نقلًا عن ابن العربي.\n(^٣) (٢/ ٣٣٥).\n(^٤) هو: عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي، أبو الفرج الإمام الحافظ المؤرخ الواعظ الكبير، وُلد ببغداد سنة ٥١١ هـ، نبغ في مختلف فروع العلم، وبلغ في صناعة الوعظ شهرة عمت الآفاق، صنف في فنون عديدة، وله نحو أربعمائة مصنف، منها: «المنتظم في تاريخ الأمم» و«زاد المسير في علم التفسير» و«كشف المشكل من حديث الصحيحين» و«أخبار الأذكياء»، وغير ذلك من المصنفات المختلفة ذات النفع العظيم، تُوفي سنة ٥٩٧ هـ. يُنظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٤٠)، شذرات الذهب (١/ ٤٨).\n(^٥) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٥٣٠).","vol":"1","page":410},{"text":"القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nأشار العلماء إلى أن كراهة التثاؤب وكراهة التمادي فيه إنما هو أدب من الآداب، والنهي في باب الأدب يُحمل على الكراهة (^١).\nقال القرطبي -﵀-: «… وكل هذا يشعر بكراهة التثاؤب، وكراهة حالة المتثائب إذا لم يكظم، وأوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى محاسن الأحوال، ومكارم الآداب» (^٢).\nومما ذكره العلماء من علل النهي:\nقيل: أن التثاؤب دون كظمه أو تغطية الفم يُعد من سوء الأدب المخالف لآداب العشرة والمحادثة بين الناس، وأشد منه حين تكون في الصلاة ومناجاة الرب سبحانه؛ فلذا نُهي عن التمادي فيه، وأُمر بكظمه أو تغطية الفم (^٣).\nجاء في (الآداب الشرعية): «مَنْ تثاءب كظم ما استطاع؛ للخبر، وأمسك يده على فمه أو غطاه بكمه أو غيره إن غلب عليه التثاؤب، … ويُكره إظهاره بين الناس مع القدرة على كفه، وإن احتاجه تأخَّر عن الناس وفَعَله» (^٤).\nوقيل: أنه من التكاسل والامتلاء (^٥).\nوقيل: أنه مخل بمعنى الخشوع إن كان في الصلاة (^٦).\nقال ابن الجوزي -﵀-: «إن قال قائل: ليس العطاس داخلًا تحت الكسب ولا التثاؤب، فما حيلة العبد في تحصيل المحبوب ونفي المكروه؟ فالجواب: أن العطاس إنما يكون مع انفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات، وسبب هذه الأشياء تخفيف الغذاء والتقلل من المطعم، فأما التثاؤب: فإنه يكون مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه للنوم، فحَمد العطاس؛ لأنه يعين على الطاعة، وذَمَّ التثاؤب؛ لأنه يثبط عن الخير» (^٧).\nالحكم على القرينة:\n_________\n(^١) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٢٦). ويُنظر: شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (١٩/ ٢١٣).\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٩).\n(^٤) (٢/ ٣٤٧).\n(^٥) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٤)\n(^٦) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٥).\n(^٧) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٥٣٠).","vol":"1","page":411},{"text":"القرينة النصية هي أقوى القرائن الصارفة؛ فالقرينة هنا قوية ومعتبرة، وكونها جاءت في النص نفسه يزيدها قوة؛ لأنها تكون مبيِّنة للمراد، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد وما ذُكر فيها من المعاني قرينة معتبرة؛ إذ إن كراهة التثاؤب من جملة آداب العشرة ومكارم الأخلاق، فالقرائن قوية خصوصًا مع عدم ما يعارضها، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-245>المبحث الثامن:\nالنهي عن فرقعة الأصابع أثناء الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-246>المطلب الأول: حكم فَرْقَعَةِ (^١) الأصابع أثناء الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن علي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا تُفَقِّعْ (^٢) أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ» (^٣).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٤) على كراهة فرقعة الأصابع في الصلاة.\nقال العيني -﵀-: «قال شيخ الإسلام (^٥): كُره من الناس الفرقعة خارج الصلاة؛ فإنها تلقين الشيطان، ولا خلاف لأحد من الأئمة الأربعة وغيرهم في كراهة فرقعة الأصابع وتشبيكها في الصلاة» (^٦).\n_________\n(^١) الفَرْقَعَة: تنقيض الأصابع، وقد فرقعها فتفرقعت، فرقعة الأصابع: غمزها حتى يُسمع لمفاصلها صوت. يُنظر: لسان العرب (٨/ ٢٥١)، تاج العروس (٢١/ ٤٩٤).\n(^٢) تَفْقِيع الأصابع: هي الفرقعة، يُقال: فقع أصابعه تفقيعًا، التَّفْقِيع: صوت الأصابع إذا ضرب بعضها ببعض أو فرقعها. يُنظر: لسان العرب (٨/ ٢٥٦)، تاج العروس (٢١/ ٥١٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه، أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب ما يُكره في الصلاة (٢/ ١١١) برقم: (٩٦٥)، ضعّفه النووي في (خلاصة الأحكام) (١/ ٤٩٢)، وأعلّه الزيلعي بالحارث الأعور في (نصب الراية) (٢/ ٨٧). وفي الباب حديث معاذ بن أنس الجهني، وأثر عن ابن عباس -سيأتي ذكرهما في الأدلة-، فلعل الفقهاء أخذوا بمجموع هذه الأخبار واحتجوا بها للكراهة، ولأنه ليس في الباب شيء يدفعه؛ وذلك على أصل العمل بالضعيف إِذا لم يجد في الباب أَثرًا يدفعه ولا قولَ صاحب، ولا إجماعًا على خلافه، والأئمة متفقون على هذا الأَصل من حيث الجملة. يُنظر: المسودة في أصول الفقه (ص: ٢٧٦)، المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد (١/ ١٥٥).\n(^٤) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٦٢)، مواهب الجليل (١/ ٥٥٠)، شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٩٢)، المجموع (٤/ ١٠٥)، أسنى المطالب (١/ ١٨٣)، المغني (٢/ ٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٩).\n(^٥) يُطلق لقب شيخ الإسلام عند الحنفية على عدد من العلماء الذين تصدروا للإفتاء، وإذا أُطلق فيُراد به: خُوَاهَر زَاده. يُنظر: بحث بعنوان: المذهب المعتمد عند الحنفية واصطلاحاته الفقهية، إعداد الباحث الدكتور: مرضي بن مشوح العنزي.\n(^٦) البناية (٢/ ٤٣٧).","vol":"1","page":413},{"text":"الأدلة:\nالدليل الأول: عن علي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا تُفَقِّعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن فرقعة الأصابع في الصلاة، وهو محمول على الكراهة والتنزيه؛ لأنه من العبث (^٢).\nالدليل الثاني: عن معاذ بن أنس -﵁- (^٣)، عن رسول الله -ﷺ- أنه كان يقول: «قال الضَّاحِكُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمُلْتَفِتُ، وَالْمُفَقِّعُ أَصَابِعَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث التسوية بين هذه الأفعال الثلاثة، وأنها بمنزلة واحدة، إشارةً إلى كراهتها؛ لكونها من العبث المخل بالخشوع في الصلاة (^٥)؛ فهي مكروهة تنزيهًا (^٦).\nالدليل الثالث: أن فرقعة الأصابع عبث، والعبث مكروه في الصلاة (^٧).\nقال ابن قدامة -﵀- حيث يقول: «يُكره العبث كله، وما يشغل عن الصلاة، ويذهب بخشوعها، وقد رُوي: «أنَّ رسولَ الله -ﷺ- رأى رجلًا يَعبَث في الصَّلاة، فقال: لو خشَع قلبُ هذا لخشعت جوارحُه» (^٨)، ولا نعلم بين أهل العلم في كراهة هذا كله اختلافًا» (^٩).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: (٤١٠).\n(^٢) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ١٨٣)، فيض القدير (٦/ ٤١٤).\n(^٣) هو: معاذ بن أنس الجهني الأنصاري، صحابي نزل مصر، روى عن النبي -ﷺ- وعن أبي الدرداء وكعب الأحبار، وعنه: ابنه سهل بن معاذ ولم يروِ عنه غيره، وهو لين الحديث لكن أحاديثه حسان في الفضائل والرغائب، ذُكر أنه بقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان. يُنظر: أسد الغابة (٥/ ١٨٦)، تهذيب التهذيب (١٠/ ١٨٦).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٤/ ٣٨٦) برقم: (١٥٦٢١)، والبيهقي، كتاب الصلاة، جماع أبواب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، باب كراهية تفقيع الأصابع في الصلاة (٤/ ٣٩٠) برقم: (٣٦١٨) وقال: «زَبَّانُ بْنُ فَائِدٍ غير قوي»، الحديث ضعّفه النووي في (خلاصة الأحكام) (١/ ٤٩٣)، والزيلعي في (نصب الراية) (٢/ ٨٧).\n(^٥) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٣/ ٤٢٦).\n(^٦) يُنظر: فيض القدير (٢/ ٣٦٥).\n(^٧) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٦)، أسنى المطالب (١/ ١٨٣).\n(^٨) قال ابن رجب في (فتح الباري) (٦/ ٣٦٧): «رُوي عن حذيفة، أنه رأى رجلًا يعبث في صلاته، فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه)، ورُوي عن ابن المسيب، ورُوي مرسلًا»، ولم أقف على المرسل الذي ذكره ابن قدامة، أما الأثر عن ابن المسيب: فقد أخرجه عبد الرزاق الصنعاني (٢/ ٢٦٦) برقم: (٣٣٠٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨٦) برقم: (٦٧٨٧).\n(^٩) المغني (٢/ ٩).","vol":"1","page":414},{"text":"الدليل الرابع: عن شعبة (^١) مولى ابن عباس -﵄-، قال: «صليت إلى جنب ابن عباس، ففقعت أصابعي، فلما قُضيت الصلاة قال: لَا أُمَّ لَكَ، تُقَعْقِعُ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن إنكار الصحابي على المفقع أصابعه، دليل على أنه مكروه في الصلاة، وأن الصلاة ينبغي أن تُنزه عن مثل هذا العبث الذي لا يليق بالوقوف بين يدي المولى -جل وعلا-.\n\n<span data-type='title' id=toc-247>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم قرينة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nفالذي يظهر أن الفقهاء حملوا النهي على الكراهة لما فيه من الترغيب إلى التزام الأدب حين الوقوف بين يدي الله -﷿-، وإرشادًا وتنزيهًا للصلاة عن العبث المخل بالخشوع، والنهي في باب الأدب والإرشاد محمول على الكراهة (^٣).\nفترْك الفَرْقعة والعبث من باب الأدب، وهو وسيلة للمحافظة على كمال الخشوع في الصلاة.\nقال القرافي -﵀-: «القاعدة: أن الوسائل تبع للمقاصد ودونها في الرتبة: فوسيلة الواجب واجبة، ودونه في الوجوب، ووسيلة المندوب مندوبة، ودونه في الندب، ووسيلة المباح مباحة غير أنها لا يمكن أن تكون أدنى منه؛ لتعذر ذلك في المباح؛ لضرورة\n_________\n(^١) هو: شعبة بن دينار القرشي الهاشمي، مولى ابن عباس، ويُكنى أبا عبد الله، صدوق سيء الحفظ من الرابعة، روى عنه ابن أبي ذئب وعدة من أهل المدينة وغيرهم، ولم يروِ عنه مالك بن أنس، مات في وسط خلافة هشام. يُنظر: تقريب التهذيب (ص: ٢٦٦)، الطبقات الكبرى (٥/ ٢٢٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٨) برقم: (٧٢٨٠)، حسّنه زكريا غلام في (ما صح من آثار الصحابة في الفقه) (١/ ٢٩٧)، وقال الألباني في (إرواء الغليل) (٢/ ٩٩): «سنده حسن».\n(^٣) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).","vol":"1","page":415},{"text":"الاستواء» (^١).\nقال المناوي -﵀-: «قوله: (لا تفقع أصابعك) أي: أصابع يديك وأنت في الصلاة، فيُكره تنزيهًا» (^٢)، والعلة في ذلك: أنه عبث مخالف لهيئة الصلاة (^٣)، ولكونه من الشيطان (^٤).\nالحكم على القرينة:\nقرينة ورود النهي في باب الأدب قرينة قوية ومعتبرة؛ لعدم المعارض ولاعتبار العلة من النهي، وإنكار الصحابي على المفقع يؤيد معنى الأدب والتنزيه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) نفائس الأصول (٣/ ١٢٦١).\n(^٢) فيض القدير (٦/ ٤١٤).\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٦)، أسنى المطالب (١/ ١٨٣).\n(^٤) يُنظر: البناية (٢/ ٤٣٧).","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type='title' id=toc-248>المبحث التاسع:\nالنهي عن تشبيك الأصابع أثناء الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-249>المطلب الأول: حكم تشبيك الأصابع أثناء الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلَا يَقُلْ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (^١).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٢) على كراهة تشبيك الأصابع في الصلاة.\nالأدلة:\nالدليل الأول: حديث أبي هريرة -﵁-.\nوجه الاستدلال: أن قوله: (فِي صَلَاةٍ) تعليل النهي عن التشبيك في الصلاة إذا خرج من بيته بأنه في صلاة؛ فإذا نهى مَنْ يُكتب له أجر المصلي لكونه قاصدها، دل ذلك على أن حالة الصلاة الحقيقية أَوْلى بترك العبث، سواء كانت الصلاة بالمسجد أم غيره، وهو أشد كراهة؛ لأنه عبث ينافي الخشوع (^٣)، والعبث في الصلاة مكروه (^٤).\nالدليل الثاني: حديث كعب بن عُجْرة -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن تفريج النبي -ﷺ- بين أصابع الرجل وعدم أمره بإعادة الصلاة،\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٣٥٥).\n(^٢) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٢)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٤٦)، مواهب الجليل (١/ ٥٥٠)، شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٩٢)، المجموع (٤/ ١٠٥)، أسنى المطالب (١/ ١٨٣)، المغني (٢/ ٨)، كشاف القناع (١/ ٣٧٢).\n(^٣) يُنظر: شرح المصابيح، لابن الملك (٢/ ٦٢)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٨٨)، فيض القدير (١/ ٣٢١).\n(^٤) يُنظر: التمهيد (١٣/ ١٩٦)، المغني (٢/ ٩).\n(^٥) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة (٢/ ٢٢٨) برقم: (٣٨٦)، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يُكره فِي الصلاة (٢/ ١١٢) برقم: (٩٦٧) واللفظ له، وأحمد (٣٠/ ٣٩) برقم: (١٨١١٢)، قال الألباني في (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل) (٢/ ١٠٢) بعد تضعيف حديث كعب بن عجرة وذِكر طرقه ورواياته: «وجملة القول أن: الحديث صحيح من قوله -ﷺ- من حديث أبى هريرة، فلو أن المؤلف آثره على اللفظ الذى أورده لكان أصاب». فحديث أبي هريرة المتقدم شاهد له.","vol":"1","page":417},{"text":"فيه دلالة على كراهة التشبيك في الصلاة مطلقًا من غير تقييد بالمسجد؛ لأنه نوع من العبث الذي لا يليق بحال المصلي (^١).\nالدليل الثالث: «سُئل نافع عن الرجل يصلي وهو مشبِّك يديه، فقال: قال ابن عمر: تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن أثر ابن عمر يدل على أنه يُكره تشبيك اليدين في الصلاة؛ لما فيه من مشابهة أهل الكتاب، فالصلاة بالتشبيك صلاة اليهود، وهم المغضوب عليهم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-250>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: المقصد من النهي.\nفالمقصود: الاتيان بالصلاة على صفات الكمال والبعد عن الهيئات التي لا يلائم شيء منها الصلاة ولا يشاكل حال المصلي (^٤).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nأن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد للتنزيه؛ فالنهي عن التشبيك فيه إرشاد لأدب الوقوف بين يدي الله -﷿-، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (^٥).\nقال المناوي -﵀-: «… فلذلك كُره تنزيهًا» (^٦) أي: تنزيهًا للصلاة عن الإخلال بأدبها وخشوعها.\nوالعلة من النهي:\nقال المناوي -﵀-: «إن التشبيك جالب للنوم، وهو مظنة للحدث» (^٧).\nوقال ابن رجب -﵀- في كراهة التشبيك: «… وهو من نوع العبث الذي تنزه عنه\n_________\n(^١) نيل الأوطار (٢/ ٣٨٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة (٢/ ٢٣٦) برقم: (٩٩٣)، صححه الألباني في (إرواء الغليل) (٢/ ١٠٢).\n(^٣) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٣/ ٤٢٦).\n(^٤) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٦٢)، فيض القدير (١/ ٣٢١)\n(^٥) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).\n(^٦) فيض القدير (١/ ٣٢١).\n(^٧) فيض القدير (١/ ٣٢١)، ويُنظر: حاشية الطحطاوي (ص: ٣٤٦).","vol":"1","page":418},{"text":"الصلاة، ومثله تفقيع الأصابع» (^١).\nوقيل: لما فيه من مشابهة أهل الكتاب (^٢).\nالحكم على القرينة:\nقرينة المقصد من النهي معتبرة؛ لأن المقصود صيانة الصلاة والاتيان بها على هيئتها المشروعة، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة تصرف النهي عن التحريم، وخبر تفريج النبي -ﷺ- لأصابع الرجل مؤيِّد لمعنى التأديب والإرشاد، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) فتح الباري (٣/ ٤٢٦)، ويُنظر: أسنى المطالب (١/ ١٨٣).\n(^٢) فتح الباري (٣/ ٤٢٦).","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>المبحث العاشر:\nالنهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود</span>\n<span data-type='title' id=toc-252>المطلب الأول: حكم قراءة القرآن في الركوع والسجود:</span>\nدليل النهي:\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال: كشف رسول الله -ﷺ- الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ: فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -﷿-، وَأَمَّا السُّجُودُ: فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ (^١) أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (^٢).\nوعن علي -﵁- قال: «نَهَانِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنَّ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا» (^٣).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٤) على كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود.\nقال النووي -﵀-: «اتفقوا على كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود وغير حالة القيام» (^٥).\nوقال ابن تيمية -﵀-: «قد اتفق العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود» (^٦).\nوقال ابنُ الشِّلْبِيِّ -﵀- (^٧) في حاشيته على (تبيين الحقائق): «تُكره قراءة القرآن في\n_________\n(^١) قَمِنٌ: أي: خليق وجدير. يُنظر: النهاية (٤/ ١١١)، لسان العرب (١٣/ ٣٤٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (١/ ٣٤٨) برقم: (٤٧٩).\n(^٣) المصدر نفسه (١/ ٣٤٨) برقم: (٤٨٠).\n(^٤) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١١٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٢٣)، شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٩١)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٣)، العزيز شرح الوجيز (١/ ٥١٢)، المجموع (٣/ ٤٣٤)، المغني (١/ ٣٦٢)، الشرح الكبير (٣/ ٤٨٤).\n(^٥) المجموع (٣/ ٤٣٤).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٨).\n(^٧) هو: أحمد بن يونس بن محمد، شهاب الدين المصري الحنفي، المعروف بابن الشلبي، كان عالمًا، كريم النفس، كثير الصدقة على الفقراء والمساكين، له: «حاشية على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق» و«الدرر الفرائد»، تُوفي سنة ٩٤٧ هـ وله من العمر بضع وستون سنة. يُنظر: الكواكب السائرة (٢/ ١١٦)، شذرات الذهب (١٠/ ٣٨٢)، الأعلام، للزركلي (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":420},{"text":"الركوع والسجود والتشهد بإجماع الأئمة الأربعة» (^١).\nالأدلة: استدلوا بحديثي ابن عباس وعلي -﵃-.\nوجه الاستدلال: في الحديث نهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، والنهي محمول على الكراهة والتنزيه؛ لأن الركوع والسجود ليسا محلًا للقراءة (^٢)، والنهي عام للأمة؛ لأن أمْر الله تعالى للنبي -ﷺ- أمرٌ للأمة ما لم يوجد تخصيص (^٣)، ويدل على عدم التخصيص هنا أنه -ﷺ- خاطب أمته بعدها، فأمرهم بالتعظيم للرب في الركوع وبالدعاء في السجود، فدل ذلك أن الأمة داخلون معه في خطاب النهي (^٤).\nوكذلك يدل حديث علي -﵁- على عدم التخصيص وعموم النهي للأمة؛ فخطاب النبي -ﷺ- لأحد أمته هو خطاب للأمة (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-253>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: المقصد من النهي.\nسياق الحديث يشير إلى أن المقصد من النهي تعظيم القرآن الكريم وبيان مكانته، وأنه لا يُقرأ في موضع الخضوع والتذلل.\nقال العيني -﵀-: «فإن قيل: ما الحكمة من النهي عن القراءة في حالتي الركوع والسجود؟ قلت: الذي يلوح لنا في هذا المقام هو أن النبي -﵀- أخبر الأمة عن انقطاع الوحي بوفاته، وعزَّاهم عن مبشرات النبوة، ثم نبههم على جلالة قدْرها بما هو تارك فيهم من الوحي المنزل - وهو الكتاب العزيز الذي لم يُؤتَ نبي مثله- بقرينة مستكنة في صيغة النهي.\nوذلك أن الركوع والسجود من باب الخضوع وأمارات التذلل من العباد لجلال وجه الله الكريم، فنهى أن يُقرأ الكتاب الكريم الذي عظم شأنه، وارتفع محله عند هيئة موضوعة\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ١١٥)، ويُنظر: حاشية الطحطاوي (ص: ٢٨٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٢٣).\n(^٢) يُنظر: شرح المصابيح (٢/ ٨)، أسنى المطالب (١/ ١٥٧).\n(^٣) يُنظر: العدة (١/ ٣١٨)، المسودة (ص: ٣١)، روضة الناظر (١/ ٥٨٦).\n(^٤) يُنظر: شرح المشكاة، للطيبي (٣/ ١٠١٥).\n(^٥) يُنظر: قواطع الأدلة (١/ ٢٢٨)، الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (٢/ ٢٦٣).","vol":"1","page":421},{"text":"للخضوع والتذلل؛ ليتبين لأولي العلم معنى الكتاب العزيز، وينكشف لذوي البصائر حقيقة القرآن الكريم» (^١).\nوجاء في (مرقاة المفاتيح): «إن الركوع والسجود حالان دالان على الذل، ويناسبهما الدعاء والتسبيح، فنُهي عن القراءة فيهما تعظيمًا للقرآن الكريم، وتكريمًا لقارئه القائم مقام الكليم، والله بكل شيء عليم» (^٢).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nذلك أن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد للتنزيه، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (^٣).\nقال زكريا الأنصاري -﵀-: «فيه كراهة قراءة القرآن -ولو بعض آية- في الركوع والسجود، ومثلها كما في المجموع سائر أفعال الصلاة غير القيام، وهي كراهة تنزيه، فلو قرأ في شيء من ذلك كُره، ولم يُبطِل صلاته» (^٤).\nوالعلة من النهي:\nقال النووي -﵀-: «إنما وظيفة الركوع التسبيح، ووظيفة السجود التسبيح والدعاء» (^٥).\nوقال الطيبي -﵀-: «لما كان الركوع والسجود -وهما غاية الذل والخضوع- مخصوصين بالذكر والتسبيح، نهَى -ﷺ- عن القراءة فيهما كأنه كره أن يُجمع بين كلام الله -﷾- وكلام الخلق في موضع واحد، فيكون علي السواء» (^٦).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قرينة بيان المقصد قرينة قوية ومعتبرة؛ إذ إنها مستفادة من\n_________\n(^١) شرح أبي داود (٤/ ٨٦).\n(^٢) (٢/ ٧١١).\n(^٣) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).\n(^٤) فتح العلام بشرح الإعلام (ص: ٢٠٢)، ويُنظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٣).\n(^٥) المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ١٩٧).\n(^٦) شرح المشكاة (٣/ ١٠١٥).","vol":"1","page":422},{"text":"سياق الحديث ومقدمته، ومن جمْع النبي -ﷺ- بين نهيه عن القراءة في الركوع والسجود وأمره بالتسبيح والدعاء فيهما، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ إذ المعنى هو إرشاد الأمة إلى تعظيم القرآن، وأن لكل حال من أحوال الصلاة ما خُص به من الذكر، والله أعلم.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-254>المبحث الحادي عشر:\nالنهي عن بروك المصلي كما يبرك البعير</span>\n<span data-type='title' id=toc-255>المطلب الأول: حكم بروك المصلي كما يبرك البعير </span>(^١):\nدليل النهي:\nعن أبى هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» (^٢).\nصورة المسألة:\nالمراد بالمسألة إذا أراد المصلي أن يهوي للسجود، أيهما يقدم أولًا: يديه أم ركبتيه؟\nالأقوال في المسألة:\nفي حديث أبي هريرة نهي عن مشابهة بروك البعير عند الهُوِيِّ للسجود، فاختلف الفقهاء فيما يقدمه المصلي عند إرادة السجود: ركبتيه أم يديه، على قولين:\nالقول الأول: يُستحب تقديم الركبتين على اليدين، ويُكره تقديم اليدين.\nوهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\nالقول الثاني: يُستحب تقديم اليدين على الركبتين.\n_________\n(^١) بُرُوك البعير: وهو أن يبدأ بأعاليه إذا انحط إلى الأرض، والجمل يفعل كذلك، وأصله: وضع البرك على الأرض، أي: الصدر -بفتح الباء وتسكين الراء- يُقال: بَرَكَ البعيرُ يَبْرُكُ بُروكًا، أي اسْتَناخَ. وهو من باب: قعد وقع على بركه، وهو صدره. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٥٧٤)، طلبة الطلبة (ص: ١١)، المصباح المنير (١/ ٤٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟ (١/ ٣١١) برقم: (٨٤٠)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب آخر منه (٢/ ٥٧) برقم: (٢٦٩) وقال: «حديث أبي هريرة حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه»، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب السهو، أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده (١/ ٣٤٥) برقم: (٦٨٢)، وأحمد (٢/ ١٨٨٠) برقم: (٩٠٧٧)، قال ابن رجب في (فتح الباري) (٧/ ٢١٨): «قال حمزة الكناني: هو منكر، ومحمد راويه، ذكره البخاري في الضعفاء» وعلى خلافه قال النووي في (المجموع) (٣/ ٤٢١): «رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد، ولم يضعفه أبو داود»، وقال ابن حجر في (بلوغ المرام من أدلة الأحكام) (ص: ٩١): «وهو أقوى من حديث وائل»، والله أعلم، وقد وردت رواية أخرى عن أبي هريرة مخالفة لهذه الرواية، وستأتي في الأدلة.\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٢)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، المحيط البرهاني (١/ ٣٧٦).\n(^٤) يُنظر: الحاوي الكبير (٢/ ١٢٥)، المجموع (٣/ ٤٢١).\n(^٥) يُنظر: المغني (١/ ٣٧٠)، كشاف القناع (١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":424},{"text":"وهو مذهب المالكية (^١)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٢).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن وائل بن حجر -﵁- قال: «رَأَيْتُ النبي -ﷺ- إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث دليلًا مِنْ فِعل النبي -ﷺ- على أن السنة عند السجود وضع الركبتين قبل اليدين.\nنُوقش: بأن الحديث في إسناده مقال، فلا يصلح حجة (^٤).\nأُجيب عنه: بأن الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وصححه جماعة من الحفاظ (^٥)، وقال الخطابي -﵀-: «حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة» (^٦).\nوحسّنه الترمذي -﵀- في سننه، وقال: «العمل عليه عند أكثر أهل العلم: يرون أن\n_________\n(^١) يُنظر: الذخيرة (٢/ ١٩٥)، حاشية العدوي (١/ ٢٦٨).\n(^٢) يُنظر: الشرح الكبير (٣/ ٥٠٠)، الإنصاف (٣/ ٥٠٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟ (١/ ٣١٠) برقم: (٨٣٨)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود (٢/ ٥٦) برقم: (٢٦٨) وقال: «هذا حديث حسن غريب، لا نعرف أحدًا رواه غير شريك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم: يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه»، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب السهو، أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده (١/ ٣٤٤) برقم: (٦٨٠)، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب السجود (٢/ ٥٤) برقم: (٨٨٢)، صححه ابن خزيمة (١/ ٣٤٣) برقم: (٦٢٩)، وابن حبان (٥/ ٢٣٧) برقم: (١٩١٢)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٣/ ٦٥٧): «قال الدارقطني: تفرد به شريك القاضي، عن عاصم ابن كليب، وشريك ليس بقوي فيما ينفرد به»، ثم قال ابن الملقن: «شريك: من رجال مسلم والأربعة، وثقه ابن معين وغيره»، ثم أخيرًا قال: «والحديث صححه جماعات من الحفاظ»، وقال ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٦١٧): «أخرجه أصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة وابن حبان وابن السكن في صحاحهم، من طريق شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عنه، قال البخاري والترمذي وابن أبي داود والدارقطني والبيهقي: تفرد به شريك»، وقال ابن مفلح في (المبدع) (١/ ٤٠٠): «رواه أبو داود بإسناد جيد من غير طريق شريك»، فالحديث له طرق أخرى وله شواهد من حديث أبي هريرة وعمر.\n(^٤) الفواكه الدواني (١/ ١٨١)، حاشية العدوي (١/ ٢٦٨).\n(^٥) البدر المنير (٣/ ٦٥٧)، الإنصاف (٣/ ٥٠٠).\n(^٦) معالم السنن (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":425},{"text":"يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (^١).\nالدليل الثاني: عن سعد بن أبي وقاص -﵁-: «كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأُمِرْنَا بِالرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ» (^٢).\nوجه الاستدلال: أن الحديث «دليل على أن الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين عند السجود منسوخ، وأن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ؛ إذ كان الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين مقدمًا، والأمر بوضع الركبتين قبل اليدين مؤخرًا، فالمقدَّم منسوخ، والمؤخَّر ناسخ» (^٣).\nنُوقش: بأنه لا حجة فيه؛ لأنه ضعيف ظاهر التضعيف (^٤)، ولو صح لكان قاطعًا للنزاع، لكنه لم يصح (^٥).\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فليبْتدئْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُروكَ الْفَحْلِ» (^٦).\nنُوقش: بأن إسناد الحديث ضعيف، كما تبين في التخريج.\nالدليل الرابع: ما أُثر من فعل الصحابة -﵃-، منها: «أن عمر -﵁-: كَانَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ» (^٧)، و«عن عبد الله بن مسعود -﵁-: أَنَّ رُكْبَتَيْهِ كَانَتَا تَقَعَانِ إِلَى الأرض قَبْلَ\n_________\n(^١) (٢/ ٥٧).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (١/ ٣٤٣) برقم: (٦٢٨)، ضعّفه النووي في (المجموع) (٣/ ٤٢٢) فقال: «ضعيف ظاهر التضعيف، بين البيهقي وغيره ضعفه، وهو من رواية يحيي بن مسلمة بن كهيل، وهو ضعيف باتفاق الحفاظ، قال أبو حاتم: هو منكر الحديث، وقال البخاري: في حديثه مناكير، والله أعلم»، وقال ابن حجر في (فتح الباري) (٢/ ٢٩١): «لو صح لكان قاطعًا للنزاع، لكنه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه، وهما ضعيفان».\n(^٣) صحيح ابن خزيمة (١/ ٣٤٢)، ويُنظر: الحاوي الكبير (٢/ ١٢٥) المغني (١/ ٣٧٠).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٣/ ٤٢٢)، كشاف القناع (١/ ٣٥٠).\n(^٥) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٢٩١).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٥) برقم: (٢٧٠٢)، قال ابن حجر في (فتح الباري) (٢/ ٢٩١): «إسناده ضعيف»، وهذه الرواية مخالفة للرواية الأولى عنه في أول المبحث.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٦) برقم: (٢٧٠٣).","vol":"1","page":426},{"text":"يَدَيْهِ» (^١)، وما أُثر «عن ابن عمر -﵄-: أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ إِذَا سَجَدَ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَفَعَ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» (^٢).\nالدليل الخامس: أن الأَولى أن يضع أولًا ما كان أقرب إلى الأرض: فيضع ركبتيه، ثم يديه، وإذا رفع يرفع أولًا ما كان أقرب إلى السماء (^٣).\nالدليل السادس: قالوا: «لأن الجبهة لما كانت أَوْلى الأعضاء رفعًا وكانت آخرها وضعًا، وجب إذا كانت الركبتان آخر الأعضاء رفعًا أن تكون أولها وضعًا، ولأن كل عضو يُرفع قبل صاحبه فإنه يُوضع بعد صاحبه» (^٤).\nالدليل السابع: أن تقديم الركبتين أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل ورأي العين (^٥).\nالدليل الثامن: أن المنهي عنه بروك كبروك الإبل، والإبل في بروكها تبدأ باليد، فينبغي أن يبدأ المصلي بالرجل (^٦).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عن أبى هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» (^٧).\nالدليل الثاني: ما أُثر «عن ابن عمر -﵄-: أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ، وعند ابن خزيمة زيادة: وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَفْعَلُ ذَلِكَ» (^٨).\nوجه الاستدلال: أن الحديث والأثر يدلان على سنية وضع اليدين قبل\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي في (شرح معاني الآثار) (١/ ٢٥٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٦)، برقم: (٢٧٠٥)، ورُوي عن ابن عمر ما يخالف هذه الرواية، سيأتي لاحقًا.\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٢)، البناية (٢/ ٢٣٦).\n(^٤) الحاوي الكبير (٢/ ١٢٥).\n(^٥) يُنظر: المبدع (١/ ٤٠٠).\n(^٦) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٢).\n(^٧) سبق تخريجه: ص (٤٢١).\n(^٨) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، باب يهوي بالتكبير حين يسجد (١/ ١٥٩)، وابن خزيمة (١/ ٣٤٢) برقم: (٦٢٧).","vol":"1","page":427},{"text":"الركبتين (^١).\nنُوقش من وجوه:\nالأول: أن تقديم اليدين على الركبتين منسوخ بحديث سعد بن أبي وقاص (^٢).\nأُجيب عنه: بأن حديث سعد ضعيف.\nالثاني: أن أول حديث أبي هريرة يخالف آخره؛ لأنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برَك برْك البعير المنهي عنه في أوله (^٣).\nأُجيب عنه: بأن الركبة من الإنسان في الرجلين ومن ذوات الأربع في اليدين، فإذا وضع الرجل ركبته أولًا فقد شابه الجمل في البروك (^٤).\nورُدّ: بأن هذا وهم وغلط ومخالف لغة وعرفًا (^٥).\nالثالث: أنه رُوي عن أبي هريرة ما يخالف هذه الرواية، فلما اختلفت الروايات عن أبي هريرة -﵁-: مرة بتقديم اليدين ومرة بتأخيرهما، كان ينبغي أن ترتفع ويثبت ما رواه وائل بن حجر (^٦)، وكذلك اختلفت الرواية عن ابن عمر.\nالرابع: أن حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة (^٧)، وإذا اختلف الحديثان فالعمل على أقواهما أَوْلى (^٨).\nالدليل الثالث: أن هذه الصفة أحسن في خشوع الصلاة ووقارها (^٩).\nالدليل الرابع: أن المصلي يلقى الأرض عن جبهته، ويعتصم بتقديم اليدين على إيلام ركبتيه إذا جثا عليهما (^١٠).\n_________\n(^١) يُنظر: عون المعبود (٣/ ٥٠).\n(^٢) الحاوي الكبير (٢/ ١٢٥)، كشاف القناع (١/ ٣٥٠).\n(^٣) شرح سنن ابن ماجه، للسيوطي (ص: ٦٣)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٢٥)، فيض القدير (١/ ٣٧٣).\n(^٤) المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ١٥٤)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٢٥).\n(^٥) شرح سنن ابن ماجه، للسيوطي (ص: ٦٣)، فيض القدير (١/ ٣٧٣).\n(^٦) شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٥).\n(^٧) معالم السنن (١/ ٢٠٨)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٢٦).\n(^٨) شرح سنن ابن ماجه، للسيوطي (ص: ٦٣).\n(^٩) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٢٩١).\n(^١٠) المرجع السابق.","vol":"1","page":428},{"text":"الدليل الخامس: أن حديث أبي هريرة أرجح؛ لأن دلالته قولية، وقد تأيد بحديث ابن عمر، أما حديث وائل: فدلالته فعلية (^١).\nنُوقش: بأن الأصل أن فِعله -ﷺ- لا يعارض قوله الخاص بالأمة (^٢).\nسبب الخلاف:\nالذي يظهر أن الاختلاف يرجع إلى سببين:\nالأول: الاختلاف في موضع الركبتين من البعير، هل هي في يديه أم رجليه.\nالثاني: تعارُض حديث أبي هريرة -﵁- وحديث وائل بن حجر -﵁-، واختلفوا في أيهما أثبت: فمنهم مَنْ ذهب إلى أن حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة وهم الجمهور، فقالوا بتقديم الركبتين قبل اليدين، وذهب المالكية إلى أن حديث أبي هريرة أثبت، فقالوا بتقديم اليدين على الركبتين (^٣).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بأنه يُستحب تقديم الركبتين على اليدين عند السجود، وهو ما ذهب إليه الجمهور.\nقال الترمذي -﵀-: «… والعمل عليه عند أكثر أهل العلم: يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (^٤).\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة أدلة هذا القول؛ فحديث وائل بن حجر أثبت، ويؤيده ما ورد من آثار الصحابة -﵃-.\n٢ - ضعف أدلة القول الثاني؛ لوقوع الاختلاف في حديث أبي هريرة -﵁- وأثر ابن عمر -﵄-.\n٣ - أن السجود بتقديم الركبتين فيه تحقيقُ مخالفةِ بروك البعير؛ لأنه ينزل بيديه أولًا.\n٤ - أنه أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل ورأي العين.\n_________\n(^١) يُنظر: شرح أبي داود، للعيني (٤/ ٢٦).\n(^٢) يُنظر: الإحكام، للآمدي (١/ ١٩١)، أصول الفقه، لابن مفلح (١/ ٣٦٣)، نيل الأوطار (٢/ ٢٩٥).\n(^٣) يُنظر: بداية المجتهد (١/ ١٤٧).\n(^٤) سنن الترمذي (٢/ ٥٦).","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم قرينة: المقصد من النهي.\nإن من الأمور المتقررة في الشريعة النهي عن مشابهة الحيوانات على العموم؛ لعموم الأدلة على تكريم بني آدم؛ ولأنه لم يشّبه بالحيوان إلا على سبيل الذم والتنفير، فإذا نُهي عن التشبه في كل حال ففي الصلاة التي هي أجلّ العبادات أَوْلى.\nوقد نهى النبي -ﷺ- المصلي عن مشابهة البعير في بروكه؛ وذلك تعظيمًا وتكريمًا للإنسان وإرشادًا إلى آداب الصلاة والوقوف بين يدي الملك -ﷻ- بأحسن هيئة، وتنزيهًا للصلاة عن الهيئة القبيحة، فلا يليق مع عظمة الموقف أن يأتي فيه بمشابهة الحيوانات؛ لما فيها من القبح والنقص.\nقال ابن القيم -﵀-: «نهى النبي -ﷺ- في الصلاة عن التشبه بالحيوانات: فنهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإِقْعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس، فهدْيُ المصلي مخالف لهدْي الحيوانات» (^١).\nوقال الخطابي -﵀-: «ذهب أكثر العلماء إلى وضع الركبتين قبل اليدين، وهذا أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل وفي رأي العين» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي قوية ومعتبرة؛ إذ تكريم بني الإنسان من مقاصد الشريعة الإسلامية؛ فإن الأفضل والأحسن صورة في هيئة الصلاة ألا يشابه المصلي الحيوانات، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٢١٧).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-257>المبحث الثاني عشر:\nالنهي عن افتراش السباع</span>\n<span data-type='title' id=toc-258>المطلب الأول: حكم افتراش السباع:</span>\nدليل النهي:\nعن عائشة -﵂- قالت: «كان رسول الله -ﷺ-: يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ (^١)، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ (^٢)، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ» (^٣).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٤) على كراهة افتراش الذراعين حال السجود.\nقال ابن قدامة -﵀-: «الافتراش المنهي عنه في الحديث، وهو أن يضع ذراعيه على الأرض كما تفعل السباع، وقد كرهه أهل العلم» (^٥).\nوقال ابن رجب -﵀-: «باب النهي عن افتراش الذراعين في السجود … وقد ذكر الترمذي أن العمل على هذا عند أهل العلم: يختارون الاعتدال في السجود، وهذا يُشعِر بحكاية الإجماع عليه، وهو قول جمهور العلماء».\nالأدلة:\n_________\n(^١) عُقْبَةُ الشيطان: سيأتي بيانه في المبحث التالي.\n(^٢) افْتِراش السَّبع: الافتراش: افتعال، من الفرش والفراش. وهو أن يمد ذراعيه على الأرض لا يرفعهما ولا يجافي مرفقيه عن جنبيه. كما يبسط الكلب والذئب ذراعيه. يُنظر: معالم السنن (١/ ٢١٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٣٠)، المغني (١/ ٣٧٣).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به … (١/ ٣٥٧) برقم: (٤٩٨).\n(^٤) يُنظر: الهداية (١/ ٦٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٢)، حاشية العدوي (١/ ٢٧٠)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، المجموع (٣/ ٤٣١)، المغني (١/ ٣٧٣)، كشاف القناع (١/ ٣٧١).\n(^٥) المغني (١/ ٣٧٣).","vol":"1","page":431},{"text":"الدليل الأول: حديث عائشة -﵂- المتقدم وفيه: (وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ).\nالدليل الثاني: عن أنس بن مالك -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «اعْتَدِلُوا (^١) فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ» (^٢).\nالدليل الثالث: عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن في هذه الأحاديث نهَى النبي -ﷺ- المصلي عن وضع ذراعيه حال السجود على الأرض كما تفعل السباع والكلاب، وحمل أهل العلم النهي على الكراهة؛ للتنزيه (^٤).\nالدليل الرابع: أن الافتراش من صفات الكاسل والمتراخي المتهاون بحاله، مع ما فيها من التشبه بالسباع والكلاب (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-259>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم إلى الكراهة:\n_________\n(^١) قال ابن دقيق العيد -﵀- في (إحكام الأحكام) (١/ ٢٥٦): «لعل الاعتدال ههنا محمول على أمر معنوي، وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع، وعلى وفق الأمر؛ فإن الاعتدال الخلقي الذي طلبناه في الركوع لا يتأدى في السجود؛ فإنه ثَمَّ استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا: ارتفاع الأسافل على الأعالي، حتى لو تساويا ففي بطلان الصلاة وجهان لأصحاب الشافعي، ومما يقوي هذا الاحتمال: أنه قد يُفهم من قوله عقيب ذلك (ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) أنه كالتتمة للأول، وأن الأول كالعلة له، فيكون الاعتدال الذي هو فِعل الشيء على وفق الشرع علة لترك الانبساط انبساط الكلب؛ فإنه منافٍ لوضع الشرع».\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب لا يفترش ذراعيه في السجود (١/ ١٦٤) برقم: (٨٢٢)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود، ووضع الكفين على الأرض ورفع المرفقين … (١/ ٣٥٥) برقم: (٤٩٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الاعتدال في السجود (٢/ ٦٦) برقم: (٢٧٥) وقال: «وفي الباب عن عبد الرحمن بن شبل، وأنس، والبراء، وأبي حميد، وعائشة، حديث جابر حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم: يختارون الاعتدال في السجود، ويكرهون الافتراش كافتراش السبع»، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب الاعتدال في السجود (٢/ ٦١) برقم: (٨٩١)، وأحمد (٢٢/ ٢٨٠) برقم: (١٤٣٨٤)، صححه ابن خزيمة (١/ ٣٤٨) برقم: (٦٤٤)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (١/ ١٦٤).\n(^٤) يُنظر: المغني (١/ ٣٧٣)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٠٩)، حاشية العدوي (١/ ٢٧٠).\n(^٥) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٠٧)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٥٠).","vol":"1","page":432},{"text":"القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: المقصد من النهي.\nفالمقصد من النهي: التنفير من هذه الهيئة التي لا تناسب الصلاة؛ فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركُه محافظةً على الهيئة المشروعة في الصلاة، ويقصد به أيضًا تكريم بني الإنسان وهذا مقصد من مقاصد الشريعة.\nأشار ابن دقيق العيد -﵀- إلى مقصد التنفير؛ حيث يقول: «قد ذُكر في هذا الحديث الحكم مقرونًا بعلته؛ فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركُه في الصلاة، ومِثل هذا التشبيه: أن النبي -ﷺ- لما قصد التنفير عن الرجوع في الهبة قال: «مَثَلُ الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه» (^١) أو كما قال» (^٢).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nذلك أن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد للتنزيه؛ فالنهي عن افتراش الذراعين فيه: إرشاد لأدب الصلاة، وتنزيه لها عما لا يليق من الهيئات، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (^٣).\nقال النووي -﵀-: «مقصود أحاديث الباب أنه ينبغي للساجد أن يضع كفيه على الأرض، ويرفع مرفقيه عن الأرض وعن جنبيه رفعًا بليغًا بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستورًا، وهذا أدب مُتفَق على استحبابه … والنهي للتنزيه» (^٤).\nوالمعنى في ذلك:\nتنوعت أقوال العلماء في العلة من النهي، منها ما ذكره القاضي عياض -﵀-، وتبعه مَنْ\n_________\n(^١) الحديث أخرجه البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته (٣/ ١٦٤) برقم: (٢٦٢٣)، ومسلم، كتاب الهبات، باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممَّن تُصدق عليه (٣/ ١٢٣٩) برقم: (١٦٢٠)، ولم أجده باللفظ الذي أورده ابن دقيق العيد، ولعله أورده بالمعنى؛ فقد أتبعه بقوله: (أو كما قال)، ولفظ البخاري: «لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ،؛ فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٢٥٦).\n(^٣) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).\n(^٤) المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٠٩).","vol":"1","page":433},{"text":"بعده (^١):\n١ - أنه إذا رفع المصلي يديه عن الأرض وجافاهما، كان اعتماده عليهما؛ فيخف اعتماده حينئذ عن وجهه، ولم يتأذَّ بما يلاقيه من الأرض، ولا أثر في جبهته وأنفه، فلا يتشوش في الصلاة.\n٢ - أن فيه استعمالَ كلِّ عضو في الصلاة بأدبه الخاص.\n٣ - أنه أشبه بهيئة الصلاة والتواضع.\n٤ - أن الافتراش من صفات الكاسل والمتراخي المتهاون بصلاته.\n٥ - أن فيها التشبه بالحيوانات، وذلك غاية في القبح.\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي قوية ومعتبرة؛ إذ المسلم مُطالَب بالترفع عن مشابهة الحيوانات، ومُطالَب بالمحافظة على الصلاة بهيئتها الشرعية التي جاءت عن النبي -ﷺ-، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة تصرف النهي عن التحريم؛ فإنه من الأدب وحسن الهيئة في الصلاة والوقوف بين يدي الله: ألا يشابه المصلي الحيوانات في هيئاتها، وهي داخلة في جملة آداب الصلاة الأخرى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ٤٠٧)، ويُنظر: المفهم (٢/ ٩٦)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٠٩)، الكواكب الدراري (٥/ ١٧٤).","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-260>المبحث الثالث عشر:\nالنهي عن الإقعاء في الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-261>المطلب الأول: حكم الإقعاء (^١) في الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن عائشة -﵂- قالت: «كان رسول الله -ﷺ-: يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ … وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ (^٢) (^٣).\nوعن علي -﵁- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «يَا عَلِيُّ، إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» (^٤).\nصورة المسألة:\nالإقعاء له معانٍ عدة، وأشهرها معنيان:\nالأول: أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه -زاد أهل اللغة: ويضع يديه على الأرض- كما يُقعِي الكلب (^٥).\n_________\n(^١) الإِقْعَاء: من أقعى يُقعي إقعاء، وأقعى الكلب إذا جلس على إسته مفترشًا رجليه وناصبًا يديه. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٤٦٥)، لسان العرب (١٥/ ١٩٢).\n(^٢) عُقْبَة الشيطان: قيل: هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء، وقيل: هو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، كإقعاء الكلب. وقيل: هو أن يترك عقبيه غير مغسولين في الوضوء. يُنظر: معالم السنن (١/ ٢٠٨)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٦٨).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٤٢٨).\n(^٤) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة عن رسول الله -ﷺ-، باب ما جاء في كراهية الإقعاء بين السجدتين (٢/ ٧٢) برقم: (٢٨٢) وقال: «هذا حديث لا نعرفه من حديث عليٍّ إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليِّ، وقد ضعف بعض أهل العلم الحارث الأعور، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم: يكرهون الإقعاء»، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الجلوس بين السجدتين (٢/ ٦٢) برقم: (٨٩٤)، وأحمد (٢/ ٤٠٢) برقم: (١٢٤٤)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٣/ ٥٢١)، والهيثمي في (مجمع الزوائد) (٢/ ٨٥): «فيه الحارث، وهو ضعيف»، وللحديث شواهد من حديث عائشة وأنس وأبي هريرة -﵃-.\n(^٥) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: «وقول أبي عبيدة في الإقعاء أشبه بكلام العرب وهو معروف عند العرب، وذلك بيِّن في بعض الحديث: (أنه نهى أن يقعى الرجل كما يقعى السبع) فليس الإقعاء في السباع إلا كما قال أبوعبيدة». غريب الحديث (٢/ ١٠٨)، ويُنظر: الصحاح (٦/ ٢٤٦٥)، المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٦)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٨٩)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢١٥).","vol":"1","page":435},{"text":"وهو تفسير أهل اللغة (^١)، قال ابن عبد البر -﵀-: «وهذا إقعاء مجتمع عليه، لا يختلف العلماء فيه، وهو تفسير أهل اللغة وطائفة من أهل الفقه» (^٢).\nوقال السرخسي -﵀-: «… وهذا أصح؛ لأن إقعاء الكلب يكون بهذه الصفة، إلا أن إقعاء الكلب يكون في نصب اليدين، وإقعاء الآدمي يكون في نصب الركبتين إلى صدره» (^٣).\nالثاني: هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين (^٤)، ونُسب إلى الفقهاء (^٥).\nوقد اختلف العلماء في تفسير (عقبة الشيطان) المنهي عنه في حديث عائشة -﵂-، فمنهم مَنْ فسَّره بالإقعاء على المعنى الأول (^٦)، ومنهم مَنْ فسَّره بالإقعاء على المعنى الثاني (^٧).\nوالمراد بالمسألة: ما حكم جلوس المصلي بين السجدتين على هيئة الإقعاء؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: اتفق الفقهاء من: الحنفية (^٨)، والمالكية (^٩)، والشافعية (^١٠)، والحنابلة (^١١) على أن الإقعاء -بالمعنى الأول- ليست من هيئات الصلاة، وأنها مكروهة؛ للنهي عنها، ولأنها\n_________\n(^١) يُنظر: غريب الحديث، للقاسم بن سلام (٢/ ١٠٩)، الصحاح (٦/ ٢٤٦٥).\n(^٢) الاستذكار (١/ ٤٨١).\n(^٣) المبسوط (١/ ٢٦).\n(^٤) يُنظر: غريب الحديث، للقاسم بن سلام (٢/ ١٠٩)، الصحاح (٦/ ٢٤٦٥)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥١٤)، المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٦)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٨٩).\n(^٥) يُنظر: المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ١٠٧)، وقد قال به من الأئمة مالك وأحمد -رحمهما الله-. يُنظر: الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥١٤)، المغني (١/ ٣٧٦).\n(^٦) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢١٥)، شرح المشكاة (٣/ ٩٧٩)، فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٤١٠)، شرح السيوطي على مسلم (٢/ ١٨٥)، فتح العلام بشرح الإعلام (ص: ١٨٨)، مراقي الفلاح (ص: ١٢٨).\n(^٧) يُنظر: غريب الحديث، للقاسم بن سلام (٢/ ١٠٩)، معالم السنن (١/ ٢٠٨)، المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٦)، المغني (١/ ٣٧٦)، الشرح الكبير (٣/ ٥٩٢)، تحفة الأبرار (١/ ٢٧٦)، إحكام الأحكام (١/ ٢٣٦)، كشف اللثام (٢/ ٣٢٥).\n(^٨) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦١)، فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٤١١).\n(^٩) ذكر فقهاء المالكية أن الإمام مالك كره الإقعاء بمعنييه. يُنظر: المختصر الفقهي (١/ ٢٥٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢٦٢)، وفي المدونة (١/ ١٦٨): «قال مالك: ما أدركت أحدًا من أهل العلم إلا وهو ينهي عن الإقعاء ويكرهه».\n(^١٠) يُنظر: المجموع (٣/ ٤٣٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٠).\n(^١١) يُنظر: المغني (١/ ٣٧٧)، الشرح الكبير (٣/ ٥٩٢).","vol":"1","page":436},{"text":"تشبُّه بالحيوان، ولأن فيها ترك الجلسة المسنونة.\nقال النووي -﵀-: «عقبة الشيطان هو الإقعاء الذي فسرناه (المعنى الأول)، وهو مكروه باتفاق العلماء بهذا التفسير الذي ذكرناه» (^١).\nوقال ابن رشد -﵀- في (بداية المجتهد): «اتفق العلماء على كراهية الإقعاء في الصلاة؛ لما جاء في الحديث من النهي أن يقعي الرجل في صلاته كما يقعي الكلب، إلا أنهم اختلفوا فيما يدل عليه الاسم: فبعضهم رأى أن الإقعاء المنهي عنه هو جلوس الرجل على أليتيه في الصلاة ناصبًا فخذيه مثل: إقعاء الكلب والسبع، ولا خلاف بينهم أن هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة» (^٢).\nوقال ابن قدامة -﵀-: «الإِقْعَاء عند العرب: جلوس الرجل على أليتيه ناصبًا فخذيه، مثل: إقعاء الكلب والسبع، ولا أعلم أحدًا قال باستحباب الإقعاء على هذه الصفة» (^٣).\nثانيًا: اختلف الفقهاء في حكم الإقعاء بالمعنى الثاني، على قولين:\nالقول الأول: يُستحب، وهو سنة.\nوهو قول عند الشافعية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٥).\nالقول الثاني: يُكره.\nوهو مذهب الحنفية (^٦)، والمالكية (^٧)، والمشهور من مذهب الشافعية (^٨)، وهو المذهب عند الحنابلة (^٩).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢١٥).\n(^٢) (١/ ١٤٩).\n(^٣) المغني (١/ ٣٧٦).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٣/ ٤٣٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٠).\n(^٥) يُنظر: المغني (١/ ٣٧٦)، الشرح الكبير (٣/ ٥٩٣).\n(^٦) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٦)، فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٤١١).\n(^٧) يُنظر: القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، المختصر الفقهي، لابن عرفة (١/ ٢٥٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢٦٢).\n(^٨) يُنظر: بحر المذهب، للروياني (٢/ ٥٥)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٢٠).\n(^٩) يُنظر: الشرح الكبير (٣/ ٥٩٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":437},{"text":"الدليل الأول: «سُئل ابن عباس -﵄- عن الإقعاء على القدمين، فقال: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ -ﷺ-) (^١).\nالدليل الثاني: وعنه قال: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَضَعَ أَلْيَتَيْكَ عَلَى عَقِبَيْكَ فِي الصَّلَاةِ» (^٢).\nالدليل الثالث: عن ابن عمر -﵄-: «أَنه كَانَ إِذا رفع رَأسه من السَّجْدَة الأولَى يقْعد عَلَى أَطْرَاف أَصَابِعه، وَيَقُول: إِنَّه من السُّنَة» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن في قول ابن عباس وابن عمر دليلًا يثبت أن هذه الهيئة هي سنة عن النبي -ﷺ- في الجلوس بين السجدتين، وقد فسَّرها في الأثر الآخر (^٤)، وليست هي الإقعاء المنهي عنه (^٥)، وقول الصحابي: (سنة) يُفهم منه أن المقصود سنة النبي -ﷺ-؛ فهم نقلة الشريعة إلى الأمة، «والسنة إذا أُطلقت فهي سنة رسول الله حتى تُضاف إلى غيره» (^٦).\nالدليل الرابع: في الأثر: «أَنّ العَبادِلَةَ الثَّلاثَةَ: عبدَ اللَّهِ بنَ عباسٍ وعَبدَ اللَّه بنَ عمرَ وعَبدَاللَّه بنَ الزُّبَيرِ يَفعَلونَه» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن الصحابة كانوا يفعلونه، ويراهم غيرهم من الصحابة، ولا ينكرونه؛ فدل على أنه سنة (^٨).\nنُوقشت الأدلة:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الإقعاء على العقبين (١/ ٣٨٠) برقم: (٥٣٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٥) برقم: (٢٩٤٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٦٠٠) برقم: (٢٧٧٤).\n(^٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٦٠١) برقم: (٢٧٧٦)، وصحح إسناده ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٦٢٢).\n(^٤) يُنظر: الاستذكار (١/ ٤٨٢)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٩).\n(^٥) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٥٩).\n(^٦) الاستذكار (١/ ٤٨٠).\n(^٧) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٦٠١) برقم: (٢٧٧٨)، وصحح إسناده ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٦٢٢).\n(^٨) يُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٢٤٣).","vol":"1","page":438},{"text":"أولًا: بأن أحاديث الإباحة منسوخة بأحاديث النهي، والأشبه أن مَنْ روى أنها من السنة لم يعلم ما ورد من الأحاديث الناسخة التي فيها النهي عن الإقعاء (^١).\nثانيًا: أنه جاء عن ابن عمر -﵄- أنه كان يفعل ذلك؛ لتقدمه في العمر وضعفه، ويقول: لا تقتدوا بي (^٢).\nوقد جاء بيانه في الأثر عنه: «أنه يَرْجِعُ فِي سَجْدَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ذَكَرَ لَهُ ذلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَفْعَلُ هذَا مِنْ أَجْلِ أَنِّي أَشْتَكِي» (^٣).\nأُجيب عنه:\nأولًا: بأن القول بالنسخ فاسد؛ لأن النسخ لا يُصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، وعلمنا التاريخ، ولم يتعذر هنا الجمع بل أمكن، ولم يُعلم أيضًا التاريخ، فكيف يثبت النسخ؟! (^٤).\nثانيًا: غلط مَنْ توهم أن الإقعاء نوع واحد، إنما هو نوعان، والمنهي عنه محمول على المعنى الأول، وهو أن يضع أليتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه علي الأرض، وهو مكروه باتفاق العلماء، وهو غير ما صح عن ابن عباس وابن عمر أنه سنة، فذلك الإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه قاعدًا عليها وعلى أطراف أصابع رجليه.\nوقد نص الشافعي على استحبابه بين السجدتين؛ فهو سنة، والافتراش (^٥) سنة، لكن الصحيح أن الافتراش أفضل منه؛ لكثرة الرواة له، ولأنه أعون للمصلي، وأحسن في هيئة الصلاة، وبهذا يُجمع بين الأحاديث (^٦).\n_________\n(^١) يُنظر: معالم السنن (١/ ٢٠٩)، البدر المنير (٣/ ٥٢٣).\n(^٢) يُنظر: معالم السنن (١/ ٢٠٩)، المغني (١/ ٣٧٧).\n(^٣) أخرجه الإمام مالك، باب العمل في الجلوس في الصلاة (٢/ ١٢٢) برقم: (٨٦)، وصححه زكريا بن غلام في (ما صح من آثار الصحابة في الفقه) (١/ ٢٤٨).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٣/ ٤٣٩)، البدر المنير (٣/ ٥٢٣).\n(^٥) صفة الافتراش: أن يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى. يُنظر: الإنصاف (٣/ ٥١٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٩).\n(^٦) قال ابن الملقن: «بهذا الوجه جمع بين الأحاديث البيهقي، وتبعه ابن الصلاح، ثم النووي». البدر المنير (٣/ ٥٢٣)، ويُنظر: المجموع (٣/ ٤٣٩)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٩).","vol":"1","page":439},{"text":"ثالثًا: أن حمل الإقعاء المنهي عنه على المعنى الأول الذي فسره به أهل اللغة هو الصحيح؛ لأن الأسماء التي لم تثبت لها معانٍ شرعية يجب أن تُحمل على المعنى اللغوي؛ حتى يثبت لها معنى شرعي، بخلاف الأمر في الأسماء التي تثبت لها معانٍ شرعية، ولأن أحاديث النهي والمعارض لها ترشد إلى ذلك؛ لما فيها من التصريح بإقعاء الكلب، ولما في أحاديث العبادلة من التصريح بالإقعاء على القدمين وعلى أطراف الأصابع (^١).\nرابعًا: أن قول ابن عباس: (مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَضَعَ أَلْيَتَيْكَ عَلَى عَقِبَيْكَ فِي الصَّلَاةِ): «يُثبِت هذا المعنى سنة، وهو الذي نفاه ابن عمر عن السنة، والمثبت أَولى من النافي من جهة النظر ومن جهة الأثر أيضًا؛ لأن الحديث المسند إنما فيه أن يقعي الرجل كما يقعي الكلب، والكلب إنما يقعد على أليته ورجلاه من كل ناحية» (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: عن عائشة -﵂- قالت: «كان رسول الله -ﷺ-: يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ … وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ» (^٣).\nالدليل الثاني: عن عليٍّ -﵁- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «يَا عَلِيُّ، إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» (^٤).\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- قال: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ» (^٥)، وجاء في رواية: «… وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْقِرْدِ …» (^٦).\nالدليل الرابع: عن سمرة بن جندب -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنِ الْإِقْعَاءِ فِي\n_________\n(^١) يُنظر: بداية المجتهد (١/ ١٤٩)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٢٤٤)، نيل الأوطار (٢/ ٣٢١).\n(^٢) الاستذكار (١/ ٤٨٢).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٤٢٨).\n(^٤) سبق تخريجه: ص (٤٣٢).\n(^٥) سبق تخريجه: ص (٣٩٢).\n(^٦) أخرجه أحمد (١٣/ ٣٨) برقم: (٧٥٩٥). قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٣/ ٥٢١): «في إسناده: ليث بن أبي سليم، وقد علمت ما فيه في باب الوضوء» وقد نقل تضعيف ليث في موضع آخر. والحديث له شواهد.","vol":"1","page":440},{"text":"الصَّلَاةِ» (^١).\nالدليل الخامس: عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال لي النبي -ﷺ-: «إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ، ضَعْ أَلْيَتَيْكَ بَيْنَ قَدَمَيْكَ، وَأَلْزِقْ ظَاهِرَ قَدَمَيْكَ بِالأرض» (^٢).\nوجه الاستدلال من الأحاديث: أن النبي -ﷺ- نهى عن عقبة الشيطان، وهو الإقعاء المنهي عنه في الأحاديث الأخرى، وفُسر الإقعاء بأن يفرش قدميه ويجلس بأليتيه على عقبيه، وقال بكراهته عامة أهل العلم (^٣)؛ لأن سنة الصلاة أن يكون جلوسه بين السجدتين كهيئة جلوسه في التشهد (^٤)، والعدول عن هيئة جلوسه -ﷺ- إلى نوع آخر في غاية من قلة الأدب، ولما فيه من التشبه بالكلاب (^٥).\nنُوقش من وجهين:\nالأول: أن حديث علي وحديث أنس ضعيفان متكلم في إسنادهما، وحديث عائشة صحيح وفيه النهي عن عقبة الشيطان، وهو محمول على الإقعاء بالمعنى الأول كما فسره أهل اللغة (^٦)، وما صح من أحاديث النهي فهي محمولة على هذا المعنى.\nالثاني: أن الصواب والصحيح أن الإقعاء المنهي عنه هو الإقعاء بمعناه عند أهل اللغة؛ لأن إقعاء الكلب يكون بهذه الصفة، وهو غير الإقعاء المسنون (^٧)، ولأن الأسماء التي لم تثبت لها معانٍ شرعية يجب أن تُحمل على المعنى اللغوي حتى يثبت لها معنى\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ٤٠٥) برقم: (١٠٠٥) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه». ويُنظر: نصب الراية (٢/ ٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الجلوس بين السجدتين (٢/ ٦٣) برقم: (٨٦٩). قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ١١٠): «هذا إسناد ضعيف، قال ابن حبان والحاكم: العلاء أبو محمد روى عن أنس أحاديث موضوعة، وقال البخاري وغيره: منكر الحديث، وقال ابن المديني: كان يضع الحديث». ويُنظر: خلاصة الأحكام (١/ ٤١٨)، البدر المنير (٣/ ٥٢١)، التلخيص الحبير (١/ ٤٠٧).\n(^٣) يُنظر: معالم السنن (١/ ٢٠٩)، المغني (١/ ٣٧٧).\n(^٤) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٢٥٧).\n(^٥) يُنظر: مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٥٤).\n(^٦) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٩)، شرح أبي داود، للعيني (٤/ ٣٠).\n(^٧) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٦)، المجموع (٣/ ٤٣٩)، فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٤١١).","vol":"1","page":441},{"text":"شرعي، بخلاف الأمر في الأسماء التي تثبت لها معانٍ شرعية (^١).\nالدليل السادس: قال أبو حميد الساعدي -﵁- (^٢): أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله -ﷺ-: «فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن الثابت عن النبي -ﷺ- في جلسات الصلاة التي واظب عليها هما صفتا: الافتراش والتورك، لا الإقعاء، وهو الذي نقله أكثر الصحابة.\nأجيب عن الاستدلال:\nبأنه لا تعارض بين الأحاديث، ويمكن الجمع بين الأحاديث بأن النبي -ﷺ- كانت له في الصلاة أحوال: حال يفعل فيها هذا، وحال يفعل فيها ذاك كما كانت له أحوال في تطويل القراءة وتخفيفها وغير ذلك.\nوكان يفعل العبادة على نوعين أو أنواع؛ ليبين الرخصة والجواز بمرة أو مرات قليلة، ويواظب على الأفضل بينهما على أنه المختار والأَولى.\nفالحاصل أن الإقعاء الذي رواه ابن عباس فعله النبي -ﷺ-، وفعل -ﷺ- ما رواه أبو حميد من جهة الافتراش، فكلاهما سنة، ومواظبته -ﷺ- على الافتراش يدل على أنها أفضل وأرجح مع أن الإقعاء سنة أيضًا (^٤).\nسبب الخلاف:\n«سبب اختلافهم: هو تردد اسم الإقعاء المنهي عنه في الصلاة بين أن يدل على المعنى اللغوي أو يدل على معنى شرعي: (أعني: على هيئة خصها الشرع بهذا الاسم): فمَن رأى أنه يدل على المعنى اللغوي قال: هو إقعاء الكلب، ومَن رأى أنه يدل على معنى شرعي\n_________\n(^١) يُنظر: بداية المجتهد (١/ ١٤٩).\n(^٢) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد، وقيل: المنذر بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج، الأنصاري، المدني، من فقهاء أصحاب النبي، روى عنه من الصحابة: جابر بن عبد الله، ومن التابعين: عروة ابن الزبير، وعباس بن سهل، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وخارجة بن زيد بن ثابت، وغيرهم، تُوفي سنة ٦٠ هـ. يُنظر: أسد الغابة (٦/ ٧٥)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٩٨).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد (١/ ١٦٥) برقم: (٨٢٨).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٣/ ٤٣٩).","vol":"1","page":442},{"text":"قال: إنما أُريد بذلك إحدى هيئات الصلاة المنهي عنها» (^١).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بأنه يُستحب الجلوس بين السجدتين: بأن يضع أليتيه على عقبيه قاعدًا عليها، وأنها سنة، وليس هو الإقعاء المنهي عنه، والأفضل في الجلوس الافتراش؛ لمواظبته -ﷺ- عليها.\nأسباب الترجيح:\n١ - قوة أدلة هذا القول، وسلامتها من المعارضة الصحيحة.\n٢ - أن النهي محمول على المعنى الأول؛ لأن الصواب أن تُفسر الأسماء على المعنى اللغوي ما لم يرد لها وضع في الشرع.\n٣ - ضعف أدلة القائلين بالكراهة على هذا المعنى، وورود المناقشة عليها.\n٤ - أن فيه الجمع بين الأدلة الصحيحة الثابتة، والجمع -إن أمكن- أَولى من النسخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-262>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبيَّن فيما سبق أن الفقهاء اتفقوا على كراهة الإقعاء كإقعاء الكلب، الذي فسره أهل اللغة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: المقصد من النهي.\nفالمقصد من النهي تكريم الإنسان عن مشابهة الحيوان، وكذلك يُقصد منه التنفير من هذه الهيئة التي لا تناسب الصلاة؛ فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركُه محافظةً على الهيئة المشروعة في الصلاة، والله أعلم.\nوذلك في قوله: (وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ) وقوله: (وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْقِرْدِ).\nأشار إلى هذا المقصد ابن دقيق العيد -﵀- عند شرح حديث الافتراش (^٢)، وسبق نقل كلامه في مبحث النهي عن الافتراش.\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ١٤٩)، ويُنظر: المجموع (٣/ ٤٣٩).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٢٥٦).","vol":"1","page":443},{"text":"ذلك أن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد للتنزيه؛ فالنهي عن مشابهة الحيوانات في هيئات الصلاة فيه إرشاد إلى: مكارم الأخلاق، والآداب الشرعية للصلاة، والوقوف بين يدي الله -﷿-، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (^١).\nومما أشار إليه العلماء في العلة من النهي عن الإقعاء (^٢):\n١ - أن الإقعاء منهي عنه؛ لما فيه من قبح الهيئة في التشبه بالكلاب والقردة.\nجاء في (تحفة المحتاج): «وحكمة كراهته ما فيه من التشبه بالكلاب والقردة» (^٣).\n٢ - أن فيها تركَ سنةِ الافتراش المسنونة في الجلوس.\nجاء في (المبدع): «يُكره الإقعاء في الجلوس؛ … لأنه يتضمن ترك الافتراش المسنون فعلًا وقولًا، فكان مكروهًا» (^٤).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي قوية ومعتبرة؛ إذ الإنسان مُكرم، فينبغي له الترفع عن مشابهة أهل النقص، وينزه صلاته عنها، وأن يحافظ على الصلاة بهيئتها الشرعية التي جاءت عن النبي -ﷺ-.\nوقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ فإنه من الأدب والمكارم ألا يشابه المصلي الحيوانات في هيئاتها، وهي داخلة في جملة آداب الصلاة الأخرى، والله أعلم.\n_________\n(^١) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).\n(^٢) يُنظر: المبدع (١/ ٤٢٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٠)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٥٤).\n(^٣) (٢/ ٢٥)، ويُنظر: مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٥٤).\n(^٤) (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-263>المبحث الرابع عشر:\nالنهي عن كفِّ المصلي الشعرَ والثيابَ أثناء الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-264>المطلب الأول: حكم كفِّ المصلي الشعرَ والثيابَ أثناء الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال النبي -ﷺ-: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ- وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ (^١) (^٢)، وفي رواية: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا» (^٣).\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٤) على كراهة كف الشعر والثياب أثناء الصلاة؛ للنهي عنه كما في حديث ابن عباس -﵄-، ولأنه يسجد مع المصلي، ولما في كفِّه من التكبر المنافي للخشوع والخضوع (^٥).\nقال النووي -﵀-: «اتفق العلماء علي النهي عن الصلاة وثوبه مشمر، وكمه أو نحوه أو ورأسه مَعْقُوص (^٦)، أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك، فكل هذا مكروه باتفاق العلماء، وهي كراهة تنزيه» (^٧).\nقال ابن قدامة -﵀- في (الشرح الكبير): «يُكره أن يكف شعره أو ثيابه … ولا نعلم بين\n_________\n(^١) لا نَكْفِت الثياب والشعر: الكَفْتُ والكفُّ بمعنى واحد وهو: الضم والجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾. سورة المرسلات: الآيات (٢٥ - ٢٦)، أي: نكفتهم ونضمهم ونجمعهم وهم أحياء على ظهرها، وإذا ماتوا ففي بطنها، والمراد في الحديث: أي المنع من ضمها وجمعها، من الانتشار، يريد جمع الثوب باليدين عند الركوع والسجود؛ صيانةً لهما عن التتريب. يُنظر: معالم السنن (١/ ٧٣)، الصحاح (١/ ٢٦٣)، إكمال المعلم (٢/ ٤٠٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على الأنف (١/ ١٦٢) برقم: (٨١٢)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر والثوب … (١/ ٣٥٤) برقم: (٤٩٠).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٣٤٠).\n(^٤) يُنظر: مراقي الفلاح (ص: ١٢٨)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٤٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٢)، الفواكه الدواني (١/ ٢١٦)، المجموع (٤/ ٩٨)، تحفة المحتاج (٢/ ١٦١)، المغني (٢/ ٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٩).\n(^٥) يُنظر: الفروع (٢/ ٢٧٥)، مراقي الفلاح (ص: ١٢٨).\n(^٦) العَقِيصَة: الشعر المعقوص، وهو نحو من المضفور، وأصل العقص: اللَّيُّ، وإدخال أطراف الشعر في أصوله. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٧٥)، لسان العرب (٧/ ٥٦).\n(^٧) المجموع (٤/ ٩٨).","vol":"1","page":445},{"text":"أهل العلم في كراهية هذا كله خلافًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-265>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: الإشارة إلى علة النهي في نص آخر.\nوذلك في حديث ابن عباس -﵄-: أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ، فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأْسِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ (^٢) (^٣)، ففي الحديث تشبيه مَنْ يصلي معقوص الشعر بالذي يصلي مكتوف اليدين؛ لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود، فكذلك مَنْ كفَّ شعره وثوبه.\nويتبين بهذا أن علة النهي هي أنهما يسجدان معه، وهي علة لا تقتضي التحريم (^٤).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nأن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد للتنزيه؛ إذ النهي عن كف الشعر والثوب فيه إرشادٌ للأكمل والأفضل في هيئة المصلي، وحث على آداب الصلاة، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (^٥).\nقال النووي -﵀-: «فكل هذا مكروه باتفاق العلماء، وهي كراهة تنزيه» (^٦).\nوقال ابن رجب: «كف الشعر مكروه كراهة تنزيه عند أكثر الفقهاء» (^٧).\nوقال العيني -﵀-: «اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر، أو كمه أو\n_________\n(^١) (٣/ ٦٠٠).\n(^٢) شبَّهه بالمكتوف، وهو المشدود اليدين؛ لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٧٦)، المفهم (٢/ ٩٥).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر (١/ ٣٥٥) برقم: (٤٩٢).\n(^٤) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٠٦)، المفهم (٢/ ٩٥)، الفروع (٢/ ٢٧٥).\n(^٥) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).\n(^٦) المجموع (٤/ ٩٨).\n(^٧) فتح الباري (٧/ ٢٦٩).","vol":"1","page":446},{"text":"رأسه معقوص، أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك، وهو كراهة تنزيه» (^١).\nومما ذكره العلماء في علة النهي:\n١ - أن الشعر يسجد مع المصلي (^٢).\n٢ - أن في الكف تجبرًا وتكبرًا منافيًا للخشوع المطلوب في الصلاة (^٣).\nقال ابن رجب -﵀-: «قال الإمام أحمد: إذا صلى فلا يرفعن ثوبه ولا شعره ولا شيئًا من ذلك؛ لأنه يسجد» (^٤).\nالحكم على القرينة:\nالقرينة الأولى قرينة قوية ومعتبرة؛ لقوتها في أصلها؛ فهي قرينة نصية صحيحة، ولقوتها في دلالتها على علة النهي، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ لاعتبار ما ذُكر من المعاني ومناسبته للنهي والتنزيه؛ فالقرائن قوية ولا سيما مع عدم ما يعارضها، ولمشابهة النهي لجملة آداب الصلاة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) عمدة القاري (٦/ ٩١).\n(^٢) يُنظر: المجموع (٤/ ٩٨)، الفروع (٢/ ٢٧٥)، تحفة المحتاج (٢/ ١٦٢).\n(^٣) يُنظر: تحفة المحتاج (٢/ ١٦٢)، مراقي الفلاح (ص: ١٢٨)، الفواكه الدواني (١/ ٢١٦)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٤٩).\n(^٤) فتح الباري (٧/ ٢٦٩).","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>المبحث الخامس عشر:\nالنهي عن اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-267>المطلب الأول: حكم اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن ابن عمر -﵄-: «أَنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» (^١).\nصورة المسألة:\nإذا أراد المصلي أن ينهض من السجود أو الجلوس إلى القيام، فكيف ينهض؟ وما حكم اعتماده على يديه عند النهوض؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: اتفق الفقهاء (^٢) على أن مَنْ شقَّ عليه النهوض لِكِبَر، أو ضعف، أو مرض، أو سمن ونحوه، فإنه يُسن له الاعتماد بيديه على الأرض عند النهوض.\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن علي -﵁- قال: «إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ إِذَا نَهَضَ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود عن ابن عبد الملك، كتاب الصلاة، باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة (٢/ ٢٣٤) برقم: (٩٩٢)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، جماع أبواب صفة الصلاة، باب الاعتماد بيديه على الأرض إذا نهض (٣/ ٦٤٠) برقم: (٢٨٤٩) وقال: «هذا حديث قد اختُلف في متنه على عبد الرزاق .... ورواية ابن عبد الملك وهم»، وضعفه النووي في (المجموع) (٣/ ٤٤٥)؛ لجهالة ابن عبد الملك ومخالفته لرواية الثقات.\nالحديث له ثلاث روايات عند أبي داود والبيهقي: رواية بالنهي عن الاعتماد في الصلاة مطلقًا، ورواية مقيدة بالجلوس، ورواية مقيدة بالنهوض، وهو عند: ابن خزيمة (١/ ٣٦٥) برقم: (٦٩٢)، والحاكم (١/ ٣٥٣) برقم: (٨٣٧)، دون رواية التقييد بالنهوض، وقال الحاكم في (المستدرك): «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»، فلعل رواية النهوض تتقوى برواية النهي مطلقًا؛ لدخولها فيه، ولا تنافيَ بين الروايات، وبحديث وائل بن حجر، وفيه: (رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)، وحديث أبي هريرة: (كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ)، وقد قال الترمذي فيهما (٢/ ٨٠): «عليه العمل عند أهل العلم»، والله أعلم. وسيأتي ذكر الحديثين عند ذكر الأدلة.\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ١١٩)، النهر الفائق (١/ ٢١٨)، البيان والتحصيل (١/ ٣٤٥)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٢٢٨)، المجموع (٣/ ٤٤٢)، المغني (١/ ٣٨١)، شرح الزركشي (١/ ٥٧٣). مذهب المالكية والشافعية استحباب الاعتماد مطلقًا للمشقة ولغير المشقة.","vol":"1","page":448},{"text":"الرَّجُلُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ أَلَا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الأرض إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن قوله: (من السنة) دليل على أن الاعتماد باليدين على الأرض عند النهوض في حال العذر من كبر أو ضعف، لا يُكره، بل هو السنة، لمشقة القيام دون الاعتماد في هذه الحال، ويؤيده قوله -ﷺ-: «لَا تُبَادِرُونِي فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ فَإِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ (^٢) (^٣) (^٤).\nقال ابن قدامة -﵀-: «إذا شق عليه النهوض على الصفة التي ذكرناها، فلا بأس باعتماده على الأرض بيديه، لا نعلم أحدًا خالف في هذا» (^٥).\nالدليل الثاني: يمكن أن يُستدل له بقاعدة: المشقة تجلب التيسير (^٦).\nثانيًا: اختلف الفقهاء في حكم نهوض المصلي معتمدًا على يديه، في غير حال المشقة، على قولين:\nالقول الأول: يُكره الاعتماد على اليدين عند النهوض.\nوهو مذهب الحنفية (^٧)، والحنابلة (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٧) برقم: (٣٩٩٨)، ضعّفه النووي في (خلاصة الأحكام) (١/ ٤٢١). لكن يشهد لمعناه الأحاديث الكثيرة التي روت عدم الاعتماد عند النهوض مع عدم الحاجة، منها حديث أبي هريرة، وحديث وائل، وحديث ابن عمر، وستأتي قريبًا.\n(^٢) بَدَّنْتُ -بالتشديد-: أي: كبرت وأسننت، والتخفيف من البدانة وهي كثرة اللحم، ولم يكن -ﷺ- سمينًا. يُنظر: غريب الحديث، للقاسم بن سلام (١/ ١٥٢)، الصحاح (٥/ ٢٠٧٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٠٧). والبدانة هي الضخامة، ولم يكن ذلك من صفاته -ﷺ-. يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يؤمر المأموم من اتباع الإمام (١/ ٤٦٢) برقم: (٦١٩)، وأحمد (٢٨/ ٥٣) برقم: (١٦٨٩٢) واللفظ له، صححه ابن خزيمة (٢/ ٧٦٨) برقم: (١٥٩٤)، وابن حبان (٥/ ٦٠٧) برقم: (٢٢٢٩). قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ١١٧): «هذا إسناد صحيح»، وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن حبان (٥/ ٦٠٩) برقم: (٢٢٣١).\n(^٤) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٣)، المغني (١/ ٣٨١)، فتح الباري، لابن رجب (٧/ ٢٩٢).\n(^٥) المغني (١/ ٣٨١).\n(^٦) وهي إحدى القواعد الكلية الكبرى. يُنظر: القواعد للحصني (١/ ٣٠)، الأشباه والنظائر، للسيوطي (ص: ٧)، موسوعة القواعد الفقهية (١/ ١/ ٢٩).\n(^٧) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١١٩)، البناية (٢/ ٢٥٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٦).\n(^٨) يُنظر: المغني (١/ ٣٨٠)، كشاف القناع (١/ ٣٥٤).","vol":"1","page":449},{"text":"القول الثاني: يُستحب الاعتماد.\nوهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن وائل بن حجر -﵁- قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» (^٣)، وفي رواية: «وإذا نهضَ نهضَ على رُكْبتيهِ، واعتمدَ على فَخِذِه» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن في قوله: (رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ) دلالة على أنه -ﷺ- يرفع يديه أولًا، ولا يعتمد عليها عند القيام، وفي الرواية الأخرى دلالة على النهوض على الركبتين والاعتماد على الفخذين، لا على الأرض بيديه (^٥).\nفالرواية الأخرى موافقة لما قبلها؛ «لأنه إذا رفع يديه تعيَّن نهوضه على ركبتيه؛ إذ لم يبق ما يعتمد عليه غيرهما، وقوله: واعتمد على فخذه، أي: اعتمد بيده على فخذه، يستعين بذلك على النهوض» (^٦)، فدل فِعله -ﷺ- على كراهة الاعتماد عند النهوض.\nنُوقش: بأن الحديث ضعيف (^٧).\nأُجيب عنه: بأن حديث وائل بالرواية الأولى صحَّحه جماعات من الحفاظ، وتبيَّن ذلك في تخريجه.\n_________\n(^١) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٤٥)، القوانين الفقهية (ص: ٤٦).\n(^٢) يُنظر: المجموع (٣/ ٤٤٢)، أسنى المطالب (١/ ١٦٣).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٤٢٢).\n(^٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف يضعُ ركبتيه قبلَ يديه؟ (٢/ ١٣٠) إثر الحديث رقم: (٨٣٩)، ضعفه النووي في (خلاصة الأحكام) (١/ ٤٠٣)، والألباني في (صحيح وضعيف سنن أبي داود) (ص: ٢).\n(^٥) يُنظر: مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٢٤)، نيل الأوطار (٢/ ٣١١).\n(^٦) مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٢٤)، نقلًا عن الحافظ الزين العراقي.\n(^٧) المجموع (٣/ ٤٤٥).","vol":"1","page":450},{"text":"الدليل الثاني: عن ابن عمر -﵄-: «أَنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» (^١).\nوجه الاستدلال: أن الحديث يدل على النهي عن الاتكاء على اليدين حال النهوض، بل ينهض على صدور قدميه من غير اعتماد على الأرض (^٢)، والنهي محمول على الكراهة؛ لدلالة فِعله -ﷺ- سيأتي عند ذكر أدلة القول الثاني-، وحُمل على بيان الجواز أو على حالة الكِبَر والضعف (^٣).\nنُوقش: بأن حديث النهي ضعيف (^٤).\nيمكن أن يُجاب عنه: بأن الحديث يتقوَّى بشواهده كما تبين في التخريج، ويؤيده أن عليه العمل عند أهل العلم.\n«لا شك أن الرواية إذا كثرت تنتقل من الضعف إلى القوة، كيف وقد حسن الترمذي الحديث الذي في الأصل (يقصد: حديث وائل)، وصححه الحاكم، وابن حبان» (^٥).\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» (^٦).\nوجه الاستدلال: أن في قوله: (عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ) إشارة إلى أنه لا يعتمد بيديه على الأرض عند قيامه كما لا يعتمد على جالس بين يديه، والمعنى: أنه اعتماد من غير\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٤٤٥).\n(^٢) يُنظر: المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ١٥٩)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٣٦).\n(^٣) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٧/ ٢٩٢)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٣٦).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٣/ ٤٤٥)، أسنى المطالب (١/ ١٦٣).\n(^٥) قاله علي القاري -﵀- في (مرقاة المفاتيح) (٢/ ٧٢٤).\n(^٦) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب منه أيضًا (٢/ ٨٠) برقم: (٢٨٨)، وقال: «عليه العمل عند أهل العلم: يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه، وخالد بن إياس ضعيف عند أهل الحديث»، وضعّف الحديث النووي في (المجموع) (٣/ ٤٤٥)، وقال الزيلعي في (نصب الراية) (١/ ٣٨٩): «رواه ابن عدي في الكامل، وأعله بخالد، وأسند تضعيفه عن: البخاري، والنسائي، وأحمد، وابن معين، قال: وهو مع ضعفه يكتب حديثه»، وللحديث شواهد تقويه، منها: حديث وائل، وما رُوي من فعل الصحابة -رضوان الله عليهم-.","vol":"1","page":451},{"text":"حاجة؛ فكان مكروهًا (^١).\nنُوقش: بأن الحديث ضعيف؛ لضعف راويه (^٢).\nأجيب عنه: أن الترمذي ضعَّف راوي الحديث، ومع ضعفه يكتب حديثه، وقول الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم، يقتضي قوة أصله، وإن ضعف خصوص هذا الطريق، وهو كذلك (^٣)، ومما يقويه أيضًا ما رُوي عن الصحابة أنهم كانوا ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم (^٤).\nالدليل الرابع: ما رُوي عن الصحابة أنهم كانوا يقومون على صدور أقدامهم:\nفقد رُوي أنه: «كَانَ عَلِيٌّ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ»، وقال أحد الرواة: «رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، إِذَا سَجَدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ قَامَ كَمَا هُوَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ»، ورُوي: «أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَانُوا يَنْهَضُونَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ أَقْدَامِهِمْ»، ورُوي: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» (^٥).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: حديث مالك بن الحويرث -﵁- (^٦)، وفيه: «وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأرض، ثُمَّ قَامَ» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن في حكاية صفة قيام النبي -ﷺ- واعتماده عند القيام، دليلًا\n_________\n(^١) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٣).\n(^٢) يُنظر: المجموع (٣/ ٤٤٥).\n(^٣) يُنظر: فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٣٠٨).\n(^٤) يُنظر: البناية (٢/ ٢٥٢).\n(^٥) أخرج الآثار ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٦) برقم: (٣٩٧٨)، (٣٩٨٢)، (٣٩٨٣)، (٣٩٨٥)، صحح الآثار ابن رجب في (فتح الباري) (٧/ ٢٩١)، وحسَّنها زكريا غلام في (ما صح من آثار الصحابة في الفقه) (١/ ٢٤٨).\n(^٦) هو: مالك بن الحويرث بن أشيم الليثي، من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، يُكنى أبا سليمان، وهو من أهل البصرة، قَدِم على النبي -ﷺ- في شببة من قومه، فعلمهم الصلاة، وأمره بتعليم قومهم إذا رجعوا إليهم، روى عنه: أبو قلابة، ونصر بن عاصم، وسوار الجرمي، وتُوفي بالبصرة سنة ٩٤ هـ. يُنظر: أسد الغابة (٥/ ١٨)، تهذيب التهذيب (١٠/ ١٤).\n(^٧) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب: كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة؟ (١/ ١٦٤) برقم: (٨٢٤).","vol":"1","page":452},{"text":"على استحباب الاعتماد باليدين على الأرض حين ينهض إلى الركعة الثانية وغيرها (^١).\nنُوقش: بأن حديث مالك محمول على أن ذلك كان من النبي -ﷺ- لمشقة القيام عليه؛ لضعفه وكبره، فمالك قدم على النبي -ﷺ- في آخر عمره، ومما يدل على حمله على المشقة: قوله -﵇-: «لَا تُبَادِرُونِي فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ» (^٢)، أو يُحمل على أنه -ﷺ- فعله تشريعًا وبيانًا للجواز؛ جمعًا بين الأدلة (^٣).\nالدليل الثاني: عن أبى هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» (^٤).\nوجه الاستدلال: أنه لما أمر -ﷺ- أن يضع يديه بالأرض قبل ركبتيه في سجوده لئلا يشبه البعير في بروكه، وجب بدليل قوله أن يضع يديه بالأرض إذا قام؛ لئلا يشبه البعير في قيامه (^٥).\nيمكن أن يُناقش: بأن مسألة النهي عن البروك كبروك البعير محل خلاف، فلا يصلح الاحتجاج بها، ولحديث أبي هريرة رواية أخرى مخالفة لهذه الرواية.\nالدليل الثالث: قال الراوي: «رأيتُ ابْنَ عُمَرَ يَنْهَضُ في الصلاةِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ» (^٦).\nيمكن أن يُناقش: بأنه رُوي عنه وعن جمع من الصحابة خلاف ذلك أيضًا، فترجح رواية الأكثرية، ويُحمل على أنه فعله عند الكبر.\nالدليل الرابع: أن النهوض مع الاعتماد أولى؛ لأنه أزين في أدب الصلاة، وأبلغ في الخشوع والتواضع وأعون للمصلي (^٧).\n_________\n(^١) يُنظر: المجموع (٣/ ٤٤٢).\n(^٢) سبق تخريجه: ص (٤٤٦).\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٣)، المغني (١/ ٣٨١)، شرح الزركشي (١/ ٥٧٣)، فتح الباري، لابن رجب (٧/ ٢٩٢)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٣٦).\n(^٤) سبق تخريجه: ص (٤٢١).\n(^٥) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٤٥).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٧) برقم: (٣٦٦٩)، صححه زكريا غلام في (ما صح من آثار الصحابة في الفقه) (١/ ٢٤٩).\n(^٧) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٤٥)، أسنى المطالب (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":453},{"text":"سبب الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة له تعلق بالخلاف السابق في مسألة النهي عن البروك كبروك البعير، وله سبب آخر هو: تعارض أحاديث النهوض بلا اعتماد والنهي عن ذلك مع حديث مالك بن الحويرث في صفة صلاة النبي -ﷺ-، وذكر فيه الاعتماد، وهو من باب تعارض القول والفعل.\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الاعتماد على اليدين عند النهوض بلا عذر.\nأسباب الترجيح:\n١ - أنه القول الوسط الذي به تجتمع الأدلة، والجمع بين الأدلة أَولى من إهمال بعضها.\n٢ - أنه اتفق أكابر الصحابة الذين كانوا: أقرب إلى رسول الله -ﷺ-، وأشد اقتفاء لأثره، وألزم لصحبته من مالك بن الحويرث -﵁-، على خلاف ما قال، فوجب تقديمه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي على الاعتماد على اليدين حال النهوض على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له عن التحريم: ورود النص، وفيه فِعله -ﷺ- للمنهي عنه.\nوذلك في حديث مالك بن الحويرث -﵁- أنه -ﷺ- اعتمد على الأرض ثم قام، ويُحمل على أنه فعله تشريعًا وبيانًا للجواز، أو أنه فعله لكبره ومشقة القيام عليه.\nقال علي القاري -﵀- (^٢): «يمكن حمله على بيان الجواز، أو على حالة الكبر، وهو\n_________\n(^١) فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٣٠٩).\n(^٢) هو: علي بن (سلطان) محمد، نور الدين الملّا الهروي القاري، فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره، ولد في هراة وسكن مكة، وصنف كتبا كثيرة، منها: «تفسير القرآن» و«الأثمار الجنية في أسماء الحنفية» و«الفصول المهمة» و«شرح مشكاة المصابيح» و«شرح مشكلات الموطأ» و«شرح الشمائل» وغيرها، توفي بمكة في شوال سنة ١٠١٤ هـ. يُنظر: الفوائد البهية (ص: ٨)، الأعلام، للزركلي (٥/ ١٢).","vol":"1","page":454},{"text":"أوفى بالتأويل» (^١).\nوقال ابن الهمام -﵀-: «التوفيق أَولى، فيُحمل ما رواه (مالك بن الحويرث) على حالة الكبر» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nقرينة فِعله -ﷺ- قرينة قوية؛ لقوتها في أصلها، فهي قرينة نصية صحيحة، ولدلالتها على بيان الجواز في بعض الأحوال، فأفادت هذه القرينة أن النهي ليس للتحريم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٣٦)، ويُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٧/ ٢٩٢).\n(^٢) فتح القدير (١/ ٣٠٩).","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type='title' id=toc-269>المبحث السادس عشر:\nالنهي عن جلوس المصلي في الصلاة وهو معتمد على يديه</span>\n<span data-type='title' id=toc-270>المطلب الأول: حكم جلوس المصلي في الصلاة وهو معتمد على يديه:</span>\nدليل النهي:\nعن ابن عمر -﵄-: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُعْتَمِد عَلَى يَدَيْهِ (^١) (^٢).\nصورة المسألة:\nماحكم اعتماد المصلي على يده والاتكاء بها على الأرض بلا حاجة حال جلوسه في الصلاة؟\nحكم المسألة:\nيُكره للمصلي أن يجلس في صلاته وهو معتمد على يديه لغير حاجة؛ للنهي عنه في حديث ابن عمر -﵄-.\nوهو مذهب الحنابلة (^٣) (^٤).\nقال ابن قدامة -﵀-: «يُكره أن يعتمد على يده في الجلوس» (^٥).\nوقال البهوتي -﵀-: «يُكره اعتماده على يده في جلوسه من غير حاجة تدعو إليه» (^٦).\n_________\n(^١) أي: وهو متكئ على يده، يعني: إذا جلس للتشهد لا يضع يده على الأرض، بل يضعها على ركبتيه. يُنظر: المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ١٥٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة (٢/ ٢٣٤) برقم: (٩٩٢)، وأحمد (١٠/ ٤١٦) برقم: (٦٣٤٧)، وصححه ابن خزيمة (١/ ٣٦٥) برقم: (٦٩٢)، قال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٣٥٣): «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وصححه الألباني في (صحيح وضعيف سنن أبي داود) (ص: ٢).\n(^٣) يُنظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٨٦)، المبدع (١/ ٤٢٥)، كشاف القناع (١/ ٣٧٢).\n(^٤) لم أقف على هذه المسألة عند الحنفية والمالكية والشافعية في كتبهم التي بين يديَّ، ولم أهتد إلى ما يمكن أن يخرّج عليه، وأقرب ما وقفت عليه هو اتفاقهم على أن سنة اليدين حال الجلوس في الصلاة أن توضع على الفخذين. يُنظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٦)، المجموع (٣/ ٤٣٧).\n(^٥) الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٨٦).\n(^٦) كشاف القناع (١/ ٣٧٢).","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-271>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nلعل الصارف للنهي عن التحريم هي القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: قرينة نصية بينت علة النهي.\nفالنبي -ﷺ- نهى عن الجلوس في الصلاة بهذه الهيئة، وعلل بأنها تشبه جلسة الذين يعذبون؛ تنفيرًا وتنزيهًا للمصلي عن مشابهتهم، وذلك في حديث ابن عمر -﵄-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا سَاقِطًا يَدَهُ (^١) فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا تَجْلِسْ هَكَذَا، إِنَّمَا هَذِهِ جِلْسَةُ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ» (^٢).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nلم ينص فقهاء الحنابلة على صارف النهي عن التحريم، في حين أن ذِكرهم للمسألة في باب مكروهات الصلاة، وإطلاق الكراهة عليها يشير إلى أن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد؛ إذ إطلاق الكراهة عند الحنابلة ينصرف إلى التنزيه (^٣).\nفالنهي أُريد به المحافظة على أدب الصلاة وهيئتها المشروعة، والتنزيه عما لا يليق بها من الهيئات، والنهي في باب الأدب والإرشاد محمول على الكراهة (^٤).\nوالعلة من النهي:\n١ - أن الجلوس مع الاعتماد باليدين على الأرض تشبه هيئة وجلوس المعذبين؛ فيكره تنزيهًا عن مشابهتهم.\nقال العيني -﵀-: «… لأنه يشبه جلوس المعذبين» (^٥).\n٢ - ويمكن أن يكون من المعنى أيضًا: ما في الاعتماد على اليد من هيئة الكسل التي تُنزه عنها الصلاة.\n_________\n(^١) ساقطا يده في الصلاة: أي يتكاء على يده اليُسرى وهو قاعِد في الصلاة. جاءت مفسرة بذلك في رواية أبي داود.\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة (٢/ ٢٣٦) برقم: (٩٩٤) موقوفًا، وأحمد (١٠/ ١٨٠) برقم: (٥٩٧٢) مرفوعًا واللفظ له، وأخرجه الحاكم (١/ ٤٠٦) برقم: (١٠٠٧) ولفظه: «أن النبي نهى رجلا وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة، فقال: إنها صلاة اليهود» وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»، قال الألباني: في (إرواء الغليل) (٢/ ١٠٣): «هذا إسناد جيد على شرط مسلم».\n(^٣) يُنظر: شرح مختصر الروضة (١/ ٣٨٥)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، لابن بدران (ص: ١٥٥).\n(^٤) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).\n(^٥) شرح أبي داود (٤/ ٢٧٦).","vol":"1","page":457},{"text":"الحكم على القرينة:\nالقرينة النصية قرينة قوية؛ لثبوتها ودلالتها على موضوع المسألة وعلتها، فهي قرينة معتبرة. وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة صارفة للنهي عن التحريم، والتنزيه عن هيئة المعذبين أو الكسالى معنى مناسب لباب الأدب والإرشاد، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type='title' id=toc-272>المبحث السابع عشر:\nالنهي عن مسح الحصى من موضع السجود، والعبث أثناء الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-273>المطلب الأول: حكم مسح الحصى من موضع السجود، والعبث (^١) أثناء الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي ذر -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى» (^٢).\nصورة المسألة:\nفي المسألة صورتان: الأولى: العبث في الصلاة على وجه العموم. والثانية: مسح الحصى في الصلاة، وهي صورة من صور العبث.\nحكم المسألة:\nأولا: اتفق الفقهاء (^٣) على كراهة العبث في الصلاة. وحكي الإجماع على ذلك (^٤).\nقال ابن عبد البر -﵀-: «… وفي هذا الحديث النهي عن اللعب بالحصباء والعبث بها في الصلاة، وهو أمر مجتمع عليه، وكذلك غير الحصباء» (^٥).\nوقال ابن قدامة -﵀-: «يُكره العبث كله، وما يشغل عن الصلاة، ويذهب بخشوعها، وقد رُوي «أن رسول الله -ﷺ- رأى رجلًا يعبث في الصلاة، فقال: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا\n_________\n(^١) العبث: الحركة التي ليست لها فائدة. يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٦)، معجم لغة الفقهاء (ص: ٣٠٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب مسح الحصى في الصلاة (٢/ ٢٠٤) برقم: (٩٤٥)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة (٢/ ٢١٩) برقم: (٣٧٩) وحسنه، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب السهو، ذِكر ما ينقض الصلاة وما لا ينقضها، النهي عن مسح الحصى في الصلاة (١/ ٢٨٨) برقم: (٥٣٧)، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب مسح الحصى فِي الصلاة (٢/ ١٥٢) برقم: (١٠٢٧)، وأحمد (٣٥/ ٢٥٩) برقم: (٢١٣٣٠)، صححه ابن خزيمة (١/ ٤٥٦) برقم: (٩١٣)، وابن حبان (٦/ ٤٩) برقم: (٢٢٧٣)، وقال ابن حجر في (بلوغ المرام) (ص: ١٢٤): «إسناد صحيح».\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦١)، البيان والتحصيل (١/ ٣٤١)، شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٩٤)، روضة الطالبين (١١/ ٢٢٤)، المغني (٢/ ٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٨).\n(^٤) نقل الإجماع: ابن عبد البر في (الاستذكار) (١/ ٤٧٧) و(التمهيد) (١٣/ ١٩٦)، وابن قدامة في (المغني) (٢/ ٩).\n(^٥) الاستذكار (١/ ٤٧٧). يشير إلى حديث المُعاوي، وسيأتي عند ذكر الأدلة.","vol":"1","page":459},{"text":"لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» (^١)، ولا نعلم بين أهل العلم في كراهة هذا كله اختلافًا» (^٢).\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن علي بن عبد الرحمن الْمُعَاوِيِّ (^٣)، أنه قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة، فلما انصرف نهاني، فقال: اصنع كما كان رسول الله -ﷺ- يصنع، فقلت: وكيف كان رسول الله -ﷺ- يصنع؟ «كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن في نهي ابن عمر للمعاوي دليلًا على كراهة العبث في الصلاة وتحريك اليد لغير حاجة؛ لأن السنة أن لليدين موضعًا وعملًا تشتغلان به في الصلاة كما أرشد إليه ابن عمر، ولم يأمر المعاوي بإعادة الصلاة؛ لأن ذلك -والله أعلم- كان منه يسيرًا لم يشغله عن صلاته، ولا عن إقامة شيء من حدودها، والعمل اليسير في الصلاة لا يفسدها (^٥).\nالدليل الثاني: أن العبث يخل بالخشوع، والخشوع سنة (^٦).\nقال السرخسي -﵀-: «فالحاصل أن كل عمل هو مفيد للمصلي فلا بأس أن يأتي به، … فأما ما ليس بمفيد: فيُكره للمصلي أن يشتغل به، لقوله -ﷺ-: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» (^٧)، والعبث غير مفيد له شيئًا، فلا يشتغل به» (^٨).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ص (٤١١).\n(^٢) المغني (٢/ ٩).\n(^٣) هو: علي بن عبد الرحمن المعاوي: من بني معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف من الأوس الأنصاري المدني، تابعي، ذكره ابن حبان في الثقات، روى عن: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، روى عنه: مسلم بن أبي مريم، والزهري، روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي. يُنظر: تهذيب الكمال (٢١/ ٥٤)، تهذيب التهذيب (٧/ ٣٦٢).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين (١/ ٤٠٨) برقم: (٥٨٠).\n(^٥) يُنظر: الاستذكار (١/ ٤٧٧)، شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (٥/ ٢٧١).\n(^٦) يُنظر: البحر الرائق (٢/ ١٥)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٤١)، الذخيرة (٢/ ٢٣٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥٤٧)، الفروع (٢/ ٢٥١)، كشاف القناع (١/ ٣٩٢).\n(^٧) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-، أبواب العمل في الصلاة، باب لا يُرد السلام في الصلاة (٢/ ٦٥) برقم: (١٢١٦).\n(^٨) المبسوط (١/ ٢٦).","vol":"1","page":460},{"text":"ثانيًا: اتفق الفقهاء (^١) على كراهة مسح الحصى من موضع السجود أثناء الصلاة، وإباحة المرة الواحدة للحاجة والعذر.\nقال النووي -﵀-: «… ومعنى الحديث لا تمسح وإن مسحت فلا تزد على واحدة، وهذا نهي كراهة تنزيه، واتفق العلماء على كراهته إذا لم يكن عذر» (^٢).\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن أبي ذر -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن مسح الحصى، ويُحمل على كراهة التنزيه؛ للتعليل بكون الرحمة تواجهه، فلا يشتغل بما يلهيه عنها، ويفوت حظه منها (^٤).\nالدليل الثاني: حديث مُعَيْقِيبٍ -﵁- (^٥): «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» (^٦)، وفي رواية: «لا تمسَحْ وأنت تُصلّي، فإن كنتَ لا بدَّ فاعِلًا فواحدةً؛ تسويةَ الحصى» (^٧).\nوجه الاستدلال: أن النهي عن مسح الحصى نهي صريح، وفي معناه: تسوية التراب، وإباحة المرة الواحدة؛ للحاجة إلى تسوية الحصى حتى يتمكن من السجود عليه، والمنع فيما\n_________\n(^١) يُنظر: البناية (٢/ ٤٣٦)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٤٥)، النوادر والزيادات (١/ ٢٣٨)، إكمال المعلم (٢/ ٤٨٢)، المجموع (٤/ ٩٨)، مغني المحتاج (١/ ٤٢٢)، المغني (٢/ ٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٧٦).\n(^٢) المجموع (٤/ ٩٩).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٤٥٦).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٤/ ٩٩)، عمدة القاري (٧/ ٢٨٥).\n(^٥) هو: مُعَيْقيب ابن أبي فاطمة الدَّوْسِي حليف بني عبد شمس، وقال موسى بن عقبة: مولى سعيد بن العاص، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر منها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وكان على خاتم رسول الله -ﷺ-، واستعمله أبو بكر، وعمر على بيت المال، وبقي إلى زمن عثمان بن عفان، وتُوفي في آخر خلافته، وقيل: سنة ٤٠ هـ، روى عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن، روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي. يُنظر: الاستيعاب (٤/ ١٤٧٩)، أسد الغابة (٥/ ٢٣١).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب مسح الحصى في الصلاة (٢/ ٦٤) برقم: (١٢٠٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب فِي الصلاة (١/ ٣٨٧) برقم: (٥٤٦).\n(^٧) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب مسح الحصى في الصلاة (٢/ ٢٠٤) برقم: (٩٤٦).","vol":"1","page":461},{"text":"زاد عليها؛ لأنه ينافى معنى الصلاة والتواضع فيها، ولئلا يكثر الشغل (^١)، فيكون من العبث المكروه.\nوفي الإذن بالمرة الواحدة دليل وصارف للنهي عن ظاهره -وهو التحريم- إلى الكراهة، والتقييد بالحصى وبالتراب خرج للغالب؛ لأنه فرش المساجد في ذلك الوقت، فيلحق به غيره مما يُصلى عليه (^٢).\nالدليل الثالث: أن مسح الحصى وتقليبه وتسوية التراب فيه نوع عبث، والعبث مكروه؛ لمنافاته الخشوع (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-274>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي حُمل على الكراهة للقرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وفيه التعليل بما لا يقتضي التحريم.\nذَكر النبي -ﷺ- في الحديث علة النهي عن مسح الحصى بأن الرحمة تواجهه: (فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ)؛ فلا ينبغي للمصلي الانشغال عنها؛ فيفوته شيء منها، أو يجعل بينه وبينها حائلًا.\nقال ابن حجر -﵀-: «قوله: فإن الرحمة تواجهه: يدل على أن العلة فيه ألا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلًا» (^٤).\nوقال العيني -﵀-: «تعليل النهي عن مسح الحصى بكون الرحمة تواجهه، يدل على أن النهي حكمته ألا يشتغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حظه» (^٥).\nوقال الطيبي -﵀-: «قوله: فإن الرحمة تواجهه: علة للنهي، يعني: لا يليق بالعاقل\n_________\n(^١) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٨١)، المفهم (٢/ ١٥٦)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٣٧)، شرح أبي داود، للعيني (٤/ ٢١٤).\n(^٢) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٧٩).\n(^٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٦)، الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٨٦)، شرح أبي داود، للعيني (٤/ ٢١٢).\n(^٤) فتح الباري (٣/ ٧٩).\n(^٥) عمدة القاري (٧/ ٢٨٥).","vol":"1","page":462},{"text":"تلقي شكر تلك النعمة الخطيرة بهذه الفِعلة الحقيرة» (^١).\nالقرينة الثانية: المقصد من النهي.\nأن المقصد من النهي المحافظة على الصلاة وخشوعها، والتنزيه عن الانشغال عنها بالعبث، ومسح الحصى بما يزيد عن المرة الواحد في الصلاة نوع من العبث المنافي للخشوع، والعبث مكروه.\nقال ابن حجر -﵀-: «والذي يظهر أن علة كراهيته المحافظة على الخشوع، أو لئلا يكثر العمل في الصلاة، … وألا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلًا» (^٢).\nوقال العيني في (البناية): «لا يقلب الحصى؛ لأنه نوع عبث، وهو خلاف الخشوع، وقد مدح الله الخاشعين في الصلاة بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (^٣)» (^٤).\nالقرينة الثالثة: النهي عنه في حال دون حال.\nفالنهي عن مس الحصا حال الكثرة، ورخص فيه إن كان مرة.\nففي الإذن بالمرة الواحدة دليل وصارف للنهي عن ظاهره -وهو التحريم- إلى الكراهة (^٥).\nقال النووي -﵀-: «قوله: إن كنت لا بد فاعلًا فواحدة: معناه: لا تفعل، وإن فعلت فافعل واحدة لا تزد، وهذا نهي كراهة تنزيه» (^٦).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن قرينة العلة من النهي قرينة قوية ومعتبرة؛ لقوتها في أصلها؛ إذ هي قرينة نصية جاءت في نفس الحديث وقوية؛ لثبوتها ولدلالتها على معنى النهي المقصود، وقرينة المقصد كذلك قرينة قوية ومعتبرة؛ فمقصد المحافظة على الصلاة وخشوعها والتنزيه عما ينافيها هو ما يُفهم من النواهي التي من هذا القبيل، أقصد بها: النواهي عن أنواع من العبث، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) للطيبي (٣/ ١٠٧٦).\n(^٢) فتح الباري (٣/ ٧٩).\n(^٣) سورة المؤمنون: الآيتان (١ - ٢).\n(^٤) (٢/ ٤٣٦)، ويُنظر له: شرح أبي داود (٤/ ٢١٢).\n(^٥) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٧٩).\n(^٦) المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٣٧).","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-275>المبحث الثامن عشر:\nالنهي عن رد السلام في الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-276>المطلب الأول: حكم رد السلام في الصلاة:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «لَا غِرَارَ (^١) فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيم (^٢) (^٣).\nصورة المسألة:\nإذا كان المرء في الصلاة وسُلم عليه: فهل يرُدُّ السلام كلامًا أو إشارةً؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: أجمع العلماء (^٤) على أن المصلي لا يرد السلام كلامًا؛ للإجماع على أن الكلام عامدًا في الصلاة يفسدها.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «أجمع العلماء على أن مَنْ سُلم عليه وهو يصلي، لا يرد كلامًا، وكذلك أجمعوا على أن مَنْ رد إشارةً أجزأه، ولا شيء عليه» (^٥).\n_________\n(^١) الغِرَار: النقصان، وأصله من غرار الناقة، وهو أن ينقص لبنها، يقال: قد غارت الناقة فهي مغار. يُنظر: الصحاح (٢/ ٧٦٨)، غريب الحديث، للقاسم بن سلام (٣/ ١٧٥).\n(^٢) المراد بغرار الصلاة: أن لا يتم ركوعها وسجودها، وقيل: أراد بالغرار: النوم، أي: ليس في الصلاة نوم، والمراد بغرار التسليم على رواية الجر معطوفًا على الصلاة: أن يقول المجيب: وعليك، ولا يقول: السلام، وعلى رواية النصب يكون معطوفًا على الغرار، والمعنى: لا نقص ولا تسليم في صلاة؛ لأن الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز. يُنظر: غريب الحديث، للقاسم بن سلام (٣/ ١٧٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٥٧). والاستدلال بالحديث في المسألة على رواية النصب، وهو تفسير الإمام أحمد -﵀-، قال أبو داود: «قال أحمد: يعني-فيما أُرى- ألا تُسلمَ ولا يُسلَّمَ عليك، ويُغرِّرُ الرجلُ بصلاته فينصرفُ وهو فيها شاكٌّ». سنن أبي داود (٢/ ١٩٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة (٢/ ١٩٠) برقم: (٩٢٨)، وأحمد (١٦/ ٢٧) برقم: (٩٩٣٦)، والحاكم (١/ ٣٩٦) برقم: (٩٢٨) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وصحح إسناده النووي في (المجموع) (٤/ ١٠٤).\n(^٤) نقل الإجماع: ابن المنذر في (الإجماع) (ص: ٤٨)، وابن بطال في (شرح صحيح البخاري) (٣/ ٢٠٧)، وابن عبد البر في (التمهيد) (٢١/ ١٠٩).\n(^٥) التمهيد (٢١/ ١٠٩).","vol":"1","page":464},{"text":"وقال أيضًا: «أجمع المسلمون طُرًّا (^١) أن الكلام عامدًا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته -يفسد الصلاة» (^٢).\nوقال ابن بطال -﵀-: «أجمع العلماء أن المصلى لا يرد السلام متكلمًا» (^٣).\nوقال ابن المنذر -﵀-: «أجمعوا على أن مَنْ تكلم في صلاته عامدًا وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها، أن صلاته فاسدة» (^٤).\nالأدلة:\nالدليل الأول: عن ابن مسعود -﵁- قال: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، وَيُوصِي أَحَدُنَا بِالْحَاجَةِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ، وَمَا حَدُثَ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «إِنَّ اللهَ -﷿- يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَلَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» (^٥).\nالدليل الثاني: قوله -ﷺ-: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (^٦).\nالدليل الثالث: حديث جابر -﵁- قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ، فَرَجَعْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي» (^٧)، وفي رواية: «فَسَلَّمْتُ\n_________\n(^١) طُرًّا: أي: جميعًا. يُنظر: الصحاح (٢/ ٧٢٥).\n(^٢) التمهيد (١/ ٣٥٠).\n(^٣) شرح صحيح البخاري (٣/ ٢٠٧).\n(^٤) الإجماع، لابن المنذر (ص: ٤٨).\n(^٥) أخرجه البخاري تعليقًا، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي﴾ [سورة الرحمن: الآية: (٢٩)] (٩/ ١٥٢)، وأخرجه أبو داود كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة (٢/ ١٨٧) برقم: (٩٢٤)، وأحمد (٧/ ٢١٠) برقم: (٤١٤٥) واللفظ له، وصححه ابن حبان (٦/ ١٥) برقم: (٢٢٤٣).\n(^٦) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته (١/ ٣٨١) برقم: (٥٣٧)، والحديث في قصة معاوية بن الحكم السلمي -﵁- الذي شمّت عاطسًا في الصلاة.\n(^٧) أخرجه البخاري، أبواب العمل في الصلاة، باب لا يرد السلام في الصلاة (٢/ ٦٦) برقم: (١٢١٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته (١/ ٣٨٤) برقم: (٥٤٠) واللفظ له.","vol":"1","page":465},{"text":"عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي» (^١).\nوجه الاستدلال: أن عدم رد النبي -ﷺ- السلام على من سلم عليه من الصحابة: دليل على تحريم الكلام في الصلاة ومخاطبة الآدميين، وتحريم رد السلام فيها باللفظ، وأنه ناسخ لما كان عليه الأمر قبل ذلك من الإباحة كما دل عليه حديث ابن مسعود (^٢).\nثانيًا: اختلف الفقهاء في رد المصلي السلام إشارة، على قولين:\nالقول الأول: استحباب الرد إشارة.\nوهو مذهب الجمهور: المالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\nالقول الثاني: الكراهة.\nوهو مذهب الحنفية (^٦).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن صهيب -﵁- قال: «مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَهُوَ يُصَلِّي، فسلَّمتُ عليه، فردَّ إشارةً، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُه إِلَّا قَالَ: إِشَارَةً بِإِصْبَعِهِ» (^٧).\nالدليل الثاني: عن ابن عمر -﵄-: قال: «قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَرُدُّ عَلَيْهِمْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته (١/ ٣٨٣) برقم: (٥٤٠).\n(^٢) يُنظر: الإقناع، لابن المنذر (١/ ١٠١)، التمهيد (١/ ٣٥٦)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٢٧).\n(^٣) يُنظر: المدونة (١/ ١٩٠)، التبصرة (١/ ٣٩٧)، الذخيرة (٢/ ١٤٥).\n(^٤) يُنظر: المجموع (٤/ ١٠٤)، أسنى المطالب (١/ ١٨٢).\n(^٥) يُنظر: المغني (٢/ ٤٦)، الإنصاف (٣/ ٦٦٣).\n(^٦) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٥٧)، البناية (٢/ ٤٤٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦١٦).\n(^٧) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة (٢/ ١٨٨) برقم: (٩٢٥) وقال: «هذا لفظ حديث قتيبة»، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في الصلاة (٢/ ٢٠٣) برقم: (٣٦٧) وصححه، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب المساجد، أبواب صفة الصلاة، رد السلام بالإشارة في الصلاة (٣/ ٥) برقم: (١١٨٦)، وأحمد (٣١/ ٢٥٩) برقم: (١٨٩٣١)، صححه ابن حبان (٦/ ٣٤) برقم: (٢٢٥٩)، وله شواهد منها حديث جابر المتقدم.","vol":"1","page":466},{"text":"حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وهو فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ» (^١).\nالدليل الثالث: حديث جابر -﵁- المتقدم.\nوجه الاستدلال: أن في الأحاديث دليلًا على رد السلام إشارةً، ففِعله -ﷺ- دليل على سنيته، وأنه عمل قليل لا يفسد الصلاة (^٢).\nنُوقش من وجهين: الوجه الأول: بأنه يحتمل أن النبي -ﷺ- كان في التشهد وهو يشير بأصبعه فظنوه ردًا، ويحتمل أنه أشار لهم نهيًا عن السلام فظنوه ردًا، وحديث جابر رُوي بوجوه عدة: فمرة ذُكر أنه لم يرُدَّ عليه، ومرة ذكر أنه أشار، وفيه أيضًا قوله: (أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي)، فدل ذلك على أن تلك الإشارة التي كانت منه في الصلاة لم تكن ردًا، وإنما كانت نهيًا (^٣).\nأجيب عنه: أن التأويل: بأن إشارته -ﷺ- إليهم كانت نهيًا: أي: لا تسلموا، فإنه وإن كان محتملًا ففيه بُعد؛ ولأن حديث ابن عمر نص على أن ذلك كان ردًا للسلام؛ وأنه لو كان القصد النهي، لبيَّنه بما لا يحصل به الإشكال والاحتمال، وهذا محتمل (^٤).\nالوجه الثاني: أن أحاديث الإشارة كانت قبل نسخ الكلام، والإشارة كلام بالمعنى، ويؤيده حديث ابن مسعود؛ لأنه جاء فيه: (فلم يرُدَّ عليَّ)، ولم يقل: فأشار إلينا، وكذا حديث جابر، وجاء فيه: (أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي) فلم يَرُدُّ عليهم بالإشارة، ولو كان الرد بالإشارة جائزًا لفعله (^٥).\nأجيب عنه: أولًا: بأن أحاديث الإشارة لو لم تكن بعد نسخ الكلام لَرد باللفظ؛ إذ الرد باللفظ واجب، إلا لمانع: كالصلاة، فلما رد بالإشارة عُلم أن الكلام ممنوع في\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة (٢/ ١٨٩) برقم: (٩٢٧)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في الصلاة (٢/ ٢٠٤) برقم: (٣٦٨) واللفظ له، وقال: «حسن صحيح»، وأحمد (٣٩/ ٣٢٠) برقم: (٢٣٨٨٦)، والحاكم (٣/ ١٣) برقم: (٤٢٧٨) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». صححه ابن خزيمة (١/ ٤٤٦) برقم: (٨٨٨)، وابن حبان (٦/ ٣٣) برقم: (٢٢٥٨).\n(^٢) يُنظر: بحر المذهب، للروياني (٢/ ٨٧)، المفهم (٢/ ١٤٨)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ٢٧).\n(^٣) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٥٧)، نصب الراية (٢/ ٩٠)، عمدة القاري (٧/ ٢٦٩).\n(^٤) يُنظر: التعليق الكبير (١/ ١٠٦)، الاستذكار (٢/ ٣٣٨).\n(^٥) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٥٧)، البناية (٢/ ٤٤٢)، عمدة القاري (٧/ ٢٦٩).","vol":"1","page":467},{"text":"الصلاة (^١).\nثانيًا: أن المراد بنفي الرد في حديث ابن مسعود وجابر أنه محمول على أنه لم يرد بالكلام؛ بدليل لفظ حديث ابن مسعود: (قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة) (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nالدليل الأول: حديث ابن مسعود -﵁- قال: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، وَيُوصِي أَحَدُنَا بِالْحَاجَةِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ، وَمَا حَدُثَ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «إِنَّ اللهَ -﷿- يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَلَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» (^٣).\nالدليل الثاني: حديث جابر -﵁- قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ، فَرَجَعْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي» (^٤).\nوجه الاستدلال: أن قوله: (فلم يرُدَّ عليَّ) عام في اللسان واليد؛ فالنبي -ﷺ- لم يرد عليهم إشارةً، ولو كان جائزًا لفعله؛ فدل على كراهة الرد بالإشارة؛ للتنزيه (^٥).\nنُوقش: بأنه محمول على نفي الرد باللسان كلامًا؛ لأنه قد كان الكلام مباحًا، ثم نُسخ (^٦) بقوله: (قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة) وهذا ما يُشعر به سياق الحديث.\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ -يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ- وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيَعُدْ لَهَا» (^٧).\n_________\n(^١) يُنظر: نصب الراية (٢/ ٩٠).\n(^٢) يُنظر: التعليق الكبير (١/ ١٠٧)، نصب الراية (٢/ ٩١).\n(^٣) سبق تخريجه: ص (٤٦٢).\n(^٤) سبق تخريجه: ص (٤٦٢).\n(^٥) يُنظر: التعليق الكبير (١/ ١٠٧)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٢٢).\n(^٦) يُنظر: التعليق الكبير (١/ ١٠٧).\n(^٧) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الإشارة في الصلاة (٢/ ٢٠٣) برقم: (٩٤٤) وقال: «هذا الحديث وَهْم»، وقال الزيلعي في (نصب الراية) (٢/ ٩١): «حديث جيد، أبو غطفان: هو ابن طَريف أو ابن مالك المُرِّيّ، وقد وثقه النسائي وابن حبان وأخرج له مسلم في صحيحه، وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: سُئل أحمد عن حديث مَنْ أشار في صلاته إشارة تفهم عنه: فليعد الصلاة؟ فقال: لا يثبت إسناده، ليس بشيء»، قال ابن رجب في (فتح الباري) (٩/ ٤٩٣): «قال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول، وآخر الحديث زيادة في الحديث؛ لعله من قول ابن إسحاق، يعني: أن آخره مدرج، ليس هو من تمام الحديث المرفوع، وهذا هو الظاهر، وهذا يدل على أن أبا غطفان هذا ليس هو المري الذي خرج له مسلم، بل هو غيره، وابن إسحاق، مدلس، ولم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة، فلعله دلسه عن ضعيف».","vol":"1","page":468},{"text":"وجه الاستدلال: أن في الحديث دلالة على أن الإشارة في الصلاة مكروهة على العموم، ومنه: رد السلام بالإشارة، والكراهة للتنزيه، وفَعَله -ﷺ- بيانًا للجواز (^١).\nنُوقش من وجهين:\nالوجه الأول: بأن الحديث وهم، وأن راويه فيه مقال كما تبين في التخريج.\nأُجيب: بأن الحديث جيد، وراويه وُثِّق (^٢).\nرُدَّ: بأن آخر زيادة في الحديث هو مدرج، ليس هو من تمام الحديث المرفوع، وهذا هو الظاهر، وهذا يدل على أن الراوي ليس هو ممن وُثِّق، بل هو غيره (^٣).\nالوجه الثاني: أنه قد ثبتت الإشارة عن الرسول -ﷺ- في الصلاة في آثار كثيرة -كأحاديث جابر، وصهيب، وبلال المتقدمة- ذكرها البخاري في آخر كتاب الصلاة، فلا معنى لقول مَنْ أنكر رد السلام بالإشارة (^٤)، وبيان الجواز إنما يكون بالمرة والمرتين.\nالدليل الرابع: أن الإشارة سلامٌ معنًى؛ لكونه ينوب عن الرد باللسان (^٥).\nسبب الخلاف:\nالسبب في اختلافهم: هو اختلافهم في معنى إشارة النبي -ﷺ-، هل كانت ردًا للسلام أو كانت نهيًا عنه؟ فمَن رأى أن إشارته كانت ردًا، وحمل النهي في الأحاديث على الرد باللسان كلامًا -قال: يجوز الرد إشارةً، ومَن رأى أن إشارته كانت نهيًا، وجعل النهي عامًا في اللسان واليد -قال: يُكره الرد إشارةً.\nالترجيح:\n_________\n(^١) يُنظر: تبيين الحقائق (١/ ١٦٣)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٢٢).\n(^٢) يُنظر: نصب الراية (٢/ ٩٠). ويُنظر التخريج.\n(^٣) يُنظر الرد في التخريج.\n(^٤) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٣/ ٢٠٧)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٩/ ٣١٥).\n(^٥) يُنظر: البناية (٢/ ٤٤٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦٢).","vol":"1","page":469},{"text":"بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل باستحباب رد المصلي السلام إشارةً.\nقال النووي -﵀-: «مذهبنا: لا يجوز أن يَرُد باللفظ في الصلاة، وأنه لا يجب عليه الرد، لكن يُستحب أن يَرُد في الحال إشارةً، وإلا فبعد السلام لفظًا، وبهذا قال … جمهور العلماء، نقله الخطابي عن أكثر العلماء» (^١).\nأسباب الترجيح:\n١ - أنه القول الذي تؤيده كثرة الروايات التي تثبت رده -ﷺ- إشارةً.\n٢ - قوة أدلته، وإمكان الرد على مناقشة المخالف.\n\n<span data-type='title' id=toc-277>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبيَّن فيما سبق أن الحنفية حملوا النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلامهم أن الصارف للنهي القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: ورود النص، وفيه فِعله -ﷺ- للمنهي عنه.\nأن ما جاء في حديثي صهيب وابن عمر من رده -ﷺ- على المسلِّم إشارةً بيده: قرينة صارفة للنهي إلى الكراهة؛ لأن فِعله كان بيانًا للجواز.\nجاء في (حاشية الطحطاوي): «أنها كراهة تنزيه، وفِعله -ﷺ- إنما كان تعليمًا للجواز، فلا يُوصف بالكراهة» (^٢).\nالقرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nأشار فقهاء الحنفية إلى أن كراهة الرد إشارةً هو من باب الأدب والتنزيه؛ وذلك أن فيه شغلًا في الصلاة يُنافي أدب الوقوف بين يدي الله -﷿- ومناجاته، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (^٣).\nقال ابن عابدين -﵀-: «… مكروه: أي: تنزيهًا، وفَعَله -﵊- لتعليم الجواز، فلا يُوصف\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ١٠٤).\n(^٢) (ص: ٣٢٢).\n(^٣) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).","vol":"1","page":470},{"text":"فِعله بالكراهة» (^١). وقال أيضًا: «ويدل لعدم الفساد أنه -﵇- فعله» (^٢).\nوالعلة في ذلك: أن رد السلام فيه تشتيت وإشغال عما هو فيه من مناجاة الله -﷿- في صلاته.\nجاء في (فتح القدير): «المنع منها؛ لما يوجبه من التشتيت والشغل» (^٣).\nالحكم على القرينة:\nالقرينة النصية من أقوى القرائن القوية المعتبرة في الأصل، والذي يظهر هنا أنها قرينة غير معتبرة؛ لضعف قصر دلالتها على بيان الجواز؛ إذ إنه قد ثبتت الإشارة عن الرسول -ﷺ- في الصلاة في آثار كثيرة، وكثرتها دليل على سنيتها، فمع كثرتها كيف تُقصر دلالتها على بيان الجواز، وأن النهي للكراهة؟! أما قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد: فهي هنا قرينة ضعيفة؛ لأن الرد إشارةً عملٌ يسيرٌ يُعفى عنه كحمل الطفل وردّ المارّ، والله أعلم.\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٦١٦)، ويُنظر: حاشية الطحطاوي (ص: ٣٢٢).\n(^٢) في الحاشية (١/ ٦١٦).\n(^٣) للكمال بن الهمام (١/ ٤١١).","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type='title' id=toc-278>الفصل السابع\nالمسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صلاة التطوع</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: النهي عن وِترين في ليلة.\nالمبحث الثاني: النهي عن رفع الصوت بالقراءة في صلاة التطوع إن كان مؤذيًا لمن حوله.\nالمبحث الثالث: النهي عن ترك قيام الليل.\nالمبحث الرابع: النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي.","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>المبحث الأول:\nالنهي عن وِترين في ليلة</span>\n<span data-type='title' id=toc-280>المطلب الأول: حكم صلاة وِترين في ليلة:</span>\nدليل النهي:\nعن طلق بن علي -﵁- (^١) أن النبي -ﷺ- قال: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» (^٢).\nصورة المسألة:\nمَنْ تنفل وأوتر في أول الليل، ثم بدا له أن يتنفل مرة أخرى، فهل يعيد الوتر ليكون آخر صلاته وترًا؟ أو يتنفَّل شفعًا ولا يوتر أخرى؟\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٣) على أن مَنْ أراد التنفل بعد وتره يصلِ مثنى مثنى ما شاء، ويُكره أن ينقض وتره (^٤) (^٥).\nقال العيني -﵀-: «لا يُجمع بين وترين في ليلة واحدة؛ لحديث طلق بن عدي … ومعناه:\n_________\n(^١) هو: طَلْقِ بنِ علي بن المُنْذِرِ بنَ قَيْس بنِ عَمْرو بن عَبْدِ اللّهِ الحنفي السُحيمي، أبو علي اليمامي، وفد على النبي -ﷺ-، وعمل معه في بناء المسجد، وروى عنه، وعنه: ابنه قيس وابنته خالدة وعبد الله بن بدر وعبدالرحمن بن علي بن شيبان. يُنظر: الاستيعاب (٢/ ٧٧٦)، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في نقض الوتر (٢/ ٥٧٤) برقم: (١٤٣٩)، والترمذي، أبواب الوتر، باب ما جاء لا وتران في ليلة (٢/ ٣٣٣) برقم: (٤٧٠)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب المساجد، أبواب الوتر، ذِكر قول النبي -ﷺ- لا وتران في ليلة (٢/ ١٥٢) برقم: (١٣٩٢)، وأحمد (٢٦/ ٢٢٢) برقم: (١٦٢٩٦)، صححه ابن خزيمة (١/ ٥٤٧) برقم: (١١٠١)، وابن حبان (٦/ ٢٠١) برقم: (٢٤٤٩)، وحسّنه ابن الملقن في (البدر المنير) (٤/ ٣١٧)، وابن حجر في (فتح الباري) (٢/ ٤٨١).\n(^٣) يُنظر: البناية (٢/ ٥٠٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٦٩)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٢/ ١٠)، حاشية العدوي (١/ ٢٩٤)، المجموع (٤/ ١٥)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٢٩)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٦٢)، المغني (٢/ ١٢٠)، كشاف القناع (١/ ٤٢٧).\n(^٤) نَقْضُ الوِتْرِ: النون والقاف والضاد أصل صحيح يدل على نكث شيء، ونقض الوتر: أي إبطاله وتشفيعه بركعة لمن يريد أن يتنفل بعد أن أوتر، وصفته: أنه إذا قام للتهجد: يصلي ركعة تشفع الوتر الأول، ثم يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر في آخر التهجد. يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٤٧٠)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٠٧)، المغني (٢/ ١٢٠).\n(^٥) وللشافعية وجه آخر وهو رواية عن الإمام أحمد -﵀-: أنه يجوز نقض الوتر الأول بركعة يشفعها بها ثم يوتر ثانية بعد تنفله. يُنظر: العزيز شرح الوجيز (٢/ ١٢٥)، المجموع (٤/ ١٥)، المغني (٢/ ١٢٠)، المبدع (٢/ ٢٤). ويُنظر الأدلة ومناقشتها في: فتح الباري، لابن رجب (٩/ ١٧٠)، حاشية العدوي (١/ ٢٩٤).","vol":"1","page":473},{"text":"أن مَنْ صلى الوتر، ثم صلى بعد ذلك، لا يعيد الوتر» (^١).\nوقال ابن رشد -﵀- في (بداية المجتهد): «ذهب أكثر العلماء إلى أن المرء إذا أوتر ثم نام فقام يتنفل، أنه لا يوتر ثانية» (^٢).\nالأدلة:\nالدليل الأول: حديث طلق بن علي -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ».\nوجه الاستدلال: أن في الحديث نفي بمعنى النهي، والمراد النهي عن صلاة وترين في ليلة، فهو دليلٌ به على كراهة إعادة الوتر؛ لأن إعادته تصير الصلاة كلها شفعًا، فيبطل المقصود منه (^٣).\nالدليل الثاني: عن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصَلِّي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ (^٤)، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أنه -ﷺ- صلى بعد وتره تهجدًا، ولم يوتر؛ اكتفاءً بالوتر الذي قبل تهجده، فدل ذلك على كراهة إعادة الوتر (^٦).\nالدليل الثالث: أن الوتر وقع بعد عشاء صحيحة وشفق، فمضى على صحته، فلا يتوجه إبطاله بعد فراغه (^٧).\nالدليل الرابع: أن النقض يؤدي إلى أن يصلي المرء ثلاثة أوتار، وهو مكروه (^٨).\n_________\n(^١) البناية (٢/ ٥٠٥).\n(^٢) (١/ ٢١٤).\n(^٣) يُنظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٤٥١).\n(^٤) قال النووي في (المنهاج) (٦/ ٢١): «الصواب أن هاتين الركعتين فعلهما -ﷺ- بعد الوتر جالسًا؛ لبيان جواز الصلاة بعد الوتر وبيان جواز النفل جالسًا، ولم يواظب على ذلك، بل فعله مرة أو مرتين أو مرات قليلة».\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي -ﷺ- فِي الليل (١/ ٥٠٩) برقم: (٧٣٨).\n(^٦) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٤٢٧).\n(^٧) يُنظر: المجموع (٤/ ٢٥)، حاشية العدوي (١/ ٢٩٤).\n(^٨) يُنظر: بحر المذهب، للروياني (٢/ ٢٣٩)، فتح الباري، لابن رجب (٩/ ١٧٢).","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-281>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nحمل الفقهاء النهي عن وترين في ليلة على الكراهة، ولعل الصارف له عن التحريم: قرينة فِعل الصحابي للمنهي عنه.\nذلك أن من الصحابة مَنْ رأى جواز نقض الوتر (^١)، فكان إذا أوتر من الليل، ثم قام للتهجد، يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعًا، ثم يتهجد ما شاء، ثم يعيد وتره؛ ليقع الوتر آخر صلاته (^٢).\nنُقل أن: «عثمان بن عفان نقض وتره، وأعاده بعد تهجده، ونُقل مثله عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وغيرهم» (^٣)، فدل فِعلهم -رضوان الله عليهم- على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم، فيكون ذلك قرينة صارفة.\nولعل هذا ما أشار إليه الإمام أحمد -﵀-؛ حيث: «قيل لأحمد: ولا ترى نقض الوتر؟ فقال: لا، ثم قال: وإن ذهب إليه رجل فأرجو؛ لأنه قد فعله جماعة» (^٤).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن نقض الصحابي للوتر قرينة معتبرة لحمل النهي على الكراهة؛ إذ الصحابة هم نقلة الشريعة؛ لأنهم عاصروا التنزيل، وشاهدوا أحوال النبي -ﷺ- وأقواله وأفعاله، فكانوا أفهم لمراد خطابه، والله أعلم.\n_________\n(^١) يُنظر: بداية المجتهد (١/ ٢١٤)، بحر المذهب، للروياني (٢/ ٢٣٩).\n(^٢) قال ابن عبد البر -﵀- في الاستذكار (٢/ ١١٨): «محال أن يشفع ركعة قد سلم منها، ونام مصليها، وتراخى الأمر فيها، وقد كتبها الملَك الحافظ وترًا، فكيف تعود شفعًا؟ هذا ما لا يصح في قياس ولا نظر، والله أعلم».\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في (الأوسط) (٥/ ١٩٦)، ويُنظر: المغني (٢/ ١٢٠).\n(^٤) المغني (٢/ ١٢٠).","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>المبحث الثاني\nالنهي عن رفع الصوت بالقراءة في صلاة التطوع إن كان مؤذيًا لمَن حوله</span>\n<span data-type='title' id=toc-283>المطلب الأول: حكم رفع الصوت بالقراءة في صلاة التطوع (^١) إن كان مؤذيًا لمَن حوله:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُون بِالْقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السترَ، وَقَالَ: ألا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقِرَاءَةِ -أَوْ قَالَ: فِي الصَّلَاةِ-» (^٢).\nالأقوال في المسألة:\nاختلف الفقهاء في النهي عن رفع الصوت بالقراءة إن كان مؤذيًا لمن حوله، على قولين:\nالقول الأول: التحريم.\nوهو مذهب الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، وقول عند الشافعية (^٥)، ووجه عند\n_________\n(^١) الذي يظهر أن قيد كون القراءة في صلاة التطوع ليس مقصودا للمنع؛ إذ يتوجه المنع على رفع الصوت بالقراءة إن كان مؤذيًا لمَن حوله، سواء كان من مصلٍ أو غيره، ويدل لعدم اعتبار هذا القيد ما جاء في دليل النهي: (ولا يرفع بعضكم على بعض بالقراءة، أو قال: في الصلاة)؛ يُفهم منه أن كلا الحالين سواء ومقصود بالنهي، ولا يختص بأحدهما دون الآخر إن حصل التأذي به، ويظهر ذلك في صنيع بعض الفقهاء باطلاق منع الجهر بالقراءة دون تقييد كونه في صلاة كقولهم: في (تحفة المحتاج) (٢/ ٥٧): «ولا يجهر مُصلٍ وغيره إن شوش على نحو نائم أو مُصلٍ»، وفي (حاشية الدسوقي) (١/ ٣٠٨): «كره (جهر) أي رفع صوت (بها) أي بالقراءة بمسجد»، وفي (مطالب أولي النهى) (١/ ٥٩٧): «وكره رفع صوت بقراءة تغلط المصلين»، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه أبو داود، باب تفريع أبواب التطوع وركعات السنة، باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل (٢/ ٤٩٣) برقم: (١٣٣٢)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب فضائل القرآن، ذكر قول النبي -ﷺ-: (لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن) (٧/ ٢٨٩) برقم: (٨٠٣٨)، وأحمد (١٨/ ٣٩٢) برقم: (١١٨٩٦)، صححه ابن خزيمة (١/ ٥٧٥) برقم: (١١٦٢)، وقال ابن عبد البر في (التمهيد) (٢٣/ ٣١٩): «حديث البياضي وحديث أبي سعيد ثابتان صحيحان، والله أعلم».\n(^٣) يُنظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٩٨).\n(^٤) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٦٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)\n(^٥) يُنظر: حاشية الجمل (١/ ٣٦٠).","vol":"1","page":476},{"text":"الحنابلة (^١).\nالقول الثاني: الكراهة.\nوهو المذهب عند الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nأدلة الأقوال:\nأدلة القول الأول:\nالدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُون بِالْقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السترَ، وَقَالَ: ألا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقِرَاءَةِ -أَوْ قَالَ: فِي الصَّلَاةِ-» (^٤).\nالدليل الثاني: حديث البياضي -﵁- (^٥): «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ -﷿-، فَلْيَنْظُرْ مَاذَا يُنَاجِيهِ بِهِ (^٦)، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ (^٧) (^٨).\nوجه الاستدلال: أن في الحديثين نهيًا صريحًا عن رفع مصلٍ وغيره الصوت\n_________\n(^١) يُنظر: مطالب أولي النهى (١/ ٥٩٧).\n(^٢) يُنظر: إعانة الطالبين (١/ ١٨٠)، حاشية الجمل (١/ ٣٦٠).\n(^٣) يُنظر: الفروع (٢/ ٣٨٦)، كشاف القناع (١/ ٤٣٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٩٧).\n(^٤) سبق تخريجه: ص (٤٧٣).\n(^٥) هو: فروَة بن عمرو بن ودَقة بن عبيد بن عامر بن بياضة البياضي الأنصاري، شهد العقبة، وشهد بدرًا، وما بعدها من المشاهد مع رسول الله -ﷺ-، وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين عبد الله بن مخرمة العامري. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ١٢٥٩)، الإصابة (٥/ ٢٧٨).\n(^٦) مَاذَا يُنَاجِيهِ بِهِ: أي: من القول على سبيل التعظيم والتبجيل، ومواطأة القلب اللسان، وذلك إنما يحصل إذا لم ينازعه صاحبه بالقراءة. يُنظر: المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ١٣٩)، شرح المشكاة (٣/ ١٠٠٩).\n(^٧) لا يجهر بعضكم على بعض: يعني: ليقرأ كل واحد ما يقرأ من غير رفع صوت، وعُدِّي بـ (على)؛ لإرادة معنى الغلبة، أي: لا يغلب ولا يشوش بعضكم بعضًا جاهرًا بالقراءة. يُنظر: المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ١٤٠)، شرح المشكاة (٣/ ١٠٠٩).\n(^٨) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الاعتكاف، باب هل يعظ المعتكف؟ وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك (٣/ ٣٨٧) برقم: (٣٣٥٠)، وأحمد (٣١/ ٣٦٣) برقم: (١٩٠٢٢)، قال ابن عبد البر في (التمهيد) (٢٣/ ٣١٩): «حديث البياضي وحديث أبي سعيد ثابتان صحيحان، والله أعلم»، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٢/ ٢٦٥): «رجاله رجال الصحيح»، وله شاهد من حديث ابن عمر في صحيح ابن خزيمة (٢/ ١٠٦٧) برقم: (٢٢٣٧).","vol":"1","page":477},{"text":"بالقراءة، لئلا يؤذِ أحدًا أو يغلط ويخلط على مصل إلى جنبه، والنهي للتحريم على الأصل، ولعدم الصارف (^١).\nالدليل الثالث: أن رفع الصوت بالقراءة فيه خلط على المصلي، وضرر وأذية له ولغيره (^٢)، وأذية المسلمين حرام.\nأدلة القول الثاني:\nاستدلوا بحديثي أبي سعيد الخدري والبياضي -﵄-، وحملوا النهي على الكراهة؛ لخشية التشويش على نائم أو مُصلٍّ (^٣).\nالترجيح:\nبعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم رفع الصوت في القراءة إن كان مؤذيًا لمن حوله.\nأسباب الترجيح:\n١ - أن خطاب النهي صريح في المنع، مع عدم الصارف القوي.\n٢ - أن فيه حمايةً للمسلم من الأذية والضرر، والشريعة جاءت بتحريم أذية المسلم.\n٣ - أن فيه إعمالًا لقاعدة: الضرر يزال (^٤).\nجاء في كتاب (المدخل): «أن المسجد إنما بُنيت للصلاة، وقراءة القرآن تبع للصلاة ما لم تضر التلاوة بالصلاة التي بنيت المساجد لها، فإذا أضرت بها منعت» (^٥).\nوقال ابن تيمية -﵀-: «ليس لأحد أن يجهر بالقراءة لا في الصلاة ولا في غير الصلاة إذا كان غيره يصلي في المسجد، وهو يؤذيهم بجهره» (^٦).\n_________\n(^١) يُنظر: التمهيد (٢٣/ ٣١٩)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٠٢).\n(^٢) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٦٧)، (تحفة المحتاج) (٢/ ٥٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٩٧).\n(^٣) حاشية الجمل (١/ ٣٦٠).\n(^٤) وهي إحدى القواعد الكلية الكبرى. يُنظر: الأشباه والنظائر، للسبكي (١/ ٤١)، الأشباه والنظائر، لابن الملقن (١/ ٣٠)، الأشباه والنظائر، للسيوطي (ص: ٧)، موسوعة القواعد الفقهية (١/ ١/ ٣٢).\n(^٥) لابن الحاج (١/ ١٠٥).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٤).","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين فيما سبق أن أصحاب القول الثاني حملوا النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.\nذلك أن النهي عن رفع الصوت بالقراءة هو من باب الآداب، فهو أدب من آداب المسجد، ومن آداب القراءة.\nذكر ذلك ابن مفلح -﵀- في (الفروع) حيث قال: «… ذكرته في آداب القراءة من الآداب الشرعية» (^١).\nوقال -﵀-: «إن من جملة الأدب ألا يجهر بين مصلين أو نيام أو تالين جهرًا يؤذيهم» (^٢).\nوالعلة لهذا الأدب: خوف التشويش على نائم أو مصلٍّ (^٣).\nالحكم على القرينة:\nقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد هنا قرينة ضعيفة؛ لقوة جانب القول بالتحريم إن كانت القراءة تؤذي من حوله؛ للضرر، ولأن الشريعة جاءت بمنع وتحريم أذية المسلمين، والله أعلم.\n_________\n(^١) الفروع (٢/ ٣٨٦).\n(^٢) الآداب الشرعية (٢/ ٣٢٧).\n(^٣) يُنظر: مغني المحتاج (١/ ٣٦٣)، حاشية الجمل (١/ ٣٦٠).","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type='title' id=toc-285>المبحث الثالث:\nالنهي عن ترك قيام الليل</span>\n<span data-type='title' id=toc-286>المطلب الأول: حكم ترك قيام الليل:</span>\nدليل النهي:\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» (^١).\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: أجمع العلماء (^٢) على مشروعية قيام الليل، وأنه مستحب مندوب إليه، وهي أفضل صلاة بعد الفريضة.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «نُسخ الأمر بقيام الليل عن سائر أمته، مجتمع عليه بقول الله -﷿-: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (^٣)، وهذا ندب؛ لأن الفرائض محدودات، وقد شذ بعض التابعين، فأوجب قيام الليل ولو قدْر حلب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه مرغوب فيه» (^٤).\nوقال النووي -﵀-: «قيام الليل سنة مؤكدة (^٥)، وقد تطابقت عليه دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والأحاديث الواردة فيه في الصحيحين وغيرهما أشهر من أن تُذكر وأكثر من أن تُحصر، قال أصحابنا وغيرهم: والتطوع المطلق بلا سبب في الليل أفضل منه في النهار» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب ما يُكره من ترك قيام الليل لمَن كان يقومه (٢/ ٥٤) برقم: (١١٥٢)، ومسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوَّت به حقًا أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم (٢/ ٨١٤) برقم: (١١٥٩).\n(^٢) نقل الإجماع: ابن عبد البر في (الاستذكار) (٢/ ٨٢)، والنووي في (المجموع) (٤/ ٤٤).\n(^٣) سورة المزمل: جزء من الآية (٢٠).\n(^٤) الاستذكار (٢/ ٨٢).\n(^٥) الندب، والاستحباب، والتطوع، والسنة: أسماء مترادفة عند الفقهاء. يُنظر: البحر المحيط (١/ ٣٧٧)، ومن العلماء مَنْ يجعل قيام الليل والوتر شيئًا واحدًا، ويُعبَّر عنه بقيام الليل، والذي يظهر أن هذا مراد النووي -﵀- هنا.\n(^٦) المجموع (٤/ ٤٤).","vol":"1","page":480},{"text":"ثانيًا: اتفق الفقهاء (^١) على كراهة ترك قيام الليل لمن اعتاده بلا عذر.\nقال ابن المنذر -﵀-: «قيام الليل مستحب، ومكروه ترْكُه» (^٢).\nالأدلة:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (^٣).\nوجه الاستدلال: امتدح الله تعالى عباده الصالحين، وذكر من أوصافهم: أنهم يبيتون ليلهم يراوحون بين سجود في صلاتهم وقيام، ثم ذكر أن جزاءهم التنعم في غرف الجنة (^٤)، وفي ذلك الترغيب في المداومة على قيام الليل وعدم تركه.\nالدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» (^٥).\nوجه الاستدلال: أن الحديث فيه النهي عن مشابهة تارك قيام الليل بعد أن كان يقومه؛ ذمًا لحاله، وذلك إشارة إلى كراهة ترك القيام وقطع العبادة وإن لم تكن واجبة، ولو كان القيام واجبًا وتركه محرمًا لبالغ في النهي، وشدَّد في الذم على تاركه (^٦).\nالدليل الثالث: عن ابن عمر -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» (^٧).\nوجه الاستدلال: في الحديث أن مَنْ يقوم الليل ممدوح؛ لما هو عليه من الخير، وفي ذلك ترغيب إلى المحافظة على قيام الليل؛ لفضيلته، وكراهة تركه، وأنه مما يُتقى به\n_________\n(^١) يُنظر: حاشية ابن عابدين (٢/ ٢٥)، شرح ابن ناجي (١/ ١٦٤)، مواهب الجليل (١/ ٤١٧)، الإقناع، للشربيني (١/ ١١٧)، المجموع (٤/ ٤٦)، المغني (٢/ ١٠٤)، الشرح الكبير (٤/ ١٩٧).\n(^٢) الإقناع (١/ ١٣٨).\n(^٣) سورة الفرقان: آية (٦٤).\n(^٤) يُنظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٩٦).\n(^٥) سبق تخريجه: ص (٤٧٧).\n(^٦) يُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٩/ ١٢٥)، عمدة القاري (٧/ ٢١٠)، فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٣٨).\n(^٧) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب فضل قيام الليل (٢/ ٤٩) برقم: (١١٢٢)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل عبد الله بن عمر -﵄- (٤/ ١٩٢٧) برقم: (٢٤٧٩)، وفي الحديث قصة رؤيا لعبد الله بن عمر، فكان ما قاله -ﷺ- تأويلًا لتلك الرؤيا.","vol":"1","page":481},{"text":"النار (^١).\nقال القرطبي -﵀-: «ثم إنه حصل لعبد الله -﵁- من تلك الرؤية يقين مشاهدة النار والاحتراز منها، والتنبيه على أن قيام الليل مما يُتقى به النار، ولذلك لم يترك -﵁- قيام الليل بعد ذلك» (^٢).\nالدليل الرابع: عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» (^٣).\nوجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- حضَّ أمته على القصد والمداومة على العمل وإن قل؛ خشية الانقطاع عن العمل الكثير، فكأنه رجوع في فعل الطاعات، وقد ذم الله ذلك (^٤)، وقيام الليل من أفضل الطاعات، فينبغي المداومة عليه.\nقال النووي -﵀-: «يُستحب لمن أراد قيام الليل ألا يعتاد منه إلا قدرًا يغلب على ظنه بقرائن حاله أنه يمكنه الدوام عليه مدة حياته، ويُكره بعد ذلك تركه والنقص منه لغير ضرورة، ودلائل هذا كله في الصحيحين مشهورة» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-287>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nتبين فيما سبق اتفاق الفقهاء على أن النهي عن ترك قيام الليل محمول على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي: قرينة المقصد من النهي:\nذكر بعض أهل العلم أن مقصود النهي: الحث والترغيب في ملازمة قيام الليل مع التوسط والقصد، والتحذير من تركه؛ فإن مَنْ دخل في طاعة ثم قطعها بلا عذر، فإنه مذموم؛ لما فيه من الإشعار بالتهاون بالطاعات.\nقال ابن حجر -﵀-: «والحاصل من الحديث الترغيب في ملازمة العبادة والطريق\n_________\n(^١) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٩/ ٥٤٧)، المفهم (٦/ ٤١٠).\n(^٢) المفهم (٦/ ٤١٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل (٨/ ٩٨) برقم: (٦٤٦٤)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره (١/ ٥٤١) برقم: (٧٨٣) واللفظ له.\n(^٤) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١٠/ ١٧٩)، الكواكب الدراري (٢٢/ ٢٢٤).\n(^٥) المجموع (٤/ ٤٦).","vol":"1","page":482},{"text":"الموصل إلى ذلك الاقتصاد فيها؛ لأن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها، وهو مذموم» (^١).\nوقال زكريا الأنصاري -﵀-: «الحديث فيه الحث على قيام الليل، والذم على مَنْ اعتاد قيامه، ثم تركه» (^٢).\nالحكم على القرينة:\nيظهر أن قرينة المقصد قوية ومعتبرة؛ إذ يُفهم الحث والترغيب في قيام الليل من سياق النهي ودلالته، فهو حث على ملازمة الطاعة وملازمة الأفضل، وليس ذلك على سبيل الحتم والالزام، ولا المنع من تركه على سبيل الحظر والتحريم، والله أعلم.\n_________\n(^١) فتح الباري (٣/ ٣٨).\n(^٢) فتح العلام (ص: ٢٣٧).","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-288>المبحث الرابع:\nالنهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي</span>\n<span data-type='title' id=toc-289>المطلب الأول: حكم تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي:</span>\nدليل النهي:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: عن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» (^١).\nصورة المسألة:\nإذا لم تكن للمرء عادة في صلاة قيام الليل، فهل يجوز له أن يخص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي؟\nحكم المسألة:\nاتفق الفقهاء (^٢) على كراهة تخصيص ليلة الجمعة بقيام؛ للنهي الصريح عنه في حديث أبي هريرة، وأما مَنْ جرى على عادته من القيام في سائر الليالي وقام ليلة الجمعة، فلم يتناوله النهي.\nقال النووي -﵀-: «في هذا الحديث النهي الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي، ويومها بصوم، كما تقدم، وهذا متفق على كراهيته» (^٣).\nوقال ابن مفلح -﵀- في (الفروع): «النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة، وهو متفق على كراهته» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب كراهة صيام يوم الجمعة منفردًا (٢/ ٨٠١) برقم: (١١٤٤).\n(^٢) يُنظر: حاشية ابن عابدين (٢/ ١٦٥)، إكمال المعلم (٤/ ٩٧)، المدخل، لابن الحاج (٤/ ٢٧٥)، أسنى المطالب (١/ ٢٠٨)، مغني المحتاج (١/ ٤٦٣)، الفروع (٥/ ١٠٤).\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم (٨/ ٢٠).\n(^٤) (٥/ ١٠٤).","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:</span>\nالذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية:\nالقرينة الأولى: أن النهي عنه في حال دون حال.\nقال الإمام الشافعي -﵀-: «أصل النهي من رسول الله -ﷺ- أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم: إما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض …» (^١).\nذلك أن النهي عن قيام ليلة الجمعة مقيد بتخصيصه وتحريه، دون غيره من الليالي، فأما إن كانت عادة المرء القيام سائر الليالي: فلا يُمنع من قيام ليلة الجمعة، وذلك اتباعًا لعادته، ويشير إلى هذا المعنى قوله -ﷺ-: (من بين الليالي) فنهى عنه حال تخصيصه دون غيره من الليالي؛ فجوازه في حال دون حال: أي جوازه في حال عدم التخصيص ومنعه في حال التخصيص: قرينة على حمل النهي على الكراهة.\nويؤيد ذلك: اعتبار هذه القرينة في النهي عن صيام يوم الجمعة كما في قوله: (إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم): أي: إذا وافق يوم الجمعة صيامًا اعتاده فلا يُمنع، فتجويز الصيام في حال دون حال قرينة لصرف النهي عن التحريم، والله أعلم.\nجاء في فتاوى الشيخ/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀- الإشارة إلى هذا الصارف في مسألة تخصيص يوم الجمعة بصيام: فحُمل به النهي على الكراهة لا التحريم، حيث سُئل: «إذا كان الأصل في النهي التحريم، فلِم صار في الجمعة للكراهة؟ فأجاب: لعله لكونه رُخص في الشرع في صيامه وصيام يومٍ معه، فلو كان حرامًا لما ساغ صومه بالكلية» (^٢).\nالقرينة الثانية: القياس:\nقال علي القاري -﵀-: «قوله: (إلا أن يكون في صوم) تقديره: إلا أن يكون يوم الجمعة واقعًا في يوم صوم (يصومه أحدكم)، أي: من نَذْرٍ أو وِرد.\nالظاهر أن الاستثناء من ليلة الجمعة كذلك، ولعله ترك ذِكره للمقايسة، والله\n_________\n(^١) الأم (٧/ ٣٠٥).\n(^٢) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ/ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (٤/ ٢٠٦).","vol":"1","page":485},{"text":"أعلم» (^١).\nوبالمقايسة يكون المعنى: إلا أن يكون قيام ليلة الجمعة واقعًا مع قيامه المعتاد من سائر الليالي، فلا يُمنع، وعلة المنع فيهما: تخصيصه وإفراده عن غيره.\nالقرينة الثالثة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد:\nأن في النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام إرشادًا إلى الأصلح للعبادة في يوم الجمعة.\nومما ذكره العلماء علة للنهي:\n١ - أن ترك تخصيص ليلة الجمعة بقيام، أعون للمرء على القيام بالعبادات المشروعة في يوم الجمعة بنشاط وانشراح.\nقال زكريا الأنصاري -﵀-: «حكمة النهي عنهما أنَّ يوم الجمعة يوم دعاء وذِكر وعبادة: كغسل، وتبكير إلى الصلاة، وانتظار لها، واستماع خطبة، وإكثار ذِكر بعدها، فسُن الفطر فيه، وترك تخصيص ليلة الجمعة بقيام؛ ليكون أعون له على هذه الوظائف بأدائها بنشاط وانشراح لها والتذاذ بها» (^٢).\n٢ - أن النهي فيه سدٌ لذريعة اتخاذ شرع لم يأذن به الله، من تخصيص زمان بعبادة لم يخصه بها الشرع.\nقال الطيبي -﵀-: «العلة ورود النص وتخصيص كل يوم بعبادة ليس ليوم آخر؛ فإن الله تعالى قد استأثر الجمعة بفضائل لم يستأثر بها غيرها: فجعل الاجتماع فيه للصلاة فرضًا علي العباد في البلاد، فلم يرَ أن يخصه بشيء من الأعمال سوى ما خصه به، ثم خص بعض الأيام بعمل دون ما خُصت به غيره؛ ليختص كل منها بنوع من العمل؛ لتظهر فضيلة كلٍّ بما يختص به» (^٣).\nوقال ابن القيم -﵀-: «… أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وكراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم، وليلتها بالقيام؛ سدًا لذريعة اتخاذ شرع لم يأذن به الله -من\n_________\n(^١) مرقاة المفاتيح (٤/ ١٤١٩).\n(^٢) فتح العلام (ص: ٣٦٤).\n(^٣) شرح المشكاة (٥/ ١٦١١).","vol":"1","page":486},{"text":"تخصيص زمان أو مكان بما لم يخصه به- ففي ذلك وقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب» (^١).\nالحكم على القرينة:\nالذي يظهر أن القرائن قوية ومعتبرة: فالقرينة الأولى ترجع في الأصل إلى قرينة نصية دلت على تخصيص حال دون حال، وقرينة القياس قوية؛ لورود المقيس عليه في النص، وبيان أن علة المنع تخصيصه وافراده، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد معتبرة؛ لقوة المعاني ومناسبتها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٣/ ١١٦).","vol":"1","page":487},{"text":"الخاتمة","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن اتبع سنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.\nأما بعدُ: فلا يسعني في ختام هذا البحث إلا أن أتوجه إلى المولى -﷿- بالحمد والشكر على ما أنعم وتَفضَّل: بأن وفَّقني وأعانني على إتمام هذا البحث، أحمده وأشكره حمدًا وشكرًا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأسأله -﷿- المزيد من فضله والتوفيق لما يحب ويرضى.\nويحسن هنا أن أشير باختصار إلى جملة من النتائج التي توصلتُ إليها من خلال البحث:\n١ - تأكيد ما قرره العلماء من أن معرفة القرائن المُحتفَّة بالنصوص لها أهمية بالغة في فهم النصوص الشرعية فهمًا صحيحًا موافقًا لمراد الشارع؛ ولذا: فإن استنباط القرائن الصارفة للنهي عن التحريم تتطلب مزيدًا من العناية بالجمع والبحث والتدقيق في النصوص الواردة في موضوع النهي.\n٢ - أن الحديث عن القرائن الصارفة للنهي عن التحريم، فرعٌ عن ثبوت النهي، فإذا لم يثبت النهي لم يثبت التحريم أصلًا.\n٣ - أن القرائن الصارفة تتفاوت من حيث التأثير في حكم المسألة -قوةً وضعفًا- لعدة اعتبارات، من ذلك:\nأ - اعتبار أصل القرينة: من حيث كونها قرينة إجماع أو قرينة نصية أو غير نصية.\nب - اعتبار مصاحبتها لدليل النهي في نفس النص، أو في نص آخر.\nت - اعتبار درجة صحة القرينة وثبوتها.\nث - اعتبار دلالة القرينة على موضوع النهي الخاص، أو كون دلالته دلالة عموم.\nج - اعتبار الإنكار وعدمه، أو وجود المخالف وعدمه، إن كانت القرينة: فهم الصحابة وتطبيقهم العملي للمسألة.\nح - اعتبار قوة دليل النهي وصيغته، أو قوة القرائن المؤكدة المُحتفَّة به.\nخ - اعتبار الكثرة والقلة: من حيث: الأدلة والروايات، أو ثبوت كثرة الفعل.\nد - اعتبار علاقة القرينة أو التعليل بموضوع النهي قُربًا وبُعدًا.\nذ - عدم معارضة القرينة غير النصية لنصٍ صريح أو قرينة أقوى.","vol":"1","page":489},{"text":"٤ - تناولت الرسالة ثمانين مسألة من مسائل المنهيات الشرعية.\nوبعد دراسة المسائل دراسة فقهية مقارنة ودراسة القرائن المصاحبة للمسألة، خلُصت نتيجة الدراسة والترجيح، بتقسيم المسائل إلى ثلاث مجموعات:\nالمجموعة الأولى: المسائل التي ترجح بقاؤها على أصل النهي -التحريم- إذ لم تؤثر فيها القرينة الصارفة؛ لاعتبار أو أكثر من الاعتبارات السابقة، وعدد هذه المسائل: سبع عشرة مسألة، وهي:\n١. النهي عن البول في الماء الراكد.\n٢. النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة.\n٣. النهي عن البول في طريق الناس وظِلِّهم.\n٤. النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول في الفضاء.\n٥. النهي عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار.\n٦. النهي عن الاستجمار برَوْث أو عَظْم.\n٧. النهي عن دخول المرأة إلى الحمامات بغير عذر.\n٨. النهي عن حلق المرأةِ رأسَها.\n٩. النهي عن وصْل المرأةِ رأسَها بغير الشعر مما يشبه الشعر.\n١٠. النهي عن السفر بالمصحف إلى دار الحرب.\n١١. النهي عن أكْل الجَلَّالة وشرب ألبانها قبل حبسها.\n١٢. النهي عن تخليل الخمر.\n١٣. النهي عن البُصاق جهة القبلة أو اليمين للمصلي في المسجد.\n١٤. النهي عن صلاة غير المكتوبة، بعد إقامة الصلاة.\n١٥. النهي عن تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس.\n١٦. النهي عن إسبال الرجل شيئًا من ثيابه للخيلاء ولغير الخيلاء.\n١٧. النهي عن رفع الصوت بالقراءة في صلاة التطوع إن كان مؤذيًا لمَن حوله.\nالمجموعة الثانية: المسائل التي أثَّرت فيها القرائن الصارفة، فحُمل النهي فيها على غير التحريم، وعددها: اثنتان وخمسون مسألة، وهي:\n١. النهي عن الغسل في الماء الراكد.\n٢. النهي عن غمس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها.","vol":"1","page":490},{"text":"٣. النهي عن استعمال آنية أهل الكتاب.\n٤. النهي عن البول في الجحور.\n٥. النهي عن البول في المغتسل.\n٦. النهي عن الاستنجاء باليمين.\n٧. النهي عن القَزَع.\n٨. النهي عن نَتْف الشَّيْب.\n٩. النهي عن الإسراف في الماء.\n١٠. النهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم.\n١١. النهي عن الالتفات إلى الشك في الوضوء إن تيقن الطهارة وشكَّ في الحدث.\n١٢. النهي عن أخذ الأجرة على الأذان.\n١٣. النهي عن إدخال الصبيان والمجانين للمساجد.\n١٤. النهي عن إيطان الرجلِ المكانَ في المسجد.\n١٥. النهي عن تباهي الناس في المساجد.\n١٦. النهي عن الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى.\n١٧. النهي عن الجلوس لداخلِ المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد.\n١٨. النهي عن استدامة الإمام الصلاة في مكان المكتوبة.\n١٩. النهي عن تسمية العشاء العَتَمة.\n٢٠. النهي عن تسمية المغرب العشاء.\n٢١. النهي عن صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء.\n٢٢. النهي عن لبس المزَعْفَر والمُعَصْفَر.\n٢٣. النهي عن السَّدْل في الصلاة.\n٢٤. النهي عن اشتمال الصَّمَّاء.\n٢٥. النهي عن تغطية الوجه أو التلثُّم.\n٢٦. النهي عن الصلاة في السراويل وليس عليه رداء.\n٢٧. النهي عن شد الوسط بما يشبه شد الزُّنَّار.\n٢٨. النهي عن تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد.\n٢٩. النهي عن الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة.","vol":"1","page":491},{"text":"٣٠. النهي عن المشي في نعل واحدة.\n٣١. النهي عن الانتعال قائمًا.\n٣٢. النهي عن وضْع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد.\n٣٣. النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث.\n٣٤. النهي عن الصلاة لمن كان بحضرة طعام أو حاقنًا أو يدافع الأخبثين.\n٣٥. النهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام.\n٣٦. النهي عن الالتفات في الصلاة.\n٣٧. النهي عن رفْع البصر إلى السماء أثناء الصلاة.\n٣٨. النهي عن تَغْميض العين في الصلاة.\n٣٩. النهي عن التثاؤب.\n٤٠. النهي عن فَرْقعة الأصابع أثناء الصلاة.\n٤١. النهي عن تشبيك الأصابع أثناء الصلاة.\n٤٢. النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.\n٤٣. النهي عن بُروك المصلي كما يبرك البعير.\n٤٤. النهي عن افْتِراش السِّباع.\n٤٥. النهي عن الإقْعَاء في الصلاة.\n٤٦. النهي عن كفِّ المصلي الشعرَ والثيابَ أثناء الصلاة.\n٤٧. النهي عن اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة.\n٤٨. النهي عن جلوس المصلي في الصلاة وهو معتمد على يديه.\n٤٩. النهي عن: مسح الحصى من موضع السجود، والعبث أثناء الصلاة.\n٥٠. النهي عن وِترين في ليلة.\n٥١. النهي عن ترك قيام الليل.\n٥٢. النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي.\nالمجموعة الثالثة: المسائل التي ترجَّح فيها القول بالجواز والإباحة، أو التوقف؛ لعدم ثبوت دليل النهي، أو اضطرابه، أو النسخ، أو لأن النهي لم يتناول هذه الصورة، أو للتوقف عن الترجيح، وعددها: إحدى عشرة مسألة، وهي:\n١. النهي عن وضوء الرجل بفضل طهور المرأة.","vol":"1","page":492},{"text":"٢. النهي عن استعمال الماء المُسخَّن بالشمس.\n٣. النهي عن البول قائمًا.\n٤. النهي عن استقبال بيت المقدس بغائط أو بول.\n٥. النهي عن حلق الرأس في غير الحج والعمرة.\n٦. النهي عن تغيير الشَّيْب بالسواد.\n٧. النهي عن مسِّ الصغيرِ المصحفَ من غير طهارة.\n٨. النهي عن قراءة الحائض والنفساء شيئًا من القرآن.\n٩. النهي عن الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها.\n١٠. النهي عن تَتبُّع المساجد لمن فاتته الجماعة.\n١١. النهي عن رد السلام في الصلاة بالإشارة.\nأما التوصية: فهي:\nالقيام بمزيد من الدراسات -الأصولية والفقهية- حول بعض القرائن التي لم تَحْظَ بدراسة وافية، مثل: وورود النهي عن الشيء في حال دون حال، واعتبار ضعف الحديث قرينة صارفة، فهذه القرائن بحاجة إلى جمع واستقراء فروعها الفقهية ودراستها -تأصيلًا وتقعيدًا- للضوابط الحاكمة لها في: حمل النهي على غير التحريم، والأمر على غير الوجوب.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين","vol":"1","page":493},{"text":"فهرس<span data-type='title' id=toc-292> المصادر والمراجع</span>\n• الإبهاج في شرح المنهاج للقاضي البيضاوي، لتقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، وولده تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n• إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان البوصيري الشافعي، تحقيق: دار المشكاة، بإشراف: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، دار الوطن - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: مركز خدمة السنة والسيرة، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة المنورة، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• الإجماع، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، تحقيق: أبو عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان، دار الآثار - القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، مطبعة السنة المحمدية.\n• أحكام القرآن الكريم، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي المصري المعروف بالطحاوي، تحقيق: د. سعد الدين أونال، مركز البحوث الإسلامية - استانبول، الطبعة الأولى (المجلد الأول: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م)، (المجلد الثاني: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م).\n• أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي، تحقيق: محمد صادق القمحاوي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n• الأحكام الوسطى من حديث النبي -ﷺ-، لعبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين بن سعيد إبراهيم الأندلسي الإشبيلي، المعروف بابن الخراط، تحقيق: حمدي السلفي، وصبحي السامرائي، مكتبة الرشد - الرياض، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n• أحكام أهل الذمة، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين","vol":"1","page":543},{"text":"ابن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف بن أحمد البكري، وشاكر بن توفيق العاروري، رمادي للنشر - الدمام، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• الإحكام في أصول الأحكام، لأبي الحسن علي بن أبي علي الثعلبي الآمدي، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي - بيروت.\n• اختلاف الأئمة العلماء، لأبي المظفر يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، تحقيق: السيد يوسف أحمد، دار الكتب العلمية - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• الاختيار لتعليل المختار، لمجد الدين أبي الفضل عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي الحنفي، مطبعة الحلبي - القاهرة، ١٣٥٦ هـ - ١٩٣٧ م.\n• الآداب الشرعية والمنح المرعية، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي، عالم الكتب - بيروت.\n• إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n• إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n• الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية، لـ د. علي بن عبد العزيز بن إبراهيم المطرودي، دار ابن الجوزي - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٣٧ هـ.\n• الاستذكار، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، تحقيق: سالم محمد عطا، ومحمد علي معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• أسد الغابة في معرفة الصحابة، لأبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير، تحقيق: علي","vol":"1","page":544},{"text":"محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• أسنى المطالب في شرح روض الطالب، لزين الدين أبي يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، السنيكي، دار الكتاب الإسلامي.\n• الأشباه والنظائر في قواعد الفقه، لسراج الدين أبي حفص عمر بن علي الأنصاري، المعروف بـ ابن الملقن، تحقيق: مصطفى محمود الأزهري، دار ابن القيم - الرياض، دار ابن عفان - القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.\n• الأشباه والنظائر، لتاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n• الأشباه والنظائر، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n• الإشراف على نكت مسائل الخلاف، للقاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي، تحقيق: الحبيب بن طاهر، دار ابن حزم، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• الإصابة في تمييز الصحابة، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلى محمد معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n• أصول السرخسي، لمحمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي، دار المعرفة - بيروت.\n• أصول الفقه، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي الحنبلي، تحقيق: د. فهد السدحان، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، دار الفكر - بيروت، طبعة عام ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n• إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين، لأبي بكر (المشهور بالبكري) عثمان بن محمد شطا الدمياطي الشافعي، دار الفكر، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.","vol":"1","page":545},{"text":"• أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)، لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، جامعة أم القرى - مركز البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.\n• إعلام الساجد بأحكام المساجد، لبدر الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي، تحقيق: أبو الوفا مصطفى المراغي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الطبعة الرابعة ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n• إعلام الموقعين عن رب العالمين، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n• الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لسراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري، المعروف بـ ابن الملقن، تحقيق: عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح، دار العاصمة - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n• الأعلام، لخير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس الزركلي الدمشقي، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشر ٢٠٠٢ م.\n• اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل، دار عالم الكتب - بيروت، الطبعة السابعة ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n• الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، لشمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات - دار الفكر - بيروت.\n• الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، لموسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي، تحقيق: عبد اللطيف محمد موسى السبكي، دار المعرفة - بيروت.\n• الإقناع في مسائل الإجماع، لأبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي","vol":"1","page":546},{"text":"الحميري الفاسي، المعروف بابن القطان، تحقيق: حسن فوزي الصعيدي، دار الفاروق الحديثة، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• الإقناع، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، تحقيق: د. عبد الله الجبرين، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n• إكمال المعلم بفوائد مسلم، لأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، تحقيق: د. يحي إسماعيل، دار الوفاء - مصر، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n• إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لأبي عبد الله علاء الدين مُغَلْطاي بن قَلِيج بن عبد الله البكجري المصري الحنفي، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن محمد، وأبو محمد أسامة بن إبراهيم، دار الفاروق، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n• الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال سوى من ذكر في تهذيب الكمال، لشمس الدين أبي المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني الدمشقي الشافعي، تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي، منشورات جامعة الدراسات الإسلامية - كراتشي - باكستان.\n• الأم، للإمام الشافعي، أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان المطلبي القرشي المكي، دار المعرفة - بيروت.\n• الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان بن أحمد المَرْداوي، تحقيق: د. عبد الله التركي، ود. عبد الفتاح الحلو، دار هجر - القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n• الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، تحقيق: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، دار طيبة - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م.\n• الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني، لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، الدار الأثرية - عمان - الأردن، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n• البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لزين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن","vol":"1","page":547},{"text":"نجيم المصري، وفي آخره: تكملة البحر الرائق لمحمد بن حسين بن علي الطوري الحنفي القادري، وبالحاشية: منحة الخالق لابن عابدين، دار الكتاب الإسلامي.\n• البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، دار الكتبي، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• بحر المذهب (في فروع المذهب الشافعي)، للروياني، أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل، تحقيق: طارق فتحي السيد، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ٢٠٠٩ م.\n• بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• البدر التمام شرح بلوغ المرام، للحسين اللاعي المغربي، دار ابن خزيمة.\n• البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، دار المعرفة - بيروت.\n• البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير، لسراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري، المعروف بابن الملقن، تحقيق: مصطفى أبو الغيط، وعبد الله بن سليمان، وياسر بن كمال، دار الهجرة - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• بذل المجهود في حل سنن أبي داود، للشيخ خليل أحمد السهارنفوري، اعتني به وعلق عليه: د. تقي الدين الندوي، مركز الشيخ أبي الحسن الندوي - الهند، الطبعة الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n• بلوغ المرام من أدلة الأحكام، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: سمير بن أمين الزهري، دار الفلق - الرياض، الطبعة السابعة ١٤٢٤ هـ.\n• البناية شرح الهداية، لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي العيني الحنفي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ -","vol":"1","page":548},{"text":"٢٠٠٠ م.\n• بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، لشمس الدين أبي الثناء محمود بن عبد الرحمن (أبي القاسم) ابن أحمد بن محمد الأصفهاني، تحقيق: محمد مظهر بقا، دار المدني - السعودية، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• البيان في مذهب الإمام الشافعي، لأبي الحسين يحيى بن أبي الخير العمراني اليمني الشافعي، تحقيق: قاسم محمد النوري، دار المنهاج - جدة، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، تحقيق: د. محمد حجي وآخرون، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• تاج العروس من جواهر القاموس، لأبي الفيض محمد بن محمد بن عبد الرزّاق الحسيني، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية.\n• التاج والإكليل لمختصر خليل، لمحمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي المالكي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٤ م.\n• التبصرة في أصول الفقه، لأبي اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، تحقيق: د. محمد حسن هيتو، دار الفكر - دمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n• التبصرة، لأبي الحسن علي بن محمد الربعي، المعروف باللخمي، تحقيق: د. أحمد عبد الكريم نجيب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - قطر، الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م.\n• تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، لفخر الدين عثمان بن علي بن محجن البارعي الزيلعي الحنفي، والحاشية لشهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشِّلْبِيُّ، المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق، القاهرة، الطبعة الأولى ١٣١٣ هـ.\n• تجريد الأسماء والكنى المذكورة في كتاب المتفق والمفترق للخطيب البغدادي، لعُبَيْد الله بن علي بن محمد بن محمد بن الحسين ابن الفرّاء، أبي القاسم بن أبي الفرج بن أَبِي خازم ابْن القاضي أَبِي يَعْلَى البغدادي الحنبلي، تحقيق: د. شادي بن محمد بن","vol":"1","page":549},{"text":"سالم آل نعمان، مركز النعمان - اليمن، الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م.\n• التحبير شرح التحرير في أصول الفقه، لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي، تحقيق: د. عبد الرحمن الجبرين، ود. عوض القرني، ود. أحمد السراح، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• تحرير الفتاوى على «التنبيه» و«المنهاج» و«الحاوي» المسمى (النكت على المختصرات الثلاث)، لولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين القاهري الشافعي، تحقيق: عبد الرحمن فهمي محمد الزواوي، دار المنهاج - جدة، الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م.\n• تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، لجمال الدين أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي، تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n• تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد، لأبي بكر بن زيد الجراعي الصالحي الحنبلي، اعتنى به: مجموعة من الباحثين، وزارة الأوقاف الكويتية - إدارة مساجد محافظة الفروانية - المراقبة الثقافية، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• تحفة المحتاج في شرح المنهاج، لأحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، روجعت وصححت: على عدة نسخ بمعرفة لجنة من العلماء، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ١٣٥٧ هـ - ١٩٨٣ م.\n• التحقيق في أحاديث الخلاف، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: مسعد السعدني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n• التدريب في الفقه الشافعي المسمى بـ «تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي» ومعه «تتمة التدريب»، لعلم الدين صالح ابن الشيخ سراج الدين البلقيني، لسراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، حققه وعلق عليه: أبو يعقوب نشأت بن كمال المصري، دار القبلتين - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n• ترتيب الفروق واختصارها، لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري، تحقيق: عمر ابن عباد، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - المملكة المغربية، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.","vol":"1","page":550},{"text":"• الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، لأبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، زكي الدين المنذري، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n• تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة ويليه «فائت التسهيل»، لصالح بن عبد العزيز بن علي آل عثيمين الحنبلي، تحقق: بكر بن عبد الله أبو زيد، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n• تشنيف المسامع بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي، لبدر الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي، تحقيق: د. سيد عبد العزيز، ود. عبد الله ربيع، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n• كتاب التعريفات، لعلي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني، تحقيق: جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n• التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة، لأبي يعلى الفراء محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الحنبلي، تحقيق: محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح، دار النوادر - دمشق، الطبعة الأولى ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م.\n• التعليقة للقاضي حسين (على مختصر المزني)، للقاضي أبي محمد الحسين بن محمد بن أحمد المَرْوَرُّوْذِيّ. تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة المكرمة.\n• تغليق التعليق على صحيح البخاري، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي، المكتب الإسلامي، دار عمار - بيروت، عمان - الأردن، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n• التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس، لعبيد الله بن الحسين بن الحسن، ابن الجَلَّاب المالكي، تحقيق: سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n• تفسير البغوي = معالم التنزيل في تفسير القرآن، لمحيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: محمد عبد الله النمر وآخرون، دار طيبة، الطبعة الرابعة ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.","vol":"1","page":551},{"text":"• تفسير الطبري = جامع البيان في تأويل القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، الطبعة الثانية ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.\n• تقريب التهذيب، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عوامة، دار الرشيد - سوريا، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n• التمهيد في أصول الفقه، لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكَلْوَذَاني الحنبلي، تحقيق: مفيد محمد أبو عمشة، ومحمد بن علي بن إبراهيم، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م.\n• التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري القرطبي، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، ١٣٨٧ هـ.\n• تهذيب التهذيب، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، مطبعة دائرة المعارف النظامية - الهند، الطبعة الأولى ١٣٢٦ هـ.\n• تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ليوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.\n• التهذيب في اختصار المدونة، لأبي سعيد ابن البراذعي، خلف بن أبي القاسم محمد الأزدي القيرواني المالكي، تحقيق: د. محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث - دبي، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• التهذيب في فقه الإمام الشافعي، لمحيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود بن","vol":"1","page":552},{"text":"محمد بن الفراء البغوي الشافعي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب، لضياء الدين خليل بن إسحاق بن موسى الجندي المالكي المصري، تحقيق: د. أحمد بن عبد الكريم نجيب، مركز نجيبويه، الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n• التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لسراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري، المعروف بـ ابن الملقن، تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر - دمشق، الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n• التوقيف على مهمات التعاريف، لعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، عالم الكتب - القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n• التيسير بشرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، مكتبة الإمام الشافعي - الرياض، الطبعة الثالثة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• تيسير علم أصول الفقه، لعبد الله بن يوسف بن عيسى بن يعقوب اليعقوب الجديع العنزي، مؤسسة الريان - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• الثقات، لأبي حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي الدارمي، دائرة المعارف العثمانية - الهند، الطبعة الأولى ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م.\n• الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، دار غراس، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n• الجامع لعلوم الإمام أحمد - الفقه، لخالد الرباط وسيد عزت عيد، دار الفلاح - الفيوم - مصر، الطبعة الأولى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n• الجامع لمسائل المدونة، لأبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي، تحقيق: مجموعة باحثين في رسائل دكتوراه، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى، دار الفكر، الطبعة الأولى ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م.\n• الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لأبي محمد محيي الدين عبد القادر بن محمد","vol":"1","page":553},{"text":"بن نصر الله القرشي الحنفي، مير محمد كتب خانه - كراتشي.\n• الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، لشمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي، تحقيق: إبراهيم عبد المجيد، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n• الجوهرة النيرة، لأبي بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي الزَّبِيدِيّ اليمني الحنفي، المطبعة الخيرية، الطبعة الأولى ١٣٢٢ هـ.\n• حاشية ابن عابدين = رد المحتار على الدر المختار، لمحمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• حاشية الجمل = فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب، لسليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل، دار الفكر.\n• حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، لمحمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، دار الفكر.\n• حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع، لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي النجدي، الطبعة الأولى ١٣٩٧ هـ.\n• حاشية السندي على سنن ابن ماجه = كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه، لأبي الحسن محمد بن عبد الهادي التتوي، نور الدين السندي، دار الجيل - بيروت.\n• حاشية السيوطي على سنن النسائي، لجلال الدين السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك، لأبي العباس أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي المالكي، دار المعارف.\n• حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، لأحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني، لأبي الحسن علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي، تحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر - بيروت، ١٤١٤ هـ -","vol":"1","page":554},{"text":"١٩٩٤ م.\n• الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني، لأبي الحسن علي بن محمد البغدادي، الشهير بالماوردي، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n• حَلبة المجلي وبغية المهتدي في شرح منية المصلي وغنية المبتدي في الفقه الحنفي، لشمس الدين محمد بن محمد، المعروف بـ ابن أمير حاج، تحقيق: أحمد بن محمد الغلاييني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م.\n• حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، لعبد الرزاق بن حسن بن إبراهيم البيطار الميداني الدمشقي، تحقيق: الحفيد محمد بهجة البيطار، دار صادر - بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، لمحمد أمين بن فضل الله بن محب الدين بن محمد الحموي الدمشقي، دار صادر - بيروت.\n• خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام، لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، تحقيق: حسين إسماعيل الجمل، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الاولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• الدراية في تخريج أحاديث الهداية، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني، دار المعرفة - بيروت.\n• الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عبد المعيد ضان، مجلس دائرة المعارف العثمانية - الهند، الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م.\n• الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون إبراهيم بن علي بن محمد، برهان الدين اليعمري، تحقيق: د. محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث - القاهرة.\n• ديوان الإسلام، لشمس الدين أبي المعالي محمد بن عبد الرحمن بن الغزي، تحقيق: سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n• الذخيرة، لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس المالكي الشهير بالقرافي، تحقيق:","vol":"1","page":555},{"text":"مجموعة من الباحثين، دار الغرب الإسلامي- بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٤ م.\n• ذيل طبقات الحفاظ للذهبي، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية.\n• ذيل طبقات الحنابلة، لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَلامي البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• روضة الطالبين وعمدة المفتين، لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م.\n• روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لأبي محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي، مؤسسة الريّان، الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• رياض الصالحين، لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n• زاد المعاد في هدي خير العباد، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين ابن قيم الجوزية، مؤسسة الرسالة - بيروت، مكتبة المنار الإسلامية - الكويت، الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• الزواجر عن اقتراف الكبائر، لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، دار الفكر، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n• سبل السلام، لمحمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الكحلاني ثم الصنعاني، المعروف بالأمير، دار الحديث.\n• السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة، لمحمد بن عبد الله بن حميد النجدي ثم المكي، تحقيق: بكر بن عبد الله أبو زيد، وعبد الرحمن بن سليمان العثيمين، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n• سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الأولى: (المجلد الأول وحتى الرابع: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م)، (المجلد السادس: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م)، (المجلد السابع: ١٤٢٢ هـ -","vol":"1","page":556},{"text":"٢٠٠٢ م).\n• سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف - الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• سنن ابن ماجه، لابن ماجه أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، دار الرسالة العالمية.\n• سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ومحمد كامل قره بلل، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n• سنن الترمذي (جامع الترمذي)، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، الطبعة الثانية ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.\n• سنن الدارقطني، لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي الدارقطني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة - بيروت.\n• السنن الصغرى للنسائي = المجتبى، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني النسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحُسَين بن علي البيهقي، تحقيق: د. عبد الله التركي، مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية، الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م.\n• السنن الكبرى، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني النسائي، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، مؤسسة الرسالة - بيروت.\n• سير أعلام النبلاء، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n• شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد بن محمد بن عمر بن علي ابن سالم مخلوف، دار الكتب العلمية - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":557},{"text":"• شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لأبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد الحنبلي، تحقيق: محمود الأرناؤوط، خرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط، دار ابن كثير - دمشق، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة، لابن أبي زيد قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني، اعتنى به: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n• شرح الإلمام بأحاديث الأحكام، لتقي الدين أبي الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، المعروف بابن دقيق العيد، تحقيق: محمد خلوف العبد الله، دار النوادر - سوريا، الطبعة الثانية ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n• شرح التلقين، لأبي عبد الله محمد بن علي المازري المالكي، دار الغرب الإِسلامي، الطبعة الأولى ٢٠٠٨ م.\n• شرح الزُّرقاني على مختصر خليل، ومعه: الفتح الرباني فيما ذهل عنه الزرقاني، لعبد الباقي بن يوسف بن أحمد الزرقاني المصري، تحقيق: عبد السلام محمد أمين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• شرح الزركشي على مختصر الخرقي، لشمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي، دار العبيكان، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• شرح السيوطي على مسلم = الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: أبو إسحاق الحويني الأثري، دار ابن عفان - الخبر، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n• شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بـ (الكاشف عن حقائق السنن)، لشرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي، تحقيق: د. عبد الحميد هنداوي، مكتبة نزار مصطفى الباز (مكة المكرمة - الرياض)، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n• شرح العمدة في الفقه - كتاب الطهارة، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: د. سعود بن صالح العطيشان، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة الأولى. ١٤١ هـ.","vol":"1","page":558},{"text":"• شرح العمدة في الفقه - كتاب صفة الصلاة، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن حمود المشيقح، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n• الشرح الكبير على المقنع، لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، تحقيق: د. عبد الله التركي، ود. عبد الفتاح الحلو، دار هجر - القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n• شرح سنن ابن ماجه للسيوطي، وهو مجموع من ثلاثة شروح:\n١ - «مصباح الزجاجة» للسيوطي.\n٢ - «إنجاح الحاجة» لمحمد عبد الغني المجددي الحنفي.\n٣ - «ما يليق من حل اللغات وشرح المشكلات» لفخر الحسن بن عبد الرحمن الحنفي الكنكوهي، قديمي كتب خانة - كراتشي.\n• شرح سنن أبي داود، لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفي العيني، تحقيق: أبو المنذر خالد بن إبراهيم المصري، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• شرح سنن أبي داود، لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسين بن علي بن رسلان المقدسي الرملي الشافعي، تحقيق: عدد من الباحثين بإشراف خالد الرباط، دار الفلاح - الفيوم - مصر، الطبعة الأولى ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م.\n• شرح صحيح البخاري لابن بطال، لأبي الحسن علي بن خلف بن عبد الملك، المعروف بابن بطال، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• شرح مختصر الروضة، لنجم الدين أبي الربيع سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n• شرح مختصر الطحاوي، لأحمد بن علي أبي بكر الرازي الجصاص الحنفي، تحقيق: مجموعة من الباحثين، دار البشائر الإسلامية - ودار السراج، الطبعة الأولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.","vol":"1","page":559},{"text":"• شرح مختصر خليل للخرشي، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي المالكي، دار الفكر - بيروت.\n• شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي المصري المعروف بالطحاوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٤٩٤ م.\n• شرح مصابيح السنة للإمام البغوي، لمحمد بن عز الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فِرِشْتَا، الرُّوميُّ الكَرماني الحنفي، المشهور بـ ابن الملَك، تحقيق ودراسة: لجنة مختصة من المحققين بإشراف: نور الدين طالب، إدارة الثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n• شرح معاني الآثار، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي المصري، المعروف بالطحاوي، تحقيق: محمد زهري النجار، ومحمد سيد جاد الحق، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• شرح منتهى الإرادات = دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، لمنصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتي الحنبلي، عالم الكتب، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n• الشريعة، لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي، تحقيق: د. عبد الله الدميجي، دار الوطن - الرياض، الطبعة الثانية ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n• صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، لأبي حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي الدارمي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n• صحيح ابن خزيمة، لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي - بيروت.","vol":"1","page":560},{"text":"• صحيح البخاري = الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله -ﷺ- وسننه وأيامه، لأبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n• صحيح الجامع الصغير وزياداته، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.\n• صحيح مسلم = المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله -ﷺ-، لأبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n• صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، مصدر الكتاب: برنامج منظومة التحقيقات الحديثية - المجاني - من إنتاج مركز نور الإسلام لأبحاث القرآن والسنة بالإسكندرية.\n• صحيح وضعيف سنن أبي داود، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، مركز نور الإسلام لأبحاث القرآن والسنة - الإسكندرية.\n• الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن بن السخاوي، منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت.\n• طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي، د. عبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر، الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ.\n• طبقات الشافعية، لتقي الدين أبي بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الشهبي الدمشقي، المعروف بـ ابن قاضي شهبة، تحقيق: د. الحافظ عبد العليم خان، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n• طبقات الشافعيين، لأبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، تحقيق: د. أحمد عمر هاشم، ود. محمد زينهم محمد عزب، مكتبة الثقافة الدينية، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• الطبقات الكبرى، لأبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي البغدادي، المعروف بابن سعد، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة","vol":"1","page":561},{"text":"الأولى ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n• طرح التثريب في شرح التقريب (المقصود بالتقريب: تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد)، لأبي الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي، أكمله ابنه: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي الرازياني ثم المصري، أبو زرعة ولي الدين، الطبعة المصرية القديمة.\n• طلبة الطلبة، لنجم الدين أبي حفص عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي، مكتبة المثنى - بغداد، ١٣١١ هـ.\n• العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء، تحقيق: د. أحمد بن علي بن سير المباركي، الطبعة الثانية ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n• العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير، لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني، تحقيق: علي محمد عوض، وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n• عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفي العيني، دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n• العناية شرح الهداية، لمحمد بن محمد بن محمود أكمل الدين أبي عبد الله ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي، دار الفكر.\n• عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته، لأبي عبد الرحمن محمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر، الصديقي العظيم آبادي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٥ هـ.\n• عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار، لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي المالكي، المعروف بابن القصار، تحقيق: د. عبد الحميد بن سعد السعودي، مكتبة الملك فهد الوطنية - الرياض، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\n• عيون المسائل، لأبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي، تحقيق: علي محمَّد إبراهيم بورويبة، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n• غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين","vol":"1","page":562},{"text":"الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ.\n• غريب الحديث، لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي، تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان، مطبعة دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد - الدكن، الطبعة الأولى ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.\n• غريب الحديث، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق: د. عبد الله الجبور، مطبعة العاني - بغداد، الطبعة الأولى ١٣٩٧ هـ.\n• غريب الحديث، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: د. عبد المعطي أمين القلعجي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n• الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، لولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي، تحقيق: محمد تامر حجازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• الفتاوى الكبرى، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.\n• الفتاوى الهندية، تأليف: لجنة علماء برئاسة نظام الدين البلخي، دار الفكر، الطبعة الثانية ١٣١٠ هـ.\n• فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، لمحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\n• فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ.\n• فتح الباري شرح صحيح البخاري، لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَلامي البغدادي الحنبلي، تحقيق: مجموعة من الباحثين، مكتبة الغرباء","vol":"1","page":563},{"text":"الأثرية - المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n• فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام، لشيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري الشافعي الخزرجي، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• فتح القدير، لكمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي، المعروف بابن الهمام، دار الفكر.\n• فتح القدير، لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n• فتح الودود في شرح سنن أبي داود، لأبي الحسن السندي، تحقيق: محمد زكي الخولي، مكتبة لينة - دمنهور - مصر، مكتبة أضواء المنار - المدينة المنورة، الطبعة الأولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.\n• فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها، لـ د. غالب بن علي عواجي، المكتبة العصرية الذهبية - جدة، الطبعة الرابعة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n• الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي، لأبي عبد الله محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس المالكي الشهير بالقرافي، عالم الكتب.\n• فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، لمحمد عبد الحيّ بن عبد الكبير ابن محمد الحسني الإدريسي، المعروف بعبد الحي الكتاني، تحقيق: إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة العشرون ١٩٨٢ م.\n• فوات الوفيات، لمحمد بن شاكر بن أحمد بن عبد الرحمن بن شاكر، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى.\n• الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، لأحمد بن غانم (أو غنيم) بن","vol":"1","page":564},{"text":"سالم الأزهري المالكي، دار الفكر، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n• الفوائد البهية في تراجم الحنفية، لأبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي، دار السعادة - مصر، الطبعة الأولى ١٣٢٤ هـ.\n• فيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، الطبعة الأولى ١٣٥٦ هـ.\n• القاموس المحيط، لمجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروزآبادي، تحقيق: مكتب تحقيق التراث، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثامنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، للقاضي محمد بن عبد الله، أبي بكر بن العربي المعافري الإشبيلي المالكي، تحقيق: د. محمد عبد الله ولد كريم، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٩٩٢ م.\n• القرائن الصارفة للأوامر والنواهي عن حقيقتها، مجدي حسن أبو الفضل شقوير، بحث منشور في مجلة كلية الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية - العدد الثاني، ٢٠١٣ م.\n• القرائن عند الأصوليين، لـ د. محمد بن عبد العزيز المبارك، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عمادة البحث العلمي، الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• القرائن والنص - دراسة في المنهج الأصولي في فقه النص، لأيمن علي صالح، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.\n• القرينة عند الأصوليين وأثرها في فهم النصوص، لمحمد قاسم الأسطل، الجامعة الإسلامية - غزة - كلية الشريعة - قسم أصول الفقه، رسالة ماجستير، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• قواطع الأدلة في الأصول، لأبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني الحنفي ثم الشافعي، تحقيق: محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٩ م.","vol":"1","page":565},{"text":"• القواعد، لأبي بكر بن محمد بن عبد المؤمن، المعروف بـ تقي الدين الحصني، تحقيق: د. عبد الرحمن الشعلان، ود. جبريل البصيلي، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• القوانين الفقهية، لأبي القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي.\n• الكافي في فقه الإمام أحمد، لأبي محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• الكافي في فقه أهل المدينة، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، تحقيق: محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني، مكتبة الرياض الحديثة - الرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.\n• كشاف القناع عن متن الإقناع، لمنصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلي، دار الكتب العلمية.\n• كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، لعبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري الحنفي، دار الكتاب الإسلامي.\n• كشف اللثام شرح عمدة الأحكام، لشمس الدين أبي العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي، تحقيق: نور الدين طالب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، دار النوادر - سوريا، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n• كشف المشكل من حديث الصحيحين، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: علي حسين البواب، دار الوطن - الرياض.\n• كفاية النبيه في شرح التنبيه، لأبي العباس أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، المعروف بابن الرفعة، تحقيق: مجدي محمد سرور باسلوم، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ٢٠٠٩ م.\n• الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، الحنفي، تحقيق: عدنان درويش، ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة - بيروت.","vol":"1","page":566},{"text":"• الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، لمحمد بن يوسف بن علي بن سعيد شمس الدين الكرماني، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى ١٣٥٦ هـ - ١٩٣٧ م. الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n• الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، لنجم الدين محمد بن محمد الغزي، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، لشمس الدين البِرْماوي، أبي عبد الله محمد بن عبد الدائم بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي، تحقيق: لجنة مختصة من المحققين، بإشراف: نور الدين طالب، دار النوادر - سوريا، الطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n• اللباب في شرح الكتاب، لعبد الغني بن طالب بن حمادة بن إبراهيم الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العلمية - بيروت.\n• لسان العرب، لجمال الدين ابن منظور محمد بن مكرم بن علي الأنصاري الرويفعى الإفريقي، دار صادر - بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١٤ هـ.\n• لسان الميزان، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: دائرة المعارف النظامية - الهند، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٠ هـ -١٩٧١ م.\n• اللمع في أصول الفقه، لأبي اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• ما صح من آثار الصحابة في الفقه، لزكريا بن غلام قادر الباكستاني، دار الخراز - جدة، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• المبدع في شرح المقنع، لبرهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• المبسوط، لمحمد بن أحمد بن أبي سهل، شمس الأئمة السرخسي، دار المعرفة - بيروت، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.","vol":"1","page":567},{"text":"• المتواري على تراجم أبواب البخاري، لناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور بن القاسم بن مختار القاضي، ابن المنير الجذامي الجروي الإسكندراني، تحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد، مكتبة المعلا - الكويت.\n• مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لأبي الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، تحقيق: حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي - القاهرة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• مجمل اللغة لابن فارس، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• مجموع الفتاوى، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مطبعة الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n• المجموع شرح المهذب (مع تكملة السبكي والمطيعي)، لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار الفكر.\n• المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لأبي البركات مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد، ابن تيمية الحراني، مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n• المحيط البرهاني في الفقه النعماني، فقه الإمام أبي حنيفة، لأبي المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي، تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• مختار الصحاح، لزين الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية - بيروت، صيدا، الطبعة الخامسة ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• مختصر اختلاف العلماء، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي المصري المعروف بالطحاوي، تحقيق: د. عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٧ هـ.\n• مختصر التحرير شرح الكوكب المنير، لتقي الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن","vol":"1","page":568},{"text":"علي الفتوحي، المعروف بابن النجار الحنبلي، تحقيق: محمد الزحيلي، ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• المختصر الفقهي، لأبي عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة التونسي المالكي، تحقيق: د. حافظ عبد الرحمن محمد خير، مؤسسة خلف أحمد الخبتور للأعمال الخيرية، الطبعة الأولى ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م.\n• مختصر المزني، لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني، دار المعرفة - بيروت، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n• مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n• المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب، لبكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر، دار العاصمة - مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي - جدة، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n• المدخل، لأبي عبد الله محمد بن محمد المالكي الشهير بابن الحاج، دار التراث.\n• المدونة، للإمام مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• المذهب المعتمد عند الحنفية واصطلاحاته الفقهية، لـ د. مرضي بن مشوح العنزي، بحث منشور في مجلة الجمعية الفقهية السعودية - العدد الخامس والأربعون، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م.\n• مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، دار الكتب العلمية - بيروت.\n• مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، لصفيّ الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، ابن شمائل القطيعي البغدادي، الحنبلي، دار الجيل - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n• مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح، لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي المصري الحنفي، اعتنى به وراجعه: نعيم زرزور، المكتبة العصرية، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م.","vol":"1","page":569},{"text":"• مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، لجلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن السيوطي، عناية: محمد شايب شريف، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n• مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لأبي الحسن علي بن سلطان محمد، نور الدين الملا الهروي القاري، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• المسالك في شرح موطأ مالك، للقاضي محمد بن عبد الله، أبي بكر بن العربي المعافري الإشبيلي المالكي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n• المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين، للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء، تحقيق: د. عبد الكريم بن محمد اللاحم، مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n• المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n• مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة.\n• المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية (بدأ بتصنيفها الجدّ: مجد الدين عبد السلام بن تيمية، وأضاف إليها الأب،: عبد الحليم بن تيمية، ثم أكملها الابن الحفيد: أحمد بن تيمية)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي.\n• مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، لأبي العباس أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان البوصيري الشافعي، تحقيق: محمد المنتقى الكشناوي، دار العربية - بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n• المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، لأبي العباس أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، المكتبة العلمية - بيروت.\n• المصنف في الأحاديث والآثار، لأبي بكر بن أبي شيبة عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n• المصنف، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي - الهند، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":570},{"text":"• مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، لمصطفى بن سعد بن عبده السيوطي الرحيباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• المطلع على ألفاظ المقنع، لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل البعلي، تحقيق: محمود الأرناؤوط، وياسين محمود الخطيب، مكتبة السوادي، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• معالم السنن، وهو شرح سنن أبي داود، لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي، المطبعة العلمية - حلب، الطبعة الأولى ١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م.\n• معالم مكة التأريخية والأثرية، لعاتق بن غيث البلادي الحربي، دار مكة، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.\n• المعجم الأوسط، لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين - القاهرة.\n• معجم البلدان، لأبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي، دار صادر- بيروت، الطبعة الثانية ١٩٩٥ م.\n• المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة الثانية.\n• المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، إبراهيم مصطفى، وأحمد الزيات، وحامد عبد القادر، ومحمد النجار، دار الدعوة.\n• معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس قلعجي، وحامد صادق قنيبي، دار النفائس، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبي الحسين، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n• المُعْلم بفوائد مسلم، لأبي عبد الله محمد بن علي بن عمر التَّمِيمي المازري المالكي، تحقيق: محمد الشاذلي النيفر، المؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدّراسات -","vol":"1","page":571},{"text":"بيت الحكمة، الطبعة الثانية ١٩٨٨ م، والجزء الثالث صدر بتاريخ ١٩٩١ م.\n• المعونة على مذهب عالم المدينة (الإمام مالك بن أنس)، لأبي محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي، تحقيق: حميش عبد الحقّ، المكتبة التجارية - مكة المكرمة.\n• مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، لشمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• المغني لابن قدامة، لأبي محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي، مكتبة القاهرة.\n• المفاتيح في شرح المصابيح، لمظهر الدين الحسين بن محمود بن الحسن، الزيداني الكوفي الضرير الشيرازي الحَنَفيُّ المشهور بالمُظْهِري، تحقيق: لجنة مختصة من المحققين، دار النوادر - وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n• المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي، تحقيق: مجموعة من الباحثين، دار ابن كثير، دمشق - بيروت، دار الكلم الطيب، دمشق - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n• المقدمات الممهدات، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، تحقيق: د. محمد حجي، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، تحقيق: د. عبد الرحمن العثيمين، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n• الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني، مؤسسة الحلبي.\n• من أصول الفقه على منهج أهل الحديث، لزكريا بن غلام قادر الباكستاني، دار الخراز، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي الباجي الأندلسي، مطبعة السعادة - مصر، الطبعة الأولى ١٣٣٢ هـ.","vol":"1","page":572},{"text":"• منح الجليل شرح مختصر خليل، لمحمد بن أحمد بن محمد عليش أبي عبد الله المالكي، دار الفكر - بيروت، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n• منحة الباري بشرح صحيح البخاري المسمى «تحفة الباري»، لزين الدين أبي يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري، الشافعي، تحقيق: سليمان العازمي، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ.\n• المهذب في علم أصول الفقه المقارن، لـ د. عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• المهذب في فقه الإمام الشافعي، لأبي اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، دار الكتب العلمية.\n• الموافقات، لإبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الشهير بالشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n• مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد الطرابلسي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي، دار الفكر، الطبعة الثالثة ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• موسوعة أحكام الطهارة، لأبي عمر دُبْيَانِ بن محمد الدُّبْيَانِ، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الثانية ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• موسوعة القواعد الفقهية، لمحمد صدقي بن أحمد بن محمد آل بورنو أبو الحارث الغزي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• … الموسوعة الفقهية الكويتية، صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت، سنة الطبعة: (من ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ) عدة دور طباعة.\n• الموسوعة الفقهية، إعداد: مجموعة من الباحثين، بإشراف الشيخ/ عَلوي بن عبد القادر السقاف، الناشر: موقع الدرر السنية على الإنترنت  dorar.net.","vol":"1","page":573},{"text":"• الموضوعات، لجمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية - المدينة المنورة، الطبعة الأولى (الجزأين الأول والثاني: ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م)، (الجزء الثالث: ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م).\n• موطأ الإمام مالك، لمالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م.\n• ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى دار المعرفة - بيروت، ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م.\n• النجم الوهاج في شرح المنهاج، لكمال الدين أبي البقاء محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدَّمِيري الشافعي، تحقيق: لجنة علمية، دار المنهاج - جدة، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، لأبي محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي، تحقيق: محمد عوامة، مؤسسة الريان - بيروت، دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• نفائس الأصول في شرح المحصول، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n• النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لمجد الدين ابن تيمية، لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ.\n• نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، لمحمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة شهاب الدين الرملي، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأخيرة ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n• النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى، ومحمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n• النهر الفائق شرح كنز الدقائق، لسراج الدين عمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي،","vol":"1","page":574},{"text":"تحقيق: أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• النَّوادر والزِّيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن القيرواني المالكي، تحقيق: مجموعة من الباحثين، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٩ م.\n• نيل الأوطار، لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث - مصر، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• الهداية في شرح بداية المبتدي، لبرهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، تحقيق: طلال يوسف، دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n• الوافي بالوفيات، لصلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، تحقيق: أحمد الأرناؤوط، وتركي مصطفى، دار إحياء التراث - بيروت، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لشمس الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر، ابن خلكان البرمكي الإربلي، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر - بيروت، ١٩٩٤ م.","vol":"1","page":575}]}